Advertisement

الأغاني 016



[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24 ( ألم تغذُني السّرّاءُ في رَيِّقِ الهوى ... غريراً بما تَجْنِي عليّ الدَّوائِرُ )
( تُسللني الأيّامُ في عُنفوانِه ... ويكَلؤُني طرْفٌ من الدهر ناظِرُ )
حتى انتهى إلى قوله
( إلى الحَسن الباني العُلا يَممَّتْ بنا ... عَوالِي المُنى حيثُ الحَيا المتظاهرُ )
( إلى الأملِ المبسُوطِ والأجلِ الذي ... بأعدائِه تكبُو الجدودُ العواثرُ )
( ومن أنبعت عينَ المكارمِ كفُّه ... يقوم مقام القَطْر والروضُ داثرُ )
( تعصَّب تاجَ الملكِ في عُنفوانِه ... وأطّت به عصْرَ الشَّباب المنابرُ )
( تُعظِّمُه الأوهامُ قبل عِيانه ... ويصدُر عنه الطَّرف والطَّرف حاسرُ )
( به تُجتَدَى النُّعمَى وتُستدرَك المُنى ... وتُستكمل الحُسنى وتُرعَى الأواصرُ )
( أصات بنا داعِي نوالِك مؤذِناً ... بجودك إلا أنه لا يُحاورُ )
( قسمْتَ صُروفَ الدهر بأساً ونائلاً ... فَمالُك موتورٌ وسيفُك واترُ )
( ولمّا رأى اللهُ الخلافَة قد وَهَتْ ... دعائمُها واللهُ بالأمر خابرُ )
( بَنَى بك أركاناً عليك مُحيطةً ... فأنت لها دون الحوادِثِ سائرُ )
( وأرعنَ فيه للسوابغ جُنَّةٌ ... وسقفَ سماءٍ أنشأتْه الحوافِرُ )
يعني أن على الدروع من الغبار ما قد غشيها فصار كالجنة لها
( لها فَلكٌ فيه الأسنَّةُ أنجمٌ ... ونقعُ المنايا مُستطيِرٌ وثائرُ )
( أجزْتَ قضاءَ الموتِ في مُهَج العِدا ... ضُحىً فاستباحتْها المنايا الغوادِرُ )
(19/87)

( لكَ اللّحظاتُ الكالِئاتُ قواصداً ... بنُعمَىوبالبَأساءِ وَهْي شَوَازِرُ )
( ولم لم تكن إلا بنَفسِك فاخراً ... لما انتسبتْ إلاَّ إليك المفاخرُ )
قال فطرب أبو محمد حتى نزل عن سريره إلى الأرض وقال أحسنت والله وأجملت ولو لم تقل قط ولا تقول في باقي دهرك غير هذا لما احتجت إلى القول وأمر له بخمسة آلاف دينار فأحضرت واقتطعه إلى نفسه فلم يزل في جنبته أيام ولايته وبعد ذلك إلى أن مات ما تصدى لغيره
يهجو علي بن هشام
حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال
كان محمد بن وهيب الحميري الشاعر قد مدح علي بن هشام وتردد إليه وإلى بابه دفعات فحجبه ولقيه يوماً فعرض له في طريقه وسلم عليه فلم يرفع إليه طرفه وكان فيه تيه شديد فكتب إليه رقعة يعاتبه فيها فلما وصلت إليه خرّقها وقال أي شيء يريد هذا الثقيل السيء الأدب فقيل له ذلك فانصرف مغضباً وقال والله ما أردت ماله وإنما أردت التوسل بجاهه وسيغني الله جل وعز عنه أما والله ليذمن مغبة فعله وقال يهجوه
( أَزْرت بِجُودِ عليٍّ خِيفة العَدَم ... فصَدَّ مُنهزِماً عن شَأْوِ ذِي الهِمَمِ )
( لو كَانَ مِنْ فارسٍ في بَيْت مَكرُمةٍ ... أو كان من وَلَد الأملاك في العَجَمِ )
( أو كان أولَه أَهلُ البِطاح أو الرَّكبُ ... المُلَبُّونَ إهلالاً إلى الحَرَمِ )
( أيامَ تُتَّخذ الأصنامُ آلهةً ... فلا تَرَى عاكفاً إلا على صَنَمِ )
( لشجَّعَتْه على فعل المُلوك لهم ... طَبائِعٌ لم تَرُعْها خِيفَةُ العَدَمِ )
( لم تندَ كَفَّاك من بذْلِ النَّوال كما ... لم يندَ سَيْفُك مُذْ قُلِّدتَه بدَمِ )
(19/88)

( كُنْتَ امرأً رفعَتْه فِتْنَةٌ فَعلا ... أيامَها غادِراً بالعَهْد والذّمَمِ )
( حتى إذا انكشَفَت عَنَّا عِمايَتُها ... ورُتّبَ النّاسُ بالأحساب والقِدَم )
( مات التَّخلّقُ وارتّدّتك مُرتَجعَا ... طَبيعَة نَذْلَة الأخلاقِ وَالشِّيَمِ )
( كَذاكَ مَنْ كان لاَ رأْساً ولا ذَنَباً ... كَزّ اليَدَيْن حَدِيثَ العَهْدَ بالنِّعمِ )
( هَيهاتَ ليسَ بحمَّالِ الدِّيات ولا ... مُعطِي الجَزيل ولا المَرهُوب ذِي النِّقَمِ )
قال فحدثني بعض بني هاشم أن هذه الأبيات لما بلغت علي بن هشام ندم على ما كان منه وجزع لها وقال لعن الله اللجاج فإنه شر خلق تخلقه الناس ثم أقبل على أخيه الخليل بن هشام فقال الله يعلم أني لا أدخل على الخليفة وعلي السيف إلا وأنا مستحٍ منه أذكر قول ابن وهيب في
( لم تَندَ كَفّاك من بَذْلِ النّوال كما ... لم يَنْدَ سَيْفُكَ مذ قُلِّدتَه بِدَمِ )
حدثني محمد بن يحي الصولي قال حدثني ميمون بن هارون قال من سمع ابن الأعرابي يقول
أهجى بيت قاله المحدثون قول محمد بن وهيب
( لم تَندَ كَفّاك من بَذْل النوال كما ... لم يندَ سيفُكَ مذ قُلِّدتَه بِدَمِ )
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني محمد بن مرزوق البصري قال
حدثني محمد بن وهيب قال جلست بالبصرة إلى عطار فإذا أعرابيه سوداء قد جاءت فاشترت من العطار خلوقاً فقلت له تجدها اشترته لابنتها وما ابنتها
(19/89)

إلا خنفساء فالتفتت إلى متضاحكة ثم قالت لا والله لكن مهاة جيداء إن قامت فقناة وإن قعدت فحصاة وإن مشت فقطاة أسفلها كثيب وأعلاها قضيب لا كفتياتكم اللواتي تسمنونهن بالفتوت ثم انصرفت وهي تقول
( إن الفَتُوتَ للفَتاةِ مَضْرطََه ... يَكرُبها في البَطْن حتى تَثلطَه )
فلا أعلمني ذكرتها إلا أضحكني ذكرها
حدثني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا أبو هفان قال
كان محمد بن وهيب يتردد إلى مجلس يزيد بن هارون فلزمه عدة مجالس يملي فيها كلها فضائل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لا يذكر شيئاً من فضائل علي عليه السلام فقال فيه ابن وهيب
( آتِي يزيدَ بنَ هَارونٍ أدالِجُه ... في كل يَوْمٍ وَمَالِي وابن هارونِ )
( فلَيتَ لي بِيَزيدٍ حين أَشهَدُه ... راحاً وقَصْفاً ونَدْماناً يُسَلِّيني )
( أَغدُو إلى عُصْبة صَمَّتْ مسامِعُهم ... عن الهُدَى بين زِنْدِيق ومأْفُونِ )
( لا يذكُرون عَلِيّاً في مَشاهِدِهم ... ولا بَنِيه بَني البيضِ المَيامِين )
( اللهُ يعْلَم أَني لا أُحِبُّهمُ ... كما هُمُ بِيَقِينٍ لا يُحِبُّوني )
(19/90)

( لو يَسْتَطيعون عن ذكريْ أبا حَسَن ... وفَضْله ... قَطَّعُوني بالسَّكَاكينِ )
( ولستُ أترُك تَفْضِيلي له أَبداً ... حَتى المَمَاتِ عَلَى رَغْم المَلاَعين )
مذهبه من شعره
أخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثني إسحاق بن محمد الكوفي قال حدثني محمد بن القاسم بن يوسف وأخبرني به الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثني إسحاق عن محمد بن القاسم بن يوسف قال
كان محمد بن وهيب يأتي أبي فقال له أبي يوماً إنك تأتينا وقد عرفت مذاهبنا فنحبُ أن تعرفنا مذهبك فنوافقك أو نخالفك فقال له في غد أبين لك أمري ومذهبي فلما كان من غدٍ كتب إليه
( أَيُّها السَّائلُ قد بيّنتُ ... إن كنتَ ذَكيَّا )
( أَحمدُ اللهَ كَثِيراً ... بأياديه عَلَيّا )
( شَاهِداً أن لا إله ... غيره ما دمتُ حَيّا )
( وَعَلَى أحمدَ بِالصِّدقِ ... رَسولاً وَنَبِيّا )
( وَمنحْتُ الوُدَّ قُرْباهُ ... وَوَاليتُ الوَصِيّا )
( وَأتانِي خَبرٌ مُطَّرحٌ ... لم يَكُ شَيَّا )
( أَنّ عَلَى غير اجْتِماع ... عَقَدُوا الأمر بَديَّا )
( فوقَفتُ القَوْم تَيْماً ... وَعَدِيّاً وَأُمَيَّا )
( غَيْر شَتَّامٍ وَلَكِني ... تولَّيتُ عَلِيّا )
حدثني جَحظة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال
بلغ محمد بن وهيب أن دعبل بن علي قال أنا ابن قولي
( لا تَعْجَبي يا سَلْمُ من رَجُلٍ ... ضَحِك المَشِيبُ برأْسِه فَبكَى )
(19/91)

وإن أبا تمام قال أنا ابن قولي
( نَقِّل فؤادَك حَيْث شِئْتَ من الَهَوى ... ما الحب إلا للحَبِيب الأوّلِ )
فقال محمد بن وهيب وأنا ابن قولي
( ما لِمَن تَمَّت محاسِنُه ... أن يُعادِي طَرْفَ مَنْ رَمَقَا )
لك أن تُبدي لنا حَسَناً ... ولنا أَن نُعمِل الحَدَقَا )
قال أبو الفرج الأصبهاني وهذا من جيد شعره ونادره وأول هذه الأبيات قوله
( نَم فقد وكَّلتَ بي الأَرَقا ... لاهياً تُغرِي بمَنْ عَشِقا )
( إنما أبقيتَ من جَسَدي ... شَبَحاً غَيرَ الذي خُلِقاً )
( وَفَتىً نادَاك من كَثَبٍ ... أُسْعِرَت أَحشاؤُه حُرَقَا )
( غَرِقَت في الدَّمع مُقلتُه ... فدعا إنسانُها الغَرقَا )
( إنّما عاقَبتَ ناظِرَه ... أن أعاد اللَّحظَ مُسْتَرِقا )
( ما لِمَن تَمّت محاسنُه ... أن يُعادِي طَرْف من رَمَقَا )
( لك أن تُبدِي لنا حُسناً ... ولنا أن نُعمِل الحَدَقا )
( قدَحت كَفّاك زَنْدَ هَوىً ... في سَوادِ القَلْب فاحْتَرَقَا )
حدثني عمي قال حدثني أبو عبد الله الهشامي عن أبيه قال
دخل محمد بن وهيب على أحمد بن هشام يوماً وقد مدحه فرأى بين يديه
(19/92)

غلماناً روقة مردا وخدماً بيضاً فرها في نهاية الحسن والكمال والنظافة فدهش لما رأى وبقي متبلداً لا ينطق حرفاً فضحك أحمد منه وقال له ما لك ويحك تكلم بما تريد فقال
( قد كانت الأَصنامُ وَهي قدِيمَةٌ ... كُسِرَت وجَدَّعَهُنَّ إبراهيمُ )
( ولَديْك أصنامٌ سَلِمْنَ من الأذى ... وصَفَت لَهُنّ غَضَارةٌ ونَعِيمٌ )
( وبِنا إلى صَنَمٍ نَلُوذِ بِرُكْنِه ... فَقرٌ وأنت إذا هُزِزْتَ كريمُ )
فقال له اختر من شئت فاختار واحداً منهم فأعطاه إياه فقال يمدحه
( فَضَلتْ مَكارِمُه على الأقوامِ ... وعَلا فَحازَ مَكارِمَ الأيَّامِ )
( وعلَتْه أُبَّهَةُ الجَلال كأنَّه ... قَمَرٌ بدا لك من خِلال غَمامِ )
( إنَّ الأميرَ على البَرِيَّة كُلِّها ... بعد الخَليفة أحمدُ بنُ هشامِ )
وأخبرني جعفر بن قدامة في خبره الذي ذكرته آنفاً عنه عن الحسين بن الحسن بن رجاء عن أبيه قال
لما قدم المأمون لقيه أبو محمد الحسن بن سهل فدخلا جميعاً فعارضهما ابن وهيب وقال
( اليومَ جُدِّدَت النَّعماءُ والمِنَنُ ... فالحمد لله حَلَّ العُقدَةَ الزَّمنُ )
( اليومَ أظهَرتِ الدُّنيا محاسِنَها ... للِنَّاس لما الْتَقَى المأمونُ والحَسَنُ )
قال فلما جلسنا سأله المأمون عنه فقال هذا رجل من حمير شاعر مطبوع اتصل بي متوسلاً إلى أمير المِؤمنين وطالباً الوصول مع نظرائه فأمر
(19/93)

المأمون بإيصاله مع الشعراء فلما وقف بين يديه وأذن له في الإنشاد أنشده قوله
( طَلَلان طل عليهما الأمَدُ ... دَثَرا فلا عَلَمٌ ولا نَضَدُ )
( لَبِسَا البِلَى فكأنَّما وَجَدَا ... بعد الأحبّة مثلَ ما أَجِدُ )
( حُييِّتُما طَلَلين حالهُما ... بعد الأحبَّة غَيرُ ما عَهِدوا )
( إِمَّا طَوَاك سُلُوُّ غانِيَةٍ ... فهَواك لا مَلَلٌ ولا فَنَدُ )
( إن كنتِ صادِقةَ الهَوَى فرِدي ... في الحُبِّ مَنْهَليَ الذي أَرِدُ )
( أَدَمِي هَرقْتِ وأنتِ آمنة ... أم ليس لي عَقْلٌ ولا قَودُ )
( إن كُنتِ فُتِّ وخانني سَبَب ... فلربّما يُخْطىءُ مُجتهِدُ )
حتى انتهى إلى قوله في مدح المأمون
( يا خَيْرَ مُنتَسْبٍ لِمَكْرُمةٍ ... في المجد حيث تَبحْبَح العَدَدُ )
( في كل أُنمُلةٍ لراحَتِه ... نَوءٌ يَسُحُّ وعارِض حَشِدُ )
( وإذا القَنَا رَعَفَت أسِنَّتُه ... عَلَقَاً وصُمُّ كُعوبها قِصَدُ )
فكأنَّ ضوءَ جَبِينه قَمَرٌ ... وكأنَّه في صَولةٍ أَسَدُ )
(19/94)

( وكأنَّه رُوحٌ تُدَبِّرنا ... حَرَكاتُه وكأنَّنا جَسَدُ )
فاستحسنها المأمون وقال لأبي محمد احتكم له فقال أمير المؤمنين أولى بالحكم ولكن إن أذن لي في المسألة سألت له فأما الحكم فلا فقال سل فقال يلحقه بجوائز مروان بن أبي حفصة فقال ذلك والله أردت وأمر بأن تعد أبيات قصيدته ويعطى لكل بيت ألف درهم فعدت فكانت خمسين فأعطي خمسين ألف درهم
من مدائحه للمأمون والمطلب بن عبد الله
قال الأصبهاني وله في المأمون والحسن بن سهل خاصة مدائح شريفة نادرة من عيونها قوله في المأمون في قصيدة أولها
( العُذرُ إن أَنصفتَ مُتَّضِحُ ... وشَهِيدُ حُبِّك أَدمعٌ سُفُحُ )
( فضَحَت ضَمِيرَك عن وَدائِعِه ... إنّ الجُفونَ نَواطِقٌ فُصُح )
( وإذا تكلمَّت العُيون على ... إعجامِها فالسٍّر مُفتضِحُ )
( رُبما أَبيتُ مُعانِقي قَمَرٌ ... للحُسْن فيه مخايل تَضِحُ )
( نَشَر الجمالُ على مَحاسِنه ... بِدَعَاً وأَذهَبَ هَمَّه الفَرحُ )
( يَخْتال في حُلَلِ الشّباب به ... مَرَحٌ ودَاؤُك أَنه مَرِحُ )
( ما زال يُلثِمُني مراشِفَه ... ويَعُلُّني الإِبريقُ والقَدَحُ )
( حتى استرَّد الَّليلُ خِلْعَتَه ... ونَشَا خِلالَ سَوادِه وَضَحُ )
( وَبَدا الصَّباحُ كأن غُرَّتَه ... وَجهُ الخَلِيفةِ حين يُمتَدَحُ )
يقول فيها
( نَشَرت بك الدُّنيا محاسِنَها ... وتَزَيَّنت بصفاتِكَ المِدَحُ )
( وكأَنَّ ما قد غابَ عنك له ... بإزاء طرفك عارِضاً شبحُ )
(19/95)

( وإذا سَلِمتَ فكلُّ حادِثَةٍ ... جلَلٌ فلا بُؤسٌ ولا تَرَحُ )
أخبرني هاشمُ بن محمد الخزاعيّ قال حدثني أهلُنا
أنّ محمد بن وهيب قصد المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي عم أبي وقد ولي الموصل وكان له صديقاً حفياً وكان كثير الرفد له والثواب على مدائحه فأنشده قوله فيه
صوت
( دِماءُ المُحبيِّين لا تُعقَل ... أَما في الهَوَى حاكِمٌ يَعدِلُ )
( تَعبَّدني حوَرُ الغَانِيات ... ودَانَ الشَّبابُ له الأَخطلُ )
( ونَظرةِ عين تَلافَيْتُها ... غِراراً كما يَنظُر الأَحولُ )
( مُقسَّمةِ بين وَجِه الحَبِيب ... وطَرْفِ الرَّقيب متى يَغَفُل )
( أَذمُّ على غرباتِ النَّوى ... إليك السُّلُوَّ ولا أَذهَلُ )
( وقالوا عَزاؤُك بعد الفِراق ... إذا حُمَّ مكروهُه أَجملُ )
( أَقِيدي دَماً سفَكَتْه العُيونُ ... بإيماضِ كحلاء لا تُكحَلُ )
( فكُلُّ سِهامِك لي مُقصِدٌ ... وكُلُّ مواقِعِها مَقْتَلُ )
( سلامٌ على المنزل المُسْتَحِيل ... وإن ضَنَّ بالمَنْطِق المنزِلُ )
( وعَضْب الضَّريبة يَلْقى الخُطوب ... بجِدّ عن الدّهر لا يَنْكِلُ )
( تَغلْغَل شَرْقاً إلى مَغرِبٍ ... فلمّا تبدّت له الموصِلُ )
(19/96)

( ثَوَى حيث لا يُستمال الأريب ... ولا يُوْلف الَّقِين الحُوّلُ )
( لَدى مَلِكٍ قابلْته السُّعودُ ... وجانَبَه الأنجُم الأُفَّلُ )
( لأيَّامه سَطَواتُ الزَّمان ... وإنعامُه حينَ لا مَوْئِلُ )
( سما مَالِكٌ بك للبَاهِرات ... وأوْحَدَكَ المَرْبأُ الأَطولُ )
( وليس بَعيداً بأن تَحْتَذِي ... مذاهِبَ آسادِها الأَشبُلُ )
قال فوصله وأحسن جائزته وأقام عنده مدة ثم استأذنه في الانصراف فلم يأذن له وزاد في ضيافته وجراياته وجدد له صلة فأقام عنده برهة أخرى ثم دخل عليه فأنشده
( أَلاَ هل إلى ظِلّ العَقِيق وأهلِه ... إلى قَصْر أوس فَالحزِير مَعادُ )
( وهل لي بأكنافِ المُصلّى فسفْحِه ... إلى السُّور مَغْدىً ناعمٌ ومُرادُ )
( فلم تُنسِني نهرَ الأُبُلَّةِ نِيَّةٌ ... ولا عَرَصاتِ المَرْبِدَيْن بِعادُ )
(19/97)

( هنالك لا تبْني الكواعِبُ خيمةً ... ولا تَتَهادى كَلْثَمٌ وسُعادُ )
( أَجِدّي لا أَلْقَى النوَى مُطْمَئِنَّةً ... ولا يَزْدَهِيني مَضجَعٌ وجِهادُ )
فقال له أبيت إلا الوطن والنّزاعَ إليه ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وأوقَر له زورقاً من طرف الموصل وأذن له
حدثني محمد بن يحي الصولي قال حدثني أبو عبد الله الماقطاني عن علي بن الحسين بن عبد الأعلى عن سعيد بن وهيب قال
كان المأمون كثيراً ما يتمثل إذا كربه الأمر
( ألا رُبَّما ضَاقَ الفَضَاءُ بأهلِه ... وأَمكَن من بين الأسِنَّة مَخرَجُ )
قصيدته في ابن عباد
قال الأصبهاني وهذا الشعر لمحمد بن وهيب يقوله في ابن عباد وزير المأمون وكان له صديقاً فلما ولي الوزارة اطرحه لانقطاعه إلى الحسن بن سهل فقال فيه قصيدة أولها
( تكلَّمَ بالوحي البَنانُ المُخَضَّبُ ... ولله شكوى مُعجِمٍ كيف يُعرِبُ )
( أإيماءُ أطراف البنانِ وَوَجهُها ... أبانا له كيف الضَّمِيرُ المُغَيَّبُ )
( وقد كان حُسنُ الظَّنِّ أنجبَ مَرَّة ... فأَحْمَد عُقْبى أمرِه المتَعَقِّبُ )
( فلما تَدبَّرت الظُّنون مُراقِباً ... تَقَلُّبَ حالَيْها إذا هي تَكذِبُ )
( بدأتَ بإحسانٍ فلما شَكرتُه ... تَنكَرتَ لي حتى كأنِّيَ مُذنبُ )
(19/98)

( وَكلُّ فتىً يلقى الخطوبَ بعزمه ... له مذهبٌ عَمَّن له عنه مذهبٌ )
( وهل يصرع الحُبُّ الكرِيمَ وقلبُه ... عَلِيمٌ بما يأْتي وما يتجَنَّبُ )
( تأَنَّيْتُ حتى أوضح العِلمُ أنَّني ... مع الدهر يوما مُصعِدٌ ومَصُوِّبُ )
( وألحقتُ أعجازَ الأمور صُدورَها ... وَقَوَّمها غَمزُ القِداح المُقَلِّبُ )
( وأيقنتُ أن البأْسَ للعِرض صائنٌ ... وأن سوف أغضِي للقذى حين أرغبُ )
( أغادرتَني بين الظُّنون مُمَيّزاً ... شواكِلَ أمر بينهن مجرِّبُ )
( يُقرِّبني مَنْ كُنت أُصفِيك دونه ... بُودّي وتنأَى بي فلا أتقَرَّبُ )
( فللَّهِ حظِّي منك كيف أضاعَه ... سُلوُّك عنِّي وَالأمورُ تَقَلبُ )
( أبعدَك أستَسْقِي بوارِقَ مزنَةٍ ... وإن جاد هَطِّالٌ من المُزن هَيْدَبٌ )
( إذا ما رأيتُ البرقَ أغضَيْت دونَه ... وَقلت إذا ما لاح ذَا البرقُ خُلَّبُ )
( وإن سنحت لي فُرصَةٌ لم أُسامِها ... وَأَعرضتَ عنها خوف ما أترقَّبُ )
( تأَدَّبتُ عن حُسْن الرّجاء فلن أُرَى ... أعودُ له إن الزّمان مؤدِّبُ )
وقال له أيضاً
( هل الهَمُّ إِلا كُربةٌ تتفَرَّج ... لها مُعقِب تُحدَى إليه وَتُزْعَجُ )
( وَما الدَّهر إلا عائدٌ مِثْلُ سالِفٍ ... وما العَيْش إلا جُدّهُ ثم تَنْهَجُ )
( وَكيف أشِيمُ البَرقَ وَالبرْقُ خُلَّبٌ ... وَيُطْمِعُني رَيْعانُه المُتَبَلِّجُ )
(19/99)

( وَكيفَ أُدِيِم الصبرَ لا بي ضَراعةٌ ... ولا الرِّزقُ مَحْظورٌ وَلا أنا مُحرَجُ )
( ألا رُبَّما كان التّصَبُّرُ ذِلَّةً ... وَأدْنَى إلى الحال التي هي أَسْمَجُ )
( وَهَل يَحمِل الهَمَّ الفَتَى وَهْو ضامنٌ ... سُرى الليل رَحّالُ العَشيّات مُدلِجُ )
( وَلا صبرَ ما أعدى على الدَّهر مطلبٌ ... وَأَمكن إدلاجٌ وَاَصحر منهجُ )
( ألا رُبّما ضاق الفضاءُ بأهلِه ... وَأَمكن من بيْن الأسِنّة مَخْرجُ )
( وَقد يُركَبُ الخَطبُ الذي هو قاتِلٌ ... إذا لم يَكُن إلا عليْه مُعرَّجُ )
مدحه الأفشين
حدثني بعض أصحابنا عن أحمد بن أبي كامل قال
كان محمد بن وهيب تياهاً شديد الذهاب بنفسه فلما قدم الأفشين وقد قتل بابك مدحه بقصيدته التي أولها
( طُلولٌ ومَغانِيها ... تُناجِيها وَتَبْكِيها )
يقول فيها
( بَعثْتَ الخَيلَ وَالخَيرُ ... عَقِيدٌ في نَوَاصِيها )
(19/100)

وهي من جيد شعره فأنشدناها ثم قال ما لها عيب سوى أنها لا أخت لها
قال وأمر المعتصم للشعراء الذين مدحوا الأفشين بثلاثمائة ألف درهم جرت تفرقتها على يد ابن أبي داود فأعطى منها محمد بن وهيب ثلاثين ألفاً وأعطى أبا تمام عشرة آلاف درهم قال ابن أبي كامل فقلت لعلي بن يحي المنجم ألا تعجب من هذا الحظ يعطى أبو تمام عشرة آلاف وابن وهيب ثلاثين الفا وبينهما كما بين السماء والأرض فقال لذلك علة لا تعرفها كان ابن وهيب مؤدب الفتح بن خاقان فلذلك وصل إلى هذه الحال
أخبرني محمد بن يحي الصولي قال حدثني ابو زكوان قال
حدثني من دخل إلى محمد بن وهيب يعوده وهو عليل قال فسألته عن خبره فتشكى ما به ثم قال
( نُفوسُ المَنَايا بالنُّفوس تَشعَّبُ ... وكُلٌّ له من مَذِهَب المَوت مَذْهَبُ )
( نُزاعُ لذِكر الموت ساعةَ ذِكْرِه ... وتَعتَرض الدُّنيا فنلْهُو ونلعَبُ )
( وآجالُنا في كلّ يَوْم وليلةٍ ... إلينا على غِرَّاتِنا تتقَرّبُ )
( أأيقَنَ أَنَّ الشيبَ يَنْعَى حياته ... مُدِرٌّلأَخْلافِ الخَطِيئةِ مُذنِبُ )
( يَقِينٌ كأنَّ الشَّكّ أغلبُ أمرِه ... عليه وعرفانٌ إلى الجهل يُنْسَبُ )
(19/101)

( وقد ذَمَّت الدُّنيا إليّ نَعيمَها ... وخَاطَبَني إعجامُها وهو مُعْرِبُ )
( ولكنَّني منها خُلِقتُ لغَيْرها ... وما كنتُ منه فهو عندي مُحبَّبُ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مُهْرُويه قال حدثني أحمد بن أبي كامل قال
كنا في مجلس ومعنا أبو يوسف الكندي وأحمد بن أبي فنن فتذاكرنا شعر محمد بن وهيب فطعن عليه ابن أبي فنن وقال هو متكلف حسود وإذا أنشد شعراً لنفسه قرظه ووصفه في نصف يوم وشكا أنه مظلوم منحوس الحظ وأنه لا تقصر به عن مراتب القدماء حال فإذا أنشد شعر غيره حسده وإن كان على نبيذ عربد عليه وإن كان صاحياً عاداه واعتقد فيه كل مكروه فقلت له كلاكما لي صديق وما أمتنع من وصفكما جميعاً بالتقدم وحسن الشعر فأخبرني عما أسألك عنه إخبار منصف أو يُعَدُّ متكلفاً من يقول
( أَبَى لِيَ إِغضاءَ الجُفونِ على القَذَى ... يَقِينيَ أن لا عُسْرَ إِلاَّ مُفرَّجُ )
( أَلا رُبَّما ضاق الفَضاءُ بأهلِه ... وأمكَن مِن بَيْن الأسِنَّةِ مَخرَجُ )
أو يعد متكلفاً من يقول
( رَأَتْ وَضَحاً من مَفْرِق الرأسِ راعها ... شَرِيحين مُبْيَضٌّ به وبَهيمُ )
فأمسك ابن أبي فنن واندفع الكندي فقال كان ابن وهيب ثنوياً
فقلت له من أين علمت ذاك أكلمك على مذهب الثنوية قط قال لا ولكني استدللت من شعره على مذهبه فقلت حيث يقول ماذا فقال حيث يقول
( طَلَلاَنِ طال عليهما الأمَدُ ... )
وحيث يقول
(19/102)

( تفتَرُّ عن سِمْطَيْنِ من ذَهب ... )
إلى غير ذلك مما يستعمله في شعره من ذكر الإثنين
فشغلني والله الضحك عن جوابه وقلت له يا أبا يوسف مثلك لا ينبغي أن يتكلم فيما لم ينفذ فيه علمه
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه قال
سأل محمد بن وهيب محمد بن عبد الملك الزيات حاجة فأبطأ فيها فوقف عليه ثم قال له
( طُبِعَ الكَريمُ على وَفائِهْ ... وعَلَى التَّفضُّل في إخائِهْ )
( تُغنِي عِنَايَتُه الصدِي ... قَ عن التَّعرُّض لاقْتِضائِهْ )
( حَسْبُ الكَريِم حَياؤه ... فكِلِ الكَريمَ إلى حَيائِهْ )
فقال له حسبك فقد بلغت إلى ما أحببت والحاجة تسبقك إلى منزلك ووفى له بذلك
صوت
( ودِدْتُ على ما كان من سَرَف الهَوَى ... وغَيّ الأماني أَنّ ما شِئْتُ يُفَعلُ )
( فترجِعَ أَيَّام تَقَضَّت ولَذَّةٌ ... تولَّت وهل يُثْنَى مِن الدّهَر أوَّل )
الشعر لمزاحم العقيلي والغناء لمقاسمة بن ناصح خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي قال الهشامي وفيه لأحمد بن يحيى المكي رمل
(19/103)

أخبار مزاحم ونسبه
هو مزاحم بن عمرو بن الحارث بن مصرف بن الأعلم بن خويلد بن عوف ابن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن
وقيل مزاحم بن عمرو بن مرة بن الحارث بن مصرف بن الأعلم وهذا القول عندي أقرب إلى الصواب
بدوي شاعر فصيح إسلامي صاحب قصيد ورجز كان في زمن جرير والفرزدق وكان جرير يصفه ويقرظه ويقدمه
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني الفضل بن محمد اليزيدي عن إسحاق الموصلي قال
قال لي عمارة بن عقيل كان جرير يقول ما من بيتين كنت أحب أن أكون سبقت إليهما غير بيتين من قول مزاحم العقيلي
(19/104)

( وَدِدْتُ على ما كان من سَرَف الهَوَى ... وغَيّ الأماني أنّ ماشئتُ يُفعَلُ )
( فترجِع أَيَّامٌ مضَيْنَ وَلَذَّةٌ ... تَوَلَّت وهل يُثْنَى من العَيْش اَوّلُ )
قال المفضل قال إسحاق سرف الهوى خطؤه ومثله قول جرير
( أعطوْا هُنَيْدَة تحدُوها ثَمَانِيَة ... ما في عطائِهِمُ مَنٌّ ولا سَرَفٌ )
أراد أنهم يحفظون مواضع الصنائع لا أنه وصفهم بالاقتصاد والتوسط في الجود
قال إسحاق وواعدني زياد الأعرابي موضعاً من المسجد فطلبته فيه فلم أجده فقلت له بعد ذلك طلبتك لموعدك فلم أجدك فقال أين طلبتني فقلت في موضع كذا وكذا فقال هناك والله سرفتك أي أخطأتك
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال
أنشدني حماد عن أبيه لمزاحم العقيلي قال وكان يستجيدها ويستحسنها
( لِصَفْرَاءَ في قَلْبي من الْحُبِّ شُعبَة ... حِمىً لم تُبِحْه الغانياتُ صَمِيمُ )
( بِها حلَّ بَيتُ الحُبِّ ثم ابتَنَى بها ... فبانَت بُيوتُ الحَيِّ وهو مُقِيمُ )
( بَكَت دارُهم من نَأْيهم فتهلَّلَت ... دموعي فأيَّ الجَازِعين ألُومُ )
( أُمُسْتَعْبِراً يبكِي من الحُزْن والجَوَى ... أم آخرُ يَبْكي شَجوه فَيَهيمُ )
( تَضمَّنه من حُبِّ صَفْراء بعد ما ... سلا هَيَضات الحب فهو كَليمُ )
( ومن يَتَهَيَّض حبُّهن فُؤادَه ... يَمُت أو يَعِش ما عاش وهو سَقِيمُ )
( كحَرَّان صادٍ ذِيدَ عن بَرْد مَشْربِ ... وعن بَلَلاتِ الرِّيق فَهُوْ يَحُومُ )
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري قال
(19/105)

أخبرنا محمد بن حبيب عن ابن أبي الدنيا العقيلي قال ابن حبيب وهو صاحب الكسائي وأصحابنا قال
كان مزاحم العقيلي خطب ابنة عم له دنيةً فمنعه أهلها لإملاقه وقلة ماله وانتظروا بها رجلاً موسراً في قومها كأن يذكرها ولم يحقق وهو يومئذ غائب فبلغ ذلك مزاحماً من فعلهم فقال لعمه يا عم أتقطع رحمي وتختار علي غيري لفضل أباعر تجوزها وطفيف من الحظ تحظى به وقد علمت أني أقرب إليك من خاطبها الذي تريده وأفصح منه لساناً وأجود كفاً وأمنع جانباً وأغنى عن العشيرة فقال له لا عليك فإنها إليك صائرة وإنما أعلل أمها بهذا ثم يكون أمرها لك فوثق به وأقاموا مدة ثم ارتحلوا ومزاحم غائب وعاد الرجل الخاطب لها فذاكروه أمرها فرغب فيها فأنكحوه إياها فبلغ ذلك مزاحماً فأنشأ يقول
( نَزَلتُ بمُفْضَى سيلِ حَرْسَيْن والضُّحى ... يَسِيلُ بأطراف المخارم آلهُا )
( بمسقِيَّة الأجفان أنفَذ دَمعَها ... مُقاربةُ الأٌلاَّف ثُمَّ زِيالُها )
( فلما نَهاها اليأسُ أن تُونِس الحِمَى ... حِمَى البئِرِ جَلَّى عَبْرَة العَيْنِ جالُها )
( أياليلَ إن تَشْحَط بك الدارُ غُربَةً ... سوانا ويُعْيِي النَّفسَ فيك احتِيَالُها )
( فكَمْ ثم كَمْ من عَبْرة قد رَدَتها ... سَريعٍ على جَيْب القَميصِ انهِلالُها )
(19/106)

( خليليَّ هل من حِيلَة تَعْلَمَانها ... يُقرَّب من ليلى إلينا احتِيالُها )
( فإنَّ بأَعْلى الأخشَبَيْن أراكةً ... عَدَتنيَ عنها الحَرْب دانٍ ظِلالُها )
( وفي فَرْعها لو تُستَطاع جَنَابُها ... جنىً يجتَنِبيه المُجْتَنِي لو يَنَالُها )
( هنِيئاً لليْلَى مُهْجَةٌ ظَفِرت بها ... وتَزْوِيجُ لَيْلى حين حان ارتِحالُها )
( فقد حَبَسُوها مَحْبِس البُدْن وابتَغَى ... بها الرِبحَ أقوامٌ تَسَاخَف مَالُها )
( فإنّ مع الرَّكْبِ الذين تحمَّلُوا ... غمامة صَيْف زعزعَتْها شمالُها )
حُبس طويلاً ثم هرب من السجن
وقال محمد بن حبيب في خبره قال ابن الأعرابي
وقع بين مزاحم العقيلي وبين رجل من بني جعدة لحاء في ماء فتشاتما وتضاربا بعصيهما فشجه مزاحم شجة أمته فاستعدت بنو جعدة على مزاحم فحبس حبساً طويلاً ثم هرب من السجن فمكث في قومه مدة وعزل ذلك الوالي وولي غيره فسأله ابن عمّ لمزاحم يقال له مغلس أن يكتب أماناً لمزاحم فكتبه له وجاء مغلس والأمان معه فنفر مزاحم منه وظنها حيلة من السلطان فهرب وقال في ذلك
( أَتانِي بِقرطاس الأمير مُغَلِّسٌ ... فأفزعَ قِرطاسُ الأمير فُؤادِيَا )
( فَقلتُ له لا مَرحباً بك مرسلاً ... إليّ ولا لي من أميرك داعِيَا )
(19/107)

أليسَت جِبالُ القَهْر قُعساً مكانها ... وعَرْوى وأجبالَ الوَحَاف كما هِيا )
( أخاف ذُنُوبي أن تُعَدّ بِبابِه ... وما قد أزَلَّ الكاشِحونَ أمامِيَا )
( ولا أسْترِيم عُقْبَةَ الأمر بعدما ... تورَّط في بهماء كَعْبي وساقيا )
أخبرني محمد بن مزْيد وأحمد بن جعفر جحظة قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
كان مزاحم العقيلي يهوى امرأة من قومه يقال لها مية فتزوجت رجلاً كان أقرب إليها من مزاحم فمر عليها بعد أن دخل بها زوجها فوقف عليها ثم قال
( أيَا شَفَتيْ مَيٍّ أما من شَريعةٍ ... من الموت إلا أنتما تُورِدَانِيَا )
( ويا شَفَتيْ ميٍّ أمالِي إليكما ... سبيلٌ وهذا الموت قد حَلَّ دانيا )
( ويا شَفَتَيْ مَيٍّ أما تَبذُلان لي ... بشيء وإن أعطَيت أهلي وماليا )
فقالت أعزز علي يا بن عم بأن تسأل ما لا سبيل إليه وهذا أمر قد حيل
(19/108)

دونه فاله عنه فانصرف
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال
حدثني عمارة بن عقيل قال قال لي أبي قال عبد الملك بن مروان لجرير يا أبا حَرْزة هل تحب أن يكون لك بشيء من شعرك شيء من شعر غيرك قال لا ما أحب ذلك إلا أن غلاماً ينزل الرّوضات من بلاد بني عقيل يقال له مزاحم العقيلي يقول حسناً من الشعر لا يقدر أحد أن يقول مثله كنت أحب أن يكون لي بعض شعره مقايضة ببعض شعري
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه قال
كان مزاحم العقيلي يهوى امرأةً من قومه يقال لها ليلى فغاب غيبة عن بلاده ثم عاد وقد زوجت فقال في ذلك
( أتانِي بظَهْر الغَيْب أن قد تَزَوَّجَت ... فظلَّت بيَ الأرضُ الفضاءُ تدُورُ )
( وزايَلَني لُبِّي وقد كان حاضِراً ... وكاد جَنانِي عند ذاك يَطِيرُ )
( فَقلت وقد أيقنْتُ أن ليس بَيْنَنا ... تَلاقٍ وعَيْني بالدموع تمورُ )
( أيا سُرعةَ الأخبارِ حين تَزَوَّجتْ ... فهل يأتِيَنِّي بالطَّلاق بَشِيرُ )
( ولستُ بمُحْصٍ حُبَّ ليلى لسائلٍ ... من النَّاس إلا أن أقول كَثِيرُ )
صوت
لها في سَوادِ القَلْبِ تِسعةُ أَسْهُمٍ ... وللناس طُرّاً مِن هَوَاي عَشِيرُ )
(19/109)

قال ابن الكلبي ومن الناس من يزعم أن ليلى هذه التي يهواها مزاحم العقيلي هي التي كان يهواها المجنون وأنهما اجتمعا هو ومزاحم في حبها
قال الأصبهاني وقد أخبرني بشرح هذا الخبر الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال
كان مزاحم بن مرة العقيلي يهوى امرأة من قشير يقال لها ليلى بنت موازر ويتحدث إليها مدة حتى شاع أمرهما وتحدثت جواري الحي به فنهاه أهلها عنها وكانوا متجاورين وشكوه إلى الأشياخ من قومه فنهوه واشتدوا عليه فكان يتفلت إليها في أوقات الغفلات فيتحدثان ويتشاكيان ثم انتجعت بنو قشير في ربيع لهم ناحية غير تلك قد نضرها غيث وأخصبها فبعد عليه خبرها واشتاقها فكان يسأل عنها كل وارد ويرسل إليها بالسلام مع كل صادر حتى ورد عليه يوماً راكب من قومها فسأله عنها فأخبره أنها خطبت فزوجت فوجم طويلاً ثم أجهش باكياً وقال
( أتاني بظَهْر الغَيْب أن قد تَزَوَّجت ... فظلَّت بي الأرضُ الفَضاء تَدورُ )
وذكر الأبيات الماضية
وقد أنشدني هذه القصيدة لمزاحم ابن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه فأتى بهذه الأبيات وزاد فيها
(19/110)

( وتُنشَر نفسي بعد مَوْتي بِذِكْرها ... مراراً فموتٌ مرَّة ونُشورٌ )
( عَجَجْت لربي عَجَّة ما مَلَكتُها ... وربّي بذِي الَّشوْق الحزينِ بَصِيرُ )
( ليرحم ما أَلقَى ويعلمَ أنّنِي ... له بالذي يُسدِي إليَّ شَكورٌ )
( لئن كان يُهدي بردُ أنيابها العُلاَ ... لأحْوجَ مِنِّي إنِّنِي لَفَقيرُ )
مكانته عند الشعراء
حدثني عمي قال حدثني أبو أيوب المديني قال قال أبو عدنان
أخبرنا تميم بن رافع قال حدثت أن الفرزدق دخل على عبد الملك بن مروان أو بعض بنيه فقال له يا فرزدق أتعرف أحداُ أشعر منك قال لا إلا غلاماً من بني عقيل يركب أعجاز الإبل وينعت الفلوات فيجيد ثم جاءه جرير فسأله عن مثل ما سأل عنه الفرزدق فأجابه بجوابه فلم يلبث أن جاءه ذو الرمة فقال له أنت أشعر الناس قال لا ولكن غلام من بني عقيل يقال له مزاحم يسكن الروضات يقول وحشياً من الشعر لا يقدر على مثله فقال فأنشدني بعض ما تحفظ من ذلك فأنشده قوله
( خلِيلَيَّ عُوجَا بِي على الدار نَسْألِ ... مَتَى عهدُها بالظاَّعِن المُتَرحِّلِ )
( فعُجتُ وعاجوا فوق بَيْداء موَّرت ... بها الريح جولان الترابِ المُنَخَّلِ )
حتى أتى على آخرها ثم قال ما أعرف أحداُ يقول قولاً يواصل هذا
(19/111)

صوت
( أُكذِّب طَرْفي عنكِ فِي كُلِّ ما أرى ... أُسمِع أُذْنِي منك ما ليس تَسْمَعُ )
( فلا كَبِدي تَبلَى ولا لكِ رَحمةٌ ... ولا عنك إقصارٌ ولا فيك مَطْمَعُ )
( لقِيتُ أموراً فيك لم ألقَ مِثْلَها ... وأعظمُ منها فيك ما أَتوقعُ )
( فلا تسأَليني في هواكِ زِيادةً ... فأيسرُه يُجزِي وأدناه يُقنِعُ )
والشعر لبكر بن النطاح والغناء لحسين بن محرز ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي
(19/112)

أخبار بكر بن النطاح ونسبه
بكر بن النطاح الحنفي يكنى أبا وائل هكذا أخبرنا وكيع عن عبد الله بن شبيب وذكر غيره أنه عجلي من بني سعد بن عجل واحتج من ذكر أنه عجلي بقوله
( فإن يَكُ جَدَّ القومِ فِهْرُ بن مالِك ... فجَدِّيَ عِجْلٌ قَرْم بَكْرِ بن وَاِئلِ )
وأنكر ذلك من زعم أنه حنفي وقال بل قال
( فَجدِّي لُجَيْمٌ قَرْمُ بَكْر بنِ وائلِ ... )
وعجل بن لجيم وحنيفة بن لجيم أخوان
وكان بكر بن النطاح صعلوكاً يصيب الطريق ثم أقصر عن ذلك فجعله أبو دلف من الجند وجعل له رزقاً سلطانياً وكان شجاعاً بطلاً فارساً شاعراً حسن الشعر والتصرف فيه كثير الوصف لنفسه بالشجاعة والإقدام
قصته مع أبي دلف والرشيد
فأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال
(19/113)

قال بكر بن النطاح الحنفي قصيدته التي يقول فيها
( هنيئاً لإخواني ببَغذاد عِيدهُم ... وعِيدِي بُحلوانٍ قِراعُ الكَتائِبِ )
وأنشدها أبا دلف فقال له إنك لتكثر الوصف لنفسك بالشجاعة وما رأيت لذلك عندك أثراً قط ولا فيك فقال له أيها الأمير وأي غناء يكون عند الرجل الحاسر الأعْزل فقال أعطوه فرساً وسيفاً وترساً ودرعاً ورمحاً فأعطوه ذلك أجمع فأخذه وركب الفرس وخرج على وجهه فلقيه مال لأبي دلف يحمل من بعض ضياعه فأخذه وخرج جماعة من غلمانه فمانعوه عنه فجرحهم جميعاً وقطعهم وانهزموا وسار بالمال فلم ينزل إلا على عشرين فرسخاً فلما اتصل خبره بأبي دلف قال نحن جنينا على أنفسنا وقد كنا أغنياء عن إهاجة أبي وائل ثم كتب إليه بالأمان وسوغه المال وكتب إليه صر إلينا فلا ذنب لك لأنا نحن كنا سبب فعلك بتحريكنا إياك وترحيضنا فرجع ولم يزل معه يمتدحه حتى مات
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن موسى قال حدثني الحسن ابن إسماعيل عن ابن الحفصي قال قال يزيد بن مزيد
وجه إلي الرشيد في وقت يرتاب فيه البرىء فلما مثلت بين يديه قال يا يزيد من الذي يقول
( ومن يَفْتَقِر مِنَّا يَعِيْش بحُسامِه ... ومَن يَفْتَقِر مِن سائر النّاسِ يَسْألِ )
(19/114)

فقلت له والذي شرفك وأكرمك بالخلافة ما أعرفه قال فمن الذي يقول
( وإن يَكُ جَدُّ القَوْم فِهْرَ بن مَالِك ... فجدِّي لُجَيْمٌ قَرْمٌ بَكْر بن وائِلِ )
قلت لا والذي أكرمك وشرفك يا أمير المؤمنين ما أعرفه قال والذي كرمني وشرفني إنك لتعرفه أتظن يا يزيد أني إذا أوطأتك بساطي وشرفتك بصنيعتي أني أحتملك على هذا أو تظن أني لا أراعي أمورك وأتقصاها وتحسب أنه يخفى علىّ شيء منها والله إن عيوني لعليك في خلواتك ومشاهدك هذا جلف من أجلاف ربيعة عدا طوره وألحق قريشاً بربيعة فأتني به فانصرفت وسألت عن قائل الشعر فقيل لي هو بكر بن النطاح وكان أحد أصحابي فدعوته وأعلمته ما كان من الرشيد فأمرت له بألفي درهم وأسقطت اسمه من الديوان وأمرته ألا يظهر ما دام الرشيد حياً فما ظهر حتى مات الرشيد فلما مات ظهر فألحقت اسمه وزدت في عطائه
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني محمد بن حمزة العلوي قال حدثني أبو غسان دماذ قال
حضرت بكر بن النطاح الحنفي في منزل بعض الحنفيين وكانت للحنفي جارية يقال لها رامشنة فقال فيها بكر بن النطاح
( حيَّتكْ بالرَاَّمِشْن رامِشْنَةٌ ... أحسنُ من رامِشْنَة الآسِ )
( جارِيةٌ لم يُقْتَسَم بُضْعُها ... ولم تَبِتْ في بَيْت نَخَّاسِ )
(19/115)

( أفسدت إنساناً عَلَى أهلِه ... يا مُفْسْدَ النّاسِ على النّاسِ )
وقال فيها
( أُكذِّب طَرْفي عنكِ والطَّرْف صادِقٌ ... وأْسمِعُ أُذْنِي منكِ ما لَيْس تَسْمَعُ )
( ولم أسكُن الأرضَ التي تَسْكُنِينها ... لكي لا يقولوا صابرٌ ليس يَجْزَعُ )
( فلا كَبِدي تَبْلَى ولا لَكِ رَحْمَة ... ولا عَنْكِ إقصارٌ ولا فيكِ مطْمَعُ )
( لَقِيتُ أُموراً فيكِ لم ألقَ مِثلَها ... وأعظَمُ منها منكِ ما أتوقَّعُ )
( فلا تَسْألِيني في هَوَاكِ زيادة ... فأيْسَرُه يُجْزِي وأَدناه يُقْنِعُ )
المأمون يعطي رأيه بشعره وسلوكه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه عن علي ابن الصباح وأظنه مرسلاً وأن بينه وبينه ابن أبي سعد أو غيره لأنه لم يسمع من علي بن الصباح قال حدثني أبو الحسين الرواية قال لي المأمون
أنشدني أشجع بيت وأعفه وأكرمه من شعر المحدثين فأنشدته
( ومن يَفْتَقِر منّا يَعِشْ بحُسَامه ... ومن يَفْتَقِرْ من سائِرِ النَّاسِ يسْالِ )
( وإنّا لنَلهُو بالسُّيوف كما لَهَت ... عَروسٌ بعِقدٍ أوسخِابِ قَرَنْفُلِ )
فقال ويحك من يقول هذا فقلت بكر بن النطاح فقال أحسن والله ولكنه قد كذب في وقوله فما باله يسأل أبا دلف ويمتدحه وينتجعه هلا أكل خبزه بسيفه كما قال
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو الحسن الكسكري قال
(19/116)

بلغني أن أبا دلف لحق أكراداً قطعوا الطريق في عمله وقد أردف منهم فارس رفيقاً له خلفه فطعنهما جميعاً فأنفذهما فتحدث الناس بأنه نظم بطعنة واحدة فارسين على فرس فلما قدم من وجهه دخل إليه بكر بن النطاح فأنشده
صوت
( قالوا ويَنْظِم فارسَيْن بطَعْنَةٍ ... يوم الِّلقاء ولا يَراهُ جَليلاً )
( لا تَعْجَبوا فَلَو أنّ طُولَ قَناتِه ... ميلٌ إذاً نَظَم الفوارسَ ميلاً )
قال فأمر له أبو دلف بعشرة آلاف درهم فقال بكر فيه
( له راحةٌ لو أن مِعْشار جُودهِا ... على البَرّكان البَرُّ أندى من البَحْرِ )
( ولو أنّ خَلْقَ الله في جِسْم فارِس ... وبارزَه كان الخليَّ من العُمْر )
( أبا دُلَف بُورِكْتَ في كل بَلْدةٍ ... كما بُورِكَتْ في شهْرها لَيلةُ القَدْرِ )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وعيسى بن الحسين قالا حدثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدثني أبو زائدة قال
كان بكر بن النطاح الحنفي يتعشق غلاماً نصرانياً ويجن به وفيه يقول
( يا مَنْ إذا دَرَس الإنْجِيلَ كان له ... قَلْبُ التَّقِيِّ عن القُرآن مُنْصَرَفا )
( إنِّي رأَيتُك في نومي تُعانِقُنِي ... كما تُعانِق لامُ الكاتِب الألِفا )
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني الحسن بن عبد الرحمن الربعي قال
كان بكر بن النطاح يأتي أبا دلف في كل سنة فيقول له إلى جنب أرضي أرض تباع وليس يحضرني ثمنها فيأمر له بخمسة آلاف درهم ويعطيه ألفاً لنفقته
(19/117)

فجاءه في بعض السنين فقال له مثل ذلك فقال له أبو دلف ما تفنى هذه الأرضون التي إلى جانب ضيعتك فغضب وانصرف عنه وقال
( يا نفسُ لا تجزَعي من التّلَفِ ... فإن في الله أعظمَ الخَلَفِ )
( إن تَقْنَعي باليَسِيرِ تَغْتَبِطي ... ويُغْنِكِ الله عن أبي دُلَفِ )
قال وكان بَكْر بنُ النَطاح يأتي قرةَّ بنَ مُحرِز الحنفيّ بكْرمان فيعطيه عشرة آلاف درهم ويُجري عليه في كل شهر يقيم عنده ألف درهم فاجتاز به قرة يوماً وهو ملازم في السوق وغرماؤه يطالبونه بدين فقال له ويحك أما يكفيك ما أعطيك حتى تستدين وتلازم في السوق فغضب عليه وانصرف عنه وأنشأ يقول
( ألا يا قُرّ لاتَكُ سَامرِيّاً ... فتَتْرك َمَنْ يَزُورك في جِهادِ )
( أتعْجب أنْ رأيتَ عليَّ دَيْناً ... وقد أودَى الطّرِيفُ مع التِّلادِ )
( ملأتُ يَدِي منَ الدُّنيا مِراراً ... فما طَمِعَ العَوَاذِلُ في اقْتِصادي )
( ولا وَجَبت عليَّ زَكاةُ مالٍ ... وهل تَجِبُ الزّكاةُ على جَوَادِ )
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
كنت يوماً عند علي بن هشام وعنده جماعة فيهم عمارة بن عقيل فحدثته أن بكر بن النطاح دخل إلى أبي دلف وأنا عنده فقال لي أبو دلف يا أبا محمد أنشدني مديحاً فاخراً تستطرفه فبدر إليه بكر وقال أنا أنشدك أيها الأمير بيتين
(19/118)

قلتهما فيك طريقي هذا إليك وأحكمك فقال هات فإن شهد لك أبو محمد رضينا فأنشده
( إذا كانَ الشِّتاءُ فأنت شَمْسٌ ... وإن حَضَر المَصِيف فأنتَ ظِلُّ )
( وما تَدْرِي إذا أَعْطَيْتَ مالاً ... أتُكثِرُ في سَماحِك أم تُقِلُّ )
فقلت له أحسن والله ما شاء ووجبت مكافأته فقال أما إذ رضيت فأعطوه عشرة آلاف درهم فحملت إليه وانصرفت إلى منزلي فإذا أنا بعشرين ألفاً قد سبقت إلي وجه بها أبو دلف قال فقال عمارة لعلي بن هشام فقد قلت أنا في قريب من هذه القصة
( ولا غيبَ فيهم غيرَ أَنَّ أَكفَّهم ... لأموالهم مِثْلَ السِّنين الحَواطم )
( وأنهمُ لا يُورِثُون بَذيهمُ ... وإن وَرِثوا خَيْراً كُنوزَ الدَّراهِم )
ابن النطاح يرثي معقل بن عيسى
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو توبة قال كان معقل بن عيسى صديقاً لبكر بن النطاح وكان بكر فاتكاً صعلوكاً فكان لا يزال قد أحدث حادثة في عمل أبي دلف أو جنى جناية فيهم به فيقوم دونه معقل حتى يتخلصه فمات معقل فقال بكر بن النطاح يرثيه بقوله
( وحدَّث عنه بعضُ من قال إنَّه ... رَأتْ عَينُه فيما تَرَى عَينُ حالِم )
( كأنَّ الذي يَبْكي على قَبْر مَعْقِل ... ولم يَره يَبكي على قَبْر حاتِم )
( ولا قَبرِ كَعْب إذ يَجودُ بنَفْسِه ... ولا قَبْر حِلْفِ الجُود قَيْسِ بنِ عاصِمْ )
( فأيقَنتُ أنَّ الله فضَّل مَعْقِلاً ... على كل مَذْكُور بفَضْلِ المَكارِم )
(19/119)

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثني العمري قال
كان بكر بن النطاح الحنفي أبو وائل بخيلاً فدخل عليه عباد بن الممزق يوماً فقدم إليه خبزاً يابساً قليلاً بلا أدم ورفعه من بين يديه قبل أن يشبع فقال عباد يهجوه
( مَنْ يَشْتَرِي مِني أبا وائِلٍ ... بكرَ بنَ نَطَّاح بفَلْسَيْن )
( كأنما الآكِلُ من خُبزِهِ ... يأكلُه من شَحمَهِ العَيْنِ )
قال وكان عباد هذا هجاء ملعوناً وهو القائل
( أنَا المُمزّقِ أعراضَ اللًّئام كما ... كان المُمزِّق أعراضَ الِّلئام أبي )
أخبرني عمي قال حدثنا أبو هفان قال
كان بكر بن النطاح قصد مالك بن طوق فمدحه فلم يرض ثوابه فخرج من عنده وقال يهجوه
( فليتَ جَدَا مَالكٍ كُلَّه ... وما يُرتجى منه من مَطْلبِ )
( أُصِبْتُ بأَضْعاف أضعافِه ... ولم أنتَجِعْه ولم أرغَبِ )
( أسأْتُ أخْتِياريَ منك الثَّوابَ ... لي الذّنبُ جَهْلاً ولم تُذنِبِ )
وكتَبها في رقعة وبعث إليه فلما قرأها وَجّه جماعة من أَصحابه في طلبه
(19/120)

وقال لهم الويل لكم إن فاتكم بكر بن النطاح ولا بد أن تنكفئوا على أثره ولو صار إلى الجبل فلحقوه فردوه إليه فلما دخل داره ونظر إليه قام فتلقاه وقال يا أخي عجلت علينا وما كنا نقتصر بك على ما سلف وإنما بعثنا إليك بنفعه وعولنا بك على ما يتلوها واعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه ثم أعطاه حتى أرضاه فقال بكر بن النطاح يمدحه
( أقولُ لمُرتادٍ ندى غيرِ مالِكٍ ... كفى بَذْلَ هذا الخلقِ بعضُ عِداتِه )
( فَتىً جاد بالأموال في كُلّ جانبٍ ... وأنْهَبَها في عَوْده وبَداتِه )
( فلو خَذَلتْ أموالُه بذْلَ كَفِّه ... لقاسَم مَنْ يَرجُوه شَطْرَ حَيَاتِه )
( ولو لم يجد في العُمْر قِسمة مالِه ... وجاز له الإعطاء من حَسناتِه )
( لجادَ بها من غَيْر كُفْر برَبّه ... وشاركَهم في صَوْمه وصَلاتِه )
فوصله صلة ثانية لهذه الأبيات وانصرف عنه راضياً
هكذا ذكر أبو هفان في خبره وأحسبه غلطاً لأن أكثر مدائح بكر بن النطاح في مالك بن علي الخزاعي وكان يتولى طريق خراسان وصار إليه بكر بن النطاح بعد وفاة أبي دلف ومدحه فأحسن تقبله وجعله في جنده وأسنى له الرزق فكان معه إلى أن قتله الشراة بحلوان فرشاه بكر بعدة قصائد هي من غرر شعره وعيونه
ابن النطاح يرثي مالك الخزاعي
فحدثني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر عن أبي وائلة السدوسي قال
عاثت الشراة بالجبل عيثاً شديداً وقتلوا الرجال والنساء والصبيان فخرج إليهم مالك بن علي الخزاعي وقد وردوا حلوان فقاتلهم قتالاً شديداً فهزمهم
(19/121)

عنها وما زال يتبعهم حتى بلغ بهم قرية يقال لها حدان فقاتلوه عندها قتالاً شديداً وثبت الفريقان إلى الليل حتى حجز بينهم وأصابت مالكاً ضربة على رأسه أثبتته وعلم أنه ميت فأمر برده إلى حلوان فما بلغها حتى مات فدفن على باب حلوان وبنيت لقبره قبة على قارعة الطريق وكان معه بكر بن النطاح يومئذ فأبلى بلاء حسناً وقال بكر يرثيه
( يا عينُ جُودِي بالدّموع السّجامْ ... على الأمير اليمنيّ الُهُمامْ )
( على فَتَى الدّنيا وصِنديدِها ... وفارس الدّين وسَيفِ الإمامْ )
( لا تَدْخَرِي الدمعَ على هالك ... أيْتَم إذ أودى جَمِيعُ الأنامْ )
( طاب ثَرَى حُلوان إذ ضُمِّنت ... عِظامَه سَقْياً لها من عِظامْ )
( أغلقَتِ الخَيراتُ أبوابَها ... وامتَنَعت بعدَك يا بنَ الكِرامْ )
( أغلقَتِ الخَيراتُ أبوبَها ... وامتَنَعت بعدَك يا بنَ الكِرامْ )
( وأصبحَتْ خَيلك بعد الوَجَا ... والغَزو تَشكُو منك طُولَ الجَمامْ )
( ارحَلْ بنا نَقرُبْ إلى مالكٍ ... كيما نُحيِّي قَبرَه بالسّلامْ )
( كان لأهل الأرض في كَفِّه ... غِنىً عن البحر وصَوْبِ الغَمامْ )
( وكان في الصُّبح كشمس الضُّحى ... وكان في الليل كبَدْرِ الظّلامْ )
( وسائِلٍ يعجَب من موتِه ... وقد رآه وهو صَعْبُ المَرامْ )
( قُلتُ له عَهدِي به مُعلِماً ... يضربهم عند ارتفاع القَتامْ )
(19/122)

( والحربُ مَنْ طاولها لم يَكَدَ ... يُفلِت من وَقْعِ صقيلٍ حُسامْ )
( لم ينظُر الدَّهرُ لنا إذ عدا ... على رَبيعِ النّاسِ في كل عامْ )
( لن يَسْتَقِيلوا أبداً فقدَه ... ما هَيَّج الشّجوَ دُعاءُ الحَمامْ )
قال وقال أيضاً يرثيه
( أيُّ امرىءٍ خَضَب الخوارجُ ثوبَه ... بدمٍ عَشِيَّة راح من حُلْوانِ )
( يا حُفْرةً ضمَّتْ محاسِنَ مالِكٍ ... ما فيكِ من كَرَمٍ ومن إحسانِ )
( لَهْفي على البَطَل المُعرِّض خَدَّه ... وجبينَه لأسنة الفُرسانِ )
( خَرَق الكتِيبة مُعلماً مُتَكَنِّباً ... والمرُهفاتُ عليه كالنّيرانِ )
( ذهبت بَشاشَةُ كلّ شيءٍ بعده ... فالأرضُ مُوحِشة فلا عُمرانِ )
( هدَم الشُّراةُ غَداة مَصْرع مالكٍ ... شرف العُلا ومكارمَ البُنيانِ )
( قَتَلوا فتى العرب الذي كانت به ... تَقْوى على اللَّزبات في الأزمانِ )
( حرموا مَعَدّاً ما لديه وأوقَعُوا ... عصبِيَّةً في قَلب كُلّ يَماني )
( تَركُوه في رَهَج العَجاج كأنه ... أسَدٌ يَصول بساعِدٍ وبَنانِ )
( هَوتِ الجُدودُ عن السُّعود لفقدِه ... وتمسَّكتْ بالنَّحْس والدَّبَرَانِ )
( لا يَبْعَدَنّ أخُو خُزاعةَ إذ ثَوَى ... مستَشْهِداً في طاعة الرَّحمنِ )
( عَزَّ الغُواةُ به وذَلَّت أُمةٌ ... مَحْبُوَّةٌ بحقائق الإيمانِ )
(19/123)

( وبكاه مُصحَفةُ وصدْرُ قَناتِه ... والمُسلمِون ودَوْلَةُ السُّلطانِ )
( وغدت تُعقَّر خَيلُه وتُقُسِّمت ... أدراعُه وسَوابِغُ الأبدانِ )
( أَفتُحمَد الدُّنيا وقد ذَهَبَتْ بمَنْ ... كان المُجِيرَ لنا من الحَدَثَانِ )
تشوّقه بغداد وهو بالجبل
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال أنشدني أبو غسان دماذ لبكر بن النطاح يتشوق بغداد وهو بالجبل يومئذ
( نَسِيمُ المُدامِ وبَرْد السَّحرْ ... هما هيَّجا الشّوقَ حتى ظَهَرْ )
( تقول اجتَنِب دارَنا بالنّهار ... وزُرْنا إذا غاب ضوءُ القَمَرْ )
( فإنّ لنا حَرَساً إن رأوْكَ ... نَدِمْتَ وأُعطُوا عليك الظَّفَرْ )
( وكم صَنَعَ الله بغدادَ من بلدةٍ ... وساكنَ بَغْداد صَوْبَ المَطَرْ )
( ونُبِّئْتُ أنّ جَوارِي القُصُورِ ... صَيَّرن ذِكْرِي حديثَ السَّمَرْ )
( ألا رُبَّ سائلةٍ بالعراق ... عنِّي وأخرى تُطِيل الذِّكَرْ )
( تقول عَهِدْنا أبا وائِلٍ ... كظَبْي الفَلاة المَلِيح الحَوَرْ )
( لياليَ كنتُ أَزور القِيانَ ... كأنَّ ثِيابِي بَهارُ الشّجَرْ )
حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني ميمون بن هارون قال
كان بكر بن النطاح يهوى جارية من جواري القيان وتهواه وكانت لبعض الهاشميين يقال لها درة وهو يذكرها في شعره كثيراً وكان يجتمع معها في منزل رجل من الجند من أصحاب أبي دلف يقال له الفرز فسعى به إلى مولاها وأعلمه أنه قد أفسدها وواطأها على أن تهرب معه إلى الجبل فمنعه من لقائها
(19/124)

وحَجَبه عنها إلى أن خرج الكرج مع أبي دلف فقال بكر بن النطاح في ذلك
( أهلُ دَارٍ بين الرُصافة والجِسْرِ ... أطالوا غَيْظي بطُول الصُّدودِ )
( عذَّبوني بُبعدهم وابْتَلَوا قَلْبي ... بحُزْنين طارِفٍ وتَليدِ )
( ما تَهُبّ الشَّمال إلا تَنَفَّت ... وقال الفُؤَادُ للعَيْن جُودي )
( قلَّ عنهم صَبْري ولم يرحمُوني ... فتحَّيرت كالطّريد الشّريدِ )
( وكلتْني الأيامُ فيكِ إلى نفسِي ... فأعَيْيتُ وانتهى مَجْهودِي )
وقال فيها أيضاً وفيه غناء من الرمل الطنبوري
( العَينُ تُبدِي الحُبَّ والبُغضا ... وتُظهِر الإبرامَ والنَّقْضا )
( دُرَّةُ ما أنصْفتِني في الهوى ... ولا رَحِمْتِ الجَسَدَ المُنْضَى )
( مرَّت بنا في قُرطُق أَخْضَرِ ... يعشَق منها بَعضُها بَعْضا )
( غَضْبَى ولا والله يا أهلَها ... لا أشرَبُ البارِدَ أو تَرْضَى )
( كيف أطاعَتْكم بهَجْرِي وقد ... جَعلتُ خَدّيَّ لها أرْضا )
وقال فيها أيضاً وفيه رمل طنبوري
( صدّتْ فأمسى لِقاؤُها حُلما ... واستبدل الطرفُ بالدُّموع دَمَا )
( وسلَّطت حُبَّها على كَبِدي ... فأبدَلْتني بصِحةٍ سَقَما )
( وصِرْتُ فرداً أبكِي لفُرقتها ... وأقرُع السِّنَّ بعدها نَدَما )
( شَقّ عليها قولُ الوُشاة لها ... أصبحتِ في أمرِ ذا الفَتَى عَلَما )
( ولولا شَقائي وما بُليتُ به ... من هَجْرها ما استَثَرْت ما اكتُتِما )
(19/125)

( كم حاجةٍ في الكتاب بُحتُ بها ... أَبكيتُ منها القِرطاسَ والقَلَما )
وقال فيها أيضاً وفيه رمل لأبي الحسن أحمد بن جعفر جحظة
( بَعُدتِ عني فتغيَّرتِ لي ... وليس عندي لكِ تَغْيِيرُ )
( فَجدِّدي ما رَثَّ من وَصْلنا ... وكلّ ذَنْبٍ لك مَغْفورُ )
( أُطَيِّب النّفسَ بكتمان ما ... سارت به من غدْوِك العِيرُ )
( وَعدُك يا سَيِّدتي غرّني ... منك وَمَن يَعْشَقُ مَغْرورُ )
( يَحزُنُني عِلِمي بنَفْسي إذا ... قال خَلِيلي أَنتَ مَهْجورُ )
( ياليت مَن زَيّنَ هذا لها ... جارت لنا فيه المَقَادِير )
( ساقِي النَّدامىَ سَقِّها صاحِبي ... فإنني وَيْحك مَعْذور )
( أَأَشرَبُ الخَمر على هَجْرِها ... إني إذاً بالهَجْر مسرور )
وفيها يقول وقد خرج مع أبي دلف إلىأصبهان
( يا ظبيةَ الِّسيب التي أحببتُها ... ومَنحتُها لُطفِي ولِينَ جَناحِي )
( عَينايَ باكِيتانِ بعدَكِ للذّي ... أوْدَعْتِ قلبي مِن نُدوبِ جِراحِ )
( سَقْياً لأحمدَ من أخٍ ولِقاسِمٍ ... فَقَدا غُدوِّي لاهِياً ورَوَاحِي )
( وتَردُّدِي من بَيت فرْزٍ آمِناً ... من قُربِ كُلِّ مُخالِفٍ ومُلاحِي )
( أيامَ تَغبِطُني المُلوكُ ولا أرى ... أحداً له كتدلُّلي ومَراحِي )
( تَصِفُ القِيانُ إذا خلونَ مجانَتِي ... ويَصِفْنَ للشَّربِ الكرام سماحِي )
ومما يغنى فيه من شعر بكر بن النطاح في هذه الجارية قوله
صوت
( هل يُبتَلى أحدٌ بِمِثْلِ بليَّتي ... أم ليس لي في العَالَمين ضَرِيبُ )
( قالت عَنانُ وأبصرتْنِي شاحباً ... يا بَكْرُ مالكَ قد عَلاك شُحوبُ )
(19/126)

( فأجبتُها يا أختُ لم يلقَ الذي ... لاقيتُ إلا المُبْتَلَى أيُّوبُ )
( قد كنتُ أسمع بالهوى فأظُنُّه ... شيئاً يلَذُّ لأهله ويَطِيبُ )
( حتى ابتُلِيت بحُلْوه وبمُرِّه ... فالحلو منه للقلُوب مُذيبُ )
( والمُرّ يَعجِز مَنْطِقي عن وَصْفِه ... للمُرّ وصفٌ يا عَنان عَجِيبُ )
( فأنا الشّقِيّ بحُلْوِه وبمُرّه ... وأنا المُعَنَّى الهائِمُ المَكروبُ )
( يا دُرَّ حالَفَكِ الجَمالُ فَمالَه ... في وَجْه إنسانٍ سواكِ نَصِيبُ )
( كلُّ الوجوه تَشَابَهت وبَهَرْتِها ... حُسناً فَوَجهُك في الوُجوه غرِيبُ )
( والشمس يغرُب في الحِجاب ضِياؤُها ... عنّا ويُشْرق وَجهُك المَحْجوبُ )
ومما يغنّى فيه من شعره فيها أيضاً
( غَضِب الحبِيبُ عليَّ في حُبِّي له ... نَفْسي الفِداءُ لمُذْنِبِ غَضْبانِ )
( مالِي بما ذكر الرّسولُ يدانِ بل ... إن تَمّ رأيُكَ ذَا خَلْعت عِناني )
( يا مَنْ يَتُوقُ إلى حَبِيب مُذنِبٍ ... طاوعْته فَجزاك بالعِصْيانِ )
( هلاّ انتحرتَ فكنتَ أولَ هَالكٍ ... إن لم يَكُن لك بالصُّدود يَدانِ )
( كنّا وكُنْتُم كالبَنان وَكَفَّها ... فالكفُّ مفردَةٌ بغَيْر بَنانِ )
( خُلِق السُّرورُ لمَعْشر خُلِقوا له ... وخُلِقْتُ للعَبَرات والأحزانِ )
صوت
( ليتَ شِعْرِي أَأَوَّلُ الهَرْج هذا ... أم زَمانٌ من فِتْنَةٍ غير هَرْجِ )
( إن يَعِش مُصعَبٌ فنحن بخَيْر ... قد أتانا من عَيْشِنا ما نُرَجِّي )
( ملِكٌ يُطْعِم الطَّعام ويَسْقِي ... لبنَ البُخْت في عِساس الْخَلَنْجِ )
(19/127)

( جَلَب الخَيْل من تِهامَةَ حتّى ... بلَغت خيلُه قصور زَرَنْج )
( حيث لم تأتِ قبله خيلُ ذِي الأعتاف ... يُوجِفن بين قُفٍّ ومَرْجِ )
عروضه من الخفيف الشعر لعبيد الله بن قيس الرقيات والغناء ليونس الكاتب ماخوري بالبنصر وفيه لمالك ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق
(19/128)

مقتل مصعب بن الزبير
وهذا الشعر يقوله عبيد الله بن قيس لمصعب بن الزبير لما حشد للخروج عن الكوفة لمحاربة عبد الملك بن مروان
وكان السبب في ذلك فيما أجاز لنا الحرمي بن أبي العلاء روايته عنه عن الزبير بن بكار عن المدائني قال
لما كانت سنة اثنتين وسبعين استشار عبد الملك بن مروان عبد الرحمن ابن الحكم في المسير إلى العراق ومناجزة مصعب فقال يا أمير المؤمنين قد واليت بين عامين تغزو فيهما وقد خسرت خيلك ورجالك وعامك هذا عام حارد فأرح نفسك ورجلك ثم ترى رأيك فقال إني أبادر ثلاثة أشياء وهي أن الشام أرض بها المال قليل فأخاف أن ينفد ما عندي وأشراف أهل العراق قد كاتبوني يدعونني إلى أنفسهم وثلاثة من أصحاب رسول الله كبروا ونفدت
(19/129)

أعمارهم وأنا أبادر بهم الموت أحب أن يحضروا معي
ثم دعا يحي بن الحكم وكان يقول من أراد أمرا فليشاور يحي بن الحكم فإذا أشار عليه بأمر فليعمل بخلافه فقال ما ترى في المسير إلى العراق قال أرى أن ترضى بالشام وتقيم بها وتدع مصعبا بالعراق فلعن الله العراق فضحك عبد الملك
ودعا عبد الله بن خالد بن أسيد فشاوره فقال يا أمير المؤمنين قد غزوت مرة فنصرك الله ثم غزوت ثانية فزادك الله بها عزاً فأقم عامك هذا
فقال لمحمد بن مروان ما ترى قال أرجو أن ينصرك الله أقمت أم غزوت فشمر فإن الله ناصرك فأمر الناس فاستعدوا للمسير فلما أجمع عليه قالت عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجته يا أمير المؤمنين وجه الجنود وأقم فليس الرأي أن يباشر الخليفة الحرب بنفسه فقال لو وجهت أهل الشام كلهم فعلم مصعب أني لست معهم لهلك الجيش كله ثم تمثل
( ومُسْتَخبِرٍ عنّا يُرِيد بنا الرَّدَى ... ومُستَخبراتٍ والعُيونُ سواكِبُ )
ثم قدم محمد بن مروان ومعه عبد الله بن خالد بن أسيد وبشر بن مروان ونادى مناديه إن أمير المؤمنين قد استعمل عليكم سيد الناس محمد بن مروان وبلغ مصعب بن الزبير مسير عبد الملك فأراد الخروج فأبى عليه أهل البصرة
(19/130)

وقالوا عدونا مطل علينا يعنون الخوارج فأرسل إليهم بالمهلب وهو بالموصل وكان عامله عليها فولاه قتال الخوارج وخرج مصعب فقال بعض الشعراء
( أكُلَّ عام لك باجُمَيْرا ... تَغْزُو بنا ولا تُفِيد خَيْراً )
مصعب وعبد الملك
قال وكان مصعب كثيرا ما يخرج إلى باجميرا يريد الشام ثم يرجع فأقبل عبد الملك حتى نزل الأخنونيّه ونزل مصعب بمسكن إلى جنب أوانا وخندق خندقا ثم تحول ونزل دير الجاثليق وهو بمسكن وبين العسكرين ثلاثة فراسخ ويقال فرسخان فقدم عبد الملك محمدا وبشرا أخويه وكل واحد منهما على جيش والأمير محمد وقدم مصعب إبراهيم بن الأشتر ثم كتب عبد الملك إلى أشراف أهل الكوفة والبصرة يدعوهم إلى نفسه ويمنيهم فأجابوه وشرطوا عليه شروطا وسألوه ولايات وسأله ولاية أصبهان أربعون رجلا منهم فقال عبد
(19/131)

الملك لمن حضره ويحكم ما أصبهان هذه تعجبا ممن يطلبها وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر لك ولاية ما سقى الفرات إن تبعتني فجاء إبراهيم بالكتاب إلى مصعب فقال هذا كتاب عبد الملك ولم يخصصني بهذا دون غيري من نظرائي ثم قال فأطعني فيهم قال أصنع ماذا قال تدعوهم فتضرب أعناقهم قال أقتلهم على ظن ظننته قال فأوقرهم حديداً وابعث بهم إلى أرض المدائن حتى تنقضي الحرب قال إذا تفسد قلوب عشائرهم ويقول الناس عبث مصعب بأصحابه قال فإن لم تفعل فلا تمدني بهم فإنهم كالمومسة تريد كل يوم خليلاً وهم يريدون كل يوم أميراً
أرسل عبد الملك إلى مصعب رجلاً يدعوه إلى أن يجعل الأمر شورى في الخلافة فأبى مصعب فقدم عبد الملك أخاه محمدا ثم قال اللهم انصر محمدا ثلاثاً ثم قال اللهم أنصر أصلحنا وخيرنا لهذه الأمة قال وقدم مصعب إبراهيم بن الأشتر فالتقت المقدمتان وبين عسكر مصعب وعسكر ابن الأشتر فرسخ ودنا عبد الملك حتى قرب من عسكر محمد فتناوشوا فقتل رجل على مقدمة محمد يقال له فراس وقتل صاحب لواء بشر وكان يقال له أسيد فأرسل محمد إلى عبد الملك أن بشراً قد ضيع لواءه فصرف عبد الملك الأمر كله إلى محمد وكف الناس وتواقفوا وجعل أصحاب ابن الأشتر يهمون بالحرب ومحمد بن مروان يكف أصحابه فأرسل عبد الملك إلى محمد ناجزهم فأبى فأوفد إليه رسولاً آخر وشتمه فأمر محمد رجلاً فقال له قف خلفي في ناس من أصحابك فلا تدعن أحداً يأتيني من قبل عبد الملك وكان قد دبر تدبيراً سديداً في تأخير المناجزة إلى وقت رآه فكره أن يفسد عبد الملك تدبيره عليه فوجه إليه عبد الملك عبد الله بن خالد بن أسيد فلما رأوه أرسلوا إلى محمد بن مروان هذا عبد الله بن خالد بن أسيد فقال ردوه بأشد مما رددتم من جاء قبله فلما قرب المساء أمر محمد بن مروان أصحابه بالحرب وقال حركوهم قليلاً فتهايج
(19/132)

الناس ووجه مصعب عتاب بن ورقاء الرياحي يعجز إبراهيم فقال له قد قلت لا تمدني بأحد من أهل العراق فلم يقبل واقتتلوا وأرسل إبراهيم بن الأشتر إلى أصحابه بحضرة الرسول ليرى خلاف أهل العراق عليه في رأيه ألا تنصرفوا عن الحرب حتى ينصرف أهل الشام عنكم فقالوا ولم لا ننصرف فانصرفوا وانهزم الناس حتى أتوا مصعبا وصبر إبراهيم بن الأشتر فقاتل حتى قتل فلما أصبحوا أمر محمد بن مروان رجلاً فقال انطلق إلى عسكر مصعب فانظر كيف تراهم بعد قتل ابن الأشتر قال لا أعرف موضع عسكرهم فقال له إبراهيم ابن عدي الكناني انطلق فإذا رأيت النخل فاجعله منك موضع سيفك فمضى الرجل حتى أتى عسكر مصعب ثم رجع إلى محمد فقال رأيتهم منكسرين وأصبح مصعب فدنا منه ودنا محمد بن مروان حتى التقوا فترك قوم من أصحاب مصعب مصعباً وأتوا محمد بن مروان فدنا إلى مصعب ثم ناداه فداك أبي وأمي إن القوم خاذلوك ولك الأمان فأبى قبول ذلك فدعا محمد بن مروان ابنه عيسى ابن مصعب فقال له أبوه انظر ما يريد محمد فدنا منه فقال له إني لكم ناصح إن القوم خاذلوكم ولك ولأبيك الأمان وناشده فرجع إلى أبيه فأخبره فقال إني أظن القوم سيفون فإن أحببت أن تأتيهم فأتهم فقال والله لا تتحدث نساء قريش أني خذلتك ورغبت بنفسي عنك قال فتقدم حتى أحتسبك فتقدم وتقدم ناس معه فقتل وقتلوا وترك أهل العراق مصعباً حتى بقي في سبعة
مقتل مصعب
وجاء رجل من أهل الشام ليحتز رأس عيسى فشد عليه مصعب فقتله ثم شد على الناس فانفرجوا ثم رجع فقعد على مرفقة ديباج ثم جعل يقوم عنها
(19/133)

ويحمل على أهل الشأم فيفرجون عنه ثم يرجع فيقعد على المرفقة حتى فعل ذلك مراراً وأتاه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فدعاه إلى المبارزة فقال له أعزب يا كلب وشد عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها وجرحه فرجع عبيد الله فعصب رأسه وجاء ابن أبي فروة كاتب مصعب فقال له جعلت فداك قد تركك القوم وعندي خيل مضمرة فاركبها وانج بنفسك فدفع في صدره وقال ليس أخوك بالعبد ورجع ابن ظبيان إلى مصعب فحمل عليه وزرق زائدة بن قدامة مصعباً ونادى يا لثارات المختار فصرعه وقال عبيد الله لغلام له احتز رأسه فنزل فاحتز رأسه فحمله إلى عبد الملك فقال إنه لما وضعه بين يديه سجد قال ابن ظبيان فهممت والله أن أقتله فأكون أفتك العرب قتلت ملكين من قريش في يوم واحد ثم وجدت نفسي تنازعني إلى الحياة فأمسكت
قال وقال يزيد بن الرّقاع العاملي أخو عدي بن الرقاع وكان شاعرً أهل الشام
( نحن قتلْنا ابنَ الحوارِيِّ مُصعَباً ... أخَا أسد والمَذْحِجِيَّ اليمانيا )
يعني ابن الأشتر قال
(19/134)

( ومرَّت عُقاب الموت منا بمُسلمٍ ... فأهْوَت له ظُفراً فأصبَح ثاوِيا )
قال الزبير ويروى هذا الشعر للبعيث اليشكري ومسلم الذي عناه هو مسلم بن عمرو الباهلي
مقتل مسلم بن عمرو الباهلي
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا محمد بن الحكم عن عوانة قال
كان مسلم بن عمرو الباهلي على ميسرة إبراهيم بن الأشتر فطعن وسقط فارثت فلما قتل مصعب أرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية أن يطلب له الأمان من عبد الملك فأرسل إليه ما تصنع بالأمان وأنت بالموت قال ليسلم لي مالي ويأمن ولدي قال فحمل على سرير فأدخل على عبد الملك بن مروان فقال عبد الملك لأهل الشام هذا أكفر الناس لمعروف ويحك أكفرت معروف يزيد بن معاوية عندك فقال له خالد تؤمنه يا أمير المؤمنين فأمنه ثم حمل فلم يبرح الصحن حتى مات فقال الشاعر
( نحنُ قَتَلْنا ابنَ الحَوارِيّ مُصعَبا ... أخا أسَدٍ والمذحِجيّ اليمانيا )
حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال
قال رجل لعبيد الله بن زياد بن ظبيان بماذا تحتج عند الله عز و جل من قتلك لمصعب قال إن تركت أحتج رجوت أن أكون أخطب من صعصعة بن صوحان
(19/135)

مصعب وسكينة بنت الحسين
وقال مصعب الزبيري في خبره قال الماجشون
فلما كان يوم قتل مصعب دخل إلى سكينة بنت الحسين عليهما السلام فنزع عنه ثيابه ولبس غلالة وتوشح بثوب وأخذ سيفه فعلمت سكينة أنه لا يريد أن يرجع فصاحت من خلفه واحزناه عليك يا مصعب فالتفت إليها وقد كانت تخفي ما في قلبها منه فقال أوكل هذا لي في قلبك فقالت أي والله وما كنت أخفي أكثر فقال لو كنت أعلم أن هذا كله لي عندك لكانت لي ولك حال ثم خرج ولم يرجع
قال مصعب وحدثني مصعب بن عثمان أن مصعب بن الزبير لما قدمت عليه سكينة أعطى أخاها علي بن الحسين عليهم السلام وهو كان حملها إليه أربعين ألف دينار
قال مصعب وحدثني معاوية بن بكر الباهلي قال
قالت سكينة دخلت على مصعب وأنا أحسن من النار الموقدة قال وكانت قد ولدت منه بنتاً فقال لها سميها زبراء فقالت بل أسميها باسم بعض أمهاتي فسمتها الرباب
قال فحدثني محمد بن سلام عن شعيب بن صخر عن أمه سعدة بنت
(19/136)

عبد الله بن سالم قالت
لقيت سكينة بنت الحسين بين مكة ومنى فقالت قفي يا بنت عبد الله ثم كشفت عن ابنتها فإذا هي قد أثقلتها باللؤلؤ فقالت والله ما ألبستها إياه إلا لتفضحه قال فلما قتل مصعب ولي أمر ماله عروة بن الزبير فزوج ابنه عثمان بن عروة ابنة أخيه من سكينة وهي صغيرة فماتت قبل أن تبلغ فورث عثمان بن عروة منها عشرة آلاف دينار
قال ولما دخلت سكينة الكوفة بعد قتل مصعب خطبها عبد الملك فقالت والله لا يتزوجني بعده قاتله أبداً وتزوجت عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام ودخلت بينها وبينه رملة بنت الزبير أخت مصعب حتى تزوجها خوفاً من أن تصير إلى عبد الملك فولدت منه ابناً فسمته عثمان وهو الذي يلقب بقرين وربيحه ابني عبد الله بن عثمان فتزوج ربيخة العباس بن الوليد بن عبد الملك
ابن قيس الرقيات يرثي مصعباً
ثم مات عبد الله بن عثمان عنها فتزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان فقال عبيد الله بن قيس الرقيات يرثي مصعباً
صوت
( إن الرَّزِيَّة يوم مَسْكِنَ ... والمُصِيبَةَ والفَجِيعَهْ )
( يابن الحوارِيّ الذي ... لم يَعده يومُ الوقيَعهْ )
(19/137)

( غَدَرتْ به مُضَرُ العِراق ... وأمكَنَتْ منه رَبيعَهْ )
( تَاللَّه لو كانت له ... بالدَّيْر يومَ الدير شِيعَهْ )
( لوجَدْتُموه حين يدُلج ... لا يُعرِّس بالمَضِيعَهْ )
غناه يونس الكاتب من كتابه ولحنه خفيف رمل بالوسطى وفيه لموسى شهوات خفيف رمل بالبنصر عن حبش وقيل بل هو هذا اللحن وغلط من نسبه إلى موسى
وقال عدي بن الرقاع العاملي يذكر مقتله
( لَعَمْرِي لقد أصحَرَتْ خيلُنا ... بأكنافِ دِجْلَةَ للمُصْعَبِ )
( يَهُزّون كُلَّ طويل القناة ... معتدلَ النَّصلِ والثَّعلبِ )
( فِداؤُك أُمّي وأبناؤُها ... وإن شئتَ زِدتُ عليهم أَبي )
( وما قلتُها رَهبَةً إنما ... يَحُلّ العِقابُ على المذنب )
( إذا شِئتُ دافعْتُ مُسْتَقْتِلاً ... أُزاحِمُ كالْجَمَل الأجربِ )
( فمن يَكُ منّا يَبِتْ آمِناً ... ومن يَكُ من غَيرِنا يَهرُبِ )
غناه معبد من رواية إسحاق ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى
(19/138)

وقال ابن قيس يرثي مصعبا
( لقد أورَثَ المِصْرَيْنِ خِزْياً وذِلَّةً ... قتيلٌ بدَيْر الجاثَلِيقِِ مُقِيمُ )
( فما قاتَلتْ في اللهِ بكرُبنُ وائلٍ ... ولا صَبرتْ عند اللِّقاء تميمُ )
( ولكنه رامَ القِيامَ ولم يَكُن ... لها مُضَرِيُّ يوم ذاك كَرِيمُ )
مصعب يسأل عن قتل الحسين
قال الزبير وكان مصعب لما قدم الكوفة يسأل عن الحسين بن علي عليهما السلام وعن قتله فجعل عروة بن المغيرة يحدثه عن ذلك فقال متمثلاًبقول سليمان بن قتة
( فإن الأُلى بالطَّفِّ من آل هاشمِ ... تأسَّوْا فسَنُّوا للِكرام التَّأَسِّيا )
قال عروة فعلمت أن مصعبا لا يفر أبداً
قال الزبير وقال أبو الحكم بن خلاد بن قرة السدوسي حدثني أبي قال
لما كان يوم السبخة حين عسكر الحجاج بإزاء شبيب الشاري قال له الناس لو تنحيت أيها الأمير عن هذه السبخة فقال لهم ما تنحوني والله إليه أنتن وهل ترك مصعب لكريم مفرا ثم تمثل قول الكلحبة
( إذا المَرْءُ لم يَغْشَ المكارِهَ أوشَكت ... حِبال الهُوَيْنَى بالفتى أن تَقَطَّعَا )
قال الزبير وحدثني المدائني عن عوانة والشرقي بن القطامي عن أبي جناب قال
لما أتى عبد الله بن الزبير قتل مصعب أضرب عن ذكره أياماً حتى تحدثت به
(19/139)

إماء مكة في الطريق ثم صعد المنبر فجلس عليه ملياً لا يتكلم فنظرت إليه والكآبة على وجهه وجبينه يرشح عرقاً فقلت لآخر إلى جنبي ما له لا يتكلم أتراه يهاب المنطق فوالله إنه لخطيب فما تراه يهاب قال أراه يريد أن يذكر قتل مصعب سيد العرب فهو يفظعُ لذكره وغير ملوم فقال الحمد لله الذي له الخلق والأمر ومالك الدنيا والآخرة يعز من يشاء ويذل من يشاء ألا إنه يذل والله من كان الحق معه وإن كان مفرداً ضعيفا ولم يعز من كان الباطل معه وإن كان في العدة والعدد والكثرة ثم قال إنه قد أتانا خبر من العراق بلد الغدر والشقاق فساءنا وسرنا أتانا أن مصعباً قتل رحمة الله عليه ومغفرته فأما الذي أحزننا من ذلك فإن لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوي من بعد ذو الرأي والدين إلى جميل الصبر وأما الذي سرنا منه فإنا قد علمنا أن قتله شهادة له وأن الله عز و جل جاعل لنا وله ذلك خيرة إن شاء الله تعالى أن أهل العراق أسلموه وباعوه بأقل ثمن كانوا يأخذونه منه وأخسره أسلموه إسلام النعم المخطم فقتل ولئن قتل أبوه وعمه وأخوه وكانوا الخيار الصالحين إنا والله ما نموت حتف أنوفنا ما نموت إلا قتلا قعصا بين قصد الرماح وتحت ظلال السيوف وليس كما يموت بنو مروان والله ما قتل رجل منهم في جاهلية ولا إسلام قط وإنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه فإن تقبل الدنيا عليَّ لا آخذها أخذ الأشر البطر وإن تدبر عني لا أبك عليها بكاء الخرف المهتر ثم نزل
وقال رجل من بني أسد بن عبد العزى يرثي مصعباً
( لعمرُك إنّ الموتَ منا لمُولَعٌ ... بكُلّ فتىً رَحْبِ الذّراع أَرِيبِ )
( فإن يَكُ أمسَى مُصعبٌ نال حَتفَه ... لقد كان صُلْبَ العُودِ غيرَ هَيُوب )
(19/140)

