Advertisement

قصة الحضارة 03

قصة الحضارة
ول ديورانت



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الصناعة



الفصل الثاني




الصناعة


كانت أرض أتكا تنتج المعادن والوقود كما تنتج الطعام، وكان الأهلون يضيئون بيوتهم بمصابيح جميلة المنظر، ومشاعل يستخدمون فيها زيت الزيتون المكرر أو الراتينج- أو بالشموع. وكانوا يدَّفئون بالخشب الجاف أو الفحم الخشبي، يحرقونه في مواقد متنقلة. وقد عريت الغابات والتلال القريبة من المدن لكثرة ما قُطع من أشجارها للوقود والبناء، حتى أضحت البلاد في القرن الخامس قبل الميلاد تستورد الخشب الذي تحتاجه لبناء البيوت والسفن وصنع الأثاث. أما الفحم الحجري فلم يكن لهُ وجود.
ولم يكن الغرض من التعدين في بلاد اليونان الحصول على الوقود، بل كان غرضه استخراج المعادن، وكانت أرض أتكا غنية بالرخام، والحديد، والخارصين، والفضة، والرصاص. وكانت مناجم لوريوم القريبة من الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة "فوارة تندفع منها الفضة، لأثينة" كما يقول إسكلس. وكانت هذه المناجم أكبر ما تعتمد عليهِ الحكومة، فكانت تحتفظ لنفسها بملكية كل ما تحت التربة، وتؤجر المناجم إلى من يستغلها من الأفراد نظير أجر محدد قدره وزنة )تالنت أي 6000 ريال أمريكي( وجزء من أربعة وعشرين جزءاً من غلتها في العام. ولما اكتشفت أولى العروق المربحة في لوريوم عام 483 هرع الناس إلى إقليم المناجم لاستخراج الفضة. ولم يكن يسمح لغير المواطنين بأن يستأجروا تلك المناجم، ولم يكن يقوم بالعمل فيها سوى العبيد. وكان نيشياس Nicias التقي، الذي ساعد بخرافاتهِ على خراب أثينة، يكسب ما يعادل




صفحة رقم : 2116




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الصناعة


مائة وسبعين ريالاً أمريكياً في اليوم الواحد بتأجير ألف عبد إلى مستغلي المناجم بما لا يزيد على أبولة واحدة )17 0 من الريال الأمريكي( لكل منهم في اليوم؛ وما أكثر الثروات التي جمعها الأثينيون بهذهِ الطريقة، أو بإقراض الأموال اللازمة لهذا الاستغلال. وكان عدد العبيد في المنجم يبلغ أحياناً عشرين ألفاً، وكان منهم المشرفون عليهم والمهندسون. وكانوا يعملون في نوبات تطول كل منها إلى عشر ساعات، ولم يكن العمل ينقطع ليلاً أو نهاراً؛ فإذا ما تباطأ العبد أو استراح ألهب المشرف عليه ظهره بالسوط، وإن حاول الهرب صُفّدَ بأغلال من حديد، وإذا هرب وألقي القبض عليه كويت جبهته بالحديد المحمي. ولم يكن عرض المنجم يزيد على قدمين، ولم يكن ارتفاعه يتجاوز ثلاث أقدام، وكان العبيد يعملون فيه بالمنقب أو الإزميل والمطرقة، وهم جاثمون على ركبهم، أو منبطحون على بطونهم أو مستلقون على ظهورهم. وكانت الخامات بعد تكسيرها تُنقل في سلال أو أكياس يتناولها رجل من رجل، لأن الممرات لشدة ضيقها لا تسمح لاثنين أن يمر أحدهما بالآخر بسهولة. وكانت الأرباح التي تُجنى من هذهِ المناجم غاية في الضخامة.
وحسبنا دليلاً على هذا أن إتاوة الحكومة منها بلغت في عام 483 مائة وزنة )نحو 600.000 ريال أمريكي(- وهي ثروة رُزِقتها أثينة من حيث لا تحتسب واستطاعت أن تُنشئ بها أسطولاً تنقذ به بلاد اليونان كلها عند سلاميس. ولقد عاد هذا العمل بالخير والشر معاً حتى على غير العبيد فقد أصبحت خزانة أثينة بسببه تعتمد كل الاعتماد على المناجم فلما أن استولى الاسبارطيون على لوريوم في حرب البلوبونيز، اضطربت أحول أثينة الاقتصادية من أولها إلى آخرها ولما نضب معين المناجم في القرن الرابع كان نضوبها أحد العوامل الكثيرة في اضمحلال أثينة، وذلك لأن أرض أتكا ليس فيها معدن ثمين غير الفضة.




صفحة رقم : 2117




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الصناعة


وصناعة التعدين تتقدم بتقدم استخراجها. فكانت الخامات المستخرجة من مناجم لوريوم تدق في مهارس ضخمة بمدقات ثقيلة من الحديد يحركها العبيد، ثم تنقل بعدئذ إلى مطاحن تطحنها بين حجرين دوارين شديدي الصلابة، ثم تغربل، ويؤخذ ما ينزل من ثقوب الغربال إلى حيث يُغسل، فيوضع على مناضد مائلة مستطيلة الشكل مصنوعة من الحجر ومغطاة بطبقة رفيعة ملساء من الأسمنت الصلب ويسلط عليه شؤبوب ماء من حوض. ويندفع تيار الماء ثم ينثني بزوايا حادة عندها فجوات تلتقط جزيئات المعدن. ثم يؤخذ ما يتجمع منه فيها ويُلقى في أفران للصهر مجهزة بمنافيخ ترفع حرارتها. وفي قاع كل فرن فتحات ينزل منها المعدن المصهور. ويفصل الرصاص من الفضة برفع حرارة المعدن المصهور فوق بواتق مصنوعة من مادة مسامية وتعريضه بعد ذلك للهواء. وبهذهِ الطريقة السهلة يتحول الرصاص إلى أكسيد الرصاص وتخلص الفضة. وقد برع العمال في عمليتي الصهر والتنقية، كما تشهد بذلك العملة الفضية الأثينية، فإن فضتها نقية إلى درجة 98 في المائة. ولقد أدت لوريوم ثمن ما أنتجته من الثروة، لأن صناعة التعدين تجلب في أعقابها أضراراً تُذهب بكثير من أرباحها. فالنبات يموت والناس يهلكون بتأثير الدخان المنبعث من الأفران، والأماكن المجاورة للمصانع تصبح قفراء جدباء يغطيها التراب والرماد.
أما غير هذهِ الصناعة فلا يكلف من الجهد ما تكلفه؛ وفي أتكا الآن كثير من هذهِ الصناعات غير المجهدة، وهي وإن كانت صغيرة في حجمها دقيقة شديدة التخصص في نوعها، فقد كانت تستخرج الرخام وغيره من الحجارة من محاجرها، وتصنع آلافاً من أشكال الآنية الخزفية، وكانت تدبغ الجلود في مدابغ كبيرة كالتي يمتلكها كليون منافس بركليز وأنيتس الذي وجه التهمة إلى سقراط. وكان من أهلها فوق ذلك صانعو العربات، وبناءو السفن وصانعو السروج وسائر عدد الخيل،




صفحة رقم : 2118




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الصناعة


والحذاءون، وكان من صانعي السروج مَن لا يصنعون إلا الأعنة ومن الحذائين مَن اختصوا بصنع أحذية الرجال أو النساء. وكان من المشتغلين بحرف البناء نجارون وصانعون للقوالب، وقاطعون للأحجار، ومشتغلون بالمعادن، ومصورون، وطالون للجدران والأخشاب. وكان فيها حدادون وصانعون للأسياف والدروع، والمصابيح، والقيثارات، والطحّانون، والخبازون، والوزامون والسماكون- وجملة القول أنها كانت تحتوي على كل ما تطلبه الحياة الاقتصادية الكثيرة العمل المتنوعة الأشكال، غير الآلية أو المملة. وكانت المنسوجات العادية لا تزال حتى ذلك الوقت تُنسج في المنازل، ففيها كان النساء ينسجن، ويصلحن ثياب الأسرة وفراشها، ومنهن مَن يمشطن الصوف أو يدرن عجلة الغزل، ومنهن مَن يتعهدن الأنوال ومَن ينحنين أمام إطار التطريز. أما المنسوجات الخاصة فكانت تُشترى من المصانع أو تُستورد من خارج البلاد- فالأقمشة التيلية الرقيقة كانت تَرد من مصر، وأمرجوس Amorgos، وتارنتم؛ والأقمشة الصوفية المصبوغة من سراقوصة، والبطاطين من كورنثة، والطنافس من الشرق الأدنى وقرطاجة، وأغطية الفراش الملونة من قبرص وتعلمت نساء كوس في أواخر القرن الرابع حل شرانق دود القز وغزل خيوط الحرير. وأتقنت النساء في بعض المنازل فنون النسيج إتقاناً أمكنهن أن ينتجن أكثر من حاجة أسرهن، فكن يبعن ما زاد على حاجتهن إلى المستهلكين في بادئ الأمر، ثم إلى الوسطاء؛ وكن يستعن بمن يساعدهن، من المعاتيق أو الأرقاء، ونشأت على هذا النحو صناعة منزلية كانت هي الخطوة الأولى في سبيل نظام المصانع.
وبدأ هذا النظام يتشكل في عصر بركليز، وكان بركليز نفسه، كما كان ألسبيديز، يمتلك مصنعاً، ولم تكن هناك آلات، ولكن كان في الاستطاعة الحصول على كثير من العبيد؛ وكان رخص القوة العضلية سبباً في انعدام الحافز




صفحة رقم : 2119




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الصناعة


إلى صنع الآلات؛ ولهذا كانت دور الصناعة في أثينة "حوانيت صناعة" لا مصانع، ولم يكن في أكبرها، وهو حانوت صنع الدروع الذي يمتلكه سفالوس Cephalus، سوى مائة وعشرين عاملاً، وكان في دار صنع الأحذية التي يمتلكها تمركوس Timarchus عشرة عمال، وفي مصنع دمستين للأساس عشرون وفي مصنعه للعُدد الحربية ثلاثون. ولم تكن هذهِ الحوانيت في بادئ الأمر تنتج إلا لمن يطلب الإنتاج، ثم صارت فيما بعد تنتج للسوق، ثم للتصدير في آخر الأمر وكان حلول النقود محل المقايضة، وانتشار هذهِ النقود انتشاراً واسعاً، مما يسر عليها أعمالها. ولم تكن في البلاد منظمات صناعية، بل كان كل مصنع وحدة مستقلة بذاتها يمتلكها رجل أو رجلان، وكان صاحبه يعمل في كثير من الأحيان إلى جانب عبيده. ولم تكن لديهم علامات تجارية، وكانت الحرف يأخذها الأبناء من الآباء، أو يتعلمها الصبيان عن الرؤساء وكان القانون يعفي الأثينيين من رعاية آبائهم في شيخوختهم إذا لم يعلمهم أولئك الآباء حرفة يشتغلون بها. وكانت ساعات العمل كثيرة، ولكنهم كانوا يعملون على مهل، فكان صاحب المصنع وعماله يعملون من مطلع الفجر إلى ما بعد غروب الشمس، مع إغفاءة قصيرة في وقت الظهيرة صيفاً. ولم تكن هناك إجازات ولكنهم كانت لهم في كل عام ستون عيداً ينقطعون فيها عن العمل.




صفحة رقم : 2120




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال



الفصل الثالث




التجارة والمال


إذا أنتج الفرد، أو الأسرة، أو المدينة أكثر من حاجته أو حاجتها، نشأت التجارة. وكانت أولى الصعاب التي واجهت أتكا أن وسائل النقل فيها كثيرة النفقة غير متيسرة، وأن البحر شراك ليس من السهل على سفنها أن تفلت منه. وكانت أحسن طرقها البرية هي الطريق المقدسة الممتدة من أثينة إلى إليوسيس؛ وإن لم تكن أكثر من طين، وإن كانت أضيق من أن تتسع لمرور المركبات. أما القناطر فلم تكن أكثر من معابر غير مأمونة مقامة من حواجز من الطين كثيراً ما تجرفها الفيضانات. وكان حيوان الجر المألوف هو الثور وهو حيوان أوتي من الفلسفة أكثر مما يسمح له بأن يغني التاجر الذي يعتمد عليه في نقل متاجره. وكانت العربات هشة تتحطم على الدوام أو تتعطل عن السير في الوحل وكان افضل منها لديه أن ينقل بضاعته على ظهور البغال، لأنها أسرع من العربات قليلاً، ولأنها لا تشغل ما تشغله لك العربات من الطريق. ولم يكن في بلاد اليونان نظام للبريد، وحتى الحكومات نفسها لم يكن لها مثل هذا النظام، بل كانت تقنع بالعدّائين؛ وكانت الرسائل الخاصة تنتظر إلى أن يتاح لها مَن ينقلها منهم. وكانت الأخبار الهامة تُرسل بالإشارات النارية يتلقفها تل من تل أو بالحمام الزاجل. وكانت في أماكن متفرقة من الطرق نُزل، ولكنها كانت مآوى محببة للصوص والحشرات؛ وحتى الإله ديونيسس في إحدى مسرحيات أرسطوفان يسأل هرقل عن " بيوت الأكل ودور الضيافة التي هي أقل من غيرها بقّاً ".




صفحة رقم : 2121




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


وكان النقل البحري أقل كلفة من النقل البري وبخاصة إذا اقتصر على أشهر الصيف الساكنة الريح، وكان هذا النقل في العادة مقصوراً على تلك الشهور. وكانت أجور السفر قليلة، فكان في وسع الأسرة أن تنتقل من بيرية إلى مصر وإلى البحر الأسود نظير درخمتين )أي ريالين أمريكيين(، ولكن السفن لم تكن تُعنى بنقل المسافرين لأنها صُنعت قبل كل شيء لنقل البضائع أو لشن الحرب أو لهذا الغرض أو ذاك كما تقضي الضرورة. وكانت أهم القوى المحركة هي قوة الريح تملأ الشراع، ولكن العبيد كانوا يُسيّرون السفن بالمجاديف إذا سكنت الريح أو هبت في عكس اتجاه السفن. وكانت أصغر سفن البحار التجارية يُسيّرها ثلاثون مجدافاً، ومنها ما كان له خمسون. وأنزل أهل كورنثة في البحر منذ عام 700 قبل الميلاد أولى السفن ذات الثلاثة الصفوف من المجاديف يعمل بها مائتان من الرجال. وقبل أن يستهل القرن الخامس كانت هذهِ السفن بمقدمها الطويل السامق قد بلغ وزنها 256 طناً، وبلغت حمولتها سبعة آلاف بشل من الحبوب، وأصبحت حديث جميع القاطنين على شواطئ البحر الأبيض المتوسط لأن سرعتها بلغت ثمانية أميال في الساعة.
وكانت ثاني مشاكل التجارة هي العثور على واسطة للتبادل يثق الناس بها، فقد كان لكل مدينة نظامها الخاص في الموازين والمقاييس، وعُملتها التي لا تشاركها فيها مدينة أخرى. وكان على الإنسان عندما يصل إلى أحد التخوم التي تكاد تبلغ المائة عداً أن يبدل نقوده وأن يكون على حذر في هذا التبديل لأن كل حكومة يونانية، عدا حكومة أثينة، كانت تسلب الأجانب عنها أموالهم بتخفيض قيمة نقدها. وفي ذلك يقول يوناني لم يشأ أن يُعرف اسمُه "كان التجار في معظم المدن يضطرون أن ينقلوا على سفنهم بضائع وهم عائدون إلى مدنهم لأنهم لم يكن في وسعهم أن يحصلوا على نقود ذات نفع




صفحة رقم : 2122




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


لهم في أي مكان آخر". وكانت بعض المدن تسك نقوداً من خليط من الذهب والفضة، وينافس بعضها بعضاً في إنقاص ما في هذا الخليط من الذهب. أما الحكومة الأثينية منذ أيام صولون فقد أخذت على نفسها تشجيع التجارة إلى أقصى حد بإيجاد عملة موثوق بها طبعت عليها بومة اثينة؛ وكان قولهم: "يُأخذ البوم إلى أثينة" وهو المثل اليوناني المقابل لقول الإنكليز "يحمل الفحم إلى نيوكاسل" وإذا كانت أثينة قد أبت خلال صروف الدهر أن تخفض من قيمة درخماتها الفضية، فقد كانت سائر بلاد البحر الأبيض المتوسط تقبل وهي راضية هذهِ "البومات" التي أخذت تحل شيئاً فشيئاً محل العملة المحلية في جزائر بحر إيجة. وكان الذهب في هذهِ المرحلة لا يزال سلعة تجارية تُباع بالوزن، ولم يكن وسيلة يُستعان بها على الاتجار، ولم تكن أثينة تسكّه عملة إلا في حالات الضرورة النادرة، وكانت النسبة المعتادة بينه وبين الفضة كنسبة 14 إلى 1. وكانت أصغر النقود الأثينية تُسك من النحاس، وكانت ثمان قطع منها تكوّن أبولة - وهي عملة من الحديد أو البرونز سُميت بهذا الاسم لمشابَهتها للأظافر أو السفود. وكانت ست أبولات تكوّن الدرخمة أي الحفنة؛ والدرخمتان تكوّنان استاتر Stater والمائة درخمة تكوّن مينا Mina وستون مينا تكوّن وزنة Talent وكانت الدرخمة في النصف الأول من القرن الخامس يُبتاع بها بشل Bushel من الحبوب، كما يبتاع بالريال الأمريكي في القرن العشرين. ولم يكن في أثينة عملة ورقية، ولا صكوك حكومية، ولا شركات محاصة، ولا مصفق للأسهم والسندات.




صفحة رقم : 2123




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


لكن أثينة كان فيها مصارف مالية لاقت صِعاباً شديدة في توطيد دعائمها لأن الذين لم تكن بهم حاجة إلى القروض ينددون بالربا ويرونه جريمة ، ويتفق معهم الفلاسفة في هذا الحكم. وكان الأثيني العادي في القرن الخامس ممن يكنزون المال، فكان إذا ادخر شيئاً منه آثر أن يُخبئه بدل أن يودعه في المصارف. وكان بعض الناس يقرضون مدخراتهم نظير رهون بفائدة تتراوح بين 16، 18في المائة، ومنهم مَن يقرضونها من غير فائدة إلى أصدقائهم، أو يودعونها في خزائن الهياكل. وكانت الهياكل تعمل عمل المصارف فتقرض المال إلى الأفراد والحكومات بفائدة معتدلة، وكان هيكل أبلو في دلفي إلى حد ما مصرفاً دولياً لجميع بلاد اليونان. ولم تكن الحكومات تقترض من الأفراد، ولكن الدول كانت في بعض الأحيان يقرض بعضها بعضاً. وفي القرن الخامس بدأ مبدل النقود الجالس أمام منضدته( يقبل المال وديعة لديه، ويقرضه للتجار بفوائد يتراوح سعرها بين 2، و 30 في المائة حسب ما تتعرض له من الأخطار. وبهذهِ الطريقة أصبح ذلك الصراف مصرفياً، وإن كان قد احتفظ إلى آخر تاريخ اليونان باسمه الأول )صاحب المنضدة Trapezite(. وقد أخذ أساليبه عن بلاد الشرق الأدنى، وحسّنها، ونقلها إلى رومة فأسلمتها هذهِ إلى أوربا الحديثة. وما كادت الحرب الفارسية تضع أوزارها حتى أودع ثمستكليز سبعين وزنة )240.000 ريال أمريكي( عند فيلوستفانوس المصرفي، بنفس الطريقة التي يعمل بها المغامرون السياسيون لدينا هم في هذهِ الأيام وهذهِ أول إشارة معروفة للأعمال المصرفية خارج المعابد في





صفحة رقم : 2124




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


تاريخ اليونان. ولما آذن هذا القرن بالانتهاء أنشأ أنتسثنيز Antisthenes وأرخستراتس المؤسسة التي أضحت في عهد باسيون Pasion أشهر المصارف اليونانية التي يملكها الأفراد، وعن طريق هؤلاء الصيارفة كانت الأموال تتداول بحرية وسرعة أكثر من تداولها قبل وجود هذا النظام، وكانت لهذا تيسر من الأعمال أكثر مما كانت تيسره قبل وجودهم. وبفضل هذا التيسير راجت التجارة الأثينية واتسعت أسواقها ونشطت أكثر من ذي قبل.
وكانت التجارة، لا الصناعة ولا الأعمال المالية، روح الاقتصاد الأثيني. ذلك أنه وإن ظل الكثيرون من المنتجين حتى ذلك الوقت يبيعون منتجاتهم إلى المستهلك مباشرةً، فإن عدداً متزايداً منهم كان في حاجة إلى وساطة السوق التي كانت وظيفتها شراء السلع وخزنها حتى يستعد المستهلك لشرائها. وبهذه الطريقة نشأت طبقة من بائعي التجزئة يعرضون بضائعهم في شوارع المدن، أو في مؤخرة الجيوش، أو في الأعياد والاحتفالات العامة، أو يعرضونها للبيع في حوانيت أو "أكشاك" في الأماكن المزدحمة أو غير المزدحمة في المدن. وكان الأحرار والغرباء والأرقاء يذهبون إلى هذه الأماكن ليساوموا التجار ويبتاعوا ما تحتاجه البيوت. وكان من أقسى القيود المفروضة على النساء "الحرائر" في أثينة أن العادات لم تكن تبيح لهن أن يخرجنَ إلى الأسواق ليشترين منها حاجتهنَ.
وتقدمت التجارة الخارجية لبلاد اليونان أسرع من تقدم التجارة الداخلية نفسها، لأن الدول اليونانية أدركت مزايا توزيع العمل بين بعضها البعض الآخر فتخصصت كل منها في إنتاج نوع من المنتجات. فصانع الدروع مثلاً لم يعد ينتقل من مدينة إلى مدينة تلبية لطلب مَن يحتاجه بل أخذ يصنع دروعه في حانوتهِ ويبعثُ بها إلى أسواق العلم القديم. وهكذا انتقلت أثينة في قرن واحد من الاقتصاد المنزلي- الذي يصنع فيهِ كل منزل




صفحة رقم : 2125




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


جميع ما يحتاجهُ تقريبا- إلى الاقتصاد الحضري- الذي تصنع فيهِ كل مدينة جميع ما تحتاجه تقريبا- ثم إلى الاقتصاد الدولي- الذي تعتمد فيهِ كل دولة على ما تستورده من غيرها، والذي لا بد لها فيه أن تصدر من السلع ما تؤدي به أثمان وارداتها. واستطاع الأسطول الأثيني مدى جيلين من الزمان أن يجعل البحر مطهراً من القراصنة، ولهذا ازدهرت التجارة من عام 480 إلى 430 كما لم تزدهر في المستقبل إلا بعد أن قضى بمبي على القرصنة في عام 67. وكانت أرصفة بيرية، ومخازنها، وأسواقها ومصارفها تقدم للتجارة كل ما تستطيعهُ من أسباب التيسير؛ وسرعان ما أضحى هذا الثغر النشيط العامل أهم مراكز التصدير وإعادة الشحن للتجارة المتبادلة بين الشرق والغرب. وفي ذلك يقول إسقراط: " لقد كان من اليسير أن يبتاع الإنسان في أثينة جميع ما يصعب عليهِ أن يجدهُ إلا في أماكن متفرقة سلعة منه في هذه المدينة وسلعة في تلك ". ويقول توكيديدس " إن عظمة مدينتنا تجذب غلات العالم كله إلى مرفئنا، حتى أصبحت ثمار البلاد الأخرى من مواد الترف المألوفة للأثيني كثمار بلده نفسه ". وكان التجار يحملون من بيرية ما تنتجه حقول أتكا وحوانيتها من الخمور، والزيت، والصوف، والمعادن، والرخام، والخزف، والأسلحة، ومواد الترف، والكتب، والتحف الفنية؛ ويأتون إلى بيرية بالحبوب من بيزنطية، وسوريا، ومصر، وإيطاليا، وصقلية؛ وبالفاكهة والجبن من صقلية وفينيقية، وباللحوم من فينيقية وإيطالية؛ والسمك من البحر الأسود؛ والنُّقل من بفلاجونيا؛ والنحاس من قبرص؛ والقصدير من إنجلترا؛ والحديد من شواطئ بحر البنتس؛ والذهب من ثاسوس وتراقية؛ والخشب من تراقية وقبرص؛ والأقمشة المطرزة من بلاد الشرق الأدنى؛ والصدف والكتان والأصباغ من فينيقية؛ والتوابل من قورينة؛ والسيوف من خلقيديا؛ والزجاج من مصر؛ والقرميد من كورنثة؛ والأسرة من طشيوز وميليطس؛ والأحذية




صفحة رقم : 2126




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


والبرنز من اترويا؛ والعاج من بلاد الحبشة؛ والعطور والأدهان من بلاد العرب؛ والرقيق من ليديا وسوريا وسكوذيا. ولم تكن المستعمرات أسواقاً فحسب، بل كانت فوق ذلك وكالات شحن ترسل البضائع الأثينية إلى الداخل، ومع أن مدائن أيونيا قد اضمحلت في القرن الخامس قبل الميلاد لأن التجارة التي كانت تمر بها من قبل تحولت إلى البروبنتس وكاريا أيام الحرب الفارسية وبعدها، فإن إيطاليا وصقلية قد حلتا محلها وأصبحت بلادهما ثغوراً لتصدير ما زاد عن الحاجة من غلات بلاد اليونان الأصلية وسكانها، وفي وسعنا أن نقدر قيمة تجارة بحر إيجة الخارجية إذا عرفتا أن حصيلة ضريبة الخمسة في المائة المفروضة على صادرات مدن الإمبراطورية الأثينية ووارداتها قد بلغت في عام 413 ألفاً ومائتي وزنة، ومعنى هذا أن التجارة قد بلغت قيمتها 144.000.000 ريال أمريكي في ذلك العام.
وكان الخطر الكامن وراء هذا الرخاء هو اعتماد أثينة اعتماداً متزايداً على الحبوب المستورة من خارجها؛ ومن ثم كان حرصها على السيطرة على مضيق الهلسبنت والبحر الأسود، وإصرارها على استعمار السواحل والجزائر الواقعة في طريقها إلى المضايق، وحملتها المشئومة على مصر عام 459، وعلى صقلية في عام 415. واعتمادها هذا هو الذي أغراها بتحويل حلف ديلوس إلى إمبراطورية أثينية؛ ولما أن دمر الأسبارطيون الأسطول الأثيني في مضيق الهلسبنت عام 405، كان لابد أن تعاني أثينة آلام الجوع وأن تستسلم نتيجة لهذا التدمير. غير أن هذه التجارة هي التي جلبت الثراء لأثينة، وكانت مع خراج إمبراطوريتها عماد رقيها الثقافي، ذلك أن التجار الذين كانوا ينتقلون مع بضائعهم إلى جميع بقاع البحر الأبيض المتوسط كانوا يعودون إليها بنظرات إلى




صفحة رقم : 2127




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


الحياة تختلف عن نظراتهم قبل خروجهم من بلدهم، وبعقول متيقظة متفتحة؛ وكانوا يأتون معهم بأفكار وأساليب جديدة، يحطمون بها القيود القديمة والخمول القديم، ويستبدلون بالتحفظ الأُسري الذي هو من طابع الأرستقراطية الريفية نزعة فردية تقدمية هي طابع الحضارة التجارية. وفي أثينة التقى الشرق بالغرب وبفضل هذا الالتقاء خرج كلاهما من أساليبه المألوفة العتيدة، وفقدت الأساطير القديمة سيطرتها على نفوس الناس، وزاد الفراغ، وشُجع البحث، ونشأ العلم والفلسفة، وأضحت أثينة أكثر مدن زمانها حيوية ونشاطاً.




صفحة رقم : 2128




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد



الفصل الرابع




الأحرار والعبيد


ومَن ذا الذي كان يقوم بهذا العمل كله؟ لقد كان يقوم به في الريف المواطنون: أسرهم وعمال أحرار مأجورون؛ أما في أثينة نفسها فكان يؤدي بعضهُ المواطنون، وبعضهُ العتقاء، ويؤدي الكثير منه الغرباء المهاجرون، ويؤدي معظمهُ الأرقاء. ويكاد أصحاب الحوانيت، والصناع، والتجار، ورجال المصارف، أن يكونوا كلهم من الطبقات التي ليس لها حق الانتخاب، وكان أهل المدينة ينظرون بعين الاحتقار إلى العمل اليدوي، ولا يؤدون منه إلا القليل الذي لا بد لهم من أدائهِ، لأن العمل لكسب العيش كان في اعتقادهم يحط من قدر صاحبهِ، بل إن الأعمال المهنية، وتعليم الموسيقى، والنحت، والتصوير، كان في نظر الكثيرين من اليونان "مهنة دنيئة . وهاهو ذا زنوفون يتحدث في زهو وفي غير مجاملة بوصفه واحداً من طبقة الفرسان فيقول:
"إن الجماعات المتمدينة ترى أن ما يسمونه بالفنون الآلية الحقيرة تزري بصاحبها... وهي محقة في نظرتها هذه؛ ذلك بأن العمل فيها يهلك أجسام القائمين به، سواء فيهم العمال ومن يشرفون عليهم، فهي تضطرهم إلى أن يقضوا وقتهم جالسين في نور ضئيل أو جاثمين أياماً طوالاً أمام الأفران.




صفحة رقم : 2129




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


وهذا الضعف الجسمي يصحبه على الدوام ضعف نفساني؛ وفوق هذا وذاك فإن ما تتطلبه هذه الفنون الآلية الحقيرة من الوقت لا يترك للمشتغلين بها فراغاً ينفقونه في مطالب الصداقة أو الدولة":
وكان يُنظر إلى التجارة هذه النظرة نفسها، فكان اليوناني الأرستقراطي النزعة أو الفيلسوف لا يعدها إلا وسيلة لجمع المال مع إلحاق الأذى بمن يُجمع منهم؛ وهي في رأي هذا وذاك لا تبغي خلق السلع، بل كل ما تبغيه هو شراؤها رخيصة وبيعها غالية؛ ولهذا فما من مواطن خليق بالاحترام يرضى أن يعمل فيها وإن كان لا يستنكف أن يستثمر فيها ماله ويربح من هذا الاستثمار ما دام يترك لغيره أن يقوم بالعمل. ويقول اليوناني إن الحر يجب أن يتحرر من الواجبات الاقتصادية، وإن عليهِ أن يستخدم العبيد وغيرهم من الناس ليعتنوا بشؤونه المادية، بما في ذلك، إن استطاع، العناية بأملاكهِ وأموالهِ. وهذا التحرر وحده هو الذي يترك له الوقت الكافي للقيام بأعباء الحكم، والحرب، والأدب والفلسفة. فإذا لم توجد هذه الطبقة المتفرغة لهذه الشؤون لم يوجد، كما يرى اليوناني، ذوقٌ راق، ولن يكون في البلاد من يشجع الفنون، ولن تقوم للحضارة قائمة على الإطلاق؛ ذلك أن من يعمل مسرعاً لا يمكن أن يكون متمدناً بحق.
وكان الغرباء الأحرار، الذين ولدوا في بلاد أجنبية واتخذوا أثينة موطناً لهم ولكنهم لا يعدون من مواطنيها، كان هؤلاء الغرباء هم الذين يؤدون في أثينة معظم الأعمال ذات الصلة التاريخية بالطبقة الوسطى، فكان منهم رجال المهن، والتجار، والمقاولون، والصناع، والمديرون للأعمال التجارية والصناعية، وأصحاب الحوانيت، وأرباب الحرف، والفنانون. وقد استقر هؤلاء في أثينة لأنهم وجدوا فيها، بعد تجوالهم في البلاد الأخرى، ما ينشدونه من الحرية الاقتصادية وفرص الحياة والحافز على العمل وبذل




صفحة رقم : 2130




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


الجهود، وهذه أهم في نظرهم من حق الانتخاب. ولهذا كانت أهم الأعمال الصناعية- خارج نطاق التعدين- ملكاً لهؤلاء الغرباء الأحرار، فصناعة الخزف بأكملها كانت في أيديهم، وكانوا يوجَدونَ كلما استطاع الوسطاء أن يحشروا أنفسهم بين المنتج والمستهلك. وكانت شرائع البلد تضايقهم وتحميهم، فكانت تفرض عليهم من الضرائب ما تفرضه على المواطنين، وتُلزمهم بأن يؤدوا خدمات شخصية للدولة، وتجندهم للخدمة العسكرية، وكانوا يؤدون لها ضريبة الفرضة؛ ولكنها كانت تُحرم عليهم امتلاك الأرض والزواج من أسر المواطنين، ولا تسمح لهم بالانضمام إلى الهيئات الدينية أو الالتجاء بأنفسهم إلى المحاكم.
ولكنها كانت ترحب بهم في حياتها الاقتصادية، وتقدر لهم جدهم وحذقهم، وتنفذ لهم عقودهم، وتترك لهم حريتهم الدينية، وتحمي أموالهم من الثورات العنيفة. وكان منهم من يباهون بثروتهم مباهاة سمجة، ولكن كان منهم أيضاً من يشتغلون بالعلوم، والآداب، والفنون، ويمارسون مهنة الطب أو القانون، أو يُنشئون مدارس لتعليم البلاغة والفلسفة، وهم الذين أمدوا بالمال مؤلفي المسرحيات الهزلية في القرن الرابع، وكانوا هم موضوع هذه المسرحيات، وأصبحوا في القرن الثالث هم المثال المُحتذى في آداب المجتمع الهلنستي. وكان حرمانهم من حقوق المواطنة يؤلمهم ويحز في نفوسهم، ولكنهم كانوا يحبون أثينة ويفخرون بانتسابهم إليها، ويؤدون على مضض كثير من الأموال التي تحتاجها للدفاع عن نفسها ضد أعدائها. ومن مال هذه الطبقة استمد الأسطول معظم حاجته؛ وكانت هي عماد الإمبراطورية الأثينية، وبفضلها احتفظت أثينة بتفوقها التجاري على سائر بلاد اليونان.
وكان يشارك الغرباء في الحرمان من بعض الحقوق السياسية، وفيما يتاح لهم من الفرص الاقتصادية، العتقاء، أي الذين كانوا من قبل عبيداً. ذلك أن الأمل في الحرية حافز اقتصادي قوي للعبد الشاب وإن لم يكن من السهل المألوف أن يُعتق العبد لأن عبداً آخر يجب أن يحل في العادة محله؛ لكن كثيرين من اليونان




صفحة رقم : 2131




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


كانوا إذا قربت منيتهم يكافئون أشد عبيدهم إخلاصاً بعتقهم. كذلك كان العبد يُعتق أذا افتداه أهله أو أصدقاؤه كما حدث لأفلاطون، أو افتدته الدولة نفسها من سيده نظير خدماته لها في الحرب؛ وقد يبتاع هو نفسه حريته بما يدخره من الأبولات. وكان العبد المحرر يعمل، كما يعمل الغريب السالف الذكر، في الصناعة والتجارة والشؤون المالية. وكان أقل ما يقوم به من الأعمال شأناً هو أداء عمل العبد نظير أجر؛ وكان أعظم ما يبلغه هو أن يكون صاحب إحدى الصناعات. فقد كان ميلياس Mylias مثلاً هو المشرف على مصنع الأسلحة الذي يمتلكه دموستين؛ وأصبح باسيون، وفورميو أغنى رجال المصارف في اثينة. وكان أهم الأعمال التي تُظهر قيمة العبد المحرر هي الأعمال التنفيذية، وذلك لأن أقسى الناس على العبيد هو الذي نشأ في ظل العبودية ولم يعرف طول حياته إلا الظلم والاستبداد.
وكان من تحت هذه الطبقات الثلاث- طبقات المواطنين والغرباء والمعاتيق- عبيد أتكا البالغ عددهم 115.000 عبد . وهؤلاء العبيد إما أسرى حرب، أو ضحايا غارات الاسترقاق، أو أطفال أنقذوا وهم معرضون في العراء، أو أطفال مهملون، أو مجرمون. وكانت قلة منهم في بلاد اليونان يونانية الأصل؛ وكان الهليني يرى أن الأجانب عبيد بطبعهم لأنهم يبادرون بالخضوع إلى الملوك، ولهذا لم يكن يرى في استعباد اليونان لهؤلاء الأجانب ما لا يتفق مع




صفحة رقم : 2132




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


العقل؛ لكنه كان يغضبه أن يُسترق يوناني. وكان التجار اليونان يشترون العبيد كما يشترون أية سلعة من السلع، ويعرضونهم للبيع، في طشيوز، وديلوس، وكورنثة، وإيجينا، وأثينة، وفي كل مكان يجدون فيه من يشتريهم. وكان النخاسون في أثينة من أغنى سكانها الغرباء؛ ولم يكن من غير المألوف في ديلوس أن يباع ألف من العبيد في اليوم الواحد، وعرض سيمون بعد معركة يوريمدون عشرين ألفاً من الأسرى في سوق الرقيق. وكان في أثينة سوق يقف فيه العبيد متأهبين لأن يفحص عنهم وهم مجردون من الثياب، وأن يساوم على شرائهم في أي وقت من الأوقات. وكان ثمنهم يختلف من نصف مينا إلى عشر مينات )من 50 ريالاً أمريكياً إلى ألف ريال(. وكانوا يُشترون إما لاستخدامهم في العمل مباشرة، أو لاستثمارهم؛ فقد كان أهل أثينة الرجال منهم والنساء يجدون من الأعمال المربحة أن يبتاعوا العبيد ثم يؤجروهم للعمل في البيوت أو المصانع، أو المناجم. وكانت أرباحهم من هذا تصل إلى 33 في المائة. وكان أفقر المواطنين يمتلك عبداً أو عبدين؛ ويبرهن إسكنيز Aeschines على فقره بالشكوى من أن أسرته لا تمتلك إلا سبعة عبيد؛ وكان عددهم في بيوت الأغنياء يصل أحياناً إلى خمسين، وكانت الحكومة الأثينية تستخدم عدداً منهم في الأعمال الكتابية وفي خدمة الموظفين، وفي المناصب الصغرى، وكان منهم بعض رجال الشرطة. وكان كثيرون من هؤلاء يحصلون من الدولة على الملابس، وعلى "مكافأة" يومية مقدارها نصف درخمة، وكان يؤذن لهم أن يسكنوا حيث يشاءون.
أما في الريف فكان العبيد قليلي العدد، وكانت كثرة الرقيق من النساء الخادمات في البيوت. ولم يكن الأهلون في شمالي بلاد اليونان وفي معظم البلوبونيز في حاجة إلى العبيد لاستغنائهم عنهم برقيق الأرض وكان العبيد في كورنثة، ومجارا، وأثينة، يؤدون معظم الأعمال اليدوية الشاقة، كما كانت الجواري يقمن بمعظم الأعمال المنزلية المجهدة ولكن العبيد كانوا فوق ذلك يقومون




صفحة رقم : 2133




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


بجزء كبير من الأعمال الكتابية وبمعظم الأعمال التنفيذية في الصناعة، والتجارة، والشؤون المالية. أما الأعمال التي تحتاج إلى الخدمة فكان يقوم بها الأحرار والمحررون، والغرباء، ولم يكن هناك عبيد علماء كما نرى فيما بعد في العصر الهلنستي وفي رومة، وقلما كان يسمح للعبد بأن يكون له أبناء لأن شراء العبد كان ارخص من تربيته. وكان العبد إذا أساء الأدب ضرب بالسوط، وإذا طُلب للشهادة عذب، وإذا ضربه حر لم يكن له أن يدافع عن نفسهِ لكنه إذا تعرض للقسوة الشديدة كان له أن يفر إلى أحد الهياكل، ثم يُلزم سيده ببيعهِ، ولم يكن يحق لسيده بأية حال أن يقتله، وكان يلقى من الضمانات؛ ما دام يعمل، ما لا يلقاه كثيرون ممن لا يسمون عبيداً في بعض الحضارات الأخرى. فكان إذا مرض ،أو تقدمت به السن، أو لم يجد عملاً يقوم به، لا يلقي بهِ سيده إلى الإعانات العامة، بل كان يستمر في رعايته. وإذا كان وفياً عومل معاملة الخادم المخلص الأمين التي تكاد تضارع معاملة أي فرد من أفراد الأسرة، وكثيراً ما كان يسمح له بأن يقوم بعمل خارجي على شريطة أن يؤدي لسيده بعض ما يكسب من هذا العمل. وكان يُعفى من الضرائب ومن الخدمة العسكرية؛ ولم يكن شيء في ثيابه يميزه من الحر في أثينة خلال القرن الخامس قبل الميلاد. وهاهو ذا "الألجركي القديم" يشكو في نشرة له عن نظام الأثينيين من أن العبد لا يفسح الطريق في الشارع للمواطنين ومن أنه يتكلم بحرية، ويتصرف في كل صغيرة وكبيرة كأنه كفء للمواطن. واشتهرت أثينة بحسن معاملة عبيدها، وكان من المعروف أن العبيد في أثينة الديمقراطية أحسن حالاً من الأحرار الفقراء في الدويلات الألجركية، وكانت ثورات العبيد نادرة في أتكا وإن كانت مما يخشى وقوعه القائمون بالأمر فيها.
ومع هذا فإن ضمائر الأثينين لم تكن ترتاح إلى وجود الرق في بلدهم، وإن الفلاسفة الذين يدافعون عن هذا النظام ليظهرون في وضوح لا يكاد




صفحة رقم : 2134




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


يقل عن وضوح من ينددون بهِ أن ما طرأ على الأمة من تطور أخلاقي قد جعلها أرقى من نظمها الاجتماعية. فها هو ذا أفلاطون يندد باستعباد اليونان لليونان، ولكنه فيما عدا هذا يقر الاسترقاق بحجة أن لبعض الناس عقولاً غير ممتازة. وينظر أر سطو إلى العبد على أنه آلة بشرية، ويظن أن الاسترقاق سيبقى في صورة ما حتى يحل اليوم الذي تؤدي فيهِ الآلات التي تدور بنفسها جميع الأعمال الحقيرة. وليس لدى اليوناني العادي فكرة ما عن الطريقة التي يمكن بها أن تسير أعمال المجتمع المثقف من غير الرق، وإن كان هذا اليوناني رحيماً بعبيدهِ؛ فهو يشعر بأنه إذا أريد إلغاء الرق وجب إلغاء أثينة من الوجود. أما غيره فأكثر تطرفاً في آرائهم، فالفلاسفة الكلبيون يحكمون على الرق أسوأ حكم، ومثلهم في هذا خلفاؤهم الرواقيون وإن كانوا أقل عنفاً في حكمهم عليهِ. وكثيراً ما يثير يوربديز عطف مستمعيه بما يصوره لهم من حال أسرى الحرب ويطوف السيد ماس السوفسطائي بلاد اليونان يبشر فيها بعقائد روسو في ألفاظ تكاد تكون ألفاظ روسو بعينها دون أن يتعرض له أحد بسوء: "لقد بعث الله الناس في العالم أحراراً ولم تجعل الطبيعة أحد الناس عبداً". لكن الاسترقاق ظل قائماً رغم هذا كله.




صفحة رقم : 2135




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات



الفصل الخامس




حرب الطبقات


كان استغلال الإنسان للإنسان في أثينة وطيبة أقل قسوة منه في إسبارطة ورومة، ولكنه كان على أية حال استغلالاً يؤدي الغرض المقصود منه. فلم يكن بين الأحرار في أثينة طوائف ممتازة وأخرى غير ممتازة، وكان في مقدور الرجل أن يرقى بجهودهِ وحدها إلى أية مرتبة في الحياة، ولم يكن فيها تمييز طائفي شديد بين العامل وصاحب العمل، اللهم إلا في المناجم؛ أما في غيرها فكان صاحب العمل يشتغل إلى جوار عماله، وكان التعارف الشخصي بين الاثنين يفل من حدة سلاح الاستغلال، وكان أجر الصناع جميعاً، إلا القليل النادر منهم، أياً كانت طبقتهم، هو درخمة للرجل في كل يوم من أيام العمل، أما العمال غير الحاذقين فقد تنخفض أجور الواحد منهم إلى ثلاث أبولات في اليوم )نصف ريال أمريكي(. ولما نما نظام المصانع أخذ الأجر بالقطعة يحل محل المياومة وبدأت الأجور تختلف اختلافاً كبيراً، وكان في وسع المقاول أن يستأجر العبيد من سادتهم بأجر يتراوح بين أبولة واحدة وأربع أبولات في اليوم. وفي وسعنا أن نقدر القوة الشرائية لهذه الأجور إذا وازنا الأثمان في بلاد اليونان بأمثالها في بلادنا . لقد كان البيت والضيعة في عام 14 يباعان معاً بألف ومائتي درخمة، وكان المندموس Mendimmus اي البشل والنصف من الشعير يباع بدرخمة واحدة في القرن السادس، وبخمس درخمات في أيام الإسكندر، وكان الخروف يباع بدرخمة في أيام صولون، وبعشر درخمات أو عشرين في القرن




صفحة رقم : 2136




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


الخامس. وكانت النقود المتداولة في أثينة كغيرها من المدن تزيد اسرع مما تزيد البضائع، ولهذا كانت الأثمان ترتفع؛ فكانت أثمان السلع في آخر القرن الرابع خمسة أمثال ما كانت عليه في بداية القرن السادس؛ وقد تضاعفت هذه الاثمان ضعفين من عام 480 إلى 404 ثم تضاعفت مرة أخرى من 404 إلى 330.
وكان في وسع الرجل الفرد أن يعيش عيشة راضية بمائة وعشرين درخمة )120 ريال أمريكي( في الشهر؛ ومن هذا نستطيع أن نحكم على حال العامل الذي كان يكسب ثلاثين درخمة في الشهر ويعول أسرة. ولسنا ننكر أن الدولة كانت تبادر إلى معونته في الأزمات الشديدة فتمده بالحبوب بثمن اسمي؛ ولكنه كان يشاهد أن ربة الحرية ليست صديقة لربة المساواة، وأن الشرائع الحرة في أثينة كانت تمكن القوي من أن يزداد قوة، والغني من أن يزداد غنى، أما الفقير فكان يبقى في ظلها فقيراً.
ومن الحقائق المعروفة أن الفردية تحفز القادرين إلى العمل، وتنزل بالسذج، وأنها تُنشئ الثروات الضخمة، وتركزها تركيزاً وخيم العاقبة. ولذلك كان المهرة الحاذقون في أثينة، كما كانوا في غيرها من الدول، يحصلون من الثروة كل يستطيعون تحصيله، ثم يحصل أوساط الناس ما يتبقى من هؤلاء. وكان مالك الأرض يفيد من ارتفاع ثمن أرضه المطرد؛ وكان التاجر لا يدخر جهداً، رغم ما فُرض عليه من القيود التي لا تحصى لاحتكار الأصناف أو ابتياع كل ما هو معروض منها في الأسواق ثم التحكم في أثمانها على هواه. وكان المضارب ينال حصة الأسد من أرباح الصناعة




صفحة رقم : 2137




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


والتجارة بفرض سعر مرتفع لفائدة القروض التي يقدمها لأصحاب الصناعات والتجار. وقام زعماء الجماهير المحترفون يبينون للفقراء ما في توزيع الثروة بين الناس من غبن، ويخفون عنهم عدم المساواة في كفاياتهم من الناحية الاقتصادية؛ وأخذ الفقير بعد أن أبصر بعينيه ثراء المثرين يحس بفقرهِ ويطيل التفكير في ميزاته التي لا يُجزى عليها الجزاء الأوفى، ويحلم بقيام الدول المثالية. ومن ثم كانت الحرب بين طبقة وطبقة، وهي الحرب التي استعرت نارها في جميع الدول اليونانية، والتي كانت أشد هولاً من الحرب بين اليونان والفرس، أو بين أثينة واسبارطة.
وبدأت هذه الحرب في أتكا بالنزاع بين الأغنياء المحدثين والأشراف أصحاب الأراضي الزراعية؛ ذلك أن الأسر الغنية كانت لا تزال تحب الأرض، وتحب أن تقضي معظم حياتها في ضياعها، وكان تقسيم الأرض بين الأبناء وأبناء الأبناء خلال الأجيال الطويلة قد قلل مساحة ما يملكه كل واحد منها. )فلم يكن ألسبيديز الثري مثلاً يملك أكثر من سبعين فداناً(. وكان مالك الأرض في معظم الأحوال يعمل بنفسهِ في أرضه أو يشرف على إدارة أملاكه، وكان هذا الشريف فخوراً بنفسهِ وأصله وإن لم يكن غنياً بمالهِ، فكان يضيف اسم أبيه إلى اسمهِ ليكون ذلك من ألقاب الشرف له، ويبتعد قدر استطاعته عن طبقة التجار الوسطى التي كانت تستحوذ شيئاً فشيئاً على ثروة أثينة التجارية الآخذة في النماء. غير أن زوجته كانت تلح عليه أن يكون له بيت في المدينة لتستمتع بما في العاصمة من الحياة المتنوعة وبما تتيحه من فرص، وكانت بناته يرغبن في أن يعشن في أثينة، ليتصيدن لهن أزواجاً أثرياء، وكان أبناؤه يرجون أن يجدوا فيها الخليلات ويقيموا المآدب المرحة كما يفعل الأغنياء المحدثون. وإذ لم يكن في مقدور الأشراف ملاك الأراضي أن ينافسوا التجار والصناع في ترفهم فقد رضوا بهم أو بأبنائهم أزواجاً لأولادهم وبناتهم، وكان هؤلاء التجار والصناع راغبين في أن يتسنموا ذُرى




صفحة رقم : 2138




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


المجد مستعدين للبذل. وكانت نتيجة هذا اتحاد الأغنياء بأرضهم مع الأغنياء بما لهم وتكوين طبقة عليا ألجركية، يحسدها الفقراء ويحقدون عليها، ويغضبها الإفراط في الديمقراطية وتخشى على نفسها من الثورة.
وكان صلف الأثرياء الجدد هو الذي أدى إلى المرحلة الثانية من مراحل حرب الطبقات- اي نزاع المواطنين الفقراء مع الأغنياء. ذلك أن كثيرين من أفراد الطبقات الوسطى الرأسمالية أخذوا يباهون مثل ألسبيديز بثرائهم وإن لم يكن من بينهم إلا القليلون الذين يستطيعون أن يسخروا "جمهرة الكادحين" بجرأتهم الروائية ورشاقة مظهرهم ورقة حديثهم. وقام الشبان الذين أحسوا بما وهبوا من كفايات يحول فقرهم دون إبرازها والإفادة منها، فنقلوا حاجتهم الشخصية إلى الفرص والمكانة السامية من دائرتهم الخاصة إلى نداء عام بالثورة، وتكفل المتعلمون الذين يرحبون بالآراء الجديدة ويستهويهم هتاف المظلومين بصياغة أغراض ثورتهم إليهم. ولم يكونوا ينادون باشتراكية التجارة والصناعة، بل كانوا يطلبون إلغاء الديون وإعادة توزيع الأراضي على المواطنين، ونقول على المواطنين لأن الحركة المتطرفة التي قامت في أثينة في القرن الخامس لم يشترك فيها إلا من لهم حق الانتخاب من الفقراء، ولم تكن تحلم في هذه المرحلة بتحرير العبيد، أو إعطاء الغرباء نصيباً من الأرض التي تطالب بإعادة توزيعها. وكان الزعماء يتحدثون عن الماضي الذهبي حين كان الناس جميعاً متساوين فيما يملكون، ولكنهم لم يكونوا يريدون أن تؤخذ أقوالهم بنصها حين يتحدثون عن عودة هذا الفردوس المفقود، بل كانت الصورة المرسومة في أذهانهم صورة مجتمع اشتراكي أرستقراطي- لا ينطوي على تأميم الأرض بل ينطوي على توزيعها بالتساوي بين المواطنين. وكانوا يشيرون إلى أن المساواة في الحقوق السياسية ستكون بلا ريب مساواة غير حقيقية مع وجود تلك الفوارق الاقتصادية




صفحة رقم : 2139




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


المطردة الزيادة، ولكنهم كانوا مصممين على استخدام ما للمواطنين الفقراء من سلطان سياسي لحمل الجمعية على أن تضع في جيوب المحتاجين- بالغرامات، والتكاليف، والمصادرة، والأشغال العامة،- بعض الثروة المركزة لدى الأغنياء. واتخذوا اللون الأحمر رمزاً لثورتهم فضربوا بذلك المثل للثائرين في مستقبل الأيام.
وواجه الأغنياء هذا التهديد فألفوا من بينهم هيئات سرية تعهدوا فيها أن يعملوا مجتمعين لمقاومة ما يسميه أفلاطون- رغم نزعته الشيوعية- "الوحش الضاري" الكامن في نفوس الغوغاء المستنفرين الجياع. وانتظم العمال الأحرار أيضاً- وكانوا قد أنتظموا منذ أيام صولون إن لم يكن قبله- في نواد (إرانوي، ثياسوي eranoi, thiasoi) للبنائين، وقاطعي الرخام، وعمال الخشب، والعاملين في العاج أو الفخار، والسماكين، والممثلين ومن إليهم من الجماعات. وكان سقراط نفسه عضواً في نادي المثالين . بيد أن هذه الجماعات لم تكن نقابات عمال بقدر ما كانت جماعات لتبادل المنفعة، فكان أعضاؤها يجتمعون في أماكن لهم يسمونها مجامع مقدسة، يقيمون فيها المآدب والألعاب، ويعبدون فيها رباً يحميهم، ويقدمون المال للمرضى من الأعضاء، ويتعاقدون مجتمعين على القيام بمشروع خاص، ولكنهم لم يشتركوا اشتراكاً ملحوظاً في حرب الطبقات الأثينية. ودارت المعركة في ميداني الأدب والسياسة؛ فشرّع مصدرو النشرات أمثال "الألجركي القديم" يصدرون النشرات ينددون فيها بالديمقراطية أو يدافعون عنها. وإذ كانت مسرحيات الشعراء الهزليين تتطلب أموال الأغنياء




صفحة رقم : 2140




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


لإخراجها، فقد انضم هؤلاء إلى جانب ذوي المال، وشرعوا يصبون قوارص سخرياتهم على الزعماء المتطرفين وعلى دولهم المثالية. فترى أرسطوفان يقدم لنا في مسرحية الإكلزيازوسي Ecclesiazusae (392) السيدة بركساغورا Praxagora الشيوعية تلقي خطبة تقول فيها: "أريد أن يكون لكل الناس نصيب في كل شيء، وأن يكون كل الملك مشاعاً؛ فلن يكون بعد اليوم أغنياء أو فقراء؛ ولن نرى بعد الآن رجلاً واحداً يجني محصول مساحات واسعة من الأرض وإلى جانبه رجل آخر لا يجد منها ما يتسع لدفنه... وسأعمل على أن لا يكون في الحياة إلا ظروف واحدة يشترك فيها جميع الناس على السواء... وسأبدأ بأن أجعل الأرض والمال وكل ما هو ملك خاص مشاعاً بين الناس أجمعين... وستكون النساء ملكاً مشتركاً للرجال". ويسأل بلبيروس Blepyrus ولكن العمل من يقوم بهِ " فتجيبه بقولها: "العبيد". وفي ملهاة أخرى هي ملهاة بلوتوس Plutus (408) يُجيز أرسطوفان للملكية المهددة بالانقراض أن تدافع عن نفسها بقولها إنها هي الحافز الذي لا بد منه للكدح البشري والمغامرة ": أنا السبب الوحيد في كل ما بكم من نعمة، وإن سلامتكم لَتعتمد عليَّ دون غيري...ومَنذا الذي يحب أن يطرق الحديد ويبني السفن، ويخيط الثياب، ويخرط الخشب، ويقطع الجلد، ويحرق الآجر، ويبيض التيل، ويدبغ الجلود، ويشق الأرض بالمحراث، ويجني ثمار دمتر إذا كان في وسعه أن يعيش بغير عمل محرراً من كل هذهِ المشاق...؟ فإذا ما طبّق نظامكِ )الشيوعية(... فلن تستطيعي أن تنامي في سرير، لأن الأسرة في هذا الحال لن يُصنع منها شيء بعد، ولن تُنسج بسط، وهل في الناس من يرضى أن ينسجها إذا كان لديه الذهب؟(60)".
وكانت إصلاحات إفيلتيز وبركليز باكورة ثمار الثورة الدمقراطية. وكان بركليز




صفحة رقم : 2141




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


رجلاً متزناً في أحكامه معتدلاً في أغراضه؛ فهو لم يكن يبغي القضاء على الأغنياء، بل كان يريد أن يحتفظ بهم وبإقدامهم على الأعمال النافعة بتخفيف عبء الحياة عن الطبقات الفقيرة؛ فلما مات في عام 29 جرف تيار التطرف الدمقراطية الأثينية إلى حد لم يسع الحزب الألجركي معه إلا أن يأتمر مرة أخرى مع اسبارطة، وأن يدفع الأغنياء إلى الثورة مرة في عام 411 ومرة أخرى في عام 404. بَيد أن الثروة في أثينة كانت عظيمة، وكان خوف المواطنين من ثورة الأرقاء سبباً في وقف تيار ثورتهم إلى حين، ولهذا كانت حرب الطبقات في أثينة أهدأ منها في غيرها من الدول اليونانية، حيث لم يكن للطبقات الوسطى من القوة ما يمكنها من أن تتوسط بين الأغنياء والفقراء، وسرعان ما وجدت الطبقات في أثينة أساساً صالحاً تقيم عليه أساس التراضي فيما يبنها. ففي ساموس استولى المتطرفون على زمام الحكم في عام 412، وأعدموا مائتين من الأشراف، ونفوا أربعمائة آخرين، وقسموا الأرض والبيوت فيما بينهم، وأقاموا مجتمعاً آخر شبيهاً بالمجتمع الذي قضوا عليه. وفي ليونتيني طرد العامة في عام 422 الأقلية المثرية الحاكمة، ولكن سرعان ما لاذوا هم أنفسهم بالفرار. وفي كورسيرا اغتالت الأقلية المثرية الحاكمة ستين من زعماء حزب الشعب، واستولى الدمقراطيون على أزمة الحكم، وزجوا بأربعمائة من الأشراف في السجون، وساقوا خمسين منهم إلى المحاكمة أمام هيئة نستطيع أن نسميها "لجنة الأمن العام"، وأعدموا الخمسين كلهم في التو والساعة؛ ولما رأى المسجونون الأحياء ما حل بزملائهم قتل بعضهم بعضاً، وقتل بعضهم أنفسهم، وحوصر الباقون منهم في هيكل المدينة الذي لجأوا إليه حتى هلكوا من الجوع. ويصف توكيديدس حرب الطبقات في بلاد اليونان وصفاً ينطبق على حروب الطبقات في جميع الأوقات يقول فيه:
"ظل أهل كرسيرا سبعة أيام طِوال يذبحون من مواطنيهم من يرون أنهم




صفحة رقم : 2142




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


أعداء لهم؛ ومع أن الجريمة المعزوّة إليهم كانت أنهم حاولوا القضاء على الدمقراطية، فإن منهم مَن قُتل بسبب الكراهية الشخصية، ومنهم من قتلهم المدينون لهم لِيتخلصوا بقتلهم من ديونهم. وهكذا انتشر الموت في البلد بجميع أشكاله، وحدث في هذا الوقت ما يحدث في أمثاله فلم يقف العنف عند حد. كان الآباء يقتلون أبناءهم، وكان اللائذون بالهيكل يُسحَبون على وجوههم من فوق مذبح القربان أو يُقتلون... وهكذا جرت الثورة في مجراها متنقلة من مدينة إلى مدينة، وسارت الأماكن التي وصلت إليها في آخر الشوط فيما اخترعته من وسائل العنف وفيما ارتكبته من الفظائع في انتقامها من خصومها إلى أبعد مما سارت إليه الأماكن التي تقدمتها بعد أن سمعت بما كان يجري في هذهِ الأماكن السابقة... وضربت كرسيرا لسائر المدن المثل الأول في تلك الجرائم،... وفي حروب الانتقام التي لجأ إليها المحكومون... الذين لم ينعموا في حياتهم بالعدالة في المعاملة... بل لم يلاقوا من حكامهم شيئاً سوى العنف، وذلك حين جاء دورهم وتولوا هم شؤون الحكم. كذلك ضربت كرسيرا لسائر المدن المثل الأول في الحقد الظالم الذي تنطوي عليه صدور الذين يريدون أن يتخلصوا مما ألفوه من الفقر وتمتلئ صدورهم طمعاً في ما في أيدي جيرانهم من نعم، وضربت المثل أكثر من هذا وذاك للإفراط في الوحشية والقسوة التي اندفع إليها بعواطفهم الثائرة رجال لم يبدأوا الكفاح بروح طائفية بل بروح حزبية... وفي غمار هذهِ الفوضى التي تردت فيها الحياة في المدن كَشفت الطبيعة البشرية، التي تثور دائماً على القانون والتي أصبحت الآن سيدة القانون، عن عدم قدرتها على ضبط عواطفها، وعن أنها لا تقيم وزناً للعدالة، وعن عدائها لكل سلطة عُليا... وأصبحت الجرأة والوقاحة في نظر الناس شَجاعة تُرتَضَى من حليف وفي؛ كما أصبح التردد الحكيم جُبناً مموّهاً؛ وأضحى الاعتدال




صفحة رقم : 2143




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


في نظر الناس ستاراً يخفي وراءه خور العزيمة؛ والقدرة على رؤية جميع نواحي مسألة من المسائل عجزاً عن العمل في واحدة منها...
وكان مصدر هذهِ الشرور كلها هو الجري وراء السلطان المنبعث من الشره والطمع... واندفع الزعماء في المدن يطلبون لأنفسهم الجزاء الأوفى من المنافع العامة التي يتظاهرون بالحرص عليها مستعينين على ذلك بأجمل العبارات التي يلقونها في الآذان، يدعون فيها إلى المساواة السياسية بين الناس تارة، وبضرورة قيام أرستقراطية معتدلة تارة أخرى ولم يكن هؤلاء يترددون في استخدام أية وسيلة توصلهم إلى السلطان، فكانوا لذلك يرتكبون أشنع الجرائم... ولم تكن طائفة من الطائفتين المقتتلتين توقر الدين، وكان استخدام العبارات المنمقة للوصول بها إلى الغايات الإجرامية هي الوسيلة المحببة لسائر الناس... وكانت البساطة القديمة التي كان للشرف فيها أكبر نصيب موضع السخرية، ومن أجل هذا لم يعد لها وجود، وانقسم المجتمع إلى معسكرين لا يثق فيهما واحد من الناس بزميله... وقضي بين هذين المعسكرين على الشيعة المعتدلة من المواطنين لأنها لم تشترك في الكفاح أو لأن الحسد كان يمنعها من أن تفر من الميدان... وقصارى القول أن العالم الهلني كله قد زُلزلت قواعده وتصدعت أركانه.
ولم تقضِ هذهِ الاضطرابات على أثينة لأن كل أثيني كان في قرارة نفسه فردي النزعة يحب الملكية الخاصة؛ ولأن الحكومة الأثينية قد وجدت في تنظيم الثروة والأعمال التجارية والصناعية تنظيماً معتدلاً طريقة عملية وسطاً بين النزعتين: الاشتراكية والفردية. ولم تخشَ الحكومة الإقدام على هذا التنظيم ووضع القواعد والقيود، فوضعت حداً على لبائنات العرائس؛ ونفقات الجنائز، وملابس النساء. وفرضت الضرائب على التجارة وأخضعتها لإشرافها، ووضعت أنظمة عادلة للمقاييس والموازين، وألزمت الناس بمراعاة واجب الأمانة والشرف على قدر ما تستطيع الحكومات أن تحد من دناءة




صفحة رقم : 2144




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


الطبيعة البشرية. وحددت الحكومة مقادير الصادرات، وسنت قوانين صارمة للحد من جشع التجار والصناع ومعاقبتهم على ما يرتكبون، وفرضت رقابة شديدة على تجارة الحبوب؛ وأصدرت قوانين صارمة لمنع تخزين السلع والتحكم في الأسواق، فحرّمت شراء أكثر من خمسة وعشرين بُشِلاً من القمح دفعة واحدة وأجازت الحكم بالإعدام على مَن يرتكب هذهِ الجريمة. ومنعت إقراض المال على البضائع الخارجة من البلاد إلا إذا حملت السفن في عودتها حبوباً إلى ثغر بيرية، وأوجبت على السفن المملوكة لأهل أثينة والمشحونة بالحبوب أن تأتي بحمولتها إلى بيرية؛ ومنعت تصدير أكثر من ثلث الحبوب التي تصل إلى هذا الثغر. وحرصت أثينة أشد الحرص على ألا ترتفع أثمان الخبز فوق طاقة المستهلكين، وألا يثرى الناس إثراءً فاحشاً من جراء جوع الشعب، وألا يموت أحد من الأثينيين جوعاً، وكانت وسيلتها إلى هذا الاحتفاظ برصيد كاف من الحبوب في مخازن تملكها الدولة، وإغراق السوق بهذهِ الحبوب المخزونة حين ترتفع الأثمان ارتفاعاً سريعاً. ووضعت الدولة قواعد تنظم بها الثروة عن طريق الضرائب والخدمات العامة، وأقنعت الأغنياء أو ألزمتهم أن يتبرعوا بالمال إلى الأسطول وإلى دور التمثيل، وأن يقدموا للدولة المال الذي تساعد به الفقراء من الوجهة النظرية على مشاهدة المسرحيات والألعاب. وفيما عدا هذا كانت أثينة تحمي حرية التجارة، والمكلية الفردية، وفُرَص الكسب، لاعتقادها أنها هي الأدوات الضرورية للحرية الإنسانية، وأنها أقوى حافز على النشاط الصناعي والتجاري، وأكبر عامل على ازدياد الرخاء.
وبفضل هذا النظام ذي النزعة الاقتصادية الفردية، تخفف من حدتها




صفحة رقم : 2145




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


النظم الاشتراكية، ازدادت الثروة في أثينة وانتشرت فيها انتشارا ًيحول بينها وبين الثورة المتطرفة، وبذلك ظلت الملكية الفردية آمنة في أثينة إلى آخر أيامها. وتضاعفت فيها بين عامي 480 و 431 عدد المواطنين ذوي الدخل الذي يمكنهم من العيش الرضي؛ وزادت إيرادات الدولة، وارتفعت نفقاتها، ولكن خزانتها ظلت عامرة أكثر مما كانت في أي عهد سابق من تاريخ اليونان، ووضعت الدعامة الاقتصادية لحرية أثينة، ونشاطها الصناعي، والتجاري، والفني، والفكري، واستطاعت أن تتحمل كل ما ساد العصر الذهبي من إسراف دون أن تنوء بهِ إذا استثنينا من هذا التعميم الحرب التي خربت بلاد اليونان بِقضّها وقضيضها.




صفحة رقم : 2146




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطفولة



"الباب الثالث عشر




أخلاق الأثينيين وآدابهم




الفصل الأوّل




الطفولة


كان يُنتظر من كل مواطن أثيني أن يكون له أبناء، وقد اجتمعت قوى الدين، والملكية، والدولة، كلها لمقاومة العقم. فإذا لم يكن للأسرة أبناء من نسلها كان التبني هو العادة المتبعة، وكانت تؤدى مبالغ طائلة للحصول على أبناء الأيتام، لكن القانون والرأي العام كانا في الوقت نفسه يبيحان قتل الأطفال ويريان فيه وسيلة مشروعة للحد من زيادة النسل ومنع تقسيم الأرض الزراعية تقسيماً يؤدي إلى الفاقة، فكان في وسع كل أب أن يُعرّض طفله للموت بحجة أنه يشك في صحة انتسابه إليه أو أنه ضعيف أو مشوّه. وقلما كان يُسمح لأبناء الأرقاء أن يعيشوا، وكانت البنات أكثر تعريضاً للموت من الأولاد، لأن البنت يجب أن تعدلها بائنة، ولأنها إذا تزوجت انتقلت من بيت الذين ربوها ومن خدمتهم إلى خدمة من لم تكن لهم في تربيتها يد. وكانت الوسيلة المتبعة لتعريض الطفل للموت أن يُترك في إناء من الفخار بجوار هيكل أو مكان آخر حيث يستطاع إنقاذه بعد وقت قليل من تركه إذا رغب أحد في تبنيه. وكان حق الآباء في تعريض أبنائهم للموت سبباً في غلظة قلوب اليونان، وكان هو والانتخاب الطبيعي الصارم عن طريق المنافسة ومعاناة صعاب الحياة، كان هذا وذاك من الوسائل التي جعلت اليونان شعباً سليماً قوياً. ويكاد فلاسفة




صفحة رقم : 2147




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطفولة


اليونان يجمعون على تحبيذ تحديد النسل: فأفلاطون ينادي بتعريض جميع الأطفال الضعفاء ومن يولدون من أبوين منحطين أو طاعنين في السن(1) إلى الجو القاسي؛ وأرسطاطاليس يدافع عن الإجهاض بحجة أنه أفضل من قتل الأطفال بعد أن يولدوا(2). ولم يكن قانون أبقراط الطبي يسمح للطبيب بأن يجهض الحامل، ولكن القابلة اليونانية كانت تحذق هذه العملية، ولا تجد قانون يحول بينها وبين ممارستها(3).
وكان الطفل يقبل في دائرة الأسرة رسمياً في اليوم العاشر بعد مولده أو قبله، ويقام لذلك احتفال ديني خاص في البيت حول موقد النار، يتلقى فيه الهدايا ويسمى باسمه. ولم يكن لليوناني عادة إلا اسم واحد مثل سقراط أو أرخميدس؛ ولكن كانوا من عادتهم أن يسموا أكبر الأبناء باسم جده لأبيه، ولهذا كثر تكرار الأسماء، واختلط التاريخ اليوناني لكثرة ما ورد فيه من أسماء زنوفون، وإسكنيز، وتوكيديدز، وديوجين، وزينون، فكانوا يحاولون التغلب على ما فيها من غموض بإضافة اسم الأب أو اسم مسقط الرأس إلى اسم الشخص فيقولون "كيمون ملتيادو" أي كيمون بن ملتيادس، أو ديودورس صقلوس Diodorus Siculus أي ديودور الصقلي، أو يحلون المشكلة بإضافة أحد ألقاب السخرية المضحكة مثل كَلِمِدون Callimedon أي السرطانْ.
فإذا ما قبل الشخص في الأسرة بهذه الطريقة لم يكن القانون يجيز تعريضه للجو، بل كان يربى محوطاً بكل ما يحيط به الآباء أبناءهم من العناية في جميع العصور، فنرى ثمستكليز مثلاً يصف ابنه بأنه حاكم أثينة الحقيقي، لأنه (ثمستكليز) وهو أعظم رجال أثينة نفوذاً تحكمه زوجته، وهذه الزوجة يحكمها ولدها(6). وفي وسعنا أن نستدل على هذا الحب الأبوي من كثير من المقطوعات الشعرية ذات المغزى الأدبي في دواوين الشعراء.
"لقد بكيت حين ماتت ثيونو Theonoe، ولكن الآمال التي كنت أعلقها




صفحة رقم : 2148




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطفولة


على طفلنا خففت أحزاني، ثم أبَت الأقدار الحسودة إلا أن تحرمني من هذا الولد أيضاً، فواحسرتا! لقد سُلِبتَ مني يا ولدي، وأنت كل ما كان باقياً لي من سلوى؛ ألا فاستمعي يابرسفوني إلى النداء المنبعث من قلب أب حزين، وضعي الطفل فوق صدر أمه الميتة"(7).
وكانت الألعاب كثيرة تخفف مآسي المراهقة، وسوف تبقى هذه الألعاب بعد أن ينسى الناس بلاد اليونان، فترى على وعاء عطر صنع لكي يوضع في قبر طفل، صورة ولد صغير يأخذ عربته الصغيرة معه إلى الدار الآخرة. وكان للأطفال الرضع خشائش من الطين المحروق في داخلها عدد من الحصا؛ وكان للبنات دمى يحتفظن بها في البيت، وكان الغلمان ينازلون جنوداً وقواداً من الطين في مواقع عظيمة؛ وكانت المربيات يؤرجحن الأطفال على الأراجيح؛ وكان الأولاد والبنات يدفعون الأطواق، ويطيرون الطائرات، ويديرون الخذروف الخشبي، ويلعبون لعبة الاستخفاء أو الغميضاء، أو شد الحبل، أو يتبارون في مئات الأنواع من المباريات في الحصا، والبندق، والنقود والكرات. أما "بلي" العصر الذهبي فكان هو الفول الجاف يدفع بالأصابع أو الحجارة الملساء تطلق مسافة بعيدة أو تقذف في داخل دائرة لتزحزح حجارة العدو من أماكنها وتستقر في أقرب وضع مستطاع إلى مركز الدائرة. فإذا اقترب الأطفال من "سن العقل" - أي السنة السابعة أو الثامنة من عمرهم - لعبوا لعبة النرد وذلك برمي الكعاب (Astragali) المربعة، وتعد أعلى رمية لست كعاب أحسن لعبة(9). ألا إن ألعاب الصغار قديمة قدم خطايا آبائهم.




صفحة رقم : 2149




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> التعليم



الفصل الثاني




التعليم


أنشأت أثينة ساحات للألعاب ومدارس للرياضة البدنية، وكان لها بعض الإشراف القليل على المدرسين، ولكن المدينة لم يكن فيها مدارس عامة أو جامعة تديرها الدولة، بل ظل التعليم فيها في أيدي الأفراد. ونادى أفلاطون بأن تنشئ الدولة مدارس(10)، ولكن يلوح أن أثينة كانت تعتقد أن المنافسة حتى في التعليم نفسه كفيلة بأن تثمر أحسن الثمرات. وكان المدرسون المحترفون ينشئون مدارسهم الخاصة يُرسل إليها أبناء الأحرار في سن السادسة. ولم يكن لفظ بيدجوجوس Paidagogos يُطلق عندهم على المعلم، بل كان يسمى به العبد الذي يصاحب الغلام كل يوم في ذهابه إلى المدرسة والعودة منها، ولم نسمع قط عن وجود مدارس داخلية. وكان التلميذ يبقى في المدرسة حتى يبلغ الرابعة عشرة أو السادسة عشرة من عمره، وإلى ما بعد السادسة عشرة إن كان من أبناء الأغنياء(11). ولم يكن في المدارس أدراج بل كان يكتفى فيها بالمقاعد؛ فكان التلميذ يضع على ركبتيه الملف الذي يقرأ منه، أو الصحيفة، أياً كانت مادتها، التي يكتب عليها؛ وكانت بعض المدارس تزدان بتماثيل لأبطال اليونان وآلهتهم، وهي عادة انتشرت فيما بعد انتشاراً واسعاً؛ وكان عدد قليل منها يمتاز بأثاثه الظريف. وكان المدرس يدرس كل المواد، ويُعنى بالأخلاق كما يُعنى بالعقول ويستخدم النعال للتأديب




صفحة رقم : 2150




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> التعليم


وكان منهج الدراسة ينقسم ثلاثة أقسام -الكتابة، والموسيقى، والألعاب الرياضية؛ وأضاف المجددون الحريصون على التجديد في أيام أرسطو إلى هذا المنهج الرسم والتصوير(14). وكانت الكتابة تشمل القراءة والحساب، وكانوا يستخدمون فيها الحروف لا الأرقام. وكان كل تلميذ يتعلم العزف على القيثارة، وكان الكثير من مواد الدراسة يصاغ في عبارات شعرية وموسيقية(15). ولم يكونوا يضيعون شيئاً من الوقت في تعليم أية لغة أجنبية، بله اللغات الميتة، ولكنهم كانوا شديدي العناية بتعلم اللغة الوطنية واستخدامها على أصح وجه. وكانت الألعاب الرياضية تُعَلم أكثر ما تعلم في مدارس الألعاب، ولم يكن أثيني يعد متعلماً إذا لم يتقن المصارعة والسباحة واستعمال القوس والمقلاع.
أما البنات فكن يدرسن في منازلهن وكان تعليمهن يقتصر في الغالب على علم "تدبير المنزل"، ولم يكن للبنات في غير إسبارطة حظ من الألعاب الرياضية العامة. وكانت أمهاتهن يعلمنهن القراءة والكتابة والحساب، والغزل والنسيج والتطريز، والرقص والغناء، والعزف على بعض الآلات الموسيقية؛ ومن النساء اليونانيات عدد قليل تعلمن تعليماً عالياً، ولكنهن في الغالب من المؤنسات، أما النساء المحترمات فلم يكن تعليمهن يتجاوز المرحلة الابتدائية حتى أغرت أسبازيا Aspasia عدداً قليلاً منهن على تعلم فنون البلاغة والفلسفة. وكان الرجال يتعلمون التعليم العالي على يد علماء البلاغة والسوفسطائيين، يلقنونهم فن الخطابة، والعلوم الطبيعية، والفلسفة والتاريخ. وكان هؤلاء المدرسون المستقلون يستأجرون قاعات للمحاضرات بالقرب من مدارس الألعاب الرياضية، وكان يتألف منهم من قاعاتهم هذه في أثينة قبل أفلاطون جامعة متفرقة. وكان ذوو الثراء وحدهم هم الذي يتعلمون على أيديهم، لأنهم كانوا يتقاضون أجوراً عالية، ولكن ذوي الطموح من الشبان غير ذوي اليسار كانوا يعملون ليلاً في المصانع أو الحقول حتى يستطيعوا أن يحضروا في النهار دروس هؤلاء المعلمين المتنقلين.




صفحة رقم : 2151




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> التعليم


فإذا بلغ الأولاد السادسة عشرة من عمرهم، كان يُنتظر منهم أن يعتنوا عناية خاصة بالتربية البدنية التي تعدهم بعض الإعداد إلى الأعمال الحربية، وكانت ألعابهم العادية نفسها تعدهم من طريق غير مباشر لهذا الغرض عينه؛ فقد كانوا يُدربون على العدو، والقفز، والمصارعة، والصيد، وسوق المركبات، وقذف الحراب. وإذا بلغوا الثامنة عشرة من عمرهم بدءوا المرحلة الرابعة من مراحل الحياة الأثينية (الطفولة، والشباب، والرجولة، والكهولة (Geron, Auer, Ephebos, Pais) وفيها ينخرطون في صفوف شبان أثينة المجندين المعروفة بمنظمات الشباب Epheboi . وكانوا في هذه المرحلة يدربون مدى عامين على أيدي "مدربين"، يختارهم لهم زعماء قبائلهم، على القيام بالواجبات الوطنية والعسكرية. فكانوا يعيشون ويأكلون مجتمعين، ويلبسون حُللاً رسمية ذات روعة وبهاء، ويخضعون بالليل والنهار لرقابة خلقية. وكانوا ينظمون أنفسهم تنظيماً ديمقراطياً على نمط نظام المدينة، فيجتمعون في جمعية وطنية، ويصدرون قرارات، ويسنون قوانين يتقيدون بها، ويكون لهم منهم حكام، وزعماء، وقضاة(16).وكانوا في السنة الأولى يخضعون لنظام صارم من التدريب الرياضي، ويتلقون محاضرات في الآداب، والموسيقى، والهندسة النظرية، وعلوم البلاغة(17). وفي التاسعة عشرة من عمرهم يُرسلون لحماية الحدود، ويُعهد إليهم مدى عامين حماية المدينة من الغزو الخارجي والاضطراب الداخلي. وكانوا في هذه المرحلة يقسمون أمام مجلس الخمسمائة، وأيديهم ممتدة فوق مذبح الهيكل في أرجولوس Argaulos، يميناً مغلظة هي يمين الشباب الأثيني:
"لن أجلل بالعار الأسلحة المقدسة، ولن أتخلى عن الرجل الذي إلى جانبي




صفحة رقم : 2152




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> التعليم


أياً كان، وسأقدم المعونة إلى طقوس المدينة، وإلى الواجبات المقدسة، بمفردي ومع الكثيرين غيري. ولن تكون بلادي حين أسلمها إلى من يأتي بعدي أقل مما كانت حين تسلمتها، بل ستكون أكبر وأحسن مما كانت وقئذ. وسأطيع من يتولون القضاء حيناً بعد حين، وأخضع للقوانين المسنونة، ولكل ما يضعه الأهلون من أنظمة؛ وإذا ما حاول أحد أن يفسد هذه القوانين، فلن أسمح له بذلك العمل، بل أدفعه بمفردي وبمعونة الجميع؛ وسأكرم دين السلف"(18).
وكان للشباب مكان خاص في دار التمثيل، وكان لهم شأن ظاهر في مواكب المدينة الدينية؛ ولعل هؤلاء الشبان هم الذين زي صورهم الجميلة منقوشة على طنف البارثنون يمتطون صهوة الجياد. وكانوا في أوقات معينة يعرضون ما يتحلون به من صفات في مباريات عامة، وبخاصة في سباق التتابع بالمشاعل من بيريه إلى أثينة. وكانت المدينة على بكرة أبيها تخرج لمشاهدة هذا المنظر الجميل، فيصطف أهلها على طول الطريق البالغ أربعة أميال ونصف ميل. ويجري السباق ليلاً، والطريق غير مضاء، فلا يرى الناس من العدائين إلا أنوار المشاعل التي يحملونها وتقفز من يد إلى يد على طول الطريق. وبعد أن يتم تدريب الشباب في الحادية والعشرين من عمرهم، يتحررون من سلطان الآباء، وينتظمون رسمياً في سلك مواطنية المدينة الكاملة.
هذه هي التربية التي تنشئ المواطن الأثيني، أساسها الدروس التي تلقاها في المنزل وفي الطريق. وهي مزيج صالح جميل من التدريب الجسمي، والعقلي، يقوي في الشاب حاسة الجمال، ويفرض الرقابة في سن الشباب، ويعطيه حريته إذا ما نضج. وقد أخرجت في أحسن عهودها شباناً لا يفوقهم شبان آخرون في التاريخ كله. فلما انقضى عصر بركليز كثرت النظريات حتى طغت على الناحية العملية في هذه التربية، فاحتدم النقاش بين الفلاسفة حول




صفحة رقم : 2153




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> التعليم


أهداف التربية ووسائلها، هل يوجه المدرس أكبر همه إلى التربية العقلية أو الخلقية، وهل يُعنى أكبر العناية بتنمية الكفاية العملية، أو بتعليم العلوم النظرية البحتة. لكنهم كلهم مجمعون على أن مكانة التربية هي أسمى مكانة في البلاد، ولما أن سُئل أرستبس Aristippus بماذا يمتاز المتعلم عن الجاهل أجاب: "بما يمتاز به الجواد المروض على الجواد الجموح"؛ وأجاب أرسطاطاليس عن هذا السؤال نفسه بقوله: "بما يمتاز به الحي على الميت"، ويضيف أرستبس إلى قوله السابق: "حسب التعليم فضلاً على التلميذ أنه حين يشهد التمثيل لن يكون حجراً فوق حجر"(19).




صفحة رقم : 2154




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المظهر الخارجي



الفصل الثالث




المظهر الخارجي


كان مواطنو أثينة في القرن الخامس رجالاً متوسطي القامة، أقوياء البنية، ملتحين؛ ولم يكونوا كلهم من الوسامة كما صورهم فيدياس في فرسانه. وكانت النساء كما تراهُنَّ على المزهريات رشيقات الجسم، وتُظهرهن صورهن على الألواح الحجرية حِساناً ذوات وقار، وهن في التماثيل بارعات الجمال. أما نساء أثينة في حقيقة أمرهن فكن يضارعن في الجمال أخواتهن من نساء الشرق الأدنى ولا يفقنهن قط، وقد كانت عزلتهن التي تكاد تشبه عزلة النساء الشرقيات سبباً في نقص نموهن العقلي. واليونان يعجبون بالجمال أكثر مما تعجب به سائر الأمم، ولكن هذا الجمال لا يتمثل قط فيهن بأكمل معانيه، وكانت نساؤهم كغيرهن من النساء يرين أنهن لم يبلغن حد الكمال في هذه الناحية، ولهذا تراهن يزدن طولهن بنعال عالية من الفلين، ويصلحن ما في أجسامهن من العيوب بالحشايا، ويضغطن ما زاد فيها بالأربطة، ويرفعن أثداءهن بحاملات من القماش .
وشعر اليونان أسود عادة، والشعر الأشقر نادر، وإذا وجد كان موضع الإعجاب. وكانت كثيرات من النساء يصبغن شعرهن ليكسبنه هذه الشقرة أو ليخفين شيبهن إذا كبرن، وكان بعض الرجال يحذون حذوهن في هذا(22). وكانوا جميعاً رجالاً ونساءً يدهنون رؤوسهم بالزيت، يستعينون به على نماء شعرهم ووقايته من تأثير الشمس؛ وكانت النساء يخلطن الزيت ببعض العطور




صفحة رقم : 2155




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المظهر الخارجي


ويقلدهن في ذلك بعض الرجال(23). وكانوا جميعاً رجالاً ونساءً في القرن السادس قبل الميلاد يطيلون شعرهم ويجدلونه غدائر حول الرأس أو خلفها، فلما كان القرن الخامس أخذت النساء يصففن شعرهن ويعقصنه وراء رقابهن، أو يتركنه ينوس على أكتافهن، أو يطوينه حول الأعناق وفوق الصدور. وكان النساء يحببن ربط شعرهن بأشرطة رمادية اللون تزدان بجوهرة فوق الجبهة(24). ثم أخذ الرجال بعد مرثون يقصون شعرهم، كما أخذوا بعد الإسكندر يحلقون شواربهم ولحاهم بأمواس من الحديد على شكل المنجل. ولم يكن اليوناني يطيل شاربه من غير أن يطيل لحيته، وكان يعنى بتسوية لحيته حتى تنتهي عادة بطرف رفيع. ولم يكن عمل الحلاق مقصوراً على قص الشعر أو حلق اللحية أو تسويتها، بل كان يعنى إلى ذلك بتدريم الأظافر وتجميل من يتقدم إليه في أعين الناس، وكان إذا فرغ من عمله قدم إليه مرآة كما يفعل الحلاقون في هذه الأيام(25). وكان للحلاق حانوته، وكان هذا الحانوت "مجمعاً لغير المخمورين" (كما يسميهم ثيوفراسطس) يتناقلون فيه أخبار الناس ومعايبهم، ولكنه كان في كثير من الأحيان يقوم بعمله خارج حانوته في العراء. وكان الحلاق ثرثاراً بحكم مهنته، ويروى أن حلاقاً سأل الملك أركلوس كيف يجب أن يقص شعره فأجابه الملك "في صمت"(26). وكانت النساء أيضاً يحلقن الشعر من بعض أجزاء جسمهن، ويستخدمن في هذا أمواساً أو أدهان مصنوعة من الزرنيخ والجير.
وكانت العطور - المصنوعة من الأزهار مخلوطة بالزيت - تعد بالمئات، ويشكو سقراط استعمال الرجال لهذه العقاقير(27). وكان لكل سيدة راقية عدة كبيرة من المرايا، والدبابيس العادية والإنجليزية، ودبابيس الشعر، والملاقط، والأمشاط، وقنينات العطور، وأواني الأصباغ الحمراء،




صفحة رقم : 2156




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المظهر الخارجي


والأدهان.وكن يصبغن خدودهن، وشفاههن بعصي من السلقون وجذور الشنجار . أما الحواجب فكانت تصبغ بسناج المصابيح أو بمسحوق الإثمد، وتلون الجفون بالإثمد، وتسود الرموش ثم تطلى بمزيج من زلال البيض والأشق . وكانت الأدهان ومحاليل الغسل تستخدم لإزالة التجاعيد والنمش والبقع من الوجه والجسم. وكانت بعض الأدهان المؤلمة تبقى على الجسم ساعات طوالاً لكي تظهر المرأة في أعين الناس جميلة إن لم تكن جميلة بطبيعتها. وكان زيت المصطكى يستخدم لمنع العرق، وكانت مراهم معطرة خاصة توضع على أجزاء مختلفة من الجسم. وكانت المرأة ذات الشأن تدهن وجهها وصدرها بزيت النخيل وحاجبيها وشعرها بالبردقوش، وعنقها، وركبتيها بخلاصة الصَّعتر؛ وذراعيها بخلاصة النعناع، وساقيها وقدميها بالمُر(28). وكان الرجال يحتجون على هذه الأسلحة المغرية، ولكن احتجاجهم لم يكن له من النتائج أكثر من احتجاج أمثالهم في أي عصر من العصور. من ذلك أن إحدى الشخصيات في مسلاة أثينة تعير سيدة بتعداد ما تستخدمه من الأدهان والأصباغ الكثيرة فتقول: "إذا خرجتِ في الصيف تحدر من عينيكِ خطان أسودان، وجرى نهر أحمر من خديكِ إلى عنقكِ، وإذا مس شعرُكِ وجهَك أبيض من الرصاص الأبيض"(29). إن النساء يبقين كما هن لأن الرجال لا يتغيرون.
وكانت المياه قليلة فكانت النظافة تتطلب وسائل أخرى غير المياه، فأما الأغنياء فكانوا يستحمون مرة أو مرتين في اليوم، ويستخدمون في استحمامهم صابوناً مصنوعاً من زيت الزيتون معجوناً بمادة قلوية، ثم يتعطرون.




صفحة رقم : 2157




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المظهر الخارجي


وكان البيت الراقي يشتمل على حمام مبلط، به حوض كبير من الرخام يُحمل إليه الماء عادة باليد، وكانت المياه أحياناً تُنقل في أنابيب وقنوات إلى البيت مخترقة جدران الحمام، ثم تندفع من صنبور معدني في صورة رأس حيوان، وتسقط على أرض الحمام الرشاش وتجري بعدئذ إلى الحديقة(30).
وأما الكثيرون من الأهلين الذين لا تتوافر لديهم المياه للاستحمام فكانوا يدلكون أجسامهم بالزيت ثم يزيلونه بمكشط هلالي الشكل كما نرى ذلك في تمثال أبكسيمنس Apoxyomenos للمَثال ليسبس Lysippus. ولم يكن اليوناني شديد الحرص على النظافة، ولم تكن أهم وسائله للمحافظة على صحته هي العناية بها داخل المنزل، بل كان أهمها الاقتصاد في المأكل والحياة الخارجية النشطة. وكان يندر أن يجلس داخل الدور والملاهي والمعابد والأبهاء المغلقة الأبواب، وقلما كان يعمل في المصانع أو الحوانيت المقفلة. وكانت مسرحياته وعباداته، وحتى حكومته في ضوء الشمس، وكان في وسعه أن يخلع عن جسمه ملابسه البسيطة التي يصل منها الهواء إلى جميع أجزائه، ولا يكلفه خلعها أكثر من التلويح بذراعيه، للقيام بجولة مصارعة، أو التمتع بحمام شمس.
وكانت ملابس اليوناني تتكون من قطعتين مربعتين من القماش ملفوفتين في غير إحكام حول الجسم، وقلما كانتا تفصلان لتوائما لابساً بعينه. وكانتا تختلفان في بعض تفاصيلهما الصغرى في المدن المختلفة، ولكنهما ظلتا بحالهما عدة أجيال. وكان أهم رداء للرجال في أثينة هو القباء Tuuic، وأهمه للنساء هو المئزر Peplos، المصنوعين من الصوف. فإذا كان الجو يتطلب التدفئة غطيا بعباءة أو برنس معلق مثلهما من الكتفين يتدلى في غير كلفة في تلك الثنايا الطبيعية التي تسر العين حين تقع عليها في التماثيل اليونانية. وكانت الملابس في القرن الخامس بيضاء اللون في العادة، غير أن النساء، وأغنياء من الرجال، والشبان المتأنقين، كانوا يعمدون إلى تلوينها؛ ولم يكونوا يستنكفون من لبس الثياب القرمزية أو الحمراء الداكنة، أو ذات الخطوط




صفحة رقم : 2158




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المظهر الخارجي


المختلفة الألوان والحواشي المطرزة. وكانت النساء في بعض الأحيان يتمنطقن بمناطق ملونة. ولم تكن القبعات مرغوباً فيها لأنها كانت في رأيهم تمنع رطوبة الجو عن الشعر فيشيب قبل الأوان(31)؛ ولم يكن الرأس يغطى إلا في أثناء السفر، والقتال، أو العمل في أشعة الشمس الحارة. وكانت النساء في بعض الأحيان يغطين رؤوسهن بمناديل أو عصابات ملونة، وكان العمال في بعض الأوقات يغطون رؤوسهم بقلنسوات ويتركون سائر الجسم عارياً(32). أما الأحذية فكانت أخفافاً (صنادل)، ونعالاً طويلة أو قصيرة تصنع عادة من الجلد، سوداء اللون للرجال وملونة للنساء. ويقول دسياركس Dicaerchus إن نساء طيبة يحتذين أحذية قصيرة أرجوانية ذات شرائط تظهر منها القدم العارية(33). وكان معظم الأطفال والعمال لا يحتذون شيئاً مطلقاً، ولم يكن أحد يعنى بلبس الجوارب(34).
وكان الأهلون، رجالاً ونساء، يخفون دخلهم أو يعلنوه للناس بالحلي والجواهر، فكان الرجل يلبس عدة خواتم(35). وكانت عصي الرجال تنتهي في أعلاها بكريات من الفضة أو الذهب. وكانت النساء يتحلين بالأساور، والقلائد، والأكاليل من الجواهر، والأقراط، ودبابيس الصدر، والعقود، والمشابك ذات الجواهر؛ وكان لهن في بعض الأحيان أربطة محلاة بالجواهر حول أعقابهن أو في سواعدهن. وكانت الطبقات التي تسرف في الترف في هذه البلاد هي الحديثة الثراء كما تفعل أمثالها في جميع البلاد التي تسودها الثقافات التجارية. وكانت إسبارطة تحدد أنواع أغطية الرأس لنسائها، كما كانت أثينة تحرم على النساء أن يأخذن معهن في أسفارهن أكثر من ثلاث مجموعات من الثياب(36). غير أن النساء كن يسخرن من هذه القيود، ويتهربن منها دون أن يستعِنَّ على ذلك الهرب بالمحامين. ذلك أنهن كن يعرفن أن قيمة المرأة عند معظم الرجال وعند النساء إنما تقدر بملابسها؛ وكان مسلكهن في هذه الناحية يكشف عن حكمة تجمعت لهن في خلال آلاف من القرون الطوال.




صفحة رقم : 2159




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المبادئ الأخلاقية



الفصل الرّابع




المبادئ الأخلاقية


لم يكن الأثينيون في القرن الخامس مثلاً طيباً في حسن الخلق، وذلك لأن ارتقاء عقولهم قد أحل الكثيرين منهم من تقاليدهم الأخلاقية، وجعل منهم أفراداً يكادون يكونون لا خلاق لهم. نعم إنهم قد اشتهروا بعدلهم القضائي، ولكنا قلما نراهم يؤثرون على أنفسهم أحداً غير أبنائهم، وقلما يشعرون بوخز الضمير، أو يفكرون قط في أن يحبوا جيرانهم كما يحبون أنفسهم. وتختلف آدابهم باختلاف طبقاتهم، ففي محاورات أفلاطون نرى الحياة تجملها الرقة الخلابة أما في ملاهي أرسطوفان فالآداب لا وجود لها قط؛ وفي الخطب العامة نرى السباب الشخصي هو روح البلاغة. ولقد كان "البرابرة" الذين هذبهم الدهر في مصر وفارس وبابل أرقى من اليونان كثيراً في هذه الناحية. وكانت التحيات عند الالتقاء ودية قلبية ولكنها بسيطة، فلم يكن فيها انحناءات لأن هذا كان يبدو للمواطنين بقية من بقايا الملكية البائدة. وكان السلام باليد مقصوراً على الحلف أو الوداع؛ أما التحية العادية فلم تكن تزيد على قولهم "ابتهج" (Chaire) تتبعها كما تتبعها عند غيرهم إشارة طريفة إلى الجو(37).
وقل إكرام الضيوف بعد أيام هومر لأن الأسفار أصبحت آمن بعض الشيء مما كانت في ذلك الوقت، ولأن النزل كانت تقدم الطعام والمأوى للمسافرين؛ غير أن كرم الضيافة ظل مع ذلك من فضائل الأثينيين البارزة. وكانوا يرحبون بالغرباء ولو لم يقدمهم إليهم أحد؛ فإذا جاء الغريب بخطاب من صديق له ولمن جاء إليه، قدم له الطعام والمأوى، وربما قدمت له عند رحيله بعض الهدايا. وكان من حق الضيف المدعو إلى طعام أن يصحب




صفحة رقم : 2160




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المبادئ الأخلاقية


معه ضيفاً غير مدعو. وكانت حرية الدخول إلى منازل الغير سبباً في قيام طائفة من الطفيليين على مر الأيام. وكانت الكلمة المستعملة في هذا المعنى Paraisitoi تطلق في الأصل على الكهنة الذين يأكلون "الحب الباقي" من مقررات المعابد. وكان الأغنياء أسخياء في عطائهم الخاص والعام. وكانت عادة العطف على الإنسانية عادة اليونان فعلاً واسماً، واللفظ الذي يطلق عليها Philanthropy من أصل يوناني. وكان التصدق - Charitas أي الحب - من طباعهم، وكان لديهم هيئات للعناية بالغرباء والمرضى، والفقراء، والطاعنين في السن(38). وكانت الحكومة تقرر معاشات للجرحى من الجنود وتربي أيتام الحرب على نفقة الدولة؛ ولما حل القرن الرابع قبل الميلاد قررت مرتبات للعمال العاجزين عن العمل(39). وكانت الدولة تدفع في أوقات الجدب، والحرب، وغيرها من الأزمات إعانة يومية قدرها أبولتان (34slash100 من الريال الأمريكي) للمحتاجين، تضاف إلى ما كانت تعطيه كلاً منهم لحضور الجلسات الجمعية، والمحاكم، ومشاهدة التمثيل. ولم تكن هذه الإعانات تخلو من الفضائح المعتادة، فهاهو ذا ليسياس يذكر في خطبة له رجلاً يتقاضى إعانة من الأموال العامة، مع أن له أصدقاء من الأغنياء، ويكسب مالاً من عمله اليدوي، ويركب الخيل للرياضة(40).
ولعلك كنت إذا سألت اليوناني قال لك: إن الأمانة أحسن سياسة، ولكنه كان في حياته العملية يجرب كل الوسائل الأخرى أولاً. فترى المغنين في مسرحية فلكتيتس Fhiloctetes لسفكل يظهرون أعظم العطف على الجندي الجريح الذي تخلى عنه رفقاؤه، ثم ينتهزون فرصة غفوته فيشيرون على نيوبتلموس Neoptolemus أن يغدر به ويسرق سلاحه، ويتركه بعدئذ لمصيره. وكان كل الناس يشكون من أن بائع الأشتات الأثيني يغش بضاعته، ويخسر الكيل والميزان، وينقص ما بقي للمشتري من نقود على الرغم




صفحة رقم : 2161




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المبادئ الأخلاقية


من مفتشي الحكومة، ويحول مرتكز الميزان نحو الكفة التي بها الموزون(40أ)، ويكذب كلما سنحت له الفرصة؛ وهو متهم بأخذ الوذم من الكلاب(41). ويطلق كاتب مسرحي هزلي على بائعي السمك اسم "السفاحين" ويسميهم كاتب أرحم بهم منه "لصوصاً" (42). ولم يكن رجال السياسة خيراً من هؤلاء كثيراً؛ فلا نكاد نرى رجلاً ذا شأن في الحياة الأثينية العامة لم يتهم بالالتواء(43)، وإذا وجد فيهم رجل شريف مثل أرستيدبز عد من خوارق الطبيعة، يكاد يبلغ حد البشاعة، وحتى ديوجين نفسه بمصباحه الذي يسير به في النهار يعجز عن أن يعثر على رجل آخر شريف. ويقول توكيديدز إن الرجال كانوا أكثر حرصاً على أن يوصفوا بالحذق من أن يوصفوا بالأمانة، ويظنون أن الأمانة هي السذاجة(44). وكان من أيسر الأمور أن تجد اليونان يخونون وطنهم. وفي ذلك يقول بوزنياس: "لم يكن ينقص بلاد اليونان في أي وقت من الأوقات رجال مصابون بهذا الداء داء الخيانة"(45). وكانت الرشوة هي السبيل المألوفة للرقي، ولفرار المجرمين من العقاب، ولنيل المطالب الدبلوماسية. وحصل بركليز على مبالغ طائلة من المال للخدمات السرية، وأكبر الظن أنه استخدمها لتيسير أسباب المفاوضات الدولية. وكانت المبادئ الأخلاقية قبلية الطابع إلى أقصى حد، وينصح زنوفون في رسالة له في التربية بالالتجاء الصريح إلى الكذب والسرقة في معاملة أعداء البلاد(46). ويدافع الرسل الأثينيون الذين وفدوا إلى إسبارطة في عام 432 عن إمبراطوريتهم بتلك العبارات الصريحة: "لقد كان القانون السائد على الدوام أن يخضع القوي للضعيف...ولم يسمح أحد بأن تقف المطالبة بالعدالة في سبيل المطامع إذا لاحت للتخلص فرصة كسب شيء ما قوة




صفحة رقم : 2162




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المبادئ الأخلاقية


واقتداراً"(47). ولا يبعد أن تكون هذه الفقرة هي وخطب الزعماء الأثينيين في ميلوس(48) من خيال توكيديدز الفلسفي أثارتها أقوال بعض السوفسطائيين الساخرة؛ ومن أجل هذا فإن الحكم على اليونان من أخلاق جورجياس، وكلكليز Callicles، وثرازيماكوس Thrasymachus التي تخالف العرف المألوف لا يكون فيه من العدالة أكثر مما في وصف الأوربيين المحدثين بالاستناد إلى أقوال مكيفلي، ورشفوكول، ونتشة، واسترنر Stirner الشاذة الغريبة. ولسنا نحب أن نقول ماذا في هذا الحكم من عدالة. ومما يدل على أن اليونان يرون أنهم أرقى من أن يتقيدوا بهذه القيود الأخلاقية أن الإسبارطيين لا يترددون في موافقة الأثينيين على هذه الطائفة من نقط الخلاف الأخلاقية. ولما أن استولى فوبداس Phoebidas اللسديموني على قلعة طيبة غدراً وخيانة على الرغم من معاهدة الصلح المعقودة مع الطيبيين، وسُئل أجسلوس Agesilus ملك إسبارطة عما في هذا العمل من العدالة أجاب بقوله: "ليس لك إلا أن تسأل هل هو نافع أو غير نافع، لأن العمل النافع لبلدنا هو العمل الصالح". وكثيراً ما كانت تُخرق شروط الهدنة، وتُنقض العهود الصريحة، وتُقتل الوفود(49). على أننا نعود فنقول: إن اليونان قد لا يختلفون عنا إلا في صراحتهم لا في مسلكهم، ذلك أن تفوقنا عنهم في الرقة يجعلنا نستنكف أن ندعو جهرة إلى ما نفعل.
ولم يكن للعادة والدين إلا أثر قليل في كبح جماح المنتصرين في الحرب. ولقد كان من الأمور المألوفة، حتى في الحروب الأهلية، أن تُنهب المدن المفتوحة، وأن يُقتل جميع الجرحى، وأن يُذبح جميع أسرى الحرب أو من يُقبض عليهم من غير المحاربين، أو أن يُتخذوا عبيداً إذا لم يُفتدوا، وأن تُحرق البيوت، وأشجار الفاكهة، والمحصولات الزراعية، وأن تُباد الحيوانات، وتُتلف البذور لكيلا تُزرع في المستقبل(50). وقد ذبح الإسبارطيون في بداية حرب البلوبونيز كل من وجدوهم من اليونان في البحر




صفحة رقم : 2163




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المبادئ الأخلاقية


وعاملوهم معاملة الأعداء، سواء من أحلاف أثينة أو من المحايدين(51)، وقتل الإسبارطيون في معركة إيجسبوتامي Aegospotami التي انتهت بها هذه الحرب، ثلاثة آلاف من الأسرى الأثينين(52) - ويكاد هؤلاء أن يكونوا صفوة المواطنين الأثينيين الذين قضت الحرب على الكثيرين منهم. وكانت الحرب من نوع ما - حرب مدينة ضد مدينة، أو طبقة ضد طبقة - هي الحالة المألوفة العادية في بلاد اليونان. وعلى هذا النحو أخذت هذه البلاد التي هزمت ملك الملوك يقاتل بعضها بعضاً، فيلقى اليوناني اليوناني في ألف موقعة، ولم يكد يمضي قرن واحد على معركة مرثون حتى أخذت الحضارة اليونانية، وهي أزهى حضارات التاريخ على الإطلاق، تفني نفسها بهذا الانتحار القومي الطويل الأمد.




