Advertisement

قصة الحضارة 04


قصة الحضارة
ول ديورانت




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> الاستيلاء على بلاد اليونان



الباب الخامس




فتح بلاد اليونان




201-146 ق.م




الفصل الأول




الاستيلاء على بلاد اليونان


لما تحالف فليب ملك مقدونيا مع هنيبال على رومه (214)، كان يأمل أن تسير في ركابه بلاد اليونان كلها لإزهاق روح ذلك الجبار الناشئ في الغرب؛ ولكن الشائعات ما لبثت أن انتشرت تقول إنه كان يعتزم إذا ما انتصرت قرطاجنة أن يفتح أرض اليونان كلها بمعونة حلفائه القرطاجنيين. ومن أجل ذلك وقعت العصبة الإيتوليه Aetolian ميثاقاً تعهدت فيه أن تساعد رومه في حربها ضد فليب؛ واستطاع مجلس الشيوخ بفطنته أن يستفيد من هذا الخذلان فيقنع فليب بعقد صلح منفرد مع رومه (205). وما كاد الرومان ينتصرون في معركة زاما حتى أخذ مجلس الشيوخ- وهو الذي لم ينس قط إساءة وجهت إلى بلاده- يكيد لمقدونية ويستعد للثأر منها. ذلك أن هذا المجلس كان يشعر بأن رومه لا تستطيع أن تأمن على نفسها ما دام من ورائها تلك القوة العظيمة التي لا يفصلها عنها إلا بحر ضيق. ولما أن عرض مجلس الشيوخ اقتراحاً بإعلان الحرب اعترضت الجمعية على هذا الاقتراح وقام أحد التربيونين يتهم الأشراف بأنهم يريدون أن يحولوا أنظار الشعب عما في البلاد من فساد(1)؛ ولكن المعارضين




صفحة رقم : 3005




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> الاستيلاء على بلاد اليونان


في الحرب سرعان ما أخمدت أصواتهم واتهموا بخور العزيمة وضعف الوطنية؛ وما وافى عام 200 ق.م حتى أبحر ت. كونكتوس فلامينوس T. quintus Flaminus إلى مقدونية.
وكان فلامينوس فتى في الثلاثين من عمره، وكان من أفراد تلك الدائرة الحرة المعينة بصبغ البلاد بالصبغة الهلينية، والتي كانت تتجمع في رومه حول آل سبيو. والتقى بفليب عند سينوسفلى Cynoscephalae بعد عدة حركات عسكرية ماهرة، وهزمه هزيمة منكرة (197). ثم أدهش جميع أمم البحر الأبيض المتوسط، ولعله أدهش روما نفسها أيضاً، بأن أعاد فليب، بعد أن عاقبه على فعلته، إلى عرشه المفلس الهزيل، وعرض على بلاد اليونان كلها أن يعيد إليها حريتها. واحتجت العصبة الاستعمارية من أعضاء مجلس الشيوخ ولكن الأحرار تغلبوا إلى وقت ما؛ وأعلن رسول من قبل فلامينوس في عام 169 إلى حشد كبير اجتمع في الألعاب التي كانت قائمة في البرزخ اليوناني أن بلاد اليونان ستحرر من سيطرة روما ومقدونية، وستعفى من أداء الجزية، وأن الحامية الرومانية نفسها ستسحب منها. ويقول أفلوطرخس إن الجمهور المحتشد هتف هتافاً عالياً بلغ من شدته أن ماتت الغربان التي كانت تطير فوق الملعب وهوت على الأرض(2). ولما أظهر العالم المتشكك ريبته في نيات القائد الروماني، بدد شكوكه بسحب جيشه إلى إيطاليا، وكان هذا العمل صفحة ناصعة البياض في تأريخ الحروب.
ولكن الحرب تستتبع السلم على الدوام، فقد استاء الحلف الإبتولي من تحرير المدن اليونانية التي كانت خاضعة له، وطلب إلى أنتيوخوس الثالث Antiochus III أن يحرر بلاد اليونان من حريتها. واغتر أنتيوخوس




صفحة رقم : 3006




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> الاستيلاء على بلاد اليونان


بما حازه من نصر رخيص في بعض المعارك التي خاض غمارها في الشرق، فسولت له نفسه أن يبسط سلطانه على غرب آسيا بأجمعه. وخشيت برجموم عاقبة بغيه، فلجأت إلى روما تستعين بها عليه، وأرسل مجلس الشيوخ سبيو الأفريقي وأخاه لوسيوس Lucius مع أول جيش روماني تطأ أقدامه أرض آسيا. والتحم الجيشان عند مجنيزيا Magnesia (189) وانتصر الرومان نصراً كان بداية الفتوح التي شملت بلاد الشرق ذي الصبغة اليونانية. وزحفت الجيوش الرومانية نحو الشمال وردوا الغالبين إلى جلاشيا Jalatia (الأناضول) وكانون من قبل يهددون برجموم وحمد لهم سكان الجزائر الأيونية حسن صنيعهم هذا.
لكن اليونان في أوربا لم يعجبهم هذا العمل. لقد أضحت الجيوش الرومانية تحيط ببلاد اليونان من الشرق والغرب، وإن كانت لم تطأ بعد أرضها، ولقد حررت روما اليونان من عدوهم ولكنها اشترطت أن يضعوا حداً لحرب الطبقات وللحروب الخارجية. غير أن حياة الحرية بغير حرب كانت حياة جديدة شاقة على دول المدن التي تتكون منها هلاس، وكانت الطبقات العليا تتق إلى فرض سلطانها السياسي على المدن المجاورة لبلادها، كما أن الطبقات الفقيرة أخذت تتهم روما بأنها أينما حلت تعين الأغنياء إلى الفقراء. وكانت نتيجة هذه العوامل مجتمعة أن عقد برسيوس Perseus بن فليب الخامس وخليفته على عرش مقدونية حلفاً مع سلوقس الرابع Seleucus IV ومع أهل جزيرة رودس، وأهاب باليونان في عام 171 أن يثوروا معه على روما، ولكن لوسيوس إيميلوس بولس ابن القنصل الروماني الذي قتل في معركة كاني هزم برسيوس في بدنا Pudna بعد ثلاث سنين من ذلك العام، وخرب سبعين مدينة مقدونية، وأسر برسيوس نفسه وسار به مصفداً يزين موكب نصره في شوارع روما - وعوقبت رودس بتحرير كل المدن الآسيوية التي كانت تؤدي إليها الخراج، وبإنشاء ميناء منافس لها في ديلوس. وقبض على ألف




صفحة رقم : 3007




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> الاستيلاء على بلاد اليونان


من زعماء اليونان ومنهم المؤرخ بولبيوس Polybius واتخذوا رهائن في إيطاليا، وظلوا في النفي ستة عشر عاماً مات منهم في خلالها سبعمائة .
وسارت العلاقة بين اليونان والرومان خلال العشرة الأعوام التالية سيراً حثيثاً نحو العداوة السافرة. ذلك أن المدن والأحزاب والطبقات المتنافسة في بلاد اليونان لجأت إلى مجلس الشيوخ في روما تطلب إليه العون، وهيأت لروما بطلبها هذا سبيلاً للتدخل انتهى بأن أضحت بلاد اليونان خاضعةً خضوعاً فعلياً إلى روما وإن ظلت بالاسم حرة مستقلة.
ولم يستطع أشياع سبيو في مجلس الشيوخ أن يصمدوا أمام الواقعيين الذين كانوا يشعرون أن النظام والسلام لا يستتبان في بلاد اليونان إلا إذا خضعت خضوعاً كاملاً لحكم الرومان. وبينا كان النزاع قائماً بين روما من جهة وقرطاجنة من جهة أخرى خرجت مدائن الحلف الآخر على روما وثارت مطالبة بحريتها. وتزعم الحركة زعماء الطبقات الفقيرة، فحرروا العبيد وسلحوهم، وأجلوا الوفاء بالديون، وأشعلوا مع الحرب نار الثورة في البلاد. ولمام دخل الرومان يقودهم موميوس Mummius بلاد اليونان وجدوا أهلها منقسمين على أنفسهم،




صفحة رقم : 3008




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> الاستيلاء على بلاد اليونان


وكان من السهل عليهم أن يهزموا الجيوش غير المدربة. وحرق موميوس كورنثة Corinth، وذبح رجالها وباع نساءها وأطفالها بيع الرقيق، ولم يكد يترك فيها شيئاً من الثروة المنقولة أو الآثار الفنية بل نقلها كلها تقريباً إلى رومه. وأصبحت مقدونية وبلاد اليونان من ذلك الحين ولاية تابعة لرومه بحكمها حاكم روماني، وكانت أثينا وإسبارطة هما المدينتين الوحيدتين اللتين سمحت لهما رومه بأن تحتفظا بشرائعهما. واختفت اليونان من تاريخ العالم السياسي مدى ألفي عام.




صفحة رقم : 3009




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة



الفصل الثاني




تبدل أحوال رومة


ونمت الإمبراطورية الرومانية نمواً تدريجياً، ولم يكن معظم هذا النماء نتيجة خطة موضوعة عن قصد وتدبير، بل كان الدافع إليه ضغط الظروف وترتجع الحدود تراجعاً يتطلبه سلامة البلاد. فقد أخضعت الفيالق الرومانية مرة أخرى بلاد غالة الجنوبية في معركتي كرمونا Cremona (200) وموتينا (193)، ودفعت حدود إيطاليا الشمالية حتى أوصلتها إلى جبال الألب. كذلك كان لابد لرومه أن تحتفظ بسيطرتها على أسبانيا بعد أن استعادتها من قرطاجنة كيلا تعود هذه إلى الاستيلاء عليها، هذا إلى ما في تلك البلاد من ثروة معدنية عظيمة تشمل الحديد والفضة والذهب. وقد فرض عليها مجلس الشيوخ جزية سنوية باهظة من المعادن الغفل والنقود، وكان حكامها الرومان يعوضون أنفسهم تعويضاً سخياً عن السنة التي يقضونها فيها بعيدين عن موطنهم. وحسبنا أن نذكر دليلاً على هذا أن كونتس منوسيوس Quintus Minucius، لما عاد إلى رومه بعد فترة قصيرة قضاها قنصلاً في أسبانيا، جاء إليها بأربعة وثلاثين ألفاً وثمانمائة رطل وخمسة وثلاثين ألف دينار من الفضة؛ وكان الأسبان يجندون في الجيش الروماني فكان منهم أربعون ألفاً في القوة التي استولى بها سبيو إيميليانوس Scipio Aemilianus على نومانتيا Numantia الأسبانية. ولما ثارت على الحكم الروماني ثورة عنيفة في عام 195 ق.م أخضعها ماركس كاتو Marcus Cato ولكنه جرى في إخضاعها على سنة الرومان الأفاضل الذين كان جيلهم آخذاً في الانقراض، فكان عادلاً رحيماً. ووفق تيبيريوس سمبرونيوس جراكس Tiberius Sempronius Gracchus (179) توفيقاً مشوباً بالعطف والرأفة بين




صفحة رقم : 3010




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة


حكمه وبين أخلاق الأهلين وحضارتهم، واتخذ له أصدقاء من زعماء القبائل، ووزع الأراضي على الفقراء. ولكن واحداً من خلفائه يدعى لوسيوس لوكس Lucius Lucullus (151) أخل بشروط المعاهدات التي عقدها جراكس وهاجم من غير سبب كل قبيلة يستطيع أن يجد عندها ما لا يغتصبه منها، وقتل أو استبعد آلافاً من الأسبان دون أن يكلف نفسه عناء البحث عن حجة يبرر بها هذا الاعتداء. واتبع هذه السنة نفسها سلبسيوس جلبا Sulpicius Galba (150) فاستقدم إلى معسكره سبعة آلاف من الأهلين بعد أن عقد معهم معاهدة يعدهم فيها بأنه سيوزع عليهم بعض الأراضي؛ فلما جاءوا أمر أعوانه بأن يحيطوا بهم ثم ذبحهم أو استرقهم. وفي عام 154 شنت قبائل لوزتانيا Lusitania (البرتغال) على رومه حرباً دامت سبع سنين. وظهر بين هذه القبائل زعيم قدير يدعى فرياثوس Viriathus قوي البنية، فارع الطول، شجاعاً، صبوراً، شهماً، نبيلاً. وظل ثماني سنين يكيل الضربات إلى كل جيش روماني يرسل لقتاله ويوقع به الهزيمة حتى ابتاع الرومان آخر الأمر من يقتله غيلة. وصبر الكتلتبريان Celtibrians الثائرون أهل أسبانيا الوسطى على الحصار في نومانتيا خمسة عشر شهراً، لا يتناولون من الطعام إلا جثث موتاهم، حتى أرغمهم سبيو إيمليلنوس في عام 133 على التسليم. ويمكن القول بوجه عام إن السياسة التي سارت عليها الجمهورية الرومانية في أسبانيا قد بلغت من الوحشية والغدر حداً جعل ضررها برومه أكثر من فائدتها لها. وفي هذا يقول ممسن Mommsen المؤرخ الألماني "إن التاريخ كله لم يشهد حرباً تضارع هذه الحرب الأسبانية فيما انطوت عليه من ضروب الغدر والقسوة والجشع(4)".
وكانت الثروة المنتهبة من الولايات هي التي أمدت رومه بالمال الذي تتطلبه حياة التهتك والفساد والأنانية التي أشعلت نار الثورة في البلاد، وقضت آخر الأمر على الجمهورية. ذلك أن الغرامات الحربية التي فرضتها رومه على قرطاجنة




صفحة رقم : 3011




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة


وسوريا، والعبيد الذين سيقوا إليها من جميع ميادين النصر، والمعادن الثمينة التي استولت عليها بعد فتح بلاد الغالة الجنوبية وأسبانيا، والأربعمائة ألف ألف سترس (وهي تساوي ستين مليون ريال أمريكي) التي انتزعتها من أنتيوخوس، وبرسيوس، وال 4503 رطل من الذهب، وال 220.000 رطل من الفضة التي اغتصبها مانيلوس فلسو Manlius Vulso في حروبه الأسيوية، هذه كلها وغيرها من أسباب الثراء الفجائي الذي ساقته إليها المقادير بدلت طبقات الملاك في رومه في مدى نصف قرن من الزمان (202- 146 ق.م) من رجال ذوي موارد وسطى مكتسبة إلى أشخاص مترفين يستمتعون بثراء ونعيم لم يعرفهما قبلهم إلا الملوك. وكان الجند يعودون من هذه الغارات يجر الحقائب بالمال والأسلاب. ولما أخذت النقود يتضاعف مقدارها في رومه أسرع من المباني فإن أصحاب الأملاك العقارية تضاعفت ثروتهم أضعاف دون أن يحركوا في سبيل ذلك عضلة أو عصباً. واضمحلت الصناعة وراجت التجارة، ولم تكن رومه في حاجة إلى إنتاج السلع، فقد كانت تأخذ العالم لتؤدي منها أثمان بضائعه. وازدادت الأعمال العامة زيادة لا عهد للرومان بها، وأثرى منها المكارسون الذين كانوا يعيشون من العقود التي تبرمها الحكومة، وزاد عدد أصحاب المصارف المالية وأثروا. وكانوا يصرفون فوائد عن الودائع، ويقبضون التحاويل المالية (praescriptions)، ويخصمون السفاتج لعملائهم، ويقرضون المال ويقترضونه، ويستثمرون ما يتجمع لديهم من الأموال أو يديرون المشروعات المالية؛ وأثروا من الربا الفاحش الذي كانوا ينتزعونه بلا رحمة حتى أصبح القاتل (sector) والمرابي يعبر عنهما بلفظ واحد(7). وهكذا أخذت رومه تخطو خطوات واسعة في أن تكون المركز المالي والسياسي- لا المركز الصناعي والتجاري- للعالم الذي يسكنه الجنس الأبيض.
وبهذه الوسائل وأمثالها انتقل الأشراف ومن يلونهم من رجال الطبقة




صفحة رقم : 3012




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة


الوسطى بخطى واسعة من البساطة الرواقية إلى التنعم والترف الطليق، وبلغ هذا التبدل أقصى مداه أو كاد في أيام كاتو (234- 149)؛ فاتسعت البيوت، وتناقصت الأسر، وتسابق الناس في ثأثيث دورهم بأفخم الأثاث وأغلاه ثمناً؛ فأخذوا يشترون الطنافس البابلية بأغلى الأثمان، ويبتاعون الأسرة المطعمة بالعاج أو الفضة أو الذهب؛ وكانت الأحجار والمعادن الثمينة تتلألأ على النضد والكراسي وأجسام النساء، وسروج الخيل. ولما قل المجهود الجسمي وزاد الثراء استبدل الناس بغذائهم القديم البسيط وجبات ثقيلة طويلة من لحوم الحيوان والطير وغيرهما من ألوان الطعام الشهي والتوابل والمشهيات، وأصبحت الأطعمة النادرة المستوردة من خارج البلاد لا تخلو منها موائد ذوي المكانة في المجتمع ومن يدعون أن لهم فيه مكانة. وحسبنا شاهداً على هذا الإسراف أن أحد كبار الموظفين قد ابتاع حيوانات بحرية في وجبة واحدة بألف سترس، واستورد آخر "أنشوجة" بألف وستمائة سترس للبرميل، وابتاع ثالث كمية من البطارخ بألف ومائتي سترس، وكان الطاهي الماهر يباع بأغلى الأثمان في سوق النخاسة. كذلك كان شأن الشراب، فقد انتشر وزادت مقاديره وكان لابد أن تكون الكؤوس كبيرة ومصنوعة من الذهب قدر المستطاع، وقل مقدار ما يمزج به الخمر من ماء، بل إنه كان يشرب أحياناً بلا ماء على الإطلاق. وسن مجلس الشيوخ قوانين صارمة تحدد مقدار ما ينفق من الأموال على المآدب والملابس، ولكن الشيوخ أنفسهم كانوا يتجاهلون هذه القوانين ولذلك لم يأبه بها غيرهم من الأهلين. وفي ذلك يقول كاتو في ألم وحسرة: "إن المواطنين لم يعودوا يستمعون النصح لأن البطون لا آذان لها(9)" وأخذ الناس يشعرون بأنهم أفراد لا شأن للدولة بهم، وثاروا عليها وعلى تدخلها في شئونهم، كما ثار الابن على أبيه، وكما ثارت المرأة على الرجل.
وقد جرت العادة من قديم الزمان أن يقوي سلطان المرأة كلما زادت ثروة




صفحة رقم : 3013




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة


المجتمع؛ ذلك أنه إذا امتلأت البطون أخلى الجوع الميدان للحب، ولذلك فشت الدعارة في رومه وانتشر اللواط حين اتصل الرومان ببلاد اليونان وبلاد آسيا، فكان كثير من الأغنياء يدفع الواحد منهم تالنتا (3600 ريال أمريكي) ثمناً للغلام الوسيم، وشكا كاتو من أن ثمن الولد الجميل يزيد على ثمن مزرعة(10). على أن النساء لم يخلين الميدان لهؤلاء الغزاة اليونان والسوريين، فأخذن يتجملن بكل وسائل التجميل التي هيأتها لهن الثروة الجديدة، وأصبحت الأدهان ضرورة لا غنى لهن عنها، وشرعن يستوردن من غالة أنواعاً من الصابون تخفى لون شعرهن الأشيب وتحيله أحمر(11). وكان الثرى من أهل الطبقة الوسطى يتباهى بأن يزين زوجه وبناته بالملابس والجواهر الغالية ويطلقهن في المدينة يعلن عن ثروته؛ وزاد شأن النساء في دور الحكم نفسها، وفي ذلك يقول كاتو: "إن الرجال في جميع أنحاء العالم يحكمون النساء، أما نحن الرومان الذين نحكم جميع الرجال فإن نساءنا يحكمننا(12)". وحدث في عام 195 ق.م أن خرجت نساء رومه الحرائر إلى السوق العامة ونادين بإلغاء قانون أبيوس Appius الصادر في عام 215 والذي يحرم على النساء التحلي بالذهب والملابس الكثيرة الألوان وركوب العربات. وأنذر كاتو الرومان بأن رومه سيحل بها الخراب إذا ألغي هذا القانون، وينطقه ليفي بهذه الخطبة التي قرأها كل جيل من الأجيال من ذلك الوقت إلى هذه الأيام:
"لو أننا كلنا قد استمسكنا في بيوتنا بحقوق الأزواج وسلطانهم، لما تورطنا الآن في هذه المشاكل مع نسائنا. أما ونحن لم نستمسك بهذه الحقوق وهذا السلطان فإن نفوذنا الذي قضي عليه استبداد النساء في البيت قد وطئته الأقدام، وقضي عليه في السوق... ألا فلتذكروا جميع النظم والقوانين الخاصة بالنساء، والتي حاول بها آباؤنا أن يقللوا من فجورهن ويجعلوا منهن زوجات طائعات لأزواجهن. ومع ذلك فإنكم رغم هذه القيود لا تستطيعون أن تكبحوا جماحهن.




صفحة رقم : 3014




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة


فما بالكم إذا ما تساوين بأزواجهن؟ هل تظنون أنكم في هذه الحال ستطيقونهن؟ إن الساعة التي يصبحن فيها مساويات لكم ستكون هي الساعة التي يصرن فيها ذوات الأمر والنهي عليكم(13)". وسخر منه النساء وألزمنه الصمت وأصررن على طلبهن حتى ألغي القانون. وانتقم كاتو لنفسه وهو رقيب بأن زاد الضرائب المفروضة على السلع التي يحرمها قانون أبيوس إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه. ولكن التيار كان جارفاً، ولم يكن في وسع أحد أن يصده، فألغيت القوانين الأخرى التي كانت تحد من حرية النساء أو عدلت أو أغفلت؛ فأصبح للنساء الحق المطلق في الإشراف على استثمار بائناتهن، وصرن يطلقن أزواجهن أو يجرعنهم السم في بعض الأحيان، وبدا لهن أن ليس من سداد الرأي أن يلدن الأبناء في عصر ازدحمت فيه المدن بالسكان وكثرت فيه حروب الفتح والاستعمار.
وكان كاتو وبولبيوس قد أدركا في عام 160 ق.م أن السكان يتناقصون، وأن الدولة عاجزة عن أن تجند من الجيوش ما استطاعت أن تجنده لقتال هنيبال. وورث الجيل سيادة العالم، ولكنه لم يجد لديه من الوقت أو الرغبة ما يستطيع بهما أن يدافع عنه؛ ذلك أن الاستعداد لتلبية نداء الحرب كلما دعا لها الداعي، وهو الاستعداد الذي كان من خصائص المالك الروماني، لم يعد له وجود، بعد أن تركزت الملكية في أيدي أسر قلائل، وغصت أقذر أحياء رومه بالصعاليك الذين لا مصلحة لهم في البلاد يخافون عليها أو يدافعون عنها. وأصبح الناس شجعاناً بالنيابة إن صح هذا التعبير. فقد كانوا يهرعون إلى المدرجات ليشاهدوا الألعاب التي تجري فيها الدماء، وكانوا يستأجرون المجالدين ليصطرعوا أمامهم في ولائمهم. وأنشئت مدارس للبنين والبنات يتعلم فيها الشبان والشابات الغناء والموسيقى والمشي الرشيق(14). ورقت طباع الطبقات العليا بعد أن فسدت أخلاقها؛ أما الطبقات الدنيا فقد ظلت طباعها غليظة خشنة قوية، وكانت وسائل لهوها في الغالب عنيفة ولغتها بذيئة. وإنا لنشم رائحة البذاءة في بلوتس Plautus




