Advertisement

قصة الحضارة 02


قصة الحضارة
ول ديورانت




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> قراصنة البحر في نشوتهم



الباب الثاني والعشرون




خاتمة مسيحية




الفصل الأول




قراصنة البحر في نشوتهم




وصول الأوربيين - الفتح البريطاني - ثورة




سيبوي - حسنات الحكم البريطاني وسيئاته


كانت تلك المدنية قد ماتت بالفعل من عدة وجوه، حين كشف "كلايف" و"هيستنجر" كنوز الهند؛ فحكم "أورنجزيب" الطويل الذي مزق أوصال البلاد، وما تبعه من فوضى وحروب داخلية، ترك الهند ثمرة دانية القطوف لمن أراد أن يغزوها من جديد؛ قد كان هذا "قضاءها المحتوم" ولم يكن أمام القدر إزاءها سوى أن يختار الدولة الأوربية من بين الدول العصرية الأساليب، لتكون أداة لذلك الغزو؛ فحاول الفرنسيون غزوها وأصيبوا بالفشل، وضاعت الهند من أيديهم كما ضاعت كندا، في موقعتي "رسباخ" و "ووترلو" ثم حاول الإنجليز ذلك وانتهت محاولتهم بالنجاح.
لقد كان "فاسكو دا جاما" أرسى فلكه عام 1498م في مياه "كلكتا" بعد مرحلة دامت أحد عشر شهراً بدأت من لشبونة؛ فأحسن لقاء حاكم ملبار الهندي وسلّمه رسالة ودية من ملك البرتغال: "لقد زار مملكتي فاسكو دا جاما، وهو شريف من أشراف أسرتكم، فسررت بزيارته سروراً عظيماً؛ وإن في مملكتي لوفرة من القرفة والقرنفل والفلفل والأحجار الكريمة، وما أريده من بلادكم هو الذهب والفضة والمرجان والنسيج القرمزي"،




صفحة رقم : 1051




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> قراصنة البحر في نشوتهم


فكان جواب صاحب الجلالة المسيحية مطالبة الهند مستعمرة برتغالية لأسباب لم يكن في مقدور الراجا أن يفهمها لجهله؛ فلكي يوضح له الأمر، أرسلت البرتغال أسطولا إلى الهند مزودا بتعليمات لنشر المسيحية وإثارة الحروب؛ وبعدئذ جاء الهولنديون في القرن السابع عشر، وطردوا البرتغاليين؛ ثم جاء الفرنسيون والإنجليز في القرن الثامن عشر، وطردوا الهولنديين، ونشبت بين الفريقين معارك حامية الوطيس لتقرر أي الفريقين يتولّى إدخال المدنية إلى الهند وفرض الضرائب على أهلها
وكانت "شركة الهند الشرقية" قد تأسست في لندن عام 1600م لتشتري منتجات الهند وجزر الهند الشرقية بأثمان بخسة وتبيعها بأثمان مرتفعة في أوروبا وقد أعلنت الشركة عام 1686م عزمها على "إقامة مستعمرة إنجليزية واسعة في الهند، بحيث تكون متينة الدعائم فتدوم إلى الأبد"(3)، وأنشأت مراكز تجارية في مدراس وكلكتا وبومباي، وحصنتها، وجاءت إليها بجنود وخاضت معارك القتال، ورشت وارتشت، ومارست غير ذلك من مهام الحكومة؛ ولم يتردد "كلايف" في قبول " الهدايا" التي بلغت قيمتها أحياناً مائة وسبعين ألفا من الريالات، قدمها له الحكام الهنود المعتمدون على نيران مدافعه، كما ظفر منهم - بالإضافة إلى تلك "الهدايا" - بجزية سنوية تعادل مائة وأربعين ألفا من الريالات؛ وعين الأمير جعفر حاكما على البنغال لقاء مبلغ يعادل ستة ملايين ريال؛ وراح يضرب كل أمير وطني بالآخر، ويضم أملاكهم إلى حظيرة "شركة الهند الشرقية" شيئا فشيئا؛ وأدمن في أكل الأفيون، واتهمه البرلمان وبرأه، وأزهق روحه بيده سنة 1774م(4)؛ وأما "وارن هيستنجز" - وهو شجاع علامة قدير - فقد جمع من الأمراء الوطنيين مبلغا كبيرا قدره ربع مليون ريال ضريبة عليهم دفعوها في خزانة الشركة؛




صفحة رقم : 1052




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> قراصنة البحر في نشوتهم


وقبل الرشاوي لقاء وعد بألا يفرض ضريبة أكثر مما فرضه، ثم عاد ففرض ضريبة، واستولى للشركة على الأراضي التي لم تستطع دفعها، واحتل "أوز" بجيشه، ثم باعها لأحد الأمراء بمليونين ونصف مليون من الريالات(5)؛ وتسابق الهازم والمهزوم في الرشوة؛ وفرضت على أجزاء الهند التي خضعت لسلطان الشركة ضريبة أراض بلغت خمسين في كل مائة وحدة من وحدات الإنتاج، بالإضافة إلى فروض أخرى كانت من الكثرة والقسوة بحيث فرّ ثلثا السكان، وباع آخرون أبنائهم ليسدوا ما كانوا يطالبون به من ضرائب متصاعدة(6)؛ ويقول ماكولي: "جمعت في كلكتا أموال طائلة في وقت قصير، ودفع بثلاثين مليونا من الأنفس البشرية إلى أقصى حدود الشقاء؛ نعم قد تعودوا من قبل أن يعيشوا في جو من الطغيان لم يبلغ بهم كل هذا المدى"(7).
فما جاءت سنة 1857م حتى كانت جرائم الشركة قد أفقرت الجزء الشمالي الشرقي من الهند إفقارا أوغر صدور الأهالي فشقوا عصى الطاعة في ثورة يائسة؛ عندئذ تدخلت الحكومة البريطانية، وقمعت "العصيان" وتولّت هي الحكم في الأراضي التي سيطرت عليها، واعتبرتها مستعمرة للتاج، ودفعت عن ذلك تعويضا سخيا للشركة، وأضافت ثمن الشراء هذا إلى الدين العام في الهند(8)؛ لقد كان هذا فتحا للبلاد صريحا غاشما، وقد لا يجوز لنا أن نحكم عليه بمعيار "الوصايا الخلقية" التي يحفظها الناس في غرب السويس، إذ ربما كان الأجدر أن نفهم الموقف على أساس "دارون" و"نيتشه": فشعب عجز عن حكم نفسه أو عجز عن استغلال موارده الطبيعية، لابد من وقوعه فريسة لأمم تعاني مما يستثيرها من دوافع الجشع وبسط النفوذ.
وعاد هذا الفتح ببعض المزايا على الهند؛ فرجال أمثال "بنتنك" و"كاننج" و"منرو" و "إلفنستون" و "ماكولي" أدخلوا في إدارة الأجزاء البريطانية من الهند شيئا من سخاء الحرية التي سادت إنجلترا عام 1832؛




صفحة رقم : 1053




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> قراصنة البحر في نشوتهم


فقد استطاع "لورد وليم بنتنك" بمساعدة المصلحين من أهل البلاد، وبحافز منهم، أمثال "رام موهون روي" ، استطاع أن يلغي عادة دفن الزوجة حيّة مع زوجها الميت وأن يحرّم ما كانت تقوم به طائفة من خنق الأغنياء إرضاء للإلهة "كالي"؛ ولئن حارب الإنجليز مائة وإحدى عشرة حرباً في الهند، مستخدمين فيها أموال الهند ورجالها(9) ليتمموا فتح الهند، فقد تمكنوا بعدئذ من نشر السلام على ربوع شبه الجزيرة كلها، ومدوا الطرق الحديدية، وأقاموا المصانع والمدارس، وفتحوا الجامعات في كلكتا ومدراس وبومباي ولاهور والله آباد، ونقلوا من إنجلترا علومها وفنونها الصناعية إلى الهند، وألهبت الشرق بروح الغرب الديمقراطية، ولعبوا دوراً هاماً في إطلاع العالم على ما شهدته الهند في ماضيها من ثروة ثقافية غزيرة؛ وكان ثمن هذه الخيرات كلها طغياناً مالياً مكن لطائفة من الحكام المتتابعين أن يبتزوا ثروة الهند عاما بعد عام قبل عودتهم إلى بلادهم الشمالية التي تثير في الإنسان عوامل الفاعلية والنشاط؛ وكان ثمن هذه الخيرات طغيانا اقتصاديا قضى على الصناعات الهندية، وقذف بملايين صناعها الفنيين إلى الأرض يزرعونها فلا تكفيهم طعاماً؛ وكان ثمن هذه الخيرات كذلك طغيانا سياسيا كان من أثره - وقد جاء بعد طغيان "أورنجزيب" الضيق الأفق بزمن قصير - أن يميت روح الشعب الهندي قرنا كاملا.




صفحة رقم : 1054




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> قديسو العهد المتأخر



الفصل الثاني




قديسو العهد المتأخر




المسيحية في الهند - "براهما - سوماج" -




الإسلام - راما كرشنا - فيفيكاماندا


كان من الطبيعي الذي يلائم روح الهند، أن تلتمس تلك البلاد وهي في هذه الظروف عزاءها في الدين؛ ولقد رحبت بالمسيحية ترحيبا قلبيا خالصا حينا من الزمن، إذ وجدت فيها كثيرا من المثل الخلقية العليا التي لبثت آلاف السنين تضعها من أنفسها مواضع التقديس؛ وفي ذلك يقول "الأب دبوا" في غير ممالأة "لقد كان من الجائز - فيما تبين من الظواهر - أن تضرب المسيحية بجذورها في أهل الهند، لولا أن أدرك هؤلاء الناس صفات الأوربيين وأنواع سلوكهم"(10) فقد ظل المبشرون بالمسيحية في الهند طوال القرن التاسع عشر يحاولون في نفوس قلقة أن يسمعوا الناس صوت المسيح، فكان عليهم أن يرتفعوا به فوق أصوات المدافع التي كانت تزأر أثناء فتحها للبلاد؛ وراحوا يقيمون المدارس والمستشفيات ويعدونها بالأدوات اللازمة، وأخذوا يوزعون على الناس الدواء والصدقات، مع ما ينشرونه بينهم من تعاليم الدين، وكانوا أول من بذر في المنبوذين بذور الإحساس بآدميتهم؛ لكن التضاد الملحوظ بين تعاليم المسيحية ومسلك المسيحيين أثار في نفوس الهنود تشككا وسخرية؛ فقالوا إن بعث "العزير" من عالم الموتى لا يستثير العجب، لأن في ديانتهم من المعجزات ما هو أشد من هذا استثارة للدهشة وجدارة بالاهتمام؛ وكل رجل بينهم ممن يمارسون "اليوجا" يستطيع اليوم أن يفعل المعجزات، على حين معجزات المسيحية قد ذهب عهدها - فيما يظهر - وانقضى(11) وتمسك البراهمة بمبادئهم في اعتزاز بها،




صفحة رقم : 1055




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> قديسو العهد المتأخر


إذ كانوا يقابلون عقائد الغرب بطائفة من أفكارهم، لها ما لتلك العقائد الغربية من دقة وعمق وبعد عن التصديق، ولهذا ترى "سير تشارلز أليوت" يقول: "إن المسيحية قد تقدمت في الهند تقدما لا قيمة له لضآلته"(12).
ومع ذلك فقد كان لشخصية المسيح الفاتنة من عمق الأثر في الهند أكثر جدا مما يمكن قياسه بكون المسيحية لم تشتمل على أكثر من ستة في كل مائة من السكان بعد زمن امتد ثلاثة قرون؛ وأولى علائم هذا التأثير تظهر في "بهاجافاد - جيتا"(13)، وأما آخر ما ظهر لهذا التأثير من علامات فتراه في غاندي وطاغور؛ وأوضح مثل يدل على هذا التأثير هو الجمعية الإصلاحية التي تسمى "براهما -سوماج" التي أسسها "رام موهون روي" سنة 1828م، ولن تجد أحدا تناول الدين بدراسة يحاسبه فيها ضميره أكثر مما فعل هذا الرجل؛ فقد درس "روي" اللغة السنسكريتية ليقرأ كتب الفيدا، وتعلم اللغة البالية ليقرأ كتاب البوذية "تربيتاكا" ، وعرف الفارسية والعربية ليدرس الإسلام ويقرأ القرآن، ودرس العبرية ليجيد فهم "العهد القديم" كما درس اليونانية ليفهم "العهد الجديد"(14) وبعد ذلك كله تعلم الإنجليزية وكتب بها كتابة بلغت من السلاسة والرشاقة حدا جعل "جرمي بنتام" يتمنى لو استفاد "جيمز مل" بنسجه على منواله؛ وفي سنة 1820م نشر "روي" كتابه تعاليم المسيح، وهو مرشد للسلام والسعادة، وقال فيه: "لقد وجدت تعاليم المسيح، أهدى لمبادئ الأخلاق، وأكثر ملائمة لما يتطلبه بنو الإنسان المتصفون بالعقل، من أية ديانة أخرى مما وقع في حدود علمي"(15) واقترح على بني وطنه الذين جللتهم دياناتهم المخجلات، اقترح عليهم ديانة جديدة تتخلص من تعدد الآلهة وتعدد الزوجات والطبقات وزواج الأطفال ودفن الزوجات مع أزواجهن وعبادة الأوثان وألا يعبدوا إلا ألها واحدا، هو براهما؛ ولقد تمنى كما تمنى




صفحة رقم : 1056




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> قديسو العهد المتأخر


من قبله "أكبر" - أن تتحد الهند كلها في عقيدة دينية بسيطة، لكنه - مثل "أكبر" لم يحسب حساب الخرافة وتأصلها في قلوب الدهماء؛ ولهذا فقد أصبحت "براهما - سوماج" اليوم - بعد مائة عام قضتها في جهاد مفيد - بحيث لا ترى لها أثرا في الحياة الهندية .
والمسلمون هم أقوى الأقليات الدينية في الهند وأكثرها إثارة للاهتمام، وسنرجئ دراسة دينهم إلى جزء آخر من أجزاء هذا الكتاب؛ وليس العجيب أن يفشل الإسلام في اكتساب الهند إلى اعتناقه على الرغم من معاونة "أورنجزيب" له على ذلك معاونة متحمسة، إنما المعجزة هي ألا يخضع الإسلام في الهند للهندوسية؛ فبقاء هذه الديانة الموحدة على بساطتها وصلابتها، وسط ألوان متشابكة من الديانات التي تذهب إلى تعدد الآلهة، دليل يشهد على ما يتصف به العقل الإسلامي من رجولة، وحسبنا لكي نقدر عنف هذه المقاومة وجسامة هذا المجهود أن نذكر كيف تلاشت البوذية في البرهمية، فإله المسلمين له اليوم سبعون مليونا من عباده في الهند.
لم يطمئن الهندي إلا قليلا إلى أية عقيدة دينية مما جاءه من خارج بلاده، وأولئك الذين كان لهم أبلغ الأثر في شعوره الديني إبان القرن التاسع عشر هم




صفحة رقم : 1057




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> قديسو العهد المتأخر


الذين بذروا بذور مذهبهم وعبادتهم في عقائد الشعب القديمة؛ فقد أصبح "راما كرشنا" - وهو برهمي فقير من البنغال - مسيحيا حينا من الزمن، وأحس جمال المسيحية واعتنق الإسلام حينا آخر، وأدى صلاة المسلمين بما تقتضيه من خشونة وعنف، لكن قلبه التقي سرعان ما عاد به إلى الهندوسية، بل عاد به إلى عبادة "كالي" الفظيعة، وجعل نفسه كاهنا من كهانها، وصورها في صورة الإلهة الأم التي تفيض نفسها فيضا بالرحمة والحب؛ ونبذ أساليب العقل وبشّر بمذهب "بهاكتي - يوجا" وهو مذهب يدعوا إلى الحب ورباطه؛ ومن أقواله "إن معرفة الله يمكن تشبيهها برجل، وأما حب الله فشبيه بامرأة؛ إن المعرفة لا تستطيع الدخول إلا في الحجرات الخارجية لله، وليس يستطيع الدخول في غوامض الله الباطنية إلا محب"(18).
ولم يرد "راما كرشنا" أن يعلم نفسه، على خلاف "رام موهون روي" ، فلم يتعلم شيئا من السنسكريتية أو الإنجليزية، ولم يكتب شيئا، واجتنب النقاش العقلي؛ ولما سأله منطقي منتفخ الأوداج بمنطقه: "ما المعرفة وما المعروف؟" أجابه قائلا: "إني يا صاح لا علم لي بهذه الدقائق من علم المتفقهين؛ إن كل ما أعرفه هو (إلهتي الوالدة، وإنني ابنها"(19) وكان يعلّم أتباعه أن كل الديانات خير، وكل منها طريق يؤدي إلى الله، أو مرحلة من مراحل الطريق إلى الله، تلائم عقل الباحث عن الله وقلبه؛ ومن الحمق أن تتحول من دين إلى دين، إذ كل ما يتطلبه الإنسان هو أن يمضي في طريقه الذي بدأه، وأن يتعمق عقيدته الخاصة إلى لبابها "إن كل الأنهار تتدفق في المحيط، فاندفق حتى تخلى الطريق لاندفاق الآخرين كذلك!"(20) وأفسح




صفحة رقم : 1058




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> قديسو العهد المتأخر


صدره رحباً لعقيدة الناس في آلهة متعددة، واستسلم متواضعا لعقيدة الفلاسفة في إله واحد؛ أما عقيدته هو التي ينبض بها قلبه فهي أن الله روح تجسد في الناس جميعا، وعبادة الله الحقيقية التي لا عبادة سواها، هي خدمة الإنسانية خدمة صادرة عن حب.
ولقد اختاره كثيرون من رقاق النفوس "شيخا" لهم، منهم الأغنياء والفقراء، ومنهم البراهمة والمنبوذون، وألفوا جمعية باسمه وقاموا بحملة تبشيرية بمذهبه؛ وألمع هؤلاء الأتباع شخصية هو شاب معتد من طبقة الكشاترية واسمه "نارندرانات دوت" ، الذي تقدم إلى "راما كرشنا" بادئ ذي بدء - وكان عقله عندئذ قد أفعم بآراء "سبنسر" و "دارون" - على أنه ملحد لا يجد غير شقوة النفس في إلحاده، لكنه في الوقت نفسه مزدر للأساطير والخرافات التي لم يكن الدين في رأيه إلا إياها؛ فلما غلبته من " راما كرشنا " طيبته الصابرة، أصبح "نارن" بين أتباع "الشيخ" أشدهم تحمساً، وأعاد لنفسه تعريف الله بأنه "مجموعة الأرواح كلها"(21) وطالب الناس بأن يباشروا الدين، لا عن طريق التقشف والتأمل الفارغين، بل عن طريق خدمة الإنسانية خدمة تستنفد من أنفسهم كل تقواها.
"أرجئوا إلى الحياة الآخرة قراءة "الفيدانتا" واصطناع التأمل، وأصرفوا هذا البدن الذي يحيا هاهنا إلى خدمة الآخرين ... إن الحقيقة السامية التي لا حقيقة بعدها هي هذه: الله موجود في الكائنات جميعا، فهذه الكائنات صوره الكثيرة، وليس وراءها إله آخر يبحث الإنسان عنه، ليس هناك سبيل إلى خدمة الله سوى خدمة سائر الكائنات!"(22).
وغير اسمه وجعله "فيفي كاناندا" وغادر الهند ليجمع مالا يعين المبشرين بمذهب "راما كرشنا" على أداء رسالتهم، حتى إذا ما كان عام 1893م، وجد نفسه ضالا معدما في مدينة شيكاغو، فما هو إلا أن ظهر في "برلمان الديانات"




صفحة رقم : 1059




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> قديسو العهد المتأخر


في "المهرجان العالمي" وخاطب الحاضرين على أنه يمثل العقيدة الهندوسية، فاستولى على قلوب السامعين جميعا بطلعته المهيبة، ومذهبه الذي يوحد العقائد الدينية جميعا، وشريعته الخلقية البسيطة التي تجعل خدمة الإنسانية خير عبادة يتوجه بها الإنسان لله؛ فأصبح الإلحاد ديانة شريفة بفعل السحر الذي نفثته بلاغته، ووجد الشيوخ المتزمتون من رجال الدين ألا مناص من احترام هذا "الوثني" الذي يعلن بألا إله غير أرواح الكائنات الحية؛ ولما عاد إلى الهند جعل يبشر بني وطنه بعقيدة دينية لم يشهد الهندوسيون ما يفوقها صلابة بين كل الديانات التي بشروا بها منذ العصر الفيدي:
"إن الديانة التي نريدها ديانة تقيم دعائم الإنسان ...فانفضوا عن أنفسكم هذه التصوفات التي تنهك قواكم، وكونوا أقوياء ... لنمح من أذهاننا خلال الخمسين عاما المقبلة ... كل الآلهة الذين لا طائل وراءهم بحيث لا نبقي أمام أعيننا إلا خدمة الإنسان؛ فجنسنا البشري هو الإله الوحيد اليقظان، فيداه في كل مكان، إنه يشمل كل شيء ... إن أولى العبادات كلها هي عبادة من يحيطون بنا ... هؤلاء هم آلهتنا الذين لا آلهة لنا سواهم - أعني أفراد الإنسان والحيوان؛ وأول ما ينبغي لنا أن نعبده من هؤلاء الآلهة هم بنو وطننا"(23).
لم يكن بين هذه التعاليم وبين غاندي إلا خطوة واحدة.




صفحة رقم : 1060




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> طاغور



الفصل الثالث




طاغور




العلم والفن - أسرة من النوابـغ - نشأة




رابندرانات - شعره - سياسته - مدرسته


ما زالت الهند - رغم ما تعانيه من ظلم ومرارة عيش وفقر - تنتج العلم والأدب والفن؛ فقد طبقت شهرة الأستاذ "جاجادس شاندرا بوز" الخافقين لأبحاثه في الكهرباء وفسلجة النبات؛ وكانت جائزة نوبل تاجاً يكلل جهود الأستاذ "شاندرا سيخارا رامان" في فيزيقا الضوء؛ وقامت في عصرنا هذا مدرسة جديدة للتصوير في البنغال، تجمع بين خصوبة الألوان المتمثلة في نقوش "أجانتا" الجدارية، ورقة التخطيط البادية في تحف "راجبوت" ؛ و إنا لنلمح في صور "رابندرانات طاغور" شيئا يسيرا من ذلك التصوف العارم والفن الرقيق اللذين اشهرا شعر عمه في أمم الأرض جميعاً.




صفحة رقم : 1061




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> طاغور


إن أسرة طاغور لتعد بين أعظم ما شهد التاريخ من أسر؛ فقد كان "دافندرانات طاغور" "وبالبنغالية تاكور" أحد القائمين على تنظيم الجمعية الإصلاحية "براهما ـ سوماج" ثم أصبح فيما بعد رئيسا لها؛ وهو رجل ذو ثراء وثقافة ووقار، ولما بلغ شيخوخته، كان للبنغال بمثابة الراعي الذي يميل برعيته عن جادة الدين؛ ومن نسله "أبانندرانات" ، "جوجونندرانات" والفيلسوف "دويجندرانات" والشاعر "رابندرانات" وكل هـؤلاء ينتسبون إلى طاغور، والأخيران منهما ابناه.
نشأ "رابندرانات" في جو من البحبوحة والتهذيب، فكانت الموسيقى والشعر والحوار الرفيع الهواء الذي يتنفسه؛ وكان روحا رقيقا منذ ولادته، شبيها بـ "شيلى" الذي أبى أن يموت صغيراً كما أبى أن يشيخ، وكان من الحنان بحيث تشجعت فئران السنجاب على ارتقاء ركبتيه، واطمأنت الأطيار إلي الوقوف على راحتيه(24)؛ وكان دقيق الملاحظة، متفتح النفس، يحس دوى ما تأتيه به تجارب الحياة بإحساس مرهف كإحساس المتصوفين ؛ فكان أحيانا يقف في شرفته ساعات، يلاحظ بنظرته الأدبية كل من يمر أمامه في الطريق: قوامه وقسماته وحركاته التي تميزه وطريقه مشيته، أحيانا يجلس على كنبة في غرفة داخلية، ويظل نصف يومه صامتاً، تمر في رأسه الذكريات والأحلام؛ وبدأ ينظم الشعر على لوح إردوازي، مغتبطا بكون الأخطاء يمكن محوها(25) وسرعان ما وجد نفسه ينشد الأغاني المترعة بحبه للهند ـ حبه لجمال منظرها، وفتنة نسائها، وعطفه على أهلها في آلامهم، وكان ينشئ لهذه الأناشيد موسيقاها بنفسه؛ فآخذت الهند كلها تتغنى بها وكان الشاعر الشاب يهتز كيانه كلما سمعها على شفاه أهل الريف السذج، إذ هو في طريقه مسافر خلال القرى النائية(25أ) وهاك أغنيه منها، ترجمها عن البنغالية مؤلفها نفسه، فمن سواه قد عبر تعبيرا يمازجه تشكك العطوف، عن لغو الغرام الذي لا يخلو من قدسية؟




صفحة رقم : 1062




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> طاغور




نبئني إن كان ذلك كله صدقا، يا حبيبي، نبئني إن كان ذلك كله صدقا،




أإذا لمعت هاتان العينان ببرقهما، استجابت لهما السحائب الدكناء في صدرك بالعواصف؟




أصحيح أن شفتي في حلاوة برعم الحب المتفتح، حين يكون الحب في أول وعيه؟




أترى ذكريات ما مضى من أشهر الربيع ما تزال عالقة في جوارح بدني؟




أصحيح أن الأرض ـ كأنها القيثارة ـ تهتز بالغناء كلما مستها قدماي؟




أصحيح ـ إذن ـ أن الليل تدمع عيناه بقطرات الندى كلما بدوت لناظريك، وأن ضوء الصبح ينتشي فرحا إذا ما لف بدني بأشعته؟




أصحيح، أصحيح، أن حبك لم يزل يخبط فريدا خلال العصور ويتنقل من عالم إلى عالم باحثا عنى؟




وأنك حين وجدتني أخر الأمر، وجدت رغبتك الأزلية سكينتها التامة في عذب حديثي




وفي عيني وشفتي وشعري المسدول؟




أصحيح ـ إذن ـ أن لغز اللانهاية مكتوب على جبيني هذا الصغير؟




نبئني ـ يا حبيبي ـ إن كان ذلك كله صدقا


في هذه الأشعار حسنات كثيرة - فيها وطنية حادة وهي رغم حدتها




صفحة رقم : 1063




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> طاغور


هادئة، وفيها فهم دقيق دقة التأنث للحب وللمرأة وللطبيعة وللرجل، وفيها نفاذ بالعاطفة الحادة إلى صميم الفلاسفة الهنود بما لهم من بصيرة نافذة، وفيها رقة عاطفة وعبارة تشبه رقه "تنسن" ولو كان في أشعاره عيب، فذلك جمالها الذي يطرد في كل أجزائها اطرادا جاوز الحد المطلوب، ورقتها ومثاليتها اللتان اطردتا كذلك اطرادا يحدث الملل؛ فكل امرأة في هذه الأشعار جميلة، وكل رجل فيها مفتون بامرأة أو بالموت أو بالله؛ والطبيعة فيها - وإن تكن بشعة أحيانا ـ فهي دائما خليلة، يستحيل عليها الكآبة والقحط والفظاعة ، ولعل قصة "شترا" هي قصة "طاغور" ؛ فحبيبها "أرجونا" قد ملها بعد عام لأنها جميلة جمالا كاملا لا يعتوره نقص؛ ولا يعود الله إلى حبها إلا بعـد أن تفقد جمالها وتكتسب قوة تمكنها من مزاولة أعباء الحياة الطبيعية ـ وحب الله لها رمز عميق يشير إلى الزواج السعيد(28) ويعترف طاغور بأوجه النقص في شعره اعترافا يسحرك برقته:


إن شعرك يا حبيبتي قد دارت في رأسه يوما ملحمة عظيمة




وأسفاه، لم أحرص عليها، وصادفت خلخالك فتفرقت أجزاؤها




وتمزقت قصاصات من أغان، لبثت منثورة عند قدميك


وعلى ذلك فقد أخذ يتغنى بالقصائد الوجدانية حتى نهايته، واستمع له العالم كله بآذان طربه إلا النقاد؛ ودهشت الهند بعض الشيء حين أنعم على شاعرها بجائزة نوبل 1913)م) لأن رجال النقد في البنغال لم يكونوا قد رأوا فيه إلا أخطاءه، واتخذ الأساتذة في كلكتا من أشعاره أمثلة تساق للغة البنغالية في أسلوبها الركيك(30) وكرهه الشبان المتأججين بنار الوطنية لأن مهاجمته لما في حياة الهند الخلقية من عيوب، كانت أقوى دويا من صيحته في سبيل الحرية السياسية ، ولما أنعم عليه بلقب "سير" عدوا ذلك منه خيانة للهند؛ ومع ذلك




صفحة رقم : 1064




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> طاغور


فلم ينعم بشرف هذا اللقب طويلا، وذلك لأنه حين أطلق الجنود البريطانيون نيرانهم على اجتماع ديني في "أمرتسار" نتيجة لسوء تفاهم محزن (سنة1919 م) أعاد طاغور وسامه إلى نائب الملك مصحوبا بخطاب يوجه فيه استنكارا مرا لما حدث؛ واليوم تراه شخصية وحيدة نوعها، وقد يكون أعمق أهل الأرض جميعا - في يومنا هذا - وقعا في النفوس، وهو مصلح كانت له الشجاعة التي مكنته من مهاجمه الآراء الاجتماعية الأساسية في الهند، وأعنى بها نظام الطبقات والعقيدة في تناسخ الأرواح، والتي هي أعز عقائد الهنود على قلوبهم(31)؛ وهو وطني يتحرق شوقا إلى حرية الهند، لكنه وجد في نفيه الجرأة فاحتج على الإسراف في النعرة القومية والسعي وراء المصالح الخاصة التي تلعب دورها في الحركة القومية؛ وهو مرب مل الخطابة والسياسة، وانكمش في صومعته في " شانتينى كيتان " يعلم بعض أبناء الجيل الجديد مذهبه في تحرير الفرد لنفسه تحريرا خلقيا ؛ وهو شاعر كسر قلبه موت زوجته في شبابها، وأنقض ظهره ذل بلاده؛ وهو فيلسوف " منقوع " في تعاليم الفيدانتا(32)؛ وهو متصوف يتذبذب ـ مثل شابدى داس ـ بين المرأة والله ومع ذلك تراه قد تجرد من عقيدة آبائه بمدى ما وصل إليه من علم؛ وهو محب للطبيعة يقابل رسل الموت فيها بعزاء وحيد، هو موهبته التي لا تبلى في إنشاد الغناء:


"آه، آيها الشاعر، إنه الغروب يدنو، وشعرك يدب فيه المشيب




فهل تسمع ـ إذ أنت وحيد في تأملك ـ صوت الآخرة يناديك؟"


قال الشاعر:


"إنه الغروب وهاأنذا أصغي خشية أن يناديني من القرية مناد، رغم أننا في ساعة متأخرة




إني أراقب لعلني واجد قلبين ضالين يلتقيان، أو زوجين من أعين مشتاقة تحن إلى ألحان الموسيقى لتزيل الصمت وتتحدث نيابة عنها






صفحة رقم : 1065




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> طاغور




فمن ذا هناك ينسخ لهم أغاني عواطفهم، إذا أنا جلست على شاطئ الحياة وتأملت الموت والآخرة




إن من التوافه أن يدب في شعري المشيب




أنا أبدا في شباب أقوي الشباب، وفي شيخوخة أكبر الشيوخ من أهل هذه القرية ...




كلهم بحاجة إلي وليس لدي الفراغ أنفقه في التأمل فيما بعد الحياة




أنا مع كل إنسان أسايره في عمره، فماذا يضيرني إذا دب الشيب في رأسي؟"(33).






صفحة رقم : 1066




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> الشرق والغرب



الفصل الرابع




الشرق والغرب




الهند المتغيرة - التغيرات الاقتصادية




والاجتماعية - تدهور نضام الطبقات




والنقابات - المنبوذون - ظهور المرأة


إذا استطاع رجل "مثل طاغور" لم يعرف الإنجليزية حتى أوشك على الخمسين من عمره أن يكتب الإنجليزية بعدئذ في أسلوب جيد فتلك علامة تدل على السهولة التي يمكن بها مل الفجوات التي تفصل ذلك الشرق وذلك الغرب الذين حرم لقاءهما شاعر آخر؛ وهاهو ذا الغرب منذ مولد طاغور قد انتقل إلي الشرق بشتى الوسائل، وهو آخذ هناك في تغيير كل وجه الحياة الشرقية؛ فثلاثون ألف ميل من السكة الحديدية قد تشابكت فوق قفار الهند وجبالها, وحملت وجوها غربية إلى كل قرية من قراها؛ وأسلاك البرق والمطبعة قد جاءتا بأنباء العالم المتغير إلى كل من يريدها، فأوحت إليه بإمكان تغير بلاده؛ والمدارس الإنجليزية أخذت تعلم التاريخ البريطاني من وجهه نظر أرادت أن تخلق من الطلاب مواطنين بريطانيين، فغرست - غير عامدة - في النفوس الأفكار الإنكليزية عن الديمقراطية والحرية؛ فحتى الشرق ينهض اليوم برهانا على صدق هرقليطس .
فلما رأت الهند أنها قد غاصت في الفقر إبان القرن التاسع عشر بفعل تفوق المغازل الآلية البريطانية، وقوه المدافع البريطانية بالنسبة إلى ما عند أهل البلاد، فقد أخذت الآن توجه نظرها كارهة إلى تصنيع نفسها، ولذلك ترى




صفحة رقم : 1067




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> الشرق والغرب


الصناعات اليدوية في طريق الاندثار، بينما ترى المصانع الآلية في سبيل النمو والتكاثر؛ ففي "جامستبور" تستخدم "شركه تاتا للحديد والصلب" خمسة وأربعين ألفاً من العمال، وهي تهدد زعامة الشركات الأمريكية في إنتاج الصلب؛ ويزداد إنتاج الفحم في الهند ازديادا سريعا؛ وربما لا يمضي جيل واحد حتى تلحق الصين والهند بأوربا وأمريكا في إخراج مواد الوقود والصناعة الرئيسية من جوف الأرض؛ وقد لا تكتفي هذه الموارد الأهلية بسد حاجات الأهالي، بل تجاوز ذلك إلى منافسة الغرب على أسواق العالم، وعندئذ يهبط مستوى المعيشة عند أهل بلادهم هبوطا شديدا، بسبب منافسة العمال ذوي الأجور المنخفضة في البلاد التي كانت فيما مضى طبعة متأخرة "أعني بها البلاد الزراعية" ، ففي البنغال مصانع على نمط كان معروفا في أواسط العصر الفكتوري تدفع أجورا على الأسلوب العتيق، مما يستدر الدموع في أعين المحافظين في البلاد الغربية ، وقد حل أصحاب رؤوس الأموال الهنود محل نظائرهم البريطانيين في كثير من الصناعات، وهم يستغلون بني وطنهم بنفس الجشع الذي كان يستغلهم به الأوربيون الذين يحملون عبء الرجل الأبيض .
ولم يتغير الأساس الاقتصادي في المجتمع الهندي دون أن يترك ذلك التغير أثره في النظم الاجتماعية وعادات الناس الخلقية، فنظام الطبقات كان وليد




صفحة رقم : 1068




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> الشرق والغرب


مجتمع زراعي راكد لا يتغير؛ وهو إن ضمن النظام فلا يتيح طريق الصمود للعبقري إذا ظهر في طبقة دنيا، ولا يفسح من مجال الطموح والأمل، ولا يحفز الناس على الابتكار والمغامرة؛ ولذا فقد قضى عليه بالفناء حين بلغت الثورة الصناعية شواطئ الهند؛ فالآلات لا احترام عندها للأشخاص، ففي معظم المصانع يعمل الناس جنبا إلى جنب بغير تميز الطبقات؛ والقطارات وعربات الترام تهيئ مكانا للجلوس أو للوقوف لكل من يدفع الأجر المطلوب والجمعيات التعاونية والأحزاب السياسية تضم كل المراتب في صعيد واحد؛وفي زحمة المسرح أو الطريق في المدينة،تتدافع المناكب بين البرهمي والمنبوذ فتنشأ بينهما زمالة لم تكن متوقعة؛ وقد أعلن أحد الراجات أن كل الطبقات والعقائد ستفتح لها أبواب قصره؛ وأصبح رجل من فئة "الشودرا" حاكماً مستنيراً لإقليم "بارودا" واستنكرت جمعية "براهما - سوماج" نظام الطبقات؛ وأيد "مؤتمر بنغال الإقليمي" التابع "للمؤتمر القومي" إلغاء الفوارق الطبقية كلها فوراً(36)، وهكذا تعمل الآلات على رفع طبقة جديدة رويدا رويدا إلى الثراء والقوة وتسدل الستار على طبقة أرستقراطية هي أقدم الطبقات الأرستقراطية القائمة اليوم.
وبالفعل فقدت الألفاظ المستعملة في التمييز بين الطبقات معانيها؛ فكلمة "فاسيا" تراها في الكتب اليوم، لكنك لا ترى لها مدلولاً في الحياة الواقعة؛ حتى كلمة "شودرا" قد اختفت في الشمال، بينما ظلت في الجنوب قائمة لكنها باتت لفظة تدل دلالة غامضة على كلٌ من ليس ببرهمي(37)؛ والواقع أن الطبقات الدنيا في سالف الأيام قد حل محلها ما يزيد على ثلاثة آلاف "طبقة" هي في الحقيقة نقابات: ممولون وتجار وصناع ومزارعون ومعلمون ومهندسون وبائعون جوابون وجزارون وحلاقون وسماكون وممثلون ومستخرجو الفحم، وغسالات وبائعات وحوذية وماسحو أحذية - هؤلاء تنتظمهم طبقات مهنية




صفحة رقم : 1069




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> الشرق والغرب


تختلف عن نقابات العمال في أنه من المفهوم على نحو غامض أن الأبناء سيحترفون مهن آبائهم.
إن ما ينطوي عليه نظام الطبقات من مأساة عظمى هو أنه قد ضاعف على مر الأجيال من "المنبوذين" الذين ينخرون بعددهم المتزايد وثورة نفوسهم في قوائم النظام الاجتماعي الذي هم صنيعته؛ ويضم هؤلاء المنبوذين في صفوفهم كل من فرض عليهم الرق بسبب الحرب أو عدم الوفاء بالدين، ومن ولدوا عن زواج بين البراهمة وشودرات، ومن تعست حظوظهم بحيث قضى القانون البرهمي على مهنهم بأنها مما يحط بقيمة الإنسان كالكناسين والجزارين، والبهلوانات والحواة والجلادين(38)؛ ثم تضخم عددهم بسبب كثرة التناسل كثرة حمقاء تراها عند من لا يملك شيئاً يخاف على فقده؛ وقد بلغ بهم فقرهم المدقع حداً جعل نظافة الجسد والملبس والطعام بمثابة الترف الذي يستحيل عليهم أن ينعموا به، فيجتنبهم بنو وطنهم اجتنابا يمليه كل عقل سليم ، ولذلك تقتضي قوانين الطبقات على "المنبوذ" ألا يقترب من عضو في طبقة "الشودرا" بحيث تقل المسافة بينهما عن أربعة وعشرين قدما(40)، وإذا وقع ظلُّ "منبوذٍ" "رجل من طبقة الباريا" على رجل ينتمي إلى الطبقات الأخرى، كان على هذا الأخير أن يزيل عن نفسه النجاسة بغسل طهور؛ فكل ما يمسه المنبوذ، يصيبه الدنس بمسه إياه ، وفي كثير من أجزاء الهند لا يجوز




صفحة رقم : 1070




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> الشرق والغرب


للمنبوذ أن يستقي ماء من الآبار العامة، أو أن يدخل معابد البراهمة، أو أن يرسل أولاده إلى المدارس الهندوسية(42)، ولئن عملت السياسة البريطانية إلى حد ما على إفقار طبقة المنبوذين، فقد جاءتهم على الأقل بالمساواة مع غيرهم أمام القانون، وبحق الدخول - على قدم المساواة مع سائر الطبقات - في المدارس والكليات التي يقوم البريطانيون على إدارتها؛ وكان للحركة القومية،بتأثير غاندي، فضل كبير في الحد من الحوائل التي كانت تسد الطريق أمام المنبوذين؛ ويجوز ألا يأتي الجيل المقبل إلا وهم أحرار في الظاهر حرية تمس القشور.
وكذلك عمل دخول الصناعة والأفكار الغربية على زعزعة الأفكار القديمة التي كان يتمتع بها الرجل في الهند، فالانقلاب الصناعي يعمل على تأجيل سن الزواج، ويتطلب "حرية" المرأة، وأعني بذلك أن المرأة لا يمكن إغراؤها بالعمل في المصنع إلا إذا اقتنعت بأن الدار سجن، وأجاز لها القانون أن تدخر كسبها لنفسها؛ ولقد ترتب على هذا التحرير كثير من الإصلاحات الحقيقية جاءت عرضا،فحرم زواج الأطفال رسميا "سنة 1929م" برفع سن الزواج قانونا إلى الرابعة عشرة للفتيات والثامنة عشرة للفتيان(43) واختفت ظاهرة "السوتي" "أي دفن الزوجة التي مات زوجها حية" ، ويزداد زواج الأرامل كل يوم وتعدد الزوجات جائز قانونا ولكن لا يمارسه إلا قليلون(45) وإن رجاء السائحين ليخيب حين يجدون أن راقصات المعبد أوشكن على الانقراض، فالتقدم الأخلاقي في الهند يسير بخطوات سريعة لا يضارعها في سرعتها بلد آخر؛ فالحياة الصناعية في المدينة تخرج النساء من "البردة" حتى توشك ألا تجد ستًّا في كل مائة امرأة في الهند يقبلن اليوم أن يعشن وراء حجاب(46)؛ وفي الهند عدد من الصحف الدورية النسوية النابضة بالحياة تناقش فيها




صفحة رقم : 1071




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> الشرق والغرب


أحدث المشكلات، بل تكونت هناك جمعية لضبط النسل(47) واجهت بشجاعة أعقد مشكلة من مشكلات الهند - ألا وهي التناسل المطلق من كل قيد؛ والنساء في كثير من الأقاليم لهن حق التصويت، ويتولين المناصب السياسية، حتى لقد تولت امرأة رئاسة "المؤتمر القومي الهندي" مرتين، وكثيرات منهن قد حصلن على درجات جامعية واشتغلن طبيبات أو محاميات أو معلمات(48)، ولا شك أنه لا يمضي طويل وقت حتى ينقلب الوضع ويصير زمام الحكم بيد النساء؛ألسنا على حق إذا زعمنا أن الإثم الذي تراه في النداء التالي الذي يشتعل بالحماسة، والذي أصدره تابع من أتباع غاندي موجها إياه إلى نساء الهند، أقول ألسنا على حق إذا زعمنا أن الإثم في هذا النداء يرجع إلى أحد المؤثرات الغربية الجامحة؟
"انبذن (البردة) العتيقة! اخرجن مسرعات من المطابخ! اقذفن بالقدور والأواني مجلجلات في الأركان! مزقن الغشاء الذي ينسدل على عيونكن، وانظرن إلى العالم الجديد! قُلنَ لأزواجكن واخوتكن يطهوا طعامهم لأنفسهم، إن واجبات كثيرة في انتظاركن لأدائها حتى تصبح الهند أمة بين الأمم!"(49).




صفحة رقم : 1072




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> الحركة القومية



الفصل الخامس




الحركة القومية




الطلبة المستغربون - تحويل الشئون




الدينية إلى أمور دنيوية - المؤتمر الهندي القومي


كان عدد الطلبة الهنود الذين يدرسون في إنجلترا سنة 1923 يزيد على ألف، وربما كان عدد من يدرسون في أمريكا عندئذ مساوياً لذلك العدد، بل ربما كان هذا العدد كذلك يدرس في البلدان الأخرى؛ فدهشوا للحقوق التي يتمتع بها أحط المواطنين في أوربا الغربية وأمريكا؛ ودرسوا الثورتين الفرنسية والأمريكية، وقرأوا أدب الإصلاح والثورة، وأمعنوا أنظارهم في "قانون الحقوق" و"إعلان حقوق الإنسان" و"إعلان الاستقلال" و "الدستور الأمريكي" فعادوا إلى أوطانهم ليكوّنوا مراكز إشعاع للآراء الديمقراطية وإنجيلاً يبشر بالحرية؛ وقد اكتسبت هذه الآراء قوة لا تغْلب بسبب ما ظفر به الغرب من تقدم صناعي وعلمي، ونصر الحلفاء في الحرب؛ فلم يلبث هؤلاء الطلاب أن أخذوا يصيحون بالدعوة إلى الحرية؛ فقد تعلم الهنود حقوقهم في الحرية في مدارس إنجلترا وأمريكا.
ولم يقتصر المشارقة الذين تعلموا في الغرب على التقاط المثل العليا السياسية إبان تعلمهم خارج بلادهم، بل نفضوا عن أنفسهم كذلك الأفكار الدينية؛ فهاتان العمليتان مرتبطتان معاً في تراجم الأشخاص وتاريخ الأمم، جاء هؤلاء الطلاب إلى أوربا يعمر الدين قلوبَهم الشابة، يعتقدون في "كرشْنا" و "شيفا" و"فشنو" و "كالي" و "راما"... ثم مسّوا العلم، فإذا بعقائدهم القديمة قد تحطمت أشلاء كأنما نزلت بها نازلة ساحقة، ولما تجرد هؤلاء الهنود المستغربون




صفحة رقم : 1073



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> الحركة القومية


عن عقيدتهم الدينية التي هي روح الهند ولبابها، عادوا إلى وطنهم وقد زالت عن أعينهم الغشاوة التي كانت تزين القبيح، وسادهم الحزن، وسقط ألف إله أمام أعينهم من سمائهم صرعى ، فلم يكن بد من أن يتخيلوا "مدينة فاضلة على الأرض لتملأ مكان الفردوس السماوي الذي تحطم وحلت الديمقراطية محل "النرفانا" وأخذت الحرية مكان الله، فما جرى في أوربا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أخذ يجرى شبيهه الآن في الشرق.
ومع ذلك فالأفكار الجديدة أخذت تسير مجراها في خطوٍ وئيد، ففي سنة 1855 اجتمعت طائفة قليلة من زعماء الهنود في بمباي وأسسوا "المؤتمر الهندي القومي" لكن الظاهر أنهم لم يحلموا عندئذ حتى بمجرد الحكم الذاتي، وبعدئذ حاول "لوردكيرزن" أن يقسم البنغال (ومعنى ذلك أن يصيب أقوى جماعة هندية وأشدها وعياً سياسياً بالتفكك والضعف) فأثارت محاولته تلك جماعة الوطنيين بحيث تقدموا خطوة نحو الثورة، وفي المؤتمر المنعقد سنة 1905 طالب "تيلاك" في صلابة لاتين بـ "سواراج" وهذه كلمة اشتقها هو(50) من أصول سنسكريتية، ومعناها الحكم الذاتي (والكلمة الهندية قريبة لفظاً من العبارة الإنجليزية self - rule )؛ وحدث في نفس ذلك العام المليء بالحوادث أن هزمت اليابان روسيا، وبدأ الشرق الذي لبث قرناً كاملاً يخشى صولة الغرب، بدأ يضع الخطة لتحرير آسيا، وتزعَّم "سَنْ يات سِنْ" الصين فجمع هؤلاء سيوفهم وارتموا في أحضان اليابان، أما الهند العزلاء من سلاحها، فقد أسلمت قيادها لزعيم هو من أغرب من شهد التاريخ من رجال، فضربوا للعالم مثلاً لم يسبق له مثيل، لثورة يقودها قديس، تثور ثائرتها بغير مدفع.




صفحة رقم : 1074




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> مهاتما غاندي



الفصل السادس




مهاتما غاندي




صورة قديس - الزاهد - المسيحي - تعليم




غاندي في إفريقيا - ثورة 1921 - "أنا الرجل" - أعوام




السجن - "الهند الفتاة" - ثورة المغزل - أعمال غاندي


صَوِّر نفسك أقبح وأضأل وأضعف رجل في آسيا، له وجه وجسد كأنما صيغا من البرونز رأسه الأشيب حليق الشعر حتى الجذور، عظمتا صدغيه بارزتان وعيناه البنيِّتان تشعان طيبة قلب، وفمه واسع يوشك أن يخلو من الأسنان، وأكبر من فمه أذناه، وأنفه ضخم، نحيل الذراعين والساقين، ادَّثرَ بثوب على ردفيه، صَوِّر لنفسك هذا الرجل واقفاً أمام قاض إنجليزي في الهند، متهَماً بتحريض قومه على "عدم التعاون"؛ أو صَوِّرْه جالساً على بساط صغير في غرفة عارية في مقره المسمى "سايا جراها شرام" - ومعناها "مدرسة طلاب الحقيقة" - في أحمد أباد، وقد ربَّع ساقيه النحيلتين تحت جسمه على نحو ما يفعل "اليوجي" وبطن القدمين إلى أعلى، ويداه لا تنفكان تعملان في عجلة المغزل ووجهه تغضَّن بتقلصات تنمّ عن عبء التبعة الذي حمله، وعقله نشيط الحركة مستعد بالجواب عن كل من يسأل سؤالاً عن الحرية؛ هذا النسَّاج العريان كان هو الزعيم الروحي والزعيم السياسي في آن معاً لأمة من الهنود بلغ عددها ثلاثمائة وعشرين مليوناً من الأنفس، وامتدت زعامته من 1920 إلى 1935 ، فإذا ما ظهر للناس، التفت حوله جماعات حاشدة لتتبرك بلمس ثيابه أو تقبيل قدميه(51).




صفحة رقم : 1075




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> مهاتما غاندي


كان ينفق كل يوم أربع ساعات في غزل "الخضّار" الخشن راجياً أن يسوق بنفسه للناس مثلاً يحتذونه فيستخدمون هذا القماش الساذج المغزول في داخل البلاد، بدل شرائهم منتجات المغازل البريطانية التي جاءت خراباً على صناعة النسيج في الهند؛ كان كل ما يملك ثلاثة أثواب غلاظ، اثنان يتخذهما لباساً، والثالث يتخذه فراشاً، وقد كان بادئ أمره محامياً غنياً، لكنه تنازل عن كل أملاكه للفقراء، ثم تبعته في ذلك زوجته بعد شيء من التردد نعهده في الأمهات؛ كان ينام على أرضية الغرفة عارية، أو على تربة الأرض، يعيش على البندق والموز والليمون والبرتقال والبلح والأرز ولبن الماعز(52)، وكثيراً ما كان يقضي الشهور متتابعات لا يأكل إلا اللبن والفاكهة، ولم يذق طعم اللحم إلا مرة واحدة في حياته، وكان حيناً بعد حين يمتنع عن الطعام إطلاقاً بضعة أسابيع وهو يقول: "لو استطعت أن استغني عن عينيّ، استطعت كذلك أن أستغني عن صيامي، فما تفعله العينان للدنيا الخارجية يفعله الصوم للدنيا الباطنية"(53) فقد كان يعتقد أنه كلما رق الدم صفا العقل وسقطت عنه النوازع التي تنحرف به عن جادة الطريق، بحيث تبرز أمامه الجوانب الأساسية - بل قد تبرز أمامه روح العالم وصميمه - بعد أن تنفض عنها الأعراض (واسمها مايا) كما يبرر إفرست خلال السحاب.
وفي نفس الوقت الذي كان يصوم فيه عن الطعام ليشهد الروح الإلهية، لم يفُته أن يحتفظ بإصبع من أصابع قدمه على الأرض، وكان ينصح أتباعه أن يحقنوا أنفسهم في الشرج مرة كل يوم إبان الصوم، حتى لا تتسمم أبدانهم بالإفرازات الحمضية التي يفرزها الجسد وهو يستهلك بعضه، وقد يصاب الجسد بهذا السم في نفس اللحظة التي يتاح فيها للإنسان أن يشهد الله(54).
ولما اقتتل المسلمون والهندوس، وأخذوا يصرعون بعضهم بعضاً مدفوعين بحماسة دينية، ولم يصيخوا إلى دعوته إياهم للسلام، صام ثلاثة أسابيع رجاء أن




صفحة رقم : 1076




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> مهاتما غاندي


يحرك العطف في نفوسهم، ولقد أدى به الصيام والحرمان الذي كان يفرضه على نفسه، إلى ضعف وهزال، بحيث لم يكن بد من اعتلائه مقعداً مرفوعاً كلما أراد توجيه الخطاب للحشود العظيمة التي كانت تجتمع لتسمعه؛ ومدَّ زهده حتى شمل به نطاق العلاقة الجنسية، وأراد - كما أراد تولستوي - أن يحصر عملية الجماع فلا يلجأ إليها إلا إذا قصد إلى التناسل، وكان هو كذلك قد أنفق شبابه منغمساً في شهوات بدنه، حتى لقد جاءه نبأ موت أبيه وهو يحتضن إحدى الغانيات، أما في رجولته فقد عاد - والندم الشديد يأكل قلبه - إلى "براهما شاريا" التي لُقِّنَها في صباه - وهي الامتناع التام عن كل شهوة جسدية؛ وأقنع زوجته أن تعيش معه كما تعيش الأخت مع أخيها، وهو يروي لنا أنه "منذ ذلك الوقت بطل بيننا كل نزاع"(55).
ولما تبين له أن حاجة الهند الأساسية هي ضبط النسل، لم يصطنع في سبيل ذلك وسائل الغرب، بل اتبع طرائق "مالتوس" و "تولستوي".
"أنكون على صواب إذا ما نسلنا الأطفال ونحن نعلم حقيقة الموقف؟ إننا لا نفعل سوى أن نضاعف عدد العبيد والمقعدين، إذا مضينا في التكاثر بغير أن نتخذ إزاءه شيئاً من الحيطة... لن يكون لنا حق النسل إلا إذا أصبحت الهند أمة حرة ... ليس إلى الشك عندي من سبيل في أن المتزوجين إذا أرادوا الخير بأمتهم وأرادوا للهند أن تصبح أمة من رجال ونساء أقوياء وسيمين ذوي أبدان جميلة التكوين، كان واجبهم أن يكبحوا جماح أنفسهم ويوقفوا النسل مؤقتاً(56).
وإلى جانب هذه العناصر في تكوين شخصيته، كان يتصف بخلال عجيبة الشبه بتلك الخلال التي يقال إنها كانت تميز "مؤسس المسيحية"؛ إنه لم يَفُه باسم المسيح، ولكنه مع ذلك كان يسلك في حياته كما لو كان يأخذ بكل كلمة مما جاء في "موعظة الجبل"؛ فلم يعرف التاريخ منذ القديس فرنسيس




صفحة رقم : 1077




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> مهاتما غاندي


الأسيسي رجلاً اتصفت حياته بمثل ما اتصفت به حياة غاندي من وداعة وبُعْد عن الهوى وسذاجة وعفو عن الأعداء؛ وإنه لمما يذكر حسنةً لمعارضيه، لكنها حسنة أكبر بالنسبة له هو، أن حسن معاملته لهم- ولم يكن ذلك محل مقاومة منهم- قد استثار فيهم معاملة حسنة له من جانبهم؛ فلما أرسلته الحكومة إلى السجن، فعلت ذلك مصحوباً بفيض من الاعتذارات، ولم يبد هو قط شيئاً من حقد أو كراهية؛ وقد هجم الغوغاء عليه ثلاث مرات، وضربوه ضرباً كاد يودي بحياته لكنه لم يردَّ العدوان بعدوان مثله أبداً، ولما قبض على أحد المعتدين عليه، أبى أن يتوجه إليه بالاتهام.
ولم يلبث بعد ذلك أن نشبت بين المسلمين والهندوس أفظع ما نشب بينهم من فتن، وذلك حين ذبح مسلمو "موبلا" مئات من الهندوس العزَّل، وقدموا "غلفاتهم" لله قرباناً، ثم حدث لهؤلاء المسلمين أنفسهم أن أصابتهم المجاعة، فجمع لهم غاندي أموالاً من أرجاء الهند كلها، وقدم كل المال المجموع، بغير نظر إلى السوابق، وبغير أن يستقطع منه جزءاً لأحد ممن قاموا بجمعه، قَدَّمه للعدو الجائع(57).
ولد "موهانداس كارام شاند غاندي" سند 1869، وتنتمي أسرته إلى طبقة "فاسيا" وإلى المذهب الجانتي ومن مبادئها التي مارستها مبدأ "أهِمْسا" وهو ألا ينزل أحد الأذى بكائن حي، وكان أبوه أدرياً قادراً، لكنه كان من زنادقة الممولين، فقد فقدَ منصباً في إثر منصب بسبب أمانته، وأنفق ماله كله تقريباً في سبيل الإحسان، وترك ما تبقى منه لأسرته(58) ولما كان "موهانداس" في صباه أنكر الآلهة إذ أساء إلى نفسه أن يرى أعمال الدعارة ماثلة في بعض آلهة الهندوس، ولكي يعلن ازدراءه للدين ازدراء أبدياً، أكل اللحم، لكن أكل اللحم أضرَّ بصحته، فعاد إلى حظيرة الدين.
ولما بلغ الثامنة خطب عروسه، وفي الثانية عشرة تزوج منها وهي




صفحة رقم : 1078




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> مهاتما غاندي


"كاستورباي" التي ظلت على وفائها له خلال مغامراته كلها وغناه وفقره وسجنه وما تعرض له من "براهما شاريا" (أي اعتزام العفة الجنسية)؛ وفي سن الثامنة عشرة نجح في امتحانات الدخول في الجامعة، وسافر إلى لندن ليدرس القانون، ولما كان في السنة الأولى هناك، قرأ ثمانين كتاباً عن المسيحية؛ وقال عن "موعظة الجبل" "إنها غاصت إلى سويداء قلبي عند قراءتها للمرة الأولى"(59) واعتبر مبدأها بأن يُرَدَّ الشر بالخير وأن يحب الإنسان كل الناس حتى الأعداء، أسمى ما يعبر عن المثل الأعلى الإنساني، وصمم على أن يؤثر الفشل بهذه المبادئ على النجاح بغيرها.
ولما عاد إلى الهند سنة 1891 مارس المحاماة حيناً في بمباي؛ فكان يرفض أن يتهم أحد من أجل دينه، ويحتفظ لنفسه دائماً بحق ترك القضية إذا ما وجد أنها تتنافى مع العدل؛ وقد أدت به إحدى القضايا إلى السفر إلى جنوبي أفريقيا، فوجد بني قومه هناك يلاقون من سوء المعاملة ما أنساه العودة إلى الهند، واتجه بجهده كله - بغير أجر - إلى قضية بني وطنه في أفريقيا ليزيل عنهم ما كان يصفدهم هناك من أغلال؛ ولبث عشرين عاماً يجاهد للوصول إلى هذه الغاية حتى سلمت له الحكومة بمطالبه، وعندئذ فقط عاد إلى أرض الوطن.
وكان طريق سفره بحيث يخترق الهند، فتبين للمرة الأولى فقر الناس فقراً مدقعاً، وأفزعته الهياكل العظمية التي شهدها تكدح في الحقول، والمنبوذون الوضيعون الذين كانوا يعملون أقذر الأعمال في المدن؛ وخيل أن ما يلاقيه بنو وطنه في الخارج من ازدراء، إن هو إلا إحدى نتائج فقرهم وذلهم في أرض وطنهم، ورغم ذلك فقد أخلص الولاء لإنجلترا بتأييدها إبان الحرب، بل دافع عن وجوب انخراط الهنود في سلك الجيش المحارب. إن كانوا ممن لم يقبلوا مبدأ الإقلاع عن العنف؛ ولم يوافق- عندئذ - أولئك الذين ينادون بالاستقلال




صفحة رقم : 1079




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> مهاتما غاندي


وآمن بأن سوء الحكم البريطاني في الهند كان شذوذا‌ً في القاعدة، أما القاعدة فهي أن الحكم البريطاني بصفة عامة حكم جيد، وأن سوء الحكومة البريطانية في الهند لا يرجع إلا إلى عدم اتباعها لمبادئ الحكم السائدة في الحكومة البريطانية في بريطانيا نفسها، وأنه لو أفهم الشعب البريطاني قضية الهنود، تردد في قبولهم على أساس الإخاء التام في مجموعة الأجزاء الحرة من الإمبراطورية واعتقد أنه إذا ما وضعت الحرب أوزارها وحسبت بريطانيا ما ضحت به الهند(60) في سبيل الإمبراطورية من رجال ومال، لما ترددت في منحها حريتها.
لكن الحرب وضعت أوزارها، وتحرك الشعب مطالباً "بالحكم الذاتي"، فصدرت "قوانين رولَنْد" وقضت على حرية الكلام والنشر، بإنشائها تشريعاً عاجزاً للإصلاح يسمى "مونتاجو - شلمز فورد" ثم جاءت مذبحة "أمرِتْسار" فأجهزت على البقية الباقية؛ ونزلت الصدمة قوية على غاندي. فقرر من فوره عملاً حاسماً، من ذلك أنه أعاد لنائب الملك الأوسمة التي كان قد ظفر بها من الحكومات البريطانية في أوقات مختلفة، ووجه الدعوة إلى الهند لتقف من الحكومة الهندية موقف العصيان المدني، واستجاب الشعب لدعوته، لا بالمقاومة السلمية كما طلب إليهم، بل بالعنف وإراقة الدماء، ففي بمباي مثلاً قتلوا ثلاثة وخمسين من "الفارْسيين" المناهضين للحركة القومية(61)، ولما كان غاندي يعتنق مذهب "الأهِمْسا" - أي الامتناع عن قتل الكائنات الحية بكافة أنواعها - فقد بعث للناس برسالة أخرى دعاهم فيها إلى إرجاء حملة العصيان المدني، على أساس أنها تتدهور في طريقها إلى أن تكون حكم الغوغاء فقلما تجد في التاريخ رجلاً أبدى من الشجاعة أكثر مما أبداه غاندي في الاستمساك بالمبدأ في سلوكه، مزدرياً ما تمليه الضرورة العملية للوصول إلى الغايات، وغير آبه بحلوله من قلوب الناس منزلة عالية، فدهشت الأمة




صفحة رقم : 1080




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> مهاتما غاندي


لقراره، لأنها ظنت أنها كادت تبلغ غايتها، ولم توافق غاندي على أن الوسائل قد يكون لها من الأهمية ما للغاية المنشودة، ومن ثم هبطت سمعة المهاتما حتى بلغت أدنى درجات جَزْرها.
وفي هذه اللحظة نفسها (في مارس سنة 1922) قررت الحكومة القبض عليه، فلما توجه إليه النائب العام بتهمة إثارة الناس بمنشوراته، حتى اقترفوا ما اقترفوه من ألوان العنف في ثورة 1921، أجابه غاندي بعبارة رفعتْه فوراً إلى ذروة الشرف، إذ قال:
"أحب أن أؤيد ما ألقاه النائب العام العلاّمة على كتفي من لوم فيما يخص الحوادث التي وقعت في بمباي ومدراس وشاوري شاورا؛ لأنني إذا ما فكرت في هذه الحوادث تفكيراً عميقاً، وتدبرت أمرها ليلة بعد ليلة، تبين لي أنه من المستحيل علي أن أتخلى عن هذه الجرائم الشيطانية... إن النائب العام العلاَّمة على حق لا شبهة فيه حين يقول إنني باعتباري رجلاً مسئولاً، وباعتباري كذلك رجلاً قد ظفر بقسط من التعليم لا بأس به... كان ينبغي علي أن أعرف النتائج التي تترتب على كل فعل من أفعالي؛ لقد كنت أعلم أنني ألعب بالنار، وأقدمت على المغامرة، ولو أطلق سراحي لأعدتُ من جديد ما فعلته؛ إني أحسست هذا الصباح أنني أفشل في أداء واجبي إذا لم أقل ما أقوله هنا الآن.
أردت أن أجتنب العنف، وما زلت أريد اجتناب العنف، فاجتناب العنف هو المادة الأولى في قائمة إيماني، وهو كذلك المادة الأخيرة، من مواد عقيدتي؛ لكن لم يكن لي بد من الاختيار، فإما أن أخضع لنظام الحكم الذي هو في رأيي قد ألحق ببلادي ضرراً يستحيل إصلاحه، وإما أن أتعرض للخطر الناشئ عن ثورة بني وطني ثورة غاضبة هوجاء ينفجر بركانها إذا ما عرفوا حقيقة الأمر من بين شفتي، إني لأعلم أن بني وطني قد جاوزوا حدود المعقول أحياناً، وإني لآسف لهذا أسفاً شديداً، ولذلك فأنا واقف هاهنا لأتقبل، لا أخف ما تفرضونه من عقوبة، بل أقسى ما تنزلونه من عقاب؛ إنني




صفحة رقم : 1081




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> مهاتما غاندي


لا أطلب الرحمة، ولا أتوسل إليكم أن تخففوا عني العقاب، إنني هنا - إذن - لأرحب وأتقبل راضياً أقسى عقوبة يمكن معاقبتي بها على ما يعدّه القانون جريمة مقصودة، وما يبدو لي أنه أسمى ما يجب على المواطن أداؤه(62).
وعبر القاضي عن عميق أسفه لاضطراره أن يزج في السجن برجل يعدُّه الملايين من بني وطنه "وطنياً عظيماً وقائداً عظيماً" واعترف بأنه حتى أولئك الذين لا يأخذون بوجهة نظر غاندي، ينظرون إليه نظرتهم إلى "رجل ذي مثل عليا وحياة شريفة بل إن حياته لتتصف بما تتصف به حياة القديسين"(63) وحكم عليه بالسجن ست سنوات.
سُجنَ غاندي سجناً منفرداً لكنه لم يتألم، وكتب يقول "لست أرى أحداً من المسجونين الأخرين، ولو أنني في الحق لا أدري كيف يمكن أن يأتيهم الضرر من صحبتي لكني أشعر بالسعادة، إني أحب العزلة بطبيعتي، وأحب الهدوء، ولديّ الآن فرصة سانحة لأدرس موضوعات لم يكن لي بد من إهمالها في العالم الخارجي(64) وراح يعلم نفسه بما يزيد من ثورته في كتابات "بيكن" و "كارلايل" و "رسْكُن" و "إمرسن" و"ثورو" و "تولستوي، وسرّى عن نفسه كروبها مدى ساعات طوال بقراءته لـ "بن جونْسن" و "وولترسكُتْ" وقرأ "بها جافاد جيتا" مراراً، ودرس السنسكريتية والتامِليَّة والأردية، حتى لا يقتصر على الكتابة للعلماء، بل ليستطيع كذلك أن يتحدث إلى الجماهير، ولقد أعدَّ لنفسه برنامجاً مفصلاً لدراساته خلال الستة الأعوام التي سيقضيها في سجنه، وكان أميناً في تنفيذ ذلك البرنامج، حتى تدخلت الحوادث في تغيير مجراه، "لقد كنت أجلس إلى كتبي بنشوة الشاب وهو في الرابعة والعشرين، ناسياً أني قد بلغت من العمر أربعة وخمسين وأني عليل‎"(65).




صفحة رقم : 1082




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> مهاتما غاندي


كان مرضه "بالمصران الأعور" طريق خلاصه من السجن، كما كان الطب الغربي الذي طالما أنكره، طريق نجاته من المرض؛ وتجمع عند بوابات السجن حشد كبير لتحيته عند خروجه وقبَّل كثيرون منهم ثوبه الغليظ وهو ماضٍ في طريقه؛ لكنه اجتنب السياسة وتوارى عن أنظار الشعب، وعني بضعف بنيته ومرضه، وأوى إلى مدرسته في أحمد أباد حيث أنفق أعواماً طوالاً مع طلابه في عزلة هادئة؛ ومع ذلك فقد أخذ يرسل من مَكْمنه ذاك كل أسبوع بمقال افتتاحي تنشره له الجريدة التي كانت لسان حاله، وهي جريدة "الهند الفتاة" وجعل يبسط في تلك المقالات فلسفته عن الثورة والحياة؛ والتمس من أتباعه أن يجتنبوا أعمال العنف، لا لأن العنف بمثابة الانتحار للهند فقط، ما دامت الهند عزلاء من السلاح، بل لأنه كذلك سيضع استبداداً مكان استبداد آخر؛ وقال لهم: "إن التاريخ ليعلمنا أن أولئك الذين دفعتهم الدوافع الشريفة إلى اقتلاع أصحاب الجشع باستخدام القوة الغشوم، أصبحوا بدورهم فريسة لنفس المرض الذي كان يصيب أعداءهم المهزومين... إن اهتمامي بحرية الهند سيزول لو رأيتها تصطنع لحريتها وسائل العنف، لأن الثمرة التي تجنيها من تلك الوسائل لن تكون الحرية، بل ستكون هي الاستعباد"(66).
وثاني العناصر في عقيدته هو رفضه القاطع للصناعة الحديثة، ودعوته التي تشبه دعوة روسو في سبيل العودة إلى الحياة الساذجة، حياة الزراعة والصناعة المنزلية في القرى، فقد خيل لغاندي أن حبس الرجال والنساء في مصانع، يعملون - بآلات يملكها سواهم - أجزاء من مصنوعات لن يتاح لهم قط أن يروها وهي كاملة، طريقة ملتوية لشراء دمية الإنسان تحت هرم من سلع بالية، ففي رأيه أن معظم ما تنتجه الآلات لا ضرورة له. والعمل الذي يوفره استخدام الآلات في الصناعة يعود فيستهلك في صنعها وإصلاحها، أو إن كان هناك عمل قد ادخرته الآلات فعلاً، فليس هو من صالح العمل نفسه، بل من صالح رؤوس الأموال، فكأنما الأيدي العاملة تقذف بنفسها بسبب




صفحة رقم : 1083




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> مهاتما غاندي


إنتاجها في حياة يسودها الذعر لما يملؤها من "تعطل ناشئ عن الأساليب العلمية في الصناعة"(67) ولذلك عمل على إحياء حركة "سواديشي" التي حمل لواءها "تيلاك" سنة 1905، وأضيف مبدأ "الإنتاج الذاتي" إلى مبدأ "سواراج" أي "الحكم الذاتي"، وجعل غاندي استخدام "الشاركا" - أي عجلة الغزْل - مقياساً للتشيع المخلص للحركة القومية وطالب كل هندي، حتى أغناهم، بأن يلبس ثياباً من غزْل البلاد، وأن يقاطع المنسوجات البريطانية الآنية، حتى يتسنى للدور في الهند أن تطنَّ من جديد في فصل الشتاء الممل بصوت المغازل وهي تدور بعجلاتها(68).
لكن الناس لم يستجيبوا بأجمعهم لدعوته، لأنه من العسير أن توقف التاريخ عن مجراه، ومع ذلك فقد حاولت الهند على كل حال أن تستجيب لدعوته، فكنت ترى الطلبة الهنود في كل أرجاء الأرض كلها يرتدون "الخضَّار"؛ ولم تعد سيدات الطبقة العالية يلبسن "الساري" من الحرير الياباني، بل استبدلن به ثياباً خشنة من نسيج أيديهن وجعلت العاهرات في مواخيرهن والمجرمون في سجونهم يغزلون، وأقيمت المحافل الكبرى في المدن كثيرة كما كان يحدث في عهد "سافونا رولا" - حيث جاء الهنود الأغنياء والتجار بما كان في دورهم أو في مخازنهم من المنسوجات الواردة من الخارج، فألقوا بها في النار، ففي بمباي وحدها، أكلت ألسنة اللهب مائة وخمسين ألف ثوب من القماش(69).
ولئن فشلت هذه الحركة التي قصدت إلى نبذ الصناعة؛ فقد هيأت للهند مدى عشرة أعوام رمزاً للثورة، وعملت على تركيز ملايينها الصامتة في اتحاد جديد من الوعي السياسي، وارتابت الهند في قيمة الوسيلة لكنها أكبرت الغاية المنشودة؛ فإذا كانت قد تزعزعت ثقتها بغاندي السياسي فقد أحلت في سويداء قلبها غاندي القديس، وأصبحت الهند كلها لحظة من الزمن بمثابة الرجل الواحد وذلك باتحادها في إكباره، فكما يقول عنه طاغور:
"إنه وقف على أعتاب آلاف الأكواخ التي يسكنها الفقراء ولبس ثياباً




صفحة رقم : 1084




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> مهاتما غاندي


كثيابهم، وتحدث إليهم بلغتهم، ففيه تجسدت آخر الأمر حقيقة حية، ولم يعد الأمر اقتباساً يستخرج من بطون الكتب: ولهذا السبب كان اسم "مهاتما" - وهو الاسم الذي أطلقه عليه الشعب - هو اسمه الحق، فمن سواه قد شعر شعوره بأن الهند أجمعين هم لحمه ودمه؟.. فلما جاء الحب وطرق باب الهند، فتحت له الهند بابها على مصراعيه... لقد ازدهرت الهند لدعوة غاندي ازدهاراً يؤدي بها إلى عظمة جديدة، كما ازدهرت مرة سبقت في الأيام السوالف، حين أعلن بوذا صدق الإخاء والرحمة بين الكائنات الحية جميعاً(70).
لقد كانت رسالة غاندي أن يوحّد الهند وقد أدى رسالته؛ وهناك رسالات أخرى تنتظر رجالاً آخرين.




صفحة رقم : 1085




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> كلمة وداع للهند



الفصل السابع




كلمة وداع الهند


لسنا نستطيع أن نختم الحديث في تاريخ الهند على نحو ما نختمه في تاريخ مصر أو بابل أو أشور، لأن تاريخ الهند لا يزال في دور تكوينه، ومدنيتها لا تزال في طور إبداعها، لقد دبت الحياة من جديد في الهند من الوجهة الثقافية باتصالها بالغرب اتصالاً عقلياً، حتى لترى أدبها اليوم في خصوبة شتى الآداب في البلاد الأخرى، وأما من الوجهة الروحية، فهي ما تزال تكافح الخرافة والإسراف في بضاعتها اللاهوتية، ولكننا لا نستطيع التنبؤ بالسرعة التي تستطيع بها أحماض العلم الحديث أن تذيب آلهتهم التي تزيد عن حاجتهم، ومن الوجهة السياسية شهدت الهند في المائة سنة الأخيرة وحدة لم تشهد لها مثيلاً فيما مضى إلا نادراً، ويرجع ذلك إلى حد ما إلى توحيد الحكومة الأجنبية القائمة عليهم، وإلى حد ما إلى توحيد اللغة الأجنبية التي يتكلمونها، ولكنه يرجع فوق هذا وذلك إلى اتحادهم في الطموح إلى الحرية طموحاً صهرهم في وحدة متماسكة، ومن الوجهة الاقتصادية تنتقل الهند الآن من حياة العصور الوسطى إلى حياة الصناعة الحديثة بما في هذا الانتقال من حسنات وسيئات، وستنمو ثروتها وتزداد تجارتها، نمواً وازدياداً يؤهلانها بغير شك إلى أن تكون قبل نهاية هذا القرن بين دول العالم الكبرى.
وليس في وسعنا أن نزعم أن هذه المدنيَّة قد أفادت مدنيتنا إفادة مباشرة، كما استطعنا أن نتعقب بعض جوانب مدنيتنا إلى أصولها في مصر أو الشرق الأدنى، ذلك لأن مصر والشرق الأدنى كانا السَّلَفَيْن المباشرين لثقافتنا، بينما تدفن تاريخ الهند والصين واليابان في مجرى آخر، وهو آخذ لتوه اليوم في مس تيار




صفحة رقم : 1086




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> خاتمة مسيحية -> كلمة وداع للهند


الحياة العربية والتأثير فيه؛ إنه على الرغم من حيلولة حاجز الهملايا، قد استطاعت الهند أن تبعث إلينا عَبْرَ تلك الجبال طائفة من ألوان التراث المشكوك فيه، مثل النحو والمنطق والفلسفة والحكايات الخرافية والتنويم المغناطيسي والشطرنج، وفوق هذا كله، بعثت إلينا أرقامنا التي نستعملها في الحساب ونظامنا العشري؛ لكن هذه ليست صفوة روحها، وهي توافه إذا قيست إلى ما قد نتعلمه منها في مقبل الأيام؛ فبينما تعمل الاختراعات والصناعة والتجارة على ربط القارات بعضها ببعض، أو بينما تعمل هذه العوامل على بث روح الشقاق بيننا وبين آسيا، فسيتاح لنا في أي من الحالتين أن ندرس مدنيتها عن كثب أكثر من ذي قبل، وسنمتصُّ - حتى في حالة قيام الخصومة بيننا - بعض أساليبها وأفكارها؛ فربما علمتنا الهند مقابل ما لقيتْه على أيدينا من فتح وعنجهية واستغلال، التسامح والوداعة اللذين يتصف بهما العقل الناضج، والقناعة المطمئنة التي تتميز بها النفس إذا كفت عن الجشع في جمع المال، وهدوء الروح البصيرة بحقائق الوجود، وحب الكائنات الحية جميعاً، الذي من شأنه أن يبث في الناس اتحاداً وسلاماً.




صفحة رقم : 1087




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> قدر الصينيين



الكتاب الثالث




الشرق الأقصى




الصين




الباب الثالث والعشرون




عصر الفلاسفة




الفصل الأول




نشأة الفلسفة




1- قدر الصينيين


لقد كانت دراسة بلاد الصين عملاً من الأعمال المجيدة التي تمت في عصر الاستنارة وقد قال فيهم ديدرو: "أولئك قوم يفوقون كل من عداهم من الأسيويين في قدم عهدهم، وفي فنونهم، وعقليتهم، وحكمتهم وحسن سياستهم، وفي تذوقهم للفلسفة، بل إنهم في رأي بعض المؤلفين ليضارعون في هذه الأمور كلها أرقى الشعوب الأوربية وأعظمها استنارة". وقال فلتير Voltaire: "لقد دامت هذه الإمبراطورية أربعة آلاف عام دون أن يطرأ عليها تغير يذكر في القوانين، أو العادات، أو اللغة، أو في أزياء الأهلين... وإن نظام هذه الإمبراطورية لهو في الحق خير ما شهده العالم من نظم ". وهذا الإجلال الذي ينظر به علماء ذلك الوقت إلى بلاد الصين قد حققته دراستنا لتلك البلاد عن كثب، والذين خبروا تلك البلاد وعرفوها حق المعرفة قد بلغ اعجابهم بها غايته. انظر إلى ما قاله الكونت كيسرلنج Count Keyserling في خاتمة كتاب له يعد من أغزر الكتب علما وأعظمها نفعا وأبرعها تصويراً:




صفحة رقم : 1088




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> قدر الصينيين


"لقد أخرجت الصين القديمة أكمل صورة من صور الإنسانية. وكانت فيها صور مألوفة عادية... وأنشأت أعلى ثقافة عامة عرفت في العالم كله... وإن عظمة الصين لتتملكني وتؤثر قيّ كل يوم أكثر من الذي قبله... وإن عظماء تلك البلاد لأرقى ثقافة من عظماء بلادنا... وإن أولئك السادة لهم طراز سام من البشر... وسموهم هذا هو الذي يأخذ بلبي... إن تحية الصيني المثقف لتبلغ حد الكمال!. وليس ثمة من يجادل في تفوق الصين في كل شأن من شئون الحياة... ولعل الرجل الصيني أعمق رجال العالم على بكرة أبيهم".
والصينيون لا يهتمون كثيراً بإنكار هذه الأقوال، وقد ظلوا حتى هذا القرن )ماعدا نفراً قليلاً في الوقت الحاضر( مجمعين على أن أهل أوربا وأمريكا برابرة همج. وكان من عادة الصينيين قبل سنة 1860 أن يترجموا لفظ " أجنبي " في وثائقهم الرسمية باللفظ المقابل لهمجي أو بربري، وكان لا بد للبرابرة أن يشترطوا على الصينيين في معاهدة رسمية إصلاح هذه الترجمة . والصينيون كمعظم شعوب الارض "يرون أنهم أعظم الامم مدنية وأرقهم طباعاً". ولعلهم محقون في زعمهم هذا رغم ما في بلادهم من فساد وفوضى من الناحية السياسية، ورغم تأخرهم في العلوم، وكدحهم في المصانع، ومدنهم الكريهة الرائحة، وحقولهم الملأى بالاقذار، وفيضان أنهارهم، وما ينتاب بلادهم من القحط، ورغم جمودهم وقسوتهم وفقرهم وخرافاتهم، وقلة عنايتهم بتربية ابنائهم، وحروبهم




صفحة رقم : 1089




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> قدر الصينيين


المدمرة، ومذابحهم وهزائمهم المذلة. ذلك أن ما وراء هذا المظهر المظلم الذي يبدو الآن لعين الغريب عن بلادهم مدنية من أقدم المدنيات القائمة في العالم وأغناها: فمن ورائه تقاليد قديمة في الشعر، يرجع عهدها إلى عام 1700 ق. م، وسجل حافل بالفلسفة الواقعية المثالية العميقة غير المعجزة الدرك، ومن ورائه براعة في صناعة الخزف والنقش لا مثيل لها من نوعها، واتقان مع يسر لجميع الفنون الصغرى لا يضارعهم فيه الا اليابانيون، وأخلاق قويمة قوية لم نر لها نظيراً عند شعوب العالم في أي وقت من الأوقات، ونظام اجتماعي ضم عدداً من الخلائق أكثر مما ضمه أي نظام آخر عرف في التارخ كله ودام أحقابا لم يدمها غيره من النظم، ظل قائما حتى قضت عليه الثورة ويكاد ان يكون هو المثل الاعلى للنظم الحكومية التي يدعو اليها الفلاسفة؛ ومجتمع كان راقيا متمدنا حين كانت بلاد اليونان مسكن البرابرة؛ شهد قيام بابل وآشور؛ وبلاد الفرس واليهود، وأثينة ورومة والبندقية وأسبانيا، ثم شهد سقوطها كلها، وقد يبقى بعد أن تعود بلاد البلقان التي نسميها أوربا إلى ما كانت عليه من جهالة وهمجية. ترى أي سر عجيب أبقى هذا النظام الحكومي تلك القرون الطوال، وحرك هذه اليد الفنية الصناع، وأوحى إلى نفوس اولئك القوم ذينك العمق والاتزان؟




صفحة رقم : 1090




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الدولة الوسطى الزاهرة



2- الدولة الوسطى الزاهرة




وصف البلاد الجغرافي - الجنس الصيني - ما قبل التاريخ


إذا عددنا الروسيا بلادا أسيوية- وقد كانت كذلك إلى أيام بطرس الأكبر وقد تعود أسيوية مرة أخرى- لم تكن أوربا الا أنفا مسننا في جسم آسية، وامتدادا يشتغل بالصناعة من خلفه قارة زراعية كبيرة، ومخالب أو نتوءات ممتدة من قارة جبارة مهولة. وتشرف الصين على تلك القارة المترامية الأطراف، وهي لا تقل عن أوربا في اتساع رقعتها وتعداد عامرها.




صفحة رقم : 1091




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الدولة الوسطى الزاهرة


وقد كان يكتنفها في معظم مراحل تاريخها أكبر المحيطات وأعلى الجبال، وصحراء من أوسع صحارى العالم.
لذلك استمتعت بلاد الصين بعزلة كانت هي السبب في حظها النسبي من السلامة والدوام، والركود وعدم التغيير، وهو حظ كبير اذا قيس إلى حظ غيرها من الامم. ومن أجل هذا فان الصينيين لم يسموا بلادهم- الصين، بل سموها تيان- هوا- "تحت السماء " أو زهاي- "بين البحار الاربعة"-أو جونج- جوو "الدولة الوسطى"- أو جونج- هوا- جوو- "الدولة الوسطى الزاهرة" أو الاسم الذي سماها به مرسوم الثورة جونج- هوا- مين- جوو- "مملكة الشعب الوسطى الزاهرة". والحق ان الازهار اليانعة كثيرة فيها، كما ان فيها كل المناظر الطبيعية المختلفة التي يمكن ان تهبها اياها الشمس الساطعة، والسحب السابحة، وشعاب الجبال الوعرة، والانهار العظيمة، والاغوار العميقة، والشلالات الدافقة بين التلال العابسة. ويجري في قسمها الجنوبي الخصيب نهر يانج- دزه الذي يبلغ طوله ثلاثة آلاف ميل، وفي الشمال يتحدر الهوانج هو، أو النهر الأصفر من سلاسل الجبال الغربية مخترقا سهولا من اللويس، ويحمل معه الغرين ليصبه الآن في خليج بتشيلي، وكان من قبل يصبه في البحر الاصفر، ولعله سيعود في الغد فيصبه في هذا البحر مرة أخرى. على ضفاف هذين النهرين وعلى ضفتي نهر الواي وغيره من المجاري الواسعة، بدأت الحضارة الصينية تنتزع الارض من الوحوش والآجام، وتصد عنها الهمج المحيطين بها، وتنظف الارض من الحسك والعليق، وتطهرها من الحشرات المهلكة والرواسب الأكالة القارضة كأملاح البوتاسا وغيرها. وتجفف المناقع، وتقاوم الجفاف والفيضان، وما يطرأ على مجاري الأنهار




صفحة رقم : 1092




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الدولة الوسطى الزاهرة


من تحول يعود على البلاد وسكانها بالخراب والهلاك، وتجري الماء في صبر وحذر من اولئك الاعداء الأوداء في آلاف القنوات، وتقيم يوما بعد يوم خلال القرون الطوال أكواخا وبيوتا ومعابد ومدارس وقرى ومدنا ودولا. ألا ما أطول الآجال التي يكد الناس خلالها ليشيدوا صرح الحضارة التي يدمرونها في سهولة وسرعة عجيبتين!
وليس في الناس من يعرف من أين جاء الصينيون، أو إلى أي جنس ينتسبون، أو متى بدأت حضارتهم في الزمن القديم. وكل ما نستطيع أن نقوله واثقين أن بقايا "انسان بيكين" توحي بأن القردة البشرية جد قديمة في بلاد الصين. وقد استنتج أندروز Andrews من بحوثه في تلك البلاد أن منغوليا كان يعمرها من عشرين ألف سنة قبل الميلاد أجيال من الناس تشبه أدواتهم الأدوات "الأزيلية" التي كانت أوربا تستخدمها في العصر الحجري الأوسط، وأن خلفاء هذه الاجيال انتشروا في سيبيريا والصين حينما جفت منغوليا الجنوبية وأجدبت واستحالت إلى صحراء جوبي الحالية. وتدل كشوف أندرسن Anderson وغيره في هونان ومنشوريا الجنوبية على أن ثقافة تنتسب إلى العصر الحجري الحديث وجدت في تلك البلاد متأخرة بألفي عام من مثيلتها في عصر ما قبل التاريخ في مصر وسومر. ويشبه بعض ما وجد من الادوات في الرواسب الباقية من العصر الحجري الحديث، في شكله وتسنينه، المدى الحديدي التي يستخدمها سكان الصين الشمالية في هذه الايام لحصاد الذرة الصينية ، وهذه الحقيقة على ضآلة شأنها ترجح القول بأن الثقافة الصينية قد دامت سبعة آلاف عام متواصلة غير منقطعة، وهو عهد ما أطوله، وقل أن يوجد له في غير الصين نظير(15).




صفحة رقم : 1093




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الدولة الوسطى الزاهرة


على أن طول هذه العهود يجب ألا يغشى أبصارنا فنبالغ في تجانس هذه الثقافة أو تجانس الشعب الصيني نفسه. فقد يلوح أن بعض فنونهم وصناعاتهم الأولى جاءتهم من بلاد النهرين والتركستان. من ذلك أن خزف هونان المنتمي إلى العصر الحجري الحديث لا يكاد يفترق في شيء عن خزف أنو والسوس.
والجنس "المغولي" الحاضر مزيج معقد اختلطت فيه السلالة البدائية مرارا وتكرارا بمئات السلالات الغازية أو المهاجرة من منغوليا وجنوب الروسيا )السكوذيين( ووسط آسية.
فالصين من هذه الناحية كالهند يجب ان نشبهها بأوربا بأكملها لا بأمة واحدة من أممها؛ فليست هي موطنا موحدا لأمة واحدة، بل هي خليط من أجناس مختلفة الاصول متباينة اللغات غير متجانسة في الاخلاق والفنون؛ وكثيرا ما يعادي بعضها بعضا في العادات والمبادئ الخلقية والنظم الحكومية.




صفحة رقم : 1094




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> القرون الغابرة المجهولة



3- القرون الغابرة المجهولة




قصة الخلق عند الصينيين - بداية الثقافة - الخمر




وعصى الأكل - الاباطرة الافاضل - ملك كافر


تسمى الصين "جنة المؤرخين"؛ ذلك أنها ظلت مئات وآلافا من السنين ذات مؤرخين رسميين يسجلون كل ما يقع فيها، وكثيرا مما لا يقع. على أننا لا نثق بأقوالهم عن العهود السابقة لعام 76 ق. م، ولكننا اذا استمعنا إلى هذه الاقوال رأيناهم يحدثوننا أحاديث مفصلة عن تاريخ الصين منذ 3000 ق. م، ورأينا أكثرهم تقى وصلاحا يصفون خلق العالم كما يفعل المطلعون على الغيب في هذه الايام. ومن أقوالهم في هذا أن "بان كو" أول الخلائق استطاع أن يشكل الأرض حوالي عام 2.229.000 ق. م بعد أن ظل يكدح في عمله هذا ثمانية عشر ألف عام. وتجمعت أنفاسه التي كان يخرجها في أثناء عمله فكانت رياحا




صفحة رقم : 1095




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> القرون الغابرة المجهولة


وسحبا، وأضحى صوته رعدا، وصارت عروقه أنهارا، واستحال لحمه أرضا، وشعره نبتا وشجرا، وعظمه معادن، وعرقه مطرا؛ أما الحشرات التي كانت تعلق بجسمه فأصبحت آدميين. وليس لدينا من الادلة القاطعة ما ننقض به هذا العلم الكوني العجيب.
وتقول الاساطير الصينية ان الملوك الاولين حكم كل منهم ثمانية عشر ألف عام، وانهم جاهدوا أشق جهاد ليجعلوا من قمل "بان كو" خلائق متحضرين. وتقول لنا هذه الاساطير ان الناس "كانوا قبل هؤلاء الملوك السماويين كالوحوش الضارية يلبسون الجلود ويقتاتون باللحوم النيئة، ويعرفون أمهاتهم، ولكنهم لا يعرفون آباءهم"- ولا يرى استرندبرج strendberg أن هذا الوصف الاخير مقصور على الأقدمين أو على الصينيين. ثم جاء من بعد هؤلاء الامبراطور فوشي في عام 852 ق. م بالتحديد، فعلم الناس بمعاونة زوجه المستنيرة الزواج، والموسيقى والكتابة والتصوير، وصيد السمك بالشباك، وتأنيس الحيوان، واطعام دود القز للحصول منها على الحرير. وأوصى وهو على فراش الموت أن يخلفه سن نونج، فأدخل هذا الامبراطور في البلاد الزراعة، واخترع المحراث الخشبي، وأقام الاسواق وأوجد التجارة، وأنشأ علم الطب بما عرفه من خواص النبات العلاجية، هذا ما تقوله الاساطير التي تعلي الاشخاص أكثر مما تعلي الافكار، وتعزو إلى عدد قليل من الافراد نتائج كدح الاجيال الطوال. ثم حكم امبراطور محارب قوى يدعى هوانج- دي لم يطل عهده أكثر من مائة عام، فجاء إلى الصين بالمغنطيس والعجلات، ووظف المؤرخين الرسميين، وشاد أول أبنية من الآجر في الصين؛ وأقام مرصدا لدراسة النجوم، وأصلح التقويم، وأعاد توزيع الأرض على الأهلين. وحكم "يَو" قرنا آخر، وبلغ من صلاح حكمه أن كنفوشيوس، حين كتب عنه بعد زمانه بثمانمائة وألف عام في عهد كان يبدو له بلا ريب عهدا "حديثا" فاسدا، أخذ يندب ما طرأ على الصين من ضعف




صفحة رقم : 1096




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> القرون الغابرة المجهولة


وانحلال. ويحدثنا الحكيم القديم- الذي لم يستطع رغم حكمته التورع عن "الكذبة الصالحة" يضيفها إلى القصة ليجعل لها مغزى خلقيا- يحدثنا هذا الحكيم القديم أن الناس أصبحوا أفاضل أتقياء بمجرد النظر إلى "يو"، وكان أول ما قدمه "يو" من معونة للمصلحين أن وضع في خارج باب قصره طبلا يضربونه اذا أرادوا أن يدعوه لسماع شكواهم ولوحا يكتبون عليه ما يشيرون به على الحكومة ويقول كتاب التاريخ الذائع الصيت:
"أما يَوْ الصالح فيقولون عنه انه حكم جونج- جُوُو مائة عام لأنه عاش مائة عام وعشرة وستة؛ وكان رحيما خيرا كالسماء، حكيما بصيرا كالآلهة، وكان ضياؤه يبدو من بعيد كالسحابة اللامعة، فاذا اقتربت منه كان كأنه الشمس الساطعة. وكان غنيا في غير زهو، عظيما في غير ترف وكان يلبس قلنسوة صفراء، ومئزرا قاتم اللون، ويركب عربة حمراء تجرها جياد بيض. وكانت طنف أسقف بيته غير مشذبة، وألواحه غير مسحجة، ودعائمه الخشبية غير ذات أطراف مزينة.
وكان أغلب ما يقتات به الحساء أيا كان ما يصنع منه، لا يهتم باختيار الحبوب التي يصنع منها خبزه، وكان يشرب حساء العدس من صفحة مصنوعة من الطين، ويتناوله بملعقة من الخشب. ولم يكن يتحلى بالجواهر، ولم تكن ثيابه مطرزة، بل كانت بسيطة لا يختلف بعضها عن بعض. ولم يكن يعني بغير المألوف من الاشياء أو الغريب من الاحداث، ولم يكن يقيم وزنا للأشياء النادرة الغريبة، يستمع لأغاني الغزل، عربته الرسمية خالية من أسباب الزينة... يلبس في الصيف رداء بسيطا من القطن، ويلف جسمه في الشتاء بجلود الظباء. ومع هذا كله فقد كان أغنى من حكم جونج- جوو، طوال عهدها كله، وأرجحهم عقلا، وأطولهم عمرا، وأحبهم إلى قلوب الشعب(14).




صفحة رقم : 1097




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> القرون الغابرة المجهولة


وكان شون آخر هؤلاء "الملوك الخمسة" مثالا في البر البنوي، كما كان هو البطل الذي جاهد لحماية البلاد من فيضانات نهر هوانج- هو، والذي أصلح التقويم، وضبط الموازين والمقاييس، وكسب محبة الاجيال التي جاءت بعده من تلاميذ المدارس بتقصير طول السوط الذي كانوا يربون به. وتقول الروايات الصينية إن شون في آخر أيامه رفع معه على العرش أقدر مساعديه، وهو المهندس العظيم يو، الذي تغلب على فيضان تسعة أنهار بشق تسعة جبال واحتفار تسع بحيرات، ويقول الصينيون "لولا يو، لكنا كلنا سمكا". وتقص الأساطير المقدسة ان خمر الأرز عصر في أيامه وقدم للامبراطور، ولكن "يو" صبه على الارض وقال متنبئا: "سيأتي اليوم الذي يخسر فيه أحد الناس بسبب هذا الشيء ملكا"، ثم نفي من كشف هذا الشرب من البلاد وحرم على الناس شربه. فلما فعل هذا جعل الناس خمر الأرز شرابهم القومي، فكان ذلك درسا علموه لمن جاء بعدهم من الخلائق.
وغيّر يو المبدأ الذي كان متبعا من قبله في وراثة الملك وهو أن يعين الامبراطور قبل وفاته من يخلفه على العرش، فجعل الملك وراثيا في أسرته، وأنشأ بذلك أسرة الشيتية (أي المتحضرة)، فكان ذلك سببا في أن يتعاقب على حكم الصين العباقرة والبلهاء وذوو المواهب الوسطى. وقضى على هذه الاسرة امبراطور ذو أطوار شاذة، يدعى جية أراد أن يسلي نفسه هو وزوجته فأمر ثلاثة آلاف من الصينيين أن يموتوا ميتة هنيئة بالقفز في بحيرة من النبيذ.
وليس لدينا ما يحقق لنا صدق ما ينقله إلينا المؤرخون الصينيون الأقدمون من أخبار هذه الاسرة. وكل ما نستطيع أن نقوله أن علماء الفلك في هذه الايام قد حققوا تاريخ الكسوف الشمسي الذي ورد ذكره في السجلات القديمة فقالوا انه قد حدث في عام 2165 ق. م، ولكن الثقاة الذين يعتد بآرائهم لا يؤمنون بحساب أولئك الفلكيين(16). وقد وجدت على بعض العظام التي كشفت في




صفحة رقم : 1098




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> القرون الغابرة المجهولة


هونان أسماء حكام تعزوهم الروايات الصينية إلى الاسرة الثانية أو أسرة شانج؛ ويحاول المؤرخون أن يعزوا بعض الاواني البرنزية الموغلة في القدم إلى أيام تلك الأسرة. أما فيما عدا هذا فمرجعنا الوحيد هو القصص الذي يحوي من الطرافة واللذة أكثر مما يحوي من الحقيقة. وتقول الروايات القديمة ان وو- يي أحد أباطرة أسرة شانج كان كافرا يتحدى الآلهة ويسب روح السماء، ويلعب الشطرنج مع ذلك الروح ويأمر احد افراد حاشيته بان يحرك القطع بدل الروح، فاذا أخطأ سخر منه. ثم أهدى اليه كيسا من الجلد وملأه دماً، وأخذ يسلي نفسه بأن يصوب اليه سهامه. ويؤكد لنا المؤرخون- وفيهم من الفضيلة أكثر مما في التاريخ نفسه- ان وو- يي أصابته صاعقة فأهلكته.
وكان جوسين آخر ملوك هذه الاسرة ومخترع عصى الطعام خبيثا آثما إلى حد لا يكاد يصدقه العقل، فقضى بإثمه على اسرته. ويحكى عنه أنه قال: "لقد سمعت أن لقلب الانسان سبع فتحات، وأحب أن أتثبت من صدق هذا القول في بي كان"- وزيره وكانت تاكي زوجة جو مضرب المثل في الفجور والقسوة، فكانت تعقد في بلاطها حفلات الرقص الخليع، وكان الرجال والنساء يسرحون ويمرحون عارين في حدائقها. فلما غضب الناس من هذه الفعال عمدت إلى كم أفواههم باختراع ضروب جديدة من التعذيب، فكانت ترغم المتذمرين على أن يمسكوا بأيديهم معادن محمية في النار أو يمشوا على قضبان مطلية بالشحم ممتدة فوق حفرة مملوءة بالفحم المشتعل، فإذا سقط الضحايا في الحفرة طربت الملكة حين تراهم تشوى أجسادهم في النار.
وقضت على عهد جوسين مؤامرة دبرها الثوار في داخل البلاد، وغارة من ولاية جو الغربية، ورفع المغيرون على العرش أسرة جو، وقد دام حكمها أطول من حكم أية أسرة مالكة أخرى في بلاد الصين. وكافأ الزعماء المنتصرون من أعانوهم من القواد والكبراء بأن جعلوهم حكاما يكادون أن يكونوا مستقلين في




صفحة رقم : 1099




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> القرون الغابرة المجهولة


الولايات الكثيرة التي قسمت اليها الدولة الجديدة. وعلى هذا النحو بدأ عهد الاقطاع الذي كان فيما بعد شديد الخطر على حكومة البلاد، والذي كان رغم هذا باعثا على النشاط الادبي والفلسفي في بلاد الصين. وتزاوج القادمون الجدد والسكان الأولون وامتزجوا جميعا، وكان امتزاجهم هذا تمهيدا بيولوجيا لأولى حضارات الشرق الأقصى في الازمنة التاريخية.




