Advertisement

الأغاني 017



[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24 فقال له ويلك من فضحك وسخر منك بهذه المسألة ومن أهلكك ودمر عليك قال أبو محمد اليزيدي فضحك عيسى حتى فحص برجله وقال هذه والله من مزحاته وبلاياه أراه عنك منحرفا فقد فضحك فقال قتيبة لا أعاود مسألته عن شيء
حدثني عمي قال حدثني عبيد الله بن محمد اليزيدي قال حدثني أخي أبو جعفر قال سمعت جدي أبا محمد يقول صرت يوما إلى الخليل بن أحمد والمجلس غاص بأهله فقال لي ها هنا عندي فقلت أضيّق عليك فقال إن الدنيا بحذافيرها تضيق عن متباغضين وإن شبرا في شبر لا يضيق عن متحابين قال وكان الخليل لأبي محمد صافي الود
حدثنا اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله قال حدثني أخي أحمد قال سمعت جدي أبا محمد يقول
كنت ألقى الخليل بن أحمد فيقول لي أحب أن يجمع بيني وبين عبد الله بن المقفع وألقى ابن المقفع فيقول أحب أن يجمع بيني وبين الخليل بن أحمد فجمعت بينهما فمر لنا أحسن مجلس وأكثره علما ثم افترقنا فلقيت الخليل فقلت له يا أبا عبد الرحمن كيف رأيت صاحبك قال ما شئت من علم وأدب إلا أني رأيت كلامه أكثر من علمه ثم لقيت ابن المقفع فقلت كيف رأيت صاحبك فقال ما شئت من علم وأدب إلا أنّ عقله أكثر من علمه
ناظر الكسائي وغلبه
حدثنا اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله قال حدثني أخي أحمد بن محمد قال حدثني أبي محمد بن أبي محمد قال قال لي أبو محمد
(20/239)

كنا مع المهدي ببلد في شهر رمضان قبل أن يستخلف بأربعة أشهر وكان الكسائي معنا فذكر المهدي العربية وعنده شيبة بن الوليد العبسي عم دفافة فقال المهدي نبعث إلى اليزيدي والكسائي وأنا يومئذٍ مع يزيد بن المنصور خال المهدي والكسائي مع الحسن الحاجب فجاءنا الرسول فجئت أنا فإذا الكسائي على الباب قد سبقني فقال يا أبا محمد أعوذ بالله من شرّك فقلت والله لا تؤتى من قبلي حتى أوتى من قبلك
فلما دخلنا عليه أقبل علي وقال كيف نسبوا إلى البحرين فقالوا بحراني ونسبوا إلى الحصنين فقالوا حصني ولم يقولوا حصناني كما قالوا بحراني فقلت أصلح الله الأمير لو أنهم نسبوا إلى البحرين فقالوا بحري لم يعرف أإلى البحرين نسبوا أم إلى البحر فلما جاؤوا إلى الحصنين لم يكن موضع آخر يقال له الحصن ينسب إليه غيرهما فقالوا حصني
قال أبو محمد سمعت الكسائي يقول لعمر بن بزيع وكان حاضراً
(20/240)

لو سألني الأمير لأخبرته فيها بعلة هي أحسن من هذه قال أبو محمد قلت أصلح الله الأمير إن هذا يزعم أنك لو سألته لأجاب بأحسن مما أجبت به قال فقد سألته فقال الكسائي لما نسبوا إلى الحصنين كانت فيه نونان فقالوا حصني اجتزاء بإحدى النونين عن الأخرى ولم يكن في البحرين إلا نون واحدة فقالوا بحراني فقلت أصلح الله الأمير فكيف تنسب رجلا من بني جنان فإنه يلزمه على قياسه أن يقول جني إن في جنان نونين فإن قال ذلك فقد سوّى بينه وبين المنسوب إلى الجن
قال فقال لي المهدي وله تناظرا في غير هذا حتى نسمع فتناظرنا في مسائل حفظ فيها قولي وقوله إلى أن قلت له كيف تقول إن من خير القوم أو خيرهم نيةً زيد قال فأطال الفكر لا يجيب فقلت لأن تجيب فتخطئ فتتعلم أحسن من هذه الإطالة فقال إن من خير القوم أو خيرهم نية زيداً قال فقلت أصلح الله الأمير ما رضي أن يلحن حتى لحن وأحال قال وكيف قلت لرفعه قبل أن يأتي باسم إن ونصبه بعد رفعه
فقال شيبة بن الوليد أراد بأو بل فرفع هذا معنى فقال الكسائي ما أردت غير ذلك فقلت فقد أخطأ جميعا أيها الأمير لو أراد بأو بل رفع زيداً لأنه لا يكون بل خيرهم زيداً فقال المهدي يا كسائي لقد دخلت علي مع مسلمة النحوي وغيره فما رأيت كما أصابك اليوم قال ثم قال هذان عالمان ولا يقضي بينهما إلا أعرابي فصيح يلقى عليه المسائل التي اختلفا فيها فيجيب قال فبعث إلى فصيح من فصحاء الأعرب قال أبو محمد وأطرقت إلى أن يأتي الأعرابي وكان المهدي محبا لأخواله ومنصور بن يزيد بن منصور حاضر فقلت أصلح الله الأمير كيف ينشد هذا البيت الذي جاء في هذه الأبيات
(20/241)

( يا أيها السائلي لأُخبره ... عمن بصنعاءَ من ذوي الحسبِ )
( حِمْيرُ سادتُها تُقر لها ... بالفضل طرّاً جحاجح العرب )
( وإنَّ من خيرهم وأكرمهمْ ... أو خيرَهم نية أبو كرب )
قال فقال لي المهدي كيف تنشده أنت فقلت أو خيرهم نية أبو كرب على إعادة إن كأنه قال أو إن خيرهم نية أبو كرب فقال الكسائي هو والله قالها الساعة قال فتبسم المهدي وقال إنك لتشهد له وما تدري قال ثم طلع الأعرابي الذي بعث إليه فألقيت عليه المسائل فأجاب فيها كلها بقولي فاستفزني السرور حتى ضربت بقلنسيتي الأرض وقلت أنا أبو محمد فقال لي شيبة أتتكنى باسم الأمير فقال المهدي والله ما أراد بذلك مكروها ولكنه فعل ما فعل للظفر وقد لعمري ظفر
فقلت إن الله عز و جل أنطقك أيها الأمير بما أنت أهله وأنطق غيرك بما هو أهله قال فلما خرجنا قال لي شيبة أتخطّئني بين يدي الأمير أما لتعلمن قلت قد سمعت ما قلت وأرجو أن تجد غبها ثم لم أصبح حتى كتبت رقاعاً عدة فلم أدع ديوانا إلا دسست إليه رقعة فيها أبيات قلتها فيه فأصبح الناس يتناشدونها وهي
( عِش بِجَدٍّ ولا يضرُّك نَوك ... إنما عَيش من تَرى بالجُدودِ )
( عِش بِجَدّ وكن هَبنّقة القيسيّ ... نَوكاً أو شيبَة بنَ الوليد )
(20/242)

( شيب يا شيب يا جُدَدي بني القعْقاع ... ما أنت بالحليم الرشيد )
( لا ولا فيك خَلَّةٌ من خلال الخير ... أحرزْتها لحزم وجود )
( غيرَ ما أنك المجيد لتقطيع ... غناءٍ وضرب دُفّ وعود )
( فعلَى ذا وذاك يحتمِل الدهر ... مجيداً له وغير مجيد )
قال وقال أبو محمد اليزيدي يهجو خلفا الأحمر أستاذ الكسائي أنشدنيه عمي الفضل
( زعم الأحمر المَقيت عليٌّ ... والذي أمّه تُقِرّ بمقتهْ )
( أنه علَّم الكسائي نحواً ... فلئن كان ذا كذاك فبِاسته )
الرشيد يأمر له بمال فيستعين بأصحابه على تعجيله
وبهذا الإسناد عن أبي محمد قال
أمر لي الرشيد بمال وحضر شخوصه إلى السن فأتيت عاصماً الغساني وكان أثيراً عند يحيى بن خالد فقلت له إن أمير المؤمنين قد
(20/243)

أمر لي بمال وقد حضر من شخوصه ما قد علمت فأحب أن تذكر أبا علي يحيى بن خالد أمره ليعجله إلي فقال نعم ثم عدت بعد ذلك بيومين فقال لي يتفخم في لفظه ما أصبت بحاجتك موضعاً قال قلت فاجعلها منك أكرمك الله ببال
فلما خرجت لحقني بعض من كان في المجلس فقال لي يا أبا محمد إني لأربأ بك أن تأتي هذا الكلب أو تسأله حاجة قلت وكيف قال سمعته يقول وقد وليت لو أن بيدي دجلة والفرات ما سقيت هذا منها شربة فقيل له ولم ذاك أصلحك الله فإن له قدرا وعلما قال لأنه من مضر ما رأيت مضريا قط يحب اليمانية
قال فأحببت ألا أعجل فعدت إليه من غد فقلت هل كان منك أكرمك الله في الحاجة شيء فقال والله لكأنك تطلبنا بدين فتحقق عندي ما بلغني عنه فقلت له لا قضى الله هذه الحاجة على يدك ولا قضى لي حاجة أبداً إن سألتكها والله لا سلّمت عليك مبتدئاً أبداً ولا رددت عليك السلام إن بدأتني به ونفضت ثوبي وخرجت
فإني لأسير وأفكر في الحيلة لحاجتي إذا براكب يركض حتى لحقني فقال بعثني إليك أبو علي يحيى بن خالد لتقف حتى يلحقك فرجعت مع رسوله إليه فلقيته وكان قريبا فسلمت عليه ثم سايرته فقال لي إن أمير المؤمنين أمرني أن آمرك بطلب مؤدّب لابنه صالح فإني أحدّثك حديثاً حدثني به أبي خالد بن برمك أن الحجاج بن يوسف أراد مؤدباً لولده فقيل له ها هنا رجل نصراني عالم وها هنا مسلم ليس علمه كعلم النصراني قال ادعوا لي المسلم
فلما أتاه قال ألا ترى يا هذا أنّا قد دللنا على نصراني قد ذكروا أنه أعلم منك غير أني كرهت أن أضم إلى ولدي من لا ينبّههم للصلاة عند
(20/244)

وقتها ولا يدلهم على شرائع الإسلام ومعالمه وأنت إن كان لك عقل قادر على أن تتعلم في اليوم ما يعلمه أولادي في جمعة وفي الجمعة ما يعلمهم في الشهر وفي الشهر ما يعلمهم في سنة
ثم قال لي يحيى فينبغي يا أبا محمد أن نؤثر الدين على ما سواه فقلت له قد أصبت من أرضاه وذكرت له الحسن بن المسور فضمه إليه ثم سألني من أين أقبلت فأخبرته بخبر عاصم وما كان منه فقلت له قد حضر هذا المسير ولست أدري من أي وجه أتقاضاه فضحك وقال ولم لا تدري الق صديقك جعفراً يعني ابنه حتى يكلم أمير المؤمنين أو يذكرني حاجتك فقد تركته على المضي الساعة فانثنيت إلى جعفر وقلت له في طريقي
( يا سائلي عما أخبره ... عن جعفر كرماً وعن شيمهْ )
( إن ابن يحيى جعفراً رجل ... سِيطَ السماحُ بلحمه ودمه )
( فعليه لا أبداً محرمةٌ ... وكلامه وقف على نَعَمه )
( وترى مُسابقَه ليدركه ... بمكان حَذْو النعل من قدمه )
فلما دخلت إليه أخبرته الخبر وأنشدته الأبيات وأعلمته ما أمرني به أبوه فقال لي قل بيتين تدكره فيهما إلى أن أجدد طهرا واكتبهما حتى يكونا معي فأذكر بهما حاجتك فقلت نعم يا سيدي وأخذت الدواة وكتبت
( أحقُّ مَن أنجز موعودَه ... خليفةُ الله على خلقهِ )
( ومَن له إرث نبيّ الهدى ... بالحق لا يُدفَع عن حقه )
( يُنسب في الهَدْي إلى هَدِيِه ... بِرّاً وفي الصدق إلى صدقه )
( ومَن له الطاعة مفروضة ... لائحة بالوحي في رَقِّه )
( والراتقُ الفتقِ العظيم الذي ... لا يقدر الناس على رتْقه )
(20/245)

قال فأخذ الشعر ومضى إلى الرشيد في حاجتي وأقرأه إياه فصك إلي بالمال عليه وقبضته بعد ذلك بيوم وأنشأت أقول في الغساني
( ألا طَرَقتْ أسماء أم أنت حالِم ... فأهلاً بطيف زار والليل عاتمُ )
( إذا قيل أيُّ الناس أعظم جفوةً ... وألأمُ قيل الجر مقانيُّ عاصم )
( دَعِيّ أجاءته إلى اللؤم دعوة ... ومغرِس سَوء لؤمه متقادم )
( شَهِيدي على أن ليس حراً صَلِيبةً ... صفيحةُ وجه ابنِ استِهَا واللهازم )
( صفيحة دَقّاق أبوه شبيهه ... وجدّاه سمَّاك لئيم وحاجم )
( أعاصمُ خلِّ المكرمات لأهلها ... وأغْض عَلَى لؤم ووجهُك سالم )
( فكيف تنَال الدهر مجداً وسودَداً ... وفي كل يوم كوكبٌ لك ناجم )
( وأصلك مدخول وفِسقك ظاهر ... وعَجْبك مهموز وعَرْدك عارم )
( تُصانع غساناً لتُلَحق فيهُم ... ورُبَ دَعِيّ ألحقته الدراهم )
( فإن راب رَيب أو أَصابتك شدة ... رجعتَ إلى شَلْثى وأنفك راغم )
قال وكان اسم ابن شلثى ... فصيره صلتاً
( إذا عَاصما يوماً أتيتَ لحاجة ... فلا تلقَه إلا وأَيرك قائم )
(20/246)

( وعرِّض له من قبل ذاك بأمرَدِ ... وضيء وسِيم أثقَلْته المآكم )
( وإلا فلا تسأله ما عِشت حاجة ... ولا تبكه إن أعولَتْه المآتم )
قال فلما حدث ببني برمك ما حدث قبضت ضيعته في المقبوض من ضياع أسبابهم فصار إلي وكلمني في أمرها وسألني كلام الجوهري في ذلك فقمت له حتى ردت الضيعة عليه فجاءني يشكرني ويعتذر مما جرى من فعله المتقدم فقلت له تناس ما مضى فلست ممن يكافئ على سوء أحداً
أبو محمد يهجو أبا عبيدة
قال أبو محمد كان أبو عبيدة يجلس في مسجد البصرة إلى سارية وكنت أنا وخلف الأحمر نجلس جميعاً إلى أخرى وكان أبو عبيدة من أعضه الناس للناس وأذكرهم لمثالبهم فقال لأصحابه أترون الأحمر واليزيدي إنما يجتمعان على الوقيعة للناس وذكرمساويهم وبلغني ذلك وأنه قد رمانا بمذهبه فقلت لخلف دعه فأنا أكفيكه فلما كان من الأذان جئت أنا وخلف إلى المسجد فكتبت على الجص في الموضع الذي كان يجلس فيه أبو عبيدة
( صلى الإله عَلَى لوط وشيعتِه ... أبا عبيدة قل بالله آمينا )
قال وأصبح الناس وجاء أبو عبيدة فجلس وهو يعلم ما فوق رأسه مكتوبا وأقبل الناس ينظرون إلى البيت ويضحكون ورفع أبو عبيدة رأسه ونظر إليه فخجل ولم يزل منكساً رأسه حتى انصرف الناس وأنا وخلف ناحيةً ننظر إلى ما به ثم قمنا حتى وقفنا عليه فقلنا له ما قال
(20/247)

صاحب هذا البيت إلا حقاً نعم فصلى الله على لوط فأقبل عليّ وقال قد علمت من أين أتيت ولن أعاود التعرض لتلك الجهة ولم يعد لذكرنا بعد ذلك
وقال أبو محمد اعتللتُ علة من حمى ربع طالت عليّ أشهراً فجفاني يزيد بن منصور ولم يمر بي في علتي ولم يتفقدني كما ينبغي فكتبت رقعة إليه ضمنتها هذه الأبيات
( قل للأمير الذي يرجو نوافِلَه ... مَن جاء طالباً للخير منتابا )
( إني صحبتك دهراً كلَّ ذاك أرى ... مِنْ دون خَيرك حُجَّاباً وأبواباً )
( وَكم ضريكٍ أجاءته شقاوَتُه ... إليك إذا أنشَبتْ ضَراؤها نابا )
( فما فتحتَ له باباً لميسرة ... وَلا سددتَ له من فاقة بابا )
( كغائب شاهدٌ يخفي عليك كما ... من غاب عنك فوافى حظُّه غابا )
فلما قرأها قال جفونا أبا محمد وأحوجناه إلى استبطائناً والله المستعان وبعث إليه بصلة
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف قال حدثني محمد بن عبد الرحمن بن الفهم وكان من أصحاب الأصمعي قال
كان خلف الأحمر يعبث بأبي محمد اليزيدي عبثاً شديداً وربما جدّ فيه وأخرجه مخرج المزح فقال فيه ينسبه إلى الّلواط
( إني ومَن وَسَج المَطيُّ له ... حُدْبَ الذرى أذقانها رُجُفُ )
(20/248)

( يَطرحن بالبِيد السِّحال إذا ... حثّ النجاءَ الركبُ وازدَهفوا )
( والمُحرمِين لِصَوتهم زَجَل ... بِفِناء كعبته إذا هتفوا )
( وإذا قطَعْن مسافَ مَهْمَهة ... قَذَفٍ تعرّض دونها شَرَف )
( وافَتْ بهمْ خُوص محزَّمة ... مثلُ القِسيِّ ضوامرٌ شُسُف )
( مِنّي إليه غيرَ ذي كذِب ... ما إن رأى قوم ولا عرَفوا )
( في غابر الناس الذين بقُوا ... والفُرَّطِ الماضين إذ سَلفوا )
( أحداً كيحيى في الطعان إذا افتَرش ... القنا وتضعضع الحَجَف )
( في مَعرك يُلقى الكَمِيّ به ... للوجه منبطحاً وينحرف )
( وإذا أكبّ القِرن يُتِبعه ... طعناً دُوَين صَلاه ينخسف )
( للهِ دَرُّك أيّ ذي نُزُلٍ ... في الحرب إذ همّوا وإذ وقفوا )
( لا تخطىء الوجعاء ألّته ... ولا تُصدّ إذا همُ زحفوا )
( وله جِياد لا يُفِرّطها الإحلال ... والمضمار والعلف )
(20/249)

( جُرْد يهان لها السَّوق وألبان ... اللِّقاح كأنها نُزُف )
( مُرْد وأطفال تخالهم ... دُرّاً تَطابق فوقه الصَّدَف )
( فهمُ لديه يعكُفون به ... والمَرء منه اللِّين واللُطف )
( ومتَى يشا يُجنَب له جَذع ... نَهْدٌ أسيل الخد مشترف )
( يمشي العِرَضْنَةَ تحت فارسه ... عَبْلَ الشوَى في متنه قَطف )
( رَبِذٌ إذا عرِقت مَغابِنه ... ذَهَب السكون وأقبل العُنف )
( فأعدِّ ذاك لسرجه وله ... في كل غادية لها عُرُف )
( في حَقْوه عَردٌ تَقدّمُه ... صلعاء في خرطومها قَلَف )
( جرداء تُشحَذ بالزاق إذا ... دُعيَت نزال وهبّ مرتدِف )
( أوفى على قِيدِ الذراع شديدُ ... الجَلْز في يافوخه جَوَف )
( خاظٍ مُمَرّ متنُه ضَرِم ... لا خانه خَوَر ولا قَضَف )
(20/250)

( عَرْدُ المَجس بمتنه عُجَر ... في جِذره عن فخذه جنَف )
( فلوَ أن فياضاً تأمله ... نادى بجهد الويل يلتهف )
( وإذا تمسّحه لِعادته ... ودنا الطعان فمِدْعَس ثَقِف )
( وإذا رأى نفَقاً رَبَا ونزا ... حتى يكاد لعابه يكف )
( لا ناشئاً يُبِقي ولا رجلاً ... فنِداً وهذا قلبه كلِف )
( يا ليتني أدري أمُنجيتي ... وجناءُ ناجيةٌ بها شَدَف )
( من أن تعلقني حبائلُه ... أو أن يواري هامتِي لُجُف )
( ولقد أقول حِذارَ سطوته ... إيهاً إليك توَقّ يا خلَف )
( ولو أن بيتك في ذُرا علَم ... مِن دون قلة رأسه شَعَف )
( زَلِقٍ أعاليه وأسفلُه ... وعر التنائف بيتها قذف )
( لَخَشيت عَرْدَك أن يُبِّيتَني ... أن لم يكن ليَ عنه منصرَف )
قال الأصمعي فحدثني شيخ من آل أبي سفيان بن العلاء أخي أبي عمرو بن العلاء قال
أنشدت قصيدة خلف الفائية هذه وأعرابي جالس يسمع فلما سمع قوله
(20/251)

( فإذا أكب القرنَ أتبعه ... طعناً دُوَين صَلاه ينخسف )
قال الأعرابي وأبيك لقد أحب أن يضعه في حاق مقيل ضرطته
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني ابن الفهم قال حدثني الأصمعي قال
كنت مع خلف جالسا فجرى كلام في شيء من اللغة وتكلم فيه أبو محمد اليزيدي وجعل يشغب فقال لي خلف دعني من هذا يا أبا محمد وأخبرني من الذي يقول
( فإذا انتشأتُ فإنني ... رب الحُرَيبة والرُّمَيح )
( وإذا صحوتُ فإنني ... رب الدُّوَيّة واللوَيح )
يعرّض به أنه معلم وأنه يلوط فغضب اليزيدي وقام فانصرف
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني طلحة الخزاعي قال حدثني أبو سعيد عثمان بن يوسف الحنفيُّ قال
غاضب أبو محمد اليزيدي مواليه بني عدي رهط ذي الرمة من بني تميم لأمر استنهضهم فيه فقعدوا عنه فقال يهجوهم
( يا أيها السائل عن قومنا ... لمّا رأى بِزَّةَ أحبارهم )
( وحُسن سَمْت منهُم ظاهراً ... إعلانُهم ليس كإسرارهم )
( سائلْ بهم أحمرَ أو غيرَه ... يُنبيك عن قومي وأخبارهم )
(20/252)

( قوم كرام ما عدا أنهم ... صولتهم منهم على جيرانهم )
( أسد على الجيران أعداؤهم ... آمنة تخطر في دارهم )
( لو جاءهم مقتبساً جارُهم ... ما قبسوه الدهر من نارهم )
( وقد وترناهمْ فلم نخش مَن ... ينهض في سيره أو ثارهم )
( أحسنُ قوم لمواليهمُ ... إن أيسروا يَوماً لأيسارهم )
( شهادة الزور لهم عادة ... حقاً بها قيمة أخبارهم )
( وما لهم مجد سوى مسجد ... به تعدَّوا فوق أطوارهم )
( لو هُدم المسجد لم يُعرفوا ... يوماً ولم يسمع بأخبارهم )
مدحه المأمون عندما بلغ وصار في حدّ الرجال
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال أخبرني عمي عبيد الله قال حدثني عمي إسماعيل وأخي أحمد قالا
لما بلغ المأمون وصار في حد الرجال أمرنا الرشيد أن نعمل له خطبة يقوم بها يوم الجمعة فعملنا له خطبته المشهورة وكان جهير الصوت حسن اللهجة فلما خطب بها رقَّت قلوب الناس وأبكى من سمعه فقال أبو محمد اليزيدي
( لِتَهْنِ أميرَ المؤمنين كرامةٌ ... عليه بها شكرُ الإله وُجوبُ )
( بأن وليّ العهد مأمونَ هاشم ... بدا فضله إذ قام وهو خطيبُ )
( ولما رماه الناس من كل جانب ... بأبصارهم والعُود منه صليب )
( رماهم بقول أنصتوا عجباً له ... وفي دونه للسامعين عجيب )
(20/253)

( لما وعَت آذانُهم ما أتى به ... أنابَتْ ورقَّت عند ذاك قلوب )
( فأبكى عيونَ الناسَ أبلغُ واعظ ... أغرُّ بِطاحيُّ النَّجار نجيب )
( مَهيب عليه لِلوقار سكينة ... جريء جَنانٍ لا أكَعّ هيوب )
( ولا واجبٌ فوق المنابر قلبُه ... إذا ما اعترى قلبَ النجيب وجيب )
( إذا ما علا المأمونُ أعوادَ منبر ... فليس له في العالمين ضريب )
( تصدَّع عنه الناس وهو حديثهم ... تَحدث عنه نازح وقريب )
( شَبيه أمير المؤمنين حَزامةً ... إذا وردَتْ يوماً عليه خطوب )
( إذا طاب أصل في عُروق مِشاجه ... فأغصانه من طيبه ستطيب )
( فقل لأمير المؤمنين الذي به ... يقدَّم عبد الله فهو أديب )
( كأن لم تغب عن بلدة كان والياً ... عليها ولا التدبيرُ منك يغيب )
( تتبعَ ما يُرضيك في كل أمره ... فسِيرته شخص إليك حبيب )
( ورِثتم بني العباس إرثَ محمد ... فليس لحَيِّ في التراث نصيب )
( وإني لأرجو يابن عم محمد ... عطاياك والراجيك ليس يخيب )
( أثبني على المأمون وابنِي محمداً ... نوالاً فإياه بذاك تثيب )
( جِناب أمير المؤمنين مُبارَك ... لنا ولكل المؤمنين خصيب )
( لقد عَمَّهمْ جُود الإمام فكلهم ... له في الذي حازت يداه نصيب )
صوت
فلما وصلت هذه الأبيات إلى الرشيد أمر لأبي محمد بخمسين ألف
(20/254)

درهم ولابنه محمد بن أبي محمد بمثله
أخبرني عمي قال حدثنا الفضل بن محمد اليزيدي قال حدثني أخي أحمد عن أبيه قال
أستأذن أبو محمد الرشيد وهو بالرقة في الحج فأذن له فلما أعاد أنشدنا لنفسه
( يا فرحتا إذ صرفنا أوجه الإبل ... إلى الأحبة بالإزعاج والعَجَل )
( نحثهن ولا يُؤتَيْن من دأب ... لكنَّ للشوق حثاً ليس للإبل )
( يا نائياً قرُبَتْ منه وساوسه ... أمسَى قرينَ الهوى والشوقِ والوجل )
( إن طال عهدك بالأحباب مغترباً ... فإن عهدك بالتسهيد لم يَطل )
( أمَا اشتفَى الدهرُ من حَرّانَ مُختبَلٍ ... صبِّ الفؤاد إلى حَرانَ مُخْتَبَلِ )
( عِش بالرجاء وأمّل قرب دراهمُ ... لعل نفسك أن تبقى مع الأمل )
(20/255)

أخبار من له شعر فيه صنعة من ولد أبي محمد اليزيدي وولد ولده
فمنهم محمد بن أبي محمد ومما يغنى من شعره قوله
صوت
( أتيتُك عائذاً بكَ منك ... لما ضاقت الحِيلُ )
( وصيَّرني هواك وبَي ... لِحَيني يُضْرَب المثل )
( فان سلِمَتْ لكم نفسي ... فما لاقيته جَلَل )
( وإن قَتل الهوى رجلاً ... فإني ذلك الرجل )
الشعر لمحمد بن أبي محمد اليزيدي يكنى أبا عبد الله والغناء لسليم بن سلام ثقيل أول بالبنصر وله أيضاً فيه ماخوري وكان سليم صديق محمد بن أبي محمد اليزيدي كثير العشرة له وليس في شيء من شعره صنعة إلا له وله يقول محمد بن أبي محمد اليزيدي
صوت
( بأبي أنتَ يا سُلَيم وأُمي ... ضِقتُ ذَرعاً بهجر من لا أسمِّي )
( صدّ عنِّي أقَرُّ مَن خلق الله ... لعيني فاشتد غمي وهمي )
( ما احتيالي إن كان في القدر السابق ... لِلْحَيْنِ أن أموت بسُقمي )
(20/256)

الغناء لسليم خفيف رمل بالوسطى عن عمرو
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن أخيه أبي جعفر عن أبيه محمد بن أبي محمد قال
قال لي أبي نظر إليك أبو ظبية العكلي وقد جاءني فقال لي وقد أقبلت
( يَلِد الرجال بَنيهمُ أولادَهمْ ... وولدْتَ أنت أباً من الأولاد )
قال أبو محمد وكتب أبو ظبية يوماً
( أيحيى لقد زُرناك نلتمس الجَدَا ... وأنت امرؤ يرجَى جَداه ونائله )
( وما صنع المعروف في الناس صانع ... فيُحْمَدَ إلا أنت بالخير فاضله )
( تخيرك الناسَ الخليفةُ لابنه ... وأحكمْتَ من كل أمر يحاوله )
( فما ظنَّ ذو ظنٍّ من الناس علمُه ... كعلمك إلا مخطىء الظن فائله )
( إليك تناهت غايةُ الناس كلِّهم ... إذا اشتبهَتْ عند البصير مسائله )
قال أبو محمد فكتب إليه
( أبا ظبيةَ اسمع ما أقول فخَيْرُ ما ... يقال إذا ما قيل صُدق قائله )
( إذا شئت فانهَدْ بي إلي من أردتَه ... وأملِّتَ جدواه فإني منازلة )
( فإن يك تقصير ولا يك عارفاً ... بحقك فاعذلِه فتكثر عواذله )
حدثني أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله قال حدثني أخي أحمد عن أبي قال
(20/257)

صرت إلى العباس بن الأحنف فقال لي ما حاجتك قلت أمرني أخوك وأبي أن أصير إليك وأستفيد منك فقال لي أتصير إلي وددت أني سبقتك إلى بيتين قلتهما وإني لم أقل من الشعر شيئاً غيرهما فدخلني من السرور ما الله به عليم فقلت وما هما فقال قولك
( يا بَعيد الدار موصولا ... بقلبي ولِساني )
( رُبما باعدك الدهر ... وأدنتك الأماني )
سرق معنيين من الشعر لمسلم بن الوليد
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن داود الجراح قال حدثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد اليزيدي قال حدثني أحمد بن محمد قال
سمعت أبي يقول ما سرقت من الشعر شيئاً إلا معنيين قال مسلم بن الوليد
( ذاك ظبي تحيّر الحسنُ في الأركان ... منه وحلّ كل مكانِ )
( عَرَضَتْ دونه الحِجال فما يل ... قاك إلا في النوم أو في الأماني )
فقلت
( يا بعيد الدار موصولاً ... بقلبي ولساني )
( ربما باعدك الدهر ... وأدنتك الأماني )
(20/258)

وقال مسلم أيضاً
( متى ما تسمعي بقتيل حُبٍّ ... أُصيب فإنني ذاك القتيلُ )
فقلت أنا
( أتيتكِ عائذاً بكِ منكِ ... لما ضاقت الحِيلُ )
( وصّيرني هواكِ وبِي ... لحيني يُضْرَب المثل )
( فإن سلمَتْ لكم نفسي ... فما لاقيته جَلل )
( وإن قتَل الهوى رجلاً ... فإني ذلك الرجل )
أخبرني محمد بن العباس قال حدثني عمي عبيد الله عن أخيه أبي جعفر قال
عتب أبي يعني محمد بن أبي محمد على يونس بن الربيع وكان صديقه فكتب إليه
( سأبكيك حّياً لا بكيتك ميِّتاً ... بأربعة تجري عليك هُمولاً )
( وأُعفيك ممن طول اللقاء وإنني ... أرى اليوم لا ألقاك فيه طويلاً )
( فكيف بصبري عنك لا كيف بعدما ... حلِلتَ محلاً في الفؤاد جليلاً )
قال وكتب إليه يونس
( إلى كم قد بَليِت وليس يبلى ... عتاب منك لي أبداً طويلُ )
( إذا كثر التجنّي من خليل ... ولم تُذنبْ فقد ظَلم الخليل )
أخبرني عمي قال حدثني الحسن بن الفهم قال قال لي أبو سمير عبد الله بن أيوب مولى بني أمية
بات عندي ليلة محمد بن أبي محمد اليزيدي فظهر لنا قنفذ فقلت له قل فيه شيئا فأنشأ يقول
(20/259)

( وطارقِ ليل زارنا بعد هَجْعة ... من الليل إلا ما تحدث سامرُ )
( فقلْتُ لعبد الله ما طارقُ أتى ... فقال امرؤ سبَقت إليه المقادر )
( قَرَيناه صفو الزاد حين رأيته ... وقد جاء خفَّاق الحشا وهو سادر )
( جميل المحَيّا والرضا فإذا أبى ... حمَتْه من الضيم الرماح الشَّواجر )
( ولست تراه واضعاً لسلاحه ... مدى الدهر موتوراً ولا هو واتر )
حدثنا اليزيدي قال حدثني عمي الفضل قال حدثني أبو صالح بن يزداد قال حدثني أبي قال
جاء محمد بن أبي محمد اليزيدي إلى باب المأمون وأنا حاضر فاستأذن فقال الحاجب قد أخذ دواء وأمرني ألا آذن لأحد قال فأمرك ألا توصل إليه رقعة قال لا فدفع إليه رقعة فيها
( هدّيتَي التحيةُ للإمام ... إمام العدل والملِك الهمام )
( لأني لو بّذْلت له حياتي ... وما هوى لقلاّ للإمام )
( أراك من الدواء اللَّهُ نفعاً ... وعافيةً تكون إلى تمام )
( وأعقبك السلامةَ منه رَبِّ ... يُريك سلامة في كل عام )
( أتأذن في السلام بلا كلام ... سوى تقبيل كفك والسلام )
قال فأوصلها وخرج فأذن له فدخل وسلم وحملت معه ألفا دينار
حدثني عمي قال حدثني الفضل اليزيدي قال حدثني أخي أحمد عن أبي
(20/260)

قال دخلْتُ إلى المعتصم وهو ولي عهد وقد طلع القمر فتنفس ثم قال يا محمد قل أبياتاً في معنى طلوع القمر فإنه غاب مدة كما غاب محبوب عن حبيبه ثم طلع فإن كان كما أحب فلك بكل بيت مائة دينار فقلت
صوت
( هذا شبيه الحبيب قد طلعا ... غاب كما غاب ثم قد لمعا )
( وما أرى غيرَه يشاكله ... فاسأله بالله عنه ما صنعا )
( فرّق بيني وبينه قدر ... هو الذي كان بيننا جمَعا )
( فهل له عودة فأرقبَها ... كما رأينا شِبهه رجعا )
فقال أحسنت وحياتي ثم قال لعلويه غن في هذه الأبيات وكان حاضراً فغنى فيها وشرب عليها ليلته وأمر لي بأربعمائة دينار ولعلويه بمثلها
لحن علوية في هذه الأبيات رمل
المأمون يحكم له بثلاثة آلاف دينار
حدثني عمي قال حدثنا الفضل بن محمد قال حدثني أخي عن أبي قال
شكوت إلى المأمون ديناً علي فقال إن عبد الله بن طاهر اليوم عندي وأريد الخلوة معه فإذا علمت بذلك فاستدع أن يكون دخولك أو إخراجه إليك فإني سأحكم لك عليه بمال فلما علمت أنهم قد جلسوا للشرب صرت إلى الدار وكتبت بهذين البيتين
(20/261)

( يا خير سادات وأصحاب ... هذا الطفَيليُّ على البابِ )
( فصِّيروا لي معكمْ مجلساً ... أو أخرِجُوا لي بعض أصحابي )
وبعثت بهما إليه فلما قرأهما قال صدق اكتبوا إليه وسلوه أن يختار فكتب إلي أما وصولك فلا سبيل إليه ولكن من تختار لنخرجه إليك فتمضي معه
فكتب ما كنت لأختار على أبي العباس أحداً فقال له المأمون قم إلى صديقك
فقال يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تعفيني من ذلك أتخرجني عما شرفتني به من منادمتك وتبدلني بها منادمة ابن اليزيدي قال لا بد من ذلك أو ترضيه
قال فيلحتكم
قال أخاف أن يشتط أو تقصر أنت ولكني أحكم فأعدل
قال قد رضيت
قال تحمل إليه ثلاثة آلاف دينار معجلة
قال قد فعلت فأمر صاحب بيت المال أن يحملها معي وأمر عبد الله بردها إلى بيت المال
حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال
كان محمد بن أبي أحمد اليزيدي يعشق جارية لسحاب يقال لها عليا وكانت من أظرف النساء لساناً وأحسنهن وجهاً وغناء فأعطي بها ثلاثة آلاف دينار فلم تبع واشتراها المعتصم بخمسة آلا ف دينار وذلك في خلافة المأمون وكان علي بن الهيثم جونقاً صديقاً لمحمد بن ابي أحمد اليزيدي فبلغ المأمون الخبر فدعا محمداً وقال ما قصتك مع عليا قال قد قلت في ذلك أبياتاً فإن أذن أمير المؤمنين أنشدتها
قال هاتها فأنشده
( أشكو إلى الله حُبي للعَليّينا ... وأنني فيهمُ ألقَى الأمرينا )
( حَسْبي علًّيا أمير المؤمنين فقد ... أصبحتُ حقًّا أرى حبّي له دِينا )
(20/262)

( وحبَّ خٍلِّي وخُلصاني أبي حسن ... أعني علّياً قريعَ التغلَبيينا )
( ورِقتي لبُنَيٍّ لي أُصِبت به ... وَجْدِي به فوق وجد الآدميينا )
( ورابع قد رمى قلبي باسهمه ... فجُزْت في حبه حدّ المحبينا )
( وبعض من لا أسمِّي قد تمَّلكه ... فرُحتُ عنه بما أعيا المداوينا )
( أتاه بالدين والدنيا تمكُّنُه ... فلم يدَع ليَ لا دُنيا ولادِينا )
قال فقال المأمون لولا أنه أبو إسحاق لانتزعتها منه ولكن هذا ألف دينار فخذه عوضاً ولقيني المعتصم في الدار فقال لي يا محمد قد علمت ما آل إليه أمر فلانة فلا تذكرنها فقلت السمع والطاعة لأمرك
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أبو العباس محمد بن الحسن بن دينار مولى بني هاشم قال حدثني جعفر بن محمد اليزيدي عن أبيه محمد بن أبي محمد قال كنت عند المأمون فقال لي يا محمد قل شعراً في نحو هذين البيتين
( صحيح يودّ السُّقم كيما تعودُه ... وإن لم تَعُده عاد منها رسولُها )
( لِيعلم هل ترتاع عند شَكاته ... كما قد يروع المُشفقات خليلها )
قال فقلت
( صحيحُ وَدّ لو أمسى عليلا ... لتكتبَ أو يرى منكم رسولا )
( رآك تسومُه الهجران حتى ... إذا ما اعتلّ كنت له وَصولا )
( فودّ ضَنا الحياة بوصل يوم ... يكون على هواكَ له دليلا )
( هما موتان موت هوى وهَجرٍ ... وموت الهجر شرُّهما سبيلا )
(20/263)

قال فأمر لي بعشرة آلاف درهم
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثني أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي محمد اليزيدي
عن أبيه قال دخلت على المأمون وهو يشرب وعنده عريب ومحمد بن الحارث بن بسخنر يغنيانه فقال أطعموا محمداَ شيئاً فقلت قد بدأت بذلك في دار أمير المؤمنين فقال أما ترى كيف عتق هذا الشراب حتى لم يبق إلا أقله ما أحسن ما قيل في قديم الشراب فقلت قول الحكمي
( عتقت حتى لو اتّصلتْ ... بلسان ناطق وفمِ )
( لاحتبتْ في القوم ماثلةً ... ثم قصت قصّة الأممِ )
فقال هذا كان في نفسي ثم قال اسقوا محمداً رطلين وأعطوه عشرين ألف درهم ثم نكت في الأرض ورفع رأسه ثم قال يا محمد
( إنّي وأنت رضيعا قهوةٍ لطفتْ ... عن العِيانِ ودقّت عن مَدَى الفَهِمِ )
( لم نرتضعْ غيرَ كأسٍ دَرُّها ذهبٌ ... والكأسُ حُرْمتها أولى من الرَّحمِ )
قال والشعر له قاله في ذلك الوقت
ومما فيه غناء من شعر محمد بن أبي محمد أنشدناه محمد بن العباس عن عمه عبيد الله عن أخيه أحمد
صوت
( أنت امرؤ متجنٍّ ... ولسْت بالغضبان )
( أنت امرؤ لك شأنٌ ... فيما أرى غير شَانِي )
( صرّحْ بما عنه أكْنِي ... أكفّ عنك لسانِي )
(20/264)

( حَسْبي أسأَتُ فهلا ... مَنَنْتَ بالغفران )
ومنها
صوت
( يا أحسن الأمّة في ... عيني أمَا ترحمُنِي )
( أمَا تراني كامداً ... موكَلاً بالحزَنِ )
( أمَا ترى فيك مُدَاراتِي ... لأهْلِ الظنَنِ )
( أصرفُ طَرْفي عنك خَوْفاً ... منه أن يَفْضَحَنِي )
( يَرَانيَ الله وما ألْقى ... وإنْ لَمْ تَرَنِي )
وممن له شعر فيه صنعة من ولد أبي محمد اليزيدي لصلبه إبراهيم
صوت
( لا تلحَني إِن منحتُ عشقاً ... مَن كان للعشق مستحِقاً )
( ولم يقدِّمْ عليّ خَلقا ... ولم أقدّم عليه خلقا )
( يملك رِقّي ولست أبغي ... من مِلكه ما حييت عتقا )
( لم أر فيمن هوِيت خَلقا ... أعطفَ منه ولا أرقَّا )
الشعر لإبراهيم بن محمد اليزيدي والغناء لأبي العبيس بن حمدون خفيف ثقيل مطلق وفيه لعريب رمل مزموم
(20/265)

أخبار إبراهيم
أخبرني عمي قال حدثني الفضل بن محمد اليزيدي قال حدثنا أحمد عن عمه إبراهيم قال
كنت مع المأمون في بلد الروم فبينا أنا في ليلة مظلمة شاتية ذات غيم وريح وإلى جانبي قبة فبرقت برقة وإذا في القبة عريب قالت إبراهيم بن اليزيدي فقلت لبيك فقالت قل في هذا البرق أبياتاً ملاحاً لأغني فيها فقلت
( ماذا بقلبي من أليم الخَفْقِ ... إذا رأيتُ لمعان البرْقِ )
( مِن قِبَل الأُرْدُنِّ أو دمشق ... لأنّ مَن أهوى بذاك الأفْق )
( فارقتُه وهو أعز الخلق ... عليّ والزُور خلاف الحق )
( ذاك الذي يملك مني رقي ... ولست أبغي ما حييت عتقي )
قال فتنفست نفساً ظننته قد قطع حيازيمها فقلت ويحك على من هذا فضحكت ثم قالت على الوطن فقلت هيهات ليس هذا كله للوطن فقالت ويلك أفتراك ظننت أنك تستفزني والله لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس فادعاها أكثر من ثلاثين رئيساً والله ما علم أحد منهم لمن كانت إلى هذا اليوم
(20/266)

إبراهيم في سيحان
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني الفضل بن محمد اليزيدي قال حدثني أخي عن عمي إبراهيم بن أبي محمد
أنه كان مع المعتصم لما خرج إلى الغزو قال فكتب في رفقة فيها فتى من أهل البصرة ظريف أديب شاعر راوية فكان لي فيه أنس وكنا لا نفترق حتى غزونا وعدنا فعاد إلى البصرة وكان له بستان حسن بسيحان فكان أكثر مقامه به وعزم لي على الشخوص إلى البصرة لحاجة عرضت لي فكان أكثر نشاطي لها من أجله فوردتها ونظرت فيما وردت له ثم سألت عنه ومضيت إليه فكان أن يستطار بي فرحاً وأقمت بسيحان معه أياماً وقلت في بعضها وقد اصطبحنا في بستانه
( يا مسعدَيّ بسيحانٍ فدَيتكما ... حُثا المدامة في أكناف سيحانا )
( نَهْر كريم من الفِردوس مَخرجه ... بذاك خبّرنا من كان أنبانا )
( لا تحسداني رَواحاً أو مباكرة ... طِيبَ المسير على سيحان أحياناً )
( بشَطّ سيحان إنسان كلِفْت به ... نفسي تقي ذلك الإنسان إنساناً )
( ريَّاه ريحاننا والكأسُ معملة ... لا شيء أطيب من رّياه ريحانا )
( حُثا شَرابكما حتى أرى بكما ... سًكراً فإنيَ قد أمسيت سكرانا )
( رَيّا الحبيب وكأسٌ من معتّقه ... يُهيجّان لنفس الصّبَ أشجاناً )
( سَقياً لسيحانَ من نهر ومن وطن ... وساكنيه من السكان مَن كانا )
(20/267)

( هُم الذين عقَدنا الودّ بينهًم ... وبيننا وهُمُ في دَير مُرّانا )
أخبرني محمد بن العباس قال حدثني عمي عبيد الله عن جماعة من أهلنا
أن إبراهيم بن أبي محمد اليزيدي كان يعاشر أبا غسان مولى منيرة وكانت له جارية مغنية يقال لها جاني فدعاه يوماً أبو غسان وجلسنا للشرب فقال له لو دعوت ابن أخيك يعني محمد بن أبي محمد لنأنس به فكتب إليه إبراهيم
( يا أكرمَ الناس طُرَّا ... وأكرم الفتيانِ )
( بادِرْ إلينا لكيما ... تُسقَى سُلاف الدِّنانِ )
( على غِناء غزال ... مُهَفهَفٍ فَتّان )
( اشرَب على وجه جانٍ ... شرابَك الخًسرَواني )
( فما لِجانٍ نظير ... ومالها من مُدان )
( إلا الذي هو فَرد ... وماله من ثان )
( أعنِي الهلال لِسِتِّ ... في شهره وثمان )
( للناس بَدرٌ منير ... يُرى بكل مكان )
( وما لنا غيرُ بدر ... لدى أبي غسان )
( ذٍكْراه في كل وقت ... موصولة بلساني )
( سبَيتُه وسباني ... فحُبُّه قد براني )
( مِن ثم لستَ ترانِي ... أصبو إلى إنسان )
(20/268)

أنشدنا أبو عبيد الله اليزيدي عن عمه الفضل لإبراهيم بن أبي محمد اليزيدي في بعض إخوانه وقد رأى منه جفوة ثم عاد واستصلحه فكتب إليه
( مَن تاه واحدة فتِهْ عَشْرا ... كي لا يجوز بنفسه القدرا )
( وإذا زها أحد عليك فكن ... أزهى عليه ولا تكن غُمْراً )
( أرأيتَ مَن لم ترجُ منفعة ... منه ولم تحذر له ضَرا )
( لم يُستذَلَّ وتُستذلُّ له ... بل كن أشد إذا زها كِبرا )
يشرب ويعربد في مجلس شراب مع المأمون
حدثني عمي والحسن بن علي قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي عن جعفر بن المأمون قال
دخل إبراهيم بن أبي محمد اليزيدي على أبي وهو يشرب فأمره بالجلوس فجلس وأمر له بشراب فشرب وزاد في الشرب فسكر وعربد فأخذ علي بن صالح صاحب المصلى بيده فأخرجه فلما أصبح كتب إلى أبي
( أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لَمَا عُرِف العفو )
( ثمِلت فأبدتْ منّي الكاس بعض ما ... كرهتُ وما إن يستوي السكر والصحو )
( ولولا حُمَيا الكأس كان احتمال ما ... بَدَهتُ به لا شك فيه هو السَّرو )
( ولا سيما إذ كنتُ عند خليفةٍ ... وفي مجلس ما إن يجوز به اللغو )
( تنصلت من ذنبي تنصُّل ضارع ... إلى من لديه يُغْفَرُ العمد والسهو )
( فإن تعف عني تُلْفِ خطويَ واسعاً ... والاّ يكن عفو فقد قصر الخطو )
(20/269)

حدثني عمي قال حدثنا الفضل بن محمد اليزيدي قال جاء عمي إبراهيم إلى هارون بن المأمون فصادفه قد خلا هو وجماعة من المعتزلة فلم يصل إليه وحجب عنه فكتب إليه
( غلبَتْ عليكم هذه القَدَريَّهْ ... فعليكُم مني السلام تحيهْ )
( آتيكمُ شوقاً فلا ألقاكُمُ ... وهمُ لدَيكم بُكرةً وعشيهْ )
( هرونُ قائدهم وقد حَفّتْ به ... أشياعه وكفى بتلك بليه )
( لكنّ قائدَنا الإمام ورأينا ... ما قد رآه فنحن مأونية )
أخبرني عمي قال حدثني الفضل قال
كان لعمي إبراهيم ابن يقال له إسحاق وكان يألف غلاما من أولاد الموالي فلما خرج المعتصم إلى الشام خرج إبراهيم معه وخرج الغلام الذي يألفه في العسكر وعرف إبراهيم أنه قد صحب فتى من فتيان العسكر غير ابنه فكتب عمي إبراهيم إلى ابنه
( قل لأبي يعقوب إن الذي ... يعرفه قد فعل الحُوبا )
( كان محِبّاً لك فيما مضى ... فالآن قد صادف محبوبا )
( يركب هذا ذا وذا ذا فما ... ينفك تصعيداً وتصويبا )
فرأس إسحاق فدَيناه فما ... ينفك تصعيداً وتصويباً )
( أرى قروناً قد تَجلّلنه ... منصوبةً شُعِّبن تشعيبا )
( أظنه يعجِز عن حملها ... إذ رُكّبت في الرأس تركيبا )
( يا رحمتا لابني على ضعفه ... يحمل منهن أعاجيبا )
(20/270)

حدثني عمي قال حدثني فضل اليزيدي قال
كتبت إلى عمي إبراهيم أستعين به في حاجة لي وأستزيده من عنايته بأموري وأطالبه أن يتوفر نصيبي لديه وفيما أبتغيه منه فكتب إلي
( فدَيتك لو لم تكن لي قريباً ... وكنت امرأ أجنبيِّا غربيا )
( مع البر منك وما يستجر ... به مسخفاً إليك اللبيبا )
( لما إن جعلْت لخلق سواك ... مثلَ نصيبك مني نصيبا )
( وكنتَ المقدّم ممن أودّ ... وازداد حقك عندي وُجوبا )
( تَلطّفْ لما قد تكلمت فيه ... فما زلتَ في الحاج شهماً نجيبا )
( وراوض أبا حسن إن رأيت ... واحتل بِرفقك حتى يجيبا )
( فإن هو صار إلى ما تريد ... وإلا استعنتَ عليه الحبيبا )
( وما لا يخالف ما تشتهيه ... لِتلفِيَه غيرَ شك مجيبا )
( يودك خاقان وُدِّا عجيبا ... كذاك الأديب يحب الأديبا )
( وأنت تكافيه بل قد تزيد ... عليه وتجمع فيه ضروبا )
( تُثيب أخاك على الورد منه ... وذو اللب يأنف ألا يثيبا )
( ولا سيما إذ بَراه الإله ... كالبدر يدعو إليه القلوبا )
( يرى المُتمَنِّي له رِدْفَه ... كثيباً وأعلاه يحكي القضيبا )
( وقد فاق في العلم والفهم منه ... كما تم مِلْحاً وحسناً وطيباً )
( ويبلغ فيما يقولون ليس ... يعاف إذا ناولوه القضيبا )
( ولكنه وافَق الزاهدين ... فخاب وقد ظن أن لن يخيبا )
(20/271)

( وإن ركِب المرء فيه هواه ... عاث فتطهيره أن يثوبا )
( إذا زارت الشاة ذئباً طبيباً ... فلا تأمنَنّ على الشاة ذيبا )
( وعند الطبيب شفاء السقيم ... إذا اعتلّ يوماً وجاء الطبيبا )
( ولستَ ترى فارساً في الأنام ... إلا وَثُوباً يجيد الركوبا )
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله قال وحدثني أخي أحمد قال
زامل المأمون في بعض أسفاره بين يحيى بن أكثم وعبّادةَ المخنَّث فقال عمي إبراهيم في ذلك
( وحاكمِ زاملَ عبّاده ... ولم يزل تلك له عاده )
( لو جاز لي حُكم لما جاز أن ... يحكم في قيمة لُبّاده )
( كم منِ غلام عزّ في أهله ... وافتْ قفاه منه سجاده )
وقال في يحيى أيضاً
( وكنا نرجيّ أن نرى العدل ظاهراً ... فأعقبنا بعد الرجاء قُنوط )
( متى تصلحُ الدنيا ويصلحُ أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط )
وأخبرني عمي حدثنا أبو العيناء قال
نظر المأمون إلى يحيى بن أكثم يلحظ خادماً له فقال للخادم تعرض له إذا قمت فإني سأقوم للوضوء وأمره ألا يبرح وعد إليّ بما يقول لك وقام المأمون وأمر يحيى بالجلوس فلما غَمزه الخادم بعينه قال يحيى ( لولا أنتم لكنا مؤمنين ) فمضى الخادم إلى المأمون فأخبره فقال له عد
(20/272)

إليه فقال له ( أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين )
فخرج الخادم إليه فقال له ما أمره به المأمون فأطرق يحيى وكاد يموت جزعا وخرج المأمون وهو يقول
( متى تصلحُ الدنيا ويصلحُ أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط )
قم وانصرف واتق الله وأصلح نيتك
حدثنا اليزيدي قال حدثني ابن عمي إسحاق بن إبراهيم بن أبي محمد اليزيدي عن أبيه إبراهيم قال
كنت عند المأمون يوماً وبحضرته عريب فقالت لي على سبيل الولع بي يا سلعوس وكان جواري المأمون يلقبنني بذلك عبثاً فقلت لها
( قًلْ لعريبٍ لا تكوني مسلعسه ... وكوني كتنريفٍ وكوني كمونسه )
فقال المأمون
( فإن كثَرت منك الأقاويل لم يكن ... هنالك شك أنّ ذا منك وسوسة )
قال فقلت كذا والله يا أمير المؤمنين أردت أن أقول وعجبت من ذهن المأمون
(20/273)

وممن غني في شعره من ولد أبي محمد اليزيدي أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي محمد
فمن ذلك
صوت
( شوقي إليك على الأيام يزداد ... والقلب مُذ غبْت للأحزان معتادُ )
( يا لهفَ نفسي على دهر فُجعتُ به ... كأنَّ أيامه في الحسن أعياد )
الشعر لأحمد بن محمد بن أبي محمد والغناء لبحر هزج وفيه ثاني ثقيل مطلق ذكر الهشامي أنه لإسحاق وما أراه أصاب ولا هو في جامع إسحاق ولا يشبه صنعته
وكان أحمد راوية لعلم أهله فاضلا أديبا وكان أسن ولد محمد بن أبي محمد وكان إخوته جميعا يأثرون علوم جدهم وعمومتهم عنه وقد أدرك أبا محمد وأظن أنه روى عنه أيضاً إلا أني لم أذكر شيئاً من ذلك وقت ذكري إياه فأحكيه عنه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الفضل بن محمد اليزيدي قال حدثني أخي أبو جعفر قال
كنت عند جعفر بن المأمون مقيما فلما أردت الانصراف منعني فبتّ عنده وزارته لما أصبحنا عريب في جواريها وبتّ فاحتبسها من غد
(20/274)

فاستطبت المقام أيضاً فأقمت فكتب إلي عمي إبراهيم بن محمد اليزيدي
( شردْتَ يا هذا شُرود البعيرْ ... وطالت الغيبة عند الأميرْ )
( أقمتَ يومين وليليهما ... وثالثاً تُحبَى ببرٍّ كَثير )
( يومُ عَريبٍ مع إحسانها ... إن طالت الأيامُ يوم قصير )
( لها أغانٍ غيرُ مملولة ... منها ولا تخلقُ عند الكرور )
غيرُ مَلوم يا أبا جعفر ... أن تؤثر اللهو ويومَ السرور )
( فاجعل لك منا نصيباً فما ... إن كنتَ عن مجلسنا بالنَّفور )
( وصِر إلينا غير ما صاغر ... أصارك الرحمن خيرَ المصير )
( إن لم يكن عندي غِناء ولا ... عُود فعندي القَمْر بالنردشير )
( والذّكر بالعلم الذي قد مضى ... بأهله حادثُ صَرْفِ الدهور )
( وهو جديد عندنا نهجه ... أعلامه تحويه منا الصدور )
( فالحمد لله على كل ما ... أولى وأبلى ولِربِّي الشُكور )
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل قال سمعت أخي أبا جعفر أحمد بن محمد يقول
دخلت إلى المعتصم يوما وبين يديه خادم وضيء جميل وسيم فطلعت عليه الشمس فما رأيت أحسن منها على وجهه فقال لي يا أحمد قل في هذا الخادم شيئاً وصفْ طلوع الشمس عليه وحسنها فقلت
( قد طلعَتْ شمس على شمس ... وطاب لي الهوى مع الأنس )
( وكنت أَقلِي الشمس فيما مضى ... فصرتُ أشتاق إلى الشمس )
حدثني اليزيدي قال حدثني عمي الفضل قال
(20/275)

كتب إلى أخي بعض إخوانه ممن كان يألفه ويديم زيارته ثم انقطع عنه يعتذر إليه من تأخره عنه فكتب إليه
( إني امرؤ أعذِر إخواني ... في تركهم بِرِّي وإتياني )
( لأنه لا لهو عندي ولا ... لي اليومَ جاهٌ عند سلطان )
( وأكثر الإخوان في دهرنا ... أصحاب تمييز ورُجحان )
( فمَن أتاني مُنْعماً مُفْضلاً ... فشكرُه عنديَ شكرانِ )
- ( ومَن جفاني لم يكن لومُه ... عندي ولا تعنيفُه شاني )
( أعفو عن السيّئ من فِعلهم ... وأُتبع الحسنَى بإحسان )
( حسْبُ صديقي أنه واثق ... مني بإسراري وإعلاني )
ينشد المأمون شعراً وهو لا يزال غلاماً
حدثني اليزيدي قال حدثني أبي عن عمي عن أبي جعفرٍ أحمد بن محمد قال
دخلت على المأمون وهو في مجلس غاصّ بإهله وأنا يومئذٍ غلام فاستأذنت في الإنشاد فأذن فأنشدته مديحا لي مدحته به وكان يستمع للشاعر ما دام في تشبيب أو وصف ضرب من الضروب حتى إذا بلغ إلى مديحه لم يسمع منه إلا بيتين أو ثلاثة ثم يقول للمنشد حسبك ترفعا فأنشدته
( يا من شكوت إليه ما ألقاه ... وبذلتُ من وَجدي له أقصاهُ )
( فأجابني بخلاف ما أمّلْتُه ... ولربما مُنع الحريصُ مناه )
( أترى جميلاً أن شكا ذو صَبْوة ... فهجرتَه وغضبتَ من شكواه )
( يكفيك صمت أو جواب مِؤيس ... إن كنت تَكره وصله وهواه )
( موت المحب سعادة إن كان مَن ... يهواه يزعم أن ذاك رضاه )
(20/276)

فلما صرت إلى المديح قلت
( أبقى لنا الله الإمامَ وزاده ... عزّاً إلى العز الذي أعطاه )
( فالله مكرمنا بأنا معشر ... عُتقاء من نعم العباد سواه )
فسر بذلك وضحك وقال جعلنا الله وإياكم ممن يشكر النعمة ويحسن العمل
أخبرنا محمد بن العباس قال حدثني أبي عن أخيه أبي جعفر قال
دخلت يوماً على المأمون بقارا وهو يريد الغزو فأنشدته شعراً مدحته فيه أوله
( يا قصًر ذا النّخلات من بارا ... إني حللتُ إليك من قارا )
( أبصرتُ أشجاراً على نهر ... فذكرتُ أشجاراً وأنهارا )
( لله أيامٌ نعِمتُ بها ... بالقُفص أحياناُ وفي بارا )
( إذ لا أزال أزور غانية ... ألهو بها وأزور خَمّارا )
( لا أستجيب لِمَن دعا لهُدىً ... وأجيب شطّاراً ودُعّارا )
( أعصِي النصيحَ وكلّ عاذلة ... وأُطيع أو تاراً ومزمارا )
(20/277)

قال فغضب المأمون وقال أنا في وجه عدو وأحض الناس على الغزو وأنت تذكرهم نزهة بغداد فقلت الشيء بتمامه ثم قلت
( فصحوت بالمأمون عن سُكُري ... ورأيت خير الأمر ما اختارا )
( ورأيت طاعته مؤديةً ... للفَرض إعلاناً وإسرارا )
( فخلعتُ ثوب الهزل عن عنقي ... ورضِيتُ دارَ الجِدّ لي دارا )
( وظللتُ معتصماً بطاعته ... وجِواره وكفَى به جارا )
( إن حَلّ أرضاً فهْي لي وطن ... وأسير عنها حيثما سارا )
فقال له يحيى بن أكثم ما أحسن ما قال يا أمير المؤمنين أخبر أنه كان في سكر وخسار فترك ذلك وارعوى وآثر طاعة خليفته وعلم أن الرشيد فيها فسكن وأمسك
حدثني الصولي قال حدثني محمد بن يحيى بن أبي عباد قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن أبيه قال
دعا المعتصم ذات يوم المأمون فجاءه فأجلسه في بيت على سقفه جامات فوقع ضوء الشمس من وراء تلك الجامات على وجه سيما التركي غلام المعتصم وكان المعتصم أوجد الناس به ولم يكن في عصره مثله فصاح المأمون يا أحمد بن محمد اليزيدي وكان حاضراً فقال انظر إلى ضوء الشمس على وجه سيما التركي أرأيت أحسن من هذا قط وقد قلت
( قد طلعت شمس على شمس ... وزالت الوحشة بالأنس )
(20/278)

أجز يا أحمد فقلت
( قد كنت أشنا الشمس فيما مضى ... فصرت أشتاق إلى الشمس )
قال وفطن المعتصم فعض على شفته لأحمد فقال أحمد للمأمون والله لئن لم يعلم الحقيقة من أمير المؤمنين لأقعن معه فيما أكره فدعاه المأمون فأخبره الخبر فضحك المعتصم
فقال له المأمون كثر الله في غلمانك مثله إنما استحسنت شيئاً فجرى ما سمعت لا غيره
حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني أحمد بن محمد اليزيدي قال
كنا بين يدي المأمون فأنشدته مدحاُ فقال لئن كانت حقوق أصحابي تجب علي لطاعتهم بأنفسهم فإن أحمد ممن تجب له المراعاة لنفسه وصحبته ولأبيه وخدمته ولجده وقديم خدمته وحرمته وإنه للعريق في خدمتنا فقلت قد علمتني يا أمير المؤمنين كيف أقول ثم تنحيت ورجعت إليه فأنشدته
( لي بالخليفة أعظم السبب ... فبِه أمنتُ بوائق العَطَب )
( ملِك غذَتني كفّه وأبي ... قَبلي وجدّى كان قبلَ أبي )
( قد خصني الرحمن منه بما ... أسمو به في العجم والعرب )
فضحك وقال قد نظمت يا أحمد ما نثرناه
هذا آخر أخبار اليزيديين وأشعارهم التي فيها صنعة
(20/279)

صوت
( أفي كُلّ يوم أنت من غُبُرِ الهوى ... إلى الشُّمِّ من أعلاه ميلاء ناظر )
( بعمشاء من طول البكاء كأنما ... بها خزَرٌ أو طرفُها مُتختازر )
عروضه من الطويل والغبر البقية من الشيء يقال فلان في غبر من علته وأكثر ما يستعمل في هذا ونحوه والشم الطوال والأعلام جمع علم وهو الجبل قالت الخنساء
( وإن صخراً لتأتمّ الهداة به ... كأنه عَلمَ في رأسه نار )
والخزر ضيق العين وصغرها ومنه سمي الخزر بذلك لصغر أعينهم قال الراجز
( إذا تخازرت وما بي من خَزَرْ ... ثم كسرت الطرف من غير عورْ )
والشعر لرجل من قيس يقال كعب ويلقب بالمخبل والغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى ومن الناس من يروي الشعر لغير هذا الرجل وينسبه إلى ذي الرمة ويجعل فيه مية مكان ميلاء ويقال إن اللحن لابن المكي وقد نسب إلى غيرهما والصحيح ما ذكرناه أولاً
(20/280)

أخبار المخبل القيسي ونسبه
قال عبد الله بن أبي سعد الوراق فيما أخبرني به حبيب بن نصر المهلبي إجازة عنه حدثني علي بن الصباح بن الفرات قال أخبرني علي بن الحسن بن أيوب النبيل عن رباح بن قطيب بن زيد الأسدي قال كانت عند رجل من قيس يقال له كعب بنت عم له وكانت أحب الناس إليه فخلا بها ذات يوم فنظر إليها وهي واضعة ثيابها فقال يا أم عمرو هل ترين أن الله خلق أحسن منك قالت نعم أختي ميلاء هي أحسن مني
قال فإني أحب أن أنظر إليها فقالت إن علمت بك لم تخرج إليك ولكن كن من وراء الستر ففعل وأرسلت إليها فجاءتها فلما نظر إليها عشقها وانتظرها حتى راحت إلى أهلها فاعترضها فشكا إليها حبها فقالت والله يا ابن عم ما وجدت من شيء إلا وقد وقع لك في قلبي أكثر منه وواعدته مرة أخرى فأتتهما أم عمرو وهما لا يعلمان فرأتهما جالسين فمضت إلى إخوتها وكانوا سبعة فقالت إما أن تزوجوا ميلاء كعبا وإما أن تكفوني أمرها وبلغهما الخبر ووقف إخوتها على ذلك فرمى بنفسه نحو الشام حياء منهم وكان منزله ومنزل أهله الحجاز فلم يدر أهله ولا بنو عمه أين ذهب فقال كعب
شعره في أرض الغربة
( أَفِي كلِّ يومٍ أنتَ من لاعجِ الهوى ... إلى الشُّمِّ من أعلامِ ميلاء ناظرُ )
(20/281)

( بعَمْشاء من طولِ البكاء كأنما ... بها خَزَر أوطرفها متخازرُ )
( تَمنَّى المُنى حتى إذا ملّت المنى ... جرَى واكِفٌ من دمعها متبادرُ )
( كما أرْفضّ عنها بعد ما ضمّ ضمةً ... بخيط الفتيل اللؤلؤُ المتناثرُ )
قال فرواه عنه رجل من أهل الشام ثم خرج بعد ذلك الشامي يريد مكة فاجتاز بأم عمرو وأختها ميلاء وقد ضل الطريق فسلم عليهما ثم سألهما عن الطريق فقالت أم عمرو يا ميلاء صِفي له الطريق فذكر لما نادت يا ميلاء شعر كعب هذا فتمثل به فعرفت أم عمرو الشعر فقالت يا عبد الله من أين أنت قال رجل من أهل الشام قالت من أين رويت هذا الشعر قال رويته عن أعرابي بالشام قالت أو تدري ما اسمه فقال سمعت أنه كعب فأقسمت عليه لا تبرح حتى تعرف أخوتنا بذلك فنحسن إليك نحن وهم وقد أنعمت علينا قال أفعل وإني لأروي له شعراً آخر فما أدري أتعرفانه أم لا فقالت نسألك بالله إلا أسمعتنا قال سمعته يقول
( خليليّ قد قِسْتُ الأمور ورُمتُها ... بِنَفْسي وبالفِتيان كلِّ زمانِ )
( فلم أُخفِ سُوءاً للصديق ولم أجدْ ... خليّاً ولا ذا البَث يستويان )
( من الناس إنسانان دَيني عليهما ... مليئان لو شاءا لقد قَضَياني )
( خليليّ أمّا أُمُّ عمرو فمنهما ... وأما عن الأخرى فلا تَسَلاني )
( بُلينا بهجران ولم أرَ مثلَنا ... من الناس إنسانين يهتجران )
( أشدَّ مصافاةً وأبعدَ من قِلىً ... وأعْصَىلِواشٍ حين يكتفيان )
( تحدَّث طرفانا بما في صدورنا ... إذا استعجَمَت بالمنطق الشفتان )
(20/282)

( فوالله ما أدري أكلُّ ذَوِي الهوى ... على ما بنا أو نحن مبتَليَان )
( فلا تَعْجبا مما بيَ اليومَ من هوىً ... فبي كلَّ يوم مثلُ ما تريان )
( خليليّ عن أيِّ الذي كان بيننا ... من الوصل أم ماضي الهوى تسلان )
( وكنا كريمي معشرٍ حمَّ بيننا ... هوى فحفِظناه بحسن صِيان )
( سلاه بأم العَمْرو مَن هي إذ بَدا ... به سقَم جمُّ وطول ضمان )
( فما زادنا بعد المدى نقْضَ مرة ... ولا رجَعنا من علْمنا ببيان )
( خليليّ لا والله ما ليَ بالذي ... تريدان من هجر الحبيب يدان )
( ولا ليَ بالبين اعتلاءٌ إذا نأت ... كما أنتما بالبين معتليان )
قال ونزل الرجل ووضع رحله حتى جاء إخوتهما فأخبراهم الخبر وكانوا مهتمين بكعب وكان كعب أظرفهم وأشعرهم فأكرموا الرجل وحملوه على راحلة ودلوه على الطريق وطلبوا كعباً فوجدوه بالشام فأقبلوا به حتى إذا كانوا في ناحية ماء أهلهم إذا الناسُ قد اجتمعوا عند البيوت وكان كعب ويحك يا غلام من أبوك فقال رجل يقال له كعب قال وعَلى أيَّ شيء قد اجتمع الناس وأحسّ قلبُه بالشرّ قال اجتمعوا على خالتي ميلاء قال وما قصتها قال ماتت فزفر زفرة مات منها مكانَه فدُفن حِذاء قبرها قال وقال كعب وهو بالشام
( أحقاً عبادَ اللهِ أن لستُ ماشياً ... بمرحابَ حتى يُحشَرَ الثقلان )
(20/283)

( ولا لاهياً يوماً إلى الليل كلِّه ... ببيض لطيفات الخصور رواني )
( يُمنِّيننا حتى تَرِيعَ قلوبنا ... ويَخلِطن مَطْلاً ظاهراً بِلَيان )
( فعينيّ ياعينيَّ حتّام أنتما ... بهجران أُمِّ العمرو تختلجان )
( أمَا أنتما إلا عليَّ طليعةٌ ... على قُرب أعدائي كما تريان )
( فلو أنّ أُم العمرو وأضحَتْ مقيمة ... بمصر وجثماني بِشحِرِ عُمان )
( إذاً لرجوتُ اللهَ يجمع شملَنا ... فإنّا على ما كان ملتقيان )
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت
( من الناس إنسانان دَيْني عليهما ... مليئان لو شاءا لقد قضياني )
( خليليّ أما أمّ عمرو فمنهما ... وأما عن الأخرى فلا تسلاني )
عروضه من الطويل الشعر على ما في هذا الخبر لكعب المذكورة قصته وروى المفضل بن سلمة وأبو طالب بن أبي طاهر هذين البيتين مع غيرهما لابن الدمينة الخثعمي والغناء لإبراهيم الموصلي خفيف رمل بالوسطى ذكره أبو العبيس عنه وذكر ابن المكي أنه لعلويه والأبيات التي
(20/284)

ذكرنا أن المفضل بن سلمة وابن أبي طاهر روياها لابن الدمينة مع البيتين اللذين فيهما الغناء هي
( من الناس إنسانان دَيْني عليهما ... مليئان لو شاءا لقد قضياني )
( خليليّ أما أمّ عمرو فمنهما ... وأما عن الأخرى فلا تسلاني )
( مَنُوعان ظَلاَّمان ما يُنْصفانني ... بدَليهما والحُسنِ قد خَلَباني )
( من البيض نجلاء العيون غذَاهما ... نعيمُ وعَيشٌ ضاربٌ بِجِران )
( أفي كلِّ يومٍ أَنت رامٍ بلادَها ... بعَيْنين إنساناهما غَرِقان )
( إذا اغرَوْرقت عيناي قال صحابتي ... لقد أُولِعتْ عيناك بالهَمَلان )
وقد روي أيضاً أن هذا البيت
( أَفي كلِّ يومٍ أَنت رامٍ بلادَها ... )
لعروة بن حزام
( ألا فاحملاني بارك الله فيكما ... إلى حاضر الرّوحاء ثم ذراني )
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني أبو سعيد القيسي قال حدثني سليمان بن عبد العزيز قال حدثني خارجة المالي قال حدثني من رأى عروة بن حزام يطاف به حول البيت قال فقلت له من أنت قال أنا الذي أقول
(20/285)

( أفي كلِّ يومٍ أنت رامٍ بلادَها ... بعَينَين إنساناهما غَرِقان )
( ألا فاحمِلاني بارك اللهُ فيكما ... إلى حاضرِ الرّوحاء ثم ذراني )
فقلت زدني قال لا ولا حرف
التغني بالصوت المنسوب إليه يهيج الواثق
ويقال إن الذي هاج الواثق على القبض على أحمد بن الخصيب وسليمان بن وهب أنه غنى هذا الصوت أعني
( مِن الناس إنسانان دَيْنِي عليهما ... )
فدعا خادماً كان للمعتصم ثم قال له اصدقني وإلا ضربت عنقك
قال سل يا أمير المؤمنين عما شئت قال سمعت أبي وقد نظر إليك يتمثل بهذين البيتين ويومئ إليك إيماء تعرفه فمن اللذان عنى قال قال لي إنه وقف على إقطاع أحمد بن الخصيب وسليمان بن وهب ألفي دينار وأنه يريد الإيقاع بهما فكان كلما رآني يتمثل بهذين البيتين قال صدقني والله والله سبقاني بهما كما سبقاه ثم أوقع بهما
وأخبرني محمد بن يحيى الصولي حدثني ميمون بن هارون قال نظر الواثق إلى أحمد بن الخصيب يمشي فتمثل
( مِن الناس إنسانان دَيْني عليهما ... )
وذكَر البيتين وأشار بقوله
( خليليّ أمّا أم عمرو فمنهما ... )
إلى أحمد بن الخصيب فلما بلغ هذا سليمان بن وهب قال إنا لله أحمد بن الخصيب والله أمُّ عمرو وأنا الأخرى قال ونكبهما بعد أيام وقد قيل إن محمد بن عبد الملك الزيات كان السبب في نكتبهما
(20/286)

أخبرنا محمد بن يحيى قال حدثنا عون بن محمد الكندي قال كانت الخلافة أيام الواثق تدور على إيتاخ وعلى كاتبه سليمان بن وهب وعلى أَشناس وكاتبه أحمد بن الخصيب فعمل الوزير محمد بن عبد الملك الزيات قصيدة وأوصلها إلى الواثق على أنها لبعض أهل العسكر وهي
( يابنَ الخلائِف والأملاكِ إن نُسبوا ... حُزْتَ الخلافة عن آبائك الأُوَلِ )
( أَجُرْتَ أم رقَدتْ عيناك عن عَجب ... فيه البريَّةُ مِن خوف ومن وَهَل )
( ولّيتَ أربعةًأَمرَ العباد معاً ... وكلُّهم حاطبٌ في حَبْل مُحتْبِل )
( هذا سليمان قد ملَّكتَ راحتَه ... مشارقَ الأرضِ مِن سهل ومن جبل )
( ملَّكته السندَ فالشَّحْرين من عَدنٍ ... إلى الجزيرة فالأطراف من مَلَل )
( خلافةٌ قد حواها وحده فمضَت ... أحكامه في دماء القوم والنَّفَل )
( وابنُ الخصيب الذي ملَّكت راحته ... خلافَة الشأم والغَازَين والقفل )
(20/287)

( فَنِيل مصرٍ فبحر الشأم قد جريا ... بِما أَراد من الأموال والحُلل )
( كأنهمْ في الذي قسّمتَ بينهم ... بَنُو الرشيد زمانَ القَسْم لِلدُّوَل )
( حوَى سليمان ما كان الأمينُ حوى ... من الخلافة والتبليغِ للأمَل )
( وأَحمدُ بنُ خصيب في إمارته ... كالقاسم بنِ الرشيد الجامع السبُل )
( أَصبحتَ لا ناصحٌ يأتيك مستتراً ... ولا علانيةً خوفاً من الحِيل )
( سَلْ بيتَ مالِكَ أَين المال تعرِفه ... وسل خَرَاجَك عن أَموالِك الجُمل )
( كم في حبُوسِك ممّن لا ذُنوب لهمْ ... أَسرى التكذُّب في الأقياد والكَبَل )
( سُمِّيتَ باسمِ الرشيدِ المرتضَى فَبِه ... قِسْ الأمورَ التي تُنجي من الزلل )
( عِثْ فيهمُ مثل ما عاثت يداه معاً ... على البرامِكِ بالتهديم للقُلَل )
فلما قرأ الواثق الشعر غاظه وبلغ منه ونكب سليمان بن وهب وأحمد بن الخصيب وأخذ منهما ومن أسبابهما ألف ألف دينار فجعلها في بيت المال فقال أحمد بن أبي فنن
( نزلَتْ بالخائنين سَنَه ... سَنَةٌ للناس ممتحِنه )
( سوّغَت ذا النصح بغيته ... وأزالت دولةَ الخونه )
( فترَى أهلَ العفافِ بها ... وهمُ في دولةٍ حسنه )
( وترى مَن جار هِمّتُه ... أن يُؤدِّي كل ما احتجنه )
وقال إبراهيم بن العباس لابن الزيات
( إيهاً أَبا جعفرٍ وللدهر كَرراتٌ ... وعما يرِيبُ متّسَعُ )
(20/288)

( أرسلتَ ليثاً على فرائسِه ... وأنت منها فانظرْ متى تَقَع )
( لكنّه قُوتُه وفيكَ له ... وقد تقضّتْ أقواتُه شِبع )
وهي أبيات وقد كان أحمد بن أبي داود حمل الواثق على الإيقاع بابن الزيات وأمر علي بن الجهم فقال فيه
( لَعائِنُ الله مُوَفّراتِ ... مُصَبّحاتٍ ومهجِّراتِ )
( عَلَى ابنِ عبد المَلِك الزّياتِ ... عرّضَ شَمل المُلك للشتَاتِ )
( يَرمِي الدواوين بتَوقيعاتِ ... معَقَّدات غيرِ مفتوحاتِ )
( أَشبه شيء بُرقَى الحَياتِ ... كأنّها بالزيت مدهوناتِ )
( بعد ركوب الطوف في الفراتِ ... وبَعد بَيعِ الزيت بالحباتِ )
( سبحان مَن جلّ عن الصفاتِ ... هارون يابن سِّيد الساداتِ )
( أَما ترى الأمور مهملاتِ ... تشكو إليك عدمَ الكُفاةِ )
وهي أبيات فهّم الواثق بالقبض على ابن الزيات وقال لقد صدق قائل هذا الشعر ما بقي لنا كاتب فطَرح نفسه على إسحاق بن إبراهيم وكانا مجتمعين على عداوة ابن أبي داود فقال للواثق أمثل ابن الزيات مع خدمته وكفايته يفعل به هذا وما جنى عليك وما خانك وإنما دلك على خونة أخذت ما اختانوه فهذا ذنبه
وبعد فلا ينبغي لك أن تعزل أحداً أو تعد مكانه جماعة يقومون مقامه فمن لك بمن يقوم مقامه فمحا ما كان في نفسه عليه ورجع له
(20/289)

وكان إيتاخ صديقاً لابن أبي داود فكان يغشاه كثيراً فقال له بعض كتابه إن هذا بينه وبين الوزير ما تعلم وهو يجيئك دائماً ولا تأمن أن يظن الوزير بك ممالأة عليه فعرّفه ذلك فلما دخل ابن أبي داود إليه خاطبه في هذا المعنى فقال إني والله ما أجيئك متعززاً بك من ذلة ولا متكثّراً من قلة ولكن أمير المؤمنين رتبك رتبة أوجبت لقاءك فإن لقيناك فله وإن تأخرنا عنك فلنفسك ثم خرج من عنده فلم يعد إليه
وفي هذه القصة أخبار كثيرة يطول ذكرها ليس هذا موضعها وإنما ذكرنا ها هنا هذا القدر منها كما يذكر الشيء بقرائنه
صوت
( عِشْ فَحبِّيكَ سريعاً قاتِلي ... والضنى إن لم تصلنيَ واصلي )
( ظَفرَ الشوقُ بقلبٍ دَنِف ... فيك والسُّقم بِجِسْمٍ ناحلِ )
( فهُما بينَ اكتئابٍ وضنىً ... تَرَكاني كالقضيب الذابِل )
الشعر لخالد الكاتب والغناء للمسْدود رمل مطلق في مجرى الوسطى وذكر جحظة أن هذا الرمل أخذ عنه وأنه أول صوت سمعه فكتبه
(20/290)

أخبار خالد الكاتب
هو خالد بن يزيد ويكنى أبا الهيثم من أهل بغداد وأصله من خراسان وكان أحد كتاب الجيش ووسوس في آخر عمره قيل إن السوداء غلبت عليه وقال قوم كان يهوى جارية لبعض الوجوه ببغداد فلم يقدر عليها وولاه محمد بن عبد الملك الإعطاء في الثغور فخرج فسمع في طريقه منشداً ينشد ومغنية تغني
( مَن كان ذَا شجَنٍ بالشام يطلبه ... ففِي سِوى الشام أمسى الأهل والشجنُ )
فبكى حتى سقط على وجهه مغشياً عليه ثم أفاق مختلطاً واتصل ذلك حتى وسوس وبطل وكان اتصل بعلي بن هشام وإبراهيم بن المهدي وكان سبب اتصاله بعلي بن هشام أنه صحبه في وقت خروجه إلى قم في جملة كتاب الإعطاء فبلغه وهو في طريقه أن خالداً يقول الشعر فأنس به وسر به وأحضره فأنشده قوله
( يا تاركَ الجِسْمِ بلا قلبِ ... إنْ كنتُ أهواكَ فما ذَنبي )
( يا مُفْرداً بالحسن أفردتَني ... منك بطول الهَجرِ والعتْب )
(20/291)

إن تَكُ عَيْني أبصرتْ فِتْنَةً ... فهلْ على قلبيَ من عتب )
( حَسِيبكَ الله لما بي كما ... أنك في فِعلك بي حَسْبي )
للمسدود في هذه الأبيات رمل طنبوري مطلق من رواية الهشامي قال فجعله علي بن هشام في ندمائه إلى أن قتل ثم صحب الفضل بن مروان فذكره للمعتصم وهو بالماحوزة قبل أن يبني سر من رأى فقال خالد
( عزَم السرورُ على المُقام ... بِسُرَّ مَنْ را للإمامِ )
( بَلَدُ المَسَرّة والفتوحِ ... المستنيراتِ العظام )
( وتراه أشبَه منزلٍ ... في الأرض بالبلد الحرام )
( فاللهُ يعمُرُهُ بمَن ... أَضْحَى به عزُّ الأنام )
فاستحسنها الفضل بن مروان وأوصلها إلى المعتصم قبل أن يقال في بناء سر من رأى شيء فكانت أول ما أنشد في هذا المعنى من الشعر فتبرك بها وأمر لخالد بخمسة آلاف درهم
وذكر ذلك كله إسماعيل بن يحيى الكاتب وذكر اليوسفي صاحب الرسائل أن خالداً قال أيضاً في ذلك
( بيَّنَ صَفْوُ الزمان عن كَدرِه ... في ضَحِكات الربيع عن زَهَره )
( يا سُرّ مَن را بوركْت من بَلدٍ ... بُورك في نَبْته وفي شجره )
( غَرسُ جُدود الأمام ينبته ... بابَكُ والمازِيارُ من ثمره )
( فالفتح والنصر ينزلان به ... والخِصب في تُرْبه وفي شجره )
فغنى مخارقٌ في هذه الأبيات فسأله المعتصم لمن هذا الشعر فقال لخالد يا أمير المؤمنين قال الذي يقول
(20/292)

( كيفَ تُرْجَى لذاذةُ الإغتماضِ ... لمريضٍ من العيون المِراض )
فقال محمد بن عبد الملك نعم يا أمير المؤمنين هو له ولكن بضاعته لا تزيد على أربعة أبيات فأمر له المعتصم بأربعة آلاف درهم وبلغ خالداً الخبر فقال لأحمد بن عبد الوهاب صاحب محمد بن عبد الملك وقيل لأبي جعفر أعزه الله إذا بلغت المراد في أربعة أبيات فالزيادة فضل
قال اليوسفي ولما قال خالد في صفة سر من رأى قصيدته التي يقول فيها
( اسْقِنِي في جرائرٍ وزِقاقِ ... لتُلاقي السرور يوم التلاقِ )
( من سُلاَفٍ كأنَّ في الكأس منه ... عبراتٍ من مقلَتيْ مشتاقِ )
( في رياضٍ بسُر مَن را إلى الكرْخ ... ودَعْني من سائر الآفاق )
( بادِّ كَارَاتِ كل فتح عظيم ... لإمام الهدى أبي إسحاق )
وهي قصيدة لقيه دعبل فقال يا أبا الهيثم كنت صاحب مقطعات فداخلت الشعراء في القصائد الطوال وأنت لا تدوم على ذلك ويوشك أن تتعب بما تقول وتغلب عليه فقال له خالد لو عرفت النصح منك لغيري لأطعتك في نفسي
خلاف خالد مع الحلبي الشاعر في معنى شعر
قال اليوسفي وحدثني أبو الحسن الشهرزاني أن خالدا وقع بينه وبين الحلبي الشاعر الذي يقول فيه البحتري
( سل الحلبيّ عن حلب ... )
(20/293)

خلافٌ في معنى شعر فقال له الحلبي لا تعد طورك فأخرسك فقال له خالد لست هناك ولا فيك موضع للهجاء ولكن ستعلم أني أجعلك ضحكة سر من رأى وكان الحلبي من أوسخ الناس فجعل يهجو جبته وثيابه وطيلسانه فمن ذلك قوله
( وشاعرٍ ذي منطقٍ رائقِ ... في جبَّةٍ كالعارض البارق )
( قطعاءَ شلاّءَ رقاعِيَّة ... دَهْريَّة مرقوعة العاتق )
( قدّمها العُرْيُ على نفسه ... لفضلها في القَدَر السابق )
وقوله
( وشاعرٍ مُقْدِمٍ له قومُ ... ليس عليهمْ في نصرهِ لَومُ )
( قد ساعدوه في الجوع كلُّهمُ ... فَقْرَى فكلٌّ غَداؤُه الصوم )
( يأتيكَ في جُبّة مُرَقعةٍ ... أطولُ أعمار مثلِها يومُ )
( وطيْلسان كالآل يلبسُه ... على قميص كأنه غَيْمُ )
( من حلبَ في صميم سِفْلِتها ... غِناه فقر وعزُّه ضَيم )
قال وقال فيه
( تاهَ على ربِّه فأفْقرهُ ... حتى رآه الغٍنَى فأنكرهُ )
( فصار من طول حِرفَةٍ علماً ... يقذفه الرزق حيث أبصرهُ )
( يا حلبيّاً الإله لَه ... بالتِّيه والفقر حين صوَّرهُ )
(20/294)

( لَوْ خلطوُه بالمِسكْ وسّخَه ... أو طرَحُوهُ في البحر كدَّره )
حدثني جحظة قال حدثني خالد الكاتب قال دخلت على إبراهيم بن المهدي فاستنشدني فقلت أيها الأمير أنا غلام أقول في شجون نفسي لا أكاد أمدح ولا أهجو فقال ذلك أشد لدواعي البلاء فأنشدته
صوت
( عاتبتُ نفسي في هواكَ ... فلم أجِدْها تَقْبَلُ )
( وأطعتُ داعَيها إليكَ ... ولم أطِعْ مَن يعذل )
( لا والذي جعل الوجوه ... لحسن وجهك تمثُل )
( لا قلتُ إن البصرَ عنك ... من التصابي أجمل )
لجحظة في هذه الأبيات رمل مطلق بالوسطى
قال فبكى إبراهيم وصاح واي عليك بإبراهيم ثم أنشدته أبياتي التي أقول فيها
( وبكى العاذُل من رَحْمَتي ... فبُكائي لِبُكا العاذل )
وقال إبراهيم يا رشيق كم معك من العين قال ستمائة وخمسون ديناراً قال اقسمها بيني وبين الفتى واجعل الكسر له صحيحاً فأعطاني ثلاثمائة وخمسين ديناراً فاشتريت بها منزلي بساباط الحسن والحسين فواراني إلى يومي هذا
(20/295)

حدثني جحظة قال حدثني خالد الكاتب قال قال لي علي بن الجهم هب لي بيتك الذي تقول فيه
( ليتَ مَا أَصْبَحَ مِنْ رقّة ... خدّيك بقَلْبِكْ )
فقلت يا جاهل هل رأيت أحداً يهب ولده
وقال أحمد بن إسماعيل الكاتب لقيت خالداً الكاتب ذات يوم فسألته عن صديق له وكان قد باعده ولم أعلم فأنشأ يقول
( ظَعَن الغريبُ لغيبة الأبَد ... حتى المخافة نائيَ البلدِ )
( حيرانَ يُؤنسه ويكلؤُه ... يومٌ تَوَعَّدهُ بشرِّ غدِ )
( سنحَ الغُرابُ له بأنكرِ ما ... تغدو النحوسُ به على أحدِ )
( وابتاع أشأمه بأيمنه الجَدُّ ... العثورُ له يداً بيد )
( حتى يُنيخ بأرضِ مهْلكةٍ ... في حيثُ لم يولد ولم يلدِ )
( جزعتْ حليلتُهُ عليه فما ... تخلو من الزفرات والكمد )
( نزَل الزمانُ بها فأهلكها ... منه وأهدى اليُتم للولد )
( ظفرتُ به الأيام فانحسرت ... عنه بناقِرَةٍ ولم تكدِ )
( فتركْنَ منه بعد طِيتِّه ... مثل الذي أبقْين من لُبَد )
قال فقلت له يا أبا الهيثم مذ كم دخلت في قول الهجاء قال مذ سالمت فحوربت وصافيت فتوقفت
(20/296)

بين خالد وأبي تمام
وقال الرياشي كان خالد مغرماً بالغلمان المرد ينفق عليهم كل ما يفيد فهوي غلاماً يقال له عبد الله وكان أبو تمام الطائي يهواه فقال فيه خالد
( قضيبُ بانٍ جناه وردُ ... تحمله وَجْنَةٌ وخَدُّ )
( لم أَثْنِ طَرفي إليه إلا ... مات عزاءٌ وعاش وجْدُ )
( مُلِّك طَوْعَ النفوسِ حتّى ... علَمه الزهوَ حين يبدُو )
( واجَتَمَع الصدُ فيه حتّى ... ليس لخَلْقٍ سِواه صدّ )
فبلغ أبا تمام ذلك فقال فيه أبياتاً منها
( شْعرُكَ هذا كلُّ مفرطٌ ... في بَرْدِهِ يا خالدُ الباردُ )
فعلمها الصبيان فلم يزالوا يصيحون به يا خالد يا بارد حتى وسوس قال ومن الناس من يزعم أن هذا السبب كان بينه وبين رجل غير أبي تمام وليس الأمر كذلك وكان خالد قد هجا أبا تمام في هذه القصة فقال فيه
( يا معشَرَ المُرْدِ إني ناصح لكمُ ... والمرءُ في القولِ بَيْن الصدقِ والكذب )
( لا ينكِحَنَّ جبيباً منكمُ أحدٌ ... فإنّ وجعاءه أعدَى من الجرَب )
( لا تأمنوا أن تَحوُلوا بَعد ثالثَةٍ ... فتركبوا عُمُداً ليستْ من الخشب )
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسن بن إسحاق قال حدثني خالد الكاتب قال لما بويع إبراهيم بن المهدي بالخلافة طلبني
(20/297)

وقد كان يعرفني وكنت متصلاً ببعض أسبابه فأدخلت إليه فقالت أنشدني يا خالد شيئاً من شعرك فقلت يا أمير المؤمنين ليس شعري من الشعر الذي قال فيه رسول الله " إن من الشعر لحكما " وإنما أمزح وأهمل فقال لا تقل هذا فإن جد الأدب وهزله جد هات أنشدني فأنشدته
( عِش فَجُبِّيكَ سريعاً قاتلي ... والضنى إن لم تَصِلنْي واصلي )
( ظفِرَ الشوق بقَلْبٍ دَنِف ... فيك والسُّقم بجسمٍ ناحل )
( فهُما بين اكتئاب وضنىً ... تركاني كالقضيب الذابل )
قال فاستملح ذلك ووصلني
حدثني حمزة بن أبي سلالة الشاعر الكوفي قال دخلت بغداد في بعض السنين فبينا أنا مار بجنينة إذا أنا برجل عليه مبطنة نظيفة وعلى رأسه قلنسية سوداء وهو راكب قصبة والصبيان خلفه يصيحون به يا خالد يا بارد فإذا آذوه حمل عليهم بالقصبة فلم أزل أطردهم عنه حتى تفرقوا وأدخلته بستاناً هناك فجلس واستراح واشتريت له رطباً فأكل واستنشدته فأنشدني
( قدْ حازَ قلبِي فصار يملِكُهُ ... فكيف أَسْلو وكيف أتركه )
( رَطِيبُ جسمٍ كالماء تَحْسبه ... يَخْطِر في القلب مِنْه مسلَكُهُ )
( يكادُ يجري من القميص من النعمة ... لولا القميص يُمسكُهُ )
فاستزدته فقال لا ولا حرف
وذكر علي بن الحسين بن أبي طلحة عن أبي الفضل الكاتب أنه دعا خالداً ذات يوم فأقام عنده وخلع عليه فما استقر به المجلس حتى خرج
(20/298)