صفحة رقم : 3015




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة


وندرك السبب في أن الجماهير كانت لا تطيق مشاهدة مسرحيات ترنس Terrnce. ولما أن حاولت فرقة من الموسيقيين أن تعزف في أحد مواكب النصر في عام 167 أرغم النظارة أولئك الموسيقيين على أن يستبدلوا بعزفهم مباراة في الملاكمة(15).
وسيطرت النزعة التجارية على الطبقات الوسطى المطردة الزيادة، ولم يعد أساس ثرائها هو العقار كما كان من قبل، بل أصبح هذا الأساس هو الاستثمار التجاري أو إدارة الأعمال التجارية. ولم يكن في وسع القانون الأخلاقي القديم أو في وسع حفنة من الرجال من طراز كاتو أن يحولوا بين هذا العهد الجديد عهد رؤوس الأموال المتحركة أن يصبغ الحياة الرومانية كلها بصبغته. فكان كل إنسان يسعى جاهداً للحصول على المال، وكان كل إنسان يقدَّر ويقدَّر غيره بما عنده من المال، وكان المتعاقدون على الأعمال يغشون ويخدعون، وبلغ من غشهم وخداعهم أن تخلت الحكومة عن كثير من أملاكها- كمناجم مقدونية- لأن المتعاقدين معها على استغلالها كانوا يسخرون العمال ويبتزون أموال الدولة ابتزازاً أصبحت معه المشروعات مصدر بلاء للدولة لا مورد ربح لها(16). وتخلق الأشراف بالخلق الجديد، وشاركوا غيرهم في الثروة الجديدة- إذاً جاز لنا أن نصدق أقوال المؤرخين، ومن واجبنا ألا نصدقهم- بعد أن كانوا من قبل يرون أن الشرف أعلى قدراً من الحياة. وأصبحوا لا يفكرون في الأمة، بل يفكرون في امتيازاتهم ومطالبهم الطائفية والفردية، وصاروا يقبلون الهدايا والرشا الكبيرة لكي يمنحوا عطفهم على الأفراد والدول، وما أسهل ما كانوا يجدون سبباً لشن الحرب على البلاد التي فيها من الثروة أكثر مما فيها من القوة. وكان الأشراف يعترضون العامة في الطرقات ويستجدونهم أصواتهم أو يبتاعونها منهم، وأصبح من الأمور المألوفة أن يختلس الحكام الأموال العامة كما أصبح من غير المألوف أن يحاكم هؤلاء على ما يختلسون




صفحة رقم : 3016




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة


منها. ومن ذا الذي يعاقب اللصوص من زملائه إذا كان نصف أعضاء مجلس الشيوخ قد ائتمروا على خرق المعاهدات، وسرقة الأحلاف، وانتهاب الولايات؟ وفي ذلك يقول كاتو: "من يسرق مال مواطن يقضي بقية أيامه مكبلاً بالسلاسل والأغلال؛ ولكن من يسرق مال المجتمع يقضي بقية أيامه رافلاً في أفخر الثياب ومتحلياً بالذهب الوهاج(17)".
ومع هذه فإن منزلة مجلس الشيوخ قد علت عما كانت عليه من قبل، ذلك بأن رومه بقيادته قد خرجت ظافرة من الحربين البونيتين ومن الحروب المقدونية الثلاث، وتحدت كل منافسيها، وتغلبت عليهم، وكسبت صداقة مصر، وبسطت عليها نفوذها، واستولت على جزء كبير من ثروة العالم أمكنها به أن ترفع عن إيطاليا كلها في عام 146 عبء الضرائب المباشرة. وقد اغتصب مجلس الشيوخ في خلال أزمات الحرب والسياسة كثيراً من اختصاصات الجمعيات والحكام، ولكن النصر الذي نالته رومه قد برر هذا الاغتصاب؛ وفوق هذا فإن تحول البلاد إلى إمبراطورية متسعة الرقعة قد جعل الجمعية أداة سمجة غير صالحة للحكم؛ ذلك أن الشعوب الثائرة التي خضعت وقتئذ لحكم مجلس شيوخ كثرة أعضائه من الساسة المحتكين والقواد الظافرين، لم يكونوا يقبلون أن يتصرف في شئونهم بضعة آلاف من الإيطاليين الذين يستطيعون حضور الجمعيات الوطنية في رومه. إن الحرية أساس الديمقراطية، والنظام أساس الحرب، وكلاهما لا وجود له مع الآخر. ذلك أن الحرب تتطلب قدراً عظيماً من الذكاء والشجاعة، والحزم والسرعة في اتخاذ القرارات، والعمل الجماعي المتحد، والطاعة العاجلة لأوامر الرؤساء؛ ومن أجل هذا قضت كثرة الحروب على الديمقراطية. وكان القانون ينص على أن من حق الجمعية المئوية وحدها أن تعلن الحرب وتعقد الصلح؛ ولكن مجلس الشيوخ كان يستطيع بماله من حق الهيمنة على صلات الدولة الخارجية أن يدفع الأمور إلى حيث لا تجد الجمعية مناصاً من الخضوع لرأيه(18). وكان مجلس الشيوخ هو المشرف على خزانة الدولة، كما كان هو المسيطر على




صفحة رقم : 3017




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة


الشؤون القضائية، وذلك بحكم القاعدة المتبعة من قديم الزمان وهي أن جميع المناصب القضائية الهامة كان يختار شاغلوها من أعضاء المجلس أو المرشحين لعضويته، يضاف إلى هذا كله أن وضع القوانين وشرحها كانا من اختصاص طبقة الأشراف.
وكان في داخل هذه الأرستقراطية ألجِركية محصورة في الأسر ذات السلطان، ذلك أن التاريخ الروماني قد ظلا إلى عهد صلا Sulla سجلا لأعمال الأسر لا أعمال الأفراد؛ فلسنا نرى فيه أسماء ساسة عظماء بارزين ولكنا نرى جيلاً في إثر جيل أسماء بعينها تشغل أعلى مناصب الدولة؛ ترى من بين مائتي قنصل شغلوا هذا المنصب الخطير بين عامي 233, 133 ق.م مائة وتسعة وخمسين ينتمون إلى ست وعشرين أسرة، ومائة ينتمون إلى عشر أسر. وكانت أقوى أسرة في ذلك العهد هي آل كورنيليوس Cornelius. وليس تاريخ رومه الحربي والسياسي من أيام بيليوس كورنيليوس سبيو Publius Cornelius Scipio الذي خسر معركة تربيا Trebia في عام 218 أيام ولده سبيو الإفريقي قاهر هنيبال وأيام حفيد ثانيهما وتبناه سبيو إبمليانوس الذي دمر قرطاجنة في عام 146، نقول ليس تاريخ رومه الحربي والسياسي طوال ذلك العهد في جملته إلا تاريخ هذه الأسرة، ولقد بدأت الثورة التي قضت على طبقة الأشراف على يد ابني جراكس وهما حفيدا إيمليانوس. ولقد أصبح سبيو الإفريقي بعد انتصاره في واقعة زاما التي أنجت رومه من الدمار محبباً لجميع الطبقات، وظلت رومه فترة من الزمان على استعداد لأن تمنحه أي منصب يرغب فيه.
فلما أن عاد هو وأخوه لوسيوس Lucius من ميدان القتال في آسيا (187) طلب أشياع كاتو أن يعرض على المجلس حساب الغرامة الحربية التي أداها إليه أنتيوخوس ليبعث بها إلى رومه، وأبى سبيو الإفريقي أن يجيب أخوه هذا الطلب، ومزق سجلات الحساب أمام مجلس الشيوخ. وحوكم




صفحة رقم : 3018




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة


لوسيوس أمام الجمعية وحكم عليه بأنه اغتصب الأموال العامة، ولم ينجه من العقاب إلا رفض التربيون تيبيريوس سمبرونيوس جراكس Tiberius Sempronius Gracchus زوج ابنة سبيو الإفريقي أن يجيز هذا العقاب بماله من حق الرفض. واستدعى سبيو الإفريقي إلى المحاكمة فما كان منه إلا أن عطل الإجراءات القضائية بأن دعا الجمعية وسار أما أعضائها إلى هيكل جوبتر للاحتفال بذكرى معركة زاما. ولما دعي مرة ثانية أبى أن يجيب الدعوة وسافر إلى ضيعته في ليترنوم Liternum وبقي فيها بقية أيامه لا يجرؤ أحد على أن يمسه بسوء. وكان يقابل هذه النزعة الفردية في السياسة نمو الفردية في التجارة وفي الأخلاق. وما لبثت الجمهورية الرومانية أن قضي عليها نشاط عظماء رجالها وجهودهم الطليقة من جميع القيود.
وقد رفع من شأن الأرستقراطية ومن شأن هذا العهد كله، ما سرى في نفوس تلك الطبقة من تقدير للجمال. ذلك أن اتصال الرومان بالثقافة اليونانية في إيطاليا وصقلية وآسيا قد جعلهم على علم بكل مستلزمات الحياة المترفة، وبكل ثمار الفنون الجميلة في العالم القديم. ولما عاد الفاتحون إلى بلادهم جاءوا معهم بكثير مما اشتهر في أنحاء العالم من روائع الصور الملونة، والتماثيل، والكؤوس، والمرايا، والمعادن المنقوشة، والمنسوجات الغالية، والأثاث الثمين. وقد ارتاع الجيل القديم حين رأى مرسلس Marcellus يزين الميادين الرومانية بالتماثيل التي اغتصبها من سرقرسة. ولم يكن ما يشكو منه أهل ذلك الجيل اغتصاب قائدهم لهذه التماثيل، بل كانوا يشكون "البطالة ولغو الحديث" اللذين أصبحا عادة لازمة للمواطنين المجدين الذين يقفون الآن "ليفصحوا عن السفاسف وينتقدوها(19)". واغتصب فلقيوس Fulvius 1015 تمثالاً من مجموعة تماثيل برس Pyrrhus في أمبراشيا Ambracia. وشحن إيمليوس بولس خمسين عربة في موكب نصره بالكنوز الفنية التي استولى عليها من بلاد اليونان ضمن ما استولى عليه منها نظير تحريرها. وفعل هذا الفعل نفسه صلا Sulla، وفريس Verres، ونيرون Nero ومئات




صفحة رقم : 3019




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة


غيرهم من الرومان خلال مائتي عام من تاريخ البلاد جردوا منها بلاد اليونان من روائع فنها ليكتسي بها العقل الروماني.
وطغى هذا الغزو على الفن الإيطالي فنبذ صفاته الأصلية، وطرازه الوطني واستسلم بأجمعه- إلا في شيء واحد- إلى الفنانين اليونان والى الموضوعات والأشكال اليونانية. وأقبل المثالون، والمصورون، والمهندسون اليونان إلى رومه حيث كان الذهب يتدفق في جيوبهم، وما لبثوا أن صبغوا عاصمة فاتحي بلادهم بالصبغة اليونانية. وشرع سراة الرومان يشيدون قصورهم على الطراز الروماني حول فناء غير مسقوف، ويزينونها بالعمد، والتماثيل، والصور اليونانية، وبالأثاث اليوناني. أما الهياكل فقد تحولت على مهل حتى لا تغضب الآلهة من التحول وبقي جسم الهيكل القصير والقاعدة المرتفعة للتماثيل- وهما من مميزات الفن التسكاني- القاعدة المتبعة في بناء الهياكل ونحت التماثيل. فلما أن زاد عدد الآلهة الأولمبية، رأى الرومان أن من حق تلك الآلهة أن تبني بيوتها على الطراز الهليني الرفيع. غير أن الفن الروماني قد ظل في ناحية واحدة جوهرية يعبر بوسائله الخاصة وبقوته الفذة عن الروح الإيطالية الفنية، وإن ظل يسترشد بالفن اليوناني. أما فيما عدا هذا فقد استبدل المهندسون الرومان القوس بالعارضة الراكزة على الأعمدة في الأبنية التي خلدوا بها نصرهم أو زينوا بها دورهم، وفي القنوات التي تجر الماء لدورهم وفي أبنية محاكمهم. وعلى هذا النحو شاد كاتو من الحجارة في عام 184 الدار المعروفة باسم باسلكا بورشيا Bacilica Portia، وبعد خمس سنين من ذلك العام شاد إيمليوس بولس باسلكا إيمليا Bacilica Aemilia في صورتها الأولى التي أصلحها فيما بعد أبناؤه وأحفاده جيلاً بعد جيل، وجملوها أحسن تجميل . وكانت الباسلكا الرومانية النموذجية




صفحة رقم : 3020




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> تبدل أحوال رومة


داراً تقام لتصريف الأعمال التجارية والقضائية، وتتألف من بناء في شكل مستطيل طويل يقسمها إلى ممشى وأفنية صفان من الأعمدة الداخلية، يعلوها في العادة سقف في صورة قبة مصندقة، وهو طراز أخذ في الأصل من الإسكندرية(20). وإذ كان الممشى مرتفعاً عن الأفنية فقد كان من المستطاع حفر شبكة من الفتحات في الحجارة فوق كل فناء يدخل منها الضوء والهواء. ذلك بطبيعة الحال هو الشكل الأساسي للجزء الداخلي من الكنائس الكبرى في العصور الوسطى. وبهذه الصروح الضخمة شرعت رومه تتخذ لنفسها مظهر القوة والفخامة الذي امتازت به في مستقبل أيامها حتى بعد أن لم تكن عاصمة العالم كله.




صفحة رقم : 3021




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> الالهة الجدد



الفصل الثالث




الآلهة الجدد


ترى ماذا كان شأن الآلهة القديمة في ذلك العهد، عهد التحول السريع الذي لا يبقى ولا يذر؟ يلوح أن شيئاً من الكفر بهذه الآلهة قد سرى من الأشراف إلى عامة الشعب؛ وإلا فكيف يرضى شعب لا يزال يؤمن بالآلهة القديمة عن هذه المسرحيات الهزلية التي يسخر فيها بلوتس Plautus- مهما كانت حجته في أنه إنما يحاكي النماذج اليونانية- من أعمال جوبتر مع ألكمينا Alcmena، ويجعل من عطارد مهرجاً ضحكة، ثم هو لا يرضى عن هذا فحسب بل يحيى هذه المشاهد بالصخب والضجيج. إن كاتو نفسه وهو الحريص على العادات القديمة، كان يعجب من قدرة اثنين من العرافين إذا التقيا على ألا يسخر كلاهما من الآخر(21). لقد طالما خضع هؤلاء العرافون لأساليب الختل السياسية؛ وكثيراً ما كان الفأل والطيرة ينطق بهما لتكييف الرأي العام كما يهوى الزعماء، وكثيراً ما كانت أصوات الشعب في الاقتراع على أمر من الأمور تكفيها وسائل التهريج والشعوذة الدينية. ولطالما رضى الدين بأن يُحَوَّل استغلال الشعب إلى واجب مقدس تتطلبه الآلهة.
ولقد عاش من الدلالات السيئة أن يكتب بولبيوس حوالي عام 150 ق.م، بعد أن عاش سبعة عشر عاماً في أرقى المجتمعات في رومه، ما يستدل منه على أن الدين الروماني لم يكن إلا أداة طيعة من أدوات الحكم:
"إني أرى أن الميزة التي تمتاز بها الجمهورية الرومانية، والتي ترفع من قدرها فوق سائر بلاد العالم، إنما هي طبيعة دينها. ذلك أن ما يعد عند الأمم الأخرى عيباً من العيوب وسبة في الأعقاب- وهو الخرافات- لهو نفسه




صفحة رقم : 3022




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> الالهة الجدد


العامل الأكبر في تماسك الدولة الرومانية. فهذه الشؤون تكتسي بثوب من الأبهة والفخامة، وتسري في الحياة الخاصة والعامة سرياناً لا يضارعها فيه غيره من الأديان.. ويقيني أن الحكومة قد نهجت هذا النهج لخير الشعب. ولو أنه كان مستطاعاً إقامة دولة كل رجالها من الحكام، لما كان هذا النهج واجباً محتوماً. ولكن الجماهير كلها بلا استثناء متقلبة الأهواء لا تثبت على حال، تملأ قلوبها الرغبات الطليقة التي لا تتقيد بقانون، والشهوات التي لا تخضع لحكم العقل، والانفعالات العنيفة؛ ومن أجل هذا كان لابد من وجود أسباب للإرهاب لا تراها العين، ومواكب ومظاهر دينية فخمة تمسك هذه الجماهير بعضها ببعض".
ولعله كان في وسع بولبيوس أن يؤيد قوله هذا بحوادث في أيامه تثبت أن الخرافات لا تزال هي المسيطرة على عقول الرومان، على الرغم من بلوتس وعلى الرغم من الفلسفة. من ذلك أنه لما حلت بالرومان كارثة كاني Cannae، ولاح أن رومه لن يعصمها عاصم من هنيبال، استولى الرعب على الشعب الروماني المهتاج ونادى: "أي إله نرتجيه لينجي رومه من البلاء الذي هي فيه؟".
وحاول مجلس الشيوخ أن يسكن هذا الذعر بالتضحية البشرية، ثم بالصلاة إلى الآلهة اليونانية، ثم استخدام الطقوس اليونانية في عبادة الآلهة كلها الرومانية منها واليونانية على السواء. ثم قرر المجلس في آخر الأمر أنه إذا كان قد عجز عن القضاء على الخرافات فإنه سينظمها ويسيطر عليها. من ذلك أنه أعلن في عام 205 أن الكتب السبيلية Sibylline تنبئ بأن هنيبال سيغادر إيطاليا إذا جئ بالأم الكبرى- Magna Mater- وهي صورة من الإلهة سيببل Cybele- من بسينس Pessinus في فريجيا Phygi إلى رومه. ووافق على ذلك أتالس Attalus ملك برجموم ونقل الحجر الأسود الذي كان في اعتقادهم جسد الأم الكبرى إلى أستيا حيث استقبله سبيو الإفريقي وطائفة من فضليات




صفحة رقم : 3023




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> الالهة الجدد


السيدات بمظاهر التكريم. ولما أن ارتطمت السفينة التي كانت تحمله بطين نهر التيبر رفعتها العذراء كلوديا الفستية، وجرتها في النهر صعداً إلى رومه بما للعفة من قوة سحرية، ثم أمسكت السيدات جميعهن كل واحدة بعد الأخرى بالحجر في يدها وحملنه في موكب رهيب إلى هيكل النصر، وأخذ الأهلون الأتقياء يحرقون البخور أمام بيوتهم أثناء مرور الأم الكبرى. وارتاع مجلس الشيوخ حين وجد أن المعبود الجديد لابد أن يقوم على خدمته كهنة يُخصون أنفسهم. وكان من المستطاع العثور على رجال يقبلون هذا، ولكن الرومان لم يكن يسمح لهم بأن يكونوا من بينهم. وشرعت رومه من ذلك الوقت تحتفل في شهر إبريل من كل عام بعيد الآلهة الكبرى Magalesia، واتخذ الاحتفال في بادئ الأمر صورة الحزن العنيف، ثم انقلب بعدئذ إلى المرح العنيف. ذلك أن سيبيل كانت إلهة نباتية، وتروي الأساطير أن ابنها أتيس Attis رمز الخريف والربيع مات وانتقل إلى الجحيم Hades، ثم عاد إلى الحياة من بين الأموات.
وغادر هنيبال إيطاليا في عام 205، وهنأ مجلس الشيوخ نفسه على الطريقة التي اتبعها في علاج الأزمة الدينية. ولكن الحروب التي دارت مع مقدونية قد فتحت لرومه أبواب اليونان والشرق. وقد جاء في أثر الجنود الذين عادوا بأسلاب الشرق وأفكاره وأساطيره أفواج من الأسرى اليونان والأسيويين، ومن الرقيق واللاجئين، والتجار والسياح، والرياضيين والفنانين والممثلين والموسيقيين، والمدرسين والمحاضرين؛ والناس إذا هاجروا جاءوا معهم بآلهتهم. واغتبطت الطبقات الدنيا في رومه بما عرفته عن ديونيسس باخوس Dionysus Bacchus؛ وأرفيوس Orpheus ويريدس Eurydice، والطقوس الغامضة الخفية وهي في اعتقادهم مصدر الإيحاء الإلهي، والخمر القدسي، والاتصال الروحي، الذي يكشف عن الآلهة التي تبعث حيَّة وتَعد عبادها الخلود. وارتاع مجلس الشيوخ في عام 186 حين علم أن من الشعب أقلية كبيرة قد اعتنقت الطقوس الديونيسية،




صفحة رقم : 3024




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> الالهة الجدد


وأن الإله الجديد تقام له حفلات تدار فيها كؤوس الخمر على المحتفلين. وإذ كانت هذه الحفلات تقام سراً وفي الليل فقد راجت الإشاعات القائلة بأنها كانت حفلات حمراء يصحبها الخمر والفجور الطليق، وقد وصفها ليفي بقوله: "إن الفسق بالرجال كان أشد من الفسق بالنساء"، ثم يقول بعد هذا- ولعله في ذلك ينزل لغو القول منزلة التاريخ المحقق: "ومَن لم يكن يرضى بالدنس... كان يضحي به قرباناً للإله(23)". وحرم مجلس الشيوخ هذه الطقوس الدينية؛ وقبض على سبعة آلاف من القائمين بها، وقضي بإعدام مئات منهم. وكان هذه نصراً مؤقتاً في الحرب العوان التي خاضت رومه غمارها لصد تيار الأديان الشرقية .




صفحة رقم : 3025




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> بداية عصر الفلسفة



الفصل الرابع




بداية عصر الفلسفة


كانت الطريقة التي غزت بها بلاد اليونان رومه أن بعثت إلى عامتها بالدين اليوناني والمسرحيات الهزلية اليونانية، والى الطبقات العليا من أبنائها بالأخلاق وبالفلسفة اليونانية. وائتمرت هذه الهدايا اليونانية مع الثروة الرومانية ومه الإمبراطورية الرومانية على تقويض دعائم دين رومه وأخلاقها، وكان هذا إحدى السبل التي اتبعتها هلاس في انتقامها الطويل المدى من غزاتها. وبلغ هذا الغزو غايته في الفلسفة اليونانية من أبيقورية لكريشيوس الرواقية إلى رواقية سنكا الأبيقورية. وفي الدين المسيحي غلبت فلسفة ما وراء الطبيعة اليونانية الآلهة الإيطالية، ولما نشأت القسطنطينية كانت الغلبة فيها للثقافة اليونانية، فنافست في بادئ الأمر الثقافة الرومانية، ثم حلت في آخر الأمر محلها؛ ولما أن سقطت القسطنطينية عادت الآداب والفلسفة والفنون اليونانية فغزت إيطاليا وأوربا كلها في عصر النهضة. ذلك هو المجرى الرئيسي في تاريخ الحضارة الأوربية، أما ما عداه فتيارات فرعية وروافد جانبية. وفي ذلك يقول شيشرون: "لم يكن منشأ الفيض الذي أقبل من بلاد اليونان إلى مدينتنا مجرى صغيراً بل كان منشؤه نهراً خضماً من الثقافة والعلم(24)"، أصبحت حياة رومه الذهنية والفنية والدينية من بعده جزءاً من العالم المصطبغ بالصبغة الهلينية .
ووجد الغزاة اليونان في مدارس رومه وقاعات المحاضرات فيها ثغرة طيبة ينفذون منها إلى رومه، وموقعاً صالحاً يثبتون فيه أقدامهم. فجاء في أعقاب




صفحة رقم : 3026




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> بداية عصر الفلسفة


الجيوش الرومانية التي عادت من بلاد الشرق تيار دافق من "اليونان الصغار" Graeculi كما كان يسميهم الرومان استهزاء بهم. وكان منهم أرقاء كثيرون استخدموا معلمين في الأسر الرومانية، ومنهم النحاة الذين أنشئوا الدراسات الثانوية في رومه بما افتتحوه من المدارس لتعليم لغة اليونان وآدابهم؛ ومنهم البلغاء الذين كانوا يلقون محاضرات عامة في فن الخطابة والأدب والإنشاء والفلسفة، أو يعطون فيها دروساً خاصة. وشرع الخطباء الرومان- حتى من كان منهم يبغض الثقافة اليونانية أمثال كاتو- يتخذون خطب ليسياس Lysias، وإيسكين Aeschines ودمستين Demosthenes نماذج لهم ينسجون على منوالها.
ولم يكن لهؤلاء المدرسين اليونان دين يؤمنون به إلا القليلين منهم، وأقل من هؤلاء المتدينين من كانوا يثبتون في قلوب تلاميذهم شيئاً من العقيدة الدينية. وكانت منهم أقلية صغيرة تحذو حذو أبيقور، وتسبق لكرييشيس في وصفه الدين بأنه أكبر الشرور في حياة الشر. وأدرك الأشراف مهب العاصفة وحاولوا أن يسدوا عليها الطريق، فنفى مجلس الشيوخ من البلاد في عام 173 اثنين من الفلاسفة أو البلغاء". ولكن العاصفة لم تسكن، فقد جاء إلى رومه في عام 159 كراتس الملوسي Crates of Mallus مدير المكتبة الملكية الرواقي في برجموم في عمل رسمي، وكسرت فيها ساقه، فأقام بها، وأخذ وهو في دور النقاهة يلقي محاضرات في الأدب والفلسفة. وفي عام 155 بعثت أثينا إلى رومه سفراء من أهلها كانوا زعماء المدارس الفلسفية الثلاث العظيمة: كارنيدس Carneades الأكاديمي أو الأفلاطوني، وكرتولوس Critolaus المشائي أو الأرسطاطيلي وديوجين Diogenes الرواقي السلوسي (of Selucia). وكان قدوم هؤلاء إلى رومه مبعث نهضة علمية وفلسفية لا تكاد تقل في قوتها عما بعثه قدوم كرسولوراس Chrysoloras إلى إيطاليا في عام 1453. وتحدث كارنيدس عن البلاغة