صفحة رقم : 2164




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطِباع



الفصل الخامِس




الطباع


إذا كان هؤلاء الأقوام المتخاصمون الطائشون لا يزالون يخلبون عقولنا ويستدرون عطفنا، فما ذلك إلا لأنهم يسترون خطاياهم وعيوبهم المكشوفة بما طبعوا عليه من قوة المغامرة والذكاء التي تبعث البهجة في النفوس. لقد كان قرب البحر من الأثينيين، وما أتاحه لهم هذا القرب من فرص تجارية نادرة، وحرصهم على الحرية في حياتهم الاقتصادية والسياسية، مما جعل الأثيني إنساناً مرن العقل والطبع، سريع التهيج والحساسية إلى أقصى حد. ألا ما أعظم ما يتبينه الإنسان من تغير الطباع حين ينتقل من الشرق إلى أوربا، فهو ينتقل من الأصقاع الجنوبية الوسنانة إلى أقاليم وسطى في شتائها من البرودة ما يكفي لبعث النشاط دون ركود، وفي صيفها من الدفء ما يطلق القوى دون أن يضعف الجسم والروح. هنا يكون الإيمان بالحياة وبالإنسان، والتحمس للحياة تحمساً لا نجد له نظيراً قبل عصر النهضة.
من هذا الوسط المنبه المنشط تنبعث الشجاعة وتنبعث الثورة العاطفية البعيدة كل البعد عن فضيلة ضبط النفس (Saphrosyne) التي يدعو إليها الفلاسفة دون جدوى، وعن الرصانة التي يعزوها الشاب ونكلمان Winckelmann والشيخ جوته إلى اليونان العاطفيين القلقين. ليست المثل العليا لأية أمة من الأمم عادة إلا ستاراً يخفي عن الأعين الفاحصة حقيقة أمرها، ولذلك فإن الواجب يقضي بألا تعد من الحقائق التاريخية. إن الشجاعة والاعتدال - أو الرجولة (Andreia) وعدم الإفراط في شيء ما (Meden agan) إذا شئت الألفاظ التي نقشت على جدران معبد دلفي - شعار اليوناني؛ وهو يحقق أولهما في كثير




صفحة رقم : 2165




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطِباع


من الأحوال أما ثانيهما فلا يحققه من اليونان إلا الفلاحون، والفلاسفة، والقديسون. أما الأثيني العادي فهو رجل شهواني ولكنه رجل ذو ضمير حي، لا يرى خطيئة في ملاذ الجسم ويجد فيها الجواب العاجل للتشاؤم الذي يخيم عليه في فترات تفكيره. وهو مغرم بالخمر ولا يستحي أن يسكر منها بين الفينة والفينة، ويحب النساء حباً جثمانياً لا يكاد يشعر بأن فيه خطيئة ما، ولا يجد حرجاً في أن يعفو عن نفسه بعد أن يرتكب خطيئة الاختلاط الجنسي الشاذ، ولا يرى أن تنكب طريق الفضيلة كارثة لا يمكن النجاة منها. ولكنه رغم هذا يخفف الخمر بإضافة ثلاثة أقداح من الماء لكل قدحين منها، ويرى أن تكرار السكر مخالف لمقتضيات الذوق السليم؛ وهو يعظم الاعتدال بل يعبده مخلصاً في عبادته إياه، ولكنه قلما يسير عليه في حياته العملية، ويصوغ مبدأ السيطرة على النفس صياغة لا تجاريها في الوضوح صياغة أي شعب آخر في التاريخ لهذا المبدأ السامي. إن الأثينيين أذكى من أن يكونوا صالحين ويسخرون من البلاهة أكثر مما يمقتون الرذيلة، وليسوا كلهم حكماء؛ وليس لنا أن نتصور أن نساءهم كلهن حِسان مثل نسكا Nausica، أو أن فيهن من أسباب الجلال ما في هلن؛ كما لا يحق لنا أن نتصور أن رجالهم يجمعون بين شجاعة أجاكس وحكمة نسطور. لقد حفظ لنا التاريخ أسماء عباقرة اليونان وغفل عن ذكر بلهائهم (عدا نيشياس Nicias)؛ وقد يبدو عصرنا نفسه عظيماً حين ينسى معظمنا، ولا ينجو من هذا النسيان إلا الشوامخ منا. وإذا أخرجنا من حسابنا ما يبعثه قدم العهد في القلوب من عطف وحنان على الأقدمين، بقي أن نقول إن الأثيني العادي لا يقل دهاء عن الشرقي، ولا يقل شغفاً بالجدة عن الأمريكي، متشوف طلعة على الدوام، لا ينقطع عن الحركة والانتقال، ولا ينفك ينادي بالهدوء البرمنيدي ، ولكنه مضطرب مهتاج مثل هرقليطس. ولم يكن لشعب قبل الأثينيين ما كان لهم من قوة الخيال أو




صفحة رقم : 2166




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطِباع


فصاحة اللسان؛ ولقد كان التفكير الواضح والتعبير الخالي من الغموض يبدوان للأثيني من الصفات القدسية، فلم يكن يطيق التشويش والارتباك العلمي، ويرى أن الحديث الدقيق القائم على المعرفة والذكاء أرقى متع الحضارة. ولقد كان سبب ما امتاز به التفكير وما امتازت به الحياة من غزارة وقوة، أن اليوناني كان يرى أن الإنسان هو المقياس الذي تقدَّر به الأشياء جميعها؛ فالأثيني المتعلم يعشق العقل، وقلما كان يشك في قدرته على إدراك العالم وتصويره؛ وكان حب المعرفة والرغبة في الفهم أنبل عواطفه وأعظم مشتهياته؛ وكان شغفه بهما شغفاً مسرفاً قوياً كشغفه بغيرهما. ولقد كشف فيما بعد أن للعقل الإنساني والجهود البشرية حدوداً يقفان عندها ولا يتخطيانها، وكان من الطبيعي أن يكون رد الفعل المترتب على هذا الكشف أن تنتابه حالة من التشاؤم عجيبة لا تتفق قط مع بهجته ومرحه. وحتى في العصر الذي بلغ فيه إنتاجه الفكري غايته، كانت آراء أعمق مفكريه - وهم كتاب المسرحيات لا الفلاسفة - تشوبها عقيدته في أن بهجة الحياة خداعة قصيرة الأجل، وأن الموت رابض له متربص به.
وكانت روح البحث هي التي أنشأت علوم اليونان، كما كان الحرص على الاستحواذ منشأ حياتهم الاقتصادية والعامل المسيطر عليها. وفي هذا المعنى الأخير يقول أفلاطون مبالغاً كعادة علماء الأخلاق: "إن حب الثراء يستحوذ كل الاستحواذ على قلوب الرجال، فلا يفكرون إلا في أملاكهم الخاصة، التي تتعلق بها نفس كل مواطن"(53). فالأثينيون في حقيقة أمرهم حيوانات متنافسة، وبهذه المنافسة القاتلة التي لا هوادة فيها ولا رحمة، يحفز بعضهم همم بعض. وهم على جانب كبير من الذكاء، ولا يقلون دهاءً واحتيالاً عن الساميين، وهم صلاب الرأي صلابة العبرانيين كما وصفتهم التوراة، وهم مثلهم مشاكسون، معاندون، متكبرون، كثيرو اللجاج والمساومة




صفحة رقم : 2167




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطِباع


في البيع والشراء، لا يتركون نقطة في حديثهم من غير جدل ومناقشة؛ إذا عجزوا عن محاربة غيرهم من الأمم تحاربوا فيما بينهم. وليسوا على جانب كبير من رقة العواطف، يعيبون على يوربديز دموعه في مسرحياته، يشفقون على الحيوان ويقسون على الإنسان: فهم يعذبون العبيد دون ذنب، ويخيل إلى من يراهم أنهم ينامون ملء جفونهم بعد أن يذبحوا جميع من في المدينة من غير المحاربين، ولكنهم مع ذلك يكرمون العاجز والفقير؛ ودليلنا على ذلك أنه لما علمت الجمعية أن حفيدة أرستجيتون Aristogeiton قاتل الطغاة تعيش في لمنوس فقيرة معدمة، أمدتها بالمال ليكون لها بائنة ولتحصل به على زوج لها. وكان المظلومون المضطهدون من المدن الأخرى يجدون في أثينة ملجأ يحميهم ويعطف عليهم.
والحق أن الأثيني لم يكن يفكر في الأخلاق كما نفكر فيها نحن الآن. فهو لا يأمل أن يكون له ما للصالحين من أفراد الطبقة الوسطى من ضمير، أو ما للأشراف من شعور بالشرف، بل يرى أن أحسن الحياة هي الحياة الكاملة، المليئة بالصحة، والقوة، والجمال، والانفعال، والثراء، والمغامرة، والتفكير. والفضيلة عنده هي الرجولة (Arete) - أو الحربية كما كان معنى اللفظ في بادئ الأمر - والتفوق (Ares أي المريخ)، وهي تقابل بالضبط كلمة Viritus عند الرومان ومعناها الرجولة. والرجل المثالي عند الأثينيين هو الكلوجاثوس Kalogathos أي الذي يجمع بين الجمال والعدالة في فن من فنون العيش الراقية، والذي يقدر في صراحة قيمة الكفاية، والشهرة، والثراء، والصداقة، كما يقدر الفضيلة وحب الإنسانية. ويرى الأثيني كما يرى جوته أن ترقية النفس هي كل شيء. ويختلط بهذا المبدأ عنده قدر من الغرور لا نستسيغه نحن لصراحته: فاليونان لا يملون الإعجاب بأنفسهم، ويعلنون في كل مقام تفوقهم على غيرهم من المحاربين، والكتاب، والفنانين، والشعوب بأسرها. وإذا شئنا أن نعرف الفرق بين اليونان والرومان فما علينا إلا أن نوازن بين الفرنسيين والإنجليز، وإذا أحببنا أن نحس بالروح




صفحة رقم : 2168




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطِباع


الإسبارطية وندرك الفرق بينها وبين الروح الأثينية فما علينا إلا أن نفكر في روح الألمان وروح الفرنسيين.
وقد اجتمعت صفات الأثينيين كلها لتقيم دولة - المدينة؛ ففيها ولدت قوتهم وشجاعتهم، وحدة ذكائهم وألمعيتهم، وشقشقة لسانهم، وشدة مراسهم، ومحبتهم للكسب، وشدة غرورهم، ووطنيتهم، وعبادتهم للجمال والحرية؛ وفي دولة المدينة اجتمعت هذه الصفات كلها وبلغت غايتها. وهم سريعو الانفعال ولكنهم لا يميلون كثيراً مع الهوى. ويجيزون التعصب الديني من آن إلى آن، غير أنهم لا يتخذونه وسيلة للحد من حرية الفكر، بل يتخذونه سلاحاً من أسلحة السياسة الحزبية، ورباطاً لتجاربهم الأخلافية. أما فيما عدا هاتين الحالتين، فهم يستمسكون بقدر من الحرية، يندهش منه زوارهم الشرقيون ويبدو في نظرهم الفوضى بعينها. ولكن حريتهم هذه، وكون كل منصب من مناصب الدولة ميسر لكل مواطن وكون كل مواطن محكوماً تارة وحاكماً تارة أخرى، لكن هذه الأمور هي التي جعلتهم يخصصون نصف حياتهم لخدمة دولتهم. ولم يكن بيتهم إلا المكان الذي ينامون فيه، أما حياتهم فكانوا يقضونها في السوق العامة، وفي الجمعية، والمجلس، والمحاكم، وساحات الأعياد الكبرى والمباريات، وفي مشاهدة المسرحيات التي يمجدون بها مدينتهم وآلهتها. وهم يعترفون بحق الدولة في أن تجندهم وتستولي على أموالهم متى احتاجت إليهم وإليها. وهم يعفون عن إرهاقها إياهم واستيلائها على أموالهم، لأن عملها هذا يتيح لهم فرصة النماء الإنساني أكبر مما عرفه الإنسان في أي عصر من العصور السابقة؛ وهم يحاربون دفاعاً عن مدينتهم لأنها مهد حرياتهم وحارستها. وفي ذلك يقول هيرودوث "وبهذا زاد الأثينيون قوتهم؛ ويتضح كل الوضوح، من هذا ومن شواهد أخرى كثيرة، أن الحرية من أعظم النعم. ألست ترى أن الأثينيين، وهم خاضعون لحكم الطغاة، لم يكونوا يفوقون جيرانهم في الشجاعة أدنى تفوق، ولكنهم لم يكادوا يتحررون من نير الطغاة حتى صاروا أشجع الشجعان بلا منازع"(54).




صفحة رقم : 2169




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> العلاقات الجنسية قبل الزواج



الفصل السادس




العلاقات الجنسية قبل الزواج


تبدو أثينة إبان مجدها شرقية أكثر منها أوربية في أخلاق أهلها، كما تبدو كذلك في حروفها الهجائية، وقي مقاييسها وموازينها، وسكتها، وملابسها، وموسيقاها، وفلكها، وطقوسها الصوفية. ففي الأخلاق يعترف الرجال والنساء اعترافاً صريحاً بأن العلاقة الجنسية هي أساس الحب، ولذلك لم يكن شراب العشاق الذي تعصره السيدات المشتاقات يقدم للرجال المهملين لأغراض أفلاطونية خالصة. لقد كانوا يطلبون إلى النساء المحترمات أن يكن عفيفات قبل الزواج؛ أما الرجال غير المتزوجين فلم تكن تفرض على شهواتهم الجنسية، بعد أن يبلغوا الحلم، إلا القليل من القيود الخلقية. وقد كانت الأعياد الكبرى، وهي دينية في أصلها، صمامات الأمان لما طبعت عليه البشرية من شهوة جنسية مختلطة؛ فكانوا في هذه المناسبات يتغاضون عن التحرر من القيود في العلاقات الجنسية لاعتقادهم أن هذا ييسر لهم فيما بقي من العام أن يقتصر كل منهم على زوجته الوحيدة. ولم يكن الأثينيون يرون أن في اتصال الشبان بالخليلات من آن إلى آن شيئاً من العار، ولقد كان في وسع المتزوجون أنفسهم أن يبسطوا حمايتهم على تلك الخليلات، ولا ينالهم لهذا السبب عقاب أخلاقي أكثر من تأنيب زوجاتهم في بيوتهم وشيء قليل من سوء السمعة في المدينة(58). وكانت أثينة تعترف بالبغاء رسمياً وتفرض ضريبة على البغايا.
وأصبح العهر في أثينة، كما أصبح في معظم مدن اليونان، مهنة كثيرة الرواد، ذات فروع مختلفة لكل فرع إخصائيات. وكانت السبيل ميسرة أمام ذات الكفاية للترقي في هذه المهنة كما كانت ميسرة للترقي في غيرها من




صفحة رقم : 2170




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> العلاقات الجنسية قبل الزواج


المهن في تلك المدينة. وكانت أسفل طبقة من العاهرات هي طبقة البرناي pornai ، ويسكن معظم أفرادها في بيرية في مواخير عامة يسهل على الجمهور الاستدلال عليها بصورة قضيب بريابوس المعلقة عليها. وكان رسم الدخول في هذه المواخير أوبلة واحدة، وكان الداخل يجد فيها البنات في أثواب لا تكاد تستر منهن شيئاً، ولذلك يسمين الجمناي (أي العاريات)، وكن يجزن لمن يرون ابتياعهن أن يختبروهن كما تختبر الكلاب في بيوتها. وكان في وسع الرجل أن يعقد الصفقة التي يريدها للزمن الذي يبتغيه، ويتفق مع ربة البيت على أن يستأجر منها بنتاً تعاشره أسبوعاً، أو شهراً، أو سنة. وكانت البنت أحياناً تؤجر بهذه الطريقة لرجلين أو أكثر من رجلين في وقت واحد توزع وقتها بينهم حسب مواردهم المالية(61). وتلي هذه الطبقة عند الأثينيين طبقة العازفات على القيثارة، وأولئك يُستخدمن، كما تستخدم المسامرات في اليابان، في الليالي "الحمراء" يمرحن ويعزفن، ويرقصن رقصاً فنياً أو خليعاً مثيراً للشهوات، ثم يبتن مع مَن يريدهن من الرجال(62). وكانت قليلات من عجائز العاهرات يدرأن عن أنفسهن شر الفاقة بإنشاء مدارس لتدريب تلك البنات العازفات، يعلمنهن كيف يجملن أنفسهن، ويسترن عيوب أجسامهن، ويسلين الرجال بالعزف على الآلات الموسيقية، كما يعلمنهن كيف يتصنعن الحب والدلال. وقد حرصت الروايات المتواترة على أن تحتفظ العاهرات جيلاً بعد جيل، احتفاظ الإنسان بأثمن تراث، بالطرق التي يلهبن بها القلوب، كالتظاهر بالحب بعقل وروية، وإطالة أمده بتصنع الدلال والإباء، والحصول به على أكبر أجر مستطاع(63). لكن بعض العازفات، إذا صدقنا ما قاله عنهن لوشيان بعد ذلك العصر، كانت لهن قلوب رحيمة رقيقة، وكن يعرفن الحب الحقيقي، ويضحين بأنفسهن من أجل عشاقهن كما ضحت بنفسها كامي Camille. إن قصة العاهرة الشريفة قصة قديمة شابَ قرناها وخلع عليها طول الزمن شيئاً من الجلال والتبجيل.




صفحة رقم : 2171




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> العلاقات الجنسية قبل الزواج


وكانت أرقى طبقات العاهرات الأثينيات هي طبقة الهتايراي hetairai- ومعناها الحرفي الرفيقات. ولم تكن هؤلاء الرفيقات مثل طبقة البورناي تتكون في الغالب من نساء شرقيات المولد، بل كانت تتألف في العادة من بنات المواطنين اللاتي سقطن لسبب من الأسباب، أو فررن من العزلة المفروضة على العذارى والنساء الأثينيات. وكن يعشن مستقلات بأنفسهن ويستقبلن في بيوتهن مَن يغوين من العشاق. وكانت كثرتهن سمراوات بطبيعتهن، ولكنهن كن يصبغن شعرهن باللون الأصفر لاعتقادهن أن الأثينيين يفضلون الشقراوات؛ وكنّ يميزن أنفسهن بلبس أثواب منقوشة بالورد، ولعل هذه الثياب كان يفرضها عليهن القانون(64). وكان بعضهن يحصلن على قدر لا بأس به من التعليم بالقراءة المستقلة من حين إلى حين، وبالاستماع إلى المحاضرات، وكن يسلين روادهن المثقفين بحديثهن المنطوي على قدر من العلم والثقافة. وقد اشتهرت منهن تاييس Thais وديوتيما Diotima وثارجليا Thargelia، وليونتيوم Leontium، كما اشتهرت أسبازيا، بمناقشاتهن الفلسفية، واشتهرن أحياناً بأسلوبهن الأدبي المصقول(65). وذاعت شهرة الكثيرات منهن بفكاهاتهن الحلوة، وفي الآداب الأثينية لهن مجموعة من المقطوعات الشعرية الفكهة(66).وكانت العاهرات على اختلاف طبقاتهن محرومات من الحقوق المدنية، لا يجوز لهن أن يدخلن هيكلاً من الهياكل عدا هيكل إلهتهن أفرديتي بندموس Aphrodite Pandenos، ولكن قلة مصطفاة من الهتايراي كانت لهن منزلة عالية في مجالس الرجال الاجتماعية في أثينة، ولم يكن أحد من الرجال يستحي أن يُرى في صحبتهن، وكان الفلاسفة يتبارون في كسب ودهن، ومن المؤرخين من يروي تاريخهن بنفس الخشوع والإجلال الذي يرويه به بلوتارخ(67).
وبهذه الطرق خلدت بعض أسماءهن. فمن هؤلاء كلبسدرا التي سُميت كذلك لأنها كانت تُخرج عشاقها من عندها بعد ساعات محددة تحصيها بساعة




صفحة رقم : 2172




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> العلاقات الجنسية قبل الزواج


رملية؛ ومنهن ثرجيليا Thargelia متا هاري Mata Hari زمانها، التي خدمت الفرس بأن ضاجعت أكبر عدد مستطاع من ساسة أثينة(68)؛ وثيوريس Theoris التي خففت عن سفكليز متاعب شيخوخته، وأرشبي Archippe التي خلفتها في هذا العمل حوالي العقد التاسع من حياة هذا الكتاب المسرحي(69)؛ ومنهن أركيانسا Archeanassa التي كانت تُسلي أفلاطون(70)، وداني Danae وليونتيوم Leontium اللتين علمتا أبيقور فلسفة اللذة؛ ومنهن تمستونوئي Themistonoe التي ظلت تمارس مهنتها حتى فقدت آخر سن من أسنانها وآخر خصلة من شعرها؛ ومنهن ناثينا Gnathaena التي كانت تطلب ألف درخمة (ألف ريال أمريكي) ثمناً لمضاجعة ابنتها ليلة واحدة، لأنها قضت وقتاً طويلاً في تدريبها وإعدادها لمهنتها(71). وكان جمال فريني Phryne حديث أثينة كلها في القرن الرابع، وذلك لأنها لم تكن تظهر أمام الناس إلا وهي محجبة من رأسها إلى قدميها، ولكنها في عيدي إلوزيا وبسدونيا تخلع ثيابها أمام الناس كلهم وتسدل شعرها على جسمها وتنزل البحر لتستحم(72)، وقد عشقت بركستيليز المَثال؛ ووقفت أمامه لينحت على صورتها تماثيل أفرديتي. وعلى صورتها أيضاً نحت أبليز تمثال أفرديني أناديوموني Aphrodite Andeyomone (73).وأثرت فريني من عشاقها إثراء أمكنها من أن تعرض استعدادها لإعادة بناء أسوار طيبة إذا وافق الطيبيون على نقش اسمها على هذه الأسوار، ولكنهم أصروا على رفض هذا العرض. ولعلها تغالت فيما طلبته إلى يوثياس Euthias من أجر لها، فثأر لنفسه منها باتهامها بالإلحاد؛ ولكن أحد أعضاء المحكمة كان من زبائنها، كما كان هيبريدز الخطيب من عشاقها المفتونين بها، ودافع عنها هيبريدز ولم يستخدم في هذا الدفاع بلاغته فحسب بل شق أمام المحكمة جلبابها وكشف عن صدرها. ونظر القضاة إلى جمالها وبرؤوها من تهمة الإلحاد في الدين(74). ويقول أثينيوس




صفحة رقم : 2173




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> العلاقات الجنسية قبل الزواج


"يبدو أن لئيس Lais الكورنثية كانت أجمل من أية امرأة وقعت عليها العين"(75). وتتنازع شرف مولدها مدن لا تقل في عددها عن المدن التي تتنازع شرف انتساب هومر إليها. ويتوسل إليها المَثالون والرسامون أن تقف أمامهم لينحتوا تمثالها أو يصوروها، ولكنها تتمنع حياءً وخجلاً، ثم يتغلب عليها ميرون Myron العظيم في شيخوخته فتقبل طلبه؛ حتى إذا خلعت ثيابها نسي وقار شَعْره الأبيض ولحيته وعرض عليها أن ينزل عن ما يملك إذا أقامت معه ليلة واحدة، فتبسمت ضاحكة من قوله، وهزت كتفيها المستديرتين، وتركته دون أن ينحت التمثال. وفي صباح اليوم الثاني اشتد به الوجد، وعادت إليه نشوة المراهقة، فصفف شعره، وحلق لحيته، وارتدى ثوباً قرمزي اللون، وتمنطق بمنطقة ذهبية، وتقلد قلادة ذهبية، وتختم في جميع أصابعه، وحمر خديه، وعطر ثيابه وجسمه، ثم ذهب وهو على هذه الصورة يطلب لئيس ويعلن إليها أنه متيم بها. فنظرت إلى صورته الممسوخة وعرفت من هو، ثم أجابته بقولها: "أيها الصديق المسكين، إنك تطلب إلي ما أبيته على أبيك بالأمس"67). وجمعت لئيس من مهنتها ثروة طائلة، ولكنها لم تكن تمنع نفسها عن فقراء العاشقين من ذوي الجمال؛ وقد أعادت دمستين القبيح الصورة إلى الفضيلة، بأن طلبت إليه عشرة آلاف درخمة أجر ليلة واحدة(77). واكتسبت من أرستبس الثري من المال ما أفزع خادمه(78)، أما ديجين المعدم فكانت تسلم نفسها إليه بأقل أجر، لأنها يسرها أن يجثو الفلاسفة أمام قدميها. وقد أنفقت ثروتها في سخاء في تشييد المعابد والمباني العامة، وعلى الأصدقاء، ثم عادت آخر الأمر، كما يعود معظم من على شاكلتها، فقيرة كما كانت أيام شبابها. وأخذت تمارس مهنتها صابرة إلى آخر أيام حياتها، فلما قضت نحبها أقيم لها قبر فخم تكريماً لها، لأنها كانت أعظم غازية منتصرة عرفها اليونان طول تاريخهم(79).




صفحة رقم : 2174




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الصداقة اليونانية



الفصل السابع




الصداقة اليونانية


وأعجب من هذا الوفاق بين البغاء والفلسفة اعتراف اليونانيين في غير حياء بالانحراف الجنسي. فلقد كان أكبر من ينافس العاهرات هم غلمان أثينة، وكانت العاهرات اللائي يسربلهن العار من قمة رءوسهن إلى أخمص أقدامهن لا يفتأن ينددن بما في عشق الذكور للذكور من فساد خلقي شنيع. ولقد كان التجار يستوردون الغلمان الحسان ليبيعوهم لمن يدفع فيهم أغلى الأثمان، وكان هؤلاء يُستخدمونهم في أول الأمر لقضاء شهواتهم ثم يتخذونهم فيما بعد أرقاء(80). ولم يكن من بين الذكور في المدينة إلا أقلية ضئيلة تعتقد أن ثمة عيباً في أن يثير الشباب المخنثون أبناء الأشراف في المدينة شهوة شيوخها ويشبعوا هذه الشهوة. ولم تكن إسبارطة أقل استهتاراً من أثينة في هذا الشذوذ الجنسي، وشاهد ذلك أن ألكمان حين أراد أن يثني على بعض الفتيات سماهن "أصدقاءه - الغلمان الإناث"(81). وكانت الشرائع الأثينية تحرم من يمارس رذيلة اللواط من الحقوق السياسية(82)، ولكن الرأي العام كان يتغاضى عن هذه العادة ويجيزها وهو هازل فكه؛ ولم يكن أهل إسبارطة أو كريت ينظرون إليها نظرة الاستنكار(83)، وكان أهل طيبة يرون أنها معين لا ينضب للشجاعة وحسن النظام العسكري. وكان هرمديوس وأرستجيتون، وهما أعظم بطلين تعتز أثينة بذكراهما، من قتلة الطغاة وعشاق الغلمان. وكان ألسبيديز أحب الناس إلى الشعب الأثيني في أيامه، وكان يفتخر بكثرة من عشقه من الرجال. ولقد ظل "العشاق اليونان" إلى أيام أرسطاطاليس يعلنون ولاءهم لمعشوقيهم عند قبر أيولوس رفيق هرقل(84)؛ ويصف أرستبس زنوفونَ قائدَ الجيوش الذي اشتهر




صفحة رقم : 2175




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الصداقة اليونانية


بأنه من أشد رجال العالم صلابة وعناداً، بأنه مشغوف بحب الفتى كلينياس Cleinias(85). وتمثل علاقة الرجل بالغلام، أو الغلام بغلام مثله في بلاد اليونان، جميع مظاهر الغرام الروائي- من عاطفة جياشة، وحب عذري، ونشوة، وغيرة، وعزف وغناء تحت نوافذ المعشوقين، وطول تفكير، وتوجع وأنين، وسهاد طويل(86). وإذا تكلم أفلاطون في الفدروس Phaedrus عن الحب الإنساني، فإما يتكلم عن الحب الجنسي بين الذكران، ويتفق المجادلون في محاوراته في نقطة واحدة - هي أن حب الرجل للرجل أنبل وأكثر روحانية من حب الرجل للمرأة(87). ونرى هذا الشذوذ نفسه بين النساء، ونراه أحياناً بين أرقاهن مثل سوفو Sopho، وكثير بين العاهرات، فالعاهرات المسامرات مثلاً يحب بعضهن بعضاً أكثر من حبهن من يعشن في كنفهن من الرجال، وعاهرات المواخير تُروى عنهن أعجب القصص في عشق بعضهن بعضاً(88).
ترى كيف يفسر الإنسان انتشار هذا الشذوذ الجنسي في بلاد اليونان؟ فأما أرسطاطاليس فيفسره بخوفهم أن تزدحم بلادهم بالسكان(89)، وقد يكون هذا سبباً من أسباب هذه الظاهرة، ولكن لا جدال في أن ثمة علاقة بين انتشار اللواط والدعارة في أثينة من جهة وعزلة النساء من جهة أخرى. فقد كان الأولاد في أثينة في عصر بركليز يؤخذون من أجنحة الحريم في البيوت حيث تقضي النساء المحصنات حياتهن، وينشئون عادة في صحبة أولاد مثلهم أو رجال، وقلما تتاح لهم فرصة في طور تكوينهم وفي الفترة التي لم يشعروا فيها بعد برجولتهم، يدركون فيها جاذبية الحنو النسوي. كذلك كانت حياة الغلمان الجامعة في إسبارطة، واشتراكهم في الطعام، واجتماعهم في الأسواق العامة، والملاعب الرياضية، وفي مدارس الألعاب في أثينة، وحياة منظمات الشباب، كانت هذه كلها لا يرى فيها الشبان إلا صور الذكور. وحتى الفن نفسه لا يكشف عن الجمال النسوي قبل عهد بركستليز. وقلما كان




صفحة رقم : 2176




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الصداقة اليونانية


الرجال في حياتهم الزوجية يجدون في البيوت رفقة عقلية، ذلك بأن عدم انتشار التعليم بين النساء يحدث ثغرة بين الجنسين فيضطر الرجال إلى البحث في خارج البيوت عن أسباب المتعة التي حرموا أزواجهم من الحصول عليها. ولم يكن البيت للمواطن الأثيني حصنه وملجأه، بل كان مكان نومه. وكان في كثير من الحالات يقضي النهار كله من مطلع الشمس إلى مغيبها في المدينة، وقل أن تكون بينه وبين النساء المحترمات عدا زوجته وبناته أية صلات اجتماعية. لهذا كان المجتمع اليوناني مقصوراً على أحد الجنسين، يعوزه الحيوية، والظرف، والمجاملة، والاستثارة، وهي الصفات التي اكتسبتها من روح النساء وسحرهن إيطاليا في عهد النهضة وفرنسا في عهد الاستنارة.




صفحة رقم : 2177




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج



الفصل الثامِن




الحب والزواج


الحب الروائي موجود بين اليونان ولكنه قلما يكون سبب الزواج؛ ولسنا نجد إلا القليل منه في شعر هومر حيث يذكر أجممنون وأخيل كريسيس Chryseis، وبريسيس Brisseis، ويذكران أيضاً كسندرا التي لا تستجيب لحبهما في عبارات تنم عن الشهوة الجسمية؛ لكن في قصة نسكا ما يحذرنا من أن نعمم هذا الحكم، ودليلنا على هذا ما نجده من القصص التي لا تقل في قدمها عن عصر هومر نفسه مثل قصة هرقليط وأيولا، وقصة أورفيوس ويورديس. كذلك يتحدث الشعراء الغنائيون حديثاً طويلاً عن الحب، ويعنون به في العادة الرغبة في إشباع الشهوة؛ والقصص التي تروي أخبار فتيات يمتن من فرط الوجد، كالقصة التي يرويها استسكورس، نادرة أو تكاد تكون معدومة؛ ولكننا حين نرى ثينو Theano زوجة فيثاغورس تصف الحب بأنه "مرض النفس المشتاقة" (91) نحس بقوة الحب الروائي الحقيقية. ولما زادت مشاعر اليونان رقة وأحلت الشعر مكان حرارة الجسم، كثر ذكر العواطف الشعرية الرقيقة، وأصبح طول الفترة التي تضعها الحضارة بين الرغبة وإشباعها مما يتيح للخيال فرصة يخلع فيها المحاسن على الحبيب المأمول. وقد ظل أيسكلس نفسه هومري النزعة في معاملته للنساء، ولكننا نستمع في سفكل عن "الحب الذي




صفحة رقم : 2178




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج


يحكم الآلهة بإرادتها" ، وفي شعر يوربديز مقطوعات كثيرة وصف قوة إروس Eros إله الحب. وكثيراً ما يصف المتأخرون من كتاب المسرحيات شاباً يهم بحب فتاة(93)، ونستشف من أقوال أرسطاطاليس الصفة الحقيقية للعشق الروائي حين يقول إن "المحبين ينظرون إلى أعين أحبائهم، حين يستكن الخفر"(94) .
وكانت هذه الشئون وأمثالها في عصر اليونان الزاهر تؤدي إلى صلات الجنسين قبل الزواج أكثر مما تؤدي إلى الزواج نفسه. ذلك بأن اليونان كانوا يعدون الحب الروائي صورة من "تقمص الشيطان للجسم" أو من الجنون، وكانوا يسخرون إذا ذكر لهم إنسان أنه وسيلة يهتدي بها إلى اختيار الزوج الصالح أو الصالحة (95). وكان الزواج عادة يتفق عليه والدا الزوجين كما كان يحصل على الدوام في فرنسا القديمة، أو بين خطاب محترفين(96)، أكبر ما يهتمون به فيه البائنات لا الحب. فقد كان يُنتظر من والد الفتاة أن يهيئ لابنته بائنة من المال، والثياب، والجواهر، ومن العبيد في بعض الأحيان(97).




صفحة رقم : 2179




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج


وكانت هذه البائنة تبقى على الدوام ملكاً للزوجة، وتعود إليها إذا افترقت عن زوجها- وهو نظام يقلل من احتمال طلاقها منه. فإذا لم يكن للبنت بائنة فقلما تجد لها زوجاً، ومن أجل هذا كان أقاربها يجتمعون ليعدوها لها إذا عجز الوالد نفسه عن إعدادها. وبهذه الطريقة انقلب الزواج بالشراء الذي كان كثير الحدوث في أيام هومر، فصارت المرأة في عهد بركليز هي التي تشتري زوجها؛ ومن هذا الوضع تشكو ميديا في إحدى مسرحيات يوربديز. فلم يكن اليوناني إذن يتزوج لأنه يحب، ولا لأنه يرغب في الزواج (فهو كثير التحدث عن متاعبه)، بل ليحافظ على نفسه وعلى الدولة عن طريق زوج جاءته ببائنة مناسبة، وأبناء يردون عن روحه الشرور التي تصيبها إذا لم تجد من يُعنى بها، ولقد كان رغم هذه المغريات كلها يتجنب الزواج ما دام يستطيع تجنبه. ولقد كانت حرفية القانون تحرم عليه أن يبقى عازباً، ولكن القانون لم يكن ينفذ دائماً في أيام بركليز؛ ولما انقضى عهده زاد عدد العزاب حتى صار مشكلة من المشاكل الأساسية في أثينة(99). ألا ما أكثر الأمور التي تدهش الإنسان في بلاد اليونان! وكان الذين يرضون بالزواج من الرجال يتزوجون متأخرين، في سن الثلاثين عادة، ثم يصرون على الزواج من فتيات لا تزيد سنهن على خمسة عشر عاماً(100). وفي ذلك تقول إحدى الشخصيات في مسرحية ليوربديز: "إن زواج الشاب من زوجة شابة شر مستطير ، وسبب ذلك أن قوة الرجل تبقى طويلاً، أما نضرة الجمال فسرعان ما تفارق صورة المرأة"(101).
فإذا ما تم اختيار الزوجة، واتفق على بائنتها، تمت خطبتها رسمياً في بيت والدها، ويجب أن يحضر هذه الخطبة شهود، ولكن حضور الفتاة نفسها لم يكن ضرورياً. فإذا لم تتم هذه الخطبة الرسمية، لم يعترف القانون الأثيني




صفحة رقم : 2180




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج


بالزواج، فكانت الخطبة والحالة هذه هي العمل الأول في مراسم الزواج المعقدة. وكانت الخطوة الثانية التي تتبع هذه الخطوة الأولى بعد أيام قلائل هي إقامة وليمة بهذه المناسبة في بيت الفتاة. وكان الزوج والزوجة قبل أن يحضرا هذه الوليمة يستحمان كل منهما في بيته استحماماً يتطهران به رسمياً، ثم تقام الوليمة ويجلس رجال الأسرتين في جانب من جوانب الحجرة، ونساؤها في جانب آخر، ثم يأكل الجميع كعكة العرس ويشربون الكثير من الخمر، ثم يأخذ العريس بيد عروسه المحجبة ذات الثوب الأبيض- ولعله لم يكن قد رأى وجهها من قبل- ويسير بها إلى عربة تقلها معه إلى بيت أبيه في موكب من الأصدقاء ومن الفتيات العازفات على القيثارة، ويضاء لهما الطريق بالمشاعل، وتنشد لهما أناشيد الزواج. فإذا وصلا إلى البيت حملها وتخطى بها عتبة الدار، كأنه يمثل في ذلك أسرها في العهد القديم، ويحيي أبوا الزوج الفتاة، ويستقبلانها استقبالاً دينياً ويدخلانها في دائرة الأسرة وفي عبادة آلهتها؛ ولم يكن للكاهن دور ما في مراسيم الزواج كلها. ثم يرافق الضيوف الزوجين إلى حجرتهما، وهم ينشدون أنشودة غرفة الزواج، ويتلكؤون صاخبين عند بابها حتى يعلن لهم العريس أنه قد جنى ثمرة الزواج.
وكان في وسع الرجل أن يتخذ له فضلاً عن زوجته خليلة يعاشرها معاشرة الأزواج. وفي ذلك يقول دمستين: "إنا نتخذ العاهرات للذة، والخليلات لصحة أجسامنا اليومية، والأزواج ليلدن لنا الأبناء الشرعيين ويعنين ببيوتنا عناية تنطوي على الأمانة والإخلاص"(102)، وفي هذه الجملة الواحدة العجيبة جمع دمستين رأي اليونان في المرأة إبان عصرهم الذهبي. وتبيح قوانين دراكون التسري، ولما أن قضت الحروب على العدد الكبير من المواطنين بعد الحملة التي سُيرت على صقلية سنة 415 ق.م، ولم تجد كثيرات من البنات أزواجاً، لهن، أباح




صفحة رقم : 2181




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج


القانون صراحة التزوج باثنتين؛ وكان سقراط ويوربديز من بين من استجابوا لهذا الواجب الوطني(103). وكانت الزوجة عادة تقبل التسري وتصبر عليه صبر الشرقيات، لأنها تعرف أن "الزوجة الثانية" متى فارقتها فتنة جمالها أصبحت في واقع الأمر جارية في المنزل، وأن أبناء الزوجة الأولى دون غيرهم هم الذين يعدون أبناء شرعيين. ولم يكن الزنا يؤدي إلى الطلاق إلا إذا ارتكبته الزوجة، وكان الزوج في هذه الحال يوصف بأنه يحمل قرنين Keroesses ، وكان من واجبه بحكم العادة أن يخرج زوجته من بيته(104). وكان القانون يعاقب الزانية، والرجل إذا زنى بامرأة متزوجة، بالإعدام؛ ولكن اليونان بلغوا من التساهل في الأمور الجنسية حداً يمنعهم من التشدد في تنفيذ حكم هذا القانون، فكان عادة يترك للزوج المعتدى عليه أن يأخذ بحقه من الزاني بالطريقة التي يختارها- فتارة يقتله في حالة التلبس، وتارة يرسل له عبداً يقتله، وتارة يكتفي بأن يأخذ منه تعويضاً مالياً(105).
وكان من السهل على الرجل أن يطلق زوجته، وكان في وسعه أن يطردها من بيته متى شاء من غير أن يبدي لذلك سبباً. وكانوا يرون عقم الزوجة سبباً كافياً لطلاقها، لأن الغرض من الزواج عندهم هو إنجاب الأبناء. أما إذا كان الرجل نفسه عقيماً فقد كان القانون يجيز، والرأي العام يحبذ، أن يستعين الزوج في هذه المهمة بأحد أقربائه. وكان الطفل الذي يولد نتيجة لهذا الاتصال ينسب للزوج نفسه، وعليه أن يعنى بروحه بعد وفاته. ولم يكن يباح للزوجة أن تترك زوجها متى شاءت، ولكن كان في وسعها أن تطلب إلى الأركون أن يطلقها من زوجها إذا قسا عليها أو




صفحة رقم : 2182




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج


تجاوز حد الاعتدال في شئونه(106). وكان الطلاق يباح أيضاً إذا تراضى الزوجان، وكان هذا التراضي يعبر عنه عادة بإعلانه رسمياً إلى الأركون. وإذا افترق الزوجان بقي الأطفال مع أبيهم حتى إذا ثبت الزنا عليه(107). وجملة القول أن العادات والشريعة الأثينية فيما يختص بالعلاقات بين الرجال والنساء كانت كلها من صنع الرجال، وهي تمثل النكوص عن المستوى الذي وصل إليه المجتمع في مصر وكريت وبلاد اليونان نفسها في عصر هومر، وتميل بالمجتمع الأثيني ناحية الشرق.




صفحة رقم : 2183




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المرأة



الفصل التاسع




المرأة


من الأمور التي لا تقل دهشة الإنسان منها عن دهشته من أي شيء آخر في هذه الحضارة، أنها ازدهرت من غير أن يكون لها عون أو حافز من المرأة. لقد قام عصر الأبطال، بفضل معونة النساء، بجلائل الأعمال، وبهذه المعونة أنتج عصر الطغاة روائع الشعر الغنائي، ثم اختفت النساء المتزوجات من تاريخ اليونان بين يوم وليلة، كأن الأقدار قد أرادت أن تدحض حجة القائلين بأن ثمة ارتباطاً بين مستوى الحضارة في بلد ما ومركز المرأة فيه. فبينما نرى المرأة في تاريخ هيرودوت في كل مكان، إذ لا نراها في تاريخ توكيديدز في أي مكان، وترى الأدب اليوناني من سميندز الأمرجوسي Semonides of Amorgos إلى لوشان يكرر أخطاء النساء تكراراً تشمئز منه النفس، وفي آخر هذا العصر يكرر بلوتارخ الرحيم نفسه قول توكيديدز(108): "يجب أن يحبس اسم السيدة المصونة في البيت كما يحبس فيه جسمها"(109).
وهذه العزلة النسائية لا وجود لها عند الدوريين، وأكبر الظن أنها جاءت من الشرق الأدنى إلى أيونيا، ثم انتقلت من أيونيا إلى أتكا، فهي جزء من تقاليد آسية. ولعل لاختفاء نظام التوارث عن طريق الأم، ونشأة الطبقات الوسطى، وسيطرة النظرة التجارية إلى الحياة، لعل لهذه الأمور أثرها في هذا التغيير: ذلك أن الرجال في هذه الأحوال ينظرون إلى النساء نظرة نفعية، فيجدون أكثر فائدة لهن في البيت. وتتفق الصبغة الشرقية التي اصطبغ بها الزواج اليوناني مع نظام العزلة الأتكية (Attic)، فهذا الزواج




صفحة رقم : 2184




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المرأة


يقطع الصلة بين العروس وأقاربها، فتذهب لتعيش عيشة لا تكاد تختلف عن عيشة الخدم في بيت غير بيتها، تعبد فيه آلهة غير آلهتها. ولم يكن في مقدورها أن تتعاقد على شيء أو أن تستدين أكثر من مبلغ تافه أو أن ترفع قضايا أمام المحاكم. ومن شرائع صولون أن العمل الذي يقوم به إنسان تحت تأئير المرأة عمل باطل قانوناً(110)؛ وإذا مات الزوج لم ترث زوجته شيئاً من ماله. وحتى العيب الفسيولوجي في أمور التناسل يعد سبباً مشروعاً لإخضاعها للرجل؛ فبينما كان جهل الرجل في الأزمنة البدائية بدوره في أمور التناسل يؤدي إلى رفع شأن المرأة، نرى النظرية السائدة في عصر اليونان الزاهر ترفع من شأن الرجل بتقريرها أن قوة التناسل يختص بها الرجل وحده، وأن المرأة لا تعدو أن تكون حاملاً للطفل ومرضعاً له(111). وكان كبر سن الرجل عن المرأة وقت الزواج من أسباب خضوع المرأة، فقد كانت سنه في ذلك الوقت ضعفي سنها، وكان في وسعه إلى حد ما أن يشكل عقلها حسب آرائه وفلسفته في الحياة. وما من شك في أن الرجل كان يعرف ما يتمتع به الرجال من حرية في المسائل الجنسية في أثينة معرفة تمنعه أن يجازف بإطلاق الحرية لزوجته أو ابنته، فهو يختار الحرية لنفسه على أن يكون ثمنها عزلة زوجته أو ابنته. ولقد كان في وسعها إذا تحجبت الحجاب اللائق بها، وصحبها من يوثق به، أن تزور أقاربها وأخصاءها، وأن تشترك في الاحتفالات الدينية ومنها مشاهدة التمثيل؛ أما فيما عدا هذا فقد كان ينتظر منها أن تقبع في منزلها، وألا تسمح لأحد أن يراها من النافذة. وكانت تقضي معظم وقتها في جناح النساء القائم في مؤخرة الدار، ولم يكن يسمح لزائر من الرجال أن يدخل فيه، كما لم يكن يسمح لها بالظهور إذا كان مع زوجها زائر.
وكانت وهي في البيت تكرَم وتُطاع في كل ما لا يتعارض مع سلطة زوجها الأبوية. فهي تدبر شئون البيت أو تشرف على تدبيرها؛ وهي تطهو




صفحة رقم : 2185




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المرأة


الطعام، وتمشط الصوف وتغزله، وتخيط ثياب الأسرة وتصنع فراشها. ويكاد تعليمها أن يكون مقصوراً على الفنون المنزلية، لأن اليونان كانوا يعتقدون مثل يوربديز أن ذكاء المرأة يعوقها عن أداء واجباتها(112). وكانت نتيجة ذلك أن نساء أثينة المحصنات كن أكثر تواضعاً، وأكثر "فتنة" لأزواجهن من مثيلاتهن في إسبارطة، ولكنهن كن في الوقت نفسه أقل منهن ظرفاً ونضوجاً، عاجزات عن أن يكن رفيقات لأزواجهن، لأن عقول هؤلاء الأزواج قد امتلأت وانصقلت بتجارب الحياة المختلفة؛ ومن أجل هذا أفاد الأدب اليوناني كثيراً من اليونانيات في القرن السادس ولم يفد شيئاً من نساء أثينة في عصر بركليز.
وقامت في أواخر هذا العصر حركة تهدف إلى تحرير المرأة. فنرى يوربديز يدافع عن النساء في خطب جريئة وغمزات خفيفة، أما أرسطوفان فيسخر منهن بألفاظ وقحة صاخبة. وتنزل النساء إلى الميدان في حركة التحرير ويخترن أقوى سلاح فيبدأن ينافسن الهيتاميراي ويجملن أنفسهن بكل ما يمدهن به تقدم الكيمياء من معونة. وشاهد ذلك سؤال تسأله كليونيكا Cleonica في مسرحية ليسستراتا Lysistrata لأرسطوفان: "أي شيء معقول نستطيع أن نقوم به نحن النساء؟ إنا لا نستطيع أن نفعل أكثر من أن نجلس جماعات بأدهاننا، وأصباغ شفاهنا، وأثوابنا الشفافة وما إلى ذلك"(113). وتصبح أدوار النساء من عام 411 أكثر شأناً في المسرحيات الأثينية مما كانت من قبل، وهي تكشف عن خروج المرأة شيئاً فشيئاً من العزلة التي كانت مفروضة عليها.
على أن سلطان المرأة الحقيقي على الرجل يظل قائماً في خلال هذا التغيير كله، ويجعل خضوعها للرجل خضوعاً غير حقيقي إلى حد كبير. إن اشتياق الرجل للمرأة أكثر من اشتياق المرأة للرجل يكسب المرأة في اليونان كما يكسبها في غيرها من البلاد ميزة كبرى عليه. وفي ذلك يقول صمويل جنسن: "سيدي؛ لقد وهبت الطبيعة المرأة من القوة ما لا تستطيع الشرائع أن تزيد عليه شيئاً"(114)




صفحة رقم : 2186




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المرأة


وقد يضاعف من هذه السيادة الطبيعية أحياناً بائنتها الكبيرة، أو لسانها السليط، أو حب زوجها لها حباً يجعله خاضعاً ذليلاً لها. وأكثر ما يقوم عليه سلطانها هو جمالها، أو إنجاب الأبناء الظرفاء وتربيتهم، أو انصهار روحها وروح زوجها في بوتقة التجارب والواجبات المشتركة؛ إلا أن عصراً يستطيع أن يصور شخصيات ظريفة مثل أنتجوني، والسستيس، وإفجينيا، وأندرمكي، ويصور بطلات مثل هكيبا، وكسندرا، وميديا، إن عصراً يستطيع أن يفعل هذا لا يمكن أن يجهل أسمى ما في المرأة وأعمق ما فيها. لقد كان الأثيني العادي يحب زوجته، ولم يكن على الدوام يحاول أن يستر هذا الحب؛ وإن الألواح الجنائزية لتكشف عن حنو الزوج على زوجته وحنو الآباء على أبنائهن في داخل جدران المنزل، وهو في كلتا الحالتين حنو يثير الدهشة. وفي دواوين الشعر اليونانية كثير من الشعر الغزلي الواضح الصريح، ولكن فيه أيضاً كثيراً من المقطوعات الشعرية المؤثرة التي تخاطب بها الرفيقة المحبوبة! انظر مثلاً إلى هذه القبرية: "في هذا الحجر وارى مرثونيز Marethonis نيقوبوليس Nicopolis، وروى صندوقها الرخامي بعبراته، ولكن هذا لم يجده نفعاً. وهل ثمة فائدة تعود على رجل فارقته زوجته، وبقي هو وحيداً على ظهر الأرض؟"(115).




صفحة رقم : 2187




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل



الفصل العَاشِر




المنزل


وكانت الأسرة اليونانية، كالأسرة الهندو - أوروبية بوجه عام، تتكون من الأب والأم، "والزوجة الثانية" أحياناً، ومن بناتهما غير المتزوجات، وأبنائهما، وعبيدهما، وزوجات أبنائهما وأطفالهم، وعبيدهم. وقد بقيت هذه الأسرة إلى آخر تاريخ اليونان أقوى الأنظمة في الحضارة اليونانية، لأنها كانت وحدة الإنتاج الاقتصادي وأداته في الزراعة والصناعة على السواء. وكان للأب في أتكا سلطان واسع في أسرته، ولكنه كان أقل من سلطان الأب في رومة؛ فقد كان في وسعه أن يعرّض الطفل الحديث الولادة للموت، ويبيع عمل أبنائه القاصرين وبناته غير المتزوجات، ويزوج بناته لمن يشاء، ويختار زوجاً آخر لأرملته بعد وفاته في بعض الظروف المعينة(116). ولكن القانون الأثيني لم يكن يجيز له أن يبيع أبناءه أنفسهم، وكان كل ولد من أولاده إذا تزوج يخرج عن سلطان أبيه، وينشئ لنفسه بيتاً خاصاً ويصبح عضواً مستقلاً في العشيرة.
ولم يكن البيت اليوناني على شيء من الفخامة. فقلما كان بناؤه الخارجي يزيد على سور سميك خال من الزينة ذي مدخل ضيق؛ وهو شهادة صامتة على ما كان يكتنف الحياة اليونانية من أخطار. وكانت مادة البناء هي الستُّوق Stucco، واللبِن في معظم الأحيان. وكانت بيوت المدينة تتجمع في شوارع ضيقة، وترتفع في الغالب طابقين، وتكون أحياناً مساكن مستقلة لعدة أسر، ولكن كل مواطن كان يمتلك في الغالب بيتاً مستقلاً. وظلت المساكن صغيرة في أثينة حتى ضرب ألسبيديز لأهلها مثلاً في الفخامة؛ ذلك




صفحة رقم : 2188




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


أن النزعة الديمقراطية، يقويها الحذر الأرستقراطي، كانت تحول بين الأهلين وبين التفاهم والتظاهر، وكان تعود الأثيني قضاء أكثر وقته في الهواء الطلق يصرفه عن أن يكون للبيت نفسه من المعنى ومن الإعزاز ما له في المناطق الباردة. وكان لبيت الأثيني الغني في بعض الأحيان مدخل ذو عمد مواجه للشارع، ولكن هذا كان من المظاهر الشاذة النادرة. كذلك كانت النوافذ ترفاً نادر الوجود، وإذا وجدت اقتصرت على الطابق الأعلى، ولم تكن لها ألواح زجاجية، ولكنها كانت تغلق بمصاريع خشبية، أو تكون مشبكة لتحجب أشعة الشمس. وكان الباب الخارجي يتكون عادة من مصراعين يدوران على محورين ينفذان في إسكفة الباب وعتبته. وكان على أبواب الكثير من بيوت الأغنياء مطرقة معدنية تتخذ في أغلب الأحيان صورة حلقة في فم أسد(117). وكان يمتد من مدخل الدار - إلا في دور الفقراء - ممشى يؤدي إلى فناء مكشوف يسمى الأول Aule يرصف عادة بالحجارة، ويحيط به أحياناً رواق وعمد، وقد يكون في وسطه مذبح أو حوض أو كلاهما، مزدان أحياناً بالعمد، ومرصوفة أرضيته بالفسيفساء. ويدخل أكثر الهواء وضوء الشمس إلى البيت من هذا الفناء، لأن أبواب جميع حجراته تفتح فيه، وكان لا بد لمن يريد الدخول من حجرة إلى حجرة أن يدخل الرواق أو الفناء. وكانت الأسرة تقضي معظم حياتها، وتقوم بأكثر أعمالها، في ظلال الرواق والفناء وخلوتهما.
وكانت الحدائق نادرة في المدينة، وتقتصر على مساحات صغيرة في فناء البيت أو خلفه؛ أما حدائق الريف فكانت أكثر من حدائق المدينة عدداً وأوسع رقعة؛ ولكن قلة الأمطار في الصيف وتكاليف الإرواء قد جعلا الحدائق في أتكا ترفاً لا يستمتع به إلا القليلون. ولم يكن اليوناني العادي مرهف الحس بالطبيعة كروسو Rousseau، وكانت جبال بلاده لا تزال من أسباب متاعبه، ولهذا لم تكن في نظره جذابة جميلة، وإن كان شعراء اليونان




صفحة رقم : 2189




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


ينظمون القصائد التي يتغنون فيها بجمال البحر رغم أخطاره الشديدة. ولم تكن الطبيعة تثير عواطفه، بقدر ما كان يتخيله فيها من كائنات روحية، فهو يملأ الغابات ومجاري المياه في بلاده بالآلهة والأشباح، وإذا فكر في الطبيعة لم يكن تفكيره في جمال مناظرها، بل في أنها مكان تتنعم فيه أرواح الأبطال الذين قتلوا في الميدان. وهو يطلق على جباله وأنهاره أسماء الأرباب الذين يسكنوها، ولا يرسم الطبيعة ذاتها بل يرسم بدلاً منه صوراً رمزية للآلهة التي تبعث فيها الحياة حسب ما تحدثه به ديانته الشعرية، أو ينحت لها تماثيل ترمز إلى هذه الآلهة. ولم ينشئ اليوناني لنفسه حديقة أو "جنة" ينعم بها وظل كذلك حتى عادت إليه جيوش الإسكندر بأساليب الفرس وذهبهم. ومع هذا فقد كانت الأزهار محبوبة في بلاد اليونان كما كانت محبوبة في غيرها من البلاد، وكانت الحدائق تنبتها، وبائعات الأزهار تمدهم بها، طوال العام. فكانت الفتيات البائعات يتنقلن من بيت إلى بيت يبعن الورد، والبنفسج، والزنبق، والنرجس، والسوسن، والآس، والليلق، والزعفران، وشقائق النعمان. وكانت النساء يزين شعرهن بالأزهار، والشبان المتأنقون يضعونها خلف آذانهم؛ وكان الرجال والنساء يخرجون في الأعياد وحول رقابهم عقود من الأزهار(118).
وكان البيت من داخله غاية في البساطة. فأما الفقراء فكانت أرض بيوتهم طيناً جف وتصلب، فلما زاد دخل هؤلاء أخذوا يغطون هذه الطبقة الأرضية بالحصباء أو يرصفونها بحجارة مستوية، أو بقطع منها صغيرة في أرضية من الأسمنت، كما كان أهل الشرق الأدنى يفعلون من أقدم الأزمان. وكانوا أحياناً يغطون هذا كله بالحصر أو الأبسطة. وكانت الجدران المقامة من الآجر تطلى بالجص أو بالجير. وكانوا يدفئون أنفسهم على مواقد من نحاس يخرج دخانها من أبواب الحجرات إلى فناء الدار، ولم يكونوا يحتاجون إلى هذه التدفئة أكثر من ثلاثة أشهر في العام. وتكاد البيوت أن تكون خالية من




صفحة رقم : 2190




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


الزينة، ولكن الأغنياء في أواخر القرن الخامس أخذوا يزينون بيوتهم بالأبهاء ذات العمد، وجدرانهم بقطع من الرخام أو بطلاء يجعلها شبيهة بألواح الرخام، ويعلقون على هذه الجدران صوراً ملونة أو قطعاً من القماش المزركش، ويحلون سقفها بنقوش على الطراز العربي. وكان الأثاث قليلاً في البيوت العادية - فلم يكن يزيد على بضعة كراسي وصناديق، وقليل من النضد، وسرير. وكانت الوسائد توضع على الكراسي بدل المقاعد المنجدة، ولكن كراسي الأغنياء كانت تزين في بعض الأحيان بنقوش محفورة فيها بعناية فائقة، أو تطعم بالذهب أو بأصداف السلاحف، أو العاج. وكانت الصناديق تُتخذ أصونة ومقاعد معاً، وكانت النضد صغيرة، تقف عادة على ثلاث أرجل، وهذا هو سبب تسميتها "بالطرابيزات" أي ذات الأرجل الثلاث. وكان يؤتى بها مع الطعام ثم تُرفع بعده، وقلما كانت تُستخدم في غير هذا الغرض، فقد كانوا يكتبون على ركبهم. وكانت الأرائك والأسرة من وسائل الزينة المحبوبة، وكانوا يعنون كثيراً بحفرها وتطعيمها. وكانت لهم حشايا ووسائد وأغطية للفرش مطرزة ووسائد للرأس مرتفعة. وكانت المصابيح تعلق من السقف أو توضع على قواعد، أو تتخذ شكل مشاعل جميلة النقش.
وكان المطبخ مجهزاً بكثير من الأواني المختلفة المصنوعة من الحديد، والبرنز، والخزف. أما الزجاج فكان من مواد الترف النادرة، ولم يكن يصنع في بلاد اليونان. وكان الطعام يُطهى فوق نار في العراء، أما المواقد فكانت بدعة اخترعت في البلاد التي اصطبغت بالصبغة اليونانية. وكانت الوجبات الأثينية بسيطة مثلها في ذلك مثل الوجبات الإسبارطية، وتختلف كثيراً عن الوجبات البؤوتية، والكورنثية، والصقلية؛ فإذا كان الأثينيون ينتظرون قدوم ضيف يريدون تكريمه استخدموا في العادة طاهياً محترفاً، وكان دائماً من الرجال. وكان الطهو فناً راقياً ألفت فيه




صفحة رقم : 2191




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


كثير من الكتب واشتهر به كثير من الأبطال، فمن الطهاة اليونان من لا تقل شهرتهم لدينا عن شهرة آخر الأبطال الفائزين في الألعاب الأولمبية. وكان الأثينيون يعدون من يأكل منهم بمفرده جلفاً غير مهذب، وكانت آداب المائدة عندهم دليلاً على ارتقاء الحضارة. وكان الأولاد والنساء يجلسون حول موائد صغيرة، أما الرجال فكانوا يتكئون على آرائك تتسع الواحدة لرجلين. وكانت الأسرة تأكل مجتمعة إذا لم يكن عندها غرباء؛ فإذا كان لديها ضيوف من الرجال انسحبت نساء الأسرة إلى جناح الحريم. وكان الخدم يخلعون نعال الضيوف أو يغسلون لهم أقدامهم قبل أن يتكئوا على الآرائك ويقدمون لهم الماء ليغسلوا به أيديهم، وكانوا في بعض الأحيان يدهنون لهم رؤوسهم بالزيوت المعطرة؛ ولم يكونوا يستخدمون السكاكين أو الشوك، ولكنهم كانوا يستخدمون الملاعق، ويتناولون الطعام اليابس بالأصابع. وكانوا في أثناء الطعام ينظفون أصابعهم بلقيمات من الخبز، ويغسلونها بعدئذ بالماء. وكان الخدم يملئون قدح كل ضيف قبل تناول الحلوى من آنية تحتوي على خمر مخفف بالماء. وكانت الصحاف من الخزف، ثم ظهرت الصحاف الفضية في آخر القرن الخامس، وبدأ المتأنقون في الطعام والشراب يزداد عددهم في القرن الرابع؛ ومن هؤلاء رجل يدعى بيثلس Pithyllus صنع للسانه وأصابعه أغطية يستطيع بها أن يأكل الطعام مهما كانت حرارته(119). وكان منهم بعض من يقتصرون على الخضر، وكان ضيوف هؤلاء يسخرون منهم ويشكون كعادة الضيوف مع أمثالهم. من ذلك قول أحدهم: "إنهُ هرب من وليمة لا تقدم فيها إلا الخضر خشية أن تكون حلواها هي الدريس"(120).
ولم يكن الشراب أقل شأناً عندهم من الطعام، فكان الغذاء (الديبنون Deipnon) يتلوه الشراب الجماعي Symposion، وكان في إسبارطة وأثينة




صفحة رقم : 2192




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


أندية للشراب تتوثق العلاقة بين أعضائها توثقاً تصبح معه هذه الأندية أدوات سياسية عظيمة القوة.

وكانت الإجراءات التي تتبع في الولائم كثيرة التعقيد، وكان الفلاسفة أمثال زنوكراتس Xenocrates وأرسطاطاليس يرون أنه يحسن بهم أن يضعوا لها قوانين(121).
وكانت الأرض التي يلقى عليها ما لا يؤكل من الطعام تنظف بعد الانتهاء من تناوله، ويطوف عليهم الخدم بالروائح العطرية والخمر الكثير. ثم يرقص الضيوف إذا شاءوا، ولكنهم لم يكونوا يرقصون أزواجاً أو مع النساء (لأن الرجال وحدهم هم الذين كانوا يدعون عادة إلى الولائم) بل جماعات؛ أو كانوا يلعبون ألعاباً كالكتوموس ، أو يتقارضون الشِعر، أو يتبادلون المدح، أو الألغاز، أو يشاهدون ألعاباً يقوم بها رجال محترفون ونساء محترفات، كالبهلوانة التي يحدثنا عنها زنوفون في "مقالاته الدورية" والتي تقذف اثني عشر طوقاً دفعة واحدة ثم ترقص رقصة الانقلاب في الهواء في داخل طوق "أحيط من جميع جوانبه بالسيوف القائمة"(122).وكان يحدث أحياناً أن تظهر أمام الضيوف بنات يعزفن على القيثارات، ويغنين، ويرقصن، ويغازلن غزلاً دُبر أمره من قبل. وكان الأثينيون المتعلمون يفضلون عن هذا أن يجتمعوا ليتناقشوا نقاشاً ينظمه لهم رئيس منهم يختارونه بقذف النرد. وكان الضيوف يحرصون على ألا ينقسم المجلس إلى طوائف صغيرة لأن معنى هذا الانقسام في العادة أن كل طائفة تتحدث مستقلة، بل كانوا يحرصون على أن يكون الحديث عاماً،




صفحة رقم : 2193




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


وكانوا يصغون إلى كل متحدث إذا جاء دوره بالأدب واللطف الذي يسمح به ما هم فيه من مرح. وما من شك في أن الحديث الظريف الذي يقصه علينا أفلاطون من نسيج خيال هذا الفيلسوف النابه؛ ولكن أكبر الظن أن أثينة قد شهدت محاورات لا تقل حيوية عن محاورات أفلاطون، وسواء كان ذلك أو لم يكن فإن المجتمع الأثيني هو الذي أوحى إلى أفلاطون بمحاوراته، وهذا المجتمع هو مرجعها وموضوعها. وفي وسط هذا الجو المنعش المنبه جو النابهين الأحرار تكونت العقلية الأثينية.




صفحة رقم : 2194




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الشيخوخة



الفصل الحادي عشر




الشيخوخة


لقد كان اليوناني يحب الحياة ويكره الشيخوخة ويندبها. على أن هذه الشيخوخة نفسها كان فيها ما يذهب ببعض أحزانها؛ فقد كان يعزي الشيخ الهرم أن يرى قبل أن يبلى جسمه حياته الجديدة في صورة أبنائه وأحفاده فيخدع نفسه ويظنه مخلداً، كأنه درهم بال عاد إلى دار الضرب ليصهر ويسك من جديد. لسنا ننكر أن في تاريخ اليونان أمثلة من إهمال الشباب للشيوخ أو إساءة معاملتهم إهمالاً وإساءة مبعثهما الأثرة الممقوتة، وسبب ذلك أن المجتمع الأثيني مجتمع تجاري، فردي النزعة، مجدد غير محافظ؛ وكل هذه العوامل تجعله ينزع إلى عدم الشفقة على الشيوخ، لأن احترامهم من خصائص المجتمع الديني المحافظ مثل مجتمع إسبارطة؛ أما الديمقراطية فإن ما فيها من حرية يحل عرى الصلات، ويركز اهتمام الناس بالشباب، ويفضل الجديد على القديم. ولهذا نجد في تاريخ الأثينيين أمثلة عدة لأبناء يستولون على ملك آبائهم في حياتهم، وإن لم يثبت العته على هؤلاء الآباء(123)؛ ولكن سفكليز ينجي نفسه من هذا المصير، ولا يكلفه هذا أكثر من أن يقرأ للمحكمة التي تنظر في أمره فقرات من آخر مسرحية له. غير أن الشرائع الأثينية تأمر الأبناء أن يعولوا آباءهم العجزة أو الطاعنين في السن(124)؛ والرأي العام، الذي يخشاه الناس على الدوام أكثر مما يخشون القانون، يفرض على الشباب أن يبجلوا الكبار ويتواضعوا أمامهم. ويرى أفلاطون أن من الأمور المسلم بها أن يظل الشاب الحسن التربية صامتاً في حضرة الكبار إلا إذا طُلب إليه الكلام(125). وفي الآداب الأثينية صور كثيرة للشباب المتواضع، منها المحاورات الأولى لأفلاطون




صفحة رقم : 2195




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الشيخوخة


ومنها مقالات زنوفون الدورية، وفي هذا الأدب قصص مؤثرة عن وفاء الأبناء للآباء، كوفاء أرستيز لأجممنون ووفاء أنتجوني لأوديب.
فإذا حانت منية الشيخ حرص الأحياء أشد الحرص على أن يجنبوا روحه كل ما يستطيعون أن يجنبوها من الآلام. فالجسم يجب أن يدفن أو يحرق، وإلا فإن الروح تهيم قلقة مضطربة حول العالم، وتثأر لنفسها من أبناء الشيخ المهملين. فقد تظهر مثلاً في صورة طيف، وتصيب النبات والإنسان بالأمراض والكوارث. وكان إحراق الموتى أكثر انتشاراً في عصر الأبطال ودفنهم أكثر انتشاراً في العصر الذهبي. والدفن عادة مأخوذة عن الميسينيين وقد بقيت إلى العصر المسيحي، ويبدو أن عادة إحراقهم جاءت إلى بلاد اليونان مع الأخيين والدوريين، لأن عاداتهم البدوية لا تمكنهم من أن يعنوا العناية الواجبة بالقبور. وجملة القول أن الدفن أو الإحراق واجب يلزم به الأثينيون، وقد بلغ من حرصهم عليه أن القواد المنتصرين في أرجنوسي قد أعدموا لأن عاصفة حالت بينهم وبين استعادة جثث موتاهم ودفنها.
وأبقت عادات الدفن اليونانية الأساليب القديمة إلى ما بعد عصرها بزمن طويل. من ذلك أن الجثة كانت تغسل بالماء، وتدهن بالعطور، وتكلل بالأزهار، وتُلبس أحسن ما تستطيع الأسرة أن تبتاعه لها من الثياب، ثم توضع اُبلة بين أسنانها لتؤديها أجراً لكارون صاحب القارب الأسطوري الذي ينقل الموتى في نهر أستيكس إلى مقرهم الأخير . وتوضع الجثة في تابوت من الفخار أو الخشب. وكان من أمثال اليونان الأقدمين قولهم "إن إحدى قدمي الشخص في التابوت" ويعنون بذلك ما نعنيه نحن بهذا المثل




صفحة رقم : 2196




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الشيخوخة


نفسه%=@ويقابل هذا قول عامة مصر "إن رجله في القبر".@ . ويتخذ الحزن على الموتى عدة مظاهر مقررة: منها لبس الثياب السود، وقص الشعر كله أو بعضه ليقدم هدية للميت. وفي اليوم الثالث بعد الموت تحمل الجثة في نعش ويطوف موكب الجنازة بشوارع المدينة، والنساء من خلف الجثة يبكين، ويضربن صدورهن، وقد تُستأجر نادبات محترفات يندبن الميت. وتصب الخمر على التراب الذي يغطي القبر لتروي به روح الميت غليلها، وقد تُذبح بعض الحيوانات لتكون طعاماً لها. ويضع مشيعوا الجنازة على القبر أكاليل من الأزهار أو ورق السرو(127)، ثم يعودون إلى منزل الميت ليحتفلوا بالجنازة. وإذ كان من معتقداتهم أن روح الميت تشهد هذا الاحتفال، فقد كان من عاداتهم المقدسة "ألا يذكروا عن الميت إلا الخير" . وقد كانت هذه العادة منشأ قانون قديم يفرض على الأحياء ألا يذكروا إلا محاسن الموتى، ولعلها هي أيضاً منشأ ما يكتب على شواهد القبور من مدح. وكان أبناء الميت يزورون قبور أسلافهم في مواسم معينة، ويقدمون لهم الطعام والشراب. وقد تعهد أهل بلاتية بعد المعركة المسماة باسم مدينتهم والتي قتل فيها عدد من اليونان من مختلف المدن، تعهدوا أن يقيموا لجميع الأموات وليمة سنوية، وكانوا لا يزالون يوفون بوعدهم هذا بعد أن مضت على المعركة ستة قرون كاملة.
وكانت الروح تنفصل من الجسم بعد الموت وتصبح طيفاً غير مادي يسكن في الجحيم. ويستفاد من أقوال هومر أن الأرواح التي ارتكبت ذنوباً شنيعة أو مرقت من الدين هي وحدها التي تعذب في تلك الدار، أما سائر الأرواح




صفحة رقم : 2197




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الشيخوخة


بعدئذ، سواء كانت أرواح قديسين أو مذنبين، فكان مصيرها كلها أن تطوف إلى أبد الدهر حول مملكة بلوتو المظلمة. وقد نشأ في التاريخ اليوناني على تعاقب الأيام اعتقاد جديد بين الطبقات الفقيرة مضمونه أن الجحيم مكان يكفر فيه المذنبون عن ذنوبهم؛ ويصور إسكلس زيوس وهو يحاسب الموتى في ذلك المكان، فيعاقب المذنبين، وإن كان لا يذكر كلمة واحدة عن إثابة الصالحين(129). ولسنا نسمع إلا القليل عن الجزائر المباركة أو الحقول الإليزية مواطن السعادة الأبدية التي ينعم فيها عدد قليل من أرواح الأبطال. فالتفكير فيما ينتظر جميع الأموات من مصير محزن نكد يخيم على الأدب اليوناني ويجعل الحياة اليونانية أقل بهجة وانشراحاً مما يجب أن تكون عليه الحياة تحت هذه السماء الصافية.




صفحة رقم : 2198




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> زينة الحياة الدنيا



الباب الرابع عشر




الفن اليوناني في عصر بركليز




الفصل الأوّل




زينة الحياة الدنيا


تقول إحدى الشخصيات في كتاب "الاقتصاد" لزنوفون: "جميل أن ترى الأحذية مرتبة في صف حسب أنواعها، وجميل أن ترى الثياب والأغطية مقسمة حسب منافعها، وجميل أيضاً أن ترى أواني الطبخ مرتبة بذوق وتنسيق، وإن سخر من ذلك الثرثارون المتفيهقون. أجل إن الأشياء جميعها بلا استثناء يزداد جمالها إذا نُسقت وصُفت بانتظام. فهذه الأواني كلها تبدو حينئذ كأنها مجموعة متناسقة يكمل بعضها البعض. ومركزها المتكون منها جميعاً يخلق فيها جمالاً يزيده بُعد القطع الأخرى من المجموعة.
هذه الفقرة التي كتبها قائد حربي تكشف عن مدى إحساس اليونان بالجمال، وعن بساطة هذا الإحساس وقوته. وهذا الإحساس بأهمية الشكل والتناسق، وبالدقة والوضوح، وبالتناسب والنظام، هو العامل الأساسي في الثقافة اليونانية، وتراه واضحاً في شكل كل وعاء ومزهرية ونقشهما، وفي كل تمثال وصورة، وكل معبد وقبر، وكل قصيدة ومسرحية، وفي كل مؤلف يوناني في العلم والفلسفة. إن الفن اليوناني هو العقل مجسماً واضحاً، والتصوير اليوناني هو منطق الخطوط، والنحت اليوناني هو عبادة التناسب، والعمارة اليونانية هي الهندسة الرخامية. ليس في الفن




صفحة رقم : 2199




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> زينة الحياة الدنيا


البركليزي مغالاة في العواطف، ولا شذوذ في الشكل أو محاولة تهدف إلى التجديد عن طريق الغريب غير المألوف ، وليس الغرض الذي يرمي إليه هو تمثيل ما في الحقائق الواقعية من الخلط وعدم التناسق، بل الغرض من هذا الفن هو الاستحواز على جوهر الأشياء الذي ينيرها، وتصوير إمكانيات الناس المثالية. ولقد استحوز السعي للحصول على الثراء والجمال والمعرفة على عقول الأثينيين فشغلهم عن التفكير في التقي والصلاح، وفي ذلك يقول أحد المدعوين إلى وليمة عند زنوفون: "قسماً بالآلهة جميعهم أني لو أعطيت كل ما لملك الفرس من سلطان لفضلت عليه الجمال"(3).
ولم يكن اليوناني، مهما تكن الصورة التي يرسمها له الروائيون في العصور التي هي أقل من عصره رجولة، عابداً مخنثاً للجمال، أو إنساناً يستخفه الطرب ويتغنى بأسرار الفن حباً في الفن، بل كان يُخضِع الفن في فكره للحياة، ويفكر في الحياة على أنها أعظم الفنون على الإطلاق. وكان ذا نزعة نفعية تميل به عن الجمال الذي لا نفع فيه، وكان النافع والجميل والطيب مرتبطة كلها في تفكيره ارتباطها في فلسفة سقراط وكان يرى أن الفن هو قبل كل شيء تجميل طرق الحياة ووسائلها. فكان يتطلب أن تكون آنيته ومصابيحه، وصناديقه ونضده، وسرره وكراسيه نافعة وجميلة معاً، وألا تبلغ من الرشاقة والجمال حداً يفقدها صلابتها. وكان وضوح "إدراكه للدولة" يوحد بينه وبين قوة المدينة وعظمتها، فاستخدم من ثم آلاف الفنانين لتجميل أماكنها العامة، وتعظيم أعيادها، وإحياء تاريخها. وأهم من هذا كله أنه كان يحرص على أن يكرم آلهته، ويستجلب عطفهم ورضاهم، ويعبر عن شكره لهم لما وهبوه من حياة أو نصر. وكان يهدي إليهم النذور من الصور والتماثيل، ويهب الهياكل الشيء




صفحة رقم : 2200




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> زينة الحياة الدنيا


الكثير من ماله، ويستأجر الفنانين لينحتوا صور آلهته أو موتاه في الحجارة. ومن أجل هذا لم ينشأ الفن اليوناني ليوضع في المتاحف فيتردد عليها الناس ليتأملوه في اللحظات القليلة التي يشعرون فيها بالرغبة في إشباع حاسة الجمال، ولكنه نشأ لكي يخدم مصالح الناس ومشروعاتهم الحقيقية. ولم يكن ما صاغه من تماثيل لأبلو قطعاً متينة من الرخام تُصَفّ في معرض للفن، بل كانت صوراً تمثل أرباباً محبوبة، ولم تكن المعابد أماكن يعجب بها الزائرون، بل كانت مواطن لهذه الأرباب الحية، ولم يكن الفنان في المجتمع الأثيني ناسكاً يعتزل الناس مفلساً عاكفاً في مرسمه، يعبر عما في نفسه بلغة لا يفهمها المواطن العادي، بل كان في حقيقة أمره صانعاً ماهراً، يشتغل مع عمال من جميع الدرجات بعمل عام يفهمه جميع الناس. وقد جمعت أثينة من جميع أنحاء اليونان طائفة من الفنانين، ومن الفلاسفة والشعراء، أكبر مما جمعته أية مدينة أخرى في العالم إذا استثنينا رومة في عهد النهضة. وكان هؤلاء الناس يتنافسون أشد التنافس ويتعاونون فيما بينهم في ظل حكم مستنير، وبفضل هذين التنافس والتعاون حققوا إلى حد كبير أحلام بركليز.
والفن يبدأ في المنزل وبشخص الفنان. فالناس يصورون أنفسهم قبل أن يصوروا شيئاً آخر، ويزينون أجسامهم قبل أن يزينوا بيوتهم. فالحلي، كأدهان الزينة، قديمة العهد قدم التاريخ نفسه. ولقد برع اليوناني في قطع الجواهر ونقشها، وكان يستخدم في هذا العمل آلات بسيطة من البرونز، كالمثاقب البسيطة والأنبوبية، وحجر الجلخ، ومادة للصقل مكونة من (الصنفرة) والزيت(5). ولكن عمله مع هذا كان يبلغ من الدقة والإتقان درجة يحتاج إنجاز دقائقها، في أكبر الظن، إلى منظار كبير بلا ريب لتتبع هذه الدقائق(6). ولم تكن النقود على درجة كبيرة من الجمال في أثينة حيث كانت صورة البومة الكئيبة هي التي تنقش على معظم النقود.




صفحة رقم : 2201




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> زينة الحياة الدنيا


وكانت إليس صاحبة الزعامة على جميع مدن اليونان الأصلية في هذا الميدان، ثم أصدرت سرقوسة في أواخر القرن الخامس قطعة ذات عشر درخمات لم تفقها قط قطعة أخرى في جمالها الفني. وقد احتفظ فنانو كلسيس بزعامة المدن اليونانية في النقش على المعادن، وكانت كل مدينة في حوض البحر الأبيض المتوسط تعمل للحصول على أدواتها الحديدية، والنحاسية، والفضية. وكانت المرايا اليونانية أبعث للسرور مما تستطيعه معظم المرايا بطبيعتها، ذلك أن الإنسان إن لم يكن في وسعه أن يرى خياله واضحاً كل الوضوح في سطح من البرونز المصقول، فإن المرايا نفسها كانت على أشكال مختلفة جذابة، وكثيراً ما كانت منقوشة نقشاً متقناً بديعاً، وكانت تحملها تماثيل الأبطال، أو النساء الحِسان، أو الآلهة.
وظل الفخرانيون يمارسون صنع الأشكال ويتبعون الأساليب التي كانت لديهم في القرن السادس محتفظين بهزلهم ومنافساتهم التقليدية. وكانوا أحياناً ينقشون على الآنية قبل إحراقها كلمة حب يوجهونها إلى غلام، وقد جرى فدياس نفسه على هذه العادة حين حفر على إصبع الصورة التي صنعها لزيوس: "إن بنتاركس جميل". وفي النصف الأول من القرن الخامس وصل طراز الصور الحمراء ذروته في مزهرية أخيل وبنثيسليا، وكأس إيسوب والثعلب المحفوظ في متحف الفاتيكان، وصورة أرفيوس بين التراقيين المحفوظة في متحف برلين. وأجمل من هذه كلها قوارير الدهن البيضاء التي صنعت في منتصف ذلك القرن. وكانت هذه القوارير الرفيعة تصنع للموتى خاصةً وتدفن معهم عادةً، أو تلقى فوق كومة الحطب التي تحرق عليها أجسامهم حتى يمتزج ما فيها من الزيت المعطر بلهب الحطب. وحاول ناقشو المزهريات أن يكونوا مستقلين فرديين في عملهم، وكانوا أحياناً ينقشون على الآنية قبل إحراقها موضوعات لو رآها فنانو العصر القديم المحافظون لأثارت دهشتهم. من ذلك أن مزهرية رسمت عليها صورة شبان يعانقون بعض عشيقاتهم بلا حياء، ورسم على مزهرية أخرى




صفحة رقم : 2202




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> زينة الحياة الدنيا


رجال يتقايئون وهم خارجون من وليمة، وعلى مزهريات غير هذه وتلك صور تمثل كل ما يستطاع عمله في شئون التربية الجنسية(8). وقد ترك صناع المزهريات في عصر بركليز - بريجوس Brygys. وسوتاديز، وميدياس - الأساطير القديمة واختاروا لهم مناظر من حياة الناس في عصرهم، وأكثر ما كانوا يسرون منه حركات النساء الرشيقة، ولعب الأطفال الطبيعي. وكانوا أصدق في رسمهم من سابقيهم: فكانوا يظهرون من الجسم منظره الجانبي أو يظهرون ثلاثة أرباع منظره الكامل، وكانوا يبينون الضوء والظل باستعمال محلول للطلاء الزجاجي خفيف أو غليظ، ويرسمون الصور بحيث تبين الخطوط الخارجية والعمق وثنايا أثواب السيدات. وكانت كورنثة وجيلا الصقلية مركزين لطلاء المزهريات الدقيقة التي كانت تصنع في ذلك العهد، ولكن أحداً لم يكن يشك في تفوق الأثينيين على كل من عداهم في هذه الناحية. ولم يكن الذي انتزع السيادة من فخراني السرمكس (حي الفخرانيين في ضواحي أثينة) هو منافسة غيرهم من الفخرانيين، بل كان قيام فن النقش المنافس لفنهم هذا. وحاول رسامو المزهريات أن يردوا هذا الهجوم بتقليد موضوعات النقاشين على الجدران وطرزهم، ولكن أذواق العصر لم تكن معهم، وأخذ فن الفخراني يتحول شيئاً فشيئاً في خلال القرن الرابع من فن جميل إلى صناعة تسد حاجة الناس.




صفحة رقم : 2203




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> نشأة فن التصوير



الفصل الثاني




نشأة فن التصوير


اجتاز تاريخ التصوير اليوناني خمس مراحل، ففي القرن السادس كان معظمه يهدف إلى تزيين الخزف وبخاصة المزهريات، وفي القرن الخامس كان أهم ما يعنى به العمارة وبخاصة طلاء المباني العامة والتماثيل بالألوان المختلفة، وفي القرن الرابع كان يحوم حول المنازل والأفراد فيزين المساكن ويرسم الصور، وفي العصر الذي اصطبغت فيه البلاد الخارجية بالصبغة اليونانية كان معظمه فردياً يخرج صوراً تباع لمن يرغب فيها من الأفراد. وقد بدأ فن التصوير اليوناني حين تفرع من الرسم العادي وبقي إلى آخر مراحله رسماً وتخطيطاً في أساسه وجوهره، وقد استخدم في تطوره ثلاث طرق: طريقة المظلمات أو التصوير على الجص الطري، وطريقة الطلاء المائي أو التصوير على الأقمشة أو الألواح المبللة بألوان ممزوجة بزلال البيض، وطريقة تثبيت الرسوم بالحرارة وذلك بمزج الألوان بالشمع المذاب، وكانت هذه الطريقة الأخيرة أقرب ما وصل إليه الأقدمون إلى طريقة التصوير بالزيت. ويؤكد لنا بلني - وهو الذي لا يقل أحياناً عن هيرودوت رغبة في تصديق كل ما يسمع - أن فن التصوير قد تقدم في القرن الثامن تقدماً جعل كندولس Candaules ملك ليديه يبتاع صورة من صنع بولاركس Bularchus بمثل وزنها ذهباً(9). لكن بداية كل الأشياء غامضة. وفي وسعنا أن ندرك ما كان لهذا الفن من الشهرة في بلاد اليونان إذا علمنا أن بلني قد خصه من صفحاته بأكثر مما خص به النحت. ويبدو أن الرسوم الجيدة التي أنتجها عصر اليونان الذهبي كانت موضع النقاش من النقاد وموضع




صفحة رقم : 2204




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> نشأة فن التصوير


الإجلال من الشعب وأنها لم تكن تقل في هذين عن أعظم نماذج فنّي العمارة والنحت(10).
ولم يكن بولجنوتس Polygnotus الثاسوسي أقل شهرةً في بلاد اليونان في القرن الخامس من إنكتينس Inctinus أو فدياس. ونجد هذا المصور في أثينة في عام 472، ولعل سيمون الثري هو الذي توسط له فكلف بتزيين عدة مبانٍ عامة ورسم صورٍ على جدرانها . وقد صور في ذلك العهد على الاستوا Stoa، التي سميت من ذلك الحين البوسيلي Boecile أو الرواق المصور، والتي اشتق منها بعد ثلاثة قرون اسم فلسفة زينون ، صور عليها منظر نهب طروادة - ولم يكن ذلك المنظر منظر المذبحة الرهيبة التي حدثت في ليلة النصر، بل كان منظر السكون الرهيب الذي ساد المدينة في صباح اليوم الثاني، والمنتصرون قد هدأ من سورتهم ما يحيط بهم من الخراب، والمغلوبون ملقون على الأرض هادئين. وقد رسم على هيكل الديسكوريين صورة اغتصاب اللوسيبيديات. وكان تصويره النساء في أثواب شفافة سابقة احتذاها من جاء بعده من الفنانين. ولم تثر هذه البدعة ثائرة المجلس الأمفكتيوني، بل إن هذا المجلس دعا بولجنوتس إلى دلفي حيث صور في اللسكي Lesche أو ردهة الاستراحة صورة أوديسيوس في الجحيم وصورة أخرى لانتهاب طروادة. وكانت هذه الصور كلها مظلمات كبيرة خالية من المناظر الطبيعية أو الخلفيات، مزدحمة بصور الأشخاص إلى حد كان لا بد معه أن يستعان بعدد كبير من المساعدين ليرسموا بالألوان ما بين الخطوط الخارجية التي خططها المصور بعناية فائقة. أما الصورة الجدارية التي تمثل طروادة فكان فيها بحارة متلوس على أهبة الإبحار عائدين إلى بلاد اليونان، وكانت هلن تجلس في وسط الملاحين، ومعها كثيرات غيرها من النساء ولكنهن كن جميعاً يبهرهن جمالها الفتان،




صفحة رقم : 2205




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> نشأة فن التصوير


ووقفت أندرمكي في إحدى الزوايا محتضنة استيانكس, ووقف في زاوية أخرى غلام صغير يتعلق بمذبح من شدة الخوف, وعلى بعد من البحارة كان جواد يتمرغ على رمال الشاطئ(12). في هذه الصورة كانت مسرحية "الطرواديات" قبل أن يكتبها يوربديز بخمسين عاماً. وأبى بولجنوتس أن يتقاضى أجراً على عمله هذا, ووهب الصور لأثينة ودلفي كرماً منه وثقة بقدرته ومواهبه. وأعجبت بلاد اليونان كلها بعمله, ومنحته أثينة مواطنيتها. وقرر المجلس الأمفكتيوني أن يحل ضيفاً على حساب الدولة في كل مدينة يونانية ينزل بها( كما كان يريد سقراط لنفسه ), ولم يبق من آثاره كلها إلا قطعة صغيرة من اللون على جدار في دلفي تذكرنا بأن الخلود الفني ليس إلا لحظة عابرة في حساب الأزمنة الجيولوجية.
وفي عام 470 ق.م أقامت دلفي وكورنثة مباريات دورية في التصوير تعقد كل أربع سنين لتكون جزءاً من الألعاب البيئية والبرزخية. وتقدم الفن وقتئذ تقدماً أمكن بانينس شقيق فدياس (أو ابن أخيه ) أن يرسم صوراً لقواد الاثينيين والفرس في واقعة مرثون يمكن تمييز أشخاصهم فيها. ولكنه كان حتى ذلك الوقت لا يزال يضع الأشخاص المصورين جميعهم في مستوى واحد ويجعل طول قامتهم كلهم واحداً, ولم يكن يمثل البعد بتصغير حجم الأشخاص شيئاً فشيئاً وبتنظيم الضوء والظل, بل كان يمثله بالخطوط المنحنية التي تمثل الأرض الواقفين عليها. ثم تقدم الفن في عام 440 خطوة هامة. ذلك أن أجاثاركس suhcrahtagA، الذي استخدمه إسكلس وسفكليز ليرسم مناظر مسرحياتهما تبين أن ثمة علاقة بين الضوء والظل من جهة والبعد من جهة أخرى، وكتب رسالةً في الفن المنظور بوصفه وسيلة لإيجاد الخداع المسرحي. وعالج أنكساغوراس ودمقريطس الفكرة من الناحية العلمية، فلما أوشك القرن على نهايته اشتهر أبلودورس Apollodorus الأثيني باسم اسكياجرافوس Skiagraphos أي مصور الظلال، لأنه رسم صوراً استخدم




صفحة رقم : 2206




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> نشأة فن التصوير


فيها الضوء والظل، ولذلك قال عنه بلني إنه كان "أول من رسم الأشياء كما تبدو حقاً"(14).
على أن المصورين اليونان لم يفيدوا من هذه الاستكشافات فائدة تامة، فكما أن صولون كان يسخر من الفن المسرحي ويعتقد أنه خداع، فكذلك يبدو أن الفنانين كانوا يرون أنه لا يليق بهم وأنه يحط من كرامتهم أن يظهروا السطح المستوي بمظهر الجسم ذي الثلاثة الأبعاد. ولكن فن المنظور وتوزيع الضوء والظل هما اللذان رفعا من شأن زكسيس Zeuxis تلميذ أبلودورس وجعلاه أعظم المصورين في القرن الخامس. وقد قدم زكسيس من هرقلية (بنتيكا Pontica) إلى أثينة حوالي 424 ق.م، وعد مجيئه إليها حادثاً تاريخياً خطيراً رغم ضجيج الحرب القائمة وقتئذ. وكان "شخصاً" جريئاً مغروراً بنفسه، يصور تصوير المغرورين. وكان في الألعاب الأولمبية يتبختر في قباء ذي مربعات طرز عليها اسمه بالذهب، وكان في مقدوره أن يكون له مثل هذا القباء لأنه كان وقتئذ قد جمع "من عمله ثروةً طائلة"(15). ولكنه كان يعمل بعناية الفنان العظيم وإخلاصه، ولما أن أخذ اجاثاركس Agatharchus يزدهي بسرعته في التصوير رد عليه زكسيس في هدوء: "إني أحتاج إلى وقت طويل". وتخلى عن عدد كبير من روائع صوره بحجة أنها لا تقدر بثمن مهما عظم، وكان الملوك يعدون أنفسهم سعداء حين يحصلون عليها، ولم تكن المدن أقل حرصاً على اقتنائها من الملوك.
ولم يكن له في جيله إلا منافس واحد هو برهسيوس Parrhassius الإفسوسي الذي لا يكاد يقل عنه في عظمته، ولم يكن بالتأكيد أقل منه عجباً بنفسه. وكان برهسيوس يضع على رأسه تاجاً من الذهب ويلقب نفسه "أمير المصورين"، ويقول أنه أوصل الفن إلى درجة الكمال(17). وكان يعمل هذا كله في مرح ومزاح ويغني وهو يرسم(18). وتقول الشائعات أنه اشترى عبداً وعذبه لكي يدرس عليه ما يبدو على وجهه من مظاهر الألم فيستطيع أن يرسم صورة بروميثيوس(19). وما أكثر القصص التي يتناقلها الناس عن الفنانين. وكان




صفحة رقم : 2207




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> نشأة فن التصوير


برهسيوس واقعياً مثل زكسيس. وقد بلغ من الصدق صورة العداء وإتقانها أن الناظرين إليها كانوا يتوقعون أن يروا العرق يتصبب من الصورة، وأن يروا العداء نفسه يسقط من فرط الإعياء. ومن صوره صورة كبرى على جدار، هي صورة أهل أثينة يمثلهم فيها قساة ورحماء، متكبرين وأذلاء، متوحشين وجبناء، متقلبين وكرماء، ويبلغ من أمانته في هذه الصورة أن الجمهور الأثيني - على ما تقول الرواية - أدرك لأول مرة ما في طباعه من تعقيد و تناقض(20).
وأدى التنافس الشديد بينه وبين زكسيس Zeuxis إلى اشتراك الرجلين في مباراة عامة. ذلك أن زكسيس رسم بعض عناقيد العنب رسماً بلغ من إتقانه ومشابهته للعنب الطبيعي أن الطيور حاولت أكله. وأعجب المحكمون أشد الإعجاب بهذه الصورة، ووثق زكسيس من الفوز وثوقاً جعله يأمر برهسيوس أن يزيح الستار الذي يخفي وراءه الصورة التي رسمها الفنان الإفسوسي، فلما تبين أن الستار جزء من الصورة، وأن زكسيس نفسه قد خدع اعترف في غير حقد بهزيمته. ولم يفقد زكسيس بهذا شيئاً من شهرته، فقد اتفق في كرتونا على أن يرسم صورة لهلن توضع في معبد هيرا اللسينية Lacinian Hera، على شريطة أن تقف أمامه عاريات أجمل خمس نساء في المدينة، ليختار من كل واحدة منهن أجمل ما فيها، ثم يجمع مما أخذه منهن صورة ثانية لربة الجمال(21). وحييت بنلبي بفضل تصويره حياة جديدة، ولكن أكثر ما كان يعجب به من صُوَره صورة رياضي كتب تحتها يقول إن الناس يجدون نقده أيسر عليهم من مجاراته. وكانت بلاد اليونان كلها تسر من غروره وتتحدث عنه بقدر ما تتحدث عن أي كاتب مسرحي، أو حاكم سياسي، أو قائد حربي. ولم يكن أحد أوسع منه شهرةً إلا المتبارون لنيل الجوائز الرياضية.




صفحة رقم : 2208




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم



الفصل الثالث




أساتذة النحت




1- أساليبهم


على أن التصوير بقى رغم هذا التفوق غريباً على العبقرية اليونانية التي كانت تحب الشكل أكثر مما تحب اللون، والتي جعلت تصوير العصر الذهبي (إذا حكمنا عليه بأقوال الناس فيه) دراسة في الجماد للخطوط والتصميم لا إدراكاً حسياً لألوان الحياة. أما ما كان يولع به الرجل اليوناني ويسر منه فهو منتجات النحت، ولذلك كان يملأ بيته، وهياكله، وقبوره، بتماثيل صغيرة من الطين المحروق، ويعبد آلهته بتصويرها في الحجارة، ويقيم على قبور موتاه ألواحاً منقوشة تعد من أكثر منتجات الفن اليوناني وأوقعها في النفس. وكان العمال الذين ينقشون هذه الألواح من الصناع غير ذوي الحذق، ينقشون ما حفظوه عن ظهر قلب، ويكررون ألف مرة الموضوع المألوف، موضوع فراق الأحياء للأموات فراقاً هادئاً وأيدي الأحياء مقبوضة. غير أننا يجدر بنا أن نذكر أن في هذا الموضوع من النبل ما يحتمل التكرار. لأنه يظهر ما اتصف به خلائق العصر الذهبي من ضبط للنفس في أحسن صوره، ويعلم النفس المرهفة الحس أن الشعور يبلغ أقصى قوته حين يعبر عن نفسه بصوت هادئ منخفض. وتظهر هذه الألواح الموتى, أكثر ما تظهرهم, يعملون عملاً من أعمال الحياة الدنيا - كطفل يلعب بالطوق, وبنت تحمل إبريقاً, ومحارب يعجب بعدته الحربية, وفتاة تفخر بحليها, وغلام يقرأ كتابه وكلبه راقد تحت مقعده




صفحة رقم : 2209




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم


راضٍ بموضعه ولكنه يرقب سيده.وتظهر هذه الألواح الموت مظهر الحادث الطبيعي، وهو لذلك عندهم شيء يمكن العفو عنه، وعدم الحقد عليه.
وأكثر من هذه الألواح تعقيداً ما خلفه هذا العصر من نقوش محفورة هي أرقى ما وجد من نوعها، ويمثل أحدها أرفيوس يلقي نظرة وداع طويلة على يورديس Eurydice التي استردها هرمس إلى العالم السفلي(22). وفي نقشٍ ثانٍ نرى دمتر تعطي تربتولموس الحية الذهبية التي يستحدث بها فن الزراعة في بلاد اليونان، ولا يزال بعض اللون في هذا النقش لاصقاً في الحجر، يوحي بما كان عليه النقش اليوناني في العصر الذهبي من روعة وصدق تعبير(23). وأجمل من هذين النقشين مولد أفرديتي الذي حفره على أحد أوجه "عرش لدفيزي" حفار غير معروف لعله تدرب على فنه في أيونيا. وترى فيه إلهتان ترفعان أفرديتي من البحر، وثوبها الرقيق المبلل ملتصق بجسمها، يظهر كل ما فيه من روعة الأنوثة الناضجة. ورأسها شبيه بعض الشبه برؤوس الآسيويات، ولكن أثواب من يرافقنها من الإلهات ووقفتهن الرشيقة الجميلة عليهما طابع العين واليد اليونانيتين الحساستين. وعلى جانب آخر من جوانب العرش نقشت فتاة عارية تعزف على القيثارة المزدوجة، وعلى جانب ثالث امرأة تعد مصباحها لتضيء به ظلمة المساء، ولعل وجه هذه المرأة وأثوابها أقرب إلى الكمال مما على الجانب الرئيسي للعرش.
ويدهش الإنسان حين يرى رقي مَثالي القرن الخامس عن أسلافهم. ففي هذا القرن لم يعد المثالون يظهرون المنظر الأمامي، وفيه يصبح فن المنظور عظيم الأثر إذ يمثل الأشياء كأنها بارزة نحو الناظر إليها وتحل فيه الحركة محل




صفحة رقم : 2210




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم


السكون،والحياة محل الجمود. والحق أن المَثال اليوناني حين يخرج عن العرف القديم ويصور الإنسان يتحرك إنما يحدث ثورة في الفن. ذلك أننا قلما نعثر قبل ذلك العهد، في مصر أو في الشرق الأدنى أو في بلاد اليونان نفسها قبل مرثون، على مَثال ينحت إنساناً يتحرك. وكان من أهم أسباب هذا التطور ما امتازت به الحياة اليونانية بعد سلاميس من حيوية جديدة ونشاط لم يكن لها من قبل، ولكن أكبر الفضل فيه إنما يرجع إلى دراسة الفنان وتلاميذه للتشريح الحركي في صبر وأناة أجيالاً طوالاً.
انظر إلى سؤال سقراط المَثال الفيلسوف: "أليس الذي يجعلك تظهر تماثيلك كأنها أشخاص حية هو أنك تنحتها على مثال الكائنات الحية نفسها؟...وإذ كانت مواقفنا المختلفة تؤثر في بعض عضلات أجسامنا فيرتفع بعضها وينخفض البعض الآخر، وبذلك ينقبض بعضها وينبسط البعض، وتلتوي هذه وترتخي تلك، إذ كان هذا يحدث أليس تعبيرك عن هذه الجهود هو الذي يجعلك تظهر ما تنحته صادق التعبير عن الحقيقة"(24).
لقد كان المَثال في عهد بركليز عظيم الاهتمام بكل جارحة من جوارح الجسم لا تقل عنايته بالبطن من عنايته بالوجه، يعبر أقل تعبير عن حركات اللحم المرن على الهيكل العظمي المتحرك، وعن انتفاخ العضلات، والأوتار، والأوعية، وعما في تركيب اليدين والأذنين والقدمين من عجائب تجل عن الحصر، ويفتتن بما يلقى من الصعاب في تمثيل أطراف الجسم. ولم يكن في غالب الأحيان يستخدم نماذج حية تقف أمامه في مَنْحَته، بل كان يكتفي في أكثر الأوقات بملاحظة الرجال عارين نشطين في مدارس الألعاب وميادينها، وملاحظة النساء يمشين في وقار في المواكب الدينية أو ينهمكن إنهماكاً طبيعياً في أعمالهن المنزلية. ولهذا السبب، لا لحيائه، نراه يركز دراسته للتشريح على الرجال دون النساء، ونراه في تصويره للنساء يستبدل بدقة التشريح الجسمي تمثيل دقائق الثياب أحسن




صفحة رقم : 2211




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم


تمثيل - وإن كان يجعل الملابس شفافة إلى أبعد حد تمكنه منه جرأته. وكأن هذا الفنان قد مل رؤية أنصاف الثياب السفلى الجامدة التي يشاهدها على تماثيل مصر واليونان في عهدهم الأقدم، فتاقت نفسه إلى إظهار ملابس النساء يلعب بها النسيم لأنه في هذا الوضع أيضاً قد أدرك خصائص الحركة والحياة.
وهو لا يكاد يترك أية مادة تقع في يده ويستطيع استخدامها في فنه إلا استخدامها - من خشب، وعاج، وطين محروق، وحجر جيري، ورخام، وفضة، وذهب. وهو يستخدم أحياناً الذهب لصنع الثياب، والعاج لصنع الجسم، كما فعل فدياس في تماثيله الذهبية العاجية. وكان البرونز هو المادة المحببة لمَثال البلوبونيز، لأنه يعجب بألوانها القاتمة التي تصلح كل الصلاحية لتمثيل أجسام الرجال الذين لوحتهم الشمس وهم عراة، وكان لجهله بجشع الإنسان يظن أنه أبقى على الدهر من الحجارة. أما في أيونيا وأتكا فكان يفضل الرخام، لأن ما يلقاه فيه من صعوبة يستثير همته، ولأن ما فيه من صلابة يمكنه من أن ينحته بإزميله وهو آمن، وكأن نعومته ونصف شفافيته قد خلقا لتمثيل لون النساء الوردي ورقة أجسامهن. وقد كشف المَثال بقرب أثينة رخام جبل بنتلكس Pentelicus، ولاحظ أن ما فيه من حديد ينضجه طول الزمان والعوامل الجوية فيبدو للرائي وكأنه عرق من الذهب يتلألأ في وسط الحجر، وأفلح بفضل ما وهب من الصبر، وهو نصف العبقرية، في أن ينحت على مهل من المحاجر تماثيل حية. ومَثال القرن الخامس حين يعمل في البرونز يستخدم طريقة الصب الأجوف بالعملية المعروفة بعملية الشمع المفقود Cire Perdu، وذلك بصنع نماذج من الجبس أو الصلصال للتمثال الذي يريد صبه، ثم يغطيه بطبقة رقيقة من الشمع، ويغطى هذا كله بعدئذ بقالب من الجبس أو الصلصال مسنن في عدة مواضع، ويضعه في تنور تذيب حرارته الشمع فيخرج من الثقوب، ثم يصب ذوب البرونز في القالب من أعلاه حتى يملأ المعدن جميع المسافة التي كان يشغلها الشمع قبل




صفحة رقم : 2212




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم


أن يذوب. ثم يبرد الشكل كله ويزيل عنه القالب الخارجي، ويبرده ويصقله، ثم يطلى البرونز بالك أو يلونه أو يذهبه حتى يتخذ صورته النهائية. فإذ فضل الرخام بدأ بالكتلة غير المشكلة، غير مستعين بأي نظام من نظم التوجيه ، ويعمل من غير قواعد موضوعة، مسترشداً في أكثر الأحيان بعينه لا بالآلات(25)، ويزيل من الحجر بضرباته المتتالية ما لا حاجة له به، ويوالي هذه الضربات حتى تتشكل من الحجر الفكرة الكاملة التي صورها لنفسه في ذهنه، وحتى تصبح المادة غير المنتظمة صورة وشكلاً على حد قول أرسطاطاليس.
أما موضوعاته فتختلف من الآلهة إلى الحيوانات، ولكن أياً كان الموضوع، فإنه يجب أن يكون من حيث الجسم خليقاً بالإعجاب، ولم يكن الضعفاء أو العقليون، أو الأصناف الشاذة غير السوية، أو العجائز أو الشيوخ، لم يكن هؤلاء يجدون لهم مكاناً عنده، وكان يجيد نحت تماثيل الخيل، ولكنه لم يكن شديد العناية بغيرها من الحيوان، وكان أكثر إجادةً في نحت تماثيل النساء، ومن آياته الفنية التي لا تمثل نساء بعينهن كتمثال الفتاة المستغرقة في أفكارها والممسكة بثوبها فوق ثديها المحفوظ بمتحف أثينة، ما يبلغ درجة من الجمال الهادئ تعجز اللغة عن وصفه. وخير ما يجيده على الإطلاق تماثيل اللاعبين الرياضيين، لأنه يعجب بهؤلاء إعجاباً لا حد له، ولأنه لم يكن يحول بينه وبين مراقبتهم حائل. وكنت تراه من حين إلى حين يبالغ في إظهار قوتهم، ويصور على بطونهم عضلات لا وجود لها عليها، ولكنه كان يسعه رغم هذا الخطأ أن يصب تماثيل من البرونز كالتمثال الذي وجد في البحر قرب أنتيسثرا Anticythera والذي يقال أنه تمثال إفبوس Ephebos تارة وتارة يقال أنه تمثال برسيوس Perseus الذي أمسك




صفحة رقم : 2213




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم


بيده في وقت ما رأس مدوزا Medusa وشعره المكون من الأفاعي.وكان في بعض الأحيان يصوره شاباً أو فتاة منهمكة في عمل بسيط تقوم به من تلقاء نفسها، كتمثال الغلام الذي يخرج شوكة من قدمه ، غير أن أساطير بلاده كانت أهم ما يوحي إليه بموضوعات فنه. ولم يكن ذلك النزاع الرهيب الذي قام بين الفلسفة والدين، والذي يبدو في تفكير القرن الخامس كله، نقول لم يكن ذلك النزاع قد بدا على الآثار بعد، فهنا كانت الآلهة لا تزال صاحبة السيادة العليا، وحتى لو كانت قد أخذت في الاضمحلال فقد كانت تنتقل أنبل انتقال وأعظمه إلى شعر الفن. ترى هل كان المَثال الذي يشكل في البرونز زيوس أرتمزيوم القوي يعتقد بحق أنه يصور شريعة العالم ؟ وهل كان الفنان الذي ينحت تمثال ديونيسس الظريف الحزين المحفوظ في متحف دلفي، هل كان هذا الفنان يعرف في أعماق إدراكه الذي لا تعبر عنه الألفاظ أن ديونيسس قد طعنته سهام الفلسفة طعنةً نجلاء، وأن الملامح المتواترة للمسيح خليفة ديونيسس قد وجدت في هذا الرأس من قبل أن يولد المسيح.