قال فأتبعته رسولاً ليعرف خبره فإذا هو قد جاء إلى غلام كان يحبه فسأل عنه فوجده في دار القمار فمضى إليه حتى خلع عليه تلك الثياب وقبله وعانقه وعاد إلينا فلما جاء خالد أعطيت الغلام الذي وجهنا به دنانير ودعاه فجاء به إلينا وأخفيناه وسألنا خالداً عن خبره فكتمه وجمجم فغمزنا الرسول فأخرجه علينا فلما رآه خالد بكى ودهش فقلنا له لا ترع فإن من القصة كيت وكيت وإنما أردنا أن نعرف خبرك لا أن نسوءك فطابت نفسه وأجلسه إلى جنبه وقال قد بليت بحبه وبالخوف عليه مما قد بلي به من القمار ثم أنشد لنفسه فيه
( مَحِبٌّ شَفَّه ألَمُهْ ... وخامَرَ جْسْمَه سَقَمُهْ )
( وباح بما يُجَمْجِمهُ ... من الأسرار مكتَتِمهْ )
( أما تَرْثي لمكتئب ... يُحِبُّك لحمُه ودَمُه )
( يغار على قميصك حِينَ ... تَلْبَسه ويتّهمهْ )
من شعره في الشوق
وذكر علي بن الحسين أيضاً أن محمد بن السري حدثه أنه طال الغيبة عن بغداد وقد وسوس خالد فمر به في الرصافة والصبيان يصيحون به يا غلام الشريطي يا خالد البارد ويرجع إليهم فيضربهم ويزيد ويرميهم قال فقلت له كيف أنت يا أبا الهيثم قال كما ترى فقلت له فمن تعاشر اليوم قال من أحذره فعجبت من جوابه مع اختلاله فقلت له ما قلت بعدي من الشعر قال ما حفظه الناس وأنسيته وعلى ذلك قولي
( كَبدٌ شفها غليلُ التصابي ... بين عَتْب وسَخْطَةٍ وعذاب )
( كلَّ يومٍ تَدْمَى بجَرح من الشوق ... ونوع مجدَّدٍ من عذاب )
(20/299)

( يا سقيمَ الجفون أسْقَمِتَ جسمي ... فاشفِني كيف شئت لا بِكَ ما بي )
( إنْ أكنْ مذْنباً فكن حَسًنَ العفوِ ... أو اجعَلْ سوى الصُّدُود عقابي )
ثم قال يا أبا جعفر جننت بعدك فقلت ما جعلك الله مجنوناً وهذا كلامك لي ونظمك
حدثني محمد بن الطلاس أبو الطيب قال حضرت جنازة بعض جيراني فلقيت خالداً في المقبرة فقبضت عليه وقلت أنشدني فذهب ليهرب مني فغمزت على يده غمزة أوجعته فقال خل عني أنشدك فأرخيت يدي عن يده فأنشدني
( لَمْ تَرَ عينٌ نَظرَتْ ... أحسنَ من منظرِهِ )
( النورُ والنِّعمة والنَّعمة ... في مَخْبرِه )
( لا تَصلُ الألسنُ بالوصف ... إلى أكثرهِ )
( كيْف بمَن تَنْتسبُ الشمس ... إلى جوهرهِ )
حدثني عمي رحمه الله قال مر بنا خالد الكاتب ها هنا والصبيان خلفه يصيحون به فجلس إلي فقال فرق هؤلاء عني ففعلت وألحت عليه جارية تصيح يا خالد يا بارد فقال لها
مري يا منتنة الكس ويا من كسها دس فقلت يا أبا الهيثم أي شيء معنى دس ها هنا قال تشتهي الأير الصغير الصغير والكبير والوسط ولا تكره منها شيئاً وأقبل الصبيان يصيحون بتلك الجارية بمثل ما قال لها خالد وهي ترميهم وتهرب منهم حتى غابوا معها عنا فأقبل علي خالد متمثلاً فقال
( وما أنا في أمري ولا في خصومتي ... بمهتضَم حَقّي ولا قارعٍ سنِّي )
(20/300)

فاحتسبته عندي يومي ذلك فلما شرب وطابت نفسه أنشدنا لأبي تمام
( أحْبابَه لِمَ تفعلون بِقلْبهِ ... ما ليس يَفْعَلُه به أعداؤهُ )
( مَطَرٌ مِن العَبراتِ خَدِّي أرضُه ... حتى الصباحِ ومُقْلتايَ سماؤهُ )
( نفْسي فداءُ محمدٍ ووِقاؤه ... وكذبتُ ما في العالَمينَ فداؤه )
( أزعمتَ أنَّ البدرَ يحكي وجهه ... والغصن حين يَميدُ فيه ماؤه )
( اسْكت فأين بهاؤه وكماله ... وجمالُه وحياؤه وضياؤه )
( لا تَقْرَ أَسَماءَ المَلاحة باطلاً ... فيمن سِواه فإنها أسماؤه )
ثم قال وقد عارضه أبو الهيثم يعني خالداً نفسه فقال
( فديتُ محمداً من كل سوء ... يحاذرِ في رَواح أو غُدوِّ )
( أيا قمرَ السماء سَفُلتَ حتى ... كأنك قد ضَجِرْتَ من العُلوِّ )
( رأيتك من حبيبك ذا بِعادٍ ومِمّن لا يُحِبك ذا دُنُوِّ )
( وحسْبُك حسْرَةً لك من حبيب ... رأيتَ زمامه بيدَيْ عَدُوِّ )
هكذا أخبرني عمي عن خالد وهذه الأبيات أيضاً تروى لأبي تمام
وقال ابن أبي طلحة حدثني الهلالي قال مررت بخالد وحوله جماعة ينشدهم فقلت له يا أبا الهيثم سلوت عن صديقك قال لا والله قلت فإنه عليل وما وعدته فسكت ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال
( زَعَمُوا أنني صحوتُ وكلاّ ... أُشْهِدُ الله أنني لن أمَلاّ )
( كيف صبري يا من إذا ازداد تِيهاً ... أبداً زدتُه خضوعاً وذُلاً )
ثم قال احفظه وأبلغه عني
(20/301)

( بِجِسْمِي لا بجسمِك يا عليلُ ... ويكفيني من الألَمِ القليلُ )
( تَعدِّاك السَّقام إليَّ إني ... على ما بي لعادِيِه حَمولُ )
( إذا كنتَ يا أملي صحيحاً ... فحَالفني وسالَمك النحولُ )
( ألستَ شقيقَ ما ضمّتْ ضُلوعي ... عَلَى أني لِعِلَّتِك العليلُ )
قال وحدثني العباس بن يحيى أنهم كانوا عند علي بن المعتصم فغني في شعر لخالد فأمر بإحضاره وطلب فلم يوجد فوجه إلى غلام كان يتعشقه فأحضر وسأله عنه فدل عليه وقال كنا نشرب إلى السحر وقد مضى إلى حمام فلان وهو يخرج ويجلس عند فلان الفقاعي ودكانه مألف للغلمان المرد والمغنين فبعث إليه فأحضر فلما جلس أخرج علي بن المعتصم الغلام وقال هذا دلنا عليك وهو يزعم أنك تعشقه فقال له الغلام نعم أيها الأمير لو لم يكن من فضيحته إياي إلا أنه إذا لم يوجد أحضرت وسئلت عنه فأقبل عليه خالد وقال
( يا تارِكَ الجسم بلا قلبِ ... إن كنتُ أهواك فما ذنبي )
( يا مفرداً بالحسن أَفْرَدْتني ... منْك بِطولِ الشوق والحُبِّ )
( إنْ تَكُ عًيني أبصَرَتْ فتنة ... فِهلْ على قَلْبيَ من عَتب )
( حَسِيبُكَ الله لَما بي كما ... أنك في فعلِك بي حَسبي )
لجحظة فيه رمل فاستحسن علي الشعر وأمر له بخمسين ديناراً
قال حدثني ابن أبي المدور أنه شهد خالداً عند عبد الرحيم بن الأزهر الكاتب وأنه دخل عليهم غلام من أولاد الكتاب فلما رأى خالداً أعرض عنه فقلت له لم أعرضت عن أبي الهيثم فقال والله لو علمت أنه ها هنا ما دخلت إليكم ما يبالي إذا شرب هذين القدحين ما قال ولا من هتك فقال لي خالد ألا تعينني على ظالمي فقلت بلى والله أعينك فأقبل على الفتى وقال
(20/302)

صوت
( هَبْني أسأتُ فكان ذَنْبي ... مثلَ ذنْب أبي لَهبْ )
( فأنا أتوبُ وكم اسأْتَ ... وكم أسأتَ ولم تَتُب )
فما زلنا مع ذلك الفتى نداريه ونستعطفه له حتى أقبل عليه وكلمه وحادثه فطابت نفسه وسر بقية يومه
في هذين البيتين لأبي العبيس خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى ولرذاذ خفيف رمل مطلق
حدثني عبد الله بن صالح الطوسي أن علي بن المعتصم دعا خالداً يوماً وهو يشرب وقد أخرجت إليه وصيغة من وصفاء حظيته تفاحة معضوضة مغلفة بعثت به إليه ستها فقال
( تفاحةُ خرجتْ بالدُّر مِن فيها ... أشهى إليَّ من الدنيا وما فيها )
( بيضاءُ في حمرة عُلَّتْ بغاليَةٍ ... كأنما قُطِفت من خَدِّ مُهْديها )
( جاءت بها قينةٌ من عند غانية ... روحي من السوء والمكروه تَفديها )
( لو كنتُ ميتاً ونادتني بنغمتها ... إذاً لأسرعتُ من لحدي أُلَبِّيها )
فاستحسن علي بن المعتصم الأبيات وغني فيها وأمر له بتخت ثياب وخمسين ديناراً
(20/303)

أخبار المسدود
المسدود من أهل بغداد وكان منزله في ناحية درب المفضل في الموضع المعروف بخراب المسدود منسوب إليه
وأخبرني جحظة أن اسمه الحسن وكنيته أبو علي وأن أباه كان قصاباً وأنه كان مسدود فرد منخر ومفتوح الآخر وكان يقول لو كان منخري الآخر مفتوحاً لأذهلت بغنائي أهل الحلوم وذوي الألباب وشغلت من سمعه عن أمر دينه ودنياه ومعاشه ومعاده
قال جحظة وكان أشجى الناس صوتاً وأحضرهم نادرة ولم يكتسب أحد من المغنين بطنبور ما كسبه وكان مع يساره وقلة نفقته يقرض بالعينة وكانت له صنعة عجيبة أكثرها الأهزاج قال جحظة قال لي مخارق غلامه قال لي وقد صنع هذين البيتين وهما جميعاً هزج
صوت
( مَن رَأى العِيسَ عَلَيْها الرِّحال ... إضَمٌ قَصْدٌ لَها أم أُثالُ )
(20/304)

( لستً أدري حيث حلُّوا ولكن ... حيثما حلُّوا فثَمّ الجَمَالُ )
والآخر
( عُجْ بنا نَجْنِ بِطَرْف العَينِ ... تُفّاحَ الخُدودْ )
( ونًسَلِّ القلبَ عمّن ... حَظُّنا منه الكدود )
ثم قال والله لا تركت بعدي من يهزج قال جحظة والله ما كذب
الواثق ينفي المسدود إلى عمان
أخبرني جحظة قال كان الواثق قد أذن لجلسائه ألا يرد أحد نادرة عن أحد يلاعبه فغنى الواثق يوماً
( نظْرت كأني من وراء زُجاجةٍ ... إلى الدارِ مِن ماءِ الصبابة أنظرُ )
وقد كان النبيذ عمل فيه وفي الجلساء فانبعث إليه المسدود فقال أنت تنظر أبداً من وراء زجاجة إن كان في عينيك ماء صبابة أولم يكن فغضب الواثق من ذلك وكان في عينيه بياض ثم قال خذوا برجل العاض بظر أمه فسحب من بين يديه ثم قال ينفى إلى عمان الساعة فنفي من وقته وحدر ومعه الموكلون فلما سلموه إلى صاحب البصرة سأله أن يقيم عنده يوماً ويغنيه ففعل
(20/305)

فلما جلسوا للشراب ابتدأ فقال احذروني يا أهل البصرة على حرمكم فقد دخلت إلى بلدكم وأنا أزنى خلق الله قال فقال له الجماز أما يعني أنه أزنى خلق الله أما فغضب المسدود وضرب بطنبوره الأرض وحلف ألا يغني فسأله الأمير أن يقيم عنده وأمر بإخراج الجماز وكل من حضر فأبى ولج فأحدره إلى عمان
ومكث الواثق لا يسأل عنه سنة ثم أشتاقه فكتب في إحضاره فلما جاءه الرسول ووصل إلى الواثق قبل الأرض بين يديه فاعتذر من هفوته وشكر التفضيل عليه فأمر بالجلوس ثم قال له حدثني بما رأيت بعدي فقال لي حديث ليس في الأرض أظرف منه وأعاد عليه حديثه بالبصرة فقال له الواثق قبحك الله ما أجهلك ويلك فأنت سوقة أنا ملك وكنت صاحياً وكنت منتشياً وبدأت القوم فأجابوك فبلغ بك الغضب ما ذكرته وما بدأتك فتجيبني وبدأتني من المزح بما لا يحتمله النظير لنظيره ويلك لا تعاود بعدها ممازحة خليفة وإن أذن ذلك في ذلك فليس كل واحد يحضره حلمه كما حضرني فيك
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني عون بن محمد قال سمعت حمدون بن إسماعيل يقول
لم يكن في الخلفاء أحمد أحلم من الواثق ولا أصبر على أذى وخلاف وكان يعجبه غناء أبي حشيشة الطنبوري فوجد المسدود من ذلك فكان يبلغه عنه ما يكره ويتجاوز عنه وكان المسدود قد هجاه ببيتين فكانا معه في رقعة وفي رقعة أخرى حاجة له يريد أن يرفعها إليه فغلط بين الرقعتين فناوله رقعة الشعر وهو يرى أنها رقعة الحاجة فقرأها وفيها
( مِنَ المسدودِ في الأنفِ ... إلى المَسدود في العَيْنِ )
( أنا طَبْلٌ له شِقٌ ... فيا طبلاً بشِقَيْنِ )
(20/306)

فلما قرأ الرقعة علم أنها فيه فقال للمسدود خلطت في الرقعتين فهات الأخرى وخذ هذه واحترز من مثل هذا والله ما زاده على هذا القول
من اجوبت الموجعة
أخبرني جحظة قال تحدث المسدود في مجلس المنتصر بحديث فقال له المنتصر متى كان ذلك قال ليلة لاناه ولا زاجر يعرض له بليلة قتل فيها المتوكل فأغضى المنتصر واحتمله
قال وقالت الذكورية يوماً بين يدي المعتمد غن يا مسدود قال نعم يا مفتوحة وقالت له امرأة كيف آخذ إلى شجرة بابك قال قدامك أطعمك الله من ثمرها
قال وغنى بين يدي المتوكل فسكته وقال لبكران الشيري تغن أنت فقال المسدود أنا أحتاج إلى مستمع فلم يفهم المتوكل ما قال
وقدّم إليه طباخ المتوكل طبقاً وعليه رغيفان ثم قال له أي شيء تشتهي حتى أجيئك به قال خبزاً فبلغ ذلك المتوكل فأمر بالطباخ فضرب مائتي مقرعة
قال جحظة وحدثني بعض الجلساء أنه لما وضع الطباخ الرغيفين بين يديه قال له المسدود هذا حرز فأين النير قال ودعاه بعض الرؤساء فأهدى له برذوناً أشهب فارتبطه ليلته فلما كان من غد نفق وبعث إليه يدعوه بعد ذلك فكتب أنا لا أمضي إلى من يعرف آجال الدواب فيهب ما قرب أجله منها
(20/307)

قال واستوهب من بعض الرؤساء وبراً فأعطاه سموراً قد قرع بعضه فرده وقال ليس هذا سموراً هذا أشكر
صوت
( أجدَّك ما تَعْفُو كُلومُ مُصيبَةٍ ... على صاحبٍ إلا فُجعتُ بصاحبِ )
( تقَطَّع أحشائي إذا ما ذكرتهمُ ... وتنهلّ عيني بالدموع السواكب )
عروضه من الطويل الشعر لسلمة بن عياش والغناء لحكم وله فيه لحنان رمل بالبنصر وهزج بالوسطى
(20/308)

أخبار سلمة بن عياش
سلمة بن عياش مولى بني حسل بن عامر بن لؤي
شاعر بصري من مخضرمي الدولتين وكان يتدين ويتصون وانقطع إلى جعفر ومحمد ابني سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ومدحهما فأكثر وأجاد ومما مدحمها به وفيه غناء قوله
صوت
أَرقْتُ وطالت ليلتي بأبانِ ... لِبرْقٍ سَرى بَعد الهدوء يَمانِ )
( يُضيء بأعلام المدينة هُمَّداً ... غلى أمجٍ فالطلح طلح قنان )
غنى في هذين البيتين دحمان ولحنه ثقيل أول بالوسطى عن عمرو قال وفيه لحن لعطرد يقول فيها
( ورَدْتُ خَليجَي جعفرٍ ومحمدٍ ... وكلَّ بَدِيء من نَداه سقاني )
(20/309)

( إني لأرجو جعفراً ومحمداً ... لأفضلِ ما يُرْجَى له مَلَكان )
( هُما ابْنا رسولِ الله وابنا ابنِ عمِّه ... فقد كَرُم الجَدّان والأبوان )
( ومنها ما ذكره محمد بن داود بن الجراح قوله
صوت
( أَنارُ بدَتْ وَهْناً لعينك تُرْمِضُ ... ببغداد أم سارٍ من البرق مُومِضُ )
( يضِيء سناه مكْفَهِرِّاً كأنه ... حناتِمُ سودٌ أو عِشار تَمَخَّضُ )
غنى فيهما عطرد ثقيلاً أو ل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق يقول فيها
( ولَوْلا انتظاري جعفراً ونَوالَه ... لَمَا كان في بغداد ما أتبرّضُ )
وقد وجدت هذا الشعر لابن المولى في جامع شعره من قصيدة له وأظن ذلك الصحيح لا ما ذكر محمد بن داود من أنها لسلمة بن عياش أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة وغيره قال قال سلمة بن عياش وذكر محمد بن داود عن عسل بن ذكوان عن أبي حاتم عن الأصمعي عن سلمة بن عياش مولى بني عامر بن لؤي قال دخلت على الفرزدق السجن وهو محبوس وقد قال قصيدته
(20/310)

( إنّ الذي سَمَك السماءَ بنَى لنا ... بَيْتاً دعائمُه أعزُّ وأطولَ )
وقد أفحم وأجبل فقلت له ألا أرفدك فقال وهل ذاك عندك فقلت نعم ثم قلت
( بَيْتٌ زُرارةُ مُحِتَبٍ بِفنائه ... ومُجاشِع وأبو الفوارس نَهْشَل )
فاستجاد البيت وغاظه قولي له فقال لي ممن أنت فقلت من قريش فقال كل أير حمار من قريش فمن أيها أنت قلت من بني عامر بن يؤي قال لئام والله رضعة جاورتهم بالمدينة فما أحمدتهم فقلت ألأم والله منهم قومك وأرضع جاء رسول مالك بن المنذر وأنت سيدهم وشاعرهم فأخذ بأذنك يقودك حتى احتسبك فما اعترضه أحد ولا نصرك فقال قاتلك الله ما أكرمك وأخذ البيت فأدخله في قصيدته
سلمة وبربر الجارية
أخبرنا وكيع قال أخبرني محمد بن سعد الكراني قال حدثنا سهل بن محمد قال حدثني العتبي قال كان سلمة بن عياش وأبو سفيان بن العلاء عند محمد بن سليمان وجارية تغنيهم وتسقيهم يقال لها بربر فقال سلمة
( إلى اللهِ أشكو ما أُلاقي من القِلَى ... لأَهلي وما لاقيتُ من حُبِّ بَرْبرِ )
( على حينَ ودعَّت الصبابةَ والصبا ... وفارقتُ أَخْداني وشمَّرت مِئزَري )
( نأى جعفرٌ عنَّا وكان لِمثلِها ... وأنتَ لنا في النائباتِ كجعفر )
(20/311)

قال فقال محمد بن سليمان لسلمة خذها هي لك فاستحيا وارتدع وقال لا أريدها فألح عليه في أخذها فقال أعتق ما أ ملك إن أخذتها فقال له أبو سفيان ياسخين العين أعتق ما تملك وخذها فهي خير من كل ما تلك فلما مات أبو سفيان رثاه سلمة فقال
( لَعَمْرُك لا تعفُو كلُومُ مصيبةٍ ... على صاحبٍ إلا فُجِعتُ بصاحبِ )
( تَقطعُ أحشائي إذا ما ذكرتكم ... وتَنْهلّ عيني بالدموع السواكبِ )
( وكنتُ أمرأ جلداً على ما يَنُوبني ... ومعترفاً بالصبر عند المصائب )
( فهَدَّ أبو سفيان رُكني ولم أكنْ ... جَزوعاُ ولا مستنكِراُ للنوائب )
( غَنِينا مَعا بِضْعاً وستين حِجّةً ... خَلِيلَيْ صفاْر ودُنُا غيرُ كاذب )
( فأصبحتُ لمّا حالت الأرض دونَه ... على قُرْبِه مِنِّي كمَن لم أصاحب )
وذكر محمد بن داود عن عسل بن ذكوان أن محمد بن سليمان قال له اختر ما شئت غيرها لأن أبا أيوب قد وطئها
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد النحوي قال حدثت من غير وجه عن سلمة بن عياش أنه قال قلت لأبي حية النميري أهزأ به ويحك يا أبا حية أتدري ما يقول الناس قال لا قلت يزعمون أني أشعر منك قال إنا لله هلك والله الناس
وفي بربر هذه يقول سلمة بن عياش وفيه غناء وذكر عمر بن شبة أنه لمطيع بن إياس
(20/312)

صوت
( أظنُّ الحبَّ من وجْدي ... سيقتُلني على بَرْبَرْ )
( وبَرْبرُ دُرَّهُ الغواصِ ... مَنْ يَمْلِكُها يُحْبَرْ )
( فخافِي الله يا بَرْبَرْ ... فقد أفتَنْتِ ذا العسكرْ )
( بِحُسْنِ الدَّلّ والشكلِ ... ورِيحِ المسك والعَنْبرْ )
( ووجهٍ يُشْبه البّدْرَ ... وعينَيْ جُؤْذُر أحور )
فيه لحكم ثلاثة ألحان رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق وخفيف رمل عن هارون بن الزيات وهزج عن أبي أيوب المدني
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر شبة قال بربر جارية آل سليمان أعتقت وكان لها جوار مغنيات فيهن جارية اسمها جوهر وكان في البصرة فتى يعرف بالصحاف حسن الوجه فبلغ مطيع بن إياس أنه بات مع جوهر جارية بربر فغاظه ذلك فقال
( ناكَ والله جوهرَ الصحّافُ ... وعلَيها قَميصُها الأفوافُ )
( شام فيها أيراً له ذا صُلاع ... لم يَخُنْه نَقص ولا إخطاف )
( زعموها قالت وقد غاب فيها ... قائماً في قيامه استِحْصاف )
( وهو في جارة استها يتلظَّى ... وبها شهوة له والتهاف )
(20/313)

( بَعْضَ هذا مهلاً ترفق قليلاً ... ما كذا يا فتى تُناك الظِراف )
قال وقال فيها وقد وجهت بجواريها إلى عسكر المهدي
( خافِي الله يا برْبرْ ... فقد أَفسدْتِ ذا العسكرُ )
( أَفضْتِ الفِسقَ في الناسِ ... فصار الفِسْقٌ لا يُنْكر )
( ومَنْ ذا يملِك الناس ... إذا ما أَقبلَتْ بَرْبرْ )
( وأعطافُ جواريها ... كريح المسك والعنبرْ )
( وجوهرُ دُرّهُ الغواصِ ... مَنْ يَمْلِكها يُحبرْ )
( أَلا يا جوهرَ القلْبِ ... لقد زِدْتِ على الجوهرْ )
( وقد أكملكِ اللهُ ... بحُسْن الدِّل والمنظر )
( إذا غّنيتِ يا أَحسَنَ خَلقِ اللهِ بالمِزهرْ )
( فهذا حَزَناً يَبْكي ... وهذا طرَباً يكفُر )
( وهذا يَشربُ الكأسَ ... وذا من فَرَح ينعِرَ )
( ولا واللهِ ما المهديَّ ... أَولَى منك بالمنبر )
( فما عِشْتِ ففي كفيك ... خَلْعُ ابن أَبي جعفر )
قال فبلغ ذلك المهدي فضحك وأَمر لمطيع بصلة وقال أَنفق هذا عليها وسلها أَلا تخلعنا ما عاشت
قال وفي جوهر يقول مطيع
( جاريةٌ أَحسنُ مِن حَلْيِها ... وفيه فَضْل الدُّر والجوهرْ )
( وجِرمُها أطيب من طِيبها ... والطِّيب فيه المسكُ والعنبرْ )
(20/314)

( جاءت بها بربرُ مَمْكُورةً ... يا حبذا ما جلَبتْ بَربرْ )
قال وقال فيها
( أنتِ يا جوهرُ عِندِي جَوْهَرهُ ... في بياض الدّرة المشتهِره )
( وإذا غنَّت فنارٌ أُضْرمَت ... قَدَحَتْ في كلّ قلب شَرَره )
صوت
( يا عمودَ الإسلام خير عمود ... والذي صيغ من حياء وجُودِ )
( إن يوماً أراك فيه ليوم ... طلعت شَمسُه بسعد السعود )
الشعر لأبي العتاهية يمدح محمد الأمين والغناء لإسحاق ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن بانة وإسحاق
(20/315)

أخبار لأم جعفر
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا العلائي قال حدثني محمد بن أبي العتاهية قال لما جلس الأمين في الخلافة أنشده أبو العتاهية
( يا بنَ عمِّ النبيِّ خيرَ البَرِيّة ... إنمّا أنتَ رحْمَةٌ للرّعيّهْ )
( يا إمامَ الهدىالأمينَ المصَفَّى ... بِلُبَاب الخلافةِ الهاشميهْ )
( لك نفسٌ أمّارة لك بالخير ... وكفُّ بالمكرُمات نَدِيّه )
( إنّ نفساً تحملَتْ منك ما حُمَّلتَ ... للمسلمين نفسٌ قَويه )
قال ثم خرج إلى دار أم جعفر فقالت له أنشدني ما أنشدت أمير المؤمنين فأنشدها
فقالت أين هذا من مدائحك في المهدي والرشيد فغضب وقال إنما أنشدت أمير المؤمنين ما يستملح وأنا القائل فيه
( يا عمودَ الإسلام خيرَ عمود ... والّذي صِيغَ من حياءٍ وَجُودِ )
( والذي فيه ما يُسَلِّي ذوي الأحزان ... عن كلِّ هالكٍ مفقود )
( إنّ يوماً أراك فيه لَيَومٌ ... طلعَت شمسه بسعد السعود )
فقالت له الآن وفيت المديح حقه وأمرت له بعشرة آلاف درهم
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن موسى اليزيدي قال حدثني محمد بن الفضل قال
(20/316)

كان المأمون يوجه إلى أم جعفر زبيدة في كل سنة بمائة ألف دينار جدد وألف ألف درهم فكانت تعطي أبا العتاهية منها مائة دينار وألف درهم فأغفلته سنة فدفع إلي رقعة وقال ضعها بين يديها فوضعتها وكان فيها
( خبَّرونِي أنَّ في ضرب السَّنهْ ... جُدُداً بيَضاً وصُفْراً حَسَنهْ )
( سِكَكاً قد أَحْدِثَتْ لم أرها ... مثلَ ما كنت أرى كلّ سَنةْ )
فقالت إنا للهِ أغفلناه فوجهت إليه بوظيفة على يدي
حدثني محمد بن موسى قال حدثنا جعفر بن الفضل الكاتب قال أحست زبيدة من المأمون بجفاء فوجهت إلى أبي العتاهية تعلمه بذلك وتأمره أن يعمل فيه أبياتاً تعطفه عليها فقال
صوت
( ألا إنّ ريبَ الدهْرِ يُدني ويبعدُ ... ويؤنس بالالاّف طوراً ويفقدُ )
( أصابتْ لريْبِ الدهْر مني يَدِي يَدِي ... فسلّمتُ للإقدارِ واللهَ أَحْمَدُ )
( وقلتُ لِرْيبَ الدهْرِ إنْ ذهَبت يَدٌ ... فقد بقيت والحمدُ لله لي يَدُ )
( إذا بَقِي المأمونُ لي فالرشيدُ لي ... ولِي جعفرٌ لم يفقَدا ومحمدُ )
الغناء لعلّويه
(20/317)

قال فحسن موقع الأبيات منه وعاد لها المأمون إلى أكثر مما كان لها عليه
وجدت في كتاب محمد بن الحسن الكاتب
حدثني هارون بن مخارق قال حدثني أبي قال ظهرت لأم جعفر جفوة من المأمون فبعثت إلي بأبيات وأمرتني أن أغني فيها المأمون إذا رأيته نشيطاً وأسنت لي الجائزة وكان كاتبها قال الأبيات ففعلت فسألني المأمون عن الخبر فعرفته فبكى ورق لها وقام من وقته فدخل إليها فأكب عليها وقبلت يديه وقال لها يا أمه ما جفوتك تعمدا ولكن شغلت عنك بما لا يمكن إغفاله فقالت يا أمير المؤمنين إذا حسن رأيك لم يوحشني شغلك وأتم يومه عندها والأبيات
( ألاَ إن ريبَ الدهرِ يُدْني ويُبعدُ ... ويُؤنس بالأّلاّف طوراً ويُفْقِدُ )
وذكر باقي الأبيات مثل ما في الخبر الأول
أبو العتاهية ينظم شعراً عن لسانها للمأمون
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني الحسن بن علي الرازي قال
حدثني أبو سهل الرازقي عن أبيه قال عمل أبو العتاهية شعراً على لسان زبيدة بأمرها لما قدم المأمون بغداد أوله
( لخَيرِ إِمامٍ قامَ من خيرِ عنصُرِ ... وأَفضلِ راقٍ فوق أَعواد مِنْبر )
فذكر محمد بن أحمد بن المرزبان عن بعض كتاب السلطان أن المأمون لما قدم مدينة السلام واستقرت به الدار وانتظمت له الأمور أمرت أم جعفر كاتباً لها فقال هذه الأبيات وبعثت بها إلى علويه وسألته أن يصنع فيها لحناً ويغني فيه المأمون ففعل وكان ذلك مما عطفه عليها وأمرت لعلويه بعشرين ألف درهم وقد روي أن الأبيات التي أولها
(20/318)

( يا عمود الإسلام خيرَ عمود ... )
لعيسى بن زينب المراكبي
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني الحسين بن يحيى الكاتب قال حدثنا علي بن نجيح قال حدثني صالح بن الرشيد قال
كنا عند المأمون يوما وعقيد المغني وعمرو بن بانة يغنيان وعيسى بن زينب المراكبي حاضر وكان مشهوراً بالأبنة فتغنى عقيد بشعر عيسى
( يا عمودَ الإسلامِ خير عمودِ ... والذي صيغ من حياء وجود )
( لك عندي في كل يومٍ جَديدٍ ... طُرْفةٌ تستفاد يا بنَ الرشيد )
فقال المأمون لعقيد أنشد باقي هذا الشعر فقال أصون سمع أمير المؤمنين عنه فقال هاته ويحك فقال
( كنتُ في مجلسٍ أنيق ورَيْحان ... وراحٍ ومُسْمِعاتٍ وَعُودِ )
( فتغنَّى عمرو بن بانةَ إذا ذاكَ ... وهْوَ ممسكٌ بأيْر عقيد )
( يا عمودَ الإسلام خيرَ عمود ... والذي صيغ من حياءٍ وَجُود )
( فتنفسْتُ ثم قلت كذا كلُّ ... محبٍّ صبِّ الفؤاد عميد )
فقال المأمون لعيسى بن زينب والله لا فارقتك حتى تخبرني عن تنفسك عند قبض عمرو على أير عقيد لإي شيء هو لا بد من أن يكون ذلك إشفاقاً عليه أو على أن تكون مثله لعن الله تنفسك هذا يا مريب قال وإنما سمي المراكبي لتوليه مراكب المنصور وأمه زينب بنت بشر صاحب طاقات بشر بباب الشام
صوت
( لقيتُ من الغانيات العُجابا ... لو أدرك مني العذارَى الشبابا )
(20/319)

( علام يُكحَّلن حُورَ العيون ... ويُحْدِثْن بَعد الخضابِ الخضابا )
( ويُبرِقن إلا لما تعلمون ... فلا تمنعُنَّ النساء الضرايا )
الشعر لأيمن بن خريم بن فاتك الأسدي والغناء لإبراهيم الموصلي ولحنه من الثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى من راويةالهشامي
(20/320)

أخبار أيمن بن خريم
وأيمن بن خريم بن فاتك الأسدي لأبيه صحبة برسول الله ورواية عنه وينسب إلى فاتك وهو جد أبيه وهو أيمن بن خريم بن الأخرم بن عمرو بن فاتك بن القليب بن عمرو بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار وكان أيمن يتشيع وكان أبوه أحد من اعتزل حرب الجمل وصفّين وما بعدهما من الأحداث فلم يحضرها
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني النوشجاني عن العمري عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش عن مجالد قال كان عبد الملك شديد الشغف بالنساء فلما أسن ضعف عن الجماع وازداد غرامه بهن فدخل إليه يوما أيمن بن خريم فقال له كيف أنت فقال بخير يا أمير المؤمنين قال فكيف قوتك قال كما أحب ولله الحمد إني لآكل الجذعة من الضأن بالصاع من البر وأشرب العس المملوء وأرتحل البعير الصضعب وأنصبه وأركب المهر الأرن فأذلّله وأفترع العذراء ولا يقعدوني عنها الكبر ولا يمنعني منها الحصر ولا
(20/321)

يُرويني منها الغمر ولا ينقضي مني الوطر فغاظ عبد الملك قوله وحسده فمنعه العطاء وحجبه وقصده بما كره حتى أثّر ذلك في حاله فقالت له امرأته ويحك أصدقني عن حالك هل لك جرم قال لا والله قالت فأي شيء دار بينك وبين أمير المؤمنين آخر ما لقيته فأخبرها فقالت إنا لله من ها هنا أتيت أنا أحتال لك في ذلك حتى أزيل ما جرى عليك فقد حسدك الرجل على ما وصفت به نفسك فتهيأت ولبست ثيابها ودخلت على عاتكة زوجته فقالت أسألك أن تستعدي لي أمير المؤمنين على زوجي قالت وماله قالت والله ما أدري أنا مع رجل أو حائط وإن له لسنين ما يعرف فراشي فسليه أن يفرق بيني وبينه فخرجت عاتكة إلى عبد الملك فذكرت ذلك له وسألته في أمرها فوجه إلى أيمن بن خريم فحضر فسأله عما شكت منه فاعترف به فقال أو لم أسألك عاما أول عن حالك فوصفت كيت وكيت فقال يا أمير المؤمنين إن الرجل ليتجمل عن سلطانه ويتجلد عند أعدائه بأكثر مما وصفت نفسي به وأنا القائل
( لَقيتُ من الغانيات العُجابا ... لو ادرَكَ مني الغواني الشبابا )
( ولكنَّ جمعَ النساء الحسان ... عناءٌ شديد إذا المرء شابا )
( ولو كِلتَ بالمدِّ للغانيات ... وضاعفْتَ فوق الثياب الثيابا )
( إذا لم تُنِلْهُنّ من ذاك ذاك ... جحدنك عند الأمير الكتابا )
( يَذُدْنَ بكل عصا ذائدٍ ... ويصبِحْن كلَّ غداة صِعابا )
( إذا لم يُخَالَطْنَ كل الخِلاط ... أصبحن مُخْرنْطماتٍ غضابا )
(20/322)

( علام يُكَحّلن حور العيون ... ويُحدثْنَ بعد الخضاب الخضابا )
( ويَعرُكن بالمسْكِ أجيادَهنْ ... ويُدْنِين عند الحِجال العيابا )
( ويُبرقْن إلا لما تعلمون ... فلا تحرموا الغانيات الضراب )
قال فجعل عبد الملك يضحك من قوله ثم قال أولى لك يابن خريم لقد لقيت منهن ترحاً فما ترى أن نصنع فما بينك وبين زوجتك قال تستأجلها إلى أجل العنين وأدريها العلي أستطيع إمساكها قال أفعل ذلك وردها إليه وأمر له بما فات من عطائه وعاد إلى بره وتقريبه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف قال حدثنا الرياشي قال ذكر العتبي أن منازعة بين عمرو بن سعيد وعبد العزيز بن مروان فتعصب لكل واجد منهما أخواله وتداعوا بالسلاح واقتتلوا وكان أيمن بن خريم حاضراً للمنازعة فاعتزلهم هو ورجل من قومه يقال له ابن كوز فعاتبه عبد العزيز وعمرو جميعاً على ذلك فقال
( أأْقتَلُ بينَ حجّاج بن عمرو ... وبين خصيمه عبد العزيز )
( أنقُتَل ضلَّةً في غير شيء ... ويَبْقى بعدَنا أَهلُ الكنوز )
( لعمر أَبيك ما أُتيتُ رشدي ... ولا وُفِّقتُ للحِرْز الحريز )
( فإني تاركٌ لهما جميعاً ... ومعتزلٌ كما اعتزل ابنُ كوز )
أيمن يهجو يحيى بن الحكم
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن العمري عن الهيثم بن
(20/323)

عدي قال أصاب حيى بن الحكم جارية في غزاة الصائفة بها وضح فقال أعطوها أيمن بن خريم وكان موضحاً فغضب وأنشأ يقول
( تركت بني مروان تندى أكفُّهم ... وصاحبتُ يحيى ضلّة من ضلاليا )
( فإنك لو أشبهتَ مروان لم تَقُل ... لقوميَ هُجراً أَنْ أَتَوك ولاليا )
وانصرف عنه فأتى عبد العزيز بن مروان وكان يحيى محمقاً
حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل قال حدثني مصعب اليزبدي عن أشياخه أن عبد الملك بن مروان قال يا معشر الشعراء تشبهوننا مرة بالأسد الأبخر ومرة بالجبل الأوعر ومرة بالبحر الأجاج ألا قلتم فينا كما قال أيمن بن خريم في بني هاشم
( نهاركُمُ مكابدةٌ وصومٌ ... ولَيْلُكُمُ صلاة واقتراء )
( وَلِيتم بالقُران وبالتزَكِّي ... فأَسرع فيكُم ذاك البلاء )
( بكى نجدٌ غداة غدٍ عليكم ... ومكةُ والمدينةُ والجِواء )
( وحقّ لكل أَرض فارقُوها ... عليكم لا أَبالكمُ البكاء )
( أَأَجعلكم وأَقواماً سواءً ... وبينكمُ وبينهم الهواء )
( وهمْ أَرض لأرجُلكم وأَنتم ... لأرؤسهم وأَعينهم سماء )
أخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن زهير عن أبي همام الوليد بن شجاع قال حدثنا عبد الله بن إدريس قال أصاب أيمن بن خريم امرأة له
(20/324)

خطأ يعني قتلها فوداها عبد الملك بن مروان أعطي ورثتها ديتها وكفر عنه كفارة القتل وأعطاه عدة جوار ووهب له مالاً فقال أيمن
( رأَيتُ الغوانيَ شيئاً عُجابا ... لَوَ انسَ مِنيِّ الغواني الشبابا )
( ولكنَّ جمعَ العذارى الحسانِ ... عناءٌ شديد إذا المرء شابا )
( ولو كِلتَ بالمُدّ للغانيات ... وضاعفْت فوق الثياب ثيابا )
( إذا لم تُنِلْهن مِن ذاك ذاك ... بَغَيْنَكَ عِنْد الأمير الكذابا )
( يَذُدن بكل عَصَا ذائدٍ ... ويًصبحن كل غداة صعابا )
( إذا لم يُخالَطْنَ كلّ الخِلاط ... تراهنّ مُخَرَنطِماتٍ غِضَابا )
( عَلامَ يُكَحِّلْن حُور العيون ... ويُحْدِثْنَ بعد الخضاب الخضابا )
( ويَعرُكن بالمسك أجيادَهنّ ... ويدنين عند الحِجال العِيابا )
( ويغمِزن إلا لما تعلمون ... فلا تحرموا الغانيات الضِّرابا )
قال فبلغني أن عبد الملك أنشد هذا الشعر فقال نعم الشفيع أيمن لهن
وأخبرني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة وإبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة قال قال له عبد الملك لما أنشده هذا الشعر ما وصف النساء أحد مثل صفتك وعرفهن أحد معرفتك
قال فقال له لئن كنت صدقت في ذلك لقد صدق الذي يقول
صوت
( فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبيرٌ بأدواء النساء طبيبُ )
( إذا شاب رأسُ المرءِ أو قلَّ ماله ... فليس له فِي وُدِّهنّ نصيب )
( يُرِدْنَ ثراءَ المال حيث علمنه ... وشَرْخُ الشباب عندهن عجيب )
(20/325)

فقال له عبد الملك قد لعمري صدقتما وأحسنتما الشعر لعلقمة بن عبدة والغناء لبسباسة ولحنه خفيف ثقيل أول بالوسطى عن حبش وهذه الأبيات يقولها علقمة بن عبدة يمدح بها الحارث ويسأله إطلاق ابنه شأس
وخبره يذكر وخبر الحارث بعد انقضاء أخبار أيمن بن خريم
رجع الحديث إلى أخبار أيمن
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني المدائني عن أبي بكر الهذلي قال دخل نصيب يوما إلى عبد العزيز بن مروان فأنشده قصيدة له امتدحه بها فأعجبته وأقبل على أيمن بن خريم فقال كيف ترى شعر مولاي هذا قال هو أشعر أهل جلدته
فقال هو أشعر والله منك قال أمِني أيها الأمير
فقال إي والله قال لا والله ولكنك طرف ملول فقال لو كنت كذلك ما صبرت على مؤاكلتك منذ سنة وبك من البرص ما بك فقال ائذن لي أيها الأمير في الانصراف قال ذلك إليك فمضى لوجهه حتى لحق ببشر بن مروان وقال فيه
( ركبتُ من المقطّم في جُمادى ... إلى بشرِ بن مروان البَرِيدا )
( ولو أعطاكَ بشرٌ ألفَ ألفٍ ... رأى حقاً عليه أن يزيدا )
( أميرَ المؤمنين أقِمْ بِبشر ... عمود الدين إنّ له عمودا )
( ودِعْ بشراً يقُوّمهم ويُحْدِثْ ... لأهلِ الزيغ إسلاماً جديداً )
(20/326)

( وإنّا قد وجدنا أُمَّ بشر ... كأُمّ الأُسد مِذْكاراً وَلودا )
( كأنّ التاج تاجَ أبي هِرَقْلٍ ... جَلَوْهُ لأعظِم الأيام عيداً )
( يُحالِف لونُه ديباجَ بشر ... إذا الألْوانُ حالفت الخدودا )
يعرض بنمش كان بوجه عبد العزيز فقبله بشر بن مروان ووصله ولم يزل أثيراً عنده
أيمن يمدح بشر بن مروان
أخبرني عمي قال حدثني الكراني وأبو العيناء عن العتبي قال لما أتى أيمن بن خريم بشر بن مروان نظر الناس يدخلون عليه أفواجاً فقال من يؤذن لنا الأمير أو يستأذن لنا عليه فقيل له ليس على الأمير حجاب ولا ستر فدخل وهو يقول
( يُرَى بارزاً للناس بشرٌ كأنه ... إذا لاح في أثوابه قمَرٌ بَدْرُ )
( ولو شاء بشرٌ أغلق البابَ دونه ... طماطمُ سودٌ أو صقالبةٌ شُقْر )
( أبى ذا ولكن سَّهل الإذنَ للتي ... يكون له في غِبِّها الحمد والشكر )
فضحك إليه بشر وقال إنا قوم نحجب الحرم وأما الأموال والطعام فلا وأمر له بعشرةآلاف درهم
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف قال حدثني الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن المعتمد بن سليمان قال
لما طالت الحرب بين غزالة وبين أهل العراق وهم لا يغنون شيئاً قال أيمن بن خريم
(20/327)

( أتينا بهمْ مائتي فارسٍ ... من السافِكِين الحرامَ العَبيطا )
( وخمسون من مارقات النساء ... يَسْحَبْنَ لِلمُنديات المُرُوطا )
( وهُمْ مائتا ألفِ ذي قَوْنَسٍ ... يَئط العراقان منهم أَطيطا )
( رأيت غزالة إن طَرَّحَت ... بمكةَ هَودَجها والغَبيطا )
( سَمَتْ للعراقين في جمعها ... فلاقى العراقان منها بطيطا )
( ألاَ يستحي اللهَ أهلُ العِراقِ ... إن قَلَّدوا الغانيات السُّموطا )
( وخيلُ غزالةَ تسبي النِّساء ... وتَحوي النَّهابَ وتحوي النبيطا )
( ولو أنَّ لُوطاً أميرٌ لكم ... لأسْلَمْتُمُ في المُلمّات لُوطا )
صوت
( تصابَيْتَ أم هاجتْ لك الشوقَ زينَبُ ... وكيف تَصَابِي المرء والرأسُ أشيب )
( إذا قرُبتْ زادتْك شوقاً بِقُرْبِها ... وإن جانبت لم يُسلِ عَنها التجنّب )
( فلا اليأسُ إن ألممتَ يبدو فترعَوِي ... ولا أنت مردود بما جئت تطلب )
( وفِي اليأسِ لو يبدُو لك اليأسُ راحةٌ ... وفي الأرض عمَّنْ لا يؤاتيك مذهب )
الشعر لحجية بن المضرب الكندي فيما ذكره إسحاق والكوفيون
وذكر الزبير بن بكار أنه لإسماعيل بن يسار وذكر غيره أنه لأخيه أحمد بن
(20/328)

يسار والغناء ليونس الكاتب ولحنه من الثقيل الثاني بإطلاق الوتر في مجرى البنصر وفيه ثقيل أول بالبنصر ذكر حبش أنه لمالك وذكر غيره أنه لمعبد
(20/329)

أخبار حجبة بن المضرب
حدثني ابن عمار قال حدثنا سعيد بن يحيى الأموي وأخبرنا به وكيع عن إسماعيل بن إسحاق عن سعيد بن يحيى الأموي قال حدثني المحبر بن قحذم عن هشام بن عروة عن أبيه قال
لما قدم القاسم بن محمد بن أبي بكر وأخته من مصر وأخبرني بهذا الخبر محمد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن عوانة قال كان القاسم بن محمد بن أبي بكر يحدث قال
لما قتل معاوية بن حديج الكندي وعمرو بن العاص أبي يعني محمد بن أبي بكر بمصر جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر فاحتملني وأختا لي من مصر وقد جمعت الروايتين واللفظ لابن أبي الأزهر وخبره أتم قال
فقدم بنا المدينة فبعثت إلينا عائشة فاحتملتنا من منزل عبد الرحمن إليها فما رأيت والدة قط ولا والداً أبرّ منها فلم نزل في حجرها حتى إذا كان ذات يوم وقد ترعرعنا ألبستنا ثياباً بيضاء ثم أجلست كل واحد منا على فخذها ثم بعثت إلى عمي عبد الرحمن فلما دخل عليها تكلمت فحمدت
(20/330)

الله عز و جل وأئثنت عليه فما رأيت متكلماً ولا متكلمة قبلها ولا بعدها أبلغ منها ثم قالت
يا أخي إني لم أزل أراك معرضاً عني منذ قبضت هذين الصبيين منك ووالله ما قبضتهما تطاولاً عليك ولا تهمة لك فيهما ولا لشيء تكرهه ولكنك كنت رجلاً ذا نساء وكانا صبيين لا يكفيان من أنفسهما شيئاً فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقذرن به من قبيح أمر الصبيان فكنت ألطف لذلك وأحق بولايته فقد قويا على أنفسهما وشبا وعرفا ما يأتيان فهاهما هذان فضمهما إليك وكن لهما كحجية بن المضرب أخي كندة فإنه كان له أخ يقال له معدان فمات وترك أصيبية صغاراً في حجر أخيه فكان أبر الناس بهم وأعطفهم عليهم وكان يؤثرهم على صبيانه فمكث بذلك ما شاء الله ثم إنه عرض له سفر لم يجد بداً من الخروج فيه فخرج وأوصى بهم امرأته وكانت إحدى بنات عمه وكان يقال لها زينب فقال اصنعي ببني أخي ما كنت أصنع بهم ثم مضى لوجهه فغاب أشهراً ثم رجع وقد ساءت حال الصبيان وتغيرت فقال لامرأته ويلك مالي أرى بني معدان مهازيل وأرى بني سماناً قالت قد كنت أواسي بينهم ولكنَّهم كانوا يعبثون ويلعبون فخلا بالصبيان فقال كيف كانت زينب لكم قالوا سيئة ما كانت تعطينا من القوت إلا ملء هذا القدح من لبن وأروه قدحاً صغيرأً فغضب على امرأته غضباً شديداً وتركها حتى إذا أراح عليه راعياً إبله قال لهما اذهب فأنتما وإبلكما لبني معدان فغضبت من ذلك زينب وهجرته وضربت بينه وبينها حجاباً فقال والله لا تذوقين منها صبوحاً ولا غبوقاً أبداً وقال في ذلك
(20/331)

( لجِجْنا وَلجَت هذه في التغضّب ... ولطِّ الحجابِ بيننا والتجنُّبِ )
( وخطتُ بفردَيْ إثمِدٍ جفنَ عينها ... لتقتلَني وشَدَّ ما حُبُّ زينب )
( تلومُ على مالٍ شفاني مكانُه ... فَلوُمي حياتي ما بدا لك واغضبي )
( رحِمت بني مَعْدانَ أنْ قلَّ مالهُمْ ... وحق لهم مِني وربِّ المحصَّب )
( وكان اليتامى لا يَسُدُّ اختلالهم ... هدايا لهم في كل قَعْبٍ مشعّب )
( فقلت لعبديْنا أَريحا عليهمُ ... سأجعل بيتي بيتَ آخرَ مُعْزِب )
( وقلتُ خذوها واعلموا أَن عمّكمْ ... هو اليومَ أَولى منكمُ بالتكسب )
( عِيالي أَحقُّ أَن ينالوا خصاصةً ... وأَن يشربوا رَنْقاً إلى حين مكسبي )
( أُحابي بها من لو قصدتُ لمالِه ... حَرِيباً لآساني على كل موكِب )
( أَخِي والذي إن أَدْعُه لعظِيمة ... يُجِبْني وإن أغضَب إلى السيف يَغْضب )
إلى ها هنا رواية ابن عمار
وفي خبر إسحاق قال فلما بلغ زينب هذا الشعر وما وهب زوجها خرجت حتى أتت المدينة فأسلمت وذلك في ولاية عمر بن الخطاب فقدم حجية المدينة فطلب زينب أن ترد عليه وكان نصرانياً فنزل بالزبير بن العوام فأخبره بقصته فقال له إياك وأن يبلغ هذا عنك عمر فتلقى منه أذى وانتشر خبر حجية وفشا بالمدينة وعلم فيم كان مقدمه فبلغ ذلك عمر فقال للزبير
(20/332)

قد بلغني قصة ضيفك ولقد هممت به لولا تحرمه بالنزول عليك فرجع الزبير إلى حجية فأعلمه قول عمر فقال حجية في ذلك
( إن الزبيرَ بنَ عوّام تداركني ... منه بسيُب كريم سيْبُه عِصمُ )
( نفسي فداؤُك مأْخوذاً بحُجزَتها ... إذ شاط لحمي وإذ زلّت بي القدم )
( إذ لا يَقومُ بها إلا فَتىً أنِفٌ ... عاري الأشاجع في عِرْنينه شَمَمُ )
ثم انصرف من عنده متوجهاً إلى بلده آيساً من زينب كئيباً حزيناً فقال في ذلك
( تصابيتَ أمْ هاجَتْ لك الشوقَ زينبُ ... )
الأبيات المذكور فيها الغناء
صوت
( خليلي هُبَّا نَصْطَبِح بسواد ... ونُروِ قُلوباً هامُهُنّ صواد )
( وقولا لساقينا زياد يُرِقُّها ... فقد هَزَّ بعضَ القوم سقُي زياد )
الشعر والغناء لإسحاق ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر
(20/333)

خبر إسحاق مع غلامه زياد
هذا الشعر يقوله إسحاق في غلام له مملوك خلاسي يقال له زياد كان مولداً من مولدي المدينة فصيحاً ظريفاً فجعله ساقيه وذكره هو وغيره في شعره فممن ذكره من الشعراء دعبل وله يقول
أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد السكري قال كان زياد الذي يذكره إسحاق في عدة مواضع منها قوله
( وقولا لِسَاقينا زيادٍ يُرقّها ... )
وكان نظيف السقي لبقاً فقال فيه دعبل
( يقول زيادٌ قِف بصحبِك مَرةً ... على الرَّبع مالي والوقوفَ على الربْعِ )
صوت
( أدِرْها علَى الحبيب فربَّما ... شربتُ على نَأيْ الأحبة والفَجْع )
( فما بلغَنْتِني الكأسً إلا شربتُها ... وإلا سًقيتُ الأرضَ كأساً من الدمع )
غنى في البيت الثاني والثالث من هذه الأبيات محمد بن العباس بن عبد الله بن طاهر لحناً من خفيف الثقيل الأول بالبنصر
قال أبو الحسن وقد قيل إن هذين البيتين يعني
(20/334)

( خلِيليَّ هُبّا نصطبِحْ بسواد ... )
للأخطل
أخبرني علي بن سليمان قال حدثني أبي قال
قال لي جعفر بن معروف الكاتب وكان قد جاوز مائة سنة لقد شهدت إسحاق يوماً في مجلس أنس وهو يتغنى هذا الصوت
( خليليَّ هّبا نصطبح بسواد ... )
وغلامه زياد جالس على مسورة يسقي وهو يومئذ غلام أمرد أصفر رقيق البدن حلو الوجه ثم أخذ يراجعه ولا أحد يستطيع يقول له زدني ولا انقصني
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري قال حدثني أحمد بن الهيثم يعني جد أبي رحمه الله قال
كنت ذات يوم جالساً في منزلي بسر من رأى وعندي إخوان لي وكان طريق إسحاق في مضيه إلى دار الخليفة ورجوعه منها على منزلي فجاءني الغلام يوماً وعندي أصدقاء لي فقال لي إسحاق بن إبراهيم الموصلي بالباب فقلت له قل له ويلك يدخل أوفي الخلق أحد يستأذن عليه لإسحاق
فذهب الغلام وبادرت أسعى في أثره حتى تلقيته فدخل وجلس منبسطاً آنساً فعرضنا عليه ما عندنا فأجاب إلى الشرب فأحضرناه نبيذاً مشمساً فشرب منه ثم قال أتحبون أن أغنيكم قلنا إي والله أطال الله بقاءك إنا نحب ذلك قال فلم لم تسألوني قلنا هبناك والله قال فلا
(20/335)

تفعلوا ثم دعا بعود فأحضرناه فاندفع فغنانا فشربنا وطربنا فلما فرغ قال أحسنت أملا فقلنا بلى والله جعلنا الله فداءك لقد أحسنت قال فما منعكم أن تقولوا لي أحسنت
قلنا الهيبة والله لك قال فلا تفعلوا هذا فيما تستأنفون فإن المغني يحب أن يقال له غن ويحب أن يقال له إذا غنى أحسنت ثم غنانا صوته
( خليليَّ هُبّا نصطبحْ بسواد ... )
فقلنا له يا أبا محمد من هو زياد الذي عنيته قال هو غلامي الواقف بالباب ادعوه يا غلمان فأدخل إلينا فإذا غلام خلاسي قيمته عشرون ديناراً أو نحوُها فأمسكنا عنه فقال أتسألوني عنه فأعرِّفكم إياه ويخرج كما دخل وقد سمعتم شعري فيه وغنائي أشهدكم أنه حر لوجه الله وأني زوجته أمتي فلانه فأعينوه على أمره قال فلم يخرج حتى أوصلنا إليه عشرين ألف درهم أخرجناها له من أموالنا
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني أبي قال توفي زياد غلام إسحاق الذي يقول فيه
( وقولا لِساقينا زيادٍ يُرِقّها ... )
فقال إسحاق يرثيه
( فَقَدْنا زياداً بعد طول صَحابة ... فلا زال يَسقِي الغيثُ قبرَ زياد )
( ستبكيك كأسٌ لم تجد من يُديِرُها ... وظمآنُ يستَبْطِي الزجاجة صادِ )
الأمين يطلب إسحاق فيغنيه
أخبرني عمي قال حدثني ابن المكي عن أبيه قال
(20/336)

اصطبح محمد الأمين ذات يوم وأمر بالتوجيه إلى إسحاق فوُجه إليه عدة رسل كلهم لا يصادفه حتى جاء أحدهم به فدخل منشياً ومحمد مغضب فقال له أين كنت ويلك قال أصبحت يا أمير المؤمنين نشيطاً فركبت إلى بعض المنتزهات فاستطبت الموضع وأقمت فيه وسقاني زياد فذكرت أبياتاً للأخطل وهو يسقيني فدار لي فيها لحن حسن فصنعته فيها وقد جئتك به فتبسم ثم قال هات فما تزال تأتي بما يرضي عنك عند السخط فغناه
صوت
( إذا ما زيادٌ علَّني ثم علّني ... ثلاثَ زجاجات لهنّ هَدِيرُ )
( خرجْت أَجُرُّ الذيل زهواً كأنني ... عليك أَميرَ المؤمنين أَمير )
قال بل على أبيك قبح الله فعلك فما يزال إحسانك في غنائك يمحو إساءتك في فعلك وأمر له بألف دينار
الشعر في هذين البيتين للأخطل والغناء لإسحاق رمل بالبنصر ورواية شعر الأخطل
( إذا ما نديمي عَلَّني ثم علّني ... )
وإنما غيّره إسحاق فقال إذا ما زياد
أخبرني علي بن سليمان عن محمد بن يزيد النحوي
أن عبد الملك بن مروان قال للأخطل ما يدعوك إلى الخمر فوالله إن أولها لمر وإن آخرها لسُكر قال أجل ولكن بينهما حالة ما ملكك عندها بشيء وقد قلت في ذلك
( إذا ما نَديمي عَلَّني ثم عَلّني ... ثلاثَ زجاجات لهنّ هَديرُ )
(20/337)

( خرجْتُ أجرُّ الذيل زهواً كأنني ... عليكَ أميرَ المؤمنين أمير )
قال فجعل عبد الملك يضحك
صوت
( أشارتْ بِطَرْفِ العين خِيفةَ أهلِها ... إِشارةَ محزونٍ ولم تتكلمِ )
( فأيقنْت أَن الطرف قد قال مَرْحَباً ... وأهلاً وسهلاً بالحبيبِ المسلِّم )
( هنيئاً لكم حُبِّي وصَفوُ مَوَدّتي ... فقد سِيطَ مِن لَحْمي هَواكِ ومن دَمِي )
الشعر لعمرَ بن أبي ربيعة والغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر وفيه لدحمان ثقيل أول بالبنصر ويقال إنه لابن سريج وقيل إن الثقيل الأول لابن عائشة والثقيل الثاني لابن سريج وفيه خفيف ثقيل أول ينسب إلى ابن سريج وإلى علي بن الجواريّ
(20/338)

خبر لحبابة مع ابن عائشة
أخبرني الحسن بن يحيى وابن أبي يحيى الأزهر عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن المدائني قال
كانت حبابة جارية يزيد بن عبد الملك معجبة بغناء ابن عائشة وكان ابن عائشة حديث السن فلما طال عهدها به اشتاقت إلى أن تسمع غناءه فلم تدر كيف تصنع فاختلفت هي وسلامة في صوت لمعبد فأمر
(20/339)

يزيد بإحضاره ووجه في ذلك رسولا فبعثت حبابة إلى الرسول سراً فأمرته أن يأتي ابن عائشة وأمير المدينة في خفاء ويبلغهما رسالتهما بالخروج مع معبد سراً وقالت قل لهما يستران ذلك عن أمير المؤمنين
فلما قدم الرسول إلى عامل المدينة أبلغه ما قالت حبابة فأمر ابن عائشة بالرحلة مع معبد وقال لمعبد انظر ما تأمرك به حبابة فانتبه إليه فقال نعم فخرجا حتى قدما على يزيد وبلغ الخبر حبابة فلم تدر كيف تصنع في أمر ابن عائشة فلما حضر معبد حاكمت سلامة إليه فحكم لها فاندفعت فغنت صوتا لابن عائشة وفيه لابن سريج لحن ولحن ابن عائشة أشهرهما وهو
( أشارت بِطَرْف العين خيفةَ أهلها ... )
فقال يزيد يا حبيبتي أنى لك هذا ولم أسمعه منك وهو على غاية الحسن إن لهذ لشأناً فقالت يا أمير المؤمنين هذا لحن كنت أخذته عن ابن عائشة قال ذلك الصبي قالت نعم وهذا أستاذه وأشارت بيدها إلى معبد فقال لمعبد أهذا لحن ابن عائشة أو انتحله فقال معبد هذا أصلح الله الأمير له فقال يزيد لو كان حاضراً ما كرهنا أن نسمع منه فقال معبد هو والله معي لا يفارقني فقال يزيد ويلك يا معبد احتملنا الساعة أمرك فزدتنا ما كرهنا ثم قال لحبابة هذا والله عملك قالت أجل يا سيدي قال لها هذه الشام ولا تحتمل لنا ما تحتمله المدينة قالت يا سيدي أنا والله أنا أحب أن أسمع من ابن عائشة فأحضر فلما دخل قال له صوتاً غنته حبابة
( أشارت بطرف العين خيفة أهلَها ... )
فغنّاه فقال هو والله يا حبابة منه أحسن منه منك قالت أجل يا سيدي ثم قال يزيد هات يا محمد ما عندك فغنى
(20/340)

صوت
( قِف بالمنازِل قبل أن نتفرقا ... واستنطق الربعَ المُحيل المخلِقا )
( عن عِلْمِ ما فعلَ الخليط لعله ... بجواب رجْعِ حديثهم أن ينطقا )
( فيبين مِنْ أخبارهم لِمُتيّم ... أمسى وأصبح بالرسوم معلّقا )
( كلِفاً بَها أبداً تَسُحُّ دموعُهُ ... وَسْطَ الديارِ مسائلاً مستنطقا )
( ذَرَفَتْ له عين يُرى إنسانُهَا ... في لُجَّةٍ ما مائهَا مغرورقِا )
( تُجْري محَاجرُهَا الدموعَ كأنَّهَا ... دُرُّ وَهَي من سلكه مستوسقاً )
الغناء لابن عائشة ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى وفيه لشارية خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى ويقال إن فيه لابن جندب وحنين لحنين قال فقال له يزيد أهلا وسهلا بك يابن عائشة فأنت والله
(20/341)

الحسن الوجه الحسن الغناء وأحسن إليه ووصله
ثم لم يره يزيد بعد هذا المجلس وبعثت إليه حبابة ببر وألطاف وأتبعتها سلامة في ذلك
صوت
( لما سمعتُ الديك صاح بسُحْرة ... وتوسط النسران بَطْنَ العَقْرَبِ )
( وبدا سُهَيل في السماء كأنه ... نور وعَارضه هِجان الرّبَرَب )
( نبّهتُ ندماني وقلت له اصطبح ... يابن الكرام من الشراب الطيب )
( صفراء تبرُق في الزجاج كأنها ... حدق الجرادة أو لُعاب الجندب )
الشعر لأبي الهندي والغناء لإبراهيم الموصليّ ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو
(20/342)

أخبار أبي الهندي ونسبه
اسمه غالب بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي وكان شاعراً مطبوعاً وقد أدرك الدولتين دولة بني أمية وأول دولة ولد العباس وكان جزل الشعر حسن الألفاظ لطيف المعاني وإنما أخمله وأمات ذكره بعده من بلاد العرب ومقامه بسجستان وبخراسان وشغفه بالشراب ومعاقرته إياه وفسقه وما كان يتهم به من فساد الدين واستفرغ شعره بصفة الخمر وهو أول من وصفها من شعراء الإسلام فجعل وصفها وكده وقصده ومن مشهور قوله فيها ومختاره
( سقَيتُ أبَا المُطَرّح إذ أتاني ... وذو الرَّعثات منتَصِبٌ يصيحُ )
( شراباً يهرُب الذِّبَّان منه ... ويَلْثَغ حين يشربه الفصيحُ )
أبو نواس يأخذ معانيه في الخمر من شعره
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني فضل اليزيدي أنه سمع إسحاق الموصلي يوما يقول وأنشد شعراً لأبي الهندي في صفة الخمر فاستحسنه وقَرّظه فذكر عنده أبو نواس فقال ومن أين أخذ أبو نواس معانيه إلا من هذه الطبقة وأنا أوجدكم سلخه هذه المعاني كلَّها في شعره فجعل ينشد
(20/343)

بيتاً من شعر أبي الهندي ثم يستخرج المعنى والموضع الذي سرقه الحسن فيه حتى أتى على الأبيات كلها واستخرجها من شعره
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني شيخ من أهل البصرة قال
كنا عند أبي عبيدة فأنشد منشد شعراً في صفة الخمر أُنسيه الشيخ فضحك ثم قال هذا أخذه من قول أبي المهندي
( سيُغني أبا الهندي عن وَطْبِ سالم ... أبَاريقُ لم يَعْلق بها وَضَر الزُّبْدِ )
( مُفَدَّمةٌ قُزٌ كأن رِقابهَا ... رِقابُ بنات الماء تَفْزعُ للرعد )
( جَلْتْها الجوالي حين طَاب مِزاجها ... وَطَيّبتَها بالمِسك والعنبر والوَرْد )
( تَمجّ سُلافاً في الأباريق خالصاً ... وفي كلّ كأس من مَهاً حسن القَدِّ )
( تَضَمّنها زِق أَزَبّ كأنه ... صريعٌ من السودانِ ذو شَعَر جَعْدِ )
نسخت من كتاب ابن النطاح حدثني بعض أصحابنا
أن أبا الهندي اشتهى الصبوح في الحانة ذات يوم فأتى خمّاراً بسجستان في محله يقال لها كوه زيان وتفسيره جبل الخسران يباع فيها الخمر والفاحشة ويأوي إليها كل خارب وزانٍ ومغنية فدخل إلى الخمار
(20/344)

فقال له اسقني وأعطاه ديناراً فكال له وجعل يشرب حتى سكر وجاء قوم يسألون عنه فصادفوه على تلك الحال فقالوا للخمار ألحقنا به فسقاهم حتى سكروا فانتبه فسأل عنهم فعرّفه الخمار خبرهم فقال له هذا الآن وقت السكر الآن طاب ألحقني بهم فجعل يشرب حتى سكر وانتبهوا فقالوا للخمار ويحك هذا نائم بعد فقال لا ولقد انتبه فلما عرف خبركم شرب حتى سكر فقالوا ألحقنا به فسقاهم حتى سكروا وانتبه فسأل عن خبرهم فعرّفه فقال والله لألحقن بهم فشرب حتى سكر ولم يزل ذلك دأبه ودأبهم ثلاثة أيام لم يلتقوا وهم في موضع واحد ثم تركوا هم الشرب عمداً حتى أفاق فلقوه
وهذا الخبر بعينه يحكى لوالبة بن الحباب مع أبي نواس وقد ذكر في أخبار والبة والصحيح أنه لأبي الهندي وفي ذلك يقول
( نَدَامَى بَعْد ثالثةٍ تلاقَوْا ... يَضمُّهمْ بِكُوه زيَانَ راحُ )
( وقد باكرتُها فترُكت منها ... قتيلاً ما أصابتني جِراح )
( وقالوا أيّهاالخمارُ مَنْ ذا ... فقال أخ تَخَوّنه اصطباحُ )
( فقالوا هاتِ راحَك ألْحِقَنا ... به وتَعلَّلواثم ولها سلاح )
( فما إن لَبَّثَتْهم أن رَمتْهمْ ... بَحدِّ سلاحها ولها سلاح )
( وحان تَنبُّهي فسألتُ عنهمْ ... فقال أتاحَهُمْ قَدَر مُتَاح )
( رأوك مُجَدَّلاً فاستخبروني ... فحرّكّهم إلى الشرب ارتياح )
(20/345)

( فقلْتُ بِهمْ فألحقني فهَبّوا ... فقالوا هل تَنَبّه حين راحوا )
( فقال نعم فقالوا ألحقَنّا ... بِهِ قد لاح للرائي صياح )
( فما إن زال ذاك الدأْب مِنّا ... ثلاثاً يُستغبّ ويستباح )
( نَبيتُ معاً وليسَ لنا لقاءٌ ... ببيت ما لنا فيه براحُ )
مات مختنقاً بسبب الشراب
أخبرني عمي الحسن بن أحمد قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال قال صدقة بن إبراهيم البكري
كان أبو الهندي يشرب معنا بمرو وكان إذا سكر يتقلب تقلباً قبيحاً في نومه فكنا كثيراً ما نشد رجله لئلا يسقط من السطح فسكر ليلة وشددنا رجله بحبل وطولنا فيه ليقدر على القيام إلى البول وغير ذلك من حوائجه فتقلب وسقط من السطح وأمسكه الحبل فبقي منكساً وتخنق بما في جوفه من الشراب فأصبحنا فوجدناه ميتاً قال صدقة فمررت بقبره بعذ ذلك فوجدت عليه مكتوباً
( اجْعلوا إن متُّ يوماً كفَني ... ورَقَ الكرْم وقبري مَعْصَرهْ )
( إنّني أرجو من الله غداً ... بَعْد شربِ الراح حُسنَ المغفرة )
قال فكان الفتيان بعد ذلك يجيئون إلى قبره ويشربون ويصبون القدح إذا انتهى إليه على قبره
قال حماد بن إسحاق عن أبيه في وفاة أبي الهندي إنه خرج وهو سكران في ليلة باردة من حانة خمّار وهو ريان فأصابه ثلج فقتله فوجد من غدٍ ميتاً على الطريق
(20/346)

وروى حماد بن إسحاق عن أبيه قال حج نصر بن سيار وأخرج معه أبا الهندي فلما حضرت أيام الموسم قال له أبا الهندي إنا بحيث ترى وفد الله وزوار بيته فهب لي النبيذ في هذه الأيام واحتكم علي فلولا ما ترى ما منعتك فضمن له ذلك وغلظ عليه الإحتكام ووكل به نصر بن سيار فلما انقضى الأجل مضى في السحر قبل أن يلقى نصراً فجلس في أكمة يشرف منها على فضاء واسع فجلس عليها ووضع بين يديه إداوة وأقبل يشرب ويبكي ويقول
( أَدِيرا عليّ الكأس إلي فقْدتها ... كما فقد المَفطْومُ درَّ المَراضِع )
( حليف مُدامٍ فارق الراحُ روحَه ... فظل عليها مستهِل المَدامع )
قال وعاتب قوم أبا الهندي على فسقه ومعاقرته الشراب فقال
( إذا صليّتُ خمساً كلَّ يومٍ ... فإنّ الله يغفر لي فُسُوقي )
( ولَم أَشركْ بِرَبِّ الناسِ شيئاً ... فقد أمسكت بالدِّين الوثيق )
( وجاهدتُ العَدُوّ ونِلْتُ مالاً ... يبَلِّغُني إلى البيت العتيق )
( فهذا الدين ليس به خفاء ... دَعُوني من بُنَيّات الطريق )
قال إسحاق وشرب يوماً أبو الهندي بكوه زيان عند خمارة هناك وكان
(20/347)

عندها نسوة عواهر ففجر بهن ولم يعطهن شيئاُ فجعلن يطالبنه بجعل فلم ينفعهن فقال في ذلك
( آلى يميناً أبو الهنْدِيِّ كاذبةً ... لَيُعطِينَّ زاونِي لست ماشينا )
( وغرهُّنّ فلّما أن قضى و طراً ... قال ارتَحِلْن فأخزى الله ذادينا )
أخبرني عمي عن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر عن أبي محلم قال
خطب أبو الهندي غالب بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي إلى رجل من بني تميم فقال لو كنت مثل أبيك لزوجتك فقال له غالب لكنك لو كنت مثل أبيك ما خطبت إليك
قال أبو محلم ومر نصر بن سيار بأبي الهندي وهو سكران يتمايل فوقف عليه فعذله وسبه وقال ضيعت شرفك وفضحت أسلافك فلما طال عتابه التفت إليه فقال لولا أني ضيعت شرفي لم تكن أنت على خراسان فانصرف نصر خجلاً
قال أبو محمل وكان بسجستان رجل يقال له برزين ناسكاً وكان أبوه صلب في خرابة فجلس إليه أبو الهندي فطفق يعذله ويعرض له بالشراب فقال له أبو الهندي أحدكم يرى القذاة في عين أخيه ولا يرى الخشبة في است أبيه فأخجله
قال أبو محلم وكان أسرع الناس جواباً
صوت
( لقد قُلتُ حين قَرَّبتِ ... العِيسُ يا نوارُ )
(20/348)

( قِفُوا فاربعوا قليلاً ... فَلم يربعوا وسارُوا )
( فنفسي لها حنين ... وقلبي له انكسارُ )
( وصدري به غليل ... ودمعي له انحدارُ )
الشعر لسعيد بن وهب والغناء لسليم رمل بالوسطى عن الهشامي ومن جامع سليم ونسخة عمرو الثانية
(20/349)

أخبار سعيد بن وهب
سعيد بن وهب أبو عثمان بني سامة بن لؤي بن نصر مولده ومنشؤه بالبصرة ثم سار إلى بغداد فأقام بها وكانت الكتابة صناعته فتصرف مع البرامكة فاصطنعوه وتقدم عندهم
وكان شاعراً مطبوعاً ومات في أيام المأمون وأكثر شعره في الغزل والتشبيب بالمذكر وكان مشغوفاً بالغلمان والشراب
ثم تنسك وتاب وحج راجلاً على قدميه ومات على توبة وإقلاع ومذهب جميل
ومات وأبو العتاهية حي وكان صديقه فرثاه
فأخبرني علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن مزيد قال
حُدِّثت عن بعض أصحاب أبي العتاهية قال جاء رجل إلى أبي العتاهية ونحن عنده فساره في شيء فبكى أبو العتاهية فقلنا له ما قال لك هذا الرجل يا أبا إسحاق فأبكاك فقال وهو يحدثنا لا يريد أن يقول شعراً
( قالَ لِي ماتَ سعيدُ بن وهب ... رحم الله سعيدَ ينَ وهبِ )
( يا أبا عثمان أبكيتَ عَيْني ... يا أبا عثمان أوجعتَ قلبي )
(20/350)

قال فعجبنا من طبعه وأنه تحدث فكان حديثه شعراً موزوناً
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني سيبويه أبو محمد قال
كان سعيد بن وهب الشاعر البصري مولى بني سامة قد تاب وتزهد وترك قول الشعر وكان له عشرة من البنين وعشر من البنات فكان إذا وجد شيئاً من شعره خرقه وأحرقه
وكان امرأ صدق كثير الصلاة يزكي في كل سنة عن جميع ما عنده حتى إنه ليزكي عن فضة كانت على امرأته
نماذج من شعره
أخبرني عمي قال حدثني علي بن الحسين بن عبد الأعلى قال حدثني أبو عثمان الليثي قال
كان سعيد بن وهب يتعشق غلاماً يتشطر يقال له سعيد فبلغه أنه توعده أن يجرحه فقال فيه
( مَن عذيري مِن سميَّي ... مَنْ عذيري من سعيد )
( أنا باللحم أجاه ... ويجاني بالحديد )
حدثني حجظة قال حدثني ميمون بن هارون قال
نظر سعيد بن وهب إلى قوم من كتاب السلطان في أحوال جميلة فأنشأ يقول
(20/351)

( مَن كانَ في الدنيا له شارةٌ ... فنحن مِن نظَّارَةِ الّدُنْيا )
( نَرْمُقها من كَثَبٍ حَسْرةً ... كأنّنا لفظٌ بلا مَعْنى )
( يَعْلُو بها الناسُ وأيامنُا ... تذهب الأرذَلِ والأَدْنى )
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود قال حدثني عبد الله بن أبي العلاء المغني قال
نظر إلي سعيد بن وهب وأنا على باب ميمون بن إسماعيل حين اخضر شاربي ومعه إسحاق بن إبراهيم الموصلي فسلمت على إسحاق فأقبل عليه سعيد وقال من هذا الغلام فتبسم وقال هذا ابن صديق لي فأقبل علي وقال
( لا تخرجَنَّ مع الغزيِّ لمغنم ... إنّ الغزيَّ يراك أفضلَ مغنمِ )
( في مثل وجهك يستحلُّ ذَوو التقى ... والدين والعلماءُ كل محرمٌ )
( ما أنت إلا غادةٌ ممكورة ... لولا شواربُك المُطِلّةُ بالفم )
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني احمد بن أبي طاهر عن أبي دعامة قال مر سعيد بن وهب والكسائي فلقيا غلاماً جميل الوجه فاستحسنه الكسائي وأراد أن يستميله فأخذ يذاكره بالنحو ويتكلم به فلم يمل إليه وأخذ سعيد بن وهب في الشعر ينشده فمال إليه الغلام فبعث به إلى منزله وبعث معه بالكسائي وقال له حدثه وآنسه إلى أن أجيء وتشاغل بحاجة له فمضى به الكسائي فما زال يداريه حتى قضى حاجته وأربه ثم قال له انصرف وجاء سعيد فلم يره فقال
(20/352)

( أبُو حَسَنِ لا يَفِي ... فمَن ذا يَفي بَعدهُ )
( أَثرْتُ لهُ شادِناً ... فصايَدهُ وحْده )
( وأظهر لي غدْرَةً ... وأخلفني وعْدَهُ )
( سأطلب ما ساءه ... كما ساءني جُهدَهُ )
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال كان سعيد بن وهب لي صديقاً وكان له ابنٌ يكنى أبا الخطاب من أكيس الصبيان وأحسنهم وجهاً وأدباً فكان لا يكاد يفارقه في كل حال لشدة شغفه به ورقته عليه فمات وله عشر سنين فجزع عليه جزعاً شديداً وانقطع عن لذاته فدخلت إليه يوماً لأعاتبه على ذلك وأستعطفه فحين رأى ذلك في وجهي فاضت دموعه ثم انتحب حتى رحمته وأنشدني
( عَينُ جُودي علَى أبي الخَطّابِ ... إذ تَوَلَّى غَضبّاً بماءِ الشباب )
( لم يُقارِفْ ذَنباً ولم يَبْلُغ الحنث ... مُرَجًّى مُطهَّرَ الثوابِ )
( فَقَدتْه عَيْني إذا ما سعى أترابه ... مِنْ جماعة الأتراب )
( إنْ غَدَا مُوحِشاً لِدارِي فقد أصبح ... أنْسَ الثَّرَى وزينَ التُّرابِ )
( أحمدُ الله يا حَبِيبي فإني ... بِكَ راج منه عظيمَ الثوابِ )
ثم ناشدني ألا أذكره بشيء مما جئت إليه فقمت ولم أخاطبه بحرف
وقد رأيت هذه الأبيات بعينها بخط إسحاق في بعض دفاتره يقول فيه أنشدني سعي بن وهب لنفسه يرثي ابناً له صغيراً وهي على ما ذكره جعفر بن قدامة عن حماد سواء
(20/353)

أخبرني عيسى بن الحسين الوارق قال حدثني أبو هفان قال
حدثني أبو دعامة قال كان سعيد بن وهب مألفة لكل غلام أمرد وفتى ظريف وقينة محسنة فحدثني رجل كان يعاشره قال دخل إليه يوماً وأنا عنده غلامان أمردان فقالا له قد تحاكمنا إليك أينا أجمل وجهاً وأحسن جسماً وجعلنا لك أجر حكمك أن تختار أينا حكمت له فتقضي حاجتك منه فحكم لأحدهما وقام فقضى حاجته واحتبسهما فشربا عنده نبيذاً ثم مال على الآخر أيضاً وقمت معه فداخلتهما حتى فعلت كفعله فقال لي سعيد هذا يوم الغارات في الحارات ثم قال
( رئمَانِ جاءا فحَكّماني ... لا حُكْمَ قاضٍ ولا أميرِ )
( هذا كشمسِ الضحَى جمالاً ... وذَا كبَدْرِ الدّجى المُنِيرِ )
( وفضْلُ هذا كذا علَى ذا ... فضلُ خمِيس على عَشير )
( قالا أشِرْ بَينَنَا برأْيٍ ... ونجعلُ الفضل للمشير )
( تباذلا ثم قمت حتى ... أخذْتُ فضلي من الكبير )
( وكان عيباُ بأنْ أراني ... أَحْرمُ حَظَّي من الصغير )
( فكان مِنِّي ومِنْ قرِيني ... إليهما وثْبَةُ المُغير )
( فمَنْ رأى حاكماً كحُكْمي ... أعظمَ جوراً بلا نكير )
وقال وشاعت الأبيات حتى بلغت الرشيد فدعا به فاستننشده إياها فتلكأ فقال له أنشد ولا بأس عليك فأنشد فقال له ويلك اخترت الكبير سناً أو قدراً قال بل الكبير قدراً قال لو قلت غير هذا سقطت عندي واستخففت بك ووصله
(20/354)

سعيد بن وهب والفضل بن يحيى
أخبرني جعفر بن قدامة حدثني أبو العيناء قال
دخل سعيد بن وهب على الفضل بن يحيى في يوم قد جلس فيه للشعراء فجعلوا ينشدونه ويأمر لهم بالجوائز حتى لم يبق منهم أحد فالتفت إلى سعيد بن وهب كالمستنطق فقال له
أيها الوزير إني ما كنت استعددت لهذه الحال ولا تقدمت لها عندي مقدمة فأعرفها ولكن قد حضرني بيتان أرجو أن ينوبا عن قصيدة فقال هاتهما فرب قليل أبلغ من الكثير فقال سعيد
( مَدَح الفضلُ نفسَه بالفَعالِ ... فَعَلا عن مَدِيحنا بالمقالِ )
( أمرُني بمدحِه قلتُ كلا ... كبُر الفضل عن مِديح الرجالِ )
قال فطرب الفضل وقال له أحسنت والله وأجدت ولئن قل القول ونزر لقد اتسع المعنى وكثر
ثم أمر له بمثل ما أعطاه كل من أنشده مديحاً يومئذ وقال لا خير فيما يجيء بعد بيتيك وقام من المجلس وخرج الناس يومئذ بالبيتين لا يتناشدون سواهما
حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال حدثت عن الخريمي قال
كان الفضل بن يحيى ينافس أخاه جعفراً وينافسه جعفر وكان أنس بن أبي شيخ خاصاً بجعفر ينادمه ويأنس به في خلواته وكان سعيد بن وهب بهذه المنزلة للفضل
فدخلت يوماً إلى جعفر ودخل إليه سعيد بن وهب فحدثه وأنشده
(20/355)

وتنادر له وحكى عن المتنادرين وأتى بكل ما يسر ويطرب ويضحك وجعفر ساكت ينظر إليه لا يزيد على ذلك
فلما خرج سعيد من عنده تجاهلت عليه وقلت له من هذا الرجل الكثير الهذيان قال أو ما تعرفه قلت لا قال هذا سعيد بن وهب صديق أخي أبي العباس وخلصانه وعشيقه قلت وأي شيء رأى فيه قال لا شيء والله إلا القذر والبرد والغثاثة
ثم دخلت بعد ذلك إلى الفضل ودخل أنس بن أبي شيخ فحدث وندر وحكى عن المضحكين وأتى بك طريفة فكانت قصة الفضل معه قصة جعفر مع سعيد فقلت له بعد أن خرج من حضرته من هذا المبرد قال أو لا تعرفه قلت لا قال هذا أنس بن أبي شيخ صديق أخي أبي الفضل وعشيقه وخاصته قلت وأي شيء أعجبه فيه قال لا أدري والله إلا القذر والبرد وسوء الإختيار
قال وأنا والله أعرف بسعيد وأنس من الناس جميعاً ولكني تجاهلت عليهما و ساعدتهما على هواهما
سعيد والفضل بن الربيع
حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال قال إبراهيم بن العباس
قال لي الفضل بن الربيع ذات يوم عرفتنا أيام النكبة من كنا نجهله من الناس وذلك أنا احتجنا إلى أن نودع أموالنا وكان أمرها كثيراً مفرطاً فكنا
(20/356)

نلقيها على الناس إلقاء ونودعها الثقة وغير الثقة فكان ممن أودعته سعيد بن وهب وكان رجلاً صعلوكاً لا مال له إنما صحبنا على البطالة فظننت أن ما أودعته ذاهب ثم طلبته منه بعد حين فجاءني والله بخواتيمه
وأودعت علي بن الهيثم كاتبنا جملة عظيمة وكان عندي أوثق من أودعته فلما أمنت طالبته بالوديعة فجحدنيها وبهتني وحلف على ذلك فصار سعيد عندي في السماء وبلغت به كل مبلغ وسقط علي بن الهيثم فما يصل إلي ولا يلقاني
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه حدثني عمرو بن بانة قال
كان في جواري رجل من البرامكة وكانت له جارية شاعرة ظريفة يقال لها حسناء يدخل إليها الشعراء ويسألونها عن المعاني فتأتي بكل مستحسن من الجواب فدخل إليها سعيد بن وهب يوماً وجلس إليها فحادثها طويلاً ثم قال لها بعد ذلك
( حاجَيْتك يا حَسْناءُ ... في جِنْسٍ من الشِّعر )
( وفيما طُولُه شِبرٌ ... وَقد يُوفي على الشِّبر )
( له في رأسِه شَقٌ ... نَطُوفٌ بالنَّدَى يجري )
( إذا ماجَفّ لم يَجْر ... لَدَى بَرٍّ ولا بَحْر )
( وإنْ بُلَّ أتَى بالعجب ... العاجب والسِّحرِ )
( أجيبي لم أُردْ فُحْشاً ... وربِّ الشفع والوتر )
(20/357)

( ولكن صغْتُ أبياتاً ... لها حظ من الزجر )
قال فغضب مولاها وتغير لونه وقال أتفحش على جاريتي وتخاطبها بالخنا فقالت له خفض عليك فما ذهب إلى ظننت وإنما يعني القلم فسري عنه وضحك سعيد وقال هي أعلم منك بما سمعت
صوت
( دايَنْتُ أرْوى والديون تقضى ... فمطَلت بعضاً وأدَّتْ بعضا )
( يا ليتَ أرْوى إذ لَوتْكَ القَرْضا ... جادت بقرض فشكَرْتَ القَرضا )
الشعر لرؤبة بن العجاج والغناء لعمرو بن بانة رمل بالوسطى
(20/358)

أخبار رؤبة ونسبه
هو رؤبة بن العجاج واسم العجاج عبد الله بن رؤبة بن حنيفة وهو أبو جذيم بن مالك بن قدامة بن أسامة بن الحارث بن عوف بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم
من رجاز الإسلام وفصحائهم والمذكورين المقدمين منهم بدوي نزل البصرة وهو من مخضرمي الدولتين
مدح بني أمية وبني العباس ومات في أيام المنصور وقد أخذ عنه وجوه أهل اللغة وكانوا يقتدون به ويحتجون بشعره ويجعلونه إماماً ويكنى أبا الجحاف وأبا العجاج
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأحمد بن عمار واللفظ له قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا خلاد بن يزيد قال حدثني يونس بن حبيب قال
كنت جالساً مع أبي عمرو بن العلاء إذ مر بنا شبيل بن عزرة الضبعي قا ل أبو يزيد وكان علامة فقال يا أبا عمرو أشعرت أني سألت رؤبة عن
(20/359)

اسمه فلم يدر ما هو وما معناه قال يونس فقلت له والله لروبة أفصح من معد بن عدنان وأنا غلام رؤبة أفتعرف أنت روبة وروبة وروبة وروبة ورؤبة قال فضرب بغلته وذهب فما تكلم بشيء قال يونس فقال لي أبي عمرو ما يسرني أنك نقصتني منها
قال ابن عمار في خبره والروبة اللبن الخاثر والروبة ماء الفحل والروبة الساعة تمضي من الليل والروبة الحاجة والرؤبة شعب القدح قال وأنشدني بعد ذلك
( فأما تميم تميمُ بن مرٍّ ... فألفاهم القومُ رَوْبَى نيامَا )
حدثني ابن عمار قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني يحيى بن محمد بن أعين المروزي قال حدثني أبو عبيدة قال
شهدت شبيلاً الضبعي وأبا عمرو فذكر نحوه
أخبرني أبو خليفة في كتابه إلي عن محمد بن سلام قال قلت ليونس هل رأيت عربياً قط أفصح من رؤبة قال لا ما كان معد بن عدنان أفصح منه
قال يونس قال لي رؤبة حتى متى أزخرف لك كلام الشيطان أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك
وقد روى رؤبة بن العجاج الحديث المسند عن رسول الله ورواه أبوه أيضاً
أنشد ابا هريرة فشهد له بالإيمان
أخبرني عبد الله بن أبي داود السجستاني قال حدثنا عبد الله بن
(20/360)

محمد بن خلاد قال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال حدثنا محمد بن إبراهيم عن يونس بن حبيب عن رؤبة بن العجاج عن أبيه قال أنشدت أبا هريرة
( الحمدُ للهِ الذي تَعَلَّت ... بأمره السماءُ واستقلّتِ )
( بإذنه الأرضُ وما تغيّتِ ... أرسَى عليها بالجبال الثّبتِ )
( الباعثِ الناسَ لِيوم المَوقْت ... )
قال أبو هريرة أشهد أنك تؤمن بيوم الحساب
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن ابن شبة عن أبي حرب البابي من آل الحجاج بن باب قال حدثنا يونس بن حبيب عن رؤبة بن العجاج عن أبي الشعثاء عن أبي هريرة قال
كنا مع النبي سفر وحاد يحدو
( طافَ الخيالاَنِ فهاجَا سَقَما ... خيالُ لُبْنَى وخيالُ تَكتُما )
( قامت تريك خشيةً أن تصرِمَا ... ساقاً بخَنَداةً وكعباُ أَدْرما )
والنبي يسمع ولا ينكر
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا عبد الله بن عمرو عن محمد بن إسحاق السهمي عن أبي عبيدة الحداد قال حدثنا رؤبة بن العجاج عن أبه قال
سمعت أبا عبيدة يقول السواك يذهب وضر الطعام
(20/361)

أنشد أبا مسلم الخراساني فأجازه
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال حدثنا أبو حاتم والأشنانداني أبو عثمان عن أبي عبيدة عن رؤبة بن العجاج قال
بعث إلي أبو مسلم لما أفضت الخلافة إلى بني هاشم فلما دخلت عليه رأى مني جزعا فقال اسكن فلا بأس عليك ما هذا الجزع الذي ظهر منك قلت أخافك قال ولم قلت لأنه بلغني أنك تقتل الناس قال إنما أقتل من يقاتلني ويريد قتلي أفأنت منهم قلت لا قال فهل ترى بأساً قلت فأقبل على جلسائه ضاحكاً ثم قال أما ابن العجاج فقد رخّص لنا ثم قال أنشدني قولك
( وقائِمِ الأعماقِ خاوِي المخترَق ... )
فقلت أو أنشدك أصلحك الله أحسن منه قال هات فأنشدته
( قلتُ وقولي مستجدُّ حَوْكاً ... لبّيك إذ دعَوْتني لَبَيْكا )
( أحمدُ ربّاً ساقني إليكا ... ) قال هات كلمتك الأولى قلت أو أنشدك أحسن منها قال هات فأنشدته
( ما زَال يَبْنِي خَنْدقاً ويهدمُه ... ويَستجيشُ عسكراً ويَهزمُهُ )
( وَمغنماً يَجْمَعه ويقسمه ... مَرْوانُ لما أن تهاوتْ أنجُمهُ )
( وخانه في حكمه مُنَجِّمهْ ... )
قال دع هذا وأنشدني وقاتم الأعماق قلت أو أحسن منه قال هات فأنشدته
(20/362)

( رفعتَ بيتاً وخفضتَ بَيْتَا ... وشِدْت رُكن الدين إذ بنيتا ) قال هات ما سألتك عنه فأنشدته
( في الأكرمين من قريش بيتاً ... )
( ما زال يأتي الأمْر من أقطارِه ... على اليمين وعلى يسارِهِ )
( مشمَّراً لا يُصطلَى بنارِه ... حتى أَقرّ الملكَ في قَرارِه )
( وفَرّ مروانُ على حمارِه ... ) قال ويحك هات ما دعوتك له وامرتك بإنشاده ولا تنشد شيئاً غيره فأنشدته
( وقاتِم الأعماقِ خاوي المخترَق ... )
فلما صرت إلى قولي
( يَرْمِي الجلاميد بجُلْمُودٍ مِدَق ... )
قال قاتلك الله لشد ما ما استصلبت الحافر ثم قال حسبك أنا ذلك الجلمود المدقّ
قال وجيء بمنديل فيه مال فوضع بين يدي فقال أبو مسلم يا رؤبة إنك أتيتنا والأموال مشفوهة وإن لك لعودةً إلينا وعلينا مُعوّلاً والدهر أطرقُ مُستتبٌّ فلا تجعل بجنبيك الأسدة
قال رؤبة فأخذت المنديل منه وتالله ما رأيت أعجمياً أفصح منه وما ظننت أن أحداً يعرف هذا الكلام غيري وغير أبي
(20/363)