صفحة رقم : 1100




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الحضارة الصينية الأولى



4- الحضارة الصينية الأولى




عصر الإقطاع في الصين - وزير قدير - النضال بين العادات




والقوانين - الثقافة والفوضى - أغاني الحب في "كتاب الأغاني"


لم تكن الولايات الإقطاعية، التي وهبت الصين بعدئذ ما استمتعت به من نظام سياسي قرابة ألف عام، من عمل الفاتحين، بل نشأت من المجتمعات الزراعية التي قامت في الأيام البدائية بامتصاص أقوياء الزراع ضعافهم، أو باندماج الجماعات تحت رياسة زعيم واحد حتى يستطيعوا أن يدفعوا عن حقولهم من يغيرون عليها من الهمج المحيطين بهم. وبلغ عدد هذه الإمارات في وقت من الأوقات سبع عشرة ولاية تتكون كل منها في العادة من بلدة مسورة تحيط بها أرض زراعية ومن ضواح مسورة أصغر منها يتألف من مجموعها محيط دفاعي واحد. ثم أخذت هذه الولايات يندمج بعضها في بعض على مهل حتى نقص عددها إلى خمس وخمسين ولاية تشمل الإقليم الذي يعرف الآن بإقليم هونان وما جاوره من أقاليم شانسي، وشنسى، وشانتونج. وكان أهم هذه الولايات الخمس والخمسين ولاية تشي التي وضعت أساس الحكومة الصينية، وولاية تشين التي أخضعت سائر الولايات لحكمها وأنشأت منها امبراطورية موحدة، وخلعت على بلاد الصين اسمها المعروفة به في جميع بلاد العالم إلاّ فيها هي نفسها.
وكان السياسي العبقري الذي وضع لولاية تشي نظامها هو جوان جونج




صفحة رقم : 1101




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الحضارة الصينية الأولى


مستشار الدوق هوان. وقد بدأ جوان حياته السياسية بمساعدة أخى هوان عليه في نزاعهما من أجل السيطرة على تشي، وكاد يقتل هوان في إحدى الوقائع الحربية. ولكن هوان انتصر في آخر الأمر وأسر جوان وعينه رئيس وزراء دولته. وزاد جوان من قوة سيده باستبدال الأسلحة والأدوات الحديدية بنظائرها المصنوعة من البرنز، وباحتكار الحكومة للحديد والملح أو بالسيطرة عليهما، ثم فرض الضرائب على النقود والسمك والملح "لكي يساعد الفقراء ويكافئ الحكماء وذوي المواهب". وأصبحت تشي في أيام وزارته الطويلة الأجل دولة حسنة النظام ذات عملة مستقرة، ونظام اداري محكم، وثقافة زاهرة. وقد قال عنه كنفوشيوس- وهو الذي لم يكن يمتدح الساسة إلا بأوجز عبارة- "إن الناس لا يزالون حتى اليوم يستمتعون بالنعم التي أسبغها عليهم، ولولا جوان جونج لظللنا حتى اليوم ذوي شعر أشعث، ولظلت ملابسنا تزرر جهة الشمال" .
وفي بلاط نبلاء الاقطاع نشأت طريقة التحية التي امتاز بها الصينيون المهذبون، كما نشأت فيها شيئا فشيئا تقاليد من الاخلاق والاحتفالات ومراسم التكريم بلغت من الدقة حدا يكفيها لأن تحل محل الدين عند الطبقات العليا في المجتمع. ثم وضعت أسس الشرائع وبدأ نزاع شديد بين حكم العادات التي نمت عند عامة الشعب وبين حكم القانون الذي وضعته الدولة. وأصدرت دوقيتا جنج وتشين (في عامي 535 512 ق. م) كتبا في القانون ملأت قلوب الفلاحين رعبا، وتنبئوا بما سيحل بهما من عقاب سماوي شديد على هذه الجريمة الشنيعة. وحدث بالفعل أن دمرت النار عاصمة جنج بعد ذلك بقليل. وكان في هذه الشرائع محاباة للطبقات العليا، فقد أعفتها من كثير من الواجبات المفروضة على غيرها من الطبقات على شريطة أن يؤدب أفرادها أنفسهم. من ذلك أن القاتل منهم كان




صفحة رقم : 1102




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الحضارة الصينية الأولى


يسمح له بأن ينتحر، وكان الكثيرون منهم ينتحرون بالفعل على النحو الذي أصبح فيما بعد عادة مألوفة بين طبقة السموراي في اليابان. واحتج عامة الشعب على هذه التفرقة، وقالوا أن في مقدورهم هم أيضا أن يؤدبوا أنفسهم، وتمنوا أن يقوم بينهم وطني مخلص شبيه بهرموديس أو أرستجيتون يحررهم من ظلم القوانين. ثم تراضت الفئتان آخر الأمر واتفقتا على حل سليم فضيقت دائرة القانون الوضعي حتى لم تعد تشمل الا المسائل الكبرى أو المسائل القومية، وظلت أحكام العرف والعادة هي الفيصل فيما دونها من الأمور. واذ كانت الكثرة الغالبة من شئون البشر من المسائل الصغرى فقد ظل حكم العادة هو السائد بين كافة الطبقات.
واستمر تنظيم الولايات يجري في مجراه، وجمعت قواعد هذا النظام في الجو- لي، أو "دستور جو" وهو مجموعة من الشرائع تعزوها الروايات إلى جو جونج عم دوق جو الثاني وكبير وزرائه، وهو بالطبع قول لا يقبله عقل لأن هذه الشرائع لا يمكن أن تكون من وضع رجل واحد.
والواقع إن الإنسان يلمح فيها روح كونفوشيوس ومنشيس، ولهذا فأكبر الظن أنها وضعت في آخر أيام أسرة جو لا في أيامها الاولى. وقد ظلت مدى ألفي عام تمثل فكرة الصينيين عن النظام الحكومي: وقوامه إمبراطور يحكم نيابة عن الخالق، وأنه "ابن السماء" يستمد سلطانه مما يتصف به من الفضيلة والصلاح؛ وأعيان، بعضهم بحكم مولدهم وبعضهم بحكم تربيتهم وتدريبهم، يصرفون أعمال الدولة؛ وشعب يرى أن واجبه فلح الارض يعيش في أسر أبوية ويتمتع بالحقوق المدنية ولكنه لا رأي له في تصريف الشؤون العامة؛ ومجلس من ستة وزراء كل واحد منهم على ناحية من النواحي الآتية وهي: "حياة الإمبراطور وأعماله، ورفاهية الشعب وزواج أفراده المبكر، والمراسيم والتنبؤات الدينية، والاستعداد للحرب والسير فيها، وتوزيع العدالة بين السكان وتنظيم




صفحة رقم : 1103




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الحضارة الصينية الأولى


الأشغال العامة". ويكاد هذا القانون يكون قانونا مثاليا، وأكبر الظن أنه نبت في عقل فيلسوف أفلاطوني مجهول لم يتحمل أعباء الحكم، لا من تجارب زعماء دنستهم السلطة الفعلية ويتعاملون مع خلائق حقيقيين.
ولما كان الشر المستطير قد يجد له مكانا حتى في أكمل الدساتير، فقد كان تاريخ الصين السياسي هو التاريخ المألوف الذي يتناوبه الفساد الطويل وفترات الإصلاح القصيرة. ذلك أن الثروة حين زادت أدت إلى الإسراف والترف فأفسدا الطبقة العليا، كما غصّ بلاد الأباطرة وغصت فيما بعد لويانج عاصمة الدولة بالموسيقيين والقتلة والسفاحين والسراري والفلاسفة. وقلما كانت تمضي عشر سنين دون أن يهاجم فيها الدولة الجديدة البرابرة الجياع الذين لم ينقطعوا يوما ما عن الضغط على حدودها، حتى أضحت الحرب أولا ضرورة لا بد منها للدفاع، ثم صارت بعد قليل حرب هجوم واعتداء، وتدرجت من ألعاب يتسلى بها الأعيان إلى مسابقات في التقتيل بين عامة الشعب، يطاح فيها بعشرات الآلاف من الرؤوس، فلم يمض إلاّ قرنان من الزمان أو أكثر منهما بقليل حتى قتل من الملوك ستة وثلاثون، وعمت البلاد الفوضى، ويئس الحكام من إصلاح الأمور.
وظلت الحياة تتعثر في طريقها متخطية هذه العقبات القديمة فكان الفلاّح يزرع ويحصد لنفسه في أحيان قليلة وللنبلاء الإقطاعيين في أكثر الاحيان، لأنه هو وأرضه كانا ملكا لهؤلاء النبلاء، ولم يبدأ الفلاحون في امتلاك الارض الاّ في أواخر أيام هذه الأسرة. وكانت الدولة- وهي مجتمع مهلهل من النبلاء الإقطاعيين يعترفون بعض الاعتراف بسيادة واحد منهم- تجند العمال للأشغال العامة، وتروى الحقول من قنوات كثيرة منبثة في أنحاء البلاد؛ وكان الموظفون العموميون يعلّمون الأهلين زرع الحقول وغرس الأشجار؛ ويشرفون على صناعة الحرير بكافة أجزائها. وكان صيد السمك واستخراج الملح من باطن الأرض احتكارا للحكومة في كثير من الولايات. وكانت التجارة الداخلية




صفحة رقم : 1104




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الحضارة الصينية الأولى


رائجة في المدن فنشأت من رواجها طبقة وسطى صغيرة العدد تستمتع بنعم لا تكاد تفترق عن نعم الحياة الحديثة، وكان أفرادها ينتعلون أحذية من الجلد، ويرتدون ملابس من الحرير، أو من نسيج آخر يغزلونه بأيديهم، وينتقلون في عربات مختلفة الانواع، أو في قوارب تسير في الأنهار، ويسكنون بيوتا حسنة البناء، ويستخدمون الكراسي والنضد، ويتناولون طعامهم في صحاف وأواني من الخزف المنقوش. وأكبر الظن أن مستوى حياتهم كان أرقى من مستوى حياة معاصريهم في بلاد اليونان أيام صولون Solon أو في روما أيام نوما Numa.
وسرت في الحياة الذهنية في الصين بين ظروف التفلك ومظاهر الفوضى السائدة في البلاد حيوية تنقض ما يضعه المؤرخون من نظريات وقواعد عامة يريدون أن يأخذ بها الناس؛ فقد وضعت في هذا العهد المضطرب قواعد اللغة الصينية والأدب والفلسفة والفن. ونشأ من ائتلاف الحياة التي أصبحت آمنة بفضل التنظيم الاقتصادي والادخار مع الثقافة التي لم تكن قد وحدت بعد أو قيدت بالقيود والأحكام التي تفرضها عليها التقاليد والحكومة الإمبراطورية القوية السلطان، نشأ من ائتلافهما ذلك الاطار الاجتماعي الذي احتوى أكثر العهود إبداعا وإنشاء في تاريخ الصين الذهني. فكان في كل قصر من قصور الأباطرة والأمراء وفي آلاف من المدن والقرى شعراء ينشدون القصائد، وصناع يديرون عجلة الفخار أو يصبون الآنية الفخمة الجميلة، وكتبة ينمقون على مهل حروف الكتابة الصينية وسفسطائيون يعلمون الطلبة المجدين أساليب الجدل والمحاجة الذهنية، وفلاسفة يتحسرون ويأسون لنقائص البشر وتدهور الدول.
وسندرس في الفصول التالية حال الفن واللغة في أكمل تطوراتهما وأخص خصائصهما، ولكن الشعر والفلسفة من نتاج هذا العصر الذي نتحدث عنه بنوع خاص، وهما يجعلانه أكثر عصور الفكر الصيني ازدهارا. ولقد ضاع معظم ما كتب من الشعر قبل كنفوشيوس، وأكثر ما بقي منه هو ما اختاره هذا




صفحة رقم : 1105




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الحضارة الصينية الأولى


الفيلسوف من نماذج كلها جد وصرامة، جمعت في الشي- جنج، أي "كتاب الأغاني" وقيلت في فترة تزيد على ألف عام تمتد من أيام الشعر القديم الذي قيل في أيام أسرة شانج إلى الشعر ذي الصبغة الحديثة الذي قيل في زمن معاصر لفيثاغورس. وتبلغ عدة هذه القصائد الباقية خمس قصائد وثلثمائة قصيدة، وكلها موجزة إيجازا يجعلها مستعصية على الترجمة، ذات تصوير إيحائي، تتحدث عن الدين ومتاعب الحرب وهموم الحب.
والى القارئ أمثلة من نواح الجنود الذين انتزعوا من بيوتهم في غير الأوقات المناسبة؛ ليلقى بهم في مخالب المنايا لغير سبب تدركه عقولهم:


ألا ما أعظم حرية الإوز البري وهو يطير في الفضاء




ثم يتمتع بالراحة فوق أغصان شجر اليو الملتف الكثيف!




أما نحن الدائمو الكدح في خدمة الملك،




فإنا لا نجد من الوقت ما نزرع فيه الذرة والأرز




ترى على أي شيء يعتمد آباؤنا؟




حدثيني أيتها السماء النائية الزرقاء!




متى ينتهي هذا كله؟..




وهل في الاشجار أوراق لم تصبح بعد أرجوانية؟




وهل بقي في البلاد رجل لم ينتزع من بين ذراعي زوجته؟




رحمة بنا نحن الجنود:-




ألسنا نحن أيضا آدميين؟


وفي القصائد كثير من أغاني الحب المختلفة النغم التي تضرب على أوتار القلوب، وان كان ذلك العصر يبدو لنا لفرط جهلنا عصر الهمجية الصينية وبداية تاريخها. ونحن نستمع في احدى هذه القصائد إلى صوت الشباب المتمرد إلى أبد الدهر




صفحة رقم : 1106




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الحضارة الصينية الأولى


يهمس في آذاننا من خلال القرون البائدة، التي كانت تبدو عهودا نموذجية لكنفوشيوس، وكأنما هي تقول أن لا شيء يماثل التمرد والعصيان في قدم العهد:


أتوسل إليك يا حبيبي




أن تغادر قريتي الصغيرة




وألاّ تهشم أغصان صفصافي؛




وليس ذلك لأن تهشيمها يحزنني




بل لأني أخشى أن يثير تهشيمها غضب أبي.




والحب يناديني بعواطفه المقهورة:-




"إن أوامر الأب يجب أن تطاع"




أتوسل إليك يا حبيبي




أو تحطم أغصان توتي




وليس ذلك لأني أخشى سقوطها




بل لأني أخشى أن يثير سقوطها غضب أخي.




والحب يناديني بعواطفه المقهورة:-




"إن كلام الأخ يجب أن يطاع"




أتوسل إليك يا حبيبي،




ألاّ تتسلل إلى الحديقة




ولا تحطم أشجار الصندل؛




وليس هذا لأني أعني بهذه أو تلك




بل لأني أرهب حديث المدينة،




وإذا ما سار المحبون على هواهم






صفحة رقم : 1107




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الحضارة الصينية الأولى




فماذا يقولون عنهم جيرانهم؟


وثمة قصيدة أخرى هي أقرب هذه القصائد إلى الكمال، أو أحسنها ترجمة، وهي تدل على أن العواطف البشرية قديمة موغلة في القدم:


جلال الصباح يعلو فوق هامتي




وتحيط بي الازهار الشاحبة بيضاء وأرجوانية وزرقاء وحمراء وأنا قلقة البال




وتحرك شيء بين الحشائش الذابلة




فظننت أن ما سمعته هو وقع أقدامه،




وإذا جندب يصر،




وتسلقت التل ساعة أن بزغ الهلال




فأبصرته مقبلا من الطريق الجنوبي




فاستراح قلبي وأطرح عنه حمله(29).






صفحة رقم : 1108




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الفلاسفة قبل كونفوشيوس



5- الفلاسفة قبل كنفوشيوس




"كتاب التغيرات" - "اليانج والين" - عصر




الاستنارة الصينية - ننج شي سقراط الصين


يمتاز هذا العصر بفلسفته. وليس يعيب الجنس البشري أن تشوفه كان في كل عصر من العصور يسبق حكمته، وأن مثله العليا كانت تخطو بأسرع من خطى مسلكه. وها هو ذا يو- دزه في عام 1250 ق. م ينطق بتلك العبارة القصيرة التي تعد من جوامع الكلم، والتي طالما رددها الناس من قبله، ولكنها لم تبل جدتها بعد؛ اذ لا يزال الناس في حاجة إلى من يذكرهم بأن كل مجد مآله كرب وشقاء:


"من يطرح المجد ولا يعبأ به ينج من الاحزان"(30).






صفحة رقم : 1109




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الفلاسفة قبل كونفوشيوس


ألا ما اسعد الانسان الذي لا تاريخ له! وقد ظلت بلاد الصين من ذلك العهد القديم إلى يومنا هذا تخرج فلاسفة.
فكما ان الهند أرقى بلاد العلم في الاديان، وعلم ما وراء الطبيعة، فكذلك الصين أرقاها في الفلسفة الانسانية غير الدينية، اذ لا يكاد يوجد في الادب الصيني كله كتاب ذو شأن في علم ما وراء الطبيعة غير تلك الوثيقة العجيبة التي يبدأ بها تاريخ التفكير الصيني المدون، وهي الوثيقة المعروفة بإسم إي- جنج، أو "كتاب التغيرات". وتقول الرواية المأثورة إن هذا الكتاب قد كتبه ون وانج، أحد مؤسسي أسرة جو في سجنه، وان أبسط مبادئه مستمدة من فوشي الذي عاش قبله بزمن طويل. وهم يقولون لنا ان هذا الامبراطور الاسطوري قد اخترع "الجوات" الثماني أو التثاليث الرمزية التي ترى علوم ما وراء الطبيعة عند الصينيين أنها تنطبق على قوانين الطبيعة وعناصرها. وهم يقولون أن كل واحد من هذه التثاليث يتألف من ثلاثة خطوط بعضها متصل ويمثل عنصر الذكورة أو اليانج وبعضها متقطع ويمثل عنصر الأنوثة أو الين.
وكذلك يمثل اليانج في هذه الثنائية الرمزية العنصر الايجابي الفعال، المنتج، السماوي عنصر الضوء والحرارة والحياة؛ على حين أن الين يمثل العنصر السلبي المنفعل، الأرضي، عنصر الظلمة والبرودة والموت وقد خلد ون يانج ذكره، وأتعب عقول آلاف الملايين من الصينيين بمضاعفة عدد الشرط في الخطوط المتصلة والمتقطعة، فرفع بذلك عدد تباديلها وتوافيقها إلى أربعة وستين كل منها يقابل قانونا من قوانين الطبيعة، ويحتوي على جميع العلوم والتاريخ. والحكمة جميعا تكمن في هذه الأربع والستين شَيْبَنْجَة- أو الآراء الممثلة تمثيلا رمزيا في التثليثات السالفة الذكر. والحقائق كلها يمكن ردها إلى تعارض واتحاد العاملين الأساسيين في الكون وهما عنصرا الذكورة والأنوثة أي اليانج والين.




صفحة رقم : 1110




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الفلاسفة قبل كونفوشيوس


وكان الصينيون يتخذون كتاب التغيرات كتابا يدرسون فيه طرق التنبؤ بالغيب، ويعدونه أعظم تراثهم الأدبي، ويقولون أن كل من فهم ما فيه من توافيق يدرك جميع القوانين الطبيعية. وقد نشر كنفوشيوس هذا الكتاب بنفسه، وجمله بما علق عليه من الحواشي، وكان يفضله على كل ما عداه من كتب الصينيين، ويتمنى أن يخلو لنفسه خمسين عاما يقضيها في دراسته.
ولا يتفق هذا السفر العجيب مع روح الفلسفة الصينية، وهي الروح الايجابية العملية، وان كان يلائم غموض النفس الصينية ونحن نجد في الصين فلاسفة في أبعد الازمان التي وصل إلينا تاريخها، ولكن كل ما حفظه التاريخ لهم قبل أيام لو- دزه، لا يعدو أن يكون قطعة مبتورة من هنا وهناك، أو مجرد أسم من الاسماء، وقد شهد القرنان السادس والخامس في بلاد الصين، كما شهدا في الهند وفارس وبلاد اليهود واليونان، عاصفة قوية من العبقرية الفلسفية والأدبية، بدأت كما بدأت في بلاد اليونان بعصر من "الاستنارة" العقلية.
ولقد سبق هذه الاستنارة عهد من الحروب والفوضى فتح أمام المواهب غير ذات الانساب العريقة مسالك للرقي، وحفز أهل المدن على أن يطلبوا لأنفسهم معلمين يثقفون أذهانهم بالفنون العقلية. وسرعان ما كشف معلمو الشعب ما في علوم الدين من ابهام وغموض، وما في الأداة الحكومية من نقص، وعرفوا أن المقاييس الاخلاقية مقاييس نسبية، وشرعوا يبحثون عن المثل العليا والكمال المطلق. وقد أعدم الكثيرون من هؤلاء الباحثين على يد ولاة الامور الذين وجدوا أن قتلهم أسهل من محاججتهم. وتقول احدى الروايات الصينية ان كنفوشيوس نفسه، وهو وزير الجريمة في مقاطعة لو، حكم بالاعدام على موظف صيني متمرد بحجة أنه "كان في وسعه أن يجمع حوله طائفة كبيرة من الرجال؛ وأن آراءه كانت تجد بسهولة من يستجيب لها من العامة، وأن تجعل العناد صفة خليقة بالإكبار والإجلال؛ وأن سفسطته كان فيها من المعارضة والمعاندة




صفحة رقم : 1111




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> الفلاسفة قبل كونفوشيوس


ما يمكنها من الوقوف في وجه الأحكام الحقة المعترف بها من الناس". ويصدق زوما- تشين هذه القصة ولكن بعض المؤرخين الصينيين يرفضونها؛ ونحن نرجو ألا تكون صحيحة.
وأشهر هؤلاء المتمردين العقليين هو تنج شي الذي أعدمه دوق جنج في شباب كنفوشيوس، ويقول كتاب ليه- دزه: ان تنج هذا كان "يعلم النظريات القائلة ان الحق والباطل أمران نسبيان، ويؤيد هذه الآراء بحجج لا آخر لها". واتهمه أعداؤه بأنه لم يكن يستنكف أن يثبت اليوم رأيا ويثبت عكسه في غد، إذا ما نال على عمله هذا ما يرتضيه من الاجر؛ وكان يعرض خدماته على من لهم قضايا في المحاكم، ولا يرى ما يعوقه عن تقديمها لمن يطلبها من الناس. ويروي عنه أحد أعدائه من المؤرخين الصينيين هذه القصة الطريفة:
غرق رجل موسر من الولاية التي كان يقيم فيها تنج في نهر واي، وأخرج رجل جثته من الماء، وطلب إلى أسرة القتيل مبلغا كبيرا من المال نظير إخراجها من النهر. وذهبت أسرة القتيل إلى تنج تستشيره في الأمر، فأجابها السفسطائي بقوله: "تريثوا فلن تؤدي المال المطلوب أسرة غير أسرتكم"، وعملت أسرة القتيل بهذه النصيحة. وقلق الرجل الذي كانت الجثة في حوزته فجاء هو أيضا إلى تنجشي يستنصحه. فنصحه السفسطائي بما نصح به أهل القتيل إذ قال له: "تريث؛ فإنهم لن يحصلوا على الجثة إلاّ منك".
ووضع تنج شي قانونا للعقوبات تبين أنه أرقى مما تطبقه حكومة جنج. ولما ضاق رئيس الوزراء ذرعا بالنشرات التي كان تنج يحمل فيها على سياسته حرم إلصاقها في الأماكن العامة، فما كان من تنج الا أن عمد إلى توزيعها على الناس بنفسه، فلما حرم الوزير توزيع النشرات أخذ تنج يهربها إلى القراء مخبوءة بين أشياء أخرى، فلما أعيت الحكومة الحيل أمرت بقطع رأسه(36).




صفحة رقم : 1112




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> المعلم القديم



6- المعلم القديم




لو- دزه - "الدو" - رجال الفكر في الحكومة - سخف




القوانين - مدينة فاضلة على غرار مدينة روسو وقانون أخلاقي على غرار




القانون المسيحي - صورة الرجل الحكيم - التقاء لو- دزه وكنفوشيوس


كان لو- دزه، أعظم فلاسفة الصين قبل كنفوشيوس، أكثر حكمة من تنج شي؛ فقد كان يعرف حكمة الصمت، وما من شك أنه عمر طويلا وإن لم نكن واثقين من أنه عاش حقا. ويحدثنا المؤرخ الصيني زوماتشين أن لو- دزه عافت نفسه سفالة السياسيين، ومل عمله في أمانة مكتبة جو الملكية، فاعتزم أن يغادر الصين ليبحث له عن ملجأ بعيد منعزل في الريف. "فلما أن وصل إلى حدود البلاد قال له الحارس ين شي: إنك إذن تنشد العزلة، وأنا أرجوك أن تكتب لي كتابا. فكتب له لو- دزه كتابا من جزأين في الدو والدي يشتمل على خمسة آلاف كلمة. ولما أن أتمه اختفى ولم يعلم أحد أين مات".
لكن الروايات والاقاصيص، التي لا تخفى عليها خافية، تقول أنه عاش سبعة وثمانين عاما. ولم يبق لنا منه الا اسمه وكتابه وقد لا يكون هذا أو ذاك له.
فأما لو- دزه، فوصف معناه "المعلم القديم" وأما أسمه الحقيقي فهو، كما تقول الرواية، لي- أي البرقوقة.
والكتاب الذي يعزى إليه مشكوك فيه شكا أثار كثيرا من الجدل العلمي حول أصله ولكن الباحثين جميعا متفقون على أن الدو- ده- جنج- أي "كتاب الطريقة والفضيلة"- هو أهم النصوص الخاصة بالفلسفة الدوية التي




صفحة رقم : 1113




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> المعلم القديم


يقول العلماء الصينيون انها وجدت قبل لو- دزه بزمن طويل، والتي كان لها من بعده أنصار من الطراز الاول، والتي صارت فيما بعد دينا تعتنقه أقلية كبيرة من الصينيين من أيامه إلى وقتنا هذا، وجملة القول أن مؤلف الدو- ده- جنج مسألة ذات أهمية ثانوية، وأما الآراء التي احتواها الكتاب فمن أبدع ما كتب في تاريخ الفكر الانساني.
ومعنى لفظ الدَّو هو الطريقة: وهي أحيانا طريقة الطبيعة، وأحيانا الطريقة الدوية للحياة الحكيمة. أما المعنى الحرفي لهذا اللفظ فهو الطريق. وهو في الاصل طريقة للتفكير أو للامتناع عن التفكير، وذلك لأن الدويين يرون أن التفكير أمر عارض سطحي لاغير فيه الا للجدل والمحاجاة، يضر الحياة اكثر مما ينفعها. اما "الطريقة" فيمكن الوصول اليها بنبذ العقل وجميع مشاغله، وبالالتجاء إلى حياة العزلة والتقشف والتأمل الهادئ في الطبيعة. وليس العلم في رأي صاحب الكتاب فضيلة، بل ان السفلة قد زاد عددهم من يوم أن انتشر العلم. وليس العلم هو الحكمة، ذلك لأنه لا شيء أبعد عن الرجل الحكيم من "صاحب العقل". وشر أنواع الحكومات التي يمكن تصورها حكومة الفلاسفة؛ ذلك أنهم يقحمون النظريات في كل نظام طبيعي؛ وأكبر دليل على عجزهم عن العمل هو قدرتهم على إلقاء الخطب والإكثار من الاراء، وفي ذلك يقول الكتاب:
ان المهرة لا يجادلون؛ وأصحاب الجدل عطل من المهارة... واذا ما نبذنا المعارف نجونا من المتاعب... والحكيم يبقي الناس على الدوام بلا علم ولا شهوة، واذا وجد من لهم علم منعهم من الاقدام على العمل... وان الاقدمين الذين أظهروا براعتهم في العمل بما في الدو لم يفعلوا ما فعلوه لينيروا عقول الناس بل ليجعلوهم سذجا جهلاء... والصعوبة التي يواجهها الحكام انما تنشأ من كثرة ما عند الناس من العلم، ومن يحاول حكم دولة من الدول بعلمه وحكمته ينكل




صفحة رقم : 1114




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> المعلم القديم


بها ويفسد شئونها، أما الذي لا يفعل هذا فهو نعمة لها وبركة.
وانما كان صاحب الفكر خطرا على الدولة لأنه لا يفكر الا في الانظمة والقوانين؛ فهو يرغب في اقامة مجتمع على قواعد هندسية، ولا يدرك أن أنظمته انما تقضي على ما يتمتع به المجتمع من حرية حيوية، وما في أجزائه من نشاط وقوة. أما الرجل البسيط الذي يعرف من تجاربه ما في العمل الذي يتصوره ويقوم به بكامل حريته من لذة، وما ينتجه من ثمرة، فهو أقل من العالم خطرا على الامة اذا تولى تدبير أمورها، لأنه لا يحتاج إلى من يدله على أن القانون شديد الخطر عليها، وأنه قد يضرها أكثر مما ينفعها. فهذا الرجل لا يضع للناس من الانظمة الا أقل قدر مستطاع، واذا تولى قيادة الامة ابتعد بها عن جميع أفانين الخداع والتعقيد، وقادها نحو البساطة العادية التي تسير فيها الحياة سيرا حكيما على النهج الطبيعي الحكيم الرتيب الخالي من التفكير، وحتى الكتابة نفسها يهمل أمرها في هذا النمط من الحكم لأنها أداة غير طبيعية تهدف إلى الشر. فإذا تحررت غرائز الناس الاقتصادية التلقائية التي تحركها شهوة الطعام والحب من القيود التي تفرضها الحكومات دفعت عجلة الحياة في مسيرها البسيط الصحيح. وفي هذه الحال تقل المخترعات التي لا تفيد الا في زيادة ثراء الاغنياء وقوة الاقوياء؛ وتنمحي الكتب والقوانين والصناعات ولا تبقى الا التجارة القروية.
"ان كثرة النواهي والمحرمات في المملكة تزيد من فقر الأهلين. وكلما زاد عدد الأدوات التي تضاعف من كسبهم زاد نظام الدولة والعشيرة اضطرابا، وكلما زاد ما يجيده الناس من أعمال الختل والحذق زاد عدد ما يلجئون إليه من حيل غريبة وكلما كثرت الشرائع والقوانين كثر عدد اللصوص وقطاع الطرق؛ ولهذا قال أحد الحكماء: " لن أفعل شيئا، فيتبدل الناس من تلقاء أنفسهم، وسأولع بأن أبقى ساكنا فينصلح الناس من تلقاء أنفسهم، ولن أشغل بالي بأمور الناس فيثرى الناس من تلقاء أنفسهم؛ ولن أظهر شيئا من المطامع فيصل الناس من




صفحة رقم : 1115




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> المعلم القديم


تلقاء أنفسهم إلى ما كانوا عليه من سذاجة بدائية...
وسأنظم الدولة الصغيرة القليلة السكان بحيث اذا وجد فيها أفراد للواحد منهم من الكفايات ما لعشرة رجال أو مائة رجل فلن يكون لهؤلاء الافراد عمل؛ وسأجعل الناس فيها، وان نظروا إلى الموت على أنه شيء محزن يؤسف له، لا يخرجون منها (لينجوا بأنفسهم منه)؛ ومع أن لهم سفنا وعربات فإنهم لا يرون ما يدعوا إلى ركوبها؛ ومع أن لهم ثيابا منتفخة وأسلحة حادة، فإنهم لا يجدون ما يدعوا إلى لبس الاولى أو استخدام الثانية، وسأجعل الناس يعودون إلى استخدام الحبال المعقودة .
وسيرون أن طعامهم (الخشن) وملابسهم (البسيطة) جميلة، ومساكنهم (الحقيرة) أمكنة للراحة، وأساليبهم العادية المألوفة مصادر للذة والمتعة، وإذا كانت هناك دولة مجاورة قريبة منا نراها بأعيننا وتصل إلى آذاننا منها نقنقة الدجاج ونباح الكلاب، فإني لن أجعل للناس وان طال عمرهم صلة بها إلى يوم مماتهم".
ترى ما هي هذه الطبيعة التي يرغب لَوْ- دزه، في أن يتخذها مرشدا له وهاديا؟ ان هذا المعلم القديم يفرق بين الطبيعة والحضارة تفريقا محددا واضح المعالم، كما فعل روسو من بعده في عباراته الطنانة الرنانة التي يطلق عليها الناس اسم "التفكير الحديث"؛ فالطبيعة في نظره هي النشاط التلقائي، وانسياب الحوادث العادية المألوفة، وهي النظام العظيم الذي تتبعه الفصول وتتبعه السماء؛ وهي الدو أو الطريقة الممثلة المجسمة في كل مجرى وكل صخرة وكل نجم؛ وهي قانون الاشياء العادل الذي لا يحفل بالاشخاص، ولكنه مع ذلك قانون معقول يجب أن يخضع له قانون السلوك اذا اراد الناس أن يعيشوا في حكمة وسلام. وقانون الاشياء هذا هو الدو أو طريقة الكون كما أن قانون السلوك هو الدو أو طريقة الحياة. ويرى




صفحة رقم : 1116




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> المعلم القديم


لو- دزه، أن الدوين في واقع الامر دو واحد وأن الحياة في تناغمها الاساسي السليم ليست الا جزءا من تناغم الكون. وفي هذا الدو الكوني تتوحد جميع قوانين الطبيعة وتكون مادة الحقائق كلها التي يقول بها اسبنوزا؛ وفيه تجد كل الصور الطبيعية على اختلاف أنواعها مكانها الصحيح، وتجتمع كل المظاهر التي تبدو للعين مختلفة متناقضة، وهو الحقيقة المطلقة التي تتجمع فيها كل الخصائص والمعضلات لتتكون منها وحدة هيجل Hegel الشاملة".
ويقول لو إن طبيعة قد جعلت حياة الناس في الايام الخالية بسيطة آمنة، فكان العالم كله هنيئا سعيدا. ثم حصل الناس "المعرفة" فعقدوا الحياة بالمخترعات وخسروا كل طهارتهم الذهنية والخلقية، وانتقلوا من الحقول إلى المدن، وشرعوا يؤلفون الكتب، فنشأ من ذلك كل ما أصاب الناس من شقاء، وجرت من أجل ذلك دموع الفلاسفة. فالعاقل اذن من يبتعد عن هذا التعقيد الحضري وهذا التيه المفسد الموهن تيه القوانين والحضارة، ويختفي بين أحضان الطبيعة، بعيدا عن المدن والكتب، والموظفين المرتشين، والمصلحين المغترين. وسر الحكمة كلها وسر القناعة الهادئة، وهي وحدها التي يجد فيها الانسان السعادة الابدية، هو الطاعة العمياء لقوانين الطبيعة، ونبذ جميع أساليب الخداع وأفانين العقل، وقبول جميع أوامر الطبيعة الصادرة من الغرائز، والشعور في ثقة واطمئنان، والجري على سنن الطبيعة الصامتة وتقليدها في تواضع.
ولعلنا لا نجد في الأدب كله فقرة أكثر انطباقا على العقل والحكمة من الفقرة الآتية:
ان كل ما في الطبيعة من أشياء تعمل وهي صامتة، وهي توجد وليس في حوزتها شيء، تؤدي واجبها دون أن تكون لها مطالب، وكل الاشياء على السواء تعمل عملها ثم تراها تسكن وتخمد، واذا ما ترعرعت وازدهرت عاد كل منها




صفحة رقم : 1117




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> المعلم القديم


إلى أصله، وعودة الاشياء إلى أصولها معناها راحتها وأداؤها ما قدر لها أن تؤديه. وعودتها هذه قانون أزلي، ومعرفة هذا القانون هي الحكمة.
والخمود الذي هو نوع من التعطل الفلسفي وامتناع عن التدخل في سير الاشياء الطبيعي وهو ما يمتاز به الحكيم في جميع مناحي الحياة، فاذا كانت الدولة مضطربة مختلة النظام فخير ما يفعل بها ألا يحاول الانسان اصلاح أمورها، بل أن يجعل حياته نفسها أداء منظما لواجبه، واذا ما لاقى الانسان مقاومة فأحكم السبل ألا يكافح أو يقاتل أو يحارب بل أن يتروى في سكون، وأن يكسب ما يريد أن يكسبه، اذا كان لا بد من الكسب، بالخضوع والصبر؛ ذلك أن المرء ينال من النصر بالسكون أكثر مما يناله بالعمل، وفي هذا يحدثنا لو- دزه حديثا لا يكاد يختلف في لهجته عن حديث المسيح!
"اذا لم تقاتل الناس فان أحدا على ظهر الارض لن يستطيع أن يقاتلك.. قابل الاساءة بالإحسان. أنا خير للأخيار، وخير أيضا لغير الأخيار؛ وبذلك يصير )الناس جميعا( أخيارا؛ وأنا مخلص للمخلصين، ومخلص أيضا لغير المخلصين وبذلك يصير )الناس جميعا( مخلصين.. وألين الأشياء في العالم تصدم أصلبها وتتغلب عليها.. وليس في العالم شيء ألين أو أضعف من الماء، ولكن لا شيء أقوى من الماء في مغالبة الأشياء الصلبة القوية" .
وتبلغ هذه الآراء غايتها في الصورة التي يتخيلها "لو" للرجل الحكيم. وقبل أن نرسم للقارئ هذه الصورة نقول أن من أخص خصائص المفكرين الصينيين أنهم لا يتحدثون عن القديسين بل يتحدثون عن الحكماء، وأنهم




صفحة رقم : 1118




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> المعلم القديم


لا يتحدثون عن الصلاح بقدر ما يتحدثون عن الحكمة. فليس الرجل المثالي في نظر الصينيين هو التقي العابد، بل هو صاحب العقل الناضج الهادئ، الذي يعيش عيشة البساطة والسكون وان كان خليقا بأن يشغل مكانا ساميا في العالم. ذلك أن السكون هو بداية الحكمة، والحكيم لا يتكلم حتى على الدو والحكمة، لأن الحكمة لا تنقل الا بالقدوة والتجربة لا بالألفاظ؛ والذي يعرف )الطريقة( لا يتحدث عنها؛ والذي يتحدث عنها لا يعرفها؛ والذي )يعرفها( يقفل فاه ويسد أبواب خياشيمه"، والحكيم شيمته التواضع، لأن الانسان متى بلغ الخمسين من عمره فقد آن له أن يدرك أن المعرفة شيء نسبي، وأن الحكمة شيء ضعيف سهل العطب؛ واذا عرف الحكيم أكثر مما يعرف غيره من الناس حاول أن يخفي ما يعرفه "فهو يحاول أن يقلل من سناه ولألائه ويوائم بين سناه وقتام )غيره(؛ وهو يتفق مع السذج أكثر مما يتفق مع العلماء، ولا يألم من غريزة المعارضة التي هي غريزة طبيعية في الأحداث المبتدئين. وهو لا يعبأ بالثروة أو السلطان، بل يخضع شهواته إلى الحد الادنى الذي يكاد يتفق مع العقيدة البوذية:
"ليس لشيء عندي قيمة، وأشتهي أن يخضع قلبي خضوعا تاما، وأن يفرغ حتى لا يبقى فيه شيء قط.. يجب أن يبلغ الفراغ أقصى درجاته، وأن يحاط السكون بقوة لا تمل.. ومن كانت هذه صفاته لا يمكن أن يعامل بجفاء أو في غير كلفة. وهو أكبر من أن يتأثر بالمكاسب أو الاذى وبالنبل أو الانحطاط وهو أنبل انسان تحت قبة السماء"(50).




صفحة رقم : 1119




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> المعلم القديم


ولسنا نرى حاجة لبيان ما في هذه الآراء من اتفاق مع آراء جان جاك روسو وحسبنا أن نقول ان الرجلين قد صبا في قالب واحد مهما يكن بعد ما بينهما من الزمن، وان فلسفتهما من نوع الفلسفة التي تظهر وتختفي ثم تعود إلى الظهور في فترات دورية؛ ذلك بأن الناس في كل جيل يملون ما في حياة المدن من كفاح وقسوة وتعقيد وتسابق، فيكتبون عن مباهج الحياة الريفية الرتيبة كتابة تستند إلى الخيال أكثر مما تستند إلى العلم بحقائق الامور. وما من شك في أن المرء لا بد له من خبرة سابقة طويلة بحياة المدن اذا شاء أن يكتب شعرا عن الريف "والطبيعة" لفظ طيع سهل على لسان كل باحث في الاخلاق أو الدين؛ وهو لا يوائم علم دارون ولا أخلاقية نتشة أكثر مما يوائم فلسفة "لو- دزه" والمسيح المتعقلة الحلوة.
ذلك أن الانسان اذا ما سار على سنن الطبيعة أدى به هذا إلى قتل أعدائه وأكل لحومهم لا إلى ممارسة الفلسفة، وقلّ أن يكون وضيعا ذليلا، وأقل من هذا أن يكون هادئا ساكنا. بل ان فلح الارض- وهو العمل الشاق المؤلم- لا يوائم قط ذلك الجنس من الناس الذي اعتاد الصيد والقتل؛ ولهذا كانت الزراعة من الاعمال "غير الطبيعية" مثلها في هذا كمثل الصناعة سواء بسواء.
على أن في هذه الفلسفة رغم هذا كله شيئا من السلوى وراحة البال. وأكبر ظننا أننا نحن أيضا حين تبدأ نيران عواطفنا في الخمود سنرى فيها غير قليل من الحكمة؛ وسنرى فيها السلم المريح الذي ينبعث من الجبال غير المزدحمة ومن الحقول الرحبة. ان الحياة تتأرجح بين فلتير وروسو، وبين كنفوشيوس ولو- دزه، وبين سقراط والمسيح.
واذا ما استقرت كل فكرة زمنا ما في عقولنا، ودافعنا عنها دفاعا ليس فيه شئ من البسالة أو من الحكمة، مللنا نحن أيضا تلك المعركة وتركنا إلى الشباب ما كان قد تجمع لدينا من مثل عليا تناقص عديدها. فاذا ما حدث هذا لجأنا إلى




صفحة رقم : 1120




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> المعلم القديم


الغابات مع جان جاك ومع لو- دزه وأمثالهما؛ وصادقنا الحيوان؛ وتحدثنا ونحن أكبر رضا وأطمئنانا من مكيفلي إلى عقول الزراع السذج، وتركنا العالم ينضح بالشرور، ولم نفكر قط في اصلاحه. ولعلنا وقتئذ نحرق وراءنا كل كتاب فيه الا كتابا واحدا، ولعلنا نجد خلاصة الحكمة كلها في الدو- دي- جنج.
وفي وسعنا أن نتصور ما كان لهذه الفلسفة في نفس كنفوشيوس من أثر مؤلم محنق. فقد جاء هذا الفيلسوف في سن الرابعة والثلاثين، وهي السن التي لا يكتمل فيها نضوج الذهن، إلى لويانج حاضرة جو ليستشير المعلم الكبير في بعض أمور دقيقة ذات صلة بالتاريخ ويقال ان لو- دزه أجابه إجابة فظة غامضة قصيرة:
"ان الذين تسأل عنهم قد استحالوا هم وعظامهم ترابا، ولم يبق إلا الفاظهم، واذا ما حانت ساعة الرجل العظيم قام من فوره وتولى القيادة، أما قبل أن تحين هذه الساعة فإن العقبات تقام في سبيل كل ما يحاوله. ولقد سمعت أن التاجر الموفق يحرص على اخفاء ثروته، ويعمل عمل من لا يملك شيئا من حطام الدنيا- وأن الرجل العظيم بسيط في أخلاقه ومظهره رغم ما يقوم به من جلائل الاعمال، فتخلص من كبريائك ومطامعك الكثيرة، وتصنعك وآمالك المفرطة البعيدة. ان هذه كلها لا ترفع قط من أخلاقك. وهذا ما أشير به عليك".
ويقول المؤرخ الصيني الذي يروي هذه القصة ان كونفوشيوس أحسّ من فوره بسداد هذه النصيحة، ولم ير في هذه الألفاظ ما يسيء إليه، بل أنه رأى فيها عكس هذا، وقال لتلاميذه بعد أن عاد من عند الفيلسوف المحتضر:
"إني أعرف كيف يطير الطير، ويسبح السمك، ويجري الحيوان؛




صفحة رقم : 1121




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> نشأة الفلسفة -> المعلم القديم


ولكن الذي يجري على الارض يمكن اقتناصه، والذي يسبح في الماء يمكن صيده، والذي يطير في الجو يمكن اصابته بالسهام. غير أن هناك تنينا مهولا- ولست أستطيع أن أقول كيف يركب الريح ويخترق به السحاب ويعلو في أجواز الفضاء. لقد قابلت اليوم لو- دزه، ولست أستطيع أن أجد له مثيلا غير التنين". ثم خرج المعلم الجديد ليؤدي رسالته، وليكون أعظم فلاسفة التاريخ أثراً.




صفحة رقم : 1122




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الحكيم يبحث عن دولة



الفصل الثاني




كنفوشيوس




1- الحكيم يبحث عن دولة




مولده وشبابه - زواجه وطلاق زوجته - تلاميذه وطرائقه -




مظهره وأخلاقه - السيدة والنمر - تعريف الحكومة الصالحة




كنفوشيوس في منصبه - سنون التجوال - سلوى الشيخوخة


ولد كونج- فو- دزه أو كونج المعلم كما كان تلاميذ كونج- تشيو يسمونه في عام 551 ق.م في مدينة تشو- فو إحدى البلاد التي كانت تُكوّن وقتئذ مملكة لو، والتي تُكوّن الآن ولاية شان تونج.
وتصف الأقاصيص الصينية، وهي التي لا تضارعها أقاصيص أخرى في خصب خيالها، كيف أعلنت الأشباح إلى أمه الشابة مولده غير الشرعي(63)، وكيف كانت الهولات تحرسها والأرواح الإناث تعطي لها الهواء وهي تلده في أحد الكهوف. وتقول تلك الأقاصيص إنه كان له ظهر تنين، وشفتا ثور، وفم في سعة البحر(64)، وإنه ولد من أسرة هي أقدم الأسر الباقية على قيد الحياة إلى الآن لأنه (كما يؤكد علماء الأنساب الصينيون) من نسل الإمبراطور العظيم هوانج- دي، وإن له أحفاداً كثيرين، وإن نسله لم ينقطع إلى وقتنا هذا. ولقد بلغ عدد من تناسل منهم منذ مائة عام أحد عشر ألفاً من الذكور، ولا تزال البلدة التي ولد فيها حتى هذا اليوم لا يعمرها إلا نسله- أو بعبارة أدق إلا نسل ابنه الوحيد؛ ومن نسله وزير المالية في الحكومة الصينية القائمة للآن في نانكنج .




صفحة رقم : 1123




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الحكيم يبحث عن دولة


وكان والد كونج في السبعين من عمره حين ولد له ولده(66)، ومات حين بلغ ابنه سن الثالثة. وكان كنفوشيوس يعمل بعد الفراغ من المدرسة ليساعد على إعالة والدته، ولعله قد تعود في طفولته تلك الرزانة التي هي من خصائص كبار السن، والتي لازمته في كل خطوة خطاها طوال حياته. لكنه مع هذا وجد متسعاً من الوقت يحذق فيه الرماية والموسيقى؛ وبلغ من شدة ولعه بالموسيقى أنه كان يستمع مرة إلى لحن مطرب، فتأثر به تأثراً حمله على أن يمتنع عن أكل اللحوم، وظل بعدئذ ثلاثة أشهر لا يذوق فيها اللحم أبداً(67). ولم يكن يتفق اتفاقاً تاماً مع نيتشه في أن ثمة شيئاً من التناقض بين الفلسفة والزواج، ذلك أنه تزوج في التاسعة عشرة من عمره، ولكنه طلق زوجته وهو في الثالثة والعشرين، ويلوح أنه لم يتزوج بعدها أبداً.
ولما بلغ الثانية والعشرين من عمره بدأ يشتغل بالتعليم، واتخذ داره مدرسة له، وكان يتقاضى من تلاميذه ما يستطيعون أداءه من الرسوم مهما كانت قليلة. وكانت الموارد التي يشملها برنامجه ثلاثاً: التاريخ والشعر وآداب اللياقة. ومن أقواله: "إن أخلاق الرجل تكونها القصائد وتنميها المراسم" (أي آداب الحفلات والمجاملات) "وتعطرها الموسيقي"(68).
وكان تعليمه كتعليم سقراط شفهياً لا يلجأ فيه إلى الكتابة، ولهذا فإن أكثر ما نعرفه من أخباره قد وصل إلينا عن طريق أتباعه ومريديه، وذلك مصدر لا يوثق به. وقد ترك إلى الفلاسفة مثلاً قل أن يعبئوا به- وهو ألا يهاجموا قط غيرهم من المفكرين، وألا يضيعوا وقتهم في دحض حججهم. ولم يكن يعلم طريقة من طرائق المنطق الدقيق، ولكنه كان يشحذ عقول تلاميذه بأن يعرض بأخطائهم في رفق ويطلب إليهم شدة اليقظة العقلية. ومن أقواله في هذا المعنى: "إذا لم يكن من عادة الشخص أن يقول: ماذا أرى في هذا؟ فإني لا أستطيع أن أفعل له شيئاً"(69). وإني لا أفتح باب الحق لمن لا يحرص




صفحة رقم : 1124




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الحكيم يبحث عن دولة


على معرفته، ولا أعين من لا يعنى بالإفصاح عما يكنه في صدره. وإذا ما عرضت ركناً من موضوع ما على إنسان، ولم يستطع مما عرضته عليه أن يعرف الثلاثة الأركان الباقية فإني لا أعيد عليه درسي"(70)، ولم يكن يشك في أن صنفين اثنين من الناس هما وحدهما اللذان لا يستطيعان أن يفيدا من تعاليمه وهما أحكم الحكماء وأغبى الأغبياء، وأن لا أحد يستطيع أن يدرس الفلسفة الإنسانية بأمانة وإخلاص دون أن تصلح دراستها من خلقه وعقله. "وليس من السهل أن نجد إنسانا واصل الدرس ثلاث سنين دون أن يصبح إنساناً صالحاً"(71).
ولم يكن له في بادئ الأمر إلا عدد قليل من التلاميذ، ولكن سرعان ما تواترت الإشاعات بأن وراء شفتي الثور والفم الواسع كالبحر قلباً رقيقاً وعقلاً يفيض بالعلم والحكمة، فألتف الناس حوله حتى استطاع في آخر أيام حياته أن يفخر بأنه قد تخرج على يديه ثلاثة آلاف شاب غادروا منزله ليشغلوا مراكز خطيرة في العالم.
وكان بعض الطلبة- وقد بلغ عددهم في وقت من الأوقات سبعين طالباً- يعيشون معه كما يعيش الطلبة الهنود المبتدئون مع مدرسيهم (الجورو)؛ ونشأت بين المدرس وتلاميذه صلات ود وثيقة دفعت هؤلاء التلاميذ في بعض الأحيان إلى الاحتجاج على أستاذهم حين رأوه يعرّض نفسه للخطر أو اسمه للمهانة. وكان رغم شدته عليهم يحب بعضهم أكثر مما يحب ابنه، ولما مات هُوِي بكى عليه حتى قرحت دموعه مآقيه. وسأله دوق جاي يوماً من الأيام أي تلاميذه أحبهم إلى المعلم فأجابه: "لقد كان أحبهم إلى العلم ين هُوِى، لقد كان يحب أن يتعلم.. ولم أسمع بعد عن إنسان يحب أن يتعلم (كما كان يحب هُوِي).. لم يقدم لي هُوِي معونة، ولم أقل قط شيئاً لم يبتهج له.. وكان إذا غضب كظم غيظه؛ وإذا أخطأ مرة لم يعد إلى خطئه. ومما يؤسف له أنه كان قصير الأجل فمات وليس له في هذا الوقت (نظير)(72). وكان الطلبة الكسالى يتحاشون




صفحة رقم : 1125




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الحكيم يبحث عن دولة


لقاءه فإذا لقيهم قسا عليهم، وذلك لأنه لم يكن يتورع عن أن يعلم الكسول بضربة من عكازته ويطرده من حضرته دون أن تأخذه به رأفة. ومن أقواله: "ما أشقى الرجل الذي يملأ بطنه بالطعام طوال اليوم، دون أن يجهد عقله في شيء.. لا يتواضع في شبابه التواضع الخليق بالأحداث، ولا يفعل في رجولته شيئاً خليقاً بأن يأخذه عنه غيره، ثم يعيش إلى أرذل العمر- إن هذا الإنسان وباء"(73).
وما من شك في أنه كان يبدو غريب المنظر وهو واقف في حجرته أو في الطريق العام، يعلم مريديه التاريخ والشعر والآداب العامة والفلسفة، ولا يقل استعداده وهو في الطريق عن استعداده وهو في حجرته. وتمثله الصور التي رسمها له المصورون الصينيون في آخر سني حياته رجلاً ذا رأس أصلع لا تكاد تنمو عليه شعرة، قد تجعد وتعقد لكثرة ما مر به من التجارب، ووجه ينم عن الجد والرهبة ولا يشعر قط بما يصدر عن الرجل في بعض الأحيان من فكاهة، وما ينطوي عليه قلبه من رقة، وإحساس بالجمال مرهف يُذكّر المرء بأنه أمام إنسان من الآدميين رغم ما يتصف به من كمال لا يكاد يطاق، وقد وصفه في أيام كهولته الأولى مدرس له كان ممن يعلمونه الموسيقى فقال:
"لقد تبينت في جونج- تي كثيراً من دلائل الحكمة، فهو أجبه واسع العين، لا يكاد يفترق في هذين الوصفين عن هوانج- دي. وهو طويل الذراعين ذو ظهر شبيه بظهر السلحفاة، ويبلغ طول قامته تسع أقدام (صينية) وست بوصات.. وإذا تكلم أثنى على الملوك الأقدمين، وهو يسلك سبيل التواضع والمجاملة؛ وما من موضوع إلا سمع به، قوي الذاكرة لا ينسى ما يسمع؛ ذو علم بالأشياء لا يكاد ينفد. ألسنا نجد فيه حكيماً ناشئاً؟"(74).
وتعزو إليه الأقاصيص "تسعاً وأربعين صفة عجيبة من صفات الجسم يمتاز بها عن غيره من الناس". ولما فرّقت بعض الحوادث بينه وبين مريديه في أثناء




صفحة رقم : 1126




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الحكيم يبحث عن دولة


تجواله، عرفوا مكانه على الفور من قصة قصها عليهم أحد المسافرين، قال إنه التقى برجل بشع الخلقة "ذي منظر كئيب شبيه بمنظر الكلب الضال". ولما أعاد هذا القول على مسامع كنفوشيوس ضحك منه كثيراً ولم يزد على أن قال: "عظيم!عظيم!"(75).
وكان كنفوشيوس معلماً من الطراز القديم يعتقد أن التنائي عن تلاميذه وعدم الاختلاط بهم ضروريان لنجاح التعليم. وكان شديد المراعاة للمراسم، وكانت قواعد الآداب والمجاملة طعامه وشرابه، وكان يبذل ما في وسعه للحد من قوة الغرائز والشهوات وكبح جماحها بعقيدته المتزمتة الصارمة. ويلوح أنه كان يزكي نفسه في بعض الأحيان. ويروى عنه أنه قال عن نفسه يوماً من الأيام مقالة فيها بعض التواضع- "قد يوجد في كفر من عشر أسر رجل في مثل نبلي وإخلاصي، ولكنه لن يكون مولعاً بالعلم مثلي"(76). وقال مرة أخرى "قد أكون في الأدب مساوياً لغيري من الناس، ولكن (خلق) الرجل الأعلى الذي لا يختلف قوله عن فعله هو ما لم أصل إليه بعد(77) "لو وجد من الأمراء من يوليني عملاً لقمت في اثني عشر شهراً بأعمال جليلة، ولبلغت (الحكومة) درجة الكمال في ثلاث سنين"(78). على أننا نستطيع أن نقول بوجه عام إنه كان متواضعا في عظمته. ويؤكد لنا تلاميذه أن "المعلم كان مبرأ من أربعة عيوب؛ كان لا يجادل وفي عقله حكم سابق مقرر، ولا يتحكم في الناس ويفرض عليهم عقائده، ولم يكن عنيداً ولا أنانياً"(79). وكان يصف نفسه بأنه "ناقل غير منشىء"(80). وكان يدعي أن كل ما يفعله هو أن ينقل إلى الناس ما تعلمه من الإمبراطورين العظيمين يو وشون. وكان شديد الرغبة في حسن السمعة والمناصب الرفيعة، ولكنه لم يكن يقبل أن يتراضى على شيء مشين ليحصل عليهما أو يستبقيهما. وكم من مرة رفض منصباً رفيعاً عرضه عليه رجال بدا له أن حكومتهم ظالمة. وكان مما نصح به تلاميذه أن من واجب الإنسان أن يقول:




صفحة رقم : 1127




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الحكيم يبحث عن دولة


"لست أبالي مطلقاً إذا لم أشغل منصباً كبيراً، وإنما الذي أعنى به أن أجعل نفسي خليقاً بذلك المنصب الكبير. وليس يهمني قط أن الناس لا يعرفونني؛ ولكنني أعمل على أن أكون خليقاً بأن يعرفني الناس"(81).
وكان من بين تلاميذه أبناء هانج هِي، أحد وزراء دوق لو، وقد وصل كنفوشيوس عن طريقهم إلى بلاط ملوك جو في لو- يانج، ولكنه ظل بعيداً بعض البعد عن موظفي البلاط، وآثر على الاقتراب منهم زيارة الحكيم لو- دزه وهو على فراش الموت كما سبق القول. فلما عاد إلى لو وجدها مضطربة ممزقة الأوصال بما قام فيها من نزاع وشقاق، فانتقل منها إلى ولاية تشي المجاورة لها ومعه طائفة من تلاميذه مخترقين في طريقهم إليها مسالك جبلية وعرة مهجورة. ولشد ما كانت دهشتهم حين أبصروا في هذه القفار عجوزا تبكي بجوار أحد القبور. فأرسل إليها كنفوشيوس تسه- لو يسألها عن سبب بكائها وحزنها، فأجابته قائلة: "إن والد زوجي قد فتك به نمر في هذا المكان، ثم ثنى النمر بزوجي، وهاهو ذا ولدي قد لاقى هذا المصير نفسه". ولما سألها كنفوشيوس عن سبب إصرارها على الإقامة في هذا المكان الخطر، أجابته قائلة: "ليس في هذا المكان حكومة ظالمة". فالتفت كنفوشيوس إلى طلابه وقال لهم: "أي أبنائي اذكروا قولها هذا؛ إن الحكومة الظالمة أشد وحشية من النمر"(82).
ومثل كنفوشيوس بين يدي دوق تشي وسرّ الدوق من جوابه حين سأله عن ماهية الحكومة الصالحة: "توجد الحكومة الصالحة حيث يكون الأمير أميراً، والوزير وزيراً، والأب أباً والابن ابناً"، وعرض عليه الدوق نظير تأييده إياه خراج مدينة لن -شيو، ولكن كنفوشيوس رفض الهبة وأجابه بأنه لم يفعل شيئاً يستحق عليه هذا الجزاء. وأراد الدوق أن يحتفظ به في بلاطه وأن يجعله مستشاراً له، ولكن جان ينج كبير وزرائه أقنعه بالعدول عن رأيه وقال له: "إن هؤلاء العلماء رجال غير عمليين لا يستطاع تقليدهم؛ وهم متغطرسون مغرورون




صفحة رقم : 1128




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الحكيم يبحث عن دولة


بآرائهم، لا يقنعون بما يعطى لهم من مراكز متواضعة.. وللسيد كونج هذا من الخصائص ما يبلغ الألف عداً.. ولو أردنا أن نلم بكل ما يعرفه عن مراسم الصعود والنزول لتطلب منا ذلك أجيالاً طوالاً"(84). ولم يثمر هذا اللقاء ثمرة ما، وعاد كنفوشيوس على أثره إلى لو وظل يعلم تلاميذه فيها خمسة عشر عاماً أخرى قبل أن يستدعى ليتولى منصباً عاماً في الدولة.
وواتته الفرصة حين عُيّن في أواخر القرن السادس قبل الميلاد كبير القضاة في مدينة جونج- دو. وتقول الرواية الصينية إن المدينة في أيامه قد اجتاحتها موجة جارفة من الشرف والأمانة، فكان إذا سقط شيء في الطريق بقي حيث هو أو أعيد إلى صاحبه(85). ولما رقاه الدوق دنج دوق لو إلى منصب نائب وزير الأشغال العامة شرع في مسح أرض الدولة وأدخل إصلاحات جمة في الشئون الزراعية، ويقال أنه لما رقي بعدئذ وزير للجرائم كان مجرد وجوده في هذا المنصب كافياً لقطع دابر الجريمة. وفي ذلك تقول السجلات الصينية: "لقد استحت الخيانة واستحى الفساد أن يطلاّ برأسيهما واختفيا، وأصبح الوفاء والإخلاص شيمة الرجال، كما أصبح العفاف ودماثة الخلق شيمة النساء. وجاء الأجانب زرافات من الولايات الأخرى، وأصبح كنفوشيوس معبود الشعب"(86).
إن في هذا الإطراء من المبالغة ما يجعله موضع الشك؛ وسواء كان خليقاً به أو لم يكن فإنه كان أرقى من أن يعمر طويلاً. وما من شك في أن المجرمين قد أخذوا يأتمرون بالمعلم الكبير ويدبرون المكائد للإيقاع به. ويقول المؤرخ الصيني: إن الولايات القريبة من "لو" دب فيها دبيب الحسد وخشيت على نفسها من قوة "لو" الناهضة. ودبّر وزير ماكر من وزراء تشي مكيدة ليفرق بها بين دوق "لو" وكنفوشيوس، فأشار على دوق تشي بأن يبعث إلى تنج بسرب من حسان "الفتيات المغنيات" وبمائة وعشرين جواداً تفوق الفتيات جمالاً.




صفحة رقم : 1129




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الحكيم يبحث عن دولة


وأسرت البنات والخيل قلب الدوق فغفل عن نصيحة كنفوشيوس (وكان قد علمه أن المبدأ الأول من مبادئ الحكم الصالح هو القدوة الصالحة)، فأعرض عن وزرائه وأهمل شئون الدولة إهمالاً معيباً. وقال دزه- لو لكنفوشيوس: "أيها المعلم لقد آن لك أن ترحل". واستقال كنفوشيوس من منصبه وهو كاره، وغادر لو، وبدأ عهد تجوال وتشرد دام ثلاثة عشر عاماً. وقال فيما بعد "إنه لم ير قط إنساناً يحب الفضيلة بقدر ما يحب الجمال"(87). والحق أن من أغلاط الطبيعة التي لا تغتفر لها أن الفضيلة والجمال كثيراً ما يأتيان منفصلين لا مجتمعين.
وأصبح المعلم وعدد قليل من مريديه المخلصين مغضوباً عليهم في وطنهم، فأخذوا يتنقلون من إقليم إلى إقليم، يلقون في بعضها مجاملة وترحاباً، ويتعرضون في بعضها الآخر لضروب من الحرمان والأذى. وهاجمهم الرعاع مرتين، وكادوا في يوم من الأيام يموتون جوعاً، وبرّح بهم ألم الجوع حتى شرع تْزَه- لو نفسه يتذمر ويقول إن حالهم لا تليق "بالإنسان الراقي". وعرض دوق وى على كنفوشيوس أن يوليه رياسة حكومته، ولكن كنفوشيوس رفض هذا العرض، لأنه لم تعجبه مبادئ الدوق(88).
وبينما كانت هذه الفئة الصغيرة في يوم من الأيام تجوس خلال تشي إذ التقت بشيخين عافت نفسهما مفاسد ذلك العهد، فاعتزلا الشئون العامة كما اعتزلها لو -دزه، وآثرا عليها الحياة الزراعية البعيدة عن جلبة الحياة العامة. وعرف أحد الشيخين كنفوشيوس، ولام تْزَه- لو، على سيره في ركابه، وقال له: "إن الاضطراب يجتاح البلاد اجتياح السيل الجارف، ومن ذا الذي يستطيع أن يبدل لكم هذه الحال؟ أليس خيراً لكم أن تتبعوا أولئك الذين يعتزلون العالم كله، بدل أن تتبعوا ذلك الذي يخرج من ولاية إلى ولاية؟"(89). وفكر كنفوشيوس في هذا اللوم طويلاً ولكنه لم يفقد رجاءه في أن تتيح له ولاية من الولايات فرصة يتزعم فيها حركة الإصلاح والسلم.




صفحة رقم : 1130




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الحكيم يبحث عن دولة


ولما بلغ كنفوشيوس التاسعة والستين من عمره جلس دوق جيه آخر الأمر على عرش لو وأرسل ثلاثة من موظفيه إلى الفيلسوف يحملون إليه ما يليق من الهدايا بمقامه العظيم، ويدعونه أن يعود إلى موطنه. وقضى كنفوشيوس الأعوام الخمسة الباقية من حياته يعيش معيشة بسيطة معززاً مكرماً، وكثيرا ما كان يتردد عليه زعماء لو يستنصحونه، ولكنه أحسن كل الإحسان بأن قضى معظم وقته في عزلة أدبية منصرفاً إلى أنسب الأعمال وأحبها إليه وهو نشر روائع الكتب الصينية وكتابة تاريخ الصينيين. ولما سأل دوق شي تْزَه- لو عن أستاذه ولم يجبه هذا عن سؤاله، وبلغ ذلك الخبر مسامع كنفوشيوس، قال له: " لِمَ لم تجبه بأنه ليس إلا رجلاً ينسيه حرصه على طلب العلم الطعام والشراب، وتنسيه لذة (طلبه) أحزانه، وبأنه لا يدرك أن الشيخوخة مقبلة عليه"(90) وكان يسلي نفسه في وحدته بالشعر والفلسفة، ويسره أن غرائزه تتفق وقتئذ مع عقله، ومن أقواله في ذلك الوقت: "لقد كنت في الخامسة عشرة من عمري مكباً على العلم، وفي الثلاثين وقفت ثابتاً لا أتزعزع، وفي سن الأربعين زالت عني شكوكي، وفي الخمسين من عمري عرفت أوامر السماء، وفي الستين كانت أذني عضواً طيعاً لتلك الحقيقة، وفي السبعين كان في وسعي أن أطيع ما يهواه قلبي دون أن يؤدي بي ذلك إلى تنكب طريق الصواب والعدل(91).
ومات كنفوشيوس في الثانية والسبعين من عمره، وسمعه بعضهم يوماً من الأيام يغني في الصباح الباكر تلك الأغنية الحزينة:


سيدك الجبل الشاهق دكا،




وتتحطم الكتلة القوية،




ويذبل الرجل الحكيم كما يذبل النبات.


ولما أقبل عليه تلميذه تْزَه- كونج قال له: "لن يقوم في البلاد ملك




صفحة رقم : 1131




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الحكيم يبحث عن دولة


ذكي أريب؛ وليس في الإمبراطورية رجل يستطيع أن يتخذني معلماً له. لقد تصرم أجلي وحان يومي"(92).
ثم آوى إلى فراشه ومات بعد سبعة أيام من ذلك اليوم. وواراه تلاميذه التراب باحتفال مهيب جدير بما تنطوي عليه قلوبهم من حب له وجلال، وأحاطوا قبره بأكواخ لهم أقاموا فيها ثلاث سنين يبكونه كما يبكي الأبناء آباءهم. وبعد أن مضت هذه المدة غادروا جميعا أكواخهم إلاّ تْزَه- كونج، وكان حبه إياه يفوق حبهم جميعاً، فبقي بجوار قبر أستاذه ثلاث سنين أخرى واجماً حزيناً تتشعبه الهموم(93).




صفحة رقم : 1132




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الكتب التسعة



2- الكتب التسعة


وترك كنفوشيوس وراءه خمسة مجلدات يلوح أنه كتبها أو أعدها للنشر بيده هو نفسه، ولذلك أصبحت تعرف في الصين باسم "الجنحات الخمسة" أو "كتب القانون الخمسة". وكان أول ما كتبه منها هو اللي- جي أو سجل المراسم، لاعتقاده أن هذه القواعد القديمة من آداب اللياقة من الأسس الدقيقة التي لا بد منها لتكوين الأخلاق ونضجها، واستقرار النظام الاجتماعي والسلام.
ثم كتب بعدئذ ذيولاً وتعليقات على كتاب إلاي- جنج أو كتاب التغيرات، وكان يرى أن هذا الكتاب خير ما أهدته الصين إلى ذلك الميدان الغامض ميدان علم ما وراء الطبيعة الذي كان جد حريص على ألا يلج بابه في فلسفته. ثم اختار ورتب الشي- جنج أو كتاب الأناشيد ليشرح فيه كنه الحياة البشرية ومبادئ الأخلاق الفاضلة. وكتب بعد ذلك التشو- شيو أو حوليات الربيع والخريف، وقد سجل فيه تسجيلاً موجزاً خالياً من التنميق أهم ما وقع من الأحداث في "لو" موطنه الأصلي. وكان خامس أعماله




صفحة رقم : 1133




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الكتب التسعة


الأدبية وأعظمها نفعا أنه أراد أن يوحي إلى تلاميذه أشرف العواطف وأنبل الصفات فجمع في الشو- جنج أي كتاب التاريخ أهم وأرقى ما وجده في حكم الملوك الأولين من الحوادث أو الأقاصيص التي تسمو بها الأخلاق وتشرف الطباع، وذلك حين كانت الصين إمبراطورية موحدة إلى حد ما وحين كان زعماؤها، كما يظن كنفوشيوس، أبطالاً يعملون في غير أنانية لتمدين الشعب ورفع مستواه.
ولم يكن وهو يعمل في هذه الكتب يرى أن وظيفته هي وظيفة المؤرخ بل كان فيها كلها معلماً ومهذباً للشباب، ومن أجل هذا اختار عن قصد من أحداث الماضي ما رآه ملهماً لتلاميذه لا موئساً لهم.
فإذا ما عمدنا إلى هذه المجلدات لنستقي منها تاريخاً علمياً نزيها لبلاد الصين فإنا بهذا العمل نظلم كنفوشيوس أشد الظلم. فقد أضاف إلى الحوادث الواقعية خطباً وقصصاً من عنده، صب فيها أكثر ما يستطيع من الحض على الأخلاق الكريمة والإعجاب بالحكمة. وإذا كان قد جعل ماضي بلاده مثلاً أعلى بين ماضي الشعوب، فإنه لم يفعل أكثر مما نفعله نحن%=‌يريد الأمريكيين.‌ بماضينا الذي لا يعدل ماضي الصين في قدمه. وإذا كان رؤساء جمهوريتنا الأولون قد أضحوا حكماء وقديسين، ولما يمض عليهم أكثر من قرن أو قرنين من الزمان، فإنهم سيكونون بلا شك في نظر المؤرخ الذي يُحَدّث عنهم بعد ألف عام من هذه الأيام مثلاً علياً للفضيلة والكمال شأنهم في هذا شأن يو وشون.
ويضيف الصينيون إلى هذه الجنحات الخمسة أربع شوءات أو "كتب" (كتب الفلاسفة) يتكون منها كلها "التسعة الكتب القديمة". وأول هذه الكتب وأهمها جميعاً كتاب لوق بو أو الأحاديث والمحاورات المعروف عند




صفحة رقم : 1134




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> الكتب التسعة


قُرَّاء اللغة الإنجليزية باسم "مجموعة الشذرات" أي شذرات كنفوشيوس، كما سماه "لج Legge" في إحدى نزواته، وليست تلك الكتب مما خطه قلم المعلم الكبير، ولكنها تسجل في إيجاز ووضوح منقطعي النظير آراءه وأقواله كما يذكرها أتباعه. وقد جمعت كلها بعد بضع عشرات السنين من وفاته، ولعل الذين جمعوها هم مريدو مريديه(94)، وهي أقل ما يرتاب فيه من آرائه الفلسفية. وأكثر ما في الكتب الصينية القديمة طرافة وأعظمها تهذيباً ما جاء في الفقرتين الرابعة والخامسة من الشو الثاني، وهو المؤلف المعروف عند الصينيين باسم الداشوه أو التعليم الأكبر. ويعزو الفيلسوف والناشر الكنفوشي جوشي هاتين الفقرتين إلى كنفوشيوس نفسه كما يعزو باقي الرسالة إلى دزنج- تسان أحد أتباعه الصغار السن. أما كايا- كويه العالم الصيني الذي عاش في القرن الأول بعد الميلاد فيعزوهما إلى كونج جي حفيد كنفوشيوس؛ على حين أن علماء اليوم المتشككين يجمعون على أن مؤلفهما غير معروف(95). والعلماء كلهم متفقون على أن حفيده هذا هو مؤلف كتاب جونج يونج أو عقيدة الوسط وهو الكتاب الفلسفي الثالث من كتب الصين. وآخر هذه الشوءات هو كتاب منشيس الذي سنتحدث عنه توّاً. وهذا الكتاب هو خاتمة الآداب الصينية القديمة وإن لم يكن خاتمة العهد القديم للفكر الصيني. وسنرى فيما بعد أنه خرج على فلسفة كنفوشيوس التي تعد آية في الجمود والمحافظة على القديم متمردون عليها وكفرة بها ذوو مشارب وآراء متعددة متباينة.




صفحة رقم : 1135




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> لا أدرية كنفوشيوس



3- لا أدرية كنفوشيوس




هتامة في المنطق - الفلاسفة والصبيان - دستور للحكمة


فلنحاول أن نكون منصفين في حكمنا على هذه العقيدة. ولنقرّ بأنها ستكون نظرتنا إلى الحياة حين يجاوز الواحد منا الخمسين من عمره، ومبلغ علمنا أنها قد تكون أكثر انطباقاً على مقتضيات العقل والحكمة من شعر شبابنا. وإذا كنا نحن ضالين وشباناً فإنها هي الفلسفة التي يجب أن نقرن بها فلسفتنا نحن، لكي ينشأ مما لدينا من أنصاف الحقائق شئ يمكن فهمه وإدراكه.
ولا يظن القارئ أنه سيجد في لا أدرية كنفوشيوس نظاماً فلسفياً- أي بناء منسقاً من علوم المنطق وما وراء الطبيعة والأخلاق والسياسة تسري فيه كله فكرة واحدة شاملة (فتحيله أشبه بقصور نبوخذ ناصر (بختنصّر) التي نقش اسمه على كل حجر من حجارتها).
لقد كان كنفوشيوس يعلّم أتباعه فن الاستدلال، ولكنه لم يكن يعلمهم إياه بطريق القواعد أو القياس المنطقي، بل بتسليط عقله القوي تسليطاً دائماً على آراء تلاميذه؛ ولهذا فإنهم كانوا إذا غادروا مدرسته لا يعرفون شيئاً عن المنطق ولكن كان في وسعهم أن يفكروا تفكيراً واضحاً دقيقاً.
وكان أول الدروس، التي يلقيها عليهم المعلم، الوضوح والأمانة في التفكير والتعبير، وفي ذلك يقول: "كل ما يقصد من الكلام أن يكون مفهوما"(96)- وهو درس لا تذكره الفلسفة في جميع الأحوال. "فإذا عرفت شيئاً فتمسك بأنك تعرفه؛ وإذا لم تعرفه؛ فأقرّ بأنك لا تعرفه- وذلك في حد ذاته معرفة"(97). وكان يرى أن غموض الأفكار، وعدم الدقة في التعبير، وعدم الإخلاص فيه، من الكوارث الوطنية القومية. فإذا كان الأمير الذي ليس أميراً بحق والذي لا يستمتع بسلطان الإمارة لا يسميه الناس أميراً، وإذا كان




صفحة رقم : 1136




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> لا أدرية كنفوشيوس


الأب الذي لا يتصف بصفات الأبوة لا يسميه الناس أباً، وإذا كان الابن العاق لا يسميه الناس ابناً؛ إذا كان هذا كله فإن الناس قد يجدون في "تزه- لو" ما يحفزهم إلى إصلاح تلك العيوب التي طالما غطتها الألفاظ. ولهذا فإنه لما قال لكنفوشيوس: "إن أمير ويه في انتظارك لكي تشترك معه في حكم البلاد فما هو في رأيك أول شيء ينبغي عمله؟ فأجابه كنفوشيوس جوابا دهش له الأمير والتلميذ: "إن الذي لا بد منه أن تصحح الأسماء"(98).
ولما كانت النزعة المسيطرة على كنفوشيوس هي تطبيق مبادئ الفلسفة على السلوك وعلى الحكم فقد كان يتجنب البحث فيما وراء الطبيعة، ويحاول أن يصرف عقول أتباعه عن كل الأمور الغامضة أو الأمور السماوية. صحيح أن ذكر "السماء" والصلاة(99) كان َيرِدْ على لسانه أحياناً، وأنه كان ينصح أتباعه بألا يغفلوا عن الطقوس والمراسم التقليدية في عبادة الأسلاف والقرابين القومية(100)، ولكنه كان إذا وجه إليه سؤال في أمور الدين أجاب إجابة سلبية جعلت شرّاح آرائه المحدثين يجمعون على أن يضموه إلى طائفة اللا أدريين(101). فلما أن سأله تزه- كونج، مثلا: "هل لدى الأموات علم بشيء أو هل هم بغير علم؟" أبى أن يجيب جواباً صريحاً(102). ولما سأله كي -لو، عن "خدمة الأرواح" (أرواح الموتى) أجابه "إذا كنت عاجزاً عن خدمة الناس فكيف تستطيع أن تخدم أرواحهم؟". وسأله كي- لو: "هل أجرؤ على أن أسألك عن الموت؟" فأجابه: "إذا كنت لا تعرف الحياة، فكيف يتسنى لك أن تعرف شيئاً عن الموت"(103). ولما سأله فارشي عن "ماهية الحكمة" قال له: "إذا حرصت على أداء واجبك نحو الناس، وبعدت كل البعد عن الكائنات الروحية مع احترامك إياها أمكن أن تسمي هذه حكمة"(104).
ويقول لنا تلاميذه إن "الموضوعات التي لم يكن المعلم يخوض فيها هي الأشياء




صفحة رقم : 1137




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> لا أدرية كنفوشيوس


الغريبة غير المألوفة، وأعمال القوة، والاضطراب، والكائنات الروحية"(105). وكان هذا التواضع الفلسفي يقلق بالهم، وما من شك في أنهم كانوا يتمنون أن يحل لهم معلمهم مشاكل السموات ويطلعهم على أسرارها. ويقص علينا كتاب- لياتزه وهو مغتبط قصة غلمان الشوارع الذين أخذوا يسخرون من كنفوشيوس حين أقر لهم بعجزه عن هذا السؤال السهل وهو: "هل الشمس أقرب إلى الأرض في الصباح حين تبدو أكبر ما تكون، أو في منتصف النهار حين تشتد حرارتها"(106). وكل ما كان كنفوشيوس يرضى أن يقره من البحوث فيما وراء الطبيعة هو البحث عما بين الظواهر المختلفة جميعهاً من وحدة، وبذل الجهد لمعرفة ما يوجد من تناغم وانسجام بين قواعد السلوك الحسن واطراد النظم الطبيعية.
وقال مرة لأحد المقربين إليه: "أظنك يا تزه تعتقد أني من أولئك الذين يحفظون أشياء كثيرة ويستبقونها في ذاكرتهم؟" فأجابه تزه- كونج بقوله: "نعم أظن ذلك ولكني قد أكون مخطئاً في ظني؟" فرد عليه الفيلسوف قائلا "لا، إني أبحث عن الوحدة، الوحدة الشاملة"(107) وذلك بلا ريب هو جوهر الفلسفة.
وكانت الأخلاق مطلبه وهمه الأول، وكان يرى أن الفوضى التي تسود عصره فوضى خلقية، لعلها نشأت من ضعف الإيمان القديم وانتشار الشك السفسطائي في ماهية الصواب والخطأ. ولم يكن علاجها في رأيه هو العودة إلى العقائد القديمة، وإنما علاجها هو البحث الجدي عن معرفة أتم من المعرفة السابقة وتجديد أخلاقي قائم على تنظيم حياة الأسرة على أساس صالح قويم. والفقرتان الآتيتان المنقولتان عن كتاب التعليم الأكبر تعبران أصدق تعبير وأعمقه عن المنهج الفلسفي الكنفوشي.
"إن القدامى الذين أرادوا أن ينشروا أرقى الفضائل في أنحاء الإمبراطورية




صفحة رقم : 1138




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> لا أدرية كنفوشيوس


قد بدءوا بتنظيم ولاياتهم أحسن تنظيم، ولما أرادوا أن يحسنوا تنظيم ولاياتهم بدءوا بتنظيم أسرهم، ولما أرادوا تنظيم أسرهم بدءوا بتهذيب نفوسهم؛ ولما أرادوا أن يهذبوا نفوسهم بدءوا بتطهير قلوبهم، ولما أرادوا أن يطهروا قلوبهم عملوا أولاً على أن يكونوا مخلصين في تفكيرهم؛ ولما أرادوا أن يكونوا مخلصين في تفكيرهم بدءوا بتوسيع دائرة معارفهم إلى أبعد حد مستطاع، وهذا التوسع في المعارف لا يكون إلا بالبحث عن حقائق الأشياء.
فلما أن بحثوا عن حقائق الأشياء أصبح علمهم كاملاً، ولما كمل علمهم خلصت أفكارهم، فلما خلصت أفكارهم تطهرت قلوبهم، ولما تطهرت قلوبهم، تهذبت نفوسهم، ولما تهذبت نفوسهم انتظمت شئون أسرهم، ولما انتظمت شئون أسرهم صلح حكم ولاياتهم؛ ولما صلح حكم ولاياتهم أضحت الإمبراطورية كلها هادئة سعيدة(108).
تلك هي مادة الفلسفة الكنفوشية، وهذا هو طابعها، وفي وسع الإنسان أن ينسى كل ما عدا هذه الألفاظ من أقوال المعلم وأتباعه، وأن يحتفظ بهذه المعاني التي هي "جوهر الفلسفة وقوامها" وأكمل مرشد للحياة الإنسانية. ويقول كنفوشيوس "إن العالم في حرب لأن الدول التي يتألف منها فاسدة الحكم؛ والسبب في فساد حكمها أن الشرائع الوضعية مهما كثرت لا تستطيع أن تحل محل النظام الاجتماعي الطبيعي الذي تهيئه الأسرة. والأسرة مختلة عاجزة عن تهيئة هذا النظام الاجتماعي الطبيعي، لأن الناس ينسون أنهم لا يستطيعون تنظيم أسرهم من غير أن يُقوّموا نفوسهم وهم يعجزون عن أن يقوموا أنفسهم لأنهم لم يطهروا قلوبهم أي أنهم لم يطهروا نفوسهم من الشهوات الفاسدة الدنيئة؛ وقلوبهم غير طاهرة لأنهم غير مخلصين في تفكيرهم، لا يقدرون الحقائق قدرها ويخفون طبائعهم بدل أن يكشفوا عنها؛ وهم لا يخلصون في تفكيرهم لأن أهواءهم تشوه الحقائق وتحدد لهم النتائج بدل أن يعملوا على توسيع معارفهم إلى أقصى حد مستطاع




صفحة رقم : 1139




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> لا أدرية كنفوشيوس


ببحث طبائع الأشياء بحثاً منزهاً عن الأهواء. فليسع الناس إلى المعارف المنزهة عن الهوى يخلصوا في تفكيرهم، وليخلصوا في تفكيرهم تتطهر قلوبهم من الشهوات الفاسدة؛ ولتطهر قلوبهم على هذه الصورة تصلح نفوسهم؛ ولتصلح نفوسهم تصلح من نفسها أحوال أسرهم؛ وليس الذي تصلح به هذه الأسر هو المواعظ التي تحث على الفضيلة أو العقاب الشديد الرادع، بل الذي يصلحها هو، ما للقدوة الحسنة من قوة صامتة؛ ولتنظم شئون الأسرة عن طريق المعرفة والإخلاص والقدوة الصالحة، يتهيأ للبلاد من تلقاء نفسه نظام اجتماعي يتيسر معه قيام حكم صالح.
ولتحافظ الدولة على الهدوء في أرضها والعدالة في جميع أرجائها يسد السلام العالم بأجمعه ويسعد جميع من فيه- تلك نصيحة تدعو إلى الكمال المطلق وتنسى أن الإنسان حيوان مفترس؛ ولكنها كالمسيحية تحدد لنا هدفاً نسعى لندركه وسلماً نرقاه لنصل به إلى هذا الهدف. وما من شك في أن في هذه النصوص قواعد فلسفية ذهبية.




صفحة رقم : 1140




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> طريقة الرجل الأعلى



4- طريقة الرجل الأعلى




صورة أخرى من صور الحكيم - عناصر الأخلاق - القاعدة الذهبية


وإذن فالحكمة تبدأ في البيت، وأساس المجتمع هو الفرد المنظم في الأسرة المنتظمة، وكان كنفوشيوس يتفق مع جوته في أن الرُقيّ الذاتي أساس الرُقيّ الاجتماعي؛ ولما سأله تزه- لو "ما الذي يكون الرجل الأعلى؟" أجابه بقوله "أن يثقف نفسه بعناية ممزوجة بالاحترام"(109). ونحن نراه في مواضع متفرقة من محاوراته يرسم صورة الرجل المثالي كما يراه هو جزءاً جزءاً- والرجل المثالي في اعتقاده هو الذي تجتمع فيه الفلسفة والقداسة فيتكون منهما الحكيم. والإنسان الكامل الأسمى في رأي كنفوشيوس يتكون من فضائل ثلاث كان كل من سقراط ونيتشه والمسيح يرى الكمال كل الكمال في كل واحدة منها بمفردها؛




صفحة رقم : 1141




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> طريقة الرجل الأعلى


وتلك هي الذكاء والشجاعة وحب الخير. وفي ذلك يقول: "الرجل الأعلى يخشى ألا يصل إلى الحقيقة، وهو لا يخشى أن يصيبه الفقر.. وهو واسع الفكر غير متشيع إلى فئة.. وهو يحرص على ألا يكون فيما يقوله شئ غير صحيح"(110).
ولكنه ليس رجلاً ذكياً وحسب، وليس طالب علم ومحباً للمعرفة وكفى، بل هو ذو خلق وذو ذكاء. "فإذا غلبت فيه الصفات الجسمية على ثقافته وتهذيبه كان جلفاً، وإذا غلبت فيه الثقافة والتهذيب على الصفات الجسمية تمثلت فيه أخلاق الكتبة؛ أما إذا تساوت فيه صفات الجسم والثقافة والتهذيب وامتزجت هذه بتلك كان لنا منه الرجل الكامل الفضيلة"(111). فالذكاء هو الذهن الذي يضع قدميه على الأرض.
وقوام الأخلاق الصالحة هو الإخلاص، "وليس الإخلاص الكامل وحده هو الذي يميز الرجل الأعلى"(112) "إنه يعمل قبل أن يتكلم، ثم يتكلم بعدئذ وفق ما عمل"(113) "ولدينا في فن الرماية ما يشبه طريقة الرجل الأعلى. ذلك أن الرامي إذا لم يصب مركز الهدف رجع إلى نفسه ليبحث فيها عن سبب عجزه"(114).
"إن الذي يبحث عنه الرجل الأعلى هو ما في نفسه؛ أما الرجل المنحط فيبحث عما في غيره.. والرجل الأعلى يحزنه نقص كفايته، ولا يحزنه.. ألا يعرفه الناس"، ولكنه مع ذلك "يكره أن يفكر في ألاّ يذكر اسمه بعد موته"(115) وهو متواضع في حديثه ولكنه متفوق في أعماله.. قل أن يتكلم، فإذا تكلم لم يشك قط في أنه سيصيب هدفه.. والشيء الوحيد الذي لا يدانى فيه الرجل الأعلى هو عمله الذي لا يستطيع غيره من الناس أن يراه"(116). وهو معتدل في قوله وفعله "والرجل الأعلى يلتزم الطريق الوسط"(117) في كل شيء؛ ذلك أن "الأشياء التي يتأثر بها الإنسان كثيرة لا حصر لها؛ وإذا لم يكن




صفحة رقم : 1142




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> طريقة الرجل الأعلى


ما يحب وما يكره خاضعين للسنن والقواعد تبدلت طبيعته إلى طبيعة الأشياء التي تعرض له" "والرجل الأعلى يتحرك بحيث تكون حركاته في جميع الأجيال طريقاً عاماً؛ ويكون سلوكه بحيث تتخذه جميع الأجيال قانوناً عاماً، ويتكلم بحيث تكون ألفاظه في جميع الأجيال مقاييس عامة لقيم الألفاظ" وهو يستمسك أشد الاستمساك بالقاعدة الذهبية التي نص عليها هنا صراحة قبل هِلِل بأربعة قرون وقبل المسيح بخمسة: "فقد سأل جونج- جونج المعلم عن الفضيلة الكاملة فكان جوابه.. الفضيلة الكاملة ألا تفعل بغيرك ما لا تحب أن يفعل بك"(122). وهذا المبدأ يتكرر مراراً وهو دائماً يتكرر في صيغة النفي، وقد ذكر مرة في كلمة واحدة. ذلك أن تزه- جونج سأله مرة: أليس ثمة كلمة واحدة يستطيع الإنسان أن يتخذها قاعدة يسير عليها طوال حياته؟ فأجابه المعلم: أليست هذه الكلمة هي المبادلة؟"(123)، ولكنه لم يكن يرغب فيما يرغب فيه لوَ دْزَه وهو أن يقابل الشر بالخير، فلما أن سأله أحد تلاميذه: "ما قولك في المبدأ القائل بأن الإساءة يجب أن تجزى بالإحسان؟" أجاب بحدة لم يألفها تلاميذه منه: "وبأي شيء إذن تجزي الإحسان؟ لتكن العدالة جزاء الإساءة، وليكن الإحسان جزاء الإحسان"(124).
وكان يرى أن القاعدة الأساسية التي تقوم عليها أخلاق الرجل الأعلى هي العطف الفياض على الناس جميعاً. والرجل الأعلى لا يغضبه أن يسمو غيره من الناس، فإذا رأى أفاضل الناس فكر في أن يكون مثلهم؛ وإذا رأى سفلة الناس عاد إلى نفسه يتقصى حقيقة أمره"(124أ)؟ ذلك أنه قلما توجد أخطاء لا نشترك




صفحة رقم : 1143




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> طريقة الرجل الأعلى


فيها مع جيراننا. وهو لا يبالي أن يفتري عليه الناس أو يسلقوه بألسنة حداد(124ب)، مجامل بشوش لجميع الناس، ولكنه لا يكيل المدح جزافاً(125)؛ لا يحقر من هم أقل منه، ولا يسعى لكسب رضاء من هم أعلى منه(126)، وهو جاد في سلوكه وتصرفاته، لأن الناس لا يوقّرون من لا يلتزم الوقار في تصرفاته معهم؛ متريث في أقواله، حازم في سلوكه، يصدر في أعماله عن قلبه؛ غير متعجل بلسانه ولا مولع بالإجابات البارعة السكاتة؛ وهو جاد لأن لديه عملاً يحرص على أدائه- وهذا هو سر مهابته غير المتكلفة(127)؛ وهو بشوش لطيف حتى مع أقرب الناس إليه وألصقهم به، ولكنه يصون نفسه عن التبذل مع الناس جميعاً حتى مع ابنه(128).ويجمع كنفوشيوس صفات رجله الأعلى الكثير الشبه "برجل أرسطو ذي العقل الكبير" في هذه العبارة.
"يضع الرجل الأعلى نصب عينيه تسعة أمور لا ينفك يقلبها في فكره. فأما من حيث عيناه فهو يحرص على أن يرى بوضوح..، وأما من حيث وجهه فهو يحرص على أن يكون بشوشاً ظريفاً؛ وأما من حيث سلوكه فهو يحرص على أن يكون وقوراً؛ وفي حديثه يحرص على أن يكون مخلصاً؛ وفي تصريف شئون عمله يحرص على أن يبذل فيه عنايته، وأن يبعث الاحترام فيمن معه؛ وفي الأمور التي يشك فيها يحرص على أن يسأل غيره من الناس؛ وإذا غضب فكر فيما قد يجره عليه غضبه من الصعاب؛ وإذا لاحت له المكاسب فكر في العدالة والاستقامة(129).




صفحة رقم : 1144




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> سياسة كنفوشيوس



5- سياسة كنفوشيوس




سيادة الشعب - الحكم بالقدوة - عدم تركز الثروة -




الموسيقى والأخلاق - الاشتراكية والثورة


ويعتقد كنفوشيوس أن هؤلاء وحدهم هم الذين يستطيعون أن يعيدوا بناء




صفحة رقم : 1145




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> سياسة كنفوشيوس


الأسرة وأن ينقذوا الدولة. فالمجتمع يقوم على إطاعة الأبناء آباءهم؛ والزوجة زوجها؛ فإذا ذهبت هذه الطاعة حلت محلها الفوضى(130).
وليس ثمة ما هو أسمى من قانون الطاعة هذا إلا شيء واحد وهو القانون الأخلاقي.
"في وسع (الابن) وهو في خدمة أبويه أن يجادلهما بلطف؛ فإذا رأى أنهما لا يميلان إلى اتباع (نصيحته) زاد احترامه لهما، من غير أن يتخلى عن (قصده)؛ فإذا أمر الوالد ابنه أمراً خطأ وجب عليه أن يقاومه، وعلى الوزير أن يقاوم أمر سيده الأعلى في مثل هذه الحال"(131). وفي هذا القول يضع كنفوشيوس مبدأ من مبادئ منشيس التي تقرر حق الناس المقدس في الثورة.
على أن كنفوشيوس لم يكن بالرجل الثوري النزعة؛ ولعله ما كان يظن أن من ترفعهم الثورة لم يخلقوا من طينة غير طينة من تطيح بهم. ولكنه رغم هذه الميول كان جريئاً فيما كتبه في كتاب الأغاني: "قبل أن تفقد ملوك (أسرة) شانج (قلوب) الشعب كانوا أحباء الله. فليكن فيما حل ببيت شانج نذير لكم؛ إن الأمر العظيم لا يسهل دائماً الاحتفاظ به"(132). والشعب هو المصدر الفعلي الحقيقي للسلطة السياسية، ذلك أن كل حكومة لا تحتفظ بثقة الشعب تسقط لا محالة عاجلاً كان ذلك أو آجلاً.
"وسأل تزه- كونج، عن الحكم فقال له المعلم: "(لا بد للحكومة) من أن تحقق أموراً ثلاثة، أن يكون لدى الناس كفايتهم من الطعام، وكفايتهم من العتاد الحربي، ومن الثقة بحكامهم". فقال تزه- كونج: "فإذا لم يكن بد من الاستغناء عن أحد هذه الشروط، فأي هذه الثلاثة يجب أن تتخلى عنه أولاً؟" فأجاب المعلم: "العتاد الحربي". وسأله تزه- كونج مرة أخرى: "وإذا كان لا بد من الاستغناء عن أحد الشرطين الباقيين فأيهما يجب أن تتخلى عنه؟".




صفحة رقم : 1146




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> سياسة كنفوشيوس


فأجاب المعلم: "فلنتخل عن الطعام؛ ذلك أن الموت كان منذ الأزل قضاء محتوماً على البشر، أما إذا لم يكن للناس ثقة (بحكامهم) فلا بقاء (للدولة)".
ويرى كنفوشيوس أن المبدأ الأول الذي يقوم عليه الحكم هو نفس المبدأ الأول الذي تقوم عليه الأخلاق- ألا وهو الإخلاص. ولهذا كانت أداة الحكم الأولى هي القدوة الصالحة؛ ومعنى هذا أن الحاكم يجب أن يكون هو المثل الأعلى في السلوك الحسن، حتى يحذو الناس حذوه، فيعم السلوك الطيب جميع أفراد شعبه.
وسأل كي كانج كنفوشيوس عن الحكومة قائلاً: "ما قولك في قتل من لا مبدأ لهم ولا ضمير لخير أصحاب المبادئ والضمائر؟"، فأجابه كنفوشيوس: "وما حاجتك يا سيدي إلى القتل في قيامك بأعباء الحكم؟ لتكن نيتك الصريحة البينة فعل الخير، فيكون الناس أخياراً. إن العلاقة القائمة بين الأعلى والأدنى لشبيهة بالعلاقة بين الريح والكلأ، فالكلأ يميل إذا هبت عليه الريح.. وما أشبه الذي ينهج في حكمه نهج الفضيلة بالنجم القطبي الذي لا يتحول عن مكانه والذي تطوف النجوم كلها حوله.."، وسأل كي كانج كيف ُيحمل الناس على أن يجلوا (حاكمهم)، وأن يخلصوا له، وأن يلتزموا جانب الفضيلة؟ فأجابه المعلم: "فليرأسهم في وقار- يحترموه، وليكن عطوفاً عليهم رحيماً بهم، يخلصوا له. وليقدم الصالحين ويعلّم العاجزين- يحرصوا على أن يكونوا فضلاء"(134).
وإذا كانت القدوة الحسنة أولى وسائل الحكم، فإن حسن الاختيار للمناصب وسيلته الثانية: "استمل الصالحين المستقيمين، وانبذ المعوجين، وبهذه الطريقة يستقيم المعوج"(135).
وتقول عقيدة الوسط: "إن تصريف شئون الحكم إنما يقوم على




صفحة رقم : 1147




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> سياسة كنفوشيوس


(استعمال من يصلح له من الناس). وما من سبيل إلى الحصول على هؤلاء الناس إلا أن تكون أخلاق (الحاكم) نفسه صالحة"(136).
وأي شيء لا تستطيع الوزارة المؤلفة من الرجال الأعلين أن تعمله في جيل واحد لتطهير الدولة والارتفاع بالشعب إلى مستوى عال من الحضارة؟(137)- إن أول ما يحرصون عليه ألا تكون لهم قدر المستطاع علاقات خارجية، وأن يعملوا على أن يكتفوا بغلاتهم عن غلات غيرهم، حتى لا تشن أمتهم الحرب على غيرها من الأمم للحصول على هذه الغلات، ثم يقللون من ترف بطانة الملوك ويعملون على توزيع الثروة في أوسع نطاق لأن "تركيز الثروة هو السبيل إلى تشتيت الشعب، وتوزيعها هو السبيل إلى جمع شتاته"(138)، ثم يخففون العقاب وينشرون التعليم العام لأن "التعليم إذا انتشر انعدمت الفروق بين الطبقات"(139).
ويشير كنفوشيوس بألا تدرس الموضوعات العليا لذوي المواهب الوسطى، أما الموسيقى فيجب أن تعلم للناس أجمعين.
ومن أقواله في هذا: "إذا أتقن الإنسان الموسيقى، وقوم عقله وقلبه بمقتضاها وعلى هديها، تطهر قلبه وصار قلباً طبيعياً، سليماً، رقيقاً، عامراً بالإخلاص والوفاء، يغمره السرور والبهجة.. وخير الوسائل لإصلاح الأخلاق والعادات.. أن توجه العناية إلى الموسيقى التي تعزف في البلاد .. والأخلاق الطيبة والموسيقى يجب ألاّ يهملهما الإنسان.. فالخير شديد الصلة بالموسيقى والاستقامة تلازم الأخلاق الطيبة على الدوام"(140).
وعلى الحكومة أن تُعنى أيضاً بغرس الأخلاق الطيبة، ذلك أن الأخلاق إذا فسدت فسدت الأمة معها . وآداب اللياقة هي التي تكون على الأقل




صفحة رقم : 1148




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> سياسة كنفوشيوس


المظهر الخارجي لأخلاق الأمة وإن لم يدرك الناس هذا(141)، وهي تضفي على الحكيم لطف الرجل المهذب؛ وما من شك في أن المرء ابن عادته. أما من الوجهة السياسية "فآداب اللياقة حواجز تقوم بين الناس وبين الانغماس في المفاسد"، و"من ظن أن الحواجز القديمة لا نفع فيها فهدّمها حلّت به الكوارث الناشئة من طغيان المياه الجارفة"(142).
ويكاد الإنسان أن يسمع هذا القول الصارم الذي نطق به المعلم الغاضب يتردد هذه الأيام في جنبات "بهو الآداب القديمة" التي نقشت ألفاظها على حجارته، والتي دنستها أوضار الثورة وحقرتها.
ومع هذا فقد كان لكنفوشيوس أيضا أحلامه ومثله العليا في الحكومات والدول. فقد كان يعطف بعض الأحيان على الذين إذا اقتنعوا بأن الأسرة الحاكمة فقدت "الأمر الأعلى" أي "أمر السماء"، قوضوا أركان نظام من نظم الحكم لكي يقيموا على أنقاضه نظاماً خيراً منه. وقد اعتنق في آخر الأمر المبادئ الاشتراكية وأطلق فيها لخياله العنان!
"إذا ساد المبدأ الأعظم (مبدأ التماثل الأعظم) أصبح العالم كله جمهورية واحدة؛ واختار الناس لحكمهم ذوي المواهب والفضائل والكفايات ؛ وأخذوا يتحدثون عن الحكومة المخلصة، ويعملون على نشر لواء السلم الشامل. وحينئذ لا يرى الناس أن آباءهم هم من ولدوهم دون غيرهم، أو أن أبناءهم هم من ولدوا لهم، بل تراهم يهيئون سبل العيش للمسنين حتى يستوفوا آجالهم، ويهيئون العمل للكهول، ووسائل النماء للصغار، ويكفلون الحياة للأرامل من الرجال والنساء واليتامى وعديمي الأبناء، ومن أقعدهم المرض عن العمل. هنالك يكون لكل إنسان حقه، وهنالك تصان شخصية المرأة فلا يتعدى عليها.




صفحة رقم : 1149




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> سياسة كنفوشيوس


وينتج الناس الثروة، لأنهم يكرهون أن تبدد وتضيع في الأرض، ولكنهم يكرهون أن يستمتعوا بها دون غيرهم من الناس، وهم يعملون لأنهم يكرهون البطالة، ولكنهم لا يهدفون في عملهم إلى منفعتهم الشخصية.
وبهذه الطريقة يقضى على الأنانية والمآرب الذاتية، فلا تجد سبيلاً إلى الظهور، ولا يرى أثر للصوص والنشالين والخونة المارقين، فتبقى الأبواب الخارجية مفتحة غير مغلقة. هذا هو الوضع الذي أسميه التماثل الأعظم .