صفحة رقم : 3027




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> بداية عصر الفلسفة


بفصاحة حملت الشبان على أن يجتمعوا حوله في كل يوم ليستمعوا له(25). وكان الرجل شكاكاً إلى أقصى حد، فكان يشك في وجود الآلهة، ويقول إن في الإمكان تبرير الظلم بأسباب لا تقلّ في وجاهتها عن الأسباب التي يبرر بها العدل. وفي هذا تسليم من جانب الفلسفة الأفلاطونية بآراء ترازيماكس Thrasymachus.
ولما سمع كاتو- وكان وقتئذ شيخاً طاعناً في السن- بهذا القول طلب إلى مجلس الشيوخ أن يأمر بإعادة السفراء الثلاثة إلى بلادهم، فعادوا ولكن بعد أن ذاق الجيل الجديد لذة الفلسفة؛ ومن ذلك الحين أخذ الأثرياء من شباب رومه يذهبون إلى أثينا ورودس ليستبدلوا فيهما بإيمانهم القديم أحدث ما فيهما من تشكك.
وكان الذين فتحوا بلاد اليونان هم أنفسهم الذين نشروا الثقافة اليونانية والفلسفة اليونانية في رومه، وكان فلامينوس Flamininus يحب الآداب اليونانية قبل أن يغزو مقدونية ويحرر اليونان، فلما أن غزاها تأثر كثيراً بما رأى في بلاد اليونان من فنون ومن مسرحيات. وخليق بنا أن نذكر لرومه أن بعض قوادها العسكريين كانوا يستطيعون فهم بوليكليتس Polycleitus وفيدياس Pheidias وإن كانوا قد تغالوا في تقدير هذين الفنانين إلى حد السرقة. ولما أن انتصر إيمليوس بولس على برسيوس لم يستبق من كل ما جاء به من الغنائم إلا مكتبة الملك ليرثها أبناؤه من بعده، وقد حرص على أن يتعلم هؤلاء الأبناء الآداب والفلسفة اليونانية حرصه على أن يتعلموا فنون الصيد والحرب الرومانية، وكان يشترك معهم في هذه الدراسات بالقدر الذي تسمح له به واجباته الرسمية.
ولما مات بولس تبنَّى أصغر أبنائه صديقه ب. كرنليوس سبيو ابن الإفريقي واتخذ الابن المتبني اسم الرجل الذي تبناه جرياً على عادة الرومان وقتئذ، وأضاف إليه اسم عشيرة أبيه فأصبح اسمه بعدئذ، كرنليوس




صفحة رقم : 3028




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> بداية عصر الفلسفة


سبيو إيمليانوس وهو الذي سنطلق عليه اسم سبيو في صحائف هذا الكتاب. وكان شاباً وسيم الطليعة قوي البنية، بسيطاً في عاداته، متزناً في حديثه، رقيق القلب، كريماً، شريفاً طاهر اليد، لم يترك وراءه عند وفاته إلا ثلاثة وثلاثين رطلاً من الفضة ورطلين من الذهب، وإن كانت جميع غنائم قرطاجنة قد مرت بين يديه، وإن كان قد عاش عيشة العالم المتقشف لا عيشة الرجل الثري. وقد التقى في شبابه بيولبيوس اليوناني الذي نفي من بلاده وأسداه بولبيوس النصح والكتب القيمة، وكانت هذه يد حفظها له الشاب طول حياته. وذاعت شهرته وهو لا يزال شاباً يحارب تحت إمرة أبيه في بدنا Pydna، ولما استخف به عدوه في أسبانيا وطلب إليه أن يبارزه قبل هذا التحدي وانتصر في المبارزة(27).
وقد جمع حوله في حياته الخاصة طائفة من الرومان الممتازين الذين شغفوا بالأفكار اليونانية. ومن أعظم هؤلاء شهرة جاريوس ليليوس Gaius Laelius وهو رجل حكيم في رأيه، وفّي في صداقته، عادل في أحكامه، نقي السيرة، طاهر السريرة، لا يفوقه في فصاحة اللسان وجمال الأسلوب إلاّ إيمليلنوس نفسه. وقد أحب شيشرون ليليوس وأعجب به بعد مائة عام من وفاته، وسمي باسمه مقاله عن الصداقة، وكان يتمنى أن لم يعش في عصره المضطرب بل في تلك الدائرة الرفيعة التي كانت تضم شباب رومه المفكر.
وكان لهذه الدائرة أبلغ الأثر في الأدب الروماني، ولقد كسب ترنس Terence بفضل اشتراكه فيها ما امتازت به لغته من دقة في التعبير وجمال في الأسلوب، ولعل جايوس لوسليوس (180-103) قد أفاد منها قدرته على أن يجعل لهجائه اللاذع الذي كان يسلطه على رذائل عصره وترفه هدفاً اجتماعياً.
وكان اللذان يشرفان على هذه الفئة من اليونان رجلين هما بولبيوس Polybius وبانيتيوس Panaetius. وقد عاش أولهما سنين كثيرة في بيت سبيو. وكان رجلاً واقعياً عقلياً، قليل الاغترار بالناس وبالدول. أما بانيتيوس فقد جاء من




صفحة رقم : 3029




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> بداية عصر الفلسفة


رودس، وكان كزميله بولبيوس من الأشراف اليونان. وعاش كثيراً من السنين مع سبيو ينعم بصداقته ويشاركه في نفوذه وسلطانه. وهو الذي غرس في نفس سبيو فضائل الرواقية ونبلها، وأكبر الظن أن سبيو هو الذي حمله على أن يلطف من المطالب الخلقية المتطرفة لهذه الفلسفة، ويجعل منها عقيدة عملية. ولقد شرح بانيتيوس في كتاب له "في الواجبات" المبدأين الأساسيين للفلسفة الرواقية وهما أن الإنسان جزء من كل يجب أن يتعاون معه- مع أسرته، وبلده، ومع روح العالم القدسي؛ وأنه لم يوجد في العالم ليستمتع بملاذ الحواس وإنما وجد ليؤدي واجبه من غير أن يشكو أو يتململ. ولم يكن باتينيوس كالرواقين الأولين يدعو إلى الفضيلة الكاملة أو عدم المبالاة التامة بطيبات الحياة ومتعها. واستمسك الرومان المتعلمون بهذه الفلسفة واتخذوها بديلاً كريماً مقبولاً من دينهم القديم الذي لم يعودوا يؤمنون به، ووجدوا في مبادئها قانوناً أخلاقياً يتفق كل الاتفاق مع تقاليدهم ومُثلهم العليا.
وهكذا أصبحت الرواقية هي الملهمة لسبيو والمطمح الذي يصبو إليه شيشرون؛ كما كانت هي خير ما في سنكا، والمرشد الهادي لتراجان Trajan، والمواسية لأوريليوس Aurelius. وجملة القول أنها أصبحت هي ضمير رومة.




صفحة رقم : 3030




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> النهضة الأدبية



الفصل الخامس




النهضة الأدبية


لقد كان الغرض الذي يهدف إليه سبيو وجماعته أن يناصروا الفنون والفلسفة، وأن يجعلوا اللغة اللاتينية لغة رقيقة سلسة أدبية، وأن يجتذبوا ربات الشعر الرومانية إلى ينابيع الشعر اليوناني المتدفقة، وأن يهيئوا للكتاب والشعراء الناهضين مستمعين وقراء. من ذلك أنه لما أن جاء كاتو- وهو العدو الألد لكل شيء يمثله سبيو وأصدقاؤه- بشاعر من الشعراء إلى رومه في عام 204 ق.م اختفى به سبيو وأكرم مثواه. وكان هذا الشاعر هو كونتس إبنيوس Qnintus Ennius. وكان قد ولد في عام 239 بالقرب من برنديزيوم Brundisium من أبوين أحدهما يوناني والآخر إيطالي. وتلقى علومه في تارنتم، وكان ذا روح حماسية تأثرت أشد التأثر بالمسرحيات اليونانية التي كانت تعرض على مسرح تلك المدينة. واسترعت شجاعته العسكرية في سردينيا التفات كاتو. ولما جاء إلى رومه أخذ يشتغل بتدريس اللغتين اليونانية واللاتينية، وينشد أشعاره لأخصائه. وسرعان ما وجد سبيله لجماعة سبيو وأصدقائه؛ ولم يكن ثمة بحر من بحور الشعر إلا حاوله، وكتب عدداً قليلاً من السالي وما لا يقل عن عشرين مأساة، وكان يعجب بيور بديز ويعبث مثله بالآراء المتطرفة، ويغيظ الأتقياء بما ينطق به من الأمثال التهكمية الأبيقورية كقوله: "أسلم معكم أن ثمة آلهة ولكنهم لا يبالون بما يفعله الآدميون، وإلا لكانت عاقبة الطيبين الخير وعاقبة الخبيثين الشر- وهذا قلما يحدث(28)". ويقول شيشرون إن من استمعوا لهذا القول طربوا وصفقوا له استحساناً(29). وقد ترجم أو شرح كتاب "التاريخ المقدس" تأليف يوهمروس Euhemerus وهو الكتاب الذي يثبت فيه كاتبه أن الآلهة ليسوا إلا أبطالاً أمواتاً ألهتهم




صفحة رقم : 3031




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> النهضة الأدبية


عواطف الشعب وتعلقه بهم. على أنه لم يكن مجرداً كل التجرد من الآراء الدينية، وآية ذلك أنه أعلن في وقت ما أن روح هوميروس قد تنقلت في عدة أجساد منها جسم فيثاغورس ومنها جسم طاووس ثم استقرت في جسم إينيوس Ennius. وقد كتب تاريخاً حماسياً لرومه في صورة ملحمة كبيرة تبدأ من مجيء إينباس Aeneas إلى بيرس Pyrrhus، وقد ظلت هذه الحوليات إلى أيام فرجيل الملاحم القومية لإيطاليا؛ وبقيت منها قطع صغيرة قليلة العدد أشهرها كلها بيت لا يمل المحافظون الرومان ترديده وهو:
"قوام الدولة الرومانية أخلاقها القديمة ورجالها العظماء".
وكانت القصيدة من حيث الوزن تعد ثورة على الأوزان الشعرية القديمة. فقد استبدل فيها بالوزن المهلهل غير المنتظم الذي كان يستخدمه نيفيوس Naevius الشعر المرن السداسي الأوتاد الذي كان يستخدم في الملاحم اليونانية. وصاغ إبنيوس الشعر اليوناني في صور جديدة، وبث فيه قوة جديدة، وغمر أبياته بالأفكار، وأعده من حيث طريقته وألفاظه وموضوعه وأفكاره للكريشيس وهوراس وفرجيل. وقد توج أعماله الأدبية برسالة عن ملاذ الفم، ومات بذات الرئة في سن السبعين بعد أن ألف هذه القبرية التي يفخر فيها بنفسه:
"لا تبكوا عليّ ولا تحزنوا لوفاتي؛ فإني أبقى على شفاه الرجال وأحيا(30)".
ونحج إبنيوس في كل شيء عدا المسلاة، ولعل سبب إخفاقه أنه عني بالفلسفة عناية جدية فوق ما يجب، ونسي نصيحته التي قال فيها "يجب على الإنسان أن يتفلسف دون أن يسرف في فلسفته(31)". وكان الناس يفضلون الضحك على الفلسفة وكانوا في ذلك على حق؛ وقد أغنوا بهذا التفضيل بلوتس وأفقروا إبنيوس. ولهذا السبب عينه لم تلق المآسي المسرحية شيئاً من التشجيع في رومه. نعم إن الأشراف قد أعجبوا بمآسي بكوفيوس Pacuvius وأكيوس Accius، ولكن الشعب تجاهلها والزمان لم يبق على ذكراها.




صفحة رقم : 3032




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> النهضة الأدبية


وكان موظفو الدولة يعرضون المسرحيات على الجماهير في رومه، كما كان أمثالهم يعرضونها عليه في أثينة، على أنها جزء من الحفلات التي تقام في الأعياد الدينية أو في جنائز المواطنين الممتازين. وكان الملهى الذي تمثل فيه مسرحيات بلوتس وترنس يتكون من محالة خشبية تعلوها خلفية مزخرفة scaena أمامها طوار مستدير للرقص جزؤه الخلفي هو المسرح proscaenium. وكان هذا البناء الهش الرقيق يهدم عقب كل حفل كما نفعل نحن بالمقاعد والحواجز التي نقيمها للاستعراض في هذه الأيام. وكان النظارة يشاهدون اللعاب وهم وقوف أو جلوس على مقاعد يأتون بها معهم، أو يتربعون على الأرض في العراء. ولم تبن في رومه دار كاملة للتمثيل قبل عام 145 ق.م، وحتى في ذلك الوقت كانت الدار لا تزال بناء خشبياً لا سقف له، ولكن مقاعد مصفوفة على نظام المدرجات اليونانية نصف الدائرية. ولم يكن النظارة يؤدون لدخولها أجراً، وكان في مقدور الأرقاء أن يدخلوا دون أن يكون لهم حق الجلوس، أما النساء فلم يكن يسمح لهن إلا بالجلوس في المقاعد الخلفية. ولعل النظارة في ذاك العهد كانوا أخشن من شهدهم تاريخ التمثيل كله وأشدهم غباوة- فكانوا جماعة من الخابين المتزاحمين الوضيعين. وكثيراً ما كان يطلب إليهم في بداية التمثيل أن يراعوا قواعد الأدب والأخلاق، كما أن الفكاهات والنكات السمجة العادية يطلب تكرارها لكي يستطيع النظارة إدراكها. وكان يطلب إلى الأمهات في بعض الأحيان أن يتركن أطفالهن في منازلهن، وكانت الخطب الافتتاحية تنذر الأطفال بالعقاب إذا أحدثوا شيئاً من الضجيج، أو تحذر النساء من الثرثرة في أثناء التمثيل. وترى هذه المطالب مدونة حتى في وسط المسرحيات التي نشرت فيما بعد(32). وإذا حدث أن صحب التمثيل صراع ينال المتفوق فيه جائزة، أو ألعاب بهلوانية على الحبال، فقد كان التمثيل ينقطع أحياناً حتى ينتهي الصراع




صفحة رقم : 3033




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> النهضة الأدبية


أو تنتهي الألعاب، وهما أشد إثارة لحماسة النظارة من التمثيل. وعند ختام تمثيل مسلاة رومانية كانت تلقى العبارة الآتية: "والآن فيصفق الجميع" أو ما في معناها للدلالة على أن الرواية قد انتهت وأن التصفيق مباح.
وكان التمثيل خير ما في المسرح الروماني، وكان مدير المسرح من الأحرار، وكان هو الذي يمثل الدور الرئيسي عادة، أما غيره من الممثلين فكان معظمهم من الأرقاء اليونان. وكان كل مواطن يتخذ التمثيل حرفة له يفقد بذلك حقوقه المدنية- وهي عادة ظلت قائمة إلى أيام فلتير. وكان الرجال يمثلون أدوار النساء. وكان النظارة قليلي العدد، ومن أجل ذلك لم يكن الممثلون يلبسون أقنعة بل كانوا يكتفون بالأصباغ والشعر المستعار؛ فلما أن أزداد عدد النظارة أصبحت الأقنعة واجبة لتمييز أشخاص المسرحية بعضهم من بعض، وكان يطلق على القناع لف برسونا persona وهو في أغلب الظن مشتق من الكلمة التسكانية فرسو phearsu بمعنى قناع. وكانت الأدوار تسمى دراماتيس برسوني dramatis personae أي أقنعة المسرحية. وكان ممثلو الأدوار المحزنة يلبسون أحذية عالية cothurnus أما ممثلوا الأدوار المضحكة فكانوا يحتذون نعالاً وطيئة soccus. وكانت بعض أدوار المسرحية تغني على أنغام المزمار، وكان المغنون في بعض الأحيان يغنون الدوار، والممثلون يمثلونها تمثيلاً صامتاً بالإشارات.
وقد كتبت ملاهي بلوتس بالشعر السهل المكون من أسباب وأوتاد يتلو بعضها بعضاً تقليداً لأوزان الشعر اليوناني وموضوعاته، ومعظم الملاهي اللاتينية التي وصلت إلينا مأخوذة من المسرحيات اليونانية مباشرة، أو بمزج مسرحيتين يونانيتين أو أكثر بعضها ببعض، وهي مأخوذة في الغالب من مسرحيات فيلمون Philemon ومناندر Menander أو غيرهما من كتاب "المسلاة الجديدة" في أثينا، وكان اسم المسرحية الرومانية واسم مؤلفها يكتبان عادة على الصفحة الأولى. وقد حظر الاقتباس من مسرحيات أرسطوفان و"المسلاة القديمة" بمقتضى




صفحة رقم : 3034




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> النهضة الأدبية


قانون الألواح الاثني عشر الذي كان يعاقب على الهجاء السياسي بالإعدام(33). ولعل خوف كتاب المسرحيات اللاتين أن يطبق عليهم هذا التشريع الرهيب هو الذي حدا بهم إلى الاحتفاظ بالمناظر والشخصيات والعادات والأسماء، وحتى النقود، كما كانت في الأصل اليوناني. ولولا بلوتس لكان القانون الروماني قد أبعد الحياة الرومانية كلها تقريباً عن المسرح الروماني. ولكن هذه الرقابة الصارمة لم تمنع فحش القول وبذيئه أن ينطق به على المسرح، فقد كان الهدف الذي يبتغه المشرفون على التمثيل هو تسلية النظارة لا رفع مستواهم، ولم يكن جهل العامة ليسوء قط الحكومة الرومانية، وكان النظارة يفضلون المزاح السمج على الفكاهة الرقيقة، ويعجبهم الهزل والتهريج أكثر مما يعجبهم الحذق والدهاء، ويطربهم فحش القول أكثر مما يطربهم الشعر، وكان بلوتس أحب إليهم من ترنس.
وكان أول دخول تيتس مكسيوس بلوتس Titus Maccius Plautus أي تيتس المهرج ذي القدم الكرشاء في أمبريا Umbria عام 254 ق.م؛ ولما قدم إلى رومه عمل فيها خادماً من خدم المسرح وادخر بعض المال وحرص على استثماره ولكنه أضاعه. واضطره العيش إلى كتابة المسرحيات، وسر الجماهير بما كان يبثه من الإشارات الرومانية في مسرحياته المقتبسة من المسرحيات اليونانية. واستطاع بهذه الطريقة أن يجمع بعض المال وأن يمنح مواطنيه رومه. وكان بلوتس رجلاً شعبياً شديد المرح ضاحكاً صخاباً، يضحك مع كل إنسان على كل إنسان، ولكنه كان طيب القلب عطوفاً على الناس جميعاً. وقد بلغ عدد ما كتبه أو صقله من المسرحيات مائة وثلاثين بقيت منها إلى الآن عشرون. ومن هذه المسرحيات البقية مسرحية Miles Gloriosus وهي صورة مرحة لجندي صخاب يغذيه خادمه وينفحه بالأكاذيب.




صفحة رقم : 3035




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> النهضة الأدبية




الخادم: أرأيت الفتاتين اللتين استوقفتاني بالأمس؟.




الضابط: ماذا قالتا لك؟.




الخادم: لما مررتَ بنا سألتاني:




"يا عجباً! هل هنا أخيل العظيم؟" فأجبتهما:




"في الحق إنه لجميل! يا له من رجل نبيل!




"ما أبهى شعره!"... وتوسلت إليَّ كلتاهما.




... أن أطلب إليك أن تخرج اليوم مرة أخرى. حتى تستطيعا رؤيتك عن قرب.




الضابط: ألا ما أكثر ما يجره الجمال على الإنسان من متاعب!!.


وفي مسرحية أمفتريون Amphitryon تنصب السخرية على جوف Jove فهو يتنكر في صورة زوج الكمينا Alcmena ويدعو نفسه ليستمع إلى قسمه، ويقرب القربان إلى جوبتر(35). وفي اليوم التالي يغرر بهذه السيدة فتتئم. ويطلب بلوتس إلى الإله في آخر المسرحية أن يعفو عنه وأن يتقبل من الجماهير أكبر قسط من الثناء. وقد نالت هذه القصة من إعجاب الجماهير في رومه أيام بلوتس بقدر ما نالت في أثينا أيام مناندر Menander وفي باريس أيام مليير Moliere ، وما تناله في نيويورك في الوقت الحاضر. أما مسرحية أولولاريا Aulularia فهي قصة رجل بخيل يكنز المال، وفيها من العطف عليه أكثر مما في رواية البخيل Avare لمليير. وترى البخيل فيها يجمع قلامة أظفاره ويتحسر على ما خسره من الماء فيما أذرفه من الدموع. ومسرحية منمكي Menaechmi هي القصة القديمة قصة التوأمين اللذين يختلط أمرهما على الناس ثم يتبينونهما، ويرى لسنج Lessing أن مسرحية الأسير Captiv خير مسرحية مثلت في ملهى(35). وقد أعجب بها بلوتس أيضاً ويقول في مستهلها:




صفحة رقم : 3036




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> النهضة الأدبية




ليست مبتذلة ولا هي كغيرها من المسرحيات.




وليس فيها سطور قذرة يستنكف الإنسان أن ينطق بها.




وليس فيها قواد كاذب ولا مومس خبيثة.