قال الكراني قال أبو عثمان الأشنانداني خاصة يقال اشتقَّ ما في الإناء وشفهه إذا أتى عليه وأنشد
( وكادَ الماَلُ يَشفَهه عِيالي ... وما ذو عَيْلتي مَنْ لا أعولُ )
رؤبة آكل الفأر
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد وأخبرني إبراهيم بن أيوب قال حدثني ابن قتيبة قال
كان رؤبة يأكل الفأر فقيل له في ذلك وعوتب فقال هو والله أنظف من دواجنكم ودجاجكم اللواتي يأكلن القذر وهل يأكل الفأر إلا نقي البر ولباب الطعام
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن رؤبة قال لما ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة بعث بي الحجاج مع أبي لنلقاه فاستقبلنا الشمال حتى صرنا بباب الفراديس
قال وكان خروجنا في عام مخصب وكنت أصلي الغداة وأجتني من الكمأة ما شئت ثم لا أجاوز إلا قليلً حتى أرى خيراً منها فأرمي بها
(20/364)

وآخذ الآخر حتى نزلنا بعض المياه فأهدي لنا حمل مخرفج ووطب لبن غليظ وزبدة كأنها رأس نعجة حوشية فقطعنا الحمل آراباً وكررنا عليه اللبن والزبدة حتى إذا بلغ إناه انتشلنا اللحم بغير خبز
ثم شربت من مرقه شربة لم تزل لها ذفرياي ترشحان حتى رجعنا إلى حجر
فكان أول من لقينا من الشعراء جريراً فاستعهدنا ألا نعين عليه فكان أول من أذن له من الشعراء أبي ثم أنا فأقبل الوليد على جرير فقال له ويلك ألا تكون مثل هذين عقدا الشفاه عن أعراض الناس فقال إني أظلم فلا أصبر
ثم لقينا بعد ذلك جرير فقال يا بني أم العجاج والله لئن وضعت كلكلي عليكما ما أغنت عنكما مقطعاتكما فقلنا لا والله ما بلغه عنا شيء ولكنه حسدنا لما أذن لنا قبله واستنشدنا قبله
(20/365)

وقد أخبرني ببعض هذا الخبر الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال قال روح بن فلان الكلبي
كنت عند عبد الملك بن بشر بن مروان فدخل جرير فلما رأى العجاج أقبل عليه ثم قال له والله لئن سهرت لك ليلة ليقلن عنك نفع مقطعاتك هذه فقال العجاج يا أبا حرزة والله ما فعلت ما بلغك وجعل يعتذر ويحلف ويخضع فلما خرج قال له رجل لشد ما اعتذرت إلى جرير قال والله لو علمت أنه لا ينفعني إلا السلاح لسلحت
أخبرني أحمد بن العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة عن أحمد بن معاوية عن الأصمعي عن سليمان بن أخضر عن ابن عون قال ما شبهت لهجة الحسن البصري إلا بلهجة رؤبة ولم يوجد له ولا لأبيه في شعرهما حرف مدغم قط
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال قيل ليونس من أشعر الناس قال العجاج ورؤبة فقيل له ولم نعنِ الرّجاز فقال هما أشعر من أهل القصيد إنما الشعر كلام فأجود أشعره قد قال العجاج
( قد جَبرَ الدّينَ الإلهُ فجبر ... )
وهي نحو من مائتي بيت موقوفة القوافي ولو أطلقت قوافيها كانت كلها منصوبة وكذلك عامة أراجيزهما
يقعد اللغويين إليه يوم الجمعة
أخبرني أبو خليفة في كتابه إلي عن محمد بن سلام عن أبي زيد الأنصاري والحكم بن قنبر قالا
(20/366)

كنا نقعد إلى رؤبة يوم الجمعة في رحبة بني تميم فاجتمعنا يوماً فقطعنا الطريق ومرت بنا عجوز فلم تقدر على أن تجوز في طريقها فقال رؤبة بن العجاج
( تَنَحَّ للعجوزِ عن طَرِيقها ... إذ أقبلَت رائحةً من سُوقها )
( دَعْها فما النحويُّ من صديقها ... ) أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأحمد بن عبيد الله بن عمار قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري النحوي قال
دخل رؤبة بن العجاج السوق وعليه برنكان أخضر فجعل الصبيان يعبثون به ويغرزون شوك النخل في برنكانه ويصيحون به يا مرذوم يا مرذوم فجاء إلى الوالي فقال أرسل معي الوزعة فإن الصبيان قد حالوا بيني وبين دخول السوق فأرسل معه أعواناً فشد على الصبيان وهو يقول
( أَنْحىَ على أمّك بالمرذُومْ ... أعورُ جَعْدٌ مِنْ بَني تميمْ )
( شَرّابُ ألبانِ خلايا الكُوم ... )
ففروا من بين يديه فدخلوا داراً في الصيارفة فقال له الشرط أين هم قال دخلوا دار الظالمين فسميت دار الظالمين إلى الآن لقول رؤبة وهي في صيارفة سوق البصرة
(20/367)

وذكر أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال قدم البصرة راجز من أهل المدينة فجلس إلى حلقةٍ فيها الشعراء فقال أنا أرجز العرب أنا الذي أقول
( مَرْوانُ يُعْطِي وسعيدٌ يمنعُ ... مروانُ نَبْعٌ وسعيدٌ خِرْوعُ )
وددت أني راميت من أحب في الرجز يداً بيد والله لأنا أرجز من العجاج فليت البصرة جمعت بيني وبينه قال والعجاج حاضر وابنه رؤبة معه فأقبل رؤبة على أبيه فقال قد أنصفك الرجل فأقبل عليه العجاج وقال هأنذا العجاج فهلم وزحف إليه فقال وأيُّ العجاجين أنت قال ما خلتك تعني غيري أنا عبد الله الطويل وكان يكنى بذلك فقال له المدني ما عنيتك ولا أردتك فقال وكيف وقد هتفت بي قال وما في الدنيا عجاج سواك قال علمت قال لكني أعلم وإياه عنيت قال فهذا ابني رؤبة فقال اللهم غفراً ما بيني وبينكما عمل وإنما مرادي غيركما فضحك أهل الحلقة منه وكفا عنه
أخبرني أبو خليفة في كتابه عن محمد بن سلام عن يونس قال
غدوت يوما أنا وإبراهيم بن محمد العطاردي على رؤبة فخرج إلينا كأنه نسر فقال له ابن نوح أصبحت والله كقولك
( كالْكرَّزِ المشدودِ بين الأوتادْ ... ساقَطَ عنه الريشَ كَرُّ الإبراد )
( فقال له رؤبة والله يا بن نوح ما زلت لك ماقتاً فقلت بل أصبحت يا أبا الجحاف كما قال الآخر
(20/368)

( فأبقينَ منهُ وأبْقَى الطرادُ ... بَطْناً خميصاً وصُلْباً سمينا )
فضحك وقال هات حاجتك
قال ابن سلام ووقف رؤبة على باب سليمان بن علي يستأذن فقيل له قد أخذ الإذريطوس فقال رؤبة
( يا مُنْزل الوحي على إدريس ... ومُنزل اللعنِ على إبليسِ )
( وخالقَ الإثنين والخميس ... بارِكْ له في شُرِب إذْرِيطُوس )
أخبرني الحسن بن يحيى قال حماد أخبرني أبي عن الأصمعي قال أنشد رؤبة سلم بن قتيبة في صفة خيل
( يَهْوِينَ شتَّى ويقعْنَ وُقْفاً ... )
فقال له أخطأت يا أبا الجحاف جعلته مقيداً فقال أدنني أيها الأمير ذنب البعير أصفه لك كما يجب
أخبرني أبو خليفة في كتابه إلي عن محمد بن سلام عن عبد الرحمن بن محمد عن علقمة الضبي قال
خرج شاهين بن عبد الله الثقفي برؤبة إلى أرضه فقعدوا يلعبون بالنرد
(20/369)

فلما أتوا بالخوان قال رؤبة
( يا إخوتي جاء الخِوانُ فارفعوا ... حنّانةً كِعابُها تُقَعْقِع )
( لم أدْرِ ما ثَلاثُها والأربَع ... )
قال فضحكنا ورفعناها وقدم الطعام
أخبرني الحسن بن علي حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن محمد بن عبد الله بن مالك عن أبيه عن يعقوب بن داود قال
لقيت الخليل بن أحمد يوماً بالبصرة فقال لي يا أبا عبد الله دفنا الشعر واللغة والفصاحة اليوم فقلت وكيف ذاك قال هذا حين انصرفت من جنازة رؤبة
صوت
( لَعمري لقد صاح الغراب بينهم ... فأوجعَ قلبي بالحديث الذي يُبدي )
( فقلت له أفصحتَ لا طِرت بعدها ... برِيش فهل للبين ويحك من ردّ )
الشعر لقيس بن ذريح وقد تقدمت أخباره والغناء لعمرو بن أبي الكنّات ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى
(20/370)

أخبار عمرو بن أبي الكنات
هو عمرو بن عثمان بن أبي الكنات مولى بني جمح مكي مغن محسن موصوف بطيب الصوت من طبقة ابن جامع وأصحابه وفيه يقول الشاعر
( أحسنُ فاعلموه غِناء ... رجُل من بني أبي الكَنّات )
وله في هذا الشعر غناء مع أبيات قبله لحن ابتداؤه
صوت
( عفَتِ الدار بالهِضاب اللواتي ... بِسَوارٍ فملتقى عرفاتِ )
( فالحريّان أوحشا بعد أنس ... فدِيارٌ بالرّبع ذي السّلمِات )
( إنّ بالبِين مربعاً من سليمى ... فإلى محضرين فالنخلات )
وبعده البيت الأول المذكور
الغناء في هذا الشعر لعمرو بن أبي الكنات وطريقته من الرمل
(20/371)

بالوسطى وقيل إنه لابن سريج وقيل بل لحن ابن سريج غير هذا اللحن وليس فيه البيت الرابع الذي فيه ابن أبي الكنات
ويكنى عمرو بن أبي الكنات أبا عثمان وذكر ابن خرداذبه أنه كان يكنى أبا معاذوكان له ابن يغني أيضاً يقال له دراج ليس بمشهور ولا كثير الغناء
الرشيد يؤثره على جمع من المغنين
فذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات في الخبر الذي حكاه عنه من أخباره أن محمداً بن عبد الله المخزومي حدثه قال حدثني محمد بن عبد الله بن فزوة قال
قلت لابن جامع يوماً هل غلبك أحد من المغنين قط قال نعم كنت ليلة ببغداد إذ جاءني رسول الرشيد يأمرني بالركوب فركبت حتى إذا صرت إلى الدار فإذا أنا بفضل بن الربيع معه زلزل العواد وبرصوماً فسلمت وجلست قليلا ثم طلع خادم فقال للفضل هل جاء فقال لا قال فابعث إليه ولم يزل المغنون يدخلون واحداً بعد واحد حتى كنا ستة أو سبعة
ثم طلع الخادم فقال هل جاء فقال لا قال قم فابعث في طلبه فقام فغاب غير طويل فإذا هو قد جاء بعمرو بن أبي الكنات فسلم وجلس إلى جنبي فقال لي من هؤلاء قلت مغنون وهذا زلزل وهذا برصوما
فقال والله لأغنيك غناء يخرق هذا السقف وتجيبه الحيطان ولا يفهمون منه شيئاً قال ثم طلع الخصي فدعا بكراسي وخرجت الجواري فلما جلسن قال الخادم للمغنين شدوا فشدوا عيدانهم ثم قال نعم يا بن جامع فغنيت سبعة أو ثمانية أصوات ثم قال اسكت وليغنّ إبراهيم الموصلي
(20/372)

فغنى مثل ذلك أو دونه ثم سكت فلم يزل يمرّ القوم واحداً واحداً حتى فرغوا
ثم قال لابن أبي الكنات غنّ فقال لزلزل شد طبقتك فشد ثم أخذ العود من يده فجسه حتى وقف على الموضع الذي يريده ثم قال على هذا وابتدأ بصوت أوله ألالا فو الله لقد خيل لي أن الحيطان تجاوبه ثم رجع النغم فيه فطلع الخصي فقال له اسكت لا تتم الصوت فسكت
ثم قال يحبس عمرو بن أبي الكنات وينصرف باقي المغنين فقمنا بأكسف حال وأسوإبال لا والله ما زال كل واحد منا يسأل صاحبه عن كل شعر يرويه من الغناء الذي أوله ألالا طمعاً في أن يعرفه أو يوافق غناءه فما عرفه منا أحد وبات عمرو ليلته عند الرشيد وانصرف من عنده بجوائز وصلات وطرف سنية
قال هارون وأخبرني محمد بن عبد الله عن موسى بن أبي المهاجر قال
خرج ابن جامع وابن أبي الكنات حين دفعا من عرفة حتى إذا كانا بين المأزمين جلس عمرو على طرف الجبل ثم اندفع يغني فوقف القطارات وركب الناس بعضهم بعضاً حتى صاحوا واستغاثوا يا هذا الله الله اسكت عنا يجز الناس فضبط إسماعيل بن جامع بيده على فيه حتى مضى الناس إلى مزدلفة قال هارون وحدثني عبد الرحمن بن سليمان عن علي بن أبي الجهم قال حدثني من أثق به قال
واقفت ابن أبي الكنات المديني على جسر بغداد أيام الرشيد فحدثته بحديث اتصل بي عن ابن عائشة أنه فعله أيام هشام وهو أن بعض
(20/373)

أصحابنا حدثني قال وقف ابن عائشة في الموسم فمر به بعض أصحابه فقال له ما تعمل فقال إني لأعرف رجلاً لو تكلم لحبس الناس فلم يذهب أحد ولم يجيء فقلت له ومن هذا الرجل قال أنا ثم اندفع يغني
صوت
( جُرتْ سُنُحاً فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولة فمتى اللقاء )
( بنفسي مَن تذكُّره سَقام ... أعالجه ومطلبه عَناءُ )
قال فحبس الناس واضطربت المحامل ومدت الإبل أعناقها وكادت الفتنة تقع فأتي به هشام فقال يا عدو الله أردت أن تفتن الناس فأمسك عنه وكان تياهاً فقال له هشام أرفق بتيهك فقال ابن عائشة حق لمن كانت هذه قدرته على القلوب أن يكون تياهاً فضحك وأطلقه قال فبرق ابن أبي الكنات وكان معجباً بنفسه وقال أنا أفعل كما فعل وقدرتي على القلوب أكثر من قدرته كانت ثم اندفع فغنى في هذا الصوت ونحن على جسر بغداد
وكان إذ ذاك على دجلة ثلاثة جسور معقودة فانقطعت الطرق وامتلأت الجسور بالناس وازدحموا عليها واضطربت حتى خيف عليها أن تنقطع لثقل من عليها من الناس فأخذ فأتي به الرشيد فقال يا عدو الله أردت أن تفتن الناس فقال لا والله يا أمير المؤمنين ولكنه بلغني أن ابن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام فأحببت أن يكون في أيامك مثله فأعجب من قوله ذلك وأمر له بمال وأمره أن يغني فسمع شيئاً لم يسمع مثله
(20/374)

فاحتسبه عنده شهراً يستزيده في كل يوم استأذنه فيه في الإنصراف يوماً آخر حتى تم له شهر فقال هذا المخبر عنه وكان ابن أبي الكنات كثير الغشيان لي فلما أبطأ توهمته قد قتل فصار إلي بعد شهر بأموال جسيمة وحدثني بما جرى بينه وبين الرشيد
غناؤه يسمع على ثلاثة أميال
قال هارون وأخبرني محمد بن عبد الله المخزومي عن عثمان بن موسى مولانا قال
كنا يوماً باللاحجة ومعنا عمرو بن أبي الكنات ونحن على شرابنا إذ قال لنا قبل طلوع الشمس من تحبون أن يجيئكم قلنا منصور الحجبي فقال أمهلوا حتى يكون الوقت الذي ينحدر فيه إلى سوق البقر فمكثنا ساعة ثم اندفع يغني
( أحسنُ الناس فاعلموه غناءً ... رجل من بني أبي الكَنّات )
( عفت الدار بالهضاب اللواتي ... بسَوار فملتقى عرفات )
فلم نلبث أن رأينا منصوراً من بعد قد أقبل يركض دابته نحونا فلما جلس إلينا قلنا له من أين علمت بنا قال سمعت صوت عمرو يغني كذا وكذا وأنا في سوق البقر فخرجت أركض دابتي حتى صرت إليكم قال وبيننا وبين ذلك الموضع ثلاثة أميال
قال هارون وأخبرني محمد بن عبد الله قال أخبرني يحيى بن يعلى بن سعيد قال
بينا أنا ليلة في منزلي في الرمضة أسفل مكة إذ سمعت صوت عمرو بن
(20/375)

أبي الكنات كأنه معي فأمرت الغلام فأسرج لي دابتي وخرجت أريده فلم أزل أتبع الصوت حتى وجدته جالساً على الكثيب العارض ببطن عرنة يغني
صوت
( خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب )
( ولا تنقريني نَقَرة الدُّف مرة ... فإنك لا تدرين كيف المغَّيب )
( فإني وجدتُ الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب )
عروضه من الطويل ولحنه من الثقيل الثاني بالوسطى من رواية إسحاق والشعر لأسماء بن خارجة الفزاري وقد قيل إنه لأبي الأسود الدؤلي وليس ذلك بصحيح والغناء لإبراهيم الموصلي وفيه لحن قديم للغريض من رواية حماد عن أبيه
(20/376)

أسماء بن خارجة وابنته هند
أخبرني اليزيدي عن أحمد بن زهير عن الزبير بن بكار قال
زوج أسماء بن خارجة الفزاري بنته هنداً من الحجاج بن يوسف فلما كانت ليلة أراد البناء بها قال لها أسماء بن خارجة يا بنية إن الأمهات يؤدبن البنات وإن أمك هلكت وأنت صغيرة فعليك بأطيب الطيب الماء وأحسن الحسن الكحل وإياك وكثرة المعاتبة فإنها قطيعة للود وإياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق وكوني لزوجك أمة يكن لك عبداً واعلمي أني القائل لأمك
( خذي العفو مني تستديمي مودّتي ... )
وذكر الأبيات قال وكانت هند امرأة مجرّبة قد تزوجها جماعة من أمراء العراق فقبلت من أبيها وصيته وكان الحجاج يصفها في مجلسه بكل خير وفيها يقول بعض الشعراء يخاطب أباها
( جزاكَ الله يا أسماء خيراً ... كما أرضيت فَيْشلة الأمير )
(20/377)

( بصدغ قد يفوح المسك منه ... عليه مثل كِركرة البعير )
( إذا أخذ الأمير بمَشعبيها ... سمعتَ لها أزيزاً كالصرير )
( إذا لقحت بأرواح تراها ... تجيد الرَّهز من فوق السرير )
قال مؤلف هذا الكتاب الشعر لعقيبة الأسدي
أخبرني الجوهري وحبيب المهلبي عن ابن شبة قال
لما قدم الحجاج الكوفة أشار عليه محمد بن عمير بن عطارد أن يخطب إلى أسماء ابنته هند فخطبها فزوجه أسماء ابنته فأقبل عليه محمد متمثلاً يقول
( أمِنْ حَذر الهُزال نكحتَ عبداً ... فصهر العبد أدنى للهزال )
فاحتملها عليه أسماء وسكت عن جوابه ثم أقبل على الحجاج يوماً وهند جالسة فقال ما يمنعك من الخطبة إلى محمد بن عمير ابنته فإن من شأنها كيت وكيت فقال أتقول هذا وهند تسمع فقال موافقتك أحبّ إليّ
(20/378)

من رضا هند فخطبها إلى محمد بن عمير فزوجه إياها فقال أسماء لمحمد بن عمير وضرب بيده على منكبه
( دونك ما أسديته يا بن حاجب ... سواء كعَين الديك أوقُذّة النسرِ )
( بقولك للحجاج إن كنت ناكحاً ... فلا تعدُ هنداً من نساء بني بدر )
( فإن أباها لا يرى أنّ خاطباً ... كفاءٌ له إلا المتوجَ من فِهر )
( فزوجتُها الحجاج لا متكارهاً ... ولا راغباً عنه ونعم أخو الصهر )
( أردتَ ضِراري فاعتمدتَ مسرتي ... وقد يُحسن الإنسان من حيث لا يدري )
( فإن ترها عاراً فقد جئتَ مثلها ... وإن ترها فخراً فهل لك من شكر )
هند أحبّت عبيد الله بن زياد وكان أبا عذرها
قال المدائني حدثني الحرمازي عن الوليد بن هشام القحذميّ وكان كاتب خالداً القسري ويوسف بن عمر أن هنداً بنت أسماء كانت تحت
(20/379)

عبيد الله بن زياد وكان أبا عذرها فلما قتل وكانت معه لبست قباء وتقلدت سيفاً وركبت فرساً لعبيد الله كان يقال لها الكامل وخرجت حتى دخلت الكوفة ليس معها دليل ثم كانت بعد ذلك أشد خلق الله جزعاً عليه ولقد قالت يوماً إني لأشتاق إلى القيامة لأرى وجه عبيد الله بن زياد
فلما قدم بشر بن مروان الكوفة دل عليها فخطبها فزوجها فولدت له عبد الملك بن بشر وكان ينال من الشراب ويكتم ذلك وكان إذا صلى العصر خلا من ناحية من داره ليس معه إلا أعين مولاه صاحب حمام أعين بالكوفة وأخذ في شأنه فلم تزل هند تتجسس خبره حتى عرفته فبعثت مولى لها فأحضرها أطيب شراب وأحده وأشده وأرقه وأصفاه وأحضرت له طعاماً علمت أنه يشتهيه وأرسلت إلى أخويها مالك وعيينة فأتياها وبعثت إلى بشر وأعتلت عليه بعلة فجاءها فوضعت بين يديه ما أعدته فأكل وشرب وجعل مالك يسقيه وعيينة يحدثه وهند تريه وجهها
فلم يزل في ذلك حتى أمسى فقال هل عندكم من هذا شيء نعود عليه غداً فقالت هذا دائم لك ما أردته فلزمها وبقي أعين يتبع الديار بوجهه ولا يرى بشراً إلا أن يبحث عن أمره فعرفه وعلم أنه ليس فيه حظ بعدها قال ومات عنها بشر فلم تجزع عليه فقال الفرزدق في ذلك
( فان تك لا هند بكته فقد بكت ... عليه الثريا في كواكبها الزُّهر )
(20/380)

الحجاج يخلف بشراً في تزوجها
ثم خلف عليها الحجاج وكان السبب في ذلك فيما ذكره المدائني عن الحرمازي عن القحذمي وأخبرني به من ها هنا أحمد بن عبد العزيز عن ابن شبة عن عثمان بن عبد الوهاب عن عبد الحميد الثقفي قالا
كان السبب في ذلك أنه بعث أبا بردة بن أبي موسى الأشعري وهو قاضيه إلى أسماء يقول له إن قبيحاً بي مع بلاء أمير المؤمنين عندي أن أقيم بموضع فيه ابنا أخيه بشر لا أضمهما إلي وأتولى منهما مثل ما أتولى من ولدي فاسأل هنداً أن تطيب عنهما
وقال عمر بن شبة في خبره وأعلمها أنه لابد من التفرقة بينها وبينهما حتى أؤدبهما قال أبو بردة فاستأذنت فأذن لي وهو يأكل وهند معه فما رأيت وجهاً ولا كفاً ولا ذراعاً أحسن من وجهها وكفها وذراعها وجعلت تتحفني وتضع بين يدي
قال أبو زيد في خبره فدعاني إلى الطعام فلم أفعل وجعلت تعبث بي وتضحك فقلت أما والله لو علمت ما جئت له لبكيت فأمسك يدها عن الطعام فقال أسماء قد منعتها الأكل فقل ما جئت له فلما بلغت أسماء ما أرسلت به بكت فلم أر والله دموعاً قط سائلة من محاجر أحسن من دموعها على محاجرها
ثم قالت نعم أرسل بهما إليه فلا أحد أحق بتأديبهما منه
وقال أسماء إنما عبد الملك ثمرة قلوبنا يعني عبد الملك بن بشر وقد أنسنا به ولكن أمر الأمير طاعة فأتيت الحجاج فأعلمته جوابها وهيئتها
فقال ارجع فاخطبها علي فرجعت وهما على حالهما
فلما دخلت قلت إني جئتك بغير الرسالة الأولى قال اذكر ما أحببت قلت قد جئت خاطباً
قال أعلى نفسك فما بنا عنك رغبة قلت لا على من هو خير لها
(20/381)

مني وأعلمته ما أمرني به الحجاج فقال ها هي تسمع ما أدّيت فسكتت فقال أسماء قد رضيت وقد زوجتها إياه
فقال أبو زيد في حديثه فلما زوجها أبوها قامت مبادرة وعليها مطرف ولم تستقل قائمة من ثقل عجيزتها حتى انثنت ومالت لأحد شقيها من شحمها فانصرفت بذلك إلى الحجاج فبعث إليها بمائة ألف درهم وعشرين تختاً من ثياب وقال يا أبا بردة
إني أحب أن تسلمها إليها ففعلت ذلك وأرسلت إلي من المال بعشرين ألفاً ومن الثياب تختين فقلت ما أقبل شيئاً حتى أستطلع رأي الأمير ثم انصرفت إليه فأعلمته فأمرني بقيضة ووصلني بمثله
وقال أبو زيد في حديثه فأرسل إليها بثلاثين غلاماً مع كل غلام عشرة آلاف درهم وثلاثين جارية مع كل جارية تخت من ثياب وأمر لي بثلاثين ألفاً وثياباً لم يذكر عددها فلما وصل ذلك إلى هند أمرت بمثل ما أمر لي به الحجاج فأبيت قبوله وقلت ليس الحجاج ممن يتعرض له بمثل هذا وأتيت الحجاج فأخبرته فقال قد أحسنت وأضعف الله لك ذلك وأمر له بستين ألفاً وبضعف تلك الثياب وكان أول ما أصبته مع الحجاج وأرسل إليها إني أكره أن أبيت خلواً ولي زوجة فقالت وما احتباس امرأة عن زوجها وقد ملكها وآتاها كرامته وصداقها فأصلحت من شأنها وأتته ليلاً
قال المدائني فسمعت أن ابن كناسة ذكر أن رجلاً من أهل العلم حدثه عن امرأة من أهله قالت كنت فيمن زفها فدخلنا عليه وهو في بيت عظيم في أقصاه ستارة وهو دون الستارة على فرشه فلما أن دخلت سلمت فأومأ إليها بقضيب كان في يده فجلست عند رجليه ومكثت ساعة وهو لا
(20/382)

يتكلم ونحن وقوف فضربت بيدها على فخذه ثم قالت ألم تبعد من سوء الخلق قال فتبسم وأقبل عليها واستوى جالساً فدعونا له وخرجنا وأرخيت الستور
سبب تطليق الحجاج لها
قال ثم قدم الحجاج البصرة فحملها معه فلما بنى قصره الذي دون المحدثة الذي يقول له قصر الحجاج اليوم قال لها هل رأيت قط أحسن من هذا القصر قالت ما أحسنه قال اصدقيني قالت أما إذ أبيت فوالله ما رأيت أحسن من القصر الأحمر وكان فيه عبيد الله بن زياد وكان دار الإمارة بالبصرة وكان ابن زياد بناه بطين أحمر فطلق هنداً غضباً بما قالته وبعث إلى القصر فهدمه وبناه بلبن ثم تعهده صالح بن عبد الرحمن في خلافة سليمان بن عبد الملك فبناه بالآجر ثم هدم بعد ذلك فأدخل في المسجد الجامع
قال القحذمي عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي
فخرجنا يوماً نعود عبد الملك بن بشر فسلمنا عليه وعدناه معه ثم خرجنا وتخلف الحجاج فوقفنا ننتظره فلما خرج التفت فرآني فقال يا محمد ويحك رأيت هنداً الساعة فما رأيتها قط أجمل ولا أشب منها حين رأيتها وما أنا بممسٍ حتى أراجعها فقلت أصلح الله الأمير امرأة طلقتها
(20/383)

على عتب يرى الناس أن نفسك تتبعها وتكون لها الحجة عليك قال صدقت الصبر أحجى
قال محمد والله ما كان مني نظراً ولا نصيحة ولكني أنفت لرجل من قريش أن تداس أمه في كل وقت
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني عن جويرية بن أسماء عن عمه قال
حججت فإني لفي رفقة من قومي إذ نزلنا منزلاً ومعنا امرأة فنامت وانتبهت وحية مطوية عليها قد جمعت رأسها وذنبها بين ثدييها فهالنا ذلك وارتحلنا فلم تزل منطوية عليها لا تضيرها حتى دخلنا الحرم فانسابت فدخلنا مكة وقضينا نسكنا فرآها الغريض فقال أي شقية ما فعلت حيتك فقالت في النار قال ستعلمين من أهل النار ولم أفهم ما أراد وظننت أنه مازحها واشتقت إلى غنائه ولم يكن بيني وبينه ما يوجب ذلك فأتيت بعض أهله فسألته ذلك فقال نعم فوجه إليه أن اخرج بنا إلى موضع كذا وقال لي اركب بنا فركبنا حتى سرنا قدر ميل فإذا الغريض هناك فنزلنا فإذا طعام معد وموضع حسن فأكلنا وشربنا ثم قال يا أبا يزيد هات بعض طرائفك فاندفع يغني ويوقع بقضيب
( مرضتُ فلم تحفل عليّ جنوب ... وأُدنفتُ والمَمشى إليّ قريب )
( فلا يُبعد الله الشباب وقولَنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوب )
فلقد سمعنا شيئاً ظننت أن الجبال التي حولي تنطق معه شجا صوت وحسن غناء وقال لي أتحب أن يزيدك فقلت إي والله فقال هذا ضيفك وضيفنا وقد رغب إليك وإلينا فأسعفه بما يريد فاندفع يغني بشعر مجنون بني عامر
(20/384)

إنه لمجنون بني عامر ويقال إنه لعمر بن أبي ربيعة والغناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى وفي الثاني والأول خفيف ثقيل أول بالبنصر مجهول
أخبرني الحرمي عن الزبير عن محمد بن الضحاك عن أبيه قال قال أبو دهبل
( أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذاً لصبورُ )
( هبوني امرأ منكم أضلَّ بعيرَه ... له ذمة إن الذمام كبير )
( ولَلصاحب المتروك أعظم حرمة ... على صاحب من أن يَضلّ بعير )
قال الزبير وقال عمي هذه الأبيات لمجنون بني عامر
قال أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي محمد الشيباني قال قال عبد الملك بن مروان لعمر بن أبي ربيعة أنت القائل
( أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذاً لصبور )
قال نعم قال فبئس المحبّ أنت تركتها وبينها وبينك غدوة قال يا أمير المؤمنين إنها من غدوات سليمان غدوها شهر ورواحها شهر
أخبرني اليزيدي عن أحمد بن يحيى وابن زهير قال حدثني عمر بن القاسم بن المعتمر الزهري قال قلت لأبي السائب المخزومي أما أحسن الذي يقول
( أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذاً لصبور )
( هبوني امرأ منكم أضل بعيرَه ... له ذمة إن الذمام كبير )
( ولَلصاحب المتروك أعظم حُرمة ... على صاحب من أن يضلّ بعير )
(20/385)

منطوية عليها فلم ألبث أن صغَرت الحية فإذا الوادي يسيل علينا حيات فنهشنها حتى بقيت عظاماً فطال تعجبنا من ذلك وأرينا ما لم نر مثله قط فقلت لجارية كانت معها ويحك أخبرينا عن هذه المرأة قالت نعم أثكلت ثلاث مرات كل مرة تلد ولداً فإذا وضعته سجرت التنور ثم ألقته فذكرت قول الغريض حين سألها عن الحية فقالت في النار فقال ستعلمين من في النار
نسبة ما في هذه الأصوات من الغناء
فمنها
صوت
( مرِضتُ فلم تحفل عليّ جنَوبُ ... وأُدنفتُ والمَمشَى إليّ قريبُ )
( فلا يُبعد الله الشباب وقولَنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوب )
عروضه من الطويل الشعر لحميد بن ثور الهلالي والغناء للغريض من رواية حماد عن أبيه وفيه لعلويه ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة ومنها
صوت
( عفا الله عن ليلى الغداة فإنها ... إذا وليت حكماً عليّ تجور )
( أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذاً لصبور )
عروضه من الطويل والشعر يقال لأبي دهبل الجمحي ويقال
(20/386)

إنه لمجنون بني عامر ويقال إنه لعمر بن أبي ربيعة والغناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى وفي الثاني والأول خفيف ثقيل أول بالبنصر مجهول
أخبرني الحرمي عن الزبير عن محمد بن الضحاك عن أبيه قال قال أبو دهبل
( أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذاً لصبورُ )
( هبوني امرأ منكم أضلَّ بعيرَه ... له ذمة إن الذمام كبير )
( ولَلصاحب المتروك أعظم حرمة ... على صاحب من أن يَضلّ بعير )
قال الزبير وقال عمي هذه الأبيات لمجنون بني عامر
قال أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي محمد الشيباني قال قال عبد الملك بن مروان لعمر بن أبي ربيعة أنت القائل
( أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذاً لصبور )
قال نعم قال فبئس المحبّ أنت تركتها وبينها وبينك غدوة قال يا أمير المؤمنين إنها من غدوات سليمان غدوها شهر ورواحها شهر
أخبرني اليزيدي عن أحمد بن يحيى وابن زهير قال حدثني عمر بن القاسم بن المعتمر الزهري قال قلت لأبي السائب المخزومي أما أحسن الذي يقول
( أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذاً لصبور )
( هبوني امرأ منكم أضل بعيرَه ... له ذمة إن الذمام كبير )
( ولَلصاحب المتروك أعظم حُرمة ... على صاحب من أن يضلّ بعير )
(20/387)

فقال بأبي أنت كنت والله أجنبك وتثقل علي فأنا الآن أحبك وتخف علي حيث تعرف هذا
صوت
( مِن الخفِرات لم تفضح أخاها ... ولم تَرفع لوالدها شَنارا )
( كأنّ مَجامع الأرداف منها ... نقاً دَرجتْ عليه الريح هارا )
( يعاف وصال ذات البَذل قلبي ... ويتَّبع الممنَّعة النَّوارا )
الخفرة الحيية والخفر الحياء والشّنار العار والنقا الكثيب من الرمل درجت عليه الريح مرت هار تهافت وتداعى قال الله تبارك وتعالى ( على شفَا جُرُف هارٍ ) ويعاف يكره والنوار الصعبة الممتنعة الشديدة الإباء
عروضه من الوافر الشعر للسليك بن السّلكة والغناء لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لابن الهربذ لحن من رواية بذل ولم يذكر طريقته وفيه لابن طنبورة لحن ذكره إبراهيم في كتابه ولم يجنسه
(20/388)

أخبار السليك بن السلكة ونسبه
هو السليك بن عمرو وقيل ابن عمير بن يثربي أحد بني مقاعس وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم والسلكة أمه وهي أمة سوداء
وهو أحد صعاليك العرب العدائين الذين كانوا لا يلحقون ولا تعلق بهم الخيل إذا عدوا وهم السليك بن السلكة و الشنفري وتأبط شراً وعمرو بن براق ونفيل بن براقة وأخبارهم تذكر على تواليها ها هنا إن شاء الله تعالى في أشعار لهم يغنى فيها لتتصل أحاديثهم
فأما السليك فأخبرني بخبره الأخفش عن السكري عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي قال وقرىء لي خبره وشعره على محمد بن الحسن الأحول عن الأثرم
(20/389)

عن أبي عبيدة أخبرني ببعضه اليزيدي عن عمه عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل وقد جمعت رواياتهم فإذا اختلفت نسبت كل مروي إلى راويه
قال أبو عبيدة حدثني المنتجع بن نبهان قال
كان السليك بن عمير السعدي إذا كان الشتاء استودع ببيض النعام ماء السماء ثم دفنه فإذا كان الصيف وانقطعت إغارة الخيل أغار وكان أدل من قطاة يجيء حتى يقف على البيضة وكان لا يغير على مضر وإنما يغير على اليمن فإذا لم يمكنه ذلك أغار على ربيعة
وقال المفضل في روايته
وكان السليك من أشد رجال العرب وأنكرهم وأشعرهم وكانت العرب تدعوه سليك المقانب وكان أدل الناس بالأرض وأعلمهم بمسالكها وأشدهم عدوا على رجليه لا تعلق به الخيل وكان يقول اللهم إنك تهيىء ما شئت لما شئت إذا شئت اللهم إني لو كنت ضعيفاً كنت عبداً ولو كنت امرأة كنت أمة اللهم إني أعوذ بك من الخيبة فأما الهيبة فلا هيبة
من أنباء غارات السليك الصعلوك
فذكروا أنه أ ملق حتى لم يبق له شيء فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر به فيذهب بإبله حتى أمسى في ليلة من ليالي الشتاء باردة مقمرة فاشتمل الصماء ثم نام واشتمال الصماء أن يرد فضلة ثوبه على عضده اليمنى ثم ينام عليها
(20/390)

فبينا هو نائم إذ جثم رجل فقعد على جنبه فقال استأسر فرفع السليك إليه رأسه وقال الليل طويل وأنت مقمر فأرسلها مثلاً فجعل الرجل يلهزه ويقول يا خبيث استأسر
فلما آذاه بذلك أخرج السليك يده فضم الرجل إليه ضمة ضرط منها وهو فوقه فقال السليك أضرطا وأنت الأعلى فأرسلها مثلاً ثم قال من أنت فقال أنا رجل افتقرت فقلت لأخرجن فلا أرجع إلى أهلي حتى أستغني فآتيهم وأنا غني قال
انطلق معي فانطلقا فوجد رجلاً قصته مثل قصتهما فاصطحبوا جميعاً حتى أتوا الجوف جوف مراد
فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم قد ملأ كل شيء من كثرته فهابوا أن يغيروا فيطردوا بعضها فيلحقهم الطلب
فقال لهما سليك
كوناً قريباً مني حتى آتي الرعاء فأعلم لكما علم الحي أقريب أم بعيد
فإن كانوا قريباً رجعت إليكما وإن كانوا بعيداً قلت لكما قولاً أومىء إليكما به فأغيرا
فانطلق حتى أتى الرعاء فلم يزل يستنطقهم حتى أخبروه بمكان الحي فإذا هم بعيد إن طلبوا لم يدركوا
فقال السليك للرعاء ألا أغنيكم فقالوا بلى غننا فرفع صوته وغنى
( يا صاحبيّ ألا لا حيّ بالوادي ... سوى عَبيد وآمٍ بين أذواد )
( أتنظران قريباً رَيثَ غفلتِهم ... أم تغدوان فإن الريح للغادي )
فلما سمعا ذلك أتيا السليك فأطردوا الإبل فذهبوا بها ولم يبلغ الصريخ الحي حتى فاتوهم بالإبل
قال المفضل وزعموا أن سليكاً خرج ومعه رجلان من بني الحارث بن امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم لهما عمرو وعاصم وهو يريد الغارة
(20/391)

فمر على حي بني شيبان في ربيع و الناس مخصبون في شعية فيها ضباب ومطر فإذا هو ببيت قد انفرد من البيوت وقد أمسى فقال لأصحابه كونوا بمكان كذا حتى آتي أهل هذا البيت فلعلي أن أصيب لكم خيراً أو آتيكم بطعام قالوا افعل فانطلق وقد أمسى وجن عليه الليل فإذا البيت بيت رويم وهو جد حوشب بن يزيد بن رويم وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت
فأتى السليك البيت من مؤخره فدخله فلم يلبث أن راح ابنه بإبله فلما أراحها غضب الشيخ وقال لابنه هلا عشيتها ساعة من الليل فقال له ابنه إنها أبت العشاء فقال العاشية تهيج الآبية فأرسلها مثلا ثم غضب الشيخ ونفض في وجهها فوجعت إلى مراتعها ومعها الشيخ حتى مالت بأدنى روضة فرتعت وجلس الشيخ عندها لتتعشى وغطى وجهه بثوبه من البرد وتبعه سليك
فلما وجد الشيخ مغتراً ختله من ورائه فضربه فأطار رأسه وصاح بالإبل فطردها فلم يشعر صاحباه وقد ساء ظنهما وتخوفا عليه حتى إذا هما بالسليك يطردها فطرداها معه وقال سليك في ذلك
( وعاشيةٍ راحت بِطانا ذعَرتُها ... بسوط قتيل وسْطها يُتسيف )
( كأنّ عليه لونَ بُرد محبَّر ... إذا ما أتاه صارخ يتلهف )
( فبات لها أهل خلاءُ فناؤهم ... ومرّت بهمْ طير فلم يتعيفوا )
( وباتوا يظنون الظنون وصُحبتي ... إذا ما علَوا نشزا أهلوا وأوجفوا )
( وما نلتُها حتى تصعلكتُ حِقبة ... وكدِتُ لأسباب المنية أعرِف )
(20/392)

( وحتى رأيتُ الجوع بالصيف ضرّني ... إذا قمت تغشاني ظلال فأسدِف )
وقال الأثرم في روايته عن أبي عبيدة
خرج سليك في الشهر الحرام حتى أتى عكاظ فلما اجتمع الناس ألقى ثيابه ثم خرج متفضلاً مترجلاً فجعل يطوف الناس ويقول من يصف لي منازل قومه وأصف له منازل قومي فلقيه قيس بن مكشوح المرادي فقال أنا أصف لك منازل قومي وصف لي منازل قومك فتواقفا وتعاهدا ألا يتكاذبا
قال قيس بن المكشوح خذ بين مهب الجنوب والصبا ثم سر حتى لا تدري أين ظل الشجرة فإذا انقطعت المياه فسر أربعاً حتى تبدو لك رملة وقف بينها الطريق فإنك ترد على قومي مراد وخثعم
فقال السليك خذ بين مطلع وسهيل ويد الجوزاء اليسرى العاقد لها من أفق السماء فثم منازل قومي بني سعيد بن زيد مناة
فانطلق قيس إلى قومه فأخبرهم الخبر فقال أبوه المكشوح ثكلتك أمك هل تدري من لقيت قال رجلاً فضلاً كأنما خرج من أهله فقال هو والله سليك بن سعد
(20/393)

فاستعلق واستعوى السليك قومه فخرج أحماس من بني سعد وبني عبد شمس وكان في الربيع يعمد إلى بيض النعام فيملؤه من الماء ويدفنه في طريق اليمن في المفاوز قال فإذا غزا في الصيف مر به فاستثاره فمر بأصحابه حتى إذا انقطعت عنهم المياه قالوا يا سليك أهلكتنا ويحك قال قد بلغتم الماء ما أقربكم منه حتى إذا انتهى إلى قريب من المكان الذي خبأ الماء فيه طلبه فلم يجده وجعل يتردد في طلبه فقال بعض أصحابه لبعض أين يقودكم هذا العبد قد والله هلكتم وسمع ذلك ثم أصاب الماء بعد ما ساء ظنهم فهم السليك بقتل بعضهم ثم أمسك
فانصرفت عنه بنو عبد شمس في طوائف من بني سعد قال ومضى السليك في بني مقاعس ومعه رجل من بني حرام يقال له صرد فلما رأى أصحابه قد انصرفوا بكى ومضى به السليك حتى إذا دنوا من بلاد خثعم ضلت ناقة صرد في جوف الليل فخرج في طلبها فأصابه أناس حين أصبح فإذا هم مراد وخثعم فأسروه ولحقه السليك فاقتتلوا قتالاً شديداً
وكان أول من لقيه قيس بن مكشوح فأسره السليك بعد أن ضربه ضربة أشرفت على نفسه وأصاب من نعمهم ما عجز عنه هو وأصحابه وأصاب أم الحارث بنت عوف بن يربوع الخثعمية يومئذ واستنفذ صرد من أيدي خثعم ثم انصرف مسرعاً فلحق بأصحابه الذين انصرفوا عنه قبل أن يصلوا إلى الحي وهم أكثر من الذين شهدوا معه فقسمها بينهم على سهام الذين شهدوا وقال السليك في ذلك
( بكى صُرَدٌ لما رأى الحيّض أعرضَت ... مهامةُ رملٍ دونْهم وسُهوبُ )
(20/394)

( وخوفه ريبَ الزمان وفقرَه ... بلادُ عدوّ حاضر وجَدوب )
( ونأيٌ بَعيد عن بلاد مقاعس ... وأن مخاريق الأمور ترٍيب )
( فقلت له لا تبك عينك إنها ... قضية ما يُقضى لها فتثوب )
( سيكفيك فَقدَ الحي لحمٌ مغرَّض ... وماء قدُور في الجِفان مشوب )
( ألم تر أن الدهر لونان لونهُ ... وطَوران بشْر مرة وكَذوب )
( فما خير من لا يرتجي خير أوبة ... ويُخشى عليه مِرية وحروب )
( رددتُ عليه نفسه فكأنما ... تلاقى عليه منسِر وسَرُوب )
( فما ذرّ قرن الشمس حتى أرٍيته ... قُصار المنايا والغبار يثوب )
( وضاربتُ عنه القوم حتى كأنما ... يصعّد في آثارهم ويصُوب )
( وقلت له خذ هَجْمة حِميريّةٍ ... وأهلاً ولا يبُعد عليك شَروب )
( وليلةَ جابانٍ كررتُ عليهمُ ... على ساعة فيها الإياب حبيب )
( عشيةَ كرّت بالحراميِّ ناقة ... بحيّ هلاً تُدعى به فجيب )
( فضاربت أُولى الخيل حتى كأنما ... أُميل عليها أيدَع وصبيب )
الأيدع دم الأخوين والصبيب الحناء
السليك القادر على الإحتمال
قال أبو عبيدة وبلغني أن السليك بن السلكة رأته طلائع جيش لبكر بن
(20/395)

وائل وكانوا جازوا منحدرين ليغيروا على بني تميم ولا يعلم بهم أحد فقالوا إن علم السليك بنا أنذر قومه فبعثوا إليه فارسين على جوادين فلما هايجاه خرج يمحص كأنه ظبي وطارداه سحابة يومه ثم قالا إذا كان الليل أعيا ثم سقط أو قصر عن العدو فنأخذه
فلما أصبحنا وجدا أثره قد عثر بأصل شجرة فنزعها فندرت قوسه فانحطمت فوجدا قصدة منها قد ارتزت بالأرض فقالا ما له أخزاه الله ما أشده وهما بالرجوع ثم قالا لعل هذا كان من أول الليل ثم فتر فتبعاه فإذا أثره متفاج قد بال فرغا في الأرض وخذها فقالا ما له قاتله الله ما أشد متنه والله لا نتبعه أبداً فانصرفا
ونمى إلى قومه وأنذرهم فكذبوه لبعد الغاية فأنشأ يقول
( يكذّبني العَمْران عمرَو بن جندب ... وعمرو بن سعد والمكِّذب أكذب )
( لعمرُك ما ساعيتُ من سعي عاجز ... ولا أنا بالواني ففيم أكذِّب )
( ثكلتكما إن لم أكن قد رأيتها ... كراديس يهديها إلى الحي موكِب )
( كراديس فيها الحَوْفَزان وقومه ... فوارس همَّام متى يَدْعُ يركبوا )
يعني الحوفزان بن شريك الشيباني
( تفاقدتمُ هل أنكرنّ مغيرة ... مع الصبح يهدين أشقر مغرب )
تفاقدتم يدعو عليهم بالتفاقد
(20/396)

قال وجاء الجيش فأغاروا على جمعهم قال وكان يقال للسليك سليك المقانب وقد قال في ذلك فرار الأسدي وكان قد وجد قوماً يتحدثون إلى امرأته من بني عمها فعقرها بالسيف فطلبه بنو عمها فهرب ولم يقدروا عليه فقال في ذلك
( لَزُوار ليلَى منكم آل برثُن ... على الهول أمضى من سُليك المقانب )
( يزورونها ولا أزور نساءهم ... ألهفى لأولاد الإماء الحواطب )
وقال أبو عبيدة أغار السليك على بني عوار بطن من بني مالك بن ضبيعة فلم يظفر منهم بفائدة وأرادوا مساورته
فقال شيخ منهم إنه إذا عدا لم يتعلق به فدعوه حتى يرد الماء فإذا شرب وثقل لم يستطع العدو وظفرتم به
فأمهلوه حتى ورد الماء وشرب ثم بادروه فلما علم أنه مأخوذ خاتلهم وقصد لأدنى بيوتهم حتى ولج على امرأة منهم يقال لها فكيهة فاستجار بها فمنعته وجعلته تحت درعها واخترطت السيف وقامت دونه فكاثروها فكشفت خمارها عن شعرها وصاحت بإخوتها فجاؤوا ودفعوا عنه حتى نجا من القتل فقال السليك في ذلك
( لعمر أبيك والأنباء تنمي ... لنعم الجار أخت بني عُوارا )
( من الخفرات لم تفضح أباها ... ولم ترفع لإخوتها شَنارا )
( كأن مجامع الأرداف منها ... نَقاً درَجت عليه الريح هارا )
( يعاف وِصال ذاتِ البَذل قلبي ... ويّتبع الممنعَّة النَّوارا )
(20/397)

( وما عجزت فُكَيهة يوم قامت ... بنصل السيف واستبلوا الخِمارا )
أخبرني الأخفش عن السكري عن أبي حاتم عن الأصمعي أن السليك أخذ رجلاً من بني كنانة بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب يقال له النعمان بن عقفان ثم أطلقه وقال
( سمعتُ بجمعهم فرضختُ فيهم ... بنُعمان بن عُقْفان بنِ عمرو )
( فإن تكفر فإني لا أبالي ... وإن تشكر فإني لست أدري )
قال ثم قدم بعد ذلك على بني كنانة وهو شيخ كبير وهم بماء لهم يقال له قباقب خلف البشر فأتاه نعمان بابنيه الحكم وعثمان وهما سيدا بني كنانة ونائلة ابنته فقال هذان وهذه لك وما أملك غيرهم فقالوا صدق فقال قد شكرت لك وقدرددتهم عليك
فجمعت له بنو كنانة إبلاً عظيمة فدفعوها إليه ثم قالوا له إن رأيت أن ترينا بعض ما بقي من إحضارك قال نعم وأبغوني أربعين شاباً وأبغوني درعاً ثقيلة فأتوه بذلك فلبس الدرع وقال للشبان الحقوا بي إن شئتم وعدا فلاث العدو لوثاً وعدوا جنبته فلم يلحقوه إلا قليلاً ثم غاب عنهم وكر حتى عاد إلى الحي هو وحده يحضر والدرع في عنقه تضرب كأنها خرقة من شدة إحضاره
أخبرني به هاشم بن محمد الخزاعي عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه فذكر فيه نحو ما تقدم
خبر مقتله
وقال السكري في خبر مقتله إنه لقي رجلاً من خثعم في أرض يقال لها فخة بين أرض عقيل وسعد تميم وكان يقال للرجل مالك بن
(20/398)

عمير نب أبي ذراع بن جشم بن عوف فأخذه ومعه امرأة له من خفاجة يقال لها النوار فقال له الخثعمي أنا أفدي نفسي منك فقال له السليك ذلك لك على ألا تخيس بي ولا تطلع علي أحداً من خثعم فحالفه على ذلك ورجع إلى قومه وخلف امرأته رهينة معه فنكحها السليك وجعلت تقول احذر خثعم فإني أخافهم عليك فأنشأ يقول
( تحذّرني كي أحذَرَ العام خثعما ... وقد علمَت أني امرؤ غير مُسلَم )
( وما خثعم إلا لئام أذلّة ... إلى الذل والإسحاق تنمي وتنتمي )
قال وبلغ ذلك شبل بن قلادة بن عمر بن سعد وأنس بن مدرك الخثعميين فخالفا إلى السليك فلم يشعر إلا وقد طرقاه في الخيل فأنشأ يقول
( مَن مبلغ جِذمي بأنِي مقتولْ ... )
( يا رُب نَهب قد حويتُ عُثكول ... )
( ورُبّ قِرن قد تركت مجدولْ ... )
( وربَّ زوج قد نكحت عُطبول ... )
( وربَّ عانٍ قد فككتُ مكبول ... )
( ورب واد قد قطعت مسبول ... )
قال أنس للشبل إن شئت كفيتك القوم واكفني الرجل وإن شئت اكفني القوم أكفك الرجل قال بل أكفيك القوم فشد أنس على السليك فقتله وقتل شبل وأصحابه من كان معه
وكاد الشر يتفاقم بين أنس وبين عبد الملك لأنه كان أجاره حتى
(20/399)

ودّاه أنس لما خاف أن يخرج الأمر من يده وقال
( كم مِن أخ لي كريم قد فُجعتُ به ... ثم بقيتُ كأني بعده حَجَرُ )
( لا أستكين على ريب الزمان ولا ... أُغضي على المر يأتي دونه القدر )
( مِرْدَى حُروب أُدير الأمر حابلَه ... إذ بعضُهم لأمور تعتري جَزَر )
( قد أطعن الطعنة النجلاءُ أُتْبعها ... طَرْفاً شديداً إذا ما يَشخَص البصر )
( ويوم حمضة مطلوب دلفتُ له ... بذات وَدْقين لما يٌعفها المطر )
وذكر باقي الأبيات التي تتلو هذه
( إني وقتلي سُلَيكاً ثم أعقٍلَه ... )
كما ذكره من روينا عنه ذلك
أخبرني هاشم بن محمد عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه فذكر ما تقدم
قال أبو عبيدة وحدثني المنتجع بن نبهان قال كان السليك يعطي عبد الملك بن مويلك الخثعمي إتاوةً من غنائمه على أن يجيره فيتجاوز بلاد خثعم إلى من وراءهم من أهل اليمن فيغير عليهم فمر قافلاً من غزوة فإذا بيت من خثعم أهله خلوف وفيه امرأة شابة بضة فسألها عن الحي فأخبرته فتسنمها أ ي علاها ثم جلس حجرة ثم التقم المحجة
(20/400)

فبادرت إلى الماء فأخبرت القوم فركب أنس بن مدرك الخثعمي في طلبه فلحقه فقتله فقال عبد الملك والله لأقتلن قاتله أو ليدينه فقال أنس والله لا أديه ولا كرامة ولو طلب في ديته عقالاً لما أعطيته وقال في ذلك
( إني وقتلي سُلَيكاً ثم أعقِلَه ... كالثور يُضرب لما عافت البقر )
( غضبتُ للمرء إذ نيكت حليلتهُ ... وإذ يُشَد على وجعائها الَثَّفَر )
( إني لتاركُ هامات بمجزَرة ... لا يزدهيني سواد الليل والقمرُ )
( أغشى الحروب وسِر بالي مضاعفَة ... تغشى البنانَ وسيفي صارم ذكر )
أخبرني ابن أبي الأزهر عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن فليح بن أبي العوراء قال
كان لي صديق بمكة وكنا لا نفترق ولا يكتم أحد صاحبه سراً فقال لي ذات يوم يا فليح إني أهوى ابنة عم لي ولم أقدر عليها قط وقد زارتني اليوم فأحب أن تسرني بنفسك فإني لا أحتشمك فقلت أفعل وصرت إليهما وأحضرالطعام فأكلنا ووضع النبيذ فشربنا أقداحاً فسألني أن أغنيهما فكأن الله عز و جل أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت
( من الخفِرات لم تفضح أباها ... ولم تُلحق بإخوتها شَنارا )
فلما سمعته الجارية قالت يا أخي أعد فأعدته فوثبت وقالت أحسنت أنا إلى الله تائبة والله ما كنت لأفضح أ بي ولا لأرفع لإخوتي شنارا
فجهد الفتى في رجوعها فأبت وخرجت فقال لي ويحك ما حملك على ما صنعت فقلت والله ما هو شيء اعتمدته ولكنه ألقي على لساني لأمر أريد
(20/401)

بك وبها وهكذا في الخبر المذكور
وقد رواه غير من ذكرته عن فليح بن أبي العوراء فأخبرني اليزيدي عن عمه عبيد الله قال كان إبراهيم بن سعدان يؤدب ولد علي بن هشام وكان يغني بالعود تأدباً ولعباً قال فوجه إلي يوماً علي بن هشام يدعوني فدخلت فإذا بين يديه امرأة مكشوفة الرأس تلاعبه بالنرد فرجعت عجلاً فصاح بي ادخل فدخلت فإذا بين أيديهما نبيذ يشربان منه فقال خذ عوداً وغن لنا ففعلت ثم غنيت في وسط غنائي
( مِن الخفِرات لم تَفضح أباها ... ولم ترفع لإخوتها شَنارا )
فوثبت من بين يديه وغطت رأسها وقالت إني أشهد الله أني تائبة إليه ولا أفضح أبي ولا أرفع لإخوتي شناراً ففتر علي بن هشام ولم ينطق وخرجت من حضرته فقال لي ويلك من أين صبك الله علي هذه مغنية بغداد وأنا في طلبها منذ سنة لم أقدر عليها إلى اليوم فجئتني بهذا الصوت حتى هربت فقلت والله ما اعتمدت مساءتك ولكنه شيء خطر على غير تعمد
صوت
( أمَسلَم إني يا بنَ كلّ خليفة ... ويا جبَل الدنيا ويا ملِكَ الأرضِ )
( شكرتُك إن الشكر حظ من التقى ... وما كلّ من أوليته نعمة يَقضي )
الشعر لأبي نخيلة الحماني والغناء لابن سريج ثقيل بالوسطى عن يحيى المكي
(20/402)

أخبار أبي نخيلة ونسبه
أبو نخيلة اسمه لا كنيته ويكنى أبا الجنيد ذكر الأصمعي ذلك وأبو عمرو الشيباني وابن حبيب لا يعرف له اسم غيره وله كنيتان أبو الجنيد وأبو العرماس وهو ابن حزن بن زائدة بن لقيط بن هرم بن يثربي وقيل ابن أثربي بن ظالم بن مجاسر بن حماد بن عبد العزى بن كعب بن لؤي بن سعد بن زيد مناة بن تميم
وكان عاقاً بأبيه فنفاه أبوه عن نفسه فخرج إلى الشام وأقام هناك إلى أن مات أبوه ثم عاد وبقي مشكوكاً في نسبه مطعوناً عليه
وكان الأغلب عليه الرجز وله قصيد ليس بالكبير
ولما خرج إلى الشام اتصل بمسلمة بن عبد الملك فاصطنعه وأحسن إليه وأوصله إلى الخلفاء واحداً بعد واحد واستماحهم له فأغنوه وكان بعد ذلك قليل الوفاء لهم
انقطع إلى بني هاشم ولقب نفسه شاعر بني هاشم فمدح الخلفاء من بني العباس وهجا بني أميه فأكثر
(20/403)

وكان طامعاً نحمله ذلك أن قال في المنصور أرجوزة يغريه فيها بخلع عيسى بن موسى ويعقد العهد لابنه محمد المهدي فوصله المنصور بألفي درهم وأمره أن ينشدها بحضرة عيسى بن موسى ففعل فطلبه عيسى فهرب منه وبعث في طلبه مولى له فأدركه في طريق خراسان فذبحه وسلخ جلده
أخبرني هاشم الخزاعي عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال
رأى أبو نخيلة على شبيب حلة فأعجبته فسأله إياها فوعده ومطله فقال فيه
( يا قومِ لا تُسوّدوا شبيبا ... الخائنَ ابن ا لخائن الكذوبا )
( هل تلد الذِّيبة إلا الذيبا ... )
قال فبلغه ذلك فبعث إليه بها فقال
( إذا غَدتْ سعد على شبيبها ... على فتاها وعلى خطيبها )
( من مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبتَ من كثرتها وطيبها )
حدثني حبيب بن نصر المهلبي عن عمر بن شبة قال حدثني الرعل بن الخطاب قال
بنى أبو نخيلة داره فمر به خالد بن صفوان وكان بينهما مداعبة قديمة ومودة وكيدة فوقف عليه
(20/404)

فقال أبو نخيلة يا بن صفوان كيف ترى داري قال رأيتك سألت فيها إلحافاً وأنفقت ما جمعت إسرافاً
جعلت إحدى يديك سطحاً وملأت الأخرى سلحاً فقلت من وضع في سطحي وإلا ملأته بسلحي ثم ولى وتركه
فقيل له ألا تهجوه فقال إذن والله يركب بغلته ويطوف في مجالس البصرة ويصف أبنيتي بما يعيبها
ما عسى أن يضر الإنسان صفة أبنيته بما يعيبها سنة ثم لا يعيد فيها كلمة
أبو نخيلة ومسلمة بن عبد الملك
أخبرني الحسن بن علي الخفاف عن ابن مهرويه عن أبي مسلم المستملي عن الحرمازي عن يحيى بن نجيم قال
لما انتفى أبو نخيلة من أبيه خرج يطلب الرزق لنفسه فتأدب بالبادية حتى شعر وقال رجزاً كثيراً وقصيداً صالحاً وشهر بهما وسار شعره في البدو والحضر ورواه الناس
ثم وفد إلى مسلمة بن عبد الملك فرفع منه وأعطاه وشفع له وأوصله إلى الوليد بن عبد الملك فمدحه ولم يزل به حتى أغناه قال يحيى بن نجيم فحدثني أبو نخيلة قال وردت على مسلمة بن عبد الملك فمدحته وقلت له
( أَمَسْلَم إِني يابنَ كلِّ خليفة ... ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرضِ )
( شكرتُك إنّ الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليتَه نعمة يَقضي )
( وألقيت لما أن أتيتكَ زائراً ... عليّ لحافاً سابغ الطول والعرض )
( وأحييت لي ذكرى وما كان خاملاً ... ولكنّ بعض الذكر أنبهُ من بعض )
(20/405)

قال فقال لي مسلمة ممن أنت فقلت من بني سعد فقال مالكم يا بني سعد والقصيد وإنما حظكم في الرجز قال فقلت له أنا والله أرجز العرب قال فأنشدني من رجزك فكأني والله لما قال ذلك لم أقل رجزاً قط أنساينه الله كله فما ذكرت منه ولا من غيره شيئاً إلا أرجوزة لرؤبة كان قالها في تلك السنة فظننت أنها لم تبلغ مسلمة فأنشدته إياها فنكس رأسه وتتعتعت فرفع رأسه إلي وقال لا تتعب نفسك فأنا أروى لها منك قال فانصرفت وأنا أكذب الناس عنده وأخزاهم عند نفسي حتى تلطفت بعد ذلك ومدحته برجز كثير فعرفني وقربني
وما رأيت ذلك أثر فيه يC ولا قرعني به حتى افترقنا
وحدثني أبو نخيلة قال لما انصرف مسلمة من حرب يزيد بن المهلب تلقيته فلما عاينته صحت به
( مَسْلَم يا مَسْلمَةَ الحروبَ ... أنت المصفَّى من أذى العيوبِ )
( مُضَاضةٌ من كَرم وطيب ... لولا ثقاف ليس بالتدبيب )
( تفري به عن حُجُب القلوب ... لأمست الأمّة شاء الذيب )
ضحك وضمّني إليه وأجزل صلتي
حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه وأخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبيد الله بن عمار قال
(20/406)

حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه وقد جمعت روايتهما وأكثر اللفظ الأصمعي قال قال أبو نخيلة
وفدت على هشام بن عبد الملك فصادفت مسلمة قد مات وكنت بأخلاق هشام غرا وأنا غريب فسألت عن أخص الناس به فذكر لي رجلان أحدهما من قيس والآخر من اليمن فعدلت إلى القيسي بالتؤدة فقلت هو أقربهما إلي وأجدرهما بما أحب فجلست إليه ثم وضعت يدي على ذراعه وقلت له إني مسستك لتمسني رحمك
أنا رجل غريب شاعر من عشيرتك وأنا غير عارف بأخلاق هذا الخليفة وأحببت أن ترشدني إلى ما أعمل فينفعني عنده وعلى أن تشفع لي وتوصلني إليه فقال ذلك كله لك علي وفي الرجل شدة ليس كمن عهدت من أهله وإذا سئل وخلط مدحه بطلب حرم الطالب فأخلص له المدح فإنه أجدر أن ينفعك واغد إليه غداً فإني منتظرك بالباب حتى أوصلك والله يعينك فصرت من غد إلى باب هشام فإذا بالرجل منتظر لي فأدخلني معه وإذا بأبي النجم قد سبقني فبدأ فأنشده قوله
( إِلى هشام وإِلى مروانِ ... بيتان ما مثلهما بيتانِ )
( كفّاك بالجود تَباريان ... كما تبارى فرسا رِهان )
( مال عليّ حَدَث الزمان ... وبيعَ مايغلو من الغلمان )
( بالثمن الوَكسْ من الأثمان ... والمُهر بعد المُهر والحصان )
أبو نخيلة يمدح هشاماً فيجيزه
قال فأطال فيها وأكثر المسألة حتى ضجر هشام وتبينت الكراهة في وجهه ثم استأذنت فأذن لي فأنشدته
(20/407)

( لما أتتني بغيةٌ كالشّهد ... والعسل الممزوج بعد الرقد )
( يا بَرْدَها لمُشْتَفٍ بالبَرْد ... رفعْت من أطمار مستعِدّ )
( وقلت لِلْعِيس اعتلي وجِدي ... فَهْي تًخدي أبرح التخدي )
( كم قد تعسّفُت بها من نجد ... ومًجْرَ هدّ بعد مُجْرَ هِدٌ )
( قد ادّرَعْن في مَسير سَمْد ... ليلاً كلَون الطيلسان الجَرْد )
( إلى أمير المؤمنين المُجدي ... رَبِّ مَعَدّ وسوى معدّ )
( ممن دعا مِن أصيدٍ وعبد ... ذي المجد والتشريف بعد المجد )
( في وجهه بدر بدا بالسعد ... أنت الهُمام القَرْمُ عند الجِد )
( طُوِّقتَها مجتمِع الأشُد ... فانهلّ لما قمتَ صوبُ الرعد )
قال حتى أتيت عليها وهممت أن أسأله ثم عزفت نفسي وقلت قد استنصحت رجلاً وأخشى أن اخالفه فأخطىء وحانت مني التفاتة فرأيت وجه هشام منطلقاً فلما فرغت أقبل على جلسائه فقال الغلام السعدي أشعر من الشيخ العجلي وخرجت فلما كان بعد أيام أتتني جائزته ثم دخلت عليه بعد ذلك وقد مدحته بقصيدة فأنشدته إياها فألقى علي جبة خز من جبابه مبطنة بسمور ثم دخلت عليه يوماً آخر فكساني دواجاً كان عليه من خز
(20/408)

أحمر مبطن بسمور ثم دخلت عليه يوماً ثالثاً فلم يأمر لي بشيء فحملتني نفسي على أن قلت له
( كسوتنيها فهي كالتِّجفاف ... من خزك المصونة الكِثاف )
( كأنني فيها وفي اللّحاف ... من عبد شمس أبو بني مناف )
( والخَزّ مشتاق إلى الأفواف ... )
قال فضحك وكانت عليه جبة أفواف وأدخل يده فيها ونزعها ورمى بها إلي وقال خذها فلا بارك الله لك فيها
قال محمد بن هشام في خبره خاصة فلما أفضت الخلافة إلى السفاح نقلها إليه وغيرها وجعلها فيه يعني الأرجوزة الدالية فهي الآن تنسب في شعره إلى السفاح
أبو نخيلة والفرزدق
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني أبو عمر الخصاف عن العتبي قال
لما حبس عمر بن هبيرة الفرزدق وهو أمير العراق أبى أن يشفع فيه أحداً فدخل عليه أبو نخيلة في يوم فطر فوقف بين يديه وأنشأ يقول
(20/409)

( أطلقتَ بالأمس أسير بَكر ... فهل فَداك نَفَري وَوفْري )
( مِن سببٍ أو حُجة أو عذر ... يُنْجي التميمي َّ القليلَ الشكر )
( من حَلَق القيد الثِّقال السُّمر ... ما زال مجنوناً على آست الدهر )
( ذا حسب ينمو وعقل يحري ... هبه لأخوالك يوم الفطر )
قال فأمر بإطلاقه وكان قد أطلق قبله رجلاً من عِجل جيء به من عين التمر قد أفسد فشفعت فيه بكر بن وائل فأطلقه وإياه عنى أبو نخيلة فلما أخرج الفرزدق سأل عمن شفع له فأخبر فرجع إلى الحبس وقال لا أريمه ولو مت انطلق قبلي بكري وأخرجت بشفاعة دعي والله لا أخرج هكذا ولو من النار فأخبر ابن هبيرة بذلك فضحك ودعا به فأطلقه وقال وهبتك لنفسك وكان هجاه فحبسه لذلك فلما عزل ابن هبيرة وحبس مدحه الفرزدق فقال ما رأيت أكرم منه هجاني أميراً ومدحني أسيراً
وجدت هذا الخبر بخط القاسم بن يوسف فذكر أن أبا القاسم الحضرمي حدثه أن هذه القصة كانت لأبي نخيلة مع يزيد بن عمر بن هبيرة وأنه أتي بأسيرين من الشراة أخذا بعين التمر أحدهما أبو القاسم بن بسطام بن ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة والآخر رجل من بكر بن وائل فتكلم في البكري قومه فأطلقه ولم يتكلم في التميمي أحد فدخل عليه أبو نخيلة فقال
(20/410)

( الحمد لله وليَّ الأمرِ ... هو الذي أخرج كلّ غَمْرِ )
( وكلَّ عُوّار وكلّ وَغْر ... من كلّ ذي قلب نقيِّ الصدر )
( لما أتتْ من نحو عين التمر ... سْتُّ أَثاف لا أثافي القِدر )
( فظلّت القضبان فيهم تجري ... هَبْرا هو الهبر وفوق الهبر )
( إني لمهدٍ للإمام الغَمْر ... شعري ونُصحَ الحب بعد الشعر )
ثم ذكر باقي الأبيات كما ذُكرت في الخبر المتقدم
أخبرني أبو الحسن الأسدي أحمد بن محمد قال حدثني محمد بن صالح بن النطاح قال
ذكر عن العتبي أن أبا نخيلة حج ومعه جريب من سويق قد حلاه بقند فنزل منزلاً في طريقه فأتاه أعرابي من بني تميم وهو يقلب ذلك السويق واستحيا منه فعرض عليه فتناول ما أعطاه فأتى عليه ثم قال زدني يا بن أخ فقال أبو نخيلة
( لمَا نزلنا منزلاً ممقوتا ... نُريد أن نَرحلَ أو نبيتا )
( جئتَ ولم نَدْر من أين جيتا ... إذا سقيتَ المُزبد السّحتيتا )
(20/411)

( قلت ألا زدني وقد رويتا ... )
فقام الأعرابي وهو يسبه
وحدثني بهذا الخبر هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال
كان أبو نخيلة إذا نزل به ضيف هجاه فنزل به يوماً رجل من عشيرته فسقاه سويقاً قد حلاه فقال له زدني فزاده فلما رحل هجاه وذكر الأبيات بعينها وقال في الخبر قال أبو عبيدة السحتيت السويق الدقاق
أبو نخيلة يعتذر لأبي العباس السفاح
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني ابن عائشة قال
دخل أبو نخيلة على أبي العباس السفاح فسلم واستأذن في الإنشاد فقال له أبو العباس لا حاجة لنا في شعرك إنما تنشدنا فضلات بني مروان فقال يا أمير المؤمنين
( كنا أناساً نرهب الملاكَا ... إذ ركبوا الإعناق والأوراكا )
( قد ارتَجَينا زمناً أباكا ... ثم ارتجينا بعده أخاكا )
( ثم ارتجينا بعده إياكا ... وكان ما قلتُ لِمَن سواكا )
( زُوراً فقد كفّر هذا ذا كا ... )
فضحك أبو العباس وأجازه جائزة سنية وقال أجل إن التوبة لتكفر ما قبلها وقد كفر هذا ذاك
وأخبرنا أبو الفياض سوار بن ابي شراعة قال حدثني أبي عن عبد الصمد بن المعذل عن أبيه قال
(20/412)

دخل أبو نخيلة على أبي العباس قال وكان لا يجترىء عليه مع ما يعرفه به من اصطناع مسلمة إياه وكثرة مديحه لبني مروان حتى علم أنه قد عفا عمن هو أكبر محلا من القوم وأعظم جرماً منه فلما وقف بين يديه سلم عليه ودعا له وأثنى ثم استأذنه في الإنشاد فقال له ومن أنت قال عبدك يا أمير المؤمنين أبو نخيلة الحماني فقال لا حياك الله ولا قرب دارك يا نضو السوء ألست القائل في مسلمة بن عبد الملك بالأمس
( أمَسْلَم يا من ساد كلّ خليفةٍ ... ويا فارس الهيجا ويا قمرَ الأرض )
والله لولا أني قد أمنت نظراءك لما ارتد إليك طرفك حتى أخضبك بدمك فقال أبو نخيلة
( كنّا أناساً نرهب الأملاكا ... )
وذكر الأبيات المتقدمة كلها مثل ما مضى من ذكرها فتبسم أبو العباس ثم قال له أنت شاعر وطالب خير وما زال الناس يمدحون الملوك في دولهم والتوبة تكفر الخطيئة والظفر يزيد الحقد وقد عفونا عنك واستأنفنا الصنيعة لك وأنت الآن شاعرنا فاتسم بذلك فيزول عنك ميسم بني مروان فقد كفر هذا ذاك كما قلت ثم التفت إلى أبي الخصيب فقال يا مرزوق أدخله دار الرقيق فخيره جارية يأخذها لنفسه ففعل واختار جارية وطفاء كثيرة اللحم فلم يحمدها فلما كان من غد دخل على أبي العباس وعلى رأسه وصيفة حسناء تذب عنه فقال له قد عرفت خبر الجارية التي أخذتها بالأمس وهي كذناكونه فاحتفظ بها فأنشأ يقول
(20/413)

( إني وجدت الكذناذَنُوّكا ... غيرَ مَنيك فابغني مُنَيَّكا )
( حتى إذا حركتُه تَحَرَّكا ... )
فضحك أبو العباس وقال خذ هذه الوصيفة فإنك إذا خلوت بها تحرك من غير أن تحركه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال
ادّان أبو نخيلة من بقّال له يقال له ماعز الكلابي باليمامة وكان يأخذ منه أولاً أولاً حتى كثر ما عليه وثقل فطالبه ماعز فمطله ثم بلغه أنه قد استعدى عليه عامل اليمامة فارتحل يريد الموصل وخرج عن اليمامة ليلاً فلم يعد به ماعز إلا بعد ثلاث وقد نجا أبو نخيلة وقال في ذلك
( يا ماعزَ الكُرّاث خزيتا ... لقد خدعت ولقد هجيتنا )
( كِدتَ تَخصينا فقد خُصيتا ... وكنت ذا حظ فقد مُحيتا )
( ويحكَ لم تعلم بمن صُليتا ... ولا بأيّ حَجَر رُميتا )
( إذا رأيت المُزيدَ الهَبوتا ... يركب شِدْقاً شَدْقماً هَريتا )
( طِرْ بجناحك فقد أُتيتا ... حَرّان حَرّان فهِيتا هِيتا )
والموصَل الموصَل أَو تكْريتا ... حيث تبيع النبَطُ البيوتا )
(20/414)

( ويأكلون العدَسَ المَريتا ... )
وقال أيضاً لماعز هذا
( يا ماعزَ القَمل وبَيتَ الذّلَ ... بِتْنا وبات البغل في الإصطبل )
( وبات شيطان القوافي يُمْلي ... على امرئ فَحْلٍ وغير فحل )
( لا خير في عِلمي ولا في جهلي ... لو كان أودَى ماعز بنخلي )
( ما زال يَقلِيني وعَيْمي يغلي ... حتى إذا العَيم رمَى بالجفل )
( طبّقت تطبيق الجُزاز النصل ... )
نماذج من مدحه وهجائه
نسخت من كتاب اليوسفي حدثني المنمق بن جماع عن أبيه قال
كان أبو نخيلة يرضيه القليل ويسخطه وكان الربيع ينزله عنده ويأمر سائساً يتفقد فرسه فمدح الربيع بأرجوزة ومدح فيها معه سائسه فقال
( لولا أبو الفضل ولولا فضلهُ ... ما اسْطِيع باب لا يُسنّى قُفْلُهُ )
( ومن صلاح راشد إصطبلُه ... نعم الفتى وخيرُ فعل فعله )
( يَسْمَن منه طِرفه وبغله ... )
فضحك الربيع وقال يا أبا نخيلة أترضى أن تقرن بي السائس في مديح كأنك لو لم تمدحه معي كان يضيع فرسك
قال ونزل أبو نخيلة بسليمان بن صعصعة فأمر غلامه بتعهده وكان
(20/415)

يغاديه ويراوحه في كل يوم بالخبز والحم فقال أبو نخيلة يمدح خباز سليمان بن صعصعة
( بارَك ربّي فيك من خباز ... ما زلت إذ كنتَ على أوفاز )
( تنصبّ باللحم انصباب الباز ... )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال حدثنا أحمد بن المعذل عن علي بن أبي نخيلة الحماني قال
دخلت مع أبي إلى أرض له وقد قدم من مكة فرآها وقد أضر بها جفاء القيم عليها وتهاونه بها وكلما رآه الذين يسقونها زادوا في العمل والعمارة حتى سمعت نقيض الليف فقلت الساعة يقول في هذا شعراً فلم ألبث أن التفت إلي وقال
( شاهد مالاً رَبُّ مال فساسَه ... سياسة شهم حازم وابن حازم )
( أقام بها العصْرين حيناً ولم يكن ... كمن ضنّ عن عُمرانها بالدراهم )
( كأنَّ نقيض الليف عن سعفاته ... نقيضُ رحال الميَس فوق العياهم )
( وأضحت تغالي بالبنات كأنها ... على متن شيخ من شيوخ الأعاجم )
( وما الأصل ما روّيتَ مضرب عِرقه ... من الماء عن إصلاح فرع بنائم )
أخبرني بهذا الخبر محمد بن مزيد عن أبي الأزهر البوشنجي قال حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي عن النضر بن حديد عن أبي محضة عن الأزرق بن الخميس بن أرطأة وهو ابن أخت أبي نخيلة فذكر قريباً مما ذكر في الخبر الذي قبله
(20/416)

وأخبرني عيسى بن الحسن الوراق المروزي قال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبي قال
ابتاع أو نخيلة داراً في بني حمان ليصحح بها نسبه وسأل في بنائها فأعطاه الناس اتقاء للسانه وشره فسأل شبيب بن شبة فلم يعطه شيئاً واعتذر إليه فقال
( يا قومِ لا تسوّدوا شبيبا ... المَلَذانَ الخائن الكذوبا )
( هل تلد الذَيبة إلا الذبيا ... )
فقال شبيب ما كنت لأعطيه على هذا القول شيئاً فإنه قد جعل إحدى يديه سطحاً وملأ الأخرى سلحاً وقال من وضع شيئاً في سطحي وإلا ملأته بسلحي من أجل دار يريد أن يصحح نسبه بها فسفر بينهما مشايخ الحي حتى يعطيه فأبى شبيب أن يعطيه شيئاً وحلف أبو نخيلة ألا يكف عن عرضه أو يأخذ منه شيئاً يستعين به فلما رأى شبيب ذلك خافه فبعث إليه بما سأل وغدا أبو نخيلة عليه وهو جالس في مجلسه مع قومه فوقف عليهم ثم أنشأ يقول
( إذا عدَتْ سعد على شبيبها ... على فتاها وعلى خطيبها )
( مِن مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبْت من كثرتها وطيبها )
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال
دخل أبو نخيلة على عمر بن هبيرة وعنده رؤبة قد قام من مجلسه فاضطجع خلف ستر فأنشد أبو نخيلة مديحه له ثم قال ابن هبيرة يا أبا
(20/417)

نخيلة أي شيء أحدثت بعدنا فاندفع ينشده أرجوزة لرؤبة فلما توسطها كشف رؤبة الستر وأخرج رأسه من تحته فقال له كيف أنت يا أبا نخيلة فقطع إنشاده وقال بخير أبا العجاج فمعذرة إليك ما علمت بمكانك فقال له رؤبة أم ننهك أن تعرض لشعري إذا كنت حاضراً فإذا ما غبت فشأنك به فضحك أبو نخيلة وقال هل أنا إلا حسنة من حسناتك وتابع لك وحامل عنك فعاد رؤبة إلى موضعه فاضطجع ولم يراجعه حرفاً والله أعلم
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة
أن أبا نخيلة قدم على المهاجرين بن عبد الله الكلابي وكان أبو نخيلة أشبه خلق الله به وجهاً وجسماً وقامة لا يكاد الناظر إلى أحدهما أن يفرق بينه وبين الآخر فدخل عليه فأنشده قوله فيه
( يا دارَ أمِّ مالك ألا أسلمي ... على التنائي من مُقام وأنعَمي )
( كيف أنا إن أنت لم تَكّلمي ... بالوحْي أو كيف بأن تجمجمي )
( تقول لي بنتي ملامَ الُلُّوَّم ... يا أبتا إنك يوماً مؤتِمي )
( فقلت كلاّ فاعلمي ثم اعلمي ... أني لِميقات كتاب محكَم )
( لو كنتُ في ظلمة شِعب مظلم ... أو في السماء أرتقي بسلَّم )
( لا نصبّ مقداري إلى مُجْرَنثَمي ... إني وربّ الراقصات الرسَّم )
( وربِّ حوض زمزم وزمزم ... لأستبين الخير عند مَقدَمي )
( وعند تَرحاليَ عن مُخَيَّمي ... علَى ابنِ عبد الله قَرْمِ الأقرم )
( فإنني بالعِلمِ ذو ترسُّم ... لم أدر ما مهاجِرُ التكرم )
(20/418)

حتى تبينت قضايا الغشّم ... مُهاجِرُ يا ذا النوال الخِضرِم )
( أنت إذا انتَجعتَ خيرُ مُغنِم ... مُشترَك النائل جمُّ الأنعم )
( ولِتَميمٍ منك خير مُقْسَم ... إذا التقوا شتى معاً كالهُيّم )
( قد علِم الشأم وكلّ موسم ... أنك تحلو لي كحلو المعجَم )
( طوراً وطوراً أنت مثل العلقم ... )
قال فأمر له المهاجر بناقة فتركها ومضى مغضباً وقال يهجوه
( إن الكلابيَّ اللئيم الأثرما ... أعطى على المِدْحَةِ ناباً عِرْزِماً )
( ما جبر العظم ولكن تمّما ... )
فبلغ ذلك المهاجر فبعث فترضاه وقام في أمره بما يحب ووصله فقال أبو نخيلة هذه صلة المديح فأين صلة الشبه فإن التشابه في الناس نسب فوصله حتى أرضاه فلم يزل يمدحه بعد ذلك حتى مات ورثاه بعد وفاته فقال
( خليليّ مالي باليمامة مقعدٌ ... ولا قُرّةٌ للعين بعد المهاجرِ )
( مضى ما مضى من مصالح العيش فاربعا ... على ابنِ سبيل مزمِع البين عابر )
( فإن تك في مَلحودة يا بن وائل ... فقد كنتَ زين الوفد زين المنابر )
( وقد كنتَ لولا سَلُّك السيف لم يَنم ... مقيم ولم تأمن سبيلُ المسافر )
( لَعَزّ على الحيّين قيسٍ وخِندفٍ ... تَبكَّي عليَّ والوليد وجابر )
( هوى قمر من بينهم فكأنما ... هوى البدر من بين النجوم الزواهر )
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذُ عن أبي عبيدة قال
(20/419)

تزوجت أخت أبي نخيلة برجل يقال له ميار وكان أبو نخيلة يقوم بمالها مع ماله ويرعى سوامها مع سوامه ويستبد عليها بأكثر منافعها فخاصمته يوماً من وراء خدرها في ذلك فأنشأ يقول
( أظلُّ أرعى وتراً هزينا ... مُلَملَماً ترى له غضونا )
( ذا أُبَنِ مقوماً عُثنوناً ... يطعن طعناً يقضب الوتينا )
( ويهتك الأعفاج والرُّبينا ... يذهب ميّار وتقعدينا )
( وتفسدين أو تُبَذِّرينا ... وتمنحين استك آخرينا )
( أير الحمار في است هذا دينا ... )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال
تزوج أبو نخيلة امرأة من عشيرته فولدت له بنتاً فغمه ذلك فطلقها تطليقة ثم ندم وعاتبه قومه فراجعها فبينما هو في بيته يوما إذ سمع صوت ابنته وأمها تلاعبها فحركه ذلك ورق لها فقام إليها فأخذها وجعل ينزيها ويقول
( يا بنتَ مَن لم يك يهوَى بنتاً ... ما كنتِ إلا خمسة أو سِتاً )
( حتى حللتِ في الحشى وحتى ... فتَتِّ قلبي مِنْ جوىً فانفتَّا )
( لأنت خيرٌ من غلام أنْتا ... يُصبح مخموراً ويمسي سَبتا )
(20/420)

جمال شعره يجمل النساء
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا أبو هفان قال حدثني أصحابنا الأهتميون قالوا
دخل عقال بن شبة المجاشعي على المهدي فقال له يا أبا الشيظم ما بقي من حبك بنات آدم وما بعجبك منهن التي عصبت عصب الجان وجلدت جدل العنان واهتزت اهتزاز البان أم التي بدنت فعظمت وكملت فتمت فقال يا أمير المؤمنين أحبهما إلي التي وصفها أبو نخيلة فإنه كانت له جارية صغيرة وهبها له عمك أبو العباس السفاح فكان إذا غشيها صغرت عنه وقلت تحته فقال
( إني وجتُ الكذناذَنّوكا ... غير منيك فابغني منيَّكا )
( شيئاً إذا حرّكته تحركا ... )
قال فوهب له المهدي جراية كاملة فائقة متأدبة ربعة فلما أصبح عقال غدا على المهدي متشكراً فخرج المهدي وفي يده مشط يسرح به لحيته وهو يضحك فدعا له عقال وقال له يا أمير المؤمنين مم تضحك أدام الله سرورك قال يا أبا الشيظم إني اغتسلت آنفاً من شيء إذا حركته تحرك وذكرت قولك الآن لما رأيتك فضحكت
أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال حدثني أحمد بن القاسم العجلي البرتي قال حدثني أبو هفان قال حدثتني رقية بنت حمل عن أبيها قال
(20/421)

كان أبو نخيلة مداحاً للجنيد بن عبد الرحمن المري وكان الجنيد له محباً يكثر رفده ويقرب مجلسه ويحسن إليه فلما مات الجنيد قال أبو نخيلة يرثيه
( لعمري لئن رَكبُ الجنيد تحملوا ... إلى الشأم من مرَّ وراحَت ركائبه )
( لقد غادر الركب الشآمون خلفهم ... فتى غطفانياً يُعلل جانبه )
( فتى كان يسري للعدو كأنما ... سُروب القطا في كلّ يوم كتائبه )
( وكان كأن البدر تحت لوائه ... إذا راح في جيش وراحت عصائبه )
أخبرنا محمد بن جعفر قال حدثني أحمد بن القاسم قال حدثني أبو هفان عن عبد الله بن داود عن علي بن أبي نخيلة قال
كان أبي شديد الرقة علي معجباُ بي فكان إذا أكل خصني بأطيب الطعام وإذا نام أضجعني إلى جنبه فغاظ ذلك امرأته أم حماد الحنفية فجعلت تعذله وتؤنبه وتقول قد أقمت في منزلك وعكفت على هذا الصبي وتركت الطلب لولدك وعيالك فقال أبي في ذلك
( ولولا شهوتي شَفَتي عليَّ ... رَبعتُ على الصحابة والركاب )
( ولكنّ الوسائل من عليَّ ... خلَصن إلى الفؤاد من الحجاب )
قال فازدادت غضباً فقال لها
( وليس كأمّ حمّاد خليلٌ ... إذا ما الأمر جلّ عن الخطاب )
( منعمةً أرى فتقرّ عيني ... وتكفيني خلائقُها عتابي )
(20/422)

فرضيت وأمسكت عنا
حدثني عمي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الله قال حدثني سهل بن زكريا قال حدثني عبد الله بن أحمد الباهلي قال
قال أبان بن عبد الله النميري يوماً لجلسائه وفيهم أبو نخيلة والله لوددت أنه قيل في ما قيل في جرير بن عبد الله
( لولا جرير هَلَكتْ بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيلة )
وإنني أثبت على ذلك مالي كله فقال له أبو نخيلة هلم الثواب فقد حضرني من ذلك ما تريد فأمر له بدراهم فقال اسمع يا طالب ما يجزيه
( لولا أَبانٌ هلكت نُمَيرُ ... نعم الفتى وليس فيهم خَيرُ )
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا سلمة بن خالد المازني عن أبي عبيدة قال
وقف أبو نخيلة على باب أبي جعفر واستأذن فلم يصل وجعلت الخراسانية تدخل وتخرج فتهزأ به فيرون شيخاً أعرابياً جلفاً فيبعثون به فقال له رجل عرفه كيف أنت أبا نخيلة فأنشأ يقول
( أصبحتُ لا يملك بعضي بعضاً ... أشكو العُروق الآبضات أبضاً )
( كما تَشكى الأرحبيُّ الغرْضا ... كأنما كان شبابي قَرضَا )
فقال له الرجل وكيف ترى ما أنت فيه هذه الدولة فقال
( أكثرُ خلق الله من لا يُدرَى ... مِن أيّ خلق الله حين يُلْقى )
( وحُلةٌ تُنشر ثم تُطوَى ... وطيلسانٌ يُشتَرى فيُغْلى )
(20/423)

( لِعبد عبدٍ أو لمولى مولى ... يا ويحَ بيتِ المال ماذا يَلقِى )
وبهذا الإسناد عن أبي عبيدة أن أبا نخيلة قدم علىأبان بن الوليد فامتدحه فكساه ووهب له جارية جميلة فخرج يوماً من عنده فلقيه رجل من قومه فقيل له كيف وجدت أبان بن الوليد يا أبا نخيلة فقال
( أكثرَ والله أبانٌ مَيْري ... ومِن أبانِ الخيرِ كلُّ خيري )
( ثوبٌ لجلدي وحرٌ لأيري ... )
نسخت من كتاب اليوسفي حدثني خالد بن حميد عن أبي عمرو الشيباني قال أقحمت السنة أبا نخيلة فأتى القعقاع بن ضرار وهو يومئذٍ على شُرطة الكوفة فمدحه وأنزله القعقاع بن ضرار وابنيه وعبديه وركابهم في دار وأقام لهم الأنزال ولركابهم العلوفة
وكان طباخ القعقاع يجيئهم في كل يوم بأربع قصاع فيها ألوان مطبوخة من لحوم الغنم ويأتيهم بتمر وزبد فقال له يوماً القعقاع كيف منزلك أبا نخيلة فقال
( مَا زال عنّا قَصَعاتٌ أربعُ ... شَهرين دَأْباً ذُوّد ورجع )
( عَبداي وابناي وشيخ يرفع ... كما يقوم الجَمل المطبّع )
(20/424)

قال وكان أبو نخيلة يكثر الأكل فأصابته تخمة فدخل على القعقاع فسأله كيف أصبحت أبا نخيلة فقال أصبحت والله بشماً أمرت خبازك فأتاني بهذاالرقاق الذي كأنه الثياب المبلولة قد غمسه في الشحم غمساً وأتبعه يزيد كرأس النعجة الخرسية وتمر كأنه عنز رابضة إذا أخذت التمرة من موضعها تبعها من الرب كالسلوك الممدودة فأمعنت في ذلك وأعجبني حتى بشمت فهل من أقداح جياد وبين يدي القعقاع حجام واقف وسفرة موضوعة فيها المواسي فإذا أتي بشراب النبيذ حلق رؤوسهم ولحاهم
فقال له القعقاع أتطلب مني النبيذ وأنت ترى ما أصنع بشرابه عليك بالعسل والماء البارد فوثب ثم قال
( قد علم المظَلّ والمبيت ... أني مِن القعقاع فيما شِيت )
( إذا أتتْ مائدة أُتيت ... ببِدَع لست بها غُذيت )
( وُلّيتَ فاستشفيتُ واستُعدِيتُ ... كأني كنت الذي ولِّيتُ )
( ولو تمنَّيتُ الذي أعطيت ... ما ازددتُ شيئاً فوق ما لقيتُ )
( أيا بن بيتٍ دونه البيوت ... أَقصرْ فقد فوق القِرى قُريتُ )
( ما بين شرابي عسلٌ منعوت ... ولا فُرات صرد بيّوت )
( لكنني في النوم قد أْريت ... رطلَ نبيذ مُخفِس سُقيت )
( صلباً إذا جاذبته رويت ... )
فغمزه على إسماعيل ابن أخيه وأومأ إلى إسماعيل فأخذ بيده ومضى به إلى منزله فسقاه حتى صلح
(20/425)