( جمِيلَ المُحَيَّا يُوهِن القِرنَ غربُه ... وإن عضَّه دَهْرٌ فغير رَهُوب )
( أتاه حِمامُ المَوْت وَسْط جُنودِه ... فطاروا شِلالاً واسْتَقَى بذَنُوب )
( ولو صَبروا نالوا حُباً وكرامةً ... ولكنَّهم وَلَّوْا بغير قُلوبِ )
عبد الملك لجلسائه مصعب أشجع الناس
قال وقال عبد الملك يوماً لجلسائه من أشجع الناس فأكثروا في هذا المعنى فقال أشجع الناس مصعب بن الزبير جمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وأمه الحميد بنت عبد الله بن عاصم وولي العراقين ثم زحف إلى الحرب فبذلت له الأمان والحباء والولاية والعفو عما خلص في يده فأبى قبول ذلك واطرح كل ما كان مشغوفاً به من ماله وأهله وراء ظهره وأقبل بسيفه قَرماً يقاتل وما بقي معه إلا سبعة نفر حتى قتل كريماً
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال
لما ولي مصعب بن الزبير العراق أقر عبد العزيز بن عبد الله بن عامر على سجستان وأمده بخيل فقال ابن قيس الرقيات
( ليتَ شِعْري أأوَّلُ الهَرْج هذا ... أم زَمانٌ من فتْنةٍ غير هَرْجِ )
( إن يَعِش مُصعَبٌ فنحن بخيرٍ ... قد أتانا من عيْشنا ما نُرَجّي )
( أُعطِيَ النّصرَ والمهابةَ في الأعداءِ ... حتى أتَوْه من كل فجِّ )
( حيث لم تأتِ قبله خيلُ ذي الأكتاف ... يُوجِفْن بين قُفٍّ ومَرْجِ )
(19/141)

( ملكٌ يُطعِم الطّعامَ ويَسْقي ... لَبَنَ البُخْتِ في عِساسِ الخَلَنْجِ )
قال الزبير حدثني عمي مصعب أن عبيد الله بن قيس كان عند عبد الملك فأقبل غلمان له معهم عساس خلنج فيها لبن البخت فقال عبد الملك يا بن قيس أين هذا من عساس مصعب التي تقول فيها
( ملكٌ يطعم الطعام ويسقي ... لبنَ البُخت في عِساس الخَلنج )
فقال لا أين يا أمير المؤمنين لو طرحت عساسك هذه في عس من عساس مصعب لوسعها وتغلغلت في جوفه فضحك عبد الملك ثم قال قاتلك الله يا بن قيس فإنك تأبى إلا كرماً ووفاء
يونس الكاتب والوليد بن يزيد
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن الطيب قال قال لي أحمد بن إبراهيم ابن إسماعيل بن داود
خرج يونس الكاتب من المدينة يريد الشام بتجارة فبلغ الوليد بن يزيد مكانه فأتته رسله وهو في الخان وذلك في خلافة هشام والوليد يومئذٍ أمير فقالوا له أجب الأمير قال فذهبت معهم فأدخلوني عليه ولا أدري من هو إلا أنه حسن الوجه نبيل فسلمت عليه فأمرني بالجلوس فجلست ودعا بالشراب والجواري فكنا يومنا وليلتنا في أمر عجيب وغنيته فأعجبه لغنائي وكان مما أعجبه
( لَيْتَ شِعْرِي أَأَوَّل الهَرْج هذا ... أم زَمانٌ من فِتْنةٍ غير هَرْج )
فلم يزل يستعيده إلى الصبح ثم اصطبح عليه ثلاثة أيام فقلت أيها الأمير أنا رجل تاجر قدمت هذا البلد في تجارة لي وقد ضاعت فقال تخرج غداً غُدوة وقد ربحت أكثر من تجارتك وتمم شربه فلما أردت الانصراف لحقني غلام من غلمانه بثلاثة آلاف دينار فأخذتها ومضيت فلما أفضت الخلافة إليه أتيته فلم أزل مقيماً عنده حتى قتل
(19/142)

قال أحمد بن الطيب وذكر مصعب الزبيري أن يونس قال
كنت أشرب مع أصحاب لي فأردت أن أبول فقمت وجلست أبول على كثيب رمل فخطر ببالي قول ابن قيس
( ليت شعري أَأَوَّل الهَرْج هذا ... )
فغنيت فيه لحنا استحسنه وجاء عجباً من العجب فألقيته على جاريتي عاتكة ورددته حتى أخذته وشاع لي في الناس فكان أول صوت شاع لي وارتفع به قدري وقرنت بالفحول من المغنين وعاشرت الخلفاء من أجله وأكسبني مالاً جليلاً
صوت
( ألا نادِ جِيرانَنا يَقصِدُوا ... فنَقْضي اللُّبانَةَ أو نَعْهدُ )
( كأَنَّ على كَبدِي جَمْرةً ... حِذاراً من البَيْن ما تَبْردُ )
الشعر لكثير والغناء لأشعب المعروف بالطمع ثاني ثقيل بالوسطى وفي البيت الثاني لابن جامع لحن من الثقيل الأول بالبنصر عن حبش
(19/143)

ذكر أشعب وأخباره
هو أشعب بن جبير واسمه شعيب وكنيته أبو العلاء كان يقال لأمه أم الخلندج وقيل بل أم جميل وهي مولاة أسماء بنت أبي بكر واسمها حميدة وكان أبوه خرج مع المختار بن أبي عبيد وأسره مصعب فضرب عنقه صبراً وقال تخرج علي وأنت مولاي ونشأ أشعب بالمدينة في دور آل أبي طالب وتولت تربيته وكفلته عائشة بنت عثمان عفان
وحكي عنه أنه حكى عن أمه أنها كانت تغري بين أزواج النبي زنت فحلقت وطيف بها وكانت تنادي على نفسها من رآني فلا يزنين فقالت لها امرأة كانت تطلع عليها يا فاعلة نهانا الله عز و جل عنه فعصيناه أو نطيعك وأنت مجلودة محلوقة راكبة على جمل
وذكر رضوان بن أحمد الصيدلاني فيما أجاز لي روايته عنه عن يوسف بن الداية عن إبراهيم بن المهدي
أن عبيدة بن أشعب أخبره وقد سأله عن أولهم وأصلهم أن أباه وجده كانا موليي عثمان وأن أمه كانت مولاة لأبي سفيان بن حرب وأن ميمونة أم المؤمنين أخذتها معها لما تزوجها النبي تدخل إلى أزواج النبي ثم إنها فارقت ذلك وصارت تنقل أحاديث بعضهن إلى بعض وتغري
(19/144)

بينهن فدعا النبي فماتت
وذكروا أنه كان مع عثمان رضي الله عنه في الدار فلما حصر جرد مماليكه السيوف ليقاتلوا فقال لهم عثمان من أغمد سيفه فهو حر قال أشعب فلما وقعت والله في أذني كنت أول من أغمد سيفه فأعتقت
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق الموصلي قال حدثني الفضل بن الربيع قال
كان أشعب عند أبي سنة أربع وخمسين ومائة ثم خرج إلى المدينة فلم يلبث أن جاء نعيه وهو أشعب بن جبير وكان أبوه مولى لآل الزبير فخرج مع المختار فقتله مصعب صبراً مع من قتل
أخبرني الجوهري قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا أحمد بن إسماعيل اليزيدي قال حدثني التوزي عن الأصمعي قال
قال أشعب نشأت أنا وأبو الزناد في حجر عائشة بنت عثمان فلم يزل يعلو وأسفل حتى بلغنا هذه المنزلة
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبيد الله بن الحسن والي المأمون على المدينة قال
حدثني محمد بن عثمان بن عفان قال قلت لأشعب لي إليك حاجة
(19/145)

فحلف بالطلاق لابنه وردان لا سألته حاجة إلا قضاها فقلت له أخبرني عن سنك فأنشد ذلك عليه حتى ظننت أنه سيطلق فقلت له على رسلك وحلفت له إني لا أذكر سنه ما دام حياً فقال لي أما إذ فعلت فقد هونت علي أنا والله حيث حصر جدك عثمان بن عفان أسعى في الدار ألتقط السهام قال الزبير وأدركه أبي
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عبد الله اليعقوبي عن الهيثم بن عدي قال
قال أشعب كنت ألتقط السهام من دار عثمان يوم حوصر وكنت في شيبتي ألحق الحمر الوحشية عدوا
بغت أمه فطيف بها
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا عبد الرحمن بن الجهم أبو مسلم وأحمد بن إسماعيل قالا أخبرنا المدائني قال
كان أشعب الطامع واسمه شعيب مولى لآل الزبير من قبل أبيه وكانت أمه مولاة لعائشة بنت عثمان بن عفان وكانت بغت فضربت وحلقت وطيف بها وهي تنادي من رآني فلا يزنين فأشرفت عليها امرأة فقالت يا فاعلة نهانا الله عز و جل عن الزنا فعصيناه ولسنا ندعه لقولك وأنت محلوقة مضروبة يطاف بك
أخبرني أحمد قال حدثنا أحمد بن مهرويه قال كتب إلي ابن أبي خيثمة يخبرني أن مصعب بن عبد الله أخبره قال
اسم أشعب شعيب ويكنى أبا العلاء ولكن الناس قالوا أشعب فبقيت
(19/146)

عليه وهو شعيب بن جبير مولى آل الزبير وهم يزعمون اليوم أنهم من العرب فزعم أشعب أن أمه كانت تغري بين أزواج النبي وامرأة أشعب بنت وردان ووردان الذي بنى قبر النبيحين بنى عمر بن عبد العزيز المسجد
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال وكتب إلي ابن أبي خيثمة يخبرني أن مصعب بن عبد الله أخبره قال
كان أشعب من القراء للقرآن وكان قد نسك وغزا وكان حسن الصوت بالقرآن وربما صلى بهم القيام
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني أحمد بن يحي قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال
كان أشعب مع ملاحته ونوادره يغني أصواتاً فيجيدها وفيه يقول عبد الله بن مصعب الزبيري
صوت
( إذا تمزَّزْتُ صُراحِيِّةً ... كمثل ريح المسك أو أَطْيَبُ )
( ثم تغنَّى لي بأهْزاجِه ... زَيدٌ أخو الأنصارِ أو أشْعبُ )
( حسِبتُ أنّي ملك جالِسٌ ... حَفَّت به الأملاكُ والمَوْكِبُ )
( وما أُبالي وإلهِ الوَرَى ... أشرَّق العالَمُ أم غَرَّبُوا )
غنى في هذه الأبيات زيد الأنصاري خفيف رمل بالبنصر
وقد روى أشعب الحديث عن جماعة من الصحابة
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد أن الربيع بن ثعلب حدثهم قال حدثني أبو البختري
(19/147)

حدثني أشعب عن عبد الله بن جعفر قال قال رسول الله دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت
أشعب وسالم بن عبد الله
قال ابن أبي سعد وروي عن محمد بن عباد بن موسى عن عتاب بن إبراهيم عن أشعب الطامع قال عتاب وإنما حملت هذا الحديث عنه لأنه عليه قال دخلت إلى سالم بن عبد الله بستاناً له فأشرف علي وقال يا أشعب ويلك لا تسأل فإني سمعت أبي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ليأتين أقوام يوم القيامة ما في وجوههم مزعة لحم قد أخلقوها بالمسألة
ويروى عن يزيد بن موهب الرملي عن عثمان بن محمد عن أشعب عن عبد الله بن جعفر أن النبي في يمينه
أخبرني أحمد قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني الأصمعي عن أشعب قال استنشدني ابن لسالم بن عبد الله بن عمر غناء الركبان بحضرة أبيه سالم فأنشدته ورأس أبيه سالم في بت فلم ينكر ذلك
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو مسلم عن عبد الرحمن بن الحكم عن المدائني قال دفعت عائشة بنت عثمان أشعب في البزازين فقالت له بعد حول أتوجهت لشيء قال
(19/148)

نعم تعلمت نصف العمل وبقي نصفه قالت وما تعلمت قال تعلمت النشر وبقي الطي
قال المدائني وقال أشعب تعلقت بأستار الكعبة فقلت اللهم أذهب عني الحرص والطلب إلى الناس فمررت بالقرشيين وغيرهم فلم يعطني أحد شيئاً فجئت إلى أمي فقالت مالك قد جئت خائباً فأخبرتها فقالت لا والله لا تدخل حتى ترجع فتستقيل ربك فرجعت فقلت يا رب أقلني ثم رجعت فلم أمر بمجلس لقريش وغيرهم إلا أعطوني ووهب لي غلام فجئت إلى أمي بحمار موقر من كل شيء فقالت ما هذا الغلام فخفت أن أخبرها بالقصة فتموت فرحاً فقلت وهبوا لي قالت أي شيء قلت غين قالت أي شيء غين قلت لام قالت وأي شيء لام قلت ألف قالت وأي شيء ألف قلت ميم قالت وأي شيء ميم قلت غلام فغشي عليها ولو لم أقطع الحروف لماتت الفاسقة فرحاً
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني العباس بن ميمون قال سمعت الأصمعي يقول
سمعت أشعب يقول سمعت الناس يموجون في أمر عثمان قال الأصمعي ثم أدرك المهدي
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني يحي بن
(19/149)

الحسن بن عبد الخالق بن سعيد الربيعي قال حدثني هند بن حمدان الأرقمي المخزومي قال أخبرني أبي قال كان أشعب أزرق أحول أكشف أقرع
قال وسمعت الأرقمي يقول كان أشعب يقول كنت أسقي الماء في فتنة عثمان بن عفان والله أعلم
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثنا عيسى بن موسى قال حدثنا الأصمعي قال
أصاب أشعب ديناراً بالمدينة فاشترى به قطيفة ثم خرج إلى قباء يعرفها ثم أقبل علي فيما أحسب شك أبو يحي فقال أتراها تعرف
قال أحمد وحدثناه أبو محمد بن سعد قال حدثني أحمد بن معاوية بن بكر قال حدثني الواقدي قال كنت مع أشعب نريد المصلى فوجد ديناراً فقال لي يا بن واقد قلت ما تشاء قال وجدت دينار فما أصنع به قال قلت عرفه قال أم العلاء إذا طالق قال قلت فما تصنع به إذا قال أشتري به قطيفة أعرفها
قال وحدثني محمد بن القاسم قال وحدثنيه محمد بن عثمان الكريزي عن الأصمعي أن أشعب وجد ديناراً فتحرج من أخذه دون أن يعرفه فاشترى به قطيفة ثم قام على باب المسجد الجامع فقال من يتعرف الوبدة
أخبرني أحمد الجوهري قال حدثني محمد بن القاسم قال سألت العنزي فقال الوبد من كل شيء الخلق وبد الثوب وومد إذا أخلق
(19/150)

أخبرنا أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثنا عيسى بن موسى قال حدثنا الأصمعي قال رأيت أشعب يغني وكأن صوته صوت بلبل
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا محمد بن القاسم بن عبد الله في رفقة فيها ألف محمل وكان ثم قاص عليهم فجئت فأخذت في أغنية من الرقيق فتركوه وأقبلوا إلي فجاء يشكوني إلى سالم فقال إن هذا صرف وجوه الناس عني قال وأتيت سالماً وأحسبه قال والقاسم فسألتهما بوجه الله العظيم فأعطياني وكانا يبغضانني أو أحدهما يبغضني في الله قال قلنا لا تجعل هذا في الحديث قال بلى
حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال وحدثناه قعنب بن محرز الباهلي قال أخبرنا الأصمعي عن أشعب قال
قدم علينا قاص كوفي يقص في رفقته وفيها ألف بعير فخرجنا وأحرمنا من الشجرة بالتلبية فأقبل الناس إلي وتركوه قال ابن أم حميد فجاء إلي عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فقال إن مولاك هذا قد ضيق علي معيشتي
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال أخبرنا أبو مسلم عبد الرحمن بن الجهم عن المدائني قال
تغدى أشعب مع زياد بن عبد الله الحارثي فجاؤوا بمضيرة فقال أشعب لخباز ضعها بين يدي فوضعها بين يديه فقال زياد من يصلي بأهل السجن قال ليس لهم إمام قال أدخلوا أشعب يصلي بهم قال أشعب أو غير ذلك أصلح الله الأمير قال وما هو قال أحلف ألا آكل مضيرة أبداً
(19/151)

أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني قعنب بن المحرز قال حدثنا الأصمعي قال
ولى المنصور زياد بن عبد الله الحارثي مكة والمدينة قال أشعب فلقيته بالجحفة فسلمت عليه قال فحضر الغداء وأهدي إليه جدي فطبخه مضيرة وحشيت القبة قال فأكلت أكلا أتملح به وأنا أعرف صاحبي ثم أتي بالقبة فشققتها فصاح الطباخ إنا لله شق القبة قال فانقطعت فلما فرغت قال يا أشعب هذا رمضان قد حضر ولا بد أن تصلي بأهل السجن قلت والله ما أحفظ من كتاب الله إلا ما أقيم به صلاتي قال لا بد منه قال قلت أو لا آكل جديا مضيرة قال وما أصنع به وهو في بطنك قال قلت الطريق بعيد أريد أن أرجع إلى المدينة قال يا غلام هات ريشة ذنب ديك قال أشعب والجحفة أطول بلاد الله ريشة ذنب ديك قال فأدخلت في حلقي فتقيأت ما أكلت ثم قال لي ما رأيك قال قلت لا أقيم ببلدة يصاح فيها شق القبة قال لك وظيفة على السلطان وأكره أن أكسرها عليك فقل ولا تشطط قال قلت نصف درهم كراء حمار يبلغني المدينة قال أنصفت وأعطانيه
(19/152)

من طرائف أشعب
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال أخبرني أبو مسلم عن المدائني قال
أتي أشعب بفالوذجة عند بعض الولاة فأكل منها فقيل له كيف تراها يا أشعب قال امرأته طالق إن لم تكن عملت قبل أن يوحي الله عز و جل إلى النحل
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن شعيب الزبيري عن عمه قال أبو بكر وحدثني ابن أبي سعد قال حدثني عبد الله بن شعيب وهو أتم من هذا وأكثر كلاماً قال
جاء أشعب إلى أبي بكر بن يحي من آل الزبير فشكا إليه فأمر له بصاع من تمر وكانت حال أشعب رثة فقال له أبو بكر بن يحي ويحك يا أشعب أنت في سنك وشهرتك تجيء في هذه الحال فتضع نفسك فتعطى مثل هذا اذهب فادخل الحمام فاخضب لحيتك قال أشعب ففعلت ثم جئته فألبسني ثياب صوف له وقال اذهب الآن فاطلب قال فذهبت إلى هشام بن الوليد صاحب البغلة من آل أبي ربيعة وكان رجلاً شريفاً موسراً فشكا إليه فأمر له بعشرين ديناراً فقبضها أشعب وخرج إلى المسجد وطفق كلما جلس في حلقة يقول أبو بكر بن يحي جزاه الله عني خيراً أعرف الناس بمسألة فعل بي وفعل فيقص قصته فبلغ ذلك أبا بكر فقال يا عدو نفسه فضحتني في الناس أفكان هذا جزائي
أخبرنا أحمد قال قال حدثني محمد بن القاسم قال أخبرني محمد بن الحسين بن عبد الحميد قال
حدثني شيخ أنه نظر إلى أشعب بموضع يقال له الفرع يبكي وقد خضب
(19/153)

بالحناء فقالوا يا شيخ ما يبكيك قال لغربة هذا الجناح وكان على دار واحدة ليس بالفرع غيره
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال أخبرني محمد ابن الحسين قال حدثني ابي قال
نظرت إلى أشعب يسلم على رسول الله قال وهو يدعو ويتضرع قال فأدمت نظري إليه فكلما أدمت النظر إليه كلح وبث أصابعه في يده بحذائي حتى هربت فسألت عنه فقالوا هذا أشعب
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني محمد بن الحسين قال حدثني إسحاق بن إبراهيم بن عجلان الفهري قال
إن أشعب مرّ برش قد رش من الليل في بعض نواحي المدينة فقال كأن هذا الرش كساء برنكانيُّ فلما توسطه قال أظنني والله قد صدقت وجلس يلمس الأرض
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا بعض المدنيين قال
كان لأشعب خرق في بابه فينام ويخرج يده من الخرق ويطمع أن يجيء إنسان فيطرح في يديه شيئاً من الطمع
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري قال
صلى أشعب يوما إلى جانب مروان بن أبان بن عثمان وكان مروان عظيم
(19/154)

الخلق والعجيزة فأفلتت منه ريح عند نهوضه لها صوت فانصرف أشعب من الصلاة فوهم الناس أنه هو الذي خرجت منه الريح فلما انصرف مروان إلى منزله جاءه أشعب فقال له الدية فقال دية ماذا فقال دية الضرطة التي تحملتها عنك والله وإلا شهرتك فلم يدعه حتى أخذ منه شيئاً صالحاً
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني إبراهيم بن الجنيد قال حدثني سوار بن عبد الله قال حدثني مهدي بن سليمان المنقري مولى لهم عن أشعب قال
دخلت على القاسم بن محمد وكان يبغضني في الله وأحبه فيه فقال ما أدخلك علي اخرج عني فقلت أسألك بالله لما جددت عذقاً قال يا غلام جد له عذقاً فإنه سأل بمسألة لا يفلح من ردها أبداً
أخبرنا أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثنا الرياشي قال حدثني أبو سلمة أيوب بن عمر عن المحرزي وهو أيوب بن عباية أبو سليمان قال
كان لأشعب علي في كل سنة دينار قال فأتاني يوماً ببطحان فقال عجل لي ذلك الدنيار ثم قال لقد رأيتني أخرج من بيتي فلا أرجع شهراً مما آخذ من هذا وهذا وهذا
أخبرنا أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال سمعت أبي يحكي عن بعض المدنيين قال
(19/155)

كبر أشعب فمله الناس وبرد عندهم ونشأ ابنه فتغنى وبكى وأندر فاشتهى الناس ذلك فأخصب وأجدب أبوه فدعاه يوماً وجلس هو وعجوزه وجاء ابنه وامرأته فقال له بلغني أنك تغنيت وأندرت وحظيت وأن الناس قد مالوا إليك فهلم حتى أخايرك قال نعم فتغنى أشعب فإذا هو قد انقطع وأرعد وتغنى ابنه فإذا هو حسن الصوت مطرب وانكسر أشعب ثم أندر فكان الأمر كذلك ثم خطبا فكان الأمر كذلك فاحترق أشعب فقام فألقى ثيابه ثم قال نعم فمن أين لك مثل خلقي من لك بمثل حديثي قال وانكسر الفتى فنعرت العجوز ومن معها عليه
أخبرني أحمد قال حدثني عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حدثني علي بن الحسين بن هارون قال حدثني محمد بن عباد بن موسى قال حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر بن سليمان وكان جارنا هنا قال حدثني محمد بن حرب الهلالي وكان على شرطة محمد بن سليمان قال
دخلت على جعفر بن سليمان وعنده أشعب يحدثه قال
كانت بنت حسين بن عليّ عند عائشة بنت عثمان تربيها حتى صارت امرأة وحج الخليفة فلم يبق في المدينة خلق من قريش إلا وافى الخليفة إلا من لا يصلح لشيء فماتت بنت حسين بن علي فأرسلت عائشة إلى محمد بن عمرو بن حزم وهو والي المدينة وكان عفيفاً حديداً عظيم اللحية له جارية موكلة بلحيته إذا ائتزر لا يأتزر عليها وكان إذا جلس للناس جمعها ثم أدخلها تحت فخذه
فأرسلت عائشة يا أخي قد ترى ما دخل علي من المصيبة بابنتي وغيبة أهلي وأهلها وأنت الوالي فأما ما يكفي النساء من النساء فأنا أكفيكه بيدي وعيني
(19/156)

وأما ما يكفي الرجال من الرجال فاكفنيه مر بالأسواق أن ترفع وأمر بتجويد عمل نعشها ولا يحملها إلا الفقهاء الألباء من قريش بالوقار والسكينة وقم على قبرها ولا يدخله إلا قرابتها من ذوي الحجا والفضل فأتى ابن حزم رسولها حين تغدى ودخل ليقيل فدخل عليه فأبلغه رسالتها فقال ابن حزم لرسولها أقرئ ابنة المظلوم السلام وأخبرها أني قد سمعت الواعية وأردت الركوب إليها فأمسكت عن الركوب حتى أبرد ثم أصلي ثم أنفذ كل ما أمرت به وأمر حاجبه وصاحب شرطته برفع الأسواق ودعا الحرس وقال خذوا السياط حتى تحولوا بين الناس وبين النعش إلا ذوي قرابتها بالسكينة والوقار ثم نام وانتبه وأسرج له واجتمع كل من كان بالمدينة وأتى باب عائشة حين أخرج النعش فلما رأى الناس النعش التقفوه فلم يملك ابن حزم ولا الحرس منه شيئاً وجعل ابن حزم يركض خلف النعش ويصيح بالناس من السفلة والغوغاء اربعوا أي ارفقوا فلم يسمعوا حتى بلغ بالنعش القبر فصلى عليها ثم وقف على القبر فنادى من هاهنا من قريش فلم يحضره إلا مروان بن أبان بن عثمان وكان رجلاً عظيم البطن بادناً لا يستطيع أن ينثني من بطنه سخيف العقل فطلع وعليه سبعة قمص كأنها درج بعضها أقصر من بعض ورداء عدني يثمن ألفي درهم فسلّم وقال له ابن حزم أنت لعمري قريبها ولكن القبر ضيق لا يسعك فقال أصلح الله الأمير إنما تضيق الأخلاق قال ابن حزم إنا لله ما ظننت أن هذا هكذا كما أرى فأمر أربعة فأخذوا بضبعه حتى أدخلوه في القبر ثم أتى خراء الزنج وهو عثمان بن عمرو ابن عثمان فقال السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله ثم قال واسيدتاه وابنت أختاه فقال ابن حزم تالله لقد كان يبلغني عن هذا أنه مخنث فلم أكن أرى أنه بلغ هذا كله دلوه فإنه عورة هو والله أحق بالدفن منها فلما أدخلا قال مروان
(19/157)

لخراء الزنج تنح إليك شيئاً فقال له خراء الزنج الحمد لله رب العالمين جاء الكلب الإنسي يطرد الكلب الوحشي فقال لهما ابن حزم اسكتا قبحكما الله وعليكما لعنته أيكما الإنسي من الوحشي والله لئن لم تسكتا لآمرن بكما تدفنان ثم جاء خال للجارية من الخاطبيين وهو ناقة من مرض لو أخذ بعوضة لم يضبطها فقال أنا خالها وأمي سودة وأمها حفصة ثم رمى بنفسه في القبر فأصاب ترقوة خراء الزنج فصاح أوه أصلح الله الأمير دق والله عرقوبي فقال ابن حزم دق الله عرقوبك وترقوتك اسكت ويلك ثم أقبل على أصحابه فقال ويحكم إني خبرت أن الجارية بادن ومروان لا يقدر أن ينثني من بطنه وخراء الزنج مخنث لا يعقل سنة ولا دفناً وهذا الحاطبي لو أخذ عصفوراً لم يضبطه لضعفه فمن يدفن هذه الجارية والله ما أمرتني بهذا بنت المظلوم فقال له جلساؤه لا والله ما بالمدينة خلق من قريش ولو كان في هؤلاء خير لما بقوا فقال من هاهنا من مواليهم فإذا أبو هانئ الأعمى وهو ظئر لها فقال ابن حزم من أنت رحمك الله قال أنا أبو هانئ ظئر عبد الله بن عمرو بن عثمان وأنا أدفن أحياءهم وأمواتهم فقال أنا في طلبك ادخل رحمك الله فادفن هؤلاء الأحياء حتى يدلى عليك الموتى ثم أقبل على أصحابه فقال إنا لله وهذا أيضاً أعمى لا يبصر فنادوا من هاهنا من مواليهم فإذا برجل يزيدي يقال له أبو موسى قد جاء فقال له ابن حزم من أنت أيضاً قال أنا أبو موسى صالمين وأنا ابن السميط سميطين والسعيد سعيدين والحمد لله رب العالمين فقال ابن حزم والله العظيم لتكونن لهم خامساً رحمك الله يا بنت رسول الله فما اجتمع على جيفة خنزير ولا كلب ما اجتمع على جثتك فإنا لله وإنا إليه راجعون وأظنه سقط رجل آخر
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني اليعقوبي محمد ابن عبد الله قال حدثني أبو بكر الزلال الزبيري قال حدثني من رأى أشعب وقد
(19/158)

علق رأس كلبه وهو يضربه ويقول له تنبح الهدية وتبصبص للضيف
أشعب يرضع جدياً لبن زوجته
أخبرنا أحمد قال حدثني عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد الزبيري أبو الطاهر قال حدثني يحي بن محمد بن أبي قتيلة قال
غذا أشعب جديا بلبن زوجته وغيرها حتى بلغ الغاية قال ومن مبالغته في ذلك أن قال لزوجته أي ابنة وردان إني أحب أن ترضعيه بلبنك قال ففعلت قال ثم جاء به إلى إسماعيل بن جعفر بن محمد فقال بالله إنه لابني قد رضع بلبن زوجتي وقد حبوتك به ولم أر أحداً يستأهله سواك قال فنظر إسماعيل إلى فتنة من الفتن فأمر به فذبح وسمط فأقبل عليه أشعب فقال المكافأة فقال ما عندي والله اليوم شيء ونحن من تعرف وذلك غير فائت لك فلما يئس منه قام من عنده فدخل على أبيه جعفر بن محمد ثم اندفع يشهق حتى التقت أضلاعه ثم قال أخلني قال ما معنا أحد يسمع ولا عين عليك قال وثب ابنك إسماعيل على ابني فذبحه وأنا أنظر إليه قال فارتاع جعفر وصاح ويلك وفيم وتريد ماذا قال أما ما أريد فوالله ما لي في إسماعيل حيلة ولا يسمع هذا سامع أبداً بعدك فجزاه خيراً وأدخله منزله وأخرج إليه مائتي دينار وقال له خذ هذه ولك عندنا ما تحب قال وخرج إلى إسماعيل لا يبصر ما يطأ عليه فإذا به مترسل في مجلسه فلما رأى وجه أبيه نكره وقام إليه فقال يا إسماعيل أو فعلتها بأشعب قتلت ولده قال فاستضحك وقال جاءني بجدي من صفته كذا وخبره الخبر فأخبره أبوه ما كان منه وصار إليه قال فكان جعفر يقول لأشعب رعبتني رعبك الله فيقول روعة ابنك والله إياي في الجدي أكبر من روعتك أنت في المائتي الدينار
أخبرنا أحمد قال حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حدثني محمد بن إسحاق المسيبي قال حدثني عمير بن عبد الله بن أبي بكر بن سليمان
(19/159)

ابن أبي خيثمة قال وعمير لقب واسمه عبد الرحمن عن أشعب قال
أتيت خالد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ليلة أسأله فقال لي أنت على طريقة لا أعطي على مثلها قلت بلى جعلت فداءك فقال قم فإن قدر شيء فسيكون قال فقمت فإني لفي بعض سكك المدينة إذ لقيني رجل فقال يا أشعب إن كان الله قد ساق إليك رزقاً فما أنت صانع قلت أشكرالله وأشكر من فعله قال كم عيالك فأخبرته قال قد أمرت أن أجري عليك وعلى عيالك ما كنت حياً قال من أمرك قال لا أخبرك ما كانت هذه فوق هذه يريد السماء وأشار إليها قال قلت إن هذا معروف يشكر قال الذي أمرني لم يرد شكرك وهو يتمنى ألا يصل مثلك قال فمكثت آخذ ذلك إلى أن توفي خالد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال فشهدته قريش وحفل له الناس قال فشهدته فلقيني ذلك الرجل فقال يا أشعب انتف رأسك ولحيتك هذا والله صاحبك الذي كان يجري عليك ما كنت أعطيك وكان والله يتمنى مباعدة مثلك قال فحمله والله الكرم إذ سألته أن فعل بك ما فعل قال عمير قال أشعب فعملت بنفسي والله حينئذٍ ما حل وحرم
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا الزبير ابن بكار قال
كان أشعب يوماً في المسجد يدعو وقد قبض وجهه فصيره كالصبرة المجموعة فرآه عامر بن عبد الله بن الزبير فحصبه وناداه يا أشعب إذا تناجي ربك فناجه بوجه طلق قال فأرخى لحيه حتى وقع على زوره قال فأعرض عنه عامر وقال ولا كل هذا
(19/160)

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني الزبير قال حدثني مصعب قال
جز أشعب لحيته فبعث إليه نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ألم أقل لك إن البطال أملح ما يكون إذا طالت لحيته فلا تجزر لحيتك
طرائف من طمع أشعب وبخله
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثنا أبو الحسن أحمد ابن يحي قال أخبرنا أبو الحسن المدائني قال
وقف أشعب على امرأة تعمل طبق خوص فقال لتكبريه فقالت لم أتريد أن تشتريه قال لا ولكن عسى أن يشتريه إنسان فيهدي إلي فيه فيكون كبيرا خير من أن يكون صغيراً
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني محمد بن القاسم قال أخبرنا أحمد بن يحي قال أخبرنا المدائني قال صديقة أشعب لأشعب هب لي خاتمك أذكرك به قال اذكريني أني منعتك إياه فهو أحب إلي
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال أخبرنا أبو مسلم قال أخبرنا المدائني قال
قال أشعب مرة للصبيان هذا عمرو بن عثمان يقسم مالا فمضوا فلما أبطأوا عنه اتبعهم يحسب أن الأمر قد صار حقا كما قال
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال أخبرنا أحمد بن يحي قال أخبرنا المدائني قال
دعا زياد بن عبد الله أشعب فتغدّى معه فضرب بيده إلى جدي بين يديه
(19/161)

وكان زياد أحد البخلاء بالطعام فغاظه ذلك فقال لخدمه أخبروني عن أهل السجن ألهم إمام يصلي بهم وكان أشعب من القراء لكتاب الله تعالى قالوا لا قال فأدخلوا أشعب فصيروه إماماً لهم قال أشعب أو غير ذلك قالو وما هو قال أحلف لك أصلحك الله ألا أذوق جديا أبداً فخلاه
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال أخبرنا أبو مسلم قال أخبرنا المدائني قال
رأيت أشعب بالمدينة يقلب مالا كثيرا فقلت له ويحك ما هذا الحرص ولعلك أن تكون أيسر ممن تطلب منه قال إني قد مهرت في هذه المسألة فأنا أكره أن أدعها فتنفلت مني
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال أخبرنا أبو مسلم قال أخبرنا المدائني قال
قيل لأشعب ما بلغ من طمعك قال ما رأيت اثنين يتساران قط إلا كنت أراهما يأمران لي بشيء
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثنا أبو مسلم قال أخبرنا المدائني قال
قال أشعب لأمه رأيتك في النوم مطلية بعسل وأنا مطلي بعذرة فقالت يا فاسق هذا عملك الخبيث كساكه الله عز و جل قال إن في الرؤيا شيئاً آخر قالت ما هو قال رأيتني ألطعك وأنت تلطعيني قالت لعنك الله يا فاسق
أخبرنا أحمد قال حدثني محمد بن القاسم قال أخبرنا أبو مسلم قال
(19/162)

أخبرنا المدائني قال
كان أشعب يتحدث إلى امرأة بالمدينة حتى عرف ذلك فقالت لها جاراتها يوما لو سألته شيئاً فإنه موسر فلما جاء قالت إن جاراتي ليقلن لي ما يصلك بشيء فخرج نافراً من منزلها فلم يقربها شهرين ثم إنه جاء ذات يوم فجلس على الباب فأخرجت إليه قدحاً ملآن ماء فقالت اشرب هذا من الفزع فقال اشربيه أنت من الطمع
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثني محمد بن القاسم قال أخبرنا أبو مسلم وأحمد بن يحي واللفظ لأحمد قال أخبرنا المدائني عن جهم بن خلف قال
حدثني رجل قال قلت لأشعب لو تحدثت عندي العشية فقال أكره أن يجيء ثقيل قال قلت ليس غيرك وغيري قال فإذا صليت الظهر فأنا عندك فصلى وجاء فلما وضعت الجارية الطعام إذا بصديق لي يدق الباب فقال ألا ترى قد صرت إلى ما أكره قال قلت إن عندي فيع عشر خصال قال فما هي قال أولها أنه لا يأكل ولا يشرب قال التسع الخصال لك أدخله قال أبو مسلم إن كرهت واحدة منها لم أدخله
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال أخبرنا أبو مسلم قال أخبرنا المدائني قال
دخل أشعب يوماً على الحسين بن علي وعنده أعرابي قبيح المنظر مختلف الخلقة فسبح أشعب حين رآه وقال للحسين عليه السلام بأبي أنت وأمي أتأذن لي أن أسلح عليه فقال الأعرابي ما شئت ومع الأعرابي قوس وكنانة ففوق له سهما وقال والله لئن فعلت لتكونن آخر سلحة سلحتها قال أشعب للحسين جعلت فداءك قد أخذني القولنج
(19/163)

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثني محمد بن القاسم قال أخبرنا أبو مسلم قال أخبرنا المدائني قال
ذكر أشعب بالمدينة رجلاً قبيح الإسم فقيل له يا أبا العلاء أتعرف فلاناً قال ليس هذا من الأسماء التي عرضت على آدم
وجدت في بعض الكتب عن أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال
توضأ أشعب فغسل رجله اليسرى وترك اليمنى فقيل له لم تركت غسل اليمنى قال لأن النبي قال أمتي غر محجلون من آثار الوضوء وأنا أحب أن أكون أغر محجلاً مطلق اليمنى
وأخبرت بهذا الإسناد قال
سمع أشعب حبى المدينّية تقول اللهم لا تمتني حتى تغفر لي ذنونبي فقال لها يا فاسقة أنت لم تسألي الله المغفرة إنما سألته عمر الأبد يريد أنه لا يغفر لها أبداً
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني محمد بن القاسم قال أخبرنا المدائني عن فليح بن سليمان قال
ساوم أشعب رجلاً بقوس عربية فقال الرجل لا أنقصها عن دينار قال أشعب أعتق ما أملك لو أنها إذا رمي بها طائر في جو السماء ووقع مشوياً بين رغيفين مأخذتها بدينار
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال أخبرنا مسلم قال أخبرنا المدائني قال
أهدى رجل من بني عامر بن لؤي إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر بن
(19/164)

محمد فالوذجة وأشعب حاضر قال كل يا أشعب فلما أكل منها قال كيف تجدها يا أشعب قال أنا برىء من الله ورسوله إن لم تكن عملت قبل أن يوحي الله عز و جل إلى النحل أي ليس فيها من الحلاوة شيء
أخبرنا أحمد قال حدثنا محمد بن القاسم قال أخبرنا أبو مسلم قال أخبرنا المدائني قال
سأل سالم بن عبد الله أشعب عن طعمه قال قلت لصبياني مرة هذا سالم قد فتح باب صدقة عمر فانطلقوا يعطكم تمراً فمضوا فلما أبطأوا ظننت أن الأمر كما قلت فاتبعتهم
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني محمد بن القاسم قال أخبرنا أبو مسلم قال أخبرني المدائني قال
بينا أشعب يوماً يتغدى إذ دخلت جارة له ومع أشعب امرأته تأكل فدعاها ليتغدّى فجاءت الجارة فأخذت العرقوب بما عليه قال وأهل المدينة يسمونه عرقوب رب البيت قال فقام أشعب فخرج ثم عاد فدفق الباب فقالت له أمرأته يا سخين العين مالك قال أدخل قالت أتستأذن أنت وأنت رب البيت قال لو كنت رب البيت ما كانت العرقوب بين يدي هذه
أخبرني بعض أصحابنا قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير قال حدثني مصعب قال قال لي ابن كليب
حدثت مرة أشعب بملحة فبكى فقلت ما يبكيك قال أنا بمنزلة شجرة الموز إذا نشأت ابنتها قطعت وقد نشأت أنت في موالي وأنا الآن أموت فإنما أبكي على نفسي
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا الزبير بن بكار قال
كان أشعب الطمع يغني وله أصوات قد حكيت عنه وكان ابنه عبيدة يغنيها فمن أصواته هذه
(19/165)

( أروني مَن يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمرُ جلّ عن الخِطابِ )
( إلى مَن تَفزعون إذا حَثوتُم ... بأيديكم عليّ من الترابِ )
أشعب وسكينة بنت الحسين
أخبرني الحسن بن علي الحفاف قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا شعيب بن عبيدة بن أشعب عن أبيه عن جده قال
كانت سكينة بنت الحسين بن علي عليهم السلام عند زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان قال وقد كانت أحلفته ألا يمنعها سفراً ولا مدخلاً ولا مخرجاً فقالت اخرج بنا إلى حمران من ناحية عسفان فخرج بها فأقامت ثم قالت له اذهب بنا نعتمر فدخل بها مكة فأتاني آت فقال تقول لك ديباجة الحرم وهي امرأة من ولد عتاب بن أسيد لك عشرون ديناراً إن جئتني بزيد ابن عمرو الليلة في الأبطح قال أشعب وأنا أعرف سكينة وأعلم ما هي ثم غلب علي طباع السوء والشره فقلت لزيد فيما بيني وبينه إن ديباجة الحرم
(19/166)

أرسلت إلي بكيت وكيت فقال عدها الليلة بالأبطح فأرسلت إليها فواعدتها الأبطح وإذا الديباجة قد افترشت بساطاً في الأبطح وطرحت النمارق ووضعت حشايا وعليها أنماط فجلست عليها فلما طلع زيد قامت إليه فتلقته وسلمت عليه ثم رجعت إلى مجلسها فلم ننشب أن سمعنا شحيج بغلة سكينة فلما استبانها زيد قام فأخذ بركابها واختبأت ناحية فقامت الديباجة إلى سكينة فتلقتها وقبلت بين عينيها وأجلستها على الفراش وجلست هي على بعض النمارق فقالت سكينة أشعب والله صاحب هذا الأمر ولست لأبي إن لم يأت يصيح صياح الهرة لن يقوم لي بشيء أبداً فطلعت على أربع أصيح صياح الهرة ثم دعت جارية معها مجمر كبير فحفنت منه وأكثرت وصبت في حجر الديباجة وحفنت لمن معها فصبته في حجورهن وركبت وركب زيد وأنا معهم فلما صارت إلى منزلها قالت لي يا أشعب أفعلتها قلت جعلت فداءك إنما جعلت لي عشرين دينارا وقد عرفت طمعي وشرهي والله لو جعلت لي العشرين ديناراً على قتل أبوي لقتلتهما قال فأمرت بالرحيل إلى الطائف فأقامت بالطائف وحوطت من ورائها بحيطان ومنعت زيداً أن يدخل عليها قال ثم قالت لي يوماً قد أثمنا في زيد وفعلنا ما لا يحل لنا ثم أمرت بالرحيل إلى المدينة وأذنت لزيد فجاءها
قال الزبير وحدثني عبد الله بن محمد بن أبي سلمة قال
جاء أشعب إلى مجلس أصحابنا فجلس فيه فمرت جارية لأحدهم بحزمة عراجين من صدقة عمر فقال له أشعب فديتك أنا محتاج إلى حطب فمر لي بهذه الحزمة قال لا ولكن أعطيك نصفها على أن تحدثني بحديث ديباجة
(19/167)

الحرم فكشف أشعب ثوبه عن استه واستوفز وجعل يخنس ويقول إن لهذا زماناً وجلعت خصيتاه تخطان الأرض ثم اقل أعطاني والله فلان في حديث ديباجة الحرم عشرين ديناراً وأعطاني فلان كذا وأعطاني فلان كذا حتى عد أموالاً وأنت الآن تطلبها مني بنصف حزمة عراجين ثم قام فانصرف وفي ديباجة الحرم يقول عمر بن أبي ربيعة
صوت
( ذَهبتَ ولم تُلم بديباجة الحرمْ ... وقد كنتَ منها في عَناءٍ وفي سَقمْ )
( جُنِنْتَ بها لمّا سمعتَ بذكرها ... وقد كنتَ مجنوناً بجاراتها القُدُمْ )
( إذا أنتَ لم تعشق ولم تدرِ ما الهوى ... فكن حجراً بالحزْن من حَرَّةٍ أصمّْ )
غناه مالك بن أبي السمح من رواية يونس عن حبيش
قال الزبير وحدثني شعيب بن عبيدة عن أبيه قال
دخل رجل من قريش على سكينة بنت الحسين عليهما السلام قال فإذا أنا بأشعب متفحج جالس تحت السرير فلما رآني جعل يقرقر مثل الدجاجة فجعلت أنظر إليه وأعجب فقالت مالك تنظر إلى هذا قلت إنه لعجب قالت إنه لخبيث قد أفسد علينا أمورنا بغباوته فحضنته بيض دجاج ثم أقسمت أنه لا يقوم عنه حتى ينفق وهذا الخبر عندنا غير مشروح ولكن هذا ما سمعناه ونسخته على الشرح من أخبار إبراهيم بن المهدي التي رواها عنه يوسف ابن إبراهيم وقد ذكر في أخبار سكينة
(19/168)

وروى عن أحمد بن الحسن البزار وجدت بخط ابن الوشاء عن أبي الوشاء عن الكديمي عن أبي عاصم قال قيل لأشعب الطامع أرأيت أحداً قط أطمع منك قال نعم كلباً يتبعني أربعة أميال على مضغ العلك
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء وعمي عبد العزيز بن أحمد وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني مصعب عن عثمان بن المنذر عن عبيد الله بن أبي بشر بن عثمان بن المغيرة قال
سمعت جلبة شديدة مقبلة من البلاط وأسرعت فإذا جماعة مقبلة وإذا امرأة قد فرعتهم طولاً وإذا أشعب بين أيديهم بكفه دف وهو يغني به ويرقص ويحرف استه ويحركها ويقول
( ألا حيِّ التي خرجت ... قُبيلَ الصّبح فاختمرتْ )
( يقال بعينها رَمَدٌ ... ولا واللهِ ما رمِدتْ )
فإذا تجاوز في الرقص الجماعة رجع إليهم يخالطهم ويستقبل المرأة فيغني في وجهها وهي تبسم وتقول حسبك الآن فسألت عنها فقالوا هذه جارية صريم المغنية استلحقها صريم عند موته واعترف بأنهها بنته فحاكمت ورثته إلى السلطان فقامت لها البينة فألحقها به وأعطاها الميراث منه وكانت أحسن خلق الله غناء كان يضرب بها المثل في الحجاز فيقال أحسن من غناء الصريمية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال وحدثني أبي قال
اجتازت جنازة الصريمية بأشعب وهو جالس في وقوم من قريش فبكى عليها
(19/169)

ثم قال ذهب اليوم الغناء كله وعلى أنها الزانية كانت لا رحمها الله شر خلق الله فقيل يا أشعب ليس بين بكائك عليها ولعنك إياها فصل في كلامك قال نعم كنا نجيئها الفاجرة بكبش فيطبخ لنا في دارها ثم لا تعشينا يشهد الله إلا بسلق
أشعب والغاضري
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال قال حدثنا مصعب
بلغ أشعب أن الغاضري قد أخذ في مثل مذهبه ونوادره وأن جماعة قد استطابوه فرقبه حتى علم أنه في مجلس من مجالس قريش يحادثهم ويضحكهم فصار إليه ثم قال له قد بلغني أنك قد نحوت نحوي وشغلت عني من كان يألفني فإن كنت مثلي فافعل كما أفعل ثم غضن وجهه وعرضه وشنجه حتى صار عرضه أكثر من طوله وصار في هيئة لم يعرفه أحد بها ثم أرسل وجهه وقال له افعل هكذا وطول وجهه حتى كاد ذقنه يجوز صدره وصار كأنه وجه الناظر في سيفه ثم نزع ثيابه وتحادب فصار في ظهره حدبة كسنام البعير وصار طوله مقدار شبر أو أكثر ثم نزع سراويله وجعل يمد جلد خصييه حتى حك بهما الأرض ثم خلاهما من يده ومشى وجعل يخنس وهما يخطان الأرض ثم قام فتطاول وتمدد وتمطى حتى صار أطول ما يكون من الرجال فضحك والله القوم حتى أغمي عليهم وقطع الغاضري فما تكلم بنادرة ولا زاد على أن يقول يا أبا العلاء لا أعاود ما تكره إنما أنا تلميذك وخريجك ثم أنصرف أشعب وتركه
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم عن إبراهيم بن المهدي عن عبيدة بن أشعب عن أبيه أنه كان مولده في سنة تسع
(19/170)

من الهجرة وأن أباه كان من مماليك عثمان وأن أمه كانت تنقل كلام أزواح النبي بعضهن إلى بعض فتلقي بينهن الشر فتأذى رسول الله فدعا الله عز و جل عليها فأماتها وعمر ابنها أشعب حتى هلك في أيام المهدي
وكان في أشعب خلال منها أنه كان أطيب أهل زمانه عشرة وأكثرهم نادرة ومنها أنه كان أحسن الناس أداء لغناء سمعه ومنها أنه أقوم أهل دهره بحجج المعتزلة وكان أمرأً منهم
قال إبراهيم بن المهدي فحدثني عبيدة بن أشعب عن أبيه قال بلغني أن عبد الله بن عمر كان في مال له يتصدق بثمرته فركبت ناضحاً ووافيته في ماله فقلت يا بن أمير المؤمنين ويا بن الفاروق أوقر لي بعيري هذا تمراً فقال لي أمن المهاجرين أنت قلت اللهم لا قال فمن الأنصار أنت فقلت اللهم لا قال أفمن التابعين بإحسان فقلت أرجو فقال إلى أن يحقق رجاؤك قال أفمن أبناء السبيل أنت قلت لا قال فعلام أوقر لك بعيرك تمراً قلت لأني سائل وقد قال رسول الله ( إن أتاك سائل على فرس فلا ترده ) فقال لو شئنا أن نقول لك إنه قال لو أتاك على فرس ولم يقل أتاك على ناضح بعير لقلنا ولكني أمسك عن ذلك لاستغنائي عنه لأني قلت لأبي عمر بن الخطاب إذا أتاني سائل على فرس يسألني أعطيته فقال إني سألت رسول الله عما سألتني عنه فقال لي نعم إذا لم تصب راجلاً ونحن أيها الرجل نصيب رجالة فعلام أعطيك وأنت على بعير فقلت له بحق أبيك الفاروق وبحق الله عز و جل وبحق رسول الله صلى الله علية وآله وسلم لما أوقرته لي تمراً فقال لي عبد الله أنا موقره لك تمراً ووحق الله ووحق رسوله لئن عاودت استحلافي لا أبررت لك قسمك ولو أنك اقتصرت على استحلافي بحق
(19/171)

أبي علي في تمرة أعطيكها لما أنفذت قسمك لأني سمعت أبي يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تشد الرحال إلى مسجد لرجاء الثواب إلا إلى المسجد الحرام ومسجدي بيثرب ولا يبر امرؤ قسم مستحلفه إلا أن يستحلفه بحق الله وحق رسوله ثم قال للسودان في تلك الحال أوقروا له بعيره تمراً قال ولما أخذ السودان في حشو الغرائر قلت إن السودان أهل طرب وإن أطربتهم أجادوا حشو غرائري فقلت يا بن الفاروق أتأذن لي في الغناء فأغنيك فقال لي أنت وذلك فاندفعت في النصب فقال لي هذا الغناء الذي لم نزل نعرفه ثم غنيته صوتاً آخر لطويس المغني وهو
( خليلَيَّ ما أُخفِي من الحب ناطِقٌ ... ودمْعي بما قلتُ الغَداةَ شهيدُ )
فقال لي عبد الله يا هناه لقد حدث في هذا المعنى ما لم نكن نعرفه قال ثم غنيته لابن سريج
( يا عينُ جودي بالدموع السِّفاحْ ... وابْكي على قَتْلَى قُريشِ البِطاحْ )
فقال يا أشْعبَ ويحك هذا يَحْيِقُ الفؤاد أراد يحرق الفؤاد لأنه كان ألثغ لا يبين بالراء ولا باللام قال أشعب وكان بعد ذلك لا يراني إلا استعادني هذا الصوت
(19/172)

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال
لقي أشعب صديق لأبيه فقال له ويحك يا أشعب كان أبوك ألحى وأنت أثط فإلى من خرجت قال إلى أمي
أخبرني الحسن بن علي قال أخبرنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا مصعب بن عبد الله عن مصعب بن عثمان قال
لقي أشعب سالم بن عبد لله بن عمر فقال يا أشعب هل لك في هريس قد أعد لنا قال نعم بأبي أنت وأمي قال فصر إلي فمضى إلى منزله فقالت له امرأته قد وجه إليك عبد الله بن عمرو بن عثمان يدعوك قال ويحك إن لسالم بن عبد الله هريسة قد دعاني إليها وعبد الله بن عمرو في يدي متى شئت وسالم إنما دعوته للناس فلتة وليس لي بد من المضي إليه قالت إذاً يغضب عبد الله قال آكل عنده ثم أصير إلى عبد الله فجاء إلى سالم وجعل يأكل أكل متعالل فقال له كل يا أشعب وابعث ما فضل عنك إلى منزلك قال ذاك أردت بأبي أنت وأمي فقال يا غلام احمل هذا إلى منزله فحمله ومضى معه فجاء به امرأته فقالت له ثكلتك أمك قد حلف عبد الله أن لا يكلمك شهراً قال دعيني وإياه هاتي شيئاً من زعفران فأعطته ودخل الحمام يمسح على وجهه ويديه وجلس في الحمام حتى صفره ثم خرج متكئاً على عصا يرعد حتى أتى دار عبد الله بن عمرو فلما رآه حاجبه قال ويحك بلغت بك العلة ما أرى ودخل وأعلم صاحبه فأذن له فلما دخل عليه إذا سالم بن عبد الله عنده فجعل يزيد في الرعدة ويقارب الخطو فجلس وما يقدر أن يستقل فقال عبد الله ظلمناك يا أشعب في غضبنا عليك فقال له سالم مالك ويلك ألم
(19/173)

تكن عندي آنفاً وأكلت هريسة فقال له وأي أكل ترى بي قال ويلك ألم أقل لك كيت وكيت وتقل لي كيت وكيت قال له شبه لك قال لا حول ولا قوة إلا بالله والله إني لأظن الشيطان يتشبه بك ويلك أجاد أنت قال علي وعلي إن كنت خرجت منذ شهر فقال له عبد الله أعزب ويحك أتبهته لا أم لك قال ما قلت إلا حقاً قال بحياتي اصدقني وأنت آمن من غضبي قال لا وحياتك لقد صدق ثم حدثه بالقصة فضحك حتى استلقى على قفاه
ابنه عبد الله يذكر بعض طرائفه
أخبرني رضوان بن أحمد بن يوسف بن إبراهيم عن إبراهيم بن المهدي
أن الرشيد لما ولاه دمشق بعث إليه عبد الله بن أشعب وكان يقدم عليه من الحجاز إذا أراد أن يطرب
قال إبراهيم وكان يحدثني من حديث أبيه بالطرائف
عادلته يوماً وأنا خارج من دمشق في قبة على بغل لألهو بحديثه فأصابنا في الطريق برد شديد فدعوت بدواج سمور لألبسه فأتيت به فلما لبسته أقبلت على ابن اشعب فقلت حدثني بشيء من طمع ابيك فقال لي مالك ولأبي ها أنا إذ دعوت بالدواج فما شككت والله في أنك إنما جئت به لي فضحكت من قوله ودعوت بغيره فلبسته وأعطيته إياه ثم قلت له
ألأبيك ولد غيرك فقال كثير فقلت عشرة قال أكثر قلت فخمسون قال أكثر كثير قلت مائة قال دع المئين وخذ الألوف فقلت ويلك أي شيء تقوله أشعب أبوك ليس بينك وبينه أب فكيف يكون له ألوف
(19/174)

من الولد فضحك ثم قال لي في هذا خبر ظريف فقلت له حدثني به فقال
كان أبي منقطعاً إلى سكينة بنت الحسين وكانت متزوجة بزيد بن عمرو بن عثمان بن عفان وكانت محبة له فكان لا يستقر معها تقول له أريد الحج فيخرج معها فإذا أفضوا إلى مكة تقول أريد الرجوع إلى المدينة فإذا عاد إلى المدينة قالت أريد العمرة فهو معها في سفر لا ينقضي قال عبد الله فحدثني أبي قال
كانت قد حلفته بما لا كفارة له ألا يتزوج عليها ولا يتسرى ولا يلم بنسائه وجواريه إلا بإذنها وحج الخليفة في سنة من السنين فقال لها قد حج الخليفة ولا بد لي من لقائه قالت فاحلف بأنك لا تدخل الطائف ولا تلم بجواريك على وجه ولا سبب فحلف لها بما رضيت به من الأيمان على ذلك ثم قالت له احلف بالطلاق فقال لا أفعل ولكن ابعثي معي بثقتك فدعتني وأعطتني ثلاثين ديناراً وقالت لي اخرج معه وحلفتني بطلاق بنت وردان زوجتي ألا اطلق له الخروج إلى الطائف بوجه ولا سبب فحلفت لها بما أثلج صدرها فأذنت له فخرج وخرجت معه فلما حاذينا الطائف قال لي يا أشعب أنت تعرفني وتعرف صنائعي عندك وهذه ثلاثمائة دينار خذها بارك الله لك فيها وأذن لي ألم بجواري فلما سمعتها ذهب عقلي ثم قلت يا سيدي هي سكينة فالله الله في فقال أو تعلم سكينة الغيب فلم يزل بي حتى أخذتها وأذنت له فمضى وبات عند جواريه فلما أصبحنا رأيت أبيات قوم من العرب قريبة منا فلبست حلة وشيءٍ كانت لزيد قيمتها ألف دينار وركبت فرسه وجئت إلى النساء فسلمت فرددن ونسبنني فانتسبت نسب زيد فحادثني وأنسن بي وأقبل رجال الحي وكلما جاء رجل سأل عن نسبي فخبر به هابني وسلم علي وعظمني وانصرف إلى أن أقبل شيخ كبير منكر مبطون فلما خبر بي وبنسبي شال حاجبيه عن عينه ثم نظر إلي وقال وأبي ما هذه خلقة قرشي ولا شمائله وما هو إلا عبد لهم ناد وعلمت أنه يريد شراً فركبت الفرس ثم مضيت ولحقني فرماني بسهم فما أخطأ قربوس
(19/175)

السرج وما شككت أنه يلحقني بآخر يقتلني فسلحت يعلم الله في ثيابي فلوثها ونفذ إلى الحلة فصيرها شهرة وأتيت رحل زيد بن عمرو فجلست أغسل الحلة وأجففها وأقبل زيد بن عمرو فرأى ما لحق الحلة والسرج فقال لي ما القصة ويلك فقلت يا سيدي الصدق أنجى وحدثته الحديث فاغتاظ ثم قال لي ألم يكفك أن تلبس حلتي وتصنع بها ما صنعت وتركب فرسي وتجلس إلى النساء حتى انتسبت بنسبي وفضحتني وجعلتني عند العرب ولاجا جماشا وجرى عليك ذل نسب إلي أنا نفي من أبي ومنسوب إلى أبيك إن لم أسؤك وأبلغ في ذلك
ثم لقي الخليفة وعاد ودخلنا إلى سكينة فسألته عن خبره كله فخبرها حتى انتهى إلى ذكر جواريه فقالت إيه وما كان من خبرك قي طريقك هل مضيت إلى جواريك بالطائف فقال لها لا أدري سلي ثقتك فدعتني فسألتني وبدأت فحلفت لها بكل يمين محرجة أنه ما مرّ بالطائف ولا دخلها ولا فارقني فقال لها اليمين التي حلف بها لازمة لي إن لم أكن دخلت الطائف وبت عند جواري وغسلتهن جميعا وأخذ مني ثلاثمائة دينار وفعل كذا وكذا وحدثها الحديث كله وأراها الحلة والسرج فقالت لي أفعلتها يا أشعب أنا نفية من أبي إن أنفقتها إلا فيما يسوءك ثم أمرت بكبس منزلي وإحضارها الدنانير فأحضرت
(19/176)

فاشترت بها خشبا وبيضاً وسرجينا وعملت من الخشب بيتاً فحبستني فيه وحلفت ألا أخرج منه ولا أفارقه حتى أحضن البيض كله إلى أن ينقب فمكثت أربعين يوماً أحضن لها البيض حتى نقب وخرج منه فراريج كثيرة فربتهن وتناسلن فكن بالمدينة يسمين بنات أشعب ونسل أشعب فهؤلاء إلى الآن بالمدينة نسل يزيد على الألوف كلهن أهلي وأقاربي
قال إبراهيم فضحكت والله من قوله ضحكاً ما أذكر أني ضحكت مثله قط ووصلته ولم يزل عندي زماناً حتى خرج إلى المدينة وبلغني أنه مات هناك
أخبرني أحمد قال حدثنا مصعب بن عبد الله بن عثمان قال
قال رجل لأشعب إن سالم بن عبد الله قد مضى إلى بستان فلان ومعه طعام كثير فبادر حتى لحقه فأغلق الغلام الباب دونه فتسور عليه فصاح به سالم بناتي ويلك بناتي فناداه أشعب ( لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ) فأمر بالطعام فأخرج إليه منه ما كفاه
أشعب يقوقئ مثل الدجاجة
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال
بعثت سكينة إلى أبي الزناد فجاءها تستفتيه في شيء فاطلع أشعب عليه من بيت وجعل يقوقئ مثل ما تقوقئ الدجاجة قال فسبح أبو الزناد وقال ما هذا فضحكت وقالت إن هذا الخبيث أفسد علينا بعض أمرنا فحلفت أن يحضن بيضاً في هذا البيت ولا يفارقه حتى ينقب فجعل أبو الزناد يعجب من فعلها
(19/177)

وقد أخبرني محمد بن جعفر النحوي بخبر سكينة الطويل على غير هذه الرواية وهو قريب منها وقد ذكرته في أخبار سكينة بنت الحسين مفردا عن أخبار أشعب هذه في أخبارها مع زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا مصعب قال حدثني بعض المدنيين قال
كان لأشعب خرق في بابه فكان ينام ثم يخرج يده من الخرق يطمع في أن يجيء إنسان يطرح في يده شيئاً من شدة الطمع فبعث إليه بعض من كان يعبث به من مجان آل الزبير بعبد له فسلح في يده فلم يعد بعدها إلى أن يخرج يده
وأخبرني به الجوهري عن ابن مهرويه عن محمد بن الحسن عن مصعب عن بعض المدنيين فذكر نحوه ولم يذكر ما فعل به الماجن
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد الزبيري أبو طاهر قال حدثنا يحي بن محمد بن أبي قتيلة قال حدثني إسماعيل بن جعفر بن محمد الأعرج أن أشعب حدثه قال
جاءني فتية من قريش فقالوا إنا نحب أن تسمع سالم بن عبد الله بن عمر صوتا من الغناء وتعلمنا ما يقول لك وجعلوا لي على ذلك جعلا فتنني فدخلت على سالم فقلت يا أبا عمر إن لي مجالسة وحرمة ومودة وسناً وأنا مولع بالترنم قال وما الترنم قلت الغناء قال في أي وقت قلت في الخلوة ومع الإخوان في المنزه فأحب ان أسمعك فإن كرهته أمسكت عنه وغنيتُه فقال ما أرى بأساً فخرجت فأعلمتهم قالوا وأي شيء غنيته قلت غنيته
(19/178)

( قَرِّبا مَربَطَ النّعَامَةِ مِنّي ... لَقَحتْ حربُ وائلٍ عن حِيالي )
فقالوا هذا بارد ولا حركة فيه ولسنا نرضى فلما رأيت دفعهم إياي وخفت ذهاب ما جعلوه لي رجعت فقلت يا أبا عمر آخر فقال مالي ولك فلم أملكه كلامه حتى غنيت فقال ما رأى بأساً فخرجت إليهم فأعلمتهم فقالوا وأي شيء غنيته فقلت غنيته قوله
( لم يُطيقوا أن يَنْزِلوا ونَزلنا ... وأخو الحرب مَنْ أطاق النِّزالا )
فقالوا ليس هذا بشيء فرجعت إليه فقال مه قلت وآخر فلم أملكه أمره حتى غنيت
( غَيَّضْن من عَبَراتِهنّ وقَلنَ لي ... ماذا لَقِيتَ من الهوى ولَقِينا )
فقال نهلا نهلا فقلت لا والله إلا بذاك السداك وفيه تمر عجوة من صدقة عمر فقال هو لك فخرجت به عليهم وأنا أخطر فقالوا مه فقلت غنيت الشيخ
( غَيَّضْن من عَبراتِهنّ وقُلْنَ لي ... . . . . )
فطرب وفرض لي فأعطاني هذا وكذبتهم والله ما أعطانيه إلا استكفافاً حتى صمت
قال ابن أبي سعد السداك الزبيل الكبير وفرض لي أي نقطني يعني ما يهبه الناس للمغنين ويسمونه النقط
(19/179)

أشعب المغني
حدثني الجوهري قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني قعنب بن المحرز عن الأصمعي قال حدثني جعفر بن سليمان قال
قدم أشعب أيام أبي جعفر فأطاف به فتيان بني هاشم وسألوه أن يغنيهم فغنى فإذا ألحانه مطربة وحلقه على حاله فقال له جعفر بن المنصور لمن هذا الشعر والغناء
( لِمَن طَلَلٌ بذاتِ الجَيْش ... أمسى دارساً خَلَقا )
فقال له أخذت الغناء عن معبد وهو للدلال ولقد كنت آخذ اللحن عن معبد فإذا سئل عنه قال عليكم بأشعب فإنه أحسن تأدية له مني
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عبد الله بن مصعب قال
قدم جرير المدينة فاجتمع إليه الناس يستنشدونه ويسألونه عن شعره فينشدهم ويأخذون عنه وينصرفون ولزمه أشعب من بينهم فلم يفارقه فقال له جرير أراك أطولهم جلوساً وأكثرهم سؤالاً وإني لأظنك ألأمهم حسباً فقال له يا أبا حزرة أنا والله أنفعهم قال وكيف ذلك قال أنا آخذ شعرك فأحسنه وأجوده قال كيف تحسنه وتجوده قال فاندفع فغناه في شعره والغناء لابن سريج
صوت
يا أختَ ناجِيَة السلامُ عليكم ... قبلَ الرحيلِ وقبل لَوْمِ العُذَّل )
(19/180)

( لو كنتُ أعلمُ أن آخر عَهْدكم ... يوم الرّحيل فعلْتُ ما لم أفْعلِ )
قال فطرب جرير حتى بكى وجعل يزحف إليه حتى لصقت ركبته بركبته وقال أشهد أنك تحسنه وتجوده فأعطاه من شعره ما أراد ووصله بدنانير وكسوة
حدثني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني أبي قال الهيثم بن عدي
لقيت أشعب فقلت له كيف ترى أهل زمانك هذا قال يسألونك عن أحاديث الملوك ويعطون إعطاء العبيد
حدثني أحمد قال حدثني محمد بن القاسم حدثنا أحمد بن يحي قال أخبرنا مصعب قال
حجت أم عمر بنت مروان فاستحجبت أشعب وقالت له أنت أعرف الناس بأهل المدينة فأذن لهم على مراتبهم وجلست لهم مليا ثم قامت فدخلت القائلة فجاء طويس فقال لأشعب استأذن لي على أم عمر فقال ما زالت جالسة وقد دخلت فقال له يا أشعب ملكت يومين فلم تفت بعرتين ولم تقطع شعرتين فدق أشعب الباب ودخل إليها فقال لها أنشدك الله يا بنة مروان هذا طويس بالباب فلا تتعرضي للسانه ولا تعرضيني فأذنت له فلما دخل إليها قال لها والله لئن كان بابك غلقاً لقد كان باب أبيك فلقاً ثم أخرج دفه ونقر به وغنى
( ما تمنعني يَقظى فقد تُؤْتَيْنَه ... في النَّوم غير مُصَرَّد محسوبِ )
( كان المُنَى بلقائها فَلِقيتُها ... فلهوتُ من لهو امرئٍ مكذوبِ )
(19/181)

قالت أيهما أحب إليك العاجل أم الآجل فقال عاجل وآجل فأمرت له بكسوة
أخبرني الجوهري قال حدثني ابن مهرويه عن أبي مسلم عن المدائني قال
حدث رجل من أهل المدينة أشعب بحديث أعجبه فقال له في حديثك هذا شيء قال وما هو تقلبيه على الرأس
أشعب والوليد بن يزيد
أخبرني الجوهري قال حدثني ابن مهرويه قال أخبرنا أبو مسلم قال حدثنا المدائني قال
بعث الوليد بن يزيد إلى أشعب بعدما طلق امرأته سعدة فقال له يا أشعب لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي سعدة فقال له أحضر المال حتى انظر إليه فأحضر الوليد بدرة فوضعها أشعب على عنقه ثم قال هات رسالتك يا أمير المؤمنين قال قل لها يقول لك
( أَسُعْدَةُ هل إليكِ لنا سبيلٌ ... وهل حتى القيامَة من تلاقِي )
( بلى ولعلَّ دهراً أن يُوَاتِي ... بموتٍ من حليلكِ أو طلاقِ )
( فأُصبِحَ شامتاً وتقرَّ عيني ... ويُجمَع شملُنا بعد افتراق )
(19/182)

قال فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه فأمرت ففرشت لها فرش وجلست فأذنت له فدخل فأنشدها ما أمره فقالت لخدمها خذوا الفاسق فقال يا سيدتي إنها بعشرة آلاف درهم قالت والله لأقتلنك أو تبلغه كما بلغتني قال وما تهبين لي قالت بساطي الذي تحتي قال قومي عنه فقامت فطواه ثم قال هاتي رسالتك جعلت فداءك قالت قل له
( أتبكي على لُبْنَى وأنتَ تركتَها ... فقد ذهبتْ لُبْنَى فما أنت صانعُ )
فأقبل أشعب فدخل على الوليد فأنشده البيت فقال أوه قتلتني والله ما تراني صانعاً بك يا بن الزانية اختر إما أن أدليك منكساً في بئر أو أرمي بك من فوق القصر منكسا أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة فقال ما كنت فاعلا بي شيئاً من ذلك قال ولم قال لأنك لم تكن لتعذب رأساً فيه عينان قد نظرتا إلى سعدة فقال صدقت يا بن الزانية اخرج عني
وقد أخبرني بهذا الخبر محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه عن الهيثم ابن عدي أن سعدة لما أنشدها أشعب قوله
( أسُعدَة هل إليك لنا سَبيلٌ ... وهل حَتَّى القيامة من تلاقي )
قالت لا والله لا يكون ذلك ابدا فلما أنشدها
( بلى ولعلَّ دهرا أن يُواتِي ... بموْتٍ من حلِيلِك أو طلاقِ )
قالت كلا إن شاء الله بل يفعل الله ذلك به فلما أنشدها
( فأُصبِحَ شامِتاً وتَقَرَّ عَيْني ... ويُجمَعَ شُملُنا بعد افْتراقِ )
قالت بل تكون الشماتة به وذكر باقي الخبر مثل حديث الجوهري عن ابن مهرويه
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي قال
(19/183)

كتب الوليد بن يزيد في إشخاص أشعب من الحجاز إليه وحمله على البريد فحمل إليه فلما دخل أمر بأن يلبس تبانا ويجعل فيه ذنب قرد ويشد في رجليه أجراس وفي عنقه جلاجل ففعل به ذلك فدخل وهو عجب من العجب فلما رآه ضحك منه وكشف عن أيره قال أشعب فنظرت إليه كأنه ناي مدهون فقال لي اسجد للأصم ويلك يعني أيره فسجدت ثم رفعت رأسي وسجدت أخرى فقال ما هذا قلت الأولى للأصم والثانية لخصيتيك فضحك وأمر بنزع ما كان ألبسنيه ووصلني ولم أزل من ندمائه حتى قتل
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
قال رجل لأشعب إنه أهدي إلى زياد بن عبد الحارثي قبة أدم قيمتها عشرة آلاف درهم فقال امرأته الطلاق لو أنها قبة الإسلام ما ساوت ألف درهم فقيل له إن معها جبة وشيٍ حشوها قز قيمتها عشرون ألف دينارٍ فقال أمه زانية لو أن حشوها زغب أجنحة الملائكة ما ساوت عشرين ديناراً
أخبرني عمي قال حدثني أبو أيوب المدائني قال حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن أبيه قال حدثني أشعب قال
ولي المدينة رجل من ولد عامر بن لؤي وكان أبخل الناس وأنكدهم وأغراه الله بي يطلبني في ليله ونهاره فإن هربت منه هجم على منزلي بالشرط وإن كنت في موضع بعث إلى من أكون معه أو عنده يطلبني منه فيطالبني بأن أحدثه وأضحكه ثم لا أسكت ولا ينام ولا يطعمني ولا يعطيني فلقيت منه جهداً عظيماً وبلاء شديداً وحضر الحج فقال لي يا أشعب كن معي فقلت بأبي أنت وأمي أنا عليل وليست لي نية في الحج فقال عليه وعليه
(19/184)

وقال إن الكعبة بيت النار لئن لم تخرج معي لأودعنك حيث أقدم فخرجت معه مكرهاً فلما نزلنا المنزل أظهر أنه صائم ونام حتى تشاغلت ثم أكل ما في سفرته وأمر غلامه أن يطعمني رغيفين بملح فجئت وعندي أنه صائم ولم أزل أنتظر المغرب أتوقع إفطاره فلما صليت المغرب قلت لغلامه ما ينتظر بالأكل قال قد أكل منذ زمان قلت أو لم يكن صائماً قال لا قلت أفأطوي أنا قال قد أعد لك ما تأكله فكل وأخرج إلي الرغيفين والملح فأكلتها وبت ميتاً جوعاً وأصبحت فسرنا حتى نزلنا المنزل فقال لغلامه ابتع لنا لحماً بدرهم فابتاعه فقال كبب لي قطعاً ففعل فأكله ونصب القدر فلما أغبَّرت قال اغرف لي منها قطعاً ففعل فأكلها ثم قال لي اطرح فيها دقة وأطعمني منها ففعل ثم قال ألق توابلها وأطعمني منها ففعل وأنا جالس أنظر إليه لا يدعوني فلما استوفى اللحم كله قال يا غلام أطعم أشعب ورمى إلي برغيفين فجئت إلى القدر وإذا ليس فيها إلا مرق وعظام فأكلت الرغيفين وأخرج له جرابا فيه فاكهة يابسة فأخذ منها حفنة فأكلها وبقي في كفه كف لوز بقشره ولم يكن له فيه حيلة فرمى به إلي وقال كل هذا يا أشعب فذهبت أكسر واحدة منها فإذا بضرسي قد انكسرت منه قطعة فسقطت بين يدي وتباعدت أطلب حجراً أكسره به فوجدته فضربت به لوزة فطفرت يعلم الله مقدار رمية حجر وعدوت في طلبها فبينما أنا في ذلك إذ أقبل بنو مصعب يعني ابن ثابت وإخوته يلبون بتلك الحلوق الجهورية فصحت بهم الغوث الغوث العياذ بالله وبكم يا آل الزبير الحقوني وأدركوني فركضوا إلي فلما رأوني قالوا أشعب مالك ويلك قلت خذوني معكم تخلصوني من الموت فحملوني معهم فجعلت أرفرف بيدي كما يفعل الفرخ إذا طلب الزق من أبويه فقالوا مالك ويلك قلت ليس هذا وقت الحديث زقوني مما معكم فقد مت ضراً وجوعاً منذ ثلاث قال فأطعموني حتى تراجعت نفسي وحملوني معهم في محمل ثم قالوا أخبرنا بقصتك فحدثتهم وأريتهم ضرسي المكسورة فجعلوا يضحكون ويصفقون وقالوا ويلك من أين وقعت على هذا هذا من أبخل خلق الله
(19/185)

وأدنئهم نفساً فحلفت بالطلاق أني لا أدخل المدينة ما دام له بها سلطان فلم أدخلها حتى عزل
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثنا إبراهيم بن المهدي قال حدثني عبيدة بن أشعب قال
كان الغاضري منذر أهل المدينة ومضحكهم قبل أبي فأسقطه أبي واطرح وكان الغاضري حسن الوجه ماد القامة عبلا فخما وكان أبي قصيرا دميماً قليل اللحم إلا أنه كان يتضرم ويتوقد ذكاء وحدة وخفة روح وكان الغاضري يحسده إلا أنهما متساويان وكان الغاضري لقيطاً منبوذاً لا يعرف له أب فمر يوماً ومعه فتية من قريش بأبي في المسجد وقد تأذى بثيابه فنزعها وتجرد وجلس عرياناً فقال لهم الغاضري أنشدتكم الله هل رأيتم أعجب من هذه الخلقة يريد خلقة أبي فقال له أبي إن خلقتي لعجيبة وأعجب منها أنه زفني فصرت نضوا وزفك فصرت بختيا قال وأهل المدينة يسمون المهلوس من الفراخ النضو والمسرول البختي فغضب الغاضري عند ذلك وشتمه فسقط واستبرد وترك النوادر بعد ذلك وغلب أبي على أهل المدينة واستطابوه وكان هذا سببه
أشعب وزياد بن عبد الله الحارثي
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
(19/186)

كان زياد بن عبد الله الحارثي أبخل خلق الله فأولم وليمة لطهر بعض أولاده وكان الناس يحضرون ويقدم الطعام فلا يأكلون منه إلا تعللاً وتشعثاً لعلمهم به فقدم فيما قدم جدي فلم يعرض له أحد وجعل يردده على المائدة ثلاثة أيام والناس يجتنبونه إلى أن انقضت الوليمة فأصغى أشعب إلى بعض من كان هناك فقال امرأته الطلاق إن لم يكن هذا الجدي بعد أن ذبح وشوي أطول عمراً وأمد حياة منه قبل أن يذبح فضحك الرجل وسمعها زياد فتغافل
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك بن إسحاق قال حدثني إبراهيم بن المهدي عن عبيدة بن أشعب قال
غضبت سكينة على أبي في شيء خالفها فيه فحلفت لتحلقَن لحيته ودعت بالحجام فقالت له احلق لحيته فقال له الحجام انفخ شدقيك حتى أتمكن منك فقال له يا بن البظراء أمرتك أن تحلق لحيتي أو تعلمني الزمر خبرني عن امرأتك إذا أردت أن تحلق حرها تنفخ أشداقه فغضب الحجام وحلف ألا يحلق لحيته وانصرف وبلغ سكينة الخبر وما جرى بينهما فضحكت وعفت عنه
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو العيناء عن الأصمعي قال
أهدى كاتب لزياد بن عبد الله الحارثي إليه طعاماً فأتي به وقد تغدى فغضب
(19/187)

وقال ما أصنع به وقد أكلت ادعوا أهل الصفة يأكلونه فبعث إليهم وسأل كاتبه فيم دعا أهل الصفة فعرف فقال الكاتب عرفوه أن في السلال أخبصةً وحلواء ودجاجا وفراخا فأخبر بذلك فأمر بكشفها فلما رآها أمر برفعها فرفعت وجاء أهل الصفة فأعلم فقال اضربوهم عشرين عشرين درة واحبسوهم فإنهم يفسون في مسجد رسول الله المصلين فكلم فيهم فقال حلفوهم ألا يعاودوا وأطلقوهم
أشعب وأبان بن عثمان والأعرابي
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا ابن زبالة قال حدثنا ابن زنبج راوية ابن هرمة عن أبيه قال
كان أبان بن عثمان من أهزل الناس وأعبثهم وبلغ من عبثه أنه كان يجيء بالليل إلى منزل رجل في أعلى المدينة له لقب يغضب منه فيقول له أنا فلان بن فلان ثم يهتف بلقبه فيشتمه أقبح شتم وأبان يضحك فبينما نحن ذات يوم عنده وعنده أشعب إذ أقبل أعرابي ومعه جمل له والأعرابي أشقر أزرق أزعر غضوب يتلظى كأنه أفعى ويتبين الشر في وجهه ما يدنو منه أحدٌ إلا شتمه ونهره فقال أشعب لأبان هذا والله من البادية ادعوه فدعي وقيل له إن الأمير أبان بن عثمان يدعوك فأتاه فسلم عليه فسأله ابان عن نسبه فانتسب له فقال حياك الله يا
(19/188)

خالي حبيب ازداد حباً فجلس فقال له إني في طلب جمل مثل جملك هذا منذ زمان فلم أجده كما أشتهي بهذه الصفة وهذه القامة واللون والصدر والورك والأخفاف فالحمد لله الذي جعل ظفري به من عند من أحبه أتبيعه فقال نعم أيها الأمير فقال فإني قد بذلت لك به مائة دينار وكان الجمل يساوي عشرة دنانير فطمع الأعرابي وسر وانتفخ وبان السرور والطمع في وجهه فأقبل أبان على أشعب ثم قال له ويلك يا أشعب إن خالي هذا من أهلك وأقاربك يعني في الطمع فأوسع له مما عندك فقال له نعم بأبي أنت وزيادة فقال له أبان يا خالي إنما زدتك في الثمن على بصيرة وإنما الجمل يساوي ستين ديناراً ولكن بذلت لك مائة لقلة النقد عندنا وإني أعطيك بها عروضاً تساوي مائة فزاد طمع الأعرابي وقال قد قبلت ذلك أيها الأمير فأسر إلى أشعب فأخرج شيئاً مغطى فقال له أخرج ما جئت به فأخرج جرد عمامة خز خلق تساوي أربعة دراهم فقال له قومها يا أشعب فقال له عمامة الأمير تعرف به ويشهد فيها الأعياد والجمع ويلقى فيها الخلفاء خمسون ديناراً فقال ضعها بين يديه وقال لابن زبنج أثبت قيمتها فكتب ذلك ووضعت العمامة بين يدي الأعرابي فكاد يدخل بعضه في بعض غيظاً ولم يقدر على الكلام ثم قال هات قلنسوتي فأخرج قلنسوة طويلة خلقة قد علاها الوسخ والدهن وتخرقت تساوي نصف درهم فقال قوم فقال قلنسوة الأمير تعلو هامته ويصلي فيها الصلوات الخمس ويجلس للحكم ثلاثون دينارا قال أثبت فأثبت ذلك ووضعت القلنسوة بين يدي الأعرابي فتربد وجهه وجحظت عيناه وهم بالوثوب ثم تماسك وهو متقلقل
ثم قال لأشعب هات ما عندك فأخرج خفين خلقين قد نقبا وتقشرا
(19/189)

وتفتقا فقال له قوم فقال خفا الأمير يطأ بهما الروضة ويعلو بهما منبر النبي دينارا فقال ضعهما بين يديه فوضعهما ثم قال للأعرابي اضمم إليك متاعك وقال لبعض الأعوان اذهب فخذ الجمل وقال لآخر امض مع الأعرابي فاقبض منه ما بقي لنا عليه من ثمن المتاع وهو عشرون دينارا فوثب الأعرابي فأخذ القماش فضرب به وجوه القوم لا يألو في شدة الرمي به ثم قال له أتدري أصلحك الله من أي شيء أموت قال لا قال لم أدرك أباك عثمان فأشترك والله في دمه إذ ولد مثلك ثم نهض مثل المجنون حتى أخذ برأس بعيره وضحك أبان حتى سقط وضحك كل من كان معه وكان الأعرابي بعد ذلك إذا لقي أشعب يقول له هلم إلي يا بن الخبيثة حتى أكافئك على تقويمك المتاع يوم قوم فيهرب أشعب منه
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال حدثني شيخ من أهل المدينة قال
كانت بالمدينة عجوز شديدة العين لا تنظر إلى شيء تستحسنه إلا عانته فدخلت على أشعب وهو في الموت وهو يقول لبنته يا بنية إذا مت فلا تندبيني والناس يسمعونك فتقولين واأبتاه أندبك للصوم والصلوات واأبتاه أندبك للفقه والقراءة فيكذبك الناس ويلعنوني والتفت أشعب فرأى المرأة فغطى وجهه بكمه وقال لها يا فلانة بالله إن كنت استحسنت شيئاً مما أنا فيه فصلِ على النبي تهلكيني فغضبت المرأة وقالت سخنت عينك في أي شيء أنت مما يستحسن أنت في آخر رمق قال قد علمت ولكن قلت لئلا تكوني قد استحسنت خفة الموت علي وسهولة النزع فيشتد ما أنا فيه وخرجت من عنده وهي تشتمه وضحك كل من كان حوله من كلامه ثم مات
(19/190)

نماذج من طرائفه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال حدثنا أبو أيوب المديني عن مصعب قال
لاعب أشعب رجلاً بالنرد فأشرف على أن يقمره إلا بضرب دويكين ووقع الفصان في يد ملاعبه فأصابه زمع وجزع فضرب يكين وضرط مع الضربة فقال له أشعب امرأته طالق إن لم أحسب لك الضرطة بنقطة حتى يصير لك اليكان دو ويك وتقمر وسلم له القمر بسبب الضرطة
أخبرني الحسن قال حدثنا أحمد قال حدثني أبو أيوب عن حماد عن ابن إسحاق عن أبيه قال
قال رجل لأشعب كان أبوك ألحى وأنت أثط فإلى من خرجت قال إلى أمي فمر الرجل وهو يعجب من جوابه وكان رجلاً صالحاً
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني الرياشي قال
سمعت أبا عاصم النبيل يقول رأيت أشعب وسأله رجل ما بلغ من طمعك قال ما زفت عروس بالمدينة إلى زوجها قط إلا فتحت بابي رجاء أن تهدى إلي
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه قال تظلمت امرأة أشعب منه إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم وقالت لا يدعني أهدأ من كثرة الجماع فقال له أشعب أتراني أعلف ولا أركب لتكف ضرسها لأكف أيري
(19/191)

قال وشكا خال لأشعب إليه امرأته وأنها تحزنه في ماله فقال له فديتك لا تأْمنَنَ قحبة ولو أنها أمك فانصرف عنه وهو يشتمه
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني قعنب بن المحرز عن الأصمعي عن جعفر بن سليمان قال
قدم علينا أشعب أيام أبي جعفر فأطاف به فتيان بني هاشم وسألوه أن يغني فغناهم فإذا ألحانه مطربة وحلقه على حاله فسألوه لمن هذا اللحن
( لمَنْ طَللٌ بذاتِ الجَيْشِ وأمسَى دارِساً خَلَقا )
فقال للدلال وأخذته عن معبد ولقد كنت آخذ عنه الصوت فإذا سئل عنه قال عليكم بأشعب فإنه أحسن أداء له مني
أشعب والحسن بن الحسن بن علي
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال ذكر الزبير بن بكار عن شعيب بن عبيدة بن أشعب عن أبيه قال
كان الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام يعبث بأبي أشد عبث وربما أراه في عبثه أنه قد ثمل وأنه يعربد عليه ثم يخرج إليه بسيف مسلول ويريه أنه يريد قتله فيجري بينهما في ذلك كل مُستمع فهجره أبي مدة طويلة ثم لقيه يوما فقال له يا أشعب هجرتني وقطعتني ونسيت عهدي فقال له بأبي أنت وأمي لو كنت تعربد بغير السيف ما هجرتك ولكن ليس مع السيف لعب فقال له فأنا أعفيك من هذا فلا تراه مني أبداً وهذه عشرة دنانير ولك حماري الذي تحتي أحملك عليه وصر إلي ولك الشرط ألا ترى في داري
(19/192)

سيفاً قال لا والله أو تخرج كل سيف في دارك قبل أن نأكل ذلك لك قال قال فجاءه أبي ووفى له بما قال من الهبة وإخراج السيوف وخلف عنده سيفاً في الدار فلما توسط الأمر قام إلى البيت فأخرج السيف مشهوراً ثم قال يا أشعب إنما أخرجت هذا السيف لخير أريده بك قال بأبي أنت وأمي فأي خير يكون مع السيف ألست تذكر الشرط بيننا قال له فاسمع ما أقول لك لست أضربك به ولا يلحقك منه شيء تكرهه وإنما أريد أن أضجعك وأجلس على صدرك ثم آخذ جلدة حلقك بإصبعي من غير أن أقبض على عصب ولا ودج ولا مقتل فأحزها بالسيف ثم أقوم عن صدرك وأعطيك عشرين ديناراً فقال نشدتك الله يا بن رسول الله ألا تفعل بي هذا وجعل يصرخ ويبكي ويستغيث والحسن لا يزيده على الحلف له أنه لا يقتله ولا يتجاوز به أن يحز جلده فقط ويتوعده مع ذلك بأنه إن لم يفعله طائعاً فعله كارهاً حتى إذا طال الخطب بينهما واكتفى الحسن من المزح معه أراه أنه يتغافل عنه وقال له أنت لا تفعل هذا طائعاً ولكن أجيءْ بحبل فأكتفك به ومضى كأنه يجيء بحبل فهرب أشعب وتسور حائطاً بينه وبين عبد الله بن حسن أخيه فسقط إلى داره فانفكت رجله وأغمي عليه فخرج عبد الله فزعاً فسأله عن قصته فأخبره فضحك منه وأمر له بعشرين دينارا وأقام في منزله يعالجه ويعوله إلى أن صلحت حاله قال وما رآه الحسن بن الحسن بعدها
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال
(19/193)

دعا حسن بن حسن بن علي عليهم السلام أشعب فأقام عنده فقال لأشعب يوماً أنا اشتهي كبد هذه الشاة لشاة عنده عزيزة عليه فارهه فقال له أشعب بأبي أنت وأمي أعطنيها وأنا أذبح لك أسمن شاة بالمدينة فقال أخبرك أني اشتهي كبد هذه وتقول لي أسمن شاة بالمدينة اذبح يا غلام فذبحها وشوى له من كبدها وأطايبها فأكل ثم قال لأشعب من الغد يا أشعب أنا أشتهي من كبد نجيبي هذا لنجيب كان عنده ثمنه ألوف دراهم فقال له أشعب يا سيدي في ثمن هذا والله غناي فأعطينه وأنا والله أطعمك من كبد كل جزور بالمدينة فقال أخبرك أني أشتهي من كبد هذا وتطعمني من غيره يا غلام انحر فنحر النجيب وشوى كبده فأكلا فلما كان اليوم الثالث قال له يا أشعب أنا والله أشتهي أن آكل من كبدك فقال له سبحان الله أتأكل من أكباد الناس قال قد أخبرتك فوثب أشعب فرمى بنفسه من درجة عالية فانكسرت رجله فقيل له ويلك أظننت أنه يذبحك فقال والله لو أن كبدي وجميع أكباد العالمين جميعاً اشتهاها لأكلها وإنما فعل حسن بالشاة والنجيب ما فعل توطئة للعبث بأشعب تمت أخباره
صوت
( ألَمّتْ خُناسُ وإلمامُها ... أحادِيثُ نَفْس وأحلامُها )
( يَمانِيةُ من بني مالِكٍ ... تَطَاوَل في المَجْد أعمامُها )
الشعر لعويف القوافي الفزاري والغناء للهذلي رمل بالوسطى عن
(19/194)

عمرو وذكر حماد بن إسحاق عن أبيه أن فيه لحناً لجميلة ولم يذكر طريقته وفيه لأبي العبيس بن حمدون خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى
(19/195)