صفحة رقم : 2214




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس



2- المدارس


إذا كان فن النحت اليوناني قد أخرج هذا القدر كله في القرن الخامس، فقد كان من أسباب ذلك أن كل مَثال كان ينتمي إلى مدرسة بعينها، وأن له مكاناً في ثبت طويل من الأساتذة والطلاب، يتوارثون حذق فنهم هذا، ويقاومون تطرف الفردية المستقلة، ويشجعون مواهبهم الخاصة، ويسيطرون عليها ويهذبونها بالتضلع في فنون الماضي وما أخرجته من بدائع،




صفحة رقم : 2215




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس


وتشكيلها بتفاعل هذه الأعمال مع القواعد الجديدة حتى أصبحت فناً أعظم مما تبتدعه في العادة العبقرية المنعزلة المتحررة من القواعد والقوانين. إن الفنانين العظام يكونون في الغالب نتاجاً لتسامي التقاليد الماضية وارتقائها إلى ذروتها أكثر مما يكونون نتيجة للخروج عليها. ومع أن الثائرين على التقاليد الماضية يكونون بطبيعتهم منشقين على تاريخ الفن الطبيعي، فإن أسلوبهم الجديد لا ينتج شخصيات فذة سامية إلا بعد أن تثبته الوراثة ويطهره الزمن.
وقد قامت بهذا العمل خمس مدارس في بلاد اليونان في عهد بركليز: مدارس رجيوم، وسكيون، وأرجوس، وإيجينا، وأتكا. وفي عام 496 أو حواليه استقر في رجيوم فيثاغورس آخر من ساموس وصب تمثالاً لفلكتيتس أذاع شهرته في بلاد البحر الأبيض المتوسط. وقد أظهر في وجوه تماثيله من علائم الانفعال، والألم، والشيخوخة ما هز مشاعر المَثالين اليونان بأجمعهم حتى قرر المَثالون في العصر الذي انتشرت فيه الحضارة اليونانية خارج بلادهم الأصلية أن يحاكوه في تماثيلهم. وفي سكيون واصل كناكس Canackus وأخوه أرسطكليز Aristocles العمل الذي بدأه قبلهما بمائة عام دبونس Dipoenus وسليس Scllis من فناني كريت. ورفع كلوون Calloln وأناتس Onatas مقام إيجينيا بين المدن اليونانية بما أظهرا من حذق في صب البرونز، ولعلهما هما اللذان صنعا قواصر إيجينيا. وفي أرجوس نظم أجلداس مراحل انتقال فن النحت في مدرسته وبلغت ذروة مجدها على يد بليكليتس.
جاء بليكليتس من أرجوس وذاعت شهرته فيها حين وضع حوالي عام 422 تصميماً من الذهب والعاج لهيرا إلهة المدينة ليوضع في معبدها. وكان العصر الذي فيه يرى أنه لا يفوقه في دقته غير تماثيل فدياس الضخمة العاجية الذهبية .




صفحة رقم : 2216




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس


واشترك في إفسس في مباراة مع فدياس، وكرسلاس Cresilas وفردمون Phradmon لصنع تمثال لامرأة محاربة يوضع في هيكل أرتميز. وعين الفنانون الأربعة قضاة للحكم في هذه المباراة. وتقول الرواية المتواترة إن كلاً منهم حكم بأن تمثاله خير التماثيل جميعها، وأن تمثال بليكليتس ثانيها، وبناءً على هذا الحكم منح الفنان السكيوني الجائزة . لكن بليكليتس كان يحب الرياضيين أكثر مما يحب النساء أو الآلهة، ولما أراد أن ينحت تمثاله الشهير لديادمنوس Diadumenos (وهو الذي توجد أحسن نسخة منه في متحف أثينة) مَثل هذا الظافر في اللحظة التي كان يربط حول رأسه العصابة التي يضع القضاة فوقها إكليل الغار. ويرى الناظر إلى صدر التمثال وبطنه عضلات أكثر وأضخم مما يصدقه العقل، ولكن الجسم يرتكز ارتكازاً واضحاً على قدم واحدة، وملامح التمثال تعبر عما امتاز به العصر الذهبي من تناسق أصدق تعبير. لقد كان بليكليتس يهيم بهذا التناسق بل يكاد يعبده، وكان همه في حياته أن يضع قانوناً أو قاعدة لتحديد النسبة الصحيحة بين كل جزء وجزء في التمثال، فكان والحالة هذه هو فيثاغورس النحت، ينشد الرياضة القدسية في التناسب والشكل، وكان يظن أن أبعاد أي جزء من أجزاء الجسم الكامل يجب أن تتناسب تناسباً محدداً معروفاً مع أبعاد أي جزء آخر كالسبابة مثلاً. وكان قانون بليكليتس هذا يستدعي أن يكون الرأس مستديراً، والكتفان عريضتين، والجذع ممتلئاً قصيراً، والعجيزتان واسعتين، والساقان قصيرتين، وكل هذه تجعل التمثال مظهراً للقوة لا للرشاقة. وأولع الفنان بقانونه ولعاً حمله على أن يؤلف رسالة يشرحه فيها وأن يوضحه بتمثال من صنعه. ولعل هذا التمثال هو تمثال الدوريفوروس Doryphoros أو حامل الرمح الذي توجد نسخة رومانية منه في متحف نابلي. وفيه يرى مرة أخرى الرأس القصير




صفحة رقم : 2217




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس


العريض الجمجمة، والكتفان القويتان، والجذع القصير، والعضلات المتغضنة المسدولة على الحقو. وأجمل من هذا تمثال إفبوس Ephebos المحفوظ في المتحف البريطاني، وفيه تظهر أحاسيس الغلام كما تظهر عضلاته، ويبدو أنه منهمك في تفكير هادئ لطيف في شيء آخر غير قوته. وأضحت قواعد بليكليتس بفضل هذه التماثيل القانون الذي يتقيد به المَثالون في البلوبونيز، وقد تأثر به فدياس نفسه، وظلت له السيادة على النحاتين حتى قضى عليه بركسيتس وأحل محله ذلك القانون الآخر المناقض له والذي يجعل الجسم طويلاً، نحيلاً، رشيقاً، وقد بقى هذا القانون الأخير ظاهر الأثر في التماثيل الرومانية في أوربا المسيحية.
وكان ميرون Myron يمثل المرحلة الوسطى بين المدرستين البلوبونيزية والأتكية. وقد ولد هذا المَثال في إلوثيرا Eleuthera، وعاش في أثينة، ودرس وقتاً ما (كما يقول بلني(28)) مع أجلاداس Ageladas، فتعلم كيف يجمع بين الرجولة البلوبونيزية والرشاقة الأيونية. وكان ما أضافه إلى مدارس الفن جميعها هو الحركة: فهو لم ير اللاعب الرياضي كما يراه بليكليتس قبل المباراة أو بعدها، بل يراه في أثنائها، وقد حقق ما رآه في البرونز تحقيقاً فاق به كل مَثال آخر حاول تصوير جسم الرجل في أثناء العمل. وصب حوالي عام 470 أشهر تماثيل صنعها للاعبين وهي تماثيل رماة القرص (Disocobolo) . وفيها بلغت عجائب أجسام الرجال غايتها! فقد درس الجسم دراسة دقيقة في جميع حركات المفاصل، والأوتار، والعظام، التي يتطلبها القيام بعمل ما، وانحنت الساقان والذراعان وانحنى




صفحة رقم : 2218




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس


الجذع لكي تكسب الرمية أعظم قوتها، ولم يتلَوَ الوجه ويشوه بسبب ما يبذله الرامي من جهد، بل ظل منبسطاً، والرامي هادئ واثق من قدرته، وليس الرأس ثقيلاً أو وحشياً، بل هو رأس رجل من لحم ودم ورقة وتهذيب، في وسعه أن يؤلف الكتب إذا نزل إلى مستوى من يكتبونها. ولم تكن هذه الآية الفنية إلا عملاً واحداً من أعمال ميرون الكثيرة، وقد أعجب بها مواطنوه، ولكنهم أعجبوا أكثر من ذلك بتمثال أثينة ومرسياس وتمثال لاداس. وتمثال أثينة هذا أجمل مما يتطلبه الغرض الذي صنع من أجله، فليس في مقدور أي إنسان ينظر إليه أن يظن أن هذه العذراء المحتشمة ترقب وهي هادئةً راضية صاحب الناي يسلخ. أما تمثال مرسياس فأشبه بتمثال لبرنارد شو أدركه الفنان في وضع معيب ولكنه مفصح بليغ. ويصور هذا التمثال عازف القيثارة وقد عزف عليها آخر مرة، وأدركه الموت ولكنه يأبى أن يموت من غير أن يتكلم. ولم يكن لاداس لاعباً رياضياً خارت قواه لأن النصر أنهك جسمه، بل إن ميرون قد صوره تصويراً بلغ من واقعيته أن صاح يوناني قديم حين رآه: "لقد صاغك لاداس من النحاس بالصورة التي كنت عليها في الحياة، تخرج روحك اللاهثة من صدرك مع أنفاسك، وأسبغ على جسمك كله حرصك على تاج النصر"، وقال اليونان عن عِجْلة ميرون إنها تستطيع أن تفعل كل شيء عدا الخوار(30). وأضافت المدرسة الأتيكية أو الأثينية إلى البلوبونيزيين وإلى ميرون ما تهبه النساء للرجال: جمالاً، ورقة، ورشاقة، وظرفاً، وكانت وهي تفعل هذا تحتفظ من عناصر الرجولة بالقوة. فقد وصلت إلى مستوى عال قد لا يصل إليه المَثالون مرة أخرى. وكان كلميس Calamis لا يزال وقتئذ محتفظاً بعض الشيء بطابعه العتيق، ولم يكن نسيوتيز Nesiotes وكريتيوس Critius وهما يصبان طائفة أخرى من تماثيل قتلة الطغاة قد تحررا من البساطة الجامدة




صفحة رقم : 2219




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس


التي كانت تسود تماثيل القرن السادس. وقد حذر لوشان الخطباء من أن يكون مسلكهم كمسلك هذه التماثيل العديمة الحياة. فلما أن نحت بيونيوس Paeonius من أهل مندي Mende المقدونية للمسينيين تمثال النصر بعد أن درس فن النحت في أثينة أظهر فيه من الرقة والرشاقة والجمال ما لم يظهره أحد غيره من الفنانين اليونان إلى عهد بركستيليز، وحتى بركستيليز نفسه لم يفقه في تمثيل طيات الثياب المنسدلة على الجسم أو في تمثيل نشوة هذه الحركة .




صفحة رقم : 2220




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس



3- فدياس


كان فدياس وأعوانه بين عامي 447، 438 منهمكين في نحت تماثيل البرتنون وحفر نقوشه. وكما كان أفلاطون كاتباً مسرحياً قبل أن يصير فيلسوفاً مسرحياً، كذلك كان فدياس في أول الأمر مصوراً، تتلمذ بعض الوقت على بولجنوتس. ويلوح أنه أخذ عنه أساليب التصميم والتأليف بين الوحدات المختلفة والجمع بين الأشكال لإحداث الأثر الكلي للصورة. ولعله أخذ عنه أيضاً ذلك "النمط العظيم" الذي جعله أعظم مَثال في بلاد اليونان بأجمعها. ولكنه لم يجد في التصوير ما يشبع كفايته لأنه كان في حاجة إلى أبعاد أوسع، فاتجه إلى النحت، ولعله درس فن أجلاداس في صب البرونز وظل يمارسه في صبر وأناة حتى برع في كل فرع من فروعه.
وكان حين فرغ من نحت تمثال أثينة بارثنون في عام 438 قد أصبح شيخاً طاعناً في السن، وشاهد ذلك أنه صور نفسه على درعه شيخاً أصلع طاف به طائف




صفحة رقم : 2221




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس


الحزن. ولم يكن أحد ينتظر منه أن ينحت بيديه مئات التماثيل التي امتلأ بها فضاء البارثنون، وإفريزه، وقواصره، وكان حسبه أن يشرف على جميع أبنية بركليز ويضع خطط ما يزينها من تماثيل، ثم يعهد إلى تلاميذه، وخاصةً إلى الكيمنيز، أن يقوموا هم بتنفيذها. على أنه هو نفسه قد نحت ثلاثة تماثيل لإلهة المدينة تقام في الأكربوليس. وقد كلفه بنحت واحد منها المستعمرون الأثينيون في لمنوس، وكان هذا التمثال من البرونز أكبر قليلاً من الحجم الطبيعي، وبلغ من دقته أن كان النقاد اليونان يعدون تمثال أثينة اللمنوسية أجمل تماثيل فدياس كلها بلا استثناء . وثاني هذه التمثيل تمثال أثينة يروماكوس، وهو تمثال برونزي ضخم يمثل الإلهة في صورة المدافعة الحربية عن المدينة. وقد أقيم بين البروبليا Propylaea والإركثيوم Erchtheum، وكان ارتفاعه هو وقاعدته سبعين قدماً، وكان دليلاً للملاحين وتحذيراً لأعداء المدينة . وأشهر هذه التماثيل الثلاثة تمثال أثينة بارثنوس ويبلغ ارتفاعه ثماني أقدام وثلاثين قدماً، وكان مقاماً في داخل البارثنون ويمثل أثينة العذراء إلهة الحكمة والعفة. وكان فدياس يريد أن ينحت هذا التمثال الأخير من الرخام، ولكن الشعب أبى إلا أن يكون من العاج والذهب.فاستخدم الفنان العاج للأجزاء الظاهرة من الجسم كما استخدم أربعين وزنة (2545 رطلاً) من الذهب لصنع الثياب(32)، ثم زينه بالمعادن الثمينة والنقوش المتقنة البديعة على الخوذة، والحذاءين، والدروع. وقد وضع هذا التمثال بحيث تقع أشعة الشمس مباشرة في يوم عيد أثينة على الثياب الجميلة وعلى وجه العذراء الشاحب بعد




صفحة رقم : 2222




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس


دخولها من أبواب المعبد العظيم .
ولم يكن إتمام هذا التمثال من أسباب سعادة فدياس، لأن بعض ما قدم له من الذهب والعاج لصنعه قد اختفى من مُحْتَرفه ولم تعرف أسباب اختفائه. وانتهز أعداء بركليز هذه الفرصة السانحة، فاتهموا فدياس بسرقة الذهب والعاج وأدانوه . ولكن أهل أولمبيا شفعوا له وأدوا الكفالة المطلوبة منه وقدرها أربعون؟ وزنة على شريطة أن يذهب إلى أولمبيا ويصنع فيها تمثالاً من الذهب والعاج لمعبد زيوس(34). وسرهم أن يقدموا له من العاج والذهب أكثر مما قدم له قبل. وبنوا له ولمساعديه مصنعاً خاصاً بجوار حرم الهيكل، وكلف أخوه بانينوس Panaenus أن يزين بالصور العرش الذي يجلس عليه التمثال وجدران الهيكل(35). وإذ كان فدياس مولعاً بالضخامة، فقد جعل ارتفاع تمثال زيوس الجالس ستين قدماً، ولما أن وضع في مكانه في الهيكل شكا النقاد من أن الإله سيخترق سقفه إذا ما بدا له أن يقوم واقفا، ووضع فدياس على "جبيني" الإله الراعد "القائمين" و "غدائره المعطرة" تاجاً من الذهب في صورة أغصان شجر الزيتون وأوراقه. ووضع في يد الإله اليمنى تمثالاً للنصر صغيراً مصنوعاً من الذهب والعاج، وفي يده اليسرى صولجاناً مطعماً بالأحجار الكريمة، وألبسه ثوباً ذهبياً نقشت عليه الأزهار، ووضع في قدميه خفين من الذهب المصمت. أما عرشه فكان من الذهب، والأبنوس، والعاج. وكان عند قاعدته تماثيل صغيرة للنصر، لأبلو، وأرتميز، ونيوبي، ولصبيان من طيبة اختطفهم أبو الهول (37). وكان الأثر الذي يبعثه في النفس هذا التمثال وتوابعه رائعاً قوياً




صفحة رقم : 2223




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس


إلى حد جعل الناس ينسجون حوله كثيراً من الخرافات والأساطير. فمن قائل إنه عندما أتمه فدياس طلب أن تطلع عليه من السماء آية تدل على رضائها عن عمله، فأرسلت صاعقة نزلت على الأرض غير بعيدة عن قاعدة التمثال - وهي آية كمعظم الآيات السماوية تقبل عدة تفاسير مختلفة . وعدَّ التمثال من عجائب الدنيا السبع، وكان يحج إليه كل من استطاع الحج ليشاهد الإله المتجسد فيه. ولما فتح إيمليوس بولس Aemilius Paullus القائد الروماني بلاد اليونان ورأى هذا التمثال الضخم استولى عليه الرعب، واعترف أن ما شاهده بعينه قد فاق كل ما كان يصوره له خياله (38). ووصفه ديوكريسوتوم Dio Chrysotom بأنه أجمل تمثال على وجه الأرض، وأضاف إلى قوله هذا ما قاله بيتهوفن في الموسيقى: "إذا وقف أمام هذا التمثال إنسان قد تراكمت عليه الهموم، وتجرع في حياته كأس المصائب والأحزان حتى الثمالة، وطار النوم الحلو من أجفانه، نسي كل ما يصيب الإنسان في حياته من متاعب وأحزان" (39). وقال فيه كونتليان Quintilian: "إن جمال التمثال قد أضاف بعض الشيء إلى دين البلاد، ولقد كان جلاله خليقاً بالإله الذي يمثله"(40).
ولسنا نعرف عن أواخر أيام فدياس شيئاً موثوقاً به. فمن القصص ما يرى أنه عاد إلى أثينة حيث قضى نحبه في السجن(41)، ومنها ما يقول إنه أقام في إليس Elis، وإن هذه المدينة نفسها قد قتلته في عام 432(42). وليست إحدى هاتين القصتين اللتين تتحدثان عن خاتمة فدياس أصدق من أختها. وواصل تلاميذه عمله، وبرهنوا على نجاحه معلماً بما أخرجوه من آيات فنية لا تكاد تقل روعة عن آياته هو. فقد نحت أجركريتس Agoracritus أحب تلاميذه إليه تمثالاً لنمسيز Nemesis طبقت شهرته الآفاق،




صفحة رقم : 2224




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس


ونحت الكمنيز تمثالاً لأفرديتي إلهة الحدائق كان لوشان يضعه في مصاف أرقى ما أخرجه المثالون من آيات فنية(43). وكانت خاتمة مدرسة فدياس في نهاية القرن الخامس، ولكنها تركت فن النحت اليوناني أرقى كثيراً مما كان حين بدأت حياتها الفنية، فقد أشرف الفن بفضل فدياس وأتباعه على الكمال في اللحظة التي بدأت فيها حرب البلوبونيز تنزل بأثينة الخراب. لقد أتقنت هذه المدرسة أصول الفن وقواعده، وفهمت تشريح الجسم، وصبت الحياة والحركة والرشاقة في البرونز والحجر صباً، ولكن العمل الجليل الذي يميز فدياس من غيره من المثالين هو ما أخرجه من طراز في النحت جديد عبر عنه أصدق تعبير، ذلك الطراز السامي أو "الطراز العظيم" كما يسميه ونكلمان. وهو طراز يجمع بين القوة والجمال، والتهور والإحجام، والحركة والسكون، واللحم والعظم مع الروح والعقل. وفي هذا الطراز تمثل الفنانون على الأقل بعد ما بذلوا من جهود دامت خمسة قرون ذلك "الصفاء" الذائع الصيت الذي يعزوه المؤرخون بخيالهم إلى اليونان. وكان في وسع الأثينيين ذوي العاطفة الثائرة الجياشة إذا ما تدبروا تماثيل فدياس أن يروا كيف يقترب الآدميون من الآلهة، وإن يكن ذلك فيما أبدعوا من تماثيل فحسب.




صفحة رقم : 2225




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة



الفصل الرابع




البنــاءون




1- ارتقاء فن العمارة


تمت سيطرة الطراز الدوري في العمارة على بلاد اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد، ولم يبق إلى الآن من الهياكل اليونانية التي شيدت في ذلك العصر الزاهر إلا قليل من الأضرحة الأيونية وأهمها الإركثيوم وهيكل نيكي أبتروس Nike Opteros المقام على الأكربوليس. وبقيت أتكا في ذلك العهد محافظة على الطراز الدوري، فلم تخضع للطراز الأيوني إلا حين كانت تستخدمه في العمد الداخلية للبروبيليا، وفي صنع إفريز حول الثسيوم والبارثنون. ولعل ما يشاهد من نزعة ذلك العصر إلا إطالة العمود وتقليل سمكه عما كان من قبل يدل على أثر آخر من آثار الطراز الأيوني.
وفي آسية الصغرى أشرب اليونان حب الشرقيين للتحلية الدقيقة وعبروا عن هذا الحب بتنميق الدعامات الأيونية المرتكزة على العمد تنميقاً فيه كثير من التعقيد، وبإيجاد طراز جديد من هذه الدعامات أكثر زخرفاً من الطراز الأيوني يعرف بالطراز الكورنثي. وحدث حوالي عام 430 (حسب رواية فتروفيوس Vitruvius) أن استلفتت نظر مَثال أيوني يدعى كلمسكس Callimachus، سلة لتقديم النذور مغطاة بقرميدة، تركتها مربية على قبر سيدتها، وقد نبتت شجيرة أكنتوس حول السلة والقرميدة. وأعجب المَثال بالصورة الطبيعية التي أوحت بها إليه السلة وما حولها فعدل




صفحة رقم : 2226




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة


تيجان العمد الأيونية في هيكل كان يشيده في كورنثة بأن أضاف أوراق الأكنتوس إلى الحلي اللولبية (44). ونحن نرجح أن هذه القصة خرافة لا أصل لها، وأن سلة المربية كان أثرها في نشأة الطراز الكورنثي أقل من أثر تيجان العمد المصرية المحلاة بسعف النخيل وأوراق البردي. ولكننا نستطيع أن نقول واثقين إن الطراز الجديد لم ينتشر انتشاراً واسعاً في بلاد اليونان في عصرها الذهبي، وإن كان إكتينس قد استخدمه في عمود منفرد في ساحة هيكل أيوني في فيجاليا Phigalea، وإن كان استخدم أيضاً حوالي آخر القرن الرابع في هيكل أقيم تخليداً لذكرى لسكارتيز Lysicartes. ولم يبلغ هذا الطراز الدقيق أرقى صورة له إلا على يد الرومان المتأنقين في عهد الإمبراطورية.
وكان العالم اليوناني كله يشيد الهياكل في ذلك العهد، وأوشكت المدن أن تفلس في تنافسها لإقامة أجمل التماثيل وأكبر الأضرحة، وأضافت أيونيا إلى مبانيها الضخمة في ساموس وإفسوس هياكل أيونية جديدة في مجنيزيا، وتيوس وبريني، وأقام المستعمرون اليونان في أسوس Assus من أعمال بلاد اليونان الطروادية مزاراً لأثينة لا يكاد طرازه يختلف في شيء عن الطراز الدوري العتيق، وشادت كروتونا في الطرف الآخر من بلاد هلاس حوالي عام 480 ق. م بيتاً دورياً واسعاً لهيرا ظل باقياً إلى عام 1600 م حين ظن أحد الأساقفة أن في مقدوره أن يستخدم حجارته في غرض أنفع من الغرض الذي كانت تستخدمه فيه(45). وأقيمت في القرن الخامس أعظم هياكل بسدونيا (بستم Paestum)، وسجستا Segesta، وسلينس، وأكرجاس، وفيه أيضاً أقيم كعبد أسكلبيوس Asclepius في إبدورس. ولا تزال تشاهد في سرقوسة عمد هيكل شاده جيلون الأول Gelon I لأثينة، وقد بقي بعض هذا الهيكل لأنه حول إلى كنيسة مسيحية؛




صفحة رقم : 2227




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة


واختلط إكنتيس في باسيا بالقرب من فيجاليا من أعمال البلوبونيز هيكلاً لأبلو يختلف اختلافاً عجيباً عن البارثنون آيته الفنية الأخرى. ذلك أن صفوف الأعمدة الدورية تحيط بفضاء يشغله محراب صغير وبهو مكشوف كبير تحيط به أعمدة أيونية. وحول هذا البهو الداخل في مقابل الوجه الداخلي للعمد الأيونية يمتد إفريز لا يقل في رشاقته عن إفريز البارثنون نفسه، ويمتاز عنه في أنه ظاهر تراه العين .
وشاد ليبون Libon المهندس الإبلي في أولمبيا قبل أن يشاد البارثنون بجيل من الزمان مزاراً لزيوس دوري الطراز يضارع البارثنون نفسه. وقد أقيمت في كل طرف من أطرافه ستة أعمدة، وثلاثة عشر عموداً في كل جانب من جانبيه، ولعلها قد بلغت من الضخامة حداً لا يتفق مع جمال الشكل، كما أن المادة التي صنعت منها كانت غير خليقة بهذا الأثر الجميل - فهي من الجير الخشن المطلي بالمصيص، أما السقف فقد صنع من القرميد البنتيلي Pentelie . ويحدثنا بوسنياس(46) أن بيونيوس Paeonius وألكمنيز قد نحتا للقواصر أشكالاً قوية تمثل على الجانب الشرقي من السقف سباق المركبات بين بلييس وإينوماؤوس Aenomaus، وعلى الجانب الغربي منه صراع اللبيثيين والقناطرة . واللبيثيون، كما تروي الخرافات اليونانية قبيلة جبلية تقيم في تساليا، ولما أن تزوج ملكها برثوس Pirithous بهِبوداميا Hippodameia ابنة إينوماؤوس ملك بيزا إحدى مدائن إليس Elis، دعا القناطرة إلى وليمة العرس. وكانت القناطرة تسكن الجبال المحيطة ببليون، ويصورها الفن اليوناني مخلوقات نصفها خيل ونصفها آدميون، ولعلهم




صفحة رقم : 2228




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة


أرادوا بهذا أن يدلوا الناس على طبيعة أولئك الأقوام الوحشية غير المروضة أو يوحوا بأن القناطرة كانوا فرساناً مهرة إلى حد يخيل معه إلى من رآهم أن الفارس هو وفرسه حيوان واحد. وسكر أولئك الفرسان في أثناء الوليمة وحاولوا أن يختطفوا النساء اللبيثيات، لكن اللبيثيين دافعوا عن نسائهم دفاع الأبطال وهزموا القناطرة (ولم يمل الفنانون اليونان تصوير هذه القصة، ولعلهم كانوا يرمزون بها إلى تنظيف الغابات من الحيوانات البرية وإلى الكفاح القائم بين طبيعتي البشر الإنسانية والحيوانية). والأشكال المصورة على القوصرة الشرقية عتيقة الطراز جامدة ساكنة، أما التي على القوصرة الغربية فإن من أصعب الأمور أن يعتقد الإنسان أنها عملت في نفس هذا العصر، ذلك بأنها نشيطة تنبض بالحياة، وتدل على تمكن ناضج من التأليف بين المجاميع. وإن كان بعضها فجاً، وإن كان الشَّعر قد مثل على النمط الذي جرى به العرف في الزمن القديم. أما العروس فذات جمال بارع يثير الدهشة، فهي امرأة نحيفة في غير ضعف، كاملة النمو، جميلة المحيا، جمالاً لا نعجب إذا قامت بسببه الحرب بين الطائفتين المتقاتلتين. ونرى قنطروساً ملتحياً يطوق خصرها بذراعه، ويضع إحدى يديه على صدرها، ويوشك أن يختطفها من دار عرسها، ولكن الفنان مع هذا يصورها هادئة الملامح ساكنة سكوناً يظن الإنسان معه أنه قد قرأ لسنج Lessing أو ونكلمان، أو أنها ككل الغواني يغرها الثناء عليها والرغبة فيها. وأقل من هذه الصور شأناً وأصغر منها حجماً، وإن كانت أحسن منها صقلاً، الأجزاء الباقية من جبهة الهيكل، وهي التي تروي بعض أعمال هرقل الأسطوري، فتصور بعضُها هرقل يرفع العالم لأطلس. وقد أجاد الفنان في هذا كل الإجادة، فليس هرقل هنا جباراً شاذاً مخالفاً للمألوف، مفتول العضلات المحيطة بجسمه كأنها قدت من الحجر الصلد، بل هو رجل كامل النمو، متناسق الجسم، وقد وقف أمامه أطلس له رأس لو أنه وضع على كتفي أفلاطون لزانهما.




صفحة رقم : 2229




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة


وإلى يسارها وقفت إحدى بنات أطلس مكتملة النمو بارعة الجمال الطبيعي الذي أكسبتها إياه صحتها وكمال أنوثتها.
ولعل المصور كان يرمز إلى صورة مرسومة في ذهنه حين صورها تساعد في رقة وظرف الرجل القوي على حمل العالم. إن في مقدور الفنان الإخصائي أن يعثر على بعض أغلاط في التنفيذ وفي التفاصيل الدقيقة عندما يتأمل هذه الجبهة نصف المخربة، لكن الملاحظ الهاوي إذا نظر إلى العروس، وإلى هرقل، وابنة أطلس، يرى أن هذه المجموعة تقرب من الكمال قرب أية مجموعة أخرى في تاريخ النحت البارز.




صفحة رقم : 2230




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة



2- إعادة بناء أثينة


تفوق أتكا سائر بلاد اليونان في كثرة ما أقيم فيها من أبنية في القرن الخامس، وفي حسن هذه الأبنية. فهنا نرى الطراز الدوري، الذي يبدو في غيرها منتفخاً ضخماً، قد اكتسب الكثير من الرشاقة والانسجام الأيونيين، وأضيف اللون إلى الخطوط، والتحلية إلى التناسب. ولقد أقام الذين خاطروا بركوب البحر معبد البسيدن على رأس شديد الخطر عند سنيوم Sunium، بقي منه الآن أحد عشر عموداً. واختط إكتنيس في إلوسيس هيكلاً رحباً لدمتر، وقدمت أثينة بناء على نصيحة بركليز ما يلزمه من المال لجعل هذا المعبد خليقاً بالحفلات الإلوسيسية. وفي أثينة نفسها شجع الفنانين على مواصلة عملهم وجود الرخام الجيد بالقرب منها في جبل بنتكليس وفي باروس، لأنه أجمل مواد البناء على الإطلاق. وقلما استطاعت الديمقراطية أو رغبت في عهد من العهود، قبل حلول الكارثات الاقتصادية في أيامنا هذه، أن تنفق المال بمثل هذا السخاء على إقامة المباني العامة. فلقد تكلف البارثنون سبعمائة وزنة (000ر200ر4 ريال أمريكي)، وتكلف تمثال أثينة بارثنوس (وقد كان تمثالاً ومستودعاً للذهب في آن واحد) ما قيمته




صفحة رقم : 2231




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة


000ر000ر6 ريال، وتكلف هيكل البروبليا 000ر400ر2 ريال، وأنفقت 000ر000ر18 ريال على مباني أصغر من هذه أقامها بركليز في أثينة وبيرية، و000ر200ر16ريال في إقامة تماثيل وما إليها من أسباب الزينة. وجملة القول أن أثينة خصت من مواردها في الستة عشر عاماً الواقعة بين 447، 431 نحو 000ر000ر57 ريال أمريكي للمنشآت العامة والتماثيل والتصوير(47). وكان توزيع هذا المبلغ الضخم بين الصناع، والفنانين، والمنفذين لأعمالهم، والأرقاء، أثر كبير في الرخاء الذي عم أثينة في عهد بركليز.
وفي وسعنا أن نرسم في مخيلتنا صورة غامضة للعوامل التي كانت تستند إليها هذه المغامرة الفنية الجريئة. ذلك أن الأثينيين، بعد أن عادوا من سلاميس، وجدوا أن الفرس لم يكادوا يبقون على شيء من المدينة في أثناء احتلالهم إياها، فقد أحرقوا كل بناء ذي قيمة فيها، وتلك كارثة، إذا لم تقض على السكان كما تقضي على المدينة، تزيد السكان قوة وصلابة، كما أن هذه النيران تطهر المدينة من الأحياء القذرة والمباني غير الصالحة للسكنى، وبذلك تعمل المصادفات ما يحول عناد الإنسان دون عمله، وإذا ما وجد الأهلون الطعام في خلال هذه الأزمنة استطاعوا بجهودهم وعبقريتهم أن ينشئوا مدينة أجمل من المدينة المخربة. ولقد كان الأثينيون بعد الحرب الفارسية أغنياء بجهودهم وعبقريتهم، وضاعفت روح النصر من قوة إرادتهم ومن رغبتهم في الإقدام على جلائل الأعمال، فلم يمض جيل واحد حتى أعيد بناء أثينة، فأقيم فيها بناء جديد لمجلسها، وشيدت فيها دار جديدة للبلدية، ومنازل جديدة، وأروقة جديدة ذات أعمدة، وأسوار جديدة لصد المغيرين وأقيمت أرصفة ومخازن في مرفأ لها جديد. ذلك أن هِبودامس Hippodamus الملطي أشهر من خططوا المدائن في الزمن القديم وضع أساس فرضة جديدة مكان بيرية، ووضع هذا الأساس على طراز جديد، فقد استبدل بالفوضى القديمة وبالأزقة الملتوية التي كانت تشق في المدينة على




صفحة رقم : 2232




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة


غير نظام شوارع واسعة مستقيمة تتقاطع متعامدة. وشاد فنانون مجهولون على ربوة تبعد عن الأكربوليس بميل واحد ذلك البارثنون الأصغر المعروف بالثسيوم أو هيكل ثسيوس . وملأ المَثالون قواصر البناء وواجهاته بالنقوش المحفورة. وأنشئوا له إفريزاً فوق الأعمدة الداخلية القائمة على جانبيه. وطلى الرسامون (الكرانيش) والحزوز، والواجهات وإلافريز، كما طلوا بالألوان الزاهية الجدران من الداخل التي لا يدخل إليها إلا قليل من الضوء ينفذ في المربعات الرخامية .
وكان خير ما قام به البناؤون في عصر بركليز هو الأكربوليس، الحاضرة القديمة لحكومة المدينة ودينها، وقد بدأ ثمستكليز تجديده، فاختط هيكلاً طوله مائة قدم سمي لهذا السبب "ذا المائة قدم" Hecatompedon. فلما سقط ثمستكليز وقف العمل في بنائه لمعارضة الحزب الألجركي في ذلك، بحجة أنه إذا أريد إقامة بيت للإلهة أثينة لا يكون شؤماً على المدينة وجب أن يقام هذا البيت في موضع الهيكل القديم هيكل أثينة بولياس (أثينة المدينة) الذي دمره الفرس. لكن بركليز، الذي لم يكن من طبعه أن يعني بهذه الأوهام، رأى أن يقيم البارثنون في موضع الهكتمبدون وسار في العمل وفقاً لهذه الخطة رغم احتجاج الكهنة. وشاد فنانوه على منحدر تل الأكربوليس الجنوبي الغربي بهواً للموسيقى (أوديوم Odeum) يمتاز عن جميع أبهاء أثينة




صفحة رقم : 2233




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة


بقبته المخروطية الشكل. وقد أتاح هذا البناء لهجائي بركليز المستمسكين بالقديم فرصة اغتنموها فأخذوا من ذلك الحين يسمون رأس بركليز المخروطي "أودينَة Odeion أي بهو غنائه". وأقيم معظم الأوديوم من الخشب فلم يلبث إلا قليلاً حتى عدا عليه الدهر. وكانت تقام فيه الحفلات الموسيقية، ويتدرب فيه الممثلون على تمثيل مسرحيات ديونيسس، وتجري فيه كل عام المباريات التي أنشأها بركليز في الموسيقى الصوتية والوترية. وكثيراً ما كان هذا السياسي الذي نبغ في كثير من الأعمال يقوم بالحكم في هذه المباريات.
وكان الطريق الموصل إلى قمة التل في الأيام القديمة ملتوياً متدرجاً، على جانبيه تماثيل وقرابين الشكر للآلهة. وكان بالقرب من قمة التل مجموعة من الدرج الرخامية العرضة الفخمة تستند إلى بروج على كلا الجانبين. وشاد كلكراتيز فوق البرج الجنوبي أنموذجاً مصغراً لهيكل أيوني لأثينة في صورة نيكي أبتروس Nike Apteros أو النصر غير ذي الجناح . وكانت نقوش جميلة (لا يزال بعضها محفوظاً في متحف أثينة) تزين الحاجز ذا العمد الصغيرة هي وطائفة من التماثيل تمثل النصر المجنح وتحمل أثينة الغنائم التي جاءت بها من أماكن قاصية. وقد صنعت هذه التماثيل على صورة أجمل تماثيل فدياس، وهي أقل قوة وعنفاً من تماثيل الإلهات الضخمة التي في البارثنون، ولكنها أكثر منها رشاقة في حركتها، وأرق منها وأقرب إلى الطبيعة في شكل ملابسها، وتمثال النصر الذي يربط خفيه خليق باسمه لأنه نصر حق للفن اليوناني.
وأقام نسكليز Mnesicles في أعلى سلم الأكربوليس مدخلاً ذا خمس




صفحة رقم : 2234




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة


فتحات أمام كل واحدة منها رواق ذو عمد دورية من طراز الأبواب الميسينية، ولكنها أكثر منها إحكاماً، ومن هذه العمد أخذ الاسم الذي أطلق على البناء كله فيما بعد وهو البروبليا Propylaea أي ما أمام الباب. وكان لكل رواق إفريز ذو واجهة محززة، من فوقه قوصرة. وكان في داخل الممشى طائفة من العمد الأيونية لم يتحرج من شادوها أن يضعوها داخل هذا المحيط الدوري. وزين داخل الجناح الشمالي برسوم من صنع بولجنوتس وغيره من الفنانين، ووضعت فيه لوحات نذور من الأجر أو الرخام، ومن أجل ذلك سميت البناكثكا Pinakotheka أي بهو الرخام. وبقي جناح صغير في الجهة الجنوبية ناقصاً، فقد تعطل العمل فيه بسبب الحرب أو بسبب الانتقاض على بركليز، فترك مدخل البارثنون مجموعة مشوهة من القطع الصغيرة المتفرقة الجميلة.
وكان إلى يسار الداخل من هذه الأبواب مزار الإركثيوم ذو الطراز الشرقي العجيب. وهذا أيضاً قد أدركته الحرب فلم يتم أكثر من نصفه حين وقعت أثينة في مخالب الفوضى والفاقة على أثر نكبة إيجسبتماي Aegospotamai. وقد بدئ العمل فيه بعد موت بركليز بإيعاز المحافظين الذين كانوا يخشون أن يعاقب البطلان القديمان إركثيوس Erechtheus وسكربس Cecrops هما وأثينة ساكنة الضريح القديم، والأفاعي المقدسة التي كانت تأوي إلى هذا المكان، نقول كانوا يخشون أن تعاقب هذه كلها مدينة أثينة لأنها شادت البارثنون في مكان غير مكانه الأول. وكانت الأغراض المختلفة التي شيد من أجلها البناء هي التي عينت شكله، وقضت على وحدته. فقد خصص أحد أجنحته لأثينة بولياس (أثينة المدينة)، ووضعت فيه صورتها القديمة، وخصص جناح آخر لإركثيوس وبسيدن، ولم يكن يحيط بالمحراب أو جسم المعبد رواق بين أعمدة يضم أجزاءه المتفرقة، بل كان يستند إلى ثلاثة أروقة متفرقة. وكان المدخلان الشمالي والشرقي تسندهما عمد أيونية رفيعة لا تفوقها




صفحة رقم : 2235




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة


في جمالها أية عمد أخرى من نوعها . وكان المدخل الشمالي باباً كامل البناء مزيناً بأزهار محفورة في الرخام. ووضع في المحراب تمثال أثينة الخشبي البدائي الذي هبط، في اعتقاد الصالحين، من السماء. وهناك كان أيضاً المصباح العظيم الذي لا تنطفئ ناره أبداً، والذي صاغه كلمكس، سليني Cellini زمانه، من الذهب المصفى وزينه بأوراق الأكتثوس كتيجان الأعمدة الكورنثية. وكان المدخل الجنوبي هو باب القداري أو الكَرْيتيدات Caryatids الذائع الصيت. وأكبر الظن أن تلك النساء الصابرات كن من نسل حاملات السلال الشرقيات. وفي تراليس Tralles من أعمال آسية الصغرى عمود قديم في صورة امرأة لا يترك مجالاً للشك في أن هذا الطراز من العمد شرقي الأصل، وأكبر الظن أنه بابلي. والثياب التي تغطي أجسام العذارى فاخرة، ويدل انحناء الركبة على أنهن مستريحات في وقفتهن، ولكن أولئك الفتيات أنفسهن لا يشعرن الإنسان بأن فيهن من القوة ما يعينهن على حمل ذلك البناء، كما يشعر الإنسان حين ينظر إلى أجمل أنواع الأبنية. لقد كان هذا انحرافاً في الذوق أكبر ظننا أن فدياس لم يكن يجيزه قط.




صفحة رقم : 2236




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون



3- البارثنون


في عام 447 بدأ إكتنوس ينشئ هيكلاً جديداً لأثينة بارثنوس يساعده في ذلك العمل كلكراتيز Callicrates ويشرف عليهما فدياس وبركليز إشرافاً عاماً. وأنشأ في الطرف الغربي من البناء حجرة لكاهناتها العذارى سماها حجرة "العذارى" Ton Parthenos، ثم استعير هذا الاسم على توالي الزمن فأطلق على البناء كله. واختار إكتنوس لبناء الهيكل رخام جبل بنتكلوس الأبيض المشوب بحبيبات حديدية، ولم يستخدم في بنائه ملاطاً، بل نحتت كتل الحجارة وصقلت بحيث تمسك كل كتلة في التي تليها كأن الاثنتين كتلة واحدة، وثقبت صفحات الأعمدة ووضعت في ثقب الصفحة قطعة من خشب الزيتون تصل كلاً منها بالأخرى وتدور على التي تحتها حتى يسوى السطحان المتقابلان ويصقلا فلا يكاد يرى فارق بينهما(49). وكان طراز البناء دورياً خالصاً وبسيطاً بساطة أبنية العصر الذهبي، أما شكله فكان رباعياً لأن اليونان لم تكن تعجبهم الأشكال المستديرة أو المخروطية، ومن أجل هذا لم تكن في العمارة اليونانية عقود وإن يكن المهندسون اليونان على علم بها من غير شك. ولم تكن أبعاد البناء كبيرة فهي 65× 151× 228 قدماً، وأكبر الظن أنه كان يسود البناء كله تناسب معين كالتناسب الذي يفرضه قانون بليكليتس، فكانت جميع مقاييسه تتناسب تناسباً معيناً مع قطر العمود(50). ففي بسدونيا كان ارتفاع العمود أربعة أمثال قطره، أما هنا فكان الارتفاع خمسة أمثال القطر، وكان هذا الطراز الجديد وسطاً بين المتانة الإسبارطية والرشاقة الأتكية. وكان قطر كل عمود يزداد قليلاً من قاعدته إلى وسطه (نحو ثلاثة أرباع البوصة) ثم ينقص كلما علا، ويميل نحو مركز بهو الأعمدة. وكان سمك كل عمود في ركن البناء يزيد قليلاً على سمك سائر الأعمدة، وكل خط أفقي من قاعدة كل صف ومن الدعامة




صفحة رقم : 2237




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


المرتكزة عليه ينحني إلى أعلى نحو وسط حتى إذا نظر إليه الإنسان من أحد طرفي هذا الخط الذي يظنه مستقيماً لم يستطع رؤية طرفه الثاني البعيد عنه. ولم تكن واجهات البناء كاملة التربيع، ولكنها خططت بحيث تظهر لمن ينظر إليها من أسفل كأنها مربعة. ولم تكن هذه الانحناءات كلها إلا تصحيحاً دقيقاً للخداع البصري، ولولاها لبدت قواعد صفوف الأعمدة منخفضة في وسطها مائلة نحو الخارج. وما من شك في أن هذا الضبط يتطلب قدراً كبيراً من العلم بالرياضيات والبصريات، وأنه كان من المظاهر الهندسية الآلية التي جعلت الهيكل صرحاً يجمع بين العلم والفن. فقد كان كل خط مستقيم في البارثنون، كما هو في علم الطبيعة، خطاً منحنياً، وكان كل جزء من البناء ينسحب نحو الوسط، كما هو الشأن في التصوير، انسحاباً دقيقاً بارعاً. وقد نشأ من هذا كله نوع من المرونة والرشاقة يخيل إلى الإنسان معه أنه يخلع على الحجارة نفسها حياة وحرية.
وكان فوق العارضة البسيطة (العارضة الراكزة على الأعمدة) سلسلة من الحزوز والأجنبة (ما بين الحزوز) تلي كلتاهما الأخرى. وقد نقشت على الأجنبة الاثنين والتسعين نقوش بارزة تقص مرة أخرى كفاح "الحضارة" و "الوحشية" في حروب اليونان والطرواديين، واليونان والأمزونيات، واللبيثيين والقناطرة (Centaurs)، والجبابرة والآلهة. ولا شك في أن هذه الألواح من صنع فنانين كثيرين يختلفون في مهارتهم، فهي لا تعادل النقوش البديعة التي على إفريز المحراب وإن كانت بعض رؤوس القناطرة لا تقل دقة وجمالاً عن صور رمبرانت Rembrandt، وإن كانت هذه الرؤوس قد صنعت من الحجارة. وكان في قواصر السقف الهرمي طائفة من التماثيل المقامة من حجارة منحوتة كبيرة الحجم، وفي القوصرة الشرقية المقامة فوق المدخل، كان يسمح للزائر أن يشهد مولد أثينة




صفحة رقم : 2238




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


من رأس زيوس. وفي هذا المكان يشاهد تمثالاً متكئاً لثسيوس قوي الجسم جباراً، قادراً على تفكير الفلاسفة وسكون المتحضرين، وتمثالاً جميلاً لإيريس Iris (وهي هرمس في صدرة نسوية) في ثياب ملتصقة بجسمه ولكنها تلعب بها الريح، لأن فدياس كان يرى أن الريح التي لا تلعب بالثياب نذير سوء.
وهناك أيضاً كان تمثال فخم لهيبي Hebe إلهة الشباب التي كانت تصب الرحيق في كؤوس الآلهة الأولمبية، وثلاثة تماثيل رائعة "للأقدار". وكان في الركن الأيسر أربعة رؤوس جياد- تبرق أعينها، وتنخر مناخيرها، وتزبد أفواهها وهي مسرعة في عدوها، تعلن شروق الشمس. وفي الركن الأيمن يسوق القمر للمغيب عربته ذات الجياد الأربعة والرؤوس الثمانية أجمل رؤوس للخيل في تاريخ النحت كله. وفي القوصرة الغربية نرى أثينة تنازع بسيدن السيادة على أتكا. وهناك أيضاً كانت خيول، كأنها وضعت لتكفر عن سخافات الإنسان الكثيرة، وكانت هناك تماثيل لأناس متكئين تمثل في فخامتها غير الواقعية نهيرات أثينة الصغيرة. ولعل تماثيل الرجال كانت كثيرة العضلات فوق ما يجب، ولعل تمثيل النساء كانت أكبر مما ينبغي،ن ولكننا نشاهد تماثيل قد تجمعت بحالتها الطبيعية التي تجمعت بها هنا، وقلما نرى تمثيل بهذه الكثرة قد نسقت في ذلك المكان الضيق من قوصرة البناء. ويصفها كنوفا Canova وصفاً لا نشك أنه قد غالى فيه فيقول: "إن سائر التماثيل من حجارة أما هذه فمن لحم ودم".
وأجمل من هذه وأكثر منها جاذبية صور الرجال والنساء التي في الإفريز، فهنا نشاهد أشهر النقوش كلها على الإطلاق تمتد إلى مدى 525 قدماً في أحد الجدران الخارجية للمحراب، وفي داخل الرواق. وأكبر الظن أن هذه




صفحة رقم : 2239




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


النقوش تمثل فتيان أتكا وفتياتها يقدمن الهدايا وفروض الطاعة للإلهة أثينة في يوم الاحتفال بألعاب الجامعة الأثينية، فترى جزءاً من الموكب يتحرك بمحاذاة الجانبين الغربي والشمالي، وجزءاً آخر يتحرك بمحاذاة الجانب الجنوبي، ثم يلتقيان في الواجهة الشرقية أمام الإلهة، وهي تقدم في فخر وكبرياء هدايا المدينة وجزءاً من مغانمها إلى زيوس وغيره من الآلهة الأولمبية. وهناك أيضاً فرسان حسان تتمثل فيهم المهابة والرشاقة فوق خيول أجمل منهم، وعربات تقل طائفةً من كبراء المدينة تتبعهم جماعات من العامة تبدو عليهم مظاهر السعادة وهم يسيرون في الموكب رجالاً. ونرى فتيات حساناً، وشيوخاً هادئين يحملون أغصان الزيتون وصحاف الكعك، ونرى الخدم وعلى أكتافهم أباريق من الخمر المقدسة، ونساء موقرات يحملن إلى الإلهة الأثواب الخارجية التي نسجنها وطرزنها استعداداً لهذا اليوم المقدس وقبل أن يحل بزمن طويل. وترى الأضحية تمشي لتلاقي مصيرها وهي صابرة كالأثوار أو غاضبة عارفة بما ينتظرها من بلاء، وعذارى الطبقات الراقية يأتين بآنية الطقوس والتضحية، وموسيقيين يعزفن على القيثارات أناشيد خالدة لا تسمع لها نغماً. وقلما نرى حيوانات أو أناس قد بذل في تكريمها من الفن مثل ما بذل في هذه النقوش، فقد استطاع المَثالون بما رسموا وظللوا فيما لا يزيد على بوصتين ونصف بوصة من النقش البارز أن يخدعوا العين فيخيل إليها أن جواداً أو فارساً بعيداً عن الآخر،ن وإن كان أقربها لا يرتفع عن خلفية الصورة أكثر من سائر النقوس(51). ولربما كان من الخطأ أن يكون هذا النقش البديع عالياً لا يستطيع الناظر إليه أن يتأمله في يسر وراحة ويستوعب كل ما فيه من رونق وجمال، وما من شك في أن فدياس كان يعتذر عن هذا وهو يغمز بعينيه بحجة أن الآلهة كانت تستطيع رؤيته، ولكن الآلهة كانت تحتضر وهو ينقش هذه النقوش.




صفحة رقم : 2240




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


وكان مدخل الهيكل الداخلي تحت الآلهة الجالسة المنقوشة في الإفريز. وكان داخل هذا الهيكل صغيراً نسبياً لأن معظم الفراغ كانت تشغله صفوف من الأعمدة الدورية التي تحمل السقف وتقسم المحراب إلى صحن وممشيين، وفي الطرف الغربي كان سنا أثواب أثينة الذهبية يذهب بأبصار عبادها، وكان رمحها ودروعها وأفاعيها توقع الرعب في قلوبهم. وكان من خلفها حجرة العذارى تزينها أربعة أعمدة دورية الطراز. وكان في الألواح الرخامية التي تغطي السقف من الصفاء ما يسمح بنفاذ بعض الضوء إلى صحن المحراب، ومن العتمة ما يكفي لمنع الحرارة عنه، هذا إلى أن التقى، كالحب، يصد عن المتقين حر الشمس. وكانت الطنف منقوشة نقشاً دقيقاً بذل فيه الكثير من العناية، وكانت تعلوها وقايات من الآجر ركبت فيها ميازيب لإزالة مياه الأمطار. وكانت أجزاء كثيرة من الهيكل مطلية بالألوان الزاهية الصفراء والزرقاء والحمراء. فأما الرخام فقد طلي باللونين الزعفراني واللبني، وكانت الخروز وبعض النقوش زرقاء، وكذلك كانت أرضية الإفريز. أما الواجهة فكانت حمراء، وكان كل ما فيها من الصور ملوناً(52). وقد فضل اليونان الألوان الناصعة على الألوان الهادئة لأنهم شعب اعتاد جو البحر الأبيض المتوسط ولأن في طاقته أن يتحمل الألوان البراقة، بل هو يفضلها عن الألوان الخفيفة الهادئة التي توائم جو شمال أوربا القاتم. والآن وقد تجرد البارثنون من ألوانه فإنه يبدو أجمل ما يكون في الليل حين تظهر من الفراغ الذي بين العمد مناظر السماء المتغيرة، أو منظر القمر معبود الأقدمين، أو أضواء المدينة النائمة مختلطة بتلألأ النجوم .




صفحة رقم : 2241




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


لقد كان الفن اليوناني أعظم ما أبدعه اليونان، ذلك أن روائعه، وإن لم تقو على مقاومة عوادي الأيام، قد بقى من صورتها وروحها ما يكفي لأن يجعلها نبراساً تهتدي به كثير من البلدان.ولقد كان في هذا الفن أخطاء، شأنه في هذا شأن كل عمل يعمله الإنسان، فقد كانت التماثيل تعنى بالجسم فوق ما يجب أن تعنى به، وقلما كانت تنفذ إلى الروح، فهي تحملنا على الإعجاب بكمالها، لا بالشعور بما فيها من حياة. وكان شكل المباني وطرازها محصورين في حدود ضيقة، وظلت هذه المباني مدى ألف عام متشبثة بالشكل الرباعي البسيط الذي أخذته عن المباني الميسينية ، ولم تكن تبتدع شيئاً في غير ميدان الدين، ولم تحاول إلا طرق البناء السهلة، وتجنبت الأساليب الصعبة كالأقواس والقباب، ولعلهم لو أقدموا عليها لوجدوا فيها




صفحة رقم : 2242




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


ميادين للعمل واسعة. وكانوا يقيمون سقفهم بالطريقة غير الجميلة طريقة العمد الداخلية المقامة بعضها فوق بعض. وكانوا يزحمون داخل هياكلهم بالتماثيل التي لا يتناسب حجمها مع حجم البناء الكلي، وكانت زينتها تنقصها البساطة والتحفظ اللذين يتوقع الإنسان وجودهما في طراز أبنية العصر الذهبي.
على أنه مهما تكن أغلاط ذلك الفن فإنها لا ترجح تلك الحقيقة الماثلة في الأذهان، وهي أن الفن اليوناني قد خلق على طراز أبنية العصر الذهبي. وجوهر هذا الطراز- إذا سمح لنا أن نذكر مرة أخرى موضوع هذا الفصل قبل أن نختمه- من حيث نظامه وشكله هو: التوسط والاعتدال في التخطيط والتصميم والتغيير، والتزيين، والتناسب بين الأجزاء، والوحدة التي تشمله كله، وعلو سلطان العقل دون أن يقضي بذلك على الشعور، والكمال الهادئ الذي يقنع بالبساطة، والسمو الذي لا يدين بشيء إلى انضمامه. ولم يكن لطراز من الأبنية اللهم إلا الطراز القوطي، من الأثر مثل ما كان لهذا الطراز، والحق أن التماثيل اليونانية لا تزال هي المثل الأعلى في فنها، وقد ظلت العمد اليونانية حتى الأمس القريب هي المسيطرة على فنون العمارة تحول دون قيام طرز أخرى أجمل منها وأوقع في النفس. وإن من الخير أنا قد أخذنا نتحرر من سيطرة الفن اليوناني لأن كل شيء، حتى الكمال نفسه، يصبح ثقيلاً بغيضاً إذا لم يتغير. ولكننا بعد أن يتم تحررنا بزمن طويل سنجد علماً وحافزاً في هذا الفن الذي كان حياة العقل ممثلة في ذلك الطراز، وهو خير ما أهدته بلاد اليونان إلى بني الإنسان.




صفحة رقم : 2243




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> مقدمة



الباب الخامس عشر




تقدم العلوم


لقد ظهر النشاط الثقافي في عصر بركليز في ثلاثة أشكال رئيسية - هي الفن والتمثيل والفلسفة. وكان الدين الملهم لأولها، وميدان القتال الملهم لثانيها، والتضحية هي الملهمة لثالثها. وإذ كان تنظيم الجماعة الدينية يتطلب وجود عقيدة مشتركة مستقرة، لأن كل دين لا بد أن يتعارض عاجلاً أو آجلاً مع تيار التفكير الدنيوي السائد المتبدل الذي نطلق عليه بحق اسم تقدم المعرفة. ولم يكن هذا التعارض في أثينة ظاهراً للعين على الدوام، ولم يؤثر في جمهرة الشعب تأثيراً مباشراً، فقد كان العلماء والفلاسفة يواصلون عملهم دون أن يهاجموا العقائد الدينية للشعب مهاجمة صريحة، وكثيراً ما كانوا يخففون من حدة النزاع باتخاذ المصطلحات الدينية القديمة رموزاً أو استعارات لعقائدهم الجديدة، ولم يظهر هذا النزاع سافراً ويصبح مسألة حياة أو موت إلا في فترات متفرقة كما حدث حين وجهت التهم إلى أنكساغوراس، وأسبازيا، وديُجراس الميلوسي Diogaras of Melos ويوربديز، وسقراط. ولكن النزاع رغم خفائه كان موجوداً بحق، وكان تياره يسري في عصر بركليز، وكان من الموضوعات الكبرى التي تشغل الأذهان، كما كان يظهر في صور وأشكال مختلفة قوياً تارةً وضعيفاً تارةً أخرى. وأوضح ما كان يسمع في أحاديث السوفسطائيين المتشككة، وفي آراء دمقريطس المادية، وكانت أصداؤه الخفية تتردد في آراء إسكلس الصالحة التقية، وفي زندقة يوربديز وحتى في أقوال أرسطوفان المحافظ المليئة بالهزل وقلة الاحتشام. وظهرت مرة أخرى قوية في محاكمة سقراط وموته. ذلك هو الموضوع الذي تدور حوله الحياة العقلية لأثينة في عصر بركليز.




صفحة رقم : 2244




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> علماء الرياضة



الفصل الأوّل




علماء الرياضة


كان العلم الخالص في بلاد اليونان في القرن الخامس لا يزال يسير في ركاب الفلسفة، وكان يدرسه ويعمل على ترقيته رجال فلاسفة أكثر منهم علماء. ولم تكن علوم الرياضة العليا في نظر اليونان أداة عملية بل كانت أداة منطقية، تهدف إلى التركيب الذهني للعالم المعنوي أكثر مما تهدف إلى السيطرة على البيئة المادية الطبيعية.
ويكاد علم الحساب المتداول بين جمهرة اليونان قبل عصر بركليز أن يكون علماً بدائياً لم يدخل عليه إلا القليل من الصقل والتهذيب ، فكان يرمز لرقم 1 بشرطة عمودية ولرقم 2 بشرطتين، وبثلاث شرط لرقم 3 وبأربع لرقم 4، وكانت الأعداد 5، 10، 100، 1000، 000ر10 يرمز لها بالحروف الأولى من الكلمات اليونانية التي تسمى بها هذه الأعداد وهي: بنتي Pente، وديكا Deka، وهكتون Hekaton، وكليوي Chilioi، ومريوي Myrioi. ولم يضع علماء الحساب اليونان رمزاً للصفر. ومما يدل على أن علم الحساب اليوناني كعلم الحساب عندنا، مصدره بلاد الشرق أنه أخذ عن المصريين النظام العشري فكان اليونان يعدون بالعشرات، وأنه أخذ عن البابليين في علمي الفلك وتقويم البلدان الطريقة الاثني عشرية والستينية فكانوا يعدون في هذين العلمين بالاثني عشرات والستينات، ولا نزال نحن نستخدم هذه الطريقة في الساعات وعلى الكرات الأرضية والخرائط




صفحة رقم : 2245




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> علماء الرياضة


الجغرافية. ولعل العامة كانوا يستعينون بمعداد لإجراء عمليات الحساب السهلة. أما الكسور الاعتيادية فكانت تسبب لهم عناءً شديداً، فكانوا إذا أجروا عملية حسابية تحتوي على كسر اعتيادي بسْطُهُ أكبر من 1 حولوا هذا الكسر إلى عدة كسور بسطها كلها 1 فالكسر الاعتيادي 23slash32 مثلاً كان يقسم إلى 1slash2 + 1slash8 + 1slash16 + 1slash32 .
وليست لدينا معلومات مدونة عن الجبر عند اليونان قبل التاريخ المسيحي. أما الهندسة النظرية، فكانت من الدراسات المحببة إلى الفلاسفة، ولم تكن تدرس لفائدتها العملية بقدر ما كانت تدرس لفائدتها الذهنية النظرية وما فيها من استدلال منطقي خلاب، وما فيها من دقة ووضوح، وتفكير متتابع ينبني بعضه على بعض. وكانت ثلاث مسائل بوجه خاص تسترعي انتباه هؤلاء العلماء الرياضيين الباحثين فيما وراء الطبيعة، ومما يدل على ما أصبح للمشكلة الأولى من شأن عندهم أن شخصية من شخصيات مسرحية الطيور لأرسطوفان تمثل ميتون Meton تأتي إلى المسرح بمسطرة وفرجار وتعلن أنها سترى النظارة كيف "تحول الدائرة إلى مربع" أي كيف يرسم مربع مساحته تساوي مساحة دائرة معلومة. ولعل هذه المسائل وأمثالها هي التي جعلت الفيثاغوريين المتأخرين يضعون قواعد الأعداد الصماء والكميات غير المتناسبة . كذلك كانت دراسات الفيثاغوريين للقطع المكافئ، والقطع الزائد، والقطع الناقص هي التي مهدت السبيل إلى مؤلف




صفحة رقم : 2246




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> علماء الرياضة


أبولونيوس البرجي Appolonius of Perga في القطاعات المخروطية، وهو المؤلف الذي كان عظيم الشأن في تاريخ العلوم الرياضية(2). وفي عام 440 ق.م. نشر أبقراط الطشيوزي (وهو غير أبقراط الطبيب) أول كتاب معروف في الهندسة النظرية وحل مشكلة تربيع المساحة الكائنة بين قوسين متقاطعين . وفي عام 420 أفلح هيبياس الإليائي Hippias of Elia في تقسيم الزاوية ثلاثة أقسام متساوية بالاستعانة بالمنحني، وحوالي عام 410 أعلن دمقريطس الأبدري على الملأ قوله: "لم يفقني أحد قط ولا المصريون أنفسهم في رسم خطوط حسب شروط معلومة"(4)، وكاد يفلح في تبرير هذا الازدهاء بتأليف أربعة كتب في الهندسة النظرية، ووضع قوانين لمعرفة مساحتي المخروط والهرم(5). وملاك القول أن براعة اليونان في الهندسة قد بلغت من العظمة ما بلغه ضعفهم في الحساب. وكان للهندسة شأن عظيم في جميع نواحي نشاطهم، وحتى فنونهم نفسها قد تدخلت فيها فوضعت أشكالاً كثيرة للحلي المنقوشة على خزفهم وأبنيتهم، وحددت النسب بين أجزاء البارثنون ومنحنياته.




صفحة رقم : 2247




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس



الفصل الثاني




أنكساغوراس


كان من مظاهر النزاع القائم بين الدين والعلم أن حرمت الشرائع الأثينية دراسة علم الفلك في الوقت الذي بلغ فيه عصر بركليز أعلى درجاته(6). وكان هذا العلم قد خطا خطوته الأولى في بلاد اليونان حين أعلن أنبادوقليس في أكرجاس أن الضوء يستغرق بعض الوقت في انتقاله من نقطة إلى أخرى(7). ثم خطى خطوةً ثانية حين أعلن بارمنيدس في إيليا Elea أن الأرض كروية الشكل، ثم قسم هذا الكوكب الأرضي إلى خمس مناطق، وعرف أن القمر يواجه الشمس بجزئه المنير على الدوام(8). ثم قام فيلولوس Philolaus الفيثاغوري في طيبة فخلع الأرض عن عرشها في مركز الكون وأنزلها منزلة كوكب من الكواكب الكثيرة التي تطوف حول "نار تتوسطها" جميعاً(9). وجاء لوقيبوس Leucippus تلميذ فيلولوس فقال إن النجوم قد نشأت من الاحتراق المتوهج لمواد "تندفع في مجرى الحركة العالمية للدوامة الدائرية" ومن تجمع هذه المواد وتركزها(10). وقام في أبدرا دمقريطس تلميذ لوقيبوس بعد أن درس العلوم البابلية، فوصف المجرة بأنها مكونة من عدد لا يحصى من النجوم الصغرى، ولخص التاريخ الفلكي بقوله إنه تصادم دوري وتحطيم لعدد لا يحصى من العوالم(11). وفي طشيوز كشف إينوبديز انحراف منطقة البروج(11أ). وجملة القول أن القرن الخامس كان في جميع المستعمرات اليونانية عصر تطور علمي عجيب في زمن يكاد يكون خلواً من الآلات العلمية.
فلما حاول أنكساغوراس أن يقوم بمثل هذه الأعمال في أثينة وجد أن مزاج الأهلين ومزاج الجمعية معاديان للبحث الحر بقدر ما كانت صداقة بركليز




صفحة رقم : 2248




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس


مشجعة له. وكان أنكساغوراس قد أقبل على أثينة من كلزميني Chlazomenae حوالي عام 480 ق.م. وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وحبب إليه أنكسيمانس Anaximenes دراسة النجوم إلى حد جعله يقول جواباً عن سؤال وجهه إليه بعضهم عن الغرض من الحياة: "هو البحث عن حقيقة الشمس والقمر والسماء"(12). وأهمل العناية بالثروة التي خلفها له والده وصرف وقته في رسم خريطة للأرض والسماء، وحلت به الفاقة في الوقت الذي رحبت فيه الطبقات في أثينة بكتابه في الطبيعة وعدته أعظم الكتب العلمية التي ظهرت في ذلك القرن.
وكان هذا الكتاب حلقة من سلسلة البحوث العلمية التي قامت بها المدرسة الأيونية، وفيه يقول أنكساغوراس إن العالم كان في بادئ الأمر فوضى أو عماء مكوناً من بذور مختلفة الأنواع (Spermata)، يسري فيها فكر (Nous) أو عقل مادي، لطيف، قويُّ الصلة بأصل الحياة والحركة في الآدميين، وكما أن العقل يصدر الأوامر إلى الفوضى التي تسود أعمالنا، فكذلك أصدر العقل العالمي أمره إلى البذور الأولية فبعث فيها دوامة رحوية ، وهداها إلى طريق نشأة الأشكال العضوية(13). وقسم هذا الدوران البذور إلى الأركان أو العناصر الأربعة - النار، والهواء، والماء، والأرض - وقسم العالم طبقتين دوارتين طبقة خارجية مكونة من "الأثير" وأخرى داخلية مكونة من الهواء. وبسبب هذه الحركة الدوارة العنيفة انتزع الأثير الناري الملتف حول الأرض حجارةً من الأرض وأضاءها فكانت نجوماً(14). والشمس والنجوم في رأيه كتلة من الصخور حمراء متوهجة أكبر من البلوبونيز مراراً كثيرة(15). وحين تضعف حركتها الدائرية تسقط أحجار الطبقة الخارجية على الأرض فتكون شهباً(16).




صفحة رقم : 2249




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس


والقمر جسم صلب متوهج، في سطحه سهول وجبال وأخاديد(17)، يستمد ضوءه من الشمس، وهو أقرب الأجرام السماوية إلى الأرض(18). "ويُخسف القمر إذا توسطت الأرض بينه وبين الشمس كما تُكسف الشمس إذا توسط القمر بينها وبين الأرض"(19). وربما كانت بعض الأجرام السماوية مسكونة عليها خلائق كالأرض، وعليها "يتكون أناس، وتتكون حيوانات أخرى ذات حياة، ويسكن الناس المدن، ويزرعون الأرض كما نزرعها نحن"(20). وقد نشأ من التكثف المتتابع للطبقة الداخلية أو الغازية من طبقتي كوكبنا سحب، وماء، وتراب، وحجارة. وتنشأ الرياح من رقة الجو الناشئة من حرارة الشمس كما "ينشأ الرعد من تصادم السحب والبرقُ من احتكاكها"(21). وكمية المادة ثابتة لا تتغير، ولكن الأشكال جميعها تبدأ ثم تزول، وستصبح الجبال في مستقبل الأيام بحاراً(22). وينشأ كل ما في العالم من أشياء وأشكال بتجمع أجزاء متماثلة Homoiomeria وفقاً لنظام يزداد تحديداً على مدى الأيام(23). وقد ولدت جميع الكائنات العضوية في بادئ الأمر من التراب، والرطوبة، والحرارة، وبذلك نشأ بعضها من البعض الآخر(24). وقد تطور الإنسان أكثر مما تطورت سائر الحيوانات لأن قامته المعتدلة أطلقت يديه فاستطاع بهما أن يمسك الأشياء(25).
وأصبح أنكساغوراس بفضل ما حققه من نتائج - وهي وصفه أساس علم الظواهر الجوية، وتفسير الكسوف والخسوف تفسيراً علمياً صحيحاً، ووضع فرض معقول لتكوين الكواكب السيارة، وإدراكه أن القمر يستمد نوره من الشمس، وقوله بتطور الحياة الحيوانية والبشرية - أصبح بفضل هذه النتائج كوبرنيق ذلك العصر ودارونه معاً. ولعل الأثينيين كانوا يعفون عن هذه الآراء لو أن أنكساغوراس لم يهمل تفسير منشأ عقله ومواهبه فيما فسر من حادثات طبيعية وتاريخية، ولعلهم ظنوا أنه




صفحة رقم : 2250




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس


لجأ إلى هذا الصمت، كما لجأ يوربديز في إحدى تمثيلياته إلى "آلة إسقاط الآلهة من السماء" لينجو بها من غضب مواطنيه. ويقول عنه أرسطاطاليس إنه كان يبحث عن العلل الطبيعية لكل شيء. من ذلك أنه جيء لبركليز بكبش ذي قرن واحد في وسط جبهته وقال أحد العرافين إنه نذير من نذر الآلهة، فأمر أنكساغوراس بفتح رأس الحيوان وأظهر للحاضرين أن مخه قد نما في مقدم الجبهة بدل أن يملأ جانبي الجمجمة كلها، فنشأ من نموه على هذا النحو قرن الكبش الوحيد(27). وقد أثار أنكساغوراس مشاعر السذج بتفسير سقوط الشهب على أساس القوانين الطبيعية، وأرجع كثيراً من الشخوص الأسطورية إلى تجسيم المجردات العقلية(28).
وصبر عليه الأثينيون وداروه إلى حين، وكل ما فعلوه به أن أطلقوا عليه لفظ Nous (الفكر- العقل(29)). فلما لم يجد كليون Cleon الذي كان يناقش بركليز في تزعم الشعب وسيلةً أخرى يضعف بها خصمه اتهم أنكساغوراس بالإلحاد لأنه وصف الشمس (وكانت لا تزال في نظر الشعب إلهاً من الآلهة) بأنها كتلةً من الحجارة المحترقة، ولم يترك وسيلةً يستعين بها على تأييد دعواه إلا اتبعها. وأدين أنكساغوراس رغم دفاع بركليز المجيد عنه . ولم يكن أنكساغوراس راغباً في تعاطي عصير الشوكران السام، ففر إلى لمبسكوس Lampasacus على مضيق الهلسبنت، وأخذ يكسب عيشته بتدريس الفلسفة . ولما ترامى إليه أن الأثينيين حكموا عليه بالإعدام قال: "لقد قضت الطبيعة عليهم وعليَّ بهذا الحكم من زمن بعيد"(33). ومات بعد بضع سنين من ذلك الوقت في الثالثة والسبعين من عمره.




صفحة رقم : 2251




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس


ويُرى تأخر الأثينيين في علم الفلك واضحاً في تقويمهم، ذلك أنه لم يكن لليونان تقويم عام بل كان لكل دولة تقويم خاص بها، وكانت كل نقطة من النقاط الأربع التي يصح اتخاذها بدايةً للسنة الجديدة متبعة في مكان ما من بلاد اليونان، وحتى الشهور نفسها كانت تتغير أسماؤها في الدويلات المختلفة، فكان تقويم أتكا يحسب الشهور بمنازل القمر والسنين بأبراج الشمس(34). وإذ كان في كل اثني عشر شهراً قمرياً 360 يوماً فقط، فقد كانوا يزيدون شهراً على كل سنتين لكي يتفق حساب السنة مع حساب الشمس والفصول(35). وهذا الحساب نفسه يجعل السنة تطول عشرة أيام فوق ما يجب أن تكون، ولذلك وضع صولون النظام الذي يقضي بأن تكون أيام الشهور القمرية 30 يوماً و29 يوماً بالتناوب مقسمة إلى ثلاثة أسابيع (ديكادوي) في كل أسبوع عشرة أيام (أو تسعة في بعض الأحيان)(36). وتبقى بعد هذا أربعة أيام صححها اليونان بحذف شهر من كل ثمان سنين. وبهذه الطريقة الملتوية التي لا يكاد يدركها العقل وصل اليونان آخر الأمر إلى احتساب السنة 365 يوماً وربع يوم .
وحدث في هذه الأثناء تقدم قليل في علم الجغرافية. فقد فسر أنكساغوراس فيضان النيل السنوي تفسيراً صحيحاً بقوله إنه ينشأ من ذوبان جليد بلاد الحبشة في فصل الربيع ومن سقوط الأمطار فيها(38). وفسر علماء طبقات الأرض اليونان وجود مضيق جبل طارق بأنه نتيجة لتشقق الأرض من أثر زلزال، كما فسروا وجود جزائر بحر إيجه بأنه ناشئ من انخفاض قاع البحر(39). وقال زنثوس الليدي Zanthus of Lydia حوالي 495 إن البحرين الأبيض المتوسط والأحمر كانا في الزمن القديم متصلين أحدهما بالآخر عند السويس، وسجل إسكلس ما كان




صفحة رقم : 2252




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس


يعتقده أهل زمانه من أن صقلية قد انفصلت من إيطاليا نتيجةً لاضطراب في القشرة الأرضية(40). وارتاد إسكيلاكس الكاري Scylax of Caria (521-485 ق.م) جميع شواطئ البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. ويبدو أن أحداً من اليونان لم يجازف بالقيام برحلة استكشافية كالرحلة التي قام بها هنو Hanno القرطاجي بأسطول مؤلف من ستين سفينة، اخترق به مضيق جبل طارق وسار به نحو 2600 ميل إزاء الساحل الغربي لإفريقية (حوالي 490 ق.م). وكانت خرائط عالم البحر الأبيض المتوسط منتشرة في أثينة في أواخر القرن الخامس. أما الطبيعة فمبلغ علمنا أنها لم تتقدم على أيدي اليونان وإن كانت منحنيات البرثنون تدل على أنهم كانوا يعرفون الكثير عن البصريات. غير أن الفيثاغوريين أعلنوا حوالي عام 450 أبقى الفروض العلمية اليونانية، وهو التركيب الذري للمادة. كذلك وضع أنبادوقليس وغيره من العلماء نظرية نشوء الإنسان وارتقائه من صور للحياة أدنى منه، ووصفوا رقيه البطيء من الهمجية إلى الحضارة(41).




صفحة رقم : 2253




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط



الفصل الثالث




أبقراط


لقد كان أهم الحوادث في تاريخ العلوم اليونانية في عصر بركليز نهضة الطب القائم على العقل لا على الخرافة. ذلك أن الطب اليوناني قبل ذلك الوقت حتى في القرن الخامس نفسه كان وثيق الارتباط بالدين إلى حد كبير، وكان كهنة هيكل أسكلبيوس Asclepiusلا يزالون يقومون بعلاج المرضى. وكان العلاج في هذا الهيكل يقوم على خليط من الأدوية التجريبية، والطقوس المؤثرة الرهيبة، والرقى السحرية التي تؤثر في خيال المريض وتطلقه من عقاله، وليس ببعيد أنهم كانوا يلجأون أيضاً إلى التنويم المغناطيسي وإلى بعض المخدرات(42). وكان الطب الدنيوي ينافس الطب الديني ويحاول أن يتغلب عليه. وكان أنصار هذا وذاك يعزون منشأ علمهم إلى أسكلبيوس، ولكن الأسكلبيسيين غير الدينيين كانوا يرفضون الاستعانة بالدين في عملهم، ولا يدعون أنهم يعالجون المرضى بالمعجزات، وقد أفلحوا شيئاً فشيئاً في إقامة الطب على قواعد العقل.
وتطور الطب الدنيوي في بلاد اليونان أثناء القرن الخامس في أربع مدارس كبرى: في كوس ونيدس من مدن آسية الصغرى، وفي كرتونا بإيطاليا، وفي صقلية. وفي أكرجاس اقتسم أنبادوقليس- وهو نصف فيلسوف ونصف رجل معجزات- مفاخر الطب مع أكرون Acron الطبيب المفكر المنطقي(43). وقد وصلت إلينا أنباء مدونة ترجع إلى عام 520 عن طبيب يدعى دِمُسِديز Democedes ولد في كرتونا، ومارس مهنة الطب في إيجينا، وساموس، وسوسة، وعالج دارا والملكة أتسا Atossa، ثم عاد ليقضي آخر أيامه في مسقط رأسه(44). وفي كرتونا أيضاً خرجت المدرسة الفيثاغورية أوسع أطباء اليونان شهرةً قبل أبقراط،




صفحة رقم : 2254




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط


ونعني به ألقميون Alcmaeon الذي يلقبونه الأب الحق للطب اليوناني(45). ولكنه لم يكن في واقع الأمر إلا اسماً متأخراً في ثبت طويل من أسماء الأطباء غير الدينيين ضاعت أسماؤهم فيما وراء أفق التاريخ. وقد نشر هذا الطبيب في أوائل القرن الخامس كتاباً في الطبيعة Peri Physeos- وكان ذلك هو العنوان المألوف في بلاد اليونان لأي بحث عام في العلوم الطبيعية. ومبلغ علمنا أنه كان أول من حدد من اليونان موضع العصب البصري وقناة أستاخيو ، وشرح الحيوانات، وفسر فسلجة النوم، وقرر أن المخ هو العضو الرئيسي في عملية التفكير، وعرف الصحة تعريفاً فيثاغورياً فقال إنها التوافق بين أجزاء الجسم المختلفة(46). وكان أكبر رجال الطب في نيدس هو يوريفرون Euryphron الذي كتب في الطب خلاصة موجزة تعرف باسم الجمل النيدية Cnidian Sentences، وقال عن التهاب البلورا إنه مرض من أمراض الرئتين، وإن الإمساك منشأ الكثير من الأمراض، وذاع صيته لنجاحه في عمليات التوليد(47). وقامت حرب مشئومة بين مدرستي كوس ونيدس لأن النيديين لم يكونوا يحبون ولع أبقراط في أن يقوم "التشخيص" على معرفة طبائع الأمراض، ومن ثم أصروا على وجوب العناية بتصنيف الأمراض كلها تصنيفاً دقيقاً، وعلاج كل مرض منها بطريقته الخاصة. وتسرب في آخر الأمر، بنوع من العدالة الفلسفية، كثير من الكتابات النيدية إلى المجموعات الطبية الأبقراطية.
ويبدو أبقراط، كما تراه في سيرته الموجزة التي كتبها سويداس Suidas، أعظم أطباء زمانه بلا منازع. وقد ولد في جزيرة كوس في السنة التي ولد فيها دمقريطس، وأصبح الرجلان صديقين حميمين بالرغم من بعد موطنيهما، ولربما كان "للفيلسوف الضاحك" نصيب في توجيه الطب وجهة دنيوية. وكان




صفحة رقم : 2255




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط


أبقراط ابن طبيب ونشأ ومارس صناعته بين آلاف المرضى والسياح الذين وفدوا على كوس "لأخذ الماء من عيونها الساخنة". ووضع له معلمه هيرودكس السلمبري Herodicus of Selymbria الأساس الذي بنى عليه فنه بتعويده الاعتماد على نظام التغذية وعلى الرياضة الجسمية أكثر من اعتماده على الأدوية. وذاعت شهرة أبقراط حتى كان من بين مرضاه حكام مثل بردكاس Percdiccas ملك مقدونية، وأردشير الأول ملك الفرس، وفي عام 430 ق.م. استدعته أثينة ليحاول وقف انتشار الطاعون فيها. وأخجله صديقه دمقريطس بأن عاش من العمر مائة عام كاملة، على حين أن الطبيب العظيم مات في الثالثة والثمانين من عمره.
وليس في كل ما كتب في الطب وفي كل ما يمكن أن يكتب فيه ما هو أكثر اختلافاً وأقل تجانساً من مجموعة الرسائل التي كانت تُعزى في القديم إلى أبقراط. ففيها كتب مدرسية للأطباء، ونصائح لغير رجال الطب، ومحاضرات للطلبة، وتقريرات، وبحوث، وملاحظات، وتسجيلات سريرية (كلينيكية) )لحالات طريفة، ومقالات كتبها سوفسطائيون ممن يهتمون بالناحيتين العلمية والفلسفية في الطب. وكانت الاثنان والأربعون سجلاً سريرياً هي السجلات الوحيدة من نوعها في السبعة عشر قرناً التي أعقبت ذلك العهد، وكانت أعلى الأمثلة في الأمانة باعترافها أن المرض أو العلاج قد أعقبه الموت في ستين في المائة من الحالات(48). وأربعة لا أكثر من هذه المؤلفات هي التي انعقد إجماع المؤرخين على أنها من كتابات أبقراط:وهي "الحكم" و"الأدلة" و "تنظيم التغذية والعوائد في الأمراض الحادة"، ورسالته "في جروح الرأس". أما ماعدا هذه الأربعة من المؤلفات المعزوة إلى أبقراط فمن وضع مؤلفين مختلفين عاشوا في




صفحة رقم : 2256




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط


أوقات مختلفة بين القرنين الخامس والثاني قبل الميلاد(49). وفي هذه المجموعة قدر غير قليل من السخف والهذيان، ولكن أكبر الظن أنه ليس أكثر مما سيجده علماء المستقبل في رسائل هذه الأيام وتواريخها. وكثير من المعلومات التي في هذه الكتب والرسائل شذرات متفرقة، موضوعة في صورة حكم وقواعد مفككة تقترب بين الفينة والفينة من الغموض الذي يلازم كتابات الفيلسوف هرقليطس. ومن بين "حكم" أبقراط تلك العبارة الذائعة الصيت: "الفن طويل، ولكن الوقت يمر مر السحاب"(50).
وأكبر فضل لأبقراط وخلفائه أنهم حرروا الطب من الدين والفلسفة. نعم إنهم يشيرون في بعض الأحيان بأن يستعين المريض بالصلاة والدعاء، كما نرى ذلك في كتاب "التنظيم"، ولكن النغمة السارية في صفحات المجموعة كلها هي وجوب الاعتماد الكلي على العلاج الطبي. وتهاجم رسالة "المرض المقدس" صراحة النظرية القائلة بأن الأمراض ترسلها الآلهة، ويقول مؤلفها إن للأمراض جميعها عللاً طبيعية بما في ذلك الصرع نفسه الذي يفسره الناس بأنه تقمص الشيطان جسم المريض : "وما زال الناس يعتقدون بأنه من عند الآلهة، لعجزهم عن فهمه... ويتوارى المشعوذون والدجالون وراء الخرافات ويلجأون إليها لأنهم لا يجدون علاجاً ناجعاً لهذا الداء، ومن أجل هذا يطلقون عليه اسم المرض المقدس حتى لا ينكشف للناس جهلهم الفاضح"(51) وكانت روح العصر البركليزي تتمثل أوضح تمثيل في عقلية أبقراط، فقد كان واسع الخيال ولكنه واقعي، يكره الخفاء، ولا يطيق الأساطير، يعترف بقيمة الدين ولكنه يكافح لفهم العالم على أساس العقل والمنطق. وإنـا لنحس بأثر السوفسطائيين في الحركة التي تهدف إلى تحرير الطب، والحق أن الفلسفة قد أثرت في طرق العلاج اليونانية تأثيراً بلغ من قوته أن قام النزاع بين العلم والفلسفة كما قام بينه وبين العقبات التي يضعها الدين في سبيله. ويقول أبقراط، ويصر




صفحة رقم : 2257




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط


على قوله، إن النظريات الفلسفية لا شأن لها بالطب ولا موضع لها فيه، وإن العلاج يجب أن يقوم على شدة العناية بالملاحظة(52) وعلى تسجيل كل حالة من الحالات وكل حقيقة من الحقائق تسجيلاً دقيقاً. ولسنا ننكر أنه لم يدرك كل الإدراك قيمة التجارب العلمية، ولكنه كان يصر على أن يهتدي في جميع أعماله بالخبرة والتجربة العلمية.
وفي وسعنا أن نتبين ما تلوث به الطب الأبقراطي في منشئه من عدوى الفلسفة بالنظر إلى عقيدة "الأخلاط" المشهورة. يقول أبقراط: إن البدن يتكون من الدم، والبلغم، والصفراء، والصفراء السوداء، وإن الإنسان يستمتع بالصحة الكاملة إذا امتزجت فيه هذه الأركان (العناصر) بنسبها الصحيحة، وإن الألم ينشأ من نقص بعض هذه "الأخلاط" أو زيادتها أو انفصالها عن الأخلاط الأخرى(53). وقد بقيت هذه النظرية وعاشت بعد زوال جميع الفروض الطبية القديمة، ولم يتخل عنها الناس إلا في القرن الماضي، ولعلها لا تزال باقية في صورة أخرى هي عقيدة الأنوار (الهرمونات) أو إفرازات الغدد، التي يقول بها الأطباء في هذه الأيام. وإذ كان اليونان يعتقدون أن سير هذه الأخلاط يتأثر بالجو والطعام، وإذ كانت أكثر الأمراض انتشاراً في بلاد اليونان هي أمراض البرد، وذات الرئة، والملاريا، فقد كتب أبقراط (؟) رسالة موجزة في "الأهوية، والمياه، والأماكن" وعلاقتها بالصحة، وفيها يقول: "في وسع الإنسان أن يعرض نفسه للبرد وهو واثق من أنه لن يصيبه منه سوء، إلا إذا فعل ذلك بعد الأكل أو الرياضة... وليس من الخير للجسم ألا يتعرض لبرد الشتاء"(54). وليس لنا أن نستخف بأقوال أبقراط وأتباعه هذه لأن من واجب الطبيب العلمي، أياً كان مستقره، أن يدرس الرياح، والفصول، وموارد ماء الشرب، وطبيعة الأرض، وأثر هذه العوامل كلها في السكان.
والتشخيص أضعف النقط في طب أبقراط. فقد يبدو أنه لم يكن يعنى




صفحة رقم : 2258




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط


بقياس النبض، وكانت الحمى تعرف باللمس البسيط كما كان الاستماع يحدث بالأذن مباشرة. وكان يؤمن بالعدوى في أحوال الجرب، والرمد، والسل(55). وفي كتابه عن (الجسم Corpus) صور إكلينيكية كثيرة للصرع، والتهاب الغدة النكفية الوبائي، وحمى النفاس، والحمى اليومية، وحمى الثلث، وحمى الربع. ولم يرد في المجموعة ذكر للجدري أو الحصباء، أو الخناق (الدفتريا) أو الحمى القرمزية أو الزهري، كما لم يرد فيه ذكر صريح للتيفود(56). وتنزع رسائل : "التنظيم" نحو الطب الوقائي بدعوتها إلى دراسة أحوال الداء في أول ظهوره- وهي محاولة لمعرفة أولى علامات المرض والقضاء عليه قبل أن يستفحل(57). وكان أبقراط شديد الولع بمعرفة العواقب في الطب ويرى أن الطبيب الماهر يعرف بتجاربه نتائج أحوال الجسم المختلفة، وفي مقدوره أن يتنبأ بسير المرض من مراحله الأولى. ويقول إن معظم الأمراض تصل إلى مرحلة يقضى فيها إما عليها وإما على المريض ذاته، وإن تقديره الحسابي- الذي يكاد يبلغ في دقته الحساب الفيثاغوري- الذي يصل فيه المرض إلى أشد حالاته لمن أخص خصائص النظرية الأبقراطية. وهو يقول في هذا المعنى أنه إذا استطاعت حرارة الجسم في هذه الأزمات أن تتغلب على سبب العلة وتطرده من الجسم شفي المريض. ويقول إن الطبيعة- أي قوى الجسم وبنيته- هي أهم علاج لكل مرض أياً كان نوعه، وإن كل ما يستطيع الطبيب أن يفعله هو أن يقلل أو يزيل العقبات القائمة في طريق هذين الدفاع والشفاء الطبيعيين. ولهذا فإن الطريقة الأبقراطية لا تستخدم العقاقير في العلاج، وأكثر ما تعتمد عليه هو الهواء النقي، والمقيئات، والأقماع، والحقن الشرجية، والحجامة، والإدماء، والكمادات، والمراهم، والتدليك، والمياه المعدنية. ومن أجل ذلك كان دستور الأدوية اليوناني جد صغير يتكون معظمه من المسهلات. وكانت أمراض الجلد تعالج بالحمامات الكبريتية، وبالتدليك بدهن كبد




صفحة رقم : 2259




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط


الدلفين(58). ويسدي أبقراط للناس هذه النصيحة: "عش عيشة صحية تنج من الأمراض إذا انتشر في البلد وباء أو أصابتك حادثة. وإذا مرضت ثم اتبعت نظاماً صالحاً في الأكل والحياة أتاح لك ذلك أحسن الفرص للشفاء" (59). وكثيراً ما كان يوحي بالصوم إذا سمحت بذلك قوة المريض لأنه "كلما أكثرنا من تغذية الأجسام المريضة زدنا بذلك تعريضها للأذى"(60). ويمكن القول بوجه عام إن "الإنسان يجب ألا يتناول إلا وجبة واحدة من الطعام في اليوم إلا إذا كانت معدته شديدة الجفاف"(61).
وكان تقدم علمي التشريح ووظائف الأعضاء في بلاد اليونان بطيئاً، وكان أكبر العوامل فيما أحرزاه من تقدم هو الفحص عن أحشاء الحيوانات في عملات العرافة. وفي المجموعة الأبقراطية كراسة صغيرة "في القلب" تصف البطينين، والأوعية الكبرى، وصماماتها. وكتب سينيسس Syennesis القبرصي وديوجين الكريتي يصفان الجهاز الدموي، وعرف ديوجين أهمية النبض(62). كذلك عرف أنبادوقليس أن القلب مركز الجهاز الدموي، ووصفه بأنه العضو الذي يحمل النيوما Pneuma أو الهواء الحيوي (الأوكسجين؟) من الأوعية الدموية إلى جميع أجزاء الجسم(63). وفي كتاب الجسم Corpus يحذو أبقراط حذو القيمون فيجعل المخ مركز الشعور والتفكير ويقول: "وبه نفكر، ونبصر، ونسمع، ونميز القبيح من الجميل والغث من الثمين"(64).
أما الجراحة فكانت لا تزال في معظم الأحوال عملاً لا يتخصص فيه الطلاب، ويشتغل به كبار الأطباء، وإن كان من الموظفين في الجيوش جراحون(65). وتصف مؤلفات أبقراط عملات التربنة، والطريقة التي تصفها لعلاج انخلاع الكتف أو الفك "حديثة" في كل شيء عدا استخدام المخدرات(66).
وقد وجدت في هيكل إسكلبيوس بأثينة لوحة نذور نقشت عليها علبة تحتوي مباضع ذات أشكال مختلفة(67). ويحتفظ متحف أثينة الصغير بعدد من




صفحة رقم : 2260




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط


الملاقط، والمسابر، والمباضع، والقناطر، والنظارات الطبية القديمة لا تختلف في جوهرها عن أمثالها المستحدثة في هذه الأيام. ويبدو أن بعض ما هنالك من تماثيل هي نماذج أعدت لشرح الوسائل التي تتبع لرد الخلع في مفاصل العجز(68). وفي رسالة أبقراط "في الطب" تعليمات مفصلة لتحضير حجرة العمليات الجراحية وتنظيم ما فيها من ضوء طبيعي وصناعي، وتنظيف اليدين، والعناية بآلات الجراحة وطريقة استخدامها، وموضع المريض، وتضميد الجروح وما إلى ذلك(69).
ويتضح من هذه الفقرات وغيرها أن الطب اليوناني في عهد أبقراط قد تقدم تقدماً عظيماً من الناحيتين الفنية والاجتماعية. لقد كان الأطباء اليونان قبل أيامه ينتقلون من مدينة إلى أخرى كلما دعتهم الحاجة إلى الانتقال، شأنهم في هذا شأن السوفسطائيين في أيامهم والوعاظ في أيامنا نحن. أما في عهده فقد استقروا في مدنهم وافتتحوا مكاتب أو "أمكنة للعلاج Iatria" يعالجون فيها المرضى تارة ويعالجونهم في منازلهم(70)تارةً أخرى. وكثرت عندهم الطبيبات، وكن يستخدمن عادةً في علاج أمراض النساء، وقد كتب بعضهن رسائل في العناية بالجلد والشعر تعد حجة في موضوعاتها(71). ولم تكن الدولة تحتم على من يريد ممارسة الطب أن يؤدي امتحاناً عاماً، ولكنها كانت تطلب إليه أن يقدم لها أدلة مقنعة على أنه قد تمرن أو تتلمذ على طبيب معترف به(72). ووفقت حكومات المدن بين الطب المُأمم والطب الخاص باستخدام أطباء للعناية بالصحة العامة، ولعلاج الفقراء. وكان أكبر أطباء الدولة هؤلاء، أمثال دموسيدز Democedes يتقاضون وزنتين (000ر12 ريال أمريكي) في العام(73). وكان عندهم بطبيعة الحال دجالون كثيرون، كما كان عندهم عدد لا يحصى من الهواة الذين يدعون العلم بكل شيء في الطب، وهؤلاء موجودون في كل زمان ومكان. ولقد قاست المهنة في تلك الأيام، كما تقاسي في كل جيل من الأجيال، الأمَرّين من أعمال أقلية فيها خربة الذمة، عاجزة عن القيام




صفحة رقم : 2261




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط


بواجبها(74)، وثأر اليونان لأنفسهم، كما ثأر غيرهم من الأمم، من عدم وثوقهم بأطبائهم بما كالوه لهم من السخرية والفكاهة اللاذعة، التي لا تقل عن سخرياتهم من الزواج.
وقد رفع أبقراط من شأن هذه المهنة بتوكيده شأن الأخلاق في الطب، ذلك أنه لم يكن طبيباً فحسب بل كان طبيباً ومدرساً معاً، وربما كان القسم الشهير الذي يعزى إليه قد وضع لضمان ولاء طالب الطب لأستاذه .


قسم أبقراط


"أقسِمُ بأبلو الطبيب، وبأسكلبيوس، وبهجيائيا Hygiaea وباناسيا Panacea وبجميع الآلهة والإلهات، وأشهِدُها جميعاً على ، أن أنفذ هذا القسم وأوفي بهذا العهد بقدر ما تتسع له قدرتي وحكمتي، وأن أضع معلمي في هذا الفن في منزلة مساوية لأبواي، وأن أشركه في مالي الذي أعيش منه، فإذا احتاج إلى المال اقتسمت مالي معه، وأقسم أن أعد أسرته إخوة لي، وأن أعلمهم هذا الفن إذا رغبوا في تعلمه، من غير أن أتقاضى منهم أجراً أو ألزمهم باتفاق، وأن ألقن الوصايا والتعاليم الشفوية وسائر التعاليم الأخرى لأبنائي، ولأبناء أستاذي، وللتلاميذ المتقاعدين الذين أقسموا يمين الطبيب، ولا ألقنها لأحد سواهم. وسوف أستخدم العلاج لأساعد المرضى حسب مقدرتي وحكمتي، ولكن لا أستخدمه للأذى أو لفعل الشر. ولن أسقي أحداً السم إذا طلب إليَّ أن أفعل هذا، أو أشير بسلوك هذا السبيل. كذلك لن أعطي امرأة صوفة لإسقاط جنينها، ولكني سأحتفظ بحياتي وفني كليهما طاهرين مقدسين، ولن أستعمل المبضع ولو كنت محقاً في استعماله، لمن يشكو حصاة، بل أتخلى عن مكاني لمن يحذقون




صفحة رقم : 2262




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط


هذا الفن. وإذا دخلت بيت إنسان أياً كان، فسأدخله لمساعدة المرضى، وسأمتنع عن كل إساءة مقصودة أو أذى متعمد، وسأمتنع بوجه خاص عن تشويه جسم أي رجل أو أية امرأة، سواءً كانا من الأحرار أو من الأقرباء. ومهما رأيت أو سمعت في أثناء قيامي بفروض مهنتي، وفي خارج مهنتي في خلال حديثي مع الناس، إذا كان مما لا تجب إذاعته، فلن أفشيه، وسأعد أمثال هذه الأشياء أسراراً مقدسة. فإذا ما ألزمت نفسي بإطاعة هذا القسم ولم أحنث فيه، فإني أرجو أن أشتهر مدى الدهر بين الناس جميعاً بحياتي وبفني، أما إذا نقضت العهد وحنثت بالقسم فليحل بي عكس هذا"(76).
ويضيف أبقراط إلى هذا أن من واجب الطبيب أن يحتفظ بحسن مظهره الخارجي، وأن ينظف جسمه ويتأنق في ملبسه. ويجب عليه أن يكون هادئاً على الدوام، وأن يكون سلوكه بحيث يبعث الثقة والاطمئنان في نفس المريض(77) ، ويجب عليه:
"أن يعنى بمراقبة نفسه، و... وألا يقول إلا ما هو ضروري... وإذا دخلت حجرة مريض فتذكر طريقة جلوسك، وكن متحفظاً في كلامك، معتنياً بهندامك، وصريحاً حاسماً في أقوالك، موجزاً في حديثك، هادئاً... ولا تنس ما يجب أن تكون عليه أخلاقك وأنت إلى جانب فراش المريض... واضبط أعصابك، وازجر من يقلقك، وكن على استعداد لفعل ما يجب أن يُفعل... وأوصيك ألا تقسو على أهل المريض، وأن تراعي بعناية حال مريضك المالية، وعليك أيضاً أن تقدم خدماتك من غير أجر، وإذا لاحت لك فرصة لأن تؤدي خدمة لإنسان غريب ضاقت به الحال، فقدم له معونتك كاملة، ذلك أنه حيث يوجد حب الناس يوجد أيضاً حب الفن"(78). وإذا أضاف الطبيب إلى هذا دراسة الفلسفة والعمل بها، كان هو المثل الأعلى لأبناء مهنته لأن "الطبيب الذي يحب الحكمة لا يقل عن الآلهة في شيء"(79).




صفحة رقم : 2263




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط


وبعد فإن الطب اليوناني لا يرقى رقياً جوهرياً عما كانت تعرفه مصر عن الطب وعن الجراحة قبل عصر آباء الطب المختلفين بألف عام، وإذا ما نظرنا إلى التخصص بدا لنا أن ما وصل إليه اليونان فيه أقل مما وصل إليه المصريون. على أننا يجب من الناحية الأخرى أن نجل اليونان ولا نبخسهم حقهم، لأن الطب من ناحيته النظرية والعملية قد بقى حتى القرن التاسع عشر عند الحد الذي أوصله إليه اليونان. وجملة القول أن العلوم اليونانية قد بلغت الدرجة التي ينتظر الإنسان أن يبلغها علم من العلوم من غير الاستعانة بآلات دقيقة للرصد والملاحظة، ومن غير التجارب العلمية. ولولا العقبات التي أقامها في طريقه الدين والفلسفة لكان له شأن أعظم من شأنه هذا، فقد حدث في الوقت الذي كان فيه كثيرون من الشبان في أثينة يتحمسون لدراسة الفلك والتشريح المقارن، أن حالت التشريعات الرجعية الجاهلة دون تقدم العلوم، وكانت سبباً في اضطهاد أنكساغوراس، وأسبازيا، وسقراط. وكذلك كان "تحول" سقراط والسوفسطائيين عن دراسة العالم الخارجي إلى دراسة العالم الداخلي، ومن الطبيعة إلى علم الأخلاق، كان هذا التحول سبباً في تحويل التفكير اليوناني من مشاكل الطبيعة والنشوء والتطور إلى مشاكل ما وراء الطبيعة والأخلاق. وظل العلم واقفاً لا يتحرك مائة عام كاملة خضع فيها اليونان لسحر الفلسفة ومفاتنها.