وهو قول حق، ولكن حبكة المسرحية معقدة غاية التعقيد، وتعتمد كل الاعتماد على المصادفات غير المتوقعة، وعلى الرؤى العجيبة التي لا يلام صاحب العقل الحريص على صدق التاريخ أن يمر بها دون أن يعيرها أية عناية. ولم يكن سر نجاح هذه المسرحيات القديمة بل كثرة ما فيها من الحادثات الفكهة المضحكة والنكات اللفظية المرحة التي لا تقل فحشاً عما في مسرحيات شكسبير، والصخب القذر البذيء، والنساء الطائشات وما يظهرنه في بعض الأحيان من عواطف طيبة. وقد كان في وسع النظارة في كل مسرحية أن يثقوا من وجود حادثة من حوادث الحب، وتغرير بفتاة، وبطل وسيم فاضل، وعبد أرجح عقلاً من كل من فيها من الشخصيات مجتمعة. وفي هذه المسرحيات نرى الأدب الروماني منذ بدايته تقريباً وثيق الارتباط بالرجل العادي، ويصل بما اقتبسه من المسرحيات اليونانية إلى حقائق الحياة، ويبلغ في هذا حداً لم يبلغه قط فيما بعد.
وفي السنة التي توفي فيها بلوتس على الأرجح (184 ق.م) ولد في قرطاجنة بيليوس ترنتيوس آفر Publius Terentius Afer من أصل فينيقي، ولربما كان من أصل إفريقي. ولسنا نعرف عنه شيئاً قبل أن يكون عبداً من عبيد ترنتيوس لوكانس Terentius Lucanus في رومه. فقد أدرك هذا الشيخ مواهب الشاب الحي فعلمه ووهبه حريته، وتسمى الشاب باسم سيده اعترافاً منه بفضله عليه. وفي وسعنا أن نعرف شيئاً من أخلاق الرومان الطيبة حين نسمع أن ترنس "الفقير الخلق الثياب" جاء إلى بيت كاسليوس استاتيوس Caecilius Statius - وكانت مسرحيات هذا المؤلف المضحكة هي المسيطرة في ذلك الوقت على المسرح




صفحة رقم : 3037




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> النهضة الأدبية


الروماني- وقرأ عليه المشهد الأول من مسرحية أندريا. وأعجب كاسليوس بهذا المشهد إعجاباً حمله على أن يستبقي الشاعر إلى العشاء معه وأن استرعى أسماع إيمليوس Aemilijus وليليوس، وقد حاول كلاهما أن يصقل أسلوبه فيجعله هو الأسلوب اللاتيني الحبيب إلى قلبه. ومن ثم راجت الإشاعة القائلة بأن ليليوس هو الذي كان يكتب لترنس مسرحياته، وهي إشاعة رأى المؤلف كياسة منه وحصافة إلا يؤيدها أو ينكرها(38). واستمسك ترنس في أمانة وإخلاص بأصول المسرحيات اليونانية التي نقلها إلى اللاتينية وأطلق على هذه المسرحيات أسماء يونانية، وتحاشى أن يشير فيها إلى الحياة الرومانية، ولم يدع لنفسه أكثر من أنه مترجم لهذه الروايات- وهو تواضع منه وبخس لأعماله(39). ولعل الذي دفعه إلى هذا هو تأثره بالهلينية المتغلبة على سبيو وجماعته.
ولسنا نعرف ماذا كان مصير تلك المسرحية التي كان كاسليوس يحبها ويعجب بها أشد الإعجاب، ولكنا نعرف أن هيرا Hecyra مسرحية ترنس الثانية قد أخفقت لأن النظارة غادروا الملهى في أثناء التمثيل ليشهدوا صراعاً للدببة. ثم بسم له الحظ في عام 162 حين كتب أشهر مسرحياته كلها وهي مسرحية "المعذب نفسه" Heauton Timoroumenos وهي تروي قصة أب منع ابنه أن يتزوج الفتاة التي اختارها لنفسه، ولكن الابن تزوجها رغم هذا، فما كان من الأب إلا أن تبرأ منه ونفاه من البلاد، ثم أنبه ضميره وندم على فعلته وعاقب نفسه على ما فعل بامتناعه عن أن يمس ثروته وبأن يعيش عيشة الكدح والفقر، ثم عرض عليه جار له أن يتدخل في الأمر ليحل مشكلته، فيسأله الأب عما يدعوه إلى الاهتمام بغيره والإشفاق عليهم، فيرد عليه الجار بهذه العبارة المعروفة في جميع أنحاء العالم والتي صفق لها النظارة طرباً وإعجاباً وهي: Hums sum humani nihil a me alienum puto "إني إنسان؛ ولا أرى أن شيئاً مما




صفحة رقم : 3038




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> النهضة الأدبية


يتصل بالإنسان غريب عليَّ". ومثلت في السنة التالية مسرحية "الخصي" وبلغ من إعجاب النظارة بها أن مثلت مرتين في يوم واحد (ولم يكن ذلك مألوفاً في تلك الأيام)، وربح منها ترنس ثمانية آلاف سسترس (نحو 1200 ريال أمريكي) في يوم وليلة(40). وظهرت بعد بضعة أشهر من ذلك الوقت رواية "الفورميو" وقد سميت كذلك نسبة إلى الخادم الفكه الذي أنقذ سيده من غضب أبيه، والذي أصبح فيما بعد نموذجاً لشخصية فيجارو Figaro القوية في رواية بومارشيه Beaumarchais. وفي عام 160 ق.م مثلت آخر مسرحية لترنس وهي مسرحية أدلفى أو "الإخوة" في الألعاب التي أقيمت بمناسبة وفاة إيمليوس بولس. وبعد قليل من ذلك الوقت سافر الكاتب بطريق البحر إلى بلاد اليونان، ثم مرض وهو عائد منها، ومات في أركاديا في الخامسة والعشرين من عمره.
وانصرف الجمهور بعض الانصراف عن مسرحياته الأخيرة، لأن الصبغة الهلينية التي اصطبغت بها قد أعلت من قدره فوق ما يجب. فقد كان يعوزه مرح بلوتس وخفة روحه وفكاهته؛ هذا إلى أنه لم يعن في مسرحياته بمعالجة الحياة الرومانية، فلم يدخل في المضحك منها أنذالاً فاسدين أو مومسات طائشات، بل صور كل النساء في تلك المسرحيات في صور رقيقة، حتى العاهرات منهن كن يحمن على حافة الفضيلة. وقد احتوى تلك المسرحيات سطوراً تعد من جوامع الكلم، وعبارات جرت مجرى الأمثال، منها hinc illae lacrimae ("ومن ثم كانت تلك الدموع") ومنها fortes fortuna adiuvat ("الحظ يواتي الشجعان")، quot homines tot sententiee ("عدد الآراء كعدد الرجال") وعشرات من أمثالها. ولكن هذه الحكم لا يقدرها إلا أصحاب الذهنية الفلسفية أو الحساسية الأدبية، وهما ما لم يجدهما العبد الإفريقي في جمهرة الشعب الروماني. ومن أجل هذا النقص لم يعبأ ذلك الشعب بمساليه التي توشك أن تكون مآسي، وبحبكاته المتقنة البناء ولكنها تسير في بنائها على مهل،




صفحة رقم : 3039




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> النهضة الأدبية


وبدراسته الدقيقة للشخصيات الغريبة، وبحواره الهادئ، وبأسلوبه المفرط في الهدوء، وفي نقاء لغته نقاء يكاد أن يكون إهانة للشعب الروماني؛ وكأن النظارة وهم يشاهدون هذه المسرحيات كانوا يشعرون بأن قد حدث بينهم وبين كتلس الروماني صدع لن يلتئم قط. وقد كان شيشرون- وهو القريب من كتلس قرباً لا يمكنه من أن يراه على حقيقته، والحصيف حصافة تحول بينه وبين الإعجاب بلكريشيوس- نقول كان شيشرون يظن أن ترنس أرق شعراء الجمهورية. وكان قيصر أعدل في حكمه عليه أثنى عليه بقوله إنه "المحب للكلام الطاهر"، ولكن آسف لأنه لم يوهب القدرة على الضحك vis comica ووصفه بأنه "نصف مناندر" Dimitiatus Menander. على أن ترنس قد أفلح في شيء واحد على الأقل؛ ذلك ان هذا الرجل السامي الأجنبي، الذي تشبع بروح ليليوس وبلاد اليونان، قد صاغ من اللغة اللاتينية أداة أدبية هي التي استطاع بها شيشرون في القرن التالي أن يكتب نثره وفرجيل أن ينشئ شعره.




صفحة رقم : 3040




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> كاتو والمعارضون المحافظون



الفصل السادس




كاتو والمعارضون المحافظون


وامتلأت قلوب الرومان أصحاب النزعة المحافظة خوفاً كما امتلأت نفوسهم اشمئزازاً من هذا الغزو اليوناني لآداب الرومان، وفلسفتهم، ودينهم، وعلومهم، وآدابهم؛ ومن هذا الانقلاب العنيف في أخلاقهم، وعاداتهم، ودمائهم. وكان هؤلاء الرومان القدامى المحافظين شيخ متقاعد يدعى فاليريوس فلاكوس Valerius Flaccus يقيم في مزرعة سبينية، وأخذ هذا الشيخ يأسف لما أصاب الأخلاق الرومانية القديمة من ضعف وانحلال، وما أصاب السياسة من فساد، ومن حلول الأفكار والأساليب اليونانية محل "أساليب أجدادنا". وكان الرجل شيخاً طاعناً في السن لا تمكنه قواه من أن يكافح بنفسه هذا التيار الجارف، ولكن اتفق أن كان في مسكن بالقرب منه وفي جوار بلدته ريت Reate، وفي خارج حدودها، شاب مزارع من العامة اجتمعت له كل الصفات الرومانية القديمة، فكان يحب فلاحة الأرض ولا يمل العمل المجهد الشاق، وكان مقتصداً يعيش عيشة البساطة القديمة، ولكنه مع ذلك يتحدث حديث المتظرفين النابهين. وكان اسم هذا الرجل ماركس بورسيوس كاتو Marcus Porcius Cato وكان سبب تسميته بورسيوس أن أسرته ظلت أجيالاً عدة تربى الخنازير، أما سبب تسميته كاتو فإن أفراد هذه الأسرة كانوا على جانب عظيم من الدهاء. وأشار عليه فلاكوس أن يدرس القانون، فعمل كاتو بنصيحته وكسب ما رفعه جيرانه من القضايا في المحاكم المحلية. ثم نصحه فلاكوس أن يسافر إلى رومه، ففعل، وما زال يرقى في المناصب العامة حتى أصبح كوسترا يشرف على الشؤون المالية Quaestor ولما يبلغ الثلاثين من عمره (204). وفي عام 199 عين إيديلا مشرفاً




صفحة رقم : 3041




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> كاتو والمعارضون المحافظون


على الأشغال العامة والملاعب والأسواق والشرطة. وما وافت سنة 198 حتى كان بريتوراً Praetor يلي القنصل في المرتبة، ثم صار قنصلاً في عام 195، ثم تربيوناً في عام 191، ثم رقيباً Censro في عام 184. وكان في هذه المدة قد خدم في الجيش ستة وعشرين عاماً، وكان فيها كلها جندياً شجاعاً، وقائداً محنكاً، قاسي القلب شديد البأس. وكان من رأيه أن النظام أساس الأخلاق والحرية، وكان يحتقر الجندي "الذي يستخدم يديه في المشي وقدميه في الحرب، والذي يعلو غطيطه في النوم على صراخه في الحرب". ولكنه كسب احترام جنده بسيره إلى جانبهم على قدميه، وبإعطاء كل منهم رطلاً من الفضة من غنائم الحرب، وعدم احتفاظه بشيء من هذه الغنائم لنفسه(41).
وكان في فترات السلم يندد بالخطابة والخطباء، وأصبح بهذا العمل أقوى خطباء زمانه. وكان الرومان يستمعون إليه وهم مأخوذون على الرغم منهم بسحر بيانه، لأن أحداً من قبله لم يتحدث إليهم بمثل ما تحدث به هو من الإخلاص الواضح والفكاهة اللاذعة. وكان في مقدوره أن يسلط سوط لسانه على أي إنسان يستمع إلى خطبه، ولكن من يستمعه كان يسره أن يرى هذا السوط يسلط على جاره. وظل كاتو يكافح الفساد والرشوة في رومه غير عابئ بما يصيبه في هذا الكفاح، ولم تغرب عليه شمس يوم من الأيام إلا وقد خلق له فيه عدواً جديداً. وقلما كان أحد يحبه لأنه كان يقلق بال الناس بوجهه الكثير الندب، وشعره الأحمر الأشعث، ويخيفهم ويهددهم بأسنانه الكبيرة، ويخجلهم بتقشفه، ويسبقهم بجده وكدحه، وتنفذ نظراته التي يلقيها عليهم من عينيه الخضراوين خلال ألفاظهم إلى مكنون صدورهم، فيطلع فيها على أنانيتهم. وحاول أعداؤه من الأشراف أن يقضوا عليه بما وجهوه إليه من التهم العلنية، ولكنه في كل مرة كان ينجيه من هذا الاتهام اعتراض الزراع الذين كانوا لا يقلون عنه بعضاً للفساد والترف(42). ولما أن رفعته أصوات العامة إلى منصب الرقيب وجفت قلوب




صفحة رقم : 3042




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> كاتو والمعارضون المحافظون


الرومان أجمعين. وما أن تولى هذا المنصب حتى أخذ ينفذ النذر التي بها، والتي كسب بها المعركة الانتخابية، ففرض الضرائب الباهظة على الكماليات، وأوقع غرامة على أحد أعضاء مجلس الشيوخ لإسرافه، وأخرج من هذا المجلس ستة من أعضائه وجد في سجلاتهم أحكاماً قضائية. وطرد منه مانليوس لأنه قبل زوجته علناً، وقال عن نفسه إنه لم يعانق قط زوجته إلا في وقت قصف الرعد- وإن كان يسره أن يقصف الرعد. وأتم كاتو نظام المجاري في المدينة، وقطع الأنابيب التي تأخذ الماء خفية وخيانة من القنوات المبنية العامة، وأجبر الملاك على أن يهدموا ما كان يمتد من مبانيهم في عرض الطريق أو فوقه، وخفض ما كانت تؤديه الدولة ثمناً للأعمال العامة، وأرغم جباة الضرائب على أن يؤدوا لخزانة الدولة نصيباً أوفى مما كانوا يجنونه من الأهلين(48). وبعد أن قضي خمس سنين يجاهد جهاد الأبطال في أعمال تتعارض مع طبيعة الإنسان، اعتزل منصبه واستثمر ما كان له من المال استثماراً ناجحاً، وملأ ضيعته التي اتسعت رقعتها في ذلك الوقت بالعبيد، وأخذ يقرض المال بربا فاحش ويبتاع الرقيق بأبخس الأثمان، ثم يدربهم على بعض الأعمال التي تتطلب شيئاً من المهارة، ويبيعهم بأغلاها، وبذلك أثرى إثراء مكنه من أن يقطع لتأليف الكتب- وهي مهنة كان يزدريها.
وكان كاتو أول كاتب عظيم من كتاب النثر اللاتيني، وقد بدا كتاباته بنشر مجموعة خطبه، ثم أصدر كتاباً في فن الخطابة دعا فيه إلى التزام الأسلوب الخشن الروماني بدل أسلوب الخطباء الإيزوقراطي Isocratean الرقيق، وعرف الخطيب بأنه "رجل صالح برع في الكلام vir bonus dicendi peritus (وهما صفتان قل أن اجتمعتا في إنسان)، وبهذا التعريف أوجد مجالاً لجدل كونتليان quintilian




صفحة رقم : 3043




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> كاتو والمعارضون المحافظون


ونقاشه. وكتب رسالة جمع فيها تجاربه في الزراعة وسماها De agricultura. وهي الكتاب الوحيد الذي وصل إلينا من كتب كاتو، وأقدم كتاب في اللغة اللاتينية الأدبية أبقى عليه الدهر. وقد كتب هذا الكتاب بأسلوب سهل رصين مركز تركيزاً يجعله من جوامع الكلم. فهو لا يسرف في الألفاظ، وقلما ينزل فيه إلى استخدام حرف من حروف الوصف، وفي هذا الكتاب يقدم النصائح المفصلة لمن يريد أن يشتري أو يبيع الرقيق (فيقول مثلاً: إن كبار السن منهم يجب أن يباعوا قبل أن يصيروا مصدر خسارة لسادتهم)، ولمن يؤجر الأرض بجزء من غلتها، ولزراع الكروم والأشجار، وتدبير شؤون المنازل والصناعات، وصنع الأسمنت وطهو أصناف الطعام النادرة الشهية، وعلاج الإمساك والإسهال، ومداواة لسع الأفاعي بروث الخنازير، وتقريب القربان للآلهة. ويسأل كاتو نفسه في هذا الكتاب عن أحكم الطرق للإفادة من الأرض الزراعية، ثم يجيب عن هذا السؤال بقوله إنها "تربية الماشية المربحة"، وتليها "تربية الماشية المتوسطة الربح"، وتليها "تربية الماشية العديمة الربح"، ويليها كلها "حرث الأرض وزرعها". وهذه هي الحجج التي أوجدت الضياع الواسعة في إيطاليا.
ولعل أهم كتبه كلها هو كتاب "الأصول" Origines الذي لم يعثر عليه حتى الآن، وهو محاولة جزئية للبحث في آثار إيطاليا، وشعوبها، ونظمها، وتاريخها منذ نشأتها إلى السنة التي مات فيها كاتو، ولا نكاد نعرف من هذا الكتاب أكثر من أن مؤلفه أراد أن يغيظ الأشراف بالسخرية من أسلافهم فلم يذكر فيه اسم أحد من قواد الحرب، ثم ذكر فيلا باسمه، وأثنى عليه لأنه قاتل بيرس Pyrrhus قتال الأبطال(45). وكان الغرض الذي يهدف إليه كاتو من تأليف هذا الكتاب ومن مقالاته عن الخطابة، والزراعة والصحة العامة، والعلوم العسكرية،




صفحة رقم : 3044




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> كاتو والمعارضون المحافظون


والقانون، أن يؤلف دائرة معارف يستعين بها على تربية ولده. وكان يرجو من الكتابة اللاتينية أن تحل الكتب المكتوبة بهذه اللغة محل الكتب المدرسية اليونانية التي كان يرى أنها تربك عقول شباب الرومان وتفسدها. ويلوح أنه، وإن كان هو نفسه قد درس اليونانية ستعجل بالقضاء على العقائد الدينية لدى شباب الرومان، فلا يكون في حياتهم الخلقية ما يحميها من الشراهة والخصام والغرائز الجنسية، وكان يسخط على سقراط كما يسخط عليه نتشه، ويصفه بأنه أشبه بالقابلة العجوز الثرثار، ويقول إن قتله مسموماً كان جزاء حقاً على إفساده أخلاق أثينا وشرائعها(46). وحتى الأطباء اليونان أنفسهم كانوا من أبغض الناس إليه، وكان يفضل على طبهم العلاج المنزلي القديم، ولا يثق بالجراحين الذين يعجلون باستعمال المبضع في أكثر الحالات. وقد كتب إلى ولده يقول:
"اليونان جنس مجرم عنيد، وأؤكد أن هذا الشعب إذا ما غمر أدبه رومه سيقضي على كل شيء فيها... وسيكون هذا القضاء عاجلاً إذا ما بعث إليه بأطبائه؛ لقد أجمعوا أمرهم بينهم على أن يقتلوا كل "البرابرة"... حذار أن تكون لك صلة بالأطباء(47)".
وكان وهو الذي يعتنق هذه الآراء العدو الطبيعي الأكبر للندوة السبيونتية، وهي التي كانت ترى أن انتشار الآداب اليونانية في رومه عاملاً لابد منه لرفع الآداب اللاتينية والعقلية الرومانية إلى كمال نموهما؛ وكان كاتو ممن أشاروا بمحاكمة سبيو الإفريقي وأخيه، وقال إن القوانين التي تحرم الرشوة والفساد يجب ألا يفرق فيها بين الأشخاص. أما الدول الأجنبية فكان ينادي بأن تعامل جميعها، إلا واحدة منها، بالعدل، وألا تتدخل رومه في شؤونها، وكان يحتقر اليونان وإن كان يعظم بلادهم ويجلها. ولما أن قام دعاة الاستعمار النهابون من أعضاء مجلس الشيوخ يدعون إلى محاربة الغنية ألقى عليهم خطبة قوية يدعو فيها إلى




صفحة رقم : 3045




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> كاتو والمعارضون المحافظون


السلام والى مصالحة أهل تلك الجزيرة. أما الدولة التي كان يدعو إلى استثنائها من المعاملة العادلة، ومن عدم التدخل في شؤونها فهي- كما يعلم العالم كله- قرطاجنة. ولما أُرسل إليها في بعثة رسمية عام 175 هاله ما رأى من انتعاش المدينة واستعادتها حياتها بعد الذي أصابها في حروب هنيبال، وما وقعت عليه عيناه من بساتين الفاكهة والكروم، وما يتدفق فيها من الثروة الناتجة من انتعاش تجاربها، وما كانت تخرجه دور الصناعة فيها من أسلحة. فلما عاد امسك أمام المجلس بكمية من التين الطازج قطفها من أشجار قرطاجنة منذ ثلاثة أيام ليتخذها رمزاً لرخاء المدينة وقربها من رومه، وهما القرب والرخاء اللذان كانا نذيري شؤم لرومه؛ وتنبأ بأنه إذا كانت قرطاجنة وشأنها فإنها لا تلبث أن يكون لها من الثراء ومن القوة ما يحفزها إلى العودة إلى كفاحها للسيطرة على البحر الأبيض المتوسط. وظل من ذلك اليوم يحتم كل خطاب له في مجلس الشيوخ أياً كان موضوعه بتلك العبارة التي تنم عن عقيدته وعناده، ويصر عليها إصراراً عجيباً: "هذا إلى أني أعتقد أن قرطاجنة يجب أن تدمر" Ceterum censes delendum esse Carthaginem. وكان دعاة الاستعمار في مجلس الشيوخ متفقين معه في رأيه، ولم يكن ذلك لأنهم يطمعون في تجارة قرطاجنة، بل لأنهم كانوا يرون في حقول شمال إفريقية، وهي الحقول الخصبة التربة الجيدة الإرواء، مجالاً جديداً يستثمرون فيه أموالهم ويفلحونه على أيدي الرقيق. وكانوا والحالة هذه ينتظرون على أحر من الجمر حجة يتذعرون بها لخوض غمار الحرب البونية الثالثة.




صفحة رقم : 3046




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> يجب أن تمحى قرطاجة من الوجود



الفصل السابع




يجب أن تمحى قرطاجنة من الوجود


وجاءتهم هذه الحجة من أعجب حكام ذلك الوقت- مسينسا Masinissa ملك نوميديا Numidia- وهو ملك عمر تسعين عاماً (238-148) ورزق ولداً وهو في السادسة والثمانين من عمره(48)، ووضع لنفسه نظاماً صارماً لحياته استمسك به كل الاستمساك، واستبقى به صحته وقوته إلى آخر أيامه تقريباً. وقد أفلح هذا الملك في تنظيم رعاياه البدو، وبدلهم من حياة الترحال حياة الاستقرار الزراعية، وأنشأ منهم دولة منظمة ظل يحكمها حكماً صالحاً مدى ستين عاماً، وجمل مدينة سرتا Cirta حاضرة البلاد بما أنشأه فيها من المباني الفخمة. ودفن بعد وفاته في قبره وهو الهرم العظيم الذي لا يزال باقياً إلى اليوم قرب مدينة قسطنطينية في بلاد تونس. واستطاع هذا الملك أن يكسب صداقة رومه، وكان يدرك ما عليه قرطاجنة من ضعف سياسي، فأخذ يغير المرة بعد المرة على أراضيها، وينقصها من أطرافها، فاستولى على لبتس Leptis العظيمة وغيرها من المدن، وما زال على هذه الخطة حتى سيطر بها على جميع المسالك البرية المؤدية إلى العاصمة المنهوكة القوى. وإذ كانت المعاهدة المعقودة بين رومه وقرطاجنة تحرم على ثانيتهما الاشتباك في حرب إلا برضاء أولاهما فقد أرسلت قرطاجنة سفراء من عندها إلى مجلس الشيوخ في رومه ليحتجوا على عدوان مسينسا. فما كان من هذا المجلس إلا أن نبه هؤلاء السفراء إلى أن الفينيقيين على بكرة أبيهم دخلاء في إفريقية، وأنهم ليس لهم فيها حقوق تضطر أية أمة مسلحة أن تحترمها. فلما أدت قرطاجنة إلى رومه آخر الأقساط السنوية الخمسين من الغرامة المفروضة عليها بمقتضى معاهدة زاما وهي 200 تالنت ظنت أنها بهذا الأداء قد تحررت من التزاماتها، وأعلنت الحرب على




صفحة رقم : 3047




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> يجب أن تمحى قرطاجة من الوجود


نوميديا في عام 151، وفي السنة الثانية أعلنت رومه الحرب على قرطاجنة.
ووصل هذا النبأ الأخير إلى مسامع القرطاجنيين، ووصل معه أن الأسطول الروماني قد أقلع إلى إفريقية. ولم تكن المدينة القديمة مستعدة لخوض غمار حرب عوان مهما يكن من كثرة سكانها وضخامة تجارتها. ذلك أن جيشها كان صغيراً وأن أسطولها كان أصغر من جيشها، ولم يكن لها جنود مرتزقة ولا حلفاء. يضاف إلى هذا أن رومه كانت تسيطر على البحار، ومن أجل هذا أعلنت أتكا انضمامها إلى رومه، وحال مسينسا بين قرطاجنة وبين الاتصال بالأرض التي خلفها في القارة الإفريقية، وأرسلت قرطاجنة بعثة عاجلة إلى رومه وأمرتها أن تجيبها إلى جميع مطالبها فوعدها مجلس الشيوخ الروماني بأنه إذا أسلمت قرطاجنة إلى القنصلين الرومانيين في صقلية ثلاثمائة من أبناء أشرف الأسر فيها ليكونوا رهائن لديهما، وأجابت القنصلين إلى جميع مطالبهما أياً كانت هذه المطالب، احتفظت في نظير ذلك بحريتها وسلامة أرضها. وأرسل مجلس الشيوخ أوامر سرية إلى القنصلين لينفذا ما صدر إليهما قبل من الأوامر. وأسلم القرطاجنيون أطفالهم بقلوب واجفة وعيون باكية، واحتشد آباؤهم عند شاطئ البحر يودعونهم، وهم في أشد الألم والحسرة، وحاولت أمهاتهم في آخر لحظة أن يمنعن السفن من المسير، وألقت بعضهن أنفسهن في الماء، وأخذن يسبحن فيه ليلقين آخر نظرة على أطفالهن. وأرسل القنصلان الأطفال إلى رومه، وعبرا البحر إلى يتكا Utica على رأس الجيش والأسطول، واستدعيا سفراء قرطاجنة، وطلبا أن تسلم بلدهما كل ما بقي لها من السفن، وكمية كبيرة من الحبوب، وجميع الأسلحة والمعدات الحربية. فلما أجيبت هذه المطالب كلها، طلب القنصلان بعدئذ أن يخرج جميع سكان قرطاجنة منها، وأن يقيموا على بعد عشرة أميال من المدينة، لأنهما سيأمران بإحراقها عن آخرها. وحاول السفراء عبثاً أن يقنعوا الرومان بأن تدمير مدينة أسلمت إلى أعدائها رهائن من أهلها وجميع أسلحتها ومن غير قتال غدر وخيانة




صفحة رقم : 3048




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> يجب أن تمحى قرطاجة من الوجود


لا نظير لهما في التاريخ كله. وعرضوا أن يقدموا حياتهم فداء لمدينتهم، وتكفيراً عما عساها أن تكون قد اقترفته من الذنوب، وخروا على الأرض سجداً وأخذوا يضربونها برؤوسهم. فأجابهم القنصلان بقولهم إن هذه هي شروط مجلس الشيوخ وإنهما لا يستطيعان أن يغيرا منها شيئاً.