أخبار عويف ونسبه
هو عويف بن معاوية بن عقبة بن حصن وقيل ابن عقبة بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار
وعويف القوافي شاعر مقل من شعراء الدولة الأموية من ساكني الكوفة وبيته أحد البيوت المقدمة الفاخرة في العرب
قال أبو عبيدة حدثني أبو عمرو بن العلاء أن العرب كانت تعد البيوتات المشهورة بالكبر والشرف من القبائل بعد بيت هاشم بن عبد مناف في قريش ثلاثة بيوت ومنهم من يقول أربعة أولها بيت آل حذيفة بن بدر الفزاري بيت قيس وبيت آل زرارة بن عدس الدارميين بيت تميم وبيت آل ذي الجدين بن عبد الله بن همام بيت شيبان وبيت بني الديان من بني الحارث بن كعب بيت اليمن
وأما كندة فلا يعدون من أهل البيوتات إنما كانوا ملوكاً
وقال ابن الكلبي قال كسرى للنعمان هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلة قال نعم قال بأبي شيء قال من كانت له ثلاثة آباء متوالية رؤساء ثم اتصل ذلك بكمال الرابع والبيت من قبيلته فيه قال فاطلب لي ذلك فطلبه
(19/196)

فلم يصبه إلا في آل حذيفة بن بدر بيت قيس بن عيلان وآل حاجب بن زرارة بيت تميم وآل ذي الجدين ببيت شيبان وآل الأشعث بن قيس بيت كندة قال فجمع هؤلاء الرهط ومن تبعهم من عشائرهم فاقعد لهم الحكام العدول فأقبل من كل قوم منهم شاعرهم وقال لهم ليتكلم كل رجل منكم بمآثر قومه وفعالهم وليقل شاعرهم فيصدق فقام حذيفة بن بدر وكان أسن القوم وأجرأهم مقدما فقال لقد علمت معد أن منا الشرف الأقدم والعز الأعظم ومأثرة الصنيع الأكرم فقال من حوله ولم ذاك يا أخا فزارة فقال ألسنا الدعائم التي لا ترام والعز الذي لا يضام قيل له صدقت ثم قام شاعرهم فقال
( فَزارةُ بيتُ العِز والعِزُّ فيهمُ ... فَزارةُ قَيْسٍ حَسْبُ قَيْسٍ نِضالُها )
( لها العِزَّةُ القَعْسَاءُ والحَسَبُ الذي ... بَناه لِقَيْس في القديم رِجالُها )
( فَمَنْ ذا إذا مُدَّ الأكفُّ إلى العُلا ... يَمُدُّ بأُخْرى مِثْلَها فينالُها )
( فهَيْهاتَ قد أعْيا القُرونَ التي مَضَت ... مآثرُ قَيْس مَجدُها وفَعَالُها )
( وهل أحدٌ إن مَدَّ يوماً بكَفِّه ... إلى الشمس في مَجْرَى النُّجوم ينالُها )
( وإن يَصْلُحوا يَصْلُحْ لذاك جَمِيعُنا ... وإن يَفْسُدوا يفْسُدْ على النّاس حالُها )
ثم قام الأشعث بن قيس وإنما أذن له أن يقوم قبل ربيعة وتميم لقرابته
(19/197)

بالنعمان فقال لقد علمت العرب أنا نقاتل عديدها الأكثر وقديم زحفها الأكبر وأنا غياث اللزبات فقالوا لم يا أخا كندة قال لأنا ورثنا ملك كندة فاستظللنا بأفيائه وتقلدنا منكبه الأعظم وتوسطنا بحبوحه الأكرم ثم قام شاعرهم فقال
( إذا قِسْتَ أبياتَ الرِّجالِ بِبَيْتِنا ... وجدتَ له فَضْلاً على من يُفاخِرُ )
( فَمنْ قال كَلاَّ أو أتانا بخُطَّةٍ ... يُنافِرُنا يوماً فنحن نُخاطِرُ )
( تَعالوا فعُدُّوا يعلم النَّاس أيُّنَا ... له الفَضلُ فيما أورثَتْه الأكابِرُ )
ثم قام بسطام بن قيس فقال لقد علمت ربيعة أنا بناة بيتها الذي لا يزول ومغرس عزها الذي لا ينقل قالوا ولم يا أخا شيبان قال لأنا أدركهم للثأر وأقتلهم للملك الجبار وأقولهم للحق وألدهم للخصم ثم قام شاعرهم فقال
( لعَمْري لَبِسْطامٌ أحقُّ بفضلها ... وأولَى بِبَيْت العزِّ عِزِّ القبائِل )
( فسائِلْ أبيتَ اللّعْن عن عِزّ قَومِنا ... إذا جَدَّ يوم الفَخْر كُلُّ مناضِل )
( ألسْنَا أعزَّ الناسِ قوماً وأُسرةً ... وأضْرَبَهم للكَبْشِ بين القبائِل )
( فَيُخْبرَك الأقوامُ عنها فإنها ... وقائعُ لَيسَت نُهزةً للقَبائِل )
( وقائعُ عِزَّ كلّها رَبَعِيَّةٌ ... تَذِلُّ لهم فيها رِقابُ المَحافِل )
( إذا ذُكِرت لم يُنْكِر النَّاس فضلَها ... وعاذَ بها من شَرِّها كُلُّ قائِل )
(19/198)

( وإنّا مُلوكُ النَّاسِ في كل بَلْدةِ ... إذا نَزَلت بالنّاس إحْدى الزَّلازِلِ )
ثم قام حاجب بن زرارة فقال لقد علمت معد أنا فرع دعامتها وقادة زحفها فقالوا له بم ذاك يا أخا بني تميم قال لأنا أكثر الناس إذا نسبنا عدداً وأنجبهم ولداً وأنَّا أعطاهم للجزيل وأحملهم للثقيل ثم قام شاعرهم فقال
( لقد عَمِلتْ أَبناءُ خِنْدِفَ أَنَّنا ... لنا العِزُّ قِدْماً في الخُطوبِ الأوائِلِ )
( وأَنّا هِجانٌ أَهْل مجد وثَرْوَةٍ ... وعِزٍّ قديمٍ ليس بالمُتضائِلِ )
( فكَمْ فيهمُ من سَيّدٍ وابْنِ سَيّدٍ ... أغرَّ نجيبٍ ذي فَعال ونائِلِ )
( فسائلْ أبيتَ اللَّعن عنّا فإنّنا ... دعائمُ هذا النّاس عند الجَلائِلِ )
ثم قام قيس بن عاصم فقال لقد علم هؤلاء أنا أرفعهم في المكرمات دعائم وأثبتهم في النائبات مقاوم قالوا ولم ذاك يا أخا بني سعد قال لأنا أمنعهم للجار وأدركهم للثأر وأنا لا ننكل إذ حملنا ولا نرام إذا حللنا ثم قام شاعرهم فقال
( لقد عَلِمت قَيْسٌ وخِنْدِفُ كُلّها ... وجُلُّ تمِيم والجُموع التي تَرَى )
( بأَنّا عِمادٌ في الأمور وأنَّنَا ... لنا الشّرفُ الضَّخْم المُركَّب في النَّدى )
( وأنَّا لُيوثُ النّاس في كل مأزِقٍ ... إذا اجتُرَّ بالبيضِ الجماجِمُ والطُّلَى )
( وأَنَّا إذا داعٍ دَعَانا لنَجْدةٍ ... أجْبنا سِراعاً في العُلا ثَمَّ مَنْ دَعَا )
( فَمَنْ ذا لِيوْم الفَخْر يَعْدِل عاصِماً ... وقَيْساً إذا مُدَّ الأكُفُّ إلى العُلاَ )
(19/199)

( فَهَيْهاتَ قد أعْيَا الجمِيعَ فَعالُهم ... وفاتُوا بَيْوم الفَخْر مَسْعاةَ مَنْ سَعَى )
فلما سمع كسرى ذلك منهم قال ليس منهم إلا سيد يصلح لموضعه فأثنى حباءهم
سبب تسميته عويف القوافي
وإنما قيل لعويف عويف القوافي لبيت قاله نسخت خبره في ذلك من كتاب محمد بن الحسن بن دريد ولم أسمعه منه قال أخبرنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبي قال
أقبل عويف القوافي وهو عويف بن معاوية بن عقبة لن حصْن بن حذيفة الفزاري وإنما قيل له عويف القوافي كما حدثني عمار بن أبان بن سعيد بن عيينة ببيت قاله
( سأكذِبُ مَن قد كان يَزَعُم أنّني ... إذا قُلْتُ قولاً لا أُجِيدُ القَوافِيَا )
قال فوقف على جرير بن عبد الله البجلي وهو في مجلسه فقال
( أصُبّ على بجيلة من شقاها ... هِجائِي حين أدركني المَشيِبُ )
فقال له جرير ألا أشتري منك أعراض بجيلة قال بلى قال بكم قال بألف درهم وبرذون فأمر له بما طلب فقال
( لولا جَرِيرٌ هلَكْتْ بَجِيلَهْ ... نِعْم الفَتَى وبِئْسَتِ القَبِيلَهْ )
فقال جرير ما أراهم نجوا منك بعد
نسخت من كتاب أبي سعيد السكري في كتاب من قال بيتاً فلقب به قال أخبرني محمد بن حبيب قال وإنما قيل لعويف عويف القوافي لقوله
(19/200)

وقد كان بعض الشعراء عيره بأنه لا يجيد الشعر فقال أبياتاً منها
( سأكذِب مَنْ قد كان يَزعُم أنَّني ... إذا قُلْتُ شعْراً لا أُجِيدُ القَوَافِيا )
فسمي عويف القوافي
عويف وعبد الملك بن مروان
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثني أحمد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني عزيز بن طلحة بن عبد الله بن عثمان بن الأرقم المخزومي قال حدثني غير واحد من مشيخة قريش قالوا
لم يكن رجل من ولاة أولاد عبد الملك بن مروان كان أنفس على قومه ولا أحسد لهم من الوليد بن عبد الملك فأذن يوماً للناس فدخلوا عليه وأذن للشعراء فكان أول من بدر بين يديه عويف القوافي الفزاري فاستأذنه في الإنشاد فقال ما بقيت لي بعد ما قلت لأخي بني زهرة قال وما قلت له مع ما قلت لأمير المؤمنين قال ألست الذي تقول
( يا طَلْحَ أنت أخو النَّدَى وحَلِيفُه ... إنَّ النَّدَى من بعد طَلْحَة ماتَا )
( إنَّ الفَعال إليك أطلَق رَحْلَه ... فبِحَيْث بِتَّ من المَنازِل بَاتَا )
أو لست الذي تقول
( إذا ما جاءَ يومُك يا بنَ عَوْف ... فلا مَطَرتْ على الأرض السَّماءُ )
( ولا سار البَشيرُ بغُنْم جَيْشٍ ... ولا حَمَلَت على الطُّهْرِ النِّساءُ )
( تَساقَى الناسُ بعدكَ يا بْنَ عَوْفٍ ... ذَريعَ الموْتِ ليس له شِفاءُ )
(19/201)

ألم تقم علينا الساعة يوم قامت عليه لا والله لا أسمع منك شيئاً ولا أنفعك بنافعة أبداً أخرجوه عني
فلما أخرج قال له القرشيون والشاميون وما الذي أعطاك طلحة حين استخرج هذا منك قال أما والله لقد أعطاني غيره أكثر من عطيته ولكن لا والله ما أعطاني أحد قط أحلى في قلبي ولا أبقى شكراً ولا أجدر ألاَّ أنساها ما عرفت الصلات من عطيتَّهِ قالوا وما أعطاك قال قدمت المدينة ومعي بضيعة لي لا تبلغ عشرة دنانير أريد أن أبتاع قعوداً من قعدان الصدقة فإذا برجل في صحن السوق على طنفسة قد طرحت له وإذا الناس حوله وإذا بين يديه إبل معلوفة له فظننت أنه عامل السوق فسلمت عليه فأثبتني وجهلته فقلت أي رحمك الله هل أنت معيني ببصرك على قعود من هذه القعدان تبتاعه لي فقال نعم أو معك ثمنه فقلت نعم فأهوى بيده إلي فأعطيته بضيعتي فرفع طنفسته وألقاها تحتها ومكث طويلاً ثم قمت إليه فقلت أي رحمك الله انظر في حاجتي فقال ما منعني منك إلا النسيان أمعك حبل قلت نعم قال هكذا أفرجوا فأفرجوا عنه حتى استقبل الإبل التي بين يديه فقال اقرن هذه وهذه وهذه فما برحت حتى أمر لي بثلاثين بكرة أدنى بكرة منها ولا دنية فيها خير من بضاعتي ثم رفع طنفسته فقال وشأنك ببضاعتك فاستعن بها على من ترجع إليه فقلت أي رحمك الله أتدري ما تقول فما بقي عنده إلا من نهرني وشتمني ثم بعث معي نفراً فأطردوها حتى أطلعوها من رأس الثنية فوالله لا أنساه ما دمت حياً أبداً
وهذا الصوت المذكور تمثل به إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي يوم مقتله
(19/202)

حدثني ابن عبيد الله بن عمار قال حدثني ميسرة بن سيار أبو محمد قال حدثني إبراهيم بن علي الرافقي عن المفضل الضَّبَّيّ وحدثنا يحي ابن علي بن يحي المنجم وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عبد الملك بن سليمان عن علي بن الحسن عن المفضل الضَّبَّيّ ورواية ابن عمار أتم من هذه الرواية
ونسخت هذا الخبر أيضاً من بعض الكتب عن أبي حاتم السجستاني عن أبي عثمان اليقطري عن أبيه عن المفضل وهو أتم الروايات وأكثر اللفظ له قال
قال المفضل خرجت مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن فلما صار بالمربد وقف على رأس سليمان بن علي فأخرج إليه صبيان من ولده فضمهم إليه وقال هؤلاء والله منا ونحن منهم إلا أن آباءهم فعلوا بنا وصنعوا وذكر كلاماً يعتد عليهم فيه بالإساءة ثم توجه لوجهه وتمثل
(19/203)

( مَهْلاً بَني عَمِّنا ظَلاَمتنا ... إنّ بنا سَوْرَةً من القَلَقِ )
( لمِثْلِكم نَحمِل السيوفَ ولا ... تُغَمز أحسابُنا من الدَّقَقِ )
( إِنِّي لأَنمِي إذا انتَميْت إلى ... عزٍّ عزيزٍ ومَعْشَرِ صُدُقِ )
( بيضٍ سِباطٍ كأنّ أعينَهم ... تكحَل يوم الهِياجِ بالعُلُقِ )
فقلت ما أفحل هذه الأبيات فلمن هي قال لضرار بن الخطاب الفهري قالها يوم الخندق وتمثل بها علي بن أبي طالب عليه السلام يوم صفين والحسين بن علي يوم قتل وزيد بن علي عليهم السلام ولحق القوم ثم مضى إلى باخمرى فلما قرب منها أتاه نعي أخيه محمد فتمثل
( نُبِّئْتُ أنَّ بني رَبيعة أجمعوا ... أمراً خلالُهُم لتقْتُلَ خالِدَا )
( إِن يَقْتُلوني لا تُصِب أرماحُهم ... ثأرِي ويَسْعَى القَومُ سَعْياً جاهِدا )
( أرمِي الطريقَ وإِن صُدِدتُ بِضِيقه ... وأُنازِلُ البطَل الكَمِيَّ الجاحِدَا )
فقلت لمن هذه الأبيات فقال للأحوص بن جعفر بن كلاب تمثل بها يوم شعب جبلة وهو اليوم الذي لقيت فيه قيس تميماً قال وأقبلت عساكر أبي جعفر فقتل من أصحابه وقتل من القوم وكاد أن يكون الظفر له
(19/204)

قال ابن عمار في حديثه قال المفضل فقال لي حركني بشيء فأنشدته هذه الأبيات
( ألا أيُّها النّاهِي فَزارَةَ بعد ما ... أجدَّتْ بسَيْرٍ إِنما أنتَ حالِمُ )
( أَبى كُلُّ حُرِّ أن يَبِيتَ بوِتْره ... ويُمنعَ منه النومُ إذا أنت نائمُ )
( أقولُ لفِتيان العَشِيِّ تَروّحوا ... على الجُردِ في أفواهِهِنّ الشّكائمُ )
( قِفُوا وَقْفَةً مَنْ يَحْيَ لا يَخْز بعدها ... ومن يُخْتَرم لا تَتَّبِعه اللّوَائِمُ )
( وهل أَنتَ إِن باعَدْتَ نفسَكَ منهمُ ... لتَسْلم فيما بعد ذلك سالِمُ )
فقال لي أعد فتنبهت وندمت فقلت أو غير ذلك فقال لا أعدها فأعدتها فتمطى في ركابيه حتى خلته قد قطعهما ثم خمل فكان آخر العهد به
هذه رواية ابن عمار وفي الرواية الأخرى فحمل فطعن رجلاً وطعنه آخر فقلت أتباشر الحرب بنفسك والعسكر منوط بك فقال إليك يا أخا بني ضبة كأن عويفاً أخا بني فزارة نظر في يومنا هذا حيث يقول
( ألمَّت خُناسُ وإِلمامُها ... أَحاديثُ نفسٍ وأحلامُها )
( يَمانّيةٌ من بني مالكٍ ... تَطاولَ في المجد أعمامُها )
( وإنّ لنا أصلَ جُرْثُومةٍ ... تَرُدُّ الحوادثَ أيّامُها )
( تردُّ الكَتِيبَةَ مَغْلولَةً ... بها أفْنُها وبها آمُها )
قال وجاءه السهم العائر فشغله عني
(19/205)

عويف وعمر بن عبد العزيز
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن معاوية الأسدي قال حدثني أصحابنا الأسديون عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال
حضرت مع عمر بن عبد العزيز جنازة فلما انصرف انصرفت معه وعليه عمامة قد سدلها من خلفه فما علمت به حتى اعترضه رجل على بعير فصاح به
( أجِبْني أبا حَفْص لقيتَ محمداً ... على حَوْضِه مًسْتَبْشِراً ورآكا )
فقال له عمر لبيك وقف ووقف الناس معه ثم قال له فمه فقال
( فأَنتَ امرؤٌ كِلْتا يديك مُفِيدَةٌ ... شِمالُك خيرٌ من يمين سِواكا )
قال ثم مه فقال
( بلغتَ مَدَى المُجرِين قبلَك إذْ جَروَْا ... ولم يَبلُغ المُجْرمون بَعدُ مَداكَا )
( فجَدَّاك لا جدَّينِ أكرمُ منهما ... هُناك تَناهَى المَجدُ ثم هُناكَا )
فقال له عمر ألا أراك شاعراً مالك عندي من حق قال لا ولكني سائل وابن سبيل وذو سهمة فالتفت عمر إلى قهرمانه فقال أعطه فضل نفقتي
(19/206)

قال وإذا هو عويف القوافي الفزاري
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال
لما كان يوم ابن جرح واقتتلت بنو مرة وبنو حن بن عذرة قال عويف القوافي لبني مرة يهجوهم ويوبخهم بتركهم نصرهم
( كُنَّا لكم يا مُرّ أُمّاً حَفِيَّةً ... وكنتُم لنا يا مرّ بَوّاً مُجَلَّدَا )
( وكنتم لنا سَيْفاً وكُنَّا وِعاءه ... إذا نحن خِفْنا أن يِكِلَّ فيُغْمَدَا )
فأجابه عقيل بن عُلَّفة بقصيدته التي أولها
( أماوِيَّ إنّ الركبَ مُرتحِلٌ غدَا ... وحَقّ ثَوِيٍّ نازِلٍ أن يُزَوَّدَا )
يقول فيها يخاطب عويفاً
( إذا قُلتُ قد سامحت سَهْماً ومازِناً ... أَبَى النَّسَبُ الدّاني وكُفرُهُم اليَدَا )
( وقد أسلَمُوا أَسنَاههم لقَبِيلةٍ ... قُضاعِيَّةٍ يدعون حُنّاً وأَصْيدَا )
( فما كنتَ أَمّاً بل جعلتُك لي أَخاً ... وقد كنتَ في النَّاس الطَّرِيدَ المُشَرَّدَا )
( عُويَف اسْتِها قد رُمتَ وَيْلك مَجدَنا ... قديماً فلم تَعْدُ الحِمارَ المُقَيَّدا )
( ولو أَنَّني يومَ ابنِ جُرْحٍ لَقِيتُهم ... لجرَّدْتُ في الأعداء عضْباً مُهَنَّدَا )
وأبيات عويف هذه يقولها يوم مرج راهط وهي الحرب التي كانت بين قيس وكلب
(19/207)

يوم مرج راهط
أخبرني بالسبب فيه أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال أخبرني سليمان بن أيوب بن أعين أبو أيوب المديني قال حدثنا المدائني قال
كان بدء حرب قيس وكلب في فتنة ابن الزبير ما كان من وقعة مرج راهط وكان قصة المرج أن مروان بن الحكم بن أبي العاص قدم بعد هلاك يزيد بن معاوية والناس يموجون وكان سعيد بن بحدل الكلبي على قنسرين فوثب عليه زفر بن الحارث فأخرجه منها وبايع لابن الزبير فلما قعد زفر على المنبر قال الحمد لله الذي أقعدني مقعد الغادر الفاجر وحصر فضحك الناس من قوله وكان النعمان بن بشير على حمص فبايع لابن الزبير وكان حسان بن بحدل على فلسطين والأردن فاستعمل على فلسطين روح بن زنباع الجذامي ونزل هو الأردن فوثب نابل بن قيس الجذامي على رَوْح بن زنباع فأخرجه من فلسطين وبايع لابن الزبير
(19/208)

وكان الضحاك بن قيس الفهري عاملاً ليزيد بن معاوية على دمشق حتى هلك فجعل بقدم رجلاً ويؤخر أخرى إذا جاءته اليمانية وشيعة بني أمية أخبرهم أنه أموي وإذا جاءته القيسية أخبرهم أنه يدعو إلى ابن الزبير فلما قدم مروان قال له الضحاك هل لك أن تقدم على ابن الزبير ببيعة أهل الشام قال نعم وخرج من عنده فلقيه عمرو بن سعيد بن العاص ومالك بن هبيرة وحصين بن نمير الكنديان وعبيد الله بن زياد فسألوه عما أخبره به الضحاك فأخبرهم فقالوا له أنت شيخ بني أمية وأنت عم الخليفة هلم نبايعك فلما فشا ذلك أرسل الضحاك إلى بني أمية يعتذر إليهم ويذكر حسن بلائهم عنده وأنه لم يرد شيئاً يكرهونه فاجتمع مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد بن العاص وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية وقال لهم اكتبوا إلى حسان بن بحدل فليسر من الأردن حتى ينزل الجابية ونسير من ها هنا حتى نلقاه فيستخلف رجلاً
(19/209)

ترضونه فكتبوا إلى حسان فأقبل في أهل الأردن وسار الضحاك بن قيس وبنو أمية في أهل دمشق فلما استقلت الرايات من جهة دمشق قالت القيسية للضحاك دعوتنا لبيعة ابن الزبير وهو رجل هذه الأمة فلما تابعناك خرجت تابعاً لهذا الأعرابي من كلب تبايع لابن أخته تابعاً له قال فتقولون ماذا قالوا نقول أن تنصرف وتظهر بيعة ابن الزبير ونظهرها معك فأجابهم إلى ذلك وسار حتى نزل مرج راهط وأقبل حسان حتى لقي مروان بن الحكم فسار حتى دخل دمشق فأتته اليمانية تشكر بلاء بني أمية فساروا مع مروان حتى نزلوا المرج على الضحاك وهم نحو سبعة آلْفاً والضحاك في نحو من ثلاثين ألافً فلقوا الضحاك فقتل الضحاك وقتل معه أشراف من قيس فأقبل زفر هارباً من وجهه ذاك حتى دخل قِرقيسياً وأقام عمير بن الحباب شيئاً على طاعة بني مروان ثم أقبل حتى دخل فرقيسياً على زفر فأقام معه وذلك بعد يوم خازر حين قتل عبيد الله بن زياد
وأقبل زفر يبكي قتلى المرج ويقول
( لعَمْرِي لقد أبقَت وَقيعةُ راهِطٍ ... لمِروان صَدْعا بيننا مُتنائيَا )
(19/210)

( أتذهَبُ كَلْبٌ لم تَنَلْها رِماحُنا ... ويُترك قَتْلَى راهطٍ هِيَ ماهيَا )
( فقد يَنْبُت المَرْعى على دِمَن الثَّرى ... وتبقى حَزازَاتُ النُّفوس كما هِيَا )
( أبعدَ ابنِ صَفَرٍ وابنِ عَمرو تتابعا ... ومَصْرَعِ هَمَّام أُمَنَّي الأمانيا )
فقال ابن المخلاة الكلبي يجيبه
( لعَمْري لقد أبقَت وَقيَعةُ راهطٍ ... على زُفَرٍ داءً من الدَّاءِ باقِيَا )
( تُبَكِّي على قَتْلى سُلَيمٍ وعامرٍ ... وذُبيانَ مغروراً وتُبْكي البَواكيَا )
وقال ابن المخلاة في يوم المرج
( ويومٍ ترى الرّاياتِ فيه كأنَّها ... حوائمُ طَيْرٍ مُسْتَدِيرٌ وواقعُ )
( مضَى أَربعٌ بعد اللِّقاءِ وأَربعٌ ... وبالمرج باقٍ من دم القَوم نافِعُ )
( طعَنَّا زِياداً في اسْنته وهو مُدْبِرٌ ... وثَورٌ أَصابَتْه السُّيوفُ القواطعُ )
( ونَجَّى حُبَيْشاً ملهبٌ ذُو عُلالةٍ ... وقد جُذَّ من يُمنَى يدَيْه الأصابعُ )
وقد شَهِد الصَّفَّين عمرُو بنُ مُحرِزٍ ... فضاق عليه المَرجُ والمرجُ واسعُ )
وقال رجل من بني عذرة
( سائل بَني مَرْوان أهلَ العَجِّ ... رَهْطَ النَّبيِّ ووُلاة الحَجِّ )
( عنَّا وعن قَيْسٍ غَداةَ المَرْجِ ... إذ يُثْقِفُون ثَقفَاً بِنَجِّ )
( تَسْدِيسَ أَطْرَافِ القَنَا المُعْوَجِّ ... إذ أخلَف الضَّحَّاكَ ما يُرَجِّي )
( مُذ تَركوا من بَعْد طول هَرْج ... لَحمَ ابنَ قيسٍ للضِّباع العُرْجِ )
وقال جواس بن القعطل الكلابي في يوم المرج
(19/211)

( هُمُ قَتلُوا براهطَ جدَّ قَيْسٍ ... سُلَيْماً والقبائلَ من كلابِ )
( وهم قَتَلُوا بَني بَدْر وعَبْساً ... وأُلصِق حُرُّ وَجْهك بالتُّرابِ )
( تَذكّرت الدُّخول فلن تُقَضَّى ... ذحولُك أََو تُساقَ إلى الحِسابِ )
( إذا سارت قبائلُ من جَنابٍ ... وعوفٍ أَشْحنوا شُمَّ الهضابِ )
( وقد حاربْتَنا فوجَدْتَ حَرْباً ... تُغِصُّك حين تشرَب بالشَّرابِ )
فأقبل عمير يخطر فخرج من قرقيسيا يتطرف بوادي كلب فيغير عليها وعلى من أصاب من قضاعة وأهل اليمن ويخص كلباً ومعشر تغلب قبل أن تقع الحرب بين قيس وتغلب فجعل أهل البادية ينتصفون من أهل القرار كلهم فلما رأت كلب ما لقي أصحابهم وأنهم لا يمتنعون من خيل الحاضرة اجتمعوا إلى حميد بن حريث بن بحدل فسار بهم حتى نزلوا تدمر وبه بنو نمير وقد كان بين النميريين خاصة وبين الكلبيين الذين بتدمر عقد مع ابن بحدل بن بعاج الكلبي فأرسلت بنو نمير رسلاً إلى حميد يناشدونه الحرمة فوثب عليهم ابن بعاج الكلبي فذبحهم وأرسلوا إليهم إنا قد قطعنا الذي بيننا وبينكم فالحقوا بما يسعكم من الأرض فالتقوا فقتل ابن بعاج وظفر بالنميريين فقتلوا قتلا ذريعاً وأسروا فقال راعي الإبل في قتل ابن بعاج ولم يذكر غيره من الكلبيين
( تَجِيءُ ابنَ بَعَّاج نُسورٌ كأنَّها ... مجالسُ تَبغي بيْعةً عند تاجرِ )
( تُطِيف بكَلْبِيٍّ عليه جَدِيَّةُ ... طويل القَرَا يقذِفْنَه في الحَناجِرِ )
(19/212)

( يقولُ له مَن كان يَعْلم علمه ... كذاكَ انْتقام اللهِ من كُل فاجِرِ )
وقد كان زفر بن الحارث لما أغار عمير بن الحباب على الكلبيين قال يعيرهم بقوله
( يا كلبُ قد كَلِب الزَّمان عليكُمُ ... وأصابكم منّي عَذابٌ مُرسلُ )
( إن السَّماوةَ لا سماوةَ فاْلحقي ... بمنابِت الزَّيتُون وابَنيْ بَحْدَلِ )
وبأَرْض عَكٍّ والسَّواحلِ إِنَّها ... أرضٌ تُذَوَّب باللَّقاحِ وتُهزَلُ )
حميد بن بحدل يغير على بوادي قيس
فجمع لهم حميد بن الحريث بن بحدل ثم خرج يريد الغارة على بوادي قيس فانتهى إلى ماء لبني تغلب فإذا النساء والصبيان يبكون فقالت لهم النساء وهن يحسبنهم قيساً ويحكم ما ردكم إلينا فقد فعلتم بنا بالأمس ما فعلتم فقالت لهم كلب ومالكم قالوا أغار علينا بالأمس عمير بن الحباب فقتل رجالنا واستاق أموالنا ولم يشكُكْن أن الخيل خيل قيس وأن عميراً عاد إليهن فقال بعض كلب لحميد ما تريد من نسوة قد أغير عليهن وحربن وصبية يتامى وتدع عميراً فاتبعوه فبينا هم يسيرون إذ أ خذوا رجلاً ربيئة للقوم فسألوه فقال لهم هذا الجيش هاهنا والأموال وقد خرج عمير في فوارس يريد الغارة على أهل بيت من بني زهير بن جناب أخبر عنهم مخبر فأقام حميد حتى جن عليه الليل ثم بيت القوم بياتاً وقال حميد لأصحابه شعاركم نحن عباد الله حقاً فأصابوا عامة ذلك العسكر ونجا فيمن نجا رجل عريان قذف ثوبه وجلس على فرس عري فلما انتهى إلى عمير قال عمير قد كنت أسمع بالنذير
(19/213)

العريان فلم أره فهو هذا ويلك مالك قال لا أدري غير أنه لقينا قوم فقتلوا من قتلوا وأخذوا العسكر فقال أفتعرفهم قال لا فقصد عمير القوم وقال لأصحابه إن كانت الأعاريب فسيسارعون إلينا إذا رأونا وإن كانت خيول أهل الشام فستقف وأقبل عمير فقال حميد لأصحابه لا يتحركن منكم أحدٌ وانصبوا القنا فحمل عمير حملة لم تحركهم ثم حمل فلم يتحركوا فنادى مراراً ويحكم من أنتم فلم يتكلموا فنادى عمير أصحابه ويلكم خيل بني بحدل والأمانة انصرف على حاميته فحمل عليه فوارس من كلب يطلبونه ولحقه مولى لكلب يقال له شقرون فاطعنا فجرح عمير وهرب حتى دخل قرقيسيا إلى زفر ورجع حميد إلى من ظفر به من الأسرى والقتلى فقطع سبالهم وأنفهم فجلعها في خيط ثم ذهب بها إلى الشام وقال قائل بل بعث بها إلى عمير وقال كيف ترى أوقعي أم وقعك فقال في ذلك سنان بن جابر الجهني
( لقد طار في الآفاق أَنَّ ابنَ بَحْدلٍ ... حُمَيْداً شَفَى كَلْباً فقرَّت عُيُونُها )
( وعرَّف قَيْساً بالهوان ولم تكن ... لتَنْزِع إلاَّ عند أمرٍ يُهِينُها )
( فقلتُ له قَيسُ بنُ عَيْلان إِنَّه ... سرِيعٌ إذا ما عضَّت الحربُ لِينُها )
( سما بالعِتاق الجُردْ من مَرْج راهطٍ ... وتَدْمُرَ يَنْوي بَذْلَها لا يَصونُها )
( فكان لها عَرضُ السَّماوةِ ليلَةً ... سَواءٌ عليها سَهْلُها وحُزونُها )
( فمَنْ يَحْتَمِلْ في شأن كَلْبٍ ضَغِينةً ... علينا إذا ما حانَ في الحَرْب حِينُها )
( فإنَّا وكَلْباً كاليدين متى تَضَعْ ... شِمالك في شيْ تُعِنْها يَمْينُها )
(19/214)

( لقد تُركتْ قَتْلَى حُمَيدِ بن بَحْدل ... كثيراً ضواحِيها قليلاً دَفينُها )
( وقَيْسِيَّةٍ قد طَلَّقْتها رِماحُنَا ... تلفَّتُ كالصَّيْداءِ أَودَى جَنينُها )
وقال سنان أيضاً في هذا الأُمر بعد ما أوقع ببني فزارة
( يا أُختَ قَيْسَ سَلي عنّا علانِيَةً ... كي تُخبري من بَيان العلْم تِبْيانَا )
( إنَّا ذَوُو حَسَبٍ مالٍ وَمكْرُمَةٍ ... يومَ الفَخارِ وخَيرُ النَّاسِ فُرْسانا )
( منّا ابنُ مُرَّة عَمْرٌو قد سَمِعْتِ به ... غَيْثُ الأرامل لا يُردَينَ ما كانا )
( والبَحْدَليُّ الذي أردت فوارسُه ... قيساً غَداةَ اللّوى من رمل عَدْنانا )
( فغادرت حَلْبَساً منها بمُعْتَرَكٍ ... والجعدَ مُنعَفراً لم يُكْسَ أَكفانَا )
( كائِن تَرَكْنا غداةَ العاهِ من جَزَرٍ ... للطير منهم ومن ثَكْلى وثكْلانَا )
( ومن غوانٍ تُبكِّي لا حَمِيمَ لها ... بالعاهِ تدعو بني عَمٍّ وإخوانا )
فلما انتهى الخبر إلى عبد الملك بن مروان وعبد الله ومصعب يومئذ حيان وعند عبد الملك حسان بن مالك بن بحدل وعبد الله بن مسعدة بن
(19/215)

حكم الفزاري وجيء بالطعام فقال عبد الملك لابن مسعدة ادن فقال ابن مسعدة لا والله لقد أوقع حميد بسليم وعامر وقعة لا ينفعني بعدها طعام حتى يكون لها غير فقال له حسان أجزعت أن كان بيني وبينكم في الحاضرة على الطاعة والمعصية فأصبنا منكم يوم المرج وأغار أهل قرقيسا بالحاضرة على البادية بغير ذنب فلما رأى حميد ذلك طلب بثأر قومه فأصاب بعض ما أصابهم فجزعت من ذلك وبلغ حميداً قول ابن مسعدة فقال والله لأشغلنه بمن هو أقرب إليه من سليم وعامر
فخرج حميد في نحو من مائتي فارس ومعه رجلان من كلب دليلان حتى انتهى إلى بني فزارة أهل العمود لخمس عشرة مضت من شهر رمضان فقال بعثني عبد الملك بن مروان مصدقاً فابعثوا إلى كل من يطيق أن يلقانا ففعلوا فقتلهم أو من استطاع منهم وأخذ أموالهم فبلغ قتلاهم نحوا من مائة ونيف فقال عويف القوافي
( مَنَا الله أن ألقى حُمَيْد بنَ بَحْدل ... بمنزلة فيها إلى النّصف مُعْلَماً )
( لكيما نُعاطيه وَنَبلوَ بيننا ... سُريْجِيّةً يُعجِمن في الهام مُعجماً )
( ألا ليت أنِّي صادفَتْنِي مَنِيَّتي ... ولم أرَ قَتْلَى العامِ يا أُمَّ أسْلَما )
( ولم أرَ قَتلَى لم تَدَع لي بعدَها ... يَدَيْن فما أرجو من العيش أَجذَما )
( وأُقْسِم ما لَيثٌ بخَفّان خادِرٌ ... بأشجع من جعْدٍ جَناناً ومُقَدَما )
يعني الجعد بن عمران بن عيينة وقتل يومئذٍ
(19/216)

أسماء بن خارجة يشكو حميداً إلى عبد الملك
فلما رجع عبد الملك من الكوفة وقتل مصعب لحقه أسماء بن خارجة بالنخيلة فكلمه فيما أتى حميد به إلى أهل العمود من فزارة وقال حدثنا أنه مصدقك وعاملك فأجبناك وبك عُذنا فعليك وفي ذمتك ما على الحر في ذمته فأقدنا من قضاعي سكير فأبى عبد الملك وقال أنظر في ذلك وأستشير وحميد يجحد وليست لهم بينة فوداهم ألف ألف ومائتي ألف وقال إني حاسبها في أعطيات قضاعة فقال في ذلك عمرو بن مخلاة الكلبي
صوت
( خُذوها يا بَني ذُبْيان عَقْلاً ... على الأجياد ِواعتقِدوا الخِداما )
( دَراهِمَ من بني مَرْوانَ بيضاً ... يُنَجِّمها لكم عاماً فعاما )
( وأيقَنَ أنَّه يومٌ طويل ... على قَيْسٍ يُذِيقُهُم السِّماما )
( ومُخْتَبٍّ أمام القوم يَسْعَى ... كسِرحانِ التَّنُوفَةِ حين ساما )
(19/217)

( رأى شَخْصاً على بلد بَعيد ... فكبَّر حين أبصَره وقاما )
( وأقبلَ يسألُ البُشْرى إلينا ... فقال رأيتُ إنساً أو نعاما )
( وقال لخَيْله سيرى حُمَيد ... فإنّ لكُلّ ذي أجَل حماما )
( فما لاقيتُ من سجح وبدر ... ومُرَّة فاتركي حَطباً حُطاما )
( بكل مُقلَّص عَبْلٍ شَواه ... يَدُقُّ بِوقْع نابَيْه اللِّجامَا )
( وكل طِمِرَّةٍ مَرَطى سَبوحٍ ... إذا ما شَدَّ فارِسُها الحِزاما )
( وقائِلةٍ على دَهَشٍ وحُزْنٍ ... وقد بلَّت مدامِعُها اللِّثامَا )
( كأنَّ بَني فَزارةَ لم يكونوا ... ولم يَرْعَوْا بأَرْضهم الثُّمامَا )
( ولم أرَ حاضراً منهم بِشاءٍ ... ولا مَنْ يملِك النَّعَم الرُّكامَا )
قال فلما أخذوا الدية انطلقت فزارة فاشترت خيلا وسلاحا ثم استتبعت سائر قبائل قيس ثم أغارت على ماء يدعى بنات قين يجمع بطوناً من بطون كلب كثيرة وأكثر من عليه بنو عبد ود وبنو عليم بن جناب وعلى قيس يومئذٍ سعيد ابن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر وحلحلة بن قيس بن الأشيم بن يسار أحد بني العشراء فلما أغاروا نادوا بني عليم إنا لا نطلبكم بشيء وإنما نطلب بني عبد ود بما صنع الدليلان اللذان حملا حميداً وهما المأمور ورجل آخر اسمه أبو أيوب فقتل من العبديين تسعة عشر رجلاً ثم مالوا على العليميين فقتلوا منهم خمسين رجلاً وساقوا أموالاً
(19/218)

فبلغ الخبر عبد الملك فأمهل حتى إذا ولي الحجاج العراق كتب إليه يبعث إليه سعيد بن عيينة وحلحلة بن قيس ومعهما نفر من الحرس فلما قدم بهما عليه قذفهما في السجن وقال لكلب والله لئن قتلتم رجلاً لأهريقن دماءكم فقدم عليه من بني عبد ود عياض ومعاوية ابنا ورد ونعمان بن سويد وكان سويد أبوه ابن مالك يومئذٍ أشرف من قتل يوم بنات قين وكان شيخ بني عبد ود فقال له النعمان دماءنا يا أمير المؤمنين فقال له عبد الملك إنما قتل منكم الصبي الصغير والشيخ الفاني فقال النعمان قتل منا والله من لو كان أخاً لأبيك لاختير عليك في الخلافة فغضب عبد الملك غضباً شديداً فقال له معاوية وعياض يا أمير المؤمنين شيخ كبير موتور
فأعرض عنه عبد الملك وعرض الدية وجعل خالد بن يزيد بن معاوية ومن ولدته كلب يقولون القتل ومن كانت أمه قيسية من بني أمية يقولون لا بل الدية كما فعل بالقوم حتى ارتفع الكلام بينهم بالمقصورة فأخرجهم عبد الملك ودفع حلحلة إلى بعض بني عبد ود ودفع سعيد بن عيينة إلى بعض بني عليم وأقبل عليهما عبد الملك فقال ألم تأتياني تستعدياني فأعديتكما وأعطيتكما الدية ثم انطلقتما فأخفرتما ذمتي وصنعتما ما صنعتما فكلمه سعيد بكلام يستعطفه به ويرققه فضرب حلحلة صدره وقال أترى خضوعك لابن الزرقاء نافعك عنده فغضب عبد الملك وقال اصبر حلحلة فقال له أصبر من عود بجنبيه جلب فقتلا وشق ذلك على قيس وأعظمه أهل البادية منهم والحاضرة فقال في ذلك علي بن الغدير الغنوي
( لِحَلْحَلَة القَتِيلِ ولاْبنِ بدْر ... وأهل دِمَشْقَ أنْجِبِة تَبِينُ )
(19/219)

( فبَعْد اليَوْم أيّامٌ طِوالٌ ... وبعد خمودِ فتنْتِكم فُتونُ )
( وكلُّ صَنِيعةٍ رصدٌ ليومٍ ... تحُلّ به لصاحِبها الزّبون )
( خليفة أُمّةٍ قُسٍرت عليه ... تخمَّط واستخفَّ بَمًنْ يدينُ )
( فقد أتيا حُمَيْد ابن المنايَا ... وكُلُّ فتىً سَتَشْعَبه المَنُونُ )
وقال رجل من بني عبد ودّ
( نحن قتَلْنا سَيِّدَهْم بشَيْخِنا ... سُوَيدٍ فما كانا وفاءً به دَمَا )
وقال حلحلة وهو في السجن
( لعَمْري لئن شَيْخا فَزارَة أُسلِما ... لقد خَزِيت قَيْسٌ وما ظَفِرت كَلْبُ )
وقال أرطاة بن سهية يحرض قيساً
( أيُقتَلُ شَيْخُنا ويُرَى حُمَيْدٌ ... رَخيّ البالِ مُنتَشِياً خُمورَاً )
( فإن دُمنا بذَاك وطال عُمْر ... بنا وبكُم و لم نَسْمع نَكيراً )
( فناكَتْ أُمَّها قيسٌ جِهاراً ... وعضَّت بعدَها مُضَرُ الأيُورَا )
وقالت عميرة بنت حسان الكلبية تفخر بفعل حميد في قيس
( سَمَت كلبٌ إلى قْيسٍ بجَمْعٍ ... يَهُدّ مناكِبَ الأكَم الصِّعابِ )
( بذِي لَجَبٍ يدُقُّ الأرضَ حتى ... تُضايق من دعا بِهَلا وهَابِ )
(19/220)

( نَفَين إلى الجزيرة فلَّ قيْسٍ ... إلى بَقٍّ بها وإلى ذُبابِ )
( وألفَينا هَجينَ بنِي سُلَيْم ... يُفدِّي المُهرَ من حُبّ الإيابِ )
( فلولا عَدْوة المُهْر المُفدّى ... لأُبْتَ وأبتَ وأنتَ مُنْخَرقُ الإهابِ )
( ونَجّاه حَثيثُ الرَّكْض منا ... أُصَيْلاناً ولَونُ الوجْه كابِي )
( وآض كأنه يُطلَى بوَرْسٍ ... ودُقَّ هُوِىَّ كاسِرةٍ عُقابِ )
( حَمِدت اللَّهَ إذ لَقِّي سُلَيْماً ... على دُهْمان صَقْرِ بَني جَنابِ )
( تركن الرُّوقَ من فَتَيات قَيْس ... أيامَى قد يَئِسن من الخِضابِ )
( فهُنَّ إذا ذَكَرن حُمَيْد كَلْب ... نَعقْن برَنَّةٍ بعد انْتِحابِ )
( متى تَذْكُر فتى كَلْب حُمَيْداً ... تَرَ القَيْسيَّ يشرَقُ بالشَّرابِ )
عويف يمدح عيينة بن اسماء
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال
أنشدني رجل من بني فزارة لعويف القوافي وهو عويف بن معاوية بن عقبة ابن حصن بن حذيفة الفزاري وكانت أخته عند عيينة بن أسماء بن خارجة فطلقها فكان عويف مراغماً لعيينة وقال الحرة لا تطلق بغير ما بأس فلما حبس الحجاج عيينة وقيده قال عويف
( مَنَع الرُّقادَ فما يُحسُّ رُقادُ ... خَبرٌ أتاك ونامت العُوَّادُ )
( خَبرٌ أَتاني عن عُيَيْنة مُوجِعٌ ... ولِمِثْله تَتَصَدَّع الأكبادُ )
( بلغ النفوسَ بلاؤُها فكأننا ... مَوتى وفينَا الرُّوحُ والأجسادُ )
(19/221)

( ساءَ الأقاربَ يوم ذاك فأصْبَحُوا ... بهجينَ قد سُرّوا به الحُسّادُ )
( يرجون عَثْرة جَدِّنا ولو أنهم ... لا يدفعون بنا المكاراهَ بادُوا )
( لمّا أتاني عن عُيَيْنَة أنَّه ... عانٍ تَظاهرُ فوقه الأٌقيادُ )
( نَخَلت له نَفْسي النَّصيحَة إنه ... عند الشَّدائِد تَذْهَب الأحقْادُ )
( وذَكرتُ أَيُّ فتىً يَسُدُّ مكانَه ... بالرِّفدِ حين تَقاصرُ الأرفادُ )
( أم مَنْ يُهِينُ لنا كَرائمَ مالِه ... ولنا إذا عُدْنا إليه مُعادُ )
( لو كان من حَضَنٍ تضَاءَل رُكنُه ... أو من نَضَادَ بكت عليه نَضَادُ )
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال قال العتبي سأل عويف القوافي في حمالة فمر به عبد الرحمن بن محمد بن مروان
(19/222)

وهو حديث السن فقال له لا تسأل أحداً وصر إلي أكفك فأتاه فاحتملها جمعاء له فقال عويف يمدحه
( غلامٌ رماه اللّهُ بالخير يافِعاً ... له سِيمِياءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرْ )
( كأنّ الثُّريا عُلِّقت في جَبِينِه ... وفي حَدِّه الشِّعْرَى وفي جِيده القَمَرْ )
( ولمَّا رَأََى المجدَ استُعِيرت ثيابُه ... تَرَدَّى رِداءً واسِعَ الذيل واتّزرْ )
( إذا قيلَت العَوراءُ أغْضَى كأنّه ... ذلِيلٌ بلا ذُلِّ ولو شاء لا نْتَصَرْ )
( رَآني فآساني ولو صَدَّ لم ألُم ... على حينَ لا بادٍ يُرجَّى ولا حَضَرْ )
قال أبو زيد هذه الأبيات لابن عنقاء الفزاري يقولها في ابن أخ له كان قوم من العرب أغاروا على نعم ابن عنقاء فاستاقوها حتى لم يبق له منها شيء فأتى ابن أخيه فقال له يا بن أخي إنه نزل بعمك ما ترى فهل من حلوبة قال نعم يا عم يروح المال وأبلغ مرادك فلما راح ماله قاسمه إياه وأعطاه شطره فقال ابن عنقاء
( رآني على ما بِي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسرَّ كما جَهَرْ )
وذكر بعد هذا البيت باقى الأبيات قال أبو زيد وإنما تمثلها عويف
عويف يمدح عمر بن عبد العزيز ويرثي سليمان بن عبد الملك
أخبرني محمد بن خلف وكيع والحسن بن علي قالا حدثنا الغلابي قالا حدثنا محمد بن عبيد الله عن عطاء بن مصعب عن عاصم بن الحدثان قال لما مات سليمان بن عبد الملك وولي عمر بن عبد العزيز الخلافة وفد
(19/223)

حذف
(19/0)

إليه عويف القوافي وقال شعراً رثى به سليمان ومدح عمر فيه فلما دخل إليه أنشده
( لاح سحابٌ فرأينا برقَهُ ... ثم تدانَى فَسَمِعْنا صَعْقَهُ )
( وراحت الرِّيحُ تُزَجِّي بُلْقَهُ ... ودُهْمَه ثم تُزَجي وُرْقَهُ )
( ذاك سَقَى قَبْراً فَروَّى وَدْقَهُ ... قبرَ امرىءٍ عَظَّم ربّي حَقَّهُ )
( قبرَ سليمانَ الذي من عَقّهُ ... وجَحَد الخير الذي قد بَقَّهُ )
( في المسلمين جِلّة ودِقّهُ ... فارق في الجُحود مِنه صِدْقَهُ )
( قد ابتلى الَّلهُ بخيرٍ خلقَهُ ... ألْقى إلى خير قريش وَسْقَهُ )
( يا عُمرَ الخَيْرِ المُلَقَّى وَفْقَهُ ... سُمِّيت بالفاروق فافرُقْ فَرْقَهُ )
( وأرزُق عِيالَ المُسلِمِين رِزْقَهُ ... واقْصِد إلى الجُودِ ولا تَوقَّهُ )
( بحَرُكَ عَذبُ الماء ما اعقّه ... ربُّك فالمَحْروم مَنْ لم يُسْقَهُ )
فقال له عمر لسنا من الشعر في شيء ومالك في بيت المال حق فألح عويف يسأله فقال يا مزاحم انظر فيما بقي من أرزاقنا فشاطره إياه ولنصبر على الضيق إلى وقت العطاء فقال له عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الملك بل توفر يا أمير المؤمنين وعلي رضا الرجل فقال ما أولاك بذلك فأخذ بيده وانصرف به إلى منزله وأعطاه حتى رضي
صوت
( صَفراءُ يَطْوِيها الضَّجِيعُ لصُلْبِهَا ... طيِّ الحِماَلةِ لَيِّنٌ مَثْناها )
(19/224)

( نِعْم الضَّجِيعُ إذا النُّجوم تَغَوَّرت ... بالغَوْر أُولاها على أُخْراها )
( عَذْبٌ مُقَبِّلُها وَثِيرٌ رِدْفُها ... عَبْلٌ شَواها طَيِّبُ مَجْناها )
( يا دارَ صَهْباء التي لا أَنْتَهِي ... عن حُبِّها أبداً ولا أُنْساها )
الشعر لعبد الله بن جحش الصعاليك والغناء فيه لعلي بن هشام ثقيل أول بالوسطى من كتاب أحمد بن المكي
(19/225)

أخبار عبد الله بن جحش
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى أبو غسان عن غسان بن عبد الحميد قال
كان بالمدينة امرأة يقال لها صهباء من أحسن الناس وجهاً وكانت من هذيل فتزوجها ابن عم لها فمكث حيناً معها لا يقدر عليها من شدة ارتتاقها فأبغضته وطالبته بالطلاق فطلقها ثم أصاب الناس مطر شديد في الخريف فسال العقيق سيلاً عظيماً وخرج أهل المدينة وخرجت صهباء معهم فصادفت عبد الله بن جحش وأصحابه في نزهة فرآها وافترقا
ثم مضت إلى أقصى الوادي فاستنقعت في الماء وقد تفرق الناس وخفوا فاجتاز بها ابن جحش فرآها فتهالك عليها وهام بها وكان بالمدينة امرأة تدل على النساء يقال لها قطنة كانت تداخل القرشيات وغيرهن فلقيها ابن جحش فقال لها اخطبي علي صهباء فقالت قد خطبها عيسى بن طلحة بن عبيد الله وأجابوه ولا أراهم يختارونك عليه فشتمها ابن جحش وقال لها كل مملوك له
(19/226)

فهو حر لئن لم تحتالي فيها حتى أتزوجها لأضربنك ضربة بالسيف وكان مقداماً جسوراً ففرقت منه فدخلت على صهباء وأهلها فتحدثت معهم ثم ذكرت ابن عمها فقالت لعمة صهباء ما باله فارقها فأخبرتها خبرها وقالت لم يقدر عليها وعجز عنها فقالت لها وأسمعت صهباء إن هذا ليعتري كثيراً من الرجال فلا ينبغي أن تتقدموا في أمرها إلا على من تختبرونه وأما والله لو كان ابن جحش لصهباء لثقبها ثقب اللؤلؤ ولو رتقت بحجر ثم خرجت من عندهم فأرسلت إليها صهباء مري ابن جحش فليخطبني فلقيته قطنة فأخبرته الخبر فمضى فخطبها فأنعمت له وأبى أهلها إلا عيسى بن طلحة وأبت هي إلا ابن جحش فتزوجته ودخل بها وافتضها وأحب كل واحد منهما صاحبه فقال فيها
( نِعْم الضّجِيعُ إذا النُجومَ تَغوَّرت ... بالغَوْر أُولاها على أُخراها )
( عَذْبٌ مُقبَّلُها وثيرٌ رِدْفُها ... عَبْلٌ شَواها طَيِّب مَجْناها )
( صفراءُ يَطوِيها الضجِيعُ لِجَنِبِها ... طَيَّ الحِمالة لَيِّن مَتْنَاها )
( لو يَسْتَطِيع ضجِيعُها لأجنّها ... في الجَوْف حبّ نسميها ونشاها )
( يا دارَ صَهباء التي لا أنتَهِي ... عن ذكرها أبداً ولا أنْساها )
عبد الملك بن مروان يعجب بشعره
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني عبد الرحيم بن أحمد بن زيد بن الفرج قال حدثني محمد بن عبد الله قال
كان عبد الملك بن مروان معجباً بشعر عبد الله بن جحش فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه فورد كتابه وقد توفي فقال إخوانه لابنه
(19/227)

لو شخصت إلى أمير المؤمنين عن إذنه لأبيك لعله كان ينفعك ففعل فبينا هو في طريقه إذ ضاع منه كتاب الإذن فهم بالرجوع ثم مضى لوجهه فلما قدم على عبد الملك سأله عن أبيه فأخبره بوفاته ثم سأله عن كتابه فأخبره بضياعه فقال له أنشدني قول أبيك
صوت
( هل يُبلِغَنْها السلامَ أربعةٌ ... مِنّي وإن يفْعلوا فقد نَفَعُوا )
( على مِصَكّيْن من جِمالهُم ... وعَنْتَرِيسَين فيهما سَطَع )
( حَرَّب جِيرانُنَا جِمالَهُمُ ... صُبحاً فأضْحَوا بها قد انْتَجَعُوا )
( ما كنتُ أدْرِي بوَشْكَ بَيْنِهمُ ... حتى رأيتُ الحُداةَ قد طَلَعُوا )
( قد كاد قَلْبي والعين تُبْصرهم ... لما تَوَلَّى بالقوم يَنصْدعُ )
( ساروا وخُلِّفتُ بعدهم دَنِفاً ... أَليسَ بالله بِئْسَ ما صَنَعوا )
قال لا والله يا أمير المؤمنين ما أرويه قال لا عليك فأنشدني قول أبيك
صوت
( أَجدّ اليومَ جيرتُك الغِيارا ... رَواحاً أم أرادوه ابتِكارا )
( بعينِك كان ذاك وإن يَبِينوا ... يَزِدْك البَينُ صَدْعاً مُسْتَطارا )
( بَلَى أبقَت من الجِيران عندي ... أُنَاساً ما أُوافِقُهم كُثِارا )
( وماذا كَثْرةُ الجِيران تُغنِي ... إذا ما بان مَنْ أهوَى فَسارا )
قال لا والله ما أرويه يا أمير المؤمنين قال ولا عليك فأنشدني قول أبيك
(19/228)

( دارٌ لصَهْباء التي لا يَنْثَني ... عن ذكرها قلبي ولا أنساَها )
( صَفراءُ يطوِيها الضّجِيعُ لصُلْبها ... طَيّ الحمالة ليِّن مَتْناها )
( لو يَستطيعُ ضَجِيعُها لأجنّها ... في القلب شَهْوةَ ريحها ونَشَاها )
قال لا والله يا أمير المؤمنين ما أرويه وإن صهباء هذه لأمي قال ولا عليك قد يبغض الرجل أن يشبب بأمه ولكن إذا نسب بها غير أبيه فأف لك ورحم الله أباك فقد ضيعت أدبه وعققته إذ لم ترو شعره اخرج فلا شيء لك عندنا
صوت
( أماطَتْ كِساءَ الخَزّ عن حُرِّ وَجْهها ... وأدَنَت على الخَدَّين بُرْداً مُهَلْهَلاَ )
( من اللاّءِ لم يَحجُجْنَ يَبْغِين حِسْبةً ... ولكن يُقَتِّلن البريءَ المُغفّلا )
( رأتْنِي خَضِيبَ الرّأس شمّرتُ مِئْزري ... وقد عَهِدتْني أسودَ الرّأسِ مُسبَلا )
( خَطُوّاً إلى اللّذاتِ أجرَرْتُ مِئْزَرِي ... كإجرارِك الحَبْلَ الجواد المُحَجَّلا )
( صَريعَ الهَوَى لا يبرَحُ الحبُّ قائِدِي ... بشَرّ فلم أعدِل عن الشَّرِّ مَعْدلا )
( لَدَى الجَمْرة القُصْوى فرِيعَت وهَلَّلت ... ومَنْ رِيعَ في حَجٍّ من الناس هَلَّلاَ )
الشعر للعرجي والغناء لعبد الله بن العباس الربيعي ثقيل أول في الأول والثاني والخامس والسادس من هذه الأبيات وهو من جيد الغناء وفاخر الصنعة ويقال إنه أول شعر صنعه ولعزار المكي في الثالث وما بعده ثاني ثقيل عن يحي المكي وغيره وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى معبد وإلى ابن سريج وإلى
(19/229)

الغريض وفيه لإبراهيم لحن من كتابه غير مجنس وأنا ذاكر هاهنا أخباراً لهذا الشعر من أخبار العرجي إذ كان أكثر أخباره قد مضى سوى هذه
(19/230)

بعض أخبار للعرجي
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا إسماعيل بن مجمع عن المدائني عن عبد الله بن سليم قال قال عبيد الله بن عمر العمري
خرجت حاجاً فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلام رفثت فيه فأدنيت ناقتي منها ثم قلت لها يا أمة الله ألست حاجة أما تخافين الله فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا ثم قالت تأمل يا عمي فإني ممن عنى العرجي بقوله
( من اللاءِ لم يَحْجُجْن يَبْغين حِسْبةً ... ولكن لَيَقْتُلْنَ البريءَ المُغَفَّلا )
قال فقلت لها فإني أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار قال وبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال أما والله لو كان من بعض بغضاء أهل العراق لقال لها
(19/231)

اعزبي قبحك الله ولكنه ظرف عباد الحجاز
وقد رويت هذه الحكاية عن أبي حازم بن دينار
أخبرني به وكيع قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب الزبيري قال حدثني عبد الرحمن بن أبي الحسن وقد روى عنه ابن أبي ذئب قال
بينا أبو حازم يرمي الجمار إذ هو بامرأة متشعبذة يعني حاسرة فقال لها أيتها المرأة استتري فقالت إني والله من اللواتي قال فيهن الشاعر قوله
( من اللاءِ لم يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ حِسْبَةً ... ولكن ليَقْتُلْن البَريءَ المُغَفَّلا )
( وترمي بعَيْنَيْها القُلوبَ ولا تَرَى ... لها رَميةً لم تُصمِ منهن مَقْتَلا )
فقال أبو حازم لأصحابه ادعوا الله لهذه الصورة الحسنة ألا يعذبها بالنار
وأبو حازم هذا هو أبو حازم بن دينار من وجوه التابعين قد روى عن سهل بن سعد وأبي هريرة وروى عنه مالك وابن أبي ذئب ونُظراؤهما
حدثني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني العمري عن العتبي عن الحكم بن صخر قال
انصرفت من منى فسمعت زفناً من بعض المحامل ثم ترنمت جارية فتغنت
(19/232)

( من اللاءِ لم يَحْجُجْن يَبغِين حِسْبةً ... ولكن لَيَقْتُلنَ البرِيءَ المُغَفَّلا )
فقلت لها أهذا مكان هذا يرحمك الله فقالت نعم وإياك أن تكونه
(19/233)

أخبار عبد الله بن العباس الربيعي
عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع والربيع على ما يدعيه أهله ابن يونس بن أبي فروة وقيل إنه ليس ابنه وآل أبي فروة يدفعون ذلك ويزعمون أنه لقيط وجد منبوذاً فكفله يونس بن أبي فروة ورباه فلما خدم المنصور ادعى إليه وأخباره مذكورة مع أخبار ابنه الفضل في شعر يغنى به من شعر الفضل وهو
( كنتُ صَبّاً وقَلْبيَ اليوم سالي ... )
ويكنى عبد الله بن العباس أبا العباس
شعره مطبوع وهو مغن جيد الصنعة
وكان شاعراً مطبوعاً ومغنياً محسناً جيد الصنعة نادرها حسن الرواية حلو الشعر ظريفه ليس من الشعر الجيد الجزل ولا من المرذُول ولكنه شعر مطبوع ظريف مليح المذهب من أشعار المترفين وأولاد النعم
حدثني أبو القاسم الشيربابكي وكان نديماً لجدي يحي بن محمد عن يحي بن حازم قال حدثني عبد الله بن العباس الربيعي قال
(19/234)

دخل محمد بن عبد الملك الزيات عن الواثق وأنا بين يديه أغنيه وقد استعادني صوتاً فاستحسنه فقال له محمد بن عبد الملك هذا والله يا أمير المؤمنين أولى الناس بإقبالك عليه واستحسانك له واصطناعك إياه فقال أجل هذا مولاي وابن مولاي وابن موالي لا يعرفون غير ذلك فقال له ليس كل مولى يا أمير المؤمنين بولي لمواليه ولا كل مولى متجمل بولائه يجمع ما جمع عبد الله من ظرف وأدب وصحة عقل وجودة شعر فقال الحسن له صدقت يا محمد
فلما كان من الغد جئت محمد بن عبد الملك شاكراً لمحضره فقلت له في أضعاف كلامي وأفرط الوزير أعزه الله في وصفي وتقريظي بكل شيء حتى وصفني بجودة الشعر وليس ذلك عندي وإنما أعبث بالبيتين والثلاثة ولو كان عندي أيضاً شيء بعد ذلك لصغر عن أن يصفه الوزير ومحله في هذا الباب المحل الرفيع المشهور فقال والله يا أخي لو عرفت مقدار شعرك وقولك
( يا شادِناً رام إذ مَرّ ... في السَّعانين قَتْلِي )
( يقول لي كَيْفَ أَصْبَحْت ... كيف يُصبِحُ مِثْلي )
لما قلت هذا القول والله لو لم يكن لك شعر في عمرك كله إلا قولك كيف يصبح مثلي لكنت شاعراً مجيداً
حدثني جحظة قال حدثني أحمد بن الطيب قال حدثني حماد بن إسحاق قال
(19/235)

سمعت عبد الله بن العباس الربيعي يقول أنا أول من غنى بالكَنكلة في الإسلام ووضعت هذا الصوت عليها
( أتاني يُؤامِرُني في الصَّبُوح ... ليلاً فقلتُ له غادِها )
سبب تعلمه الغناء
حدثني جعفر بن قدامة قال حدثناعلي بن يحي المنجم قال حدثني عبد الله بن العباس الربيع يقال
كان سبب دخولي في الغناء وتعلمي إياه أني كنت أهوى جارية لعمتي رقية بنت الفضل بن الربيع فكنت لا أقدر على ملازمتها والجلوس معها خوفا من أن يظهر ما لها عندي فيكون ذلك سبب منعي منها فأظهرت لعمتي أنني أشتهي أن أتعلم الغناء ويكون ذلك في ستر عن جدي وكان جدي وعمتي في حال من الرقة علي والمحبة لي لا نهاية وراءها لأن أبي توفي في حياة جدي الفضل فقالت يا بني وما دعاك إلى ذلك فقلت شهوة غلبت على قلبي إن منعت منها مت غما وكان لي في الغناء طبع قوي فقالت لي أنت أعلم وما تختاره والله ما أحب منعك من شيء وإني لكارهة أن تحذق ذلك وتشهر به فتسقط ويفتضح أبوك وجدك فقلت لا تخافي ذلك فإنما آخذ منه مقدار ما ألهو به ولا زمت الجارية لمحبتي إياها بعلة الغناء فكنت آخذ عنها وعن صواحباتها حتى تقدمت الجماعة حذقاً وأقررن لي بذلك وبلغت ما كنت أريد من أمر الجارية وصرت ألازم مجلس جدي فكان يسر بذلك ويظنه تقربا مني إليه وإنما كان وكدي فيه أخذ الغناء فلم يكن يمر لإسحاق ولا لابن جامع ولا للزبير بن دحمان ولا لغيرهم صوت إلا أخذته فكنت سريع الأخذ وإنما كنت أسمعه مرتين أو ثلاثاً وقد صح
(19/236)

لي وأحسست من نفسي قوة في الصناعة فصنعت أول صوت صنعته في شعر العرجي
( أَماطَتْ كْساءَ الخَزِّ عن حُرٍّ وَجْهِها ... وأَدنت على الخَديّن بُرْداً مُهَلْهَلا )
ثم صنعت في
( أَقْفَر من بَعْد خُلَّةٍ سَرِفُ ... فالمُنحَنى فالعَقِيقُ فالجُرُفُ )
وعرضتهما على الجارية التي كنت أهواها وسألتها عما عندها فيهما فقالت لا يجوز أن يكون في الصنعة شيء فوق هذا وكان جواري الحارث بن بسخنر وجواري ابنه محمد يدخلن إلى دارنا فيطرحن على جواري عمتي
(19/237)

وجواري جدي ويأخذن أيضاً مني ما ليس عندهن من غناء دارنا فسمعنني ألقي هذين الصوتين على الجارية فأخذنهما مني وسألن الجارية عنهما فأخبرتهن أنهما من صنعتي فسألنها أن تصححهما لهن ففعلت فأخذنهما عنها ثم اشتهر حتى غني الرشيد بهما يوماً فاستظرفهما وسأل إسحاق هل تعرفهما فقال لا وإنهما لمن حسن الصنعة وجيدها ومتقنها ثم سأل الجارية عنهما فتوقفت خوفاً من عمتي وحذراً أن يبلغ جدي أنها ذكرتني فانتهرها الرشيد فأخبرته بالقصة فوجه من وقته فدعا بجدي فلما أحضره قال له يا فضل يكون لك ابن يغني ثم يبلغ في الغناء المبلغ الذي يمكنه معه أن يصنع صوتين يستحسنهما إسحاق وسائر المغنين ويتداولهما جواري القيان ولا تعلمني بذلك كأنك رفعت قدره عن خدمتي في هذا الشأن فقال له جدي وحق ولائك يا أمير المؤمنين ونعمتك وإلا فأنا نفي منهما برىء من بيعتك وعلي العهد والميثاق والعتق والطلاق إن كنت علمت بشيء من هذا قط إلا منك الساعة فمن هذا من ولدي قال عبد الله ابن العباس هو فأحضرنيه الساعة فجاء جدي وهو يكاد أن ينشق غيظاً فدعاني فلما خرجت إليه شتمني وقال يا كلب بلغ من أمرك ومقدارك أن تجسر على أن تتعلم الغناء بغير إذني ثم زاد ذلك حتى صنعت ولم تقنع بهذا حتى ألقيت صنعتك على الجواري في داري ثم تجاوزتهن إلى جواري الحارث بن بسخنر فاشتهرت وبلغ أمرك أمير المؤمنين فتنكر لي ولا مني وفضحت آباءك في قبورهم وسقطت الأبد إلا من المغنين وطبقة الخنياكرين فبكيت غماً بما جرى وعلمت أنه قد صدق فرحمني وضمني إليه وقال قد صارت الآن مصيبتي في أبيك مصيبتين إحداهما به وقد مضى وفات والأخرى بك وهي موصولة بحياتي ومصيبة باقية العار علي وعلى أهلي بعدي وبكى وقال عز علي يا بني أن أراك أبداً ما بقيت على غير ما أحب وليست لي في هذا الأمر حيلة لأنه أمر قد خرج عن يدي ثم قال جئني بعود حتى أسمعك وأنظر كيف أنت فإن كنت
(19/238)

تصلح للخدمة في هذه الفضيحة وإلا جئته بك منفرداً وعرفته خبرك واستعفيته لك فأتيته بعود وغنيته غناء قديماً فقال لا بل غن صوتيك اللذين صنعتهما فغنيته إياهما فاستحسنهما وبكى ثم قال بطلت والله يا بني وخاب أملي فيك فواحزني عليك وعلى أبيك فقلت له يا سيدي ليتني مت من قبل أنكرته أو خرست ومالي حيلة ولكني وحياتك يا سيدي وإلا فعلي عهد الله وميثاقه والعتق والطلاق وكل يمين يحلف بها حالف لازمة لي لا غنيت أبداً إلا لخليفة أو ولي عهد فقال قد أحسنت فيما نبهت عليه من هذا
الرشيد يطرب له ويجيزه
ثم ركب وأمرني فأحضرت فوقفت بين يدي الرشيد وأنا أرعد فاستدناني حتى صرت أقرب الجماعة إليه ومازحني وأقبل علي وسكّن مني وأمر جدي بالانصراف وأمر الجماعة فحدثوني وسقيت أقداحاً وغنى المغنون جميعاً فأومأ إلي إسحاق الموصلي بعينه أن أبدأ فغن إذا بلغت النوبة إليك قبل أن تؤمر بذلك ليكون ذلك أصلح وأجود بك فلما جاءت النوبة إلي أخذت عوداً ممن كان إلى جنبي وقمت قائماً واستأذنت في الغناء فضحك الرشيد وقال غن جالساً فجلست وغنيت لحني الأول فطرب واستعاده ثلاث مرات وشرب عليه ثلاثة أنصاف ثم غنيت الثاني فكانت هذه حاله وسكر فدعا بمسرور فقال له احمل الساعة مع عبد الله عشرة آلاف دينار وثلاثين ثوباً من فاخر ثيابي وعيبة مملوءة طيباً فحمل ذلك أجمع معي
(19/239)

قال عبد الله ولم أزل كلما أراد ولي عهد أن يعلم من الخليفة بعد الخليفة الوالي أهو أم غيره دعاني فأمرني بأن أغني فأعرفه بيميني فيستأذن الخليفة في ذلك فإن أذن لي في الغناء عنده عرف أنه ولي عهد وإلا عرف أنه غيره حتى كان آخرهم الواثق فدعاني في أيام المعتصم وسأله أن يأذن لي في الغناء فأذن لي ثم دعاني من الغد فقال ما غناؤك إلا سبباً لظهور سري وسر الخلفاء قبلي ولقد هممت أن آمر بضرب رقبتك لا يبلغني أنك امتنعت من الغناء عند أحد فوالله لئن بلغني لأقتلنك فأعتق من كنت تملكه يوم حلفت وطلق من كان يوجد عندك من الحرائر واستبدل بهن وعلي العوض من ذلك وأرحنا من يمينك هذه المشؤومة فقمت وأنا لا أعقل خوفاً منه فأعتقت جميع من كان بقي عندي من مماليكي الذين حلفت يومئذٍ وهم في ملكي وتصدقت بجملة واستفتيت في يميني أبا يوسف القاضي حتى خرجت منها وغنيت بعد ذلك إخواني جميعاً حتى اشتهر أمري وبلغ المعتصم خبري فتخلصت منه ثم غضب علي الواثق لشيء أنكره وولي الخلافة وهو ساخط علي فكتبت إليه
( أذْكُرْ أميرَ المؤمنين وسائلي ... أيّامَ أرهَبُ سَطْوةَ السَّيْفِ )
( أدعُو إلهي أن أراكَ خليفَةً ... بين المقام ومسجد الخَيْفِ )
فدعاني ورضي عني
حدثني سليمان بن أبي شيخ قال
دخلت على العباس بن الفضل بن الربيع ذات يوم وهو مختلط مغتاظ
(19/240)

وابنه عبد الله عنده فقلت له مالك أمتع الله بك قال لا يفلح والله ابني عبد الله أبداً فظننته قد جنى جناية وجعلت أعتذر إليه فقال ذنبه أعظم من ذلك وأشنع فقلت وما ذنبه قال جاءني بعض غلمان فحدثني أنه رآه بقطربل يشرب نبيذ الداذي بغير غناء فهل هذا فعل من يفلح فقلت له وأنا أضحك سهلت علي القصة قال لا تقل ذاك فإن هذا من ضعة النفس وسقوط الهمة فكنت إذا رأيت عبد الله بعد ذلك في جملة المغنين وشاهدت تبذله في هذه الحال وانخفاضه عن مراتب أهله تذكرت قول أبيه فيه
قال وسمعته يوما يغني بصنعته في شعر أبي العتاهية
صوت
( أنا عبدٌ لها مُقِرٌّ وما يَمْلِك ... غيرُها من النَّاس رِقا )
( ناصحٌ مُشفِقٌ وإن كنتُ ما أُرزق ... منها والحمدُ للهِ عِتْقا )
( ليتَني مُتُّ فاسترحْتُ فإنّي ... أبداً ما حَيِيتُ منها مُلقَّى )
لحن عبد الله بن العباس في هذا الشعر رمل
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحي وأحمد بن حمدون عن أبيه وأخبرني جحظة عن أبي عبد الله الهاشمي أن إسحاق الموصلي دخل يوماً إلى الفضل بن الربيع وابن ابنه عبد الله بن العباس في حجره قد أخرج إليه وله نحو السنتين وأبوه العباس واقف بين يديه فقال إسحاق للوقت
(19/241)

( مَدّ لك اللهُ الحياةَ مَدّاً ... حتى يكونَ ابنُكَ هذا جَدّاً )
( مؤَزَّراً بمَجْده مُردّى ... ثم يُغدّى مثلَ ما تُفدىَّ )
( أشْبَه منك سُنَّةً وخَدّاً ... وشِيَماً محمودةً ومَجْدَا )
( كأنَّه أنتَ إذا تَبَدّى ... )
قال فاستحسن الفضل الأبيات وصنع فيها إسحاق لحنه المشهور وقال جحظة في خبره عن الهاشمي وهو رمل ظريف من حسن الأرمال ومختارها فأمر له الفضل بثلاثين ألف درهم
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني عبد الله بن عمر قال حدثني محمد ابن عبد الله بن مالك قال
حدثني بعض ندماء الفضل بن الربيع قال كنا عند الفضل بن الربيع في يوم دجن والسماء ترش وهو أحسن يوم وأطيبه وكان العباس يومئذٍ قد أصبح مهموماً فجهدنا أن ينشط فلم تكن لنا في ذلك حيلة فبينا نحن كذلك إذ دخل عليه بعض الشعراء إما الرقاشي وإما غيره من طبقته فسلم وأخذ بعضادتي الباب ثم قال
(19/242)

( ألا انْعِم صَباحاً يا أبا الفَضْلِ واربَع ... على مربع القُطربُّليّ المُشَعْشع )
( وعلّل نَداماك العِطاشَ بقَهْوةٍ ... لها مصرعٌ في القَوْمِ غيرُ مروَّعِ )
( فإِنك لاقٍ كُلَّما شِئتَ لَيْلَةً ... ويوماً يُغِصّان الجفونَ بأَدْمُعِ )
قال فبكى العباس وقال صدقت والله إن الإنسان ليلقى ذلك متى يشاء ثم دعا بالطعام فأكل ث دعا بالشراب فشرب ونشط ومر لنا يوم حسن طيب
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن المرزبان قال
جاءني عبد الله بن العباس في خلافة المنتصر وقد سألني عرض رقعة عليه فأعلم أني نائم وقد كنت شربت بالليل شرباً كثيراً فصليت الغداة ونمت فلما انتبهت إذا رقعة عند رأسي وفيها مكتوب
( أنا بالبابِ واقفٌ مُنْذ أصبَحْتُ ... على السّرج مُمْسِكٌ بِعنانِي )
( وبعين البوَّابِ كُلُّ الذي بي ... ويَراني كأَنّه لا يَراني ) فأمرت بإدخاله فدخل فعرفته خبري واعتذرت إليه وعرضت رقعته على المنتصر وكلمته حتى قضى حاجته
عبد الله وإسحاق
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق قال
دعا عبد الله بن العباس الربيعي يوماً أبي وسأله أن يبكر إليه ففعل فلما دخل بادر إليه عبد الله بن العباس ملتقياً وفي يده العود وغناه
( قُم نَصْطَبِح يَفدِيك كُلُّ مُبَخَّلٍ ... عاب الصبَّوحَ لحُبّه لِلمالِ )
( من قَهْوةٍ صفراءَ صِرْفٍ مُزّةٍ ... قد عُتِّقَت في الدَّنِّ مُذْ أحوالِ )
(19/243)

قال وقدم الطعام فأكلنا واصطبحنا واقترح أبي هذا الصوت عليه بقية يومه قال وأتيته في داره بالمطيرة عائداً فوجدته في عافية فجلسنا نتحدث فأنشدته لذي الرمة
( إِذا ما امرؤٌ حاولْنَ أن يَقْتَتِلْنَه ... بلا إحْنَةٍ بين النّفوس ولا ذَحْلِ )
( تبسَّمْنَ عن نَوْر الأقاحِيّ في الثَّرى ... وفَتَّرن عن أبصار مَكْحُولةٍ نُجْلِ )
( وكَشَّفْن عن أجياد غزِلان رَمْلَةٍ ... هِجانٍ فكان القَتْلَ أو شُبْهَة القَتْلِ )
( وإنّا لنَرضَى حين نشْكو بخَلْوةٍ ... إليهن حاجاتِ النُّفُوس بلا بَذْلِ )
( وما الفَقرُ أَزرَى عندهنّ بوصْلِنا ... ولكن جَرَت أخلاقَهنّ على البُخْلِ )
قال فأنشدني هو
( أنّى اهْتدَتْ لمُناخِنا جُمْلُ ... ومن الكرى لعُيونِنا كُحْلُ )
( طرَقتْ أخَا سَفَرٍ وناجِيةً ... خرقاء عرَّفني بها الرّحلُ )
( في مَهْمَهٍ هَجَع الدّليلُ به ... وتَعَّلَلتْ بصَرِيفها البزْلُ )
( فكأنَّ أحدثَ مَنْ ألَمَّ به ... دَرَجت على آثارِه النَّملُ )
قال إسحاق فقال لي عبد الله بن العباس كل ما يملك في سبيل الله إن
(19/244)

فارقتك ولم نصطبح على هذين الشعرين وأنشدك وتنشدني ففعلنا ذلك وما غنينا ولا غنينا
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
لقيت عبد الله بن العباس يوماً في الطريق فقلت له ما كان خبرك أمس فقال اصطبحت فقلت على ماذا ومع من فقال مع خادم صالح بن عجيف وأنت به عارف وبخبري معه ومحبتي له عالم فاصطبحنا على زنا بنت الخس لما حملت من زنا وقد سئلت ممن حملت فقالت
( أشمُّ كغُصْن البان جَعدٌ مرجّلٌ ... شُغِفْتُ به ولو كان شَيْئاً مُدانِيا )
( ثَكِلتُ أبي إن كُنتُ ذُقْتُ كَرِيقِه ... سُلافاً ولا عَذْباً من الماء صافِيَا )
( وأُقسِم لو خُيِّرتُ بين فِراقه ... وبينَ أبي لاخْتَرْتُ أن لا أبا لِيَا )
( فإن لم أُوسِّد ساعِدي بَعْد هَجْعةٍ ... غُلاماً هلالِيّاً فشُلَّت بَنانِيَا )
فقلت له أقمت على لواط وشربت على زنا والله ماسبقك إلى هذا أحد
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال أخبرني ميمون بن هارون قال
كان محمد بن راشد الخناق عند عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع على القاطول في أيام المعتصم وكان لمحمد بن راشد غلام يقال له فائز يغني غناء حسناً فأظلتهم سحابة وهم يشربون فقال عبد الله بن العباس
(19/245)

( محمدُ قد جادتْ علينا بمائِها ... سحابةُ مُزنٍ بَرقُها يتهلَّلُ )
( ونحن من القاطُولِ في مُتَربَّعٍ ... ومنزلُنا فيه المَنابِتُ مُبقِلُ )
( فمُر فائِزاً يشدُو إذا ما سَقَيْتَني ... أعن ظُعُن الحيّ الأُلَى كُنتَ تَسألُ )
( ولا تَسْقِنْي إلا حلالاً فإنِّنِي ... أَعافُ من الأشياءِ مالا يُحَلَّلُ )
قال فأمر محمد بن راشد غلامه فائزاً فغناه بهذا الصوت وشرب عليه حتى سكر
قال وكان أبو أحمد بن الرشيد قد عشق فائزا فاشتراه من محمد بن راشد بثلاثمائة ألف درهم فبلغ ذلك المأمون فأمر بأن يضرب محمد بن راشد ألف سوطٍ ثم سئل فيه فكف عنه وارتجع منه نصف المال وطالبه بأكثر فوجده قد أنفقه وقضى دينه ثم حجر على أبي أحمد بن الرشيد فلم يزل محجوراً عليه طوال أيام المأمون وكان أمر ماله مردوداً إلى مخلد بن أبان
يشرب الخمر حتى في رمضان
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال أخبرني ابن الجرجاني قال
اتفق يوم النيروز في شهر رمضان فشرب عبد الله بن العباس بن الفضل في تلك الليلة إلى أن بدأ الفجر أن يطلع وقال في ذلك وغنى فيه قوله
( استعِيِني صفراءَ صافيةً ... ليلةَ النَّيْروزِ والأحدِ )
( حرَّم الصَّوْمُ اصطباحَكُما ... فتزوَّد شُرْبَها لغَدِ )
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني
(19/246)

إبراهيم بن المُدبر قال
قال لي محمد بن الفضل الجرجاني أنشدت عبد الله بن العباس الربيعي للمعلى الطائي
( باكِرْ صَبوحَك صَبْحةَ النَّيْروزِ ... واشرَبْ بكَأسٍ مُتْرَعٍ وبِكوزِ )
( ضَحِك الربيعُ إليك عن نُوَّارِه ... آسٍ ونِسْرِينٍ ومَرْماحُوزِ )
فاستعادنيهما فأعدتهما عليه وسألني أن أمليهما وصنع فيهما لحنا غنى به الواثق في يوم نيروز فلم يستعد غيره يومئذٍ وأمر له بثلاثين ألف درهم
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحي قال
أنشدني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع لجميل وأنشدنيه وهو يبكي ودموعه تنحدر على لحيته
صوت
( فمالكِ لما خَبَّرَ الناسُ أنَّنِي ... غَدَرتُ بظَهر الغيب لم تَسَلِيْني )
( فأحلِف بَتّاً أو أجيء بِشاهدٍ ... من الناس عَدْلٍ إنَّهم ظَلَمُونِي )
قال وله فيه صنعة من خفيف الثقيل وخفيف الرمل
أخبرني عمي قال حدثني عبيد الله بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا نافذ مولانا قال
كان عبد الله بن العباس صديقا لأبيك وكان يعاشره كثيرا وكان عبد الله ابن العباس مضطبحا دهره لا يفوته ذلك إلا في يوم جمعة أو صوم شهر رمضان وكان يكثر المدح للصبوح ويقول الشعر فيه ويغني فيما يقوله قال عبيد الله
(19/247)

فأنشدني نافذ مولانا وغيره من أصحابنا في ذلك منهم حماد بن إسحاق
صوت
( ومُسْتَطيلٍ على الصَّهْبَاءِ باكرها ... في فِتْيةٍ باصطباحِ الرَّاح حُذّاقِ )
( فكُلُّ شيءٍ رآه خاله قَدَحاً ... وكُلُّ شَخْص رآه خَالَه الساقِي )
قال ولحنه فيه خفيف رمل ثقيل قال حماد وكان أبي يستجيد هذا الصوت من صنعته ويستحسن شعره ويعجب من قوله
( فكُلُّ شَيْءِ رآه خَاله قدحَاً ... وكُلّ شَخْصٍ رآه خَالَه السّاقِي )
ويعجب من قوله
( ومُستَطيل على الصَّهْبَاءِ باكَرَها ... )
ويقول وأي شيء تحته من المعاني الظريفة
قال وسمعه أبي يغنيه فقال له كأنك والله يا عبد الله خطيب يخطب على المنبر قال عبد الله بن محمد فأنشدني حماد له في الصبوح
( لا تعذِلَنْ في صَبُوحِي ... فالعَيش شُرْبُ الصَّبُوحِ )
( ما عابَ مصْطَبِحاً قَطّ ... غيْرُ وَغْدٍ شَحِيحِ )
قال عمي قال عبيد الله دخل يوماً عبد الله بن العباس الربيعي على أبي مسلماً فلما استقر به المجلس وتحادثا ساعة قال له أنشدني شيئاً من شعرك فقال إنما أعبث ولست ممن يقدم عليك بإنشاد شعره فقال أتقول هذا وأنت القائل
( يا شادِناً رامَ إذْ مرَّ في السعَّانين قَتِلْي ... )
( تَقول لي كَيْف أصبَحْت كْيفَ يُصْبح مِثْلِي ... )
أنت والله أعزك الله أغزل الناس وأرقهم شعراً ولو لم تقل غير هذا البيت
(19/248)

الواحد لكفاك ولكنت شاعراً
أخبرني عمي والحسين بن القاسم الكوكبي قالا حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أحمد بن الحسين الهشامي أبو عبد الله قال
حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال
كنت جالساً على دجلة في ليلة من الليالي وأخذت دواة وقرطاساً وكتبت شعراً حضرني وقلته في ذلك الوقت
صوت
( أخلَغَك الدهرُ ما تَنظرُه ... فاصبِر فذا جلُّ أَمْرِ ذا القَدَرِ )
( لَعّلنا أن نُديل من زَمَن ... فرَّقنا والزَّمانُ ذُو غِيرَ )
قال ثم أرتج علي فلم أدر ما أقول حتى يئست من أن يجيئني شيء فالتفت فرأيت القمر وكانت ليلة تتمته فقلت
( فانظر إلى البَدرْ فهو يُشبِهُه ... إن كان قد ضَنَّ عنك بالنَّظَر )
ثم صنعت فيه لحناً من الثقيل الثاني قال أبو عبد الله الهشامي وهو والله صوت حسن
أخبرني جحظة عن ابن حمدون وأخبرني به الكوكبي عن علي بن محمد ابن نصر عن خالد بن حمدون قال
كنا عند الواثق في يوم دجن فلاح برق واستطار فقال لو في هذا شيء فبدرهم عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع فقال هذين البيتين
(19/249)

( أعنِّي على لا مِعِ بارِقٍ ... خفِيَّ كلمْحِك بالحاجبِ )
( كأنّ تألُّقه في السَّماء ... يَدا كاتِبٍ أو يَدا حاسِبِ )
وصنع فيه لحناَ شرب فيه الواثق بغية يومه واستحسن شعره ومعناه وصنعته ووصل عبد الله بصلة سنية
حدثني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن مروان قال حدثني الحسين بن الضحاك قال
كنت عند عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع وهو مصطبح وخادم له قائم يسقيه فقال لي يا أبا علي قد استحسنت سقي هذا الخادم فإن حضرك شيء في قصتنا هذه فقل فقلت
( أحَيتْ صَبوحِي فُكاهةُ اللاَّهِي ... وطاب يومي بقُرْب أشبِاهي )
( فاستَثِر اللهوَ من مَكامِنه ... من قبل يومٍ مُنغّصٍ ناهِي )
( بابنة كَرْمٍ من كَفِّ مُنْتَطِقٍ ... مُؤْتَزرٍ بالمجُونٍ تَيّاهِ )
( يَسقِيك من طَرْفِه ومن يَدِه ... سَقْيَ لطِيفٍ مُجرّبٍ داهي )
( وطاساً وكاساً كأنَّ شاربَها ... حَيرانُ بين الذَّكُورِ والسَّاهي )
فاستحسنه عبد الله وغنى فيه لحناً مليحاً وشربنا عليه بقية يومنا
أخبرني عمي قال حدثنا أبو عبد الله أحمد بن المرزبان بن الفيرزان قال حدثني شيبة بن هشام قال
(19/250)

كان عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قد علق جارية نصرانية قد رآها في بعض أعياد النصارى فكان لا يفارق البيع في أعيادهم شغفاً بها فخرج في عيد ما سرجيس فظفر بها في بستان إلى جانب البيعة وقد كان قبل ذلك يراسلها ويعرفها حبه لها فلا تقدر على مواصلته ولا على لقائه إلا على الطريق فلما ظفر بها التوت عليه وأبت بعض الإباء ثم ظهرت له وجلست معه وأكلوا وشربوا وأقام معها ومع نسوة كن معها أسبوعاً ثم انصرفت في يوم خميس فقال عبد الله بن العباس في ذلك وغنى فيه
( رُبَّ صَهْباء من شَرابِ المَجُوسِ ... قهوةٍ بابِليَّةٍ خَنْدَرِيسِ )
( قد تَجَلَّيتُها بنايٍ وعُودٍ ... قبل ضربِ الشَّمَّاس بالنّاقوسِ )
( وغَزال مُكَحَّلٍ ذِي دلالٍ ... ساحرِ الطرْفِ سامِريَّ عَرُوسِ )
( قد خَلَوْنا بطِيبِه نَجْتَلِيه ... يوم سَبْتٍ إلى صَباحِ الخمِيسِ )
( بين وَردٍ وبين آسٍ جَنِيٍّ ... وسط بُسْتان دَيْر ما سَرْجِيسِ )
( يَتَثَنَّى بحُسنِ جِيدِ غزَالٍ ... وصَلِيبِ مُفَضَّضٍ آبَنُوسِي )
( كم لثمتُ الصلِيّبَ في الجِيد منها ... كِهلالٍ مَكَلَّلٍ بشُمُوسِ )
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن المرزبان عن شيبة بن هشام قال
كان عبد الله بن العباس يوماً جالساً ينتظر هذه النصرانية التي كان يهواها وقد وعدته بالزيارة فهو جالس ينتظرها ويتفقدها إذ سقط غراب على برادة داره فنعب مرة واحدة ثم طار فتطير عبد الله من ذلك ولم يزل ينتظرها يومه فلم يرها فأرسل رسوله عشاء يسأل عنها فعرف أنها قد انحدرت مع أبيها إلى بغداد
(19/251)

فتنغص عليه يومه وتفرق من كان عنده ومكث مدة لا يعرف لها خبراً فبينا هو جالس ذات يوم مع أصحابه إذ سقط هدهد على برادته فصاح ثلاثة أصوات وطار فقال عبد الله بن العباس وأي شيء أبقى الغراب للهدهد علينا وهل ترك لنا أحداً يؤذينا بفراقه وتطير من ذلك فما فرغ من كلامه حتى دخل رسولها يعلمه أنها قد قدمت منذ ثلاثة أيام وأنها قد جاءته زائرة على إثر رسُولِها فقال في ذلك من وقته
( سقاكَ اللهُ يا هُدهدُ ... وَسْيمِيَّا من القَطْرِ )
( كما بَشَّرتَ بالوَصْلِ ... وما أنْذَرْت بالَهَجْرِ )
( فكم ذا لكَ من بُشْرَى ... أَتْتني منك في سِتْرِ )
( كما جاءت سُليمانَ ... فأوفت منه بالنّذْرِ )
( ولا زال غُرابُ البيْن ... في قُفاعَة الأسْرِ )
( كما صَرّح بالبَيْنِ ... وما كُنتُ به أَدْرِي )
ولحنه في هذا الشعر هزج
عبد الله والمتوكل والمنتصر
حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال قال إسحاق بن إبراهيم ابن مصعب
قال لي عبد الله بن العباس الربيعي لما صنعت لحني في شعري
( ألا أصبَحاني يوم السّعانينِ ... من قَهْوةٍ عُتِّقَت بِكر كِينِ )
( عند أُناسٍ قَلبي بهم كلِفٌ ... وإن تولّوْا دِيناً سِوَى دِينِي )
(19/252)