صفحة رقم : 2264




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> المثاليون



الباب السادس عشر




النزاع بين الفلسفة والدين




الفصل الأوّل




المثاليون


كان عصر بركليز شبيهاً بعصرنا هذا في تنوع أفكاره واضطرابها، وفي تحديه لجميع المعايير والعقائد التقليدية القديمة، ولكن ما من عصر من العصور يضارع عصر بركليز في كثرة آرائه الفلسفية وعظمتها أو في غزارتها وفي القوة التي كانت تناقش بها. فقد كانت كل المسائل التي يضطرب بها العالم اليوم تدور على ألسنة الناس في أثينة القديمة، يناقشها الناس بحرارة وحماسة روعت جميع اليونان ما عدا شبابهم. وقد حرمت كثير من المدن - وخاصة إسبارطة - أن يبحث الجمهور المسائل الفلسفية بسبب ما كانت تثيره من "حقد، ونزاع، وجدل عقيم" على حد قول أثنيوس. ولكن "بهجة" الفلسفة "العزيزة" كانت تستحوذ على خيال الطبقات المتعلمة في أثينة، فكان أغنياء المدينة يفتحون أبواب بيوتهم وأبهائهم للباحثين كما كان يحدث في عهد الاستنارة في فرنسا، وكانت الولائم تولم للفلاسفة، والبحوث الطريفة يصفق لها كما يصفق للضربات القوية في الألعاب الأولمبية.
ولما أن أضيفت حرب السيوف إلى حرب الألفاظ في عام 432، استحال هياج العقول الأثينية إلى حمى احترق فيها كل ما كانت تتصف به تلك العقول من اعتدال وحكمة. وخبت نار هذه الحمى بعض الوقت بعد استشهاد سقراط




صفحة رقم : 2265




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> المثاليون


أو بالأحرى توزعت من أثينة على غيرها من مراكز الحياة اليونانية. وحتى أفلاطون نفسه الذي عرف ما بلغته هذه الحمى وما أدت إليه من أزمات استُنفِدت قواه بعد أن دامت هذه الحال الجديدة ستين عاماً كاملة، وكان يحسد مصر على إيمانها الديني واستقرار أفكارها وهدوئها. ولم يشهد عصر من العصور المقبلة إلى أن حل عصر النهضة ما شهده هذا العصر من حماسة في التفكير وقوة في النقاش.
وكان أفلاطون يمثل أعلى منزلة وصلت إليها الحركة التي بدأت ببارمنيدس، وكان لها بمثابة هجل Hegel لكانت Kant، ومع أنه لم يكن يتورع عن التنديد بآراء الفلاسفة، فإنه لم ينقطع يوماً ما عن تعظيم أبيه الميتافيزيقي. وفي بلدة إيليا الصغيرة القائمة على ساحل إيطاليا الغربي نشأت في عام 450 ق.م الفلسفة المثالية التي أثارت في كل قرن من القرون المقبلة حرباً شعواء على المادية ، وقذفت في بوتقة التفكير الأوربي مشكلة المعرفة الغامضة العجيبة، ومشكلة الفرق بين الظاهر من جهة وما لا يعرف ولا يمكن أن يعرف من جهة أخرى، وبين الحقيقي غير المنظور والمنظور غير الحقيقي، وظلت هذه الأفكار تغلي أو تغطمط طوال تاريخ اليونان القديم وفي أثناء العصور الوسطى حتى انفجرت مرةً أخرى في عصر كانت وعلى يديه وأضحت ثورة فكرية عارمة.
وكما أن هيوم Hume قد أيقظ "كانت"، كذلك كان أكسانوفان Xenophanes هو الذي دفع بارمنيدس إلى الاشتغال بالفلسفة، ولعل عقل بارمنيدس كان واحداً من عقول كثيرة أثارها قول أكسانوفان إن الآلهة ليست إلا أساطير، وإنه لا توجد إلا حقيقة واحدة هي العالم والله جميعاً. كذلك درس بارمنيدس مع الفيثاغوريين وسرى فيه شغفهم بعلم الفلك، ولكنه لم يضل في بيداء النجوم،




صفحة رقم : 2266




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> المثاليون


بل كان كمعظم فلاسفة اليونان يهتم بالشئون الحية ومنها شئون الدولة. وقد كلفته إيليا أن يضع لها قوانينها، فلما وضعها أعجبت به إعجاباً جعلها تطلب إلى جميع قضاتها أن يحكموا في جميع القضايا بمقتضاها(3). ولعله أراد أن يرفِّه عن نفسه في حياته المفعمة بالعمل، فأنشأ قصيدة فلسفية في الطبيعة بقي منها إلى الآن نحو مائة وستين بيتاً تكفي لأن نأسف لأن بارمنيدس لم يكتب نثراً. وفي هذه القصيدة يعلن الشاعر، وهو يغمز بعينه، أن إلهة قد أوحت إليه أن الأشياء جميعها وحدة، وأن الحركة، والتغير، والنمو، أشياء غير حقيقية، فهي خيالات لمشاعر سطحية، متعارضة تافهة، وأن من وراء هذه المظاهر وحدة، متجانسة لا تتبدل، ولا تنقسم، ولا تتحلل، ولا تتحرك، وهي وحدة الكائنات، والحقيقة التي لا حقيقة سواها، والإله الذي لا إله غيره. لقد كان هرقليطس يقول إن كل شيء يتغير Panta Rei أما بارمنيدس فيقول إن الأشياء بأجمعها كل واحد أبداً Hen Ta Panta. وهو في بعض الأحيان يقول كما يقول أكسانوفان إن هذا الواحد هو الكون، ويصفه بأنه شبه كرى ومحدود، وكان في بعض الأحيان حين ينظر إليه نظرة فكرية مجردة يرى أن هذا الكائن هو الفكر ويقول: "إن الفكر والكون شيء واحد"(4). وكأنه يريد بهذا أن يفهمنا أن الأشياء لا وجود لها في إدراكنا، وأن البداية والنهاية، والمولد والموت، والتكوين والتدمير، لا تصيب إلا الأشكال والصور، أما الواحد الحق فلا بداية له ولا نهاية، وليس ثمة صيرورة، وليس ثمة إلا وجود، وأن الحركة أيضاً غير حقيقية لأنها تفترض انتقال شي من المكان الذي هو فيه إلى مكان لا يوجد فيه شي أي إلى الفراغ، ولكن الفراغ الذي هو غير كائن لا يمكن أن يكون، إذ ليس ثمة فراغ قط، لأن الواحد يملأ كل ركن وكل شق في العالم، وهو ساكن سكوناً سرمدياً .




صفحة رقم : 2267




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> المثاليون


ولم يكن ينتظر بطبيعة الحال أن يستمع الناس إلى هذه الأقوال كلها وهم صابرون، ويبدو أن السكون البارمنيدي كان الهدف الذي صوبت إليه مئات من الهجمات الميتافيزيقية. وترجع أهمية زينون الإليائي الحصيف تلميذ بارمنيدس إلى محاولته إثبات أن فكرتي التعدد والحركة كانتا من الوجهة النظرية على الأقل مستحيلتين كاستحالة واحد بارمنيدس الثابت القديم الحركة - وأراد زينون أن يدرب نفسه على الضلال والمشاكسة، وأن يسلي شبابه في الوقت نفسه، فألف كتاباً في المتناقضات وصلت إلينا تسع منها، حسبنا أن نورد منها ثلاثاً: وأولى هذه المتناقضات كما يقول زينون أن الجسم لكي يتحرك إلى نقطة أ لا بد أن يصل إلى ب وهي منتصف طريقه إلى أ، ولكي يصل إلى ب يجب أن يصل أولا إلى ج منتصف طريقه إلى ب، وهكذا إلى ما لا نهاية. وإذ كانت هذه السلسلة التي لا نهاية لها من الحركات تتطلب قدراً لا نهاية له من الزمن، فإن تحرك أي جسم إلى أية نقطة في زمن محدد أمر مستحيل. والثانية وهي صورة أخرى من الأولى أن أخيل السريع العدو لا يستطيع أن يدرك السلحفاة البطيئة. وذلك لأنه كلما وصل إلى النقطة التي كانت فيها السلحفاة، تكون السلحفاة في هذه اللحظة نفسها قد انتقلت من هذه النقطة. والثالثة أن السهم الطائر في الهواء هو في الحقيقة ساكن غير متحرك، لأنه في كل لحظة من طيرانه لا يكون إلا في نقطة واحدة في الفضاء، أي أنه يكون ساكناً، وحركته منطقياً وميتافيزيقياً غير حقيقية مهما بدا للحواس أنها واقعة فعلاً .




صفحة رقم : 2268




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> المثاليون


وجاء زينون إلى أثينة حوالي عام 450 ق.م. ولعله جاء إليها مع بارمنيدس وأثار ثائرة المدينة السريعة التأثر بقدرته على تحويل أي نوع من أنواع النظريات الفلسفية إلى سخافات غير معقولة. وقد وصف تيمون الفليوسي Temon of Phlius "لسان زينون ذي الحدين الذي يستطيع أن يبرهن على أن كل قول يقوله الإنسان غير حقيقي"(8).
ومن هذه النعرة قبل السقراطية (ونحن نسميها نعرة لأن جهلنا بالماضي يضطرنا إلى تسمية هذه المعاني بتلك الأسماء) كانت بداية علم المنطق كما كان بارمنيدس بالنسبة لأوربا هو واضع علم ما وراء الطبيعة. ولقد حاكى سقراط طريقة زينون الجدلية(9) محاكاة شديدة وإن كان قد ندد بها وشنع عليها، وبلغ من تحمسه لهذه الطريقة أن اضطر قومه إلى قتله لكي يريحوا عقولهم من جدله. ولقد كان أثر زينون في السوفسطائيين المتشككين حاسماً وقوياً، وكان لتشككه آخر الأمر الغلبة في بيرون Purrho وقرنيادس Carneades. وقد أصبح في شيخوخته رجلاً "ذا حكمة عظيمة وعلم غزير" (10) فأخذ يشكو من أن الفلاسفة قد حملوا مزاحه العقلي في أيام شبابه محمل الجد. وكان انقلابه الأخير سبب القضاء عليه. ذلك أنه اشترك في حركة تهدف إلى خلع الطاغية نيارقيس Nearches في إيليا ولكنه أخفق في محاولته، وقبض عليه، وعذب، وقتل(11). وصبر الفيلسوف على عذابه صبر الأبطال، وكأنما أراد بذلك أن ينضم اسمه بعد قليل من الزمن إلى أسماء أصحاب الفلسفة الرواقية.




صفحة رقم : 2269




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون



الفصل الثاني




الماديون


لقد كان إنكار بارمنيدس للحركة والتغير بمثابة ثورة على ميتافيزيقية هرقليطس المائعة المزعزعة، وكذلك كانت عقيدة وحدة الكون ثورة عنيفة على عقائد الفيثاغوريين المتأخرين. ذلك أن هؤلاء الفلاسفة قد حولوا نظرية الأعداد التي قال بها كبيرهم إلى المبدأ القائل بأن الأشياء جميعها تتكون من أعداد أي من وحدات غير قابلة للانقسام(12). ولما أن أضاف فيلولوس الطيبي إلى هذا المبدأ أن "الأشياء جميعها تحدث بالضرورة والتوافق"(13) كان كل شي قد أعد لظهور المذهب الذري أو مذهب الجوهر الفرد في الفلسفة اليونانية.
ففي عام 435 جاء لوقيبوس الملطي إلى إيليا وتلقى العلم على زينون. ولعله قد سمع هناك بالذرية العددية التي يقول بها الفيثاغوريون، ذلك أن زينون كان قد وجه بعض متناقضاته الدقيقة إلى عقيدة التعدد(14). واستقر لوقيبوس آخر الأمر في أبدرا وهي مستعمرة أيونية مزدهرة في تراقية. وقد ضاعت تعاليمه المباشرة فلم يبق منها إلا هتامة صغيرة هي قوله : "لا شي يحدث من غير علة، بل إن الأشياء كلها تحدث لعلة، وبالضرورة"(15).
ولعل لوقيبوس قد أوجد فكرة الفراغ ليرد بها على أقوال زينون وبارمنيدس، وكان يأمل بهذه الطريقة أن يجعل الحركة مستطاعة من الوجهة النظرية كما هي واقعية من الناحية الحسية. ويقول : إن العالم يحتوي على جواهر فردية وعلى فراغ ولا شي غيرهما، وإن هذه الجواهر التي تتساقط في دوامة كبرى تسقط بالضرورة إلى الصور الأولية للأشياء جميعها، وينضم كل شي




صفحة رقم : 2270




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون


إلى مثيله، وبهذه الطريقة وجدت الكواكب والنجوم(16)، والأشياء جميعها بما فيها النفس البشرية مكونة من جواهر فردية(ذرات).
وكان دمقريطس تلميذ لوقيبوس أو زميله في تحويل فلسفة الجوهر الفرد إلى نظرية مادية كاملة. وكان والده من ذوي المكانة الملحوظة والثراء العظيم في أثينة(17)، ويقال إنه ورث منه مائة وزنة من المال (000ر800 ريال أمريكي) أنفق معظمها في الأسفار(18). وتقول بعض الروايات التي لا نجد ما يؤيدها إنه سافر إلى مصر وبلاد الحبشة وبابل وفارس والهند(19)، ويقول هو نفسه في ذلك : "لقد طفت بين معاصري في أكبر جزء من الأرض للبحث عن أبعد الأشياء، ورأيت أكثر الجواء والأقطار، وسمعت إلى أكبر عدد من المفكرين" . وأقام في بؤوتية الطيبية زمناً يكفي لتشبعه بنظرية فيلولوس في الذرية العددية(22)، ولما فرغت منه نقوده لجأ إلى الفلسفة، واخشوشن في معيشته، ووجه جهوده كلها إلى الدرس والتفكير، وقال : "إن الكشف عن برهان واحد (في الهندسة) خير لي من الحصول على عرش فارس"(23). وكان على شيء من التواضع لأنه كان يبتعد عن الجدل والنقاش، ولم يوجد مدرسة خاصة، وأقام في أثينة من غير أن يتعرف إلى أحد من فلاسفتها(24). وقد ذكر ديوجين ليرتيوس Diogenese Laertius (ديوجانس) ثبتاً طويلاً من كتبه في علوم الرياضة والطبيعة والفلك والملاحة، والجغرافية، والتشريح، ووظائف الأعضاء، وعلم النفس، والعلاج النفساني، والطب، والفلسفة، والموسيقى(25). ويسميه ثراسيلس Thrasyllus صاحب التمارين الخمسة في الفلسفة، ويطلق عليه بعض معاصريه اسم الحكمة (Sophia) نفسها(26). وقد بلغت معارفه من السعة والتعدد ما بلغته معارف أرسطاطاليس




صفحة رقم : 2271




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون


نفسه، ونال أسلوبه من الإعجاب ما ناله أفلاطون(27)، ووصفه فرانسس بيكن Francis Bacan في ساعة تخلى فيها عن عناده بأنه أعظم الفلاسفة الأقدمين على بكرة أبيهم(28).
وهو يبدأ كما يبدأ بارمنيدس ببحث تحليلي في الحواس فيقول إنه لا بأس علينا من الوثوق بها في الأغراض العملية، ولكننا لا نكاد نحلل ما تمدنا به من المعلومات حتى نجد أنفسنا ننتزع من العالم الخارجي طبقة بعد طبقة مما تضفيه عليه الحواس من اللون، والحرارة، والطعم، والنكهة، والحلاوة، والمرارة، والصوت. وهذه "الصفات الثانوية" كائنة فينا نحن أو في عملية الإدراك الكلية، لا في الشيء الموضوعي، وفي العالم الخالي من الآذان لا تحدث الغابة الساقطة صوتاً، ولا يكون لماء البحر مهما غضب هدير "والعرف (Nomos) هو الذي يجعل الحلو حلواً والمر مراً، والحار حاراً، والبارد بارداً، أما الحقيقة فهي أنه لا وجود إلا للجواهر الفردية (الذرات) والفراغ"(29). ومن ثم فإن الحواس لا تمدنا إلا بالمعلومات أو الآراء العامة، أما المعرفة الحقة فلا سبيل إليها إلا البحث والتفكير". والواقع أننا لا نعرف شيئاً، فالحق مدفون على بعد منا عظيم... ولسنا نعرف شيئاً معرفة أكيدة، بل كل ما نعرفه هو ما يحدث في جسمنا من تغيرات بتأثير القوى التي تصطدم به"(30). وكل الأحاسيس ناشئة من الجواهر الفردية التي يقذف بها الجسم الخارجي فتقع على أعضاء الحواس(31)، وليست الحواس كلها إلا أشكالاً من اللمس(32).
وتختلف الجواهر الفردية التي يتكون منها العالم في شكلها وحجمها ووزنها، وكلها تنزع إلى السقوط إلى أسفل، وتنتج من هذا حركة دائرية تتحد فيها الجواهر المتماثلة بعضها ببعض فتنتج من اتحادها الكواكب والنجوم. وهذه الجواهر لا يقودها فكر (Nous) أو ذكاء، ولا يرتبها "حب" أو "كراهية" كما يقول أنبادوقليس، بل إن الضرورة- أي الأثر الطبيعي للعلل الكامنة فيها هي التي تسيطر عليها جميعاً(33). وليس ثمة مصادفة، بل المصادفة




صفحة رقم : 2272




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون


خرافة اخترعت لتبرير جهلنا(34). وكمية المادة تبقى على حالها، لا يضاف إليها شيء جديد، ولا يفنى منها شيء(35)، وكل الذي يحدث هو تغير في اتحاد الجواهر الفردية. لكن صور الأشياء مع هذا لا حصر لها، وحتى العوالم نفسها يوجد منها في أكبر الظن عدد "غير محدود"، وهي تنشأ وتزول في موكب لا نهاية له(36). وقد نشأت الكائنات العضوية في مبدأ أمرها من التراب المبلل(37)، وكل شيء في الإنسان مصنوع من جواهر فردية، والروح نفسها مكونة من جواهر جد صغيرة ملساء مستديرة كجواهر النار، والعقل، والنفس، والحرارة الحيوية، والمبدأ الحيوي، كلها شي واحد، لا يختص بها الإنسان أو الحيوان بل هي منتشرة في العالم كله موزعة عليه، والجواهر الفردية العقلية الكائنة في الإنسان وغيره من الحيوانات التي بها نفكر في جميع أجزاء الجسم .
بيد أن هذه الجواهر الفردية الدقيقة التي تتكون منها النفس هي أكثر أجزاء الجسم نبلاً وأعظمها إثارة للدهشة. والرجل العاقل ينمي فكره، ويحرر نفسه من الانفعالات، والخرافات، والمخاوف، ويبحث بالتأمل والإدراك عن السعادة العقلية التي في متناول الحياة البشرية. والسعادة لا تنشأ من الطيبات الخارجية، بل ينبغي للإنسان أن يتعود على أن يجد في داخل نفسه مصادر متعته وسعادته"(42). والثقافة خير من الغنى...ولا تستطيع قوة أو ثروة أن ترجح اتساع دائرة العلم"(43). والسعادة تأتي متقطعة، و "اللذائذ المادية لا تشبع صاحبها إلا زمناً قصيراً"(44)، لكن الإنسان ينال سروراً أدوم إذا حصل على سلا م النفس وصفائها (أتاركسيا Ataraxia) وعلى البهجة (Euthumia). والاعتدال (Metriotes) قدر من النظام والتناسب في الحياة (Biou Symmetria). وفي وسعنا أن نتعلم الشيء الكثير من الحيوانات-




صفحة رقم : 2273




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون


"الغزل من العنكبوت، والبناء من العصفور، والغناء من العندليب والتَّمَّ" (45)، و "قوة الجسم لا تكون من أسباب النبل إلا في دواب النقل، أما قوة الخلق فهي سبب النبل في الإنسان"(46). وهكذا يفعل دمقريطس ما فعله من بعده الضالون في إنجلترا في عصر الملكة فكتوريا فيقيم على ميتافيزيقاه الشائنة صرحاً من المبادئ الخلقية الخلابة الظاهرة. "والأعمال الحسية يجب أن تصدر عن عقيدة لا عن قسر، ويجب أن يفعلها الإنسان للرغبة فيها لا أملاً فيما يناله عليها من جزاء..." ومن واجب الإنسان أن يشعر بالعار أمام نفسه إذا فعل الشر أكثر مما يشعر به أمام العالم كله" (47). وقد أوضح حكمته، ولعله برر أيضاً نصائحه، بأن عاش حتى بلغ من السن مائة عام وتسعة أعوام، أو تسعين عاماً كما يقول بعضهم(48). ويروي ديوجين ليرتيوس أنه لما قرأ دمقريطس على الجماهير أهم مؤلفاته كلها وصور كتاب العالم الأكبر Megas Diakosmos أهدت إليه مدينة أبدرا مائة وزنة (000ر600 ريال أمريكي)، ولكن لعل أبدرا كانت وقتئذ قد خفضت قيمة نقدها. ولما سأله بعضهم عن سر عمره الطويل أجاب بأنه كان يأكل عسل النحل في كل يوم وأنه كان يستحم بالزيت(49). ولما رأى آخر الأمر أنه قد عاش من العمر ما يشتهي أخذ يقلل من طعامه يوماً عن يوم يريد بذلك أن يميت نفسه جوعاً شيئاً فشيئاً(50)، ويقول ديوجين "إنه بلغ أرذل العمر(51) وإنه خيل إلى الناس أنه يحتضر. وحزنت أخته لأنه سيموت في أثناء عيد ثزموفوريا Thesmophoria فيحول موته دون قيامها بما يجب عليها نحو الإلهة، فما كان منه إلا أن أمرها بأن تخفف من لوعتها، وأن تأتيه كل يوم ببضعة أرغفة من الخبز الساخن (أو بقليل من عسل النحل(52). وأخذ يضع هذا




صفحة رقم : 2274




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون


الطعام فوق منخريه، واستطاع بذلك أن يطيل حياته خلال أيام العيد. فلما أن انقضت ثلاثة أيام العيد لفظ آخر أنفاسه دون أي ألم، كما يؤكد لنا هباركس وذلك بعد أن عاش مائة عام وتسعة أعوام".
واحتفلت مدينته بجنازته احتفالاً عاماً، وأثنى عليه تيمن الأثيني Timon of Athens. ولم ينشئ دمقريطس مدرسة خاصة، ولكنه صاغ أهم فرض من الفروض العلمية وأوجد للفلسفة نظاماً بقي بعد أن عفا الزمان على غيره من النظم التي ظلت تندد به، ولا يزال يظهر في العالم جيلاً بعد جيل.




صفحة رقم : 2275




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> أنبادوقليس



الفصل الثالث




أنبادوقليس


المثالية تضايق الحواس، والمادية تكدر النفس، لأن أولاهما تفسر كل شيء ما عدا العالم، والأخرى تفسر كل شيء ما عدا الحياة، وإذا أريد مزج هذين النصفين من أنصاف الحقائق فلا بد من العثور على مبدأ محرك دافع يتوسط بين التركيب والنماء، وبين الأشياء والأفكار، وقد حاول أنكساغوراس أن يبحث عن هذا المبدأ في العقل الكوني، وحاول أنبادوقليس أن يبحث عنه في القوى الكامنة التي تنزع إلى الثورة والانقلاب.
وكان مولد هذا الأكرغامي الشبيه بليوناردو Leonarda في عام مرثون، من أسرة غنية كانت مولعة بسباق الخيل ولعاً لم يكن يرجى معه أن ينبغ أحد أبنائها في الفلسفة. وقد درس بعض الوقت مع الفيثاغوريين، فلما نضج عقله أخذ يفشي بعض عقائدهم السرية فطرد من زمرتهم(54). وأولع أشد الولع بعقيدة تناسخ الأرواح، وأعلن بخيال الشعراء وعواطفهم أنه كان "في سالف الأيام شاباً، وفتاة، وغصناً مزهراً، وطائراً، وسمكة تسبح صامتة في البحر العميق" (55). وذم أكل الطعام الحيواني ووصفه بأنه لا يخرج عن أن يكون صورة من أكل اللحوم البشرية، أليست هذه الحيوانات تجسيداً جديداً لبعض الآدميين(56)؟ وكان يعتقد أن الناس جميعاً كانوا من قبل آلهة، ولكنهم خسروا مكانهم في السماء لارتكابهم شيئاً من الدنس أو العنف. ويقول إنه واثق بأنه يشعر في قرارة نفسه بما يوحي إليه بألوهيته قبل مولده. "وأي مجد عظيم وأية سعادة ليس فوقها سعادة قد تدهورت منهما الآن، وأصبحت أطوف الأرض مع




صفحة رقم : 2276




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> أنبادوقليس


الآدميين!" (57). وإذ كان واثقاً من هذا الأصل الإلهي فقد احتذى حذاءين من الذهب، ولبس ثوبين أرجوانيين، ووضع على رأسه إكليلاً من الغار، وقال لأبناء وطنه متواضعاً إنه محبوب أبلو، ولم يعترف لغير أصدقائه بأنه إله. وادعى أن لها قوى فوق قوى البشر، ومارس بعض طقوس السحر، وحاول بطريق العزائم والرقى أن ينتزع من العالم الآخر أسرار مصير الإنسانية. وعرض على الناس أن يشفي مرضاهم بسحر الألفاظ، وشفى كثيرين منهم حتى كاد الناس يصدقون دعواه. أما الحق فإنه كان طبيباً نطاسياً ذا آراء كثيرة في علم الطب، ومتمكناً من سيكولوجية الفن، وكان فوق ذلك خطيباً مصقعاً، "اخترع" كما يقول أرسطاطاليس، أصول البلاغة وعلمها غورغياس، فعرضها هذا للبيع في أثينة، وكان مهندساً أنجى سلينس من الوباء بتجفيف المستنقعات وتحويل مجاري الأنهار(59). وكان سياسياً شجاعاً تزعم، وهو أرستقراطي الأصل، ثورة على الأرستقراطية الضيقة، وأبى أن يكون حاكماً بأمره، وأقام حكماً ديمقراطياً معتدلاً. وكان شاعراً كتب في الطبيعة وفي التطهير شعراً بديعاً اضطر أرسطاطاليس وشيشرون إلى أن يضعاه في مصاف الشعراء المجيدين، وأظهر لكريشيوس إعجابه به بمحاكاته. وقال فيه ديوجين ليرتيوس : "وإذا ذهب إلى الألعاب الأولمبية استلفت جميع الأنظار، حتى لم يكن يذكر إنسان آخر بمثل ما يذكر به هو"(61)، ولعله كان كما يقول إلهاً.
ولم يبق لنا من أشعاره إلا 470 بيتاً لا نجد فيها إلا إشارات متقطعة لفلسفته، فنرى منها أنه كان يختار مبادئه من فلسفات مختلفة، ويرى في كل طريقة من طرائقها شيئاً من الحكمة، ولا يوافق بارمنيدس على رفض جميع ما يجيء إلينا من المعلومات عن طريق الحواس، بل يثني على كل حاسة ويرى أنها "طريقاً موصلاً للإدراك"(63). وعنده أن الحس ينشأ من انبعاث جزيئات تنتقل من الجسم الخارجي، وتقع على "مسام" (Poroi) الحواس،




صفحة رقم : 2277




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> أنبادوقليس


ومن أجل هذا يحتاج الضوء إلى بعض الوقت لكي يصل إلينا من الشمس(64)، وينشأ الليل من اعتراض الأرض لأشعة الشمس(65)، والأشياء كلها تتكون من عناصر أربعة : الهواء، والنار، والماء، والتراب، وتعمل في هذه العناصر قوتان رئيسيتان هما قوتا الجذب والطرد، أو قوتا الحب والبغض.
وينتج من اجتماع العناصر وتفرقها بفعل هاتين القوتين اجتماعاً وتفرقاً لا آخر لهما عالم الأشياء والتاريخ. فإذا كانت الغلبة للحب أي النزعة إلى الاتحاد تحولت المادة إلى نبات، واتخذت الكائنات العضوية أشكالاً مطردة الرقي. وكما أن تناسخ الأرواح يؤلف من الأنفس كلها سيرةً واحدة، كذلك لا يوجد في الطبيعة فرق واضح بين جنس وجنس، أو بين نوع ونوع. ألا ترى مثلاً أن "الشَّعر، وأوراق الشجر، وريش الطيور السميك، والحراشف التي تتكون على الأعضاء الصلبة، كلها من نوع واحد؟"(68). والطبيعة تنتج كل نوع من أنواع الأعضاء والأشكال، والحب يؤلف بينها، فيجعل منها تارةً هولات غريبة تهلك لعدم قدرتها على التكيف لتلائم البيئة المحيطة بها، وتارةً أخرى يجعل منها كائنات عضوية قادرة على التكاثر ومواءمة ظروف الحياة(69). والأشكال العليا كلها تنشأ من الأشياء السفلى(70)، وقد كانت الذكورة والأنوثة في بادئ الأمر مجتمعين في جسم واحد، ثم انفصلا وظلت كلتاهما تتوق إلى الاتحاد مع الأخرى . ويوجد في مقابل عملية التطور هذه عملية الانحلال، يمزق فيها الكره، أو قوة التقسيم، البنيان المعقد الذي أقامه الحب، فتعود الكائنات العضوية والنباتية عوداً بطيئاً إلى صور تزداد بدائية يوماً بعد يوم، ويظل هذا يحدث حتى تختلط الأشياء جميعها مرة أخرى في كتلة فطيرة غير محددة الشكل(72)




صفحة رقم : 2278




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> أنبادوقليس


وهاتان العمليتان المتبادلتان عملية التطور وعملية الانحلال مستمرتان إلى أبد الدهر في كل جزء على حدة وفي الكل مجتمعاً، وتتنازع القوتان قوة الائتلاف وقوة التفرقة، قوة الحب وقوة الكره، قوة الخير وقوة الشر، وتتوازنان في نظام عالمي شامل هو نظام الحياة والموت. ألا ما أقدم فلسفة هربرت اسبنسرا!(73).
ومكان الله في هذه العملية غير واضح، وذلك لأن من الصعب أن نفرق بين الحقيقة والمجاز أو بين الفلسفة والشعر في أقوال أنبادوقليس، فهو في بعض الأحيان يوحد بين الإله وبين الكون نفسه، وفي بعضها الآخر يوحد بينه وبين حياة كل حي أو عقل كل عاقل، ولكنه يدرك أننا لن نستطيع قط أن نكون فكرة صحيحة عن القوة الخالقة الأساسية الأصلية. انظر مثلاً إلى قوله: "لن نستطيع أن نقرب الله منا قرباً يمكننا من أن ندركه بأعيننا، ونمسكه بأيدينا... ذلك أنه ليس له رأس بشري ملتصق بأعضاء جسمه، وليس له ذراعان متفرعتان تتدليان من كتفيه، وليس له قدمان ولا ركبتان ولا أعضاء مكسوة بالشعر. إنه كله عقل لا غير، عقل مقدس لا ينطبق عليه وصف، يومض في طيات العالم كله وميض الفكر الخاطف"(74). ويختم أنبادوقليس حديثه هذا بنصيحة الشيخوخة التي أنطقته بها الحكمة والكلالة: "ما أضعف وما أضيق القوى المودعة في أعضاء الإنسان، وما أكثر المصائب التي تثلم حد التفكير، وما أقصر الحياة التي يكدح فيها الناس والتي تنتهي بالموت. فإذا حل بهم زالوا من الوجود وتلاشوا كما يتلاشى الدخان وصاروا هواء، يعرفون أن ما يحلمون به ليس إلا الصغائر التي عثر عليها كل واحد منهم أثناء تجواله في هذا العالم. ومع هذا تراهم جميعاً يفخرون بأنهم عرفوا كل شيء. ألا ما أشد حمقهم وأكثر غرورهم! ذلك أن هذا الكلي الذي يفخرون بمعرفته لم تره عين ولم تسمعه أذن، ولا يمكن أن يدركه عقل إنسان"(75).
واستحال في آخر سن من حياته واعظاً دينياً أكثر مما كان من قبل،




صفحة رقم : 2279




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> أنبادوقليس


منهمكاً في نظرية التجسيد، وأخذ يتوسل إلى بني جنسه أن يتطهروا من الخطيئة التي طردوا بسببها من السموات، ويدعو الجنس البشري، بما أوتي من حكمة بوذا وفيثاغورس، وشوبنهور، أن يمتنع عن الزواج، والتناسل(76). ولما حاصر الأثينيون سرقوصة في عام 415، بذل أنبادوقليس كل ما في وسعه لتأييد المقاومين وأغضب بذلك أكرجاس، التي كانت تحقد على سرقوصة بكل ما في قلوب الأقارب من حقد دفين، ونفي من بلده، فذهب إلى أرض اليونان القارية حيث وافاه الأجل في ميغارا كما تقول بعض الروايات(78). ولكن ديوجين ليرتيوس يروي عن هبوبوتس Hippobotus أن أنبادوقليس بعد أن أعاد إلى الحياة الكاملة امرأة اعتقد الناس أنها قضت نحبها غادر الوليمة التي أقيمت احتفاءً بشفائها، واختفى فلم يُرَ بعد ذلك أبداً. وتقول بعض الأساطير إنه ألقى بنفسه في فوهة بركان إتنا الثائر لكي يموت من غير أن يخلف وراءه أثراً، فيؤيد بذلك دعواه أنه إله. ولكن النار العنصرية غدرت به، فقذفت بخفيه النحاسيين، وتركتهما على حافة كأس البركان، كأنهما رمزان ثقيلان للفناء(80).




صفحة رقم : 2280




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون



الفصل الرّابع




السوفسطائيون


إن الذين يقولون إن بلاد اليونان هي أثينة يكذبهم أن أحداً من كبار المفكرين اليونان قبل سقراط لم يكن من أهل تلك المدينة، وأنه لم يعقبه مفكر من أهلها حتى جاء أفلاطون. إن المصير الذي لاقاه أنكساغورس وسقراط ليدل على أن الجمود الديني كان في أثينة أقوى منه في المستعمرات، وذلك لأن انفصال هذه المستعمرات من الناحية الجغرافية قد حطم بعض قيود التقاليد القديمة. ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا إن أثينة كانت تبقى مدينة غير متسامحة إلى حد السخف والغباء ولا مجال فيها للتفكير الحر لو لم تقم فيها طبقة دولية من التجار، ولم يفد إليها جماعة السوفسطائيين.
وقد كانت المناقشات التي تدور في الجمعية، والمحاكمات التي تجري أمام الهيليا، والحاجة المتزايدة إلى القدرة على التفكير تفكيراً منطقي الظاهر، وإلى التعبير عن الأفكار تعبيراً واضحاً مقنعاً، لقد كانت هذه كلها مضافة إلى ثراء المجتمع الإمبراطوري وتشوفه عاملاً في إشعار الناس بالحاجة إلى شيء لم يكن معروفاً في أثينة قبل بركليز، ونعني بذلك الدراسة العليا المنظمة للآداب، والخطابة، والعلوم، والفلسفة، وأساليب الحكم، والسياسة. ولم تُقابَل هذه الحاجة في بادئ الأمر بتنظيم الجامعات، بل قوبلت بوجود طائفة العلماء الجوالين يستأجرون قاعات المحاضرات، ويدرِّسون فيها ما يضعونه للتعليم من مناهج، ثم ينتقلون إلى مدن أخرى ليعيدوا فيها هذه الدراسة. وكان بعض هؤلاء المعلمين، ومنهم بروتاغوراس Protagoras، يطلقون على أنفسهم لقب سوفسطاي أي معلمو الحكمة(81)، وكان الناس يفهمون من هذا اللفظ ما نفهمه نحن من لفظ "أستاذ جامعي"، ولم يكن




صفحة رقم : 2281




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون


له معنى محط بالكرامة حتى قام النزاع بين الدين والفلسفة فأدى إلى هجوم المحافظين على السوفسطائيين، وأثارت نزعة بعضهم التجارية أفلاطون إلى أن تسوئ سمعتهم بأن عزا إليهم تهمة "السفسطة" بغية المكسب، وهي الوصف الذي ظل لاصقاً بهم إلى يومنا هذا. ولعل الجمهور كان يشعر نحو هؤلاء بشيء من الكره الخفي من بدء ظهورهم، لأن ما كانوا يتقاضونه من باهظ الأجر نظير تدريس المنطق والبلاغة لم يكن يطيقه إلا الأغنياء الذين أفادوا من علمهم هذا في دور القضاء(82). ولسنا ننكر أن المشهورين من السوفسطائيين كانوا يتقاضون ممن يعلمونهم أكثر ما يرضى هؤلاء أن يؤدوه إليهم من الأجر، وذلك هو قانون الأثمان في كل مكان... فكان بروتاغوراس، وغورغياس، كما يقول الرواة، يطلبان عشرة آلاف درخمة (000ر10 ريال أمريكي) أجراً لتعليم تلميذ واحد. غير أن من كانوا أقل من هذين شأناً كانوا يقنعون بأجور معتدلة، فكان برودكس Prodicus مثلاً - وهو الذي ذاع صيته في جميع أنحاء اليونان - يطلب ما بين درخمة وخمسين أجراً للاشتراك في مناهجه(83).
وقد ولد بروتاغوراس أشهر السوفسطائيين جميعهم في أبدرا قبل مولد دمقريطس بجيل من الزمان. وكان في أثناء حياته أشهر الرجلين وأعظمهما نفوذاً، وفي وسعنا أن نستدل على ما كان له من شهرة واسعة بما أحدثته زياراته لأثينة من حماسة بالغة واهتياج فيها كبير، وحتى أفلاطون نفسه - وهو الذي لم يقل كلمة طيبة في السوفسطائيين عن قصد - كان يجله ويصفه بأنه على خلق عظيم. وفي الحوار الأفلاطوني الذي سمي باسمه نرى بروتاغوراس أحسن مظهراً من سقراط الشاب الكثير الجدل، فسقراط في هذا الحوار




صفحة رقم : 2282




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون


هو الذي يتحدث كما يتحدث السوفسطائيين. وبروتاغوراس هو الذي يسلك مسلك الرجل المهذب والفيلسوف، فلا يغضب أو يثور، ولا يحقد على أحد ما يبديه من دلائل الفطنة والذكاء، ولا يُحَمِّل حجج مناظريه من الجدل أكثر مما تتحمله، ولا يهتم قط بأن يتكلم. ويعترف بأنه أخذ على نفسه أن يعلم تلاميذه التبصر والحذر في الشئون الخاصة والعامة، وحسن تنظيم المنزل والأسرة، وفنون البلاغة أو الكلام المقنع والقدرة على فهم شئون الدولة وحسن إدارتها(86). وهو يبرر ما يأخذه من أجور عالية بقوله إن من عادته، إذا عارض تلميذ فيما يطلبه من أجر، أن يقبل منه أي أجر يراه التلميذ عادلاً على شريطة أن يؤكد ذلك في خشوع أمام مزار مقدس(87) - وتلك لعمري خطة حمقاء من معلم يشك في وجود الآلهة. ويتهمه ديوجين ليرتس بأنه "أول من سلح المجادلين بسلاح المغالطات المنطقية" وهي تهمة يسر منها سقراط بلا ريب، ولكن ديوجين يضيف إلى قوله: "كان بالإضافة إلى هذا أول من اخترع ذلك النوع من الجدل الذي يسمونه الجدل السقراطي"(88) -وهي تسمية قد لا يرتاح لها سقراط.
وكان من أفضاله الكثيرة أنه وضع أساس النحو وفقه اللغة الأوربيين، ويقول عنه أفلاطون إنه بحث في الطريقة الصحيحة لاستعمال الألفاظ، وإنه كان أول من قسم الأسماء إلى مذكرة ومؤنثة وغير مذكرة ولا مؤنثة، وأول من ذكر أزمان الأفعال وحالاتها (إخبارية أو شرطية الخ(90)). ولكن أهم ما يعنينا من أمره أن به، لا بسقراط، تبدأ النظرة الذاتية في الفلسفة. فقد كان على عكس الأيونيين يُعنى بالأفكار أكثر مما يعنى بالأشياء، ونعني بالأفكار عملية الإحساس، والإدراك، والفهم والتعبير بأكملها. فبينما كان بارمنيدس يرى أن الإحساس لا يهدي إلى الحقيقة، كان بروتاغوراس يرى كما يرى لُك Locke أنه السبيل الوحيد إلى المعرفة، ويأبى أن يعترف بوجود أية حقيقة تعلو على العقل ولا تدركها الحواس. ومن




صفحة رقم : 2283




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون


أقوال بروتاغوراس أن الحقيقة المطلقة لا وجود لها، وأن كل ما يوجد هو الحقائق التي يعتنقها بعض الناس في ظروف خاصة، وقد تكون الأقوال المتناقضة حقائق متساوية القيمة في اعتقاد أشخاص مختلفين أو في أزمنة مختلفة(91). والحقيقة كلها والخير والجمال، أمور نسبية وشخصية، "والإنسان هو المقياس الذي تقاس به جميع الأشياء فهو الذي يقرر أن الأشياء الكائنة كائنة، وأن الأشياء غير الكائنة غير كائنة"(92). ولقد يخيل إلى المؤرخ أن العالم كله قد بدأ يرتجف ويتزعزع كيانه حين أعلن بروتاغوراس هذا المبدأ البسيط من مبادئ الإنسانية والنسبية، وأن الحقائق المقررة والمبادئ المقدسة جميعها أخذت تتصدع وتنهار، وأن الفردية قد وجدت صوتاً ينادي بها وفلسفة تؤيدها، وأن الأسس فوق الطبيعية للنظام الاجتماعي قد تعرضت كلها لخطر الزوال.
ولولا أن بروتاغوراس قد طبق في وقت من الأوقات هذا التشكيك البعيد الأثر، والذي يتضمنه هذا القول الذائع الصيت، على شئون الدين لبقي قولاً نظرياً مأمون العاقبة. ذلك أن بروتاغوراس قرأه على جماعة من كبار المفكرين في بيت يوربديز الملحد الحر التفكير البغيض إلى الشعب. وقد أثارت أول جملة في هذه الرسالة ثائرة الناس في أثينة وكانت الجملة الأولى فيها هي: "أما من حيث الآلهة فلست أدري أهي موجودة أم غير موجودة كما لا أعلم لها شبهاً. وثمة أشياء كثيرة تقف في سبيل هذه المعرفة: فالموضوع غامض، وحياتنا الفانية قصيرة الأجل"(93).وارتاعت الجمعية الأثينية من هذه الكلمة الافتتاحية التي تنذر بشر مستطير فقررت نفي بروتاغوراس، وأُمر الأثينيون على بكرة أبيهم أن يسلموا كل ما عساه أن يكون لديهم من كتاباته، وأحرقت كتبه في السوق العامة. وفر بروتاغوراس إلى صقلية ولكنه، على ما ترويه القصة، غرق في الطريق(94).




صفحة رقم : 2284




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون


وواصل غورغياس الليونتيني Gorgias of Leontini هذه الثورة التشكيكية، ولكنه أوتي من الحكمة ما جعله يقضي معظم حياته في خارج أثينة. وكانت سيرته أنموذجاً لسير الرجال الذين يجمعون بين الفلسفة والسياسة في بلاد اليونان. وقد ولد في عام 483، ودرس الفلسفة والبلاغة مع أنبادوقليس، وبلغ من شهرته في الخطابة وفي تدريسها أن أرسلته ليونيني في عام 427 سفيراً لها في أثينة. واستحوذ في الألعاب الأولمبية التي أقيمت في عام 408 على قلوب حشد كبير من الناس بخطاب له طلب فيه إلى اليونان المتحاربين أن يعقدوا الصلح فيما بينهم لكي يواجهوا وهم متحدون واثقون من الفوز قوة بلاد الفرس الآخذة في الانتعاش، وأخذ يتنقل من مدينة إلى مدينة ويشرح أينما حل آراءه بأسلوب خطابي طلي، وألفاظ ممتعة وعبارات منسقة في معناها ومبناها، متزنة اتزاناً دقيقاً بين الشعر والنثر، لم يجد معها أية صعوبة في جذب الطلاب إليه يعرضون عليه مائة مينا نظير منهجه الدراسي. وقد حاول في كتابه في الطبيعة أن يثبت ثلاث قضايا مدهشة مروعة هي أنه: (1) لا وجود لشيء ما. (2) ولو أن شيئاً وجد لكانت معرفته غير ممكنة. (3) ولو أن شيئاً كانت معرفته ممكنة لما أمكن نقل هذه المعرفة من شخص إلى آخر . ولم يبق من كتابات غورغياس غير هذه القضايا. وبعد أن استمتع بكرم كثير من الدول وأجورها ألقى عصا التسيار في تساليا وهدته حكمته إلى استهلاك معظم ثروته الطائلة قبل وفاته(96). ويؤكد لنا كل من أرَّخوا له أنه عاش حتى بلغ من العمر مائة سنة وخمس سنين على أقل تقدير، ويقول لنا كاتب قديم إن غورغياس، وإن بلغ من




صفحة رقم : 2285




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون


العمر مائة سنة وثمان سنين، لم يضعف جسمه من طول العمر، بل ظل إلى آخر حياته في جيد الصحة لا تقل قوة حواسه عن قوة حواس الشباب(97).
وإذا كان السوفسطائيين مجتمعين قد كونوا مدرسة متفرقة، فإن هيبياس الإليسي (Elis) كان مدرسة بمفرده، وكان أنموذجاً للرجل المتعدد المعارف في عالم لم تكن المعرفة فيه قد بلغت من الاتساع حداً يجعلها في غير متناول عقل واحد. فقد كان يعلم الفلك والرياضيات، وكانت له بحوث مبتكرة في الهندسة وكان شاعراً، وموسيقياً، وخطيباً. وكان يلقي محاضرات في الأدب، والأخلاق والسياسة، وكان مؤرخاً، وضع أساس التأريخ اليوناني وتقويمه وتسلسله بأن جمع ثبتاً من أسماء الفائزين في الألعاب الأولمبية، وأرسلته إليس مبعوثاً لها لدى دول أخرى، وكان يعرف من الفنون والحرف عدداً كبيراً أمكنه به أن يصنع ملابسه وأدوات زينته(98). وكان عمله في الفلسفة صغيراً ولكنه خطير، فقد كان يعترض على حياة المدن المصطنعة المؤدية إلى الانحلال، ويوضح الفرق بين الطبيعة والقانون، ويقول: إن القانون الظالم مستبد بالخلق(99). وواصل برودكس ألكيوس عمل بروتاغورس في النحو، وحدد أجزاء الكلام، وأدخل السرور على الشيوخ بوضعه قصة خرافية يصف فيها هرقل وهو يختار الفضيلة المجهدة بدل الرذيلة الهينة(100).ولم يكن غيره من السوفسطائيين أتقياء مثله: وكان منهم أنتيفون الأثيني الذي حذا حذو دمقريطس في ماديته وإنكاره الآلهة، والذي عرّف العدالة تعريفاً يجعلها هي الطريقة الملائمة للظروف الموصلة إلى الغاية المطلوبة، ومنهم ثرازيماكس الخلقدوني Thrasymachus of Chalcedon الذي قال إن الحق هو القوة (إذا أخذنا بما يقوله عنه أفلاطون) وإن نجاح الأوغاد ليبعث في نفوسنا الشك في وجود الآلهة(101).
والسوفسطائيين في مجموعهم يعدون من العوامل التي كان لها أعظم الأثر




صفحة رقم : 2286




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون


في تاريخ اليونان، فهم الذين اخترعوا لأوربا النحو والمنطق، وهم الذين رقوا فن الجدل، وحللوا أشكال الحوار، وعلموا الناس كيف يكشفون الخطأ المنطقي وكيف يمارسونه، وبفضل ما بعثوه في اليونان من حافز قوي وما ضربوه بأشخاصهم من أمثلة شغف مواطنوهم بالمناظرة والاستدلال، وهم الذين استخدموا المنطق في اللغة فزادوا الأفكار وضوحاً ودقة، ويسروا انتقال المعرفة انتقالاً صحيحاً دقيقاً. وهم الذين جعلوا النثر صورة من صور الأدب والشعر ووسيلة للتعبير عن الفلسفة، وطبقوا التحليل على كل شيء، وأبوا أن يعظموا التقاليد المتواترة التي لا تؤيدها شواهد الحس أو منطق العقل، وكان لهم شأن كبير في الحركة العقلية التي حطمت آخر الأمر دين اليونان القديم عند طبقات الذهنيين. وفي ذلك يقول أفلاطون: إن "الرأي السائد" في زمنه هو أن "العالم وكل ما فيه من حيوان ونبات... وجماد نشأ من علة تلقائية غير مدركة" ولا عاقلة. ويحدثنا ليسياس Lysias عن وجود مجتمع يكفر بالآلهة يطلق على نفسه اسم "نادي الشياطين Kadodatimoniotai" كان أعضاؤه يتعمدون أن يجتمعوا ليطعموا في الأيام المقدسة التي كان الصيام مقرراً فيها(103). وكان بندار في بداية القرن الخامس يقبل ما ينطق به الوحي في دلفي قبول الأتقياء الصالحين، وكان إسكلس يدافع عنه دفاع السياسيين، وفي عام 450 انتقده هيرودوت وهو خائف وجل، وكفر به توكيديدس صهره في آخر ذلك القرن، وشكا أوطيفرون Euthyphro من أن الناس كانوا يسخرون منه إذا تحدث عن النبوءات في الجمعية، ويعدونه من البلهاء الذين دالت دولتهم(104).
وليس من حقنا أن نعزو الفضل في هذا كله إلى السوفسطائيين أو أن نلومهم عليه، فقد كان الكثير منه في الجو الذي يحيط بهم، وكان نتيجة طبيعية لازدياد الثراء، والفراغ، والأسفار، والبحث، والتفكير. وكذلك كان نصيبهم في تدهور الأخلاق أنهم اشتركوا في هذا التدهور




صفحة رقم : 2287




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون


مع غيرهم، ولم يكونوا العامل الأساسي فيه، ذلك أن الثراء في حد ذاته، إذا لم تقترن به الفلسفة، يقضي على التزمت وعلى الرواقية. ولكن السوفسطائيين عجلوا في نطاق هذه الحدود الضيقة وعلى غير علم منهم سير حركة الانحلال. لقد كان معظمهم، إذا غضضنا النظر عن حبهم الجم للمال وهو حب متأصل في طبائع البشر، من ذوي الأخلاق الطيبة والحياة المحتشمة المهذبة، ولكنهم لم ينقلوا إلى تلاميذهم التقاليد أو الحكمة التي جعلتهم أو أبقتهم فضلاء رغم علمهم أن المبادئ الخلقية قد نشأت بين بني الإنسان ولم تنزل عليهم من آلهة السماء، وأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان. ولعل نشأتهم في المستعمرات لا في بلاد اليونان الأصلية قد جعلتهم يستخفون بقوة العادة، بوصفها بديلاً سلمياً للقوة أو القانون، في المحافظة على النظام والأخلاق. ولقد كان تعريفهم للأخلاق أو لقيمة الإنسان تعريفاً قائماً على أساس المعرفة، كما فعل بروتاغوراس قبل سقراط بجيل من الزمان(105)، كان هذا التعريف باعثاً قوياً على التفكير، ولكنه كان ضربة زلزلت قواعد الأخلاق نفسها، كذلك كانت توكيد المعرفة والتعظيم شأنها من الأسباب التي رفعت مستوى اليونان العلمي والثقافي، ولكنه لم يقو من ذكائهم بنفس السرعة التي حرر بها عقولهم. ولم يكن قولهم إن المعرفة شيء نسبي سبباً في حمل الناس على التواضع كما يجب أن يكون، بل إنه أغرى كل إنسان بأن يتخذ من نفسه معياراً يقدر به جميع الأشياء، فأصبح كل شاب نابه يحس بأنه خليق بأن يحكم على القانون الأخلاقي الذي يسير عليه بنو وطنه، وأن يرفضه إذا لم يفهمه أو يعجبه، ثم يصبح بعدئذ حراً في أن يبرر رغباته حسب ما يراه هو بعقله، ويقول إنها فضائل النفس التي تحررت من رق القانون. وكانت التفرقة بين "الطبيعة" والعرف، وميل صغار السوفسطائيين إلى القول بأن ما تبيحه "الطبيعة" خير في ذاته على الرغم




صفحة رقم : 2288




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون


من حكم العادة أو القانون، كان هذا الميل وتلك التفرقة عاملاً في تقويض الدعائم القديمة للأخلاق اليونانية، ومشجعاً للناس على القيام بكثير من التجارب في أساليب العيش. وأخذ الشيوخ يأسفون لانقضاء ما كان يسود المنزل من بساطة وإخلاص، ولانهماك الناس في السعي وراء اللذة وجمع المال متحللين في ذلك من قيود الدين(106). ويحدثنا أفلاطون وتوكيديدس عن المفكرين والقادة الذين يقولون إن الأخلاق وهم وخرافة، والذين لا يعترفون بأي حق غير حق القوة. وهذه الفردية العارمة التي لا قيد لها من الضمير هي التي جعلت منطق السوفسطائيين وبلاغتهم وسيلة للاحتيال القانوني والتهريج السياسي، وحطت من قيمة نزعتهم العالمية الواسعة الأفق فجعلتها مجرد إحجام وحذر عن الدفاع عن بلادهم أو استعداد لبيعها لمن يؤدي فيها أغلى الأثمان، دون أن يشعروا بشيء من وخز الضمير. وأخذ الزراع المتدينون والأشراف المحافظون يرون ما يراه عامة المواطنين من أهل الحواضر الديمقراطيين وهو أن الفلسفة قد أصبحت خطراً يهدد كيان الدولة وينذرها بشر مستطير.
واشترك بعض الفلاسفة أنفسهم في مهاجمة السوفسطائيين، فاتهمهم سقراط (كما اتهم أرسطوفان سقراط من بعد) بأنهم يموهون الخطأ بزخرف المنطق ويقنعونه بقوة البلاغة، وكان يحتقرهم لأنهم يتقاضون من الناس أجوراً(107). ويبرر جهله بالنحو بأنه لم يكن يستطيع حضور منهج برودكس الذي يكلف خمسين درخمة، ويقول إن كل ما كان في وسعه أن يحضر منهج الدرخمة الواحدة الذي يقتصر على المبادئ الأولية(108). وكتب في ساعة مشئومة تلك المقارنة القاسية يكشف فيها عن أمرهم:
"إنا لنعتقد يا أنتيفون أن في وسعنا أن نتصرف في الجمال أو في الحكمة تصرفاً شريفاً أو غير شريف، فالشخص إذا باع جماله بالمال إلى كل راغب




صفحة رقم : 2289




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون


في شرائه، سماه الناس "عاهراً" ذكراً، أما إذا صادق إنسان شخصاً يعرف أنه إنسان شريف جليل القدر يعجب به حسبناه رجلاً فطناً حصيفاً. والذين يبيعون الحكمة بالمال لكل من يتقدم لشرائها يسميهم الناس سوفسطائيين أو عاهري الحكمة إذا صح هذا التعبير.أما من يصاحب شخصاً يعرف أنه جدير بصحبته، ويعلمه كل ما يعرف من الخير فإنا نصفه بأنه يضطلع بالعمل الذي يليق بالمواطن الشريف"(109). ولم ير أفلاطون حرجاً في أن يوافق على هذا الرأي لأنه كان من الأثرياء. وبدأ إسقراط Isocrates حياته بخطبة ضد السوفسطائيين، ثم صار أستاذاً ناجحاً للبلاغة، يتقاضى ألف درخمة (ألف ريال أمريكي) عن النهج الواحد(110)، وواصل أرسطاطاليس هجومه عليهم وعرف السوفسطائي بأنه الرجل "الذي لا يحرص إلا على أن يثرى من وراء التظاهر بالحكمة"(111) ، واتهم بروتاغورس بأنه "يعد الناس بجعل أسوأ الأسباب يبدو كأنه أحسنها" (112).
وكان شر ما في هذه المأساة أن كلتا الطائفتين كانت على حق. فالشكوى من الأجور كانت غير عادلة. ذلك أنه لم تكن ثمة وسيلة غيرها يستطاع بها الإنفاق على التعليم العالي إلا إذا أمدته الدولة بالمال، وإذا ما انتقد السوفسطائيين التقاليد والأخلاق السائدة في عصرهم فلم يكن ذلك بطبيعة الحال عن سوء قصد فقد كانوا يظنون أنهم بعملهم هذا يحررون الناس من رق العقول، وكانوا بهذا الوصف وهم الطبقة الراجحة العقل في زمانهم يتصفون بما يتصف به أهل ذلك الجيل من شغف بالحرية العقلية، وقد فعلوا ما فعله علماء الموسوعات في عصر الاستنارة في فرنسا إذ انقضوا على الماضي الميت انقضاضاً جديراً بالإعجاب فاكتسحوه أمامهم دفعةً واحدةً. ولم يطل عمرهم، أو لم يكونوا بعيدي النظر في تفكيرهم، حتى يقيموا نظماً جديدة بدل النظم التي قوضها العقل بعد انطلاقه من عقاله. ولا بد في كل حضارة أن يحين الوقت




صفحة رقم : 2290




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون


الذي يتحتم فيه بحث الأساليب القديمة من جديد إذا أريد أن تكيف الحضارة نفسها لكي توائم التغيرات الاقتصادية التي لا تستطاع مقاومتها. ولقد كان السوفسطائيون أداة هذا البحث الجديد، ولكنهم عجزوا عن أن يضعوا السياسة المؤدية إلى هذا التكيف. وكفاهم فخراً أنهم كانوا حافزاً قوياً لطلب المعرفة، وأنهم جعلوا التفكير سنة العصر، وأنهم جاءوا من كافة أركان العالم اليوناني إلى أثينة بأفكار جديدة وأسباب للتفكير جديدة، وأيقظوا فيها الوعي الفلسفي والنضوج الذهني. ولولاهم لما وجد سقراط أو أفلاطون أو أرسطاطاليس.




صفحة رقم : 2291




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> قناع سيلينس



الفصل الخامِس




سقراط




1- قناع سيلينس Silenus


مما يغتبط له الإنسان أن يقف آخر الأمر وجهاً لوجه أمام شخصية تبدو في ظاهر أمرها واقعية كشخصية سقراط. ونقول في ظاهر أمرها لأننا إذا تدبرنا المصدرين الذين لا مناص لنا من الاعتماد عليهما في كل ما نعرفه عن سقراط، وجدنا أن أحدهما وهو أفلاطون يكتب مسرحيات خيالية، وأن الآخر وهو أكسانوفون يكتب روايات تاريخية، وهذه وتلك لا يمكن أن تعدا من التاريخ الصادق الصحيح. وقد كتب ديوجين ليرتيوس في ذلك يقول : "يقولون إن سقراط حين سمع أفلاطون يقرأ الليسيس Lysis صاح قائلاً : أي هرقل ! ما أكثر الأكاذيب التي قالها عني هذا الشاب ! ذلك بأن أفلاطون قد أنطق سقراط بأشياء كثيرة لم ينطق هو بشيء منها"(113).
والحق أن أفلاطون لا يدعي بأنه يقصر أقواله على الحقائق، وأكبر الظن أنه لم يدر بخلده قط أن المستقبل قد يعدم الوسائل التي يفرق بها بين ما هو سيرة حقة وما هو من نسج الخيال في كتابه. ولكن أفلاطون يرسم في المحاورات صورة منسقة لأستاذه من أيام شباب سقراط الوجل في البارمنيدس وثرثرته الوقحة في البروتاغوراس إلى تقواه المكبوتة واستسلامه في الفيدون، لا يسع الإنسان معها إلا أن يعتقد أنه إذا لم يكن هذا سقراط بحق فإن أفلاطون يعد من أكبر مبتدعي الشخصيات في الأدب بأجمعه. ويعتقد أرسطاطاليس أن الآراء المعزوة إلى سقراط في البروتاغوراس هي آراؤه بحق(114). وقد كشفت




صفحة رقم : 2292




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> قناع سيلينس


حديثاً هتامات من كتاب عن ألقبيادس كتبها إسكنيز الاسفتوزي Aeschines of Sphettos أحد تلاميذ سقراط نفسه ترجح تأييد الصورة التي رسمها له أفلاطون في الأجزاء الأولى من محاوراته كما ترجح تأييد قصة العلاقة الوثيقة التي كانت بين الفيلسوف وبين ألقبيادس(115). غير أن أرسطاطاليس من جهة أخرى يعد الذكريات Memorabilia والمائدة Banquet من القصص الموضوعة، أي الأحاديث الخيالية التي يردد سقراط في أكثرها آراء أكسانوفون نفسه. وإذا كان أكسانوفون قد صدق فيما نقله عن سقراط صدق إكرمان Eckerman فيما نقله عن جيته، فإن كل ما نستطيع أن نقوله في هذه الحال أنه عني بجمع سخافات المعلم التي لا ضرر منها، وأنه ليس من المعقول أن رجلاً أوتي من الفضائل ما أوتي سقراط حسب ما وصفه به أكسانوفون يستطيع أن يقلب الحضارة القائمة رأساً على عقب. على أن غير أكسانوفون من الكتاب الأقدمين لم يصوروا الحكيم القديم في صورة القديسين الصالحين كما صوره أكسانوفون. من ذلك أن أرسطوقسانيس التارنتي Aristoxenus of Tarentum ينقل عن أبيه - الذي يدعي أنه كان يعرف سقراط شخصياً - حوالي عام 318 أن الفيلسوف كان شخصاً مجرداً من التعليم "جاهلاً فاجراً"(117) ، وأن يوبوليس Eupolis الشاعر الهزلي فاق منافسه أرسطوفان في الافتراء على المشاء العظيم(118). وإذا أسقطنا من حسابنا ما يجر إليه الجدل من قسوة في اللفظ اتضح لنا على الأقل أن سقراط كان رجلاً نال من كره الناس وحبهم أكثر مما ناله أي إنسان آخر في عصره.
وكان أبوه مَثالاً، ويقال إنه هو نفسه نحت تمثالاً لهرمس، وآخر لربات القدر الثلاث أقيم قرب مدخل الأكروبوليس(119). أما أمه فكانت قابلة، وكان من الفكاهات التي لا ينفك ينطق بها عن نفسه أنه لم يفعل أكثر من




صفحة رقم : 2293




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> قناع سيلينس


مواصلة حرفة أمه، ولكنه نقلها إلى دائرة الأفكار، فكان يساعد غيره على أن يخرجوا للعالم آراءهم. وتقول إحدى الروايات إنه ابن أحد الأرقاء(120)، ولكنا نرجح بطلان هذه الرواية لأنه عمل هيليتا أي جندي في فرق المشاة الثقيلة (وذلك واجب لا يضطلع به إلا المواطنون(121))، وأنه ورث عن أبيه بيتاً، وكان عنده من المال سبعون مينا (000ر7 ريال أمريكي)، يستثمرها له صديقه أقريطون(122)، أما فيما عدا هذا فإنه يصور لنا على أنه رجل فقير(123). وقد عني عنايةً كبيرةً بصحة جسمه، وكان في غالب أيامه قوي البنية جيد الصحة، واكتسب شهرةً فائقةً في الجندية أثناء حرب البلوبونيز، وحارب في بوتيديا Potidaea عام 432، وفي ديليوم Delium عام 424، وفي أمفبوليس عام 422. وفي بوتيديا أنقذ حياة الشاب ألقبيادس وسلاحه، ونزل عن جائزة الشجاعة إكراماً لخاطر هذا الشاب، وفي ديليوم كان آخر من تقهقر من الأثينيين أمام الإسبارطيين، ويلوح أنه أنجى نفسه بالتحديق في العدو، فخافه الإسبارطيين وهم قوم لا يخافون. ويقال إنه في هذه الوقائع كلها بز جميع أقرانه في قوة الاحتمال وفي الشجاعة، وإنه كان يصبر على الجوع والتعب والبرد فلا يشكو ولا يتململ(124). أما في بلده، إذا طاوعته نفسه على الإقامة فيه، فكان يشتغل بقطع الأحجار ونحت التماثيل، ولم يكن مولعاً بالأسفار، وقلما كان يخرج من المدينة ومرفئها. وتزوج من إكسانثبي Xanthippe التي كانت تعيب عليه إهمال شئون أسرته، فكان يعترف بعدالة شكواها(125)، ويثني على كرم أخلاقها وحسن معاملتها لابنه وأصدقائه. ولم يكن الزواج يضايقه قط فقد يبدو أنه اتخذ لنفسه زوجة ثانية حين أباح القانون تعدد الزوجات مدة قصيرة لكثرة من قتل في الحروب من الذكور(128).
والعالم كله يعرف وجه سقراط وملامحه. وإذا حكمنا عليه من تمثاله النصفي المحفوظ في متحف ترمي Museo Dell Terme برومة، وذلك حكم لا يستند إلى




صفحة رقم : 2294




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> قناع سيلينس


أساس قوي، قلنا أنه لم يكن أنموذجاً صادقاً للوجه اليوناني(129). ذلك أن سعة وجهه، وأنفه الأفطس العريض، وشفتيه الغليظتين، ولحيته الكثة، كلها توحي بأنه ينتمي إلى أرض السهوب التي جاء منها أناكارسيس Anacharsis صديق صولون، أو ذلك السكوذي الحديث تولستوي. وقد كتب عنه ألقبيادس في إصرار عجيب، حتى في الوقت الذي يجهر فيه بحبه يقول: "أقول إن سقراط يشبه كل الشبه أقنعة سيلينس، التي يمكن رؤيتها في حوانيت التماثيل، وفي أفواهها مزامير وصفارات، وتنفتح في أوساطها فترى في داخلها صور الآلهة. وأقول أيضاً إنه يشبه مارسياس Marsyas الكائن الخرافي الذي يتكون نصفه الأعلى من إنسان ونصفه الأسفل من ماعز (Satyr)، ولست أعتقد أنك يا سقراط تنكر أن وجهك هو وجه ذلك المخلوق الخرافي"(130). ولم يعترض سقراط على هذا القول، بل إنه فعل ما هو شر من هذا فقد اعترف بأن له كرشاً مفرطة في الكبر وأنه يرجو أن ينقصها الرقص(131).
ويتفق أفلاطون وأكسانوفون في وصفهم عاداته وأخلاقه. من هذه أنه كان يقنع بثوب بسيط رث يلبسه طول السنة، ويفضل الحفاء على الأحذية أو الأخفاف(132). وقد تحرر إلى حد لا يصدقه العقل من داء التملك الوبيل المصاب به الجنس البشري، ويقال إنه أبصر ذات مرة كثرة البضائع المعروضة للبيع فقال: "ما أكثر الأشياء التي لا أحتاجها!"(133) وكان يشعر بأنه غني في فقره. وكان مضرب المثل في الاعتدال وضبط النفس، ولكنه كان أبعد الناس عن حياة القديسين. وكان في وسعه أن يشرب كما يشرب أي رجل مهذب مثقف، ولم يكن في حاجة إلى الزهد لكي يحتفظ باستقامة خلقه . ولم يكن ناسكاً يعتزل الناس، بل كان




صفحة رقم : 2295




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> قناع سيلينس


يحب الرفقة الطيبة، وكان لا يأبى أن يُدعى إلى ولائم الأغنياء من حين إلى حين، ولكنه لم يخضع لهم أو ينحني امتثالاً لأمرهم، وكان في وسعه أن يعيش أحسن العيش دون معونتهم، وكان يرفض هدايا الكبراء والملوك وولائمهم(135). وجملة القول أنه كان رجلاً محظوظاً يعيش من غير كد، ويقرأ من غير أن يكتب، ويعلم من غير أن يلتزم خطة رتيبة، ويشرب دون أن يدور رأسه، ثم يموت قبل أن يدركه وهن الشيخوخة، وكان موته بلا ألم.
وكانت أخلاقه أحسن الأخلاق الملائمة لعصره، ولكنها أخلاق يصعب أن يرضى بها كل الرجال الصالحين الذين يثنون عليه. فقد "سرت نار" الحب في جسمه حين رأى كرميدس Charmides، ولكنه ضبط عواطفه بأن سأل نفسه هل لهذا الفتى هو الآخر "نفس نبيلة(136)؟". ويصف أفلاطون سقراط وألقبيادس بأنهما عاشقان، ويقول عن الفيلسوف إنه "يطارد الفتى الوسيم" (137) ، والشيخ وإن كان يبدو أنه قد جعل حبه في الغالب حباً أفلاطونياً، لم يستنكف أن يقدم النصح للائطين وللسراري عن خير الوسائل لاصطياد المحبين. وقد دفعته شهامته إلى أن يعد الحظية ثيودروا بمعونته، وقد جازته على هذه المعونة بدعوتها إياه أن "يتردد عليها ليزورها"(139). ولم تكن تفارقه دعابته ورقة حاشيته، ومن أجل هذا فإن الذين يطيقون آراءه السياسية يجدون من السهل عليهم أن يحتملوا أخلاقه. ولما قضى نحبه قال عنه أكسانوفون إنه "بلغ من إنصافه أنه لم يظلم إنساناً حتى في أتفه الأمور...، وبلغ من عدالته أنه لم يفضل في وقت من الأوقات اللذة عن الفضيلة، وبلغ من حكمته أنه لم يخطئ قط في تمييز الخبيث من الطيب، ومن قدرته على تبين أخلاق الناس ومن حضهم على اتباع سبيل الفضيلة




صفحة رقم : 2296




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> قناع سيلينس


والشرف أن بدا أنه بلغ أحسن ما يأمله أحسن الناس وأسعدهم"(140). وقد عبر أفلاطون عن هذا المعنى نفسه ببساطة خلابة فقال إنه "كان بحق أعقل، وأعدل، وأحسن من عرفت من الناس في حياتي كلها"(141).




صفحة رقم : 2297




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> صورة ذبابة الخيل



2- صورة ذبابة الخيل


وإذ كان سقراط طلعة محباً للجدل فقد عمد إلى دراسة الفلسفة وأعجب وقتاً ما بالسوفسطائيين الذين غزوا أثينة في أيام شبابه. وليس لدينا شاهد على أن أفلاطون قد اخترع نبأ التقاء سقراط ببارمنيدس، وبروتاغوراس، وغورغياس، وبرودكس، وهيبياس، وثرازمكس. وما دار في لقائه بهم من أحاديث، وليس ببعيد أيضاً أن يكون قد رأى زينون حين وفد هذا إلى أثينة حوالي عام 450 ق.م. وأنه تأثر بجدله تأثراً لم يفارقه طول حياته(142). وأكبر الظن أنه عرف أنكساغورس بشخصه إن لم يكن عن طريق مبادئه، وذلك لأن أركلوس الملطي تلميذ أنكساغوراس كان في وقت ما معلم سقراط. وقد بدأ أركلوس هذا حياته العلمية عالماً في الطبيعة ثم اختتمها بأن كان دارساً لعلم الأخلاق، وقد فسر أصل هذا العلم وأساسه على قواعد العقل، ولعله هو الذي حول سقراط من الطبيعة إلى علم الأخلاق. ومن هذه الطرق كلها وصل سقراط إلى الفلسفة، ومذ تم له ذلك وجد "الخير أعظم الخير في حديثي كل يوم عن الفضيلة، وفحصي عن نفسي وعن غيري، لأن الحياة التي لا يفحص عنها غير خليقة بالرجال" .وهكذا أخذ يطوف بمعتقدات الناس، يخزهم بالأسئلة، ويطلب إليهم إجابات دقيقة محددة وآراء منسقة غير متناقضة، ويلقي الرعب في قلب كل من لا يستطيع أن يتحدث حديثاً واضحاً، وحتى في الجحيم نفسه يعرض أن يكون مشاء طلعة




صفحة رقم : 2298




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> صورة ذبابة الخيل


"يعرف مَن من الناس حكيم ومن منهم يدعي الحكمة وهو من غير أهلها"(144) وقد حمى نفسه من التعرض لأسئلة الناس ومناقشتهم إياه بمثل ما يناقشهم هو بأن أعلن أنه لا يعرف شيئاً، وأنه يعلم الأسئلة جميعها ولكنه لا يعلم شيئاً من أجوبتها، وقال عن نفسه متواضعاً إنه من "هواة الفلسفة"(145). ولعل الذي يقصده بقوله هذا أنه ليس واثقاً من شيء غير تعرض الإنسان للخطأ، وأنه ليس لديه طائفة من العقائد والمبادئ المقررة الجامدة. ولما أن أجاب مهبط الوحي في دلفي جوابه المزعوم عن سؤال كريفون Chaerephon المزعوم : "هل في الناس من هو أعقل من سقراط" وهو : "لا أحد"(146)، عزا سقراط هذا الجواب إلى اعترافه هو بجهله، وشرع من تلك اللحظة يقوم بذلك الواجب العملي واجب الحصول على أفكار واضحة، وقال عن نفسه : "إنه سيتحدث من حين إلى حين عما يهم الجنس البشري، فيبحث عن الصالح وغير الصالح، والعادل وغير العادل، وما يتفق مع العقل وما لا يتفق معه، وعما يعد شجاعة وما يعد جبناً، وعن ماهية الحكومة التي تسيطر على الناس، وعن صفات الرجل البارع في حكمهم، ثم يستطرد إلى موضوعات أخرى... يرى أن من يجهلونها يعدون بحق في طبقة العبيد"(147). وكان إذا صادف فكرة غامضة، أو تعميماً هيناً غير قائم على الحقائق، أو هوى خامرَ المتحدث إليه على غير علم منه، تحدى محدثه بقوله: "ما هو؟" ثم سأله أن يحدد ما يقول تحديداً دقيقاً. وأصبح من عادته أن يصحو مبكراً، ويذهب إلى السوق العامة، أو ساحات الألعاب أو مدارسها أو إلى حوانيت الصناع، ويأخذ في مجادلة أي إنسان يتوسم فيه الذكاء الحافز أو الغباء المسلي، وكان يسأل: "ألم يعمل الطريق إلى أثينة لكي يتحدث الناس فيه" (148)، وكانت الطريقة التي يتبعها سهلة خالية من التعقيد : كان يطلب إلى من يحدثه أن يعرف فكرة عامة شاملة، ثم يبحث هذا التعريف ليكشف




صفحة رقم : 2299




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> صورة ذبابة الخيل


في العادة عما فيه من نقص، أو تناقض، أو سخف وبطلان، ثم يستدرج محدثة بأسئلته المتعاقبة إلى تعريف أتم وأصح لا يقوله هو أبداً. وكان ينتقل أحياناً إلى فكرة عامة أو عرض فكرة أخرى جديدة ببحث سلسلة طويلة من الحالات المفردة الخاصة مكنته من أن يدخل قدراً من طريقة الاستقراء في المنطق اليوناني، وكان في بعض الأحيان يكشف بطريقة التهكم السقراطي المشهور عن النتائج المضحكة السخيفة التي تترتب على التعريف أو الرأي الذي يريد أن يهدمه. وكان مولعاً بالتفكير المنظم شغوفاً به، يحب أن يصنف الأشياء المفردة حسب جنسها، ونوعها، وما بينها من فوارق معينة، وبذلك مهد السبيل إلى طريقة أرسطاطاليس في التعريف، وإلى نظرية أفلاطون في الأفكار. وكان يصف الجدل بأنه فن التمييز بين الأشياء بعناية، وأنار دياجير المنطق المظلمة بفكاهته التي قدر عليها ألا يطول أجلها في تاريخ الفلسفة.
وكان معارضوه يعيبون عليه أنه يهدم ولا يبني، وأنه يرفض كل جواب ولا يجيب هو بشيء من عنده، وأنه بهذا أفسد الأخلاق وشل التفكير، وأنه في كثير من الحالات ترك الفكرة التي أراد أن يوضحها وهي أكثر غموضاً من ذي قبل وكان إذا حاول شخص حازم مثل أقريتياس Critias أن يسأله حوّل جوابه إلى سؤال آخر فأصبحت له من فوره ميزة على سائله. نعم إنـا نراه في البروتاغوراس يعرض أن يجيب على الأسئلة لا أن يسأل، ولكن هذه النية الطيبة لا تدوم إلا لحظة قصيرة، وعندئذ ينسحب بروتاغوراس، وهو الذي تمرس في المنطق من زمن طويل، من ميدان الجدل بهدوء(149). ويستشيط هيبياس غضباً من تملص سقراط وهروبه من الإجابة عما يوجه إليه من أسئلة، ويرفع عقيرته بقوله: "قسماً بزيوس إنك لن تسمع (جوابي) حتى تعلن أنت ما ترى أنه العدالة، لأنه لا يكفي أن تسخر من الناس، وأن تسأل كل إنسان وتربكه، ثم تأبى أن تفصح




صفحة رقم : 2300




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> صورة ذبابة الخيل


عن سبب لأي إنسان، أو أن تعلن عن رأيك في موضوع ما"(150). وقد أجاب سقراط عن هذا التقريع وأمثاله بقوله إنه ليس إلا قابلة كأمه، "إن اللوم الذي يوجه إليّ كثيراً، وهو أني أسأل الناس أسئلة وأن ليس لدي من العقل ما أستطيع به أن أجيب عنها، لوم عادل لا اعتراض لي عليه، وسببه أن اللّه قد أرغمني على أن أكون قابلة، ونهاني عن أن ألد"(151). وذلك لعمري هروب واضح ما أخلقه بصديقه يوربديز.
وهو يشبه السوفسطائيين من وجوه كثيرة، ولم يكن الأثينيون يترددون في أن يطلقوا عليه هذا الاسم، على أنهم لم يكونوا يقصدون بهذا أن يعيبوه أو ينقصوا من قدره(152). والحق أنه كان سوفسطائياً بالمعنى الحديث لهذا اللفظ أي كان بارعاً في المراوغات الماكرة، والحيل الجدلية، يبدل مجال الألفاظ أو معانيها بحذق ودهاء، ويغرق المسألة التي يجادل فيها بالتشبيهات والاستعارات المفككة، ويماحك ويغالط كما يغالط صبيان المدارس، ويحارب بالألفاظ حرب الأبطال ولكن إلى غير غاية(153). وقد يعفو الإنسان عمن جرعوه السم لأنا لا نرى أن ثمة آفة شراً من المنطقي العارف بقوة منطقه. وكان يختلف عن السوفسطائيين في أربعة أمور : كان يكره البلاغة، وكان يرغب في تقوية الأخلاق، ولم يكن يدعي أنه يعلم أكثر من فن بحث الأفكار، وكان يأبى أن يأخذ أجراً على تعليمه - وإن كان يبدو أنه قبل في بعض الأحيان عوناً من بعض الأغنياء من أصدقائه(154). وكان تلاميذه يحبونه أشد الحب رغم عيوبه التي كانت تضايقهم، وقد قال مرة لواحد منهم : "ربما استطعت أن أساعدك في السعي لنيل الشرف والفضيلة، لأن كلامنا يميل إلى حب صاحبه، وأنا إذا أحببت الناس من كل قلبي وبادلوني هم حبهم من كل قلوبهم، يسوءني غيابهم عني كما يسوءهم غيابي عنهم. وأتوق لصحبتهم كما يتوقون لصحبتي"(155).




صفحة رقم : 2301




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> صورة ذبابة الخيل


ويمثل أرسطوفان في رواية السحب تلاميذ سقراط بأنهم قد أنشأوا مدرسة ذات مكان معين يجتمعون فيه، وفي أكسانوفون فقرة تؤيد هذه الفكرة بعض التأييد(156)، ولكنه يصور لنا عادة بأنه يعلم في أي مكان يجد فيه من يعلمه، أو من يستمع إليه، غير أننا لا نجد عقيدة خاصة أو مبدأ خاصاً يجمع علينا أتباعه، فقد كانوا يختلفون فيما بينهم اختلافاً بلغ من شدته أن أصبحوا زعماء لأشد المدارس اختلافاً في بلاد اليونان - الأفلاطونية، والكلبية، والرواقية والأبيقورية، والتشككية. فكان منهم أنتستان Antisthenes الفخور الذليل الذي أخذ عن أستاذه مبدأ البساطة في الحياة وحاجاتها، وأسس المدرسة الكلبية. ولعله كان حاضراً حين قال سقراط لأنتيفون : "يبدو أنك تظن أن السعادة في الترف والإسراف، أما أنا فأرى أنك إذا لم تكن في حاجة إلى شيء كنت شبيهاً بالآلهة، وأنك إذا أقللت من حاجاتك قدر استطاعتك أصبحت أقرب ما تكون إلى الآلهة"(157). وكان منهم أيضاً أرستبوس الذي بنى على اعتراف سقراط بأن "في اللذة خيراً" العقيدة التي نشرها بعدئذ في قوريني Cyrene والتي دعا إليها أبيقور أثينة فيما بعد. ومنهم إقليدس الميغاري الذي جعل من الجدلية السقراطية تشككية تنكر المقدرة على كل معرفة حقة. وكان منهم الشاب فيدون الذي كان قد انحط إلى طبقة العبيد ثم افتداه قريطون Crito بإيعاز سقراط، وأحب سقراط هذا الشاب و "جعله فيلسوفاً". وكان منهم أكسانوفون القلق المضطرب الذي تخلى عن الفلسفة ليكون جندياً، ولكنه أثبت أن "لا شيء أعظم نفعاً من صحبة سقراط، والتحدث إليه في أية مناسبة وفي أي موضوع مهما يكن شأنه"(159). ومنهم أفلاطون الذي تأثر خياله القوي بالفيلسوف الحكيم تأثراً لم يفارقه طول حياته حتى امتزج العقلان وصارا في تاريخ الفلسفة عقلاً واحداً. ومنهم أقريطون الثري، الذي كان يهيم حباً بسقراط، والذي كان يحرص أشد الحرص على ألا يكون الفيلسوف الكبير في حاجة إلى




صفحة رقم : 2302




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> صورة ذبابة الخيل


شيء ما"(160). وكان منهم الشاب ألقبيادس المتهور الجريء الذي أساء بعدم وفائه إلى معلمه، وعرضه للأخطار في مستقبل الأيام، ولكنه كان في الوقت الذي نتحدث عنه يحب سقراط ويهيم به هيام الواله المتيم، والذي يقول فيه:
"إنـا إذا سمعنا متحدثاً غيرك، وإن كان من أحسن الناس حديثاً، لم يكن لألفاظه أثر قط إذا قورنت بألفاظك، أما نتف ألفاظك أنت يا سقراط، ولو لم نسمعها منك أنت بل نقلت إلينا عنك مهما أخطأ فيها الناقلون، أما هذه النتف فإنها تخلب الألباب وتستحوذ على نفس كل رجل أو امرأة وكل طفل يستمع إليها... وإني لأعرف أني إذا لم أصم أذني عن سماع أقواله وأفر من صوته الذي يسلب العقل للازمته حتى بلغ سن الشيخوخة وبقيت جالساً تحت قدميه... ولقد أحسست في نفسي أو قلبي... بذلك الألم الشديد الذي هو أشد إيلاماً لنفس الشاب الشريف من أنياب الأفاعي ألا وهو ألم الفلسفة...وأنت يا فيدروس وأنت يا أغاثون، وأنت يا إركسماكوس، وأنت يا بوزنياس، وأنت يا أرسطوديموس وأنت يا أرسطوفان، أنتم كلكم، ولا حاجة لي بأن أضم إليكم سقراط نفسه، قد طافت بكم هذه التجربة نفسها وشغفتم بالفلسفة شغفي أنا بها"(161).
وكان منهم الزعيم الألجركي كرتياس الذي كان يستمتع بتهكم سقراط على الديمقراطية والذي كانت له يد في إدانته بأن كتب مسرحية وصف فيها الآلهة بأنها من ابتداع مهرة الصناع الذين يستخدمونها كما يستخدم خفراء الليل ليرهبوا بها الناس ويرغموهم على حسن الأدب(162). وكان منهم أيضاً ابن الزعيم الدمقراطي أنيتوس Anytus وهو شاب آثر أن يستمع إلى حديث سقراط عن العناية بعمله وهو الاتجار في الجلود. وشكا أنيتوس من أن سقراط قد أفسد عقل الغلام بما بث فيه من تشكك، فلم يعد يبجل أبويه أو يعظم الآلهة؛




صفحة رقم : 2303




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> صورة ذبابة الخيل


هذا إلى أن أنيتوس كان يشمئز من نقد سقراط للديمقراطية ويقول : "أي سقراط! إني أظنك مفرطاً في استعدادك لأن تتحدث بالشر عن الناس، فإذا قبلت نصحي أشرت عليك أن تصطنع الحذر، ولعله لا توجد قط مدينة ليس إيذاء الناس فيها أيسر من عمل الخير لهم، وتلك بلا شك حال أثينة نفسها"(164) وأخذ أنيتوس يتربص به الدوائر.




صفحة رقم : 2304




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> فلسفة سقراط



3- فلسفة سقراط


وكان من وراء هذه الطريقة فلسفة مراوغة، تجريبية، تجري على غير نظام، ولكنها فلسفة بلغ من جديتها وحقيقتها أن مات الرجل في واقع الأمر من أجلها. وقد يبدو لأول وهلة أن ليست هناك فلسفة سقراطية، ولكن أكبر السبب في هذا أن سقراط قبل نزعة بروتاغوراس النسبية فرفض النزعة التحكمية ولم يكن واثقاً إلا من جهله.
وقد حكم على سقراط لأنه لا يؤمن بالدين، ولكنه مع هذا كان يعبد آلهة المدينة بلسانه إن لم يعبدها بقلبه، ويشترك في احتفالاتها الدينية، ولم يعرف عنه أنه نطق مرة بكلمة تدل على عدم تقواه(166). وكان يعترف بأنه يتبع في جميع قراراته الهامة السلبية روحاً Diamonion داخلياً كان يصفه بأنه إشارة من السماء، ومن يدري فلعل هذا الروح كان هو الآخر سخرية من سخريات سقراط وتهكماته، فإن كان كذلك فإن سقراط لم يكن ينفك يؤكد دعواه هذه تأكيداً عجيباً، ولم تكن هذه الدعوى إلا مثلاً من أمثلة عدة لالتجاء سقراط إلى النبوءات والأحلام وقوله إنها وحي من عند الآلهة(167). وكان يقول إن في الكون من الأمثلة الدالة على التناسق المدهش العجيب، ومن الخطة الواضحة المرسومة، ما لا يصح معه




صفحة رقم : 2305




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> فلسفة سقراط


أن يعزى وجود العالم إلى الصدفة المحضة أو إلى أية علة غير عاقلة، أما الخلود فلم يكن واثقاً منه مثل هذه الثقة أو قاطعاً في أمره هذا القطع، فهو يستمسك به ويدافع عنه في الفيدون Phaedo أما في الأبولوجيا Apology فهو يقول : "إذا جاز لي أن أدعي بأني أكثر حكمة من غيري فسبب ذلك أني لا أعتقد أن عندي كثيراً من العلم بالدار الآخرة، وأنا في واقع الأمر لا علم لي بها على الإطلاق"(168). ويطبق هذه النزعة اللا أدرية نفسها على الآلهة في كتابه الكراتلس فيقول : "أما الآلهة فلسنا نعرف عنها شيئاً"(169). وكان ينصح أتباعه بألا يجادلوا في مثل هذه الأمور، يسألهم كما يسأل كنفوشيوس أتباعه هل عرفوا شئون البشر حق المعرفة فأصبحوا بعدئذ على استعداد لأن يتدخلوا في شئون السماء(170)؟ وكان يحس أن خير ما نفعله في هذه الناحية أن نقر بجهلنا، وأن نطيع في الوقت نفسه وحي دلفي حين سئل كيف يعبد الإنسان الآلهة فأجاب : "حسب قانون بلادكم"(171).
وكان يطبق هذا التشكك نفسه تطبيقاً أشد من هذا صراحة في العلوم الطبيعية فيقول إن من واجب الإنسان ألا يزيد في دراستها على القدر الذي يهتدي به في حياته، أما فيما عدا هذا فإن هذه العلوم بيداء يضل فيها العقل، يكشف كل لغز غامض فيها حين يحل عن لغز آخر أشد منه غموضاً(172). وكان في شبابه قد درس العلوم الطبيعية مع أركلوس Archelaus، فلما كبر ونضج عقله تركها وهو يعتقد أنها أسطورة خداعة إلى حد ما، ولم يعد يهتم بالحقائق أو بأصول الأشياء بل وجه اهتمامه إلى القيم والغايات. وفي ذلك يقول أكسانوفون "إنه كان على الدوام يتحدث في البشرية(174). وكان السوفسطائيون أيضاً قد حولوا اهتمامهم من العلوم الطبيعية إلى الإنسان، وبدءوا يدرسون الإحساس، والإدراك والمعرفة، ولكن سقراط تعمق أكثر من هذا في داخل الإنسان وأخذ يدرس الأخلاق والأغراض البشرية : "قل لي يا يوثيديموس،




صفحة رقم : 2306




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> فلسفة سقراط


هل ذهبت في حياتك إلى دلفي؟". " وهل لاحظت ما هو مكتوب على جدار الهيكل- أعرف نفسك ؟" "نعم لاحظته". "وهل لم تفكر في هذه الكتابة، أو هل عنيت بها، وحاولت أن تفحص عن نفسك وتعرف عن يقين حقيقة أخلاقك؟"(175).
فلم تكن الفلسفة إذن عند سقراط هي الدين، أو ما وراء الطبيعة، أو الطبيعة نفسها، بل كانت علم الأخلاق والسياسة، مدخلها والوسيلة إليها المنطق، وإذ كان قد عاش في ختام عصر السوفسطائيين فقد أدرك أن هذه الطائفة قد أوجدت حالة من أشد الحالات خطورة في تاريخ أية ثقافة من الثقافات وتلك هي إضعاف أحد الأسس التي تقوم عليها الأخلاق ونعني به خوارق الطبيعة. وبعد أن أدرك هذا لم يعد خائفاً مرتاعاً إلى الإيمان بالدين بل سلك السبيل إلى أعمق الأسئلة في علم الأخلاق : هل يستطاع وجود علم للأخلاق قائم على أساس من الطبيعة ؟ أي هل يمكن أن تبقى الأخلاق من غير الاعتقاد بخوارق الطبيعة ؟ وهل في مقدور الفلسفة إذا صاغت قانوناً قوياً أخلاقياً دنيوياً غير ديني أن تنقذ الحضارة التي تهددها حريتها الفكرية بالانهيار والزوال ؟ وحين يقول سقراط في الأوطيفرون أن ليس الخير خيراً لأن الآلهة ترضى عنه، بل إن الآلهة ترضى عن الخير لأنه خير، حين يقول هذا يعرض في واقع الأمر ثورة فلسفته. ولم تكن فكرته عن الخير فكرة دينية، بل كانت فكرة دنيوية إلى حد يجعلها نفعية. فهو يرى أن الصلاح ليس فكرة عامة مجردة، ولكنها فكرة خاصة عملية فالصالح صالح لشيء ما"، والصلاح والجمال شكلان من أشكال المنفعة والفائدة البشرية، وحتى السلة من الروث تكون جميلة إذا أحسن إعدادها للغرض الذي تؤديه(176). وإذ لم يكن ثمة (في رأي سقراط) شيء غير المعرفة يعادلها في نفعها، فإن المعرفة هي أسمى الفضائل والرذيلة جميعها هي الجهل(178)، وإن كان المقصود بالفضيلة (Arete) هنا هو التفوق لا البراءة من الذنوب. والعمل الصالح غير مستطاع بغير المعرفة الحقة، وبالمعرفة الحقة يكون العمل الصالح أمراً محتوماً لا مفر منه،




صفحة رقم : 2307




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> فلسفة سقراط


والناس لا يفعلون قط ما يعرفون أنه خطأ- أي مضاد للعقل، ضار بهم. وأسمى أنواع الخير السعادة، وخير سبيل للوصول إليها هي سبيل المعرفة أو الذكاء.
ويقول سقراط إنه إذا كانت المعرفة هي أسمى الفضائل كانت الأرستقراطية خير أشكال الحكم، وكانت الديمقراطية سخفاً وعبثاً. وفي ذلك يقول أكسانوفون على لسان سقراط : "من السخف أن نختار الحكام بالقرعة على حين أن أحداً لا يفكر قط في أن يختار بالقرعة مرشد السفن أو البناء أو النافخ في الناي، أو أي صانع على الإطلاق، مع أن عيوب هؤلاء أقل ضرراً من عيوب أولئك الذين يفسدون حكوماتنا"(179). وهو يعيب على الأثينيين حبهم للتقاضي، وتحاسدهم الصاخب، ومرارة أحقادهم ومنازعاتهم السياسية، ويقول في ذلك : "ولهذه الأسباب تراني على الدوام أخشى أشد خشية أن يحل بالدولة شر تنوء به وتعجز عن تحمله"(180). وكان يظن أن لا شيء ينجي أثينة إلا حكم أصحاب المعرفة والكفاية، وليست السبيل إلى هذا الحكم هي الاقتراع، كما أن الاقتراع لا يصلح سبيلاً لتقدير كفاية مرشد السفن أو الموسيقى أو الطبي أو النجار. كذلك يجب ألا يختار موظفو الدولة على أساس جاههم أو ثرائهم، ذلك أن الاستبداد وسلطان المال لا يقل شرهما عن شر الديمقراطية. والسبيل الوسطى المعقولة هي النظام الأرستقراطي الذي تقصر فيه المناصب على الذين تؤهلهم لها عقولهم والذين يدربون على القيام بما تتطلبه من الواجبات(181). على أن سقراط كان يعترف بما للديمقراطية الأثينية من مزايا رغم ما يوجهه إليها من نقد، ويقدر ما أسدته إليه من حريات وما أتاحته له من فرص. وكان يبتسم ساخراً من ميل بعض أتباعه للدعوة إلى "العودة إلى الطبيعة"، وقد وقف من أنستانس ومن الكلبيين نفس الموقف الذي وقفه فلتير من روسو فيما بعد- وهو أن الحضارة، رغم عيوبها الكثيرة، كنز ثمين لا يصح أن تتخلى عنه لتستبدل به البساطة الأولية(182).
ومع هذا كله فقد كان الأثينيون ينظرون إليه نظرة الريبة والسخط، فأما




صفحة رقم : 2308




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> فلسفة سقراط


المتمسكون منهم بالدين فقد كانوا يرونه أشد السوفسطائيين خطورة، لأنه وإن راعى ما في الدين القديم من أسباب المتعة والمسرة، رفض التقاليد المرعية، وأراد أن يخضع كل قاعدة من قواعده إلى حكم العقل بعد تقص وفحص، وأن يقيم قواعد الأخلاق على أساس ضمير الأفراد لا على أساس خير المجتمع أو أوامر الآلهة، وانتهى به الأمر إلى تشكك ترك العقل في حال من الاضطراب زعزعت كيان كل عادة وكل عقيدة. وكان الذين يمجدون الأيام الخوالي أمثال أرسطوفان يعزون إليه كما يعزون إلى بروتاغوراس ويوربديز زعزعة أركان الدين، وقلة احترام الصغار للكبار، والانحلال الخلقي عند الطبقات المتعلمة، وفوضى العزوبة التي كانت تقوض أركان الحياة الأثينية. ولقد كان الكثيرون من زعماء الحزب الألجركي من تلاميذ سقراط أو من أصدقائه، وإن كان هو نفسه قد أبى أن يؤيد هذا الحزب، ولما أن قام رجل منهم يدعى أقريتياس وقاد الألجركيين في ثورة بسطوا خلالها عهداً من الإرهاب الوحشي، اتهم الديمقراطيون أمثال أنيتوس، وملاتوس سقراط بأنه العقل المحرك للرجعية الألجركية، وأجمعوا أمرهم على إبعاده عن مجرى الحياة الأثينية.
وأفلحوا فيما أجمعوا أمرهم عليه، ولكنهم لم يفلحوا في القضاء على ما كان من نفوذ لا حد لقوته. ذلك أن الطريقة الجدلية التي تلقاها عن زينون انتقلت منه عن طريق أفلاطون إلى أرسطاطاليس فحولها هذا إلى نظام منطقي بلغ من الكمال درجة استطاعت بها أن تبقى دون أن يطرأ عليها تغيير ما تسعة عشر قرناً كاملة. أما العلم فقد كان له فيه أثر ضار، ذلك أنه حول الطلاب من البحث في العلوم الطبيعية، كما أن نظرية الغرض الخارجي لم تكن من العوامل المشجعة للتحليل العلمي. وربما كان لنزعة سقراط الفردية والذهنية في علم الأخلاق بعض الأثر فيما أصاب الأخلاق في أثينة من انحلال، ولكن رفعها من شأن الضمير، وقولها إنه أعلى من القانون، أصبحا من العقائد الجوهرية في الديانة المسيحية. وقد انتقل الكثير




صفحة رقم : 2309




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> سقراط -> فلسفة سقراط


من آرائه على أيدي تلاميذه فأصبح مادة جميع الفلسفات الكبرى في القرنين التاليين. وكان أقوى أسباب نفوذه هو المثل الذي ضربه للناس بحياته وأخلاقه، فلقد أضحى في التاريخ اليوناني شهيداً وقديساً، حتى لقد كان كل جيل يبحث عن مثل أعلى للحياة البسيطة والتفكير الجريء يعود إلى الماضي ليستمد من ذكرى سقراط غذاء لمثله العليا. وفي ذلك يقول أكسانوفون : "كلما فكرت في حكمة الرجل ونبل أخلاقه رأيت أن ليس في مقدوري أن أنساه أبداً، أو أن أحاجز نفسي عن الثناء عليه حين أذكره، وإذا كان من بين أولئك الذين جعلوا الفضيلة غايتهم لإنسان قد اتصل بشخص أكثر معونة له في هذا الغرض النبيل من سقراط، فإني أرى أن هذا الرجل خليق بأن يعد أسعد الناس على الإطلاق"(183).




صفحة رقم : 2310




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> بندار



الباب السابع عشر




أدب العصر الذهبي




الفصل الأول




بندار


إن فلسفة عصر من العصور تصبح في الأحوال العادية أدب العصر الذي يليه، ذلك أن الآراء والمسائل التي يتجادل فيها الناس في ميدان البحث والتفكير تكون في الجيل التالي أساس مسرحياته وقصصه وشعره. لكن الأدب في بلاد اليونان لم يتأخر عن ركب الفلسفة، لأن الشعراء كانوا هم أنفسهم فلاسفة، يفكرون لأنفسهم، وكانوا في مقدمة أرباب العقل والتفكير في زمانهم. ولذلك فإن النزاع الذي قام بين التحفظ والتطرف والذي اضطرب به دين اليونان وعلومهم وفلسفتهم قد تردد صداه أيضاً في الشعر والتمثيل بل وفي كتابة التاريخ نفسه. وإذ كانت براعة الصورة الفنية قد اجتمعت في الأدب اليوناني إلى عمق التفكير، فقد وصل أدب العصر الذهبي إلى درجة من الرقي لم يصل إليها الأدب في العالم كله مرة أخرى إلا في عصر شكسبير ومنتاني.
وبسبب هذا العبء الثقيل من الأفكار ولعدم وجود طبقة من الملوك أو الأشراف يناصرون الأدب ويشجعون الأدباء، كان القرن الخامس أقل غناء من السادس في الشعر الغنائي بوصفه فناً مستقلاً. وكان بندار أداة الانتقال بين العصرين : فقد ورث الصيغة الغنائية من العصر الذي قبله ولكنه ملأها




صفحة رقم : 2311




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> بندار


بالفخامة المسرحية، ولم يلبث الشعر من بعده أن تخطى حدوده التقليدية وجمع في المسرحيات الديونيشية بين الدين، والموسيقى، والرقص لكي يصبح أداة أعظم من الأدوات السابقة للتعبير عن فخامة العصر الذهبي وعواطفه الجياشة.
وكان بندار يعود بأصله إلى أسرة طيبية تعود بأصلها إلى أبعد العصور البدائية، وتدعى أنها تضم الكثيرين من الأبطال القدامى الذين خلد ذكرهم في شعره. وقد أورثه عمه، وهو موسيقي يجيد النفخ في الناي، كثيراً من حب الموسيقى، وشيئاً من براعته فيها، وأرسله أبوه إلى أثينة ليستزيد من هذا الفن، وفيها علمه لاسوس Lasus، وأجثكليز Agathocles تآليفه الغنائية الجماعية. ثم عاد إلى طيبة قبل أن يتم العقد الثاني من عمره أي قبل عام 502 ق.م، وأخذ يدرس مع الشاعرة كورنا Corinna. وقد تبارى معها خمس مرات في الغناء أمام الجماهير وتغلبت عليه في المرات الخمس، ولكن كورنا كانت جميلة تسر الناظرين، والمحكمين كانوا رجالاً(1). وكان بندار يسميها خنزيرة، ويسمي سمنيدس غراباً، ويسمي نفسه نسراً. لكن شهرته رغم عيبه هذا قد ازدادت إلى حد جعل أبناء بلده يخترعون قصة يقولون فيها إنه بينما كان الشاعر نائماً في الحقل يوماً إذ حطت بضع نحلات على شفتيه وخلفت عليهما شهدها(2). ولم يلبث أن كلف بإنشاء قصائد، يكافأ عليها بسخاء، في مدح الأمراء والأثرياء، واستضافته الأسر النبيلة في رودس، وتندوس، وكورنثة، وأثينة، وأقام وقتاً ما في بلاط الإسكندر الأول المقدوني، وتيرون الأكرغاسي، وهيرون الأول ملك سرقوصة، وكان فيها كلها شاعر هؤلاء الملوك. وكان عادة يؤجر على أغانيه مقدماً، كما لو أن مدينة في أيامنا هذه قد كلفت مؤلفاً موسيقياً أن يكرمها بتأليف قطعة غنائية تنشدها إحدى الفرق ويرقص على أنغامها الراقصون، ويتولى هو تنظيم الغناء والرقص. ولما أن عاد بندار إلى طيبة حوالي السنة الرابعة والأربعين من عمره، حيته المدينة وعدته أعظم هدية أهدتها بؤوتية إلى بلاد اليونان.