صفحة رقم : 1150




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> أثر كنفوشيوس في الأمة الصينية



6- أثر كنفوشيوس في الأمة الصينية




العلماء الكنفوشيون - انتصارهم على القانونيين - عيوب




الفلسفة الكنفوشية - جدة مبادئ كنفوشيوس


كان نجاح كنفوشيوس بعد موته ولكنه كان نجاحاً كاملاً. لقد كان يضرب في فلسفته على نغمة سياسية عملية حببتها إلى قلوب الصينيين بعد أن زال بموته كل احتمال لإصراره على تحقيقها.
وإذ كان رجال الأدب في كل زمان لا يرتضون أن يكونوا أدباء فحسب، فإن أدباء القرون التي أعقبت موت كنفوشيوس استمسكوا أشد استمساك بمبادئه، واتخذوها سبيلاً إلى السلطان وتسلم المناصب العامة، وأوجدوا طبقة من العلماء الكنفوشيين أصبحت أقوى طائفة في الإمبراطورية بأجمعها. وانتشرت المدارس في أنحاء البلاد لتعلم الناس فلسفة كنفوشيوس التي تلقاها الأساتذة عن تلاميذ المعلم الأكبر، ونماها مِنْشِيس وهذبها آلاف مؤلفة من العلماء على مدى الأيام. وأضحت هذه المدارس المراكز الثقافية والعقلية في الصين فأبقت شعلة الحضارة متقدة خلال القرون الطوال التي تدهورت فيها البلاد من




صفحة رقم : 1151




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> أثر كنفوشيوس في الأمة الصينية


الوجهة السياسية، كما احتفظ رهبان العصور الوسطى بجذوة الثقافة القديمة وبقليل من النظام الاجتماعي في العصور المظلمة التي تلت سقوط رومة.
وكانت في البلاد طائفة أخرى هي طائفة "القانونيين" استطاعت أن تناهض وقتاً ما آراء كنفوشيوس في عالم السياسة، وأن تسير الدولة حسب مبادئها هي في بعض الأحيان.
ومن أقوالهم في الرد على كنفوشيوس أن نظام الحكم على المثل الذي يضربه الحاكمون، وعلى الصلاح الذي تنطوي عليه قلوب المحكومين، يعرّض الدولة لأشد الأخطار، إذ ليس في التاريخ أمثلة كثيرة تشهد بنجاح الحكومات التي تسترشد في أعمالها بهذه المبادئ المثالية. وهم يقولون أن الحكم يجب أن يستند إلى القوانين لا إلى الحكام، وإن الناس يجب أن يرغموا على إطاعة القوانين حتى تصبح إطاعتها طبيعة ثانية للمجتمع فيطيعوها راضين مختارين. ولم يبلغ الناس من الذكاء مبلغاً يمكنهم من أن يحسنوا حكم أنفسهم، ولهذا فإنهم لا يصيبون الرخاء إلا تحت حكم جماعة من الأشراف؛ وحتى التجار أنفسهم، وإن أثروا، لا يدل ثراؤهم على أنهم متفوقون في ذكائهم، فهم يسعون وراء مصالحهم الخاصة، وكثيرا ما يتعارض سعيهم هذا مع مصالح الدولة.
ويقول بعض القانونيين إنه قد يكون من الخير للدولة أن تجعل رؤوس الأموال ملكاً عاماً للمجتمع، وأن تحتكر هي التجارة، وأن تمنع التلاعب بالأثمان وتركيز الثروة في أيدي عدد قليل من الأفراد(144).
هذه آراء ظهرت ثم اختفت ثم عادت إلى الظهور مرة بعد مرة في تاريخ الحكومة الصينية.
ولكن فلسفة كنفوشيوس كتب لها النصر آخر الأمر. وسنرى فيما بعد كيف سعى شي هوانج- دي، صاحب الحول والطول، يعاونه رئيس وزراء من




صفحة رقم : 1152




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> أثر كنفوشيوس في الأمة الصينية


طائفة القانونيين، للقضاء على نفوذ كنفوشيوس، فأمر أن يحرق كل ما كان موجوداً وقتئذ من الكتابات الكنفوشية. ولكن تبين مرة أخرى أن قوة اللسان أعظم من قوة السنان.
ولم يكن لعداء "الإمبراطور الأول" من نتيجة إلاّ أن يجعل الكتب التي أراد أن يعدمها كتباً مقدسة قيمة، وأن يستشهد الناس في سبيل المحافظة عليها.حتى إذا انقضى عهد شي هوانج- دي، وعهد أسرته القصير الأجل، وجلس على العرش إمبراطور أحكم منه، أخرج الآداب الكنفوشية من مخابئها وعيّن العلماء الكنفوشيين في مناصب الدولة، وثبّت حكم أسرة هان، وقوى دعائمه، بأن أدخل آراء كنفوشيوس وأساليبه الحكيمة في برامج تعليم الشبان الصينيين وفي الحكومة. وقربت القرابين تكريماً لكنفوشيوس، وأمر الإمبراطور بأن تنقش نصوص الكتب القديمة على الحجارة، وأصبحت الكنفوشية دين الدولة الرسمي. وناهض الكنفوشية في بعض الأحيان نفوذ الدَّوية، كما طغى عليها أحياناً أخرى سلطان البوذية، حتى إذا كان عهد أسرة تانج أعادتها إلى مكانتها السابقة، وأعلت من شأنها.
ولما جلس على العرش تاي دزونج الأعظم أمر أن يشاد هيكل لكنفوشيوس في كل مدينة وقرية في جميع أنحاء الإمبراطورية، وأن يقرب له فيها القرابين العلماء والموظفون. وفي عهد أسرة زونج نشأت مدرسة قوية للكنفوشية الجديدة أضافت شروحاً وتعليقات لا حصر لها على الكتب الكنفوشية القديمة، وعملت على نشر فلسفة أستاذها الأكبر وما أضافته إليها من شروح مختلفة في بلاد الشرق الأقصى، وبعثت في اليابان نهضة فلسفية قوية. وظلت مبادئ كنفوشيوس من مبدأ قيام أسرة هان إلى سقوط أسرة منشو- أي ما يقرب من ألفي عام- تسيطر على العقلية الصينية وتصوغها في قالبها.




صفحة رقم : 1153




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> أثر كنفوشيوس في الأمة الصينية


والفلسفة الكنفوشية أهم ما يواجه المؤرخ لبلاد الصين؛ ذلك أن كفايات معلمها الأكبر ظلت جيلاً بعد جيل النصوص المقررة في مدارس الدولة الصينية، يكاد كل صبي يتخرج في تلك المدارس أن يحفظها عن ظهر قلب، وتغلغلت النزعة المتحفظة القوية التي يمتاز بها الحكيم القديم في قلوب الصينيين، وسرت في دمائهم، وأكسبت أفراد الأمة الصينية كرامة وعمقاً في التفكير لا نظير لهما في غير تاريخهم أو في غير بلادهم، واستطاعت الصين بفضل هذه الفلسفة أن تحيا حياة اجتماعية متناسقة متآلفة، وأن تبعث في نفوس أبنائها إعجاباً شديداً بالعلم والحكمة، وأن تنشر في بلادها ثقافة مستقرة هادئة أكسبت الحضارة الصينية قوة أمكنتها من أن تنهض من كبوتها وتسترد قواها بعد الغزوات المتكررة التي اجتاحت بلادها، وأن تشكل هي الغزاة على صورتها وتطبعهم بطابعها. ولسنا نجد في غير المسيحية والبوذية ما نجده في الكنفوشية من جهود جبارة لتحويل ما جبلت عليه الطبيعة البشرية من غلظة ووحشية إلى تأدب ورقّة.
ولسنا نجد في هذه الأيام- كما لم يجد الأقدمون في الأيام الخالية- دواء يوصف للذين يقاسون الأمرّين من جراء الاضطراب الناشئ من التربية التي تُعنى بالعقل وتهمل كل ما عداه، ومن انحطاط مستوى القانون الأخلاقي وتدهوره، ومن ضعف الأخلاق الفردية والقومية، لسنا نجد دواء لهذا كله خيراً من تلقين الشباب مبادئ الفلسفة الكنفوشية .
لكن تلك الفلسفة لا تستطيع وحدها أن تكون غذاء كاملاً للروح. لقد كانت فلسفة تصلح لأمة تكافح للخروج من غمرات الفوضى والضعف إلى النظام والقوة، ولكنها غل ثقيل يقيد البلد الذي ترغمه المنافسات الدولية على أن ينمو ويتطور.




صفحة رقم : 1154




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> أثر كنفوشيوس في الأمة الصينية


ذلك أن قواعد الأدب واللياقة التي شكلت أخلاق الصينيين ونظامهم الاجتماعي أضحت قوة جارفة تسير كل حركة حيوية في طريق مرسوم لا تتحول عنه، وكانت الفلسفة الكنفوشية تصطبغ بصبغة جامدة متزمتة، وتقف في سبيل الدوافع الطبيعية القوية المحركة للجنس البشري، وسمت فضائلها حتى بلغت حد العقم؛ ولم يكن فيها قط مجال للهو والمجازفة كما لم يكن فيها إلا القليل من الصداقة والحب، وقد أعانت على تحقير النساء وإذلالهن(145)، كما أعان ما فيها من كمال بارد على تجميد الأمة الصينية وجعلها أمة متحفظة لا يضارع عداءها للرقي إلا حبها للسلام.
وليس من حقنا أن نعزو هذا كله إلى كنفوشيوس، وأن نوجه إليه اللوم من أجله، إذ ليس في مقدور إنسان أياً كان شأنه أن يسيطر على تفكير عشرين قرناً من الزمان. بل كل ما يحق لنا أن نطلبه إلى المفكر أن يضيء لنا بطريقة ما، وبفضل تفكيره طوال حياته، سبيل الفهم الصحيح. وقَلَّ أن تجد في العالم من اضطلع بهذا الواجب كما اضطلع به كنفوشيوس. وإذا ما قرأنا تعاليمه، وتبينا ما يجب أن نمحوه من فلسفته بسبب تقدم المعارف في العالم وتبدل أحواله، وعرفنا قيمة ما يسديه إلينا من هداية في عالمنا الحاضر نفسه، إذا فعلنا هذا نسينا من فورنا ما يشوب فلسفته من تفاهة تارة ومن كمال لا تطيقه الطبيعة البشرية تارة أخرى، واشتركنا مع كونج جي حفيده الصالح التقي في هذا التسبيح الأعلى الذي كان بداية تأليه كنفوشيوس.
لقد نقل جونج- في عقائد يُو وشوِن كأنهما كانا من آبائه، ونشر نظم وُن و وُو واتخذهما مثلين يحتذيهما وينسج على منوالهما. وكان في صفاته الروحية قديساً أو ملاكاً يتناغم مع السماء، ولكنه لم ينس قط أنه مخلوق من طين وماء. وهو يشبه السماء والأرض في أنه كان عماداً لكل شيء وعائلاً لكل شيء، يحجب نوره كل شيء، وتغطي ظلاله كل شيء. وهو أشبه بالفصول الأربعة في تتابعها وانتظام سيرها، وأشبه بالشمس والقمر في تتابع ضيائهما..




صفحة رقم : 1155




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> كنفوشيوس -> أثر كنفوشيوس في الأمة الصينية


فهو في شموله واتساع آفاقه كالسماء، وفي عمق تفكيره ونشاطه كالهوة السحيقة والعين الجائشة الفوارة. إذا رآه الناس وقروه وعظموه، وإذا تكلم صدقوه، وإذا فعل أعجبوا بفعله وأحبوه.
ولهذا ذاع صيته في "المملكة الوسطى" وانتشر بين القبائل الهمجية، فحيثما وصلت السفائن والمركبات، وحيثما نفذت قوة الإنسان، وفي كل مكان امتد على سطح الأرض وأظلته السماء وأضاءته الشمس وأناره القمر، وفي كل بقعة مسها الصقيع وطلها الندى- يجله ويحبه كل من سرى فيه دم الحياة وترددت في صدره أنفاسها، حباً صادقاً لا تكلف فيه ولا رياء، ولهذا قيل عنه إنه: "هو والسماء صنوان"(146).




صفحة رقم : 1156




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> مقدمة



الفصل الثالث




اشتراكيون وفوضويون


لقد كانت المائتا عام التي أعقبت عصر كنفوشيوس أعوام جدل شديد وردَّة عنيفة، ذلك أنه لما كشف العلماء عن لذة الفلسفة وبهجتها قام رجال من أمثال هْوِ ادزه، وجونج سون لويانج يتلاعبون بالمنطق ويخترعون القضايا المنطقية المتناقضة التي لا تقل في تباينها ودقتها عن قضايا زينون(147). واحتشد الفلاسفة من جميع أنحاء البلاد في مدينة لويانج، كما كانوا يحتشدون في نفس هذا القرن في مدينتي بنارس وأثينة، وكانوا يستمتعون في عاصمة الصين بحرية القول والتفكير التي جعلت أثينة وقتئذ العاصمة الفكرية لبلاد البحر الأبيض المتوسط. وغصت عاصمة البلاد بالفلاسفة المسمين تزونج- هنج- كيا أي "فلاسفة الجدل"، الذين جاءوا من كافة أنحاء البلاد ليعلموا الناس على اختلاف طبقاتهم فن إقناع أي إنسان بأي شيء أرادوا إقناعه به(148). فجاء إلى لويانج منشيس الذي خلف كنفوشيوس في منصبه، كما جاء إليها جَونْج- دْزَه أعظم أتباع لو- دْزَه، وشِون- دْزَه القائل بأن الإنسان شرير بطبعه، ومودي نبي الحب العالمي.




صفحة رقم : 1157




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> مودي العيري



1- مودي العيري




منطق قديم - مسيحي - وداعية سلام


قال منشيس عدو مودي "لقد كان يحب الناس جميعاً، وكان يود لو يستطيع أن يبلى جسمه كله من قمة رأسه إلى أخمص قدمه إذا كان في هذا خير لبني الإنسان(149)؛ وقد نشأ مودي في بلدة لو التي نشأ فيها كنفوشيوس، وذاعت شهرته بعد وفاة الحكيم الأكبر بزمن قليل. وكان يعيب على كنفوشيوس أن تفكيره




صفحة رقم : 1158




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> مودي العيري


خيالي غير عملي، وأراد أن يستبدل بهذا التفكير دعوة الناس جميعاً لأن يحب بعضهم بعضاً. وكان من أوائل المناطقة الصينيين ومن شر المجادلين المحاجين في الصين؛ وقد عرف القضية المنطقية تعريفاً غاية في البساطة فقال:
هذه هي التي أسميها قواعد الاستدلال الثلاث:
أين يجد الإنسان الأساس؟ ابحث عنه في دراسة تجارب أحكم الرجال الأقدمين.
كيف يلم الإنسان به إلماماً عاماً؟ افحص عما في تجارب الناس العقلية من حقائق واقعية.
كيف تطبقها؟ ضعها في قانون وسياسة حكومية، وانظر هل تؤدي إلى خير الدولة ورفاهية الشعب أو لا تؤدي إليهما(150).
وعلى هذا الأساس جَدَّ مودي في البرهنة على أن الأشباح والأرواح حقائق واقعية، لأن كثيرين من الناس قد شاهدوها، وكان من أشد المعارضين لآراء كنفوشيوس المجردة غير المجسمة عن الله، وكان من القائلين بشخصية الله. وكان يظن كما يظن بسكال أن الدين رهان مربح في كلتا الحالين: فإذا كان آباؤنا الذين نقرب لهم القرابين يستمعون إلينا فقد عقدنا بهذه القرابين صفقة رابحة، وإذا كانوا أمواتاً لا حياة لهم ولا يشعرون بما نقرب إليهم فإن القرابين تتيح لنا فرصة الاجتماع بأهلينا وجيرتنا، لنستمتع جميعاً بما نقدمه للموتى من طعام وشراب"(151).
وبهذه الطريقة عينها يثبت مودي أن الحب الشامل هو الحل الوحيد للمشكلة الاجتماعية؛ فإذا ما عم الحب العالم أوجد فيه بلا ريب الدولة الفاضلة والسعادة الشاملة التي بها "يحب الناس كلهم بعضهم بعضاً، ولا يفترس أقوياؤهم ضعفاءهم، ولا تنهب كثرتهم قلتهم، ولا يزدري أغنياؤهم فقراءهم، ولا يسفه عظماؤهم صغارهم، ولا يخدع الماكرون منهم السذج"(152). والأنانية في رأيه مصدر كل شر




صفحة رقم : 1159




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> مودي العيري


سواء كان هذا الشر رغبة الطفل في التملك أو رغبة الإمبراطوريات في الفتح والاستعمار. ويعجب مودي كيف يدين الناس أجمعون من يسرق خنزيراً ويعاقبونه أشد العقاب، أما الذي يغزو مملكة ويغتصبها من أهلها، فإنه يعد في أعين أمته بطلاً من الأبطال ومثلاً أعلى للأجيال المقبلة(154). ثم ينتقل مودي من هذه المبادئ السلمية إلى توجيه أشد النقد إلى قيام الدولة حتى لتكاد عقيدته السياسية تقترب كل القرب من الفوضى، وحتى أزعجت هذه العقيدة ولاة الأمور في عصره(154). ويؤكد لنا كتاب سيرته أن مهندس الدولة في مملكة جو هَمَّ بغزو دولة سونج ليجرب في هذا الغزو سلماً جديداً من سلالم الحصار اخترعه في ذلك الوقت؛ فما كان من مودي إلا أن أخذ يعظه ويشرح له عقيدة الحب والسلم العالميين حتى أقنعه بالعدول عن رأيه، وحتى قال له المهندس: "لقد كنت قبل أن ألقاك معتزماً فتح بلاد سونج، ولكني بعد أن لقيتك لا أحب أن تكون لي ولو سلمت إلي من غير مقاومة ومن غير أن يكون ثمة سبب حق عادل يحملني على فتحها". فأجابه مودي بقوله: "إذا كان الأمر كذلك فكأني قد أعطيتك الآن دولة سونج. فاستمسك بهذه الخطة العادلة أعطك ملك العالم كله"(155).
وكان العلماء من أتباع كنفوشيوس والساسة أتباع لوينج يسخرون من هذه الأفكار السلمية؛ ولكن مودي رغم هذه السخرية كان له أتباع، وظلت آراؤه مدى قرنين كاملين عقيدة تدين بها شيعة تدعو إلى السلام، وقام اثنان من مريديه وهما سونج بنج، وجونج سون لونج بحملة قوية لنزع السلاح، وجاهدا في سبيل هذه الدعوة حق الجهاد(157). وعارض هان- في أعظم النقاد في عصره هذه الحركة، وكان ينظر إليها نظرة في وسعنا أن نسميها نظرة نيتشية، وكانت حجته في معارضته أن الحرب ستظل هي الحكم بين الأمم حتى تنبت للناس بالفعل أجنحة الحب العام.
ولما أصدر شين هوانج- دي أمره الشهير "بإحراق الكتب" ألقيت




صفحة رقم : 1160




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> مودي العيري


في النار جميع الآداب المودية كما ألقيت فيها جميع الكتب الكنفوشية؛ وقضى هذا الحريق على الدين الجديد وإن لم يقض على عقيدة المعلم الأكبر وكتاباته.




صفحة رقم : 1161




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> يانج جو أناني



2- يانج ـ جو، أناني




جبري أبيقوري - الدفاع عن الشر


وكانت عقيدة أخرى، تختلف عن العقيدة السابقة كل الاختلاف، قد أخذت تنتشر وتشتد الدعوة إليها بين الصينيين، فقد قام رجل يدعى يانج- جو لا نعرف عنه شيئاً إلا ما قاله عنه شانئوه(159) وجهر بهذه الدعوة المتناقضة، وهي أن الحياة ملأى بالآلام وأن اللذة هدفها الأعلى، وكان ينكر وجود الله، كما ينكر البعث، ويقول إن الخلائق ليست إلا دمى لا حول لها ولا طول، تحركها القوى الطبيعية العمياء التي أوجدتها، والتي وهبتها أسلافها دون أن يكون لها في ذلك خيار، ورسمت لها أخلاقها، فلا تستطيع أن تتحول عنها أو أن تبدلها غيرَها(160).
فأما الحكيم العاقل فيرضى بما قسم له دون أن يشكوا أو يتذمر، ولكن لا يغتر بشيء من سخافات كنفوشيوس ومودي، وما يقولانه عن الفضيلة الفطرية والحب العالمي، والسمعة الطيبة. ومن أقواله أن المبادئ الخلقية شراك ينصبه الماكرون للسذج البسطاء، وأن الحب العالمي وهمُ يتوهمه الأطفال الذين لا يعرفون كنه البغضاء العالمية التي هي سُنَّة الحياة، وأن حسن الأحدوثة ألعوبة لا يستطيع الحمقى الذين ضحوا من أجلها أن يستمتعوا بعد وفاتهم بها، وأن الأخيار يقاسون في الحياة ما يقاسيه الأشرار، بل إنه ليبدو أن الأشرار أكثر استمتاعاً بالحياة من الأخيار(161). وأن أحكم الحكماء الأقدمين ليسوا هم رجال الأخلاق والحاكمين كما يقول كنفوشيوس بل هم عبدة الشهوات، الذين كان من حظهم




صفحة رقم : 1162




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> يانج جو أناني


أن استبقوا المشترعين والفلاسفة، فاستمتعوا بكل لذة دفعتهم إليها غرائزهم. نعم إن الأشرار قد يخلّفون وراءهم سمعة غير طيبة، ولكن ذلك أمر لا يقلق عظامهم. ثم يدعونا يانج- جو إلى أن نفكر في مصير الأخيار والأشرار، فيقول : إن الناس كلهم مجمعون على أن شون، ويو، وجو- جونج، وكنفوشيوس كانوا خير الناس وأحقهم بالإعجاب، وأن جياه، وجو، شرهم جميعاً.
ولكن شون قد اضطر إلى حرث الأرض في جنوب نهر هو، والى صنع آنية الفخار بجوار بحيرة لاي، ولم يكن في وسعه أن يستريح من عناء العمل لحظة قصيرة، بل إنه لم يكن يستطيع أن يجد شيئاً من الطعام الشهي والملابس المدفئة، ولم يكن في قلب أبويه شيء من الحب له، كما لم يكن يجد من أخوته وأخواته شيئاً من العطف عليه... فلما نزل له "ياو" آخر الأمر عن المُلك، كان قد تقدمت به السن، وانحطت قواه العقلية؛ وظهر أن ابنه شانج جو إنسان ناقص العقل عديم الكفاية؛ فلم يجد بداً من أن ينزل عن الملُك إلى يو. ومات بعدئذ ميتة محزنة. ولم يكن بين البشر كلهم إنسان قضى حياته كلها بائساً منغصاً، كما قضى هو حياته...
"وكان يو قد صرف كل جهوده في فلح الأرض، وولد له طفل ولكنه لم يستطيع أن يربيه؛ فكان يمر على باب داره ولا يدخلها، وانحنى جسمه وانضمر وغلظ جلد يديه وقدميه وتحجر. فلما أن نزل له شون آخر الأمر عن العرش عاش في بيت وطئ حقير، وإن كان يلبس ميدعة وقلنسوة ظريفتين. ثم مات ميتة محزنة، ولم يكن بين الآدميين كلهم من عاش معيشة نكدة حزينة كما عاش يو...
"وكان كنفوشيوس يفهم أساليب الملوك والحكام الأقدمين، ويستجيب




صفحة رقم : 1163




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> يانج جو أناني


إلى دعوات أمراء عصره. ثم قطعت الشجرة التي يستظل بها في سونج، وأزيلت آثار أقدامه من ويه، وحل به الضنك في شانج وجو، وحوصر في شان وتشي؛... وأذله يانج هو وأهانه، ومات ميتة محزنة. ولم يكن بين بنى الإنسان كلهم من عاش عيشة مضطربة صاخبة كما عاش كنفوشيوس.
"ولم يستمتع هؤلاء الحكماء الأربعة بالسرور يوماً واحداً من أيام حياتهم، وذاعت شهرتهم بعد موتهم ذيوعاً سوف يدوم عشرات الآلاف من الأجيال، ولكن هذه الشهرة هي الشيء الذي لا يختاره قط من يعنى بالحقائق ويهتم بها. هل يحتفلون بذكراهم؟ هذا مالا يعرفونه. وهل يكافئونهم على أعمالهم؟ وهذا أيضاً لا يعرفونه وليست شهرتهم خيراً لهم مما هي لجذع شجرة أو مَدَرة.
أما (جياه) فقد ورث ثروة طائلة تجمعت مدى قرون طويلة؛ ونال شرف الجلوس على العرش الملكي؛ وأوتي من الحكمة ما يكفيه لأن يتحدى كل من هم دونه مقاماً؛ ومن القوة ما يكفي لأن يزعزع به أركان العالم كله. وكان يستمتع بكل ما تستطيع العين والأذن أن تستمتعا به من ضروب الملذات؛ ولم يحجم قط عن فعل كل ما سولت له نفسه أن يفعله. ومات ميتة هنيئة؛ ولم يكن بين الآدميين كلهم من عاش عيشة مترفة فاسدة كما عاش هو. وورث جو (شِنْ) ثروة طائلة تجمعت في مدى قرون طويلة، ونال شرف الجلوس على العرش الملكي، وكان له من القوة ما يستطيع به أن يفعل كل ما يريد؛... وأباح لنفسه في قصوره فعل كل ما يشتهيه، وأطلق لشهواته العنان خلال الليالي الطوال؛ ولم يكدر صفو سعادته قط بالتفكير في آداب اللياقة أو العدالة، حتى قضى نحبه كأبهج ما يقضى الناس نحبهم. ولم يكن في الآدميين كلهم من كانت حياته داعرة فاجرة كما كانت حياة جو.
وقد استمتع هذان الرجلان السافلان في حياتهما بما شاءا من الملذات وأطلقا لشهواتهم العنان، واشتهر بعد وفاتهما بأنهما كانا من أشد الناس حمقاً




صفحة رقم : 1164




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> يانج جو أناني


واستبداداً، ولكنهما استمتعا باللذة وهي حقيقة لا تستطيع أن تهبها حسن الأحدوثة. فإذا لامهم الناس فإنهم لا يعرفون، وإذا اثنوا عليهم ظلوا بهذا الثناء جاهلين، وسمعتهم (السيئة) لا تهمهم أكثر مما تهم جذع شجرة أو مَدَرة(162).
ألا ما أعظم الفرق بين هذه الفلسفة وبين فلسفة كنفوشيوس وهنا أيضاً نظن أن الزمان وهو رجعي كالرجعيين من الآدميين قد أبقى لنا آراء أجل المفكرين الصينيين وأعظمهم، ثم عدا على الباقين كلهم تقريباً فطواهم في غمرة الأرواح المنسية. ولعل الزمان محق في فعله هذا، ذلك أن الإنسانية نفسها ما كانت لتعمر طويلاً لو كان فيها كثيرون ممن يفكرون كما يفكر يان جو. وكل ما تستطيع أن ترد به عليه هو أن المجتمع لا يمكن أن يقوم إذا لم يتعاون الفرد مع زملائه أخذاً وعطاءاً؛ وإذا لم يتحملهم ويصبر على أذاهم، ويتقيد بما في المجتمع، من قيود أخلاقية، وإن الفرد الكامل العقل لا يمكن أن يوجد في غير مجتمع، وأن حياتنا نفسها إنما تعتمد على ما فيها من قيود. ومن المؤرخين من يرى في انتشار هذه الفلسفة الأنانية بعض الأسباب التي أدت إلى ما أصاب المجتمع الصيني من انحلال في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد(163). فلا عجب والحالة هذه أن يرفع منشيس، جنسن (Dr. Johnson) زمانه، عقيرته بالاحتجاج الشديد وبالتشهير بأبيقورية ينج جو وبمثالية مودي فقال:
"إن أقوال ينج جو ومودي تملأ العالم؛ وإذا سمعت الناس يتحدثون وجدتهم قد اعتنقوا آراء هذا أو آراء ذاك. فأما المبدأ الذي يدعو إليه ينج فهو هذا. "كل إنسان وشأنه" وهو مبدأ لا يعترف بمطالب الملك. أما مبدأ مو فهو هذا: "أحب الناس جميعا بقدر واحد"- وهو مبدأ لا يعترف بما يحق للأب من حب خاص. ومن لا يعترف بحق الملك ولا بحق الأب كان في منزلة الحيوان الأعجم. فإذا لم يوضع لمبادئهما حد، وإذا لم تسد مبادئ




صفحة رقم : 1165




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> يانج جو أناني


كنفوشيوس، فإنهما سيخدعان الناس بحديثهما المقلوب، ويسدان في وجوههم طريق الخير والصلاح.
"ولقد أزعجتني تلك الأشياء وأمرضت قلبي، فوقفت أدافع عن عقائد الحكماء والأقدمين، وأعارض ينج ومو، وأطارد أقوالهما المنحطة، حتى يتوارى هؤلاء المتحدثون الفاسدون فلا يجرءوا على الظهور. ولن يغير الحكماء من أقوالي هذه إذا ما عادوا إلى الظهور"(164).




صفحة رقم : 1166




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> منشيس مستشار الأمراء



3- منشيس، مستشار الأمراء




أم نموذجية - فيلسوف بين الملوك - هل الناس أخيار بالسليقة - الضريبة




الفردية - منشيس والشيوعيون -باعث الكسب - حق الناس في أن يثوروا


لقد شاءت الأقدار أن يكون منشيس أنبه الفلاسفة الصينيين ذكراً بعد كنفوشيوس؛ وما أحفل تاريخ الصين بالفلاسفة.
وكان منشيس من سلالة أسرة مانج العريقة، وكان اسمه في بادئ الأمر مانج كو، ثم صدر مرسوم إمبراطوري بتغييره إلى مانج- دزه أي مانج المعلم أو الفيلسوف. وقد بدل علماء أوروبا الذين مرنوا على الأسماء اللاتينية هذا الاسم إلى منشيس كما بدلوا كونج- فو- دزه إلى كنفوشيوس.
ويكاد علمنا بأم منشيس يبلغ من الدقة علمنا به هو نفسه؛ ذلك بأن المؤرخين الصينيين قد خلدوا ذكرها وجعلوها نموذجاً للأمهات بما قصّوه عنها من القصص الكثيرة الممتعة. فهم يقولون إنها بدلت مسكنها ثلاث مرات من أجله؛ بدلته أول مرة لأنهما كانا يسكنان بجوار مقبرة فبدأ الصبي يسلك مسلك دافني الأموات؛ وبدلته في المرة الثانية لأنهما كانا يسكنان بجوار مذبح، ولذلك بدأ الغلام يجيد محاكاة أصوات الحيوانات المذبوحة؛ ثم بدلته في المرة الثالثة




صفحة رقم : 1167




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> منشيس مستشار الأمراء


لأنهما كانا يسكنان بجوار سوق فشرع الصبي يسلك مسلك التجار ثم وجدت آخر الأمر داراً بقرب مدرسة فرضيت بها.
وكانت إذا أهمل الغلام دروسه تقطع خيط المُوم، فإذا سألها عن سبب هذا الإتلاف أجابت بأنها إنما تفعل ما يفعله هو نفسه بإهماله وعدم مثابرته على الدرس والتحصيل. وبذلك أصبح الصبي طالباً مجداً؛ ثم تزوج وقاوم في نفسه الميل إلى تطليق زوجته، وافتتح مدرسة لتعليم الفلسفة جمع فيها حوله طائفة من الطلاب ذاع صيتهم في الآفاق؛ وبعث إليه من كافة الأنحاء يدعونه ليناقشوه في نظرياته عن الحكم. ولم يشأ في أول الأمر أن يترك أمه المسنة، ولكنها أقنعته بالذهاب بخطبة حببتها إلى جميع رجال الصين، ولعل واحداً منهم هو الذي وضع هذه الخطبة:

"ليس من حق المرأة أن تفصل في أمر بنفسها، وذلك لأنها تخضع لقاعدة الطاعات الثلاث: فإذا كانت شابة وجب عليها أن تطيع أبويها، وإذا تزوجت كان عليها أن تطيع زوجها، وإذا ترملت وجب عليها أن تطيع ولدها. وأنت رجل كامل الرجولة، وأنا الآن عجوز، فافعل ما توحيه إليك عقيدتك بأنه حق واجب عليك أن تفعله، وسأفعل أنا ما يوجبه عليّ القانون الذي أأتمر بأمره. فلم إذن تشغل نفسك بي؟" (165).
وأجاب منشيس ما طلب إليه لأن اللهفة على التعليم جزء من اللهفة على الحكم، ترتبط كلتاهما أشد الارتباط بالأخرى. وكان منشيس كفلتير يفضل الملكية المطلقة على الديمقراطية، وحجته في هذا أن الديمقراطية تتطلب تعليم جميع الشعب كله إذا أريد نجاح الحكم، أما النظام الملكي المطلق فكل ما يطلب فيه أن يثقف الفيلسوف رجلاً واحداً هو الملك ويعلمه الحكمة لكي ينشئ الدولة الكاملة.




صفحة رقم : 1168




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> منشيس مستشار الأمراء


ومن أقواله في هذا المعنى: "أصلح ما في عقل الأمير من خطأ. فإنك إن قومت الأمير استقرت شؤون الدولة" (166). وسافر أولاً إلى تشي وحاول أن يقوم أميرها شوان، ورضي أن يكون له فيها منصب فخري، ولكنه رفض مرتب هذا المنصب. وسرعان ما وجد أن الأمير لا يعنى بالفلسفة، فغادر تلك الإمارة إلى إمارة تانج الصغيرة، ووجد في حاكمها تلميذاً مخلصاً وإن يكن تلميذاً عاجزاً ضعيفاً. فعاد مرة أخرى إلى تشي، وأثبت أنه قد زاد حكمة وفهمهاً لحقائق الأمور بأن قبل منصباً ذا مرتب كبير عرضه عليه الأمير شوان. ولما توفيت أمه في هذه السنين الرغدة دفنها باحتفال عظيم وجه اللوم من أجله إلى تلاميذه، ولكنه برر لهم هذا العمل بقوله إن كل ما يرمى إليه هو أن يظهر إخلاصه ووفاءه لوالدته.
وبعد بضع سنين من ذلك الوقت تورط شوان في حرب للفتح والتملك، وساءه ما أشار به عليه منشيس من دعوة إلى السلام، رأى أنها جاءت في غير أوانها فأقاله من منصبه. وسمع منشيس أن أمير سونج يريد أن يحكم حكم الفلاسفة فسافر إلى عاصمته ولكنه وجد أن ما سمعه مبالغاً فيه كثيراً، وأن الأمراء الذين تردد عليهم كانت لهم أعذار كثيرة يبررون بها عدم استقامتهم واتباعهم النصح. فقد قال واحد منهم: "إن لدي ناحية من نواحي الضعف، وهي أني أحب البطولة والبسالة". وقال آخر: "إن لدي ناحية من نواحي الضعف وهي أني أحب الثروة" (167).
واضطر منشيس آخر الأمر إلى أن يعتزل الحياة العامة، وقضى أيام شيخوخته وضعفه في تعليم الطلاب وتأليف كتاب وصف فيه أحاديثه مع ملوك زمانه. وليس في وسعنا أن نقول إلى حد يمكن مقارنة هذه الأحاديث بأحاديث وولتر سفدج لاندر Walter Savage Lander ؛ ولسنا واثقين من أن هذا




صفحة رقم : 1169




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> منشيس مستشار الأمراء


الكتاب من تأليف منشيس نفسه أو من تأليف تلاميذه أو أنه هو وتلاميذه قد اشتركوا في وضعه، أو أنه مدسوس عليه وعليهم(168). وكل ما نستطيع أن نقوله واثقين أن كتاب منشيس من أعظم الكتب الفلسفية الصينية القديمة وأجلها قدراً.
وعقيدته عقيدة دنيوية خالصة لا تقل في هذا عن عقيدة كنفوشيوس، ولا يكاد يوجد فيها شيء عن المنطق أو فلسفة المعرفة أو ما وراء الطبيعة. لقد ترك الكنفوشيون هذا إلى أتباع لو- دزه، ووجهوا همهم إلى البحوث الأخلاقية والسياسية. وكان الذي يهم منشيس هو أن يرسم طريقة للحياة الصالحة وتولي خيار الناس مقاليد الحكم. وكان مبدؤه الأساسي أن الناس أخيار بطبيعتهم (169)، وأن ليس منشأ المشاكل الاجتماعية طبيعة الناس بل منشؤها فساد الحكومات؛ ومن ثم يجب أن يصبح الفلاسفة ملوكاً، أو أن يصبح ملوك هذا العالم فلاسفة. انظر إلى ما يقوله في هذا المعنى:
"والآن إذا أردتم جلالتكم أن تنشئوا حكومة أعمالها صالحة، فإن هذا سيبعث في جميع موظفي مملكتكم الرغبة في أن يكونوا في بلاط جلالتكم، وفي جميع الزراع الرغبة في أن يفلحوا أرض جلالتكم، وفي جميع التجار الرغبة في أن يخزنوا بضائعهم في أسواق جلالتكم، وفي جميع الرحالة الأغراب الرغبة في أن يسافروا في طرق جلالتكم، وفي جميع من يشعرون في أنحاء مملكتكم بأن ظلماً قد وقع عليهم من حكامهم الرغبة في أن يأتوا ويشكوا إلى جلالتكم. وإذا ما اعتزموا أن يفعلوا هذا فمن ذا الذي يستطيع أن يقف في سبيلهم؟" فقال الملك: "إنني غبي وليس في وسعي أن أرقى إلى هذا الحد" (170).
والحاكم الصالح في رأيه لا يشن الحرب على البلاد الخارجية بل يشنها على العدو المشترك وهو الفقر، لأن الفقر والجهل هما منشأ الجرائم واضطراب النظام، وعقاب الناس على ما يرتكبونه من الجرائم لأنهم لا تتاح لهم فرص




صفحة رقم : 1170




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> منشيس مستشار الأمراء


لعمل شَرَك دنيء ينصب للإيقاع بالناس(171). وواجب الحكومة أن توفر أسباب الرفاهية لرعاياها، ولهذا ينبغي لها أن تضع الخطط الاقتصادية الكفيلة بتحقيق هذه الغاية(172). فعليها أن تفرض أكثر الضرائب على الأرض نفسها لا على ما تفعله أو ما يقام عليه من المنشآت(173)، وعليها أن تلغي كل العوائد الجمركية وأن تجعل التعليم عاماً وإجبارياً لأن هذا أصلح أساس لنشر الحضارة وتقدمها؛ "والقوانين الطيبة لا تعادل كسب الناس بالتعليم الطيب" (174). "وليس الذي يفرق بين الإنسان والحيوان الأعجم بالشيء الكثير، ولكن معظم الناس يطرحونه وراء ظهورهم، ولا يحتفظ به إلا عظماء الرجال"(175).
وفي وسعنا أن ندرك قدم المشاكل السياسية التي تواجه عصرنا المستنير، وموقفنا منها، وما نضعه لها من الحلول، إذا عرفنا أن منشيس قد نبذه الأمراء المتطرفون، وسخر منه الاشتراكيون والشيوعيون في عصره لمحافظته واستمساكه بالقديم. ولما قام شوشنج جزار الجنوب الهمجي ينادي بإنشاء دكتاتورية الصعاليك، ويطالب بأن يكون الصناع على رأس الدولة، "وأن يكون الفعلة هم الحكام" لما قام يدعو إلى هذا، واعتنق دعوته كثيرون من "المتعلمين"، كما اعتنق المتعلمون هذه الدعوة نفسها في أيامنا الحاضرة، وانضووا تحت لوائه، رفض منشيس هذه الفكرة بازدراء، وقال "إن الحكومة يجب أن يتولاها المتعلمون" (176). ولكنه ندد أيضاً بالفكرة القائلة إن الكسب يجب أن يكون هو الباعث على العمل في المجتمع الإنساني، وعاب على سونج كانج قوله إن الملوك يجب اكتسابهم لقضية السلام بإقناعهم في لغة هذه الأيام بأن الحرب عمل غير مربح. وفي هذا يقول:
"إن غرضك شريف، ولكن منطقك غير سليم. ذلك بأنك إذا اتخذت الكسب أساساً لحجتك، واستطعت أن تقنع بها ملوك تشين وتشي، وأعجب هؤلاء الملوك بفكرة الكسب فأمروا بوقف حركات جيوشهم، فإن كل المتصلين




صفحة رقم : 1171




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> منشيس مستشار الأمراء


بهؤلاء الجيوش سيفرحون بوقف (القتال)، وسيجدون أعظم السرور في (السعي وراء) الكسب. فنرى الوزراء يخدمون الملك جرياً وراء الكسب الذي حبب إليهم والأبناء يخدمون آباءهم، والأخوة الصغار يخدمون الكبار من أخوتهم، لهذا السبب عينه. ونتيجة هذا أن الملك والوزراء، والأب والابن، والأخ الأكبر والأصغر ينسون كلهم بواعث الخير والصلاح، ويوجهون أعمالهم كلها نحو الكسب المحبب إليهم العزيز عليهم. ولم يوجد قط (مجتمع) كهذا إلا كان مآله الخراب" (177).
وكان يعترف بحق الشعوب في الثورة وينادي بهذا المبدأ في حضرة الملوك. وكان يندد بالحرب ويراها جريمة، ولشد ما صدم عقائد عباد الأبطال في أيامه حين كتب يقول: "من الناس من يقول أني بارع في تنظيم الجند، وأني ماهر في إدارة المعارك. أولئك هم كبار المجرمين" (178).
وقال في موضع آخر: "ليس ثمة حرب عادلة"(179). وكان يندد بترف حاشية الملوك، ويوجه أشد اللوم للملك الذي يطعم كلابه وخنازيره ويترك الناس يموتون جوعاً"(180). ولما قال أحد الملوك إنه لا يستطيع منع المجاعة أجابه منشيس بأنه ينبغي له أن يعتزل المُلك(181). وكان يقول لتلاميذه: "إن الناس أهم عنصر (من عناصر الأمة)؛.. وإن الملك أقل هذه العناصر شأناً" (182). وإن من حق الناس أن يخلعوا حكامهم، بل إن من حقهم أن يقتلوهم في بعض الأحايين.
"وسأل الملك شوان عن الوزراء العظام... فأجابه منشيس: "إذا كان الملك يرتكب أغلاطاً شنيعة وجب عليهم أن يعارضوه، فإذا لم يستمع إليهم بعد أن يفعلوا هذا مرة بعد مرة، وجب عليهم أن يخلعوه...".
ثم واصل منشيس حديثه قائلا: "إذا فرض أن القاضي الأكبر الذي يحكم في الجرائم قد عجز عن السيطرة على الموظفين (الخاضعين له) فماذا تفعل به؟".




صفحة رقم : 1172




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> منشيس مستشار الأمراء


فأجابه الملك بقوله: "أفصله من منصبه". ثم قال له منشيس: "وإذا لم يكن في داخل حدود (مملكتك) الأربعة حكومة صالحة فماذا تفعل؟". فتلفت الملك يمنة ويسرة وأخذ يتحدث عن أمور أخرى...
وسأله الملك شوان: "وهل من أجل ذلك أمر تانج بنفي جياه وضرب الملك "وُو" حاكم جو (سن)؟ فأجاب منشيس: "هكذا تقول السجلات".
وسأله الملك: "وهل يحق للوزير أن يقتل مليكه؟" فأجابه منشيس: "إن الذي يخرج على ما أودع فيه من (طبيعة خيرة) يسمى لصاً؛ والذي يخرج على قواعد الاستقامة يسمى وغداً؛ وليس كل من اللص والوغد في عرفنا إلا شخصاً لا قيمة له؛ ولقد سمعت بتقطيع أوصال الشخص جو، ولكني لم أسمع بقتل ملك" (183).
تلك عقيدة ما أجرأها، ولقد كانت عاملاً كبيراً في تقرير المبدأ الذي يقره ملوك الصين وأهلها، وهو أن الحاكم الذي يستثير عداوة الشعب يفقد " حقه الإلهي " في الحكم، ومن حق الشعب أن يخلعه. فلا عجب والحالة هذه إذا غضب هونج وو، مؤسس أسرة منج، حين قرأ هذا الحديث الذي دار بين منشيس والملك شوان، وأمر أن يمحى اسم منشيس من مكانه في هيكل كنفوشيوس، وكانت لوحة تذكارية قد وضعت له في هذا المعبد بأمر ملكي في عام 1084م؛ ولكن اللوحة أعيدت إلى مكانها ولم يمض عام واحد على إزالتها، وظل منشيس من ذلك الوقت إلى ثورة عام 1911م يعد بطلاً من أبطال الصين وثاني اثنين ذاع صيتهما في جميع عهود تاريخها، وكان لهما أعظم الأثر في فلسفتها الصحيحة.وإليه وإلى جوشي يرجع الفضل في احتفاظ كنفوشيوس بزعامته الفكرية في الصين أكثر من ألفي عام.




صفحة رقم : 1173




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> شوق دزه الواقعي



4- شون - دزه، واقعي




النفس البشرية أمارة بالسوء - ضرورة القوانين


كان في فلسفة منشيس كثير من نقط الضعف، وكان يسر معاصريه أن يشهروا بهذه النقط بأعظم ما يستطيعون من قوة. أحق أن الناس أخيار بطبيعتهم؛ وأنهم لا ينحدرون إلى الشر إلا إذا فسدت النظم التي يعيشون في كنفها؟ أم الصحيح أن الطبيعة هي السبب في شرور المجتمع؟ وقد كان هذان الرأيان المتعارضان مثاراً لجدل عنيف ظل قائماً آلاف السنين بين المصلحين والمحافظين. فهل تستطيع التربية أن تنقص الجرائم، وتزيد الفضائل، وتأخذ بيد الناس إلى المثل العليا وتمكنهم من إقامة الدولة الفاضلة المثالية؟ وهل يصلح الفلاسفة لحكم الدول أو أن فلسفتهم لا تؤدي إلا إلى زيادة ما يحاولون علاجه من فوضى واضطراب؟
وكان أشد الناس نقداً لمنشيس وأصعبهم مراساً أحد الموظفين العموميين، ويلوح أنه توفي في عام 235 ق.م وهو في سن السبعين. ذلك هو شون- دزه الذي سبقت الإشارة إليه في هذا الباب. وكما كان منشيس يعتقد أن الناس جميعهم أخيار بطبيعتهم، كان شون- دزه يرى أنهم جميعاً أشرار بفطرتهم، وحتى شون ويو كانا متوحشين حين ولدا(184). وقد وصلت إلينا قطعة من كتابات شون- دزه يبدو فيها أشبه الناس بالفيلسوف الإنجليزي هبز Hobbes إذ يقول:
"النفس البشرية أمارة بالسوء، وما تعمله من خير متكلف مصطنع . فهي قد غرس فيها من ساعة مولدها حب الكسب؛ وإذا كانت أعمال الإنسان




صفحة رقم : 1174




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> شوق دزه الواقعي


إنما تقوم على الحب فإن هذا يؤدي إلى انتشار المنازعات والسرقات. وليس إنكار الذات والاستسلام للغير من (طبيعة) الإنسان، بل إن من طبيعته التحاسد والتباغض، ولما كانت أعمال الناس لا بد أن تتفق مع طباعهم فإنهم لا يصدر عنهم إلا العنف والأذى، ولا نرى فيهم إخلاصاً أو وفاء.
ومن طبيعة الإنسان أيضاً إشباع الأذن والعين، وهذا يؤدي إلى حب الأصوات العذبة والمناظر الجميلة. ولما كانت أعمال الناس لا أن تتفق مع هذه وتلك كان لا بد أن توجد الدعارة وسوء النظام، وأن تنعدم الاستقامة والاحتشام ومظاهرهما المختلفة المتسقة. ومن هذا يتضح أن السير وفق الطبيعة البشرية وإطاعة أحاسيسها، يؤديان حتماً إلى الخصام واللصوصية، وإلى مخالفة الواجبات التي تتفق مع الوضع الذي وجد فيه كل إنسان، وإلى الخلط بين كل المراتب والمميزات حتى تعم الهمجية. ولهذا كان لا بد من قيام سلطان المعلمين وسلطان الشرائع، والاهتداء بقواعد الاستقامة والاحتشام التي ينشأ عنها إنكار الذات والخضوع للغير ومراعاة قواعد السلوك المنظمة، مما يؤدي إلى قيام الدولة، ذات الحكومة الصالحة... وقد أدرك الملوك الأقدمون الحكماء ما طبعت عليه النفس البشرية من شر، فوضعوا قواعد الاستقامة والآداب، وسنوا النظم والقوانين ليقوموا طبائع الناس ومشاعرهم ويصلحوهم... حتى يسلكوا جميعاً الحكم الصالح الذي يتفق مع العقل" (185).
ووصل شون- دزه في بحوثه إلى ما وصل إليه ترجنيف وهو أن الطبيعة ليست معبداً يضم الصالحين، بل هي مصنع يجتمع فيه الصالح والطالح؛ وهي تقدم المادة الغفل، التي يعمل فيها الذكاء فيصوغها ويشكلها. وكان يظن أن أولئك الناس الأشرار بطبعهم، إذا دربوا على الخير، قد يصلحون، بل إن في وسعهم إذا أريد لهم ذلك أن يكونوا قديسين(186).




صفحة رقم : 1175




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> شوق دزه الواقعي


ولما كان شون- دزه شاعراً وحكيماً معاً فقد نظم فلسفة فرنسيس بيكن في هذا الشعر الركيك:


إنكم تمجدون الطبيعة وتتفكرون فيها،




فلم لا تسخرونها وتنظمونها؟




إنكم تطيعون الطبيعة وتسبحون بحمدها،




فلم لا تسيطرون على أساليبها وتستخدمونها،




إنكم تنظرون إلى الفصول نظرة الإجلال وتنتظرونها،




فلم لا تستجيبون إليها لبذل النشاط في أوانه؟




إنكم تعتمدون على الأشياء الخارجة عنكم وتعجبون بها،




فلم لا تكشفون عن كفاياتكم؟




وتوجهونها الوجهة الصالحة؟.






صفحة رقم : 1176




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> جونج دزه المثالي



5- جونج - دزه، مثالي




الرجوع إلى الطبيعة - المجتمع اللاحكومي - طريقة الطبيعة - حدود




الذهن - تطور الإنسان - مشكل الأزرار - أثر الفلسفة الصينية في أوربا


على أن "الرجوع إلى الطبيعة" لم يكن من السهل أن يقاوم بهذه الطريقة؛ بل قام في ذلك العصر من يدعو إليه كما قام من يدعوا إليه في كل العصور. ومن المصادفات التي يمكننا أن نسميها مصادفات طبيعية إن كان الداعي إلى هذا الرجوع أبلغ كتاب عصره وأفصحهم لساناً. لقد كان جونج- دزه مولعاً بالطبيعة يرى أنها سيدته التي تتحفي به على الدوام مهما كان بغيه أو كانت سنه، ومن أجل هذا فاضت فلسفته بأحاسيس روسو الشعرية مضافاً إليها مُلَحُ فلتير الهجائية. ومن ذا الذي يستطيع أن يتصور أن منشيس ينسى نفسه بحيث يصف أحد الناس




صفحة رقم : 1177




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> جونج دزه المثالي


بأن له: "جدرة كإبريق من الفخار" (188)، وقصارى القول أن جونج أديب وفيلسوف معاً.
ولد هذا الفيلسوف في ولاية سونج، وتقلد وقتاً ما منصباً صغيراً في مدينة خيان. وزار قصور الملوك التي زارها منشيس، ولكن كلا الرجلين لا يذكر فيما بقي لنا من كتاباته اسم الآخر. ولعل كليهما كان يحب صاحبه كما يحب المعاصرون بعضهم بعضاً. ويروى عنه أنه رفض منصباً كبيراً مرتين. ولما عرض عليه دوق- ويه رياسة الوزارة ردّ على رسول الملك رداً مقتبضاً يدل على ما يتراءى للكاتب من أحلام: "اذهب من هنا لساعتك ولا تدنسني بوجودك، لخير لي أن أسلي نفسي وأمتعها في حفرة قذرة من أن أخضع لقواعد في بلاط ملك من الملوك" (189).
وبينما كان يصطاد السمك في يوم من الأيام إذ أقبل عليه رجلان من كبار الموظفين يحملان إليه رسالة من ملك خو يقول فيها: "أريد أن أحملك عبء جميع ملكي"، فأجابه جونج، كما يقول هو نفسه، دون أن يرفع نظره عن صيده:
"لقد سمعت أن في خو صدفة سلحفاة كأنها روح من الأرواح، وقد ماتت سلحفاتها منذ ثلاثة آلاف عام، وأن الملك يحتفظ بهذه الصدفة في معبد أسلافه، وأنه يضعها في سلة مغطاة بالقماش. فهل كان خيراً للسلحفاة أن تموت وتترك صدفتها تعظم على هذا النحو؟ أو هل كان خيراً لها أن تظل حية تجر ذيلها من خلفها في الوحل؟" فأجاب الموظفان الكبيران: "لقد كان خيراً لها أن تعيش وتجر ذيلها من خلفها في الوحل" فقال لهما جونج: "اذهبا في سبيلكما، وسأظل أجر ذيلي ورائي في الوحل"(190).




صفحة رقم : 1178




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> جونج دزه المثالي


وكان احترامه للحكومات يعدل احترام سلفه الروحي لو- دزه، فكان يسره أن يشير إلى عدد ما يتصف به الملوك والحكام من صفات اللصوص(191). ويقول إنه إذا أدى الإهمال بأحد الفلاسفة الحقيقيين، فرأى نفسه يتولى شؤون إحدى الدول، فإن الخطة المثلى التي يجب عليه أن يسلكها هي أن لا يفعل شيئاً، وأن يترك الناس أحراراً يضعون ما يشاءون من نظم حكمهم الذاتي. "لقد سمعت عن ترك العالم وشأنه والكف عن التدخل في أمره ولم أسمع عن حكم العالم" (192) ولم يكن ثمة حكومات في العصر الذهبي الذي سبق عهد أقدم الملوك.
ولم يكن يو وشون خليقين بما حبتهما الصين وحباهما كنفوشيوس من تشريف وتعظيم، بل كانا خليقين بأن يتهما بالقضاء على ما كانت الإنسانية تستمتع به من سعادة بدائية قبل إقامة نظم الحكم في الحكم في العالم: "لقد كان الناس في عهد الفضيلة الكاملة يعيشون مجتمعين كما يعيش الطير والحيوان، ولا يفترقون عنهما في شيء، تتألف منهم ومن جميع المخلوقات أسرة واحدة. وأنى لهم أن يعرفوا فيما بينهم ما يميز العظماء فيهم من غير العظماء؟" (193).
ويرى جونج أن من واجب الرجل العاقل أن يولي الأدبار حين يشاهد أولى معالم الحكومة، وأن يعيش أبعد ما يستطيع عن الفلاسفة والملوك، ينشد السلام والسكون في الغابات (وذلك موضوع جد آلاف من المصورين الصينيين في رسمه) وأن يترك كيانه كله يتبع الدَّو المقدس- قانون حياة الطبيعة ومجراها الذي لا تدركه العقول- من غير أن يعوقه في ذلك تفكير أو تدبير، لا يتكلم إلا قليلاً لأن الكلام يضل بقدر ما يهدى، ولأن الدَّو- طريقة الطبيعة وجوهرها- لا يمكن التعبير عنه بالألفاظ أو في أفكار، بل كل ما في الأمر أنه يمكن الشعور به في الدم. وهو يرفض أن يستعين بالآلات ويؤثر عليها الطرق القديمة المجهدة التي كان يجري عليها بسطاء الرجال، وذلك لأن الآلات تؤدي إلى التعقيد والفتنة وعدم المساواة بين الناس، وليس في مقدور أي إنسان




صفحة رقم : 1179




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> جونج دزه المثالي


أن يعيش بين الآلات ويستمتع بالسلام(194). وهو يأبى أن يكون له ملك خاص ولا يجد للذهب نفعاً له في حياته؛ ويفعل ما فعله تيمن الأثيني فيترك الذهب مخبوء في جوف التلال واللآلىء في أعماق البحار. والذي يمتاز به من غيره أنه يفهم أن الأشياء جميعها تخص خزانة واحدة وأن الموت والحياة يجب أن ينظر إليهما نظرة واحدة" ، على أنهما نغمتان من أنغام الطبيعة المتناسقة أو موجتان في بحر واحد.
وكان الأساس الذي يقوم عليه تفكير جونج عين الأساس يقوم عليه تفكير لو- دزه شبه الأسطوري، وكان تفكير لو- دزه هذا يبدو لجونج أعمق كثيراً من تفكير كنفوشيوس، وكان في جوهره النظرة الصوفية لوحدة الكون غير الشخصية الشبيهة شبهاً عجيباً بنظرة بوذا وأتباع أبانيشاد، حتى ليكاد المرء يعتقد أن فلسفة ما وراء الطبيعة الهندية قد تسربت إلى الصين قبل أربعمائة عام من ظهور البوذية فيها حسبما يسجله المؤرخون. نعم إن جونج فيلسوف لا أدري، جبري، من القائلين بالحتمية ومن المتشائمين، ولكن هذا لا يمنعه أن يكون قديساً متشككاً، ورجلاً أسكرته الدَّرَّية؛ وهو يعبر عن تشككه هذا تعبيراً يميزه من غيره من أمثاله في القصة الآتية:
قال شبه الظل يوماً ما للظل" إنك تارة تتحرك وتارة تثبت في مكانكـ تارة تجلس وتارة تقوم. فلم هذا التذبذب في القصد وعدم الاستقرار فيه؟" فأجابه الظل بقوله: "إن شيئاً أعتمد عليه هو الذي يجعلني أفعل ما أفعله،




صفحة رقم : 1180




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> جونج دزه المثالي


ولكن هذا الشيء نفسه يعتمد على شيء آخر يضطره إلى أن يفعل هو الآخر ما يفعله... وأنى لي أن أعرف لم أفعل هذا الشيء ولا أفعل ذاك؟... إن الجسم إذا بلى بلى العقل معه؛ ألا ينبغي لنا أن نقول إن هذه حال يرثى لها كثيراً؟... إن ما يحدث في الأشياء كلها من تغيير- وجود ثم عدم- يسير (بلا انقطاع)؛ ولكننا لا نعرف من ذا الذي يسير هذه الحركة في طريقها على الدوام: وأنى لنا أن نعرف متى يبدأ الواحد منا ؟ وأنى لنا أن نعرف متى ينتهي ؟ إن كل ما في وسعنا أن ننتظر هذه البداية والنهاية، لا أكثر من هذا ولا أقل"(196).
ويظن جونج أن هذه المشاكل إنما تنشأ من قصر تفكيرنا أكثر مما تنشأ من طبيعة الأشياء نفسها. فلا عجب والحالة هذه أن تنتهي الجهود التي تبذلها عقولنا الحبيسة لفهم العالم الأكبر الذي تكون هي جزيئات صغيرة منه، لا عجب أن تنتهي هذه الجهود بالمتناقضات والقوانين المتعارضة. ولقد كانت هذه المحاولة التي ترمي إلى تفسير الكل بإصلاحات الجزء إسرافاً في التطاول والاعتداد بالنفس، لا نجيزها إلا لما فيها من تسلية وفكاهة؛ لأن الفكاهة، كالفلسفة، هي النظر إلى الكل بمصطلحات الجزء ، وكلاهما لا يمكن وجوده بغير الآخر.
ويقول جونج- دزه إن العقل لا يفيد في فهم الأشياء الغائية أو أي شيء عميق كنمو الطفل مثلاً. "وليس الجدل إلا دليلاً على عدم وضوح الرؤيا"، وإذا أراد الإنسان أن يفهم الدَّو "فعليه أن يكبت علمه أشد الكبت"( 197 ) إن من واجبنا أن ننسى نظرياتنا ونشعر بالحقائق؛ وليس التعليم بنافع لنا في هذا الفهم، وأهم شيء في هذا أن نلقي بأنفسنا في غمرات الطبيعة.
وما هو الدَّو الذي يراه الصوفي المحظوظ النادر الوجود؟ إنه شيء لا يمكن التعبير عنه بالألفاظ؛ وكل ما نستطيع أن نصفه به في عبارات ضعيفة ملأى




صفحة رقم : 1181




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> جونج دزه المثالي


بالمتناقضات هو قولنا إنه وحدة الأشياء كلها وانسيابها الهادىء من نشأتها إلى كمالها والقانون الذي يسيطر على هذا الانسياب.
"ولقد كان موجوداً ثابتاً منذ الأزل قبل أن توجد السماء والأرض"(198) وفي هذه الوحدة العالمية تتلاشى كل المتناقضات، وتزول كل الفروق، وتتلاقى كل الأشياء المتعارضة؛ وليس فيه ولا في نظرته إلى الأشياء طيب أو خبيث، ولا أبيض أو أسود، ولا جميل أو قبيح ، ولا عظيم أو حقير. "ولو عرف الإنسان أن العالم صغير كحبة الخردل، وأن طرف الشعرة لا يقل في الارتفاع عن قمة الجبل، أمكن أن يقال عنه أنه يعرف النسبة بين الأشياء(200). وفي هذا الكل المبهم الغامض لا يدوم شكل من الأشكال، وليس فيه صورة فذة لا تنتقل إلى صورة أخري في دورة التطور التي تسير على مهل:
"إن بذور (الأشياء) دقيقة ولا حصر لها. وهي تكون على سطح الماء نسيجاً غشائياً. فإذا وصلت إلى حيث تلتقي الأرض والمياه اجتمعت وكونت (الحزاز الذي يكون) كساء الضفادع والحيوانات الصوفية. فإذا دبت فيها الحياة على التلال والمرتفعات صارت هي الطلح؛ فإذا غذاها السماء أضحت نبات عش الغراب. ومن جذور عش الغراب ينشأ الدود ومن أوراقه ينشأ الفراش. ثم يستحيل الفراش حشرة- وتعيش تحت موقد. ثم تتخذ الحشرة صورة اليرقة، وبعد ألف عام تصبح اليرقة طائراً... ثم تتحد الينجشي مع خيزرانة فينشأ من اتحادهما الخنج- تنج؛ ومنه ينشأ النمر، ومن النمر ينشأ الحصان، ومن الحصان ينشأ الإنسان. فالإنسان جزء من آلة (التطور) العظيمة، التي تخرج منها جميع الأشياء، والتي تدخل فيها بعد موتها" (201).
لا ننكر أن هذه الأقوال ليس فيها من الوضوح ما في نظرية دارون




صفحة رقم : 1182




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> جونج دزه المثالي


ولكنها أياً ما كان غموضها نظرية تطور.
"وفي هذه الدورة اللانهائية قد يستحيل الإنسان إلى صورة أخري غير صورته؛ ذلك أن صورته الحالية ليست إلا مرحلة عابرة من مراحل الانتقال، وقد لا تكون في سجل الخلود حقيقة إلا في ظاهر أمرها- أو جزءاً من الفوارق الخداعة التي تُغَشّي بها مايا جميع الكائنات(201) .
"رأيت أنا جونج- دزه مرة في منامي أني فراشة ترفرف بجناحيها في هذا المكان وذاك، أني فراشة حقاً من جميع الوجوه. ولم أكن أدرك شيئاً أكثر من تتبعي لخيالاتي التي تشعرني بأني فراشة. أما ذاتيتي الإنسانية فلم أكن أدركها قط. ثم استيقظت على حين غفلة وهاأنذا منطرح على الأرض رجلاً كما كنت، ولست أعرف الآن هل كنت في ذلك الوقت رجلاً يحلم بأنه فراشة، أو أنني الآن فراشة تحلم بأنها رجل" (202).
وليس الموت في رأيه إلا تغيراً في الصورة، وقد يكون تغيراً من حال إلى حال أحسن منها؛ أو أنه كما قال إبسن Ibsen فيما بعد الصائغ الذي يصهرنا مرة أخرى في أتون التغير والتطور:
"مرض تزه- لاي حتى أصبح طريح الفراش يلفظ آخر أنفاسه، ووقف من حوله زوجه وأبناؤه يبكون. وذهب لي يسأل عنه فلما أقبل عليهم قال لهم: "اسكتوا وتنحوا عن الطريق! ولا تقلقوه في حركة تبدله"... ثم اتكأ على الباب وتحدث إلى (الرجل المحتضر). فقال له تزه- لاي: "إن صلة الإنسان بالين واليانج أقوى من صلته بأبويه. فإذا كانا يتعجلان موتي وأعصي أنا أمرهما فإني أعد حينئذ عاقاً شرساً. هنالك "كتلة (الطبيعة) العظمى" التي تجعلني أحمل هذا الجسم، وأكافح في هذه الحياة، وتهد قواي في سن الشيخوخة، ثم أستريح بالموت. وإذن فذلك الذي يعنى بمولدي هو الذي يعنى بوفاتي. فهاهو ذا صاهر يصب المعادن. فإذا كان المعدن الذي يتأرجح




صفحة رقم : 1183




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> جونج دزه المثالي


أثناء صبه يناديه. "يجب أن أكون مويه (سيفاً قديماً مشهوراً) فإن الصاهر العظيم يعد هذا المعدن معدناً خبيثاً بلا ريب. وذلك أيضاً شأن الإنسان، فإذا ما أصر أن يكون إنساناً ولا شيء غير إنسان، لأنه في يوم من الأيام قد تشكل في صورة الإنسان، إذا فعل هذا فإن من بيده تصوير الأشياء وتشكيلها سيعده بلا ريب مخلوقاً خبيثاً. وإذن فلننظر إلى السماء والأرض نظرتنا إلى مصهر عظيم، ولننظر إلى مبدل الأشياء نظرتنا إلى صاهر عظيم؛ فهل لا نكون في مكاننا الحق أينما ذهبنا؟ إن السكون هو نومنا والهدوء هو يقظتنا" (203).
ولما تصرم أجل جونج نفسه أعد أتباعه له جنازة فخمة ولكنه نهاهم عن ذلك وقال لهم: "أليس موكب جنازتي معداً إذا كانت السماء والأرض تابوتي وغطائي، والشمس والقمر والنجوم شعائري، والخلائق كلها تشيعني إلى قبري؟" ولما عارض أتباعه في هذا، وقالوا إنه إن لم يدفن أكلت طيور الهواء الجارحة لحمه، رد عليهم جونج بقوله: "سأكون فوق الأرض طعاماً للحِدَأ، وسأكون تحتها طعاماً لصراصير الطين والنمل؛ فلم تحرمون بعضها طعامها لتقدموه للبعض الآخر؟" (204).
وإذا كنا قد أطنبنا في الكلام على فلاسفة الصين الأقدمين فإن بعض السبب في هذا يرجع إلى أن مشكلات الحياة الإنسانية المعقدة العسيرة الحل ومصائرها تستغرق تفكير العقل الباحث، وأن بعضه الآخر يرجع إلى أن علم فلاسفة الصين الأقدمين هو أثمن تراث خلفته تلك البلاد للعالم. ومن الدلائل القوية على قدر هذه الفلسفة أن ليبنتز Leibbnitz صاحب العقل العالمي الواسع، قام من زمن بعيد (في عام 1697م)، بعد أن درس الفلسفة الصينية، ينادي بضرورة تطعيم فلسفة الشرق والغرب كلتيهما بالأخرى وعبر عن رأيه هذا بألفاظ ستظل محتفظة بقيمتها في كل عصر ولكل جيل:
"إن الأحوال السائدة بيننا وما استشرى في الأرض من فساد طويل




صفحة رقم : 1184




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> جونج دزه المثالي


العهد تكاد كلها تحملني على الاعتقاد بأن الواجب أن يرسل إلينا مبشرون صينيون ليعلمونا أساليب الأديان القومية وأهدافها... ذلك بأني أعتقد أنه لو عين رجل حكيم قاضياً... ليحكم أي الشعوب أفضل أخلاقاً من سواها، لما تردد في الحكم للصين بالأسبقية في هذا المضمار" (205). وقد طلب ليبنتز إلى بطرس الأكبر أن ينشأ طريقاً برياً للصين، ودعا إلى إنشاء جمعيات في موسكو و برلين "لارتياد الصين وتبادل المدينتين الصينية والأوربية" (206). وفي عام 1721م بذل كرستيان ولف Christian Wolff مجهوداً آخر في هذا السبيل وذلك بما ألقاه من محاضرات في جامعة هالHalle "عن فلسفة الصينيين العملية"، واتهمه ولاة الأمور بالإلحاد وفصلوه من منصبه، فلما أن جلس فردرك الأكبر على عرش بروسيا دعاه إليها ورد إليه اعتباره (207).
وجاء عصر الاستنارة في فرنسا فعني بالفلسفة الصينية كما عني بتنسيق الحدائق الفرنسية على نمط الحدائق الصينية وتزيين المنازل بالنقوش والأدوات الصينية. ويلوح أن الفلاسفة الاقتصاديين الطبيعيين (الفزيوقراطيين) قد تأثروا بآراء لو- دزه، وجونج- دزه في نظرية "التخلي" Laissez faire وترك الأمور تجري في مجراها، وهي النظرية الاقتصادية التي يقولون بها ويدعون إليها(208). ولقد كان روسو يتحدث في بغض الأحيان كما يتحدث المعلم القديم وإنا لنتبين صلة وثيقة بينه وبين لو- دزه وجونج، ولو أن كنفوشيوس




صفحة رقم : 1185




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفلاسفة -> اشتراكيون وفوضويون -> جونج دزه المثالي


ومنشيس قد وهبا ملكة الفكاهة لكانت الصلة وثيقة بينهما وبين فلتير. وفي هذا يقول فلتير نفسه: "لقد قرأت كتب كنفوشيوس بعناية، واقتبست فقرات منها ولم أجد إلا أنقى المبادئ الخلقية التي لا تشوبها أقل شائبة من الشعوذة" (210). وقد كتب جيته في عام 1770م يقول إنه اعتزم أن يقرأ كتب الصين الفلسفية القديمة، ولما دوت مدافع نصف العالم في ليبزج Leipzig بعد ثلاثة وأربعين عاماً من ذلك الوقت لم يلتفت إليها الحكيم الشيخ لأنه كان منهمكاً في دراسة الآداب الصينية(211).
ولعل هذه المقدمة القصيرة غير العميقة تحفز القارىء إلى متابعة دراسة الفلاسفة الصينيين أنفسهم كما درسهم جيته وفلتير وتولستوي.




صفحة رقم : 1186




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> بسمرك الصين



الباب الرابع والعشرون




عصر الشعراء




الفصل الأول




بسمرك الصين




عهد الدول المتنازعة - انتحار تشوبنج - شي هونج - دي يوحد




الصين - السور الكبير - "إحراق الكتب" - إخفاق شي هونج - دي


أكبر الظن أن كنفوشيوس مات بائساً، لأن الفلاسفة يحبون توحيد البلاد، ولأن الأمة التي حاول أن يوحدها تحت حكم أسرة قوية ظلت سادرة في الفوضى والفساد والانقسام. ولما أن ظهر هذا الموحد العظيم في آخر الأمر واستطاع بعبقريته الحربية والإدارية أن يؤلف من دويلات الصين دولة واحدة أمر بأن يحرق كل ما كان باقياً من كتب كنفوشيوس.
وفي وسعنا أن نحكم على الجو الذي كان يسود "عهد الدول المتنازعة" من قصة تشوبنج، وهو رجل بدأ نجمه يلمع في سماء الشعر، حتى سما إلى مركز عظيم في وظائف الدولة، ثم ألفى نفسه وقد طرد من منصبه على حين غفلة، فاعتزل الحياة العامة ولجأ إلى الريف وأخذ يفكر في الحياة والموت إلى جانب غدير هادئ، وسأل متنبئاً من المتنبئين:
"هل ينبغي لي أن أواصل السير في طريق الحق والوفاء؟، أو أسير في ركاب جيل فاسد ضال؟ هل أعمل في الحقول بالفأس والمجرف أو أسعى للرقي في حاشية عظيم من العظماء؟ هل أعرّض نفسي للخطر بما أنطق به من صريح اللفظ أو أتذلل بالنغم الزائف للأثرياء والعظماء؟ وهل أظل قانعاً راضياً بنشر الفضيلة




صفحة رقم : 1187




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> بسمرك الصين


أو أمارس فن مصانعة النساء كي أنال النجاح؟ هل أكون نقي السريرة، طاهر اليد صالحاً مستقيماً، أو أكون معسول الكلام، مذبذباً، متزلفاً، نهازاً للفرص؟"(1).
وتخلص الرجل من هذه المشكلة العويصة بالانتحار غرقاً (حوالي 350 ق.م). ولا يزال الصينيون حتى يومنا هذا يحيون ذكراه في كل عام، ويحتفلون بهذه الذكرى في يوم عيد القارب الكبير وهو اليوم الذي ظلوا يبحثون فيه عن جثته في كل مجرى من المجاري المائية.
وكان الرجل الذي وحد الصين من أصل وضيع هو أدنأ الأصول التي استطاع المؤرخون الصينيون أن يخترعوها. فهم يقولون لنا أن شي هونج - دي كان ابناً غير شرعي لملكة تشين (لإحدى الولايات الغربية) من الوزير النبيل "لو"، وهو الوزير الذي اعتاد أن يعلق فوق باب داره ألف قطعة من الذهب جائزة لمن يستطيع أن يصلح كلمة واحدة من كتاباته(2) (ولم يرث ابنه عنه هذا الذوق الأدبي الممتاز).
ويقول زوماتشين إن شي اضطر والده إلى الانتحار واضطهد والدته، وجلس على كرسي الإمارة وهو في الثانية عشرة من عمره. ولما أن بلغ الخامسة والعشرين بدأ يفتح البلاد ويضم الدويلات التي كانت الصين منقسمة إليها من زمن بعيد؛ فاستولى على دولة هان في عام 230ق.م، وعلى جو في عام 228، وعلى ويه في عام 225، وعلى تشو في عام 223، وعلى ين في عام 222؛ واستولى أخيراً على دولة تشي المهمة في عام 221؛ وبهذا خضعت الصين لحكم رجل واحد لأول مرة منذ قرون طوال، أو لعل ذلك كان لأول مرة في التاريخ كله. ولقب الفاتح نفسه باسم شي هونج - دي، ثم وجه همه إلى وضع دستور ثابت دائم لإمبراطوريته الجديدة.
أما أوصاف هذا الرجل الذي يعده المؤرخون الصينيون عدوهم الألد،




صفحة رقم : 1188




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> بسمرك الصين


فكل ما خلفوه لنا منها وهو قولهم انه كان "رجلا كبير الأنف، واسع العينين، ذا صدر كصدر الطائر الجارح، وصوت شبيه بابن آوى، لا يفعل الخير، له قلب كقلب النمر أو الذئب"(3). وكان قوى الشكيمة عنيداً لا يحول عن رأيه، ولا يعترف بالألوهية إلا لنفسه، اجتمعت فيه عقائد نيتشه وبسمرك، وعقد العزم على أن يوحد بلاده بالدم والحديد. ولما وحد بلاد الصين وجلس على عرشها كان أول عمل قام به أن حمى بلاده من الهمج البرابرة المجاورين لحدودها الشمالية، وذلك بأن أتم الأسوار التي كانت مقامة من قبل عند حدودها، ووصلها كلها بعضها ببعض. وقد وجد في أعدائه المقيمين في داخل البلاد مورداً سهلاً يستمد منه حاجته من العمال لتشييد هذا البناء العظيم الذي يعد رمزاً لمجد الصين ودليلاً على عظيم صبرها. ويبلغ طول السور العظيم ألفاً وخمسمائة ميل، وتتخلله في عدة أماكن منه أبواب ضخمة على النمط الآشوري، وهو أضخم بناء أقامه الإنسان في جميع عصور التاريخ، ويقول عنه فلتير: "إن أهرام مصر إذا قيست إليه لم تكن إلا كتلاً حجرية من عبث الصبيان لا نفع فيها"(4). وقد احتاج تشييده إلى عشر سنين وإلى عدد لا يحصى من الخلق؛ ويقول الصينيون إنه "أهلك جيلا من الناس، وأنقذ كثيراً من الأجيال". على أنه لم يصد الهمج عن الصين كما يتبين لنا ذلك فيما بعد، ولكنه عطل هجومهم عليها وقلل من حدته. وحال بين إغارتهم على أرض الصين زمناً ما، فاتجهوا غرباً إلى أوربا، ثم اجتاحوا بلاد إيطاليا، وسقطت رومة في أيديهم لأن الصين أقامت سورها العظيم.
ثم ترك شي هونج - دي، وهو مغتبط مسرور، شؤون الحرب ووجه عنايته، كما وجهها نابليون من بعده، إلى شؤون الإدارة، ووضع القواعد العامة التي قامت عليها الدولة الصينية في المستقبل. وعمل بمشورة لي - سيو، المشترع الكبير ورئيس وزرائه، فاعتزم ألا يقيم المجتمع الصيني على العادات المألوفة وعلى




صفحة رقم : 1189




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> بسمرك الصين


الاستقلال المحلي للولايات، بل اعتزم أن يقيمه على قواعد القانون الصريح وعلى الحكومة المركزية القوية. ولذلك قضى على قوة أمراء الإقطاع، واستبدل بهم طائفة من كبار الموظفين تعينهم الوزارة القومية في مناصبهم؛ وأقام في كل مركز من المراكز حامية عسكرية مستقلة عن الحاكم المدني، وسن للبلاد قوانين وأنظمة موحدة، وبسط الاحتفالات الرسمية، وسك عملة للدولة، وجزأ معظم الضياع الإقطاعية، ومهد السبيل لرخاء الصين بإنشاء الملكيات الزراعية، ولوحدتها القوية بإنشاء الطرق الكبيرة الممتدة من هين - يانج عاصمة ملكه إلى جميع أطراف إمبراطوريته. وجمل العاصمة بما أقامه فيها من القصور الكثيرة، وأقنع أغنى أسر الدولة وأقواها سلطاناً البالغ عددها 000ر12 أسرة بأن تعيش في هذه العاصمة تحت إشرافه ورقابته. وكان يسير في البلاد متخفياً ومن غير حرس، يتفقد أحوالها ويتعرف ما فيها من خلل وفساد وسوء نظام، ثم يصدر الأوامر الصريحة لإصلاح هذه العيوب، وقد شجع العلم وقاوم الأدب(5).
ذلك أن رجال الأدب من شعراء، ونقدة، وفلاسفة بوجه عام، وطلاب الفلسفة الكنفوشية بنوع خاص، كانوا أعدى أعدائه. فقد كانوا يتبرمون بسيطرته القوية الشاملة، وكانوا يرون أن إنشاء حكومة مركزية عليا سيقضي لا محالة على تباين أساليب التفكير والحياة وحريتهما.
وقد كان هذا التباين وتلك الحرية مصدر الانتعاش الأدبي طوال عهد الحروب والانقسامات أيام أسرة جو. فلما أقبل هؤلاء العلماء على شي هونج - دي يحتجون عليه لإغفاله الاحتفالات القديمة رد عليهم رداً جافاً وأمرهم ألا يتدخلوا فيما لا يعنيهم(6). وجاءه وفد من كبار العلماء الرسميين يعرضون عليه أنهم قد أجمعوا رأيهم على أن يطلبوا إليه إعادة النظام الإقطاعي بتوزيع الضياع على أقاربه؛ وأضافوا إلى ذلك قولهم: "لم يحدث قط فيما وصل إلى علمنا أن إنساناً لم يترسم خطوات أسلافه الأقدمين في أمر من الأمور ودام عمله طويلاً "(7). فرد عليهم




صفحة رقم : 1190




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> بسمرك الصين


لي سيو رئيس الوزراء، وكان وقتئذ يعمل على إصلاح الحروف الهجائية الصينية ويضعها في الصورة التي تكاد تحتفظ بها إلى يومنا هذا، رد عليهم بخطبة تاريخية لا ترفع من شأن الآداب الصينية قال:
"إن الملوك الخمسة لم يفعل كل منهم ما فعله الآخر، وإن الأسر المالكة الثلاث لم تحذ إحداها حذو الأخرى؛... ذلك أن الأيام قد تبدلت. والآن قد قمتم جلالتكم لأول مرة بعمل جليل، وأسستم مجداً سيدوم مدى عشرة آلاف جيل. لكن الحكام الأغبياء عاجزون عن فهم هذا العمل... لقد كانت الصين في الأيام الخالية مضطربة منقسمة على نفسها، ولم يكن بمقدور أحد أن يوحدها؛ ومن أجل هذا ساد النبلاء جميعاً وقويت شوكتهم؛ وهؤلاء النبلاء جميعاً تدور أحاديثهم كلها حول الأيام الخالية ليعيبوا هذه الأيام... وهم يشجعون الناس على اختراع التهم الباطلة، فإذا ترك لهم الحبل على الغارب، فسينحط مقام الملك في أعين الطبقات العليا، وستنتشر الأحزاب والفرق بين الطبقات السفلى.
"ولهذا اقترح أن تحرق التواريخ الرسمية جميعها عدا "مذكرات تشين، وأن يرغم الذين يحاولون إخفاء الشي - جنج، والشو - جنج ومحاورات المدارس المائة على أن يأتوا بها إلى ولاة الأمور لإحراقها"(8).
وأعجب الإمبراطور إعجاباً شديداً بهذه الفكرة، وأصدر الأمر بتنفيذ هذا الطلب، وجيء بكتب المؤرخين في كل مكان وألقيت في النار يرفع عبء الماضي عن كاهل الحاضر؛ وحتى يبدأ تاريخ الصين من عهد شي هونج - دي. ويلوح أن الكتب العلمية ومؤلفات منشيس قد نجت من النيران، وأن كثيراً من الكتب المحرمة قد احتفظ بها في دار الكتب الإمبراطورية حيث يستطيع الرجوع إليها الطلاب الذين يجيز لهم الإمبراطور هذا الاطلاع(9). وإذ كانت




صفحة رقم : 1191




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> بسمرك الصين


الكتب في تلك الأيام تكتب على شرائح من الخيزران يشد بعضهما إلى بعض بمشابك متحركة، وإذ كان المجلد الواحد لهذا السبب كبير الحجم ثقيل الوزن، فإن العلماء الذين حاولوا إخفاء هذه الكتب قد لاقوا عناء كبيراً. وكشف أمر بعضهم، وتقول الروايات إن كثيرين منهم أرسلوا للعمل في بناء السور الكبير، وأن أربعمائة وستين منهم أعدموا(10). ولكن بعض الأدباء حفظوا مؤلفات كنفوشيوس كلها عن ظهر قلب، ولقنوها لحفاظ مثلهم، فما إن توفى الإمبراطور عادت هذه الكتب من فورها إلى الظهور والانتشار، وإن كان كثير من الأغلاط قد تسرب في أكبر الظن إلى نصوصها. وكل ما كان لهذا التحريم من أثر خالد أن خلع على الآداب المحرمة هالة من القداسة وأن جعل شي هونج - دي مبغضاً إلى المؤرخين الصينيين. وظل الناس أجيالاً طوالاً يعبرون عن عقيدتهم فيه بتدنيس قبره(11).
وكان من أثر القضاء على الأسر القوية وعلى حرية الكتابة والخطابة أن أمسى شي في شيخوخته لا نصير له ولا معين. وحاول أعداؤه عدة مرات أن يغتالوه، ولكنه كان يكشف أمرهم في الوقت المناسب ويقتل بيده من يحاولون قتله. وكان يجلس على عرشه والسيف مسلول فوق ركبتيه، ولا يسمح لأحد أن يعرف في أية حجرة من حجرات قصوره الكثيرة ينام ليله(13). وقد حاول كما حاول الإسكندر من بعده أن يقوي أسرته بما يذيعه في الناس من أنه إله، ولكنه أخفق في غرضه هذا كما أخفق الإسكندر لأنه لم يستطع أن يقنع الناس بما بينه وبين الآلهة من شبه. وأصدر أمراً بأن يطلق عليه خلفاؤه "الإمبراطور الأول"، وأن يضعوا هم لأسمائهم أرقاماً مسلسلة من بعده تنتهي بالإمبراطور المتمم لعشرة آلاف من نسله. ولكن أسرته قضي عليها بموت ولده. وإذا جاز لنا أن نصدق أقوال المؤرخين الذين كانوا يبغضونه فإنه صار في شيخوخته يؤمن بالخرافات، وينفق الأموال الطائلة في البحث عن أكسير الخلود. ولما




صفحة رقم : 1192




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> بسمرك الصين


مات جيء بجسمه سراً إلى عاصمة ملكه، وقد نقلته إليها قافلة تحمل السمك النتن حتى تختفي بذلك رائحته الكريهة، ويقال أن بضعة آلاف من الفتيات قد دفن معه ليؤنسنه في قبره، وأن خلفه أراد أن يظهر اغتباطه بموته فنثر الأموال على قبره وأنفق الكثير منها في تزيينه، فنقشت على سقفه أبراج النجوم، وصورت على أرضه خريطة للإمبراطور بالزئبق فوق أرضية من البرنز، وأقيمت في القبة آلات تقتل من نفسها كل من يتعدى على حرمه القبر، وأشعلت فيه شموع ضخمة لكي تضيء أعمال الإمبراطور الميت وأعمال ملكاته إلى أمد غير محدود. أما العمال الذي حملوا التابوت إلى القبر فقد دفنوا فيه أحياء مع حملهم خشية أن يكشفوا للناس عن الطريق السري المؤدي إلى المدفن(14).




صفحة رقم : 1193




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> تجارب في الاشتراكية



الفصل الثاني




تجارب في الاشتراكية




الفوضى والفقر - أسرة هان - إصلاحات وو دي - ضريبة الدخل -




مشروعات وانج مانج الاقتصادية - القضاء عليها - غزو التتار


وأعقب موته عهد من الفوضى والاضطراب كما تعقب الفوضى والاضطراب موت الطغاة جميعهم تقريباً في أحقاب التاريخ كلها. ذلك أنه في وسع إنسان أياً كان أن يجمع السلطة كلها في يده ويحسن التصرف فيها. وثار الشعب إلى ابنه وقتله بعد أن قتل هو لي سيو بقليل، وقضى على أسرة تشين، ولم يمض على وفاة مؤسسها أكثر من خمس سنين. وأقام الأمراء المتنافسون ممالك متنافسة متعادية وساد الاضطراب من جديد. ودامت هذه الحال حتى اغتصب العرش زعيم عسكري مغامر مرتزق يدعى جو - دزو، وأسس أسرة هان التي ظلت تحكم البلاد أربعمائة عام كاملة، تخللتها فترات أنزلت فيها عن العرش، وتبدلت فيها العاصمة مرة واحدة . وأعاد ون - دي (179-75ق.م.) إلى الشعب حرية القول والكتابة، وألغي المرسوم الذي حرم به هونج - دي انتقاد الحكومة، وجرى على سياسة السلم، وابتدع العادة الصينية المأثورة عادة هزيمة قائد الجيش العدو بتقديم الهدايا إليه(15).
وكان وو - دي أعظم الأباطرة من أسرة هان؛ وقد حكم البلاد زهاء نصف قرن (140-87 ق.م) وصد البرابرة المغيرين، وبسط حكم الصين على




صفحة رقم : 1194




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> تجارب في الاشتراكية


كوريا ومنشوريا وأنام، والهند الصينية والتركستان، وشملت الصين - لأول مرة في التاريخ جميع الأقاليم الشاسعة التي تعودنا أن نقرنها باسمها. وأخذ وو - دي يقوم بتجارب في الاشتراكية، فجعل موارد الثروة الطبيعية ملكاً للامة، وذلك ليمنع الأفراد "أن يختصوا أنفسهم بثروة الجبال والبحار، ليجنوا من ورائها الأموال الطائلة، ويخضعوا لهم الطبقات الدنيا(16). واحتكرت الدولة استخراج الملح والحديد وعصر الخمور وبيعها. وأراد وو - دي - كما يقول معاصره زوماتشين - أن يقضي على سلطان الوسطاء والمضاربين "الذين يشترون البضائع نسيئة، ويعقدون القروض، والذين يشترون ليكدسوا ما يشترونه في المدن، والذين يخزنون كل أنواع السلع"، فأنشأ نظاماً قومياً للنقل والتبادل تشرف عليه الدولة، وسعى للسيطرة على التجارة حتى يستطيع منع تقلب الأسعار الفجائي. فكان عمال الدولة هم الذين يتولون شئون نقل البضائع وتوصيلها إلى أصحابها في جميع أنحاء البلاد. وكانت الدولة نفسها تخزن ما زاد من السلع على حاجة الأهلين، وتبيعها إذا أخذت أثمانها في الارتفاع فوق ما يجب، كما كانت تشتريها إذا انخفضت الأسعار وبهذه الطريقة كان "أغنياء التجار وأصحاب المتاجر الكبيرة يمنعون من أن يجنوا الأرباح الطائلة... وكانت الأسعار تنظم وتتوازن في جميع أنحاء الإمبراطورية"(17). وكان دخل الأفراد كله يسجل في سجلات حكومية وتؤدى عنه ضريبة مقدارها خمسة في المائة. وكان الأمير يسك النقود المصنوعة من الفضة مخلوط بالقصدير لتكثر في أيدي الناس فيسهل عليهم شراء البضائع واستهلاكها. وشرع يقيم المنشآت العامة العظيمة ليوجد بذلك عملاً لملايين الناس الذين عجزت الصناعات الخاصة عن استيعابهم، فأنشئت الجسور على أنهار الصين وحفرت قنوات لا حصر لها لربط الأنهار بعضها ببعض وإرواء الحقول




صفحة رقم : 1195




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> تجارب في الاشتراكية


وازدهر النظام الجديد وأفلح إلى حين، وراجت التجارة، وكثرت البضائع وتنوعت، وارتبطت الصين مع الأمم المجاورة لها ومع أمم الشرق الأدنى البعيدة عنها(20). وكثر سكان عاصمتها لو - يانج وزادت ثروتها وامتلأت خزائن الدولة بالأموال، وانتشر طلاب العلم في كل مكان، وكثر الشعراء، وبدأ الخزف الصيني يتخذ منظراً جميلاً جذاباً. وجمع في المكتبة الإمبراطورية 123ر3 مجلداً في الأدب الصيني القديم، و 705ر2 في الفلسفة، و 388ر1 في الشعر، و 568ر2 في الرياضيات، و 868 في الطب، و 790 في فنون الحرب(21). ولم يكن أحد يعين في مناصب الدولة إلا إذا اجتاز امتحاناً تضعه لهذا الغرض، وكانت هذه الامتحانات عامة يتقدم إليها كل من شاء. والحق أن الصين لم يمر بها عهد من الرخاء كالذي مر بها تلك الأيام.
ولكن طائفة من الكوارث الطبيعية مضافاً إليها خبث بني الإنسان قضت على هذه التجربة الجريئة. فقد تعاقبت على البلاد سنون من الفيضان والجدب ارتفعت على أثرها أسعار السلع ارتفاعاً لم تقو الحكومة على وقفه. وتضايق الناس من غلو أثمان الطعام والكساء فصاحوا يطالبون بالعودة إلى الأيام الحلوة الماضية، التي أضحت في اعتقادهم خير الأيام وأكثرها رخاء، وأشاروا بأن يُغلى مقترح النظام الجديد في الماء وهو حي، ونادى رجال الأعمال بأن سيطرة الدولة قضت على الابتكار الفردي السليم وعلى التنافس الحر، وأبوا أن يؤدوا ما يلزم لهذه التجارب من الضرائب الباهظة التي كانت الحكومة تفرضها عليهم(22). ودخلت النساء بلاط الإمبراطور وبسطن نفوذهن السرى على كبار




صفحة رقم : 1196




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> تجارب في الاشتراكية


الموظفين، وأصبحن عنصراً هاماً في الموجة من الفساد انتشرت في طول البلاد وعرضها بعد وفاة الإمبراطور(23). وأخذ المزيفون يقلدون العملة الجديدة ونجحوا في تقليدها إلى حد اضطر الحكومة إلى سحبها من أيدي الناس، وعادت الخطة القديمة خطة استغلال الضعفاء، يسيطر عليها نظام جديد، ومضى قرن من الزمان نسيت فيه إصلاحات وو دي أو أضحت مسبة له وعاراً.
وجلس على عرش الصين مصلح آخر في بداية التاريخ المسيحي بعد أربعة وثمانين عاماً من موت وو دي، وكان في بادئ الأمر وصياً على العرش ثم أصبح فيما بعد إمبراطوراً. وكان هذا الإمبراطور وانج مانج من أرقى طراز وصل إليه الرجل الصيني الكامل المهذب؛ وكان على غناه يعيش عيشة معتدلة بل عيشة مقتصدة، ويوزع دخله على أقاربه وعلى الفقراء من أهل البلاد . وقد قضى جل وقته يكافح لإعادة النظام إلى أحوال البلاد الاقتصادية والسياسية، ولكنه مع ذلك وجد فسحة من الوقت لا لمناصرة الأدب والعلم فحسب بل للاشتغال بهما بنفسه حتى أصبح من أكمل الناس ثقافة وتهذيباً؛ ولما جلس على سرير المُلك لم يحط نفسه بما يحيط به الملوك أنفسهم من الساسة، بل جمع حوله رجالاً من الأدباء والفلاسفة، وإلى هؤلاء الرجال يعزو أعداؤه أسباب إخفاقه، وإليهم يعزو أصدقاؤه أسباب نجاحه.
وروع وانج مانج في بداية حكمه انتشار الرق في ضياع الصين الكبيرة، فلم يكن منه إلا أن ألغى الرق وألغى الضياع بتأميم الأرض الزراعية، فقسمها قطعاً متساوية ووزعها على الزراع، ثم حرم بيع الأرض وشراؤها ليمنع بذلك عودة الأملاك الواسعة إلى ما كانت عليه من قبل(25). واحتفظ باحتكار الدولة للملح والحديد وأضاف إلى ذلك امتلاكها للمناجم وإشرافها على تجارة الخمور.




صفحة رقم : 1197




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> تجارب في الاشتراكية


وحاول كما حاول وودي أن يحمي الزراع والمستهلكين من جشع التجار بتحديد أثمان السلع. فكانت الدولة تشتري ما زاد على الحاجة من الحاصلات الزراعية وتبيعها إذا عزت وغلا ثمنها. وكانت الحكومة تقدم القروض بفائدة منخفضة لكل مشروع إنتاجي(26).
لكن وانج لم يفكر في خططه إلا من الناحية الاقتصادية ونسي طبائع الآدميين. فكان يعمل الساعات الطوال بالليل والنهار ليبتكر الخطط التي تزيد ثروة الأمة وأسباب سعادتها، ولكن أحزنه وأضرم قلبه أن وجد الاضطراب الاجتماعي ينتشر في البلاد في أثناء حكمه. فقد ظلت الكوارث الطبيعية كالفيضان والجدب تعطل مشروعاته الاقتصادية، واجتمعت كل الطوائف التي قضت هذه المشروعات على مطاعمها وأخذت تكيد له وتعمل لإسقاطه. فثار نقع الفتن في البلاد يصلت سيفها الشعب في الظاهر، ولكن أكبر الظن أن القائمين بها كانوا يتلقون الأموال من مصادر عليا. وبينما كان وانج يكافح ليقلم أظفار هذه الفتن، وقد ساءه كفر الشعب بفضله وجحوده بنعمته، إذ أخذت الشعوب الخاضعة لسلطان الصين تشق عصا الطاعة، كما أخذ برابرة الشيونج - نو يجتاحون الولايات الشمالية، فأضعف ذلك كله من هيبة الإمبراطور.
وتزعمت أسرة ليو الغنية ثورة عامة اندلع لهيبها في البلاد واستولت على شانج - آن، وقتلت وانج مانج، وألغت جميع إصلاحاته، وعاد كل شيء إلى ما كان عليه من قبل.
وجلس على العرش في أواخر أيام أسرة هان جماعة من الأباطرة الضعاف خاف بعضهم بعضاً، وانتهى بهم عهد هذه الأسرة؛ وأعقب ذلك عهد من الفوضى حكمت في أثنائه أسر خاملة الذكر، انقسمت البلاد في أيامها إلى دويلات متعددة. وتدفق التتار على البلاد ولم يصدهم عنها السور على مساحات واسعة من أجزائها الشمالية، وكانت غارات هؤلاء التتار




صفحة رقم : 1198




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> تجارب في الاشتراكية


سبباً في اضطراب حياة الصين والقضاء على حضارتها النامية، كما كانت غارات الهون الذين يمتون إلى التتار بأواصر القرابة العنصرية سبباً في اضطراب نظام الإمبراطور الرومانية وإلقاء أوربا في غمار الفوضى التي أرجعها نحو مائة عام كاملة. وفي وسعنا أن ندرك ما يمتاز به الصينيون من صلابة عنصرية، ومن قوة في الأخلاق والثقافة، إذا عرفنا أن هذا الاضطراب كان أقصر أجلاً وأقل عمقاً من الاضطراب الذي قضى على الدولة الرومانية. فلما أن انقضى عهد من الحروب والفوضى والامتزاج العنصري بين المغيرين والأهلين، أفاقت الحضارة الصينية من سباتها، وانتعشت انتعاشاً رائعاً يبهر الأنظار.
ولعل دم التتار الجديد قد بعث القوة في أمة كانت قد أدركتها الشيخوخة. وقبل الصينيون الغزاة الفاتحين بينهم، وتزوجوا منهم، وحضروهم، وارتقوا هم وإياهم إلى أسمى ما بلغوه من المجد في تاريخهم الطويل.




صفحة رقم : 1199




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> مجد تانج



الفصل الثالث




مجد تانج




الأسرة المالكة الجديدة - خطة ناي دزونج في تقليل الجرائم - عصر رخاء -




"الإمبراطور النابه" - رواية يانج - جوي - في - ثورة آن لو - شان


تعزى نهضة الصين الكبرى في العصر الذي سنتحدث عنه في هذا الفصل إلى أسباب ثلاثة وهي: امتزاج هذين الشعبين، والقوة الروحية التي انبعثت من دخول البوذية فيها، وعبقرية إمبراطور من أعظم أباطرتها وهو ناي دزونج الذي حكمها من عام 627 إلى عام 650 بعد الميلاد. جلس هذا الإمبراطور على عرش الصين وهو في الحادية والعشرين من عمره بعد أن نزل عنه أبوه جو - دزو الثاني الذي أقام أسرة تانج قبل ذلك الوقت بتسع سنين. وقد بدأ حكمه بداية غير مبشرة بخير، وذلك بقتل أخوته الذين كانوا يهددونه باغتصاب عرشه، ثم أظهر كفايته العسكرية برد غارات القبائل الهمجية إلى مواطنها الأصلية، وإخضاع الأقاليم المجاورة التي خرجت على حكم الصين بعد سقوط أسرة هان. ثم عافت نفسه الحرب فجأة وعاد إلى شانجان عاصمة ملكه وخصص جهوده كلها للأعمال السلمية، فقرأ مؤلفات كنفوشيوس مرة بعد مرة، وأمر بنشرها في شكل بديع رائع وقال في هذا: "إنك إذا استعنت بمرآة من الشبهان فقد تستطيع أن تعدل وضع قلنسوتك على رأسك؛ وإذا اتخذت الماضي مرآة لك فقد تستطيع أن تتنبأ بقيام الإمبراطوريات وسقوطها". ورفض كل أسباب الترف وأخرج من قصره الثلاثة آلاف من السيدات اللاتي جيء بهن لتسليته.




صفحة رقم : 1200




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> مجد تانج


ولما أشار عليه وزراؤه بوضع القوانين الصارمة لقمع الجرائم قال لهم: "إني إذا أنقصت نفقات المعيشة، وخففت أعباء الضرائب، ولم أستعن إلا بالأمناء من الموظفين حتى يحصل الناس على كفايتهم من الكساء، كان أثر هذه الأعمال في منع السرقات أعظم من أثر أقسى أنواع العقاب"(27).
وزار الإمبراطور يوماً سجون شانجان فرأى فيها مائتين وتسعين سجيناً حكم عليهم بالإعدام. فلم يكن منه إلا أن أرسلهم ليحرثوا الأرض واكتفى منهم بأن يعدوه بشرفهم أن يعودوا إلى سجنهم. وكان أن عادوا جميعاً، وبلغ من سرور تاي دزونج أن أمر بالإفراج عنهم كلهم، وسن من ذلك الوقت قانوناً يقضي بالا يصادق أي إمبراطور على حكم بالإعدام إلا بعد أن يصوم ثلاثة أيام. وجمّل عاصمة ملكه حتى أقبل عليها السياح من الهند ومن أوربا، وجاء إلى الصين عدد كبير من الرهبان البوذيين الهنود، وكان البوذيون الصينيون أمثال يوان جوانج يسافرون بكامل حريتهم إلى بلاد الهند ليأخذوا دين الصين الجديد عن مصادره الأصلية. وجاء المبشرون إلى شانجان ليبشروا بالأديان الزرادشتية والنسطورية المسيحية، وكان الإمبراطور يرحب بهم كما كان يرحب بهم أكبر، ويبسط عليهم حمايته، ويطلق لهم كامل حريتهم، ويعفي معابدهم من الضرائب، وذلك في الوقت الذي كانت فيه أوربا تعاني آلام الفاقة والجهالة والمنازعات الدينية. أما هو نفسه فقد بقى كنفوشياً بسيطاً بعيداً عن التحيز والتحكم في عقول رعاياه، وقد قال عنه مؤرخ نابه إنه لما مات حزن الناس عليه حزناً لم يقف عند حد، وبلغ من حزن المبعوثين الأجانب أنفسهم أن كانوا يثخنون أجسامهم بالجراح بالمدي والحراب، وينثرون دماءهم التي أراقوها بأنفسهم طائعين على نعش الإمبراطور المتوفي"(28).
لقد مهد هذا الإمبراطور السبيل إلى أعظم عصور الصين خلقاً وإبداعاً، فقد نعمت في عهده بخمسين عاماً من السلام النسبي واستقرار الحكم فشرعت




صفحة رقم : 1201




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> مجد تانج


تصدر ما زاد على حاجتها من الأرز والذرة والحرير والتوابل، وتنفق مكاسبها في ضروب من الترف لم يسبق لها مثيل. فغصت بحيرتها بقوارب التنزه المنقوشة الزاهية الألوان، واكتظت أنهارها وقنواتها بالسفن التجارية، وكانت المراكب تخرج من موانيها تمخر عباب البحار إلى الثغور البعيدة على شواطئ المحيط الهندي والخليج الفارسي. ولم تعرف الصين قبل ذلك العهد مثل هذه الثروة الطائلة؛ ولم تستمتع قط بما كانت تستمتع به وقتئذ من الطعام الوفير، والمساكن المريحة، والملابس الجميلة(29). وبينما كان الحرير يباع في أوربا بما يعادل وزنه ذهباً(30)، كان هو الكساء المألوف لنصف سكان المدن الصينية الكبرى، وكانت الملابس المتخذة من الفراء في القرن الثامن في شانجان أكثر منها في نيويورك في القرن العشرين. وكان في إحدى القرى القريبة من العاصمة مصانع للحرير تستخدم مائة ألف عامل(31). وصاح لي بو في إحدى الولائم: "ما أعظم هذا الكرم، وما أكثر هذا الإسراف في المال! أأقداح من اليشم الأحمر، وأطعمة شهية نادرة على موائد مرصعة بالجواهر الخضراء؟"(32). وكانت التماثيل تنحت من الياقوت، وأجسام الأثرياء من الموتى تدفن على فرش من اللؤلؤ(33). وكأنما أولع هذا الجنس العظيم بالجمال فجأة، وأخذ يكرم بكل ما في وسعه من كان قادراً على خلق هذا الجمال. ومن أقوال أحد النقاد الصينيين في هذا: "ذلك عصر كان فيه كل رجل بحق شاعرا" (34). ورفع الأباطرة الشعراء والمصورين إلى أعلى المناصب. ويروي "سير جون مانفيل" Sir John Manville أن أحداً من الناس لم يكن يجرؤ على أن يخاطب الإمبراطور إلا "إن كان شاعراً مطرباً يغني وينطق بالفكاهات" (35). وأمر أباطرة المانشو في القرن الثامن عشر الميلادي أن يوضع سجل يحوى ما قاله شعراء تانج، فكانت




صفحة رقم : 1202




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> مجد تانج


النتيجة أن وصل هذا السجل إلى ثلاثين مجلداً تحتوي 900ر48 قصيدة قالها 300ر2 شاعر، كانت هي التي أبقى عليها الدهر من هذه القصائد ومن أسماء أولئك الشعراء. وزاد ما في دار الكتب الإمبراطورية حتى بلغ 000ر54 مجلداً؛ وفي هذا يقول مردك Murdock : "ولا جدال في أن الصين كانت في ذلك الوقت أرقى البلاد حضارة، فقد كانت وقتئذ أعظم الإمبراطوريات قوة، وأكثرها استنارة، وأعظمها رقياً، وأحسنها حكماً على الأرض" (36)، "وقد شد ذلك العصر أرقى ما شهده العالم من الثقافات" .
وكان زينة هذا العصر كله منج هوانج - دي "الإمبراطور النابه" الذي حكم الصين نحو أربعين عاماً تخللتها فترات قصيرة كان فيها بعيداً عن العرش (713- 756 ب.م). وكان هذا الإمبراطور رجلاً اجتمعت فيه كثير من المتناقضات البشرية؛ فقد كان يقرض الشعر ويشن الحرب على البلاد النائية، ومن أعماله أنه فرض الجزية على تركيا وفارس وسمرقند، وألغى حكم الإعدام وأصلح إدارة السجون والمحاكم، ولم يرحم من لا يبادر بأداء الضرائب، وكان يتحمل راضياً مسروراً عنت الشعراء والفنانين والعلماء؛ وأنشأ كلية لتعليم الموسيقى في حديقة له تسمى "حديقة شجرة الكمثرى"، وقد بدأ حكمه متقشفاً متزمتاً، أغلق مصانع الحرير وحرم على نساء القصر التحلي بالجواهر أو الملابس المطرزة، ثم اختتمه أبيقورياً يستمتع بكل وسيلة من وسائل الترف، وضحى آخر الأمر بعرشه لينعم ببسمات يانج جوي - في.
وكان حين التقى بها في سن الستين، أما هي فكانت في السابعة والعشرين. وكانت قد قضت عشر سنين محظية لابنه الثامن عشر. وكانت بدينة ذات شعر




صفحة رقم : 1203




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> مجد تانج


مستعار، ولكن الإمبراطور أحبها لأنها كانت عنيدة، ذات أطوار شاذة، متغطرسة وقحة، وتقبلت منه إعجابه بها بقبول حسن، وعرفته بخمس أسر من أقاربها، وسمحت له بأن يعيّن أبناء هذه الأسر في وظائف مجزية سهلة في بلاطه.
وكان منج يسمى هذه السيدة "الطاهرة العظيمة"، وقد أخذ عنها فن الاستمتاع بضروب الترف والملاذ، وانصرف ابن السماء عن الدولة وشؤونها وعهد بالسلطة الحكومية كلها إلى يانج جو - جونج أخى السيدة الطاهرة، وهو رجل فاسد عاجز؛ وبينما كانت نذر الخراب والدمار تحيط به من فوقه ومن أسفل منه، كان هو يواصل ليله بنهاره منهمكاً في ضروب اللهو والفساد.
وكان في بلاط مانج رجل تتاري يسمى آن لو - شان يعشق هو الآخر يانج جوي - في، وقد كسب هذا الرجل ثقة الإمبراطور فرفعه إلى منصب حاكم إحدى الولايات الشمالية، وأمره على زهرة جيوش الإمبراطورية. ولم يلبث آن لو - شان أن أعلن نفسه إمبراطوراً على البلاد وزحف بجيوشه على شانجان. وتداعت حصون المدينة وكانت قد طال إهمالهما، وفر منج من عاصمة ملكه.
وتمرد الجنود الذين كانوا يحرسونه في فراره، وقتلوا يانج جو - جونج وجميع أفراد الأسر الخمس، واختطفوا يانج جوي - في من بين يدي الملك وقتلوها أمام عينيه. ونزل الإمبراطور عن عرشه بعد أن أذلته الشيخوخة والهزيمة، وعاثت جحافل آن شان الهمجية في المدينة فساداً، وقتلت عدداً كبيراً من أهلها ولم تفرق بين كبير وصغير . ويقال أن ستة وثلاثين مليوناً من الأنفس قد قضى عليهم في هذه الفتنة الصماء(39). ولكن الفتنة أخفقت آخر الأمر في الوصول




صفحة رقم : 1204




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> مجد تانج


إلى أغراضها، وقتل آن لو -شان بيد ابنه نفسه، وقتل هذا الابن بيد أحد القواد، ثم قتل هذا القائد ابن له. وظلت نار الفتنة مشتعلة حتى أكلت وقودها وخمدت جذورها في عام 672، وعاد منج هوانج محطماً كسير القلب إلى عاصمته المخربة. ومات فيها بعد بضعة أشهر من ذلك الوقت. وفي هذه الفترة من المآسي والحادثات الروائية العجيبة ازدهر الشعر الصيني ازدهاراً لم يكن له نظير من قبل.