أبو نخيلة يمدح السفاح
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا قعنب بن المحرز وأبو عمرو الباهلي قالا حدثنا الأصمعي قال
دخل أبو نخيلة على أبي العباس السفاح وعنده أبو صفوان إسحاق بن مسلم العقيلي فأنشده قوله
( صادتْك يومَ الرملتين شَعْفَرُ ... وقد يصيد القانصَ المزعفَرُ )
( يا صورةً حسّنها المصّور ... للِرِّيم منها جيدُها والمَحجَرُ )
يقول فيها في مدح أبي العباس
( حق إذا ما الأوصياء عسكروا ... وقام من تِبر النبيّ الجوهرُ )
( ومِن بني العْباس نَبع أصفر ... ينميه فرعٌ طيّب وعنصر )
( أقبل بالناس الهوى المستبِهر ... وصاح في الليل نهار أنور )
( أنا الذي لو قيل إني أشعرُ ... جلّى الضبابَ الرجز المخبِّر )
( لمّا مضت لي أشهر و أشهر ... قلت لنفس تُزدَهَى فتصبر )
( لا يستخفنَّك ركب يَصدر ... لا مُنجد يَمضي ولا مُغَّور )
( وخالفي الأنباءَ فهي المحشر ... أو يسمعَ الخليفة المطهَّر )
( مِنَّي فإني كلَّ جنح أحضر ... وإن بالأنبار غيثاً يهمرُ )
( والغيث يُرجَى والديار تنضُر ... ما كان إلا أن أتاها العسكر )
( حتى زهاها مسجد ومِنبر ... لم يبقَ من مروانَ عين تنظر )
(20/426)

( لا غائبٌ ولا أناس حُضّر ... هيهات أودى المنعم المعقّر )
( وأمست الأنبار داراً تُعمَر ... وخرِبتْ من الشآم أدوُر )
( حِمصٌ وبابُ التِّبن والموقِّر ... ودمّرت بعد امتناع تدمر )
( وواسط لم يبق إلا القرقر ... منها وإلا الديربان الأخضر )
ومنها
( أين أبو الورد وأين الكوثر ... )
أبو الورد بن هذيل بن زفر وكوثر بن الأسود صاحب شرطة مروان
( وأين مروان وأين الأشقر ... وأين فلّ لم يَفُت محيّر )
( وأين عادّيكم المُجَمْهَر ... وعامر وعامر وأعصُر )
قال يعني عامر بن صعصعة وعامر بن ربيعة وأعصر باهلة وغني قال فغضب إسحاق بن مسلم وقال هؤلاء كلهم في جر أمك أبا نخيلة فأنكر الخليفة عليه ذلك فقال إني والله يا أمير المؤمنين قد سمعت
(20/427)

منه فيكم شراً من هذا في مجالس بني مروان وما له عهد وما هو بوفي ولا كريم فبان ذلك في وجه أبي العباس وقال له قولاً ضعيفاً إن التوبة تغسل الحوبة والحسنات يذهبن السيئات وهذا شاعر بني هاشم
وقام فدخل وانصرف الناس ولم يعط أبا نخيلة شيئاً
أبو نخيلة والمنصور
وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي حدثنا علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال حدثني أبي عن عبد الله بن أبي سليم مولى عبد الله بن الحارث قال
بينا أنا أسير مع أبي الفضل يعني سليمان بن عبد الله وحدي بين الحيرة والكوفة وهو يريد المنصور وقد هم بتولية المهدي العهد وخلع عيسى بن موسى وهو يروض ذلك إذا هو بأبي نخيلة الشاعر ومعه ابنان له وعبد وهم يحملون متاعه
فقال له يا أبا نخيلة ما هذا الذي أرى قال كنت نازلاً على القعقاع بن معبد أحد ولد معبد بن زرارة فقلت شعراً فيما عزم عليه أمير المؤمنين من تولية المهدي العهد ونزع عيسى بن موسى فسألني التحول عنه لئلا يناله مكروه من عيسى إذ كان صنيعته فقال سليمان يا عبد الله اذهب بأبي نخيلة فأنزله منزلاً وأحسن نزله وبره ففعلت
ودخل سليمان إلى المنصور فأخبره الخبر فلما كان يوم البيعة جاء بأبي نخيلة فأدخله على المنصور فقام فأنشد الشعر على رؤوس الناس وهي قصيدته التي يقول فيها
( بل يا أمين الواحد الموحَّدِ ... إنّ الذي ولاك ربُّ المسجدِ )
( ليس وليّ عهدنا بالأسعَد ... عيسى فزحلفها إلى محمد )
( من عند عيسى معهداً عن معهد ... حتى تُؤدَّى من يد إلى يد )
(20/428)

قال فأعطاه المنصور عشرة آلاف درهم قال وبايع لمحمد بالعهد فانصرف عيسى بن موسى إلى منزله قال فحدثني داود بن عيسى بن موسى قال جمعنا أبي فقال يا بني قد رأيتم ما جرى فأيما أحب إليكم أن يقال لكم يا بني المخلوع أو يقال لكم يا بني المفقود فقلنا لا بل يا بني المخلوع فقال وفقتم بني وأول هذه الأرجوزة التي هذه الأبيات منها
( لم يُنسني يا بنة آل معبَدِ ... ذكراكِ تكرارُ الليالي العُوّدِ )
( ولا ذواتُ العَصب الموَّرد ... ولو طَلْبن الوُدَّ بالتودّد )
( ورُحن في الدُّر وفي الزبرجد ... هيهات منهن وإن لم تَعهدي )
( نَجديةٌ ذاتُ مَعانٍ منجد ... كأنّ ريّاها بُعيد المَرقَد )
( ريّا الخُزامي في ثَرىً جَعْدٍ ندي ... كيفَ التصابي فِعلَ من لم يهتد )
( وقد علَتْني دِرة بادي بَدِي ... وَرْثيةٌ تنهض في تشددي )
( بعد انتهاَضي في الشباب الأملد ... )
يقول فيها
( إلى أمير المؤمنين فاعمِد ... إلى الذي يُندي ولا يَندَى نَدي )
( سيري إلى وبحر البحار المزْبد ... إلى الذي إن نفِدت لم ينفَد )
( أو ثَمَّدت أشراعها لم يَثمِد ... )
(20/429)

ويقول في ذكر البيعة لمحمد بعد الأبيات التي مضت في صدر الخبر
( فقد رضينا بالغلام الأمرد ... وقد فَرغنا غير أن لم نشهدِ )
( وغيرَ أنّ العَقد لم يؤكد ... فلو سمعنا قولك امدُدِ امدُد )
( كانت لنا كزعقة الوِرد الصدي ... فنادِ للبعية جمعاً نَحشدُ )
( في يومنا الحاضر هذا أوغد ... واصنع كما شئت ورُدّ يُردَد )
( ورَدَّه منك رداء يرتد ... فهو رِداء السابق المقلَّد )
( وكان يَروِي أنها كأن قد ... عادت ولو قد نقِلَت لم تُردد )
( أقول في كرى أحاديث الغد ... لله دَري من أخ ومنشد )
( لو نلتُ حظّ الحبشيِّ الأسود ... )
يعني أبا دلامة
فأخبرني عبد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث قال
حدثنا المدائني أن أبا نخيلة أظهر هذه القصيدة التي رواها الخدم والخاصة وتناشدتها العامة فبلغت المنصور فدعا به وعيسى بن موسى عنده جالس عن يمينه فأنشده إياها وأنصت له حتى سمعها إلىآخرها
قال أبو نخيلة فجعلت أرى فيه السرور ثم قال لعيسى بن موسى ولئن كان هذا عن رأيك لقد سررت عمك وبلغت من مرضاته أقصى ما يبلغه الولد البار السار
فقال عيسى لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين قال أبو
(20/430)

نخيلة فلما خرجت لحقني عقال بن شبة فقال أما أنت فقد سررت أمير المؤمنين ولئن تم الأمر فلعمري لتصيبن خيراً ولئن لم يتم فابتغ نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فقلت له
( علِقت معالقها وصرّ الجندُب ... )
قال المدائني وحدثني بعض موالي المنصور قال
لما أراد المنصور أن يعقد للمهدي أحب أن تقول الشعراء في ذلك فحدثني عبد الجبار بن عبيد الله الحماني قال
حدثني أبو نخيلة قال قدمت على أبي جعفر فأقمت ببابه شهراً لا أصل إليه فقال لي عبد الله بن الربيع الحارثي يا أبا نخيلة إن أمير المؤمنين يريد أن يقدم المهدي بين يدي عيسى بن موسى فلو قلت شيئاً تحثه على ما يريد فقلت
( ماذا على شَحْط النوى عناكا ... أم ما مرَى دمعَك من ذكراكا )
( وقد تبكّيتَ فما أبكاكا ... )
وذكر أرجوزة طويلة يقول فيها
( خليفةَ الله وأنت ذاكا ... أسنِدْ إلى محمدٍ عصاكا )
( فأحفَظُ الناس لها أدناكا ... وابنُك ما استكفيتَه كفاكا )
( وكلُّنا منتظر لذاكا ... لو قلتَ هاتوا قلتُ هاك هاكا )
(20/431)

قال فأنشدته إياها فوصلني بألفي درهم وقال لي احذر عيسى بن موسى فإني أخافه عليك أن يغتالك قال المدائني وخلع أبو جعفر عيسى بن موسى فبعث عيسى في طلب أبي نخيلة فهرب منه وخرج يريد خراسان فبلغ عيسى خبره فجرد خلفه مولى له يقال له قطري معه عدة من مواليه وقال له نفسك نفسك أن يفوتك أبو نخيلة فخرج في طلبه مغذاً للسير فلحقه في طريقه إلى خراسان فقتله وسلخ وجهه
ونسخت من كتاب القاسم بن يوسف عن خالد بن حمل أن علي بن أبي نخيلة حدثه أن المنصور أمر أبا نخيلة أن يهرب إلى خراسان فأخذه قطري وكتفه فأضجعه فلما وضع السكين على أوداجه قال إيه يا بن الخناء ألست القائل
( علِقَت معالقها وصر الجندب ... )
الآن صَر جندبك فقال لعن الله ذاك جندباً ما كان أشأم ذكره ثم ذبحه قطري وسلخ وجهه وألقى جسمه إلى النسور وأقسم لا يريم مكانه حتى تمزق السباع والطيور لحمه فأقام حتى لم يبق منه إلا عظامه ثم انصرف
أخبرنا جعفر بن قدامة قال حدثنا أبو حاتم السجستاني قال حدثني
(20/432)

الأصمعي عن سعيد بن سلم عن أبيه قال
قلت لأبي الأبرش مات أبو نخيلة قال حتف أنفه قلت لا بل اغتيل فقتل فقال الحمد لله الذي قطع قلبه وقبض روحه وسفك دمه وأراحني منه وأحياني بعده
وكان أبو نخيلة يهاجي الأبرش فغلبه أبو نخيلة
صوت
( ولقد دخلتُ على الفتاة ... الخِدر في اليوم المطيرِ )
( فدفعتُها فتدافعت ... مشيَ القطاة على الغدير )
( فلثمتُها فتنفسَت ... كتنفس الظبي البهيرِ ) الشعر للمنخل اليشكري والغناء لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وأحمد المكي
تم الجزء العشرون من كتاب الأغاني ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي والعشرون وأوله أخبار المنخل ونسبه
(20/433)

بسم الله الرحمن الرحيم
أخبار المنخل ونسبه
هو المنخل بن عمرو - ويقال المنخل بن مسعود - بن أفلت بن عمرو بن كعب بن سواءة بن غنم بن حبيب بن يشكر بن بكر بن وائل
وذكر أبو محلم النسابة أنه المنخل بن مسعود بن أفلت بن قطن بن سوءة بن مالك بن ثعلبة بن حبيب بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر وقال ابن الأعرابي هو المنخل بن الحارث بن قيس بن عمرو بن ثعلبة بن عدي بن جشم بن حبيب بن كعب بن يشكر
اتهمه النعمان بامرأته المتجردة فقتله
شاعر مقل من شعراء الجاهلية وكان النعمان بن المنذر قد اتهمه بامرأته المتجردة وقيل بل وجده معها وقيل بل سعي به إليه في أمرها فقتله وقيل بل حبسه ثم غمض خبره فلم تعلم له حقيقة إلى اليوم فيقال إنه دفنه حيا ويقال إنه غرقه والعرب تضرب به المثل كما تضربه بالقارظ العنزي
(21/5)

ممن هلك ولم يعلم له خبر وقال ذو الرمة
( تُقارِب حتى تُطمِعَ التابعَ الصّبا ... وليست بأدنى من إياب المنخّلِ )
وقال النمر بن تولب
( وقَوْلِي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... تلاقونه حتى يؤوبَ لمنخّلُ )
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني أحمد بن زهير قال أخبرني عبد الله بن كريم قال أخبرني أبو عمرو الشيباني قال
كان سبب قتل المنخل أن المتجردة - واسمها ملوية وقيل هند بنت المنذر بن الأسود الكلبية - كانت عند ابن عم لها يقال له حلم وهو الأسود بن المنذر بن حارثة الكلبي وكانت أجمل أهل زمانها فرآها المنذر ابن المنذر الملك اللخمي فعشقها فجلس ذات يوم على شرابه ومعه حلم وامرأته المتجردة فقال المنذر لحلم إنه لقبيح بالرجل أن يقيم على المرأة زمانا طويلا حتى لا يبقى في رأسه ولا لحيته شعرة بيضاء إلا عرفتها فهل لك أن تطلق امرأتك المتجردة وأطلق امرأتي سلمى قال نعم فأخذ كل واحد منهما على صاحبه عهدا قال فطلق المنذر امرأته سلمى وطلق حلم امرأته المتجردة فتزوجها المنذر ولم يطلق لسلمى أن تتزوج حلما
(21/6)

وهي أم ابنه النعمان بن المنذر - فقال النابغة الذبياني يذكر ذلك
( قد خادعوا حُلماً عن حرّة خَرِدٍ ... حتى تبطَّنها الخدّاع ذو الحُلُمِ )
قال ثم مات المنذر بن المنذر فتزوجها بعده النعمان بن المنذر ابنه وكان قصيرا دميما أبرش وكان ممن يجالسه ويشرب معه النابغة الذبياني - وكان جميلا عفيفا - والمنخل اليشكري - وكان جميلا - وكان يتهم بالمتجردة فأما النابغة فإن النعمان أمره بوصفها فقال قصيدته التي أولها
( ِمن آل ميّةَ رائح أو مُغْتدي ... عجلانَ ذا زادٍ وغيرَ مزوَّد )
ووصفها فأفحش فقال
( وإذا طعنتَ طعنتَ في مستهدِفٍ ... رابي المَجسّة بالعَبير مُقَرمَدِ )
( وإذا نزعتَ نزعتَ عن مستحصِفٍ ... نزع الحَزَوّر بالرشاء المحصَدِ )
فغار المنخل من ذلك وقال هذه صفة معاين فهم النعمان بقتل النابغة حتى هرب منه وخلا المنخل بمجالسته وكان يهوى المتجردة وتهواه وقد ولدت للنعمان غلامين جميلين يشبهان المنخل وكانت العرب تقول إنهما منه فخرج النعمان لبعض غزواته - قال ابن الأعرابي بل خرج متصيدا - فبعثت المتجردة إلى المنخل فأدخلته قبتها وجعلا يشربان فأخذت خلخالها وجعلته في رجله وأسدلت شعرها فشدت خلخالها إلى خلخاله الذي في رجله من شدة إعجابها به ودخل النعمان بعقب ذلك فرآها
(21/7)

تلك الحال فأخذه فدفعه إلى رجل من حرسه من تغلب يقال له عكب وأمره بقتله فعذبه حتى قتله فقال المنخل يحرض قومه عليه
( ألا مَن مبلِغ الحيّين عنّي ... بأن القوم قد قتلوا أُبَيّا )
( فإن لم تثأروا لي من عِكَبٍّ ... فلا رَوَّيْتُمُ أبدا صَدِيا )
وقال أيضا
( ظلّ وسْط النديّ قتلَى بلا جُرم ... وقومي يُنتِّجون السِّخالا )
وقال في المتجردة
( دِيارٌ لِلَّتي قتلتكَ غصباً ... بلا سيفٍ يُعَدُّ ولا نِبالِ )
( بطَرْفٍ مَيِّتٍ في عين حيٍّ ... له خَبَلٌ يزيدُ على الخَبالِ )
وقال أيضا
( ولقد دخلتُ على الفتاة ... الخِدرَ في اليومِ المَطيرِ )
( الكاعبِ الخسناءِ تر ... فُلَ في الدِّمَقْسِ وفي الحريرِ )
( دافعتُها فتدافَعَتْ ... مَشْيَ القطاةِ إلى الغديرِ )
( ولثمتُها فتنفَّست ... كتنفُّسِ الظبي البَهيرِ )
( ورَنَت وقالت يا مُنَخَّلُ ... هل بجسمك من فتورِ )
(21/8)

( ما مسَّ جسمي غيرُ حُبِّكَ ... فاهدئي عنِّي وسيرِي )
( يا هندُ هل من نائلٍ ... يا هند للعاني الأسير )
( وأُحبُّها وتُحِبُّنِي ... ويُحِبُّ ناقتَها بعِيري )
( ولقد شربتُ من المُدامَةِ ... بالكبيرِ وبالصغيرِ )
( فإذا سكِرْتُ فإنَّني ... ربُّ الخوَرْنَق والسَّديرِ )
( وإذا صحوتُ فإنَّني ... ربُّ الشُّوَيْهةِ والبعيرِ )
( يا رُبَّ يومٍ - للمنخَّلِ ... قد لها فيه - قصير )
رواية أخرى عن علاقته بالمتجردة وشعره فيها
وأخبرني بخبر المنخل مع المتجردة أيضا علي بن سليمان الأخفش قال
أخبرني أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال
كانت المتجردة امرأة النعمان فاجرة وكانت تتهم بالمنخل وقد ولدت للنعمان غلامين جميلين يشبهان المنخل فكان يقال إنهما منه وكان جميلا وسيما وكان النعمان أحمر أبرش قصيرا دميما وكان للنعمان يوم يركب فيه فيطيل المكث وكان المنخل من ندمائه لا يفارقه وكان يأتي المتجردة في ذلك اليوم الذي يركب فيه النعمان فيطيل عندها حتى إذا جاء النعمان آذنتها بمجيئه وليدة لها موكلة بذلك فتخرجه
فركب النعمان ذات يوم وأتاها المنخل كما كان يأتيها فلاعبته وأخذت
(21/9)

قيداً فجعلت إحدى حلقتيه في رجله والأخرى في رجلها وغفلت الوليدة عن ترقب النعمان لأن الوقت الذي يجيء فيه لم يكن قرب بعد وأقبل النعمان حينئذ ولم يطل في مكثه كما كان يفعل فدخل إلى المتجردة فوجدها مع المنخل قد قيدت رجلها ورجله بالقيد فأخذه النعمان فدفعه إلى عكب صاحب سجنه ليعذبه - وعكب رجل من لخم - فعذبه حتى قتله وقال المنخل قبل أن يموت هذه الأبيات وبعث بها إلى ابنيه
( ألا َمن مبلغ الحُرّين عنّي ... بأن القوم قد قتلوا أُبيا )
( وإن لم تثأروا لي من عِكَبٍّ ... فلا أَرويتما أبداً صَدِيّا )
( يُطوّف بي عِكبٌ في معدٍّ ... ويطعن بالصُّملّة في قَفَيّا )
قال ابن حبيب وزعم ابن الجصاص أن عمرو بن هند هو قاتل المنخل والقول الأول أصح
وهذه القصيدة التي منها الغناء يقولها في المتجردة وأولها قوله
( إن كنتِ عاذلتي فسيري ... نحوَ العراق ولا تَحوري )
( لا تسألي عن جُلّ ما ... لي وأذكري كرَمي وخِيري )
( وإذا الرياح تناوحَتْ ... بجوانب البيت الكسير )
( ألفيتِني هشّ النديِّ ... بِمرّ قدِحي أو شجيري )
الشجير القدح الذي لم يصلح حسنا ويقال بل هو القدح العارية
(21/10)

( ونَهَى أبو أفعى فقلّدنِي ... أبو أفعى جريري )
( وجُلالة خطّارة ... هوجاءَ جائلةَ الضُّفور )
( تعدو بأشعثَ قد وَهَى ... سِربالُه باقي المسير )
( فُضُلاً على ظهر الطريقِ ... إليك علقمةَ بنَ صير )
( الواهب الكومِ الصّفا ... يا والأوانس في الخُدورِ )
( يُصفيك حين تجيئه ... بالعَصْب والحَلْي الكثير )
( وفوارسٍ كأُوار حرِّ ... النار أحلاسِ الذُّكورِ )
( شدُّوا دوابرَ بيضهم ... في كلّ محكمةِ الفتير )
( فاستلأموا وتَلبَّبُوا ... ان التلبّب للمغير )
( وعلى الجياد المضمَرا ... ت فوارسٌ مثل الصقور )
( يَخرجن من خَلَل الغبا ... ر يَجِفْن بالنَّعَم الكثير )
( فشفيتُ نفسي من أولئك ... والفوائح بالعبير )
(21/11)

( يرفُلن في المسك الذكيّ ... وصائكٍ كدَمِ النّحيرِ )
( يعكُفن مثل أساوِد التَّنُّومِ ... لم تُعكَف لِزور )
( ولقد دخلتُ على الفتا ... ة الخِدرَ في اليومِ المَطيرِ )
( الكاعبِ الحسناءِ تر ... فُلَ في الدِّمَقْسِ وفي الحريرِ )
( فدفعتُها فتدافَعَتْ ... مَشْيَ القطاةِ إلى الغديرِ )
( ولثمتُها فتنفَّست ... كتنفُّسِ الظبي البَهيرِ )
( فَدَنَت وقالت يا مُنَخَّلُ ... ما بجسمك من فتورِ )
( ما شفَّ جسمي غيرُ حُبِّكَ ... فاهدئي عنِّي وسيرِي )
( ولقد شربتُ من المُدا ... مَةِ وبالصغير بالكبير ِ )
( ولقد شرِبتُ الخمر بالخيل ... الإناث وبالذُّكورِ )
( ولقد شرِبتُ الخمر بال ... الصحيح وبالأَسِيرِ )
( فإذا سكِرْتُ فإنَّني ... ربُّ الخوَرْنَق والسَّديرِ )
( وإذا صحوتُ فإنَّني ... ربُّ الشُّوَيْهةِ والبعيرِ )
( يا رُبَّ يومٍ للمنخَّلِ ... قد لها فيه قصير )
( يا هندُ هل من نائلٍ ... يا هند للعاني الأسير )
ومن الناس من يزيد في هذه القصيدة
( وأُحبُّها وتُحِبُّنِي ... ويُحِبُّ ناقتَها بعِيري )
ولم أجده في رواية صحيحة
(21/12)

صوت
( لِمَن شيخان قد نَشَدا كلابا ... كتابَ الله لو قَبِل الكتابا )
( أُناشده فيُعرِض في إباءٍ ... فلا وأَبِي كلابٍ ما أصابا )
الشعر لأمية بن الأسكر الليثي والغناء لعبد الله بن طاهر رمل بالوسطى صنعه ونسبه إلى لميس جاريته وذكر الهشامي أن اللحن لها وذكره عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في جامع أغانيهم ووقع إلي فقال الغناء فيه للدار الكبيرة وكذلك كان يكني عن أبيه وعن إسحاق بن إبراهيم ابن مصعب وجواريهم ويكني عن نفسه وجاريته شاجي وما يصنع في دور إخوته بالدار الصغيرة
(21/13)

أخبار أمية بن الأسكر ونسبه
هو أمية بن حرثان بن الأسكر بن عبد الله بن سرابيل الموت بن زهرة ابن زبينة بن جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار
شاعر فارس مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام وكان من سادات قومه وفرسانهم وله أيام مأثورة مذكورة
وكان له أخ يقال له أبو لاعق الدم وكان من فرسان قومه وشعرائهم وابنه كلاب بن أمية أيضا أدرك النبي فأسلم مع أبيه ثم هاجر إلى النبي فقال أبوه فيه شعرا ذكر أبو عمرو الشيباني أنه هذا الشعر وهو خطأ إنما خاطبه بهذا الشعر لما غزا مع أهل العراق لقتال الفرس وخبره في ذلك يذكر بعد هذا
قال أبو عمرو في خبره فأمره بصلة أبيه وملازمته طاعته
وكان عمر بن الخطاب استعمل كلابا على الأبلة فكان أبواه ينتابانه يأتيه أحدهما في كل سنة ثم أبطآ عليه وكبرا فضعفا عن لقائه فقال أبياتا وأنشدها عمر فرق له ورده إليهما فلم يلبث معهما إلا مدة حتى
(21/14)

نهشته أفعى فمات وهذا أيضا وهم من أبي عمرو وقد عاش كلاب حتى ولي لزياد الأبلة ثم استعفى فأعفاه وسأذكر خبره في ذلك وغيره هاهنا إن شاء الله تعالى
شعره لابنه كلاب لما طالت غيبته
فأما خبره مع عمر فإن الحسن بن علي أخبرني به قال حدثني الحارث بن محمد قال حدثني المدائني عن أبي بكر الهذلي عن الزبيري عن عروة بن الزبير قال
هاجر كلاب بن أمية بن الأسكر إلى المدينة في خلافة عمر بن الخطاب فأقام بها مدة ثم لقي ذات يوم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام فسألهما أي الأعمال أفضل في الإسلام فقالا الجهاد فسأل عمر فأغزاه في جيش وكان أبوه قد كبر وضعف فلما طالت غيبة كلاب عنه قال
( لِمَن شيخان قد نشدا كلابا ... كتابَ الله إن قَبِل الكتابا )
( أناديه فيُعرض في إباء ... فلا وأبي كلابٍ ما أصابا )
( إذا سجَعتْ حمامةُ بطنِ وادٍ ... إلى بَيْضاتها دعَوَا كلابا )
( أتاه مهاجران تكنّفاه ... ففارق شيخه خَطِئا وخابا )
( تركتَ أباك مُرعَشةً يداه ... وأُمَّك ما تُسيغ لها شرابا )
( تُمَسّح مُهره شفقَاً عليه ... وتجنُبه أباعرَها الصعابا )
(21/15)

قال تجنبه وتجنبه واحد من قول الله عز و جل ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) قال
( فإنك قد تركت أباك شيخاً ... يطارق أينُقا شُزُباً طِرابا )
( فإنك والتماسَ الأجرِ بَعدي ... كباغِي الماءِ يتّبع السرابا )
شعره في استرحام عمر لاسترداد ابنه
فبلغت أبياته عمر فلم يردد كلابا وطال مقامه فأهتر أمية وخلط جزعا عليه ثم أتاه يوما وهو في مسجد رسول الله وحوله المهاجرون والأنصار فوقف عليه ثم أنشأ يقول
( أعاذلَ قد عذَلْتِ بغيرِ قدرٍ ... ولا تدرِين عاذلَ ما أُلاقي )
( فإمّا كنتِ عاذلتي فَرُدِّي ... كِلاباً إذ توجَّه للعراق )
( ولم أَقضِ اللُّبانة من كِلابٍ ... غداةَ غدٍ وأُذِّن بالفِراق )
( فتى الفِتيان في عُسْرٍ ويُسرٍ ... شديدُ الرُّكن في يوم التلاقِي )
( فلا والله ما باليتَ وَجدي ... ولا شفقي عليكَ ولا اشتياقِي )
( وإبقائي عليكَ إذا شتَونا ... وضمَّك تحت بحري واعتناقي )
( فلو فَلق الفؤادَ شَدِيدُ وجْدٍ ... لهَمَّ سوادُ قلبي بانفلاقِ )
( سأَستعدي على الفاروق ربًّا ... له دُفِعَ الحجيجُ إلى بُساقِ )
(21/16)

( وأدعو الله مجتهداً عليه ... ببطن الأخشَبين إلى دُفاق )
( إنِ الفاروقُ لم يردد كلاباً ... الى شيخين هامُهما زَواق )
قال فبكى عمر بكاء شديدا وكتب برد كلاب إلى المدينة فلما قدم دخل إليه فقال ما بلغ من برك بأبيك قال كنت أوثره وأكفيه أمره وكنت أعتمد إذا أردت أن أحلب له لبنا أغزر ناقة في إبله وأسمنها فأريحها وأتركها حتى تستقر ثم أغسل أخلافها حتى تبرد ثم أحتلب له فأسقيه فبعث عمر إلى أمية من جاء به إليه فأدخله يتهادى وقد ضعف بصره وانحنى فقال له كيف أنت يا أبا كلاب قال كما تراني يا أمير المؤمنين قال فهل لك من حاجة قال نعم أشتهي أن أرى كلابا فأشمه شمة وأضمه ضمة قبل أن أموت فبكى عمر ثم قال ستبلغ من هذا ما تحب إن شاء الله تعالى ثم أمر كلابا أن يحتلب لأبيه ناقة كما كان يفعل ويبعث إليه بلبنها ففعل فناوله عمر الإناء وقال دونك هذا يا أبا كلاب فلما أخذه وأدناه إلى فمه قال لعمر والله يا أمير المؤمنين إني لأشم رائحة يدي كلاب من هذا الإناء فبكى عمر وقال هذا كلاب عندك حاضرا قد جئناك به فوثب إلى ابنه وضمه إليه وقبله وجعل عمر يبكي ومن حضره وقال لكلاب الزم أبويك فجاهد فيهما ما بقيا ثم شأنك بنفسك بعدهما وأمر له بعطائه وصرفه مع أبيه فلم يزل معه مقيما حتى مات أبوه
(21/17)

أصيبت إبله بالهيام فأخرجه قومه
ونسخت من كتاب أبي سعيد السكري أن أمية كانت له إبل هائمة - أي أصابها الهيام وهو داء يصيب الإبل من العطش - فأخرجته بنو بكر مخافة أن يصيب إبلهم فقال لهم يا بني بكر إنما هي ثلاث ليال ليلة بالبقعاء وليلة بالفرع وليلة بلقف في سامر من بني بكر فلم ينفعه ذلك وأخرجوه فأتى مزينة فأجاروه وأقام عندهم إلى أن صحت إبله وسكنت فقال يمدح مزينة
( تكنّفها الهُيام وأخرجوها ... فما تأوي إلى إبل صِحاحٍ )
( فكان إلى مُزَينةَ منتهاها ... على ما كان فيها من جُناح )
( وما يكن الجُناحُ فإنّ فيها ... خلائقَ ينتمين إلى صلاح )
( ويوما في بني ليث بن بكرٍ ... تُراعى تحت قعقعة الرماح )
( فإمَّا أُصبِحَنْ شيخاً كبيراً ... وراء الدار يُثقِلنِي سلاحي )
( فقد آتي الصريخَ إذا دعاني ... على ذي مَنْعة عَتِدٍ وَقاح )
( وشرُّ أخي مؤامرةٍ خَذولٌ ... على ما كان مؤتِكلٌ ولاح )
عمَّر حتى خرف وسُخِر منه
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن عبد الله الحزنبل عن عمرو بن أبي
(21/18)

عمرو الشيباني عن أبيه وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أبو توبة عن أبي عمرو قال عمر أمية بن الأسكر عمرا طويلا حتى خرف فكان ذات يوم جالسا في نادي قومه وهو يحدث نفسه إذ نظر إلى راعي ضأن لبعض قومه يتعجب منه فقام لينهض فسقط على وجهه فضحك الراعي منه وأقبل ابناه إليه فلما رآهما أنشأ يقول
( يا بْنَي أمية إني عنكما غانِ ... وما الغنى غير أني مُرعَشٌ فانِ )
( يابْنَي أمية إلاّ تحفظا كِبَري ... فإنما أنتما والثُّكْلُ سِيّانِ )
( هل لكما في تُراثٍ تذهبان به ... إن التراثَ لِهَيّان بنِ بَيّان )
- يقال هيان بن بيان وهي ترى للقريب والبعيد -
( أصبحت هُزْءاً لراعي الضأن يَسخَر بِي ... ماذا يَريبك مِنِّي راعيَ الضّان )
( اعجَبْ لغيريَ إني تابع سلفي ... أعمامَ مجد وأجدادي وإخواني )
( وانعَقْ بضأنك في أرض تُطِيف بها ... بين الأَساف وأنتجها بِجِلْذان )
- جلذان موضع بالطائف -
( ببلدة لا ينام الكالئان بها ... ولا يقَرُّ بها أصحابُ ألوان )
إعجاب الإمام علي بشعره
وهذه الأبيات تمثل بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في خطبة له على المنبر بالكوفة
حدثنا بها أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري
(21/19)

قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن أبي رجاء قال حدثنا إبراهيم بن سعد قال قال عبد الله بن عدي بن الخيار
شهدت الحكمين ثم أتيت الكوفة وكانت لي إلى علي عليه السلام حاجة فدخلت عليه فلما رآني قال مرحبا بك يابن أم قتال أزائرا جئتنا أم لحاجة فقلت كل جاء بي جئت لحاجة وأحببت أن أجدد بك عهدا وسألته عن حديث فحدثني على ألا أحدث به واحدا فبينا أنا يوما بالمسجد في الكوفة إذا علي صلوات الله عليه متنكب قرنا له فجعل يقول الصلاة جامعة وجلس على المنبر فاجتمع الناس وجاء الأشعث بن قيس فجلس إلى جانب المنبر فلما اجتمع الناس ورضي منهم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنكم تزعمون أن عندي من رسول الله ما ليس عند الناس ألا وإنه ليس عندي إلا ما في قرني هذا ثم نكت كنانته فأخرج منها صحيفة فيها المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم من احدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فقال له الأشعث بن قيس هذه والله عليك لا لك دعها تترحل فخفض علي - صلوات الله عليه - إليه بصره وقال ما يدريك ما علي مما لي عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين حائك ابن حائك منافق ابن منافق كافر ابن كافر والله لقد
(21/20)

الإسلام مرة والكفر مرة فما فداك من واحد منهما حسبك ولا مالك ثم رفع إلي بصره فقال يا عبيد الله
( أصبحتُ قِنًّا لراعي الضأن يلعب بي ... ماذا يَريبك منِّي راعيَ الضان )
فقلت بأبي أنت وأمي قد كنت والله أحب أن أسمع هذا منك قال هو والله ذلك قال
( فما قِيلَ لي من بعدها من مقالة ... ولا عَلِقتْ مني جديدا ولا دَرْسا )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الحارث عن المدائني قال
لما مات أمية بن الأسكر عاد ابنه كلاب إلى البصرة فكان يغزو مع المسلمين منها مغازيهم وشهد فتوحات كثيرة وبقي إلى أيام زياد فولاه الأبلة فسمع كلاب يوما عثمان بن أبي العاص يحدث أن داود نبي الله - عليه السلام - كان يجمع أهله في السحر فيقول ادعوا ربكم فإن في السحر ساحة لا يدعو فيها عبد مؤمن إلا غفر له إلا أن يكون عشارا أو عريفا
فلما سمع ذلك كلاب كتب إلى زياد فاستعفاه من عمله فأعفاه
قال المدائني ولم يزل كلاب بالبصرة حتى مات والمربعة المعروفة بمربعة كلاب بالبصرة منسوبة إليه
وقال أبو عمرو الشيباني كان بين بني غفار قومه وبني ليث حرب فظفرت بنو ليث بغفار فحالف رحضة بن خزيمة بن خلاف بن حارثة بن
(21/21)

وقومه جميعا بني أسلم بن أفصى بن خزاعة فقال أمية بن الأسكر في ذلك وكان سيد بني جندع بن ليث وفارسهم
( لقد طِبْتَ نفساً عن مواليك يا رَحْضا ... وآثرتَ أذناب الشوائل والحمضا )
( تُعللنا بالنّصر في كل شتوة ... وكلّ ربيع أنت رافضنا رفضا )
( فلولا تأسّينا وحدُّ رماحنا ... لقد جلاّ قومٌ لحمنا تَرِباً قَضَّا )
- القض والقضيض الحصا الصغار -
تمثل عبد الله بن الزبير بشعره
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب بن عبد الله عن أبيه قال
افتعل عمرو بن الزبير كتابا عن معاوية إلى مروان بن الحكم بأن يدفع إليه مالا فدفعه إليه فلما عرف معاوية خبره كتب إلى مروان بأن يحبس عمرا حتى يؤدي المال فحبسه مروان وبلغ الخبر عبد الله بن الزبير فجاء إلى مروان وسأله عن الخبر فحدثه به فقال ما لكم في ذمتي فأطلق عمرا وأدى عبد الله المال عنه وقال والله إني لأؤديه عنه وإني لأعلم أنه غير شاكر ثم تمثل قول أمية بن الأسكر الليثي
( فلولا تأسّينا وحدّ رماحنا ... لقد جرّ قوم لحمنا تَرِبا قَضّا )
وقال ابن الكلبي حدثنا بعض بني الحارث بن كعب قال
(21/22)

سيدان يخطبان ابنة له جميلة
اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطفيل بموسم عكاظ فقدم أمية بن الأسكر ومعه بنت له من أجمل أهل زمانها فخطبها يزيد وعامر فقالت أم كلاب امرأة أمية من هذان الرجلان قال هذا ابن الديان وهذا عامر بن الطفيل قالت أعرف ابن الديان ولا أعرف عامرا قال هل سمعت بملاعب الأسنة قالت نعم والله قال فهذا ابن أخيه
وأقبل يزيد فقال يا أمية أنا ابن الديان صاحب الكثيب ورئيس
(21/23)

مذحج ومكلم العقاب ومن كان يصوب أصابعه فتنطف دما ويدلك راحتيه فتخرجان ذهبا قال أمية بخ بخ
فقال عامر جدي الأحزم وعمي أبو الأصبع وعمي ملاعب الأسنة وجدي الرحال وأبي فارس قرزل قال أمية بخ بخ مرعى ولا كالسعدان فأرسلها مثلا
فقال يزيد يا عامر هل تعلم شاعرا من قومي رحل بمدحه إلى رجل من قومك قال لا قال فهل تعلم أن شعراء قومك يرحلون بمدحهم إلى قومي قال نعم قال فهل لك نجم يمان أو برد يمان أو سيف يمان أو ركن يمان فقال لا قال فهل ملكناكم ولم تملكونا قال نعم فنهض يزيد وقام ثم قال
( أُمَيّ يابنَ الأسكر بنِ مُدلج ... لا تجعلَنْ هوازنا كَمذحِجِ )
( إنك إن تلهج بأمر تلجَجِ ... ما النّبع في مغرِسه كالعَوْسج )
( ولا الصّريحُ المحضُ كالممزَّج ... )
وقال مرة بن دودان العقيلي وكان عدوا لعامر بن الطفيل
(21/24)

( يا ليت شعري عنك يا يزيدُ ... ماذا الذي من عامر تريدُ )
( لكلّ قوم فخرُهم عتيدُ ... أمُطلَقون نحن أم عبيدُ )
( لا بل عَبيدٌ زادُنا الهَبيد ... )
فزوج أمية يزيد فقال يزيد في ذلك
( يا للرَجال لطارق الأحزان ... ولعامر بن طفيلٍ الوسنانِ )
( كانت إتاوةُ قومه لمحرِّق ... زمناً وصارت بعدُ للنعمان )
( عَدّ الفوارسَ من هوازن كلّهَا ... كثَفْا عليّ وجئتُ بالديان )
( فإذا ليَ الفضلُ المبين بوالدٍ ... ضخم الدَّسِيعة أزأنيٍّ ويمان )
( يا عامِ إنك فارسٌ متهوّرٌ ... غضُّ الشباب أخو نَديً وقيان )
( واعلم بأنك يابن فارس قرْزَل ... دون الذي تسمو له وتُداني )
( ليستْ فوارسُ عامرٍ بمُقِرَّةٍ ... لك بالفضيلة في بني عَيْلان )
( فإذا لقيتَ بني الخميس ومالكاً ... وبني الضَّباب وحيَّ آل قنان )
( فاسأل مَنِ المرةُ المُنَوَّء باسمه ... والدافعُ الأعداء عن نَجران )
( يُعطَى المَقادةَ في فوارس قومِه ... كرما لعمرك والكريم يمان )
فقال عامر بن الطفيل مجيبا له
( يا للرجال لطارق الأحزان ... ولما يجيء به بنو الدّيانِ )
( فخروا عليَّ بِحَبْوةٍ لمحَرِّق ... وإتاوة سلفت من النعمان )
( ما أنت وابنَ محرقٍ وقبيلَه ... وإتاوةَ اللخميِّ في عَيْلانِ )
(21/25)

( فاقصِد بذَرْعك قَصْد أمرك قصده ... ودعِ القبائل من بني قحطان )
( إذ كان سالفُنا الإِتاوة فيهم ... أولى ففخرك فخر كل يمان )
( وافخر بِرَهط بني الحَماس ومالك ... وابن الضِّباب وزعبل وقيان )
( وأنا المنخل وابنُ فارس قُرْزُلٍ ... وأبو نزار زانني ونماني )
( وإذا تعاظمت الأمور موازنا ... كنتُ المنوَّهَ باسمه والثاني )
فلما رجع القوم إلى بني عامر وثبوا على مرة بن دودان وقالوا أنت شاعر بني عامر ولم تهج بني الديان فقال
( تكلّفني هوازنُ فخْرَ قومٍ ... يقولون الأنامُ لنا عبيدُ )
( أبوهم مَذْحِج وأبو أبيهم ... إذا ما عُدّت الآباءُ - هودُ )
( وهل لي إن فخَرتُ بغير فخر ... مقالٌ والأنام لهم شهود )
( فإنّا لم نزل لهمُ قطينا ... تجيء إليهمُ منا الوفود )
( فإنّا نضرب الأحلام صفحا ... عن العلياء أو من ذا يكيد )
( فقولوا يا بني عَيلان كنا ... قِنَّاً وما عنكم محيد )
وهذا الخبر مصنوع من مصنوعات ابن الكلبي والتوليد فيه بين وشعره شعر ركيك غث لا يشبه أشعار القوم وإنما ذكرته لئلا يخلو الكتاب من شيء قد روي
شعره في يوم المريسيع
وقال محمد بن حبيب فيما روى عنه أبو سعيد السكري ونسخته من كتابه قال أبو عمرو الشيباني
أصيب قوم من بني جندع بن ليث بن بكر بن هوازن رهط أمية بن
(21/26)

الأسكر يقال لهم بنو زبينة أصابهم أصحاب النبي يوم المريسيع في غزوته بني المصطلق وكانوا جيرانه يومئذ - ومعهم ناس من بني لحيان من هذيل ومع بني جندع رجل من خزاعة يقال له طارق فاتهمه بنو ليث بهم وأنه دل عليهم وكانت خزاعة مسلمها ومشركها يميلون إلى النبي على قريش فقال أمية بن الأسكر لطارق الخزاعي
( لعمرك إني والخزاعيُّ طارقا ... كنَعجة عادٍ حتفَها تتحفّر )
( أثارت عليها شَفرةً بِكُراعها ... فظلّت بها من آخر الليل تجزَر )
( شَمِتَّ بِقومٍ هم صديقك أُهلِكوا ... أصابهمُ يوم من الدهر أعسر )
( كأنك لم تُنبأ بيوم ذُؤالة ... ويومٍ الرّجيع إذ تنحّر حبتر )
( فهلاّ أباكم في هذيل وعمَّكم ... ثأرتُمْ وهمْ أعدى قلوبا وأوتر )
( ويوم الأراك يوم أُردِف سبيكم ... صميمُ سَراة الدَّيل عبدٌ ويعمرُ )
( وسَعْد بن ليث إذ تُسلُّ نساؤكم ... وكلب بن عوف نحرّوكم وعقّروا )
( عجبت لشيخ من ربيعةَ مُهْتَرٍ ... أُمِرّ له يومٌ من الدهر منكَر )
فأجابه طارق الخزاعي فقال
( لعمرك ما أدري وإني لقائل ... ألى أيِّ مَن يظُنّني أتعذَّر )
(21/27)

( أُعنَّف أَنْ كانت زبِينة أُهلكت ... ونال بني لحيانَ شرّ ونُفّروا )
وهذه الأبيات الابتداء والجواب تمثل بابتدائها ابن عباس في رسالة إلى معاوية وتمثل بجوابها معاوية في رسالة أجابه بها
حدثني بذلك أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي العطار بالكوفة قال حدثنا الحسين بن نصر بن مزاحم المنقري قال حدثنا زيد بن المعذل النمري قال حدثنا يحيى بن شعيب الخراز قال حدثنا أبو مخنف قال
لما بلغ معاوية مصاب أمير المؤمنين علي - عليه السلام - دس رجلا من بني القين إلى البصرة يتجسس الأخبار ويكتب بها إليه فدل على القيني بالبصرة في بني سليم فأخذ وقتل
وكتب ابن عباس من البصرة إلى معاوية
أما بعد فإنك ودسك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال الشاعر
( لعمرك إني والخزاعيَُّ طارقا ... كنَعجة عادٍ حتفَها تتحفّر )
( أثارت عليها شَفرةً بكُراعها ... فظلّت بها من آخر الليل تجزَرُ )
( شَمِتَّ بقومٍ هم صديقك أُهلِكوا ... أصابهمُ يوم من الدهر أمعر )
فأجابه معاوية أما بعد فإن الحسن قد كتب إلي بنحو مما كتبت به وأنبتني بما لم أجن ظنا وسوء رأي وإنك لم تصب مثلنا ولكن مثلنا ومثلكم كما قال طارق الخزاعي
( فوالله ما أدري وإني لصادق ... إلى أيِّ من يَظنُّني أتعذَّر )
( أُعنَّف أَنْ كانتَ زبِينةُ أُهلِكت ... ونال بني لِحيان شرّ ونُفِّروا )
(21/28)

صوت
( أبُنيّ إني قد كبِرتُ ورابني ... بَصرِي وفيّ لمُصلح مستمتَعُ )
( فلئن كبِرتُ لقد دنوتُ من البلى ... وحَلّتْ لكم منِّي خَلائقُ أربع )
عروضه من الكامل والشعر لعبدة بن الطبيب والغناء لابن محرز ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالبنصر في مجراها عن إسحاق وفيه لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر في مجراها عنه أيضا
(21/29)

نسب عبدة بن الطبيب وأخباره
هو فيما ذكر ابن حبيب عن ابن الأعرابي وأبو نصر أحمد بن حاتم عن الأصمعي وأبي عمرو الشيباني وأبي فروة العكلي عبدة بن الطبيب والطبيب اسمه يزيد بن عمرو بن وعلة بن أنس بن عبد الله بن عبد تيم بن جشم بن عبد شمس ويقال عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم
وقال ابن حبيب خاصة وقد أخبرني أبو عبيدة قال
تميم كلها كانت في الجاهلية يقال لها عبد تيم وتيم صنم كان لهم يعبدونه
أجاد الشعر ولم يكثر
وعبدة شاعر مجيد ليس بالمكثر وهو مخضرم أدرك الإسلام فأسلم وكان في جيش النعمان بن المقرن الذين حاربوا معه الفرس بالمدائن وقد ذكر ذلك في قصيدته التي أولها
( هل حَبلُ خَوْلَة بعد الهَجر موصولُ ... أم أنت عنها بَعيدُ الدار مشغولُ )
(21/30)

( حلّت خُويْلة في دارٍ مجاوِرةً ... أهلَ المدينة فيها الديك والفيل )
( يقارعون رؤوس العُجْم ضاحيةً ... منهم فوارس لا عُزْلٌ ولا مِيل )
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال
أرثى بيت قالته العرب قول عبدة بن الطبيب
( فما كان قيس هُلكهُ هُلكَ واحدٍ ... ولكنه بُنيانُ قوم تهدَّما )
وتمام هذه الأبيات أنشدناه علي بن سليمان الأخفش عن السكري والمبرد والأحول لعبدة يرثي قيسا
( عليك سلامُ الله قيسَ بنَ عاصم ... ورحمتُه ما شاء أن يترحّما )
( تحيةَ من أوليتَه منك نعمةً ... إذا زار عن شَحْطٍ بلادَك سلَّما )
( وما كان قيس هُلكهُ هلكَ واحد ... ولكنه بُنيانُ قوم تهدَّما )
كان يترفع عن الهجاء ويراه ضعة
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو عثمان الأشنانداني عن التوزي عن أبي عبيدة عن يونس قال
قال رجل لخالد بن صفوان كان عبدة بن الطبيب لا يحسن أن يهجو فقال لا تقل ذاك فوالله ما أبى من عي ولكنه كان يترفع عن الهجاء ويراه ضعة كما يرى تركه مروءة وشرفا قال
(21/31)

( وأجرأ من رأيتُ بِظَهْرِ غيبٍ ... على عيب الرجال أولوا العيوب )
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي أن عبد الملك بن مروان قال يوما لجلسائه
أي المناديل أشرف فقال قائل منهم مناديل مصر كأنها غرقىء البيض وقال آخرون مناديل اليمن كأنها نور الربيع فقال عبد الملك مناديل أخي بني سعد عبدة بن الطبيب قال
( لمّا نزلنا نصبنا ظلّ أخبيةٍ ... وفارَ لِلقوم باللحم المراجيلُ )
( وَرْدٌ وأشقرُ ما يؤنيه طابخهُ ... ما غيَّر الغليُ منه فهو مأكول )
( ثُمّتَ قمنا إلى جُرُد مُسوَّمةٍ ... أعرافُهنّ لأيدينا مناديل )
يعني بالمراجيل المراجل فزاد فيها الياء ضرورة
صوت
( إن الليالي أسرعَت في نقضي ... أخذن بعَضِي وتركن بَعْضِي )
( حَنَيْنَ طُولي وطَوَيْن عَرْضِي ... أقعدْنَني من بعد طول نهض )
عروضه من الرجز الشعر للأغلب العجلي والغناء لعمرو بن بانة هزج بالبنصر
(21/32)

أخبار الأغلب ونسبه
هو فيما ذكر ابن قتيبة الأغلب بن جشم بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل
وهو أحد المعمرين عمر في الجاهلية عمرا طويلا وأدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه وهاجر ثم كان فيمن توجه إلى الكوفة مع سعد بن أبي وقاص فنزلها واستشهد في وقعة بنهاوند فقبره هناك في قبور الشهداء
هو أول من رجز الأراجيز من العرب
ويقال إنه أول من رجز الأراجيز الطوال من العرب وإياه عن الحجاج بقوله مفتخرا
( إني أنا الأغلب أَمسى قد نشد ... )
(21/33)

قال ابن حبيب كانت العرب تقول الرجز في الحرب والحداء والمفاخرة وما جرى هذا المجرى فتأتي منه بأبيات يسيرة فكان الأغلب أول من قصد الرجز ثم سلك الناس بعده طريقته
أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلينا قال أخبرنا محمد بن سلام قال حدثنا الأصمعي وأخبرنا أحمد بن محمد أبو الحسن الأسدي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا معمر بن عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء قال
كانت للأغلب سرحة يصعد عليها ثم يرتجز
( قد عرَفَتْني سَرْحتي فأطَّتِ ... وقد شَمِطتُ بعدها واشمطَّتِ )
فاعترضه رجل من بني سعد ثم أحد بني الحارث بن عمرو بن كعب ابن سعد فقال له
أنشد من شعر الجاهلية فأنقص عمر عطاءه
( قَبُحتَ من سالِفةٍ ومن قفا ... عبدٌ إذا ما رسب القوم طفا )
( كما شِرار الرِّعْي أَطرافُ السّفَى ... )
(21/34)

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن عباد بن حبيب المهلبي قال حدثني نصر بن ناب عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال
كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة أن استنشد من قبلك من شعراء قومك ما قالوا في الإسلام فأرسل إلى الأغلب العجلي فاستنشده فقال
( لقد سألتَ هيِّناً موجودا ... أرجَزاً تريد أم قصيدا )
ثم أرسل إلى لبيد فقال له إن شئت مما عفا الله عنه يعني الجاهلية فعلت قال لا أنشدني ما قلت في الإسلام فانطلق لبيد فكتب سورة البقرة في صحيفة وقال أبدلني الله عز و جل بهذه في الإسلام مكان الشعر
فكتب المغيرة بذلك إلى عمر فنقص عمر من عطاء الأغلب خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد فكتب إلى عمر يا أمير المؤمنين أتنقص عطائي أن أطعتك فرد عليه خمسمائة وأقر عطاء لبيد على ألفين وخمسمائة
أخبرني محمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال
(21/35)

حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنا علي بن القاسم عن الشعبي قال
دخل الأغلب على عمر فلما رآه قال هيه أنت القائل
( أرجَزاً تريد أم قصيدَا ... لقد سألتَ هيِّناً موجودا )
فقال يا أمير المؤمنين إنما أطعتك فكتب عمر إلى المغيرة أن أردد عليه الخمس المائة وأقر الخمس المائة للبيد
شعره في سجاح حين تزوجت مسيلمة الكذاب
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال قال الأغلب العجلي في سجاح لما تزوجت مسيلمة الكذاب
( لقد لقيتْ سجاح من بعد العمى ... مُلَوَّحاً في العين مجلود القَرا )
( مثل العَتيق في شبابٍ قد أتى ... من اللُّجَيْميّين أصحابِ القِرَى )
( ليس بذي واهنةٍ ولا نَسا ... نشا بلحم وبخبز ما اشترى )
(21/36)

( حتى شتا يَنتح ذِفراه الندى ... خاظى البَضيع لحمهُ خظابظا )
( كأنما جمَّع من لحم الخُصى ... إذا تمطَّى بين بُرديه صأَى )
( كأنَّ عِرق أيره إذا ودى ... حَبلُ عجوز ضَفَّرت سبعَ قُوى )
( يمشي على قوائمٍ خمس زَكا ... يرفع وُسطاهنّ من بَرد النَّدى )
( قالت متى كنت أبا الخير متى ... قال حديثا لم يغيِّرني البِلى )
( ولم أفارق خُلَّة لي عن قِلَى ... فانتُسفَتْ فَيشتُه ذاتُ الشَّوى )
( كأن في أجلادها سبعَ كُلَى ... ما زال عنها بالحديث والمُنى )
( والخلُقِ السَّفسافِ يُردِي في الردى ... قال ألا ترَينَه قالت أرى )
( قال ألا أدخله قالت بلى ... فشام فيها مثلَ محارث الغضى )
( يقول لما غاب فيها واستوى ... لمِثلها كنتُ أُحسِّيك الحَسا )
من أخبار سجاح
وكان من خبر سجاح وادعائها النبوة وتزويج مسيلمة الكذاب إياها ما أخبرنا به إبراهيم بن النسوي يحيى عن أبيه عن شعيب عن سيف
(21/37)

أن سجاح التميمية ادعت النبوة بعد وفاة رسول الله واجتمعت عليها بنو تميم فكان فيما ادعت أنه أنزل عليها يأيها المؤمنون المتقون لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشا قوم يبغون
واجتمعت بنو تميم كلها إليها لتنصرها وكان فيهم الأحنف بن قيس وحارثة بن بدر ووجوه تميم كلها
وكان مؤذنها شبيب بن ربعي الرياحي فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذاب وهو باليمامة وقالت يا معشر تميم اقصدوا اليمامة فاضربوا فيها كل هامة وأضرموا فيها نارا ملهامة حتى تتركوها سوداء كالحمامة
وقالت لبني تميم إن الله لم يجعل هذا الأمر في ربيعة وإنما جعله في مضر فاقصدوا هذا الجمع فإذا فضضتموه كررتم على قريش فسارت في قومها وهم الدهم الداهم وبلغ مسيلمة خبرها فضاق بها ذرعا وتحصن في حجر حصن اليمامة وجاءت في جيوشها فأحاطت به فأرسل إلى وجوه قومه وقال ما ترون قالوا نرى أن نسلم هذا الأمر إليها وتدعنا فإن لم نفعل فهو البوار
وكان مسيلمة ذا دهاء فقال سأنظر في هذا الأمر ثم بعث إليها إن الله تبارك وتعالى أنزل عليك وحيا وأنزل علي فهلمي نجتمع فنتدارس ما أنزل الله علينا فمن عرف الحق تبعه واجتمعنا فأكلنا العرب أكلا بقومي وقومك
(21/38)

فبعثت إليه أفعل فأمر بقبة أدم فضربت وأمر بالعود المندلي فسجر فيها وقال أكثروا من الطيب والمجمر فإن المرأة إذا شمت رائحة الطيب ذكرت الباه ففعلوا ذلك
وجاءها رسوله يخبرها بأمر القبة المضروبة للاجتماع فأتته فقالت هات ما أنزل عليك فقال ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج منها نطفة تسعى بين صفاق وحشا من بين ذكر وأنثى وأموات وأحيا ثم إلى ربهم يكون المنتهى قالت وماذا قال ألم تر أن الله خلقنا أفواجا وجعل النساء لنا أزواجا فنولج فيهن الغراميل إيلاجا ونخرجها منهن إذا شئن إخراجا قالت فبأي شيء أمرك قال
( أَلا قومي إلى النَّيكِ ... فقد هُيِّي لك المضجعْ )
( فإن شئتي ففي البيت ... وإن شئتي ففي المُخدعْ )
( وإن شئتي سلقناك ... وإن شئتي على أربعْ )
( وإن شئتي بثلثيه ... وإن شئتي به أجمعْ )
قال فقالت لا إلا به أجمع قال فقال كذا أوحى الله إلي فواقعها فلما قام عنها قالت إن مثلي لا يجري أمرها هكذا فيكون وصمة على قومي وعلي ولكني مسلمة النبوة إليك فاخطبني إلى أوليائي يزوجوك ثم أقود تميما معك
(21/39)

فخرج وخرجت معه فاجتمع الحيان من حنيفة وتميم فقالت لهم سجاح إنه قرأ علي ما أنزل عليه فوجدته حقا فاتبعته ثم خطبها فزوجوه إياها وسألوه عن المهر فقال قد وضعت عنكم صلاة العصر فبنو تميم إلى الآن بالرمل لا يصلونها ويقولون هذا حق لنا ومهر كريمة منا لا نرده قال وقال شاعر من بني تميم يذكر أمر سجاح في كلمة له
( أضحَتْ نَبِيّتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياءُ الله ذُكْرانا )
قال وسمع الزبرقان بن بدر الأحنف يومئذ وقد ذكر مسيلمة وما تلاه عليهم فقال الأحنف والله ما رأيت أحمق من هذا النبي قط فقال الزبرقان والله لأخبرن بذلك مسيلمة قال إذا والله أحلف أنك كذبت فيصدقني ويكذبك قال فأمسك الزبرقان وعلم أنه قد صدق
قال وحدث الحسن البصري بهذا الحديث فقال أمن والله أبو بحر من نزول الوحي قال فأسلمت سجاح بعد ذلك وبعد قتل مسيلمة وحسن إسلامها
صوت
( كم ليلةٍ فيكِ بِتُّ أسهرها ... ولوعةٍ من هواك أُضمِرُها )
( وحُرقةٍ والدموعُ تُطفئها ... ثم يعود الجوى فيُسعِرها )
(21/40)

( بيضاء رُود الشباب قد غُمِسَت ... في خَجل دائب يعصفرها )
( الله جارٌ لها فما امتلأَت ... عيناي إلا من حيثُ أُبصِرُها )
الشعر للبحتري والغناء لعريب رمل مطلق من مجموع أغانيها وهو لحن مشهور في أيدي الناس والله أعلم
(21/41)

أخبار البحتري ونسبه
هو الوليد بن عبيد الله بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم بن أبي حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عثمة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طيىء بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان
هجاؤه جيد على ندرته
ويكنى أبا عبادة شاعر فاضل فصيح حسن المذهب نقي الكلام مطبوع كان مشايخنا رحمة الله عليهم يختمون به الشعراء وله تصرف حسن فاضل نقي في ضروب الشعر سوى الهجاء فإن بضاعته فيه نزرة وجيده منه قليل وكان ابنه أبو الغوث يزعم أن السبب في قلة بضاعته في هذا الفن أنه لما حضره الموت دعابه وقال له اجمع كل شيء قلته في الهجاء ففعل فأمره بإحراقه ثم قال له يا بني هذا شيء قلته في وقت فشفيت به غيظي وكافأت به قبيحا فعل بي وقد أنقضى أربي في ذلك وإن بقي روي وللناس أعقاب يورثونهم العداء والمودة
(21/42)

وأخشى أن يعود عليك من هذا شيء في نفسك أو معاشك لا فائدة لك ولي فيه قال فعلمت أنه قد نصحني وأشفق علي فأحرقته
أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي الغوث
وهذا كما قال أبو الغوث لا فائدة لك ولا لي فيه لأن الذي وجدناه وبقي في أيدي الناس من هجائه أكثره ساقط مثل قوله في ابن شير زاد
( نفقْتَ نُفُوق الحمار الذَّكَرْ ... وبان ضُراطُك عنا فمُرْ )
ومثل قوله في علي بن الجهم
( ولو أعطاك ربُّك ما تمَنَّى ... لزادك منه في غِلَظ الأيور )
( عَلامَ طَفِقْت تهجوني مليًّا ... بما لفَقِّت من كذبٍ وزُورِ )
وأشباه لهذه الأبيات ومثلها لا يشاكل طبعه ولا تليق بمذهبه وتنبىء بركاكتها وغثاثة ألفاظها عن قلة حظه في الهجاء وما يعرف له هجاء جيد إلا قصيدتان إحداهما قوله في ابن أبي قماش
( مرّت على عَزْمِها ولم تقفِ ... مُبديةً للشِّنان والشَّنَفِ )
يقول فيها لابن أبي قماش
(21/43)

( قد كان في الواجب المُحقَّق أن ... تعرف ما في ضميرها النّطفِ )
( بما تَعاطَيتَ في العيوب وما ... أُوتِيت من حكمة ومن لَطَفِ )
( أمَا رأيت المرّيخَ قد مازج الزّهرة ... في الجدّ منه والشّرَفِ )
( وأخبرتك النّحوسُ أنكما ... في حالتي ثابت ومُنْصَرَف )
( من أين أعملت ذا وأنت على ... التَّقْويم والزِّيج جِدّ مُنْعكفِ )
( أما زجرتَ الطّير العلا أو تَعَيَّفْت ... المها أَو نظرت في الكَتِفِ )
( رذُلت في هذه الصناعةِ أو ... أكديتَ أو رمتَها على الخَرَفِ )
( لم تَخْطُ باب الدّهليز منصرِفاً ... إلا وخَلخالُها مع الشَّنَفِ )
وهي طويلة ولم يكن مذهبي ذكرها إلا للإخبار عن مذهبه في هذا الجنس وقصيدته في يعقوب بن الفرج النصراني فإنها وإن لم تكن في أسلوب هذه وطريقتها تجري مجرى التهكم باللفظ الطيب الخبيث المعاني وهي
( تظنّ شُجُونِيَ لم تَعْتَلِجْ ... وقد خلج البَيْنُ من قد خَلَجْ )
وكان البحتري يتشبه بأبي تمام في شعره ويحذو مذهبه وينحو نحوه في البديع الذي كان أبو تمام يستعمله ويراه صاحبا وإماما ويقدمه على نفسه ويقول في الفرق بينه وبينه قول مصنف إن جيد أبي تمام خير من جيده ووسطه ورديئه خير من وسط أبي تمام ورديئه وكذا حكم هو على نفسه
(21/44)

من أشعر هو أو أبو تمام
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن علي الياقطاني قال
قلت للبحتري أيما أشعر أنت أو أبو تمام فقال جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه
حدثني محمد بن يحيى قال حدثني أبو الغوث يحيى بن البحتري قال
كان أبي يكنى أبا الحسن وأبا عبادة فأشير علي في أيام المتوكل بأن أقتصر على أبي عبادة فإنها أشهر فاقتصرت عليها
حدثني محمد قال
سمعت عبد الله بن الحسين بن سعد يقول للبحتري وقد اجتمعنا في دار عبد الله بالخلد وعنده المبرد في سنة ست وسبعين ومائتين وقد أنشد البحتري شعرا لنفسه قد كان أبو تمام قال في مثله أنت والله أشعر من أبي تمام في هذا الشعر قال كلا والله إن أبا تمام للرئيس والأستاذ والله ما أكلت الخبز إلا به فقال له المبرد لله درك يا أبا الحسن فإنك تأبى إلا شرفا من جميع جوانبك
حدثني محمد قال حدثني الحسين بن إسحاق قال
قلت للبحتري إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام فقال والله ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام والله ما أكلت الخبز إلا به ولوددت أن الأمر كان كما قالوا ولكني والله تابع له آخذ منه لائذ به نسيمي يركد عند هوائه وأرضي تنخفض عند سمائه
حدثني محمد بن يحيى قال حدثني سوار بن أبي شراعة عن
(21/45)

البحتري قال وحدثني أبو عبد الله الألوسي عن علي بن يوسف عن البحتري قال
كان أول أمري في الشعر ونباهتي أني صرت إلى أبي تمام وهو بحمص فعرضت عليه شعري وكان الشعراء يعرضون عليه أشعارهم فأقبل علي وترك سائر من حضر فلما تفرقوا قال لي أنت أشعر من أنشدني فكيف بالله حالك فشكوت خلة فكتب إلى أهل معرة النعمان وشهد لي بالحذق بالشعر وشفع لي إليهم وقال امتدحهم فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي اربعة آلاف درهم فكانت أول مال أصبته وقال علي بن يوسف في خبره فكانت نسخة كتابه يصل كتابي هذا على يد الوليد أبي عبادة الطائي هو على بذاذته شاعر فأكرموه
حدثني جحظة قال سمعت البحتري يقول كنت أتعشق غلاما من أهل منبج يقال له شقران واتفق لي سفر فخرجت فيه فأطلت الغيبة ثم عدت وقد التحى فقلت فيه وكان أول شعر قلته
( نبَتَتْ لِحْيةُ شُقرانَ ... شَقِيقِ النَّفْسِ بَعْدِي )
( حُلِقت كيف أتته ... قبل أن يُنجِزَ وعدِي )
كيف تم التعارف بينه وبين أبي تمام
وقد روي في غير هذه الحكاية أن اسم الغلام شندان
حدثني علي بن سليمان قال حدثني أبو الغوث بن البحتري عن
(21/46)

أبيه وحدثني عمي قال حدثني علي بن العباس النوبختي عن البحتري وقد جمعت الحكايتين وهما قريبتان قال
أول ما رأيت أبا تمام أني دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف وقد مدحته بقصيدتي
( أأفاق صبٌّ من هَوىً فأُفِيقَا ... أو خان عهداً أو أطاع شفيقا )
فسر بها أبو سعيد وقال أحسنت والله يا فتى وأجدت قال وكان في مجلسه رجل نبيل رفيع المجلس منه فوق كل من حضر عنده تكاد تمس ركبته ركبته فأقبل علي ثم قال يا فتى أما تستحي مني هذا شعر لي تنتحله وتنشده بحضرتي فقال له أبو سعيد أحقا تقول قال نعم وإنما علقه مني فسبقني به إليك وزاد فيه ثم اندفع فأنشد أكثر هذه القصيدة حتى شككني علم الله في نفسي وبقيت متحيرا فأقبل علي أبو سعيد فقال يا فتي قد كان في قرابتك منا وودك لنا ما يغنيك عن هذا فجعلت أحلف له بكل محرجة من الأيمان أن الشعر لي ما سبقني إليه أحد ولا سمعته منه ولا انتحلته فلم ينفع ذلك شيئا وأطرق أبو سعيد وقطع بي حتى تمنيت أني سخت في الأرض فقمت منكسر البال أجر رجلي فخرجت فما هو إلا أن بلغت باب الدار حتى خرج الغلمان فردوني فأقبل علي الرجل فقال الشعر لك يا بني والله ما قلته قط ولا سمعته إلا منك ولكنني ظننت أنك تهاونت بموضعي فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا تريد بذلك مضاهاتي ومكاثرتي حتى عرفني الأمير نسبك وموضعك ولوددت ألا تلد أبدا طائية إلا مثلك وجعل أبو سعيد يضحك ودعاني أبو تمام وضمني إليه وعانقني وأقبل
(21/47)

ولزمته بعد ذلك وأخذت عنه واقتديت به هذه رواية من ذكرت
وقد حدثني علي بن سليمان الأخفش أيضا قال حدثني عبد الله بن الحسين بن سند القطربلي
أن البحتري حدثه أنه دخل على أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري وقد مدحه بقصيدة وقصده بها فألفى عنده أبا تمام وقد أنشده قصيدة له فيه فاستأذنه البحتري في الإنشاد وهو يومئذ حديث السن فقال له يا غلام أتنشدني بحضرة أبي تمام فقال تأذن ويستمع فقام فأنشده إياها وأبو تمام يسمع ويهتز من قرنه إلى قدمه استحسانا لها فلما فرغ منها قال أحسنت والله يا غلام فممن أنت قال من طيء فطرب أبو تمام وقال من طيء الحمد لله على ذلك لوددت أن كل طائية تلد مثلك وقبل بين عينيه وضمه إليه وقال لمحمد بن يوسف قد جعلت له جائزتي فأمر محمد بها فضمت إلى مثلها ودفعت إلى البحتري وأعطى أبا تمام مثلها وخص به وكان مداحا له طول أيامه ولابنه بعده ورثاهما بعد مقتليهما فأجاد ومراثيه فيهما أجود من مدائحه وروي أنه قيل له في ذلك فقال من تمام الوفاء أن تفضل المراثي المدائح لا كما قال الآخر وقد سئل عن ضعف مراثيه فقال كنا نعمل للرجاء نحن نعمل اليوم للوفاء وبينهما بعد
حدثني حكم بن يحيى الكنتحي قال
(21/48)

بعض من صفاته
كان البحتري من أوسخ خلق الله ثوبا وآلة وأبخلهم على كل شيء وكان له أخ وغلام معه في داره فكان يقتلهما جوعا فإذا بلغ منهما الجوع أتياه يبكيان فيرمي إليهما بثمن أقواتهما مضيقا مقترا ويقول كلا أجاع الله أكبادكما وأعرى أجلادكما وأطال إجهادكما
قال حكم بن يحيى وأنشدته يوما من شعر أبي سهل بن نوبخت فجعل يحرك رأسه فقلت له ما تقول فيه فقال هو يشبه مضغ الماء ليس له طعم ولا معنى
وحدثني أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني الكاتب قال
دخلت على البحتري يوما فاحتبسني عنده ودعا بطعام له ودعاني إليه فامتنعت من أكله وعنده شيخ شامي لا أعرفه فدعاه إلى الطعام فتقدم وأكل معه أكلا عنيفا فغاظه ذلك والتفت إلي فقال لي أتعرف هذا الشيخ فقلت لا قال هذا شيخ من بني الهجيم الذين يقول فيهم الشاعر
( وَبنو الهُجَيْم قبيلةٌ مَلْعونةٌ ... حُصُّ اللِّحَى مُتشابهو الأَلْوانِ )
( لو يسمعون بأكلة أو شَرْبة ... بعُمَانَ أصبح جَمعُهم بعُمانِ )
قال فجعل الشيخ يشتمه ونحن نضحك
وحدثني جحظة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال
(21/49)

اجتازت جارية بالمتوكل معها كوز ماء وهي أحسن من القمر فقال لها ما اسمك
قالت برهان قال ولمن هذا الماء قالت لستي قبيحة قال صبيه في حلقي فشربه عن آخره ثم قال للبحتري قل في هذا شيئا فقال البحتري
( ما شَرْبَةٌ من رَحِيق كأْسُها ذَهَبُ ... جاءت بها الحُورُ من جَنَّات رِضْوان )
( يوما بأطيبَ من ماءٍ بلا عَطَشٍ ... شربتُه عبثاً من كف بُرْهان )
أخبرني علي بن سليمان الأخفش وأحمد بن جعفر جحظة قالا حدثنا أبو الغوث بن البحتري قال
كتبت إلى أبي يوما أطلب منه نبيذا فبعث إلي بنصف قنينة دردي وكتب إلي دونكها يا بني فإنها تكشف القحط وتضبط الرهط قال الأخفش وتقيت الرهط
خبره مع أحمد بن علي الاسكافي
حدثني أبو الفضل عباس بن أحمد بن ثوابة قال
قدم البحتري النيل على أحمد بن علي الإسكافي مادحا له فلم يثبه ثوابا يرضاه بعد أن طالت مدته عنده فهجاه بقصيدته التي يقول فيها
( ما كسبنا من أَحمدَ بنِ عَليٍّ ... ومن النَّيلِ غيرَ حُمَّى النَّيلِ )
(21/50)

وهجاه بقصيدة أخرى أولها
( قِصَّةُ النّيلِ فاسمعوهَا عُجابَه ... )
فجمع إلى هجائه إياه هجاء أبي ثوابة وبلغ ذلك أبي فبعث إليه بألف درهم وثياب ودابة بسرجها ولجامها فرده إليه وقال قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول رفدكم فكتب إليه أبي أما الإساءة فمغفورة وأما المعذرة فمشكورة والحسنات يذهبن السيئات وما يأسو جراحك مثل يدك وقد رددت إليك ما رددته علي وأضعفته فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا وإن لم تفعل احتملنا وصبرنا فقبل ما بعث به وكتب إليه كلامك والله أحسن من شعري وقد أسلفتني ما أخجلني وحملتني ما أثقلني وسيأتيك ثنائي ثم غدا إليه بقصيدة أولها
( ضَلالٌ لها ماذا أرادت إلى الصّد ... )
وقال فيه بعد ذلك
( برقٌ أضاء العقيقَ من ضَرَمِه ... )
وقال فيه أيضا
( دانٍ دعا داعي الصَّبا فأجابَهْ ... )
قال ولم يزل أبي يصله بعد ذلك ويتابع بره لديه حتى افترقا
شعره في نسيم غلامه
أخبرني جحظة قال
كان نسيم غلام البحتري الذي يقول فيه
(21/51)

( دَعا عَبْرتي تجرِي على الجَور والقصد ... ظنُّ نسيماً قارفَ الهمَّ من بعدي )
( خلاَ ناظِري من طيفِه بعد شخصِه ... فيا عجبا للدَّهْر فقدٌ على فَقْدِ )
غلاما روميا ليس بحسن الوجه وكان قد جعله بابا من أبواب الحيل على الناس فكان يبيعه ويعتمد أن يصيره إلى ملك بعض أهل المروءات ومن ينفق عنده الأدب فإذا حصل في ملكه شبب به وتشوقه ومدح مولاه حتى يهبه له فلم يزل ذلك دأبه حتى مات نسيم فكفي الناس أمره
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال
كتب البحتري إلى أبي محمد بن علي القمي يستهديه نبيذا فبعث إليه نبيذا مع غلام له أمرد فجمشه البحتري فغضب الغلام غضبا شديدا دل البحتري على أنه سيخبر مولاه بما جرى فكتب إليه
( أبا جعفرٍ كان تَجْمِيشُنا ... غلامَك إحدى الهَنات الدَّنِيّهْ )
( بعثتَ إلينا بشمس المُدامِ ... تضيء لنا مع شمس البَرِيّهْ )
( فليت الهديّة كان الرّسول ... وليتَ الرسولَ إلينا الهَدِيّهْ )
فبعث إليه محمد بن علي الغلام هدية فانقطع البحتري عنه بعد ذلك مدة خجلا مما جرى فكتب إليه محمد بن علي
( هجرتَ كأنّ البِرّ أعقب حِشْمَةً ... ولم أَرَ وَصْلاً قبل ذا أعقب الهَجْرا )
فقال فيه قصيدته التي أولها
(21/52)

( فتى مَذْحج عَفْواً فتى مذحجٍ غُفْرا ... )
وهي طويلة وقال فيه أيضا
( أمواهبٌ هاتيك أم أَنواءُ ... هُطُلٌ وأخذٌ ذَاكَ أم إعطاءُ )
( إن دَامَ ذا أو بَعضُ ذا من فعل ذا ... ذهب السخاءُ فلا يُعَدُّ سَخاءُ )
( ليس الذي حلّت تمِيمٌ وسْطَه الدّهناء ... لكن صدرُكَ الدهناءُ )
( ملك أغرّ لآل طَلحة مَجدُه ... كفّاه بحرُ سماحةٍ وسماءُ )
( وشريف أشراف إِذا احتكَّت بهم ... جُرْبُ القبائل أحسنوا وأساءوا )
( أمحمدُ بنَ عليٍّ اسمَعْ عُذْرَةً ... فيها شفاءٌ للمُسيء ودَاءُ )
( مالي إذا ذُكِر الكرامُ رأيتُني ... مالي مع النّفر الكرام وَفاءُ )
( يضفو عليَّ العَذْلُ وهو مُقاربٌ ... ويَضيق عني العُذْرُ وهْو فَضاءُ )
( إنّي هجرتُك إذ هجرتُك حِشْمةً ... لا العَوْدُ يُذْهِبُها ولا الإِبداءُ )
( أخجلتَني بِنَدَى يديْك فسَّودت ... ما بيننا تلك اليدُ البَيضاءُ )
( وقطَعَتني بالبرّ حتى إنّني ... متوهّم أن لا يكونَ لقاءُ )
( ِصلَةٌ غَدَت في الناس وَهْي قطِيعَةٌ ... عجباً وبِرٌّ راح وَهْو جَفاء )
( ليواصِلنَّك رَكْبُ شِعرِيَ سائراً ... تُهدَى به في مدحك الأَعداءُ )
( حتى يتمّ لك الثّناءُ مُخَلَّداً ... أبداً كما دامت لك النّعماءُ )
( فتظلَّ تَحسُدك الملوكُ الصيدُ بي ... وأظَلَّ يحْسدُني بك الشُّعراء )
مات في السكتة
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال سألني القاسم بن عبيد الله عن
(21/53)

خبر البحتري وقد كان أسكت ومات من تلك العلة فأخبرته بوفاته وأنه مات في تلك السكتة فقال ويحه رمي في أحسنه
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن علي الأنباري قال
سمعت البحتري يقول أنشدني أبو تمام يوما لنفسه
( وسابحٍ هطلِ التَّعداء هَتّان ... على الجراء أمِينٍ غير خوَّان )
( أظْمى الفصُوصِ ولم تظمأ قوائِمهُ ... فخلِّ عينيك في ظمآنَ رَيّانِ )
( فلو تراه مُشِيحاً والحصى زِيَمٌ ... بين السّنابك من مثنىً ووُحدان )
( أيقنتَ إنْ لم تثَبَّتْ أنّ حافِرَه ... من صَخْر تَدْمُر أو من وَجْه عثمان )
ثم قال لي ما هذا الشعر قلت لا أدري قال هذا هو المستطرد أو قال الاستطراد قلت وما معنى ذلك قال يريك أنه يريد وصف الفرس وهو يريد هجاء عثمان وقد فعل البحتري ذلك فقال في صفة الفرس
( ما إن يعاف قذىً ولو أوردته ... يوما خلائقَ حمْدَويْه الأحْول )
وكان حمدويه الأحول عدوا لمحمد بن علي القمي الممتدح بهذه القصيدة فهجاه في عرض مدحه محمدا والله أعلم
(21/54)

رأي أبي تمام في شاعريته
حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني أبو الغوث بن البحتري قال حدثني أبي قال قال لي أبو تمام بلغني أن بني حميد أعطوك مالا جليلا فيما مدحتهم به فأنشدني شيئا منه فأنشدته بعض ما قلته فيهم فقال لي كم أعطوك فقلت كذا وكذا فقال ظلموك والله ما وفوك حقك فلم استكثرت ما دفعوه إليك والله لبيت منها خير مما أخذت ثم أطرق قليلا ثم قال لعمري لقد استكثرت ذلك واستكثر لك لما مات الناس وذهب الكرام وغاضت المكارم فكسدت سوق الأدب أنت والله يا بني أمير الشعراء غدا بعدي فقمت فقبلت رأسه ويديه ورجليه وقلت له والله لهذا القول أسر إلى قلبي وأقوى لنفسي مما وصل إلي من القوم
حدثني محمد بن يحيى عن الحسن بن علي الكاتب قال قال لي البحتري أنشدت أبا تمام يوما شيئا من شعري فتمثل ببيت أوس بن حجر
( إذا مُقرَمٌ منا ذرا حدُّ نابِه ... تخمَّطَ فينا نابُ آخَر مُقرَمِ )
ثم قال لي نعيت والله إلي نفسي فقلت أعيذك بالله من هذا القول فقال إن عمري لن يطول وقد نشأ في طيء مثلك أما علمت أن خالد
(21/55)

ابن صفوان رأى شبيب بن شيبة وهو من رهطه يتكلم فقال يا بني لقد نعى إلي نفسي إحسانك في كلامك لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب قط إلا مات من قبله فقلت له بل يبقيك الله ويجعلني فداءك قال ومات أبو تمام بعد سنة
شعره في المتوكل
حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أبو العنبس الصيمري قال كنت عند المتوكل والبحتري ينشده
( عن أيّ ثغر تبتَسِمْ ... وبأيّ طرفٍ تحتكمْ )
حتى بلغ إلى قوله
( قل للخليفَة جعفر المتوكِّلِ ... بنِ المعتصم )
( المُبْتَدِي للمُجْتَدِي ... والمنعِمِ بنِ المُنْتقِمِ )
( اسلَمْ لدِينِ محمدٍ ... فإذا سلمتَ فقد سَلِمْ )
قال وكان البحتري من أبغض الناس إنشادا يتشادق ويتزاور في مشيه مرة جانبا ومرة القهقري ويهز رأسه مرة ومنكبيه أخرى ويشير بكمه ويقف عند كل بيت ويقول أحسنت والله ثم يقبل على المستمعين فيقول ما لكم لا تقولون أحسنت هذا والله ما لا يحسن أحد
(21/56)

أن يقول مثله فضجر المتوكل من ذلك وأ قبل علي وقال أما تسمع يا صيمري ما يقول فقلت بلى يا سيدي فمرني فيه بما أحببت فقال بحياتي اهجه على هذا الروي الذي أنشدنيه فقلت تأمر ابن حمدون أن يكتب ما أقول فدعا بدواة وقرطاس وحضرني على البديهة أن قلت
المتوكل يأمر الصيمري أن يهجوه
( أدخلتَ رأسك في الرّحم ... وعلمتَ أنّك تنهَزمْ )
( يا بحتريُّ حَذارِ وَيْحكَ ... من قُضاقِضةٍ ضُغُمْ )
( فلقد أَسَلْتَ بواديَيْك ... من الهِجاسَيْلَ العَرِمْ )
( فبأيِّ عِرْضٍ تَعتصمْ ... وبَهْتِكه جَفَّ القَلَمْ )
( والله حِلْفَةَ صادقٍ ... وبقبر أحمد والحَرَمْ )
( وبحقّ جعفرٍ الإما ... مِ ابنِ الإمامِ المعتَصِمْ )
( لأصيِّرَنَّك شُهرةً ... بين المَسيِل إلى العَلَمْ )
( حَيّ الطَّلول بذي سلَمْ ... حيث الأراكةُ والخِيَمْ )
( يابنَ الثَّقِيلَة والثقيل ... على قُلوبِ ذَوِي النَّعَمْ )
( وعلى الصغير مع الكبير ... من المَوالي والحَشَمْ )
( في أي سَلْح ترتطمْ ... وبأيّ كفٍّ تلتَقِمْ )
( يابنَ المُباحةِ للوَرَى ... أمن العفاف أم التُّهَمْ )
( إذ رَحْلُ أختك للعَجَمْ ... وفراشُ أمِّك في الظُّلَمْ )
(21/57)

( وبباب دَارِك حانَةٌ ... في بَيْتِه يُؤْتَى الحَكَمْ )
قال فغضب وخرج يعدو وجعلت أصيح به
( أدخلت رأسك في الرَّحِمْ ... وعلمتَ أنَّكَ تَنْهَزِمْ )
والمتوكل يضحك ويصفق حتى غاب عن عينه
هكذا حدثني جحظة عن أبي العنبس
ووجدت هذه الحكاية بعينها بخط الشاهيني حكاية عن أبي العنبس فرأيتها قريبة اللفظ موافقة المعنى لما ذكره جحظة والذي يتعارفه الناس أن أبا العنبس قال هذه الأبيات ارتجالا وكان واقفا خلف البحتري فلما ابتدأ وأنشد قصيدته
( عن أيّ ثغرٍ تبتسِمْ ... وبأيّ طرْفٍ تحتكِمْ )
صاح به أبو العنبس من خلفه
( في أَيّ سَلْح ترتَطِمْ ... وبأيّ كَفٍّ تَلْتَقِمْ )
( أدخلتَ رأسَكَ في الرّحِم ... وعلمتَ أنك تنهزِمْ )
فغضب البحتري وخرج فضحك المتوكل حتى أكثر وأمر لأبي العنبس بعشرة آلاف درهم والله أعلم
وأخبرني بهذا الخبر محمد بن يحيى الصولي وحدثني عبد الله بن أحمد بن حمدون عن أبيه قال وحدثني يحيى بن علي عن أبيه
أن البحتري أنشد المتوكل وأبو العنبس الصيمري حاضر قصيدته
( عن أيّ ثغرٍ تبتسِمْ ... وبأيّ طرْفٍ تحتكِمْ )
إلى آخرها وكان إذا أنشد يختال ويعجب بما يأتي به فإذا فرغ من القصيدة رد البيت الأول فلما رده بعد فراغه منها وقال
(21/58)

( عن أيّ ثغرٍ تبتسِمْ ... وبأيّ طرْفٍ تحتكِمْ )
قال أبو العنبس وقد غمزه المتوكل أن يولع به
( في أَيّ سَلْحٍ ترْتَطِمْ ... وبأيّ كَفٍّ تَلْتَقِمْ )
( أدخلتَ رأسَكَ في الرّحِم ... وعلمتَ أنك تَنْهَزِمْ )
فقال نصف البيت الثاني فلما سمع البحتري قوله ولى مغضبا فجعل أبو العنبس يصيح به
( وعلمتَ أنك تنهزم ... )
فضحك المتوكل من ذلك حتى غلب وأمر لأبي العنبس بالصلة التي أعدت للبحتري
قال أحمد بن زياد فحدثني أبي قال
جاءني البحتري فقال لي يا أبا خالد أنت عشيرتي وابن عمي وصديقي وقد رأيت ما جرى علي أفتأذن لي أن أخرج إلى منبج بغير إذن فقد ضاع العلم وهلك الأدب فقلت لا تفعل من هذا شيئا فإن الملوك تمزح بأعظم مما جرى ومضيت معه إلى الفتح فشكا إليه ذلك فقال له نحوا من قولي ووصله وخلع عليه فسكن إلى ذلك
الصيمري يصر على هجائه بعد موت المتوكل
حدثني جحظة عن علي بن يحيى المنجم قال
لما قتل المتوكل قال أبو العنبس الصيمري
(21/59)

( يا وحشةَ الدنيا على جَعْفَرٍ ... على الهمام الملك الأزْهَرِ )
( على قتيلٍ من بني هاشمٍ ... بين سرير المُلْك والمِنْبَرِ )
( واللهِ ربِّ البَيْتِ والمَشْعَرِ ... والله أن لو قُتِل البُحْتُرِي )
( لثارَ بالشّام له ثائِرٌ ... في ألف نَغْلٍ من بني عَضْ خَرى )
( يقدُمهم كُلُّ أخي ذِلَّة ... على حمارٍ دابِرٍ أعورِ )
فشاعت الأبيات حتى بلغت البحتري فضحك ثم قال هذا الأحمق يرى أني أجيبه على مثل هذا فلو عاش امرؤ القيس فقال من كان يجيبه
(21/60)

ذكر نتف من أخبار عريب مستحسنة
منزلتها في الغناء والشعر والخط
كانت عريب مغنية محسنة وشاعرة صالحة الشعر وكانت مليحة الخط والمذهب في الكلام ونهاية في الحسن والجمال والظرف وحسن الصورة وجودة الضرب وإتقان الصنعة والمعرفة بالنعم والأوتار والرواية للشعر والأدب لم يتعلق بها أحد من نظرائها ولا رئي في النساء بعد القيان الحجازيات القديمات مثل جميلة وعزة الميلاء وسلامة الزرقاء ومن جرى مجراهن على قلة عددهن نظير لها وكانت فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهن مما يكون لمثلها من جواري الخلفاء ومن نشأ في
(21/61)

قصور الخلافة وغذي برقيق العيش الذي لا يدانيه عيش الحجاز والنش بين العامة والعرب الجفاة ومن غلظ طبعه وقد شهد لها بذلك من لا يحتاج مع شهادته إلى غيره
أخبرني محمد بن خلف وكيع عن حماد بن إسحاق قال قال لي أبي
ما رأيت امرأة أضرب من عريب ولا أحسن صنعة ولا أحسن وجها ولا أخف روحا ولا أحسن خطايا ولا أسرع جوابا ولا ألعب بالشطرنج والنرد ولا أجمع لخصلة حسنة لم أر مثلها في امرأة غيرها قال حماد فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم في حياة أبي فقال صدق أبو محمد هي كذلك قلت أفسمعتها قال نعم هناك يعني في دار المأمون قلت أفكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق فقال يحيى هذه مسألة الجواب فيها على أبيك فهو أعلم مني بها فأخبرت بذلك أبي فضحك ثم قال ما استحييت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني أبي قال
قال لي إسحاق كانت عندي صناجة كنت بها معجبا واشتهاها أبو إسحاق المعتصم في خلافة المأمون فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذ أتاني إنسان يدق الباب دقا شديدا فقلت أنظروا من هذا فقالوا رسول أمير المؤمنين فقلت ذهبت صناجتي تجده ذكرها له ذاكر فبعث إلي فيها فلما مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب وأنا مثخن فدخلت فسلمت فرد علي السلام ونظر إلى تغير وجهي فقال لي اسكن فسكنت فقال
(21/62)

لي غن صوتا وقال لي أتدري لمن هو فقلت أسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله ذلك فأمر جارية من وراء الستارة فغنته وضربت فإذا هي قد شبهته بالغناء القديم فقلت زدني معها عودا آخر فإنه أثبت لي فزادني عودا آخر فقلت هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة قال من أين قلت ذاك قلت لما سمعت لينه عرفت أنه محدث منغناء النساء ولما رأيت جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربة وقد حفظت مقاطعه وأجزاءه ثم طلبت عودا آخر فلم أشك فقال صدقت الغناء لعريب
عدت أصواتها فكانت ألفا
قال ابن المعتز وقال يحيى بن علي
أمرني المعتمد على الله أن أجمع غناءها الذي صنعته فأخذت منها دفاترها وصحفها التي كانت قد جمعت فيها غناءها فكتبته فكان ألف صوت
وأخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه
أنه سال عريب عن صنعتها فقالت قد بلغت إلى هذا الوقت ألف صوت
وحدثني محمد بن إبراهيم قريض أنه جمع غناءها من ديواني ابن المعتز وأبي العبيس بن حمدون وما أخذه عن بدعة جاريتها التي أعطاها إياها بنو هاشم فقابل بعضه ببعض فكان ألفا ومائة وخمسة وعشرين صوتا
وذكر العتابي أن أحمد بن يحيى حدثه قال
(21/63)

سمعت أبا عبد الله الهشامي يقول وقد ذكرت صنعة عريب صنعتها مثل قول أبي دلف في خالد بن يزيد حيث يقول
( يا عينُ بَكى خالِداً ... أَلْفا ويُدْعَى واحدَا )
يريد أن غناءها ألف صوت في معنى واحد فهي بمنزلة صوت واحد
وحكى عنه أيضا هذه الحكاية ابن المعتز
وهذا تحامل لا يحل ولعمري إن في صنعتها لأشياء مرذولة لينة وليس ذلك مما يضعها ولا عري كبير أحد من المغنين القدماء والمتأخرين من أن يكون في صنعته النادر والمتوسط سوى قوم معدودين مثل ابن محرز ومعبد في القدماء ومث ل إسحاق وحده في المتأخرين وقد عيب بمثل هذا ابن سريج في محله فبلغه أن المغنين يقولون إنما يغني ابن سريج الأرمال والخفاف وغناؤه يصلح للأعراس والولائم فبلغه ذلك فتغنى بقوله
( لقد حبَّبَتْ نُعمٌ إلينا بوجهها ... مساكنَ ما بين الوتائِر فالنَّقْعِ )
ثم توفي بعدها وغناؤه يجري مجرى المعيب عليه وهذا إسحاق يقول في أبيه على عظيم محله في هذه الصناعة وما كان إسحاق يشيد به من
(21/64)

ذكره وتفضيله على ابن جامع وغيره ولأبي ستمائة صوت منها مائتان تشبه فيها بالقديم وأتى بها في نهاية من الجودة ومائتان غناء وسط مثل أغاني سائر الناس ومائتان فلسية وددت أنه لم يظهرها وينسبها لنفسه فأسترها عليه فإذا كان هذا قول إسحاق في أبيه فمن يعتذر بعده من أن يكون له جيد ورديء وما عري أحد في صناعة من الصناعة من حال ينقصه عن الغاية لأن الكمال شيء تفرد الله العظيم به والنقصان جبلة طبع بني آدم عليها وليس ذلك إذا وجد في بعض أغاني عريب مما يدعو إلى إسقاط سائرها ويلزمه اسم الضعف واللين وحسب المحتج لها شهادة إسحاق بتفضيلها وقلما شهد لأحد أو سلم خلق وإن تقدم وأجمع على فضله من شينه إياه وطعنه عليه لنفاسته في هذه الصناعة واستصغاره أهلها فقد تقدم في أخباره مع علوية ومخارق وعمرو بن بانة وسليم بن سلام وحسين بن محرز ومن قبلهم ومن فوقهم مثل ابن جامع وإبراهيم بن المهدي وتهجينه إياهم وموافقته لهم على خطئهم فيما غنوه وصنعوه مما يستغنى به عن الإعادة في هذا الموضع فإذا انضاف فعله هذا بهم وتفضيله إياها كان ذلك أدل دليل على التحامل ممن طعن عليها وإبطاله فيما ذكرها به ولقائل ذلك وهو أبو عبد الله الهشامي سبب كان يصطنعه عليها فدعاه إلى ما قال نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى
ومما يدل على إبطاله أن المأمون أراد أن يمتحن إسحاق في المعرفة
(21/65)