صفحة رقم : 2312




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> بندار


وأخذ يعمل بجد في تلحين كل قصيدة من قصائده، وكثيراً ما كان يدرب المغنين على غنائها. وكتب ترانيم وأناشيد نصر للآلهة، وأغاني خمرية تغنى في أعياد ديونيشس، وأناشيد للعذارى تغنيها الفتيات، ومديحاً للمشهورين من العظماء، وأغاني للموائد، ومراثي للجنائز، وأغاني للنصر ينشدها الفائزون في المباريات الأثينية الجامعة. ولم يبق من هذه كلها إلا خمس وأربعون أغنية سميت باسم الألعاب التي تتغنى بمديح أبطالها. وليس لدينا من هذه الأغاني الخمس والأربعين إلا ألفاظها، أما موسيقاها فلم يبق منها أثر. ونحن إذا شئنا أن نحكم عليها كنا في وضع شبيه بوضع مؤرخ في مستقبل الزمان لديه نصوص مسرحيات فجنر التلحينية وليس لديه شيء من موسيقاها فحكم بأن فجنر هذا شاعر وليس مؤلفاً موسيقياً، ثم قدره مستنداً إلى الألفاظ التي كانت في وقت ما تصاحب ألحانه. أو كان عالماً صينياً لا يعرف شيئاً عن القصص المسيحي يقرأ ذات مساء في ترجمة عرجاء عشر تراتيل من وضع باخ Bach نزعت عنها موسيقاها ومراسمها الدينية. على هذا النحو يكون حكمنا على بندار من آثاره، فنحن إذا قرأنا أغانيه اليوم، أغنية بعد أغنية في سكون حجرة المكتب حكمنا أنه لا يماثلها شعر آخر في عصر اليونان الذهبي في بعث السآمة والكآبة.
وليس في وسعنا أن نشرح تكوين هذه القصائد إلا بتشبيه كل منها بقطعة موسيقية، فلقد كان بندار يرى ما يراه سمنيدس وبكليدس Bacchylides وهو أن القالب الذي تصب فيه أغنية النصر قالب محتوم لا مفر منه شأنه في هذا شأن النغم الموسيقي الذي يوضع لمغن واحد ولآلة موسيقية واحدة في الأغاني الأوربية الحديثة. وكان يبدأ أولاً بإيراد موضوع الأغنية - وهو اسم اللاعب الذي نال الجائزة وقصته، أو اسم الشريف الذي فازت جياده في مباراة جر العربات. ويشيد بندار في العادة "بحكمة الإنسان، وجماله، واتساع شهرته"(4). فهو في واقع الأمر لم يكن يهتم كثيراً بالموضوع الأصيل




صفحة رقم : 2313




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> بندار


الذي يعرض له، بل كان يتغنى بمدح العدائين والمحاظي والملوك، ولم يكن يتردد في الرضاء بأن يتخذ أي طاغية يهبه المال مسرعاً نصيراً له وقديساً(5) إذا ما أعانه على ذلك خياله الخصب وشعره المعقد الذي كان موضعاً لزهوه. ولم يكن يستنكف أن يتخذ أي شيء موضوعاً لقصائده سواء كان سباق البغال أو مجد الحضارة اليونانية على اختلاف أنواعها وفي كل مكان انتشرت فيه. وكان وفياً لطيبة، ولم يكن أكثر إلهاماً وتوفيقاً من وحي دلفي حين دافع عن حيادها في الحرب الفارسية، ثم استحى فيما بعد من غلطته هذه، وخرج عن مألوف عادته، وأثنى على زعيمة الدفاع اليوناني ووصفها بأنها "أثينة الذائعة الصيت، الغنية، المتوجة بالبنفسج، الجديرة بأن يتغنى بمدحها الشعراء، حصن هلاس الحصين، والمدينة التي تحميها الآلهة"(6). ويقال إن الأثينيين وهبوه خمسة آلاف درخمة (000ر10 ريال أمريكي) مكافأة له على القصيدة التي وردت فيها هذه الأبيات(7)، وتقول روية أخرى أقل جدارة بالثقة من هذه إن طيبة فرضت عليه غرامة جزاء له على ما فيها من تعنيف خفي، وإن أثينة أدت عنه هذه الغرامة(8).
والجزء الثاني من أغاني بندار يتكون من مختارات من الأساطير اليونانية. وفي هذا أسرف بندار إسرافاً لا يشجع الإنسان على متابعة قراءته. وقد شكا من ذلك كورنا Corinna فقال أنه: "كان يبذر بالزكيبة لا باليد"(9). وقد كانت للآلهة عنده مكانة عالية، فكان يعظمها ويستمد منها معظم موضوعاته. وكان الشاعر المحبب لكهنة دلفي، وقد حصل منهم في حياته على مزايا كثيرة، ولما مات كرمت روحه بأن دعيت إلى أن تنال نصيبها من باكورة الفاكهة التي تقدم في ضريح أبلو(10). وكان آخر من دافع عن الدين القويم، وإنَّ إسكلس على تقواه ليبدو إذا قورن به رجلاً زنديقاً. ولو أن بندار اطلع على قصيدة بروميثيوس المحرر ورأى ما فيها من تجديف في حق الآلهة لروعه هذا أشد الترويع. وهو يسمو أحياناً في فكرته عن زيوس إلى ما يقرب من التوحيد كقوله فيه:




صفحة رقم : 2314




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> بندار


"المسيطر على كل شيء والمطلع على كل شيء"(11). وهو يؤمن بالطقوس الغامضة الخفية ويرجو كما يرجو أورفيوس أن يكون مقره الجنة. وينادي بأن الروح البشرية من أصل إلهي وأن مآلها إلهي(12). وقد وصف يوم الحساب، والجنة، والنار وصفاً يعد من أقدم أوصافها فقال: "وبعد الموت مباشرة تعاقب الروح الخارجة على القانون، وينظر في الخطايا التي ارتكبت في مملكة زيوس واحدٌ يصدر فيها أحكامه الصارمة التي لا تنقص".
"وفي ضياء الشمس الجميل يقيم المتقون لا فرق بين أيامهم ولياليهم في بهجتها وبهائها، ولا يفعلون ما كانوا يفعلونه في الأيام الخالية، يكدحون كدحاً كئوداً في حرث الأرض وإثارتها ليحصلوا على حاجاتهم الباطلة، أو يخوضون بسفنهم عباب البحر، بل يقيمون في نعيم دائم مع الآلهة العظام ويقضون معهم حياة خالية من الأحزان، يستمتعون فيها بسرور جزاء لهم على ما حفظوا من عهود هم على ظهر الأرض. وعلى بعد منهم نرى فريقاً آخر يقاسون ألوان العذاب ويقبعون في دياجير مظلمة لا ينفذ فيها البصر"(13).
وكان القسم الثالث والأخير في أغاني بندار يتألف عادة من نصيحة خلقية. وليس من حقنا أن ننتظر منه في هذا القسم فلسفة عميقة؛ وذلك أن بندار لم يكن من أبناء أثينة، وأكبر الظن أنه لم يلق في حياته سوفسطائياً، ولم يقرأ لأحد من السوفسطائيين شيئاً، بل كان يوجه قواه العقلية بأجمعها إلى فنه، فلم تبق لديه قدرة على التفكير المبتكر الأصيل؛ وكان يكتفي بأن يستحث الرياضيين الفائزين، أو الأمراء الحاكمين، على أن يكونوا متواضعين يجلون الآلهة، ويوقرون بني جنسهم، ويحترمون أنفسهم. وكان ما بين الحين والحين يمزج اللوم بالمديح، وبلغ من الجرأة أن حذر هيرن Hieron ذات مرة عاقبة الشره(14). ولكنه لم يحاجز نفسه عن أن يقول كلمة طيبة في حق المال أخبث الطيبات كلها وأحبها إلى قلوب الناس. وكان يمقت الثوريين الصقليين، وقد حذرهم من عاقبة أمرهم بألفاظ




صفحة رقم : 2315




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> بندار


لا تكاد تختلف عن ألفاظ كنفوشيوس: "إن من أسهل الأشياء حتى على الضعفاء أن يقوضوا مدينةً من أساسها؛ أما إعادتها إلى مكانها بعد تدميرها فتتطلب جهوداً مضنية وكفاحاً مريراً"(15). وكان يحب في أثينة دمقراطيتها المعتدلة بعد سلاميس؛ ولكنه كان يعتقد مخلصاً أن الأرستقراطية أقل أنواع الحكم ضرراً. ذلك بأنه كان يرى أن الكفاية متأصلة في الدم، لا تكتسب بالتعليم، وتنزع إلى الظهور في الأسرة التي ظهرت فيها من قبل. والدم الطيب وحده هو الذي يهيئ الخلق إلى القيام بالأعمال النادرة التي تجعل الحياة كريمة جديرة بأن يحياها الإنسان. "ما أقصر الحياة! أي شيء نكونه وأي شيء لا نكونه؟ الإنسان حلم يحوم حول خيال؛ أما إذا نزل عليه بهاء من قبل أحد الأرباب فإن هالة من المجد تحيط به وتصبح حياته حلوة ممتعة"(16).
ولم يكن بندار محبباً إلى الجماهير في أثناء حياته، وسيظل بضعة قرون يستمتع بما يستمتع به من خلود لا حياة فيه أولئك الكتاب الذين يشيد الناس كلهم بذكرهم، ولا يقرأ أحد كتاباتهم. لقد كان يطلب من العالم أن يقف عن الحركة في الوقت الذي كان يتحرك فيه إلى الأمام، ومن أجل هذا خلفه العالم وراءه، حتى ليبدو أكبر سناً من ألكمان وإن كان أصغر من إسكلس. وقد كتب شعراً متقناً محبوكاً، معقداً ملتوياً، لا يقل في هذه الصفات كلها عن نثر تاستوس Tacitus، وكتبه بلهجة له خاصة مصطنعة تعمد أن يجعلها كلغة الأقدمين، وبأوزان متقنة دقيقة إلى درجة لم يعن معها أحد الشعراء بأن يحذو حذوه ، ومتنوعة تنوعاً لا نجد معه إلا أغنيتين اثنتين من بين أغانيه الأربع والخمسين ذواتا وزن واحد. وشعره غامض المعنى رغم سذاجة تفكيره، وقد بلغ هذا الغموض حداً يضطر معه النحاة إلى قضاء حياتهم كلها يحاولون حل تراكيبه




صفحة رقم : 2316




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> بندار


الشبيهة بتراكيب اللغات التيوتونية، ثم لا يجدون بعد هذا العناء إلا عبارات طنانة جوفاء. وإذا كان بعض الطلعة من العلماء لا يزالون يقبلون على قراءة شعره رغم هذه العيوب، ورغم جموده وتمسكه الشديد بالشكليات واصطناعه التشبيهات المنتفخة، وإثقال هذا الشعر بالأساطير المملة، إذا كان بعضهم لا يزالون على قراءته رغم هذا كله فما ذلك إلا لما فيه من قصص واضح تتتابع حوادثه سراعاً، ولإخلاصه في مبادئه الأخلاقية، ولروعة لغته التي ترفع أتفه الموضوعات إلى سماء العظمة، وإن كانت لا تحتفظ بمكانها فيها إلا زمناً قصيراً.
وعاش بندار حتى بلغ الثمانين من العمر، متحصناً في طيبة من اضطراب التفكير الأثيني، وقد تغنى بذلك في شعره فقال: "ما أحب موطن الإنسان إلى قلبه، وما أعز رفاقه، وأقاربه، يعيش بينهم قانعاً راضياً. أما الحمقى فيحبون الأشياء الفانية"(17). ويقال إنه قبل أن ينصرم أجله بعشرة أيام (442) أرسل إلى مهبط وحي أمون يسأله: "ما أحسن الأشياء للإنسان؟" فكان جواب الوحي في مصر كجواب الوحي في بلاد اليونان "الموت"(18). وأقامت أثينة تمثالاً له أنفقت عليه من الأموال العامة، ونقش أهل رودس أغنيته الأولمبية السابعة - التي يمدح فيها جزيرتهم - بحروف من ذهب على جدار هيكل من هياكل الجزيرة. ولما أن أمر الإسكندر الأكبر بإحراق طيبة الثائرة ودك أبنيتها في عام 335، حذر جنوده أن يمسوا بسوء البيت الذي عاش فيه بندار ولقي فيه ربه.




صفحة رقم : 2317




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> ملهى ديونيشس



الفصل الثاني




ملهى ديونيشس


ورد في معجم سويداس The Lexicon of Suidas أنه حدث في أثناء تمثيل مسرحية من تأليف براتيناس Pratinas حوالي 500 ق.م أن سقطت المقاعد الخشبية التي كان النظارة يجلسون عليها، وأن أصيب بعضهم بجروح، وأن استولى الذعر عليهم، وأن الأثينيين شادوا بعد هذا الحادث ملهى من الحجر إلى المنحدر الجنوبي للأكربوليس وهبوه للإله ديونيشس . ثم شيدت ملاه أخرى على غراره في المائتي عام التالية في إرتريا Eretria، وإبدورس، وأرغوس، ومنتينيا Mantinea، ودلفي، وتورومينيوم Tauromenium (تورومينا Tauromina)، وسرقوصة، وغيرها من المدائن في مختلف أنحاء العالم اليوناني. ولكن مسرح ديونيشس هو الذي مثلت عليه المآسي والمسالي الكبرى في أول الأمر، وهو الذي ناضل أشد النضال في المعركة التي احتدمت بين الدين القديم والفلسفة الحديثة، والتي ربطت أجزاء التاريخ الفكري لعصر بركليز، وجعلته عملية كبيرة واسعة النطاق من عمليات التفكير والتغيير.
ولا حاجة بنا إلى القول بأن الملهى العظيم كان مكشوفاً للسماء. وأن مقاعده الخمسة عشر ألف كانت ترتفع على شكل نصف دائرة كالمروحة، ومشيدة من




صفحة رقم : 2318




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> ملهى ديونيشس


القرميد مطلة على البارثنون، ومتجهة نحو جبل هيمتس Hymettus والبحر. ومن أجل هذا فإن أشخاص المسرحية حين ينادون الشمس والنجوم والبحار، كانوا ينادون حقائق واقعية يستطيع معظم النظارة، وهم يستمعون إلى الحديث أو الغناء، أن يروها ويشعروا بوجودها. وقد صنعت المقاعد من الخشب أولاً، ثم من الحجارة بعدئذ، ولم تكن لها مساند خلفية؛ وكان كثيرون من النظارة يأتون معهم بوسائد يجلسون عليها، ولكنهم كانوا يحضرون خمس مسرحيات في اليوم الواحد دون أن يسندوا ظهورهم إلى شيء معروف لنا غير ركب من خلفهم من النظارة، وهي بلا ريب مساند غير مريحة. وكان في الصفوف الأمامية عدد قليل من المقاعد الرخامية ذات الظهور يجلس عليها كبار كهنة ديونيشس المحليين وموظفو المدينة . وكان عند قاعدة منصة الخطابة مكان للرقص وللمغنين، وكان من خلفها بناء خشبي صغير يسمى الاسكيني Skene أو المنظر، يتخذ تارة لتمثيل قصر، وتارة لتمثيل معبد، أو بيت خاص، وأكبر الظن أنه كان يستخدم فوق هذا لجلوس الممثلين حين لا يكونون على المسرح يمثلون أدوارهم . وهناك معدات بسيطة "كمذابح" القرابين، والأثاث وما إليها مما قد تحتاجه المسرحية؛ وأخرى كالمناظر والملابس يؤتى بها عند تمثيل مسرحية لأرسطوفان(20)وقد صور أجاثاركس الساموسي عدة مناظر تصويراً توهم الرائي بوجود مسافات بينها. وكانت هناك عدة وسائل آلية تساعد على تغيير مجرى الحوادث أو مكانها .من ذلك أنه إذا أريد إظهار انتهاء




صفحة رقم : 2319




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> ملهى ديونيشس


حادثة من الحوادث داخل المنظر دار سطح خشبي (Ekkyklema) على عجل إلى خارج المسرح وصنعت عليه صور بشرية بطريقة تعبر أمام النظارة ما حدث، وقد توضع عليه جثة ومن حولها القتلة وبأيديهم أسلحتهم ملوثة بالدماء، ولم يكن من تقاليد التمثيل اليوناني أن تمثيل الحوادث العنيفة على المسرح مباشرةً. وكان على جانبي صدر المسرح لوحة كبيرة منشورية الشكل مثلثة تتحرك على محور لها، وقد رسم على كل وجه من أوجه المنشور منظر يخال ما على الوجه الآخر، فإذا أديرت هذه الأوجه تغير المنظر في لمح البصر. وكان أعجب من هذا جهاز آخر يتكون من آلة رافعة ذات بكرة وأثقال توضع على يسار المسرح وتستخدم في إنزال الآلهة أو الأبطال من "السماء" إلى المسرح أو إعادتهم إلى "السماء" أو إظهارهم معلقين في الهواء بين السماء والأرض. وكان يوربديز بنوع خاص مولعاً باستخدام هذه الآلة لإنزال إله يحل بتقواه ما في مسرحياته اللا أدرية من تعقيد.
ولم تكن المأساة في أثينة من الشئون الدنيوية أو الأعمال التي تتكرر طول العام، بل كانت جزءاً من الاحتفال السنوي بعيد ديونيشس . وكانت تعرض على الأركون بهذه المناسبة عدة مسرحيات يختار منها عدداً قليلاً ليمثل في هذا العيد. وكانت كل قبيلة من القبائل العشر في أتكا تختار واحداً من مواطنيها الأثرياء يشرف على جوقة المرتلين. وكان من امتيازاته أن يؤدي نفقات تدريب المغنين، والراقصين، والممثلين، وما إلى ذلك من النفقات التي يتطلبها تمثيل إحدى المسرحيات. وكان المشرف ينفق في بعض الأحيان مبالغ طائلة على إعداد المناظر والملابس وتدريب الممثلين. وبهذه الطريقة كانت كل مسرحية ينفق عليها نيسياس تنال جائزة(21). وكان بعض المشرفين الآخرين يقتصدون في




صفحة رقم : 2320




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> ملهى ديونيشس


هذه النفقات باستئجار ملابس مستعملة من باعة ملابس التمثيل(22). وكان واضع المسرحية هو الذي يقوم عادة بتدريب جوقة المرتلين.
وكانت هذه الجوقة أهم عناصر التمثيل وأكثرها نفقة من عدة وجوه. وكثيراً ما كانت المسرحية تسمى باسمها، وعن طريقها كان الشاعر في أكثر الأحيان يعبر عن آرائه في الدين والفلسفة. وتاريخ التمثيل اليوناني كفاح خاسر تقوم به جوقة المرتلين للسيطرة على المسرحية. ولقد كانت هي في بادئ الأمر كل شيء فيها، ثم نقص شأنها في ثسبيس وإسكلس، كلما زاد عدد الممثلين، ثم اختفت نهائياً في مسرحيات القرن الثالث. ولم تكن الجوقة تتألف عادة من مغنين محترفين، بل كانت تتألف من هواة يختارون من الكشوف المحتوية على أسماء أبناء القبيلة المدنيين. وكانوا جميعاً من الرجال، وكان عددهم بعد إسكلس خمسة عشر رجلاً، وكانوا يقومون بالرقص والغناء معاً ويسيرون في موكب مهيب فوق المسرح الطويل العتيق، يشرحون بحركاتهم الموزونة ألفاظ المسرحية ومواقفها.
وكان للموسيقى في المسرحيات اليونانية شأن لا يعلو عليه إلا شأن الشعر والتمثيل نفسه، وكان المؤلف هو الذي يضع عادةً موسيقى المسرحية كما يضع ألفاظها(23). وكان معظم الحوار يلقى بشكل أحاديث أو خطب حماسية، وكان بعضه ينشد، ولكن الأدوار الهامة كانت تحتوي على قطع غنائية يغنيها شخص واحد أو شخصان أو ثلاثة أشخاص معاً، أو تنشد مع النشيد الجماعي أو تتعاقب معه(24). وكان الغناء بسيطاً غير مقسم إلى أدوار أو ألحان متوافقة. وكان يصحبه في العادة نفخ في الناي يوافق أنغام المغنين نغمة بعد نغمة. وبهذه الطريقة كان في وسع النظارة أن يتابعوا ألفاظ القصيدة دون أن تضيع في نغمات الغناء. وليس في وسعنا أن نحكم على هذه المسرحيات بقراءتها قراءة صامتة، ذلك أن الألفاظ




صفحة رقم : 2321




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> ملهى ديونيشس


عند اليونان لم تكن إلا صورة فنية معقدة ينسج منها الشعر، والموسيقى، والتمثيل، والرقص، وتتألف منها كلها وحدة عميقة متحركة .
ولكن المسرحية رغم هذا هي أهم شيء، والجائزة تمنح لها أكثر مما تمنح للموسيقى، وتمنح للتمثيل أكثر مما تمنح للمسرحية؛ وكان في وسع الممثل الماهر أن يرفع من شأن مسرحية متوسطة فتفوز هي بالجائزة(26). ولم يكن الممثل - وهو دائماً من الذكور - شخصاً محتقراً كما كانت الحال في رومة؛ بل كان يكرم أعظم تكريم، فيعفى من الخدمة العسكرية، ويمر آمناً بين صفوف الجند في زمن الحرب. وكان يلقب هبكريتسس Hypokrites، وكان معنى هذا اللفظ عندهم هو المجيب، أي المجيب على النشيد الجماعي. ولم يؤد الدور الذي يقوم به الممثل من انتحال شخصية إنسان آخر إلى تغيير معنى هذه الكلمة فيصبح معناها "المنافق" إلا بعد ذلك العهد. وكان الممثلون يؤلفون لهم طائفة أو نقابة قوية تسمى نقابة "الفنانين الديونيشيين"، انتشر أعضاؤها في جميع بلاد اليونان؛ وكانت جماعات من الممثلين تنتقل من مدينة إلى أخرى، يؤلفون مسرحياتهم ويلحنون موسيقاها، ويصنعون ملابسهم، ويقيمون مسارحهم. وكان دخل كبار الممثلين عظيماً كما هو شأنهم في جميع الأوقات، أما المتوسطون منهم فكان دخلهم قليلاً مزعزعاً(27)؛ وكانت أخلاقهم هي الأخلاق التي يتوقع الإنسان وجودها في أقوام يتنقلون من مكان إلى مكان، وتختلف معيشتهم بين الترف والفقر، يمنعهم توتر أعصابهم من أن يحيوا حياة سوية مستقرة.




صفحة رقم : 2322




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> ملهى ديونيشس


وكان الممثل في المآسي والمسالي على السواء يلبس على وجهه قناعاً، يركب فيه عند فمه مبسم من الشبهان. وكانت طريقة تنظيم الصوت في الملهى اليوناني، ووضع المسرح بحيث يراه الجالس في أي مقعد من المقاعد، طريقة فذة مدهشة. على أن اليونان مع هذا رأوا أنه يحسن بهم أن يقووا صوت الممثل، وأن يساعدوا عين الناظر البعيد على تمييز مختلف أشخاص الرواية، وكانوا يضحون في سبيل هذا بكل مميزات الصوت والوجه وتعبيراتها. فإذا كانوا يمثلون على المسرح أشخاصاً حقيقيين مثل يوربديز في مسرحية إكلزيازوسي، وسقراط في مسرحية السحب، فإن الأقنعة كانت تحاكي ملامحهم الحقيقية، وتحاكيها في الغالب محاكاة هزلية.
وقد جاءت الأقنعة إلى المسرحيات من طريق التمثيل الديني، وكانت فيها من وسائل الإرهاب أو الفكاهة. وقد ظلت تسير على هذه السُنَّة في المسالي؛ وكان فيها من القبح، وغرابة الشكل، والإسراف في هذا كل ما يستطيع خيال اليونان أن يبتدعه. وكانت الوسائد والمساند تزيد من أجسام الممثلين، والقلانس العالية والأحذية ذات النعال السميكة تزيد من أطوالهم، كما كانت الأقنعة تقوي أصواتهم وتزيد في وجوههم. وقصارى القول أن الممثل القديم كان، كما يقول لوشيان، شخصاً ذا "منظر بشع مفزع"(28).
وليس النظارة أقل جدارة باهتمامنا من المسرحية نفسها. لقد كان الدخول لمشاهدة التمثيل مباحاً لجميع الرجال والنساء من كافة الطبقات(29). وكان جميع المواطنين بعد عام 420 ق.م. يعطون من الدولة الأبلتين اللتين يؤدونهما أجراً للدخول إذا كانوا في حاجة إليهما. وكان النساء يجلسن بمعزل عن الرجال كما كان للسراري مكان خاص بهن؛ وقد جرت العادة أن تمنع النساء الساقطات من حضور المسرحيات إلا إذا كانت المسرحية مسلاة(30).




صفحة رقم : 2323




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> ملهى ديونيشس


وكان النظارة جماعة مرحين ليسوا أحسن ولا أسوأ أخلاقاً من أمثالهم في غير بلاد اليونان. وكانوا وهم يشاهدون التمثيل ويستمعون إليه يأكلون البندق والفاكهة ويشربون الخمر. وكان أرسطاطاليس يقترح أن تقدر قيمة إخفاق المسرحية بمقدار ما يؤكل من الطعام في إثناء تمثيلها. وكانوا يتنازعون المقاعد، ويصفقون ويصرخون لمن يحبون من الممثلين، ويصفرون ويزمجرون حين يغضبون؛ فإذا رأوا ما يدعوا إلى احتجاج أقوى من هذا، دفعوا المقاعد بأقدامهم إلى الأرض، وإذا ثاروا أخرجوا الممثل عن المسرح بالزيتون أو التين أو الحجارة(31). وكاد إسكنيز أن يلقى حتفه رجماً بالحجارة عقاباً له على وضع مسرحية بغيضة، وكاد إسكلس أن يقتل لأن النظارة اعتقدوا أنه أفشى بعض أسرار الطقوس الإليوزينية الغامضة. وقد حدث أن استعار موسيقى كمية من الحجارة ليبني بها بيتاً، ووعد من استعارها منه أن يردها إليه مما سيجمعه من عمله في المسرحية التالية(32). وكان الممثلون في بعض الأحيان يستأجرون جماعة من المصفقين، لكي يطغى تصفيقهم على ما يخشونه من صفير النظارة، وكان بعض الممثلين الهزليين يلقون بالبندق إلى النظارة يرشونهم به لكي يظلوا هادئين(33). وكان النظارة يستطيعون إذا شاءوا أن يحولوا دون إتمام التمثيل بما يحدثونه من ضجة متعمدة، ويحتمون تمثيل المسرحية الثانية(34). وبهذه الطريقة كان يمكن اختصار البرنامج التمثيلي إلى الحد الذي يطيقونه.
وكان التمثيل في مدينة ديونيشيا يدوم ثلاثة أيام، تمثل في كل منها خمس مسرحيات - ثلاث مآس ومسرحية خرافية يكتبها شاعر، ومسلاة يكتبها شاعر آخر(35). وكان التمثيل يبدأ في الصباح الباكر ويستمر إلى ما بعد الغروب؛ ولم تكن مسرحية ما تمثل مرتين في ملهى ديونيشس إلا في أحوال نادرة،




صفحة رقم : 2324




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> ملهى ديونيشس


فإذا لم يشاهدها بعضهم في ملهى هذه المدينة استطاع أن يشاهدها في ملاهي غيرها من المدن اليونانية، أو أن يشاهدها ممثلة تمثيلاً أقل روعة على مسرح قروي في أتكا. وبلغ عدد المسرحيات الجديدة التي مثلت في أثينة بين عامي 480، 380 نحو ألفي مسرحية(36). وكانت الجائزة التي تمنح لأحسن المآسي الثلاث عنزة، والتي تمنح لأحسن مسلاة سلة ملأى بالتين وزقاً من الخمر؛ أما في العصر الذهبي فكانت الجوائز الثلاث التي تمنح للمأساة، والجائزة الوحيدة التي تمنح للمسلاة، بدرة من المال تقدمها الدولة. وكان المحكمون العشرة يختارون بالقرعة في الملهى نفسه في صباح اليوم الأول من أيام المباراة، وكانوا يختارون من بين ثبت طويل يحتوي أسماء من يرشحهم المجلس لهذا الغرض، فإذا انتهت المسرحية الثالثة كتب كل قاضٍ على لوحة ما يختاره من المسرحيات لنيل الجوائز الأولى والثانية والثالثة، ثم وضعت اللوحات جميعها في قارورة ليختار الأركون خمساً منها حيثما اتفق. وهذه الأحكام الخمسة مجتمعة تنال الجائزة النهائية، أما الخمسة الثانية فتتلف دون أن تقرأ. ولهذا فإن أحداً من الناس لم يكن يعرف مقدماً من هم القضاة، أو أيهم سيكون الحكَم فعلاً. على أنه كان يحدث في بعض الأحيان ورغم هذه الاحتياطات أن تقدم الرشا للمحكمين، أو أن يرهبوا لكي يحكموا لشخص بعينه. ويشكو أفلاطون من أن القضاة لخوفهم من الجماهير كانوا في كل مرة تقريباً يقضون حسب ما يوحي به تصفيق الجماهير، ويقول إن هذا "الحكم المسرحي" يفسد المؤلفين والنظارة جميعاً(38). فإذا انتهت المباراة توج الشاعر الفائز ومنظم فرقة المنشدين بالحلباب ، وكان الفائزون في بعض الأحيان يقيمون نصباً كالنصب الذي أقيم لليسكراتس Lysicraltes، ليخلدوا به فوزهم. وكان الملوك أنفسهم يتبارون لنيل هذا التاج.




صفحة رقم : 2325




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> ملهى ديونيشس


ويقرر حجم الملهى وتقاليد الاحتفال طبيعة المسرحيات اليونانية إلى حد بعيد. وإذ كان من غير المستطاع إظهار الفروق الضعيفة بين الشخصيات بملامح الوجه أو تغيير نبرات الصوت، فقد كانت الدقة في تصوير شخصيات المسرحية قليلة الوجود في الملهى الديونيشي. لقد كانت المسرحيات اليونانية دراسة للأقدار أي للإنسان في كفاحه مع الآلهة، أما المسرحيات التي كتبت في عصر الملكة إليزابيث فكانت دراسة في تتابع الحوادث أي دراسة للإنسان في صراعه مع أخيه الإنسان، وكانت الجيدة منها دراسة في الأخلاق أي دراسة للإنسان في صراعه مع نفسه. وكان النظارة اليونان يعرفون مقدماً مصير كل شخصية من الشخصيات الممثلة، كما يعرفون نتيجة كل حادثة من حوادث التمثيل؛ ذلك بأن العادات الدينية كان لا يزال لها في القرن الخامس من القوة ما يكفي لتحديد موضوع المسرحيات الديونيشية بحيث لا يخرج عن قصة من الأساطير والخرافات الشائعة عند اليونان الأولين . ولم يكن في المسرحية شيء من ترقب النتائج غير المعروفة أو من المفاجآت، بل كان فيها بدلاً من هذا لذة الشعور السابق بالنتائج المرتقبة ومعرفة ما سيكون قبل وقوعها. وكان مؤلفو المسرحيات جيلاً بعد جيل يقصون على النظارة أنفسهم القصة بعينها؛ ولم يكن بينهم اختلاف إلا في الشعر، والموسيقى، والتفسير، والفلسفة. وحتى الفلسفة نفسها كانت




صفحة رقم : 2326




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> ملهى ديونيشس


تحددها التقاليد إلى حد كبير : فترى الموضوع الرئيسي في مسرحيات إسكلس وسفكليز هو العقاب الذي تفرضه الآلهة الحاسدة أو الأقدار اللاشخصية جزاء على التعاظم الوقح والتكبر عليها وعدم تعظيمها؛ والمغزى الذي يتكرر على الدوام هو ما في إطاعة صوت الضمير والشرف وما في الاعتدال المتواضع من حكمة بالغة. وإن اجتماع الفلسفة بالشعر، وبتتابع الحوادث، والموسيقى، والغناء والرقص هو الذي جعل المسرحيات اليونانية من طراز جديد في تاريخ الأدب. وهو الذي جعلها ترقى منذ نشأتها تقريباً إلى درجة من العظمة والفخامة لم ترق إلى مثلها فيما بعد.





صفحة رقم : 2327




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس



الفصل الثالث




إسكلس


ونقول تقريباً عامدين، فكما أن وجود عدد كبير من ذوي المواهب المتوارثة والمتتابعة يمهد السبيل إلى ظهور العباقرة، فإن كاتباً مسرحياً، لا نرى خيراً من أن ننسى اسمه وأن نكرمه رغم هذا النسيان، قد عاش بلا ريب بين ثسبيس وإسكلس. ولعل وقوف أثينة الموفق في وجه الفرس هو الذي بعث فيها العزة والقوة الدافعة اللتين لابد منهما لوجود عصر المسرحيات الكبرى، كما أن الثروة التي أتت بها التجارة والإمبراطورية في أعقاب الحرب قد أعانت على قيام المباريات الديونيشية في الأغاني والمسرحيات الغنائية. وكان إسكلس يحس في قرارة نفسه بهاتين العزة والقوة الدافعة، فكان ككثيرين غيره من كتاب اليونان في القرن الخامس يكتب ويستمتع بالحياة، ويعرف كيف يعمل وكيف يتكلم. وأخرج في عام 499 وهو في السادسة والعشرين من عمره مسرحيته الأولى؛ وفي عام 490 حارب هو وأخواه في واقعة مرثون وأظهروا من الشجاعة ما جعل أثينة تأمر بعمل صورة تخلد بها بطولتهم؛ وفي عام 484 نال جائزته الأولى في العيد الديونيشي؛ وفي عام 480 حارب في أرتميزيوم وسلاميس، وفي عام 479 في بلاتيه؛ وفي 476، 470 زار سرقوصة واستقبل بمظاهر التكريم في بلاط هيرون الأول؛ وفي 468 انتزع منه سفكليز الشاب الناشئ الجائزة الأولى للمسرحية بعد أن ظل هو مسيطراً على الأدب الأثيني جيلاً كاملاً، وفي عام 467 عاد إلى مكانته العليا على أثر ظهور مسرحيته "سبعة ضد طيبة"، وفي عام 458 نال آخر انتصاراته وأعظمها بإخراج أورستيا مسرحيته الثلاثية؛ وفي عام 456 عاد إلى صقلية، حيث وافته منيته في تلك السنة نفسها.




صفحة رقم : 2328




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


وكانت الحاجة ماسة إلى رجل بهذه الهمة ليصوغ المسرحية اليونانية في صورتها النهائية؛ فقد كان إسكلس هو الذي أضاف ممثلاً ثانياً إلى الممثل الأول الذي أخرجه ثسبيس من بين فرقة المغنين، وأتم بذلك نقل الترتيلات الديونيشية من قصيدة دينية غنائية إلى مسرحية ، وكتب سبعين (ويقول بعضهم تسعين) مسرحية، لم يبق منها إلا سبع. وليست الثلاث الأولى من هذه المسرحيات ذات شأن كبير ؛ وأشهرها كلها مسرحية بروميثيوس المقيد وأعظمها هي التي تتكون منها مسرحية أورستيا الثلاثية.
وقد تكون مسرحية بروميثيوس المقيد هي الأخرى جزءاً من مسرحية ثلاثية وإن لم نجد مؤرخاً قديماً يؤيد هذا الظن. فنحن نسمع عن مسرحية دينية تدعى بروميثيوس جالب النار، ولكنها كانت تمثل مستقلة عن مسرحية بروميثيوس المقيد في مجموعة أخرى من المسرحيات(41). ولدينا قطع صغيرة باقية من مسرحية بروميثيوس الطليق من تأليف إسكلس؛ وتكاد هذه القطع أن تكون خالية من المعاني، ولكن العلماء الحريصين يؤكدون لن أننا لو حصلنا على نص المسرحية كاملاً لوجدنا إسكلس يجيب إجابة مقنعة عن جميع الضلالات التي تُنطق بها المسرحية الحالية بطلها. وحتى لو أخذنا بهذا الرأي فإنا لا يسعنا إلا أن نعجب كيف يطيق النظارة الأثينيون الاستماع إلى تجديف هذا الجبار في حق




صفحة رقم : 2329




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


الآلهة في عيد ديني. ونجد بروميثيوس في مستهل المسرحية مشدوداً إلى صخرة في جبال القوقاز شده إليها هفستس Hephaestus بأمر زيوس حين غضب على بروميثيوس لأنه علم الآدميين فن النار ويقول هفستس:


يا ابن ثميس يا حصيف الرأي يا حكيم!




لقد كتب عليك أن تشد بالأغلال




إلى هذه الصخرة العالية التي لا يرقاها إنسان




ولا تسمع فيها صوت آدمي




أو ترى وجه أحد ممن كنت تحبهم، وحيث تذبل زهرة جمالك




محترقة في حر الشمس اللافح الصافي.




وسيقبل الليل مزادنا بالنجوم




وتتسلى بضلاله، فإذا طلعت الشمس




بددت بأشعتها صقيع الصباح؛




ولكن شعورك ببلواك الحاضرة يقض مضجعك




مهما يكن ما تتعرض له من أخطار، لأن أحداً لا يمد يده




لحل وثاقك. إن هذا هو الذي تجنيه من حبك لبنى الإنسان،




لأن زيوس شديد صارم، ولأن الملوك المحدثين قساة غلاظ الأكباد


وبتحدي بروميثيوس، وهو معلق في الصخرة لا حول له ولا طول، رب أولمبيس، ويعد في زهو وكبرياء الخطوات التي نقل بها الحضارة إلى الخلائق الأولين الذين كانوا حتى ذلك الوقت:
يعيشون كالنمل الأخرق تحت الثرى في الكهوف الخاوية التي لا تدخلها أشعة الشمس، ولا تصل إليها دلائل على حلول الشتاء، ولا يعطرها شذى أزهار الربيع، ولا تملؤها فاكهة الصيف؛ ولكنهم كانوا يعملون كل شيء وهم عمى البصائر لا يخضعون لقانون، حتى علمتهم كيف تشرق النجوم وتغرب




صفحة رقم : 2330




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


في أماكن خافية على عقولهم؛ واخترعت لهم العدد باعث الفلسفة، وعلمتهم تركيب الحروف، ووهبت لهم الذاكرة صانعة كل شيء، وأم التفكير الحلو الجميل. وكنت أول من ذلل الحيوان لخدمة الإنسان...وأنا دون سواي الذي ابتدعت السفن...وأنا الذي اخترعت كل هذه الفنون لبنى الإنسان لا أجد الآن وسيلة أنجي بها نفسي" (43).
وتحزن الأرض كلها لحزنه، "فإذا تلاطمت أمواج البحر صرخت، وخرج من أعماق البحار أنين حزين، وانبعث من كهوف الموتى عويل". وترسل الأمم كلها تعازيها إلى هذا السجين السياسي، وتأمره أن يذكر أن الألم يطوف بكل الخلائق، "فالحزن يسير في الأرض، ويجلس عند قدمي المخلوقات واحداً بعد واحد"، ولكنهم لا يفعلون شيئاً لإنقاذه. ويشير عليه "أقيانوس" بالخضوع لزيوس "لأن الذي يحكم، يحكم بالقسوة لا بالحق"؛ وتعجب الأقيانوسات بنات البحر ولا تدري هل الإنسانية جديرة بأن يعذب أحد من أجلها فيصلب على هذا النحو؛ "لقد كانت تضحيتك هذه أيها الحبيب تضحية لا جدوى منها. ألم تر الجنس البشري ضعيفاً في جهده ونشاطه، يتألف من حالمين خياليين مكبلين بالأغلال؟"(44). ومع هذا فإن تلك البنات يعجبن به إعجاباً يحملهن على البقاء إلى جانبه حين يهدده زيوس بإلقائه إلى طرطروس Tartarus ليواجهن معه الصاعقة التي تقذف به وبهن إلى الهاوية. غير أن بروميثيوس تمنع عنه راحة الموت لأنه من الآلهة ومن أجل ذلك يرفع في الخاتمة المفقودة للرواية الثلاثية من طرطروس ليشد مرة أخرى إلى صخرة جبلية، ويرسل زيوس نسراً ينخر قلب المارد الجبار. لكن القلب ينمو بالليل بنفس السرعة التي ينخره بها النسر بالنهار، وبهذه الطريقة يقاسي بروميثيوس العذاب مدى ثلاثة عشر جيلاً من أجيال الآدميين. ثم يقتل الجبار الرحيم هرقل النسر ويقنع زيوس بفك أغلال




صفحة رقم : 2331




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


بروميثيوس، ويندم هذا على فعلته ويصطلح مع زيوس القادر على كل شيء، ويضع في إصبعه الخاتم الحديدي رمز الضرورة.
وفي هذه المسرحية الثلاثية القوية يكرر إسكلس موضوع المسرحيات اليونانية - وهو كفاح الإرادة البشرية ضد القدر المحتوم - وموضوع حياة بلاد اليونان في القرن الخامس - وهو الصراع بين الفكر الثائر والإيمان التقليدي. والنتيجة التي يستخلصها نتيجة غير صريحة، ولكنه يدرك قضية الثائر ويحبوها بعطفه كله؛ ولسنا نجد حتى في مسرحيات يوربديز مثل ما نجده هنا من النظرة الانتقادية لرب أولمبس، وما أشبه هذه المسرحية بالفردوس المفقود يحتل فيها الملك الساقط مكان بطل القصة رغم ما يتصف به الشاعر من تقى وصلاح. والراجح أن ملتن كان كثيراً ما يذكر بروميثيوس وهو يؤلف الخطب البليغة التي ينطق بها الشيطان. وكان جوته مولعاً بهذه المسرحية، واتخذ بروميثيوس أداة يعبر بها عن نزعة الشباب الجامح؛ أما بيرن فقد اتخذه نموذجاً ينسج على منواله طول حياته؛ وأعاد شلي Shelley، وهو الذي كان على الدوام هدفاً لنوب الدهر، القصة إلى الحياة في قصيدته المشهورة بروميثيوس الطليق التي لا يخضع فيها الجبار الثائر قط. وتنطوي هذه الخرافة على عدد كبير من الاستعارات والتشبيهات : منها أن العذاب هو ثمرة شجرة المعرفة، ومنها أن معرفة المستقبل تحطم قلب الإنسان كمداً؛ وأن العذاب والصلب هما جزاء المخلص على الدوام؛ وأن الإنسان مضطر في آخر الأمر أن يرضى بالقيود Man Muss Enstagen، وأن عليه أن يحقق غايته داخل نطاق طبيعة الأشياء. وذلك لعمري موضوع جليل، يمكن إسكلس بفضل لغته الجزلة من أن يجعل من بروميثيوس مأساة من الطراز العظيم". ولم نر قط الكفاح بين العلم والخرافة، أو بين الاستنارة والجهل، أو بين العبقرية والتحكم، قد صور بأقوى مما صور به هنا، أو سما في الرمزية أو في الصراحة إلى أسمى مما سما به في هذه المأساة. ويقول شلجل




صفحة رقم : 2332




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


Schlegel في هذا : "إن المآسي الأخرى التي أنتجها المؤلفون اليونان مآس عادية أما هذه فهي المأساة الحقة"(45).
ومع هذا فإن أرستيا أعظم منها - وهي بإجماع الآراء أجمل المسرحيات اليونانية على الإطلاق، ولعلها أجمل المسرحيات في العالم كله(46). وقد مثلت في عام 458، وأكبر الظن أن تمثيلها حدث بعد عامين من تمثيل مسرحية بروميثيوس المقيد وقبل أن يموت مؤلفهما بعامين. وموضوع المسرحية هو نشأة العنف من العنف، والجزاء المحتوم الذي لا بد أن يؤدي إليه الكبرياء والتطرف المصحوبان بالعتو والصلف. ونحن نسمي القصة خرافة، ولكن اليونان كانوا يسمونها تاريخاً، ولعلهم كانوا على حق في هذه التسمية. وهذه القصة كما يرويها اثنان من كبار كتاب المسرحيات اليونان يمكن أن تسمى أطفال تانتلوس لأن هذا الملك الفريجي المستهتر الفخور بثرائه هو الذي بدأ سلسلة الجرائم الطويلة، واستنزل غضب ربات الانتقام جزاء له على سرقة شراب الآلهة وطعامها، وتقديم الطعام المقدس لابنه بلويس؛ وفي كل عصر من العصور يجمع بعض الناس من الثروة أكثر مما يليق بالإنسان، ويستخدمونها لإفساد أبنائهم. وفي هذه القصة ترى كيف استطاع بلوبس أن يستحوذ على عرش إليس Elis بشر الوسائل، وكيف اغتال بعدئذ شريكه في جرمه، وتزوج ابنة الملك الذي خدعه وقتله، ثم رزق من هبودامياHippodamia بثلاثة أبناء : ثيستيز Theyestes وإيروبي Aerope وأتروس Atreus. وفسق ثيستيز بإيروبي؛ وانتقم أتروس لأخته بأن أطعم أخاه أبناءه في وليمة؛ فما كان إيجسثس Aegisthus بن ثيستيز من أخته إلا أن أقسم لينتقمن من أتروس وأبنائه. وكان لأتروس ولدان هما أجممنون ومنلوس، وتزوج أجممنون كليتمنسترا ورزق منها ابنتين هما إقجينيا وإلكترا وولداً واحداً هو أرستيز. ولما أن سكتت الريح ووقفت سفن أجممنون عند أويس وهي في طريقها إلى طروادة، روعت كليتمنسترا حين أضحى أجممنون بابنته إقجينيا لكي تهب الريح، وبينما كان أجممنون يحاصر




صفحة رقم : 2333




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


طروادة أخذ إيجسثس يغازل زوجته الحزينة، فمالت له وائتمرت معه على قتل الملك. ومن هذه النقطة يبدأ إسكلس قصته.
وجاءت الأنباء إلى أرجوس بأن الحرب قد وضعت أوزارها، ونزل أجممنون الفخور على شواطىء البلوبونيز "مسربلاً بدروع من الصلب وترتعد الجيوش فرقاً إذا غضب"، واقترب من ميسيني، ويظهر جماعة من الكبراء أمام قصر الملك وينشدون نشيداً يعيد إلى الأذهان تضحية أجممنون بإفجينيا.
"وتسلح على مهل بما لا بد من التسلح به، وتحركت في صدره ريح عجيبة هزته هزاً، ريح من الأفكار السود، نجسة، دنسة؛ فقام وقد امتلأ قلبه جرأة، لأن الناس تقوى قلوبهم إذا عميت بصائرهم؛ وهم بتنفيذ رغبته الدنيئة التي أورثته الحزن فيما بعد؛ بل إنها هي الحزن بعينه. وهكذا تحجر قلب هذا الرجل فقتل ابنته لكي يستطيع بهذا القتل أن يثأر لنفسه من ضحكة ضحكتها امرأة وأن يعين سفائنه على السير...
"وألقت بقميصها الزعفراني اللون على الأرض بقوة وغضب مكبوت لم تنطق به؛ ونفذت في قلب كل رجل من أولئك الرجال المحاربين القتلة سهام الرأفة التي أطلقتها الفتاة من عينيها، وارتسمت في عقولهم صورة وجه يحاول بقوة ما أعجبها أن يستدر الرحمة من القلوب، وجه الفتاة الصغيرة التي كانت ترقص إلى جانب سفينة أبيها. ولم يؤثر ذلك الصوت البريء في قلب الأب حين انضم إلى صوته بعد أن صبت الكأس الثالثة"(47).
ويدخل رسول أجممنون ليعلن قدوم الملك. ويدرك إسكلس بخياله الرقيق ما يهتز به قلب الجندي البسيط من نشوة السرور وهو يطأ بقدمه أرض بلاده بعد غيابه الطويل؛ فينطق الجندي بقوله : "إني الآن مستعد للموت إذا أراد اللّه أن أموت". ويصف الجندي لفرقة المرتلين أهوال الحرب وأقذارها،




صفحة رقم : 2334




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


والمطر الذي تنفذ مياهه إلى العظام، والحشرات التي تضاعفت في الشعر، وحرارة الصيف الخانقة في إليون، وبرد الشتاء القارس الذي تساقطت منه الطيور جميعها موتى. وتخرج كلتيمنسترا من القصر كئيبة متهيجة الأعصاب، ولكنها مع ذلك ذات كبرياء، وتأمر أن تنثر في طريق أجممنون السجف الثمينة. ويقبل الملك في عربته الملكية، يحف به جنوده، منتصب القامة فخوراً بما أحرزه من نصر، ومن خلفه عربة أخرى تحمل كسندرا الجميلة السمراء، وهي الأميرة والمتنبئة الطروادية، جارية أجممنون ومشبعة شهوته رغم أنفها، وهي التي تتنبأ وقلبها غاضب حاقد بأنه سوف يلقى جزاءه، كما تتنبأ في حزنها بموتها. وتصف كلتيمنسترا للملك بلسان زلق شوقها لعودته خلال السنين الطوال: "لقد نضبت من أجلك ينابيع دموع عيني الفياضة، فلم تبق فيها قطرة واحدة، ولكنك تستطيع أن ترى فيهما كيف أضناهما سهري، وأنا أترقب في حزن بشائر نصرك المبطئة، وكيف كنت أقوم مسرعة من نومي المضطرب إذا هزت البعوضة جناحها لأني كنت أحلم بمتاعبك المضنية الطويلة، وقد تجمعت كلها أثناء نومي القصير"(48). ويرتاب أجممنون في إخلاصها ويلومها أشد اللوم على إسرافها في فرش السجف المطرزة تحت سنابك خيله، ولكنه يتبعها إلى القصر وتصحبه كسندرا مذعنة مستسلمة. وتردد فرق المرتلين بصوت منخفض في خلال فترة الراحة الطويلة أغنية تنذر بشر مستطير. ثم تنبعث من الداخل صرخة كان كل سطر من أسطر المأساة يهيئ الآذان لسماعها، صرخة أجممنون حين يغتاله إيجسثس وكلتيمنسترا. وتفتح الأبواب، وتظهر كلتيمنسترا والبلطة في يدها والدم يلوث جبهتها، وقد وقفت منتصرة فوق جثتي كسندرا والملك، وترتل الفرقة خاتمة المسرحية:
"ألا ليت الله يمن عليَّ بأن يعاجلني الموت فجاءة دون ألم أشد، ومن غير




صفحة رقم : 2335




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


انتظار مؤلم طويل، فأقضي نحبي وأنام النوم الأبدي الذي لا صحوة منه. ليت الله يمن عليَّ بهذا بعد أن لاقى الردى من كان يرعاني حبه"(49).
والمسرحية الثانية من هذه الثلاث المسرحيات المجتمعة هي الكئفوري Choephoroe أو حاملات قربان الخمر. واسمها مشتق من جماعة النساء اللاتي يأتين بالقرابين إلى قبر الملك. وكانت كلتيمنسترا قد أرسلت أرستيز ابنها الصغير ليربى في فوسيس Phocis القاصية عساه أن ينسى مقتل أبيه، ولكن شيوخ تلك الجزيرة يعلمونه قانون الثأر القديم: "إن نقطة الدم المراقة تتطلب دماً جديداً"؛ وكانت الدولة في تلك الأيام المظلمة تترك عقاب القتل لأولياء القتيل، وكان الناس يعتقدون أن روحه لا تجد الراحة حتى يثأر له. واستحوذت فكرة الانتقام على أرستيز وأقضت مضجعه، وكانت توحي إليه أن يقتل أمه وإيجسثس. وتحقيقاً لهذا الغرض يأتي سراً إلى أرجوس مع رفيقه بيلديز Pylodes، ويبحث عن قبر أبيه، ويضع عليه خصلة من شعره. ويسمع الشبان وقع أقدام ساكبي قربان الخمر على القبر فيبتعدان عنه ويصغيان في ذهول إلى إلكترا أخت أرستيز الحزينة وقد أقبلت مع جماعة من النساء، ووقفت عند القبر، وأخذت تناجي روح أجممنون وتدعوه لأن يثير أرستيز فيأخذ بثأر أبيه. وهنا يكشف أرستيز عن نفسه، فتصب من قلبها المثقل بالهموم في عقله الساذج أن عليه أن يقتل أمه، ويذهب الشابان إلى قصر الملك في زي تاجرين؛ وترحب بهما كلتيمنسترا وتكرمهما فيرق لها قلباهما، ولكن أرستيز يختبرها بقوله إن الغلام الذي أرسلته إلى فوسيس قد مات؛ ويستولي عليه الفزع حين يرى البهجة بادية في حزنها. وتستدعي إيجسثس يستمع معها إلى أن الفتى الذي يخشيان انتقامه قد قضى نحبه، فيقتله أرستيز ويدفع أمه إلى القصر، ثم يخرج بعد هنيهة وقد جن جنونه أو كاد لشعوره بأنه قتل أمه ويقول:




صفحة رقم : 2336




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


"وقبل أن يذهب عقلي أعلن في هذا المكان إلى كل من يحبني، وأعترف أني قتلت أمي"(50).
وفي المسرحية الثالثة نرى الشاعر يصور أرستيز تطارده ربات الانتقام المكلفة بعقاب المجرمين؛ وتشتق المسرحية اسمها من اسم هذه الإلهات المُلَطَّف "اليومنيديات Eumenides " أي "الراجيات الخير". ويصبح أرستيز طريداً مهدر الدم، يتجنبه سائر الناس؛ تتعقبه ربات الانتقام أينما ذهب، وتحوم حوله في صورة أشباح سود تنادي بسفك دمه. ويلقي الفتى بنفسه فوق مذبح أبلو في دلفي فيهدئ الإله روعه، ولكن شبح كلتيمنسترا يقوم من تحت الثرى ويوعز إلى ربات الانتقام ألا تتوانى عن تعذيب ولدها. ويسافر أرستيز إلى أثينة ويخر راكعاً أمام ضريح الإلهة أثينة ويتوسل إليها أن تنجيه. وتسمع أثينة نداءه وتصفه بالذي "كمله العذاب". وتحتج ربات الانتقام عليها فتدعوهن أن يعرضن قصة أرستيز على مجلس الأريبجس؛ ويمثل المشهد الأخير هذه المحاكمة العجيبة التي ترمز إلى استبدال حكم القانون بالقصاص وسفك الدماء. وتتولى أثينة ربة المدينة رياسة المجلس، وتعرض ربات الانتقام حجتهن في طلب الانتقام من أرستيز، ويدافع عنه أبلو. وتنقسم المحكمة على نفسها وتتساوى الأصوات، وترجح أثينة رئيسة المجلس الجانب الذي يريد تبرئة أرستيز، وتعلن براءته، وتقرر من ذلك الوقت رسمياً أن مجلس الأريبجس هو المحكمة العليا في أتكا، وأن حكمه السريع على القاتل سيطهر البلاد من المنازعات، وأن حكمته ستهدي الدولة إلى طريق النجاة مما يحيط بالشعب من أخطار. وتهدئ الإلهة بألفاظها العذبة ثائرة ربات الانتقام، وتكسب قلوبهن، وتقول زعيمتهن إن "نظاماً جديداً قد ولد في ذلك اليوم".
وتعد الأرستيا أروع آيات الأدب اليوناني بعد الإلياذة والأوذيسة، ففيها تظهر سعة الإدراك، ووحدة التفكير والتنفيذ، وقوة الترقي المسرحي، والقدرة




صفحة رقم : 2337




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


على فهم أخلاق الناس، وروعة الأسلوب، وهي مميزات لا نراها مجتمعة مرة أخرى إلا في شكسبير. والمسرحية الثلاثية محبوكة حبكاً قوياً كأن أجزاءها ثلاثة فصول في مسرحية حديثة، فكل جزء منها يمهد للجزء الذي يليه ويستدعيه في تتابع منطقي محتو م لا مفر منه، وكلما أعقبت إحدى مسرحيات المجموعة المسرحية التي قبلها تزداد رهبة الموضوع، ويبدأ الإنسان يدرك كيف كانت هذه القصة تثير أحاسيس اليونان. ولسنا ننكر أن الرواية مثقلة بالكلام الكثير الذي لا يبرره مقتل أربعة أشخاص، وأن ما فيها من أغان كثيراً ما يكون غامضاً عسير الفهم، وأن ما في هذه الأغاني من تشبيهات واستعارات قد بولغ فيه كثيراً، وأن لغتها في بعض الأحيان ثقيلة خشنة متكلفة. لكن هذه الأغاني مع ذلك لا يفوقها شيء من نوعها، فهي مليئة بالعظمة والحنو، بليغة فيما تدعو إليه من دين جديد هو دين العفو والمغفرة، ومن فضائل النظام السياسي الذي يؤذن بالزوال.
ذلك أن الأرستيا تبلغ من التحفظ ما تبلغه برومثيوس من التطرف وإن لم يكن بينهما إلا فترة من الزمان لا تزيد على سنتين، لقد جرد إفيلتيز الأرببجس من اختصاصه في عام 462، وفي عام 461 قتل، وفي عام 458 عرض إسكلس في الأرستيا دفاعاً عن هذا المجلس قال فيه إنه أحكم هيئة في حكومة أثينة. وكان الشاعر في ذلك الوقت قد طال أجله وضرسته السنون، وكان في وسعه أن يفهم الشيوخ أكثر مما يفهم الشبان، وكان مثل أرسطوفان يتوق لأن يتحلى بفضائل رجال مرثون. ويريد أثنيوس منا أن نعتقد أنه كان سكيراً(51) ولكننا نراه في الأرستيا رجلاً متزمتاً يعظ الناس من فوق المسرح، ويحذرهم من الخطيئة وما يتبعها من عقاب، ويبين لهم ما يعقب الألم من حكمة، ويشرح قانون العتو والانتقام، وهو مبدأ آخر من مبادئ الخطيئة الأولى، ويقول إن كان عمل غي صالح سينكشف يوماً ما ويعاقب مقترفة في إحدى حيواته. وبهذا حاول التفكير




صفحة رقم : 2338




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


اليوناني أن يوفق بين الشر واللّه، فيقول إن العذاب كله ناشئ من الخطيئة، ولو كانت خطيئة جيل من الأجيال البائدة. ولم يكن مؤلف بروميثيوس تقياً ساذجاً، ودليلنا على ذلك أن في مسرحياته، ومنها الأرستيا، كثيراً من العبارات الدالة على الإلحاد، وقد اتهم بالكشف عن أسرار الطقوس الدينية، ولم ينجه إلا شفاعة أخيه مينياس الذي كشف عما أصيب به من جروح في سلاميس(52). ولكن إسكلس كان يعتقد واثقاً أن الأخلاق الصالحة لها أن تعتمد على قوى غير قوى البشر لكي تصمد لقوة الغرائز المضرة بالهيئة الاجتماعية، وكان يرجو:
"أن يكون هناك واحد يستمع إلى الناس من عرشه الأعلى، بان أو زيوس أو أبلو، مطلع على الخلق، يعاقب على خرق القانون بالغضب ويتعقب من خرقه، وهو يقصد بهذا "تعذيب الضمير والجزاء الحق".
ومن أجل هذا تراه يجل الدين ويحاول أن يسمو عن الشرك، ويفكر في التوحيد.
"أي زيوس، زيوس، أينما يكون؛ إذا كان يحب أن يسمع هذا الاسم فسوف أدعوه به. أنقب في البر والبحر والهواء، فلا أجد في مكان ما ملجأ إلا إليه وحده، إذا نبذ عقلي، قبل موته، عبء هذا الغرور"(54).
وهو يرى أن زيوس هو طبيعة الأشياء مجسدة، وهو قانون العالم أو علته، وأن "القانون الذي هو القدر والأب الذي يدرك كل شيء يلتقيان هنا ويصبحان شيئاً واحداً"(55).
وربما كانت هذه الأبيات الختامية آخر ما نطق به من الشعر. ويعود بعد عامين من إخراج أرستيا إلى صقلية. ويعتقد البعض أن النظارة، وهم في العادة أكثر تطرفاً من القضاة، لم تعجبهم هذه المسرحية الثلاثية؛ ولكن يصعب التوفيق بين هذا الاعتقاد وبين ما قرره الأثينيون بعد بضع سنين،




صفحة رقم : 2339




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> إسكلس


وعلى خلاف العادة، من إعادة تمثيل مسرحياته في ملهى ديونيشس. وقد أقبل على هذا كثيرون وظل إسكلس ينال الجوائز بعد وفاته. وبينما كان هذا يحدث إذ قتله نسر في صقلية، على ما تقول إحدى هذه القصص القديمة، بأن ألقى سلحفاة على رأسه الأصلع لأنه حسبه حجراً(56). وفيها دفن إسكلس ونقش على شاهد قبره تلك العبارة التي كتبها بنفسه والتي يدهشنا أنها لم تذكر شيئاً عن مسرحياته، والتي يفخر فيها بندوب جراحه:
تحت هذا الحجر يرقد إسكلس، الذي تحدثنا عن بسالته أيكة مرثون، أو ملك الفرس ذو الشعر الطويل الذي يعرفه حق المعرفة.




صفحة رقم : 2340




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز



الفصل الرابع




سفكليز


في عام 468 انتزع الجائزة الأولى للمأساة من إسكلس قادم حديث في سن السابعة والعشرين يسمى سفكليز (سوفكل) أي العاقل المكرم. وكان سفكليز هذا أسعد الناس حظاً ويكاد أن يكون أشدهم تشاؤماً. وكان موطنه الأصلي ضاحية كولونس إحدى ضواحي أثينة، وكان ابن صانع سيوف، ومن أجل هذا فإن الحروب الفارسية والبلوبونيزية التي أفقرت الأثينيين كلهم تقريباً جاءت لهذا الكاتب المسرحي بثروة طائلة(57). وكان فضلاً عن ثرائه رجلاً عبقرياً وسيماً جيد الصحة، نال جائزتي المصارعة والموسيقى - فجمع بذلك بين كفايتين لو شهدهما أفلاطون لاغتبط أشد الاغتباط بوجودهما في رجل واحد. وقد أمكنته مهارته في لعب الكرة وفي العزف على القيثارة من أن يقيم حفلات عامة في الفنين، وكان هو الذي اختارته المدينة بعد واقعة سلاميس ليقود شبان أثينة العراة في رقصة النصر ونشيده(58). وقد ظل محتفظاً ببهاء طلعته إلى أواخر أيامه، ويظهره تمثاله المحفوظ في متحف لاتران Lateran شيخاً ملتحياً بديناً ولكنه قوي طويل القامة. وقد نشأ في أسعد عهود أثينة، وكان صديقاً لبركليز وشغل في عهده أعلى مناصب الدولة؛ فكان في عام 443 أمين بيت المال الإمبراطوري؛ وفي عام440 كان أحد القواد الذين تولوا قيادة قواد أثينة في الحملة التي سيرها بركليز على ساموس، وإن كان من واجبنا أن نضيف إلى هذا أن بركليز كان يعجب بشعره أكثر من إعجابه بخططه الحربية. وعين بعد الكارثة التي حلت بأثينة في سرقوصة عضواً في لجنة الأمن العام(59)، واقترع




صفحة رقم : 2341




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


بحكم منصبه هذا على عودة الدستور الألجركي في عام 411. وكان الشعب يعجب بأخلاقه أكثر من إعجابه بسياسته، فقد كان ظريفاً، لبقاً، متواضعاً، محباً للهو، وهب من قوة الجاذبية ما يكفر عن جميع أخطائه. وكان يحب المال(60)والغلمان(61)، حتى إذا ما بلغ سن الشيخوخة تحول حبه هذا نحو السراري(62)؛ وكان شديد الصلاح، وقد شغل مراراً منصب الكاهن(63).
وكتب سفكليز 113 مسرحية، لم يبق منها إلا سبع لا نعرف الترتيب الذي خرجت به. وقد نال الجائزة الأولى في الحفلات الديونيشية ثماني عشرة مرة، ونالها مرتين في الحفلات اللينيائية Lenaean، وحصل على أولى جوائزه في سن الخامسة والعشرين وعلى آخرها وهو في الخامسة والثمانين، وظل يسيطر على المسرح الأثيني ثلاثين عاماً، وكان له عليه من السلطان أكثر مما كان لمعاصره بركليز على الحكومة الأثينية. وهو الذي زاد عدد الممثلين إلى ثلاثة، وظل يقوم ببعض الأدوار حتى فقد صوته. وقد غير نظام المسرحية الثلاثية الذي كان يتبعه إسكلس وفضل أن يدخل المباريات بثلاث مسرحيات مستقلة كل منها عن الأخرى (وحذا حذوه يوربديز من بعده).
وكان إسكلس مولعاً بالموضوعات الكونية التي تطغى على أشخاص مسرحياته، أما سفكليز فكان مولعاً بالأخلاق، ويكاد أن يكون حديث النزعة في إدراكه للآثار النفسانية. ومسرحية "المرأة التراقينية" في ظاهرها مسرحية غنائية عاطفية؛ وخلاصتها : أن ديانيرا Deianeira تتملكها الغيرة من حب زوجها هرقل لأيولا Iola فتبعث إليه على غير علم منها بثوب مسمم يقضي عليه فتقتل هي نفسها. وليس الذي يعني به سفكليز في هذه القصة هو العقاب الذي يحل بهرقل - أي العقاب الذي كان يبدو لإسكلس أنه أهم ما في المسرحية - وليس هو عاطفة الحب القوية نفسها - وهي التي كانت تبدو أهم ما فيها في نظر يوربديز - بل الذي يعني به هو سيكولوجية الغيرة. وفي مسرحية




صفحة رقم : 2342




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


أجاكس لا يعني المؤلف بأعمال القوة التي يقوم بها بطل المسرحية، بل إن الذي يعني به هو دراسة رجل ذهب عقله. ولا نكاد نرى في فلكتيتس حادثة ما، بل الذي نراه هو تحليل سافر للسذاجة التي أوذيت وللخيانة الدبلوماسية. والقصة في مسرحية إلكترا قليلة الشأن قديمة، ولقد كان إسكلس يفتتن بما تثيره القصة من مشاكل أخلاقية، أما سفكليز فيكاد يغفل هذه المشاكل في حرصه على دراسة كراهية الفتاة لأمها دراسة تحليلية نفسانية لا أثر للعاطفة أو للشفقة فيها. وقد اشتق من اسم هذه المسرحية اسم لنوع من الاضطراب العصبي كان موضوع البحث في يوم من الأيام، كما اشتق من مسرحية أوديب الملك اسم لنوع آخر من هذا الاضطراب.
وأشهر المسرحيات اليونانية بأجمعها مسرحية أوديب تيرانس. والفصل الأول من فصولها قوي الأثر: ترى فيه خليطاً من الرجال، والنساء، والغلمان، والبنات، والأطفال جالسين أمام قصر الملك في طيبة يحملون أغصان الغار والزيتون رمزاً لأنهم جاءوا راجين متوسلين. ذلك أن وباء قد اجتاح المدينة فاجتمع الشعب يطلب إلى الملك أوديب أن يقرب للآلهة قرباناً يسترضيها به. وتعلن إحدى النبوءات أن الطاعون سيذهب عن طيبة إذا خرج القاتل غير المعروف الذي اغتال ملكها السابق. ويعلن أوديب هذا القاتل أياً كان لعنة شديدة، لأن جريمته قد سببت هذا الشقاء كله للمدينة. وبداية المسرحية على هذا النحو خير مثل لتلك الطريقة التي يشير بها هوراس طريقة الاندفاع في وسط الأشياء In Medias Res أي مفاجأة النظارة بالمشكلة أولاً على أن يأتي شرحها فيما بعد. لكن النظارة في هذه المسرحية كانوا يعرفون مجرى الحوادث بطبيعة الحال لأن قصة ليوس Laius وأوديب وأبي الهول كانت جزءاً من القصص الشعبي اليوناني. وتقول الرواية المأثورة إن لعنة قد حلت بليوس وأبنائه لأنه أدخل إلى هلاس رذيلة غير طبيعية(64)، وكانت نتائج هذه الخطيئة التي أهلكت الناس




صفحة رقم : 2343




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


جيلاً بعد جيل موضوعاً شائعاً للمآسي اليونانية. وقد قال الوحي إن ليوس وزوجته جكستا Jocasta سيرزقان ولداً يقتل أباه ويتزوج أمه. وكانت نتيجة هذه النبوءة أن وجد في العالم للمرة الأولى زوجان يريدان أن يكون أول أبنائهما بنتاً؛ ولكنهما رزقا ولداً، وأرادا ألا تتحقق النبوءة فعرضاه للموت على أحد التلال، حيث وجد راعٍ وسماه أوديب لتورم قدميه، وأهداه إلى ملك كورنثة وملكتها فتبنياه وربياه. ولما كبر أوديب عرف من مهبط الوحي أيضاً أنه قد كتب عليه أن يقتل أباه ويتزوج أمه. واعتقد أن ملك كورنثة وملكتها هما أبوه وأمه، ففر من المدينة واتخذ طريقه إلى طيبة. والتقى في الطريق بشيخ طاعن في السن فتشاجر معه وقتله وهو لا يعرف أن هذا الشيخ أبوه. ولما اقترب من طيبة التقى بأبي الهول، وهو مخلوق له وجه امرأة، وذنب أسد، وجناحا طائر. وقد سأل أبو الهول أوديب أن يجيب عن ذلك اللغز المشهور : "ما قولك في مخلوق ذي أربع أقدام، وثلاث أقدام، وقدمين؟". وكان أبو الهول يقتل كل من لا يعرف الجواب الصحيح عن هذا السؤال؛ واستولى الهلع على أهل طيبة واشتدت رغبتهم في تطهير طريق مدينتهم من هذا المخلوق المهول، فنذروا أن يكون ملكهم الثاني هو الرجل الذي يحل هذا اللغز، وذلك لأن أبا الهول قد قرر أن ينتحر إذا عرف إنسان الجواب الصحيح. وأجابه أوديب بقوله : "هو الإنسان؛ لأن الطفل الرضيع يحبو أولاً على أربع أقدام، فإذا كبر مشى على قدمين، وإذا هرم استعان بعصاً". وكانت إجابة عرجاء، ولكن أبا الهول رضي بها ووفى بوعده فقتل نفسه. ورحب الطيبيون بأوديب وعدوه منقذاً لهم، ولما لم يعد ليوس إلى المدينة اختاروا هذا القادم الجديد ملكاً عليهم. واتبع أوديب العادة المألوفة في المدينة فتزوج الملكة ورزق منها أربعة أبناء : أنتجوني، وبولينيسيز Polynices، وإتيكليز Eteocles وإزميني Ismene.
وفي المنظر الثاني في مسرحية سفكليز - وهو أقوى منظر في المسرحيات




صفحة رقم : 2344




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


اليونانية بأجمعها - يأمر أوديب كاهناً من كبار الكهنة بأن يكشف إذا استطاع عمن قتل ليوس فيقول إن القاتل هو أوديب نفسه. وليس في الفجائع كلها فجيعة أشد وقعاً أو أعظم هولاً من إدراك الملك على الرغم منه أنه هو قاتل أبيه وزوج أمه. وتأبى جوكستا أن تصدق هذا النبأ وتقول إنه حلم فرويدي Freudian ، وتؤكد لأوديب "أن كثيرين من الناس قد حلموا أنهم ضاجعوا أمهاتهم؛ ولكن الذي يرى أن هذه أضغاث أحلام يعيش طول حياته مستريح البال"(65). ثم تعرف الحقيقة كاملة فتشنق نفسها، ويجن أوديب من شدة الندم فيفقأ عينيه ويغادر طيبة منفياً عنها، وليس معه من يعينه في منفاه غير أنتجوني.
وفي مسرحية أوديب في كولونس وهي الجزء الثاني من مسرحية ثلاثية غير مقصودة، نرى الملك السابق طريداً، أشيب الشعر، متكئاً على ذراع ابنته يطوف بالمدن يستجدي الناس الخبز. ويصل في طوافه إلى كولونس الظليلة، وينتهز سفكليز هذه الفرصة فينشد لقريته التي ولد فيها، ولزيتونها، أغنية من أحسن الأبيات اليونانية لا تستطاع ترجمتها ترجمة تظهر جمالها يقول فيها:
"أيها الغريب، إنك تنزل الآن في هذه الأرض، أرض الجياد والفرسان؛ تلك أرض لا كمثلها أرض سواها؛ هاهي ذي كولونس البيضاء تتلألأ. كم من مرة غنى العندليب بصوته الشجي وهو عائد إلى عشه، تخفيه الأيك الخضر، يروي قصته الحلوة الحزينة... وترى النرجس في كل يوم يرتشف رضاب الندى فيتفتح، وتعلوه أول عناقيد من التيجان البيض!




صفحة رقم : 2345




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


"وهنا تخرج الأرض عشباً عجيباً لم يتغن أحد بمثله في جزيرة بلبس Pelops الدورية القريبة، ولم ينبت في أرض آسية البعيدة. وهو نبات متجدد النظارة على الدوام، يجدد نفسه، ويتوالد بنفسه، يلقي الرعب في قلوب أعدائها المسلحين: فهو لا يبلغ في غير هذه البلدة ما يبلغه فيها من جمال وازدهار، بأوراقه الريشية الملساء ذات الزرقة السنجابية البراقة كالفضة، والذي يغذي البلدة بعصير زيتونه. ولن تستطيع قوة أو يد مخربة أن تخرب المدينة سواء كانت قوة الشباب الأهوج أو حكمة الشيخوخة المجربة لأن قرص زيوس السماء يرعاها هو والضياء الأزرق المنبعث من عين أثينة".
وكانت نبوءة قد سمعت بأن أوديب سيموت بجوار اليمنيديات، فلما عرف أنه الآن في أيكتهن المقدسة بكولونس أيقن هذا الشيخ الذي لم يجد في الحياة جمالاً أن الموت يحلو في ذلك المكان. وينادي لثسيوس ملك أثينة بأبيات كأنه يخترق بها حجب الغيب ويجمع فيها القوى التي كانت تعمل على إضعاف بلاد اليونان وهي فقر التربة، وقلة الإيمان، وضعف الأخلاق والرجال:
"إن آلهة السماء وحدها هي التي لا تصل إليها الشيخوخة ولا الموت لأي سبب من الأسباب، وكل ما عداها يعدو عليه الزمان المسيطر على كل شيء، فتذهب قوة الأرض، وتذبل زهرة الرجولة، وينعدم الإيمان، ويزدهر الإلحاد ازدهار الزهرة، ومن ذا الذي يستطيع أن يجد في شوارع الناس المفتوحة، أو في مكنون حبه الخفي ريحاً تهب صادقة إلى أبد الدهر؟"(67).
ثم يبدو كأن أوديب يسمع نداء إله من الآلهة فيودع أنتجوني وإزميني وداعاً رقيقاً، ويسير إلى الأيكة المظلمة وليس معه إلا ثسيوس وحده.
"وسرنا قليلاً ثم التفتنا فإذا الرجل قد اختفى؛ ولم يبق إلا الملك ، وقد رفع إحدى يديه ليظل بها عينيه، كما يفعل الإنسان إذا تراءت له رؤية




صفحة رقم : 2346




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


رهيبة مروعة لا تقوى عيناه على التطلع إليها... وما من أحد غير ثسيوس يعرف كيف قضى نحبه... فلعل إنساناً أرسلته الآلهة ليهدي خطاه، أو لعل الأرض قد أشفقت عليه ففغرت فاها وابتلعته حتى لا يصيبه ألم. وهكذا اختفى الرجل ولم يخلف وراءه شيئاً نحزن لأجله - لم يترك العالم بعد أن ينهكه المرض والألم؛ بل اختتم حياته، إن كان قد اختتمها، ختاماً عجيباً"(68).
وفي المسرحية الثالثة في ترتيب الحوادث، والظاهر أنها هي أول ما كتب من المسرحيات الثلاث، توارى أنتجوني الوفية في قبرها. فقد سمعت أن أخويها بولينيسيز وإتيكليز يتنازعان عرش المملكة، فعادت مسرعة إلى طيبة ترجو أن توفق بينهما، ولكنهما لا يصغيان إليها، ويوصلان الحرب حتى يقضى عليهما ويستولي كريون Creon حليف إتكليز على العرش، ويأمر ألا تدفن جثة بولينيسيز عقاباً له على ثورته. ولكن أنتجوني تعصى هذا الأمر وتدفن جثة أخيها لأنها تعتقد، كما يعتقد سائر اليونان، أن روح الميت لا تفتأ تعذب ما دامت جثته لم تدفن. وفي هذا المقام تغني فرقة المرتلين أغنية تعد من أشهر أغاني سفكليز:
"ما أكثر العجائب في هذا العالم، ولكن لا شيء أعجب من الإنسان؛ فهو يشق طريقه المحفوف بالأخطار خلال المضيق ذي الماء المزبد فوق متن البحار الصاخبة، تدفعه ريح الجنوب الهوجاء. والأرض أقدم الآلهة التي لا يعتريها نصب ولا وهن يفلحها ويقلبها سنة بعد سنة بمحراثه ونيره على رقاب الجياد.
"ويصيد بفخاخه المنسوجة طيور الهواء الحمقاء، ووحوش الغاب والفلوات، وسمك البحار المالحة. ألا ما أشد مكره. فهو يذلل بحيله التي لا آخر لها الثور الوحشي والأيل الذي يمرح حراً في الجبال، ويخضع للجامه الجواد الأشعث ذا اللبد. أما الكلام وإسداء النصح العاجل والذكاء فقد عرفها كلها بنفسه،




صفحة رقم : 2347




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


وعرف كيف يسقط المطر السريع وكيف تهب الريح العاتية الطليقة التي تتجمد تحت سماء الشتاء. وهو مستعد لكل ما يصادفه، فقد عرف كيف يتحمل الوباء الوخيم، وكيف ينجو من كل ما يصيبه، ولكنه مع هذا كله لم يجد دواء يرد عنه الموت"(69).
ويحكم كريون أن تدفن أنتجوني حية، ويحتج ابنها هيمون على هذا الحكم الظالم الرهيب، فلا يفيد احتجاجه فيقسم لأبيه "إنك لن ترى وجهي بعد الآن". وهنا لأول مرة يحدث الحب أثره في مأساة سفكليز وينشد الشاعر لإله الحب نشيداً ظل الأقدمون يذكرونه عهداً طويلاً:
"أيها الحب؛ يا من لا يقوى على صدك شيء في الكفاح، كل الناس يخضعون إذا ألقيت عليهم نظرة من عينيك. الحب يرقد طول الليل على خد العذراء، ويطوي الربا والقفار، ويشق عباب البحار. أيها الحب يا من يقع الآلهة في أسرك، هل يقوى الآدميون على النجاة من قبضتك؟"(70).
ويختفي هيمون، ويجد كريون في البحث عنه ويأمر جنوده بأن يفتحوا الكهف الذي دفنت فيه أنتجوني، فيجدها ميتة وإلى جانبها هيمون قد وطد العزم على الموت.
"ونظرنا، وفي قبوة الكهف المظلم رأيت الفتاة مخنوقة هناك، وقد لف حبل من التيل وعقد حول عنقها، وإلى جانبها حبيبها ممسك بجثتها الهامدة يندب عروسه الميتة... فلما أن رآه الملك صرخ صرخة مروعة واتجه نحوه وهو يصيح: "أي ولدي، ماذا فعلت بنفسك؟ وماذا يؤلمك؟ وأية كارثة حلت بك فسلبت عقلك؟ أقبل يا ولدي أقبل، إن أباك يتوسل إليك". ولكن ابنه أحدق فيه بعينين كعيني النمر، وبصق في وجهه، ثم استل سيفه ذا المقبضين دون أن ينبس ببنت شفة وضرب؛ غير أن أباه تراجع إلى الوراء فأخطأته الضربة.وغضب الغلام الداعر البائس من نفسه، فسقط على حد سيفه،




صفحة رقم : 2348




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


فنفذ السيف في جنبه؛ وقبل أن تخمد أنفاسه أمسك الفتاة بذراعيه المسترخيتين، وقد اصطبغ خدها المصفر بشهيقه. وهكذا قضى الاثنان نحبهما، وأصبحا جثتين هامدتين وحَّد بينهما الموت"(71).
وأهم ما تمتاز به هذه المسرحيات صفتان لم يذهب بروعتهما مر الزمان ولا عبث المترجمين وهما جمال الأسلوب وسمو الفن. ففيها النموذج الحق لعبارات العصر الذهبي المصقولة، الهادئة، الرصينة، القوية في غير إسراف، الجزلة الرشيقة، التي تجمع بين قوة فدياس ورقة برلستيليز. ولا يقل السياق نفسه سمواً عن الألفاظ، فكل سطر قد وضع في الموضع اللائق به، وكل سطر يستحوذ على فكرك ويسير بك إلى تلك اللحظة التي تصل فيها الحوادث إلى غايتها ومغزاها. وقد بنيت كل مسرحية من هذه المسرحيات كما تبنى المعابد يصقل كل جزء منها على حدة، ولكنه يوضع في مكانه اللائق به من البناء كله، إذا استثنينا فيها عيباً واحداً هو أن المؤلف في مسرحية فلكتيتس يقبل في غير جهد فكرة إنزال الآلهة بالآلات (وهي فكاهة من فكاهات يوربديز) ويعدها حلاً جدياً للعقدة المستعصية على الحل. وأهم النقاط البارزة في حبكة هذه المسرحيات، وفي مسرحيات إسكلس، هي أولاً انتقام لغطرسة شديدة وسفاهة في أحد الفصول (كلعنة أوديب للقاتل المجهول)، ثم معرفة فجائية لحقيقة كانت قبل غامضة، ثم تعثر الحظ، ثم الانتقام الإلهي والعقاب المحتوم. وكان أرسطاطاليس يتخذ "أوديب الملك" مثلاً للمسرحية الكاملة البناء الخالية من النقص؛ وإن مسرحيتي أوديب الأخريين لتوضحان أتم الوضوح تعريف أرسطو للمسرحية، وقوله إنها تطهير للرحمة والفزع بعرضهما عرضاً موضوعياً. والشخصيات هنا مصورة تصويراً أوضح من شخصيات إسكلس وإن لم تبلغ في واقعيتها مبلغ شخصيات يوربديز. وفي ذلك يقول سفكليز نفسه: "إني أصور الرجال كما يجب أن يكونوا، أما يوربديز فيصورهم كما هم"(72)،




صفحة رقم : 2349




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


وكأنه يعني بهذا أن التمثيل يجب أن يتجه إلى حد ما نحو المثل العليا، وأن الفن يجب ألا يكون تصويراً شمسياً. ولكن أثر يوربديز يظهر واضحاً في النقاش الذي يدور في الحوار، وفي استغلال العواطف في بعض الأحيان؛ وشاهد ذلك أنا نرى أوديب يغفل صفاته الملكية ويحاج تيرسياس Teiresias، ونراه حين يفقد بصره يتحسس أوجه بناته تحسساً يبعث الحسرة في النفس. أما إسكلس فلو أنه كان في هذا الموقف نفسه لنسي البنات وأخذ يفكر في قانون من القوانين الخالدة.
وسفكليز أيضاً فيلسوف وواعظ، ولكن نصائحه لا تعتمد على رضاء الآلهة بالقدر الذي تعتمد به عليها نصائح إسكلس. وسبب ذلك أنه قد مسته روح السوفسطائيين، وهو وإن كان يستمسك بأصول الدين يظهر في مسرحياته أنه لولا أن الحظ قد واتاه لكان هو ويوربديز سواء. ولكن حساسيته الشاعرية الشديدة التي تمنعه أن يتلمس المعاذير لما يصيب الناس من ضر لا يستحقونه في أغلب الأحيان. انظر مثلاً إلى قول ليلس Lyllus أمام جسم هرقل وهو يتلوى من شدة الألم:
"نحن لم نقترف ذنباً، ولكننا نقر بأن قلوب الآلهة خالية من الرحمة، فهم يلدون الأبناء، ويطلبون أن يعبدوا باسم الآباء، ولكنهم ينظرون إلى أبنائهم نظرة مليئة بالأحقاد"(73).
وهو ينطق جوكستا بالسخرية من النبوءات، مع أن مسرحياته تدور حول هذه النبوءات نفسها وتبدو فيها واضحة؛ وترى كريون يندد بالمتنبئين ويقول عنهم إنهم "طائفة لا هم لها إلا جمع المال"، ويسأل فلكتيتس السؤال القديم "كيف نبرر تصرفات السماء إذا كنا نجد السماء ظالمة؟"(74) ويجيب سفكليز عن هذا السؤال إجابة تبعث الأمل في النفوس فيقول




صفحة رقم : 2350




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


إن النظام الأخلاقي في العالم أدق من أن تفهمه عقولنا، ولكنه نظام قائم بالفعل، وستكون الغلبة فيه للحق في آخر الأمر(75). وهو يحذو حذو إسكلس فيرى أن زيوس هو نفسه النظام الأخلاقي، وهو يقترب من الوحدانية أكثر مما يقترب منها إسكلس نفسه. ويشبه الصالحين من الإنجليز في عصر الملكة فكتوريا، فتراه قوياً في إيمانه بالأخلاق الفاضلة وإن كان غير واثق كل الثقة من دينه، ويرى أن أرقى أنواع الحكمة أن نعرف القانون الذي هو زيوس، المرشد الأخلاقي لهذا العالم، وأن نتبعه متى عرفناه.
"ألا ليت قدمي الثابتين لا تعجزان عن السير في طريق الحق والصلاح. وليتني أقضي حياتي مبرأً من الخطايا في القول والفعل، مستمسكاً بتلك القوانين الأزلية التي تسمو على الدوام إلى أبراج السماء الأثيرية النقية التي نشأت فيها: ذلك أن موطنها الوحيد هو أولمبس، ولم تكن هي وليدة حكمة البشر؛ ومهما غفل عنها الناس فإنها مستيقظة لا تنام عيناها أبداً"(76).
ذلك قلم سفكليز ولكنه صوت إسكلس، أو هو الإيمان يقف وقفته الأخيرة في وجه الكفر. وكأنا نشهد في هذا الموقف، موقف التقى والاستسلام للقضاء، أيوب يندم على ما فرط منه ويرضى بما كتب له، ولكننا نلمح بين السطور شيئاً من إلهام يوربديز قبل أن يوجد يوربديز نفسه.
ويرى سفكليز، كما يرى صولون، أن أسعد الناس هو الذي لم يولد، ويليه في هذه السعادة من يموت في طفولته. ولقد وجد أحد المتشائمين المحدثين بعض اللذة في ترجمة الأبيات المحزنة في النشيد الجنائزي الذي أنشد عند موت أوديب، وهي أبيات يظهر فيها الملل من العالم الناشئ من آلام الشيخوخة، ومن حرب البلوبونيز حيث يقتتل الإخوة ويفتك بعضهم ببعض:
"أي رجل ذاك الذي يتوق إلى طول الأجل؟ إن عيني ترى الحماقة




صفحة رقم : 2351




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


تكتنف كل أساليبه، وكلما مرت السنون تبدلت حياتك سوءاً بعد سوء. سوف يقترب منك الحزن، ويمتنع عن عينيك السرور. هذا هو الجزاء الذي يناله من يطول أجلهم.
"وخير الناس في نظري هو الذي لم يولد ؛ ويليه في هذا من يولد ثم يموت لساعته. إن الشباب ليجيء للإنسان بالحماقات التي هي أخف وزناً من الريش، ثم تجتمع الشرور كلها فلا ينقصها شر: من الغضب، وحسد، وشقاق، ونزاع، وسيف يتعقب الحياة. وتختتم هذه المتاعب كلها باقتراب الشيخوخة التي توهن الجسم فيفر من الأصدقاء والأقارب، الشيخوخة التي يتضاعف فيها كل ما تحت قبة السماء من أحزان.
"والذي يتحرر من الكدح، تنعقد أواصر الصداقة بينه وبين غيره من الناس، ولا تصحبه عروس ولا أهل عروس، ولا يسمع صوت الدفوف والغناء لأن الموت يقضي على ذلك كله".
ويعرف كل من درس حياة سفكليز أنه كان يتسلى في شيخوخته مع حظيته ثيوريس Theoris، وأنه رزق منها بطفل(78)، وأن أيوفون Iophon ابنه الشرعي أقام دعوى على أبيه يتهمه فيها بالسفه، ولعل الدافع له إلى هذا خوفه أن يترك الشاعر ثروته لابنه من ثيوريس. ودافع سفكليز عن نفسه وقدم دليلاً على تمتعه بكامل قواه بعض مقطوعات قرأها على المحكمة من مسرحية كان يكتبها، ولعلها كانت مسرحية "أوديب في كولونس"؛ ولم يكتف القضاة بتبرئته من التهمة بل ساروا يحفون به إلى بيته(79). ومع أنه قد ولد قبل يوربديز بزمن طويل فقد عاش حتى لبس عليه الحداد، ثم مات في السنة التي مات فيها هذا الكاتب سنة 406. ومن الخرافات الشائعة أنه لما حاصر الإسبارطيون




صفحة رقم : 2352




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> سفكليز


أثينة، تجلى ديونيشس إله التمثيل للمتحاربين وشفع لأصدقاء سفكليز، فحصل لهم على ممر أمين، وأمكنهم بذلك أن يدفنوه في مقبرة آبائه في ديسيليا Deceleia، وأجله اليونان وكرموه كما يكرمون آلهتهم، وكتب له الشاعر سمياس Simmias قبرية هادئة قال فيها:
تسلق بلطف أيها الخلباب إلى حيث يرقد سفكليز في راحته الهادئة، وأرسل غدائرك الصفراء المخضرة على قبره الرخامي، الذي يتفتح حوله الورد الأرجواني. ولتتدل حوله عناقيد الورد المكتنزة، وتلقي حول الحجر أعناقها الصغيرة الجميلة، جزاءً وِفاقاً له على حكمته الحلوة التي هو منشؤها والتي تدعى ربات الشعر وثالوث الجمال أنها أغانيها.




صفحة رقم : 2353




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات



الفصل الخامِس




يوربديز




1- المسرحيات


كما شق جيتو Giotto الطريق الوعر للتصوير الإيطالي في بداية عهده، ثم أوصله بروحه الهادئة إلى كماله الفني، وأتم ميكل أنجلو تطوره بأعماله التي صدرت عن عبقريته المعذبة؛ وكما شق باخ Bach بجهوده الجبارة الطريق الرحب إلى الموسيقى الحديثة، وأبلغها موزار ببساطتها العذبة الرخيمة إلى أرقى الدرجات، ثم أتم بيتهوفن تطورها بمؤلفاته التي لا يدانيها شيء في فخامتها وجلالها؛ كذلك شق إسكلس بشعره القوي وفلسفته الصارمة الطريق الذي سارت فيه المسرحيات اليونانية، وحدد أشكالها، ثم هذب سفكليز هذا الفن بموسيقاه المتزنة وحكمته الهادئة، وأتم يوربديز تطوره بمؤلفاته التي تفيض بالشعور الجائش والشك القوي. لقد كان إسكلس في مسرحياته واعظاً لا يكاد يقل صراحة عن أنبياء بني إسرائيل، وكان سفكليز فناناً سامياً يتشبث بإيمان مزعزع موشك على الانهيار، وكان يوربديز شاعراً عاطفياً إبداعياً لا يستطيع أن يكتب مسرحية كاملة لأن الفلسفة شتت قواه. وكان هؤلاء هم إشعيا وأيوب والجامعة في كتاب اليونان المقدس.
ولد يوربديز في عام سلاميس، ويقول بعضهم إنه ولد في يوم سلاميس بالذات، وأكبر الظن أن مسقط رأسه هو تلك الجزيرة التي يقال إن أبويه فرا إليها هرباً من الغزاة الميديين(80). وكان أبوه رجلاً من أصحاب المال والسلطان في مدينة فيلا Phyla الأتكية، وكانت أمه تنحدر من أسرة شريفة(81)،




صفحة رقم : 2354




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


وإن كان منافسه أرسطوفان يصر على أنها كانت تدير حانوت بدال، وتبيع الفاكهة والأزهار في الطرقات. وقضى يوربديز أيامه الأخيرة في سلاميس، مولعاً بعزلة تلالها، وجمال مناظرها، وزرقة بحارها؛ وكما أراد أفلاطون أن يكون كاتباً مسرحياً فكان فيلسوفاً، كذلك أراد يوربديز أن يكون فيلسوفاً فكان كاتباً مسرحياً. ويقول استرابون(82)إنه "تلقى منهج أنكساغورس كله، ودرس بعض الوقت على برودكس، وكان صديقاً حميماً لسقراط، وبلغ من صلته به أن بعض الناس يظنون أن قد كان للفيلسوف يد في مسرحيات الشاعر(83). وكان للحركة السوفسطائية كلها أثر كبير في تعليمه، واستحوذت عن طريقه على المسرح الديونيشي، فكان هو فلتير عصر الاستنارة اليوناني، يعبد العقل ويلمح إلى هذه العبادة في ثنايا مسرحياته التي كانت تمثل لتمجيد إله من الآلهة تلميحاً أفسدها وكان له أسوأ الأثر فيها.
وتعزو إليه سجلات المسرح الديونيشي فضل تأليف خمس وسبعين مسرحية، بدأت ببنات بلياس في عام 455 واختتمت بالباخيه Bacchae في عام 406، ووصلت إلينا منها ثمان عشرة كاملة وهتامات مختلفة من باقي المسرحيات . ومادتها هي أساطير اليونان الأولين، تتخللها إشارات من التشكك تبدو أولاً في حذر ثم تظهر سافرة جريئة بين السطور. ونرى في مسرحية أيون Ion أبا القبائل الأيونية المزعوم وقد وقع في ورطة حرجة: فقد جاء على لسان وحي أبلو أن أباه هو أكسوثوس Xuthus، ولكن أيون يكشف أنه ابن أبلو الذي أغوى أمه ثم خلعها على أكسوثوس، ويسأل أيون نفسه أيمكن أن يكون الإله النبيل كاذباً؟ وفي مسرحيتي هرقل وألسستيز Alcestis نرى الفتى الغوي ابن




صفحة رقم : 2355




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


زيوس وألكمينا في صورة إنسان سكير طيب القلب، له نهم جارجنتوا Gargantua وعقل لويس السادس عشر. وتقص مسرحية ألسستيز القصة المنفرة فتصف كيف اشترطت الآلهة نظير إطالة عمر أدميتس Adametuas (ملك فيري Pherae في تساليا) أن يرضي إنسان ما أن يموت بدلاً منه. وتعرض زوجته أن تفتديه بحياتها، وتودعه بقصيدة من مائة بيت يستمع إليها في صبر ونبل، وتُحمل ألسستيز باعتقاد أنها قد ماتت ولكن هرقل يخرج من مجلس الخمر والولائم، ويجادل الموت، وينهره، ويرغمه على ترك ألسستيز، ويعيد إليها حياتها. ولا يمكن فهم المسرحية إلا على أنها محاولة خبيثة لتسخيف هذه الخرافة .
وتستخدم مسرحية هيبوليتس Hippolytus هذه الطريقة عينها طريقة إقامة البرهان بنقض نقيضه، ولكن بطريقة أظرف وأكثر دهاء. فالبطل الوسيم هنا شاب صياد يقسم لأرتميس Artemis العذراء إلهة الصيد أن يكون على الدوام وفياً لها، وأن يتجنب النساء طول حياته، وأن يجد أعظم لذته في الأدغال. وتغضب أفرديتي لهذه العزوبة المهينة فتصب في قلب فدرا Phaedra زوجة ثسيوس هياماً جنونياً بهبوليتس بن ثسيوس من أنتيوبي Antiope زوجته المحاربة. وهذه هي أولى مآسي العشق فيما لدينا من كتابات أدبية، وفيها نجد من بداية الأمر جميع أعراض الحب في أعقد أزماتها وأقوى درجاتها، وذلك حين يصد هبوليتس عن فدرا فيتحطم قلبها، ويذوى غصنها، وتكاد تقضى من فرط الأسى. وتصبح مربيتها فيلسوفة




صفحة رقم : 2356




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


على غير انتظار فتأخذ في التفكير في الحياة بعد الموت، وتظهر في تفكيرها هذا من الشك في هذه الحياة ما لا يقل عن شك هملت فيها:
"ومع هذا فحياة الإنسان كلها ألم وكدر، وليس ثمة راحة على ظهر هذه الأرض؛ وإذا كانت هناك حالة بعيدة أحب إلى الموتى من الحياة فإن يد "الظلماء" تقبض عليها وتحجبها في ظلمات من فوقها ومن أسفل منها. ومن الناس من يرغبون في الحياة ويتعلقون بالبقاء على هذه الأرض بهذا الشيء البراق الذي لا أعرف ماذا أسميه، وذلك لأن الحياة الأخرى نبع مختوم مغلق، والأعماق التي من تحتنا لم تكشف لنا، ونحن تتقاذفنا الخرافات والأوهام إلى أبد الدهر"(84).
وتحمل المربية رسالة إلى هبوليتس تقول إن فدرا ترحب به في فراشها؛ ويرتاع هو لهذه الرسالة لأنه يعرف أن التي تدعوه إلى فراشها زوجة أبيه، وينطلق لسانه بإحدى الفقرات التي اشتهر من أجلها يوربديز بأنه عدو النساء:
"رباه! لم وضعت في سبيلنا هذا الشرك البراق، تلك النساء اللاتي يتعقبن خطانا على ظهر هذه الأرض السعيدة؟ هل إرادتك هي التي اقتضت أن يولد الإنسان عن طريق الحب والمرأة؟"(85).
ثم تموت فدرا، ويجد زوجها في يدها رسالة كتب فيها أن هبوليتس أغواها. ويستشيط ثسيوس غضباً، ويدعو بوسيدن أن يقتل هبوليتس؛ ويحتج الشاب بأنه بريء ولكن أحداً لا يصدقه؛ ويخرجه ثسيوس من البلاد. وبينما كانت عربته تمر في سيرها بشاطئ البحر إذ يخرج من الموج أسد بحر ويطارده؛ ويجفل جواداه ويقلبان العربة ويجران هبوليتس (بعد أن مزقه الجوادان) فوق الصخور حيث يموت شر ميتة. وترفع فرقة المنشدين صوتها بهذه الأبيات التي أدهشت أثينة وأزعجتها بلا ريب:




صفحة رقم : 2357




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات




"أيتها الآلهة، يا من أوقعته في الشرك، إني أقذف في وجهك كرهي واحتقاري".


وفي مسرحية ميديا ينسى يوربديز إلى حين غضبه على الآلهة ويصوغ من قصة ركاب السفينة أرجوس أقوى مسرحياته على الإطلاق. فعندما يصل جيسن Jason إلى كلشيز، تهيم الأميرة ميديا بحبه، وتساعده على أخذ الجزة الذهبية، وفي دفاعها عنه تخدع أباها وتقتل أخاها. ويقسم جيسن أن يحبها حبا أبديا ويأخذها معه إلى أيوكلس Iolcus. وهناك تدس ميديا الوحشية الطباع السم إلى الملك بلياس لكي تجلس جيسن على العرش الذي وعد به. وإذ كانت شريعة تساليا تحرم الزواج من الأجنبيات فإن جيسن يعيش مع ميديا عيشة العاشقين بغير زواج وتلد له طفلين. ولكنه لا يلبث أن يضيق ذرعا بشهوتها الوحشية، ويتطلع حوله باحثا عن زوجة شرعية ووارث لملكه، ويعرض أن يتزوج ابنة كريون ملك كورنثة. ويوافق كريون على هذا الزواج وينفي ميديا من البلاد؛ وتفكر ميديا فيما ارتكبته من أخطاء، وتنطق بفقرة من أشهر فقرات يوربديز التي يدافع فيها عن النساء:
"لم أر بين جميع الأشياء التي تنمو ويسيل منها الدم، شيئاً تهشم كما تهشمت المرأة. إن علينا أن نقدم كل ما جمعناه من الذهب وادخرناه لهذا اليوم الوحيد، لنبتاع به حب رجل ، ولكننا نبتاع به سيداً ليتصرف في أجسامنا ! وهذا لعمري أشد ما يؤلمنا في هذا العمل المشين .ولا نعرف بعد ذلك هل سيكون هذا السيد إنساناً خيراً أو شريراً ، وذلك هو خطر يتهددنا طوال حياتنا... إن بيتها لم يعلمها أحسن وسيلة تهدي بها ذلك الشيء الذي ينام بجانبها سبل السلام. وإن التي تجد بعد جهودها المضنية الطويلة وسيلة تجعله يحسب لها حسابها، فلا ينفض عن ظهره عبأها بعنف، تعد نفسها سعيدة. أما التي تعجز من النساء عن العثور على تلك الوسيلة فلتتمن الموت. إن زوجها إذا مل رؤية وجهها في داخل المنزل




صفحة رقم : 2358




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


غادره، وذهب إلى مكان أروح من المنزل وأحب منه إلى قلبه؛ أما هي فقد كتب عليها البقاء حيث هي، لا تقع عيناها إلا على نفس واحدة. ثم يقولون بعدئذ إنهم هم الذين يلبون نداء الحرب، على حين أننا نجلس في عقر دورنا وفي حمايتها بعيدات عن كل خطر! إن هذا لسخرية وبهتان! ولأن أنزل ثلاث مرات إلى ميدان القتال، أخوض المعارك وترسي في يدي لأحب إليَّ من أن أحمل طفلاً واحداً(86).
ثم تتبع هذه القصة انتقامها الرهيب، فترسل إلى منافستها مجموعة من الأثواب الثمينة متظاهرة بأنها تريد بذلك أن تسترضيها. وتلبس الأميرة الكورنثية أحد هذه الأثواب فتحترق بالنار؛ ويحاول كريون أن ينجيها فيحترق هو أيضاً ويموت. وتقتل ميديا أطفالها، وتخرج بجثثهم على مرأى من جيسن، وتنشد فرقة المرتلين هذه الخاتمة الفلسفية:
"لزيوس في السماء ردهات ملأى بالكنوز يفرق منها على بني الإنسان مصائرهم القريبة من خير وشر لم يكونوا يرجونه أو يرهبونه. فأما الغاية التي كانوا يتطلعون إليها فلا ينالونها؛ فهناك طريق لم يفكر أحد فيه! ذلك ما حدث في هذا المكان".
وتدور سائر المسرحيات في الغالب حول قصة طروادة. ففي مسرحية هلن نرى القصة كما رواها استسكورس Stesichorus وهيرودوت(87)؛ فملكة إسبارطة حسب هذه الرواية لا تفر مع باريس إلى طروادة، بل تنقل رغم إرادتها إلى مصر، حيث تنتظر مجيء زوجها دون أن يعتدي أحد على عفافها؛ ويقول يوربديز إن بلاد اليونان كلها قد خدعتها خرافة هلن في طروادة. وفي مسرحية إفجينيا في أوليس يغمر يوربديز قصة تضحية أجممنون بفيض من العواطف لم تعهد من قبل في المسرحيات اليونانية، وبطائفة من أشنع الجرائم التي دفع الناسَ إليها دينُهم القديم. وكان إسكلس وسفكليز قد كتبا أيضاً في هذا الموضوع، ولكن




صفحة رقم : 2359




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


مسرحياتهما لم تلبث أن نسيت وطغى عليهما سناً من المسرحيات الحديثة. وفي هذه المسرحية ينظر يوربديز إلى قدوم كليتمنسترا وابنتها نظرة عطف وحنان، ويظهر أرستيز "وهو لا يزال بعد طفلاً رضيعاً لا يستطيع الكلام" ليشهد خرافة القتل التي تقرر مصيره فيما بعد. وترى الفتاة يجللها الخفر وتغمرها السعادة وهي تهرول لتحيي الملك:


إفجينيا: ما أشد شوقي يا أبتاه إلى أن أرتمي على صدرك بعد هذا




الغياب الطويل؟ وأرجو ألا يغضبك أنني قد سبقت غيري




إليك- لأني مشتاقة إلى طلعتك.... ولأنك يسرك كل




السرور أن تراني. ولكن لم أراك مهموماً محزوناً؟




أجممنون: إن الملوك والقادة كثيرو الهموم.




إفجينيا: لتكن هذه الساعة لي- هذه الساعة لا أكثر. لا تستسلم للهموم!.




أجممنون: سأكون كلي لك؛ فلا تتشتتي يا أفكاري. . .




إفجينيا: ومع هذا- ومع هذا- فإني أرى الدموع تترقرق في عينيك!




أجممنون: نعم، لأن الغياب في المستقبل سيطول.




إفجينيا: لست أعرف، لست أعرف، يا أبتي العزيز ماذا تقصد؟




أجممنون: إن فطنتك الرشيدة تضاعف أحزاني.




إفجينيا: سأنطق إذن بالسخف لأدخل السرور على قلبك(88).