صفحة رقم : 1205




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> الملاك المنفي



الفصل الرابع




الملاك المنفي




قصة لي بو - شبابه وبسالته وحبه - على القارب الإمبراطوري -




إنجيل الكرم - الحرب - تجوال لي بو - في السجن - "الشعر الخالد"


استقبل منج هوانج ذات يوم من أيام مجده، رسلاً من كوريا يحملون إليه رسائل خطيرة مكتوبة بلهجة لم يستطع أحد من وزرائه أن يفهمها، فصاح الإمبراطور غاضبا: "ما هذا؟ ألا يوجد بين هذا العدد الحجم من الحكام والعلماء والقواد رجل واحد ينجينا من هذه الورطة؟ قسماً إن لم أجد بعد ثلاثة أيام من يستطيع أن يحل رموز هذه الرسالة لأقصينكم جميعاً عن أعمالكم!".
وقضى الوزراء يوماً كاملاً يتشاورون ويتضجرون، وهم يخشون أن تطيح منهم مناصبهم ورؤوسهم. ثم تقدم الوزير هو جي- جانج إلى العرش وقال: "هل تأذن لأحد رعاياك أن يعلن لجلالتك أن في بيته شاعراً جليل الشأن يدعى لي متبحراً في أكثر من علم واحد؟ مُرْهُ أن يقرأ هذه الرسالة إذ ليس ثمة شيء يعجز عنه ". وأمر الإمبراطور أن يستدعى لي للمثول بين يديه من فوره. ولكن لي أبى أن يحضر بحجة أنه غير جدير بالاضطلاع بالواجب الذي طلب إليه أن يضطلع به، لأن الحكام قد رفضوا مقاله حينما تقدم لآخر امتحان عقد لطالبي الالتحاق بالوظائف العامة. واسترضاه الإمبراطور بأن منحه لقب دكتور من الدرجة الأولى، وخلع عليه حلة هذا اللقب. فجاء لي ووجد الذين امتحنوه بين الوزراء، وأرغمهم على أن يخلعوا له نعليه، ثم ترجم الوثيقة، وقد جاء فيها أن كوريا تعتزم خوض غمار الحرب لاستعادة حريتها. ولما قرأ لي هذه الرسالة أملى عليها رداً مروعاً، ينم عن علم غزير، وقعه الإمبراطور من فوره، وكاد




صفحة رقم : 1206




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> الملاك المنفي


أن يصدق ما أسره إليه "هو" وهو أن لي ملاك طرد من السماء لأنه ارتكب فيها ذنباً عظيماً . وأرسل الكوريون يتعذرون، وأدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وأرسل الإمبراطور بعض هذه الجزية إلى لي فوهب بعضها إلى صاحب الحانة لأنه كان يحب الخمر.
وكانت أم لي قد رأت في منامها ليلة مولد الشاعر الكوكب الأبيض الكبير الذي يسميه الصينيون ثاي- بو جنج ويسميه أهل الغرب فينوس . ولهذا سمى الطفل لي أي البرقوقة ولقب ثاي- بو أي النجم الأبيض. ولما بلغ العاشرة من عمره كان قد أتقن كتب كنفوشيوس، كما كان في مقدوره أن ينظم الشعر الخالد. وفي الثانية عشرة خرج إلى الجبال ليعيش فيها عيشة الفلاسفة، وأقام فيها سنين طوالاً، حسنت في خلالها صحته، وعظمت قوته، وتدرب على القتال بالسيف ثم أعلن إلى العالم مقدرته وكفايته فقال: إني وإن لم يبلغ طول قامتي سبع أقدام (صينية) فإن لي من القوة ما أستطيع به ملاقاة عشرة آلاف رجل"(41) (وعشرة آلاف لفظ يعبر به الصينيون عن الكثرة) ثم أخذ يضرب في الأرض يتلقى أقاصيص الحب من أفواه الكثيرين، وقد غنى أغنية "لفتاة من وو" قال فيها:


نبيذ الكروم




وأقداح الذهب




وفتاة حسناء من وو-




في سن الخامسة عشرة، تقبل على ظهر مهر،




ذات حاجبين قد خُطّا بقلم أزرق-




وحذاءين من النسيج القرنفلي المشجر-






صفحة رقم : 1207




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> الملاك المنفي




لا تفصح عن ما في نفسها-




ولكنها تغني أغاني ساحرة.




وقد أخذت تطعم الطعام على المائدة،




المرصعة بأصداف السلاحف.




ثم سكرت في حجري.




أي طفلتي الحبيبة! ما أحلى العناق.




خلف ستائر المطرزة بأزهار السوسن!


ثم تزوج الشاعر، ولكن مكاسبه كانت ضئيلة، فغادرت زوجته بيته وأخذت معها أبناؤه. ترى هذه الأسطر التي يبث فيها شوقه موجهة إليها، أو إلى حبيبة أخرى لم يطل عهد الوداد بينهما؟-


أيتها الحسناء، لقد كنت وأنت عندي أملأ البيت زهراً.




أما الآن أيتها الحسناء وقد رحلت- فلم يبق فيه إلا فراش خال.




لقد طوى عن الفراش الغطاء المزركش؛ ولست بقادر على النوم.




وقد مضت على فراقك ثلاث سنين؛ ولا يزال يعاودني شذى العطر الذي خلفته ورائك.




إن عطرك يملأ الجو من حولي وسيدوم أبد الدهر؛




ولكن أين أنت الآن يا حبيبتي؟




إني أتحسر- والأوراق الصفراء تسقط عن الغصن،




وأذرف الدمع- ويتلألأ رضاب الندى الأبيض على الكلأ الأخضر.


وأخذ يسلي نفسه باحتساء الخمر، حتى أصبح أحد "الستة المتعطلين في أيكة الخيزران"، الذين يأخذون الحياة سهلة في غير عجلة، ويكسبون أقواتهم المزعزعة بأغانيهم وقصائدهم. وسمع لي الناس ينثون الثناء الجم على نبيذ نيو جونج فسافر




صفحة رقم : 1208




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> الملاك المنفي


من فوره إلى تلك المدينة، وكانت تبعد عن بلده ثلاثمائة ميل(44).
والتقى في تجواله بدوفو الذي صار فيما بعد منافسه على تاج الصين الشعري، وتبادل هو وإياه القصائد الغنائية، وصارا يضربان في البلاد معاً كالأخوين، وينامان تحت غطاء واحد، حتى فرقت الشهرة بينهما. وأحبهما الناس جميعاً لأنهما كانا كالقديسين لا يؤذيان أحداً ويتحدثان إلى الملوك وإلى السوقة بنفس الأنفة والمودة اللتين يتحدثان بهما إلى الفقراء المساكين. ودخلا آخر الأمر مدينة شانجان وأحب "هو" الوزير الطروب شعر لي حباً حمله على أن يبيع ما عنده من الحلي الذهبية ليبتاع له الشراب، ويصفه دوفو بقوله:


أما لي بو فقدم له ملء إبريق،




يكتب لك مائة قصيدة.




وهو يغفو في حانة




في أحد شوارع مدينة شانجان؛




وحتى إذا ناداه مولاه،




فإنه لا يطأ بقدمه القارب الإمبراطوري.




بل يقول: "معذرة يا صاحب الجلالة.




أنا إله الخمر".


لقد كانت أيامه هذه أيام طرب ومرح؛ يعزه الإمبراطور، ويغمره بالهدايا جزاء ما كان يتغنى به من مديح يانج جوي- في الطاهرة. وأقام منج مرة مأدبة ملكية يوم عيد الفاونيا في فسطاط الصبار، وأرسل في طلب لي بو لينشد الشعر في مديح حبيبته. وجاء لي، ولكنه كان ثملاً لا يستطيع قرض الشعر. فألقى خدم القصر ماء بارداً على وجه الوسيم وسرعان ما انطلق الشاعر




صفحة رقم : 1209




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> الملاك المنفي


يغني ويصف ما بين الفاونيا وحبيبته يانج من تنافس فقال:


في أثوابها جلال الغمام السابح،




وفي وجهها سنا الزهرة الناضرة.




أيها الطيف السماوي يا من لا يكون إلا في العلا




فوق قلة جبل الجواهر




أو في قصر البلور المسحور حين يرتفع القمر في السماء!




على أنني أشهد هاهنا في روضة الأرض-




حيث يهب نسيم الربيع العليل على الأسوار،




وتتلألأ نقاط الندى الكبيرة...




لقد هزم حنين الحب الذي لا آخر له




والذي حملته إلى القلب أجنحة الربيع.


ترى من ذا الذي لا يسره أن يكون هو الذي تغنى فيه هذه الأغنية؟ لكن الملكة أدخل في روعها أن الشاعر قد عرض بها أغنيته تعريضاً بها خفياً، فأخذت من هذه اللحظة تدس له عند الملك وتبعث الريبة في قلبه. وما زالت به تقلبه بين الذروة والغارب حتى أهدى لي- بو كيساً به نقود وصرفه. فأخذ الشاعر يهيم في الطرقات مرة أخرى يسلي نفسه باحتساء الخمر، "وانضم إلى الثمانية الخالدين أصحاب الكأس"، الذين كان شرابهم على لسان الناس في شانجان. وكان يرى رأي ليو لنج القائل إنه يحسن بالإنسان أن يسير وفي صحبته على الدوام خادمان يحمل أحدهما خمراً ويحمل الآخر مجرفاً يستعين به على دفنه حيث يخر صريعاً "لأن شئون الناس" كما يقول ليو "ليست إلا طحالب في نهر" (46). وكأنما أراد شعراء الصين أن يكفروا عن تزمت الفلسفة الصينية، فأطلقوا لأنفسهم العنان. وفي ذلك يقول لي بو: "لقد أفرغنا مائة إبريق من الخمر لنغسل بها




صفحة رقم : 1210




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> الملاك المنفي


أرواحنا ونطهرها من الأحزان التي لازمتنا طوال حياتنا" (47) وهو يترنم ببنت الحان ترنم عمر الخيام:


إن المجرى الدافق يصب ماءه في البحر ولا يعود قط.




ألا ترى فوق هذا البرج الشامخ




شبحاً أبيض الشعر يكاد يذوب قلبه حسرة أمام مرآته البراقة؟




لقد كانت هذه الغدائر في الصباح شبيهة بالحرير الأسود،




فلما أقبل المساء إذا هي كلها في بياض الثلج.




هيا بنا، ما دام ذلك في مقدورنا، نتذوق الملاذ القديمة،




ولا نترك إبريق الخمر الذهبي




يقف بمفرده في ضياء القمر...




إني لا أبغي سوى نشوة الخمر الطويلة،




ولا أحب أن أصحو قط من هذه النشوة...




هيا بنا أنا وأنتما نبتاع الخمر اليوم!




لم تقولان أنكما لا تملكان ثمنها؟




فجوادي المرقط بالأزهار الجميلة،




ومعطفي المصنوع من الفراء والذي يساوي ألف قطعة من الذهب




سأخرج عن هذين وآمر غلامي




أن يبتاع بهما الخمر اللذيذة




ولأنسى معكما يا صاحبي




أحزان عشرة آلاف من الأعمار!


ترى ما هي هذه الأحزان؟ أهي آلام من محب أزدرى حبه؟ لا نظن هذا لأن شعراء الصين لا يكثرون من الشكوى من آلام الحب، وإن كان




صفحة رقم : 1211




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> الملاك المنفي


الحب يملأ قلوبهم كما يملأ قلوبنا، وإنما الذي أذاق لي مرارة المآسي البشرية هو الحرب والنفي، وهو آن لو شان والاستيلاء على عاصمة البلاد، وفرار الإمبراطور وموت يانج، وعودة منج هوانج إلى قصوره المهجورة. وهو يقول في حسرة "ليس للحرب نهاية! " ثم يأسو للنساء اللاتي قدمن أزواجهن ضحايا لإله الحرب فيقول:


هاهو ذا شهر ديسمبر؛ وهاهي ذا فتاة يورتشاو الحزينة!




لقد امتنع عليها الغناء، وعز الابتسام، وحاجباها أشعثان،




وهي تقف بالباب، تنتظر عابري السبيل،




وتذكر ذلك الذي اختطف سيفه وسار لحماية الحدود،




ذلك الذي قاسى أشد الآلام في البرد القارس وراء السور العظيم،




ذلك الذي جندل في ساحة الوغى ولن يعود أبداً،




***




في مشيتها الذهبية النمراء التي تحتفظ فيها بالذكريات،




قد بقي لها سهمان مراشان بريشتين بيضاوين،




بين نسج العنكبوت وما تجمع من الغبار خلال السنين الطوال.




تلك أحلام الحب الجوفاء التي لا تستطيع العين أن تنظر إليها لما تسببه للقلب من أحزان،




ثم تخرج السهمين وتحرقهما وتدرو رمادهما في الرياح.




إن في وسع الإنسان أن يقيم سداً يعترض به مجرى النهر الأصفر،




ولكن من ذا الذي يخفف أحزان القلب إذا تساقط الثلج،




وهبت ريح الشمال؟(49)


وفي وسعنا الآن أن نتخيله ينتقل من بلد إلى بلد ومن ولاية إلى ولاية على




صفحة رقم : 1212




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> الملاك المنفي


الصورة التي وصفه بها دزو تشونج- جي: "على ظهرك حقيبة ملأى بالكتب، تطوف ألف ميل أو أكثر، وفي كمك خنجر وفي جيبك طائفة من القصائد"(50). وقد حبته رفقته القديمة للطبيعة في هذا التجوال الطويل بعزاء وسلوى وراحة تجل عن الوصف؛ وفي وسعنا أن نرى من خلال أشعاره أرض بلاده ذات الأزهار، ونشعر أن حضارة المدن قد أخذ عبئها الباهظ يثقل على الروح الصينية:


لم أعيش بين الجبال الخضراء؟




إني أضحك من هذا السؤال ولا أجيب عنه، إن روحي ساكنة صافية،




إنها تسكن سماء أخرى وأرضاً ليست ملكاً لإنسان.




إن أشجار الخوخ مزدهرة والماء ينساب من تحتها.


ثم انظر إلى هذه الأبيات:


أبصرت ضياء القمر أمام مخدعي.




فخلته الصقيع على الأرض.




ورفعت رأسي ونظرت إلى القمر الساطع فوق الجبل،




وطأطأت رأسي وفكرت في موطني البعيد.


ولما تقدمت به السن وابيض شعره امتلأ قلبه حناناً للأماكن التي قضى فيها أيام شبابه. وكم من مرة، وهو يحيى في العاصمة حياة اصطناعية، حنّ قلبه للحياة البسيطة الطبيعية التي كان يحياها في مسقط رأسه وبين أهله:


في أرض وو وأوراق التوت الخضراء،




نام دود الحرير مرات ثلاثاً.




وأرض لوه الشرقية حيث تقيم أسرتي،




لا أعرف من يزرع فيها حقولنا.




وليس في وسعي أن أعود لأقوم فيها بأعمال الربيع.






صفحة رقم : 1213




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> الملاك المنفي




ومع هذا فإني لا أستطيع أن أعمل شيئاً،بل أسير على ضفة النهر.




إن ريح الجنوب إذا هبت أطارت روحي المشوقة إلى وطني.




وحملتها معها إلى حانتنا المعهودة.




وهناك أرى شجرة خوخ على الجانب الشرقي من البيت.




بأوراقها وأغصانها الكثيفة تموج في الضباب الأزرق.




إنها هي الشجرة التي غرستها قبل أن أفارق الدار منذ سنوات ثلاث.




لقد نمت شجرة الخوخ الآن وطالت حتى بلغت سقف الحانة،




في أثناء تجوالي الطويل إلى غير أوبه.




أي بنيتي الجميلة يابنج- يانج، إني أراك واقفة




بجوار شجرة الخوخ، تنتزعين منها غصناً مزهراً،




تقطفين الأزهار، ولكني لست معك-




ودموع عينيك تفيض كأنها مجرى ماء!




وأنت يا ولدي الصغير بو سشين لقد نموت حتى بلغت كتفي أختك




وصرت تخرج معها تحت شجرة الخوخ!




ولكن من ذا الذي يربت على ظهرك هناك؟




إني حين أفكر في هذه الأمور تخونني حواسي




ويقطع الألم الشديد في كل يوم نياط قلبي.




وهاأنذا اقتطع قطعة من الحرير الأبيض وأكتب عليها هذه الرسالة




وأبعث بها إليك مصحوبة بحبي تجتاز الطريق الطويل إلى أعلى النهر


وكانت السنون الأخيرة من عمره سني بؤس وشقاء، لأنه لم ينزل قط من عليائه ليجمع المال، ولم يجد في أيام الفوضى والفتن ملكاً يحنو عليه ويرد عنه غائلة الجوع والحرمان. ولما عرض عليه لي- لنج أمير يونج أن ينضم إلى حاشيته




صفحة رقم : 1214




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> الملاك المنفي


قبل هذا راضياً مسروراً؛ ولكن لي- لنج خرج على خليفة منج هوانج، فلما أقلمت أظفار فتنته ألفى لي بو نفسه بين جدران السجن محكوماً عليه بالموت لأنه خان دولته.
ثم توسط له جوُو دزيئي القائد الذي أخمد ثورة آن لو شان، وطلب أن تفتدى حياة لي بو بنزوله هو عن رتبته ولقبه. وخفف الإمبراطور عنه الحكم واستبدل به النفي مدى الحياة. ثم صدر عفو عام بعد ذلك بقليل، وعاد الشاعر يتعثر إلى مسقط رأسه. ومرض وتوفي بعد ثلاث سنين من ذلك الوقت؛ وتقول الأقاصيص، التي يعز عليها أن تموت نفس قل أن يوجد مثلها بين النفوس ميتة عادية، إنه غرق في أحد الأنهار، بينما كان يحاول وهو ثمل جزلان أن يعانق صورة القمر.
وديوان شعره الرقيق الجميل المؤلف من ثلاثين مجلداً لا يترك مجالاً للشك في أنه حامل لواء شعراء الصين بلا منازع. وقد وصفه ناقد صيني: "بأنه قمة تاي الشامخة المشرفة على مئات الجبال والتلال؛ والشمس إذا طلعت خبا وميض ملايين من نجوم السماء".


لقد مات منج هوانج، وماتت يانج وعفا ذكرهما ولكن لي بو لا يزال يغني!




لقد بنيت سفينتي من خشب الأفاوية وصنع سكانها من خشب المولان.




وجلس العازفون عند طرفها وبيدهم الناي من الغاب المحلى بالجواهر والمزمار المرصع بالذهب.




ألا ما أعظم سروري إذا كان إلى جانبي دن الخمر اللذيذة وغيد حسان يغنين




ونحن نطفو فوق ظهر الماء تدفعنا الأمواج ذات اليمين وذات الشمال!






صفحة رقم : 1215




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> الملاك المنفي




إذاً لكنت أسعد من جنى الهواء الذي ركب على ظهر غرنيقه الأصفر،




حراً كعريس البحر الذي تعقب النوارس دون غرض يبتغيه،




إني الآن أهز الجبال الخمسة بضربات من وحي قلمي.




هاأنذا قد فرغت من قصيدتي. فأنا أضحك وسروري أوسع من البحر.




أيها الشعر الخالد! إن ألحان شوبنج لشبيهة في روعتها بالشمس والقمر،




أما قصور ملوك جو وأبراجهم فقد عفت آثارها من فوق التلال(55).






صفحة رقم : 1216




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> من خصائص الشعر الصيني



الفصل الخامس




من خصائص الشعر الصيني




النظم الطليق - التصوير - كل قصيدة صورة




وكل صورة قصيدة .. - العاطفية - كمال الشكل


ليس في وسعنا أن نحكم على الشعر الصيني بدراسة شعر لي وحده، فإذا أراد الإنسان إن يحس به (وهذا خير من الحكم عليه) وجب عليه أن يسلم نفسه في غير استعجال للكثيرين من الشعراء الصينيين وأساليبهم الشعرية الفذة. ولا جدال في أن بعض الصفات الدقيقة التي يتصف بها هذا الشعر تخفيها عنا ترجمته: فنحن لا نرى في هذه الترجمة الرموز الصينية الجميلة، التي يتكون كل منها من مقطع واحد ولكنه يعبر مع ذلك عن فكرة معقدة؛ ولا نرى السطور تجري من أعلى إلى أسفل ومن اليمين إلى اليسار، ولا ندرك الوزن والقافية اللذين يتشبثان بقوة بالقواعد والسوابق القديمة؛ ولا نستمع إلى النغمات - وما فيها من خفض ورفع - التي يترنم بها الشعر الصيني وجملة القول أن نصف ما في شعر الشرق الأقصى من جمال فني يضيع حين يقرؤه من يجب أن نسميه "أجنبياً عنه. إن خير القصائد الصينية في لغتها الأصلية لصورة مصقولة ثمينة لا تقل في صقلها وعظيم فنها عن المزهرية المنقوشة النادرة الجميلة؛ ولكنه بالنسبة إلينا لا يكون إلا نتفاً من القريض الخداع "الطليق" من الوزن أو الشعر ""التصويري" قد أدركه بعض الإدراك ونقله نقلاً ضعيفاً عقل جاد ولكنه عقل غريب عنه لا يمت إليه بصلة.
إن أهم ما نراه في هذا الشعر هو إيجازه؛ فنميل إلى الظن بأن هذه القصائد تافهة، وإذا ما قرأناها شعرنا بأنا قد لا نجد فيها ما في شعر ملتن وهومر من




صفحة رقم : 1217




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> من خصائص الشعر الصيني


عظمة تارة وملالة تارة أخرى. ولكن الصينيين يعتقدون أن الشعر كله يجب أن يكون قصيراً؛ وأن القصيدة والطول لفظان متناقضان، لأن الشعر في نظرهم نشوة وقتية بنت ساعتها تموت إذا طالت ومدت حتى صارت ملحمة، وأن رسالة الشاعر أن يرى الصورة ويرسمها بضربة ويسجل الفلسفة في بضعة سطور، وأن مثله الأعلى أن يجمع المعاني الكثيرة في أنغام قليلة. وإذ كانت الصور من جوهر الشعر، وكانت الكتابة الصينية في جوهرها كتابة تصويرية، كانت لغة الصين المكتوبة لغة شعرية بطبيعتها تنقاد للكتابة التصويرية، وتنفر من المعنويات المجردة التي لا يمكن التحدث عنها كما يتحدث عن المرئيات. وإذ كانت المعنويات تكثر كلما ارتقت الحضارة، فقد أضحت اللغة الصينية، في صورتها المكتوبة، أشبه بشفرة سرية ذات إيحاء دقيق. وكذلك كان الشعر الصيني بالطريقة نفسها، وقد يكون للسبب عينه، يجمع بين الإيحاء والتركيز، ويهدف بما يرسم من الصور إلى الكشف عن شيءخفي عميق. فهو لا يجادل ولا يناقش، بل يوحي ويوعز، ويترك أكثر مما يقول؛ وليس في وسع أحد غير الشرقي أن يستجيب لما يوعز به ويملأ الفراغ الذي يتركه. وفي هذا المعنى يقول الصينيون:
كان الأقدمون يرون أن أحسن الشعر ما كان معناه أبعد من لفظه، وما اضطر قارئه أن يستخلص معناه لنفسه . الشعر الصيني كالأخلاق الصينية والفن الصيني ذو جمال رائع لا حد له تخفيه بساطة هادئة مستكنة. فهو لا يعمد إلى الاستعارة والمجاز والتشبيه بل يعتمد على إظهار ما يريد أن يتحدث عنه، ويشير من طرف خفي إلى ما يتضمنه، ويتصل به، وهو يتجنب المبالغات والانفعالات ويلجأ إلى العقل الناضج بما فيه من إيجاز في القول وما يتقيد به من قيود. وقلما تراه في صور روائية هائجة، ولكن في مقدوره أن يعبر عن المشاعر القوية بأسلوبه الهادئ الرصين:




صفحة رقم : 1218




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> من خصائص الشعر الصيني




الناس يقضون حياتهم متفرقين كالنجوم تتحرك ولكنها لا تلتقي أبداً.




أما هذه العين فما أسعدها، إذ ترى مصباحاً واحداً يبعث الضوء لي ولك!




ألا ما أقصر أيام الشباب!




وإن لما منا لتدل الآن على أن حياتنا قد آذنت بالزوال.




بل إن نصف من نعرفهم قد انتقلوا الآن إلى عالم الأرواح.




ألا ما أشد وقع هذا على نفسي.


وقد يعترينا الملل في بعض الأحيان مما في هذه القصائد من التكلف العاطفي، وما تحويه من تحسر وتمن باطل بأن تقف عجلة الزمان دورتها حتى يبقى الرجال فتياناً وتحتفظ الدول بشبابها أبد الدهر. ونحن ندرك من هذا الشعر أن حضارة الصين كانت قد شاخت وانقضى عهد شبابها في أيام منج هوانج، وأن الشعراء في هذا العهد - كالفنانين في الشرق بوجه عام - قد أولعوا بتكرار الموضوعات التليدة، وأنهم كانوا يسخرون قدرتهم الفنية للاحتفاظ بالصيغ سليمة مبرأة من العيوب. ولكننا رغم هذا كله لا نجد لهذا الشعر مثيلاً في غير بلاد الصين، ولا نرى ما يضارعه في جمال التعبير وما فيه من رقة العواطف رغم اعتدالها، ومن بساطة واقتصاد في التعبير عن أعمق الأفكار. ويقال لنا إن للشعر الذي كتب في عهد أباطرة تانج أثراً عظيماً في تعليم كل شاب صيني وأن الإنسان لا يجد صينياً مفكراً لا يحفظ الكثير من ذلك الشعر عن ظهر قلب. فإذا صح هذا كان في تاريخ لي بو ودوفو بعض ما نجيب به حين نسأل لِمَ يكاد كل صيني متعلم أن يكون فناناً وفيلسوفاً؟




صفحة رقم : 1219




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> دوفو



الفصل السادس




دوفو




داوتشين - بو - جوي - قصائد لشفاء الملاريا - دوفو




ولي بو - رؤيا الحرب - أيام الرخاء - الإملاق - الموت


لي بو عند الصينيين شبيه بكيتس عند الإنجليز، ولكن للصين غيره من المغنين، لا يكاد يقلّ حبهم لهم عن حبهم للي بو، فمنهم داوتشين الشاعر الرواقي البسيط الذي اعتزل منصباً حكومياً، لأنه على حد قوله لم يعد في وسعه أن يحني فقرات ظهره نظير خمسة أرطال من الأرز في كل يوم" أي أن يبتاع مرتبه بكرامته. واعتزل داوتشين الحياة العامة كما اعتزلها كثيرون من رجال الدولة اشمئزازاً من حياة الوظيفة ذات النزعة التجارية , وذهب ليعيش في الغابات ينشد فيها "طول السنين وعمق الخمور"، ويجد في مجاري الصين وجبالها من السلوى والبهجة ما صوره رساموها على الحرير فيما بعد:


اقطف الأقحوان تحت السياج الشرقي،




ثم اسرح الطرف طويلاً في تلال الصيف البعيدة




وأملا صدري من هواء الجبال النقي عند مطلع الفجر،




وأرى الطيور تعود مثنى مثنى.




إن في هذه الأشياء لمعاني عميقة،




لكننا إذا شئنا التعبير عنها خانتنا الألفاظ فجأة . . .




ألا ما أسخف أن يقضي المرء حياته كأوراق الشجر الساقطة المطمورة في تراب الطرقات!




ولقد قضيت ثلاثة عشرة سنة من حياتي على هذا النحو. . .






صفحة رقم : 1220




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> دوفو




وعشت زمناً طويلاً حبيساً في قفص،




وهاأنذا قد عدت




إذ لا بد للإنسان أن يعود




ليحيا حياته الطبيعية


أما بو - جوي فقد سلك مسلكا آخر، إذ اختار المنصب الرسمي والحياة في العاصمة. وصار يرقى في المناصب العامة حتى أمسى حاكم مدينة هانج تشاو العظيمة ورئيس مجلس الحرب. لكنه رغم متاعب الحياة العامة عاش حتى بلغ الثانية والسبعين من العمر، وأنشأ أربعة آلاف قصيدة، وعب ملاذ الطبيعة في فترات نفي فيها من بلده( 58 ). وعرف السر الذي يستطيع به أن يجمع بين الوحدة والاختلاط بالجماهير، وبين الراحة والحياة الناشطة. ولم يكن كثير الأصدقاء لأنه كما يقول عن نفسه كان رجلاً وسطاً غير ممتاز في "الخط، والتصوير، والشطرنج، والميسر، وهي الوسائل التي تؤدي إلى اجتماع الرجال وإلى الضجة السارة" (59). وكان مولعاً بالتحدث إلى عامة الناس، ويروى عنه أنه كان يقرأ قصائده لعجوز قروية، فإذا عجزت عن فهم شيء منها بسطه لها. ومن ثم أصبح أقرب الشعراء الصينيين إلى قلوب الجماهير، وكان شعره ينقش في كل مكان، على جدران المدارس والمعابد وقمرات السفن. ويروى أن فتاة من المغنيات قالت لربان سفينة كانت تطربه ليس لك أن تظن أني راقصة عادية؛ وحسبك أن تعرف أن في مقدوري أن أسمعك قصيدة الأستاذ بو: الغلطة الأبدية" .
وآخر من نذكره من أولئك الشعراء هو دوفو الشاعر المحبوب العميق الذي يقول فيه آرثر ويلي Arthur waley: "من عادة الذين يكتبون في الأدب




صفحة رقم : 1221




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> دوفو


الصيني من الإنجليز أن يقولوا إن لي تاي - بو أشعر شعراء الصين؛ أما الصينيون أنفسهم فيقولون إن دوفو هو حامل لواء الشعراء الصيني"(61).
ونحن نسمع به لأول مرة في شانجان حيث أقبل ليؤدي امتحاناً ليتقلد إذا نجح فيه منصباً حكومياً، ولكنه لم ينجح. على أن ذلك لم يفت في عضده، رغم أنه أخفق في مادة الشعر؛ وأعلن للجمهور أن قصائده علاج ناجع لحمى الملاريا، ويبدو أنه جرب هذا العلاج بنفسه(62). وقرأ بنج هوانج بعض أشعاره ووضع له هو نفسه امتحاناً آخر، وأنجحه فيه وعينه أمين أسرار القائد تسُوَّا. وشجع هذا العمل دوفو وأنساه وقتاً ما زوجته وأبناءه في قريتهم النائية، فأقام في العاصمة وتبادل هو ولي بو الأغاني، وأخذ يتردد على الحانات ويؤدي ثمن خمره شعراً. وقد كتب عن لي بو يقول:


أحب مولاي كما يحب الأخ الأصغر أخاه الأكبر،




ففي الخريف وفي نشوة الخمر ننام تحت غطاء واحد، وفي النهار نسير معاً يداً بيد.


فعل هذا في أيام كان منج ليانج يحب جوي - في فأخذ دو يتغنى بهذا الحب كما يتغنى غيره من الشعراء؛ فلما شبت نار الثورة وأغرقت الأحقاد والمطامع بلاد الصين في بحر من الدماء حول شعره إلى موضوعات حزينة، وأخذ يصور الناحية الإنسانية من الحرب:


في الليلة الماضية صدر أمر حكومي




بتجنيد الفتيان الذي بلغوا الثامنة عشرة.




وأمروا أن يعاونوا على الدفاع عن العاصمة




أيتها الأم! وأيها الأبناء! لا تبكوا هذا البكاء!




إن هذه الدموع التي تذرفونها تضر بكم.




وحين تقف الدموع عن الجريان تبرز العظام






صفحة رقم : 1222




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> دوفو




ووقتئذ لا ترحمكم الأرض ولا السماء.




وهل تعرفون أن في شانتونج مائتي مقاطعة قد استحالت صحاري مجدبة،




وأن آلافا من القرى والمزارع قد غطاها الحسك والشوك؟




وأن الرجال يذبحون ذبح الكلاب، والنساء يسقن كما يساق الدجاج...




ولو أنني كنت أعرف ما هو مخبأ للأولاد من سوء المصير




لفضلت أن يكون أطفالي كلهم بنات...




ذلك أن الأولاد لا يولدون إلا ليدفنوا تحت العشب الطويل.




ولا تزال عظام من قضت عليهم الحرب في الماضي البعيد مدفونة بجوار البحر الأزرق تراها وأنت مار.




فهي بيضاء رهيبة تراها العين فوق الرمال،.




هنالك تجتمع أشباح الصغار وأشباح الكبار لتصيح جماعات،




وإذا هطل المطر وأقبل الخريف وهبت الريح الباردة،




علت أصواتهم حتى علمتني كيف تقتل المرء الأحزان...




إن الطيور تتناغى في أحلامها وهي تحلق فوق الماء




والبراعة تشع بضيائها في غسق الليل.




فلم يقتل الإنسان أخاه الإنسان ليعيش؟




إني أتحسر خلال الليل في غير طائل؟.


وقضى الشاعر عامين خلال عهد الثورة يطوف بأنحاء الصين تقاسمه إملاقَه زوجته وأبناؤه، وقد بلغ من فقره أنه كان يستجدي الناس الخبز، ومن ذلته أنه خر راكعاً يدعو بالخير للرجل الذي آوى أسرته وأطعمها حيناً من الزمان(65). ثم أنجاه من بؤسه القائد الرحيم ين وو فعينه أمينا لسره، وغفر له أهواؤه وأطواره




صفحة رقم : 1223




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> دوفو


الشاذة، وأسكنه كوخاً على ضفة "مجرى غاسل الأزهار"، ولم يطلب إليه أكثر من أن يقرض الشعر . وعاش الرجل حينئذ سعيداً طروباً يتغنى بالأمطار والأزهار والقمر والجبال:


وماذا تجدي العبارة أو المقطوعة الشعرية الجميلة؟




إن أمامي جبالاً وغابات كثيفة سوداء فاحمة.




وإن نفسي لتحدثني بأن أبيع تحفي وكتبي




وأعب من الطبيعة وهي صافية عند منبعها...




فإذا قدمت على مكان بهذا الجمال




مشيت رويداً. وتمنيت أن يغرق الجمال روحي.




أحب أن ألمس ريش الطير.




وأنفخ فيه بقوة حتى أكشف عما تحته من الزغب




وأحب أن أعد إبر النبات أيضاً،




بل أحب أن أعد لقاحه الذهبي،




ألا ما أحلى الجلوس على الكلأ،




ولست بحاجة إلى الخمر حين أجلس عليه، لأن الأزهار تسكرني..




أحب الأشجار القديمة حباً يسري في عظامي، وأحب أمواج البحر التي في زرقة اليشب.


وأحبه القائد الطيب القلب حباً أفسد على الشاعر راحته، لأنه رفعه إلى منصب عال في الدولة، إذ جعله رقيباً في شانجان، ثم مات القائد فجأة، وثارت الحرب حول الشاعر، فأمسى وحيداً لا سند له إلا عبقريته، وسرعان ما ألفى نفسه




صفحة رقم : 1224




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> دوفو


فقيراً معدماً، وأخذ أطفاله وقد أذهب عقلهم الجوع يسخرون منه لقلة حيلته، وكان في آخر أيامه شيخاً مهدماً بائساً وحيداً، "يؤذي العين منظره"، وأطاحت الريح بسقف كوخه، وسرق الأطفال قش فراشه، وهو ينظر إليهم ولا يستطيع لضعفه أن يقاومهم(67)، وشر من هذا كله أنه فقد لذة الخمر، ولم يعد في وسعه أن يحل مشاكل الحياة كما يحلها لي بو.
ثم لجأ آخر الأمر إلى الدين ووجد سلواه في البوذية، وعاجلته الشيخوخة ولم يتجاوز التاسعة والخمسين من عمره، فحج إلى جبل هون المقدس ليزور فيه معبداً ذائع الصيت، وهناك عثر عليه حاكم من الحكام قد قرأ شعره، فآواه إلى منزله وأقام وليمة تكريماً له، صُفَّت فيها صحاف الشواء وكؤوس الخمر. ولم يكن ووفو قد رأى ذلك من عدة سنين فأكل أكل الجياع. ثم طلب إليه مضيفه أن ينشد الشعر ويغني، فحاول أن يجيبه إلى ما طلب، ولكنه خارت قواه وسقط على الأرض ومات في اليوم الثاني(68).




صفحة رقم : 1225




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> النثر



الفصل السابع




النثر




وفرة الآداب الصينية - الروايات الغرامية - التاريخ -




زوماتشين - المقالات - هان يو على عظام بوذا


ليس شعراء تانج إلا فئة من شعراء الصين، وليس الشعر إلا جزءاً من الأدب الصيني، وإنه ليصعب علينا أن ندرك حقيقة ما كان في هذا العصر من وفرة في الأدب ومن سعة انتشاره بين كافة طبقات الشعب. وكان عدم وجود قانون للملكية الأدبية عاملاً من العوامل التي ساعدت على رخص أثمان المطبوعات، ولذلك كان من الأمور العادية، قبل دخول الأفكار الغربية في البلاد، أن يجد الإنسان مجموعات جديدة مجلدة من عشرين كتاباً تباع الواحدة منها بريال أمريكي، وأن يرى موسوعات مؤلفة من عشرين مجلداً تباع جديدة بأربعة ريالات، وأن تباع جميع روائع الأدب الصيني القديم كلها بريالين(69). وأصعب مما سبق أن نقدر نحن قيمة هذا الأدب، وذلك لأن الصينيين يضعون الشكل والأسلوب فوق المادة حين يحكمون على كتاب ما، وليس في وسع أية ترجمة مهما بلغت أن تظهر جمال الشكل أو روعة الأسلوب.
ليس من حقنا أن نلوم الصينيين حين يقولون إن آدابهم أرقى من أية آداب أخرى عدى الآداب اليونانية، ولعلهم حين يستثنون آداب اليونان إنما يفعلون هذا من قبيل المجاملات المأثورة عن الشرقيين.
والصينيون لا يعدون القصص فرعاً من فروع الأدب، وهم في هذا يختلفون عن الغربيين حيث يرفع القصص من شأن المؤلفين ويذيع أسمائهم في سرعة وسهولة. ولذلك فإنا قلما نجد له ذكراً في بلاد الصين قبل أن يدخلها المغول(70)




صفحة رقم : 1226




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> النثر


بل إن أدباء الصين لا يزالون إلى هذا اليوم يعدون خير الروايات القصصية مجرد تسلية شعبية غير خليقة بأن تذكر في تاريخ الآداب الصينية. لكن سكان المدن الصينية السذج لا يبالون بهذه الفروق، ويتركون أغاني بو- جوي، ولي بو في غير تحرج، ويفضلون عليها الروايات الغرامية التي لا حصر لها، والتي يكتبها مؤلفون يخفون عن القراء أسماءهم، وينشرونها باللهجات الشعبية التي تكتب بها المسرحيات. وهي تصوّر للصينيين في وضوح ما في ماضيهم من أحداث روائية رائعة؛ ذلك أن جميع الروايات الصينية الشهيرة، إلا القليل النادر منها، روايات تاريخية، وقلّ أن يوجد فيها ما هو واقعي النزعة، وأقلّ منه ما يحاول فيه مؤلفوه ذلك القرب من التحليل النفساني أو الاجتماعي الذي يرقى "بأخوة كرمزوف" The Brothers Karamazov و "الجبل المسحور" The Magic Mountain و "الحرب والسلم" War and Peace و "البائسون" Les Miserables إلى مستوى الأدب الرفيع.
ومن أقدم الروايات الصينية رواية شوي هو جوان أو "قصة حواشي الماء" التي ألفها رهط من الكُتاّب في القرن الرابع .
ومن أكبر هذه الروايات حجماً رواية "هونج لومن" أو حلم الغرفة الحمراء (حوالي 1650 م) وهي رواية في أربعة وعشرين مجلداً؛ ومن أحسنها كلها رواية لياو جاي جبىْ أو قصص عجيبة (حوالي 1660 م) وهي التي يجلها الصينيون لجمال أسلوبها وأناقة عبارتها. وأشهرها كلها رواية ساق جورجي ياق إي أو "رواية الممالك الثلاث" وهي رواية منمقة الأسلوب في ألف صفحة ومائتين كتبها لو جوان - جونج (1260-1241م) في وصف الحرب




صفحة رقم : 1227




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> النثر


والدسائس التي أعقبت سقوط أسرة هان ، وكلها شبيهة بالروايات الطويلة التصويرية التي كانت منتشرة في أوربا في القرن الثامن عشر. وكثيراً ما تجمع هذه الروايات (إذا جاز لنا في مثل هذه الموضوعات أن ننقل إلى القارئ ما يتحدث به الناس عنها) بين تصوير الأخلاق الفكه اللطيف الذي تراه في رواية تم جونز Tom Jones وبين القصص الشائق الذي نراه في جل بلاس Gil Blas. وهي أصلح ما تكون لأن يقرأها الشيوخ الطاعنون في السن ليقطعوا بها أوقات فراغهم.
والتاريخ أجل الآداب شأناً في الصين، وهو كذلك أحبها إلى الصينيين، وليس ثمة أمة ظهر فيها من المؤرخين عدد يوازي ما ظهر منهم في الصين، وما من شك في أنه ليس بين الأمم جميعهاً أمة كتبت في التاريخ بقدر ما كتبت الأمة الصينية. وذلك أن أقدم عصور الملوك كان لها كتابها الرسميون، يسجلون أعمال الملوك وأحداث الأيام؛ ولقد دام منصب مؤرخ البلاط إلى أيامنا هذه، وأوجد في الصين قدراً من الأدب التاريخي لا نرى له مثيلاً في طوله ولا في ملله في جميع بلاد العالم. وحسبنا أن نضرب بعض الأمثلة ليدرك القارئ طول هذه التواريخ. فمنها أربعة وعشون كتاباً في "تواريخ الأسر" وهو تاريخ رسمي نشر في عام 1747م في 219 مجلداً ضخماً(71). وأخذت كتابة التواريخ تخطو خطى سريعة في الصين مبتدئة بالشو - جنج أو "كتاب التاريخ" الذي هذبه كنفوشيوس أحسن تهذيب، وبالدوز - جواق وهو شرح لكتاب المعلم الكبير وإحياء له كتب بعد مائة عام من ذلك الوقت وحوليات كتب الغاب التي وجدت في قبر أحد ملوك ويه، حتى أخرجت في القرن الثاني قبل ميلاد




صفحة رقم : 1228




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> النثر


المسيح أعظم كتب التاريخ الصينية على الإطلاق، وهو كتاب السجل التاريخي الذي جمعه زوماتشين وبذل في جمعه جهوداً جبارة.
ذلك أنه لما خلف زوما أباه في منصب منجم البلاط بدأ عمله بإصلاح التقويم، ثم وجه جهوده للعمل الذي بدأه أبوه وهو رواية تاريخ الصين من عهد الأسرة الأولى الأسطورية إلى العصر الذي كان يعيش فيه. ولم يكن زوما مولعاً بجمال الأسلوب، بل كل ما كان يهدف إليه أن يجعل سجله هذا كاملاً. وقد قسم كتابه هذا خمسة أقسام هي: (1) حوليات الأباطرة، (2) الجداول التاريخية، (3) ثمانية فصول في المراسم، والموسيقى، وموازين النغمات، والتقويم، والتنجيم، والقرابين الإمبراطورية، والمجارى المائية، والاقتصاد السياسي، (4) حوليات أمراء الإقطاع، (5) تراجم عظماء الرجال. ويبلغ طول العهد الذي تُؤرّخ له هذه الكتب كلها نحو ثلاثة آلاف عام، وقد سجلت في 000ر526 متر صيني نقشت بقلم مدبب على ألواح من الغاب في صبر طويل(72). ولما فرغ زوماتشين من وضع كتابه هذا الذي قضى فيه حياته كلها أرسله إلى الإمبراطور وإلى العالم ولم يضف إليه إلا هذه المقدمة المتواضعة:
"لقد وهنت الآن قوة خادمك الجسمية، وضعف بصره وأظلمت عيناه، ولم يبق من أسنانه إلا العدد القليل، وضعفت ذاكرته حتى أصبح ينسى حوادث الساعة حين تدبر عنه، ذلك أن قواه كلها قد استنفدها إخراج هذا الكتاب. وهو لهذا يرجو أن تصفح جلالتكم عن محاولته الجريئة التي تشفع لها نيته الخالصة، وأن تتفضل في لحظات الفراغ بلقاء نظرة قدسية على هذا الكتاب حتى تعرف من أسباب قيام الأسر السابقة وسقوطها سر نجاح هذه الساعة وإخفاقها، فإذا ما استخدمت هذه المعرفة لخير الإمبراطورية، فإن خادمك يكون قد حقق غرضه ومطمعه في الحياة، وإن ثوت عظامه في الينابيع الصفراء" (73).




صفحة رقم : 1229




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> النثر


ولسنا نجد في صفحات كتاب زوماتشين شيئاً من تألق تين Taine، ولا ثرثرة ساحرة أو قصصا طريفة مكتوبة بأسلوب هيرودوت، ولا تعاقبا للعلة و المعلول كما نجدها في توكيديد Thucydides، ولا نظرة واسعة الآفاق في لغة موسيقية كما نجد في ِجبُن Gibbon. ذلك أن التاريخ قلما يرتفع في الصين من صناعة إلى فن.
وقد ظل المؤرخون الصينيون من أيام زوماتشين إلى أيام سميه زوما جوانج الذي حاول بعد أحد عشر قرناً أن يكتب مرة أخرى تاريخاً عاماً للصين، نقول ظل هؤلاء المؤرخون يكدحون ليدونوا في صدق وإخلاص حوادث أسرة حاكمة أو ملك من أسره. وكثيراً ما أضاعوا في هذا العمل كل ما كان لهم من مال، بل إنهم أضاعوا فيه أحياناً حياتهم نفسها؛ وكانوا ينفقون جهودهم كلها في سبيل الحقيقة لا يبغون عنها بديلاً، ولم يدخروا شيئاً من هذه الجهود ينفقونه في جمال الأسلوب، ولعهم كانوا في عملهم هذا على حق، ولعل التاريخ ينبغي أن يكون علماً لا فناً، ولربما كانت حوادث الماضي يعتريها الغموض إذا وصلت إلينا في زينة ِجبُن أو في مواعظ كارليل.
ولم تخل بلادنا نحن أيضا من مؤرخين ثقال، وفي وسعنا أن ننافس أية أمة من الأمم في عدد المجلدات التي خصصت لتسجيل - وجمع - أتفه الأشياء.
أما المقالة الصينية فهي أجمل من التاريخ الصيني وأعظم منه بهجة. ذلك أن الفن فيها غير محرم والفصاحة مطلقة العنان. وأوسع كتاب المقالات شهرة هان يو العظيم الذي يقدر الصينيون كتبه أعظم تقدير، ويجلونها إجلالا بلغ من قدره أنهم يطلبون إلى من يقرؤها أن يغسل يديه بماء الورد قبل أن يمسها.
وكان هان يو وضيع المولد ولكنه وصل إلى أرقى المراتب في خدمة الدولة، ولم يغضب عليه الإمبراطور إلا لأنه احتج احتجاجاً شديداً صريحاً على تسامحه




صفحة رقم : 1230




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> النثر


مع البوذية وما حباها من امتيازات. ذلك أن هان كان يعتقد أن الدين الجديد إن هو إلا خرافة هندية، وقد آلمه أشد الألم، وهو الكنفوشي الصميم، أن يرضى الإمبراطور عن هذا الحلم الموهن الذي أسكر أهل بلاده. ومن أجل هذا رفع مذكرة إلى الإمبراطور (803 ق.م) نقتبس منها هذه السطور لنقدم للقارئ مثلاً من النثر الصيني، وإن كانت الترجمة الأمينة قد شوهته:
"لقد سمع خادمكم أن أوامر صدرت إلى جماعة الكهنة بأن يسيروا إلى فنج - شيانج ليتسلموا عظماً من عظام بوذا، وأن جلالتكم ستشرفون من برج عال على دخوله في القصر الإمبراطوري؛ وأن أوامر أخرى أرسلت إلى الهياكل المختلفة تقضي بأن يحتفل بهذا الأثر الاحتفال الذي يليق به. وقد يكون خادمكم أبله ضعيف العقل، ولكنه يدرك أن جلالتكم لا تفعلون هذا لتنالوا منه نفعاً، بل تفعلونه مسايرة منكم لرغبة الشعب في أن يحتفل بهذا المجون الباطل في عاصمة البلاد، في الوقت الذي بلغ فيه الرخاء غايته، وامتلأت جميع القلوب بهجة وانشراحاً. وإلا فكيف تجيز لكم سامي حكمتكم أن تؤمنوا كما يؤمن عامة الشعب بهذه العقائد السخيفة؟ وعامة الشعب يا مولاي بطيئو الإدراك يسهل التغرير بهم، فإذا رأوا جلالتكم تركعون خاشعين أمام قدمي بوذا صاحوا من فورهم: هاهو ذا ابن السماء مصدر الحكمة قوى الإيمان ببوذا؛ فهل يحق لنا نحن عامة شعبه أن نضن عليه بأجسامنا.
ثم يعقب هذا سفع النواصي وحرق الأصابع؛ وتجمع الناس من كل صوب يمزقون ملابسهم، وينثرون أموالهم، ويقضون وقتهم كله من الصباح إلى المساء يحذون حذو جلالتكم. ونتيجة هذا أن تتملك الشعب كله، صغاره وكباره، هذه الحماسة نفسها فيهمل الناس ما يجب عليهم أن يفعلوه في حياتهم. وتراهم يحجون إلى الهياكل زرافات، يقطعون أيديهم ويشوهون أجسامهم، ليقدموها قرباناً إلى الإله، إلا إذا حرمتم عليهم جلالتكم هذا العمل. وبهذا يقضى على




صفحة رقم : 1231




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> النثر


عادتنا وتقاليدنا، ونصبح مضغة في أفواه الناس وهدفاً لسخريتهم على ظهر الأرض..
ولهذا فإن خادمكم، وقد تجلل بالعار من أفعال الرقباء ، يضرع إلى جلالتكم أن تتركوا هذه العظام طعمة للنار والماء، حتى يجتث هذا الشر من منابته فلا يعود أبداً، وحتى يعرف الشعب أن حكمة جلالتكم أعلى من حكمة عامة الناس. وإذا كان للرب بوذا من القوة ما يستطيع به أن يثأر لنفسه من هذه الإهانة بالكوارث يصبها على رأس من كان سبباً فيها، فليصب جام غضبه على شخص خادمكم، وهو في هذه اللحظة يشهد السماء على أنه لن يحيد عن عقيدته" (74).
وبعد فإذا ما قام النزاع بين التخريف والفلسفة فأكبر الظن أن النصر سيكون حليف التخريف، ذلك بأن العالم قد أوتي من العقل ما يجعله يفضل السعادة على الحكمة، ومن أجل ذلك نفي هان إلى قرية في هوانج - تونج حيث كان الناس لا يزالون همجاً سذجاً. ولم يشك من هذا النفي، بل شرع يهذب الناس ويجعل من نفسه خير قدوة يقتدون بها عملاً بتعاليم كنفوشيوس. وقد بلغ من نجاحه في عمله هذا أن صورته لا تزال يكتب عليها في هذه الأيام تلك الأسطورة "لقد كان ينشر الطهر حيثما مر" (75). ثم استدعي آخر الأمر إلى عاصمة البلاد، وأدى للدولة خدمات جليلة، ومات معززاً مكرماً أعظم الإعزاز والتكريم. وقد نصبت له لوحة تذكارية في هيكل كنفوشيوس - وهو المكان الذي يحتفظ به عادة لأتباع المعلم العظيم أو لكبار شرّاحه - ؛ وذلك لأنه دافع عن العقائد الكنفوشية دفاعاً لم يبال فيه بما يتعرض له من الأخطار، وقاوم عقيدة كانت من قبل صالحة نبيلة ولكنها أصبحت الآن منحطة فاسدة.




صفحة رقم : 1232




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> المسرح



الفصل الثامن




المسرح




منزلته الوضيعة في الصين - منشؤه - المسرحية - النظارة - الممثلون - الموسيقى


ليس من السهل أن نقسم المسرحيات الصينية أقساماً جامعة مانعة، لأن الصينيين لا يقرون أن التمثيل أدب أو فن، وليس للتمثيل في الصين منزلة تتناسب مع ما يتمتع به من انتشار واسع بين طبقات الشعب، وشأنه في هذا شأن كثير من مقومات الحياة. من أجل ذلك لا نكاد نسمع بأسماء كُتاّب المسرحيات، والممثلون ينظر إليهم على أنهم من طبقة منحطة ولو أنفقوا حياتهم كلها في إعداد أنفسهم لهذا العمل والنبوغ فيه، ولو بلغوا فيه أعظم ما يبلغه الإنسان من الشهرة. وما من شك في أن شيئاً من هذا كان من نصيب الممثلين في جميع الحضارات، وبخاصة في العصور الوسطى، حين كان التمثيل يكافح للخروج من دائرة التمثيل الديني الصامت المضحك الذي نشأ منه وتفرع عنه.
وكان هذا بعينه منشأ المسرح الصيني. فلقد كانت الطقوس الدينية في عهد أسرة جو تشمل أنواعاً من الرقص المصحوب بالمخاطر. ويقال أن هذا الرقص قد حرم فيما بعد لأنه أصبح مدعاة للفساد الخلقي، ولعل هذا التحريم الذي فصل الرقص عن المراسم الدينية هو الذي نشأ منه التمثيل غير الديني(76). وشجع منج هوانج قيام هذا النوع المستقل من التمثيل كما شجع كثيراً من الفنون الأخرى، وذلك بأن جمع حوله طائفة من الممثلين والممثلات أطلق عليهم اسم: "فتيان حديقة الكمثرى". غير أن المسرح لم يصبح نظاماً قومياً معترفاً به إلا في عهد كوبلاى خان. ذلك أنه لما اختير كونج دوْفو - وهو من سلالة كنفوشيوس - في عام 1031م ليكون مبعوثاً صينياً إلى البلاط المغولي استقبل فيه باحتفال عظيم شمل فيما




صفحة رقم : 1233




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> المسرح


شمل تمثيل إحدى المسرحيات. بيد أن الماجن في هذه المسرحية كان يمثل كنفوشيوس. ومن أجل هذا خرج كونج دو - فو غاضبا؛ لكنه لما عاد إلى الصين هو وغيره من الرحالة الذين طافوا بلاد المغول، تحدثوا إلى أبناء وطنهم عن ضرب من التمثيل أرقى كثيراً من كل ما عرفته بلادهم منه. ولما أن فتح المغول الصين أدخلوا فيها القصة المقروءة والمسرحية، ولا تزال أرقى المسرحيات الصينية في هذه الأيام هي المسرحيات التي كتبت في أثناء حكم المغول(77).
وتقدم فن التمثيل على مهل، لأنه لم يلق معونة من رجال الدولة ولا من رجال الدين. وكان معظم العاملين فيه ممثلين جوالين، يقيمون طواراً في حقل خال من الزرع ويمثلون ما يشاءون أمام النظارة القرويين الواقفين في العراء.
وكان الحكام الصينيون يستخدمون الممثلين أحياناً لإقامة حفلات تمثيلية خاصة في أثناء المآدب، كما كانت النقابات أحياناً تمثل بعض المسرحيات. وزاد عدد دور التمثيل في أثناء القرن التاسع عشر الميلادي، ولكنها رغم هذه الزيادة لم يكن منها في مدينة نانكنج الكبيرة أكثر من دارين(76)؛ وكانت المسرحية الصينية مزيجاً من التاريخ والشعر والموسيقى، وكانت حبكتها عادة تدور حول حادثة تاريخية روائية، وكان يحدث في بعض الأحيان أن تمثل مشاهد من مسرحيات مختلفة في ليلة واحدة؛ ولم يكن لزمن التمثيل حد محدود، فتارة يكون قصيراً وتارة يدوم عدة أيام، لكنه في أكثر الأحيان كان يمتد نحو ست ساعات أو سبع، وهو الزمن الذي تستغرقه أحسن المسرحيات الأمريكية في هذه الأيام وكان يتخلل المسرحيات كثير من التفاخر والخطب الرنانة، وكثير من العنف في الأقوال والأعمال، ولكن واضع المسرحية كان يبذل غاية جهده ليجعل خاتمتها انتصاراً للفضيلة على الرذيلة؛ ومن أجل ذلك أصبحت المسرحية الصينية أداة للتعليم والإصلاح الأخلاقي، تعلم الشعب شيئاً من تاريخه، وتغرس




صفحة رقم : 1234




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> المسرح


في نفوس أفراده الفضائل الكنفوشية - وأهمها كلها بر الأبناء بالآباء-وكانت تعمل لذلك باطراد ودأب أفسدا عليها غايتها.
وقلما كان المسرح يزين بالمناظر أو الأثاث، ولم يكن له مخرج للممثلين، فكان هؤلاء جميعاً، سواء منهم أصحاب الأدوار وغير أصحابها، يجلسون على المسرح طوال وقت التمثيل ويقفون إذا ما جاء دورهم؛ وكان يحدث في بعض الأحيان أن يقدم الخدم الشاي لهم وهم جالسون؛ وكان غيرهم من الخدم يطوفون بين النظارة يبيعونهم الدخان والشاي والمرطبات، ويقدمون لهم القطائل ليمسحوا بها وجوههم في ليالي الصيف؛ وكان يشربون ويأكلون ويتحدثون حتى تستلفت أنظارهم قطعة من التمثيل جميلة أو عالية الصوت؛ وكثيراً ما كان الممثلون يضطرون إلى الصراخ بأعلى أصواتهم لكي يسمعهم النظارة، وكان في أغلب الأحيان يلبسون أقنعة على وجوههم حتى يسهل على النظارة فهم أدوارهم.
ولما حرّم تشين لونج على النساء أن يظهرن على المسرح كان الرجال يمثلون أدوار النساء، وقد مثلوها تمثيلاً بلغ من إتقانه أن النساء حين سمح لهن في أيامنا هذه بالظهور على المسرح من جديد كان لا بد لهن أن يعملن جاهدات على تقليد مقلديهن حتى يضمنّ النجاح. وكان لا بد للممثلين أن يتقنوا الرقص والألعاب البهلوانية، لأن أدوارهم كثيراً ما كانت تتطلب منهم المهارة في تحريك أعضائهم، ولأن كل حركة من حركات التمثيل كانت تؤدى طبقاً لقواعد من الرشاقة معينة منسجمة مع النغمات الموسيقية التي تعزف في خلال التمثيل؛ وكانت حركات اليدين تستخدم رمزاً للكثير من الأعمال، كما كانت تصحب الكثير من الأقوال، وكان لابد أن تكون هذه الحركات دقيقة متفقة مع العرف والتقاليد القديمة؛ وكان فن تحريك اليدين والجسم عند بعض كبار الممثلين أشباه ماي لانج - فانج يؤلف نصف ما في المسرحية من شعر.
وقصارى القول أن التمثيلية لم تكن كلها رواية مسرحية، ولم تكن كلها




صفحة رقم : 1235




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> المسرح


مسرحية غنائية، ولم تكن في أكثر أدوارها مرقصة، بل كانت مزيجاً من هذا كله تكاد تشبه في صفاتها مسرحيات العصور الوسطى في أوربا، ولكنها كاملة في نوعها كمال الموسيقى البلسترينائية Palestrina أو الزجاج المصبوغ(79).
وقلما كانت الموسيقى فناً قائماً بذاته عند الصينيين بل كانت تعزو منشأ كثير غيرها من الفنون إلى الإمبراطور الأسطوري فوشي. وقد احتوى اللي - جى أو "كتاب المراسم" الذي يرجع عهده إلى ما قبل كنفوشيوس عدة رسائل في الموسيقى وأسماء عدة رسائل فيها، كما احتوى الدزو - جوان الذي كتب بعد مائة عام من أيام كنفوشيوس وصفاً بليغاً للموسيقى التي كانت تصحب غناء قصائد ويه. وما أن حل عهد كونج فو - دزه حتى كان السلم الموسيقى الصيني قد ثبت وتقادم عهده؛ وحتى كانت البدع التي أخذت تتسرب إليه تقض مضاجع الهادئين المحافظين ، وحتى أخذ هذا الحكيم يضج بالشكوى من الأنغام الداعرة الشهوانية التي بدأت في أيامه تحل محل أيام الماضي المتفقة في رأيه مع الفضائل وكرم الأخلاق(80).
ثم شرع النفوذ اليوناني البكتري والنفوذ المغولي يتسربان إلى الموسيقى الصينية حتى تركا آثارهما في السلم الموسيقي الصيني المعروف ببساطته.
وقد عرف الصينيون تقسيم البعد الكلي في الموسيقى إلى اثني عشر نصفاً من أنصاف النغمات، ولكنهم كانوا يؤثرون كتابة موسيقاهم في سلم خماسي يطابق على وجه التقريب نغماتنا F.G.A.D.C وكانوا يطلقون على هذه النغمات الكاملة أسماء "الإمبراطور" و "رئيس الوزراء" و "الرعية" و "شئون الدولة" و "صورة الكون". وكانوا يفهمون التوافق في الألحان، ولكنهم قلما كانوا يعنون به إلا إذا أرادوا ضبط آلاتهم الموسيقية. وكانت هذه الآلات تشمل من آلات النفخ الناي والبوق والمزمار والصفارة، ومن الآلات الوترية




صفحة رقم : 1236




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الشعراء -> المسرح


الكمان الأوسط والمزهر وغيرهما، ومن آلات الدق الدفوف والطبول والأجراس والصنوج. وكانت لهم ألواح موسيقية من اليشب والعقيق(81). وكانت النغمات التي تنبعث من هذه الآلات عجيبة مزعجة لأذن المستمع الغربي، كما تبدو، في ظننا، أحسن الأغاني الغربية عجيبة مزعجة للمستمع الصيني. ولكن هذه النغمات هي التي أثرت في نفس كنفوشيوس فامتنع عن أكل اللحم، وأصبح رجلاً نباتياً، وهي التي جعلت كثيراً من مستمعيها يفرّون من منازعات الحياة واختلاف الأفكار والإرادات، وهو الفرار الذي لا يكون إلا نتيجة الاستسلام إلى الموسيقى الشجية.
ومن أقوال هان يو في هذا: "لقد علم الحكماء الإنسان لكي يقشعوا ما في نفسه من حزن وغم" (82). وكانوا يؤمنون بقول نيتشه: "لولا الموسيقى لكانت الحياة عبثاً لا خير فيه".




صفحة رقم : 1237




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> اشتراكية وانج آن شي



الباب الخامس والعشرون




عصر الفنانين




الفصل الأول




النهضة في عهد أسرة سونج




1- اشتراكية وانج آن - شي




أسرة سونج - رئيس وزراء متطرف - طريقته في علاج التعطل - تنظيم




الصناعة - قوانين الأجور والأثمان - تأميم التجارة - مشروعات الدولة للتأمين




من التعطل والفقر والشيخوخة - المناصب العامة بالامتحان - هزيمة وانج آن - شي


لم تفق أسرة تانج من هزيمتها على يد آن لو- شان وثورته. فقد عجز الأباطرة الذين خلفوا منج هوانج عن إعادة سلطان الإمبراطور إلى سابق عهده في أجزاء الإمبراطورية المختلفة، ثم انقضى عهد تلك الأسرة بعد مائة عام من وهن الشيخوخة، وجاءت بعدها خمس أسر لم يطل عهدها مجتمعة أكثر من ثلاث وخمسين سنة، ولكنها بلا استثناء بلغت من الضعف ما بلغته من قصر الأجل. وكانت البلاد في حاجة إلى يد قوية قاسية لتعيد إليها النظام شأن الدول كلها في مثل هذه الأحوال.وهذا ما حدث فعلا، فقد خرج جندي مقدام من غمار هذه الفوضى وأسس أسرة سونج واستولى على العرش وتسمى باسم تاي- دزو، وأعاد الحكومة إلى ما كانت عليه من البيروقراطية في أيام كنفوشيوس، كما أعاد طريقة تقلد المناصب الحكومية بالامتحانات العامة، وحاول أن يحل مشاكل استغلال الفقراء بوضع نظام للإشراف على حياة الأمة الاقتصادية لا يكاد يختلف




صفحة رقم : 1238




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> اشتراكية وانج آن شي


عن النظام الاشتراكي في شئ، ومستعيناً في هذا الحل بمستشار إمبراطوري خاص يشرف على هذه الشئون.
ويعد وانج آن- شي (1021-1086) من الشخصيات الفذة التي تبعث الحياة والروح في تاريخ الصين الطويل؛ وقد خلد التاريخ ذكره رغم هذا الطول، وإن شخصيته لتبدو لنا ناصعة فذة رغم ما بين بلادنا وبلاده من تناء.
ذلك أن من مساوئ هذا التنائي أن يجعل انفصالنا الطويل عن مسرح الحوادث الأجنبية يطمس معالم الاختلاف في الأماكن وفي أحوال الناس، ويخفى ما بين الناس الشخصيات الشديدة الاختلاف من فروق، ويخلع عليها كلها غشاوة من وحدة المظهر والصفات تجعلها كلها جامدة كليلة. لكن وانج شذّ عن هذه القاعدة، فقد كان حتى في رأي أعدائه- وإن كثرتهم في حد ذاتها لدليل على جلال شأنه- رجلاً يختلف عن سائر الرجال، وهب حياته لإقامة نظام صالح لحكم البلاد، وعمل مخلصا لرفاهية شعبه، غير مبال بما يصيبه في سبيل هذا العمل من نصب وأذى، لا يدخر في ذلك جهداً، ولا يترك لنفسه من الوقت ما يعنى فيه بشخصه أو بملبسه، ولا يقل عن كبار العلماء في أيامه علماً وبراعة في الأسلوب، يحارب في شجاعة جنونية الطائفة الجامدة المتحفظة الغنية صاحبة السلطان القوي في أيامه. وتشاء المصادفات أن يكون الشخص العظيم الوحيد الذي يشبهه في تاريخ بلاده هو سميه وانج مانج الذي عاش قبله بنحو ألف عام- أي أن مجرى التاريخ الصاخب المضطرب قد سار ألف عام كاملة منذ الوقت الذي أجريت فيه أول تجربة بارزة لتحقيق المبادئ الاشتراكية.
وما كاد وانج آن- شي يتولى أكبر منصب في مقدور الإمبراطور أن يوليه إياه، حتى وضع ذلك المبدأ العام وهو أن الحكومة يجب أن تكون مسئولة عن رفاهية جميع السكان البلاد. ومن أقواله في هذا: "يجب أن تسيطر الدولة على جميع شئون التجارة والصناعة والزراعة وتصرفها بنفسها، وأن يكون الهدف




صفحة رقم : 1239




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> اشتراكية وانج آن شي


الذي ترمى إليه من وراء ذلك غوث الطبقات العاملة، وأن تحول بينها وبين أن يذلها الأغنياء ويطحنوها طحن الرحى" (1). وقد بدأ عمله بإلغاء نظام السخرة الذي ظلت الحكومة الصينية تفرضه على الصينيين من أقدم العهود، فكانت تأخذ الناس بمقتضاه من الحقول حين تكون أعمال الزرع أو الحصاد في أشد الحاجة إليهم؛ ومع هذا فإنه أقام أعمالاً هندسية عظيمة لوقاية البلاد من غوائل الفيضان.
ومن أعماله أنه أنقذ الزراع من المرابين الذين كانوا يستعبدونهم، وأقرضهم أموالا بفوائد كانت تعد وقتئذ قليلة ليستعينوا بها على زرع أراضيهم، وأمد الفلاحين بالبذور من غير ثمن، ومنحهم من الأموال ما يعينهم على بناء مساكنهم على شريطة أن يردوا هذه الأموال إلى الدولة من غلات أرضهم. وأنشأ لجاناً في كل مركز من المراكز لتحديد أجور العمال وأثمان ضرورات الحياة.وقد أمم التجارة فكانت الحكومة تبتاع محصول كل إقليم من أقاليم البلاد، وتخزن بعضه في الإقليم ذاته اتقاء للطوارئ المحلية، ثم تنقل ما بقى منه ليباع في مستودعات أقامتها الدولة في سائر أنحاء الإمبراطورية. ثم إنه وضع نظاما لميزانية الدولة، فعين لجنة للميزانية تعرض عليه مقترحاتها وما تقدره من نفقات لكل مصلحة حكومية، وكانت الحكومة تتمسك بهذا التقديرات في إدارة أعمال الدولة، فاقتصدت بذلك كثيرا مما كان يتسرب قبل من الأموال إلى الجيوب الواسعة الخفية التي تعترض طريق كل درهم حكومي. يضاف إلى هذا كله أنه خصص معاشات للشيوخ والمتعطلين والفقراء، وأصلح أساليب التعليم والامتحانات العامة، وابتكر ضروبا من الاختبارات ليعرف بها مقدار ما يعلمه الطلاب من الحقائق لا من الألفاظ، ويستبدل بعناية الناس بالأسلوب الأدبي عنايتهم بتطبيق مبادىء كنفوشيوس على الواجبات العامة والأعمال اليومية. وقلل من اهتمام المعلمين بالشكليات وبالحفظ عن ظهر قلب، وقد أتى على البلاد حين من الدهر




صفحة رقم : 1240




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> اشتراكية وانج آن شي


ألقى فيه "التلاميذ أنفسهم"، كما يقول أحد المؤرخين الصينيين، "في مدارس القرى بكتب البلاغة وأخذوا يدرسون الكتب المبسطة في التاريخ والجغرافية والاقتصاد السياسي" (2).
ترى لم أخفقت التجربة النبيلة؟ لعل من الأسباب الأولى لإخفاقها أن فيها عناصر عملية أكثر منها مثالية. وأولى هذه العناصر أن الضرائب، وإن كان معظمها يجبى من الأغنياء- وذلك يتفق مع مبادئ الاشتراكية التي كان يسير عليها وانج آن -شي- فإن الدولة كانت تحصل على جزء من المال الذي كانت تحتاج إليه لمواجهة نفقاتها الكثيرة المتنوعة باستيلائها على جزء من محاصيل كل حقل من الحقول. وسرعان ما انضم الفقراء إلى الأغنياء في الشكوى من فدح الضرائب، لأن الناس في جميع الأوقات أكثر استعداداً للمطالبة بإلقاء الأعمال على كاهل الحكومة منهم لأداء ما يلزمها للقيام بها.
يضاف إلى هذا أن وانج آن- شي أنقص الجيش العامل لأنه يستنزف جزء كبير من موارد البلاد، ولكنه استعاض عنه بإصدار قانون عام يفرض على كل أسرة فيها من الذكور أكثر من فرد واحد أن تقدم من أبنائها جنديا في وقت الحرب. وأهدى الرجل إلى كثير من الأسر خيلا وعلفا لها، ولكنه اشترط عليها أن تعنى بالخيل العناية الواجبة، وأن تقدمها إلى الحكومة إذا احتاجت إليها في الأعمال العسكرية. فلما أن تبين الناس أن الغزوات والثورات أخذت تزيد من مطالب الحكومة العسكرية فقد وانج آن- شي في أسرع وقت مكانته بين الشعب وحبه إياه. وفوق هذا كله فإنه قد وجد من العسير عليه أن يعثر على الرجال الأشراف الأمناء ليعهد إليهم بالأعمال التي شرع في تنفيذها، وما لبث الفساد أن استشرى في جميع نواحي الإدارة البيروقراطية الضخمة، ووجدت الصين نفسها- كما وجدت نفسها أمم أخرى كثيرة من




صفحة رقم : 1241




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> اشتراكية وانج آن شي


بعد- مرغمة على أن تختار بين اثنتين كلتاهما شر من الأخرى، فإما الانتهاب الفردي وإما الفساد الحكومي.
وقام المحافظون بزعامة أخي وانج نفسه والمؤرخ زوما كوانج ينددون بهذه التجربة الحكومية ويظهرون فسادها؛ ويقولون إن الفساد والعجز المتأصلين في الطبيعة البشرية يجعلان إشراف الحكومة على الصناعات مستحيلا، وإن خير النظم الحكومية هو النظام الذي يدع الأمور تجرى في مجراها، والذي يعتمد على الدوافع الاقتصادية الطبيعية التي تحمل الناس على إنتاج السلع وأداء الخدمات. واستخدم الأغنياء الذين أذاهم ما فرض على أموالهم من ضرائب باهظة واحتكار الحكومة للتجار، استخدم هؤلاء ما لهم من ثروة وقوة في العمل على الحط من شأن النظم التي وضعها وانج آن -شي ومقاومة تنفيذها، والقضاء عليها. وزاد ضغط هذه المعارضة المنظمة أحسن تنظيم على الإمبراطور. وحدث أن تعاقبت على البلاد عدة سنين من الجدب وفيضان الأنهار، اختتمت بظهور مذنب في السماء، فلم ير ابن السماء نفسه بدا من إقصاء وانج عن منصبه، وإلغاء القوانين التي أثارت غضب الشعب، ورفع أعداء وانج إلى مناصب الحكم، وعادت الأمور مرة أخرى إلى ما كانت عليه من قبل(3).




صفحة رقم : 1242




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> إحياء العلوم



2- إحياء العلوم




ازدياد عدد العلماء - الورق والحبر في الصين - خطوات في




سبيل اختراع الطباعة - أقدم كتاب معروف - العملة الورقية -




الحروف المتنقلة - مجموعات الرسائل ، ومعاجم اللغة والموسوعات


لقد كانت حياة الشعب الصيني في هذه الأثناء تجري في مجراها العادي خلال جميع ضروب التجارب والنظم التجارية والنظم الإدارية، لا تضطرب ولا تؤثر فيها الحادثات التي كانت لبعدها لا تصل إلى مسامعه، إلا بعد أن تمر وتنقضي بزمن طويل لقد زال حكم آل سونج في شمالي البلاد ولكنه عاد من جديد في جنوبيها




صفحة رقم : 1243




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> إحياء العلوم


وانتقلت العاصمة من بيان لينج (وهي الآن كايفنح ) إلى لين - آن (هانج تشاو الآن ).
وبدت مظاهر العز والنعمة في العاصمة الجديدة كما كانت في العاصمة القديمة، وأقبل التجار من كل فج ليبتاعوا منتجات الصناعة الصينية والفن الصيني.وضرب الإمبراطور هوى دوزنج نفسه (1101-25) لشعبه أروع الأمثال في بيان - ليانج بأن كان فناناً قبل أن يكون حاكما، فكان في الوقت الذي يهاجم فيه البرابرة عاصمة ملكه يشتغل برسم الصور الفنية. وقد أنشأ مجمعاً للفن بعث النشاط في الفنون بما كان يعرض فيه من روائعها وما يغدقه على الفنانين من جوائز جعلت الفنون أكبر مفاخر أسرة سونج وأجدرها بتخليد ذكراها في سجلات الحضارة الإنسانية.
وقد حوت المتاحف وقتئذ مجموعات موحية من النقوش الفنية على البرنز وأحجار اليشب ومن الصور الزيتية والمخطوطات؛ وأنشئت في البلاد دور الكتب التي بقى بعضها بعد أن زالت أمجاد الحروب، وكانت كلتا العاصمتين الشمالية والجنوبية كعبة يحج إليها العلماء والفنانون.
وفي أيام هذه الأسرة دخلت الطباعة البلاد فأحدثت في حياة الصين الأدبية ثورة كاملة وإن لم يدرك الناس مداها وقتئذ، وكان هذا الفن قد نما شيئاً فشيئاً في خلال القرون الطوال حتى بلغ أوجه في أيام تلك الأسرة، فأتم مرحلتيه الكبيرتين إذ صنعت الألواح المحفورة لتطبع عليها صفحات كاملة،وصُفت الحروف المفككة المفردة، من المعادن المجموعة في القوالب .وكان هذا الاختراع الصيني الخالص(4) أعظم اختراع في تاريخ الجنس البشري بعد الكتابة.
وكانت الخطوة الأولى في هذا الاختراع العظيم هي كشف مادة تكون الكتابة عليها أسهل منها على الحرير أو الغاب الذين قنع بهما الصينيون. ذلك أن الحرير غالي الثمن والغاب ثقيل، وقد احتاج مودى في تجواله إلى ثلاث




صفحة رقم : 1244




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> إحياء العلوم


عربات نقل يحمل عليها معه الكتب المدونة على شرائح الغاب التي كانت أثمن ما يملك من متاع الدنيا.
وكان شي هوانج - دي يضطر إلى مراجعة مائة وعشرون رطلا من الوثائق الحكومية في كل عام(5). فلما كان عام 105 ب.م أبلغ رجل يدعى تساي لون الإمبراطور أنه اخترع مادة للكتابة أقل من الغاب ثمنأً وأخف منه وزناً مصنوعة من لحاء الشجر والقنب الهندي والخرق وشباك السمك. وعين الإمبراطور تساي لون هذا في منصب كبير، ومنحه لقباً رفيعاً، ولكنه تورط مع الإمبراطورة في بعض الدسائس، وافتضح أمره "فذهب إلى منزله، واغتسل ومشط شعره، ولبس أحسن ثيابه، وتجرع السم " (6). وسرعان ما انتشرت الصناعة الجديدة انتشاراً واسع النطاق، وشاهد ذلك أن أقدم ما لدينا من الورق هو ما وجده سير أرول اشتين Sir Aurel Stien في طنف من السور الكبير، وهو مجموعة من الوثائق الرسمية دونت قيها حوادث وقعت فيما بين عامي 21، 137 بعد الميلاد، وأكبر الظن أنها كانت معاصرة لآخر الحوادث التي دونت عليها. ولهذا فإن عهدها يرجع إلى حوالي عام 150 م أي بعد خمسين عاماً لا أكثر من الوقت الذي أبلغ فيه تساي لون الإمبراطور نبأ اختراعه(7). وكان هذا الورق القديم يصنع من الخرق البالية دون غيرها من المواد، فهو من هذه الناحية شبيه بما يصنع في هذه الأيام من ورق يحتاج فيه إلى طول البقاء. واستطاع الصينيون أن يرتقوا بصناعه الورق إلى أعلى درجة وذلك باستخدام مادة ماسكة من الغراء أو الجلاتين مخلوطة بعجينة نشوية ليقووا بها الألياف، وليجعلوا الورق سريع الامتصاص للحبر. ولما أن أخذ العرب عن الصينيين هذه الصناعة في القرن الثامن الميلادي، ثم أخذتها أوربا عن العرب في القرن الثالث عشر، كانت قد بلغت غاية الكمال.
وكان اختراع الحبر أيضاً في بلاد الشرق. نعم إن المصريين قد صنعوا الورق




صفحة رقم : 1245




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> إحياء العلوم


والحبر في العهد الذي نستطيع أن نسميه أقدم العهود، ولكن الصين هي التي أخذت عنها أوربا طريقة خلط الحبر بسناج المصابيح. ولقد كانت "الحبر الهندي" صيني الأصل. وكذلك كان الحبر الأحمر المصنوع من كبريتور الزئبق شائع الاستعمال في الصين من أيام أسرة هان. فلما ظهر الحبر الأسود في القرن الرابع الميلادي أصبح استعمال الحبر الأحمر ميزة خاصة بالأباطرة. وكان اختراع الحبر الأسود من العوامل المشجعة على انتشار الطباعة، لأنه كان أصلح المواد للاستعمال في القوالب الخشبية، ويمتاز بأن الكتابة به لا تكاد تمحى مطلقاً. فلقد وجدت أكداس من الورق في آسية الوسطى ظلت تحت الماء حتى عطنت ولكن ما عليها من الكتابة ظل واضحاً تستطيع قراءته(9).
وكان استخدام الأختام في مهر الأوراق هو البداية غير المقصودة التي نشأت عنها الطباعة. ولا يزال اللفظ الصيني الذي يطلق على الطباعة هو نفسه الذي يطلق على الخاتم. وكانت الأختام الصينية تطبع في بادئ الأمر على الطين كما كانت تطبع عليه في بلاد الشرق الأدنى. ثم أخذوا في القرن الخامس الميلادي يُنَدُّونها بالحبر. وفي هذه الأثناء كانت أمهات الكتب الصينية القديمة تحفر على الحجر في القرن الثامن بعد الميلاد، وسرعان ما نشأت بعدئذ عادة استخراج صور من هذه النقوش المحفورة بعد طلاءها بالحبر. وفي القرن السادس نجد الدَّوَّيين يستعملون أختاما من الخشب لطبع الرقى السحرية، وبعد مائة عام من ذلك الوقت أخذ المبشرون البوذيون يجرون التجارب بقصد استخراج عدة نسخ مطبوعة باستخدام أختام وألواح وورق نضاح وطباعة على المنسوجات، وقد أخذوا هذا النوع الأخير عن الهنود. وأقدم ما وصل إلينا من الطباعة على لوح محفور ألف ألف رقية سحرية طبعت في اليابان حوالي عام 770م مكتوبة بالغة السنسكريتية وبحروف صينية، فهي بذلك مثل طيب لتفاعل الحضارات في بلاد آسية. وطبعت أشياء أخرى كثيرة من القوالب (الكليشهات) في هذه أيام أسرة تانج، ولكن يلوح




صفحة رقم : 1246




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> إحياء العلوم


أنها قد تلفت أو فقدت في أثناء الفوضى والقلاقل التي أعقبت عهد منج هوانج(10).
وحدث في عام 1907 أن استطاع سي أرول اشتين أن يقنع الكهنة الدويين في بلاد التركستان بأن يسمحوا له بفحص "كهوف الألف بوذا" التي في تون- هوانج. فلما تم له ذلك عثر في حجرة منها -يلوح أنها قد سد مدخلها حوالي عام 1035 م ولم تنفح بعدئذ إلا في عام 1900- على 1130 إضمامة من الأوراق تشتمل كل منها على نحو اثني عشر ملفاً مخطوطاً أو أكثر من اثني عشر ،تتكون منها كلها مكتبة من خمسة عشر ألف كتاب، مكتوب على الورق، قد حفظت بعناية فبقيت في حالة جيدة كأنها لم تكتب إلا قبل العثور عليها بيوم واحد. وهذه المخطوطات هي التي عثر من بينها على أقدم كتاب مطبوع في العالم -كتاب "الحكم الماسية"- وهو ملف يختتم بالعبارة الآتية "طبعه في (اليوم المقابل لليوم) الحادي عشر من شهر مايو سنة 868 وانج - جيه، ليوزع بغير ثمن تخليداً لذكرى والديه وإجلالا لهما". ووجدت بين هذه المخطوطات ثلاثة كتب أخرى مطبوعة، يدل واحد منها على تطور جديد في شكل الكتب. ذلك أنه لم يكن ملفا ككتاب "الحكم القاسي" بل كان كتاباً صغيراً مطويا هو أول ما عرف من هذا النوع من الكتب التي لا يحصى عديدها.
وقد كان الباعث الأول على اختراع الطباعة في بلاد الصين باعثاً دينياً، كما كانت الحال في أوربا في العصور الوسطى المتأخرة، وكما هي الحال بين بعض الشعوب البدائية في الوقت الحاضر. ذلك أن الأديان في ذلك الزمن القديم كانت تسعى لنشر عقائدها من طريق العين ومن طريق الأذن معا، ولجعل صلواتها ورقاها وأقاصيصها في متناول كل إنسان. وتكاد أوراق اللعب أن تعادل هذه المطبوعات الدينية في قدم العهد- فقد ظهرت هذه الأوراق في الصين في عام 969 أو قبل ذلك العام بقليل، ثم انتقلت من الصين إلى أوربا في أواخر القرن الرابع عشر(12).




صفحة رقم : 1247




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> إحياء العلوم


وقد طبعت الكتب الأولى على قوالب خشبية، وأول ما وصل إلينا من نبأ عن هذا العمل ما ورد في رسالة صينية كتبت حوالي 870 م. فقد جاء فيها: "حدث وأنا في سشوان أن فحصت في حانوت وراق كتاباً مدرسياً مطبوعاً عن أصل خشبي" (13). ويلوح أن فن الطباعة كان قد تقدم تقدما كبيراً في الوقت الذي عثر فيه على هذا الخطاب. ومن الظريف أن نلاحظ أن هذا التقدم حدث أولا في الولايات الغربية مثل سشوان والتركستان- وهي الولايات التي دفعها في تيار المدينة المبشرون البوذيون الذين جاءوا من الهند والذين كانت لهم من عهد بعيد ثقافة خاصة مستقلة عن ثقافة العواصم الشرقية. ثم دخلت طريقة الطبع بالقوالب إلى الولايات الشرقية في أوائل القرن العاشر حين أقنع فنج - دو أحد رؤساء الوزارات الإمبراطور أن يخصص بعض المال لطبع أمهات الكتب الصينية القديمة. وتطلب القيام بهذا العمل عشرين عاما، وكان مقدار ما طبع منها مائة وثلاثين مجلداً، وذلك لأن المطبوع لم يكن مقصورا على نصوص هذه الكتب بل شمل أيضاً أشهر شروحها. ولما أن تم طبع هذه الكتب انتشرت في البلاد انتشاراً واسعاً كان سبباً في إحياء المعارف القديمة وتقوية دعائم العقائد الكنفوشية في عهد الملوك من أسرة سونج.
وكان صنع الأوراق النقدية من أقدم ما أخرجته الطباعة بالقوالب. وقد ظهرت هذه الأوراق أولا في سشوان في القرن العاشر الميلادي ثم أصبحت عملا هاما من أعمال الحكومة الصينية؛ ولم يكد يمضى على اختراعها قرن من الزمان حتى أدت إلى تجارب في التضخم المالي، واتبعت بلاد في عام 1294 م هذه الطريقة الجديدة من طرق خلق الثروة. وقد وصف ماركو بولو في عام 1297 في دهشة بالغة ما يظهره الصينيون من تقدير لهذه القصاصات من الورق. أما أوربا فلم تعرف النقود الورقية إلا في عام 1656 حين أصدرت أولى عملتها منها(14).




صفحة رقم : 1248




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> إحياء العلوم


كذلك كانت حروف الطباعة المنفصلة المنتقلة من اختراع الصينيين، ولكن عدم وجود حروف هجائية محددة محصورة من جهة، ووجود نحو 000ر40 من العلامات في اللغة الصينية المكتوبة من جهة أخرى، جعلا استعمال هذا الاختراع ترفاً يتعذر الانتفاع به في بلاد الشرق الأقصى. وقد صنع بى شنج حروف الطباعة المنفصلة المنتقلة من الخزف في عام 1041 م، ولكن هذا الاختراع لم ينتفع به إلا قليلا. وفي عام 1403 صنع أهل كوريا أول ما عرف في التاريخ من حروف الطباعة المعدنية؛ وكانت طريقة صنعها أن تحفر الحروف أولا على الخشب الصلب، ثم تصنع لهذه النماذج قوالب من عجين الخزف تجفف في الأفران، ثم تصب فيها الحروف المعدنية بعدئذ. وسرعان ما استخدم تاي دزونج أعظم أباطرة كوريا هذا الاختراع لتستعين به الحكومة في أعمالها، وللاحتفاظ بالضارة القائمة. ومن أقوال هذا المليك المستنير: "من شاء أن يحكم فعليه أن يكون ذا علم واسع بالقوانين وبالآداب القديمة؛ ذلك بأنه إذا عرف هذه القوانين والآداب استطاع أن يكون عادلا مستقيما في أعماله الخارجية وأمكنه أن يكون بينه وبين نفسه ذا خلق كريم؛ وبهذا ينتشر السلام والنظام في البلاد. وإذ كانت بلادنا الشرقية تقع وراء البحار، فإن الكتب التي تصلنا من بلاد الصين قليلة العدد، وكثيراً ما تكون الكتب المطبوعة على القوالب ناقصة.
"هذا إلى أنه يتعذر طبع كل ما لدينا من الكتب كاملة. ولهذا آمر أن تصنع الحروف من البرنز، وأن يطبع كل ما تستطيع يداي أن تصل إليه بلا استثناء حتى ينتقل ما تحتويه هذه الكتب إلى أحفادنا من بعدنا، وتلك نعمه من أجل النعم التي تعود على البلاد إلى أبد الدهر. على أن نفقات هذا العمل الجليل لن تفرض ضرائب على الشعب، بل سأتحملها أنا وأسرتي ومن يريد أن يساهم فيها من الوزراء" (15).




صفحة رقم : 1249




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> إحياء العلوم


وانتشرت حروف الطباعة المفردة المنتقلة من كوريا إلى اليابان ثم عادت بعدئذ إلى الصين، ولكن يظهر أنها لم تعد إليها إلا بعد اختراع جوتنبرج Gutenberg الضئيل في أوربا. واستمر الكوريين يستخدمون حروف الطباعة المنتقلة قرنين كاملين ثم عفا عليها الزمان. أما في الصين فإن هذه الحروف لم تكن تستخدم إلا في أوقات متفرقة، حتى نقل التجار والمبشرين أساليب الطباعة الغربية إلى بلاد الشرق، كمن يعيد هدية قديمة إلى مهديها. وظل الصينيون من أيام فنج دو إلى أيام لي هونج - جانج مستمسكين بطريق الطباعة على القوالب لأنهم كانوا يرونها أكثر الطرق ملاءمة للغتهم. واستطاعت المطابع الصينية رغم هذا القصور أن تغمر الشعب بما لا يحصى من الكتب، فأصدرت فيما بين عامي 994، 1063 م مئات من المجلدات في تواريخ الأسر الحاكمة، كما أتمت في عام 972 إصدار قوانين الشريعة البوذية في خمسة آلاف مجلد(16). ذلك أن الكتاب وجدوا في يدهم سلاحا لم بكن لهم به عهد من قبل، وكثير عدد من يقرأ كتبهم فلم يعد مقصوراً على أعيان البلاد، بل شمل الأعيان والطبقة الوسطى على السواء وشمل كذلك بعض أفراد الطبقة الدنيا نفسها. واصطبغ الأدب بصبغة أكثر ديمقراطية وأكثر تباينا مما كان عليه من قبل. وجملة القول أن فن الطباعة بالقوالب كان من أسباب النهضة العلمية في عهد أسرة سونج.
وكان من نتائج هذا الاختراع المجيد أن غمر البلاد فيض من الأدب لم يكن له مثيل من قبل، وأن عمت البلاد نهضة في الآداب الإنسانية شملت كل ما شملته النهضة في إيطاليا وسبقتها بمائتي عام كاملة. وطبعت من الآثار الأدبية القديمة نحو مائة طبعة، كما طبعت لها شروح وتعليقات تبلغ الألف عدّا. وأجاد المؤرخون العلماء دراسة الحياة الصينية في الأيام الخالية، ووضعوها بين أيدي ملايين القراء مطبوعة بحروف الطباعة الجديدة العجيبة. ونشرت مجموعات كبيرة من الأعمال الأدبية، ووضعت معاجم لغوية واسعة وألفت موسوعات ضخمة




صفحة رقم : 1250




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> إحياء العلوم


جبارة انتشرت في طول البلاد وعرضها. وكانت أولى ما صدر من الموسوعات ذات الشأن هي الموسوعة التي أصدرها ووشو (947-1002)؛ وقد حالت الصعاب الناشئة من عدم وجود حروف هجائية سهلة دون إصدارها مرتبة ترتيباً هجائيا، فاضطر إلى تقسيمها حسب الموضوعات. وكان أهم ما احتوته من المعلومات ما يتصل منها بالعالم المادي.
وفي عام 977 أمر الإمبراطور تاي دزونج أحد أباطرة أسرة سونج أن تجمع موسوعة أخرى أوسع من الأولى، بلغت مجلداتها اثنين وثمانين مجلداً، معظمها مختارات من 1690 كتاباً كانت موجودة قبل ذلك الوقت. ثم وضعت موسوعة أخرى فيما بعد في عهد الإمبراطور يونج لو من أباطرة أسرة منج (1403-1425)، وبلغت مجلداتها عشرة آلاف، ولكن كثرة النفقات حالت دون طبعها. وحدث في فتنة الملاكمين التي قامت في عام 1900 أن احترقت النسخة الوحيدة التي أورثتها ذلك العهد الأجيال التالية فلم يبق منها إلا مائة وستون مجلداً(17). إن التاريخ لم يشهد قبل تلك الأيام عهداً سيطر فيه العلماء على الحضارة كما سيطروا عليها في ذلك العهد.




صفحة رقم : 1251




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> بعث الفلسفة



3- بعث الفلسفة




جو- شي - وانج يانج - منج - ما وراء الخير والشر


لم يكن هؤلاء العلماء كلهم من أتباع كنفوشيوس، ذلك أن مدراس فكرية منافسة لمدرسته قد نشأت في خلال الخمسة عشر قرناً الخالية، وحدثت في الحياة العقلية لهذا الشعب الخصيب حركات قوية أثارت لديه أعنف الجدل حول هذه الآراء والآراء المناهضة لها. ولم تقف المبادئ البوذية التي تسربت إلى نفوس الصينيين عند عامة الشعب وطبقاته الوسطى، بل وصلت إلى الفلاسفة أنفسهم، فآثر معظمهم الآن طريقة العزلة والتأمل، وبلغ من بعضهم أن احتقروا




صفحة رقم : 1252




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> بعث الفلسفة


كنفوشيوس لاحتقاره الفلسفة ما وراء الطبيعة، ونبذوا الطريقة التي كان يتبعها في معالجة مشاكل الحياة والعقل، وعابوا عليها أنها طريقة خارجية فجة إلى حد كبير، وأضحت طريقة التأمل الذاتي هي الطريقة المستحبة في دراسة الكون والكشف عن خفاياه، وظهرت لأول مرة نظرية فلسفة المعرفة بين الصينيين، وصار الأباطرة يتخذون الفلسفة البوذية أو الدوَّية وسيلة يتحببون بها إلى الشعب أو يسيطرون بها عليه، ولاح في وقت من الأوقات أن سلطان كنفوشيوس على العقلية الصينية قد انقضى عهده إلى غير رجعة.
لكن جوشي أنجاه من هذا المصير. وكما أن شنكارا قد طعم الفلسفة العقلية التي سادت الهند خلال القرن الثامن عشر الميلادي بما كان للأبانيشاد أحياناً من فراسة وبُعد نظر؛ وكما أن أكويناس Aquinas في أوربا قد مزج في القرن الثالث عشر مبادئ أرسطو والقديس بولس فأخرج منها الفلسفة الكلامية التي كانت لها الغلبة والسيادة خلال العصور الوسطى، كذلك فعل جوشي في الصين في القرن الثاني عشر، إذ أخذ حكِم كنفوشيوس المتفرقة غير متماسكة، وأقام منها طريقة فلسفية بلغت من النظام حدا أرضى ذوق هذا العصر الذي ساد فيه العلماء وبلغت من القوة درجة جعلت أتباع كنفوشيوس يتزعمون الحياة السياسية والعقلية في الصين طوال سبعة قرون.
وكان أهم ما ثار حوله الجدل الفلسفي في ذلك الوقت معنى فقرة في كتاب العلم العظيم يعزوها كل من جوشي ومعارضيه إلى كنفوشيوس، فكان المتجادلون يتساءلون: ما معنى هذا المطلب العجيب القائل بأن نظام الدول يجب أن يقوم على تنظيم أحوال الأسرة، وأن يقوم تنظيم الأسرة على تهذيب الإنسان لنفسه، وأن تهذيب النفس يقف على الإخلاص في




صفحة رقم : 1253




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> بعث الفلسفة


التفكير، وأن الإخلاص في التفكير ينشأ من "انتشار المعرفة إلى أبعد حد" وذلك عن طريق "البحث عن حقائق الأشياء؟".
وكان جواب جوشي عن ذلك أن هذه الفقرة تعني بالضبط ما يفهم من ألفاظها؛ تعني أن الفلسفة والأخلاق وسياسة الحكم يجب أن تبدأ كلها بدراسة الحقائق دراسة متواضعة. وكان يقبل بلا معارضة أو مناقشة النزعة الإيجابية التي اتصف بها المعلم الأكبر؛ ومع أنه كان يجهد نفسه في دراسة علم أصول الكائنات الحية دراسة أطول مما كان يرتضيه كنفوشيوس لو أنه كان حيا، فقد أوصله هذا الدرس إلى أن يمتزج الإلحاد بالتقوى مزجاً غريباً لعله كان يعجب حكيم شانتونج. وكان جوشي يعترف بوجود شيء من الاثنينية المتناقضة في الحقائق الواقعية كما كان يعترف بها كتاب التغيرات الذي كانت له على الدوام السيطرة على علم ما وراء الطبيعة عند الصينيين؛ فهو يرى أن اليانج والين- أي الفاعلية والانفعالية، أو الحركة والسكون - يمتزجان في كل مكان امتزاج الذكورة والأنوثة، ويؤثران في العناصر الخمسة الأساسية: الماء والنار والتراب والمعادن والخشب ليوجدا منها ظواهر الخلق؛ وأن اللي والجي- أي القانون والمادة - وكلاهما عنصر خارجي، ويتعاونان معاً للتحكم في جميع الأشياء واكتسابها صورها. ولكن من فوق هذه الصور شئ يجمعها ويؤلف بينهما، وهو التاجي- أي الحقيقة المطلقة أو قانون القوانين غير البشرى، أو بناء العالم. جوشي يقول: إن هذه الحقيقة المطلقة هي التين أو السماء الذي تقول به الكنفوشية الصادقة. وكان يرى أن الله هو عملية عقلية في الكون منزه عن الشخصية أو الصور المحسوسة، وأن "الطبيعة إن هي إلا القانون" (18).
ويقول جو أن قانون الكون السالف الذكر هو أيضاً قانون الأخلاق والسياسة. فالأخلاق الفاضلة هي الانسجام مع قوانين الطبيعة، وخير أنواع السياسة هو تطبيق قوانين الأخلاق على أعمال الدولة، والطبيعة في كل معانيها




صفحة رقم : 1254




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> بعث الفلسفة


تنتهي إلى الخير، وطبيعة الناس خيرة، واتباع سنن الطبيعة هو سر الحكمة والسلام. "وقد أبى جواما وشو أن يقتلع الأعشاب التي كانت أمام نافذة بيته وقال إن ما يدفعها إلى النماء هو بعينه الذي يدفعني" (19). ولربما ظن القارئ من هذه الأقوال أن جوشي كان يرى أن الغرائز هي الأخرى طيبة صالحة وأن على الإنسان أن يطلق لها العنان. ولكنه لم ير هذا بل كان يندد بها ويقول إنها هي المظهر الخارجي للمادة "جي" ويطلب بإخضاعها لحكم العقل والقانون "لي" (20). وقد يكون في هذا شئ من التناقض ولكن الإنسان لا يستطيع أن يكون عالماً أخلاقيا ومنطقيا معاً.
لقد كان في هذه الفلسفة كثير من الناقض، ولكن هذا التناقض رغم كثرته لم يثر ثائرة كبير معارضيها وهو وانج يانج - منج صاحب الشخصية الظريفة الفذة. ذلك أن وانج لم يكن فيلسوفاً فحسب بل كان إلى جانب ذلك قديساً تملكته نزعة التأمل التي اتصفت بها البوذية المهايانية ، وسرت عاداتها إلى أعماق نفسه. وقد بدا له أن غلطة جوشي الأساسية ليست فيما يقوله عن الأخلاق بل في طريقته، ولقد كان يرى أن البحث عن حقائق الأشياء يجب ألا يبدأ بدراسة العلم الخارجي بل بما هو أعمق من هذا العالم وأكثر منه إظهاراً للحقائق وهو دراسة النفس الداخلية كما يقول الهنود. ذلك أن العلوم الطبيعية في بلاد العلم كلها إذا اجتمعت لا تستطيع أن تفسر حقيقة غصن خيزران أو حبة أرز، وفي هذا يقول:
قلت لصديقي تشين في السنين الخالية: "إذا كان لابد للإنسان أن يبحث كل ما تحت قبة السماء لكي يكون حكيما أو إنساناً فاضلا، فكيف يستطيع إنسان في الوقت الحضر أن يستحوذ على هذه القدرة العظيمة؟" ثم أشرت إلى أعواد الخيزران التي أمام خيمتي وطلبت إليه أن يفحص عنها ويرى




صفحة رقم : 1255




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> بعث الفلسفة


نتيجة فحصه. فواصل تشين نهاره بليله يبحث في عناصر الخيزران، وأضنى عقله وتفكيره بهذا البحث ثلاث أيام كاملة، حتى نضب معين جهوده العقلية وسئم العمل. وظننت في بادئ الأمر أن منشأ عجزه أن جهوده وقواه لم تكن كافية لهذا العمل، فأخذت أنا على عاتقي أن أقوم بهذا البحث، وقضيت فيه ليلى ونهاري ولكني عجزت عن فهم كنه الخيزران. وبعد أن واصلت العمل سبعة أيام انتابني المرض أنا أيضاً من فرط ما أجهدت نفسي وفكري؛ فلما التقينا بعدئذ قال كلانا لصاحبه في حسرة: "إنا لا نستطيع أن نكون حكيمين أو فاضلين" (21).
ومن أجل هذا تخلى وانج يانج - منج عن بحث طبيعة الأشياء، بل تخلى أيضاً عن دراسة أمهات الكتاب القديمة، فقد بدا له أن قراءة الإنسان قلبه وعقله وتأملها في عزلته يهيئان له من أسباب الحكمة أكثر مما تهيئه له دراسة جميع الكتب والأشياء المادية" (22). ولما نفي إلى برية جبلية يسكنها أقوام همج وتنتشر فيها الأفاعي السامة اتخذ له من المجرمين الذين فروا إلى هذه الأصقاع أصدقاء وأتباعاً، وعلمهم الفلسفة وطهي لهم طعامهم وأنشد لهم الأناشيد. وفي ذات مرة، بينما هو قائم بالحراسة في منتصف الليل، قفز من كوخه على حين غفلة وصاح قائلا: "لاشك في أن طبيعتي وحدها كافية. ولقد أخطأت حين أخذت أبحث عن مبادئ في الأشياء المادية وفي شئون الخلق". ولم يكن رفاقه واثقين من أنهم يدركون ما يرمي إليه ؛ ولكنه لم يلبث أن أرشدهم إلى الغاية المثالية التي كان يرمي إليها فقال: "إن العقل نفسه لينطوي على القانون الطبيعي، وهل في الكون شئ يوجد مستقلا عن العقل؟ وهل ثمة قانون لا صلة له بالعقل؟" (23) ولم يستدل من هذا على أن الله مكن تصوير الخيال، بل كان يعتقد أنه قوة أخلاقية غامضة ولكنها قادرة على كل شئ، وأنها أعظم من أن تكون إنساناً فحسب، ولكنها قادرة على أن تحسن بالعطف والغضب على الخلق(24).