ولما سمع أهل قرطاجنة بما هو مفروض عليهم جن جنونهم، وطاشت أحلامهم، فأخذ آباء الأطفال الذين أسلموا رهائن إلى رومه يقطعون أجسام القواد الذين أشاروا بتسليمهم، وقتل آخرون القواد الذين أشاروا بتسليم السلاح، وأخذ غيرهم السفراء العائدين في شوارع المدينة ويرجمونهم بالحجارة، ومنهم من قتلوا كل من وجدوهم في المدينة من الإيطاليين، ومنهم من وقفوا في دور الصناعة الخالية من السلاح يبكون وينتحبون. وأعلن مجلس شيوخ قرطاجنة الحرب على رومه، وأهاب بكل من فيها من البالغين رجالاً ونساء، أرقاء وأحراراً، أن يجيّشوا جيشاً جديداً، وأن يصنعوا أسلحة يدافعون بها عن المدينة. وثبت الغضب قلوبهم، وقوى عزائمهم، وأخذوا يهدمون المباني العامة لينتفعوا بما فيها من خشب وحديد، وصهرت تماثيل الآلهة الأعزاء لتصنع منها السيوف، وجزت شعور النساء لتصنع منها الحبال، ولم يمض على المدينة المحصورة إلا شهران حتى أخرجت 8000 درع، 8000 سيف، 70.000 حربة، وستين ألف قذيفة منجنيقية، وبنت في مينائها الداخلي عمارة بحرية مؤلفة من 120 سفينة(49).
وقاومت المدينة الحصار براً وبحراً ثلاث سنين، كان القنصلان في خلالهما يهاجمان أسوارها بجيوشهما، وكانا في كل مرة يرتدان عنها خائبين. ولما كان سبيو إيمليانس وحده- وهو أحد التربيونين العسكريين- هو الذي أظهر في هذا الحصار براعة ودهاء، فقد عينه مجلس الشيوخ الروماني والجمعية قنصلاً وقائداً في عام 147، ولم يعارض في هذا التعيين أحد حتى كاتو نفسه. ولم يمض على ذلك إلا قليل حتى نجح ليليوس في تسلق أسوار المدينة. ودافع القرطاجنيون




صفحة رقم : 3049




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> يجب أن تمحى قرطاجة من الوجود


عنها شارعاً شارعاً، وإن كان الجوع قد أضناهم وأهلك الكثيرين منهم، ولكنهم واصلوا دفاعهم ستة أسابيع كاملة، وأعداؤهم يحصدونهم حصداً بلا شفقة ولا رحمة. ولما رأى سبيو أن قناصة الأعداء يصيدون رجاله وهم كامنون وراء الجدران، أمر أن تشعل النيران في كل الشوارع التي يستولون عليها، وأن تدك مبانيها دكاً، فاحترق في اللهب كثير من الجنود المختبئين في الدور. ووجد القرطاجنيون آخر الأمر أن لابد لهم من التسليم بعد أن نقص عددهم من خمسمائة ألف إلى خمسة وخمسين ألفاً. وطلب قائدهم هزدروبال أن يؤمن على حياته فأجابه سبيو إلى ما طلب، ولكن زوجته بجبنه وألقت بنفسها وبأولادها في اللهب. وبيع من بقي من الأهالي حياً في سوق الرقيق، وأسلمت المدينة إلى الجيوش الرومانية ينهبونها ويعيشون فيها فسداً. وأحجم سبيو عن تدميرها، وأرسل إلى مجلس الشيوخ يسأله رأيه الأخير، فرد عليه المجلس بأن قرطاجنة نفسها وكل ما انضم إليها في الحرب من البلاد التابعة لها يجب أن تدمر عن آخرها، وأن تحرث أرضها وتغطى بالملح، وأن تصب اللعنات على كل من يحاول بناء شيء قي موضعها، وظلت النار مشتعلة في المدينة سبعة عشر يوماً كاملة.
ولم يعقد صلح أو وقع معاهدة، لأن الدولة القرطاجنية لم يبق لها وجود، وتركت يتكا Utica وغيرها من مدن إفريقية التي ساعدت رومه حرة تحت حمايتها؛ وأما ما بقي من أملاك قرطاجنة فقد جعل ولاية خاضعة لرومه وسمي ولاية "إفريقية Africa". وجاء الممولون الرومان وقسموا الأرض ضياعاً، وورث التجار الرومان التجارة القرطاجنية، وأضحى الاستعمار العامل المحرك الدافع للسياسة الرومانية، والغرض السافر الصريح الذي تعمل له عن قصد وتدبير، وضمت سرقوسة إلى ولاية صقلية الرومانية، وأخضعت بلاد غالة الجنوبية لتكون هي الطريق البري لأسبانيا بعد أن خضعت كلها لرومه، ولم تجد رومه




صفحة رقم : 3050




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> يجب أن تمحى قرطاجة من الوجود


صعوبة في إقناع مملكتي مصر وسوريا المصطبغتين بالصبغة الهلينية بالخضوع إلى رغبات رومه- كما اضطر بوبليوس Popilius أنتيوخوس Antiochus الرابع- إلى الخضوع لها بلا قتال. وإذا نظرنا إلى تدمير قرطاجنة وكورنثه في عام 146 من الناحية الأخلاقية- وهي نظرة لها شأنها على الدوام في السياسة الدولية- حكمنا دون تردد بأن هذا العمل من أفظع الفتوح وأشدها وحشية في التاريخ كله. أما من ناحية الاستعمار وبناء الإمبراطوريات- أي من ناحية السلامة والثراء- فقد كان هذا الفتح حجر الزاوية في سيادة رومه التجارية والبحرية، فقد أضحت منذ تلك اللحظة هي المسيطرة على البحر الأبيض المتوسط، والمتصرفة في مصائره، وارتبط تاريخه بتاريخها أوثق ارتباط.
ومات في أثناء هذه الحرب من أشعلوا نارها تحوطهم هالة من النصر والفخار. فمات كاتو في عام 149، ومسينسا في عام 148، وترك الرقيب الطاعن في السن أثراً عميقاً في التاريخ الروماني. وظل الناس قروناً كثيرة يرون فيه الروماني النموذجي في عصر الجمهورية، واتخذه شيشرون في كتابه De Senectute المثل الأعلى للرجال، وحاول حفيد حفيده أن يأخذ نفسه بفلسفته خالية من فكاهته، كما حاول ماركس أن يتخذه نموذجاً له ينسج على منواله، وكان فرنتو Fronto يهيب بالأدباء اللاتين أن يعودوا إلى أسلوبه البسيط الخالي من الالتواء والتعقيد. ولكنه مع ذلك لم يفلح إلا في أمر واحد وهو تدمير قرطاجنة، أما مقاومته للهلينية ومحاولته أن يمنعها من السيطرة على الحياة الرومانية فقد أخفق فيهما كل الإخفاق، واستسلمت كل نواحي الحياة الرومانية من أدب، وفلسفة، وخطابة، وعلم، ودفن، ودين، وأخلاق، وعادات، وملابس، استسلمت هذه كلها لتأثير اليونان. لقد كان كاتو يكره الفلاسفة اليونان، ولكن حفيده الشهير كان يحيط نفسه بهم، وظلت العقيدة الدينية التي فقدها هو تضمحل رغم ما بذل من الجهود




صفحة رقم : 3051




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> فتح بلاد اليونان -> يجب أن تمحى قرطاجة من الوجود


لإحيائها وأهم من هذا كله أن الفساد السياسي الذي قاومه في شبابه أخذ ينتشر ويعظم كلما زادت مخاطر المناصب الحكومية باتساع رقعة الإمبراطورية. وكان كل فتح حربي جديد يزيد في ثراء رومه كما يزيد في فسادها ووحشيتها، وكانت قد كسبت كل حرب خاضت غمارها عدا حرب الطبقات، وأزال تدمير قرطاجنة آخر عائق قائم في سبيل الانقسام والفتن في المدينة، وجوزيت رومه على تملكها العالم بثروات طاحنة وفتن صماء دامت قرناً من الزمان.




صفحة رقم : 3052




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> العوامل التي هيأت البلاد للثورة



الكتاب الثاني




الثورة




145-30 ق.م




الباب السادس




الثورة الزراعية




145-78 ق.م




الفصل الأول




العوامل التي هيأت البلاد للثورة


كان للثورة أسباب كثيرة، وكانت لها نتائج يخطئها الحصر، وكانت الشخصيات التي أطاحت بها الأزمة من ابتداء ابني جراكس إلى أغسطس من أقوى الشخصيات في التاريخ، ولم تنشب قط قبل الحرب أو بعدها إلى أيامنا هذه حرب كان لأهدافها من الخطر مثل ما كان لتلك الحرب، ولم تمثل على المسرح العالمي في يوم من الأيام مأساة ما تمثيلاً أقوى مما مثلت به مأساة تلك الأيام. وكان أول أسباب هذه الثورة تدفق الحبوب الناتجة من عمل الرقيق في صقلية وسردانية وأسبانيا وإفريقيا، وما أحدثه تدفقها من خراب حل بالزراع الإيطاليين، إذ خفض ثمن الحبوب التي تنتجها أراضيهم إلى أقل من تكاليف إنتاجها. وكان سببها الثاني تدفق الرقيق الذين حلوا محل الزراع في الريف والعمال الأحرار في المدن؛ وكان ثالث هذه الأسباب زيادة عدد الضياع الواسعة. وكانت الدولة قد أصدرت في عام 220 قانوناً يحرم على أعضاء مجلس الشيوخ أن يتعاقدوا على الأعمال العامة أو يستثمروا أموالهم في التجارة، فلما أن زاد ثراؤهم من غنائم الحرب اشتروا بهذه الأموال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. وكانت الأرض في البلاد المفتوحة تقسم في بعض الأحيان قطعاً صغيرة وتباع للرومان




صفحة رقم : 3053




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> العوامل التي هيأت البلاد للثورة


المستعمرين، وقلت بذلك حدة الفتن والنزاع القائمين في المدن؛ وأعطى جزء كبير من هذه الأراضي للمولين وفاء ببعض ما أقرضوه للدولة من أموال في أثناء الحروب، أما الجزء الأكبر منها فقد ابتاعه أعضاء مجلس الشيوخ نفسه. وكان من أثر انتشار هذه الضياع الواسعة أن اضطر المالك الصغير إلى اقتراض المال بأرباح فاحشة يستحيل عليه الوفاء بها، فلم يلبث أن وقع في هاوية الفقر أو الإفلاس أو فقد أرضه ونزح إلى المدن ليسكن في أحيائها القذرة الحقيرة الوبيئة. وآخر ما نذكره من أسباب الثورة ما طرأ على حال الفلاح نفسه من تغير كبير. لقد جند هذا الفلاح في الجيش وهيأت له انتصاراته سبيل انتهاب الثروة من العالم، وأصبح يكره العمل الانفرادي الرتيب الخالي من المغامرات في الحقول ولا يستطيع الصبر عليه، وكان أحب إليه من هذا العمل أن ينضم إلى صعاليك المدينة المشاغبين، ويرقب الألعاب المثيرة في المجتلدات بلا أجر، ويأخذ الحبوب من الحكومة بأرخص الأثمان، ويبيع صوته في الانتخابات لمن يبتاعه بأغلى الأثمان أو لمن يمنيه بأعظم الأماني، ويختفي في غمار الجماهير المعدمة الخاملة الوضيعة.
وأصبح المجتمع الروماني يزداد شيئاً فشيئاً على الانتهاب من الخارج والاسترقاق في الداخل، بعد أن كان في أول الأمر مؤلفاً من زراع أحرار. فأما في المدن فكانت كل الخدمات المنزلية، وكان كثير من الصنائع اليدوية، ومعظم الأعمال التجارية، وكثير من الأعمال المصرفية، وكل أعمال المصانع والأشغال العامة، كانت هذه الأعمال كلها يقوم بها الأرقاء، وقد أدى ذلك إلى انخفاض أجور العمال الأحرار انخفاضاً يكاد يجعل الكدح والبطالة في الكسب سواء. وكان الأرقاء في الضياع الواسعة يفضَّلون على العمال الأحرار لأنهم لم يكونوا يلزمون بالخدمة العسكرية، ولأن عددهم كان يمكن الاحتفاظ به جيلاً بعد جيل نتيجة المتعة الوحيدة التي كان يسمح لهم بها أو نتيجة الرذيلة التي كان ينهمك فيها




صفحة رقم : 3054




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> العوامل التي هيأت البلاد للثورة


سادتهم%=@يقصد بهذه العبارة تناسل الأرقاء فيما بينهم أو بين النساء وأسيادهن.@ . وكانت الغارات لا تنقطع على بلاد البحر الأبيض المتوسط كلها للمجيء بالأداة الحية اللازمة التي تصنعت. وكان يضاف إلى أسرى الحرب الذين يساقون إلى رومه بعد كل معركة تنتصر فيها جيوشها ضحايا القراصنة الذين كانوا يقبضون على العبيد أو الأحرار على سواحل آسيا أو بالقرب منها، وضحايا الموظفين الرومان الذين كانوا يقتنصون الناس اقتناصاً منظماً ويستعيدون من أهل الولايات كل من لا يجرؤ حكامها المحليون على حمايته(1). ولم يكن يمضي أسبوع لا يأتي فيه النخاسون بفرائسهم البشرية من إفريقيا، وأسبانيا، وغالة، وألمانيا، والبلاد الواقعة على ضفتي نهر الطونة، والروسيا، وآسيا، واليونان- من هذه الأقاليم كلها إلى ثغور البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. ولم يكن من الحوادث غير المألوفة أن يباع في ديلوس مائة ألف من الأرقاء في يوم واحد. وقد قبضت الجيوش الرومانية في عام 177 على أربعين ألفاً من أهل سرادنية، وفي عام 167 على مائة وخمسين ألفاً من أهل أبيروس، بيعوا في أسواق النخاسة. وكان ثمن الواحد منهم في الحالة الثانية لا يزيد على ما يعادل ريالاً أمريكياً(2). وكان مما خفف من شقاء الأرقاء في المدينة ما كان يبرم من العقود الإنسانية بينهم وبين سادتهم، وما كانوا يطعمون فيه من نيلهم حريتهم؛ أما في الضياع فلم يكن يسمح للصلات الإنسانية بأن تتدخل في أعمال الاستغلال؛ فلم يعد العبد في تلك الضياع عضواً في الأسرة كما كان في بلاد اليونان أو في رومه نفسها في عهدها الأول؛ وقلما كان العبد يرى مالكه، وكان يطلب إلى الحراس أن يعتصروا من هذه الآلات البشرية الموكولة إلى أسواطهم كل ما يستطيعون اعتصاره منها، وبقدر هذا الإعصار يكون أجر هؤلاء الحراس. أما أجر العبد نفسه في الضياع الواسعة فلم يكن يزيد على ذلك القدر من الطعام والكساء الذي يمكنه من أن




صفحة رقم : 3055




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> العوامل التي هيأت البلاد للثورة


يكدح كدحاً متواصلاً في كل يوم من شروق الشمس إلى غروبها- عدا بعض أيام الأعياد- حتى تدركه الشيخوخة. فإذا شكا أو عصى أمر حارسه ألزم أن يعمل ورجلاه مكبلتان بالأغلال، وأن يقضي الليل في جب تحت الأرض ergastulum لا تكاد تخلو منه كل ضيعة واسعة. لقد كان في هذا النظام من التلف والخسارة الاقتصادية بقدر ما فيه من الوحشية، لأنه لم يكن يعول إلا نحو جزء من عشرين جزءاً من الأسر التي كانت تعيش من قبل على هذه الأراضي نفسها معيشة الأحرار من الناس.
وإذا ذكرنا أن نصف هؤلاء الأرقاء، إن لم يكن أكثر من نصفهم، كانوا من قبل أحراراً (لأن الأرقاء قلما كانوا يشتركون في الحروب)، كان في مقدورنا أن نتصور ما يشعر به هؤلاء البائسون المحطمون من مرارة؛ ولا يسعنا إلا أن نعجب من ندرة ما كانوا يلجئون إليه من الثورات. وقد حدث في عام 196. أن ثار أرقاء الريف في إتروريا وعمالها الأحرار، ولكن الجيوش الرومانية أرهبتهم "وقتلت الكثيرين منهم أو أسرتهم، ومنهم من جلدوا أو صلبوا عقاباً لهم على فعلتهم" كما يقول ليفي(3). وحدثت مثل هذه الثورة عام 185 في أبوليا؛ فقبض على سبعة آلاف من العبيد وحكم عليهم أن يعملوا في المناجم(4). وكان أربعة آلاف من الأرقاء الأسبان يعملون في مناجم قرطاجنة الجديدة وحدها. وفي عام 139 شبت نار "حرب الأرقاء الأولى" في صقلية، فقد لبى دعوة إينوس Eunus أربعمائة من الأرقاء وذبحوا الأحرار من أهل مدينة أنا Enna، ثم أقبلت أفواج العبيد من الضياع ومن الأجباب الخاصة في صقلية، فضاعفوا عدد الثوار حتى بلغ سبعين ألفاً. وما لبثوا أن احتلوا أجرجتثم Agrigentum، وهزموا الجيوش الرومانية التي كانت في الولاية، واستولوا على الجزيرة كلها تقريباً،




صفحة رقم : 3056




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> العوامل التي هيأت البلاد للثورة


واحتفظوا بها حتى عام 131. وفي تلك السنة حاصرهم جيش القنطل في إنا ومنع عنهم الزاد حتى اضطرهم الجوع إلى الاستسلام. وسيق إينوس إلى رومه، وألقى في جب تحت الأرض، وبقي فيه حتى قضى عليه الجوع والقمل(5). وقامت ثورات أقل من هذه شأناً انتهت بإعدام مائة وخمسين من الأرقاء في رومه، وأربعمائة وخمسين في نمنتوريا Menturnae وأربعة آلاف في سينوسا Sinuessa. وفي تلك السنة استصدر تيبيرسيوس جراكس Tiberius Gracchus القانون الزراعي الذي فتح باب الثورة الرومانية على مصراعيه.




صفحة رقم : 3057




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> تيبيريوس جراكس



الفصل الثاني




تيبيريوس جراكس


هو ابن تيبيريوس جراكس Tiberius Sempronius Graccus الذي تدين له أسبانيا بالشكر لأنه حكمها حكماً عادلاً كريماً، والذي عين قنصلاً مرتين ورقيباً مرة، والذي أنقذ من الهلاك أخا سيبو الإفريقي وتزوج ابنته، وأنجبت كرنليا اثنى عشر طفلاً توفوا كلهم إلا ثلاثة منهم قبيل البلوغ، وتحملت هي بعد وفاته عبء تربية تيبيريوس وأخت لهما- تدعى أيضاً كرنليا- صارت فيما بعد زوجة سبيو إيمليانوس؛ وكان للزوج والزوجة نصيب من الثقافة الهيلينية، وكان ممن يعطفون على الدائرة الثقافية السبيونية. وكان لكرنليا ندوة أدبية، وكتبت رسائل بأسلوب سليم رشيق جعلها من خير ما كتب في الآداب اللاتينية، ويقول أفلوطرخس إن ملكاً من ملوك مصر عرض عليها بعد أن ترملت أن تتزوجه، وأن ينزل لها عن عرشه؛ فأبت وآثرت أن تبقى ابنة لسبيو، وحماة لسبيو آخر وأماً لجراكس.
ونشأ تيبيريوس وكيوس جراكس في جو مشبع بطرائق الحكم والفلسفة عرفاً فيه مشاكل الحكومة الرومانية ونظريات الفلسفة اليونانية. وقد تأثرا بآراء بلوسيوس Blossius وهو فيلسوف يوناني من كومي Cumae بعت فيهما نزعة حرة قوية استخفت بقوة المحافظين في رومه. ويكاد الأخوان أن يكونا متماثلين في طموحهما، وكبريائهما، وإخلاصهما، وفصاحتهما التي لا يكاد يصدقها العقل، وشجاعتهما التي لا تشوبها قط شائبة. ويحدثنا كيوس أن تيبيريوس شاهد مآساة الزراع، وتأثر بها أشد التأثر حين كان مسافراً في إتروريا "فرأى قلة السكان ولاحظ أن الذين كانوا يحرثون




صفحة رقم : 3058




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> تيبيريوس جراكس


الأرض ويرعون قطعان الضأن هم العبيد الأجانب"(6)، وإذ كان تيبيريوس يعرف وقتئذ أن الملاك وحدهم هم الذين يجندون للخدمة في الجيش فقد سأل نفسه كيف تستطيع رومه أن تحتفظ بزعامتها أو استقلالها إذا حل زراعها الأقوياء الذين كانوا يؤلفون الكثرة الغالبة في الفيالق الرومانية عبيد غرباء لا تربطهم بها صلة ما؟ وكيف تكون الحياة الرومانية حياة طيبة، والديمقراطية الرومانية ديمقراطية صالحة، إذا غصت بصعاليك المدن المعدمين بدل الزراع الأباة الأعزاء الذين يمتلكون الأرض ويفلحونها بأنفسهم؟ وخيل إليه أن توزيع الأرض على المواطنين الفقراء هو الحل الصحيح البـين الذي لابد من الالتجاء إليه لحل المشاكل الثلاث القائمة وقتئذ في البلاد: الاسترقال في الريف، والازدحام والفساد الخلقي في المدن، وضعف الروح الحربية بين المواطنين.
وما كاد تيبيريوس جراكس يختار تربيوناً في مستهل عام 133 حتى أعلن أنه يعتزم أن يعرض على الجمعية القبلية ثلاثة اقتراحات (1) ألا يسمح لأي مواطن بأن يمتلك أكثر من 323 فداناً- أو 667 فداناً إذا كان له اثنان من الأبناء- من الأراضي المشتراة أو المستأجرة من الدولة. (2) وأن يُرد إلى الدولة كل ما عدا هذا القدر من الأرض العامة التي باعتها أو أجرتها للأفراد، على أن ترد الدولة لهم أثمانها أو الإيجار الذي أدوه مضافاً إلى قدر من المال نظير ما أنفقوه في إصلاحها. (3) وأن تقسم هذه الأراضي التي ترد إلى الدولة إقطاعيات مساحة كل منها عشرون فداناً توزع على المواطنين الفقراء على شرط أن يتعهدوا بالا يبيع أحد منهم نصيبه من هذه الأراضي؛ وأن يؤدوا عنها ضريبة سنوية إلى خزانة الدولة. ولم يكن هذا الإصلاح الزراعي خيالاً متعذر التنفيذ، بل كانت مجرد محاولة لتنفيذ قوانين ليسنيوس كلفس Licinius Calvus الصادرة في عام 367 ق.م، والتي ألغيت ولم تنفذ قط. وقد قال تيبيريوس للعامة الفقراء في إحدى خطبه الشهيرة التي تعد من أعظم الخطب في التاريخ الروماني كله:




صفحة رقم : 3059




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> تيبيريوس جراكس


"إن لحيوانات الأرض جحورها ولطير الهواء أوكارها ومخابئها، أما الرجال الذين يحاربون ويموتون من أجل إيطاليا فلا يستمتعون فيها إلا بالضوء والهواء. إن قواد الجيش ينادون جنودهم أن يقاتلوا دفاعاً عن قبور آبائهم وأضرحتهم، ولكن نداءهم هذا نداء سخيف باطل، إذ ليس في وسعك أن تدلهم على مذبح لآبائهم يقربون فيه لآلهتم، وليس للفقراء مقابر لأسلافهم. إنكم أيها الفقراء تقاتلون وتموتون لينعم غيركم بالثروة والترف، ويقال لكم: إنكم سادة العالم، ولكنكم لا تجدون في هذا العالم موضعاً لقدم، في وسعكم أن تقولوا إنه ملك لكم"(7).
وأعلن مجلس الشيوخ أن هذه الاقتراحات ليست في واقع الأمر إلا مصادرة لأموال الناس، واتهم تيبيريوس بأنه يعمل ليكون طاغية حاكماً بأمره، وأقنع إكتافيوس وهو تريبون آخر أن يستخدم ما له من حق الاعتراض في منع عرض المشروع على الجمعية، فما كان من جراكس إلا أن تقدم باقتراح يقضي بأن كل تربيون يعمل ضد مصالح من يمثلهم يجب أن يسقط على الفور من عداد أعضاء الجمعية. ووافقت الجمعية على هذا الاقتراح وأَخرج حرَّاسُ تيبيريوس أكتافيوس قوة واقتداراً من قاعة الجمعية على الفور، ووافقت الجمعية بعدئذ على الاقتراحات الأصلية فأصبحت قانوناً واجب التنفيذ، ثم أوصلته محروساً إلى منزله لخوفها أن يغتاله مغتال في الطريق(8).
غير أن تحكمه غير المشروع في حق التربيون في الاعتراض، وهو الحق الذي جعلته الجمعية نفسها من أقدم الأزمان حقاً مطلقاً غير مقيد بقيد ما، قد وضع في يد معارضيه سلاحاً يشهرونه في وجهه ويقضون به على قانونه. فجهروا بعزمهم على أن يتهموه في نهاية العام الذي يتولى فيه منصبه بالخروج على دستور البلاد واستخدم العنف ضد أحد التربيونين. وأراد تيبيريوس أن يحمي نفسه بالسخرية من الدستور مرة أخرى، وذلك بترشيح نفسه