وحين يقبل أخيل تتبين أنه لا يعرف شيئاً عن زواجهما المزعوم، بل تعرف بدل هذا أن الجيش قد طال انتظاره للتضحية بها؛ فتلقي بنفسها على قدمي أجممنون وتتوسل إليه أن يبقى على حياتها:
لقد كنت أولى أبنائك- وأولى من قال لك يا أبت، وأولى من جلس على ركبتيك من أطفالك؛ وتبادلت وإياك الحديث في مسرات الحياة. وهذا




صفحة رقم : 2360




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


ما كنت تقوله لي: "أي بنيتي العزيزة، هل يقدر لي أن أراك ممتعة سعيدة في بيت سيدك وزوجك الخليق بك؟" واحتضنت لحيتك التي أمسك بها الآن متوسلة، وأجبتك بقولي: "وأنا الأخرى سأرحب بك يا أبت، حين يبيض شعرك من طول السنين، في داخل بيتي الحلو الجميل، وسأجزيك على حبك إعزازاً وتكريماً". هذا كنا ما نتحدث عنه، أذكره جيداً، ولكني أراك تنساه وتريد أن تقضي على حياتي"(89).
وتندد كليتمنسترا باستسلام أجممنون لهذه الطقوس الوحشية، وتتوعده بعبارات تحتوي على الكثير من المآسي: "لا تضطرني إلى الغدر بك"، وتشجع أخيل على ما يبذله من الجهد لإنقاذ الفتاة، ولكن إفجينيا تغير رأيها وتأبى أن تهرب:


استمعي يا أماه إلى ما خطر ببالي وأنا أقلب الفكر في أمري:


لقد اعتزمت أن أموت، ويسرني أن أموت هذه الميتة المجيدة- وأن أبعد عني جميع الأفكار الدنيئة ... إن هلاس العظيمة كلها تتطلع إلي، وما من أحد غيري يستطيع أن يمد إليها يداً ويسدي إليها تلك النعم: فتسير سفنها، وتهزم فيريجيا عدوتها، وتنقذ بناتها من البرابرة في أيامها المقبلة، حتى لا يستطيع الناهبون أن يختطفونهم من بيوتهن ويقضوا بذلك على سعادتهن، بعد أن يعاقب باريس على اعتدائه وهلن على ما جللت به نفسها من عار. كل هذا الخير ستناله البلاد بموتي، وسيكون اسمي مباركاً محوطاً بالإجلال لأني وهبت الحرية لهلاس (90).
وحين يقبل الجنود ليأخذوها تأمرهم بألا يمسوها بأيديهم وتسير طائعة مختارة إلى كومة وقود التضحية.
وفي مسرحية هكيبا تضع الحرب أوزارها، ويستولى اليونان على طروادة، ويقتسم المنتصرون الأسلاب. وترسل هكيبا زوجة بريام بوليدورس




صفحة رقم : 2361




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


أصغر أبنائها ومعه كنز من الذهب إلى بولمنستر Polymnestor ملك تراقيا وصديق بريام. لكن بولمنستر يطمع في الذهب فيقتل الغلام ويلقي بجثته في البحر، فتقذفها الأمواج فوق ساحل إليون. وتحمل إلى هكيبا. وفي هذه الأثناء يمنع شبح أخيل الميت الريح من أن تدفع الأسطول اليوناني إلى بلاده، حتى يضحي له بيولكسينا Polyxena أجمل بنات بريام. ويأتي تلثبيوس Talthybius رسول اليونان إلى هكيبا ليأخذ منها الفتاة، فيجدها ملقاة على الأرض منفوشة الشعر ذاهلة، وقد كانت منذ قليل ملكة مكرمة، ينشد أبياتاً من الشعر تدل على تشكك يوربديز:
ماذا أقول يا زيوس؟- أأقول إنك تنظر إلى الخلق؟ أم إلى قولنا إن هناك جيلاً من الآلهة ليس إلا وهماً وخداعاً كاذباً نستمسك به ولا يجدينا نفعاً، وإن المصادفة دون غيرها هي التي تسيطر على جميع مصائر البشر؟(91).
والفصل التالي في المسرحية المركبة هو المرأة الطروادية. وقد مثلت هذه المسرحية الجزئية في عام 415، بعد أن دمر الأثينيون ميلوس في عام 406 بزمن قليل، وقبيل الحملة التي سيرت إلى صقلية للاستيلاء عليها وضمها إلى الإمبراطورية الأثينية. وكانت هذه هي اللحظة التي روع فيها يوربديز بالمذبحة التي وقعت في ميلوس، وبالنزعة الاستعمارية الوحشية التي دفعت الأثينيين إلى مهاجمة سرقوصة، فجرؤ على الجهر بدعوة حارة إلى السلم، صور فيها ما حدث تصويراً جريئاً على أنه انتصار من وجهة نظر المغلوبين، وكان تصويره هذا "أعظم تشهير بالحرب في الأدب القديم"(92). وهو يبدأ حيث ينتهي هومر- بعد الاستيلاء على طروادة. فالطرواديون ملقون على الأرض بعد مذبحة جامعة، ونساؤهم قد ذهب الروع بعقولهن، وهن يخرجن من مدينتهن المخربة ليكن سبايا للغالبين. وتقبل هكيبا مع ابنتيها أندرمكي وكسندرا بعد أن ضحى بحياة بولكسينا، ويأتي تلثيبيوس ليأخذ كسندرا إلى خيمة أجممنون. وتسقط هكيبا على الأرض




صفحة رقم : 2362




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


من فرط الحزن، وتحاول أندرمكي أن تواسيها، ولكنها هي الأخرى يغلب عليها الجزع حين تضم الأمير الصغير أستياناكس Astyanax إلى صدرها وتذكر أباه الميت.
أندرمكي:... ولقد شددت وتر قوسي من زمن بعيد وصوبت سهمي نحو حسن سمعتي، وأدركت أن سهمي قد أصاب هدفه، ومن أجل هذا فأنا بعيدة كل البعد عن السلام. لقد أحببت من أجل هكتور كل ما يثني عليه الرجال فينا، وبذلت جهدي في الوصول إليه. لقد عرفت أن التجوال في خارج البلاد يسيء إلى سمعة المرأة سواء أصابها شر في هذا التجوال أو عادت منه بريئة طاهرة، ومن أجل هذا قمعت في نفسي هذه الرغبة، وكان تجوالي في حديقة بيتي، ولم تدخل قط من باب داري ألفاظ النساء المستهترة أو أحاديثهن المرحة. وتحدثت إلى قلبي، ولم أكن أبغي ذلك الحديث، فسعدت به. وكثيراً ما لزمت الصمت وأسبلت العين حين كان هكتور يحييني، وحرصت كل الحرص على أساليب الحياة الطيبة وعرفت أين أرشد، وأين أطيع...
ولقد قال الناس إن ليلة واحدة تذلل المرأة وتلقيها في أحضان الرجل. فيا للعار، يا للعار! أي شفتين هاتين اللتين توردان المرأة موارد الهلكة وتسمحان للغريب أن يقبلهما؟. إن أنثى الحيوان الأعجم، إن المهرة، لا تجري خالية من الهموم إذا كان رفيقها بعيداً عنها...
أي هكتور! يا أحب الناس إليّ، لقد كنت زوجي، وكنت كل شيء لي، كنت أميري، وحكيمي، يا أشجع الشجعان! إن رجلاً ما لم يمسني أو يقترب مني من يوم أن أخذتني من دار أبي وجعلتني زوجة لك... وها أنت ذا قد مِتَّ وقذفت بي الحرب إلى الرق وعيش المذلة في هلاس وراء البحار الكريهة!.
وتفكر هكيبا في يوم انتقام بعيد فتأمر أندرمكي أن ترضى بسيدها




صفحة رقم : 2363




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


الجديد لعله يسمح لها أن تربي استياناكاس، حتى يستطيع في يوم من الأيام أن يعيد بيت بريام ومجد طروادة. غير أن اليونان كانوا قد فكروا هم أيضاً في هذا، ويقبل تلثبيوس ليعلن أن استياناكاس لابد أن يموت : "لقد قرروا أن يلقي ولدك من فوق سور طروادة العالي ذي الأبراج". وينتزع الطفل من بين ذراعي أمه، وتتشبث به أندرمكي إلى آخر لحظة وتودعه وداعاً حاراً وعقلها مشتت مضطرب:
الق الموت يا أحب الناس إليّ وأعزهم عليّ، بأيدي رجال قساة غلاظ الكباد، واتركني وحيدة في هذا المكان؛ لقد كان أبوك شجاعاً مقداماً، ومن أجل هذا يقتلونك...ولا تجد من يرحمك!...ألا أيها المخلوق الصغير الذي تتلوى بين ذراعي، ما أزكى هذه الرائحة التي تنبعث من حول عنقك! أيها الحبيب أعبثاً ضمك هذا الصدر وغذاك، وهل إلى غير غاية قضيت الليالي قلقة أسهر عليك في مرضك حتى أضناني السهر؟ قبلني قبلة واحدة لن تتكرر بعد ذلك أبداً. امدد ذراعيك وارفع نفسك حول عنقي، قبلني الآن وضع شفتيك فوق شفتي...آه أيها اليونان الظرفاء، لقد عثرتم على نوع من العذاب لم يعرف مثله الشرق من قبل!...أسرعوا خذوه، جروه، ألقوه من فوق الأسوار، إن كنتم تريدون أن تلقوه من فوقها! مزقوه أيها الوحوش، عجلوا! لقد خارت عزيمتي فلست أقوى على رفع يدي لأنجي طفل من الهلاك.
ثم تأخذ في الهذيان، ويغشي عليها، ويخرج بها الجند، وحينئذ يظهر منلوس، ويأمر جنوده أن يأتوا بهلن، وكان قد أقسم ليقتلنها، وترتاح هكيبا حين تفكر أن هلن ستلقى آخر الأمر جزاءها:
أباركك يا منلوس، أباركك إن أنت قتلتها! ولكن حذار أن تنظر إلى وجهها لئلا تأسرك فتخر صريعاً!.
وتدخل هلن، لم يمسسها أحد بسوء. ولا تخش أن تمس بسوء، تزهو إذ تشعر بأنها جميلة.




صفحة رقم : 2364




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


هكيبا: هل أتيت الآن مزدانة الصدر والجبين، وهل تتنفسين مع سيدك ما يتنفسه من هواء، أنت يا ذات القلب الخبيث، فليطأطأ رأسك، ولينفش شعرك، ولتمزق أثوابك، فلن يكون من تحتها شيء يرفع من شأنك، بل سيكون من داخلها ما يجللك العار لما ارتكبت من الآثام. كن صادق العزم أيها الملك، وضع على جبين هلاس تاج العدالة؛ اقتل هذه المرأة...
منلوس: صه، أيها العجوز صه... (ثم يلتفت إلى الجند):
أعدوا لها سفينة كبيرة متعددة الحجرات تجوب فيها البحار....
هكيبا: إن من أحب مرة سيظل محباً على الدوام.
وحين تخرج هلن ويخرج منلوس يعود تلثبيوس يحمل جثة أستياناكس القتيل!.
تلثبيوس: لقد سحرت أندرمكي...هذه الدموع في عيني وهي تبكي بلادها من وراء البحار. لقد نظرت إلينا، وأخذت تتحدث إلى قبر هكتور، وترجو أياً كان ما نفعله به ألا نغفل المراسم المرعية في دفن هذا الطفل...وأمرتني أن ألفه في أربطة الموت وأثوابه وأن أضعه بين يديك...(تأخذ هكيبا الطفل).
هكيبا: آه! أي موت لاقيت أيها الصغير!...أيها الذراعان الرقيقان. إن صورتكما العزيزة لهي بعينها صورة ذراعيه...ويا أيتها الشفتان اللتان يشع منهما الكبرياء، لقد انطبقتما إلى أبد الدهر! ماذا كانت تلك الكلمات الكاذبة التي نطقت بها وأنت تحبو إلى فراشي؟ لقد ناديتني بأسماء رقيقة وقلت لي: أي جدتي، سأقص شعري حين تموتين وأركب على رأس القواد إلى قبرك". لم خدعتني هذا الخداع؟ وهاأنذا، العجوز، الطريدة، الثكلى، أبكيك بالدمع الغزير، أبكي طفولتك وأبكي ميتتك التعسة. أي إلهي! وأبكي خطاك حين تجيء لترحب بي، وأبكي جلوسك في حجري، وأبكي رقادنا معاً! لقد ذهب كل هذا ولن يعود. وكيف يستطيع شاعر أن ينحت شاهد قبرك ليقص قصتك صادقة؟




صفحة رقم : 2365




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


"هنا يثوي طفل خافه اليونان، فقتلوه لأنهم خافوه". نعم، وستبارك بلاد اليونان بأجمعها القصة التي يقصها ذلك الشاهد.
ألا ما أشد غرور الإنسان، إنه يتباهى بمسراته ولا يخاف شيئاً، ومن حوله صروف الزمان ترقص رقص البلهاء في الريح!....(تلف الطفل في أكفانه).
إن أحسن الثياب الفريجية التي كنت أحتفظ بها ليوم زواجك بإحدى ملكات الشرق بعد أن جبت البلاد القاصية للبحث عنها، إن هذه الثياب تلفك الآن إلى أبد الدهر(93)...
وفي مسرحية إلكترا نرى الموضوع القديم قد خطا خطوات إلى الأمام فأجممنون قد مات، وأرستيز في فوسيس، وإلكترا قد زوجتها أمها بفلاح يخلص لها إخلاصاً ساذجاً، ويرهب أصلها الملكي أشد رهبة، ولا يؤثر في إخلاصه لها ورهبته إياها طول تفكيرها في أمرها وإهمالها شئونه. وبينما هي تفكر هل يعثر عليها أرستيز ويأتي إليها إذ يأمره أبلو نفسه (ويؤكد يوربديز هذه النقطة ويحرص على إبرازها) بأن يثأر لموت أجممنون. وتستفزه إلكترا، وتقول إنه إذا لم يقتل السفاح فستقتله هي، ويبحث الصبي عن إيجسثس ويقتله ثم ينقلب على أمه. وتبدو كليتمنسترا هنا عجوزاً شمطاء، ذليلة، منهوكة القوى، ويؤنبها ضميرها على جرائمها، يتنازع قلبها خوف الأطفال الذين يكرهونها وحبها إياهم في نفس الوقت، وتطلب الرحمة في غير توسل، وترضى إلى حد ما بما جوزيت به على ذنوبها. وحين ينتهي القتل يرتاع أرستيز من هول ما حدث ويقول:
شقيقتي، هل لمستها مرة أخرى، واحسرتاه غطي جسدها، وضعي عليه ثوبها الجميل، وسدي هذا الجرح الأحمر المميت. أي أماه، هل كانت نتيجة آلامك أن ولدت قاتلك(94)؟.
ويسمي يوربديز الفصل الخامس من فصول المسرحية إفجينيا في توريس




صفحة رقم : 2366




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


أو إفجينيا بين التوريين. وفيه يبدو أن أرتميس قد وَضعت على كومة الحريق في أوليس غزالة بدل ابنة أجممنون، واختطفت الفتاة من اللهب، وجعلتها كاهنة في معبد أرتميس بين التوريين أنصاف الهمج سكان القرم. وكانت عادة التوريين أن يضحوا للآلهة بكل غريب تطأ قدمه بلادهم، وتقوم إفجينيا بدور العاملة البائسة الشقية التي تقدم الضحايا. وكانت الثمان عشرة سنة المليئة بالأحزان التي قضتها خارج بلاد اليونان قد بلدت ذهنها، وكان أبلو قد وعد أرستيز على لسان الوحي أن ينزل السكينة على قلبه إذا انتزع من التوريين صورة أرتميس المقدسة وجاء بها إلى أتكا. ويبحر أرستيز وبيلاديز ويصلان آخر الأمر إلى أرض التوريين، ويقبلهما هؤلاء الناس ويرونهما هدية طيبة أهداها البحر إلى أرتميس، ويسرعون بهما ليذبحوهما على مذبحها. وتنتاب أرستيز نوبة عصبية يخر على أثرها مغشياً عليه عند قدمي إفجينيا، وهي، وإن كانت لا تعرفه، تأخذها الشفقة عليه حين ترى رفيقين في نضرة الشباب يساقان إلى الموت:
إفجينيا: إن أحداً من الناس لم يعط علم بداية أحزانه أو نهايتها؛ ذلك أن اللّه خفي، وأساليبه كلها تخفيها المصادفات العمياء عنا فلا نعرفها. ألا أيها الرجلان الشقيان، من أين جئتما؟...ومن أمكما؟ ومن أبوكما؟ أفصحا أيها الغريبان، ومن هي أختكما إن كانت لكما أخت؟ ولم تتركانها من غير أخوة وكلاكما في ميعة الصبا ونضرة الشباب وشجاعته...؟
أرستيز: ألا ليت يد أختي تسبل عيني وأنا مسجي على فراش الموت!
إفجينيا: وا أسفاه، إنها تعيش تحت سماوات بعيدة، ودعاؤك أيها الشقي لا يجديك نفعاً. ولكنك من أرجوس، ومن أجل هذا فسأقدم لك كل ما في وسعي من عناية، ولن أضن عليك بشيء منها. سآتيك بثياب ثمينة تدفن فيها، وبزيت يبرد كومة حريقك حين يلفها اللهب الذهبي، وسألقي عليها الشهد الذي جمعه النحل الطنان من آلاف الأزهار الجبلية لكي يفنى معك في وسط العبير.




صفحة رقم : 2367




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> المسرحيات


وتعدهما بأن تنجيهما إذا حملا معهما إلى أرجوس رسالة تأمرهما بأن ينقشاها في ذاكرتهما.
إفجينيا. قولا "لأرستيز بن أجممنون إن التي قتلت في أويس، والتي فقدتها بلاد اليونان ولكنها لا تزال حية، إن إفجينيا تبعث إليه السلام".
أرستيز: إفجينيا! أين هي؟ أعادت من بين الأموات؟
إفجينيا: أنا هي! ولكن لا تتكلم حتى لا تفسد عليّ تدبيري. "خذني يا أخي إلى أرجوس قبل أن أموت".
ويريد أرستيز أن يضمها بين ذراعيه، ولكن الحراس يمنعونه، لأن كاهنة أرتميس لا يصح أن يمسها إنسان. ويعلن أنه أرستيز، ولكنها لا تصدقه فيقنعها بأن يذكر لها القصص التي روتها لهما إلكترا.
إفجينيا: أهذا هو الطفل الذي عرفته، الطفل الصغير قد انتقل خفيفاً كما ينتقل الطير؟. أي أرض أرجوس، أيها الموقد، أيها اللهب المقدس الذي أشعلك سكلوبس الشيخ؛ إني أباركك لأنه عاش، ولأنه نما، وصار ضياء وقوة، أخي وابن أبي، إني أبارك اسمك إلى أبد الدهر(95).
ويعرضان عليها أن ينجياها من أسرها، وتساعدهما هي على أن يأخذا صورة أرتميس. ويستطيعان بحيلتها الماهرة أن يصلا آمنين إلى سفينتهما، ويحملان التمثال إلى برورون Brauron. وفيها تصير إفجينيا كاهنة، وتصبح بعد موتها إلهة معبودة. ويتخلص أرستيز من ربات الانتقام، وينعم بالطمأنينة والسلام بضع سنين، وتروي الآلهة غليلها وتتم مسرحية أطفال تنتالوس.




صفحة رقم : 2368




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الكاتب المسرحي



2- يوربديز الكاتب المسرحي


لا مناص لنا من أن نوافق أرسطاطاليس على أن هذه المسرحيات، إذا نظرنا إليها من ناحية الفن المسرحي، لا تصل إلى المستوى الذي وضعه له إسكلس




صفحة رقم : 2369




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الكاتب المسرحي


وسفكليز(96). نعم إن مسرحيات ميديا، وهبوليتس، والباخيات قد رسمت لها خطة محكمة، ولكن هذه المسرحيات نفسها لا يمكن مع ذلك أن توازن من حيث سلامة التركيب والبناء بمسرحية أرستيا، أو من ناحية الوحدة المعقدة بمسرحية أوديب الملك. ذلك أن يوربديز لا يثب دفعة واحدة إلى الحادثة الهامة في المسرحية فيعرضها ثم يفسر بعدئذ مقدماتها تفسيراً تدريجياً طبيعياً في سياق القصة، بل نراه يستخدم الوسيلة المصطنعة وسيلة المقدمة التمهيدية؛ بل يفعل ما هو أسوأ من هذا فيضعها على لسان إله من الآلهة. وهو لا يظهر لنا هذه الحادثة من بادئ الأمر كما يقضي بذلك فن التمثيل، بل نراه يأتي في كثير من الأحيان برسول يصفها وإن لم يكن فيها شيء من العنف. يضاف إلى هذه أنه لا يجعل الغناء الجماعي جزءاً من الحوادث التي تمثل، بل يحوله إلى عمل فرعي ثانوي، ويستخدمه لوقف تطور حوادث المسرحية بما يتضمنه من أغان جميلة على الدوام، ولكنها كثيراً ما تكون عديمة الصلة بتلك الحوادث. وهو لا يعرض ما يريد من آراء عن طريق الحادثات التي تتضمنها المسرحية، بل يعمد إلى استبدال الأفكار بالحادثات ويجعل المسرح مدرسة للتأمل والبلاغة والجدل. وما أكثر ما تعتمد حبكات مسرحياته على المصادفات "والذكريات" - وإن كانت الأفكار هنا حسنة التنظيم ومعروضة عرضاً مسرحياً صادقاً. وتختتم معظم مسرحيات يوربديز بإله ينزل من إله (كما كان يفعل بعض الكُتاب من قبله)، وتلك وسيلة لا يمكن أن نغتفرها له إلا إذا افترضنا أن المسرحية الحقيقية قد اختتمت قبل هذه الحيلة الدينية، وأن إله لم ينزل إلا لكي يختتم التمثيل بخاتمة فاضلة لولاها لكان في نظرهم شائناً فاضحاً(97). وقد استطاع عظماء الكتّاب الإنسانيين دون غيرهم أن يعرضوا بهذه الوسيلة مروقهم وإلحادهم على المسرح.
أما مادة المسرحية فهي، كصيغتها وشكلها، خليط من العبقرية والصناعة، وسبب ذلك أن أهم ما يمتاز به يوربديز هو الإحساس المرهف كما يجب أن




صفحة رقم : 2370




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الكاتب المسرحي


يكون سائر الشعراء. وهو يحس بمشاكل الجنس البشري إحساساً قوياً ويعبر عنها تعبيراً مؤثراً عظيم الوقع في النفوس؛ ومآسيه أشد المآسي فجائع وهو أعظم كتابها إنسانية، ولكن إحساسه يكون في أغلب الأحيان مفرطاً في الحنو أو متكلفاً له؛ و "إذرافه الدمع السخين"(98) أيسر مما يجب أن يكون؛ وهو لا يدع فرصة تفلت منه ويستطيع أن يظهر فيها أماً تفارق طفلها، وينتزع كل ما يستطيع انتزاعه من العواطف من كل موقف من المواقف. وتلك المناظر دائمة الحركة، وهو يصفها في بعض الأحيان بقوة لا تعادلها قوة أي وصف من المآسي قبله أو بعده، ولكنها تنحط أحياناً إلى التمثيل الشجوي الغنائي وتتخم بالعنف والرعب كما ترى في خاتمة مسرحية ميديا. وقصارى القول أن يوربديز في بلاد اليونان هو بيرن، وشلي، وهوجو، مجتمعين، وهو بمفرده حركة إبداعية كاملة.
وهو يفوق منافسيه في تصوير الشخصيات، ويحل عنده التحليل النفسي، أكثر مما يحل عند سفكليز نفسه، محل تصاريف القضاء. وهو لا يمل من تقصي القوانين الأخلاقية والبواعث التي تحدد سلوك بني الإنسان. ويدرس أنواعاً مختلفة من الرجال: من زوج إلكترا الفلاّح إلى ملوك بلاد اليونان وطروادة؛ ولسنا نجد كاتباً مسرحياً غيره قد صور مثل ما صور هو من أصناف النساء المختلفة، أو صورها بمثل ما صورها هو من العطف عليها، فقد كان كل لون من ألوان الرذيلة أو الفضيلة يهمه ويسترعي انتباهه، فيصوره تصويراً واقعياً. وهو في هذا يختلف عن إسكلس وسفكليز، فقد كان هذان الكاتبان مستغرقين فيما هو عام وأبدى استغراقاً عجزا معه عن رؤية ما هو فردي ومؤقت سريع الزوال؛ وقد خلقاً بذلك أصنافاً من الشخصيات عميقة غير عادية، أما يوربديز فقد صور أفراداً أحياء، وحسبنا شاهداً على هذا أن أحداً ممن عاش قبله لم يتصور إلكترا بمثل الوضوح الذي تصورها هو به. وفي هذه المسرحيات نرى المسرحيات التي




صفحة رقم : 2371




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الكاتب المسرحي


تمثل الصراع مع الأقدار تتخلى عن مكانها شيئاً فشيئاً إلى المسرحيات التي تمثل الموقف والأخلاق، وهي تمهد السبيل للمسلاة الخلقية التي استحوذت في القرن التالي على المسرح اليوناني على أيدي فلمون Philemon، ومنندر Menander.




صفحة رقم : 2372




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الفيلسوف



3- يوربديز الفيلسوف


لكن من السخف أن يكون أهم ما نقدر به يوربديز هو مسرحياته، ذلك أن أهم ما يعنى به لم يكن الفن المسرحي، بل كان البحث الفلسفي والإصلاح السياسي؛ فهو وليد السوفسطائيين، وشاعرة الاستنارة، وممثل الشباب المتطرف الذي كان يسخر من الأساطير القديمة، ويرنو بطرف إلى الاشتراكية، ويدعو إلى نظام اجتماعي جديد يقل فيه استغلال الرجال للرجال والرجال للنساء، واستغلال الدولة لهؤلاء وأولئك؛ وهذه النفوس الثائرة هي التي كان يكتب لها يوربديز؛ وهي التي كان من أجلها يضيف إلى مسرحياته تلك الغمزات المتشككة، ويحشر مئات الضلالات بين سطور مسرحياته الدينية المزعومة، وهو يغطي هذه وتلك بفقرات مليئة بعبارات التقي والصلاح وبالأغاني الوطنية. وكان يعرض الأساطير المقدسة بحرفيتها فيبدو ما فيها من سخافات وأباطيل واضحاً جلياً، ومع ذلك فإن أحداً لا يستطيع أن يتهمه بالمروق من الدين؛ وهو يدعو في مسرحياته بوجه عام إلى التشكك في الآلهة والدين، ولكنه يوجه ألفاظها الأولى والأخيرة إلى الآلهة. ويرجع بعض ما يمتاز به من الدهاء والذكاء، كما يرجع دهاء رجال دوائر المعارف الفرنسيين وذكائهم، إلى أنه قد أرغم على أن يفصح عن آرائه وهو يحاول إنقاذ حياته. ولقد كان شعاره هو شعار لكريشيوس:
Tantum religio potuit suader emalorum. ما أكثر الشرور التي يدفع إليها الدين: نبوءات تولد العنف في أثر العنف، وأساطير ترفع من شأن الفساد الخلقي بما تضربه من أمثلة قدسية، وما تعلنه من رضاء الآلهة عن الخيانة




صفحة رقم : 2373




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الفيلسوف


والزنا، والتلصص، والتضحية بالآدميين، والحروب. وهو يصف العراف بأنه "رجل ينطق بقليل من الحقائق وكثير من الأباطيل"(99) ؛ ويقول: إن "من البلاهة المحضة" تعرف المستقبل بالفحص عن أحشاء الطير(100)؛ ويندد بجميع الوسائل التي تستخدم لمعرفة الغيب واستنزال الوحي(101)؛ وأهم من هذا كله أن يستنكر أشد الاستنكار ما تؤدي إليه الخرافات الرائجة من نشر الفساد ويقول:
سيدرك الناس أن لا وجود لآلهة، وأن لا ضوء في السماء، إذا كان الباطل سيغلب الحق في آخر الأمر...لا تقل إن في السماء زانياً وزانية، وآلهة مسجونين وآلهة سجانين: لقد أحس قلبي من زمن بعيد أن هذه خسة ودناءة، ولن أتحول قط عن هذا الإحساس ... إنما هذه كلها أقاصيص كاذبة، شأنها شأن الحفلات الهمجية التي تقام لتنتالوس، وللآلهة التي تمزق أجساد الأطفال. إن هذه الأرض أرض السفاحين قد خلعت على الآلهة ما تتصف به هي من جشع وشهوانية. والشر ليس مقره في السماء... وهذه كلها أقاصيص ميتة آثمة من اختراع المغنين(102).
وتراه أحياناً يقلل من حدة هذه الفقرات بترانيم لديونيشس أو مزامير دينية للآلهة مجتمعة، ولكنه في بعض الأحيان ينطق إحدى شخصياته بتشككه في الآلهة جميعها:
هل في الناس من يقول إن في السماء آلهة؟ كلا! ليس في السماء آلهة، ليس فيها آلهة، لا تسمحوا لأحد هؤلاء الحمقى الذين غرتهم هذه الخرافات الباطلة أن يخدعكم ويضللكم هذا الضلال. انظروا إلى الحقائق في ذاتها، ولا تثقوا بكلماتي أكثر مما تستحق أن يوثق بها؛ إني أصارحكم أن الملوك يقتلون، وينهبون، ويحنثون في أيمانهم، ويخربون المدن زوراً وغدراً، ولكنهم رغم هذه الآثام أسعد حالاً من الذين يحيون حياة هادئة ملؤها التقي والصلاح(103).




صفحة رقم : 2374




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الفيلسوف


وهو يبدأ مسرحية ميلانبي المفقودة بهذين البيتين اللذين يثيران أعظم الدهشة: أي زيوس، إن كان ثمة زيوس، لأني لا أعرف عنه إلا ما يقوله الناس فيه.
ويقال إن النظارة حين سمعوا هذا القول هبوا واقفين احتجاجاً عليه، وهو يختم هذه المسرحية بقوله:
والآلهة الذين يعدهم البشر حكماء، ليسوا أكثر وضوحاً من أحلام مجنحة؛ ولا تختلف أساليبهم عن أساليب الآدميين، فهي كلها فوضى واضطراب يتلوه اضطراب. ومن أراد أن يكون أقل الناس عذاباً، وألا تعمى بصيرته كما يعمى الكهنة بصائر البلهاء، يمض إلى الموت الذي يعرفه من يعرفونه(104).
وهو يعتقد أن مصائر الناس نتيجة لأسباب طبيعية، أو للمصادفات العمياء، وليست من تدبير قوى عاقلة مفكرة تتصف بها كائنات تسمو على الكائنات البشرية(105)، ويفسر بعض ما يظنه الناس معجزات تفسيراً يستند إلى العقل والمنطق: فيقول مثلاً إن ألستيز لم تمت حقاً، بل أخذت لكي تدفن حية، ولكن هرقل أدركها قبل أن تموت(106). وهو لا يقول لنا صراحة ما يعتقده هو نفسه في هذا، ولعل منشأ ذلك هو شعوره بأن ما يورده من الشواهد لا يؤدي إلى الاعتقاد الواضح؛ لكن عباراته التي هي أكثر ما يمتاز بها عن غيره هي العبارات الدالة على الإيمان بوحدة الوجود، وعلى العقيدة التي أخذت من ذلك الوقت تحل عند المتعلمين من اليونان محل عقيدة الشرك القديمة:
"يا صاحب الأساس العميق الذي يقوم عليه العالم، ويا ذا العرش الرفيع الذي يعلو على العالم، أياً كنت، يا من لا نعرفك ويصعب علينا أن نتصورك، يا منسق الموجودات، ويا عقل عقولنا؛ إليك يا اللّه أرفع صوتي بالثناء، لأني أرى فيك السبيل الصامتة التي تأتي بالعدالة، قبل أن يصل إلى نهاية أجله كل من يحيا ويموت(107).




صفحة رقم : 2375




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الفيلسوف


والعدالة الاجتماعية هي النغمة الصغرى في أغانيه؛ وهو يتمنى، كما يتمنى جميع من امتلأت قلوبهم عطفاً على الخلق، أن يحين الوقت الذي يكون فيه الأقوياء أكثر مم هم عطفاً على الضعفاء، والذي يقضي فيه على أسباب البؤس والنزاع(108)؛ وتراه حتى في أيام الحرب، وما تستلزمه من إثارة الروح الوطنية والحماسة للقتال، يصف مصائب الحرب وأهوالها وصفاً واقعياً لا يخفى فيه شيئاً هذه الأهوال:
كيف تعمى عيونكم يا من تدكون المدن، وتخربون المعابد، وتدمرون القبور، تلك الأحداث المحرمة التي يثوي فيها الموتى القدامى؟ ألا تعلمون أنكم عما قريب ستموتون(109)؟.
ويمتلئ قلبه حسرة حين يرى الأثينيين يقاتلون الإسبارطيين، وتدوم الحرب بينهم خمسين عاماً، يستعبد فيها بعضهم بعضاً، ويهلك فيها خير رجالهم؛ ويدعو في إحدى مسرحياته المتأخرة دعوة حارة مؤثرة إلى السلام:
"أيتها السلم؛ إنك تفيضين بالخير العميم كأنك تأتين به من نبع عميق؛ ليس في العالم كله جمال كجمالك، بل إنا لا نرى له مثيلاً حتى بين الآلهة الأخيار. إن قلبي يكاد يتفطر لطول غيابك، لقد وهن العظم مني ولم تعودي؛ وهل تكل عيناي قبل أن تريا زهرتك وجمالك؟ وهل يقضي عليّ المشيب والأحزان قبل أن تسمع أذناي مرة أخرى أغاني الراقصين الشجية ووقع أقدام من تطوق رؤوسهم أكاليل الزهر؟ ألا عودي إلى مدينتنا أيتها الحبيبة المقدسة ولا تقيمي بعيدة عنا يا من تطفئين الحقد. إن العداوات والأحقاد ستفارقنا إذا أقمت معنا وسيخرج من أبوابنا الجنون وظبا السيوف(109 أ).
ويكاد ينفرد من بين كُتاب عصره العظام بالجرأة على مهاجمة الرق. ذلك أنه قد اتضح له في أثناء حرب البلوبونيز أن معظم الأرقاء لم يكونوا كذلك بطبيعتهم، بل إنهم قد ساقتهم إلى هذه الحال ظروف الحياة وحدها؛




صفحة رقم : 2376




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الفيلسوف


وهو لا يعترف بوجود أرستقراطية طبيعية، ويرى أن البيئة لا الوراثة هي التي تخلق الرجال. والأرقاء في مسرحياته يضطلعون بأدوار هامة، وكثيراً ما ينطقون بأجمل أشعاره. وهو حين يبحث حال النساء يعطف عليهن عطف الشاعر الواسع الخيال؛ فهو يعرف أغلاطهن ويعرضها عرضاً واقعياً جعل أرسطوفان يتهمه بأنه يكره النساء؛ ولكنه في الحقيقة قد عرض قضية المرأة أحسن مما عرضها أي شاعر قديم آخر أيد حركة تحريرها التي كانت وقتئذ في بداية عهدها. وتكاد بعض مسرحياته أن تكون حديثة الطابع، تحتوي على دراسات في مشاكل الجنس البشري كالدراسات التي نشأت بعد أيام إبسن Ibsen بل إنها تحتوي على دراسات في الشذوذ الجنسي نفسه(110). وهو يصف الرجال وصفاً واقعياً، أما النساء فوصفه إياهن ينطوي على كثير من الشهامة، وتنال ميديا الرهيبة من عطفه أكثر مما يناله جبسن البطل غير الوفي؛ وهو أول كاتب مسرحي جعل المسرحية تدور حول الحب؛ حتى لقد كان آلاف من شباب اليونان يتغنون بأغنيته إلى إيروس إله الحب في مسرحية إندرمدا التي لم تصل إلينا:
"أيها الحب، إلهنا، ملك الآلهة والبشر! هلا امتنعت عن تعليمنا ما هو الحب؟ أو ساعدت المحبين المساكين، الذين تشكلهم كما تشكل الطين، كي يصلوا بكدحهم وجدهم إلى غاية موفقة سعيدة"(111).
ويوربديز بطبيعته متشائم، لأن كل من يروي قصص الحب يصبح متشائماً حين تصطدم الحقيقة بالخيال، وفي ذلك يقول هوراس وولبول Horaces Walpole "إن الحياة مسلاة عند من يفكرون، ومأساة عند من يحسون"(112): ويقول شاعرنا:
لقد نظرت من أمد بعيد إلى حياة الإنسان فلم أجد إلا خيالاً أشمط. وفي وسعي أن أؤكد أيضاً أن الذين يعدون من بين الناس حكماء، شديدي الذكاء، مبتدعين لأعظم الخطط، يجزون على هذا شر الجزاء. وهل




صفحة رقم : 2377




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الفيلسوف


أبصرت عين اللّه مذ بدأت الحياة رجلاً واحداً سعيداً(113)؟.
وهو يعجب من جشع الإنسان وقسوته، ومن الشريرين وسعة حيلتهم، ومن اختطاف الموت للناس اختطافاً دنيئاً خبط عشواء. وهو ينطق الموت في بداية مسرحية ألسيس بقوله: "أليست مهمتي أن أقبض أرواح المقضي عليهم؟"؛ ويجيبه أبلو بقوله: "لا؛ بل مهمتك أن تقبض من نضجوا ووصلوا إلى الشيخوخة الكاملة". ومن رأيه أن الموت إذا جاء بعد أن يحيا الإنسان حياته كاملة كان أمراً طبيعياً، لا يصح أن يغضب أحد منه: "لو أن كل جيل من الناس جاء في أثر الجيل الذي قبله، وازدهر ثم ذبل، ثم انقضى أجله، كما يأتي الحصاد بعد الحصاد على مر السنين، لو أن هذا حدث لما بكينا صروف الزمان وما تصيبنا به الأقدار. إن هذا هو الذي تجري به سنن الطبيعة، ومن واجبنا أن لا نبتئس بما تجعله قوانينها أمراً محتوماً لا مفر منه"(114). وينتهي أمره إلى الرواقية: "اصبر كما يجب أن يصبر الرجال، ولا تضجر"(115). وتراه من حين إلى حين يحذو حذو أنكسيمانس Anaximenes ويستبق فلسفة الرواقيين فيواسي نفسه بالتفكير في أن روح الإنسان جزء من الهواء المقدس، النيوما Pneuma، وفي أنها ستبقى بعد الموت جزءاً من روح العالم(116):
من يدري؟ لعل هذا الذي نسميه موتاً هو حياة، ولعل ما نسميه حياة هو الموت؟ وكل ما هنالك من فرق أن الناس وهم أحياء يقاسون مرارة الأحزان، فإذا ما أسلموا الروح، لم تبق لديهم أحزان، ومن ثم لا يحزنون(117).




صفحة رقم : 2378




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الطريد



4- يوربديز الطريد


إن الرجل الذي نصوره من مسرحياته هذا التصوير ليشبه تمثاله الجالس في متحف اللوفر، وتماثيله النصفية في نابلي، شبهاً يحملنا على الاعتقاد بأن هذه التماثيل منقولة نقلاً أميناً عن أصول يونانية حقيقية. فوجهه الملتحي وسيم، ولكنه أضناه التفكير، ورققه الحزن الحنون. ويتفق أصدقاؤه وأعداؤه على أنه كان مكتئب الطبع يكاد أن يكون نكداً، لا يميل إلى المرح أو الضحك، وأنه قضى سنيه الأخيرة في عزلة في أرض الجزيرة التي ولد فيها. وكان له ثلاثة أبناء ذكور كانت طفولتهم سبباً فيما استمتع به من سعادة قليلة(118). وكان يجد سلواه في الكتب، ومبلغ علمنا أنه كان أول مواطن فرد في بلاد اليونان جمع لنفسه مكتبة كبيرة . وكان له أصدقاء أخيار، منهم بروتاغوراس ومنهم سقراط؛ ولم يكن ثانيهم يهتم بالمسرحيات ولكنه كان يقول إنه لا يتردد في أن يسير إلى ببريه مشياً على قدميه ليشهد مسرحية من مسرحيات يوربديز، وذلك لعمري قول خطير لصدوره من فيلسوف كبير. وكان الجيل الناشئ ممن تحررت عقولهم، من أسر التقاليد يعدونه زعيماً لهم، ولكنه كان له من الأعداء أكثر مما كان لأي كاتب آخر في تاريخ اليونان. وقد اقتصر القضاة الذين كانوا فيما نظن يرون




صفحة رقم : 2379




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الطريد


أن واجبهم يقضي عليهم بأن يحموا الدين والأخلاق من سهام تشككه، اقتصر هؤلاء القضاة على تتويج خمس من مسرحياته بتاج النصر. ولقد كان الأركون المشرف على شئون الدين سخياً غاية السخاء حين قبل هذا العدد من مسرحيات يوربديز ضمن المسرحيات التي يجيز تمثيلها الدين. وكان المحافظون على اختلاف نزعاتهم يلقون عليه هو وسقراط تبعة انتشار نزعة الكفر بالآلهة بين شباب أثينة. وحاربه أرسطوفان من بادئ الأمر في مسرحية الأركانيين، وهجاه وصوره تصويراً هزلياً مرحاً في مسرحية الشموفريازوسي؛ وفي السنة التالية لموت الشاعر واصل هجومه عليه في مسرحية الضفادع. على أنه يقال لنا رغم هذا إن الكاتبين كاتب المآسي وكاتب المسالي، ظلا صديقين إلى النهاية(120). أما النظارة فكانوا ينددون بإلحاده ويهرعون إلى مشاهدة مسرحياته. ولما أن نطق الصياد الشاب في السطر 612 من مسرحية هبوليتس بقوله "لقد أقسم لساني، ولكن عقلي لا يزال طليقاً" احتج الجمهور احتجاجاً قوياً على ما ظنه انتهاكاً شديداً لحرمة الآداب والدين حتى اضطر يوربديز أن يقف في مكانه ويهدئ ثائرتهم بأن يؤكد لهم أن هبوليتس سيجزى على قوله هذا الجزاء الأوفى قبل انتهاء القصة - وهو وعد مأمون العاقبة يكاد يصدق على كل شخصية في المأساة اليونانية.
ووجهت إليه حوالي عام 410 تهمة المروق من الدين، ولم يمض بعدئذ إلا قليل من الوقت حتى وجه إليه هجيانون Hygianon تهمة أخرى، تتصل بالجزء الأكبر من ثروته، واستدل على خيانة يوربديز بالبيت الذي نطق به هبوليتس. وبرىء الشاعر من التهمتين، ولكن موجة السخط التي قوبلت بها مسرحية المرأة الطروادية أشعرت يوربديز أنه لم يكد يبقى له صديق واحد في أثينة. ويقال إن زوجته نفسها قد انقلبت عليه لأنه لم




صفحة رقم : 2380




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الطريد


يشترك في حفلات الزواج الحماسية في المدينة، وما وافت سنة 408،وكان قد بلغ الثانية والسبعين من العمر، حتى قبل دعوة وجهها إليه الملك أرخلوس Archelaus لينزل ضيفاً عليه في عاصمة مقدونية. ووجد يوربديز في مدينة بلا Pella تحت حماية هذا الفردريك - ولم يكن كملك بروسيا يخشى منه على عقائد شعبية - وجد في هذه المدينة الطمأنينة والراحة، وفيها كتب مسرحية إفجينيا في أوليس التي تكاد تكون كلها من قصائد الرعاة، ومسرحية الباخيات الدينية العميقة. ومات بعد ثمانية عشر شهراً من قدومه إلى تلك المدينة، ويقول أشقياء اليونان إن موته كان نتيجة لهجوم كلاب الملك وتمزيقها جسده.
وبعد سنة من موته عرض ابنه المسرحيتين في احتفال المدينة بعيد الديونيشيا ومنحهما القضاة الجائزة الأولى. ويظن النقاد، ومنهم العلماء المحدثون أنفسهم، أن مسرحية الباخيات كانت ترضية قدمها يوربديز للدين اليوناني(122). على أنه ليس ببعيد أن يكون قد قصد بالمسرحية أن تكون قصة رمزية لما لقيه يوربديز من معاملة على أيدي الشعب في أثينة.
وتقص المسرحية كيف مزقت جماعة من النساء المتظاهرات في الحفلات الديونيشية تقودهن أجيف Agave أم بنثيوس Pentheus ملك طيبة، نقول كيف مزقت أولئك النسوة جسم هذا الملك لأنه طعن في خرافتهن الباطلة الهمجية وتدخل من غير حق في شئون حفلاتهن.
ولم تكن هذه فكرة جديدة، فإن القصة من الأساطير الدينية المأثورة. وكانت أسطورة التضحية بحيوان أو تمزيق جسم إنسان إذا جرؤ على حضور هذه المواكب جزءاً من الطقوس الديونيشية. وقد ربطت هذه المسرحية




صفحة رقم : 2381




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الطريد


القوية بين المأساة اليونانية في عنوان قوتها وبين المأساة اليونانية في بداية نشأتها، وذلك بعودتها إلى استمداد حبكتها من قصة ديونيشس. وقد ألف الشاعر هذه المسرحية بين جبال مقدونيا التي تصفها في أشعار لا تضعف قوتها، ولعله كان يقصد أن تمثل في بلا حيث كانت عبادة باخوس Bacchus ذات قوة عظيمة. وهي تدل على علم مدهش غزير بالطقوس الدينية ونشوتها؛ وفيها ينطق عباد باخوس بمزامير تدل على الخشوع والصلاح ليس ببعيد أن يكون الشاعر قد تجاوز فيها حدود العقلية، وأدرك وقتئذ ضعف العقل، وأن العواطف والشاعر لا بد منها للنساء والرجال على السواء. ولكن القصة تحيي من طرف خفي الدين الديونيشي، وموضوعها هي الأخرى هو ما قد ينشأ من العقائد الخرافية من شرور.
وتفصيل ذلك أن الإله ديونيشس يزور طيبة متخفياً في صورة باخوس أو متجسداً ويدعو إلى عبادة ديونيشس. وترفض بنات كدمس رسالته فيسلبهن وعيهن ويبث فيهن نشوة دينية قوية، فيذهبن إلى التلال ليعبدنه بالرقص الهمجي العنيف، ويرتدين جلود الحيوان. ويتمنطقن بالأفاعي، ويضعن على رؤوسهن أكاليل من الخلباب، ويرضعن صغار الذئاب والظباء، ويقاوم ملك طيبة هذه الطقوس ويقول إنها تناقض العقل والأخلاق والنظام، ويسجن الداعي إليها فيصبر على العقاب صبر المسيحيين الأولين. ولكن الإله الذي يتجلى ويفتح جدران السجن ويستعين بقوته الإلهية على تخدير الحاكم الشاب. ويلبس بنثيوس تحت هذا التأثير ثياب امرأة، ويتسلق التلال، وينضم إلى جماعة المحتفلات. وتتبين النسوة أنه رجل، فيمزق جسمه إرباً. وتحمل أمه، التي تملكتها "النشوة" فأفقدتها وعيها، رأسه




صفحة رقم : 2382




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الطريد


المفصول في يديها ظناً منها أنه رأس أسد، وتغني عليه أغنية نصر. ثم تفيق فتدرك أنها تمسك برأس ابنها، وتشمئز من تلك الطقوس التي أسكرتها وأفقدتها وعيها، ويقول لها ديونيشس إنها سخرت منه وهو إله، وإن ذلك هو جزاؤها على هذه السخرية، فتجيبه بقولها وهل يليق بالإله أن يشبه بالرجل المتكبر في نوبة غضبه؟ والدرس الأخير الذي يلقيه علينا يوربديز في هذه المسرحية هو بعينه الذي يلقيه علينا في أولى مسرحياته، ولقد كان يوربديز في مسرحيته التي وضعها وهو يحتضر هو بعينه يوربديز الذي عهدناه في أيامه الأولى.
وذاع صيته وأحبه الناس بعد موته حتى في أثينة نفسها، وأصبحت الفكرة التي جاهد من أجلها هي الآراء المسيطرة على العقول في القرون التالية. ولما انتشرت الحضارة اليونانية خارج بلاد اليونان نفسها أخذ المتحضرون الجدد يعدونه هو وسقراط أعظم من عرفتهم بلاد اليونان من أصحاب العقول الملهمة الحافزة. ذلك أن يوربديز كان يعالج المسائل الحية لا أقاصيص الشعر الميتة، ولقد ظل العالم يذكره ولم ينسه إلا بعد زمن طويل. فقد خيم النسيان على مسرحيات من سبقوه من المؤلفين؛ أما مسرحياته فكان تمثيلها يتكرر في كل عام، وفي كل مكان أنشئ فيه مسرح يوناني. ولما أخفقت الحملة التي وجهت إلى سرقوصة (415) والتي تنبأ يوربديز بإخفاقها في مسرحية المرأة الطروادية، وواجه الأسرى الأثينيون الموت أحياء وهم يعملون عبيداً مصفدين بالأغلال في محاجر صقلية، ولما حدث هذا أطلق سراح كل من استطاع أن ينشد فقرات من مسرحيات يوربديز (كما يحدثنا بذلك بلوتارخ (123)). وقد صيغت المسلاة الجديدة على غرار مسرحياته، وتطورت منها؛ وفي ذلك يقول أحد زعماء هذه المسلاة: "لو أنني كنت واثقاً من أن للموتى عقولاً تدرك لشنقت نفسي لكي




صفحة رقم : 2383




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> يوربديز -> يوربديز الطريد


أرى يوربديز"(124). وكان إحياء فلسفة التشكك، والحرية العقلية، والنزعة الإنسانية، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كان هذه الإحياء سبباً في بعث يوربديز إلى الوجود وجعله أكثر اندماجاً في ذلك العهد من شكسبير. وجملة القول أن شكسبير وحده هو الذي كان يضارع يوربديز، وإن كان جيته يستكثر هذا على شكسبير نفسه. ومن الأسئلة التي يوجهها جيته إلى إكرمان: "هل أنجبت أمم الأرض بعد يوربديز كاتباً مسرحياً جديراً بأن يخلفه؟"(125). والجواب عن هذا أنها لم تنجب أكثر من كاتب واحد .




صفحة رقم : 2384




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والحرب



الفصل السادس




أرسطوفان




1- أرسطوفان والحرب


المأساة اليونانية أشد قتاماً من المآسي الإنجليزية في عصر الملكة إليزابث لأنها قلما تستخدم مبدأ الترفيه التهكمي الذي يتخلل المأساة فيزيد قدرة السامع على احتمال ما فيها من فواجع. والكاتب اليوناني المسرحي لم يكن يلجأ إلى هذه الطريقة لأنه كان يفضل أن تكون مأساته عالية المستوى من بدايتها إلى نهايتها، ولذلك ترك المسلاة إلى كتاب المسرحيات الهزلية الخالية من المغزى والتي تهدئ عواطف النظارة المهتاجة بما تهيئه لهم من الفكاهة والراحة. وقد انفصلت المسلاة على مر الزمن من المأساة واستقلت عنها، وأفرد لها يوم خاص في الحفلات الديونيشية اقتصر منهج الاحتفال فيه على ثلاثة مسال أو أربع يكتبها مؤلفون مختلفون وتمثل واحدة بعد واحدة لتحصل كل منها على جائزة مستقلة.
وازدهرت المسلاة اليونانية كما ازدهرت الخطابة، في صقلية أول الأمر. ذلك أنه قدم إلى سرقوصة من كوس في عام 484 فيلسوف، شاعر، طبيب، كاتب مسرحي يدعى إبكارمس Epicharmus أخذ يعرف الناس بفيثاغورس وهرقليطس ومبادئ العقليين في خمس وثلاثين مسلاة لم يبق منها إلا عبارات متفرقة منقولة عنها، وبعد اثنتي عشرة سنة من قدوم إبكارمس إلى صقلية أجاز الأركون الأثيني لفرقتها أن تمثل مسلاة؛ وسرعان ما نما الفن الجديد وتطور بتأثير الديمقراطية والحرية حتى أصبح أهم وسائل الهجو الأخلاقي والسياسي في أثينة؛ وكانت حرية التعبير الواسعة المسموح بها في المسلاة تقليداً يرجع إلى المواكب الديونيشية التي كانت تحمل عضو التناسل في الذكور. ولما أسيء استعمال هذه




صفحة رقم : 2385




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والحرب


الحرية سن في عام 440 ق.م قانون يحرم التهجم على الأشخاص في المسلاة، لكن هذه الخطر ألغي بعد ثلاث سنين من ذلك الوقت وظل الكُتاب يستمتعون بحرية الكلام وحرية السباب كاملتين حتى في أيام حرب البلوبونيز، فكانت المسلاة اليونانية والحالة هذه تؤدي واجب الصحافة الحرة في الديمقراطيات الحديثة، أعني بذلك واجب النقد السياسي.
ونحن نسمع عن كثيرين من كتّاب المسالي قبل أرسطوفان، بل إن أرسطوفان نفسه - وهو ريليه العهد العظيم، قد نزل من عليائه فأثنى على بعضهم بعد أن انقشع عجاج المعارك التي احتدمت بينه وبينهم. ومن هؤلاء الكتّاب أقراطينوس Cratinus لسان سيمون Cimon الناطق، والذي أثار حرباً شعواء على بركليز ولقبه "الإله القادر ذا الرأس الشبيه ببصل الفأر " (126). ولقد أنجانا الزمان الرحيم من قراءة مسرحيات هذا الكاتب... ومن هؤلاء السباقين أيضاً فركراتس الذي هجا في مسرحية الرجال الهمج التي كتبها حوالي 420 ق.م الأثينيين الذين يعلنون أنهم يمقتون الحضارة ويتمنون العودة إلى الطبيعة. ألا ما أقدم البدع التي يبتدعها الناس في شبابهم! على أن أقدر منافسي أرسطوفان هو يوبوليس Eupolis، وقد تعاونا أولاً في العمل ثم تنازعا وافترقا، وأخذ كلاهما يهجو صاحبه أقذع الهجاء، ولكنهما مع ذلك اتفقا في حملتهما على الحزب الديمقراطي. وإذا كانت المسلاة قد عادت الديمقراطية طوال القرن الخامس فقد كان من أسباب هذا العداء أن الشعراء يحبون المال، وأن الأشراف كانوا أغنياء؛ لكن أكبر أسبابه أن وظيفة المسلاة اليونانية كانت تسلية الجماهير عن طريق النقد، وأن الحزب الديمقراطي كان وقتئذ صاحب السلطان. وإذ كان بركليز زعيم الديمقراطية يعطف على الأفكار الجديدة كتحرير المرأة والنزعة العقلية في الفلسفة فإن كتاب المسالي قد اتفقوا جميعاً، اتفاقاً يبعث على الريبة في مصدره، على مقاومة التطرف في جميع




صفحة رقم : 2386




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والحرب


أشكاله، وأخذوا يدعون إلى العودة إلى أساليب "رجال مرثون" وما كان يعزى إليهم من مبادئ أخلاقية. وكان أرسطوفان لسان هذه الرجعية ومردد صداها، كما كان سقراط ويوربديز رائدي الآراء الجديدة. وهكذا استحوذ النزاع بين الدين والفلسفة على مسرح التمثيل الهزلي.
وكان لدى أرسطوفان من الأسباب ما يبرر حبه للأرستقراطية، فقد كان ينتمي إلى أسرة مثقفة غنية، ويبدو أنه كان يمتلك أرضاً في إيجينيا، بل إن اسمه نفسه ليدل على أنه من النبلاء لأن معناه "الأفضل يظهر". وكان مولده حوالي عام 450 ق.م، وإذن فقد كان في عنفوان الشباب حين دارت بين أثينة وإسبارطة تلك الحرب العوان التي أضحت فيما بعد موضوعاً مشئوماً لمسرحياته. وقد اضطره غزو إسبارطة لأتكا إلى مغادرة مزرعته في الريف والسكنى في أثينة. وكان يكره حياة المدن، وأظهر شديد استيائه حين طلب إليه فجأة أن يكره الميغاريين، والكورنثيين، والإسبارطيين. وأخذ يندد بهذا التطاحن الذي يقتل فيه اليوناني أخاه، ويدعو في كل مسرحية يكتبها إلى السلم.
وانتقلت السلطة العليا في أثينة بعد موت بركليز في عام 429 إلى يدي كليون Cleon دابغ الجلد الغني ممثل المصالح التجارية التي تدعو إلى القضاء قضاءً مبرماً على إسبارطة منافسة أثينة في السيادة على بلاد اليونان. وقد سخر أرسطوفان في مسرحية له مفقودة تدعى "البابليين"(426) سخريةً لاذعة من كليون وأساليبه السياسية قدم بسببها إلى المحاكمة بتهمة الخيانة وحكم عليه بغرامة. وثأر أرسطوفان لنفسه بعد عامين من هذا الحكم بإخراج مسرحية الفرسان The Knights؛ وكانت أهم شخصية في هذه المسرحية هي شخصية ديموس Demos (أي الشعب)؛ وكان لديموس هذا رئيس خدم يدعى "الدباغ". ولم يكن أحد يجهل من المقصود بهذه الألقاب حتى كليون نفسه الذي كان ممن شاهدوا المسرحية. وكان ما فيها من هجو لاذعاً شديداً إلى حد امتنع الممثلون جميعاً عن تمثيل دور الدباغ خوفاً




صفحة رقم : 2387




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والحرب


من العقاب السياسي الصارم، فلم يجد أرسطوفان بداً من أن يمثل بنفسه هذا الدور وفي هذه المسرحية يعلن نيشياس Nicias (وهو اسم الزعيم المحترف رئيس الحزب الألجركي) أن الوحي أنبأه بأن الحاكم الثاني الذي سيتولى الأمر في بيت ديموس سيكون بائع وزم. ويُقْبل هذا البائع الدوار ويحييه العبيد ويلقبونه "زعيم المستقبل في أثينتنا المجيدة!" ويخاطبه بائع الوزم بقوله: "أرجو أن تسمح لي بأن أذهب لأغسل سقطي... إنك تسخر مني". ولكن رجلاً يدعى دمستين يؤكد له أنه يتصف بالصفات التي تؤهله لأن يحكم الشعب- أليس هو وغداً منحطاً، مجرداً من العلم على اختلاف أنواعه؟ ويخشى الدباغ أن يفقد مركزه فيؤكد ولاءه لديموس واستعداده لخدمته، ويقول إن أحداً غيره لم يخدم ديموس كما خدمه هو إلا العاهرات. وتحوى المسرحية المجون الذي اعتاده أرسطوفان: فالوزام يضرب الدباغ بالسقط ويستعد لمباراة خطابية في الجمعية بأكل مقدار من الثوم؛ ويعقب هذا تنافس في الملق والدهان ليعرف مَن من المتنافسين يستطيع أن يسرف في مديح ديموس أكثر من سواه، فيكون بذلك "أكثر استحقاقاً لرضاء ديموس وبطنه". ويحضر المتنافسون قدراً عظيماً من الطيبات، يبسطونها أمام ديموس قبل الانتخاب لتكون وعداً منهم بما سوف يقدمونه له بعدها. ويقترح الوزام أن يختبر شرفهم وأمانتهم بأن تفتش خزانة كل مرشح، فيعثر في خزانة الدباغ على كومة من المأكولات الشهية الطرية، أهمها كعكة ضخمة لم يقطع منها لديموس إلا قطعة جد صغيرة (وكان ذلك إشارة إلى تهمة رائجة في ذلك الوقت تقول إن كليون قد سرق قدراً كبيراً من أموال الدولة). وعلى أثر هذا يفصل الدباغ من عمله ويصبح الوزام حاكم بيت ديموس.
وتواصل مسرحية الزنابير السخرية من الديمقراطية سخرية أخف من السخرية السابقة. ففيها يظهر جماعة من المواطنين المتعطلين - على هيئة زنابير - يسعون إلى كسب أبلة أو أبلتين في كل يوم بأن يكونوا قضاة، حتى




صفحة رقم : 2388




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والحرب


يستطيعوا بالاستماع إلى "المنزلفين" وجباية الضرائب الباهظة أن يستولوا على أموال الأغنياء ويضعوها في خزانة الدولة وفي جيوب الفقراء.
ولكن أكثر ما يهتم به أرسطوفان في هذه المسرحيات الأولى هو السخرية من الحرب والدعوة إلى السلم. فبطل مسرحية الأكارنيين (425) رجل يسمى دسيوبوليس Dicaeopoles "المواطن الشريف" وهو مزارع يشكو من أن الجيوش قد أتلفت أرضه حتى لم يعد يستطيع العيش بعصر النبيذ من كرومه. وهو لا يجد ما يدعو إلى الحرب، ويؤمن بأنه ليس بينه وبين الإسبارطيين سبب للخصام. ويطول انتظاره لأن يعقد القواد والسياسيين الصلح، فيوقع هو معاهدة شخصية مع اللسديمونيين، ويشهر به جماعة من جيرانه الوطنيين دعاة الحرب فيجبهم بقوله:
أني أشك كثيراً هل الإسبارطيون هم الملومون وحدهم في جميع الأحوال.
الجيران: أتقول إنهم غير ملومين في جميع الأحوال؟ يا لك من وغد أفاق! كيف تجرؤ على النطق بهذه الخيانة الوطنية أمامنا، ثم تظن أنك ستنجو منا؟
ويوافق على أن يسمح لهم بقتله إذا عجز عن البرهنة على أن أثينة يقع عليها من اللوم في إشعال نار الحرب بقدر ما يقع على إسبارطة. ويوضع رأسه على وضم، ويبدأ في الإدلاء بحجته. وفي هذه اللحظة يدخل قائد أثيني، مهزوم، متبجح، منتهك لحرمة الآلهة، يشمئز منه الحاضرون، فيخلو سبيل ديسيوبوليس، ويدخل السرور على قلب كل إنسان بأن يبيع لهم خمراً يسمى السلم. وكانت المسرحية غاية في الجرأة ولا يجيزها إلا شعب تعود أن يستمع إلى ما يقال ضده. وقد استفاد أرسطوفان من عادة الاستطراد التي كانت تجيز لكاتب المسلاة أن يخاطب النظارة على لسان فرقة المنشدين أو إحدى شخصيات المسرحية، فأخذ يشرح للجمهور الغرض الذي يهدف له بوصفه رجلاً دواراً فكهاً بين الأثينيين ينقب عن عيوبهم ويكشفها لهم.
"لم يعمد شاعرنا منذ كتب المسالي إلى إطراء نفسه على المسرح... ولكنه




صفحة رقم : 2389




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والحرب


يعتقد أنه فعل لكم الخير الكثير. وإذا لم يقبلوا بعد الآن أن يسرف الغرباء في خداعكم، أو يغروكم بالملق والدهان، وإذا لم تكونوا في السياسة إمعات كما كنتم من قبل، فالفضل في ذلك راجع إليه. وقد كنتم من قبل إذا أرادت وفود المدن الأخرى أن تخدعكم لا يتطلب ذلك منهم إلا أن يصفوكم بأنكم "الشعب المتوج بالبنفسج"، فلا تكادون تسمعون لفظ بنفسج حتى تعتدلوا في جلستكم على أطراف أعجازكم. وإذا أراد أحد أن يستثير غروركم وتحدث عن "أثينة الغنية الناعمة نال كل ما يبغيه منكم لأنه يتحدث عنكم كما يتحدث عن السردين في الزيت. ولقد أحسن الشاعر إليكم كل الإحسان حين حذركم من هذه الحيل الخادعة"(127).
ولقد نال الشاعر أعظم النصر في مسرحية السلم التي أخرجها عام 421. ففي ذلك الوقت كان كليون قد مات، وأوشك نيشياس أن يوقع مع إسبارطة معاهدة سلام وصداقة تدوم خمسين عاماً. ولكن الحرب اشتعلت نارها مرة أخرى بعد بضع سنين، وخاب أمل أرسطوفان في بني وطنه فدعا نساء اليونان في عام 411 أن يعملن لحقن الدماء. وتبدأ مسرحية ليسستراتا باجتماع نساء أثينة، في مطلع الفجر ورجالهن نائمون في مجلس حربي قرب الأكربوليس، ويتفقن على أن يمنعن عن أزواجهن متع الحب حتى يعقدوا الصلح مع العدو، ثم يرسلن رسولاً إلى نساء إسبارطة يدعونهن إلى معاونتهن في حملة السلم الجديدة. ثم يستيقظ الرجال آخر الأمر من نومهم فيعون النساء أن يعدن إلى بيوتهن، وتأبى النساء العودة فيحاصرهن الرجال بدلاء ملأى بالماء الساخن وبسيل من الكلام؛ وتلقي ليسسترا (منقذة أثينة) على الرجال درساً تقول فيه:
لقد صبرنا عليكم كثيراً في الحروب الماضية... ولكننا كنا نفرض عليكم رقابةً شديدة، وكثيراً ما كنا نسمع، ونحن في منازلنا، أنكم قد




صفحة رقم : 2390




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والحرب


أخطأتم في تقرير أمر من الأمور. فإذا سألنا عنه قال الرجال: "وما شأنكن أنتن والمسألة عن هذا؟ اصمتن". وسألنا "كيف يحدث يا زوجي أن تسير الأمور بهذه السخف على أيدي الرجال؟". ويجيب زعيم الرجال بقوله إن النساء يجب أن يبتعدن عن شئون الدولة، لأنهن عاجزات عن تصريف شئون الخزانة العامة. (وتتسلل بعض النساء في أثناء هذا النقاش إلى أزواجهن وهن يتمتمن بحجج من نوع حجج أرسطوفان). وترد ليسسترا على ذلك بقوله: "وكيف لا يستطعن؟ فطالما دبرت الزوجات شئون أزواجهن المالية لخيرهم ولخيرهن". وتبدي من الحجج القوية ما يقنع الرجال آخر الأمر بعقد مؤتمر من الدول المحاربة، ويجتمع مندوبو هذه الدول، وتهيئ لهم ليسسترا كل ما يستطيعون أن يشربوه من الخمر. وسرعان ما تلعب الخمر برؤوسهم فيوقعون المعاهدة التي طال انتظارها. ويختم المنشدون المسرحية بنشيد مدح السلم.




صفحة رقم : 2391




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والمتطرفون



2- أرسطوفان والمتطرفون


يرى أرسطوفان أن انحلال الحياة الأثينية العامة يرجع إلى شرين أساسيين هما الديمقراطية والخروج على الدين. وهو يتفق مع سقراط في أن سيادة الأمة قد انقلبت فأصبحت سيادة السياسيين؛ ولكنه كان واثقاً من أن تشكك سقراط، وأنكساغورس والسوفسطائيين قد ساعد على انحلال عرى الروابط الخلقية التي كانت في الزمن القديم عاملاً قوياً في تدعيم النظام الاجتماعي والاستقامة الفردية. وقد سخر أشد السخرية من الفلسفة الجديدة في مسرحية السحب. وخلاصتها أن رجلاً من الطراز القديم يدعى استربسياديز Stripsiades كان يبحث عن حجة يبرر بها التنصل من ديونه، فيغتبط إذ يسمع أن سقراط يدير متجراً للتفكير، يستطيع كل إنسان أن يتعلم فيه كيف يثبت كل ما يريد إثباته ولو كان خاطئاً. ويتخذ الرجل طريقة إلى مدرسة "المفكرين الأشداء"، ويرى




صفحة رقم : 2392




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والمتطرفون


في وسط حجرة الدرس سقراط معلقاً من السقف في سلة، ومنهمكاً في التفكير كما يرى بعض الطلاب منحنين متجهين بأنوفهم نحو الأرض:


استربسياديز: ماذا يفعل هؤلاء الناس الذين ينحنون هذا الانحناء العجيب؟




الطالب : إنهم يفحصون عن الأسرار العميقة عمق ترتروس.




استربسياديز: ولكن لم- عفواً ولكن- أجزاءهم الخلفية- لم أراهم مثبتين في الهواء على هذا النحو العجيب؟




الطالب : إن أطرافهم الأخرى تدرس الفلك.




يطلب استربسياديز إلى سقراط أن يعلمه بعض الدروس




سقراط : وبأي الآلهة تقسمون، لأن الآلهة ليست من العملة الرائجة عندنا؟.




ويشير إلى فرقة المرتلين في مسرحية السحب




إن هؤلاء هم الآلهة الحقيقيون.




استربسياديز: لكن قل لي، ألا تؤمن بزيوس؟.




سقراط : ليس لزيوس وجود.




استربسياديز: ومن الذي ينزل المطر إذن؟.




سقراط: هذه السحب، فهل رأيت مطراً ينزل من غير سحاب؟




ولو أن زيوس كان هو الذي ينزل المطر لأنزله في الجو الصحو وحين تظهر السحب...




استربسياديز: ولكن قل لي من الذي يرسل الرعد؟ إن جسمي ليرتجف منه




سقراط: إن هذه السحب في اندفاعها تحدث الرعد.




استربسياديز: كيف؟






صفحة رقم : 2393




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والمتطرفون




سقراط: إذا امتلأت بالماء واندفعت في سيرها تساقطت بقوة عنيفة بعضها على بعض وأحدثت هذه القعقعة.




استربسياديز: ولكن من الذي يسوقها؟ أليس هو زيوس؟




سقراط: كلا، إن الدوامة الأثيرية هي التي تسوقها.




استربسياديز: إذن فأعظم الآلهة كلها هي الدوامة. ولكن ما الذي يحدث قعقعة الرعد؟




سقراط: سأعلمك من حالتك أنت نفسك. ألم يحدث لك مرة ما أن امتلأت بالطعام في إحدى الولائم،




ثم اضطربت معدتك فحدثت في داخلك كركرة؟


وفي منظر أخر يلتقي فيديبديزPheidippides بن استربسياديز بالحجة الصحيحة والحجة الباطلة مجتمعتين. وتخبره أولاهما بأن عليه أن يقلد الفضائل الرواقية التي كان يتصف بها رجال مرثون، ولكن الأخرى تشير عليه بأن يتخلق بالأخلاق الحديثة. وتسأله الحجة الباطلة: هل في الناس من نال شيئاً بالعدالة أو الفضيلة أو الاعتدال؟، وتقول: إنه إذا وجد رجل شريف ناجح وجد معه على الدوام عشرة رجال خونة ناجحين معظمين. وتضيف على ذلك قولها: انظر على الآلهة نفسها. لقد كذبت، وسرقت، وقتلت، وزنت. وهاهي ذى يعبدها اليونان جميعهم. وحين تشك الحجة الصحيحة في أن معظم الناجحين كانوا خونة، تسألها الحجة الباطلة:


من أي طبقة من الناس يخرج رجال القانون عندنا؟




الحجة الصحيحة: من بين السفهاء.




الحجة الباطلة : هذا حق. ومن أي صنف يخرج شعراؤنا كتاب المآسي.




الحجة الصحيحة: من بين السفهاء.






صفحة رقم : 2394




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والمتطرفون




الحجة الباطلة : وخطباؤنا العموميون؟




الحجة الصحيحة: كلهم سفهاء.




الحجة الباطلة : انظري الآن إلى من حولك:




تلتفت وتشير إلى النظارة




أية طبقة من الطبقات تنتمي إليها الكثرة الغالبة من أصدقائنا الحاضرين هنا؟.




وتغمض الحجة الصحيحة عن النظرة في جد ووقار




الحجة الصحيحة: إن الكثرة الغالبة منهم سفهاء.


وفيدبديز تلميذ الحجة الباطلة يأتمر بأمرها ويبلغ من طاعته إياها أن يضرب أباه بحجة أنه يقوى على ضربه وأنه يستمتع بهذا الضرب، ويسأل فوق ذلك "ألم تضربني وأنا غلام؟" ويستحلفه استربسياديز بزيوس أن يرحمه، ولكن فيدبديز يرد عليه بقوله إن زيوس لم يعد له وجود، لأن الدوامة قد حلت محله. ويستشيط الوالد غضباً، ويهيم في الطرقات، ويدعو جميع المواطنين الصالحين إلى القضاء على هذه الفلسفة الجديدة، فيهاجمون متجر التفكير ويحرقونه ولا ينجو سقراط بحياته إلا بعد جهد شديد.
ولسنا نعرف ماذا كان لهذه المسلاة من أثر في مأساة سقراط. وكل الذي نعرفه أنها مثلث في عام 423 قبل المحاكمة الشهيرة بأربع وعشرين سنة؛ ويبدو أن ما فيها من فكاهة طيبة لم يغضب الفيلسوف، بل يقال إنه ظل واقفاً طوال التمثيل(128)ليمكن أعداءه من أن يروه أوضح رؤية. ويصور أفلاطون سقراط وأرسطوفان في صورة الصديقين بعد التمثيل، وقد أوصى أفلاطون نفسه ديونيشيوس الأول ملك صقلية بهذه الأعجوبة المسلية، وظل محتفظاً بصداقته لأرسطوفان حتى بعد أن مات أستاذه(129). وقد كان ملاتوس أحد الثلاثة الذين اتهموا سقراط في عام 399 طفلاً




صفحة رقم : 2395




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والمتطرفون


حين مثلت المسلاة، وكان ثانيهما وهو أنيتس على وفاق مع سقراط بعد أن مثلت(130)؛ وأكبر الظن أن انتشار المسرحية بعدئذ بوصفها قطعة أدبية أضر بالفيلسوف أكثر مما أضر به التمثيل الأول. ولقد أشار سقراط في دفاعه عن نفسه- كما يرويه أفلاطون- إلى هذه المسرحية وقال عنها إنها من أكبر الأسباب التي سوأت سمعته وألبت القضاة عليه.
وكان في أثينة هدف آخر وجه إليه أرسطوفان سهام هجائه، وقد وجهها هذه المرة سهام عداوة لا تنطفئ نارها. ذلك أنه لم يكن يثق بتشكك السوفسطائيين؛ أو بالفردية الأخلاقية، والاقتصادية، والسياسية التي كانت تنخر في عظام الدولة؛ أو بالدعوة النسائية العاطفية التي ترمي إلى مساواة النساء بالرجال، والتي كانت تثير ثائرة النساء؛ أو بالاشتراكية التي كانت تعمل عملها بين الأرقاء. لقد رأى هذه المبادئ كلها واضحة أجلى وضوح في يوربديز، واعتزم أن يقضي بالضحك والسخرية على ما كان للكاتب المسرحي الكبير من أثر في العقلية اليونانية.
وبدأ يعمل لهذه الغاية في عام 411 بمسرحية أسماها السموفريزوسيات The smophoriazusae. وقد اشتق هذا اللفظ من اسم النساء اللائى كن يحتفلن بعيد دمتر وبرسفوني عن طريق الامتناع الجنسي. وفيه يجتمع عبادهما ليناقشن آخر ما سخر به يوربديز من بنات جنسهن، ويدبرن أمر الانتقام منه. وتترامى أنباء هذه الخطة إلى يوربديز فيشير على نسيلكس Mnesilochus والد زوجته بأن يلبس ثياب النساء ويدخل الاجتماع ليدافع عنه. وتشكو أولاهن من أن الكاتب المسرحي قد حرمها من وسيلة كسب عيشها؛ فقد كانت من قبل تصنع أكاليل الزهر للهياكل، فلما أن قال يوربديز إنه لا وجود للآلهة، كسدت تجارتها. ويدافع نسيلكس عن يوربديز بقوله إن أسوأ ما قاله عن النساء حق لا مراء فيه، وإنه أخف مما تعرفه النساء أنفسهن من أخطائهن. وترتاب النساء في أن هذا




صفحة رقم : 2396




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والمتطرفون


الطعن في النساء صادر عن امرأة، فيمزقن ثياب نسيلكس، ولا يستطيع النجاة من تمزيق جسمه إرباً إلا بأن يختطف طفلاً رضيعاً من بين ذراعي امرأة، وينذرهن بأنه سيقتله إذا مسسنه هو بسوء. ولكنهن لا يعبأن بهذا التهديد ويهجمن عليه، فيخلع عن الطفل لفافته، فيجد أنه زق خمر قد لف في ملابس طفل هرباً من أداء ضريبة الإيراد. ويقول إنه رغم هذا سيقطع عنقه وتحزن لهذا صاحبة الزق وتصيح قائلة: "سألتك ألا تتلف زقي العزيز، فإن كنت لا بد فاعلاً فجيء بجفنة تتلق فيها دماءه". ويحل نسيلكس المشكلة بأن يشرب الخمر، ويرسل في الوقت نفسه دعوة إلى يوربديز بأن يخف لإنقاذه من ورطته. وخليق بنا أن نقول بهذه المناسبة إن يوربديز يظهر في أجزاء مختلفة من مسرحياته- في صورة منلوس، أو برسيوس، أو إكو Echo. وفي هذه المرة يفلح أخيراً في تمكين نسيلكس من الهرب.
ويعود في مسرحية الضفادع إلى مهاجمة يوربديز رغم موته. ذلك أننا نرى ديونيشس إله المسرحية غاضباً على من بقي حياً في أثينة من كُتاب المسرحيات، فينزل إلى الجحيم ليعود بيوربديز. وتلتقي به وهو ينتقل في قارب إلى العالم السفلي طائفة من الضفادع فتحييه بنقيقها تحية لا نشك في أن شباب أثينة ظل يتندر بها شهراً كاملاً. ولا ينسى أرسطوفان أيضاً أن يسخر من ديونيشس ولا يخشى من تمثيل طقوس إلوسبز تمثيلاً ساخراً. ذلك أن الإله حين يصل إلى العالم السفلي يجد يوربديز يحاول خلع إسكلس عن زعامة كُتاب المسرحيات جميعهم. ويتهم إسكلس يوربديز بأنه يعمل على نشر التشكيك، والحيل القانونية الخطرة، وعلى إفساد أخلاق نساء أثينة وشبابها. ويقول إن من سيدات الطبقة العليا من قتلن أنفسهن لأنهن لم يطقن سماع بذاءة يوربديز. ثم يؤتى بميزان ويلقي كل شاعر في إحدى كفتيه أبياتاً من مسرحياته. وترجح عبارة قوية من عبارات إسكلس على اثنتي عشرة عبارة من عبارات يوربديز (وهذا هجاء في الشاعر الشيخ




صفحة رقم : 2397




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والمتطرفون


نفسه). ويعرض إسكلس آخر الأمر أن يقفز الشاعر الشاب إلى إحدى الكفتين ومعه زوجه، وأبناؤه، ومتاعه، ويقول إنه يؤكد أن بيتاً واحداً من الشعر يرجح عليهم جميعاً. ويخسر المتشكك العظيم في آخر الأمر المباراة، ويعود إسكلس إلى أثينة منتصراً . وقد منح القضاة هذه المقالة الأولى في النقد الأدبي الجائزة الأولى، وبلغ من سرور النظارة بها أن أعيد تمثيلها مرة أخرى بعد بضعة أيام.
وكذلك وجه أرسطوفان سخريته إلى الحركة المتطرفة بوجه عام في مسرحية متوسطة القدر تدعى الإكليزيازوسيات The Ecclesiazusae أي نساء الجمعية (393). وموضوعها أن نساء أثينة يتخفين في زي الرجال، ويملأن مقاعد الجمعية، وترجح أصواتهن على أصوات أزواجهن، وإخوتهن، وأبنائهن، ويختار منهن حكام الدولة. وتتزعم هذه الحركة امرأة تدعى براكساغورا Praxagora شديدة التحمس لنيل النساء حقوقهن السياسية، وتتهم بنات جنسها بالغفلة لأنهن يرضين بأن يحكمهن الرجال البلهاء. وتقترح أن تقسم الثروة بالتساوي بين المواطنين على أن يترك الأرقاء من غير أن يفسدهن الذهب. ويتخذ الهجوم على "المدينة الفاضلة" صورة أخف من هذه وأرحم في مسرحية الطيور أرقى مسرحيات أرسطوفان جميعها (414). ومضمونها أن اثنين من مواطني أثينة يستولي عليهما اليأس، فيتسلقان إلى مسكن الطيور، يأملان أن يجدا فيه الحياة المثالية التي ينشدانها. ويستعينان بالطيور على بناء مدينة فاضلة بين الأرض والسماء تدعى نفلوككسيجيا Nepheloccygia أي "أرض وَقْوقَ السحاب". وتوجه الطيور مجتمعة خطابها إلى الآدميين في نشيد لا يفوقه أي نشيد آخر وضعه شعراء المآسي تقول فيه:




صفحة رقم : 2398




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> أرسطوفان والمتطرفون


أي بني الإنسان، يا قصار الأجل، ويا من تملأ الأحزان حياتكم يوماً بعد يوم، يا عراة، يا منزوعي الريش، يا ضعاف الأجسام، يا كثيري النزاع، يا مرضى، يا من تنتابكم النوائب، يا من خلقتم من طين! استمعوا إلى أقوال السادة الطيور، الخالدة، مالكة الهواء، التي تشرف من علِ بأعينها الرحيمة، على ما بينكم من نزاع، وشقاء، وكدح، وقلق.
وتضع الطيور خطة لمنع كل الاتصال بين الآلهة والبشر، ولا تسمح بأن تصعد القرابين إلى السماء. وتقول المصلحة منها إن الآلهة القدامى لن تلبث أن تموت جوعاً فتسود الطيور. ثم تخترع آلهة جدد على صورة الآدميين عن عروشها، ثم يأتي آخر الأمر وفد من أولمبس يسعى لعقد هدنة، ويقبل زعيم الطير أن يتزوج من خادمة زيوس، وتختتم المسرحية بهذا الزواج الموفق.




صفحة رقم : 2399




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> الفنان والمفكر



3- الفنان والمفكر


أرسطوفان مزيج من الجمال والحكمة والقذارة لا نستطيع أن نحدد الصنف الذي ينتمي إليه من الناس. كان في وسعه إذا اعتدل مزاجه أن يكتب أغاني من الشعر اليوناني الخالص الرصين، لم يستطع مترجم حتى الآن أن ينقله بروعته إلى لغة غير لغته الأصلية. وحواره هو الحياة نفسها، أو لعل أكثر سرعة، وأعظم طلاوة، وأشد قوة مما تجرؤ أن تكون عليه الحياة، وهو يشبه ربليه Rabelais وشكسبير، ودكنز، في قوة أسلوبه وحيويته، وشخصياته كشخصياتهم أصدق تصويراً للعصر الذي عاش فيه من جميع ما ألفه المؤرخون في ذلك العصر؛ ويفوح منها شذاه أقوى مما يفوح من هذه المؤلفات كلها مجتمعة؛ وليس في وسع أحد أن يعرف الأثينيين حق المعرفة إذا لم يكن قد قرأ مسرحيات أرسطوفان. ومع هذا فإن حبكات مسرحياته هزأة سخيفة، جمع أطرافها بإهمال يكاد أن




صفحة رقم : 2400




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> الفنان والمفكر


يكون مرتجلاً. وتراه في بعض الأحيان يستنفد موضوع المسرحية الرئيسي قبل أن يبلغ منتصفها، ويتعارج ما بقي منها على عكازتي المجون والهزل حتى يصل إلى نهايتها. والفكاهة في العادة من النوع الدنيء؛ مثقلة بالجناس السهل الساذج، وتطول حتى لا يطيق الإنسان طولها، وكثيراً ما تستعار عباراتها من عمليات الهضم، والتكاثر، والتبرز. ففي مسرحية الأركانيين تسمع عن شخص لا ينقطع ساعة عن التبرز طيلة ثمانية أشهر(131). وفي السحب نرى فضلات الإنسان الكبيرة تمتزج بالفلسفة العليا(132)،ولا تمر صفحة إلا نجد في التي تليها أردافاً، وصدراً، وغدداً تناسلية، وسفاداً، ولواطاً، واستنماءً، كل ذلك يعرض علينا(133)؛ ثم نراه يتهم منافسه الشيخ أقراطينوس Cratinus بسيأ البول ليلاً(134). وهو بهذا كله أكثر الشعراء القدامى شبهاً بأهل هذه الأيام لأن الإسفاف والبذاءة لا يختص بهما عصر من العصور. وإذا ما تحدثنا عنه بعد حديثنا عن مؤلف يوناني سواه - وبخاصة بعد حديثنا عن يوربديز - بدا لنا مسفاً إلى حد تشمئز منه النفس وتنقبض، حتى ليصعب علينا أن نتصور أن النظارة الذين يستمعون إلى أحدهما هم بعينهم الذين يستمعون إلى الآخر.
وإذا كنا محافظين صادقين أطقنا هذا كله، وحجتنا في ذلك أن أرسطوفان يهاجم التطرف بكافة أشكاله، ويستمسك مخلصاً بالفضائل والرذائل القديمة أياً كان نوعها. وهو على ما نعلم أحط الكُتاب اليونان جميعهم خلقاً، ولكنه يأمل أن يعوض هذا النقص بمهاجمة الفساد الخلقي، ونراه دائماً إلى جانب الأغنياء، ولكنه يشتهر بالجبن؛ ويكذب كذباً يؤسف على يوربديز حياً وميتاً، ولكنه يهاجم الغدر والخيانة؛ ويصف نساء أثينة بالفظاظة إلى حد غير معقول، ولكنه يشهر بيوربديز لأنه يفتري ويسخر بالآلهة سخرية جريئة . وإذا وازنا بينه وبين سقراط التقي لم نجد بداً من أن نصوره




صفحة رقم : 2401




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> أرسطو فان -> الفنان والمفكر


كافراً مهزاراً، لكنه رغم هذا يدعو بقوة إلى الدين ويتهم الفلاسفة بأنهم يعملون للقضاء على الآلهة. لكن تصوير كليون ذي السلطان القوي تصويراً هزلياً، وكشف عيوب ديموس أمام ديموس نفسه يتطلبان شجاعة حقة؛ وتبين الخطر الشديد الذي يتهدد حياة أثينة من جراء اتجاه الدين والأخلاق من التشكك السوفسطائي إلى الفردية الأبيقورية، نقول إن تبين هذا الخطر يتطلب كثيراً من الفطنة ونفاذ البصيرة. ولعل أثينة كان يصلح حالها لو أنها عملت ببعض نصائحه، ولم تشتط في نزعتها الاستعمارية، وعقدت صلحاً مبكراً مع إسبارطة، وخففت بزعامة أرستقراطية ما فشا في الديمقراطية التي قامت بعد عصر بركليز من فوضى وفساد.
ولقد أخفق أرسطوفان لأنه لم يكن جاداً في نصائحه إلى الحد الذي يحمله على العمل بها. وكان إسرافه في تمثيل الدعارة وفي الشتائم من الأسباب التي أدت إلى تحريم الهجو الشخصي؛ ومع أن القانون الذي صدر بهذا التحريم قد ألغى بعد قليل من الوقت، فإن "المسلاة القديمة" ذات النقد السياسي قد ماتت قبل موت أرسطوفان (385)، وحلت محلها في مسرحياته الأخيرة نفسها "المسلاة الوسطى" مسلاة الأخلاق والغرام. لكن الحيوية التي كانت تمتاز بها المسلاة اليونانية قد اختفت باختفاء ما كان فيها من إسراف ووحشية، وظهر فليمون ومناندر واختفيا وعفا ذكرهما، أما أرسطوفان فقد ظل باقياً رغم تبدل المبادئ الأخلاقية والأنماط الأدبية، حتى وصل إلى عصرنا هذا ومعه إحدى عشرة مسرحية من مسرحياته الاثنتين والأربعين كاملة لم ينقص منها شيء. ولا يزال إلى هذا اليوم حياً في هذه المسرحيات رغم ما يعترض فهمها وترجمتها من صعاب. وإذا ما استطعنا أن نسد أنوفنا حتى لا يؤذيها فحشه وبذاءته استطعنا أن نقرأ مسرحياته بكثير من البهجة الدنسة.




صفحة رقم : 2402




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> المؤرخون



الفصل السّابع




المؤرخون


لم ينس اليونان النثر كل النسيان في نشوة الشعر المسرحي، فقد أولعوا أشد الولع بالخطابة مدفوعين إلى هذا بنزاعهم القضائي ونظامهم الديمقراطي. وإذا رجعنا إلى ذلك التاريخ البعيد - عام 446 ق.م - رأينا كوراكس Corax السرقوصي يكتب رسالة يسميها تكني لوجون Techne Logon (فن الكلمات) يرشد بها المواطنين الذين يريدون أن يخاطبوا الجمعية أو القضاة؛ ونجد فيها منذ ذلك العهد تقسيم الخطبة إلى ديباجة، وقصة، ونقاش، وملاحظات ثانوية، ومسك الختام. ونقل غورغياس هذا الفن إلى أثينة، واستخدم أنتيفون Antiphon الأسلوب المنمق في الخطب والنشرات التي خصها بالدعاوة الألجركية، ثم أضحت الخطابة اليونانية على يد ليسياس أكثر وضوحاً وأقرب إلى الأسلوب الطبيعي؛ غير أن الخطب التي كانت تلقى على الجماهير لم تتخلص من خداع الألفاظ، ولم تثبت ما للأسلوب الحديث البسيط من قوة الأثر، إلا عند أعظم الساسة والحكام أمثال ثمستكليز وبركليز. وشحذ السوفسطائيين هذا السلاح الجديد واستغله تلاميذه استغلالاً بلغ من قوته أن حرم الحزب الألجركي تعليم فنون البلاغة بعد استيلائه على مقاليد الحكم في عام 404(136).
وكان التاريخ أعظم ما أنتجه النثر في عصر بركليز، ونستطيع أن نقول إن القرن الخامس هو الذي كشف عن الماضي وبحث عن علاقة الإنسان بالزمن. ويمتاز فن التاريخ عند هيرودوت بكل ما في الشباب من سحر وقوة، فإذا ما وصلنا إلى توكيديدز بعد خمسين عاماً من عصر هيرودوت رأيناه قد بلغ حداً من النضوج لم يفقه فيه أي عهد من العهود التي أعقبته، وكانت




صفحة رقم : 2403




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> المؤرخون


الفلسفة السوفسطائية هي التي فصلت بين هذين المؤرخين وميزت كلاً منهما من الآخر. فقد كان هيرودوت أكثر بساطة من صاحبه، ولعله كان أكثر منه رأفة، وما من شك في أنه كان أبهج منه روحاً. وقد ولد في هليكرنسس Halicarnassus حوالي عام 484، من أسرة بلغت من رفيع المنزلة درجة أمكنتها أن تشترك في الدسائس السياسية. ونفي من بلده وهو في الثانية والثلاثين من عمره بسبب مغامرات عمله السياسية، فبدأ من ذلك الوقت تلك الرحلات البعيدة التي كان لها أكبر الأثر في تواريخه. وقد مر بفينيقية في طريقه إلى مصر وتوغل فيها حتى وصل إلى جزيرة إلفنتين، ووصل في ترحاله غرباً إلى قورينة وشرقاً إلى السوس وشمالاً إلى المدن اليونانية القائمة على شاطئ البحر الأسود. وكان حيثما ذهب يلاحظ، ويبحث بعين العالم وتطلع الطفل؛ ولما ألقي عصا التسيار في أثينة حوالي عام 447 كان في جعبته مقدار ضخم من المذكرات المختلفة عن جغرافية الدول المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، وتاريخها وعادات أهلها. وقد استعان بهذه المذكرات وسرقات قليلة من هكتيوس Hecataeus وغيره من المؤرخين السابقين على تأليف أشهر الكتب التاريخية على الإطلاق. وقد وصف في كتابه هذا حياة الناس في مصر، والشرق الأدنى، وبلاد اليونان، وسجل فيه تاريخ هذه البلاد كلها، من بدايته الخرافية إلى نهاية الحرب الفارسية. وتقول إحدى القصص القديمة إنه قرأ أجزاء من كتابه هذا على الجمهور في أثينة، وإن الأثينيين أعجبوا أشد الإعجاب بما ورد فيه من وصف الحرب وما قاموا به فيها من أعمال مجيدة، فقرروا له اثنتي عشرة وزنة (تالنت) أي ما يعادل ستين ألف ريال أمريكي - وهو مبلغ يرى أي مؤرخ أنه يبلغ من الضخامة حداً يجعله غير معقول. ويعلن هيردوت في مقدمة الكتاب بأسلوب رائع الغرض من وضعه فيقول:
"هذا عرض لبحوث (Historia) هيرودوت الهليكرنسي يقصد به




صفحة رقم : 2404




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> المؤرخون


ألا يمحو الزمان ما قام به الهلينيون والبرابرة من أعمال مجيدة عجيبة، ويقصد به بنوع خاص ألا تنسى الأسباب التي من أجلها شنوا الحرب بعضهم على بعض".
والكتاب إلى حد ما "تاريخ عالمي" لأنه يتناول قصة جميع الأمم التي تسكن في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهو أوسع في مجال بحثه من الموضوع الضيق الذي شمله كتاب توكيديدز، وتسري في الكتاب روح الوحدة غير المقصودة بما يتضمنه من بيان الفرق بين حكم البرابرة المطلق والديمقراطية اليونانية؛ ثم ينتقل بخطى وئيدة واستطرادات مضطربة إلى الخاتمة الروائية المتوقعة في سلاميس. والغرض من الكتاب كما يقول المؤلف هو تسجيل "الأعمال العجيبة والحروب"(138)، والحق أن القصة في بعض مواضعها تعيد إلى الذاكرة سوء فهم جبن Gibbon للتاريخ حين يقول إنه "لا يعدو أن يكون سجلاً لجرائم البشرية وحماقاتها ومصائبها"(139). على أن هيردوت رغم هذا يتسع له المجال لإيراد حقائق طريفة لا تحصى عن ملابس الجماعات التي يصفها، وعاداتها، وأحلامها، ومعتقداتها. وهو يذكر لنا كيف يستطيع المصريون أن يقفزوا إلى النار، وكيف يسكر أهل الدانوب من رائحة الخمر، وكيف بنيت أسوار بابل، وكيف يأكل المساجيتي Massagetee آباءهم، وكيف كانت لكاهنة أثينة في بداسس Pedasus لحية ضخمة. وهو لا يقتصر على تصوير الملوك والملكات، بل يصور كذلك الرجال من جميع الطبقات، ويبعث الحياة في صحفه بذكر النساء اللاتي لا يجدن لهن مكاناً في كتاب توكيديدز، ويصف أحذيتهن، وجمالهن، وقسوتهن، وفتنتهن.
وفي "هيرودوت كثير من الهراء" كما يقول استرابون(140)، ولكن المجال الذي يبحث فيه مؤرخنا واسع سعة مجال أرسطاطاليس، وفيه فرص كثيرة للزلل، وجهله لا يقل سعة عن عمله، كما لا تقل سذاجته وسرعة




صفحة رقم : 2405




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> المؤرخون


تصديقه لكل ما يروى له عن حكمته؛ فهو يعتقد أن نطفة الأحباش سوداء(141)، ويصدق الخرافة القائلة إن اللسدمونيين قد نالوا النصر لأنهم جاءوا بعظام أرستيز إلى إسبارطة(142)، وينقل أعداداً ضخمة عن جيوش خشيارشاي، وعن قتلى الفرس وعن انتصارات اليونان الذين لم يكادوا يصابون فيها بجروح. وتسري في قصته روح الوطنية ولكنها ليست بعيدة عن الإنصاف، فهو يعطي قسطاً من العناية لكلا الطرفين في معظم المنازعات السياسية ، ويمجد بطولة الغزاة، ويعترف بما كان يتصف به الفرس من شرف وشهامة، وهو يقع في أشنع أخطائه حين يعتمد على ما يحدثه به الأجانب؛ فهو يظن مثلاً أن نبوخدنصر امرأة، وأن جبال الألب نهر، وأن كيوبس عاش بعد رمسيس الثالث، لكنه حين يبحث في أشياء أتيحت له الفرصة لمشاهدتها بنفسه، يكون أدعى للثقة به، وكلما ازداد علمنا بالتاريخ ازدادت أقواله ثباتاً.
وهو لا يتردد في قبول الكثير من الخرافات والأوهام، ويسجل الكثير من المعجزات، ويرى النبوءات في خشوع الأتقياء، ويسود صحفه بالتفاؤل والتطير؛ ويحدد تواريخ سميلي Semele، وديونيشس، وهرقل؛ ويعرض التاريخ كله، كما يعرضه بوسيه Bossuet كأنه مسرحية من وضع القوة الإلهية المدبرة لشئون العالم، تثاب فيها الفضائل، وتعاقب الخطايا والجرائم، وطغيان الناس إذا استغنوا. لكن عقله تكون له الغلبة أحياناً؛ ولعل سبب ذلك أنه استمع للسوفسطائيين في آخر حياته. فهو يشير إلى أن هومر وهزيود هما اللذان وضعا أسماء آلهة أولمبس وخلعا عليها صورها، وأن أديان الناس وليدة عاداتهم، وأن ما يعرفه إنسان ما عن الآلهة يعادل ما يعرفه غيره(143). وهو يرى أن العناية الإلهية هي الحكم الذي لا معقب لحكمه في تاريخ العالم، لكنه يهمل بعد ذلك أمرها




صفحة رقم : 2406




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> المؤرخون


ويبحث عن الأسباب الطبيعية للحوادث، ويوازن بين شخصيات ديونيشس وأوزيريس، وأساطيرهما موازنة العالم المحقق؛ ويبتسم ابتسامة المتسامح مما يروي عن تدخل الآلهة في حوادث العالم، ويعرض لتفسيرها أسباباً طبيعية(144)؛ ويكشف لنا عن خطته العامة ويغمز بطرف عينه حين يقول: "إني مضطر إلى أن أقص ما ينقل إليّ، ولكني غير ملزم بتصديقه، وأحب أن يصدق هذا القول على كل قصة أرويها في هذا التاريخ"(145)، وهو أول من وصلت إلينا مؤلفاتهم من المؤرخين اليونان، وعلى هذا الاعتبار لا نلوم شيشرون على وصفه إياه بأنه أبو التاريخ. ويضعه لوشيان، كما يضعه معظم الأقدمين، في منزلة أرقى من منزلة توكيديدز(146).
ومع هذا كله فإن الفرق بين عقل هيرودوت وعقل توكيديدز كالفرق بين المراهقة والنضوج، ذلك أن توكيديدز ظاهرة من ظواهر عصر الاستنارة اليوناني، وهو من سلالة السوفسطائيين، كما كان جبن من الناحية الروحية من سلالة بايل Bayle وفولتير. وكان والده من أثرياء الأثينيين يمتلك مناجم للذهب في تراقية، وكانت أمه تراقية من أسرة عريقة. وقد تلقى كل ما كان في أثينة في أيامه من تعليم، ونشأ في جو التشكك الفلسفي، ولما شبت نار حرب البلوبونيز أخذ يسجل حوادثها يوماً فيوماً، ثم مرض بالطاعون في عام 430، وفي عام 424 اختير وهو في سن السادسة والثلاثين (أو الأربعين) أحد قائدين توليا قيادة حملة بحرية سيرت إلى تراقية، ولما أن عجز عن قيادة قواته إلى أمفبوليس Amphipolis ليفك عنها الحصار في الوقت المناسب - نفاه الأثينيون، فقضى العشرين سنة التالية من عمره يتنقل من بلد إلى بلد وخاصة في إقليم البلوبونيز. وإلى هذا العلم المباشر بأحوال العدو يرجع بعض ما يمتاز به كتابه من نزاهة ذات أثر كبير في النفس. ولما شبت الثورة الألجركية في عام 404 انتهى أجل نفيه فعاد إلى أثينة. ومات - ويقول بعضهم إنه اغتيل - في عام 396 أو قبله قبل أن يتم تاريخ




صفحة رقم : 2407




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> المؤرخون


حرب البلوبونيز. وهو يبدأ ذلك التاريخ بهذه العبارة البسيطة:
كتب توكيديدز - وهو رجل أثيني - تاريخ الحرب التي دارت رحاها بين البلوبونيز والأثينيين، من ساعة أن اشتعلت نارها. وكان يعتقد أنها حرب خطيرة الشأن، أجدر بالرواية من أية حرب سبقتها.
ويبدأ قصته الافتتاحية من المنطقة التي انتهى إليها هيرودوت في ختام حرب الفرس. ومما يؤسف له أن عبقرية أعظم المؤرخين اليونان لا ترى في الحياة اليونانية شيئاً أجدر بالتسجيل من حروبها. لقد كان هيرودوت يكتب وهو يستهدف تسلية القارئ المتعلم، أما توكيديدز فيكتب ليمد مؤرخي المستقبل بالمعلومات، ويسجل السوابق ليسترشد بها الحكام في المستقبل. وكان هيرودوت يكتب بأسلوب سهل مهلهل غير متماسك، ولعل الذي أوحى إليه بهذا الأسلوب هو ملاحم هومر الجوالة الهائمة. أما توكيديدز فيكتب كما يكتب من استمع إلى الفلاسفة، والخطباء، والكُتاب المسرحيين، بأسلوب يكثر فيه التعقيد والغموض، لأنه يحاول أن يجمع فيه بين الإيجاز والدقة والعمق، أسلوب تفسده في بعض الأحيان بلاغة غورغياس وزخرفها، ولكنه في بعض الأحيان لا يقل عن أسلوب ناستس وضوحاً وإحكام سبك، ويسمو في اللحظات الحاسمة إلى العبارات المسرحية التي تبلغ من القوة ما تبلغه أية عبارة من عبارات يوربديز. ولسنا نجد في المسرحيات اليونانية ما هو أروع من الصفحات التي يصف فيها حملة سرقوصة، أو تردد نيشياس، أو ما أعقب الهزيمة من فزع وروع. ولنعد مرة أخرى إلى الموازنة بين هيرودوت وتوكيديدز فنقول إن هيرودوت يتنقل من مكان إلى مكان، ومن عصر إلى عصر؛ أما توكيديدز فيضغط قصبته في إطار جامد من الفصول والسنين، مضحياً في ذلك بتسلسلها. وكان هيرودوت يكتب عن الأشخاص أكثر مما يكتب عن مجرى الحوادث لأنه يحس أن الشخصيات هي التي تجري الحادثات؛ أما توكيديدز فهو وإن كان يعترف بما للأفراد غير




صفحة رقم : 2408




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> المؤرخون


العاديين من خطر في التاريخ، وإن كان يخفف من أعباء موضوعة بما يبثه فيه من صورة بركليز، وألقبيادس، ونيشياس وأمثالهم، يجنح لتدوين الحادثات أكثر مما يجنح لذكر الأشخاص، ويبحث في علل الحوادث وتطوراتها، ونتائجها. وكان هيرودوت يكتب عن حوادث جد بعيدة عنه نقلت إليه أخبارها معنعنة مرتين أو ثلاث مرات في معظم الحالات، أما توكيديدز فكثيراً ما يحدثنا عما شاهده بعينيه، أو عما سمعه ممن شاهدوا بعيونهم، أو اطلعوا على وثائقه الأصلية، وكثيراً ما يثبت الوثائق التي يتحدث عنها. وهو شديد الحرص على الدقة، وحتى وصفه الجغرافي نفسه قد ثبتت صحة تفاصيله. وقلما يصدر أحكاماً أخلاقية على الرجال أو الحادثات، ويطلق العنان لسخريته الأرستقراطية من الديمقراطية الأثينية فتتغلب عليه وهو يصور كليون؛ ولكنه في أكثر الأحيان يبعد شخصيته عن قصته، ويروي الحقائق بنزاهة لا يتحيز لأحد الطرفين، ويقص قصة حياته توكيديدز العسكرية القصيرة وكأنه لم يعرف ذلك الرجل قط، دع عنك أنه هو الرجل الذي يقص قصته. وهو مبتدع الطريقة العلمية في التاريخ، ويفخر بما بذله في تأليفه من الجد والعناية. ويقول وهو يشير من طرف خفي إلى هيرودوت:
"إني أعتقد أن النتائج التي وصلت إليها من الأدلة التي ذكرتها هنا يمكن أن يوثق بها ويعتمد عليها. وما من شك في أنها لن تؤثر فيها قصص شاعر يعرض ما في صناعته من مبالغات، ولا تآليف الإخباريين التي يضحى فيها بالحقائق في سبيل الطرافة والجاذبية لأن الموضوعات التي يعالجونها خارجة عن نطاق الأدلة والبراهين، ولأن قدم عهدها قد سلبها قيمتها التاريخية ورفعها إلى مقام الخرافات. أما نحن فلم نلجأ إلى هذه الطريقة أو تلك، ولا ريب عندنا في أننا قد اعتمدنا على أصح المعلومات وأكثرها وضوحاً، وأننا قد وصلنا إلى نتائج تبلغ من الدقة أقصى ما ينتظره الإنسان في أمثال هذه المسائل الموغلة في القدم...وإني لأخشى أن يفقد كتابي بعض ما يجب أن يحتويه من طرافة ومتعة بسبب خلوه




صفحة رقم : 2409




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> المؤرخون


من القصص الخيالية المثيرة للعواطف، ولكن إذا رأى الباحثون الذين يرغبون في الوصول إلى حقائق الماضي الصحيحة ليستعينوا بها على تفسير حوادث المستقبل - وهي التي تشبه بلا ريب حوادث الماضي، إن لم تكن صورة مطابقة لها - إذا رأى هؤلاء الباحثون أن فيه فائدة لهم، فأني أرضى بهذا وأقنع به. وملاك القول أني لم أكتب كتابي هذا ليكون مقالة يكسب بها تصفيق الناس وثناؤهم لحظة قصيرة، بل كتبته ليكون ملكاً لجميع العصور(147).
لكنه مع هذا يضحي بالدقة في سبيل الطرافة في حالة واحدة معينة، فهو مولع بأنه ينطق شخصياته بالخطب الطنانة، ويعترف صراحة بأنه معظم هذه الخطب من نسج الخيال، ولكنها مع ذلك تساعده على توضيح الشخصيات والأفكار والحوادث وإنعاشها. وهو يدعي بأن كل خطبة من هذه الخطب تتضمن خلاصة خطبة حقيقية ألقيت فعلاً في الوقت الذي يتحدث عنه. فإذا كان هذا صحيحاً فإن جميع رجال الحكم وقواد الجيش من اليونان قد درسوا بلا ريب فنون البلاغة مع غورغياس، والفلسفة مع السوفسطائيين، وعلم الأخلاق مع ثرازمكس. يضاف على هذا أن الخطب جميعها واحدة في أسلوبها ومراوغتها ودهائها، ونظرتها الواقعية إلى الأمور. وهي تجعل الإسبارطي صاحب الرد الموجز المسكت مراوغاً كأي أثيني تربى بين السوفسطائيين، وتنطق الدبلوسيين بحجج أبعد ما تكون عن الدبلوماسية وتضفي على عبارات قادة الجند أمانة صارمة لا قبل لهم بها. وليست "خطبة بركليز الجنازية" إلا مقالاً بديعاً في فضائل أثينة، كتبها بأسلوب رشيق رجل مطرود من بلده؛ مع أن بركليز قد اشتهر ببساطة خطبه وبعدها من فنون البلاغة، هذا إلى أن بلوتارخ يفسد على توكيديدز دعواه الخيالية الروائية بقوله إن بركليز لم يخلف وراءه شيئاً مكتوباً، وإن أقواله لا يكاد يبقى منها شيء على الإطلاق(148).