( قد زَيّن المُلكَ جَعفرٌ وحكى ... جُودَ أبيه وبأسَ هارونِ )
( وأَمَّن الخائِفَ البرِيءَ كما ... أَخافَ أهلَ الإلحاد في الدِّينِ )
دعاني المتوكل فلما جلست في مجلس المنادمة غنيت هذا الصوت فقال لي يا عبد الله أين غناؤك في هذا الشعر في أيامي هذه من غنائك في
( أماطَت كِساءَ الخَزٍّ عَنْ حُرٍّ وَجْهِها ... وأدْنَتْ على الخَدَّيْن بْرْداً مُهَلْهلا )
ومن غنائك في
( أقفَر من بعد خُلَّةٍ سَرِفُ ... فالمُنْحَنَى فالعَقِيقُ فالجُرُف )
ومن سائر صنعتك المتقدمة التي استفرغت محاسنك فيها فقلت له يا أمير المؤمنين إني كنت أتغني في هذه الأصوات ولي شباب وطرب وعشق ولو رد علي لغنيت مثل ذلك الغناء فأمر لي بجائزة واستحسن قولي
حدثني عمي قال حدثنا أحمد بن المرزبان قال حدثني أبي قال
ذكر المنتصر يوماً عبد الله بن العباس وهو في قراح النرجس مصطبح فأَحضره وقال له يا عبد الله اصنع لحناً في شعري الفلاني وغنني به وكان عبد الله حلف لا يغني في شِعره فأطرق ملياً ثم غنى في شعر قاله للوقت وهو
( يا طِيبَ يَومْي في قراح النَّرجِس ... في مَجلِس ما مِثْلُهُ مِنْ مَجْلِسِ )
( تُسقَى مُشعْشَعةً كأنَّ شُعاعَها ... نارٌ تُشَبُّ لِبائِسٍ مُسْتقْبِسِ )
قال فجهد أبي بالمنتصر يوماً واحتال عليه بكل حيلة أن يصله بشيء فلم يفعل حدثني عمي قال حدثني أحمد بن المرزبان قال حدثني أبي فقال غضبت قبيحة على المتوكل وهاجرته فجلس ودخل الجلساء والمغنون
(19/253)

وكان فيهم عبد الله بن العباس الربيعي وكان قد عرف الخبر فقال هذا الشعر وغنى فيه
( لستَ مِنِّي ولستُ منك فدَعْنِي ... وامْضِ عنّي مُصاحَباً بسَلامِ )
( لم تَجِد عِلَّةً تَجَنَّى بها الذَّنْبَ ... فصارتْ تعتلُّ بالأحْلامِ )
( فإذا ما شَكَوْتُ ما بِيَ قالت ... قد رأينَا خِلافَ ذَا في المَنامِ )
قال فطرب المتوكل وأمر له بعشرين ألف درهم وقال له إن في حياتك يا عبد الله لأنساً وجمالاً وبقاء للمروءة والظرف
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن المرزبان قال حدثني أبي قال حدثني عبد الله بن العباس الربيعي قال
كنت في بعض العساكر فأصابتنا السماء حتى تأذينا فضربت لي قبة تركية وطرح لي فيها سريران فخطر بقلبي قول السليك
صوت
( قَرِّب النَّحّام واعجلْ يا غُلامْ ... واطْرَحِ السَّرْجَ عليه واللِّجامْ )
( أبلغ الفِتْيانَ أنّي خائِضٌ ... غمْرَةَ الضّرْب فَمْن شاء أَقامْ )
فغنيت فيه لحني المعروف وغدونا فدخلت مدينة فإذا أنا برجل يغني به ووالله ما سبقني إليه أحد ولا سمعه مني أحد فما أدري من الرجل ولا من أين كان له وما أرى إلا أن الجنَّ أوقعته في لسانه
(19/254)

محمد بن الجهم يحتمل خراجه سنة كاملة
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن المرزبان قال حدثني أبي قال حدثني عبد الله بن العباس الربيعي قال
كنت عند محمد بن الجهم البرمكي بالأهواز وكانت ضيعتي في يده فغنيته في يوم مهرجان وقد دعانا للشرب
صوت
ً
( المِهرَجانُ ويومُ الاثْنَيْنِ ... يومُ سُرورٍ قد حُفَّ بالزّيْنِ )
( ينقل من وغْرة المَصِيف إلى ... بَرْدِ شِتاءٍ ما بَيْن فَصْلَيْنِ )
( محمدُ يا بْنَ الجَهْم ومَن بَنى ... للمَجْد بَيْتاً من خير بَيْتَيْنِ )
( عِشْ ألفَ نَيْروز ومَهْرِجْ فَرِحاً ... في طِيبِ عَيْش وقُرَّة العَيْنِ )
قال فسر بذلك واحتمل خراجي في تلك السنة وكان مبلغه ثلاثين ألف درهم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني ابن أبي سعد قال حدثني أبو توبة القطراني عن محمد بن حسين قال
كنا عند أبي عيسى بن الرشيد في زمن الربيع ومعنا مخارق وعلويه وعبد الله بن العباس الربيعي ومحمد بن الحارث بن بسخنر ونحن مصطبحون في طارمة مضروبة على بستانه وقد تفتح فيه ورد وياسمين وشقائق والسماء
(19/255)

متغيمة غيماً مطبقاً وقد بدأت ترش رشاً ساكباً فنحن في أكمل نشاط وأحسن يوم إذ خرجت قيمة دار أبي عيسى فقالت يا سيدي قد جاءت عساليج فقال لتخرج إلينا فليس بحضرتنا من تحتشمه فخرجت إلينا جارية شكلة حلوة حسنة العقل والهيئة الأدب في يدها عود فسلمت فأمرها أبو عيسى بالجلوس فجلست وغنى القوم حتى انتهى الدور إليها وظننا أنها لا تصنع شيئاً وخفنا أن تهابنا فتحصر فغنت غناء حسناً مطرباً متقناً ولم تدع أحداً من حضر إلا غنت صوتاً من صنعته وأدته على غاية الإحكام فطربنا واستحسنا غناءها وخاطبناها بالاستحسان وألح عبد الله بن العباس من بيننا بالاقتراح عليها والمزاح معها والنظر إليها فقال له أبو عيسى عشقتها وحياتي يا عبد الله قال لا والله يا سيدي وحياتك ما عشقتها ولكني استحسنت كل ما شاهدت منها من منظر وشكل وعقل وعشرة وغناء فقال له أبو عيسى فهذا والله هو العشق وسببه ورب جد جره اللعب وشربنا فلما غلب النبيذ على عبد الله غنى أهزاجاً قديمة وحديثة وغنى فيما غنى بينهما هزجاً في شعر قاله فيها لوقته فما فطن له إلا أبو عيسى وهو
صوت
( نَطَق السُّكْرُ بسِرِّي فبَدَا ... كم يُرَى المَكْتُومُ يَخفى لا يَضِحْ )
( سِحْرُ عَيْنَيك إذا مارنَتَا ... لم يَدعْ ذا صَبْوة أو يَفْتَضِحْ )
( مَلَكَتْ قلباً فأمسى غَلِقاً ... عندها صَبّاً بها لم يَسْتَرحْ )
( بجَمالٍ وغنِاءٍ حسنٍ ... جلّ عن أن يَنْتَقيه المُقْتَرِحْ )
( أورثَ القلبَ هُموماً ولقد ... كنتُ مسروراً بمرآه فَرِحْ )
( ولَكم مُغْتَبِقٍ هَمَّاً وقد ... بَكَر اللَّهْو بُكورَ المُصْطَبُحْ )
الغناء لعبد الله بن العباس هزج فقال له أبو عيسى فعلتها والله يا عبد الله وطار طرباً وشرب على الصوت وقال له صح والله قولي لك في عساليج وأنت
(19/256)

تكابرني حتى فضحك السكر فجحد وقال هذا غناء كنت أرويه فحلف أبو عيسى أنه ما قاله ولا غناه إلا في يومه وقال له احلف بحياتي أن الأمر ليس هو كذلك فلم يفعل فقال له أبو عيسى والله لوكانت لي لوهبتها لك ولكنها لآل يحيى بن معاذ والله لئن باعوها لأملكنك إياها ولو بكل ما أملك ووحياتي لتنصرفن قبلك إلى منزلك ثم دعا بحافظتها وخادم من خدمه فوجه بها معهما إلى منزله والتوى عبد الله قليلاً وتجلد وجاحدنا أمره ثم انصرف
واتصل الأمر بينهما بعد ذلك فاشترتها عمته رقية بنت الفضل بن الربيع من آل يحيى بن معاذ وكانت عندهم حتى ماتت
فحدثني جعفر بن قدامة بن زياد عن بعض شيوخه سقط عني اسمه قال قالت بذل الكبيرة لعبد الله بن العباس قد بلغني أنك عشقت جارية يقال لها عساليج فاعرضها علي فإما أن عذرتك وإما أن عذلتك فوجه إليها فحضرت وقال لبذل هذه هي ياستي فانظري واسمعي ثم مريني بما شئت أطعك فأقبلت عليه عساليج وقالت يا عبد الله أتشاور في فو الله ما شاورت فيك لما صاحبتك فنعرت بذل وصاحت إيه أحسنت والله يا صبية ولو لم تحسني شيئاً ولا كانت فيك خصلة تحمد لوجب أن تعشقي لهذه الكلمة أحسنت والله ثم قالت لعبد الله ما ضيعت احتفظ بصاحبتك
عبد الله يغني الواثق فيجيزه
حدثني عمي قال حدثني محمد بن المرزبان عن أبيه عن عبد الله بن العباس قال
دعانا الواثق في يوم نوروز فلما دخلت عليه غنيته في شعر قلته وصنعت فيه لحناً وهو
(19/257)

( هيّ للنّيروزِ جامَا ... ومُداماً ونَدامَى )
( يَحْمدون الله والواثِقَ ... هارون الإماما )
( ما رَأَى كِسْرى أنوشِرْ ... وانَ مِثْلَ العامِ عامَا )
( نَرْجِساً غَضَّا ووَرْداً ... وبَهاراً وخُزامَى )
قال فطرب واستحسن الغناء وشرب عليه حتى سكر وأمر لي بثلاثين ألف درهم
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن المرزبان قال حدثني شيبة بن هشام قال
ألقت متيم على جوارينا هذا اللحن وزعمت أنها أخذته من عبد الله بن العباس والصنعة له
صوت
( إني اتّخذت عدُوَّةً ... فسَقَى الإِلهُ عدُوَّتِي )
( وفديتُها بأقاربي ... وبأُسرَتِي وبجيرتِي )
( واستيقَنت أنّ الفؤاد ... يُحبُّها فأدَلَّت )
قال ثم حدثتنا متيم أن عبد الله بن العباس كان يتعشق مصابيح جارية الأحدب المقين وأنه قال هذا الشعر فيها وغنى فيه هذا اللَّحن بحضرتها فأخذته عنه هكذا ذكر شيبة بن هشام من أمر مصابيح وهي مشهورة من جواري
(19/258)

آل يحيى بن معاذ ولعلها كانت لهذا المقين قبل أن يملكها آل يحيى وقبل أن تصل إلى رقية بنت الفضل بن الربيع
وحدثنا أيضاً عمي قال حدثنا أحمد بن المرزبان عن شيبة بن هشام قال
كان عبد الله بن العباس يتعشق جارية الأحدب المقين ولم يسمها في هذا الخبر فغاضبها في شيء بلغه عنها ثم رام بعد ذلك أن يترضاها فأبت وكتب إليها رقعة يحلف لها على بطلان ما أنكرته ويدعو الله على من ظلم فلم تجبه عن شيء مما كتب به ووقعت تحت دعائه آمين ولم تجب عن شيء مما تضمنته الرقعة بغير ذلك فكتب إليها
( أمَّا سُرورِي بالكتاب ... فليس يَفنى ما بَقينا )
( وأَتى الكتابُ وفيه لي ... آمين ربَّ العالمينا )
قال وزارته في ليلة من ليالي شهر رمضان وأقامت عنده ساعة ثم انصرفت وأبت أن تبيت وتقيم ليلتها عنده فقال هذا الشعر وغنى فيه هزجاً وهو مشهور من أغانيه وهو
صوت
( يا مَنْ لِهمٍّ أمسى يُؤرِّقُني ... حتى مضى شَطرُ لَيْلَةِ الجُهَنِي )
( عَنِّي ولم أدرِ أنَّها حضرت ... كذاك مَنْ كان حُزْنه حُزنِي )
( إنّي سَقِيمٌ مُوَلَّه دَنِفٌ ... أسقَمني حُسْنُ وَجْهِكِ الحَسَنِ )
( جُودِي له بالشفاء مُنْيَتَه ... لا تَهجُرِي هائماً عليك ضَنِي )
قال وليلة الجهني ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قال رجل من جهينة إنه رأى فيها ليلة القدر فيما يرى النائم فسميت ليلة الجهني
أخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن المرزبان قال حدثني شيبة بن هشام
(19/259)

قال دعانا محمد بن حماد بن دنقش وكان له ستارة في نهاية الوصف وحضر معنا عبد الله بن العباس فقال عبد الله وغنى فيه
( دَعْ عنك لومي فإِنّي غيرُ مُنقادِ ... إلى المَلام وإن أحببتَ إرْشادِي )
( فلستُ أعرِفُ لي يوماً سُرِرْتُ به ... كمِثل يَوْمِيَ في دارِ ابنِ حَمَّادِ )
أخبرني يحي بن علي بن يحي قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني ابن المكي عن عبد الله بن العباس قال لما صنعت لحني في شعري
صوت
( يا لَيلةً ليس لها صُبْحُ ... وموعِداً ليس له نُجْحُ )
( من شادنٍ مرّ على وعده الميلادُ ... والسُّلاَّقُ والذّبحُ )
هذه أعياد النصارى غنيته الواثق فقال ويلْكم أدركوا هذا لا يتنصر وتمام هذا الشعر
( وفي السَّعَانِين لو أنيِّ بهِ ... وكان أقْصَى المَوعِد الفصْحُ )
( فالله أستَعْدِي على ظالمٍ ... لم يُغْنِ عنه الجُودُ والشُّحُّ )
نسخت من كتاب أبي سعد السكري قال أبو العتاهية وفيه لعبد الله بن العباس غناء حسن
( أنا عَبدٌ لها مُقِرٌّ وما يَمْلِك ... لي غيرُها من الناس رِقّا )
( ناصحٌ مُشفِقٌ وإن كنت ما أُرزَق ... منها والحمدُ لله عِتْقا )
( ومن الحَيْن والشّقاء تعلَّقُتُ ... مِليكاً مُسْتَكْبراً حين يُلْقَى )
( إن شكوتُ الذي لَقِيتُ إليه ... صَدَّ عَنِّي وقال بُعداً وسُحْقا )
أخبرني عمي قال حدثني علي بن محمد بن نصر عن جده حمدون بن إسماعيل قال
(19/260)

دخلت يوماً إلى عبد الله بن العباس الربيعي وخادم له يسقيه وبيده عوده وهو يغني هذا الصوت
( إذا اصطَبحْتُ ثَلاَثاً ... وكان عُودِي نَدِيمِي )
( والكأسُ تُغْرِب ضَحكاً ... من كفِّ ظَبْيٍ رَخيمِ )
( فما عليَّ طريقٌ ... لطارقاتِ الهُمومِ )
قال فما رأيت أحسن مما حكى حاله في غنائه ولا سمعت أحسن مما غنى
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني دوسر الخراساني قال
اشترى حزام خادم المعتصم خادماً نظيفاً كان عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع يتعشقه فسأله هبته له أو بيعه منه فأبى فقال عبد الله أبياتاً وصنع فيها غناء وهي قوله
( يومُ سَبْتٍ فصَرِّفا لِي المُدامَا ... واسقِياني لعلَّني أن أَنامَا )
( شرَّد النومَ حُبُّ ظَبْيٍ غريرٍ ... ما أراه يرَى الحرَام حَرامَا )
( اشتراه يوماً بعُلْفةِ يوم ... أصبحَت عنده الدوابُ صيامَا )
فاتصلت الأبيات وخبرها بحزام فخشي أن تشتهر ويسمعها المعتصم فيأتي عليه فبعث بالغلام إلى عبد الله وسأله أن يمسك عن الأبيات ففعل
حدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحي قال قلت لعبد الله بن العباس إنه بلغني لك خبر مع الرشيد أول ما شهرت بالغناء فحدثني به قال نعم أول صوت صنعته
( أتاني يؤامِرُني في الصبوح ... ليلاً فقلتُ له غادِها )
(19/261)

فلما تأتى لي وضربت عليه بالكنكلة عرضته على جارية لنا يقال لها راحة فاستحسنته وأخذته عني وكانت تختلف إلى إبراهيم الموصلي فسمعها يوماً تغنيه وتناغي به جارية من جواريه فاستعادها إياه وأعادته عليه فقال لها لمن هذا فقالت صوت قديم فقال لها كذبت لو كان قديماً لعرفته وما زال يداريها ويتغاضب عليها حتى اعترفت له بأنه من صنعتي فعجب من ذلك ثم غناه يوماً بحضرة الرشيد فقال له لمن هذا اللحن يا إبراهيم فأمسك عن الجواب وخشي أن يكذبه فينمى الخبر إليه من غيره وخاف من جدي أن يصدقه فقال له مالك لا تجيبني فقال لا يمكنني يا أمير المؤمنين فاستراب بالقصة ثم قال والله وتربة المهدي لئن لم تصدقني لأعاقبنك عقوبة موجعة وتوهم أنه لعلية أو لبعض حرمه فاستطير غضبا فلما رأى إبراهيم الجد منه صدقه فيما بينه وبينه سراً فدعا لوقته الفضل بن الربيع ثم قال له أيصنع ولدك غناء ويرويه الناس ولا تعرفني فجزع وحلف بحياته وبيعته أنه ما عرف ذلك قط ولا سمع به إلا في وقته ذلك فقال له ابن ابنك عبد الله بن العباس أحضرنيه الساعة فقال أنا أمضي وأمتحنه فإن كان يصلح للخدمة أحضرته وإلا كان أمير المؤمنين أولى من ستر عورتنا فقال لا بد من إحضاره فجاء جدي فأحضرني وتغيظ علي فاعتذرت وحلفت له أن هذا شيء ما تعمدته وإنما غنيت لنفسي وما أدري من أين خرج فأمر بإحضار عود فأحضر وأمرني فغنيته الصوت فقال قد عظمت مصيبتي فيك يا بني فحلفت له بالطلاق والعتاق ألا أقبل على الغناء رفداً أبداً
(19/262)

ولا أغني إلا خليفة أو ولي عهد ومن لعله أن يكون حاضراً مجالسهم فطابت نفسه فأحضرني فغنيت الرشيد الصوت فطرب وضرب عليه أقداحاً وأمرني بالملازمة مع الجلساء وجعل لي نوبة وأمر بحمل عشرة آلاف دينار إلى جدي وأمره أن يبتاع ضيعة لي بها فابتاع لي ضيعتي بالأهواز ولم أزل ملازماً للرشيد حتى خرج إلى خراسان وتأخرت عنه وفرق الموت بيننا
الواثق يقترض مالاً ليعطيه له
قال ابن المرزبان فكان عبد الله بن العباس سبباً لمعرفة أولياء العهود برأي الخلفاء فيهم فكان منهم الواثق فإنه أحب أن يعرف هل يوليه المعتصم العهد بعده أم لا فقال له عبد الله أنا أدلك على وجه تعرف به ذلك فقال وما هو فقال تسأل أمير المؤمنين أن يأذن للجلساء والمغنين أن يصيروا إليك فإذا فعل ذلك فاخلع عليهم وعلي معهم فإني لا أقبل خلعتك لليمين التي علي ألا أقبل رفداً إلا من خليفة أو ولي عهد فقعد الواثق ذات يوم وبعث إلى المعتصم وسأله الإذن إلى الجلساء فأذن لهم فقال له عبد الله بن العباس قد علم أمير المؤمنين يميني فقال له أمض إليه فإنك لا تحنث فمضى إليه وأخبره الخبر فلم يصدقه وظن أنه يطيب نفسه فخلع عليه وعلى الجماعة فلم يقبل عبد الله خلعته وكتب إلى المعتصم يشكوه فبعث إليه اقبل الخلعة فإنه ولي عهدي ونمى إليه الخبر أن هذا كان حيلة من عبد الله فنذر دمه ثم عفا عنه
وسر الواثق بما جرى وأمر إبراهيم بن رياح فاقترض له ثلثمائة ألف درهم فغرقها على الجلساء ثم عرف غضب المعتصم على عبد الله بن العباس واطراحه إياه فاطرحه هو أيضاً فلما ولي الخلافة استمر على جفائه فقال عبد الله
( مالي جُفِيتُ وكنتُ لا أُجفَى ... أيام أرهبُ سطوةَ السَّيْفِ )
( أدعُو إلِهي أن أراكَ خليفةً ... بين المقام ومَسجد الخَيْفِ )
(19/263)

ودس من غناه الواثق فلما سمعه سأل عنه فعرف قائله فتذمم ودعا عبد الله فبسطه ونادمه إلى أن مات
وذكر العتابي عن ابن الكلبي أن الواثق كان يشتهي على عبد الله بن العباس
( أَيُّها العاذِلُ جَهْلاً تلومً ... قبل أن يَنْجاب عنه الصَّريمُ )
وأنه غناه يوماً فأمر بأن يخلع عليه خلعة فلم يقبلها ليمينه فشكاه إلى المعتصم فكاتبه في الوقت فكتب إليه مع مسرور سمانة اقبل خلع هارون فإنك لا تحنث فقبلها وعرف الواثق أنه ولي عهد
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن المرزبان قال حدثني شيبة بن هشام قال كان عبد الله بن العباس يهوى جارية نصرانية لم يكن يصل إليها ولا يراها إلا إذا خرجت إلى البيعة فخرجنا يوماً معه إلى السعانين فوقف حتى إذا جاءت فرآها ثم أنشدنا لنفسه وغنى فيه بعد ذلك
صوت
( إن كنتَ ذا طِبٍّ فداوِينِي ... ولا تَلُم فاللَّوم يُغرِيني )
( يا نظرة أبقَتْ جَوىً قائِلاً ... من شادنٍ يومَ السَّعانينِ )
( ونظرةً من رَبْربٍ عِينِ ... خرجْنَ في أحسَن تَزْيِينِ )
( خرجن يَمْشين إلى نُزْهةٍ ... عَواتِقاً بين البَساتِيِنِ )
(19/264)

( مُزَنَّراتٌ بهَمايينها ... والعَيشُ ما تَحْت الهَمايينِ )
لحن عبد الله بن العباس في هذا الشعر هزج
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا محمد بن عمر الجرجاني ومحمد بن حماد كاتب راشد قالا
كتب عبد الله بن العباس الربيعي في يوم نيروز واتفق في يوم الشك بين شهري رمضان وشعبان إلى محمد بن الحارث بن بسخنر يقول
( اسْقِنْي صفراءَ صافيةً ... ليلةَ النَّيروزِ والأحَدِ )
( حَرَّم الصَّومُ اصطِباحَكما ... فتزَوَّدْ شُربَها لغَدِ )
( وأْتِنَا أو فادْعُنا عَجِلاً ... نَشْتَرك في عِيشَةٍ رَغَدِ )
قال فجاءه محمد بن الحارث بن بسخنر فشربا ليلتهما
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثنا أحمد بن المكي قال حدثنا عبد الله بن العباس الربيعي قال
جمع الواثق يوماً المغنين ليصطبح فقال بحياتي إلا صنعت هزجاً حتى أدخل وأخرج إليكم الساعة ودخل إلى جواريه فقلت هذه الأبيات وغنيت فيها هزجاً قبل أن يخرج وهي
صوت
( بأبي زَورٌ أتاني بالغَلَسْ ... قُمْتُ إِجلالاً له حتى جَلَسْ )
( فتعانَقْنا جميعاً ساعةً ... كادَتِ الأَرواحُ فيها تُختَلَسْ )
(19/265)

( قلتُ يا سُؤْلي ويا بدرَ الدُّجَى ... في ظَلامِ اللَّيل ماخِفتَ العَسَسْ )
( قال قد خِفْتُ ولكنّ الهَوَى ... آخذٌ بالرُّوح منّي والنَّفَسْ )
( زارني يَخْطِر في مِشيْتِه ... حوله من نُور خَدّيْه قَبَسْ )
قال فلما خرج من دار الحرم قال لي يا عبد الله ما صنعت فاندفعت فغنيته فشرب حتى سكر وأمر لي بخمسة آلاف درهم وأمرني بطرحه على الجواري فطرحته عليهن
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا أبو أيوب المديني عن حماد قال من مليح صنعة عبد الله بن العباس الربيعي والشعر ليوسف بن الصيقل ولحنه هزج
صوت
( أبعدَ المواثيق لي ... وبعد السؤال الحَفِي )
( وبَعْد اليَمِين التي ... حلَفْتِ على المُصحَفِ )
( تركتِ الهوَى بينَنا ... كضوء سراجٍ طُفِي )
( فليتكِ إذ لم تَفِي ... بوعدك لم تُخْلِفي )
حدثني الصولي قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال
كان الواثق قد غضب على فريدة لكلام أخفته إياه فأغضبته وعرفنا ذلك وجلس في تلك الأيام للصبوح فغناه عبد الله بن العباس
صوت
( لا تأمني الصَّرْم مِنّي أن ترَيْ كَلَفي ... وإن مَضَى لصفاء الوُدِّ أَعصارُ )
(19/266)

( ما سُمِّيَ القَلْبُ إلا من تَقَلُّبه ... والرأيُ يُصرَفُ والأهواءُ أطوارُ )
( كم مِنْ ذَوِي مِقَةٍ قَبْلي وقَبْلَكمُ ... خانوا فأَضحوا إلى الهِجْران قد صارُوا )
فاستعاده الواثق مراراً وشرب عليه وأعجب به وأمر لعبد الله بألف دينار وخلع عليه
الشعر للأحوص والغناء لعبد الله بن العباس هزج بالوسطى عن عمرو
المتوكل يفضله على سائر المغنين
وأخبرني جعفر بن قدامة قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال
( غنّيتُ المُتوكِّل ذاتَ يوم ... )
( أحبّ إلينا منك دَلاًّ وما يَرى ... له عند فِعْلي من ثَوابٍ ولا أَجْرِ )
فطرب وقال أحسنت والله يا عبد الله أما والله لو رآك الناس كلهم كما أراك لما ذكروا مغنياً سواك أبدا
نسخت من كتاب لأبي العباس بن ثوابة بخطه حدثني أحمد بن إسماعيل
(19/267)

ابن حاتم قال قال لي عبد الله بن العباس الربيعي
دخلت على المعتصم أودعه وأنا أريد الحج فقبلت يده وودعته فقال يا عبد الله إن فيك لخصالاً تعجبني كثر الله في موالي مثلك فقبلت رجله والأرض بين يديه وأحسن محمد بن عبد الملك الزيات محضري وقال له إن له يا أمير المؤمنين أدباً حسناً وشعراً جيداً فلما خرجت قلت له أيها الوزير ما شعري أنا في الشعر تستحسنه وتشيد بذكره بين يدي الخليفة فقال دعنا منك تنتفي من الشعر وأنت الذي تقول
( يا شادِياً مرَّ إذا رامَ ... في السَّعانِين قَتْلي )
( يَقولُ لي كيف أصبحْتَ ... كيْف يُصبِح مِثْلي )
أحسنت والله في هذا ولو لم تقل غير هذا لكنت شاعراً
أخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن المرزبان قال قال أبي قال عبد الله ابن العباس الربيعي
لقيني سوار بن عبد الله القاضي وهو سوار الأصغر فأصغى إلي وقال إن لي إليك حاجة فأتني في خفي فجئته فقال لي إليك حاجة قد أنست بك فيها لأنك لي كالولدفإن شرطت لي كتمانها أفضيت بها إليك فقلت ذلك للقاضي علي شرط واجب فقال إني قلت أبياتاً في جارية لي أميل إليها وقد قلتني وهجرتني وأحببت أن تصنع فيها ولحنا وتسمعينه وإن أظهرته وغنيته بعد ألا يعلم أحد أنه شعري فلست أبالي أتفعل ذلك قلت نعم حباً وكرامة فأنشدني
(19/268)

صوت
( سَلَبْتُ عِظامي لحمَها فتركْتِها ... عَوارِيَ في أجلادِها تَتَكَسَّرُ )
( وأخلَيتِ منها مُخَّها فكأنّها ... أنابيبُ في أجوافِها الرِّيح تصفِرُ )
( إذا سَمِعتْ باسْم الفِراق ترعَّدَت ... مفاصِلُها من هَوْل ما تتحذَّرُ )
( خُذِي بيدي ثم اكْشِفي الثوبَ فانظُري ... بِلَى جَسَدِي لكِنني أتَسَتَّرُ )
( وليس الذي يجَرْي من العين ماؤُها ... ولكِنّها رُوحٌ تَذُوبُ فَتَقْطُرُ )
اللحن الذي صنعه عبد الله بن العباس في هذا الشعر ثقيل أول قال عبد الله فصنعت فيه لحناً ثم عرفته خبره في رقعة كتبتها إليه وسألته وعداً يعدني به للمصير إليه فكتب إلي نظرت في القصة فوجدت هذا لا يصلح ولا ينكتم علي حضورك وسماعي إياك وأسأل الله أن يسرك ويبقيك فغنيت الصوت وظهر حتى تغنى به الناس فلقيني سوار يوماً فقال لي يا بن أخي قد شاع أمرك في ذلك الباب حتى سمعناه من بعد كأنا لم نعرف القصة فيه وجعلنا جميعاً نضحك
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن المرزبان قال
كان بشر خادم صالح بن عجيف عليلاً ثم برِئَ فدخل إلى عبد الله بن العباس فلما رآه فتلقاه وأجلسه وشرب سروراً بعافيته وصنع لحناً من الثقيل الأول هو من جيد صنعته
صوت
( مَوْلاَي ليس لِعَيشٍ لستَ حاضره ... قَدْرٌ ولا قِيمَةٌ عندي ولا ثَمَنُ )
( ولا فَقَدتُ من الدُّنيا ولذَّتِها ... شَيئاً إذا كان عندي وَجْهُك الحَسَنُ )
حدثني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثنا عبد الله بن العباس الربيعي قال
(19/269)

جمعنا الواثق يوماً بعقب علة غليظة كان فيها فعوفي وصح جسمه فدخلت إليه مع المغنين وعودي في يدي فلما وقعت عيني عليه من بعيد وصرت بحيث يسمع صوتي ضربت وغنيت في شعر قلته في طريقي إليه وصنعت فيه لحناً وهو
صوت
( اسْلَمْ وعَمَّرك الإله لأُمَّةٍ ... بك أصبَحْت قَهَرتْ ذَوِي الإلحادِ )
( لو تَسْتَطِيعُ وَقَتك كُلَّ أَذِيَّةٍ ... بالنّفْسِ والأموَال والأولادِ )
فضحك وسر وقال أحسنت يا عبد الله وسررتني وتيمنت بابتدائك ادن مني فدنوت منه حتى كنت أقرب المغنين إليه ثم استعادني الصوت فأعدته ثلاث مرات وشرب عليه ثلاثة أقداح وأمر لي بعشرة آلاف درهم وخلعة من ثيابه
حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال
كان عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع يهوى جارية نصرانية فجاءته يوماً تودعه فأعلمته أن أباها يريد الانحدار إلى بغداد والمضي بها معه فقال في ذلك وغنى فيه
صوت
( أفدِي التي قُلتُ لها ... والبَينُ منّا قد دَنَا )
( فَقدُكِ قد أَنحلَ جِسْمِي ... وأَذاب البَدَنا )
( قالت فماذا حِيلَتي ... كذاك قد ذبتُ أنا )
( باليَأْس بعدِي فاقتنع ... قلت إذاً قَلّ الغَنَا )
حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني علي بن عيسى ابن جعفر الهاشمي قال
(19/270)

دخل علي عبد الله بن العباس في يوم النصف من شعبان وهو يوم سبت وقد عزمت على الصوم فأخد بعضادتي باب مجلسي ثم قال يا أميري
( تُصْبِحُ في السّبت غَيْرَ نشوانِ ... وقد مَضى عنك نِصفُ شعبان )
فقلت قد عزمتُ على الصوم فقال أفعليك وزر إن أفطرت اليوم لمكاني وسررتني بمساعدتك لي وصمت غداً وتصدقت مكان إفطارك فقلت أفعل فدعوت بالطعام فأكلت وبالنبيذ فشربنا وأصبح من غد عندي فاصطبح وساعدته فلما كان اليوم الثالث انتبهت سحراً وقد قال هذا الشعر وغنى فيه
( شعبانُ لم يبقَ منه ... إلا ثَلاثٌ وعَشْرُ )
( فباكِر الرّاحَ صِرْفاً ... لا يَسْبِقَنّكَ فَجْرُ )
( فإن بَغُتكَ اصَطِباحٌ ... فلا يفوتَنْك سُكرُ )
( ولا تُنادِم فتىً وقتُ ... شُربه الدَّهْرَ عَصرُ )
قال فأطربني واصطبحت معه في اليوم الثالث فلما كان من آخر النهار سكر وانصرف وما شربنا يومنا كله إلى على هذا الصوت
حدثني عمي قال حدثني ابن دهقانة النديم قال
دخل عبد الله بن العباس إلى المتوكل في آخر شعبان فأنشده
( عَلِّلاني نَعِمْتُما بُمدَامِ ... واسْقِياني من قَبْل شَهْر الصِّيامِ )
( حرَّم اللهُ في الصِّيام التَّصابي ... فتركناه طاعةً للإمامِ )
( أظهر العَدْلَ فاسْتَنار به الدِّينُ ... وأحيا شرائِعَ الإسلامَ ... )
فأمر المتوكل بالطعام فأحضر وبالنديم وبالجلساء فأتي بذلك فاصطبح وغناه عبد الله في هذه الأبيات فأمر له بعشرة آلاف درهم
(19/271)

قصته مع المرابين
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثني عبد الله بن العباس قال
كنت مقيماً بسر من رأى وقد ركبني دين ثقيل أكثر عينة ورباً فقلت في المتوكل
( أسقِياني سَحَراً بالكُبّرةْ ... ما قَضى اللهُ فَغِيِهِ الخِيَرَهْ )
( أكرَم اللهُ الإمامَ المرتَضَى ... وأطال اللهُ فينا عُمُرَهْ )
( إن أَكُن أٌقْعِدْتُ عنه هكذا ... قدّرَ الله رَضِينا قَدَرَهْ )
( سرِّه اللهُ وأَبقاه لنا ... ألفَ عام وكَفَانَا الفَجَرَهْ )
وبعثت بالأبيات إليه وكنت مستتراً من الغرماء فقال لعبيد الله بن يحيى وقع إليه من هؤلاء الفجرة الذين استكفيت الله شرهم فقلت المغنيون الذين قد ركبني لهم أكثر مما أخذت منهم من الدين بالربا فأمر عبيد الله أن يقضي ديني وأن يحتسب لهم رؤوس أموالهم ويسقط الفضل وينادي بذلك في سُرَّ من رأى حتى لا يقضي أحدُ أحداً إلا رأس ماله وسقط عني وعن الناس من الأرباح زهاء مائة ألف دينار كانت أبياتي هذه سببها
(19/272)

حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال حدثني أبي قال مرض عبد الله بن العباس بسر من رأى في قدمة قدمها إليها فتأخر عنه من كان يثق به فكتب إليهم
( ألا قُلْ لمن بالجانِبَين بأَنَّنْي ... مريضٌ عداني عن زِيارَتهم مابِي )
( فَلَو بهم بعضُ الذي بي لزُرتُهم ... وحاشَ لهم من طُولِ سُقْمِي وأَوصابِي )
( وإِن أقشَعت عني سَحابَةُ عِلَّتي ... تَطاوَل عَتْبِي إن تأخّر إعتابي )
قال فما بقي أحد من إخوانه إلا جاءه عائداً معتذراً
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن موسى قال
سمعت عبد الله بن العباس يغني ونحن مجتمعون عند علوية بشعر في النصرانية التي كان يهواها والصنعة له
صوت
( إنَّ في القَلْب من الظَّبْي كُلومْ ... فَدع اللَّومَ فإِن اللَّوْمَ لُومْ )
( حبَّذا يومُ السَّعانين وما ... نِلْتُ فيه من نَعيمٍ لو يَدُومْ )
( إن يَكُن أَعظمتَ أَنْ هِمتْ به ... فالذي تَرْكَب من عَذْلي عَظِيمْ )
( لم أكُن أوّلَ مَنْ سَنَّ الهَوَى ... فدَعِ اللَّومَ فذا دَاءٌ قديمْ )
الغناء لعبد الله هزج بالوسطى
(19/273)

حدثي أبو بكر الربيعي قال حدثتني عمتي وكانت ربيت في دار عمها عبد الله بن العباس قالت كان عبد الله لا يفارق الصبوح أبداً إلا في يوم جمعة أو شهر رمضان وإذا حج وكانت له وصيفة يقال لها هيلانة قد رباها وعلمها الغناء فأذكره يوماً وقد اصطبح وأنا في حجره جالسة والقدح في يده اليمنى وهو يلقي على الصبية صوتاً أوله
( صدعَ البينُ الفُؤادَا ... إذ به الصائحُ نَادَى )
فهو يردده ويومىء بجميع أعضائه إليها يفهمها نغمه ويوقع بيده على كتفي مرة وعلى فخذي أخرىوهو لا يدري حتى أوجعني فبكيت وقلت قد أوجعتني مما تضربني وهيلانة لا تأخذ الصوت وتضربني أنا فضحك حتى استلقى واستملح قولي فوهب لي ثوب قصب أصفر وثلاثة دنانير جدداً فما أنسى فرحي بذلك وقيامي به إلى أمي وأنا أعدو إليها وأضحك فرحاً به
نسبة هذا الصوت
صوت
( صدَع البَينُ الفُؤادَا ... إذ به الصائِحُ نادَى )
( بيْنما الأحبابُ مَجُموعون ... إذ صَاروا فُرَادَى )
( فأتى بعضٌ بِلاداً ... وأتى بعضٌ بلادَا )
( كُلَّما قُلْتُ تَناهَى ... حَدَثَانُ الدَّهر عادا )
والشعر والغناء لعبد الله هزج بالوسطى عن عمرو
صوت
( حضر الرحيل وشُدَّت الأحداجُ ... وغدا بهنّ مُشمِّرٌ مِزعاجُ )
(19/274)

للشوق نيرانٌ قَدَحْنَ بقلبه ... حتى استمرّ به الهَوى المِلجاجُ )
( أزعج هواكَ إلى الّذين تحبُّهمْ ... إن المحبَّ يسوقُه الإزعاجُ )
( لن يدنينَّك للحبيب ووصله ... إلاّ السُّرَى والبازلُ الهَجهَاجُ )
الشعر لسلم الخاسر والغناء لهاشم بن سليمان ثقيل أول بالوسطى
(19/275)

أخبار سلم الخاسر ونسبه
سلم بن عمر ومولى بن تيمْ بن مرة ثم مولى أبي بكر الصديق رضوان الله عليه بصري شاعر مطبوع متصرف في فنون الشعر من شعراء الدولة العباسية
وهو راوية بشار بن برد وتلميذه وعنه أخذ ومن بحره اغترف وعلى مذهبه ونمطه قال الشعر
ولقب سلم بالخاسر فيما تعال لأنه ورث من أبيه مصحفاً فباعه واشترى بثمنه طنبوراً وقيل بل خلف له أبوه مالا فأنفقه على الأدب والشعر فقال له بعض أهله إنك لخاسرُ الصفقة فلقب بذلك
وكان صديقاً لإبراهيم الموصلي ولأبي العتاهية خاصة من الشعراء والمغنين ثم فسد ما بينه وبين أبي العتاهية وكان سلم منقطعاً إلى البرامكة وإلى الفضل بن يحي خصوصاً من بينهم وفيه يقول أبو العتاهية
( إنما الفضل لِسَلْمٍ وحدَه ... ليس فيه لسوى سَلْمٍ دَرَكْ )
وكان هذا أحد الأسباب في فساد ما بينه وبين أبي العتاهية ولسلم يقول أبو العتاهية وقد حج مع عتبة
( واللهِ واللهِ ما أُبالي متى ... مامتُّ يا سَلْمُ بعْدَ ذا السفَرِ )
(19/276)

أليس قد طُفْتُ حيث طافت وَقّبلتُ ... الذي قبلَتْ من الحجر
وله يقول أبو العتاهية وقد حبس إبراهيم الموصلي
( سَلْمُ يا سلم ليس دونك سْرُّ ... حُبس الموصليُّ فالعيش مُرُّ )
( ما استطاب اللذاتِ مذ سَكَن المُطبقَ ... رأْسُ اللذات واللهِ حُرّ )
( تَرَكَ الموصليُّ مَن خَلَق اللهُ ... جميعاً وعيشهم مُقْشعِرّ )
سلم ولقبه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن الحسن الواسطي قال حدثني أبو عمرو سعيد بن الحسن الباهلي الشاعر قال
لما مات عمرو أبو سلم الخاسر اقتسموا ميراثه فوقع في قسط سلم مصحف فرده وأخذ مكانه دفاتر شعر كانت عند أبيه فلقب الخاسر بذلك
أخبرني الحسن قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال ورث سلم الخاسر أباه مائة ألف درهم فأنفقها على الأدب وبقي لا شيء عنده فلقبه الجيران ومن يعرفه بسلم الخاسر وقالوا أنفق ماله على ما لا ينفعه ثم مدح المهدي أو الرشيد وقد كان بلغه اللقب الذي لقب به فأمر له بمائة ألف درهم وقال له كذب بهذا المال جيرانك فجاءهم بها وقال لهم هذه المائة الألف التي أنفقتها وربحت الأدب فأنا سلم الرابح لا سلم الخاسر
باع مصحفه ليشتري طنبوراً
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال
(19/277)

إنما لقب سلم الخاسر لأنه ورث عن أبيه مصحفاً فباعه واشترى بثمنه طنبوراً
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمر الفضل قال
قال لي الجماز سلم الخاسر خالي لحاً فسألته لم لقب الخاسر فضحك ثم قال إنه قد كان نسك مدة يسيرة ثم رجع إلى أقبح ما كان عليه وباع مصحفاً له ورثه عن أبيه وكان لجده قبله واشترى بثمنه طنبوراً فشاع خبره وافتضح فكان يقال له ويلك هل فعل أحد ما فعلت فقال لم أجد شيئاً أتوسل به إلى إبليس هو أقر لعينه من هذا
أخبرني عمي قال أنبأنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن صالح المؤدب وأخبرنا يحيى بن علي بن يحيى إجازة قال حدثني أبي عن أحمد بن صالح قال قال بشار بن برد
صوت
( لا خَيْرَ في العيشِ إن دُمنا كذا أبداً ... لا نلتقي وسبيلُ المُلْتَقَى نَهَجُ )
( قالوا حَرامٌ تلاقِينا فقلتُ لهمْ ... ما في التَّلاقي ولا في غيرِه حرَجُ )
( مَنْ راقَبَ الناسَ لم يظفَرْ بحاجتِه ... وفاز بالطيّباتِ الفاتُك اللهِجُ )
قال فقال سلم الخاسر أبياتاً ثم أخذ معنى هذا البيت فسلخه وجعله في قوله
( مَن راقب الناسَ مات غماً ... وفاز باللذة الجَسورُ )
سرق معنى بيت لبشار فغضب عليه
فبلغ بيته بشاراً فغضب واستشاط وحلف ألا يدخل إليه ولا يفيده ولا
(19/278)

ينفعه مادام حيا فاستشفع إليه بكلِّ صديق له وكل من يثقل عليه رده فكلموه فيه فقال أدخلوه إلي فأدخلوه إليه فاستدناه ثم قال إيه يا سلم من الذي يقول
( من راقب الناسَ لم يظْفَر بَحاجته ... وفاز بالطّيبات الفاتكُ اللهِجُ )
قال أنت يا أبا معاذ قد جعلني الله فداءك قال فمن الذي يقول
( من راقب الناس مات غمّا ... وفاز باللذة الجسورُ )
قال تلميذك وخريجك وعبدك يا أبا معاذ فاجتذبه إليه وقنعه بمخصَرة كانت في يده ثلاثاً وهو يقول لا أعود يا أبا معاذ إلى ما تنكره ولا آتي شيئا تذُمه إنما أنا عبدك وتلميذك وصَنيِعتك وهو يقول له يا فاسق أتجيء إلى معنى قد سهرت له عيني وتعب فيه فكري وسبقت الناس إليه فتسرقه ثم تختصره لفظاً تقربه به لتِزري علي وتذهب بيتي وهو يحلف له إلا يعود والجماعة يسألونه فبعد لأي وجهد ما شفعهم فيه وكف عن ضربه ثم رجع له ورضي عنه
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال أخبرني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدثني عبد الوهاب بن مرار قال حدثني أبو معاذ النميري رواية بشار قال
قد كان بشار قال قصيدة فيها هذا البيت
( من راقب الناس لم يضفَرْ بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتكُ اللهجُ )
قال فقلت له يا أبا معاذ قد قال سلم الخاسر بيتاً هو أحسن وأخف على الألسن من بيتك هذا قال وما هو فقلت
(19/279)

( من راقب الناسَ مات غمّاً ... وفاز باللذة الجسورُ )
( فقال بشار ذهب والله بيتنا أما والله لوددت أنه ينتمي في غير ولاء أبي بكر رضي الله عنه وأني مغرم ألف دينار محبة مني لهتك عرضه وأعراض مواليه قال فقلت له ما أخرج هذا القول منك إلا غم قال أجل فو الله لا طعمت اليوم طعاماً وصمت
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني ابن إسحاق بن محمد النخعي قال قال أبو معاذ النميري قال بشار قصيدة وقال فيها
( من راقب الناسَ لم يظفَرْ بحاجتِه ... وفاز بالطيبّاتِ الفاتكُ اللهجُ ) ... فعرفته أن سلماً قد قال
( من راقب الناسَ مات غَمّاُ ... وفاز باللذة الجسورُ )
فلما سمع بشار هذا البيت قال سار والله بيت سلم وخمل بيتنا قال وكان كذلك لهج الناس ببيت سلم ولم ينشد بيت بشار أحد
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أبو مالك محمد بن موسى اليماني قال
لما بنى صالح بن المنصور قصره بدجلة قال فيه سلم الخاسر
( يا صالحَ الجودِ الذي مجَدُه ... أفْسَدَ مجدَ الناسِ بالجودِ )
( بَنَيتَ قصراً مشْرفاً عالِياً ... بطائرَيْ سعدٍ ومسعودِ )
( كأنما يَرفعُ بنيانَه ... جِنُّ سليمانَ بنِ داودِ )
( لازلتَ مسروراً به سالماً ... على اختلاف البيضِ والسودِ )
(19/280)

يعني الأيام والليالي فأمر له صالح بألف درهم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني بعض آل ولد حمدون بن إسماعيل وكان ينادم المتوكل عن أبيه قال كان سلم الخاسر من غلمان بشار فلما قال بشار قصيدته الميمية في عمر بن العلاء وهي التي يقول فيها
( إذا نبّهتْك صعابُ الأمورِ ... فنبَهّ لها عُمَراً ثم نَمْ )
( فَتىً لا يبيت على دِمْنَةٍ ... ولا يَشرب الماءَ إلا بِدَمْ )
بعث بها مع سلم الخاسر إلى عمر بن العلاء فوافاه فأنشده إياها فأمر لبشار بمائة ألف درهم فقال له سلم إن خادمك يعني نفسه قد قال في طريقه فيك قصيدة قال فإنك لهناك قال تسمع ثم تحكم ثم قال هات فأنشده
صوت
قد عزّني الداءُ فمالِي دَواءُ ... مِمّا أُلاقي مِن حِسانِ النساءْ )
( قَلْبٌ صحيحٌ كنت أسطو به ... أصبح مِن سَلْمى بِداء عَياءْ )
( أنفاسها مسك وفي طَرْفِها ... سِحر ومالي غيرها من دواءْ )
( وَعَدْتِنِي وَعْداً فأَوفِي به ... هل تَصْلُح الخمرة إلا بماءْ )
ويقول فيها
( كم كُرْبةٍ قد مسّني ضُرُّها ... نادَيتُ فيها عُمَر بن العلاءْ )
قال فأمر له بعشرة آلاف درهم فكانت أول عطية سنية وصلت إليه
(19/281)

سلم وعاصم بن عتبة
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال وجدت في كتاب بخط الفضل بن مروان
وكان عاصم بن عتبة الغساني جد أبي السمراء الذي كان مع عبد الله بن طاهر صديقاً لسلم الخاسر كثير البر به والملاطفة له وفيه يقول سلم
( الجُود في قحطانٍ ... ما بَقِيتْ غسانُ )
( اسْلَمْ ولا أُبالي ... ما فَعَل الإخِوانُ )
ما ضَرّ مُرْتجيه ... ما فعل الزمانُ )
( مَن غاله مَخُوفٌ ... فعاصمٌ أمانٌ )
وكانت سبعين بيتاً فأعطاه عاصم سبعين ألف درهم وكان مبلغ ما وصل إلى سلم من عاصم خمسائة الف درهم فلما حضرته الوفاة دعا عاصماً فقال له إني ميِّت ولا ورثة لي وإن مالي مأخوذ فأنت أحق به فدفع إليه خمسائة ألف درهم ولم يكن لسلم وارث قال وكان عاصم هذا جواداً
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن طهمان قال أخبرني القاسم بن موسى بن مزيد
(19/282)

أن يزيد بن مزيد قال ما حسدت أحداُ قط على شعر مدح به إلا عاصم بن عتبة الغساني فإني حسدته على قول سلم الخاسر فيه
( لِعاصم سَماءٌ ... عارضُها تَهتانُ )
( أمطارُها اللجينُ ... والدر والعِقيان )
( ونارهُ تنادِي ... إذْ خَبَت النَّيرانُ )
( الجودُ في قحطان ... ما بقيت غسان )
( اسَلمْ ولا أُبالي ... ما فَعل الإخوان )
( صَلْتٌ له المعالي ... والسيف والسنان )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا يعقوب بن نعيم عن محمد ابن القاسم بن مهرويه وأخبرني به الحسن بن علي عن أبن مهرويه عن الغريبي عن محمد بن عمر الجرجاني قال
كان سلم تلميذ بشار إلا أنه كان تباعد ما بينهما فكان سلم يقدم أبا العتاهية ويقول هو أشعر الجن والإنس إلى أن قال أبو العتاهية يخاطب سلماً
( تعالَى اللهُ يا سلمَ بنَ عمرو ... أذلَّ الحرصُ أعناقَ الرجالِ )
( هَب الدّنيا تصيرُ إليك عَفْواً ... أليس مصيرُ ذاك إلى زوال )
قال وبلغ الرشيد هذا الشعر فاستحسنه وقال لعمري إن الحرص لمفسدة لأمر الدين والدنيا وما فتشت عن حريص قط مغيبه إلا انكشف لي عماً أذمه وبلغ ذلك سلماً فغضب على أبي العتاهية وقال ويلي على الجرار ابن الفاعلة الزنديق زعم أني حريص وقد كنز البدور وهو يطلب وأنا في ثوبي
(19/283)

هذين لا أملك غيرهما وانحرف عن أبي العتاهية بعد ذلك
خبره مع أبي العتاهية
أخبرني محمد بن يحيى الصولي حدثنا محمد بن موسى قال أخبرني محمد بن إسماعيل السدوسي قال حدثني جعفر العاصمي وأخبرني عمي عن أحمد بن أبي طاهر عن القاسم بن الحسن عن زكريا بن يحيى المدائني عن علي بن المبارك القضاعي عن سلم الخاسر
أن أبا العتاهية لما قال هذا الشعر فيه كتب إليه
( ما أَقبحَ التزهيدَ مِنْ واعظٍ ... يُزَهِّدُ الناسَ ولا يَزْهَدُ )
( لو كان في تزهيدِه صادقاً ... أَضحى وأَمسى بيتَه المسجدُ )
( ورفَضَ الدنيا ولم يَلْقَها ... ولم يكن يسعى ويسْتَرْفِدُ )
( يخاف أن تنفدَ أرزاقُه ... والرزقُ عند الله لا ينفَدُ )
( الرِّزقُ مقسوم على مَنْ تَرَى ... ينالُه الأبيض والأسودُ )
( كُلٌّ يُوفَّى رزقَه كاملاً ... مَنْ كفّ عن جهد وَمن يَجْهدُ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو العسكر المسمعي وهو محمد بن سلميان قال حدثني العباس بن عبد الله بن سنان بن عبد الملك بن مسمع قال
كنا عند قثم بن جعفر بن سليمان وهو يومئذ أمير البصرة وعنده أبو العتاهية ينشده شعره في الزهد فقال لي قثم يا عباس اطلب لي الجماز الساعة حيث كان فجئني به ولك سبق فطلبته فوجدته جالساً ناحية عند ركن دار جعفر بن سليمان فقلت له أجب الأمير فقام معي حتى أتى قثم فجلس في
(19/284)

ناحية مجلسه وأبو العتاهية ينشده ثم قام إليه الجماز فواجهه وأنشد قول سلم الخاسر فيه
( ما أقبح التزهيدَ من واعظٍ ... يُزَهِّدُ الناسَ ولا يَزْهَدُ )
( لو كان في تزهيدِه صادقاً ... أضحى وأمسى بيتَه المسجدُ )
وذكر الأبيات كلها فقال أبو العتاهية من هذا أعز الله الأمير قال هذا الجماز وهو ابن أخت سلم الخاسر انتصر لخاله منك حيث قلت له
( تعالَى اللهُ يا سلم بنَ عمرو ... أذلّ الحرصُ أعناق الرجالِ )
قال فقال أبو العتاهية للجماز يا بن أخي إني لم أذهب في شعري الأول حيث ذهب خالك ولا أردتُ أن أهتف به ولا ذهبت أيضاً في حضوري وإنشادي حيث ذهبت من الحرص على الرزق والله يغفر لكما ثم قام فانصرف
أخبرني عمي عن أحمد بن أبي طاهر عن أبي هفان قال
وصل إلى سلم الخاسر من آل برمك خاصة سوى ما وصل إليه من غيرهم عشرون ألف دينار ووصل إليه من الرشيد مثلها
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عماي عبيد الله والفضل عن أبيهما عن أبي محمد اليزيدي
أنه حضر مجلس عيسى بن عمر وحضر سلم الخاسر فقال له يا أبا محمد اهجني على روي قصيدة امرىء القيس
( رُبَّ رامٍ مِنْ بَني ثُعَلٍ ... مُخْرجٌ كفيه في سُتَرِهْ )
قال فقلت له ما دعاك إلى هذا قال كذا أريد فقلت له يا هذا أنا وأنت أغنى الناس عما تستدعيه من الشر فلتسعك العافية فقال إنك لتحتجز
(19/285)

مني نهاية الإحتجاز وأراد أن يوهم عيسى أني مفحم عيبيُّ لا أقدر على ذلك فقال لي عيسى أسألك يا أبا محمد بحقي عليك إلا فعلت فقلت
( رُبّ مغمومٍ بِعَاقِبةٍ ... غَمَط النعمةَ من أَشَرِهْ )
( وامرىءٍ طالَت سلامتُه ... فرماه الدهرُ من غِيَرِهْ )
( بِسهامٍ غير مُشْوِيَةٍ ... نَقَضَت منه قُوى مِرَرِهْ )
( وكذاك الدهر منقلِبٌ ... بالفتى حالين من عُصُرِهْ )
( يَخْلِط العُسْرَ بِمَيْسَرةٍ ... ويَسارُ المرء في عُسُرِهْ )
( عَقَّ سلمٌ أُمه صِغَراً ... وأبا سَلْم عَلَى كِبَرِهْ )
( كلَّ يومٍ خلفَه رجُل ... رامحٌ يسعى عَلَى أثَرِهْ )
( يُولج الغُرْمولَ سَبَّتَه ... كَوُلوجِ الضَّبِّ في جُحُرِهْ )
قال فاغتم سلم وندم وقال هكذا تكون عاقبة البغي والتعرضِ للشر فضحك عيسى وقال له قد جهد الرجل أن تدعه وصيانته ودينه فأبيت إلا أن يدخلك في حر أمك
ترفهه عندما يأتي المهدي
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال سمعت أبي يقول
(19/286)

كان المهدي يعطي مروان وسلماً الخاسر عطية واحدة فكان سلم يأتي باب المهدي على البرذون الفأره قيمته عشرة آلاف درهم بسرج ولجام مفضضين ولباسه الخز والوشي وما أشبه ذلك من الثياب الغالية الأثمان ورائحة المسك والطيب والغالية تفوح منه ويجيء مروان بن أبي حفصة عليه فرو كبل وقميص كرابيس وعمامة كرابيس وخفاً كبل وكساء غليظ وهو منتن الرائحة وكان لا يأكل اللحم حتى يقرم إليه بخلاً فإذا قرم أرسل غلامه فاشترى له رأساً فأكله فقال له قائل أراك لا تأكل إلا الرأس قال نعم أعرف سعره فآمن خيانة الغلام ولا أشتري لحماً فيطبخه فيأكله منه والرأس آكل من ه ألواناً آكل منه عينيه لوناً ومن غلصمته لوناً ومن دماغه لوناً
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا يحيى بن الحسن الربيعي قال أخبرني أبي قال
كان سلم الخاسر قد بلي بالكيمياء فكان يذهب بكل شيء له باطلاً فلما أراد الله عز و جل أن يصنع له عرف أن بباب الشام صاحب كيمياء عجيباً وأنه لا يصل إليه أحد إلا ليلاً فسأل عنه فدلوه عليه
قال فدخلت إليه إلى موضع معور فدققت الباب فخرج إلي فقال
(19/287)

من أنت عافاك الله فقلت رجل معجب بهذا العلم قال فلا تشهرني فإني رجل مستور إنما أعمل للقوت قال قلت إني لا أشهرك إنما أقتبس منك قال فاكتم ذلك قال وبين يديه كوز شبه صغير فقال لي اقلع عروته فقَلعتها فقال اسبكها في البوطقة فسبكتها فأخرج شيئاً من تحت مصلاه فقال ذره عليه ففعلت فقال أفرغه فأفرغته فقال دعه معك فإذا أصبحت فاخرج فبعه وعد إلي فأخرجته إلى باب الشام فبعت المثقال بأحد وعشرين درهماً ورجعت إليه فأخبرته فقال اطلب الآن ما شئت قلت تفيدني قال بخمسمائة درهم على أن لا تعلمه أحداً فأعطيته وكتب لي صفة فامتحنتها فإذا هي باطلة فعدت إليه فقيل لي قد تحول وإذا عروة الكوز المشبه من ذهب مركبة عليه والكوز شبه ولذلك كان يدخل إليه من يطلبه ليلاً ليخفي عليه فانصرفت وعلمت أن الله عز و جل أراد بي خيراً وأن هذا كله باطل
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني أبو مالك اليماني قال حدثني أبو كعب قال
لما ماتت البانوكة بنت المهدي رثاها سلم الخاسر بقوله
( أَودَى ببانوكَةّ ريبُ الزمانْ ... مُؤنْسةِ المهديِّ والخيزُرانْ )
( لم تَنْطو الأرض على مثِلها ... مولودةٌ حَنّ لها الوالدانْ )
( بانوكُ يا بنتَ إمام الهُدَى ... أَصبحْت من زينة أَهل الجنِانْ )
( بكتْ لك الأرضُ وسُكّانُها ... في كل أُفْق بين إِنسٍ وجانْ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني علي بن الحسن الشيباني قال حدثني أبو المستهل الأسدي وهو عبد الله بن تميم بن
(19/288)

حمزة قال كان سلم الخاسر يهاجي والبة بن الحباب فأرسلني إليه سلم وقال قل له
( يا والبَ بنَ الحُبَابِ يا حَلَقي ... لَسْتَ من أَهل الزناء فانطلقِ )
( تُدخلُ فيه الغُرمولَ تولجه ... مثلَ وُلوج المِفتاح في الغَلقِ )
قال فأتيت والبة فقلت له ذلك فقال لي قل له يا بن الزانية سل عنك ريعان التميمي يعني أنه ناكه قال وكان ريعان لوطيا آفة من الآفات وكان علامة ظريفاً
قال فحدثني جعفر بن قدامة عن محمد العجلي عن أحمد بن معاوية الباهلي قال سمعت ريعان يقول نكت الهيثم بن عدي فمن ترونه يفلت مني بعده
وأخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا العنزي قال حدثني أبو مالك محمد بن موسى اليماني قال
كان سلم الخاسر مدح بعض العلويين فبلغ ذلك المهدي فتوعده وهم به فقال سلم فيه
( إني أتتني على المهدي مَعْتَبةٌ ... تكاد من خوفِها الأحشاء تضطربُ )
( اسمعْ فداكَ بَنُو حواء كُلُّهمُ ... وقد يجوز برأْس الكاذب الكذبُ )
(19/289)

( فقد حَلفتُ يميناً غيرَ كاذبة ... يوم المَغِيبة لم يُقطَعْ لها سببُ )
( ألاّ يحالِفَ مدحي غَيرَكم أبداً ... ولو تلاقَى عليّ الغَرْضُ والحَقَبُ )
( ولو ملكتُ عنان الريح أصْرِفها ... في كلِّ ناحيةٍ ما فاتها الطلبُ )
( مولاك مولاك لا تُشمِت أعاديَه ... فما وراءك لي ذِكْرٌ ولا نسبُ ) فعفا عنه
سلم يحسن الرثاء لا المدح
وأخبرني أحمد بن العباس وأحمد بن عبيد الله بن عمار قالا حدثنا العنزي قال حدثني العباس بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان قال حدثني موسى بن عبد الله بن شهاب المسمعي قال
سمعت أبا عبيدة معمر بن المثنى يقول كان سلم الخاسر لا يحسن أن يمدح ولكنه كان يحسن أن يرثي ويسأل
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن الحسن الشيباني قال حدثني أبو المستهل قال
دخلت يوماً على سلم الخاسر وإذا بين يديه قراطيس فيها أشعار يرثي وببعضها أم جعفر وبعضها جارية غير مسماة وببعضها أقواماً لم يموتوا وأم جعفر يومئذ باقية فقلت له ويحك ما هذا فقال تحدث الحوادث فيطالبوننا بأن نقول فيها ويستعجلوننا ولا يجمل بنا أن نقول غير الجيد فنعد لهم هذا قبل كونه فمتى حدث حادث أظهرنا ما قلناه فيه قديماً على أنه قيل في الوقت
(19/290)

أخبرني محمد بن مزيد وعيسى بن الحسين قالا حدثنا الزبير بن بكار قال قال عبد الله بن الحسن الكاتب
أنشد المأمون قول أبي العتاهية
( تعالَى الله يا سلمَ بنَ عمرِو ... أَذلَّ الحرصُ أعناقَ الرجال )
فقال المأمون صدق لعمر الله إن الحرص لمفسدة للدين والمروءة والله ما رأيت من رجل قط حرصاً ولا شرها فرأيت فيه مصطنعاً فبلغ ذلك سلماً الخاسر فقال ويلي على ابن الفاعلة بياع الخزف كنز البدور بمثل ذلك الشعر المفكك الغث ثم تزهد بعد أن استغنى وهو دائباً يهتف بي وينسبني إلى الحرص وأنا لا أملك إلا ثوبي هذين
سلم وأبو الشمقمق
أخبرني عمّي والحسن بن علي قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا زكريا بن مهران قال
طالب أبو الشمقمق سلماً الخاسر بأن يهب له شيئاً وقد خرجت لسلم جائزة فلم يفعل فقال أبو الشمقمق يهجوه
( يا أُمّ سَلم هداكِ اللهُ زُورِيَنا ... كيما نَنِيكَكِ فَرْداً أو تَنْيكِينا )
(19/291)

( ما إن ذَكَرْتُكِ إلاّ هاج لي شَبَقٌ ... ومثلُ ذِكْراكِ أُمَّ السلم يُشِجِينا )
قال فجاءه سلم فأعطاه خمسة دنانير وقال أحب أن تعفيني من استتزارتك أمي وتأخذ هذه الدنانير فتنفقها
أخبرني الحسن بنُ عليّ قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال حدثني محمد بن القاسم بن الربيع عن أبيه قال
دخل الربيع على المهدي وأبو عبيد الله جالس يعرض كتباً فقال له أبو عبيد الله مر هذا أن يتنحى يعني الربيع فقال له المهدي تنح فقال لا أفعل فقال كأنك تراني بالعين الأولى فقال لا بل أراك بالعين التي أنت بها قال فلم لا تتنحى إذ أمرتك فقال له أنت ركن الإسلام وقد قتلت ابن هذا فلا آمن أن يكون معه حديدة يغتالك بها فقام المهدي مذعوراً وأمر بتفتيشه فوجدوا بين جوربه وخفه سكيناً فردت الأمور كلها إلى الربيع وعزل أبو عبيد الله وولي يعقوب بن داود فقال سلم الخاسر فيه
( يَعقُوبُ يَنظُر في الأمورِ ... وأنت تَنظر ناحِيهْ )
( أدخلتَه فعلاً عليك ... كذاك شؤم الناصيهْ )
قال وكان بلغ المهدي من جهة الربيع أن ابن عبيد الله زنديق فقال له المهدي هذا حسد منك فقال افحص عن هذا فإن كنت مبطلاً بلغت مني الذي يلزم من كذبك فأتى بابن عبيد الله فقرره تقريراً خفياً فأقر بذلك فاستتابه فأبى أن يتوب فقال لأبيه اقتله فقال لا تطيب نفسي بذلك فقتله وصلبه على باب أبي عبيد الله
(19/292)

قال وكان ابن أبي عبيد الله هذا من أحمق الناس وهب له المهدي وصيفة ثم سأله بعد ذلك عنها فقال ما وضعت بيني وبين الأرض حشية قط أوطأ منها حاشاً سامع فقال المهدي لأبيه أتراه يعنيني أو يعنيك قال بل يَعْني أمه الزانية لا يكني
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني يحيى بن الحسن قال حدثني أبي قال
كنت أنا والربيع نسير قريباً من محمل المنصور حين قال للربيع رأيت كأن الكعبة تصدعت وكأن رجلاً جاء بحبل أسود فشددها فقال له الربيع من الرجل فلم يُجبه حتى إذا اعتل قال للربيع أنت الرجل الذي رأيته في نومي شدد الكعبة فأي شيء تعمل بعدي قال ما كنت أعمل في حياتك فكان من أمره في أخذ البيعة للمهدي ما كان فقال سلم الخاسر في الفضل بن الربيع
( يا بن الذي جَبَر الإِسلامَ يومَ وهى ... واستنقَذَ الناسَ مِن عَمْياءَ صَيْخودِ )
( قالت قريشٌ غَداةَ انهاض مُلْكُهُمُ ... أين الربيع وأعطَوْا بالمَقاليدِ )
( فقام بالأمر مئناسٌ بوَحْدَتِه ... مَاضِي العزيمِة ضرّابُ القَماحيد )
( إن الأمورَ إِذا ضاقَتْ مَسالِكُها ... حَلَّت يدُ الفضلِ مِنها كلَّ مَعقودِ )
( إِنّ الربيع وإِن الفضلَ قد بَنَيا ... رواقَ مجدٍ على العبَّاس ممدودِ )
قال فوهب له الفضلُ خمسة آلاف دينار
أخبرني عمي قال حدثنا أبو هفان قال حدثني سعيد أبو هريم وأبو دعامة قالا لما قال سلم الخاسر في الرشيد حين عقد لابنه محمد الأمين
(19/293)

( قد بايع الثَّقلانِ في مَهْد الهُدَى ... لمحمد بن زُبَيْدةَ ابنةِ جعفرِ )
( ولّيته عَهَدَ الأنام وأمْرَهُمْ ... فدمَغْتَ بالمعروف رأسَ المنكرِ )
أعطته زبيدة مائة ألف درهم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن عمرو قال حدثني أحمد بن علي الخراساني عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق عن أبيه قال
قال سلم الخاسر في المهدي قصيدته التي يقول فيها
( له شِيمَةٌ عند بَذْل العَطاء ... لا يَعْرِفُ الناسُ مقدارَها )
( ومَهْديُّ أُمتِنا والذي ... حماها وأَدرَك أوتارَها )
فأمر له المهدي بخمسمائة ألف درهم
أخبرنا وكيع قال حدثنا عبد الله بن سليمان قال حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال شهدت المهدي وقد أمر لمروان بن أبي حفصة بأربعين ألف درهم وفرض له على أهل بيته وجلسائه ثلاثين ألف درهم وأمر الرشيد بعد ذلك لما ولى الخلافة لسلم الخاسر وقد مدحه بسبعين ألف درهم فقال له يا أمير المؤمنين إنّ أكثر ما أعطى المهدي مروان ألف درهم فزدني وفضلني عليه ففعل ذلك وأعطاه تتمة ثمانين ألف درهم فقال سلم
( أَلا قُلَ لمروانٍ أَتتْكَ رسالةٌ ... لها نَبَأٌ لا يَنْثني عن لِقائكا )
( حَبانِي أَميرُ المؤمنين بنَفْحَةٍ ... مُشَهَّرَةٍ قد طأْطأَتْ من حِبَائكا )
( ثمانين ألفاً حُزْتُ من صُلبِ ماله ... ولم يك قَسْماً من أُولى وأولائكا )
(19/294)

فأجابه مروان فقال
( أَسَلْمَ بنَ عمرو قد تَعاطَيْتَ غايةً ... تُقَصّرُ عنها بعد طُول عنائكا )
( فأُقسِم لولا ابنُ الربيع ورِفْدُه ... لما ابْتَلّت الدّلوُ التي في رشائكا )
( وما نِلْت مُذْ صُوِّرتَ إلا عطيّةً ... تَقُوم بها مَصرورةً في ردائكا )
مات سلم فوهب الرشيد تركته
حدثني وسواسة بن الموصلي وهو محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدثني حماد عن أبيه قال
استوهب أبي من الرشيد تركة سلم الخاسر وكان قد مات عن غير وارث فوهبها له قبل أن يتسلمها صاحب المواريث فحصل منها خمسين ألف دينار
أخبرني عمي قال حدثني أبو هفان عن سعيد بن هديم وأبي دعامة أنه رفع إلى الرشيد أن سلماً الخاسر قد توفي وخلف مما أخذه منه خاصة ومن زبيدة ألف ألف وخمسمائة ألف درهم سوى ما خلفه من عقار وغيره مما اعتقده قديما فقبضه الرشيد وتظلم إليه مواليه من آل أبي بكر الصديق رضوان الله عليه فقال هذا خادمي ونديمي والذي خلفه من مالي فأنا أحق به فلم يعطهم إلا شيئاً يسيراً من قديم أملاكه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذمي قال كان مالك وشهاب ابنا عبد الملك بن مسمع ومعن بن زائدةمتواخين لا يكادون يفترقون وكان سلم الخاسر ينادمهم ويمدحهم ويفضلون عليه ولا يحوجونه إلى غيرهم فتوفي مالك ثم أخوه ثم معن في مدة متقاربة فقال سلم يرثيهم
(19/295)

( عَيْنُ جُودِي بِعَبْرةٍ تَهْتَانِ ... وانْدُبِي من أصابَ ريْبُ الزمانِ )
( وإذا ما بَكَيتِ قَوماً كِراماً ... فَعَلى مالكٍ أبي غَسّانِ )
( أَينَ معنٌ أبو الوليدِ ومن كان ... غِياثاً لِلْهالِك الحيرانِ )
( طَرَقْتك المنونُ لا واهِيَ مثلُ الحبلِ ... ولا عاقِداً بِحِلْف يمَانِ )
( وشهابٌ وأين مثلُ شهابٍ ... عند بَذلِ النّدَى وحَرِّ الطِّعانِ )
( رُبّ خِرْقٍ رُزِئْتُه منْ بَني قيسٍ وخِرقٍ رُزِئتُ من شيبانِ )
( دَرَّ دَرُّ الأيام ماذا أجَنَّتْ ... منْهُمُ في لفائف الكتانِ )
( ذاك معنٌ ثَوى ببست رهيناً ... وشهابٌ ثَوى بأرضِ عُمانِ )
( وهُما ما هُما لِبَذْلِ العطايا ... ولِلَفِّ الأقران بالأقرانِ )
( يَسْبقان المنونَ طَعناً وضرباًً ... ويَفُكَّانِ كُلّ كبْل وَعانِ )
أخبرني وكيع قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال حدثني عبد الصمد بن المعذل قال
لما أنشد سلم الخاسر الرشيد قصيدته فيه
( حَضَر الرَّحِيلُ وَشُدَّت الأحْداجُ ... )
أمر له بمائة ألف درهم
حدثني جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال
(19/296)

دخل سلم الخاسر على الفضل بن يحي في يوم نيروز والهدايا بين يديه فأنشده
( أَمِنْ رَبْعٍ تسائلهُ ... وقَدْ أقْوَتْ منازلُهُ )
( بقَلْبِي مِنْ هَوَى الأصلالِ ... حُبٌّ ما يُزْايِلُهُ )
( رُوَيدَكُمُ عن المَشْغوفِ ... إنَّ الحُبَّ قاتلُهُ )
( بَلابِلُ صَدره تَسْرى ... وقد نامت عواذِلُهُ )
( أحقُّ الناسِ بالتفضيلِ ... مَن تُرْجَى فَوَاضِلُهُ )
( رأيتُ مكارمَ الأخْلاقِ ... ما ضَنَّت حَمائلُهُ )
( فلست أرَى فتَىً في الناس ... إلا الفَضْلُ فاضِلُهُ )
( يقولِ لِسانُه خَيْراً ... فَتَفْعلُه أناملُهُ )
( ومهما يُرْجَ مِنْ خيرٍ ... فإن الفضل فاعلُهُ )
وكان إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق حاضرين فقال لإبراهيم كيف ترى وتسمع قال أحسن مرئي ومسموع وفضل الأمير أكثر منه فقال خُذوا جميع ما أهدي إلي اليوم فاقتسموه بينكم أثلاثاً إلا ذلك التمثال فإني أريد أن أهديه اليوم إلى دنانير ثم قال لا والله ما هكذا تفعل الأحرار يقوم وندفع إليهم ثمنه ثم نهديه فقوم بألفي دينار فحملها إلى القوم من بيت ماله واقتسموا جميع الهدايا بينهم
(19/297)

أخبرني هاشم بن محمد الخُزاعي قال حدثني عيسى بن إسماعيل تينة قال حدثني القحذمي قال
قيل لمعن بن زائدة ما أحسن ما مدحت به من الشعر عندك قال قول سلم الخاسر
( أبْلِغ الفِتْيانَ مأْلُكةً ... أنَّ خيرَ الوُدّ ما نَفَعا )
( أنَّ قَرْماً من بَني مَطَرٍ ... أتلَفَتْ كفّاه ما جَمعا )
( كُلّما عُدْنا لنائِله ... عاد في معروفه جَذَعا )
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو توبة وأخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه عن أبي توبة قال حدث في أيام الرشيد أمر فاحتاج فيه إلى الرأي فأشكل وكان الفضل بن يحي غائباً فورد في ذلك الوقت فأخبروه بالقصة فأشار بالرأي في وقته وأنفذ الأمر على مشورته فحمد ما جرى فيه فدخل عليه سلم الخاسر فأنشده
( بَدِيهَتُه وَفِكْرتُه سواءٌ ... إذا ما نَابَهُ الخَطْبُ الكبيرُ )
( وَأحَزَمُ ما يكونُ الدَّهرَ رأياً ... إِذا عيّ المُشَاوِرُ والمُشير )
فأمر له بعشرة آلاف درهم
اشترى سكوت أبي الشمقمق عن هجائه
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني أبو العيناء قال حدثني الجماز أن أبا الشمقمق جاء إلى سلم الخاسر يستميحه فمنعه فقال له اسمع إذا ما قلته وأنشده
(19/298)

( حَدَّثُوني أنّ سَلماً ... يَشْتَكي جارةَ أيْرِهْ )
( فَهْو لا يَحْسُدُ شيئاً ... غيرَ أيْرٍ في أست غيرِهْ )
( وإِذا سرَّك يَوْماً ... يا خليلي نيْلَ خَيرِهْ )
( قُمْ فَمُرْ راهِبَك الأصْلَعَ ... يقرع بابَ ديْرِهْ )
فضحك سلم وأعطاه خمسة دنانير وقال له أحب جعلت فداك أن تصرف راهبك الأصلع عن باب ديرنا
أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن أبي كامل قال حدثني أبو دعامة قال
دخل سلم الخاسر على الرشيد فأنشده
( حَيِّ الأحِبَّةَ بالسلام ... )
قال الرشيد
( حياهُم اللهُ بالسلامِ ... )
فقال
( عَلَى وَداع أم مُقام ... )
فقال الرشيد حياهم الله على أي ذلك كان فأنشده
( لَمْ يَبقَ منكَ ومِنْهُم ... غيرُ الجلودِ على الطعام )
فقال له الرشيد بل منك وأمر بإخراجه وتطير منه ومن قوله فلم يسمع منه باقي الشعر ولا أثابه بشيء
( أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال أتت وفاة المهدي إلى موسى الهادي وهو بجرجان فبويع له هناك فدخل عليه
(19/299)

سلم الخاسر مع المهنئين فهنأه بخلافة الله ثم أنشده
( لَمَّا أتتْ خيرَ بَني هاشمٍ ... خلافةُ الله بجُرْجانِ )
( شَمَّر لِلْحزمِ سَرابيلَه ... بِرَأْي لاغَمْرٍ ولا وانِ )
( لم يُدخِل الشُّورَى على رأْيه ... والحزْمُ لا يُمضيه رأيانِ ) أخبرني الحسن بن علي وعمي قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني صالح بن عبد الرحمن عن أبيه قال
دخل سلم الخاسر على الرشيد وعنده العباس بن محمد وجعفر بن يحي فأنشده قوله فيه
( حَضَرَ الرّحيلُ وشدت الأحداجُ ... )
فلما انتهى إلى قوله
( إن المنايا في السيوف كَوامِنٌ ... حتى يُهَيِّجَها فتىً هَيّاجُ )
فقال الرشيد كان ذلك معن بن زائدة فقال صدق أمير المؤمنين ثم أنشد حتى انتهى إلى قوله
( ومُدَجَّجٍ يَغْشَى المَضِيقَ بسَيْفه ... حتى يكونَ بسيفِهِ الإفراجُ )
فقال الرشيد ذلك يزيد بن مزيد فقال صدق أمير المؤمنين فاغتاظ
(19/300)

جعفر بن يحي وكان يزيد بن مزيد عدوا للبرامكة مصافياً للفضل بن الربيع فلما انتهى إلى قوله
( نَزَلَتْ نُجومُ الليلِ فَوَق رؤوسِهمْ ... ولِكلِّ قومٍ كوكبٌ وهّاجُ )
قال له جعفر بن يحي من قلة الشعر حتى تمدح أمير المؤمنين بشعر قيل في غيره هذا لبشار في فلان التميمي فقال الرشيد ما تقول يا سلم قال صدق يا سيدي وهل أنا إلا جزء من محاسن بشار وهل أنطق إلا بفضل منطقه وحياتك يا سيدي إني لأروي له تسعة آلاف بيت ما يعرف أحد غيري منها شيئاً فضحك الرشيد وقال ما أحسن الصدق امض في شعرك وأمر له بمائة ألف درهم ثم قال للفضل بن الربيع هل قال أحد غير سلم في طينا المنازل شيئاً وكان الرشيد قد انصرف من الحج وطوى المنازل فوصف ذلك فقال الفضل نعم يا أمير المؤمنين النمري فأمر سلماً أن يثبت قائماً حتى يفرغ النمري من إنشاده فأنشده النمري قوله
( تَخَرّق سِرْبالُ الشبابِ مع البُرْد ... وحالَتْ لنا أُمُّ الوليد عن العهد )
فقال الرشيد للعباس بن محمد أيهما أشعر عندك يا عم قال كلاهما شاعر ولو كان كلام يستفحل لجودته حتى يؤخذ منه نسل لاستفحلت كلام النمري فأمر له بمائة ألف درهم أخرى
أخبرني عمي قال أنشدني أحمد بن أبي طاهر لأشجع السلمي يرثي سلماً ومات سلم قبله
( يا سَلمُ إن أصبَحْت في حُفرةٍ ... موسَّداً تُرْباً وأحجارا )
(19/301)

( فَرُبُّ بيتٍ حسنٍ قُلتَه ... خَلّفتَه في الناس سيّاراً )
( قَلّدتَه ربّاً وَسَيّرتَه ... فكان فخراً منك أو عاراً )
( لو نطق الشعر بكى بعده ... عليه إعلاناً وإسراراً )
صوت
( يا ويحَ من لعب الهَوى بحياته ... فأماته من قبلِ حينَ مماته )
( مَنْ ذا كذا كان الشقي بشادن ... هاروت بين لسانه ولَهاتِه )
( وحياة من أهوَى فإِنّي لم أكن ... يوماً لأحلف كاذباً بحياته )
( لأخالِفَنَّ عَواذِلي في لذّتِي ... ولأُسْعِدَنّ أخي عَلَى لذّاته )
الشعر لبعض شعراء الحجازيين ولم يقع إلينا اسمه والغناء لأبي صدقة رمل بالبنصر
(19/302)

أخبار أبي صدقة
اسمه مسكين بن صدقة من أهل المدينة مولى لقريش وكان مليح الغناء طيب الصوت كثير الرواية صالح الصنعة من أكثر الناس نادرة وأخفهم روحاً وأشدهم طمعاُ وألحهم في مسألة وكان له ابن يقال له صدقة يغني وليس من المعدودين وابن ابنه أحمد بن صدقة الطنبوري أحد المحسنين من الطنبوريين وله صنعة جيدة وكان أشبه الناس بجده في المزح والنوادر وأخباره تذكر بعد أخبار جده وأبو صدقة من المغنين الذي أقدمهم هارون الرشيد من الحجاز في أيامه
أخبرني علي بن عبد العزيز عن عبيد الله بن عبد الله قال
قيل لأبي صدقة ما : أكثر سؤالك وأشد إلحاحك فقال وما يمنعني من ذلك واسمي مسكين وكنيتي أبو صدقة وامرأتي فاقة وابني صدقة
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال
حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي أن الرشيد قال للحارث بن بسخنر قد اشتهيت أن أرى ندمائي ومن يحضر مجلسي من المغنين جميعا في مجلس واحد يأكلون ويشربون ويتبذلون منبسطين على غير هيبة ولا احتشام بل يفعلون ما يفعلون في منازلهم وعند نظرائهم وهذا لا يتم إلا بأن أكون بحيث لا يرونني عن غير علم منهم برؤيتي إياهم فأعد لي مكاناً أجلس فيه أنا وعمي سليمان وإخوتي إبراهيم بن المهدي وعيسى بن جعفر وجعفر بني يحيى
(19/303)

فإنا مغلسون عليك غداة غد واستزر أنت محمد بن خالد بن برمك وخالداً أخاً مهرويه والخضر بن جبريل وجميع المغنين وأجلسهم بحيث نراهم ولا يروننا وابسط الجميع وأظهر برهم واخلع عليهم ولا تدع من الإكرام شيئاً إلى فعلته بهم ففعل ذلك الحارث وقدم إليهم الطعام فأكلوا والرشيد ينظر إليهم ثم دعا لهم بالنبيذ فشربوا وأحضرت الخلع وكان ذلك اليوم يوماً شديد البرد فخلع على ابن جامع جبة خز طاروني مبطنة بسمور صيني وخلع على إبراهيم الموصلي جبة وشيءٍ كوفي مرتفع مبطنة بفنك وخلع على أبي صدقة دراعة ملحم خراساني محشوة بقز ثم تغنى ابن جامع وتغنى بعده إبراهيم وتلاهما أبو صدقة فغنى لابن سريج
( ومِنْ أجْلِ ذات الخال أعملْتُ ناقتي ... أُكلِّفها سَيَر الكَلالِ مع الظَّلْعِ )
(19/304)

فأجاده واستعاده الحارث ثلاثاً وهو يعيده فقال له الحارث أحسنت والله يا أبا صدقة قال له هذا غنائي وقد قرصني البرد فكيف تراه فديتك كان يكون لو كان تحت دراعتي هذه شعيرات يعني الوبر والرشيد يسمع ذلك فضحك فأمر بأن يخلع عليه دراعة ملحم مبطنة بفنك ففعلوا ثم تغنى الجماعة وغنى أبو صدقة لمعبد
( بان الخليط على بُزْلٍ مخيّسةٍ ... هُدْلِ المشافر أدنى سيرِها الرّمَلُ )
ثم تغنى بعده لمعبد أيضاً
( بانَ الخليطُ ولو طُووِعت ما بانا ... وقطّعوا من حِبال الوصلِ أقرانا )
فأقام فيهما جميعاً القيامة فطرب الرشيد حتى كاد أن يخرج إلى المجلس طرباً فقال له الحارث أحسنت والله يا أبا صدقة فديتك وأجملت فقال أبو صدقة فكيف ترى فديتك الحال تكون لو كانت على هذه الدراعة نقيطات يعني الوشي فضحك الرشيد حتى ظهر ضحكه وعلموا بموضعه وعرف علمهم بذلك فأمر بإدخالهم إليه وأمر بأن يخلع على أبي صدقة دراعة أخرى مبطنة فخلعت عليه
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
سأل الحسن بن سليمان أخو عبيد الله بن سليمان الطفيلي الفضل وجعفراً
(19/305)

ابني يحي أن يقيما عنده يوماً فأجاباه فواعد عدة من المغنين فيهم أبو صدقة المدني فقال لأبي صدقة إنك تبرم بكثرة السؤال فصادرني على شيء أدفعه إليك ولا تسأل شيئاً غيره فصادره على شيء أعطاه إياه فلما جلسوا وغنوا أعجبوا بغناء أبي صدقة واقترحوا عليه أصواتاً من غناء ابن سريج ومعبد وابن محرز وغيرهم فغناهم ثم غنى والصنعة له رمل
( يا ويحَ مَن لعب الهَوى بحياتِه ... فأَماته مِنْ قَبْلِ حينِ مماتِه )
( مَنْ ذا كذا كان الشقيَّ بِشادِنٍ ... هاروتُ بين لسانِه ولهَاتِه )
وذكر الأبيات الأربعة المتقدم ذكرها قال فأجاد وأحسن ما شاء وطرب جعفر فقال له أحسنت وحياتي وكان عليه دواج خز مبطن بسمور جيد فلما قال له ذلك شرهت نفسه وعاد إلى طبعه فقال لو أحسنت ما كان هذا الدواج عليك ولتخلعنه علي فألقاه عليه ثم غنى أصواتاً من القديم والحديث وغنى بعدها من صناعته في الرمل
( لَمْ يَطُل العهدُ فتنساني ... ولَمْ أَغِبْ عنك فتنعاني )
( بَدّلتَ بي غيري وباهتَّني ... ولم تكن صاحبَ بُهتانِ )
( لا وَثِقَتْ نفسي بإنسانٍ ... بَعدك في سرٍّ وإِعلانِ )
(19/306)

( أعطيتني ما شئتُ من مَوْثِقٍ ... منك ومن عهدٍ وأيمانِ )
فقال له الفضل أحسنت وحياتي فقال لو أحسنت لخلعت علي جبة تكون شكلا لهذا الدواح فنزع جبته وخلعها عليه وسكروا وانصرفوا فوثب الحسن بن سليمان فقال له قد وافقتك على ما أرضاك ودفعته إليك على ألا تسأل أحداً شيئاً فلم تف وقد أخذت مالك والله لا تركت عليك شيئاً مما أخذته ثم انتزعته منه كرهاً وصرفه فشكاه أبو صدقة إلى الفضل وجعفر فضحكا منه وأخلفا عليه ما ارتجعه الطفيلي منه من خلعهما
نسبة ما مضى في هذه الأخبار من الغناء
صوت
( بانَ الخليطُ على بُزْلٍ مُخَيَّسةٍ ... هُدْلِ المشافِرِ أدنى سيرِها الرملُ )
( مِنْ كل أعيَس نضَّاح القفا قَطِمٍ ... ينفِي الزمام إذا ما حنّت الإِبلُ )
الغناء لابن عائشة خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو والهشامي وقال الهشامي خاصة فيه لابن محرز هزج ولإسحاق ثقيل أول ووافقه ابن المكي وما وجدت لمعبد فيه صنعة في شيء من الروايات إلا في المذكور
وأما
( بان الخليط ولو طووعت ما بانا ... )
(19/307)

فقد مضى في المائة المختارة ونسب هناك وذكرت أخباره
أسباب إلحاحه
أخبرني رضوان بن أحمد قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال
كان أبو صدقة أسأل خلق الله وألحهم فقال له الرشيد ويلك ما أكثر سؤالك فقال وما يمنعني من ذلك واسمي مسكين وكنيتي أبو صدقة واسم أبني صدقة وكانت أمي تلقب فاقة واسم أبي صدقة فمن أحق مني بهذا
وكان الرشيد يعبث به عبثاً شديداً فقال ذات يوم لمسرور قل لابن جامع وإبراهيم الموصلي وزبير بن دحمان وزلزل وبرصوصا وابن أبي مريم المديني إذا رأيتموني قد طابت نفسي فليسألني كل واحد منهم حاجة مقدارها مقدار صلته وذكر لكل واحد منهم مقدار ذلك وأمرهم أن يكتموا أمرهم عن أبي صدقة فقال لهم مسرور ما أمره به ثم أذن لأبي صدقة قبل إذنه لهم فلما جلس قال له يا أبا صدقة قد أضجرتني بكثرة مسألتك وأنا في هذا اليوم ضجر وقد أحببت أن أتفرج وأفرح ولست آمن أن تنغص علي مجلسي بمسألتك فإما أن أعفيتني من أن تسألني اليوم حاجة وإلا فانصرف فقال له يا سيدي لست أسألك في هذا اليوم ولا إلى شهر حاجة فقال له الرشيد أما إذ شرطت لي هذا على نفسك فقد اشتريت منك حوائجك بخمسمائة دينار وها هي ذه فخذها هنيئة
(19/308)

معجلة فإن سألتني شيئاً بعدها في هذا اليوم فلا لوم علي إن لم أصلك سنة بشيء فقال له نعم وسنتين فقال له الرشيد زدني في الوثيقة فقال قد جعلت أمر أم صدقة في يدك فطلقها متى شئت إن شئت واحدة وإن شئت ألفاً إن سألتك في يومي هذا حاجة وأشهد الله ومن حضر على ذلك فدفع إليه المال ثم أذن للجلساء والمغنين فحضروا وشرب القوم
فلما طابت نفس الرشيد قال له ابن جامع يا أمير المؤمنين قد نلت منك ما لم تبلغه أمنيتي وكثر إحسانك إلي حتى كبت أعدائي وقتلتهم وليست لي بمكة دار تشبه حالي فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بمال أبني به داراً وأفرشها بباقيه لأفقأ عيون أعدائي وأزهق نفوسهم فعل فقال وكم قدرت لذلك قال أربعة آلاف دينار فأمر له بها ثم قام إبراهيم الموصليّ فقال له قد ظهرت نعمتك علي وعلى أكابر ولدي وفي أصاغرهم من قد بلغ وأريد تزويجه ومن أصاغرهم من أحتاج إلى أن أطهره ومنهم صغار أحتاج إلى أن أتخذ لهم خدماً فإن رأى أمير المؤمنين أن يحسن معونتي على ذلك فعل فأمر له بمثل ما أمر لابن جامع وجعل كل واحد منهم يقول فيقول من الثناء ما يحضره ويسأل حاجة على قدر جائزته وأبو صدقة ينظر إليهم وإلى الأموال تفرق يميناً وشمالاً فوثب على رجليه قائماً وقال للرشيد يا سيدي أقلني أقال الله عثرتك فقال له الرشيد لا أفعل فجعل يستحلفه ويضطرب ويلح والرشيد يضحك ويقول ما إلى ذلك سبيل الشرط أملك
فلما عيل صبره أخذ الدنانير فرمى بها بين يدي الرشيد وقال له هاكها قد رددتها عليك وزدتك فرج أم صدقة فطلقها إن شئت واحدة وإن شئت ألفاً وإن لم تلحقني بجوائز القوم فألحقني بجائزة هذا البارد ابن الباردة عمرو الغزال وكانت صلته ألف دينار فضحك الرشيد حتى استلقى ثم رد عليه الخمسمائة الدينار وأمر له بألف دينار معها وكان ذلك أكثر ما أخذه منه مذ يوم خدمه إلى أن مات فانصرف يومئذ بألف وخمسمائة دينار
(19/309)