بالغناء القديم والحديث فامتحنه بصوت من غنائها من صنعتها فكاد يجوز عليه لولا أنه أطال الفكر والتلوم واستثبت مع علمه بالمذاهب في الصنعة وتقدمه في معرفة النغم وعللها والإيقاعات ومجاريها
وأخبرنا بذلك يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني أبي عن إسحاق
فأما السبب الذي كان من أجله يعاديها الهشامي فأخبرني به يحيى بن محمد بن عبد الله بن طاهر قال ذكر لأبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر عمي أن الهشامي زعم أن أحسن صوت صنعته عريب
( صَاحِ قد لمتَ ظالما ... )
وأن غناءها بمنزلة قول ابي دلف في خالد
( يا عينُ بَكى خالِداً ... أَلْفا ويُدْعَى واحدَا )
فقال ليس الأمر كما ذكر ولعريب صنعة فاضلة متقدمة وإنما قال هذا فيها ظلما وحسدا وغمطها ما تستحقه من التفضيل بخبر لها معه طريف فسألناه عنه فقال أخرجت الهشامي معي إلى سر من رأى بعد وفاة أخي يعني أبا محمد بن عبد الله بن طاهر فأدخلته على المعتز وهو يشرب وعريب تغني فقال له يا بن هشام غن فقال تبت من الغناء مذ قتل سيدي المتوكل فقالت له عريب قد والله أحسنت حيث تبت فإن غناءك كان قليل المعنى لا متقن ولا صحيح ولا مطرب فأضحكت أهل المجلس جميعا منه فخجل فكان بعد ذلك يبسط لسانه فيها ويعيب
(21/66)

صنعتها ويقول هي ألف صوت في العدد وصوت واحد في المعنى
وليس الأمر كما قاله إن لها لصنعة تشبهت فيها بصنعة الأوائل وجودت وبرزت فيها منها
( أئن سكنت نَفْسِي وقلَّ عَويلُها ... )
ومنها
( تقول هَمِّي يومَ وَدَّعتها ... )
ومنها
( إذا أردت انتصافا كان ناصركم ... )
ومنها
( بأبي من هو دائي ... )
ومنها
( أسلموها في دمشقَ كما ... )
ومنها
( فلا تتعنّتي ظلما وزورا ... )
ومنها
( لقد لام ذا الشوق الخَلِيُّ من الهوى ... )
ونسخت ما أذكره من أخبارها فأنسبه إلى ابن المعتز من كتاب دفعه إلي محمد بن إبراهيم الجراحي المعروف بقريض وأخبرني أن عبد الله بن المعتز دفعه إليه من جمعه وتأليفه فذكرت منها ما استحسنته من أحاديثها إذ كان فيها حشو كثير وأضفت إليه ما سمعته ووقع إلي غير مسموع مجموعا ومتفرقا ونسبت كل رواية إلى راويها
(21/67)

نسبها
قال ابن المعتز حدثني الهاشمي أبو عبد الله وأخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه قالا
كانت عريب لعبد الله بن إسماعيل صاحب مراكب الرشيد وهو الذي رباها وأدبها وعلمها الغناء
قال ابن المعتز وحدثني غير الهشامي عن إسماعيل بن الحسين خال المعتصم أنها بنت جعفر بن يحيى وأن البرامكة لما انتهبوا سرقت وهي صغيرة
قال فحدثني عبد الواحد بن إبراهيم بن محمد بن الخصيب قال
حدثني من أثق به عن أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي أن أم عريب كانت تسمى فاطمة وكانت قيمة لأم عبد الله بن يحيى بن خالد وكانت صبية نظيفة فرآها جعفر بن يحيى فهويها وسأل أم عبد الله أن تزوجه إياها ففعلت وبلغ الخبر يحيى بن خالد فأنكره وقال له أتتزوج من لا تعرف لها أم ولا أب اشتر مكانها مائة جارية وأخرجها فأخرجها وأسكنها دارا في ناحية باب الأنبار سرا من أبيه ووكل بها من يحفظها وكان يتردد إليها فولدت عريب في سنة إحدى وثمانين ومائة فكانت سنوها إلى أن ماتت ستا وتسعين سنة قال وماتت أم عريب في حياة جعفر فدفعها إلى امرأة نصرانية وجعلها داية لها فلما حدثت الحادثة بالبرامكة باعتها من سنبس النخاس فباعها من المراكبي
(21/68)

قال ابن المعتز وأخبرني يوسف بن يعقوب
أنه سمع الفضل بن مروان يقول كنت إذا نظرت إلى قدمي عريب شبهتهما بقدمي جعفر بن يحيى قال وسمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها ذكرت لبعض الكتاب فقال فما يمنعها من ذلك وهي بنت جعفر بن يحيى
وأخبرني جحظة قال دخلت إلى عريب مع شروين المغني وأبي العبيس بن حمدون وأنا يومئذ غلام علي قباء ومنطقة فأنكرتني وسألت عني فأخبرها شروين وقال هذا فتى من أهلك هذا ابن جعفر بن موسى ابن يحيى بن خالد وهو يغني بالطنبور فأدنتني وقربت مجلسي ودعت بطنبور وأمرتني بأن أغني فغنيت أصواتا فقالت قد أحسنت يا بني ولتكونن مغنيا ولكن إذا حضرت بين هذين الأسدين ضعت أنت وطنبورك بين عوديهما وأمرت لي بخمسين دينارا
قال ابن المعتز وحدثني ميمون بن هارون قال
حدثتني عريب قالت بعث الرشيد إلى أهلها تعني البرامكة رسولا يسألهم عن حالهم وأمره ألا يعلمهم أنه من قبله قالت فصار إلى عمي الفضل فساله فأنشأ عمي يقول
صوت
( سأَلُونا عن حالنا كيف أنتمُ ... مَنْ هَوَى نَجمهُ فكيفَ يكونُ )
( نحن قومٌ أصابنا حادث الدَّهْرِ ... فَظَلْنا لريبه نَسْتكِينُ )
(21/69)

ذكرت عريب أن هذا الشعر للفضل بن يحيى ولها فيه لحنان ثاني ثقيل وخفيف ثقيل كلاهما بالوسطى وهذا غلط من عريب ولعله بلغها أن الفضل تمثل بشعر غير هذا فأنسيته وجعلت هذا مكانه
فأما هذا الشعر فللحسين بن الضحاك لا يشك فيه يرثي به محمدا الأمين بعد قوله
( نحن قومٌ أصابنا عَنَتُ الدَّهْ ... فَظَلْنا لريبه نَسْتَكِينُ )
( نتمَنَّى من الأَمين إياباً ... كلَّ يوم وأينَ منّا الأَمينُ )
وهي قصيدة
هربت إلى معشوقها ومكثت عنده زمانا
قال ابن المعتز وحدثني الهشامي
أن مولاها خرج إلى البصرة وأدبها وخرجها وعلمها الخط والنحو والشعر والغناء فبرعت في ذلك كله وتزايدت حتى قالت الشعر وكان لمولاها صديق يقال له حاتم بن عدي من قواد خراسان وقيل إنه كان يكتب لعجيف على ديوان الفرض فكان مولاها يدعوه كثيرا ويخالطه ثم ركبه دين فاستتر عنده فمد عينه إلى عريب فكاتبها فأجابته وكانت المواصلة
(21/70)

بينهما وعشقته عريب فلم تزل تحتال حتى اتخذت سلما من عقب وقيل من خيوط غلاظ وسترته حتى إذا همت بالهرب إليه بعد انتقاله عن منزل مولاها بمدة وقد أعد لها موضعا لفت ثيابها وجعلتها في فراشها بالليل ودثرتها بدثارها ثم تسورت من الحائط حتى هربت فمضت إليه فمكثت عنده زمانا قال وبلغني أنها لما صارت عنده بعث إلى مولاها يستعير منه عودا تغنيه به فأعاره عودها وهو لا يعلم أنها عنده ولا يتهمه بشيء من أمرها فقال عيسى بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي وهو عيسى ابن زينب يهجو أباه ويعيره بها وكان كثيرا ما يهجوه
( قاتلَ الله عَرِيبَا ... فعَلت فِعْلاً عَجِيبَا )
( رَكِبَتْ والليلُ دَاجٍ ... مركباً صَعْباً مهوبا )
( فارتقَتْ مُتَّصِلاً بالنَّجم ... أو منه قريبا )
( صبرت حتى إذا ما ... أقصد النّومُ الرَّقيبا )
( مَثَّلت بين حَشَايَاها ... لِكيلا تَسْترِيبَا )
( خَلفاً منها إذا نودِي ... َ لم يُلفَ مُجيبَا )
( ومضت يحملها الخوفُ ... قَضِيبَاً وكَثِيبا )
( مُحَّةً لو حُرِّكَت خِفْتَ عليها أن تَذُوبا )
( فتدلَّتْ لمُحِبٍّ ... فتلقّاها حَبِيبَا )
( جَذِلاً قد نال في الدُّنْيا ... من الدُّنيا نصِيبا )
( أيّها الظَّبْي الذي تَسْحَرُ ... عيناه القُلُوبَا )
( والذي يأكل بعضاً ... بَعضُه حُسناً وطِيبا )
(21/71)

( كُنتَ نَهْباً لذئابٍ ... فَلَقَدْ أطعمْتَ ذِيَبا )
( وكذا الشاةُ إذا لم ... يَكُ راعيها لَبيبَا )
( لا يُبالِي وَبأَ المَرْعَى ... إذا كان خَصِيبا )
( فلقد أصبح عبدُ الله ... كشخانَ حَريبَا )
( قد لعمري لَطَم الوَجهَ ... وقد شَقَّ الجُيوبَا )
( وجرت منه دُموعٌ ... بلَّت الشَّعْر الخَضِيبَا )
وقال ابن المعتز حدثنا محمد بن موسى بن يونس
أنها ملته بعد ذلك فهربت منه فكانت تغني عند أقوام عرفتهم ببغداد وهي متسترة متخفية فلما كان يوم من الأيام اجتاز ابن أخ للمراكبي ببستان كانت فيه مع قوم تغني فسمع غناءها فعرفه فبعث إلى عمه من وقته وأقام هو بمكانه فلم يبرح حتى جاء عمه فلببها وأخذها فضربها مائة مقرعة وهي تصيح يا هذا لم تقتلني أنا لست أصبر عليك أنا امرأة حرة إن كنت مملوكة فبعني لست أصبر على الضيقة فلما كان من غد ندم على فعله وصار إليها فقبل رأسها ورجلها ووهب لها عشرة آلاف درهم ثم بلغ محمدا الأمين خبرها فأخذها منه قال وكان خبرها سقط إلى محمد في حياة أبيه فطلبها منه فلم يجبه إلى ما سأل وقبل ذلك ما كان طلب منه خادما عنده فاضطغن لذلك عليه فلما ولي الخلافة جاء المراكبي ومحمد راكب ليقبل يده فأمر بمنعه ودفعه ففعل ذلك الشاكري فضربه المراكبي له أتمنعني من يد سيدي أن أقبلها فجاء الشاكري لما نزل محمد فشكاه فدعا محمد بالمراكبي وأمر بضرب عنقه فسئل في أمره
(21/72)

فأعفاه وحبسه وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع وبعث فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له فلما قتل محمد هربت إلى المراكبي فكانت عنده قال وأنشدني بعض أصحابنا لحاتم بن عدي الذي كانت عنده لما هربت إليه ثم ملته فهربت منه وهي أبيات عدة هذان منها
( ورُشُّوا على وَجْهي من الماء واندُبُوا ... قتيلَ عَريبٍ لا قتيلَ حُروبِ )
( فليتكِ إن عجَّلتني فقتَلتِني ... تَكونِين من بعد الممات نصِيبي )
قال ابن المعتز وأما رواية إسماعيل بن الحسين خال المعتصم فإنها تخالف هذا وذكر أنها إنما هربت من دار مولاها المراكبي إلى محمد بن حامد الخاقاني المعروف بالخشن أحد قواد خراسان قال وكان أشقر أصهب الشعر أزرق وفيه تقول عريب ولها فيه هزج ورمل من روايتي الهشامي وأبي العباس
( بأبي كلّ أزرقٍ ... أَصهبِ اللون أشقرِ )
( جُنّ قلبي به وليسَ ... جُنُوني بمُنْكَرِ )
تقول الشعر الفاحش
قال ابن المعتز وحدثني ابن المدبر قال
خرجت مع المأمون إلى أرض الروم أطلب ما يطلبه الأحداث من الرزق فكنا نسير مع العسكر فلما خرجنا من الرقة رأينا جماعة من الحرم
(21/73)

في العماريات على الجمازات وكنا رفقة وكنا أترابا فقال لي أحدهم على بعض هذه الجمازات عريب فقلت من يراهنني أمر في جنبات هذه العماريات وأنشد أبيات عيسى بن زينب
( قاتلَ الله عَرِيبَا ... فعَلت فِعْلاً عَجِيبَا )
فراهنني بعضهم وعدل الرهنان وسرت إلى جانبها فأنشدت الأبيات رافعا صوتي بها حتى أتممتها فإذا أنا بامرأة قد أخرجت رأسها فقالت يا فتى أنسيت أجود الشعر وأطيبه أنسيت قوله
( وعَرِيبٌ رَطْبَةُ الشَّفْرَيْنِ ... قد نِيكَتْ ضُرُوبَا )
اذهب فخذ ما بايعت فيه ثم ألقت السجف فعلمت أنها عريب وبادرت إلى أصحابي خوفا من مكروه يلحقني من الخدم
شعر في مظلومة رقيبة عريب
أخبرني إسماعيل بن يونس قال قال لنا عمر بن شبة
كانت للمراكبي جارية يقال لها مظلومة جميلة الوجه بارعة الحسن فكان يبعث بها مع عريب إلى الحمام أو إلى من تزوره من أهله ومعارفه فكانت ربما دخلت معها إلى ابن حامد الذي كانت تميل إليه فقال فيها بعض الشعراء وقد رآها عنده
( لقد ظلموكِ يا مظلومَ لمّا ... أقاموكِ الرَّقيبَ على عَريبِ )
(21/74)

( ولو أَوْلَوكِ إنصافاً وَعَدْلا ... لما أخلوْكِ أنت من الرّقيبِ )
( أتَنْهَيْنَ المُريبَ عن المعاصي ... فكيف وأنتِ من شأنِ المُريبِ )
( وكيف يُجانِبُ الجاني ذنوباً ... لديك وأنت داعِيَةُ الذُّنوبِ )
( فإن يَسْتَرْقِبُوكِ على عَرِيبٍ ... فما رَقَبُوك من غيبِ القلوبِ )
وفي هذا المعنى وإن لم يكن من جنس ما ذكرته ما أنشدنيه علي بن سليمان الأخفش في رقيبة مغنية استحسنت وأظنه للناشىء
( فديتُكِ لو أنهم أنصَفُوا ... لقد منعوا العينَ عن ناظَرَيْكِ )
( ألم يقرءوا ويحهم ما يرون ... من وحي طَرْفك في مُقْلَتَيْكِ )
( وقد بعثوك رَقِيباً لنا ... فمن ذا يكون رَقِيباً عليكِ )
( تصُدِّين أعْيُنَنا عن سواك ... وهل تنظر العينُ إلا إليكِ )
محمد الأمين يبعث في إحضارها واحضار مولاها
قال ابن المعتز وحدثني عبد الواحد بن إبراهيم عن حماد بن إسحاق عن أبيه وعن محمد بن إسحاق البغوي عن إسحاق بن إبراهيم
أن خبر عريب لما نمي إلى محمد الأمين بعث في إحضارها وإحضار مولاها فأحضرا وغنت بحضرة إبراهيم بن المهدي تقول
( لكلّ أُناسٍ جَوْهَر متنافسٌ ... وأنتِ طِرازُ الآنساتِ المَلائح )
فطرب محمد واستعاد الصوت مرارا وقال لإبراهيم يا عم كيف سمعت قال يا سيدي سمعت حسنا وإن تطاولت بها الأيام وسكن روعها ازداد غناؤها حسنا فقال للفضل بن الربيع خذها إليك وساوم بها ففعل فاشتط مولاها في السوم ثم أوجبها له بمائة ألف دينار وانتقض
(21/75)

أمر محمد وشغل عنها وشغلت عنه فلم يأمر لمولاها بثمنها حتى قتل بعد أن أفتضها فرجعت إلى مولاها ثم هربت منه إلى حاتم بن عدي وذكر باقي الخبر كما ذكره من تقدم
وقال في خبره إنها هربت من مولاها إلى ابن حامد فلم تزل عنده حتى قدم المأمون بغداد فتظلم إليه المراكبي من محمد بن حامد فأمر بإحضاره فأحضر فسأله عنها فأنكر فقال له المأمون كذبت قد سقط إلي خبرها وأمر صاحب الشرطة أن يجرده في مجلس الشرطة ويضع عليه السياط حتى يردها فأخذه وبلغها الخبر فركبت حمار مكار وجاءت وقد جرد ليضرب وهي مكشوفة الوجه وهي تصيح أنا عريب إن كنت مملوكة فليبعني وإن كنت حرة فلا سبيل له علي فرفع خبرها إلى المأمون فأمر بتعديلها عند قتيبة بن زياد القاضي فعدلت عنده وتقدم إليه المراكبي مطالبا بها فسأله البينة على ملكه إياها فعاد متظلما إلى المأمون وقال قد طولبت بما لم يطالب به أحد في رقيق ولا يوجد مثله في يد من ابتاع عبدا أو أمة
وتظلمت إليه زبيدة وقالت من أغلظ ما جرى علي بعد قتل محمد ابني هجوم المراكبي على داري وأخذه عريبا منها فقال المراكبي إنما أخذت ملكي لأنه لم ينقدني الثمن فأمر المأمون بدفعها إلى محمد بن عمر الواقدي وكان قد ولاه القضاء بالجانب الشرقي فأخذها من قتيبة بن زياد فأمر ببيعها ساذجة فاشتراها المأمون بخمسين ألف درهم فذهبت به كل مذهب ميلا إليها ومحبة لها
قال ابن المعتز ولقد حدثني علي بن يحيى المنجم أن المأمون قبل
(21/76)

في بعض الأيام رجلها قال فلما مات المأمون بيعت في ميراثه ولم يبع له عبد ولا أمة غيرها فاشتراها المعتصم بمائة ألف درهم وأعتقها فهي مولاته
وذكر حماد بن إسحاق عن أبيه أنها لما هربت من دار محمد حين قتل تدلت من قصر الخلد بحبل إلى الطريق وهربت إلى حاتم بن عدي
وأخبرني جحظة عن ميمون بن هارون
أن المأمون اشتراها بخمسة آلاف دينار ودعا بعبد الله بن إسماعيل فدفعها إليه وقال لولا أني حلفت ألا أشتري مملوكا بأكثر من هذا لزدتك ولكني سأوليك عملا تكسب فيه أضعافا لهذا الثمن مضاعفة ورمى إليه بخاتمين من ياقوت أحمر قيمتهما ألف دينار وخلع عليه خلعا سنية فقال يا سيدي إنما ينتفع الأحياء بمثل هذا وأما أنا فإني ميت لا محالة لأن هذه الجارية كانت حياتي وخرج عن حضرته فاختلط وتغير عقله ومات بعد أربعين يوما
قال ابن المعتز فحدثني علي بن يحيى قال حدثني كاتب الفضل بن مروان قال
حدثني إبراهيم بن رباح قال
كنت أتولى نفقات المأمون فوصف له إسحاق بن إبراهيم الموصلي عريب فأمره أن يشتريها فاشتراها بمائة ألف درهم فأمرني المأمون بحملها وأن أحمل إلى إسحاق مائة ألف درهم أخرى ففعلت ذلك ولم أدر كيف أثبتها فحكيت في الديوان أن المائة الألف خرجت في ثمن جوهرة والمائة الألف الأخرى خرجت لصائغها ودلالها فجاء الفضل بن مروان إلى
(21/77)

المأمون وقد رأى ذلك فأنكره وسألني عنه فقلت نعم هو ما رأيت فسأل المأمون عن ذلك وقال أوجب وهب لدلال وصائغ مائة ألف درهم وغلظ القصة فأنكرها المأمون فدعاني ودنوت إليه وأخبرته أن المال الذي خرج في ثمن عريب وصلة إسحاق وقلت أيما أصوب يا أمير المؤمنين ما فعلت أو أثبت في الديوان أنها خرجت في صلة مغن وثمن مغنية فضحك المأمون وقال الذي فعلت أصوب ثم قال للفضل بن مروان يا نبطي لا تعترض على كاتبي هذا في شيء
بعض من أخبارها
وقال ابن المكي حدثني أبي عن نحرير الخادم قال
دخلت يوما قصر الحرم فلمحت عريب جالسة على كرسي ناشرة شعرها تغتسل فسألت عنها فقيل هذه عريب دعا بها سيدها اليوم فافتضها
قال ابن المعتز فأخبرني ابن عبد الملك البصري
أنها لما صارت في دار المأمون احتالت حتى وصلت إلى محمد بن حامد وكانت قد عشقته وكاتبته بصوت قالته ثم احتالت في الخروج إليه وكانت تلقاه في الوقت بعد الوقت حتى حبلت منه وولدت بنتا وبلغ ذلك المأمون فزوجه إياها
وأخبرنا إبراهيم بن القاسم بن زرزور عن أبيه وحدثني به المظفر بن كيغلغ عن القاسم بن زرزور قال
لما وقف المأمون على خبرها مع محمد بن حامد أمر بإلباسها جبة
(21/78)

صوف وختم زيقها وحبسها في كنيف مظلم شهرا لا ترى الضوء يدخل إليها خبز وملح وماء من تحت الباب في كل يوم ثم ذكرها فرق لها وأمر بإخراجها فلما فتح الباب عنها وأخرجت لم تتكلم بكلمة حتى اندفعت تغني
( حجبوه عن بصري فمُثِّل شَخصُه ... في القلب فهْو محجَّبٌ لا يُحَجبُ )
فبلغ ذلك المأمون فعجب منها وقال لن تصلح هذه أبدا فزوجها إياه
نسبة هذا الصوت
صوت
( لو كان يَقدرُ أن يَبُثَّك ما به ... لرأيتَ أحسن عاتب يتعَتَّبُ )
( حجبوه عن بَصَري فمُثِّل شَخصُه ... في القَلْب فهو مُحَجَّب لا يُحجَبُ )
الغناء لعريب ثقيل أول بالوسطى
قال ابن المعتز وحدثني لؤلؤ صديق علي بن يحيى المنجم قال حدثني أحمد بن جعفر بن حامد قال
لما توفي عمي محمد بن حامد صار جدي إلى منزله فنظر إلى تركته وجعل يقلب ما خلف ويخرج إليه منها الشيء بعد الشيء إلى أن أخرج إليه سفط مختوم ففض الخاتم وجعل يفتحه فإذا فيه رقاع عريب إليه فجعل يتصفحها ويبتسم فوقعت في يده رقعة فقرأها ووضعها في يده وقام لحاجة فقرأتها فإذا فيها قوله
(21/79)

صوت
( وبلي عليكَ ومِنْكَا ... أوقعت في الحق شَكّا )
( زعمتَ أنّي خئونٌ ... جَوْراً عليّ وإِفْكَا )
( إن كان ما قلتَ حقّا ... أو كنت أزمعتُ تَرْكَا )
( فأبدلَ الله ما بي ... من ذِلَّة الحبّ نُسْكَا )
لعريب في هذه الأبيات رمل وهزج عن الهشامي والشعر لها
قصة بيت من الشعر
قال ابن المعتز وحدثني عبد الوهاب بن عيسى الخراساني عن يعقوب الرخامي قال
كنا مع العباس بن المأمون بالرقة وعلى شرطته هاشم - رجل من أهل خراسان - فخرج إلي وقال يا أبا يوسف ألقي إليك سرا لثقتي بك وهو عندك أمانة قلت هاته قال كنت واقفا على رأس الأمين وبي حر شديد خرجت عريب فوقفت معي وهي تنظر في كتاب فما ملكت نفسي أن أومأت إليها بقبلة فقالت كحاشية البرد فوالله ما أدري ما أرادت فقلت قالت لك طعنة
قال وكيف ذاك قلت أرادت قول الشاعر
( رَمَى ضرعَ نابٍ فاستمرّ بطعنةٍ ... كحاشية البُرْد اليمانِي المُسهّم )
وحكى هذه القصة أحمد بن أبي طاهر عن بشر بن زيد عن عبد الله
(21/80)

ابن أيوب بن أبي شمر أنهم كانوا عند المأمون ومعهم محمد بن حامد وعريب تغنيهم فغنت تقول
( رَمَى ضرعَ نابٍ فاستمرّ بطعنةٍ ... كحاشية البُرْد اليمانِي المُسهّم )
فقال لها المأمون من أشار إليك بقبلة فقلت له طعنة فقالت له يا سيدي من يشير إلي بقبلة في مجلسك فقال بحياتي عليك قالت محمد بن حامد فسكت
أحبت أميرا وتزوجت خادما
قال ابن المعتز وحدثني محمد بن موسى قال
اصطبح المأمون يوما ومعه ندماؤه وفيهم محمد بن حامد وجماعة من المغنين وعريب معه على مصلاه فأومأ محمد بن حامد إليها بقبلة فاندفعت تغني ابتداء
( رَمَى ضَرْع نابٍ فاستَمرَّ بطعنةٍ ... كحاشية البُرْد اليمانِي المُسهّم )
تريد بغنائها جواب محمد بن حامد بأن تقول له طعنة فقال لها المأمون أمسكي فأمسكت ثم أقبل على الندماء فقال من فيكم أومأ إلى عريب بقبلة والله لئن لم يصدقني لأضربن عنقه فقام محمد فقال أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها والعفو أقرب للتقوى فقال قد عفوت
فقال كيف استدل أمير المؤمنين على ذلك قال ابتدأت صوتا وهي لا تغني ابتداء إلا لمعنى فعلمت أنها لم تبتدىء بهذا الصوت إلا لشيء أومىء به إليها ولم يكن من شرط هذا الموضع إلا إيماء بقبلة فعلمت أنها أجابت بطعنة
(21/81)

قال ابن المعتز وحدثني علي بن الحسين
أن عريب كانت تتعشق أبا عيسى بن الرشيد وروى غيره أنها كانت لا تضرب المثل إلا بحسن وجه أبي عيسى وحسن غنائه وكانت تزعم أنها ما عشقت أحدا من بني هاشم وأصفته المحبة من الخلفاء وأولادهم سواه
قال ابن المعتز وحدثني بعض جوارينا
أن عريب كانت تتعشق صالحا المنذري الخادم وتزوجته سرا فوجه به المتوكل إلى مكان بعيد في حاجة له فقالت فيه شعرا وصاغت لحنه في خفيف الثقيل وهو
صوت
( أَمَّا الحبيبُ فقد مضى ... بالرغم منّي لا الرّضا )
( أخطأتُ في تركِي لمن ... لم ألق منه مُعَوّضا )
قال فغنته يوما بين يدي المتوكل فاستعاده وجعل جواريه يتغامزن ويضحكن فأصغت إليهن سرا من المتوكل فقالت يا سحاقات هذا خير من عملكن
قال وحدثت عن بعض جواري المتوكل أنها دخلت يوما على عريب فقالت لها تعالي ويحك إلي فجاءت قال فقالت قبلي هذا الموضع مني فإنك تجدين ريح الجنة فأومأت إلى سالفتها ففعلت ثم قالت لها ما السبب في هذا قالت قبلني صالح المنذري في ذلك الموضع
(21/82)

قال ابن المعتز وأخبرني أبو عبد الله الهشامي قال حدثني حمدون بن إسماعيل قال
حدثني محمد بن يحيى الواثقي قال
قال لي محمد بن حامد ليلة أحب أن تفرغ في مضربك فإني أريد أن أجيئك فأقيم عندك ففعلت ووافاني فلما جلس جاءت عريب فدخلت
وقد حدثني به جحظة قال حدثني أبو عبد الله بن حمدون
أن عريب زارت محمد بن حامد وجلسا جميعا فجعل يعاتبها ويقول فعلت كذا وفعلت كذا فقالت لي يا محمد هذا عندك رأي ثم أقبلت عليه فقالت يا عاجز خذ بنا فيما نحن فيه وفيما جئنا إليه
وقال جحظة في خبره
اجعل سراويلي مخنقتي وألصق خلخالي بقرطي فإذا كان غد فاكتب إلي بعتابك في طومار حتى أكتب إليك بعذري في ثلاثة ودع هذا الفضول فقد قال الشاعر
صوت
( دَعِي عَدَّ الذّنوب إذا التقينا ... تعاليْ لا أعدُّ ولا تعدِّي )
وتمام هذا قوله
( فأقسِم لو هممت بمدّ شعري ... إلى نار الجحيم لقُلْتِ مُدّيِ )
(21/83)

الشعر للمؤمل والغناء لعريب خفيف رمل وفيه لعلوية رمل بالبنصر من رواية عمرو بن بانة
عاشرت ثمانية من الخلفاء
أخبرني أبو يعقوب إسحاق بن الضحاك بن الخصيب قال
حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات قال كنت يوما عند أخي أبي العباس وعنده عريب جالسة على دست مفرد لها وجواريها يغنين بين يدينا وخلف ستارتنا فقلت لأخي وقد جرى ذكر الخلفاء قالت لي عريب ناكني منهم ثمانية ما اشتهيت منهم أحدا إلا المعتز فإنه كان يشبه أبا عيسى بن الرشيد قال ابن الفرات فأصغيت إلى بعض بني أخي فقلت له فكيف ترى شهوتها الساعة فضحك ولمحته فقالت أي شيء قلتم فجحدتها فقالت لجواريها أمسكن ففعلن فقالت هن حرائر لئن لم تخبراني بما قلتما لينصرفن جميعا وهن حرائر إن حردت من شيء جرى ولو أنها تسفيل فصدقتها فقالت وأي شيء في هذا أما الشهوة فبحالها ولكن الآلة قد بطلت أو قالت قد كلت عودوا إلى ما كنتم فيه
شرطان فاحشان
وحدثني الحسن بن علي بن مودة قال حدثني إبراهيم بن أبي العبيس قال حدثنا أبي قال
دخلنا على عريب يوما مسلمين فقالت أقيموا اليوم عندي حتى
(21/84)

أطعمكم لوزينجة صنعتها بدعة بيدها من لوز رطب وما حضر من الوظيفة وأغنيكم أنا وهي قال فقلت لها على شريطة قالت وما هي قلت شيء أريد أن أسألك عنه منذ سنين وأنا أهابك قالت ذاك لك وأنا أقدم الجواب قبل أن تسأل فقد علمت ما هو فعجبت لها وقلت فقولي فقالت تريد أن تسألني عن شرطي أي شرط هو فقلت إي والله ذاك الذي أردت قالت شرطي أير صلب ونكهة طيبة فإن انضاف إلى ذلك حسن يوصف وجمال يحمد فقد زاد قدره عندي وإلا فهذان ما لا بد لي منهما
وحدثني الحسن بن علي عن محمد بن ذي السيفين إسحاق بن كنداجيق عن أبيه قال
كانت عريب تولع بي وأنا حديث السن فقالت لي يوما يا إسحاق قد بلغني أن عندك دعوة فابعث إلي نصيبي منها قال فاستأنفت طعاما كثيرا وبعثت إليها منه شيئا كثيرا فأقبل رسولي من عندها مسرعا فقال لي لما بلغت إلى بابها وعرفت خبري أمرت بالطعام فأنهب وقد وجهت إليك برسول وهو معي فتحيرت وظننت أنها قد استقصرت فعلي فدخل الخادم ومعه شيء مشدود في منديل ورقعة فقرأتها فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم يا عجمي يا غبي ظننت أني من الأتراك ووخش الجند فبعثت إلي بخبز ولحم وحلواء الله المستعان عليك يا فدتك نفسي قد وجهت إليك زلة من حضرتي فتعلم ذلك من الأخلاق ونحوه من الأفعال ولا تستعمل أخلاق العامة في رد الظرف فيزداد العيب والعتب عليك إن شاء الله فكشفت المنديل فإذا طبق ومكبة من ذهب منسوج على عمل الخلاف
(21/85)

وفيه زبدية فيها لقمتان من رقاق وقد عصبت طرفيهما وفيها قطعتان من صدر دراج مشوي ونقل وطلع وملح وانصرف رسولها
تحلم ثلاث مرات في النوم بحبيبها
قال ابن المعتز حدثني الهشامي أبو عبد الله عن رجل ذكره عن علويه قال
أمرني المأمون وسائر المغنين في ليلة من الليالي أن نصير إليه بكرة ليصطبح فغدونا ولقيني المراكبي مولى عريب وهي يومئذ عنده فقال لي يأيها الرجل الظالم المعتدي أما ترق ولا ترحم ولا تستحي عريب هائمة تحلم بك في النوم ثلاث مرات في كل ليلة قال علويه فقلت أم الخلافة زانية ومضيت معه فحين دخلت قلت استوثق من الباب فإني أعرف خلق الله بفضول البوابين والحجاب وإذا عريب جالسة على كرسي تطبخ وبين يديها ثلاث قدور من دجاج فلما رأتني قامت تعانقني وتقبلني ثم قالت أيما أحب إليك أن تأكل من هذه القدور أو تشتهي شيئا يطبخ لك فقلت بل قدر من هذه تكفينا فغرفت قدرا منها وجعلتها بيني وبينها فأكلنا ودعونا بالنبيذ فجلسنا نشرب حتى سكرنا ثم قالت يا أبا الحسن صنعت البارحة صوتا في شعر لأبي العتاهية فقلت وما هو فقالت هو
( عَذِيري من الإِنسان لا إن جفوته ... صَفا لي ولا إن كنت طوعَ يديه )
(21/86)

وقالت لي قد بقي فيه شيء فلم نزل نردده أنا وهي حتى استوى ثم جاء الحجاب فكسروا باب المراكبي واستخرجوني فدخلت على المأمون فلما رأيته أقبلت أمشي إليه برقص وتصفيق وأنا أغني الصوت فسمع وسمع من عنده ما لم يعرفوه واستظرفوه وسألني المأمون عن خبره فشرحته له فقال لي ادن وردده فرددته عليه سبع مرات فقال في آخر مرة يا علويه خذ الخلافة واعطني هذا الصاحب
نسبة هذا الصوت
صوت
( عَذِيري من الإِنسان لا إن جفوته ... صَفا لي ولا إن كنت طوعَ يديه )
( وإنّي لمشتاقٌ إلى قُربِ صاحِبٍ ... يَرُوق ويَصْفُو إن كَدرْتُ عليه )
الشعر من الطويل وهو لأبي العتاهية والغناء لعريب خفيف ثقيل أول بالوسطى ونسبه عمرو بن بانة في هذه الطريقة والأصبغ إلى علوية
سبب غضب الواثق والمعتصم عليها
قال ابن المعتز وحدثني القاسم بن زرزور قال حدثتني عريب قالت كنت في أيام محمد ابنة أربع عشرة سنة وأنا حينئذ أصوغ الغناء
قال القاسم وكانت عريب تكايد الواثق فيما يصوغه من الألحان وتصوغ في ذلك الشعر بعينه لحنا فيكون أجود من لحنه فمن ذلك
( لم آتِ عامدةً ذَنْباً إليك بَلَى ... أُقِرُّ بالذنب فاعفُ اليوم عن زَلَلِي )
لحنها فيه خفيف ثقيل ولحن الواثق رمل ولحنها أجود من لحنه ومنها
(21/87)

( أشكو إلى الله ما أَلْقَى من الكَمَدِ ... حَسْبِي بِرَبِّي ولا أشكو إلى أحَدِ )
لحنها ولحن الواثق جميعا من الثقيل الأول ولحنها أجود من لحنه
نسبة هذين الصوتين
صوت
( لم آتِ عامدةً ذَنْباً إليك بَلَى ... أُقِرُّ بالذّنب فاعفُ اليوم عن زَلَلِي )
( فالصّفح من سَيّدٍ أولى لمُعْتَذرٍ ... وقاك رَبُّك يوم الخوفِ والوَجَلِ )
الغناء للواثق رمل ولعريب خفيف ثقيل وذكر ذكاء وجه الرزة أن لطالب ابن يزداد فيه هزجا مطلقا
صوت
( أشكو إلى الله ما أَلْقَى من الكَمَدِ ... حَسْبِي بِربي ولا أشكُو إلى أحَدِ )
( أين الزمان الذي قد كنت ناعمةً ... في ظِلِّه بدنُوّي منك يا سَندي )
( وأَسأَلُ الله يوماً منك يُفْرِحني ... فقد كحلتُ جفونَ العين بالسَّهَد )
( شوقاً إليك وما تدري بما لقيت ... نفسي عليك وما بالقلب من كمد )
الغناء لعريب ثقيل أول بالوسطى وللواثق ثقيل أول بالبنصر
قال ابن المعتز وكان سبب انحراف الواثق عنها وكيادها إياه وانحراف المعتصم عنها أنه وجد لها كتابا إلى العباس بن المأمون ببلد الروم اقتل أنت العلج ثم حتى أقتل أنا الأعور الليلي ها هنا تعني الواثق وكان يسهر بالليل وكان المعتصم استخلفه ببغداد
قال وحدثني أبو العبيس بن حمدون قال
(21/88)

غضبت عريب على بعض جواريها المذكورات - وسماها لي - فجئت إليها يوما وسألتها أن تعفو عنها فقالت في بعض ما تقوله مما تعتد به عليها من ذنوبها يا أبا العبيس إن كنت تشتهي أن ترى زناي وصفاقة وجهي وجراءتي على كل عظيمة أيام شبابي فانظر إليها واعرف أخبارها
أجادت ركوب الخيل
قال ابن المعتز وحدثني القاسم بن زرزور قال حدثني المعتمد قال
حدثتني عريب أنها كانت في شبابها يقدم إليها برذون فتطفر عليه بلا ركاب
قال وحدثني الأسدي قال حدثني صالح بن علي بن الرشيد المعروف بزعفرانة قال
تمارى خالي أبو علي مع المأمون في صوت فقال المأمون أين عريب فجاءت وهي محمومة فسألها عن الصوت فقالت فيه بعلمها فقال لها غنيه فولت لتجيء بعود فقال لها غنيه بغير عود فاعتمدت على الحائط للحمى وغنت فأقبلت عقرب فرأيتها قد لسعت يدها مرتين أو ثلاثا فما نحت يدها ولا سكتت حتى فرغت من الصوت ثم سقطت وقد غشي عليها
قال ابن المعتز وحدثني أبو العباس بن الفرات قال
(21/89)

قالت لي تحفة جارية عريب كانت عريب تجد في رأسها بردا فكانت تغلف شعرها مكان العلة بستين مثقالا مسكا وعنبرا وتغسله من جمعة إلى جمعة فإذا غسلته أعادته وتتقسم الجواري غسالة رأسها بالقوارير وما تسرحه منه بالميزان
حدثني أحمد بن جعفر جحظة عن علي بن يحيى المنجم قال
دخلت يوما على عريب مسلما عليها فلما اطمأننت جالسا هطلت السماء بمطر عظيم فقالت أقم عندي اليوم حتى أغنيك أنا وجواري وأبعث إلي من أحببت من إخوانك فأمرت بدوابي فردت وجلسنا نتحدث فسألتني عن خبرنا بالأمس في مجلس الخليفة ومن كان يغنينا وأي شيء استحسنا من الغناء فأخبرتها أن صوت الخليفة كان لحنا صنعه بنان من الماخوري فقالت وما هو فأخبرتها أنه
صوت
( تُجافِي ثم تَنطَبِقُ ... جفونٌ حَشوُها الأرقُ )
( وذي كَلَفٍ بكى جَزَعاً ... وسَفْرُ القوم مُنطلِقُ )
( به قَلَقٌ يُمَلْمِلُه ... وكان وما به قَلَقُ )
( جوانحُهُ على خَطَرٍ ... بِنارِ الشَّوق تَحترِقُ )
فوجهت رسولا إلى بنان فحضر من وقته وقد بلته السماء فأمرت بخلع فاخرة فخلعت عليه وقدم له طعام فاخر فأكل وجلس يشرب معنا وسألته عن الصوت فغناها إياه فأخذت دواة ورقعة وكتبت فيها
( أجاب الوابِلُ الغَدِقُ ... وصاح النّرجس الغَرقُ )
(21/90)

( وقد غنَّى بنان لنَا ... جُفونٌ حَشوُها الأَرقُ )
( فهاتِ الكأسَ مُترعةً ... كَأَنَّ حُبابَها حدَقُ )
قال علي بن يحيى فما شربنا بقية يومنا إلا على هذه الأبيات
ترد على من دعاها برموز
حدثني محمد بن خلف بن المرزبان عن عبد الله بن محمد المروزي قال
قال لي الفضل بن العباس بن المأمون زارتني عريب يوما ومعها عدة من جواريها فوافتنا ونحن على شرابنا فتحادثنا ساعة وسألتها أن تقيم عندي فأبت وقالت دعاني جماعة من إخواني من أهل الأدب والظرف وهم مجتمعون في جزيرة المؤيد فيهم إبراهيم بن المدبر وسعيد بن حميد ويحيى بن عيسى بن منارة وقد عزمت على المسير إليهم فحلفت عليها فأقامت عندنا ودعت بدواة وقرطاس فكتبت
بسم الله الرحمن الرحيم وكتبت بعد ذلك في سطر واحد ثلاثة أحرف متفرقة لم تزد عليها وهي
أردت ولولا ولعلي
ووجهت به إليهم فلما وصلت الرقعة عيوا بجوابها فأخذ إبراهيم بن المدبر الرقعة فكتب تحت أردت ليت وتحت لولا ماذا وتحت لعلي
(21/91)

أرجو ووجهوا بالرقعة فصفقت ونعرت وشربت رطلا وقالت لنا أأترك هؤلاء وأقعد عندكم إذا تركني الله من يديه ولكني أخلف عندكم من جواري من يكفيكم وأقوم إليهم ففعلت ذلك وخلفت عندنا بعض جواريها وأخذت معها بعضهن وانصرفت
أخبرنا محمد بن خلف عن سعيد بن عثمان بن أبي العلاء عن أبيه قال
عتب المأمون على عريب فهجرها أياما ثم اعتلت فعادها فقال لها كيف وجدت طعم الهجر فقالت يا أمير المؤمنين لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل ومن ذم بدء الغضب أحمد عاقبة الرضا قال فخرج المأمون إلى جلسائه فحدثهم بالقصة ثم قال أترى هذا لو كان من كلام النظام ألم يكن كبيرا
هجرت المأمون أياما لأنها غضبت منه
حدثني محمد بن خلف عن أبي العيناء عن أحمد بن أبي دؤاد قال
جرى بين عريب وبين المأمون كلام فكلمها المأمون بشيء غضبت منه فهجرته أياما قال أحمد بن أبي داود فدخلت على المأمون فقال لي
(21/92)

يا أحمد اقض بيننا فقالت عريب لا حاجة لي في قضائه ودخوله فيما بيننا وأنشأت تقول
( وتخلِط الهجرَ بالوصال ولا ... يدْخُل في الصُّلح بَينَنا أَحدُ )
حدثني محمد بن خلف قال حدثني محمد بن عبد الرحمن عن أحمد بن حمدون عن أبيه قال
كنت حاضرا مجلس المأمون ببلاد الروم بعد صلاة العشاء الآخرة في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق فقال لي المأمون اركب الساعة فرس النوبة وسر إلى عسكر أبي إسحاق يعني المعتصم فأد إليه رسالتي في كيت وكيت قال فركبت ولم تثبت معي شمعة وسمعت وقع حافر دابة فرهبت ذلك وجعلت أتوقاه حتى صك ركابي ركاب تلك الدابة وبرقت بارقة فأضاءت وجه الراكب فإذا عريب فقلت عريب قالت نعم حمدون قلت نعم ثم قلت ومن أين أقبلت في هذا الوقت قالت من عند محمد ابن حامد قلت وما صنعت عنده قالت عريب ياتكش عريب تجيء من عند محمد بن حامد في هذا الوقت خارجة من مضرب الخليفة وراجعة إليه تقول لها أي شيء عملت عنده صليت معه التراويح أو قرأت عليه أجزاء من القرآن أو دارسته شيئا من الفقه يا أحمق تعاتبنا وتحادثنا واصطلحنا ولعبنا وشربنا وغنينا وتنايكنا وانصرفنا فأخجلتني وغاظتني وافترقنا ومضيت فأديت الرسالة ثم عدت إلى المأمون وأخذنا في الحديث وتناشد الأشعار وهممت والله أن أحدثه حديثها ثم هبته فقلت أقدم قبل ذلك تعريضا بشيء من الشعر فأنشدته
(21/93)

( ألا حيِّ أطلالاً لواسعة الحبل ... أَلوفٍ تسوّي صالح القوم بالرَّذْل )
( فلو أَن من أَمسَى بجانب تلعَة ... الى جبليْ طيٍّ فساقطة الحَبْلِ )
( جلوس إلى أَنْ يَقْصر الظِّلُّ عندها ... لراحوا وكُلّ القوم منها على وصْل )
فقال لي المأمون اخفض صوتك لا تسمعك عريب فتغضب وتظن أنا في حديثها فأمسكت عما أردت أن أخبره وخار الله في ذلك
حدثني محمد بن أحمد الحكيمي قال أخبرني ميمون بن هارون قال قال لي ابن اليزيدي
حدثني أبي قال خرجنا مع المأمون في خروجه إلى بلد الروم فرأيت عريب في هودج فلما رأتني قالت لي يا يزيدي أنشدني شعرا قلته حتى أصنع فيه لحنا فأنشدتها
( ماذا بقلبي من دوامِ الخفْق ... إذَا رأَيتُ لمعانَ البَرْقِ )
( من قِبَل الأردُنِّ أو دِمشْق ... لأَنَّ من أَهوَى بذاك الأفْق )
( فإنّ فيه وهو أَعزّ الخَلْق ... عليّ والزّورُ خلاف الحقّ )
( ذاك الَّذي يَملِك رِقِّي ... ولست أَبغِي ما حَييتُ عِتْقِي )
قال فتنفست تنفسا ظننت أن ضلوعها قد تقصفت منه فقلت هذا والله تنفس عاشق فقالت اسكت يا عاجز أنا أعشق والله لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس فادعاها من أهل المجلس عشرون رئيسا طريفا
شعر لعباس بن الأحنف يصلح بينها وبين حبيبها
حدثني محمد بن خلف قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أحمد بن حمدون قال
(21/94)

وقع بين عريب وبين محمد بن حامد شر وكان يجد بها الوجد كله فكادا يخرجان من شرهما إلى القطيعة وكان في قلبها منه أكثر مما في قلبه منها فلقيته يوما فقالت له كيف قلبك يا محمد قال أشقى والله ما كان وأقرحه فقالت له استبدل تسل فقال لها لو كانت البلوى باختيار لفعلت فقالت لقد طال إذا تعبك فقال وما يكون أصبر مكرها أما سمعت قول العباس بن الأحنف
( تَعَبٌ يطول مع الرجاء بذي الهَوى ... خَيرٌ له من رَاحةٍ في الياسِ )
( لولا كرامتكُم لما عاتَبتكُم ... ولكنتُمُ عندي كبَعْضِ النّاس )
قال فذرفت عيناها واعتذرت إليه وأعتبته واصطلحا وعادا إلى أفضل ما كانا عليه
اختلاف في تقييم فنها
حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال قال لي أبو العباس بن حمدون - وقد تجاذبنا غناء عريب - ليس غناؤها مما يعتد بكثرته لأن سقطه كثير وصنعتها ساذجة فقلت له ومن يعرف في الناس كلهم من مغني الدولة العباسية سلمت صنعته كلها حتى تكون مثله ثم جعلت أعد ما أعرفه من جيد صنعتها ومتقدمها وهو يعترف بذلك حتى عددت نحوا من مائة صوت مثل لحنها في
( يا عزّ هل لك في شيخٍ فتىً أبدا ... )
(21/95)

و ( سيسليك عما فات دولةَ مفضل ... )
و ( صاح قد لمت ظالما ... )
و ( ضحك الزمان وأشرقت ... )
ونحو هذا ثم قال لي ما خلفت عريب بعدها امرأة مثلها في الغناء والرواية والصنعة فقلت له لا ولا كثيرا من الرجال أيضا
ولعريب في صنعتها
( يا عزّ هل لك في شيخٍ فتىً أبدا ... )
خبر أخبرني ببعضه أحمد بن عبيد الله بن عمار عن ميمون بن هارون
وذكر ابن المعتز أن عبد الواحد بن إبراهيم بن الخصيب حدثه عمن يثق به عن أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي قال
قالت لي عريب حج بي أبوك وكان مضعوفا فكان عديلي وكنت في طريقي أطلب الأعراب فأستنشدهم الأشعار وأكتب عنهم النوادر وسائر ما أسمعه منهم فوقف شيخ من الأعراب علينا يسأل فاستنشدته فأنشدني
( يا عزّ هل لكِ في شيخٍ فتىً أبدا ... وقد يكون شَبابٌ غَيرُ فِتيانِ )
فاستحسنته ولم أكن سمعته قبل ذلك قلت فأنشدني باقي الشعر فقال لي هو يتيم فاستحسنت قوله وبررته وحفظت البيت وغنيت فيه صوتا من الثقيل الأول ومولاي لا يعلم بذلك لضعفه فلما كان في ذلك اليوم عشيا قال لي ما كان أحسن ذلك البيت الذي أنشدك إياه الأعرابي وقال لك إنه يتيم أنشدينيه إن كنت حفظته فأنشدته إياه وأعلمته أني قد غنيت فيه ثم غنيته له فوهب لي ألف درهم بهذا السبب وفرح بالصوت فرحا شديدا
قال ابن المعتز قال ابن الخصيب
فحدثني هذا المحدث أنه قد حضر بعد ذلك بمجلس أبي عيسى بن المتوكل
(21/96)

ومن هاهنا تتصل رواية ابن عمار عن ميمون وقد جمعت الروايتين إلا أن ميمون بن هارون ذكر أنهم كانوا عند جعفر بن المأمون وعندهم أبو عيسى وكان عندهم علي ابن يحيى وبدعة جارية عريب تغنيهم - فذكر علي بن يحيى أن الصنعة فيه لغير عريب وذكر أنها لا تدعي هذا وكابر فيه فقام جعفر بن المأمون فكتب رقعة إلى عريب - ونحن لا نعلم - يسألها عن أمر الصوت وأن تكتب إليه بالقصة ففعلت فكتبت إليه بخطها
بسم الله الرحمن الرحيم
( هَنِيًّا لأرباب البيوت بُيوتُهم ... وللعَزَب المسكين ما يَتَلَمَّسُ )
أنا المسكينة وحيدة فريدة بغير مؤنس وأنتم فيما أنتم فيه وقد أخذتم أنسي ومن كان يلهيني - تعني جاريتيها بدعة وتحفة - فأنتم في القصف والعزف وأنا في خلاف ذلك هناكم الله وأبقاكم وسألت - مد الله في عمرك - عما اعترض فيه فلان والقصة في هذا الصوت كذا وكذا وقصت قصتها مع الأعرابي كما حدثت به ولم تخرم حرفا منها فجاء الجواب إلى جعفر بن المأمون فقرأه وضحك ثم رمى به إلى أبي عيسى ورمى به أبو عيسى إلي وقال اقرأه وكان علي بن يحيى جالسا إلى جنبي فأراد أن يستلب الرقعة فمنعته وقمت ناحية فقرأتها فأنكر ذلك وقال ما هذا فورينا الأمر عنه لئلا تقع عربدة وكان - عفا الله عنا وعنه - مبغضا لها
تعرف خبر صوت لا يعرفه أحد على وجه الأرض
قال ابن المعتز وحدثني أبو الخطاب العباس بن أحمد بن الفرات قال حدثني أبي قال
كنا يوما عند جعفر بن المأمون نشرب وعريب حاضرة إذ غنى بعض من كان هناك
(21/97)

( يا بدرُ إنّك قد كُسِيت مشابِهاً ... من وجه ذاك المستنيرِ اللاّئحِ )
( وأَراك تمصَح بالمحاق وحسنُها ... باقٍ على الأيام ليس ببارح )
فضحكت عريب وصفقت وقالت ما على وجه الأرض أحد يعرف خبر هذا الصوت غيري فلم يقدم أحد منا على مسألتها عنه غيري فسألتها فقالت أنا أخبركم بقصته ولولا أن صاحب القصة قد مات لما أخبرتكم إن أبا محلم قدم بغداد فنزل بقرب دار صالح المسكين في خان هناك فاطلعت أم محمد ابنة صالح يوما فرأته يبول فأعجبها متاعه وأحبت مواصلته فجعلت لذلك علة بأن وجهت إليه تقترض منه مالا وتعلمه أنها في ضيقة وأنها ترده إليه بعد جمعة فبعث إليها عشرة آلاف درهم وحلف أنه لو ملك غيرها لبعث به فاستحسنت ذلك وواصلته وجعلت القرض سببا للوصلة فكانت تدخله إليها ليلا وكنت أنا أغني لهم فشربنا ليلة في القمر وجعل أبو محلم ينظر إليه ثم دعا بدواة ورقعة وكتب فيها قوله
( يا بدرُ إنّك قد كُسِيتَ مشابِهاً ... من وَجْه أُمِّ محمد ابنةِ صَالحِ )
والبيت الآخر وقال لي غني فيه ففعلت واستحسناه وشربنا عليه فقالت لي أم محمد في آخر المجلس يا أختي قد تنبلت في هذا الشعر إلا أنه سيبقى علي فضيحة آخر الدهر فقال أبو محلم وأنا أغيره فجعل مكان أم محمد ابنة صالح ذاك المستنير اللائح وغنيته كما غيره وأخذه الناس عني ولو كانت أم محمد حية لما أخبرتكم بالخبر
فأما نسبة هذا الصوت
فإن الشعر لأبي محلم النسابة والغناء لعريب ثقيل أول مطلق في مجرى
(21/98)

الوسطى من رواية الهشامي وغيره وأبو محلم اسمه عوف بن محلم
كتبت إلى حبيبها تستزيره
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي عن ميمون بن هارون قال
كتبت عريب إلى محمد بن حامد - الذي كانت تهواه - تستزيره فكتب إليها إني أخاف على نفسي فكتبت إليه
صوت
( إذا كنتَ تحذرُ ما تحذرُ ... وتزعُم أنك لا تَجسُرُ )
( فمالي أُقِيمُ على صَبْوَتي ... ويَومُ لِقائِك لا يُقدَرُ )
فصار إليها من وقته
لعريب في هذين البيتين وبيتين آخرين بعدهما لم يذكرا في الخبر رمل ولشارية خفيف رمل جمعا من رواية ابن المعتز والبيتان الآخران
( تبيَّنتَ عذري وما تَعذِر ... وأبليتَ جسمي وما تشعرُ )
( ألِفْتَ السُّرورَ وخَلَّيْتنَي ... ودَمْعِي من العين ما يَفترُ )
وذكر ميمون في هذا الخبر أن محمد بن حامد كتب إليها يعاتبها في شيء كرهه فكتبت إليه تعتذر فلم يقبل فكتبت إليه بهذين البيتين الآخرين اللذين ذكرتهما بعد نسبة هذا الصوت
صوت
( أَحببتُ من شعر بَشّار لحبكمُ ... بَيْتا كلِفت به من شِعْرِ بَشّارِ )
(21/99)

( يا رحمةَ اللهِ حُلِّي في مَنازِلنا ... وجاوِرِينا فدَتْكِ النَّفْسُ من جارِ )
( إذا ابتهلتُ سألتُ اللهَ رحمتَه ... كنيتُ عنك وما يَعدُوك إِضمارِي )
الشعر لأبي نواس منه البيت الأول والثاني لبشار ضمنه أبو نواس والغناء لعريب ثقيل أول بالبنصر ولعمرو بن بانة في الثاني والثالث رمل
وهذا الشعر يقوله أبو نواس في رحمة بن نجاح عم نجاح بن سلمة الكاتب
أخبرني بخبره علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن يزيد النحوي قال
كان بشار يشبب بامرأة يقال لها رحمة وكان أبو نواس يتعشق غلاما اسمه رحمة ابن نجاح عم نجاح بن سلمة الكاتب وكان متقدما في جماله وكان أبوه قد ألزمه وأخاه رجلا مدنيا وكان معهم كأحدهم وأكثر أبو نواس التشبيب برحمة في إقامته ببغداد وشخوصه عنها وكان بشار قد قال في رحمة المرأة التي يهواها
( يا رحمةَ اللهِ حُلِّي في مَنازِلنا ... حسبي برائحة الفِرْدَوْس من فيك )
( يا أطيبَ الناسِ ريقاً غيرَ مُخْتَبَرٍ ... إلا شِهادةَ أطرافِ المساويكِ )
فقال أبو نواس وضمن بيت بشار
( أحببت من شعر بشار لحُبِّكم ... بَيْتا كَلِفْت به من شِعْر بَشّار )
الأبيات الثلاثة
وقال فيه
( يا مَن تأهّب مُزْمعاً لِرواحِ ... مُتَيَمِّماً بغدادَ غيرَ مُلاحِ )
( في بَطْنِ جَارية كَفَتْكَ بسَيْرها ... رَمَلاً وكلَّ سِباحة السَّبّاحِ )
( بُنيت على قَدَرٍ ولاءم بينها ... صِنْفان من قارٍ ومن ألواحِ )
(21/100)

( وكأنها - والماء ينضح صدرَها ... والخَيزُرانة في يَدِ الملاَّحِ )
( جُونٌ من الغِربان يبتدر الدّجى ... يَهْوِي بصَوْتٍ واصطِفاقِ جَناحِ )
( سلّم على شاطى الصّراة وأهلِها ... واخصُصْ هناك مَدِينةَ الوَضَّاحِ )
( واقصد - هُديت - ولا تكن متحيّراً ... في مقصِدٍ عن ظَبْي آل نَجاحِ )
( عن رحمة الرحمن واسأل مَنْ تَرى ... سِيماه سِيما شارِب للرّاح )
( فإذا دُفِعْتَ إلى أغنَّ وألثغٍ ... ومُنَعَّمٍ ومُكَحَّلٍ ورَداحِ )
( وكشَمْسِنا وكبدرنا حاشى التي ... سَمَّيْتها منه بنَوْر أَقاحِي )
( فاقصِد لوقت لِقائه في خَلْوةٍ ... لِتَبُوحَ عني ثَمَّ كلّ مباحِ )
( واخبرْ بما أحبَبْت عن حالي التي ... ممسَايَ فيها واحدٌ وصَبَاحِي )
قال فافتدى أبو رحمة من أبي نواس ذكر ابنه بأن عقد بينه وبينه حرمة ودعاه إلى منزله فجاءه أبو نواس والمديني لا يعرفه فمازحه مزاحا أسرف عليه فيه فقام إليه رحمة فعرفه أنه أبو نواس فأشفق المديني من ذلك وخاف أن يهجوه ويشهر اسمه فسأل رحمة أن يكلمه في الصفح له والإغضاء عن الانتقام فأجابه أبو نواس وقال
( اذهبْ سلمتَ من الهجاء ولذعِه ... وأَمَا ولَثغةِ رحمةَ بنِ نجاح )
( لولا فُتورٌ في كلامك يُشتَهَى ... وتَرَفُّقِي لك بعدُ واستِملاحِي )
( وَتَكَسُّرٌ في مقلتيك هو الذي ... عَطَف الفُؤاد عليكَ بعد جِماح )
(21/101)

( لعَلِمت أنك لا تمازِح شاعِراً ... في ساعةٍ ليست بحينِ مُزاحِ )
صوت
( أَأَبكاك بالعُرُف المنزلُ ... وما أنت والطَّلَلُ المُحولُ )
( وما أنتَ ويْك ورسمُ الدِّيَارِ ... وسِنُّك قد قاربت تَكمُلُ )
عروضه من المتقارب والشعر للكميت بن زيد الأسدي والغناء لمعقل بن عيسى أخي أبي دلف العجلي ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر وهذان البيتان من قصيدة مدح الكميت بهما عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاصي بن أمية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي عن علي بن هشام عن محمد بن عبد الأعلى بن كناسة قال
كان بين بني أسد وبين طيى بالحص - وهي قريبة من قادسية الكوفة - حرب فاصطلحوا وبقي لطيء دماء رجلين فاحتمل ذلك رجل من بني أسد فمات قبل أن يؤديه فاحتمله الكميت بن زيد فأعانه فيه عبد الرحمن بن عنبسة فمدحه بقوله
( أَأَبكاك بالعُرُف المنزلُ ... وما أنت والطَّلَل المُحولُ )
فأعانه الحكم بن الصلت الثقفي فمدحه بقصيدته التي أولها
( رأَيت الغوانيَ وحشاً نَفُورا ... )
وأعانه زياد بن المغفل الأسدي فمدحه بقصيدته التي أولها
(21/102)

( هل للشباب الذي قد فات من طلب ... )
ثم جلس الكميت وقد خرج العطاء فأقبل الرجل يعطي الكميت المائتين والثلاث المائة وأكثر وأقل قال وكانت دية الأعاربي حينئذ ألف بعير ودية الحضري عشرة آلاف درهم وكانت قيمة الجمل عشرة دراهم فأدى الكميت عشرين ألفا عن قيمة ألفي بعير
نسبة ما في أشعار الكميت هذه من الأغاني
صوت
منها
( هل للشباب الذي قد فات من طلبِ ... أم ليس غابرُه الماضي بمُنقلبِ )
( دَعِ البكاء على ما فات من طلب ... فالدّهر يأتي بألوان من العَجبِ )
غناه إبراهيم الموصلي خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى من رواية إسحاق
(21/103)

ذكر معقل بن عيسى
كان شاعرا ومغنيا
كان معقل بن عيسى فارسا شاعرا جوادا مغنيا فهما بالنغم والوتر وذكره الجاحظ مع ذكر أخيه أبي دلف وتقريظه في المعرفة بالنغم وقال إنه من أحسن أهل زمانه وأجود طبقته صنعة إذ سلم ذلك له أخوه معقل وإنما أخمل ذكره ارتفاع شأن أخيه وهو القائل لأبي دلف في عتب عتبه عليه
( أُخَيَّ مالكَ ترميني فتُقصِدَني ... وإن رَمَيْتُكَ سهماً لم يجزْ كبدِي )
( أُخيَّ مالَكَ مجبولاً على تِرتي ... كأن أجسادنا لم تُغْذَ من جسدِ )
وهو القائل لمخارق وقد كان زار أبا دلف إلى الجبل ثم رجع إلى العراق أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد السكري
صوت
( لعمري لئن قَرَّتْ بقُربك أعينٌ ... لقد سَخِنت بالبَيْن منك عُيونُ )
(21/104)

( فَسِرْ أو أقِم وقفٌ عليك محبَّتي ... مكانُك من قلبي عليك مَصونُ )
( فما أوحشَ الدنيا إذا كنتَ نازحاً ... وما أحسنَ الدنيا بحيثُ تكونُ )
عروضه من الطويل والشعر لمعقل بن عيسى والغناء لمخارق ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى وفيه لحن لمعقل بن عيسى خفيف رمل وفيه ثاني ثقيل يقال إنه لمخارق ويقال إنه لمعقل
ومن شعر معقل قوله يمتدح المعتصم وفيه غناء للزبير بن دحمان من الثقيل الأول بالبنصر
صوت
( الدارُ هاجك رسمُها وطلولُها ... أم بَيْنَ سُعْدَى يوم جَدَّ رحِيلُها )
( كُلٌّ شجاك فقل لعينك أَعوِلي ... إن كان يُغنِي في الديار عَوِيلُها )
( ومحمدٌ زينُ الخَلائِف والذي ... سَنَّ المكارمَ فاستَبان سَبِيلُها )
صوت
( أليسَ إلى أجبال شمخٍ إلى اللّوى ... لِوَى الرَّمل يوما للنُّفوس مَعادُ )
( بلاد بها كنا وكنا من اهلها ... إذِ النَّاسُ ناسٌ والبلادُ بلادُ )
الشعر لرجل من عاد فيما ذكروا والغناء لابن محرز ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر عن ابن المكي وقيل إنه من منحوله إليه
أخبرني ابن عمار عن أبي سعد عن محمد بن الصباح قال حدثنا يحيى بن سلمة بن أبي الأشهب التيمي عن الهيثم بن عدي قال أخبرني حماد الراوية قال
حدثني ابن أخت لنا من مراد قال وليت صدقات قوم من العرب فبينا أنا أقسمها في أهلها إذ قال لي رجل منهم ألا أريك عجبا قلت بلى قال فأدخلني في
(21/105)

شعب من جبل فإذا أنا بسهم من سهام عاد من فتى قد نشب في ذروة الشعب وإذا على الجبل تجاهي مكتوب
( ألا هَلْ إلى أبياتِ شمخٍ إلى اللّوى ... لِوَى الرَّمل يوماً للنُّفوس مَعادُ )
( بلاد بها كنا وكنا من اهلها ... إذِ النَّاسُ ناسٌ والبلادُ بلادُ )
ثم أخرجني إلى ساحل البحر وإذا أنا بحجر يعلوه الماء طورا ويظهر تارة وإذا عليه مكتوب يابن آدم يابن عبد ربه اتق الله ولا تعجل في أمرك فإنك لن تسبق رزقك ولن ترزق ما ليس لك ومن البصرة إلى الديل ستمائة فرسخ فمن لم يصدق بذلك فليمش الطريق على الساحل حتى يتحققه فإن لم يقدر على ذلك فلينطح برأسه هذا الحجر
صوت
( يا بيت عاتكَة الذي أَتعزَّل ... حَذَر العِدا وبه الفُؤادُ موكَّلُ )
( إني لأمنحُكَ الصُّدودَ وإنني ... قَسماً إليك مع الصُّدود لأميَلُ )
أتعزله أتجنبه وأكون بمعزل عنه العدا جمع عدو ويقال عدا بالضم وعدا بالكسر وأمنحك أعطيك والمنيحة العطية وفي الحديث أن رجلا منح بعض ولده شيئا من ماله فقال له النبي أكل ولدك منحت مثل هذا قال لا قال فارجعه
الشعر للأحوص بن محمد الأنصاري من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز الغناء لمعبد ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق ويونس وغيرهما وفيه لابن سريج خفيف ثقيل الأول بالبنصر عن الهشامي وابن المكي وعلي بن يحيى
(21/106)

الأحوص وبعض أخباره
سرق أبيات سليمان بأعيانها وأدخلها في شعره وغير قوافيها فقط
أخبرني بخبر الأحوص في هذا الشعر الحرمي عن الزبير قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي وأخبرنا به الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن مصعب الزبيري عن المؤملي عن عمر بن أبي بكر الموصلي عن عبد الله بن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر قال
خرجت أنا والأحوص بن محمد مع عبد الله بن الحسن بن الحسن إلى الحج فلما كنا بقديد قلنا لعبد الله بن الحسن لو أرسلت إلى سليمان بن أ بي دباكل فأنشدنا شيئا من شعره فأرسل إليه فأتانا فاستنشدناه فأنشدنا قصيدته التي يقول فيها
( يا بيتَ خَنْساءَ الذي أتجنَّبُ ... ذهب الشباب وحُبُّها لا يَذْهَبُ )
( أصبحت أمنَحُكِ الصدودَ وإنَّني ... قَسماً إليك مع الصُّدودِ لأجنُبُ )
( ما لي أحِنُّ إلى جِمالِكِ قُرِّبت ... وأصُدُّ عنك وأنت مِنِّيَ أقربُ )
( لله دَرُّك هل لديك مُعوَّلٌ ... لمتَيَّيمٍ أم هل لوُدّكِ مَطلبُ )
(21/107)

( فلقد رأيتك قبل ذاكَ وإنني ... لمُوكَّل بهواك أو مُتَقَرّب )
( إذ نحن في الزمن الرخيّ وأنتُم ... متجاورون كلامُكم لا يُرقَبُ )
( تبكي الحمامةُ شَجوها فتَهِيجُني ... عازبُ همِّيَ المتأَوِّبُ )
( وتَهبُّ جاريةُ الرياح مِنَ ارضكم ... فأرى البلاد لها تُطِلُّ وتُخصِب )
( وأرى السّمية باسمكم فيزيدُني ... شوقاً إليك رجاؤك المُتَنسّبُ )
( وأرى العدوَّ يودّكم فأودّه ... إن كان يُنسب منك أو لا يُنسبُ )
( وأُخالِف الوَاشِينَ فيك تجمُّلاً ... وهُم عليَّ ذَوُو ضغائِنَ دُؤَّبُ )
( ثم اتخذتِهم عليَّ وَليجةً ... حتى غَضِبت ومثلُ ذلك يُغضِبُ )
قال فلما كان من قابل حج أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان فقدم المدينة فدخل عليه الأحوص واستصحبه فأصحبه فلما خرج الأحوص قال له بعض من عنده ماذا تريد بنفسك تقدم بالأحوص الشام وبها من ينافسك من بني أبيك وهو من الأفن والسفه على ما قد علمت فيعيبونك به فلما رجع أبو بكر من الحج دخل عليه الأحوص متنجزا لما وعده من الصحابة فدعا له بمائة دينار وأثواب وقال يا خال إني نظرت فيما سألتني من الصحابة فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين من غير إذنه فيجبهك فيشمت بك عدوي من أهل بيتي ولكن خذ هذه الثياب والدنانير وأنا مستأذن لك أمير المؤمنين فإذا أذن لك كتبت إليك فقدمت علي فقال له الأحوص لا ولكن قد سبعت عندك ولا حاجة لي بعطيتك ثم خرج من عنده فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فأرسل إلى الأحوص وهو يومئذ أمير المدينة فلما دخل عليه أعطاه مائة دينار وكساه ثيابا فأخذ ذلك ثم قال له
(21/108)

يا أخي هب لي عرض أبي بكر قال هو لك ثم خرج الأحوص فقال له عروض قصيدة سليمان بن أبي دبا كل قصيدة مدح بها عمر بن عبد العزيز
وقال حماد قال أبي سرق أبيات سليمان بأعيانها فأدخلها في شعره وغير قوافيها فقط فقال
( يا بيتَ عاتكة الذي أتعزَّل ... حذَر العِدَا وبه الؤاد موكَّل )
( أصبحتُ أمنحُك الصّدود وإنَّني ... قسَماً إليك مع الصّدود لأَمْيَلُ )
( فصددتُ عنك وما صددتُ لِبغْضةٍ ... أخشى مقالةَ كاشحٍ لا يعْقِلُ )
( هل عيشُنا بك في زمانك راجِعٌ ... فلقد تفاحش بعدك المتعلّل )
( إني إذا قُلتُ استقام يحُطُّه ... خُلْفٌ كما نظر الخِلافَ الأقبَلُ )
( لو بالّذي عالجت لِينَ فؤاده ... فأبَى يُلانُ بهِ لَلانَ الْجَنْدَلُ )
( وتَجنُّبي بَيتَ الحبيبِ أودُّه ... أُرضِي البغيضَ به حديثٌ مُعْضِلُ )
( ولئن صددتُ لأنتِ لولا رِقبتي ... أهوَى من اللائي أزورُ وأدْخُلُ )
( إنّ الشَّبابَ وعيشَنا اللذَّ الذي ... كُنَّا به زمناً نُسرُّ ونَجذَلُ )
( ذهبت بشاشتُه وأَصبَح ذكرُه ... حُزْناً يُعلُّ به الفؤاد وينهلُ )
( إلاَّ تَذَكُّرَ ما مضى وصبابة ... مُنِيَتْ لقلْب متيَّمٍ لا يَذْهَلُ )
( أودَى الشبابُ وأخلقَتْ لذَّاتُه ... وأنا الحزينُ على الشباب المُعْولُ )
( يبكِي لما قَلَبَ الزمانُ جديدَه ... خَلقاً وليس على الزّمان مُعوَّلُ )
( والرأس شامِلُه البَياضُ كأنه ... بعد السّواد به الثَّغامُ المُحْجِلُ )
(21/109)

( وسفيهةٍ هبَّت عليَّ بسُحْرةٍ ... جَهْلاً تلوم على الثّواء وتعذلُ )
( فأجبتُها أن قلتُ لستِ مُطاعةً ... فذرِي تنصُّحكَ الذي لا يُقبَلُ )
( إنّي كَفانِي أن أعالج رِحْلَةً ... عُمَرٌ ونبوةُ من يضنّ ويبخل )
( بِنَوالِ ذِي فجرٍ تكون سِجالُه ... عَمَمَّا إذا نزل الزَّمانُ الممحلُ )
( ماضٍ على حدث الأمور كأنه ... ذو رَوْنق عَضْبٌ جَلاهُ الصَّيْقَلُ )
( تُبدِي الرجال إذا بدا إعظامه ... حذَرَ البُغاث هَوَى لهنّ الأجْدَلُ )
( فيرون أنّ له عليهم سورةً ... وفضيلَةً سَبَقَتْ له لا تُجْهَلُ )
( مُتَحمِّلٌ ثِقَلَ الأمورِ حوى له ... سبقَ المكارم سابِقٌ مُتَمَهِّلُ )
( وله إذا نُسِبَتْ قريشٌ منهم ... مجد الأرومة والفَعالُ الأفضلُ )
( وله بمكة إذْ أميّة أهلُها ... إرثٌ إذا عُدَّ القديمُ مُؤثّلُ )
( أعيت قرابَتُه وكان لُزومُه ... أمْراً أبانَ رَشَادَه مَنْ يَعْقِلُ )
( وسموتَ عن أخلاقهم فتركتهم ... لنداك إنّ الحازمَ المتحوّلُ )
( ولقد بدأتُ أريدُ وُدَّ معاشِرٍ ... وَعَدُوا مواعِدَ أخلفت إن حُصِّلُوا )
( حتى إذا رجع اليقينُ مطامِعي ... يأساً وأخلَفَني الذين أُؤمّلُ )
( زايلتُ ما صَنَعوا إليك برحلةٍ ... عَجْلَى وعندك عنهمُ مُتَحوَّلُ )
( ووعدتني في حاجةٍ فصَدَقْتَنِي ... ووفيتَ إذ كَذَبُوا الحديثَ وبَدَّلوا )
( وشكوتُ غُرماً فادحاً فحملتَه ... عَنِّي وأنت لمثلِه مُتَحمِّل )
( فلأشكرنَّ لك الذي أوليتَني ... شُكراً تُحلُّ به المطيُّ وتُرحَلُ )
(21/110)

( مِدَحاً تكون لكم غرائبُ شعرها ... مَبْذُولَةً ولغيركم لا تبذل )
( فإذا تَنَحَّلْتُ القريضَ فإنّه ... لكم يكون خِيارُ ما أَتَنَحَّلُ )
( ولعمرُ مَن حَجَّ الحجيجُ لِبَيْته ... تَهْوِي به قُلُص المَطِيّ الذُّمَّلُ )
( إنَّ امرأً قد نال منك قرابةً ... يَبْغي منافِعَ غيرها لمُضَلَّلُ )
( تَعْفُو إذا جَهِلُوا بحلمك عنهم ... وتُنِيلُ إن طلبوا النّوال فتُجزِلُ )
( وتكون مَعْقِلَهُمْ إذا لم يُنجِهم ... من شَرّ ما يخشون إلاّ المَعْقِل )
( حتى كأنك يُتَّقى بك دونهمْ ... من أُسْد بِيشة خادِرٌ مُتَبَسِّل )
( وأَراكَ تفعلُ ما تقول وبَعضُهم ... مَذِقُ الحديث يقول ما لا يَفْعل )
( وأرى المدينةَ حين صِرْت أميرَها ... أمِنَ البَرِيءُ بها ونام الأعزلُ )
فقال عمر ما أراك أعفيتني مما استعفيت منه قال لأنه مدح عمر وعرض بأخيه أبي بكر
نسبة ما مضى في هذه الأخبار من الأغاني
صوت
( ما لي أحِنُّ إذا جِمالُك قُرِّبت ... وأصدّ عنك وأنت مني أقربُ )
( وأرى البلادَ إذا حللتِ بغيرها ... وَحْشاً وإن كانت تُظَلّ وتُخْصِبُ )
( يا بيت خنساءَ الذي أتجنَّب ... ذهب الشباب وحُبُّها لا يذهَبُ )
( تبكي الحمامةُ شجوَها فتَهيجُني ... ويَرُوحُ عازب هَمِّيَ المتأوِّبُ )
(21/111)

الشعر لسليمان بن أبي دباكل والغناء لمعبد خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو وقال ابن المكي فيه خفيف ثقيل آخر لابن محرز وأوله
( تبكي الحمامة شجوها فتهيجني ... )
من هي عاتكة التي يذكرها الأحوص في شعره
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي وقال محمد بن كناسة حدثني أبو دكين بن زكريا بن محمد بن عمار بن ياسر قال رأيت عاتكة التي يقول فيها الأحوص
( يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... )
وهي عجوز كبيرة وقد جعلت بين عينيها هلالا من نيلج تتملح به
أخبرني الحرمي عن الزبير عن محمد بن محمد العمري قال عاتكة التي يشبب بها الأحوص عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية
أخبرني الحرمي عن الزبير عن إسحاق بن عبد الملك
أن الأحوص كان لينا وأن عاتكة التي ينسب بها ليست عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية وإنما هو رجل كان ينزل قرى كانت بين الأشراف كنى عنه بعاتكة
أخبرني الحرمي عن الزبيري عن يعقوب بن حكيم قال
كان الأحوص لينا وكان يلزم نازلا بالأشراف فنهاه أخوه عن ذلك فتركه فرقا من أخيه وكان يمر قريبا من خيمة النازل بالأشراف ويقول
(21/112)

( يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل )
يكنى عنه بعاتكة ولا يقدر أن يدخل عليه
الفرزدق وكثير يزوران الأحوص
أخبرني الحرمي عن الزبيري عن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم قال حدثني عبد العزيز بن عمران قال
قدم الفرزدق المدينة فقال لكثير هل لك بنا في الأحوص نأتيه ونتحدث عنده فقال له وما نصنع به إذا والله نجد عنده عبدا حالكا أسود حلوكا يؤثره علينا ويبيت مضاجعه ليلته حتى يصبح قال الفرزدق فقلت إن هذا من عداوة الشعراء بعضهم لبعض قال فانهض بنا إليه إذا لا أب لغيرك قال الفرزدق فأردفت كثيرا ورائي على بغلتي وقلت تلفف يا أبا صخر فمثلك لا يكون رديفا فخمر رأسه وألصق في وجهه فجعلت لا أجتاز بمجلس قوم إلا قالوا من هذا وراءك يا أبا فراس فأقول جارية وهبها لي الأمير فلما أكثرت عليه من ذلك واجتاز على بني زريق وكان يبغضهم فقلت لهم ما كنت أقول قبل ذلك كشف عن رأسه وأومض وقال كذب ولكني كرهت أن أكون له رديفا وكان حديثه لي معجبا فركبت وراءه ولم تكن لي دابة أركبها إلا دابته فقالوا لا تعجل يا أبا صخر ههنا دواب كثيرة تركب منها ما أردت فقال دوابكم والله أبغض إلي من ردفه فسكتوا عنه وجعل يتغشم عليهم حتى جاوز أبصارهم فقلت والله ما قالوا لك بأسا فما
(21/113)

الذي أغضبك عليهم فقال والله ما أعلم نفرا أشد تعصبا للقرشيين من نفر اجتزت بهم قال فقلت له وما أنت لا أم لك ولقريش قال أنا والله أحدهم قلت إن كنت أحدهم فأنت والله دعيهم قال دعيهم خير من صحيح نسب العرب وإلا فأنا والله من أكرم بيوتهم أنا أحد بني الصلت بن النضر قلت إنما قريش ولد فهر بن مالك فقال كذبت فقال ما علمك بابن الجعراء بقريش هم بنو النضر بن كنانة ألم تر إلى النبي انتسب إلى النضر بن كنانة ولم يكن ليجاوز أكرم نسبه قال فخرجنا حتى أتينا الأحوص فوجدناه في مشربة له فقلنا له أنرقى إليك أم تنزل إلينا قال لا أقدر على ذلك عندي أم جعفر ولم أرها منذ أيام ولي فيها شغل فقال كثير أم جعفر والله بعض عبيد الزرانيق فقلنا له فأنشدنا بعض ما أحدثت به فأنشدنا قوله
( يا بَيْتَ عاتكةَ الذي أتعزّل ... حذرَ العِدا وبه الفُؤادُ مُوكَّلُ )
حتى أتى على آخرها فقلت لكثير قاتله الله ما أشعره لولا ما أفسد به نفسه قال ليس هذا إفسادا هذا خسف إلى التخوم فقلت صدقت وانصرفنا من عنده فقال أين تريد فقلت إن شئت فمنزلي وأحملك على البغلة وأهب لك المطرف وإن شئت فمنزلك ولا أرزؤك شيئا فقال بل منزلي وأبذل لك ما قدرت عليه وانصرفنا إلى منزله فجعل يحدثني وينشدني حتى جاءت الظهر فدعا لي بعشرين دينارا وقال استعن بهذه يا أبا فراس على مقدمك قلت هذا أشد من حملان بني زريق قال والله إنك ما تأنف من أخذ هذا من أحد غير الخليفة قال الفرزدق فجعلت أقول في
(21/114)

نفسي تالله إنه لمن قريش وهممت ألا أقبل منه فدعتني نفسي وهي طمعة إلى أخذها منه فأخذتها
معنى قول كثير للفرزدق يابن الجعراء يعيره بدغة وهي أم عمرو بن تميم وبها يضرب المثل في الحماقة فيقال هي أحمق من دغة وكانت حاملا فدخلت الخلاء فولدت وهي لا تعلم ما الولد وخرجت وسلاها بين رجليها وقد استهل ولدها فقالت يا جارتا أيفتح الجعر فاه فقالت جارتها نعم يا حمقاء ويدعو أباه فبنو تميم يعيرون بذلك ويقال للمنسوب منهم يا بن الجعراء
ملاحاة بينه وبين السري بن عبد الرحمن
أخبرني الحرمي عن الزبير قال حدثني سليمان بن داود المجمعي قال
اجتاز السري بن عبد الرحمن بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري بالأحوص وهو ينشد قوله
( يا بيتَ عاتكةَ الذي أتعزّل ... )
فقال السري
( يا بَيْتَ عاتكةَ المُنَوَّهَ باسْمِهِ ... اقعُد على مَنْ تحتَ سَقْفِك واعْجَل )
فواثبه الأحوص وقال في ذلك
( فأنت وشتمي في أَكارِيسِ مالك ... وسَبّي به كالكَلْب إذ يَنبح النَّجْما )
(21/115)

( تَداعَى إلى زَيْد وما أنتَ منهم ... تَحُقُّ أَباً إلاّ الولاءَ ولا أما )
( وإنَّك لو عَدَّدْتَ أَحسابَ مالك ... وأيامها فيها ولم تنطق الرَّجْما )
( أعادتْك عَبْداً أو تنَقَّلتَ كاذِباً ... تَلمَّسُ في حيٍّ سوى هالك جِذْما )
( وما أنا بالمحْسوس في جِذْمِ مالك ... ولا بالمُسمَّى ثم يلتزم الإِسْمَا )
( ولكن أَبي لَوْ قد سألتَ وجدَته ... توسَّطَ منها العِزَّ والحَسَب الضَّخْما )
فأجابه السري فقال
( سألتُ جميعَ هذا الخلق طُرًّا ... متى كان الأُحَيْوص من رجالي )
وهي أبيات ليست بجيدة ولا مختارة فألغيت ذكرها
شعره يسعف دليل المنصور
أخبرني محمد بن أحمد بن الطلاس أبو الطيب عن أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني وأخبرني به الحرمي عن الزبير قال حدثني عمي وقد جمعت روايتيهما
أن المنصور أمر الربيع لما حج أن يسايره برجل يعرف المدينة وأهلها وطرقها ودورها وحيطانها فكان رجل من أهلها قد انقطع إلى الربيع زمانا وهو رجل من الأنصار فقال له تهيأ فإني أظني جسدك قد تحرك إن أمير المؤمنين قد أمرني أن أسايره برجل يعرف المدينة وأهلها وطرقها وحيطانها
(21/116)

ودورها فتحسس موافقته ولا تبتدئه بشيء حتى يسألك ولا تكتمه شيئا ولا تسأله حاجة فغدا عليه بالرجل وصلى المنصور فقال يا ربيع الرجل فقال ها هو ذا فسار معه يخبره عما سال حتى ندر من أبيات المدينة فأقبل عليه المنصور فقال من أنت أولا فقال من لا تبلغه معرفتك هكذا ذكر الخراز وليس في رواية الزبير فقال مالك من الأهل والولد فقال والله ما تزوجت ولا لي خادم قال فأين منزلك قال ليس لي منزل قال فإن أمير المؤمنين قد أمر لك بأربعة آلاف درهم فرمي بنفسه فقبل رجله فقال له اركب فركب فلما أراد الانصراف قال للربيع يا أبا الفضل قد أمر لي أمير المؤمنين بصلة قال إيه قال إن رأيت أن تنجزها لي قال هيهات قال فأصنع ماذا قال لا أدري والله وفي رواية الخراز أنه قال ما أمر لك بشيء ولو أمر به لدعاني فقال أعطه أو وقع إلي فقال الفتى هذا هم لم يكن في الحساب فلبثت أياما ثم قال المنصور للربيع ما فعل الرجل قال حاضر قال سايرنا به الغداة ففعل وقال له الربيع إنه خارج بعد غد فاحتل لنفسك فإنه والله إن فاتك فإنه آخر العهد به فسار معه فجعل لا يمكنه شيء حتى انتهى إلى مسيره ثم رجع وهو كالمعرض عنه فلما خاف فوته أقبل عليه فقال يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة قال وما بيت عاتكة قال الذي يقول فيه الأحوص
( يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... )
قال فمه قال إنه يقول فيها
( إنّ امرأً قد نال منك وسيلةً ... يرجُو منافعَ غَيرِها لمضّللُ )
( وأراكَ تفعَلُ ما تقول وبَعضُهم ... مَذِقُ الحديث يقول ما لا يَفْعَلُ )
فقال الزبير في خبره فقال له لقد رأيتك أذكرت بنفسك يا سليمان
(21/117)

ابن مخلد أعطه أربعة آلاف درهم فأعطاه إياها وقال الخراز في خبره فضحك المنصور وقال قاتلك الله ما أظرفك يا ربيع أعطه ألف درهم فقال يا أمير المؤمنين إنها كانت أربعة آلاف درهم فقال ألف يحصل خير من أربعة آلاف لا تحصل
وقال الخراز في خبره حدثني المدائني قال
أخذ قوم من الزنادقة وفيهم ابن لابن المقفع فمر بهم على أصحاب المدائن فلما رآهم ابن المقفع خشي أن يسلم عليهم فيؤخذ فتمثل
( يا بيتَ عاتكةَ الذي أتعزَّلُ ... حذَر العِدا وبه الفؤادُ مُوَكَّلُ )
الأبيات ففطنوا لما أراد فلم يسلموا عليه ومضى
هو ومعبد المغني في حضرة يزيد بن عبد الملك
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن ابن شبة قال
بلغني أن يزيد بن عبد الملك كتب إلى عامله أن يجهز إليه الأحوص الشاعر ومعبدا المغني
فأخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثني إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أبي قال حدثنا سلمة بن صفوان الزرقي عن الأحوص الشاعر وذكر إسماعيل بن سعيد الدمشقي أن الزبير بن بكار حدثه عن ابن أبي أويس عن أبيه عن مسلمة بن صفوان عن الأحوص وأخبرني به الحرمي عن الزبير عن عمه عن جرير المديني المغني وأبو مسكين قالوا جميعا
كتب يزيد بن عبد الملك في خلافته إلى أمير المدينة وهو عبد الواحد ابن عبد الله النصري أن يحمل إليه الأحوص الشاعر ومعبدا المغني مولى
(21/118)

ابن قطن قال فجهزنا وحملنا إليه فلما نزلنا عمان أبصرنا غديرا وقصورا فقعدنا على الغدير وتحدثنا وذكرنا المدينة فخرجت جارية من بعض تلك القصور ومعها جرة تريد أن تستقي فيها ماء قال الأحوص فتغنت بمدحي في عمر بن عبد العزيز
( يا بيت عاتكةَ الذي أتعزل ... )
فتغنت بأحسن صوت ما سمعته قط ثم طربت فألقت الجرة فكسرتها فقال معبد غنائي والله وقلت شعري والله فوثبنا إليها وقلنا لها لمن أنت يا جارية قالت لآل سعيد بن العاص وفي خبر جرير المعني لآل الوليد بن عقبة ثم اشتراني رجل من آل الوحيد بخمسين ألف درهم وشغف بي فغلبته بنت عم له طرأت عليه فتزوجها على أمري فعاقبت منزلتها بمنزلتي ثم علا مكانها مكاني فلم تزدها الأيام إلا ارتفاعا ولم تزدني إلا اتضاعا فلم ترض منه إلا بأن أخدمها فوكلتني باستقاء الماء فأنا على ما تريان أخرج أستقي الماء فإذا رأيت هذه القصور والغدران ذكرت المدينة فطربت إليها فكسرت جرتي فيعذلني أهلي ويلومونني قال فقلت لها أنا الأحوص والشعر لي وهذا معبد والغناء له ونحن ماضيان إلى أمير المؤمنين وسنذكرك له أحسن ذكر وقال جرير في خبره ووافقه وكيع ورواية عمر بن شبة قالوا فأنشأت الجارية تقول
( إن تروني الغداةَ أسعى بجرٍّ ... أستَقِي الماء نحو هذا الغدير )
( فلقد كنتُ في رخاء من العيش ... وفي كل نعمةٍ وسُرورِ )
( ثم قد تُبصِران ما فيه أمْسَيْتُ ... وماذا إليه صار مَصِيري )
( فإلى الله أَشتكي ما ألاقي ... من هَوانٍ وما يُجِنُّ ضَمِيري )
( أبلغا عَنّي الإمامَ وما يعرف ... صِدقَ الحَديث غيرُ الخَبير )
(21/119)

( إنني أَضْرَبُ الخَلائِق بالعُودِ ... وأَحْكاهُم بِبَمٍّ وزِير )
( فلعلّ الإله يُنقِذ مما ... أَنا فيه فإنّني كالأسير )
( ليتني مِتّ يوم فارقتُ أهلي ... وبلادي فزُرت أهلَ القُبورِ )
( فاسمعا ما أقول لفَّا كما ... الله نجاحاً في أحسن التيسير )
فقال الأحوص من وقته
صوت
( إنّ زينَ الغدير من كسر الجرْ ... وَغَنَّى غِناء فحلٍ مُجيد )
( قلتُ من أنتِ يا ظعينَُ فقالت ... كنتُ فيما مضى لآل الوليدِ )
وفي رواية الدمشقي
( قلت من أَيْن يا خَلوبُ فقالت ... كنتُ فيما مضى لآل سعيد )
( ثم أصبحْتُ بعد حَيِّ قريشٍ ... في بني خالد لآل الوحيد )
( فغِنائي لمعبَد ونَشِيدي ... لفتى الناس الأحْوَص الصِّنْديدِ )
( فتباكيْتُ ثم قلت أنا الأحْوص ... والشيخ مَعْبَدٌ فأعِيدي )
( فأعادت لنا بصوتٍ شجِيٍّ ... يتركُ الشيخَ في الصِّبا كالوَليدِ )
وفي رواية أبي زيد
( فأعادت فأحسنَتْ ثم ولَّتْ ... تَتهادَى فقلتُ قولَ عميدِ )
( يعجِزُ المالُ عن شِراكٍ ولكنْ ... أنتِ في ذِمَّة الهُمام يزيدِ )
( ولكِ اليومَ ذِمَّتي بوفاءٍ ... وعلى ذاكِ من عِظام العهودِ )
(21/120)

( أَنْ سَيَجْرِي لك الحديثُ بصوتٍ ... مَعبديّ يَرُدُّ حَبْلَ الوريدِ )
( يفعل الله ما يشاء فَظُنِّي ... كُلَّ خير بنا هناكَ وزيدِي )
( قالت القَينةُ الكَعَابُ إلى ... اللهِ أُمورِي وأرْتَجِي تَسْدِيدِي )
غناه معبد ثاني ثقيل بالبنصر من رواية حبش والهشامي وغيرهما وهي طريقة هذا الصوت وأهل العلم بالغناء لا يصححونه لمعبد
قال الأحوص وضع فيه معبد لحنا فأجاده فلما قدمنا على يزيد قال يا معبد أسمعني أحدث غناء غنيت وأطراه فغناه معبد
( إنّ زَينَ الغدير من كَسَرَ الجرَّ ... وَغَنَّى غِناء فحلٍ مُجيدِ )
فقال يزيد إن لهذا لقصة فأخبراني بها فأخبراه فكتب لعامله بتلك الناحية إن لآل فلان جارية من حالها ذيت وذيت فاشترها بما بلغت فاشتراها بمائة ألف درهم وبعث بها هدية وبعث معها بألطاف كثيرة فلما قدمت على يزيد رأى فضلا بارعا فأعجب بها وأجازها وأخدمها وأقطعها وأفرد لها قصرا قال فوالله ما برحنا حتى جاءتنا منها جوائز وكسا وطرف
وقال الزبير في خبره عن عمه قال
أظن القصة كلها مصنوعة وليس يشبه الشعر شعر الأحوص ولا هو من طرازه وكذلك ذكر عمر بن شبة في خبره
أخبرني الحرمي عن الزبير قال
سمعت هشام بن عبد الله بن عكرمة يحدث عن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال
(21/121)