صفحة رقم : 2410




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> المؤرخون


ولتوكيديدز من العيوب ما يعادل فضائله، فهو صارم كصرامة التراقي، وتنقصه روح المرح والفكاهة الأثينية، ولذلك يخلو كتابه من الفكاهة أياً كانت، وتراه منهمكا على الدوام في "هذه الحرب التي يؤرخها توكيديدز" (وهي عبارة يكررها في كثير من الفخر) إنهماكاً يصرفه عن كل شيء عدا الحوادث السياسية والحربية. وهو يملأ صفحاته بالتفاصيل العسكرية، ولا يذكر قط فناناً واحداً ولا عملاً من أعمال الفن. وهو دائم البحث عن علل الأشياء، ولكنه قلما يتعمق إلى العوامل الاقتصادية التي تكمن وراء العوامل السياسية وتحدد مجرى الحادثات؛ وهو وإن كان يكتب للأجيال المقبلة، لا يحدثنا بشيء عن دساتير الدول اليونانية أو عن حياة المدن، أو نظم المجتمعات، وهو يتجنب التحدث عن النساء بقدر تجنبه التحدث عن الآلهة، ويأبى أن يكون لهم موضع في قصته؛ وهو ينطق بركليز صاحب الشهامة والمروءة الذي عرض حياته للخطر من أجل محظية تطالب بحرية المرأة، ينطقه بقوله: "إن سمعة المرأة إنما تقوم على امتناع الرجال عن ذكرها بالخير أو بالشر قدر المستطاع"(149). وهو وإن عاش في عصر يعد أعظم عصور التاريخ ثقافة، يضل في بيداء الانتصارات والهزائم العسكرية المتعاقبة التي تقوض قواعد المنطق من أساسها، ولا يتغنى بالحياة العقلية الأثينية التي تهز المشاعر هزاً، بل يبقى قائداً عسكرياً بعد أن يصبح مؤرخاً.
على أننا رغم هذا كله مدينون له بالشيء الكثير، وليس من حقنا أن نعيبه فوق ما يستحق لأنه لم يكتب ما لم يتكفل بكتابته، فهاهنا نجد في القليل طريقة لكتابة التاريخ منظمة، واحتراماً للحقائق، ودقة في الملاحظة، ونزاهة في الحكم، وجزالة في اللفظ لم تبق بعده طويلاً، وسحراً في الأسلوب، وعقلاً قوياً سديداً عميقاً، تصلح واقعيته الصارمة لأن تكون دعامة لأرواحنا الروائية الخيالية بفطرتها. ولسنا نجد في كتابه شيئاً من




صفحة رقم : 2411




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> المؤرخون


القصص الخرافية، أو الأساطير، أو المعجزات. وهو يقبل قصص البطولة، ولكنه يحاول أن يفسرها بالاستناد إلى العلل الطبيعية؛ ويغفل ذكر الآلهة إغفالاً تاماً، ولا يجعل لها موضعاً في كتابه، ويسخر من النبوءات والوحي ومن غموضها الذي يجعلها في مأمن من الخطأ(150). ويندد في سخرية بغباء نيشياس إذ يركن إلى النبوءات بدل أن يركن إلى المعرفة الحقة. وهو لا يعترف بوجود قوة عليا مدبرة مرشدة، أو خطة إلهية موضوعة محكمة، بل إنه لا يعترف حتى "بالتقدم" نفسه؛ وهو ينظر إلى الحياة والتاريخ نظرته إلى مسرحية دنيئة ونبيلة معاً، يرفع من شأنها بين الفينة والفينة عظماء الرجال، ولكنها تهوي على الدوام إلى وهدة الخرافة، والحرب. وفي شخصه يحسم النزاع بين الدين والفلسفة وتنتصر الفلسفة.
وبعد، فإن بلوتارخ وأثينيسوس يشيران في كتبهما إلى مئات من المؤرخين اليونان، ولكن الذين عاشوا منهم في العصر الذهبي، عدا هيرودوت وتوكيديدز قد عدا الدهر عليهم كلهم تقريباً فعفت آثارهم، ومن جاء بعدهم من المؤرخين لم يبق من كتبهم إلا فقرات متفرقة. وقد حدث هذا بعينه لمختلف الآداب اليونانية الأخرى؛ فليس لدينا من آثار كُتاب المآسي المسرحية الذين يعدون بالمئات والذين نالوا الجوائز في حفلات ديونيشيا إلا عدد قليل من المسرحيات كتبها ثلاثة من الشعراء، أما كتّاب المسالي الكثيرون فلم يبق إلا أثر لواحد منهم، ولم يبق من فلسفة ذلك العصر إلا آثار رجلين اثنين. وفي وسعنا أن نقول بوجه عام إنه لم يبق من الآداب اليونانية التي يعزوها النقاد إلى القرن الخامس قبل الميلاد أكثر من جزء واحد من عشرين جزءاً من نتاج ذلك القرن، وإنه لم يبق من آثار القرون التي سبقته أو تلته إلا أقل من هذا القليل(151). والكثرة الغالبة مما بقي لنا قد جاءتنا من أثينة؛ ولقد أنبتت المدن الأخرى، كما نستدل من عدد الفلاسفة الذين بعثت بهم إلى أثينة، عدداً كبيراً من العباقرة؛ ولكن البربرية التي طغت عليها من خارجها ومن أسفل منها




صفحة رقم : 2412




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أدب العصر الذهبي -> المؤرخون


قد ابتلعت ثقافتها أكثر مما ابتلعت ثقافة أثينة، فضاعت مخطوطاتها في فوضى الثورات والحروب، وليس في وسعنا إلا أن نحكم على الكل من هتامات الجزء.
لكن تراث هذه الحضارة رغم هذا كله تراث عظيم، عظيم في شكله بلا ريب إن لم يكن في مقداره (ومن ذا الذي استطاع أن يستوعبه كله؟). والشكل والنظام هما جوهر أسلوب العصر الذهبي في الأدب وفي الفن على السواء؛ فالكاتب اليوناني، كالفنان اليوناني الذي يعد أنموذجاً لذلك العصر، لا يقنع بمجرد التعبير عما يريد، بل يتوق إلى أن يكسب مادته شكلاً وجمالاً. وهو يعمد إلى مادته فيقصها من أطرافه ويشذبها، ويعيد تنظيمها لتكون واضحة جلية، ويحولها إلى صورة من البساطة المعقدة؛ وهو دائماً واضح يسلك أقصر الطرق إلى قصده، وقلّما يلجأ إلى الدوران أو الغموض، يتجنب المبالغة والتحيز، وإذا ما لجأ إلى الخيال في مشاعره حاول أن يكون منطقياً في تفكيره. وهذا الجهد الدائم الذي لا ينفك يبذله لإخضاع الخيال للعقل، وهو الصفة الغالبة المسيطرة على العقل اليوناني؛ لا بل على الشعر اليوناني نفسه. ومن أجل هذا كان الأدب اليوناني أدباً "حديثاً" بل قل أدباً معاصراً؛ فإنا ليصعب علينا أن نفهم دانتي أو ملتن؛ أما يوربديز، وتوكيديدز، فهما شديدا القرب من عقولنا وينتميان إلى عصرنا. وسبب ذلك أن العقل يبقى من غير تغيير وإن تغيرت الأساطير، وأن حياة العقل تؤاخي بين أنصارها ومحبيها في كل زمان ومكان.




صفحة رقم : 2413




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> انتحار بلاد اليونان -> العالم اليوناني في عهد بركليز



الباب الثامن عشر




انتحار بلاد اليونان




الفصل الأول




العالم اليوناني في عهد بركليز


خليق بنا قبل أن نواجه منظر حرب البلوبونيز المحزنة أن نلقي نظرة على العالم اليوناني خارج أتكا. ولكن معلوماتنا عن الدولة الواقعة في هذا العالم ضئيلة إلى حد لا يسعنا معه إلا أن نفترض ما لا نستطيع أن نقيم عليه الدليل، وهو أنها كانت تشترك مع أثينة في الازدهار الثقافي الذي امتاز به العصر الذهبي وإن لم تبلغ مبلغ أثينة نفسها في هذا الازدهار.
في عام 459 سيّر بركليز أسطولاً ضخماً ليطرد الفرس من مصر حرصاً منه على أن يضمن لبلاده قمحها. وأخفقت الحملة في غرضها، وسار بركليز من ذلك الحين على السياسة التي كان يسير عليها ثمستكليز، وهي أن يكسب العالم بالتجارة لا بالحرب. من أجل ذلك ظلت مصر وقبرص طوال القرن الخامس خاضعتين لحكم الفرس، واحتفظت رودس بحريتها، ثم انضمت مدنها الثلاث وأصبحت مدينة واحدة عام 408 فتهيأت بذلك إلى أن تكون في العهد الذي اصطبغ فيه في العالم المعروف بالصبغة اليونانية مركزاً من أغنى المراكز التجارية في حوض البحر الأبيض المتوسط. واحتفظت المدن اليونانية في آسية باستقلالها الذي ظفرت به في ميكالي عام 479 حتى أضحت بعد تدمير الإمبراطورية الأثينية




صفحة رقم : 2414




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> انتحار بلاد اليونان -> العالم اليوناني في عهد بركليز


ضعيفة عاجزة عن مقاومة جباة الملك العظيم . وازدهرت المستعمرات اليونانية في تراقية وعلى شواطئ الهلسبنت والبروبنتس واليوكسين تحت السيطرة الأثينية، ولكن الحرب البلوبونيزية أكلت فيها الأخضر واليابس. وخرجت مقدونية تحت حكم أرخلوس Archelaus من غمار الهمجية وأضحت إحدى الدول الكبرى في العالم اليوناني. فأنشئت فيها الطرق الصالحة، وصار لها جيش حسن النظام والتدريب من رجال الجبال الأشداء، وبنيت لها عاصمة جديدة جميلة في بلا، ورحب بلاطها بكثيرين من عباقرة اليونان أمثال تموثيوس Timotheus، وزيوكسيز Zeuxis، ويوربديز، وضربت بلاد اليونان في الحلف البؤوني مثلاً طيباً لم تنتفع به لحياة الدول حرة مستقلة في ظلال السلم والتعاون الدولي.
وفي إيطاليا عانت المدن اليونانية أشد البلاء من جراء الحروب المتكررة ومن تفوق أثينة في مجال التجارة البحرية. وأرسل بركليز في عام 443 جماعة من الهلينيين جمعهم من عدة دول لينشئوا بالقرب من سيبارس مستعمرة ثورياي Thurii الجديدة لتكون تجربة في سبيل الوحدة الهلينية الجامعة، ووضع بروتاغوراس قانوناً عاماً للمدينة، وخطط هبودامس المهندس المعماري شوارعها على نظام مربع حذت كثير من المدن الأخرى حذوه في القرون التالية. ولكن لم تمض على تلك التجربة إلا بضع سنين حتى انقسمت المستعمرات أحزاباً وشيعاً حسب أصولها، وحتى عاد معظم الأثينيين، وأكبر الظن أن هيرودوت كان منهم، إلى أثينة.
وظلت صقلية - وهي التي كانت دائماً مضطربة ولكنها كانت دائماً غنية -تنمو ثروتها وتزداد ثقافتها. وشادت سلينس وأقراغاس معابد ضخمة




صفحة رقم : 2415




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> انتحار بلاد اليونان -> العالم اليوناني في عهد بركليز


وبلغت أقراغاس في عهد ثيرون درجة من الغنى قال فيها أنبادوقليس: "ينغمس رجال أقراغاس في الترف كأنهم يموتون غداً، ولكنهم يؤثثون بيوتهم كأنهم يعيشون أبداً"(1). وترك جيلون الأول بعد موته في عام 478 لسرقوصة نظاماً إدارياً لا يكاد يقل إحكاماً عن النظام الذي خلفه نابليون لأوربا الحديثة. وأضحت المدينة في عهد أخيه هيرون الأول الذي جلس على العرش من بعده مركزاً للأدب والعلم والفن فضلاً عن التجارة والثروة. وفيها أيضاً بلغ الترف غايته. فكانت المآدب السرقوصية مضرب المثل في البذخ، وكثرت "البنات الكورنثيات" في المدينة حتى كان الرجل الذي ينام في منزله يعد من القديسين؛ وكان الأهلون سريعي البديهة حداد الألسنة، يستمتعون بالخطب البليغة إلى حد أفسد عليهم أمورهم، ويتزاحمون في الملهى الفخم ذي الهواء الطلق ليستمعوا إلى مسالي إبكارمس ومآسي إسكلس .
وكان هيرون هذا ملكاً مستبداً غليظ القلب حسن القصد، قاسياً على أعدائه، مكرماً لأصدقائه. فتح بابه وخزائنه لسمونيديز، وبكليديز، وبندار، وإسكلس، واستعان بهم على جعل سرقوصة إلى وقت ما عاصمة اليونان العقلية.
لكن الناس لا يعيشون على الفن وحده؛ وكان السرقوصيون يتوقون إلى نعمة الحرية، فلما توفي هيرون خلعوا أخاه وأقاموا حكومة ديمقراطية مقيدة، وشجع هذا مدن الجزيرة الأخرى، فحذت حذو سرقوصة وطردت الطغاة الحاكمين، وقضت على الأشراف ملاّك الأراضي وأنشأت ديمقراطيات تجارية تقوم على نظام من الاسترقاق القاسي الشديد. وقضت الحرب بعد ستين




صفحة رقم : 2416




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> انتحار بلاد اليونان -> العالم اليوناني في عهد بركليز


سنة من ذلك الوقت على هذه الفترة من فترات الحرية كما قضت من قبل على فترة أخرى مماثلة لها على يد جيلون الأول. وفي عام 409 غزا القرطاجيون صقلية بأسطول ضخم مؤلف من ألف وخمسمائة سفينة وعشرين ألف رجل بقيادة هنيبال حفيد هملكار؛ وذلك بعد أن ظلوا ثلاثة أجيال محتفظين بذكرى هزيمة هملكار في هيميرا Himera. وحاصر هنيبال سلينس وكانت قد جنحت إلى السلم بعد أن عمها الرخاء، وأهملت معاقلها فلم تصلح شأنها. فلما أن باغت العدو المدينة استغاثت بأقراغاس وسرقوصة؛ وتباطأ أهلها المنعمون في إغاثتها تباطؤ الإسبارطيين، حتى استولى العدو على سلينس، وذبح كل من بقي حياً من أهلها وقطع أوصالهم، وأصبحت المدينة جزءاً من الإمبراطورية القرطاجية. وواصل هنيبال زحفه على هيميرا، واستولى عليها دون عناء، وعذّب وقتل ثلاثة آلاف من أهلها، ليرضي بذلك شبح جده المهزوم. ثم فشا الطاعون بين جنوده فأهلك أكثرهم، ومات به هنيبال نفسه في أثناء حصار أقراغاس، غير أن القائد الذي خلفه سكّن غضب آلهة قرطاجة بأن حرق ابنه حياً زلفى لهذه الآلهة. واستولى القرطاجيون على المدينة، وعلى جيلا Gela وكمرينا Camarina وزحفوا على سرقوصة. وبوغت السرقوصيون وهو منهمكون في ولائمهم، فأسلموا زمام السلطة المطلقة لديونيشس أعظم قائد في بلدهم، ولكن ديونيشس عقد الصلح مع القرطاجيين وترك لهم القسم الجنوبي من صقلية بأجمعه واستخدم جنوده في إقامة الدكتاتورية ثانية(405). ولم يكن ذلك كله غدراً منه وخيانة لبلاده، فقد كان يعرف أن المقاومة غير مجدية، فنزل للعدو عن كل شيء عدا مدينته وجيشه، واعتزم أن ينهض بالمدينة والجيش حتى يستطيع أن يفعل ما فعله جيلون من قبله فيطرد الغزاة من صقلية.




صفحة رقم : 2417




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> انتحار بلاد اليونان -> كيف شبت نار الحرب الكبرى



الفصل الثاني




كيف شبت نار الحرب الكبرى


لا يستطيع المواطن الساذج إلا أن يعتقد أن سبب كل الحروب هو على الدوام سبب شخصي - بل شخص واحد في العادة، كما لا تستطيع النفس الساذجة إلا أن تصور إلهها في صورة إنسان. وحتى أرسطوفان نفسه قد فعل ما فعله الثرثارون النمّامون من رجال عصره فادعى أن بركليز هو الذي أوقد نار الحرب البلوبونيزية بهجومه على ميغارا لأن ميغارا أساءت إلى إسبانيا(3). والراجح أن بركليز الذي لم يتردد في الاستيلاء على إيجينا، كان يأمل أن تستحوذ أثينة على التجارة اليونانية بأجمعها، وذلك بسيطرتها على ميغارا وعلى كورنثة أيضاً؛ ولقد كان مركز كورنثة بالنسبة لبلاد اليونان كمركز اسطنبول في شرق البحر الأبيض المتوسط في وقتنا الحاضر - كانت باباً ومفتاحاً لتجارة نصف قارة. لكن سبب الحرب الجوهري هو نمو الإمبراطورية الأثينية، وازدياد سيطرة أثينة على الحياة التجارية والسياسية في بحر إيجة. لقد كانت أثينة تترك التجارة حرة في هذا البحر وقت السلم، لكنهما لم تكن تفعل ذلك إلا إذا أجازته هي وسمحت به مصالحها الإمبراطورية؛ ولم يكن في مقدور أية سفينة أن تمخر عباب هذا البحر إلا برضائها. وكان رجال أثينيون موكلون منها يحددون مستقر كل سفينة تغادر ثغور الحبوب في البلاد الشمالية؛ ولما أن كان الجدب يهلك ميثوني Methone لم تستطع أن تستورد القليل من الحبوب إلا بعد استئذان أثينة(4). وكانت تلك المدينة تدافع عن هذه السيطرة لأنها تراها أمراً حيوياً لا بد منه لبقائها، فقد كانت تعتمد في طعامها على ما تستورده من خارج بلادها، وقد أجمعت أمرها على أن تحرس الطرق التي يصل منها هذا




صفحة رقم : 2418




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> انتحار بلاد اليونان -> كيف شبت نار الحرب الكبرى


الطعام إليها؛ على أنها بحراستها طرق التجارة الدولية كانت تؤدي خدمة حقة للسلم والرخاء في بحر إيجة، ولكن الطريقة التي سارت عليها في أداء هذه الخدمة ازدادت إيلاماً للمدن الخاضعة لها وجرحاً لكبريائها كلما زاد ثراء هذه المدن وقوي إحساسها بعزتها القومية. وكانت أثينة قد أخذت تنفق الأموال التي تبرعت بها هذه المدن لتصد بها غارات الفرس عنها في تجميلها، بل لقد بلغ منها أن أخذت تنفقها في شن الحرب على غيرها من مدن اليونان(5). وكانت الأحوال المفروضة على تلك المدن تزداد عاماً بعد عام حتى بلغت في عام 432 ق.م 460 وزنة (000ر300ر2 ريال أمريكي) في العام. وكانت أثينة قد قصرت على المحاكم الأثينية حق النظر في جميع القضايا التي تنشأ في داخل الحلف إذا كان أحد طرفي النزاع مواطناً أثينياً أو كانت القضايا تشمل جرائم كبرى. فإذا ما وقفت مدينة في وجه أثينة أخضعتها بالقوة؛ وعلى هذا النحو أخمد بركليز بسرعة ومهارة الفتن التي ثار نقعها في إيجينا (457)، وعوبية (446)، وساموس (440).
وإذا جاز لنا أن نصدق قول توكيديدز فإن زعماء الديمقراطية الأثينية كانوا يعترفون أن حلف المدن الحرة قد أصبح إمبراطورية تقوم على القوة؛ وإن كانوا قد اتخذوا الحرية الغرض الأسمى لسياستهم في داخل أثينة نفسها، وفي ذلك يقول توكيديدز على لسان كليون مخاطباً الجمعية في عام 427: "عليكم أن تذكروا أن إمبراطوريتكم ليست إلا طغياناً تفرضونه على أقوام خاضعين لسلطانكم رغم أنوفهم، وأنهم لا ينفكون يأتمرون بكم، وهم لا يطيعونكم نظير خير تقدمونه لهم وتضرون به أنفسكم لتنفعوهم فتؤثروهم بذلك على أنفسكم، بل يطيعونكم لأنكم سادتهم، وهم يحبونكم مرغمين، ولكنهم لا يخضعون لكم إلا بالقوة"(6). وقد أدى هذا التناقض الأساسي بين عبادة الحرية؛ وطغيان الإمبراطورية منضماً إلى النزعة الفردية المتأصلة




صفحة رقم : 2419




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> انتحار بلاد اليونان -> كيف شبت نار الحرب الكبرى


في الدول اليونانية أدى هذا وذاك إلى القضاء على العصر الذهبي في بلاد اليونان.
وشرعت مدن اليونان جميعها تقريباً تقاوم سياسة أثينة(7)، فقاومت بؤوتية في كورونيا (447) ما بذلته أثينة من جهود لضمها إلى الإمبراطورية. واستغاثت بعض المدن الخاضعة لأثينة وبعضها الآخر الذي يخشى الخضوع لها بإسبارطة، وطلبت إليها أن تقف في وجه أثينة. ولم يكن الإسبارطيون متحمسين للحرب راغبين فيها، لعلمهم بقوة الأسطول الأثيني وشجاعة رجاله، ولكن الكراهة العنصرية القديمة بين الدوريين والأيونيين أشعلت نار البغضاء في قلوبهم، وبدا للألجركية الإسبارطية مالكة الأراضي أن الخطة التي جرت عليها أثينة وهي إقامة حكومة ديمقراطية تستمد سلطتها من الإمبراطورية في كل مدينة من المدن الخاضعة لها، نقول بدا لهذه الألجركية أن تلك الخطة تهدد كيان الحكومات الأرستقراطية أينما كانت، واكتفى الإسبارطيون حيناً من الدهر بتقديم المعونة للطبقات العليا في كل مدينة من هذه المدن، وأخذوا يعملون على مهل في تكوين جبهة متحدة ضد أثينة.
ورأى بركليز نفسه يحيط به الأعداء من داخل أثينة وخارجها، فأخذ يعمل للسلم ويستعد للحرب. وهداه تفكيره إلى أن في مقدور الجيش أن يدافع عن أتكا، أو عن جميع سكان أتكا إذا اجتمعوا داخل أسوار أثينة، وأن في مقدور الأسطول أن يحمي الطرق التي تسلكها السفن المحملة بالحبوب من بلاد اليوكسين أو مصر إلى ثغر أثينة المسور ويبقيها مفتوحة. وكان يعتقد أنه لا يستطيع النزول عن شيء لأعدائه دون أن يعرض للخطر موارد الطعام الذي تعتمد عليه أثينة؛ وبدا له كما يبدو لإنجلترا في هذه الأيام، أنه أمام واحدة من اثنتين إما الإمبراطورية أو الموت جوعاً ولا وسط بينهما. ولكنه مع هذا أرسل الرسل إلى جميع الدول اليونانية يدعوها إلى عقد مؤتمر هليني للبحث عن حل للمشاكل التي تدفع




صفحة رقم : 2420




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> انتحار بلاد اليونان -> كيف شبت نار الحرب الكبرى


اليونان للحرب. فرفضت إسبارطة الدعوة، إذ أحست أن قبولها إياها سيفسر بأنه اعتراف منها بزعامة أثينة، وحذت كثير من الدول الأخرى حذوها بوحي منها(8)، وبذلك فشل مشروع بركليز. وفي هذا يقول توكيديدز مقالة تفسر كثيراً من الحقائق التاريخية: "لقد كانت البلوبونيز وأثينة مملوءتين بالشباب تدفعهم نقص تجربتهم إلى الرغبة في امتشاق الحسام"(9).
كانت هذه العوامل الأساسية تعمل عملها، ولم يكن قيام الحرب يتطلب أكثر من حادث يستفز النفوس. وقد وقع هذا الحادث في عام 435. وذلك أن كرسيرا Corcyra إحدى المستعمرات الكورنثية أعلنت استقلالها عن كورنثة وانضمت إلى الحلف الأثيني ليحميها من تلك المدينة. وأرسلت كورنثة عمارة بحرية لإخضاع الجزيرة. واستغاث الديمقراطيون المنتصرون في كرسيرا بأثينة فسيّرت أسطولاً لإغاثتهم. وحدثت معركة غير حاسمة بين أهل كرسيرا وأثينة من جهة، وأهل ميغارا وكورنثة من جهة أخرى. وفي عام 432 حاولت بوتيديا Potidaea وهي مدينة في جزائر خلقيدية تؤدي الجزية لأثينة ولكن أهلها من عنصر كورنثي، حاولت هذه المدينة أن تخلع النير الأثيني عن كاهلها، فسيّر عليها بركليز جيشاً يحاصرها، ولكنها ظلت تقاومه سنتين كاملتين استنفدت في خلالهما موارد أثينة العسكرية وأضعفت هيبتها. ولما أن مدت ميغارا يدها مرة أخرى بالمعونة إلى كورنثة أمر بركليز بمنع كل محصولاتها من دخول أسواق أتكا والإمبراطورية. واستغاثت ميغارا وكورنثة بإسبارطة، فعرضت على أثينة أن تلغي قرار التحريم، ووافق بركليز على شريطة أن تسمح إسبارطة للدول الأجنبية بأن تتجر مع لكونيا، فرفضت إسبارطة هذا الشرط، واشترطت من جانبها للصلح أن تعترف أثينة باستقلال جميع المدن اليونانية استقلالاً تاماً، أي أن تنزل أثينة عن إمبراطوريتها. وأقنع بركليز الأثينيين أن يرفضوا هذا الطلب، فما كان من إسبارطة إلا أن أعلنت الحرب(10).




صفحة رقم : 2421




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> انتحار بلاد اليونان -> من الوباء إلى السلم



الفصل الثالث




من الوباء إلى السلم


وانضمت بلاد اليونان كلها إلى هذا الطرف أو ذاك من الطرفين المتنازعين، فانضمت دول البلوبونيز ما عدا أرغوس إلى إسبارطة، وحذت حذوها كورنثة، وميغارا وبؤونية، ولكريس، وفوسيس. أما أثينة فقد قدمت لها المدائن الأيونية واليكسينية، والجزائر الإيجية في بادئ الأمر بعض معونتها. وكانت المرحلة الأولى من مراحل تلك الحرب كالمرحلة الأولى من الحرب العالمية الكبرى في هذه الأيام صراعاً بين القوتين البحرية والبرية، فقد ضرب الأسطول الأثيني مدن البلوبونيز الساحلية، وأما الجيش الإسبارطي فغزا أتكا واستولى على غلاّتها وأتلف تربتها. ودعا بركليز سكان أتكا إلى الاعتصام داخل أسوار أثينة، وأبى أن يخرج جيوشه للقتال، ونصح الأثينيين الذين هاج هائجهم بأن يصبروا ويصابروا حتى ينتصر أسطولهم.
وقد كان هذا تدبيراً سديداً من الناحية العسكرية الفنية، ولكنه غفل عن عامل كاد أن يحسم النزاع. فقد كان ازدحام أثينة بأهل أتكا سبباً في تفّشي وباء فيها - لعله الملاريا(11) - في عام 430 دام قرابة ثلاث سنين، وأهلك ربع جنودها، وعدداً كبيراً من أهلها المدنيين . واستولى اليأس على قلوب الأهلين لما لحقهم من العذاب بسبب الوباء والحرب فاتهموه بأنه أصل كليهما. وتقدم كليون وغيره للقضاة متهمين بركليز بأنه أساء التصرف




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الصناعة



الفصل الثاني




الصناعة


كانت أرض أتكا تنتج المعادن والوقود كما تنتج الطعام، وكان الأهلون يضيئون بيوتهم بمصابيح جميلة المنظر، ومشاعل يستخدمون فيها زيت الزيتون المكرر أو الراتينج- أو بالشموع. وكانوا يدَّفئون بالخشب الجاف أو الفحم الخشبي، يحرقونه في مواقد متنقلة. وقد عريت الغابات والتلال القريبة من المدن لكثرة ما قُطع من أشجارها للوقود والبناء، حتى أضحت البلاد في القرن الخامس قبل الميلاد تستورد الخشب الذي تحتاجه لبناء البيوت والسفن وصنع الأثاث. أما الفحم الحجري فلم يكن لهُ وجود.
ولم يكن الغرض من التعدين في بلاد اليونان الحصول على الوقود، بل كان غرضه استخراج المعادن، وكانت أرض أتكا غنية بالرخام، والحديد، والخارصين، والفضة، والرصاص. وكانت مناجم لوريوم القريبة من الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة "فوارة تندفع منها الفضة، لأثينة" كما يقول إسكلس. وكانت هذه المناجم أكبر ما تعتمد عليهِ الحكومة، فكانت تحتفظ لنفسها بملكية كل ما تحت التربة، وتؤجر المناجم إلى من يستغلها من الأفراد نظير أجر محدد قدره وزنة )تالنت أي 6000 ريال أمريكي( وجزء من أربعة وعشرين جزءاً من غلتها في العام. ولما اكتشفت أولى العروق المربحة في لوريوم عام 483 هرع الناس إلى إقليم المناجم لاستخراج الفضة. ولم يكن يسمح لغير المواطنين بأن يستأجروا تلك المناجم، ولم يكن يقوم بالعمل فيها سوى العبيد. وكان نيشياس Nicias التقي، الذي ساعد بخرافاتهِ على خراب أثينة، يكسب ما يعادل




صفحة رقم : 2116




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الصناعة


مائة وسبعين ريالاً أمريكياً في اليوم الواحد بتأجير ألف عبد إلى مستغلي المناجم بما لا يزيد على أبولة واحدة )17 0 من الريال الأمريكي( لكل منهم في اليوم؛ وما أكثر الثروات التي جمعها الأثينيون بهذهِ الطريقة، أو بإقراض الأموال اللازمة لهذا الاستغلال. وكان عدد العبيد في المنجم يبلغ أحياناً عشرين ألفاً، وكان منهم المشرفون عليهم والمهندسون. وكانوا يعملون في نوبات تطول كل منها إلى عشر ساعات، ولم يكن العمل ينقطع ليلاً أو نهاراً؛ فإذا ما تباطأ العبد أو استراح ألهب المشرف عليه ظهره بالسوط، وإن حاول الهرب صُفّدَ بأغلال من حديد، وإذا هرب وألقي القبض عليه كويت جبهته بالحديد المحمي. ولم يكن عرض المنجم يزيد على قدمين، ولم يكن ارتفاعه يتجاوز ثلاث أقدام، وكان العبيد يعملون فيه بالمنقب أو الإزميل والمطرقة، وهم جاثمون على ركبهم، أو منبطحون على بطونهم أو مستلقون على ظهورهم. وكانت الخامات بعد تكسيرها تُنقل في سلال أو أكياس يتناولها رجل من رجل، لأن الممرات لشدة ضيقها لا تسمح لاثنين أن يمر أحدهما بالآخر بسهولة. وكانت الأرباح التي تُجنى من هذهِ المناجم غاية في الضخامة.
وحسبنا دليلاً على هذا أن إتاوة الحكومة منها بلغت في عام 483 مائة وزنة )نحو 600.000 ريال أمريكي(- وهي ثروة رُزِقتها أثينة من حيث لا تحتسب واستطاعت أن تُنشئ بها أسطولاً تنقذ به بلاد اليونان كلها عند سلاميس. ولقد عاد هذا العمل بالخير والشر معاً حتى على غير العبيد فقد أصبحت خزانة أثينة بسببه تعتمد كل الاعتماد على المناجم فلما أن استولى الاسبارطيون على لوريوم في حرب البلوبونيز، اضطربت أحول أثينة الاقتصادية من أولها إلى آخرها ولما نضب معين المناجم في القرن الرابع كان نضوبها أحد العوامل الكثيرة في اضمحلال أثينة، وذلك لأن أرض أتكا ليس فيها معدن ثمين غير الفضة.




صفحة رقم : 2117




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الصناعة


وصناعة التعدين تتقدم بتقدم استخراجها. فكانت الخامات المستخرجة من مناجم لوريوم تدق في مهارس ضخمة بمدقات ثقيلة من الحديد يحركها العبيد، ثم تنقل بعدئذ إلى مطاحن تطحنها بين حجرين دوارين شديدي الصلابة، ثم تغربل، ويؤخذ ما ينزل من ثقوب الغربال إلى حيث يُغسل، فيوضع على مناضد مائلة مستطيلة الشكل مصنوعة من الحجر ومغطاة بطبقة رفيعة ملساء من الأسمنت الصلب ويسلط عليه شؤبوب ماء من حوض. ويندفع تيار الماء ثم ينثني بزوايا حادة عندها فجوات تلتقط جزيئات المعدن. ثم يؤخذ ما يتجمع منه فيها ويُلقى في أفران للصهر مجهزة بمنافيخ ترفع حرارتها. وفي قاع كل فرن فتحات ينزل منها المعدن المصهور. ويفصل الرصاص من الفضة برفع حرارة المعدن المصهور فوق بواتق مصنوعة من مادة مسامية وتعريضه بعد ذلك للهواء. وبهذهِ الطريقة السهلة يتحول الرصاص إلى أكسيد الرصاص وتخلص الفضة. وقد برع العمال في عمليتي الصهر والتنقية، كما تشهد بذلك العملة الفضية الأثينية، فإن فضتها نقية إلى درجة 98 في المائة. ولقد أدت لوريوم ثمن ما أنتجته من الثروة، لأن صناعة التعدين تجلب في أعقابها أضراراً تُذهب بكثير من أرباحها. فالنبات يموت والناس يهلكون بتأثير الدخان المنبعث من الأفران، والأماكن المجاورة للمصانع تصبح قفراء جدباء يغطيها التراب والرماد.
أما غير هذهِ الصناعة فلا يكلف من الجهد ما تكلفه؛ وفي أتكا الآن كثير من هذهِ الصناعات غير المجهدة، وهي وإن كانت صغيرة في حجمها دقيقة شديدة التخصص في نوعها، فقد كانت تستخرج الرخام وغيره من الحجارة من محاجرها، وتصنع آلافاً من أشكال الآنية الخزفية، وكانت تدبغ الجلود في مدابغ كبيرة كالتي يمتلكها كليون منافس بركليز وأنيتس الذي وجه التهمة إلى سقراط. وكان من أهلها فوق ذلك صانعو العربات، وبناءو السفن وصانعو السروج وسائر عدد الخيل،




صفحة رقم : 2118




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الصناعة


والحذاءون، وكان من صانعي السروج مَن لا يصنعون إلا الأعنة ومن الحذائين مَن اختصوا بصنع أحذية الرجال أو النساء. وكان من المشتغلين بحرف البناء نجارون وصانعون للقوالب، وقاطعون للأحجار، ومشتغلون بالمعادن، ومصورون، وطالون للجدران والأخشاب. وكان فيها حدادون وصانعون للأسياف والدروع، والمصابيح، والقيثارات، والطحّانون، والخبازون، والوزامون والسماكون- وجملة القول أنها كانت تحتوي على كل ما تطلبه الحياة الاقتصادية الكثيرة العمل المتنوعة الأشكال، غير الآلية أو المملة. وكانت المنسوجات العادية لا تزال حتى ذلك الوقت تُنسج في المنازل، ففيها كان النساء ينسجن، ويصلحن ثياب الأسرة وفراشها، ومنهن مَن يمشطن الصوف أو يدرن عجلة الغزل، ومنهن مَن يتعهدن الأنوال ومَن ينحنين أمام إطار التطريز. أما المنسوجات الخاصة فكانت تُشترى من المصانع أو تُستورد من خارج البلاد- فالأقمشة التيلية الرقيقة كانت تَرد من مصر، وأمرجوس Amorgos، وتارنتم؛ والأقمشة الصوفية المصبوغة من سراقوصة، والبطاطين من كورنثة، والطنافس من الشرق الأدنى وقرطاجة، وأغطية الفراش الملونة من قبرص وتعلمت نساء كوس في أواخر القرن الرابع حل شرانق دود القز وغزل خيوط الحرير. وأتقنت النساء في بعض المنازل فنون النسيج إتقاناً أمكنهن أن ينتجن أكثر من حاجة أسرهن، فكن يبعن ما زاد على حاجتهن إلى المستهلكين في بادئ الأمر، ثم إلى الوسطاء؛ وكن يستعن بمن يساعدهن، من المعاتيق أو الأرقاء، ونشأت على هذا النحو صناعة منزلية كانت هي الخطوة الأولى في سبيل نظام المصانع.
وبدأ هذا النظام يتشكل في عصر بركليز، وكان بركليز نفسه، كما كان ألسبيديز، يمتلك مصنعاً، ولم تكن هناك آلات، ولكن كان في الاستطاعة الحصول على كثير من العبيد؛ وكان رخص القوة العضلية سبباً في انعدام الحافز




صفحة رقم : 2119




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الصناعة


إلى صنع الآلات؛ ولهذا كانت دور الصناعة في أثينة "حوانيت صناعة" لا مصانع، ولم يكن في أكبرها، وهو حانوت صنع الدروع الذي يمتلكه سفالوس Cephalus، سوى مائة وعشرين عاملاً، وكان في دار صنع الأحذية التي يمتلكها تمركوس Timarchus عشرة عمال، وفي مصنع دمستين للأساس عشرون وفي مصنعه للعُدد الحربية ثلاثون. ولم تكن هذهِ الحوانيت في بادئ الأمر تنتج إلا لمن يطلب الإنتاج، ثم صارت فيما بعد تنتج للسوق، ثم للتصدير في آخر الأمر وكان حلول النقود محل المقايضة، وانتشار هذهِ النقود انتشاراً واسعاً، مما يسر عليها أعمالها. ولم تكن في البلاد منظمات صناعية، بل كان كل مصنع وحدة مستقلة بذاتها يمتلكها رجل أو رجلان، وكان صاحبه يعمل في كثير من الأحيان إلى جانب عبيده. ولم تكن لديهم علامات تجارية، وكانت الحرف يأخذها الأبناء من الآباء، أو يتعلمها الصبيان عن الرؤساء وكان القانون يعفي الأثينيين من رعاية آبائهم في شيخوختهم إذا لم يعلمهم أولئك الآباء حرفة يشتغلون بها. وكانت ساعات العمل كثيرة، ولكنهم كانوا يعملون على مهل، فكان صاحب المصنع وعماله يعملون من مطلع الفجر إلى ما بعد غروب الشمس، مع إغفاءة قصيرة في وقت الظهيرة صيفاً. ولم تكن هناك إجازات ولكنهم كانت لهم في كل عام ستون عيداً ينقطعون فيها عن العمل.




صفحة رقم : 2120




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال



الفصل الثالث




التجارة والمال


إذا أنتج الفرد، أو الأسرة، أو المدينة أكثر من حاجته أو حاجتها، نشأت التجارة. وكانت أولى الصعاب التي واجهت أتكا أن وسائل النقل فيها كثيرة النفقة غير متيسرة، وأن البحر شراك ليس من السهل على سفنها أن تفلت منه. وكانت أحسن طرقها البرية هي الطريق المقدسة الممتدة من أثينة إلى إليوسيس؛ وإن لم تكن أكثر من طين، وإن كانت أضيق من أن تتسع لمرور المركبات. أما القناطر فلم تكن أكثر من معابر غير مأمونة مقامة من حواجز من الطين كثيراً ما تجرفها الفيضانات. وكان حيوان الجر المألوف هو الثور وهو حيوان أوتي من الفلسفة أكثر مما يسمح له بأن يغني التاجر الذي يعتمد عليه في نقل متاجره. وكانت العربات هشة تتحطم على الدوام أو تتعطل عن السير في الوحل وكان افضل منها لديه أن ينقل بضاعته على ظهور البغال، لأنها أسرع من العربات قليلاً، ولأنها لا تشغل ما تشغله لك العربات من الطريق. ولم يكن في بلاد اليونان نظام للبريد، وحتى الحكومات نفسها لم يكن لها مثل هذا النظام، بل كانت تقنع بالعدّائين؛ وكانت الرسائل الخاصة تنتظر إلى أن يتاح لها مَن ينقلها منهم. وكانت الأخبار الهامة تُرسل بالإشارات النارية يتلقفها تل من تل أو بالحمام الزاجل. وكانت في أماكن متفرقة من الطرق نُزل، ولكنها كانت مآوى محببة للصوص والحشرات؛ وحتى الإله ديونيسس في إحدى مسرحيات أرسطوفان يسأل هرقل عن " بيوت الأكل ودور الضيافة التي هي أقل من غيرها بقّاً ".




صفحة رقم : 2121




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


وكان النقل البحري أقل كلفة من النقل البري وبخاصة إذا اقتصر على أشهر الصيف الساكنة الريح، وكان هذا النقل في العادة مقصوراً على تلك الشهور. وكانت أجور السفر قليلة، فكان في وسع الأسرة أن تنتقل من بيرية إلى مصر وإلى البحر الأسود نظير درخمتين )أي ريالين أمريكيين(، ولكن السفن لم تكن تُعنى بنقل المسافرين لأنها صُنعت قبل كل شيء لنقل البضائع أو لشن الحرب أو لهذا الغرض أو ذاك كما تقضي الضرورة. وكانت أهم القوى المحركة هي قوة الريح تملأ الشراع، ولكن العبيد كانوا يُسيّرون السفن بالمجاديف إذا سكنت الريح أو هبت في عكس اتجاه السفن. وكانت أصغر سفن البحار التجارية يُسيّرها ثلاثون مجدافاً، ومنها ما كان له خمسون. وأنزل أهل كورنثة في البحر منذ عام 700 قبل الميلاد أولى السفن ذات الثلاثة الصفوف من المجاديف يعمل بها مائتان من الرجال. وقبل أن يستهل القرن الخامس كانت هذهِ السفن بمقدمها الطويل السامق قد بلغ وزنها 256 طناً، وبلغت حمولتها سبعة آلاف بشل من الحبوب، وأصبحت حديث جميع القاطنين على شواطئ البحر الأبيض المتوسط لأن سرعتها بلغت ثمانية أميال في الساعة.
وكانت ثاني مشاكل التجارة هي العثور على واسطة للتبادل يثق الناس بها، فقد كان لكل مدينة نظامها الخاص في الموازين والمقاييس، وعُملتها التي لا تشاركها فيها مدينة أخرى. وكان على الإنسان عندما يصل إلى أحد التخوم التي تكاد تبلغ المائة عداً أن يبدل نقوده وأن يكون على حذر في هذا التبديل لأن كل حكومة يونانية، عدا حكومة أثينة، كانت تسلب الأجانب عنها أموالهم بتخفيض قيمة نقدها. وفي ذلك يقول يوناني لم يشأ أن يُعرف اسمُه "كان التجار في معظم المدن يضطرون أن ينقلوا على سفنهم بضائع وهم عائدون إلى مدنهم لأنهم لم يكن في وسعهم أن يحصلوا على نقود ذات نفع




صفحة رقم : 2122




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


لهم في أي مكان آخر". وكانت بعض المدن تسك نقوداً من خليط من الذهب والفضة، وينافس بعضها بعضاً في إنقاص ما في هذا الخليط من الذهب. أما الحكومة الأثينية منذ أيام صولون فقد أخذت على نفسها تشجيع التجارة إلى أقصى حد بإيجاد عملة موثوق بها طبعت عليها بومة اثينة؛ وكان قولهم: "يُأخذ البوم إلى أثينة" وهو المثل اليوناني المقابل لقول الإنكليز "يحمل الفحم إلى نيوكاسل" وإذا كانت أثينة قد أبت خلال صروف الدهر أن تخفض من قيمة درخماتها الفضية، فقد كانت سائر بلاد البحر الأبيض المتوسط تقبل وهي راضية هذهِ "البومات" التي أخذت تحل شيئاً فشيئاً محل العملة المحلية في جزائر بحر إيجة. وكان الذهب في هذهِ المرحلة لا يزال سلعة تجارية تُباع بالوزن، ولم يكن وسيلة يُستعان بها على الاتجار، ولم تكن أثينة تسكّه عملة إلا في حالات الضرورة النادرة، وكانت النسبة المعتادة بينه وبين الفضة كنسبة 14 إلى 1. وكانت أصغر النقود الأثينية تُسك من النحاس، وكانت ثمان قطع منها تكوّن أبولة - وهي عملة من الحديد أو البرونز سُميت بهذا الاسم لمشابَهتها للأظافر أو السفود. وكانت ست أبولات تكوّن الدرخمة أي الحفنة؛ والدرخمتان تكوّنان استاتر Stater والمائة درخمة تكوّن مينا Mina وستون مينا تكوّن وزنة Talent وكانت الدرخمة في النصف الأول من القرن الخامس يُبتاع بها بشل Bushel من الحبوب، كما يبتاع بالريال الأمريكي في القرن العشرين. ولم يكن في أثينة عملة ورقية، ولا صكوك حكومية، ولا شركات محاصة، ولا مصفق للأسهم والسندات.




صفحة رقم : 2123




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


لكن أثينة كان فيها مصارف مالية لاقت صِعاباً شديدة في توطيد دعائمها لأن الذين لم تكن بهم حاجة إلى القروض ينددون بالربا ويرونه جريمة ، ويتفق معهم الفلاسفة في هذا الحكم. وكان الأثيني العادي في القرن الخامس ممن يكنزون المال، فكان إذا ادخر شيئاً منه آثر أن يُخبئه بدل أن يودعه في المصارف. وكان بعض الناس يقرضون مدخراتهم نظير رهون بفائدة تتراوح بين 16، 18في المائة، ومنهم مَن يقرضونها من غير فائدة إلى أصدقائهم، أو يودعونها في خزائن الهياكل. وكانت الهياكل تعمل عمل المصارف فتقرض المال إلى الأفراد والحكومات بفائدة معتدلة، وكان هيكل أبلو في دلفي إلى حد ما مصرفاً دولياً لجميع بلاد اليونان. ولم تكن الحكومات تقترض من الأفراد، ولكن الدول كانت في بعض الأحيان يقرض بعضها بعضاً. وفي القرن الخامس بدأ مبدل النقود الجالس أمام منضدته( يقبل المال وديعة لديه، ويقرضه للتجار بفوائد يتراوح سعرها بين 2، و 30 في المائة حسب ما تتعرض له من الأخطار. وبهذهِ الطريقة أصبح ذلك الصراف مصرفياً، وإن كان قد احتفظ إلى آخر تاريخ اليونان باسمه الأول )صاحب المنضدة Trapezite(. وقد أخذ أساليبه عن بلاد الشرق الأدنى، وحسّنها، ونقلها إلى رومة فأسلمتها هذهِ إلى أوربا الحديثة. وما كادت الحرب الفارسية تضع أوزارها حتى أودع ثمستكليز سبعين وزنة )240.000 ريال أمريكي( عند فيلوستفانوس المصرفي، بنفس الطريقة التي يعمل بها المغامرون السياسيون لدينا هم في هذهِ الأيام وهذهِ أول إشارة معروفة للأعمال المصرفية خارج المعابد في





صفحة رقم : 2124




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


تاريخ اليونان. ولما آذن هذا القرن بالانتهاء أنشأ أنتسثنيز Antisthenes وأرخستراتس المؤسسة التي أضحت في عهد باسيون Pasion أشهر المصارف اليونانية التي يملكها الأفراد، وعن طريق هؤلاء الصيارفة كانت الأموال تتداول بحرية وسرعة أكثر من تداولها قبل وجود هذا النظام، وكانت لهذا تيسر من الأعمال أكثر مما كانت تيسره قبل وجودهم. وبفضل هذا التيسير راجت التجارة الأثينية واتسعت أسواقها ونشطت أكثر من ذي قبل.
وكانت التجارة، لا الصناعة ولا الأعمال المالية، روح الاقتصاد الأثيني. ذلك أنه وإن ظل الكثيرون من المنتجين حتى ذلك الوقت يبيعون منتجاتهم إلى المستهلك مباشرةً، فإن عدداً متزايداً منهم كان في حاجة إلى وساطة السوق التي كانت وظيفتها شراء السلع وخزنها حتى يستعد المستهلك لشرائها. وبهذه الطريقة نشأت طبقة من بائعي التجزئة يعرضون بضائعهم في شوارع المدن، أو في مؤخرة الجيوش، أو في الأعياد والاحتفالات العامة، أو يعرضونها للبيع في حوانيت أو "أكشاك" في الأماكن المزدحمة أو غير المزدحمة في المدن. وكان الأحرار والغرباء والأرقاء يذهبون إلى هذه الأماكن ليساوموا التجار ويبتاعوا ما تحتاجه البيوت. وكان من أقسى القيود المفروضة على النساء "الحرائر" في أثينة أن العادات لم تكن تبيح لهن أن يخرجنَ إلى الأسواق ليشترين منها حاجتهنَ.
وتقدمت التجارة الخارجية لبلاد اليونان أسرع من تقدم التجارة الداخلية نفسها، لأن الدول اليونانية أدركت مزايا توزيع العمل بين بعضها البعض الآخر فتخصصت كل منها في إنتاج نوع من المنتجات. فصانع الدروع مثلاً لم يعد ينتقل من مدينة إلى مدينة تلبية لطلب مَن يحتاجه بل أخذ يصنع دروعه في حانوتهِ ويبعثُ بها إلى أسواق العلم القديم. وهكذا انتقلت أثينة في قرن واحد من الاقتصاد المنزلي- الذي يصنع فيهِ كل منزل




صفحة رقم : 2125




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


جميع ما يحتاجهُ تقريبا- إلى الاقتصاد الحضري- الذي تصنع فيهِ كل مدينة جميع ما تحتاجه تقريبا- ثم إلى الاقتصاد الدولي- الذي تعتمد فيهِ كل دولة على ما تستورده من غيرها، والذي لا بد لها فيه أن تصدر من السلع ما تؤدي به أثمان وارداتها. واستطاع الأسطول الأثيني مدى جيلين من الزمان أن يجعل البحر مطهراً من القراصنة، ولهذا ازدهرت التجارة من عام 480 إلى 430 كما لم تزدهر في المستقبل إلا بعد أن قضى بمبي على القرصنة في عام 67. وكانت أرصفة بيرية، ومخازنها، وأسواقها ومصارفها تقدم للتجارة كل ما تستطيعهُ من أسباب التيسير؛ وسرعان ما أضحى هذا الثغر النشيط العامل أهم مراكز التصدير وإعادة الشحن للتجارة المتبادلة بين الشرق والغرب. وفي ذلك يقول إسقراط: " لقد كان من اليسير أن يبتاع الإنسان في أثينة جميع ما يصعب عليهِ أن يجدهُ إلا في أماكن متفرقة سلعة منه في هذه المدينة وسلعة في تلك ". ويقول توكيديدس " إن عظمة مدينتنا تجذب غلات العالم كله إلى مرفئنا، حتى أصبحت ثمار البلاد الأخرى من مواد الترف المألوفة للأثيني كثمار بلده نفسه ". وكان التجار يحملون من بيرية ما تنتجه حقول أتكا وحوانيتها من الخمور، والزيت، والصوف، والمعادن، والرخام، والخزف، والأسلحة، ومواد الترف، والكتب، والتحف الفنية؛ ويأتون إلى بيرية بالحبوب من بيزنطية، وسوريا، ومصر، وإيطاليا، وصقلية؛ وبالفاكهة والجبن من صقلية وفينيقية، وباللحوم من فينيقية وإيطالية؛ والسمك من البحر الأسود؛ والنُّقل من بفلاجونيا؛ والنحاس من قبرص؛ والقصدير من إنجلترا؛ والحديد من شواطئ بحر البنتس؛ والذهب من ثاسوس وتراقية؛ والخشب من تراقية وقبرص؛ والأقمشة المطرزة من بلاد الشرق الأدنى؛ والصدف والكتان والأصباغ من فينيقية؛ والتوابل من قورينة؛ والسيوف من خلقيديا؛ والزجاج من مصر؛ والقرميد من كورنثة؛ والأسرة من طشيوز وميليطس؛ والأحذية




صفحة رقم : 2126




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


والبرنز من اترويا؛ والعاج من بلاد الحبشة؛ والعطور والأدهان من بلاد العرب؛ والرقيق من ليديا وسوريا وسكوذيا. ولم تكن المستعمرات أسواقاً فحسب، بل كانت فوق ذلك وكالات شحن ترسل البضائع الأثينية إلى الداخل، ومع أن مدائن أيونيا قد اضمحلت في القرن الخامس قبل الميلاد لأن التجارة التي كانت تمر بها من قبل تحولت إلى البروبنتس وكاريا أيام الحرب الفارسية وبعدها، فإن إيطاليا وصقلية قد حلتا محلها وأصبحت بلادهما ثغوراً لتصدير ما زاد عن الحاجة من غلات بلاد اليونان الأصلية وسكانها، وفي وسعنا أن نقدر قيمة تجارة بحر إيجة الخارجية إذا عرفتا أن حصيلة ضريبة الخمسة في المائة المفروضة على صادرات مدن الإمبراطورية الأثينية ووارداتها قد بلغت في عام 413 ألفاً ومائتي وزنة، ومعنى هذا أن التجارة قد بلغت قيمتها 144.000.000 ريال أمريكي في ذلك العام.
وكان الخطر الكامن وراء هذا الرخاء هو اعتماد أثينة اعتماداً متزايداً على الحبوب المستورة من خارجها؛ ومن ثم كان حرصها على السيطرة على مضيق الهلسبنت والبحر الأسود، وإصرارها على استعمار السواحل والجزائر الواقعة في طريقها إلى المضايق، وحملتها المشئومة على مصر عام 459، وعلى صقلية في عام 415. واعتمادها هذا هو الذي أغراها بتحويل حلف ديلوس إلى إمبراطورية أثينية؛ ولما أن دمر الأسبارطيون الأسطول الأثيني في مضيق الهلسبنت عام 405، كان لابد أن تعاني أثينة آلام الجوع وأن تستسلم نتيجة لهذا التدمير. غير أن هذه التجارة هي التي جلبت الثراء لأثينة، وكانت مع خراج إمبراطوريتها عماد رقيها الثقافي، ذلك أن التجار الذين كانوا ينتقلون مع بضائعهم إلى جميع بقاع البحر الأبيض المتوسط كانوا يعودون إليها بنظرات إلى




صفحة رقم : 2127




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> التجارة والمال


الحياة تختلف عن نظراتهم قبل خروجهم من بلدهم، وبعقول متيقظة متفتحة؛ وكانوا يأتون معهم بأفكار وأساليب جديدة، يحطمون بها القيود القديمة والخمول القديم، ويستبدلون بالتحفظ الأُسري الذي هو من طابع الأرستقراطية الريفية نزعة فردية تقدمية هي طابع الحضارة التجارية. وفي أثينة التقى الشرق بالغرب وبفضل هذا الالتقاء خرج كلاهما من أساليبه المألوفة العتيدة، وفقدت الأساطير القديمة سيطرتها على نفوس الناس، وزاد الفراغ، وشُجع البحث، ونشأ العلم والفلسفة، وأضحت أثينة أكثر مدن زمانها حيوية ونشاطاً.




صفحة رقم : 2128




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد



الفصل الرابع




الأحرار والعبيد


ومَن ذا الذي كان يقوم بهذا العمل كله؟ لقد كان يقوم به في الريف المواطنون: أسرهم وعمال أحرار مأجورون؛ أما في أثينة نفسها فكان يؤدي بعضهُ المواطنون، وبعضهُ العتقاء، ويؤدي الكثير منه الغرباء المهاجرون، ويؤدي معظمهُ الأرقاء. ويكاد أصحاب الحوانيت، والصناع، والتجار، ورجال المصارف، أن يكونوا كلهم من الطبقات التي ليس لها حق الانتخاب، وكان أهل المدينة ينظرون بعين الاحتقار إلى العمل اليدوي، ولا يؤدون منه إلا القليل الذي لا بد لهم من أدائهِ، لأن العمل لكسب العيش كان في اعتقادهم يحط من قدر صاحبهِ، بل إن الأعمال المهنية، وتعليم الموسيقى، والنحت، والتصوير، كان في نظر الكثيرين من اليونان "مهنة دنيئة . وهاهو ذا زنوفون يتحدث في زهو وفي غير مجاملة بوصفه واحداً من طبقة الفرسان فيقول:
"إن الجماعات المتمدينة ترى أن ما يسمونه بالفنون الآلية الحقيرة تزري بصاحبها... وهي محقة في نظرتها هذه؛ ذلك بأن العمل فيها يهلك أجسام القائمين به، سواء فيهم العمال ومن يشرفون عليهم، فهي تضطرهم إلى أن يقضوا وقتهم جالسين في نور ضئيل أو جاثمين أياماً طوالاً أمام الأفران.




صفحة رقم : 2129




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


وهذا الضعف الجسمي يصحبه على الدوام ضعف نفساني؛ وفوق هذا وذاك فإن ما تتطلبه هذه الفنون الآلية الحقيرة من الوقت لا يترك للمشتغلين بها فراغاً ينفقونه في مطالب الصداقة أو الدولة":
وكان يُنظر إلى التجارة هذه النظرة نفسها، فكان اليوناني الأرستقراطي النزعة أو الفيلسوف لا يعدها إلا وسيلة لجمع المال مع إلحاق الأذى بمن يُجمع منهم؛ وهي في رأي هذا وذاك لا تبغي خلق السلع، بل كل ما تبغيه هو شراؤها رخيصة وبيعها غالية؛ ولهذا فما من مواطن خليق بالاحترام يرضى أن يعمل فيها وإن كان لا يستنكف أن يستثمر فيها ماله ويربح من هذا الاستثمار ما دام يترك لغيره أن يقوم بالعمل. ويقول اليوناني إن الحر يجب أن يتحرر من الواجبات الاقتصادية، وإن عليهِ أن يستخدم العبيد وغيرهم من الناس ليعتنوا بشؤونه المادية، بما في ذلك، إن استطاع، العناية بأملاكهِ وأموالهِ. وهذا التحرر وحده هو الذي يترك له الوقت الكافي للقيام بأعباء الحكم، والحرب، والأدب والفلسفة. فإذا لم توجد هذه الطبقة المتفرغة لهذه الشؤون لم يوجد، كما يرى اليوناني، ذوقٌ راق، ولن يكون في البلاد من يشجع الفنون، ولن تقوم للحضارة قائمة على الإطلاق؛ ذلك أن من يعمل مسرعاً لا يمكن أن يكون متمدناً بحق.
وكان الغرباء الأحرار، الذين ولدوا في بلاد أجنبية واتخذوا أثينة موطناً لهم ولكنهم لا يعدون من مواطنيها، كان هؤلاء الغرباء هم الذين يؤدون في أثينة معظم الأعمال ذات الصلة التاريخية بالطبقة الوسطى، فكان منهم رجال المهن، والتجار، والمقاولون، والصناع، والمديرون للأعمال التجارية والصناعية، وأصحاب الحوانيت، وأرباب الحرف، والفنانون. وقد استقر هؤلاء في أثينة لأنهم وجدوا فيها، بعد تجوالهم في البلاد الأخرى، ما ينشدونه من الحرية الاقتصادية وفرص الحياة والحافز على العمل وبذل




صفحة رقم : 2130




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


الجهود، وهذه أهم في نظرهم من حق الانتخاب. ولهذا كانت أهم الأعمال الصناعية- خارج نطاق التعدين- ملكاً لهؤلاء الغرباء الأحرار، فصناعة الخزف بأكملها كانت في أيديهم، وكانوا يوجَدونَ كلما استطاع الوسطاء أن يحشروا أنفسهم بين المنتج والمستهلك. وكانت شرائع البلد تضايقهم وتحميهم، فكانت تفرض عليهم من الضرائب ما تفرضه على المواطنين، وتُلزمهم بأن يؤدوا خدمات شخصية للدولة، وتجندهم للخدمة العسكرية، وكانوا يؤدون لها ضريبة الفرضة؛ ولكنها كانت تُحرم عليهم امتلاك الأرض والزواج من أسر المواطنين، ولا تسمح لهم بالانضمام إلى الهيئات الدينية أو الالتجاء بأنفسهم إلى المحاكم.
ولكنها كانت ترحب بهم في حياتها الاقتصادية، وتقدر لهم جدهم وحذقهم، وتنفذ لهم عقودهم، وتترك لهم حريتهم الدينية، وتحمي أموالهم من الثورات العنيفة. وكان منهم من يباهون بثروتهم مباهاة سمجة، ولكن كان منهم أيضاً من يشتغلون بالعلوم، والآداب، والفنون، ويمارسون مهنة الطب أو القانون، أو يُنشئون مدارس لتعليم البلاغة والفلسفة، وهم الذين أمدوا بالمال مؤلفي المسرحيات الهزلية في القرن الرابع، وكانوا هم موضوع هذه المسرحيات، وأصبحوا في القرن الثالث هم المثال المُحتذى في آداب المجتمع الهلنستي. وكان حرمانهم من حقوق المواطنة يؤلمهم ويحز في نفوسهم، ولكنهم كانوا يحبون أثينة ويفخرون بانتسابهم إليها، ويؤدون على مضض كثير من الأموال التي تحتاجها للدفاع عن نفسها ضد أعدائها. ومن مال هذه الطبقة استمد الأسطول معظم حاجته؛ وكانت هي عماد الإمبراطورية الأثينية، وبفضلها احتفظت أثينة بتفوقها التجاري على سائر بلاد اليونان.
وكان يشارك الغرباء في الحرمان من بعض الحقوق السياسية، وفيما يتاح لهم من الفرص الاقتصادية، العتقاء، أي الذين كانوا من قبل عبيداً. ذلك أن الأمل في الحرية حافز اقتصادي قوي للعبد الشاب وإن لم يكن من السهل المألوف أن يُعتق العبد لأن عبداً آخر يجب أن يحل في العادة محله؛ لكن كثيرين من اليونان




صفحة رقم : 2131




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


كانوا إذا قربت منيتهم يكافئون أشد عبيدهم إخلاصاً بعتقهم. كذلك كان العبد يُعتق أذا افتداه أهله أو أصدقاؤه كما حدث لأفلاطون، أو افتدته الدولة نفسها من سيده نظير خدماته لها في الحرب؛ وقد يبتاع هو نفسه حريته بما يدخره من الأبولات. وكان العبد المحرر يعمل، كما يعمل الغريب السالف الذكر، في الصناعة والتجارة والشؤون المالية. وكان أقل ما يقوم به من الأعمال شأناً هو أداء عمل العبد نظير أجر؛ وكان أعظم ما يبلغه هو أن يكون صاحب إحدى الصناعات. فقد كان ميلياس Mylias مثلاً هو المشرف على مصنع الأسلحة الذي يمتلكه دموستين؛ وأصبح باسيون، وفورميو أغنى رجال المصارف في اثينة. وكان أهم الأعمال التي تُظهر قيمة العبد المحرر هي الأعمال التنفيذية، وذلك لأن أقسى الناس على العبيد هو الذي نشأ في ظل العبودية ولم يعرف طول حياته إلا الظلم والاستبداد.
وكان من تحت هذه الطبقات الثلاث- طبقات المواطنين والغرباء والمعاتيق- عبيد أتكا البالغ عددهم 115.000 عبد . وهؤلاء العبيد إما أسرى حرب، أو ضحايا غارات الاسترقاق، أو أطفال أنقذوا وهم معرضون في العراء، أو أطفال مهملون، أو مجرمون. وكانت قلة منهم في بلاد اليونان يونانية الأصل؛ وكان الهليني يرى أن الأجانب عبيد بطبعهم لأنهم يبادرون بالخضوع إلى الملوك، ولهذا لم يكن يرى في استعباد اليونان لهؤلاء الأجانب ما لا يتفق مع




صفحة رقم : 2132




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


العقل؛ لكنه كان يغضبه أن يُسترق يوناني. وكان التجار اليونان يشترون العبيد كما يشترون أية سلعة من السلع، ويعرضونهم للبيع، في طشيوز، وديلوس، وكورنثة، وإيجينا، وأثينة، وفي كل مكان يجدون فيه من يشتريهم. وكان النخاسون في أثينة من أغنى سكانها الغرباء؛ ولم يكن من غير المألوف في ديلوس أن يباع ألف من العبيد في اليوم الواحد، وعرض سيمون بعد معركة يوريمدون عشرين ألفاً من الأسرى في سوق الرقيق. وكان في أثينة سوق يقف فيه العبيد متأهبين لأن يفحص عنهم وهم مجردون من الثياب، وأن يساوم على شرائهم في أي وقت من الأوقات. وكان ثمنهم يختلف من نصف مينا إلى عشر مينات )من 50 ريالاً أمريكياً إلى ألف ريال(. وكانوا يُشترون إما لاستخدامهم في العمل مباشرة، أو لاستثمارهم؛ فقد كان أهل أثينة الرجال منهم والنساء يجدون من الأعمال المربحة أن يبتاعوا العبيد ثم يؤجروهم للعمل في البيوت أو المصانع، أو المناجم. وكانت أرباحهم من هذا تصل إلى 33 في المائة. وكان أفقر المواطنين يمتلك عبداً أو عبدين؛ ويبرهن إسكنيز Aeschines على فقره بالشكوى من أن أسرته لا تمتلك إلا سبعة عبيد؛ وكان عددهم في بيوت الأغنياء يصل أحياناً إلى خمسين، وكانت الحكومة الأثينية تستخدم عدداً منهم في الأعمال الكتابية وفي خدمة الموظفين، وفي المناصب الصغرى، وكان منهم بعض رجال الشرطة. وكان كثيرون من هؤلاء يحصلون من الدولة على الملابس، وعلى "مكافأة" يومية مقدارها نصف درخمة، وكان يؤذن لهم أن يسكنوا حيث يشاءون.
أما في الريف فكان العبيد قليلي العدد، وكانت كثرة الرقيق من النساء الخادمات في البيوت. ولم يكن الأهلون في شمالي بلاد اليونان وفي معظم البلوبونيز في حاجة إلى العبيد لاستغنائهم عنهم برقيق الأرض وكان العبيد في كورنثة، ومجارا، وأثينة، يؤدون معظم الأعمال اليدوية الشاقة، كما كانت الجواري يقمن بمعظم الأعمال المنزلية المجهدة ولكن العبيد كانوا فوق ذلك يقومون




صفحة رقم : 2133




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


بجزء كبير من الأعمال الكتابية وبمعظم الأعمال التنفيذية في الصناعة، والتجارة، والشؤون المالية. أما الأعمال التي تحتاج إلى الخدمة فكان يقوم بها الأحرار والمحررون، والغرباء، ولم يكن هناك عبيد علماء كما نرى فيما بعد في العصر الهلنستي وفي رومة، وقلما كان يسمح للعبد بأن يكون له أبناء لأن شراء العبد كان ارخص من تربيته. وكان العبد إذا أساء الأدب ضرب بالسوط، وإذا طُلب للشهادة عذب، وإذا ضربه حر لم يكن له أن يدافع عن نفسهِ لكنه إذا تعرض للقسوة الشديدة كان له أن يفر إلى أحد الهياكل، ثم يُلزم سيده ببيعهِ، ولم يكن يحق لسيده بأية حال أن يقتله، وكان يلقى من الضمانات؛ ما دام يعمل، ما لا يلقاه كثيرون ممن لا يسمون عبيداً في بعض الحضارات الأخرى. فكان إذا مرض ،أو تقدمت به السن، أو لم يجد عملاً يقوم به، لا يلقي بهِ سيده إلى الإعانات العامة، بل كان يستمر في رعايته. وإذا كان وفياً عومل معاملة الخادم المخلص الأمين التي تكاد تضارع معاملة أي فرد من أفراد الأسرة، وكثيراً ما كان يسمح له بأن يقوم بعمل خارجي على شريطة أن يؤدي لسيده بعض ما يكسب من هذا العمل. وكان يُعفى من الضرائب ومن الخدمة العسكرية؛ ولم يكن شيء في ثيابه يميزه من الحر في أثينة خلال القرن الخامس قبل الميلاد. وهاهو ذا "الألجركي القديم" يشكو في نشرة له عن نظام الأثينيين من أن العبد لا يفسح الطريق في الشارع للمواطنين ومن أنه يتكلم بحرية، ويتصرف في كل صغيرة وكبيرة كأنه كفء للمواطن. واشتهرت أثينة بحسن معاملة عبيدها، وكان من المعروف أن العبيد في أثينة الديمقراطية أحسن حالاً من الأحرار الفقراء في الدويلات الألجركية، وكانت ثورات العبيد نادرة في أتكا وإن كانت مما يخشى وقوعه القائمون بالأمر فيها.
ومع هذا فإن ضمائر الأثينين لم تكن ترتاح إلى وجود الرق في بلدهم، وإن الفلاسفة الذين يدافعون عن هذا النظام ليظهرون في وضوح لا يكاد




صفحة رقم : 2134




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأحرار والعبيد


يقل عن وضوح من ينددون بهِ أن ما طرأ على الأمة من تطور أخلاقي قد جعلها أرقى من نظمها الاجتماعية. فها هو ذا أفلاطون يندد باستعباد اليونان لليونان، ولكنه فيما عدا هذا يقر الاسترقاق بحجة أن لبعض الناس عقولاً غير ممتازة. وينظر أر سطو إلى العبد على أنه آلة بشرية، ويظن أن الاسترقاق سيبقى في صورة ما حتى يحل اليوم الذي تؤدي فيهِ الآلات التي تدور بنفسها جميع الأعمال الحقيرة. وليس لدى اليوناني العادي فكرة ما عن الطريقة التي يمكن بها أن تسير أعمال المجتمع المثقف من غير الرق، وإن كان هذا اليوناني رحيماً بعبيدهِ؛ فهو يشعر بأنه إذا أريد إلغاء الرق وجب إلغاء أثينة من الوجود. أما غيره فأكثر تطرفاً في آرائهم، فالفلاسفة الكلبيون يحكمون على الرق أسوأ حكم، ومثلهم في هذا خلفاؤهم الرواقيون وإن كانوا أقل عنفاً في حكمهم عليهِ. وكثيراً ما يثير يوربديز عطف مستمعيه بما يصوره لهم من حال أسرى الحرب ويطوف السيد ماس السوفسطائي بلاد اليونان يبشر فيها بعقائد روسو في ألفاظ تكاد تكون ألفاظ روسو بعينها دون أن يتعرض له أحد بسوء: "لقد بعث الله الناس في العالم أحراراً ولم تجعل الطبيعة أحد الناس عبداً". لكن الاسترقاق ظل قائماً رغم هذا كله.




صفحة رقم : 2135




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات



الفصل الخامس




حرب الطبقات


كان استغلال الإنسان للإنسان في أثينة وطيبة أقل قسوة منه في إسبارطة ورومة، ولكنه كان على أية حال استغلالاً يؤدي الغرض المقصود منه. فلم يكن بين الأحرار في أثينة طوائف ممتازة وأخرى غير ممتازة، وكان في مقدور الرجل أن يرقى بجهودهِ وحدها إلى أية مرتبة في الحياة، ولم يكن فيها تمييز طائفي شديد بين العامل وصاحب العمل، اللهم إلا في المناجم؛ أما في غيرها فكان صاحب العمل يشتغل إلى جوار عماله، وكان التعارف الشخصي بين الاثنين يفل من حدة سلاح الاستغلال، وكان أجر الصناع جميعاً، إلا القليل النادر منهم، أياً كانت طبقتهم، هو درخمة للرجل في كل يوم من أيام العمل، أما العمال غير الحاذقين فقد تنخفض أجور الواحد منهم إلى ثلاث أبولات في اليوم )نصف ريال أمريكي(. ولما نما نظام المصانع أخذ الأجر بالقطعة يحل محل المياومة وبدأت الأجور تختلف اختلافاً كبيراً، وكان في وسع المقاول أن يستأجر العبيد من سادتهم بأجر يتراوح بين أبولة واحدة وأربع أبولات في اليوم. وفي وسعنا أن نقدر القوة الشرائية لهذه الأجور إذا وازنا الأثمان في بلاد اليونان بأمثالها في بلادنا . لقد كان البيت والضيعة في عام 14 يباعان معاً بألف ومائتي درخمة، وكان المندموس Mendimmus اي البشل والنصف من الشعير يباع بدرخمة واحدة في القرن السادس، وبخمس درخمات في أيام الإسكندر، وكان الخروف يباع بدرخمة في أيام صولون، وبعشر درخمات أو عشرين في القرن




صفحة رقم : 2136




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


الخامس. وكانت النقود المتداولة في أثينة كغيرها من المدن تزيد اسرع مما تزيد البضائع، ولهذا كانت الأثمان ترتفع؛ فكانت أثمان السلع في آخر القرن الرابع خمسة أمثال ما كانت عليه في بداية القرن السادس؛ وقد تضاعفت هذه الاثمان ضعفين من عام 480 إلى 404 ثم تضاعفت مرة أخرى من 404 إلى 330.
وكان في وسع الرجل الفرد أن يعيش عيشة راضية بمائة وعشرين درخمة )120 ريال أمريكي( في الشهر؛ ومن هذا نستطيع أن نحكم على حال العامل الذي كان يكسب ثلاثين درخمة في الشهر ويعول أسرة. ولسنا ننكر أن الدولة كانت تبادر إلى معونته في الأزمات الشديدة فتمده بالحبوب بثمن اسمي؛ ولكنه كان يشاهد أن ربة الحرية ليست صديقة لربة المساواة، وأن الشرائع الحرة في أثينة كانت تمكن القوي من أن يزداد قوة، والغني من أن يزداد غنى، أما الفقير فكان يبقى في ظلها فقيراً.
ومن الحقائق المعروفة أن الفردية تحفز القادرين إلى العمل، وتنزل بالسذج، وأنها تُنشئ الثروات الضخمة، وتركزها تركيزاً وخيم العاقبة. ولذلك كان المهرة الحاذقون في أثينة، كما كانوا في غيرها من الدول، يحصلون من الثروة كل يستطيعون تحصيله، ثم يحصل أوساط الناس ما يتبقى من هؤلاء. وكان مالك الأرض يفيد من ارتفاع ثمن أرضه المطرد؛ وكان التاجر لا يدخر جهداً، رغم ما فُرض عليه من القيود التي لا تحصى لاحتكار الأصناف أو ابتياع كل ما هو معروض منها في الأسواق ثم التحكم في أثمانها على هواه. وكان المضارب ينال حصة الأسد من أرباح الصناعة




صفحة رقم : 2137




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


والتجارة بفرض سعر مرتفع لفائدة القروض التي يقدمها لأصحاب الصناعات والتجار. وقام زعماء الجماهير المحترفون يبينون للفقراء ما في توزيع الثروة بين الناس من غبن، ويخفون عنهم عدم المساواة في كفاياتهم من الناحية الاقتصادية؛ وأخذ الفقير بعد أن أبصر بعينيه ثراء المثرين يحس بفقرهِ ويطيل التفكير في ميزاته التي لا يُجزى عليها الجزاء الأوفى، ويحلم بقيام الدول المثالية. ومن ثم كانت الحرب بين طبقة وطبقة، وهي الحرب التي استعرت نارها في جميع الدول اليونانية، والتي كانت أشد هولاً من الحرب بين اليونان والفرس، أو بين أثينة واسبارطة.
وبدأت هذه الحرب في أتكا بالنزاع بين الأغنياء المحدثين والأشراف أصحاب الأراضي الزراعية؛ ذلك أن الأسر الغنية كانت لا تزال تحب الأرض، وتحب أن تقضي معظم حياتها في ضياعها، وكان تقسيم الأرض بين الأبناء وأبناء الأبناء خلال الأجيال الطويلة قد قلل مساحة ما يملكه كل واحد منها. )فلم يكن ألسبيديز الثري مثلاً يملك أكثر من سبعين فداناً(. وكان مالك الأرض في معظم الأحوال يعمل بنفسهِ في أرضه أو يشرف على إدارة أملاكه، وكان هذا الشريف فخوراً بنفسهِ وأصله وإن لم يكن غنياً بمالهِ، فكان يضيف اسم أبيه إلى اسمهِ ليكون ذلك من ألقاب الشرف له، ويبتعد قدر استطاعته عن طبقة التجار الوسطى التي كانت تستحوذ شيئاً فشيئاً على ثروة أثينة التجارية الآخذة في النماء. غير أن زوجته كانت تلح عليه أن يكون له بيت في المدينة لتستمتع بما في العاصمة من الحياة المتنوعة وبما تتيحه من فرص، وكانت بناته يرغبن في أن يعشن في أثينة، ليتصيدن لهن أزواجاً أثرياء، وكان أبناؤه يرجون أن يجدوا فيها الخليلات ويقيموا المآدب المرحة كما يفعل الأغنياء المحدثون. وإذ لم يكن في مقدور الأشراف ملاك الأراضي أن ينافسوا التجار والصناع في ترفهم فقد رضوا بهم أو بأبنائهم أزواجاً لأولادهم وبناتهم، وكان هؤلاء التجار والصناع راغبين في أن يتسنموا ذُرى




صفحة رقم : 2138




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


المجد مستعدين للبذل. وكانت نتيجة هذا اتحاد الأغنياء بأرضهم مع الأغنياء بما لهم وتكوين طبقة عليا ألجركية، يحسدها الفقراء ويحقدون عليها، ويغضبها الإفراط في الديمقراطية وتخشى على نفسها من الثورة.
وكان صلف الأثرياء الجدد هو الذي أدى إلى المرحلة الثانية من مراحل حرب الطبقات- اي نزاع المواطنين الفقراء مع الأغنياء. ذلك أن كثيرين من أفراد الطبقات الوسطى الرأسمالية أخذوا يباهون مثل ألسبيديز بثرائهم وإن لم يكن من بينهم إلا القليلون الذين يستطيعون أن يسخروا "جمهرة الكادحين" بجرأتهم الروائية ورشاقة مظهرهم ورقة حديثهم. وقام الشبان الذين أحسوا بما وهبوا من كفايات يحول فقرهم دون إبرازها والإفادة منها، فنقلوا حاجتهم الشخصية إلى الفرص والمكانة السامية من دائرتهم الخاصة إلى نداء عام بالثورة، وتكفل المتعلمون الذين يرحبون بالآراء الجديدة ويستهويهم هتاف المظلومين بصياغة أغراض ثورتهم إليهم. ولم يكونوا ينادون باشتراكية التجارة والصناعة، بل كانوا يطلبون إلغاء الديون وإعادة توزيع الأراضي على المواطنين، ونقول على المواطنين لأن الحركة المتطرفة التي قامت في أثينة في القرن الخامس لم يشترك فيها إلا من لهم حق الانتخاب من الفقراء، ولم تكن تحلم في هذه المرحلة بتحرير العبيد، أو إعطاء الغرباء نصيباً من الأرض التي تطالب بإعادة توزيعها. وكان الزعماء يتحدثون عن الماضي الذهبي حين كان الناس جميعاً متساوين فيما يملكون، ولكنهم لم يكونوا يريدون أن تؤخذ أقوالهم بنصها حين يتحدثون عن عودة هذا الفردوس المفقود، بل كانت الصورة المرسومة في أذهانهم صورة مجتمع اشتراكي أرستقراطي- لا ينطوي على تأميم الأرض بل ينطوي على توزيعها بالتساوي بين المواطنين. وكانوا يشيرون إلى أن المساواة في الحقوق السياسية ستكون بلا ريب مساواة غير حقيقية مع وجود تلك الفوارق الاقتصادية




صفحة رقم : 2139




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


المطردة الزيادة، ولكنهم كانوا مصممين على استخدام ما للمواطنين الفقراء من سلطان سياسي لحمل الجمعية على أن تضع في جيوب المحتاجين- بالغرامات، والتكاليف، والمصادرة، والأشغال العامة،- بعض الثروة المركزة لدى الأغنياء. واتخذوا اللون الأحمر رمزاً لثورتهم فضربوا بذلك المثل للثائرين في مستقبل الأيام.
وواجه الأغنياء هذا التهديد فألفوا من بينهم هيئات سرية تعهدوا فيها أن يعملوا مجتمعين لمقاومة ما يسميه أفلاطون- رغم نزعته الشيوعية- "الوحش الضاري" الكامن في نفوس الغوغاء المستنفرين الجياع. وانتظم العمال الأحرار أيضاً- وكانوا قد أنتظموا منذ أيام صولون إن لم يكن قبله- في نواد (إرانوي، ثياسوي eranoi, thiasoi) للبنائين، وقاطعي الرخام، وعمال الخشب، والعاملين في العاج أو الفخار، والسماكين، والممثلين ومن إليهم من الجماعات. وكان سقراط نفسه عضواً في نادي المثالين . بيد أن هذه الجماعات لم تكن نقابات عمال بقدر ما كانت جماعات لتبادل المنفعة، فكان أعضاؤها يجتمعون في أماكن لهم يسمونها مجامع مقدسة، يقيمون فيها المآدب والألعاب، ويعبدون فيها رباً يحميهم، ويقدمون المال للمرضى من الأعضاء، ويتعاقدون مجتمعين على القيام بمشروع خاص، ولكنهم لم يشتركوا اشتراكاً ملحوظاً في حرب الطبقات الأثينية. ودارت المعركة في ميداني الأدب والسياسة؛ فشرّع مصدرو النشرات أمثال "الألجركي القديم" يصدرون النشرات ينددون فيها بالديمقراطية أو يدافعون عنها. وإذ كانت مسرحيات الشعراء الهزليين تتطلب أموال الأغنياء




صفحة رقم : 2140




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


لإخراجها، فقد انضم هؤلاء إلى جانب ذوي المال، وشرعوا يصبون قوارص سخرياتهم على الزعماء المتطرفين وعلى دولهم المثالية. فترى أرسطوفان يقدم لنا في مسرحية الإكلزيازوسي Ecclesiazusae (392) السيدة بركساغورا Praxagora الشيوعية تلقي خطبة تقول فيها: "أريد أن يكون لكل الناس نصيب في كل شيء، وأن يكون كل الملك مشاعاً؛ فلن يكون بعد اليوم أغنياء أو فقراء؛ ولن نرى بعد الآن رجلاً واحداً يجني محصول مساحات واسعة من الأرض وإلى جانبه رجل آخر لا يجد منها ما يتسع لدفنه... وسأعمل على أن لا يكون في الحياة إلا ظروف واحدة يشترك فيها جميع الناس على السواء... وسأبدأ بأن أجعل الأرض والمال وكل ما هو ملك خاص مشاعاً بين الناس أجمعين... وستكون النساء ملكاً مشتركاً للرجال". ويسأل بلبيروس Blepyrus ولكن العمل من يقوم بهِ " فتجيبه بقولها: "العبيد". وفي ملهاة أخرى هي ملهاة بلوتوس Plutus (408) يُجيز أرسطوفان للملكية المهددة بالانقراض أن تدافع عن نفسها بقولها إنها هي الحافز الذي لا بد منه للكدح البشري والمغامرة ": أنا السبب الوحيد في كل ما بكم من نعمة، وإن سلامتكم لَتعتمد عليَّ دون غيري...ومَنذا الذي يحب أن يطرق الحديد ويبني السفن، ويخيط الثياب، ويخرط الخشب، ويقطع الجلد، ويحرق الآجر، ويبيض التيل، ويدبغ الجلود، ويشق الأرض بالمحراث، ويجني ثمار دمتر إذا كان في وسعه أن يعيش بغير عمل محرراً من كل هذهِ المشاق...؟ فإذا ما طبّق نظامكِ )الشيوعية(... فلن تستطيعي أن تنامي في سرير، لأن الأسرة في هذا الحال لن يُصنع منها شيء بعد، ولن تُنسج بسط، وهل في الناس من يرضى أن ينسجها إذا كان لديه الذهب؟(60)".
وكانت إصلاحات إفيلتيز وبركليز باكورة ثمار الثورة الدمقراطية. وكان بركليز




صفحة رقم : 2141




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


رجلاً متزناً في أحكامه معتدلاً في أغراضه؛ فهو لم يكن يبغي القضاء على الأغنياء، بل كان يريد أن يحتفظ بهم وبإقدامهم على الأعمال النافعة بتخفيف عبء الحياة عن الطبقات الفقيرة؛ فلما مات في عام 29 جرف تيار التطرف الدمقراطية الأثينية إلى حد لم يسع الحزب الألجركي معه إلا أن يأتمر مرة أخرى مع اسبارطة، وأن يدفع الأغنياء إلى الثورة مرة في عام 411 ومرة أخرى في عام 404. بَيد أن الثروة في أثينة كانت عظيمة، وكان خوف المواطنين من ثورة الأرقاء سبباً في وقف تيار ثورتهم إلى حين، ولهذا كانت حرب الطبقات في أثينة أهدأ منها في غيرها من الدول اليونانية، حيث لم يكن للطبقات الوسطى من القوة ما يمكنها من أن تتوسط بين الأغنياء والفقراء، وسرعان ما وجدت الطبقات في أثينة أساساً صالحاً تقيم عليه أساس التراضي فيما يبنها. ففي ساموس استولى المتطرفون على زمام الحكم في عام 412، وأعدموا مائتين من الأشراف، ونفوا أربعمائة آخرين، وقسموا الأرض والبيوت فيما بينهم، وأقاموا مجتمعاً آخر شبيهاً بالمجتمع الذي قضوا عليه. وفي ليونتيني طرد العامة في عام 422 الأقلية المثرية الحاكمة، ولكن سرعان ما لاذوا هم أنفسهم بالفرار. وفي كورسيرا اغتالت الأقلية المثرية الحاكمة ستين من زعماء حزب الشعب، واستولى الدمقراطيون على أزمة الحكم، وزجوا بأربعمائة من الأشراف في السجون، وساقوا خمسين منهم إلى المحاكمة أمام هيئة نستطيع أن نسميها "لجنة الأمن العام"، وأعدموا الخمسين كلهم في التو والساعة؛ ولما رأى المسجونون الأحياء ما حل بزملائهم قتل بعضهم بعضاً، وقتل بعضهم أنفسهم، وحوصر الباقون منهم في هيكل المدينة الذي لجأوا إليه حتى هلكوا من الجوع. ويصف توكيديدس حرب الطبقات في بلاد اليونان وصفاً ينطبق على حروب الطبقات في جميع الأوقات يقول فيه:
"ظل أهل كرسيرا سبعة أيام طِوال يذبحون من مواطنيهم من يرون أنهم




صفحة رقم : 2142




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


أعداء لهم؛ ومع أن الجريمة المعزوّة إليهم كانت أنهم حاولوا القضاء على الدمقراطية، فإن منهم مَن قُتل بسبب الكراهية الشخصية، ومنهم من قتلهم المدينون لهم لِيتخلصوا بقتلهم من ديونهم. وهكذا انتشر الموت في البلد بجميع أشكاله، وحدث في هذا الوقت ما يحدث في أمثاله فلم يقف العنف عند حد. كان الآباء يقتلون أبناءهم، وكان اللائذون بالهيكل يُسحَبون على وجوههم من فوق مذبح القربان أو يُقتلون... وهكذا جرت الثورة في مجراها متنقلة من مدينة إلى مدينة، وسارت الأماكن التي وصلت إليها في آخر الشوط فيما اخترعته من وسائل العنف وفيما ارتكبته من الفظائع في انتقامها من خصومها إلى أبعد مما سارت إليه الأماكن التي تقدمتها بعد أن سمعت بما كان يجري في هذهِ الأماكن السابقة... وضربت كرسيرا لسائر المدن المثل الأول في تلك الجرائم،... وفي حروب الانتقام التي لجأ إليها المحكومون... الذين لم ينعموا في حياتهم بالعدالة في المعاملة... بل لم يلاقوا من حكامهم شيئاً سوى العنف، وذلك حين جاء دورهم وتولوا هم شؤون الحكم. كذلك ضربت كرسيرا لسائر المدن المثل الأول في الحقد الظالم الذي تنطوي عليه صدور الذين يريدون أن يتخلصوا مما ألفوه من الفقر وتمتلئ صدورهم طمعاً في ما في أيدي جيرانهم من نعم، وضربت المثل أكثر من هذا وذاك للإفراط في الوحشية والقسوة التي اندفع إليها بعواطفهم الثائرة رجال لم يبدأوا الكفاح بروح طائفية بل بروح حزبية... وفي غمار هذهِ الفوضى التي تردت فيها الحياة في المدن كَشفت الطبيعة البشرية، التي تثور دائماً على القانون والتي أصبحت الآن سيدة القانون، عن عدم قدرتها على ضبط عواطفها، وعن أنها لا تقيم وزناً للعدالة، وعن عدائها لكل سلطة عُليا... وأصبحت الجرأة والوقاحة في نظر الناس شَجاعة تُرتَضَى من حليف وفي؛ كما أصبح التردد الحكيم جُبناً مموّهاً؛ وأضحى الاعتدال




صفحة رقم : 2143




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


في نظر الناس ستاراً يخفي وراءه خور العزيمة؛ والقدرة على رؤية جميع نواحي مسألة من المسائل عجزاً عن العمل في واحدة منها...
وكان مصدر هذهِ الشرور كلها هو الجري وراء السلطان المنبعث من الشره والطمع... واندفع الزعماء في المدن يطلبون لأنفسهم الجزاء الأوفى من المنافع العامة التي يتظاهرون بالحرص عليها مستعينين على ذلك بأجمل العبارات التي يلقونها في الآذان، يدعون فيها إلى المساواة السياسية بين الناس تارة، وبضرورة قيام أرستقراطية معتدلة تارة أخرى ولم يكن هؤلاء يترددون في استخدام أية وسيلة توصلهم إلى السلطان، فكانوا لذلك يرتكبون أشنع الجرائم... ولم تكن طائفة من الطائفتين المقتتلتين توقر الدين، وكان استخدام العبارات المنمقة للوصول بها إلى الغايات الإجرامية هي الوسيلة المحببة لسائر الناس... وكانت البساطة القديمة التي كان للشرف فيها أكبر نصيب موضع السخرية، ومن أجل هذا لم يعد لها وجود، وانقسم المجتمع إلى معسكرين لا يثق فيهما واحد من الناس بزميله... وقضي بين هذين المعسكرين على الشيعة المعتدلة من المواطنين لأنها لم تشترك في الكفاح أو لأن الحسد كان يمنعها من أن تفر من الميدان... وقصارى القول أن العالم الهلني كله قد زُلزلت قواعده وتصدعت أركانه.
ولم تقضِ هذهِ الاضطرابات على أثينة لأن كل أثيني كان في قرارة نفسه فردي النزعة يحب الملكية الخاصة؛ ولأن الحكومة الأثينية قد وجدت في تنظيم الثروة والأعمال التجارية والصناعية تنظيماً معتدلاً طريقة عملية وسطاً بين النزعتين: الاشتراكية والفردية. ولم تخشَ الحكومة الإقدام على هذا التنظيم ووضع القواعد والقيود، فوضعت حداً على لبائنات العرائس؛ ونفقات الجنائز، وملابس النساء. وفرضت الضرائب على التجارة وأخضعتها لإشرافها، ووضعت أنظمة عادلة للمقاييس والموازين، وألزمت الناس بمراعاة واجب الأمانة والشرف على قدر ما تستطيع الحكومات أن تحد من دناءة




صفحة رقم : 2144




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


الطبيعة البشرية. وحددت الحكومة مقادير الصادرات، وسنت قوانين صارمة للحد من جشع التجار والصناع ومعاقبتهم على ما يرتكبون، وفرضت رقابة شديدة على تجارة الحبوب؛ وأصدرت قوانين صارمة لمنع تخزين السلع والتحكم في الأسواق، فحرّمت شراء أكثر من خمسة وعشرين بُشِلاً من القمح دفعة واحدة وأجازت الحكم بالإعدام على مَن يرتكب هذهِ الجريمة. ومنعت إقراض المال على البضائع الخارجة من البلاد إلا إذا حملت السفن في عودتها حبوباً إلى ثغر بيرية، وأوجبت على السفن المملوكة لأهل أثينة والمشحونة بالحبوب أن تأتي بحمولتها إلى بيرية؛ ومنعت تصدير أكثر من ثلث الحبوب التي تصل إلى هذا الثغر. وحرصت أثينة أشد الحرص على ألا ترتفع أثمان الخبز فوق طاقة المستهلكين، وألا يثرى الناس إثراءً فاحشاً من جراء جوع الشعب، وألا يموت أحد من الأثينيين جوعاً، وكانت وسيلتها إلى هذا الاحتفاظ برصيد كاف من الحبوب في مخازن تملكها الدولة، وإغراق السوق بهذهِ الحبوب المخزونة حين ترتفع الأثمان ارتفاعاً سريعاً. ووضعت الدولة قواعد تنظم بها الثروة عن طريق الضرائب والخدمات العامة، وأقنعت الأغنياء أو ألزمتهم أن يتبرعوا بالمال إلى الأسطول وإلى دور التمثيل، وأن يقدموا للدولة المال الذي تساعد به الفقراء من الوجهة النظرية على مشاهدة المسرحيات والألعاب. وفيما عدا هذا كانت أثينة تحمي حرية التجارة، والمكلية الفردية، وفُرَص الكسب، لاعتقادها أنها هي الأدوات الضرورية للحرية الإنسانية، وأنها أقوى حافز على النشاط الصناعي والتجاري، وأكبر عامل على ازدياد الرخاء.
وبفضل هذا النظام ذي النزعة الاقتصادية الفردية، تخفف من حدتها




صفحة رقم : 2145




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> حرب الطبقات


النظم الاشتراكية، ازدادت الثروة في أثينة وانتشرت فيها انتشارا ًيحول بينها وبين الثورة المتطرفة، وبذلك ظلت الملكية الفردية آمنة في أثينة إلى آخر أيامها. وتضاعفت فيها بين عامي 480 و 431 عدد المواطنين ذوي الدخل الذي يمكنهم من العيش الرضي؛ وزادت إيرادات الدولة، وارتفعت نفقاتها، ولكن خزانتها ظلت عامرة أكثر مما كانت في أي عهد سابق من تاريخ اليونان، ووضعت الدعامة الاقتصادية لحرية أثينة، ونشاطها الصناعي، والتجاري، والفني، والفكري، واستطاعت أن تتحمل كل ما ساد العصر الذهبي من إسراف دون أن تنوء بهِ إذا استثنينا من هذا التعميم الحرب التي خربت بلاد اليونان بِقضّها وقضيضها.




صفحة رقم : 2146




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطفولة



"الباب الثالث عشر




أخلاق الأثينيين وآدابهم




الفصل الأوّل




الطفولة


كان يُنتظر من كل مواطن أثيني أن يكون له أبناء، وقد اجتمعت قوى الدين، والملكية، والدولة، كلها لمقاومة العقم. فإذا لم يكن للأسرة أبناء من نسلها كان التبني هو العادة المتبعة، وكانت تؤدى مبالغ طائلة للحصول على أبناء الأيتام، لكن القانون والرأي العام كانا في الوقت نفسه يبيحان قتل الأطفال ويريان فيه وسيلة مشروعة للحد من زيادة النسل ومنع تقسيم الأرض الزراعية تقسيماً يؤدي إلى الفاقة، فكان في وسع كل أب أن يُعرّض طفله للموت بحجة أنه يشك في صحة انتسابه إليه أو أنه ضعيف أو مشوّه. وقلما كان يُسمح لأبناء الأرقاء أن يعيشوا، وكانت البنات أكثر تعريضاً للموت من الأولاد، لأن البنت يجب أن تعدلها بائنة، ولأنها إذا تزوجت انتقلت من بيت الذين ربوها ومن خدمتهم إلى خدمة من لم تكن لهم في تربيتها يد. وكانت الوسيلة المتبعة لتعريض الطفل للموت أن يُترك في إناء من الفخار بجوار هيكل أو مكان آخر حيث يستطاع إنقاذه بعد وقت قليل من تركه إذا رغب أحد في تبنيه. وكان حق الآباء في تعريض أبنائهم للموت سبباً في غلظة قلوب اليونان، وكان هو والانتخاب الطبيعي الصارم عن طريق المنافسة ومعاناة صعاب الحياة، كان هذا وذاك من الوسائل التي جعلت اليونان شعباً سليماً قوياً. ويكاد فلاسفة




صفحة رقم : 2147




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطفولة


اليونان يجمعون على تحبيذ تحديد النسل: فأفلاطون ينادي بتعريض جميع الأطفال الضعفاء ومن يولدون من أبوين منحطين أو طاعنين في السن(1) إلى الجو القاسي؛ وأرسطاطاليس يدافع عن الإجهاض بحجة أنه أفضل من قتل الأطفال بعد أن يولدوا(2). ولم يكن قانون أبقراط الطبي يسمح للطبيب بأن يجهض الحامل، ولكن القابلة اليونانية كانت تحذق هذه العملية، ولا تجد قانون يحول بينها وبين ممارستها(3).
وكان الطفل يقبل في دائرة الأسرة رسمياً في اليوم العاشر بعد مولده أو قبله، ويقام لذلك احتفال ديني خاص في البيت حول موقد النار، يتلقى فيه الهدايا ويسمى باسمه. ولم يكن لليوناني عادة إلا اسم واحد مثل سقراط أو أرخميدس؛ ولكن كانوا من عادتهم أن يسموا أكبر الأبناء باسم جده لأبيه، ولهذا كثر تكرار الأسماء، واختلط التاريخ اليوناني لكثرة ما ورد فيه من أسماء زنوفون، وإسكنيز، وتوكيديدز، وديوجين، وزينون، فكانوا يحاولون التغلب على ما فيها من غموض بإضافة اسم الأب أو اسم مسقط الرأس إلى اسم الشخص فيقولون "كيمون ملتيادو" أي كيمون بن ملتيادس، أو ديودورس صقلوس Diodorus Siculus أي ديودور الصقلي، أو يحلون المشكلة بإضافة أحد ألقاب السخرية المضحكة مثل كَلِمِدون Callimedon أي السرطانْ.
فإذا ما قبل الشخص في الأسرة بهذه الطريقة لم يكن القانون يجيز تعريضه للجو، بل كان يربى محوطاً بكل ما يحيط به الآباء أبناءهم من العناية في جميع العصور، فنرى ثمستكليز مثلاً يصف ابنه بأنه حاكم أثينة الحقيقي، لأنه (ثمستكليز) وهو أعظم رجال أثينة نفوذاً تحكمه زوجته، وهذه الزوجة يحكمها ولدها(6). وفي وسعنا أن نستدل على هذا الحب الأبوي من كثير من المقطوعات الشعرية ذات المغزى الأدبي في دواوين الشعراء.
"لقد بكيت حين ماتت ثيونو Theonoe، ولكن الآمال التي كنت أعلقها




صفحة رقم : 2148




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطفولة


على طفلنا خففت أحزاني، ثم أبَت الأقدار الحسودة إلا أن تحرمني من هذا الولد أيضاً، فواحسرتا! لقد سُلِبتَ مني يا ولدي، وأنت كل ما كان باقياً لي من سلوى؛ ألا فاستمعي يابرسفوني إلى النداء المنبعث من قلب أب حزين، وضعي الطفل فوق صدر أمه الميتة"(7).
وكانت الألعاب كثيرة تخفف مآسي المراهقة، وسوف تبقى هذه الألعاب بعد أن ينسى الناس بلاد اليونان، فترى على وعاء عطر صنع لكي يوضع في قبر طفل، صورة ولد صغير يأخذ عربته الصغيرة معه إلى الدار الآخرة. وكان للأطفال الرضع خشائش من الطين المحروق في داخلها عدد من الحصا؛ وكان للبنات دمى يحتفظن بها في البيت، وكان الغلمان ينازلون جنوداً وقواداً من الطين في مواقع عظيمة؛ وكانت المربيات يؤرجحن الأطفال على الأراجيح؛ وكان الأولاد والبنات يدفعون الأطواق، ويطيرون الطائرات، ويديرون الخذروف الخشبي، ويلعبون لعبة الاستخفاء أو الغميضاء، أو شد الحبل، أو يتبارون في مئات الأنواع من المباريات في الحصا، والبندق، والنقود والكرات. أما "بلي" العصر الذهبي فكان هو الفول الجاف يدفع بالأصابع أو الحجارة الملساء تطلق مسافة بعيدة أو تقذف في داخل دائرة لتزحزح حجارة العدو من أماكنها وتستقر في أقرب وضع مستطاع إلى مركز الدائرة. فإذا اقترب الأطفال من "سن العقل" - أي السنة السابعة أو الثامنة من عمرهم - لعبوا لعبة النرد وذلك برمي الكعاب (Astragali) المربعة، وتعد أعلى رمية لست كعاب أحسن لعبة(9). ألا إن ألعاب الصغار قديمة قدم خطايا آبائهم.




صفحة رقم : 2149




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> التعليم



الفصل الثاني




التعليم


أنشأت أثينة ساحات للألعاب ومدارس للرياضة البدنية، وكان لها بعض الإشراف القليل على المدرسين، ولكن المدينة لم يكن فيها مدارس عامة أو جامعة تديرها الدولة، بل ظل التعليم فيها في أيدي الأفراد. ونادى أفلاطون بأن تنشئ الدولة مدارس(10)، ولكن يلوح أن أثينة كانت تعتقد أن المنافسة حتى في التعليم نفسه كفيلة بأن تثمر أحسن الثمرات. وكان المدرسون المحترفون ينشئون مدارسهم الخاصة يُرسل إليها أبناء الأحرار في سن السادسة. ولم يكن لفظ بيدجوجوس Paidagogos يُطلق عندهم على المعلم، بل كان يسمى به العبد الذي يصاحب الغلام كل يوم في ذهابه إلى المدرسة والعودة منها، ولم نسمع قط عن وجود مدارس داخلية. وكان التلميذ يبقى في المدرسة حتى يبلغ الرابعة عشرة أو السادسة عشرة من عمره، وإلى ما بعد السادسة عشرة إن كان من أبناء الأغنياء(11). ولم يكن في المدارس أدراج بل كان يكتفى فيها بالمقاعد؛ فكان التلميذ يضع على ركبتيه الملف الذي يقرأ منه، أو الصحيفة، أياً كانت مادتها، التي يكتب عليها؛ وكانت بعض المدارس تزدان بتماثيل لأبطال اليونان وآلهتهم، وهي عادة انتشرت فيما بعد انتشاراً واسعاً؛ وكان عدد قليل منها يمتاز بأثاثه الظريف. وكان المدرس يدرس كل المواد، ويُعنى بالأخلاق كما يُعنى بالعقول ويستخدم النعال للتأديب




صفحة رقم : 2150




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> التعليم


وكان منهج الدراسة ينقسم ثلاثة أقسام -الكتابة، والموسيقى، والألعاب الرياضية؛ وأضاف المجددون الحريصون على التجديد في أيام أرسطو إلى هذا المنهج الرسم والتصوير(14). وكانت الكتابة تشمل القراءة والحساب، وكانوا يستخدمون فيها الحروف لا الأرقام. وكان كل تلميذ يتعلم العزف على القيثارة، وكان الكثير من مواد الدراسة يصاغ في عبارات شعرية وموسيقية(15). ولم يكونوا يضيعون شيئاً من الوقت في تعليم أية لغة أجنبية، بله اللغات الميتة، ولكنهم كانوا شديدي العناية بتعلم اللغة الوطنية واستخدامها على أصح وجه. وكانت الألعاب الرياضية تُعَلم أكثر ما تعلم في مدارس الألعاب، ولم يكن أثيني يعد متعلماً إذا لم يتقن المصارعة والسباحة واستعمال القوس والمقلاع.
أما البنات فكن يدرسن في منازلهن وكان تعليمهن يقتصر في الغالب على علم "تدبير المنزل"، ولم يكن للبنات في غير إسبارطة حظ من الألعاب الرياضية العامة. وكانت أمهاتهن يعلمنهن القراءة والكتابة والحساب، والغزل والنسيج والتطريز، والرقص والغناء، والعزف على بعض الآلات الموسيقية؛ ومن النساء اليونانيات عدد قليل تعلمن تعليماً عالياً، ولكنهن في الغالب من المؤنسات، أما النساء المحترمات فلم يكن تعليمهن يتجاوز المرحلة الابتدائية حتى أغرت أسبازيا Aspasia عدداً قليلاً منهن على تعلم فنون البلاغة والفلسفة. وكان الرجال يتعلمون التعليم العالي على يد علماء البلاغة والسوفسطائيين، يلقنونهم فن الخطابة، والعلوم الطبيعية، والفلسفة والتاريخ. وكان هؤلاء المدرسون المستقلون يستأجرون قاعات للمحاضرات بالقرب من مدارس الألعاب الرياضية، وكان يتألف منهم من قاعاتهم هذه في أثينة قبل أفلاطون جامعة متفرقة. وكان ذوو الثراء وحدهم هم الذي يتعلمون على أيديهم، لأنهم كانوا يتقاضون أجوراً عالية، ولكن ذوي الطموح من الشبان غير ذوي اليسار كانوا يعملون ليلاً في المصانع أو الحقول حتى يستطيعوا أن يحضروا في النهار دروس هؤلاء المعلمين المتنقلين.