جعفر بن يحي والرشيد يعبثان به
أخبرني رضوان بن أحمد قال حدثني يوسف بن إبراهيم قال حدثني أبو إسحاق قال
مطرنا ونحن مع الرشيد بالرقة مطراً مع الفجر واتصل إلى غد ذلك اليوم وعرفنا خبر الرشيد وأنه مقيم عند أم ولده المسماة بسحر فتشاغلنا في منازلنا فلما كان من غد جاءنا رسول الرشيد فحضرنا جميعاً وأقبل يسأل واحداً واحداً عن يومه الماضي ما صنع فيه فيخبره إلى أن انتهى إلى جعفر بن يحي فسأله عن خبره فقال كان عندي أبو زكار الأعمى وأبو صدقة فكان أبو زكار كلما غنى صوتاً لم يفرغ منه حتى يأخذه أبو صدقة فإذا انتهى الدور إليه أعاده وحكى أبا زكار فيه وفي شمائله وحركاته ويفطن أبو زكار لذلك فيجن ويموت غيظاً ويشتم أبا صدقة كل شتم حتى يضجر وهو لا يجيبه ولا يدع العبث به وأنا أضحك من ذلك إلى أن توسطنا الشراب وسئمنا من العبث به فقلت له دع هذا وغن غناءك فغنى رملاً ذكر أنه من صنعته طربت له والله يا أمير المؤمنين طربا ما أذكر أني طربت مثله منذ حين هو
صوت
( فتَنْتَنِي بفاحمِ اللون جَعْدٍ ... وبِثَغر كأنه نظم دُرٍّ )
( وبِوجهٍ كأنه طلعة البدرِ ... وعَينٍ في طَرفها نَفْث سِحْرِ )
فقلت له أحسنت والله يا أبا صدقة فلم أسكت عن هذه الكلمة حتى قال لي إني قد بنيت داراً حتى أنفقت عليها حريبتي وما أعددت لها فرشاً فافرشها لي نجد الله لك في الجنة ألف قصر فتغافلت عنه وعاود الغناء
(19/310)

فتعمدت أن قلت له أحسنت ليعاود مسألتي وأتغافل عنه فسألني وتغافلت فقال لي يا سيدي هذا التغافل متى حدث ذلك سألتك بالله وبحق أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي ولو بشتم فأقبلت عليه وقلت له أنت والله بغيض اسكت يا بغيض واكفف عن هذه المسألة الملحة فوثب من بين يدي وظننت أنه خرج لحاجة وإذا هو قد نزع ثيابه وتجرد منها خوفاً من أن تبتل ووقف تحت السماء لا يواريه منها شيء والمطر يأخذه ورفع رأسه وقال يا رب أنت تعلم أني مله ولست نائحاً وعبدك هذا الذي رفعته وأحوجتني إلى خدمته يقول لي أحسنت لا يقول لي أسأت وأنا منذ جلست أقول له بنيت لم أقل هدمت فيحلف بك جرأة عليك أني بغيض فاحكم بيني وبينه يا سيدي فأنت خير الحاكمين
فغلبني الضحك وأمرت به فتنحى وجهدت به أن يغني فامتنع حتى حلفت له بحياتك يا أمير المؤمنين أني أفرش له داره وخدعته فلم أسم له ما أفرشها به فقال الرشيد طيب والله الآن تم لنا به اللهو وهو ذا أدعو به فإذا رآك فسوف يقتضيك الفرش لأنك حلفت له بحياتي فهو ينتجز ذلك بحضرتي ليكون أوثق له فقل له أنا أفرشها لك بالبواري وحاكمه إليه ثم دعا به فأحضر فما استقر في مجلسه حتى قال لجعفر بن يحي الفرش الذي حلفت لي بحياة أمير المؤمنين أنك تفرش به داري تقدم فيه فقال له جعفر اختر إن شئت فرشتها لك بالبواري وإن شئت بالبردي من الحصر فضج واضطرب
فقال له الرشيد وكيف كانت القصة فأخبره فقال له أخطأت يا أبا صدقة إذ لم تسم النوع ولا حددت القيمة فإذا فرشها لك بالبواري أو بالبردي أو بما دون ذلك فقد وفى يمينه وإنما خدعك ولم تفطن له أنت ولا توثقت وضيعت حقك فسكت وقال نوفر البردي والبواري عليه أيضاً أعزه الله وغنى المغنون حتى انتهى إليه الدور فأخذ يغني غناء الملاحين والبنائين
(19/311)

والسقائين وما جرى مجراه من الغناء فقال له الرشيد أيش هذا الغناء ويلك قال من فرشت داره بالبواري والبردي فهذا الغناء كثير منه وكثير أيضاً لمن هذه صلته فضحك الرشيد والله وطرب وصفق ثم أمر له بألف دينار من ماله وقال له افرش دارك من هذه فقال وحياتك لا آخذها يا سيدي أو تحكم لي على جعفر بما وعدني وإلا مت والله أسفاً لفوات ما حصل في طمعي ووعدت به فحكم له على جعفر بخمسمائة دينار فقبلها جعفر وأمر له بها
سبب وصوله إلى السلطان
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال كان سبب وصول أبي صدقة إلى السلطان أن أبي لما حج مر بالمدينة فاحتاج إلى قطع ثياب فالتمس خياطاً حاذقاً فدل على أبي صدقة ووصف له بالحذق في الخياطة والحذق في الغناء وخفة الروح فأحضره فقطع له ما أراد وخاطه وسمع غناءه فأعجبه وسأله عن حاله فشكا إليه الفقر فخلف لعياله نفقة سابغة لسنة ثم أخذه معه وخلطه بالسلطان
قال حماد فقال أبو صدقة يوماً لأبي قد اقتصرت بي على صنعة أبي إسحاق أبيك رحمه الله عندي وأنت لا رب ذلك بشيء فقال له هذه الصينية الفضة التي بين يدي لك إذا انصرفت فشكره وسر بذلك ولم يزل يغنيه بقية يومه فلما أخذ النبيذ فيه قام قومه ليبول فدعا أبي بصينية رصاص فحول قنينته وقدحه فيها ورفع الصينية الفضة فلما أراد أبو صدقة الانصراف شد أبي الصينية في منديل ودفعها إلى غلامه وقال له بت الليلة عندي واصطبح غداً واردد دابتك فقال إني إذا لأحمق أدفع إلى غلامي صينية فضة فيأخذها ويطمع فيها أو يبيعها ويركب الدابة ويهرب ولكني أبيت عندك فإذا انصرفت غداً أخذتها معي وبات وأصبح عندنا مصطبحاً فلما كان وقت انصرافه أخذها
(19/312)

ومضى فلم يلبث من غد أن جاءنا والصينية معه فإذا هو قد وجه بها لتباع فعرفوه أنها رصاص فلما رآه أبي من بعيد ضحك وعرف القصة وتماسك فقال له أبو صدقة نعم الخلافة خلفت أباك وما أحسن ما فعلت بي قال وأي شيء فعلت بك قال أعطيتني صينية رصاص فقال له أبي سخنت عينك سخرت امرأتك بك وأنا من أين لي صينية رصاص فتشكك ساعة ثم قال أظن والله أن ذلك كذلك فقام فقال له أبي إلى أين قال أضع والله عليها السوط فأضربها به حتى ترد الصينية فلما رأى أبي الجد منه قال له اجلس يا أبا صدقة فإنما مزحت معك وأمر له بوزنها دراهم
صوت
( إنّ مَنْ يملِكُ رِقّي ... مالكٌ رقّ الرِّقابِ )
( لم يكن يا أحسن العالم ... هذا في حسابي )
الشعر لفضل الشاعرة والغناء لعريب خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المعتز
(19/313)

أخبار فضل الشاعرة
كانت فضل جارية مولدة من مولدات البصرة وكانت أمها من مولدات اليمامة بها ولدت ونشأت في دار رجل من عبد القيس وباعها بعد أن أدبها وخرجها فاشتريت وأهديت إلى المتوكل وكانت هي تزعم أن الذي باعها أخوها وأن أباها وطىء أمها فولدتها منه فأدبها وخرجها معترفاً بها وأن بنيه من غير أمها تواطأوا على بيعها وجحدها ولم تكن تعرف بعد أن أعتقت إلا بفضل العبدية وكانت حسنة الوجه والجسم والقوام أديبة فصيحة سريعة البديهة مطبوعة في قول الشعر ولم يكن في نساء زمانها أشعر منها
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال كانت فضل الشاعرة لرجل من النخاسين بالكرخ يقال له حسنويه فاشتراها محمد بن الفرج أخو عمر بن الفرج الرخجي وأهداها إلى المتوكل فكانت تجلس للرجال ويأتيها الشعراء فألقى عليها أبو دلف القاسم بن عيسى
( قالوا عَشْقتَ صغيرةً فأجبتُهمْ ... أشهى المَطيِّ إليّ ما لم يُرْكَبِ )
(19/314)

( كم بَيْنَ حبّة لؤلؤ مثقوبةٍ ... نُظِمتْ وحبةِ لؤلؤٍ لم تُثْقَبِ )
فقالت فضل مجيبة له
( إن المطية لا يَلَذُّ رُكوبُها ... ما لم تُذَلَّلْ بالزِّمام وتُركَبِ )
( والدُّرُّ ليس بنافعٍ أصحابَه ... حتى يُؤلَّف للنِّظامِ بمِثْقَبِ )
شعرها في المتوكل
حدثني عمي ومحمد بن خلف قالا حدثنا أبو العيناء قال لما دخلت فضل الشاعرة على المتوكل يوم أهديت إليه قال لها أشاعرة أنت قالت كذا زعم من باعني واشتراني فضحك وقال أنشدينا شيئا من شعرك فأنشدته
( استقبل الملكَ إِمامُ الهدى ... عامَ ثلاثٍ وثلاثينا )
تعني سنة ثلاث وثلاثين ومائتين من سني الهجرة
( خِلافةُ أفْضَت إلى جعفر ... وهو ابنُ سبع بعْدَ عِشرينا )
( إنّا لنَرجو يا إمام الهدى ... أن تَمْلِكَ الناس ثمانينا )
( لا قدَّسَ اللهُ امرأً لم يَقُلْ ... عندَ دُعائي لك آمينا )
فاستحسن الأبيات وأمر لها بخمسة آلاف درهم وأمر عريب فغنت فيها
حدثني عمي قال حدثني أبو عبد الله أحمد بن حمدون قال عرضت على المعتمد جارية تباع في خلافة المتوكل وهو يومئذ حديث السن فاشتط مولاها في السوم فلم يشترها وخرج بها إلى ابن الأغلب فبيعت هناك فلما
(19/315)

ولي المعتمد الخلافة سأل عن خبرها وقد ذكرها فأعلم أنها بيعت وأولدها مولاها فقال لفضل الشاعرة قولي فيها شيئاً فقالت
( عَلَم الجمَالِ تركْتني ... في الحُبّ أشهرَ مِن عَلَمْ )
( وَنَصَبْتَنِي يا مُنْيَتي ... غَرَضَ المَظِنَّةِ والتُّهمْ )
( فارقتنِي بعدَ الدّنوّ ... فصِرْتِ عندي كالحُلُمْ )
( فَلَوَ أن نَفْسي فارَقَتْ ... جسمي لِفَقدكٍ لم تُلَمْ )
( ما كان ضرّكِ لو وَصَلْت ... فخف عن قَلبي الألمْ )
( بِرِسالةٍ تُهْدينها ... أو زَوْرَةٍ تحتَ الظُّلَمْ )
( أَوْلاَ فَطيفي في المنامِ ... فلا أقلَّ من الَّلمَم )
( صِلَةُ المحبِّ حَبِيبَه ... اللَّهُ يَعْلَمُه كَرَمْ )
نماذج من شعرها
حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال كتب بعض أهلنا إلى فضل الشاعرة
( أصبحْتُ فَرْدا هائم العَقْل ... إلى غزال حَسَنِ الشكلِ )
( أَضْنَى فؤادي طولُ عهدي بِه ... وبُعْدُه منِّي ومِن وَصْلي )
( مُنْيةُ نفسي في هَوىَ فَضْل ... أنْ يجمعَ الَّلهُ بها شَمْلي )
( أهْواكِ يا فضلُ هوى خالصاً ... فما لِقَلْبي عنكِ من شُغْل )
قال فأجابته
(19/316)

صوت
( الصبرُ ينقص والسَّقامُ يَزيدُ ... والدارُ دانيةٌ وأنتَ بَعيدُ )
( أَشكُوكَ أَمْ أشكو إليكَ فإنه ... لا يَستطيعُ سواهما المجهودُ )
( إني أَعُوذ بحُرْمتي بكَ في الهَوى ... مِنْ أن يطاعَ لديكَ في حَسودُ )
في هذه الأبيات رمل طنبوري وأظنه لجحظة
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني الحسن بن عيسى الكوفي قال حدثنا أبو دهمان وأخبرني أيضاً به عبد الله بن نصر المروزي قالا
كانت فضل الشاعرة من أحسن الناس وجهاً وخلقاً وخلقاً وأرقهم شعراً فكتب إليها بعض من كان يجمعه وإياها مجلس الخليفة ولا تطلعه على حبها له
( ألا ليتَ شِعري فيكِ هل تَذْكرينَنَي ... فذِكراكِ في الدنيا إليّ َحَبِيبُ )
( وهل لي نصيبٌ في فؤادِكِ ثابتٌ ... كما لكِ عندي في الفؤادِ نَصيبُ )
( ولستُ بمَوْصولٍ فأَحيا بِزَوْرَةٍ ... ولا النفسُ عند اليأس عنكِ تَطيب )
قال فكتبت إليه
( نَعَم وإِلهي إِنني بكَ صَبّةٌ ... فهل أنتَ يا مَن لا عَدِمتُ مُثيب )
( لِمَنْ أنتَ منه في الفؤادِ مصوَّر ... وفي العَيِنِ نُصْبَ العينِ حين تَغيب )
( فَثِقْ بودادٍ أنت مُظهرُ مثلِه ... عَلَى أنّ بي سُقْماً وأنتَ طبيب )
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني يحي بن علي بن يحي المنجم قال حدثني الفضل بن العباس الهاشمي قال حدثتني بنان الشاعرة قالت
اتكأ المتوكل على يدي ويد فضل الشاعرة وجعل يمشي بيننا ثم قال أجيزا لي قول الشاعر
( تعلمتُ أسباب الرضا خوفَ عَتْبها ... وعَلّمها حُبِّي لها كيف تَغضَب )
(19/317)

فقالت له فضل
( تَصُدُّ وأدنْو بالمودةِ جاهدا ... وتَبعُد عني بالوصال وأقرُب )
فقلت أنا
( وعندِي لها العُتبى على كلّ حالة ... فما مِنْه لي بدّ ولا عنه مذهب )
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال ألقى بعض أصحابنا على فضل الشاعرة
( ومستفتِحٍ بابَ البلاءِ بنَظْرةٍ ... تَزوَّدَ منها قلبُه حسْرةَ الدهْرِ )
فقالت
( فوالله ما يَدري أتَدْري بما جَنَت ... عَلَى قلبِه أو أهلكَتْه وما تَدْري )
أخبرني محمد بن خلف قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال
ألقيت أنا على فضل الشاعرة
( عَلَمَ الجمالِ تركْتِني ... بهواكِ أشهرَ مِنْ عَلمْ )
فقالت على البديهة
( وأبحتَني يا سيِّدي ... سَقَماً يجلّ عن السقَمْ )
( وتَرَكْتَني غَرَضاً فَدَيْتُكَ ... للعوَاذِلِ والتُّهمْ )
( صلَةُ المحبِّ حبيبَه ... اللهُ يَعلَمُه كَرَم )
أخبرني محمد بن خلف قال حدثني محمد بن الوليد قال
سمعت علي بن الجهم يقول كنت يوماً عند فضل الشاعرة فلحظتها لحظة استرابت بها فقالت
(19/318)

( يارُبَّ رامٍ حَسَنٍ تَعرُّضُهْ ... يرمي ولا يُشعِر أني غرضُهْ )
فقلت
( أيُّ فتى لَحْظُكِ ليس يُمْرضُهْ ... وأيُّ عَقدٍ محكَمٍ لا يَنْقُضُهْ )
فضحكت وقالت خذ في غير هذا الحديث
حدثني عمي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال
كتبت فضل الشاعرة إلى سعيد بن حميد أيامَ كانت بينهما محبة وتواصل
( وعيشِك لَو حرّحتُ باسمِك في الهوى ... لأ قَصَرْتُ عن أشياءَ في الهْزل والجِدِّ )
( ولكنني أُبدِي لهذا مَوَدَّتي ... وذاك وأَخلو فيكَ بالبَثَّ والوَجْد )
( مخافَة أن يُغْرِي بنا قولُ كاشحٍ ... عدُوّاً فيسَعى بالوِصالِ إلى الصدِّ )
فكتب إليها سعيد
( تنامِين عن لَيْلى وأسهَرُه وحدي ... وأنهَى جفوني أن تبُثَّك ما عِنْدي )
( فإنْ كنتِ لا تَدْرين ما قد فعلْتِه ... بنا فانظُري ماذا على قاتِلِ العمدِ )
(19/319)

قال عمي هكذا ذكر ابن مهرويه
وحدثني به علي بن الحسين بن عبد الأعلى فذكر أن بيتي سعيد كانا الابتداء وأن أبيات فضل كانت الجواب وذكر لهما خبراً في عتاب عاتبها به ولم أحفظه وإنما سمعته يذكره ثم أخرج إلي كتاباً بعد ذلك فيه أخبار عن علي ابن الحسين فوجدت هذا الخبر فيه فقرأته عليه
قال علي بن الحسين بن عبد الأعلى
حضر سعيد بن حميد مجلساً حضرته فضل الشاعرة وبنان وكان سعيد يهواها وتظهر له هوى ويتهمها مع ذلك ببنان فرأى فيها إقبالاً شديداً على بنانٍ فغضب وانصرف فكتبت إليه فضل بالأبيات الأول وأجابها بالبيتين الآخرين فاتفقت رواية ابن مهرويه وعلي بن الحسين في هذا الخبر
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو يوسف بن الدقاق الضرير قال
صرت أنا وأبو منصور الباخرزي إلى منزل فضل الشاعرة فحجبنا عنها وانصرفنا وما علمت بنا ثم بلغها مجيئنا وانصرافنا فكرهت ذلك وغمها فكتبت إلينا تعتذر
( وما كنْت أَخشى أَن تَروْا ليَ زَلّةً ... ولكنّ أَمْرَ اللهِ ما عَنْه مَذْهبُ )
( أَعُوذ بحُسنِ الصفحِ منكمْ وقَبْلَنا ... بِصفْحٍ وعفوٍ ما تعوّذ مُذْنب )
فكتب إليها أبو منصور الباخرزي
( لَئن أُهدِيَت عُتباكِ لي ولإخوتي ... فمِثلُك يا فضلَ الفضائلِ يُعتبُ )
( إذا اعتذر الجانِي محا العذرُ ذنبَه ... وكلُّ امرئ لا يَقْبل العُذْرَ مذنِبُ )
حدثني علي بن هارون بن علي بن يحي المنجم قال حدثني عمي عن جدي قال
(19/320)

قال لي المتوكل يوماً وفضل واقفة بين يديه يا علي كان بيني وبين فضل موعد فشربت شرباً فيه فضل فسكرت ونمت وجاءتني للموعد فحركتني بكل ما ينتبه به النائم من قَرص وتحريك وغمز وكلام فلم أنتبه فلما علمت أنه لا حيلة لها في كتبت رقعة ووضعتها على مخدتي فانتبهت فقرأتها فإذا فيها
( قد بَدا شِبْهك يا مولايَ ... يَحْدُو بالظلامِ )
( قُمْ بِنا نَقْضِ لُبناتِ ... التزامٍ والتثامِ )
( قَبْل أنْ تَفْضَحنا عَوْدةُ ... أرواحِ النِّيامِ )
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال
كانت فضل الشاعرة تهاجي خنساء جارية هشام المكفوف وكانت شاعرة وكان أبو شبل عاصم بن وهب يعاون فضلاً عليها ويهجوها مع فضل وكان القصيدي والحفصي يعينان خنساء على فضل وأبي شبل فقال أبو شبل على لسان فضل
( خنساءُ طِيري بجَنَاحَيْنِ ... أصبَحْتِ مَعْشوقَةَ نَذْلَيْن )
( مَن كان يهوَى عاشقاً واحداً ... فأنت تَهْوَيْنَ عَشيقَيْن )
( هذا القصيديّ وهذا الفتىالحفصي ... قد زاراكِ فَرْدَيْنِ )
( نَعِمْتِ من هذا وهذا كما ... يَنْعم خِنزير بحُشَّيْنِ )
فقالت خنساء تجيبها
( ماذا مَقالٌ لكِ يا فضلُ بَلْ ... مقالٌ خِنزيريْن فَرْدَينِ )
( يُكْنَى أبا الشبلِ ولو أبصَرَتْ ... عيناهُ شِبلاً راثَ كُرَّيْنِ )
(19/321)

وقالت فضل في خنساء
( إنّ خنساء لا جُعِلْتُ فِداها ... اشتراها الكَسَّارُ من مولاها )
( ولها نَكْهَةٌ يقول محاذيها ... أهذا حَدِيثها أم فُسَاها )
وقالت خنساء في فضل وأبي شبل
( تَقول له فضلٌ إذا ما تخوَّفتْ ... ركوبَ قبيح الذُلِّ في طلبِ الوصلِ )
( حِرُامْ فتىً لم يَلْقَ في الحبّ ذِلةُ ... فقلت لها لا بَلْ حِرُاَمِّ أبي الشبل )
وقالت خنساء تهجو أبا شبل
( ما يَنْقَضِي فِكْرِي وطولُ تَعجُّبي ... مِن نعجةٍ تُكْنَى أبَا الشبلِ )
( لَعِبَ الفحولُ بسُفْلها وعِجانها ... فتمرّدَت كتمرّدِْ الفحلِ )
( لما اكتَنْيتَ بما اكتنيتَ به ... وتَسَمَّتَ النقصانُ بالفضلِ )
( كادَتْ بِنا الدنيا تَمِيد ضحى ... ونَرَى السماء تَذُوبِ كالمُهْل )
قال فغضب أبو شبل لذلك ولم يجبها وقال يهجو مولاها هشاماً
( نِعْمَ مَأوَى العُزَّاب بَيتُ هشام ... حين يرمِي اللِّثامَ باغي اللثامِ )
( مَنْ أراد السرور عند حبيبٍ ... لِينالَ السرورَ تحت الظلامِ )
( فهشامٌ نَهارُه ودُجى الِليل ... سواءٌ نَفْسِي فِداءُ هشام )
( ذاك حرّ دواتُه ليس تخلو ... أبداً من تَخَرُّق الأقلام )
(19/322)

فضل وسعيد بن حميد
حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال
زارت فضل الشاعرة سعيد بن حميد ليلة على موعد سبق بينهما فلما حصلت عنده جاءتها جاريتها مبادرة تعلمها أن رسول الخليفة قد جاء يطلبها فقامت مبادرة فمضت فلما كان من غد كتب إليها سعيد
( ضَنَّ الزمانُ بها فلما نِلْتُها ... وَرَدَ الفِراقُ فكان أقبحَ وَارِدِ )
( والدّمعُ ينطق للضمير مصدِّقاً ... قولَ المُقرّ مكذِّباً للجاحدِ )
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي الدنيا قال حدثني ميسرة ابن محمد قال حدثني عبيد بن محمد قال
قلت لفضل الشاعرة للشاعرة ماذا نزل بكم البارحة قال وذلك في صبيحة قتل المنتصر المتوكل فقالت وهي تبكي
( إِنَّ الزمانَ بذحْلٍ كان يطلبنا ... ما كان أغفلَنا عنه وأسهانا )
( ما لي ولِلدهرِ قد أصبحْتُ هِمَّته ... ما لي ولِلدَّهرِ ما لِلدَّهْرِ لا كانا )
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني محمد بن الفضل قال حدثني أبو هفان قال حدثني أحمد بن أبي فنن قال
خرجت قبيحة إلى المتوكل يوم نيروز وبيدها كأس بلور بشراب صاف فقال لها ما هذا فديتك قالت هديتي لك في هذا اليوم عرفك الله بركته فأخذه من يدها وإذا على خدها جعفر مكتوباً بالمسك فشرب الكأس وقبل خدها وكانت فضل الشاعرة واقفة على رأسه فقالت
(19/323)

صوت
( وكاتِبةٍ بالمسك في الخَدِّ جعفرا ... بنَفْسي سواد المسكِ من حيثُ أثَّرا )
( لئن أثّرتْ بالمسك سطراً بِخَدِّها ... لقد أودعَتْ قلبي من الحزْن أسطُرا )
( فيا مَن مُناها في السريرة جعفرٌ ... سقى الله من سُقيا ثناياكِ جعفرا )
الغناء لعريب خفيف رمل قال وأمر عريب فغنت فيه وقالت فضل في ذلك أيضاً
( سُلافةٌ كالقمَر الباهرِ ... في قَدَح كالكوكب الزاهر )
( يُدِيرها خَشْفٌ كَبَدْرِ الدجَى ... فوق قضيبٍ أهيفٍ ناضرِ )
( على فتىً أروعَ من هاشم ... مثلِ الحسامِ المُرهَف الباتِرِ )
وقد رويت الأبيات الأول لمحبوبة شاعرة المتوكل ولها أخبار وأشعار كثيرة قد ذكرت بعضها في موضع آخر من هذا الكتاب
أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني أبو الفضل المروروذي قال كتبت فضل الشاعرة إلى سعيد بن حميد
( بَثَثْتُ هواك في بَدَني ورُوحي ... فأَلَّف فيهما طمعاً بِيَاسِ )
فأجابها سعيد في رقعتها
( كفانا اللهُ شرّ اليأس إني ... لِبُغض اليأس أُبغض كل آسي )
فضل وبنان
حدثني عمي قال حدثني ابن أبي المدور الوراق قال
(19/324)

كنت عند سعيد بن حميد وكان قد ابتدأ ما بينه وبين فضل الشاعرة يتشعب وقد بلغه ميلها إلى بنان وهو بين المصدق والمكذب بذلك فأقبل على صديق له فقال أصبحت والله من أمر فضل في غرور أخادع نفسي بتكذيب العيان وأمنيها ما قد حيل دونه والله إن إرسالي إليها بعد ما قد لاح من تغيرها لذل وإن عدولي عنها وفي أمرها شبهه لعجز وإن تصبري عنها لمن دواعي التلف ولله در محمد بن أمية حيث يقول
( يا ليت شِعْريِ ما يكون جوابي ... أمَّا الرسُول فقد مضى بكتابي )
( وتعجّلتْ نفسي الظنونُ وأشْعِرَت ... طمعَ الحريصِ وخِيفَةَ المُرتْاب )
( وتروعني حركاتُ كلِّ محرِّك ... والبابُ يقرعه وليس ببابي )
( كَمْ نحوَ بابِ الدار لِي مِن وَثْبةٍ ... أرجو الرسولَ بمَطْمع كذّاب )
( والويلُ لي مِن بعدِ هذا كلِّه ... إن كان ما أخشاه ردَّ جوابي )
حدثني جحظة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال
غضب بنان على فضل الشاعرة في أمر أنكره عليها فاعتذرت إليه فلم يقبل معذرتها فأنشدتني لنفسها في ذلك
( يا فضلُ صبراً إنها مِيتَةٌ ... يَجْرَعُها الكاذبُ والصادقُ )
( ظنَّ بُنانٌ أنني خُنتُه ... رُوحي إذاً مِن بَدَني طالقُ )
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو العباس المروزي قال
قال المتوكل لعلي بن الجهم قل بيتاً وطالب فضل الشاعرة بأن تجيزه فقال علي أجيزي يا فضل
( لاذَ بها يشتِكي إليها ... فلم يجد عندها ملاذا )
قال فأطرقت هنيهة ثم قالت
(19/325)

( فلم يزل ضارعاً إليها ... تَهْطِل أجفانُه رَذَاذَا )
( فعاتَبوه فزاد عِشقا ... فمات وجداً فكان ماذا )
فطرب المتوكل وقال أحسنت وحياتي يا فضل وأمر لها بمائتي دينار وأمر عريب فغنت في الأبيات
قال مؤلف هذا الكتاب أعرف في هذه الأبيات هزجاً لا أدري أهو هذا اللحن أم غيره ولم أره في أغاني عريب ولعله شذ عنها
صوت
( أُمامةُ لا أَراك اللّهُ ... ذل معيشة أَبداً )
( ألا تستصلحين فتى ... وقاك السوءَ قد فسدا )
( غلام كان أَهلُك مرّة ... يدعونه ولَداً )
الشعر لعبد الله بن محمد بن سالم الخياط والغناء للرطاب الجدي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وفيه ليحيى المكي ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق وأحمد بن المكي
وذكر عبد الله بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام عن قلم الصالحية
(19/326)

أنها أخذت اللحن المنسوب إلى الرطاب عن تينة وسألته عن صانعه فأخبرها أنه له
(19/327)

بسم الله الرحمن الرحيم
نسب ابن الخياط وأخباره
هو عبد الله بن محمد بن سالم بن يونس بن سالم ذكر الزبير بن بكار أنه مولى لقريش وذكر غيره أنه مولى لهذيل
وهو شاعر ظريف ماجن خليع هجّاء خبيث مخضرم من شعراء الدولة الأموية والعباسية وكان منقطعاً إلى آل الزبير بن العوام مدّاحاً لهم وقدم على المهدي مع عبد الله بن مصعب فأوصله إليه وتوصل له إلى أن سمع شعره وأحسن صلته
(20/5)

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يونس بن عبد الله بن سالم الخياط قال
دخل أبي على المهدي فمدحه فأمر له بخمسين ألف درهم فقال يمدحه
( أخذتُ بكفِّي كفه أبتغِي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يُعدي )
( فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أَفدتُ وأعداني فأتلفت ما عندي )
قال فبلغ المهديَّ خبره فأضعف جائزته وأمر بحملها إليه إلى منزله
قال الزبير بن بكار سرق ابن الخياط هذا المعنى من ابن هرمة
أخبرني الحسن بن علي الخفّاف قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثني مصعب بن عبد الله قال سمعت أبي يقول
لم يبرح هذه الثنية قطُّ أحد يقذف أعراض الناس ويهجوهم قلت مثل من قال الحزين الكناني والحكم بن عكرمة الدّؤلي وعبد الله بن يونس الخياط وابنه يونس وأبو الشدائد
عقوق ابنه يونس
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال
(20/6)

كان يونس بن الخياط عاقَّا لأبيه فقال أبوه فيه
( يونُس قلبي عليك يلتهفُ ... والعين عبرى دموعها تكِفُ )
( تُلحِفني كسوة العقوق فلا ... بَرِحَت منها ما عشتَ تلتحف )
( أُمرتَ بالخفضِ للجناح وبالرفق ... فأمسى يعُوقك الأنَف )
( وتلك والله من زبانية ... إن سُلِّطوا في عذابهم عَنُفوا )
فأجابه ابنُه يونس فقال
( أصبح شيخي يُزرِي به الخَرَف ... ما إن له حرمة ولا نَصَفُ )
( صِفاتنا في العقوق واحدة ... ما خلتُنا في العقوق نختلف )
( لحَفتَه سالفاً أَباك فقد ... أَصبحتَ مني كذاك تلتحف )
أخبرني محمد بن خلفٍ وكيع قال حدثني طلحةُ بن عبد الله قال حدثني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود قال
مرّ ابن الخياط بدار رجل كان يعرفه قبل ذلك بالضعة وخساسة الحال وقد شيّد بابها وطرمح بناءها فقال
( أطِله فما طول البناء بنافع ... إذا كان فرع الوالدَين قصيرا )
أخبرني وكيع قال أخبرني إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن صالح قال أخبرني العامري قال
(20/7)

هجا ابن الخياط موسى بن طلحة بن بلال التيمي فقال
( عجب الناس لِلعجيب المُحالِ ... حاض موسى بنُ طلحةَ بنِ بلالِ )
( زعموه يحيض في كلّ شهر ... ويَرَى صُفرة لكل هلال )
قال فلقيه موسى فقال يا هذا وأي شيء عليك نعم حضت وحملت وولدت وأرضعت فقال له ابن الخياط أنشدك الله ألا يسمع هذا منك أحد فيجترئ على شعري الناس فلا يكون شيئاً ولن يبلغك عني ما تكره بعد هذا فتكافا
أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني مصعب بن عثمان قال
ما رأيت بريق صلع الأشراف في سوق الرقيق أكثر منها يوم رحب القتيلية جارية إبراهيم بن أبي قتيلة وكان يعشقها وبيعت في دين عليه فبلغت خمسمائة دينار فقال المغيرة بن عبد الله لابن أبي قتيلة ويحك اعتقها فتقوم عليك فتتزوجها ففعل فرفع ذلك إلى أبي عمران وهو القاضي يومئذٍ فقال أخطأ الذي أشار عليه في الحكومة أما نحن في الحكومة فقد عرفنا أن قد بلغت خمسمائة دينار فاذهبوا فقوموها فإن بلغت القيمة أكثر من هذا ألزمناه وإلا فخذوا منه خمسمائة دينار فاستحسن هذا الرأي وليس عليه الناس قبلنا فقال ابن الخياط يذكر ذلك من أمر ابن أبي قتيلةوما كان من أمر جاريته
( يا معشر العشّاق مَن لم يكن ... مثل القُتَيليّ فلا يعشَقِ )
( لما رأى السُّوّام قد أحدقوا ... وصيح في المغرب والمَشرقِ )
( واجتمع الناس على دُرَّة ... نظيرها في الخَلْق لم يُخلَقِ )
( وأَبدَت الأموال أعناقها ... وطاحت العسرةُ للمملِق )
(20/8)

( قلَّب فيه الرأْي في نفسه ... يدير ما يأتي وما يتَّقي )
( أعتقها والنفس في شِدقها ... للمعتَق المَنّ على المُعْتِق )
( وقال للحاكم في أمرها ... إن افترقْنَا فمتى نلتقي )
وأخبرني بهذا الخبر وكيع قال قال الزبير بن بكار وذكر مثل ما ذكره الحرمي وزاد فيه
فكان فيهم يعني فيمن حضر لابتياعها موسى بن جعفر بن محمد ومحمد بن زيد بن علي والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر وغيرهم قال فرأيتهم قياماً في الشمس يتزايدون فيها وقال في خبره ابن أبي قتيلة بالتاء
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يونس بن عبد الله بن سالم الخياط قال
كنت ذات عشية في مسجد رسول الله وقت العصر في أيام الحاج فإذا أنا برجل جميل عليه مقطعات خز وإذا معه جماعة فوقف إلى جنبي فصلى ركعتين ثم أقبل علي وكان ذلك من أسباب الرزق فقال يا فتى أتعرف عبد الله بن سالم الخياط فقلت نعم فلما صلينا قال امض بنا إليه فمضيت به فاستخرجت له أبي من منزله فقال الرجل بلغني أنك قلت شعراً في أمر العصبية فقال له أبي ومن أنت بأبي أنت وأمي فقال أنا خزيم بن أبي الهيذام فقال له أبي نعم قد قلته وأنشده
( اسقياني من صِرف هذي المدام ... ودعاني وأقصرا من ملامي )
(20/9)

( واشربا حيث شئتما إن قيساً ... قد علا عزُّها فروعَ الأنام )
( ليس والله بالشآم يمانٍ ... فيه رُوح ولابغير الشآم )
( يَطعم النوم حين تَكتحل الأعين ... بالنوم عند وقت المنام )
( حَذراً من سيوف ضِرغامةٍ عادٍ ... على الهَول باسلٍ مقدام )
( من بَني مُرةَ الأطايبِ يكنى ... عند دَسر الرماح بالهَيذام )
يونس ينافس أباه على جائزة
قال فأشرع الفتى يده إليه بشيء وجزاه خيراً قال يونس فبادرت فأخذت بيد المري وقلت له لا تعجل فإني قد قلت شعراً أجود من شعره قال أبي ويلك يا يونس يا عاض بظر أمه تحرمني فقلت دع هذا عنك فوالله لا تجوع امرأتي وتشبع امرأتك فقلت ليونس ومن كانت امرأة أبيك يومئذٍ فقال أمي وجمعت والله عقوقهما فقال لي المري أنشد فأنشدته
( اسقياني يا صاحبيّ اسقياني ... ودعاني من الملام دعاني )
( اسقياني هُديتما من كُميتٍ ... بنْتِ عَشْرِ مشمولةٍ اسقياني )
( فُضّ عنها خِتامُها إذ سباها ... واضِحُ الخَد من بني عدنان )
( نَتَحايا بالكأْس أربعة في الدّور ... هذان ناعمان وذان )
( ذا لهذا رَيحانة مثل هذاك ... لهذا من طَيّب الريحان )
(20/10)

( فنهضنا لموعد كان منا ... إذ سمعنا تجاوب البُكْمان )
( فنعِمنا حولَين بَهْراً وعشنا ... بين دف ومسمع ودنان )
( ثم هِجنا للحرب إذ شبت الحرب ... ففرزنا فيها بسبق الرهان )
( إن قيسا في كل شرق وغرب ... خارج سَهمُها على السُّهمان )
( منع الله ضيمَنا بأَبي الهيذام ... حِلْفِ السماح والإحسان )
( واليمانون يفخرون أما يدرون ... أن النبيّ غيرُ يمان )
قال فقال الفتى لأبي قد وجب علينا من حقه مثلُ ما وجب علينا من معك يا شيخ واستظرف ما جرى بيني وبين أبي وقسم الدنانير بيننا وكانت خمسين ديناراً
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثني الزبير قال
مر رجل بيونس بن عبد الله بن الخياط وهو يعصر حلق أبيه وكان عاقاً به فقال له ويلك أتفعل هذا بأبيك وخلصه من يده ثم أقبل على الأب يعزيه ويسكن منه فقال له الأب يا أخي لا تلمه واعلم أنه ابني حقا والله لقد خنقت أبي في هذا الموضع الذي خنقني فيه فانصرف عنه الرجل وهو يضحك
يشكو حاله إلى محمد بن سعيد
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن عمه عيسى قال
شكا عبد الله بن يونس الخياط إلى محمد بن سعيد بن المغيرة بن
(20/11)

نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حاله وضيقاً قد ناله فأمر له بدنانير وكسوة وتمر فقال يمدحه
( يا بن سعيد يا عَقيدَ الندى ... يا بارع الفضل على المُفضِلِ )
( حللتَ في الذَروة من هاشم ... وفي يَفاعٍ من بني نَوْفَل )
( فطاب في الفرعين هذا وذا ... ما اعتمّ من منصِبك الأطول )
( قد قلتُ للدهر وقد نالني ... بالناب والمِخلب والكَلكل )
( قد عذت من ضُرّك مستعصِماً ... بهاشمِيَّ ماجدٍ نوفلي )
( فقال لي أهلاً وسهلاُ معاً ... فُزْتَ ولم يمنع ولم يبَخل )
( الدهر شِقّان فيتقٌ له ... لين وشقٌ خَشِن المنزل )
( وأخشن الشقِّين عنِّي نفَى ... وشقُّه الألين ما عاش لي )
( فقال لهذا الدهر ما عاش لا ... تُبقِ ولا تَرُع ولا تأتلي )
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال
أخذ أبي لما ولي الحجاز عبد الله بن يونس الخياط بأن يصلي الصلوات الخمس مع الجماعة في مسجد رسول الله فجاءني هو ومحمد بن الضحاك وجعفر بن الحسين اللهبي فوقف بين يدي ثم أنشدني
( قل للأمير يا كريم الجِنس ... يا خير من بالغَور أو بالجَلْس )
( وعُدّتي لولدي ونفسي ... شغلْتَني بالصلوات الخمس )
(20/12)

فقلت له ويلك أتريد أن أستعفيه لك من الصلاة والله ما يعفيك وإن ذلك ليبعثه على اللجاج في أمرك ثم يضرك عنده فمضى وقال نصبر إذن حتى يفرج الله تعالى
أخبرني محمد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا يونس بن الخياط قال
كان لأبي صديق وكان يدعوه ليشرب معه فإذا سكر خلع عليه قميصه فإذا صحا من غد بعث إليه فأخذه منه فقال أبي فيه
( كساني قميصاً مرتين إذا انتشى ... وينزِعُه مني إذا كان صاحيا )
( فَلِي فَرحة في سُكره بقميصه ... وروعاته في الصحو حَصَّت شَواتيا )
( فيا ليت حظي من سروري وروعتي ... تكون كَفافاً لا عليَّ ولا ليا )
العقوق المتبادل
أخبرنا وكيعُ قال حدثنا محمد بن الحسن بن مسعود الزرقي قال
قال يونس بن عبد الله الخياط لأبيه وكان عاقا به
( مازال بي مازال بي ... طعنُ أبي في النسب )
( حتى تريّبْت وحتى ... ساء ظني بأبي )
قال ونشأ ليونس ابن يقال له دحيم فكان أعق الناس به فقال يونس فيه
( جلا دحيم عَماية الرِّيب ... والشكَّ مني والطعن في النسب )
( ما زال بي الظّنّ والتشكُّك حتى ... عقَّني مثلَ ما عقَقتُ أبي )
(20/13)

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يونس بن الخياط قال
أنشدت سعيد بن عمرو الزبيري
( لو فاح ريح حبيبةٍ من حِبِّها ... فاحت رياح حبيبتي من ريحي )
قال فقال لي سعيد بن عمرو والله إني لأقول النسيب فلا أقدر على مثل هذا فقلت له ومن أين تقدر على مثل هذا يا أبا عثمان لا تقدر والله على مثله حتى يسوء الثناء عليك
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني يونس بن الخياط قال
لما أعطي المهدي المغيرة بن حبيب ألف فريضة يضعها حيث شاء جاءه أبي عبد الله بن سالم وقال له
( ألف تدور على يدٍ لِمُمَدَّحٍ ... ما سُوقُ مادِحِه لديه بكاسد )
( الظنُّ مني لو فرضتَ لواحد ... في الأعجمين خصصتَني بالواحد )
قال فقال له المغيرة أَيهما أحب إليك أَأَفرض لك أم لابنك يونس فقال له أنا شيخ كبير هامةُ اليومُ أو غدٍ افرض لابني يونس ففرض لي في خمسين ديناراً فلما خرجت الأعطية الثلاثة في زمن الرشيد على يدي بكار بن عبد الله قال لي خليفته وخليفة أيوب بن أبي سمير وهما يعرضان أهل ديوان العطاء أنت من هذيل ونراك قد صرت من آل الزبير فنردك إلى فرائض هذيل خمسة عشر ديناراً فقال لهما بكار إنما جعلتما لتتبعا ولا
(20/14)

تبتدعا أمضياه فأعطياني مائة وخمسين ديناراً
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني محمد بن الحسن بن مسعود الزرقي قال حدثنا ابن أبي قباحة الزهري قال
لما عزل ابن عمران وهو عبد الله بن محمد بن عمران التيمي عن القضاء واستعمل هشام بن عبد الله بن عكرمة المخزومي جزع ابن عمران من ذلك فقال بعض أصحابه ليونس بن عبد الله الخياط اهج هشاماً بما يغض منه فقال
( كم تَغنَّى لي هشام ... ذلك الجِلف الطويلُ )
( بعد وهْن وهو في المجلس ... سكرانُ يميلُ )
( هَل إلى نار بسَلْعٍ ... آخِرَ الدهْر سَبِيلُ )
( قلت للنَّدمان لما ... دارت الراحُ الشَمولُ )
( بأبي مالَ هِشامٌ ... فكما مال فمِيلُوا )
قال وشهرها في الناس وبلغ ذلك هشاماً فقال لعنه الله إن كان لكاذباً فقال ابن أبي قباحة فقلت لابن الخياط كذبت أما والله إنه لأمر من ذلك
أخبرنا وكيع قال حدثنا محمد بن الحسن بن مسعود قال قال يونس بن عبد الله بن الخياط
(20/15)

جئت يوما إلى أبي وهو جالس وعنده أصحاب له فوقفت عليهم لأغيظه وقلت ألا أُنشِدكم شعراً قلته بالأمس قالوا بلى فأَنشدتهم
( يا سائِلي مَن أنَا أو من يناسبني ... أنا الذي ما لَه أصل ولا نسبُ )
( الكلب يختال فخراً حين يُبصرني ... والكلب أكرمُ مني حين ينَتسب )
( لو قال لي الناس طُرّاً أنت ألأمنا ... ما وَهِم الناس في ذاكمْ ولا كذبوا )
قال فوثب إليّ ليضربني وعدوت من بين يديه فجعل يشتمني وأصحابه يضحكون
عبد الله بن الخياط يجلد الحدّ
أخبرني وكيع قال حدثنا محمد بن الحسن بن مسعود
أن مالك بن أنس جلد يونس بن عبد الله بن سالم الخياط حدّا في الشراب قال وولي ابن سعيد القضاء بالمدينة فقال يونس فيه
( بكَتْنِيَ النَّاسُ لأِنْ ... جُلِدتُ وسْط الرحَبَهْ )
( وأنني أزني وقدْ ... غنّيتُ في المجتسِبهْ )
(20/16)

( أعزِف فيهم بِعصا ... مالكٍ المقتضَبَهْ )
( فقلت لما أكثروا ... عليَّ فيم الجلبه )
( ذا ابن سعيد قد قضى ... وحالنا مقترِبه )
( لا بل له التفضيل فيما ... لم أنل والغلبه )
( بحُسن صوت مُطرب ... وزوجةٍ مَغْتَصَبَه )
أخبرني الحرمي ابن أبي العلاء ووكيع قال الحرمي قال الزبير وقال وكيع قال الزبير بن بكار
أرسل إلي ابن الخياط يقول إني عليل منذ كذا وكذا ومنزلي على طريقك إذا صدرت إلى الثنية وأنا أحب أن أجدد بك عهداً قال فجعلته على طريقي فوجدته على فرش مضربة وحوله وسائد وهو مسجى فكشف ابنه الثوب عن وجهه وقال له فديتك هذا أبو عبد الله فقال له أجلسني فأجلسه وأسنده إلى صدره فجعل يقول بنفس منقطع بأبي أنت وأمي أموت منذ بضع عشرة ليلة ما دخل علي قرشي غيرك وغير الزبير بن هشام وإبراهيم بن المنذر ومحمد بن عبد الله البكري ولا والله ما أعلم أحداً أحب قريشاً كحبي قال زبير وذكر رجلاً كان بيني وبينه خلاف فقال لو كنت شاباً لفعلت بأمه كذا وكذا لا يكنى ثم قال
( والله لو عادَت بني مُصعَب ... حلِيلَتي قلت لَها بيني )
( أو ولدي عن حبِّسهم قصّروا ... ضَغطتهم بالرَّغم والهُون )
( أو نظرَتْ عيني خلافاً لهمْ ... فقأتها عَمداً بسكين )
ثم أقبل على ابنه فقَال يا بنّي أقول لك في أبي عبد الله مَا قَال ابن
(20/17)

هرمه لابنه في الحسن بن زيد
( الله جارُعُتيَّ دعوةً شفقَا ... من الزمَان وشرِّ الأقرب الوالي )
( من كل أحيدَ عنه لا يُقرِّبه ... وسْط النجيّ ولا في المجلس الخالي )
قال الزبير حدثني محمدُ بنُ عبد الله البكريّ
أنه دخل إليه بعدي في اليوم الذي مات فيه قال فقال لي يا أبا عبد الله أنا أجود بنفْسي منذ كذا وكذا ولا تخرج ما هكذا كانت نفْس عَبِيد ولا لَبِيد ولا الحطيئة ما هي إلا نفس كلب قال فخرجتُ فما أبعدت حتى سمعت الواعية عليه
صوت
( بأبي مالَكَ عنّي ... مائلَ الطرف كليلاً )
( وأرى بِرّك نَزْراً ... وتَحفّيك قليلاً )
( وتُسمِّيني عدواً ... وأسميك خليلاً )
( أتعلمّتَ سلُوّاً ... أم تبدلْت بديلاً )
( أحمَد الله فما أغنى ... الرّجا فيك فَتيلا )
الشعر لعلي بن جبلة والغناء لزرزور غلام المارقي خفيف رمل
(20/18)

بالبنصر من روايتي الهشامي وعبد الله بن موسى وفيه لعريب هزج وفيه ثقيل أول من جيد الغناء ينسب إليها وإلى علويه وهو بغنائها أشبه منه بغناء علويه
(20/19)

أخبار علي بن جبلة
هو علي بن جبلة بن عبد الله الأبناوي ويكنى أبا الحسن ويلقب بالعكوك من أبناء الشيعة الخراسانية من أهل بغداد وبها نشأ وولد بالحربية من الجانب الغربي
وكان ضريراً فذكر عطاء الملط أنه كان أكمه وهو الذي يولد ضريراً وزعم أهله أنه عمي بعد أن نشأ
وهو شاعر مطبوع عذب اللفظ جزله لطيف المعاني مداح حسن التصرف واستنفد شعره في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي وأبي غانم حميد بن عبد الحميد الطوسي وزاد في تفضيلهما وتفضيل أبي دلف خاصة فضل من أجله ربيعة على مضر وجاوز الحد في ذلك
(20/20)

فيقال إن المامون طلبه حتى ظفر به فسل لسانه من قفاه ويقال بل هرب ولم يزل متوارياً منه حتى مت ولم يقدر عليه وهذا هو الصحيح من القولين والآخر شاذ
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي قال حدثني الحسين بن عبد الله بن جبلة بن علي بن جبلة قال
كان لجدي أولاد وكان علي أصغرهم وكان الشيخ يرق عليه فجدر فذهبت إحدى عينيه في الجدري ثم نشأ فأسلم في الكتاب فحذق بعض ما يحذقه الصبيان فحمل على دابة ونثر عليه اللوز فوقعت على عينيه الصحيحة لوزة فذهبت فقال الشيخ لولده أنتم لكم أرزاق من السلطان فإن أعنتموني على هذا الصبي وإلا صرفت بعض أرزاقكم إليه
فقلنا وما تريد قال تختلفون به إلى مجالس الذب قال فكنا نأتي به مجالس العلم ونتشاغل نحن بما يلعب به الصبيان فما أتى عليه الحول حتى برع وحتى كان العالم إذا رآه قال لمن حوله أوسعوا للبغوي وكان ذكياً مطبوعاً فقال الشعر وبلغه أن الناس يقصدون أبا دلف لجوده وما كان يعطي الشعراء فقصده وكان يسمى العكوك فامتدحه بقصيدته التي أولها
( ذاد وِرْدَ الغيَّ عن صدره ... وارعوى واللهوُ من وَطَره )
يقول فيها في مدحه
( يا دواءَ الأرض إن فسدَت ... ومُديلَ اليُسر من عُسُره )
( كلّ مَن في الأرض من عَرَب ... بين باديه إلى حَضَره )
( مستعير منك مكرمة ... يكتسيها يومَ مُفتَخَره )
(20/21)

( إنما الدنيا أبو دُلف ... بين مَبْداه ومحتضَره )
( فإذا ولَّى أبو دُلَفٍ ... ولّت الدنيا على أَثَره )
امتحنوه فقال قصيدة في وصف الفرس
فلما وصل إلى أبي دلف وعنده من الشعراء وهم لا يعرفونه استرابوه بها فقال له قائده إنهم قد اتهموك وظنوا أن الشعر لغيرك فقال أيها الأمير إن المحنة تزيل هذا قال صدقت فامتحنوه فقالوا له صف فرس الأمير وقد أجلناك ثلاثاً قال فاجعلوا معي رجلاً تثقون به يكتب ما أقول فجعلوا معه رجلاً فقال هذه القصيدة في ليلته وهي
( رِيعت لمنشور على مَفرِقهِ ... ذمّ لها عهد الصِّبا حين انتسبْ )
( أهدابُ شَيبٍ جُددٌ في رأْسه ... مكروهةُ الجِدّة أنضاء العُقَب )
( أشرقن في أسوَدَ أزرايْن بِه ... كانَ دُجاه لهوى البِيض سبب )
( واعتقن أيامَ الغواني والصِّبا ... عن ميِّت مطلبُه حيُّ الأدبْ )
( لم يزدجٍر مُرْعوياً حين ارعوى ... لكنْ يدٌ لم تتصل بمطّلب )
( لم أَرَ كالشيب وقاراً يُجتَوَى ... وكالشبَّاب الغضّ ظِلاَّ يُسْتلَب )
( فنازلٌ لم يُبتَهج بِقُربه ... وذاهب أبقى جوىً حين ذهب )
( كان الشباب لِمّة أُزهَى بها ... وصاحباً حرّاً عزيز المصطَحَب )
( إذ أنا أجري سادراً في غيه ... لا أُعتب الدهر إذا الدهر عتب )
(20/22)

( أُبْعِدُ شأوَ اللهو في إجرائه ... وأقصد الخَودَ وراء المحتَجب )
( وأذعَرُ الرَّبربَ عن أطفاله ... بأعوجيِّ دُلَفِيّ المنتسَب )
( تحسبه من مَرَح العزِّ به ... مستنفَراً بروعة أو ملتهِب )
( مُرتَهِج يرتجُّ من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطرب )
( تحسبه أُقعد في استقباله ... حتى إذا استدبرته قلتَ أكبُّ )
( وهْو على إرهاقه وطيه ... يقصر عنه المِحزَمان واللّبْب )
( تقول فيه حَنبٌ إذا انثنى ... وهو كمتن القِدح ما فيه حَنب )
( يخطو على عُوج تناهبن الثرى ... لم يتواكل عن شظىً ولا عصب )
( تَحسِبها ناتئة إذا خطت ... كأنها واطئة على الرُّكَب )
( شَتَا وقاظ بُرْهَتَيْهِ عندنا ... لم يؤتَ من بِرٍّ به ولا حدَب )
( يصان عصرَى حرِّه وقُرّه ... وتُقصَرُ الخُور عليه بالحَلَب )
( حتى إذا تمَّت له أعضاؤه ... لم تنحبس واحدة على عتَب )
(20/23)

( رُمنا به الصيد فرادَينا بِه ... أوابد الوحش فأَجدى واكتسَب )
( مُجَذّم الجري يباري ظلَّه ... ويُعرِق الأحقبَ في شوط الخبب )
( إذا تظنينا به صدقنا ... وإن تظنى فوته العير كذب )
( لا يبلغ الجهد به راكبُه ... ويَبلُغ الريحَ به حيث طَلب ) (
لا يَبلُغ الجهدَ به ركبُه ... ويَبلُغ الريحَ به حيث طَلب )
( ثم انقضى ذاك كأن لم يَعنِه ... وكلّ بقيا فإلى يومِ عطَب )
( وخلفَ الدهرُ على أبنائه ... بالقَدْح فيهم وارتجاع ما وهب )
( فحَمِّل الدهر ابن عيسى قاسماً ... ينهضْ به أبلجُ فرّاجُ الكرَب )
( كرونق السيف انبلاجاً بِالندى ... وكغِرارَيه على أهل الرِّيَب )
( ما وسِنت عين رأت طلعَتَهُ ... فاستيقظت بنَوْبة من النُّوبَ )
( لولا ابنُ عيسى القَرْمُ كنّا همَلاً ... لم يؤتَثلْ مجد ولم يُرعَ حسب )
( ولم يقم في يوم بأْس وندىً ... ولا تلاقى سبب إلى سبب )
( تكاد تبدي الأرض ما تضمره ... إذا تداعَت خيله هَلاَ وهَب )
( ويستَهِلُّ أملاً وخيفة ... جانبُها إذا استهلَّ أو قَطب )
( وهْو وإن كان ابن فرعَيْ وائل ... فبِسماعيه يوافي في الحسب )
( وبعُلاه وعُلا آبائه ... تُحوى غداة السبق أخطارُ القصب )
(20/24)

( يا زهرة الدنيا ويا باب الندى ... ويا مجير الرُّعب من يوم الرَّهب )
( لولاك ما كان سدىً ولا ندى ... ولا قريش عُرفَت ولا العرب )
( خذها إليك من مليء بالثنا ... لكنه غير مليء بالنَشَب )
( فاثْوِ في الأرض أو استفزز بها ... أنت عليها الرأس والناس الذنب )
قال فلما غدا عليه بالقصيدة وأنشده إياها استحسنها مَن حضر وقالوا نشهد أن قائل هذه قائل تلك فأعطاه ثلاثين ألف درهم
وقد قيل إن أبا دلف أعطاه مائة ألف درهم ولكن أراها في دفعات لأنه قصده مراراً كثيرة ومدحه بعدة قصائد
قصيدته في أبي دلف
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن موسى بن حماد قال حدثني أحمد بن أبي فنن قال قال عبد الله بن مالك
قال المأمون يوماً لبعض جلسائه أقسم على من حضر ممن يحفظ قصيدة علي بن جبلة الأعمى في القاسم بن عيسى إلا أنشدنيها فقال له بعض الجلساء قد أقسم أمير المؤمنين ولا بد من إبرار قسمه وما أحفظها ولكنها مكتوبة عندي
قال قم فجئني بها فمضى وأتاه بها فأنشده إياها وهي
( ذاد وِرْد الغيّ عن صدَرِهْ ... وارعوى واللهو مِن وَطرهْ )
(20/25)

( وأبت إلا البكاءَ له ... ضحكات الشيب في شعَره )
( نَدمِي أن الشباب مضى ... لم أُبلّغه مدى أَشَره )
( وانقضت أيامه سَلَماً ... لم أجِد حَوْلاً على غِيره )
( حَسَرت عني بشاشتُه ... وذوَى المحمود من ثمره )
( ودَمٍ أهدرْتُ من رَشاءٍ ... لم يُرِد عَقلاً على هدَره )
( فأتت دون الصّبا هنةٌ ... فليت فُوقي على وتره )
( جارتا ليس الشباب لمن ... راح محنيَّا على كبره )
( ذهبَت أشياء كنت لها ... صارَها حِلمي إلى صَوره )
( دع جَدا قحطان أو مُضرٍ ... في يمانيه وفي مضره )
( وامتدح من وائل رجلاً ... عَصَرُ الآفاق في عَصَره )
( المنايا في مناقبه ... والعطايا في ذَرا حُجَره )
( ملِك تَندَى أنامله ... كانبلاج النَّوء من مطره )
( مستهِلّ عن مواهبه ... كابتسام الروض عن زَهَره )
( جبَلٌ عزّت مناكبه ... أمِنتْ عدنان في ثَغَره )
( إنما الدنيا أبو دُلف ... بين مَبداه و محتضَره )
( فإذا ولّى أبو دُلف ... ولّت الدنيا علَى أثره )
(20/26)

( لست أدري ما أقول له ... غير أن الأرض في خَفَره )
( يا دواءَ الأرض إن فسدَت ... ومُديل اليُسر من عسُره )
( كلّ من في الأرض من عربٍ ... بين باديه إلى حضره )
( مستعير منك مكرمةً ... يكتسيها يوم مفتخَره )
يقول فيها
( وزَحوف في صواهله ... كصياح الحشر في أثره )
( قُدْتَه والموت مكتمِنٌ ... في مذاكيه ومشتجَره )
( فرمَت جيلويه منه يد ... طوت المنشور من نظره )
( زرتَه والخيل عابسة ... تحمل البؤس عَلَى عُقَره )
( خارجات تحت رايتها ... كخروج الطير من وُكَره )
( وعَلَى النعمان عُجتَ به ... عَوجةً ذادته عن صَدره )
( غمَط النعمان صفوتها ... فَرددتَ الصفو في كدره )
( ولقُرقورٍ أدرتَ رحاً ... لم تكن ترتد في فِكرَه )
( قد تأنيتَ البقاءَ له ... فأبَى المحتومُ من قدَره )
( وطغى حتى رَفَعت له ... خطة شنعاء من ذُكَره )
قال فغضب المأمون واغتاظ وقال لست لأبي إن لم أقطع لسانه أو أسفك دمه
قال ابن أبي فنن وهذه القصيدة قالها علي بن جبلة وقصد بها أبا دلف بعد قتله الصعلوك المعروف بقرقور وكان من أشد الناس بأساً وأعظمهم
(20/27)

فكان يقطع هو وغلمانه على القوافل وعلى القرى وأبو دلف يجتهد في أمره فلا يقدر عليه فبينا أبو دلف خرج ذات يوم يتصيد وقد أمعن في طلب الصيد وحده إذا بقرقور قد طلع عليه وهو راكب فرساً يشق الأرض بجريه فأيقن أبو دلف بالهلاك وخاف أن يُولي عنه فيهلك فحمل عليه وصاح يا فتيان يمنة يمنة يوهمه أن معه خيلاً قد كمنها له فخافه قرقور وعطف على يساره هارباً ولحقه أبو دلف فوضع رمحه بين كتفيه فأخرجه من صدره ونزل فاحتز رأسه وحمله على رمحه حتى أدخله الكرج
قال فحدثني من رأى رمح قرقور وقد أدخل بين يديه يحمله أربعة نفر فلما أنشده علي بن جبلة هذه القصيدة استحسنها وسر بها وأمر له بمائة ألف درهم
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد الأزدي
(20/28)

قال أخبرني إبراهيم بن خلف قال
بينا أبو دلف يسير مع أخيه معقل وهما إذ ذاك بالعراق إذ مرّاً بأمرأتين تتماشيان فقالت إحداهما لصاحبتها هذا أبو دلف قالت ومن أبو دلف قالت الذي يقول فيه الشاعر
( إنما الدنيا أبو دُلَفٍ ... بين باديه ومحتضَره )
( فإذا ولّى أبو دُلَف ... ولّت الدنيا عَلَى أثره )
قال فاستعبر أبو دلف حتى جرى دمعه قال له معقل مالك يا أخي تبكي قال لأني لم أقض حق علي بن جبلة قال أو لم تعطه مائة ألف درهم لهذه القصيدة قال والله يا أخي ما في قلبي حسرة تقارب حسرتي على أني لم أكن أعطيته مائة ألف دينار والله لو فعلت ذلك لما كنت قاضياً حقه
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن محمد بن جرير قال
أنشدت أبا تمام قصيدة علي بن جبلة البائية فلما بلغت إلى قوله
( وردّ البِيضَ والبِيضَ ... إلى الأغْماد والحُجُب )
اهتز أبو تمام من فرقه إلى قدمه ثم قال أحسن والله لوددت أن لي هذا البيت بثلاث قصائد من شعري يتخيرها وينتخبها مكانه
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أبو نزار
(20/29)

الضبي الشاعر قال
قال لي علي بن جبلة قلت لحميد بن عبد الحميد الطوسي يا أبا غانم إني قد مدحت أمير المؤمنين بمدح لا يحسن مثله أحد من أهل الأرض فاذكرني له قال فأنشدني فأنشدته قال أشهد أنك صادق ما يحسن أحد أن يقول هكذا وأخذ المديح فأدخله إلى المأمون فقال له يا حميد الجواب في هذا واضح إن شاء عفونا عنه وجعلنا ذلك ثواباً لمديحه وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفي أبي دلف وبين شعره فينا فإن كان الذي قاله فيكما أجود ضربنا ظهره وأطلنا حبسه وإن كان الذي قاله فينا أجود أعطيناه لكل بيت ألف درهم وإن شاء أقلناه
فقلت له يا سيدي ومن أنا ومن أبو دلف حتى يمدحنا بأجود من مديحك فقال ليس هذا الكلام من الجواب في شيء فاعرض ما قلت لك على الرجل
فقال أفعل
قال علي بن جبلة فقال لي حميد ما ترى فقلت الإقالة أحب إلي فأخبر المأمون بذلك
فقال هو أعلم ثم قال لي حميد يا أبا الحسن أي شيء يعني من مدائحك لي ولأبي دلف فقلت قولي فيك
( لولا حُمَيدٌ لم يكن ... حسب يُعَد ولا نسبْ )
( يا واحد العَرب الذي ... عَزَّت بعزّته العرب )
وقولي في أبي دلف
( إنما الدنيا أبو دُلَف ... بين بادية ومحتضَره )
( فإذا ولّى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره )
قال فأطرق حُميد ثم قال لقد انتقد عليك أمير المؤمنين فأجاد وأمر لي بعشرة الآف درهم وخلعة وفرس وخادم وبلغ ذلك أبا دلف فأضعف لي العطية وكان ذلك في ستر منهما ما علم به أحد خوفاً من المأمون حتى حدثتك به يا أبا نزار
(20/30)

أبو دلف يبره ويفرط
أخبرني علي بن سليمان قال حدثني محمد بن يزيد قال حدثني علي بن القاسم قال قال لي علي بن جبلة
زرت أبا دلف فكنت لا أدخل إليه إلا تلقاني ببره وأفرط فلما أكثر قعدت عنه حياء منه فبعث إلي بمعقل أخيه فأتاني فقال لي يقول لك الأمير لم هجرتنا لعلك استبطأت بعض ما كان مني فإن كان الأمر كذلك فإني زائد فيما كنت أفعله حتى ترضى فدعوت من كتب لي وأمللت عليه هذه الأبيات ثم دفعتها إلى معقل وسألته أن يوصلها وهي
( هجَرْتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يُرتجَى نَيل الزيادة بالكفر )
( ولكنني لما أتيتُك زائراً ... فأَفرطت في بِري عجزت عن الشكر )
( فهأنا لا آتيك إلا مسلّماً ... أزورك في الشهرين يوماً وفي الشهر )
( فإن زدتني براً تزايدت جَفوة ... ولم تلقني طول الحياة إلى الحشر )
قال فلما سمعها معقل استحسنها جداً وقال جودت والله أما أن الأمير ليعجب بمثل هذه الأبيات فلما أوصلها إلى أبي دلف قال لله دره ما أشعره وما أرق معانيه ثم دعا بدواة فكتب إلي
( ألا ربّ ضيفٍ طارق قد بسطتُه ... وآنستُه قبل الضيافة بالبِشر )
( أتاني يرجِّيني فما حال دونه ... ودون القرى من نَائلي عنده سِتري )
( وجَدتُ له فضلاً عليَّ بقصده ... إليَّ وبِرّاً يستحق به شكري )
( فلم أعدُ أن أدنيتُه وابتدأْتهُ ... ببشر وإكرام وبرٍّ علي بِرِّ )
( وزوّدتُه مالاً قليل بقاؤه ... وزوّدني مدحاً يدوم على الدهر )
ثم وجّه بهذه الأبيات مع وصيف يحمل كيساً فيه ألف دينار فذلك حيث قلت له
(20/31)

( إنما الدنيا أبو دُلَفٍ ... بين باديه ومحتضَره )
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أمد بن القاسم قال حدثني نادر مولانا
أن علي بن جبلة خرج إلى عبد الله بن طاهر والي خراسان وقد امتدحه فلما وصل إليه قال له ألست القائل
( إنما الدنيا أبو دُلَف ... بين بادية ومحتضَره )
( فإذا ولَّى أبو دُلَف ... ولّت الدنيَا على أثره )
قال بلى قال فما الذي جاء بك إلينا وعدل بك عن الدنيا التي زعمت أرجع من حيث جئت فارتحل ومر بأبي دُلَف وأعلمه الخبر فأعطاه حتى أرضاه قال نادر فرأيته عند مولاي القاسم بن يوسف وقد سأله عن خبره فقال
( أبو دلف إن تلقه تلقَ مَاجداً ... جواداً كريماً راجح الحلم سيدا )
( أبو دُلَف الخَيراتِ أنداهُمُ يداً ... وأبسط معروفاً وأكرم محتِدا )
(20/32)

( تراث أبيه عن أبيه وجدَّه ... وكلّ امرىءٍ يجري على ما تعودا )
( ولست بِشَاكٍ غيره لنقيصة ... ولكنما الممدوح من كان أمجداً )
علي بن جبلة وحميد الطوسي
قال مؤلف هذا الكتاب والأبيات التي فيها الغناء المذكورة بذكرها أخبار أبي الحسن علي بن جبلة من قصيدة له مدح بها حميداً الطوسي ووصف قصره على دجلة وقال فيها بعد الأبيات التي فيها الغناء
( ليس لي ذنب سوى أنّي ... أسميك خليلا )
( وأُناديك عزيزاً ... وتناديني ذليلا )
( أنا أهواك وحاليَك ... صَروماً ووَصولاً )
( ثِق بوُدَّ ليس يفنى ... وبعهدٍ لن يحولا )
( جعل الله حُميداً ... لبني الدنيا كفيلا )
( ملِك لم يجعل الله ... فيهم عديلا )
( فأقاموا في ذَراه ... مطمئنين حُلولا )
( لا ترى فيهم مُقِلاَّ ... يسأل المُثري فُضولا )
( جاد بالأموال حتى ... علّم الجود البخيلا )
( وبنَى الفخر على الفخر ... بناء مستطيلا )
( صار للخائف أمناً ... وعلى الجُود دليلا )
ولما مات حميد الطوسي رثاه بقصيدته العينية المشهورة وهي من نادر الشعر وبديعه وفي أولها غناء من الثقيل الأول يقال إنه لأبي العبيس ويقال إنه للقاسم بن زرزور
(20/33)

( ألِلدهر تبكي أم على الدهر تجزع ... وما صاحب الأيام إلا مفجّعُ )
( ولو سَهَّلَت عنك الأُسا كان في الأُسا ... عزاءُ مُعَزَّ للبيب ومقنَعُ )
( تعرَّ بما عزَّيتَ غيرك إنها ... سهام المنايا حائمات ووُقّع )
( أصبنا بيوم في حُمَيدٍ لو أنه ... أصاب عروش الدهر ظلت تضعضع )
( وأدَّبَنا ما أدب الناسَ قبلنا ... ولكنه لم يَبْقَ للصبر موضع )
( ألم تر للأَيام كيف تصرَّمت ... به وبه كانت تُذادُ وتُدْفع )
( وكيف التقى مثوىً من الأرض ضيق ... على جبل كانت به الأرض تُمنع )
( ولما انقضَت أيامه انقضت العلا ... وأضحى به أنف النَدى وهو أجدع )
( وراح عدوّ الدِّين جَذلان ينتحي ... أمانيّ كانت في حَشاه تقطع )
( وكان حُمَيد معقِلاً ركَعت به ... قواعدُ ما كانت على الضيم تَركع )
( وكنتُ أراه كالرزايا رُزِئْتُها ... ولم أدْرِ أن الخلق يبكيه أجمع )
( حِمام رماه من مواضع أمنه ... حِمامٌ كذاك الخطب بالخطب يُقدع )
( وليس بِغَزْوٍ أن تصيب منية ... حِمى أختها أو أ ن يذلّ المُمنَّع )
لقد أدركت فينا المنايا بثارها ... وحلّت بخطب وَهْيُه ليس يُرقَع )
( نَعاءِ حُمَيداً للسرايا إذا غدت ... تذاد بأطراف الرماح وتوزع )
( وللمُرهَق المكروبِ ضاقت بأمره ... فلم يَدر في حَوماتها كيف يصنع )
(20/34)

( وللبِيض خلَّتها البُعول ولم يَدع ... لها غيرَه داعي الصباح المفزَّع )
( كأن حُمَيداً لم يُقد جيش عسكر ... إلى عسكر أشياعه لا تُروَّع )
( ولم يبعث الخيل المغيرة بالضحا ... مِراحاً ولم يرجع بها وهي ظُلَّع )
( رواجع يحملن النِّهَاب ولم تكن ... كتائبه إلا على النهب ترجع )
( هوَى جبلُ الدنيا المنيعُ وغيثها المَريع ... وحاميها الكميّ المشيع )
( وسيفُ أمير المؤمنين ورمحه ... ومفتاح باب الخطب والخطب أفظع )
( فأقنعه من مُلكه ورِباعه ... ونائِله قفر من الأرض بلقَع )
( على أيّ شجو تشتكي النفس بعده ... إلى شجوه أو يَذخَر الدمعَ مَدمع )
( ألم تر أن الشمس حال ضياؤها ... عليه وأضحى لونها وهو أسفع )
( وأوحشت الدنيا وأودى بهاؤها ... وأجدب مرعاها الذي كان يَمرَع )
( وقد كانت الدنيا به مطمئنة ... فقد جعلت أوتادها تتقلع )
( بكى فقدَه رَوح الحياة كما بكى ... نَداة الندَى وابنُ السبيل المدفّع )
( وفارقت البيضُ الخدور وأبرزت ... عواطل حسرَى بعده لا تَقنّع )
( وأيقظ أجفاناً وكان لها الكرى ... ونامت عيون لم تكن قبلُ تَهجع )
( ولكنه مقدار يوم ثوى به ... لكل امرىء منه نِهال ومَشرَع )
( وقد رأَب الله المَلا بمحمد ... وبالأصل ينَمِي فرعُه المتفرع )
( أغرّ على أسيافه ورماحه ... تُقسَّم أنفال الخميس وتُجمع )
(20/35)

( حوى عن أبيه بذلَ راحته الندى ... وطعن الكُلى والزاعبية شرّع )
وإنما ذكرت هذه القصيدة على طولها لجودتها وكثرة نادرتها وقد أخذ البحتريّ أكثر معانيها فسلخه وجعله في قصيدتيه اللتين رثى بهما أبا سعيد الثغري
( انظر إلى العلياء كيف تضام ... )
( بأي أسى تثني الدموع الهوامل ... )
وقد أخذ الطائي أيضاً بعض معانيها ولولا كراهة الإطالة لشرحتُ المواضع المأخوذة وإذا تأمل ذلك منتقد بصير عرفه
أخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أبو وائلة قال قال رجل لعلي بن جبلة
ما بلغت في مديح أحد ما بلغته في مديحك حميداً الطوسي
فقال وكيف لا أفعل وأدنى ما وصل إلي منه أني أهديت له قصيدة في يوم نيروز فسر بها وأمر أن يحمل إلي كل ما أهدي له فحمل إلي ما قيمته مائتا ألف درهم وأهديت له قصيدة في يوم عيد فبعث إلي بمثل ذلك قال أبو وائلة
وقد كان حميد ركب يوم عيد في جيش عظيم لم ير مثله فقال علي بن جبلة يصف ذلك
(20/36)

( غدا بأمير المؤمنين ويُمْنِه ... أبو غانم غَدْوَ الندى والسحائِب )
( وضَاقت فِجَاج الأرض عن كل موكب ... أحَاط به مستعلياً للمواكب )
( كأن سُموّ النَّقع والبَيضُ فوقهم ... سماوة ليل فُرّنَت بالكواكب )
فكانَ لأهل العِيد عيد بُنُسكهم ... وكان حُمَيد عيدَهم بالمواهب )
( ولولا حُمَيد لم تَبَلَّج عن الندى ... يمين ولم يدرك غنى كسب كاسب )
( ولو ملك الدنيا لما كان سائل ... ولا اعتام فيها صاحب فضل صاحب )
( له ضِحكة تستغرق المال بالندى ... على عبسةٍ تُشجي القنا بالترائب )
( ذهبَت بأيام العلا فَارداً بهَا ... وصرَّمتَ عن مسعَاك شأو المطَالِب )
( وعَدَّلت مَيل الأرض حتى تعدلت ... فلم يَنأ منهَا جانب فوق جانِب )
( بَلغت بأدنى الحزم أبعد قُطرُهَا ... كأنك منَها شَاهد كلَّ غائِب )
قال والتي أهداهَا له يوم النيروز قصيدته التي فيها
( حُمَيدُ يا قاسِمَ الدنَيا بِنَائله ... وسَيفِه بين أهل النَّكث وَالدِّينِ )
( أنت الزمَان الذي يجري تصرّفه ... على الأنَام بتشديد وَتَليين )
( لو لم تكن كانت الأَيَّام قد فَنِيت ... والمكرمَاتُ وَمَاتَ المجد مُذ حين )
( صورَّك الله من مجد ومن كرم ... وصوَّر النَّاس من مَاء وَمن طين )
نسخت من كتاب بخط محمد بن العباس اليزيديّ
(20/37)

قال أحمد بن إسماعيل الخصيب الكاتب دخل علي بن جبلة يوماً إلى أبي دلف فقال له هات يا علي ما معك
فقال إنه قليل فقال هاته فكم من قليل أجود من كثير فأنشده
( الله أجرى من الأرزاق أكثرَها ... على يديك فشكراً يا أبا دُلفِ )
( أعطى أبو دُلَف والريح عاصفة ... حتى إذا وَقَفَت أعطى ولم يقف )
قال فأمر له بعشرة آلاف درهم فلما كان بعد مدة دخل إليه فقال له هات ما معك فأنشده
( مِن مَلَكَ الموت إلى قاسم ... رسالةُ في بطن قِرطاس )
( يا فارس الفُرسان يوم الوغى ... مُرْني بمن شئتَ من الناس )
قال فأمر له بألفي درهم وكان قد تطير من ابتدائه في هذا الشعر فقال ليست هذه من عطاياك أيها الأمير فقال بلغ بها هذا المقدارَ ارتياعنا من تحمّلك رسالةَ ملك الموت إلينا
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله قال حدثني علي بن جبلة العكوك المروزي قال
جاءني أبو يعقوب الخزيمي فقال لي إن لي إليك حاجة قلت وما هي قال تهجو لي الهيثم بن عدي
فقلت ومالك أنت لا تهجوه وأنت
(20/38)

شاعر فقال قد فعلت فما جاءني شيء كما أريد فقلت له كيف أهجو رجلاً لم يتقدم إلي منه إساءة ولا له إلي جرم يحفظني فقال تقرضني فإني ملي بالقضاء قلت نعم فأمهلني اليوم فمضى وغدوت عليه فأنشدته
( لِلهَيثم بنِ عديٍّ نِسبة جمعت ... آباءه فأراحتنا من العدد )
( أعدُد عدِيًّا فلو مدّ البقاء له ... ما عُمِّر الناسُ لم يَنقص ولم يزد )
( نفسي فداء بني عبد المدان وقد تلَّثوه للوجه واستعلَوْه بالعمد )
( حتى أزالوه كرهاً عن كريمتهم ... وعرّفوه بدُلٍّ أين أصل عدي )
( يا بنَ الخبيثة من أهجو فأَفضحَه ... إذا هجوتُ وما تُنمى إلى أحد )
قال وكان الهيثم قد تزوج إلى بني الحارث بن كعب فركب محمد بن زياد بن عبيد الله بن عبد المدان الحارثي أخو يحيى بن زياد ومعه جماعة من أصحاب الحارثيين إلى الرشيد فسألوه أن يفرق بينهما فقال الرشيد أليس هو الذي يقول فيه الشاعر
(20/39)

( إذا نسبتَ عدياً في بني ثُعلٍ ... فقدّم الدال قبل العين في النسب )
قالوا بلى يا أمير المؤمنين قال فهذا الشعر من قاله قالوا هو لرجل من أهل الكوفة من بني شيبان يقال له ذهل بن ثعلبة فأمر الرشيد داود بن يزيد أن يفرق بينهما فأخذوه فأدخلوه داراً وضربوه بالعصي حتى طلقها
علي بن جبلة وعبد الله بن طاهر
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن الحسن بن الخصيب قال
شخص علي بن جبلة إلى عبد الله بن طاهر والي خراسان وقد مدحه فأجزل صلته واستأذنه في الرجوع فسأله أن يقيم عنده وكان بره يتصل عنده فلما طال مقامه اشتاق إلى أهله فأنشده
( راعه الشيبُ إذ نزلْ ... وكفاه من العذَلْ )
( وانقضت مدة الصبا ... فانقضى اللهو والغزل )
( قد لعمري دَمَلْتُه ... بخضاب فما اندمل )
( فابك للشيب إذ بدا ... لا على الرَّبع والطلل )
( وصَلَ الله للأمير ... عُرا الملك فاتصل )
( ملك عزْمه الزمان ... وأفعاله الدولْ )
( كِسرويّ بمَجده ... يَضرب الضاربُ المثل )
( وإلى ظِلّ عزّه ... يلجأُ الخائف الوجِل )
( كلُّ خَلق سوى الإمام ... لإنعامه خوَل )
( ليته حين جاد لي ... بالغنى جاد بالقَفَل )
قال فضحك وقال أبيت إلا أن توحشنا وأجزل صلته وأذن له
(20/40)

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أبو وائلة السدوسي قال
دخل علي بن جبلة العكوك على حميد الطوسي في أول يوم من شهر رمضان فأنشده
( جعل الله مَدخل الصوم فوزاً ... لحميد ومتعة في البقاءِ )
( فهْو شهرُ الربيع للقُرّاء ... وفراقُ النّدمان والصهباءِ )
( وأَنا الضامنُ المليُّ لمَن عاقرها ... مفطراً بطول الظَّماءِ )
( وكأني أَرى النَّدامَى على الخسف ... يُرجّون صبحهم بالمساء )
( قد طَوى بعضُهم زيارة بعض ... واستعاضوا مصاحفاً بالغناء )
يقول فيها
( بِحُميد وأين مثلُ حميد ... فخرَت طيّئٌ على الأحياء )
( جوده أظهر السماحة في الأرضِ ... وأغنى المُقوِي عن الإقواء )
( ملِك يأمُل العباد نداه ... مثلَ ما يأمُلون قَطْر السماء )
( صاغه الله مطعِمَ الناس في الأرض ... وصاغ السحاب للإسقاء )
قال فأمر له بخمسة آلاف درهم وقال استعن بهذه على نفقة صومك ثم دخل إليه ثاني شوال فأنشده
( علّلاني بصفو ما في الدّنان ... واتركا ما يقوله العاذلان )
( واسبقا فاجع المنيّة بالعيش ... فكلُّ على الجَديدين فاني )
(20/41)

( عللاني بشَربةٍ تُذهب الهَمّ ... وتنفي طوارق الأحزان )
( وانفُثا في مسامعٍ سدّها الصوم ... رُقى الموصليّ أو دَحْمان )
( قد أتانا شوال فاقتبل العيش ... وأَعدَى قسراً على رمضان )
( نِعم عون الفتى على نوَب الدهر ... سماعُ القيان والعِيدان )
( وكؤوسٌ تجري بماء كُروم ... ومطيُّ الكؤوس أيدي القيان )
( من عُقار تُميت كلُّ احتشامٍ ... وتَسُرّ النَّدمان بالنَّدمان )
( وكأنَّ المِزاج يقدح منها ... شراراً في سبائك العِقيان )
( فاشرب الرِاح واعصِ مَنْ لام فيها ... إنها نعم عُدة الفِتيان )
( واصحب الدهر بارتحال وحَلّ ... لا تخف ما يجُرّه الحادثان )
( حسْب مستظهِرعلى الدهر ركناً ... بِحُميد رِداءاً من الحِدثان )
( مِلك يقتني المكارم كنزاً ... وتراه من أكرم الفتيان )
( خُلقت راحتاه للجود والبأس ... وأموالُه لشكر اللسان )
( ملّكتْه على العباد معدّ ... وأقرّت له بنو قحطان )
( أريحيُّ الندى جميل المحيّا ... يده والسماح معتَقدان )
( وجْهه مشرق إلى معتَفيه ... ويداه بالغيث تنفجران )
( جَعل الدهر بين يوميه قسمين ... بِعُرف جزل وحَرِّ طعان )
(20/42)

( فإذا سار بالخميس لحرب ... كَلَّ عن نصّ جَرْيه الخافقان )
( وإذا ما هززتَه لنوال ... ضاق عن رحب صدره الأفقان )
( غَيث جدب إذا أقام ربيع ... يتغشى بالسِّيب كلّ مكان )
( يا أبا غانم بقيتَ على الدهر ... وخُلّدتَ ما جرى العصران )
( ما نُبالي إذا عدَت المنايا ... مَن أصابت بكَلْكَل وجِران )
( قد جعلنا إليك بعث المطايا ... هرَباً من زماننا الخوّان )
( وحملنا الحاجات فوق عتاق ... ضامنات حوائج الرُّكبان )
( ليس جُودُ وراء جودك يُنتاب ... ولا يَعتَفِي لغيرك عاني )
فأمر له بعشرة آلاف درهم وقال تلك كانت للصوم فخفّفت وخففنا وهذه للفطر فقد زدتنا وزدناك
أخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن الطيب السرخسي قال حدثنا ابن أخي علي بن جبلة العكوك قال أحمد وكان علي جارنا بالربض هو وأهله وكان أعمى وبه وضح
وكان يهوى جارية أديبة ظريفة شاعرة وكانت تحبه هي أيضاً على قبح وجهه وما به من الوضح حدثني بذلك عمرو بن بحر الجاحظ
قال عمرو وحدثني العكوك أن هذه الجارية زارته يوماً وأمكنته من نفسها حتى افتضّها قال وذلك عنيت في قولي
( ودمٍ أهدرت من رشإٍ ... لم يُرِد عقلاً على هَدَره )
(20/43)

وهي القصيدة التي مدح بها أبا دلف يعني بالدم دم البضع قال ثم قصدت حميداً بقصيدتي التي مدحته بها فلما استؤذن لي عليه أبى أن يأذن لي وقل قولوا له أي شيء أبقيت لي بعد قولك في أبي دلف
( إنما الدنيا أبو دَُلف ... بين مَبْداه ومحتضره )
( فإذا ولّى أبو دُلَف ... ولت الدنيا على أثره )
فقلت للحاجب قل له الذي قلت فيك أحسن من هذا فإن وصَّلتَني سمعته فأمر بإيصالي فأنشدت قولي فيه
( إنما الدنيا حُميد ... وأياديه الجسامُ )
( فإذا ولّى حُمَيد ... فعلى الدنيا السلام )
فأمر لي بمائتي دينار فنثرتها في حجر عشيقتي ثم جئته بقصيدتي التي أقول فيها
( دجلة تسقي وأبو غانم ... يُطعم مَن تسقي من الناسِ )
فأمر لي بمائتي دينار
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن الطيب قال حدثني ابن أخي علي بن جبلة أيضاً
أن عمه علياً كان يهوى جارية وهي هذه القينة وكانت له مساعدة ثم غضبت عليه وأعرضت عنه فقال فيها
( تُسيء ولا تستنكر السوء إنها ... تُدلّ لما تبلوه عندي وتَعرف )
( فمِن أين ما استعطفتها لم ترقَّ لي ... ومن أين ما جربتُ صبريَ يضعف )
(20/44)

أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال
تذاكرنا يوماً أقبح ما هجي به الناس في ترك الضيافة وإضاعة الضيف فأنشدنا علي بن جبلة لنفسه
( أقاموا الدّيدَبان على يَفاعٍ ... وقالوا لا تنَم للدّيدَبان )
( فإن آنست شخصاً من بعيد ... فصفّق بالبنان على البنان )
( تراهم خشية الأضياف خُرساً ... ويأتون الصلاة بلا أذان )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني أبي قال حدثني وهب بن سعيد المَرْوزي كاتب حميد الطوسي قال
جئت حْميَداً في أول يوم من شهر رمضان فدفع إلي كيساً فيه ألف دينار وقال تصدقوا بهذه وجاءه ابنه أصرم فسلم عليه ودعا له ثم قال له خادمك علي بن جبلة بالباب فقال وما أصنع به جئتني به يا بني تقابلني بوجهه في أول يوم من هذا الشهر فقال إنه يجيد فيك القول قال فأنشدني بيتاً مما تستجيد له فأنشده قوله
( حِيدي حَيادِ فإنّ غزوة جيشه ... ضمنت لجائلة السباع عِيالها )
فقال أحسن ائذنوا له فدخل فسلّم ثم أنشده قوله
(20/45)

( إن أبا غانم حُمَيداً ... غيث على المعتفين هامي )
( صوَّره الله سيفَ حَتف ... وباب رزق على الأنام )
( يا مانع الأرض بالعوالي ... والنَّعم الجمة العظام )
( ليس من السّوء في مَعاذ ... من لم يكن منك في ذِمام )
( وما تعمّدتُ فيك وصفاً ... إلا تقدَّمْته أمامي )
( فقد تناهت بِك المعالي ... وانقطعت مدة الكلام )
( أَجِدَّ شهراً وأبلِ شهراً ... واسلم على الدهر ألف عام )
قال فالتفت إلي حميد وقال أعطه ذلك الألف الدينار حتى يخرج للصدقة غيره
حدثني عمي قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قال حدثني أبو سهيل بن سالم مولى حميد الطوسي قال
جاء علي بن جبلة إلى حميد الطوسيّ مستشفعا به إلى أبي دلف وقد كان غضب عليه وجفاه فركب إلى أبي دلف شافعاً وسأله في أمره فأجابه واتصل الحديث بينهما وعلي بن جبلة محجوب فأقبل على رجل إلى جانبه وقال اكتب ما أقول لك فكتب
( لا تتركنَّي بباب الدار مطّرَحاً ... فالحرُ ليس عن الأحرار يحتجب )
( هبنا بلا شافع جئنا ولا سبب ... ألستَ أنت إلى معروفك السبب )
قال فأمر بإيصاله إليه ورضي عنه ووصله
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن مروان قال حدثني أبو سعيد المخزومي قال
دخلت على حميد الطوسي فأنشدته قصيدة مدحته بها وبين يديه رجل
(20/46)

ضرير فجعل لا يمر ببيت إلا قال أحسن قاتله الله أحسن ويحه أحسن لله أبوه أحسن أيها الأمير
فأمر لي حميد ببدرة فلما خرجت قام إلي البوابون فقلت كم أنتم عرفوني أولاً من هذا المكفوف الذي رأيته بين يدي الأمير فقالوا علي بن جبلة العكوك فارفضضت عرقا
ً ولو علمت أنه علي بن جبلة لما جسرت على الإنشاد بين يديه
المأمون يدخل علي ولكن بشرط
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال
كلم حميد الطوسي المأمون في أن يدخل عليه علي بن جبلة فيسمع منه مديحاً مدحه به فقال وأي شيء يقوله في بعد قوله في أبي دلف
( إنما الدنيا أبو دُلَفٍ ... بين مغزاه ومحتضره )
( فإذا ولّى أبو دُلَف ... ولَّت الدنيا على أثره )
وبعد قوله فيك
( يا واحد العرَب الذي ... عزّت بعزتِه العَرَبْ )
أحسن أحواله أن يقول فيَّ مثل ما قاله في أبي دُلف فيجعلَني نظيراً له هذا إن قدر على ذلك ولم يقصر عنه فخيروه بين أن أسمع منه فإن كان مدحه إياي أفضل من مدحه أبا دلف وصلته وإلا ضربت عنقه أو قطعت لسانه وبين أن أقيله وأعفيه من هذا وذا
فخيروه بذلك فاختار الإقالة ثم مدح حميداً الطوسي فقال له وما عساك أن تقول في بعدما قلته في أبي دُلف فقال قد قلت فيك خيراً من ذلك قال هات فأنشده
(20/47)

( دجلة تَسقِي وأبو غانمٍ ... يُطعم مَن تسقي من ا لنَّاسِ )
( النَّاس جسم وإمام الهدى ... رأْس وأنت العين في الراس )
فقال له حميد قد أجدت ولكن ليس هذا مثل ذلك ووصله
قال أحمد بن عبيد ثم مات حميد الطوسي فرثاه علي بن جبلة فلقيته فقلت له أنشدني مرثيتك حميداً فأنشدني
( نَعاءِ حُمَيداً للسرايا إذا غدَتْ ... تُذاد بأطراف الرماح وتوزع )
حتى أتى على آخرها فقُلت له ما ذهب على النحو الذي نحوتَه يا أبا الحسن وقد قاربته وما بَلغته فقال وما هو فقلت أردت قول الخريمي في مرثيته أبا الهيذام
( وأعددتُه ذخراً لكل مُلمة ... وسهم المَنايا بالذخائر مُولع )
فقال صدقت والله أما والله لقد نحوته وأنا لا أطمع في اللحاق به لا والله ولا أمرؤ القيس لو طلبه وأراده ما كان يطمع أن يقاربه في هذه القصيدة
هروبه من المأمون
أخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال حدثني ابن أبي حرب الزعفراني قال
لما بلغ المأمون قول علي بن جبلة لأبي دلف
( كلُّ من في الأرض من عرَب ... بين باديه إلى حضره )
( مستعير منك مكرمةً ... يكتسيها يوم مفتخَره )
غضب من ذلك وقال اطلبوه حيث كان فطلب فلم يقدر عليه
(20/48)