ينذر بزوال الدولة الأموية
كنت مع يزيد بن عمر بن هبيرة ليلة الفرات فلما انهزم الناس التفت إلي فقال يا أبا الحارث أمسينا والله وهم كما قال الأحوص
( أبْكِي لما قَلَبَ الزمانُ جديدَه ... خَلَقاً وليس على الزمان مُعَوَّلُ )
أخبرني الحرمي عن الزبير عن محمد بن محمد العمري
أن عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية رئيت في النوم قبل ظهور دولة بني العباس على بني أمية كأنها عريانة ناشرة شعرها تقول
( أين الشَّبابُ وعيشُنا اللّذُّ الذي ... كُنَّا به يوما نُسَرُّ ونُجذَلُ )
( ذهبت بَشاشتُه وأصبَحَ ذِكْرُه ... حُزْناً يُعَلَّ به الفؤادُ ويُنْهَل )
فتأول الناس ذلك بزوال دنيا بني أمية فكان كما قالوا
أخبرني بهذا الخبر الحسن بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الجمحي عن شيخ من قريش
أنه رأى في النوم امرأة من ولد عثمان بن عفان على منايم على دار عثمان المقبلة على المسجد وهي حاسرة في يديها عود وهي تضرب به وتغني
( أين الشَّبابُ وعيشُنا اللّذُّ الذي ... كُنَّا به زَمناً نُسَرُّ ونُجذَلُ )
( ذهبت بَشاشتُه وأصبَحَ ذِكْرُه ... حُزْناً يُعَلُّ به الفؤادُ ويُنْهَل )
قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى خرج الأمر عن أيديهم وقتل مروان
(21/122)

قال إسحاق المنامة الدكان وجمعها منايم
صوت
( يا هندُ إنَّكِ لو علمتِ ... بعَاذِلَيْنِ تتابعا )
( قالا فلمْ أسْمَعْ لِمَا ... قالا وقلتُ بل اسْمَعا )
( هندٌ أحبُّ إليَّ من ... مالي وروحيَ فارْجِعَا )
( ولقد عَصَيْتُ عَواذِلي ... وأطعْتُ قلباً مُوجَعا )
الشعر لعبد الله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام والغناء لابن سريج ولحنه فيه لحنان أحدهما من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق والآخر رمل بالوسطى عن عمرو وفيه خفيف ثقيل ذكر أبو العبيس أنه لابن سريج وذكر الهشامي وابن المكي أنه للغريض وذكر حبش أن لإبراهيم فيه رملا آخر بالبنصر وقال أحمد بن عبيد الذي صح فيه ثقيل الأول وخفيفه ورمله وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لابن عباد
(21/123)

ذكر عبد الله بن الحسن بن الحسن
عليهم السلام ونسبه وأخباره وخبر هذا الشعر
عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وقد مضى نسبه في أخبار عمه الحسين صلوات الله عليه في شعره الذي يقول فيه
( لعمرُكَ إنَّنِي لأُحِبُّ داراً ... تَحِلُّ بِهَا سُكَيْنَةُ والرَّبابُ )
ويكنى عبد الله بن الحسن أبا محمد وأم عبد الله بن الحسن بن الحسن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله وأمها الجرباء بنت قسامة بن رومان عن طيء
لماذا سميت جدته الجرباء
أخبرني أحمد بن سعيد قال حدثنا يحيى بن الحسن قال
إنما سميت الجرباء لحسنها كانت لا تقف إلى جنبها امرأة وإن كانت جميلة إلا استقبح منظرها لجمالها وكان النساء يتحامين أن يقفن إلى جنبها فشبهت بالناقة الجرباء التي تتوقاها الإبل مخافة أن تعديها
وكانت أم إسحاق من أجمل نساء قريش وأسوئهن خلقا ويقال إن نساء بني تيم كانت لهن حظوة عند أزواجهن على سوء أخلاقهن ويروى أن
(21/124)

أم إسحاق كانت ربما حملت وولدت وهي لا تكلم زوجها
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن عمه بذلك قال
وقد كانت أم إسحاق عند الحسن بن علي بن ابي طالب صلوات الله عليه قبل أخيه الحسين عليه السلام فلما حضرته الوفاة دعا بالحسين صلوات الله عليه فقال له يا أخي إني أرضى هذه المرأة لك فلا تخرجن من بيوتكم فإذا انقضت عدتها فتزوجها فلما توفي الحسن عنها تزوجها الحسين عليه السلام وقد كانت ولدت من الحسن عليه السلام ابنه طلحة بن الحسن فهو أخو فاطمة لأمها وابن عمها وقد درج طلحة ولا عقب له
ومن طرائف أخبار التيميات من نساء قريش في حظوتهن وسوء أخلاقهن ما أخبرنا به الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن محمد بن عبد الله قال
كانت أم سلمة بنت محمد بن طلحة عند عبد الله بن الحسن وكانت تقسو عليه قسوة عظيمة وتغلظ له ويفرق منها ولا يخالفها فرأى يوما منها طيب نفس فأراد أن يشكو إليها قسوتها فقال لها يا بنت محمد قد أحرق والله قلبي . . . فحددت له النظر وجمعت وجهها وقالت له أحرق قلبك ماذا فخافها فلم يقدر على أن يقول لها سوء خلقك فقال لها حب أبي بكر الصديق فأمسكت عنه
وتزوج الحسن بن الحسن فاطمة بنت الحسين في حياة عمه وهو عليه السلام زوجه إياها
زواجه فاطمة بنت الحسين
أخبرني الطوسي والحرمي عن الزبير عن عمه بذلك وحدثني أحمد
(21/125)

ابن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن إسماعيل بن يعقوب قال حدثني جدي عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن قال
خطب الحسن بن الحسن إلى عمه الحسين صلوات الله عليه وسأله أن يزوجه إحدى ابنتيه فقال له الحسين عليه السلام اختر يا بني أحبهما إليك فاستحيا الحسن ولم يحر جوابا فقال له الحسين عليه السلام فإني اخترت منهما لك ابنتي فاطمة فهي أكثر شبها بأمي فاطمة بنت رسول الله
أخبرني الطوسي والحرمي عن الزبير عن عمه مصعب
أن الحسن لما خيره عمه اختار فاطمة وكانوا يقولون إن امرأة سكينة مردودتها لمنقطعة القرين في الجمال
أخبرني الطوسي والحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي عن أحمد بن يحيى وأحمد بن زهير عن الزبير وأخبرني أحمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن الزبير بن بكار واللفظ للحسن بن علي وخبره أتم قال قال الزبير حدثني عمي مصعب ولم يذكر أحدا
ماذا قال حين حضرته الوفاة
وأخبرني محمد بن يحيى عن أيوب عن عمر بن أبي الموالي قال الزبير وحدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن يوسف بن الماجشون وقد دخل حديث بعضهم في بعض حديث الآخرين
أن الحسن بن الحسن لما حضرته الوفاة جزع وجعل يقول إني لأجد
(21/126)

كربا ليس إلا هو كرب الموت وأعاد ذلك دفعات فقال له بعض أهله ما هذا الجزع تقدم على رسول الله وهو جدك وعلى علي والحسن والحسين صلوات الله عليهم وهم آباؤك فقال لعمري إن الأمر لكذلك ولكني كأني بعبد الله بن عمرو بن عثمان حين أموت وقد جاء في مضرجتين أو ممصرتين وهو يرجل جمته يقول أنا من بني عبد مناف جئت لأشهد ابن عمي وما به إلا أن يخطب فاطمة بنت الحسين فإذا جاء فلا يدخل علي فصاحت فاطمة أتسمع قال نعم قالت أعتقت كل مملوك لي وتصدقت بكل ملك لي إن أنا تزوجت بعدك أحدا أبدا قال فسكن الحسن وما تنفس ولا تحرك حتى قضى فلما ارتفع الصياح أقبل عبد الله على الصفة التي ذكرها الحسن فقال بعض القوم ندخله وقال بعضهم لا يدخل وقال قوم لا يضر دخوله فدخل وفاطمة تصك وجهها فأرسل إليها وصيفا كان معه فجاء يتخطى الناس حتى دنا منها فقال لها يقول لك مولاي ابقي على وجهك فإن لنا فيه أربا قال فأرسلت يدها في كمها واختمرت وعرف ذلك منها فما لطمت وجهها حتى دفن صلوات الله عليه فلما انقضت عدتها خطبها فقالت فكيف لي بنذري ويميني فقال نخلف عليك بكل عبد عبدين وبكل شيء شيئين ففعل وتزوجته وقد قيل في تزويجه إياها غير هذا
أخبرني به أحمد بن محمد بن إسماعيل الهمداني عن يحيى بن الحسن العلوي عن أخيه أبي جعفر عن إسماعيل بن يعقوب عن محمد ابن عبد الله البكري
(21/127)

أن فاطمة لما خطبها عبد الله أبت أن تتزوجه فحلفت عليها أمها لتتزوجنه وقامت في الشمس وآلت لا تبرح حتى تتزوجته فكرهت فاطمة أن تحرج فتزوجته
وكان عبد الله بن الحسن بن الحسن شيخ أهله وسيدا من ساداتهم ومقدما فيهم فصلا وعلما وكرما وحبسه أبو جعفر المنصور في الهاشمية بالكوفة لما خرج عليه ابناه محمد وإبراهيم فمات في الحبس وقيل إنه سقط عليه وقيل غير ذلك
انتهى كل حسن إليه
أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن علي بن أحمد الباهلي قال سمعت مصعبا الزبيري يقول
انتهى كل حسن إلى عبد الله بن حسن وكان يقال من أحسن الناس فيقال عبد الله بن الحسن ويقال من أفضل الناس فيقال عبد الله بن الحسن
حدثني محمد بن الحسن الخثعمي الأشناني والحسن بن علي السلولي قالا حدثنا عباد بن يعقوب قال
حدثنا تلميذ بن سليمان قال رأيت عبد الله بن الحسن وسمعته يقول أنا أقرب الناس إلى رسول الله ولدتني بنت رسول الله مرتين
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن إسماعيل ابن يعقوب عن عبد الله بن موسى قال
(21/128)

أول من اجتمعت له ولادة الحسن عليه السلام والحسين صلوات الله عليهما عبد الله بن الحسن عليه السلام
حدثني محمد بن الحسن الأشناني عن عبد الله بن يعقوب عن بندقة ابن محمد بن حجازة الدهان قال
رأيت عبد الله بن الحسن فقلت هذا والله سيد الناس كان مكسوا نورا من قرنه إلى قدمه
قال علي بن الحسين وقد روي ذلك في أخبار أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي عليه السلام
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن القاسم ابن عبد الرزاق قال
جاء منظور بن زيان الفزاري إلى حسن بن حسن وهو جده أبو أمه فقال له لعلك أحدثت بعدي أهلا قال نعم تزوجت بنت عمي الحسين ابن علي عليهما السلام قال بئسما صنعت أما علمت أن الأرحام إذا التقت أضوت كان ينبغي أن تتزوج في الغرب قال فإن الله جل وعز قد رزقني منها ولدا قال أرنيه فأخرج إليه عبد الله بن الحسن فسر به وقال أنجبت هذا والله ليث غاب ومعدو عليه قال فإن الله تعالى قد رزقني منها ولدا ثانيا قال فأرنيه فأخرج إليه حسن بن حسن بن حسن فسر به وقال أنجبت وهذا دون الأول قال فإن الله قد رزقني منها ولدا ثالثا قال فأرنيه فأراه إبراهيم بن الحسن
حدثني أبو عبيد محمد بن أحمد الصيرفي قال حدثنا محمد بن علي
(21/129)

ابن خلف قال حدثنا عمر بن عبد الغفار قال حدثنا سعيد بن أبان القرشي قال
كنت عند عمر بن عبد العزيز فدخل عبد الله بن الحسن عليه وهو يومئذ شاب في إزار ورداء فرحب به وأدناه وحياه وأجلسه إلى جنبه وضاحكه ثم غمز عكنة من بطنه وليس في البيت حينئذ إلا أموي فقيل له ما حملك على غمز بطن هذا الفتى قال إني لأرجو بها شفاعة محمد
حدثني عمر بن عبد الله بن جميل العتكي عن عمر بن شبة عن إسماعيل بن جعفر الجعفري قال
حدثني سعيد بن عقبة الجهني قال إني لعند عبد الله بن الحسن إذ أتاني آت فقال هذا رجل يدعوك فخرجت فإذا أنا بأبي عدي الشاعر الأموي فقال أعلم أبا محمد فخرج إليه عبد الله وهم خائفون فأمر له بأربعمائة دينار وهند بمائتي دينار فخرج بستمائة دينار وقد روى مالك ابن أنس عن عبد الله بن الحسن الحديث
كان يسدل شعره
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن قال
حدثنا علي بن أحمد الباهلي عن مصعب بن عبد الله قال سئل مالك
(21/130)

عن السدل قال رأيت من يرضى بفعله عبد الله بن الحسن يفعله والسبب في حبس عبد الله بن الحسن وخروج ابنيه وقتلهما يطول ذكره وقد أتى عمر بن شبة منه بما لا يزيد عليه أحد إلا اليسير ولكن من أخباره ما يحسن ذكره ها هنا فنذكره
أخبرني عمر بن عبد الله العتكي عن عمر بن شبة قال حدثني موسى ابن سعيد بن عبد الرحمن وأيوب بن عمر عن إسماعيل بن أبي عمرو قالوا
شعر تمثل به
لما بني أبو العباس بناءه بالأنبار الذي يدعى الرصافة رصافة أبي العباس قال لعبد الله بن الحسن ادخل فانظر ودخل معه فلما رآه تمثل
( أَلم ترَ حَوْشَباً أمْسَى يُبَنِّي ... بِناءً نَفعُه لبنِي نُفَيْله )
( يُؤمّل أن يُعَمَّر عُمْرَ نُوحٍ ... وأمرُ اللهِ يحدثُ كلَّ لَيْلَة )
فاحتمله أبو العباس ولم يبكته بها
أخبرني عمي عن ابن شبة عن يعقوب بن القاسم عن عمرو بن شهاب وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن الزبير عن محمد ابن الضحاك عن أبيه قالوا
إن أبا العباس كتب إلى عبد الله بن الحسن في تغيب ابنيه
( أرِيد حَياتَه ويُرِيد قَتلِي ... عَذيرَك من خَلِيلك من مُرادِ )
قال عمر بن شبة وإنما كتب بها إلى محمد قال عمر بن شبة فبعثوا إلى عبد الرحمن بن مسعود مولى أبي حنين فأجابه
(21/131)

( وكيف يُرِيدُ ذاكَ وأنتَ مِنْهُ ... بمنزلة النِّياط من الفُؤادِ )
( وكيف يُريدُ ذاكَ وأنتَ مِنْهُ ... وزَنْدُك حين تقدح من زِنادِ )
( وكيف يُريدُ ذاكَ وأنتَ مِنْهُ ... وأنتَ لِهَاشمٍ رأسٌ وَهادِ )
أخبرني عمر بن عبد الله بن شبة عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن الحسن بن زيد عن عبد الله بن الحسن قال
بينا أنا في سمر أبي العباس وكان إذا تثاءب أو ألقى المروحة من يده قمنا فألقاها ليلة فقمنا فأمسكني فلم يبق غيري فأدخل يده تحت فراشه وأخرج إضبارة كتب وقال اقرأ يا أبا محمد فقرأت فإذا كتاب من محمد ابن هشام بن عمرو التغلبي يدعوه إلى نفسه فلما قرأته قلت له يا أمير المؤمنين لك عهد الله وميثاقه ألا ترى منهما شيئا تكرهه ما كانا في الدنيا
أخبرنا العتكي عن ابن شبة عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمر عن عبد الله بن عبدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال
لما استخلف أبو جعفر ألح في طلب محمد والمسألة عنه وعمن يؤويه فدعا بني هاشم رجلا رجلا فسألهم عنه فكلهم يقول قد علم أمير المؤمنين أنك قد عرفته بطلب هذا الشأن قبل اليوم فهو يخافك على نفسه ولا يريد لك خلافا ولا يحب لك معصية إلا الحسن بن زيد فإنه أخبره خبره فقال والله ما آمن وثوبه عليك وأنه لا ينام فيه فر رأيك فيه قال ابن أبي عبيدة فأيقظ من لا ينام
(21/132)

أخبرني عمر بن عبد الله بن شبة عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن محمد بن عمران عن عقبة بن سلم
أن أبا جعفر دعاه فسأله عن اسمه ونسبه فقال أنا عقبة بن سلم بن نافع بن الأزدهاني قال إني أرى لك هيئة وموضعا وإني لأريدك لأمر أنا به معني قال أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين قال فأخف شخصك وائتني في يوم كذا وكذا فأتيته فقال إن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيدا بملكنا ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا وكذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات وألطاف فاذهب حتى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه عن أهل تلك القرية ثم تسير ناحيتهم فإن كانوا نزعوا عن رأيهم علمت ذلك وكنت على حذر منهم حتى تلقى عبد الله بن الحسن متخشعا وإن جبهك وهو فاعل فاصبر وعاوده أبدا حتى يأنس بك فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل إلي ففعل ذلك وفعل به حتى أنس عبد الله بناحيته فقال له عقبة الجواب فقال له أما الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد ولكن أنت كتابي إليهم فأقرئهم السلام وأخبرهم أن ابني خارج لوقت كذا وكذا فشخص عقبة حتى قدم على أبي جعفر فأخبره الخبر
بماذا أجاب أبا جعفر عندما سأله عن ابنيه
أخبرني العتكي عن عمر بن محمد بن يحيى بن الحارث بن إسحاق قال
سأل أبو جعفر عبد الله بن الحسن عن ابنيه لما حج فقال لا أعلم بهما حتى تغالظا فأمضه أبو جعفر فقال له يا أبا جعفر بأي أمهاتي
(21/133)

تمضني أبخديجة بنت خويلد أم بفاطمة نت رسول الله أم بفاطمة بنت الحسين عليهم السلام أم بأم إسحاق بنت طلحة قال لا ولا بواحدة منهن ولكن بالجرباء بنت قسامة فوثب المسيب بن زهير فقال يا أمير المؤمنين دعني أضرب عنق ابن الفاعلة فقام زياد بن عبيد الله فألقى عليه رداءه وقال يا أمير المؤمنين هبه لي فأنا المستخرج لك ابنيه فتخلصه منه
قال ابن شبة وحدثني بكر بن عبد الله مولى أبي بكر عن علي بن رباح أخي إبراهيم بن رباح عن صاحب المصلى قال
إني لواقف على رأس أبي جعفر وهو يتغدى بأوطاس وهو متوجه إلى مكة ومعه على مائدته عبد الله بن الحسن وأبو الكرام الجعفري وجماعة من بني العباس فأقبل على عبد الله بن الحسن فقال يا أبا محمد محمد وإبراهيم أراهما قد استوحشا من ناحيتي وإني لأحب أن يأنسا بي ويأتياني فأصلهما وأزوجهما وأخلطهما بنفسي قال وعبد الله يطرق طويلا ثم يرفع رأسه ويقول وحقك يا أمير المؤمنين مالي بهما ولا بموضعهما من البلاد علم ولقد خرجا عن يدي فيقول لا تفعل يا أبا محمد اكتب إليهما وإلى من يوصل كتابك إليهما قال وامتنع أبو جعفر عن عامة غدائه ذلك اليوم إقبالا على عبد الله وعبد الله يحلف أنه لا يعرف موضعهما وأبو جعفر يكرر عليه لا تفعل يا أبا محمد
قال ابن شبة فحدثني محمد بن عباد عن السندي بن شاهك
أن أبا جعفر قال لعقبة بن سلم إذا فرغنا من الطعام فلحظتك فامثل
(21/134)

بين يدي عبد الله فإنه سيصرف بصره عنك فدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينيه منك ثم حسبك وإياك أن يراك ما دام يأكل ففعل ذلك عقبة فلما رآه عبد الله وثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر وقال يا أمير المؤمنين أقلني أقالك الله قال لا أقالني الله إن أقلتك ثم أمر بحبسه
قال ابن شبة فحدثني أيوب بن عمر عن محمد بن خلف المخزومي قال أخبرني العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال
لما حج أبو جعفر في سنة اربعين ومائة أتاه عبد الله وحسن ابنا حسن فإنهما وإياي لعنده وهو مشغول بكتاب ينظر فيه إذ تكلم المهدي فلحن فقال عبد الله يا أمير المؤمنين ألا تأمر بهذا من يعدل لسانه فإنه يفعل فعل الأمة فلم يفهم وغمزت عبد الله فلم ينتبه وعاد لأبي جعفر فأحفظ من ذلك وقال له أين ابنك قال لا أدري قال لتأتيني به قال لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه قال يا ربيع فمر به إلى الحبس
توفي في محبسه بالهاشمية
أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن قال
توفي عبد الله في محبسه بالهاشمية وهو ابن خمس وسبعين سنة في سنة خمس وأربعين ومائة وهند التي عناها عبد الله في شعره الذي فيه الغناء زوجته هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد ابن عبد العزى بن قصي وأمها قرينة بنت يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة ابن الأسود بن المطلب
وكان أبو عبيدة جوادا وممدحا وكانت هند قبل عبد الله بن الحسن
(21/135)

تحت عبد الله بن عبد الملك بن مروان فمات عنها
فأخبرني الحرمي عن الزبير عن سليمان بن عياش السعدي قال
لما توفي أبو عبيدة وجدت ابنته هند وجدا شديدا فكلم عبد الله بن الحسن محمد بن بشير الخارجي أن يدخل على هند بنت أبي عبيدة فيعزيها ويؤسيها عن أبيها فدخل معه عليها فلما نظر إليها صاح بأبعد صوته
( قومي اضربي عينيك يا هندُ لن تَرَيْ ... أَباً مثلَه تسمُو إليه المَفاخِرُ )
( وكنت إذا أَسبَلْتِ فوقك والدا ... تَزِيني كما زان اليدين الأساورُ )
فصكت وجهها وصاحت بحربها وجهدها فقال له عبد الله بن الحسن ألهذا دخلت فقال الخارجي وكيف أعزي عن أبي عبيدة وأنا أعزى به
أخبرني العتكي عن شبة قال حدثني عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان عن علي بن صالح قال
زوج عبد الملك بن مروان ابنه عبد الله هند بنت أبي عبيدة وريطة بنت عبد الله بن عبد المدان لما كان يقال إنه كائن في أولادهما فمات عنهما عبد الله أو طلقهما فتزوج هندا عبد الله بن الحسن وتزوج ريطة محمد بن علي فجاءت بأبي العباس السفاح
أخبرني العتكي عن عمر بن شبة عن ابن داجة عن أبيه قال
لما مات عبد الله بن عبد الملك رجعت هند بميراثها منه فقال عبد الله ابن حسن لأمه فاطمة اخطبي علي هندا فقالت إذا تردك أتطمع في هند وقد ورثت ما ورثته وأنت ترب لا مال لك فتركها ومضى إلى أبي عبيدة
(21/136)

أبي هند فخطبها إليه فقال في الرحب والسعة أما مني فقد زوجتك مكانك لا تبرح ودخل على هند فقال يا بنية هذا عبد الله بن حسن أتاك خاطبا قالت فما قلت له قال زوجته قالت أحسنت قد أجزت ما صنعت وأرسلت إلى عبد الله لا تبرح حتى تدخل على أهلك قال فتزينت له فبات بها معرسا من ليلته ولا تشعر أمه فأقام سبعا ثم أصبح يوم سابعه غاديا على أمه وعليه ردع الطيب وفي غير ثيابه التي تعرف فقالت له يا بني من أين لك هذا قال من عند التي زعمت أنها لا تريدني
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي عبد العزيز بن أحمد بن بكار قالا حدثنا الزبير قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة قالت
كان جدك عبد الله بن مصعب يستنشدني كثيرا أبيات عبد الله بن حسن ويعجب بها
( إنّ عيني تعوَّدت كُحْل هِنْدٍ ... جَمَعتْ كَفُّها مع الرِّفق لِينا )
صوت
( يا عِيدُ مالكَ من شوقٍ وإيراقِ ... ومرِّ طَيْفٍ على الأهوال طَرَّاقِ )
( يَسْرِي على الأَيْنِ والحيَّات مُحْتفياً ... نفسي فِداؤُك من سارٍ على ساقِ )
عروضه من البسيط العيد ما اعتاد الإنسان من هم أو شوق أو مرض أو ذكر والأين والأيم ضرب من الحيات والأين الإعياء أيضا وروى أبو عمرو
( يا عيد قلبُك من شوق وإيراق ... )
الشعر لتأبط شرا والغناء لابن محرز ثقيل أول بالوسطى من رواية يحيى المكي وحبش وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى إلى ابن محرز
(21/137)

أخبار تأبط شرا ونسبه
هو ثابت بن جابر بن سفيان بن عميثل بن عدي بن كعب بن حزن وقيل حرب بن تميم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار
وأمه امرأة يقال لها أميمة يقال إنها من بني القين بطن من فهم ولدت خمسة نفر تأبط شرا وريش بلغب وريش نسر وكعب جدر ولا بواكي له وقيل إنها ولدت سادسا اسمه عمرو
لقبه وسببه
وتأبط شرا لقب لقب به ذكر الرواة أنه كان رأى كبشا في الصحراء فاحتمله تحت إبطه فجعل يبول عليه طول طريقه فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش فلم يقله فرمى به فإذا هو الغول فقال له قومه ما تأبطت يا ثابت قال الغول قالوا لقد تأبطت شرا فسمي بذلك
وقيل بل قالت له أمه كل إخوتك يأتيني بشيء إذا راح غيرك فقال لها سآتيك الليلة بشيء ومضى فصاد أفاعي كثيرة من أكبر ما قدر عليه
(21/138)

فلما راح أتى بهن في جراب متأبطا له فألقاه بين يديها ففتحته فتساعين في بيتها فوثبت وخرجت فقال لها نساء الحي ماذا أتاك به ثابت فقالت أتاني بأفاع في جراب قلن وكيف حملها قالت تأبطها قلن لقد تأبط شرا فلزمه تأبط شرا
حدثني عمي قال حدثني علي بن الحسين بن عبد الأعلى عن أبي محلم بمثل هذه الحكاية وزاد فيها
أن أمه قالت له في زمن الكمأة ألا ترى غلمان الحي يجتنون لأهليهم الكمأة فيروحون بها فقال أعطيني جرابك حتى أجتني لك فيه فأعطته فملأه لها أفاعي وذكر باقي الخبر مثل ما تقدم
ومن ذكر أنه إنما جاءها بالغول يحتج بكثرة أشعاره في هذا المعنى فإنه يصف لقاءه إياها في شعره كثيرا فمن ذلك قوله
( فأَصبحت الغُولُ لي جارةً ... فيا جارتا لك ما أَهولا )
( فطالبتُها بُضْعَها فالتوت ... عليَّ وحاولتُ أن أَفعلا )
( فمن كان يسأل عن جارتي ... فإنّ لها باللِّوى مَنْزِلاَ )
كان أحد العدائين المعدودين
أخبرني عمي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال نزلت على حي من فهم إخوة بني عدوان من قيس فسألتهم عن خبر تأبط شرا فقال لي بعضهم وما سؤالك عنه أتريد أن تكون لصا قلت لا ولكن أريد أن
(21/139)

أعرف أخبار هؤلاء العدائين فأتحدث بها فقالوا نحدثك بخبره إن تأبط شرا كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين وكان إذا جاع لم تقم له قائمة فكان ينظر إلى الظباء فينتقي على نظره أسمنها ثم يجري خلفه فلا يفوته حتى يأخذه فيذبحه بسيفه ثم يشويه فيأكله وإنما سمي تأبط شرا لأنه فيما حكي لنا لقي الغول في ليلة ظلماء في موضع يقال له رحى بطان في بلاد هذيل فأخذت عليه الطريق فلم يزل بها حتى قتلها وبات عليها فلما أصبح حملها تحت إبطه وجاء بها إلى أصحابه فقالوا له لقد تأبطت شرا فقال في ذلك
شعره في غول تأبطها
( تأَبَّط شرّاً ثم راح أو اغْتَدى ... تُوائم غُنْما أو يَشِيف على ذَخْل )
يوائم يوافق ويشيف يقتدر وقال أيضا في ذلك
( ألا مَنْ مُبلغٌ فِتيانَ فَهمٍ ... بما لاقيتُ عند رَحَى بطانِ )
( وأنِّي قد لقيتُ الغولَ تهوي ... بسَهْب كالصحيفة صحصحانِ )
( فقلت لها كلانا نِضْو أَيْنٍ ... أخو سفر فخلّي لي مكاني )
( فشدَّت شدَّةً نحوي فأَهْوَى ... لها كفّي بمصقولٍ يَماني )
( فأَضربها بلا دَهَشٍ فَخَرّت ... صريعاً لليدين وللجِرانِ )
( فقالت عُد فقلت لها رُوَيداً ... مكانَك إنني ثَبْتُ الجنانِ )
( فلم أنفكَّ مُتّكِئاً عليها ... لأنظر مُصبِحاً ماذا أتاني )
(21/140)

( إذا عينان في رأسٍ قبيح ... كرأس الهِرِّ مَشْقوق اللِّسانِ )
( وساقا مُخدجٍ وشواةُ كلْب ... وثوب من عَباءٍ أو شِنان )
أخبرنا الحسين بن يحيى قال قرأت على حماد وحدثك أبوك عن حمزة ابن عتبة اللهبي قال
قيل لتأبط شرا هذه الرجال غلبتها فكيف لا تنهشك الحيات في سراك فقال إني لأسري البردين يعني أول الليل لأنها تمور خارجة من حجرتها وآخر الليل تمور مقبلة إليها
قال حمزة ولقي تأبط شرا ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أبو وهب كان جبانا أهوج وعليه حلة جيدة فقال أبو وهب لتأبط شرا بم تغلب الرجال يا ثابت وأنت كما أرى دميم ضئيل قال باسمي إنما أقول ساعة ما ألقى الرجل أنا تأبط شرا فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت فقال له الثقفي أقط قال قط قال فهل لك أن تبيعني اسمك قال نعم فبم تبتاعه قال بهذه الحلة وبكنيتك قال له أفعل ففعل وقال له تأبط شرا لك اسمي ولي كنيتك وأخذ حلته وأعطاه طمرية ثم انصرف وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي
( ألا هل أتى الحسناءَ أنّ حَلِيلَها ... تأبّط شَرّاً واكتنيتُ أبَا وَهْب )
( فهبه تَسمَّى اسْمي وسُمِّيتُ باسمِه ... فأَين له صبرِي على مُعْظَمِ الخطب )
( وأين له بأْسٌ كَبَأْسي وسَوْرتي ... وأين له في كل فادحةٍ قَلْبِي )
(21/141)

أحب جارية وعجز عنها
قال حمزة وأحب تأبط شرا جارية من قومه فطلبها زمانا لا يقدر عليها ثم لقيته ذات ليلة فأجابته وأرادها فعجز عنها فلما رأت جزعه من ذلك تناومت عليه فآنسته وهدأ ثم جعل يقول
( مالكَ من أَيْرٍ سُلِبْتَ الخلّه ... عجَزْتَ عن جارية رِفَلّهْ )
( تمشي إليك مشيةً خوزلَّهْ ... كمشية الأَرخِ تريد العلّهْ )
الأرخ الأنثى من البقر التي لم تنتج العلة تريد أن تعل بعد النهل أي أنها قد رويت فمشيتها ثقيلة والعل الشرب الثاني
( لو أنها راعِيةٌ في ثُلَّه ... تحمل قِلْعَين لها قبَلّه )
( لصرتُ كالهراوة العُتُلّهْ ... )
خبره مع بجيلة
أخبرني الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي سعد عن أحمد بن عمر عن أبي بركة الأشجعي قال
أغار تأبط شرا وهو ثابت بن العميثل الفهمي ومعه ابن براق الفهمي على بجيلة فأطردا لهم نعما ونذرت بهما بجيلة فخرجت في آثارهما ومضيا هاربين في جبال السراة وركبا الحزن وعارضتهما بجيلة في السهل فسبقوهما إلى الوهط وهو ماء لعمرو بن العاص بالطائف فدخلوا لهما في قصبة العين وجاءا وقد بلغ العطش منهما إلى العين فلما وقفا عليها قال تأبط شرا لابن براق أقل من الشراب فإنها ليلة طرد قال وما يدريك قال
(21/142)

والذي أعدو بطيره إني لأسمع وجيب قلوب الرجال تحت قدمي وكان من أسمع العرب وأكيدهم فقال له ابن براق ذلك وجيب قلبك فقال له تأبط شرا والله ما وجب قط ولا كان وجابا وضرب بيده عليه وأصاخ نحو الأرض يستمع فقال والذي أعدو بطيره إني لأسمع وجيب قلوب الرجال فقال له ابن براق فأنا أنزل قبلك فنزل فبرك وشرب وكان أكل القوم عند بجيلة شوكة فتركوه وهم في الظلمة ونزل ثابت فلما توسط الماء وثبوا عليه فأخذوه وأخرجوه من العين مكتوفا وابن براق قريب منهم لا يطمعون فيه لما يعلمون من عدوه فقال لهم ثابت إنه من أصلف الناس وأشدهم عجبا بعدوه وسأقول له استأسر معي فسيدعوه عجبه بعدوه إلى أن يعدو من بين أيديكم وله ثلاثة أطلاق أولها كالريح الهابة والثاني كالفرس الجواد والثالث يكبو فيه ويعثر فإذا رأيتم منه ذلك فخذوه فإني أحب أن يصير في أيديكم كما صرت إذ خالفني ولم يقبل رأيي ونصحي له قالوا فافعل فصاح به تأبط شرا أنت أخي في الشدة والرخاء وقد وعدني القوم أن يمنوا عليك وعلي فاستأسر وواسني بنفسك في الشدة كما كنت أخي في الرخاء فضحك ابن براق وعلم أنه قد كادهم وقال مهلا يا ثابت أيستأسر من عنده هذا العدو ثم عدا فعدا أول طلق مثل الريح الهابة كما وصف لهم والثاني كالفرس الجواد والثالث جعل يكبو ويعثر ويقع على وجهه فقال ثابت خذوه فعدوا بأجمعهم فلما أن نفسهم عنه شيئا عدا تأبط شرا في كتافه وعارضه ابن براق فقطع كتافه وأفلتا جميعا فقال تأبط شرا قصيدته القافية في ذلك
(21/143)

( يا عِيدُ مالكَ من شَوْقٍ وإبْراقِ ... ومَرّ طيفٍ على الأهوال طرَّاقِ )
( يسري على الأَيْن والحيّات محتفِياً ... نفسي فداؤُك من سارٍ على ساقِ )
( طيْف ابنة الحُرِّ إذ كنّا نواصلُها ... ثم اجْتُنِبْتُ بها من بعد تَفْراقِ )
( لتَقرعِنَّ عليَّ السِّنَّ من نَدَمٍ ... إذا تذكَّرتِ يوماً بعضَ أخلاقِي )
( تالله آمنُ أنثى بعدما حَلَفَتْ ... أسماءُ بالله من عهدٍ وميثاقِ )
( ممزوجَةَ الودِّ بينا واصلَتْ صَرَمَتْ ... الأوَّلُ اللَّذْ مَضَى والآخِر الباقِي )
( فالأوَّلُ اللَّذْ مضى قال مودَّتَها ... واللَّذُّ منها هُذاءٌ غير إحقاقِ )
( تُعْطِيكَ وعدَ أَمانيٍّ تَغُرُّ به ... كالقَطْر مَرَّ على صَخْبَانَ بَرّاق )
( إنّي إذا حُلَّةٌ ضَنَّتَ بنائلها ... وأَمْسَكَت بضعيف الحَبْل أحْذَاقِ )
( نجوْتُ منها نجائي من بجيلةَ إذ ... ألقيْتُ للقوم يوم الرّوع أرواقي )
وذكرها ابن أبي سعيد في الخبر إلى آخرها
وأما المفضل الضبي فذكر أن تأبط شرا وعمرو بن براق والشنفرى وغيره يجعل مكان الشنفرى السليك بن السلكة غزوا بجيلة فلم يظفروا منهم بغرة وثاروا إليهم فأسروا عمرا وكتفوه وأفلتهم الآخران عدوا فلم يقدروا عليهما فلما علما أن ابن براق قد أسر قال تأبط شرا لصاحبه امض فكن قريبا من عمرو فإني سأتراءى لهم وأطمعهم في نفسي حتى يتباعدوا عنه فإذا فعلوا ذلك فحل كتافه وانجوا ففعل ما أمره به وأقبل تأبط شرا
(21/144)

حتى تراءى لبجيلة فلما رأوه طمعوا فيه فطلبوه وجعل يطمعهم في نفسه ويعدو عدوا خفيفا يقرب فيه ويسألهم تخفيف الفدية وإعطاءه الأمان حتى يستأسر لهم وهم يجيبونه إلى ذلك ويطلبونه وهو يحضر إحضارا خفيفا ولا يتباعد حتى علا تلعة أشرف منها على صاحبيه فإذا هما قد نجوا ففطنت لهما بجيلة فألحقتهما طلبا ففاتاهم فقال يا معشر بجيلة أأعجبكم عدو ابن براق اليوم والله لأعدون لكم عدوا أنسيكم به عدوه ثم عدا عدوا شديدا ومضى وذلك قوله
( يا عِيدُ مالكَ من شَوْقٍ وإبْراقِ ... )
وأما الأصمعي فإنه ذكر فيما أخبرني به ابن أبي الأزهر عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن عمه
أن بجيلة أمهلتهم حتى وردوا الماء وشربوا وناموا ثم شدوا عليهم فأخذوا تأبط شرا فقال لهم إن ابن براق دلاني في هذا وإنه لا يقدر على العدو لعقر في رجليه فإن تبعتموه أخذتموه فكتفوا تأبط شرا ومضوا في أثر ابن براق فلما بعدوا عنه عدا في كتافه ففاتهم ورجعوا
أخبرني الحرمي بن ابي العلاء قال حدثنا أبو سعيد السكري قال حدثنا ابن الأثرم عن أبيه وحدثنا محمد بن حبيب عن أبي عمرو قالا
كان تأبط شرا يعدو على رجليه وكان فاتكا شديدا فبات ليلة ذات ظلمة وبرق ورعد في قاع يقال له رحى بطان فلقيته الغول فما زال يقاتلها ليلته إلى أن أصبح وهي تطلبه قال والغول سبع من سباع الجن وجعل يراوغها وهي تطلبه وتلتمس غرة منه فلا تقدر عليه إلى أن أصبح
(21/145)

فقال تأبط شرا
( ألا مَنْ مُبلغٌ فِتيانَ فَهمٍ ... بما لاقيتُ عند رَحَى بطانِ )
( وبأنِّي قد لقيتُ الغولَ تَهوي ... بسَهْبٍ كالصحيفة صَحصحانِ )
( فقلت لها كلانا نِضْو أَيْنِ ... أخو سَفَر فخَلَّي لي مكاني )
( فشدَّت شدَّةً نحوي فأَهْوَى ... لها كفّي بمصقولٍ يَماني )
( فأَضربها بلا دَهَشٍ فَخَرّت ... صريعاً لليدين وللجِرانِ )
( فقالت عُد فقلت لها رُوَيداً ... مكانَك إنني ثَبْتُ الجنانِ )
( فلم أنفكَّ مُتّكِئاً عليها ... لأنظرَ مُصبِحاً ماذا أتاني )
( إذا عينان في رأسٍ قبيحٍ ... كرأْس الهرِّ مشقوق اللِّسانِ )
( وساقا مُخْدِجٍ وشواةُ كلبٍ ... وثوبٌ من عَباءٍ أو شِنان )
غزا بجيلة فقتل رجلا واستاق غنما
قالوا وكان من حديثه أنه خرج غازيا يريد بجيلة هو ورجل معه وهو يريد أن يغترهم فيصيب حاجته فأتى ناحية منهم فقتل رجلا ثم استاق غنما كثيرة فنذروا به فتبعه بعضهم على خيل وبعضهم رجالة وهم كثير فلما رآهم وكان من أبصر الناس عرف وجوههم فقال لصاحبه هؤلاء قوم قد عرفتهم ولن يفارقونا اليوم حتى يقاتلونا أو يظفروا بحاجتهم فجعل صاحبه ينظر فيقول ما أتبين أحدا حتى إذ دهموهما قال لصاحبه اشتد فإني سأمنعك ما دام في يدي سهم فاشتد الرجل ولقيهم تأبط شرا وجعل يرميهم حتى نفدت نبله ثم إنه اشتد فمر بصاحبه فلم يطق شده فقتل صاحبه وهو ابن عم لزوجته فلما رجع تأبط شرا وليس صاحبه معه عرفوا أنه قد قتل فقالت له امرأته تركت صاحبك وجئت متباطئا فقال تأبط شرا في ذلك
(21/146)

( ألا تِلكما عرسي منيعةُ ضُمِّنت ... من اللهِ إثماً مُستِسراًّ وعالِنا )
( تقول تركتَ صاحباً لك ضائعاً ... وجئت إلينا فارقاً مُتبَاطِنا )
( إذا ما تركتُ صاحبي لثلاثة ... أو اثْنَيْنِ مثْلَيْنا فلا أُبْتُ آمِنا )
( وما كنت أبّاء على الخِلّ إذ دعا ... ولا المرءِ يدعوني مُمِرّا مُداهِنا )
( وكَرّي إذا أُكْرِهتُ رهطاً وأَهلَه ... وأرضا يكون العَوْصُ فيها عُجاهِنَا )
( ولمّا سمعت العَوصَ تدعو تنفّرت ... عصافيرُ رأسي من غُواةٍ فَراتِنا )
( ولم أنتظر أن يَدهموني كأنهم ... ورائيَ نَحْل في الخليّة واكِنَا )
( ولا أن تُصِيب النّافذاتُ مقاتلي ... ولم أَكُ بالشدِّ الذِليق مُداينا )
( فأرسلتُ مثنيّاً عن الشدّ واهِناً ... وقلتُ تزحزحْ لا تكوننّ حَائِنا )
( وحثحثتُ مشعوفَ النَّجاء كأنه ... هِجفّ رأى قصراً سِمالاً وداجنا )
(21/147)

( من الحُصِّ هِزْروفٌ يطير عِفاؤه ... إذا استدرج الفَيْفا ومَدَّ المغابنا )
( أزجُّ زَلوجٌ هذرفيٌّ زفازفٌ ... هِزَفٌّ يبذُّ الناجياتِ الصوَّافِنا )
( فزحزحت عنهم أو تجِئْني مَنِيَّتي ... بغبراءَ أو عرفاءَ تَفْري الدَّفائنا )
( كأنّي أراها الموتَ لا درّ دَرُّها ... إذا أمكنَتْ أنيابَها والبراثنا )
( وقالت لأخرى خلفها وبناتها ... حتوف تُنَقِّي مخّ مَنْ كان واهنا )
( أخاليجُ ورَّادٍ على ذي محافل ... إذا نزعوا مدّوا الدِّلا والشّواطنا )
وقال غيره بل خرج تأبط شرا هو وصاحبان له حتى أغاروا على العوص من بجيلة فأخذوا نعما لهم واتبعتهم العوص فأدركوهم وقد كانوا استأجروا لهم رجالا كثيرة فلما رأى تأبط شرا ألا طاقة لهم بهم شمر وتركهما فقتل صاحباه وأخذت النعم وأفلت حتى أتى بني القين من فهم فبات عند امرأة منهم يتحدث إليها فلما أراد أن يأتي قومه دهنته ورجلته فجاء إليهم وهم يبكون فقالت له امرأته لعنك الله تركت صاحبيك
(21/148)

وجئت مدهنا وإنه إنما قال هذه القصيدة في هذا الشأن وقال تأبط شرا يرثيهما وكان اسم أحدهما عمرا
( أبعد قتيل العَوْص آسَى على فتىً ... وصاحِبه أو يأمُلُ الزّادَ طارقُ )
( أأطْرُد فَهماً آخر الليل أبتغِي ... عُلالة يوم أن تَعُوقَ العوائق )
( لَعَمرُ فتًى نِلتم كأنّ رداءه ... على سرحةٍ من سرح دومة سامق )
( لأطرُد نَهْباً أو نرودَ بفِتْيةٍ ... بأيمانهم سُمْر القَنا والعقائق )
( مَساعَرةٌ شُعْثٌ كأنّ عيونهم ... حريقُ الغضا تُلفَى عليها الشّقائق )
( فعُدُّوا شهورَ الحُرْمِ ثم تعرّفوا ... قتيل أناسٍ أو فتاةً تعانقُ )
محاولة قتله هو وأصحابه بالسم
قال الأثرم قال أبو عمرو في هذه الرواية وخرج تأبط شرا يريد أن يغزو هذيلا في رهط فنزل على الأحل بن قنصل - رجل من بجيلة - وكان بينهما حلف فأنزلهم ورحب بهم ثم إنه ابتغى لهم الذراريح ليسقيهم فيستريح منهم ففطن له تأبط شرا فقام إلى أصحابه فقال إني أحب ألا يعلم أنا قد فطنا له ولكن سابوه حتى نحلف ألا نأكل من طعامه ثم أغتره فأقتله لأنه إن علم حذرني - وقد كان مالأ ابن قنصل رجل منهم يقال له لكيز
(21/149)

قتلت فهم أخاه - فاعتل عليه وعلى أصحابه فسبوه وحلفوا ألا يذوقوا من طعامه ولا من شرابه ثم خرج في وجهه وأخذ في بطن واد فيه النمور وهي لا يكاد يسلم منها أحد والعرب تسمي النمر ذا اللونين وبعضهم يسميه السبنتي فنزل في بطنه وقال لأصحابه انطلقوا جميعا فتصيدوا فهذا الوادي كثير الأروى فخرجوا وصادوا وتركوه في بطن الوادي فجاءوا فوجدوه قد قتل نمرا وحده وغزا هديلا فغنم وأصاب فقال تأبط شرا في ذلك
( أقسمتُ لا أنسى وإن طال عيشُنا ... صنيع لُكيْزٍ والأَحلّ بن قنصل )
( نزلنا به يوماً فساء صَبَاحُنا ... فإنك عَمْرِي قد ترى أيْ منزل )
( بَكَى إذ رآنا نازلين ببابه ... وكَيف بُكاءُ ذي القليل المُعَيَّل )
( فلا وأبيك ما نَزَلنا بعامرٍ ... ولا عامر ولا الرئيس ابن قَوقل )
- عامر بن مالك هو أبو براء ملاعب الأسنة وعامر بن الطفيل وابن قوقل مالك بن ثعلبة أحد بني عوف بن الخزرج -
( ولا بالشّليل ربّ مروان قاعداً ... بأحسن عَيْش والنُّفاثيّ نوفَلِ )
- رب مروان جرير بن عبد الله البجلي ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن يعمر أحد بني الديل بن بكر -
( ولا ابن وَهيب كاسب الحمد والعُلاَ ... ولا ابن ضُبَيْعٍ وسط آل المُخبَّلِ )
( ولا ابنِ حُلَيْسٍ قاعداً في لِقاحِهِ ... ولا ابن جُرَيٍّ وسط آل المغفَّلِ )
(21/150)

( ولا ابنِ رياحٍ بالزُّليفات دارُه ... رِياح بن سعد لا رياح بن مَعْقل )
( أولَئِك أعطَى للوَلائد خِلْفَةً ... وأَدْعَى إلى شحم السَّديف المُرَعْبَلِ )
نجاته من موت محتم
وقال أيضا في هذه الرواية كان تأبط شرا يشتار عسلا في غار من بلاد هذيل يأتيه كل عام وأن هذيلا ذكرته فرصدوه لإبان ذلك حتى إذا جاء هو وأصحابه تدلى فدخل الغار وقد أغاروا عليهم فأنفروهم فسبقوهم ووقفوا على الغار فحركوا الحبل فأطلع تأبط شرا رأسه فقالوا اصعد فقال ألا أراكم قالوا بلى قد رأيتنا فقال فعلام أصعد أعلى الطلاقة أم الفداء قالوا لا شرط لك قال فأراكم قاتلي وآكلي جناي لا والله لا أفعل قال وكان قبل ذلك نقب في الغار نقبا أعده للهرب فجعل يسيل العسل من الغار ويهريقه ثم عمد إلى الزق فشده على صدره ثم لصق بالعسل فلم يبرح ينزلق عليه حتى خرج سليما وفاتهم وبين موضعه الذي وقع فيه وبين القوم مسيرة ثلاث فقال تأبط شرا في ذلك
( أقول للحيانٍ وقد صَفِرت لهم ... وِطابي ويَوْمي ضَيّق الحَجْر مُعوِرُ )
( هما خُطَّتا إما إسارٌ ومِنَّةٌ ... وإما دَمٌ والقَتْلُ بالحُرِّ أجدَرُ )
( وأُخرى أصادِي النّفسَ عنها وإنها ... لمورِدٌ حَزْم إن ظَفِرت ومَصدَرُ )
( فرْشتُ لها صدري فزَلَّ عن الصَّفا ... به جؤجؤٌ صَلْبٌ ومتنُ مُخصَّرُ )
( فخالطَ سهلَ الأرض لم يكدح الصَّفا ... به كَدْحَةً والموتُ خَزيانُ يَنْظُرُ )
(21/151)

( فأُبْتُ إلى فَهمٍ وما كُنتُ آئباً ... وكم مثلها فارقتُها وهي تَصْفِر )
( إذا المرء لم يَحْتلْ وقد جَدّ جِدّه ... أضاع وقاسَى أمرَه وهو مُدبِرُ )
( ولكن أَخُو الحَزْم الذي ليس نازلاً ... به الأمرُ إلا وهُو للحزم مُبْصِرُ )
( فذاك قَريعُ الدَّهر ما كان حوَّلا ... إذا سُدّ منه مَنْخِرٌ جاش مَنْخرُ )
( فإنّك لو قَايَسْت باللِّصب حِيلَتي ... بلُقْمان لم يُقصِر بي الدهر مُقْصِرُ )
قتل هو وأصحابه نفرا من العوص
وقال أيضا في حديث تأبط شرا إنه خرج في عدة من فهم فيهم عامر ابن الأخنس والشنفرى والمسيب وعمرو بن براق ومرة بن خليف حتى بيتوا العوص وهم حي من بجيلة فقتلوا منهم نفرا وأخذوا لهم إبلا فساقوها حتى كانوا من بلادهم على يوم وليلة فاعترضت لهم خثعم وفيهم ابن حاجز وهو رئيس القوم وهم يومئذ نحو من أربعين رجلا فلما نظرت إليهم صعاليك فهم قالوا لعامر بن الأخنس ماذا ترى قال لا أرى لكم إلا صدق الضراب فإن ظفرتم فذاك وإن قتلتم كنتم قد أخذتم ثأركم قال تأبط شرا بأبي أنت وأمي فنعم رئيس القوم أنت إذا جد الجد وإذا كان قد أجمع رأيكم على هذا فإني أرى لكم أن تحملوا على القوم حملة واحدة فإنكم قليل والقوم كثير ومتى افترقتم كثركم القوم فحملوا عليهم فقتلوا منهم في حملتهم فحملوا ثانية فانهزمت خثعم وتفرقت وأقبل ابن حاجز فأسند في الجبل فأعجز فقال تأبط شرا في ذلك
(21/152)

( جَزَى الله فِتياناً على العوْص أمطرت ... سَماؤُهُم تحت العَجاجة بالدَّم )
( وقد لاح ضَوءُ الفجر عَرْضاً كأنه ... بلَمْحته إقراب أبْلَق أدْهَم )
( فإنَّ شِفَاءَ الداء إدراك ذَحْلةٍ ... صباحاً على آثار حوم عَرَمْرَمِ )
( وضاربْتُهم بالسفحِ إذ عارَضَتْهُمُ ... قبائلُ من أبناء قسرٍ وخثعم )
( ضِراباً عَدَا منه ابنُ حاجز هارباً ... ذُرا الصَّخر في جوف الوجين المُديَّم )
وقال الشنفري في ذلك
( دَعِيني وقُولي بَعدُ ما شئتِ إنّنِي ... سَيُغدَى بنَعْشِي مرةً فأُغيَّب )
( خرجنَا فلم نعهد وقَلَّت وصاتنا ... ثمانيةٌ ما بعدها مُتعَتَّب )
( سراحينُ فتيانٍ كأن وُجوهَهم ... مصابيحُ أو لونٌ من الماء مذهبُ )
( نَمُرُّ برَهْو الماء صَفْحاً وقد طَوَتْ ... ثمائِلُنا والزّادُ ظَنٌّ مُغَيَّبُ )
( ثلاثاً على الأَقدام حتى سما بنا ... على العَوْص شَعْشَاعٌ من القوم مِحْرَبُ )
( فثاروا إلينا في السواد فَهجْهَجُوا ... وصَوَّت فينا بالصَّباح المُثوَّب )
( فشنَّ عليهم هِزَّةَ السيف ثابِتٌ ... وصَمَّم فيهم بالحُسام المُسيِّبُ )
( وظَلْتُ بفتيانٍ معي أتّقيهمُ ... بهنّ قليلا ساعة ثم جنبوا )
(21/153)

( وقد خَرّ منهم راجلان وفارسٌ ... كميّ صرعناه وحَوْم مسلّب )
( يَشُقُّ إليه كلّ رَبْعٍ وقَلْعَةٍ ... ثمانيةٌ والقوم رَجْلٌ ومِقْنبُ )
( فلما رآنا قومنا قيل أفلَحُوا ... فقلنا اسألوا عن قائل لا يُكَذَّبُ )
وقال تأبط شرا في ذلك
( أرى قدمَيَّ وقَعهُما خَفيفٌ ... كتحليل الظَّليم حَدَا رِئالَه )
( أرى بهما عذاباً كلّ يومٍ ... بخَثْعَم أو بَجِيلَةَ أو ثُمالَه )
ففرق تأبط شرا أصحابه ولم يزالوا يقاتلونهم حتى انهزمت خثعم وساق تأبط شرا وأصحابه الإبل حتى قدم بها عليا مكة
وقال غيره إنما سمي تأبط شرا ببيت قاله وهو
( تأبط شرًّا ثم راح أو اغتدَى ... يُوائِم غُنْماً أو يَشِيفُ على ذَحْل )
شعره عندما هرب من مراد إلى قومه
قال وخرج تأبط شرا يوما يريد الغارة فلقي سرحا لمراد فأطرده ونذرت به مراد فخرجوا في طلبه فسبقهم إلى قومه وقال في ذلك
( إذا لاقيتَ يومَ الصّدق فارْبَع ... عليه ولا يَهمّك يومُ سَوِّ )
( على أنِّي بِسَرْح بني مرادٍ ... شجوتهُم سِباقاً أيَّ شجوِ )
( وآخر مثله لا عيبَ فيه ... بَصَرتُ به ليوم غيرِ زوِّ )
( خَفَضتُ بساحةٍ تجري علينا ... أباريق الكرامة يومَ لَهْوِ )
(21/154)

أغار تأبط شرا وحده على خثعم فبينا هو يطوف إذ مر بغلام يتصيد الأرانب معه قوسه ونبله فلما رآه تأبط شرا أهوى ليأخذه فرماه الغلام فأصاب يده اليسرى وضربه تأبط شرا فقتله وقال في ذلك
( وكادت وبيتِ الله أطناب ثابت ... تقوّضُ عن لَيْلَى وتبكي النَّوائح )
( تمنّى فتىً منّا يلاقي ولم يَكد ... غلامٌ نَمَتهُ المُحْصنات الصَّرائِح )
( غلام نَمى فوق الخماسيِّ قدره ... ودون الذي قد تَرْتَجِيه النَّواكِحُ )
( فإن تك نالته خطاطِيف كفّه ... بأبيض قصّال نمى وهو فادح )
( فقد شد في إحدى يديه كِنانه ... يُداوَى لها في أسود القلب قادح )
- هذه الأبيات أن تكون لقوم المقتول أشبه منها بتأبط شرا -
خبره مع امرأة من هذيل
قال وخطب تأبط شرا امرأة من هذيل من بني سهم فقال لها قائل لا تنكحيه فإنه لأول نصل غدا يفقد فقال تأبط شرا
( وقالوا لها لا تَنكَحِيه فإنّه ... لأول نَصْلٍ أن يُلاقى مَجْمَعا )
( فلم تَرَ مِنْ رأيٍ فتيلاً وحاذرت ... تأَيّمها من لابس الليلِ أَرْوَعا )
(21/155)

( قليلِ غِرارِ النّوم أكبرُ هَمّه ... دَمُ الثّأر أو يلقى كَمِيا مُقَنَّعا )
( قليلِ ادِّخارِ الزَّادِ إلاّ تَعِلَّة ... وقد نَشَزَ الشُّرسُوفُ والتصق المِعَى )
( تُناضِله كلٌ يشجّع نفسَه ... وما طبُّه في طرْقه أن يُشجَّعا )
( يبيت بمغنى الوحش حتى ألفْنه ... ويصبح لا يحمي لها الدهرَ مرتعا )
( رأين فتىً لا صَيْدُ وحش يَهمّه ... فَلَوْ صافحت إنْسا لصافَحْنَه معا )
( ولكنّ أربابَ المخاض يشقّهم ... إذا افتقدوه أو رأوه مُشيّعا )
( وإني - ولا عِلمٌ - لأَعلَمُ أنني ... سألقَى سِنانَ الموت يرشُق أضلعا )
( على غِرّةٍ أو جَهْرةٍ من مُكاثِرٍ ... أطال نِزالَ الموت حتى تَسَعْسَعا )
- تسعسع فني وذهب يقال قد تسعسع الشهر ومنه حديث عمر رضي الله عنه حين ذكر شهر رمضان فقال إن هذا الشهر قد تسعسع
( وكنتُ أظن الموت في الحي أو أرى ... أَلَذّ وأُكرَى أو أَمُوتَ مُقَنَّعا )
( ولست أبيتُ الدَّهر إلا على فتى ... أسلِّبه أو أُذعِرُ السِّرْبَ أجمَعَا )
( ومن يَضربُ الأبطالَ لا بدّ أنه ... سيَلْقى بهم من مَصْرع الموت مَصْرعا )
قال وخرج تأبط شرا ومعه صاحبان له عمرو بن كلاب أخو المسيب
(21/156)

وسعد بن الأشرس وهم يريدون الغارة على بجيلة فنذروا بهم وهم في جبل ليس لهم طريق عليهم فأحاطوا بهم وأخذوا عليهم الطريق فقاتلوهم فقتل صاحبا تأبط شرا ونجا ولم يكد حتى أتى قومه فقالت له امرأته وهي أخت عمرو بن كلاب إحدى نساء كعب بن علي بن إبراهيم بن رياح هربت عن أخي وتركته وغررته أما والله لو كنت كريما لما أسلمته فقال تأبط شرا في ذلك
( ألا تِلكما عِرْسي مَنيعة ضُمِّنَت ... من الله خِزْياً مُسْتسرّاً وعاهنا )
وذكر باقي الأبيات
وإنما دعا امرأته إلى أن عيرته أنه لما رجع بعد مقتل صاحبيه انطلق إلى امرأة كان يتحدث عندها وهي من بني القين بن فهم فبات عندها فلما أصبح غدا إلى امرأته وهو مدهن مترجل فلما رأته في تلك الحال علمت أين بات فغارت عليه فعيرته
غارته على خثعم
وذكروا أن تأبط شرا أغار على خثعم فقال كاهن لهم أروني أثره حتى آخذه لكم فلا يبرح حتى تأخذوه فكفئوا على أثره جفنة ثم أرسلوا إلى الكاهن فلما رأى أثره قال هذا ما لا يجوز في صاحبه الأخذ فقال تأبط شرا
( ألا أبلغ بني فَهْم بن عمرو ... على طولِ التَّنائي والمقَالَهْ )
(21/157)

( مقَال الكاهن الجامِيّ لمّا ... رأى أثري وقد أُنهِبتُ مالَهْ )
( رأى قدمَيّ وقعُهما حثيثٌ ... كتحليل الظليم دعا رئاله )
( أرى بهما عذاباً كلَّ عام ... لخثعمَ أو بجيلةَ أو ثُمالهْ )
( وشرٌّ كان صُبَّ على هذيلٍ ... إذا علقت حِبالهمُ حِبالَه )
( ويَومُ الأزد منهم شرّ يوم ... إذا بَعُدوا فقد صَدَّقتُ قاله )
فزعموا أن ناسا من الأزد ربئوا لتأبط شرا ربيئة وقالوا هذا مضيق ليس له سبيل إليكم من غيره فأقيموا فيه حتى يأتيكم فلما دنا من القوم توجس ثم انصرف ثم عاد فنهضوا في أثره حين رأوه لا يجوز ومر قريبا فطمعوا فيه وفيهم رجل يقال له حاجز ليث من ليوثهم سريع فأغروه به فلم يلحقه فقال تأبط شرا في ذلك
( تَتعتعتُ حِضْنَيْ حاجزٍ وصحابِه ... وقد نبذوا خُلقانَهم وتشنَّعوا )
( أَظن وإن صادفتُ وعثاً وأَنْ جرَى ... بِيَ السّهلُ أو متنٌ من الأرض مَهْيَعُ )
( أُجارِي ظلالَ الطير لو فات واحدٌ ... ولو صدقوا قالوا له هو أسرع )
( فلو كان من فتيان قيسٍ وخِنْدفٍ ... أَطاف به القُنَّاصُ من حيث أُفزِعوا )
( وجاب بلاداً نصفَ يومٍ وليلةٍ ... لآبَ إليهم وهو أَشوسُ أرْوَع )
( فلو كان منكم واحدٌ لكُفِيتُه ... وما ارتجعوا لو كان في القوم مطمع )
فأجابه حاجز
(21/158)

( فإن تك جاريْتَ الظلال فربما ... سُبِقْتَ ويومُ القِرْن عُريان أسْنَعُ )
( وخلَّيْتَ إخوان الصفاء كأنهم ... ذبائحُ عَنزٍ أو فَحِيلٌ مُصرَّع )
( تبكيِّهمُ شجوَ الحمامة بعدما ... أرحْتَ ولَم تُرْفَع لهم منك إصْبَع )
( فهذي ثلاثٌ قد حويت نجاتَها ... وإن تنجُ أخرى فهي عندك أربع )
خير أيامه
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال ذكر علي بن محمد المدائني عن ابن داب قال
سئل تأبط شرا أي يوم مر بك خير قال خرجت حتى كنت في بلاد بجيلة أضاءت لي النار رجلا جالسا إلى امرأة فعمدت إلى سيفي فدفنته قريبا ثم أقبلت حتى استأنست فنبحني الكلب فقال ما هذا فقلت بائس فقال ادنه فدنوت فإذا رجل جلحاب آدم وإذا أضوى الناس إلى جانبه فشكوت إليه الجوع والحاجة فقال اكشف تلك القصعة فأتيت قصعة إلى جنب إبله فإذا فيها تمر ولبن فأكلت منه حتى شبعت ثم خررت متناوما فوالله ما شئت أن أضطجع حتى اضطجع هو ورفع رجله على رجله ثم اندفع يغني وهو يقول
( خَيرُ اللَّيالي إن سألت بليلة ... ليل بخيْمة بين بِيشَ وعَثّرِ )
(21/159)

( لِضَجيعِ آنسةٍ كأَنَّ حَدِيثَها ... شَهدٌ يُشابُ بمزجةٍ من عَنْبر )
( وضجيعِ لاهيةٍ أُلاعِب مِثلَها ... بيضاءَ واضحةٍ كَظِيظ المِئْزَرِ )
( ولأَنْت مثلُهما وخَيرٌ منهما ... بعد الرُّقاد وقبل أَن لم تُسْحِري )
قال ثم انحرف فنام ومالت فنامت فقلت ما رأيت كالليلة في الغرة فإذا عشر عشراوات بين أثلاث فيها عبد واحد وأمة فوثبت فانتضيت سيفي على كبده حتى أخرجته من صلبه ثم ضربت فخذ المرأة فجلست فلما رأته مقتولا جزعت فقلت لا تخافي أنا خير لك منه قال وقمت إلى جل متاعها فرحلته على بعض الإبل أنا والأمة فما حللت عقده حتى نزلت بصعدة بني عوف بن فهر وأعرست بالمرأة هناك وحين اضجعت فتحت عقيرتي وغنيت
( بحَليلة البجليّ بِتْ من ليلِها ... بين الإِزار وكَشْحِها ثم الصَقِ )
( بأَنِيسةٍ طُويت على مَطْويّها ... طيَّ الحمالةِ أو كطيّ المِنْطَقِ )
( فإذا تقوم فصَعدةٌ في رَمْلَة ... لَبَدَت برِيّق دِيمة لم تُغدِق )
(21/160)

( وإذا تجيءُ تجيء شحب خلفها ... كالأَيْم أصْعَد في كَثِيبٍ يَرْتَقِي )
( كَذَب الكوَاهِنُ والسَّواحِرُ والهُنا ... أن لا وفاء لعاجِزٍ لا يَتَّقِي )
قال فهذا خير يوم لقيته
وشر يوم لقيت أني خرجت حتى إذا كنت في بلاد ثمالة أطوف حتى إذا كنت من الفقير عشيا إذا بسبع خلفات فيهن عبد فأقبلت نحوه وكأني لا أريده وحذرني فجعل يلوذ بناقة فيها حمراء فقلت في نفسي والله إنه ليثق بها فأفوق له ووضع رجله في أرجلها وجعل يدور معها فإذا هو على عجزها وأرميه حين أشرف فوضعت سهمي في قلبه فخر وندت الناقة شيئا وأتبعتها فرجعت فسقتهن شيئا ثم قلت والله لو ركبت الناقة وطردتهن وأخذت بعثنون الحمراء فوثبت فساعة استويت عليها كرت نحو الحي تريع وتبعتها الخلفات وجعلت أسكنها وذهبت فلما خشيت أن تطرحني في أيدي القوم رميت بنفسي عنها فانكسرت رجلي وانطلقت والذود معها فخرجت أعرج حتى انخنست في طرف كثيب وجازني الطلب فمكثت مكاني حتى أظلمت وشبت لي ثلاثة أنوار فإذا نار عظيمة ظننت أن لها أهلا كثيرا ونار دونها ونويرة صغيرة فهويت للصغرى وأنا أجمر فلما نبحني الكلب نادى رجل فقال من هذا فقلت بائس فقال ادنه فدنوت وجلست وجعل يسائلني إلى أن قال والله إني لأجد منك ريح دم فقلت لا والله ما بي دم فوثب إلي فنفضني ثم نظر في جعبتي فإذا
(21/161)

السهم فقلت رميت العشية أرنبا فقال كذبت هذا ريح دم إنسان ثم وثب إلي ولا أدفع الشر عن نفسي فأوثقني كتافا ثم علق جعبتي وقوسي وطرحني في كسر البيت ونام فلما أسحرت حركت رجلي فإذا هي صالحة وانفتل الرباط فحللته ثم وثبت إلى قوسي وجعبتي فأخذتهما ثم هممت بقتله فقلت أنا ضمن الرجل وأنا أخشى أن أطلب فأدرك ولم أقتل أحدا أحب إلي فوليت ومضيت فوالله إني لفي الصحراء أحدث نفسي إذا أنا به على ناقة يتبعني فلما رأيته قد دنا مني جلست على قوسي وجعبتي وأمنته وأقبل فأناخ راحلته ثم عقلها ثم أقبل إلي وعهده بي عهده فقلت له ويلك ما تريد مني فأقبل يشتمني حتى إذا أمكنني وثبت عليه فما ألبثته أن ضربت به الأرض وبركت عليه أربطه فجعل يصيح يا لثمالة لم أر كاليوم فجنبته إلى ناقته وركبتها فما نزعت حتى أحللته في الحي وقلت
( أغرّكَ منّي يابنَ فَعْلة عِلَّتي ... عَشِيَّةَ أَن رابت عليَّ روائِبِي )
( ومَوقد نيران ثَلاثٍ فشَرُّهَا ... وألأَمُها إذ قُدْتُها غير عازِبِ )
( سلبتَ سِلاحِي بَائِساً وشَتَمْتَنِي ... فيا خَيْر مَسْلُوبٍ ويا شَرَّ سَالِبِ )
( فإن أَكُ لم أخْضِبك فيها فإنَّها ... نُيوبُ أساوِيد وشَوْل عَقارِب )
( ويا رَكْبة الحَمْراء شَرَّة رَكْبةٍ ... وكادَتْ تكون شَرّ ركبةِ راكبِ )
(21/162)

غارته على الأزد
قال وخرج تأبط غازيا يريد الغارة على الأزد في بعض ما كان يغير عليهم وحده فنذرت به الأزد فأهملوا له إبلا وأمروا ثلاثة من ذوي بأسهم حاجزين أبي وسواد بن عمرو بن مالك وعوف بن عبد الله أن يتبعوه حتى ينام فيأخذوه أخذا فكمنوا له مكمنا وأقبل تأبط شرا فبصر بالإبل فطردها بعض يومه ثم تركها ونهض في شعب لينظر هل يطلبه أحد فكمن القوم حين رأوه ولم يرهم فلما لم ير أحدا في أثره عاود الإبل فشلها يومه وليلته والغد حتى أمسى ثم عقلها وصنع طعاما فأكله والقوم ينظرون إليه في ظله ثم هيأ مضطجعا على النار ثم أخمدها وزحف على بطنه ومعه قوسه حتى دخل بين الإبل وخشي أن يكون رآه أحد وهو لا يعلم ويأبى إلا الحذر والأخذ بالحزم فمكث ساعة وقد هيأ سهما على كبد قوسه فلما أحسوا نومه أقبلوا ثلاثتهم يؤمون المهاد الذي رأوه هيأه فإذا هو يرمي أحدهم فيقتله وجال الآخران ورمى آخر فقتله وأفلت حاجز هاربا وأخذ سلب الرجلين وأطلق عقل الإبل وشلها حتى جاء بها قومه وقال تأبط في ذلك
( تُرَجَّى نِساءُ الأَزْدِ طلعةَ ثابِتٍ ... أسِيراً ولم يَدْرِينَ كيف حَوِيلي )
( فإنّ الأُلي أَوْصَيْتُم بَيْن هارِبٍ ... طَرِيدٍ ومَسْفُوح الدِّماءِ قَتِيلِ )
( وخدتُ بهم حتى إذا طال وَخْدُهم ... ورابَ عليهم مَضْجَعِي وَمَقِيلِي )
( مَهدتُ لهم حتى إذا طاب رَوعُهم ... الى المَهْد خَاتلْت الضِّيا بِخَتِيل )
(21/163)

( فلما أحسُّوا النَّوم جاؤوا كأنَّهم ... سِباعٌ أَصابت هجمةٌ بِسَلِيلِ )
( فَقلّدتُ سَوَّارَ بنَ عَمْرو بنِ مَالِكٍ ... بأَسْمَر جَسْر القُذَّتَين طَمِيل )
( فخَرَّ كأَنَّ الفِيَل ألقى جِرانَه ... عليه بريّان القِواء أسيلِ )
( وظل رعاع المَتْن من وقع حاجِزٍ ... يخرُّ ولو نَهْنَهْتَ غَيْر قَلِيل )
( لأبتَ كما آبا ولو كُنتَ قَارِناً ... لجئتَ وما مالكتَ طول ذَمِيلِي )
( فَسرَّكَ نَدْمانَاك لمَّا تَتَابَعا ... وأنَّك لم تَرْجِع بعَوْص قَتِيلِ )
( سَتأْتِي إلى فَهْمٍ غَنِيمَةُ خلْسَة ... وفي الأزد نَوْحٌ وَيْلةٍ بِعَوِيلِ )
فقال حاجز بن أبي الأزدي يجيبه
( سألت فلم تُكلِّمني الرُّسوم ... )
وهي في أشعار الأزد
فأجابه تأبط شرا
( لقد قال الخِليُّ وقال خَلْساً ... بظهر الليل شُدَّ به العُكومُ )
( لِطَيفٍ من ُسعادَ عَناك منها ... مُراعاةُ النُّجوم ومَنْ يَهِيمُ )
(21/164)

( وتلك لئن عُنِيتَ بها رَداحٌ ... من النّسوان مَنْطِقُها رَخِيمُ )
( نِياقُ القُرطِ غَرَّاءُ الثَّنايَا ... ورَيْداءُ الشَّباب ونِعْم خِيم )
( ولكن فاتَ صاحبُ بَطْن رَهْوٍ ... وصاحبه فأنتَ به زَعِيمُ )
( أُؤاخِذُ خُطَّة فيها سواء ... أَبِيتُ وَلَيلُ واترها نَؤُومُ )
( ثأرتُ به وما اقْتَرفَتْ يَدَاه ... فَظلَّ لها بنا يومٌ غَشُومُ )
( نَحزُّ رِقابَهم حتى نَزَعْنا ... وأنفُ المَوْتِ مَنْخِرُه رَمِيمُ )
( وإن تقع النّسورُ عليَّ يوْماً ... فلَحْم المْنِفي لَحْم كَريمُ )
( وَذِي رَحمٍ أحالَ الدَّهْر عنه ... فلَيْس له لذي رَحِمٍ حَرِيمُ )
( أصاب الدَّهْرُ آمنَ مَرْوَتَيْه ... فألقاه المصاحِب والحَمِيمُ )
( مَددتُ له يَميناً من جَناحي ... لها وَفرٌ وكافَيةٌ رَحُومُ )
( أُواسيه على الأَيَّام إني ... إذا قَعَدت به اللُّؤما أَلومُ )
رثاؤه لأخيه عمرو
ذكروا أنه لما انصرف الناس عن المستغل وهي سوق كانت العرب
(21/165)

تجتمع بها قال عمرو بن جابر بن سفيان أخو تأبط شرا لمن حضر من قومه لا واللات والعزى لا أرجع حتى أغير على بني عتير من هذيل ومعه رجلان من قومه هو ثالثهما فأطردوا إبلا لبني عتير فأتبعهم أرباب الإبل فقال عمرو أنا كار على القوم ومنهنهم عنكما فامضيا بالإبل فكر عليهم فنهنهم طويلا فجرح في القوم رئيسا ورماه رجل من بني عتير بسهم فقتله فقالت بنو عتير هذا عمرو بن جابر ما تصنعون أن تلحقوا بأصحابه أبعدها الله من إبل فإنا نخشى أن نلحقهم فيقتل القوم منا فيكونوا قد أخذوا الثأر فرجعوا ولم يجاوزوه وكانوا يظنون أن معه أناسا كثيرا فقال تأبط لما بلغه قتل أخيه
( وحرّمتُ النساءَ وإن أُحِلَّت ... بشَور أو بمزج أو لِصابِ )
( حياتي أو أزور بني عُتَير ... وكاهلها بجَمْع ذي ضباب )
( إذا وَقَعت لكَعْب أو خثيمٍ ... وسيار يَسُوغ لها شَرابِي )
( أَظُنّي مَيِّتاً كَمِداً ولَمَّا ... أُطالِعْ طلعةً أهلَ الكِراب )
( ودُمْتُ مُسَيَّراً أهدِي رعيلا ... أؤم سوادَ طَوْدٍ ذِي نِقاب )
فأجابه أنس بن حذيفة الهذلي
( لعلّك أن تَجِيء بك المَنايَا ... تُساق لِفِتْية منا غضابِ )
( فتنزلَ في مَكَرِّهُم صريعاً ... وتنزلَ طُرْقةَ الضَّبعُ السّغابِ )
(21/166)

( تأبَّطَ سَوْأَةً وحملتَ شَرّاً ... لعلك أن تكون من المُصاب )
ثم إن السمع بن جابر أخا تأبط شرا خرج في صعاليك من قومه يريد الغارة على بني عتير ليثأر بأخيه عمرو بن جابر حتى إذا كان ببلاد هذيل لقي راعيا لهم فسأله عنهم فأخبره بأهل بيت من عتير كثير مالهم فبيتهم فلم يفلت منهم مخبر واستاقوا أموالهم فقال في ذلك السمع بن جابر
( بأعلى ذي جماجم اهلُ دارٍ ... إذا ظَعنَت عشيرتُهم أقاموا )
( طرقْتُهمُ بفتيانٍ كِرامٍ ... مَساعِيرٍ إذا حَمِي المُقامُ )
( متى ما أدعُ من فَهْم تُجِبْني ... وعدوان الحماة لهم نظامُ )
أصابته في غارته على الأزد
ذكروا أن تأبط شرا خرج ومعه مرة بن خليف يريدان الغارة على الأزد وقد جعلا الهداية بينهما فلما كانت هداية مرة نعس فجار عن الطريق ومضيا حتى وقعا بين جبال ليس فيها جبل متقارب وإذا فيها مياه يصيح الطير عليها وإذا البيض والفراخ بظهور الأكم فقال تأبط شرا هلكنا واللات يا مرة ما وطيء هذا المكان إنس قبلنا ولو وطئته إنس ما باضت الطير بالأرض فاختر أية هاتين القنتين شئت وهما أطول شيء يريان من الجبال فأصعد إحداهما وتصعد أنت الأخرى فإن رأيت الحياة فألح بالثوب وإن رأيت الموت فألح بالسيف فإني فاعل مثل ذلك فأقاما يومين ثم إن تأبط شرا ألاح بالثوب وانحدرا حتى التقيا في سفح الجبل فقال مرة ما رأيت يا ثابت قال دخانا أو جرادا قال مرة
(21/167)

إنك إن جزعت منه هلكنا فقال تأبط شرا أما أنا فإني سأخرم بك من حيث تهتدي الريح فمكثا بذلك يومين وليلتين ثم تبعا الصوت فقال تأبط شرا النعم والناس أما والله لئن عرفنا لنقتلن ولئن أغرنا لندركن فأت الحي من طرف وأنا من الآخر ثم كن ضيفا ثلاثا فإن لم يرجع إليك قلبك فلا رجع ثم أغر على ما قبلك إذا تدلت الشمس فكانت قدر قامة وموعدك الطريق ففعلاحتى إذا كان اليوم الثالث أغار كل واحد منهما على ما يليه فاستاقا النعم والنغم وطردا يوما وليلة طردا عنيفا حتى أمسيا الليلة الثانية دخلا شعبا فنحرا قلوصا فبينا هما يشويان إذ سمعا حسا على باب الشعب فقال تأبط الطلب يا مرة إن ثبت فلم يدخل فقال مرة هلكنا ووضع تأبط شرا يده على عضد مرة فإذا هي ترعد فهم مجيزون وإن دخل فهو الطلب فلم يلبث أن سمع الحسن يدخل فقال ما أرعدت عضدك إلا من قبل أمك الوابشية من هذيل خذ بظهري فإن نجوت نجوت وإن قتلت وقيتك فلما دنا القوم أخذ مرة بظهر تأبط وحمل تأبط فقتل رجلا ورموه بسهم فأعلقوه فيه وأفلتا جميعا بأنفسهما فلما أمنا وكان من آخر الليل قال مرة ما رأيت كاليوم غنيمة أخذت على حين أشرفنا على أهلنا وعض مرة عضده وكان الحي الذين أغاروا عليهم بجيلة وأتى تأبط امرأته فلما رأت جراحته ولولت فقال تأبط في ذلك
( وبالشِّعب إذ سدّت بجِيلةُ فَجَّةُ ... ومِن خَلفه هَضبٌ صغار وجامل )
( شدَدْتُ لنفس المرء مُرَّةَ حَزْمَه ... وقد نُصِبت دون النَّجاء الحبائل )
( وقلت له كن خلفَ ظهري فإنني ... سأفديك وأنظر بعدُ ما أنتَ فاعِل )
(21/168)

( فعاذَ بحدّ السيف صاحبُ أمرهم ... وَخَلَّوْا عن الشيء الذي لم يحاولوا )
( وأخطأهم قَتلِي ورفَّعتُ صاحبي ... على الليل لم تُؤخذ عليه المخاتلُ )
( وأخطأ غُنْم الحَيّ مُرَّة بعدما ... حوته إليه كفُّه والأناملُ )
( يعض على أطرافه كيف زَوْلُه ... ودون الملا سهلٌ من الأرض ماثل )
( فقلت له هذي بتلك وقد يَرَى ... لها ثَمَناً من نفسه ما يُزاول )
( تُوَلْوِل سُعدى أن أتيتُ مُجرَّحاً ... إليها وقد مَنَّت عليّ المَقاتلُ )
( وكائِنْ أتاها هارِباً قبل هذه ... ومن غَانمٍ فأين مِنْكِ الوَلاوِل )
أراد هو وأصحابه الأخذ بثأر صاحبيهم
فلما انقضت الأشهر الحرم خرج تأبط والمسيب بن كلاب في ستة نفر يريدون الغارة على بجيلة والأخذ بثأر صاحبيهم عمرو بن كلاب وسعد بن الأشرس فخرج تأبط والمسيب بن كلاب وعامر بن الأخنس وعمرو بن براق ومرة ابن خليف والشنفرى بن مالك والسمع وكعب حدار ابنا جابر أخوا تأبط فمضوا حتى أغاروا على العوص فقتلوا منهم ثلاثة نفر فارسين وراجلا وأطردوا لهم إبلا وأخذوا منهم امرأتين فمضوا بما غنموا حتى إذا كانوا على يوم وليلة من قومهم عرضت لهم خثعم في نحو من أربعين رجلا فيهم أبي بن جابر الخثعمي وهو رئيس القوم فقال تابط يا قوم لا تسلموا لهم ما في أيديكم حتى تبلوا عذرا وقال عامر بن الأخنس عليكم بصدق الضراب وقد أدركتم بثأركم وقال
(21/169)

المسيب اصدقوا القوم الحملة وإياكم والفشل وقال عمرو بن براق ابذلوا مهجكم ساعة فإن النصر عند الصبر وقال الشنفرى
( نحن الصَّعالِيكُ الحُماةُ البُزَّلُ ... إذا لَقِينا لا نُرَى نُهَلّلُ )
وقال مرة بن خليف
( يا ثابتَ الخَيْر ويابنَ الأخنسِ ... ويابنَ بَرّاق الكَريمِ الأشْوس )
( والشّنفَرى عند حُيودِ الأنفسِ ... أنا ابن حَامِي السِّربِ في المغمِّس )
( نحن مساعِيرُ الحُروبِ الضُّرَّس ... )
وقال كعب حدار أخو تأبط
( يا قوم أَمَّا إذا لَقِيتم فاصْبِرُوا ... ولا تَخِيمُوا جزَعاً فتُدْبِروا )
وقال السمع أخو تأبط
( يا قوم كونوا عندها أَحْرار ... لا تُسلِموا العُونَ ولا البِكارا )
( ولا القَنَاعيسَ ولا العِشَارا ... لخَثْعمٍ وقد دَعَوْا غِرَارَا )
( ساقوهُم المَوْت معاً أحرارا ... وافتخِرُوا الدَّهْر بها افْتِخارا )
(21/170)

فلما سمع تأبط مقالتهم قال بأبي أنتم وأمي نعم الحماة إذا جد الجد أما إذا أجمع رأيكم على قتال القوم فاحملوا ولا تتفرقوا فإن القوم أكثر منكم فحملوا عليهم فقتلوا منهم ثم كروا الثانية فقتلوا ثم كروا الثالثة فقتلوا فانهزمت خثعم وتفرقت في رؤوس الجبال ومضى تأبط وأصحابه بما غنموا وأسلاب من قتلوا فقال تأبط في ذلك
( جَزَى اللهُ فِتْياناً على العَوْصِ أشرقت ... سيوفهم تحت العَجاجَة بالدَّمِ )
الأبيات
وقال الشنفري في ذلك
( دَعِيني وقُولي بعد ما شئتِ إنني ... سيُفدى بنَفْسي مَرَّةً فأُغيَّبُ )
الأبيات
وقال الشنفرى أيضا
( ألا هل أَتَى عَنَّا سُعادَ ودُونَها ... مهامِهُ بِيدٍ تعْتَلي بالصعالِكِ )
( بأَنَّا صَبَحْنا القوم في حُرّ دارِهِم ... حِمامَ المنايا بالسُّيوف البَواتِك )
( قَتَلْنا بعمرو منهمُ خيْرَ فارس ... يزيدَ وسعدا وابنَ عوفٍ بمالك )
( ظَلَلْنا نُفَرِّي بالسّيوف رُؤُوسَهم ... ونَرشُقهم بالنَّبْل بين الدَّكَادِك )
كان ضعيفا أمام النساء
قال وخرج تأبط في سرية من قومه فيهم عمرو بن براق ومرة بن خليف والمسيب بن كلاب وعامر بن الأخنس وهو رأس القوم وكعب
(21/171)

حدار وريش كعب والسمع وشريس بنو جابر إخوة تأبط شرا وسعد ومالك ابنا الأقرع حتى مروا ببني نفاثة بن الديل وهم يريدون الغارة عليهم فباتوا في جبل مطل عليهم فلما كان في وجه السحر أخذ عامر بن الأخنس قوسه فوجد وترها مسترخيا فجعل يوترها ويقول له تأبط بعض حطيط وترك يا عامر وسمعه شيخ من بني نفاثة فقال لبنات له أنصتن فهذه والله غارة لبني ليث - وكان الذي بينهم يومئذ متفاقما في قتل حميصة بن قيس أخي بلعاء وكانوا أصابوه خطأ - وكان بنو نفاثة في غزوة والحي خلوف وليس عندهم غير أشياخ وغلمان لا طباخ بهم فقالت امرأة منهم اجهروا الكلام والبسوا السلاح فإن لنا عدة فواللات ما هم إلا تأبط وأصحابه فبرزن مع نوفل وأصحابه فلما بصر بهم قال انصرفوا فإن القوم قد نذروا بكم فأبوا عليه إلا الغارة فسل تأبط سيفه وقال لئن أغرتم عليهم لاتكئن على سيفي حتى أنفذه من ظهري فانصرفوا ولا يحسبون إلا أن النساء رجال حتى مروا بإبل البلعاء بن قيس بقرب المنازل فأطردوها فلحقهم غلام من بني جندع بن ليث فقال يا عامر بن الأخنس أتهاب نساء بني نفاثة وتغير على رجال بني ليث هذه والله إبل لبلعاء بن قيس فقال له عامر أو كان رجالهم خلوفا قال نعم قال أقرىء بلعاء مني السلام وأخبره بردي إبله وأعلمه أني قد حبست منها بكرا لأصحابي فإنا قد أرملنا فقال الغلام لئن حبست منها هلبة لأعلمنه ولا أطرد منها بعيرا أبدا فحمل عليه تأبط فقتله ومضوا بالإبل إلى قومهم فقال في ذلك تأبط
( ألا عَجِب الفِتْيانُ من أمّ مالك ... تقول أراك اليوم أشعَثَ أغبرا )
(21/172)

( تَبوعاً لآثار السَّرِيَّة بعد ما ... رأيتُك بَرَّاق المَفارق أَيْسرا )
( فقلتُ له يَوْمان يَومُ إقامة ... أهزّ به غُصْناً من البانِ أخضَرا )
( ويومٌ أهزّ السَّيفَ في جيد أغيد ... له نِسوةٌ لم تلق مثلي أنكرا )
( يخفن عليه وهو ينزِع نفسَه ... لقد كنت أبّاء الظلامة قَسْورا )
( وقد صِحْت في آثار حَوْم كأنها ... عَذارَى عُقيل أو بَكارةُ حِمْيرا )
( أبعد النّفاثيّين آمل طرقةً ... وآسَى على شيء إذا هو أَدْبَرا )
( أكفكِف عنهم صُحْبَتِي وإخالهم ... من الذلّ يَعْراً بالتّلاعة أَعْفَرا )
( فلو نالت الكَفَّان أصحابَ نوفلٍ ... بمهمهةٍ من بطن ظَرْء فعَرْعَرَا )
( ولمّا أَبَى الليثيُّ إلا تَهَكُّما ... بِعرضي وكان العِرضُ عِرضي أوفرا )
( فقلت له حقَّ الثناءُ فإنّني ... سأذهب حتى لم أجد متأخًّرَا )
( ولما رأيتُ الجَهْلَ زادَ لَجاجةً ... يقول فلا يأْلوك أَن تَتَشَوَّرَا )
( دنوت له حتى كَأنَّ قَميصَه ... تَشرَّب من نضح الأَخادِع عُصْفُرا )
( فمن مُبلغٌ ليثَ بنَ بكرٍ بأنَّنا ... تركنا أخاهم يوم قِرْنٍ مُعَفَّرا )
(21/173)

قال غزا تأبط بني نفاثة بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهم خلوف ليس في دارهم رجل وكان الخبر قد أتى تأبط فأشرف فوق جبل ينظر إلى الحي وهم أسفل منه فرأته امرأة فطرح نفسه فعلمت المرأة أنه تأبط وكانت عاقلة فأمرت النساء فلبسن لبسة الرجال ثم خرجن كأنهن يطلبن الضالة وكان أصحابه يتفلتون ويقولون اغز وإنما كان في سرية من بين الستة إلى السبعة فأبى أن يدعهم وخرج يريد هذيلا وانصرف عن النفاثيين فبينا هو يتردد في تلك الجبال إذ لقي حليفا له من هذيل فقال له العجب لك يا تأبط قال وما هو قال إن رجال بني نفاثة كانوا خلوفا فمكرت بك امرأة وأنهم قد رجعوا
ففي ذلك يقول
( ألا عَجِب الفِتْيانُ من أمّ مالك ... تقول لقد أصبحت أشعَثَ أغبرا )
وذكر باقي الأبيات المتقدمة
وقال غيره لا بل قال هذه القصيدة في عامر بن الأخنس الفهمي وكان من حديث عامر بن الأخنس أنه غزا في نفر بضعة وعشرين رجلا فيهم عامر بن الأخنس وكان سيدا فيهم وكان إذا خرج في غزو رأسهم وكان يقال له سيد الصعاليك فخرج بهم حتى باتوا على بني نفاثة بن عدي بن الديل ممسين ينتظرون أن ينام الحي حتى إذا كان في سواد الليل مر بهم راع من الحي قد أغدر فمعه غديرته يسوقها فبصر بهم وبمكانهم فخلى الغديرة وتبع الضراء ضراء الوادي حتى جاء الحي فأخبرهم بمكان القوم وحيث رآهم فقاموا فاختاروا فتيان الحي فسلحوهم وأقبلوا نحوهم حتى إذا دنوا منهم قال رجل من النفاثيين والله ما قوسي بموترة فقالوا فأوتر
(21/174)

قوسك فوضع قوسه فأوترها فقال تأبط لأصحابه
اسكتوا واستمع فقال أتيتم والله قالوا وما ذلك قال أنا والله أسمع حطيط وتر قوس قالوا والله ما نسمع شيئا قال بلى والله إني لأسمعه يا قوم النجاء قالوا لا والله ما سمعت شيئا فوثب فانطلق وتركهم ووثب معه نفر وبيتهم بنو نفاثة فلم يفلت منهم إنسان وخرج هو وأصحابه الذين انطلقوا معه وقتل تلك الليلة عامر بن الأخنس
قال ابن عمير وسألت أهل الحجاز عن عامر بن الأخنس فزعموا أنه مات على فراشه
فلما رجع تأبط قالت له امرأته تركت أصحابك فقال حينئذ
( ألا عَجِب الفِتْيانُ من أُمّ مالك ... تقول لقد أصبحْتَ أشعَثَ أغْبَرا )
مصرعه على يد غلام
فلما رجع تأبط وبلغه ما لقي أصحابه قال والله ما يمس رأسي غسل ولا دهن حتى أثأر بهم فخرج في نفر من قومه حتى عرض لهم بيت من هذيل بين صوى جبل فقال اغنموا هذا البيت أولا قالوا لا والله ما لنا فيه أرب ولئن كانت فيه غنيمة ما نستطيع أن نسوقها فقال إني أتفاءل أن أنزل ووقف وأتت به ضبع من يساره فكرهها وعاف على غير الذي رأى فقال أبشري أشبعك من القوم غدا فقال له أصحابه ويحك انطلق فوالله ما نرى أن نقيم عليها قال لا والله لا أريم حتى أصبح وأتت
(21/175)

به ضبع عن يساره فقال أشبعك من القوم غدا فقال أحد القوم والله إني أرى هاتين غدا بك فقال لا والله لا أريم حتى أصبح فبات حتى إذا كان في وجه الصبح وقد رأى أهل البيت وعدهم على النار وأبصر سواد غلام من القوم دون المحتلم وغدوا على القوم فقتلوا شيخا وعجوزا وحازوا جاريتين وإبلا ثم قال تأبط إني قد رأيت معهم غلاما فأين الغلام الذي كان معهم فأبصر أثره فاتبعه فقال له أصحابه ويلك دعه فإنك لا تريد منه شيئا فاتبعه واستتر الغلام بقتادة إلى جنب صخرة وأقبل تأبط يقصه وفوق الغلام سهما حين رأى أنه لا ينجيه شيء وأمهله حتى إذا دنا منه قفز قفزة فوثب على الصخرة وأرسل السهم فلم يسمع تأبط إلى الحبضة فرفع رأسه فانتظم السهم قلبه وأقبل نحوه وهو يقول لا بأس فقال الغلام لا بأس والله لقد وضعته حيث تكره وغشيه تأبط بالسيف وجعل الغلام يلوذ بالقتادة ويضربها تأبط بحشاشته فيأخذ ما أصابت الضربة منها حتى خلص إليه فقتله ثم نزل إلى أصحابه يجر رجله فلما رأوه وثبوا ولم يدروا ما أصابه فقالوا مالك فلم ينطق ومات في أيديهم فانطلقوا وتركوه فجعل لا يأكل منه سبع ولا طائر إلا مات فاحتملته هذيل فألقته في غار يقال له غار رخمان فقالت ريطة أخته وهي يومئذ متزوجة في بني الديل
( نِعْم الفَتَى غادَرْتُم برُخمانْ ... ثابتٌ بنُ جابرِ بنِ سُفْيانْ )
(21/176)