صفحة رقم : 3060




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> تيبيريوس جراكس


لأن يعاد اختياره تربيوناً في عام 132. وإذ كان إيمليانس وليليوس وغيرهما من الشيوخ الذين عضدوا اقتراحه الأول قد تخلوا عنه الآن، فقد لجأ بكليته إلى العامة ووعدهم بأن ينقص إذا اختاروه مدة الخدمة العسكرية، ويلغى استئثار الشيوخ بأعمال المحلفين، وأن يجعل حلفاء رومه من الإيطاليين مواطنين رومانيين. ورفض مجلس الشيوخ في هذه الأثناء اعتماد الأموال التي طلبتها اللجنة الزراعية التي نيط بها تنفيذ قوانين تيبيريوس. فلما أوصى أتلس الثالث Atallus III ملك برجموم Pergamum بمملكته لرومه في عام 133 عرض جراكس على الجمعية أن تباع أملاك أتلس الخاصة والمنقولة، وأن يوزع ما يتحصل من بيعها على من نالوا إقطاعيات من أراضي الدولة ليبتاعوا بها ما تحتاجه مزارعهم من أدوات. وأثار هذا الاقتراح غضب مجلس الشيوخ لأنه رأى أن ما له من سيطرة على الولايات وعلى الأموال العامة قد أخذت تنتقل إلى جمعية قوية الشكيمة غير ممثلة للبلاد، معظم أعضائها من أصل وضيع ومن غير أبناء البلاد الأصليين. فلما كان يوم الانتخاب ظهر جراكس في السوق العامة بملابس الحداد ومن حوله حراس مسلحون للدلالة على أن هزيمته في الانتخاب ستؤدي إلى اتهامه وإعدامه. وحدث في أثناء الاقتراع أن لجأ كلا الطرفين إلى العنف. ونادى سبيو نسكا Scipio Nasica بأن تيبيريوس يريد أن ينصب نفسه ملكاً، وقاد الشيوخ إلى السوق العامة مسلحين بالهراوات. وارتاع أنصار جراكس حين شاهدوا أثواب الأشراف الفخمة فتخلوا عنه، وأصيب تيبيريوس بضربة على أم رأسه خر على أثرها صريعاً وهلك معه بضع مئين من أتباعه. ولما طلب كيوس Caius أخوه الأصغر أن يؤذن له بدفنه لم يجب إلى طلبه، وألقيت جثث العصاة الموتى في نهر التيبر وكورنليا في أثناء ذلك حزينة باكية.
وأراد مجلس الشيوخ أن يهدئ من ثورة العامة فوافق على تنفيذ قوانين جراكس. ويستدل من ازدياد عدد المواطنين المدونة أسماؤهم




صفحة رقم : 3061




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> تيبيريوس جراكس


في السجلات بمقدار 76000 من عام 131 إلى 125 على أن مساحات واسعة من الأراضي قد وزعت حقاً على الزراع، ولكن اللجنة الزراعية وجدت نفسها أمام عقبات كثيرة. ذلك أن كثيراً من الأراضي التي يراد توزيعها كانت قد أخذت من الدولة قبل ذلك الوقت بعدة سنين أو بعدة أجيال، وأصبح لمن يمتلكونها وقتئذ حقوق اكتسبوها بوضع أيديهم عليها زمناً طويلاً، وأن منها أراضي كثيرة أخرى قد ابتاعها الملاك الجدد بأثمان غالية ممن اشتروها من الحكومة بأثمان منخفضة. ولجأ أحلاف رومه الإيطاليون الذين أضرت القوانين بحقوقهم التي اكتسبوها بوضع اليد إلى سبيو إيمليانوس ليحميهم من اللجنة الزراعية، واستطاع بما له من النفوذ أن يؤجل أعمالها فاستشاط الرأي العام غضباً عليه لهذا العمل، واتهمه بالخيانة وعدم الوفاء بذكرى جراكس التي أضحت وقتئذ ذكرى عزيزة مقدسة. وفي صباح يوم من أيام أيار عام 129 وجد الرجل ميتاً في فراشه، وأكبر الظن أن يداً أثيمة قد اغتالته ولم يعرف أحد من هو هذا المغتال.




صفحة رقم : 3062




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> كيوس جراكس



الفصل الثالث




كيوس جراكس


وأخذ النمامون الذين خلت قلوبهم من الرحمة يشيعون أن كرنليا قد إئتمرت مع ابنتها زوجة سبيو المشوهة المكروهة على قتل تيبيريوس؛ وأخذت كرنليا وسط هذه الكوارث الفادحة تواسي نفسها بالعكوف على العناية بابنها الذي لم يبق لها في هذا العالم عزيز سواه. ولم يكن ما أثاره مقتل تيبيريوس في قلب أخيه كيوس هو مجرد الرغبة في الانتقام، بل أثار فيه صادق العزم على أن يتم ما بدأه أخوه. وكان قبل إذ قد أظهر كثيراً من الذكاء والشجاعة في أثناء خدمته بقيادة إيمليانس في نوماتيا، ونال إعجاب الناس على اختلاف مشاربهم باستقامته وبساطة معيشته؛ وكان رجلاً حاد المزاج جياش العواطف، إذا ثار زادت حدتها لطول كبتها، وقد أصبح بفضلها أعظم خطباء الرومان قبل أيام شيشرون، وفتحت أمامه أبواب المناصب كلها تقريباً في مجتمع كان للفصاحة فيه المحل الثاني بعد الشجاعة في رقي الرجال وبلوغهم أسمى المراتب. لهذا كله اختير تربيوناً في خريف عام 124.
وكان كيوس رجلاً واقعياً أكثر من أخيه، ومن ثم أدرك أن لا بقاء لأي إصلاح إذا لم يقو على مغالبة القوة الاقتصادية أو القوة السياسية في الدولة. ولذلك استقر رأيه على أن يضم إلى جانبه خمس طبقات من طبقات الشعب المختلفة: طبقة الزراع، والجيش وعامة المدن ورجال الأعمال. فأما الطبقة الأولى فقد ضمها إليه بالعودة إلى القوانين الزراعية التي سنها أخوه، ووسع مداها بأن طبقها على الأراضي الزراعية التي تمتلكها الدولة في الولايات التابعة لها، ثم أعاد تشكيل لجنة الأراضي، وأشرف بنفسه على أعمالها. وحقق مطامع الطبقات الوسطى بإنشاء مستعمرات جديدة في كبوا، وتارنتم، وناربو Narbo، وقرطاجنة، وبتنمية هذه




صفحة رقم : 3063




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> كيوس جراكس


المستعمرات وجعلها مراكز مزدهرة للتجارة. وأرضى الجنود بأن قرر أن تؤدي أثمان ملابسهم من الخزانة العامة، وأرضى عامة المدن بإصدار قانون الحبوب Iex Frumentaria وبمقتضاه أخذت الحكومة على نفسها أن تعطي القمح لكل من يطلبه بسعر ستة آسات وثلث آس لكل موديوس Modius (أي بما يعادل 36slash100 من الريال الأمريكي لكل جالونين) وهو نصف ثمنه في السوق. وكان هذا العمل الأخير صدمة عنيفة للمبادئ الرومانية القديمة- مبادئ الاعتماد على النفس- كما كان له آثار خطيرة في التاريخ الروماني كله. وكان كيوس يعتقد أن تجار الحبوب يبيعونها للجمهور بضعفي نفقات إنتاجها، وأن الإجراء الذي اتخذه لن يكلف الدولة خسارة ما لأن توحيد عمليات البيع والشراء سينزل بالنفقات إلى حد كبير. وسواء كان هذا أو لم يكن فإن القانون قد جعل الفقراء من سكان المدن الأحرار يناصرون ابني جراكس ويناصرون من بعدهما مارينوس وقيصر بدل أن كانوا موالي للأشراف وأتباعاً لهم، يعملون لإطعامهم وتوفير أسباب الترف لهم، كما كان عماد الحركة الديمقراطية التي بلغت ذروتها في كلوديوس Clodius وقضى عليها في أكتوم.
وكان الإجراء الخامس يهدف إلى تثبيت سلطان الحزب الذي ينتمي إليه بالقضاء على السنة المتبعة من زمن قديم والتي تجعل الأغنياء يقترعون في الجمعية المئوية قبل غيرهم من الطبقات، فاستبدل كيوس بهذه السنة تقليداً جديداً يجعل المئات في الجمعية يعطون أصواتهم حسب نظام يعين بالقرعة. ثم استرضى رجال الأعمال بأن جعل لهم وحدهم حق العمل محلفين عند النظر في جرائم الولايات، فأصبحوا بذلك حكاماً في قضاياهم إلى حد بعيد. ولم يكتف بهذا بل أراد أن يستثير مطامعهم فاقترح أن تفرض على جميع غلات آسيا الصغرى ضريبة توازي عشر هذه الغلات يجبونها هم أنفسهم. ثم زاد ثراء المقاولين، وأنقص عدد المتعطلين، بأن وضع برنامجاً لإنشاء الطرق في كافة أنحاء إيطاليا. ولقد




صفحة رقم : 3064




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> كيوس جراكس


كانت هذه القوانين في جملتها- رغم ما يغشى بعضها من خداع سياسي- أعظم مجموعة من التشريع الإنشائي سنت قبل أيام قيصر.
واستطاع كيوس باعتماده على هذا العون المتعدد النواحي أن يطرح ما جرت به العادة من قديم، وأن يُختار تربيوناً للمرة الثانية. وأكبر الظن أنه قد فكر في ذلك الوقت في السيطرة على مجلس الشيوخ بإضافة ثلاثمائة عضو جديد إلى أعضائه الثلاثمائة، تختارهم الجمعية من بين رجال العمال. واقترح كذلك أن يعطي حق الانتخاب كاملاً لجميع الأحرار من سكان لاتيوم، وأن يعطي هذا الحق منقوصاً إلى سائر الأحرار من سكان إيطاليا، وكانت هذه أجرأ حركة قام بها في طريق الديمقراطية السياسية، ولكنها كانت أيضاً أول ما ارتكب من أغلاط في خططه. ذلك أن من كان لهم حق الاقتراع لم يتحمسوا كثيراً لأن يشترك معهم غيرهم في هذه الميزة التي اختصوا بها حتى ذلك الوقت، ولو كان شركاؤهم فيها قوم لا يستطيع حضور جلسات الجمعيات في رومه إلا أقلية صغيرة منهم. ولم يدع مجلس الشيوخ هذه الفرصة تفلت من بين يديه. ذلك أن كيوس كاد يتجاهله ولا يحسب له حساباً حتى ظن أنه قد فقد كل ما كان له من قوة ومكانة في البلاد، ولم يرقى هذا التربيون النابه إلا زعيماً شعبياً مستبداً يريد أن يستحوذ لنفسه على أكبر قسط من السلطة بتوزيع أملاك الدولة وأموالها ذات اليمين وذات الشمال. ولاح له فجأة حليف جديد هو صعاليك رومه الغيورون على حقهم القديم، وانتهز فرصة غياب كيوس، وكان قد غادر رومه ليثبت قواعد مستعمرته الجديدة في قرطاجنة، فأشار على تربيون آخر هو ماركس ليفيوس دروسس Marcus Livius Drosus أن يضم إليه الزراع الجدد بإصدار قانون يلغي به الضرائب المفروضة على أراضيهم بمقتضى قوانين جراكس، وأن يسترضي صعاليك المدن ويضعفهم في الوقت نفسه بأن يقترح إنشاء اثنتي عشرة مستعمرة جديدة في إيطاليا تتسع كل واحدة منها لثلاثة آلاف من رجال رومه. ووافقت الجمعية من فورها




صفحة رقم : 3065




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> كيوس جراكس


على هذه المشروعين، ولما عاد كيوس وجد دروسس قد كسب قلوب الشعب، ينازعه الزعامة عند كل خطوة يخطوها. ورشح كيوس نفسه لأن يختار تربيوناً مرة ثالثة ولكنه هزم، وقال أصدقاؤه إنه انتخب ولكن أصوات الناخبين قد تناولها الغش والتزوير، غير أنه نصح أتباعه بألا يلجئوا إلى وسائل العنف واعتزل الساسة وفضل عليها الحياة الخاصة.
وأشار مجلس الشيوخ في العام الثاني أن تجلو رومه عن المستعمرة المنشأة في قرطاجنة، وفسرت الأحزاب جميعها هذا الاقتراح- سراً أو جهراً- بأنه مقدمة لحرب يشنها المجلس على قوانين جراكس لإلغائها. وجاء بعض أنصار جراكس إلى الجمعية مسلحين، وقتل أحدهم رجلاً من المحافظين هم بالقبض على كيوس. فما كان من أعضاء مجلس الشيوخ إلا أن خرجوا في اليوم الثاني على استعداد تام للقتال، ومع كل منهم عبدان مسلحان، وهاجموا أنصار جراكس المتحصنين فوق تل الأفنتين. وبذل كيوس كل ما في وسعه لتسكين الفتنة، ومنع اعتداء كلتا الطائفتين على الأخرى؛ فلما عجز عن ذلك ولى هارباً وعبر نهر التيبر، ولما أن لحقه أعداؤه أمر خادمه أن يقتله، وصدع الخادم بالأمر ثم قتل نفسه. وقطع أحد أصدقاء كيوس رأس صديقه، وحشاها بالرصاص المصهور، وحملها إلى مجلس الشيوخ، وكان المجلس قد أعلن أنه يكافئ من يأتيه بهذا الرأس بما يساوي وزنه ذهباً(9). وقتل من أنصار كيوس في المعركة مائتان وخمسون، وأعدم ثلاثة آلاف غيرهم تنفيذاً لقرار أصدره مجلس الشيوخ. ولما ألقيت جثته وجثث أتباعه في نهر التيبر لم يحتج على هذا العمل غوغاء المدينة الذين كان يعمل لخيرهم، ذلك أن هؤلاء الغوغاء كانوا وقتئذ في شغل عن هذا الاحتجاج بنهب بيته(10). وحرم مجلس الشيوخ على كرنليا أن تلبس ثياب الحداد حزناً على ولدها.




صفحة رقم : 3066




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> ماريوس



الفصل الرابع




ماريوس


واستخدم الأشراف الظافرون كل ما وهبوا من ذكاء لهدم العناصر الإنشائية من تشريعات كيوس لا العناصر التي أراد بها كسب محبة الشعب الروماني. فلم يجرءوا مثلاً على إخراج رجال الأعمال من منصب المحلفين في القضايا، أو أن يحرموا المكاسين والمقاولين مرابع صيدهم الوفيرة في آسيا، ورضوا بأن يظل توزيع الأراضي على الفقراء بأن أضافوا إليه مادة تجيز لملاك هذه الأراضي الجديدة أن يبيعوها، فلم يمض إلا قليل من الوقت حتى باع آلاف منهم ما يمتلكون إلى كبار ملاك الرقيق، وأخذت الضياع الكبيرة تعود إلى سابق عهدها. ثم ألغيت لجنة الأراضي في عام 118، ولم تحتج الجماهير في العاصمة على الإلغاء، لأن الجماهير قد عقدت النية على أن الأكل من قمح الدولة في المدينة خير من فلح الأرض أو الكدح في المستعمرات الناشئة. وتعاون الكسل والتخريف (ونقول التخريف لأنم أرض قرطاجنة كانت في زعمهم أرضاً منحوسة ملعونة) على إبطال كل محاولة بذلت قبل أيام قيصر للتخفيف من حدة الفقر بالهجرة إلى خارج البلاد، وزاد الأثرياء ولكن عدد الأثرياء لم يزد على ما كان من قبل، وقد قرر أحد الديمقراطيين المعتدلين في عام 104 أن عدد الملاك من المواطنين الرومان لا يزيد على ألفي مالك(11). وفي ذلك يقول أبيان Oppian: "إن الفقراء قد أصبحت حالهم أسوأ مما كانت من قبل سيئة"... فقد خسر العامة كل شيء... وظل عدد المواطنين والجنود يتناقص تناقصاً مطرداً"(12). وكان لابد من سد النقص في صفوف الجند بمجندين من الولايات




صفحة رقم : 3067




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> ماريوس


الإيطالية؛ ولكن هؤلاء لم يكن لهم صبر على القتال، ولم تكن قلوبهم عامرة بحب رومه؛ وأخذ عدد الفارين من الجند يتضاعف على مدى الأيام، واختل النظام في الجيش وانحطت قدرة المدافعين عن الجمهورية إلى أدنى حد.
ولم تلبث أن هاجمها الأعداء، وكاد هجومهم عليها أن يكون من الشمال ومن الجنوب في وقت واحد. ذلك أن قبيلتين من قبائل الكلت وهما قبيلتا السمبريين والتيوتون انحدرت جموعها كالسيل الجارف فاخترقت ألمانيا عام 113 في عربات مغطاة، وكانت عدتهم ثلاثمائة ألف من المحاربين ومعهم أزواجهم وأبناؤهم ودوابهم، وكأنهم أرادوا أن يشعروا رومه بما يتهددها من أخطار في المستقبل القريب. ولعل هؤلاء الأقوام قد ترامى إليهم من فوق جبال الألب أن رومه قد افتتنت بالثروة وكرهت الحرب. وكان القادمون الجدد طوال القامة، أقوياء البنية، شجعاناً لا يجد الخوف سبيلاً إلى قلوبهم. وكانوا بيض البشرة شقر الشعر حتى قال عنهم الإيطاليون إن شعر أطفالهم أبيض كشعر الشيوخ. والتقوا بجيش روماني في نوريا Noreia (وهي نورماكت Neumarkt الحالية في كورنثيا) وأفنوه عن آخره؛ ثم عبروا نهر الرين وهزموا جيشاً رومانياً آخر، ثم تدفقوا غرباً إلى غالة الجنوبية وبددوا شمل جيش روماني ثالث ورابع وخامس. وأسفرت معركة أروسيو Arausio (أورنج) عن قتل ثمانين ألفاً من الجيوش الرومانية النظامية، وأربعين ألفاً من المدنيين الذين يتعقبون معسكرات الجنود(13). وتفتحت أبواب إيطاليا بعد هذه المعارك أمام الغزاة، واستولى الرعب على رومه وكان رعباً لم تعرف له مثيلاً منذ أيام هنيبال.
وفي الوقت عينه تقريباً شبت نار الحرب في نوميديا. ذلك أن يوجورثا Jugurtha حفيد هاسنسا عذب أخاه تعذيباً انتهى بموته، وحاول أن يحرم أبناء عمه حقهم في الملك، فأعلن مجلس الشيوخ الحرب عليه في عام 111 لعله يستطيع أن يجعل نوميديا ولاية رومانية ويفتح أبوابها للتجارة ولرؤوس




صفحة رقم : 3068




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> ماريوس


الأموال الرومانية، واستطاع يوجورثا أن يبتاع بالمال بعض الأشراف ليدافعوا عن قضيته وعن جرائمه أمام مجلس الشيوخ، وأن يرشوا القواد الذين أرسلوا لقتاله، فعقدوا معه صلحاً مواتياً أو اكتفوا بمناوشات لا تلحق به أذى. ولما استدعى إلى رومه كان أكثر سخاء منه قبل قدومه إليها، واستطاع بذلك أن يعود إلى عاصمته دون أن تقام في سبيله العقبات(14).
ولم يخرج من هذه الحروب موفور الكرامة سليم الشرف إلا ضابط واحد هو جايوس ماريوس Gaius Marius. وقد ولد هذا القائد كما ولد شيشرون في أربينوم Arpinum. وكان والده عاملاً يتقاضى أجراً قليلاً، وتطوع في الجيش وهو صغير السن، وأصيب بعدة جراح في نومنتيا Numantia، وتزوج من عمة لقيصر، واختير تربيوناً رغم جهله وسوء أخلاقه أو بسبب جهله وسوء أخلاقه. ولما عاد من الخدمة العسكرية في خريف عام 108، وكان وقتئذ ياوراً لكونتس متلس Quintus Metellus القائد الضعيف العاجز في إفريقيا، اعتلى منصة للخطابة وطلب أن يختار قنصلاً بدل متلس، وقطع على نفسه عهداً إذا اختير لهذا المنصب أن يقود الجيوش الرومانية إلى النصر في الحرب اليورجورثية. فأجابه الشعب إلى طلبه، وتولى قيادة الجيش، وأرغم يوجورنا على الاستسلام له في عام 106، ولم يعلم الشعب وقتئذ أن أكبر من عمل للنصر في هذه الحرب شاب جريء من الأشراف هو لوسيوس صلا Luciuus Sulla وإن كان قد عرف منه ذلك فيما بعد. أما في ذلك الوقت فقد استمتع ماريوس بأعظم ما يستمتع به القائد المنتصر، وبلغ من حب الشعب له أن تجاهلت الجمعية نصوص الدستور المحتضر وصارت تنتخبه قنصلاً عاماً بعد عام (من 104-100). وناصره رجال الأعمال لأن انتصاراته قد فتحت آفاقاً جديدة لمشروعاتهم الاستغلالية من جهة، ولأنهم رأوه الرجل الوحيد الذي كان في استطاعته أن يرد حجافل الكلت من جهة أخرى. وتبينت رومه من ذلك الوقت




صفحة رقم : 3069




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> ماريوس


في عم قيصر منافع القيصرية- ذلك أن الدكتاتورية الممثلة في قائد محبوب من الشعب، ومن ورائه جيش مخلص له، قد بدت للكثيرين من الرومان المنهوكي القوى البديل الوحيد من المساوئ الألجركية التي تلازم الحرية.
وكانت الجحافل السمبرية بعد انتصارها في أروسيو قد أجلت زحفها على رومه، وعبرت جبال البرانس، وعاثت في أسبانيا فساداً، غير أنها عادت إلى غالة في عام 101، وهي أكثر عدداً مما كانت قبل، واتفقت مع التيوتون على أن يهاجمها السهول الغنية في شمالي إيطاليا من طريقين مختلفين. ولجأ ماريوس في صد هذا الخطر المحدق بالمدينة إلى طريقة جديدة من طرق التجنيد أحدثت انقلاباً خطيراً في الجيش أولاً وفي الدولة نفسها فيما بعد. ذلك أنه دعا إلى الخدمة العسكرية كل من يشاء من المواطنين سواء كان له ملك أو لم يكن. وعرض أجوراً مغرية على المتطوعين، ووعدهم أن يطلق سراحهم وأن يقطعوا أرضاً في نهاية الحرب. وكان معظم الجيش الذي جمع بهذه الطريقة مكوناً من فقراء المدن، وكانت عواطفه معادية لجمهورية الأشراف، وكان إذا حارب لا يحارب دفاعاً عن بلاده بل يحارب في سبيل قائده ومن أجل الغنائم. وبهذه الوسيلة وضع ماريوس الأساس العسكري للثورة القيصرية، ولعله فعل ذلك على غير علم منه. وكان ماريوس جندياً لا رجلاً سياسياً، ومن ثم فإنه لم يكن يتسع وقته لتدبر العواقب السياسية البعيدة. فلما أن ألف الجيش بهذه الطريقة السالفة الذكر قاده فوق جبال الألب وقوى أجسام جنده بالسير الطويل والتدريب، كما قوى قلوبهم بالهجوم على مواقع كان من السهل التغلب عليها، وكان يرى أن من المجازفة أن يلتحم وإياهم في حرب حقيقية إلا بعد أن يتم تدريبهم على هذا النحو. ومر التيوتون بمعسكره دون أن يلقوا مقاومة ما، وكانوا يسألون الرومان ساخرين هل يريدون أن يبعثوا معهم برسائل إلى زوجاتهم اللاتي يوشك هؤلاء أن يستمتعوا بهن. وفي وسع القارئ أن يتصور عدد هؤلاء التيوتون إذا علم أنهم قضوا في مرورهم بمعسكر