وذلك أنه كان بالجبل فلما اتصل به الخبر هرب إلى الجزيرة وقد كانوا كتبوا إلى الآفاق في طلبه فهرب من الجزيرة أيضاً وتوسط الشام فظفروا به فأخذوه وحملوه إلى المأمون فلما صارإليه قال له يابن اللَّخناء أنت القائل للقاسم بن عيسى
( كلُّ من في الأرض من عرَب ... بين باديه إلى حضره )
( مستعير منك مكرمةً ... يكتسيها يوم مفتخَرة )
جعلتنا ممن يستعير المكارم منه فقال له يا أمير المؤمنين أنتم أهل بيت لا يقاس بكم أحد لأن الله جل وعز فضلكم على خلقه واختاركم لنفسه وإنما عنيت بقولي في القاسم أشكال القاسم وأقرانه فقال والله ما استثنيت أحداً عن الكلّ سلوا لسانه من قفاه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال وحدثني أحمد بن أبي فنن
أن المأمون لما أدخل عليه علي بن جبلة قال له إني لست استحل دمك لتفضيلك أبا دلف على العرب كلها وإدخالك في ذلك قريشاً وهم آل رسول الله وعترته ولكني أستحله بقولك في شعرك وكفرك حيث تقول القول الذي أشركت فيه
( أنت الذي تنزل الأيامَ منزلها ... وتَنقل الدهرَ من حال إلى حال )
( وما مددْتَ مدَى طَرف إلى أحد ... إلا قضيتَ بأرزاق وآجال )
(20/49)

كذبت يا ماص بظر أمه ما يقدر على ذلك أحد إلا الله عز و جل الملك الواحد القهار سلوا لسانه من قفاه
صوت
( لا بد من سكرة على طَرَبِ ... لعل رَوْحاً يُدال من كُرَبِ )
ويروى
( لعل روحاً يُديل من كرب ... )
وهو أصوب
( فعاطنيها صهباء صافية ... تَضحك من لؤلؤ على ذهب )
( خليفةَ الله أنت منتخَب ... لِخير أُمَّ من هاشم وأَب )
( أَكرِمْ بأصلين أنت فرعهما ... من الإمام المنصور في النسب )
الشعر للتيميّ والغناء لسليم بن سلام خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو وفيها لنظم العمياء خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي
(20/50)

أخبار التيميّ ونسبه
هو عبد الله بن أيوب ويكنى أبا محمد مولى بني تيم ثم مولى بني سليم ذكر ذلك ابن النطاح وكان له أخ يقال له أبو التيجان وكلاهما كان شاعراً وهما من أهل الكوفة وهما من شعراء الدولة العباسية أحد الخلعاء المجان الوصافين للخمر وكان صديقاً لإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق ونديماً لهما ثم اتصل بالبرامكة ومدحهم واتصل بيزيد بن مزيد فلم يزل منقطعاً إليه حتى مات يزيد واستنفذ شعره أو أكثره في وصفه الخمر وهو الذي يقول
(20/51)

( شَربتُ من الخمر يوم الخميس ... بالكأس والطاس والقَنْقَلِ )
( فما زالت الكأس تغتالنا ... وتَذهب بالأول الأول )
( إلى أن توافت صلاة العشا ... ونحن من السكر لم نعقل )
( فمن كان يعرف حق الخميس ... وحق المدام فلا يجهل )
( وما إن جرت بيننا مَزحة ... تهيج مِراء على السلسل )
وهو القائل
( ولن أنتهي عن طيِّب الراح أو يَرى ... بَوادي عظامي في ضريحيَ لاحدُ )
( أضعتُ شبابي في الشراب تلذّذاً ... وكنت امرأ غِرّ الشباب أكابدُ )
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني أبو العيناء عن محمد بن عمر قال أبو محمد التيمي اسمه عبد الله بن أيوب مولى بني تيم
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار عن محمد بن داود بن الجراح قال قال دعبل
كان للتيمي أبي محمد ابن يقال له حبان مات وهو حديث السن فجزع عليه وقال يرثيه
صوت
( أودى بحَبّانَ ما لم يترك الناسا ... فامنح فؤادَك من أحبابك الياسا )
( لما رَمته المنايا إذ قصدن له ... أصبن مني سواد القلب والراسا )
( وإذ يقول لي العُوَّاد إذ حضروا ... لاتأس أبشر أبا حبان لا تاسَى )
(20/52)

( فبت أرعى نجوم الليل مكتئباً ... إخال سُنَّته في الليل قرطاسا )
غنى في الأول والرابع من هذه الأبيات حكم الوادي ولحنه رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وأول هذه القصيدة
( يا دَير هند لقد أصبحت لي انَساً ... وما عهدتك لي يا دَير مِئْناسا )
وهي مشهورة من شعره
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال قلت
( وُصف الصدُّ لمن أهوَى فَصَدّ ... )
ثم أجبلت فمكثت عدة ليال لا يستوي لي تمامه فدخل علي التيمي فرآني مفكراً فقال ما قصتك فأخبرته فقال
(20/53)

( وبدا يمزح بالهجر فجَدّ ... )
ثم أتممتها فقلت
( ما له يعدل عني وجهَه ... وهو لا يعدِله عندي أحدْ )
وخرجت إلى مدح الفضل بن الربيع فقلت
( قد أرادوا غِرّة الفضل وهل ... تُطلب الغِرّة في خِيس الأسدْ )
( ملِك ندفَع ما نخشى به ... وبه يَصلح منّا ما فسد )
( يفعل الناسُ إذا ما وعدوا ... وإذا ما فعل الفضل وعد )
لإسحاق في هذا الشعر صنعة ونسبتها
صوت
( وُصف الصدُّ لِمن نهوَى فصدْ ... وبدا يمزح بالهجر فجَدْ )
( ما له يَعدل عني وجهَه ... وهو لا يعدله عندي أحد )
الشعر والغناء لإسحاق خفيف رمل بالبنصر وله فيه أيضاً ثقيل أول وفيه لزكريا بن يحيي بن معاذ هزج بالبنصر عن الهشامي وغيره قال الهشامي وقيل إن الهزج لإسحاق وخفيف الرمل لزكريا
أخبرني جحظة عن علي بن يحيي المنجم عن إسحاق قال
(20/54)

اشتركت أنا وأبو محمد التيمي في هذا الشعر
( وُصف الصد لمن نهوى فصد ... )
وذكر البيتين
الرشيد يطلب سماع قصيدته في رثاء يزيد بن مزيد
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن طهمان قال حدثني محمد الراوية الذي يقال له البيذق وكان يقرأ شعر المحدثين على الرشيد قال
قال لي الرشيد يوماً أنشدني مرثية مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة التي يقول فيها
( كأن الشمس يوم أُصيب معنٌ ... من الإظلام مُلْبَسه جِلالا )
( هو الجبل الذي كانت معدّ ... تَهُدّ من العَدُوّ به الجبالا )
(20/55)

( أقمنا باليمامة بعد معنٍ ... مُقاماً لا نريد به زيالاً )
( وقلنا أين نذهب بعد معنٍ ... وقد ذهب النوال فلا نوالاً )
قال فأنشدته إياها ثم قال لي أنشدني قصيدة أبي موسى التيميّ في مرثية يزيدَ بن مَزْيد فهي والله أحب إليَّ من هذه فأنشدته
( أحقٌ أنه أودَى يَزِيدُ ... تبيّن أيها الناعي المُشيد )
( أتدري مَن نعيتَ وكيف فاهت ... به شفتاك كان بِك الصعيد )
( أَحامي المجد والإسلام أودى ... فما للأرض ويحكَ لا تميد )
( تأمل هل ترى الإسلام مالت ... دعائمه وهل شاب الوليد )
( وهل شِيمت سيوف بني نزار ... وهل وُضعَتْ عن الخيل اللُّبود )
( وهل تسقِي البلادَ عِشار مُزن ... بِدرّتها وهل يخضرّ عود )
( أما هُدت لمِصرَعه نِزارٌ ... بَلَى وتقوّض المجد المَشيد )
( وحلّ ضريحَه إذ حلَّ فيه ... طريفُ المجد والحسبُ التليد )
( أَمَا والله ما تنفك عَيني ... عليك بدمعها أبداً تجود )
( فإن تجمُد دموع لئيم قوم ... فليس لدمع ذي حسب جُمود )
( أبعد يزيد تَخْتَزن البواكي ... دموعاً أو تصَانُ لها خدود )
( لِتبكِك قبةُ الإسلام لما ... وهت أطنَابها ووهَى العمود )
(20/56)

( ويبكك شاعرٌ لم يُبق دهرُ ... له نَشَباً وقد كسَد القِصيد )
( فمَنْ يدعو الإمامُ لكل خطب ... ينوب وكلِّ معضِلة تؤود )
( ومن يحمي الخميسَ إذا تعايا ... بحيلة نفسه البطلُ النجيد )
( فإن يهلك يزيد فكلّ حيٍّ ... فَريسٌ للمنية أو طريد )
( ألم تعجب له أن المنايا ... فتكْن به وهُنَّ له جنود )
( قصدن له وهنّ يحِدن عنه ... إذا ما الحرب شبَّ لها وقود )
( لقد عزَّى ربيعةَ أن يوماً ... عليها مثلَ يومك لا يعود )
قال فبكى هارون الرشيد بكاء اتسع فيه حتى لو كانت بين يديه سكرجة لملأها من دموعه
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنا محمد بن عمر قال
( خرج كوثر خادم محمد الأمين ليرى الحرب فأصابته رجمة في وجهه فجلس يبكي فوجه محمد من جاءه به وجعل يمسح الدم عن وجهه وقال
(20/57)

( ضربوا قُرة عيني ... ومن أجلي ضربوهُ )
( أخذ الله لِقلبي ... من أناس أحرقوه )
قال وأراد زيادة في الأبيات فلم يواته فقال للفضل بن الربيع من ها هنا من الشعراء فقال الساعة رأيت عبد الله بن أيوب التيمي فقال علي به فلما أدخل أنشده محمد هذين البيتين وقال أجزهما فقال
( ما لِمن أهوى شبيهُ ... فبِه الدنيا تتيهُ )
( وصْلُه حلو ولكن ... هجره مُرّكريه )
( مَن رأَى الناسُ له الفضلَ ... عليهم حسدوه )
( مثلَ ما قد حسد القائمَ ... بالملك أخوه ) فقال محمد أحسنت هذا والله خير مما أردنا بحياتي عليك يا عباسي إلا نظرت فإن جاء على الظهر ملأت أحمال ظهره دراهم وإن كان جاء في زورق ملأته فأوقرتُ له ثلاثةُ أبغل دراهم
الفضل بن سهل يتوسط له فيعفو عنه المأمون
قال محمد بن يحيي فحدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن إدريس قال
لما قتل محمد الأمين خرج أبو محمد التيمي إلى المأمون وامتدحه فلم يأذن له فصار إلى الفضل بن سهل ولجأ إليه وامتدحه فأوصله إلى
(20/58)

المأمون فلما سلم عليه قال له المأمون إيه يا تيمي
( مثلَ ما قد حسد القائمَ ... بالملك أخوه )
فقال التيمي بل أنا الذي أقول يا أمير المؤمنين
( نُصر المأمون عبدُالله ... لما ظلموه )
( نقضوا العهد الذي كانوا ... قديماً أكَّدوه )
( لم يعامله أخوه ... بالذي أوصى أبوه )
ثم أنشده قصيدة له امتدحه بها أولها
( جزِعتَ ابنَ تيم أن أتاك مشيبُ ... وبان الشباب والشباب حبيب )
قال فلما أنشده إياها وفرغ منها قال قد وهبتك لله عز و جل ولأخي العباسي يعني الفضل بن سهل وأمرت لك بعشرة آلاف درهم
أخبرني محمد بن يحيي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال حدثني عباد بن محمد الكاتب عن أبي محمد التيمي الشاعر قال
أنشدت الأمين محمداً أول ما ولي الخلافة قولي
( لا بدَّ من سَكرة على طرب ... لعل رَوحاً يُديل من كُرب )
الأبيات المذكورة في الغناء قال فأمر لي بمائتي ألف درهم صالحوني منها على مائة ألف درهم
وأخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن يحيي المنجم قال وحدثني حسين بن الضحاك قال قال لي أبو محمد التيمي
(20/59)

دخلت على محمد الأمين أول ما ولي الخلافة فقال يا تيمي وددت أنه قيل في مثل قول طريح بن إسماعيل في الوليد بن يزيد
( طوبى لفرعَيك من هنا وهنا ... طوبى لأعراقك التي تَشجُ )
فإني والله أحق بذلك منه فقلت أنا أقول ذلك يا أمير المؤمنين ثم دخلت إليه من غد فأنشدته قصيدتي
( لا بد من سكرة على طربِ ... لعل رَوحا يُديل من كُرب )
حتى انتهيت إلى قولي
( أَكرِمْ بفرعين يَجريان به ... إلى الإمام المنصور في النسب )
فتبسَّم ثم قال لي يا تيمي قد أحسنت ولكنه كما قيل مرعى ولا كالسَّعدان ثم التفت إلى الفضل بن الربيع فقال بحياتي أوقر له زورقه مالاً فقال نعم يا سيدي
فلما خرجت طالبت الفضل بذلك فقال أنت مجنون من أين لنا ما يملأ زورقك ثم صالحني على مائة ألف درهم
(20/60)

التيمي يمدح الفضل بن يحيى
أخبرني وكيع قال حدثني ابن اسحاق قال حدثني أبي قال
( كنت على باب الفضل بن يحيى فأتاني التيمي الشاعر بقصيدة في قرطاس وسألني أن أوصلها إلى الفضل فنظرت فيها ثم خرقت القرطاس فغضب أبو محمد وقال لي أما كفاك أن استخففت بحاجتي منعتني أن أدفعها إلى غيرك فقلت له أنا خير لك من القرطاس ثم دخلت إلى الفضل فلما تحدثنا قلت له معي هدية وصاحبها بالباب وأنشدته فقال كيف حفظتها قلت الساعة دفعها إلي على الباب فحفظتها فقال دع ذا الآن فقلت له فأدخله فأدخل فسأله عن القصة فأخبره فقال أنشدني شيئاُ من شعرك ففعل وجعلت أردد أبياته وجعلت أشيعها بالاستحسان ثم خرج التيمي فقلت خذ في حاجة الرجل فقال أما إذ عنيت به فقد أمرت له بخمسة آلاف درهم فقلت له أما إذ أقللتها فعجلها فأمر بها فأحضرت فقلت له أليس لإعناتك إياي ثمن قال نعم قلت فهاته قال لا أبلغ بك في الإعنات ما بلغت بالشاعر في المديح فقلت فهات ما شئت فأمر بثلاثة آلاف درهم فضممتها إلى الخمسة الآلاف ووجهت بها إليه
وذكر أحمد بن طاهر عن أبي هفان عن إسحاق قال كان التيمي
(20/61)

وأخوه أبو التيحان وابن عم له يقال له قبيصة يشربون في حانة حتى سكروا وانصرفوا من غد فقال التيمي يذكر ذلك ويتشوق مثله
صوت
( هل إلى سَكرة بناحية الحيرة ... شنعاءَ يا قَبيص سبِيلُ )
( وأبو التيَّحان في كَفَّه القرعة ... والرأس فوقه إكليل )
( وغرار كأنه بيذق الشَّطرنج ... يفتن فيه قالٌ وقيلُ )
الشعر للتيمي والغناء لمحمد بن الأشعث رمل بالوسطى
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أبو العيناء عن أبي العالية قال
أمر محمد الأمين لعبد الله بن أيوب بجائزة عشرة آلاف دينار ثواباً عن بعض مدائحه فاشترى بها ضيعة بالبصرة وقال بعد ابتياعه إياها
( إني اشتريتُ بما وهبتَ لِيَهْ ... أرضاً أمون بها قرابَتِيَه )
( فبحسن وجهك حين أسأل قل ... يابن الربيع احمل إليه مِيَهْ )
فغني بها الأمين فقال للفضل بحياتي يا عباسي أحمل إليه مائة ألف فدعا به فأعطاه خمسين ألفاً وقال له الخمسون الأخر لك علي إذا اتسعت أيدينا
أخبرني الحسن قال حدثني أبو العيناء عن أبي العالية قال
عشق التيمي جارية لبعض النخاسين فشكا وجده بها إلى أبي عيسى بن الرشيد فقال أبو عيسى للمأمون يا أمير المؤمنين إن التيمي يجد
(20/62)

بجارية لبعض النخاسين وقد كتب إلي بيتين يسألني فيهما ثمنها فقال وما هما فقال
( يا أبا عيسى إليك المُشتكَى ... وأخو الصبر إذا عيل شكا )
( ليس لي صبر على فقدانها ... وأعاف المَشربَ المشتركا )
قال فأمر له بثلاثين ألف درهم فاشتراها بها
أخبرني الحسن قال حدثني أبو العيناء عن أبي العالية قال دخل التيمي إلى الفضل بن الربيع في يوم عيد فأنشده
( ألا إنما آلُ الربيع ربيع ... وغيثُ حَياً للمرمِلين مَريع )
( إذا ما بدا آل الربيع رأيتَهم ... لهم دَرَج فوق العباد رفيع )
فأمر له بعشرة آلاف درهم
أخبرني عيسى بن الحسن قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا الزبير بن بكار قال
مدح أبو محمد التيمي الفضل بن يحيى بثلاث أبيات ودفعها إلى إسحاق الموصلي فعرضها على الفضل بن يحي فأمر له بثلاثة آلاف درهم والأبيات
( لعمرك ما الأشراف في كل بلدة ... وإن عُظموا للفضل إلا صَنائِعُ )
( تَرى عظماء الناس للفضل خُشَّعاً ... إذا ما بدا والفضل لله خاشع )
( تواضَع لمّا زاده الله رفعة ... وكلُّ جليل عنده متواضع )
أخبرني جحظة قال حدثني علي بن يحيي المنجم قال حدثني إسحاق الموصلي عن محمد بن سلام قال
(20/63)

كتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم إني قد نظرت في سني فإذا أنا ابن ثلاث وخمسين سنة وأنا وأنت لدة عام وإن امرأ قد سار إلى منهل خمسين سنة لقريب أن يرده والسلام
فسمع هذا أبو محمد التيمي مني فقال
( إذاذهب القَرْن الذي أنت فيهمُ ... وخُلِّفتَ في قَرن فأنت غريب )
( وإن امرأَ قد سار خمسين حِجة ... إلى منهل مِن وِرده لقريب )
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أبو دعامة علي بن يزيد قال حدثني التيمي أبو محمد قال
دخلت على الحسن بن سهل فأنشدته مديحا في المأمون ومديحا فيه وعنده طاهر بن الحسين فقال له طاهر هذا والله أيها الأمير الذي يقول في محمد المخلوع
( لا بُدَّ من سَكرة عَلَى طَرَبِ ... لعل رَوحاً يُديل من كُرَب )
(20/64)

( خليفةُ الله خير منتخَب ... لِخير أم من هاشم وأب )
( خلافة الله قد تَوارثها ... آباؤه في سوالف الكُتُب )
( فهْي له دونكم مورَّثة ... عن خاتم الأنبياء في الحِقب )
( يابن الذُّرا من ذوائب الشرف الأقدم ... أنتم دعائم العرب )
فقال الحسن عرض والله ابن اللخناء بأمير المؤمنين والله لأعلمنه
وقام إلى المأمون فأخبره فقال المأمون وما عليه في ذلك رجل أمل رجلاً فمدحه والله لقد أحسن بنا وأساء إليه إذا لم يتقرب إليه إلا بشرب الخمر ثم دعاني فخلع علي وحملني وأمر لي بخمسة آلاف درهم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو الشبل البرجمي عن أبيه قال قال لي أبو محمد التيمي
أول شعر به فشاع فيه ذكري ووصلت به إلى الخليفة قولي
صوت
( طاف طَيفٌ في المنام ... بِمحبِّ مستهامِ )
( زَورة أبقت سَقاماً ... وشفت بعض السَّقام )
( لم يكن ما كان فيها ... من حرام بِحرام )
( لم تكن إلا فُواقاً ... وهْي في ليل التَّمام )
الغناء لإسحاق فقال فصنع فيها إسحاق لحنا وغنى به الرشيد فسأله عن قائل الشعر فقال له صديق لي شاعر ظريف يعرف بالتيمي فطلبت
(20/65)

وأمرت بالحضور فسألت عن السبب الذي دعيت له فعرفته فأتممت الشعر وجعلته قصيدة مدحت بها هارون ودخلت إليه فأنشدته إياها فأمر له بثلاثين ألف درهم وصرت في جملة من يدخل إليه بنوبة وأمر أن يدون شعري
التيمي وإسحاق الموصلي
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني عمي طياب بن إبراهيم الموصلي قال حدثني أبو محمد التيمي الشاعر قال
اجتزت يوما بأخيك إسحاق فقال ادخل حتى أطعمك طعاماً صرفاًوأسقيك شراباً صرفاً وأغنيك غناء صرفاً فدخلت إليه فأطعمني لحماً مكبّباً وشواء حارّاً وبارداً مبزّراً وأسقاني شراباً عتيقاً صدفا وغناني وحده مرتجلاً
( ولو أن أنفاسي أصابت بحرَّها ... حديداً إذاً كاد الحديد يذوبُ )
( ولو أن عيني أُطلقَت من وِكائها ... لما كان في عام الجُدوب جُدوب )
( ولو أن سلمى تطلع الشمس دونها ... وأُمسي وراء الشمس حين تغيب )
( لحدثت نفسي أن تَريع بها النوى ... وقلتُ لقلبي إنها لقريب )
فلم تزل تلك حالي حتى حملت من بيته سكران
أخبرني جحظة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
دخلت يوماً على عمرو بن مسعدة فإذا أبو محمد التيمي واقف بين يديه
(20/66)

يستأذنه في الإنشاد فقال ذاك إلى أبي محمد يعنيني وكان على التيمي عاتباً فكره أن يمنعه لعلمه بما بيننا من المودة فقلت له أنشد إذ جعل الأمر إلي فأرجو أن يجعل أمر الجائزة أيضاً إلي فتبسم عمرو وأنشده التيمي
( يا أبا الفضل كيف تغفل عني ... أم تَخلَّى عند الشدائد منّي )
( أنسيت الإخاء والعهد والودّ ... حديثاً ما كان ذلك ظني )
( أنا مَن قد بلوتَ في سالف الدهر ... مضَت شِرّتي ولم تفنَ سني )
( فاصطنعني لما ينوب به الدهر ... فإني أجوز في كل فن )
( أنا ليث على عدوّك سِلْمٌ ... لك في الحرب فابتذلني وصِلْني )
( أنا سيف يوم الوغى وسنان ... ومجنٌ إن لم تَثق بمجن )
( أنا طَبّ في الرأْي في موضع الرأْي ... معين على الخصيم المعَنَّ )
( وأمينٌ على الودائع والسرّ ... إذا ما هوِِيت أن تأتمني )
قال فأقبل عليّ عمرو وهو يضحك وقال أتعلم هذا الغناء منك أم كان يعلمه قديماً فقلت له لم يكذب أعزك الله فقال أفي هذا وحده أو في الجميع فقلت أما في هذا فأنا أحق كذبة والله أعلم بالباقي ثم أنشده
( وإذا ما أردتَ حجّاً فرحّالٌ ... دليلٌ إن نام كلّ ضِفَنَّ )
فقال له إذا عزمنا على الحج امتحناك في هذا فإني أراك تصلح له ثم أنشده
(20/67)

( ولبيب على مقال أبي العباس ... إني أرى به مسّ جِنِّ )
فقال ما أراه أبعد فقال
( وهو الناصح الشفيق ولكن ... خاف هَيْج الزمان فازورّ عني )
( ظريف عند المزاح خفيف ... في الملاهي وفي الصبا متثن )
( كيف باعدتَ أو جفوتَ صديقاً ... لا ملولاً لالا ولا متجن )
( صرتُ بعد الإكرام والأنس أرضى ... منك بالترّهات ما لم تُهنِّي )
( لم تخُنِّي ولم أخنك ولا والله ... ربي لا خنت من لم يخني )
( إن أكن تُبتُ أو هجرت الملاهي ... وسُلافاً يَجنُها بطن دَنّ )
( فحديثي كالدر فُصِّل بالياقوت ... يجري في جيد ظبي أَغنّ )
فأمر له بخمسة آلاف درهم فقال له هذا شيء تطوعَت به فأين موضع حُكمي فقال مثلها فانصرف بعشرة آلاف درهم
أخبرني عمي قال حدثني محمد بن الحسن بن مسعود قال حدثني علي بن عمرو قال مر التيمي بالحيرة على خمار كان يألفه وقد أسن التيمي وأرعش وترك النبيذ فقال له الخمار ويحك أبلغ بك الأمر إلى ما أرى فقال نعم والله لولا ذلك لأكثرت عندك ثم أنشأ يقول
صوت
( هل إلى سكرة بناحية الحيرة ... يوماً قبل الممات سبيل )
( وأبو التَّيَّحان في كفه القرعة ... والرأس فوقه الإكليل )
( وعَرارٌ كأنه بَيذق الشِّطرنج ... يفتنّ فيه قال وقيل )
(20/68)

في هذه الأبيات لمحمد بن الأشعث رمل بالوسطى عن الهشامي
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل قال
كان أبو محمد التيمي يهوى غلاماً وكان الغلام يهوى جارية من جواري القيان فكان بها مشغولاً عنه وكانت القينة تهوي الغلام أيضًا فلا تفارقه فقال التيمي
( ويلي على أَغيد ممكورِ ... وساحر ليس بمسحورِ )
( تؤثره ألحُور علينا كما ... نؤثره نحن على الحور )
( عُلّق من علّق فيه هوى ... منتظم الألفة مغمور )
( وكل من تهواه في أمره ... مقلِّبٌ صفقة مقمور )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني أحمد بن محمد الفارسي قال حدثنا غسان بن عبد الله عن أبي محمد التيمي قال
لما أنشدت الأمين قولي فيه
( خليفةُ الله خير منتخَبِ ... لِخير أم من هاشم وأبِ )
( أكرمْ بعِرقين يجريان به ... إلى الإمام المنصور في النسب )
طرب ثم قال للفضل بن الربيع بحياتي أوقر له زورقه دراهم فقال نعم يا سيدي فلما خرجنا طالبته بذلك فقال أمجنون أنت من أين لنا ما يملأ زورقك ثم صالحني على مائة ألف درهم فقبضتها
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثني محمد بن عبد الله
(20/69)

المدني قال حدثني عبد الله بن أحمد التيمي ابن أخت أبي محمد التيمي الشاعر قال أنشدني خالي لنفسه قوله
( لا تخضعنّ لمخلوق على طمعٍ ... فإن ذاك مُضرٌّ منك بالديِّن )
( وارغب إلى الله مما في خزائنه ... فإنما هو بين الكاف والنون )
( أما ترى كلّ مَن ترجو وتأملُه ... من الخلائق مسكين ابن مسكين )
صوت
( ألم تَرَ أنني أفنيتُ عُمري ... بمَطلَبها ومطلبُها عسيرُ )
( فلما لم أجدْ سبباًإليها ... يُقرِّبني وأعيتني الأمور )
( حججت وقلت قد حجَّت جِنَان ... فيجمعُني وإياها المسير )
الشعر لأبي نواس والغناء للزبير بن دحمان رمل بالوسطى من رواية أحمد بن المكي وبذْل وغناني محمد بن إبراهيم قريض الجرحي رحمه الله فيه لحناً من خفيف الثقيل فسألته عن صانعه فلم يعرف
(20/70)

أخبار أبي نواس وجنان خاصة
إذا كانت أخباره قد أ فردت خاصة
كانت جنان هذه جارية آل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي المحدث الذي كان ابن مناذر يصحب ابنه عبد المجيد ورثاه بعد وفاته وقد مضت أخبارهما
وكانت حلوة جميلة المنظر أديبة ويقال إن أبا نواس لم يصدق في حبه امرأة غيرها
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني إسحاق بن محمد عن أبي هفان عن أصحاب أبي نواس قالوا
كانت جنان جارية حسناء أديبة عاقلة ظريفة تعرف الأخبار وتروي
(20/71)

الأشعار قال اليؤيؤ خاصة وكانت لبعض الثقفيين بالبصرة فرآها أبو نواس فاستحلاها وقال فيها أشعاراً كثيرة فقلت له يوماً إن جنان قد عزمت على الحج فكان هذا سبب حجه وقال أما والله لا يفوتني المسير معها والحج عامي هذا إن أقامت على عزيمتها فظننته عابثاً مازحاً فسبقها والله إلى الخروج بعد أن علم أنها خارجة وما كان نوى الحج ولا أحدث عزمه له إلا خروجها وقال وقد حج وعاد
( ألم تَر أنني أفنيت عُمري ... بمطلَبِها ومطلبُها عسير )
( فلما لم أجدْ سبباً إليها ... يقرِّبني وأعيتني الأمور )
( حججْت وقلت قد حجَّت جِنان ... فيجمعُني وأياها المسير )
قال اليؤيؤ فحدثني من شهده لما حج مع جنان وقد أحرم فلما جنه الليل جعل يلبي بشعر ويحدو به ويطرب فغنى به كل من سمعه وهو قوله
( إلهنا ما أَعد لكْ ... مليك كلِّ من ملكْ )
( لبيَّك قد لبيتُ لك ... لبيّك إنَّ الحمدَ لك )
( والملكَ لا شريك لك ... والليلَ لما أن حلكَ )
( والسابحاتِ في الفلك ... على مجاري المُنْسَلَك )
( ما خاب عَبدٌ أمَّلك ... أنت له حيث سلك )
( لولاك يا ربِّ هلك ... كلُّ نبيّ وملَك )
( وكلُّ من أهلّ لك ... سبّح أو لبَّى فلَك )
( يا مخطئاً ما أغفلك ... عجِّل وبادرْ أجَلَك )
( واختمْ بخير عملك ... لبيك إن الملك لَكْ )
( والحمد والنعمة لك ... والعزَّ لاشريك لك ) أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري
(20/72)

قالا حدثنا عمر بن شبة قال
كانت جنان التي يذكرها أبو نواس جارية لآل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وفيها يقول
( جَفنُ عيني قد كاد يَسْقُط ... من طُول ما اختلجْ )
( وفؤادي من حَرِّء حُبك ... والهجرِ قد نَضِج )
( خبِّريني فدَتك نفسي ... وأهلي متى الفرج )
( كان ميعادُنا خروجَ ... زياد فقد خرج )
( أنت مِن قتل عائذ ... بك في أضيق الحرج )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال حدثني الجماز قال ابن عمار وحدثني به قليب بن عيسى قال
كانت جنان قد شهدت عرساً في جوار أبي نواس فانصرفت منه وهو جالس معنا فرآها فأنشدنا بديها قوله
( شَهِدتْ جَلْوةَ العروس جِنانٌ ... فاستمالت بِحُسنِها النظارةْ )
( حسِبوها العَروسَ حين رأوها ... فإليها دون العَروس الإشارة )
( قال أهلُ العروسِ حينَ رأوها ... ما دهانا بها سواكِ عمارةْ )
قال وعمارة زوج عبد الرحمن الثقفي وهي مولاة جنان
(20/73)

أخبرني محمد بن يحيي الصولي ومحمد بن خلف قالا حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن محمد بن عمر قال
غضبت جنان من كلام كلمها به أبو نواس فأرسل يعتذر إليها فقالت للرسول قل له لا برح الهجران ربعك ولا بلغت أملك من أحبتك فرجع إليه فسأله عن جوابها فلم يخبره فقال
( فدَيتُك فيم عَتُبك مِن كلامٍ ... نَطقت به على وجهٍ جميل )
( وقولُك للرسول عليك غَيرِي ... فليس إلى التواصلِ من سبيل )
( فقدْ جاء الرسول له انكسارٌ ... وحال ما عليها من قَبول )
( ولو رَدّت جِنانُ مَردٌ خيرٍ ... تَبيّن ذاك في وجهِ الرسول )
قال أبو خالد يزيد بن محمد وكان أبو نواس صادقاً في محبته جنان من بين من كان ينسب به من النساء ويداعبه ورأيت أصحابنا جميعاً يصححون ذاك عنه وكان لها محباً ولم تكن تحبه فمما عاتبها به حتى استمالها بصحة حبه لها فصارت تحبه بعد نبوها عنه قوله
( جِنانُ إنْ جُدتِ يا منايَ بما ... آمل لم تَقطُر السماءُ دما )
( وإن تَمادَيْ ولا تَماديَت في ... منعِك أٌصبحْ بِقَفْرةٍِ رمَما )
( عَلِقْتُ من لو أتى على أنفُس الماضيين ... والغابرين ما نَدما )
( لو نظرَتْ عينُه إلى حجر ... وَلّد فيه فتُوُرها سَقَما )
(20/74)

أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال حدثني محمد بن القاسم عن أبي هفان عن الجماز و أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني الجماز قال
كنت عند أبي نواس جالساً إذ مرت بنا امرأة ممن يداخل الثقفيين فسألها عن جنان وألحف في المسألة واستقصى فأخبرته خبرها وقالت قد سمعتها تقول لصاحبة لها من غير أن تعلم أني أسمع ويحك قد آذاني هذا الفتى وأبرسني وأحرج صدري وضيق علي الطرق بحدة نظره وتهتكه فقد لهج قلبي بذكره والفكر فيه من كثرة فعله لذلك حتى رحمته ثم التفتت فأمسكت عن الكلام فسر أبو نواس بذلك فلما قامت المرأة أنشأ يقول
( يا ذا الذي عن جِنانٍ ظل يُخِبرنا ... بالله قٌل وأعِد يا طيَّبَ الخَبر )
( قال اشتَكتك وقالت ما ابتليت به ... أراه من حَيثُما أقبلتُ في أثَري )
( ويعمل الطرفَ نحوي إن مررتُ به ... حتى لَيُخجِلني من حِدّة النظرِ )
( وإن وقفْت له كيما يكلِّمني ... في الموضع الِخْلو لم ينطِقْ من الحَصَر )
( ما زال يفعل بي هذا ويُدْمِنه ... حتى لقد صار من همِّي ومن وَطري )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي وأحمد بن سليمان بن أبي شيخ قالا قال ابن عائشة وأخبرني الحسن بن علي وابن عمار عن الغلابي عن ابن عائشة قال ابن عمار وحدثت به عن
(20/75)

الجماز وذكره لي محمد بن داود الجراح عن إسحاق النخعي عن أحمد بن عمير
أن محمد بن حفص بن عمر التميمي وهو أبو ابن عائشة انصرف من المسجد وهو يتولى القضاء فرأى أبا نواس قد خلا بأمرأة يكلمها وقال أحمد بن عمير في خبره وكانت المرأة قد جاءته برسالة جنان جارية عمارة امرأة عبد الوهاب بن عبد المجيد فمر به عمر بن عثمان التيمي وهو قاضي البصرة هكذا ذكر أحمد بن عمير وحده وذكر الباقون جميعاً أنه محمد بن حفص
قال الجماز وكانت عليه ثياب بياض وعلى رأسه قلنسوة مضربة فقال له اتق الله قال إنها حرمتي قال فصنها عن هذا الموضع وانصرف عنه فكتب إليه أبو نواس
صوت
( إنّ التي أبصرْتَها ... بِكْراً أكلّمها رسولُ )
( أدَّت إليّ رسالةً ... كادت لها نَفْسي تسيل )
( من ساحر العينين يجذب ... خصرَه رِدْفٌ ثقيل )
( متقلِّد قَوسَ الصِّبا ... يَرْمي وليس له رسيل )
( فلو أنّ أُذْنَك بيننا ... حتى تَسمَّع ما تقول )
( لرأيت ما استقْبحتَ من ... أمري هو الأمر الجميل )
في هذه الأبيات لحنان من الرمل و خفيفه كلاهما لأبي العبيس بن حمدون
(20/76)

قال ابن عمير ثم وجه بها فألقيت في الرقاع بين يدي القاضي فلما رآها ضحك وقال إن كانت رسولاً فلا بأس
وقال ابن عائشة في خبره فجاءني برقعة فيها هذه الأبيات وقال لي ادفعها إلى أبيك فأوصلتها إليه ووضعتها بي يديه فلما قرأها ضحك وقال قل له إني لا أتعرض للشعراء
حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال
كان أبو عثمان أخا مولى جنان وكان مولاها أبو مية زوج عمارة وهي مولاتها وكانت له بحكمان ضيعة كان ينزلها وهو ابن عم له يقال له أبو مية فقال أبو نواس فيه قوله
( أسأل القادِمَين من حَكَمانِ ... كيف خلَّفتما أبا عثمان )
( وأبا مَيَّة المهذَّب والماجدَ ... والمرتَجى لِرَيب الزمان )
( فيقولان لي جِنانٌ كما سرّكَ ... في حالها فَسَلْ عن جِنان )
( ما لَهمْ لا يباركُ اللهُ فيهمْ ... كيف لم يُغنِ عندهمْ كِتماني )
لم تكن جنان في موضع عشق
فأخبرني ابن عمار قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عبد الملك بن مروان الكاتب قالا
كنت جالساً بسر من رأى في شارع أبي احمد فأنشدني قول أبي نواس
(20/77)

( أسألُ المقبِلَيْن من حَكَمانِ ... كيف خَلَّفتما أبا عثمانِ )
وإلى جانبي شيخ جالس فضحك فقلت له لقد ضحكت من أمر فقال أجل أنا أبو عثمان الذي قال أبو نواس فيه هذا الشعر وأبو مية ابن عمي وجنان جارية أخي ولم تكن في موضع عشق ولا كان مذهب أبي نواس النساء ولكنه عبث خرج منه
أخبرني علي بن سليمان قال قال لي أبو العباس محمد بن يزيد
قال النابغة الجعدي
( أكْنِي بِغَير اسمها وقد عَلِم الله ... خَفِياتِ كلِّ مُكْتَتمِ )
وهو سَبق الناسَ إلى هذا المعنى وأخذوه جميعاً منه وأحسنُ مَن أخذه أبو نواس حيث يقول
( أسألُ المُقبلَين من حكمانِ ... كيف خلّفُتُما أبا عثمانِ )
( فيقولان لِي جنانُ كما سرّك ... في حالِها فَسَلْ عن جنان )
( مالَهمْ لا يبارك الله فيهمْ ... كيف لم يُغنِ عندهمْ كِتماني )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال أنشدني أحمد بن محمد بن صدقة الأنباري لأبي نواس يذكر مأتماً بالبصرة وحضرته جنان
(20/78)

( يا مًنسِي المأتم أشجانَه ... لمَّا أتاهمْ في المُعزِّينا )
( سَرَتْ قِناعَ الوشيِ عن صُورة ... ألبسها الله التّحاسينا )
( فاستفتنَتهنّ بتِمثالها ... فهنّ للتكليف يبكينا )
( حَقَّ لِذلك الوجهِ أن يزدهِي ... عن حزنِه مَنْ كان محزونا )
أخبرني عمي قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال حدثنا عبد الملك بن عمر بن أبان النخعي وكان صديقاً لأبي نواس
أن أبا نواس أشرف من دار على منزل عبد الوهاب الثقفي وقد مات بعض أهله وعندهم مأتم وجنان واقفة مع النساء تلطم وجهها وفي يدها خضاب فقال
( يا قمراً أرَزه مأتَمٌ ... يَندُب شجواً بين أترابِ )
( يَبكي فيُذرِي الدُّرَّ من عينِه ... ويَلطِم الوردَ بِعُنابِ )
( لا تبْكِ ميْتاً حلَّ في حُفرةٍ ... وابْكِ قتيلاً لَكَ بالبابِ )
( أبرَزه المأتمُ لي كارهاً ... بِرَغْم دايات وحجّاب )
( لا زال موتاً دَأبُ أحبابه ... ولا تَزَل رؤيتَه دابي )
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن القاسم حدثني محمد بن عائشة قال
قال لي سفيان بن عيينة لقد أحسن بصريكم هذا أبو نواس حيث يقول وشدد الواو وفتح النون
( يا قَمَرا أبصرْتُ في مأتمٍ ... يَندُب شَجْواً بين أتراب )
(20/79)

( يَبكي فُيذرِي الدُّرَّ من عينِه ... ويلْطِم الوردَ بعُنّاب )
قال وجعل يعجب من قوله ويلطم الورد بعناب
وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد قال حدثني حسين بن الضحاك قال
أنشد ابن عيينة قول أبي نواس
( يَبكي فُيذْري الدُّرَّ من طَرْفِه ... ويلطِمُ الوَرْدَ بعُنَّاب )
فعجبتُ منه وقال آمنت بالذي خلَقه وقد قيل إن أبا نواس قال هذا الشعر في غير جنان
أخبرني بذلك الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني بعض الصيارف بالكرخ وسماه قال
كان حارس درب عون يقال له المبارك وكان يلبس ثيابا نظيفة سرية ويركب حماراً فيطوف عليه السوق بالليل ويكريه بالنهار فإذا رآه من لا يعرفه ظن أنه من بعض التجار وكان يصل إليه في كل شهر من السوق ما يسعه ويفضل عنه وكانت له بنت من أجمل النساء فمات مبارك وحضره الناس فلما أخرجت جنازته خرجت بنته هذه حاسرة بين يديه فقال أبو نواس فيها
( يا قمراً أبزَزه مأْتمٌ ... يندُب شَجْواً بين أتراب )
وذكر الأبيات كلَّها
أخبرني محمد بن جعفر قال حدثني أحمد بن القاسم عن أبي هفان
(20/80)

عن الجماز واليؤيؤ وأصحاب أبي نواس أن جنان وجهت إليه قد شهرتني فاقطع زيارتك عني أياماً لينقطع بعض القالة ففعل وكتب إليها
( إنِّا أهتجرنا للناسِ إذ فَطِنوا ... وبينَنا حين نلتقي حَسَنُ )
( نُدافع الأمر وهْو مُقْتَبِلٌ ... فشبّ حتى عليه قد مَرنوا )
( فليس يُقذِي عيناً مُعايَنةٌ ... له وما إنْ لمُجّه أُذن )
( ويحَ ثَقيفٍ ماذا يضَرّهُمُ ... أنْ كان لي في ديارهمْ سكَنُ )
( أرْيَبُ ما بيننا الحديثُ فإن ... زِدنا فزيدوا وما لِذا ثَمن )
أخبرني الحسنُ بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني ابن أبي سعد قال بلغني أن أبا نواس كتب إلى جنان من بغداد
( كَفَى حَزناً ألاّ أرى وجهَ حِيلةٍ ... أزورُ بها الأحبابَ في حَكَمانِ )
( وأُقسِمُ لولا أن تَنال مَعاشرٌ ... جِناناً بما لا أشتهي لِجِنانِ )
( لأصبحتُ منها دانَي الدارِ لاصقاً ... ولكنّ ما أخشَى فُديِتِ عداني )
( فواحَزنَا حُزْناً يؤدّي إلى الردى ... فأصبحَ مأثوراً بكلِّ لِسان )
( أُراني انقَصَتْ أيامُ وصليَ منكُم ... وآذن فيكم بالوَداع زماني )
أخبرني الحسنُ قال حَدْثنا ابنُ مَهْرويْه عن يحيى بن محمد عن الخزيمي قال
بلغ أبا نواس أن امرأة ذكرت لجنان عشقه لها فشتمته جنان وتنقصته وذكرته أقبح الذكر فقال
(20/81)

( وابِأبي مَنْ إذا ذُكرتُ له ... وطولُ وَجدي به تَنْقّصني )
( لوْ سألوه عن وَجهِ حُجّته ... في سبِّه لي لقال يَعشقني )
( نَعم إلى الحشرِ والتّنادِ نَعَمْ ... أعشقُه أو أُلفَّ في كفني )
( أصِيحُ جَهراً لا أسْتَسِرُّبه ... عَنَّفَني ... فيه مَن يُعنفني )
( يا معشرَ الناسِ فاسمعوه وعُوا ... أنَّ جِناناً صديقةُ الحَسَن )
فبلغها ذلك فهجرته وأطالت هجره فرآها ليلة في منامه وأنها قد صالَحته فكتب إليها
( إذا التقى في النوم طَيفاناً ... عاد لنا الوصلُ كما كانا )
( يا قرَّة العينِ فما بالنا ... نَشقى ويلتذُّخيالانا )
( لو شئتِ إذ أحسنْتِ لي في الكرى ... أتمَمْتِ إحسانك يقطاناً )
( يا عاشقين اصطلَحا في الكرى ... وأصبَحا غَضبى وغضبانا )
( كذلك الأحلامُ غَدّارةٌ ... وربما تَصْدقُ أحياناً )
الغناء في هذه الأبيات لابن جامع ثقيل أول بالوسطى عن عمرو
وقال الخزيمي ورآها يوماً في ديار ثقيف فجبهته بما كره فغضب وهجرها مدة فأرسلت إليه رسولاً تصالحه فرده ولم يصالحها ورآها في النوم تطلب صلحه فقال
( دَسّتْ له طَيفها كيما تصالِحُه ... في النوم حين تأبَّى الصلحَ يقظانا )
(20/82)

( فلم يَجدْ عند طَيفي طَيفُها فَرَجاً ... ولا رثى لتشكَّيه ولا لانا )
( حَسبتِ أنّ خيالي لا يكون لِما ... أكون من أجلِه غضبانَ غضبانا )
( جِنانُ لا تَسأليني الصلحَ سُرعةَ ذا ... فلم يكن هِيِّناً منك الذي كانا )
وأنشدني علي بن سليمان الأخفش لأبي نواس في جنان
( أما يَفنى حديثُك عن جِنانِ ... ولا تُبقِي عَلَى هذا اللسانِ )
( أكُلَّ الدهرِ قلتُ لها وقالت ... فكَم هذا أما هذا بِفانِ )
( جعلْتَ الناسَ كلُّهُم سواءً ... إذا حدّثْتَ عنها في البيانِ )
( عدوُّك كالصديق وذا كهذا ... سواءٌ والأباعدُ كالأداني )
( إذا حدَّثتَ عن شأْنٍ توالت ... عجائبُه أتيتَهُم بشانِ )
( فلو مَوَّهت عنها باسمِ أُخرى ... علِمنا إذ كنَيت مَن أنت عانِ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني يحي بن محمد السلمي قال جدثني أبو عكرمة الضبي
أن رجلاً قدم البصرة فاشترى جنان من مواليها ورحل بها فقال أبو نواس في ذلك
( أمَّا الديارُ فقلَّما لبثوا بها ... بين استياق العيس ِوالرُّكْبانِ )
( وضَعوا سِياطَ السّوْق في أعناقها ... حتى اطّلعْن بِهم على الأوطان )
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني محمد بن سعد الكراني قال حدثني أبو عثمان الأشنانداني قال كتب أبو نواس إلى جنان
( أكثري المَحْوَ في كتابك وامحيه ... إذا محَوْته باللسان )
(20/83)

( وأمري بالمحاء بين ثناياك ... العذابِ المُفلَّجات الحسان )
( إنني كلما مررتُ بِسَطرٍ ... فيه مَحوٌ لطعته بلِساني )
( تلك تَقبيلةٌ لكمْ من بَعيد ... أُهدِيتْ لي وما بَرِحتُ مكاني )
صوت
( تَجنَّى علينا آلُ مكتوبةَ الذَّنبا ... وكانوا لنا سلْماً فأضحَوْا لنا حَرْبا )
( يقولون عزِّ القلبَ بعد ذَهابه ... فقلت ألا طُوبايَ لو أن لي قلباً )
عروضه من الطويل الشعر لابن أبي عيينة والغناء لسليمان أخي جحظة رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة
(20/84)

نسب ابن أبي عيينة وأخباره
أبو عيينة فيما أخبرنا به علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن يزيد اسمه وكنيته أبو المنهال قال وكل من يدعى ابا عيينة من آل المهلب فأبو عيينة اسمه وكنيته أبو المنهال وكل من يدعى أبارهم من بني سدوس فكنيته أبو محمد
وابن أبي عيينة هو محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة وقال أبو خالد الأسلمي هو أبو عيينة بن المنجاب بن أبي عيينة وهو الذي كان يهجو ابن عمه خالداً
واسم أبي صفرة ظالم بن سراق وقيل غالب بن إسراق بن صبح بن كندي بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن الوضاح بن عمرو بن مزيقياء بن حارثة الغطريف بن امرىء القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن زاد الراكب بن الأزد
هذا النسب الذي عليه آل المهلب وذكر غيرهم أن أصلهم من عجم عمان وأنهم تولوا الأزد فلما سار المهلب وشرف وعلا ذكره استلحقوه
(20/85)

وممن ذكر ذلك الهيثم بن عدي وأبو عبيدة وابن مزروع وابن الكلبي وسائر من جمع كتاباً في المثالب وهجتهم به الشعراء فأكثرت
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال أخبرني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حميد بن سليمان العدوي قال
أخبرني الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمذاني قال
وفد ابن الجلندى في الأزد أزد عمان ومواليهم وأحلافهم فكان فيمن وفد منهم أبو صفرة وكان يلقب بذلك لأنه كان يصفر لحيته فدخل على عمر مع ابن الجلندي ولحيته مخضوبة مصفرة فقال عمر لابن الجلندي أكل من معك عربي قال لا فينا العربي وفينا غير ذلك فالتفت عمر رحمه الله إلى أبي صفرة فقال له أعربي أنت قال لا أنا ممن من الله عليه بالإسلام
قال وقدم الحكم بن أبي العاص الثقفي أخو عثمان بأعلاج من شهرك في خلافة عمر قد أسلموا فأمر عمر عثمان بن أبي العاص
(20/86)

أن يختنهم وقد كان أبو صفرة حاضراً فقال ما لهؤلاء يطهرون ليصلوا قال إنهم يختنون
قال إنا والله هكذا مثلهم قال فسمع ذلك عثمان بن أبي العاص فأمر بأبي صفرة فأجلس على جفنة فختن وإنه لشيخ أشمط فكان بها من قال لسنا نشك في أن زوجته كذلك فأحضرت وهي عجوز أدماء فأمر بها القابلة فنظرت إليها وكشفتها وإذا هي غير مختونة وذلك منها قد أحشف فأمر بها فخفضت
وقال في ذلك زياد الأعجم وقد غضب على المهلب
( نحن قطعنا من أبي صُفرةٍ ... قُلْفَته كي يدخل البَصْرَهْ )
( لما رأى عُثمانُ غُر مولَه ... أتَنَّ عَلَى قُلْفَته الشّفْره )
وليس هذا من الأقوال المعول عليها لأن أصل المثالب زياد لعنه الله فإنه لما ادعي إلى أبي سفيان وعلم أن العرب لا تقر له بذلك مع علمها بنسبه ومع سوء آثاره فيهم عمل كتاب المثالب فألصق بالعرب كلها كل عيب وعار وحق وباطل ثم بنى على ذلك الهيثم بن عدي وكان دعيا فأراد أن يعر أهل البيوتات تشفياً منهم وفعل ذلك أبو عبيدة معمر بن
(20/87)

المثنى وكان أصله يهودياً أسلم جده على يدي بعض آل أبي بكر الصديق رضي الله عنه فانتمى إلى ولاء بني تيم فجدد كتاب زياد وزاد فيه ثم نشأ غيلان الشعوبي لعنه الله وكان زنديقا ثنويا لا يشك فيه عرف في حياته بعض مذهبه وكان يورّى عنه في عوراته للإسلام بالتشعّب والعصبية ثم انكشف أمره بعد وفاته فأبدع كتاباً عمله لطاهر بن الحسين وكان شديد التشعّب والعصبية خارجاً عن الإسلام بأفاعيله فبدأ فيه بمثالب بني هاشم وذكر مناكحهم وأمهاتهم وصنائعهم وبدأ منهم بالطيب الطاهر رسول الله وذكره ثم والى بين أهل بيته الأذكياء النجباء عليهم السلام ثم ببطون قريش على الولاء ثم بسائر العرب فألصق بهم كل كذب وزور ووضع عليهم كل خبر باطل وأعطاه طاهر على ذلك مائتي ألف درهم فيما بلغني
وإنما جرّ هذا القول ذكر المهلب وما قيل فيه وأني ذكرته فلم أجد بداً من ذكر ما روي فيه وفيما مرّ على أهل النسب ثم قلت ما عندي
عبد الملك يأمر بإحراق كتاب المثالب
أخبرني حبيب بن نصر قال أخبرني عمر بن شبة قال حدثني
(20/88)

محمد بن يحيي أبو عثمان عن أبيه قال
دخل بعض الناس على عبد الملك بن مروان فقال له هل عندك كتاب زياد في المثالب فتلكأ فقال له لا بأس عليك وبحقي إلا جئتني به فمضى فجاء به فقال له اقرأ علي فقرأه وجعل عبد الملك يتغيظ ويعجب مما فيه من الأباطيل ثم تمثل قول الشاعر
( وأجرأْ مَنْ رأيتُ بظَهْر غَيْبٍ ... عَلَى عَيْب الرّجال أُولُو العُيُوب )
ثم أمر بالكتاب فأحرق
رجع الخبر إلى سياقه أخبار ابن أبي عيينة
وهو شاعر مطبوع ظريف غزل هجاءٌ وأنفد أكثر أشعاره في هجاء ابن عمه خالد وأخبارهما تذكر على أثر هذا الكلام وما يصلح تصدير أخباره به
وكان من شعراء الدولة العباسية من ساكني البصرة
حدثني عمي والصولي قالا حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثني أبي قال
أبو عيينة اسمه كنيته وهو ابن محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة
وأخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني العنزي قال حدثني أبو خالد الأسلمي قال
أبو عيينة الشاعر هو أبو عيينة بن المنجاب بن أبي عيينة بن المهلب وكان محمد بن أبي عيينة أبو أبي عيينة الشاعر يتولى الري لأبي جعفر المنصور ثم قبض عليه وحبسه وغرمه
(20/89)

وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال
قال وهب بن جرير رأيت في منامي كأن قائلاً يقول لي
( ما يلقى أبو حربِ ... تعالى الله من كرب ) فلم ألبث أن أخذ المنصور أبا حرب محمد بن أبي عيينة المهلبي فحبسه وكان ولاه الري فأقام بها سنين
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق ومحمد بن يحيي الصولي وعمي قالوا حدثنا الحزنبل الأصبهاني قال حدثني الفيض بن مخلد مولى أبي عيينة بن المهلب قال
كان أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة يهوى فاطمة بنت عمر بن حفص الملقب هزار مرد وكانت امرأة نبيلة شريفة وكان يخاف أهلها أن يذكرها تصريحا ويرهب زوجها عيسى بن سليمان فكان يقول الشعر في جارية لها يقال لها دنيا وكانت قيمة دارها ووالية أمورها كلها وأنشدنا لابن أبي عيينة فيها ويكني باسم دنيا هذه
( ما لِقلْبي أرقَّ من كلِّ قلبِ ... ولِحُبِّي أشدَّ من كل حبّ )
( ولدنيا على جُنوني بدنيا ... أشتهي قُربَها وتكرهُ قُربي )
(20/90)

( نَزلَت بي بليّةٌ من هواها ... والبلايا تكون من كلِّ ضَرب )
( قل لدنيا إن لم تُجبك لِما بي ... رَطبةً مِن دموع عينَي كُتْبي )
( فعلام انتهرتِ بالله رسْلي ... وتهددِتهم بحبس وضرب )
( أيُّ ذنب أذنبتُه ليت شِعري ... كان هذا جزاءه أيُّ ذنب )
أخبرني علي بن سليمان قال حدثني محمد بن يزيد قال
كان أبو عيينة من أطبع الناس وأقربهم مأخذاً من غير أدب موصوف ولا رواية كثيرة وكان يقرب البعيد ويحذف الفضول ويقل التكلف وكان أصغر من أخيه عبد الله ومات قبله
وقيل لعبد الله أنت أشعر أم أخوك فقال لو كان له علمي لكان أشعر مني وكان يتعشق فاطمة بنت عمر بن حفص هزار مرد التي تزوجها علي بن سليمان ويسر عشقها ويلقبها دنيا كتمانا لأمرها وكانت امرأة جليلة نبيلة سرية من النساء وكان أبوها من أشد الفرسان وشجعانهم فذكر عيسى بن جعفر أن عيسى بن موسى قال للمهلب بن المغيرة بن المهلب أكان يزيد بن خالد أشجع أم عمر بن حفص هزار مرد فقال المهلب لم أشهد من يزيد ما شهدته من عمر بن حفص وذلك أني رأيته يركض في طلب حمار وحشي حتى إذا حازاه جميع جراميزه وقفز فصار على ظهره فقمص الحمار وجعل عمر بن حفص يحز معرفته إما بسيف وإما بسكين معه حتى قتله
قال محمد بن يزيد وحدثت عن محمد بن المهلب أنه أنكر أن يكون
(20/91)

أبو عيينة يهوى فاطمة وقال إنما كان جندياً في عداد الشطار وكانت فاطمة من أنبل النساء وأسراهن وإنما كان يتعشق جارية لها وهذه الأبيات التي فيها الغناء من قصيدةٍ جيدة مشهورة من شعره يقولها في فاطمة هذه أو جاريتها ويكنى عنها بدنياً فمما اختير منها قوله
( وقالوا تَجَنّبْنَا فقلت أبْعد ما ... غَلَبتُمْ عن قلبي بسُلطانكم غصبا )
( غِضابٌ وقد مَلّوا وقوفي ببابهمْ ... ولكنّ دنيا لا ملولاً ولا غضبى )
( وقد أرسلَتْ في السرّ أني بريَّة ... ولم تَرَ لي فيما تَرى منهمُ ذَنباً )
( وقالت لكَ العُتبى وعِندي لك الرضا ... وما إن لهمْ عندي رضاءٌ ولا عُتبى )
( ونُبئتها تلهو إذا اشتد شوقُها ... بشعري كما تُلهي المغنِّيةُ الشَّربا )
( فأحببتُها حُبّاً يقَرّ بعينِها ... وحُبِّي أحببتُ لا يشبه الحبا )
( فيا حسرتا نَغّصتُ قُربَ ديارها ... فلا زُلفةً منها أرجّي ولا قُربا )
( لقد شَمِت الأعداء أن حيل بينها ... وبيني ألاَ للشامتين بنا العُقْبَى )
ومما قاله فيها وغني فيه
صوت
( ضيّعتِ عهدَ فتى لِعهدك حافظٍ ... في حفظِه عَجَبٌ وفي تضييعكِ )
( ونأيت عنه فما له من حِيلة ... إلا الوقوفُ إلى أوانِ رجوعكِ )
( متخشِّعاً يُذْري عليكِ دموعَهُ ... أسفاً ويَعجَب من جُمود دموعكِ )
(20/92)

( إن تقتليه وتذهبي بفؤاده ... فبِحُسن وجهك لا بحسن صنيعكِ )
عروضه من الكامل الغناء في هذه الأبيات من الثقيل الأول بالوسطى ذكر عمرو بن بانة أنه له وذكر الهشامي أنه لمحمد بن الحارث بن بسخنر وذكر عبد الله بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام أنه لإبراهيم الموصلي
فذكر العتابي ومحمد بن الحسن جميعا أن محمد بن أحمد بن يحيي المكي حدثهما قال حدثني عمرو بن بانة قال
ركبت يوما إلى دار صالح بن الرشيد فاجتزت بمحمد بن جعفر بن موسى الهادي وكان معاقراً للصبوح فألفيته في ذلك اليوم خالياً منه فسألته عن السبب في تعطيله إياه فقال نيران علي غضبى يعني جارية لبعض النخاسين ببغداد وكانت إحدى المحسنات وكانت بارعة الجمال ظريفة اللسان وكان قد أفرط في حبها حتى عرف به فقلت له فما تحب قال تجعل طريقك على مولاها فإنه يستخرجها إليك فإذا فعل دفعت رقعتي هذه إليها ودفع إلي رقعة فيها
( ضيعتِ عهدَ فتىً لعهدِك حافظٍ ... في حفظِه عَجَب وفي تضييعك )
( إن سُمتِه أن تذهبي بِفؤاده ... فبِحُسن وجهِك لا بحسن صنيعك )
فقلت له نعم أنا أتحمل هذه الرسالة وكرامة على ما فيها حفظاً لروحك عليك فإني لا آمن أن يتمادى بك هذا الأمر فأخذت الرقعة وجعلت طريقي على منزل النخاس فبعثت إلى الجارية أُخرجي فخرجت فدفعت إليها
(20/93)

الرقعة وأخبرتها بخبري فضحكت ورجعت إلى الموضع الذي أقبلت منه فجلست جلسة خفيفة ثم إذا بها قد وافتني ومعها رقعة فيها
صوت
( وما زلت تعصيني وتغُري بيَ الردى ... وتهجُرني حتى مَرنتَ على الهجر )
( وتَقطع أسبابي وتنسى مودتي ... فكيف تَرى يا مالِكي في الهوى صبري )
( فأصبحت لا أدري أيأساً تصبُّري ... على الهجر أم جٍدَّ البصيرة لا أدري )
غنّى في هذه الأبيات عمْرو بنُ بانةَ ولحنه ثقيل أولُ بالبِنصر و لِمقَّاسة بن ناصح فيها ثقيل آخر بالوُسطى لحن عمرو في الأول والثالث بغير نشيد
قال فأخذْت الرّقعة منها وأوصلْتها إليه وصرت إلى منزلي فصنَعْت في بَيتَي محمد بن جعفر لحناً وفي أبياتها لحناً ثم صرت إلى الأمير صالح بن الرشيد فعرفته ما كان من خبري وغنيته الصوتين فأمر بإسراج دوابه فأسرجت وركب فركبت معه إلى النخاس مولى نيران فما برحنا حتى اشتراها منه بثلاثة آلاف دينار وحملها إلى دار محمد بن جعفر فوهبها له فأقمنا يومنا عنده
أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال
دخلت على الواثق يوماً وهو خليفة و رباب في حجره جالسة وهي
(20/94)

صبية وهو يلقي عليها قوله
( ضيّهتِ عهدَ فتى لِعهدك حافظٍ ... في حفظه عجَب وفي تَضييعك )
وهي تغنيه ويردده عليها فما سمعت غناء قط أحسن من غنائهما جميعاً وما زال يردده عليها حتى حفظته
رجع الخبر إلى حديث أبي عيينة
أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا محمد بن يزيد قال قال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة في فاطمة التي كان يشبب بها أخوه بنت عمر بن حفص لما تزوجها عيسى بن سليمان بن علي وكان عيسى مبخّلاً وكانت له محابس يحبس فيها البياح ويبيعه وكانت له ضيعة تعرف بدالية عيسى يبيع منها البقول والرياحين وكان أول من جمع السماد بالبصرة وباعه فقال فيه أبو الشمقمق
( إذا رزُق العبادُ فإنّ عيسى ... له رِزقٌ من أسْتاه العِبادِ )
فلما تزوجّ عيسى فاطمةَ بنتَ عُمرَ بنِ حفص قال عبد الله بن محمد بن أي عيينة في ذلك
( أفاطَم قد زُوِّجْتِ عيسى فأبشري ... لديه بِذُلٍّ عاجلٍ غير آجلِ )
(20/95)

( فإنكِ قد زوّجتِ عن غير خبرة ... فتىً من بني العباس ليس بعاقل )
( فإن قُلتِ مِن رَهط النبي فإنّه ... وإن كان حرَّ الأصلِ عبدُ الشمائل )
( وقد قال فيه جعفرٌ ومحمد ... أقاويل حتى قالها كلُّ قائل )
( وما قلتُ ما قالا لأنك أُختُنا ... وفي البيت منِّا والذُّرا والكواهل )
( ولعمري لقد أثبتِّه في نِصابه ... بأن صرْتِ منه في مَحلٍّ الحلائل )
( إذا ما بَنُو العباسِ يوماً تنازعوا ... عُرا المجد واختاروا كرامَ الخصائل )
( رأيتَ أبا العباس يسمو بِنفسِه ... إلى بَيع بَيّاحاته والمباقلِ )
قال مؤلف هذا الكتاب وكان عبد الله أخو أبي عيينة شاعراً وكان يقدم على أخيه فأخبرني جحظة قال
حدثني علي بن يحيى المنجم قال قال إسحاق الموصلي
شعر عبد الله بن أبي عيينة أحب إلي من شعر أبيه وأخيه قال وكان عبد الله صديقاً لإسحاق
قال محمد بن يزيد ومما قاله في فاطمة وصرح بذكر القرابة بينهما وحقق على نفسه أنه يعنيها قوله
( دعَوتُكِ بالقرابةِ والجِوار ... دعاءَ مصرِّحٍ بادي السِّرار )
( لأني عنكِ مشغولٌ بِنفسي ... ومحترِقٌ عليك بغيرِ نار )
( وأنت تَوقَّرين وليس عندي ... على نار الصبابةِ مِن وقار )
(20/96)

( فأنتِ لأن ما بكِ دونَ ما بي ... تُدارين العدوَّ ولا أداري )
( ولَوْ واللهِ تشتاقين شوقي ... جَمحْتِ إلى مُخالعة العِذار )
( ألا يا وهبُ فيمَ فضحْتَ دُنيا ... وبُحتَ بسِرِّها بين الجواري )
( أما والراقصات بكلِّ واد ... غوادٍ نحوَ مكةَ أو سَواري )
( لقد فضلتْكِ دنيا في فؤادي ... كفضل يَدِي اليمين عَلَى اليسار )
( فقُولي ما بدا لك أن تقولي ... فإني لا ألومك أن تضاري )
نماذج من جيّد شعره في فاطمة
قال وقال فيها وهو من ظريف أشعاره
( رَقَّ قلبي لكِ يا نورَ عَيني ... وأبى قلبُك لي أن يَرِقَّا )
( فأَراكِ الله موتي فإنِّي ... لستُ أرضى أن تموتي وأبقى )
( أنا مِن وجدٍِبدنيايَ منها ... ومِنَ العُذَّال فيها مُلَقَّى )
صوت
( زعموا أني صديقٌ لدُنيا ... ليت ذا الباطلَ قد صار حقّا )
في هذا البيت ثم الذي قبله ثم الأول لإبراهيم لحن ماخوري بالوسطى عن الهشامي
قال وقال فيها أيضاً في هذا الوزن وفيه غناء محدث رمل طنبوري
( عَيشُها حُلو وعيشُك مُرُّ ... ليس مسرورٌ كمن لا يُسَرُّ )
( كَمَدٌ في الحبّ تَسخُن فيه ... عينُه أكثرَ مما تَقَرُّ )
(20/97)

( قلتُ للاّئِم فيها الْه عنها ... لا يَقعْ بيني وبينك شَرُّ )
( أتُراني مُقْصراً عن هواها ... كلُّ مملوكٍ إذا ليَ حرُّ )
وقال فيها أيضاً وأنشدناه الأخفش عن المبرد وأنشدناه محمد بن العباس اليزيدي قال
أنشدني عمي عبيد الله لأبي عيينة
( حين قالت دنيا عَلامَ نهاراً ... زُرتَ هلا انتظرتَ وقت المساء )
( إن تكن مُعْجَباً برأيك لا تَفْرَق ... فاستحْي يا قليلَ الحياء )
( ذاك إذ رُوحها ورُوحي مِزاجان ... كأصفى خمرٍ بأعذَب ماء )
قال محمد بن يزيد وقد أخذ هذا المعنى غيره منه ولم يسمه وهو البحتري فقال
صوت
( جَعلتُ حبَّكِ من قلبي بمنزلة ... هي المصافاةُ بين الماء والراحِ )
( تهتزّ مثلَ اهتزاز الغصن حرّكه ... مرورُ غيثٍ من الوَسْميّ سَحّاح )
الغناء في هذين البيتين لرذاذثقيل أول مطلق في مجرى البنصر
ومما قاله أبو عيينة في فاطمة هذه وكنى فيه بدنيا قوله
صوت
( ألمْ تَنْهَ قلبَك أن يعشَقا ... ومالكَ والعشقَ لولا الشّقا )
( أمِن بَعدِ شُربِك كأسَ النُّهى ... وشَمِّك ريحانَ أهلِ التُّقى )
(20/98)

( عَشِقتَ فأصبحتَ في العالمين ... أشهرَ مِن فرسٍ أبلَغا )
( أدُنيايَ من غَمر بَحْر الهوى ... خذي بِيدي قبل أن أغرقَا
( أنا ابنُ المهلَّب ما مثله ... لو أنَّ الخلد لي مرتقى )
غنى فيه أبو العُبَيس بن حمدون ولحنه ثاني ثقيل مطلق وفيه لعريب ثقيل أول رواه أبو العببيس عنها
وهذه قصيدة طويلة يذكر فيها دنيا ويفخر بعقب النسيب بأبيه ويذكر مآثر المهلّب بالعراق ولكن مما قاله في دنيا منها قوله
( أدُنياي من غَمر بحرِ الهوى ... خُذي بِيدي قبل أن أغرَقا )
( أنا لكِ عبدٌ فكوني كمَن ... إذا سرّه بعدُه أعتقَا )
( ألم أخدعِ الناسَ عن وصلِها ... وقد يَخدعُ العاقلُ الأحمقَا )
( بلى فسبقتُهمُ إنني ... أُحبّ إلى الخيرِ أن أسبقَا )
( ويومَ الجنازةِ إذ أرسلَتْ ... على رُقعةٍ أن جُزِ الخَندقَا )
( وعُجْ ثَمَّ فانظر لنا مجلِساً ... برفق وإياك أن تَخرَقا )
( فجئنا كغُصنَين مِن بانةٍ ... قرِينَين خِدْنين قد أورقَا )
( فقالت لأختٍ لها استنشدِيه ... من شعرِه المحكم المنتقى )
( فقلْتُ أمرتِ بكتمانِه ... وحذَّرتِ إن شاعَ أن يسرَقَا )
( فقالت بِعيشِك قولي له ... تمنَّع لعلك أن تنفُقَا )
ومن مشهور قوله في دنيا وهو مما تهتك فيه وصرّح وأفحش وهي من جيد قوله قصيدته التي يقول فيها
(20/99)

( أنا الفارغُ المشغولُ والشوقُ آفتي ... فلا تسألوني عن فَراغي وعن شُغلي )
( عجبْتُ لِترك الحبّ دنيا خليةً ... وإعراضه عنها وإقباله قُبْلي )
( وما بالهُا لما كتْبتُ تهاونت ... بكُتْبي وقد أرسلْتُ فانتهزت رُسلي )
( وقد حلفَتْ ألاّ تَخطّ بكفّها ... إلى قابلٍ خطا إليّ ولا تُملي )
( أبخْلاً علينا كلُّ ذا وقطيعةً ... قضيتِ لدَينا بالقطيعة والبخل )
( سلُوا قلبَ دنيا كيف أطلقَه الهوى ... فقد كان في غُلٍّ وثيقٍ وفي كَبْل )
( فإن جَحَدَت فاذكر لها قصر مَعبَد ... بمَنْصَفِ ما بين الأُبُلّة والحبل )
( ومَلعَبنا في النهرِ والماءُ زاخر ... قَرينَين كالغصنَين فَرْعين في أصل )
( ومن حولِنَا الرّيحانُ غَضّاً وفوقَنا ... ظِلالٌ من الكَرْمِ المعرِّش والنخل )
( إذا شئتُ مالت بي إليها كأنني ... إلى غصن بانٍ بين دِغضَين من رَمل )
( لياليَ ألقاني الهوى فاستضفتهُا ... فكانت ثناياها بِلا حِشمة نُزلي )
( وكم لذّةٍ لي في هواها وشهوةٍ ... ورَكْضي إليها راكباً وعلى رِجل )
( وفي مأتمِ المهديّ زاحمْتُ ركنَهَا ... برُكنِي وقد وطَّنت نفسي على القتل )
( وبِتنَا عَلَى خوفٍ أُسكَن قلبها ... بِيُسراي واليمنى عضلَى قائم النَّصل )
( فيا طيبَ طعمِ العيش إذ هي جارةٌ ... وإذ نفسُها نفسي وإذ أهلُها أهلي )
(20/100)

( وإذ هي لا تعتلّ عني بِرقبَةٍ ... ولا خوفِ عينٍ من وُشاةٍولا بَعل )
( فقد عَفَت الأثارُ بيني وبينها ... وقد أوحشَت مني إلى دارها سُبْلي )
( ولما بلوتُ الحبَّ بعد فِراقها ... قضَيت عَلَى أم المحبين بالثُّكل )
( وأصبحْت معزولاً وقد كنت والياً ... وشتان ما بين الولاية والعزل )
ومما قاله فيها وفيه غناء
صوت
( ألا في سبيل اللهِ ما حلّ بي منكِ ... وصبرُكِ عني لا صبرَ لي عنكِ )
( وتركُك جِسمي بعد أخذكِ مهجتي ... ضئيلاً فهلاَّ كَان من قَبْل ذا تركي )
( فهل حاكِمٌ في الحب يَحكُم بيننا ... فيأْخذَ لي حقي ويُنصفَني منك )
لسليم في هذه الأبيات هزج مطلق في مجرى الوسطى وفي هذه القصيدة يقول يصف قصرا كانوا فيه وهي من عجيب شعره
( لقد كنتُ يومَ القَصر مما ظَننْت بي ... بريئاً كما أني بريءٌ من الشِّركِ )
( يذَكَّرني الفِردَوسَ طوراً فأرعَوِي ... وَطوراً يواتيني إلى القَصف والفتك )
( بِغَرسٍ كأبكار الجواري وتُرْبةٍ ... كأن ثراها ماءُ وَردٍ على مسك )
( وسِرْبٍ من الغِزلان يَرتعْن حولهَ ... كما استُلّ منظوم من الدُّر من سِلك )
( وورقاء تحكي المَوصِليّ إذا غَدت ... بِتغريدها أحبِبْ بها وَيمَن ولا تحكِي )
( فيا طِيبَ ذاك القصرِ قصراً ومنزلاً ... بأفيحِ سهلٍ غيرِ وَعْر ولا ضَنْك )
( كأن قصورَ القومِ ينظرن حولَه ... إلى مَلِكٍ مُوف عَلَى مٍنبر المُلك )
( يُدِلّ عليها مستطيلاً بِظِله ... فيَضحك منها وهي مُطرقةٌ تبكي )
(20/101)

الفضل بن الربيع إنه أشعر أهل زماننا
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن عمرو الأنصاري قال سمعت الأصمعي يذكر أن الفضل بن الربيع قال لجلسائه
من أشعر أهل عصرنا فقالوا فأكثروا فقال الفضل بن الربيع أشعر أهل زماننا الذي يقول في قصر عيسى بن جعفر بالخريبة يعني أبا عيينة
( زُرْ واديَ القَصْرُ والوادي ... وحبّذا أهلُه من حاضر بادي )
( تُرْفاً قَراقيرُه والعِيسُ واقفة ... والضبّ والنونُ والملاّح والحادي )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن مجمع قال تزوج
(20/102)

سعيد بن عباد بن حبيب بن المهلب بنت سفيان بن معاوية بن المهلب وقد كان تزوجها قبله رجلان فدفنتهما فكتب إليه أبو عيينة
( رأيتَ أثاثهَا فرغبتَ فيه ... وكم نَصبتْ لغيرك بالأثاث )
( إلى دار المنون فجهّزتْهم ... تَحُثّهمُ بأربعةٍ حِثاث )
( فَصَيّرْ أمرَها بيدَيْ أبيها ... وعَيشِك من حِبالك بالثلاث )
( وإلا فالسلامُ عليك منّي ... سأبدأ من غدٍ لك بالمراثي )
أخبرني محمد بن مزيد الصولي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
كان علي بن هشام قد دعاني ودعا أبا عيينة وتأخرت عنه حتى اصطحبنا شديداً وتشاغلت برجل كان عندي من الأعراب وكان فصيحا لأكتب عنه وكان عنده بعض من يعاديني قال حماد كأنه يومئ بهذا القول إلى إبراهيم بن المهدي فسأل ابا عيينة أن يعاتبني بشعر ينسبني فيه إلى الخلف فكتب إلى الخلف فكتب إلى
( يا مليئاً بالوعد والخُلف والمَطْلِ ... بطيئاً عن دَعوة الأصحاب )
( لَهْجاً بالأعراب إنّ لدينا ... بعضَ من تشتهي من الأعراب )
( قد عرفنا الذي شُغلتَ به عنّا ... وإن كان غير ما في الكِتاب )
(20/103)

قال فكتبت إلى الذي حمل أبا عيينة على هذا يعني إبراهيم بن المهدي
( قد فهِمتُ الكتابَ أصلحك الله ... وعندي إليك ردُّ الجوابِ )
( ولَعَمري ما تُنصفون ولا كان ... الذي جاء منكمُ في حِسابي )
( لَسْتُ آتيك فاعلَمَنّ ولا لي ... فيك حظ مِن بَعْدِ هذا الكتاب )
أخبرني عيسى بن الحسين الوراقي قال حدثني عبد الله بن أبي سعدقال حدثني إبراهيم بن إسحاق العمري قال حدثنا أبو هاشم الإسكندراني عن ابن أبي لهيعة قال
( حفر حفرٌ في بعض أفنية مكة فوجد فيه حجر عليه منقوش
( ما لا يكون فلا يكون بحيلةٍ ... أبداً وما هو كائنٌ فيكون )
( سيكون ما هو كائن في وقتِه ... وأخو الجهالةِ مُتَعب محزون )
( يَسعى القويُّ فلا يَنال بسعيه ... حظّاً ويحظى عاجزٌ ومَهين )
قال ابن أبي سعد هكذا في الحديث وقد أنشدني هذه الأبيات جماعة لأبي عيينة
حدثني عمي قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال حدثني علي بن عمروس الأنصاري عن الأصمعي قال
قال لي الفضل بن الربيع يا أصمعي من أشعر أهل زمانك فقلت أبو نواس قال حيث يقول ماذا قلت حيث يقول
( أما تَرَى الشمسَ حَلّت الحمَلا ... وقام وزنُ الزمان فاعتدلا )
فقال والله إنه لذهن فطن وأشعر عندي منه أبو عيينة
حدثني عمي قال حدثني فضل اليزيدي اليزيد عن إسحاق أنه أنشده لأبي
(20/104)

عيينة في دنيا التي كان يشبب لها وقد زوجت وبلغه أنها تهدى إلى زوجها وكان إسحاق يستحسن هذا الشعر ويستجيده
( أرى عهدَها كالورْد ليس بِدائمٍ ... ولا خيرَ فيمن لا يدوم له عهدُ )
( وعهدي لها كالآس حسناً وبهجة ... له نضرةٌ تبقى إذا ما انقضى الورد )
( فما وَجَد العُذريُّ إذ طال وَجدُه ... بعفراء حتى سَلَّ مهجتَه الوجد )
( كوَجدي غداة البين عند التفاتها ... وقد شفّ عنها دون أترابها البُرد )
( فقلْتُ لأصحابي هي الشمس ضوءها ... قريب ولكن في تناوُلِها بُعد )
( وإنّي لمن تُهدَى إليه لَحاسد ... جرى طائري نَحساً وطائره سعد )
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال
سألت أبي عن دنيا التي ذكرها أبو عيينة بن محمد بن أبي عينة في شعره وقلت إن قوماً يقولون إنها كانت أمة لبعض مغني البصرة فقال لا يا بني هي فاطمة بنت عمر بن حفص هزار مرد بن عثمان قبيصة أخي المهلب وكان عيسى بن سليمان بن علي أخو جعفر ومحمد ابني سليمان
(20/105)

تزوجها وهجاه عبد الله بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة فقال
( أفاطم قد زُوِّجتِ عيسى فأبشري ... لديه بِذُلٍّ عاجلٍ غير آجل )
( فإنكِ قد زُوِّجت عن غير خِبرة ... فتىً مِن بني العباسِ ليس بعاقل )
وذكر باقي الأبيات وقد مضَت متقدماً
قال أحمد بن يزيد ثم أنشدني أبي لأبي عيينة يصرح بنسبه الجامع له ولفاطمة من أبيات له
( ولأنْتِ إن متُّ المصابةُ بي ... فتجنَّبي قتلي بلا وِتر )
( فلئن هلكْتُ لَتَلْطِمِنْ جزعاً ... خدّيك قائمةً على قبري )
قال أحمد وأنشدني أبي أيضاً في تصديق ذلك وأنه كان يكني بدنيا عن غيرها
( ما لِدُنيا تجفوكَ والذنبُ منها ... إنَّ هذا منَها لَخَبُّ ومَكر )
( عرفَتْ ذنبَها إليّ فقالت ... ابدأوا القومَ با لصياح يَفرّوا )
( قد أمرْتُ الفؤادَ بالصبر عنها ... غَير أنْ ليس لي مع الحبّ أمر )
( وكتمْتُ اسمَها حِذاراً من الناس ... ومِن شرّهم وَفي الناس شرّ )
( ويقولون بُحْ لنا باسم دُنيَا ... واسمُ دنَيا سرٌّ على الناس ذخر )
( ثم قالوا ليعلموا ذات نفسي ... أَعوانٌ دنياك أم هيَ بِكر )
( فتنفسْت ثم قلت أبكر ... شَبّ يا إخوتي عن الطَّوق عمرو )
(20/106)

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني أبو خالد الأسلمي قال كان ابن أبي عيينة المهلبي صديقي وهو أبو عيينة بن المنجاب بن أبي عيينة فجاءه رجل من جيرانه كان يستثقله فسأله حاجة فقضاها ثم سأله أخرى فوعده بها ثم سأله ثالثة فقال
( خفِّف عَلَى إخوانك المُؤَنا ... إن شئت أن تَبْقَى لهم سكًناً )
( لا تُلحفنَّ إذا سألت ففي الإجحاف ... إجحاف بهم وعنَا )
فقام الرجل وانصرف
ابن أبي عيينة وأمير البصرة
أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد قال حدثني المبرد قال
وفد ابن أبي عيينة إلى طاهر بن الحسين يسأله أن يعزل أمير البصرة وكان من قبله فدافعه وعرض عليه عوضاً خطيراً من حاجته ووعده أن يستصلح له ذلك الأمير ويزيله عما كرهه فأبى عزله وأجزل صلته فقال ابن أبي عيينة فيه
( يا ذا اليمينَين قد أوقرتَني مِنَنا ... تَتَرى هي الغاية القصوى من المنَنِ )
( ولستُ أسطيع مِن شكر أجيء به ... إلا استطاعةَ ذي رُوح وذي بدن )
( لو كنتُ أعرف فوقَ الشكر منزلة ... أوفى مِن الشكر عند اللهِ في الثمنِ )
(20/107)

( أخلصْتُها لك من قلبي مهذَّبةً ... حَذْواً عَلَى مثل ما أوليتَ من حسن )
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي عن أبي عكرمة عامر بن عمران وأخبرني به عمي عن أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال
كان إسماعيل بن سليمان والياً على البصرة خليفة لطاهر بن الحسين فأساء مجاورة ابن أبي عيينة حتى تباعد بينهما وقبح وأظهر إسماعيل تنقصه وعيبه فخرج إلى طاهر ليشكو إسماعيل ويسعى في عزله عن البصرة فبعد ذلك عليه بعض البعد وسافر طاهر بن الحسين إلى وجه أمر بالخروج إليه فصحبه ابن أبي عيينة في سفره فتذمم من ذلك وأمر بإيصاله إليه فلما دخل ابن أبي عيينة إليه سأله عن حوائجه وأدناه وأمره برفعها فأنشده
( مَن أوحشَتْه البلادُ لم يُقِم ... فيها ومَن آنسَته لم يَرِم )
( ومَن يَبتْ والهمومُ قادحة ... في صدرِه بالزِّناد لم ينم )
( ومَن ير النقص من مواطئه ... يُزل عن النقص مَوطِىء القدم )
( والقرب ممن ينأى بجَانبه ... صدع عَلَى الشعب غير ملتئم )
( ورُبّ أمر يعيا اللبيبُ به ... يظلّ منه في حيرة الظُّلم )
( صَبرٌ عليه كَظْمٌ عَلَى مَضَض ... وَتَرْكهُ من مواقع الندم )
( ياذا اليمينَين لم أزرْك وَلم ... آتك من خَلّة ومن عَدَم )
( إني من الله في مَراح غِنى ... وَمُغتذىً واسعٍ وفي نِعم )
( زارتك بِي هِمةٌ مُنازِعة ... إلى العلا مِن كرائم اللهِمم )
( وإنني لِلجميل محتمِل ... فِي القَدْر من مَنصِبي ومن شيمي )
( وقد تعلَّقْت منك بالذمم الكبرى ... التي لا تَخيبُ في الذمم )
( فإن أنلْ بُغْيتي فأنت لها ... في الحق حقِّ الرجاء والرَّحم )
(20/108)

( وإن يَعُقْ عائقٌ فلستَ على ... جميلِ رأيٍ عندي بمتَّهَم )
( في قدَر اللهِ ما أحمَّلُه ... تعويق أمري في اللَّوح والقلم )
( لم يَضق الصبرُ والفِجاجُ على ... حُرّ كريمِ بالصبر معتصم )
( ماضٍ كحدّ السنان في طرفِ العاملِ ... أو حَدِّ مصلَت خَذِم )
( إذا ابتلاه الزمانُ كشّفه ... عن ثوب حُرّيةٍ وعن كرم )
( ما ساء ظني إلا بِواحدة ... في الصدر محصورةٍ عن الكلِم )
( ليَهْنَ قومٌ جُزْتَ المدى بهمُ ... ولم تقصّر فيهم ولم تُلم )
( وليس كلُّ الدّلاءِ راجعةً ... بالنِّصف من مَلئها إلى الوَذم )
( تَرجع بالحَمْأَة القليلة أحياناً ... ورَنْق الصّبابةِ الأمم )
( ما تُنبت الأرضُ كلَّ زَهرتها ... ولا تَعُمّ السماءُ بالدِّيَم )
( ما فيّ نَقص عن كلّ منزلة ... شريفةٍ والأمور بالقِسَم )
فأجابه طاهر
( مَن تستضفْه الهمومُ لم يَنَمِ ... إلاَّ كَنومِ المريض ذي السّقم )
( ولا يزَلْ قلبُه يكابِد ما ... تُولد فيه الهمومُ من ألم )
( وقد سمعْتُ الذي هتفْتَ به ... وما بأُذني عنك من صممِ )
( وقد عَلمنا أنْ لستَ تَصحبنا ... لِفَاقةٍ فيك لا ولا عَدم )
( إلا لِحقٍّ وحُرمةٍ وعلى ... مثلك رَعيُ الحقوق والحُرَمِ )
( أنتَ امرُؤٌ لا تزول عن كرمٍ ... إلا إلى مثلِه من الكرم )
(20/109)

( وأنت من أُسرةٍ جَحَا جة ... فازوا بحسنِ الفعال والشِّيم )
( فما تَرُمْ مِن جسيم منزلةٍ ... فالحكم فيه إليك فاحتكم )
( إن كنت مُستسقياً سَماحتنا ... منا تجُدْكَ اليدان بالدِّيم )
( أو تَرْمِ في بَحرنا بدَلوك لا ... نُعدمِك مَلئاً لها إلى الوَذم )
( إنا أُناس لنا صنائعُنا ... في العُرْب معروفةٌ وفي العجم )
( مغتَنِمو كسبِ كلَّ مَحْمَدةٍ ... والكسبُ لِلحمد غيرُ مغَتنم )
فاحتكم عليه أبو عُيَينة في عزْل إسماعيلَ بن جعفر عن البصرة فعزله عنها وأَمر له بمائة أَلفِ درهم فقال أبو عُيَينْة في عزْله إسماعيل بنَ جعفر عن إمارة البصرة
( لا تَعدَمِ العَزْل يا أبا الحسنِ ... ولا هُزَالاً في دولة السِّمَن )
( ولا انتقالاً من دارِ عافية ... إلى ديارِ البلاء والمِحن )
( أنا الذي إن كفرْتَ نِعمته ... أذاب ما في جنبَيك من عُكَن )
حدثني عيسى بن الحسين قال حدثني محمد بن عبد الله الحزنبل الأصبهاني قال
كان ابن أبي عيينة قد هجا نزاراُ بقصيدة له مشهورة وفضل عليها قحطان فقال ابن زعبل يهجوه ويردد عليه واسمه عمرو بن زعبل
( بُنَيّ أبي عُيَيْنة ما ... نطقْتَ به من الَّلغط )
( على ما أنت ملتحِف ... من الأوجاع في الوسط )
( لِما في الدُّبْر من نَغَل ... وما في العِرْضِ من سَقط )
(20/110)

( أتتنا الخَمسُ والمائتان ... بالنِّعماء والغِبَط )
( أمير من هلالٍ مستطيل ... الباع منبَسط )
( شريف ليس بالمدخول ... في عِرضٍ ولا رَهَط )
( أظنك مِن يديه واقعاًلا ... شك في وَرَط )
( ووالي الخَرجِ فياض اليَدَيْن ... بنائل سَبِط )
( له نِعَم حباك بها ... فلم تَحفظ ولم تَحُطِ )
( وقاضٍ من أمير المؤمنين ... يقوم بالقِسَط )
( يَسرُّكَ أنه من آل ... قحطانٍ على شحَط )
( وأنك إن ذُكرتَ يقال ... شيخٌ فاسقُ الشمَط )
( اعبدٌ من عَبيد عُمان ... عاب مناقب السّبط )
( وتهجو الغرّ من مُضر ... كفى هذا من الشّطط )
( تَيمّمْ في مُقَيَّرة ... مَسيراً غير مغتبط )
( مجوّفةٍ مزيَّنة ... بِوَدْع لاح كالرّقَط )
( بنُوك تَجرها بالقَلْس ... مؤتزرين بالفُوَط )
( متى غمسوا مَرادَيهمْ ... لِجدّ السير تَحتلط )
( وأنتَ بموضع السُّكان ... يُمسكِه بلا غلط )
( عليك عباءةُ مشكوكةٌ ... بالشوك لم تُخَطِ )
( فطيَّبَ ريحَ بلدتنا ... فِرارُك خيفةَ الشَّرَطِ )
(20/111)

( وأنك قد عُرفتَ بكثرة ... التخليط والغلط )
( ترى الخُسران إن لم تَزْنِ ... في يوم ولم تَلُط )
يفرّ إلى عمان خوفاً من المأمون
قال وكان ابن أبي عيينة لما هجا نزاراً بلغ شعرُه المأمون فنذر دمه فهرب من البصرة وركب البحر إلى عُمان فلم يزل بها متوارياً في نواحي الأزد حتى مات المأمون
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني ابن مهرويه عن أبيه بقصة ابن أبي عيينة مع ابن زعبل فذكر نحو الخبر المتقدم
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثني أبي قال
كان ابن عيينة يشبب بوهبه جارية القروي وهي التي يقول فيها فروج الزنى قوله
( يا وهب لم يَبقَ لي شيء أُسَرّ به ... إلا الجلوس فتسقيني وأسقيكِ )
ثم عدل عن التشبيب بها إلى دنيا وذكرهما جميعاً في شعره فقال
( أرسلَتْ وَهبةُ لما رأتني ... بَعد سُقْم من هواها مُفيقاً )
( أتغيّرْت كأن لم تكن لي ... قبل أن تعرفَ دُنيا صديقاً )
( قد لَعَمري كان ذاك ولكن ... قَطعَتْ دُنيا عليك الطريقا )
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن يزيد عن أبيه قال
لما ولي عمر بن حفص هزار مرد البصرة قال ابن أبي عيينة في ذلك وفي دنيا يكنى بها عن فاطمة بنت عمر بن حفص صاحبته
(20/112)