وقال مرة بن خليف يرثيه
( إن العَزِيمةَ والعَزَّاءَ قد ثَوَيا ... أكفانَ ميت غدا في غار رُخْمانِ )
( إلاّ يَكُن كُرسفٌ كُفِّنتَ جَيّدَه ... ولا يكن كَفَنٌ من ثَوْبِ كَتَّانِ )
( فإن حُرًّا من الأَنْسابِ ألبسه ... ريش الندى والندى من خير أَكفان )
( وليلةٍ رأسُ أفعاها إلى حجرٍ ... ويوم أورِ من الجوزاءِ رنَّانِ )
( أمضيتَ أولَ رهطٍ عند آخره ... في إثر عاديةٍ أو إثر فتيانِ )
وقالت أم تأبط ترثيه
( وابناهُ وابنَ اللَّيْل ... )
قال أبو عمرو الشيباني لا بل كان من شأن تأبط وهو ثابت بن جابر بن سفيان وكان جريئا شاعرا فاتكا أنه خرج من أهله بغارة من قومه يريدون بني صاهلة بن كاهل بن الحارث بن سعيد بن هذيل وذلك في عقب شهر حرام مما كان يحرم أهل الجاهلية حتى هبط صدر أدم وخفض عن جماعة بني صاهلة فاستقبل التلاعة فوجد بها دارا من بني نفاثة بن عدي ليس فيها إلا النساء غير رجل واحد فبصر الرجل بتأبط وخشيه وذلك في الضحى فقام الرجل إلى النساء فأمرهن فجعلن رؤوسهن جمما وجعلن دروعهن أردية وأخذن من بيوتهن عمدا كهيئة السيوف فجعلن لها حمائل ثم تأبطنها ثم نهض ونهضن معه يغريهن كما يغري القوم وأمرهن أن لا يبرزن
(21/177)

خدا وجعل هو يبرز للقوم ليروه وطفق يغري ويصيح على القوم حتى أفزع تأبط شرا وأصحابه وهو على ذلك يغري في بقية ليلة أو ليلتين من الشهر الحرام فنهضوا في شعب يقال له شعب وشل وتأبط ينهض في الشعب مع أصحابه ثم يقف في آخرهم ثم يقول يا قوم لكأنما يطردكم النساء فيصيح عليه أصحابه فيقولون انج أدركك القوم وتأبى نفسه فلم يزل به أصحابه حتى مضى معهم فقال تأبط في ذلك
( أبعد النّفاثيين أزجر طائرا ... وآسَى على شيء إذا هو أدبرا )
( أُنهنهِ رِجلِي عنهم وإخالهم ... من الذُّلِّ يعراً بالتَّلاعة أعفرا )
( ولو نالت الكَفَّان أصحابَ نوفل ... بمَهْمَهَة من بين ظَرْء وعرعرا )
قال ثم طلعوا الصدر حين أصبحوا فوجدوا أهل بيت شاذ من بني قريم ذنب نمار فظل يراقبهم حتى أمسوا وذلك البيت لساعدة بن سفيان أحد بني حارثة بن قريم فحصرهم تأبط وأصحابه حتى أمسوا قال وقد كانت قالت وليدة لساعدة إني قد رأيت اليوم القوم أو النفر بهذا الجبل فبات الشيخ حذرا قائما بسيفه بساحة أهله وانتظر تأبط وأصحابه أن يغفل الشيخ وذلك آخر ليلة من الشهر الحرام فلما خشوا أن يفضحهم الصبح ولم يقدروا على غرة مشوا إليه وغروه ببقية الشهر الحرام وأعطوه من مواثيقهم ما أقنعه وشكوا إليه الجوع فلما اطمأن إليهم وثبوا عليه فقتلوه وابنا له صغيرا حين مشى قال ومضى تأبط شرا إلى ابن له ذي ذؤابة كان أبوه قد أمره فارتبأ
(21/178)

من وراء ماله يقال له سفيان بن ساعدة فأقبل إليه تأبط شرا مستترا بمجنة فلما خشي الغلام أن يناله تأبط بسيفه وليس مع الغلام سيف وهو مفوق سهما رمى مجن تأبط بحجر فظن تأبط أنه قد أرسل سهمه فرمى مجنة عن يده ومشى إليه فأرسل الغلام سهمه فلم يخط لبته حتى خرج منه السهم ووقع في البطحاء حذو القوم وأبوه ممسك فقال أبو الغلام حين وقع السهم أخاطئه سفيان فحرد القوم فذلك حين قتلوا الشيخ وابنه الصغير ومات تأبط
أمه ترثيه
فقالت أمه - وكانت امرأة من بني القين بن جسر بن قضاعة - ترثيه
( قتِيلٌ ما قتيلُ بني قُرَيْمٍ ... إذا ضَنّت جُمادى بالقِطارِ )
( فتى فَهْمٍ جميعاً غادَرُوه ... مقيما بالحُرَيْضَةِ من نُمارِ )
وقالت أمه ترثيه أيضا
( ويلُ امِّ طِرف غادروا برُخْمانْ ... بثابت بن جابر بن سفيان )
( يجدِّلُ القِرنَ ويُروِي النَّدمانْ ... ذو مأْقِطٍ يحمي وراء الإِخوان )
وقالت ترثيه أيضا
(21/179)

وابناه وابن الليل ليس بزميل شروب للقيل رقود بالليل وواد ذي هول أجزت بالليل تضرب بالذيل برجل كالثول
قال وكان تأبط شرا يقول قبل ذلك
( ولقد علمتُ لتعدُوَنَّ ... م عليّ شتْمٌ كالحساكل )
( يأكلنَ أوصالا ولحما ... كالشَّكاعِي غيرَ جاذِل )
( يا طيرُ كُلْنَ فإنني ... سُمٌّ لَكُنّ وذو دَغَاوِل )
وقال قبل موته
( لعلي ميِّتٌ كمداً ولمَّا ... أطالع أهلَ ضيم فالكرابِ )
( وإن لم آتِ جمع بني خُثيم ... وكاهلها برَجْل كالضّباب )
( إذا وقعتْ بكعب أو قُرَيْمٍ ... وسيَّارٍ فيا سَوْغَ الشّراب )
فأجابه شاعر من بني قريم
( تأبَّطَ سَوْأَةً وحملْتَ شرًّا ... لعلك أن تكون من المصاب )
( لعلك أن تجيءَ بك المنايا ... تُساقُ لفتيةٍ منا غِضاب )
( فتُصْبحَ في مَكَرِّهمُ صريعاً ... وتصبحَ طرفة الضَّبُعِ السِّغاب )
(21/180)

( فزلتم تهربون ولو كرهتم ... تسوقون الحَرائمَ بالنقاب )
( وزال بأرضكم منّا غلامٌ ... طليعةُ فتْيَةٍ غُلْبِ الرقاب )
ونذكر هاهنا بعد أخبار تأبط شرا أخبار صاحبيه عمرو بن براق والشنفرى ونبدأ بما يغني فيه من شعريهما ونتبعه بالأخبار
فأما عمرو بن براق فمما يغني فيه من شعره قوله
صوت
( متى تجمع القلبَ الذكيَّ وصارما ... وأنفا حَمِيَّا تجتنبْكَ المَظالِمُ )
( وكنت إذا قومٌ غَزوْني غَزَوتهم ... فهل أنا في ذا يا لَهَمدَانَ ظَالمِ )
( كذبتُم وبيتِ الله لا تأخذونها ... مراغمةً ما دام للسيف قائِم )
( ولا صُلْحَ حتى تعثُر الخَيلُ بالقَنا ... وتُضْرَبَ بالبِيضِ الرّقاقِ الجَماجِمُ )
عروضه من الطويل الشعر لابن براق وقيل ابن براقة والغناء لمحمد ابن إسحاق بن عمرو بن بزيع ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي
(21/181)

عمرو بن براق
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا السكري عن ابن حبيب قال وأخبرنا الهمداني ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل قالا
سلب منه ماله ثم استرده
فقال في ذلك
أغار رجل من همدان يقال له حريم على إبل لعمرو بن براق وخيل فذهب بها فأتى عمرو امرأة كان يتحدث إليها ويزورها فأخبرها أن حريما أغار على إبله وخيله فذهب بها وأنه يريد الغارة عليه فقالت له المرأة ويحك لا تعرض لتلفات حريم فإني أخافه عليك قال فخالفها وأغار عليه فاستاق كل شيء كان له فأتاه حريم بعد ذلك يطلب إليه أن يرد عليه ما أخذه منه فقال لا أفعل وأبى عليه فانصرف فقال عمرو في ذلك
( تقول سُلَيمى لا تعَرَّضْ لتَلفةٍ ... وليلُك عن ليل الصعاليك نائمُ )
( وكيف ينامُ الليلَ من جُلّ مالِهِ ... حُسامٌ كلون المِلحِ أَبيضُ صارمُ )
( صَمُوتٌ إذا عضَّ الكريهةَ لم يَدَعْ ... لها طَمعاً طوعُ اليمينِ ملازمُ )
( نَقدْتُ به ألْفاً وسامحتُ دونه ... على النقدِ إذ لا تُستطاع الدراهمُ )
(21/182)

( ألم تَعلمي أنَّ الصعاليكَ نومُهم ... قليلٌ إذا نام الدَّثُور المُسالِمُ )
( إذا الليل أدجى واكفهرّت نجومه ... وصاح من الإِفراط هامٌ جوائم )
( ومال بأصحاب الكرى غالباتُه ... فإني على أمر الغَواية حازم )
( كذبتم وبيتِ الله لا تأخذونها ... مُراغمةً ما دام للسيف قائمُ )
( تَحالفَ أقوامٌ عليّ ليسمَنُوا ... وجروا عليَّ الحَرْبَ إذا أَنَا سَالِمُ )
( أَفَالآن أُدْعَى للهَوادة بعدما ... أُجِيل على الحيّ المَذاكِي الصَّلادُمُ )
( كأنَّ حُريماً إذ رجا أن يَضُمَّها ... ويُذْهِبَ مالي يابنَة القوم حالِمُ )
( متى تجمع القلبَ الذَّكِيَّ وصارِماً ... وأنفاً حَمِيَّاً تَجْتَنِبْكَ المظالِمُ )
( ومَن يَطلبِ المالَ المُمَنَّع بالقَنَا ... يَعِشْ ذا غِنىً أو تَخْتَرِمْه المَخارِمُ )
( وكنتُ إذا قومُ غَزونِي غزَوْتُهم ... فهل أنا في ذا يا لَهَمْدان ظالمُ )
( فلا صُلْح حتى تعثر الخيل بالقنا ... وتُضْرب بالبِيض الرِّقاقِ الجَماجِمُ )
وأما الشنفرى فإنه رجل من الأزد ثم من الأواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد ومما يغنى فيه من شعره قوله
(21/183)

صوت
( أَلا أُمِّ عَمْروٍ أزمعت فاستقَلَّت ... وما ودَّعت جِيرانها إذ تولَّتِ )
( فوانَدَما بانَتْ أُمامةُ بعدما ... طَمِعْتُ فهَبْها نِعْمَةً قد تولَّتِ )
( وقد أعجَبتْنِي لا سَقُوطاً خِمارُها ... إذا ما مشَت ولا بذاتِ تَلَفُّتِ )
غنى في هذه الأبيات إبراهيم ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة
(21/184)

أخبار الشنفرى ونسبه
نشأ في غير قومه
وأخبرني بخبره الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا أبو يحيى المؤدب وأحمد ابن أبي المنهال المهلبي عن مؤرخ عن أبي هشام محمد بن هشام النميري
أن الشنفرى كان من الأواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد بن الغوث أسرته بنو شبابة بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان فلم يزل فيهم حتى أسرت بنو سلامان بن مفرج بن عوف بن ميدعان بن مالك بن الأزد رجلا من فهم أحد بني شبابة ففدته بنو شبابة بالشنفرى قال فكان الشنفرى في بني سلامان بن مفرج لا تحسبه إلا أحدهم حتى نازعته بنت الرجل الذي كان في حجره وكان السلامي اتخذه ولدا وأحسن إليه وأعطاه فقال لها الشنفرى اغسلي رأسي يا أخية وهو لا يشك في أنها أخته فأنكرت أن يكون أخاها ولطمته فذهبت مغاضبا حتى أتى الذي اشتراه من فهم فقال له الشنفرى اصدقني ممن أنا قال أنت من الأواس بن الحجر فقال أما إني لن أدعكم حتى أقتل منكم مائة بما استعبدتموني ثم إنه ما زال يقتلهم حتى قتل تسعة وتسعين رجلا وقال الشنفرى للجارية السلامية التي لطمته وقالت لست بأخي
(21/185)

( أَلا ليتَ شِعْري والتَّلَهُّفُ ضَلّةٌ ... بما ضَربتْ كَفُّ الفتاة هَجِينَها )
( ولو علمت قُعسوسُ أنساب والدي ... ووالدِها ظَلّت تقاصَرُ دونها )
( أنا ابن خيار الحُجْر بيتا ومَنْصِبا ... وأمي ابنةُ الأحرار لو تَعْرِفينها )
قال ثم لزم الشنفرى دار فهم فكان يغير على الأزد على رجليه فيمن تبعه من فهم وكان يغير وحده أكثر من ذلك وقال الشنفري لبني سلامان
( وإني لأهوَى أن أَلُفُّ عجَاجتي ... على ذي كساء من سَلامانَ أَو بُرد )
( وأصبحَ بالعضْدَاء أبغي سَراتَهم ... وأسلكَ خَلاًّ بين أَرباع والسّرد )
فكان يقتل بني سلامان بن مفرج حتى قعد له رهط من الغامديين من بني الرمداء فأعجزهم فأشلوا عليه كلبا لهم يقال له حبيش ولم يضعوا له شيئا ومر وهو هارب بقرية يقال لها دحيس برجلين من بني سلامان بن مفرج فأرادهما ثم خشي الطلب فقال
( قتيلَيْ فِجارٍ أنتُما إن قُتِلتُما ... بجوف دَحِيس أو تبالةَ يا اسمعا )
يريد يا هذان اسمعا وقال فيما كان يطالب به بني سلامان
( فإلا تزرني حَتْفتي أو تُلاقني ... أُمشِّ بدَهْرٍ أو عذافَ فنوَّرا )
( أمشي بأطراف الحماطِ وتارةً ... تُنفَّضُ رجلي بَسْبُطاً فعَصَنْصَرا )
(21/186)

( وأبغي بني صَعب بن مُرٍّ بلادَهم ... وسوف أُلاقيهم انِ اللهُ يسّرا )
( ويوما بذاتِ الرَّأس أو بطن مِنجَلٍ ... هنالك تَلْقى القاضيَ المُتِغَوِّرا )
سملوا عينه ثم قتلوه
قال ثم قعد له بعد ذلك أسيد بن جابر السلاماني وخازم الفهمي بالناصف من أبيدة ومع أسيد ابن أخيه فمر عليهم الشنفرى فأبصر السواد بالليل فرماه وكان لا يرى سوادا إلا رماه كائنا ما كان فشك ذراع ابن أخي أسيد إلى عضده فلم يتكلم فقال الشنفري إن كنت شيئا فقد أصبتك وإن لم تكن شيئا فقد أمنتك وكان خازم باطحا يعني منبطحا بالطريق يرصده فنادى أسيد يا خازم أصلت يعني اسلل سيفك فقال الشنفري لكل أصلت فأصلت الشنفري فقطع أصبعين من أصابع خازم الخنصر والبنصر وضبطه خازم حتى لحقه أسيد وابن أخيه نجدة فأخذ أسيد سلاح الشنفرى وقد صرع الشنفري خازما وابن أخي أسيد فضبطاه وهما تحته وأخذ أسيد برجل ابن أخيه فقال أسيد رجل من هذه فقال الشنفري رجلي فقال ابن أخي أسيد بل هي رجلي يا عم فأسروا الشنفرى وأدوه إلى أهلهم وقالوا له أنشدنا فقال إنما النشيد على المسرة فذهبت مثلا ثم ضربوا يده فتعرضت أي اضطربت فقال الشنفرى في ذلك
( لا تَبْعَدِي إمّا ذَهَبْتِ شامَهْ ... فرُبَّ وادٍ نَفَرَتْ حَمامَه )
( ورُبَّ قِرْنٍ فَصَلتْ عِظَامَهْ ... )
(21/187)

ثم قال له السلامي أأطرفك ثم رماه في عينه فقال الشنفرى له كأن كنا نفعل أي كذلك كنا نفعل وكان الشنفرى إذا رمى رجلا منهم قال له أأطرفك ثم يرمي عينه ثم قالوا له حين أرادوا قتله أين نقبرك فقال
( لا تَقبُرونِي إنّ قَبرِي مُحرَّم ... عليكم ولكن أبشِرِي أُمَّ عامر )
( إذا احْتَمَلَتْ رأسي وفي الرأس أكثَرِي ... وغُودِرَ عند المُلْتَقَى ثَمّ سائِرِي )
( هنالك لا أرجو حياةً تَسُرُّني ... سَمِيرَ الليالي مُبْسَلاً بالحَرَائرِ )
تأبط شرا يرثيه
وقال تأبط شرا يرثي الشنفري
( على الشَّنْفَرَى ساري الغمام ورائحٌ ... غزيرُ الكُلى وَصَيِّبُ الماء باكرُ )
( عليك جزاءٌ مثلُ يومِكَ بالجَبَا ... وقد أُرعِفتْ منك السُّيوفُ البواتر )
( ويومِكَ يوم العَيْكَتَيْن وعطفةٍ ... عطفتَ وقد مَسَّ القلُوبَ الحناجِرُ )
(21/188)

( تجول ببز الموت فيهم كأنهم ... بشوكتك الحُدّى ضَئِينٌ نوافرُ )
( فإنك لو لاقيتني بعدما ترى - ... وهل يُلقَيْن مَنْ غَيَّبته المقابر - )
( لألفيتني في غارة أنتمي بها ... إليك وإمّا راجعاً أنا ثائِرُ )
( وإن تكُ مأْسوراً وظلْت مُخَيِّماً ... وأبْليت حتى ما يكيدك واتِرُ )
( وحتى رماك الشَّيْبُ في الرأس عانسا وخيرُك مبسوطٌ وزادك حاضرُ ... )
( وأجملُ موتِ المرء إذ كان ميتا ... - ولا بد يوماً - مَوتُه وهو صابر )
( فلا يَبعَدنّ الشَّنْفَري وسِلاحُه الْحَديدُ ... وَشدَّ خَطْوُه متواتر )
( إذا راع رَوْعُ الموت راع وإن حَمَى ... حَمَى معه حُرٌّ كريم مُصابِرُ )
خبر آخر عن سبب أسره ومقتله
قال وقال غيره لا بل كان من أمر الشنفري وسبب أسره ومقتله أن الأزد قتلت الحارث بن السائب الفهمي فأبوا أن يبوءوا بقتله فباء بقتله رجل منهم يقال له حزام بن جابر قبل ذلك فمات أخو الشنفري فأنشأت أمه تبكيه فقال الشنفري وكان أول ما قاله من الشعر
( ليس لوالدة هوءُها ... ولا قولُها لابنها دَعْدَعْ )
(21/189)

( تُطيف وتُحدِث أحوالَه ... وغيْرُكِ أملكُ بالمَصْرَع )
قال فلما ترعرع الشنفري جعل يغير على الأزد مع فهم فيقتل من أدرك منهم ثم قدم منى وبها حزام بن جابر فقيل له هذا قاتل أبيك فشد عليه فقتله ثم سبق الناس على رجليه فقال
( قتلتُ حزاماً مُهْدِياً بمُلَبَّدٍ ... ببطن مِنىً وسْط الحجيج المُصَوّتِ )
قال ثم إن رجلا من الأزد أتى أسيد بن جابر وهو أخو حزام المقتول فقال تركت الشنفرى بسوق حباشة فقال أسيد بن جابر والله لئن كنت صادقا لا نرجع حتى نأكل من جنى أليف أبيدة فقعد له على الطريق هو وابنا حزام فأحسوه في جوف الليل وقد نزع نعلا ولبس نعلا ليخفي وطأه فلما سمع الغلامان وطأه قالا هذه الضبع فقال أسيد ليست الضبع ولكنه الشنفرى ليضع كل واحد منكما نعله على مقتله حتى إذا رأى سوادهم نكص مليا لينظر هل يتبعه أحد ثم رجع حتى دنا منهم فقال الغلامان أبصرنا فقال عمهما لا والله ما أبصركما ولكنه أطرد لكيما تتبعاه فليضع كل واحد منكما نعله على مقتله فرماهم الشنفري فخسق في النعل ولم
(21/190)

يتحرك المرمي ثم رمى فانتظم ساقي أسيد فلما رأى ذلك أقبل حتى كان بينهم فوثبوا عليه فأخذوه فشدوه وثاقا ثم إنهم انطلقوا به إلى قومهم فطرحوه وسطهم فتماروا بينهم في قتله فبعضهم يقول أخوكم وابنكم فلما رأى ذلك أحد بني حزام ضربه ضربة فقطع يده من الكوع وكانت بها شامة سوداء فقال الشنفرى حين قطعت يده
( لا تَبْعَدِي إمّا هَلَكْتِ شامَهْ ... فرُبَّ خَرقٍ قَطَعتْ قتَامَهْ )
( ورُبَّ قِرْنٍ فَصَلتْ عِظَامَهْ ... )
وقال تأبط شرا يرثيه
( فلا يَبعَدنّ الشَّنْفَرى وسِلاحُه الْحَديدُ ... وَشَدَّ خَطْوُه متواتر )
( إذا راع رَوْعَ الموت راع وإن حَمَى ... حَمَى معه حُرٌّ كريم مُصابِرُ )
قال وذرع خطو الشنفرى ليلة قتل فوجد أول نزوة نزاها إحدى وعشرين خطوة ثم الثانية سبع عشرة خطوة
قال وقال ظالم العامري في الشنفرى وغاراته على الأزد وعجزهم عنه ويحمد أسيد بن جابر في قتله الشنفرى
( فما لَكُمْ لم تدركوا رِجْلَ شنفرى ... وأنتم خِفاف مثلُ أجنحة الغُرْبِ )
( تعاديتُم حتى إذا ما لحقتُم ... تباطأَ عنكم طالبٌ وأبو سَقْبِ )
( لعمركَ لَلسَّاعي أُسَيدُ بن جابِرٍ ... أحقُّ بها مِنْكم بَنِي عقبِ الكلب )
(21/191)

قال ولما قتل الشنفرى وطرح رأسه مر به رجل منهم فضرب جمجمة الشنفرى بقدمه فعقرت قدمه فمات بها فتمت به المائة
شعره لما قتل حزاما قاتل أبيه
وكان مما قاله الشنفرى فيهم من الشعر وفي لطمه المرأة التي أنكرته الذي ذكرته واستغني عن إعادته مما تقدم ذكره من شعر الشنفرى وقال الشنفرى في قتله حزاما قاتل أبيه
( أرَى أُمَّ عمرو أجمعت فاستقلَّتِ ... وما ودَّعت جِيرانَها إذْ تولّتِ )
( فقد سبقتنا أُمُّ عمرو بأَمرها ... وقد كان أعناقُ المَطيِّ أظلَّتِ )
( فواندَما على أُميمةَ بعدما ... طمِعتُ فهَبْها نِعمةَ العيش ولَّتِ )
( أُميمةُ لا يُخزِي نَثاها حَليلها ... إذا ذُكِر النسوان عَفَّت وجَلّت )
( يَحُلّ بمنجاةٍ من اللّوم بيتُها ... إذا ما بُيوتٌ بالمَلامة حُلَّت )
( فقد أعجبتني لا سَقُوطٌ قِناعُها ... إذا ما مَشت ولا بذات تَلَفُّت )
( كأَنّ لها في الأرض نِسْياً تَقُصُّه ... إذا ما مشت وإن تُحدِّثْك تَبْلِت )
النسي الذي يسقط من الإنسان وهو لا يدري أين هو يصفها بالحياء وأنها لا تلتفت يمينا ولا شمالا ولا تبرج ويروى
( تقصه على أمها وإن تكلمك ... )
( فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنَّت )
(21/192)

( تبيتُ بُعَيْدَ النوم تُهدِي غَبُوبَها ... لجاراتِها إذا الهديّة قَلَّت )
- الغبوب ما غب عندها من الطعام أي بات ويروى غبوقها -
( فبِتنا كأنَّ البيت حُجِّر حولنا ... بريحانةٍ راحت عِشاءً وطُلَّتِ )
( بريحانة من بطن حلية أمرعت ... لها أرجٌ من حولها غير مسنت )
( غدوتُ من الوادي الذي بين مَشْعَل ... وبين الجَبَاهيهات أنْسأتُ سُربتي )
( أمشِّي على الأرض التي لن تضيرَني ... لأكسِبَ مالا أو أُلاقِيَ حُمَّتِي )
( إذا ما أتتني حَتْفتي لم أُبالها ... ولم تُذْرِ خالاتي الدموع وعَمَّتِي )
( وهَنِّيءَ بي قومٌ وما إن هنأْتُهم ... وأصبحت في قوم وليسوا بمنْبِتي )
( وأُمِّ عيالٍ قد شهدتُ تَقُوتُهم ... إذا أطْعَمَتْهم أوْ تَحَتْ وأقلَّت )
( تخاف علينا الجوعَ إن هيَ أكثرت ... ونحن جياعٌ أيَّ أَلْيٍ تأَلَّتِ )
( عُفَاهَيةٌ لا يقصرُ السّترُ دونها ... ولا تُرتَجى للبَيْت إن لم تُبَيَّت )
( لها وَفْضَةٌ فيها ثلاثون سَلْجَماً ... إذَا ما رأَت أُولى العَدِي اقْشَعَرَّتِ )
(21/193)

( وتأتي العَدِيَّ بارزاً نصفُ ساقِها ... كعَدْو حِمار العانةِ المتفَلِّت )
( إذا فُزِّعت طارت بأَبيضَ صارمٍ ... وراحت بما في جُفرها ثم سَلَّت )
( حُسامٍ كلون الملح صافٍ حديدُه ... جُرازٍ من اقطار الحديد المنعَّت )
( تراها كأَذناب المَطِيّ صوادراً ... وقد نهِلتْ منَ الدّماء وعلّت )
( سنجزي سَلامانَ بنَ مُفْرج قرضَهم ... بما قدَّمت أيديهمُ وأَزَلَّت )
( شفَيْنا بعبد الله بعضَ غليلِنا ... وعوفٍ لدى لمَعْدَى أوانَ استهلَّت )
( قتلنا حزاما مُهدِيا بمُلَبّدٍ ... محلّهما بين الحجيج المصوِّت )
( فإن تُقبِلوا تُقبِل بمَنْ نِيلَ منهمُ ... وإن تُدْبِروا فأُمّ مَنْ نِيلَ فُتّت )
( ألا لا تزرني إن تشكيت خُلَّتي ... كفاني بأَعلى ذي الحُمَيرةِ عُدْوَتي )
( وإني لحُلوٌ إن أُرِيدت حلاوتي ... ومُرٌّ إذا النفس الصَّدوفُ استَمرَّتِ )
( أبيّ لما آبى وشيكٌ مَفِيئَتي ... إلى كُلِّ نفس تَنْتَجِي بمودّتي )
وقال الشنفري أيضا
( ومرقبةٍ عَنْقاء يَقصُرُ دونها ... أخو الضَّرْوذ الرّجْل الخفيُّ المخَفَّف )
(21/194)

( نَميتُ إلى أعلى ذراها وقد دنا ... من الليل ملتَفُّ الحدِيقةِ أسدَف )
( فبِتُّ على حَدّ الذّراعين أحدباً ... كما يَتَطَوَّى الأرقَم المُتَعَطِّفُ )
( قليلٌ جَهازِي غيرُ نعلين أُسحقَت ... صَدورهما مخصورةً لا تُخصَّفُ )
( ومِلْحَفَةٍ دَرْسٍ وَجَرْدِ مُلاَءةٍ ... إذا أنهجت من جانب لا تَكفّفُ )
( وأبيضُ من ماء الحديد مهنّدٌ ... مِجذٌّ لأطراف السّواعد مِقطفُ )
( وصفراءُ من نبعٍ أبيٌّ ظَهيرةٌ ... تُرِنّ كإرنان الشّجيّ وَتَهْتِفُ )
( إذا طال فيها النزع تأتي بعَجْسها ... وترمي بذَرْوَيْها بهنّ فتَقْذِفُ )
( كأَنّ حفِيفَ النَّبل من فوق عَجْسها ... عوازبُ نحلٍ أخطأَ الغارَ مُطْنِفُ )
( نأتْ أمُّ قيسِ المرْبَعَين كليهما ... وتحذَرُ أن يَنأَى بها المتصيَّفُ )
( وإنك لو تَدرينَ أنْ رُبَّ مشربٍ ... مخوفٍ كداء البطن أو هو أخوفُ )
( وردتُ بمأثورٍ ونبلٍ وضالةٍ ... تخيَّرتها مما أَريش وأرصُفُ )
( أُركِّبها في كل أحمر عاتِرٍ ... وأقذِفُ منهن الذي هو مقرف )
( وتابعتُ فيه البَرْيَ حتى تركتُه ... يَزِفُّ إذا أنفذتُه ويزفزفُ )
(21/195)

( بِكفّيَ منها للبغيض عُراضَةٌ ... إذا بعتُ خِلاًّ ما له مُتَخَوَّفُ )
( ووادٍ بعيدِ العُمق ضنكٍ جِماعُه ... بواطِنهُ للجنّ والأسْدِ مأْلَفُ )
( تعسَّفتُ منه بعدما سقط الندى ... غَماليل يخشى غِيلَها المُتعسِّفُ )
( وإني إذا خَامَ الجبانُ عن الرّدى ... فلِي حيث يُخشى أن يُجاوزَ مخسَف )
( وإن امرأً أجار سعدَ بنَ مالكٍ ... عليّ وأثوابِ الأُقَيْصِرِ يَعْنُف )
وقال الشنفرى أيضا
( ومُستبسلٍ ضافي القميصِ ضَغَتُّه ... بأَزرقَ لا نِكسٍ ولا مُتَعوِّج )
( عليه نُساريٌ على خُوطِ نَبْعةٍ ... وفُوقٌ كعرقوب القطاة مُحَدْرَجُ )
( وقاربتُ من كفِّيَّ ثم فَرَجتها ... بنزع إذا ما استُكرِه النزعُ مُخْلِج )
( فصاحت بكفي صيحةً ثم رجَّعَت ... أنينَ الأمِيم ذي الجراح المُشجَّع )
وقد روي فناحت بكفي نوحة
رواية ثالثة في مقتله
وقال غيره لا بل كان من أمر الشنفرى أنه سبت بنو سلامان بن مفرج
(21/196)

ابن مالك بن هوازن بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد الشنفرى - وهو أحد بني ربيعة بن الحجر بن عمران بن عمرو بن حارثة بن ثعلبة بن امرىء القيس بن مازن بن الأزد - وهو غلام فجعله الذي سباه في بهمة يرعاها مع ابنة له فلما خلا بها الشنفرى أهوى ليقبلها فصكت وجهه ثم سعت إلى أبيها فأخبرته فخرج إليه ليقتله فوجده وهو يقول
( ألاَ هل أَتى فِتيانَ قومي جَماعةً ... بما لطمت كفُّ الفتاة هجينَها )
( ولو علمت تلك الفتاةُ مَناسبي ... ونِسبتُها ظلَّت تقَاصَرُ دونها )
( أليس أبي خيرَ الأَواسِ وغيرِها ... وأُمِّي ابنةُ الخَيْرِينَ لو تَعلمينها )
( إذا ما أَرُومُ الودَّ بيني وبينها ... يؤمُّ بياضُ الوجه منّي يمينَها )
قال فلما سمع قوله سأله ممن هو فقال أنا الشنفرى أخو بني الحارث بن ربيعة وكان من أقبح الناس وجها فقال له لولا أني أخاف أن يقتلني بنو سلامان لأنكحتك ابنتي فقال علي إن قتلوك أن أقتل بك مائة رجل منهم فأنكحه ابنته وخلى سبيله فسار بها إلى قومه فشدت بنو سلامان خلافه على الرجل فقتلوه فلما بلغه ذلك سكت ولم يظهر جزعا عليه وطفق يصنع النبل ويجعل أفواقها من القرون والعظام ثم إن امرأته بنت السلاماني قالت له ذات يوم لقد خست بميثاق أبي عليك فقال
( كأَن قَدْ - فلا يغْرُرْكِ مني تمَكُّثِي ... سلكتُ طريقاً بين يَرْبَغ فالسَّردِ )
(21/197)

( وإنِّي زعيمٌ أن تثور عَجَاجتي ... على ذي كِساءٍ من سَلامان أو بُرد )
( همُ عرفوني ناشئاً ذا مَخِيلة ... أُمشِّي خلال الدار كالفرس الوَرْدِ )
( كأَني إذا لم يُمسِ في الحي مالك ... بتيهاء لا أُهدَي السَّبِيلَ ولا أَهدِي )
قال ثم غزاهم فجعل يقتلهم ويعرفون نبله بأفواقها في قتلاهم حتى قتل منهم تسعة وتسعين رجلا ثم غزاهم غزوة فنذروا به فخرج هاربا وخرجوا في إثره فمر بامرأة منهم يلتمس الماء فعرفته فأطعمته أقطا ليزيد عطشا ثم استسقى فسقته رائبا ثم غيبت عنه الماء ثم خرج من عندها وجاءها القوم فأخبرتهم خبره ووصفت صفته وصفة نبله فعرفوه فرصدوه على ركي لهم وهو ركي ليس لهم ماء غيره فلما جن عليه الليل أقبل إلى الماء فلما دنا منه قال إني أراكم وليس يرى أحدا إنما يريد بذلك أن يخرج رصدا إن كان ثم فأصاخ القوم وسكتوا ورأى سوادا وقد كانوا أجمعوا قبل إن قتل منهم قتيل أن يمسكه الذي إلى جنبه لئلا تكون حركة قال فرمى لما أبصر السواد فأصاب رجلا فقتله فلم يتحرك أحد فلما رأى ذلك امن في نفسه وأقبل إلى الركي فوضع سلاحه ثم انحدر فيه فلم يرعه إلا بهم على رأسه قد أخذوا سلاحه فنزا ليخرج فضرب بعضهم شماله فسقطت فأخذها فرمى بها كبد الرجل فخر عنده في القليب فوطىء على رقبته فدقها وقال في قطع شماله
(21/198)

( لا تَبْعَدِي إمّا ذَهَبْتِ شامَهْ ... فرُبَّ وادٍ نَفَرَتْ حَمامَه )
( ورُبَّ قِرْنٍ فَصَلتْ عِظَامَهْ ... وربَّ حيٍّ حرَّقت سَوامَهْ )
قال ثم خرج إليهم فقتلوه وصلبوه فلبث عاما أو عامين مصلوبا وعليه من نذره رجل قال ف جاه رجل منهم كان غائبا فمر به وقد سقط فركض رأسه برجله فدخل فيها عظم من رأسه فعلت عليه فمات منها فكان ذلك الرجل هو تمام المائة
صوت
( ألا طرقتْ في الدّجى زينبُ ... وأحببْ بزينبَ إذ تَطْرُقُ )
( عجبتُ لزينبَ أَنَّى سَرَت ... وزينبُ من ظلّها تَفرَق )
عروضه من المتقارب الشعر لابن رهيمة والغناء لخليل المعلم رمل بالبنصر عن الهشامي وأبي أيوب المدني
(21/199)

أخبار الخليل ونسبه
هو الخليل بن عمرو مكي مولى بني عامر بن لؤي مقل لا تعرف له صنعة غير هذا الصوت
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني القطراني المغني عن محمد بن حسين قال
عمل في تأديب الصبيان وتعليم الجواري الغناء
كان خليل المعلم يلقب خليلان وكان يؤدب الصبيان ويلقنهم القرآن والخط ويعلم الجواري الغناء في موضع واحد فحدثني من حضره قال كنت يوما عنده وهو يردد على صبي يقرأ بين يديه ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ) ثم يلتفت إلى صبية بين يديه فيردد عليها
( اعتادَ هذا القلبَ بلبالُهُ ... أن قُرِّبتْ للبَيْنِ أَجمالُهُ )
فضحكت ضحكا مفرطا لما فعله فالتفت إلي فقال ويلك مالك فقال أتنكر ضحكي مما تفعل والله ما سبقك إلى هذا أحد ثم قلت انظر أي
(21/200)

شيء أخذت على الصبي من القرآن وأي شيء هو ذا تلقي على الصبية والله إني لأظنك ممن يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله فقال أرجو ألا أكون كذلك إن شاء الله
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال حدثني عبد الصمد بن المعذل قال
كان خليلان المعلم أحسن الناس غناء وأفتاهم وأفصحهم فدخل يوما على عقبة بن سلم الأزدي الهنائي فاحتبسه عنده فأكل معه ثم شرب وحانت منه التفاتة فرأى عودا معلقا فعلم أنه عرض له به فدعا به وأخذه فغناهم
( يابنةَ الأزديّ قلبي كَئِيبُ ... مُستَهامٌ عندها ما يُنِيبُ )
وحانت منه التفاتة فرأى وجه عقبة بن سلم متغيرا وقد ظن أنه عرض به ففطن لما أراد فغنى
( ألا هَزِئَت بِنا قُرَشِيَّة ... يهتزُّ موكِبُها )
فسري عن عقبة وشرب فلما فرغ وضع العود من حجره وحلف بالطلاق ثلاثا أنه لا يغني بعد يومه ذلك إلا لمن يجوز حكمه عليه
نسبة هذين الصوتين
( يابنةَ الأزديّ قلبي كَئِيبُ ... مُستَهامٌ عندها ما يُنِيبُ )
( ولقد لاموا فقلتُ دعوني ... إنّ مَنْ تَنْهوْنَ عنه حَبيبُ )
( إنما أبلَى عِظامِي وجِسْمِي ... حُبُّها والحُبُّ شيءٌ عَجِيبُ )
( أيها العائِبُ عندي هَواهَا ... أنتَ تَفدي مَن أراك تَعِيبُ )
(21/201)

عروضه من المديد والشعر لعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - والغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لمالك خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عنه وفيه خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى لم ينسبه إسحاق إلى أحد ووجدته في روايات لا أثق بها منسوبا إلى حنين وقد ذكر يونس أن فيه لحنين ولمالك كلاهما ولعل هذا أحدهما وذكر حبش أن خفيف الرمل لابن سريج وذكر الهشامي وعلي بن يحيى أن لحن مالك الآخر ثاني ثقيل وذكر الهشامي أن فيه لطويس هزجا مطلقا في مجرى البنصر وذكر عمرو بن بانة أن لمالك فيه ثقيلا أولا وخفيفه ولمعبد خفيف ثقيل آخر
صوت
( ألا هَزِئَت بِنا قُرَشِيَّة ... يهتزُّ موكِبُها )
( رأت بي شيْبَةً في الرأ ... سِ مِنّي ما أُغَيّبُها )
( فقالت لي ابن قَيْسٍ ذا ... وبَعضُ الشيب يُعجبها )
( لها بعلٌ خبيثُ النَّفْس ... يحصُرُها ويحْجُبُها )
( يراني هكذا أمشي ... فيوعِدُها ويَضْرِبُها )
عروضه من الوافر الشعر لابن قيس الرقيات والغناء لمعبد خفيف
(21/202)

بالخنصر في مجرى الوسطى وفيه ليونس ثقيل أول عن إسحاق بن إبراهيم والهشامي
صوت
( هل ما علمتَ وما استُودِعْتَ مكتومُ ... أم حَبلُها إذ نأتك اليومَ مَصرومُ )
( أم هل كئيبٌ بكى لم يقض عبرَتَهُ ... إثْرَ الأَحِبَّة يوم البين مَشْكُومُ )
( يحملن أُتْرُجّةً نَضْخُ العبير بها ... كأنَّ تَطيابَها في الأنفِ مشمومُ )
( كأنّ فَأْرَةَ مسكٍ في مفارقها ... للباسط المُتعاطي وَهْوَ مزكوم )
( كأَنَّ إبريقَهم ظبيٌ على شرف ... مُفَدَّمٌ بسَبَا الكتّان ملثُوم )
( قد أشْهدُ الشَّربَ فيهم مِزْهرٌ صَدِحٌ ... والقومُ تصرعهم صهباءُ خُرطومُ )
الشعر لعلقمة بن عبدة والغناء لابن سريج وله فيه لحنان أحدهما في الأول والثاني خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق
(21/203)

والآخر رمل بالخنصر في مجرى البنصر في الخامس والسادس من الأبيات وذكر عمرو بن بانة أن في الأربعة الأبيات الأول المتوالية لمالك خفيف ثقيل بالوسطى وفيها ثقيل أول نسبه الهشامي إلى الغريض وذكر حبش أن لحن الغريض ثاني ثقيل بالبنصر وذكر حبش أن في الخامس والسادس خفيف رمل بالبنصر لابن سريج
(21/204)

أخبار علقمة ونسبه
هو علقمة بن عبدة بن النعمان بن ناشرة بن قيس بن عبيد بن ربيعة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار
وكان زيد مناة بن تميم وفد هو وبكر بن وائل - وكانا لدة عصر واحد - على بعض الملوك وكان زيد مناة حسودا شرها طعانا وكان بكر بن وائل خبيثا منكرا داهيا فخاف زيد مناة أن يحظى من الملك بفائدة ويقل معها حظه فقال له يا بكر لا تلق الملك بثياب سفرك ولكن تأهب للقائه وادخل عليه في أحسن زينة ففعل بكر ذلك وسبقه زيد مناة إلى الملك فسأله عن بكر فقال ذلك مشغول بمغزالة النساء والتصدي لهن وقد حدث نفسه بالتعرض لبنت الملك فغاظه ذلك وأمسك عنه ونمى الخبر إلى بكر بن وائل فدخل إلى الملك فأخبره بما دار بينه وبين زيد مناة وصدقه عنه واعتذر إليه مما قاله فيه عذرا قبله فلما كان من غد اجتمعا عند الملك فقال الملك لزيد مناة ما تحب أن أفعل بك فقال لا تفعل ببكر شيئا إلا فعلت بي مثليه وكان بكر أعور العين اليمنى قد أصابها ماء فذهب بها فكان لا يعلم من رآه أنه أعور فأقبل الملك على بكر بن وائل فقال له ما تحب أن أفعل بك يا بكر قال تفقأ عيني اليمنى وتضعف لزيد مناة فأمر بعينه
(21/205)

ففقئت وأمر بعيني زيد مناة ففقئتا فخرج وهو أعور بحاله وخرج زيد مناة وهو أعمى
سبب تلقيبه بالفحل
وأخبرني بذلك محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة
ويقال لعلقمة بن عبدة علقمة الفحل سمي بذلك لأنه خلف على امرأة امرىء القيس لما حكمت له على امرىء القيس بأنه أشعر منه في صفة فرسه فطلقها فخالفه عليها وما زالت العرب تسميه بذلك وقال الفرزدق
( والفحلُ عَلقمةُ الذي كانت له ... حُلَلُ الملوك كلامُه يُتَنَحَّلُ )
علقمة يحكم قريشا في شعره
أخبرني عمي قال حدثني النضر بن عمرو قال حدثني أبو السوار عن أبي عبيد الله مولى إسحاق بن عيسى عن حماد الراوية قال
كانت العرب تعرض أشعارها على قريش فما قبلوه منها كان مقبولا وما ردوه منها كان مردودا فقدم عليهم علقمة بن عبدة فأنشدهم قصيدته التي يقول فيها
( هل ما علمتَ وما استُودعْتَ مكتوم ... أم حَبْلُها أَنْ نأتْكَ اليومَ مصرومُ )
(21/206)

فقالوا هذه سمط الدهر ثم عاد إليهم العام المقبل فأنشدهم
( طحابك قلب في الحسان طروبُ ... بُعَيْد الشباب عصر حان مشيبُ )
فقالوا هاتان سمطا الدهر
أخبرني الحسن بن عليَّ قال حدثني هارون بن محمد بن عبدالملك عن حماد بن إسحاق قال سمعت أبي يقولسرق ذو الرُّمة قوله :
( يطفو إذا تلقَّته الجراثيم ... ) قول العجاج
( إذا تلقَّتْه العقاقيلُ طفا ) العجَّاج من علقمةَ بن عبَدة في قوله :
( يطفو إذا ما تلقته العقاقيل ... )
(21/207)

هو وامرؤ القيس يتحاكمان إلى زوجته
أخبرني عمِّي قال حدثنا الكرانيُّ قال حدثنا العمريّ عن لقيط وأخبرني أحمد بن عبدالعزيز قال حدثنا عُمَر بن شبَّة قال حدثني أبو عبيدة قال
كانت تحت امريء القيس امرأةٌ من طيء تزوجها حين جاور فيهم فنزل به علقمةُ الفحْل بن عبدة التَّميميّ فقال كل واحد منهما لصاحبه أنا أشعر منك فتحاكما إليها فأنشد امرؤ القيس قوله :
( خليليَّ مرََّّا بي على أمّ جُنْدُبِ ... ) مر بقوله :
( فللسَّوط الهوبٌ وللسَّاق دِرَّةٌ ... وللزَّجر منه وقعُ أخرج مهذِب )
ويروى أهوج منعب
فأنشدها علقمة قوله
( ذهبْتَ من الهِجران في غير مذْهَب ... ) انتهى إلى قوله :
( فأدركه حتى ثنى من عِنانه ... يمُرُّ كغيث رائحٍ متحلبِّ )
فقالت له علقمةُ أشعرُ منك قال وكيف قالت لأنك زجرت فرسَك وحرّكته بساقك وضربته بسوطك وأنه جاء هذا الصيد ثم أدركه ثانياً من عِنانه فغضب امرؤ القيس وقال ليس كما قلتِ ولكنك هَويِته فطلّقها فتزوجه علقمة بعد ذلك وبهذا لُقِّب علقمةَ الفحْل
(21/208)

ربيعة بن حذار يصنّف الشعراء
أخبرني عمي قال حدثنا الكُرانيّ قال حدثنا العُمري عن لَقِيط قال
تحاكم علقمةُ بن عبدة التميمي والزبرقانُ بن بَدْر السعدي والمخبَّل وعمرو بن الأهتم إلى ربيعة بن حذار الأسديّ فقال أما أنت يا زبرقان فإن شعرك كلحم لا أنضج فيؤكل ولا ترك نيئا فينتفع به وأما أنت يا عمرو فإن شعرك كبرد حبرة يتلألأ في البصر فكلما أعدّته فيه نقص وأما أنت يا مخبّل فإنك قصّرت عن الجاهلية ولم تدرك الإسلام وأما أنت يا علقمة فإن شعرك كمزادة قد أحكِم خزرُها فليس يقطر منها شيء
أخبرني محمدُ بن الحسنِ بن دُريد قال حدثني عمي عن العباس بن هشام عن ابيه قال
(21/209)

رجل من مزينَة على باب رجل من الأنصار وكان يُتَّهم بامرأته فلما حاذى بابَه تنفَّس ثم تمثل :
( هل ما علمتَ وما استُودِعْتَ مكتومُ ... أم حبلُها إذ نأتك اليوم مصرومُ )
قال فتعلَّق به الرجل فرفعه إلى عمر رضوان الله عليه فاستعداه عليه فقال له المتمثِّل وما عليَّ في أن أنشدتُ بيتَ شعر فقال له عمر رضي الله عنه مالك لم تُنْشِدْه قبل أن تبلغ بابه ولكنّك عرَّضت به مع ما تعلم من القالةَ فيه أمر به فضُرِب عِشْرين سَوْطاً
صوت
( فوالله لا أنسَى قتِيلاً رُزِيتُه ... بجانب قَوسَى ما حييتُ على الأرض )
( بلى إنها تعْفُو الكلُومُ وإنما ... نوكِّلُ بالأدنى وإن جَلَّ ما يَمضِي )
( ولم أدرِ مَن أَلْقَي عليه رداءه ... ولكنه قد بُزَّ عن ماجدٍ محضِ )
الشعر لأبي خراش الهذلي والغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بالوسطى من رواية عمرو بن بانة وذكر يحيى بن المكي أنه لابن مُسجِح وذكر الهاشمي أنه ليحيى المكي نحله ابن مسجح وفي أخبار معبد إن له فيه لحناً
(21/210)

ذكر أبي خراش الهذلي وأخباره
نسبه وموته
أبو خراش اسمه خويلد بن مرة أحد بني قرد واسم قرد عمرو بن معاوية بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار
شاعر فحل من شعراء هذيل المذكورين الفصحاء مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم وعاش بعد النبي مدة ومات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهشته أفعى فمات وكان ممن يعدو فيسبق الخيل في غارات قومه وحروبهم
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي والحسن بن علي قالوا
حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا أحمد بن عمير بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال حدثني أبو بركة الأشجعي من أنفسهم قال
خرج أبو خراش الهذلي من أرض هذيل يريد مكة فقال لزوجته أم خراش ويحك إني أريد مكة لبعض الحاجة وإنك من أفك النساء وإن بني الديل يطلبونني بترات فإياك وأن تذكريني لأحد من أهل مكة حتى نصدر منها قالت معاذ الله أن أذكرك لأهل مكة وأنا أعرف السبب
(21/211)

قال فخرج بأم خراش وكمن لحاجته وخرجت إلى السوق لتشتري عطرا أو بعض ما تشتريه النساء من حوائجهن فجلست إلى عطار فمر بها فتيان من بني الديل فقال أحدهما لصاحبه أم خراش ورب الكعبة وإنها لمن أفك النساء وإن كان أبو خراش معها فستدلنا عليه قال فوقفا عليها فسلما وأحفيا المسألة والسلام فقلت من أنتما بأبي أنتما فقالا رجلان من أهلك من هذيل قالت بأبي أنتما فإن أبا خراش معي ولا تذكراه لأحد ونحن رائحون العشية فخرج الرجلان فجمعا جماعة من فتيانهم وأخذوا مولى لهم يقال له مخلد وكان من أجود الرجال عدوا فكمنوا في عقبة على طريقه فلما رآهم قد لاقوه في عين الشمس قال لها قتلتني ورب الكعبة لمن ذكرتني فقالت والله ما ذكرتك لأحد إلا لفتيين من هذيل فقال لها والله ما هما من هذيل ولكنهما من بني الديل وقد جلسا لي وجمعا علي جماعة من قومهم فاذهبي أنت فإذا جزت عليهم فإنهم لن يعرضوا لك لئلا أستوحش فأفوتهم فاركضي بعيرك وضعي عليه العصا والنجاء النجاء
قال فانطلقت وهي على قعود عقيلي يسابق الريح فلما دنا منهم وقد تلثموا ووضعوا تمرا على طريقه على كساء فوقف قليلا كأنه يصلح شيئا وجازت بهم أم خراش فلم يعرضوا لها لئلا ينفر منهم ووضعت العصا على قعودها وتواثبوا إليه ووثب يعدو
قال فزاحمه على المحجة التي يسلك فيها على العقبة ظبي فسبقه أبو خراش وتصايح القوم يا مخلد أخذا أخذا
قال ففات الأخذ فقالوا ضربا ضربا فسبق الضرب فصاحوا رميا
(21/212)

رميا فسبق الرمي وسبقت أم خراش إلى الحي فنادت ألا إن أبا خراش قد قتل فقام أهل الحي إليها وقام أبوه وقال ويحك ما كانت قصته فقالت إن بني الديل عرضوا له الساعة في العقبة قال فما رأيت أو ما سمعت قالت سمعتهم يقولون يا مخلد أخذا أخذا قال ثم سمعت ماذا قالت ثم سمعتهم يقولون ضربا ضربا قال ثم سمعت ماذا قالت سمعتهم يقولون رميا رميا قال فإن كنت سمعت رميا رميا فقد أفلت وهو منا قريب ثم صاح يا أبا خراش فقال أبو خراش يا لبيك وإذا هو قد وافاهم على أثرها وقال أبو خراش في ذلك
شعره في نجاته من خصومه
( رَفَوْنِي وقالوا يا خُوَيْلدُ لم تُرَعْ ... فقلت وأنكرتُ الوجوهَ هُم هُم )
رفوني بالفاء سكنوني وقالوا لا بأس عليك
( فغارَرْتُ شيئَاً والدّريسُ كأنما ... يزعزعُه وعْلٌ من المُومِ مُرْدِمُ )
غاررت تلبثت والدريس الخلق من الثياب ومثله الجرد والسحق والحشيف ومردم لازم
( تذكرتُ ما أينَ المفرُّ وإنني ... بحبل الذي يُنْجِي من الموت مُعْصِم )
( فواللهِ ما ربْدَاءُ أو عِلْجُ عَانةٍ ... أقبُّ وما إنْ تَيْسُ رَمْلٍ مُصَمِّمِ )
(21/213)

( بأسرعَ منّي إذ عرفت عَدِيَّهُم ... كأني لأَولاهُمْ من القُرْبِ تَوْأَم )
( وأجودَ مِنِّي حينَ وافيْتُ ساعِياً ... وأخطأني خَلْف الثَّنِيَّة أسهُمُ )
( أُوَائِلُ بالشَّدِّ الذَّليقِ وحَثَّنِي ... لدى المتن مشبوحَ الذراعين خَلْجَمُ )
( تَذَكَّرَ ذَحْلاً عندنا وهو فاتكٌ ... من القوم يَعرُوه اجتراءٌ ومَأْثم )
( تقول ابنتي لما رأتني عشيَّةً ... سلمتَ وما إن كِدتَ بالأمس تَسلمُ )
( فقلتُ وقد جاوزت صَارَى عشيَّةً ... أجاوزتُ أولَى القوم أم أنا أحلُم )
( فلولا دِرَاكُ الشدّ آضتْ حليلَتي ... تخيَّر في خُطَّابِها وَهْيَ أيِّمُ )
( فتسخَطُ أو ترضَى مكانِي خليفةً ... وكادَ خِراشٌ عند ذلك يَيْتَم )
عدا بين فرسين فسبقهما
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي ومحمد بن الحسين الكندي خطيب المسجد الجامع بالقادسية قالا حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال حدثني رجل من هذيل قال
دخل أبو خراش الهذلي مكة وللوليد بن المغيرة المخزومي فرسان يريد أن يرسلهما في الحلبة فقال للوليد ما تجعل لي إن سبقتهما قال إن فعلت فهما لك فأرسلا وعدا بينهما فسبقهما فأخذهما
(21/214)

قال الأصمعي إذا فاتك الهذلي أن يكون شاعرا أو ساعيا أو راميا فلا خير فيه
وأخبرني بما أذكره من مجموع أخبار أبي خراش علي بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد السكري وأخبرني بما أذكره من مجموع أشعارهم وأخبارهم فذكر أبو سعيد عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن أبي حاتم عن أبي عبيدة وعن ابن حبيب عن أبي عمرو
وأخبرني ببعضه محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي وقد ذكرت ما رواه في أشعار هذيل وأخبارها كل واحد منهم عن أصحابه في مواضعه قال السكري فيما رواه عن ابن حبيب عن أبي عمرو قال
نزل أبو خراش الهذلي دبية السلمي - وكان صاحب العزى التي في غطفان وكان يسدنها وهي التي هدمها خالد بن الوليد لما بعثه رسول الله إليها فهدمها وكسرها وقتل دبية السلمي - قال فلما نزل عليه أبو خراش أحسن ضيافته ورأى في رجله نعلين قد أخلقتا فأعطاه نعلين من حذاء السبت فقال أبو خراش يمدحه
( حذَانِيَ بعد ما خَذِمَتْ نِعالي ... دُبَيَّةُ إِنَّهُ نِعمَ الخليلُ )
( مُقابَلَتين من صلَوَيْ مُشِبٍّ ... من الثيران وصلُهما جميلُ )
(21/215)

( بمثلِهما يروح المرءُ لَهواً ... ويقْضِي الهمَّ ذو الأَربِ الرّجيلِ )
( فنعم مُعرَّسُ الأضيافِ تُذْحِي ... رحالَهُم شآميةٌ بَلِيلُ )
( يُقاتل جوعَهم بمكلَّلاَتٍ ... من الفُرْنيِّ يَرْعَبُها الجميل )
قال أبو عمرو الجميل الإهالة ولا يقال لها جميل حتى تذاب إهالة كانت أو شحما وقال أبو عمرو ولما بعث رسول الله خالد بن الوليد فهدم عزى غطفان وكانت ببطن نخلة نصبها ظالم بن أسعد بن عامر بن مرة وقتل دبية فقال أبو خراش الهذلي يرثيه
( مَا لِدُبَيَّةَ منذُ اليوم لم أَرَهُ ... وسْطَ الشُّرُوب ولم يُلْمِمْ ولم يطفِ )
( لو كان حيّاً لغاداهم بمُترعَةٍ ... فيها الرّواوِيق من شِيزَى بني الهَطِف )
بنو الهطف قوم من بني أسد يعملون الجفان
( كَابِي الرماد عظيمُ القِدْرِ جَفْنَتُه ... حين الشتاء كحَوْضِ المُنْهَلِ اللَّقِف )
- المنهل الذي إبله عطاش واللقف الذي يضرب الماء أسفله فيتساقط وهو ملآن -
( أمسى سَقامٌ خَلاءً لا أنيسَ به ... إلا السّباعُ ومَرُّ الريح بالغَرَفِ )
(21/216)

يرثي زهير بن العجوة
وقال الأصمعي وأبو عمرو في روايتهما جميعا
أخذ أصحاب رسول الله في يوم حنين أسارى وكان فيهم زهير بن العجوة أخو بني عمرو بن الحارث فمر به جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح وهو مربوط في الأسرى وكانت بينهما إحنة في الجاهلية فضرب عنقه فقال أبو خراش يرثيه
( فَجَّع أصحابي جميلُ بن معْمَر ... بذي فَجَرٍ تأوِي إليه الأَراملُ )
( طويلُ نِجادِ السيف ليس بحَيْدَرٍ ... إذا قام واستنَّت عليه الحمائِلُ )
( إلى بَيْتِهِ يأوي الغريبُ إذا شتا ... ومُهتَلِكٌ بالي الدّريسَيْن عائِلُ )
( تروَّحَ مقروراً وراحت عشيّة ... لها حَدَبٌ تحتثُّه فيُوائِلُ )
( تكاد يداه تُسْلِمَان رداءَه ... من القُرِّ لمّا استقبلْته الشمائل )
( فما بالُ أهلِ الدّار لم يتصدَّعوا ... وقد خفّ منها اللّوذعيُّ الحُلاَحلُ )
( فأُقسِمُ لو لاقيتَه غيرَ موثَق ... لآبك بالجِزْع الضّباعُ النّواهلُ )
( لظلَّ جميلٌ أَسوأَ القوم تَلَّةً ... ولكنَّ ظَهْرَ القِرْنِ للمَرْء شاغلُ )
( فليس كعهدِ الدار يا أمَّ مالكٍ ... ولكنْ أحاطت بالرقاب السلاسل )
(21/217)

( وعاد الفتى كالكهل ليس بقائلٍ ... سوى الحقِّ شيئا فاستراح العواذلُ )
( ولم أَنْسَ أياماً لنا وليالياً ... بِحَلْيَةَ إذ نلقَى بها ما نحاول )
وقال أيضا يرثيه
( أَفِي كلِّ مَمسى ليلةٍ أنا قائل ... من الدهر لا يبعَدْ قتيلُ جميلِ )
( فما كنتُ أخشى أن تصيبَ دماءَنا ... قريشٌ ولما يُقتلوا بقتيل )
( فأبرحُ ما أُمِّرْتُمُ وعَمَرتُمُ ... مدَى الدهر حتى تُقْتَلُوا بِغَلِيلِ )
شعره في إنقاذ أسرى
وقال أبو عمرو في خبره خاصة أقبل أبو خراش وأخوه عروة وصهيب القردي في بضعة عشر رجلا من بني قرد يطلبون الصيد فبينا هم بالمجمعة من نخلة لم يرعهم إلا قوم قريب من عدتهم فظنهم القرديون قوما من بني ذؤيبة أحد بني سعد بن بكر بن هوازن أو من بني حبيب أحد بني نصر فعدا الهذليون إليهم يطلبونهم وطمعوا فيهم حتى خالطوهم وأسروهم جميعا وإذا هم قوم من بني ليث بن بكر فيهم ابنا شعوب أسرهما صهيب القردي فهم بقتلهما وعرفهم أبو خراش فاستنقذهم جميعا من أصحابه وأطلقهم فقال أبو خراش في ذلك يمن على ابني شعوب أحد بني شجع بن عامر بن ليث فعله بهما
( عدونَا عدوةً لا شكَّ فيها ... وخِلناهمْ ذُؤيبةَ أو حَبيبا )
( فنُغرِي الثائرين بهم وقلنا ... شفاءُ النفس أنْ بَعَثوا الحروبا )
(21/218)

( مَنَعْنا من عدِيِّ بني حُنَيفٍ ... صِحابَ مضرّسٍ وابني شَعوبا )
( فأَثْنُوا يا بني شِجْع علَيْنَا ... وحقُّ ابني شَعُوبٍ أنْ يُثِيبا )
( وسائلْ سَبرةَ الشِّجْعِيِّ عنا ... غداة نخالهم نَجْوا جَنيبا )
( بأنّ السّابق القِرْدِيَّ ألقَى ... عليه الثوبَ إذ ولَّى دبيبا )
( ولولا ذاكَ أرهقَه صُهيبٌ ... حسامَ الحَدِّ مطروراً خشيبا )
شعره في زهده
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال أقفر أبو خراش الهذلي من الزاد أياما ثم مر بامرأة من هذيل جزلة شريفة فأمرت له بشاة فذبحت وشويت فلما وجد بطنه ريح الطعام قرقر فضرب بيده على بطنه وقال إنك لتقرقر لرائحة الطعام والله لا طعمت منه شيئا ثم قال يا ربة البيت هل عندك شيء من صبر أو مر قالت تصنع به ماذا قال أريده فأتته منه بشيء فاقتمحه ثم أهوى إلى بعيره فركبه فناشدته المرأة فأبى فقالت له يا هذا هل رأيت بأسا أو أنكرت شيئا قال لا والله ثم مضى وأنشأ يقول
( وإني لأثْوي الجوعَ حتى يَملَّني ... فأحيا ولم تدنَس ثيابي ولا جِرمي )
( وأصْطَبحُ الماءَ القَراحَ فأكتفي ... إذا الزادُ أضحَى للمزلَّجِ ذَا طَعْم )
( أردُّ شجاعَ البطن قد تَعلمِينه ... وأوثر غيرِي من عِيالك بالطُّعْم )
(21/219)

( مخافَة أن أحيا برَغمٍ وذِلَّةٍ ... فلِلْمَوْتُ خيرٌ من حياةٍ على رُغْم )
يفتدي أخاه عروة بن مرة
وأخبرني عمي عن هارون بن محمد الزيات عن أحمد بن الحارث عن المدائني بنحو مما رواه الأصمعي وقال أبو عمرو
أسرت فهم عروة بن مرة أخا أبي خراش وقال غيره بل بنو كنانة أسرته فلما دخلت الأشهر الحرم مضى أبو خراش إليهم ومعه ابنه خراش فنزل بسيد من ساداتهم ولم يعرفه نفسه ولكنه استضافه فأنزله وأحسن قراه فلما تحرم به انتسب له وأخبره خبر أخيه وسأله معاونته حتى يشتريه منهم فوعده بذلك وغدا على القوم مع ذلك الرجل فسألهم في الأسير أن يهبوه له فما فعلوا فقال لهم فبيعونيه فقالوا أما هذا فنعم فلم يزل يساومهم حتى رضوا بما بذله لهم فدفع أبو خراش إليهم ابنه خراشا رهينة وأطلق أخاه عروة ومضيا حتى أخذ أبو خراش فكاك أخيه وعاد به إلى القوم حتى أعطاهم إياه وأخذ ابنه فبينما أبو خراش ذات يوم في بيته إذ جاءه عبد له فقال إن أخاك عروة جاءني وأخذ شاة من غنمك فذبحها ولطمني لما منعته منها فقال له دعه فلما كان بعد أيام عاد فقال له قد أخذ أخرى فذبحها فقال دعه فلما أمسى قال له إن أخاك اجتمع مع شرب من قومه فلما انتشى جاء إلينا وأخذ ناقة من إبلك لينحرها لهم فعاجله فوثب أبو خراش إليه فوجده قد أخذ الناقة لينحرها فطردها أبو خراش فوثب أخوه عروة إليه فلطم وجهه وأخذ الناقة فعقرها وانصرف أبو خراش فلما كان من غد لامه قومه وقالوا له بئست لعمر الله المكافأة كانت منك لأخيك رهن ابنه فيك وفداك بماله ففعلت به ما فعلت فجاء عروة يعتذر إليه فقال أبو خراش
(21/220)

( لَعَلَّكَ نافعي يا عُروَ يوماً ... إذا جاورْتُ مَنْ تحتَ القبورِ )
( أخذتَ خُفَارَتِي ولطمتَ عَيْني ... وكيف تُثِيبُ بالمنِّ الكبيرِ )
( ويوم قد صبْرتُ عليكَ نفسي ... لدى الأشْهَادِ مُرْتَدِي الحرورِ )
( إذا ما كان كَسُّ القوم رَوْقاً ... وجالت مقلتا الرجل البصير )
( بما يممتُه وتركْتُ بِكْرى ... وما أُطْعِمْتَ من لحم الجَزُور )
قال معنى قوله بكري أي بكر ولدي أي أولهم
كان بنو مرة عشرة
وقال الأصمعي وأبو عبيدة وأبو عمرو وابن الأعرابي
كان بنو مرة عشرة أبو خراش وأبو جندب وعروة والأبح والأسود وأبو الأسود وعمرو وزهير وجناد وسفيان وكانوا جميعا شعراء دهاة سراعا لا يدركون عدوا فأما الأسود بن مرة فإنه كان على ماء من داءة وهو غلام شاب فوردت عليه إبل رئاب بن ناضرة بن المؤمل من بني لحيان ورئاب شيخ كبير فرمى الأسود ضرع ناقة من الإبل فعقرها فغضب رئاب فضربه بالسيف فقتله وكان أشدهم أبو جندب فعرف خبر أخيه فغضب غضبا شديدا وأسف فاجتمعت رجال هذيل إليه يكلمونه وقالوا خذ عقل أخيك واستبق ابن عمك فلم يزالوا به حتى قال نعم اجمعوا العقل فجاؤوه به في مرة واحدة فلما أراحوه عليه صمت فطال صمته فقالوا
(21/221)

له أرحنا اقبضه منا فقال إني أريد أن أعتمر فاحبسوه حتى أرجع فإن هلكت فلأم ما أنتم هذه لغة هذيل يقولون أم بالكسر ولا يستعملون الضم - وإن عشت فسوف ترون أمري وولى ذاهبا نحو الحرم فدعا عليه رجال من هذيل وقالوا اللهم لا ترده فخرج فقدم مكة فواعد كل خليع وفاتك في الحرم أن يأتوه يوم كذا وكذا فيصيب بهم قومه فخرج صادرا حتى أخذته الذبحة في جانب الحرم فمات قبل أن يرجع فكان ذلك خبره
خبر أخيه زهير
قالوا وأما زهير بن مرة فخرج معتمرا قد جعل على جسده من لحاء الحرم حتى ورد ذات الأقير من نعمان فبينا هو يسقي إبلا له إذ ورد عليه قوم من ثمالة فقتلوه فله يقول أبو خراش وقد انبعث يغزو ثمالة ويغير عليهم حتى قتل منهم بأخيه أهل دارين أي حلتين من ثمالة
( خذوا ذلكم بالصُّلْحِ إني رأيتُكُم ... قتلتم زُهيرا وهو مهْدٍ ومُهْمِل )
مهد أي أهدى هديا للكعبة ومهمل قد أهمل إبله في مراعيها
( قتلتم فتى لا يفجُرُ الله عامداً ... ولا يجتويه جارُه عامَ يُمْحِلُ )
ولهم يقول أبو خراش
( إنّي امرؤٌ أَسْأَلُ كيما أَعلَما ... مَنْ شَرُّ رَهْطٍ يَشْهَدُونَ الموسِمَا )
(21/222)

( وجدتُهم ثُمالة بنَ أسلمَا ... )
وكان أبو خراش إذا لقيهم في حروبه أوقع بهم ويقول
( إليك أمَّ ذِبَّان ... ما ذاكِ من حلْبِ الضَّانْ )
( لكن مِصاع الفِتيانْ ... بكل لِيْنٍ حَرّان )
خبر أخيه عروة
قال وأما عروة بن مرة وخراش بن أبي خراش فأخذهما بطنان من ثمالة يقال لهما بنو رزام وبنو بلال وكانوا متجاورين فخرج عروة بن مرة وابن أبي خراش أخيه مغيرين عليهم طمعا في أن يظفروا من أموالهم بشيء فظفر بهما الثماليون فأما بنو رزام فنهوا عن قتلهما وأبت بنو بلال إلا قتلهما حتى كاد يكون بينهم شر فألقى رجل من القوم ثوبه على خراش حين شغل القوم بقتل عروة ثم قال له انج وانحرف القوم بعد قتلهم عروة إلى الرجل وكانوا أسلموه إليه فقالوا أين خراش فقال أفلت مني فذهب فسعى القوم في أثره فأعجزهم فقال أبو خراش في ذلك يرثي أخاه عروة ويذكر خلاص ابنه
( حمدتُ إِلَهي بعد عُروةَ إذ نجا ... خراشٌ وبعضُ الشرِّ أهونُ من بعضِ )
( فواللهِ لا أَنسَى قتيلاً رُزِيتَه ... بجانب قَوْسَى ما حييتُ على الأرضِ )
( بلى إنها تَعفو الكلومُ وإنما ... نُوكِّلُ بالأَدْنى وإن جلَّ ما يَمضِي )
(21/223)

( ولم أدر مَن أَلْقَى عليه رداءَهُ ... سوى أنه قد سُلَّ عن ماجِدٍ محضِ )
( ولم يك مثلوجَ الفؤاد مهبَّلاً ... أضاع الشبابَ في الرّبيلَةِ والخفض )
( ولكنهُ قد نازعته مَجَاوعٌ ... على أنه ذو مرة صادق النهض )
قال ثم إن أبا خراش وأخاه عروة استنفرا حيا من هذيل يقال لهم بنو زليفة بن صبيح ليغزوا ثمالة بهم طالبين بثأر أخيهما فلما دنوا من ثمالة أصاب عروة ورد حمى وكانت به حمى الربع فجعل عروة يقول
( أصبحتُ موروداً فقرّبُوني ... الى سواد الحيِّ يَدْفِنوني )
( إنّ زهيراً وسطَهم يَدعوني ... رَبَّ المخاض والِلِّقاحِ الجُون )
فلبثوا إلى أن سكنت الحمى ثم بيتوا ثمالة فوجدوهم خلوفا ليس فيهم رجال فقتلوا من وجدوا من الرجال وساقوا النساء والذراري والأموال وجاء الصائح إلى ثمالة عشاء فلحقوهم وانهزم أبو خراش وأصحابه وانقطعت بنو زليفة فنظر الأكنع الثمالي - وكان مقطوع الأصبع - إلى عروة فقال يا قوم ذلك والله عروة وأنا والله رام بنفسي عليه حتى يموت أحدنا وخرج يمعج نحو عروة فصلح عروة بأبي خراش أخيه أي
(21/224)

أبا خراش هذا والله الأكنع وهو قاتلي فقال أبو خراش أمضه وقعد له على طريقه ومر به الأكنع مصمما على عروة وهو لا يعلم بموضع أبي خراش فوثب عليه أبو خراش فضربه على حبل عاتقه حتى بلغت الضربة سحره وانهزمت ثمالة ونجا أبو خراش وعروة وقال أبو خراش يرثي أخاه ومن قتلته ثمالة وكنانة من أهله وكان الأصمعي يفضلها
( فَقَدْتُ بني لُبْنَى فلما فقدتُهم ... صبَرتُ فلم أقطعْ عليهم أَبَاجِلي )
الأبجل عرق في الرجل
( رماحٌ من الخطِّيِّ زُرْقٌ نِصالُها ... حِدادٌ أعاليها شِدادُ الأسافلِ )
( فلَهفِي على عمرِو بن مُرَّة لهفةً ... ولهْفِي على ميْتٍ بقَوسَى المعاقل )
( حِسانُ الوجوه طيِّبٌ حُجُزَاتُهُم ... كريمٌ نَثاهم غيرُ لُفٍّ مَعازلِ )
( قتلتَ قتيلاً لا يُحَالِفُ غَدْرَةً ... ولا سُبَّةً لا زِلتَ أسفلَ سافل )
( وقد أَمِنُونِي واطمأنّتْ نفوسُهم ... ولم يعلموا كلّ الذي هو داخلي )
( فمن كان يرجو الصلْحَ مِنِّي فإنه ... كأحمرِ عاد أو كُلَيْبِ بنِ وائلِ )
( أُصيبتْ هُذيلٌ بابن لُبْنَى وجُدّعت ... أُنوفُهُمُ باللَّوْذعيِّ الحُلاَحِل )
(21/225)

( رأيتُ بني العَلاَّتِ لما تضافروا ... يَحوزون سَهْمي دونَهمْ بالشَّمائل )
أخبار سائر إخوته
قالوا وأما أبو الأسود فقتلته فهم بياتا تحت الليل وأما الأبح فكان شاعرا فأمسى بدار بعرعر من ضيم فذكر لسارية بن زنيم العبدي أحد بني عبد بن عدي ابن الديل فخرج بقوم من عشيرته يريده ومن معه فوجدوهم قد ظعنوا وكان بين بني عبد بن عدي بن الديل وبينهم حرب فقال الأبح في ذلك
( لعمرُكَ سارِيَ بْنَ أبي زُنَيْمٍ ... لأَنْتَ بعَرْعَرَ الثأرُ المنيمُ )
( تركتَ بني معاويةَ بنِ صخرٍ ... وأنت بمربَعٍ وهُمُ بضِيمِ )
( تُساقيهمْ على رَصَفٍ وظُرٍّ ... كدابغةٍ وقد حَلِم الأَديمُ )
رصف وظر ماءان ومربع وضيم موضعان
( فلم نتركُهُم قصداً ولكنْ ... فرِقْتَ من المصالِت كالنّجوم )
( رأيتَهُم فوارسَ غيرَ عُزْلٍ ... إذا شَرِقَ المُقاتِلُ بالكُلومِ )
فأجابه سارية قال
(21/226)

( لعلِك يا أَبَحُّ حسِبْتَ أنّي ... قتلتُ الأسودَ الحسَن الكريمَا )
( أخذتُمْ عقِلَة وتركتُمُوه ... يسوق الظُّمْيَ وسْطَ بني تميمَا )
عيرهم بأخذ دية الأسود بن مرة أخيهم وأنهم لم يدركوا بثأره وبنو تميم من هذيل
قالوا وأما جنادة وسفيان فماتا وقتل عمرو ولم يسم قاتله قالوا وأمهم جميعا لبنى إلا سفيان بن مرة فإن أمه أم عمرو القردية وكان أيسر القوم وأكثرهم مالا
وقال أبو عمرو وغزا أبو خراش فهما فأصاب منهم عجوزا وأتى بها منزل قومه فدفعها إلى شيخ منهم وقال احتفظ بها حتى آتيك وانطلق لحاجته فأدخلته بيتا صغيرا وأغلقت عليه وانطلقت فجاء أبو خراش وقد ذهبت فقال
( سَدَّتْ عليه دَوْلَجاً ثم يَمَّمَتْ ... بنيِ فالجٍ بالليث أهلَ الخزائم )
الدولج بيت صغير يكون للبهم والليث ماء لهم والخزائم البقر واحدتها خزومة
( وقالت له دَنِّخْ مكانَكَ إنني ... سألقاك إن وافيتَ أهلَ المواسم )
يقال دنخ الرجل ودمخ إذا أكب على وجهه ويديه
وقال أبو عمرو دخلت أميمة امرأة عروة بن مرة على أبي خراش وهو يلاعب ابنه فقالت له يا أبا خراش تناسيت عروة وتركت الطلب بثأره ولهوت مع ابنك أما والله لو كنت المقتول ما غفل عنك ولطلب قاتلك حتى يقتله فبكى أبو خراش وأنشأ يقول
(21/227)

( لعمري لقد راعتْ أُميمةَ طلعَتِي ... وإنّ ثَوائي عندها لقليلُ )
( وقالت أُراه بعد عُرْوة لاهِياً ... وذلك رُزْءٌ لو علمْت جليلُ )
( فلا تحسبي أني تناسيْتُ فقْدَهُ ... ولكنَّ صبري يا أُمَيْمَ جميلُ )
( ألم تعلمِي أنْ قدْ تفرّق قبلَنَا ... نديما صفاءٍ مالكٌ وعَقِيلُ )
( أبى الصبرَ أنّى لا يزال يَهِيجُنِي ... مبيتٌ لنا فيما خلا ومَقيلُ )
( وأني إذا ما الصُّبحُ آنَسْتُ ضوءَه ... يعاودني قُطْعٌ عليّ ثقيلُ )
قال أبو عمرو فأما أبو جندب أخو أبي خراش فإنه كان جاور بني نفاثة ابن عدي بن الديل حينا من الدهر ثم أنهم هموا بأن يغدروا به وكانت له إبل كثيرة فيها أخوه جنادة فراح عليه أخوه جنادة ذات ليلة وإذا به كلوم فقال له أبو جندب مالك فقال ضربني رجل من جيرانك فأقبل أبو جندب حتى أتى جيرانه من بني نفاثة فقال لهم يا قوم ما هذا الجوار لقد كنت أرجو من جواركم خيرا من هذا أيتجاور أهل الأعراض بمثل هذا
فقالوا أو لم يكن بنو لحيان يقتلوننا فوالله ما قرت دماؤنا وما زالت تغلي والله إنك للثأر المنيم فقال أما إنه لم يصب أخي إلا خير ولكنما هذه معاتبة لكم وفطن للذي يريد القوم من الغدر به وكان بأسفل دفاق فأصبحوا ظاعنين وتواعدوا ماء ظر فنفذ الرجال إلى الماء وأخروا
(21/228)

النساء لأن يتبعنهم إذا نزلوا واتخذوا لحياض الإبل فأمر أبو جندب أخاه جنادة وقال له اسرح مع نعم القوم
نعم توقف وتأخر حتى تمر عليك النعم كلها وأنت في آخرها سارح بإبلك واتركها متفرقة في المرعى فإذا غابوا عنك فاجمع إبلك واطردها نحو أرضنا وموعدك نجد ألوذثنية في طريق بلاده وقال لامرأته أم زنباع وهي من بني كلب بن عوف اظعني وتمكثي حتى تخرج آخر ظعينة من النساء
ثم توجهي فموعدك ثنية يدعان من جانب النخلة وأخذ أبو جندب دلوه وورد مع الرجال فاتخذ لقوم الحياض واتخذ أبو جندب حوضا فملأه ماء ثم قعد عنده فمرت به إبل ثم إبل فكلما وردت إبل سأل عن إبله فيقولون قد بلغت تركناها بالضجن
ثم قدمت النساء كلما قدمت ظعينة سألها عن أهله فيقولون بلغتك تركناها تظعن حتى إذا ورد آخر النعم وآخر الظعن قال والله لقد حبس أهلي حابس أبصر يا فلان حتى أستأنس أهلي وإبلي وطرح دلوه على الحوض ثم ولى حتى أدرك القوم بحيث وعدهم فقال أبو جندب في ذلك
( أَقول لأُمِّ زِنْباعٍ أَقِيمي ... صُدورَ العِيسِ شطرَ بني تميم )
( وغَرَّبْتُ الدّعَاءَ وأَيْنَ منِّي ... أُناسٌ بين مرَّ وذي يَدومِ )
غربت الدعاء دعوت من بعيد
( وَحَيٍّ بالمناقب قد حمَوْها ... لدى قُرَّانَ حتى بطنِ ضِيمِ )
(21/229)

( وأحياءٍ لدى سعْدِ بن بكر ... بأَملاحٍ فظاهرةِ الأديم )
( أُولئِكَ معشري وهُمُ أرومي ... وبعض القوم ليس بذي أَرومِ )
( هنالِكَ لو دَعَوْتَ أَتَاكَ منهم ... رجالٌ مثل أَرمِيةِ الحميمِ )
الأرمية السحاب الشديد الوقع واحدها رمي والحميم مطر القيظ
( أَقلَّ الله خَيْرَهُم أَلمَّا ... يَدَعْهُم بعضُ شرّهُم القديم )
( أَلمَّا يَسلم الجيرانُ منهم ... وقد سال الفِجاج من الغميم )
( غداةَ كأَنَّ جنَّادَ بن لُبنى ... به نضخُ العبيرِ من الكُلومِ )
( دعا حَوْلي نفاثةُ ثم قالوا ... لعلك لسْتَ بالثّأْر المنيمِ )
المنيم الذي إذا أدرك استراح أهله وناموا
( نعوْا مَنْ قَتَّلَتْ لِحَيانُ منهم ... ومن يغترُّ بالْحربِ القرومِ )
قالوا جميعا وكان أبو جندب ذا شر وبأس وكان قومه يسمونه المشؤوم فاشتكى شكوى شديدة وكان له جار من خزاعة يقال له حاطم فوقعت به بنو لحيان فقتلوه قبل أن يستبل أبو جندب من مرضه واستاقوا أمواله وقتلوا امرأته وقد كان أبو جندب كلم قومه فجمعوا لجاره غنما فلما أفاق أبو جندب من مرضه خرج من أهله حتى قدم مكة ثم جاء يمشي
(21/230)

حتى استلم الركن وقد شق ثوبه عن استه فعرف الناس أنه يريد شرا فجعل يصيح ويقول
( إنّي امرؤ أبكي على جارَيَّهْ ... أبكي على الكعبيِّ والكعبيَّهْ )
( ولو هَلكْتُ بَكَيا عليَّهْ ... كَانا مكَان الثوب من حَقْويَّه )
فلما فرغ من طوافه وقضى حاجته من مكة خرج في الخلعاء من بكر وخزاعة فاستجاشهم على بني لحيان فقتل منهم قتلى وسبى من نسائهم وذراريهم سبايا وقال في ذلك
( لقد أمسى بنو لِحْيان منّي ... بحمد الله في خِزْيٍ مُبين )
( تركتهمُ على الرّكَباتِ صُعْراً ... يُشِيبُون الذَّوائب بالأنِين )
يشكو إلى عمر شوقه إلى ابنه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال حدثني عمي قال
هاجر خراش بن أبي خراش الهذلي في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغزا مع المسلمين فأوغل في أرض العدو فقدم أبو خراش المدينة فجلس بين يدي عمر وشكا إليه شوقه إلى ابنه وأنه رجل قد انقرض أهله وقتل إخوته ولم يبق له ناصر ولا معين غير ابنه خراش وقد غزا وتركه وأنشأ يقول
(21/231)

( ألا مَن مُبلغٌ عني خِراشاً ... وقد يأْتيك بالنّبأ البعيدُ )
( وقد يأتيكَ بالأخبار مَنْ لا ... تُجَهِّزُ بالحِذاء ولا تُزِيدُ )
- تزيد وتزود واحد من الزاد -
( يُناديه ليَغْبِقَه كَلِيبٌ ... ولا يأْتِي لقد سَفُه الوليدُ )
( فردَّ إناءَه لا شيءَ فيه ... كأنَّ دموعَ عينيه الفَريدُ )
( وأصبحَ دون عابقِه وأمسى ... جبالٌ من حِرارِ الشام سُودُ )
( ألا فاعلم خِراشُ بأنّ خيرَ المهاجر ... بعد هجرته زهيدُ )
( رأيتكَ وابتغاءَ البِرِّ دوني ... كمحصورِ اللَّبان ولا يصيدُ )
قال فكتب عمر رضي الله عنه بأن يقبل خراش إلى أبيه وألا يغزو من كان له أب شيخ إلا بعد أن يأذن له
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي وأخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي عن أبيه
وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ قال أبو عبيدة
وأخبرني أيضا هاشم قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي
(21/232)

عن عمه وذكره أبو سعيد السكري في رواية الأخفش عنه عن أصحابه قالوا جميعا
أسلم أبو خراش فحسن إسلامه ثم أتاه نفر من أهل اليمن قدموا حجاجا فنزلوا بأبي خراش والماء منهم غير بعيد فقال يا بني عمي ما أمسى عندنا ماء ولكن هذه شاة وبرمة وقربة فردوا الماء وكلوا شاتكم ثم دعوا برمتنا وقربتنا على الماء حتى نأخذها قالوا والله ما نحن بسائرين في ليلتنا هذه وما نحن ببارحين حيث أمسينا فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قربته وسعى نحو الماء تحت الليل حتى استقى ثم أقبل صادرا فنهشته حية قبل أن يصل إليهم فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء وقال اطبخوا شاتكم وكلوا ولم يعلمهم بما أصابه فباتوا على شاتهم يأكلون حتى أصبحوا وأصبح أبو خراش في الموت فلم يبرحوا حتى دفنوه وقال وهو يعالج الموت
( لعمرُكَ والمنايا غالباتٌ ... على الإنسان تطلُع كلَّ نجدِ )
( لقد أهلكْتِ حيّةَ بطنِ أنفٍ ... على الأصحابِ ساقاً ذاتَ فقد )
وقال أيضا
( لقد أهلكتِ حيةَ بطن أنفٍ ... على الأصحاب ساقاً ذاتَ فضلِ )
( فما تركتْ عدوًّا بين بُصْرَى ... إلى صنعاءَ يطلبُهُ بذَحْل )
(21/233)

قال بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه خبره فغضب غضبا شديدا وقال لولا أن تكون سبة لأمرت ألا يضاف يمان أبدا ولكتبت بذلك إلى الآفاق إن الرجل ليضيف أحدهم فيبذل مجهوده فيسخطه ولا يقبله منه ويطالبه بما لا يقدر عليه كأنه يطالبه بدين أو يتعنته ليفضحه فهو يكلفه التكاليف حتى أهلك ذلك من فعلهم رجلا مسلما وقتله ثم كتب إلى عامله باليمن بأن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش فيغرمهم ديته ويؤدبهم بعد ذلك بعقوبة تمسهم جزاء لأعمالهم
صوت
( تهيمُ بها لا الدهرُ فانٍ ولا المنى ... سواها ولا يُنسيك نَأْيٌ ولا شُغلُ )
( كبيضةِ أُدحيٍّ بِميثِ خميلةٍ ... يحفِّفها جَوْنٌ بجؤجؤه صَعْلُ )
الشعر لعبد الرحمن بن مسافع بن دارة والغناء لابن محرز ثقيل أول بالوسطى عن ابن المكي
(21/234)

أخبار ابن دارة ونسبه
هو عبد الرحمن بن مسافع بن دارة وقيل بل هو عبد الرحمن بن ربعي بن مسافع بن دارة وأخوه مسافع بن دارة وكلاهما شاعر وفي شعريهما جميعا غناء يذكر هاهنا وأخوهما سالم بن مسافع بن دارة شاعر أيضا وفي بعض شعره غناء يذكر بعد أخبار هذين فأما سالم فمخضرم قد أدرك الجاهلية والإسلام وأما هذان فمن شعراء الإسلام ودارة لقب غلب على جدهم ومسافع أبوهم وهو ابن شريح بن يربوع الملقب بدارة بن كعب بن عدي بن جشم بن عوف بن بهثة بن عبد الله بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر وهذا الشعر يقوله عبد الرحمن في حبس السمهري العكلي اللص وقتله وكان نديما له وأخا
هجا بني أسد وحرض عكلا عليهم
أخبرني بخبره هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال
لما أخذ السمهري العكلي وحبس وقتل - وكانت بنو أسد أخذته وبعثت به إلى السلطان وكان نديما لعبد الرحمن بن مسافع بن دارة فقتل بعد طول حبس - فقال عبد الرحمن بن مسافع يهجو بني أسد ويحرض عليهم عكلا
(21/235)

صوت
( إن يُمْسِ بالعينين سُقْمٌ فقد أتى ... لعينيكَ من طول البكاء على جُمْلِ )
( تهيمُ بها لا الدهرُ فانٍ ولا المنى ... سواها ولا تُسلى بنَأْيٌ ولا شُغلِ )
( كبيضةِ أُدحيٍّ بِمْيثِ خميلةٍ ... يُحَفِّفها جَوْنٌ بجؤجؤه الصَّعْلِ )
( وما الشمسُ تبدو يومَ غيم فأَشرقَتْ ... على الشّامة العنقاء فالنَّير فالذبل )
( بدا حَاجبٌ منهَا وضنَّتْ بحَاجبٍ ... بأَحسن منها يوم زالت على الحمْلِ )
( يقولون إزْلٌ حُبُّ جُمْلٍ وقُرْبُها ... وقد كذبوا ما في المودة من إزلِ )
( إذا شحَطتْ عنّي وجدتُ حرارةٍ ... على كبِدي كادت بها كَمداً تغلي )
( ولم أَرَ محزونَين أجملَ لوعةً ... على نائباتِ الدهرِ مِنِّي ومن جُمل )
( كلانا يذود النفسَ وهْي حزينةٌ ... ويُضمِرُ وجداً كَالنوافذ بالنبل )
( وإنِّي لمُبلِي اليأْسِ من حُبّ غيرها ... فأَمَّا على جُمْلٍ فإِنِّي لا أُبلي )
( وإنَّ شفاء النفس لو تُسْعِفُ المنى ... ذواتُ الثنايا الغُرّ والحدَقِ النُّجلِ )
( أُولئِك إن يَمْنَعْنَ فالمنعُ شِيمةٌ ... لهنَّ وإنْ يُعْطِينَ يُحْمَدْن بالبذلِ )
( سأُمْسِك بالوصل الذي كان بيننا ... وهل تركَ الواشون والنأْيُ من وصل )
(21/236)

( أَلا سَقِّيَانِي قهوةً فارسيّةً ... من الأوَّل المختوم ليست من الفضل )
( تُنسّي ذوي الأحلامِ واللبِّ حلمَهم ... إذا أَزبدت في دَنِّهَا زَبدَ الفحل )
( ويا راكباً إمَّا عرضت فبلِّغَنْ ... عَلَى نأْيهم مني القبائلَ من عُكل )
( بأنَّ الذي أمست تجمجم فقعَسٌ ... إسارٌ بلا أَسْرٍ وقتلٌ بلا قتلِ )
( وكيف تنام الليلَ عُكلٌ ولم تنَل ... رِضَى قَوَدٍ بالسمْهريّ ولا عقل )
( فلا صلحَ حتى تَنْحِط الخيلُ في القنا ... وتوقدَ نارُ الحرب بالحطب الجزل )
( وَجُرْدٍ تَعادَى بالكماة كأنها ... تُلاحِظ من غيظٍ بأَعينها القُبْل )
( عليها رجال جالدوا يوم مَنْعِجٍ ... ذوي التاج ضرَّابو الملوكِ على الوَهل )
( بضربٍ يُزيل الهامَ عن مستقرِّه ... وطعنٍ كأَفواه المفرَّجة الهُدْل )
( علامَ تُمشّي فقعسٌ بدمائكم ... وما هي بالفَرع المُنيفِ ولا الأصل )
( وكنّا حسِبنا فقعساً قبل هذه ... أذلَّ على وقع الهوان من النَّعْل )
( فقد نظرتْ نحو السماءِ وسلّمَت ... على الناس واعتاضت بخِصْبٍ من المحل )
( رمى الله في أكبادكم أن نجت بها ... شِعابُ القِنان من ضعيفٍ ومن وَغْل )
(21/237)

( وإن أنتُم لم تثأروا بأخيكم ... فكونوا نِساءً للخَلوق وللكُحْلِ )
( وبيعوا الرّدينياتِ بالحَلْي واقْعُدوا ... على الذلّ وابتاعوا المغازل بالنّبل )
( ألا حبّذا من عندَهُ القلبُ في كَبْلٍ ... ومَنْ حُبّه داءٌ وخبْلٌ من الخبل )
( ومَن هو لا يُنسَى ومَنْ كلُّ قَولِه ... لدينا كطعم الراح أو كجَنَى النّحل )
( ومن إن نأَى لم يحدث النأْيُ بُغضَه ... ومن إن دنا في الدار أُرْصِدَ بالبَذْلِ )
وأما خبر السمهري ومقتله فإن علي بن سليمان الأخفش أخبرني به قال حدثنا أبو سعيد السكري قال حدثنا محمد بن حبيب عن أبي عمرو الشيباني قال
خبر مصرع السمهري
لقي السمهري بن بشر بن أقيش بن مالك بن الحارث بن أقيش العكلي ويكنى أبا الديل هو وبهدل ومروان بن قرفة الطائيان عون بن جعدة بن هبيرة ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ومعه خاله أحد بني حارثة بن لأم من طي بالثعلبية وهو يريد الحج من الكوفة أو يريد المدينة وزعم آخرون أنهم لقوه بين نخل والمدينة فقالوا له العراضة أي مر لنا بشيء فقال يا غلام جفن لهم فقالوا لا والله ما الطعام نريد فقال عرضهم فقالوا ولا ذلك نريد فارتاب بهم فأخذ السيف فشد عليهم وهو صائم وكان بهدل لا
(21/238)