صفحة رقم : 1256




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> بعث الفلسفة


ومن هذه البداية المثالية وصل إلى المبادئ الأخلاقية التي وصل إليها جوشي والقائلة أن الطبيعة هي الخير الأسمى، وأن الفضيلة الكبرى إنما تكون بإطاعة قوانين الطبيعة والعمل بها كاملة(25). ولما قيل له إن في الطبيعة أفاعي كما فيها فلاسفة أجاب إجابة فيها أثر من فلسفة أكويناس وسبنوزا Spinoza ونيتشة فقال إن "الخير" و "الشر" إن هما إلا رأيان مبتسران ولفظان تسمى بهما الأشياء حسب ما فيها من نفع أو أذى للفرد أو لبني الإنسان. وكان يعلم أتباعه أن الطبيعة نفسها فوق الخير والشر لا تعرف ما نطلقه نحن عليها من أسماء مبعثها الأنانية وقد نقل عنه أحد تلاميذه، أو لعله وضع من عنده، حواراً كان في مقدوره أن يعنونه: ما وراء الخير والشر.
ثم قال بعد ذلك بقليل: "إن منشأ هذه النظرة إلى الخير والشر في الجسم نفسه وأكبر الظن أنها نظرة خاطئة". ولم أستطع فهم هذا فقال المعلم: "إن الغرض الذي تهدف إليه السماء من وراء عملية الخلق ليتمثل في الأزهار والحشائش، فهل لدينا طريقة نفرق بها بينها فنقول إن هذه خير وتلك شر؟ فإن كنت أنت أيها الطالب يسرك أن ترى الأزهار قلت إن الأزهار حسنة والحشائش رديئة، أما إن كنت ترغب في أن تنتفع بالحشائش فإنك ترى فيها الخير كل الخير؛ وهذا النوع من الخير أو الشر إنما ينشأ مما هو كامن في عقلك من حب هذا الشيء أو كرهه، ومن هذا أعرف أنك مخطئ".
فقلت له: "إن الاطمئنان الناشئ من سيطرة القانون الطبيعي لهو حالة لا يكون ثمة خير أو شر، فهل هذا صحيح؟" فأجاب المعلم: "إن الاطمئنان الناشئ من سيطرة القانون الطبيعي لهو حالة لا يفرق فيها بين الخير والشر، على حين أن استشارة الطبيعة العاطفية هي الحالة التي يوجد فيها الخير والشر كلاهما. فإذا لم تثر تلك الطبيعة العاطفية لم يكن ثمة خير أو شر، وهذا هو الذي يطلق عليه اسم الخير الأسمى....."




صفحة رقم : 1257




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> النهضة في عهد أسرة سونج -> بعث الفلسفة


فقلت: "وإذن فالخير والشر لا يوجدان قط في الأشياء نفسها؟" فقال: "إنهما لا يوجدان إلا في عقلك".
ولقد كان من الخير أن يضرب وانج وأن تضرب البوذية على هذه النغمة، نغمة ما وراء الطبيعة المثالية، في أبهاء الكنفوشيين الصادقين والمتأنقين؛ ونقول المتأنقين لأن هؤلاء العلماء كانوا مفتونين بعض الافتنان بحكمتهم، وأنهم أضحوا يؤلفون فيما بينهم بيروقراطية ذهنية متعبة مملة معادية لكل روح مبدعة معرضة للخطأ، وإن كانت نظرتهم إلى الطبيعة البشرية وإلى الأداة الحكومية أصدق ما تصوره الفلسفة من نظرات، وأكثرها عدالة. وإذا كان أتباع جوشي قد كتب لهم النصر على معارضيهم في آخر الأمر، وإذا كانت اللوحة التذكارية التي نقش عليها اسمه قد حظيت بشرف وضعها في البهو الذي وضعت فيه لوحة المعلم نفسه (كنفوشيوس)، وإذا كان شرحه لأمهات الكتب الصينية قد أصبح هو القانون الذي يرجع إليه كل تفكير سليم مدى سبعمائة عام، إذا كان هذا وذاك قد حدث فإن حدوثه كان نصراً مؤزراً للعقلية السليمة البسيطة غير المعقدة على التحذلق المزعج الذي كان يعمد إليه أصحاب العقول الميتافيزيقية.
ولكن الأمة الفذة قد تفرط في الحساسية، وقد تكون عاقلة رزينة فوق ما يجب، وقد تسرف في الاستمساك بالحق والصواب إسرافاً لا يطاق. ولقد كان انتصار جوشي والكنفوشية هذا الانتصار الكامل من الأسباب التي جعلت ثورة الصين ضرورة لا بد منها.




صفحة رقم : 1258




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب



الفصل الثاني




البرنز واللَّك واليَشْب




منزلة الفن في الصين - المنسوجات - الأثاث - الحلي - المراوح -




صنع اللك - قطع حجر اليشب - روائع فنية في البرنز - النحت الصيني


طلب الحكمة والهيام بالجمال هما قطب العقل الصيني، وفي استطاعتنا أن نعرف بلاد الصين بأنها بلاد الفلسفة والخزف، وإن لم يكن هذا التعريف جامعاً مانعاً. وكما أن طلب الحكمة لم يكن معناه في بلاد الصين الجري وراء أخيلة ميتافيزيقية لا علاقة لها بالحياة، بل كان فلسفة إيجابية تهدف إلى ترقية الفرد والنظام الاجتماعي، فكذلك لم يكن عشق الجمال إحساساً به كامناً في النفس أو هواية خاوية للأشكال الفنية التي لا صلة لها بالشئون الإنسانية، بل كان تزاوجاً أرضيا وثيقاً بين الجمال والمنفعة، وتصميما عملياً لتزيين موضوعات الحياة اليومية وأدواتها.
ومن أجل ذلك ظلت الصين، إلى الوقت الذي أخذت فيه تخضع مثلها العليا لتأثير الغرب، تأبى أن تعترف بوجود فرق ما بين الفنان والصانع أو بين هذا و بين العامل العادي. ولقد كانت الصناعات كلها إلا القليل منها من عمل الأيدي البشرية، وكان كل ما تعمله الأيدي منها حِرفاً متقنة؛ وكانت الصناعة كما كان الفن تعبيراً عن شخصية الصانع بالشيء المصنوع، ولذلك بزت الصين كل ما عداها من البلاد في الذوق الفني وفي كثرة ما لديها من الأدوات الجميلة التي تستخدمها في حياتها اليومية، وإن لم تمد أهلها عن طريق الصناعات الكبيرة بالسلع التي تنعم بها كثرة الناس في البلاد الغريبة. فقد كان الصيني المتوسط الثراء يتطلب أن يكون كل ما يحيط به، من الحروف التي يكتب بها إلى




صفحة رقم : 1259




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب


الصحاف التي يأكل فيها، مما يشجع حاسة الجمال، وأن يدل بشكله وصنعه على الحضارة الناضجة الذي هو رمز لها وقطعة منها.
وبلغت هذه الحركة التي ترمي إلى تجميل الجسم والمعبد والمسكن غايتها في عهد أسرة سونج. لقد كانت هذه الحركة عنصراً من عناصر الحياة في عصر أسرة تانج، وكان من شأنها أن تستمر وتنتشر في عهد الأسر التي أعقبتها؛ ولكن عهد




صفحة رقم : 1260




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب


النظام والرخاء الطويل الذي عم البلاد تلك الأسرة قد أمد الفنون كلها بحاجتها من الغذاء، وخلع على الحياة الصينية جمالا وزينة لم تستمتع بمثلهما من قبل. ولقد بلغ الصناع الصينيون في صناعة النسيج والمعادن في عهد أسرة سونج وما بعدها درجة من الإتقان والكمال لم يفقهم فيها أحد قبلهم، وبزوا جميع منافسيهم في كافة أنحاء العالم في اليشب وغيره من الأحجار الصلبة، ولم يتفوق عليهم في نحت الخشب والنقش على العاج إلا من أخذوا عنهم هذه الصناعة من اليابانيين(27). لقد كان أثاث المنازل يصنع على أشكال متعددة مختلفة، فذة في صورتها ولكنها غير مريحة لصاحبها؛ وكان صناع الأثاث، الذين تكفيهم صفحة من الأرز يوما كاملا، يخرجون منه تحفة فنية صغيرة إثر تحفة.
وكان الفنان ذو اليد الصناع الذي يخرج هذه الروائع الفنية الدقيقة يزين بها داره ويتخذها بديلا من الأثاث الغالي الثمن ومن أسباب المتعة المنزلية، وكانت تبعث في نفس مالكها بهجة لا يدركها في بلاد الغرب إلا الخبراء الأخصائيون.
أما الحلي فلم تكن موفورة العدد ولكنها كانت بديعة القطع، وكان الرجال والنساء يبردون وجوههم بمراوح مزخرفة من الريش والخيزران، أو الورق أو الحرير الملوّن، بل إن المتسولين أنفسهم لم تكن تنقصهم المراوح الجميلة وهم يمارسون حرفتهم التليدة.
ونشأ فن الطلاء باللك في الصين، وبلغ ذروة الكمال في اليابان. واللك في بلاد الشرق الأقصى نتاج طبيعي لشجرة أصلها من أشجار الصين، ولكنها الآن تزرع بكثرة في بلاد اليابان، ويؤخذ عصيرها من جذعها وغصونها، ثم




صفحة رقم : 1261




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب


يصفى ويغلى ليزول منه ما لا حاجة لهم من السوائل، ويطلي به الخشب الرقيق كما يطلى به المعدن والخزف في بعض الأحيان، ثم يجفف بتعريضه للرطوبة(28). ويتكوَّن الطلاء من طبقات تتراوح بين عشرين وثلاثين طبقة يبذل في تجفيف كل واحة منها وصقلها جهد عظيم وعناية بالغة، وتختلف كل طبقة عن غيرها في لونها وسمكها. وينقش الصينيون بعدئذ هذه الطبقات بعد تمامها بآلة حادة على شكل (7) بحيث يصل كل حز إلى الطبقة ذات اللون الذي يتطلبه الشكل المطلوب.
وقد نما هذا الفن على مهل وبدأ في صورة كتابة على شرائح من الخيزران؛ وكانت مادة اللك تستخدم في عهد أسرة جو لتزيين الأواني والسروج والعربات وما إليها. ثم استخدم في القرن الثاني بعد الميلاد لطلاء الأبنية والآلات الموسيقية؛ وفي عهد أسرة تانج صدرت الصين كثيرا من الأدوات المطلية باللك إلى اليابان. ولما تولت الُملك أسرة تانج كانت كل فروع صناعة اللك قد ازدهرت وتحددت أشكالها، وكانت ترسل منتجاتها بحرا إلى الثغور النائية كثغور الهند وبلاد العرب. ولما ولى الملكُ أباطرة أسرة منج خطا الفن خطوة أخرى في طريق الكمال، وبلغ في بعض نواحيه ذروته(29). فلما جلس على العرش الإمبراطوران المستنيران كانج - شى، وتشين لونج من أباطرة المانشو صدرت الأوامر الإمبراطورية بتشييد المصانع والإنفاق عليها من مال الدولة، فأخرجت من روائع الفن أمثال عرش تشين لونج(30) والستر الذي أهداه كانج - شى إلى ليوبولد الأول إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية(31). واحتفظ هذا الفن بتلك الدرجة الرفيعة حتى القرن التاسع عشر، فكانت الحروب التي أوقد نارها التجار الأوربيون، وما للمستوردين والعملاء الأوربيين من أذواق منحطة كانت هذه وتلك سبباً في حبس معونة الأباطرة عنه فتدهور مستواه وانحطت رسومه، وانقطعت زعامته إلى اليابان.




صفحة رقم : 1262




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب


أما صناعة اليشب فهي قديمة قدم التاريخ الصيني نفسه، وشاهد ذلك أن آثارها وجدت في أقدم القبور. وتعزو أقدم السجلات أول استخدامه"حجر سمع"إلى عام 2500 ق.م. وذلك أن حجر اليشب كان يقطع على صورة سمكة أو نحوها تعلق في إسار؛ فإذا ما أجيد قطع الحجر وتعليقه خرجت منه أنغام موسيقية واضحة جميلة تدوم مدهشاً في طوله. والاسم الإنجليزي لهذا الحجر Jade مشتق من اللفظ الأسبانيIjada (المأخوذة عن اللفظ اللاتيني Ilia) عن طريق اللفظ الفرنسي Jade ومعناه الحقو. ولما فتح الأسبان أمريكا وجد الفاتحون أهل المكسيك الأقدمين يأتون بهذا الحجر مسحوقاً ومعجوناً بالماء ليعالجوا به كثيراً من الأمراض الباطنية، فلما عادوا إلى أوربا حملوا معهم هذا العلاج هو والذهب الأمريكي إلى بلادهم. أما الاسم الصيني لهذا الحجر فهو أليق به من الاسم الأوربي وأكثر مطابقة للمعقول. فلفظ جون الذي يطلق عليه معناه لين كالندا(32)، ويتركب حجر اليشب من معدني الجاديث والتفريت، والأول يتكون من سليكات الألومنيوم والصوديوم ويتكون الثاني من الكالسيوم والمغنيزيوم. وكلا المعدنين صلب قاس يحتاج تهشيم البوصة المكعبة منه إلى ضغط خمسين طنا في بعض الأحيان. وتكسر القطع الكبيرة منه عادة بتعريضها إلى الحرارة الشديدة ثم إلى الماء البارد على التعاقب.
وفي وسع الإنسان أن يدرك حذق الفنان الصيني من قدرته على إظهار ألوان براقة خضراء وسمراء وسوداء بيضاء من هذا الحجر العديم اللون بطبيعته، ومن صبره الطويل ومثابرته، حتى يخرج منه أشكالا مختلفة لا عداد لها، حتى لا يكاد الإنسان يجد بين مجموعات اليشب التي في العالم كله قطعتين متماثلتين، اللهم إلا أزرار الملابس.
وكان أول ما عثر عليه من مصنوعات يشبية في عهد أسرة شانج في صورة ضفدعة تستخدم قرباناً مقدساً(33)، وصنعت منه أدوات غاية في الجمال في أيام




صفحة رقم : 1263




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب


كنفوشيوس(34). وبينما كان الناس في غير الصين يتخذون من اليشب فؤوساً، ومدى وأواني، فإن الصينيين كانوا يعظمون الحجر تعظيماً حملهم على ألاّ يستخدموه إلا في التحف الفنية الجميلة، إذا استثنينا بعض القطع النادرة القليلة العدد. وكان عندهم أثمن من الفضة والذهب والحلي على اختلاف أنواعها(35). وكانوا يقدرون بعض مصنوعات اليشب الصغيرة كخواتم الإبهام التي يتحلى بها كبار الحكام الصينيين بما يقرب من خمسة آلاف ريال، ويقدرون بعض القلائد اليشيبية بمائة آلاف ريال. وكان المعنيون بجمع القطع النادرة منه يقضون السنين الطوال في البحث عن قطعة واحدة، ويقال إن ما يوجد في الصين من التحف اليشبية إذا جمعت في مكان واحد تكونت منها مجموعة لا تماثلها مجموعة من أية تحف صنعت من مادة أخرى في جميع أنحاء العالم(36).
ولا يكاد البرنز يقل قدماً عن اليشب في الفن الصيني، وهو يفوقه مقاماً وتقديراً عند الصينيين. وتروى الأقاصيص الصينية أن الإمبراطور يو، أحد أباطرة الصين الأقدمين وبطل الطوفان الصيني، تلقى المعادن التي بعثت بها إليه الدويلات التسع الخاضعة لحكمه، وهى الخراج المفروض عليها، ثم صبها كلها وصنع منها ثلاث قدور لكل منها تسع أرجل، لها من القوة السحرية وتستطيع به أن تدفع المؤثرات البغيضة، وتجعل ما يوضع فيها من المواد يغلى بغير النار، ويخرج منها كل ما لذ وطاب من طعام وشراب.
ثم أصبحت هذه القدور الرمز المقدس للسلطة الإمبراطورية، وتوارثتها الأسر واحدة بعد واحدة، فكانت كل منها تتلقاها بعناية فائقة من التي قبلها، ولكنها اختفت بطريقة مجهولة غامضة بعد سقوط أسرة جو، وهي حادثة كان لها أسوأ الأثر في منزله شى هوانج - دي. ثم أصبح صب البرونز ونقشه فنا من الفنون الجميلة الصينية، وأخرجت منه البلاد مجموعات تطلب حصر أسمائها وتصنيفها اثنين وأربعين مجلدا(37). وكان يصنع منه أواني للحفلات الدينية التي




صفحة رقم : 1264




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب


تقيمها الحكومة أو يقيمها الأفراد في منازلهم، وقد أحال آلافاً من أنواع الأواني المنزلية إلى تحف فنية، وليس في العالم كله ما يضاهي مصنوعات الصين البرنزية إلا ما صنع من في إيطاليا في عهد النهضة الأوربية، ولعلها لا يضاهيها من هذه المصنوعات إلا "أبواب الجنة" التي وضع تصميمها غبرتي Ghiberti ليزين بها موضع التعميد في فلرنس.
وأقدم ما لدينا من القطع البرنزية الصينية أواني قربانية كشفت حديثاً في هونان؛ ويرجعها العلماء الصينيون إلى عهد أسرة شانج، ولكن الخبراء الأوربيين يرجعونها إلى عهد متأخر عن ذلك الوقت وإن كانوا لا يحددون تحديداً مضبوطاً. وأقدم الآثار المعروفة تاريخها هي التي ترجع إلى عهد أسرة جو ومن أروعها كلها مجموعة آنية الحفلات المحفوظة في المتحف الفني بنيويورك. وقد استولى شى أونج - دي على معظم ما كان لدى أسرة جو من آنية برنزية لئلا يصهرها الأهلون ليتخذوا منها أسلحة. وصنع ما تجمع له من هذا المعدن اثنا عشر تمثالا ضخما يبلغ ارتفاع كل منها خمسين قدماً(38)، ولكن هذه التماثيل كلها لم تبق منها قدم واحد. وقد صنعت في عهد أسرة هان كثير من الآنية الجميلة طعمت أحياناً بالذهب.
وليس أدل على رقي هذا الفن في الصين من أن الفنانين الذين دربوا في تلك البلاد هم الذين صنعوا عدداً من التحف التي تعد من روائع الفن، والتي زين بها هيكل هرتوجي في مدينة نارا اليابانية. وأجملها كلها ثلاثة تماثيل لأميدا - بوذا تصورها جالسة على أسرة في صورة زهرة الأزورد(39)؛ وهي أجمل ما وجد من تحف في تاريخ صناعة البرنز في العالم أجمع . ووصل فن البرنز إلى ذروة مجده أيام أسرة سونج، وإذا كانت التحف التي صنعت منه لم ترق إلى ذروة الكمال فإنها قد بلغت الغاية في كثرة عددها وتباين أشكالها؛ فقد صنعت منه قدور




صفحة رقم : 1265




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب


ودنان خمر، وآنية، ومباخر، وأسلحة، ومرايا، ونواقيس، وطبول




صفحة رقم : 1266




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب


ومزهريات؛ وكانت الآنية المنقوشة والتماثيل الصغيرة تملأ الرفوف في دور خبراء الفن وهواته، وتجد لها مكاناً في كل بيت من بيوت الصينيين.
ومن أجمل النماذج الباقية من أيام أسرة سوج مبخرة في صورة جاموسة البحر، وقد ركب عليها لو - دزه وهو هادى مطمئن ليثبت بهذا قدرة الفلسفة على إخضاع الوحوش الكاسرة(40)، ولا يزيد سمك جدران المبخرة على سمك الورقة، وقد اكتسبت على مر الزمان قشرة أو طبقة خضراء مرقشة خلعت عليها جمال القدم ، ثم انحط هذا الفن انحطاطاً تدريجياً بطيئاً في عهد أسوة منج. فزاد حجم التحف وقلت جودتها، وأصبح البرنز، الذي كان مقصوراً على صنع آيات الفن في عهد الإمبراطور يو، فناً عاما تصنع منه الآنية العادية التي تستخدم في الأغراض اليومية، وتخلى في مكانته الأولى للخزف.
ولم يكن النحت من الفنون الكبرى، ولا من الفنون الجميلة، عند الصينيين(41). وسبب هذا أن تواضع الشرق الأقصى أبى عليه أن يتخذ الجسم البشرى نموذجاً من نماذج الجمال. ولهذا فإن الذين اتخذوا صناعة التماثيل البشرية حرفة لهم وجهوا قليلا من عنايتهم إلى تمثيل ما على الأجسام من ملابس، واستخدموا تماثيل الرجال - وقلما استخدموا تماثيل النساء - لدراسة بعض أنواع الإحساسات أو لتصويرها؛ ولكنهم لم يمجدوا الأجسام البشرية. ومن أجل ذلك تراهم في الغالب قد قصروا تصوير الناس على تماثيل القديسين البوذيين والحكماء الدويين، وأغفلوا تصوير الرياضيين والسراري ممن كانوا وكن مصدر الإلهام للفنانين من اليونان.




صفحة رقم : 1267




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب


وكان المثالون الصينيون يفضلون تمثيل الحيوانات على تمثيل الفلاسفة والحكماء أنفسهم.
وأقدم ما نعرفه من التماثيل الصينية التماثيل الإثنى عشر الضخمة المصنوعة من البرنز، والتي أقامها شى هوانج - دي. وقد صهرها فيما بعد أحد الحكام من أسرة هان لا يتخذ منها "فكة" برنزية. وبقي من أيام أسرة هان عدد قليل من التماثيل البرنزية، ولكن كل ما صنع منها في ذلك العهد إلا قلة ضئيلة قضت عليه الحرب أو قضى عليها الإهمال الطويل الأمد. والتماثيل البشرية قليلة أيضا في هذه القلة الباقية، والأثر الهام الوحيد الباقي من أيام أسرة هان نقش بارز من نقوش القبور، عثر عليه في شانتونج. وصور الآدميين القليلة نادرة في هذا النقش أيضاً، وأهم ما يشغل رقعته صور حيوانات بارزة رقيقة. واقترب من هذا النقش إلى صناعة النحت التماثيل الجنازية الصغيرة المتخذة من الصلصال - وأكثرها حيوانات منها قلة تمثل خدماً أو زوجات - وكانت تدفن مع الموتى من الذكور عوضا عن الأزواج والخدم الأحياء. وقد بقيت من هذا العهد تماثيل مستقلة لحيوانات منها تمثال رخامي لنمر كله عضلات يمثل اليقظة أدق تمثيل، وكان يتولى حراسة معبد اسنيانج - فو(42)؛ ومن هذا الدببة المزنجرة التي تشتمل عليها الآن مجموعة جاردنر Gardner في مدينة بوسطن Boston، ومنها الآساد المجنحة المصابة بتضخم الغدة الدرقية والتي وجدت في مقابر نانكنج(43). وكل هذه الحيوانات والخيول المزهوة الممثلة في نقوش القبور البارزة السالفة الذكر تشهد بما كان للفن اليوناني البكتري والفن الآشوري والسكوذى من أثر في الفن الصيني؛ وليس فيها شيء من مميزات الفن الصيني الخالص(44).
وفي هذه الأثناء كانت الصين قد بدأت تتأثر بشيء آخر هو أثر الدين




صفحة رقم : 1268




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب


والفن البوذيين، وقد استوطن هذا الفن البوذي في أول الأمر التركستان، وأقام فيها صرح الحضارة كشف اشتين Stein وبليوت Pelliot في أنقاضها عن أطنان كثيرة من التماثيل المحطمة يضارع بعضها أكثر ما أخرجه الفن الهندي البوذي. واستعار الصينيون هذه الأشكال البوذية من غير تغيير كبير فيها، وأخرجوا على غرارها تماثيل لبوذا تضارع في جمالها ما صنع في جندارا أو في الهند. وأقدم هذه التماثيل ما وضع في معابد يون كان الكهفية في شانسي (حوالي 490 م)، ومن أحسنها تماثيل مغارات لونج من هونان، فقد أقيمت في خارج هذه المغارات عدة تماثيل ضخمة أعجبها كلها تمثال بوذستوا الجميل، وأروعها بوذا "فيروشانا" (حوالي 672 م) الذي تحطم جزء منه عند قاعدته، ولكنه لا يزال محتفظا بروعته الموحية الملهمة(46). وإلى شرق هذا الإقليم في شانتونج وجد كثير من معابد الكهوف نقشت على جدرانها أساطير على الطريقة الهندية يظهر في أماكن متفرقة منها تمثال قوي لبوذيستوا شبيه بالتمثال الذي في الكهف بون ِمن، (ويرجع تاريخه إلى حوالي عام 600 م)(47). واحتفظت أسرة تانج بالتقاليد البوذية في النحت، وقد بلغ درجة الكمال في التمثال بوذا الجالس (حوالي 639 م) الذي عثر عليه في ولاية شنسي Shensi . وأخرجت الأسر التي جاءت من بعدها تماثيل ضخمة من الصلصال تمثل أتباعا لبوذا الظريف لهم وجوه كالحة كوجوه رجال المال ، كما أخرجت عددا من التماثيل الجميلة تمثل كوان - بن إله مهايانا وهو يوشك أن يتحول من إله إلى إله(49).
وفقد فن النحت إلهامه الديني بعد أسرة تانج، واصطبغ بصبغة دنيوية تنحط أحياناً إلى صبغة شهوانية، حتى شكا رجال الأخلاق في ذلك الوقت، كما شكا رجال الأخلاق في إيطاليا في عصر النهضة، من أن الفنانين ينحتون




صفحة رقم : 1269




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> البرنز واللكّ واليشب


للقديسين تماثيل لا تقل رشاقة ورقة عن تماثيل النساء، فوضع الكهنة البوذيون قواعد للتصوير تحرم تحديد شخصية صاحب الصورة أو إبراز معالم الجسم.
ولربما كانت النزعة الأخلاقية القوية عند الصينيين هي التي عاقت تقدم فن النحت. وذلك أنه لما أن فقد الدافع الديني أثره المحرك القوي في الفن، ولم يسمح لجاذبية الجمال الجثماني بأن يكون شأن فيه، اضمحل فن النحت في بلاد الصين، وقضى الدين على ما لم يعد في مقدوره أن يكون له ملهماً. وما أن اقترب عهد أسرة تانج من نهايته حتى أخذ الابتكار في فن النحت ينضب معينة. وليس لدينا من القطع الفنية الممتازة التي أخرجتها أسرة سونج إلا عدد قليل؛ أما المغول فقد خصوا الحرب بجهودهم؛ وأما أباطرة المنج فقد نبغ في عهدهم بعض المثالين الذين أخرجوا تماثيل غريبة وأخرى ضخمة من الحجارة كالهولات التي تقف أمام مقابر أباطرة المنج. فلما ضيق الدين الخناق على فن النحت لفظ أنفاسه الأخيرة ، وأخلي ميدان الفن الصيني للخزف والنقش.




صفحة رقم : 1270




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> المعابد البجودا والقصور



الفصل الثالث




المعابد (البجودا) والقصور




العمارة الصينية - برج نانكنج الخزفي - بجودا بيجنج




اليشبي - هيكل كنفوشيوس - هيكل السماء ومذبحه -




قصور كوبلاي خان - بيت صيني - داخل البيت - لونه وشكله


كذلك كانت العمارة من الفنون الصغرى في بلاد الصين، ولم يكد يترك من كان فيها من البنائين العظام أثراً لهم يخلد ذكراهم؛ ويلوح أن الشعب لم يكن يجلهم إجلاله صناع الخزف الكبار. والعمائر الضخمة نادرة في بلاد الصين حتى ما شيد منها تكريماً للآلهة، وقلما نجد فيها مباني قديمة، وليس فيها إلا القليل من المعابد التي يرجع عهدها إلى ما قبل القرن السادس عشر.
وقد أصدر مهندسو أسرة سونج في عام 1103م ثمانية مجلدات موضحة بالرسوم الجميلة في شرح أساليب العمارة؛ ولكن الآيات الفنية التي صوروها كانت كلها من الخشب ولم تبق منها قطعة واحدة إلى اليوم. ويستدل من الرسوم المحفوظة في المتحف الأهلي في باريس، والتي يقال أنها تمثل المساكن والهياكل في أيام كنفوشيوس، على أن فن العمارة الصينية قد قنع في خلال تاريخه الطويل الذي دام ثلاثة وعشرين قرناً بما كان عليه في تلك الأيام الخالية من أشكال وأحجام متواضعة(50).
ولعل إحساس الصينيين المرهف في مسائل الفن والذوق هو الذي حدا بهم إلى نبذ ما عساه أن يبدو من العمائر خالياً من الاحتشام مفرطاً في الضخامة، أو لعل تفوقهم في الذكاء قد حد بعض الشيء من مدى خيالهم. ومهما يكن من سبب هذا القصور فإن فن العمارة الصينية قد أضر به كثيراً انعدام ثلاث قوى




صفحة رقم : 1271




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> المعابد البجودا والقصور


لم يخل منها تاريخ أمة عظيمة من الأمم القديمة، وتلك هي الأرستقراطية الوراثية وطبقة الكهنة القوية(51) والحكومة المركزية الكثيرة المال العظيمة السلطان(51). ذلك أن هذه القوى هي التي كانت في الأيام الخالية تبذل المال بسخاء لتشجيع الأعمال الفنية العظيمة، من هياكل وقصور ومسارح ومظلمات ومقابر منحوتة في الصخور. ولقد انفردت الصين من بين الأمم القديمة في أنها لم تبتل بهذه النظم الثلاثة.
غير أن العقيدة البوذية قد استحوذت وقتاً ما على روح الصينيين وعلى ما يكفي من ثروة البلاد لإقامة الهياكل العظيمة التي كشفت بقاياها أخيراً في التركستان(52). ولا تزال بعض الهياكل البوذية المتوسطة العظمة والفخامة باقية في أنحاء كثيرة من بلاد الصين، ولكنها لم تسم إلى ما سمت إليه العمائر الدينية في بلاد الهند. ويصل الإنسان إلى هذه الهياكل بممرات طبيعية جميلة المنظر صاعدة بالتواء فوق منحدرات ذات أبواب منقوشة يسمونها البايلو، ولعلها مأخوذة عن دربزين الأضرحة البوذية الهندية.
وتحرس مداخل هذه الهياكل في بعض الأحيان تماثيل بشعة وضعت لتخيف الشياطين الأجنبية فتبعدها عنها بطريقة ما. ومن أجمل الأضرحة البوذية الصينية كلها هيكل بوذا النائم بالقرب من القصر الصيفي المشيد خارج بيجنج. ويرى فرجسون Fergusson أنه "أجمل ما أخرجه فن العمارة في بلاد الصين"(53).
غير أن أكثر ما يميز الشرق الأقصى في فن العمارة عن سائر الأقطار هو الهياكل (البجودات) التي تشرف على جميع المدن الصينية تقريباً . وقد




صفحة رقم : 1272




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> المعابد البجودا والقصور


اصطبغت هذه الصروح الجميلة، كما اصطبغت العقائد البوذية التي ألهمت من شادوها، ببعض الخرافات الدوِّية التي كانت منتشرة في البلاد، فكانت من أجل ذلك مراكز للاحتفالات الدينية وللتنبؤ بالغيب عن طريق دراسة الشقوق والعروق الأرضية. وكانت الجماعات المختلفة تشيد هذه الهياكل لاعتقادها أنها تقي الناس غوائل الأعاصير والفيضان، وتسترضي الأرواح الشريرة، وتجتذب الرخاء ورغد العيش. وكانت تتخذ عادة شكل أبراج ذات ثمانية أضلاع تشاد من الآجر وترتفع فوق قواعد من الحجارة خمس طبقات أو سبعاً أو تسعاً لأن الأعداد الزوجية في اعتقادهم أعداد مشئومة(56). وأقدم البجودات التي لا تزال قائمة حتى الآن البجودة القائمة في سونج إيو - سو، والتي شيدت في عام 523م على جبل سونج شان المقدس في هونان. ومن أجملها كلها البجودة الصيفية، وأروعها منظراً بجودة اليشب في بيجنج و "بجودة المزادة" في وو - واي - شان، وأوسعها شهرة برج الخزف في نانكنج (نانجنج) وقد شيد في 1412-1431م ويمتاز بطبقة من الخزف فوق جدرانه المقامة من الآجر. وقد دمر هذا البرج في ثورة تايينج التي استعرت في عام 1854م.




صفحة رقم : 1273




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> المعابد البجودا والقصور


وأجمل الهياكل الصينية هي التي كانت مخصصة للديانة الرسمية في بيجنج (بيكنج). ومن هذه الهياكل هيكل كنفوشيوس، ويحرسه باي - لو، فخم محفور أجمل حفر، ولكن الهيكل نفسه يخلد الفلسفة أكثر مما يخلد الفن. وقد شيد في القرن الثالث عشر الميلادي ثم أدخلت عليه عدة تعديلات وأعيد بناء بعض أجزائه عدة مرات. وقد وضعت "لوحة روح أقدس القديسين المعلم والأب كونفوشيوس"، على قاعدة خشبية في مشكاة مفتوحة في الهيكل، ونقشت العبارة الآتية فوق المذبح الرئيسي: "إلى المعلم الأعظم والمثال الذي يحتذيه عشرة آلاف جيل". ويقوم من سور بيجنج التتاري الجنوبي هيكل




صفحة رقم : 1274




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> المعابد البجودا والقصور


السماء ومذبح السماء. والمذبح مكوّن من سلسلة من الدرج والشرفات الرخامية التي كان لعددها الكبير ونظامها أثر سحري في نفوس الزائرين. والهيكل نفسه بجودة معدلة من ثلاث طبقات قائمة فوق ربوة من الرخام ومشيدة من الآجر والقرميد الخاليين من الرونق. وكان الإمبراطور في الأيام الخالية يأتي إلى هذا المكان في الساعة الثالثة من صباح يوم رأس السنة الصينية للصلاة والدعاء لأسرته بالتوفيق والفلاح ولشعبه بالرخاء، ويقرب القربان للسماء التي يرجو أن تكون في صفه لا في صف أعدائه، ولم تكن السماء ذكراً أو أنثى عند الصينيين بل كانت جماداً. وقد نزلت صاعقة من السماء على هذا المعبد في عام 1889م فأصابته بضرر بليغ(57).
وأجمل من هذه الأضرحة الخالية من الرونق والبهاء، وأكثر منها جاذبية، القصور المزينة الضعيفة البناء التي كانت مساكن للأمراء وكبار الحكام في بيجنج. ومن أجمل هذه المباني البهو الأكبر، وقد شاده عند قبر أباطرة منج عباقرة البنائين الذين جاد بهم عهد الإمبراطور تشنج درو (1403-25)، كما شادوا عدداً من المساكن الملكية في بقعة عرفت فيما بعد باسم "المدينة المحرمة" أقيمت في الموضع الذي شاهد فيه ماركو بولو قصر كوبلاي خان قبل ذلك العهد بمائتي عام، فدهش منه وأعجب به أيما إعجاب. وتقوم آساد بشعة الخلقة على جانبي الدربزين الرخامي المؤدي إلى الشرفة الرخامية. وقد شيدت في هذا المكان مبان رسمية، بعضها غرف لعروش الأباطرة وأخرى للاستقبال أو للمآدب وغيرها من حاجات الأباطرة.
وانتشرت حولها البيوت الأنيقة التي كانت تسكنها في الأيام الخالية أسر الأباطرة وأبناؤهم وأقاربهم وخدمهم وأتباعهم وخصيانهم وسراريهم. ولا تكاد هذه القصور تختلف بعضها عن بعض. ففيها كلها العمد الرفيعة، والنوافذ المتشابكة الجميلة، والطنف المنحوتة أو المسطورة، والألوان الكثيرة الزاهية




صفحة رقم : 1275




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> المعابد البجودا والقصور


والرفارف المقوسة المتجهة إلى أعلى المتصلة بالسقف المقرمدة الضخمة. وشبيه بهذه المتع المحرمة على غير هذه الطبقات من الأهلين القصر الصيفي الثاني الذي يبعد عن هذا المكان بضعة أميال، ولعله أكثر رشاقة وتناسباً وتأنقاً في النحت من البيوت التي كانت في يوم ما مساكن للملوك في بيجنج.
وإذا شئنا أن نذكر الخصائص العامة لفن العمارة الصينية في عبارة موجزة قلنا: إن من أول مظاهرها السور المجرد من الجمال الذي يفصل المبنى الرئيسي عن الطريق العام. وهذه الأسوار تمتد في الأحياء الفقيرة من بيت إلى بيت متصلة بعضها ببعض، وتدل على أن الحياة في هذه الأحياء كانت غير آمنة. ويحيط هذا السور بفناء تفتح فيه أبواب ونوافذ لبيت واحد أو لعدة بيوت. وبيوت الفقراء مساكن كئيبة مظلمة، ذات مداخل ودهاليز ضيقة وسقف منخفضة، وأرض من التراب. وفي كثير من الأسر تعيش الخنازير والكلاب والدجاج والرجال والنساء في حجرة واحدة. وتعيش أفقر الأسر في أكواخ من الطين والقش تغمرها مياه الأمطار وتصفر فيها الرياح، وإذا كانت الأسر ذات يسار قليل غطت أرض الحجرات بالحصر أو رصفتها بالقرميد. أما الأثرياء فيزينون فناء المنزل الداخلي ببعض الشجيرات والأزهار والبرك، أو يحيطون قصورهم بالحدائق يغرسون فيها مختلف الأشجار، ويمرحون فيها ويلعبون. ولا نرى في هذه الحدائق طرقات تزينها الورود، وممرات غرست حولها الأزهار، ومربعات أو دوائر أو مثمنات من الكلأ أو الزهر؛ بل ترى بدلاً منها مماشي ضيقة لا تثبت على حال، تتلوى في بعض الأحيان مخترقة أخاديد تمر بين الصخور فوق مجار مائية متعرجة بين أشجار اضطرت جذوعها أو أغصانها إلى أن تتخذ لها أشكالاً غريبة ترضي عنها النفوس السفسطائية. وترى في أماكن متفرقة من هذه الحدائق جواسق جميلة تكاد تخفيها الغصون يستريح فيها الجائلون.
وليس البيت نفسه ذا روعة ولو كان قصراً للعظماء، فهو لا يزيد على طبقة




صفحة رقم : 1276




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> المعابد البجودا والقصور


واحدة، وإذا احتاجت الأسرة إلى أن تزيد حجرات منزلها فإنها تفضل إقامة مبنى جديد على إضافة حجرات للمبنى القديم. ومن ثم فإن القصر العظيم قلما يكون بناء منظم الأجزاء، بل يتكون من عدة مبان تمتد أهمها في صف واحد من مدخل القصر إلى السور وإلى جانبيها المباني الثانوية التي تقل عن الأولى شأناً. وأكثر ما تبنى منه المنازل الخشب والآجر، وقلما تعلو الحجارة إلى أكثر من الشرفات التي فوق الأساس.
وكان يقصر استعمال الآجر عادة على الجدران الخارجية، أما السقف فتتخذ من لبنات رقيقة، وأما الأعمدة المزينة والجدران الداخلية فتقام من الخشب. وكانت تعلو الجدران الزاهية الألوان طنف ذات نقوش. وليست الجدران ولا العمد هي التي تحمل السقف، بل إن هذه السقف رغم ثقلها تستقر على قوائم تكون جزءاً من الهيكل الخشبي للمنزل، والسقف أهم أجزاء الهيكل أو المنزل الصيني، فهو يبنى من القرميد المصقول البراق - ذي اللون الأصفر إن كان يظلل رأس الإمبراطور، وإلا فهو أخضر أو أرجواني أو أحمر أو أزرق. وهو يبدو جميلاً وسط ما يحيط به من المناظر الطبيعية، بل إنه ليبدو كذلك حتى في فوضى شوارع المدن، ولربما كانت أعواد الخيزران التي تبرز أطرافها من أعلى الخيام هي التي أقيمت على غرارها في بلاد الشرق الأقصى رفارف السطوح الرشيقة المنحنية إلى أعلى، ولعل أقرب من هذا إلى الظن أن هذا الطراز الكثير الذيوع لم يكن منشؤه إلا رغبة البنائين الصينيين في وقاية البناء كله من مياه الأمطار(58).
ذلك أن النوافذ ذات المصاريع كانت قليلة في المباني الصينية، وكان يحل محلها الورق الكوري Korean أو النوافذ ذات القوائم المتقاطعة المتشابكة، وهذه لا تقي الحجرات من الأمطار.




صفحة رقم : 1277




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> المعابد البجودا والقصور


ولا يقع مدخل الدار الرئيسي عند طرفه ذي السقف الهرمي، بل يقع عند واجهته الجنوبية. ويقوم في داخل هذا الباب الكبير عادة ستار أو جدار يحجب نظر الزائر عن رؤية من في داخل الدار، ويقف في طريق الأرواح الخبيثة التي لا تسير إلا في خطوط مستقيمة، وردهة الدار وحجراتها معتمة لأن ضوء النهار تحجبه النوافذ المتشابكة والطنف البارزة. وبهو المنزل وحجراته مظلمة لأن النوافذ المشبكة والطنف البارزة تحجب عنها ضوء النهار. وقلما تجد في المنزل وسائل لتهوية الغرف، وليس فيه من وسائل التدفئة إلا المجامر المتنقلة، أو طبقات من الآجر تبنى فوق نار مدخنة. وليس لهذه المدافئ مداخن أو فتحات يخرج منها الدخان(59). والأغنياء والفقراء على السواء يقاسون آلام البرد ويأوون إلى فراشهم مدثرين بالثياب الثقيلة(60). وإذا التقى السائح بصيني سأله: "أأنت بردان؟" فيجيبه هذا بقوله: "بطبيعة الحال"(61)، وقد تعلق في سقف الدار فوانيس من الورق زاهية الألوان، وتزين الجدران أحياناً بكتابات بخط جميل أو بنقوش من الحبر، أو بسجف من الحرير مطرزة تطريزاً جميلاً ومنقوش عليها مناظر ريفية. ويتخذ أثاث المنزل عادة من الخشب الثقيل المدهون باللون الأسود البرّاق والمنحوت نحتاً جميلاً. أما القطع ذات الألوان الفاتحة فتطلى باللك البراق. والصينيون هم الأمة الشرقية الوحيدة التي يجلس أبناؤها على كراسي، وحتى هم يفضلون أن يجلسوا متكئين أو متربعين؛ وهم يضعون، على نضد خاص، الأواني التي تتخذ لتقديم القرابين لأسلافهم الأموات. وتقع في مؤخرة الدار حجرات النساء، وقد توجد في حجرات مستقلة أو في بناء منفصل عن سائر المنزل مكتبة أو مدرسة.
والأثر العام الذي تتركه العمائر الصينية في ذهن المشاهد الأجنبي غير الفني هو ما تتصف به من وهن سحري يأخذ بالألباب؛ واللون يطغى فيها على




صفحة رقم : 1278




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> المعابد البجودا والقصور


الشكل، ومن واجب الجمال فيها أن يستغني عن الفخامة والعظمة. والهيكل أو القصر الصيني لا يتطاول إلى الإشراف على الطبيعة بل يتعاون معها على أن يخلق من الكل انسجاماً كاملاً يعتمد على تناسب أجزائه وتواضعها. والعمائر الصينية تعوزها الصفات التي تكسبها متانة وأمناً وطول بقاء، كأن من شادوها يخشون أن تذهب الزلازل بجهودهم.
وإن من الصعب على الإنسان أن يعتقد أن هذه العمائر تنتمي إلى ذلك الفن الذي أقام آثار الكرنك وبرسبويس، والآثار التي شيدت على الأكروبول؛ فليست هي عمائر بالمعنى الذي يفهمه الغربيون من هذا اللفظ، بل هي حفر في الخشب، وطلاء للخزف، ونحت في الحجر. وهي أكثر انسجاماً مع الخزف واليشب من الصروح الضخمة الثقيلة التي أقامها فنّا الهندسة والمعمار في بلاد الهند وبلاد النهرين ورومه. وإذا لم نتطلب إليها العظمة والصلابة التي ربما لم يعن بها من أنشئوها، وإذا أخذناها على أنها أصداف تعبر عن أرق الأذواق في أضعف أشكال المباني وأقلها بقاء، إذا فعلنا هذا وذاك كان لهذه العمائر مكانها بين أجمل طرز الفن الصيني الطبيعية التي تناسب أهل تلك البلاد وبين أجمل الأشكال التي ابتدعها الإنسان.




صفحة رقم : 1279




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني



الفصل الرابع




التصوير




1- أساتذة فن التصوير الصيني




جوو كاي - جيه "أعظم مصور، أعظم فكه، وأعظم أبله"-




صورة هان يو الصغيرة - المدرستان الاتباعية والابتداعية - ونج




واي - وو داو دزه - هو دزونج الإمبراطور الفنان - أساتذة عصر سونج


لقد أبطأ الغرب في دراسة فن التصوير الصيني، وليس عليهم في ذلك لوم، لأن مناحي الفن وأساليبه في الشرق تكاد كلها أن تكون مغايرة لمناحيه وأساليبه في الغرب؛ وأول ما نذكره من هذا الخلاف أن المصورين في بلاد الشرق الأقصى لم يكونوا يصورون على القماش، وقد نجد من حين إلى حين مظلمات على الجدران، وأكثر ما يوجد من هذا أثر من آثار النفوذ البوذي؛ ونجد في بعض الأحيان رسوماً على الورق وهذه من آثار ما بعد العهد البوذي؛ كل هذا نجده ولكنه قليل، أما معظم الرسوم الصينية فهي على الحرير؛ ولقد كان ضعف هذه المادة وقصر أجلها سبباً في تلف الروائع الفنية جميعها حتى لم يبق من تاريخ هذا الفن إلا ذكريات له وسجلات تصف جهود الفنانين؛ يضاف إلى هذا أن الصور نفسها كانت رقيقة خفيفة، وأن كثرتها قد استخدمت فيها الألوان المائية وينقصها ما نراه في الصور الزيتية الأوربية من تلوين يظهرها للعين كأنها صور مجسمة نكاد نلمسها باليد. ولقد حاول الصينيون التصوير الزيتي ولكن يلوح أنهم تركوه لأنهم حسبوا هذه الطريقة من طرق التصوير خشنة ثقيلة لا تتفق وأغراضهم الدقيقة الرفيعة؛ كذلك كان تصويرهم في أشكاله الأولى على الأقل، فرعاً من فروع الكتابة أو الخط الجميل يستعملون فيه الفرشاة التي كانوا




صفحة رقم : 1280




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


يستعملونها في الخط، وكانوا يقتصرون في كثير من روائعهم الفنية على الفرشاة والحبر .
وآخر ما نذكره من أوجه الخلاف أن أعظم ما أخرجوه من الصور الملونة قد أخفى من غير قصد عن أعين الرحالة الغربيين، ذلك أن الصينيين لا يتباهون بعرض صورهم على الجدران العامة والخاصة بل يطوونها ويخبئونها بمنتهى العناية، فإذا أرادوا أن يستمتعوا برؤيتها أخرجوها من مخبئها كما نخرج نحن كتاباً ونقرأه. وكانت هذه الصور المطوية تلف متتابعة في ملفات من الورق أو الحرير ثم (تُقرأ) كما تقرأ المخطوطات. أما الصور الصغيرة فكانت تعلق على الجدران وقلما كانت توضع في إطارات. وكانت عدة صور ترسم أحياناً على شاشة كبيرة، وفي العهد الأخير من عهود أسرة سونج كان فن التصوير قد تفرع إلى ثلاثة عشر فرعاً(63) واتخذ أشكالاً لا حصر لها.
وقد ورد ذكر الفن الصيني بوصفه فناً ثابت الأساس، قبل ميلاد المسيح بعدة قرون، ولا يزال هذا الفن موطد الدعائم في بلاد الصين إلى يومنا هذا رغم ما عاناه بسبب الحروب الكثيرة. وتقول الأقاصيص الصينية إن أول من صور بالألوان في الصين امرأة تسمى لي وهي أخت الإمبراطور الصالح شوين. وقد ساء




صفحة رقم : 1281




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


ذلك أحد الناقدين فقال: "مما يؤسف له أشد الأسف أن يكون هذا الفن القدسي من اختراع امرأة"(64).
ولم يبق شيء من الصور التي رسمت في عهد أسرة جو. لكن الذي لا شك فيه أن الفن في عهد هذه الأسرة كان قد تقادم عهده، ويدلنا على ذلك تقرير كتبه كونفوشيوس يقول فيه إنه: أعجب أشد الإعجاب بالمظلمات التي رآها في الهيكل العظيم المقام في لو - يانج (65).
أما في أيام أسرة هان فحسبنا دليلاً على انتشار التصوير أن كاتباً من الكتاب قد شكا من أن بطلاً يعجب به لم يُرسم له عدد كافٍ من الصور فقال: "إن الفنانين كثيرون فلم إذن لا يصوره أحداً منهم؟(66)" ومن القصص التي تروى عن واحد من مهرة الفنانين في عهد الإمبراطور لي - يه - إي الأول أنه كان في استطاعته أن يرسم خطاً مستقيماً لا ميل فيه طوله ألف قدم؛ وأن يرسم خريطة مفصلة للصين على السطح لا يزيد على بوصة مربعة، وأن في مقدوره أن يملأ فاه ماء ملوناً ثم يبصقه فيكون صورة، وأن الصور التي كان يرسمها للعنقاء قد بلغت من الإتقان حداً جعل الناس إذا نظروا إليها يتساءلون قائلين لم لا تطير من أمامهم؟(67). ولدينا ما يشير إلى أن فن التصوير الصيني بلغ إحدى درجاته القصوى من الكمال في بداية التاريخ الميلادي، ولكن الحروب محت كل دليل قاطع على هذا. ولقد تناوبت على الصين غلبة الفن والحرب في نزاعهما الأبدي القديم، منذ العهد الذي نهب فيه لويانج المحاربون من إقليم تشين (حوالي عام 249 ق.م) وأخذوا يحرقون كل ما لم يستطيعوا الانتفاع به، إلى أيام ثورة الملاكمين (1900م) حين كان جنود تونج جو يستخدمون الصور المرسومة على الحرير في المجموعة الإمبراطورية لحزم ما يريدون حزمه من الأمتعة. فكانت روائع الفن يحل بها الدمار ولكن الفنانين لم يكونوا يتوانون عن الخلق والابتداع.




صفحة رقم : 1282




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


ولقد أحدثت البوذية انقلاباً في شئون الدين والفن في بلاد الصين لا يقل في عمقه ومداه عن الانقلاب الذي أحدثته المسيحية في ثقافة البحر الأبيض المتوسط وفنونه. نعم إن الكنفوشية احتفظت بسلطانها السياسي في البلاد، ولكن البوذية امتزجت بالدّوية فأصبحت السلطة المهيمنة على الفن، وأنشأت بين الصينيين وبين البواعث والرموز والأساليب والأنماط الهندية صلات ذات أثر قوي.
وكان أعظم العباقرة من رجال مدرسة التصوير الصينية البوذية جوو - كاي -جيه، وهو رجل بلغ من قوة شخصيته وصفاته الفذة أن اجتمعت حوله أقاصيص وأساطير كثيرة. منها أنه أحب فتاة تسكن منزلاً يجاور منزله، فلما عرض عليها أن تتزوج به أبت لجهلها بما كانت تخبئه له الأيام من شهرة عظيمة، فما كان منه إلا أن رسم صورة لها على أحد الجدران وأنفذ شوكة في قلبها، فأشرفت الفتاة على الموت. ثم تقدم إليها مرة أخري فرضيت به، فرفع الشوكة عن صورتها فشفيت الفتاة من مرضها. ولما أراد البوذيون أن يجمعوا المال لتشييد هيكل في نانكنج وعد أن يمدهم بمليون كاش ، وسخرت الصين كلها من هذا الوعد، لأن جوو قد بلغ من الفقر ما يبلغه الفنان.
فقال لهم: "اسمحوا لي أن استخدم أحد الجدران"، فلما وجد الجدار واستطاع أن ينفرد بنفسه عنده رسم عليه صورة القديس البوذي أو إيمالا-كيرتي. ولما أتم الصورة دعا الكهنة، وأخذ يصف لهم طريقة جمع المال المطلوب فقال: "عليكم أن تطلبوا في اليوم الأول مائة ألف كاش" ممن يريد أن يدخل ليرى الصورة، "وأن تطلبوا في اليوم الثاني خمسين ألفاً. أما في اليوم الثالث فدعوا الزائرين أحراراً يتبرعون بما يشاءون". ففعلوا ما أمرهم به وجمعوا بهذه الطريقة مليون كاش(69). ورسم جو سلسلة طويلة من الصور البوذية كما رسم صوراً




صفحة رقم : 1283




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


أخرى غير بوذية، ولكننا لم يصلنا شيء من رسومه الموثوق بنسبتها إليه . وكتب ثلاث رسائل في التصوير بقيت بعض أجزائها إلى اليوم. ومن أقواله: أن أصعب التصوير تصوير الرجال، ويلي الرجال في الصعوبة تصوير المناظر الطبيعية ثم تأتي بعدهما الخيل والآلهة(72). وكان يصر على أنه فنان وفيلسوف معاً. ولما رسم صورة للإمبراطور كتب تحتها: "ليس في الطبيعة شيء عال لا ينحط بعد قليل... فالشمس إذا بلغت كبد السماء أخذت في الانحدار، والقمر إذا كمل وصار بدراً بدأ يتناقص. وتسنم المجد لا يقل صعوبة عن بناء جبل من حبات التراب؛ أما التردي في الهلاك فسهل كانسياب اللولب المشدود" ، وكان معاصروه يعدونه أعظم رجال زمانه في ثلاث نواح: في التصوير وفي الفكاهة وفي البلاهة(74).
وازدهر التصوير في بلاط الأباطرة من أسرة تانج، ومن الأقوال المؤيدة لهذا قول دوفو: "إن المصورين ليبلغون من الكثرة عدد نجوم الصباح، ولكن الفنانين منهم قليلون"(75).
وكتب جانج ين - يوان في القرن التاسع عشر كتاباً سماه: عظماء المصورين في جميع العصور وصف فيه أعمال ثلاثمائة وسبعين فناناً، ويقول فيه: إن الصورة التي يرسمها أحد أساتذة التصوير كانت تدر عليه وقتئذ نحو عشرين ألف أوقية من الفضة، ولكنه يحذرنا فيما بعد من أن نقدر الفن بالمال ويقول: "إن الصور الجميلة أعظم قيمة من الذهب واليشب، أما الصور الرديئة فلا تساوي الواحدة منها شقفة".




صفحة رقم : 1284




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


ولا نزال نعرف من المصورين في عهد أسرة تانج أسماء مائتين وعشرين، أما أعمالهم فلا يكاد يبقى منها شيء، لأن ثوار التتار الذين نهبوا شانج - آن في عام 756م لم يكونوا يعنون بهذا الفن؛ وفي وسعنا أن نلمح الجو الفني الذي كان يمتزج بشعر ذلك الوقت في قصة هان يو "أمير الأدب" الذائع الصيت.
وخلاصة هذه القصة أن هذا الأمير كسب من زميل له يقيم معه في منزل رقعة صغيرة اشتملت في أصغر مساحة مستطاعة على ثلاث وعشرين ومائة صورة من صور الآدميين، وثلاث وثمانين من صور الجياد، وثلاثين من صور الحيوانات الأخرى، وصور لثلاث عربات، وإحدى وخمسين ومائتي صورة لأشياء أخرى، ويقول هو عنها: "لقد فكرت كثيراً في أمر هذه الصورة لأني لم اكن أصدق أنها من عمل رجل واحد، فقد جمعت عدداً من المزايا المختلفة الأنواع، ولم يكن في وسعي أن أتخلى عنها مهما عرض عليّ من المال ثمناً لها. وفي العام الثاني غادرت المدينة وسافرت إلى هو - يانج، وحدث أن كنت في أحد الأيام أتحدث عن الفن إلى بعض الغرباء، وأخرجت لهم الصورة ليروها؛ وكان من بينهم رجل يدعى جو، يشغل وظيفة رقيب وكان ذا ثقافة عالية؛ فلما وقعت عينه على الصورة دهش أيما دهشة لرؤيتها ثم قال بعد تفكير طويل: "إن هذه الصورة من عمل يدي رسمتها في أيام شبابي، وهي منقولة عن صورة في معرض الفن الإمبراطوري، ولقد فقدتها منذ عشرين عاماً، وأنا مسافر في مقاطعة فوفين"، فما كان من هان يو إلا أن أهدى الصورة الصغيرة إلى جو.
ولقد نشأت في فن التصوير الصيني مدرستان مختلفتان إحداهما في الشمال والثانية في الجنوب، كما نشأت في الديانة الصينية مدرستان هي المدرسة الكنفوشية والمدرسة الدوِّية - البوذية، وكما نشأت في الفلسفة مدرستان إحداهما بزعامة جوشي والثانية بزعامة وانج يانج منج، تمثل الأولى ما يطلق عليه الغربيون العقلية




صفحة رقم : 1285




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


الاتباعية، وتمثل الثانية العقلية الابتداعية، فكان الفنانون الشماليون يتمسكون بالتقاليد الصارمة ويتقيدون في رسومهم بقيود العفة والوقار؛ أما أهل الجنوب فكانوا يعنون في تصويرهم بإبراز المشاعر والخيال. وعنيت المدرسة الشمالية أشد عناية بإبراز نماذج صحيحة متقنة من الأشكال التي تصورها وجعلها واضحة الخطوط والمعالم، أما المدرسة الجنوبية فقد ثارت كما ثار منتمارتر Montmarter على هذه القيود، فكانت تحتقر هذه الواقعية البسيطة ولا تستخدم الأشياء إلا عناصر في تجارب روحية، أو نغمات في مزاج موسيقي(77). ولقد وجد لي سو - شون وهو يصور في بلاط منج هوانج بين زعازع السلطة السياسية وعُزلة النفي ما يكفي من الوقت لتوطيد دعائم المدرسة الشمالية. وصور هو نفسه بعض المناظر الصينية الطبيعية وبلغ فيها درجة من الواقعية تناقلتها فيما بعد كثير من الأقاصيص. من ذلك قول الإمبراطور أنه يستطيع أن يستمع في الليل إلى خرير الماء الذي صوره لي على شاشة في قصره، وإن سمكة في صورة أخرى له دبت فيها الحياة ووجدت بعد في بركة -وليس لنا أن نلوم الصينيين على هذه الأقوال، فإن لكل أمة أقوالاً مثلها في مدح مصوريها.
ونشأت المدرسة الجنوبية مما أدخل على الفن من تجديد ومن عبقرية وانج واي، فلم يكن المنظر الطبيعي في طرازه التأثيري من طرز الفن أكثر من رمز لمزاج معين، وكان وانج شاعراً ومصوراً معاً، ولذلك عمل على ربط الفنين بعضهما ببعض، وذلك يجعل الصورة تعبر عن قصيدة. وفيه قال الناس لأول مرة العبارة التي طالما لاكتها الألسن حتى ابتذلت، والتي تنطبق كل الانطباق على الشعر والتصوير الصينيين كليهما وهي: "كل قصيدة صورة وكل صورة قصيدة" (وكان يحدث في كثير من الأحيان أن تنقش القصيدة على الصورة وأن تكون القصيدة نفسها مخطوطاً فنياً جميلاً). ويروى المؤرخون أن تونج جي-




صفحة رقم : 1286




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


جانج قضى حياته كلها يبحث عن صورة أصلية من عمل وانج ويه .
وأعظم المصورين في عهدة أسرة تانج، وأعظم المصورين في الشرق الأقصى كله بإجماع الآراء، رجل علاً فوق فروق مدرستي التصوير السالفتي الذكر، وكان من الذين حافظوا على التقاليد البوذية في الفن الصيني، واسم هذا المصور وو دَوْ - دزه؛ ولقد كان في الحق خليقاً باسمه فإن معنى هذا الاسم هو وو أستاذ الدو أو الطريقة، ذلك أن جميع التأثرات والأفكار المجردة، التي وجدها لو دزه وجوانج دزه أدق من أن تعبر عنها الألفاظ، وقد بدت وكأنها تنساب انسياباً طبيعياً في صورة خطوط وألوان يجري بها قلمه، ويصفه أحد المؤرخين الصينيين بقوله: "إنه كان شخصاً معدماً يتيماً، ولكنه وهب فطرة إلهية، فلم يكد يلبس قلنسوة البلوغ حتى كان من أساتذة الفن، وحتى غمر لو - يانج بأعماله". وتقول الروايات الصينية إنه كان مغرماً بالخمر وبأعمال القوة، وإنه كان يعتقد - كما يعتقد الشاعر الإنكليزي بو Poe - أن الروح تخرج أحسن ثمارها تحت تأثير قليل من السكر(81). وقد برز في كل موضوع صوره؛ في الرجال والأرباب والشياطين وفي تصوير بوذا بأشكال مختلفة، وفي رسم الطيور والوحوش والمباني والمناظر الطبيعية - وكانت كلها تأتيه طائعة لفنه الخصيب؛ وبرع في الرسم على الحرير والورق والجدران الحديثة الطلاء فكانت هذه كلها عنده سواء. وقد أنشأ ثلاثمائة مظلم للهياكل البوذية منها مظلم يحتوي على صورة ألف شخص لا تقل شهرته في الصين عن شهرة "يوم الحساب" أو صورة "العشاء الأخير" في أوربا. وكانت ثلاث وتسعون صورة من صوره في معرض الصور الإمبراطوري في القرن الثاني عشر بعد أربعمائة سنة من وفاته، ولكنها لم يبق منها شيء في مكان ما في الوقت الحاضر. ويحدثنا الرواة أن الصور التي رسمها لبوذا "قد كشفت عن أسرار الحياة




صفحة رقم : 1287




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


والموت". وقد بلغ من تأثير صوره التي تمثل الحشر أن ارتاع من رؤيتها بعض القصابين والسماكين فنبذوا حرفتيهم المشينتين غير البوذيتين.
ولما رسم صورة تمثل رؤيا منج هوانج أيقن الإمبراطور أن وو قد رأى هو أيضاً رؤيا مثلها(82). ولما أرسل الملك وو ليرسم منظراً على ضفة نهر جيالنج في ولاية سشوان هاله أن لا يعود الفنان دون أن يرسم خطاً واحداً، فقال له وو: "لقد وعيته كله في قلبي". ثم انفرد بنفسه في حجرة من حجر القصر وأخرج، كما يؤكد لنا المؤرخون، مناظر تمثل ألف ميل . ولما أراد القائد باي أن ترسم له صورة طلب إليه وو ألا يقف أمامه ليرسمه، بل أن يلعب بالسيف، فلما فعل أخرج المصور له صورة لم يسع معاصريه إلا أن يقولوا أنها قد أوحي إليه بها ولم تكن من عنده. وقد بلغ من شهرته أن أقبلت "شانج - آن" على بكرة أبيها لتشاهده وهو يختتم رسم بعض الصور البوذية في هيكل شنج شان. ويقول مؤرخ صيني من مؤرخي القرن التاسع إنه لما أحاط به هذا الجمع الحاشد "رسم الهالات بسرعة عجيبة عنيفة بدا للناس معها كأن يده يحركها إعصار، وصاح كل من رآه أن إلهاً من الآلهة كان يساعده"(85): ذلك أن الكسالى لا يفتئون يعزون العبقرية "لوحي" يوحى لمن ينتظر هذا الإيحاء.
وتقول إحدى القصص الطريفة إنه لما طال الأجل بوو رسم منظراً طبيعياً كبيراً، ودخل في فم كهف مصور في هذا المنظر، ولم يره أحد بعد دخوله فيه(86). ولا جدال في أن الفن لم يصل قط إلى ما أوصله إليه هو من إتقان وإبداع.
وأصبح الفن في عهد أسرة سونج شهوة عارمة عند الصينيين، ذلك أنه بعد أن تحرر من سيطرة الموضوعات البوذية عليه غمر البلاد بما لا يحصى من الصور المختلفة، ولم يكن الإمبراطور هواي دزونج نفسه أقل الثمانمائة الرسامين المشهورين في أيامه.




صفحة رقم : 1288




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


ومن الكنوز المحفوظة بمتحف الآثار الجميلة ببسطن ملف صوّر فيه هذا الإمبراطور في بساطة عجيبة ووضوح أعجب المراحل المختلفة التي تسير فيها عملية إعداد الحرير على يد النساء الصينيات(87). ومن أعماله أنه أنشأ متحفاً للفن جمع فيه أكبر مجموعة من الروائع الفنية عرفتها الصين من بعده(88)؛ وأنه رفع المجمع الفني من فرع تابع للكلية الأدبية لا غير إلى معهد مستقبل من الدرجة الأولى، واستبدل الاختبار في الفن ببعض الاختبارات الأدبية التي جرت العادة بأن يمتحن فيها طلاب المناصب السياسية، ورفع رجالاً إلى مناصب الوزراء لأنهم برعوا في الفن بقدر ما رفع إليها غيرهم لأنهم برعوا في السياسة(89). وسمع التتار بهذا كله فغزوا الصين وأنزلوا الإمبراطور عن عرشه، ونهبوا المدينة وعاثوا فيها فساداً، ودمروا كل الصور المحفوظة في المتحف الإمبراطوري إلا القليل، وكانت سجلات هذه الصور تملأ عشرين مجلداً(90). وساق الغزاة الإمبراطور الفنان أمامهم ومات في ذل الأسر.




صفحة رقم : 1289




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


وكان أجل من هذا الإمبراطور الفنان شأناً رجلان من غير الأسر المالكة هما جوو شي، ولي لونج - مين. "ويقول الناقدون والفنانون إن جوو شي بز جميع معاصريه في تصوير أشجار الصنوبر الباسقة، والدوحات الضخمة، والمياه الدوامة، والصخور الناتئة، والجروف الوعرة، وقلل الجبال السامقة التي لا يحصى عديدها" . وكان لي لونج - مين فناناً وعالماً وموظفاً ناجحاً ورجلاً سميذعاً يجله الصينيون ويرون فيه مثلاً أعلى لما يجب أن يكون عليه الصيني المثقف. وقد بدأ أولاً بالخط ثم انتقل منه إلى الرسم بالخطوط ثم بالألوان، وقلما كان يستخدم في هذا كله شيئاً غير المداد؛ وكان يفخر بمحافظته الشديدة على تقاليد المدرسة الشمالية، ويبذل جهوده كلها في ضبط الخطوط ودقتها. وقد برع في رسم الخيل براعة بلغ منها أن اتهمه الناس حين ماتت ستة منها بأن الصورة التي رسمها لها قد سلبتها أرواحها؛ وإن حذره كاهن بوذي من أنه سيصبح هو نفسه جواداً إذا دأب على العناية برسم الجياد بدقته المعهودة، فما كان منه إلا أن قبل نصيحة الكاهن وصور خمسمائة لوهان . وفي وسعنا أن ندرك شهرته إذا عرفنا أن معرض هواي دزونج الإمبراطوري حين نُهب كان يحتوي على مائة صورة وسبع صور من عمل لي لونج - مين وحده.
ونبغ في عهد أسرة سونج عدد كبير من أساتذة الفن، نذكر منهم مي فاي وهو عبقري غريب الأطوار، كان لا يُرى إلا وهو يغسل يديه أو يغير ملابسه إذا لم يكن يشتغل بجمع أعمال رجال الفن القدماء، أو يرسم صوراً لمناظر طبيعية




صفحة رقم : 1290




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


"بطريقة التنقيط" أي بنقط من المداد يضعها دون أن يستعين بالخطوط الخارجية . ومنهم أيضا شيه جواي وقد رسم ملفاً طويلاً يحتوي على مناظر متفرقة بنهر يانج - دزه من منابعه الصغيرة، ومجراه، مخترقاً اللويس والخوانق إلى مصبه الواسع الخاص بالسفن التجارية وبالقوارب الصغيرة (السمبان)؛ وهذا الملف قد جعل بعض الفنانين(93) يضعون صاحبه على رأس مصوري المناظر الطبيعية في الشرق والغرب على السواء. ومن مشهوري المصورين في هذا العهد مايوان، ويزدان متحف الفن الجميل في بسطن بمناظر طبيعية أنيقة، ومناظر مصورة عن




صفحة رقم : 1291




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> أساتذة فن التصوير الصيني


بعد%=@ومن أروع الصور صورة "السيدة لنج - جاو واقفة بين الثلوج". والصورة تمثل السيدة (وهي صوفية بوذية من نساء القرن الثامن) ساكنة غارقة في التفكير كأنها سقراط واقف وسط الثلوج في بلاتيه. ويخيل إلينا أن الفنان يقول "إن العالم لا وجود له إلا إذا أدرك العقل وجوده، وإن في وسع العقل أن يتجاهله إلى حين".@ . ومنهم ليانج كاي الذي رسم صورة فخمة للشاعر الصيني لي بو؛ وموتشي صاحب صورة النمر الرهيب، والزرزور، وصورة كوان ين الظريف المكتئب؛ وفي وسعنا أن نذكر غير هؤلاء كثيرين من المصورين الصينيين الذين لم يألف الغرب سماع أسمائهم أو يعيها إذا سمعها لغرابتها، ولكنهم في واقع الأمر نماذج من تراث الشرق العقلي العظيم. وما أصدق ما قاله عنهم فنلوزا Fenollosa: "لقد كانت ثقافة أسرة سونج أنضج تعبير عن العبقرية الصينية"(95).
وإذا شئنا أن نقدر فن التصوير الصيني في أيام مجد أسرتي تانج وسونج، كنا كمن يحاولون من مؤرخي المستقبل أن يكتبوا عن عصر النهضة الإيطالية بعد أن فقدت جميع أعمال رفائيل وليوناردو دافنشي وميكل إنجلو. ويبدو أن فن التصوير الصيني قد كسر في ذرعه وهدر دمه لما توالى عليه من غارات جحافل البرابرة الذين دمروا روائعه وعاقوا تقدمه قروناً عدة. ومع أنه قد نبغ في عهد الأسر التي تربعت على عرش الصين بعد أسرتي تانج وسونج، الصينية منها والأجنبية، فنانون لهم رسوم بلغت مستوى عظيماً من الظرف أو القوة، فليس من هؤلاء الفنانين من يرقى إلى مستوى أولئك الرجال الذين عاشوا في جنان بلاط منج هوانج أو هواي دزونج. وخليق بنا إذا فكرنا في الصينيين ألا نفكر فيهم على أنهم مجرد شعب سلطت عليه الفاقة، وأضعفه فساد الحكم، وفرقته التحزبات والانقسامات السياسية، وأذلته الهزائم الحربية، بل يجب أن نفكر فيهم أيضاً على أنهم أمة شهدت في تاريخها الطويل عصوراً لا تقل في مجدها عن عصور بركليز وأغسطس وآل مديشي، وأنها قد تشهد عصوراً أخرى مثلها في مستقبل الأيام.




صفحة رقم : 1292




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> خصائص فن التصوير الصيني



2- خصائص فن التصوير الصيني




نبذ فن المنظور - الواقعية - الخط أسمى من اللون - الشكل




إيقاع - التصوير بالإيحاء - العرف والقيود - أمانة الفن الصيني وإخلاصه


ترى ما هي الخصائص التي تميز فن التصوير الصيني فتجعله يختلف كل الاختلاف عما أنتجته أية مدرسة أخرى من مدارس التصوير في التاريخ كله عدا تلاميذه في اليابان؟ إن أول ما نذكره من هذه الخصائص أن الصور الصينية ترسم على ملفات أو شاشات كبيرة، ولكن هذه مسألة تتعلق بالشكل الخارجي، وأهم منها وأعمق وأكثر صلة بالصفات الذاتية احتقار الصينيين للمنظور والظلال. فلما أن قبل مصوران أوربيان دعوة وجهها إليهم الإمبراطور كانج شي ليزينوا له قصوره رفض الإمبراطور ما عرضوه عليه من زينات لأنهم رسموا العمد البعيدة في صورهم أقصر من القريبة. وقال لهم الصينيون في هذا أن لا شيء يمكن أن يكون أكذب وأبعد عن الطبيعة من تمثيل المسافات حيث لا توجد مسافات مطلقاً(96).
ولم تستطع إحدى الفئتين أن تفهم آراء أخرى ومبادئها لأن الأوربيين اعتادوا أن ينظروا إلى المنظر وهم في مستواه، على حين أن الفنانين الصينيين قد اعتادوا أن ينظروا إليه من أعلاه(97). كذلك كان يخيل إلى الصينيين أن الظلال لا محل لها في نمط من أنماط الفن لا يهدف في زعمهم إلى محاكاة الحقيقة بل يهدف إلى إدخال السرور على النفس، وتمثيل الأمزجة، والإيحاء بالأفكار عن طريق الأشكال التامة الكاملة.
وكان الشكل كل شيء في هذه الصور، ولم تكن السبيل إلى إجادته غزارة اللون أو بهجته، بل كانت في انسجامه ودقة خطوطه. وكانت الألوان محرمة تحريماً باتاً في الرسوم الأولى، وظلت نادرة في رسوم أساتذة الفن؛ فقد كان هؤلاء يكتفون بالمداد والفرشاة؛ ذلك أن اللون لم يكن في رأيهم ذا صلة ما




صفحة رقم : 1293




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> خصائص فن التصوير الصيني


بالشكل، بل كان الشكل على حد قول شياه - هُو هو الانسجام؛ وأول معاني الانسجام عند الصينيين هو أن يكون الرسم الصيني السجل المرئي لحركة منسجمة أو رقصة تمثلها اليد(98)؛ ومعناه كذلك أن الشكل البديع يكشف عن "انسجام الروح" وعن جوهر الحقيقة وحركتها الهادئة(99). ومظهر الانسجام في آخر الأمر هو الخط - غير مستخدم في بيان حدود الأشياء ومحيطها الخارجي، بل مستخدم في بناء الأشكال التي تعبر عن النفس بطريق الإيحاء أو الرمز. وتكاد دقة الخطوط وجمالها أن يكونا وحدهما في فن التصوير الصيني السبب الوحيد في براعة التنفيذ المستقلة عن قوة الإدراك والشعور والخيال. ومن أجل هذا كان من واجب المصور أن يلاحظ ما يريد تصويره بصبر وعناية، وإن يكون ذا شعور قوي مرهف، وأن يضبط أحاسيسه أدق الضبط وأحكمه، وأن يتبين غرضه واضحاً، ثم ينقل بعد هذا على الحرير ما تمثله في خياله، نقلا لا يترك فيه مجالاً للإصلاح أو التعديل، وذلك بعدد قليل من الضربات المتواصلة السهلة. وقد وصل فن التصوير بالخطوط ذروة مجده في الصين واليابان، كما اقترب فن التلوين من ذروة مجده في البندقية وفي الأراضي الوطيئة.
ولم يُعن فن التصوير الصيني بالواقعية في يوم من الأيام، بل كان يهدف إلى الإيحاء أكثر مما يهدف إلى الوصف. أما "الحقيقة" فقد تركها للعلم ووهب نفسه للجمال. ولقد كان هذا النوع من التصوير فرعاً لم ينبت في غير بلاد الصين، ثم ترعرع وازدهر بعض الازدهار تحت سماء صافية، فأصبح كافياً لأن يستهوي نفوس أعظم أساتذة الفن ويملك عليهم تفكيرهم، وأن يكون تناولهم لرقعة التصوير الفارغة وتقسيمها تقسيماً يتناسب مع ما يريدون تصويره، أن يكون هذا وذاك محكاً تختبر به قدرتهم ومهارتهم. ومن الموضوعات التي كانت تعرض على طالبي الالتحاق بمجمع هواي دزونج للتصوير موضوع يوضح لنا مقدار توكيد الصينيين للإيحاء غير المباشر وعنايتهم به لا بالتصوير الصريح. ذلك أن المتسابقين




صفحة رقم : 1294




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> خصائص فن التصوير الصيني


كان يعرض عليهم أن يشرحوا بالرسم بيتاً من أبيات الشعر هو: "وعاد حافر جواده مثقلاً بعبير ما وطئه من الأزهار". وكان المتسابق الذي أحرز قصب السبق في هذا المضمار فناناً رسم صورة فارس ومن حول كعوب جواده سرب من الفرش.
ولما كان الشكل كل شيء فإن من الممكن أن يكون الموضوع أي شيء. وقلما كان الرجال مركز الصورة أو جوهرها؛ وإذا ما ظهروا فيها كانوا في كل الأحوال تقريباً شيوخاً وكانوا كلهم متقاربين في الشبه. وقلما كان المصور الصيني ينظر إلى العالم بعيني الشاب وإن لم يكن قط واضح التشاؤم في تصويره. ولقد رسم المصورون صوراً لبعض الأفراد ولكنها كلها صور لم تبلغ ما بلغه غيرها من الجودة والإتقان؛ ذلك أن الفنان الصيني لم يكن يعنى بالأفراد، وما من شك في أنه كان يحب الأزهار والحيوانات أكثر مما يحب الرجال، ولذلك أطلق لنفسه العنان في تصويرها؛ فترى هواي - دزونج وهو الذي كانت تأتمر بأمره إمبراطورية متسعة الأرجاء يهب نصف حياته لتصوير الطيور والأزهار. وكانت الأزهار والحيوانات كالأزورد والتنين تتخذ رموزاً غير مقصودة لذاتها في بعض الأحيان؛ لكنها في الأغلب الأعم كانت ترسم لأن سر الحياة وسحرها يتمثلان فيها كاملين كما يتمثلان في الإنسان نفسه، وكان الحصان محبباً للفنانين الصينيين بنوع خاص، ومن أجل هذا ترى فنانين كباراً مثل هان كان لا يكادون يعملون شيئاً غير رسم شكل في أثر شكل لهذا المخلوق الذي هو جسم حي للتخطيط الفني.
ولسنا ننكر أن التصوير في الصين قد لاقى الأمرّين من جراء التقاليد الدينية أولاً ومن القيود التي وضعها العلماء بعدئذ، وأن تقليد الأساتذة القدامى والنسج على منوالهم كانا من العوامل المعوقة في تدريب طلاب الفن، وأن الفنان كان في كثير من الأحوال يقيد بعدد من المسائل لا يسمح له أن يلجأ إلى




صفحة رقم : 1295




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> خصائص فن التصوير الصيني


غيرها في تشكيل مادته(100). وفي وسع القارئ أن يدرك قوة العرف والتقاليد من قول أحد كبار النقاد الفنيين في عهد آل سونج: "لقد كنت في أيام شبابي أثني على الأستاذ الذي أحب صوره؛ فلما أن نضج عقلي أصبحت اثني على نفسي لأني أحببت ما اختاره الأساتذة لي لكي أحبه"(101)، وإنا ليدهشنا ما بقى في هذا الفن من حيوية بالرغم من قيود العرف والقواعد التي وضعت له. وفي وسعنا أن نقول في هؤلاء ما قاله هيوم عن كتاب عهد الاستنارة وهم الذين علا شأنهم رغم الرقابة المفروضة عليهم: "إن القيود التي عانى الفنانون ما عانوه منها قد أرغمتهم هي نفسها على أن يكونوا عظماء ممتازين".
وما من شك في أن الذي أنقذ المصورين الصينيين من وهدة الركود هو إخلاصهم في إحساسهم بالطبيعة. وقد استمدوا هذا الإحساس من مبادئ الدوية، وقوتها في نفوسهم البوذية إذ علمتهم أن الإنسان والطبيعة شيء واحد في مجرى الحياة وتغيرها ووحدتها. وكما أن الشعراء قد وجدوا في الطبيعة ملجأ يهرعون إليه من صخب المدن وكفاحها، وكما أن الفلاسفة كانوا يبحثون فيها عن نماذج للأخلاق وهادياً للحياة، كذلك كان المصورون يطيلون التأمل بجوار المجاري المائية المنعزلة ويوغلون في شعاب الجبال الشجراء، لأنهم يشعرون أن الروح الأعلى الذي لا يعرفون له اسماً قد عبر عن نفسه في هذه الأشياء الصامتة الخالدة تعبيراً أوضح مما عبر عنها في حياة الناس وأفكارهم المضطربة الهائجة . ولقد اتخذ الصينيون الطبيعة الشديدة القسوة عليهم، والتي تنفث الموت ببردها وفيضان أنهارها، اتخذوها إلههم الأعلى، ورضوا بذلك في قوة وطمأنينة، ولم يقبلوا أن يقدموا لها القرابين الدينية، بل رضوا بأن تكون فوق هذا معبود فلسفتهم




صفحة رقم : 1296




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> التصوير -> خصائص فن التصوير الصيني


وأدبهم وفنهم. وحسبنا شاهداً على قدم عهد الثقافة الصينية وعمقها أن الصينيين قد هاموا بحب الطبيعة قبل أن يهيم بها كلود لورين، وروسو، وورد سورث، وشاتو بريان بألف عام كاملة؛ وأنهم أنشئوا مدرسة من مصوري المناظر الطبيعية أضحت صورها في جميع بلاد الشرق الأقصى أسمى ما عبرت به الإنسانية عن مشاعرها.




صفحة رقم : 1297




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> الخزف الصيني



الفصل الخامس




الخزف الصيني




فن الخزف - صنع الخزف - تاريخه القدي م- اللون الأخضر الحائل - الطلاء




بالميناء - براعة هاوشي جيو - تقاسيم الطلاء - عصر كانج شي - عصر تشين لونج


اذا اخذنا نتحدث عن الفن الذي تمتاز به الصين عن سائر الامم، والذي لا يجادل احد في انها هي حاملة لوائه في العالم كله، وجدنا في انفسنا نزعة قوية إلى اعتبار الخزف صناعة من الصناعات. ولما كانت كلمة "الصيني" اذا وردت على لساننا ارتبطت في عقولنا بالمطبخ وادواته. فاننا اذا ذكرنا الفاخورة تمثلنا من فورنا المكان الذي يصنع فيه "الصيني"، وظننا هذا المكان مصنعاً ككل المصانع لا تثير منتجاته في النفس روابط عليا سامية. اما الصينيون فقد كانت صناعة الخزف عندهم فناً من الفنون الكبرى، تبتهج له نفوسهم العملية المولعة مع ذلك بالجمال، يجمع بين النفع وبهاء المنظر.
فلقد امدهم هذا الفن بآنية يستخدمونها في شرابهم القومي الشهير- شراب الشاي- جميلة في ملمسها ومنظرها، وازدانت منازلهم باشكال بلغت كلها من الجمال حدا تستطيع معه افقر الاسر ان تعيش في صحبة نوع من انواع الكمال، لقد كان فن الخزف هو فن النحت عند الصينيين.
ولفظ الفخار يطلق اولاً على الصناعة التي تحيل الطين بعد حرقه إلى ادوات صالحة للاستعمال المنزلي، ويطلق كذلك على الفن الذي يجمل هذه الادوات، وعلى الادوات التي تنتجها هذه الصناعة؛ والخزف هو الفخار المزجج اي انه هو الطين الممزوج بالمعادن والذي اذا عرض للنار ساح واستحال إلى مادة نصف




صفحة رقم : 1298




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> الخزف الصيني


شفافة شبيهة بالزجاج . وقد صنع الصينيون الخزف من مادتين الكولين- وهو طين ابيض نقي مكون من فتات الفلسبار والحجر الأعبل )الجرانيت(، ومن البي- تن- دزي وهو كوارتز ابيض قابل للانصهار، هو الذي يكسب الأواني الخزفية ما فيها من الشفافية. وتسحق هذه المواد كلها وتخلط بالماء فتتكون منها عجينة تشكل باليد او على عجلة، ثم تعرض لدرجة حرارة مرتفعة تصهر العجينة وتحيلها إلى مادة زجاجية براقة صلبة.
وكان يحدث في بعض الاحيان ألا يقنع الخزاف بهذا النوع الابيض البسيط، فكان يغطي "العجينة" اي الاناء قبل حرقه بطبقة من مسحوق الزجاج، ثم يحرق في اتون. وكان في بعض الاحيان يضع هذه الطبقة الزجاجية على العجينة بعد حرقها قليلاً ثم يعيد حرق الاناء بعدئذ. وكانت الطبقة الزجاجية تلون في اغلب الاحيان، ولكن العجينة كثيراً ما كانت تنقش وتلون قبل ان تضاف اليها المادة الزجاجية الشفافة او تلون الطبقة الزجاجية بعد حرقها ثم تثبت عليها بحرقها مرة ثانية. اما الميناء فقد كانت تصنع من الزجاج الملون يدق ويسحق ثم يحول إلى مادة سائلة يضعها الرسام على الآنية بفرشاته الرفيعة. وكان من الصينيين اخصائيون قضوا حياتهم في التدريب على عملهم؛ تخصص بعضهم في رسم المناظر الطبيعية، وغيرهم في رسم القديسين والحكماء المنقطعين للتأمل والتفكير بين الجبال، او الذين يمتطون ظهور حيوانات غريبة فوق امواج البحار.
وصناعة الفخار عند الصينيين قديمة العهد قدم العصر الحجري، فقد عثر الاستاذ اندرسن على اواني من الفخار في هونان وكانسو "لايمكن ان تكون احدث عهداً من عام 3000 ق. م". وان ما تتصف به تلك المزهريات




صفحة رقم : 1299




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> الخزف الصيني


من جمال فائق في الشكل وفي الصقل ليدل دلالة قاطعة على ان هذه الصناعة قد اصبحت فناً من الفنون الجميلة قبل ذلك العهد بزمن طويل. وبعض القطع التي عثر عليها شبيهة بفخار أنو، وتوحى بأن الحضارة الصينية مأخوذة عن حضارة البلاد الواقعة في غربها. وهناك قطع من الاواني الفخارية الجنازية كشفت في هونان وتعزى إلى عهد اضمحلال اسرة شانج ولكنها احد كثيراً من بقايا العصر الحجري الحديث السالفة الذكر.
ولم يعثر المنقبون بعد عذر هذه الاسرة على بقايا من الفخار ذات فنية قبل ايام اسرة هان، ففي عهد هذه الاسرة عثروا على فخار وعثروا فوق ذلك على اول اناء من الزجاج عرف في الشرق الاقصى ، وكان انتشار عادة شرب الشاي في عهد اباطرة تانج باعثاً قوياً على تقدم فن الخزف. وقد كشفت العبقرية، او المصادفة المحضة، حوالي القرن التاسع ان من المستطاع صنع اناء مزجج لا منسطحه الخارجي فحسب )كالآنية المصنوعة في عهد اسرة هان وفي حضارات غير حضارة الصين قبل ذلك العهد(، بل زجاجي كله من اوله إلى آخره- اي من خزف حقيقي. وقد كتب احد الرحالة المسلمين المدعو سليمان إلى بني وطنه يقول: "ان في الصين طيناً رقيقاً جميلاً يصنعون منه اواني شفافة كالزجاج يُرى من جدرانها ما في داخلها من الماء". وقد كشفت اعمال التنقيب الحديثة في موضع احدى المدن القديمة عند سر من رأى على نهر دجلة قطعاً من الخزف من صنع الصين. وظهر الخزف بعدئذ في السجلات خارج بلاد الصين حوالي عام 1171 م حين اهدى صلاح الدين إلى سلطان دمشق احدى واربعين قطعة من الخزف(105).




صفحة رقم : 1300




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> الخزف الصيني


وليس ثمة شاهد على ان صناعة الخزف قد بدأت في اوربا عام 1470 م، فقد ذكر في ذلك العام على انه فن جميل اخذه البنادقة عن العرب في اثناء الحروب الصليبية.
وكان عهد اسرة سونج هو العهد الذي بلغ فيه فن الخزف الصيني ذروة مجده. وخبراء هذا الفن يعزون إلى هذا العهد اقدم ما لدينا من الآنية الصينية واحسنها، بل ان صناع الخزن في عهد اسرة منج، وهم الذين جاءوا بعد هذا العصر ونبغ فيه بعضهم نبوغ فنانيه، حتى هؤلاء كانوا اذا ذكروا خزف اسرة سونج ذكروه بالاجلال والاكبار، وكان جامعوا العاديات الصينية يحتفظون بما يعثرون عليه من خزف هذه الاسرة ويعدونه من الكنوز التي لاتقوم بمال. وأنشئت في القرن السادس الميلادي مصانع عظيمة في جنج ده- جن حيث توجد الرواسب الغنية من المعادن التي تستخدم في صنع الفخار وتلوينه واعترف البلاد الامبراطوري بهذه المصانع رسمياً، وبدأت تغمر الصين بفيض من الصحاف الخزفية والاقداح والجفان والمزهريات والطاسات والاباريق والقنينات والجرار والصناديق ورقع الشطرنج والماثلات والخرائط. وحتى مشاجب القبعات كانت تصنع من الخزف المطلى بالميناء والمرصع بالذهب؛ وظهرت في ذلك الوقت لأول مرة القطع ذات اللون الاخضر اليشبي المعروفة بالسلادون والتي اصبحت محاكاتها اهم مايصبو اليه الفخراني في الوقت الحاضر، كما اصبح اقتناؤها أهم ما يصبو إليه جامع التحف . وقد أرسل سلطان مصر في 1487 نماذج منها إلى لورنزو ده




صفحة رقم : 1301




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> الخزف الصيني


مديشي، وكان الفرس والاتراك يقدرونها لا لنعومة ملمسها وشدة بريقها فحسب، بل لأنها فوق هذا تكشف عن وجود السم، فقد كانوا يعتقدون ان تلك الآنية يتغير لونها اذا وضعت فيها مواد مسمومة. وترى اسر الخبيرين المولعين بهذا الفن يتوارثون هذه القطع جيلا بعد جيل؛ ويحتفظون بها احتفاظ الناس باثمن الكنوز.
ولقد ظل الصناع في عهد اسرة منج نحو ثلثمائة عام يبذلون اقصى ما يستطيعون من جهود ليحتفظوا بفن الخزف في المستوى الرفيع الذي بلغه في عهد اسرة سونج، وليس في مقدورنا ان نقول انهم عجزوا عن بلوغ هذه الغاية. وكان في جنج ده- جن خمسمائة اتون لحرق الخزف، وكان البلاط الامبراطوري وحده يستخدم 96000 قطعة خزفية لتزيين حدائق القصور وموائدها وحجراتها. وظهرت في ايام هذه الاسرة اول قطع جيدة من الميناء التي حرقت الوانها بعد تزجيجها. واتقن صنع اللون الاصفر الواحد؛ والخزف الازرق والابيض الذي يشبه في رقته قشر البيض، إلى اقصى حدود الاتقان ولايزال القدح الازرق والابيض المطعم بالفضة والمسمى باسم الامبراطور واندلي )اوشن دزونج( يعد من آيات فن الخزف في العالم كله إلى هذه الايام.
وكان هاوشي- جي من ابرع صناع الخزف واعظمهم خبرة في ايام واندلي. وكان في مقدوره ان يصنع اقداحاً للنبيذ لايزيد وزن الواحد منها على جزء من ثمانية واربعين جزءاً من الاوقية، ويروى احد المؤرخين الصينيين ان هاوشي- جي زار في يوم من الايام بيت موظف كبير، واستأذنه في ان يفحص عن وعاء من الخزف ذي ثلاث ارجل يمتلكه هذا الكبير ويعد من أثمن ما صنع في عهد أسرة سونج.




صفحة رقم : 1302




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> الخزف الصيني


واخذ هاو يلمس الاناء بيديه برقة ولطف، وهو ينقل ما عليه من الرسوم سرا على قطعة من الورق مخبأة في كمه. ثم عاد لزيارة هذا الموظف بعد ستة اشهر من زيارته الاولى، وقال له: "انك يا صاحب السعادة تمتلك مبخرة ذات ثلاث ارجل من الدنج- ياو الابيض ، وها هي ذي مبخرة مثلها امتلكها انا". واخذ نانج الموظف الكبير يوازن بين هذه المبخرة ومبخرته، ولكنه لم يستطيع ان يتبين فرقاً ما بينهما. وبلغ من تشابههما ان قاعدة مبخرة الفنان وغطاءها قد واءما مبخرته كل المواءمة. واقرها وهو يبتسم ان مبخرته تقليد لمبخرة العظيم، ثم باعها نانج بستين قطعة من الفضة، وباعها هذا بعدئذ بألف وخمسمائة.
وقد بلغت صناعة الخطوط الفاصلة بين الميناء اقصى حد من الاتقان في عهد اسرة منج. ولم يكن منشأ هذا الفن في بلاد الصين بل جاء اليها من بلاد الشرق الادنى في ايام الدولة البيزنطية، وكان الصينيون يسمون مصنوعات هذا الفن في بعض الاحيان جوى جودياو، اي آنية بلاد الشياطين. وهذا الفن يتكون من قطع شرائح من النحاس او الفضة او الذهب، وتثبيتها على حدها فوق خطوط شكل رسم من قبل على جسم معدني، ثم ملء ما بين هذه الفوارق من فراغ بميناء من اللون المطلوب الملائم لها، ثم تعريض الاناء بعدئذ للنار عدة مرات ودلك السطح الصلب بقطعة من حجر الخفاف وصقله بقطعة من فحم الخشب، ثم تزليق اطراف الحواجز
المعدنية الظاهرة. واقدم ما عرف من منتجات هذا الفن في الصين مرايا استوردتها نارا في اليابان في منتصف القرن الثامن عشر. واقدم الاواني المحددة التاريخ ترجع إلى اواخر العهد المغولي او إلى ايام اسرة يوان، واحسنها كلها ما صنع في ايام الامبراطور جنج دي




صفحة رقم : 1303




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> الخزف الصيني


من اباطرة المنشو العظماء في القرن الثامن عشر الميلادي.
ودمرت المصانع التي كانت قائمة في عهد اسرة جنج ده- جين في اثناء الحروب التي قضت على اسرة منج، ولم تعد إلى سابق عهدها إلا بعد ان جلس على العرش امبراطور من اعظم اباطرة الصين استنارة وهو الامبراطور كانج- شي، وكان ملكا اصيلاً جمع كل صفات الملوك كما جمعها معاصره لويس الرابع عشر. وقد امر هذا الملك باعادة بناء مصانع جنج ده- جين، وسرعان ما اوقدت النار في ثلاثة آلاف اخذت تعمل عملها المتواصل، فاخرجت خزفاً جميلاً ظريفاً بلغ من الكثرة درجة لم تر الصين ولاغيرها من البلاد مثيلاً لها من قبل. وكان صناع كانج شي يظنون ان آنيتهم اقل جودة مما صنع في عهد اسرة منج، ولكن الخبيرين باصول الفن في هذه الايام لايوافقونهم على رأيهم، بل يرون ان الاشكال القديمة قد قلدت تقليداً بلغ اقصى درجات الكمال، وان اشكالاً جديدة كثيرة العدد مختلفة الانواع قد ابتكرت وارتقت رقيا عظيماً.
وكان في مقدور الفنانين في عهد اباطرة المنشو ان يغطوا عجينة الخزف بطبقة زجاجية تختلف عنها في سرعة انصهارها، فاخرجوا بذلك اواني ذات سطح مسنن؛ ثم كان في مقدورهم ان ينفخوا فقاعات من اللون على السطح الزجاجي فاخرجوا بذلك الصحاف الرفيعة المغطاة بدوائر صغيرة من الالوان. واتقنوا كذلك فن التلوين بلون واحد واخرجوا ظلالاً من اللون الاحمر الخوخي، والمرجاني، والياقوتي، والقرمزي، ودم الثور )الاحمر القاتم( والوردي؛ واخرجوا من اللون الاخضر الخياري، والتفاحي، والطاووسي، والنباتي، والسلادون، )الاخضر الحائل(؛ ومن اللون الازرق "المزران"، والسماوي،، والبنفسجي الفاتح والفيروزجي؛ ومن اللونين الاصفر والابيض ضروباً ملساء مخملية كل ما يستطيع الانسان ان يصفها به انها النعومة ذاتها تُرى رأى العين. وابتدعوا انماطاً مزخرفة يطلق عليها جامعو التحف الفرنسيون الاسر الوردية؛ والخضراء، والسوداء، والصفراء . وقد اتقنوا ذلك الفن الشاق فن تعدد الالوان بتعريض الاناء في التنور إلى تيارات متعاقبة من الهواء الصافي والمحمل بالسناج- الاول يُدخل فيه الأكسجين، والثاني يمتصه منه- بحيث يتحول الطلاء الزجاجي الاخضر إلى لهب متعدد الالوان. وكانوا يرسمون على بعض آنيتهم صور كبار الموظفين في اثواب فضفاضة ذات ذيول طويلة، فابتدعوا بذلك طراز الآنية المعروفة "بالمندرين" )طراز كبار الموظفين(. وكانوا يرسمون ازهار البرقوق باللون الابيض فوق ارضية زرقاء )او سوداء في قليل من الاحيان(، وهم الذين ابتدعوا ما للمزهريات التي في صورة العوسج من رقة ورشاقة.
وكان آخر ما مر به الخزف الصيني من عهود المجد في عهد تشين لونج الرخى الطويل. ولم يقل الانتاج في ذلك العهد عما كان عليه في العهود التي تقدمته، كما ان مهارة الصناع الممتازين لم تفقد شيئاً من عظمتها وتفوقها وان لم تحظ بعض الاشكال الجديدة بما كانت تحظى به مبتكرات عهد كانج شي من نجاح. وقد بلغت الاسرة الوردية في هذا العهد اعلى درجات الكمال. فقد انتشرت فيه نصف ازهار الطبيعة وفاكتها فوق ابهى الطبقات الزجاجية، كما كان ذوو الثراء المترفون يستخدمون الخزف الثمين الذي لايزيد سمكه على سمك قشرة البيض غطاء لاضواء المصابيح. ثم شبت نار فتنة تاي- بنج ودامت خمسة عشر عاماً جرت فيها الدماء انهاراً، ودمرت فيها خمس عشرة ولاية من الولايات الصينية، وهدمت ستمائة مدينة، واهلكت عشرين مليوناً من الرجال والنساء واقفرت اسرة المنشو اقفاراً اضطرها إلى ان تحبس معونتها عن مصانع الخزف، فاغلقت هذه المصانع ابوابها؛ وتشتت صناعها في انحاء العالم المضطرب.
ولم يفق فن الخزف الصيني حتى الان ما صابه من الدمار في اثناء هذه الفتنة




صفحة رقم : 1304




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> الخزف الصيني


الصماء ولعله لن يفيق منها أبداً. ذلك أن عوامل أخرى قد ضاعفت من آثار




صفحة رقم : 1305




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> الخزف الصيني


الحرب المخربة ومن امتناع الرعاية الامبراطورية؛ منها ان نمو تجارة الصادرات قد اغرى الفنانين بان يخرجوا قطعاً خزفية توائم ذوق المشترين الاوربيين.
واذ كان ذلك الذوق لايبلغ من السمو ما بلغه ذوق اهل الصين فان القطع المنحطة قد طردت القط الثمينة من التداول، كما تطرد العملة الرديئة العملة الطيبة حسب قانون جريشام .
وما ان حل عام 1840 حتى شرع مصنع انجليزي اقيم في مدينة كانتون يخرج انواعاً منحطة من الخزف ويصدرها إلى اوربا ويسميها "الاواني الصينية". ثم قامت مصانع في سيفر بفرنسا، ومايسن في المانيا وبورسلم في انجلترا تحاكي خزف الصينيين، وقللت من نفقات الانتاج باستخدام الآلات، واخذت تستحوذ عاماً بعد عام على تجارة الخزف الصينية الخارجية.
وكل ما بقى حتى الان هو ذكرى ذلك الفن الذي خسره العالم خسارة كاملة لاتكاد تقل عن خسارته لزجاج العصور الوسطى الملون. ولقد عجز الخزافون الاوربيون رغم ما بذلوه من محاولات وجهود جبارة عن ان يبلغوا ما بلغه الخزافون الصينيون من الدقة والمهارة. وحسب الفنانين الصينيين فخراً ان الخبراء العالميين يضاعفون في كل عقد من السنين اثمان ما بقى من روائع فن الخزف الصيني، فتراهم يطلبون خمسمائة ريال ثمناً لقدح الشاي، ويبيعون المزهرية التي يفي صورة شجرة العوسج بثلاثة وعشرين ألف ريال، وفي عام 1767 وصل ثمن إناءين من الخزف بلون العقيق يعرفان "بكلبي فو" في احد المزادات إلى خمسة اضعاف ما وصل اليه ثمن صورة "الطفل يسوع" لجيدورتي، والى ثلاثة امثال ما وصل اليه ثمن صورة "الاسرة المقدسة" لرفائيل(115). على أن كل من أحس بعينيه وأصابعه، وبكل عصب من اعصاب جسمه، جمال الخزف الصيني يغضب




صفحة رقم : 1306




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> عصر الفنانين -> الخزف الصيني


بلا ريب من هذا التقدير الضئيل ويعده إهانة للفن الصيني وازدراء به وتدنيساً لقدسيته. ذلك ان دنيا الجمال ودنيا المال لا تلتقيان ابداً حتى في الوقت الذي تباع فيه الاشياء الجميلة. وحسبنا تقديراً للخزف الصيني ان نقول ان هذا الخزف هو ذروة الحضارة الصينية ورمزها، وانه من انبل ما صنعه الجنس البشري ليبرز به وجوده على ظهر الارض.