( هنيئاً لِدنيا هنيئاً لها ... قدومُ أبيها على البَصْرهْ )
( على أنها أظهرَتْ نَخْوة ... وقالت لِيَ المُلكُ والقدرهْ )
( فيا نورَ عيني كذا عاجلاً ... عليّ تطاولْتِ بالإمرهْ )
قال وهذا دليل على أنه كان يكنى عن فاطمة بدنيا لا أنه يهوى جاريتها دنيا
قال أحمد بن يزيد وفيها يقول أيضاً
( يا حسنَها يومَ قالت لي مُودِّعة ... لا تنسَ ما قلت من فيها إلى أُذني )
( كأنني لم أصِلْ دنيا علانيةٌ ... ولم أزُر أهل دنيا زَورةَ الخَتَن )
( جِسمي معي غير أن الروحَ عندكُم ... فالرُّوحُ في وطنٍ والجسمُ في وطن )
( فلْيعجب الناسُ مني أنّ لي جسداً ... لا رُوحَ فيه ولي رُوحٌ بلا بدن )
وفي هذه الأبيات هزَج طُنبوريّ مُحدَث
أخبرني عمي قال حدثني أحمدُ بنُ يزيدَ عن أبيه قال
وَرد على ابنِ أبي عُيينة كتابٌ من بعض أهله بأن أخاه داودَ خرج إليه ببريد فمات بهمذان فقال ابنُ أبي عُيينة عند ذلك يرثيه
( أنائحةَ الحمَام قٍفي فنوحي ... على داودَ رَهنا في ضريح )
( لدى الأجيال من هَمذان راحت ... به الأيام للموت المُريح )
( لمَ يشهدْ جنازتَه البواكي ... فتبكيَه بمُنَهلٍّ سَفوح )
( وكُوني مثلَه إذ كان حياُ ... جواداُ بالغَبوقِ وبالَصَّبوح )
( أنائحةَ الحَمامِ فلا تشّحي ... عليه فليس بالرجل الشحيح )
(20/113)

( ولا بمُثمَّرٍ مالاً لِدُنيا ... ولا فيها بمِغمار طموح )
( يبيع كثير ما فيها بباق ... ثمين من عواقبه ربيح )
( ومن آل المهلّب في لُباب ... لُبابِ الخالص المحْضِ الصريح )
( همو أبناءُ آخرة ودنيا ... وأهدافُ المراثي والمديح )
أخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن يزيد عن أبيه قال
قدم أبو عيينة إلى الكوفة في بعض حوائجه فعاشره جماعة من وجوه أهلها وأقام بها مدة وألف فيها قينة كان يعاشرها وأحبها حباً شديداً فقال فيها
( لَعَمري لقد أُعطيتُ بالكوفة المُنى ... وفوق المُنى بالغانيات النَّواعم )
( ونادمْتُ أختَ الشمس حسناً فوافقت ... هواي ومثلي مثلَها فليُنادمِ )
( وأنشدْتُها شعري بِدُنيا فعر بَدَت ... وقالت مَلولٌ عهدُه غيرُ دائم )
( فقلْتُ لها يا ظبيَة الكوفة اغفِري ... فقد تبْتُ مما قلْتُ توبةَ نادم )
( فقالت قد استوجَبْتَ منا عقوبة ... ولكن سنَرعى فيك رُوحَ ابنِ حاتمِ )
( قال أحمد بن يزيد قال لي أبي
كان لابن أبي عيينة بستان وضيعةٌ في بعض قطائع المهلب بالبصرة فأوطنها وصيرها منزلة وأقام بها وفيها يقول
( يا جنةً فاقت الجِنان فما ... تَبلغُها قيمةٌ ولا ثمَنُ )
( ألِفتُها فاتخذْتُها وطناً ... إنّ فؤادي لأهلِها وطن )
( زُوِّج حيتانُها الضِّبَابَ بها ... فهذه كَنَّةُ وذا خَتن )
(20/114)

( فانظرْ وفكِّر فيما نطقْتُ به ... إنّ الأريبَ المفكِّر الفطن )
( مِن سفن كالنَّعامِ مُقبلة ... ومن نَعام كأنها سفن )
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن أبا عيينة أنشده لنفسه
صوت
( لا يكن منكِ ما بدا لي بعينيكِ ... من اللحظِ حِيلةً واختداعا )
( إن يكن في الفؤاد شيء وإلاّ ... فدَعيني لا تقتليني ضَياعاً )
( فلَعلِّي إذا قربتُ تباعدْتِ ... وأظهرْتِ جَفوة وامتناعا )
( حين نفسي لا تستطيع لِما قد ... وقَعَت فيه مِن هواها ارتجاعا )
في هذه الأبيات رمل مطلق محدث
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن يزيد قال حدثني أبي قال
كان عبد الله بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة شاعراً وهو القائل يعاتب محمد بن يحيى بن خالد البرمكي بأبيات رائية أولها
( اسلَمْ وإن كان فيك عنّي ... قَبْضٌ لِكفّيك وازورارُ )
( تَلحظني عابساً قطوباً ... كأنما بي إليك ثار )
( لو كان أمر عتبتَ فيه ... يجوز منه لِيَ اعتذار )
(20/115)

( أو كنتُ سآلة حريصاً ... لحانَ مِنّي لك الفِرار )
( أو كنتُ نَذلاً عَديمَ عقل ... لا مَنصِبٌ لي ولا نِجار )
( أوْ لم أكن حاملاً بِنفسي ... ما تحمل الأنفُس الكبار )
( وأنني من خِيار قومي ... وكلُّ أهلي فتى خيار )
( عذرْتُ إن نالني جفاء ... منك وإن نالني ضِرار )
( لكنّ ذنبي إليك أني ... قحطانُ لي الجَدّ لا نِزار )
( عليك مني السلام هذا ... أوانُ يَنأى بيَ المزار )
( ما كنت إلا كلَحم مَيْت ... دعا إلى أكله اضطرار )
( راحَت عَلَى الناسِ لابنِ يحيى ... محمدٍ دِيمةٌ غزِار )
( ولم يكن ما أنلْتُ منه ... بقدْر ما يَنجلي الغبار )
( قد أصبح الناسُ في زمان ... أعلامُه السِّفْلة الشِّرار )
( يستأخر السابقُ المُذَكّى ... فيه ويَستقدِم الحِمار )
( وليس لِلمرء ما تمنى ... يوماً وما إنْ له اختيار )
( ما قدّر اللهُ فهْو آت ... وفي مقاديره الخيار )
يهجو قبيصة بن روح المهلبي
أخبرني عمي قال حدثنا أبو هفان قال
كان ابن أبي عيينة قد قصد ربيعة بن قبيصة بن روح بن حاتم المهلبي واستماحه فلم يجد عنده ما قدر فيه فانصرف مغاضباً فوجه إليه داود بن مزيد بن حاتم بن قبيصة فترضاه وبلغ ما أحبه ورضيه من بره ومعونته فقال يمدحه ويهجو قبيصة
(20/116)

( أقَبيص لستً وإن جهدتَ بمُدرك ... سعيَ ابن عمك ذي العلا داود )
( شتان بينك يا قبيص وبينه ... إن المذمَّمَ ليس كالمحمود )
( اختار داودٌ بِناءَ محامد ... واخترت أكلَ شَبارق وثَريد )
( قد كان مَجدُ أبيك لو أحببته ... رَوْحٍ أبي خَلَف كَمَجد يزيدِ )
( لكن جرَى داود جَريَ مبرِّز ... فحوَى المَدى وجريتَ جريَ بليد )
( داودُ محمود وأنت مذمَّم ... عجباً لذاك وانتما من عود )
( ولرُبّ عُود قد يُشقّ لِمسجد ... نِصفاً وسائُره لِحُش يهود )
( فالحشّ أنت له وذاك لِمسجد ... كم بين موضع مَسْلحٍ وسجود )
( هذا جزاؤك يا قبيص لأنه ... جادت يداه وأنت قُفل حديد )
حدَّثني جعفر بن قدامة قال حدثنا حماد بن إسحاق حدثني أبي قال
كانت لأبي حذيفة مولى جعفر بن سليمان جارية مغنية يقال لها بستان فبلغه أن أبا عيينة بن محمد بن عيينة ذكر لبعض إخوانه محبته لها ولاستماع غنائها فدعاه وسأله أن يطرح الحشمة بينه وبينه فأجابه إلى ذلك وقال لما سكر وانصرف من عنده في ذلك
( ألم تَرَني على كسَلِي وفَتري ... أجبت أبا حُذيفة إذ دعاني )
( وكنتُ إذا دُعيت إلى سماع ... أجبْتُ ولم يكن منِّي تواني )
( كأنّا من بشاشتِنا ظلِلنا ... بِيومٍ ليس من هذا الزمان )
(20/117)

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عثمان قال
كانت لعيسى بن موسى ضيعة إلى جانب ضيعة ابن أبي عيينة بالبصرة وكان له إلى جانب ضيعته سماد كثير فسأله أن يعطيه بعضه ليعمر ابن أبي عيينة به ضيعته فلم يفعل فقال فيه
( رأيت الناسَ هَمُّهم المعالي ... وعيسى همُّه جمع السّماد )
( ورِزق العالمين بِكَف ربيِّ ... وعيسى رزقُه في أسْتِ العباد )
هكذا ذكره ابن مهرويه وهذا بيت فاسد وإنما هو
( إذا رُزق العبادُ فإنّ عيسى ... له رِزق من استاه العباد )
أخباره مع ابن عمه خالد
ولابن أبي عيينة مع ابن عمه خالد أخبار جمة اذكرها ها هنا والسبب الذي حمله على هجائه
أخبرني علي بن سليمان الأخفش ببعضها عن محمد بن يزيد المبرد وببعضها عن أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه وقد جمعت روايتهما فيما اتفقا عليه ونسبت كل ما انفرد به أحدهما أو خالف فيه إليه وذكرت في فصول ذلك وخلاله ما لم يأتيا به مما كتبته عن الرواة قالا جميعاً
(20/118)

ولي خالد بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب جرجان فسأل يزيد بن حاتم أبا عيينة أن يصحبه ويخرج معه ووعده الإحسان والولاية وأوسع له المواعيد وكان أبو عيينة جنديا فجرد اسمه في جريدته وأخرج رزقه معه فلما حصل لجرجان أعطاه رزقه لشهر واحد واقتصر على ذلك وتشاغل عنه وجفاه فبلغه أنه قد هجاه وطعن عليه وبسط لسانه فيه وذكره بكل قبيح عند أهل عمله ووجوه رعيته فلم يقدر على معاقبته لموضع أبيه وسنه ومحله في أهله فدعا به وقال له إنه قد بلغني أنك تريد أن تهرب فإما أن أقمت لي كفيلاً برزقك أو رددته فأتاه بكفيل فأعنته ولم يقبله ولم يزل يردده حتى ضجر فجاءه بما قبض من الرزق فأخذه ولجّ أبو عيينة في هجائه وأكثر فيه حتى فضحه فقال في هذا عن أحمد بن يزيد المهلبي
( دنيا دعوتك مسرْعاً فأجيبي ... وبما اصطفَيتُك في الهوى فأثيبي )
( دومي أَدُمْ لك بالصفاء على النوَى ... إني بِعهدكِ واثقٌ فثقي بي )
( ومِن الدليل على اشتياقي عَبْرتي ... ومَشيبُ رأسي قبلَ حينِ مشيبي )
( أبْكي إليك إذا الحمامةُ طَرّبت ... يا حسَن ذاك إليّ من تطريب )
( تبكي على فَنَنِ الغصونِ حزينةً ... حُزنَ الحبيبة من فِراق حبيب )
( وأنا الغريبُ فلا أُلامُ على البُكا ... إن البُكا حسَنٌ بِكلِّ غريب )
( أفلا يُنَادَى للقِفُول بِرحلة ... تَشفي جَوىً من أنفسٍ وقلوب )
( مالي اصطفَيت على التعسفِ خالداً ... واللهِ ما أنا بعدَها بأريب )
( تبّاً لصحبة خالدٍ من صحبة ... ولِخَالدِ بنِ يزيدَ من مصحوب )
(20/119)

( يا خالد بنَ قبِيصةٍ هيّجت بي ... حَرْباً فدُونك فاصطبر لحروبي )
( لما رأيت ضميرَ غِشك قد بدا ... وأبيْتَ غير تَجَهُّم وقُطوب )
( وعرفْت منك خلائقاً جرّبتها ... ظهَرَتْ فضائحُهَا على التجريب )
( خلّيتُ عنك مُفارقاً لك عن قِلىً ... ووهبْتُ للشيطان منك نصيبي )
( فلئن نظرْتُ إلى الرصافة مرة ... نظراً يُفَرجُ كُربةَ المكروب )
( لأمزّقنّك قائماً أو قاعداً ... ولأروينّ عليك كلّ عجيب )
( ولتأتينَّ أباك فيك قصائد ... حبَّرتها بتَشكُّر مقلوب )
( ولَيُنْشدَنّ بها الإمام قصيدة ... ولتُشْتَمَنّ وأنت غير مهيب )
( ولأوذِينّك مثلما آذيتني ... ولأُشليَنَّ على نعاجك ذيبي )
قال أحمد بن يزيد في خبره حدثني أبي قال
أعرس داود بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة بالبصرة وأخوه غائب يومئذٍ مع ابن عمه خالد بجرجان فكتب داود إلى أخيه يخبره بسلامته وسلامة أهل بيته وبخبرٍ نقله أهله إليه فقال أبو عيينة في ذلك
( ألا ما لِعَينِك معتلَّه ... وما لِدموعك منهلّهْ )
( وكيف يُجُرجان صبرُ امرئٍ ... وحيدٍ بها غيرِ ذِي خُلّهْ )
( وأَطْولْ بلَيْلِك أطْوِل به ... إذا عسكر القوم بالأثْلهْ )
( وراعَك مِن خيلِه حاشر ... مِن القومِ ليست له قِبله )
( يسوقك نحوهمُ مكرهاً ... وداودُ بالمِصر في غفله )
(20/120)

( عَروس ينعَّمُ مِن تحته ... سَرِيرٌ ومِن فوقه كِلَّه )
( وما مُدْنَفٌ بين عُوّاده ... ينادي وفي سمعه ثَقْله )
( بأوجعَ منّي إذا قيل لي ... تأهب إلى الريّ بالرِّحْلَهْ )
( ومالي وللرَّيّ لولا الشقاءُ ... إن كنتَ عنها لفي عُزله )
( أُكلَّف أجبَالها شاتياً ... على فَرَس أو على بَغْلهْ )
( وأهْونُ مِن ذَاك لو سهَّلوه ... ركوبُ القراقير في دجلهْ )
( تَروح إلينا بها طَرْبة ... رواحَ الندامى إلى دلّه )
( أخالدُ خذ من يدي لَطمة ... تَغيظ ومن قدَمِي رَكْله )
( جمعْتَ خصال الردَى جملة ... وبعْتَ خصال الندى جمله )
( فمالَك في الخير مِن خَلة ... وكم لك في الشر من خله )
( ولما تَناضَل أهلُ العلا ... نُضلْتَ فاذعنْتَ للنَّضله )
( فما لَكَ في المجد يا خالدٌ ... مُقَرْطَسة لا ولا خصله )
( وأسرعتَ في هدم ما قد بَنى ... أبوك وأشياخُه قبله )
( وكانت من النَّبْع عيدانُهم ... نُضاراً وعودُك من أثْله )
(20/121)

( فيا عجبا نَبْعةٌ انبتَت ... خِلافاً ورَيحانةٌ بقَله )
( ثيابُك لِلْعبد مطوية ... وعِرضك للشتم والبِذله )
( أجعْتَ بنيك وأعرَيْتَهم ... ولم تُؤتَ في ذاك من قِلّه )
( إذا ما دُعينا لِقبضِ العطاء ... وهيأت كيسَك للغلّةْ )
( وجُلَّةُ تًمْر تُغادَى بها ... فتأتي على آخر الجلّةْ )
( وتُقصِي بَنيك وهُم بالعراء ... نُزْلُهُمُ الملحُ والمُلّة )
( ولو كان خُبز وتًمر لَديك ... لَمَا طمِعوا منك في فَضلهْ )
( وتُصبح تَقْلِس عن تُخمة ... كأنّ جُشَاءكَ عن فُجْلهْ )
( إذا الحيّ راعَهُم رائع ... فأوهَنُ من غادة طَفلهْ )
( وليثُ يصول على قِرْنه ... إذا ما دُعيت إلى أكلهْ )
( فلله دَرّك عند الِخونِ ... مِن فارس صادقِ الحملهْ )
( وإن جاءك الناسُ في حاجة ... تفكرْتَ يومين في العِلهْ )
( وتلقاهُم أبداً كالِحاً ... كأنْ قد عضَضْتَ على بَصْلهْ )
( فهذا نصيبيَ من خالد ... لكم هَنة بَتّةً بتلهْ )
وإني لِصحبتهِ مبغض ... ولا خير في صحبة السِّفْلهْ )
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي قال حدثني أبو الحسن بن المنجم قال
(20/122)

رأيت مسلم بن الوليد الأنصاري يوماً عند أبي ثم خرج من عنده فلقيه ابن أبي عيينة فسلم عليه وتحفى به ثم قال له ما خبرك مع خالد قال الخبر الذي تعرفه ثم أنشده قوله فيه
( يا حفصُ عاطِ أخاك عاطِهْ ... كأساُ تُهيج من نشاطِهْ )
قال ومسلم يبتسم من هجائه إياه حتى مر فيها كلها ثم ختمها بقوله
( وإذا تطاولت الرؤوس ... ُ فغطِّ رأسَك ثم طاطِهْ )
فقال مسلم مه إنا لله هتكته والله وأخزيته وإنما كنت أظن أنك تمزح وتهزل إلى آخر قولك حتى ختمته بالجد القبيح وأفرطت فيما خرجت به إليه ثم مضى وهو يقول فضحته والله هتكته والله
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن يزيد قال حدثني أبي قال
لقي دعبل أبا عيينة فقال له
( ياحفصِ عاط أخاكَ عاطِهْ ... كأساً تُهيج من نشاطِهْ )
( صِرْفاً يعود لِوقعِها ... كالظبي أُطلق من رِباطه )
( صَبًّا طوَتْ عنه الهمومُ ... نَعيمه بعد انبساطه )
( فبكى وحقّ له البكا ... لشقائه بعد اغتباطه )
(20/123)

( جَزِعَ المخنَّثُ خالد ... لمّا وقعتُ على قِماطه )
( فانظر إلى نزواته ... من مَنطِقي وإلى اختلاطه )
( دَعني وإيّا خالدٍ ... فلأقطعنّ عُرَى نِياطه )
( إني وجدْتُ كلامَه ... فيه مَشابِهُ من ضُراطه )
( رجُلٌ يَعدّ لك الوعيد ... إذا وطئتَ عَلَى بساطه )
( وإذا انتظرْتَ غداءه ... فخَفِ البوادر من سياطهْ )
( يا خالِ صَدّ المجدُ عنك ... فلن تجوزَ عَلَى صراطه )
( وعَرِيتَ من حُلل الندَى ... عُرْيَ اليتيم ومن رياطه )
( فإذ تطاولَت الرؤوس ... فغطِّ رأْسك ثم طاطه )
فقال له دعبل أغرقت والله في النزع وأسرفت وهتكت ابن عمك وقتلته وغضضت منه وإنما استنشدتك وأنا أظن أنك قلت كما يقول الناس قولاً متوسطاً ولو علمت أنك بلغت به هذا كله لما استنشدتك
أخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي وعمي قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني الحسين بن السري قال
لقي دعبل أبا عيينة فقال له أنشدني بعض ما قلت في ابن عمك ثم ذكر الخبر مثل ما ذكره أحمد بن يزيد وقال فيه إنما ظننت أنك قلت فيه قولاً أبقيت معه عليه بعض الإبقاء ولو علمت أنك بلغت به هذا كله وأغرقت هذا الإغراق ما استنشدتك وجعل يعيد
( فغط رأسك ثم طاطه ... ) ويقول قتله والله
(20/124)

نماذج من هجائه في خالد
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد قال
ومن مختار ما قاله في خالد قوله
( قُل لِدُنيا باللهِ لا تقطعينا ... واذكرينا في بعضِ ما تذكرينا )
( لا تَخوني بالغيبِ عهدَ صديقٍ ... لم تخافيهِ ساعةً أن يخونا )
( واذكري عيشنا وإذ نَفَض الرَّيح ... علينا الخِيريّ والياسَمينا )
( إذ جعلْنا الشاهِسْفرام فِراشاً ... مِن أذى الأرض والظلالَ غصونا )
( حفِظ الله اخوتي حيث كانوا ... من بِلادٍ سارين أم مُدْلجينا )
( فِتيةٌ نازحون عن كلّ عَيب ... وهُم في المكارم الأولونا )
( وهو الأكثرون يَعلم ذاك الناسُ ... والأطيبون لِلأَطيبينا )
( أزعجَتْني الأقدار عنهم وقد كنتُ ... بقُربي منهم شحيحاً ضنيناً )
( وتَبدلْتُ خالداً لعنةُ الله ... عليه ولعنةُ اللاعنينا )
( رجل يَقهر اليتيمَ ولا يؤتي ... زكاةً ويَنهر المسكينا )
( ويصون الثيابَ والعِرضُ بالٍ ... ويرائي ويمنع الماعونا )
( نزع الله منه صالح ما أعطاه ... آمين عاجلاً آمينا )
( فلَعَمر المبادرِين إلى مكة ... وفداً غادين أو رائحينا )
(20/125)

( إن أضيافَ خالدٍ وبنيه ... ليَجوعون فوق مايشبعونا )
( وتراهمْ من غير نُسْك يصومون ... ومن غير عِلّة يحتمونا )
( يا بني خالدٍ دعُوه وفرُّوا ... كم على الجوع ويْحَكم تصبرونا )
قال محمد بن يزيد ومن مشهور شعره فيه قصيدته التي أولها
( ألا خبّروا إن كان عندكم خبَرْ ... أنقفُل أم نَثوي على الهمّ والضّجرَ )
( نفى النومَ عن عيني تعرُّض رحلة ... بها الهمُّ واستولى بها بعده السهر )
( فإن أشكُ من ليلِي بجُرجان طولَه ... لقد كنتُ أشكو فيه بالبصرة القِصر )
( فيا حبَّذا بطنُ الخَرير وظهرُه ... ويا حسن واديه إذا ماؤه زَخَر )
( ويا حبَّذا نهرُ الأبلَّةِ مَنْظراً ... إذا مَدَّ في إبانه النهرُ أو جَزَرْ )
( وفتيانُ صِدق همُّهم طلبُ العلا ... وسيماهمُ التحجيل في المجد والغَرَر )
( لَعمري لقد فارقتُهم غيرَ طائع ... ولا طيَّبٍ نفساً بذاك ولا مُقِر )
( وقائلةٍ ماذا نأى بك عنهُم ... فقلتُ لها لا عِلمَ لي فَسَلي القدر )
( فيا سَفَراً أودى بلَهوي ولذتي ... ونغصني عيشي عَدِمتك من سَفر )
( دعوني وإيّا خالدٍ بعد ساعة ... سيَحمله شِعري على الأبلق الأغرّ )
( كأني بِصدق القول لما لقيتُه ... وأعلمته ما فيه ألقمتُه الحجر )
( دنِيء به عن كل خير بَلادةٌ ... لِكلِّ قبيحٍ عن ذراعيه قد حَسَر )
( له منظر يحمِي العيون سماجة ... وإن يُختبَر يوماً فيا سوء مُختَبَر )
(20/126)

( أبوك لنا غيثٌ يعاش بوَبْله ... وأنت جَراد ليس يُبقي ولا يذر )
( له أثر في المكرمات يسرّنا ... وأنت تُعفّي دائماً ذلك الأثر )
( لقد قُنِّعتْ قَحطان خزياً بخالد ... فهل لكِ فيه يخزك الله يا مضر )
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال أنشد الرشيد قول ابن أبي عيينة
( لقد قُنّعتْ قحطانُ خزياً بِخالد ... فهل لك فيه يخزك الله يا مضر )
فقال الرشيد بل يوقّرون ويشكرون
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال لنا أبو العباس محمد بن يزيد لم يجتمع لأحد من المحدثين في بيت واحد هجاء رجل ومديح أبيه كما اجتمع لابن أبي عيينة في قوله
( أبوك لنا غيثٌ نعيش بِوَبْلِه ... وأنت جراد ليس يبقي ولا يذر )
وقال محمد بن يزيد ومن جيد قوله أيضاً يهجو خالداً هذا
( على إخوتي مني السلامُ تحيةً ... تحيةَ مُثنٍ بِالأخُوِّةِ حامدِ )
( وقل لهمُ بعد التحية أنتمُ ... بِنفسي ومالي من طَريف وتالد )
( وعَزَّ عليهمْ أن أقيم ببَلدة ... أخا سَقَم فيها قليلَ العوائد )
( لئن ساءهم ما كان مِن فِعل خالد ... لقد سرهم ما قد فعلْتُ بخالد )
( وقد علموا أن ليس مني بِمفلت ... ولا يومُه المسكين مِني بواحد )
(20/127)

( أخالدُ لا زالت من الله لعنةٌ ... عليك وإن كنت ابن عمي وقائدي )
( أخالدُ كانت صحبَتيك ضلالةً ... عَصيتُ بها ربِّي وخالفْتُ والدي )
( وأرسل يَبغي الصلحَ لما تكنَّفت ... عوارضَ جنبَيه سياطُ القصائد )
( فأرسلتُ بعد الشرّ أني مسالم ... إلى غير مالا تشتهي غيرُ عائد )
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال زعم القحذمي أن الرشيد قال للفضل بن الربيع من أهجى المحدثين عندك يا فضل في عصرنا هذا قال الذي يقول في ابن عمه
( لو كما يَنقص يزداد ... إذاً نال السماء )
( خالدُ لولا أبوه ... كان والكلبَ سواء )
( أنا ما عشتُ عليه ... أسوأُ الناس ثناء )
( إنّ مَنْ كان مسيئاً ... لحقيق أن يُساء )
فقال الرشيد هذا ابن أبي عيينة ولعمري لقد صدقت
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال
كان ابن أبي عيينة مع ابن عمه خالد بجرجان فأساء به وجفاه وكان لابن أبي عيينة صديقان من جند خالد من أهل البصرة أحدهما مهلبي والآخر مولى للأزد وكلهم شاعر ظريف فكانوا يمدحون السراة من أهل جرجان فيصيبون منهم ما يقوتهم وولي موسى الهادي الخلافة فكتب ابن أبي عيينة إلى من كان في خدمة الخلفاء من أهله بهذه القصيدة
(20/128)

( كيف صَبري ومنزلي جُرْجانُ ... والعراق البلادُ والأوطانُ )
( نحن فيها ثلاثةٌ حُلفَاء ... ونَدامَى على الهوَى إخوانُ )
( نتساقى الهوَى ونَطرب للِذّكر ... كما تُطرِب النشاوَى القِيانُ )
( وإذا ما بكى الحمامُ بكَينا ... لِبُكاه كأننا صبيانُ )
( يا زماني الماضي بِبغدادَ عُدْ ... لي طالما قد سَررْتَني يا زمانُ )
( يا زماني المسيء أحسنْ فقِدْما ... كان عندي مِن فعلك الإحسانُ )
( ما يريد العُذّال مني أمَا يتُرك ... أيضاً بِغَمه الإنسان )
( ويقولون أملُك هواك وأقصِر ... قلت مالِي على الهوَى سلطانُ )
( أيها الكاتمُ الحديُثَ وقد طال ... به الأمرُ وانتهى الكتمانُ )
( قد لعَمري عرّضْتَ حيناً فَبيّنْ ... ليس بعد التعريض إلا البيانُ )
( واتخِذ خالداً عدوَّا مبيناً ... ما تعادَى الإنسان والشيطانُ )
( وإلهُ عنه فما يضرّك منه ... عَضُّ كلبٍ ليست له أسنانُ )
( ولعَمْري لولا أبوه لنالَته ... بسوء منّي يدٌ ولسانُ )
( قل لفِتياننا المقيمين بالبابِ ... ثِقوا بالنجاح يا فتيانُ )
( لا تخافوا الزمانَ قد قام موسى ... فَلكُمْ من ردَى الزمان أمانُ )
( أوَلم تأته الخلافةُ طوعاً ... طاعةً ليس بعدها عصيانُ )
( فهْي منقادة لموسى وفيها ... عن سواه تَقاعسٌ وحِرانُ )
( قل لموسى يا مالكَ المُلك طوعاً ... بِقياد وفي يديك العِنانُ )
( أنت بَحر لنا ورأيك فينا ... خيرُ رأيٍ رأى لنا سلطانُ )
( فاكفِنا خالداً فقد سامنا الخسفَ ... رماه لحتفه الرحمنُ )
(20/129)

( كَمْ إلى كم يُغضَى على الذّل منه ... وإلى كم يكون هذا الهوانُ )
قال فلما قرأ هذه القصيدة موسى الهادي أمر له بصلة وأعطاه ما فات من رزقه وأقفله من جيش خالد إليه
صوت
( أين مَحلّ الحيِّ يا وادي ... خبِّر سقاك الرائح الغادي )
( مُستصحِب لِلحرب خَيفانةً ... مثلَ عُقاب السَّرحة العادي )
( بين خُدور الظُّن محجوبةٌ ... حَدا بِقلبي معها الحادي )
( وأسْمراً في رأسه أزرق ... مِثلُ لِسان الحية الصادي )
الشعر لِدعبل بن علي الخزاعي والغناء لأحمد بن يحيى المكي خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن أبي عبد الله الهشامي
(20/130)

أخبار دعبل بن علي ونسبه
هو دعبل بن علي بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهشل بن خداش بن خالد بن عبد بن دعبل بن أنس بن خزيمة بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن مزيقيا ويكنى أبا علي
شاعر متقدم مطبوع هجاء خبيث اللسان لم يسلم عليه أحد من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا أولادهم ولا ذو نباهة أحسن إليه أو لم يحسن ولا أفلت منه كبير أحد
وكان شديد التعصب على النزارية للقحطانية وقال قصيدة يرد فيها على الكميت بن زيد ويناقضه في قصيدته المذهبة التي هجا بها قبائل اليمن
( ألا حُيِّيتِ عنا يا مرينا ... )
فرأى النبي في النوم فنهاه عن ذكر الكميت بسوء
وناقضه أبو سعد المخزومي في قصيدته وهاجاه وتطاول الشر بينهما
(20/131)

فخافت بنو مخزوم لسان دعبل وأن يعمهم بالهجاء فنفوا أبا سعد عن نسبهم وأشهدوا بذلك على أنفسهم
تشيع دعبل
وكان دعبل من الشيعة المشهورين بالميل إلى علي صلوات الله عليه وقصيدته
( مدارس آيات خلَت من تلاوة ... )
من أحسن الشعر وفاخر المدائح المقولة في أهل البيت عليهم السلام وقصد بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام بخراسان فأعطاه عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه وخلع عليه خلعة من ثيابه فأعطاه بها أهل قم ثلاثين ألف درهم فلم يبعها فقطعوا عليه الطريق فأخذوها فقال لهم إنها إنما تراد لله عز و جل وهي محرمة عليكم فدفعوا إليه ثلاثين ألف درهم فحلف ألا يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في كفنه فأعطوه فردكم فكان في أكفانه
وكتب قصيدته مدارس آيات فيما يقال على ثوب وأحرم فيه وأمر بأن يكون في أكفانه ولم يزل مرهوب اللسان وخائفاً من هجائه للخلفاء فهو دهره كله هارب متوار
(20/132)

حدثني إبراهيم بن أيوب قال حدثنا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال
رأيت دعبل بن علي وسمعته يقول أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة لست أجد أحداً يصلبني عليها
حدثني عمي قال حدثنا ميمون بن هرون قال قال إبراهيم بن المهدي للمأمون قولاً في دعبل يحرضه عليه فضحك المأمون وقال إنما تحرضني عليه لقوله فيك
( يا معشر الأجناد لا تَقنطوا ... وارضَوْا بما كان ولا تسخطوا )
( فسوف تعطَون حُنَيْنِيّة ... يلتذها الأمَرد والأشمط )
( والمَعْبَدِيّات لِقُوّادِكم ... لا تَدخلُ الكِيس ولا تربط )
( وهكذا يَرزق قُوّادَه ... خليفةٌ مصحفُه البَرْبَط )
فقال له إبراهيم فقد والله هجاك أنت يا أمير المؤمنين فقال دع هذا عنك فقد عفوت عنه في هجائه إياي لقوله هذا وضحك ثم دخل أبو عباد فلما رآه المأمون من بعد قال لإبراهيم دعبل يجسر على أبي عباد بالهجاء ويحجم عن أحد فقال له وكأن أبا عباد أبسط يداً منك يا أمير المؤمنين قال لا ولكنه حديد جاهل لا يؤمن وأنا أحلم وأصفح والله ما رأيت أبا عباد مقبلاً إلا أضحكني قول دعبل فيه
( أوْلَى الأمور بضيعة وفساد ... أمرّ يدبِّره أبو عبّاد )
(20/133)

( وكأنه من دَير هِزْقَل مُفِلت ... حَرِدٌ يجرّ سلاسل الأقٌياد )
أخبرني الحسن بن علي الخَفّاف قال حدثني محمد بن القاسم بن مَهْرويه قال حدثني أبي قال أخبرني دعبل بن علي قال قال لي أبي علي بن رزين ما قلت شيئاً من الشعر قط إلا هذه الأبيات
( خليلَيّ ماذا أرتجي مِن غد امرىء ... طوى الكشحَ عنّي اليومَ وهْو مكين )
( وإن امرأ قد ضَنّ منه بمَنطِق ... يُسَدّ به فقرُ امرىء لضنين )
وبيتين آخرين وهما
( أقول لمَّا رأيتُ الموتَ يطلبني ... يا ليتني دِرهم في كِيس ميّاح )
( فيا له درهماً طالت صيانته ... لا هالك ضَيعةً يوماً ولا ضاح )
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الكاتب قال حدثني أبو هفان قال قال لي دعبل قال لي أبو زيد الأنصاري
مم اشتق دعبل قلت لا أدري قال الدعبل الناقة التي معها ولدها
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني العنزي قال حدثني محمد بن أيوب قال
دعبل اسمه محمد وكنيته أبو جعفر ودعبل لقب لقب به
(20/134)

وحدثني بعض شيوخنا عن أبي عمرو الشيباني قال الدعبل البعير المسن
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال سمعت حذيفة بن محمد الطائي يقول الدعبل الشيء القديم قال ابن مهرويه سمعت أبي يقول ختم الشعر بدعبل قال وقال أبي كان أبو محلم يقول ختم الشعر بعمارة بن عقيل
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال سمعت أبي يقول لم يزل دعبل عند الناس جليل القدر حتى رد على الكميت بن زيد
( ألا حُيِّيت عنا يا مرينا ... )
فكان ذلك مما وضعه قال وقال فيه أبو سعد المخزومي
( وأعجبُ ما سمعنا أو رأينا ... هجاءٌ قالَه حيّ لمَيْتِ )
( وهذا دِعبل كَلِفٌ مُعَنَّى ... بتسطير الأهاجي في الكُميت )
(20/135)

( وما يهجو الكميت وقد طواه الردى ... إلا ابن زانية بزيتت )
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن زيد قال حدثني دعبل قال
كنت جالساً مع بعض أصحابنا ذات يوم فلما قمت سأل رجل لَمْ يعرفني أصحابنا عني فقالوا هذا دعبل فقال قولوا في جليسكم خيراً كأنه ظن اللقب شتماً
أخبرني علي بن سليمان قال حدثني محمد بن يزيد قال حدثني دعبل قال
صرع مجنون مرة فصحت في أذنه دعبل ثلاث مرات فأفاق
وأخبرني بهذين الخبرين الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن محمد بن يزيد عن دعبل وزاد فيه قال دعبل وصرع مرة مجنون بحضرتي فصحت به دعبل ثلاث مرات فأفاق من جنونه
سبب خروجه من الكوفة
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي أبو أحمد قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني علي بن عمرو بن شيبان قال حدثني أبو خالد الخزاعي الأسلمي قال العنزي وقد كتبت عن أبي خالد أشياء كثيرة ولم أكتب عنه هذا الخبر قال
كان سبب خروج دعبل بن علي من الكوفة أنه كان يتشطر ويصحب الشطار فخرج هو ورجل من أشجع فيما بين العشاء والعتمة فجلسا على
(20/136)

طريق رجل من الصيارفة وكان يروح كل ليلة بكيسه إلى منزله فلما طلع مقبلاً إليهما وثبا إليه فجرحاه وأخذا ما في كمه فإذا هي ثلاث رمانات في خرقة ولم يكن كيسه ليلتئذ معه ومات الرجل مكانه واستتر دعبل وصاحبه وجد أولياء الرجل في طلبهما وجد السلطان في ذلك فطال على دعبل الإستتار فاضطر إلى أن هرب من الكوفة قال أبو خالد فما دخلها حتى كتبت إليه أعلمه أنه لم يبق من أولياء الرجل أحد
أخبرني محمد بن عمران قال حدثني أبو خالد الخزاعي الأسلمي قال
قلت لدعبل ويحك قد هجوت الخلفاء والوزراء والقواد ووترت الناس جميعاً فأنت دهرك كله شريد طريد هارب خائف فلو كففت عن هذا وصرفت هذا الشر عن نفسك فقال ويحك إني تأملت ما تقول فوجدت أكثر الناس لا ينتفع بهم إلا على الرهبة ولا يبالي بالشاعر وإن كان مجيداً إذا لم يخف شره ولمن يتقيك على عرضه أكثر ممن يرغب إليك في تشريفه
وعيوب الناس أكثر من محاسنهم وليس كل من شرفته شرف ولا كل من وصفته بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع بقولك فإذّا رآك قد أوجعت عرض غيره وفضحته اتقاك على نفسه وخاف من مثل ما جرى على الآخر ويحك يا أبا خالد إن الهجاء المقذع آخذ بضبع الشاعر من المديح المضرع فضحكت من قوله وقلت هذا والله مقال من لا يموت حتف أنفه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني الحمدوي الشاعر قال
سمعت دعبل بن علي يقول أنا ابن قولي
(20/137)

( لا تَعجبني يا سلم مِن رجل ... ضحك المَشيبُ برأسه فبكى )
وسمعت أبا تمام يقول أنا ابن قولي
( نَقّل فؤادكَ حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلا للحبيب الأول )
قال الحمدوي وأنا ابن قولي في الطيلسان
( طال تَردادُه إلى الرَّفْو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدّى )
قال الحمدوي معنى قولنا انا ابن قولي أي أني به عرفت
أخبرني علي بن صالح قال حدثني أبو هفان قال قال مسلم بن الوليد
( مستعبِرٌ يبكي على دِمنة ... ورأسه يضحك فيه المَشيبْ )
فسرقه دعبل فقال
( لا تعجبي يا سلم من رَجل ... ضحك المَشيب برأسه فبكى )
فجاء به أجود من قول مسلم فصار أحق به منه
قال أبو هفان فأنشدت يوماً بعض البصريين الحمقى قول دعبل
( ضحك المَشيب برأسه فبكى ... )
فجاءني بعد أيام فقال قد قلت أحسن من البيت الذي قاله دعبل فقلت له وأي شيء قلت فتمنع ساعة ثم قال قلت
( قهقَه في رأسك القَتيرُ ... )
أخبرني بهذه الحكاية الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن أبي هفان
(20/138)

قال ذكر نحوه وزاد فيه ابن مهرويه وحدثني الحمدوي قال سمع رجل قول المأمون
( قبلتُه من بَعيد ... فاعتلّ من شفتيه )
فقال
( رَقَّ حتى تورّمَتْ شفتاه ... إذ توهّمْتُ أن أقِّبل فاه )
أخبرني علي بن الحسن قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني أبو ناجية وزعم أنه من ولد زهير بن أبي سلمى قال
كنت مع دعبل في شهرزور فدعاه رجل إلى منزله وعنده قينة محسنة فغنت الجارية بشعر دعبل
( أين الشباب وأيةً سلَكا ... لا أين يُطلب ظلَّ بل هلكَا )
قال فارتاح دعبل لهذا الشعر وقال قد قلت هذا الشعر منذ سبعين سنة
نسبة هذا الصوت
صوت
( أين الشبابُ وأيةً سلكا ... لا أين يطلب ضلّ بل هَلَكا )
( لا تعجَبي يا سَلم من رجل ... ضحِك المشيبُ برأسه فبكى )
( يا ليت شِعري كيف نَوْمُكما ... يا صاحبي إذا دَمِي سُفِكا )
( لا تأخذوا بِظُلامتي أحداً ... قلبي وطرْفي في دَمي اشتركا )
(20/139)

قال والغناء لأحمد بن المكي ثقيل أول بالوسطى مطلق
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو المثنى أحمد بن يعقوب ابن أخت أبي بكر الأصم قال
كنا في مجلس الأصمعي فأنشده رجل لدعبل قوله
( لا تعجَبي يا سَلم من رجل ... ضحِك المشيبُ برأسه فبكى )
فاستحسناه فقال الأصمعي إنما سرقه من قول الحسين بن مطير الأسدي
( أين أهلُ القِباب بالدهناء ... أين جيراننا على الأحساء )
( فارقونا والأرْضُ مُلْبَسَةٌ نَوْرَ ... الأقاحي تُجاد بالأنواء )
( كلَّ يوم يأُقحُوان جديد ... تَضحك الأرضُ من بُكاء السماء )
نماذج من هجائه
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أحمد بن خالد قال
(20/140)

كنا يوماً بدار صالح بن علي من عبد القيس ببغداد ومعنا جماعة من أصحابنا فسقط على كنينة في سطحه ديك طار من دار دعبل فلما رأيناه قلنا هذا صيدنا فأخذناه
فقال صالح ما نصنع به قلنا نذبحه فذبحناه وشويناه
وخرج دعبل فسأل عن الديك فعرف أنه سقط في دار صالح فطلبه منا فجحدناه وشربنا يومنا فلما كان من الغد خرج دعبل فصلى الغداة ثم جلس على المسجد وكان ذلك المسجد مجمع الناس يجتمع فيه جماعة من العلماء وينتابهم الناس فجلس دعبل على المسجد وقال
( أسْرَ المؤذِّنَ صالحٌ وضيوفُه ... اسْرَ الكميّ هفا خلال الماقِط )
( بَعثوا عليه بَنيهُمُ وبناتِهم ... من بين ناتفةٍ وآخر سامط )
( يتنازعون كأنهم قد أوثقوا ... خاقان أو هزموا كتائب ناعط )
( نهشوه فانتزُعَت له أسنانهم ... وتهشمَت أقفاؤهم بالحائط )
قال فكتبها الناس عنه ومضوا فقال لي أبي وقد رجع إلى البيت ويحكم ضاقت عليكم المآكل فلم تجدوا شيئاً تأكلونه سوى ديك دعبل ثم أنشدنا الشعر وقال لي لا تدع ديكاً ولا دجاجة تقدر عليه إلا اشتريته وبعثت به إلى دعبل وإلا وقعنا في لسانه ففعلت ذلك قال وناعط قبيلة من همدان ومجالد بن سعيد ناعطي قال وأصله جبل نزلوا به فنسبوا إليه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن أبي كامل قال
كان دعبل ينشدني كثيراً هجاء قاله فأقول له فيمن هذا فيقول ما
(20/141)

استحقه أحد بعينه بعد وليس له صاحب فإذا وجد على رجل جعل ذلك الشعر فيه وذكر اسمه في الشعر
وقد أخبرني الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن أحمد بن أبي كامل بهذا الخبر بعينه وزاد فيه فيما ذكر ابن أبي كامل أنه كان عند صالح هذا في يوم أخذه ديك دعبل قال وهو صالح بن بشر بن صالح بن الجارود العبدي
أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال حدثني أحمد بن محمد بن أبي أيوب قال
مدح دعبل أبا نضير بن حميد الطوسي فقصر في أمره ولم يرضه من نفسه فقال عند ذلك دعبل فيه يهجوه
( أبا نَضِير تَحلحلْ عن مجالِسنا ... فإن فيك لمن جاراك منتقَصا )
( أنت الحِمار حُرناً إن وقعتَ به ... وإن قصدْتَ إلى معروفه قَمَصا )
( إني هززْتُك لا آلوك مجتهِداً ... لو كنتَ سيفاً ولكني هززْت عصا )
قال فشكاه أبو نَضير إلى أبي تمام الطائي واستعان به عليه فقال أبو تمام يجيب دعبلا عن قوله ويهجوه ويتوعده
( أَدعبِلُ إن تطاولَت الليالي ... عليك فإن شِعري سمّ ساعَهْ )
( وما وَفد المشيب عليك إلا ... بأخلاق الدناءة والضّراعه )
( ووجهُك إن رضيتَ به نَديماً ... فأنت نَسيج وحدِك في الرّقاعه )
( ولو بُدّلتَه وجهاً بوَجه ... لما صلَّيتَ يوماً في جماعه )
(20/142)

( ولكن قد رُزقْت به سِلاحاً ... لو استعصَيتَ ما أعطيتَ طاعه )
( مَناسِب طَيئٍ قُسمَت فدعها ... فليسَتْ مثلَ نِسبتك المُشاعه )
( وروّح مَنْكِبيك فقد أعيدا ... حُطاماً من زِحامك في خُزاعه )
قال العنزي يقول إنك تزاحم خزاعة تدعي أنك منهم ولا يقبلونك
أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال حدثني محمد بن أحمدبن أيوب قال
تعرض الخاركي النصري وهو رجل من الأزد لدعبل بن علي فهجاه وسبه فقال فيه دعبل
( وشاعرٍ عرّض لي نفسَه ... لخارك آباؤه تَنْمِي )
( يَشُم عرضي عند ذكري وما ... أمسى ولا أصبح مِن همي )
( فقلت لا بل حبذا أمُّه ... خيّرةٍ طاهرة عِلمي )
( أكذِبُ والله علىأمه ... ككِذبه كان على أمي )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال
لقيت دعبل بن علي فقلت له أنت أجسر الناس عندي وأقدمهم حيث تقول
(20/143)

( إني مِن القوم الذين سيوفُهم ... قتلَتْ أخاك وشرّفتك بمقعد )
( رَفعوا محَلك بَعد طولِ خُموله ... واستنقذوك من الحَضيض الأوهد )
فقال يا أبا إسحق أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة فلا أجد من يصلبني عليها
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال
قال دعبل بن علي يرثي ابن عم له من خزاعة نعي إليه قال محمد بن يزيد ولقد أحسن فيها ما شاء
( كانت خزاعة ملء الأرض ما اتسعت ... فَقَّص مر الليالي من حواشيها )
( هذا أبو القاسم الثاوي ببَلْقعة ... تَسقي الرياح عليه من سوافيها )
( هبت وقد علمت أن لا هبوب به ... وقد تكون حسيراً إذ يباريها )
( أضحى قرى للمنايا إذ نزلن به ... وكان في سالف الأيام يقريها )
حدثني الحسن بن مهرويه عن أبيه فذكر أن المنعي إلى دعبل أبو القاسم المطلب بن عبد الله بن مالك وأنه نعي إلى دعبل وكان هو بالجبل فرثاه بهذه الأبيات
أخبرني الأخفش قال حدثنا محمد ين يزيد قال
بلغ إسماعيل بن جعفر بن سليمان أن دعبلاً هجاه فتوعده بالمكروه وشتمه وكان إسماعيل بن جعفر على الأهواز فهرب من زيد بن موسى بن جعفر بن محمد لما ظهر وبيض في أيام أبي السرايا فقال دعبل بن علي يعير إسماعيل بذلك
(20/144)

( لقد خلّف الأهوازَ من خلف ظَهره ... يريد وراء الزاب من أرض كَسْكَر )
( يهوِّل إسماعيلُ بالبيض والقنا ... وقد فرّ مِن زيد بن موسى بن جعفر )
( وعاينته في يومَ خلّى حريمَه ... فيا قبحَها منه ويا حسنَ منظر )
دعبل يتشطر وهو شاب
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني ابن الأعرابي عن أبي خالد الأسلمي قال
كان دعبل بن علي الخزاعي بالكوفة يتشطر وهو شاب وكانت له شعرة جعدة وكان يدهنها ويرجلها حتى تكاد تقطر دهناً وكان يصلت على الناس بالليل فقتل رجلاً صَيرفياً وظن أن كيسه معه فوجد في كمه رماناً فهرب من الكوفة وكنت إذا رأيت دعبلاً يمشي رأيت الشطارة في مشيته وتبختره
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني الحسن بن أبي السري قال
كان عمير الكاتب أقبح الناس وجهاً فلقي دعبلاً يوماً بكرة وقد خرج
(20/145)

لحاجة له فلما رآه دعبل تطير من لقائه فقال فيه
( خَرجتُ مبكراً من سُرَّ مَن را ... أبادر حاجة فإذا عُمَيرُ )
( فلم أثنِ العِنان وقلت أمضي ... فوجهك يا عميرُ خِراً وخَير )
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني الحسن بن أبي السري قال حدثني دعبل قال
مدحت عبد الرحمن بن خاقان وطلبت منه برذوناً فبعث إلي ببرذون غامز فكتبت إليه
( حملتَ على قارح غامز ... فلا لِلركوب ولا للثمنْ )
( حملتَ على زَمِنٍ ظالع ... فسوف تُكافا بشُكر زمِن )
فبعث إلي ببرذون غيره فاره بسرجه ولجامه وألفي درهم
قال ابن مهرويه وحدثني إسحاق بن إبراهيم العكبري عن دعبل أنه مدح يحيى بن خاقان فبعث إليه بهذا البرذون
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال قال الحسين بن دعبل كان أبي يختلف إلى الفضل بن العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث وهو خرجه وفهمه وأدبه فظهر له منه جفاء وبلغه أنه يعيبه ويذكره وينال منه فقال يهجوه
(20/146)

( يا بؤسَ للفضل لو لم يأت ما عابه ... يستفرغ السم من صماء قرضابه )
( ما إن يزال وفيه العيب يجمعه ... جهلاً لأعراض أهل المجد عيّابه )
( إن عابني لم يَعب إلا مِؤدِّبَه ونفسَه عاب لما عاب أدَّابه )
( فكان كالكلب ضَرّاه مكلِّبُه ... لِصيده فعدا فاصطاد كَلاّبه )
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو جعفر العجلي قال
كان أحمد بن أبي داود يطعن على دعبل بحضرة المأمون والمعتصم ويسبه تقرباً إليهما لهجاء دعبل إياهما وتزوج ابن أبي داود امرأتين من بني عجل في سنة واحدة فلما بلغ ذلك دعبلا قال يهجوه
( غَصبْتَ عِجلاً على فَرَجَين في سنة ... أفسدتَهُمْ ثم ما أصلحْتَ من نَسبكْ )
( ولو خَطبْتَ إلى طَوق وأسرتِه ... فزوجوك لما زادوك في حسبك )
( بِك من هوِيت ونَلْ ما شئت من نَشَب ... أنت ابنُ زرياب منسوباً إلى نَشبك )
(20/147)

( إن كان قوم أراد الله خِزيهمُ ... فزوجوك ارتغاباً منك في ذهبك )
( فذاك يوجِب أن النبْعَ تجمعه ... إلى خلافك في العيدان أو غَربك )
( ولو سكَتّ ولم تخطب إلى عرب ... لما نشبْتَ الذي تطويه من سبيك )
( عُدّ البيوتَ التي ترضى بِخطبتها ... تجد فَزارةً العكليَّ من عرَبك )
قال فلقيه فزارة العكلي فقال له يا أبا علي ما حملك على ذكري حتى فضحتني وأنا صديقك قال يا أخي والله ما اعتمدتك بمكروه ولكن كذا جاءني الشعر لبلاء صبه الله عز و جل عليك لم أعتمدك به
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني أبو خالد الأسلمي الكوفي قال
اجتمعت مع دعبل في منزل بعض أصحابنا وكانت عنده جارية مغنية صفراء مليحة حسنة الغناء فوقع لها العبث بدعبل والعنت والأذى له ونهيناها عنه فما انتهت فأقبل علينا فقال اسمعوا ما قلت في هذه الفاجرة فقلنا هات فقد نهيناها فلم تنته فقال
( تَخضِب كفّا قُطعت من زَندها ... فتخضِب الحنّا من مُسوّدها )
( كأنها والكحل في مِرْودها ... تَكحَل عينيها ببعض جلدها )
( أشبهُ شيء آسْتُها بخدّها ... )
قال فجلست الجارية تبكي وصارت فضيحة واشتهرت بالأبيات فما انتفعت بنفسها بعد ذلك
دعبل يُحبس ويُضرب
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني هارون قال حدثني أبي وخالدٌ
(20/148)

قالا
كان دعبل قد جنى جناية بالكوفة وهو غلام فأخذه العلاء بن منظور الأسدي وكان على شرطة الكوفة من قبل موسى بن عيسى فحبسه فكلمه فيه عمه سليمان بن رزين فقال أضربه أنا خير من أن يأخذه غريب فيقطع يده فلعله أن يتأدب بضربي إياه ثم ضربه ثلثمائة سوط فخرج من الكوفة فلم يدخلها بعد ذلك إلا عزيزاً
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن أبي كامل قال
كان دعبل يخرج فيغيب سنين يدور الدنيا كلها ويرجع وقد أفاد وأثرى وكانت الشراة والصعاليك يلقونه فلا يؤذونه ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرونه وكان إذا لقيهم وضع طعامه وشرابه ودعاهم إليه ودعا بغلاميه ثقيف وشعف وكانا مغنيين فأقعدهما يغنيان وسقاهم وشرب معهم وأنشدهم فكانوا قد عرفوه وألفوه لكثرة أسفاره
وكانوا يواصلونه ويصلونه وأنشدني دعبل بن علي لنفسه في بعد أسفاره
( حللْتُ محلاً يقصر البرق دونه ... ويعجِز عنه الطيفُ أن يتجشما )
أخبرني الحسنُ بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال
قال لي البحتري دعبل بن علي أشعر عندي من مسلم بن الوليد
(20/149)

فقلت له وكيف ذلك قال لأن كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام مسلم ومذهبه أشبه بمذاهبهم وكان يتعصب له
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا الفضل بن الحسن بن موسى البصري قال
بات دعبل ليلة عند صديق له من أهل الشأم وبات عندهم رجل من أهل بيت لهياني يقال له حوى بن عمرو السككي جميل الوجه فدب إليه صاحب البيت وكان شيخاً كبيراً فانياً قد أتى عليه حين فقال فيه دعبل
( لولا حوىً لبيت لهياني ... ما قام أَير العزب الفاني )
( له دواة في سراويله ... يليقها النازح والداني )
قال وشاع هذان البيتان فهرب حوى من ذلك البلد وكان الشيخ إذا رأى دعبلاً سبه وقال فضحتني أخزاك الله
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني محمد بن الأشعث قال سمعت دعبلاً يقول
ما كانت لأحد قط عندي منة إلا تمنيت موته
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا محمد بن عمر الجرجاني قال
دخل دعبل بن علي الري في أيام الربيع فجاءهم ثلج لم يروا مثله في الشتاء فجاء شاعر من شعرائهم فقال شعراً وكتبه في رقعة هو
(20/150)

( جاءنا دِعبِل بِثلج من الشعر ... فجادت سماؤنا بالثلوج )
( نزل الرّيّ بعد ما سكن البردُ ... وقد أينَعَتْ رياض المروج )
( فكسانا بِبرده لا كساه الله ... ثوباً من كُرْسُف محلوج )
قال فألقى الرقعة في دِهليز دِعبِل فلما قرأها ارتحل عن الرّيّ
أخبرني محمد بن عمران قال حدثنا العنزي قال حدثنا أبو خالد الأسلمي قال
عرضت لدعبل حاجة إلى صالح بن عطية الأضجم فقصر عنها ولم يبلغ ما أحبه دعبل فيها فقال يهجوه
( أحسنُ ما في صالح وجهه ... فقِسْ على الغائب بالشاهد )
( تأملَتْ عيني له خِلقة ... تدعو إلى تَزنية الوالد )
فتحمل عليه صالح بي وبجماعة من إخوانه حتى كف عنه وعرض عليه قضاء الحاجة فأباها
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال
فخر قوم من خزاعة على دعبل بن علي يقال لهم بنو مكلم الذئب وكان جدهم جاء إلى النبي أن الذئب أخذ من غنمه شاة فتبعه فلما غشيه بالسيف قال له ما لي ولك تمنعني رزق الله قال فقلت يا عجبا لذئب يتكلم فقال أعجب منه أن محمداً نبي قد بعث بين أظهركم وأنتم لا تتبعونه فبنوه يفخرون بتكليم الذئب جدهم فقال دعبل بن علي يهجوهم
تِهْتُمْ علينا بأنّ الذئب كلمكمْ ... فقد لَعَمري أبوكم كلَّم الذيبا )
(20/151)

( فكيف لو كلّم الليثَ الهصورَ إذا ... أفَنيتم الناسَ مأكولاً ومشروبا )
( هذا السُّنَيدي لا أصل ولا طُرَف ... يكلّم الفيل تصعيداً وتصويباً )
دعبل يهجو محمد بن عبد الملك الزيات
حدثني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني أبي قال
كان دعبل قد مدح محمد بن عبد الملك الزيات فأنشده ما قاله فيه وفي يده طومار قد جعله على فمه كالمتكئ عليه وهو جالس فلما فرغ أمر له بشيء لم يرضه فقال يهجوه
( يا مَن يُقلِّب طُوماراً ويلثَمه ... ماذا بقلبك من حُبِّ الطوامير )
( فيه مَشابِه من شيء تُسَرّ به ... طُولاً بطول وتدويراً بتدوير )
( لو كنْتَ تجمعَ أموالاً كَجَمْعِكها ... إذا جمعْتَ بيوتاً من دنانير )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبي قال
نزل دعبل بحمص على قوم من أهلها فبرّوه ووصلوه سوى رجلين منهم يقال لأحدهما أشعث وللآخر أبو الصّناع فارتحل من وقته من حمص وقال فيهما يهجوهما
( إذا نَزل الغريب بأرض حِمص ... رأيتَ عليه عِزّ الإمتناع )
( سُموُّ المكرمات بآل عيسى ... أحَلّهُم على شرف التّلاع )
( هناك الخزّ يلبَسه المُغَالِي ... وعيسى منهمُ سَقَط المتاع )
(20/152)

( فَسدَّد لاست أشعثَ أيرَ بَغل ... وآخرَ في حِرِأمّ أبي الصناع )
( فليس بِصانع مَجداً ولكن ... أضاع المجدَ فهْو أبو الضياع )
أخبرني الحسن قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه عن الحسين بن دعبل قال قال أبي في الفضل بن مروان
( نصحْتُ فأخلصْتُ النصيحة للفضل ... وقلت فسيّرْتُ المقالة في الفضل )
( ألا إنّ في الفضل بن سهل لَعبرة ... إن اعتبر الفضلُ بنُ مروان بالفضل )
( وللِفضل في الفضل بن يحيى مواعظ ... إذا فكّر الفضل بنُ مروان في الفضل )
( فابقِ جميلاً من حديث تَفُز به ... ولا تدَع الإحسان والأخذَ بالفضل )
( فإنك قد أصبحت للمُلك قَيِّماً ... وصرْت مكانَ الفضل والفضلِ والفضل )
( ولم أرَ أبياتاً من الشِّعر قبلها ... جميعُ قوافيها على الفضل والفضل )
( وليس لها عَيب إذا هي أَنشدَت ... سوى أن نصحي الفضل كان من الفضل )
فبعث إليه الفضل بن مروان بدنانير وقال له قدقبلت نصحك فاكفني خيرك وشرك
حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هرون قال حدثني أبو الطيب الحراني قال
أنشد رجل دعبل بن علي شعرا له فجعل يعيبه وينبهه على خطئه فيه بيتاً بيتاً ويقول أي شيء صنعت بنفسك ولم تقول الشعر إذا لم تقدر إلا على مثل هذا منه إلى أن مر له بيت جيد فقال دعبل أحسنت أحسنت
(20/153)

ما شئت فقال له يا أبا علي أتقول لي هذا بعد ما مضى فقال له يا حبيبي لو أن رجلا ضرط سبعين ضرطة ما كان بمنكر أن يكون فيها دستنبوية واحدة
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن حاتم المؤدب قال
قيل للمأمون إن دعبل بن علي قد هجاك فقال وأي عجب في ذاك هو يهجو أبا عباد ولا يهجوني أنا ومن أقدم على جنون أبي عباد أقدم على حلمي ثم قال للجلساء من كان منكم يحفظ شعره في أبي عباد فلينشدنيه فأنشده بعضهم
( أولى الأمور بضَيعة وفساد ... أمرٌ يدبِّره أبو عبّاد )
( خَرِقٌ على جلسائه فكأنهم ... حضروا لملْحَمَة ويوم جِلاد )
( يَسْطو على كُتابه بِدواته ... فمُضَمَّخ بِدَمٍ ونَضْحِ مداد )
( وكأنه من دَبْر هِزْقِلَ مُفلِت ... حَرِدٌ يَجر سلاسل الأقياد )
( فاشدد أميرَ المؤمنينَ وثاقه ... فأصَحّ منه بقيّةُ الحداد )
قال وكان بقية هذا مجنوناً في المارستان فضحك المأمون وكان إذا نظر إلى أبي عباد يضحك ويقول لمن يقرب منه والله ما كذب دعبل في قوله
حدثني جحظة عن ميمون بن هارون فذكر مثله أو قريبا منه
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار ومحمد بن أحمد الحكيم قالا حدثنا أنس بن عبد الله النبهاني قال حدثني علي بن المنذر قال حدثني
(20/154)

عبد الله بن سعيد الأشقري قال حدثني دعبل بن علي قال
لما هربت من الخليفة بت ليلة بنيسابور وحدي وعزمت على أن أعمل قصيدة في عبد الله بن طاهر في تلك الليلة فإني لفي ذلك إذ سمعت والباب مردود علي السلام عليكم ورحمة الله أنج يرحمك الله فاقشعر بدني من ذلك ونالني أمر عظيم فقال لي لا تُرع عافاك الله فإني رجل من إخوانك من الجن من ساكني اليمن طرأ إلينا طارئ من أهل العراق فأنشدنا قصيدتك
( مدارس آياتٍ خلَت من تلاوة ... ومنزلُ وحي مقفرُ العرَصات )
فأحببت أن أسمعها منك قال فأنشدته إياها فبكى حتى خر ثم قال رحمك الله ألا أحدثك حديثاً يزيد في نيتك ويعينك على التمسك بمذهبك قلت بلى قال مكثت حيناً أسمع بذكر جعفر بن محمد عليه السلام فصرت إلى المدينة فسمعته يقول حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله قال علي وشيعته هم الفائزون ثم ودعني لينصرف فقلت له يرحمك الله إن رأيت أن تخبرني باسمك فافعل قال أنا ظبيان بن عامر
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني إسحاق بن محمد
(20/155)

النخعي وأخبرني به الحليمي عن يعقوب بن إسرائيل عن إسحاق النخعي قال
كنت جالساً مع دعبل بالبصرة وعلى رأسه غلامه ثقيف فمر به أعرابي يرفل في ثياب خز فقال لغلامه ادع لي هذا الأعرابي فأومأ الغلام إليه فجاء فقال له دعبل ممن الرجل قال من بني كلاب قال من أي كلاب أنت قال من ولد أبي بكر فقال دعبل أتعرف القائل
( ونُبئْتُ كلباً من كلاب يسبني ... ومحض كلاب يقطع الصلوات )
( فإن أنا لم أُعلم كلاباً بأنها ... كلاب وأني باسل النِّقَمات )
( فكان إذاً من قيس عَيلان والدي ... وكانت إذاً أمي من الحَبَطات )
قال وهذا الشعر لدعبل يقوله في عمرو بن عاصم الكلابي فقال له الأعرابي ممن أنت فكره أن يقول له من خزاعة فيهجوهم فقال أنا أنتمي إلى القوم الذين يقول فيهم الشاعر
( أناس عليُّ الخيرِ منهم وجعفر ... وحمزة والسَّجَّادُ ذو الثَّفِنات )
( إذا فخَروا يوماً أتَوا بمحمد ... وجبريلَ والفرقان والسُّوَرات )
(20/156)

فوثب الأعرابي وهو يقول ما لي إلى محمد وجبريل والفرقان والسورات مرتقى
أخبرني الكوكبي قال حدثني ابن عبدوس قال
سأل دعبل نصر بن منصور بن بسام حاجة فلم يقضها لشغل عرض له دونها فقال يهجو بني بسام
( حواجبٌ كالجبال سودٌ ... إلى عثانين كالمخالي )
( وأوجُهٌ جَهْمة غِلاظٌ ... عُطْل من الحسن والجمال )
أخبرني الكوكبي قال حدثني ميمون بن هرون قال
لما ولي أحمد بن أبي خالد الوزارة في أيام المأمون قال دعبل بن علي يهجوه
( وكان أبو خالد مَرّة ... إذا بات متّخماً عاقدا )
( يضيق بأولاده بطنُه ... فيخراهمُ واحداً واحدا )
( فقد ملأ الأرض من سَلحه ... خنافسَ لا تشبه الوالدا )
هرب إلى الجبل وهجا المعتصم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو ناجية قال
كان المعتصم يبغُض دعبلا لطول لسانه وبلغ دعبلاً أنه يريد اغتياله وقتله فهرب إلى الجبل وقال يهجوه
(20/157)

( بكى لِشتات الدِّين مكتئب صبّ ... وفاض بفَرْط الدمع من عينه غربُ )
( وقام إمام لم يكن ذا هداية ... فليس له دين وليس له لبُّ )
( وما كانت الآباء تأتي بمثلِه ... يُملَّك يوماً أو تَدينُ له العُرب )
( ولكن كما قال الذين تتابعوا ... مِن السلَف الماضين إذ عظُم الخطب )
( ملوك بني العباس في الكُتْب سبعة ... ولم تأتنا عن ثامن لهمُ كتب )
( كذلك أهلُ الكهف في الكهفِ سبعة ... خيارٌ إذا عُدّوا وثامنهُم كلب )
( وإني لأُعلي كلبَهم عنك رفعةً ... لأنك ذو ذَنْب وليس له ذَنْب )
( لقد ضاع ملكُ الناس إذ ساس ملكَهم ... وَصيف وأشناسٌ وقد عظُم الكرب )
( وفضلُ بنُ مروانٍ يُثلِّم ثَلَمةً ... يظل لها الإسلام ليس له شَعْب )
أخبرني عمي قال حدثني ميمون بن هرون قال
لما مات المعتصم قال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه
( قد قلتُ إذ غيّبوه وانصرفوا ... في خَير قبرٍ لِخَير مدفون )
( لن يَجبُر الله أمةً فقدت ... مثلَك إلا بمثل هارون )
فقال دعبل يعارضه
( قد قلْتُ إذ غيّبوه وانصرفوا ... في شرّ قبرٍ لشر مدفون )
( اذهب إلى النار والعذاب فما ... خِلْتُك إلا من الشياطين )
( ما زلْتَ حتى عقدتَ بيعة مَن ... أضرّ بالمسلمين والدين )
(20/158)

قال عمي حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال
أنشد دعبل بن علي يوماً قول بعض الشعراء
( قد قلتُ إذ غيّبوه وانصرفوا ... )
وذكر البيتين والجواب ولم يسم قائل المرثية ولا نسبه إلى محمد بن عبد الملك الزيات ولا غيره
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال
سألت دعبلا عن هذه الأبيات
( ملوكُ بني العباس في الكتْب سبعة ... )
فأنكر أن تكون له فقلت له فمن قالها قال من حشا الله قبره ناراً إبراهيم بن المهدي أراد أن يغري بي المعتصم فيقتلني لهجائي إياه
أخبرني عمي والحسن بن علي جميعا قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال كنت عند أحمد بن المدبر ليلة من الليالي فأنشدته لدعبل في أحمد بن أبي داود قوله
( إنّ هذا الذي دُواد أبوه ... وإياد قد أكثر الأنباء )
( ساحقتْ أُمّه ولاط أبوه ... ليت شِعري عنه فمِن أين جاء )
( جاء مِن بين صخرَين صلوتَينْ ... عَقامَين يُنِيتان الهَباء )
( لا سِفاحٌ ولا نِكاح ولا ما ... يوجب الأمهاتِ والآباء )
قال فاستعادها أربع مرات فظننت أنه يريد أن يحفظها ثم قال لي جئني بدعبل حتى أوصله إلى المتوكل فقلت له دعبل موسوم بهجاء الخلفاء
(20/159)

والتشيع وإنما غايته أن يخمل ذكره فأمسك عني ثم لقيت دعبلافحدثته بالحديث فقال لو حضرت أنا أحمد بن المدبر لما قدرت أن أقول أكثر مما قلت
أخبرني الحسن قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن جرير قال
أنشدني عبيد الله بن يعقوب هذا البيت وحده لدعبل يهجو به المتوكل وما سمعت له غيره فيه
( ولست بقائل قَذْعاً ولكن ... لأمرٍ ما تعبَّدك العبيد )
قال يرميه في هذا البيت بالأبنة
أخبرني الحسن قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال
كنت مع دعبل بالصيمرة وقد جاء نعي المعتصم وقيام الواثق فقال لي دعبل أمعك شيء تكتب فيه فقلت نعم وأخرجت قرطاساً فأملى علي بديها
( الحمدُ لله لا صبر ولا جلَدُ ... ولا عزاء إذا أهلُ البَلا رَقدوا )
( خليفةٌ مات لم يَحزن له أحد ... وآخرٌ قام لم يَفرح به أحد )
حدثني عمي قال حدثنا أحمد بن عبيد الله بن ناصح قال
قلت لدعبل وقد عرض علي قصيدة له يمدح بها الحسن بن وهب
(20/160)

أولها
( أعاذِلَتي ليس الهوَى من هوائيا ... )
فقلت له ويحك أتقول فيه هذا بعد قولك
( أين مَحَلّ الحيِّ يا حادي ... خبِّر سقاك الرائحُ الغادي )
وبعد قولك
( قالت سلاَمة أينُ المال قلت لها ... المال ويحِك لاقى الحمدَ فاصطحبا )
وبعد قولك
( فَعَلى أيمانِنا يجري الندَى ... وعلى أسيافنا تجري المُهجْ )
والله إني أراك لو أنشدته إياها لأمر لك بصَفع قفاك فقال صدقت والله ولقد نبهتني وحذرتني ثم مزقها
أخبرني عمي قال حدثني العنزي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال
غضِب دعبل على أبي نصر بن جعفر بن محمد بن الأشعث وكان دعبل مِؤدبه قديما لشيء بلغه عنه فقال يهجو أباه
( ما جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الأشعث ... عندي بخيرٍ أبوّةً من عَثعثِ )
( عبثا تُمارسُ بي تُمَارسُ حية ... سَوّارة إن هِجتَها لم تلبث )
( لو يَعلم المغرور ماذا حاز من ... خزي لوالده إذاً لم يعبث )
قال فلقيه عثعث فقال له عليك لعنة الله أي شيء كان بيني وبينك حتى ضربت بي المثل في خسة الآباء فضحك وقال لا شيء والله اتفاق اسمك واسمِ ابن الأشعث في القافية أولا ترضى أن أجعلَ أباك وهو
(20/161)

أسود خيراً من آباء الأشعث بن قيس
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن سهل القاري وكان يلقب أرزة قال حدثني دعبل بن علي الخزاعي قال
كتبت إلى أبي نهشل بن حميد الطوسي قوله
( إنما العيش في مُنادمِة الإخوان ... لا في الجلوس عند الكَعَابِ )
( وبِصِرْفٍ كأنها ألسُن البرَق ... إذا استعرضَت رقيق السحاب )
( إن تكونوا تركتمُ لذة العيش ... حِذار العِقاب يومَ العقاب )
( فدَعُوني وما ألذّ وأهوَى ... وادفعوا بي في صدر يوم الحساب )
دعبل وعلي بن موسى الرضا
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني موسى بن عيسى المروزي وكان منزله بالكوفة في رحبة طيىء قال
سمعت دعبل بن علي وأنا صبي يتحدث في مسجد المروزية قال دخلت على علي بن موسى الرضا عليهما السلام فقال لي أنشدني شيئاً مما أحدثت فأنشدته
( مدارس آيات خلَتْ من تلاوة ... ومنزلُ وحيٍ مقفرُ العرَصات )
حتى انتهيت إلى قولي
( إذا وُتِروا مدّوا إلى واتريهمُ ... أكفّاً عن الأوتار منقبضات )
(20/162)

قال فبكى حتى أغمي عليه وأومأ إلي خادم كان على رأسه أن اسكت فسكت ساعة ثم قال لي أعد فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضاً فأصابه مثل الذي أصابه في المرة الأولى وأومأ الخادم إلي أن اسكت فسكت فمكث ساعة أخرى ثم قال لي أعد فأعذت حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضاً فأصحابه مثل الذي أصابه في المرة الأولى وأومأ الخادم إلي أن اسكت فسكت فمكث ساعة أخرى ثم قال لي أعد فأعدت حتى انتهيت إلى آخرها فقال لي أحسنت ثلاث مرات ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه ولم تكن دفعت إلى أحد بعد وأمر لي من في منزله بحلي كثير أخرجه إلي الخادم فقدمت العراق فبعت كل درهم منها بعشرة دراهم اشتراها مني الشيعة فحصل لي مائة ألف درهم فكان أول مال اعتقدته
قال ابن مهرويه وحدثني حذيفة بن محمد
أن دعبلاً قال له إنه استوهب من الرضا عليه السلام ثوباً قد لبسه ليجعله في أكفانه فخلع جبة كانت عليه فأعطاه إياها وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم فلم يفعل فخرجوا عليه في طريقه فأخذوها منه غصباً وقالوا له إن شئت أن تأخذ المال فافعل والا فأنت أعلم فقال لهم إني والله لا أعطيكم إياها طوعاً ولا تنفعكم غصباً وأشكوكم إلى الرضا عليه السلام فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين الألف الدرهم وفْرد كم من بطانتها فرضي بذلك
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
بويع إبراهيم بن المهدي ببغداد وقد قل المال عنده وكان قد لجأ إليه أعراب من أعراب السواد وغيرهم من أوغاد الناس فاحتبس عنهم العطاء
(20/163)

فجعل إبراهيم يسوفهم ولا يرون له حقيقة إلى أن خرج إليهم رسوله يوما وقد اجتمعوا وضجوا فصرّح لهم بأنه لا مال عنده فقال قوم من غوغاء أهل بغداد أخرجوا إلينا خليفتنا ليغني لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات ولأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات فتكون عطاء لهم فأنشدني دعبل بعد ذلك بأيام قوله
( يا معشَرَ الأجناد لا تقنَطوا ... وارضَوْا بما كان ولا تَسخطوا )
( فسوف تعطَون حُنَيْنِيّة ... يلتذها الأمرد والأشمط )
( والمعبَدِيّات لقوّادكم ... لا تدخل الكِيس ولا تُربط )
( وهكذا يَرزق قوّاده ... خليفةٌ مُصحفُه البَرْبط )
وزادني فيها جعفر بن قدامة
( قد خَتم الصك بأرزاقكم ... وصحّح العزمَ فلا تسخطوا )
( بَيعة إبراهيم مشؤومة ... يُقتَل فيها الخلق أو يُقْحَطُ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو علي يحيى بن محمد بن ثوابةالكاتب قال حدثني دعبل قال
كان لي صديق متخلف يقول شعرا فاسدا مرذولا وأنا أنهاه عنه إذا أنشدني فأنشدني يوما
( إنّ ذا الحُبّ شديدٌ ... ليسَ يُنجيه الفِرارُ )
( ونجا مَن كان لا يعشق ... من ذلّ المخازي )
(20/164)

فقلت له هذا لا يجوز البيت الأول على الراء والبيت الثاني على الزاي فقال لا تنقطه فقلت له فالأول مرفوع والثاني مخفوض فقال أنا أقول له لا تنقطه وهو يشكله
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا محمد بن زكريا بن ميمون الفرغاني قال
سمعت دعبل بن علي يقول في كلام جرى ليسك فأنكرته عليه فقال دخل زيد الخيل على النبي له يا زيد ما وصف لي رجل إلا رأيته دون وصفه ليسك يريد غيرك
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا علي بن عبد الله بن سعد قال قال لي دعبل وقد أنشدته قصيدة بكر بن خارجة في عيسى بن البراء النصراني الحربي
( زُنّارُه في خصره معقود ... كأنه من كبِدي مقدود )
فقال والله ما أعلمني حسدت أحداً على شعر كما حسدت بكراً على قوله كأنه من كبدي مقدود
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال سمعت الجاحظ يقول سمعت دعبل بن علي يقول
مكثت نحو ستين سنة ليس من يوم ذرّ شارقه إلا وأنا أقول فيه شعراً
(20/165)

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال سمعت دعبل بن علي يقول
دخلت على أبي الحارث جميز وقد فلج لأعوده وكان صديقي فقلت ما هذا يا أبا الحارث فقال أخذت من شعري ودخلت الحمام فغلط بي الفالج وظن أني قد احتجمت فقلت له لو تركت خفة الروح والمجون في موضع لتركتهما في هذا الموضع وعلى هذه الحال
المأمون يسأل عن شعره
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا أحمد بن صدقة قال حدثني أبي قال حدثني عمرو بن مسعدة قال
حضرت أبا دلف عند المأمون أي شيء تروي لأخي خزاعة يا قاسم فقال وأي أخي خزاعة يا أمير المؤمنين قال ومن تعرف فيهم شاعراً فقال أما من أنفسهم فأبو الشيص ودعبل وابن أبي الشيص وداود بن أبي رزين وأما من مواليهم فطاهر وابنه عبد الله فقال ومن عسى في هؤلاء أن يسأل عن شعره سوى دعبل هات أي شيء عندك فيه فقال وأي شيء أقول في رجل لم يسلم عليه أهل بيته حتى هجاهم فقرن إحسانهم بالإساءة وبذلهم بالمنع وجودهم بالبخل حتى جعل كل
(20/166)

حسنة منهم بإزاء سيئة قال حين يقول ماذا قال حين يقول في المطلب بن عبد الله بن مالك وهو أصدق الناس له وأقربهم منه وقد وفد إليه إلى مصر فأعطاه العطايا الجزيلة وولاه ولم يمنعه ذلك من أن قال فيه
( اضرِب ندَى طلحةِ الطّلحات متئداً ... بلَوْم مطّلب فينا وكن حكما )
( تخرجْ خزاعة من لؤم ومن كرم ... فلا تُحسُّ لها لؤماً ولا كرما )
قال فقال المأمون قاتله الله ما أغوصه وألطفه وأدهاه وجعل يضحك ثم دخل عبد الله بن طاهر فقال له أي شيء تحفظ يا عبد الله لدعبل فقال أحفظ أبياتاً له في أهل بيت أمير المؤمنين قال هاتها ويحك فأنشده عبد الله قول دعبل
( سَقياً ورَعياً لأيام الصباباتِ ... أيام أرفُل في أثواب لذاتي )
( أيام غصني رَطيب من لَيانته ... أصبو إلى غير جارات وكَنّات )
( دعْ عنك ذكرَ زمان فات مطلبُه ... واقذِف برِجلِك عن مَتن الجهالات )
( واقصِد بكل مديح أنت قائله ... نحو الهُداة بنى بَيت الكرامات )
فقال المأمون إنه قد وَجد والله مقالاً فقال ونال ببعيد ذكرهم مالا يناله في وصف غيرهم ثم قال المأمون لقد أحسن في وصف سفر سافره فطال ذلك السفر عليه فقال فيه
( ألمْ يأنِ للسَّفر الذين تَحملوا ... إلى وطنٍ قبل الممات رجوع )
( فقلتُ ولم أملكِ سوابق عَبرة ... نطقن بما ضُمت عليه ضلوع )
(20/167)

تبيّنْ فكم دار تفرّق شَمْلها ... وشملٍ شتيت عاد وهو جميع )
( كذاك الليالي صرفُهنّ كما ترى ... لكل أناس جَدْبةٌ وربيع )
ثم قال ما سافرت قطّ إلا كانت هذه الأبيات نُصب عيني في سفري وهجيري ومسليتي حتى أعود
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني المبرد ومحمد بن الحسن بن الحرون قالا قال دعبل
خرجت إلى الجبل هارباً من المعتصم فكنت أسير في بعض طريقي والمكاري يسوق بي بغلاً تحتي وقد أتعبني تعباً شديداً فتغنى المكاري في قولي
( لا تَعجبي يا سلم من رجل ... ضحِك المشيب برأسه فبكى )
فقلت له وأنا أريد أن أتقرب إليه وأكف ما يستعلمه من الحث للبغل لئلا يتعبني تعرف لمن هذا الشعر يا فتى فقال لمن ناك أمه وغرم درهمين فما أردي أي أموره أعجب من هذا الجواب أم من قلة الغرم على عظم الجناية
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن الطيب السرخسي قال
حضرت مجلس محمد بن طاهر وحضرته مغنية يقال لها شنين مشهورة فغنت
( لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى )
(20/168)

ثم غنت بعده
( لقد عجبَتْ سلمى وذاك عجيب ... )
فقلت لها ما أكثر تعجب سلمى هذه فعلمت أني أعبث بها لأسمع جوابها فقالت متمثلة غير متوقفة ولا متفكرة
( فهُلك الفتى ألا يَراح إلى نَدىً ... وألا يَرى شيئاً عجيباً فيعجبا )
فعجبت والله من جوابها وحدته وسرعته وقلت لمن حضر والله لو أجاب الجاحظ هذا الجواب لكان كثيراً منه مستظرفاً
نسبة هذا الصوت
صوت
( لقد عجِبَت سلمى وذاك عجيب ... رأت بيَ شيباً عجّلته خُطوب )
( وما شيبَّتْني كَبرةٌ غير أنني ... بِدَهر به رأس العظيم يشيب )
الغناء ليحيى المكي ثقيل أول بالوسطى من كتاب ابنه أحمد
حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد المرتجل بن أحمد بن يحيى المكي قال
كان أبي صديقاً لدعبل كثير العشرة له حافظاً لغيبه وكل شعر يغنى
(20/169)

فيه لدعبل فهو من صنعة أبي و غناني من صنعة أبيه في شعر دعبل والطريقة فيه خفيف ثقيل في مجرى البنصر
صوت
( سَرَى طيفُ ليلى حين آن هُبوبُ ... وقضّيتُ شوقاً حين كاد يذوب )
( فلم أرَمطروقاً يُحَلّ بِرَحله ... ولا طارقاً يَقرى المنى ويُثيب )
وأنشدني عمي هذين البيتين عن أحمد بن أبي طاهر وابن مهرويه جميعاً لدعبل
حدثني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال
سألت دعبلا من الذي يقول
( ملوك بني العباس في الكتْبِ سبعة )
فقال من أضرم الله قبره ناراً إبراهيم بن المهدي قال ابن أبي سعد وحدثني عبد العزيز بن سهل أنه سأله عنها فاعترف بها
حدثني عمي قال أنشدني ابن أخي دعبل لعمه في طاهر بن الحسين وكان قد نقم عليه أمراً أنكره منه
( وذي يمينَين وعينٍ واحدهْ ... نُقصانُ عَين ويمينٌ زائدهْ )
( نَزْرُ العطيات قليل الفائدهْ ... أعضّه الله بِبَظْر الوالدهْ )
حدثني جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال كان دعبل قد مدح دينار بن عبد الله وأخاه يحيى فلم يرض ما فعلاه فقال يهجوهما
(20/170)

( ما زال عصياننا للهِ يُرذِلنا ... حتى دُفعنا إلى يحيى ودينارِ )
( وَغْدَين عِلْجَين لم تُقطَع ثمارها ... قد طال ما سَجدا للشمس والنار )
قال وفيهما وفي الحسن بن سهل يقول أيضاً دعبل يهجوهم والحسن بن رجاء وأبيه أيضاً
( ألا فاشتروا مِني ملوك المخزمِ ... أبِعْ حَسناً وابني رجاء بدرهمِ )
( وأعط رجاء فوق ذاك زيادة ... وأسمحْ بدينار بغير تندُّم )
( فإن رُدّ من عيب عليّ جميعُهم ... فليس يَردُّ العيبَ يحيى بنُ أكثم )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو الطيب الحراني قال
كان دعبل منحرفا عن الطاهرية مع ميلهم إليه وأياديهم عنده فأنشدني لنفسه فيهم
( وأبقى طاهر فينا ثلاثاً ... عجائبَ تُسْتَخَفّ لها الحلوم )
( ثلاثةَ أعبد لأب وأم ... تُمَيّز عن ثلاثتِهم أُروم )
( فبعضٌ في قريش منتماه ... ولا غَيرٌ ومجهول قديم )
( وبعضهُم يَهشّ لآل كسرى ... ويزعم أنه عِلْج لئيم )
( فقد كثرَتْ مناسبهم علينا ... وكلُّهم عَلَى حال زنيم )
(20/171)

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبي قال
كان صالح بن عطية الأضجم من أبناء الدعوة وكان من أقبح الناس وجها وكان ينزل واسطا فقال فيه دعبل
( أحسنُ ما في صالح وجهُهُ ... فقِس على الغائب بالشاهدِ )
( تأملَتْ عينِي له خِلقةً ... تدعو إلى تزنيه الوالد )
قال وقال فيه أيضا وخاطب فيها المعتصم
( قل لِلإمام إمامِ آل محمد ... قول امرئ حَدِبٍ عليكَ مُحام )
( أنكرْتُ أن تفتر عنك صنيعةٌ ... في صالح بنِ عطيةَ الحجّام )
( ليس الصنائعُ عنده بِصنائع ... لكنهن طوائل الإسلام )
( اضرب به جيشَ العدوّ فوجهُه ... جيش من الطاعون والبِرسام )
دعبل ومسلم بن الوليد
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني إبراهيم بن محمد الوراق قال حدثني الحسين بن أبي السري قال قال لي دعبل
ما زلت أقول الشعر وأعرضه على مسلم فيقول لي اكتم هذا حتى قلت
( أين الشباب وأيةً سَلكاً ... لا أين يطلب ضلّ بل هلكا )
فلما أنشدته هذه القصيدة قال اذهب الآن فأظهر شعرك كيف شئتَ لمن شئت
(20/172)

قال إبراهيم وحدثني الفتح غلام أبي تمام الطائي وكان أبو سعيد الثغري اشتراه له بثلثمائة دينار لينشد شعره وكان غلاماً أديبا فصيحا وكان إنشاد أبي تمام قبيحاً فكان ينشد شعره عنه فقال سألت مولاي أبا تمام عن نسب دعبل فقال هو دعبل بن علي الذي يقول
( ضحك المشيب برأسه فبكى ... )
قال الفتح وحدثني مولاي أبو تمام قال ما زال دعبل مائلاً إلى مسلم بن الوليد مقراً بأستاذيته حتى ورد عليه جرجان فجفاه مسلم وكان فيه بخل فهجره دعبل وكتب إليه
( أبا مَخْلد كنا عقيدَيْ مودة ... هوانَا وقلبانا جميعاً مَعاً مَعا )
( أحُوطك بالغيبِ الذي أنت حائطي ... وأيجع إشفاقاً لأن تتوجعا )
( فصيّرتَني بعد انتكاسك متْهماً ... لنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا )
( غششْتَ الهوَى حتى تداعت أصوله ... بنا وابتذلّتَ الوصل حتى تقطعا )
( وأنزلتَ من بين الجوانح والحشا ... ذخيرة وُد طالما تَمنعا )
( فلا تعذلنَّي ليس لي فيك مطمع ... تخرقتَ حتى لم أجد لك مَرْقعا )
( فهبك يميني استأكلَتْ فقطعتُها ... وجشّمت قلبي صبره متشجعا )
ويروى وحملت قلبي فقدها قال ثم تهاجرا فما التقيا بعد ذلك
أخبرني محمد بن خلف قال حدثني إبراهيم بن محمد قال حدثنا الحسين بن علي قال قلت لابن الكلبي
إن دعبلاً قطعي فلو أخبرت الناس أنه ليس من خزاعة فقال لي
(20/173)

يا فاعل مثل دعبل تنفيه خزاعة والله لو كان من غيرها لرغبت فيه حتى تدعيه دعبل والله يا أخي خزاعة كلها
دعبل والمطلب بن عبد الله بن مالك
أخبرني محمد بن المرزبان قال حدثني إبراهيم بن محمد الوراق عن الحسين بن أبي السري عن عبد الله بن أبي الشيص قال حدثني دعبل قال
حججت أنا وأخي رزين وأخذنا كتباً إلى المطلب بن عبد الله بن مالك وهو بمصر يتولاها فصرنا من مكة إلى مصر فصحبنا رجل يعرف بأحمد بن فلان السراج نسي عبد الله بن أبي الشيص اسم أبيه فما زال يحدثنا ويؤانسنا طول طريقنا ويتولى خدمتنا كما يتولاها الرفقاء والأتباع
وأريناه حسن الأدب وكان شاعراً ولم نعلم وكتمنا نفسه وقد علم ما قصدنا له فعرضنا عليه أن يقول في المطلب قصيدة ننحله إياها
فقال إن شئتم وأرانا بذلك سروراً وتقبلاً له فعملنا قصيدة وقلنا له تنشدها المطلب فإنك تنتفع بها
فقال نعم ووردنا مصر به فدخلنا إلى المطلب وأوصلنا إليه كتباً كانت معنا وأنشدناه
فسر بموضعنا ووصفنا له أحمد السراج هذا وذكرنا له أمره فأذن له فدخل عليه ونحن نظن أنه سينشد القصيدة التي نحلناه إياها فلما مثل بين يديه عدل عنها وأنشده
( لم آت مطّلِباً إلا بمطّلب ... وهمةٍ بلَغت بي غاية الرُّتب )
(20/174)

( أفردتُه برجاء أن تشاركه ... فيّ الوسائل أو ألقاه في الكتب )
قال وأشار إلى كتبي التي أوصلتها إليه وهي بين يديه فكان ذلك أشد من كل شيء مر بي منه علي ثم أنشده
( رحلْت عَنْسي إلى البيت الحرام على ... ما كان من وصَب فيها ومن نَصَب )
( ألقى بها وبوجهي كلَّ هاجرة ... تكاد تقدح بين الجلد والعصَب )
( حتى إذا ما قَضَتْ نُسْكي ثَنَيت لها ... عِطف الزّمام فأمَت سيدَ العرب )
( فيمّمْتك وقد ذابت مفاصلها ... من طول ما تعَبٍ لاقت ومن نَقب )
( إني استجرْت بإستارين مستلِماً ... رُكنَين مطّلباً والبيتَ ذا الحُجُب )
( فَذاك للآجل المأمول ألمَسه ... وأنت للعاجل المرجّو والطلب )
( هذا ثنائي وهذي مصر سانحةً ... وأنت أنت وقد نادْيتُ من كثَب )
قال فصاح مّطلب لبيك لبيك ثم قام إليه فأخذه بيده وأجلسه معه وقال يا غلمان البدر فأحضرت ثم قال الخلع فنشرت ثم قال الدواب فقيدت فأمر له من ذلك بما ملأ عينه وأعيننا وصدورنا وحسدناه عليه وكان حسدنا له بما أتفق له من القبول وجودة الشعر وغيظنا بكتمه إيانا نفسه واحتياله علينا أكثر وأعظم فخرج بما أمر له به وخرجنا صفرا فمكثنا أياماً ثم ولى دعبل بن علي أسوان وكان دعبل قد هجا المطلب غيظاً منه فقال
( تُعَلِّق مصرُ بك المخزِيات ... وتبصقُ في وجهك المَوْصلُ )
(20/175)