صفحة رقم : 3070




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> ماريوس


الرومان ستة أيام كاملة. فلما أن تم مرورهم أمر ماريوس جنده بالانقضاض على مؤخرتهم؛ ودارت بين الجيشين معركة عند أكواسكستيا Aquae Sextiea (102) (وهي مدينة إكس Aix في مقاطعة بروفانس Provence). وبلغ عدد القتلى والأسرى من جيوش مائة ألف. وفي ذلك يقول أفلوطرخس: "ويقال إن أهل مرسيليا أقاموا حول كرومهم أسواراً من عظام القتلى وإن الأرض بعد أن تحللت فيها أجسامهم وهطلت عليها أمطار الشتاء أخصبها ما تسرب إليها من المواد المتعفنة، حتى بلغ محصولها في الموسم الذي تلا ذلك الفصل درجة من الوفرة لم يكن لها مثيل من قبل(15)". وبعد أن أراح ماريوس جيشه عدة شهور رجع على رأسه إلى إيطاليا والتقى بالسمبريين في فرسلا Vercellae بالقرب من نهر البو (101) في المكان الذي انتصر فيه هنيبال على الرومان في أول معركة خاض غمارها معهم. وأراد البرابرة أن يظهروا قوتهم وبأسهم، فساروا عراة الأجسام وسط الثلوج، وتسلقوا الجبال المكسوة بالجليد، وخاضوا مناسفه العميقة إلى قلل الجبال، ثم انزلقوا منها مهم يهللون ويضحكون فوق المنحدرات الوعرة، واستخدموا دروعهم مزالق في أقدامهم(16). فلما دارت المعركة بعدئذ بينهم وبين الرومان لم يكد يبقى منهم أحد على قيد الحياة.
واستقبل ماريوس في العاصمة المبتهجة كأنه "كمليوس ثان" صدعها غارة كلتيه، "ورميولوس" آخر أنشأ رومه من جديد. ووهبته جزءاً من الغنيمة التي جاء بها مكافأة له على عمله؛ فأصبح بذلك من أثرياء المدينة يمتلك من الضياع ما "يكفي لأن يكون وحده مملكة". وفي عام 100 ق.م اختير قنصلاً للمرة السادسة. وكان زميله في القنصلية لوسيوس ستورنينس Lucius Saturninus، وكان رجلاً متطرفاً حاد الطبع عقد النية على أن يبلغ الهدف الذي كان يسعى له أبنا جراكس بالتشريع إن استطاع وبالقوة إن يبلغ الهدف الذي كان يسعى له عرض على الجمعية قانوناً يقضى بتوزيع بعض أراضي المستعمرات على الجنود




صفحة رقم : 3071




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> ماريوس


المضرسين الذين اشتركوا في المعارك الحديثة؛ ولما أنقص ثمن القمح الذي توزعه الدولة على العامة من ستة آسات وثلث آس (أي ما يعادل 0.39 من الريال الأمريكي) إلى خمسة أسداس آس (أس نحو 0.05 من الريال الأمريكي) لكل موديوس لم يعارض ماريوس في هذا الإجراء. وأراد مجلس الشيوخ ~أن يحمي خزانة الدولة، ويحمي نفسه بتحريض أحد التربيونين على أن يمنع الاقتراع على هذين المشروعين. ولكن ستورنينس لم يعبأ بهذا الاعتراض وتقدم بهما إلى الجمعية. واحتدم النزاع بين الطرفين، ولجأ كلاهما إلى العنف. ولما أن قتل أنصار ستورنينس كيوس مميوس Caius Memmius، وكان من أكبر الأشراف مقاماً، لجأ مجلس الشيوخ إلى آخر سهم في كنانته واستخدم حقه في حماية الشعب senatus consultum de re publica defendeuda وأمر ماريوس بوصف كونه قنصلاً أن يخمد الفتنة.
وكان على ماريوس أن يختار بين أمرين ليس فيهما حظ لمختار، وكان هذا الاختيار أسوأ ما مر عليه طول حياته. فقد كان شديداً على نفسه أن يختم جهاده الطويل لخدمة العامة من أهل رومه هذه الخاتمة التعسة فيها زعماءهم وأصدقاءه السابقين، على أنه هو أيضاً كان لا يرضى عن استخدام العنف ويعتقد أن الثورة تنتج من الشرور أكثر مما تستطيع علاجه. وأخيراً سار على رأس قوة لمهاجمة الثوار وسمح بأن يقتل ستورنينس رجماً بالحجارة، ثم طلق السياسة وعاش في عزلة عيشة نكدة يائسة، يحتقره العامة الذين دافع عنهم وأخذ بناصرهم، والأشراف الذين أنجاهم من البلاء.




صفحة رقم : 3072




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> ثورة إيطاليا



الفصل الخامس




ثورة إيطاليا


كانت الثورة في ذلك الوقت تتطور إلى حرب أهلية داخلية. ولما استعان مجلس الشيوخ أحلاف رومه من ملوك الشرق لصد غارات السمبريين رد عليه نقوميدس ملك بثينيا بقوله إن جميع الرجال القادرين على حمل السلاح في مملكته قد بيعوا في سوق الرقيق للوفاء بمطالب جباة الضرائب الرومانيين الفادحة. ورأى مجلس الشيوخ أن الجيش في ذلك الوقت أفضل من الرقيق فأصدر قراراً يقضي بتحرير كل من أصبحوا أرقاء لعجزهم عن أداء الضرائب. فلما سمع الأرقاء بهذا القرار اجتمع مئات منهم في صقلية، وكان كثيرون منهم من يونان بلاد الشرق الهلنستية، وتركوا سادتهم واحتشدوا عند باب قصر البريتور وطالبوا بحريتهم، فعارض أسيادهم في ذلك الطلب واحتجوا عليه، واستمع البريتور إليهم وأجل تنفيذ قرار التحرير. ونظم الأرقاء أنفسهم بقيادة دعي ديني يسمى سلفيوس Salvius وهاجموا مدينة مورجنتيا Morgantia. واستطاع مواطنو المدينة أن يضمنوا وفاء معظم عبيدهم حين وعدوهم بأن يحرروهم إذا صدوا هجمات المغيرين؛ فلما صدوها أخلف سادتهم وعدهم ولم يحرروهم، فانضم معظمهم إلى الثائرين. وثار حوالي ذلك الوقت نفسه (103) نحو ستة آلاف من الأرقاء في طرف الجزيرة الغربي بقيادة أثنيون Atheninon، وهو رجل متعلم ذو عزيمة ماضية؛ وهزمت هذه القوة تباعاً عدداً من الجيوش التي سيرها البريتور لإخماد ثورتها، ثم تحركت نحو الشرق وانضمت إلى الثوار الذين كانوا تحت قيادة سلفيوس. وتغلبت جموعهم على جيش بعثت به رومه من إيطاليا نفسها، ولكن سلفيوس مات في ساعة النصر. ثم عبرت جيوش أخرى مضيق صقلية




صفحة رقم : 3073




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> ثورة إيطاليا


بقيادة القنصل مانيوس أكوليوس (101)؛ فبارز أثنيون هذا القنصل وقتله في المبارزة، وأصبح الأرقاء بلا قائد، فهزموا وقتل آلاف منهم في الميدان، وأعيد آلاف آخرون إلى سادتهم، ونقل مئات منهم على ظهور السفن إلى رومه ليقاتلوا الوحوش في الألعاب التي أقيمت احتفالاً بانتصار أكوليوس، ولكن الأرقاء لم يقاتلوا الوحوش بل أغمد كل منهم خنجره في قلب زميله وماتوا عن أخرهم.
وبعد بضع سنين من هذه الحرب- حرب الأرقاء الثانية- امتشقت إيطاليا كلها الحسام. وسبب ذلك أن رومه- وهي أمة صغيرة بين كومي وكيري Caere، وبين جبال الأبنين والبحر- قد ظلت نحو قرنين من الزمان تحكم سائر إيطاليا كما كانت تحكم الشعوب المغلوبة، وبلغ من أمرها أن مدناً قريبة منها مثل تيبور Tibur وبرانستي Praeneste لم يكن لها من يمثلها في الحكومة التي تصرف أمورها، بل كان مجلس الشيوخ والجمعيات والقناصل يصدرون المراسيم والقوانين إلى الهيئات الإيطالية كأنها ولايات أجنبية مغلوبة على أمرها. وكانت موارد هؤلاء "الأحلاف" من مال ورجال تستنزف في الحروب التي لم يكن لها هدف إلا ملء خزائن عدد قليل من الأسر في رومه، ولم تنل الولايات التي ظلت موالية لها في صراعها المرير مع هنيبال على هذا الولاء جزاء يستحق الذكر، أما التي قدمت إلى هنيبال في هذا الصراع شيئاً من المعونة أياً كان نوعها فقد كان عقابها أن أخضعت إلى رومه خضوعاً أذلها إذلالاً جعل كثيراً من أهلها ينضمون إلى الأرقاء في ثورتهم عليها. وكان عدد قليل من أثرياء المدن قد منحوا حق مواطني رومه، وكانت رومه نفسها تستخدم سلطانها في كل مكان لمساعدة الأغنياء على الفقراء، وفي عام 126 حرمت الجمعية على سكان المدن الإيطالية أن يهاجروا إلى رومه، وفي عام 95 أخرجت هذه العاصمة الغنية كل من لم يكن من أهلها مواطناً رومانياً بل كان مواطناً إيطالياً فحسب.
وحاول أحد الأشراف أن يصلح هذه الحال فكان جزاؤه على هذه




صفحة رقم : 3074




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> ثورة إيطاليا


المحاولة الإعدام. كان م. ليفيوس دروسس M. Livius Drusus ابن التربيون الذي كان ينافس تيبيريوس جراكس؛ ولما كان متبناه قد أصبح والد زوجة أغسطس، فإن الأسرة ربطت مصيرها بمبادئ الثورة. وجرياً وراء هدفها هذا عرض ليفيوس دروسس، بعد أن اختير تربيوناً في عام 91، ثلاثة إجراءات وهي: (1) أن يوزع مقدار آخر من أراضي الدولة على الفقراء. (2) أن ترد إلى مجلس الشيوخ حقوقه القضائية التي كانت مقصورة عليه، مشترطاً أن يضم إليه في الوقت نفسه ثلاثمائة من رجال الأعمال. (3) أن يمنح جميع الأحرار في إيطاليا حقوق المواطنين الرومانيين. وأجازت الجمعية الاقتراح الأول وهي مغتبطة، وأجازت الثاني دون أن تبدي اغتباطاً أو استياء؛ ولكن مجلس الشيوخ رفض الاقتراحين كليهما وأعلن أنه لا يرتبط بشيء منهما. أما الاقتراح الثالث فلم يعرض للاقتراع لأن مغتالاً مجهولاً طعن دروسس طعنة قاتلة في منزله.
وبعثت هذه الاقتراحات الأمل في نفوس الولايات الإيطالية وأيقنت مما حل بها أن مجلس الشيوخ والجمعية لن يقبلا بطريقة سليمة أن يشترك غيرهما معهما فيما يعود عليهما من المزايا بفضل هذه الاقتراحات. فأخذت هذه الولايات تستعد للثورة. وتألفت منها جمهورية اتحادية، عاصمتها كنفرنيوم Confirinium، وعهدت بالحكم إلى مجلس الشيوخ مؤلف من خمسمائة عضو يختارون من جميع القبائل الإيطالية عدا التسكان والأمبريان الذين رفضوا الانضمام إلى هذا الاتحاد. فلم يسع رومه إلا أن تعلن الحرب من فورها على المنشقين. واشتركت أحزاب العاصمة كلها في الحرب التي كانت في رأيهم دفاعاً عن وحدة إيطاليا؛ وملأ الخوف قلوب الرومانيين على بكرة أبيهم من انتقام الدول المتمردة إذا انتصرت في هذه "الحرب الاجتماعية " القائمة بين الأخوة بعضهم وبعض. وخرج ماريوس من عزلته،




صفحة رقم : 3075




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> ثورة إيطاليا


وتولى القيادة، وانتصر في معركة بعد معركة، مع أن جميع القواد الرومانيين- ماعدا صلا- قد منوا بالهزيمة. وقتل في ثلاث سنين حوالي ثلاثمائة ألف نفس، وخربت إيطاليا الوسطى أشد تخريب. ولما أوشكت إتروريا وأمبريا أن تنضما إلى الثوار استرضتهما رومه بأن منحت أهلهما جميع حقوق المواطنين الرومانيين؛ وفي عام 90 منحت حقوق الرومان السياسية لجميع الأحرار والمحررين الإيطاليين الذين يقسمون يمين الولاء لرومه. وكان من أثر هذه الامتيازات القليلة أن ضعفت قوة الأحلاف المناوئين لرومه، فألقت المدن واحدة بعد الأخرى سلاحها، ولم يحل عام 89 حتى كانت هذه الحرب الوحشية الضروس قد وضعت أوزارها، واختتمت بسلام نكد لا خير فيه للطرفين. ذلك أن الرومان قد قضوا على ما منحوه للولايات الإيطالية من حقوق سياسية، بأن جمعوا المواطنين الجدد في عشر قبائل جديدة لا تقترع إلا بعد أن تفرغ الخمس والثلاثون قبيلة التي كانت موجودة قبل من الاقتراع، وبذلك لم تكن لاقتراعها هذا قيمة في معظم الأحيان. يضاف إلى هذا أنه لم يكن في وسع المواطنين الجدد أن يحضروا الجمعيات في رومه إلا قلة ضئيلة منهم. لذلك صبرت الجماعات التي غرر بها والتي أضنتها الحرب وخربت بلادها على مضض، فلما أن مضت على ذلك الوقت أربعون سنة فتحت أبوابها لقيصر يعرض عليها حقوق المواطنين في جمهورية لا وجود لها.




صفحة رقم : 3076




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> صلا السعيد



الفصل السادس




صلا السعيد


ولم يلبث النزاع بين الرومانيين والإيطاليين أن قام من جديد بعد بضع سنين قلائل ساد فيها السلام، وكل ما في الأمر أن تبدل اسم هذا النزاع من نزاع "اجتماعي" إلى نزاع "أهلي" وأن تبدل ميدانه من المدن الإيطالية إلى رومه نفسها. وتفصيل ذلك أن لوسيوس كرنليوس صلا اختير ليتولى في عام 88 ق.م منصب القنصلية. وتولى قيادة الجيش الذي كان يعبأ لقتال مثرداتس Mithridates حاكم بنتس Pontus؛ ولكن التربيون سلبيسيوس روفس Sulplicus Rufus لم يكن يرضى أن يتولى رجل محافظ مثل صلا قيادة هذه القوة العظيمة، وأقنع الجمعية بأن يتولى القيادة ماريوس، وكان وقتئذ رجلاً بديناً في التاسعة والستين من عمره، ولكنه مع ذلك لم تفارقه مطامعه العسكرية. وأبى ماريوس أن تفلت من يده فرصة القيادة التي طال انتظارها، وأن تفلت منه لما لاح له أنه نزوة من نزوات جمعية خاضعة لتأثير زعيم شعبي مهرج، وللرشا التي لم يكن يشك في أنها قد تلقتها من التجار الذين يحبون ماريوس. فلم يكن منه إلا أن فر إلى نولا Nola وكسب ولاء الجيش وزحف به على رومه.
وكان صلا رجلاً فذاً في منشئه، وأخلاقه، ومصيره. فقد ولد فقيراً ولكنه أصبح المدافع عن الأشراف، كما أصبح ابنا جراكس ودروسس Drusus وقيصر وهم من الأشراف زعماء الطبقات الفقيرة. وثأر لنفسه من الحياة إذ جعلته شريفاً ومعدماً؛ وذلك بأنه حين أصبح رب المال استخدمه في قضاء شهواته، فأطلق لها العنان، ولم يتقيد فيها بعرف، ولم يؤنبه على إسرافه فيها ضمير. وكان دميم الخلق- له عينان زرقاوان براقتان في وجه أبيض




صفحة رقم : 3077




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> صلا السعيد


تلطخه بقع شديدة الحمرة "كأنه توت منثور عليه دقيق(17)". لكن هذه الملامح كانت تخفي وراءها تعليماً راقياً، فقد كان يتقن الآداب اليونانية والرومانية، وكان مولعاً بجمع روائع الفن، دقيقاً في اختيارها (مستعيناً على ذلك في العادة بالوسائل العسكرية). وأمر أن تحمل له من أثينا مؤلفات أرسطوطاليس، واختص بها نفسه لتكون جزءاً من أثمن غنائمه، ووجد خلال أيام الحرب والثورة من الوقت ما استطاع فيه أن يكتب مذكراته ليضل بها الناس من بعده. وكان رقيقاً مرحاً لطيفاً، وصديقاً كريماً، يدمن الخمر، ويشتهي النساء، ويولع بالحرب، ويطرب للغناء؛ ويقول عنه سلست Sallust إنه "كان يعيش عيشة البذخ، ولكن ملذاته لم تحل قط بينه وبين أداء واجباته؛ إذا استثنينا من ذلك التعميم أنه كان في وسعه أن يجعل سلوكه مع زوجته أشرف مما كان(18)". وسلك الرجل طريقه إلى المجد سلوكاً سريعاً، وخاصة في الجيش وسيلته الموفقة إلى أغراضه. وكان يعامل جنوده معاملة الزميل لزميله، يشترك معهم في أعمالهم وفي سيرهم، ويتعرض لما يتعرضون له من الأخطار؛ "وكان همه الوحيد ألا يسمح لإنسان ما أن يفوقه في حكمته وشجاعته(19)". ولم يكن يؤمن بآلهة الرومان، ولكنه يؤمن بالخرافات. وفيما عدا هذا كان الرجل من أكثر الرومان واقعية كما كان أشدهم قسوة، خياله ومشاعره خاضعة لسلطان عقله. ومما قيل عنه أنه كان نصف أسد ونصف ثعلب، وأن الثعلب فيه كان أشد خطراً من الأسد(20). قضى نصف أيامه في ميادين القتال، وقضى العشر السنين الأخيرة منها في الحروب الأهلية، ولكنه رغم هذا ظل محتفظاً بفكاهته ومرحه إلى آخر أيام حياته، يوشى قسوته ووحشيته بكتابة المقطوعات الشعرية الفكاهية، ويملأ رومه ضحكاً، خلق لنفسه مائة ألف عدو ومات في فراشه.
وكان يلوح أن هذا الرجل الذي يتألف من مزيج كيميائي من الفضائل والرذائل هو الذي تحتاجه البلاد لقمع الثورة في الداخل والقضاء على مثرداتس في الخارج. وكان من السهل على رجاله المدربين البالغ عددهم 35.000 أن




صفحة رقم : 3078




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> صلا السعيد


يبددوا شمل الأشتات غير المتجانسين الذين جمعهم ماريوس ارتجالاً في رومه. فلما أيقن ماريوس بحرج موقفه فر إلى إفريقيا؛ وقتل سلبسيوس إذ غدر به خادمه. وأمر صلا أن يدق رأس التربيون في منبر الخطابة الذي كان منذ قليل تتجاوب فيه أصداء خطبة البليغة؛ وحرر العبد مكافأة له على خدمته، ثم أمر بقتله جزاء له على غدره. وبينا كان جنوده يسيطرون على السوق العامة أصدر قراراً بألا يعرض أي أمر على الجمعية إلا بأذن مجلس الشيوخ، وإن يكون نظام الاقتراحات هو النظام المقرر في "دستور سرفيوس"، وهو الذي يجعل الأولوية والميزة للطبقات العليا؛ ثم عمل على أن يكون هو القنصل الأول وسمح بأن يختار نيوس أوكتافيوس Cnaeus Octavius وكرنليوس سننا Cornelius Cinna قنصلين (87)، ثم سار للقاء مثرادتس العظيم.
ولكنه لم يكد يغادر إيطاليا حتى قام النزاع من جديد بين طبقة العامة وطبقتي الأشراف والفرسان الممتازيين، ونشب القتال في السوق العامة بين أنصار أكتافيوس المحافظين وأتباع سنا المتطرفين، وقتل من الفريقين في يوم واحد عشرة آلاف رجل. وانتصر أكتافيوس في آخر الأمر وفر سنا لينظم الثورة في المدن المجاورة، ثم أبحر إلى إيطاليا بعد أن قضي الشتاء مختفياً، وأعلن تحرير الرقيق، وسار على رأس قوة مؤلفة من ستة آلاف رجل لقتال أكتافيوس في رومه. وانتصر الثوار وذبحوا آلافاً مؤلفة من أعدائهم، وزينوا منابر الخطابة برؤوس الشيوخ المقتولين، وساروا في الشوارع صفوفاً ورؤوس الأشراف فوق رماحهم، وأضحت هذه سنة جرى عليها الثوار فيما بعد. واستقبل أكتافيوس الموت في هدوء واطمئنان وهو جالس على كرسي التربيون مرتدياً ملابسه الرسمية. ودامت المذبحة خمسة أيام بلياليها، كما دام الإرهاب عاماً كاملاً، واستدعت محكمة الثورة الأشراف للمثول أمامها، وقضت بإدانتهم إذا كانوا قد قاوموا ماريوس وصادرت أملاكهم. وكانت إيماءة ماريوس تكفي لأن تطيح برأس أي إنسان




صفحة رقم : 3079




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> صلا السعيد


مهما كانت منزلته، وكان يقتل في أغلب الأحيان لساعته قبل أن يبرح مكانه. وقتل بهذه الطريقة أصدقاء صلا جميعهم؛ وصودرت أملاكه، وعزل من قيادة الجيش، وأعلن أنه عدو الشعب. ولم يسمح بدفن الموتى بل تركت جثثهم في الشوارع تلتهما الكلاب والطيور الجارحة. وانطلق الأرقاء المحررون في البلدة ينهبون، ويفسقون، ويقتلون الناس بلا تمييز بينهم، وظلوا على هذه الحال حتى جمع سنا أربعة آلاف منهم، وأحاطهم بجنود من الغاليين وأمر بقتلهم عن أخرهم(21).
ثم اختير سنا قنصلاً مرة ثانية، كما اختير ماريوس للمرة السادسة، ولكن ماريوس توفي في الشهر الأول بعد توليه منصبه وهو في الواحدة والسبعين من عمره، منهوك القوى من فرط ما لاقى من الشدائد وضروب العنف. وانتخب فلريوس فلاكوس Valerius Flaccus قنصلاً بدلاً منه، وأصدر مرسوماً بإلغاء ثلاثة أرباع الديون جميعها، ثم زحف شرقاً على رأس جيش مؤلف من أثنى عشر ألفاً لخلع صلا من القيادة، وبقي سنا في رومه يتولى فيها الحكم بمفرده، فاستبدل بالجمهورية دكتاتورية، وعين جميع موظفي المناصب الكبرى، وعمل على أن ينتخب قنصلاً أربع سنين متتالية.
ولما غادر فلاكوس إيطاليا كان صلا يحاصر أثينا لأن هذه المدينة انضمت إلى مثرداتس في ثورته على رومه. ولما حبس عنه مجلس الشيوخ المال اللازم لمرتبات جنوده عمد إلى الهياكل والكنوز في أولمبيا وإبدورس ودلفي فنهبها ليمون بها جنده وينفق منها على حروبه. وفي شهر مارس من عام 86 اقتحم الجند أحد الأبواب في أسوار أثينا، وتدفقوا منه إلى داخل المدينة، وانتقموا لما عانوه من طول الحصار ومشاقه بأن عاثوا في المدينة فساداً، يقتلون وينهبون. ويقول أفلوطرخس "إن عدد القتلى كان يخطئه الحصر.. وقد جرت الدماء أنهاراً في شوارع المدينة، وخرجت منها إلى الضواحي النائية(22)". وأخيراً أمر صلا




صفحة رقم : 3080




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> صلا السعيد


بوقف المذبحة، وقال إنه "يصفح عن الأحياء إكراماً للموتى". ثم قاد جنوده نحو الشمال بعد أن استراحوا من متاعب القتال، وهزم قوة كبيرة عند قيرونية Chaeronea، وأركومينس Orchomenus، وطارد فلولها إلى آسيا مجتازاً مضيق الهلسبنت (الدردنيل)، وأخذ يعد العدة للقاء القسم الأكبر من جيش ملك بنت ، ولكن فلاكوس كان قد وصل في هذه الأثناء إلى آسيا على رأس جيشه، وأبلغ صلا مرة أخرى أن عليه أن يتخلى عن القيادة. ولكنه استطاع أن يقنع فلاكوس بأن يتركه حتى يتم حملته، وكانت نتيجة هذا أن قتل فلاكوس بيد ياوره فمبريا Fimbria، ثم نصب هذا الضابط نفسه قائداً للجيوش الرومانية كلها، وتقدم شمالاً لملاقاة صلا. فما كان من صلا أمام هذا الخرق إلا أن عقد مع مثرادتس صلحاً (85) ينزل هذا الملك بمقتضاه عن كل ما ظفر به من الفتوح في تلك الحرب، ويسلم إلى رومه ستين سفينة حربية، ويؤدي لها غرامة مقدارها ألفي تالنت. ثم اتجه صلا بعدئذ نحو الجنوب والتقى بمفيريا في ليديا، فانضمت جنود فمبريا إلى صلا، وانتحر قائدها وأصبح صلا سيد بلاد الشرق اليونانية، ففرض عليها غرامة حربية مقدارها عشرون ألف تالنت، وشرع يجبى الضرائب من مدائن أيونيا الثائرة. ثم سار مع جيشه بطريق البحر إلى بلاد اليونان، وزحف على بترى Patrae، ووصل إلى برنديز في عام 83. وحاول سنا أن يقف زحفه ولكن جنوده قتلوه.
وحمل صلا إلى خزائن رومه خمسة عشر ألف رطل من الذهب، ومائة وخمسة عشر رطلاً من الفضة، مضافة إلى ما حمله من النقود ومن روائع الفن التي خص بها نفسه. ولكن زعماء الدمقراطيين، وكانوا لا يزالون أصحاب الأمر والنهي في رومه، ظلوا يتهمونه بأنه عدو الشعب، ووصفوا المعاهدة التي عقدها مع مثرداتس بأنها مذلة قومية، واضطر صلا على الرغم منه أن يزحف بجنوده