صفحة رقم : 1307




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> ماركو بولو يزور كوبلاي خان



الباب السادس والعشرون




الشعب والدولة




الفصل الأول




نبذة تاريخية




1- ماركو بولو يزور كوبلاي خان




رحالة لا يصدَّقون - بندقي في الصين - جمال هانجتشان




ورخاؤها - قصور بيجنج - فتح المغول - جنكيز خان -




كوبلاي خاي - أخلاقه وسياسته - نساؤه - "ماركو الملايين"


في عصر البندقية الذهبي حوالي عام 1295م أقبل على المدينة رجلان طاعنان في السن ومعهما رجل كهل وقد أنهكهم التعب وأضنتهم الأسفار، يحملون متاعهم على ظهورهم ويلبسون أسمالاً بالية، ويعلوهم العثير، ثم طلبوا إلى أهل المدينة أن يأذنوا لهم بدخول موطنهم الذي غادروه كما زعموا منذ ستة وعشرين عاماً، فلما تردد مواطنوهم في الإذن لهم دخلوا المدينة على الرغم منهم. وقال ثلاثتهم إنهم جابوا بحاراً مفعمة بالأخطار، وصعدوا فوق جبال وهضاب شامخة، واجتازوا صحاري ملأى باللصوص وقطاع الطريق، واخترقوا السور العظيم أربع مرات، وأقاموا عشرين عاماً في الخطأ ، وخدموا أعظم ملك في العالم كله. وأخذوا يحدثون مواطنيهم عن إمبراطورية أوسع رقعة، ومدن أكثر سكاناً، وحاكماً




صفحة رقم : 1308




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> ماركو بولو يزور كوبلاي خان


أعظم ثروة، من كل ما عرفته قارة أوربا؛ وعن حجارة تتخذ للتدفئة، وورق يتعامل به الناس بدل الذهب، وعن بندق الواحدة منه أكبر من رأس الإنسان، وعن أمم تقف بكارة الفتيات فيها حجر عثرة في سبيل الزواج، وأمم غيرها يقدم المضيف فيها لضيوفه أزواجه وبناته ليستمتعوا بهنّ وهنّ راضيات(1). ولم يجد هؤلاء القادمون من أهل المدينة من يصدقهم، وأطلقوا على أصغر الثلاثة وأكثرهم ثرثرة لقب "ماركو الملايين" لأن ما كان يرويه لهم من القصص كان مملوءاً بالأعداد الكبيرة العجيبة(2).
ولم يبتئس ماركو وأبوه وعمه من هذا المصير، بل رضوا به مسرورين، لأنهم جاءوا معهم بكثير من الأحجار الكريمة من حاضرة البلاد القاصية، وأتت لهم هذه الأحجار بثروة رفعت منزلتهم في مدينتهم. ولما دارت رحى الحرب بين البندقية وجنوى في عام 1298م عقد لواء إحدى السفن الحربية لماركو، فلما أن استولى الأعداء على هذه السفينة وزج هو في أحد سجون جنوى حيث مكث عاماً كاملاً، أخذ يسلي نفسه بأن يملي على أحد الكتبة أشهر كتاب في الأسفار في آداب العالم؛ وقد قص فيه بأسلوب ساحر جميل خال من التكلف والتعقيد كيف غادر هو وأبوه نيقولو وعمه مافيو مدينة عكا ولما يتجاوز السابعة عشرة من عمره، وكيف تسلقوا جبال لبنان واجتازوا أرض الجزيرة إلى الخليج الفارسي، ثم اخترقوا بلاد فارس وخراسان وبلخ حتى وصلوا إلى هضبة البامير، ثم انضموا إلى بعض القوافل وساروا معها سيراً بطيئاً إلى كاشغر وخوتان، ثم اجتازوا صحراء جوبي إلى تنجوت، ثم اخترقوا السور العظيم إلى شانجتو حيث استقبلهم الخان الأكبر بوصفهم رسلاً أذلاء من الغرب الناشئ .




صفحة رقم : 1309




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> ماركو بولو يزور كوبلاي خان


ولم يكونوا يظنون أنهم سيقيمون في الصين أكثر من عام أو عامين، ولكنهم وجدوا في تلك البلاد من الأعمال المجزية والفرص التجارية المربحة تحت حكم كوبلاي ما حملهم على البقاء فيها ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً. وأثري ماركو بنوع خاص وارتقى في مناصب الدولة حتى عين حاكماً على هانجنشاو. ويصفها ماركو في كتابه وصف المعجب بها الحافظ لعهدها، فيقول إنها أرقى من بلاد أوربا بأجمعها في جمال مبانيها وجسورها وفي عدد مستشفياتها العامة ورشاقة دورها ذات الحدائق، وكثرة ما فيها من وسائل المتعة والفساد، وجمال سراريها وسحرهن، وقدرة حكامها على الاحتفاظ بالأمن العام والنظام، ورقة أهلها وحسن أخلاقهن، ويقول إن محيط المدينة يبلغ مائة ميل وإن:
طرقاتها وقنواتها عريضة تتسع أولاها لمرور العربات وأخراها لمرور السفن محملة بالبضائع التي يحتاج إليها ساكنوها. والشائع على ألسنة الناس أن عدد ما فيها من الجسور على اختلاف أحجامها يبلغ اثني عشر ألفاً، وأن الجسور الممتدة فوق القنوات الكبرى والمتصلة بالشوارع الرئيسية مقامة على عقود عالية وبمهارة فائقة تستطيع معها السفن أن تمر من تحتها مبسوطة الشراع، كما تستطيع العربات والخيول أن تمر من فوقها لتدرج انحدارها من الشوارع إلى أعالي العقود ... وفي داخل المدينة عشرة ميادين رئيسية وأسواق عامة غير ما فيها من الحوانيت التي يخطئها الحصر، والممتدة على جانبي شوارعها ... ويبلغ طول كل ضلع من أضلاع هذه الميادين نصف ميل، وأمام الميدان يمتد الشارع الرئيسي ويبلغ عرضه أربعين خطوة، ويسير مستقيماً من أحد طرفي المدينة إلى الطرف الآخر. وتجري في اتجاه مواز إلى اتجاه الشارع الرئيسي... قناة كبيرة أقيمت على شاطئها المجاور للمدينة مخازن واسعة مشيدة من الحجارة يأوي إليها التجار القادمون من الهند وغيرها من الأقطار، ومعهم بضائعهم ومتاعهم. وبهذه الطريقة يسهل عليهم الاتصال بالأسواق العامة. ويجتمع في كل سوق من هذه الأسواق مدة ثلاثة أيام




صفحة رقم : 1310




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> ماركو بولو يزور كوبلاي خان


في كل أسبوع نحو أربعين أو خمسين ألف شخص ...
والشوارع كلها مرصوفة بالحجارة والآجر ... والشارع الرئيسي في المدينة مرصوف منه على الجانبين مسافة قدرها عشر خطوات، أما ما بينهما فمملوء بالحصباء الصغيرة ومن تحتها مصارف مقبية تجري فيها مياه الأمطار تنقلها إلى القنوات المجاورة بحيث يبقى الشارع جافاً على الدوام. والمركبات لا ينقطع مرورها على هذه الحصباء جيئة وذهاباً. وهي طويلة الشكل مغطاة من أعلاها، ولها ستائر ووسائد من الحرير وتتسع لستة أشخاص، يستأجرها أهل المدينة رجالاً كانوا أو نساء ممن يميلون إلى التنزه والاستمتاع بركوبها ...
ومن حول الأماكن في جميع الجهات مسارح لصيد الحيوان على اختلاف أنواعه ... ولا يبعد البحر عن المدينة أكثر من خمسة عشر ميلاً، وتحمل إليها منه في كل يوم عن طريق النهر كميات كبيرة من السمك ... وإذا رأى الإنسان هذا السمك حين يأتي إلى المدينة ظن أول وهلة أنه لن يباع كله فيها، ولكنه لا تمضي على مجيئه إليها إلا ساعات قليلة حتى يباع عن آخره وذلك لكثرة من فيها من السكان ... والشوارع المتصلة بالسوق كثيرة العدد وفي الكثير منها حمامات باردة يشرف عليها خدم وخادمات. وقد اعتاد من يتردد عليها من رجال ونساء أن يستحموا فيها بالماء البارد منذ صغرهم لاعتقادهم أن الاستحمام بالماء البارد مفيد لأجسامهم. ولكن هذه الحمامات قد أعدت بجوارها مع ذلك حجرات مجهزة بالماء الساخن ليستحم فيها الغرباء الذين لا يتحملون الماء البارد. ومن عادة الأهلين كلهم أن يغتسلوا في كل يوم وخاصة قبل وجبات الطعام ...
وخصصت في شوراع أخرى من المدينة أحياء للعاهرات وهن يبلغن من الكثرة حداً لا أجرؤ على ذكره ... وهؤلاء النسوة يلبسن الملابس الجميلة، ويتعطرن، ويسكن في بيوت جميلة الأثاث، ويقوم على خدمتهن كثيرات من الخادمات.




صفحة رقم : 1311




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> ماركو بولو يزور كوبلاي خان


وفي شوارع أخرى يقيم الأطباء والمنجمون ... وقد أنشئت على جانبي شارع المدينة الرئيسي بيوت وقصور رحبة ... وأهل المدينة كلهم رجالاً كانوا أو نساء بيض الوجوه على جانب كبير من الجمال، يرتدي معظمهم ملابس من الحرير ... والنساء ذوات جمال بارع ويُعَوَّدْنَ من صغرهن الرقة والنحافة، وليس في وسع من لم يشهد هؤلاء النسوة أن يتصور ما يتحلين به من حرير وجواهر(3).
وقد أعجب ماركو بولو بمدنية بيجنج (أو كمبلوك كما كانت تسمى وقتئذ) أكثر من إعجابه بهانجتشاو نفسها، فهو إذا ما تحدث عنها عجزت ملايينه عن وصف ثروتها وتعداد عامرها. وكانت ضواحي المدينة الاثنتي عشرة أجمل منها نفسها، ذلك لأن رجال الأعمال قد شادوا في هذه الضواحي كثيراً من البيوت الجميلة(4). وكان في المدينة نفسها كثير من الفنادق وآلاف المتاجر الثابتة والمتنقلة. وكان الطعام فيها على اختلاف أنواعه موفوراً، وكان يدخلها في كل يوم ألف حمل من الحرير الخام لتصنع منه الملابس لأهلها. وقد كان للخان قصور في هانجتشاو وشانجتو وغيرهما من المدن ولكن أكبر قصوره كان في بيجنج نفسها. وكان يحيط بهذا القصر سور من الرخام ويصعد إليه بدرج من الرخام أيضاً. وكان مبناه الرئيسي كبيراً "يتسع لأن تمد فيه موائد الطعام لجماعات كبيرة من الناس". وقد أعجب ماركو بتنظيم الغرف، وبنوافذها البراقة الدقيقة الشفافة، وبما يغطي سقفها من قرميد مختلف الألوان. ويقول أنه لم ير في حياته مدينة في مثل غناها ولا مَلِكاً في عظمة ملكها(5).
وما من شك في أن الشاب البندقي قد تعلم اللغة الصينية حتى استطاع أن يتحدث بها ويقرأها. ولعله عرف من المؤرخين الرسميين كيف فتح كوبلاي وأسلافه المغول بلاد الصين. وكان سبب غزوات المغول أن ما أصاب الأقاليم الممتدة بإزاء حدود الصين الشمالية الغربية من جفاف قد أحالها صحراء جدباء




صفحة رقم : 1312




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> ماركو بولو يزور كوبلاي خان


عاجزة عن الوفاء بحاجة أهلها الأقوياء، فاندفع المغول (أي البواسل) إلى شن الغارات المستيئسة لامتلاك بلاد أخصب من بلادهم وأوفر منها أرزاقاً. وكان نجاحهم في غاراتهم سبباً في تقوية روحهم العسكرية ونزعتهم الحربية، فلم يقفوا في فتوحهم إلا بعد أن اكتسحت جحافلهم بلاد آسية كلها إلا القليل منها، وأجزاء من أوربا. وتقول الروايات إن قائدهم الجبار جنكيز خان قد ولد وفي كفه جلطة من الدماء، فلما بلغ الثالثة عشرة من عمره أخذ يؤلف بين قبائل المغول ويجمعها تحت لوائه، واتخذ الإرهاب وسيلة إلى هذا الجمع، فكان يصلب الأسرى على حمير من الخشب، أو يقطعهم إرباً، أو يقلي أجسامهم في القدور، أو يسلخ جلودهم وهم أحياء. ولما تلقى من إمبراطور الصين تنج دزونج رسالة يدعوه فيها للخضوع بصق في اتجاه عرش التنين، وبدأ من فوره حملته مجتازاً ألفاً ومائتين من الأميال في قلب صحراء جوبي، وهجم على ولايات الصين الغربية، ودمر من مدائنها تسعين مدينة سواها بالأرض حتى يستطيع الفرسان أن يسيروا فوق الأراضي المخربة في الظلام دون أن تعثر خيولهم. وظل "عاهل العالم" خمس سنين كاملة يخرب في بلاد الصين الشمالية. ثم أزعجه اقتران كوكبين من الكواكب رأى في اقترانهما نذير شؤم، فقفل راجعاً إلى قريته، ولكنه مرض ومات في الطريق.
وواصل خلفاؤه أو جوداي، ومانجو، وكوبلاي حملاته بقوة همجية؛ وكان الصينيون قد أهملوا فنون الحرب ووجهوا همهم كله مدة قرون عدة إلى الثقافة، فلم يثبتوا أمام الغزاة بل خروا صرعى يجللهم العار القومي والبطولة الفردية، وثبت أحد حكام الصين في جويتنج - فو وصمد للحصار حتى قتل المحاصرون كل من كان في المدينة من الشيوخ والعاجزين وأكلوا لحومهم، وهلك جميع القادرين على القتال ولم يبق لحراسة الأسوار إلا النساء، ثم أشعل النار في المدينة واحترق هو نفسه في قصره. واجتاحت جيوش كوبلاي بلاد الصين حتى وقفت أمام




صفحة رقم : 1313




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> ماركو بولو يزور كوبلاي خان


كنتون آخر ملجأ لجأت إليه أسرة سونج الحاكمة. فلما عجزت الجيوش الصينية عن المقاومة حمل لوشي يوفو القائد الصيني الإمبراطور الغلام على ظهره وألقى به وبنفسه في البحر فماتا معاً. ويقال إن مائة ألف من الصينيين آثروا الموت غرقاً على التسليم للفاتح المغولي. وأمر كوبلاي أن يحتفل بجنازة الإمبراطور احتفالاً رسمياً كبيراً، وشرع يؤسس الأسرة اليوانية "الأصيلة" وهي الأسرة المغولية التي حكمت الصين أقل من مائة عام.
ولم يكن كوبلاي نفسه بربرياً همجياً. وليس أهم ما يستثنى من هذا الوصف هو سياسته الغادرة لأن الغدر كان من الأخلاق الشائعة في تلك الأيام، بل أهم ما يستثنى منه هو ما عامل به ون تيان - شيانج، وهو عالم وطني أبى أن يعترف بحكومة كوبلاي وفاء منه لأسرة سونج. فألقاه كوبلاي في السجن ومكث فيه ثلاث سنين ولكنه أبى أن يخضع وكتب في سجنه تلك القطعة التي تعد من أشهر ما كتب في الأدب الصيني كله:
إن سجني لا يضيئه إلا الصيهد ولا تدخله نسمة من نسمات الربيع لتؤنسني في وحدتي وتخفف بعض ظلمته ... وكثيراً ما فكرت في أن أقضي على نفسي من فرط ما أثر في من الضباب والندى، ولكن الموت ظل عامين كاملين يحوم حولي ولا يقضي عليَّ؛ وأضحت الأرض الرطبة المضرة بالصحة جنة الفردوس نفسها. ذلك بأنه كان يستقر بين جوانحي ما لا تستطيع النائبات أن تغتصبه مني، ولهذا بقيت مطمئن القلب ثابت الجنان أتطلع إلي السحب البيضاء فوق رأسي وأطوي قلبي على آلام لا حد لها كما لا حد للسماء.
واستدعاه كوبلاي آخر الأمر إلى المثول بين يديه وسأله الملك قائلاً: "أي شيء تريد؟" فأجابه ون بقوله: "لقد عطف عليَّ إمبراطور سونج فجعلني وزيراً لجلالته، وليس في وسعي أن أخدم سيدين، وكل ما أطلبه أن أموت!". وأجابه كوبلاي إلى ما طلب؛ وبينما كان ون ينتظر أن يهوي سيف الجلاد على




صفحة رقم : 1314




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> ماركو بولو يزور كوبلاي خان


عنقه انحنى في خضوع واحترام نحو الجنوب كأن الإمبراطور من آل سونج لا يزال يحكم في نانكنج العاصمة الجنوبية(7).
ومع هذا فقد أوتي كوبلاي من الحكمة ما جعله يعترف بتفوق الصينيين على المغول في ميدان الحضارة، ويعمل من أجل هذا على مزج عاداتهم بعادات أهل بلاده. وكان لابد له أن يلغي نظام تقلد المناصب العامة بالامتحان، وذلك لأنه لو أتبع هذا النظام لكان جميع الموظفين في حكومته من الصينيين، ثم قصر معظم الوظائف الكبرى على أتباعه من المغول وحاول وقتاً ما أن يدخل إلى البلاد الحروف الهجائية المغولية، ولكنه قَبِل هو وأتباعه في معظم شئونهم حضارة الصين، وما لبثوا أن استحالوا بفضل هذه الحضارة أمة صينية. ومما يذكر له أن أباح ما كان في الصين من ديانات وشجع دخول الديانة المسيحية في البلاد لأنه رأى فيها أداة صالحة لتهدئتها وبسط سلطانه عليها. وأعاد فتح القناة العظمى بين تينتسين وهنجتشاو، وأصلح الطرق الكبرى وأنشأ نظاماً سريعاً للبريد في أقاليم أوسع رقعة من البلاد التي خضعت لحكومة الصين مذ جلس على عرشها، وأقام في البلاد أهراء عامة عظيمة ليخزن فيها ما يفيض عن حاجة البلاد من المحصولات الزراعية ليوزعها على الأهلين في أيام القحط، وألغى الضرائب عن جميع الزراع الذين أضر بمزروعاتهم الجفاف والعواصف والحشرات ، وأوجد نظاماً تعين الدولة بمقتضاه الشيوخ من العلماء والأيتام والعجزة، وكان سخياً في تشجيع التعليم والآداب والفنون وبسط رعايته عليها. وقد عدل التقويم في أيامه، وافتتح المجمع العلمي الإمبراطوري(9)، وشاد عاصمة جديدة للبلاد في بيكين كانت لروعتها وكثرة




صفحة رقم : 1315




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> ماركو بولو يزور كوبلاي خان


عامرها موضع إعجاب من يزورها من الغرباء، وشيدت القصور وازدهرت العمارة ازدهاراً لم تر الصين له مثيلاً من قبل.
ويقول ماركو بولو: "وقد كان بولو حاضراً في البلاد حيث كان هذا كله يحدث فيها"(10) واتصل الشاب بالخان وتقرب إليه واستطاع بذلك أن يصف لنا ضروب تسليته وصفاً مفصلاً ينم عن إعجابه الشديد به؛ ويقول إن كان للخان فضلاً عن زوجاته الأربع اللاتي يسمين بالإمبراطورات عدد كبير من السراري جيء بهن من أنجوت في بلاد التتار لأن الإمبراطور كان يعجب بجمال نساء تلك البلاد. ويضيف ماركو إلى هذا قوله إن عدداً من الموظفين المشهود لهم بحسن الذوق كانوا يرسلون إلى هذا الإقليم ليجندوا لخدمة جلالة الإمبراطور مائة من الفتيات حسب الأوصاف التي كان هو نفسه يعنى بوصفها أشد العناية.
فإذا ما مثلن أمامه، أمر أن تختبرهن اختباراً جديداً طائفة أخرى من الباحثين وأن يختار من بينهن ثلاثون أو أربعون فتاة يستبقين في قصره ... ثم يعهد بكل واحدة منهن إلى إحدى كبار السيدات في القصر لتتأكد من أنها ليس فيها شيء من العيوب التي تخفى عن الأعين وأنها تنام نوماً هادئاً، ولا تغط في أثناء نومها، ولا تنبعث رائحة كريهة من أي جزء من أجزاء جسمها. فإذا ما نجحن في هذا الاختبار الدقيق قسمن جماعات كل منها مؤلفة من خمس تقيم كل منها في حجرة جلالته الداخلية ثلاثة أيام وثلاث ليال يؤدين في خلالها كل ما يطلب إليهن من خدمات ويفعل بهن ما يشاء. فإذا ما انقضت هذه الفترة حلت محل تلك الجماعة جماعة أخرى وهكذا دواليك حتى تأخذ كل جماعة دورها ثم تعود الجماعة الأولى إلى الخدمة من جديد(11).
وبعد أن أقام ماركو بولو هو وأبوه وعمه عشرين سنة في بلاد الصين أغتنم ثلاثتهم فرصة قيامهم بمهمة إلى الفرس، أوفدهم بها الخان، فعادوا إلى بلادهم بأقل




صفحة رقم : 1316




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> ماركو بولو يزور كوبلاي خان


النفقات وأقل ما يمكن أن يتعرضوا له من الأخطار. وبعث معهم كوبلاي برسالة إلى البابا، وحباهم بجميع ما كان معروفاً في ذلك الوقت من التسهيلات للمسافرين، وقضوا في طوافهم بحراً حول جزيرة الملايو إلى الهند وفارس وفي رحلتهم البرية إلى طربزون على البحر الأسود وأخيرا في رحلتهم البحرية إلى البندقية ثلاث سنين. ولما وصلوا إلى أوربا عرفوا أن الخان والبابا قد توفيا . وعمر ماركو طويلاً فلم يستسلم للموت حتى بلغ السبعين من عمره. فلما حضرته الوفاة طلب إليه أصدقائه أن ينجي نفسه من العذاب في الدار الآخرة بمحو ما ورد في كتابه من العبارات الواضحة البطلان ولكنه أفحمهم برده عليهم: "أني لم أذكر في كتابي نصف ما شاهدته".
ولم يمض على وفاته إلا وقت قصير حتى أصبح من العادات المألوفة في حفلات البندقية الساخرة أن يرتدي شخص ثياب المهرجين ليسر الناس في تلك الاحتفالات بما ينطق به من المبالغات غير المعقولة؛ وكان يطلق على هذا المهرج الماجن اسم "ماركو الملايين".




صفحة رقم : 1317




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> أسر منج وجنج



2- أسرتا منج وجنج




سقوط المغول - أسرة منج - غزو المنشو - أسرة




جنج - ملك مستنير - شين لونج يأبى قبول الأفكار الغريبة


ولم تعرف الصين بعدئذ مثل هذا العهد الزاهر إلا بعد أربعة قرون، فسرعان ما دب الاضمحلال في أسرة يوان متأثرة بانهيار سلطان المغول في أوربا وغرب آسية وفي ذوبان المغول في جسم الشعب الصيني نفسه، إذا جاز أن نلجأ إلى هذه العبارة السهلة المتحذلقة لنعلل بها هذه الظاهرة التي تتكرر في جميع الأوقات. وهناك أسباب أخرى لا تقل عن هذين السببين قوة وخطراً؛ ذلك أن إمبراطورية




صفحة رقم : 1318




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> أسر منج وجنج


كالصين متسعة الرقعة قليلة التماسك من الناحية الطبيعية تفصلها الجبال والصحراوات والبحار لا يمكن أن تخضع إلى ما شاء الله لحكومة واحدة. وقد كان المغول رجال حرب خيراً منهم رجال حكم وإدارة، ولذلك اضطر خلفاء كوبلاي خان أن يعودوا إلى نظام الامتحان وإلى الانتفاع بكفاية الصين الإدارية، ولم يحدث الفتح المغولي أثراً يذكر في عادات الصينيين وأفكارهم إلا ما عسى أن يكون قد أدخله في الأدب الصيني من الروايات والمسرحيات. وتزوج الصينيون مرة أخرى من فاتحيهم ومدنوهم وغلبوهم على أمرهم، حتى إذا كان عام 1368م تزعم أحد الكهنة البوذيين السابقين ثورة على هؤلاء الفاتحين ودخل بيكين منتصراً وأعلن نفسه أول إمبراطور من أسرة السنج (أي المتألقين). وجلس على العرش في الجيل التالي ملك قدير من ملوك هذه الأسرة، واستمتعت الصين في عهد يونج لو مرة أخرى بعهد جديد من عهود الرخاء، وعادت إلى تشجيع الفنون، بيد أن عهد الأسرة "المتألقة" انتهى مع ذلك بفترة من الفوضى والاضطراب والغزو الخارجي: وبينما كانت البلاد منقسمة إلى أحزاب متنافرة متعادية اجتاحتها جحافل جديدة من الغزاة الفاتحين واقتحمت السور العظيم وحاصرت بيكين. تلك هي جحافل المنشو.
وكان المنشو شعبا تنجوسياً ظل قروناً كثيرة يعيش في البلاد التي تعرف الآن باسم منشو كو (أي مملكة المنشو)، ومدوا فتوحهم في أول الأمر نحو الشمال حتى وصلوا إلى نهر عامور، ثم اتجهوا نحو الجنوب وهجموا على عاصمة الصينيين. وجمع آخر أباطرة المنج أسرته حوله وشرب نخبهم، وأمر زوجته أن تنتحر ، ثم شنق نفسه بمنطقته بعد أن كتب آخر أوامره على طية ثوبه: "نحن الفقراء في الفضيلة، ذوي الشخصية الحقيرة، قد استحققنا غضب الله العلي القدير.




صفحة رقم : 1319




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> أسر منج وجنج


"لقد غرر بي وزرائي، وإني لأستحي أن ألقى في الآخرة آبائي وأجدادي، ولهذا فإني أخلع بيدي تاجي عن رأسي، وأنتظر وشعري يغطي وجهي أن يقطع الثوار أشلائي، لا تؤذوا أحداً من أبناء شعبي"(15). ودفنه المنشو باحتفال يليق بكرامته وأسسوا أسرة الشنج ( الطاهرة) التي حكمت الصين حتى عهدنا الثوري الحاضر.
وسرعان ما أصبحوا هم أيضا صينيين واستمتعت البلاد تحت حكم كانج شي بعهد من الرخاء والسلم والاستنارة لم تعرف له مثيلاً في تاريخها كله. جلس هذا الإمبراطور على العرش وهو في السابعة من عمره، فلما بلغ الثالثة عشرة أمسك بيده زمام الأمور في إمبراطورية لم تكن تشمل وقتئذ بلاد الصين وحدها بل كانت تشمل معها بلاد المغول ومنشوريا وكوريا والهند الصينية وأنام والتبت والتركستان. وما من شك في أنها كانت أكبر إمبراطوريات ذلك العهد وأكثرها ثروة وسكاناً. وحكمها كانج شي بحكمة وعدل حسدها عليهما معاصراه أورنجزيب ولويس الرابع عشر. وكان الإمبراطور نفسه رجلاً نشيطاً قوي الجسم والعقل، ينشد الصحة في الحياة العنيفة خارج القصور ويعمل في الوقت نفسه على أن يلم بعلوم تلك الأيام وفنونها. وكان يطوف في أنحاء مملكته ويصلح ما فيها من العلوم حيثما وجدها، ومن أعماله أنه عدل قانونها الجنائي. وكان يعيش عيشة بسيطة ليس فيها شيء من الإسراف أو الترف، ويقتصد في نفقات الدولة الإدارية ويفخر بالعمل على رفاهية شعبه(16). وازدهرت الآداب والعلوم في أيامه بفضل تشجيعه إياها ومناصرتها؛ وعاد فن الخزف إلى أعلى ما وصل إليه في أيام مجده السابقة. وكان متسامحاً في الأمور الدينية فأجاز كل العبادات ودرس اللغة اللاتينية على القساوسة اليسوعيين، وصبر على الأساليب الغربية التي كان يتبعها التجار الأوربيون في ثغور بلاده. ولما مات بعد حكمه الطويل الموفق (1661- 1722) كان آخر ما نطق به هو هذه الألفاظ: "إني




صفحة رقم : 1320




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> أسر منج وجنج


لأخشى أن تتعرض الصين في مئات أو آلاف السنين المقبلة إلى خطر الاصطدام مع مختلف الأمم الغربية التي تفد إلى هذه البلاد من وراء البحار" (17).
وبرزت هذه المشاكل الناشئة من ازدياد التبادل التجاري والاتصال بين الصين وأوربا مرة أخرى في عهد إمبراطور آخر قدير من أسرة المنشو هو شين لونج. وكان هذا الإمبراطور شاعراً أنشأ 000ر34 قصيدة إحداها في "الشاي" وصلت إلى مسامع فلتير فأرسل "تحياته إلى ملك الصين الفاتن"(18)، وصوره المصورون الفرنسيون وكتبوا تحت صورته باللغة الفرنسية أبياتاً من الشعر لا توفيه حقه من الثناء يقولون فيها:
"إنه يعمل جاهداً دون أن يخلد إلى الراحة للقيام بأعمال حكومته المختلفة التي يعجب الناس بها. وهذا الملك أعظم ملوك العالم وهو أيضاً أعلم الناس في إمبراطوريته بفنون الأدب".
وحكم الصين جيلين كاملين (1737- 1796م)، ونزل عن الملك لما بلغ الثامنة والخمسين، ولكنه ظل يشرف على حكومة البلاد حتى توفي (1799م). وحدثت في آخر سني حكمه حادثة كان من شأنها أن تذكر المفكرين من الصينيين بما أنذرهم به كانج- شي، فقد أرسلت إنجلترا بعد أن أثارت غضب الإمبراطور باستيراد الأفيون إلى بلاد الصين بعثة برياسة لورد مكارنتي لتفاوض شين لونج في عقد معاهدة تجارية بين البلدين. وأخذ المبعوثون الإنجليز يشرحون للإمبراطور المزايا التي تعود عليه من تبادل التجارة مع إنكلترا وأضافوا إلى أقوالهم أن المعاهدة التي يريدون عقدها سيفترض فيها مساواة ملك بريطانيا بإمبراطور الصين. فما كان من شين لونج إلا أن أملى هذا الجواب ليرسل إلى جورج الثالث:
"إن الأشياء العجيبة البديعة لا قيمة لها في نظري؛ وليس لمصنوعات بلادكم فائدة لدي. هذا إذن هو ردي على ما تطلبون إليَّ من تعيين ممثل لكم في بلاطي




صفحة رقم : 1321




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> نبذة تاريخية -> أسر منج وجنج


وهو طلب يتعارض مع عادات أسرتي ولا يعود عليكم إلا بالمتاعب. لقد شرحت لك آرائي مفصلة وأمرت مبعوثيك أن يغادروا البلاد في سلام عائدين إلى بلادهم، وخليق بك أيها الملك أن تحترم شعوري هذا، وأن تكون في المستقبل أكثر إخلاصاً وولاء مما كنت في الماضي، حتى يكون خضوعك الدائم لعرشي من أسباب استمتاع بلادك بالسلم والرخاء في مستقبل الأيام"(19).
بهذه العبارات القوية الفخورة حاولت الصين أن تدرأ عنها شر الانقلاب الصناعي. ولكننا سنعرف في الفصول التالية كيف غزت الثورة الصناعية البلاد رغم هذا الاحتياط. ولندرس الآن قبل الكلام عن هذه الثورة العناصر الاقتصادية والسياسية والخلقية التي تتألف منها تلك الحضارة الفذة المستنيرة الجديرة بالدرس، والتي يبدو أن الثورة الصناعية ستقضي عليها القضاء الأخير.




صفحة رقم : 1322




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الصينيون ولغتهم



الفصل الثاني




الصينيون ولغتهم




تعداد السكان - مظهرهم الخارجي - ملبسهم -




خصائص اللغة الصينية - خصائص الكتابة الصينية


إن أول عنصر من عناصر الصورة التي سنرسمها في هذا الفصل هو عنصر العدد؛ فالصينيون كثيرون، وليس عددهم معروفاً بالضبط، وكل ما يقال عنه من قبيل الحدس والتخمين. ويظن بعض العلماء أن سكان الصين في عام 280 ق.م كانوا يبلغون حوالي 000ر000ر14 وأنهم وصلوا في عام 200 ق.م إلى 000ر000ر28 وفي عام 726 ق.م إلى 000ر500ر41 وفي عام 1644 بعد الميلاد إلى 000ر000ر89 وفي عام 1743 إلى 000ر000ر150 وفي عام 1919 إلى 000ر000ر330 (20). ويقول أحد الرحالة الأوربيين إنه أحصى في الصين في القرن الرابع عشر "مائتي مدينة كل واحدة منها أكبر من مدينة البندقية"(21). وإحصاء السكان في الصين يحدث تنفيذاً لقانون يحتم على كل صاحب بيت أن ينقش اسم كل ساكن فيه على لوحة عند مدخله(22). ولسنا نعلم بطبيعة الحال مدى صحة هذه اللوحات، ولا مدى صحة التقريرات التي يقال إنها توضع على أساسها، وحسبنا أن نقول إن سكان الصين يبلغون الآن حوالي أربعمائة مليون من الأنفس.
ويختلف الصينيون في أجسامهم، فهم في الجنوب أقصر قامة وأضعف أجساماً منهم في الشمال، غير أنهم بوجه عام أنشط أهل قارة آسية وأكثرهم حيوية، ذوو بأس وصبر على الشدائد والآلام، شديدو المقاومة للأمراض، سريعو التأقلم في كل مناخ؛




صفحة رقم : 1323




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الصينيون ولغتهم


وقد استطاعوا بفضل هذه الصفة أن يعيشوا ويثروا في مناطق العالم كلها تقريباً. ولم يقو الأفيون ولا الزهري ولا عدم الزواج بغيرهم من الشعوب على إضعاف صحتهم؛ وإذا كان نظامهم الاجتماعي قد انهار في الأيام الأخيرة فإن هذا الانهيار لم يكن نتيجة ضعف ظاهر في قواهم الجسمية أو العقلية.
ووجه الصيني ينم عن أنه أذكى خلق الله طراً، وإن لم يكن هذا الوجه على الدوام جميلاً جذاباً. نعم إن بعض الطبقات المعدمة تبدو في أعين الغربيين بشعة شديدة القبح، وإن لبعض المجرمين منهم نظرات خبيثة ما أجدر أصحابها بأن يكونوا ممثلين هزليين في دور الخيالة، ولكن كثرتهم العظمى ذات ملامح منتظمة متناسبة هادئة زادها هدوءاً عاملان أحدهما جثماني وهو انخفاض الجفون وثانيهما اجتماعي وهو ما نعموا به من الحضارة التي دامت عدة قرون. وليس انحراف العينين كبيراً واضحاً إلى الحد الذي يتصوره المرء مما يقال أو يكتب عنهم، وكثيراً ما تؤثر الشمس في بشرتهم الصفراء فتخلع عليها لوناً أسمر جميلاً. ونساء الزراع منهم لا يكدن ينقصن عن الرجال قوة في الأجسام، كما أن نساء الطبقات العليا رقيقات الحاشية جميلات يبيضن وجوههن بالمساحيق، ويحمرن شفاههن وخدودهن، ويسودن حواجبهن ويزججنها حتى تكون أشبه بورقة الصفصاف أو الهلال(23). وشعر الرأس خشن قوي عند الرجال والنساء، خال من التجاعيد يعقصه النساء ويزينه عادة بالأزهار. ولقد أراد الرجال في عهد آخر الأسر الحاكمة أن يسروا حكامهم فاتبعوا عادة المنشو وهي حلق شعر نصف الرأس الأعلى. ثم أرادوا أن يعوضوا هذا النقص فتركوا شعر النصف الخلفي وجمعوه في غديرة طويلة أصبحت على مر الزمن أداة لتقويم المخطئ ومظهراً من مظاهر الكبرياء(24). ولحاهم لا تطول، وكانوا يحلقونها على الدوام، وقلما كان الواحد منهم يحلق لحيته بيده، فقد كان من عادة الحلاقين أن يطوفوا بالناس ومعهم أدواتهم، وكانوا طائفة موفورة الكسب.




صفحة رقم : 1324




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الصينيون ولغتهم


وكانوا عادة يتركون رؤوسهم عارية؛ فإذا غطى الرجال رؤوسهم اتخذوا لهم في الشتاء قلانس من المخمل أو الفراء ذوات حافات منثنية إلى أعلى، وفي الصيف قلانس مخروطية الشكل مصنوعة من خيوط الخيزران تعلو الواحدة منها إذا كان صاحبها ذا شأن كرة ملونة وشريط حريري.
أما النساء فكن يضعن على رءوسهن، إذا مكنتهن من ذلك مواردهن، أشرطة من نسيج الحرير أو القطن مزينة بالبهرجان والحلي أو الأزهار الصناعية، وكانت الأحذية تتخذ عادة من الأقمشة المدفئة، ولما كانت أرض المنازل تصنع في كثير من الأحيان من القرميد البارد أو الطين فإن الصيني كان يحمل معه أينما سار طنفسة صغيرة يضعها تحت قدميه. وقد نبتت في بلاط الإمبراطور لي هو- جو (حوالي 970 ب.م) عادة ربط أقدام البنات وهن في سن السابعة بأربطة ضيقة لكي تبقى صغيرة فتمشي السيدة الكبيرة تخطو خطواً يعجب به الرجال. وكان يعد من سوء الأدب أن يتحدث الناس عن قدم السيدة كما كان يعد من الإهانة الفاضحة أن ينظر الرجل إلى هذه القدم؛ بل إن الكلمة الصينية التي معناها القدم كان يحرم ذكرها في حضرة السيدات(25).
وانتشرت هذه العادة بين جميع الطبقات والجماعات عدا المنشو والتتار وأصبحت من العادات الثابتة الجامدة، حتى لقد كان الكذب في حجم قدم العروس كافياً لإلغاء عقد الزواج(26). وحاول كانج شي أن يبطل هذه العادة ولكنه أخفق وظلت حتى أبطلتها الثورة فكان إبطالها أثراً من آثارها الصالحة.
وكانت ملابس الرجال هي السراويل والجلابيب، ويكاد لونها أن يكون على الدوام هو اللون الأزرق. وفي الشتاء كان السروال يغطى بالطماق ويضاعف عدد القمصان حتى يبلغ الثلاثة عشر في بعض الأحيان، وكانت كلها تبقى على الجسم ليلاً ونهاراً طوال فصل الشتاء، فإذا أقبل الربيع خلعت تدريجاً واحدة بعد واحدة(27). وكان المئزر مختلف الطول فكان يصل حيناً إلى الحقوين وحيناً إلى




صفحة رقم : 1325




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الصينيون ولغتهم


الركبتين وتارة إلى القدمين، وكان يزرر إلى العنق، وكان له كُمّان كبيران يغنيان عن الجيوب، والصينيون لا يقولون إن الرجل وضع شيئاً ما في "جيبه" بل يقولون إنه وضعه في "كمه". أما القمصان والملابس الداخلية فلسنا نخطئ كثيراً إذا قلنا إنها كانت غير معروفة. وكانت النساء في الريف يلبسن سراويل كسراويل الرجال لأنهن قد اعتدن أن يعملن أعمال الرجال وأكثر من أعمال الرجال. أما في المدن فكن يلبسن فوق السراويل نقباً . وكان الحرير كثيراً في المدن يستوي في ذلك هو والقطن.
ولم تكن للنساء مناطق تضغط على خصرهن أو مشدات تمسك ثديهن، وبذلك كانت ملابس الصينيين بوجه عام أكثر انطباقاً على مقتضيات العقل وأكثر ملاءمة لصحة الجسم وراحته من ملابس الغربيين في هذه الأيام. ولم يكن لأنماط الملابس سلطان قوي على المرأة الصينية كما لم تكن الملابس وسيلة لتباين الطبقات ورفع بعضها فوق بعض. ذلك لأن أهل المدن مهما اختلفت أقدارهم كانوا لا يختلفون في ملابسهم، كما أن هذه الملابس لا تكاد تختلف في الأجيال المختلفة. نعم قد يختلف القماش الذي يصنع منه الثوب، أما شكله فقد كان واحداً على الدوام، ولم تكن طبقة من الطبقات تشك في أن نمطاً من الأنماط سيبقى إلى أن يبلى الثوب.
ولغة الصينيين تختلف عن سائر لغات العالم أكثر مما تختلف ملابسهم عن ملابس سائر الناس. ذلك أنها ليست لها حروف و لا هجاء ولا نحو ولا تنقسم إلى أسماء وأفعال وحروف، وإنا لنعجب كيف استطاعت هذه الأمة وهي أقدم أمم الأرض وأكثرها عدداً أن تعيش من غير هذه البلايا التي أبتلي بها شبان الأمم الغربية. ومن يدري فلربما كان لهذه اللغة في الأيام الخالية المنسية اشتقاق ونحو وصرف وإعراب وتثنية وجمع وأفعال ماضية وحاضرة ومستقبلة، ولكننا لا نجد




صفحة رقم : 1326




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الصينيون ولغتهم


أثراً لشيء من هذا في أقدم ما عرفنا من عهود هذه اللغة، فكل كلمة فيها قد تكون اسما أو فعلاً أو صفة أو ظرفاً بحسب سياقها وطريقة النطق بها. ولما كانت اللهجات الكلامية لا تحتوي على أكثر من ثلاثمائة أو أربعمائة لفظ صوتي ذي مقطع واحد، ولما كانت هذه المقاطع هي التي تستعمل للتعبير عن الأربعين ألف حرف المستخدمة في اللغة الكتابية فإن لكل واحد من الألفاظ الصوتية "نغمات" تختلف من أربع إلى تسع بحيث يختلف معناه باختلاف طريقة التغني به.
وتوضح حركات الجسم وسياق الكلام هذه النغمات، وتجعل كل صوت يؤدي أغراضاً متعددة، فحرف الباء وحده مثلاً قد يؤدي تسعة وستين معنى كما أن اللفظ شي تسعة وخمسين، وللفظ كو تسعة وعشرين(30). ولسنا نعرف لغة من اللغات قد بلغت ما بلغته اللغة الصينية من التعقيد والدقة والاختصار.
وكانت لغة الكتابة أكثر اختلافاً عن سائر لغات العالم من لغة الكلام. تشهد بذلك الأدوات التي استخرجت من هونان والتي يرجعها المؤرخون إلى عهد أسرة شانج وإن لم يكونوا واثقين من ذلك كل الثقة، فقد وجدوا على هذه الأدوات كتابة برموز لا تختلف كثيراً عن الرموز المستعملة في هذا الجيل. ولهذا فإننا إذا استثنينا عدداً قليلاً من الأقباط الذين يتكلمون اللغة المصرية القديمة فإن اللغة الصينية هي أقدم اللغات التي ينطق بها الناس في هذه الأيام وأوسعها انتشاراً. وكان الصينيون في بادئ الأمر يعقدون عقداً في خيوط لينقلوا بها رسائلهم، وأكبر الظن أن حاجة الكهنة إلى نقل الطلاسم السحرية وحاجة الفخرانيين إلى تمييز آنيتهم بعضها من بعض هي التي أدت إلى الرموز المصوِّرة(32).




صفحة رقم : 1327




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الصينيون ولغتهم


وكانت هذه الرموز المصورة البدائية منشأ العلامات الستمائة وهي الرموز الأساسية في الكتابة الصينية؛ وقد سمي نحو مائتين وأربعة عشر رمزاً منها "أصولاً" لأنها عناصر أساسية. وجميع حروف اللغة الدارجة، والحروف المستعملة في الوقت الحاضر، رموز معقدة غاية التعقيد أثقل فيها العنصر التصويري البدائي بزيادات كثيرة يقصد بها تحديد معنى اللفظ تحديداً واضحاً، ويكون ذلك في العادة ببيان ما يطرأ من تغيير على نغمته. ولم يكتف الصينيون بأن يجعلوا لكل كلمة ينطقون بها علامة بل أنهم يجعلون لكل فكرة أيضاً علامة خاصة، فهذه علامة يرمز بها للحصان وهذه علامة أخرى يرمز بها "للحصان الأحمر الأسود ذي البطن الأبيض" كما يرمز برمز آخر للحصان ذي البقعة البيضاء على جبهته . ولا تزال بعض هذه الرموز بسيطة بساطة نسبية، فالقوس فوق خط مستقيم (أي الشمس فوق الأفق) معناهما "الصباح". والشمس والقمر مجتمعين يمثلان "الضوء"؛ والفم والطائر معاً معناهما "الغناء"، والمرأة تحت سقف معناها "السلام"؛ والمرأة والفم والعلامة الدالة على "الالتواء" يتكون منها الرمز الذي منه "خَطِر"؛ والرجل والمرأة مجتمعين يعنيان "شرشرة"؛ والنزاع يعبر عنه بامرأة ذات فمين، والزوجة يعبر عنها بالعلامات الدالة على امرأة ومكنسة وزوبعة(33).
وهذه لغة بدائية من بعض الوجود استطاع أهلها بمحافظتهم الشديدة على القديم أن يبقوها حية في هذه الأوقات "الحاضرة". والصعوبات الكامنة في هذه اللغة أوضح من مزاياها وفضائلها، ويقال إن الصيني يحتاج إلى ما بين عشر سنين وخمسين سنة ليتعلم فيها جميع الأربعين ألف رمز التي تتكون منها




صفحة رقم : 1328




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الصينيون ولغتهم


لغته؛ ولكننا إذا عرفنا أن هذه الرموز ليست حروفاً بل أفكاراً، ثم فكرنا في طول الوقت الذي نحتاجه لكي نعرف أربعين ألف فكرة من الأفكار أو حتى أربعين ألف كلمة من الكلمات، رأينا أن في العبارات التي نستخدمها للمفاضلة بين اللغة الصينية وغيرها من اللغات ظلماً شديداً للصينيين، وأن من واجبنا إذا كنا ننشد الإنصاف أن نقول إن الصيني يحتاج إلى خمسين عاماً ليعرف أربعين ألف فكرة. والواقع أن الصيني العادي يكفيه ثلاثة آلاف علامة أو أربعة آلاف، وأن من السهل عليه أن يعرف هذا العدد بمعرفة "أصولها" السالفة الذكر. وأوضح ميزة لهذه اللغة- التي لا تعبر عن الأصوات بل عن الأفكار-هي أن الكوريين واليابانيين يسهل عليهم أن يقرؤوها كما يسهل على الصينيين، وأنها تعد لغة كتابة دولية لبلاد الشرق الأقصى. يضاف إلى هذا أنها تجمع في نظام واحد من نظم الكتابة بين جميع سكان الصين الذين تختلف لهجاتهم اختلافاً يجعل التفاهم بينهم يكاد أن يكون مستحيلاً، حتى أن الرمز الواحد يقرأ بأصوات مختلفة وكلمات مختلفة في مختلف البيئات. وهذه الميزة تنطبق على مختلف الأزمنة انطباقها على مختلف الأمكنة؛ ذلك بأن لغة الكتابة قد بقيت واحدة في جوهرها على حين أن لغة الكلام قد تفرعت إلى ما ينيف على مائة من اللهجات. ومن أجل هذا كان في وسع الصيني غير الأمي أن يقرأ الأدب الصيني الذي ظل يكتب بهذه الحروف نحو ألفي عام كاملة، وإن كنا لا نعلم كيف كان الكتاب الأقدمون ينطقون بالألفاظ التي كتبوها أو يعبرون عن الأفكار التي ترمز لها هذه العلامات. ولقد كان هذا الإصرار الشديد على الاحتفاظ بالكتابة الموحدة القديمة بين هذا الفيض الدافق من اللهجات الكلامية المتباينة عاملاً قوياً على الاحتفاظ بالأفكار الصينية والثقافة الصينية إلى هذه الأيام كما كانت عاملاً قوياً في تمسك الصينيين بعاداتهم وتقاليدهم القديمة. ذلك أن الأفكار القديمة قد رسخت في البلاد، وكانت هي القالب الذي صبت فيه عقول الشباب.




صفحة رقم : 1329




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الصينيون ولغتهم


وإن خصائص الحضارة الصينية لتتمثل في هذه الظاهرة الفذة التي امتازت بها كتابتها على غيرها من البلاد: وحدتها بين مختلف اللهجات والتطورات، وتمسكها الشديد بالقديم واتصالها المنقطع النظير. ولقد كان هذا النظام الكتابي في حد ذاته من أجل الأعمال العقلية وأعلاها شأناً، فقد صنف العالم بأجمعه- عالم الجماد والنشاط والأوصاف- إلى بضع مئات من الرموز التي جعلت "أصولاً"، ثم أضاف إلى هذه الأصول نحو خمسمائة وألف من العلامات المميزة فأضحت تمثل في صورها الكاملة جميع ما في الحياة من أفكار وآداب. ومن واجبنا ألا نثق كل الثقة من أن الطرق المختلفة التي ندون بها نحن أفكارنا أرقى من هذه الطريقة البدائية، فقد كان ليبنتز في القرن السابع عشر وسير وُنَلْدُرْس في هذه الأيام يحلمان بوضع طريقة من العلامات الكتابية مستقلة كل الاستقلال عن لغات الكلام، بعيدة كل البعد عن الاختلافات القومية، وعن اختلافات الزمان والمكان، يستطاع بها من أجل هذا التعبير عن أفكار الشعوب المختلفة بطرق واحدة يفهمها الناس كلهم على السواء، ولكن لغة الرموز هذه التي كان يحلم بها هذان العالمان قائمة فعلاً في الشرق الأقصى توحد بين مائة من الأجيال وبين ربع سكان العالم. وإن النتيجة التي وصل إليها الشرقي لنتيجة منطقية رهيبة: إن سائر بلاد العالم يجب أن تتعلم طريقة لكتابة الصينية.




صفحة رقم : 1330




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في الحقول



الفصل الثالث




الحياة العملية




1- في الحقول




فقر الزراع - الوسائل الاقتصادية -




المحصولات - الشاي - الطعام - صبر أهل القرية


لقد كان خصب التربة هو الدعامة التي يقوم عليها آخر الأمر كل ما حوته تلك اللغة من آداب، وكل ما اشتمل عليه التفكير الصيني من دقة وعمق، وكل ما انطوت عليه الحياة الصينية من نعيم وترف. وبعبارة أصح لقد كانت هذه الدعامة هي جهود الصينيين أنفسهم، لأن التربة الخصبة لا تخلق خلقاً بل تنشأ إنشاء. وما من شك في أن سكان الصين الأولين قد ظلوا قروناً طوالاً يكافحون الأدغال والغابات، والوحوش والحشرات، والجفاف والفيضان، وأملاح التربة والصقيع، حتى استطاعوا في آخر الأمر أن يحولوا تلك البراري الشاسعة الموحشة إلى حقول خصبة مثمرة، وكان لابد لهم أن يعودوا حيناً بعد حين إلى خوض هذه المعارك لكي يحتفظوا بما نالوا من نصر، فإذا ما استمروا يقطعون أشجار الغابات مائة عام مثلاً استحالت الأرض صحراء مجدبة ، وإذا أهملوا تقطيعها بضع سنين استحالت حراجاً وغابات كثيفة.
ولقد كان هذا الكفاح كفاحاً مريراُ ينطوي على أخطار جسيمة، وكان يزيد من مرارته أن البلاد كانت معرضة لهجمات البرابرة واستيلائهم على




صفحة رقم : 1331




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في الحقول


محصولات الأرض المستصلحة، ومن أجل هذا كان الزراع يتقون هذه الإغارة بأن يعيشوا في جماعات صغيرة لا في منازل متفرقة متباعدة، وكانوا ينشئون حول قراهم أسواراً ويخرجون لزرع الأرض مجتمعين، وكثيراً ما كانوا يقضون الليل ساهرين يحرسون الحقول.
وكانت طرق الزراعة عندهم ساذجة وإن كانت لا تختلف كثيراً عن طرق الزراعة في هذه الأيام. وكانوا في بعض الأحيان يفلحون الأرض بالمحاريث، وقد اتخذوها أولاً من الأخشاب ثم من الحجارة واتخذوها بعدئذ من الحديد، ولكنهم كانوا في أكثر الأحيان يقلبون ما يمتلكون من قطع الأرض الصغيرة بالفأس يكدحون بها صابرين. وكانوا يستعينون على إخصاب التربة بكل ما يجدونه من المخصبات الطبيعية ولا يستنكفون أن يجمعوا لهذا الغرض فضلات الكلاب والآدميين. ولقد احتفروا من أقدم الأزمنة قنوات يجرون فيها مياه أنهارهم المثيرة إلى مزارع الأرز أو حقول الذرة، فشقوا ترعاً عميقة يبلغ طولها عدة أميال في الصخور الصماء ليصلوا بها إلى مجرى مائي بعيد أو يحولوا مجراه حتى يصل إلى سهل جاف، واستطاع الصينيون دون الاستعانة بالدورة الزراعية أو المخصبات الصناعية، ومن غير حيوانات الجر في كثير من الأحيان أن يزرعوا نصف أرضهم على الأقل زرعتين أو ثلاث زرعات في العام، وأن يستخرجوا منها من أنواع الغذاء أكثر مما استخرجه أي شعب آخر في التاريخ(34).
وكانت أهم الحبوب التي زرعوها هي الأرز والذرة ويليها في الأهمية القمح والشعير. وكانوا يتخذون من الأرز غداء وخمراً، ولكن الفلاح لم يدمن هذا الشراب في يوم من الأيام. أما شرابه المحبب إليه ومحصوله الذي يلي الأرز في أهميته فهو الشاي. وكان استعماله في مبدأ الأمر مقصوراً على التداوي ثم زاد انتشاراً حتى صار في عهد أسرة تانج من المحصولات التي تصدر إلى خارج البلاد،




صفحة رقم : 1332




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في الحقول


والتي يتغنى بها الشعراء في أشعارهم. ولم يحل القرن الخامس عشر حتى كانت جميع بلاد الشرق الأقصى مغرمة بشرب الشاي تتغنى بمديحه، وحتى أخذ المولعون به يعملون لاستنبات أنواع جديدة منه ويعقدون مجالس الشراب للحكم على خير ما يقدم منها للحاضرين(35). وكان من محصولاتهم الأخرى الخضر اللذيذة والمغذية كفول الصويا، والتوابل المقوية كالثوم والبصل، وعشرات المئات من أنواع الفاكهة(36)؛ وكانت اللحوم أقل المنتجات الريفية شأناً؛ وكانت الثيران والجاموس تستخدم أحياناً في حرث الأرض، أما تربية الماشية للانتفاع بلحومها فكانت مقصورة على الخنازير والدجاج(37)، وكانت طائفة كبيرة من السكان تتخذ غذاءها من سمك البحر والمجاري المائية العذبة.
وكان أهم ما تتغذى به الطبقات الفقيرة هو الأرز الجاف والمكرونة والشعرية وقليل من الخضر والسمك. أما الطبقات الوسطى فكانت تضيف إلى هذا لحم الخنازير والدجاج وتضيف إليه الغنية لحم البط، وكانت أرقى المآدب التي تقام في بيكين تحتوي على مائة صنف من أصناف البط(38). وكان لبن البقر نادراً وكذلك كان البيض قليلاً وقلما كان يؤكل طازجاً. غير أن فول الصويا كان يمد الأهلين باللبن الصالح والجبن. وقد تطور فن الطهي في الصين حتى أصبح من الفنون الجميلة، وكان يستخدم فيه كل منتجات الأرض والماء وطيور الهواء، فكانت الحشائش والأعشاب البحرية تقتلع من الأرض وأعشاش الطير، تنتهب لتعمل منها أنواع الحساء اللذيذ، وكانت أطعمة لذيذة تتخذ من زعانف كلب البحر وأمعاء السمك والجراد والجنادب وصغار الديدان ودود القز ولحم الخيل والبغال والجرذان وثعابين الماء والقطط والكلاب(39). وكان الصينيون يحبون لذيذ المأكل ولم يكن من غير المألوف أن تشتمل مائدة الرجل الغني على أربعين صنفاً وأن يظل القوم حول موائد الطعام ثلاث ساعات أو أربعاً يأكلون فيها ويشربون.
أما الرجل الفقير فلم يكن يصرف هذا الوقت كله في طعامه الذي كان




صفحة رقم : 1333




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في الحقول


يتناول منه وجبتين في اليوم. ولم يكن الفلاح رغم كدحه المتواصل بمنجاة من الجوع طيلة أيام حياته إذا استثنينا بعض الحالات في مختلف الأقاليم والأوقات. وكان في وسع الأقوياء الماهرين منهم أن يستحوذوا على ضياع واسعة وأن يركزوا ثروة البلاد في أيد قليلة. وكان يحدث في بعض الأحيان، كما حدث في أيام الإمبراطور شي هوانج - دي، أن يعاد توزيع الأرض على السكان، غير أن ما بين الناس من فروق طبيعية سرعان ما كان يؤدي إلى تركيز الثروة مرة أخرى(41). وكان معظم الزراع من ملاك الأراضي، ولكن متوسط ما كان يملكه الفرد أخذ يتضاءل في كل قرن عن الذي قبله نظراً لتزايد عدد السكان أسرع من ازدياد مساحة الأرض الصالحة للزراعة. فكانت نتيجة هذا هي الفقر الذي لا مثيل له إلا في أفقر أقاليم الهند! فقد كان دخل الأسرة المتوسطة لا يزيد على 83 ريالاً أمريكياً، وكان كثيرون من الأفراد يعيشون بما يعادل 1slash50 من الريال في اليوم كما كان الملايين منهم يموتون من الجوع في كل عام(42). وقد ظلت الصين عشرين قرناً كاملاً تعاني القحط بمعدل مرة في كل عام(43)، ويرجع بعض السبب في هذا إلى أن الفلاح كان يُستغل أسوأ الاستغلال ولا ينال من الطعام إلا ما يمسك الرمق، ويرجع بعضه إلى ازدياد المواليد أسرع من تحسين الإنتاج الزراعي واتساع مساحة الأرض المنزرعة، كما يرجع بعضه الآخر إلى سوء سبل الاتصال والنقل إلى حد يجعل السكان في بعض الأقاليم يهلكون من الجوع بينما الطعام في البعض الآخر يزيد على حاجة الأهلين. وآخر ما نذكره من هذه الأسباب أن الفيضان كان في بعض الأحيان يتلف ما يتركه المالك والجابي للزراع، فكثيراً ما كان نهر هوانج - هو، الذي يسميه الناس "حزن الصين"، يغير مجراه ويغرق ألفاً من القرى ويترك ألفاً أخرى صادية.
وكان الفلاحون يصبرون على هذه الكوارث ويتجرعون غصصها، ومن أمثالهم المأثورة: "كل ما يحتاجه الإنسان في هذه الحياة الفانية هو قبعة وحفنة




صفحة رقم : 1334




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في الحقول


من الأرز"(44). وكانوا يكدحون ولكنهم لا يسرعون في عملهم، فلم تكن ثمة آلة معقدة تدفعهم إلى العمل سراعاً أو تنهك أعصابهم بضجيجها وخطرها وسرعتها. ولم يكن لهم أيام راحة في آخر الأسبوع ولا أيام آحاد، ولكن كانت لهم أيام إجازات وأعياد كعيد رأس السنة وعيد الفوانيس تتيح للعامل فرصة يستريح فيه من عناء كدحه ويخفف فيها بالمسرحيات والأساطير ما في سائر فصول السنة من اكتئاب. فإذا ما ولى الشتاء بزمهريره ووجهه الكالح ولانت تربة الأرض بما سقط عليها من مطر الربيع بعد أن ذاب ما تراكم عليها من ثلج الشتاء، خرج الفلاحون مرة أخرى ليزرعوا حقولهم الضيقة، ويغنوا في مرح وحب أغاني الأمل التي انحدرت إليهم من ماضيهم السحيق.




صفحة رقم : 1335




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في المتاجر



2- في المتاجر




الحرف اليدوية - الحرير - المصانع - الطوائف -




الحمالون - الطرق والقنوات - التجار - الائتمان والنقود -




تجارب في العملة المتداولة - التضخم الناشئ من الطباعة


وازدهرت الصناعة في تلك الأيام ازدهاراً لم ير له مثيل في كافة أنحاء الأرض قبل القرن الثامن عشر. فمهما تتبعنا تاريخ الصين إلى ماضيه السحيق وجدنا الحرف اليدوية منتشرة في البيوت والتجارة رائجة في المدن.
وكانت أهم الصناعات الأساسية هي صناعة النسيج وتربية دود القز لاستخراج خيوط الحرير. وكانت كلتا الحرفتين تقوم بها النساء في أكواخهن أو بالقرب منها. وكان غزل الحرير من الحرف القديمة في البلاد وترجع بدايتها في الصين إلى الألفي السنة السابقة لميلاد المسيح . وكان الصينيون يطعمون




صفحة رقم : 1336




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في المتاجر


الدود ورق التوت الحديث التقطيع ويحصلون من تربيته على نتائج عجيبة، ولعل القارئ لا يصدق إذا قيل له إن رطلاً من الديدان (أي 000ر700 دودة) يتغذى على هذا الورق كان يتضاعف إلى 500ر9 رطل في اثنين وأربعين يوماً(47). وكانت الديدان الكبار توضع بعدئذ في خيام صغيرة من القش تنسج حولها شرانقها بما تفرزه من الحرير، فإذا أتمت عملها أخذت الشرانق وألقيت في ماء ساخن فخرج الحرير من القالب الذي لف عليه وعالجوه ونسجوه وصنعوا منه أنواعاً عدة من الثياب والأقمشة المزركشة والمطرزة والأنسجة المشجرة التي كانت تصنع منها ملابس الطبقات العليا في العالم كله%=@لم يكن من غير المألوف عند المضيف إذا جاءه ضيوف أن يمر عليهم بنسيج رقيق من الحرير يعرضه عليهم(48) كما يعرض عليهم غيره آنية من الخزف أو يبسط أمامهم ملفاًً من




صفحة رقم : 1337




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في المتاجر


الصور أو من الخط الجميل.@ ، أما من ينتجون الحرير وينسجونه فكانوا يتخذون ثيابهم من القطن.
وكانت هذه الصناعة المنزلية تكمل بحوانيت في المدن حتى في القرون السابقة لميلاد المسيح، ولذلك وُجدت من بداية القرن الثالث قبل الميلاد جماعات من العمال في المدن نظمت هي والمشرفون عليها في طوائف من أرباب الحرف. وكان نمو هذه الصناعة في الحوانيت سبباً في ازدحام المدن بالسكان العاملين المجدين الذين جعلوا الصين في أيام كوبلاي خان تضارع من الوجهة الصناعية أوربا في القرن الثامن عشر بعد الميلاد. وقد كتب ماركو بولو في ذلك يقول:
"لكل حرفة من الحرف مائة متجر يهيئ كل واحد منها العمل لعشرة أو خمسة عشر أو عشرين من الصناع، وقد يصل هذا العدد في بعض الصناعات إلى أربعين ... والسادة الأغنياء أصحاب الحوانيت لا يعملون بأيديهم بل يتظاهرون بالرقة والتسامي والتأنق في حديثهم وحركاتهم"(50). وكانت هذه النقابات تعمل ما تعمله الصناعات المنظمة في هذه الأيام فتحدد التنافس وتنظم الأجور وساعات العمل؛ وكان الكثير منها يحدد الإنتاج ليحتفظ بمستوى أسعار منتجاته، ولعل رضاها بأساليبها القديمة واطمئنانها إليها كانا من أسباب تأخر العلوم في الصين ومقاومة الانقلاب الصناعي في تلك البلاد مقاومة دامت حتى أخذت كل الحواجز والأنظمة في هذه الأيام تنهار أمام طوفان الصناعة الأوربية الجارف.
وكانت النقابات في الصين تضطلع بكثير من الواجبات التي عهد بها السكان الغربيون المتكبرون إلى الدولة ! فكانت هذه النقابات تسن قوانينها بنفسها وتعدل في تنفيذها، وقد قللت من الإضراب بما كانت تقوم به من تسوية النزاع بين العمال وأصحاب الأعمال بطرق التحكيم على يد لجان الوسطاء التي يمثل فيها كلا الطرفين بالتساوي. وكانت هذه النقابات بوجه عام هيئات صناعية تحكم نفسها وتنظم شئونها، وكانت مخرجاً يدعو أي الإعجاب من التذبذب الحادث في هذه الأيام بين مبدأي التخلي وترك الأمور تجري في مجراها وبين سيطرة الدولة على جميع الشئون.
ولم تكن النقابات مقصورة على التجار والصناع وعمالهم، بل كانت هناك نقابات لطوائف أقل من هؤلاء شأناً كالحلاقين والحمالين والطباخين. بل أن المتسولين كانت لهم هيئة تفرض على أعضائها قوانين صارمة(51). وكانت أقلية ضئيلة من عمال المدن من الأرقاء يستخدم معظمهم في الأعمال المنزلية ويبقون تحت سلطان سادتهم عدة سنين أو طول الحياة، وكان اليتامى والبنات يُعرضون للبيع في أيام القحط ويباعون بعدد قليل من "الكاشات"، وكان من حق الأب في كل وقت أن يبيع بناته أو عبيده. على أن هذا الاسترقاق لم يبلغ في يوم من الأيام ما بلغه في بلاد اليونان أو الرومان، وكانت كثرة العمال من أعضاء النقابات أو الوكلاء الأحرار- كما كانت كثرة الزراع من ملاّك




صفحة رقم : 1338




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في المتاجر


الأراضي- يحكمون أنفسهم في هيئات قروية مستقلة في معظم شئونها عن إشراف الدولة(52).
وكانت منتجات العمل تنقل على ظهور الناس، بل إن الناس أنفسهم كان معظمهم ينقلون في الحدوج فوق أكتاف الحمالين المكدودة المتصلبة، ولم يكن هؤلاء يشكون من عملهم أو يتضجرون منه ، وكانت الدلاء الثقيلة أو الحزم الضخمة تعلق في طرف قوائم خشبية تحمل على الكتفين، وكانت عربات النقل تجرها الحمير أحياناً ولكنها في أكثر الأحيان كان يجرحها الرجال. ذلك أن عضلات الآدميين قد بلغت من الرخص حداً لا يشجع على رقيّ النقل الحيواني أو الآلي، كما كانت حال النقل البدائية غير حافزة على إصلاح الطرق وتعبيدها.
ولما أن أنشئ أول خط حديدي في الصين بين شنغهاي وووسونج بفضل رؤوس الأموال الأجنبية احتج الصينيون على هذا العمل وقالوا إنه سيزعج الأرواح التي في باطن الأرض، واشتدت مقاومتهم حتى اضطرت الحكومة إلى شراء الخط الحديدي وإلقاء القاطرات والعربات في البحر(53). وقد أنشئت في أيام شي هوانج- دي وكوبلاي خان طرق عامة رصفت بالحجارة ولكنها لم يبق منها الآن إلا جوانبها. أما شوارع المدن فلم تكن سوى أزقة لا يزيد عرضها على ثمان أقدام صممت لكي تحجب الشمس، وكانت القناطر كثيرة العدد جميلة في بعض الأحيان، ومن أمثلتها القنطرة الرخامية التي كانت عند القصر الصيفي، وكان التجار والمسافرون يستخدمون الطرق المائية بقدر ما كانوا يستخدمون الطرق البرية، وكان في البلاد قنوات مائية يبلغ طولها 000ر25 ميل، تستخدم بدل السكك الحديدية، ولم يكن في الأعمال الهندسية الصينية ما يفوق القناة الكبرى التي تربط هانجتشاو بتيانشين والتي يبلغ طولها 650 ميلاً، والتي بُدئ




صفحة رقم : 1339




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في المتاجر


في حفرها سنة 300 م وتم في عهد كوبلاي خان، لم يكن يفوقها إلا السور العظيم. وكانت القوارب المختلفة الأشكال والأحجام لا ينقطع غدوها ورواحها في الأنهار، ولم تكن تتخذ وسائل للنقل الرخيص فحسب بل كانت تتخذ كذلك مساكن للملايين من الأهلين الفقراء.
والصينيون تجار بطبعهم وهم يقضون عدة ساعات في المساومات التجارية، وكان الفلاسفة الصينيون والموظفون الصينيون متفقين على احتقار التجار، وقد فرض عليهم أباطرة أسرة هان ضرائب فادحة وحرموا عليهم الانتقال بالعربات ولبس الحرير.
وكان أفراد الطبقات الراقية يطيلون أظافرهم ليدلوا بعملهم هذا على أنهم لا يقومون بأعمال جثمانية، كما تطيل النساء الغربيات أظافر أيديهن لهذا الغرض عينه(64)، وقد جرت العادة أن يعد العلماء والمدرسون والموظفون من الطبقات الراقية، وتليهم في هذا طبقة الزراع، ويأتي الصناع في المرتبة الثالثة، وكانت أوطأ الطبقات طبقة التجار لأن هذه الطبقة الأخيرة- على حد قول الصينيين- لا تجني الأرباح إلا بتبادل منتجات غيرها من الناس.
لكن التجار مع ذلك آثروا ونقلوا غلاّت حقول الصين وسلع متاجرها إلى جميع أطراف آسية، وصاروا في آخر الأمر الدعامة المالية للحكومة الصينية. وكانت التجارة الداخلية تعرقلها الضرائب الفادحة، وأما التجارة الخارجية فكانت معرضة لهجمات قُطّاع الطريق في البر والقرصان في البحر. ومع هذا فقد استطاع التجار الصينيون أن ينقلوا بضائعهم إلى الهند وفارس وبلاد النهرين ورومة نفسها في آخر الأمر بالطواف حول شبه جزيرة الملايو بحراً وبالسير في طرق القوافل التي تخترق التركستان(55). وكانت أشهر الصادرات هي الحرير والشاي والخوخ والمشمش والبارود وورق اللعب، وكان العالم يرسل إلى الصين بدل هذه الغلات والبضائع الفِصْفِصَة




صفحة رقم : 1340




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في المتاجر


والزجاج والجزر والفول السوداني والدخان والأفيون.
وكان من أسباب تيسير التبادل التجاري نظام الائتمان والنقود. فقد كان التجار يقرض بعضهم بعضاً بفوائد عالية تبلغ في العادة نحو 36%، ونقول إنها عالية وإن لم تكن أعلى مما كانت في بلاد اليونان والرومان(65). وكان من أسباب ارتفاع سعر الفائدة ما يتعرض له المرابون من أخطار شديدة، فكانوا من أجل ذلك يتقاضون من الأرباح ما يتناسب مع هذه الأخطار، ولم يكن أحد يحبهم إلا في مواسم الاستدانة. ومن الحكم الصينية المأثورة قولهم: "السارقون بالجملة ينشئون المصارف"(57). وأقدم ما عرف من النقود ما كان يتخذ من الأصداف البحرية والمدي والحرير.
ويرجع تاريخ أقدم عملة معدنية إلى القرن الخامس قبل الميلاد على الأقل(58). وجعلت الحكومة الذهب العملة الرسمية في عهد أسرة شين، وكانت العملة الصغرى تصنع من خليط من النحاس والقصدير، وما لبثت هذه أن طردت الذهب من التعامل . ولما أخفقت التجربة التي قام بها وو دي والتي أراد بها أن يضرب عملة مصنوعة من الفضة والقصدير لكثرة ما زيف وقتئذ من النقود، استعيض عنها بشرائح من الجلد يبلغ طول الواحدة منها قدماً، وكانت هذه الشرائح مقدمة لاستعمال النقود الورقية. ولما أن أضحى ما يستخرج من النحاس أقل من أن يفي بالأغراض التجارية لكثرة البضائع المتداولة، أمر الإمبراطور شين دزونج في عام 807م أن تودع العملة النحاسية كلها في خزائن الحكومة وأن يصدر بدلاً منها شهادات مدينة أطلق عليها الصينيون اسم "النقود الطائرة"، لأنهم كما يبدو تحملوا متاعبهم المالية بنفس الطمأنينة التي تحمل بها الأمريكيون




صفحة رقم : 1341




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> في المتاجر


متاعبهم في عام 1933م. ولم تستمر هذه الطريقة إلا ريثما زالت الضائقة؛ ولكن اختراع الطباعة بالقوالب أغرى الحكومة على أن تستخدم هذه الطريقة الجديدة في عمل النقود، فشرعت ولاية سشوان شبه المستقلة في عام 935 م والحكومة الوطنية في شنجان عام 970 تصدران النقود الورقية. وأسرفت الحكومة في عهد أسرة سونج في إصدار هذه النقود، فنشأ من ذلك تضخم شديد قضى على كثير من الثروات(59).
ويقول ماركو بولو عن خزائن كوبلاي خان: "إن دار السك الإمبراطورية تقوم في مدينة كمبلوك (بيكين)، وأنت إذا شاهدت الطريقة التي تصدر بها النقود قلت إن فن الكيمياء أتقن أتقاناً لا إتقان بعده، وكنت صادقاً فيما تقول. ذلك أنه يصنع نقوده بالطريقة الآتية"، ثم أخذ يستثير سخرية مواطنيه وتشككهم فيما يقول وعدم تصديقهم إياه فوصف الطريقة التي يؤخذ بها لحاء شجر التوت فتصنع منه قطع من الورق يقبلها الشعب ويعدها في مقام الذهب(60). ذلك هو منشأ السيل الجارف من النقود الورقية الذي أخذ من ذلك الحين يدفع عجلة الحياة الاقتصادية في العالم مسرعة تارة ويهدد هذه الحياة بالخراب تارة أخرى.




صفحة رقم : 1342




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> المخترعات والعلوم



3- المخترعات والعلوم




البارود - الألعاب النارية والحروب - ندرة




المخترعات الصناعية - الجغرافية - الرياضيات -




الطبيعة - "فتح شوى" - الفلك - الطب - تدبير الصحة


لقد كان الصينيون أقدر على الاختراع منهم على الانتفاع بما يخترعون. فقد اخترعوا البارود في أيام أسرة تانج، ولكنهم قصروا استعماله وقتئذ على الألعاب النارية، وكانوا في ذلك جد عقلاء؛ ولم يستخدموه في صنع القنابل اليدوية وفي الحروب إلا في عهد أسرة سونج (عام 1161م). وعرف العرب ملح البارود (نترات البوتاسا)- وهو أهم مركبات البارود- في أثناء




صفحة رقم : 1343




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> المخترعات والعلوم


اتجارهم مع الصين وسموه "الثلج الصيني" ونقلوا سر صناعة البارود إلى البلاد الغربية، واستخدمه العرب في أسبانيا في الأغراض الحربية، ولعل سير روجر بيكين أول من ذكره من الأوربيين قد عرفه من دراسته لعلوم العرب أو من اتصاله بده- برو كي الرحالة الذي طاف في أواسط آسية.
والبوصلة البحرية أقدم عهداً من البارود. وإذا جازفنا أن نصدق ما يقوله عنها المؤرخون الصينيون فإن دوق جو قد اخترعها في عهد الإمبراطور تشنج وانج (1115-1078 ق.م) ليهتدي بها بعض السفراء الأجانب في عودتهم إلى بلادهم. ويقول الرواة إن الدوق أهدى إلى السفارة خمس عربات جهزت كل منها "بإبرة تشير إلى الجنوب"(62). وأكبر الظن أن الصينيين الأقدمين كانوا يعرفون ما لحجر المغنطيس من خواص مغنطيسية، ولكن استعماله كان مقصوراً على تحديد الاتجاهات في بناء الهياكل. وقد ورد وصف الإبرة المغنطيسية في السونج- شو وهو كتاب تاريخي مؤلف في القرن الخامس الميلادي. ويقول المؤلف إن مخترعها هو الفلكي جانج هنج (المتوفى في عام 139م)، على أن هذا العالمِ لم يفعل أكثر من أن يكشف من جديد ما كانت الصين تعرفه قبل أيامه. وأقدم ما ورد عن الإبرة من حيث فائدتها للملاحين هو ما جاء في كتاب أُلّف في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي وهو يعزو استخدامها في هذا الغرض إلى البحارة الأجانب- وأكبر الظن أنهم من العرب- الذين كانوا يسيرون سفنهم بين سومطرة وكانتون(63). وأول إشارة معروفة لنا عن البوصلة في أقوال الأوربيين هي ما ذكر عنها في قصيدة لجنيو ده بروفن(64).
على أننا لا نستطيع أن نصف الصينيين بأنهم من الأمم النشيطة في ميدان الاختراعات الصناعية رغم اختراعهم البوصلة والبارود والطباعة والخزف. لقد كانوا مخترعين في الفنون وقد ارتقوا بها في صورها التي ابتدعوها حتى بلغت درجة من الكمال لا نظير لها في غير بلادهم أو في تاريخهم، ولكنهم ظلوا حتى




صفحة رقم : 1344




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> المخترعات والعلوم


عام 1912م قانعين بالجري على طرقهم الاقتصادية القديمة، يحتقرون الأساليب والحيل التي تغني عن العمل الشاق، وتضاعف ثمار الجهود البشرية، وتعطل نصف سكان العالم لتزيد من ثراء النصف الآخر، كأنهم في احتقارهم هذا كانوا يتنبئون بما تجره هذه الاختراعات على البشر من شرور. وكان الصينيون من أوائل الأمم التي اتخذت الفحم وقوداً واستخرجوه من الأرض بكميات قليلة منذ عام 122 ق.م(65)، ولكنهم لم يخترعوا آلات تريحهم من كدح استخراجه وتركوا معظم ما تخبئه أرضهم من الثروة المعدنية دون أن يستغلوها، ومع أنهم عرفوا كيف يصنعون الزجاج فقد رضوا أن يستوردوه من الغرب، ولم يصنعوا ساعات للجيب أو للحائط، ولم يخترعوا المسامير المحواة بل إنهم لم يصنعوا من المسامير العادية إلا أغلظها(66). وقد ظلت حياة الصين الصناعية في أهم نواحيها على حالها لم تتغير كثيراً خلال الألفي العام التي بين قيام أسرة هان وسقوط المنشو- شأنها في هذا شأن الحياة الصناعية في أوربا من أيام بركليز إلى عهد الانقلاب الصناعي.
كذلك كانت الصين تفضل سلطان التقاليد والعلماء على سلطان العلم والمال المثير للأعصاب، ولذلك كانت الحضارة الصينية أفقر الحضارات العظمى فيما أفادته منها فنون الحياة المادية. فقد أخرجت هذه الحضارة كتباً من أرقى الكتب الدراسية في الزراعة وفي تربية دود القز قبل ميلاد المسيح بقرنين كاملين وألفت رسالات قيمة في علم تقويم البلدان(67). وقد خلف عالمها الرياضي المعمر جانج تسانج (المتوفى في عام 152ق.م) وراءه كتاباً في الجبر والهندسة فيه أول إشارة معروفة للكميات السالبة. وقد حسب دزو تسو تشونج- جي القيمة الصحيحة للنسبة التقريبية إلى ثلاثة أرقام عشرية، وحسن المغنطيس أو "الأداة التي تشير إلى الجنوب"، وقد وردت إشارة عنه غير واضحة قيل فيها إنه كان يجري التجارب على سفينة تتحرك بنفسها(68).




صفحة رقم : 1345




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> المخترعات والعلوم


واخترع تشانج هنج آلة لتسجيل الزلازل (سيمسغرافا) في عام 132م . ولكن علم الطبيعة الصيني قد ضلت معظم أبحاثه في دياجير الفنج جوي السحرية واليانج والين من أبحاث ما وراء الطبيعة . وأكبر الظن أن علماء الرياضة الصينيين قد أخذوا الجبر عن علماء الهند، ولكنهم هم الذين أنشئوا علم الهندسة في بلادهم مدفوعين إلى هذا بحاجتهم إلى قياس الأرض(70). وكان في وسع الفلكيين في أيام كنفوشيوس أن يتنبئوا بالخسوف والكسوف تنبؤاً دقيقاً، وأن يضعوا أساس التقويم الصيني بتقسيم اليوم إلى اثنتي عشرة ساعة وتقسيم السنة إلى اثني عشر شهراً يبدأ كل منها بظهور الهلال، وكانوا يضيفون شهراً آخر في كل بضع سنين لكي يتفق التقويم القمري مع الفصول الشمسية(71). وكانت حياة الصينيين على الأرض تتفق والحياة في السماء؛ وكانت أعياد السنة تحددها منازل الشمس والقمر، بل إن نظام المجتمع من الناحية الأخلاقية كان يقوم على منازل الكواكب السيارة والنجوم.
وكان الطب في الصين خليطاً من الحكمة التجريبية والخرافات الشعبية. وكانت بدايته فيما قبل التاريخ المدون، ونبغ فيه أطباء عظماء قبل عهد أبقراط بزمن طويل، وكانت الدولة من أيام أسرة جو تعقد امتحانا سنوياً للذين يريدون الاشتغال بالمهن الطبية، وتحدد مرتبات الناجحين منهم في الامتحان حسب ما يظهرون من جدارة في الاختبارات. وقد أمر حاكم صيني في القرن الرابع




صفحة رقم : 1346




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> المخترعات والعلوم


قبل المسيح أن تشرح جثث أربعين من المجرمين المحكوم عليهم بإعدامهم، وأن تدرس أجسامهم دراسة تشريحية، ولكن نتائج هذا التشريح وهذه الدراسة قد ضاعت وسط النقاش النظري، ولم تستمر عمليات التشريح فيما بعد. وكتب جانج جونج- تنج في القرن الثاني عدة رسائل في التغذية والحميات ظلت هي النصوص المعمول بها مدى ألف عام، وكتب هوا- دو في القرن الثالث كتاباً في الجراحة، وأشاع العمليات الجراحية باختراع نبيذ يخدر المريض تخديراً تاماً. ومن سخافات التاريخ أن ضاعت أوصاف هذا المخدر فيما بعد، ولم يعرف عنها شيء. وكتب وانج شو- هو في عام 300 بعد الميلاد رسالة ذائعة الصيت عن ضربات القلب(72).
وفي أوائل القرن السادس كتب داو هونج- جنج وصفاً شاملاً لسبعمائة وثلاثين عقاراً مما كان يستخدم في الأدوية الصينية، وبعد مائة عام من ذلك الوقت كتب جاو يوان- فانج كتاباً قيماً في أمراض النساء والأطفال ظل من المراجع الهامة زمناً طويلاً. وكثرت دوائر المعارف الطبية في أيام أباطرة أسرة تانج كما كثرت الرسائل الطبية المتخصصة التي تبحث كل منها في موضوع واحد في عهد الملوك من أسرة سونج(73). وأنشئت في أيام هذه الأسرة كلية طبية؛ وإن ظل طريق التعليم الطبي هو التمرين والممارسة. وكانت العقاقير الطبية كثيرة متنوعة حتى لقد كان أحد مخازن الأدوية منذ ثلاثمائة عام يبيع منها بنحو ألف ريال في اليوم الواحد(74). وكان الأطباء يطنبون ويتحذلقون في تشخيص الأمراض، فقد وصفوا من الحميات مثلاً ألف نوع، وميزوا من أنواع النبض أربعاً وعشرين حالة. واستخدموا اللقاح في معالجة الجدري، وإن كانوا لم يستخدموا التطعيم للوقاية منه، ولعلهم قد أخذوا هذا عن الهند، ووصفوا الزئبق للعلاج من الزهري. ويلوح أن هذا المرض الأخير قد ظهر في الصين في أواخر أيام أسرة منج وأنه انتشر انتشاراً مروعاً بين الأهلين، وأنه بعد زواله قد خلف




صفحة رقم : 1347




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> الحياة العملية -> المخترعات والعلوم


وراءه حصانة نسبية تقيهم أشد عواقبه خطورة. غير أن الإجراءات الصحية العامة والأدوية الواقية، والقوانين الصحية لم تتقدم تقدماً يذكر في بلاد الصين؛ كما كان نظام المجاري والمصارف نظاماً بدائياً إذا كان قد وضع لهما نظام على الإطلاق(75). وقد عجزت بعض المدن عن حل أول الواجبات المفروضة على كل مجتمع منظم- ضمان ماء الشرب النقي والتخلص من الفضلات.
وكان الصابون من مواد الترف التي لا يحصل عليها إلا الأثرياء الممتازون، وإن كان القمل وغيره من الحشرات كثير الانتشار. وقد اعتاد الصيني الساذج أن يهرش جسمه ويخدشه وهو مطمئن هادئ هدوء الكنفوشيين. ولم يتقدم علم الطب تقدماً يستحق الذكر من أيام شي هوانج- دي إلى أيام الملكة الوالدة. ولعل في وسعنا أن نقول هذا القول بعينه من علم الطب في أوربا من عهد أبقراط إلى عهد باستير. وغزا الطب الأوربي بلاد الصين في صحبة المسيحية ولكن المرضى الصينيين من الطبقات الدنيا ظلوا إلى أيامنا هذه يقصرون الانتفاع به على الجراحة. أما فيما عداها فهم يفضلون أطباءهم وأعشابهم القديمة على الأطباء الأوربيين والعقاقير الأوربية.




صفحة رقم : 1348




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> دين بلا كنيسة



الفصل الرابع




دين بلا كنيسة




الخرافات والتشكك - عبادة الطبيعة - عبادة السماء - عبادة




الأسلاف - الكنفوشية - الدوية - إكسير الخلود - البوذية - التسامح




الديني والتصوف - الإسلام - المسيحية - وأسباب إخفاقها في الصين


لم يقم المجتمع الصيني على العلم بل قام على خليط فذ عجيب من الدين والأخلاق والفلسفة. ولم يشهد التاريخ شعباً من الشعوب أشد من الشعب الصيني استمساكاً بالخرافات، أو أكثر منه تشككاً أو أعظم منه تُقى، أو أكثر انصياعاً لحكم العقل أو أقوى منه دنيوية. ولم توجد على ظهر الأرض أمة تماثل الأمة الصينية في التحرر من سيطرة الكهنة، ولم يسعد قوم غير الهنود بآلهتهم أو يشقوا بها بمثل ما سعد بهم الصينيون أو شقوا. ولسنا نستطيع أن نفسر هذه المتناقضات إلا بأن نعزو لفلاسفة الصين نفوذاً لا نظير له في التاريخ، وأن نقر بما في فقر الصين من معين للأماني الخالية لا ينضب.
ولم يكن دين سكان الصين البدائيين يختلف بوجه عام عن دين عبدة الطبيعة، وأهم عناصره الخوف من الطبيعة وعبادة الأرواح الكامنة في جميع نواحيها، وإجلال شعري لما على الأرض من صور رهيبة وما فيها من قدرة عظيمة على الإنتاج والتوالد، وخشية السماء وعبادتها وإجلال ما فيها من شمس منعشة وأمطار خصبة كانوا يعدونهما عنصراً من عناصر الوئام والارتباط بين ما على الأرض من حياة وما في السماء من قوى خفية، فكانوا يعبدون الريح والرعد والأشجار والجبال والأفاعي؛ ولكن أعظم أعيادهم كانت تقام لمعجزة النماء، وكان




صفحة رقم : 1349




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> دين بلا كنيسة


الشبان والفتيات في أيام الربيع يرقصون ويتضاجعون في الحقول ليضربوا المثل لأمهم الأرض في الإخصاب والإنتاج. ولم يكن ثمة فرق كبير بين الملك والكاهن في تلك الأيام، وكان ملوك الصين الأولون كما ورد في أقوال المؤرخين الذين أطنبوا فيما بعد في وصفهم كهاناً سياسيين لا يقدمون على عمل من أعمال البطولة إلا بعد أن يمهدوا له بالأدعية والصلوات ويستعينوا عليه الآلهة(76).
وكانت الأرض والسماء في هذا الدين البدائي مرتبطتين إحداهما بالأخرى، لأنهما شطران من وحدة كونية عظيمة، وكانت صلة إحداهما بالأخرى أشبه ما تكون بصلة الرجل والمرأة وصلة السيد بالتابع واليانج بالين. وكان نظام السموات ومسلك الآدميين الخلقي عمليتين متقاربتين متشابهتين لأنهما شطران من نظام عالمي لا غنى عنه يسمى دو- أي الطريقة السماوية؛ وليست الأخلاق الطيبة في اعتقادهم إلا نتيجة للتعاون القائم بين أجزاء هذا الكل شأنها في هذا شأن القوانين التي تسير نجوم السماء.
وكان الإله الأكبر هو هذه السماء العظمى نفسها، هذا النظام الأخلاقي، هذا الترتيب القدسي، الذي يشمل بين طياته الناس والجماد ويحدد العلاقات الحقة بين الأطفال وآبائهم والزوجات وأزواجهن، وبين الأتباع وسادتهم، والسادة والإمبراطور، والإمبراطور والإله. لقد كان هذا تفكيراً عجيباً ولكنه تفكير نبيل يتأرجح بين التجسيد الشخصي حين يصلي الشعب لتين- للسماء المعبودة- والتجريد حين يتحدث الفلاسفة عن جماع تلك القوى- الشديدة البعد عن قوة البشر فرادى أو مجتمعين- التي تسيطر على السموات والأرضين والأناسي. ولما تقدمت دراسة الفلسفة أضحت فكرة "السماء" الشيئية مقصورة على عامة الشعب، أما فكرتها المجردة غير الشيئية فأضحت عقيدة الطبقات المتعلمة ودين الدولة الرسمي(77).




صفحة رقم : 1350




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> دين بلا كنيسة


ومن هاتين البدايتين نشأ العنصران اللذان يتألف منهما دين الصين القومي وهما: عبادة الأسلاف المنتشرة بين جميع طبقات الأمة وعبادة السماء وعظماء الرجال التي تدعو إليها الكنفوشية. وكان الصينيون يقربون في كل يوم قرباناً متواضعاً- ويكون في العادة شيئاً من الطعام- للموتى، ويرسلون الدعوات الصالحات إلى أرواحهم؛ ذلك أن الزارع أو العامل الساذج كان يعتقد أن آباءه أو أسلافه يعيشون بعد موتهم في مملكة غير محددة أو واضحة له، وأن في مقدورهم أن يسعدوه أو يشقوه. وكان الصيني المتعلم يقرب لأسلافه مثل هذا القربان، ولكنه لم يكن ينظر إلى المراسم التي تصحبه على أنها عبادة بل كان ينظر إليها على أنها نوع من إحياء ذكراهم. ولقد كان من الخير لأرواح الموتى وللشعب الصيني بوجه عام أن يعظم هؤلاء الأموات، وأن تخلد ذكراهم لأن في تخليدها تعظيماً للطرق القديمة التي كانوا يسيرون عليها وسداً لطريق البدع وإقرارا للسلام في أنحاء الإمبراطورية. وما من شك في أن هذا الدين كان يسبب للصينيين بعض المتاعب والمضايقات؛ من ذلك أنه ملأ البلاد بما لا يحصى من القبور الضخمة التي لا يمكن انتهاك حرمتها، فعاقت هذه القبور إنشاء الطرق الحديدية وفلح الأرض للزراعة؛ ولكن هذه الصعاب كانت في نظر الفيلسوف الصيني صعاباً تافهة لا يقام لها وزن أمام ما تسديه عبادة الأسلاف إلى المدنية الصينية من استقرار سياسي واطراد روحي. ذلك أن هذا النظام المتغلغل في كيان الأمة الصينية قد أفضى عليها وحدة روحية زمانية رغم ما فيها من عوامل التفرق والانفصال التي تحول دون وحدتها المكانية وأهمها المسافات الشاسعة، ومن فقرها في وسائل النقل وسبل الاتصال. وبفضل هذه الوحدة الروحية ارتبطت الأجيال بعضها ببعض برباط قوي من وحدة التقاليد، وبذلك كان للحياة الفردية نصيب مشرف موفور وخطر عظيم في هذه العظمة التي لا يحدها وقت وفي ذلك المجال الممتد على مدى الزمان.




صفحة رقم : 1351




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> دين بلا كنيسة


ومن عجب أن الدين الذي اعتنقه العلماء واتبعته الدولة قد وسع دائرة هذه العقائد الشعبية وضيق نطاقها في آن واحد؛ ذلك أن إجلال الناس لكنفوشيوس قد أخذ يعظم جيلاً بعد جيل حتى أصبح بفضل ما كان يصدره الأباطرة من مراسيم في المكانة الثانية بعد السماء نفسها. فكانت كل مدرسة تكرمه بوضع لوحة تذكارية وكل مدينة تكرمه ببناء هيكل فيها، وكان كبار الموظفين يحرقون البخور أو يقربون القرابين من حين إلى حين تكريماً لروحه أو إحياء لذكراه، ويعدون هذه الذكرى أعظم دافع لفعل الخير بين جميع ذكريات الشعب الصيني التي يخطئها الحصر.
ولم تكن الطبقات الراقية المثقفة تعده إلهاً، بل كان كثير من الصينيين يعدّونه بديلاً من الإله؛ ولربما كان من بين من يحضرون الصلوات التي تقام تكريماً له لا أدريون أو كفرة ملحدون، ولكنهم- إذا ما عظموه وعظموا أسلافهم- كانوا يعدون في المجتمع الذي يعيشون فيه أتقياء متدينين. وكان من الأصول المقررة في الديانة الكنفوشية الاعتراف بالشانج- تي، أي القوة العليا المسيطرة على العالم، وكان الإمبراطور في كل عام يقرّب القربان باحتفال عظيم على مذبح السماء لهذا المعبود المجرد. وقد خلا هذا الدين الرسمي من كل إشارة للخلود(78)، فلم تكن السماء مكاناً بل كانت إرادة الله أو نظام العالم.
لكن هذا الدين البسيط الذي يكاد ينطبق على مقتضيات العقل لم يرض أهل الصين في وقت من الأوقات. ذلك بأن مبادئه لا تفسح المجال واسعاً أمام خيال الناس ولا تستجيب إلى آمالهم وأمانيهم ولا تشجع الخرافات التي تبعث البهجة في حياتهم اليومية. ولقد كان الناس في الصين كما كانوا في سائر بلاد العالم يجملون الحقائق الواقعية العادية بالخوارق الطبيعية الشعرية، وكانوا يحسون بأن آلافاً من الأرواح الطيبة والخبيثة ترفرف من حولهم في الهواء المحيط بهم وفي




صفحة رقم : 1352




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> دين بلا كنيسة


الأرض التي تحت أقدامهم، وكانوا يحرصون على أن يردوا عداوة هذه القوى الخفية أو يستعينوا بالأدعية وبالرقى السحرية. وكانوا يستأجرون المتنبئين ليكشفوا لهم عن مستقبلهم من سطور إلاي- جنج أو أصداف السلاحف أو حركات النجوم، ويستأجرون السحرة ليوجهوا منازلهم نحو الريح والماء والعرّافين ليستنزلوا لهم نور الشمس وماء الأمطار(79). وكانوا يعرضون للموت من يولد لهم من الأطفال في أيام "النحس"(80). وكانت البنات المتوقدات حماسة وغيرة يقتلن أنفسهن في بعض الأحيان ليجلبن الخير أو الشر لآبائهن(81). وكانت نفوس الصينيين عامة وفي الجنوب خاصة تنزع إلى التصوف وتشمئز من النزعة العقلية الجامدة التي تسود العقائد الكنفوشية وتتوق إلى عقيدة تجد فيها ما يجده غيرها من الأمم من سلوى دائمة تحيي موات النفوس.
ومن أجل هذا عمد بعض الفقهاء الشعبيين إلى عقيدة لو دزه الغامضة فصاغوها تدريجاً في دين جديد. لقد كانت الدوية في رأي الأستاذ القديم وفي رأي جوانج- دزه طريقة للحياة تهدف إلى الحصول على السلام الشخصي على ظهر الأرض؛ ويبدو أنهم لم يؤلهوا هذه الطريقة أو يتخذوها نوعاً من العبادة، كما أنهم لم ينظروا إليها على أنها ثمن يؤدونه في هذه الدار ليشتروا به الحياة في الدار الآخرة(82). فلما كان القرن الثاني بعد الميلاد عدلت هذه العقائد على يد رجال ادعوا أنهم قد وصل إليهم عن طريق لو- دزه نفسه إكسير يهب صاحبه الخلود. وكان هذا الإكسير في صورة شراب شاع بين الصينيين وأسرفوا فيه إسرافاً يقال إنه أودى بحياة عدد غير قليل من الأباطرة الصينيين لكثرة إدمانهم إياه(83). وأشد من هذا غرابة أن معلماً من رجال الدين في سشوان (حوالي عام 148 بعد الميلاد) كان يعرض على الناس أن يشفيهم من أمراضهم كلها بطلسم بسيط يعطيهم إياه في نظير حفنات من الأرز. وبدا لبعض الناس أنهم قد شفوا من أمراضهم بفضل هذه الأعمال السحرية، وقيل للذين لم يثمر فيهم العلاج إن




صفحة رقم : 1353




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> دين بلا كنيسة


إخفاقه كان نتيجة لضعف إيمانهم(84). وأقبل الناس على الدين الجديد زرافات ووحداناً، وشادوا له الهياكل وأغدقوا المال على كهنته بسخاء عظيم، ومزجوا به جزءاً من قصصه الشعبي الخرافي الذي لا ينضب له معين. واتخذ الناس لو دزه إلهاً يعبدوه، وقالوا إن أمه حملت فيه حملاً سماوياً، واعتقد المؤمنون الصالحون إنه وُلد كامل العقل طاعناً في السن لأنه أقام في بطن أمه ثمانين عاماً(85). ثم ملأوا الأرض بشياطين وآلهة جديدة، وكانوا يخيفون الأولى بصواريخ نارية تنفجر في أفنية الهياكل ويبتهج بانفجارها من يجتمع حولها من الناس، ويوقظون الثانية من سباتها بنواقيس ضخمة قوية الصوت لتستمع إلى دعوات عُبَّادها ومطالبهم الملحة.
وظلت العقائد الدوية ألف عام عقيدة الملايين من الصينيين، وآمن بها كثير من الأباطرة، وحاك أتباعها كثيراً من الدسائس، وكافحوا أشد الكفاح لينتزعوا من الكنفوشيين حقهم المقدس في فرض الضرائب وإنفاق حصيلتها. ثم قضى عليها آخر الأمر، ولكن الذي قضى عليها لم يكن منطق كنفوشيوس وأتباعه بل قضى عليها دين جديد أقدر منها هي نفسها على إلهام رجل الشارع وبعث السلوى في نفسه.
وهذا الدين الجديد هو البوذية، ولم تكن البوذية التي بدأت تنتقل من الهند إلى الصين في القرن الأول الميلادي هي العقيدة الجامدة المكتئبة التي نادى بها "المستنير" قبل دخولها إلى الصين بخمسمائة عام، ولم تكن عقيدة قائمة على الزهد والتقشف، بل كانت ديناً يدعو إلى الإيمان في غبطة وبهجة بآلهة تعين البشر على أعمالهم، وجنة ذات أزهار ورياض. واتخذت على توالي الأيام صورة المركبة الكبرى أو الماهيانا التي وفق فقهاء الكتشكا بينها وبين الحاجات العاطفية لسكان الصين السُذج؛ وغمرت الصين بآلهة جدد لا يفترقون كثيراً عن الآدميين أمثال أميتبها حاكم الجنة، وكوان- ين إله الرحمة وإلهتها فيما




صفحة رقم : 1354




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> دين بلا كنيسة


بعد، وأضافت إلى مجمع آلهة الصين عدداً من اللوهان والأرباط- وهم ثمانية عشر من أتباع بوذا الأولين- المتأهبين في كل حين لأن يهبوا الناس بعض ما لهم من فضائل لكي يساعدوا بني الإنسان الحيارى المعذبين.
ولما ألفت الصين نفسها بعد سقوط أسرة هان مقطعة الأوصال من جراء ما سادها من فوضى سياسية، وخيل إلى أهلها أن حياتها نفسها قد قضى عليها اضطراب حبل الأمن وتوالي الحروب، ولت الأمة المعذبة وجهها شطر البوذية كما ولَّى العالم الروماني وجهه في ذلك الوقت نفسه شطر المسيحية. وفتحت الدوية ذراعيها لاحتضان الدين الجديد وامتزجت به على مر الزمان في نفوس الصينيين امتزاجاً تاماً؛ وأخذ الأباطرة يضطهدون البوذية والفلاسفة يشكون مما فيها من خرافات، وأخذ الساسة يأسفون لأن طائفة من خير أبناء الصين قد انزوت في الأديرة وعقمت فأضحت لا تفيد منها البلاد شيئاً. لكن الحكومة وجدت آخر الأمر أن الدين أقوى من الدولة؛ فتصالح الأباطرة مع الآلهة الجدد؛ وأجيز للكهنة أن يجمعوا الزكاة ويشيدوا الهياكل، ورضيت طبقتا الموظفين والعلماء على الرغم منهما أن تبقى الكنفوشية ديناً أرستقراطياً لها. واستولى الدين الجديد على كثير من المزارات القديمة وأقام رهبانه وهياكله إلى جانب رهبان الدوية وهياكلها على تاي- شان جبلها المقدس، وحث الناس على أن يحجوا إلى هذه الهياكل مراراً كثيرة إظهاراً لورعهم وتقواهم، وكان له أثر عظيم في ازدهار فنون التصوير والنحت والعمارة والآداب وتقدم الطباعة ورقي كثير من طباع الصينيين، ثم اضمحل كما اضمحلت الدوية، فدب الفساد في نفوس كهنة الديانة الجديدة وتغلغل في عقائدها على مر الأيام كثير من الأرباب المشئومين والخرافات الشعبية المؤذية، وقضى على ما كان لها من سلطان سياسي- لم يكن كبيراً في يوم من الأيام- نهضةُ الكنفوشية على يد جوشي. والآن قد هجرت هياكلها ونضب معين مواردها وأضحت وليس لها عُبّاد إلا كهنتها الفقراء المعدمون(86).