( وعاديتَ قوماً فما ضَرّهم ... وشرّفتَ قوماً فلم ينبُلوا )
( شِعارك عند الحروب النجاء ... وصاحِبُك الأخور الأفشل )
( فأنت إذا ما التقَوا آخرٌ ... وأنت إذا انهزموا أول )
وقال فيه
( اضرِبْ ندَى طلحِة الطلحات متئّداً ... بِلؤم مطّلب فينا وكن حكَما )
( تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم ... فلا تعدُّ لها لؤماً ولا كرما )
قال وكانت القصيدة التي مدح بها دعبل المطلبَ قصيدته المشهورة التي يقول فيها
( أبْعدَ مصرٍ وبعد مطّلب ... ترجو الغِنى إن ذا من العجب )
( إن كاثرونا جئنا بأسرته ... أو واحدونا جئنا بمطّلب )
قال وبلغ المطلبَ هجاؤه إياه بعد أن ولاه فعزله عن أسوان فأنفذ إليه كتاب العزل مع مولى له وقال انتظره حتى يصعد المنبر يوم الجمعة فإذا علاه فأوصل الكتاب إليه وامنعه من الخطبة وأنزله عن المنبر واصعد مكانه فلما أن علا المنبر وتنحنح ليخطب ناوله الكتاب فقال له دعبل دعني أخطب فإذا نزلت قرأته قال لا قد أمرني أن أمنعك الخطبة حتى تقرأه فقرأه وأنزله عن المنبر معزولاً
قال فحدثني عبد الله بن أبي الشيص قال قال لي دعبل قال لي المطلب ما تفكرت في قولك قط
( إن كاثرونا جئنا بأسرته ... أو واحدونا جئنا بمطلب )
إلا كنت أحب الناس إلي ولا تفكرت والله في قولك لي
( وعاديْتَ قوماً فما ضرهم ... وقدّمتَ قوماً فلم ينبُلوا )
(20/176)

إلا كنت أبغض الناس إلي
قال ابن المرزبان حدثني من سأل الرياشي عن قوله إستارين قال يجوز على معنى إستار كذا وإستار كذا وأنشدنا الرياشي
( سعى عقالاً فلم يترك لنا سبَدا ... فكيف لو قد سعَى عمرو عِقالَين )
( لأصبَح القوم أوفاضاً فلم يجدوا ... يوم الترحل والهيجا جِمالين )
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني عبد العزيز بن سهل قال
لما قصد دعبل عبد المطلب بن عبد الله بن مالك إلى مصر ولم يرض ما كان منه إليه قال فيه
( أمطّلبٌ أنت مستعذٍب ... حُمَيّا الأفاعي ومستقبِلُ )
( فإن أشفِ منك تكن سُبّة ... وإن أعفُ عنك فما تعقل )
( ستأتيك إما وردْتَ العراق ... صحائفُ يأثِرها دِعبل )
( منمَّقةٌ بين أثنائها ... مَخازٍ تَحُطُّ فلا تَرحل )
( وضعْتَ رجالاً فما ضرّهم ... وشرّفت قوماً فلم ينبُلوا )
( فأيُّهم الزَّين وسْط المَلا ... عطيةُ أم صالحُ الأحول )
( أم الباذِنجانيّ أم عامر ... أمينُ الحمَام التي تَزْجُل )
( تُنَوِّط مصرُ بك المخزيات ... وتبصق في وجهك الموصل )
( ويومَ السّراة تحسّيتَها ... يطيب لدى مثلِها الحنظل )
( توليتَ ركْضاً وفتياننا ... صدورُ القنا فيهمُ تعمَل )
(20/177)

( إذا الحربُ كنت أميراً لها ... فحظهمُ منك أن يُقتَلوا )
( فمِنك الرؤوس غداةَ اللقاء ... وممن يحاربك المُنْصُل )
( شِعارك في الحرب يومَ الوغى ... إذا انهزَموا عجِّلوا عجِّلوا )
( هزائمك الغُرُّ مشهورة ... يُقرطِس فيهن من ينضُل )
( فأنتَ لأوّلهم آخرٌ ... وأنت لآخرهم أول )
أخبرني عمي أنشدنا المبرد لدعبل يهجو المطلب بن عبد الله ويعيره بغلامين علي وعمرو وكان يتهم بهما
( فأيرُ عليٍّ له آلة ... وفَقْحة عمرو له ربه )
( فَطوراً تصادفه جَعبةٌ ... وطوراً تصادفه حربه )
وأنشدني ابن عمار عن أحمد بن سليمان بن أبي شيخ لدعبل يمدح المطلب بن عبد الله بن مالك وفيه غناء
صوت
( زَمَنِي بمطَّلب سُقِيتَ زماناً ... ما كنْتَ إلا روضة وجِنانا )
( كُلُ الندى إلا نداكَ تكلُّفٌ ... لم أرضَ بعدك كائناً مَن كانا )
( أصلحتَني بالبرّ بل أفسدتَني ... فتركتَني أتسخّط الإحسانا )
وقد أخبرني بخبره الأول الطويل مع المطلب الحسن بن علي عن أحمد بن محمد حدان عن أحمد بن يحيى العدوي أن سبب سخطه على المطلب أن رجلاً من العلويين كان قد تحرك بطنجة فكان يبث دعاته إلى
(20/178)

مصر وخافه المطلب فوكل بالأبواب من يمنع الغرباء دخولها
فلما جاء دعبل منع فأغلظ للذي منعه فقنعه بالسوط وحبسه فمضى رزين فأخبر المطلب فأمر بإطلاقه ودعا به فخلع عليه فقال له لا أرضى أو تقتل الموكل بالباب فقال له هذا لا يمكن لأنه قائد من قواد السلطان فغضب ثم أنشده الرجل الأبيات المذكورة فأجازه وحكى أن اسمه محمد بن الحجاج لا أحمد بن السراج وسائر الخبر مثله
دعبل والمخزومي
وكان سبب مناقضته أبا سعد المخزومي وما خرج إليه الأمر بينهما قول دعبل قصيدته التي هجا فيها قبائل نزار فحمي لذلك أبو سعد فهجاهم فأجابه أبو سعد ولجّ الهجاء بينهما
وروي أنه نزل بقوم من بني مخزوم فلم يضيّفوه فهجاهم فأجابهم أبو سعد ولجّ الهجاء بينهما
أخبرني عمي والحسن بن علي الخفاف قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن الأشعث قال حدثني دعبل أنه ورزيناً العروضي نزلا بقوم من بني مخزوم فلم يقروهما ولا أحسنوا ضيافتها فقال دعبل فقلت فيهم
( عِصابةٌ من بني مخزومَ بِتُّ بهم ... بحيث لا تطمع المِسحاة في الطين )
ثم قلت لرزين أجز فقال
( في مَضغ أعراضهم من خبزهم عِوَض ... بني النفاق وأبناء الملاعين )
قال ابن الأشعث فكان هذا أول الأسباب في مهاجاته لأبي سعد
(20/179)

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني العنزي قال حدثني علي بن عمرو الشيباني أن الذي هاج الهجاء بين أبي سعد و دعبل قصيدته القحطانية التي هجا فيها نزاراً فأجابه عنها أبو سعد ولج الهجاء بينهما
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني أحمد بن أبي كامل قال كان سبب وقوع الهجاء بين دعبل وأبي سعد قول دعبل في قصيدة يفخر فيها بخزاعة ويهجو نزاراً وهي التي يقول فيها
( أتانا طالباً وَعْرا ... فأعقبناه بالوَعر )
( وتَرْناه فلم يَرض ... فأعقبناه بالوِتر )
فغضب أبو سعد وقال قصيدته التي يقول فيها لدعبل وهي مشهورة
( وبالكَرخ هوىً أبقى ... على الدهر من الدهر )
( هوىً والحمد لله ... كفاني كُلفة العذر )
قال ثم التحم الهجاء بينهما بعد ذلك
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن هارون قال دخلت على أبي سعد الخزومي يوماً وهو يقول وأي شيء ينفعني أجود الشعر فلا يروى ويرذل فيروى ويفضحني برديئه ولا أفضحه بجيدي فقلت من تعني يا أبا سعد فقال من تراني أعني إلا من عليه لعنة الله دعبلاً فقلت فيه
( لَيْسَ لُبْس الطيالِس ... مِن لِباس الفوارسْ )
( لاولا حَوْمَةُ الوغى ... كصُدور المجالس )
( ضَرْبُ أوتار نَفْنف ... غيرُ ضرب القوانس )
(20/180)

( وظُهور الجياد غير ... ظهور الطِنافس )
( ليس مَن ضارسَ الحروب ... كمن لمْ يُضارس )
( بِأبي غرسُ فِتية ... من كرام المغارس )
( فتية من بني المُغيرة ... شمّ المعاطس )
( يِطعمون السديف في ... كل شهباء دامس )
( في جِفانٍ كأنها ... من جفان العرائس )
( ثم يمشون في السّنَّور ... مشيَ العنابس )
( ويخوضون باللواء ... دماءَ الأبالس )
( نحن خير الأنامِ عند ... قياس المُقايس ) فوالله ما التفَت إليها في مصرنا هذا إلا علماء الشعر وقال هو فيّ
( يا أبا سعدٍ قَوْصَره ... زاني الأخت والمَرَه )
( لو تراه مُحَنَّباً ... خلته عَقدَ قنطره )
( أو ترى الأير في آسته ... قلت ساقٌ بمِقطره )
قال فوالله لقد رواه صبيان الكتاب ومارة الطريق والسفل أجتاز والسفل فما اجتاز بموضع إلا سمعته من سفلة يهذرون به فمنهم من يعرفني فيعيبني به ومنهم
(20/181)

من لا يعرفني فأسمعه منه لسهولته على لسانه
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي ومحمد بن يحيى الصولي وعمي قالوا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني علي بن أبي عمرو الشيباني قال
جاءني إسماعيل بن إبراهيم بن ضمرة الخزاعي فقال لي إني سألت دعبلا أن اقرأ عليه قصيدته التي يناقض بها الكميت
( أفيقي من مَلامك يا ظعينا ... كفاك اللومَ مرُّ الأربعينا )
فقال لي إسماعيل قال لي دعبل يا أبا الحسن فيها أخبار وغريب فليكن معك رجل يقرأها عليّ وأنت معه فيكون أهون علي منك فقلت له لقد اخترت صديقا لي يقال له علي فقال أمن العرب هو قلت نعم قال من أي العرب قلت من بني شيبان قال شيبان كندة فقلت بل شيبان ربيعة فقال لي ويحك أتأتيني برجل أسمعه ما يكره في قومه فقلت له إنه رجل يحتمل ويحب أن يسمع ماله وعليه فقال في مثل هذا رغبة فأتني به فصرنا إليه فلما لقيه قال قد أخبرني عنك أبو الحسن بما سررت به أن كنت رجلا من العرب تحب أن تمسع ما لك وعليك لكيلا تغبن فقرأنا عليه الشعر حتى انتهينا في القصيدة إلى قوله
( مِنَ أي ثَنيّة طلعَت قريش ... وكانوا معشراً متنّبطينا )
فقال دعبل معاذ الله أن يكون هذا البيت لي ثم قال لعنه الله وانتقم منه يعني أبا سعد المخزومي دسّه والله في هذا الشعر وضرب بيده إلى سكين كانت معه فجرد البيت بحدها ثم قال لنا أحدثكم عنه بحديث طريف
جاءني يوماً ببغداد أشد ما كان بيني وبينه من الهجاء وبين يدي
(20/182)

صحيفة ودواة وأنا أهجوه فيها إذ دخل علي غلام لي فقال أبو سعد المخزومي بالباب فقلت له كذبت فقال وهو عارف بأبي سعد بلى والله يا مولاي فأمرته برفع الدواة والجلد الذي كان بين يدي وأذنت له في الدخول وجعلت أحمد الله في نفسي فأقول الحمد لله الذي أصلح بيني وبينه من هتك الأعراض وذكر القبيح وكان الابتداء منه فقمت إليه وسلمت عليه وهو ضاحك مسرور فأبديت له مثل ذلك من السرور به ثم قلت أصبحت والله حاسدا لك قال على ماذا يا أبا علي فقلت بسبقك إياي إلى الفضل
فقال لي أنا اليوم في دعوى عندك فقلت قل ما أحببت فقال إن كان عندك ما نأكله وإلا ففي منزلي شيء معد فسألت الغلمان فقالوا عندنا قدر أمسية فقال غاية واتفاق جيد فهل عندك شيء نشربه وإلا وجهت إلى منزلي ففيه شراب معد فقلت له عندنا ما نشرب فطرح ثيابه ورد دابته وقال أحب ألا يكون معنا غيرنا فتغدينا وشربنا فلما أن أخذ الشراب منا قال مر غلاميك يغنياني فأمرت الغلامين فغنياه فطرب وفرح واستحسن الغناء حتى سرني وأطربني معه ثم قال حاجتي إليك يا أبا علي أن تأمرهما بأن يغنياني في هجائك لي وكان الغلامان لكثرة ما يسمعانه مني في هجائي قد حفظا منه أشياء ولحناها فقلت له سبحان الله يا أبا سعد قد طفئت النائرة وذهبت العداوة بيننا وانقطع الشر فما حاجتك إلى هذا فقال لي سألتك بالله إلا فعلت فليس يشق ذلك علي ولو كرهته لما سألته فقلت في نفسي أترى أبا سعد يتماجن علي يا غلمان غنوه بما يريد فقال غنوه
( يا أبا سعد قوْصَرَة ... زاني الأخت والمره )
(20/183)

فغنوه وهو يحرك رأسه وكتفيه ويطرب ويصفق فما زلنا يومنا مسرورين فلما ثمل ودعني وقام فانصرف وأمرت غلماني فخرجوا معه إلى الباب فإذا غلام منهم قد انصرف إلي بقطعة قرطاس وقال دفعها إلي أبو سعد المخزومي وأمرني أن أدفعها إليك فقرأتها فإذا فيها
( لِدعبلٍ مِنّهَ يَمنُّ بها ... فلست حتى الممات أنساها )
( أدخلَنا بيته فأكرمنا ... ودَس بامرأته فنكناها )
فقال ويلي على ابن الفاعلة هاتوا جلداً وداوة قال فردوهما علي فعدت غلى هجائه ولقيته بعد يومين أو ثلاثة فما سلم علي ولا سلمت عليه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا علي بن عبد الله بن سعد أنه سمع دعبلاً يحدث بخيره هذا مع أبي سعد فذكر نحو ما ذكره العنزي
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني أحمد بن أبي كامل قال رأيت دعبلاً قد لقي أبا سعد في الرصافة وعليهما السواد وسيفاهما على أكتافهما فشد دعبل على أبي سعد فقنعه فركض أبو سعد بين يديه هارباً وركض دعبل في أثره وهو يهرب منه حتى غاب قال وكنت أرى ابا سعد يجلس مع بني مخزوم في دار المأمون فتظلموا منه إلى المأمون وذكروا أنهم لا يعرفون له فيهم نسباً فأمرهم المأمون بنفيه فانتفوا منه وكتبوا بذلك كتاباً فقال دعبل فيه يذكر ذلك من قصيدة طويلة
( غير أن الصِّيد منهمْ ... قنّعوه بخَزايه )
( كتبوا الصّك عليه ... فَهْو بين الناس آيه )
( فإذا أقبل يوماً ... قيل قد جاء النُّفَايه )
(20/184)

وقال فيه أيضاً
( همُ كتبوا الصّك الذي قد علمته ... عليك وشنّوا فوق هامتك القفدا )
قال وكان إذا قيل له بعد ذلك شيء في نسبه قال أنا عبد ابن عبد قال ونظر دعبل فرأى على أبي سعد قباء مروياً مصبوغاً بسواد فقال هذا دعي على دعي
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن مروان مولى الهادي قال
لقيني أبو سعد المخزومي على ظهر الطريق فقال لي يا أحمد أنا أدرس شكايتك إلى أبيك قال فقلت ولم أبقاك الله قال فما فعل دفتر البزاريات قلت هو ذا أجيئك به فلما صليت الظهر جئت بالدفتر أريده فمررت بدعبل فدققت بابه فسمعته يقول لجاريه له أنظري من بالباب فقالت له أحمد بن مروان فقال افتحي له فلما دخلت قلت له أيش هو دراهم من الأسماء قال سميتم جواريكم دنانير فسمينا جوارينا بدراهم ثم قال ما هذا معك قلت دفتر فيه شعر أبي سعد في البزاريات فأخذه فنظر فيه وابنه علي بن دعبل بن علي معه فلما بلغ من نظره إلى شعره الذي يقول فيه
( مالت إلى قلبك أحزانه ... فهو مُجِمُّ الهم خزّانه )
قال له ابنه علي فما كان عليه يا أبت لو قال في شعره
( عادت إلى قلبك أحزانه ... )
(20/185)

فقال دعبل صدقت والله يا بني أنت والله أشعر منه ثم قال إنه أملى علي دعبل إملاء
( ما كنت أحسب أنّ الدهر يُمهلني ... حتى أرى أحداً يهجوه لا أحدُ )
( إني لأعجب ممن في حقيبته ... من المنِيِّ بُحورٌ كيف لا يلد )
( فإن سمِعت به بعْتُ القنا عبثاً ... فقد أراد قَناً ليست له عُقَدُ )
ثم صرت إلى أبي سعد فلما رآني من بعيد قال يا أحمد من أين أقبلت قلت من عند دعبل قال وما دعبلت عنده فأنشدته شعر دعبل فيه وأخبرته بما قال ابنه في شعره فقال صدق والله في أي سن هو قلت قد بلغ فدعا بدواة وقرطاس وقال اكتب فكتبت
( لا والذي خلق الصهباء من ذهب ... والماء من فِضة لا ساد مَن بَخِلا )
( يقول لي دِعِبل في بطنه حبل ... ولو أصابت ثيابي دِعِبل حَبِلا )
( ودِعبل رجل ما شئتَ من رجل ... لو كان أسفلُه من خلقه رجُلا )
قال ثم هجاني أبو سعد فقال
( عدُوُّ راح في ثوبَيْ صديق ... شريك في الصَبوح وفي الغَبوق )
( له وجهان ظاهره ابنُ عمٍ ... وباطنه ابنُ زانية عتيق )
( يَسُرُّك معلِناً ويَسُوءُ سرَّاً ... كذاك يكون أبناء الطريق )
أخبرني عمي والحسن بن علي قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو ناجية شيخ من ولد زهير بن أبي سلمى قال
حضرت بني مخزوم وهم ببغداد وقد اجتمعوا على أبي سعد لما لجّ الهجاء بينه وبين دعبل وقد خافوا لسان دعبل وأن يقطعهم ويهجوهم هجاء
(20/186)

يعمهم جميعاً فكتبوا عليه كتاباً وأشهدوا أنه ليس منهم فحدثني غير واحد أنه أتى حينئذٍ بخاتمه النقاش فنقش عليه أبو سعد العبد ابن العبد بريء من بني مخزوم تهاونا بما فعلوه
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد قال
كان أبو سعد المخزومي قد كان يستعلي على دعبل في أول أمره وكان يدخل إلى المأمون فينشده هجاء دعبل وللخلفاء ويحرضه عليه وينشده جوابه فلم يجد عند المأمون ما أراده فيه وكان يقول الحق في يدك والباطل في يد غيرك والقول لك ممكن فقل ما يكذبه فأما القتل فإني لست أستعمله فيمن عظم ذنبه أفأستعمله في شاعر فاعترض بينهما ابن أبي الشيص فقال يهجو أبا سعد
( أنا بشّرت أبا سعد ... فأعطاني البشارَهْ )
( بأبٍ صِيدَ له بالأمس ... في دار الإماره )
( فَهْو يوماً من تميم ... وهو يوماً من فَزاره )
( كلَّ يوم لأبي سعد ... على الأنساب غاره )
( خزَمت مخزوم فاه ... فادعاها بالإشارة )
قال وقال فيه ابن أبي الشيص أيضاً
( أبا سعد بحق الخمس ... والمفروضِ من صومكْ )
( أقلْتَ الحق في النسبة ... أمن تحلُم في نومك )
( أبنْ لي أيّها المَعْرور ... مِمّن أنت في قومك )
( فولّى قائلاً لو شئتَ ... قد أقصرْتَ من لومك )
( ودعني أك من شئتُ ... إذا لم أك من قومك )
(20/187)

وقال فيه دعبل
( إن أبا سعد فتى شاعرُ ... يٌعرف بالكُنية لا الوالدِ )
( يَنْشُد في حيّ معدٍّ أباً ... ضلَّ عن المنشود والناشد )
( فرحمةُ الله على مسلم ... أرشد مفقوداً إلى فاقد )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن عثمان الطبري قال
سمعت دعبل بن علي يقول لما هاجيت أبا سعد أخذت معي جوزاً ودعوت الصبيان فأعطيتهم منه وقلت لهم صيحوا به قائلين
( يا أبا سعد قَوْصَره ... زانيَ الأخت والمَرهْ )
فصاحوا به فغلبته
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن مروان قال حدثني أبو سعد المخزومي واسمه عيسى بن خالد بن الوليد قال
أنشدت المأمون قصيدتي الدالية التي رددت فيها على دعبل قوله
( ويسومني المأمون خطةَ عاجز ... أوَ ما رأى بالأمس رأس محمد )
وأول قصيدتي
( أخذ المشيبُ من الشباب الأغيد ... والنائبات من الأنام بمرصَد )
ثم قلت له يا أمير المؤمنين ائذن لي أن أجيئك برأسه قال لا هذا رجل فخر علينا فافخر عليه كما فخر علينا فأما قتله بلا حجة فلا
أخبرني عمي والحسن بن علي عن أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أبو السري عمرو الشيباني قال
(20/188)

نظر دعبل يوماً في المرآة فجعل يضحك وكانت في عنفقته سلعة فقلت له من أي شيء تضحك قال نظرت إلى وجهي في المرآة ورأيت هذه السلعة التي في عنفقتي فذكرت قول الفاجر أبي سعد
( وسَلْعَة سَوء به سَلْعَةٌ ... ظلمتُ أباه فلم ينتصر )
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال قال عبد الله بن الحسن بن أحمد مولى عمر بن عبد العزيز قال حدثنا محمد بن علي الطالبي قال
لقيت دعبل بن علي فحدثني أن أبا عمرو الشيباني سأله ما هو دعبل فقلت له لا أدري فقال إنها الناقة المسنة قال محمد بن علي الطالبي ثم تحدثنا ساعة فقلت أما ترى لأبي سعد يا أبا علي وانهماكه في هجائك فقال دعبل لكني لم أقل فيه إلا أبياتاً سخيفة يلعب بها الصبيان والإماء وأنشدني قوله فيه
( يا أبا سعد قَوْصَره ... زاني الأخت والمره )
( لو تراه محنّباً ... خلته عقد قنطره )
( أو ترى الأير في استه ... قلتَ ساقٌ بمِقطَره )
قال محمد فقلت لدعبل دع عنك ذا فقد الله أوجعك الرجل فإن أجبته بجواب مثله انتصفت وإلا فإن هذا اللغو الذي فخرت به يسقط وتفضح
(20/189)

آخر الدهر قال ثم أنشدته قول أبي سعد فيه
( لم يبقَ لي لذةٌ من طِيَّةٍ بدَدِ ... ولا المنازلِ من خَيْف ولا سَنَد )
( أبَعد خمسين عادت جاهليتُه ... يا ليت ما عاد منها اليومَ لم يَعد )
( وما تُريد عيونُ العِين من رجل ... كرّ الجديدان في أيامه الجُدُد )
( أبدى سرائرَه وَجْداً بغانية ... ولو أطاع مشيبَ الرأس لم يجِد )
( واستمطرتُ عبراتِ العَين منزلةٌ ... لم يبقَ منها سوى الآريِّ والوتد )
( وما بكاؤك داراً لا أنيس بها ... إلا الخواضبُ من خيطانها الرُّبُدِ )
( لدِعبل وطَرٌ في كل فاحشة ... لَوْ بادَ لؤم بني قحطانَ لم يَبِد )
( ولي قوافٍ إذا أنزلتُها بلداً ... طارتْ بهن شياطيني إلى بلَد )
( لم ينجُ من خيرِها أو شرّها أحدُ ... فاحذَر شآبيبَها إن كنت مِن أحد )
( إنّ الطِّرمَّاح نالَته صواعقُها ... في ظلمة القبر بين الهام والصُّرَد )
( وأنت أولى بها إذ كنت وارثه ... فابعُد وجهدُك أن تنجو على البُعد )
( تهجو نِزاراً وترعى في أرومتِها ... وتنتَمي في أناس حاكةِ البُرُد )
( إني إذا رجُل دبَّت عقاربه ... سقيتُه سم حيّاتي فلم يَعُدِ )
(20/190)

( زدني أزدك هواناً أنت موضعه ... ومَن يزيد إذا ما نحن لم نَزد )
( لو كنتَ متئداً فيما تُلفقه ... لكان حظك منه حظ متئد )
( أو كنتَ معتمِداً منه على ثقة ... من المكارم قلنا طَوْل معتمد )
( لقد تقلدْتَ أمراً لست نائله ... بلا ولِيّ ولا مولى ولا عضُد )
( وقد رميتَ بياض الشمس تحسبه ... بياض بطنِك من لُؤم ومن نكَد )
( لا تُوعدنّي بقوم أنت ناصرهم ... واقعد فإنك نَوْمانٌ من القَعَد )
( لله معتصم بالله طاعتُه ... قضية من قضايا الواحد الصمد )
قال فلما أنشدتها دعبلا قال أنا أشتمه وهو يشتمني فما إدخال المعتصم بيننا وشق ذلك عليه وخافه ثم قال نقيض هذه القصيدة
( منازل الحيّ من غُمدان فالنَّضَدِ ... )
وهي طويلة مشهورة في شعره هكذا قال العنزي في الخبر ولم يأت بها
حدثنا محمد قال حدثنا العنزي قال حدثني عبد الله بن الحسين عن محمد بن علي الطالبي قال
عبر دعبل الجسر ببغداد وأبو سعد واقف على دابته عند الجسر وعليه ثوب صوف مشبه بالخز مصبوغ فضرب دعبل بيده على فخده وقال
(20/191)

دعيّ على دعي
حديث عن شبه بين عبد الله بن طاهر والضبيّ عن نسبه
أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني صهر المبرد قال حدثني محمد بن موسى الضبي راوية العتابي وكان نديما لعبد الله بن طاهر قال
بينما هو ذات ليلة يذاكرنا بالأدب وأهله وشعراء الجاهلية والإسلام إذ بلغ إلى ذكر المحدثين حتى انتهى إلى ذكر دعبل فقال ويحك يا ضبيّ إني أريد أن أحدثك بشيء على أن تستره طول حياتي فقلت له أصلحك الله أنا عندك في موضع ظنه قال لا ولكن أطيب لنفسي أن توثق لي الأيمان لأركن إليها ويسكن قلبي عندها فأحدثك حينئذٍ
قال قلت إن كنت عند الأمير في هذه الحال فلا حاجة به إلى إفشاء سره إلي واستعفيته مراراً فلم يعفني فاستحييت من مراجعته وقلت فلير الأمير رأيه فقال لي يا ضبي قل والله قلت فأمرها علي غموسا مؤكدة بالبيعة والطلاق وكل ما يحلف به مسلم ثم قال أشعرت أن دعبلا مدخول النسب وأمسك فقلت أعز الله الأمير أفي هذا أخذت العهود والمواثيق ومغلظ الأيمان قال إي والله فقلت ولم قال لأني رجل لي في نفسي حاجة ودعبل رجل قد حمل نفسه على المهالك وحمل جذعه على عنقه فليس يجد من يصلبه عليه وأخاف إن بلغه أن يقول فيّ ما يبقى عليّ عاره على الدهر وقصاراي إن ظفرت به وأسلمته اليمن وما أراها تفعل لأنه اليوم لسانها وشاعرها والذابُّ عنها والمحامي لها والمرامي دونها فأضربه مائة سوط وأثقله حديداً وأصيره في مطبق باب الشام
(20/192)

وليس في ذلك عوض مما سار فيّ من الهجاء وفي عقبي من بعدي فقلت ما أراه يفعل ويقدم عليك
فقال لي يا عاجز أهون عليه مما لم يكن أتراه أقدم على الرشيد والأمين والمأمون وعلى أبي ولا يقدم علي فقلت فإذا كان الأمر كذا فقد وفق الأمير فيما أخذه عليّ
قال وكان دعبل صديقا لي فقلت هذا شيء قد عرفته فمن أين قال الأمير إنه مدخول النسب وهو في البيت الرفيع من خزاعة ولا يتقدمهم غير بني أهبان مكلّم الذئب فقال أسمع أنه كان أيام ترعرع خاملا لا يؤبه له وكان ينام هو ومسلم بن الوليد في إزار واحد لا يملكان غيره ومسلم أستاذه وهو غلام أمرد يخدمه ودعبل حينئذٍ لا يقول شعراً يفكر فيه حتى قال
( لا تعجبني يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى )
وغنى فيه بعض المغنين وشاع فغني به بين يدي الرشيد إما ابن جامع أو ابن المكي فطرب الرشيد وسأل عن قائل الشعر فقيل له دعبل بن علي وهو غلام نشأ من خزاعة فأمر بإحضار عشرة آلاف درهم وخِلْعة من ثيابه فأحضر ذلك فدفعه مع مركب من مراكبه إلى خادم من خاصته وقال له اذهب بهذا إلى خزاعة فاسأل عن دعبل بن علي فإذا دللت عليه فأعطه هذا وقل له ليحضر إن شاء وإن لم يجب ذلك فدعه
وأمر للمغني بجائزة فسار الغلام إلى دعبل وأعطاه الجائزة وأشار عليه بالمسير إليه
(20/193)

فلما دخل عليه وسلم أمره بالجلوس فجلس واستنشده الشعر فأنشده إياه فاستحسنه وأمره بملازمته وأجرى عليه رزقا سنيا فكان أول من حرضه على قول الشعر فوالله ما بلغه أن الرشيد مات حتى كافأه على ما فعله من العطاء السني والغنى بعد الفقر والرفعة بعد الخمول بأقبح مكافأة وقال فيه من قصيدة مدح بها أهل البيت عليهم السلام وهجا الرشيد
( وليس حيّ من الأحياء نعلَمه ... من ذي يمانٍ ومن بَكرٍ ومن مُضر )
( إلا وهمْ شركاءُ في دمائهم ... كما تشارَك أيسار عَلَى جُزر )
( قَتلٌ وأسر وتحريق ومنهبة ... فعل الغُزاة بأرض الروم والخَزَر )
( أرى أمية معذورين إن قَتلوا ... ولا أرى لبني العباس من عذُر )
( اربع بطُوس عَلَى القبر الزكي إذا ... ما كنت تربَع من دين عَلَى وطَر )
( قبران في طُوسَ خيرُ الناس كلِّهم ... وقبرُ شرِّهم هذا من العِبَر )
( ما ينفع الرّجسَ من قُرب الزكيّ ولا ... عَلَى الزكيّ بقُرب الرجس مِن ضرر )
( هيهات كلّ امرئ رهن بما كسبت ... له يداه فخذ ما شئت أو فذَر )
يعني قبر الرشيد وقبر الرضا عليه السلام فهذه واحدة
وأما الثانية فإن المأمون لم يزَل يطلبه وهو طائر على وجهَه حتى دسّ إليه قوله
( عِلْم وتحكيمٌ وشَيْبُ مَفارق ... طمَّسْنَ رَيعان الشباب الرائق )
( وإمارة في دولة ميمونة ... كانت على اللذات أشغبَ عائق )
( أنّى يكون وليس ذاك بكائن ... يَرِث الخلافةَ فاسق عن فاسق )
(20/194)

( إن كان إبراهيم مصطلعاً بها ... فَلَتصْلُحَنْ من بعده لمُخارق )
فلما قرأها المأمون ضحك وقال قد صفحت عن كل ما هجانا به إذ قرن إبراهيم بمخارق في الخلافة وولاه عهده
وكتب إلى أبي أن يكاتبه بالأمان ويحمل إليه مالاً
وإن شاء أن يقيم عنده أو يصير إلى حيث شاء فليفعل
فكتب إلي أبي بذلك وكان واثقا به فصار إليه فحمله وخلع عليه وأجازه وأعطاه المال وأشار عليه بقصد المأمون ففعل فلما دخل وسلّم عليه تبسم في وجهه ثم قال أنشدني
( مدارسُ آيات خلَتْ من تلاوة ... ومنزلُ وحيٍ مقفرُ العرَصات )
فجزع فقال له لك الأمان فلا تخف وقد رويتها ولكني أحب سماعها من فيك فأنشده إياها إلى آخرها والمأمون يبكي حتى أخضل لحيته بدمعه فوالله ما شعرنا به إلا وقد شاعت له أبيات يهجو بها المأمون بعد إحسانه إليه وأنسه به حتى كان أول داخل وآخر خارج من عنده
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو بكر العامري قال
استدعى بعض بني هاشم دعبل وهو يتولى للمعتصم ناحية من نواحي الشام فقصده إليها فلم يقع منه بحيث ظن وجفاه فكتب إليه دعبل
( دَلّيتَني بغُرور وعدك في ... متلاطمٍ من حَوْمة الغرقِ )
( حتى إذا شمِت العدوُّ وقد ... شُهر انتقاصُك شهرةَ البَلَق )
(20/195)

( أنشأتَ تحلف أنّ وُدَّك لي ... صافٍ وحبلك غيرُ منحذق )
( وحسبتَني فَقْعا بِقَرْقَرة ... فوطئتَني وَطئاً على حنَق )
( ونصبتَني عَلماً على غَرَض ... تَرْمِينِيَ الأعداءُ بالحدق )
( وظننتَ أرض الله ضيِّقة ... عني وأرضُ الله لم تضق )
( من غير ما جُرمٍ سوى ثقة ... منّي بوعدك حين قلتَ ثِق )
( ومودةٍ تحنو عليك بها ... نفْسي بلا منّ ولا ملق )
( فمتى سألتك حاجةً أبداُ ... فاشدُد بها قُفْلاً على غلق )
( وقفِ الإِخاء على شفا جُرُف ... هارٍ فبِعْه بيعة الخَلق )
( وأعدّ لي قُفلاً وجامعة ... فاشدد يَدَيّ بها إلى عنقي )
( أُعفيك مما لا تحبُّ بها ... واسدُد عليّ مذاهب الأفق )
( ما أطولَ الدنيا وأعرضها ... وأدلّني بمسالك الطرق )
يهرب بعد اتهامه بشتم صفية بنت عبد المطلب
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبي قال
قدم دعبل الدينور فجرى بينه وبين رجل من ولد الزبير بن العوام
(20/196)

كلام وعربدة على النبيذ فاستعدى عليه عمرو بن حميد القاضي وقال هذا شتم صفية بنت عبد المطلب واجتمع عليه الغوغاء فهرب دعبل وبعث القاضي إلى دار دعبل فوكل بها وختم بابه فوجه إليه برقعة فيها ما رأيت قط أجهل منك إلا من ولاك فإنه أهل يقضي في العربدة على النبيذ ويحكم على خصم غائب ويقبل عقلك أني رافضي شتم صفية بنت عبد المطلب
سخنت عينك أفمن دين الرافضة شتم صفية قال أبي فسألني الزبيري القاضي عن هذا الحديث فحدثته فقال صدق والله دعبل في قوله لو كنت مكانه لوصلته وبررته
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن سهل القارىء قال حدثني دعبل قال
كتبت إلى أبي نهشل بن حميد وقد كان نسك وترك شرب النبيذ ولزم دار الحرم
( إنما العَيش في منادمة الإخوان لا في الجلوس عند الكعاب )
( وبِصِرْفٍ كأنها ألُسن البرق ... إذا استعرَضَتْ رقيقَ السحاب )
( إن تكونوا تركتمُ لذة العيش ... حِذَار العِقاب يومَ العقاب )
(20/197)

( فدعُوني وما ألذُ وأهوَى ... وادفعو بي في نحر يوم الحساب )
قال فكان بعد ذلك يدعوني وسائر ندمائي فنشرب بين يديه ويستمع الغناء ويقتصر على الأنس والحديث
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا إبراهيم بن المدبر قال
كنت أنا وإبراهيم بن العباس رفيقين نتكسب بالشعر قال و أنشدني قصيدة دعبل في المطلب بن عبد الله
( أمطّلِبٌ أنت مستعذِب ... سمامَ الأفاعي ومستقبِلُ )
قال وقال لي دعبل نصفها لإبراهيم بن العباس كنت أقول مصراعاً فيجيزه ويقول هو مصراعاُ فأجيزه
قال ابن مهرويه وحدثني إبراهيم بن المدبر أن دعبلاً قصد مالك بن طوق ومدحه فلم يرض ثوابه فخرج عنه وقال فيه
( إن ابنَ طَوقٍ وبنى تغلِب ... لو قُتلوا أو جُرحوا قُصْره )
( لم يأخذوا من دِية درهماً ... يوماً ولا من أرْشِهمْ بعره )
( دِماؤهم ليس لها طالب ... مَطْلولةٌ مثلُ دم العُذْره )
( وجوههم بيض وأحسابهم ... سود وفي آذانهم صُفره )
(20/198)

حدثنا محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني العنزي قال حدثنا عبد الله بن الحسن قال حدثني عمر بن عبد الله أبو حفص النحوي مؤدب آل طاهر قال
دخل دعبل بن علي على عبد الله بن طاهر فأنشده وهو ببغداد
( جئتُ بلا حُرمة ولا سبب ... إليك إلا بحرمة الأدب )
( فاقض ذِمامي فإنني رجل ... غيرُ ملحّ عليك في الطلب )
قال فانتعل عبد الله ودخل إلى الحرم ووجه إليه بصرة فيها ألف درهم وكتب إليه
( أعجلتَنا فأتاك عاجلُ بِرّنا ... ولو انتظرْتَ كثيره لم يَقلِلِ )
( فخُذ القليل وكن كأنك لم تسلْ ... ونكونُ نحن كأننا لم نفعل )
أخبرني أحمد بن عاصم الحلواني قال حدثنا أبو بكر المدائني قال حدثنا أبو طالب الجعفري ومحمد بن أمية الشاعر جميعاً قالا
هجا دعبل بن علي مالك بن طوق فقال
( سأْلتُ عنكمْ يا بني مالكٍ ... في نازح الأرضين والدّانيه )
( طُرّاً فلم تُعرف لكم نِسبة ... حتى إذا قلتُ بني الزانية )
( قالوا فدَع داراً على يَمْنةٍ ... وتلك ها دارُهمُ ثانيه )
( لا حدَّ أخشاه على ... من قال أمّك زانيه )
وقال أيضاً في
( يا زانيَ ابنَ الزانِ إبن ... الزانِ إبنَ الزانية )
( أنتَ المردَّد في الزناء ... على السنينَ الخاليه )
( ومردَّد فيه على ... كرٍّ السنينَ الباقيه )
(20/199)

وبلغت الأبيات مالكاً فطلبه فهرب فأتى البصرة وعليها إسحاق بن العباس بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وكان بلغه هجاء دعبل وابن أبي عيينة نزاراً
فأما ابن أبي عيينة فإنه هرب منه فلم يظهر بالبصرة طول أيامه وأما دعبل فإنه حين دخل البصرة بعث فقبض عليه ودعا بالنطع والسيف ليضرب عنقه فجحد القصيدة وحلف بالطلاق على جحدها وبكل يمين تبرىء من الدم أنه لم يقلها وأن عدواً له قالها إما أبو سعد المخزومي أو غيره ونسبها إليه ليغري بدمه وجعل يتضرع إليه ويقبل الأرض ويبكي بين يديه فرق له فقال أما إذا أعقيتك من القتل فلا بد من أن أشهرك ثم دعا بالعصا فضربه حتى سلح وأمر به فألقي على قفاه وفتح فمه فرد سلحه فيه والمقارع تأخذ رجليه وهو يحلف ألا يكف عنه حتى يستوفيه ويبلعه أو يقتله فما رفعت عنه حتى بلع سلحه كله ثم خلاه فهرب إلى الأهواز
وبعث مالك بن طوق رجلاً حصيفاً مقداماً وأعطاه سما وأمره أن يغتاله كيف شاء وأعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم لم يزل يطلبه حتى وجده في قرية من نواحي السوس فاغتاله في وقت من الأوقات بعد صلاة العتمة فضرب ظهر قدمه بعكاز لها زج مسموم فمات من غد ودفن بتلك القرية
وقيل بل حمل إلى السوس فدفن فيها وأمر إسحاق بن العباس شاعراً يقال له الحسن بن زيد ويكنى أبا الذلفاء فنقض قصيدتي دعبل وابن أبي عيينة بقصيدة أولها
(20/200)

( أما تَنفك متبولاً حزيناً ... تحبّ البيض تَعصِي العاذلينا )
يهجو بها قبائل اليمن ويذكر مثالبهم وأمره بتفسير ما نظمه وذكر الأيام والأحوال ففعل ذلك وسماها الدامغة وهي إلى اليوم موجودة
صوت
( أتهجر مَن تُحب بغير جرم ... أسأتَ إذاً وأنت له ظلوم )
( تؤرقني الهموم وأنت خِلْوٌ ... لعمرُك ما تؤرقك الهموم )
الشعر لجعيفران الموسوس أنشدنيه عمي عن عبد الله بن عثمان الكاتب عن أبيه عن جده وأنشد فيه جحظة عن خالد الكاتب له وأنشدنيه ابن الوشاء عن بعض شيوخه عن سلمة النحوي له ووجدته في بعض الكتب منسوباً إلى أم الضحاك المحاربية والقول الأول أصح والغناء لابن أبي قباحة ثاني ثقيل بالوسطى في مجرى البنصر وفي أبيات أخر من شعر جعيفران غناء فإن لم يصح هذا له فالغناء له في أشعاره الأخر صحيح منها
( ما يفعلُ المرء فهو أهلُه ... كلُّ امرئٍ يشبهه فعلُه )
( ولا ترى أعجز من عاجز ... سكّتنا عن ذمّه بِذلُه )
الشعر لجعيفران والغناء لمتيم ومما وجدته من الشعر المنسوب إليه في جامعه وفيه له غناء
( قلبي بِصاحبة الشُّنوف مُعَلَّقُ ... وتفِرُّ صاحبة الشنوف وألَحق )
(20/201)

أخبار جعيفران ونسبه
هو جعيفران بن علي بن أصفر بن السريّ بن عبد الرحمن الأبناوي من ساكني سرّ من رأى ومولده ومنشؤه ببغداد وكان أبوه من أبناء الجند الخراسانية وكان يتشيع ويكثر لقاء أبي الحسن علي بن موسى بن جعفر
أخبرني بذلك أبو الحسن علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب عن أبيه وأهله
وكان جعيفران أديباً شاعراً مطبوعاً وغلبت عليه المرة السوداء فاختلط وبطل في أكثر أوقاته ومعظم أحواله ثم كان إذا أفاق ثاب إليه عقله وطبعه فقال الشعر الجيد وكان أهله يزعمون أنه من العجم ولد أذين
فأخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن مهرويه قال حدثني علي بن سليمان النوفلي قال حدثني صالح بن عطية قال
كان لجعيفران الموسوس قبل أن يختلط عقله أب يقال له علي بن أصفر وكان دهقان الكرخ ببغداد وكان يتشيع فظهر على ابنه جعيفران أنه خالفه إلى جارية له سرية فطرده عن داره
(20/202)

وحجّ فشكا ذلك إلى موسى بن جعفر فقال له موسى إن كنت صادقا عليه فليس يموت حتى يفقد عقله وإن كنت قد تحققت ذلك عليه فلا تساكنه في منزلك ولا تطعمه شيئاً من مالك في حياتك وأخرجه عن ميراثك بعد وفاتك
فقدم فطرده وأخرجه من منزله وسأله الفقهاءعن حيلة يشهد بها في ماله حتى يخرجه عن ميراثه فدلّوه على السبيل إلى ذلك فأشهد به وأوصى إلى رجل فلما مات الرجل حاز ميراثه ومنع منه جعيفران فاستعدى عليه أبا يوسف القاضي فأحضر الوصيّ وسأل جعيفران البينة على نسبه وتركة أبيه فأقام على ذلك بينة عدة وأحضر الوصي بيّنة عدولا على الوصية يشهدون على أبيه بما كان احتال به عليه
فلم ير أبو يوسف ذلك شيئاً وعزم على أن يورثه فدفعه الوصي عن ذلك مرات بعلل ثم عزم أبو يوسف على أن يسجل لجعيفران بالمال فقال له الوصي أيها القاضي أنا أدفع هذا بحجة واحدة بقيت عندي فأبى أبو يوسف أن يقبل منه وجعل جعيفران يحرّج عليه ويقول له قد ثبت عندك أمري فبأي شيء تدافعني وجعل الوصي يسأله أن يسمع منه منفردا فيأبى ويقول لا أسمع منك إلا بحضرة خصمك فقال له أجّلني إلى غد فأجله فجاء إلى منزله وكتب رقعة خبره فيها بحقيقة ما أفتى به موسى بن جعفر ودفعها إلى صديق لأبي يوسف فدفعها إليه فلما قرأها دعا الوصي واستحلفه أنه قد صدق في ذلك فحلف باليمين الغموس فقال له اغد عليّ غدا مع صاحبك فحضر وحضر جعيفران معه فحكم عليه أبو يوسف للوصي فلما أمضى الحكم عليه وسوس جعيفران واختلط منذ يومئذٍ
وأخبرني بجمل أخباره المذكورة في هذا الكتاب علي بن العباس بن أبي
(20/203)

طلحة الكاتب عن شيوخ له أخذها عنهم وإجازات وجدتها في الكتب ولم أر أخباره عند أحد أكثر مما وجدتها إلا ما أذكره عن غيره فأنسبه إليه
قال علي بن العباس وذكر عبد الله بن عثمان الكاتب أن أباه عثمان بن محمد حدثه قال
كنت يوماً برصافة مدينة السلام جالسا إذ جاءني جعيفران وهو مغضب فوقف علي وقال
( استوجب العالَم مِني القتلا ... )
فقلت ولم يا أبا الفضل فنظر إلي نظرة منكرة خفت منها وقال
( لمّا شَعرت فرأوني فحلا ... )
ثم سكت هنيهة وقال
( قالوا عليَّ كذِباً وبُطْلاً ... إنيَ مجنون فقَدتُ العقلا )
( قالوا المحال كذِباً وجهلاً ... أقبحْ بهذا الفعل منهم فعلا )
ثم ذهب لينصرف فخفت أن يؤذيه الصبيان فقلت اصبر فديتك حتى أقوم معك فإنك مغضب وأكره أن تخرج على هذه الحال فرجع إلي وقال سبحان الله أتراني أنسبهم إلى الكذب والجهل وأستقبح فعلهم وتتخوف مني مكافأتهم ثم إنه ولّى وهو يقول
( لستُ بِراضٍ من جَهول جهلا ... ولا مجازيه بِفعل فِعلا )
( لكنْ أرى الصفح لِنفسي فضلا ... مَن يُرِد الخيرَ يجدْه سهلا )
ثم مضى
وقال علي بن العباس وقال عثمان بن محمد قال أبي
كنت أشرف مرة من سطح لي على جعيفران وهو في دارٍ وحده وقد
(20/204)

اعتلّ وتحركت عليه السوداء فهو يدور في الدار طول ليلته ويقول
( طاف به طَيف من الوسواسِ ... نَفّر عنه لَذَّةَ النُّعاسِ )
( فما يُرَى يأنس بالأناس ... ولا يلَذّ عِشْرة الجُلاّس )
( فهو غريب بين هذا الناس ... )
حتى أصبح وهو يرددها ثم سقط كأنه بقلة ذابلة
قال علي وحدثني علي بن رستم النحوي قال حدثني سلمة بن محارب قال
مررت ببغداد فرأيت قوما مجتمعين على رجل فقلت ما هذا فقالوا جعيفران المجنون فقلت قل بيتاً بنصف درهم قال هاته فأعطيته فقال
( لجَّ ذا الهمُّ واعتلَج ... كلّ همّ إلى فرج )
ثم قال زد إن شئت حتى أزيدك
قال علي وحدثني عبد الله بن عثمان عن أبيه قال
غاب عنا جعيفران أياماً ثم جاءنا والصبيان يشدون خلفه وهو عريان وهم يصيحون به يا جعيفران يا خرا في الدار فلما بلغ إلي وقف وتفرقوا عنه فقال يا أبا عبد الله
( رأيتُ الناس يدعوني ... بمجنون على حالي )
( وما بي اليومَ من جِنٍّ ... ولا وسواسِ بَلبال )
(20/205)

( ولكنْ قولُهم هذا ... لإفلاسي وإقلالي )
( ولو كنت أخا وَفْرٍ ... رَخيّاً ناعمَ البال )
( رأوني حسن العقل ... أحُلّ المنزل العالي )
( وما ذاك على خُبرٍ ... ولكن هيبةُ المال )
قال فأدخلته منزلي فأكل وسقيته أقداحاً ثم قلت له تقدر على أن تغير القافية فقال نعم ثم قال بديهة غير مفكر ولا متوقف
( رأيتُ الناس يرمونِيَ ... أحياناً بوِسواسِ )
( ومَن يَضبِط يا صاح ... مقالَ الناس في الناس )
( فدَعْ ما قاله الناس ... ونازع صفوة الكاس )
( فتى حُراً صحيح الوُدّذ ... برٍّ وإيناس )
( فإن الخلْق مَغْرُور ... بأمثالي وأجناسي )
( ولو كنتُ أخا مال ... أتَوني بين جُلاّسي ) )
( يُحِبوني ويَحْبوني ... على العينين والراس )
( ويدعوني عزيزاً غير ... أنّ الذل إفلاسي )
ثم قام يبول فقال بعض من حضر أي شيء معنى عشرتنا هذا المجنون العريان والله ما نأمنه وهو صاح فكيف إذا سكر وفطن جعيفران للمعنى فخرج إلينا وهو يقول
( وندامَى أكلوني ... إذ تغيّبْتُ قليلا )
( زعموا أنِّي مجنونٌ ... أرى العُرْي جميلا )
( كيف لا أعرَى وما أُبصر ... في الناس مثيلا )
(20/206)

إن يكن قد ساءكم قُربي ... فخلُّوا لي سبيلا )
( وأتمّوا يومكم ... سرّكم الله طويلا )
قال فرققنا له واعتذرنا إليه وقلنا له والله ما نلتذ إلا بقربك وأتيناه بثوب فلبسه وأتممنا يومنا ذلك معه
أخبرني جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال
تقدم جعيفران إلى أبي يوسف الأعور القاضي بسر من رأى في حكومة في شيء كان في يده من وقف له فدفعه عنه وقضى عليه فقال له أراني الله أيها القاضي عينيك سواء فأمسك عنه وأمر برده إلى داره
فلما رجع أطعمه ووهب له دراهم ثم دعا به فقال له ماذا أردت بدعائك أردت أن يرد الله على بصري ما ذهب فقال له والله لئن كنت وهبت لي هذه الدراهم لأسخر منك لأنت المجنون لا أنا أخبرني كم من أعور رأيته عمي قال كثيراً قال فهل رأيت أعور صح قط قال لا قال فكيف توهمت عليّ الغلط فضحك وصرفه
جعيفران يمدح أبا دلف
أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال حدثني علي بن يوسف قال
كنت عند أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي فاستأذن عليه حاجبه لجعيفران الموسوس فقال له أي شيء اصنع بموسوس قد قضينا حقوق العقلاء وبقي علينا حقوق المجانين فقلت له جعلت فداء الأمير موسوس أفضل كثير من العقلاء وإن له لسانا يتّقى وقولا مأثورا يبقى فالله الله أن تحجبه فليس عليك منه أذى ولا ثقل فأذن له فلما مثل بين يديه قال
( يا أكرمَ العالم موجودا ... ويا أعزّ الناسِ مفقودا )
(20/207)

( لما سألتُ الناسَ عن واحدٍ ... أصبح في الأمة محموداً )
( قالوا جميعاً إنه قاسمٌ ... أشبهَ آباءً له صِيدا )
( لو عبدوا شيئاً سوى ربهم ... أصبحْت في الأمة معبودا )
( لا زِلْتَ في نعْمى وفي غبطةٍ ... مكرَّماً في الناس معدوداً )
قال فأمر له بكسوة وبألف درهم فلما جاء بالدراهم أخذ منها عشرة وقال تأمر القهرمان أن يعطيني الباقي مفرقاً كلما جئت لئلا يضيع مني فقال للقهرمان أعطه المال وكلما جاءك فأعطه ما شاء حتى يفرّق الموت بيننا فبكى عند ذلك جعيفران وتنفس الصعداء وقال
( يموت هذا الذي أراه ... وكلُّ شيء له نفاد )
( لو غيرَ ذي العرش دام شيء ... لدام ذا المُفْضِلُ الجواد )
ثم خرج فقال أبو دلف أنت كنت أعلم به مني قال وغير عني مدة ثم لقيني وقال يا أبا الحسن ما فعل أميرنا وسيدنا وكيف حاله فقلت بخير وعلى غاية الشوق إليك فقال أنا والله يا أخي أشوق ولكني أعرف أهل العسكر وشرههم وإلحاحهم والله ما أراهم يتركونه من المسألة ولا يتركهم كرمه أن يخليهم من العطية حتى يخرج فقيراً فقلت دع هذا عنك وزره فإن كثرة السؤال لا تضر بماله فقال وكيف أهو أيسر من الخليفة قلت لا قال والله لو تبذل لهم الخليفة كما يبذل أبو دلف وأطعمهم في ماله كما يطعمهم لأفقروه في يومين ولكن اسمع ما قلته في وقتي فقلت هاته يا أبا الفضل فأنشأ يقول
( أبا حسنٍ بلِّغَنْ قاسماً ... بأنِّي لم أجْفُه عن قلبي )
(20/208)

( ولا عن مَلال لإتيانه ... ولا عن صدود ولا عن غِنى )
( ولكن تعفّفتُ عن ماله ... وأصفيتُه مِدْحتي والثنا )
( أبو دُلَف سيّد ماجد ... سنيّ العطية رَحب الفِنا )
( كريمٌ إذا انتابه المعتفون ... عمَّهمُ بجزيل الحِبا )
قال فأبلغتها أبا دلف وحدثته بالحديث الذي جرى فقال لي قد لقيته منذ أيام فلما رأيته وقفت له وسلّمت عليه وتحفيت به فقال لي سر أيها الأمير على بركة الله ثم قال لي
( يا مُعدِيَ الجود على الأموالِ ... ويا كريمَ النفْس في الفعال )
( قد صُنَتني عن ذِلة السؤالِ ... بِجُودك الموفِي على الآمال )
( صانك ذو العزة والجلال ... مِن غِيَر الأيام والليالي )
قال ولم يزل يختلف إلى أبي دلف ويبره حتى افترقا
جعيفران يهجو نفسه
سمعت عبد الله بن أحمد عم أبي رحمه الله يحدث فحفظت الخبر ولا أدري أذكر له إسناداً فلم أحفظه أم ذكره بغير إسناد قال
كان جعيفران خبيث اللسان هجاء لا يسلم عليه أحد فاطلع يوما في الحب فرأى وجهه قد تغير وعفا شعره فقال
( ما جَعفرٌ لأبيه ... ولا له بشبيه )
( أضحى لقوم كثير ... فكلّهم يدعيه )
( هذا يقول بُنَيِّي ... وذا يخاصم فيه )
( والأمُّ تضحك منهم ... لِعلمها بأبيه )
(20/209)

حدثني محمد بن الحسن الكندي خطيب القادسية قال حدثني رجل من كتاب الكوفة قال
اجتاز بي جعيفران مرة فقال أنا جائع فأي شيء عندك تطعمني فقلت سلق بخردل فقال اشتر لي معه بطيخاً فقلت أفعل فادخل وبعثت بالجارية تجيئه به وقدمت إليه الخبز والخردل والسلق فأكل منه حتى ضجر وأبطأت الجارية فأقبل علي وقد غضب فقال
( سَلَقَتْنا وخَرْدَلت ... ثم ولّت فأدبَرَت )
( وأراها بوِاحد ... وافرِ الأير قد خلَت )
قال فخرجت يشهد الله أطلبها فوجدتها خالية في الدهليز بسائس لي علي ما وصف
صوت
( ولها مَرْبَعٌ بِبُرْقَة خاخٍ ... ومَصِيف بالقصر قصرِ قُباءِ )
( كفَّنوني إن متّ في دِرع أروَى ... واجعلوا لي مِنْ بئر عُروة مائي )
( سُخنةٌ في الشتاء باردة الصيف ... سراجٌ في الليلة الظلماء )
الشعر للسرِيّ بن عبد الرحمن والغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى
(20/210)

عن الهشامي قال وفيهما يعني الثالث والأول رمل مطلق في مجرى الوسطى
(20/211)

أخبار السري ونسبه
السري بن عبد الرحمن بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري ولجده عويم بن ساعدة صحبة بالنبي
والسري شاعر من شعراء أهل المدينة وليس بمكثر ولا فحل إلا أنه كان أحد الغزلين والفتيان والمنادمين على الشراب كان هو وعتير بن سهل بن عبد الرحمن بن عوف وجبير بن أيمن وخالد بن أبي أيوب الأنصاري يتنادمون قال وفيهم يقول
( إذا أنت نادمتَ العُتَير وذا الندى ... جُبيَراً ونازعتَ الزّجاجة خالداً )
( أمِنتَ بإذنِ الله أن تُقرع العصا ... وأن يُنْبِهوا من نومة السُّكْر راقداً )
غناه الغَريض ثقيلاً
(20/212)

وكان السري هذا هجا الأحوص وهجا نصيباً فلم يجيباه
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عمي وأخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبي قالا
حبس النصيب في مسجد النبي فأنشد وكان إذا أنشد لوي حاجبيه وأشار بيده فرآه السري بن عبد الرحمن الأنصاري فجاءه حتى وقف بإزائه ثم قال
( فقدتُ الشعرَ حين أتى نُصيباً ... ألم تَسْتَحْيِ من مَقْتِ الكرام )
( إذا رَفع ابنُ ثَوبة حاجبَيه ... حسبت الكلبَ يُضربُ في الكِعام )
قال فقال نصيب من هذا فقالوا هذا ابن عويم الأنصاري قال قد وهبته لله عز و جل ولرسوله ولعويم بن ساعدة قال وكان لعويم صحبة ونصرة
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي عن عبد الرحمن بن عبد الله العمري قال كان السري قصيراً دميماً أزرق وكان يهوى
(20/213)

امرأة يقال لها زينب ويشبب بها فخرج إلى البادية فرآها في نسوة فصار إلى راع هناك وأعطاه ثيابه وأخذ منه جبته وعصاه وأقبل يسوق الغنم حتى صار إلى النسوة فلم يحفلن به وظنن أنه أعرابي فأقبل يقلب بعصاه الأرض وينظر إليهن فقلن له أذهب منك يا راعي الغنم شيء فأنت تطلبه فقال نعم قال فضربت زينب بكمها على وجهها وقالت السري والله أخزاه الله فأنشأ يقول
صوت
( ما زال فينا سقيمٌ يُسْتَطبُّ له ... من ريح زينبَ فينا ليلةَ الأحدِ )
( حُزْتِ الجَمالَ ونشراً طيبِّاً أرِجاً ... فما تُسمَّينَ إلا مِسكة البلدِ )
( أما فؤادي فشيء قد ذهبتِ به ... فما يضرُّكِ ألا تَحرُبي جسدي )
المهدي يستحسن شعره في الغزل
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا مصعب الزبيري قال قال أبي قال لي المهدي
أنشدني شعراً غزلاً فأنشدته قول السري بن عبد الرحمن
( ما زال فينا سقيمٌ يستَطبُّ له ... من ريحِ زينبَ فينا ليلةَ الأحدِ )
فأعجبته وما زال يستعيدها مراراً حتى حفظها
أخبرني الحسن قال حدثني أحمد قال حدثني محمد بن سلام
(20/214)

الجمحي قال
كان السري بن عبد الرحمن ينادم عتير بن سهل بن عبد الرحمن بن عوف وجبير بن أيمن بن أم أيمن مولى النبي وخالد بن أيوب الأنصاري وكانوا يشربون النبيذ وكلهم كان على ذلك مقبول الشهادة جليل القدر مستوراً فقال السري
( إذا أنتَ نادمتَ العُتيْرَ وذا الندى ... جُبَيراً ونازعتَ الزجاجةَ خالداً )
( أمِنتَ بإذنِ الله أن تُقرَع العصا ... وأن يُنْبهوا من نومة السُّكر راقداً )
فقالوا قبحك الله ماذا أردت إلى التنبيه علينا والإذاعة لسرنا إنك لحقيق ألا ننادمك قال والله ما أردت بكم سوءاً ولكنه شعر طفح فنفثته عن صدري قال وخالد بن أبي أيوب الأنصار ي الذي يقول
صوت
( ألا سقَّني كأسي ودع قول مَن لحَى ... ورَوِّ عظاماً قَصْرُهن إلى بِلى )
( فإن بُطُوء الكأس مَوْتٌ وحبسَها ... وإنَّ دِراك الكأس عندي هو الحيا )
الغناء في هذين البيتين هو لعبد الله بن العباس الربيعي خفيف رمل بالبنصر عن عمرو بن بانة
(20/215)

أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني سليمان بن أبي شيخ قال حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري قال حدثني مصعب بن عثمان قال حدثني عبيد الله بن عروة بن الزبير قال
خرجت وأنا غلام أدور في السكك بالمدينة فانتهيت إلى فناء مرشوش وشاب جميل الوجه جالس فلما رآني دعاني ثم قال لي من أنت يا غلام فقلت عبيد الله بن عروة بن الزبير فقال اجلس فجلست فدعا بالغداء فتغدينا جميعا ثم قال يا جارية فأقبلت جارية تتهادى كأنها مهاة وفي يدها قنينية فيها شراب صاف وقلة ماء وكأس فقال لها اسقيني فصبت في الكأس وسكبت عليه ماء وناولته فشرب ثم قال اسقيه فصبت في الكأس وسكبت عليه ماء وناولتني فلما وجدت رائحته بكيت فقال ما يبكيك يا بن أخي فقلت إن أهلي إن وجدوا رائحة هذامني ضربوني فأقبل على الجارية بوجهه وقال لها يخاطبها
( ألا سقّني كأسي ودعْ عنكَ من أبى ... وروَّ عظاماً قَصْرُهن إلى بِلى )
فأخذته من يدي وأعطتْه فشربه وقمت فلما جاوزته سألت عنه فقيل لي هذا خالد بن أبي أيوب الأنصاري الذي يقول فيه الشاعر
( إذا أنتَ نادمت العُتَيْر وذا النّدى ... جُبَيْراً ونازعتَ الزجاجة خالداً )
( أمِنت بإذن الله أن تقرعَ العصا ... وأن يوقظُوا من سَكرةِ النوم راقدا )
( وصرتَ بحمدِ الله في خير عُصبةٍ ... حسانِ النّدَامى لا تخاف العَرابدا )
(20/216)

السري وابن الماجشون
أخبرنا وكيع قال حدثنا محمد بن علي بن حمزة قال حدثني أبو غسان عن محمد بن يحيى بن عبد الحميد قال
كان السري بن عبد الرحمن يختلف إلى فتية فجاء ابن الماجشون فقال لا أدخل حتى يخرج السري فأخرجته فقال السري
( قَبّح الله أهلَ بيتِ بِسَلْع ... أخرجوني وأدخلوا الماجشونا )
( أدخَلوا هِرةً تُلاعب قِرداً ... ما نراهُم يرَوْن ما يصنعونا )
أخبرني الحسن قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني مصعب قال
أنشدني أبي للسري بن عبد الرحمن في أمة الحميد بنت عبد الله بن عباس وفي ابنتها أمة الواحد
( أمَةُ الحميدِ وبنتُها ... ظَبيانِ في ظلِّ الأراك )
( يَتتبَّعان بَرِيره ... وظلالَه فهما كذاك )
( حُذِيَ الجَمَالُ عليهما ... حَذْوَ الشَّراك على الشراك )
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني محمد بن الحسن بن مسعود الزرقي قال حدثني يحيى بن عثمان بن أبي قباحة الزهري قال أنشدني أبو غسان صالح بن العباس بن محمد وهو إذ ذاك على المدينةللسري بن عبد الرحمن
( ليتَني في المؤذِّنين نَهاراً ... إنهم يبصرون مَن في السطوح )
(20/217)

( فيشيرون أو يُشار إليهمْ ... حبّذا كل ذات جِيدٍ مليحِ )
قال فأمر صالح بسدّ المنار فلم يقدر أحد على أن يطلع رأسه حتى عزل صالح
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثني زبير بن بكار عن عمه
( أن السري بن عبد الرحمن وقف على عمر بن عمرو بن عثمان وهو جالس على بابه والناس حوله فأنشأ يقول
( با بن عثمانَ يا بنَ خير قريشٍ ... أبْغني ما يَكفُّني بقُباءِ )
( ربما بَلَّني نداك وجَلَّى ... عن جبيني عجاجةَ الغُرَماءْ )
فأعمره أرضاً بقباء وجعلها طعمة له أيام حياته فلم تزل في يده حتى مات
أخبرني وسواسة بن الموصلي قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن عزيز بن طلحة قال قال معبد خرجت من مكة أريد المدينة فلما كنت قريبا من المنزل أريت بيتاً فعدلت إليه فإذا فيه أسود عنده حبان من ماء وقد جهدني العطش فسلمت عليه واستسقيت فقال تأخر عافاك الله فقلت يا هذا اسقني بسرعة من الماء فقد كدت أموت عطشا فقال والله لا تذوق منه جرعة ولو مت فرجعت القهقرى وأنخت راحلتي واستظللت بظلها من الشمس ثم اندفعت أغني ليبتل لساني
( كفَّنوني إن مت في درع أروى ... واستقوا لي من بئر عروة مائي )
(20/218)

فإذا أنا بالأسود قد خرج إلي ومعه قدح خيشاني فيه سويق ملت بماء بارد فقال هل لك في هذا أرب قلت قد منعتني ما هو أقل منه الماء فقال اشرب عافاك الله ودع عنك ما مضى فشربت ثم قال أعد فديتك الصوت فأعدته فقال هل لك بأبي وأمي أن أحمل لك قربة من ماء وأمشي بها معك إلى المنزل وتعيد علي هذا الصوت حتى أتزود منه وكلما عطشت سقيتك قلت افعل ففعل وسارمعي فما زلت أغنيه إياه وكلما عطشت استقيته حتى بلغت المنزل عشاء
صوت
( سلَبَ الشبابُ رِداءه ... عنِّي ويتبعهُ إزارهْ )
( ولقد تحلُ عليّ حلته ... ويعجبني افتخارهْ )
( سائلْ شبابي هل مستُ ... بسَوْءةٍ أو ذَل جاره )
( ما إن ملكت المال إلاّ ... كان لي وله خياره )
ويروى هل أسأت مساكه
الشعر لمسكين الدارمي والغناء لمقاسه بن ناصح خفيف رمل بالبنصر عن عمرو
(20/219)

أخبار مسكين ونسبه
مسكين لقب غلب عليه واسمه ربيعة بن عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن زيد بن عبد الله بن عدس بن دارم بن مالك بن زيد مناة بن تميم وقال أبو عمرو الشيباني مسكين بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم قال أبو عمرو وإنما لقب مسكيناً لقوله
( أنا مسكينٌ لمن أنكرني ... ولِمَن يَعرفني جِدّ نُطُق )
( لا أبيع الناسَ عِرضي إنني ... لو أبيع الناسَ عِرضي لَنَفق )
وقال أيضاً
( سُمّيتُ مسكيناً وكانت لجاجةً ... وإني لمسكين إلى الله راغبُ )
وقال أيضاً
( إنْ أُدعَ مسكيناً فلست بمنكَرٍ ... وهل ينُكرَنَّ الشمسُ ذَرّ شعاعُها )
( لَعَمرك ما الأسماءُ إلا علامةٌ ... منارٌ ومن خير المنارِ ارتفاعها )
(20/220)

شاعر شريف من سادات قومه هاجى الفرزدق ثم كافّه فكان الفرزدق بعد ذلك في الشدائد التي أفلت منها
مسكين والفرزدق
حدثني حبيب بن أوس بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة عن أبي عبيدة قال
كان زياد قد أرعى مسكينا الدارمي حمى له بناجية العذيب في عام قحط حتى أخصب الناس وأحيوا ثم كتب له بئر وتمر وكساه قال فلما مات زياد رثاه مسكين فقال
( رأيتُ زيادةَ الإسلام ولّت ... جِهاراً حين ودّعَنا زيادُ )
فعارضه الفرزدق وكان منحرفاً عن زياد لطلبه إياه وإخافته له فقال
( أمسكينُ أبكى الله عينَك إنما ... جرَى في ضلال دَمْعُها فتحدّرا )
( بكيتَ على عِلْج بمَيسان كافر ... ككسرى على عِدِّانِه أو كقيصرا )
( أقول له لما أتاني نعيُّه به ... لا بظبي بالصريمة أعفرا )
فقال مسكين يجيبه
( ألا أيها المرء الذي لستُ قاعداً ... ولا قائماً في القوم إلا انبرى ليا )
( فجئني بعمٍّ مثل عميَ أو أبٍ ... كمثل أبي أو خالِ صدق كخاليا )
(20/221)

( كعمرو بن عمرو أو زرارةَ ذي الندى ... أو البِشْر من كلٍّ فرعتُ الروابيا )
قال فأمسك الفرزدق عنه فلم يجبه وتكافّا
أخبرني ببعض هذا الخبر أو خليفة عن محمد بن سلاّم فذكر نحواً مما ذكره أبو عبيدة وزاد فيه قال والبشر خال لمسكين من النَّمِر بن قاسِط وقد فخرَبه فقال
( شُرَيحٌ فارس النعمان عمّي ... وخالي البِشرُ بشرُ بني هلال )
( وقاتِلُ خالِه بأبيه منا ... سماعةُ لم يبع حسباً بمال )
وأخبرني عمي قال حدثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه بمثل هذه الحكاية وزاد فيها قال
فتكافّا واتقاه الفرزدق أن يعين عليه جريراً واتقاه مسكين أن يعين عليه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت ودخل شيوخ بني عبد الله وبني مجاشع فتكافا
وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة عن أبي عمرو قال قال الفرزدق
نجوت من ثلاثة أشياء لا أخاف بعدها شيئا نجوت من زياد حين طلبني ونجوت من ابني رميلة وقد نذرا دمي وما فاتهما أحد طلباه قطُّ ونجوت من مهاجاة مسكين الدارمي لأنه لو هجاني اضطرني أن أهدم شطر حسبي وفخري لأنه من بحبوحة نسبي وأشراف عشيرتي فكان جرير حينئذ ينتصف من بيدي ولساني
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمود بن داود عن
(20/222)

أبي عكرمة عامر بن عمران عن مسعود بن بشر عن أبي عبيدة أنه سمعه يقول
أشعر ما قيل في الغيرة قول مسكين الدارمي
( ألا أيها الغائر المستشيط ... فيم تغار إذا لم تُغَرْ )
( فما خير عِرْس إذا خفتَها ... وما خير عِرس إذا لم تُزر )
( تغار على الناس أن ينظروا ... وهل يَفْتِن الصالحاتِ النظَرْ )
( وإني سأُخلي لها بيتها ... فتحفظ لي نفسها أو تذر )
( إذ اللهُ لم يُعطني حُبَّها ... فلن يُعطِيَ الحُبَّ سوطٌ مُمَر )
مسكين ومعاوية
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حدثني عبد الله بن مالك الخزاعي قال حدثني عبد الله بن بشير قال أخبرني أيوب بن أبي أيوب السعدي قال
لما قدم مسكين الدارمي على معاوية فسأله أن يفرض له فأبى عليه وكان لا يفرض إلا لليمن فخرج من عنده مسكين وهو يقول
( أخاكَ أخاكَ إن مَن لا أخا ... له كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح )
( وإن ابنَ عم المرء فاعلم جَناحه ... وهل ينهض البازي بغير جَناح )
( وما طالب الحاجات إلا مغرّر ... وما نال شيئاً طالب كنجاح )
(20/223)

قال السعدي فلم يزل معاوية كذلك حتى غزت اليمن وكثرت وضعضعت عدنان فبلغ معاوية أن رجلاً من أهل اليمن قال يوما لهممت ألا أدع بالشأم أحداً من مضر بل هممت ألا أحل حبوتي حتى أخرج كل نزاري بالشأم فبلغت معاوية ففرض من وقته لأربعة آلاف رجل من قيس سوى خندف وقدم على تفيئة ذلك عطارد بن حاجب على معاوية فقال له ما فعل الفتى الدارمي الصبيح الوجه الفصيح اللسان يعني مسكيناً فقال صالح يا أمير المؤمنين فقال أعلمه أني قد فرضت له في شرف العطاء وهو في بلاده فإن شاء أن يقيم بها أني قد فرضت له في شرف العطاء وهو في بلاده فإن شاء أن يقيم بها أو عندنا فليفعل فإن عطاءه سيأتيه وبشره أني قد فرضت لأربعة آلف من قومه من خندف قال وكان معاوية بعد ذلك يغزي اليمن في البحر ويغزي قيسا في البر فقال شاعر اليمن
( ألا أيها القوم الذين تجمعوا ... بعَكَّا أُناسٌ أنتُم أم أباعر )
( أتُتْرك قيسٌ آمنين بدارهم ... ونركب ظَهر البحر والبحر زاخر )
( فوالله ما أدري وإني لسائل ... أهمدانُ يُحمى ضَيْمها أم يُحابر )
( أمِ الشرف الأعلى منَ أولاد حِمير ... بنو مالك إذ تَستمر المرائر )
( أأوصى أبوهم بينهم أن تَواصَلوا ... وأوصى أبوكم بينكم أن تدابروا )
قال ويقال إن النجاشي قال هذه الأبيات
أخبرني بذلك عبد الله بن أحمد بن الحارث العدوي عن محمد بن عائد
(20/224)

عن الوليد بن مسلم عن إسماعيل بن عياش وغيره قالوا
فلما بلغت هذه الأبيات معاوية بعث إلى اليمن فاعتذر إليهم وقال ما أغرينكم البحر إلا لأني أتيمن بكم وأن في قيس نكدا وأخلاقاً لا يحتملها الثغر وأنا عارف بطاعتكم
ونصحكم فأما إذ قد ظننتم غير ذلك فأنا أجمع فيه بينكم وبين قيس فتكونون جميعاً فيه وأجعل الغزو فيه عقبا بينكم فرضوا فعل ذلك فيما بعد
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا أحمدبن زهير بن حرب قال حدثني مصعب بن عبد الله قال وحدثنيه زبير عن عمه قال
كان أصاغر ولد مروان في حجر ابنه عبد العزيز بن مروان فكتب عبد العزيز إلى بشر كتابا وهو يومئذٍ على العراق فورد عليه وهو ثمل وكان فيه كلام أحفظه فأمر بشر كاتبه فأجاب عبد العزيز جواباً قبيحاً فلما ورد عليه علم أنه كتبه وهو سكران فجفاه وقطع مكاتبته زمانا
وبلغ بشراً عتبه عليه فكتب إليه لولا الهفوة لم احتج إلى العذر ولم يكن لك في قبوله مني الفضل
ولو احتمل الكتاب أكثر مما ضمنته لزدت فيه وبقية الأكابر على الأصاغر من شيم الأكارم
ولقد أحسن مسكين الدارمي حين يقول
( أخاك أخاك إنَّ من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح )
( وإن ابنَ عمّ المرء فاعلم جناحُه ... وهل ينهض البازي بغير جناح )
قال فلما وصل كتابه إلى عبد العزيز دمعت عينه وقال إن أخي كان منتشياً ولولا ذلك لما جرى منه ما جرى فسلوا عمن شهد ذلك المجلس فسئل عنهم فأخبر بهم فقبل عذره وأقسم عليه ألا يعاشر أحداً من ندمائه
(20/225)

الذين حضروا ذلك المجلس وأن يعزل كاتبه عن كتابته ففعل
أخبرني محمد بن الحسين الكندي خطيب القادسية قال حدثنا عمر بن شبة عن أبي عبيدة عن أبي عمرو قال
كان الفرزدق يقول نجوت من ثلاث أرجو ألا يصيبني بعدهن شر نجوت من زياد حين طلبني وما فاته مطلوب قط ونجوت من ضربة رئاب بن رميلة أبي البذال فلم يقع في رأسي ونجوت من مهاجاة مسكين الدارمي
ولو هاجيته لحال بيني وبين بيت بني عمي وقطع لساني عن الشعراء
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أبو العيناء عن الأصمعي قال
خطب مسكين الدارمي فتاة من قومه فكرهته لسواد لونه وقلة ماله وتزوجت بعده رجلاً من قومه ذا يسار ليس له مثل نسب مسكين فمر بهما مسكين ذات يوم وتلك المرأة جالسة مع زوجها فقال
( أنا مسكين لِمَن يعرفني ... لَونيَ السُّمرة ألوانُ العَربْ )
( مَن رأى ظبياً عليه لؤلؤ ... واضحَ الخدين مقروناً بضب )
( أكْسَبتْه الورِقُ البيضُ أباً ... ولقد كان وما يُدعى لأب )
( رُبَّ مهزولٍ سمينٌ بيتُه ... وسمينِ البيت مهزُول النسب )
( أصبحتْ تُرزَق مِن شحم الذُّرا ... وتخال اللؤم دُرّا يُنتهَب )
( لا تَلُمها إنها من نِسوة ... صَخِباتٍ مِلْحُها فوق الرُّكب )
( كشَموسِ الخيلِ يبدو شَغْبُها ... كلما قيل لها هالٌ وَهَب )
(20/226)

يزيد بن معاوية يستعين بمسكين
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثني حماد بن إسحاق الموصلي قال حدثني أبي عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش قال
كان يزيد بن معاوية يؤثر مسكيناً الدارمي ويصله ويقوم بحوائجه عند أبيه فلما أراد معاوية البيعة ليزيد تهيب ذلك وخاف ألا يمالئه عليه الناس لحسن البقية فيهم وكثرة من يرشح للخلافة وبلغه في ذلك ذرء وكلام كرهه من سعيد بن العاص ومروان بن الحكم وعبد الله بن عامر فأمر يزيد مسكيناً أن يقول أبياتاً وينشدها معاوية في مجلسه إذا كان حافلاً وحضره وجوه بني أمية فلما اتفق ذلك دخل مسكين إليه وهو جالس وابنه يزيد عن يمينه وبنو أمية حواليه وأشراف الناس في مجلسه فمثل بين يديه وأنشأ يقول
( إن أُدْع مسكيناً فإني ابن معشر ... من الناسِ أَحمِي عنهمُ وأذودُ )
(20/227)

( إليك أميرَ المؤمنين رَحْلتُها ... تُثير القطا ليلاً وهنّ هُجود )
( وهاجرةٍ ظلت كأن ظباءها ... إذا ما اتّقَتْها بالقرون سجود )
صوت
( ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر ... ومروانُ أم ماذا يقول سعيد )
( بَنِي خلفاءِ اللهِ مهلاً فإنما ... يُبوِّئها الرحمنُ حيث يريد )
( إذا المنبر الغربي خلاَّه ربه ... فإن أميرَ المؤمنين يزيد )
الغناء لمعبد ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن بانة
( على الطائر الميمون والجَدُّ صاعد ... لِكلِّ أناس طائر وجُدود )
( فلا زلتَ أعلى الناس كعباً ولا تَزَل ... وفود تُسَاميها إليك وفود )
( ولا زال بَيت المُلك فوقَك عالياً ... تُشَيَّد أطناب له وعَمود )
( قُدُور ابنِ حرب كالجوابي وتحتها ... أثافٍ كأمثال الرئال رُكود )
فقال له معاوية ننظر فيما قلت يا مسكين ونستخير الله قال ولم يتكلم أحد من بني أمية في ذلك إلا بالإقرار والموافقة وذلك الذي أراده يزيد ليعلم ما عندهم ثم وصله يزيد ووصله معاوية فأجزلا صلته
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا العنزي قال حدثنا أبو معاوية بن سيعد بن سالم قال قال لي عقيد
غنيت الرشيد
( إذا المنبِبر الغربي خلاَّه ربه ... )
(20/228)

ثم فطنت لخطابي ورأيت وجه الرشيد قد تغير قال فتداركتها وقلت
( فإن أمير المحسنين عقيد ... )
فطرب وقال أحسنت والله بحياتي قل
( فإن أمير المؤمنين عقيد ... )
فوالله لأنت أحق بها من يزيد بن معاوية فتعاظمت ذلك فحلف لا أغنيه إلا كما أمر ففعلت وشرب عليه ثلاثة أرطال ووصلني صلة سيئة
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال حدثني عمي قال
كانت لمسكين الدارمي امرأة من منقر وكانت فاركاً كثيرة الخصومة والمماظة فجازت به يوماً وهو ينشد قوله في نادي قومه
( إن أُدْع مسكيناً فما قَصَرَتْ ... قِدْري بيوتُ الحي والجُدْرُ )
فوقفت عليه تسمع حتى إذا بلغ قوله
( ناري ونارُ الجار واحدة ... وإليه قَبلي تُنزَل القِدر )
فقالت له صدقت والله يجلس جارك فيطبخ قدره فتصطلي بناره ثم ينزلها فيجلس يأكل وأنت بحذائه كالكلب فإذا شبع أطعمك أجل
(20/229)

والله إن القدر لتنزل إليه قبلك فأعرض عنها ومر في قصيدته حتى بلغ قوله
( ما ضَرَّ جاراً لِي أجاوره ... ألا يكون لبيته ستر )
فقالت له أجل إن كان له ستر هتكته فوثب إليها يضربها وجعل قومه يضحكون منهما
وهذه القصيدة من جيد شعره
صوت
( يا فرحتا إذ صَرَفْنا أوجه الإبلِ ... نحو الأحبة بالإزعاج والعجَلِ )
( نحثُّهن وما يؤتَيْن من دأب ... لكنَّ للشوق حثاً ليس للإِبل )
الشعر لأبي محمد اليزيدي والغناء لسليمان ثقيل أول بالبنصر عن عمرو والهشامي
(20/230)

أخبار أبي محمد ونسبه
أبو محمد يحيى بن المبارك أحد بني عدي بن عبد شمس بن زيد مناة بن تميم
سمعت أبا عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد اليزيدي يذكر ذلك ويقول نحن من رهط ذي الرمة
وقيل أنهم موالي بني عدي وقيل لأبي محمد اليزيدي لأنه كان فيمن خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بالبصرة ثم توارى زماناً حتى استتر أمره ثم اتصل بعد ذلك بيزيد بن منصور خال المهدي فوصله بالرشيد فلم يزل معه
وأدب المأمون خاصة من ولده ولم يزل أبو محمد وأولاده منقطعين إليه وإلى ولده ولهم فيهم مدائح كثيرة جياد
وكان أبو محمد عالماً باللغة والنحو راويةً للشعر متصرفاً في علوم
(20/231)

العرب أخذ عن أبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب النحوي وأكابر البصريين وقرأ القرآن على أبي عمرو بن العلاء وجود قراءته ورواها عنه وهي المعول عليها في هذا الوقت
وكان بنوه جميعاً في مثل منزلته من العلم والمعرفة باللغة وحسن التصرف في علوم العرب ولسائرهم علم جيد
ونحن نذكر بعد انقضاء أخباره أخبار من كان له شعر وفيه غناء من ولده إذ كنا قد شرطنا ذكر ما فيه صنعة دون غيره
فمنهم محمد بن أبي محمد وإبراهيم بن أبي محمد واسماعيل بن أبي محمد كل هؤلاء ولده لصلبه ولكلهم شعر جيد
ومن ولد ولده أحمد بن محمد بن أبي محمد وهو أكبرهم وكان شاعراً راوية عالماً ومنهم عبيد الله والفضل ابنا محمد بن محمد وقد رويا عن أكابر أهل اللغة وحمل عنهما علم كثير
وآخر من كان بقي من علماء أهل هذا البيت أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد وكان فاضلاً عالماً ثقة فيما يرويه منقطع القرين في الصدق وشدة التوقي فيما ينقله
وقد حملنا نحن عنه وكثير من طلبة العلم ورواته علماً كثيراً فسمعنا
(20/232)

منه سماعاً جماً فأما ما أذكر ها هنا من أخبارهم فإني أخذته عن أبي عبد الله عن عمية عبيد الله والفضل وأضفت إليه أشياء أخر يسيرة أخذتها عن غيره فذكرت ذلك في مواضعه ورويته عن أهله
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن عمه إسماعيل بن أبي محمد قال حدثني أبي قال
كان الرشيد جالساً في مجلسه فأتي بأسير من الروم فقال لدفافة العبسي قم فاضرب عنقه فضربه فنبا سيفه فقال لابن فليح المدني قم فاضرب عنقه فضربه فنبا سيفه أيضاً فقال أصلح الله أمير المؤمنين تقدمتني ضربة عبسية فقال الرشيد للمأمون وهو يومئذٍ غلام قم فداك أبوك فاضرب عنقه فقام فضرب العلج فأبان رأسه ثم دعا بآخر فأمره بضرب عنقه فضربه فأبان رأسه ونظر إلي المأمون نظر مستنطق فقلت
( أبقى دُفافةُ عاراً بعد ضربته ... عند الإمام لِعَبس آخر الأبدِ )
( كذاك أسرتُه تنبو سيوفهمُ ... كسيف ورقاء لم يقطع ولم يكَد )
( ما بال سيفْك قد خانتك ضربتُه ... وقد ضربت بسيف غيرِ ذي أود )
(20/233)

( هلا كضَرْبةِ عبد الله إذ وقعَت ... ففرّقَت بين رأس العلج والجسد )
قال إسماعيل بن أبي محمد في أخباره
كان حمويه ابن أخت الحسن الحاجب وسعيد الجوهري واقفين فذكرا أبا محمد يعني أباه والكسائي ففضل حمويه الكسائي على أبي محمد وفضل سعيد الجوهري أبا محمد على الكسائي
وطال الكلام بينهما إلى أن تراضيا برجل يحكم بينهما فتراهنا على أن من غلب أخذ برذون صاحبه فجعلا الحكم بينهما أبا صفوان الأحوزي فلما دخل سألاه فقال لهما لو ناصح الكسائي نفسه لصار إلى أبي محمد وتعلم منه كلام العرب فما رأيت أحداً أعلم منه به فأخذ الجوهري دابة حمويه وبلغ أبا محمد اليزيدي هذا الخبر فقال
( يا حَمَويه اسمع ثَناً صادقاً ... فيك وما الصادق كالكاذبِ )
( يا جالبَ الخزي على نفسه ... بُعْداً وسًحقاً لكَ من جالب )
( إنْ فخَر الناس بآبائهم ... آتيتَهم بالعجب العاجب )
( قلت وأدْغمتَ أباً خاملاً ... أنا ابنُ أخت الحسن الحاجب )
ابو محمد وسلم الخاسر
قال إسماعيل وحدثني أبي قال
كنت ذات يوم جالساً أكتب كتاباً فنظر فيه سلم الخاسر طويلاً
(20/234)

ثم قال
( أَيْر يحيى أخط من كفّ يحيى ... إنّ يحيى بأَيره لخَطُوطُ )
فقال أبو محمد يحيى
( أمُّ سَلْم بذاك أعلمُ شيء ... إنها تحت أَيره لضَروطُ )
( ولها تارةً إذا ما علاها ... أَزْملٌَ مِن وِداقِها وأطِيط )
( أمُّ سَلم تُعلِّم الشّعرَ سلماً ... حبّذا شِعر أمك المنقوط )
( ليت شعري ما بالُ سلم بنِ عمرو ... كاسفَ البال حين يُذكَر لوط )
( لا يصلِّي عليه فيمن يصلِّي ... بل له عند ذكره تَثْبيط )
فقال له سلم ويحك ما لك خبثت أي شيء دعاك إلى هذا كله فقال أبو محمد بدأت فانتصرت والبادي أظلم
قال أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي حدثني عبيد الله وعمي أبو القاسم عن أبي علي إسماعيل قال قال لي أبي قال سلم الخاسر يوماً
يا أبا محمد قل أبياتاً على قول امرىء القيس
( رُبّ رامٍ من بني ثُعَلٍ ... )
ولا أبالي أن تهجوني فيها فقلت
( رُبّ مغمومٍ بعافية ... غَمَط النُعماء من أشَرِهْ )
( مُوردٌ أمراً يُسَرّ به ... فرأى المكروه في صدَرهْ )
( وامرىءٍ طالت سلامته ... فرماه الدهر من غِيّرهْ )
( بسهام غير مُشوِية ... نقضَت منه عُرا مِرَره )
(20/235)

( وكذاك الدهرُ مختلِف ... بالفتى حالين من عُصًرهْ )
( يخلِط العُسْرى بمَيسرة ... ويَسارُ المرء في عُسُرهْ )
( عقّ سلم أمَّه سفهاً ... وأبا سلم على كبرهْ )
( كلَّ يوم خلفَه رجل ... رامح يسعى على أثره )
( يُولج الغُرمْول سبّته ... كَولُوج الضّبّ في جُحُرهْ )
فانصرف سلم وهو يشتِمهُ ويقول ما يحل لأحد أن يكلمك قال وقال لي يوماً أبو حنش الشاعر
يا أبا محمد قل أبياتاً قافيتها على هاءين فقلت له على أن أهجوك فيها فقال نعم فقلت
( قلتُ ونفسي جَمٌّ تأوُهها ... تصبو إلى إلفها وأندَهُها )
( سقياً لصنعاء لا أرى بلداً ... أوطَنه المُوطنون يشبهها )
( حِصْناً وحُسناً ولا كبهجتها ... أعذَى بلادٍ عذاً وأنزهها )
( يعرف صنعاء مَن أقام بها ... أرغدُ أرض عيشاً وأرفهها )
( أبلغْ حضيراً عنّي أبا حنَش ... عائرةً نحوَه أوجِّهها )
( تأتيه مثلَ السهام عامدة ... عليه مشهورةً أُدَهْدهها )
( كُنَيتُه طرحُ نون كنيتِه ... إذا تهجيّتَها ستفقهها )
(20/236)

يريد إسقاط النون من أبي حنش حتى يكون أبا حش
قال أبو عبد الله وحدثني عمي قال حدثني الطلحي وكان له علم وأدب قال
اجتمعت مع أبي محمد عند يونس بن الربيع وكان قد دعانا فأقمنا عنده فاتفق مجلسي إلى جنب مجلس أبي محمد فقام يونس لحاجته وكان جميلا وسيما فالتفت إلى اليزيدي فقال
( وفتى كالقناة في الطّرْف منه ... إن تأملتَ طرفَه استرخاءُ )
( فإذا الرامح المُشيح تلاه ... وضع الرمح منه حيث يشاء )
أبو محمد وقتيبة الخراساني
قال وحدثني عمي عن عمه إسماعيل عن أبي محمد قال
كان قتيبة الخراساني صاحب عيسى بن عمر يأتيني فيسألني عن مسائل كالمتعنت فإذا أجبته عنها انصرف منكسرا وكان أفطس فقلت له يوماً
( أَمُخْبِري أنت يا قتيبةُ عن ... أنفِك أم أنت كاتمٌ خبرهْ )
( بأي جُرم وأيّ ذنب تَرى ... سوّت بخدَّيك أنفَك البقَره )
( فصيَّرتْه كفَيْشة نبتَت ... في وجهِ قرد مفضوضة الكمَره )
( قد كان في ذاك شاغل لك عن ... تفتيش باب العرفان والنكره )
وقلت فيه أيضاً
(20/237)

( إذا عافى مَليك الناس عبدا ... فلا عافاك ربّك يا قُتَيْبه )
( طلبتَ النحو مذ أن كنت طفلاً ... إلى أن جلّلتك قبُحْتَ شيبه )
( فما تزداد إلا النقصَ فيه ... وأنت لدى الإياب بِشَرّ أوبه )
( وكنتَ كغائب قد غاب حيناً ... فطال مُقامُه وأتى بخيبه )
قال أبو محمد
كان عيسى بن عمر أعلم الناس بالغريب فأتاني قتيبة الخراساني هذا فقال لي أفدني شيئاً من الغريب أعاني به عيسى بن عمر فقلت له أجود المساويك عند العرب الأراك وأجود الأراك عندهم ما كان متمئراً عجارما جيداً وقد قال الشاعر
( إذا استكْتَ يوماً بالأراك فلا يَكن ... سواكك إلا المتمئرَّ العُجارما )
يعني الأير قال فكتب قتيبة ما قلت له وكتب البيت ثم أتى عيسى بن عمر في مجلسه فقال يا أبا عمر ما أجود المساويك عند العرب فقال الأراك يرحمك الله فقال له قتيبة أفلا أهدي إليك منه شيئا متمئراً عجارما فقال أهده إلى نفسك وغضب وضحك كل من كان في مجلسه وبقي قتيبة متحيراً فعلم عيسى أنه قد وقع عليه بلاء
(20/238)