يسقط له سهم فرمى عونا فأقصده فلما قتلوه ندموا فهربوا ولم يأخذوا إبله فتفرقت إبله ونجا خاله الطائي إما عرفوه فكفوا عن قتله وإما هرب ولم يعرف القتلة فوجد بعض إبله في يدي شافع بن واتر الأسدي
وبلغ عبد الملك بن مروان الخبر فكتب إلى الحجاج بن يوسف وهو عامله على العراق وإلى هشام بن إسماعيل وهو عامله على المدينة وإلى عامل اليمامة أن يطلبوا قتلة عون ويبالغوا في ذلك وأن يأخذوا السعاة به أشد أخذ ويجعلوا لمن دل عليهم جعله وانشام السمهري في بلاد غطفان ما شاء الله
ثم مر بنخل فقالت عجوز من بني فزارة أظن والله هذا العكلي الذي قتل عونا فوثبوا عليه فأخذوه ومر أيوب بن سلمة المخزومي بهم فقالت له بنو فزارة هذا العكلي قاتل عون ابن عمك فأخذه منهم فأتى به هشام ابن إسماعيل المخزومي عامل عبد الملك على المدينة فجحد وأبى أن يقر فرفعه إلى السجن فحبسه
وزعم آخرون أن بني عذرة أخذوه فلما عرفت إبل عون في يدي شافع ابن واتر اتهموه بقتله فأخذوه وقالوا أنت قرفتنا قتلت عونا وحبسوه بصل ماء لبني أسد وجحد وقد كان عرف من قتله إما أن يكون كان معهم فورى عنهم وبرأ نفسه وإما أن يكون أودعوها إياه أو باعوها منه فقال شافع
( فإن سرَّكم أن تعلموا أين ثأْرُكُم ... فسلمَى معانٌ وابن قرفة ظالمُ )
(21/239)

( وفي السجن عُكْلِيٌّ شَريك لبهدل ... فولّوا ذُبابَ السّيف من هْو حازم )
( فوالله ما كنا جُناةً ولا بنا ... تأوّب عونا حتفُه وهو صائم )
فعرفوا من قتله فألحوا على بهدل في الطلب وضيقوا على السمهري في القيود والسجن وجحد فلما كان ذلك من إلحاحهم على السمهري أيقنت نفسه أنه غير ناج فجعل يلتمس الخروج من السجن فلما كان يوم الجمعة والإمام يخطب وقد شغل الناس بالصلاة فك إحدى حلقتي قيده ورمى بنفسه من فوق السجن والناس في صلاتهم فقصد نحو الحرة فولج غارا من الحرة وانصرف الإمام من الصلاة فخاف أهل المدينة عامتهم أتباعه وغلقوا أبوابهم وقال لهم الأمير اتبعوه فقالوا وكيف نتبعه وحدنا فقال لهم أنتم ألفا رجل فكيف تكونون وحدكم فقالوا أرسل معنا الأبليين وهم حرس وأعوان من أهل الأبلة فأعجزهم الطلب فلما أمسى كسر الحلقة الأخرى ثم همس ليلته طلقا فأصبح وقد قطع أرضا بعيدة فبينا هو يمضي إذ نعب غراب عن شماله فتطير فإذا الغراب على شجرة بان ينشنش ريشه ويلقيه فاعتاف شيئا في نفسه فمضى وفيها ما فيها فإذا هو قد لقي راعيا في وجهه ذلك فسأله من أنت قال رجل من لهب من أزد شنوءة أنتجع أهلي فقال له هل عندك شيء من زجر قومك فقال إني لآنس من ذلك شيئا أي لأبصر فقص عليه حاله غير أنه ورى
(21/240)

الذنب على غيره والعيافة وخبره عن الغراب والشجرة فقال اللهبي هذا الذي فعل ما فعل ورأى الغراب على البانة يطرح ريشه سيصلب فقال السمهري بفيك الحجر فقال اللهبي بل بفيك الحجر استخبرتني فأخبرتك ثم تغضب ثم مضى حتى اغترز في بلاد قضاعة وترك بلاد غطفان وذكر بعض الرواة أنه توقف يومه وليلته فيما يعمله وهل يعود من حيث جاء ثم سار حتى أتى أرض عذرة بن سعد يستجير القوم فجاء إلى القوم متنكرا ويستحلب الرعيان اللبن فيحلبون له ولقيه عبد الله الأحدب السعدي أحد بني مخزوم من بني عبد شمس وكان أشد منه وألص فجنى جناية فطلب فترك بلاد تميم ولحق ببلاد قضاعة وهو على نجيبة لا تساير فبينا السمهري يماشي راعيا لبني عذرة ويحدثهم عن خيار إبلهم ويسأله السمهري عن ذلك - وإنما يسأله عن أنجاهن ليركبها فيهرب بها لئلا يفارق الأحدب - أشار له إلى ناقة فقال السمهري هذه خير من التي تفضلها هذه لا تجارى فتحين الغفلة فلما غفل وثب عليها ثم صاح بها فخرجت تطير به وذلك في آخر الليل فلما أصبحوا فقدوها وفقدوه فطلبوه في الأثر وخرجا حتى إذا كان حجر عن يسارهما وهو واد في جبل أو شبه الثقب في استقبلتهما سعة هي أوسع من الطريق فظنا أن الطريق فيها فسارا مليا فيها ولا نجم يأتمان به فلما عرفا أنهما حائدان والتفت عليهما الجبال أمامهما وجد الطلب إثر بعيريهما ورأوه وقد سلك الثقب في غير طريق عرفوا أنه سيرجع فقعدوا له بفم الثقب ثم كرا راجعين وجاءت الناقة وعلى رأسها مثل الكوكب من لغامها فلما أبصر القوم هم أن يعقر ناقتهم فقال له الأحدب ما هذا جزاؤها فنزل ونزل الأحدب فقاتلهما القوم حتى كادوا
(21/241)

يغشون السمهري فهتف بالأحدب فطرد عنه القوم حتى توقلا في الجبل وفي ذلك يقول السمهري يعتذر من ضلاله
متفرقات من شعر السمهري
( وما كنتُ - مِحْيَاراً ولا فزِعَ السُّرَى ... ولكن حِذَا حجْرٍ بغيرِ دليل )
وقال الأحدب في ذلك
( لمّا دعاني السمهريُّ أجبتُه ... بأبيضَ من ماء الحديد صقيلِ )
( وما كنتُ ما اشتدّتْ على السيفِ قبضتي ... لأُسْلِمَ من حُبِّ الحياة زميلي )
وقال السمهري أيضا
( نجوتُ ونفسي عند ليلى رهينة ... وقد غَمّني داجٍ من الليل دامسُ )
( وغامسْتُ عن نفسي بأخْلَقَ مِقصلٍ ... ولا خيرَ في نفس امرىءٍ لا تُغَامِس )
( ولو أَنّ لَيلَى أَبصرتنِيَ غدوةً ... ومَطْوَايَ والصفَّ الذين أُمارِس )
( إذاً لبكت ليلَى عليّ وأَعولت ... وما نالت الثوبَ الذي أَنا لابسُ )
فرجع إلى صحراء منعج وهي إلى جنب أضاخ والحلة قريب منها وفيها منازل عكل فكان يتردد ولا يقرب الحلة وقد كان أكثر الجعل فيه فمر بابني فائد بن حبيب من بني أسد ثم من بني فقعس فقال أجيرا متنكرا فحلبا له فشرب ومضى لا يعرفانه وذهبا ثم لبث السمهري ساعة وكر راجعا فتحدث إلى أخت ابني فائد فوجداه منبطحا على بطنه يحدثها
(21/242)

فنظر أحدهما إلى ساقه مكدحة وإذا كدوح طرية فأخبر أخاه بذلك فنظر فرأى ما أخبره أخوه فارتابا به فقال أحدهما هذا والله السمهري الذي جعل فيه ما جعل فاتفقا على مضابرته فوثبا عليه فقعد أحدهما على ظهره وأخذ الآخر برجليه فوثب السمهري فألقى الذي على ظهره وقال أتلعبان وقد ضبط رأس الذي كان على ظهره تحت إبطه وعالجه الآخر فجعل رأسه تحت إبطه أيضا وجعلا يعالجانه فناديا أختهما أن تعينهما فقالت ألي الشرك في جعلكما قالا نعم فجاءت بجرير فجعلته في عنقه بأنشوطة ثم جذبته وهو مشغول بالرجلين يمنعهما فلما استحكمت العقدة وراحت من علابيه خلى عنهما وشد أحدهما فجاء بصرار فألقاه في رجله وهو يداور الآخر والأخرى تخنقه فخر لوجهه فربطاه ثم انطلقا به إلى عثمان بن حيان المري وهو في إمارته على المدينة فأخذا ما جعل لأخذه فكتب فيه إلى الخليفة فكتب أن ادفعه إلى ابن أخي عون عدي فدفع إليه فقال السمهري أتقتلني وأنت لا تدري أقاتل عمك أنا أم لا ادن أخبرك فأراد الدنو منه فنودي إياك والكلب وإنما أراد أن يقطع أنفه فقتله بعمه ولما حبسه ابن حيان في السجن تذكر زجر اللهبي وصدقه فقال
( ألا أيّها البيتُ الذي أنا هاجِرُه ... فلا البيتُ منسيٌّ ولا أنا زائِرُهْ )
( ألا طرقت ليلَى وساقي رهينةٌ ... بأشهبَ مشدودٍ عليّ مَسامرُه )
( فإن أنجُ يا ليلى فربّ فتىً نجا ... وإن تَكُنِ الأخرى فشيءٌ أحاذره )
(21/243)

( وما أصْدَق الطيْر التي بَرِحت لنا ... وما أعيفَ اللَّهْبِيَّ لا عزَّ ناصرُه )
( رأيتُ غُراباً ساقطاً فوق بانة ... ينشنشُ أعلى ريشه ويُطايِره )
( فقال غرابٌ باغترابٍ من النوى ... وبانٌ بِبَيْنٍ من حبيبٍ تُحاذره )
( فكان اغترابٌ بالغُراب ونِيةٌ ... وبالبان بَيْنٌ بَيِّنٌ لك طائِرُه )
وقال السمهري في الحبس يحرض أخاه مالكا على ابني فائد
( فمن مُبلغٌ عنّي خلِيلَي مالكاً ... رسالة مشدود الوَثَاقِ غريبِ )
( ومن مبلغٌ حَزْماً وتَيْماً ومالكاً ... وأربابَ حامِي الحفر رهطِ شبيبِ )
( ليُبْكوا التي قالت بصحراء مَنْعِج ... لِيَ الشِّركُ يا بني فائدِ بن حبيب )
( أَتضرب في لحمي بسهم ولم يكن ... لها في سهام المسلمين نَصِيبُ )
وقال السمهري يرقق بني أسد
( تمنّتْ سُليمَى أن أَقِيلَ بأرضها ... وأَنّى لسَلْمَى ويْبَهَا ما تَمَنَّتِ )
( ألا ليتَ شعري هل أزورَنَّ ساجِراً ... وقد رَوِيَتْ ماءَ الغوادي وعلّت )
( بني أسد هل فيكمُ من هَوادةٍ ... فَتَغْفرَ إن كانتْ بي النعل زَلَّتِ )
وبنو تميم تزعم أن البيت لمرة بن محكان السعدي
(21/244)

وقال السمهري في الحبس يذم قومه
( لقد جمع الحدّادُ بين عِصابة ... تسائل في الأقياد ماذا ذُنوبُها )
( بمنزلة أمّا اللئيمُ فشَامِتٌ ... بها وكِرامُ القوم بادٍ شحوبُها )
( إذا حَرَسِيٌّ قَعقعَ البابَ أُرْعِدَتْ ... فرائصُ أقوامٍ وطارت قلوبُها )
( ألا ليتني من غير عُكْلٍ قبيلتي ... ولم أدرِ ما شُبَّانُ عُكلٍ وشِيبُها )
( قبيلة مَنْ لا يقرع البابَ وفدُها ... لخير ولا يَهْدي الصوابَ خطيبُها )
( نرى الباب لا نَسطيع شيئا وراءه ... كأَنّا قُنِيٌّ أسلَمْتها كُعوبُها )
( وإن تكُ عُكلٌ سرَّها ما أصابني ... فقد كنتُ مصبوباً على ما يَرِيبها )
وقال السمهري أيضا في الحبس
( ألا حيِّ ليلَى إذ ألَمَّ لِمامُها ... وكان مع القوم الأعادِي كلامُها )
( تعلَّلْ بليلَى إنما أنتَ هامَةٌ ... من الغد يدنو كلَّ يوم حِمامُها )
( وبادِرْ بليلَى أوجهَ الركب إنهم ... متى يرجعوا يَحْرُمْ عليك كلامها )
( وكيف ترجِّيها وقد حِيلَ دونها ... وأَقسم أَقوامٌ مَخوفٌ قِسَامُها )
( لأَجْتَنِبْنهَا أو لَيَبْتَدِرُنَّنِي ... ببيضٍ عليها الأَثْرُ فَعْمٌ كِلامُها )
( لقد طرقتْ ليلَى ورِجْلِي رهينةٌ ... فما راعني في السجن إلا لِمامها )
( فلمّا انتهبتُ للخيال الذي سرى ... إذا الأرضُ قَفْرٌ قد علاها قَتامُها )
(21/245)

( فإلاَّ تكن ليلَى طَوتْك فإَنه ... شبيهٌ بليلى حُسنُها وقوامُها )
( ألا ليتنَا نَحْيا جميعاً بغِبْطَةٍ ... وتَبلى عظامِي حين تبلى عِظامُها )
وقال أيضا
( ألا طرقتْ ليلَى وساقِي رَهينةٌ ... بأسمَر مشدودٍ عليّ ثقيلُ )
( فما البينُ يا سلْمى بأن تَشْحَطَ النّوى ... ولكنّ بيناً ما يُريد عقيلُ )
( فإن أنجُ منها أَنْجُ من ذي عظيمةٍ ... وإن تكن الأخرى فتلك سبيلُ )
وقال أيضا وهو طريد
( فلا تيأسَا من رحمةِ الله وانظُرا ... بوادي جَبُونَا أن تَهُبَّ شَمال )
( ولا تيأسا أن تُرْزَقا أريحِيّةً ... كعِينِ المها أعناقُهنّ طِوال )
( من الحارثِيِّينَ الذين دِماؤهم ... حَرامٌ وأما مالُهُم فحلال )
وقال أيضا
( ألم ترَ أنِّي وابنَ أبيضَ قد جفت ... بنا الأرضُ إلا أَنْ نَؤمَّ الفَيافيا )
( طَريديْن من حيَّيْنِ شتى أَشَدَّنا ... مخافَتُنا حتى نخلْنا التّصافيا )
( وما لُمْتُه في أمرِ حَزمٍ ونجدةٍ ... ولا لامني في مِرَّتِي واحتياليا )
(21/246)

( وقلتُ له إذْ حلّ يسقي ويَسْتَقي ... وقد كَان ضوءُ الصبح لِلَّيْلِ حاديا )
( لعمري لقد لاقت ركابُك مشْرَباً ... لئنْ هِيَ لم تَضْبَحْ عليهنَّ عاليا )
وأخذت طيء ببهدل ومروان أخيه أشد الأخذ وحبسوا فقالوا إن حبسنا لم نقدر عليهما ونحن محبوسون ولكن خلوا عنا حتى نتجسس عنهما فنأتيكم بهما وكانا تأبدا مع الوحش يرميان الصيد فهو رزقهما ولما طال ذلك على مروان هبط إلى راع فتحدث إليه فسقاه وبسطه حتى اطمأن إليه ولم يشعره أنه يعرفه فجعل يأتيه بين الأيام فلا ينكره فانطلق الراعي فأخبره باختلافه إليه فجاء معه الطلب وأكمنهم حتى إذا جاء مروان إلى الراعي كما كان يفعل سقاه وحدثه فلم يشعر حتى أطافوا به فأخذوه وأتوا به عثمان بن حيان أيضا عامل الوليد بن عبد الملك على المدينة فأعطى الذي دل عليه جعله وقتله
نهاية بهدل
وأما بهدل فكان يأوي إلى هضبة سلمى فبلغ ذلك سيدا من سلمى من طيء فقال قد أخيفت طيء وشردت من السهل من أجل هذا الفاسق الهارب فجاء حتى حل بأهله أسفل تلك الهضبة ومعه أهلات من قومه فقال لهم إنكم بعيني الخبيث فإذا كان النهار فليخرج الرجال من البيوت وليخلوا النساء فإنه إذا رأى ذلك انحدر إلى القباب وطلب الحاجة والعل فكانوا يخلون الرجال نهارا فإذا أظلموا ثابوا إلى رحالهم أياما فظن بهدل أنهم يفعلون ذلك لشغل يأتيهم فانحدر إلى قبة السيد وقد أمر النساء إن
(21/247)

انحدر إليكن رجل فإنه ابن عمكن فأطعمنه وادهن رأسه
وفي قبة السيد ابنتان له فسألهما من أنتما فأخبرتاه وأطعمتاه ثم انصرف فلما راح أبوهما أخبرتاه فقال أحسنتما إلى ابن عمكما فجعل ينحدر إليهما حتى اطمأن وغسلتا رأسه وفلتاه ودهنتاه فقال الشيخ لابنتيه أفلياه ولا تدهناه إذا أتاكما هذه المرة واعقدا خصل لمته إذا نعس رويدا بخمل القطيفة
ثم إذا شددنا عليه فاقلبا القطيفة على وجهه وخذا أنتما بشعره من ورائه فمدا به إليكما ففعلتا واجتمع له أصحابه فكروا إلى رحالهم قبل الوقت الذي كانوا يأتونها وشدوا عليه فربطوه فدفعوه إلى عثمان بن حيان فقتله فقالت بنت بهدل ترثيه
( فيَا ضَيْعةَ الفِتيانِ إذ يَعتِلونه ... ببطن الشّرى مثل الفنيق المسدّم )
( دعَا دعوة لما أَتى أرضَ مالك ... ومن لا يُجَبْ عند الحفيظة يُسلِم )
( أما كان في قيسٍ من ابن حفيظة ... من القوم طَلاَّبِ التِّرَات غَشمْشم )
( فيقتُل جَبراً بامرىءٍ لم يكن به ... بواءً ولكِنْ لا تكَايُلَ بالدم )
وكان دعا يا لمالك لينتزعوه فلم يجبه أحد
تساجل هو والكميت بن معروف
قال ولما قال عبد الرحمن بن دارة ابن عم سالم بن دارة هذه القصيدة
(21/248)

يحض عكلا على بني فقعس اعترض الكميت بن معروف الفقعسي فعيره بقتل سالم حين قتله زميل الفزاري فقال قوله
( فلا تُكثِروا فيه الضَّجاج فإَنه ... محا السيفُ ما قال ابنُ دارة أجمعا )
فقال عبد الرحمن بن دارة
( فيا راكباً إمّا عرضْتَ فبلّغَنْ ... مُغَلْغَلَةً عنّي القَبائلَ من عُكلِ )
( جلت حمماً عنها القِصَافُ وما جلتْ ... قُشَيْرٌ وفي الشّدَّاتِ والحرب ما يُجلي )
( فإِن يك باع الفَقعسِيُّ دِماءهَم ... بوَكسٍ فقد كانت دماؤكم تَغلِي )
( وكيف تنام الليلَ عُكلٌ ولم يكن ... لها قَوَدٌ بالسّمْهريّ ولا عَقْلُ )
( رمى اللهُ في أَكبَادِهم إِن نجتْ بها ... حروفُ القِنَانِ من ذليلٍ ومن وغلِ )
( وكنا حسِبْنَا فَقْعساً قبل هذه ... أذلّ على طول الهوان من النَّعل )
( فإن أنتمُ لم تثأَروا بأَخيكمُ ... فكونوا بَغايا للخَلُوق وللكُحل )
( وبيعوا الردينيّاتِ بالحلْيِ واقعدوا ... على الوِتْر وابتاعوا المغازلَ بالنَّبل )
( فإنّ الذي كانت تُجمجمُ فقْعَسٌ ... قتيلٌ بلا قَتْلَى وَتَبْلٌ بلا تَبْلِ )
( فلا سِلْمَ حتى تنحَطَ الخيلُ بالقنا ... وتُوقَدَ نارُ الحَرْب بالحَطَب الجَزْلِ )
فلما بلغ قوله مالكا أخا السمهري بخراسان انحط من خراسان حتى قدم بلاد عكل فاستجاش نفرا من قومه فعلقوا في أرض بني أسد يطلبون الغرة فوجدوا بثادق رجلا معه امرأة من فقعس فقتلوه وحزوا رأسه
(21/249)

وذهبوا بالرأس وتركوا جسده كما قتلوها أيضا وذكر لي أن الرجل ابن سعدة والمرأة التي كانت معه هي سعدة أمه فقال عبد الرحمن في ذلك
( مَا لقتيلِ فَقْعَسٍ لا رَأْسَ له ... هلاَّ سأَلْتَ فقْعساً من جَدّلَهْ )
( لا يتْبعنَّ فَقْعَسِيٌّ جملَهْ ... فرداً إذا ما الفقعسِيُّ أعملَه )
( لا يلقَيَنَّ قاتلاً فيقتلَه ... بسيفه قد سَمَّهُ وصقَلَهْ )
وقال عبد الرحمن أيضا
( لمَّا تمَالَى القومُ في رَأْدِ الضُّحَى ... نَظراً وقد لَمَعَ السّرابُ فجالا )
( نظر ابنُ سعْدةَ نظرةً ويَلاً لها ... كانت لصحبك والمطيِّ خَبالا )
( لَمْحاً رَأَى من فوقِ طودٍ يافعٍ ... بعضَ العُداة وجُنّة وظِلالا )
( عيَّرتَنِي طَلبَ الحُمُول وقد أَرَى ... لم آتهنَّ مكفِّفا بطَّالا )
( فانظر لنفسِكَ يابن سَعْدَةَ هل ترى ... ضبُعاً تجرُّ بثادِقٍ أَوْصالا )
( أوصالَ سَعْدَةَ والكميتِ وإنما ... كان الكُميتُ على الكُميت عِيالا )
وقال عبد الرحمن في ذلك
(21/250)

( أصبحتُمُ ثَكْلَى لِئاماً وأصبحتْ ... شياطينُ عُكْلٍ قد عَراهُنَّ فقْعَسُ )
( قَضَى مالكٌ ما قد قَضَى ثم قلّصت ... به في سواد الليل وجناءُ عِرْمُس )
( فأضحتْ بأَعلى ثادقٍ وكأنها ... مَحَالَةُ غَرْبٍ تستَمِرُّ وتمْرُس )
مقتله
وحدثني علي بن سليمان الأخفش أن بني أسد ظفرت بعبد الرحمن بن دارة بالجزيرة بعدما أكثر من سبهم وهجائهم وتآمروا في قتله فقال بعضهم لا تقتلوه ولتأخذوا عليه أن يمدحنا ونحسن إليه فيمحو بمدحه ما سلف من هجائه فعزموا على ذلك ثم إن رجلا منهم كان قد عضه بهجائه اغتفله فضربه بسيفه فقتله وقال في ذلك
( قُتِلَ ابنُ دارةَ بالجزيرةِ سَبَّنَا ... وزعمتَ أن سِبَابَنَا لا يَقْتُلُ )
قال علي بن سليمان وقد روي أنا البيت المتقدم
( فلا تُكثِروا فيه الضَّجاجُ فإَنه ... محا السيفُ ما قال ابنُ دارة أجمعا )
لهذا الشاعر الذي قتل ابن دارة وهو من بني أسد وهكذا ذكر السكري
صوت
( كِلانا يرى الجوزاءَ يا جُملُ إذ بدت ... ونَجْمَ الثريا والمزارُ بعيدُ )
(21/251)

( فكيف بكم يا جملُ أهلاً ودونكم ... بحورٌ يُقمِّصْن السّفينَ وبيدُ )
( إذا قلتُ قد حان القفول يَصُدُّنا ... سليمانُ عن أهوائنا وسعيد )
الشعر لمسعود بن خرشة المازني والغناء لبحر خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي
أخبار مسعود بن خرشة
حنينه إلى جارية عشقها
مسعود بن خرشة أحد بني حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم شاعر إسلامي بدوي من لصوص بني تميم قال أبو عمرو وكان مسعود بن خرشة يهوى امرأة من قومه من بني مازن يقال لها جمل بنت شراحيل أخت تمام بن شراحيل المازني الشاعر فانتجع قومها ونأوا عن بلادهم فقال مسعود
( كِلانا يرى الجوزاءَ يا جُملُ إذ بدت ... ونَجْمَ الثريا والمزارُ بعيدُ )
( فكيف بكم يا جملُ أهلاً ودونكم ... بحورٌ يُقمِّصْن السّفينَ وبيدُ )
( إذا قلتُ قد حان القفول يَصُدُّنا ... سليمانُ عن أهوائنا وسعيد )
قال أبو عمرو ثم خطبها رجل من قومها وبلغ ذلك مسعودا فقال
( أيا جملُ لا تشقَيْ بأَقْعَسَ حَنْكلٍ ... قليلِ النَّدى يسعى بكِير ومِحْلَب )
( له أعنزٌ حُوٌّ ثمانٍ كأَنما ... يراهنّ غُرّ الخيل أَو هُنّ أنجب )
(21/252)

أخبار مسعود بن خرشة
حنينه إلى جارية عشقها
مسعود بن خرشة أحد بني حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم شاعر إسلامي بدوي من لصوص بني تميم قال أبو عمرو وكان مسعود بن خرشة يهوى امرأة من قومه من بني مازن يقال لها جمل بنت شراحيل أخت تمام بن شراحيل المازني الشاعر فانتجع قومها ونأوا عن بلادهم فقال مسعود
( كِلانا يرى الجوزاءَ يا جُملُ إذ بدت ... ونَجْمَ الثّريَّا والمزارُ بعيدُ )
( فكيف بكم يا جُمْلُ أهلاً ودونَكم ... بُحورٌ يُقَمِّصْن السّفينَ وبيدُ )
( إذا قلتُ قد حان القفول يَصُدُّنا ... سليمانُ عن أهوائنا وسعيد )
قال أبو عمرو ثم خطبها رجل من قومها وبلغ ذلك مسعودا فقال
( أيا جملُ لا تشقَيْ بأَقْعَسَ حَنْكلٍ ... قليلِ النَّدى يسعى بكِير ومِحْلَب )
( له أعنزٌ حُوٌّ ثمانٍ كأَنما ... يراهنّ غُرّ الخيل أَو هُنّ أنجب )
(21/253)

وقال أبو عمرو وسرق مسعود بن خرشة إبلا من مالك بن سفيان بن عمرو الفقعسي هو ورفقاء له وكان معه رجلان من قومه فأتوا بها اليمامة ليبيعوها فاعترض عليهم أمير كان بها من بني أسد ثم عزل وولي مكانه رجل من بني عقيل فقال مسعود في ذلك
( يقول المرجفون أجاءَ عهدٌ ... كفى عهداً بتنفيذ القِلاصِ )
( أتى عهدُ الإمارة من عُقيلٍ ... أغرَّ الوجه رُكّب في النواصي )
( حُصونُ بني عُقيلٍ كلُّ عَضْبٍ ... إذا فَزِعوا وسابغةٍ دِلاصِ )
( وما الجارات عند المَحْل فيهم ... ولو كثر الروازحُ بالخِماصِ )
قال وقال مسعود وقد طلبه وإلي اليمامة فلجأ إلى موضع فيه ماء وقصب
( ألا ليت شِعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بوعثاءَ فيها للظباءِ مكانسُ )
( وهل أنجُوَنْ من ذي لَبِيدِ بن جابرٍ ... كأنَّ بناتِ الماء فيه المُجالس )
( وهل أسمعَنْ صوتَ القَطَا تندب القطا ... إلى الماء منه رابع وخوامس )
(21/254)

أخبار بحر ونسبه
هو بحر بن العلاء مولى بني أمية حجازي أدرك دولة بني هاشم وعمر إلى أيام الرشيد وقد هرم وكان له أخ يقال له عباس وأخوه بحر أصغر منه مات في أيام المعتصم وكان يلقب حامض الرأس وله صنعة وأقدمه الرشيد عليه ثم كرهه فصرفه
الرشيد يشرب على أصواته
حدثني جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال حدثني أحمد بن أبي خالد الأحول عن علي بن صالح صاحب المصلى
أن الرشيد سمع من علويه ومخارق وهما يومئذ من صغار المغنين في الطبقة الثالثة أصواتا استحسنها ولم يكن سمعها فقال لهما ممن أخذتما هذه الأصوات فقالا من بحر فاستعادها وشرب عليها ثم غناه مخارق بعد أيام صوتا لبحر فأمر بإحضاره وأمره أن يغني ذلك الصوت فغناه
(21/255)

فسمع الرشيد صوتا حائلا مرتعشا فلم يعجبه واستثقله لولائه لبني أمية فوصله وصرفه ولم يصل إليه بعد ذلك
صوت
( ألا يا لَقومي لِلنوائب والدّهر ... وللمرء يُردِي نفسه وَهْو لا يَدري )
( وللأرض كم من صالح قد تودّات ... عليه فوارتْهُ بلمّاعةٍ قَفرِ )
عروضه من الطويل قال الأصمعني يقال للرجل أو للقوم إذا دعوتهم يال كذا بفتح اللام وإذا دعوت للشيء قلت بالكسرة تقول يا للرجال ويا للقوم وتقول يا للغنيمة ويا للحادثة أي اعجلوا للغنيمة وللحادثة فكأنه قال يا قوم اعجلوا للغنيمة وروى الأصمعي وغيره مكان قد تودأت قد تلمأت عليه وتلاءمت أي وارته ويروى تأكمت أي صارت أكمة
الشعر لهدبة بن خشرم والغناء لمعبد ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق
أخبار هدبة بن خشرم ونسبه
وقصته في قوله هذا الشعر وخبر مقتله
هو هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حية بن الكاهن وهو سلمة بن أسحم بن عامر بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد بن هذيم وسعد بن هذيم شاعر من أسلم بن الحاف بن قضاعة ويقال بل هو سعد بن أسلم وهذيم عبد لأبيه رباه فقيل سعد بن هذيم يعني سعدا هذا
طبقته في الشعر
وهدبة شاعر فصيح متقدم من بادية الحجاز وكان شاعرا راوية كان يروي للحطيئة والحطيئة يروي لكعب بن زهير وكعب بن زهير يروي لأبيه زهير وكان جميل راوية هدبة وكثير راوية جميل فلذلك قيل إن آخر فحل اجتمعت له الرواية إلى الشعر كثير
وكان لهدبة ثلاثة إخوة كلهم شاعر حوط وسيحان والواسع أمهم حية بنت أبي بكر بن أبي حية من رهطهم الأدنين وكان شاعره أيضا
(21/256)

أخبار هدبة بن خشرم ونسبه
وقصته في قوله هذا الشعر وخبر مقتله
هو هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حية بن الكاهن وهو سلمة بن أسحم بن عامر بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد بن هذيم وسعد بن هذيم شاعر من أسلم بن الحاف بن قضاعة ويقال بل هو سعد بن أسلم وهذيم عبد لأبيه رباه فقيل سعد بن هذيم يعني سعدا هذا
طبقته في الشعر
وهدبة شاعر فصيح متقدم من بادية الحجاز وكان شاعرا راوية كان يروي للحطيئة والحطيئة يروي لكعب بن زهير وكعب بن زهير يروي لأبيه زهير وكان جميل راوية هدبة وكثير راوية جميل فلذلك قيل إن آخر فحل اجتمعت له الرواية إلى الشعر كثير
وكان لهدبة ثلاثة إخوة كلهم شاعر حوط وسيحان والواسع أمهم حية بنت أبي بكر بن أبي حية من رهطهم الأدنين وكانت شاعرة أيضا
(21/257)

وهذا الشعر يقوله هدبة في قتله زيادة بن زيد بن مالك بن عامر بن قرة ابن حنش بن عمرو بن عبد الله بن ثعلبة بن ذبيان بن الحارث بن سعد بن هذيم
أخبرني بالخبر في ذلك جماعة من شيوخنا فجمعت بعض روايتهم إلى بعض واقتصرت على ما لا بد منه من الأشعار وأتيت بخبرهما على شرح وألحقت ما نقص من رواية بعضهم عن رواية صاحبه في موضع النقصان
فممن حدثني به محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل العتكي تينة قال حدثنا خلف بن المثنى الحداني عن أبي عمرو المديني
وأخبرني الحسن بن يحيى ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر البوشنجي عن حماد بن إسحاق الموصلي عن أبيه
الحرب بين قومه بني عامر وقوم زيادة بن زياد
وأخبرني إبراهيم بن أيوب الصائغ عن ابن قتيبة
وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه عن عمه وقد نسبت إلى كل واحد منهم ما انفرد به من الرواية وجمعت ما اتفقوا عليه قال عيسى بن إسماعيل في خبره خاصة
كان أول ما هاج الحرب بين بني عامر بن عبد الله بن ذبيان وبين بني رقاش وهم بنو قرة بن حفش بن عمرو بن عبد الله بن ثعلبة بن ذبيان وهم
(21/258)

رهط زيادة بن زيد وبنو عامر رهط هدبة أن حوط بن خشرم أخا هدبة راهن زيادة بن زيد على جملين من إبلهما وكان مطلقهما من الغاية على يوم وليلة وذلك في القيظ فتزودوا الماء في الروايا والقرب وكانت أخت حوط سلمى بنت خشرم تحت زيادة بن زيد فمالت مع أخيها على زوجها فوهنت أوعية زيادة ففني ماؤه قبل ماء صاحبه فقال زيادة
( قد جعلت نَفْسِيَ في أَدِيم ... مُحَرّمِ الدّباغ ذِي هُزُومِ )
( ثمّ رَمَت بِي عُرُضَ الدّيْمومِ ... في بارحٍ من وَهَج السَّموم )
( عند اطّلاع وعرة النجوم ... )
قال اليزيدي في خبره المحرم الذي لم يدبغ والهزوم الشقوق
قال
وقال زيادة أيضا
( قد علِمَتْ سلمةُ بالعَميسِ ... ليلةَ مَرْمَارٍ وَمَرْمَرِيس )
( أَنَّ أَبَا المِسْور ذو شَرِيس ... يَشفي صُداع الأبلَج الدِّلْعِيس )
العميس موضع والمرمار والمرمريس الشدة والاختلاط وأبا المسور يعني زيادة نفسه وكانت كنيته أبا المسور
(21/259)

تبادل التشبيب بأختيهما
قال فكان ذلك أول ما أثبت الضغائن بينهما ثم إن هدبة بن خشرم وزيادة بن زيد اصطحبا وهما مقبلان من الشام في ركب من قومهما فكانا يتعاقبان السوق بالإبل وكان مع هدبة أخته فاطمة فنزل زيادة فارتجز فقال
( عُوجي علينا واربَعِي يا فاطمَا ... ما دون أَن يُرَى البَعيرُ قائمَا )
أي ما بين مناخ البعير إلى قيامه
( أَلاّ تَرين الدمع منّي ساجمَا ... حِذارَ دارٍ منك لن تُلائمَا )
( فَعرَّجَتْ مطَّرداً عُراهِمَا ... فَعْماً يبذّ القُطُف الرَّوَاسما )
مطرد متتابع السير وعراهم شديد وفعم ضخم والرسيم سير فوق العنق والرواسم الإبل التي تسير هذا السير الذي ذكرناه
( كأنَّ في المثْناة منه عائمَا ... إنّكَ والله لأَنْ تُبَاغِمَا )
المثناة الزمام وعائم سائح تباغم تكلم
( خَوْذاً كأّنّ البُوصَ والمآكما ... منا نقاً مُخالطٌ صَرائما )
البوص العجز والمأكمتان ما عن يمين العجز وشماله والنقا ما عظم من الرمل والصرائم دونه
( خيرٌ من استقبالك السَّمائمَا ... ومن مُنادٍ يبتغي مُعَاكِما )
(21/260)

ويروى ومن نداء أي رجل تناديه تبتغي أن يعينك على عكمك حتى تشده
فغضب هدبة حين سمع زيادة يرتجز بأخته فنزل فرجز بأخت زيادة وكانت تدعى فيما روى اليزيدي أم حازم وقال الآخرون أم القاسم فقال هدبة
( لقد أراني والغُلامَ الحازمَا ... نُزجِي المَطيَّ ضُمَّراً سَواهِما )
( متى تَظُنّ القُلُصَ الرّوَاسما ... والجِلّةَ النّاجيةَ العَيَاهِما )
العياهم الشداد
( يُبلِغْن أمَّ حازم وحازماً ... إذا هَبَطن مُسْتَحيراً قاتِمَا )
( ورجَّع الحادي لها الهَمَاهِمَا ... ألا تَريْنَ الحُزنَ مني دائمَا )
( حِذارَ دارٍ منك لن تُلائما ... والله لا يَشفي الفؤادَ الهائمَا )
( تَمساحُكَ اللَّبّاتِ والمآكمَا ... ولا الِلّمامُ دون أن تلازِمَا )
( ولا اللِثام دون أن تُفاقما ... ولا الفِقامُ دون أن تفاغمَا )
(21/261)

( وتعلو القوائم القوائما ... )
قال فشتمه زيادة وشتمه هدبة وتسابا طويلا فصاح بهما القوم اركبا لا حملكما الله فإنا قوم حجاج وخشوا أن يقع بينهما شر فوعظهما حتى أمسك كل واحد منهما على ما في نفسه وهدبة أشدهما حنقا لأنه رأي أن زيادة قد ضامه إذا زجر بأخته وهي تسمع قوله ورجز هو بأخته وهي غائبة لا تسمع قوله فمضيا ولم يتحاورا بكلمة حتى قضيا حجهما ورجعا إلى عشيرتهما
خبر عمه زفر وسبب غضب قومه
قال اليزيدي خاصة في خبره
ثم التقى نفر من بني عامر من رهط هدبة فيهم أبو جبر وهو رئيسهم الذي لا يعصونه وخشرم أبو هدبة وزفر عم هدبة وهو الذي بعث الشر وحجاج بن سلامة وهو أبو ناشب ونفر من بني رقاش رهط زيادة وفيهم زيادة بن زيد وإخوته عبدالرحمن ونفاع وأدرع بواد من أودية حرتهم فكان بينهم كلام فغضب ابن الغسانية وهو أدرع وكان زفر هدبة يعزى رجل من بني رقاش فقام له أدرع فزجر فقال
( أدُّوا إلينا زفرا ... نعرف منه النظرا )
( وعينه والأثر ... )
قال فغضب رهط هدبة وادعوا حدا على بني رقاش فتداعوا إلى السلطان ثم اصطلحوا على أن يدفع إليهم أدرعُ فيخلوا به نفر منهم فما رأوه عليه أمضوه فلما خلوا به ضربوه الحد ضربا مبرحا فراح بنو رقاش وقد
(21/262)

أضمروا الحرب وغضبوا فقال عبد الرحمن بن زيد
( ألا أَبلغ أبا جَبْرٍ رسولاً ... فما بيني وبينكُم عِتابُ )
( ألم تعلم بأنَّ القوم راحوا ... عشيةَ فارقوك وهم غِضابُ )
فأجابه الحجاج بن سلامة فقال
( إن كان ما لاقى ابنُ كنعاء مُرغِماً ... رقاشَ فزاد اللهُ رَغْما سِبالَهما )
( منعنا أخانا إذ ضربنا أخاكُم ... وتلك من الأعداء لا مِثْلَ مالها )
هدبة وزيادة يتهاديان الأشعار
قال اليزيدي في خبره وجعل هدبة وزيادة يتهاديان الأشعار ويتفاخران ويطلب كل واحد منهما العلو على صاحبه في شعره وذكر أشعارا كثيرة فذكرت بعضها وأتيت بمختار ما فيه فمن ذلك قول زيادة في قصيدة أولها
( أراك خليلاً قد عزمت التّجنبا ... وقطَّعتَ حاجاتِ الفؤاد فأصحبا )
اخترت منها قوله
( وأنك للناس الخليلُ إذا دنتْ ... به الدارُ والباكي إذا ما تغيَّبا )
( وقد أعذَرَتْ صرفُ الليالي بأهلها ... وشَحْطُ النَّوَى بيني وبينك مَطلبا )
( فلا هي تأْلو ما نأَتْ وتباعَدَتْ ... ولا هو يأْلُو ما دنا وتقرَّبا )
( أطعتُ بها قول الوشاة فلا أرى الوشاةَ ... انتهوا عنه ولا الدهرَ أُعتبا )
(21/263)

( فهلاّ صَرمْتِ والحبالُ متينةٌ ... أُميمةُ إن واشٍ وشى وتكذَّبا )
( إذا خفتَ شكَّ الأمرِ فارمِ بعزمة ... غَيَابَتَه يركب بك الدهرُ مركبا )
( وإن وِجهةٌ سُدَّتْ عليك فُرُوجُها ... فأنّك لاقٍ لا محالة مذهبا )
( يُلامُ رجالٌ قبل تجريبِ غَيْبِهم ... وكيف يُلام المرءُ حتى يُجرَّبا )
( وإنّي لمِعراضٌ قليلٌ تعرُّضي ... لوجه امرىء يوماً إذا ما تجنَّبا )
( قليلٌ عِثَاري حين أُذعَرُ ساكنٌ ... جَناني إذا ما الحرب هرَّت لتكْلَبا )
( بحسبك ما يأتيك فاجمع لنازل ... قِراهُ ونَوِّبْه إذا ما تنوّبا )
( ولا تَنتجِع شَرًّا إذا حيل دونه ... بِسِتْرٍ وهَبْ أسبابَه ما تهيّبا )
( أنا ابن رَقاشٍ وابنُ ثعلبةَ الذي ... بنى هادياً يعلو الهواديَ أغلبا )
( بنَى العِزُّ بنياناً لقومي فما صَعُوا ... بأَسيافهم عنه فأَصبح مُصعَبا )
( فما إنْ ترى في الناس أُماً كأُمِّنا ... ولا كأبينا حين ننسبُهُ أَبا )
( أَتمَّ وأَنمى بالبنين إلى العلا ... وأَكرمَ منا في المناصب مَنصَبا )
( مَلَكنا ولم نُملَكْ وقُدْنا ولم نُقَدْ ... كأَنَّ لنا حقاً على الناس تُرتَبا )
قال اليزيدي ترتب ثابت لازم
( بآيةِ أنّا لا نرى مُتَتَوِّجاً ... من الناسِ يعلونا إذا ما تعصّبا )
( ولا مِلكاً إلا اتّقانا بمُلكه ... ولا سُوقةً إلا على الخَرْج أُتعِبا )
( ملكنا ملوكاً واستبحْنا حِماهُم ... وكنّا لهم في الجاهلية موكِبا )
(21/264)

( ندامى وأردافاً فلم تَرَ سُوقةً ... توازننا فاسأَل إياداً وتَغلِبا )
فأجابه هدبة وهذا مختار ما فيها فقال
( تَذَكَّرَ شَجواً من أُميمةَ مُنصِبا ... تليداً ومُنتاباً من الشوق مُجْلِبا )
( تَذَكّرَ حبًّا كان في مَيْعة الصِّبا ... ووجداً بها بعد المشيب مُعتِّبا )
( إذا كادَ ينساها الفؤادُ ذكرتُها ... فيا لكِ ما عَنّى الفؤادَ وعذَّبا )
( غَدَا في هواها مستكيناً كأَنه ... خليعُ قِداحٍ لم يجد مُتنشَّبا )
( وقد طال ما عُلِّقْتَ ليلى مُغَمّرا ... وليدا إلى أن صار رأْسُكَ أشْيَبا )
- المغمر الغمر أي غير حدث -
( رأيتك في لَيلَى كذي الدَّاءِ لم يجد ... طبيباً يداوِي ما به فَتَطَبَّبا )
( فلما اشتفى مما به كرَّ طِبُّه ... على نفسه من طول ما كان جرَّبا )
قتل زيادة وتنحى ثم استسلم
فلم يزل هدبة يطلب غرة زيادة حتى أصابها فبيته فقتله وتنحى مخافة السلطان وعلى المدينة يومئذ سعيد بن العاص فأرسل إلى عم هدبة وأهله فحبسهم بالمدينة فلما بلغ هدبة ذلك أقبل حتى أمكن من نفسه وتخلص عمه وأهله فلم يزل محبوسا حتى شخص عبد الرحمن بن زيد أخو زيادة إلى معاوية فأورد كتابه إلى سعيد بأن يقيد منه إذا قامت البينة
(21/265)

فأقامها فمشت عذرة إلى عبد الرحمن فسألوه قبول الدية فامتنع وقال
صوت
( أَنختُم علينا كَلْكَلَ الحرب مُرَّة ... فنحن مُنيخُوها عليكم بكلكَلِ )
( فلا يدْعُني قومي لزيدِ بن مالك ... لئن لم أُعجِّل ضربةً أو أعجَّل )
( أبعد الذي بالنَّعْف نعفِ كُوَيْكِبٍ ... رهينةِ رمسٍ ذي تراب وجندلِ )
( كريمٌ أصابته دياتٌ كثيرة ... فلم يدر حتى حين من كل مدخل )
( أُذكَّر بالبُقْيا على من أَصابني ... وبُقيايَ أّني جاهدٌ غيرُ مؤتلِي ... )
غناه ابن سريج رملا بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وقيل إنه لمالك بن أبي السمح وله فيه لحن آخر
رجع الخبر إلى سياقته
سعيد بن العاص يحكم معاوية في أمر هدبة
وأما علي بن محمد النوفلي فذكر عن أبيه أن سعيد بن العاص كره الحكم بينهما فحملهما إلى معاوية فنظر في القصة ثم ردها إلى سعيد وأما غيره فذكر أن سعيدا هو الذي حكم بينهما من غير أن يحملهما إلى معاوية
قال علي بن محمد عن أبيه
فلما صاروا بين يدي معاوية قال عبد الرحمن أخو زيادة له يا أمير المؤمنين أشكو إليك مظلمتي وما دفعت إليه وجرى علي وعلى أهلي وقرباي
(21/266)

وقتل أخي زيادة وترويع نسوتي فقال له معاوية يا هدبة قل فقال إن هذا رجل سجاعة فإن شئت أن أقص عليك قصتنا كلاما أو شعرا فعلت قال لا بل شعرا فقال هدبة هذه القصيدة ارتجالا
( أَلا يا لقَومي لِلنّوائب والدّهر ... ولِلمرء يُردِي نفسه وهُو لا يدرِي )
( ولِلأرض كم من صالحٍ قد تأَكَّمَت ... عليه فوارتْهُ بلمّاعةٍ قَفْر )
( فلا تتّقي ذا هَيْبة لجلاِله ... ولا ذا ضياعٍ هنّ يُتْركْن للفقرِ )
حتى قال
( رُمِينا فَرامَينا فصادف رَمْيُنا ... مَنايا رجالٍ في كتابٍ وفي قَدْر )
( وأنت أميرُ المؤمنين فما لنا ... وراءك من مَعدىً ولا عنك من قَصْر )
( فإن تك في أموالنا لم نَضِق بها ... ذِراعاً وإن صبرٌ فنصبِرُ للصّبر )
فقال له معاوية أراك قد أقررت بقتل صاحبهم ثم قال لعبد الرحمن هل لزيادة ولد قال نعم المسور وهو غلام صغير لم يبلغ وأنا عمه وولي دم أبيه فقال إنك لا تؤمن على أخذ الدية أو قتل الرجل بغير حق والمسور أحق بدم أبيه فرده إلى المدينة فحبس ثلاث سنين حتى بلغ المسور
جميل بن معمر يزوره في السجن ويهديه
أخبرني الحرمي بن العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال نسخت من كتاب عامر بن صالح قال
(21/267)

دخل جميل بن معمر العذري على هدبة بن خشرم السجن وهو محبوس بدم زيادة بن زيد وأهدى له بردين من ثياب كساه إياها سعيد بن العاص وجاءه بنفقة فلما دخل إليه عرض ذلك عليه وسأله أن يقبله منه فقال له هدبة أأنت يا بن معمر الذي تقول
( بني عامرٍ أنَّى انتجعْتُم وكنتُم ... إذا عُدِّد الأقوامُ كالخُصْية الفرد )
أما والله لئن خلص الله لي ساقي لأمدن لك مضمارك خذ برديك ونفقتك فخرج جميل فلما بلغ باب السجن خارجا قال اللهم أغن عني أجدع بني عامر قال وكانت بنو عامر قد قلت فحالفت لإياد
قال أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني
فقالت أم هدبة فيه لما شخص إلى المدينة فحبس بها
( أَيا إخوتي أهلَ المدينة أكرموا ... أسيركُمُ إن الأسيرَ كريمُ )
( فَرُبَّ كريمٍ قد قَرَاه وضافَه ... ورُبَّ أمورٍ كلُّهن عظيمُ )
( عَصَى جلُّهَا يوماً عليه فراضَه ... من القوم عَيّافٌ أشمُّ حليمُ )
فأرسل هدبة العشيرة إلى عبد الرحمن في أول سنة فكلموه فاستمع منهم ثم قال
( أَبعْدَ الذي بالنَّعف نعفِ كُويْكِبِ ... رهينةِ رمسٍ ذي تُراب وجندَلِ )
( أُذكِّر بالبُقْيا على مَنْ أصابني ... وبُقْيَايَ أني جاهدٌ غيرُ مُؤْتلي )
فرجعوا إلى هدبة بالأبيات فقال لم يوئسني بعد فلما كانت السنة
(21/268)

الثالثة بلغ المسور فأرسل هدبة إلى عبد الرحمن من كلمه فأنصت حتى فرغوا ثم قام عنه مغضبا وأنشأ يقول
( سأَكْذِب أَقواماً يقولون إنَّني ... سآخذُ مالاً من دم أنا ثائرُهْ )
( فبِاسْت امرىءٍ واسْتِ التي زَحَرت به ... يسوق سَواماً من أخٍ هو واترُهْ )
ونهض فرجعوا إلى هدبة فأخبروه الخبر فقال الآن أيست منه وذهب عبد الرحمن بالمسور وقد بلغ إلى والي المدينة وهو سعيد بن العاص وقيل مروان بن الحكم فأخرج هدبة
لقاؤه الأخير بزوجته
قالوا فلما كان في الليلة التي قتل في صباحها أرسل إلى امرأته وكان يحبها إيتيني الليلة أستمتع بك وأعودك فأتته في اللباس والطيب فصارت إلى رجل قد طال حبسه وأنتنت في الحديد رائحته فحادثها وبكى وبكت ثم راودها عن نفسها وطاوعته فلما علاها سمعت قعقعة الحديد فاضربت تحته فتنحى عنه وأنشأ يقول
( وأدْنَيْتِني حتى إذا ما جعلتِني ... لَدَى الخصْر أو أدنَى استقَلَّك راجفُ )
( فإِن شئتُ والله انتهيتُ وإنّني ... لئلا ترَيْني آخرَ الدهر خائفُ )
( رأت ساعدَيْ غُولٍ وتحت ثيابه ... جآجىء يدْمَى حدُّها وَالحراقفُ )
ثم قال الشعر حتى أتى عليه وهو طويل جدا وفيه يقول
(21/269)

صوت
( فلم تَرَ عيني مثلَ سربٍ رأيتُهُ ... خرجْنَ علينا من زقاق ابنِ وَاقفِ )
( تضمَّخْن في الجاديِّ حتى كأنَّما الأنوفُ ... إذا استَعْرَضْتَهُنّ رَوَاعِف )
( خرجن بأَعناق الظباء وأعينُ الجآذِر ... وَارتجَّت لهن السَّوالف )
( فلو أنّ شيْئاً صاد شيئاً بطَرفه ... لصِدْن ظباء فوقهنَّ المطارفُ )
غنى فيه الغريض رملا بالبنصر من رواية حبش وفيه لحن خفيف ثقيل وذكر إسحاق أن فيه لحنا ليونس ولم يذكر طريقته في مجرده
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير عن عمه قال
مر أبو الحارث جمين يوما بسوق المدينة فخرج عليه رجل من زقاق ابن واقف بيده ثلاث سمكات قد شق أجوافها وقد خرج شحمها فبكى أبو الحارث ثم قال تعس الذي يقول
( فلم تَرَ عيني مثلَ سربٍ رأيتُهُ ... خرجْنَ علينا من زقاق ابنِ وَاقفِ )
وانتكس ولا انجبر والله لهذه السمكات الثلاث أحسن من السرب الذي وصف
وأحسب أن هذا الخبر مصنوع لأنه ليس بالمدينة زقاق يعرف بزقاق ابن واقف ولا بها سمك ولكن رويت ما روي
(21/270)

حذف 271
(21/271)

شعره في حبّى امرأة مالك
وقال حماد بن إسحاق عن أبيه أن ابن كناسة قال
مر بهدبة على حبى فقالت في سبيل الله شبابك وجلدك وشعرك وكرمك فقال هدبة
( تَعَجَّبُ حُبَّى من أَسيرٍ مُكبّلٍ ... صَلِيبِ العَصَا باقٍ على الرّسَفَانِ )
( فلا تَعْجَبي مِنِّي حَليلَة مالكٍ ... كذلك يأْتي الدهرُ بالحدَثانِ )
وقال النوفلي عن أبيه
فلما مضي به من السجن للقتل التفت فرأى امرأته وكانت من أجمل النساء فقال
( أَقِلِّي عليّ اللَّومَ يا أُمَّ بَوزَعا ... ولا تَجْزَعي ممّا أصَابَ فأَوجعا )
( ولا تنْكَحي إن فرّق الدهرُ بيننا ... أغَمّ القفا والوجه ليس بأنْزَعا )
( كَليلاً سوى ما كان من حَدّ ضِرْسه ... أُكَيْبِدَ مِبْطانَ العَشِيّاتِ أرْوَعا )
( ضَروباً بلَحْييه على عَظم زَوره ... إذا الناس هَشُّوا للفَعال تَقنَّعا )
( وحُلِّي بذي أُكرومة وحَمِيّةٍ ... وَصبْرٍ إذا ما الدهر عَضَّ فأَسرعا )
يذكر شرط زوجته في الزواج بعد موته
وقال حماد عن أبيه عن مصعب بن عبد الله قال
لما أخرج هدبة من السجن ليقتل جعل الناس يتعرضون له ويخبرون صبره ويستنشدونه فأدركه عبد الرحمن بن حسان فقال له يا هدبة
(21/271)

أتأمرني أن أتزوج هذه بعدك يعني زوجته وهي تمشي خلفه فقال نعم إن كنت من شرطها قال وما شرطها قال قد قلت في ذلك
( فلاَ تنْكَحِي إن فرَّق الدهرُ بيننا ... أغَمّ القفا والوجهِ ليس بأنْزَعا )
( وكُوني حَبيساً أو لأروعَ ماجدٍ ... إذا ضَنَّ أعشاشُ الرِّجالِ تَبرَّعا )
فمالت زوجته إلى جزار وأخذت شفرته فجدعت بها أنفها وجاءته تدمى مجدوعة فقالت أتخاف أن يكون بعد هذا نكاح قال فرسف في قيوده وقال الآن طاب الموت
وقال النوفلي عن أبيه
إنها فعلت ذلك بحضرة مروان وقالت له إن لهدبة عندي وديعة فأمهله حتى آتيه بها قال أسرعي فإن الناس قد كثروا وكان جلس لهم بارزا عن داره فمضت إلى السوق فانتهت إلى قصاب وقالت أعطني شفرتك وخذ هذين الدرهمين وأنا أردها عليك ففعل فقربت من حائط وأرسلت ملحفتها على وجهها ثم جدعت أنفها من أصله وقطعت شفتيها ثم ردت الشفرة وأقبلت حتى دخلت بين الناس وقالت يا هدبة أتراني متزوجة بعد ما ترى قال لا الآن طابت نفسي بعد بالموت ثم خرج يرسف في قيوده فإذا هو بأبويه يتوقعان الثكل فهما بسوء حال فأقبل عليهما وقال
( أَبلِياني اليومَ صبرًا منكما ... إنّ حُزْناً إن بدا بادىءُ شرْ )
( لا أُراني اليومَ إلا ميِّتاً ... إنّ بعدَ الموت دارَ المستَقَرْ )
( اصبِرَا اليوم فإني صابرٌ ... كلُّ حَيٍّ لقَضاء وقَدرْ )
(21/272)

زوجته تنكثت بعهدها
قال النوفلي فحدثني أبي قال
حدثني رجل من عذرة عن أبيه قال إني لببلادنا يوما في بعض المياه فإذا أنا بامرأة تمشي أمامي وهي مدبرة ولها خلق عجيب من عجز وهيئة وتمام جسم وكمال قامة فإذا صبيان قد اكتنفاها يمشيان قد ترعرعا فتقدمتها والتفت إليها فإذا هي أقبح منظر وإذا هي مجدوعة الأنف مقطوعة الشفتين فسألت عنها قيل لي هذه امرأة هدبة تزوجت بعده رجلا فأولدها هذين الصبيين
قال ابن قتيبة في حديثه
فسأل سعيد بن العاص أخا زيادة أن يقبل الدية عنه قال أعطيك ما لم يعطه أحد من العرب أعطيك مائة ناقة حمراء ليس فيها جداء ولا ذات داء فقال له والله لو نقبت لي قبتك هذه ثم ملأتها لي ذهبا ما رضيت بها من دم هذا الأجدع فلم يزل سعيد يسأله ويعرض عليه فيأبى ثم قال له والله لو أردت قبول الدية لمنعني قوله
( لنَجدَعَنّ بأَيدينا أُنوفَكم ... ويذهبُ القتلُ فيما بيننا هَدَرا )
فدفعه حينئذ لقتله بأخيه
تعريضه بحبي في طريقه إلى الموت
قال حماد وقرأت على أبي عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال
ومر هدبة بحبى فقالت له كنت أعدك في الفتيان وقد زهدت فيك اليوم لأني لا أنكر أن يصبر الرجال على الموت لكن كيف تصبر عن
(21/273)

هذه فقال أما والله إن حبي لها لشديد وإن شئت لأصفن لك ذلك ووقف الناس معه فقال
( َوجِدت بها ما لم تَجِد أُمّ واحدٍ ... ولا وجدُ حُبّى بابن أُمّ كِلابِ )
( رأَته طويل السّاعدين شمَرْدَلاً ... كما تَشْتَهي من قوة وشباب )
فانقمعت داخلة إلى بيتها فأغلقت الباب دونه قالوا فدفع إلى أخي زيادة ليقتله قال فاستأذن في أن يصلي ركعتين فأذن له فصلاهما وخفف ثم التفت إلى من حضر فقال لولا أن يظن بي الجزع لأطلتهما فقد كنت محتاجا إلى إطالتهما ثم قال لأهله إنه بلغني أن القتيل يعقل ساعة بعد سقوط راسه فإن عقلت فإني قابض رجلي وباسطها ثلاثا ففعل ذلك حين قتل وقال قبل أن يقتل
( إنْ تقتُلوني في الحديد فإنني ... قتلتُ أخاكم مُطْلقاً لم يُقَيّد )
فقال عبد الرحمن أخو زيادة والله لا قتلته إلا مطلقا من وثاقه فأطلق له فقام إليه وهز السيف ثم قال
( قد علِمْتُ نفسي وأنت تعلمُهْ ... لأقتلَنَّ اليومَ من لا أَرحمُهْ )
ثم قتله
فقال حماد في روايته
ويقال إن الذي تولى قتله ابنه المسور دفع إليه عمه السيف وقال له قم فاقتل قاتل أبيك فقام فضربه ضربتين قتله فيهما
(21/274)

هو أول من أقيد منه في الإسلام
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي قال
بلغني أن هدبة أول من أقيد منه في الإسلام
قال أحمد بن الحارث الخراز قال المدائني
مرت كاهنة بأم هدبة وهو وأخوته نيام بين يديها فقالت يا هذه إن الذي معي يخبرني عن بنيك هؤلاء بأمر قالت وما هو قالت أما هدبة وحوط فيقتلان صبرا وأما الواسع وسيحان فيموتان كمدا فكان كذلك
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي أخبرك مروان بن أبي حفصة قال
كان هدبة أشعر الناس منذ يوم دخل السجن إلى أن أقيد منه قال الخراز عن المدائني قال واسع بن خشرم يرثي هدبة لما قتل
( يا هُدْبَ يا خيْرَ فتيان العشيرةِ مَنْ ... يُفْجَعْ بمثلك في الدّنيا فقد فُجِعَا )
( الله يعلم أنّي لو خشيتهمُ ... أو أَوجسَ القلبُ من خوفٍ لهم فزعا )
( لم يقتلوه ولم أُسلِم أخي لهمُ ... حتى نَعيش جَمِيعاً أو نَمُوت معا )
وهذه الأبيات تمثل بها إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم لما بلغه قتل أخيه محمد
(21/275)

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال
حدثني مصعب الزبيري قال
كنا بالمدينة أهل البيوتات إذا لم يكن عند أحدنا خبر هدبة وزيادة وأشعارهما ازدريناه وكنا نرفع من قدر أخبارهما وأشعارهما ونعجب بها
كان جميل بن معمر راوية هدبة
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال أخبرني محمد بن الحسن الأحول عن رواية من الكوفيين قالوا
كان جميل بن معمر العذري راوية هدبة وكان هدبة راوية الحطيئة وكان الحطيئة راوية كعب بن زهير وأبيه
حدثني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال
حدثني أبو المغيرة محمد بن إسحاق قال حدثني أبو مصعب الزبيري قال حدثني المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه قال
بعث هدبة بن خشرم إلى عائشة زوج النبي يقول لها استغفري لي فقالت إن قتلت استغفرت لك
صوت
( أَلم تَرَ أنّي يومَ جوِّ سُوَيْقَةٍ ... بكيتُ فنادتني هُنيدةُ ماليَا )
( فقلتُ لها إنّ البكاء لراحةٌ ... به يشتفي مَنْ ظَنّ أن لا تلاقيا )
( قِفي ودّعينا يا هُنَيْدَ فإنّني ... أرى القوم قد شاموا العَقِيقَ اليمانيا )
(21/276)

ويروى أرى الركب قد شاموا -
( إذا اغرورقت عَيناي أسبَلَ نهما ... الى أن تغيب الشِّعْريان بكائيا )
الشعر للفرزدق من قصيدة يهجو بها جريرا وهي فيما قيل أول قصيدة هجاه بها والغناء لابن سريج خفيف ثقيل عن الهشامي قال الهشامي وفيه لمالك ثقيل أول وابتداء اللحنين جميعا
( ألم تر أني يوم جوّ سُوَيْقَة ... )
ولعلوية فيه لحن من الرمل المطلق ابتداؤه
( قِفي ودّعينا يا هُنَيْدَ فإنّني ... )
(21/277)

نسب الفرزدق وأخباره وذكر مناقضاته
الفرزدق لقب غلب عليه وتفسيره الرغيف الضخم الذي يجففه النساء للفتوت وقيل بل هو القطعة من العجين التي تبسط فيخبز منها الرغيف شبه وجهه بذلك لأنه كان غليظا جهما واسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك ابن حنظلة بن زيد مناة بن تميم
قال أبو عبيدة اسم دارم بحر واسم أبيه مالك عوف ويقال عرف وسمي دارم دارما لأن قوما أتوا أباه مالكا في حمالة فقال له قم يا بحر فأتني بالخريطة - يعني خريطة كان له فيها مال - فحملها يدرم عنها ثقلا والدرمان تقارب الخطو فقال لهم جاءكم يدرم بها فسمي دارما وسمي أبوه مالك عرفا لجوده
وأم غالب ليلى بنت حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع
وكان للفرزدق أخ يقال له هميم ويلقب الأخطل ليست له نباهة فأعقب ابنا يقال له محمد فمات والفرزدق حي فرثاه وخبره يأتي بعد وكان للفرزدق من الولد خبطة ولبطة وسبطة هؤلاء المعروفون وكان له غيرهم فماتوا ولم يعرفوا وكان له بنات خمس أو ست
(21/278)

وأم الفرزدق - فيما ذكر أبو عبيدة - لينة بنت قرظة الضبية
كان يقال لجده صعصعة محيي الموءودات
وكان يقال لصعصعة محيي الموؤودات وذلك أنه كان مر برجل من قومه وهو يحفر بئرا وامرأته تبكي فقال لها صعصعة ما يبكيك قالت يريد أن يئد ابنتي هذه فقال له ما حملك على هذا قال الفقر قال فإني أشتريها منك بناقتين يتبعهما أولادهما تعيشون بألبانهما ولا تئد الصبية قال قد فعلت فأعطاه الناقتين وجملا كان تحته فحلا وقال في نفسه إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب فجعل على نفسه ألا يسمع بموءودة إلا فداها فجاء الإسلام وقد فدى ثلثمائة موءودة وقيل أربعمائة
أخبرني بذلك هاشم بن محمد الخزاعي عن دماذ عن أبي عبيدة
وأخبرني بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيدي وعلي بن سليمان الأخفش قالا حدثنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة عن عقال بن شبة قال قال صعصعة
خرجت باغيا ناقتين لي فارقتين - والفارق التي تفرق إذا ضربها المخاض فتند على وجهها حتى تنتج - فرفعت لي نار فسرت نحوها وهممت بالنزول فجعلت النار تضيء مرة وتخبو أخرى فلم تزل تفعل ذلك حتى قلت اللهم لك علي إن بلغتني هذه النار ألا أجد أهلها يوقدون لكربة يقدر أحد من الناس أن يفرجها إلا فرجتها عنهم قال فلم أسر إلا قليلا حتى أتيتها فإذا حي من بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم وإذا
(21/279)

أنا بشيخ حادر أشعر يوقدها في مقدم بيته والنساء قد اجتمعن إلى امرأة ماخض قد حبستهن ثلاث ليال فسلمت فقال الشيخ من أنت فقلت أنا صعصعة بن ناجية بن عقال قال مرحبا بسيدنا ففيم أنت يابن أخي فقلت في بغاء ناقتين لي فارقتين عمي على أثرهما فقال قد وجدتهما بعد أن أحيا الله بهما أهل بيت من قومك وقد نتجناهما وعطفت إحداهما على الأخرى وهما تانك في أدنى الإبل قال قلت ففيم توقد نارك منذ الليلة قال أوقدها لامرأة ماخض قد حبستنا منذ ثلاث ليال وتكلمت النساء فقلن قد جاء الولد فقال الشيخ إن كان غلاما فوالله ما أدري ما أصنع به وإن كانت جارية فلا أسمعن صوتها - أي اقتلنها - فقلت يا هذا ذرها فإنها ابنتك ورزقها على الله فقال اقتلنها فقلت أنشدك الله فقال إني أراك بها حفيا فاشترها مني فقلت إني أشتريها منك فقال ما تعطيني قلت أعطيك إحدى ناقتي قال لا قلت فأزيدك الأخرى فنظر إلى جملي الذي تحتي فقال لا إلا أن تزيدني جملك هذا فإني أراه حسن اللون شاب السن فقلت هو لك والناقتان على أن تبلغني أهلي عليه قال قد فعلت فابتعتها منه بلقوحين وجمل وأخذت عليه عهد الله وميثاقه ليحسنن برها وصلتها ما عاشت حتى تبين منه أو يدركها الموت فلما برزت من عنده حدثتني نفسي وقلت إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب فآليت ألا يئد أحد بنتا له إلا اشتريتها منه بلقوحين وجمل فبعث الله عز و جل محمدا وقد أحييت مائة موءودة إلا أربعا ولم يشاركني في ذلك أحد حتى أنزل الله تحريمه في القرآن وقد فخر بذلك الفرزدق في عدة قصائد من شعره ومنها قصيدته التي أولها
(21/280)

( أبِي أحدُ الغَيْثيْن صعصعةُ الذي ... متى تُخْلفِ الجوزاءُ والدّلْوُ يُمْطِرِ )
( أَجارَ بناتِ الوائدِينَ ومن يُجِرْ ... على الفقر يُعْلمْ أنه غيرُ مُخْفِر )
( على حينَ لا تحيا البناتُ وإذ هُمُ ... عكوف على الأصنام حول المدَوَّرِ )
- المدور يعني الدوار الذي حول الصنم وهو طوافهم -
( أنا ابن الذي ردّ المنيةَ فضلُهُ ... فما حسبٌ دافعتُ عنه بمُعْوِرِ )
( وفارقِ ليلٍ من نساء أتت أبي ... تُمارس ريحاً ليلُها غير مُقْمِر )
( فقالت أَجِرْ لي ما ولدتُ فإنني ... أتيتك من هزلَى الحَمولةِ مُقْتِر )
( هِجفٌّ من العُثْو الرؤوس إذا بدت ... له ابنةُ عامٍ يحطم العظم منكر )
( رأى الأرضَ منها راحةً فرمى بها ... إلى خُدَدٍ منها إلى شرّ مخفر )
( فقال لها فِيئي فإني بذمتي ... لبنتك جارٌ من أبيها القَنَوَّر )
إسلام أبيه على يد الرسول
ووفد غالب بن صعصعة إلى النبي فأسلم وقد كان وفده أبوه صعصعة إلى النبي فأخبره بفعله في الموءودات فاستحسنه وسأله هل له في ذلك من أجر قال نعم فأسلم وعمر غالب حتى لحق أمير المؤمنين
(21/281)

عليا صلوات الله عليه بالبصرة وأدخل إليه الفرزدق وأظنه مات في إمارة زياد وملك معاوية
أخبرني محمد بن الحسين الكندي وهاشم بن محمد الخزاعي وعبد العزيز بن أحمد عم أبي قالوا حدثنا الرياشي قال حدثنا العلاء بن الفضل ابن عبد الملك بن أبي سوية قال حدثني عقال بن كسيب أبو الخنساء العنبري قال حدثني الطفيف بن عمرو الربعي عن ربيعة بن مالك بن حنظلة عن صعصعة بن ناجية المجاشعي جد الفرزدق قال
قدمت على النبي فعرض علي الإسلام فأسلمت وعلمني آيات من القرآن فقلت يا رسول الله إني عملت أعمالا في الجاهلية هل لي فيها من أجر فقال وما عملت فقلت إني أضللت ناقتين لي عشراوين فخرجت أبغيهما على جمل فرفع لي بيتان في فضاء من الأرض فقصدت قصدهما فوجدت في أحدهما شيخا كبيرا فقلت له هل أحسست من ناقتين عشراوين قال وما نارهما - يعني السمة - فقلت ميسم بني دارم فقال قد أصبت ناقتيك ونتجناهما وظأرتا على أولادهما ونعش الله بهما أهل بيت من قومك من العرب من مضر فبينا هو يخاطبني إذ نادته امرأة من البيت الآخر قد ولدت فقال وما ولدت إن كان غلاما فقد شركنا في قوتنا وإن كانت جارية فادفنوها فقالت هي جارية أفأئدها فقلت وما هذا المولود قالت بنت لي فقلت إني أشتريها منك فقال يا أخا بني تميم أتقول لي أتبيعني ابنتك وقد أخبرتك أني من العرب من مضر فقلت إني لا أشتري منك رقبتها إنما أشتري دمها لئلا تقتلها فقال وبم تشتريها فقلت بناقتي هاتين وولديهما قال لا حتى تزيدني هذا البعير
(21/282)

الذي تركبه قلت نعم على أن ترسل معي رسولا فإذا بلغت أهلي رددت إليك البعير ففعل فلما بلغت أهلي رددت إليه البعير فلما كان في بعض الليل فكرت في نفسي فقلت إن هذه مكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب فظهر الإسلام وقد أحييت ثلثمائة وستين موؤودة أشتري كل واحدة منهن بناقتين عشراوين وجمل فهل لي في ذلك من أجر يا رسول الله فقال عليه السلام هذا باب من البر ولك أجره إذ من الله عليك بالإسلام قال عباد ومصداق ذلك قول الفرزدق
( وجدِّي الذي منع الوائداتِ ... وأحيا الوئيد فلم يُؤأَدِ )
أخبرني محمد بن يحيى عن الغلابي عن العباس بن بكار عن أبي بكر الهذلي قال
وفد صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على رسول الله في وفد من تميم وكان صعصعة قد منع الوئيد في الجاهلية فلم يدع تميما تئد وهو يقدر على ذلك فجاء الإسلام وقد فدى أربعمائة جارية فقال للنبي أوصني فقال أوصيك بأمك وأبيك وأخيك وأختك وإمائك قال زدني قال احفظ ما بين لحييك وما بين رجليك
ثم قال له عليه السلام ما شيء بلغني عنك فعلته قال يا رسول الله رأيت الناس يموجون على غير وجه ولم أدر أين الوجه غير أني علمت أنهم ليسوا عليه ورأيتهم يئدون بناتهم فعلمت أن ربهم لم يأمرهم بذلك فلم أتركهم يئدون وفديت من قدرت عليه
وروى أبو عبيدة أنه قال للنبي إني حملت حمالات في الجاهلية
(21/283)

والإسلام وعلي منها ألف بعير فأديت من ذلك سبعمائة فقال له إن الإسلام أمر بالوفاء ونهى عن الغدر فقال حسبي حسبي ووفى بها
وروي أنه إنما قال هذا القول لعمر بن الخطاب وقد وفد إليه في خلافته
وكان صعصعة شاعرا وهو الذي يقول أنشدنيه محمد بن يحيى له
( إذا المرءُ عادى من يودُّك صدرُه ... وكان لمن عاداك خِدْناً مُصَافيَا )
( فلا تسأَلنْ عما لديه فإنّه ... هو الداءُ لا يخفى بذلك خافيا )
أبوه هو اعطى تميم وبكر
أخبرني محمد بن يحيى عن محمد بن زكريا عن عبد الله بن الضحاك عن الهيثم بن عدي عن عوانة قال
تراهن نفر من كلب ثلاثة على أن يختاروا من تميم وبكر نفرا ليسائلوهم فأيهم أعطى ولم يسألهم عن نسبهم من هم فهو أفضلهم فاختار كل رجل منهم رجلا والذين اختيروا عمير بن السليك بن قيس بن مسعود الشيباني وطلبة بن قيس بن عاصم المنقري وغالب بن صعصعة المجاشعي أبو الفرزدق فأتوا ابن السليك فسألوه مائة ناقة فقال من أنتم فانصرفوا عنه
ثم أتوا طلبة بن قيس فقال لهم مثل قول الشيباني فأتوا غالبا فسألوه فأعطاهم مائة ناقة وراعيها ولم يسألهم من هم فساروا بها ليلة ثم ردوها وأخذ صاحب غالب الرهن وفي ذلك يقول الفرزدق
(21/284)

( وإذا ناحبْت كلَبٌ على الناس أيُّهم ... أحقُّ بتاج الماجد المتكرِّم )
( على نفرٍ هُم من نزار ذوي العلا ... وأهل الجراثيم التي لم تهدَّم )
( فلم يُجْزِ عن أَحسابهم غيرُ غالبٍ ... جرَى بعنان كلِّ أبيضَ خِضرم )
مباراة في الكرم بين أبيه وسحيم بن وثيل
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن جهم السليطي عن إياس بن شبة عن عقال بن صعصعة قال
أجدبت بلاد تميم وأصابت بني حنظلة سنة في خلافة عثمان فبلغهم خصب عن بلاد كلب بن وبرة فانتجعتها بنو حنظلة فنزلوا أقصى الوادي وتسرع غالب بن صعصعة فيهم وحده دون بني مالك بن حنظلة ولم يكن مع بني يربوع من بني مالك غير غالب فنحر ناقته فأطعمهم إياها فلما وردت إبل سحيم بن وثيل الرياحي حبس منها ناقة فنحرها من غد فقيل لغالب إنما نحر سحيم مواءمة لك أي مساواة لك فضحك غالب وقال كلا ولكنه امرؤ كريم وسوف أنظر في ذلك فلما وردت إبل غالب حبس منها ناقتين فنحرهما فأطعمهما بني يربوع فعقر سحيم ناقتين فقال غالب الآن علمت أنه يوائمني فعقر غالب عشرا فأطعمها بني يربوع فعقر سحيم عشرا فلما بلغ غالبا فعله ضحك وكانت إبله ترد لخمس فلما وردت عقرها كلها عن آخرها فالمكثر يقول كانت أربعمائة والمقل يقول كانت مائة فأمسك سحيم حينئذ ثم إنه عقر في خلافة علي بن أبي
(21/285)

طالب صلوات الله عليه بكناسة الكوفة مائتي ناقة وبعير فخرج الناس بالزنابيل والأطباق والحبال لأخذ اللحم ورآهم علي عليه السلام فقال أيها الناس لا يحل لكم إنما اهل بها لغير الله عز و جل قال فحدثني من حضر ذلك قال كان الفرزدق يومئذ مع أبيه وهو غلام فجعل غالب يقول يا بني اردد علي والفرزدق يردها عليه ويقول له يا أبت اعقر قال جهم فلم يغن عن سحيم فعله ولم يجعل كغالب إذ لم يطق فعله
قيد نفسه حتى حفظ القرآن
حدثني محمد بن يحيى عن محمد بن القاسم يعني أبا العيناء عن أبي زيد النحوي عن أبي عمرو قال
جاء غالب أبو الفرزدق إلى علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بالفرزدق بعد الجمل بالبصرة فقال إن ابني هذا من شعراء مضر فأسمع منه قال علمه القرآن فكان ذلك في نفس الفرزدق فقيد نفسه في وقت وآلى لا يحل قيده حتى يحفظ القرآن
قال محمد بن يحيى فقد صح لنا أن الفرزدق كان شاعرا موصوفا أربعا وسبعين سنة وندع ما قبل ذلك لأن مجيئه به بعد الجمل على الاستظهار كان في سنة ست وثلاثين وتوفي الفرزدق في سنة عشر ومائة في أول خلافة هشام هو وجرير والحسن البصري وابن سيرين في ستة أشهر وحكي ذلك
(21/286)

عن جماعة منهم الغلابي عن ابن عائشة عن أبيه
أخبرني محمد بن يحيى الصولي عن الغلابي عن ابن عائشة أيضا عن أبيه قال قال الفرزدق أيضا
كنت أجيد الهجاء في ايام عثمان قال ومات غالب أبو الفرزدق في أول أيام معاوية ودفن بكاظمة فقال الفرزدق يرثيه
( لقد ضمّت الأكفانُ من آل دارمٍ ... فتىً فائِضَ الكفّين محضَ الضَّرائب )
المفضل الضبي يفاضل بينه وبين جرير
أخبرني حبيب المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عمران الضبي قال حدثني جعفر بن محمد العنبري عن خالد ابن أم كلثوم قال
قيل للمفضل الضبي الفرزدق أشعر أم جرير قال الفرزدق قال قلت ولم قال لأنه قال بيتا هجا فيه قبيلتين ومدح فيه قبيلتين وأحسن في ذلك فقال
( عجبتُ لِعجلٍ إذ تُهاجِي عَبِيدَها ... كما آلُ يربوع هَجَوْا آلَ دَارِمِ )
فقيل له قد قال جرير
( إنّ الفرزدقَ والبَعِيثَ وأمّه ... وأَبَا البَعِيث لشرّ ما إِستارِ )
(21/287)

فقال وأي شيء أهون من أن يقول إنسان فلان وفلان وفلان والناس كلهم بنو الفاعلة
أخبرني عبد الله بن مالك قال حدثنا محمد بن حبيب قال حدثني موسى بن طلحة قال قال أبو عبيدة معمر بن المثنى
كان الشعراء في الجاهلية من قيس وليس في الإسلام مثل حظ تميم في الشعر وأشعر تميم جرير والفرزدق ومن بني تغلب الأخطل
قال يونس بن حبيب ما ذكر جرير والفرزدق في مجلس شهدته قط فاتفق المجلس على أحدهما قال وكان يونس فرزدقيا
أخبرني عمي عن محمد بن رستم الطبري عن أبي عثمان المازني قال
مر الفرزدق بابن ميادة الرماح والناس حوله وهو ينشد
( لو أنّ جميعَ الناس كانوا بربوة ... وجئتُ بجَدّي ظالِمٍ وابنِ ظَالِم )
( لظلَّت رقاب الناس خاضعةً لنا ... سُجوداً على أقدامنا بالجماجم )
فسمعه الفرزدق فقال أما والله يا بن الفارسية لتدعنه لي أو لأنبشن أمك من قبرها فقال له ابن ميادة خذه لا بارك الله لك فيه فقال الفرزدق
( لو أنّ جميعَ الناس كانوا بربوة ... وجئتُ بجَدّي دارِمٍ وابنِ دارِمِ )
( لظلَّت رقاب الناس خاضعةً لنا ... سُجوداً على أقدامنا بالجماجم )
هو وجرير يتشاكيان عند يزيد بن عبد الملك
أخبرني عمي عن الكراني عن أبي فراس الهيثم بن فراس قال
(21/288)

حدثني ورقة بن معروف عن حماد الراوية قال
دخل جرير والفرزدق على يزيد بن عبد الملك وعنده بنية له يشمها فقال جرير ما هذه يا أمير المؤمنين عندك قال بنية لي قال بارك الله لأمير المؤمنين فيها فقال الفرزدق إن يكن دارم يضرب فيها فهي أكرم العرب ثم أقبل يزيد على جرير فقال مالك والفرزدق قال إنه يظلمني ويبغي علي فقال الفرزدق وجدت آبائي يظلمون آباءه فسرت فيه بسيرتهم قال جرير وأما والله لتردن الكبائر على أسافلها سائر اليوم فقال الفرزدق أما بك يا حمار بني كليب فلا ولكن إن شاء صاحب السرير فلا والله ما لي كفء غيره فجعل يزيد يضحك
أخبرنا عبد الله بن مالك عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن حماد الراوية قال
أنشدني الفرزدق يوما شعرا له ثم قال لي أتيت الكلب يعني جريرا قلت نعم قال أفأنا أشعر أم هو قلت أنت في بعض وهو في بعض قال لم تناصحني قال قلت هو أشعر منك إذا أرخي من خناقه وأنت أشعر منه إذا خفت أو رجوت قال قضيت لي والله عليه وهل الشعر إلا في الخير والشر
قال وروي عن أبي الزناد عن أبيه قال
قال لي جرير يا أبا عبد الرحمن أنا أشعر أم هذا الخبيث يعني الفرزدق وناشدني لأخبرنه فقلت لا والله ما يشاركك ولا يتعلق بك في النسيب قال أوه قضيت والله له علي أنا والله أخبرك ما دهاني إلا أني
(21/289)

كذا وكذا شاعرا فسمى عددا كثيرا وأنه تفرد لي وحدي
خبره مع النوار ابنة عمه
أخبرني عبد الله قال قال المازني قال أبو علي الحرمازي
كان من خبر الفرزدق والنوار ابنة أعين بن صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشعي وكانت ابنة عمه أنه خطبها رجل من بني عبد الله بن دارم فرضيته وكان الفرزدق وليها فأرسلت إليه أن زوجني من هذا الرجل فقال لا أفعل أو تشهديني أنك قد رضيت بمن زوجتك ففعلت فلما توثق منها قال أرسلي إلى القوم فليأتوا فجاءت بنو عبد الله بن دارم فشحنوا مسجد بني مجاشع وجاء الفرزدق فحمد الله وأثنى عليه ثم قال قد علمتم أن النوار قد ولتني أمرها وأشهدكم أني قد زوجتها نفسي على مائة ناقة حمراء سوداء الحدقة فنفرت من ذلك وأرادت الشخوص إلى ابن الزبير حين أعياها أهل البصرة ألا يطلقوها من الفرزدق حتى يشهد لها الشهود وأعياها الشهود أن يشهدوا لها اتقاء الفرزدق وابن الزبير يومئذ أمير الحجاز والعراق يدعى له بالخلافة فلم تجد من يحملها وأتت فتية من بني عدي بن عبد مناة بن أد يقال لهم بنو أم النسير فسألتهم برحم تجمعهم وإياها وكانت بينها وبينهم قرابة فأقسمت عليهم أمها ليحملنها فحملوها فبلغ ذلك الفرزدق فاستنهض عدة من أهل البصرة فأنهضوه واوقروا له عدة من الإبل وأعين بنفقة فتبع النوار وقال
(21/290)

( أطاعت بني أم النُّسَيْر فأصبحت ... على شارفٍ ورقاءَ صعبٍ ذلولُها )
( وإنّ الذي أمسى يخبِّب زوجتي ... كماشٍ إلى أُسْد الشّرى يَستبِيلها )
فأدركها وقد قدمت مكة فاستجارت بخولة بنت منظور بن زيان بن سيار الفزاري وكانت عند عبد الله بن الزبير فلما قدم الفرزدق مكة اشرأب الناس إليه ونزل على بني عبد الله بن الزبير فاستنشدوه واستحدثوه ثم شفعوا له إلى أبيهم فجعل يشفعهم في الظاهر حتى إذا صار إلى خولة قلبته عن رأيه فمال إلى النوار فقال الفرزدق في ذلك
صوت
( أمّا بنوه فلم تُقْبل شفاعتُهم ... وشُفّعت بنتُ منظورِ بن زِبّانَا )
( ليس الشّفيع الذي يأتيك مُؤْتَزِراً ... مثلَ الشفيع الذي يأتيكَ عُرْيانَا )
لعريب في هذا البيت خفيف رمل
قال وسفر بينهما رجال من بني تميم كانوا بمكة فاصطلحا على أن يرجعا إلى البصرة ولا يجمعهما ظل ولا كن حتى يجمعا في أمرهما ذلك بني تميم ويصيرا على حكمهم ففعلا فلما صارا إلى البصرة رجعت إليه النوار بحكم عشيرتها
قال وقال غير الحرمازي إن ابن الزبير قال للفرزدق جئني بصداقها
(21/291)

فرقت بينكما فقال الفرزدق أنا في بلاد عربة فكيف أصنع قالوا له عليك بسلم بن زياد فإنه محبوس في السجن يطالبه ابن الزبير بمال فأتاه فقص عليه قصته قال كم صداقها قال أربعة آلاف درهم فأمر له بها وبألفين للنفقة فقال للفرزدق
( دعِي مُغلِقي الأبواب دون فَعالهم ... ولكن تمشَّى بي - هُبِلْت - إلى سَلمِ )
( إلى مَن يرى المعروفَ سهلاً سَبِيلُه ... ويفعلُ أفعال الرجال التي تَنمِي )
قال فدفعها إليه الزبير فقال الفرزدق
( هلمّي لابن عمك لا تكوني ... كمختارٍ على الفرس الحمارا )
قال فجاء بها إلى البصرة - وقد أحبلها - فقال جرير في ذلك
( ألا تِلكمُ عِرسُ الفرزدق جامحاً ... ولو رضِيَتْ رُمح استِهِ لاستقرَّت )
فأجابه الفرزدق وقال
( وأمُّك لو لاقيتُها بِطِمرَّةٍ ... وجاءت بها جوف استِها لاستقرّت )
وقال الفرزدق وهو يخاصم النوار
( تُخاصمني وقد أولجتُ فيها ... كرأس الضَّبّ يلتمس الجرادا )
قال الحرمازي ومكثت النوار عنده زمانا ترضى عنه أحيانا وتخاصمه أحيانا وكانت النوار امرأة صالحة فلم تزل تشمئز منه وتقول له ويحك
(21/292)

تعلم أنك إنما تزوجت بي ضغطة وعلى خدعة ثم لا تزال في كل ذلك حتى حلفت بيمين موثقة ثم حنثت وتجنبت فراشه فتزوج عليها امرأة يقال لها جهيمة من بني النمر بن قاسط حلفاء لبني الحارث بن عباد بن ضبيعة وأمها الخميصة من بني الحارث بن عباد فنافرته الخميصة واستعدت عليه فأنكرها الفرزدق وقال إنها مني بريء طالق وطلق ابنتها وقال
( إن الخميصةَ كانت لي ولاب نتها ... مثل الهَراسةِ بين النّعل والقَدَم )
( إذا أتت أهلَها مني مُطَلَّقة ... فلن أردَّ عليها زَفرَة النَّدم )
جعل يأتي النوار وبه ردع الخلوق وعليه الأثر فقالت له النوار هل تزوجتها إلا هدادية - تعني حيا من أزد عمان - فقال الفرزدق في ذلك
( تُريكَ نجومَ الليل والشَّمسُ حَيَّةٌ ... كرامُ بنات الحارث بن عُبادِ )
( أبوها الذي قاد النّعامة بعد ما ... أبت وائلٌ في الحرب غير تمادِ )
( نساءٌ أبوهنّ الأعزُّ ولم تكن ... من الأزد في جاراتها وهَدادِ )
( ولم يكُ في الحيّ الغموضِ محلُّها ... ولا في العُمانيّيين رهطِ زيادِ )
( عَدلتُ بها مَيلَ النّوار فأَصبحتْ ... وقد رَضيت بالنّصف بعد بعادِ )
(21/293)

قال فلم تزل النوار ترققه وتستعطفه حتى أجابها إلى طلاقها وأخذ عليها ألا تفارقه ولا تبرح من منزله ولا تتزوج رجلا بعده ولا تمنعه من مالها ما كانت تبذله له وأخذت عليه أن يشهد الحسن البصري على طلاقها ففعل ذلك
قال المازني وحدثني محمد بن روح العدوي عن أبي شفقل راوية الفرزدق قال
ما استصحب الفرزدق أحدا غيري وغير راوية آخر وقد صحب النوار رجال كثيرة إلا أنهم كانوا يلوذون بالسواري خوفا من أن يراهم الفرزدق فأتيا الحسن فقال له الفرزدق يا أبا سعيد قال له الحسن ما تشاء قال أشهد أن النوار طالق ثلاثا فقال الحسن قد شهدنا فلما انصرفنا قال يا أبا شفقل قد ندمت فقلت له والله إني لأظن أن دمك يترقرق أتدري من أشهدت والله لئن رجعت لترجمن بأحجارك فمضى وهو يقول
( ندمتُ ندامةَ الكُسَعِيّ لمّا ... غدت منّي مُطلَّقةً نوارُ )
( ولو أنّي ملكتُ يدي وقلبي ... لكان عليّ للقدَر الخيارُ )
( وكانت جَنّتي فخرجتُ منها ... كآدم حين أخرجه الضّرار )
( وكنتُ كفاقىءٍ عينيه عمداً ... فأصبح ما يضيء له النهارُ )
يهجو بني قيس لأنهم ألجأوا النوار
وأخبرني بخبره مع النوار أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن
(21/294)

شبة قال حدثني محمد بن يحيى عن أبيه يحيى بن علي بن حميد
أن النوار لما كرهت الفرزدق حين زوجها نفسه لجأت إلى بني قيس بن عاصم المنقري ليمنعوها فقال الفرزدق فيهم
( بني عاصم لا تجنبوها فإنكم ... ملاجِىءُ للسوءات دُسْم العَمائِم )
( بَنِي عاصمٍ لو كان حَيّاً أبوكم ... للام بنيه اليومَ قيسُ بن عاصمِ )
فبلغهم ذلك الشعر فقالوا له والله لئن زدت على هذين البيتين لنقتلنك غيلة وخلوه والنوار وأرادت منافرته إلى ابن الزبير فلم يقدر أحد على أن يكريها خوفا منه ثم إن قوما من بني عدي يقال لهم بنو أم النسير أكروها فقال الفرزدق
( ولولا أن يقول بنو عدِيٍّ ... ألم تَك أمَّ حَنظلة النَّوارُ )
( أَتتكم يا بني مِلْكان عنّي ... قوافٍ لا تُقسّمها التِّجارُ )
وقال فيهم أيضا
( لعمري لقد أردى النّوارَ وساقها ... إلى البور أحلامٌ خِفافٌ عقولُها )
( أطاعت بني أمّ النسير فأصبحت ... على قَتب يعلو الفلاة دليلها )
( وقد سَخِطَت مِنّي النّوارُ الذي ارتضَى ... به قبلَها الأزواجُ خاب رحيلُها )
(21/295)

( وإن امرأ أمسى يُخَبّب زوجتي ... كساعٍ إلى أُسْدِ الشرى يستبيلها )
( ومن دون أَبواب الأسود بَسالةً ... وبَسْطَة أَيدٍ يمنع الضّيْمَ طُولُها )
( وإنّ أميرَ المؤرمنين لعالِمٌ ... بتأويل ما وَصَّى العِبَادَ رَسُولُها )
( فَدُونَكَها يابنَ الزبير فإنها ... مُوَلَّعَة يُوهِي الحجارةَ قِيلُها )
( وما جادل الأقوامَ من ذي خصومة ... كورهاء مَشْنوءٍ إليها حليلُها )
فلما قدمت مكة نزلت على تماضر بنت منظور بن زبان زوجة عبد الله بن الزبير ونزل الفرزدق بحمزة بن عبد الله بن الزبير ومدحه بقوله
( أَمسيتُ قد نزلتْ بحمزة حاجَتِي ... إن المنوَّه باسمِه الموثوقُ )
( بأبي عمارةَ خيرِ من وَطِىء الحصا ... وجرت له في الصالحين عُروقُ )
( بين الحواريِّ الأعزّ وهاشمٍ ... ثم الخليفةُ بعدُ والصِّدِّيق )
غنى في هذه الأبيات ابن سريج رملا بالبنصر
قال فجعل أمر النوار يقوى وأمر الفرزدق يضعف فقال
( أَمَّا بنوه فلم تُقْبل شفَاعتُهم ... وَشُفِّعَتْ بنتُ منظورِ بنِ زِبَّانَا )
ملاحاة بينه وبين ابن الزبير
وقال ابن الزبير للنوار إن شئت فرقت بينكما وقتلته فلا يهجونا أبدا وإن شئت سيرته إلى بلاد العدو فقالت ما أريد واحدة منهما فقال
(21/296)