صفحة رقم : 1355




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> دين بلا كنيسة


بيد أنها مع ذلك قد نفذت إلى قرار النفس الصينية، ولا تزال حتى الآن عنصراً هاماً من العناصر المعقدة غير الرسمية في دين الصيني الساذج. ذلك أن الأديان في الصين ليست محدودة مانعة كما هي في أوربا وأمريكا، ولم تدفع البلاد في يوم من الأيام إلى الحروب الدينية. فأنصار كل دين في تلك البلاد متسامحون عادة مع أهل كل دين آخر، وليس هذا التسامح مقصوراً على شئون الدولة السياسية بل تراه أيضا في العقائد نفسها؛ فالصيني العادي من عبدة مظاهر الطبيعة ودوِّيّ وبوذي وكنفوشي في وقت وواحد. ذلك أنه فيلسوف متواضع، يعرف ألا شيء في هذا العالم محقق مؤكد، ويقول في نفسه لعل رجال الدين على حق ولعل هناك جنة كما يقولون، وخير ما يفعله الإنسان أن يتقبل كل هذه العقائد؛ ويستأجر كثيراً من الكهنة من ديانات مختلفة ليتلوا الصلوات على قبره. على أن المواطن الصيني لا يعبأ كثيراً بالآلهة ما دام الحظ يبسم له؛ فهو يعظم أسلافه ولكنه يترك هياكل الدوية والبوذية في رعاية الكهنة وعدد قليل من النساء.
ولم يعرف التاريخ نفساً أشد دنيوية من نفسه، فأكبر ما يهتم به الصيني أن يعيش بخير في هذه الحياة الدنيا، وإذا صلى فإنه لا يطلب في صلاته أن ينال نعيم الجنة بل يطلب الخير لنفسه في هذا العالم الأرضي(87). وإذا لم يستجب إلهه لدعائه فقد يطلق فيه لسانه بالسباب ثم يقذفه آخر الأمر في النهر. ومن الأمثال الصينية المأثورة: "ليس من صانعي التماثيل والصور من يعبد الآلهة، فهم يعرفون من أية مادة تصنع(88)".
ومن أجل هذا لم يقبل الصيني العادي بحماسة على الإسلام أو المسيحية؛ فذانك الدينان يمنيانه بجنة قد وعدته إياها البوذية من قبلهما؛ ولكن الذي يريده بحق هو دين يضمن له السعادة في هذه الأرض. وإذا قيل إن في الصين مسلمين فجوابنا أن معظم الخمسة عشر مليوناً من المسلمين في الصين ليسوا في




صفحة رقم : 1356




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> دين بلا كنيسة


الحقيقة صينيين، بل هم من أصول أجنبية أو أبناء أجانب(89). وقد دخلت المسيحية الصين على يد النساطرة، وكان ذلك حوالي عام 636م. وأظهر الإمبراطور ناي دزونج شيئاً من العطف عليها، وحمى الداعين لها من الاضطهاد، وبلغ من اغتباط نساطرة الصين بهذا التسامح أن أقاموا في عام 781م نصباً تذكارياً سجلوا عليه تقديرهم لهذا المتسامح المستنير، ورجاءهم أن تعم المسيحية في القريب العاجل جميع أنحاء البلاد(90).
ومن ذلك الحين ظل المبشرون اليسوعيون ذوو الغيرة الدينية والعلم الغزير، وظل المبشرون البروتستنت تؤيدهم الأموال الأمريكية التي لا ينضب لها معين، ظل هؤلاء وأولئك يبذلون أقصى جهودهم ليحققوا آمال النساطرة. فماذا كانت النتيجة ؟ إن عدد المسيحيين في الصين في هذه الأيام لا يتجاوز ثلاثة ملايين أي أن واحداً في المائة من سكان الصين قد اعتنقوا المسيحية في ألف عام كاملة .




صفحة رقم : 1357




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق



الفصل الخامس




حكم الأخلاق




ما للأخلاق من مكانة سامية في المجتمع الصيني - الأسرة - الأطفال-




العفة - الدعارة - العلاقات الجنسية قبل الزواج - الزواج والحب-




الاقتصار على زوجة واحدة وتعدد الزوجات - التسري - الطلاق-




إمبراطورة صينية - الحكم الأبوي للذكور - خضوع النساء للرجال - الخلق الصيني


لقد تغلبت الكنفوشية وعبادة الأسلاف على كثير من الديانات المنافسة لها، وقاومتا هجمات كثير من أعدائهما، وخرجتا ظافرتين من صراع دام عشرين قرناً، لأن الصينيين يشعرون بأنهما لا غنى عنهما للاحتفاظ بالتقاليد القوية السامية التي أقامت الصين عليها حياتها. وكما كانت هاتان الديانتان هما الضمانتين الدينيتين لهذه الحياة، فكذلك كانت الأسرة هي الوسيلة الكبرى لدوام هذا التراث الأخلاقي. فقد ظل الأبناء يتوارثون عن الآباء قانون البلاد الأخلاقي جيلا بعد جيل حتى أصبح هذا القانون هو الحكومة الخفية للمجتمع الصيني من أن يحتفظ بنظامه رغم ما انتاب الدولة غير المستقرة من نوائب وما احتاجها من أعاصير سياسية. وفي ذلك يقول فلتير: "إن خير ما يعرفه الصينيون، وأكثر ما يغرسونه في نفوس أبنائهم، وما بلغوا به ذروة الكمال، هو قانونهم الأخلاقي"(92) ويقول كنفوشيوس في هذا المعنى نفسه: "إذا قام البيت على أساس سليم أمن العالم وسلم"(93).
وكان الصينيون يفترضون أن الغرض الذي يهدف إليه القانون الأخلاقي هو أن يحول فوضى العلاقات الجنسية إلى نظام ثابت مقرر يهدف إلى تنشئة الأبناء. فالطفل هو علة وجود الأسرة، ويرى الصينيون أن أطفال الأسرة مهما كثروا




صفحة رقم : 1358




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق


لا يمكن أن يزيدوا على الحد الواجب المعقول: ذلك أن الأمة معرضة على الدوام لهجمات الغزاة فهي في حاجة إلى من يحميها، وإن الأرض خصبة غنية يجد ملايين الناس فيها كفايتهم؛ وإذا فرض أن اشتد تنازع البقاء بين الناس في الأسر الكبيرة والبيئات المزدحمة فإن هذا التنازع نفسه سيقضي على أضعفهم ويحتفظ بأقدرهم على الحياة، فيتضاعف عددهم ليكونوا دعامة قوية للأمة ومصدرا لعزة آبائهم وكرامتهم، يرعون قبور أسلافهم الرعاية الدينية الواجبة. ولقد صاغت عبادة الأسلاف من الأجيال المتعاقبة سلسلة قوية لا آخر لها كثيرة الحلقات تربط الأجيال بعضها ببعض وتضاعف قوتها. فكان على الزوج أن يلد أبناء ليقربوا له القربان بعد وفاته وليواظبوا في الوقت نفسه على تقريب القربان لأسلافه. وفي ذلك يقول منشيس: "ثلاثة أشياء لا يليق صدورها من الأبناء، وشرها كلها ألا يكون لهم أبناء"(94).
وكان الآباء يدعون في صلواتهم أن يرزقوا أبناء؛ وكان من أشد أسباب المذلة الدائمة للأمهات ألا يكون لهن أبناء ذكور لأن هؤلاء أقدر من البنات على العمل في الحقول وأثبت منهن جنانا في ميدان القتال؛ وكان من الشرائع المتبعة في البلاد- ولعل هذا الاعتقاد قد روعي في وضعها- ألا يسمح لغير الذكور بتقريب القربان إلى الآباء والأسلاف. وكانت البنات تعد عبئا على الآباء لأنهم يربونهن ويصبرون على تربيتهن ولا ينالهم من ذلك إلا أن يبعثوا بهن متى كبرن إلى بيوت أزواجهن ليعملن فيها ويلدن أبناء يكدون لأسر غير أسرهم. وإذا ولد للأسرة بنات أكثر من حاجتها وصادفت الأسرة الصعاب في إعالتهن تركتهن في الحقول ليقضي عليهن صقيع الليل أو الحيوانات الضارية(95) دون أن تشعر بشيء من وخز الضمير. وكان من بقي على قيد الحياة من الأبناء والبنات بعد أخطار الطفولة وأمراضها ينشئون بحنان عظيم؛ وكانت القدوة الحسنة تحل في تربيتهم محل الضرب واللكم، وكان الأقارب يتبادلون الأبناء في بعض الأحيان حتى لا يتلفهم




صفحة رقم : 1359




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق


حب الآباء وحنانهم(96). وكان الأطفال يتركون في المنزل في الجناح الخاص بالنساء، وقلما كانوا يختلطون بالكبار من الذكور حتى يبلغوا السابعة من العمر، وبعدها يرسل الأولاد إلى المدارس إذا كانت موارد الأسرة تكفي لتعليمهم ويفصلون عن البنات فصلا تاما، حتى إذا بلغوا العاشرة لم يسمح لهم بأن يختاروا لهم رفقاء من غير الرجال والمحاظي. ولكن انتشار اللواط جعل هذا الاختيار صوريا(97).
وكانت العفة تعد من الفضائل السامية، وكان الآباء يحرصون عليها أشد الحرص في بناتهم، وقد نجحوا في غرس هذه الفضيلة في البنات نجاحا منقطع النظير، يدل عليه أن البنات الصينيات كن في بعض الأحيان يقتلن أنفسهن إذا اعتقدن أن شرفهن قد تلوث بأن مسهن رجل مصادفة(98). غير أنهم لم يبذلوا أي مجهود يرمى إلى أن يحتفظ غير المتزوج بعفته، بل كان يعد من الأمور العادية المشروعة أن يتردد على المواخير، وكان الزنا عند الرجال من الشهوات المألوفة الواسعة الانتشار، يستمتع به الرجل كما يشتهي من غير أن يناله من ورائه أي عار إلا ما ينال المفرط في أية عادة من العادات .
وكان إعداد النساء لإشباع هذه الشهوات من النظم المقررة في الصين من زمن بعيد. من ذلك أن الوزير الشهير جوان جونج وزير ولاية تشي أعد مقرا للقوادات تؤخذ فيه من التجار القادمين من الولايات الأخرى مكاسبهم قبل أن يعودوا إلى أوطانهم(101).
ويقول ماركو بولو أنه شاهد في عاصمة كوبلاي خان من العاهرات ما لا يحصى عددهم وما لا يتصور العقل جمالهن. وهؤلاء البغايا مرخص لهن




صفحة رقم : 1360




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق


بمزاولة مهنتهن، وتنظم الدولة أمورهن وتراقبهن من الوجهة الطبية، وتقدم أجملهن دون أجر إلى أعضاء السفارات الأجنبية(202).
ونشأت فيما بعد طائفة خاصة من الفاتنان يعرفن "بالبنات المغنيات" مهنتهن أن يتحدثن حديثا مهذبا مثقفا إلى الشبان إذا أرادوا أو يستخدموهن في بيوت الأزواج لتسلية الضيوف. وكثيرا ما تكون هؤلاء الفتيات من البارعات في الأدب والفلسفة وممن يجدن الموسيقى والرقص(103).

وقد كان الرجال يستمتعون بحرية واسعة في صلاتهم بالنساء قبل الزواج، كما كانت صلات النساء المحترمات بالرجال قبل زواجهن مقيدة بأشد القيود، وكان من نتائج هذه الحرية الواسعة من جهة وهذا التقييد الشديد من جهة أخرى أن الفرصة لم تتح كثيرا لنشأة الحب العاطفي السامي. على أنه قد ظهرت كتابات تصف هذا الحب العاطفي في عهد أسرة تانج؛ وفي وسعنا أن نرى شواهد دالة على وجود هذه العاطفة منذ القرن السادس قبل الميلاد في قصة واي شنج. فقد تواعد هو وفتاة أن يلتقيا تحت قنطرة، وظل هو ينتظرها هناك بلا جدوى وإن كان الماء قد علا فوق رأسه وأغرقه(104). وما من شك في أن واي شنج كان أعرف بحقائق الأمور مما يبدو في هذه القصة، ولكن الشاعر الذي نظمها يظن هو وأمثاله من الشعراء أنه قد لا يعرف، وفي هذا الظن ما فيه من الدلالة.وقصارى القول أن الحب بوصفه عاطفة رقيقة وهياما بالمحبوب وتعلقا به كان بين الرجال بعضهم بعضا أقوى منه بين الرجال والنساء؛ والصينيون في هذا أشبه الناس باليونان(105).
ولم يكن للزواج صلة كبيرة بالحب. ولما كان الغرض من الزواج هو ربط زوجين أصحاء بعضهما ببعض لكي تنشأ من ارتباطهما أسرة كبيرة، فإن هذه الرابطة لم يكن يصح في اعتقاد الصينيين أن تترك لحكم العواطف القائم على غير أساس من العقل. ومن أجل هذا كان الآباء يحرصون على فصل الذكور عن




صفحة رقم : 1361




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق


الإناث حتى يبحثوا هو عن زوجات لأبنائهم أو أزواج لبناتهم. وكانوا يعدون امتناع الرجل عن الزواج عيبا خلقيا، كما كانت العزوبة جريمة في حق الأسلاف وفي حق الدولة وفي حق الجنس لا تغتفر حتى لرجال الدين، وكان الصينيون في أيامهم الأولى يعينون موظفا خاصا عمله أن يتأكد من أن كل إنسان في الثلاثين من عمره متزوج وأن كل امرأة قد تزوجت قبل العشرين(106). وكان الآباء ينظمون خطبة أبنائهم وبناتهم بمعونة وسطاء محترفين (ماي- رن = وسطاء)، وكانوا يفعلون هذا عقب بلوغهم الحُلُم وقبله أحيانا وقبل أن يولدوا في بعض الأحيان(107). وكان ثمة قيود تفرض على الزواج بين الأقارب وأخرى على الزواج من غير الأقارب تحد من هذا الاختيار، منها: أن الزوج يجب أن يكون من أسرة معروفة من زمن بعيد للأب الذي يبحث عن زوجة لابنه ولكنها بعيدة النسب عنه بعدا يجعلها خارج دائرة عشيرته. وهذا القول نفسه يصدق على الزوجة. وكانت طريقة الخطبة أن يرسل والد الخطيب هدية قيمة إلى والد الفتاة، ولكن الفتاة كان ينتظر منها هي الأخرى أن تأتي ببائنة قيمة إلى زوجها تكون في الغالب على شكل متاع أو بضاعة، كما كانت الأسرتان تتبادلان في العادة كثيرا من الهدايا ذات الشأن وقت الزواج. وكانت البنت تظل في عزلة شديدة عن خطيبها حتى تزف إليه، فلم يكن زوجها المرتقب يستطيع رؤيتها إلا إذا احتال على ذلك احتيالا- ولقد كان الاحتيال مستطاعا في بعض الأحيان -، ولكنه في كثير من الحالات كان يراها أول مرة حين يرفع النقاب عن وجهها في حفلة الزفاف. وكانت هذه الحفلة من الطقوس الرمزية المعقدة، أهم ما فيها أن يحتسي العريس من الخمر ما يكفي لأن يزيل ما عساه أن ينتابه من حياء يعد في عرف الصينيين جريمة لا تغتفر(108). أما البنت فكانت تتدرب على أن تكون حيّة ومطيعة في وقت واحد. وكانت الزوجة تعيش بعد الزواج مع زوجها في بيت أبيه أو بالقرب منه، حيث تكدح كدحا في خدمة زوجها وأمه حتى




صفحة رقم : 1362




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق


يحين الوقت الذي يحررها فيه الموت من هذا الاسترقاق، ويتركها على استعداد لأن تفرضه هي نفسها على زوجات أبنائها.
وكان الفقراء يكتفون بزوجة واحدة، ولكن حرص الصينيين على إنجاب أبناء أقوياء كان من القوة بحيث يجعلهم يسمحون عادة للقادرين منهم بأن يتخذوا لهم سراري أو "زوجات من الدرجة الثانية". أما تعدد الزوجات فكان في نظرهم وسيلة لتحسين النسل؛ وحجتهم في هذا أن من يستطيعون القيام بنفقاته منهم هم في العادة أكثر أهل العشيرة قدرة على إنجاب الأبناء. وكانت الزوجة الأولى إذا ظلت عاقرا تحث زوجها على أن يتخذ له زوجة ثانية؛ وكثيرا ما كانت هي نفسها تتبنى ابن إحدى المحاظي. وكثيرا ما كان يحدث أن الزوجات اللاتي يرغبن في أن يحتفظن بأزواجهن داخل بيوتهن يطلبن إليهم أن يتزوجوا بالمحاظي اللاتي يؤثرونهن بالعناية وبالصلات الجنسية، وأن يأتوا بهن إلى منازلهم ويتخذونهم فيها زوجات من الدرجة الثانية(109).
ومن أجل ذلك نرى القصص والأخبار الصينية تثنى على زوجة الإمبراطور جوانج- تشو أطيب الثناء لأنها قالت: "لم أكف قط عن إرسال الرسل إلى المدن المجاورة للبحث عن النساء الجميلات لأجعلهن خليلات لمولاي"(110). وكانت الأسر ينافس بعضها بعضا في أن ينلن شرف الحظوة بإرسال إحدى بناتها إلى حريم الإمبراطور. وكان من حق الإمبراطور أن يتخذ له ثلاثة آلاف من الخصيان ليحرسوا له حريمه وليعنوا ببعض الشؤون الأخرى في بلاطه، وكان هؤلاء الخصيان يخصيهم آباؤهم في سن الثامنة ليضمنوا لهم الحصول على رزقهم(111).
ولم تكن الزوجات الثانيات في جنة الذكور هذه يفترقن كثيرا عن الإماء، كما لم تكن الزوجات الأوليات إلا رئيسات هيئة لإنتاج الأبناء والبنات، تعتمد مكانتهن في الأسرة اعتمادا يكاد يكون تاما على عدد من يلدن من الأبناء وعلى




صفحة رقم : 1363




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق


جنسهن. ولما كانت الزوجة قد نشئت على الرضا بسيادة زوجها عليها فقد كان في وسعها أن تنعم بقسط متواضع من السعادة بالاندماج ببطء ويسر في النظام الرتيب الذي هيئت له والذي ينتظره الناس كلهم منها. وإذ كانت النفس البشرية كما نعلم جميعا سريعة القبول لما تنشا عليه فإن الرجل والمرأة المرتبطين برباط الزوجية في تلك البلاد كانا يعيشان كما يبدو لنا عيشة راضية سعيدة لا تقل في ذلك عن عيشة الزواج التي تعقب الحب الروائي في البلاد الغربية. وكان في وسع الرجل أن يطلق الزوجة لأي سبب كان، لعقمها أو لثرثرتها(112)، ولم يكن من حقها هي أن تطلق زوجها، بل كان لها أن تغادر داره وتعود إلى دار أبويها وإن كان هذا لا يحدث إلا في القليل النادر. على أن الطلاق كان مع ذلك قليلا، ويرجع بعض السبب في هذا إلى ما كان ينتظر المطلقة من مصير أسوأ من أن تستطيع التفكير فيه، وبعضها إلا أن الصينيين فلاسفة بطبيعتهم يرون الألم أمرا طبيعيا وإنه من مقتضيات النظام العام.
وأكبر الظن أن الأم قبل أيام كنفوشيوس كانت محور الأسرة لأنها مصدر وجودها وسلطانها. وكان الناس في أول عهودهم كما سبق القول "يعرفون أمهاتهم ولا يعرفون آباءهم"، ولا يزال اللفظ الدال على اسم أسرة الرجل مكونا من الأصل الذي اشتق منه لفظ "امرأة"(113)، واللفظ الصيني المقابل لكلمة الزوجة معناه "المساوي"، وكانت الزوجة تحتفظ باسمها بعد زواجها. وكانت النساء حتى القرن الثالث بعد الميلاد يشغلن في البلاد مناصب إدارية وتنفيذية رفيعة، وقد وصل بعضهن إلى أن يكن حاكمات للبلاد(114)؛ ولم تكن "الإمبراطورة الأم" حين قبضت بيدها على شئون الدولة إلا متتبعة لخطى الإمبراطورة "لو" التي حكمت الصين حكما صارما دام من عام 195 إلى عام 180 ق.م. وكانت "لو" قاسية لا تلين قناتها، قتلت منافسيها وأعداءها أو قضت عليهم بالسم، وكانت تغتبط بتقتيلهم وتسميمهم اغتباط آل ميديشي، وكانت تختار الملوك وتخلعهم عن




صفحة رقم : 1364




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق


عرشهم وتصلم آذان محظيات زوجها وتفقأ عيونهن ثم تلقيهن في المراحيض(115). وكان التعليم منتشرا بين نساء الطبقات العليا في الأيام القديمة وإن كان عدد من يعرفون القراءة والكتابة من الصينيين في أيام المنشو لا يكاد يبلغ واحدا في كل عشرة آلاف. وكان كثيرات من النساء يقرضن الشعر، ولقد أتمت بان جاو أخت المؤرخ بان كو الموهوبة (حوالي عام 100م) تاريخه بعد وفاته ونالت حظوة كبيرة عند الإمبراطور(117).
ولعل قيام نظام الإقطاع في الصين قد قلل من منزلة المرأة السياسية والاقتصادية في تلك البلاد، وجاء معه بنمط صارم من الأسرة الأبوية. ذلك أن الأبناء الذكور هم وزوجاتهم وأطفالهم كانوا يعيشون في العادة مع أكبر رجال الأسرة. ومع أن الأسرة كلها كانت تمتلك أرضها امتلاكا مشتركا فإنها كانت تعترف للأب بالسلطان الكامل على الأسرة وعلى أملاكها. فلما أن حل عهد كنفوشيوس كان سلطان الأب يكاد أن يكون سلطانا مطلقا في جميع الأمور، فكان في وسعه أن يبيع زوجته وأبناءه ليكونوا عبيدا، وإن لم يفعل هذا إلا إذا ألجأته إليه الضرورة القصوى؛ وكان يستطيع إذا شاء أن يقتل أبناءه لا يحول بينه وبين هذا إلا حكم الرأي العام(118).وكان يتناول طعامه بمفرده لا يدعو زوجته ولا أبناءه إلى المائدة معه إلا في أوقات قليلة نادرة، وإذا مات كان ينتظر من أرملته ألا تتزوج بعده، وكان يطلب إليها في بداية الأمر أن تحرق نفسها تكريما له، وظلت حوادث من هذا النوع تقع في الصين إلى أواخر القرن التاسع عشر بعد الميلاد(119). وكان الصيني يجامل زوجته كما يجامل كل إنسان سواها، ولكنه كان في حياته بعيدا كل البعد عن زوجته وأبنائه كأنه من طبقة غير طبقتهم. وكان النساء يعشن في أقسام خاصة من المنزل، وقلما كن يختلطن فيه بالرجال، وكانت الحياة الاجتماعية كلها مقصورة على الرجال إلا إذا كانت النساء من الطبقات التي يسمح لأفرادها بالاختلاط بالرجال كالمغنيات والمحدثات ومن إليهن




صفحة رقم : 1365




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق


وكان الرجل لا يفكر في زوجته إلا بوصفها أم أبنائه ولا يكرمها لجمالها أو لثقافتها بل لخصوبتها وجدها وطاعتها؛ يشهد بذلك ما كتبته السيدة بان هو- بان إحدى بنات الطبقة العليا في رسالة ذائعة الصيت بعبارات غاية في التواضع والخضوع تصف فيها المكانة الحقة للمرأة:
نشغل نحن النساء آخر مكان في الجنس البشري، ونحن أضعف قسم من بني الإنسان، ويجب أن يكون من نصيبنا أحقر الأعمال... وما أعدل ما يقوله في حقنا كتاب قوانين الجنسين وأصدقه: وإذا كان للمرأة زوج يرتضيه قلبها وجب أن تبقى معه طيلة حياتها؛ وإذا كان للمرأة زوج لا يرتضيه قلبها وجب أن تبقى معه أيضا طيلة حياتها"(120).
ويغني فوشوان قائلا:


ألا ما اتعس حظ المرأة‍




ليس في العالم كله شيء أقل قيمة منها.




إن الأولاد يقفون متكئين على الأبواب،




كأنهم آلهة سقطوا من السماء،




تتحدى قلوبهم البحار الأربعة،




والرياح والتراب آلاف الأميال؛




أما البنت فإن أحدا لا يسر بمولدها،




ولا تدخر الأسرة من ورائها شيئا،




وإذا كبرت اختبأت في حجرتها،




تخشى أن تنظر إلى وجه إنسان،




ولا يبكيها أحد إذا اختفت من منزلها -




على حين غفلة كما تختفي السحب بعد هطول الأمطار،




وهي تطأطأ رأسها وتجمل وجهها






صفحة رقم : 1366




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق




وتعض بأسنانها على شفتيها،




وتنحني وتركع مرارا يخطئها الحصر.


قد يكون في هذه المقتبسات ظلم للبيت الصيني؛ نعم قد كان فيه خضوع ومذلة، وكثيرا أقام فيه النزاع بين الرجل والمرأة وبين بعض الأطفال، ولكن كان في البيت أيضا كثير من الحب والحنان، وكثير من التعاون والتآزر في الأعمال المنزلية، مما يجعل البيت مكانا طبيعيا ومستقرا صالحا للأسرة. وكانت المرأة رغم خضوعها للرجل من الناحية الاقتصادية تستمع بكامل حقها في استخدام لسانها، وكان في وسعها أن تؤنب الرجل حتى يرهبها أو يفر من وجهها كأحسن ما تستطيعه المرأة الغربية في هذه الأيام. هذا وجدير بنا أن نقول أن الأسرة ذات النظام الأبوي ليس في مقدورها أن تكون أسرة ديمقراطية، وهي أشد من ذلك عجزا عن أن يكون جميع أفرادها متساوين في الحقوق، وذلك لأن الدولة كانت تترك للأسرة مهمة القيام على النظام الاجتماعي، ولأن المنزل كان مربى للأطفال ومدرسة ومصنعا وحكومة في وقت واحد. ولم يتراخ نظام الأسرة في أمريكا إلا بعد أن ضعف شأن المنزل في المدينة وقلت أهميته بانتقال واجبات الأسرة إلى المدرسة والمصنع والدولة.
ولقد أثنى كثير من الرحالة أجمل ثناء على الخلق الذي كان ثمرة هذه النظم المنزلية. فإذا صرفنا النظر عن الحالات الشاذة الكثيرة التي تضعف كل حكم عام يمكن أن يصدره الإنسان على أي نظام اجتماعي، استطعنا أن نقول أن الصيني العادي كان مثلا يحتذى في طاعة الأبناء للآباء وإخلاصهم ووفائهم لهم وفي احترام الصغار للكبار وعنايتهم بهم عن رضا واختيار . وكان الصيني يقبل الحكم




صفحة رقم : 1367




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق


الأخلاقية التي جاءت في اللي- شي أو كتاب الحفلات ويعمل بما فيها من آداب اللياقة رغم مشقتها، وينظم كل ناحية من نواحي حياته حسب ما فيها من قواعد المجاملة العاطفية التي أكسبت أخلاقه من الرقة والسهولة والاتزان والكرامة ما لم ينله أمثاله من الغربيين- فقد يظهر الحمّال الذي ينقل الأقذار في الطرقات من الأدب وحسن التربية واحترام النفس أكثر مما يظهره التاجر الأجنبي الذي باعه الأفيون. ولقد تعلم الصيني فن التراضي والمصالحة واستطاع بذلك أن يستل ضغينة عدوه المغلوب. ولقد كان في بعض الأحيان عنيفا في قوله، وكان على الدوام ثرثارا، وكثيرا ما تراه قذرا أو ثملا يدمن القمار ويلتهم الطعام التهاما ، ويميل إلى ابتزاز الأموال العامة وإلى سؤال الناس في غير إلحاف(124)، يعبد إله المال عبادة وثنية مسرفة في صراحتها(125)، ويجري وراء الذهب جري الأمريكي كما نراه في صوره الساخرة، يستطيع أحيانا أن يكون قاسيا فظا غليظ القلب، إذا توالت عليه المظالم ثار أحيانا وأقدم على ضروب من السلب والتقتيل في جماعات كبيرة. ولكنه في جميع أحواله تقريبا رجل مسالم رحيم، كثير الاستعداد لمساعدة جيرانه، يحتقر المجرمين والمحاربين، مقتصد مجد مثابر على عمله وإن كان لا يعجل فيه، بسيط في أسلوب حياته لا يحب التظاهر والتصنع، شريف إلى حد كبير في معاملاته التجارية والمالية. وكان من عادته الصبر على النوائب، يستقبل النعم والنقم على السواء بحكمة ووداعة، ويتحمل الحرمان والعذاب دون أن يفقد سلطانه على نفسه، ويصبر عليهما صبر من يرى أن كل شيء مقدر عليه في الأزل، ولا يعطف قط على من يتأفف منهما على مسمع من الناس، يحزن حزنا صادقا طويلا على من يموت من أقاربه، وإذا عجز عن الفرار من الموت بجميع ما لديه من الوسائل واجهه وهو صابر صبر الفلاسفة؛ وكان




صفحة رقم : 1368




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكم الأخلاق


مرهف الشعور بالجمال بقدر ما كان قليل الشعور بالألم، وكان يزين مدائنه بالنقوش الملونة ويتنعم في حياته بأرقى أنواع الفن.
وإذا شئنا أن نفهم هذه الحضارة حق الفهم كان علينا أن ننسى، ولو إلى حين، ما تردت فيه البلاد من فوضى وعجز بسبب ضعفها في الداخل، واحتكاكها بمدافع الغرب وآلاته الضخمة القوية، وأن نراها في فترة من فترات عزها ومجدها في عهد أمراء جو أو في عهد منج هوانج أو هواي دزونج أو كانج- شي. ذلك أن الصيني في تلك الأيام أيام حب الجمال كان يمثل بلا ريب أرقى المدنيات وأنضج الثقافات اللتين شهدتهما آسية أو إن شئت فقل أية قارة من القارات.




صفحة رقم : 1369




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكومة يثني عليها فلتير



الفصل السادس




حكومة يثني عليها فلتير




الفرد المغمور - الحكم الذاتي - القرية والإقليم - تراخي القانون -




صرامة العقاب - الإمبراطور - الرقيب - المجالس الإدارية - الإعداد




للمناصب العامة - الترشيح بالتعليم - نظام الامتحانات - عيوبه - وفضائله


إن أكثر ما يروعنا في هذه الحضارة هو نظام حكومتها. وإذا كانت الدولة المثالية هي التي تجمع بين الديمقراطية والأرستقراطية فإن الصينيين قد أنشأوا هذه الدولة منذ ألف عام أو تزيد؛ وإذا كانت خير الحكومات هي أقلها حكما، فقد كانت حكومة الصين خير حكومات العالم على الإطلاق. ولم يشهد التاريخ قط حكومة كان لها رعايا أكثر من رعايا الحكومة الصينية أو كانت في حكمها أطول عهدا وأقل سيطرة من تلك الحكومة.
ولسنا نقصد بهذا أن الفردية أو الحرية الفردية كان لها شأن عظيم في بلاد الصين؛ ذلك أن فكرة الفردية كانت ضعيفة في تلك البلاد وأن الفرد كان مغمورا في الجماعات التي ينتمي إليها. فقد كان أولا عضوا من أعضاء أسرة، ووحدة عابرة في موكب الحياة بين أسلافه وأخلافه؛ وكانت القوانين والعادات تحمله تبعة أعمال غيره من أفراد أسرته كما يحملون هم تبعة أعماله؛ وكان فضلا عن هذا ينتمي عادة على جمعية سرية، وإذا كان من سكان الحواضر فانه ينتمي إلى نقابة من نقابات الحرف.
وهذه كلها أمور تحد من حقه في أن يفعل ما يشاء. وكان يحيط به فضلا عن هذا طائفة من العادات القديمة ويهدده رأي عام قوي بالطرد من البلاد إذا خرج على أخلاق الجماعة أو تقاليدها خروجا خطيرا. وكانت قوة هذه النظم




صفحة رقم : 1370




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكومة يثني عليها فلتير


الشعبية التي نشأت بطبيعتها من حاجات الناس وتعاونهم الاختياري هي التي مكنت الصين من أن تحتفظ بنظامها واستقرارها رغم ما يشوب القانون والدولة من لين وضعف.
ولكن الصينيين ظلوا أحرارا من الناحيتين السياسية والاقتصادية في داخل هذا الإطار من نظم الحكم الذاتي التي أقاموها بأنفسهم لأنفسهم.
لقد كانت المسافات الشاسعة التي تفصل كل مدينة عن الأخرى وتفصل المدن كلها عن عاصمة الإمبراطورية، والجبال الشامخة والصحاري الواسعة والمجاري التي تتعذر فيها الملاحة أو لا تقوم عليها القناطر، وانعدام وسائل النقل والاتصال السريع وصعوبة تموين جيش كبير يكفي لفرض سلطان الحكومات المركزية على شعب تبلغ عدته أربعمائة مليون من الأنفس - كانت هذه كلها عوامل تضطر الدولة لأن تترك لكل إقليم من أقاليمها استقلالا ذاتيا يكاد أن يكون كاملا من كل الوجوه.
وكانت وحدة الإدارة المحلية هي القرية يحكمها حكما متراخيا رؤساء العشائر بإشراق "زعيم" منهم ترشحه الحكومة. وكانت كل طائفة من القرى مجتمعة حول بلدة كبيرة تؤلف "بينا" أي مقاطعة بلغت عدتها في الصين نحو ألف وثلاثمائة. ويتألف من كل بينين أو أكثر تحكمهما معا مدينة "فو"، ومن كل فوين أو ثلاثة "داو" أي دائرة، ومن كل داوين أو أكثر "شنج" أي إقليم. وكانت الإمبراطورية في عهد المنشو تتألف من ثمانية عشر من هذه الأقاليم. وكانت الدولة تعين من قبلها موظفا في كل بين يدير شئونه، ويجبى ضرائبه، ويفصل في قضاياه، وتعين موظفا آخر في كل فو وآخر في كل داو؛ كما تعين قاضيا، وخازنا لبيت المال، وحاكما، ونائبا للإمبراطور أحيانا في كل إقليم(127). ولكن هؤلاء الموظفين كانوا يقنعون أحيانا بجباية الضرائب والفروض الأخرى




صفحة رقم : 1371




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكومة يثني عليها فلتير


والفصل في المنازعات التي يعجز المحكمون عن تسويتها بالحسنى، ويتركون حفظ النظام لسلطان العادة وللأسرة والعشيرة والنقابة الطائفية. وكان كل إقليم ولاية شبه مستقلة لا تتدخل الحكومة الإمبراطورية في أعمالها، ولا تفرض عليها شرائعها طالما كانت تدفع حصتها من الضرائب وتحافظ على الأمن والنظام في داخل حدودها. وكان انعدام وسائل الاتصال السهلة مما جعل الحكومة المركزية فكرة معنوية أكثر منها حقيقة واقعية. ومما جعل عواطف الأهلين الوطنية تنصرف في دوائرهم وأقاليمهم، ولا تتسع إلا في القليل النادر حتى تشمل الإمبراطورية بوجه عام.
وفي هذا البناء غير المحكم كان القانون ضعيفا، بغيضا، متباينا. وكان الناس يفضلون أن تحكمهم عاداتهم وتقاليدهم، وأن يسووا نزاعهم بالتراضي خارج دور القضاء. وكانوا يعبرون عن آرائهم في التقاضي بمثل هذه الحكم والأمثال القصيرة القوية: "قاض برغوثا يعضك" و "اكسب قضيتك تخسر مالك". وكانت تمر سنين على كثير من المدن التي تبلغ عدة أهلها آلافاً مؤلفة لا ترفع فيها قضية واحدة إلى المحاكم(128) وكانت قوانين البلاد قد جمعت في عهد أباطرة تانج ولكنها كلها اقتصرت تقريبا على الجرائم ولم تبذل محاولات جدية لوضع قانون مدني. وكانت المحاكمات بسيطة سهلة لأن المحامي لم يكن يسمح له بمناقشة الخصم داخل المحكمة، وإن كان في استطاعة كتاب مرخصين من الدولة أن يعدوا في بعض الأحيان تقارير بالنيابة عن المتقاضين ويتلوها على القاضي(129). ولم يكن هناك نظام للمحلفين، ولم يكن في نصوص القوانين ما يحمي الفرد من أن يقبض عليه موظفو الدولة على حين غفلة ويعتقلوه. وكانت تؤخذ بصمات أصابع المتهمين(130)، ويلجأ أحيانا إلى تعذيبهم لكي يقروا بجرائمهم، ولم يكن هذا التعذيب الجسمي ليزيد إلا قليلا على ما يتبع الآن لهذا الغرض عينه في أكثر المدن رقيا. وكان العقاب صارما، وإن لم يكن أشّد وحشية مما كان في معظم




صفحة رقم : 1372




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكومة يثني عليها فلتير


بلاد القارة الآسيوية؛ وكان أوله قص الشعر ويليه الضرب ثم النفي من البلاد ثم الإعدام. وإذا كان المتهم ذا فضائل غير معهودة أو كان من طبقة راقية سمح له أن ينتحر(131). وكانت العقوبات تخفف أحيانا تخفيفا كريما، وكان حكم الإعدام لا يصدر في الأوقات العادية إلا من الإمبراطور نفسه. وكان الناس جميعا من الناحية النظرية سواسية أمام القانون، شأنهم في هذا كشأننا نحن في هذه الأيام. ولكن هذه القوانين لم تمنع السطو في الطرق العامة أو الارتشاء في وظائف الدولة ودور القضاء، غير أنها كان لها قسط متواضع في معاونة الأسرة والعادات الموروثة في أن تهب الصين درجة من النظام الاجتماعي والأمن والاطمئنان الشخصي لم تضارعها فيها أمة أخرى قبل القرن العشرين(132).
وكان الإمبراطور يشرف على هذه الملايين الكثيرة من فوق عرشه المزعزع. وكان يحكم من الوجهة النظرية بحقه المقدس؛ فقد كان هو "ابن السماء" وممثل الكائن الأعلى في هذه الأرض. وبفضل سلطانه الإلهي هذا كانت له السيطرة على الفصول وكان يأمر الناس أن يوفقوا بين أعمالهم وبين النظام السماوي المسيطر على العالم، وكانت كلمته هي القانون وأحكامه هي القضاء الذي لا مرد له. وكان المدبر لشؤون الدولة ورئيس ديانتها، يعين جميع موظفيها ويمتحن المتسابقين لأعلى مناصبها ويختار من يخلفه على العرش. لكن سلطانه كان يحده من الوجهة العملية القانون والعادات المرعية، فكان ينتظر منه أن يحكم من غير أن يخرج على النظم التي انحدرت من الماضي المقدس. وكان معرضا في أي وقت لأن يعزَّر على يد رجل ذي مقام كبير يسمى بالرقيب؛ وكان في واقع الأمر محوطاً بحلقة قوية من المستشارين والمبعوثين من مصلحته أن يعمل بمشورتهم، وإذا ظلم أو فسد حكمه خسر بحكم العادات المرعية وباتفاق أهل الدولة "تفويض السماء"، وأمكن




صفحة رقم : 1373




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكومة يثني عليها فلتير


خلعه بالقوة من غير أن يعد ذلك خروجا على الدين أو الأخلاق.
وكان الرقيب رئيس مجلس مهمته التفتيش على جميع الموظفين في أثناء قيامهم بواجباتهم، ولم يكن الإمبراطور نفسه بمنجاة من إشرافه. وقد حدث مرارا في تاريخ الصين أن عزر الرقيب الإمبراطور نفسه. من ذلك أن الرقيب سونج أشار على الإمبراطور جياه تشنج (1196-1821)، بالاحترام اللائق بمقامه العظيم طبعا، أن يراعى جانب الاعتدال في صلاته بالممثلين وبتعاطي المسكرات. فما كان من جياه تشنج إلا أن استدعى سونج للمثول أمامه، وسأله وهو غاضب أي عقاب يليق أن يوقع على من كان موظفا وقحا مثله، فأجابه سونج: "الموت بتقطيع جسمه إرباً". ولما أمره الإمبراطور باختيار عقاب أخف من هذا أجابه بقوله "إذن فليقطع رأسي" فطلب إليه مرة أخرى أن يختار عقابا أخف فاختار أن يقتل خنقا. وأعجب الإمبراطور بشجاعته وخشي وجوده بالقرب منه فعينه حاكما على إقليم إيلي(134).
وأضحت الحكومة المركزية على مر الزمن أداة إدارية شديدة التعقيد. وكان أقرب الهيئات إلى العرش المجلس الأعلى، ويتكون من أربعة "وزراء كبار" يرأسهم في العادة أمير من أمراء الأسرة المالكة. وكان يجتمع بحكم العادة في كل يوم في ساعات الصباح المبكرة لينظر في شؤون الدولة السياسية. وكان يعلو عنه في المنزلة، ولكن يقل عنه في السلطان، هيئة أخرى من المستشارين يسمون "بالديوان الداخلي". وكان يشرف على الأعمال الإدارية "ستة مجالس" للشؤون المدنية، والدخل، والاحتفالات، والحرب، والعقوبات، والأشغال العامة؛ وكان ثمة إدارة للمستعمرات تصرف شؤون الأقاليم النائية مثل منغوليا، وسنكيانج والتبت. ولكنها لم تكن لها إدارة للشؤون الخارجية لأن الصين لم تكن تعترف بأن في العالم دولة مساوية لها، ومن أجل ذلك لم تنشئ في




صفحة رقم : 1374




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكومة يثني عليها فلتير


بلادها للاتصال بها غير ما وضعته من النظم لاستقبال البعوث التي تحمل لها الخراج.
وكان أكبر أسباب ضعف الحكومة قلة مواردها وضعف وسائل الدفاع عن أراضيها ورفضها كل اتصال بالعالم الخارجي يعود عليها بالنفع. لقد فرضت الضرائب على أراضيها، واحتكرت بيع الملح، وعطلت نماء التجارة بما فرضته بعد عام 1821 من عوائد على انتقال البضائع على طرق البلاد الرئيسية، ولكن فقر السكان، وما كانت تعانيه من الصعاب في جباية الضرائب والمكوس، وما يتصف به الجباة من الخيانة، كل هذا قد ترك خزانة الدولة عاجزة عن الوفاء بحاجات القوى البحرية والبرية التي كان في وسعها لولا هذا العجز أن تنقذ البلاد من مذلة الغزو والهزيمة . ولعل أهم أسباب هزائمها هو فساد موظفي حكومتها؛ وذلك أن ما كان يتصف به موظفوها من جدارة وأمانة قد ضعف في خلال القرن التاسع عشر فأضحت البلاد تعوزها الزعامة الرشيدة في الوقت الذي كانت فيه نصف ثروة العالم ونصف قواه يتجمعان لسل استقلالها وانتهاب مواردها والقضاء على أنظمتها.
بيد أن أولئك الموظفين كانوا يختارون بوسيلة لا مثيل لها في دقتها وتعد في جملتها أجدر وسائل الاختيار بالإعجاب والتقدير، وخير ما وصل إليه العالم من الوسائل لاختيار الخدام العموميين. لقد كانت وسيلة جديرة بإعجاب أفلاطون، ولا تزال رغم عجزها وتخلي الصين عنها تقرب الصين إلى قلوب الفلاسفة. وكانت




صفحة رقم : 1375




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكومة يثني عليها فلتير


هذه الطريقة من الناحية النظرية توفق أحسن التوفيق بين المبادئ الأرستقراطية والديمقراطية: فهي تمنح الناس جميعا فرصة متكافئة لإعداد أنفسهم للمناصب العامة، ولكنها لا تفتح أبواب المناصب إلا لمن أعدوا أنفسهم لها. ولقد أنتجت خير النتائج من الوجهة العملية مدى ألف عام.
وكانت بداية هذه الطريقة في مدارس القرى - وهي معاهد خاصة ساذجة لا تزيد قليلا على حجرة واحدة في كوخ صغير - كان يقوم فيها معلم واحد بتعليم أبناء أسر القرية تعليما أوليا ينفق عليه بما يؤديه هؤلاء الأبناء من أجر ضئيل. أما النصف الفقير من السكان فقد ظل أبناؤه أميين(137). ولم تكن الدولة هي التي تنفق على تلك المدارس، ولم يكن الكهنة هم الذين يديرونها، ذلك أن التعليم قد بقى في الصين كما بقى الزواج فيه مستقلا عن الدين لا صلة بينهما سوى أن الكنفوشية كانت عقيدة المعلمين. وكانت أوقات الدراسة طويلة كما كان النظام صارما في هذه المدارس المتواضعة. فكان الأطفال يأتون إلى المعلم في مطلع الشمس ويدرسون معه حتى الساعة العاشرة، ثم يفطرون ويواصلون الدرس حتى الساعة الخامسة، ثم ينصرفون بقية النهار. وكانت العطلات قليلة العدد قصيرة الأجل، وكانت الدراسة تعطل بعد الظهر في فصل الصيف، ولكن هذا الفراغ الذي كان يصرف في العمل في الحقول كان يعوض بفصول مسائية في ليالي الشتاء. وكان أهم ما يتعلمه الأطفال كتابات كنفوشيوس وشعر تانج؛ وكانت أداة المعلم عصا من الخيزران. وكانت طريقة التعليم الحفظ عن ظهر قلب؛ فكان الأطفال الصغار يواصلون حفظ فلسفة المعلم كونج ويناقشون فيها مدرسهم حتى ترسخ كل كلمة من كلماته في ذاكرتهم وحتى يستقر بعضها في قلوبهم. وكانت الصين تأمل أن يتمكن جميع أبنائها، ومنهم الزراع أنفسهم، بهذه الطريقة القاسية الخالية من اللذة أن يصبحوا فلاسفة وسادة مهذبين،




صفحة رقم : 1376




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكومة يثني عليها فلتير


وكان الصبي يخرج من المدرسة ذا علم قليل وإدراك كبير، جاهلا بالحقائق ناضج العقل .
وكان هذا التعليم هو الأساس الذي أقامت عليه الصين - في عهد أسرة هان على سبيل التجربة وفي عهد أسرة تانج بصفة نهائية - نظام تولي المناصب العامة بالامتحان. ومن أقوال الصينيين في هذا: إن من أضر الأمور بالشعب أن يتعلم حكامه طرق الحكم بالحكم نفسه، وإن من واجبهم كلما استطاعوا أن يتعلموا طرق الحكم قبل أن يحكموا، ومن أضر الأمور بالشعب أن يحال بينه وبين تولي المناصب العامة وأن يصبح الحكم امتيازا تتوارثه فئة قليلة من أبناء الأمة؛ ولكن من الخير للشعب أن تقصر المناصب على من أعدوا لها بفضل مواهبهم وتدريبهم. وكان الحل الذي عرضته الصين لمشكلة الحكمة القديمة المستعصية هي أن تتيح لكل الرجال ديمقراطيا فرصة متكافئة لأن يدربوا هذا التدريب، وأن تقصر الوظائف أرستقراطيا على من يثبتون أنهم أليق الناس لأن يتولوها. ومن أجل هذا كانت تعقد في أوقات معينة امتحانات عامة في كل مركز من المراكز يتقدم إليها كل من شاء من الذكور متى كانوا في سن معينة.
وكان المتقدم إلى الامتحان يمتحن في قوة تذكره وفهمه لكتابات كنفوشيوس وفي مقدار ما يعرف من الشعر الصيني ومن تاريخ الصين، وفي قدرته على أن يكتب أبحاثا في السياسة والأخلاق كتابة تدل على الفهم والذكاء. وكان في وسع من يخفق في الامتحان أن يعيد الدرس ويتقدم إليه مرة أخرى، ومن نجح منح درجة شيو دزاي التي تؤهله لأن يكون عضوا في طبقة الأدباء ولأن يعين في




صفحة رقم : 1377




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكومة يثني عليها فلتير


المناصب الصغرى في الحكومة الإقليمية؛ وأهم من هذا أن يكون من حقه أن يتقدم إما مباشرة أو بعد استعداد جديد لامتحان آخر يعقد في الأقاليم كل ثلاث سنوات شبيه بالأول ولكنه أصعب منه. ومن خفق فيه أجاز أن يتقدم إليه مرة أخرى؛ وكان يفعل ذلك كثيرون من المتقدمين فكان يجتازه في بعض الأحيان رجال جاوزا الثمانين وظلوا طوال حياتهم يدرسون، وكثيرا ما مات الناس وهم يتأهبون لدخول هذه الامتحانات. وكان الذين ينجحون يختارون للوظائف الحكومية الصغرى، كما كان من حقهم أن يتقدموا للامتحان النهائي الشديد الذي يعقد في بكين. وكان في تلك المدينة ردهة للامتحان العام تحتوي على عشرة آلاف حجرة انفرادية يقضى فيها المتسابقون ثلاثة أيام متفرقة في عزلة تامة، ومعهم طعامهم وفراشهم، يكتبون مقالات أو رسائل في موضوعات تعلم لهم بعد دخولهم. وكانت هذه الغرف خالية من وسائل التدفئة والراحة رديئة - الإضاءة غير صحية لأن الروح لا الجسم - في رأيهم - هي التي يجب أن تكون موضع الاهتمام! وكان من الموضوعات المألوفة في هذه الامتحانات أن ينشئ المتقدم قصيدة في: "صوت المجاديف والتلال الخضراء والماء"، وأن يكتب مقالا عن الفقرة الآتية من كتابات كنفوشيوس. قال دزانج دزي: "من يك ذا كفاية ويسأل من لا كفاية له؛ ومن يك ذا علم كثير ويسأل من لا يعلم إلا القليل؛ ومن يملك ثم يتظاهر بأنه لا يملك؛ ومن يمتلئ ثم يبدي أنه فارغ" ولم يكن في أي امتحان من هذه الامتحانات كلمة واحدة عن العلوم أو الأعمال التجارية أو الصناعية؛ لأنها لم تكن تهدف إلى تبين علم الرجل بل ترمي إلى معرفة ما له من حكم صادق وخلق قويم. وكان كبار موظفي الدولة يختارون من الناجحين في هذا الامتحان النهائي.
وتبين على مر الزمن ما تنطوي عليه هذه الطريقة من عيوب. فقد وجد الغش سبيله إلى الحكم في الامتحان، وإن كان الغش في الامتحان أو في




صفحة رقم : 1378




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكومة يثني عليها فلتير


تقديره يعاقب عليه أحيانا بالإعدام. وأصبح شراء الوظائف بالمال كثيرا متفشيا في القرن التاسع عشر(138)، من ذلك أن موظفا صغيرا باع عشرين ألف شهادة مزورة قبل أن يكشف أمره(139). ومنها أن صورة المقالة التي تكتب في الامتحان أصبحت صورة عادية معروفة يعد المتسابقون أنفسهم لها إعدادا آلياً. كذلك كان منهج الدراسة ينزع إلى الهبوط بالثقافة إلى الصور الشكلية دون اللباب، ويحول دون الرقي الفكري لأن الأفكار التي كانت تتداول في هذه المقالات قد تحددت وتعينت خلال مئات السنين. وكان من آثارها أن أصبح الخريجون طبقة بيروقراطية ذات عقلية رسمية متعجرفة بطبيعتها، أنانية، مستبدة في بعض الأحيان وفاسدة في كثير من الأحوال؛ لا يستطيع الشعب مع ذلك أن يعزلها أو يشرف على أعمالها إلا إذا لجأ بعد يأسه إلى الطريقة الخطرة طريقة الإضراب عن طاعتها أو مقاطعتها وعدم التعامل معها. وقصارى القول أن هذا النظام كان ينطوي على كل العيوب الني يمكن أن ينطوي عليها أي نظام حكومي يبتدعه ويسيره بنو الإنسان؛ فعيوبه هي عيوب القائمين عليه لا عيوب النظام نفسه، وليس ثمة نظام آخر لم يكن فيه من العيوب من في هذا النظام .
أما مزاياه فهي كثيرة: فهو برئ من طريقة الترشيح وما يؤثر فيها من تيارات خفية؛ وليس فيه مجال للمساعي الدنيئة وللنفاق والخداع في تصوير النتائج، ولا تدور فيه المعارك الصورية بين الأحزاب، ولا يتأثر بالانتخابات الفاسدة ذات الجلبة والضجيج، ولا يتيح الفرصة لتسلم المركز الرفيع عن طريق الشهرة الزائفة. لقد كانت الحكومة القائمة على هذا النظام حكومة ديمقراطية على الزعامة وعلى المناصب الرفيعة. وكانت أرستقراطية في أحسن صورها، لأنها




صفحة رقم : 1379




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الشعب والدولة -> حكومة يثني عليها فلتير


حكومة يتولاها أقدر الرجال الذين اختيروا اختيارا ديمقراطيا من بين جميع طبقات الشعب ومن كل جيل. وبفضل هذه الطريقة وجهت عقول الأمة ومطامعها وجهة الدرس والتحصيل، وكان أبطالها الذين تقتدي بهم هم رجال العلم والثقافة لا سادة المال .
ولقد كان جديرا بالإعجاب أن يجرب مجتمع من المجتمعات أن يحكمه من الناحيتين الاجتماعية والسياسية رجال أعدوا للحكم بتعلم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ولذلك كان من شر المآسي أن تنقض قوى التطور والتاريخ القاسية التي لا ترحم ولا تلين على ذلك النظام الفذ وعلى جميع معالم الحضارة التي كان هو أهم عناصرها فتدمرها تدميرا.




صفحة رقم : 1380




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> الخطر الأبيض



الباب السابع والعشرون




الثورة والتجديد




الفصل الأول




الخطر الأبيض




النزاع بين آسية وأوربا - البرتغاليون - الأسبان - الهولنديون -




الإنجليز - تجارة الأفيون - حروب الأفيون - فتنة بنج تاي - منج-




حرب اليابان - محاولة تمزيق الصين- "الباب المفتوح" - الإمبراطورة




الوالدة - إصلاحات كوانج شو - عزله - الملاكون - الغرامة الحربية


اتخذت هذه القوى شكل الانقلاب الصناعي. فقد نشطت أوربا وتجدد شبابها على أثر كشف القوى الآلية واستخدامها في صنع الآلات ومضاعفة الإنتاج. وما لبثت أوربا أن وجدت نفسها قادرة على إنتاج سلع أرخص من التي تنتجها أية أمة أو قارة ظلت تعتمد على الصناعات والحرف اليدوية. وعجزت أوربا عن تصريف منتجات آلاتها بين سكانها، لأنها كانت تؤدي لعمالها أجوراً أقل بعض الشيء من القيمة الكاملة لجهودهم، واضطرت من أجل ذلك إلى البحث عن أسواق خارجية لتصرف فيها ما زاد من منتجاتها على حاجتها، فكان لا بد لها أن تستعمر ودفعها الاستعمار إلى الحروب. وأصبح القرن التاسع عشر بحكم الظروف القائمة فيه وبدافع الاختراعات الكثيرة التي تعاقبت في خلاله لا ينقطع فيه النظام بين ما كان في آسية من حضارة قديمة ناضجة منهوكة، وما قام في أوربا الصناعية من حضارة فتية، قوية منهومة.




صفحة رقم : 1381




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> الخطر الأبيض


وكان الانقلاب التجاري الذي حدث في أيام كولمب هو الذي أفسح الطريق ومهد السبيل للانقلاب الصناعي. فقد كشف الرحالة عن أراضي قديمة، وفتحوا ثغوراً جديدة، ونقلوا إلى الثقافات القديمة منتجات الغرب وأفكاره. وكان البرتغاليون المغامرون في أوائل القرن السادس عشر قد استولوا على جزائر ملقا، وكانوا من قبل قد ثبتوا أقدامهم في بلاد الهند، ثم طافوا حول شبه جزيرة الملايو، ووصلوا بسفائنهم الجميلة ومدافعهم الرهيبة إلى كانتون (1517).
وكان أولئك القادمون خلقاً متوحشين لا يخضعون لقانون، ويعدون كل الشعوب الشرقية فريسة مشروعة مباحة لهم، ولم يكونوا يفترقون إلا قليلاً عن القراصنة.. إن كان بين هؤلاء وبينهم فرق على الإطلاق(1)...، وعاملهم الصينيون معاملة القرصان فألقوا بممثليهم في السجون، ورفضوا ما عرضوه عليهم من تجارة حرة، وكثيرا ما طهر الصينيون الغضاب الحانقون الأحياء التي استقر فيها البرتغاليون بذبح ساكنيها.ولكن البرتغاليين أعانوا الصينيين على قتال غيرهم من القرصان، فكان جزاؤهم على هذه المعونة أن منحتهم بيكين حق الإقامة في مكاو وحكمها كأنها ملك لهم، فشادوا في تلك المدينة مصانع كبيرة لصنع الأفيون، وأجازت لهم أن يستخدموا في هذه المصانع الرجال والنساء والأطفال. ودرت عليهم هذه الصناعة أرباحاً عظيمة يكفي لمعرفة مقدارها أن نقول أن مصنعاً واحداً كان يعود على الحكومة البرتغالية التي أنشئت في هذا الإقليم بربح مقداره 000ر560ر1 دولار في كل عام(2).
ثم جاء الأسبان وفتحوا جزائر الفلبين في عام 1571م واستقروا في جزيرة فرموزا الصينية؛ وأعقبهم الهولنديون، وفي عام 1637م أقبلت خمس سفن إنجليزية وصعدت في النهر إلى كانتون وأسكتت بمدافعها القوية المدافع التي قاومتها وأنزلت في المدينة بضائعها(3). وعلم البرتغاليون الصينيين شراء الدخان وشربه، ثم بدأ في مستهل القرن الثامن عشر استيراد الأفيون من الهند إلى الصين. وحرمت




صفحة رقم : 1382




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> الخطر الأبيض


الحكومة الصينية على الشعب تعاطي الأفيون، ولكن عادة تعاطيه انتشرت انتشار النار في الهشيم حتى بلغ ما استورد منه إلى الصين في عام 1795م أربعة آلاف صندوق . وحرمت الحكومة استيراده في تلك السنة وكررت هذا التحريم في عام 1800م ولجأت إلى المستوردين وإلى الأهلين على السواء تبين لهم ما لهذا المخدر القوي من أثر في إضعاف حيوية الأمة. ولكن تجارة الأفيون لم تنقطع رغم هذا التحريم، ولم تكن رغبة الصينيين في شرائه أقل من رغبة الأوربيين في بيعه، ولم يجد الموظفون حرجاً في تناول الرشاوي التي كانت تقدم إليهم ليتغاضوا عن أوامر التحريم بل كانوا يتقبلونها شاكرين.
وأصدرت حكومة بيكين في عام 1838م أمراً بالتشديد في تنفيذ قرار تحريم استيراد الأفيون، وجاء موظف قوي يدعى لن تزه- شو فأمر من في كانتون من المستوردين الأجانب أن يسلموا ما في مخازنهم منه. فلما أبوا حاصر الأحياء الأجنبية وأرغمهم على أن يسلموه عشرين ألف صندوق من هذا المخدر، ثم أقام في كانتون شبه حفلة أفيونية أتلف فيها هذه الكمية كلها. وعلى أثر هذا انسحب البريطانيون إلى هنج كنج وبدأت "حرب الأفيون" الأولى. وقال الإنجليز إن الحرب لم تكن حرب أفيون، بل كان سببها أنهم غضبوا لما أظهرته الحكومة الصينية من قحة وغطرسة في استقبالها ممثليهم أو برفضها استقبالهم، وما وضعته أمامهم من عقبات في صورة ضرائب باهظة ومحاكم فاسدة مرتشية أقامتها القوانين والعادات الصينية تعطل بها تجارة منظمة مشروعة. وأطلقوا المدافع على المدن الصينية التي كان في وسعهم أن يصلوا إليها من الشاطئ وأرغموا الصين على طلب الصلح باستيلائهم على مصب القناة الكبيرة عند شنكيانج. ولم تذكر معاهدة نانكنج شيئاً عن الأفيون، وتخلت الصين بمقتضاها عن هنج كنج إلى




صفحة رقم : 1383




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> الخطر الأبيض


البريطانيين، وأرغمت الصين على تخفيض الضرائب إلى 5%، وفتحت للتجارة الأجنبية خمسة "ثغور معاهدات" (كانتون، وأموي، وفوتشو، وتنجبو، وشنغهاي)، وفرضت على الصين غرامة حربية لتغطية نفقات الحرب وما أتلفته من أفيون، واشترطت أن يحاكم الرعايا البريطانيون في الصين، إذا اتهموا بمخالفة قوانين البلاد، أمام محاكم بريطانية(5). وطلبت عدة دول أخرى منها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا أن تطبق هذه "الامتيازات الأجنبية" على تجارها ورعاياها المقيمين في الصين وأجيبت إلى طلبها.
وكانت هذه الحرب بداية انحلال النظام القديم. ذلك أن الحكومة خذلت أشد الخذلان في نزاعها مع الأوربيين، فقد سخرت منهم أولاً، ثم تحدتهم بعدئذ، ثم خضعت لهم آخر الأمر، ولم تفد الألفاظ الظريفة المعسولة في إخفاء الحقائق عن الوطنيين المتعلمين أو الأجانب المتربصين.

وسرعان ما ضعف سلطان الحكومة في كل مكان تسربت إليه أخبار هزيمتها، وما لبثت القوى التي كانت من قبل صامتة خاضعة والتي كانت تظل صامتة خاضعة لولا هذه الهزيمة- ما لبثت هذه القوى أن ثارت علناً على حكومة بيكين. من ذلك أن وطنياً متحمساً يدعى هونج سيو- شوان، بعد أن تعلم طرقاً من البروتستنتية وتراءت له بعض الخيالات الوهمية اعتقد في عام 1843م أن الله قد اختاره ليطهر الصين من عبادة الأوثان ويحولها إلى المسيحية. وبعد أن بدأ هونج عمله بهذه الدعوة المتواضعة تزعم آخر الأمر حركة ترمي إلى القضاء على أسرة المنشو الحاكمة وإيجاد أسرة جديدة هي أسرة التاي بنج أي السلم العظيم، وحارب أتباعه حرب الأبطال البواسل يحدوهم التعصب الديني من جهة والرغبة في إصلاح الصين على غرار الدول الأوربية من جهة أخرى، وحطموا الأصنام، وقتلوا المخالفين من الصينيين، وأتلفوا كثيراً من دور الكتب والمجامع العلمية القديمة ومصانع الخزف القائمة في جنج ده- جَن، واستولوا على نانكنج وظلت في




صفحة رقم : 1384




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> الخطر الأبيض


أيديهم اثنتي عشرة سنة (1853-1865م)، وزحفوا على بيكين وزعيمهم من خلفهم في مأمن من الأعداء منغمس في ترفه وملذاته؛ ولكنهم هزموا وتشتتوا لعجز قادتهم، وارتدوا إلى أحضان إخوانهم مئات الملايين الصينيين(6).
وبينما كانت فتنة تاي- بنج الصماء تمزق الصين وتقطع أوصالها اضطرت الحكومة إلى مواجهة أوربا مرة أخرى في "حرب الأفيون" الثانية (1856- 1860م). وكان سببها أن بريطانيا العظمى، تعاونها فرنسا والولايات المتحدة معاونة تقوى تارة وتضعف تارة أخرى، طلبت إلى الصين أن تجعل تجارة الأفيون تجارة مشروعة (وكانت هذه التجارة قد ظلت قائمة بين الحربين رغم ما صدر من الأوامر بتحريمها)، وأن تسمح لها بالدخول في مدن جديدة غير التي كانت قد سمح لها بدخولها، وأن يستقبل الرسل الغربيون بما يليق بهم من التكريم في بلاط بيكين. فلما رفض الصينيون هذه المطالب استولى البريطانيون والفرنسيون على كانتون، وأرسلوا حاكمها مقيداً بالأغلال إلى الهند، واقتحموا حصون تينتسين وزحفوا على العاصمة، ودمروا القصر الصيفي انتقاماً لما نال مبعوثي الحلفاء من تعذيب وقتل على يد الصينيين في بيكين. وأملى الغزاة الظافرون على المهزومين معاهدة فتحت لهم بمقتضى شروطها ثغور جديدة كما فتح نهر جنج- دزه للتجارة الأجنبية، وحددت طريقة لاستقبال الوزراء الأمريكيين والأوربيين في الصين على قدم المساواة مع الوزراء الصينيين، ووضعت الضمانات القوية لسلامة المبشرين والتجار الأجانب والسماح لهم بممارسة نشاطهم في جميع أجزاء الصين، وأخرجت البعثات التبشيرية من اختصاص المحاكم والموظفين، وزادت في امتيازات أبناء الأمم الغربية وتحررهم من الخضوع لقوانين البلاد، وأعطت بريطانيا قطعة من الأرض مقابلة لهنج كنج؛ وجعلت استيراد الأفيون عملاً مشروعاً، وفرضت على الصين غرامة حربية لينفق منها على إخضاعها لسلطان الغربيين وتدريبها على أساليبهم.




صفحة رقم : 1385




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> الخطر الأبيض


وشجعت الأمم الأوربية انتصاراتها السهلة فأخذت تقتطع من الصين قطعة بعد قطعة، فاستولت الروسيا على الأراضي التي تقع في شمال نهر عامور وشرق نهر الأوسوري (1860م)، وانتقم الفرنسيون لموت أحد المبشرين بالاستيلاء على الهند الصينية (1885م)، وانقضت اليابان على جارتها ومصدر حضارتها وأثارت عليها حرباً فجائية (1894م)، وهزمتها بعد عام واستولت على فرموزا وحررت كوريا من الصين لتستولي عليها فيما بعد (1910م)، وفرضت على الصين غرامة حربية تبلغ 000ر000ر170 دولار لما سببته لها من متاعب جمة(7). ومنعت الروسيا اليابان أن تستولي على شبه جزيرة لياتنج على أن تؤدي الصين إلى اليابان غرامة إضافية، فلما انقضت ثلاث سنين من ذلك الوقت استولت الروسيا نفسها على شبه الجزيرة وأقامت فيها عدة حصون منيعة. وكان مقتل اثنين من المبشرين على يد الصينيين سبباً في استيلاء ألمانيا على شبه جزيرة شانتنج (1898م)، ثم قسمت الدولة الصينية التي كانت تحكمها من قبل حكومة قوية إلى "مناطق نفوذ" تستمتع فيها هذه الدولة الأوربية أو تلك بامتيازات في التعدين أو التجارة لا تشاركها فيها غيرها من الدول. وخشيت اليابان أن تقسم الصين تقسيماً حقيقياً بين الدول الغربية، وأدركت شدة حاجتها إلى الصين في مستقبل الأيام، فانضمت إلى أمريكا وطالبت الدولتان بسياسة "الباب المفتوح"، أي بحق الدول جميعاً في الاتجار مع الصين على قدم المساواة رغم اعترافها بما للدول في الصين من "مناطق نفوذ"، على أن تكون الضرائب الجمركية ونفقات النقل واحدة لجميع الدول على السواء. وأرادت الولايات المتحدة أن تضع نفسها في مركز يمكنها من أن تساوم على هذه المسائل، فوضعت يدها على جزائر الفلبين (1898م) وأعلنت بعملها هذا عزمها على أن تشترك في النزاع القائم من أجل الاتجار مع الصين.
وفي هذه الأثناء كان فصل آخر من الرواية يمثل وراء جدران القصر الإمبراطوري في بيكين. ذلك أنه لما دخل الحلفاء عاصمة الصين ظافرين في




صفحة رقم : 1386




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> الخطر الأبيض


نهاية "حرب الأفيون" الثانية (1860م) فر الإمبراطور الشاب شيان فنج إلى جيهول حيث توفي بعد عام واحد من ذلك الوقت وترك العرش لابنه البالغ من العمر خمس سنين، فما كان من زوجة الإمبراطور الثانية أم ذلك الغلام إلا أن استولت على مقاليد الحكم وتسمت باسم تزه شي- وعرفها العالم باسم الإمبراطورة الوالدة- وحكمت الصين حكماً طيباً صارماً مجرداً من الرحمة دام جيلاً كاملاً. وكانت هذه السيدة في شبابها قد حكمت البلاد بقوة جمالها، أما الآن فقد حكمتها بقوة إرادتها. ولما مات ولدها عند بلوغه سن الرشد (1875م) لم تعبأ الإمبراطورة بالسوابق ولم تأبه بالمعارضين وأجلست على العرش غلاماً قاصراً- جوانج تشو- واستبقت مقاليد الحكم في يدها. وحافظت هذه الإمبراطورة الجريئة على السلام في بلاد الصين نحو ثلاثين عاماً مستعينة في ذلك برجال من دهاقين السياسة أمثال لي هونج- جانج، وأرغمت الدول الجشعة على أن تحسب للصين بعض الحساب. فما أن انقضت اليابان على الصين فجأة، وأسرعت الدول الأوربية إلى تقطيع أوصال البلاد تقطيعاً جديداً بعد انتصار اليابانيين عليها، قامت في عاصمة الصين حركة قوية تطالب بأن تحذو حذو اليابان التي أخذت بأساليب الدول الغربية- أي أن تجيش جيشاً قوياً، وأن تنشئ المصانع وتمهد الطرق وأن تحاول الحصول على الثروة الصناعية التي مولت بها اليابان وأوربا حروبهما الظافرة. وقاومت الإمبراطورة ومستشاروها هذه الحركة بكل ما لديهم من قوة، ولكن جوانج شو انضم إليهم سراً، وكان قد أذن له أن يتربع على العرش وأن يكون إمبراطوراً بحق. فلم تشعر الإمبراطورة ومستشاروها إلا وقد أصدر جوانج إلى الشعب الصيني (في عام 1898م) من غير أن يستشير "بوذا العجوز" (وهو الاسم الذي كانت حاشية الإمبراطورة تطلقه عليها) عدة مراسيم عجيبة لو أن البلاد قبلتها وعملت بها لسارت سيراً حثيثاً سلمياً في طريق الأخذ بأساليب الغرب ونظمه، ولحال أخذها بها دون سقوط الأسرة المالكة وتدهور الأمة في هاوية الفوضى والشقاء.




صفحة رقم : 1387




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> الخطر الأبيض


فقد أمر الإمبراطور الشاب بإقامة نظام جديد للتعليم وإنشاء مدارس لا يقتصر التعليم فيها على كتب كنفوشيوس وأتباعه القدماء بل تدرس فيها أيضاً الثقافة الغربية في العلوم والآداب والفنون الصناعية؛ وشجع على إنشاء الطرق وإصلاح الجيش والبحرية، وكان يهدف بهذا إلى الاستعداد لمواجهة "الأزمة" المقبلة على حد قوله هو "لأننا محاطون من كل ناحية بجيران أقوياء يريدون بختلهم أن يظفروا بنا، ويحاولون بتألبهم علينا أن يغلبونا على أمرنا"(7). وهال الإمبراطورة الوالدة أن يصدر الإمبراطور هذه المراسيم التي رأت فيها تطرفاً لا تحمد مغبته فسجنت جوانج شو في أحد القصور الإمبراطورية، ونقضت مراسيمه، وقبضت بيدها مرة أخرى على أزمة الحكم في الصين.
وبدأ في ذلك الوقت رد فعل عنيف ومعارضة قوية لجميع الأفكار الغربية اتخذتهما الإمبراطورة الداخلية عوناً لها على الوصول إلى أغراضها. وكان بعض العصاة قد أقاموا في البلاد جماعة تعرف باسم أي هو- جوان؛ أي قبضات التوافق الصالحة. ويطلق عليهم المؤرخون اسم "الملاكمين" (البكسر). وكانت هذه الجماعة تهدف في الأصل إلى خلع الإمبراطورة والأسرة المالكة. ولكن الإمبراطورة أفلحت في إقناع زعمائها بأن يوجهوا هذه الحركة وقوّتها لمقاومة الغزاة الأجانب بدل أن يوجهوها لمقاومتها هي. وقبل الملاكمون أن يصدعوا بأمرها ونادوا بإخراج جميع الأجانب من بلاد الصين، وجرفهم تيار الوطنية العارمة فشرعوا يذبحون المسيحيين بلا تفريق بين الطيب منهم والخبيث في كثير من أنحاء الصين (1900م). فما كان من الجيوش المتحالفة إلا أن زحفت مرة أخرى على بيكين، وكان زحفها في هذه المرة لحماية مواطنيها الذي استولى عليهم الرعب فاختبئوا في أركان دور السفارات الأجنبية. وفرت الإمبراطورة وحاشيتها إلى شيانغو، وانقضت جيوش إنجلترا وفرنسا والروسيا وألمانيا واليابان والولايات المتحدة على المدينة، وأعملت فيها السلب والنهب،




صفحة رقم : 1388




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> الخطر الأبيض


وقتلت كثيراً من الصينيين انتقاماً منهم لمواطنيها، وخربت كثيراً من الممتلكات القيمة أو نهبتها . وفرض الحلفاء على عدوهم المهول المغلوب غرامة حربية مقدارها 000ر000ر330 دولار يجمعها الأوربيون من المكوس المفروضة على الواردات الصينية وعلى احتكار الملح. على أن جزءاً كبيراً من هذه الغرامة قد رفعته فيما بعد الولايات المتحدة، وبريطانيا العظمى، والروسيا، واليابان، عن الصين. وكانت هذه الدول تشترط عليها عادة أن تنفق الأموال التي نزلت عنها على تعليم الطلبة الصينيين في جامعات الدول التي كانت هذه الأموال من حقها. وكان هذا منها عملاً كريماً كان له من الأثر في تحطيم الصين القديمة أقوى مما كان لأي عمل آخر بمفرده في الصراع التاريخي المرير بين الشرق والغرب.




صفحة رقم : 1389




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> حضارة الموت



الفصل الثاني




حضارة تموت




طلبة الغرامة الحربية - تشربهم بالحضارة الغربية - أثرهم في




تفكك الوحدة الصينية - عمل المبشرين - صون يات - صن




المسيحي - مغامراته في شبابه - التقاؤه بلي هونج - جانج -




تدبيره للثورة - نجاحهما - يو آن شي - كاي - موت صون




بات - صن - الفوضى والنهب - الشيوعية - "الشمال




يهدأ" - جيانج كاي - شك - اليابان في منشوريا - شنغهاي


وغادر "طلبة الغرامة" وآلاف غيرهم من الطلبة بلاد الصين ليرتادوا حضارة الغزاة الفاتحين. فذهب كثيرون منهم إلى إنجلترا، وذهب أكثر من هؤلاء إلى ألمانيا، وأكثر من هؤلاء وأولئك إلى أمريكا، وأكثر منهم جميعا إلى اليابان، وتخرج في جامعات أمريكا وحدها مئات منهم في كل عام. وكانوا يأتون إلى هذه الجامعات وهم صغار السن سريعوا التأثر قبل أن تنضج عقولهم، فيدركوا ما تنطوي عليه حضارتهم القومية من عمق ومالها من قيمة، وارتووا وهم شاكرون معجبون من معين التربية الجديدة التي قدمت لهم، ومن علوم الغرب وأساليبه وأفكاره، وأدهشهم ما شاهدوه حولهم من وسائل الراحة والحياة النشيطة القوية، ومن حرية الأفراد في بلاد الغرب، وما تستمتع به الشعوب من حقوق. ودرسوا الفلسفة الغربية وفقدوا إيمانهم بدين آبائهم، وسرهم أن يكونوا مصلحين متطرفين يشجعهم في ذلك من لقنوهم علومهم وحضارتهم، كما تشجعهم بيئتهم الجديدة على نبذ جميع العناصر التي تتكون منها حضارة بلادهم. ورجع إلى الصين في كل عام آلاف من هؤلاء الشبان الذي انتزعوا من بيئتهم في حداثة سنهم وهم حانقون على تأخر بلادهم المادي وخطوها البطيء في سبيل الحضارة الغربية، وبذروا في كل مدينة دخلوها بذور البحث والثورة على القديم.




صفحة رقم : 1390




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> حضارة الموت


وأعانتهم على غرضهم سلسلة من الحوادث والظروف، منها أن التجار والمبشرين الذي غزوا الصين من الغرب قد ظلوا قرابة جيلين مراكز للعدوى الغربية أرادوا هم ذلك أو لم يريدوه، فقد كان طراز معيشتهم وأساليب متعتهم وراحتهم مما بعث في نفوس من حولهم من شباب الصين رغبة قوية في أن ينالوا حظاً من هذه الحضارة الراقية. وكان هؤلاء التجار والمبشرون رغم قلتهم قد قوّضوا بنشاطهم العقيدة الدينية التي كانت دعامة القانون الأخلاقي القديم؛ وأثاروا شبان البلاد على شيوخها بدعوتهم إلى نبذ عبادة الآباء؛ ومع أنهم كانوا يدعون إلى دين عيسى المسالم الوديع فقد كانوا إذا تأزمت الأمور تحميهم مدافع ترهب الشرق بضخامتها وقوتها وتخضعه لسيطرة الأوربيين. لقد كانت المسيحية في أول نشأتها ثورة المظلومين على الظالمين، وهاهي ذي قد عادت في يد معتنقيها من شباب الصين عاملاً من عوامل الثورة.
وكان زعيم الثورة ممن اعتنقوا المسيحية. ذلك أن أحد المستأجرين من الزراع القاطنين قرب كانتون قد ولد له في عام 1866م ولد مشاغب سماه العالم فيما بعد- في سخرية غير مقصودة- صون يات- صن؛ أي الشمس جنية السكينة(10). واعتنق صون المسيحية وقوى إيمانه بها فاندفع يحطم أصنام الآلهة في معبد قريته. وكان لهذا الغلام أخ له أكبر منه سناً هاجر من قبل إلى جزائر هاواي، فجاء بأخيه الأصغر إلى هنولولو وأدخله مدرسة يديرها راهب من أتباع الكنيسة الإنجليزية ويسير التعليم فيها بالأساليب الغربية البحتة(11). ولما عاد صون إلى الصين التحق بالكلية الحربية البريطانية فكان أول من تخرج فيها من الصينيين.
وكانت هذه الدراسات من أكبر الأسباب التي أفقدت الرجل كل ما كان في قلبه من العقائد الدينية، كما كانت الإهانات وضروب الإذلال التي يلقاها هو وأبناء وطنه في الجمارك التي يسيطر عليها الأوربيون وفي الأحياء الأجنبية من




صفحة رقم : 1391




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> حضارة الموت


ثغور المعاهدات مما أوغر صدره وجعله يفكر في الثورة. وكان عجز الحكومة الفاسدة الرجعية عن أن تقي الصين العظيمة مذلة الهزيمة على يد اليابان الصغيرة، وتجزئة البلاد بين الدول الأوربية لأغراضها التجارية، مما أشعره بالمذلة وملأ قلبه حقداً وضغينة على تلك الحكومة، فاعتقد أن أول خطوة يجب عليه أن يخطوها في سبيل تحرير الصين هي أن يقضي على أسرة المنشو.
وكانت أولى حركاته شاهداً حقاً على ثقته بنفسه، ومثاليته، وبساطته. ذلك أنه ركب سفينة تجارية دفع أجرها من ماله الخاص وسار بها مدى ألف وستمائة ميل نحو الشمال ليعرض على لي هونج- جانج نائب الملكة الوالدة مشروعاته التي تهدف إلى إصلاح أحوال البلاد واستعادة عزها وكرامتها. فلما رفض هذا الحاكم مقابلته بدأ حياة كلها مغامرات وتجوال لجمع المال الذي يؤجج به نار الثورة الصينية، ولقي معونة من كثير من النقابات التجارية والجمعيات السرية القوية التي كان قادتها يحسدون الطبقة الحاكمة الأرستقراطية ويتوقون إلى إقامة نظام للحكم يكون فيه للطبقات الحديثة من أرباب المصانع والمتاجر شأن يتناسب وثروتهم المتزايدة. ثم غادر الصين وأبحر إلى أمريكا وأوربا يجمع المال القليل من ملايين الغسالين وآلاف التجار الصينيين. فلما جاء إلى لندن اعتقلته المفوضية الصينية دون سند قانوني وأوشكت أن ترسله سراً إلى الصين مكبلاً بالأغلال بحجة أنه خائن لحكومته، ولم ينجه إلا مبشر ممن علموه في صباه، فنبه الحكومة البريطانية وتدخلت هذه في الأمر وأنقذته. وظل خمسة عشر عاماً أخرى يتنقل من مدينة إلى مدينة في جميع أنحاء العالم، وجمع في تجواله مليونين ونصف مليون من الدولارات ليمول بها الثورة، ويلوح أنه لم ينفق شيئاً من هذا المال على نفسه. ثم جاءته على حين غفلة في أثناء تجواله رسالة تنبئه أن قوات الثورة قد استولت على الجزء الجنوبي من بلاد الصين، وأنها بسبيل الاستيلاء على شمالها، وإنما اختارته رئيساً مؤقتاً للجمهورية الصينية. وبعد بضعة أسابيع من




صفحة رقم : 1392




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> حضارة الموت


ذلك الوقت رست السفينة التي أقلته في هنج كنج التي لقي في ثغرها المذلة منذ عشرين عاماً على يد الموظفين البريطانيين.
وكانت الإمبراطورة الوالدة قد قضت نحبها في عام 1908م بعد أن دبرت موت الإمبراطور السجين جوانج شو قبل موتها بيوم واحد، وخلفها على العرش بويسي ابن أخي جوانج، وهو الآن إمبراطور منشوكو . وأدخلت الحكومة الصينية في أواخر حكم الإمبراطورة الوالدة وأوائل حكم حليفها الطفل كثيراً من ضروب الإصلاح التي تهدف إلى تجديد البلاد وصبغها بالصبغة الغربية الحديثة؛ فمدت الطرق الحديدية مستعينة في الغالب برؤوس الأموال الأجنبية وبخبرة الأجانب وإشرافهم، وألغى نظام الامتحان للتعيين في المناصب الحكومية، وأنشئ نظام جديد للتعليم، ودعيت جمعية وطنية لتجتمع في عام 1910م، ووضع مشروع يستغرق تنفيذه تسع سنين يهدف إلى إقامة حكومة ملكية دستورية وينتهي بتعميم حق الانتخاب بعد أن يتدرج خطوة خطوة مع انتشار التعليم العام في البلاد. وجاء في المرسوم الذي أعلن به هذا المنهج ما يأتي: "كل تسرُّع في إدخال هذه الإصلاحات سيؤدي في النهاية إلى ضياع كل ما بذل فيها من جهود"(13). ولكن الثورة لم تكن لتوقف تيارها هذه النوبة التي جهرت بها الأسرة المريضة وهي على فراش الموت، وألفى الإمبراطور الشاب نفسه تحيط به الثورة من كل جوانبه، وقد تخلى عنه الجيش فلم يجد من يدافع عنه، فلم ير بُداً من أن يعلن تخليه عن العرش، وأصدر نائب الإمبراطور الأمير جون مرسوماً هو أعجب ما صدر من المراسيم في تاريخ الصين كله:
إن الشعب في جميع أنحاء الإمبراطورية يتجه الآن بعقله نحو الجمهورية...




صفحة رقم : 1393




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> حضارة الموت


إن إرادة الله واضحة ورغبات الشعب غير خافية. فكيف أستطيع أن أعارض رغبات الملايين الكثيرة للاحتفاظ بمجد أسرة واحدة وكرامتها؟ ومن أجل ذلك فإني أنا والإمبراطور نرى أن تكون الحكومة في الصين جمهورية دستورية إجابة لرغبات الشعب في داخل الإمبراطورية كلها، وعملاً بآراء الحكماء الأقدمين الذي كانوا يرون أن العرض تراث عام(14).
وكانت الثورة كريمة كل الكرم في معاملتها لبو- يى؛ فقد أمنته على حياته ومنحته قصراً مريحاً ومرتباً سنوياً يقوم بشئونه وخليلة يسكن إليها. لقد جاء المنشو إلى الصين آساداً وخرجوا منها حملاناً.
وكان مولد الثورة هادئاً سلمياً، ولكن حياتها كانت حياة عاصفة مليئة بالأحداث. فقد كان ليوان شي- كاي وهو سياسي من الطراز القديم جيش قادر على مقاومة الثورة. وطلب أن يكون ثمن تأييده إياها أن يتولى رياسة الجمهورية، وأجابه صون يات- صن إلى ما طلب واعتزل الحياة العامة في كرم وعزة نفس، وكان قد بدأ منذ قليل يستمتع بمنصبه الجديد. وأخذ يوان يعد العدة لأن يجعل نفسه إمبراطوراً وينشئ أسرة حاكمة جديدة مستعيناً في عمله هذا بجماعات مالية قوية أجنبية ووطنية؛ وحجته في هذا أن الإمبراطورية هي السبيل الوحيد لمنع تدهور الصين وتفككها. واتهمه صون يات- صن بالخيانة وأهاب بأتباعه أن يجددوا عهد الثورة، ولكن يوان مرض ومات قبل أن يصل الأمر إلى امتشاق الحسام.
ولم تعرف الصين النظام والوحدة من ذلك الحين. فقد تبين أن صون يات- صن رجل أحلام يسبح في بيداء الخيال، وأنه خطيب مفوه ولكنه سياسي عاجز عن تولي زمام الحكم وقيادة الأمة إلى بر السلام، فكان ينتقل من خطة إلى خطة ومن نظرية إلى أخرى، أغضب من عاونوه من الطبقات الوسطى بما أظهر من ميل إلى الشيوعية، وانتهى أمره بالانزواء في كانتون ليعلم شبابها ويبث فيهم روحه،




صفحة رقم : 1394




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> حضارة الموت


ويحكم أهلها في بعض الأحيان . وحرمت الصين من حكومة تعترف بها جميع أجزائها، ومن ملكية كانت رمز وحدتها، ونبذت عادة الطاعة والخضوع لتقاليدها وشرائعها؛ وهي من بداية أمرها ضعيفة النزعة الوطنية التي تربط النفس بالوطن كله لا بالإقليم الذي يعيش فيه، فشبت فيها نار حرب متقطعة بين الجنوب والشمال تارة، وبين طائفة وطائفة تارة أخرى، ثم بين السراة والجياع، وبين الشيوخ والشبان. وقام المغامرون يجيشون الجيوش ويفرضون سلطانهم على الولايات النائية يجبون منها الضرائب ويزرعون الأفيون(15) ويخرجون بجنودهم من حين إلى حين ليضموا ضحايا جدداً إلى رعاياهم المساكين. واضطربت أحوال الصناعة والتجارة واضمحلت لكثرة ما كان يفرضها عليها قائد منتصر بعد قائد. وأخذ اللصوص وقطاع الطريق يفرضون الإتاوات، وينهبون ويقتلون، لأنهم لا يجدون قوة منظمة تقف في وجههم وتضرب على أيديهم. ووجد الناس في التلصص والجندية وقاية لهم من الهلاك جوعاً، وكثيراً ما كان هذا القائد أو ذاك المنسر من اللصوص يداهم أسرة مقتصدة فيسلبها ما ادخرته طول حياتها من المال أو ما جمعته من المتاع. وحسبنا تصويراً لهذه الحال أن عدد قطاع الطريق في ولاية هونان وحدها قد بلغ في عام 1931م- 000ر400(16) أو يزيدون.
وبينما كانت هذه الفوضى ضاربة إطنابها في البلاد أرسلت الروسيا في عام 1922م اثنين من أقدر ساستها هما كرخان وجف ليضما الصين إلى نطاق الثورة الشيوعية. ومهد كرخان لعمله هذا بنزول الروسيا عمالها من امتيازات في الصين، وبتوقيع معاهدة تعترف فيها بشرعية حكومة الثورة وبمركزها الدولي. ولم يجد جف الداهية صعوبة ما في أن يستميل صون يات- صن إلى الشيوعية لأن جميع السلطات الأخرى كانت قد نبذته، ولم يمض إلا وقت قصير حتى تكون جيش وطني جديد ودرب بمعونة سبعين من الضباط السوفيت. وزحف هذا




صفحة رقم : 1395




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> حضارة الموت


الجيش من كانتون إلى الشمال تحت إمرة "جيانج كاي- شك" أمين سر صون يات- صن السابق، ويقوده عملياً المستشار الروسي برودين يخضع بلدة في إثر بلدة حتى استقر أخيراً في بيكين . ولكن المنتصرين انقسموا على أنفسهم في ساعة النصر فخرج جيان كاي- شك على الحركة الشيوعية وأقام دكتاتورية عسكرية إجابة لرغبات رجال الأعمال والمال .
إن الأمم كالأفراد من العسير عليها إلا تفيد من مصائب جيرانها. ومصداق ذلك أن اليابان، التي كان يبغي صون يات- صن أن تكون صديقة الصين وحليفتها على الأمم الغربية، والتي شجعت الثورة الصينية بنجاحها السريع في السير على النظم الأوربية في الصناعة والسياسة والحرب، نقول إن اليابان وجدت في الفوضى التي تردت فيها معلمتها القديمة فرصة سانحة لحل المشكلة التي أثارها نجاحها هي وتقدمها السريع. ذلك أن اليابان لم يكن في وسعها أن تحد من عدد سكانها دون أن تعرض سلامتها للخطر الشديد بعجزها عن صد من تحدثه نفسه بالإغارة عليها؛ ولم يكن في وسعها كذلك أن تكون سكانها المتزايدين إلا إذا زادت مواردها بتشجيع الصناعة والتجارة؛ وليس في وسعها أن تشجع الصناعة والتجارة من غير أن تستورد الحديد والفحم وغيرهما من المواد الأولية التي لا تجدها في بلادها، وليس في وسعها أن تنمي تجارتها وأن تفيد منها أكبر فائدة دون أن يكون لها نصيب موفور في السوق العظيمة الوحيدة التي لا تزال خارجة عن نطاق الاستعمار الأوربي الذي شمل الكرة الأرضية كلها. وكانت الصين




صفحة رقم : 1396




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> حضارة الموت


مشهورة بكثرة ما فيها من الحديد والفحم ويرجى منها أن تكون في المستقبل أعظم الأسواق العالمية. وهي إلى ذلك أقرب الأسواق إلى اليابان. وهل في العالم أمة يبدو لها أن في مقدورها أن تختار بين العودة إلى الزراعة والفاقة والمذلة، وبين التقدم في الصناعة والفتح والاستعمار ثم تستطيع أن تقاوم الميل الشديد إلى اختطاف جزء من الصين الضعيفة المقطعة الأوصال في الوقت الذي كانت فيه النسور الأوربية يقطع بعضها أشلاء بعض في ميدان فرنسا .
من أجل هذا أعلنت اليابان الحرب على ألمانيا في بداية الحرب الأولى، وانقضت على إقليم جياو جو وهو الإقليم الذي كانت ألمانيا قد استأجرته من الصين قبل ذلك الوقت بستة عشر عاماً، ثم قدمت إلى حكومة يوان شي كاي "واحد وعشرين مطلبا" لو أجابتها الصين لأصبحت مستعمرة سياسية واقتصادية لليابان، ولولا احتجاج الولايات المتحدة ومقاطعة الصينيين بزعامة طلابها الغضاب للبضائع اليابانية لنفذت هذه المطالب قوة واقتداراً. ذلك أن الطلاب انطلقوا في شوارع المدن الصينية يبكون أو يقتلون أنفسهم لأنهم يستحون أن يرى الناس وجوههم بعد هذا الإذلال الذي حاق ببلادهم(17).
وكان اليابانيون يستمعون وهم ساخرون إلى غضب أوربا واحتجاجها وهي التي ظلت تنخر في عظام الصين خمسين سنة أو تزيد. وارتدت اليابان دون أن تصل إلى أهدافها ولكنها ظلت تتحين فرصة أخرى تحقق فيها أطماعها. ولاحت لها هذه الفرصة حين كانت أوربا وأمريكا تترديان في عواقب خططهما الصناعية الاستعمارية التي كانت تعتمد على الأسواق الأجنبية لاستيعاب "الفائض" من محصولاتها التي لا يستطيع منتجوها أن يبتاعوها. وزحفت اليابان على منشوريا وأقامت بو يي إمبراطور الصين السابق رئيساً لجمهورية منشوكو التي أنشأتها في ربوعها ثم نصبته بعدئذ إمبراطوراً عليها. ثم عقدت مع الدولة الجديدة حلفاً




صفحة رقم : 1397




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> حضارة الموت


سياسياً، ثم تغلغلت فيها اقتصادياً، وسيطرت عليها عسكرياً، وجعلت لنفسها بهذه الوسائل فيها مركزاً ممتازاً يمكنها من استغلال موارد منشوريا الطبيعية، واستخدام أهلها، وفتح أسواقها للتجارة اليابانية. وانضمت الدول الأوربية التي كانت قد أنفقت فيما بينها على وقف غارات التلصص زمناً ما بعد أن جمعت كل ما تستطيع أن تجمعه من الأسلاب، انضمت هذه الدول إلى أمريكا، ووجهت احتجاجا ضعيفاً إلى اليابان على هذا النهب الصريح؛ ولكنها كانت في هذه المرة كما هي عادتها في جميع الأحوال على استعداد لأن تعد النصر مبرراً للغاية.
وكانت آخر مذلة لحقت بأوربا وأمريكا هي ما أقدمت عليه اليابان في شنغهاي. ذلك أن اليابان ثار ثائرها لما أصاب تجارتها من جراء المقاطعة الصينية، فأنزلت جيوشها المنتصرة في أغنى ثغور الصين، واحتلت حي جاباي ودمرته، وأنذرت الحكومة الصينية بأن توقف أعمال جمعيات المقاطعة. ودافع الصينيون عن أنفسهم دفاع الأبطال، وقاوم جيش الطريق التاسع عشر القادم من كانتون قوى اليابان التي كانت تفوقه عدة ونظاماً، ووقف وحده تقريباً في وجهها شهرين كاملين. ثم عرضت حكومة نانكنج على اليابان أن تتراضى وإياها على حل وسط، وانسحبت اليابان من شنغهاي، وعادت الصين تضمد جراحها، فاعتزمت أن تضع لنفسها أساس حضارة جديدة أقوى من حضارتها السابقة وأمتن منها دعامة تستطيع أن تدفع بها العالم النهم وترد مطامعه.




صفحة رقم : 1398




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد



الفصل الثالث




بداية عهد جديد




التغيير في القرية - وفي المدينة - المصانع - التجارة - اتحادات العمال-




الأجور - الحكومة الجديدة - القومية واتباع الأساليب الغربية - إنزال




كنفوشيوس عن عرشه - مناهضة الدين - المبادئ الخلقية الجديدة - التحول في




نظام الزواج - تحديد النسل - التعليم المشترك بين الذكور والإناث - "التيار الجديد"




في الأدب والفلسفة - لغة الأدب الجديدة - هوشي - عناصر التدمير - عناصر التجديد


كان كل شيء في الماضي يتغير ماعدا الشرق، أما الآن فليس شيء في الشرق لا يتغير، وأضحت أشد الأمم استمساكا بالقديم أكثرها تطرفاً بعد الروسيا، وأخذت تدمر عامدة عادات ونظماً كانت تعدها من قبل حرماً آمناً غير قابل للتعديل. فليس الأمر الآن مقصوراً على القضاء على أسرة حاكمة كما حدث في عام 1644م بل هو اقتلاع جذور حضارة قديمة.
وقد جرت العادة أن يكون آخر التغيير وأقله في القرية، لأن اعتدال القرية وبطء سيرها لا يشجعان على التجديد، والجيل الجديد نفسه لا بد له أن يزرع أولاً ثم يحصد ما زرعه فيما بعد. وأما الآن فإن سبعة آلاف ميل من الخطوط الحديدية تخترق الريف الصيني، ولا تزال تربط القرى الشرقية بالمدن الساحلية وتحمل كل جديد من سلع الغرب إلى الملايين من بيوت الزراع، رغم ما أصابها من الدمار في خلال الفوضى وسوء الإدارة اللذين داما عشرات السنين، ورغم ما تحملته من الأعباء الباهظة بسبب حاجات الحرب ومطالبها الملحة. ففي هذه القرى يرى السائح كثيراً من الواردات الأجنبية مثل الكيروسين، ومصابيح الكيروسين، وعيدان الثقاب، ولفافات التبغ، بل يرى فيها القمح الأمريكي نفسه. ولعل القارئ يظن أن وجود هذه البضائع والسلع في داخل البلاد أمر عادي غير جدير بالذكر؛ والحق أن




صفحة رقم : 1399




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


نقلها إليها من أصعب الأمور لأن البلاد لا تزال جد فقيرة في وسائل النقل، حتى أن نقل البضائع بين الأقاليم الداخلية والمقاطعات الساحلية يتطلب من النفقات أكثر مما يتطلبه نقلها إلى ثغور الصين من أستراليا أو الولايات المتحدة. ولقد تبين لأهل البلاد أن نمو الحضارة من الناحية الاقتصادية موقوف على سهولة سبل النقل ووسائل الاتصال. من أجل ذلك أنشئت طرق برية يبلغ طولها نحو عشرين ألف ميل تسير عليها ستة آلاف مركبة حافلة سيراً غير منتظم مملوءة على الدوام بالركاب. فإذا ما ارتبطت هذه القرى التي يخطئها الحصر بالسيارات السريعة فإن ذلك يحدث في الصين أعظم تغيير شهدته في تاريخها الطويل وهو القضاء حتى على القحط الذي طالما هددها وأفنى الكثيرين من أهلها.
هذا في القرى أما في الحواضر فإن انتصار الأساليب الغربية يسير بخطى أسرع وأيسر، فالحرف اليدوية أخذت في الزوال بتأثير منافسة السلع الرخيصة السهلة النقل المستوردة من خارج البلاد. وقد تعطل لهذا السبب آلاف من الصناع، ولكن المصانع الآلية التي أنشئت على طول السواحل بمعونة رؤوس الأموال الأجنبية والوطنية تبتلعهم ابتلاعاً سريعاً، وقد سكت صوت الأنوال اليدوية في المدن وإن كانت لا تزال تدور في الريف، وغمر القطن والمنسوجات القطنية أسواق البلاد، وشيدت مصانع النسيج لتجعل من فقراء الصين عبيداً مسخرين للآلات، وأقيمت في هانجتشاو أفران لصهر المعادن لا تقل ضخامة وروعة عن مثيلاتها في البلاد الغربية، ووضعت مشروعات هائلة لإنشاء مخابز ومصانع لحفظ الطعام ولصنع الأسمنت والورق والصابون والشمع وتكرير السكر، وهي تعمل رويداً رويداً على تحويل العامل الصيني اليدوي إلى صانع ومشرف على الآلات. لكن الصناعات الجديدة يعوق نموها السريع تردد أصحاب رؤوس الأموال في أن يستثمروها في بلاد لا تنقطع فيها الثورات، ويلاقون فيها صعاباً جمة من جراء نقص وسائل النقل وكثرة نفقاتها وقلة المواد في داخل




صفحة رقم : 1400




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


البلاد، ومن جراء تمسك الصينيين بتلك العادات الجميلة عادة الولاء للأسرة قبل الولاء لكل ما عداها من الجماعات، والتي تجعل كل مكتب من مكاتب الموظفين وكل مصنع معششاً للأقارب والعاجزين عن أداء عمل من الأعمال(19). والتجارة يعوقها فضلاً عن هذا ما يفرض عليها من الضرائب في داخل البلاد ومن الرسوم الجمركية والرشاوي وضروب الاغتصاب، وإن كانت مع ذلك تنمو أسرع من نمو الصناعة وتضطلع بدور خطير في تحول الصين الاقتصادي .
وقد قضت الصناعات الجديدة على نقابات أرباب الحرف القديمة وأحدثت كثيراً من الاضطراب والفوضى بين العمال وأرباب الأعمال. ذلك أن هذه النقابات كانت تعيش بفضل ما تبذله من الجهود لتحديد أجور العمال وأثمان البضائع بالتوفيق بين الملاك والمنتجين الذين لم يكن لمنتجاتهم ما ينافسها في التجارة المحلية. فلما أن اتسع نطاق التجارة بزيادة وسائل النقل، وجاءت البضائع من البلاد البعيدة تنافس في جميع المدن بضائع النقابات المصنوعة باليد، تبين لها أن ليس في استطاعتها أن تشرف على الأسعار أو تحدد الأجور من غير أن تخضع في ذلك إلى أوامر المتنافسين الأجانب وإلى رؤوس الأموال الأجنبية. ومن أجل هذا تفككت النقابات وتقسمت إلى غرف تجارية من جهة وإلى اتحادات للعمال من جهة أخرى. فالغرف تعنى بالنظام والولاء لأصحاب الأعمال وبالحرية الاقتصادية، والعمال يعنون بأجورهم المنخفضة التي تكاد تميتهم جوعاً. وقد كثر الإضراب والمقاطعة ولكن هذين قد أفلحا في إرغام أرباب الأعمال من الأجانب على التسليم للحكومة الصينية ببعض الامتيازات أكثر مما أفلحا في رفع




صفحة رقم : 1401




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


أجور العمال. وقد قررت مصلحة الشؤون الاجتماعية التابعة لبلدية شنغهاي الصينية متوسط الأجر الأسبوعي لعمال مصانع النسيج بين 1.73، 2.76 دولار للرجل، وما بين 1.10، 1.78 دولار للمرأة. وكان متوسط الأجور الأسبوعية للرجال في المطاحن والمصانع 1.96 دولار وفي مصانع الأسمنت 1.72 دولار، وفي مصانع الزجاج 1.84، وفي مصانع الكبريت 2.11؛ وكان متوسط أجر العمال المهرة في المصانع الكهربائية 3.10 وفي مصانع الآلات 3.24 وبين عمال المطابع 4.55(23) وما من شك في أن الزيادة الكبيرة في أجور عمال المطابع إنما ترجع إلى حسن تنظيمهم والى الصعوبة التي يعانيها أصحاب المطابع في استبدال غيرهم بهم إذا توقفوا عن العمل فجأة. وتألفت أولى اتحادات العمال في عام 1919م وزاد عددها وقوتها حتى طلبت في أيام برودين أن تتولى هي حكم الصين؛ ولكن جيانج كاي - شك كبح جماحها من غير رحمة بعد نزاعه مع الروسيا؛ وقد سنت لمقاومتها في هذه الأيام قوانين غاية في الصرامة، ولكن عددها مع ذلك آخذ في الازدياد بسرعة لأنها الملجأ الوحيد للعمال من عنت النظام الصناعي الذي لم يعمل حتى الآن أكثر من أن يبدأ بوضع التشريع الخاص بالعمال، ولم يبدأ قط في تنفيذه(24). وإن ما يعانيه صعاليك المدن في هذه الأيام من فقر مدقع وكدح يدوم اثنتي عشرة ساعة في اليوم بأجور لا تكاد تمسك الروح بالجسم، يهددهم الموت جوعا إذا لم يجدوا عملاً في يوم من الأيام، إن ما يعانيه هؤلاء الصعاليك في هذه الأيام لأسوأ مما كان يعانيه فقراء القرى في الأيام الخالية حيث لم يكن يسمح للفقراء أن يروا الأغنياء، وحيث كانوا يرضون بما قسم لهم منذ الأزل.
ولعله كان من المستطاع تجنب هذه الشرور لو أن تبدل الأحوال في شرق الصين لم يتم بغير ما تم به من السرعة ولم يبلغ ما بلغه من الكمال. إذن لكان في مقدور كبار الموظفين الصينيين، وإن فقدوا ما كان لهم من حيوية وتلوثت أيديهم بالرشوة، أن يكبحوا جماح القوى الصناعية الجديدة حتى تتأهب الصين




صفحة رقم : 1402




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


لقبولها من غير أن تقع في براثن الفوضى والعبودية؛ وإذن لنشأت من نمو الصناعة عاماً بعد عام طبقة جديدة من السكان لعلها كانت تستطيع أن تخطو بسلام إلى ميدان السلطة السياسية، كما خطا الصناع إليها في إنجلترا وحلوا محل كبار ملاّك الأراضي الزراعية.
ولكن الحكومة الجديدة ألفت نفسها بلا جيش، ولا زعماء مجربين، ولا مال؛ ووجد الكومنتانج، أي حزب الشعب الذي أنشئ لتحرير الأمة، أن بد له أن يقف موقف العاجز وهو يرى الأمة تخضع لرؤوس الأموال الأجنبية والوطنية. وكان هذا الحزب قد ولد في مهاد الديمقراطية ونشأ في أحضان الشيوعية، ثم أضحى جل اعتماده على مصارف شنغهاي المالية، فترك الديمقراطية وانحاز إلى الدكتاتورية وحاول أن يقضي على اتحاد الصناع . ذلك الحزب يعتمد على الجيش، ولا بد للجيش من مال، والمال لا يأتي إلا من القروض؛ وإلى أن يكون للجيش من القوة ما يمكنه من إخضاع الصين فإن الحكومة ستظل عاجزة عن فرض الضرائب على الصين، وإلى أن تستطيع الحكومة فرض الضرائب على الصين ستظل تتلقى النصح والإرشاد من حيث تتلقى المال. على إنها مع هذا كله قد أنجزت الشيء الكثير، فقد أعادت إلى الصين إشرافها التام على التعريفة الجمركية وعلى صناعاتها - داخل نطاق قوة المال العالمية - وأنشأت ودربت وجهزت جيشاً قد يستخدم في يوم من الأيام لقتال غير الصينيين؛ ووسعت رقعة الأقاليم التي تعترف بسلطة الحكومة، وقللت في هذه الرقعة من قوة قطاع الطرق الذين كانوا يجثمون على أنفاس الأمة ويكادون يقضون على حياتها الاقتصادية. وهي تسير في هذا سيراً بطيئاً لأن إشعال نار الثورة مستطاع في يوم وليلة ولكن إقامة حكومة ثابتة يحتاج إلى جيل.