صفحة رقم : 2151




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> التعليم


فإذا بلغ الأولاد السادسة عشرة من عمرهم، كان يُنتظر منهم أن يعتنوا عناية خاصة بالتربية البدنية التي تعدهم بعض الإعداد إلى الأعمال الحربية، وكانت ألعابهم العادية نفسها تعدهم من طريق غير مباشر لهذا الغرض عينه؛ فقد كانوا يُدربون على العدو، والقفز، والمصارعة، والصيد، وسوق المركبات، وقذف الحراب. وإذا بلغوا الثامنة عشرة من عمرهم بدءوا المرحلة الرابعة من مراحل الحياة الأثينية (الطفولة، والشباب، والرجولة، والكهولة (Geron, Auer, Ephebos, Pais) وفيها ينخرطون في صفوف شبان أثينة المجندين المعروفة بمنظمات الشباب Epheboi . وكانوا في هذه المرحلة يدربون مدى عامين على أيدي "مدربين"، يختارهم لهم زعماء قبائلهم، على القيام بالواجبات الوطنية والعسكرية. فكانوا يعيشون ويأكلون مجتمعين، ويلبسون حُللاً رسمية ذات روعة وبهاء، ويخضعون بالليل والنهار لرقابة خلقية. وكانوا ينظمون أنفسهم تنظيماً ديمقراطياً على نمط نظام المدينة، فيجتمعون في جمعية وطنية، ويصدرون قرارات، ويسنون قوانين يتقيدون بها، ويكون لهم منهم حكام، وزعماء، وقضاة(16).وكانوا في السنة الأولى يخضعون لنظام صارم من التدريب الرياضي، ويتلقون محاضرات في الآداب، والموسيقى، والهندسة النظرية، وعلوم البلاغة(17). وفي التاسعة عشرة من عمرهم يُرسلون لحماية الحدود، ويُعهد إليهم مدى عامين حماية المدينة من الغزو الخارجي والاضطراب الداخلي. وكانوا في هذه المرحلة يقسمون أمام مجلس الخمسمائة، وأيديهم ممتدة فوق مذبح الهيكل في أرجولوس Argaulos، يميناً مغلظة هي يمين الشباب الأثيني:
"لن أجلل بالعار الأسلحة المقدسة، ولن أتخلى عن الرجل الذي إلى جانبي




صفحة رقم : 2152




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> التعليم


أياً كان، وسأقدم المعونة إلى طقوس المدينة، وإلى الواجبات المقدسة، بمفردي ومع الكثيرين غيري. ولن تكون بلادي حين أسلمها إلى من يأتي بعدي أقل مما كانت حين تسلمتها، بل ستكون أكبر وأحسن مما كانت وقئذ. وسأطيع من يتولون القضاء حيناً بعد حين، وأخضع للقوانين المسنونة، ولكل ما يضعه الأهلون من أنظمة؛ وإذا ما حاول أحد أن يفسد هذه القوانين، فلن أسمح له بذلك العمل، بل أدفعه بمفردي وبمعونة الجميع؛ وسأكرم دين السلف"(18).
وكان للشباب مكان خاص في دار التمثيل، وكان لهم شأن ظاهر في مواكب المدينة الدينية؛ ولعل هؤلاء الشبان هم الذين زي صورهم الجميلة منقوشة على طنف البارثنون يمتطون صهوة الجياد. وكانوا في أوقات معينة يعرضون ما يتحلون به من صفات في مباريات عامة، وبخاصة في سباق التتابع بالمشاعل من بيريه إلى أثينة. وكانت المدينة على بكرة أبيها تخرج لمشاهدة هذا المنظر الجميل، فيصطف أهلها على طول الطريق البالغ أربعة أميال ونصف ميل. ويجري السباق ليلاً، والطريق غير مضاء، فلا يرى الناس من العدائين إلا أنوار المشاعل التي يحملونها وتقفز من يد إلى يد على طول الطريق. وبعد أن يتم تدريب الشباب في الحادية والعشرين من عمرهم، يتحررون من سلطان الآباء، وينتظمون رسمياً في سلك مواطنية المدينة الكاملة.
هذه هي التربية التي تنشئ المواطن الأثيني، أساسها الدروس التي تلقاها في المنزل وفي الطريق. وهي مزيج صالح جميل من التدريب الجسمي، والعقلي، يقوي في الشاب حاسة الجمال، ويفرض الرقابة في سن الشباب، ويعطيه حريته إذا ما نضج. وقد أخرجت في أحسن عهودها شباناً لا يفوقهم شبان آخرون في التاريخ كله. فلما انقضى عصر بركليز كثرت النظريات حتى طغت على الناحية العملية في هذه التربية، فاحتدم النقاش بين الفلاسفة حول




صفحة رقم : 2153




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> التعليم


أهداف التربية ووسائلها، هل يوجه المدرس أكبر همه إلى التربية العقلية أو الخلقية، وهل يُعنى أكبر العناية بتنمية الكفاية العملية، أو بتعليم العلوم النظرية البحتة. لكنهم كلهم مجمعون على أن مكانة التربية هي أسمى مكانة في البلاد، ولما أن سُئل أرستبس Aristippus بماذا يمتاز المتعلم عن الجاهل أجاب: "بما يمتاز به الجواد المروض على الجواد الجموح"؛ وأجاب أرسطاطاليس عن هذا السؤال نفسه بقوله: "بما يمتاز به الحي على الميت"، ويضيف أرستبس إلى قوله السابق: "حسب التعليم فضلاً على التلميذ أنه حين يشهد التمثيل لن يكون حجراً فوق حجر"(19).




صفحة رقم : 2154




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المظهر الخارجي



الفصل الثالث




المظهر الخارجي


كان مواطنو أثينة في القرن الخامس رجالاً متوسطي القامة، أقوياء البنية، ملتحين؛ ولم يكونوا كلهم من الوسامة كما صورهم فيدياس في فرسانه. وكانت النساء كما تراهُنَّ على المزهريات رشيقات الجسم، وتُظهرهن صورهن على الألواح الحجرية حِساناً ذوات وقار، وهن في التماثيل بارعات الجمال. أما نساء أثينة في حقيقة أمرهن فكن يضارعن في الجمال أخواتهن من نساء الشرق الأدنى ولا يفقنهن قط، وقد كانت عزلتهن التي تكاد تشبه عزلة النساء الشرقيات سبباً في نقص نموهن العقلي. واليونان يعجبون بالجمال أكثر مما تعجب به سائر الأمم، ولكن هذا الجمال لا يتمثل قط فيهن بأكمل معانيه، وكانت نساؤهم كغيرهن من النساء يرين أنهن لم يبلغن حد الكمال في هذه الناحية، ولهذا تراهن يزدن طولهن بنعال عالية من الفلين، ويصلحن ما في أجسامهن من العيوب بالحشايا، ويضغطن ما زاد فيها بالأربطة، ويرفعن أثداءهن بحاملات من القماش .
وشعر اليونان أسود عادة، والشعر الأشقر نادر، وإذا وجد كان موضع الإعجاب. وكانت كثيرات من النساء يصبغن شعرهن ليكسبنه هذه الشقرة أو ليخفين شيبهن إذا كبرن، وكان بعض الرجال يحذون حذوهن في هذا(22). وكانوا جميعاً رجالاً ونساءً يدهنون رؤوسهم بالزيت، يستعينون به على نماء شعرهم ووقايته من تأثير الشمس؛ وكانت النساء يخلطن الزيت ببعض العطور




صفحة رقم : 2155




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المظهر الخارجي


ويقلدهن في ذلك بعض الرجال(23). وكانوا جميعاً رجالاً ونساءً في القرن السادس قبل الميلاد يطيلون شعرهم ويجدلونه غدائر حول الرأس أو خلفها، فلما كان القرن الخامس أخذت النساء يصففن شعرهن ويعقصنه وراء رقابهن، أو يتركنه ينوس على أكتافهن، أو يطوينه حول الأعناق وفوق الصدور. وكان النساء يحببن ربط شعرهن بأشرطة رمادية اللون تزدان بجوهرة فوق الجبهة(24). ثم أخذ الرجال بعد مرثون يقصون شعرهم، كما أخذوا بعد الإسكندر يحلقون شواربهم ولحاهم بأمواس من الحديد على شكل المنجل. ولم يكن اليوناني يطيل شاربه من غير أن يطيل لحيته، وكان يعنى بتسوية لحيته حتى تنتهي عادة بطرف رفيع. ولم يكن عمل الحلاق مقصوراً على قص الشعر أو حلق اللحية أو تسويتها، بل كان يعنى إلى ذلك بتدريم الأظافر وتجميل من يتقدم إليه في أعين الناس، وكان إذا فرغ من عمله قدم إليه مرآة كما يفعل الحلاقون في هذه الأيام(25). وكان للحلاق حانوته، وكان هذا الحانوت "مجمعاً لغير المخمورين" (كما يسميهم ثيوفراسطس) يتناقلون فيه أخبار الناس ومعايبهم، ولكنه كان في كثير من الأحيان يقوم بعمله خارج حانوته في العراء. وكان الحلاق ثرثاراً بحكم مهنته، ويروى أن حلاقاً سأل الملك أركلوس كيف يجب أن يقص شعره فأجابه الملك "في صمت"(26). وكانت النساء أيضاً يحلقن الشعر من بعض أجزاء جسمهن، ويستخدمن في هذا أمواساً أو أدهان مصنوعة من الزرنيخ والجير.
وكانت العطور - المصنوعة من الأزهار مخلوطة بالزيت - تعد بالمئات، ويشكو سقراط استعمال الرجال لهذه العقاقير(27). وكان لكل سيدة راقية عدة كبيرة من المرايا، والدبابيس العادية والإنجليزية، ودبابيس الشعر، والملاقط، والأمشاط، وقنينات العطور، وأواني الأصباغ الحمراء،




صفحة رقم : 2156




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المظهر الخارجي


والأدهان.وكن يصبغن خدودهن، وشفاههن بعصي من السلقون وجذور الشنجار . أما الحواجب فكانت تصبغ بسناج المصابيح أو بمسحوق الإثمد، وتلون الجفون بالإثمد، وتسود الرموش ثم تطلى بمزيج من زلال البيض والأشق . وكانت الأدهان ومحاليل الغسل تستخدم لإزالة التجاعيد والنمش والبقع من الوجه والجسم. وكانت بعض الأدهان المؤلمة تبقى على الجسم ساعات طوالاً لكي تظهر المرأة في أعين الناس جميلة إن لم تكن جميلة بطبيعتها. وكان زيت المصطكى يستخدم لمنع العرق، وكانت مراهم معطرة خاصة توضع على أجزاء مختلفة من الجسم. وكانت المرأة ذات الشأن تدهن وجهها وصدرها بزيت النخيل وحاجبيها وشعرها بالبردقوش، وعنقها، وركبتيها بخلاصة الصَّعتر؛ وذراعيها بخلاصة النعناع، وساقيها وقدميها بالمُر(28). وكان الرجال يحتجون على هذه الأسلحة المغرية، ولكن احتجاجهم لم يكن له من النتائج أكثر من احتجاج أمثالهم في أي عصر من العصور. من ذلك أن إحدى الشخصيات في مسلاة أثينة تعير سيدة بتعداد ما تستخدمه من الأدهان والأصباغ الكثيرة فتقول: "إذا خرجتِ في الصيف تحدر من عينيكِ خطان أسودان، وجرى نهر أحمر من خديكِ إلى عنقكِ، وإذا مس شعرُكِ وجهَك أبيض من الرصاص الأبيض"(29). إن النساء يبقين كما هن لأن الرجال لا يتغيرون.
وكانت المياه قليلة فكانت النظافة تتطلب وسائل أخرى غير المياه، فأما الأغنياء فكانوا يستحمون مرة أو مرتين في اليوم، ويستخدمون في استحمامهم صابوناً مصنوعاً من زيت الزيتون معجوناً بمادة قلوية، ثم يتعطرون.




صفحة رقم : 2157




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المظهر الخارجي


وكان البيت الراقي يشتمل على حمام مبلط، به حوض كبير من الرخام يُحمل إليه الماء عادة باليد، وكانت المياه أحياناً تُنقل في أنابيب وقنوات إلى البيت مخترقة جدران الحمام، ثم تندفع من صنبور معدني في صورة رأس حيوان، وتسقط على أرض الحمام الرشاش وتجري بعدئذ إلى الحديقة(30).
وأما الكثيرون من الأهلين الذين لا تتوافر لديهم المياه للاستحمام فكانوا يدلكون أجسامهم بالزيت ثم يزيلونه بمكشط هلالي الشكل كما نرى ذلك في تمثال أبكسيمنس Apoxyomenos للمَثال ليسبس Lysippus. ولم يكن اليوناني شديد الحرص على النظافة، ولم تكن أهم وسائله للمحافظة على صحته هي العناية بها داخل المنزل، بل كان أهمها الاقتصاد في المأكل والحياة الخارجية النشطة. وكان يندر أن يجلس داخل الدور والملاهي والمعابد والأبهاء المغلقة الأبواب، وقلما كان يعمل في المصانع أو الحوانيت المقفلة. وكانت مسرحياته وعباداته، وحتى حكومته في ضوء الشمس، وكان في وسعه أن يخلع عن جسمه ملابسه البسيطة التي يصل منها الهواء إلى جميع أجزائه، ولا يكلفه خلعها أكثر من التلويح بذراعيه، للقيام بجولة مصارعة، أو التمتع بحمام شمس.
وكانت ملابس اليوناني تتكون من قطعتين مربعتين من القماش ملفوفتين في غير إحكام حول الجسم، وقلما كانتا تفصلان لتوائما لابساً بعينه. وكانتا تختلفان في بعض تفاصيلهما الصغرى في المدن المختلفة، ولكنهما ظلتا بحالهما عدة أجيال. وكان أهم رداء للرجال في أثينة هو القباء Tuuic، وأهمه للنساء هو المئزر Peplos، المصنوعين من الصوف. فإذا كان الجو يتطلب التدفئة غطيا بعباءة أو برنس معلق مثلهما من الكتفين يتدلى في غير كلفة في تلك الثنايا الطبيعية التي تسر العين حين تقع عليها في التماثيل اليونانية. وكانت الملابس في القرن الخامس بيضاء اللون في العادة، غير أن النساء، وأغنياء من الرجال، والشبان المتأنقين، كانوا يعمدون إلى تلوينها؛ ولم يكونوا يستنكفون من لبس الثياب القرمزية أو الحمراء الداكنة، أو ذات الخطوط




صفحة رقم : 2158




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المظهر الخارجي


المختلفة الألوان والحواشي المطرزة. وكانت النساء في بعض الأحيان يتمنطقن بمناطق ملونة. ولم تكن القبعات مرغوباً فيها لأنها كانت في رأيهم تمنع رطوبة الجو عن الشعر فيشيب قبل الأوان(31)؛ ولم يكن الرأس يغطى إلا في أثناء السفر، والقتال، أو العمل في أشعة الشمس الحارة. وكانت النساء في بعض الأحيان يغطين رؤوسهن بمناديل أو عصابات ملونة، وكان العمال في بعض الأوقات يغطون رؤوسهم بقلنسوات ويتركون سائر الجسم عارياً(32). أما الأحذية فكانت أخفافاً (صنادل)، ونعالاً طويلة أو قصيرة تصنع عادة من الجلد، سوداء اللون للرجال وملونة للنساء. ويقول دسياركس Dicaerchus إن نساء طيبة يحتذين أحذية قصيرة أرجوانية ذات شرائط تظهر منها القدم العارية(33). وكان معظم الأطفال والعمال لا يحتذون شيئاً مطلقاً، ولم يكن أحد يعنى بلبس الجوارب(34).
وكان الأهلون، رجالاً ونساء، يخفون دخلهم أو يعلنوه للناس بالحلي والجواهر، فكان الرجل يلبس عدة خواتم(35). وكانت عصي الرجال تنتهي في أعلاها بكريات من الفضة أو الذهب. وكانت النساء يتحلين بالأساور، والقلائد، والأكاليل من الجواهر، والأقراط، ودبابيس الصدر، والعقود، والمشابك ذات الجواهر؛ وكان لهن في بعض الأحيان أربطة محلاة بالجواهر حول أعقابهن أو في سواعدهن. وكانت الطبقات التي تسرف في الترف في هذه البلاد هي الحديثة الثراء كما تفعل أمثالها في جميع البلاد التي تسودها الثقافات التجارية. وكانت إسبارطة تحدد أنواع أغطية الرأس لنسائها، كما كانت أثينة تحرم على النساء أن يأخذن معهن في أسفارهن أكثر من ثلاث مجموعات من الثياب(36). غير أن النساء كن يسخرن من هذه القيود، ويتهربن منها دون أن يستعِنَّ على ذلك الهرب بالمحامين. ذلك أنهن كن يعرفن أن قيمة المرأة عند معظم الرجال وعند النساء إنما تقدر بملابسها؛ وكان مسلكهن في هذه الناحية يكشف عن حكمة تجمعت لهن في خلال آلاف من القرون الطوال.




صفحة رقم : 2159




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المبادئ الأخلاقية



الفصل الرّابع




المبادئ الأخلاقية


لم يكن الأثينيون في القرن الخامس مثلاً طيباً في حسن الخلق، وذلك لأن ارتقاء عقولهم قد أحل الكثيرين منهم من تقاليدهم الأخلاقية، وجعل منهم أفراداً يكادون يكونون لا خلاق لهم. نعم إنهم قد اشتهروا بعدلهم القضائي، ولكنا قلما نراهم يؤثرون على أنفسهم أحداً غير أبنائهم، وقلما يشعرون بوخز الضمير، أو يفكرون قط في أن يحبوا جيرانهم كما يحبون أنفسهم. وتختلف آدابهم باختلاف طبقاتهم، ففي محاورات أفلاطون نرى الحياة تجملها الرقة الخلابة أما في ملاهي أرسطوفان فالآداب لا وجود لها قط؛ وفي الخطب العامة نرى السباب الشخصي هو روح البلاغة. ولقد كان "البرابرة" الذين هذبهم الدهر في مصر وفارس وبابل أرقى من اليونان كثيراً في هذه الناحية. وكانت التحيات عند الالتقاء ودية قلبية ولكنها بسيطة، فلم يكن فيها انحناءات لأن هذا كان يبدو للمواطنين بقية من بقايا الملكية البائدة. وكان السلام باليد مقصوراً على الحلف أو الوداع؛ أما التحية العادية فلم تكن تزيد على قولهم "ابتهج" (Chaire) تتبعها كما تتبعها عند غيرهم إشارة طريفة إلى الجو(37).
وقل إكرام الضيوف بعد أيام هومر لأن الأسفار أصبحت آمن بعض الشيء مما كانت في ذلك الوقت، ولأن النزل كانت تقدم الطعام والمأوى للمسافرين؛ غير أن كرم الضيافة ظل مع ذلك من فضائل الأثينيين البارزة. وكانوا يرحبون بالغرباء ولو لم يقدمهم إليهم أحد؛ فإذا جاء الغريب بخطاب من صديق له ولمن جاء إليه، قدم له الطعام والمأوى، وربما قدمت له عند رحيله بعض الهدايا. وكان من حق الضيف المدعو إلى طعام أن يصحب




صفحة رقم : 2160




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المبادئ الأخلاقية


معه ضيفاً غير مدعو. وكانت حرية الدخول إلى منازل الغير سبباً في قيام طائفة من الطفيليين على مر الأيام. وكانت الكلمة المستعملة في هذا المعنى Paraisitoi تطلق في الأصل على الكهنة الذين يأكلون "الحب الباقي" من مقررات المعابد. وكان الأغنياء أسخياء في عطائهم الخاص والعام. وكانت عادة العطف على الإنسانية عادة اليونان فعلاً واسماً، واللفظ الذي يطلق عليها Philanthropy من أصل يوناني. وكان التصدق - Charitas أي الحب - من طباعهم، وكان لديهم هيئات للعناية بالغرباء والمرضى، والفقراء، والطاعنين في السن(38). وكانت الحكومة تقرر معاشات للجرحى من الجنود وتربي أيتام الحرب على نفقة الدولة؛ ولما حل القرن الرابع قبل الميلاد قررت مرتبات للعمال العاجزين عن العمل(39). وكانت الدولة تدفع في أوقات الجدب، والحرب، وغيرها من الأزمات إعانة يومية قدرها أبولتان (34slash100 من الريال الأمريكي) للمحتاجين، تضاف إلى ما كانت تعطيه كلاً منهم لحضور الجلسات الجمعية، والمحاكم، ومشاهدة التمثيل. ولم تكن هذه الإعانات تخلو من الفضائح المعتادة، فهاهو ذا ليسياس يذكر في خطبة له رجلاً يتقاضى إعانة من الأموال العامة، مع أن له أصدقاء من الأغنياء، ويكسب مالاً من عمله اليدوي، ويركب الخيل للرياضة(40).
ولعلك كنت إذا سألت اليوناني قال لك: إن الأمانة أحسن سياسة، ولكنه كان في حياته العملية يجرب كل الوسائل الأخرى أولاً. فترى المغنين في مسرحية فلكتيتس Fhiloctetes لسفكل يظهرون أعظم العطف على الجندي الجريح الذي تخلى عنه رفقاؤه، ثم ينتهزون فرصة غفوته فيشيرون على نيوبتلموس Neoptolemus أن يغدر به ويسرق سلاحه، ويتركه بعدئذ لمصيره. وكان كل الناس يشكون من أن بائع الأشتات الأثيني يغش بضاعته، ويخسر الكيل والميزان، وينقص ما بقي للمشتري من نقود على الرغم




صفحة رقم : 2161




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المبادئ الأخلاقية


من مفتشي الحكومة، ويحول مرتكز الميزان نحو الكفة التي بها الموزون(40أ)، ويكذب كلما سنحت له الفرصة؛ وهو متهم بأخذ الوذم من الكلاب(41). ويطلق كاتب مسرحي هزلي على بائعي السمك اسم "السفاحين" ويسميهم كاتب أرحم بهم منه "لصوصاً" (42). ولم يكن رجال السياسة خيراً من هؤلاء كثيراً؛ فلا نكاد نرى رجلاً ذا شأن في الحياة الأثينية العامة لم يتهم بالالتواء(43)، وإذا وجد فيهم رجل شريف مثل أرستيدبز عد من خوارق الطبيعة، يكاد يبلغ حد البشاعة، وحتى ديوجين نفسه بمصباحه الذي يسير به في النهار يعجز عن أن يعثر على رجل آخر شريف. ويقول توكيديدز إن الرجال كانوا أكثر حرصاً على أن يوصفوا بالحذق من أن يوصفوا بالأمانة، ويظنون أن الأمانة هي السذاجة(44). وكان من أيسر الأمور أن تجد اليونان يخونون وطنهم. وفي ذلك يقول بوزنياس: "لم يكن ينقص بلاد اليونان في أي وقت من الأوقات رجال مصابون بهذا الداء داء الخيانة"(45). وكانت الرشوة هي السبيل المألوفة للرقي، ولفرار المجرمين من العقاب، ولنيل المطالب الدبلوماسية. وحصل بركليز على مبالغ طائلة من المال للخدمات السرية، وأكبر الظن أنه استخدمها لتيسير أسباب المفاوضات الدولية. وكانت المبادئ الأخلاقية قبلية الطابع إلى أقصى حد، وينصح زنوفون في رسالة له في التربية بالالتجاء الصريح إلى الكذب والسرقة في معاملة أعداء البلاد(46). ويدافع الرسل الأثينيون الذين وفدوا إلى إسبارطة في عام 432 عن إمبراطوريتهم بتلك العبارات الصريحة: "لقد كان القانون السائد على الدوام أن يخضع القوي للضعيف...ولم يسمح أحد بأن تقف المطالبة بالعدالة في سبيل المطامع إذا لاحت للتخلص فرصة كسب شيء ما قوة




صفحة رقم : 2162




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المبادئ الأخلاقية


واقتداراً"(47). ولا يبعد أن تكون هذه الفقرة هي وخطب الزعماء الأثينيين في ميلوس(48) من خيال توكيديدز الفلسفي أثارتها أقوال بعض السوفسطائيين الساخرة؛ ومن أجل هذا فإن الحكم على اليونان من أخلاق جورجياس، وكلكليز Callicles، وثرازيماكوس Thrasymachus التي تخالف العرف المألوف لا يكون فيه من العدالة أكثر مما في وصف الأوربيين المحدثين بالاستناد إلى أقوال مكيفلي، ورشفوكول، ونتشة، واسترنر Stirner الشاذة الغريبة. ولسنا نحب أن نقول ماذا في هذا الحكم من عدالة. ومما يدل على أن اليونان يرون أنهم أرقى من أن يتقيدوا بهذه القيود الأخلاقية أن الإسبارطيين لا يترددون في موافقة الأثينيين على هذه الطائفة من نقط الخلاف الأخلاقية. ولما أن استولى فوبداس Phoebidas اللسديموني على قلعة طيبة غدراً وخيانة على الرغم من معاهدة الصلح المعقودة مع الطيبيين، وسُئل أجسلوس Agesilus ملك إسبارطة عما في هذا العمل من العدالة أجاب بقوله: "ليس لك إلا أن تسأل هل هو نافع أو غير نافع، لأن العمل النافع لبلدنا هو العمل الصالح". وكثيراً ما كانت تُخرق شروط الهدنة، وتُنقض العهود الصريحة، وتُقتل الوفود(49). على أننا نعود فنقول: إن اليونان قد لا يختلفون عنا إلا في صراحتهم لا في مسلكهم، ذلك أن تفوقنا عنهم في الرقة يجعلنا نستنكف أن ندعو جهرة إلى ما نفعل.
ولم يكن للعادة والدين إلا أثر قليل في كبح جماح المنتصرين في الحرب. ولقد كان من الأمور المألوفة، حتى في الحروب الأهلية، أن تُنهب المدن المفتوحة، وأن يُقتل جميع الجرحى، وأن يُذبح جميع أسرى الحرب أو من يُقبض عليهم من غير المحاربين، أو أن يُتخذوا عبيداً إذا لم يُفتدوا، وأن تُحرق البيوت، وأشجار الفاكهة، والمحصولات الزراعية، وأن تُباد الحيوانات، وتُتلف البذور لكيلا تُزرع في المستقبل(50). وقد ذبح الإسبارطيون في بداية حرب البلوبونيز كل من وجدوهم من اليونان في البحر




صفحة رقم : 2163




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المبادئ الأخلاقية


وعاملوهم معاملة الأعداء، سواء من أحلاف أثينة أو من المحايدين(51)، وقتل الإسبارطيون في معركة إيجسبوتامي Aegospotami التي انتهت بها هذه الحرب، ثلاثة آلاف من الأسرى الأثينين(52) - ويكاد هؤلاء أن يكونوا صفوة المواطنين الأثينيين الذين قضت الحرب على الكثيرين منهم. وكانت الحرب من نوع ما - حرب مدينة ضد مدينة، أو طبقة ضد طبقة - هي الحالة المألوفة العادية في بلاد اليونان. وعلى هذا النحو أخذت هذه البلاد التي هزمت ملك الملوك يقاتل بعضها بعضاً، فيلقى اليوناني اليوناني في ألف موقعة، ولم يكد يمضي قرن واحد على معركة مرثون حتى أخذت الحضارة اليونانية، وهي أزهى حضارات التاريخ على الإطلاق، تفني نفسها بهذا الانتحار القومي الطويل الأمد.




صفحة رقم : 2164




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطِباع



الفصل الخامِس




الطباع


إذا كان هؤلاء الأقوام المتخاصمون الطائشون لا يزالون يخلبون عقولنا ويستدرون عطفنا، فما ذلك إلا لأنهم يسترون خطاياهم وعيوبهم المكشوفة بما طبعوا عليه من قوة المغامرة والذكاء التي تبعث البهجة في النفوس. لقد كان قرب البحر من الأثينيين، وما أتاحه لهم هذا القرب من فرص تجارية نادرة، وحرصهم على الحرية في حياتهم الاقتصادية والسياسية، مما جعل الأثيني إنساناً مرن العقل والطبع، سريع التهيج والحساسية إلى أقصى حد. ألا ما أعظم ما يتبينه الإنسان من تغير الطباع حين ينتقل من الشرق إلى أوربا، فهو ينتقل من الأصقاع الجنوبية الوسنانة إلى أقاليم وسطى في شتائها من البرودة ما يكفي لبعث النشاط دون ركود، وفي صيفها من الدفء ما يطلق القوى دون أن يضعف الجسم والروح. هنا يكون الإيمان بالحياة وبالإنسان، والتحمس للحياة تحمساً لا نجد له نظيراً قبل عصر النهضة.
من هذا الوسط المنبه المنشط تنبعث الشجاعة وتنبعث الثورة العاطفية البعيدة كل البعد عن فضيلة ضبط النفس (Saphrosyne) التي يدعو إليها الفلاسفة دون جدوى، وعن الرصانة التي يعزوها الشاب ونكلمان Winckelmann والشيخ جوته إلى اليونان العاطفيين القلقين. ليست المثل العليا لأية أمة من الأمم عادة إلا ستاراً يخفي عن الأعين الفاحصة حقيقة أمرها، ولذلك فإن الواجب يقضي بألا تعد من الحقائق التاريخية. إن الشجاعة والاعتدال - أو الرجولة (Andreia) وعدم الإفراط في شيء ما (Meden agan) إذا شئت الألفاظ التي نقشت على جدران معبد دلفي - شعار اليوناني؛ وهو يحقق أولهما في كثير




صفحة رقم : 2165




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطِباع


من الأحوال أما ثانيهما فلا يحققه من اليونان إلا الفلاحون، والفلاسفة، والقديسون. أما الأثيني العادي فهو رجل شهواني ولكنه رجل ذو ضمير حي، لا يرى خطيئة في ملاذ الجسم ويجد فيها الجواب العاجل للتشاؤم الذي يخيم عليه في فترات تفكيره. وهو مغرم بالخمر ولا يستحي أن يسكر منها بين الفينة والفينة، ويحب النساء حباً جثمانياً لا يكاد يشعر بأن فيه خطيئة ما، ولا يجد حرجاً في أن يعفو عن نفسه بعد أن يرتكب خطيئة الاختلاط الجنسي الشاذ، ولا يرى أن تنكب طريق الفضيلة كارثة لا يمكن النجاة منها. ولكنه رغم هذا يخفف الخمر بإضافة ثلاثة أقداح من الماء لكل قدحين منها، ويرى أن تكرار السكر مخالف لمقتضيات الذوق السليم؛ وهو يعظم الاعتدال بل يعبده مخلصاً في عبادته إياه، ولكنه قلما يسير عليه في حياته العملية، ويصوغ مبدأ السيطرة على النفس صياغة لا تجاريها في الوضوح صياغة أي شعب آخر في التاريخ لهذا المبدأ السامي. إن الأثينيين أذكى من أن يكونوا صالحين ويسخرون من البلاهة أكثر مما يمقتون الرذيلة، وليسوا كلهم حكماء؛ وليس لنا أن نتصور أن نساءهم كلهن حِسان مثل نسكا Nausica، أو أن فيهن من أسباب الجلال ما في هلن؛ كما لا يحق لنا أن نتصور أن رجالهم يجمعون بين شجاعة أجاكس وحكمة نسطور. لقد حفظ لنا التاريخ أسماء عباقرة اليونان وغفل عن ذكر بلهائهم (عدا نيشياس Nicias)؛ وقد يبدو عصرنا نفسه عظيماً حين ينسى معظمنا، ولا ينجو من هذا النسيان إلا الشوامخ منا. وإذا أخرجنا من حسابنا ما يبعثه قدم العهد في القلوب من عطف وحنان على الأقدمين، بقي أن نقول إن الأثيني العادي لا يقل دهاء عن الشرقي، ولا يقل شغفاً بالجدة عن الأمريكي، متشوف طلعة على الدوام، لا ينقطع عن الحركة والانتقال، ولا ينفك ينادي بالهدوء البرمنيدي ، ولكنه مضطرب مهتاج مثل هرقليطس. ولم يكن لشعب قبل الأثينيين ما كان لهم من قوة الخيال أو




صفحة رقم : 2166




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطِباع


فصاحة اللسان؛ ولقد كان التفكير الواضح والتعبير الخالي من الغموض يبدوان للأثيني من الصفات القدسية، فلم يكن يطيق التشويش والارتباك العلمي، ويرى أن الحديث الدقيق القائم على المعرفة والذكاء أرقى متع الحضارة. ولقد كان سبب ما امتاز به التفكير وما امتازت به الحياة من غزارة وقوة، أن اليوناني كان يرى أن الإنسان هو المقياس الذي تقدَّر به الأشياء جميعها؛ فالأثيني المتعلم يعشق العقل، وقلما كان يشك في قدرته على إدراك العالم وتصويره؛ وكان حب المعرفة والرغبة في الفهم أنبل عواطفه وأعظم مشتهياته؛ وكان شغفه بهما شغفاً مسرفاً قوياً كشغفه بغيرهما. ولقد كشف فيما بعد أن للعقل الإنساني والجهود البشرية حدوداً يقفان عندها ولا يتخطيانها، وكان من الطبيعي أن يكون رد الفعل المترتب على هذا الكشف أن تنتابه حالة من التشاؤم عجيبة لا تتفق قط مع بهجته ومرحه. وحتى في العصر الذي بلغ فيه إنتاجه الفكري غايته، كانت آراء أعمق مفكريه - وهم كتاب المسرحيات لا الفلاسفة - تشوبها عقيدته في أن بهجة الحياة خداعة قصيرة الأجل، وأن الموت رابض له متربص به.
وكانت روح البحث هي التي أنشأت علوم اليونان، كما كان الحرص على الاستحواذ منشأ حياتهم الاقتصادية والعامل المسيطر عليها. وفي هذا المعنى الأخير يقول أفلاطون مبالغاً كعادة علماء الأخلاق: "إن حب الثراء يستحوذ كل الاستحواذ على قلوب الرجال، فلا يفكرون إلا في أملاكهم الخاصة، التي تتعلق بها نفس كل مواطن"(53). فالأثينيون في حقيقة أمرهم حيوانات متنافسة، وبهذه المنافسة القاتلة التي لا هوادة فيها ولا رحمة، يحفز بعضهم همم بعض. وهم على جانب كبير من الذكاء، ولا يقلون دهاءً واحتيالاً عن الساميين، وهم صلاب الرأي صلابة العبرانيين كما وصفتهم التوراة، وهم مثلهم مشاكسون، معاندون، متكبرون، كثيرو اللجاج والمساومة




صفحة رقم : 2167




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطِباع


في البيع والشراء، لا يتركون نقطة في حديثهم من غير جدل ومناقشة؛ إذا عجزوا عن محاربة غيرهم من الأمم تحاربوا فيما بينهم. وليسوا على جانب كبير من رقة العواطف، يعيبون على يوربديز دموعه في مسرحياته، يشفقون على الحيوان ويقسون على الإنسان: فهم يعذبون العبيد دون ذنب، ويخيل إلى من يراهم أنهم ينامون ملء جفونهم بعد أن يذبحوا جميع من في المدينة من غير المحاربين، ولكنهم مع ذلك يكرمون العاجز والفقير؛ ودليلنا على ذلك أنه لما علمت الجمعية أن حفيدة أرستجيتون Aristogeiton قاتل الطغاة تعيش في لمنوس فقيرة معدمة، أمدتها بالمال ليكون لها بائنة ولتحصل به على زوج لها. وكان المظلومون المضطهدون من المدن الأخرى يجدون في أثينة ملجأ يحميهم ويعطف عليهم.
والحق أن الأثيني لم يكن يفكر في الأخلاق كما نفكر فيها نحن الآن. فهو لا يأمل أن يكون له ما للصالحين من أفراد الطبقة الوسطى من ضمير، أو ما للأشراف من شعور بالشرف، بل يرى أن أحسن الحياة هي الحياة الكاملة، المليئة بالصحة، والقوة، والجمال، والانفعال، والثراء، والمغامرة، والتفكير. والفضيلة عنده هي الرجولة (Arete) - أو الحربية كما كان معنى اللفظ في بادئ الأمر - والتفوق (Ares أي المريخ)، وهي تقابل بالضبط كلمة Viritus عند الرومان ومعناها الرجولة. والرجل المثالي عند الأثينيين هو الكلوجاثوس Kalogathos أي الذي يجمع بين الجمال والعدالة في فن من فنون العيش الراقية، والذي يقدر في صراحة قيمة الكفاية، والشهرة، والثراء، والصداقة، كما يقدر الفضيلة وحب الإنسانية. ويرى الأثيني كما يرى جوته أن ترقية النفس هي كل شيء. ويختلط بهذا المبدأ عنده قدر من الغرور لا نستسيغه نحن لصراحته: فاليونان لا يملون الإعجاب بأنفسهم، ويعلنون في كل مقام تفوقهم على غيرهم من المحاربين، والكتاب، والفنانين، والشعوب بأسرها. وإذا شئنا أن نعرف الفرق بين اليونان والرومان فما علينا إلا أن نوازن بين الفرنسيين والإنجليز، وإذا أحببنا أن نحس بالروح




صفحة رقم : 2168




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الطِباع


الإسبارطية وندرك الفرق بينها وبين الروح الأثينية فما علينا إلا أن نفكر في روح الألمان وروح الفرنسيين.
وقد اجتمعت صفات الأثينيين كلها لتقيم دولة - المدينة؛ ففيها ولدت قوتهم وشجاعتهم، وحدة ذكائهم وألمعيتهم، وشقشقة لسانهم، وشدة مراسهم، ومحبتهم للكسب، وشدة غرورهم، ووطنيتهم، وعبادتهم للجمال والحرية؛ وفي دولة المدينة اجتمعت هذه الصفات كلها وبلغت غايتها. وهم سريعو الانفعال ولكنهم لا يميلون كثيراً مع الهوى. ويجيزون التعصب الديني من آن إلى آن، غير أنهم لا يتخذونه وسيلة للحد من حرية الفكر، بل يتخذونه سلاحاً من أسلحة السياسة الحزبية، ورباطاً لتجاربهم الأخلافية. أما فيما عدا هاتين الحالتين، فهم يستمسكون بقدر من الحرية، يندهش منه زوارهم الشرقيون ويبدو في نظرهم الفوضى بعينها. ولكن حريتهم هذه، وكون كل منصب من مناصب الدولة ميسر لكل مواطن وكون كل مواطن محكوماً تارة وحاكماً تارة أخرى، لكن هذه الأمور هي التي جعلتهم يخصصون نصف حياتهم لخدمة دولتهم. ولم يكن بيتهم إلا المكان الذي ينامون فيه، أما حياتهم فكانوا يقضونها في السوق العامة، وفي الجمعية، والمجلس، والمحاكم، وساحات الأعياد الكبرى والمباريات، وفي مشاهدة المسرحيات التي يمجدون بها مدينتهم وآلهتها. وهم يعترفون بحق الدولة في أن تجندهم وتستولي على أموالهم متى احتاجت إليهم وإليها. وهم يعفون عن إرهاقها إياهم واستيلائها على أموالهم، لأن عملها هذا يتيح لهم فرصة النماء الإنساني أكبر مما عرفه الإنسان في أي عصر من العصور السابقة؛ وهم يحاربون دفاعاً عن مدينتهم لأنها مهد حرياتهم وحارستها. وفي ذلك يقول هيرودوث "وبهذا زاد الأثينيون قوتهم؛ ويتضح كل الوضوح، من هذا ومن شواهد أخرى كثيرة، أن الحرية من أعظم النعم. ألست ترى أن الأثينيين، وهم خاضعون لحكم الطغاة، لم يكونوا يفوقون جيرانهم في الشجاعة أدنى تفوق، ولكنهم لم يكادوا يتحررون من نير الطغاة حتى صاروا أشجع الشجعان بلا منازع"(54).




صفحة رقم : 2169




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> العلاقات الجنسية قبل الزواج



الفصل السادس




العلاقات الجنسية قبل الزواج


تبدو أثينة إبان مجدها شرقية أكثر منها أوربية في أخلاق أهلها، كما تبدو كذلك في حروفها الهجائية، وقي مقاييسها وموازينها، وسكتها، وملابسها، وموسيقاها، وفلكها، وطقوسها الصوفية. ففي الأخلاق يعترف الرجال والنساء اعترافاً صريحاً بأن العلاقة الجنسية هي أساس الحب، ولذلك لم يكن شراب العشاق الذي تعصره السيدات المشتاقات يقدم للرجال المهملين لأغراض أفلاطونية خالصة. لقد كانوا يطلبون إلى النساء المحترمات أن يكن عفيفات قبل الزواج؛ أما الرجال غير المتزوجين فلم تكن تفرض على شهواتهم الجنسية، بعد أن يبلغوا الحلم، إلا القليل من القيود الخلقية. وقد كانت الأعياد الكبرى، وهي دينية في أصلها، صمامات الأمان لما طبعت عليه البشرية من شهوة جنسية مختلطة؛ فكانوا في هذه المناسبات يتغاضون عن التحرر من القيود في العلاقات الجنسية لاعتقادهم أن هذا ييسر لهم فيما بقي من العام أن يقتصر كل منهم على زوجته الوحيدة. ولم يكن الأثينيون يرون أن في اتصال الشبان بالخليلات من آن إلى آن شيئاً من العار، ولقد كان في وسع المتزوجون أنفسهم أن يبسطوا حمايتهم على تلك الخليلات، ولا ينالهم لهذا السبب عقاب أخلاقي أكثر من تأنيب زوجاتهم في بيوتهم وشيء قليل من سوء السمعة في المدينة(58). وكانت أثينة تعترف بالبغاء رسمياً وتفرض ضريبة على البغايا.
وأصبح العهر في أثينة، كما أصبح في معظم مدن اليونان، مهنة كثيرة الرواد، ذات فروع مختلفة لكل فرع إخصائيات. وكانت السبيل ميسرة أمام ذات الكفاية للترقي في هذه المهنة كما كانت ميسرة للترقي في غيرها من




صفحة رقم : 2170




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> العلاقات الجنسية قبل الزواج


المهن في تلك المدينة. وكانت أسفل طبقة من العاهرات هي طبقة البرناي pornai ، ويسكن معظم أفرادها في بيرية في مواخير عامة يسهل على الجمهور الاستدلال عليها بصورة قضيب بريابوس المعلقة عليها. وكان رسم الدخول في هذه المواخير أوبلة واحدة، وكان الداخل يجد فيها البنات في أثواب لا تكاد تستر منهن شيئاً، ولذلك يسمين الجمناي (أي العاريات)، وكن يجزن لمن يرون ابتياعهن أن يختبروهن كما تختبر الكلاب في بيوتها. وكان في وسع الرجل أن يعقد الصفقة التي يريدها للزمن الذي يبتغيه، ويتفق مع ربة البيت على أن يستأجر منها بنتاً تعاشره أسبوعاً، أو شهراً، أو سنة. وكانت البنت أحياناً تؤجر بهذه الطريقة لرجلين أو أكثر من رجلين في وقت واحد توزع وقتها بينهم حسب مواردهم المالية(61). وتلي هذه الطبقة عند الأثينيين طبقة العازفات على القيثارة، وأولئك يُستخدمن، كما تستخدم المسامرات في اليابان، في الليالي "الحمراء" يمرحن ويعزفن، ويرقصن رقصاً فنياً أو خليعاً مثيراً للشهوات، ثم يبتن مع مَن يريدهن من الرجال(62). وكانت قليلات من عجائز العاهرات يدرأن عن أنفسهن شر الفاقة بإنشاء مدارس لتدريب تلك البنات العازفات، يعلمنهن كيف يجملن أنفسهن، ويسترن عيوب أجسامهن، ويسلين الرجال بالعزف على الآلات الموسيقية، كما يعلمنهن كيف يتصنعن الحب والدلال. وقد حرصت الروايات المتواترة على أن تحتفظ العاهرات جيلاً بعد جيل، احتفاظ الإنسان بأثمن تراث، بالطرق التي يلهبن بها القلوب، كالتظاهر بالحب بعقل وروية، وإطالة أمده بتصنع الدلال والإباء، والحصول به على أكبر أجر مستطاع(63). لكن بعض العازفات، إذا صدقنا ما قاله عنهن لوشيان بعد ذلك العصر، كانت لهن قلوب رحيمة رقيقة، وكن يعرفن الحب الحقيقي، ويضحين بأنفسهن من أجل عشاقهن كما ضحت بنفسها كامي Camille. إن قصة العاهرة الشريفة قصة قديمة شابَ قرناها وخلع عليها طول الزمن شيئاً من الجلال والتبجيل.




صفحة رقم : 2171




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> العلاقات الجنسية قبل الزواج


وكانت أرقى طبقات العاهرات الأثينيات هي طبقة الهتايراي hetairai- ومعناها الحرفي الرفيقات. ولم تكن هؤلاء الرفيقات مثل طبقة البورناي تتكون في الغالب من نساء شرقيات المولد، بل كانت تتألف في العادة من بنات المواطنين اللاتي سقطن لسبب من الأسباب، أو فررن من العزلة المفروضة على العذارى والنساء الأثينيات. وكن يعشن مستقلات بأنفسهن ويستقبلن في بيوتهن مَن يغوين من العشاق. وكانت كثرتهن سمراوات بطبيعتهن، ولكنهن كن يصبغن شعرهن باللون الأصفر لاعتقادهن أن الأثينيين يفضلون الشقراوات؛ وكنّ يميزن أنفسهن بلبس أثواب منقوشة بالورد، ولعل هذه الثياب كان يفرضها عليهن القانون(64). وكان بعضهن يحصلن على قدر لا بأس به من التعليم بالقراءة المستقلة من حين إلى حين، وبالاستماع إلى المحاضرات، وكن يسلين روادهن المثقفين بحديثهن المنطوي على قدر من العلم والثقافة. وقد اشتهرت منهن تاييس Thais وديوتيما Diotima وثارجليا Thargelia، وليونتيوم Leontium، كما اشتهرت أسبازيا، بمناقشاتهن الفلسفية، واشتهرن أحياناً بأسلوبهن الأدبي المصقول(65). وذاعت شهرة الكثيرات منهن بفكاهاتهن الحلوة، وفي الآداب الأثينية لهن مجموعة من المقطوعات الشعرية الفكهة(66).وكانت العاهرات على اختلاف طبقاتهن محرومات من الحقوق المدنية، لا يجوز لهن أن يدخلن هيكلاً من الهياكل عدا هيكل إلهتهن أفرديتي بندموس Aphrodite Pandenos، ولكن قلة مصطفاة من الهتايراي كانت لهن منزلة عالية في مجالس الرجال الاجتماعية في أثينة، ولم يكن أحد من الرجال يستحي أن يُرى في صحبتهن، وكان الفلاسفة يتبارون في كسب ودهن، ومن المؤرخين من يروي تاريخهن بنفس الخشوع والإجلال الذي يرويه به بلوتارخ(67).
وبهذه الطرق خلدت بعض أسماءهن. فمن هؤلاء كلبسدرا التي سُميت كذلك لأنها كانت تُخرج عشاقها من عندها بعد ساعات محددة تحصيها بساعة




صفحة رقم : 2172




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> العلاقات الجنسية قبل الزواج


رملية؛ ومنهن ثرجيليا Thargelia متا هاري Mata Hari زمانها، التي خدمت الفرس بأن ضاجعت أكبر عدد مستطاع من ساسة أثينة(68)؛ وثيوريس Theoris التي خففت عن سفكليز متاعب شيخوخته، وأرشبي Archippe التي خلفتها في هذا العمل حوالي العقد التاسع من حياة هذا الكتاب المسرحي(69)؛ ومنهن أركيانسا Archeanassa التي كانت تُسلي أفلاطون(70)، وداني Danae وليونتيوم Leontium اللتين علمتا أبيقور فلسفة اللذة؛ ومنهن تمستونوئي Themistonoe التي ظلت تمارس مهنتها حتى فقدت آخر سن من أسنانها وآخر خصلة من شعرها؛ ومنهن ناثينا Gnathaena التي كانت تطلب ألف درخمة (ألف ريال أمريكي) ثمناً لمضاجعة ابنتها ليلة واحدة، لأنها قضت وقتاً طويلاً في تدريبها وإعدادها لمهنتها(71). وكان جمال فريني Phryne حديث أثينة كلها في القرن الرابع، وذلك لأنها لم تكن تظهر أمام الناس إلا وهي محجبة من رأسها إلى قدميها، ولكنها في عيدي إلوزيا وبسدونيا تخلع ثيابها أمام الناس كلهم وتسدل شعرها على جسمها وتنزل البحر لتستحم(72)، وقد عشقت بركستيليز المَثال؛ ووقفت أمامه لينحت على صورتها تماثيل أفرديتي. وعلى صورتها أيضاً نحت أبليز تمثال أفرديني أناديوموني Aphrodite Andeyomone (73).وأثرت فريني من عشاقها إثراء أمكنها من أن تعرض استعدادها لإعادة بناء أسوار طيبة إذا وافق الطيبيون على نقش اسمها على هذه الأسوار، ولكنهم أصروا على رفض هذا العرض. ولعلها تغالت فيما طلبته إلى يوثياس Euthias من أجر لها، فثأر لنفسه منها باتهامها بالإلحاد؛ ولكن أحد أعضاء المحكمة كان من زبائنها، كما كان هيبريدز الخطيب من عشاقها المفتونين بها، ودافع عنها هيبريدز ولم يستخدم في هذا الدفاع بلاغته فحسب بل شق أمام المحكمة جلبابها وكشف عن صدرها. ونظر القضاة إلى جمالها وبرؤوها من تهمة الإلحاد في الدين(74). ويقول أثينيوس




صفحة رقم : 2173




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> العلاقات الجنسية قبل الزواج


"يبدو أن لئيس Lais الكورنثية كانت أجمل من أية امرأة وقعت عليها العين"(75). وتتنازع شرف مولدها مدن لا تقل في عددها عن المدن التي تتنازع شرف انتساب هومر إليها. ويتوسل إليها المَثالون والرسامون أن تقف أمامهم لينحتوا تمثالها أو يصوروها، ولكنها تتمنع حياءً وخجلاً، ثم يتغلب عليها ميرون Myron العظيم في شيخوخته فتقبل طلبه؛ حتى إذا خلعت ثيابها نسي وقار شَعْره الأبيض ولحيته وعرض عليها أن ينزل عن ما يملك إذا أقامت معه ليلة واحدة، فتبسمت ضاحكة من قوله، وهزت كتفيها المستديرتين، وتركته دون أن ينحت التمثال. وفي صباح اليوم الثاني اشتد به الوجد، وعادت إليه نشوة المراهقة، فصفف شعره، وحلق لحيته، وارتدى ثوباً قرمزي اللون، وتمنطق بمنطقة ذهبية، وتقلد قلادة ذهبية، وتختم في جميع أصابعه، وحمر خديه، وعطر ثيابه وجسمه، ثم ذهب وهو على هذه الصورة يطلب لئيس ويعلن إليها أنه متيم بها. فنظرت إلى صورته الممسوخة وعرفت من هو، ثم أجابته بقولها: "أيها الصديق المسكين، إنك تطلب إلي ما أبيته على أبيك بالأمس"67). وجمعت لئيس من مهنتها ثروة طائلة، ولكنها لم تكن تمنع نفسها عن فقراء العاشقين من ذوي الجمال؛ وقد أعادت دمستين القبيح الصورة إلى الفضيلة، بأن طلبت إليه عشرة آلاف درخمة أجر ليلة واحدة(77). واكتسبت من أرستبس الثري من المال ما أفزع خادمه(78)، أما ديجين المعدم فكانت تسلم نفسها إليه بأقل أجر، لأنها يسرها أن يجثو الفلاسفة أمام قدميها. وقد أنفقت ثروتها في سخاء في تشييد المعابد والمباني العامة، وعلى الأصدقاء، ثم عادت آخر الأمر، كما يعود معظم من على شاكلتها، فقيرة كما كانت أيام شبابها. وأخذت تمارس مهنتها صابرة إلى آخر أيام حياتها، فلما قضت نحبها أقيم لها قبر فخم تكريماً لها، لأنها كانت أعظم غازية منتصرة عرفها اليونان طول تاريخهم(79).




صفحة رقم : 2174




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الصداقة اليونانية



الفصل السابع




الصداقة اليونانية


وأعجب من هذا الوفاق بين البغاء والفلسفة اعتراف اليونانيين في غير حياء بالانحراف الجنسي. فلقد كان أكبر من ينافس العاهرات هم غلمان أثينة، وكانت العاهرات اللائي يسربلهن العار من قمة رءوسهن إلى أخمص أقدامهن لا يفتأن ينددن بما في عشق الذكور للذكور من فساد خلقي شنيع. ولقد كان التجار يستوردون الغلمان الحسان ليبيعوهم لمن يدفع فيهم أغلى الأثمان، وكان هؤلاء يُستخدمونهم في أول الأمر لقضاء شهواتهم ثم يتخذونهم فيما بعد أرقاء(80). ولم يكن من بين الذكور في المدينة إلا أقلية ضئيلة تعتقد أن ثمة عيباً في أن يثير الشباب المخنثون أبناء الأشراف في المدينة شهوة شيوخها ويشبعوا هذه الشهوة. ولم تكن إسبارطة أقل استهتاراً من أثينة في هذا الشذوذ الجنسي، وشاهد ذلك أن ألكمان حين أراد أن يثني على بعض الفتيات سماهن "أصدقاءه - الغلمان الإناث"(81). وكانت الشرائع الأثينية تحرم من يمارس رذيلة اللواط من الحقوق السياسية(82)، ولكن الرأي العام كان يتغاضى عن هذه العادة ويجيزها وهو هازل فكه؛ ولم يكن أهل إسبارطة أو كريت ينظرون إليها نظرة الاستنكار(83)، وكان أهل طيبة يرون أنها معين لا ينضب للشجاعة وحسن النظام العسكري. وكان هرمديوس وأرستجيتون، وهما أعظم بطلين تعتز أثينة بذكراهما، من قتلة الطغاة وعشاق الغلمان. وكان ألسبيديز أحب الناس إلى الشعب الأثيني في أيامه، وكان يفتخر بكثرة من عشقه من الرجال. ولقد ظل "العشاق اليونان" إلى أيام أرسطاطاليس يعلنون ولاءهم لمعشوقيهم عند قبر أيولوس رفيق هرقل(84)؛ ويصف أرستبس زنوفونَ قائدَ الجيوش الذي اشتهر




صفحة رقم : 2175




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الصداقة اليونانية


بأنه من أشد رجال العالم صلابة وعناداً، بأنه مشغوف بحب الفتى كلينياس Cleinias(85). وتمثل علاقة الرجل بالغلام، أو الغلام بغلام مثله في بلاد اليونان، جميع مظاهر الغرام الروائي- من عاطفة جياشة، وحب عذري، ونشوة، وغيرة، وعزف وغناء تحت نوافذ المعشوقين، وطول تفكير، وتوجع وأنين، وسهاد طويل(86). وإذا تكلم أفلاطون في الفدروس Phaedrus عن الحب الإنساني، فإما يتكلم عن الحب الجنسي بين الذكران، ويتفق المجادلون في محاوراته في نقطة واحدة - هي أن حب الرجل للرجل أنبل وأكثر روحانية من حب الرجل للمرأة(87). ونرى هذا الشذوذ نفسه بين النساء، ونراه أحياناً بين أرقاهن مثل سوفو Sopho، وكثير بين العاهرات، فالعاهرات المسامرات مثلاً يحب بعضهن بعضاً أكثر من حبهن من يعشن في كنفهن من الرجال، وعاهرات المواخير تُروى عنهن أعجب القصص في عشق بعضهن بعضاً(88).
ترى كيف يفسر الإنسان انتشار هذا الشذوذ الجنسي في بلاد اليونان؟ فأما أرسطاطاليس فيفسره بخوفهم أن تزدحم بلادهم بالسكان(89)، وقد يكون هذا سبباً من أسباب هذه الظاهرة، ولكن لا جدال في أن ثمة علاقة بين انتشار اللواط والدعارة في أثينة من جهة وعزلة النساء من جهة أخرى. فقد كان الأولاد في أثينة في عصر بركليز يؤخذون من أجنحة الحريم في البيوت حيث تقضي النساء المحصنات حياتهن، وينشئون عادة في صحبة أولاد مثلهم أو رجال، وقلما تتاح لهم فرصة في طور تكوينهم وفي الفترة التي لم يشعروا فيها بعد برجولتهم، يدركون فيها جاذبية الحنو النسوي. كذلك كانت حياة الغلمان الجامعة في إسبارطة، واشتراكهم في الطعام، واجتماعهم في الأسواق العامة، والملاعب الرياضية، وفي مدارس الألعاب في أثينة، وحياة منظمات الشباب، كانت هذه كلها لا يرى فيها الشبان إلا صور الذكور. وحتى الفن نفسه لا يكشف عن الجمال النسوي قبل عهد بركستليز. وقلما كان




صفحة رقم : 2176




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الصداقة اليونانية


الرجال في حياتهم الزوجية يجدون في البيوت رفقة عقلية، ذلك بأن عدم انتشار التعليم بين النساء يحدث ثغرة بين الجنسين فيضطر الرجال إلى البحث في خارج البيوت عن أسباب المتعة التي حرموا أزواجهم من الحصول عليها. ولم يكن البيت للمواطن الأثيني حصنه وملجأه، بل كان مكان نومه. وكان في كثير من الحالات يقضي النهار كله من مطلع الشمس إلى مغيبها في المدينة، وقل أن تكون بينه وبين النساء المحترمات عدا زوجته وبناته أية صلات اجتماعية. لهذا كان المجتمع اليوناني مقصوراً على أحد الجنسين، يعوزه الحيوية، والظرف، والمجاملة، والاستثارة، وهي الصفات التي اكتسبتها من روح النساء وسحرهن إيطاليا في عهد النهضة وفرنسا في عهد الاستنارة.




صفحة رقم : 2177




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج



الفصل الثامِن




الحب والزواج


الحب الروائي موجود بين اليونان ولكنه قلما يكون سبب الزواج؛ ولسنا نجد إلا القليل منه في شعر هومر حيث يذكر أجممنون وأخيل كريسيس Chryseis، وبريسيس Brisseis، ويذكران أيضاً كسندرا التي لا تستجيب لحبهما في عبارات تنم عن الشهوة الجسمية؛ لكن في قصة نسكا ما يحذرنا من أن نعمم هذا الحكم، ودليلنا على هذا ما نجده من القصص التي لا تقل في قدمها عن عصر هومر نفسه مثل قصة هرقليط وأيولا، وقصة أورفيوس ويورديس. كذلك يتحدث الشعراء الغنائيون حديثاً طويلاً عن الحب، ويعنون به في العادة الرغبة في إشباع الشهوة؛ والقصص التي تروي أخبار فتيات يمتن من فرط الوجد، كالقصة التي يرويها استسكورس، نادرة أو تكاد تكون معدومة؛ ولكننا حين نرى ثينو Theano زوجة فيثاغورس تصف الحب بأنه "مرض النفس المشتاقة" (91) نحس بقوة الحب الروائي الحقيقية. ولما زادت مشاعر اليونان رقة وأحلت الشعر مكان حرارة الجسم، كثر ذكر العواطف الشعرية الرقيقة، وأصبح طول الفترة التي تضعها الحضارة بين الرغبة وإشباعها مما يتيح للخيال فرصة يخلع فيها المحاسن على الحبيب المأمول. وقد ظل أيسكلس نفسه هومري النزعة في معاملته للنساء، ولكننا نستمع في سفكل عن "الحب الذي




صفحة رقم : 2178




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج


يحكم الآلهة بإرادتها" ، وفي شعر يوربديز مقطوعات كثيرة وصف قوة إروس Eros إله الحب. وكثيراً ما يصف المتأخرون من كتاب المسرحيات شاباً يهم بحب فتاة(93)، ونستشف من أقوال أرسطاطاليس الصفة الحقيقية للعشق الروائي حين يقول إن "المحبين ينظرون إلى أعين أحبائهم، حين يستكن الخفر"(94) .
وكانت هذه الشئون وأمثالها في عصر اليونان الزاهر تؤدي إلى صلات الجنسين قبل الزواج أكثر مما تؤدي إلى الزواج نفسه. ذلك بأن اليونان كانوا يعدون الحب الروائي صورة من "تقمص الشيطان للجسم" أو من الجنون، وكانوا يسخرون إذا ذكر لهم إنسان أنه وسيلة يهتدي بها إلى اختيار الزوج الصالح أو الصالحة (95). وكان الزواج عادة يتفق عليه والدا الزوجين كما كان يحصل على الدوام في فرنسا القديمة، أو بين خطاب محترفين(96)، أكبر ما يهتمون به فيه البائنات لا الحب. فقد كان يُنتظر من والد الفتاة أن يهيئ لابنته بائنة من المال، والثياب، والجواهر، ومن العبيد في بعض الأحيان(97).




صفحة رقم : 2179




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج


وكانت هذه البائنة تبقى على الدوام ملكاً للزوجة، وتعود إليها إذا افترقت عن زوجها- وهو نظام يقلل من احتمال طلاقها منه. فإذا لم يكن للبنت بائنة فقلما تجد لها زوجاً، ومن أجل هذا كان أقاربها يجتمعون ليعدوها لها إذا عجز الوالد نفسه عن إعدادها. وبهذه الطريقة انقلب الزواج بالشراء الذي كان كثير الحدوث في أيام هومر، فصارت المرأة في عهد بركليز هي التي تشتري زوجها؛ ومن هذا الوضع تشكو ميديا في إحدى مسرحيات يوربديز. فلم يكن اليوناني إذن يتزوج لأنه يحب، ولا لأنه يرغب في الزواج (فهو كثير التحدث عن متاعبه)، بل ليحافظ على نفسه وعلى الدولة عن طريق زوج جاءته ببائنة مناسبة، وأبناء يردون عن روحه الشرور التي تصيبها إذا لم تجد من يُعنى بها، ولقد كان رغم هذه المغريات كلها يتجنب الزواج ما دام يستطيع تجنبه. ولقد كانت حرفية القانون تحرم عليه أن يبقى عازباً، ولكن القانون لم يكن ينفذ دائماً في أيام بركليز؛ ولما انقضى عهده زاد عدد العزاب حتى صار مشكلة من المشاكل الأساسية في أثينة(99). ألا ما أكثر الأمور التي تدهش الإنسان في بلاد اليونان! وكان الذين يرضون بالزواج من الرجال يتزوجون متأخرين، في سن الثلاثين عادة، ثم يصرون على الزواج من فتيات لا تزيد سنهن على خمسة عشر عاماً(100). وفي ذلك تقول إحدى الشخصيات في مسرحية ليوربديز: "إن زواج الشاب من زوجة شابة شر مستطير ، وسبب ذلك أن قوة الرجل تبقى طويلاً، أما نضرة الجمال فسرعان ما تفارق صورة المرأة"(101).
فإذا ما تم اختيار الزوجة، واتفق على بائنتها، تمت خطبتها رسمياً في بيت والدها، ويجب أن يحضر هذه الخطبة شهود، ولكن حضور الفتاة نفسها لم يكن ضرورياً. فإذا لم تتم هذه الخطبة الرسمية، لم يعترف القانون الأثيني




صفحة رقم : 2180




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج


بالزواج، فكانت الخطبة والحالة هذه هي العمل الأول في مراسم الزواج المعقدة. وكانت الخطوة الثانية التي تتبع هذه الخطوة الأولى بعد أيام قلائل هي إقامة وليمة بهذه المناسبة في بيت الفتاة. وكان الزوج والزوجة قبل أن يحضرا هذه الوليمة يستحمان كل منهما في بيته استحماماً يتطهران به رسمياً، ثم تقام الوليمة ويجلس رجال الأسرتين في جانب من جوانب الحجرة، ونساؤها في جانب آخر، ثم يأكل الجميع كعكة العرس ويشربون الكثير من الخمر، ثم يأخذ العريس بيد عروسه المحجبة ذات الثوب الأبيض- ولعله لم يكن قد رأى وجهها من قبل- ويسير بها إلى عربة تقلها معه إلى بيت أبيه في موكب من الأصدقاء ومن الفتيات العازفات على القيثارة، ويضاء لهما الطريق بالمشاعل، وتنشد لهما أناشيد الزواج. فإذا وصلا إلى البيت حملها وتخطى بها عتبة الدار، كأنه يمثل في ذلك أسرها في العهد القديم، ويحيي أبوا الزوج الفتاة، ويستقبلانها استقبالاً دينياً ويدخلانها في دائرة الأسرة وفي عبادة آلهتها؛ ولم يكن للكاهن دور ما في مراسيم الزواج كلها. ثم يرافق الضيوف الزوجين إلى حجرتهما، وهم ينشدون أنشودة غرفة الزواج، ويتلكؤون صاخبين عند بابها حتى يعلن لهم العريس أنه قد جنى ثمرة الزواج.
وكان في وسع الرجل أن يتخذ له فضلاً عن زوجته خليلة يعاشرها معاشرة الأزواج. وفي ذلك يقول دمستين: "إنا نتخذ العاهرات للذة، والخليلات لصحة أجسامنا اليومية، والأزواج ليلدن لنا الأبناء الشرعيين ويعنين ببيوتنا عناية تنطوي على الأمانة والإخلاص"(102)، وفي هذه الجملة الواحدة العجيبة جمع دمستين رأي اليونان في المرأة إبان عصرهم الذهبي. وتبيح قوانين دراكون التسري، ولما أن قضت الحروب على العدد الكبير من المواطنين بعد الحملة التي سُيرت على صقلية سنة 415 ق.م، ولم تجد كثيرات من البنات أزواجاً، لهن، أباح




صفحة رقم : 2181




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج


القانون صراحة التزوج باثنتين؛ وكان سقراط ويوربديز من بين من استجابوا لهذا الواجب الوطني(103). وكانت الزوجة عادة تقبل التسري وتصبر عليه صبر الشرقيات، لأنها تعرف أن "الزوجة الثانية" متى فارقتها فتنة جمالها أصبحت في واقع الأمر جارية في المنزل، وأن أبناء الزوجة الأولى دون غيرهم هم الذين يعدون أبناء شرعيين. ولم يكن الزنا يؤدي إلى الطلاق إلا إذا ارتكبته الزوجة، وكان الزوج في هذه الحال يوصف بأنه يحمل قرنين Keroesses ، وكان من واجبه بحكم العادة أن يخرج زوجته من بيته(104). وكان القانون يعاقب الزانية، والرجل إذا زنى بامرأة متزوجة، بالإعدام؛ ولكن اليونان بلغوا من التساهل في الأمور الجنسية حداً يمنعهم من التشدد في تنفيذ حكم هذا القانون، فكان عادة يترك للزوج المعتدى عليه أن يأخذ بحقه من الزاني بالطريقة التي يختارها- فتارة يقتله في حالة التلبس، وتارة يرسل له عبداً يقتله، وتارة يكتفي بأن يأخذ منه تعويضاً مالياً(105).
وكان من السهل على الرجل أن يطلق زوجته، وكان في وسعه أن يطردها من بيته متى شاء من غير أن يبدي لذلك سبباً. وكانوا يرون عقم الزوجة سبباً كافياً لطلاقها، لأن الغرض من الزواج عندهم هو إنجاب الأبناء. أما إذا كان الرجل نفسه عقيماً فقد كان القانون يجيز، والرأي العام يحبذ، أن يستعين الزوج في هذه المهمة بأحد أقربائه. وكان الطفل الذي يولد نتيجة لهذا الاتصال ينسب للزوج نفسه، وعليه أن يعنى بروحه بعد وفاته. ولم يكن يباح للزوجة أن تترك زوجها متى شاءت، ولكن كان في وسعها أن تطلب إلى الأركون أن يطلقها من زوجها إذا قسا عليها أو




صفحة رقم : 2182




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الحب والزواج


تجاوز حد الاعتدال في شئونه(106). وكان الطلاق يباح أيضاً إذا تراضى الزوجان، وكان هذا التراضي يعبر عنه عادة بإعلانه رسمياً إلى الأركون. وإذا افترق الزوجان بقي الأطفال مع أبيهم حتى إذا ثبت الزنا عليه(107). وجملة القول أن العادات والشريعة الأثينية فيما يختص بالعلاقات بين الرجال والنساء كانت كلها من صنع الرجال، وهي تمثل النكوص عن المستوى الذي وصل إليه المجتمع في مصر وكريت وبلاد اليونان نفسها في عصر هومر، وتميل بالمجتمع الأثيني ناحية الشرق.




صفحة رقم : 2183




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المرأة



الفصل التاسع




المرأة


من الأمور التي لا تقل دهشة الإنسان منها عن دهشته من أي شيء آخر في هذه الحضارة، أنها ازدهرت من غير أن يكون لها عون أو حافز من المرأة. لقد قام عصر الأبطال، بفضل معونة النساء، بجلائل الأعمال، وبهذه المعونة أنتج عصر الطغاة روائع الشعر الغنائي، ثم اختفت النساء المتزوجات من تاريخ اليونان بين يوم وليلة، كأن الأقدار قد أرادت أن تدحض حجة القائلين بأن ثمة ارتباطاً بين مستوى الحضارة في بلد ما ومركز المرأة فيه. فبينما نرى المرأة في تاريخ هيرودوت في كل مكان، إذ لا نراها في تاريخ توكيديدز في أي مكان، وترى الأدب اليوناني من سميندز الأمرجوسي Semonides of Amorgos إلى لوشان يكرر أخطاء النساء تكراراً تشمئز منه النفس، وفي آخر هذا العصر يكرر بلوتارخ الرحيم نفسه قول توكيديدز(108): "يجب أن يحبس اسم السيدة المصونة في البيت كما يحبس فيه جسمها"(109).
وهذه العزلة النسائية لا وجود لها عند الدوريين، وأكبر الظن أنها جاءت من الشرق الأدنى إلى أيونيا، ثم انتقلت من أيونيا إلى أتكا، فهي جزء من تقاليد آسية. ولعل لاختفاء نظام التوارث عن طريق الأم، ونشأة الطبقات الوسطى، وسيطرة النظرة التجارية إلى الحياة، لعل لهذه الأمور أثرها في هذا التغيير: ذلك أن الرجال في هذه الأحوال ينظرون إلى النساء نظرة نفعية، فيجدون أكثر فائدة لهن في البيت. وتتفق الصبغة الشرقية التي اصطبغ بها الزواج اليوناني مع نظام العزلة الأتكية (Attic)، فهذا الزواج




صفحة رقم : 2184




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المرأة


يقطع الصلة بين العروس وأقاربها، فتذهب لتعيش عيشة لا تكاد تختلف عن عيشة الخدم في بيت غير بيتها، تعبد فيه آلهة غير آلهتها. ولم يكن في مقدورها أن تتعاقد على شيء أو أن تستدين أكثر من مبلغ تافه أو أن ترفع قضايا أمام المحاكم. ومن شرائع صولون أن العمل الذي يقوم به إنسان تحت تأئير المرأة عمل باطل قانوناً(110)؛ وإذا مات الزوج لم ترث زوجته شيئاً من ماله. وحتى العيب الفسيولوجي في أمور التناسل يعد سبباً مشروعاً لإخضاعها للرجل؛ فبينما كان جهل الرجل في الأزمنة البدائية بدوره في أمور التناسل يؤدي إلى رفع شأن المرأة، نرى النظرية السائدة في عصر اليونان الزاهر ترفع من شأن الرجل بتقريرها أن قوة التناسل يختص بها الرجل وحده، وأن المرأة لا تعدو أن تكون حاملاً للطفل ومرضعاً له(111). وكان كبر سن الرجل عن المرأة وقت الزواج من أسباب خضوع المرأة، فقد كانت سنه في ذلك الوقت ضعفي سنها، وكان في وسعه إلى حد ما أن يشكل عقلها حسب آرائه وفلسفته في الحياة. وما من شك في أن الرجل كان يعرف ما يتمتع به الرجال من حرية في المسائل الجنسية في أثينة معرفة تمنعه أن يجازف بإطلاق الحرية لزوجته أو ابنته، فهو يختار الحرية لنفسه على أن يكون ثمنها عزلة زوجته أو ابنته. ولقد كان في وسعها إذا تحجبت الحجاب اللائق بها، وصحبها من يوثق به، أن تزور أقاربها وأخصاءها، وأن تشترك في الاحتفالات الدينية ومنها مشاهدة التمثيل؛ أما فيما عدا هذا فقد كان ينتظر منها أن تقبع في منزلها، وألا تسمح لأحد أن يراها من النافذة. وكانت تقضي معظم وقتها في جناح النساء القائم في مؤخرة الدار، ولم يكن يسمح لزائر من الرجال أن يدخل فيه، كما لم يكن يسمح لها بالظهور إذا كان مع زوجها زائر.
وكانت وهي في البيت تكرَم وتُطاع في كل ما لا يتعارض مع سلطة زوجها الأبوية. فهي تدبر شئون البيت أو تشرف على تدبيرها؛ وهي تطهو




صفحة رقم : 2185




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المرأة


الطعام، وتمشط الصوف وتغزله، وتخيط ثياب الأسرة وتصنع فراشها. ويكاد تعليمها أن يكون مقصوراً على الفنون المنزلية، لأن اليونان كانوا يعتقدون مثل يوربديز أن ذكاء المرأة يعوقها عن أداء واجباتها(112). وكانت نتيجة ذلك أن نساء أثينة المحصنات كن أكثر تواضعاً، وأكثر "فتنة" لأزواجهن من مثيلاتهن في إسبارطة، ولكنهن كن في الوقت نفسه أقل منهن ظرفاً ونضوجاً، عاجزات عن أن يكن رفيقات لأزواجهن، لأن عقول هؤلاء الأزواج قد امتلأت وانصقلت بتجارب الحياة المختلفة؛ ومن أجل هذا أفاد الأدب اليوناني كثيراً من اليونانيات في القرن السادس ولم يفد شيئاً من نساء أثينة في عصر بركليز.
وقامت في أواخر هذا العصر حركة تهدف إلى تحرير المرأة. فنرى يوربديز يدافع عن النساء في خطب جريئة وغمزات خفيفة، أما أرسطوفان فيسخر منهن بألفاظ وقحة صاخبة. وتنزل النساء إلى الميدان في حركة التحرير ويخترن أقوى سلاح فيبدأن ينافسن الهيتاميراي ويجملن أنفسهن بكل ما يمدهن به تقدم الكيمياء من معونة. وشاهد ذلك سؤال تسأله كليونيكا Cleonica في مسرحية ليسستراتا Lysistrata لأرسطوفان: "أي شيء معقول نستطيع أن نقوم به نحن النساء؟ إنا لا نستطيع أن نفعل أكثر من أن نجلس جماعات بأدهاننا، وأصباغ شفاهنا، وأثوابنا الشفافة وما إلى ذلك"(113). وتصبح أدوار النساء من عام 411 أكثر شأناً في المسرحيات الأثينية مما كانت من قبل، وهي تكشف عن خروج المرأة شيئاً فشيئاً من العزلة التي كانت مفروضة عليها.
على أن سلطان المرأة الحقيقي على الرجل يظل قائماً في خلال هذا التغيير كله، ويجعل خضوعها للرجل خضوعاً غير حقيقي إلى حد كبير. إن اشتياق الرجل للمرأة أكثر من اشتياق المرأة للرجل يكسب المرأة في اليونان كما يكسبها في غيرها من البلاد ميزة كبرى عليه. وفي ذلك يقول صمويل جنسن: "سيدي؛ لقد وهبت الطبيعة المرأة من القوة ما لا تستطيع الشرائع أن تزيد عليه شيئاً"(114)




صفحة رقم : 2186




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المرأة


وقد يضاعف من هذه السيادة الطبيعية أحياناً بائنتها الكبيرة، أو لسانها السليط، أو حب زوجها لها حباً يجعله خاضعاً ذليلاً لها. وأكثر ما يقوم عليه سلطانها هو جمالها، أو إنجاب الأبناء الظرفاء وتربيتهم، أو انصهار روحها وروح زوجها في بوتقة التجارب والواجبات المشتركة؛ إلا أن عصراً يستطيع أن يصور شخصيات ظريفة مثل أنتجوني، والسستيس، وإفجينيا، وأندرمكي، ويصور بطلات مثل هكيبا، وكسندرا، وميديا، إن عصراً يستطيع أن يفعل هذا لا يمكن أن يجهل أسمى ما في المرأة وأعمق ما فيها. لقد كان الأثيني العادي يحب زوجته، ولم يكن على الدوام يحاول أن يستر هذا الحب؛ وإن الألواح الجنائزية لتكشف عن حنو الزوج على زوجته وحنو الآباء على أبنائهن في داخل جدران المنزل، وهو في كلتا الحالتين حنو يثير الدهشة. وفي دواوين الشعر اليونانية كثير من الشعر الغزلي الواضح الصريح، ولكن فيه أيضاً كثيراً من المقطوعات الشعرية المؤثرة التي تخاطب بها الرفيقة المحبوبة! انظر مثلاً إلى هذه القبرية: "في هذا الحجر وارى مرثونيز Marethonis نيقوبوليس Nicopolis، وروى صندوقها الرخامي بعبراته، ولكن هذا لم يجده نفعاً. وهل ثمة فائدة تعود على رجل فارقته زوجته، وبقي هو وحيداً على ظهر الأرض؟"(115).




صفحة رقم : 2187




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل



الفصل العَاشِر




المنزل


وكانت الأسرة اليونانية، كالأسرة الهندو - أوروبية بوجه عام، تتكون من الأب والأم، "والزوجة الثانية" أحياناً، ومن بناتهما غير المتزوجات، وأبنائهما، وعبيدهما، وزوجات أبنائهما وأطفالهم، وعبيدهم. وقد بقيت هذه الأسرة إلى آخر تاريخ اليونان أقوى الأنظمة في الحضارة اليونانية، لأنها كانت وحدة الإنتاج الاقتصادي وأداته في الزراعة والصناعة على السواء. وكان للأب في أتكا سلطان واسع في أسرته، ولكنه كان أقل من سلطان الأب في رومة؛ فقد كان في وسعه أن يعرّض الطفل الحديث الولادة للموت، ويبيع عمل أبنائه القاصرين وبناته غير المتزوجات، ويزوج بناته لمن يشاء، ويختار زوجاً آخر لأرملته بعد وفاته في بعض الظروف المعينة(116). ولكن القانون الأثيني لم يكن يجيز له أن يبيع أبناءه أنفسهم، وكان كل ولد من أولاده إذا تزوج يخرج عن سلطان أبيه، وينشئ لنفسه بيتاً خاصاً ويصبح عضواً مستقلاً في العشيرة.
ولم يكن البيت اليوناني على شيء من الفخامة. فقلما كان بناؤه الخارجي يزيد على سور سميك خال من الزينة ذي مدخل ضيق؛ وهو شهادة صامتة على ما كان يكتنف الحياة اليونانية من أخطار. وكانت مادة البناء هي الستُّوق Stucco، واللبِن في معظم الأحيان. وكانت بيوت المدينة تتجمع في شوارع ضيقة، وترتفع في الغالب طابقين، وتكون أحياناً مساكن مستقلة لعدة أسر، ولكن كل مواطن كان يمتلك في الغالب بيتاً مستقلاً. وظلت المساكن صغيرة في أثينة حتى ضرب ألسبيديز لأهلها مثلاً في الفخامة؛ ذلك




صفحة رقم : 2188




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


أن النزعة الديمقراطية، يقويها الحذر الأرستقراطي، كانت تحول بين الأهلين وبين التفاهم والتظاهر، وكان تعود الأثيني قضاء أكثر وقته في الهواء الطلق يصرفه عن أن يكون للبيت نفسه من المعنى ومن الإعزاز ما له في المناطق الباردة. وكان لبيت الأثيني الغني في بعض الأحيان مدخل ذو عمد مواجه للشارع، ولكن هذا كان من المظاهر الشاذة النادرة. كذلك كانت النوافذ ترفاً نادر الوجود، وإذا وجدت اقتصرت على الطابق الأعلى، ولم تكن لها ألواح زجاجية، ولكنها كانت تغلق بمصاريع خشبية، أو تكون مشبكة لتحجب أشعة الشمس. وكان الباب الخارجي يتكون عادة من مصراعين يدوران على محورين ينفذان في إسكفة الباب وعتبته. وكان على أبواب الكثير من بيوت الأغنياء مطرقة معدنية تتخذ في أغلب الأحيان صورة حلقة في فم أسد(117). وكان يمتد من مدخل الدار - إلا في دور الفقراء - ممشى يؤدي إلى فناء مكشوف يسمى الأول Aule يرصف عادة بالحجارة، ويحيط به أحياناً رواق وعمد، وقد يكون في وسطه مذبح أو حوض أو كلاهما، مزدان أحياناً بالعمد، ومرصوفة أرضيته بالفسيفساء. ويدخل أكثر الهواء وضوء الشمس إلى البيت من هذا الفناء، لأن أبواب جميع حجراته تفتح فيه، وكان لا بد لمن يريد الدخول من حجرة إلى حجرة أن يدخل الرواق أو الفناء. وكانت الأسرة تقضي معظم حياتها، وتقوم بأكثر أعمالها، في ظلال الرواق والفناء وخلوتهما.
وكانت الحدائق نادرة في المدينة، وتقتصر على مساحات صغيرة في فناء البيت أو خلفه؛ أما حدائق الريف فكانت أكثر من حدائق المدينة عدداً وأوسع رقعة؛ ولكن قلة الأمطار في الصيف وتكاليف الإرواء قد جعلا الحدائق في أتكا ترفاً لا يستمتع به إلا القليلون. ولم يكن اليوناني العادي مرهف الحس بالطبيعة كروسو Rousseau، وكانت جبال بلاده لا تزال من أسباب متاعبه، ولهذا لم تكن في نظره جذابة جميلة، وإن كان شعراء اليونان




صفحة رقم : 2189




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


ينظمون القصائد التي يتغنون فيها بجمال البحر رغم أخطاره الشديدة. ولم تكن الطبيعة تثير عواطفه، بقدر ما كان يتخيله فيها من كائنات روحية، فهو يملأ الغابات ومجاري المياه في بلاده بالآلهة والأشباح، وإذا فكر في الطبيعة لم يكن تفكيره في جمال مناظرها، بل في أنها مكان تتنعم فيه أرواح الأبطال الذين قتلوا في الميدان. وهو يطلق على جباله وأنهاره أسماء الأرباب الذين يسكنوها، ولا يرسم الطبيعة ذاتها بل يرسم بدلاً منه صوراً رمزية للآلهة التي تبعث فيها الحياة حسب ما تحدثه به ديانته الشعرية، أو ينحت لها تماثيل ترمز إلى هذه الآلهة. ولم ينشئ اليوناني لنفسه حديقة أو "جنة" ينعم بها وظل كذلك حتى عادت إليه جيوش الإسكندر بأساليب الفرس وذهبهم. ومع هذا فقد كانت الأزهار محبوبة في بلاد اليونان كما كانت محبوبة في غيرها من البلاد، وكانت الحدائق تنبتها، وبائعات الأزهار تمدهم بها، طوال العام. فكانت الفتيات البائعات يتنقلن من بيت إلى بيت يبعن الورد، والبنفسج، والزنبق، والنرجس، والسوسن، والآس، والليلق، والزعفران، وشقائق النعمان. وكانت النساء يزين شعرهن بالأزهار، والشبان المتأنقون يضعونها خلف آذانهم؛ وكان الرجال والنساء يخرجون في الأعياد وحول رقابهم عقود من الأزهار(118).
وكان البيت من داخله غاية في البساطة. فأما الفقراء فكانت أرض بيوتهم طيناً جف وتصلب، فلما زاد دخل هؤلاء أخذوا يغطون هذه الطبقة الأرضية بالحصباء أو يرصفونها بحجارة مستوية، أو بقطع منها صغيرة في أرضية من الأسمنت، كما كان أهل الشرق الأدنى يفعلون من أقدم الأزمان. وكانوا أحياناً يغطون هذا كله بالحصر أو الأبسطة. وكانت الجدران المقامة من الآجر تطلى بالجص أو بالجير. وكانوا يدفئون أنفسهم على مواقد من نحاس يخرج دخانها من أبواب الحجرات إلى فناء الدار، ولم يكونوا يحتاجون إلى هذه التدفئة أكثر من ثلاثة أشهر في العام. وتكاد البيوت أن تكون خالية من




صفحة رقم : 2190




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


الزينة، ولكن الأغنياء في أواخر القرن الخامس أخذوا يزينون بيوتهم بالأبهاء ذات العمد، وجدرانهم بقطع من الرخام أو بطلاء يجعلها شبيهة بألواح الرخام، ويعلقون على هذه الجدران صوراً ملونة أو قطعاً من القماش المزركش، ويحلون سقفها بنقوش على الطراز العربي. وكان الأثاث قليلاً في البيوت العادية - فلم يكن يزيد على بضعة كراسي وصناديق، وقليل من النضد، وسرير. وكانت الوسائد توضع على الكراسي بدل المقاعد المنجدة، ولكن كراسي الأغنياء كانت تزين في بعض الأحيان بنقوش محفورة فيها بعناية فائقة، أو تطعم بالذهب أو بأصداف السلاحف، أو العاج. وكانت الصناديق تُتخذ أصونة ومقاعد معاً، وكانت النضد صغيرة، تقف عادة على ثلاث أرجل، وهذا هو سبب تسميتها "بالطرابيزات" أي ذات الأرجل الثلاث. وكان يؤتى بها مع الطعام ثم تُرفع بعده، وقلما كانت تُستخدم في غير هذا الغرض، فقد كانوا يكتبون على ركبهم. وكانت الأرائك والأسرة من وسائل الزينة المحبوبة، وكانوا يعنون كثيراً بحفرها وتطعيمها. وكانت لهم حشايا ووسائد وأغطية للفرش مطرزة ووسائد للرأس مرتفعة. وكانت المصابيح تعلق من السقف أو توضع على قواعد، أو تتخذ شكل مشاعل جميلة النقش.
وكان المطبخ مجهزاً بكثير من الأواني المختلفة المصنوعة من الحديد، والبرنز، والخزف. أما الزجاج فكان من مواد الترف النادرة، ولم يكن يصنع في بلاد اليونان. وكان الطعام يُطهى فوق نار في العراء، أما المواقد فكانت بدعة اخترعت في البلاد التي اصطبغت بالصبغة اليونانية. وكانت الوجبات الأثينية بسيطة مثلها في ذلك مثل الوجبات الإسبارطية، وتختلف كثيراً عن الوجبات البؤوتية، والكورنثية، والصقلية؛ فإذا كان الأثينيون ينتظرون قدوم ضيف يريدون تكريمه استخدموا في العادة طاهياً محترفاً، وكان دائماً من الرجال. وكان الطهو فناً راقياً ألفت فيه




صفحة رقم : 2191




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


كثير من الكتب واشتهر به كثير من الأبطال، فمن الطهاة اليونان من لا تقل شهرتهم لدينا عن شهرة آخر الأبطال الفائزين في الألعاب الأولمبية. وكان الأثينيون يعدون من يأكل منهم بمفرده جلفاً غير مهذب، وكانت آداب المائدة عندهم دليلاً على ارتقاء الحضارة. وكان الأولاد والنساء يجلسون حول موائد صغيرة، أما الرجال فكانوا يتكئون على آرائك تتسع الواحدة لرجلين. وكانت الأسرة تأكل مجتمعة إذا لم يكن عندها غرباء؛ فإذا كان لديها ضيوف من الرجال انسحبت نساء الأسرة إلى جناح الحريم. وكان الخدم يخلعون نعال الضيوف أو يغسلون لهم أقدامهم قبل أن يتكئوا على الآرائك ويقدمون لهم الماء ليغسلوا به أيديهم، وكانوا في بعض الأحيان يدهنون لهم رؤوسهم بالزيوت المعطرة؛ ولم يكونوا يستخدمون السكاكين أو الشوك، ولكنهم كانوا يستخدمون الملاعق، ويتناولون الطعام اليابس بالأصابع. وكانوا في أثناء الطعام ينظفون أصابعهم بلقيمات من الخبز، ويغسلونها بعدئذ بالماء. وكان الخدم يملئون قدح كل ضيف قبل تناول الحلوى من آنية تحتوي على خمر مخفف بالماء. وكانت الصحاف من الخزف، ثم ظهرت الصحاف الفضية في آخر القرن الخامس، وبدأ المتأنقون في الطعام والشراب يزداد عددهم في القرن الرابع؛ ومن هؤلاء رجل يدعى بيثلس Pithyllus صنع للسانه وأصابعه أغطية يستطيع بها أن يأكل الطعام مهما كانت حرارته(119). وكان منهم بعض من يقتصرون على الخضر، وكان ضيوف هؤلاء يسخرون منهم ويشكون كعادة الضيوف مع أمثالهم. من ذلك قول أحدهم: "إنهُ هرب من وليمة لا تقدم فيها إلا الخضر خشية أن تكون حلواها هي الدريس"(120).
ولم يكن الشراب أقل شأناً عندهم من الطعام، فكان الغذاء (الديبنون Deipnon) يتلوه الشراب الجماعي Symposion، وكان في إسبارطة وأثينة




صفحة رقم : 2192




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


أندية للشراب تتوثق العلاقة بين أعضائها توثقاً تصبح معه هذه الأندية أدوات سياسية عظيمة القوة.

وكانت الإجراءات التي تتبع في الولائم كثيرة التعقيد، وكان الفلاسفة أمثال زنوكراتس Xenocrates وأرسطاطاليس يرون أنه يحسن بهم أن يضعوا لها قوانين(121).
وكانت الأرض التي يلقى عليها ما لا يؤكل من الطعام تنظف بعد الانتهاء من تناوله، ويطوف عليهم الخدم بالروائح العطرية والخمر الكثير. ثم يرقص الضيوف إذا شاءوا، ولكنهم لم يكونوا يرقصون أزواجاً أو مع النساء (لأن الرجال وحدهم هم الذين كانوا يدعون عادة إلى الولائم) بل جماعات؛ أو كانوا يلعبون ألعاباً كالكتوموس ، أو يتقارضون الشِعر، أو يتبادلون المدح، أو الألغاز، أو يشاهدون ألعاباً يقوم بها رجال محترفون ونساء محترفات، كالبهلوانة التي يحدثنا عنها زنوفون في "مقالاته الدورية" والتي تقذف اثني عشر طوقاً دفعة واحدة ثم ترقص رقصة الانقلاب في الهواء في داخل طوق "أحيط من جميع جوانبه بالسيوف القائمة"(122).وكان يحدث أحياناً أن تظهر أمام الضيوف بنات يعزفن على القيثارات، ويغنين، ويرقصن، ويغازلن غزلاً دُبر أمره من قبل. وكان الأثينيون المتعلمون يفضلون عن هذا أن يجتمعوا ليتناقشوا نقاشاً ينظمه لهم رئيس منهم يختارونه بقذف النرد. وكان الضيوف يحرصون على ألا ينقسم المجلس إلى طوائف صغيرة لأن معنى هذا الانقسام في العادة أن كل طائفة تتحدث مستقلة، بل كانوا يحرصون على أن يكون الحديث عاماً،




صفحة رقم : 2193




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> المنزل


وكانوا يصغون إلى كل متحدث إذا جاء دوره بالأدب واللطف الذي يسمح به ما هم فيه من مرح. وما من شك في أن الحديث الظريف الذي يقصه علينا أفلاطون من نسيج خيال هذا الفيلسوف النابه؛ ولكن أكبر الظن أن أثينة قد شهدت محاورات لا تقل حيوية عن محاورات أفلاطون، وسواء كان ذلك أو لم يكن فإن المجتمع الأثيني هو الذي أوحى إلى أفلاطون بمحاوراته، وهذا المجتمع هو مرجعها وموضوعها. وفي وسط هذا الجو المنعش المنبه جو النابهين الأحرار تكونت العقلية الأثينية.




صفحة رقم : 2194




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الشيخوخة



الفصل الحادي عشر




الشيخوخة


لقد كان اليوناني يحب الحياة ويكره الشيخوخة ويندبها. على أن هذه الشيخوخة نفسها كان فيها ما يذهب ببعض أحزانها؛ فقد كان يعزي الشيخ الهرم أن يرى قبل أن يبلى جسمه حياته الجديدة في صورة أبنائه وأحفاده فيخدع نفسه ويظنه مخلداً، كأنه درهم بال عاد إلى دار الضرب ليصهر ويسك من جديد. لسنا ننكر أن في تاريخ اليونان أمثلة من إهمال الشباب للشيوخ أو إساءة معاملتهم إهمالاً وإساءة مبعثهما الأثرة الممقوتة، وسبب ذلك أن المجتمع الأثيني مجتمع تجاري، فردي النزعة، مجدد غير محافظ؛ وكل هذه العوامل تجعله ينزع إلى عدم الشفقة على الشيوخ، لأن احترامهم من خصائص المجتمع الديني المحافظ مثل مجتمع إسبارطة؛ أما الديمقراطية فإن ما فيها من حرية يحل عرى الصلات، ويركز اهتمام الناس بالشباب، ويفضل الجديد على القديم. ولهذا نجد في تاريخ الأثينيين أمثلة عدة لأبناء يستولون على ملك آبائهم في حياتهم، وإن لم يثبت العته على هؤلاء الآباء(123)؛ ولكن سفكليز ينجي نفسه من هذا المصير، ولا يكلفه هذا أكثر من أن يقرأ للمحكمة التي تنظر في أمره فقرات من آخر مسرحية له. غير أن الشرائع الأثينية تأمر الأبناء أن يعولوا آباءهم العجزة أو الطاعنين في السن(124)؛ والرأي العام، الذي يخشاه الناس على الدوام أكثر مما يخشون القانون، يفرض على الشباب أن يبجلوا الكبار ويتواضعوا أمامهم. ويرى أفلاطون أن من الأمور المسلم بها أن يظل الشاب الحسن التربية صامتاً في حضرة الكبار إلا إذا طُلب إليه الكلام(125). وفي الآداب الأثينية صور كثيرة للشباب المتواضع، منها المحاورات الأولى لأفلاطون




صفحة رقم : 2195




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الشيخوخة


ومنها مقالات زنوفون الدورية، وفي هذا الأدب قصص مؤثرة عن وفاء الأبناء للآباء، كوفاء أرستيز لأجممنون ووفاء أنتجوني لأوديب.
فإذا حانت منية الشيخ حرص الأحياء أشد الحرص على أن يجنبوا روحه كل ما يستطيعون أن يجنبوها من الآلام. فالجسم يجب أن يدفن أو يحرق، وإلا فإن الروح تهيم قلقة مضطربة حول العالم، وتثأر لنفسها من أبناء الشيخ المهملين. فقد تظهر مثلاً في صورة طيف، وتصيب النبات والإنسان بالأمراض والكوارث. وكان إحراق الموتى أكثر انتشاراً في عصر الأبطال ودفنهم أكثر انتشاراً في العصر الذهبي. والدفن عادة مأخوذة عن الميسينيين وقد بقيت إلى العصر المسيحي، ويبدو أن عادة إحراقهم جاءت إلى بلاد اليونان مع الأخيين والدوريين، لأن عاداتهم البدوية لا تمكنهم من أن يعنوا العناية الواجبة بالقبور. وجملة القول أن الدفن أو الإحراق واجب يلزم به الأثينيون، وقد بلغ من حرصهم عليه أن القواد المنتصرين في أرجنوسي قد أعدموا لأن عاصفة حالت بينهم وبين استعادة جثث موتاهم ودفنها.
وأبقت عادات الدفن اليونانية الأساليب القديمة إلى ما بعد عصرها بزمن طويل. من ذلك أن الجثة كانت تغسل بالماء، وتدهن بالعطور، وتكلل بالأزهار، وتُلبس أحسن ما تستطيع الأسرة أن تبتاعه لها من الثياب، ثم توضع اُبلة بين أسنانها لتؤديها أجراً لكارون صاحب القارب الأسطوري الذي ينقل الموتى في نهر أستيكس إلى مقرهم الأخير . وتوضع الجثة في تابوت من الفخار أو الخشب. وكان من أمثال اليونان الأقدمين قولهم "إن إحدى قدمي الشخص في التابوت" ويعنون بذلك ما نعنيه نحن بهذا المثل




صفحة رقم : 2196




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الشيخوخة


نفسه%=@ويقابل هذا قول عامة مصر "إن رجله في القبر".@ . ويتخذ الحزن على الموتى عدة مظاهر مقررة: منها لبس الثياب السود، وقص الشعر كله أو بعضه ليقدم هدية للميت. وفي اليوم الثالث بعد الموت تحمل الجثة في نعش ويطوف موكب الجنازة بشوارع المدينة، والنساء من خلف الجثة يبكين، ويضربن صدورهن، وقد تُستأجر نادبات محترفات يندبن الميت. وتصب الخمر على التراب الذي يغطي القبر لتروي به روح الميت غليلها، وقد تُذبح بعض الحيوانات لتكون طعاماً لها. ويضع مشيعوا الجنازة على القبر أكاليل من الأزهار أو ورق السرو(127)، ثم يعودون إلى منزل الميت ليحتفلوا بالجنازة. وإذ كان من معتقداتهم أن روح الميت تشهد هذا الاحتفال، فقد كان من عاداتهم المقدسة "ألا يذكروا عن الميت إلا الخير" . وقد كانت هذه العادة منشأ قانون قديم يفرض على الأحياء ألا يذكروا إلا محاسن الموتى، ولعلها هي أيضاً منشأ ما يكتب على شواهد القبور من مدح. وكان أبناء الميت يزورون قبور أسلافهم في مواسم معينة، ويقدمون لهم الطعام والشراب. وقد تعهد أهل بلاتية بعد المعركة المسماة باسم مدينتهم والتي قتل فيها عدد من اليونان من مختلف المدن، تعهدوا أن يقيموا لجميع الأموات وليمة سنوية، وكانوا لا يزالون يوفون بوعدهم هذا بعد أن مضت على المعركة ستة قرون كاملة.
وكانت الروح تنفصل من الجسم بعد الموت وتصبح طيفاً غير مادي يسكن في الجحيم. ويستفاد من أقوال هومر أن الأرواح التي ارتكبت ذنوباً شنيعة أو مرقت من الدين هي وحدها التي تعذب في تلك الدار، أما سائر الأرواح




صفحة رقم : 2197




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> أخلاق الأثينيين وآدابهم -> الشيخوخة


بعدئذ، سواء كانت أرواح قديسين أو مذنبين، فكان مصيرها كلها أن تطوف إلى أبد الدهر حول مملكة بلوتو المظلمة. وقد نشأ في التاريخ اليوناني على تعاقب الأيام اعتقاد جديد بين الطبقات الفقيرة مضمونه أن الجحيم مكان يكفر فيه المذنبون عن ذنوبهم؛ ويصور إسكلس زيوس وهو يحاسب الموتى في ذلك المكان، فيعاقب المذنبين، وإن كان لا يذكر كلمة واحدة عن إثابة الصالحين(129). ولسنا نسمع إلا القليل عن الجزائر المباركة أو الحقول الإليزية مواطن السعادة الأبدية التي ينعم فيها عدد قليل من أرواح الأبطال. فالتفكير فيما ينتظر جميع الأموات من مصير محزن نكد يخيم على الأدب اليوناني ويجعل الحياة اليونانية أقل بهجة وانشراحاً مما يجب أن تكون عليه الحياة تحت هذه السماء الصافية.




صفحة رقم : 2198




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> زينة الحياة الدنيا



الباب الرابع عشر




الفن اليوناني في عصر بركليز




الفصل الأوّل




زينة الحياة الدنيا


تقول إحدى الشخصيات في كتاب "الاقتصاد" لزنوفون: "جميل أن ترى الأحذية مرتبة في صف حسب أنواعها، وجميل أن ترى الثياب والأغطية مقسمة حسب منافعها، وجميل أيضاً أن ترى أواني الطبخ مرتبة بذوق وتنسيق، وإن سخر من ذلك الثرثارون المتفيهقون. أجل إن الأشياء جميعها بلا استثناء يزداد جمالها إذا نُسقت وصُفت بانتظام. فهذه الأواني كلها تبدو حينئذ كأنها مجموعة متناسقة يكمل بعضها البعض. ومركزها المتكون منها جميعاً يخلق فيها جمالاً يزيده بُعد القطع الأخرى من المجموعة.
هذه الفقرة التي كتبها قائد حربي تكشف عن مدى إحساس اليونان بالجمال، وعن بساطة هذا الإحساس وقوته. وهذا الإحساس بأهمية الشكل والتناسق، وبالدقة والوضوح، وبالتناسب والنظام، هو العامل الأساسي في الثقافة اليونانية، وتراه واضحاً في شكل كل وعاء ومزهرية ونقشهما، وفي كل تمثال وصورة، وكل معبد وقبر، وكل قصيدة ومسرحية، وفي كل مؤلف يوناني في العلم والفلسفة. إن الفن اليوناني هو العقل مجسماً واضحاً، والتصوير اليوناني هو منطق الخطوط، والنحت اليوناني هو عبادة التناسب، والعمارة اليونانية هي الهندسة الرخامية. ليس في الفن




صفحة رقم : 2199




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> زينة الحياة الدنيا


البركليزي مغالاة في العواطف، ولا شذوذ في الشكل أو محاولة تهدف إلى التجديد عن طريق الغريب غير المألوف ، وليس الغرض الذي يرمي إليه هو تمثيل ما في الحقائق الواقعية من الخلط وعدم التناسق، بل الغرض من هذا الفن هو الاستحواز على جوهر الأشياء الذي ينيرها، وتصوير إمكانيات الناس المثالية. ولقد استحوز السعي للحصول على الثراء والجمال والمعرفة على عقول الأثينيين فشغلهم عن التفكير في التقي والصلاح، وفي ذلك يقول أحد المدعوين إلى وليمة عند زنوفون: "قسماً بالآلهة جميعهم أني لو أعطيت كل ما لملك الفرس من سلطان لفضلت عليه الجمال"(3).
ولم يكن اليوناني، مهما تكن الصورة التي يرسمها له الروائيون في العصور التي هي أقل من عصره رجولة، عابداً مخنثاً للجمال، أو إنساناً يستخفه الطرب ويتغنى بأسرار الفن حباً في الفن، بل كان يُخضِع الفن في فكره للحياة، ويفكر في الحياة على أنها أعظم الفنون على الإطلاق. وكان ذا نزعة نفعية تميل به عن الجمال الذي لا نفع فيه، وكان النافع والجميل والطيب مرتبطة كلها في تفكيره ارتباطها في فلسفة سقراط وكان يرى أن الفن هو قبل كل شيء تجميل طرق الحياة ووسائلها. فكان يتطلب أن تكون آنيته ومصابيحه، وصناديقه ونضده، وسرره وكراسيه نافعة وجميلة معاً، وألا تبلغ من الرشاقة والجمال حداً يفقدها صلابتها. وكان وضوح "إدراكه للدولة" يوحد بينه وبين قوة المدينة وعظمتها، فاستخدم من ثم آلاف الفنانين لتجميل أماكنها العامة، وتعظيم أعيادها، وإحياء تاريخها. وأهم من هذا كله أنه كان يحرص على أن يكرم آلهته، ويستجلب عطفهم ورضاهم، ويعبر عن شكره لهم لما وهبوه من حياة أو نصر. وكان يهدي إليهم النذور من الصور والتماثيل، ويهب الهياكل الشيء




صفحة رقم : 2200




قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> زينة الحياة الدنيا


الكثير من ماله، ويستأجر الفنانين لينحتوا صور آلهته أو موتاه في الحجارة. ومن أجل هذا لم ينشأ الفن اليوناني ليوضع في المتاحف فيتردد عليها الناس ليتأملوه في اللحظات القليلة التي يشعرون فيها بالرغبة في إشباع حاسة الجمال، ولكنه نشأ لكي يخدم مصالح الناس ومشروعاتهم الحقيقية. ولم يكن ما صاغه من تماثيل لأبلو قطعاً متينة من الرخام تُصَفّ في معرض للفن، بل كانت صوراً تمثل أرباباً محبوبة، ولم تكن المعابد أماكن يعجب بها الزائرون، بل كانت مواطن لهذه الأرباب الحية، ولم يكن الفنان في المجتمع الأثيني ناسكاً يعتزل الناس مفلساً عاكفاً في مرسمه، يعبر عما في نفسه بلغة لا يفهمها المواطن العادي، بل كان في حقيقة أمره صانعاً ماهر