صفحة رقم : 1403




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


وليس تفكك الصين وانفصام عرى وحدتها إلا مظهراً مما في النفس الصينية من انقسام ونتيجة لازمة له. إن أقوى ما في الصين من مشاعر في هذه الأيام هو شعور الكراهية للأجانب، وأقوى التيارات التي تجتاح الصين هو تيار محاكاة الأجانب. والصين تعرف أن الغرب لا يستحق أن تتملقه وتحاكيه؛ ولكن الصين يضطرها روح الأيام ودوافعها القوية إلى تملق الغرب ومحاكاته لأن الأمم في هذا العصر لابد لها أن تختار بين التصنيع والاسترقاق ولا ثالث لهما. ومن أجل هذا نرى الصينيين في المدن الشرقية يهجرون الحقول إلى المصانع، والثياب الفضفاضة إلى السراويل الضيقة، ونغمات الماضي البسيطة الشجية إلى موسيقى الغرب المعقدة، ويتخلون عن ذوقهم الجميل في الثياب والأثاث والفن، ويزينون جدرانهم بالصور الأوربية، ويشيدون دور الحكومة ومكاتب الأعمال على أقبح الطرز الأمريكية. وقد تخلت نساء الصين عن عادة ضغط أقدامهن من الأمام إلى الخلف وأخذن يضغطنها من اليمين إلى اليسار على آخر طراز غربي ، وأخذ فلاسفتها يتخلون عن مبادئ كنفوشيوس المعتدلة القنوعة الظريفة ويهرعون إلى مبادئ موسكو ولندن وبرلين وباريس ونيويورك الشرسة الخصيمة، ويتلقونها بنفس الحماسة التي كان الأوربيون يتلقون بها مبادئ النهضة في أواخر العصر الوسيط.
لقد ثلّ عرش كنفوشيوس وكان في الطريقة التي ثل بها شيء من سمات عصر النهضة وعصر الاستنارة؛ ولقد كان نبذاً لأرسطو الصين والآلهة التي عبدها الشعب من أقدم الأزمنة. وأتى على الدولة حين من الدهر اضطهدت فيه البوذية وطوائف الرهبان في الأديرة، ذلك أن ثوار الصين كانوا كثوار فرنسا ملاحدة لا يخفون عن الناس إلحادهم، ويجهرون بعدائهم للدين، ولا يعبدون غير




صفحة رقم : 1404




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


العقل. ولعل الكنفوشية كانت تترك الناس أحراراً في عقائدهم الدينية لأنها تفترض أن الآلهة ستبقى ما بقي الفقر؛ أما الثورة فكانت تظن أن في وسعها أن تقضى على الفقر ولذلك لم تر حاجة إلى الآلهة؛ وكانت الكنفوشية ترى أن الزراعة والأسرة هما نظام الحياة العملية والاجتماعية الطبيعية ولذلك شادت صرحاً للأخلاق يهدف إلى حفظ النظام وإشاعة القناعة في نطاق دائرة البيت والحقل؛ أما الثورة فوجهتها الصناعة وهي في حاجة إلى أخلاق جديدة تتفق مع الحياة الفردية في الحواضر. وقد بقيت الكنفوشية لأن الوصول إلى المناصب السياسية والمهن العلمية كان يتطلب معرفة مبادئها والآخذ بها، أما الآن فنظام الامتحانات قد انقضى عهده وحلت العلوم الطبيعية في المدارس محل الفلسفة الأخلاقية والسياسية؛ وأضحى الرجل لا يصاغ للحكم بل يصاغ للصناعة؛ وكانت الكنفوشية محافظة تكبح بحذر الشيوخ مُثُل الشباب العليا؛ أما الثورة فروحها من أنفاس الشباب ولا تقبل أن يفرض عليها شيء من هذه القيود، وهي تسخر من الشيوخ إذا رفعوا عقيرتهم محذرين: "إن الذين يظنون أن الجسور القديمة عديمة النفع ويحطمونها تحطيماً سيصيبهم الدمار ويغرقهم تيار المياه الجارف" .
وقضت الثورة بطبيعة الحال على دين البلاد الرسمي ولم تعد تقرب القرابين الآن من مذبح السماء إلى التِّيَان الصامت المجرد. وتجيز الحكومة عبادة الأسلاف ولكن هذه العبادة آخذة هي الأخرى في الانقراض، وينزع الرجال إلى تركها شيئاً فشيئاً للنساء وقد كانوا يظنونهن من قبل غير خليقات بهذه الطقوس المقدسة. ولقد تلقى نصف زعماء الثورة تعليمهم في المدارس المسيحية ولكن الثورة رغم انتماء جيانج كاي شك إلى الطائفة المسيحية النظامية (Methodism) لا تميل إلى دين يؤمن بخوارق الطبيعة وتصبغ كتبها المدرسية بالصبغة الإلحادية(29). أما




صفحة رقم : 1405




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


الدين الجديد الذي يحاول أن يسد الفراغ العاطفي الناشئ من فراق الآلهة فهو دين الوطنية، كما أن الدين الجديد في الروسيا هو الشيوعية. لكن هذه العقيدة في الوقت الحاضر لا ترضى كافة الناس، ولهذا ترى الكثيرين من صعاليك المدن يعمدون إلى العرافين والمتنبئين والوسطاء ليجدوا عندهم ملجأ من كدح الحياة اليومية الرتيب الذي لا لذة فيه ولا طرافة، ولا يزال القرويون يجدون بعض ما يسليهم عن فقرهم ويفرج عنهم كربهم في سكون المزارات القديمة. والقانون الأخلاقي القديم الذي كان الناس منذ جيل واحد يظنونه قانوناً سرمدياً لا يتبدل آخذ في التفكك والانحلال بسرعة تتضاعف ثم تتضاعف على مدى الأيام بعد أن فقد حماية الحكومة والدين والحياة الاقتصادية. وأهم ما طرأ على الصين من تبدل في هذه الأيام، إذا استثنينا ما أحدثه فيها الغزو الصناعي، هو تحطيم نظام الأسرة القديمة لتحل محله نزعة فردية تترك كل إنسان حراً يواجه العالم بمفرده، وقد استبدل الولاء للدولة من الوجهة النظرية بالولاء للأسرة. وإذ كان هذا الولاء الجديد لم ينتقل الآن من طور الأقوال والنظريات إلى طور الأعمال فإن المجتمع الجديد يعوزه الأساس الخلقي الذي يستند إليه. إن الزراعة يلائمها نظام الأسرة لأن الأرض، قبل انتشار الآلات، كانت تستغل أحسن استغلال على أيدي جماعة من الناس تربطهم الدين والسلطة الأبوية. أما الصناعة فتمزق الأسرة لأنها تعطي العمل والجزاء عليه للأفراد لا للجماعات، ولا تعطيهم هذا الجزاء دائماً في مكان معين، ولا تعترف بأن للضعفاء حقاً في مال الأقوياء، ولا يجد التعاون والتراحم الطبيعيين القائمين بين الأسرة سنداً من التنافس المرير الذي هو من طبية الصناعة والتجارة؛ وترى الجيل الجديد الذي ينفر على الدوام من سلطان الشيوخ يهرع عن عمد إلى المدينة وفردية المصنع، ولعل سلطان الأب القوي في الزمن الماضي قد عجل بالانقلاب لأن الرجعية هي التي يرجع إليها على الدوام إسراف المتطرفين. وهكذا انتزعت الصين نفسها من ماضيها واستأصلت




صفحة رقم : 1406




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


جذوره، وما من أحد يدري هل تستطيع أن تمد لها جذوراً جديدة في وقت يمكنها من أن تنجي بها حياتها الثقافية.
وكذلك أخذت أساليب الزواج القديم تزول بزوال سلطان الأسرة. نعم إن معظم الزيجات لا تزال ينظمها الآباء، ولكن الزواج بالاختيار الحر بين الفتيان والفتيات آخذ في الانتشار في الحواضر؛ فالشاب لا يكتفي الآن بأن يرى نفسه حراً في أن يتزوج من يشاء، بل هو يجري تجارب في الزواج قد يرتاع لها أبناء الغرب أنفسهم، وهذا القول نفسه ينطبق على الفتيات كما ينطبق على الفتيان. لقد كان نيتشه يرى أن آسية على حق فيما تعامل به النساء، ويرى أن إخضاعهن للرجال هو العاصم الوحيد من سيطرتهن عليهم سيطرة لا تقف عند حد، ولكن آسية قد اختارت أساليب أوربا لا أساليب نيتشه في معاملة النساء. وتعدد الزوجات آخذ في النقصان لأن الزوجة الجديدة تعارض فيه وتعارض في التسري. والطلاق قليل غير عادي، ولكن السبيل إليه أوسع مما كانت في الأيام الماضية . والتعليم المشترك هو القاعدة المتبعة في الجامعات، واختلاط الجنسين اختلاطاً حراً أمر عادي في المدن، وقد سنت النساء لهن قوانينهن الخاصة بهن وأنشأن مدارسهن الطبية، بل سرن إلى أبعد من هذا فأنشأن مصرفاً مالياً خاصاً بهن(31). واللائي انضممن إلى الحزب من النساء منحن حق الانتخاب، وقد وجدت لهن وظائف في أرقى لجان الحزب والحكومة على السواء(32). ولقد نبذن عادة قتل الأطفال




صفحة رقم : 1407




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


وأخذن يزاولن عادة تحديد النسل ، ولم يزد عدد السكان زيادة ملحوظة منذ قيام الثورة ولعل تيار السكان الصينيين الجارف قد أخذ الآن يتراجع(33).
ومع هذا فإن خمسين ألف صيني جديد يولدون في كل يوم(34). وسيكونون في مستقبل أيامهم جدداً من كل الوجوه، جدداً في تفصيل ملابسهم وترجيل شعرهم، جدداً في تعليمهم وعاداتهم وأخلاقهم ودينهم وفلسفتهم. لقد اختفى ذيل ملابسهم الطويل واختفى معه ما كان في الأيام الخالية من ظرف ورقة، وخشنت أحقاد الثورة روح الأهلين، وأضحى من أصعب الأمور على المتطرفين أن يجاملوا المحافظين(35). وهاهو ذا تيار الصناعة السريع يبدل ما كان يتصف به الشعب الصيني القديم من تواكل وعدم مبالاة إلى صفات أخرى أكثر دلالة على طبيعتهم. إن هذه الوجوه البليدة لتخفي تحتها نفوساً نشيطة سريعة الاهتياج، وإن النزعة السلمية التي أشربتها نفوس الصينيين بعد حروب دامت عدة قرون لآخذة في الزوال من طول تفكيرهم في هزائمهم القومية وتقطيع أوصال بلادهم؛ والمدارس تعد الآن كل طالب لأن يكون جندياً، وعاد القوم مرة أخرى يرون القائد بطلاً.
وتبدل نظام التعليم من أوله إلى آخره فألقت المدارس بكنفوشيوس من النافذة وأحلت العلوم الطبيعية والرياضية محله، وإن لم يكن من الضروري أن تتخلى عنه لتحل العلوم محله لأن تعاليم كنفوشيوس لا تتعارض مطلقاً مع روح العلم. ولكن التاريخ كله لحمته وسداه يتكون في جميع مراحله من غلبة الإحساسات النفسية على العقائد المنطقية. فدراسة الرياضيات والميكانيكا واسعة الانتشار لأنهما يعينان على صناعة الآلات، والآلات تعين على جمع الثروة وعلى صناعة المدافع، والمدافع قد تحفظ الحرية. ودراسة الطب في الصين آخذة في




صفحة رقم : 1408




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


الانتشار، والفضل في انتشارها راجع معظمه إلى هبات المحسن ركفلر . وقد تضاعف عدد المدارس الجديدة والمدارس العليا والكليات بسرعة فائقة على الرغم من فقر البلاد، والصين الحديثة تأمل ألا يمضي إلا القليل من الوقت حتى يستطيع كل طفل أن يتعلم من غير آخر وأن يسودها النظام الديمقراطي بفضل انتشار التعليم.
وقد حدث في الأدب الصيني والفلسفة الصينية انقلاب شبيه بما حدث في عهد النهضة. ذلك أن دخول الكتب الغربية كان له من الأثر المنتج ما كان للمخطوطات اليونانية من أثر في عقول الإيطاليين؛ وكما أن إيطاليا في إبان نهضتها قد هجرت اللغة اللاتينية لتكتب بالإيطالية فكذلك فعلت الصين بزعامة هوشي إذ حولت اللهجة الأرستقراطية القديمة إلى لغة أدبية هي المعروفة بالباي هوا، وأقدم هوشي على عمل خطير جازف فيه بمصيره الأدبي فكتب بهذه "اللغة البسيطة" تاريخ الفلسفة الصينية في عام 1919م؛ وكانت شجاعته سبباً في فوزه العظيم، فاتخذت الكتابة الرسمية في المدارس. وقامت في الوقت نفسه "حركة الحروف الألف" لإنقاص رموز الكتابة الصينية من 000ر40 رمز وهو العدد الذي كان يستخدمه العلماء في كتاباتهم إلى 300ر1 تكفي للاستعمال العادي، وبهذه الطريقة أخذت لهجة المنذرين تذاع بسرعة في الأقاليم الصينية، وقد لا ينتهي هذا القرن حتى تكون للصين كلها لغة واحدة وحتى تقترب من الوحدة الثقافية.
والأدب الصيني أخذ في الانتشار مدفوعاً بهذه اللغة الشعبية وبحماسة الأهلين، وقد أضحت الروايات والقصائد والتمثيليات لا يقل عددها عن الصينيين أنفسهم، وانتشرت الصحف والمجلات في كل مكان، وأخذ الصينيون يترجمون آداب الغرب




صفحة رقم : 1409




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


بالجملة، كما أخذت أشرطة الخيالة الأمريكية، يشرحها مترجم صيني يقف إلى جانب الشاشة البيضاء، تبعث البهجة في نفوس الصينيين العلماء منهم والسذج. وكذلك عادت الفلسفة إلى عظماء الفلاسفة الأقدمين الملحدين، وأخذت تعيد دراستهم وتفسيرهم على نمط جديد بعزيمة واندفاع لا يقلان عن عزيمة أوربا ونشاطها في القرن السادس عشر. وكما أن إيطاليا بعد أن تحررت من القيود الكنسية قد راعتها العقلية اليونانية اللاتينية وأثارت إعجابها، كذلك أخذت الصين الجديدة تستمع بشغف ليس كمثله شغف إلى أقوال مفكري الغرب أمثال جون ديوي وبرتراند رسل وأمثالهم من العلماء المستقلين في تفكيرهم استقلالاً تاماً عن جميع الأديان، والذين يعظمون التجارب ويعتقدون أنها وحدها هي المنطق الواجب الاتباع، والذي تتفق فلسفتهم لهذا السبب مع مزاج أمة تحاول أن تجمع الإصلاح الديني وإحياء العلوم والاستنارة والنهضة والثورة في جيل واحد . وإذا ما امتدح أحدنا الآن ما لآسية من "قيم روحية" سخر منه هوشي وقال إنه يجد في إصلاح نظم الصناعة والحكم إصلاحا يعين على استئصال العوز من البلاد قيما أخلاقية أعظم من كل ما في "حكمة الشرق"، وهو يلقب كنفوشيوس "بالشيخ الطاعن في السن" ويقول إن التفكير الصيني ليظهر على حقيقته إذا ما وضعت مدارس الملحدين التي كانت قائمة في القرن الخامس والرابع والثالث قبل الميلاد في مكانها الصحيح من تاريخ الصين(38).
بيد أنه وهو وسط هذا "التيار الجديد" الجارف وهذه الحركة الفكرية الجديدة التي كان من أنشط زعمائها قد أوتى من الحكمة ما جعله يدرك ما للشيوخ أنفسهم من قيمة، وقد صاغ مشكلة بلاده أكمل صياغة في الفقرة الآتية:




صفحة رقم : 1410




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


"إن الجنس البشري بأجمعه لتصيبه أكبر خسارة إذا ما استبدلت الحضارة الجديدة بالحضارة القديمة استبدالاً سريعاً مفاجئاً يمحوها من الوجود بدل أن تمتصها البلاد امتصاصاً بطيئاً وتمثلها كما يمثل الغذاء الصالح. وعلى هذا فإن المشكلة التي تواجهنا يمكن أن تصاغ على النحو الآتي: كيف نستطيع أن نهضم الحضارة الجديدة ونمثلها بحيث نجعلها متجانسة مؤتلفة مع الحضارة التي أنشأناها نحن في أيامنا الخالية؟"(30).
ويخيل إلى كل من يشهد ظواهر الأمور الخارجية السائدة في الصين الآن أنها لن تستطيع حل هذه المشكلة. ذلك أن الإنسان إذا ما فكر فيما يخيم على الحقول الصينية من وحشة وما حاق بها من خراب، وما يتناوبها من جدب تارة وفيضان جارف تارة أخرى، وما أصاب أشجارها من تقطيع وتدمير، وفيما أصيب به زراعها من إنهاك وخمول، وفي الموت التي يحصد أطفالها حصداً، وفي عمالها الذين يكدحون في المصانع كالعبيد كدحاً يضعفهم ويهد قواهم، وفي مدنها القذرة التي تتفشى فيها الأمراض، وتفرض على بيوتها أفدح الضرائب، وفي الرشوة المنتشرة في تجارتها، وفي صناعاتها التي يسيطر الأجانب عليها، وفي فساد حكومتها، وضعف وسائل الدفاع عن بلادها، وفي أهلها الذي تفرقوا شيعاً وأحزاباً وامتلأت قلوبهم غلاً وحقداً، إذا ما فكر في هذا كله هاله الأمر فلا يدري هل تستطيع الصين أن تستعيد عظمتها الماضية، وهل في مقدورها أن تمتص مرة أخرى فاتحيها وتمثلهم في جسمها الضخم، وتحيى من جديد حياتها النشيطة المبدعة؟ ولكنا إذا نظرنا إليها نظرة تدقيق وإمعان رأينا من تحت هذه المظاهر السطحية عوامل النقاهة والتجديد. فأراضيها الواسعة الرقعة المختلفة الأنواع غنية بمعادنها الكفيلة بأن تجعلها بلداً صناعياً عظيماً، وقد لا يكون فيها من الثروة المعدنية ما قدره رختوفن، ولكن فيها بلا ريب أكثر مما كشفت عنه البحوث التجريبية في هذه الأيام. وإذا مات سربت الصناعة إلى داخل البلاد فستكشف عن خامات ومواد للوقود لا يتصور الناس




صفحة رقم : 1411




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


الآن أنها توجد فيها، كما لم يكن أحد يتصور منذ قرن واحد ما في أمريكا من ثروة معدنية ومن وقود. أما عن قواها المعنوية فإن هذه الأمة التي مرت عليها ثلاثة آلاف عام سمت فيها إلى المجد تارة وتردت في مهاوي الشقاء تارة أخرى، وتوالت عليها فترات موت وبعث، إن هذه الأمة لتظهر فيها اليوم كل دلائل الحيوية المادية والمعنوية التي نتبينها في أكثر عهودها إبداعاً وإنتاجاً. وليس في العالم كله شعب أكثر من هذا الشعب نشاطاً وذكاء، وليس فيه شعب يماثله في قدرته على التكيف حسب ما يواجهه من الظروف، وفي مقاومته للأمراض، وفي انتعاشه بعد الكوارث والآلام، شعب علمه تاريخه الطويل الصبر على الأرزاء والخروج منها سالماً على مر الأيام. وليس في وسع الخيال أن يتصور ما يخبئه المستقبل لحضارة تمتزج فيها الموارد المادية والطاقة البشرية والعقلية لهذا الشعب والوسائل والأدوات الفنية التي أوجدتها الصناعة الحديثة.
وأكبر الظن أن الصين ستنتج من الثروة ما لم تنتجه قارة من القارات حتى أمريكا نفسها، وأن الصين ستتزعم العالم في نعيم الحياة وفنها كما تزعمته مراراً في الزمن القديم في التنعم وفي فنون الحياة.
ذلك أن الهزائم الحربية واستبداد الأموال الأجنبية مهما قست لا تستطيع أن تكبت إلى مدى طويل روح أمة غنية في مواردها وفي حيويتها، بل سيخسر المغير عليها ماله وينفذ صبره قبل أن تستنفذ البلاد قدرتها على التكاثر؛ ولن يمضي قرن واحد من الزمان حتى تكون الصين قد امتصت فاتحيها وهضمتهم وحضرتهم بحضارتها، وتعلمت جميع الفنون التي سيطلق عليها إلى وقت قصير اسم الصناعة الحديثة. وسوف توحد الطرق وسبل الاتصال بين أجزاءها، وتمدها أساليب الاقتصاد والادخار بحاجتها من المال، وستعيد إليها الحكومة القوية السلم والنظام. ويقيننا أن الفوضى مهما اشتدت ليست إلا أمراً عارضاً مصيره إلى الزوال، ثم يتوازن




صفحة رقم : 1412




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> الصين -> الثورة والتجديد -> بداية عهد جديد


الاضطراب آخر الأمر مع الطغيان ويتعادلان، وحينئذ تكتسح العوائق القديمة وتنمو البلاد نماء حراً جديداً. إن الثورة كالموت هي اكتساح الأقذار، وبتر الذي لا نفع فيه؛ وهي لا تقول إلا إذا كان في البلد الذي تقوم به أشياء كثيرة في دور الاحتضار. ولقد ماتت الصين مراراً من قبل، ثم عادت وولدت من جديد.




صفحة رقم : 1413




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> مقدمة



اليابان




الباب الثامن والعشرون




بناة اليابان


تاريخ اليابان مسرحية لم تكمل بعد، قد تم منها ثلاثة فصول : فصلها الأول- بغض النظر عن القرون البدائية الأسطورية- هو اليابان البوذية الكلاسيكية (522- 1603 ميلادية) التي دخلتها المدنية فجأة على أيدي الصين وكوريا، والتي هذبها الدين وصقلها، فخلقت آيات الأدب الياباني والفن الياباني في العصر الذي يدونه التاريخ؛ والفصل الثاني من المسرحية هو اليابان الإقطاعية الآمنة التي تنسب إلى توكوجادا شوجاتى (1603 - 1868) والتي اعتزلت العالم وحصرت نفسها في نفسها، لا تريد لنفسها شيئاً من اتساع الرقعة ولا تنشد تبادلاً تجارياً مع الخارج، قانعة بالزراعة منصرفة إلى الفن والفلسفة؛ أما الفصل الثالث فهو اليابان الحديثة، التي كشف عنها الستار أسطول أمريكي سنة 1853، والتي اضطرتها العوامل الداخلية والخارجية اضطراراً أن تضرب بسهم في التجارة والصناعة، وأن تبحث عن خامات من الخارج وأسواق في الخارج، وتقاتل قتالاً مستميتاً في سبيل التوسع، محاكية في ذلك بلاد الغرب في نزعتها الاستعمارية وطرائقها في هذا السبيل، مهددة بذلك سيادة الجنس الأبيض وسلام العالم؛ وإن سوابق التاريخ كلها لتدل على أن الفصل التالي من المسرحية سيكون قتالاً .
لقد درس اليابانيون مدنيتنا دراسة فاحصة لكي يتشربوا معاييرها ثم يفوقوها، فقد يكون من الحكمة أن تدرس مدنيتهم في صبر يشبه صبرهم في دراسة مدنيتنا، حتى إذا تأزم الأمر على نحو يضطرنا إما إلى حرب أو تفاهم معهم، كان في مقدورنا أن نصل معهم إلى تفاهم.




صفحة رقم : 1414




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> أبناء الآلهة



الفصل الأول




أبناء الآلهة




كيف خلقت اليابان - أثر الزلازل


في البداية كانت الآلهة، هكذا يقول أقدم ما دُوّن عن اليابان من تاريخ(1) وكانت الآلهة تولد ذكراً وأنثى، ثم تموت، حتى صدر الأمر في النهاية من شيوخ الآلهة إلى اثنين منها، هما "إيزاناجى" و "إيزانامى". وهما أخ وأخت من الآلهة، أن يخلقا اليابان، فوقفا على جسر السماء العائم، وقذفا في المحيط برمح مرصع بالجوهر، ثم رفعاه إلى السماء فتقطرت من الرمح قطرات أصبحت هي "الجزر المقدسة"؛ وشهدت الآلهة ما تصنعه الضفادع في الماء، فتعلمت منها سر اتصال الذكر بالأنثى، ومن ثم التقى "إيزاناجى" و "إيزانامى" التقاء الزوجين وأنسلا الجنس الياباني، وولدت "أماتيراسو"- إلهة الشمس- من عين "إيزاناجى" اليسرى، وكذلك من حفيدها "ننيجى" نشأت سلسلة متصلة مقدسة حلقاتها هم كل أباطرة "دي نيبون" (أي اليابان العظمى)، فمنذ ذلك اليوم حتى يومنا هذا لم تشهد اليابان إلا هذه الأسرة الحاكمة الإمبراطورية .
كان الرمح المرصع بالجوهر قد قطر أربعة آلاف ومائتين وثلاثاً وعشرين قطرة، لأن هذا هو عدد الجزائر التي يتألف منها أرخبيل الجزر الذي هو اليابان : من هذه الجزر ستمائة مـأهولة، لكن ليس بينها إلا خمس لها حجم




صفحة رقم : 1415




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> أبناء الآلهة


جدير بالاعتبار؛ أما أكبرها فهي "هوندو" أو "هونشو" ويبلغ طولها 1130 ميلاً ومتوسط عرضها 73 ميلاً، ومساحتها واحد وثمانون ألف ميل مربع، وهي تعادل نصف مساحة الجزر كلها، ويشبه موقعها- كما يشبه تاريخها الحديث- موقع إنجلترا وتاريخها: فقد حمتها البحار المحيطة بها من الغزوات، وحملتها سواحلها الطويلة التي يبلغ مداها ثلاثة عشر ألف ميل على أن تكون أمة بحرية، فكأنما قضى عليها المؤثر الجغرافي والضرورة التجارية أن تبسط لنفسها سيادة واسعة على البحار؛ وتلتقي الرياح والتيارات البحرية الدافئة الآتية من الجنوب، بالهواء البارد الهابط من قمم الجبال، فينتج عن ذلك في اليابان مناخ إنجليزي تملؤه الأمطار، وتكثر فيها الأيام الغائمة بالسحب(4)، ومن ثم تمتلئ أنهارها القصيرة السريعة الانحدار، ويزدهر فيها النبات وتزدان المناظر، فهناك- إذا ما بعدت عن المدن والمساكن العتيقة القذرة- ترى نصف البلاد جنة عدن في ازدهارها، وليست جبالها أكداساً مركومة من الصخر والقذر، بل هي ذوات أشكال فنية، تكاد تبلغ في تخطيطها حد الكمال، كما هي الحال في فيوجى .
ولاشك أن هذه الجزر قد ولدتها الزلازل لا القطرات التي انتثرت من الرياح (6)؛ فليس على الأرض مكان- وربما جاز أن نستثني أمريكا الجنوبية- قد عانى كل ما عانته اليابان مـن اضطراب أرضها، فحـدث سنة 599 أن اهتزت




صفحة رقم : 1416




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> أبناء الآلهة


الأرض وابتلعت قرى بأكملها في فمها الضاحك، وهوت الشهب ولمعت المذنَّبات وابيضت الشوارع بالثلج في منتصف يوليو، وأعقب ذلك قحط ومجاعة، وقضى من اليابانيين ألوف الألوف؛ وكذلك حدث سنة 1703 أن قضى زلزال على اثنين وثلاثين ألفاً في طوكيو وحدها، وعادت العاصمة سنة 1885 فتقوض بنيانها من جديد، وانفرجت الأرض عن فجوات واسعة ابتلعت في جوفها ألوفاً، وجعلوا يحملون جثث الموتى في عربات النقل ليقذفوا بها بعيداً جماعات جماعات؛ وفي زلزال 1923 أتت موجة المد وألسنة النار على مائة ألف نفس في طوكيو، وسبعة وثلاثين ألف نفس في يوكاهاما وما يجاورها، وأما كاما كورا- التي طالما أحسنت لبوذا- فكادت تندك من أساسها(7)، مع أن التمثال النحيل الذي كان قائماً هناك للقديس الهندي (يقصد بوذا) قد لبث وسط هذا الخراب الشامل قائماً كما هو، لم يصبه سوى ارتجاج، كأنما أراد بقيامه ذاك سليماً من الأذى أن يضرب مثلاً يوضح للناس أهم درس يلقيه التاريخ- وهو أن الآلهة يمكن لها أن تصمت في مختلف اللغات؛ ولبث الناس في حيرة تملكتهم حيناً، كيف ينزل هذا الخراب كله بأرض خلقتها الآلهة وتحكمها الآلهة؛ وأخيراً فسروا هذا الاضطراب بأن سمكة ضخمة تحت الأرض انزعجت في نعاسها فاهتزت(8) ويظهر أن لم يطرأ ببال أحد إذ ذاك أن يغادر تلك المدينة التي تعرض ساكنيها لأكبر الخطر؛ ففي اليوم التالي لاهتزاز الأرض بزلزالها العظيم الأخير، استخدم صبية المدارس قطعاً من مادة الطلاء المتناثرة أقلاماً، والأحجار الارتوازية المنثورة من بيوتهم المحطمة ألواحاً(9) واحتملت الأمة صابرة هذه الضربات من يد القدر وخرجت من هذا الدمار المتكرر نشيطة نشاطاً لا سبيل إلى الحد منه، ومقدامة على نحو ما يكون المتفائل إقداماً.




صفحة رقم : 1417




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> اليابان البدائية



الفصل الثاني




اليابان البدائية




مقوماتها الجنسية - مدنيتها الباكرة - الدين




"شنتو" - البوذية - بدايات الفن "الإصلاح العظيم"


لقد ضاعت الأصول اليابانية- كما ضاع غيرها من أصول الأمم- في خليط عام من النظريات، فيظهر أن الجنس الياباني مزيج من عناصر ثلاثة: عنصر بدائي أبيض جاء عن طريق "الأينويين" الذين وفدوا إلى اليابان من منطقة نهر أمور في العصر الحجري الأخير؛ وعنصر أصفر مغولي جاء من كوريا أو عبر خلالها في نحو القرن السابع قبل المسيح؛ وعنصر قاتم من الملايو وأندونيسيا تسرب إلى البلاد من جزر الجنوب: ففي اليابان- كما في أي بلد آخر- شهدت البلاد خليطاً من عناصر مختلفة قبل أن تشهد- بمئات السنين- قيام نمط جنسي جديد يتكلم بلغة جديدة وينشئ مدنية جديدة، وكون عملية المزج بين هذه الأجناس لم تبلغ تمامها بعد، تراه ظاهراً في الفوارق التي بين الأرستقراطي الطويل النحيل طويل الرأس، وبين الرجال من الشعب في قصره وبدانته ورأسه العريض.
وتصف الروايات التاريخية الصينية التي ترجع إلى القرن الرابع، تصف اليابانيين بأنهم "أقزام"، ثم تضيف إلى ذلك أنهم "لا يعرفون الثيرة ولا الوحوش الكاسرة؛ وهو يَشِمُون وجوههم بزخارف تختلف شكلاً باختلاف المنزلة الاجتماعية، ويلبسون رداء مصنوعاً من قطعة واحدة، ولديهم حراب وقِسِىٌّ ورماح في أطرافها حجر أو حديد، وهم لا يلبسون أحذية، ومن خصائصهم طاعة القانون وتعدد الزوجات ويدمنون الشراب وهم طوال الأعمار.




صفحة رقم : 1418




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> اليابان البدائية


ونساؤهم يطلين أجسامهن بالأحمر والقرمزي"(11). وتروى هذه المدَّونات عنهم "أن ليس يقع بينهم سرقة، وقلما يشكو أحد منهم أحداً إلى القضاء"(12)، ولم تكد المدنية تبدأ عندهم، وقد صور "لافكاديوهيرن"- مدفوعاً بصدق نظره وبحبه لذلك العصر القديم- صورها فردوساً لا يشوبها استغلال أو فقر؛ ووصف "فنلوزا" طبقة الفلاحين إذ ذاك بأنها مكونة من سادة عسكريين مستقل بعضهم عن البعض(13)؛ وجاءت الصناعات اليدوية إلى اليابان من كوريا في القرن الثالث الميلادي، وسرعان ما انتظمتها نقابات(14)، ودون هؤلاء الصناع اليدويين، كانت تقع طبقة كبيرة من العبيد، جُمع أفرادها من المسجونين وأسرى الحروب(15)، وكان النظام الاجتماعي إقطاعياً إلى حد ما وقبلياً إلى حد ما، فكان بعض الفلاحين يزرعون الأرض عبيداً للسادة أصحاب الأرض، ولكل قبيلة رئيس يكاد يكون ملكاً عليها(16)، وكانت الحكومة بدائية في تفككها وضعفها.
كانت العاطفة الدينية عند اليابانيين الأولين تجد ما يشبعها في العقيدة بأن لكل كائن روحاً، وفي الطوطمية، وفي عبادة الأسلاف وعبادة العلاقة الجنسية(17)؛ فعندهم أن الأرواح سارية في كل شيء- في كواكب السماء ونجومها، في نباتات الحقل وحشراته، والأشجار والحيوان والإنسان(18)، ويعتقدون أن عدداً لا يحصى من الآلهة يحوم فوق الدار وساكنيها ويرقص مع ضوء المصباح ووهجه إذا رقص(19)، والاتصال بالآلهة يكون عندهم بإحراق عظام غزال أو قوقعة سلحفاة، وبفحص العلامات والخطوط التي تحدثها النار، فحصاً تستمد فيه المعونة من الخبراء؛ وتذكر لنا المدونات القديمة الصينية أنه بهذه الطريقة "كان اليابانيون يستوثقون من طيب الحظوظ وخبيثها، ومن ملاءمة الظروف لقيامهم برحلات برية وبحرية أو عدم ملاءمتها"(20). كانوا يخافون الموتى ويعبدونهم، لأن غضبهم قد ينزل بالعالم شراً مستطيراً؛ فلكي يسترضوا هؤلاء الموتى، كان لزاماً عليهم أن يضعوا لهم النفائس في




صفحة رقم : 1419




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> اليابان البدائية


قبورهم- كأن يضعوا سيفاً إذا كان الميت رجلاً، ومرآة إذا كانت امرأة، وكانوا يؤدون الصلاة ويقدمون الطعام أمام صور أسلافهم في كل يوم(21) وكانوا يلجأون إلى التضحية البشرية آناً بعد آن توسلاً لإيقاف مطر غزير، أو ضماناً لثبات بناء أو جدار، وكان يحدث أحياناً أن يدفن الأتباع مع سيدهم الذي مات ليدافعوا عنه في أولى مراحل حياته الآخرة(22).
ومن عبادة الأسلاف نشأت أقدم ديانة قائمة في اليابان، وهي "شنتو" أي "طريق الآلهة" ولها صور ثلاث " : العقيدة المنزلية التي تتجه بالعبادة إلى أسلاف القبيلة، وعقيدة الدولة التي تتجه بالعبادة إلى الحاكمين الأسلاف وهم الآلهة الذين أسسوا للدولة بناءها؛ فكانوا يخاطبون السلف المقدس الأول الذي عنه جاءت سلسلة الأباطرة، ضارعين سبع مرات كل عام، فيتوجه إليه الإمبراطور نفسه بالدعاء، أو من ينوب عن الإمبراطور؛ ثم كانوا يؤدون له صلاة خاصة إذا ما همت الأمة بالاضطلاع بمشروع تراه استثنائياً في قداسته، مثل الاستيلاء على شانتونج (سنة 1914)(23)؛ ولم تكن ديانة "شنتو" بحاجة إلى تفصيل مذهبي أو طقوس معقدة أو تشريع خلقي، ولم تكن لها طبقة من الكهنة خاصة بها، كلا ولا تذهب إلى ما يبعث العزاء في نفوس الناس من خلود الروح ونعيم الفردوس؛ فكان كل ما تطالب به معتنقيها أن يحجوا آناً بعد آن لأسلافهم وأن يقدموا لهم ضراعة الخاشعين، ويفعلوا كذلك لإمبراطورهم ولماضي أمتهم؛ وقد حلت عقيدة أخرى محل هذه العقيدة حيناً، لأنها مسرفة التواضع في جزائها التي تعد به، وفي أوامرها التي تلزم بها الناس.
وفي سنة 522 جاءت البوذية- وكانت قد دخلت الصين قبل ذاك بخمسمائة عام- إلى اليابان خلال القارة الآسيوية، فأخذت تغزو أرجاءها غزواً




صفحة رقم : 1420




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> اليابان البدائية


سريعاً؛ وقد تآمر عاملان فكتبا لها النصر، وهما: الحاجات الدينية عند الشعب، والحاجات السياسية عند الدولة، لأنه لم تكن بوذية بوذا هي التي جاءت إلى اليابان، بما عرفت به تلك البوذية من لا أدرية وتشاؤم وتزمت وشوق إلى النعيم الناشئ عن انمحاء الفرد في الكل، بل جاءتها بوذية "ماهايانا" بآلهتها الوديعة من أمثال "أميدا" "وكوانون"، وباحتفالاتها الدينية البهيجة، واعترافها ببوذيين منتظرين يخلصون البشر، وبخلود الروح الإنسانية، ثم ما هو خير من ذلك، جاءت هذه البوذية تبث في النفوس بأسلوب لا يقاوم لفرط رقته، كل فضائل الورع والسلام والطاعة التي يمكن أن تصوغ الناس صياغة تجعلهم أكثر انصياعاً للحكومة، وراحت تفسح للمظلومين من الأمل والعزاء ما يجعلهم راضين قانعين بشظف عيشهم؛ وتخفف من وطأة الحياة الكادحة وما فيها من برود يشبه برود النثر وفتور العمل المكرور المعاد، بما تبثه في تلك الحياة من شعر متمثلة في الأساطير والصلاة، ومن مسرحية تتمثل في الاحتفالات البهيجة، وهيأت للناس سبيل الوحدة في الشعور والعقيدة، وهما شيئان طالما رحب بهما الساسة، لأنهما أصل النظام الاجتماعي، ودعامة القوة القومية.
ولسنا ندرى أكانت السياسة أم الورع هو الذي كتب النصر للبوذية في اليابان، فلما مات الإمبراطور "يومى" سنة 586 ، تنازعت وراثة العرش من بعده أسرتان متنافستان، تنازعاً استخدمت فيه السلاح، واعتنقت كلتاهما العقيدة الدينية الجديدة اعتناقاً سياسياً، واستطاع الأمير "شوتوكوتايشي"- الذي يقال عنه إنه ولد وفي يده تميمة مقدسة- أن ينتهي بالحزب البوذي إلى النصر، ثم أقام على العرش "الإمبراطورة سويكو". ولبث تسعة وعشرين عاماً (592-621) يحكم الجزر المقدسة أميراً إمبراطورياً ووصياً على العرش وراح يغدق العطاء لمعابد البوذيين، ويشجع رجال الدين البوذي ويعينهم،




صفحة رقم : 1421




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> اليابان البدائية


ويدخل الأخلاق البوذية في صلب القوانين القومية، حتى لقد أصبح بوجه عام للبوذية اليابانية ما كان "أشوكا" لها في الهند, وامتدت رعايته إلى الفنون والعلوم، واستقدم الفنانين ومهرة الصناع من كوريا والصين، وكتب التاريخ، ورسم التصاوير، وأشرف على بناء معبد "هوريوجي"، وهو أقدم آية بقيت لنا في تاريخ الفن الياباني.
لكن على الرغم مما تركه هذا الرجل الناشر لأسباب الحضارة من مختلف الآثار، وعلى الرغم من كافة الفضائل التي راحت البوذية تبثها في النفوس أو تبشر بها، فقد طغت على اليابان أزمة أخرى عنيفة، ولم يكن قد مضى على موت "شوتوكو" جيل واحد؛ ذلك أن أرستقراطياً طموحاً، هو "كاماتاري" قد دبر مع "الأمير تاكا" ثورة في القصر، كانت بداية واضحة لتغير مجرى التاريخ السياسي في "نيبون" (اليابان) حتى ليشير إليها المؤرخون من أبناء البلاد في حماسة وطنية فيصفونها بقولهم "الإصلاح العظيم" (سنة 645)؛ فقد قتل ولي العهد، وأجلس على العرش ملك كهل لم يكن إلا صورة، وكان الأمر في يد "كاماتاري" باعتباره رئيساً للوزراء، فطفق بمعونة "الأمير تاكا"- حين كان لم يزل ولياً للعهد، ثم حين أصبح هو "الإمبراطور تنشي"- يعيد بناء الحكومة اليابانية بحيث جعلها سلطة إمبراطورية أوتوقراطية؛ وارتفع الحاكم من مجرد كونه زعيماً لكبرى القبائل، إلى سلطة شاملة تسيطر على كل موظف في اليابان، فهو الذي يعين كل الحكام، وتدفع له الضرائب كلها مباشرة، وأعلن أن البلاد كلها ملك يمينه؛ وبهذا سارت اليابان بخطوات سريعة من ارتباط بين القبائل مخلخل العرى ورؤساء قبائل يشبهون أشراف الإقطاع، إلى دولة ملكية وثيقة العرى فيما يربط بين أجزائها.




صفحة رقم : 1422




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> العصر الإمبراطوري



الفصل الثالث




العصر الإمبراطوري




الأباطرة - الأرستقراطية، تأثير الصين، عصر كيوتو الذهبي - التدهور


منذ ذلك الوقت فصاعداً، جعل الإمبراطور يتمتع بألقاب ضخمة، فكان يسمى أحياناً "تنشي" أو "شمس السماء" على أن اسمه كان غالباً "تنو" أي "الملك السماوي" ونادراً ما كان يطلق عليه "ميكادو" أي "الباب المجيد"؛ وكان من امتيازه أن يطلق عليه اسم جديد بعد موته، يعرف في التاريخ باسم خاص يختلف كل الاختلاف عن الاسم الذي أطلق إبان الحياة؛ ولكي يضمن اتصال النسل الإمبراطوري، كان للإمبراطور الحق في أي عدد شاء من الزوجات أو الرفيقات؛ ولم يكن حتماً أن يهبط الملك إلى أكبر الأبناء، بل تؤول ولاية العرش من بعده إلى من كان في رأيه هو، أو في رأي أبطال العصر أقرب أبنائه إلى أن يكون أقواهم، أو أضعفهم على العرش [فيختار أقواهم إن كان الذي يختار هو الملك، ويختار أضعفهم إن كان الذي يختار هم أعلام العصر ذوو المصالح الشخصية] وكان الأباطرة في بواكير العصر الكيوتي يميلون إلى الورع، حتى لقد تنازل بعضهم عن العرش ليجعلوا من أنفسهم رهباناً بوذيين، وحرَّم أحدهم السِّماكة على أنها إساءة إلى بوذا(25)؛ لكنك تجد بينهم "يوزي" يشذ عن هذا المجرى، ويتعب الناس بنشاطه، فجاء مثلاً يوضح كيف تكون الأخطار التي يستهدف لها الملك إذا نشط؛ فكان يأمر الناس أن يصعدوا الأشجار ثم يرميهم بقوسه ونشابه، ويمسك بالعذارى في الطرقات، ويوثق قيدهن بأوتار قيثارة ويقذف بهن في البرك، وكان مما يمتع جلالته أن يركب جائساً خلال العاصمة فيلهب الناس بسوطه ليدفعهم إلى العمل، لكن رعيته خلعته عن العرش آخر الأمر بثورة أعلنت فيها




صفحة رقم : 1423




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> العصر الإمبراطوري


العصيان السياسي الذي هو بمثابة الخروج على حدود التقوى وهو شيء نادر الوقوع في تاريخ اليابان(26)؛ وحدث سنة 794 أن انتقلت مراكز الحكومة من "نارا" إلى "ناجاوكا" ثم لم تلبث بعدئذ أن انتقلت إلى كيوتو (أي عاصمة السلام) فظلت هي العاصمة خلال الأربعة قرون (794-1192) التي يجمع معظم المؤرخين على أنها كانت في اليابان عصرها الذهبي، فلما أن كانت سنة 1190 بلغ سكان كيوتو نصف المليون، وهو ما لم تبلغه أية مدينة أوروبية في ذلك العصر ما عدا القسطنطينية وقرطبة(27)، وقد خصص جزء من المدينة لأكواخ الناس وحظائر لماشيتهم، والظاهر أن قد نعم هؤلاء الناس بعيشهم رغم فقرهم المدقع؛ ثم خصص آخر- جعلوه معزولاً بما تقتضيه الحكمة لحدائق العلية والأسرة الإمبراطورية وقصورهم؛ وكان يطلق على حاشية الإمبراطور بحق "سكان ما فوق السحب"(28) لأن تقدم الحضارة وارتفاع الأساليب الفنية كان من نتائجها في اليابان- كما هي الحال في غيرها- ازدياد الفوارق الاجتماعية؛ وبهذا زالت المساواة التقريبية التي كانت تسود الناس في باكورة الأيام، وحل محلها تفاوت لا مندوحة عن وقوعه إذا ما قُسمِّت الثروة المتزايدة بين الناس على قدراتهم المختلفة وشخصياتهم وامتيازاتهم المتباينة؛ ونشأت أسرات كبيرة، مثل الـ "فويجيوارا" والـ "تايْرا" والـ "ميناموتو" والـ "سوجاوارا"، وهي أسرات كانت تقيم الأباطرة وتخلعهم، ويحارب بعضها بعضاً على النحو العنيف الذي شهدته أيام النهضة الإيطالية؛ ولقد قرَّب "سوجاوارا متشيزاني" نفسه من قلوب اليابانيين لرعايته للأدب، وهو الآن معبود لديهم بوصفه إلهاً للآداب، وتعطل المدارس تكريماً له في الخامس والعشرين من كل شهر؛ وكذلك امتاز الشاب "ميناموتو سانيتومو" بإنشائه في الصباح السابق لاغتياله هذه المقطوعة الشعرية الساذجة، التي تمثل الأسلوب الياباني في أنصع صوره:




صفحة رقم : 1424




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> العصر الإمبراطوري




إذا لم أعد إليك ثانياً




يا شجرة البرقوق التي تجاور داري




فلا تنسي أنت موعد الربيع




وازدهري ما وسعك الازدهار


ولبثت اليابان في عهد "دايجو" المتنوّر (898-930)- وهو أعظم الأباطرة الذين أقامتهم على الحكم قبيلة فوجيوارا، لبثت في عهده تتشرب- بل بدأت تنافس- ثقافة الصين وأسباب ترفها، التي كانت عندئذ في أعلى ذرى ازدهارها في عهد "تانج"؛ ولما كانت اليابان قد استمدت عقيدتها الدينية من "المملكة الوسطى" فقد طفقت تستمد من المعين نفسه لباسها وألعابها وطهيها وكتابتها وشعرها وأساليب حكومتها وموسيقاها وفنونها وبساتينها وعمارتها، بل خُطِّطت عاصمتاها الجميلتان "نارا" و "كيوتو" على غرار "شانجان"؛ فقد استوردت اليابان ثقافة الصين منذ ألف عام، كما تستورد ثقافة أوربا وأمريكا في عصرنا هذا، وهي في هذا تتعجل أولاً ثم تتمهل لتنتقي وتختار ثانياً؛ لكنها تحتفظ بروحها الخاصة وشخصيتها الخاصة غيرة عليهما، ولا تدخر في وسعها جهداً في سبيل مداومة الأساليب الجديدة إلى الأغراض القومية القديمة.
ودخلت اليابان في عهدها "الأنجي" (901-922) الذي يعتبر ذروة العصر الذهبي مدفوعة إلـى ذلك الصـعود بحافز مـن جارتها العظيمة، وبوقاية




صفحة رقم : 1425




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> العصر الإمبراطوري


حكومية مستتبـة؛ فتراكـمت الثروة وأتجه إنفاقها نحو أسباب حياة مترفة رقيقة تشيع فيها الثقافة بحيث لا يكاد يضارعها في ذلك مثيل حتى جاءت عصور أسرة مديتشي و "صالونات" "التنوير الفرنسي" .
وأصبحت "كيوتو" بمثابة باريس وفرساي في فرنسا، رقيقة قي شعرها وثيابها، رشيقة في أخلاقها وفنونها، تضع للأمة كلها معايير المعرفة والذوق، وانفتحت "الشهية" عند الناس على اختلاف صورها وإلى آخر حدودها وآمادها، فابتكر الطهاة صنوفاً جديدة من شهيّ الطعام، وكدسوا الآكال تكديساً ليُشبعوا أصحاب النهم وأرباب الذوق في الطعام على حد سواء، وغُض الطرف عن جرائم الزنا على أساس أنها من أتفه خطايا الإنسان(32)، وتزمَّل كل سيد أو سيدة بالحرير ونفيس الثياب، وكنت ترى مختلف الألوان متناسقة على كل كم تلبسها ذراع، وازدانت حياة المعابد والقصور بالموسيقى والرقص كما أشاع الرقص والموسيقى روح الرشاقة في بيوت العِلْية التي كانت تحاط بروائع المناظر الطبيعية من الخارج، وتزدان صقلاً من الداخل بما فيها من آيات البرونز واللؤلؤ والعاج والذهب والخشب الذي حفر حفراً بلغ الغاية القصوى من دقة الحفر(33)؛ لقد ازدهر الأدب إذ ذاك وانحلَّت الأخلاق.
أمثال هذه العصور التي تتلألأ بجوانب الرقة، يغلب ألا تدوم طويلاً، لأنها ترتكز ارتكازاً مقلقلاً على ثروة متراكمة يمكن في أية لحظة أن تذروها عوامل تذبذب التجارة، وقلق الطبقات المستغَلَّة وتقلبات الحروب؛ وقد أدى إسراف القصر آخر الأمر إلى إفلاس الدولة وارتفعت الثقافة بحيث رجحت كفتها بالقياس إلى القدرة العلمية، فانتهى ذلك إلى ملء المناصب الإدارية بمتشاعرين عاجزين، وأخذ الفساد يتكاثر تحت أنوفهم المعطَّرة دون أن يستوقف انتباههم، ثم أصبحت المناصب آخر الأمر تباع لمن يدفع في شرائها أغلى ثمن وازدادت الجــرائم بين الفـقراء بقــدر ما ازدادت أسبـاب




صفحة رقم : 1426




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> العصر الإمبراطوري


التـرف بين الأغنيـاء، وانبث وبـاء اللصوص والقراصنة في الطرقات والبحار، فكانوا ينقضون على كل فريسة تقع في أيديهم، لا فرق عندهم بين الإمبراطور والشعب، ويسطون على جباة الضرائب فيسلبونهم ما كانوا يحملونه إلى القصر من أموال، ونظمت عصابات من اللصوص في الأقاليم، بل وفي العاصمة نفسها، وكان يتاح لأخطر مجرم في اليابان- كما هي الحال عندنا- أن يعيش في رفاهية علنية؛ لأنه كان من القوة بحيث يتعذر على أولى الأمر أن يقبضوا عليه أو يسيئوا إليه(35)، وأهمل الناس عاداتهم وفضائلهم الحربية، وتراخوا في نظامهم العسكري والأهبة للدفاع، بحيث باتت الحكومة مفتوحة الصدر لكل ضربة يسددها إليها من شاء من القراصنة القساة؛ وراحت الأسر الكبيرة تجيَّش لنفسها جيوشها، فبدأت بذلك عهداً من حروب أهلية، ولبثت تناضل بعضها بعضاً نضالاً تسوده الفوضى، كل منها يحاول أن يظفر لنفسه بحق تعيين الإمبراطور، وأما الإمبراطور نفسه فكان يزداد كل يوم ضعفاً على ضعف، في الوقت الذي كان رؤساء القبائل فيه يوشكون أن يعودوا إلى سابق عهدهم من حيث استقلال كل منهم بسلطته؛ وهكذا أخذ التاريخ مرة أخرى يتذبذب على نحو ما كان يتذبذب قديماً، بين حكومة قوية مركزية من ناحية، ونظام إقطاعي لا مركزي من ناحية أخرى.




صفحة رقم : 1427




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> الطغاة



الفصل الرابع




الطغاة




"الشواجنة" - سلطان عسكري في كاماكورا - وصاية هوجو على




العرش - غزوة قبلاي خان - سيادة أشيكاجا - القراصنة الثلاثة


كان من شأن هذه الظروف القائمة أن سنحت الفرصة لظهور فئة من الطغاة العسكريين الذين قبضوا بأيديهم على زمام الأمور كلها، في كثير من أجزاء الجزر اليابانية؛ ولم يعترفوا بالإمبراطور إلا على أنه ظاهرة مقدسة في اليابان يحتفظ بها بأقل ما يمكن من النفقات؛ وجعل الفلاحون الذين لم تعد تحميهم من عصابات اللصوص جيوش الإمبراطور ولا رجال شرطته، يدفعون الضرائب لهؤلاء "الشواجنة" أي القادة بدل دفعها للإمبراطور، لأن "الشواجنة" وحدهم هم الذين كانوا يستطيعون حمايتهم من اعتداء اللصوص(36). وهكذا ساد النظام الإقطاعي في اليابان لنفس الأسباب التي كان قد ساد بسببها في أوربا، وأعني أن مصادر السلطان في الإقطاعات ازدادت نفوذاً بمقدار ما فشلت الحكومة المركزية النائبة في حفظ الأمن والنظام.
وحدث في سنة 1192 أن جمع "يوريتومو"- وهو أحد رجال قبيلة ميناموتو- حوله جيشاً من الجند والعبيد، وأقام لنفسه سلطة مستقلة، اتخذت لنفسها اسماً هو اسم المكان الذي قامت فيه، وهو "باكوفوكاماكورد" وكلمة "باكوفو" معناها منصب عسكري، وإذن فهي تدل صراحة على نوع الحكومة الجديدة؛ ومات "يوريتومو" العظيم فجأة في عام 1198




صفحة رقم : 1428




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> الطغاة


أعقبه في الحكم أبناؤه الضعفاء، وذلك- كما يقول المثل الياباني- لأن "الرجل العظيم لا ذرية له"(38) فأقامت أسرة منافسة وصاية لنفسها على العرش عام 1199 ويسمى العهد باسم "وصاية هوجو"، ولبثت تلك الأسرة مدى مائة وأربعة وثلاثين عاماً تحكم "الشواجنة" الذين كانوا بدورهم يحكمون الأباطرة؛ فكانت هذه الحكومة الثلاثية فرصة سانحة لقبلاي خان يحاول فيها غزو اليابان؛ فقد وصفها له الكوريون الدُّهاة الذين كانوا يخشون بأسها، فقالوا إنها من الثراء بحيث تستحق المجهود؛ فأمر قبلاي بناة سفنه أن يشيدوا له أسطولاً بلغ من الضخامة حداً جعل شعراء الصين يصورون التلال باكية ترثى ما سُلِبَ من غاباتها(39)؛ ويقول اليابانيون- حين يروون حوادث الماضي رواية الفخور ببطولته- إن النفس بلغت سبعين ألفاً، لكن المؤرخين الذين لا يتأججون بمثل هذه الحاسة الوطنية يكفيهم من العدد ثلاثة آلاف وخمسمائة سفينة ومائة ألف محارب؛ وتبدّى هذا الأسطول الجبار على مبعدة من شواطئ اليابان في أواخر سنة 1291 فخرج سكان الجزر الأبطال ليلاقوه في أسطول لهم بنوه على عجل؛ وهو أسطول ضئيل بالقياس إلى الأسطول المهاجم؛ لكن حدث لهذه الأرمادا، ما حدث للأرمادا التي كانت أصغر منها، وإن تكن أشهر ، وهو أن هبت "ريح عظيمة" لا تزال مذكورة لما أسدته للناس من جميل، هبت فحطمت سفائن "الخان" الجبار، إذ رطمتها على جوانب الصخور، وأغرقت من بحارته سبعين ألفاً، وأبقت على بقيتهم ليعيشوا حياة الرقيق في بلاد اليابان.
ودارت الدوائر على أسرة "هوجو" عام 1333، إذ أصابتهم السيطرة هم أيضاً بسمومها، وانتهى الأمر إلى انتقال الحكم الوراثي من أيدي الأبالسة والعباقرة إلى أيدي الجبناء والحمقـى؛ وكان آخـر هذه السلالة رجل يدعى "تاكا




صفحة رقم : 1429




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> الطغاة


توكي" يحب الكلاب حباً شديداً، فيقبلها بدل الضرائب، حتى لقد جمع منها عدداً يتراوح بين أربعة وخمسة آلاف، وأعد لها حظائر زينها بالذهب والفضة وأطعمها بالسمك والطيور، وهيأ لها العربات المزخرفة تحملها للتنزه؛ فوجد الإمبراطور القائم على العرش إذ ذاك، وهو "جو دايجو" أن انحلال حماته فرصة سانحة يستعيد فيها سلطانه الإمبراطوري، وأيدته قبيلتا "ميناموتو" و "أشيكاجا" وقادتا له جيوش حتى ظفرتا له بالنصر على "أسرة الوصاية" بعد سلسلة من هزائم، ومن ثم أوى "تاكا توكي" ومعه ثمانمائة وسبعون من عبيده وقادته، إلى معبد، وجرع كأساً أخيرة من "الساقي" ثم أنزل بنفسه "الهاراكيري" (أي أنه أنتحر)؛ ولقد أخرج أحد الحاضرين أمعاء المنتحر بيديه قائلاً: "إن هذه لتضفي على الخمر طعماً لذيذاً"(40).
وانقلب "أشيكاجاتا كاوجي" على الإمبراطور بعد أن كان هو الذي أعانه على استعادة سلطته؛ وقاتل الجيوش التي جاءت لإخضاعه قتالاً موفقاً من حيث خطته العسكرية ومؤامرات الخيانة؛ وأزال "جودايجو" عن العرش ليضع مكانه إمبراطوراً صورياً هو "كوجون"، وأقام في كيوتو تلك الحكومة العسكرية المعروفة باسمه "أشيكاجا" والتي ظلت تحكم اليابان مدى مائتين وخمسين عاماً سادتها الفوضى والحرب الأهلية التي لم تنقطع؛ ولا بد لنا أن نعترف هنا بأن جزءاً من تلك الفوضى كان يرجع إلى الجانب السامي من طغاة "أشيكاجا"- وهو حبهم للفن ورعايتهم له؛ فهاهو ذا "يوشيمتسو" قد مل الكفاح فأدار يديه نحو التصوير، حتى أصبح يعد من مصوري عصره الأفذاذ، وارتبط "يوشيمازا" بصلات الود مع كثير من المصورين، وأعان بالمال كثيراً من الفنون، وأصبح في عالم الفن ذواقة دقيقاً، حتى ليعد هواة الآثار الفنية اليوم القطع التي كان قد اختارها هو وأتباعه خير ما يستحق الاقتناء(41) لكن مهام الحكم الإداري قد أهملت إذ ذاك، ولم يعد حفظ




صفحة رقم : 1430




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> الطغاة


الأمن والسلام في مقدور القادة العسكريين (أي الشواجنة) الأغنياء، ولا في مقدور الأباطرة الذين حل بهم الإفلاس.
فكان من شأن هذه الفوضى نفسها وما أصاب الحياة من انحلال، ومطالبة الأمة بقادة يهيئون لها النظام، أن ظهر القراصنة الثلاثة المعروفون في التاريخ الياباني؛ وتقول الرواية إن هؤلاء الثلاثة- وهم "نوبوناجا" و "هيديوشي" و "أيياسو"- اعتزموا أن يتعاونوا معاً في شبابهم على إعادة الوحدة لوطنهم، وحلف كل منهم يميناً على أن يطيع طاعة الأتباع مَنْ يفوز من زميليه الآخرين بموافقة الإمبراطور على توليه حكومة اليابان(42)؛ وحاول "نوبوناجا" بادئ ذي بدء، لكنه مُني بالفشل، وحاول بعده "هيديوشي" لكنه مات حين أوشك على النجاح؛ وكان "أيياسو" يرقب فرصته، فجاءته آخر الأمر وحاول بعد زميليه، وأسس الحكومة العسكرية المعروفة باسم "توكوجاوا". وبهذا افتتح عهداً من أطول عهود السلام، وعصراً هو من أخصب عصور الفن، في تاريخ الإنسانية كلها.




صفحة رقم : 1431




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> وجه القردة العظيم



الفصل الخامس




"وجه القردة" العظيم




ظهور هيديوشي - الهجوم على كوريا - الاشتباك مع المسيحية


كانت الملكة اليصابات و "أكبر" (في الهند) معاصرين لـ "هيديوشي" العظيم- هكذا قد يحلو لليابانيين أن يذكروا هذه الحقيقة على سبيل التنويه بفضل عظيمهم- كان "هيديوشي" ابن فلاح، يعرفه أصدقاؤه، وتعرفه رعيته حين أصبح فيما بعد حاكماً، باسم "سارو من كانجا"- ومعناها "وجه القردة" لأنه لم يكن ينافسه في دمامة الوجه أحد حتى ولا كونفوشيوس؛ وكان والداه قد عجزا عن إخضاعه للنظام فبعثا به إلى مدرسة في دير؛ لكن "هيديوشي" سخر من كهنة البوذية سخرية شديدة، وأثار في الدير ضجة وثورة، بحيث انتهى أمره إلى الطرد من مدرسته، فألحق صبياً في كثير من الحرف، وطرد من عمله سبعاً وثلاثين مرة(43)؛ وجعل من نفسه قاطعاً للطريق، لكنه عاد فرأى أنه يستطيع أن يسلب وهو مع القانون أكثر مما يسلبه وهو خارج على القانون؛ ثم التحق بخدمة "الساموراي" (أي حملة السيف) وأنقذ حياة مولاه، وسمح له بعدئذ أن يحمل سيفاً؛ وانضم إلى أتباع "نوبوناجا" وعاونه بتفكيره وببسالته، حتى إذا ما مات "نوبوناجا" تولى هو قيادة الثائرين الخوارج على القانون، الذين شنوا حملتهم ليغزوا أرض وطنهم؛ فما انقضت ثلاثة أعوام حتى كان "هيديوشي" قد أصبح حاكماً على نصف الإمبراطورية وظفر بإعجاب الإمبراطور العاجز، وأحس في نفسه من القوة ما يتيح له أن يهضم في جوفه كوريا والصين؛ وفي ذلك قال متواضعاً يخاطب




صفحة رقم : 1432




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> وجه القردة العظيم


"ابن السماء": "لقد اعتزمت أن أطوي الصين كلها تحت سلطاني، بمعونة الجنود الكوريين وبتأييد من نفوذك الساطع؛ فإذا ما تم لي ذلك، ستصبح الأقطار الثلاثة (الصين وكوريا واليابان) قطراً واحداً؛ وسيتم لي ذلك في يسر كأنما أطوي حصيرة لأحملها تحت ذراعي"(44). لكنه حاول جهده بغير جدوى، لأن رجلاً شيطانياً من الكوريين اخترع قارباً حربياً من المعدن- ولولا سبقه في الزمن لقلنا إنه سرق منا الـ "مونتِور" والـ "مِرِماك"- وبهذا القارب راح يحطم سفن "هيديوشي" المثقلة بجنوده؛ سفينة بعد سفينة، وكان "هيديوشي" قد أنفذها بجنده إلى كوريا (1592)، لقد أغرقت في يوم واحد اثنان وسبعون مركباً، وانقلب البحر بحراً من دماء، ورست أربع وثمانون سفينة أخرى على الشاطئ حيث فر منها اليابانيون وخلفوها وراءهم، فأحرقها الظافرون حتى لم يذروا منها شيئاً؛ وبعد أن تبادل الفريقان نصراً وهزيمة دون أن يكون فيها ما يفصل بالنصر، أرجأ الفاتحون فتح كوريا والصين حتى القرن العشرين؛ وقال ملك كوريا عن "هيديوشي" إنه حاول "أن يعبر المحيط في صَدفَة من أصداف المحار"(45).
وإلى أن يحين ذلك الحين، استقر "هيديوشي" ليستمتع بهذه "الوصاية" التي أسسها لنفسه، وليدير فيها عجلة الحكم، وجمع لمتعته ثلاثمائة غانية، لكنه وهب مبلغاً كبيراً من المال لزوجته الريفية التي كان قد طلَّقها منذ زمن طويل وبحث عن أحد سادته القدماء؛ وأعاد له المال الذي كان قد سرقه منه أيام أن كان يعمل معه صبياً، وأضاف إلى المال قيمة الربح طوال هذه المدة؛ ولم يجرؤ أن يطلب من الإمبراطور أن يوافق له على تلقيب نفسه بلقب "شوجن" (أي حاكم عسكري) لكن معاصريه عوضوه عن ذلك بلقب آخر أطلقوه عليه، وهو "تايكو" أي "الحاكم العظيم"، وهي كلمة غامرت في رحلة من تلك الرحلات "الأوذيسِّيَّة" التي تتعقب آثارها في علم اللغات، حتى




صفحة رقم : 1433




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> وجه القردة العظيم


دخلت في ختام رحلتها إلى لغتنا نحن وأصبحت كلمة من كلماتنا، وهي كلمة Tycoon: ووصف مبشر ديني "هيديوشي"، فقال: "إنه ماكر ماهر إلى درجة تجاوز كل معقول، فقد نزع عن الشعب سلاحه بحيلة لطيفة، وهي أنه أمر الناس أن يجمعوا كل ما عندهم من أسلحة معدنية ليصنع من مادتها تمثالاً ضخماً- وهو تمثال "دايبوتسو" أي "بوذا العظيم" الذي يقوم في كيوتو- والظاهر أنه لم يكن يعتنق عقيدة دينية، لكنه لم يكن أسمى من أن يستغل الدين من أجل غاياته في طموحه أو سياسته".
ودخلت المسيحية اليابان سنة 1549 متمثلة في شخص رجل هو في طليعة طائفة الجزويت ومن خيرتهم، وأعنى به "القديس فرانسس اكسافير" ولم يكد يكون جمعية صغيرة حتى أخذت تزداد ازدياداً سريعاً، بحيث لم يمض جيل واحد بعد قدومه إلا وقد بلغ عدد أعضاء الجزويت سبعين، وعدد من تحولوا إلى المسيحية في الإمبراطورية اليابانية مائة وخمسين ألفاً(47)؛ وكانوا من الكثرة في ناجازاكي بحيث جعلوا ذلك الميناء التجاري مدينة مسيحية، وحملوا حاكمها المحلي "أومورا" على اتخاذ التدابير المباشرة في نشر العقيدة الجديدة(48)؛ يقول "لافكاديوهيرن": "إن البوذية في إقليم ناجازاكي قد طمست طمساً تاماً فكهنتها أصابهم الاضطهاد والتشريد"؛ ففزع "هيديوشي" لهذا الفتح الروحاني للبلاد، وارتاب في أن تكون وراءه أهداف سياسية، فأرسل رسولاً إلى نائب الجزويت في اليابان، مزوداً بخمسة أسئلة عاجلة:
1- لماذا وبأي حق أرغم هو (نائب رئيس الجزويت) وأعضاء طائفته الدينية رعية "هيديوشي" على اعتناق المسيحية ؟
2- لماذا حرضوا أتباعهم وأشياعهم على هدم المعابد ؟
3- لماذا اضطهدوا كهنة البوذية ؟




صفحة رقم : 1434




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> وجه القردة العظيم


4- لماذا أكلوا هم وبعض البرتقاليين حيوانات نافعة للإنسان مثل العجول والأبقار؟
5- لماذا سمح لتجار من بني جلدته أن يشتروا أفراداً من اليابانيين يتخذونهم عبيداً في جزر الهند الشرقية ؟(50)
ولما لم يقنع "هيديوشي" بالإجابات، أصدر سنة 1587 الأمر الآتي:
بما أننا قد علمنا من مستشارينا الأمناء أن طائفة دينية أجنبية قد جاءت إلى مملكتنا، حيث جعلت تبشر بقانون يتنافى وقانون اليابان، بل ذهبت بها الجرأة إلى تحطيم المعابد التي شيدت باسم (آلهتنا القومية) "كامى" و "هوتوكي" وعلى الرغم من أن هذه الفتنه تستحق أقسى ألوان العقاب، فإننا مع ذلك راغبون في مقابلة أعضائها بالرحمة، لذلك نأمرهم بمغادرة اليابان خلال عشرين يوماً، وعلى من يعصى تقع عقوبة الموت؛ ولن يصيب أحداً منهم أثناء هذه المهلة ضرر أو أذى، أما إذا بلغ ذلك الأمر ختامه فإننا نأمر بأن يقبض على من يوجد منهم في بلادنا وأن يعاقب على أنه من أخطر المجرمين(51).
وفي وسط هذه المفازع كلها وجد القرصان الأكبر من وقته فراغاً ينفقه في تشجيع رجال الفن، وأن يُسْهم في مسرحيات "لا"؛ وفي تأييد "ركْيو" في جعل الاحتفال بالشاي حافزاً على تشجيع صناعة الخزف الياباني، وحلِيْة هامة تزدان بها الحياة في اليابان؛ ومات سنة 1598 بعد أن استوعد "أيِياسو" وعداً ببناء عاصمة جديدة في "ييدو"، (وهي الآن طوكيو)، وفي الاعتراف بابن هيديوشي- وهو هيديوري- وارثاً له على وصاية العرش في اليابان.




صفحة رقم : 1435




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> الشوجن العظيم



الفصل السادس




الشوجن (أي الحاكم العسكري) العظيم




أيياسو في منصب السلطان - فلسفته - أيياسو والمسيحية-




موت أيياسو - طائفة الحكام العسكريين من توكوجاوا


مات "هيديوشي" فأعلن "أيياسو" أنه حين حلف اليمين له، لم يشهد على يمينه قطرات من دمه يستقطرها من أصابعه أو من فمه، كما يقضي بذلك تشريع "ساموراي" أي حملة السيف بل استقطر دمه ساعة حلف اليمين من خدش وراء أذنه ومن ثم كان يمينه غير ملزم بالوفاء(52)، والتقى بجماعة من قادته كانوا ينافسونه السلطان، التقى بهم عند سكيجاهارا، فعصف بهم عصفاً في موقعة انتثر على أرضها أربعون ألفاً من القتلى؛ وأبقى على "هيديوري" حتى بلغ سن الرشد فأصبح بذلك خطراً عليه، وعندئذ أوحى له بالتسليم صيانة لحياته؛ ولما قَرَّعوه على موقفه ذاك، حاصر قلعة أوساكا الجبارة حيث كان هيديوري محصناً، واستولى عليها في الوقت الذي كان الفتى فيه يزهق روح نفسه، ومكّن لنفسه من السلطان كاملاً بأن قتل أبناء "هيديوري" جميعاً الشرعيين منهم وغير الشرعيين، وبعدئذ نظم "أيياسو" الأمن في مهارة وقسوة كما نظم القتال، وحكم اليابان حكماً بلغ من صلاحيته أن رضيت اليابان بأن تحكم بأبنائه وعلى مبادئه مدى ثمانية أجيال.
كان رجلاً له أفكاره الخاصة، وكان يتخذ لنفسه من قواعد الأخلاق ما تقتضيه ظروف الساعة؛ فلما جاءته سيدة من أكرم السيدات تشكو إليه أن أحد رجاله قد قتل زوجها لكي يظفر بها، أمر "أيياسو" ذلك الرجل أن يخرج أمعاء نفسه بيده، وبعدئذ اتخذ من السيدة خليلة له(53) وهو شبيه بسقراط




صفحة رقم : 1436




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> الشوجن العظيم


في جعل الحكمة الفضيلة التي لا فضيلة سواها، ورسم الطرق المؤدية إليها في ذلك الكتاب العجيب الذي أسماه "التراث" أو العهد العقلي الذي خلَّفه لأسرته عند موته:
"الحياة شبيهة برحلة طويلة يحمل فيها الراحل حملاً ثقيلاً، فاجعل خطاك وئيدة ثابتة، حتى لا تتعثر، واقنع نفسك بأن النقص والتعب هما نسيج الحياة الطبيعي عند من تفنى حياته، ولن يكون في حياتك ما يمد لك في سبيل السخط أو اليأس فإذا ما نَزَتْ في قلبك نزوات الطموح، فتذكر أيام الشقاء البالغ حده الأقصى، التي اجتزتها في ماضي حياتك؛ فالصبر هو أس السكينة والطمأنينة إلى الأبد؛ انظر إلى السخط نظرتك إلى عدوك؛ فإذا اقتصر علمك على كيف تَهزِم، ولم تعلم كيف تنهزم، فالويل لك، ويا سوء سبيلك في الحياة الدنيا؛ فاكشف عن الخطأ في نفسك قبل أن تكشف عنه في سواك"(54).
أما وقد ظفر لنفسه بالسلطان بقوة السلاح، فقد قرر أن اليابان لم تعد بها حاجة إلى مواصلة الحروب، وكَرَّسَ نفسه للنهوض بما يقيم السلام من وسائل وفضائل، ولكي يباعد بين "الساموراي" (أي حملة السيف) وبين عاداتهم العسكرية، شجعهم على دراسة الأدب والفلسفة والخلق الفني، وهكذا ازدهرت الثقافة في اليابان في ظل حكمه الذي نشره في ربوع البلاد؛ وتدهورت الروح العسكرية، وقد كتب يقول: "إن الشعب هو أساس الإمبراطورية"(55). واستثار في قلوب خلفه الرحمة والرأفة "بالأرمل والأرملة واليتيم ومن لا أنيس له" لكنه لم يتصف بالميول الديمقراطية، حتى لقد ذهب إلى أن أفدح الجرائم جميعاً هو العصيان، "فالزميل" الذي يخرج على صفوف الزملاء من طبقته، لابد من الفتك به فور ساعته، ولا مندوحة من قتل أسرة الثائر بأسرها(56)، ومن رأيه أن النظام الإقطاعي هو أفضل




صفحة رقم : 1437




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> الشوجن العظيم


نظام يمكن وضعه لبني الإنسان كما هم في حقيقة طبائعهم، لأنه يهيئ اتزاناً معقولاً بين السلطة المركزية والسلطة المحلية، كما يقيم نظاماً طبيعياً وراثياً تتسق به الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، وهو كذلك يضمن استمرار المجتمع دون أن يتعرض لسلطان الحاكم المستبد، ولا بد لنا من الاعتراف هنا بأن "أيياسو" قد نظم في بلاده أكمل صورة عرفها الإنسان لحكومة تقوم على نظام الإقطاع(57).
وهو- ككل سياسي آخر- قد فكر في الدين على أنه أداة للنظام الاجتماعي قبل أن يكون أي شيء آخر، وأحزنه أن يرى أن اختلاف الناس في عقائدهم الدينية قد قضى على نصف هذا الخير الاجتماعي بما أحدثته العقائد المتعادية من فوضى؛ وقد كانت العقيدة التقليدية للشعب الياباني- وهي خليط مضطرب من الشنتوية والبوذية- كانت هذه العقيدة التقليدية من وجهة نظره السياسية الخالصة، رباطاً بالغ القيمة يربط الجنس الياباني في وحدة روحية ونظام خلقي وولاء وطني، وهو على الرغم من أنه نظر إلى المسيحية بادئ ذي بدء بعين التسامح وبأفق عقلي فسيح كاللذين عرفا عن "أكبر" في (الهند) وأبى أن يفرض عليها ما كان يفرضه عليها "هيديوشي" من أوامر يعلن بها غضبه منها، إلا أنه عاد فضاق بها صدراً لتعصبها، ولاتهامها القاسي للديانة القومية بأنها وثنية، وما أحدثته بتعصبها الجامح من شحناء لم تقتصر على أن تكون بين المعتنقين المسيحية وبقية أفراد الأمة، بل امتدت فدبت بين معتنقي الديانة الجديدة أنفسهم ؛ ثم ثار في صدره السخط آخر الأمر




صفحة رقم : 1438




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> الشوجن العظيم


لما عرف أن المبشرين بالمسيحية كانوا أحياناً يُستخدمون طلائع للفاتحين وأنهم كانوا في أجزاء متناثرة من أرض الوطن يتآمرون على الدولة اليابانية(58)؛ فأمر سنة 1614 بتحريم العبادة المسيحية أو التبشير بتعاليمها في اليابان، وطالب المعتنقين لهذه الديانة من الأهالي إما أن يغادروا البلاد وإما أن يرتدوا عن عقيدتهم الجديدة، واستطاع قساوسة كثيرون أن ينجوا بأنفسهم من طائلة هذا القانون، وألقي القبض على طائفة منهم، ولكن لم يُعدم أحد منهم في حياة "أيياسو"، فلما قضى نحبه، صبَّ سادة الحكومة غضبهم على المسيحيين، وأعقب ذلك موجةٌ وحشية من الاضطهاد الديني، كان من أثرها أن أمحت المسيحية من بلاد اليابان محواً تاماً تقريباً، ولما كان عام 1638 تجمعت البقية الباقية من المسيحيين، وبلغ عددها سبعة وثلاثين ألفاً، في شبه جزيرة "شيمابارا" وحصنتها ووقفت وقفة أخيرة دفاعاً عن حرية العبادة؛ فأرسل لها "أبيمتسو"- حفيد أيياسو- قوة كبيرة مسلحة لإخضاعها؛ وبعد حصار دام ثلاثة أشهر سقطت الحامية في أيدي اليابانيين، وذبح المعتصمون بها ذبحاً في الشوارع، لم يبق منهم على قيد الحياة إلا مائة وخمسة أشخاص.
مات "أيياسو" في نفس العام الذي مات فيه شكسبير؛ وخلَّف هذا الحاكم العسكري القوى سلطانه إلى ابنه "هيديناميا" مصحوباً بنصح بسيط وهو: "ارْعَ أبناء الشعب، وحاول أن تكون فاضلاً، ولا تهمل أبداً في حماية البلاد"؛ وكذلك قدم النصح إلى الأشراف الذين وقفوا إلى جانب سريره ساعة احتضاره، فكان نصحاً على أحسن ما تجرى به التقاليد كما عُرفت عند "كونفوشيوس" و "منشيوس" إذا قال لهم: "لقد بلغ ابني الآن سن الرشد، ولست أشعر بأي قلق على مستقبل الدولة، ولكن إذا ما اقترف خلفي خطأ فادحاً في إدارة حكومته، فتولوا أنتم زمام الأمور بأيديكم، فليست البلاد مِلْكاً




صفحة رقم : 1439




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> الشوجن العظيم


لرجل واحد، لكنها وطن للأمة بأسرها، وإذا ما أضاع حفدتي سلطانهم بسبب أخطائهم، فلن آسف على ضياعه منهم"(60).
لكن حفدته ملكوا زمام أنفسهم على نحو أحسن جداً مما كان ينتظر عادة من ملوك عصرهم أن يفعلوا خلال أمد طويل من الزمن؛ أما "هيديتارا" فقد كان رجلاً متوسط القدرة لا يصدر عنه الأذى؛ ثم جاء "أييمتسو" مثلاً لصورة أقوى من صور أفراد هذه الأسرة، فاستطاع بشدته أن يحبط حركة نهضت لإعادة النفوذ الحقيقي إلى الأباطرة الذين كانوا لم يزالوا يملكون ولكنهم لم يكونوا يحكمون؛ وأغدق "تسونايوشي" إغداقاً في رعايته لرجال الأدب، ورعايته للمدرستين المتنافستين العظيمتين في عالم التصوير. وهما "كانو" و "توسا" اللتان زَيَّنتا عصر "جنروكو" (1688-1703)؛ وجاء "يوشيموني" فجندّ نفسه للغاية التي ما انفكت الإنسانية تهدف لها حيناً بعد حين، وهي محو الفقر، وكان ذلك في نفس الوقت الذي كانت ميزانية حكومته تعاني فيه عجزاً جاوز المألوف؛ فاستقرض من طبقة التجار قرضاً طائلاً، وهاجم إسراف الأغنياء، وخفض نفقات حكومته خفضاً نزع به نحو جانب الزهد الرواقي، الذي ذهب به إلى حد إخراجه سيدات القصر الخمسين اللائي كن أجمل السيدات، واكتفى في ثيابه بلبس القطن، وفي نومه بحصير مما يرقد عليه الفلاحون، وفي طعامه بأبسط ألوان الطعام؛ ووضع صندوقاً أمام قصر المحكمة العليا ليضع فيه الشاكون شكاواهم، ودعا الناس إلى نقد السياسة الحكومية أو موظفي الحكومة على أي نحو شاءوا؛ فلما قدم رجل يدعي "ياماشيتا" عريضة اتهام لاذع يهاجم بها الحكومة من أساسها، أمر "يوشيموني" بالاتهام فَقُرِأ على مسمع من الملأ، وكافأ كاتبها على صراحته بأجزل العطاء(61).
ولقد قرظ "لافكاديوهيرن" حكمه في ذلك العهد فقال: "إن عصر "توكوجاوا" كان أسعد العصور التي شهدتها الأمة في حياتها الطويلة"(62).




صفحة رقم : 1440




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> بناة اليابان -> الشوجن العظيم


ويميل التاريخ إلى الأخذ بهذا الرأي نفسه، ولو على سبيل الترجيح، لأن التاريخ لن يبلغ في علمه بالماضي مبلغ اليقين؛ فكيف يستطيع الإنسان إذا نظر إلى اليابان اليوم، أن يتصور أن هذه الجزر التي تضطرب أعصابها اليوم اضطراباً كانت منذ قرن واحد مضى، يسكنها شعب فقير لكنه قانع، ويتمتع بعصر طويل من السلام في ظل حكومة تقوم عليها طبقة عسكرية، ويتجه بمجهوده- في عزلته الهادئة- نحو أسمى غايات الأدب والفن ؟!.




صفحة رقم : 1441




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الأسس السياسية والخلقية -> مقدمة



الباب التاسع والعشرون




الأسس السياسية والخلقية




محاولات لدراسة الموضوع


إذا أقدمنا الآن على تصوير اليابان التي أسدل عليها الستار عام 1853، فلنذكر أنه من العسير علينا أن نفهم- كما قد يكون كذلك من العسير أن نحارب- شعباً يبعد عنا خمسة آلاف ميل، ويختلف عنا لوناً ولغة وحكومة وديانة وخلقاً وعادات وشخصية وأهدافاً وأدباً وفناً، ولقد كان "هيرن" أوثق صلة باليابان من أي كاتب غربي آخر في عصره، ومع ذلك فقد ذكر "الصعوبة الشديدة في إدراك وفهم ما يكمن تحت السطح الظاهر من الحياة اليابانية"(1)، وكتب أديب ياباني بارع مقالة يذكر فيها الغرب بأن: "ما تعلمه عنا قائم على ما جاءك من ترجمة هزيلة لأدبنا، إن لم يكن قائماً على الحكايات المشكوك في صحتها مما يرويه لك عنا الرحالة العابرون.... فما أكثر ما يروعنا نحن الآسيويين هذا النسيج العجيب الذي يمزج الحقائق بالأوهام حين تتحدثون عنا أيها الغربيون ؟ فنراكم تصوروننا كأنما نعيش في عالم كله عطر من زهرة اللوتس، أو نعيش على طعام من الفئران والصراصير"(2) فلن تجد فيما يلي- إذن- أكثر من محاولات- قائمة على معرفة مباشرة موجزة أشد إيجاز- لدراسة الحضارة اليابانية، والخلق الياباني؛ وينبغي لكل باحث أن يصحح هذه المحاولات بما يقع له من خبرة شخصية طويلة، فالدرس الأول الذي تلقيه علينا الفلسفة هو أننا قد نكون جميعاً مخطئين.




صفحة رقم : 1442




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الأسس السياسية والخلقية -> طبقة الساموراي



الفصل الأول




طبقة الساموراي (أي حَمَلة السيف)




الإمبراطور الذي لا حول له - سلطة "الشوجن" (أي الحاكم العسكري) - سيف "الساموراي"-




قانون "الساموراي" "هاراكيري" - الرونانات" السبعة والأربعون - حكم قضى بتخفيفه


يقوم على رأس الأمة- من الوجهة النظرية- الإمبراطور المقدس، وكان البيت الحاكم حقيقة- وأعني به الحكم العسكري الوراثي- يسمح للإمبراطور وحاشيته بمبلغ يعادل خمسة وعشرين ألف ريال كل عام، مقابل الاحتفاظ بالأسطورة النافعة التي تؤثر في النفوس أثراً عميقاً، أسطورة اطراد الحكم في بيت واحد ؛ وكان كثيرون من رجال الحاشية يزاولون حرفاً يدوية منزلية ليكسبوا نفقات عيشهم: فبعضهم يصنع المظلات، وبعضهم يصنع الملاعق الخشبية أو لاقطات الفضلات من بين الأسنان أو ورق اللعب؛ وجعل الحكام العسكريون من أسرة "توجوواكا" من مبادئهم ألا يتركوا للإمبراطور ذرة من السلطان، وأن يعزلوه عن الشعب، وأن يحيطوه بالنساء ويفتُّوا من عضده بالتخنث والتعطل، ونزلت الأسرة الإمبراطورية عن سلطانها في كفاح، وقنعت بأن ترسم للعلية ألوان البدع في الثياب(3).
أما "الشوجن" (أي الحاكم العسكري) فقد كان حينئذ ينعم بثروة اليابان التي أخذت تتزايد، واصطنع لنفسه امتيازات هي عادة من حق الإمبراطور فإذا سار في الطريق محمولاً في عربته التي يجرها ثور، ومحمولاً في محفته، أمرت الشرطة كل المنازل على طول الطريق أن تقفل أبوابها والمصاريع الخشبية في نوافذها العليا، وأن تطفأ كل النيران وأن تحبس الكلاب




صفحة رقم : 1443




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الأسس السياسية والخلقية -> طبقة الساموراي


والقطط كلها داخل الدور، وأن يسجد الناس على جانبي الطريق، رؤوسهم على أيديهم وأيديهم على الأرض(4)؛ وكان "للشوجن" حاشية كبيرة، منها أربعة مضحكين وثماني سيدات مثقفات واجبهن أن يسلينه في غير التزام لقواعد الاحتشام(5)، وكان إلى جانبه مجلس وزراء استشاري قوامه اثنا عشر عضواً: كبير الوزراء، وخمسة وزراء، ثم ستة من الشيوخ يكونون مجلساً أصغر؛ وكان هناك- كما كان في الصين- مجلس للرقابة مهمته أن يشرف على المناصب الإدارية كلها، وأن يراقب أمراء الإقطاع؛ مع أن هؤلاء الأمراء- (أو "الدايميو" كما يسمونهم ومعناها "أصحاب الأسماء العظمى") لم يكونوا يعترفون من الوجهة الصورية إلا بالإمبراطور، هو الذي يولونه ولاءهم، بل استطاع بعضهم- مثل أسرة شيمادزو التي كانت تحكم إقليم ساتسوما- أن ينجحوا في الحد من سلطة الشوجن، حتى انتهى بهم الأمر إلى طرده من الحكم.
وكان يتلو أمراء الإقطاع طبقة السادة (بارونات) ثم يتلو هؤلاء طبقة المشرفين على الأراضي: وكذلك كان يحيط بالأمراء ألوف من فئة "الساموراي"- والساموراي هم حراس يحملون السيف؛ فالقاعدة الرئيسية في المجتمع الإقطاعي الياباني هي أن كل رجل من السادة هو جندي، والعكس صحيح، أي أن كل جندي هو كذلك من السادة(6) فهاهنا يقع أكبر اختلاف بين اليابان وبين الصين المسالمة التي ظنت أن شرط الرجل من السادة هو أن يكون عالماً لا أن يكون محارباً؛ وعلى الرغم من أن حملة السيف هؤلاء كانوا يحبون قراءة القصص التي تغذي فيهم انتفاخ الأوداج، مثل القصة الصينية التي عنوانها "قصة المماليك الثلاثة"، بل كانوا إلى حد ما يصوغون حياتهم على نموذج تلك القصص، إلا أنهم كانوا يزدرون العلم للعلم، وكانوا يسمون، العالم الأديب بالسكران الذي يفوح برائحة الكتب(7)؛ وكان لهم امتيازات كثيرة، فهم معفَون من الضرائب، ولهم الحق في مقدار من الأرز يعطيهم




صفحة رقم : 1444




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الأسس السياسية والخلقية -> طبقة الساموراي


إياه السيد الذي يخدمونه، ولم يكن يطلب إليهم أن يعملوا شيئاً إلا أن يموتوا في سبيل وطنهم إذا ما دعت إلى ذلك الظروف؛ وكانوا يحتقرون الحب ويعدونه لعبة رشيقة، ويؤثرون علاقة الصداقة على نمط إغريقي: والميسر والعربدة كانا جزءاً متمماً لعيشهم ولكي يحافظوا على مران سيوفهم، كانوا يدفعون المال للجلاد في مقابل أن يسمح لهم بجز رقاب المحكوم عليهم بالإعدام(8)، فسيف رجل من فئة "الساموراي" هو بمثابة روحه- على حد تعبير "أيياسو" وكثيراً جداً ما كان يجد الفرصة التي تدعوه إلى استعمال سيفه، على الرغم من المدة الطويلة التي نعمت فيها اليابان بالسلام؛ فله الحق- إذا أخذنا بما يقوله "أيياسو"(9)- أن يقضي فوراً على أي إنسان من الطبقات الدنيا إذا ما أساء إليه؛ وإذا كان سيفه جديداً وأراد أن يجربه، فيجوز أن يجربه في سائل كما يجوز أن يجربه في كلب(10). وفي ذلك يقول "لُنجفورد": "إن سيافاً مشهوراً قد اقتنى سيفاً جديداً، فوقف إلى جانب "ينهون باشي" (وهذا اسم جسر في وسط مدينة ييدو) ينتظر فرصة لاختبار مضاء سيفه، فجاء فلاح بدين ساعياً في الطريق، مرحاً بفعل الخمر، فقابله السياف بضربة يسمونها "ناشي واري" (ومعناها شق الكمثرى) وأصابت الضربة مرادها إذ شقت الرجل نصفين، من قمة رأسه إلى مفرق فخذيه، فمضى الفلاح في طريقه غير عالم بما نزل به، حتى اصطدم بحمال فسقط نصفين مشطورين على أدق صورة"(11) فما أتفه الفرق بين "الواحد" و "الكثير" هذا الموضوع الذي دوخ الفلاسفة في فهمه.
لكن هؤلاء السيافين كانت لهم لطائف أخرى غير هذه المهمة المرحة التي كانوا يحولون بها الفناء إلى خلود؛ فقد التزموا أوضاعاً صارمة اشترطوها للرجل الشريف- ويطلق على مجموعة هذه الأوضاع اسم "بوشيدو" -




صفحة رقم : 1445




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الأسس السياسية والخلقية -> طبقة الساموراي


ومعناها "طرائق الفروسية" وجوهر فكرتها فيه تعريف لما ترمي إليه من فضيلة: "هي القدرة على اختبار سلوكك في الحياة وفق ما يمليه العقل دون تردد، وأن تموت حين يجب عليك أن تموت، وأن تضرب حيث ينبغي لك أن تضرب"(12) وكانوا يحاكمون بمقتضى تشريعهم هذا، وهو أقسى من القانون السائد بين عامة الناس(13) وكانوا يزدرون كل الأعمال والمكاسب المادية، ويأبون أن يقرضوا المال أو يقترضوه أو يحسبوه، وقلما أخلفوا وعودهم، وكانوا لا يترددون في المخاطرة بحياتهم عوناً لكل من استنجدهم المعونة؛ وأخذوا على أنفسهم أن يحيوا حياة خشنة مقترة فلا يأكلون في اليوم إلا وجبة واحدة، وكانوا يروضون أنفسهم على أكل ما صادفهم من طعام كائناً ما كان؛ وكانوا يحتملون الآلام على اختلافها صامتين، ويكبحون في أنفسهم كل ما قد يدل على انفعالاتهم الداخلية، وعلموا نساءهم كيف يتهللن بشراً إذا ما نمى إليهن أن أزواجهن قد قضوا نحبهم في ساحات القتال(14). ولم يكونوا يلتزمون طاعة إلا طاعة الولاء لرؤسائهم، فطاعة الرؤساء جزء من تشريعهم الذي وضع تلك الطاعة فوق حب الآباء لأبنائهم أو الأبناء لآبائهم، ومن مألوف الأمور عند "الساموراي" (أي هؤلاء السيافين) أن يخرج الرجل منهم أمعاء نفسه إذا ما مات سيده لكي يخدمه ويحميه في الحياة الآخرة؛ فلما كان "الشوجن" (أي الحاكم العسكري) الذي يدعى "أيمتسو" يحتضر سنة 1651، ذكر كبير وزرائه "هتو" بواجبه في أداء الـ "جَنْشي" (أي اللحاق بسيده بعد موته, فقتل "هتو" نفسه دون أن ينبس ببنت شفة، ونسج على منواله كثير من الأتباع(15). ولما صعد "الإمبراطور ميسو هيتو" إلى أسلافه سنة 1912 انتحر الجنرال "نوجي" وزوجته ولاء منهما للإمبراطور(16). فلست ترى من التقاليد عند سائر الشعوب بما في ذلك تقاليد روما التي كانت تخرج جنوداً من الطراز الأول، ما بث شجاعة أبسل، أو زهداً أصرم،




صفحة رقم : 1446




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الأسس السياسية والخلقية -> طبقة الساموراي


أو ضبطاً للنفس أقوى مما كانت تقتضيه تقاليد هؤلاء "السيافين" من أعضاء تلك الفئة التي تعرف عندهم باسم "ساموراي".
وآخر القوانين في تشريع "بوشيدو" (أي تشريع طائفة السيافين) هو قانون "هاراكيري"- ومعناها الانتحار بإخراج الأمعاء؛ ولا تكاد الظروف التي تقتضي من السياف أن ينتحر على هذا الوجه تقع تحت حصر فقد كان الأمر من كثرة الوقوع بحيث لا يكاد يستوقف النظر؛ فإذا حكم بالموت على رجل من ذوي المكانة الاجتماعية، سمح له- إذا أراد الإمبراطور أن يدل على تقديره له- بأن يبقر بطنه بنفسه من اليسار إلى اليمين، ثم يشقها إلى أسفل، مستخدماً في ذلك سيفه الصغير الذي كان الواحد منهم لا ينفك مصطحباً له من أجل هذه الغاية؛ وإذا هزم أحدهم في القتال، أو اضطر إلى الاستسلام لعدوه، كان الاحتمال بأن يبقر بطنه بيده معادلاً تماماً لاحتمال أن يأبى على نفسه ذلك (فكلمة "هاراكيري" معناها شق البطن، وهي كلمة سوقية قلما ينطق بها الياباني، إذ هم يفضلون كلمة "سِبْيوكو") فقد حدث أن خضعت اليابان سنة 1895 لضغط الدول الأوربية في إخلاء "لياوتنج" فارتكب أربعون رجلاً من العسكريين "هاراكيري" احتجاجاً؛ كذلك حدث في حرب سنة 1905 أن أزهق عدد كبير من الضباط والجنود اليابانيين نفوسهم على هذا النحو، فذلك عندهم خير من الوقوع في أسر الروس، وإذا ألقى الرجل من فئة "الساموراي" (السيافين) إساءة من سيده، فإنه- إن كان سيافاً أصيلاً- يهلك حياة نفسه عند باب ذلك السيد؛ وكان فن "السبيوكو" (أي بقر البطن انتحاراً)- وهو ذو أوضاع دقيقة بمثابة الطقوس الدينية. في طليعة ما يلقن للشاب من فئة "الساموراي"، وآخر علامات المودة التي يبديها الصديق لصديقه أن يقف إلى جانبه ليجز له رأسه فيفصلها عن جسده، بعد أن يكون ذلك الصديق قد بقر بطن نفسه بيده(17)؛ من هذا التدريب وما أحاط به من




صفحة رقم : 1447




قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الأسس السياسية والخلقية -> طبقة الساموراي


تقاليد نشأ ما يتصف به الجندي الياباني من عدم الخوف من الموت .
كذلك كان يسمح بالاغتيال- كما كان يسمح بالانتحار- في ظروف معينة أن يحل محل القانون، فاليابان في نظامها الإقطاعي كانت تقتر في الإنفاق على رجال الشرطة، بوسائل كثيرة منها أن تجيز لابن القتيل أو أخيه أن يثأر لنفسه بدل الالتجاء إلى القانون؛ ولقد أدى هذا الاعتراف بحق الثأر- إلى جانب إيحائه بنصف القصص والمسرحيات في الأدب الياباني- إلى الحيلولة دون كثير من الجرائم؛ ومع ذلك فالرجل من فئة "الساموراي" (أي السيافين) كان يحس عادة أن واجبه يقتضيه ارتكاب (الهاراكيري) بعد استخدامه لحقه في الثأر بنفسه من عدوه؛ مثال ذلك ما فعله "الرونانات" الأربعون المشهورون وهم فئة من السيافين لم يكونوا أعضاء رسميين في تلك الطائفة (حين تأثروا من "كوتسوكي" لما ارتكبه من قتل اغتيالي، فعلوا ذلك وهم يصطنعون له غاية الرقة ويقدمون له المعاذير، ثم انسحبوا في وقار إلى ضيعات عينها لهم "الحا