صفحة رقم : 3081




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> صلا السعيد


الأربعين ألفاً على رومه، وواصل هذا الزحف حتى بلغ أبوابها. وخرج كثيرون من الأشراف لينضموا إليه، وجاء إليه أحدهم وهو نيوس بمبي بفيلق يتألف كله من موالي أبيه وأصدقائه. وسار ابن ماريوس على راس جيش لملاقاة صلا، فهزم وفر إلى برانست، بعد أن أرسل إلى البريتور الشعبي يأمره بأن يقتل كل من لا يزال في العاصمة من زعماء الأشراف. وصدع الرجل بالأمر فجمع مجلس الشيوخ وقتل جميع هؤلاء الزعماء وهم جلوس في مقاعدهم أو في أثناء فرارهم. ثم جلت القوات الديمقراطية عن رومه ودخلها صلا دون أن يلقي مقاومة، ولكن جيشاً من السمنيين قوامه مائة ألف مقاتل زحف من الجنوب وانضم إلى فلول القوات الديمقراطية ليثأر للولايات الإيطالية ويغسل عار الهزيمة التي منيت بها في "الحرب الاجتماعية". وخرج صلا لملاقاتهم وانتصر عليهم عند باب كلين Colline بجيشه البالغ خمسين ألفاً في معركة تعد من أشد معارك التاريخ القديم هولاً، جرت فيها الدماء أنهاراً. وبعد أن تم له النصر أمر بقتل ثمانية آلاف من الأسرى رمياً بالسهام بحجة أنهم وهم أحياء يسببون له من المتاعب أكثر مما يسببون له منها وهم أموات. ورفعت رؤوس من أسر من الزعماء على أسنة الرماح أمام أسوار براتست، حيث كان آخر جيوش الديمقراطيين محصوراً. ثم سقطت براتست، وانتحر ماريوس الصغير، وعرض رأسه مسمراً في السوق العامة- وهو عمل كانت السوابق الكثيرة قد جعلته في نظر الناس أمراً مألوفاً مشروعاً.
ولم يجد صلا بعدئذ صعوبة في إقناع مجلس الشيوخ بأن ينصبه دكتاتوراً، فلما تم له ذلك أصدر من فوره حكماً بإعدام أربعين من الشيوخ، وألفين وستمائة من رجال الأعمال، وكان هؤلاء الرجال ممن أعانوا ماريوس عليه وابتاعوا أملاك الشيوخ الذين قتلوا في أثناء حكم المتطرفين. وعرض صلا مكافآت لمن يبلغونه عن أسماء هؤلاء الرجال، كما عرض مكافآت قدرها اثنا عشر ألف دينار (7200 ريال أمريكي) على من يأتونه بالمحكوم عليهم أمواتاً كانوا أو أحياء. وزينت السوق




صفحة رقم : 3082




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> صلا السعيد


العامة برؤوس القتلى وبقوائم بأسماء المحكوم عليهم تتجدد من آن إلى آن، ولم يكن يسع المواطنين إلا الاطلاع عليها بعد الفينة والفينة ليعرفوا مصيرهم أهو الموت أم الحياة. وانتشرت أهوال المذابح والنفي ومصادرة الأملاك من رومه إلى الولايات، وكان ضحاياها هم الثوار الإيطاليين وأتباع ماريوس أينما وجدوا. وكان عدد من قتلوا في هذا الإرهاب الأرستقراطي حوالي أربعة آلاف وسبعمائة نفس. ويصف أفلوطرخس هذا الإرهاب بقوله: "وكان الأزواج يذبحون بين أحضان زوجاتهم، والأبناء في جحور أمهاتهم". وقد حكم على كثيرين ممن وقفوا على الحياد أو كانوا من المحافظين، فمنهم من قتل ومنهم من نفي، وقيل إن صلا قد فعل بهم ذلك لحاجته إلى أموالهم، ينفقها على جنوده أو في ملذاته، أو يكافئ بها أصدقاءه. وكانت الأملاك المصادرة تباع لمن يعرض فيها أغلى الأثمان، أو للمقربين ذوي الحظوة عند صلا، وأضحت هذه الأملاك أساساً لثراء كثيرين من الناس أمثال كراسس Crassus وكتلين Catiline. واستخدم صلا حقوقه الدكتاتورية في إصدار طائفة من المراسيم- تعرف بالقوانين الكرنيلية نسبة إلى العشيرة التي ينتمي إليها- كان يرجو أن ينشئ بها دستوراً أرستقراطياً يظل دستور رومه طوال حياتها. وأراد أن يسد ما طرأ على عدد مواطني رومه من النقص بسبب الموت، فأعطى حق المواطنين لكثير من الأسبان والكلت ولبعض الأرقاء السابقين، فأضعف من سلطان الجمعيات بحشد هؤلاء الأعضاء الجدد فيها وهم المدينون له بعضويتها، وبتحديد القانون القديم القاضي بألا يعرض قانون على الجمعية إلا بموافقة مجلس الشيوخ. ثم عمل على وقف نزوح الإيطاليين إلى رومه فوقف توزيع الغلال من قبل الدولة على الأهلين ثم قلل ازدحام السكان في المدينة بتوزيع الأراضي الزراعية على اثنى عشر ألفاً من جنوده الأقدمين. وأراد أن يمنع القنصل الذي يختار لمنصبه جملة مرات متتالية أن يكون دكتاتوراً فعلياً، فأصر على تنفيذ السنة القديمة التي كانت تحرم على أي موظف أن يشغل منصبه مرة




صفحة رقم : 3083




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> صلا السعيد


ثانية إلا بعد مضي عشر سنوات على خروجه منه في المرة السابقة. وأنقص مكانة التربيون بتقييد حقه في الرفض وحرمان التربيون السابق من حق التعيين في أي منصب من المناصب الكبرى. واسترد من رجال الأعمال حقهم الذي كان مقصوراً عليهم في أن يكونوا محلفين في المحاكم العليا، ورد هذا الحق إلى مجلس الشيوخ، واستبدل بنظام الالتزام في الضرائب نظام جباتها من الولايات نفسها وإرسالها إلى خزانة الدولة مباشرة. ثم أعاد تنظيم المحاكم، وزاد في عددها ضماناً لسرعة البت في القضايا؛ وحدد اختصاصها ومدى اختصاصها ومدى سلطتها تحديداً دقيقاً، ورد إلى مجلس الشيوخ كل ما كان له قبل ثورة ابني جراكس من مزايا تشريعية وقضائية وتنفيذية واجتماعية، وحق أعضائه في لبس زي خاص. وقد فعل صلا كل هذا ليقينه أن الحكم الملكي أو الأرستقراطي هما اللذان يصلحان دون غيرهما من النظم لحكم الإمبراطوريات حكماً حازماً حكيماً؛ ثم عمل على زيادة عدد أعضاء مجلس الشيوخ إلى الحد المقرر، فأجاز للجمعية القبلية أن ترقي إلى عضويته ثلاثمائة من طبقة "الفرسان"، وأراد أن يبرهن على ثقته بعدالة هذا الإجراء الشامل واطمئنانه له فسرح جيوشه وقرر ألا يسمح ببقاء جيوش في إيطاليا كلها. وبعد أن ظل حاكماً بأمره عامين تخلى عن سلطته بأجمعها، وأعاد الحكم القنصلي، واعتزل الحياة العامة (عام 80 ق.م).
وكان في حياته الجديدة آمناً على نفسه، لأنه قد قتل كل من يستطيعون الإئتمار به. ولذلك سرح حرسه وقواده، وكان يسير في السوق العامة لا يخشى أذى، وعرض أن يفسر أعماله الوطنية لكل مواطن يطلب إليه أن يفسرها له. ثم ذهب ليقضي أيامه الأخيرة في قصره الصغير في كومي، بعد أن مل الحرب والسلطان والمجد، ولعله قد مل أيضاً صحبة الناس، فأحاط نفسه بالمغنين والمغنيات والراقصين والراقصات، والممثلين والممثلات، وأخذ يكتب شروحه Commentarii ويتسلى بصيد الحيوان والسمك، والانهماك في الطعام والشراب. وأطلق عليه الناس




صفحة رقم : 3084




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الثورة الزراعية -> صلا السعيد


من ذلك الوقت اسم "صلا السعيد" لأنه انتصر في كل معركة، واستمتع بكل لذة، واستحوذ على كل سلطة، وعاش عيشة لا يساوره فيها خوف ولا ندم، وتزوج خمس نساء طلق منهن أربعاً واستكمل متعته بالمحاظي، ولما بلغ الثامنة والخمسين من عمره أصيب بخراج في القولون بلغ من شدته "أن اللحم النتن استحال قملاً، بلغ من الكثرة حداً كان لابد معه من استخدام كثير من الرجال والنساء لقتله، ولكن القمل أخذ يزداد ويتضاعف حتى لم تتلوث به ثيابه، وحماماته، وآنيته فحسب، بل تلوث به أيضاً طعامه نفسه(23)" على حد قول أفلوطرخس. ومات صلا على أثر نزيف في الأمعاء، ولم يكد يقضي في عزلته عاماً واحداً (78 ق.م) ولم يفته أن يملى قبريته قبل وفاته: "لم يخدمني قط صديق، ولم يسئ إلي أبداً عدو، إلا جزيت الأول على خدمته والثاني على إساءته الجزاء الأوفى".




صفحة رقم : 3085




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> الحكومة



الباب السابع




الحركة الرجعية الألجركية




77-60 ق.م




الفصل الأول




الحكومة


على أن صلا قد أخطأ مرتين بإسرافه في الكرم. وكان خطؤه الأول أنه أبقى حياة رجل كان ابن عدو له وابن أخي عدو آخر. ذلك هو كيوس يوليوس قيصر المرح النابه الذي كان يوشك أن يبدأ العقد الثالث من عمره في سني الإرهاب. وكان صلا قد طلب إعدامه فيمن طلب إعدامهم، ولكنه عفا عنه استجابة لشفاعة أصدقائه وأصدقاء الشاب. على أنه لم يكن مخطئاً في حكمه حين قال: "إن هذا الشاب هو ماريوس مكرراً". ولعله أخطأ كذلك إذ عجل باعتزال الحياة السياسية وأسرف في الملاذ فقرب إسرافه أجله. ولو أنه أوتى من الصبر وبعد النظر بقدر ما أوتى من القسوة والشجاعة لأنجى رومه من الفوضى التي ضربت إطنابها فيها خمسين عاماً، ولأمكنها أن تستمع في عام 80 ق.م بالأمن والسلام والنظام والرخاء التي أعادها إليها أغسطس قيصر حين عاد إليها من أكتيوم، ولكان ما عمله أغسطس خلقاً وإبداعاً لا إرجاعاً للقديم.
ولم تكد تمضي على وفاته عشر سنين حتى ذهبت كل أعماله. ذلك أن الأشراف قد غرهم ما أوتوا من نصر في صراعهم المرير، فأهملوا واجبات الحكم وسعوا لكسب المال من طريق التجارة لينفقوه في ترفهم وشهواتهم. واستمر




صفحة رقم : 3086




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> الحكومة


النزاع بين الأشراف والعامة قوياً مريراً لا ينقصه إلا فرصة تتاح حتى يلجأ الطرفان فيه إلى أشد ضروب العنف. وكان الأشراف: "خيار الناس" optimates يستمسكون بنبلهم، ولكن لم يكن معنى استمساكهم به أن يترفعوا بسبب هذا النبل عن ارتكاب الدنايا، بل كان معناه في نظرهم أن الحكم الصالح يتطلب قصر المناصب العليا في الدولة على الذين تولوها قبله سخروا منه وسموه "رجلاً حديثاً" Novus homo أي "حديث النعمة"، وكان من هؤلاء الحديثي النعمة ماريوس وشيشرون. أما العامة فكانوا يطلبون أن تتاح الفرصة لذوي المواهب والكفايات، وأن تكون السلطة كلها في يد الجمعيات، وأن توزع الأراضي الحرة على الفقراء والجنود المسرحين. ولم يكن الأشراف ولا العامة ممن يؤمنون بالديمقراطية، بل كانت كلتا الطبقتان تسعى لأن تكون هي الحاكمة بأمرها، وتلجأ إلى ضروب الإرهاب والفساد والرشوة على ملأ الناس بلا خوف ولا وخز ضمير. واستحالت الجماعات التي كانت من قبل جمعيات خيرية لتبادل البر بين أعضائها وكالات لبيع أصوات العامة في الانتخابات كُتَلاً. وارتقت عملية ابتياع الأصوات حتى تطلبت درجة كبرى من التخصص، وطائفة من الإخصائيين، فكان منهم المشترون divisores الذين يبتاعون الأصوات، والوسطاء interpretes والحراس sequestres الذين يحتفظون بالمال حتى تعطي الأصوات(2). وفي أقوال شيشرون وصف للمرشحين وهم يسيرون بين الناخبين في حقل المريخ وأكياس نقودهم في أيديهم(3). واستطاع بمبي أن يحمل الناس على اختيار صديقه أفرانيوس Afranius قنصلاً بدعوة زعماء القبائل إلى حدائقه، وفيها أعطى كل زعيم أثمان أصوات قبيلته(4). وبلغ ما كان يُستدان من المال لشراء أصوات الناخبين حداً رفع سعر فائدة الأموال التي تقترض في أثناء الحملة الانتخابية إلى ثمانية في المائة في الشهر الواحد(5).




صفحة رقم : 3087




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> الحكومة


وكانت المحاكم نفسها- بعد أن اختص بها أعضاء مجلس الشيوخ- لا تقل فساداً عن عمليات الانتخاب، وفقدت الأَيمان كل ما كان لها من قيمة في الشهادة، وفشت شهادة الزور كما فشت الرشوة. ولما أن اتُّهم ماركس مسالا Marcus Messal بأنه ابتاع بالمال الأصوات التي انتخب بها قنصلاً في عام 53 برئ بالإجماع، وإن كان أصدقاؤه أنفسهم شهدوا عليه(6) واعترفوا بجريمته(6). وكتب شيشرون لابنه يصف هذه الحال بقوله: "لقد أصبح المال أساس كل المحاكمات، ولذلك لن يحكم على إنسان إلا في جرائم القتل"(7)، وكان خليقاً به أن يقول "إنسان ذي مال"، "فبغير المال وبغير المحامي القدير" كما قال محام آخر في ذلك الوقت "فديتهم إنسان ساذج برئ بأية جريمة لم يرتكبها قط، ثم يحكم عليه ما في ذلك شك"(8). ولما برئ لنتولس صوراً Lentulus Sura بأغلبية صوتين حزن أشد الحزن على ما أنفق من مال في رشوة قاض أكثر من العدد الذي كان يجب عليه أن يرشوه(9). ولما أدان المحلفون من أعضاء مجلس الشيوخ البريتور كونتس كليدس Quintus Calidus قال "إنهم لم يكن في وسعهم مع احتفاظهم بشرفهم أن يطلبوا أقل من ثلاثمائة ألف سسترس إذا أريد منهم أن يحكموا على بريتور"(10).
وكان ولاة الأقاليم من أعضاء الشيوخ السابقين، وجباة الضرائب، والمرابون، ووكلاء التجار، يبتزون الأموال من الأقاليم تحت حماية هذه المحاكم ابتزازاً لو سمع به أسلافهم لغضبوا له غيرةً من هؤلاء وحسداً لهم. ولسنا ننكر أنه كان من بين حكام الأقاليم طائفة من الكفاة الأشراف، أما كثرتهم العظمى فماذا عسى أن ينتظر منها؟ لقد كانوا يعملون بلا أجور، وكانت العادة المألوفة أن يظلوا في مناصبهم عاماً واحداً، وكان عليهم في خلال هذه الفترة القصيرة أن يجمعوا من المال ما يكفي للوفاء بديونهم، وابتياع منصب جديد، وأن يضمنوا لأنفسهم فيما بعد عيشاً رغداً يليق بالروماني العظيم. ولم يكن في البلاد




صفحة رقم : 3088




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> الحكومة


من يحول بينهم وبين أطماعهم إلا مجلس الشيوخ، وكان في وسع الحكام أن يثقوا بأن الشيوخ وهم سادة مهذبون يمنعهم كرم محتدهم أن يكونوا سبباً في لفظ غير محبوب لأنهم كلهم قد فعلوا مثل ما فعله هؤلاء الحكام، أو يرجعون أن يفعلوا مثله بعد قليل. ولنضرب لذلك مثلاً يوليوس قيصر نفسه، فقد ذهب ليحكم أسبانيا في عان 61 ق.م وعليه من الديون ما يعادل 7.500.000 ريال أمريكي. فلما عاد في عام 60 ق.م وفى بهذا الدين كله دفعة واحدة. وكان شيشرون يظن أنه رجل شريف متزمت في شرفه إلى حد يؤلمه أشد الألم، لأنه لم يجمع في السنة التي ولى فيها حكم قليقية أكثر من 110.000 ريال أمريكي، وكان يملأ رسائله بالدهشة من اعتداله.
وكان القواد الذين يفتحون الولايات أول من يستفيد منها. فقد كان لوكلس بعد حروبه في الشرق مضرب المثل في الترف؛ وجاء بمبي من تلك البلاد نفسها بما قيمته أحد عشر مليون ريال أمريكي لنفسه ولأصدقائه، وإذا قلنا إن قيصر جمع لنفسه من بلاد الغالة ملايين يخطئها الحصر فإن قولنا هذا لا يعدو الحقيقة إلى المجاز. ويلي هؤلاء الحكام في ابتزاز المال الملتزمون وكانوا يجمعون من الأهلين ضعفي ما يرسلونه إلى رومه. فإذا عجزت مدينة أو ولاية عن أن تجمع من سكانها ما يكفي من المال لأداء ما يجب عليها أن تؤديه من الخراج أو الضرائب أقرضها الماليون أو الساسة الرومان ما تحتاجه من المال بفائدة تتراوح بين أثنى عشر وأربعين في المائة، على أن يَجْمع منها رأس المال وفائدته، إذا لزم الأمر، الجيش الروماني نفسه بحصارها أو فتحها أو نهبها. وقد حرم مجلس الشيوخ على أعضائه أن يشتركوا في هذه القروض، ولكن عظماء الأشراف أمثال بمبي، والصالحين منهم أمثال بروتس، لم يعدموا وسيلة للاحتيال على القانون باستخدام الوسطاء في إقراض المال. وحسبنا دليلاً على ما وصلت إليه هذه الحال أن أقاليم آسيا




صفحة رقم : 3089




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> الحكومة


الرومانية قد أدت إلى الرومان فوائد على ما اقترضته منهم ضعفي ما أدته إلى الملتزمين والى الخزانة الرومانية(11). وفي عام 70 ق.م بلغ ما أدته وما لم تؤده مدن آسيا الصغرى من فوائد على الأموال التي اقترضتها للوفاء بمطالب صلا في عام 84 ستة أضعاف هذه القروض. ولم تجد العشائر والجماعات وسيلة لأداء أرباح هذه الدين الفادح إلا أن تبيع أبنيتها العامة وتماثيلها، وأن يبيع الآباء أطفالهم في أسواق الرقيق، وذلك لأن المدين الذي يعجز عن أداء دينه كان يعذب على العذراء، فإذا ما بقي في الولاية شيء من موارد الثروة بعد هذا كله هرعت إليها من إيطاليا وسوريا وبلاد اليونان جماعات من المقاولين، تعاقد معهم مجلس الشيوخ على "تنمية" ثروة الولاية المعدنية والخشبية وغيرهما. وكانت التجارة تسير على الدوام في ركاب العلم الروماني، فمن التجار من كانوا يشترون الأرقاء، ومنهم من كانوا يشترون السلع أو يبيعونها، ومنهم من كانوا يشترون الأرض وينشئون في الأقاليم ضياعاً أوسع رقعة من ضياع إيطاليا. وفي ذلك الوقت يقول شيشرون في عام 69 ق.م مبالغاً في قوله كعادته: "لا يستطيع رجل من الغاليين أن يقوم بعمل تجاري إلا عن طريق مواطن روماني؛ ولا ينتقل درهم واحد من يد إلى يد دون أن يمر بسجل أحد الرومان".
وقصارى القول أن التاريخ القديم لم يشهد في جميع أدواره حكومة تضارع حكومة ذلك العهد في ثرائها وسطوتها وفسادها.




صفحة رقم : 3090




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> أصحاب الملايين



الفصل الثاني




أصحاب الملايين


ورضى رجال الأعمال بحكم مجلس الشيوخ لأنهم كانوا أكثر من الأشراف استعداداً لاستغلال موارد الولايات، وبهذا تم "ائتلاف الطبقات" أو تعاون الطبقتين العاليتين وهو المثل الأعلى الذي كان ينادي به شيشرون والذي أصبح حقيقة واقعة في شبابه؛ فقد اتفقت الطبقتان على الاتحاد والغزو. وكان رجال الأعمال ووكلاؤهم المعتدون يملأون أروقة رومه وطرقاتها، وتغص بهم أسواق الولايات وحواجزها. وكان رجال المصارف يصدرون خطابات الاعتماد إلى الهيئات المالية المرتبطة بهم(13)، ويقرضون المال لكل غرض من الأغراض حتى لخوض غمار الحياة السياسية. وكان التجار يتذبذبون بين العامة والأشراف فيعينون بنفوذهم الأولين إذا زادت أنانية الشيوخ، ثم يعودون إذا حاول الزعماء الديمقراطيون أن يبروا بوعودهم التي قطعوها للطبقات الفقيرة قبل الانتخاب.
ويعد كراسس Crassus، وأتكس Atticus ولوكلس Lucullus نماذج صادقة لمظاهر الثراء الروماني الثلاثة: الحصول عليه، والمضاربة به، ثم استخدامه للتنعم والترف. كان ماركس ليسينيوس كراسس Marcus Licinius Crassus ينحدر من أسرة شريفة. فقد كان أبوه خطيباً مصقعاً ذائع الصيت، وقنصلاً، ورقيباً، حارب إلى جانب صلا ثم فضل الانتحار على التسليم لماريوس. وكافأ صلا ابنه بأن سمح له بشراء أملاك المحكوم عليهم المصادرة بطريق المساومة. وكان ماركس في شبابه قد درس الأدب والفلسفة، واشتغل بجد في الأعمال القضائية، ولكن رائحة المال أسكرته في تلك الأيام الأخيرة، فأنشأ فرقة لإطفاء الحريق- وكان ذلك عملاً جديداً لم تألفه رومه من قبل.




صفحة رقم : 3091




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> أصحاب الملايين


وكانت إذا شبت النار سارعت إلى مكانها، وعرضت أن تُستأجر لإطفائها، أو ابتاعت المباني المعرضة لخطر الحريق بأثمان اسمية، ثم أطفأت الحريق. وحصل كراسس بهذه الطريقة على مئات من البيوت والمساكن كان يؤجرها بأجور مرتفعة. واشترى كذلك عدداً من مناجم الدولة حين أخرجها صلا عن نطاق الأملاك العامة. وما لبثت ثروته أن ارتفعت بهذه الطريقة من سبعة ملايين سسترس إلى مائة وسبعين مليوناً (أي نحو ثروته 25.500.000 ريال أمريكي)- أو ما يقرب من جميع دخل الخزانة العامة في عام كامل. ويقول كراسس إنه لا يحق لإنسان ما أن يعد نفسه غنياً إذا لم يكن في مقدوره أن يجند لنفسه جيشاً، ويعد له كل ما يلزمه من سلاح وعتاد، ويحتفظ به(14). وقد شاءت الأقدار أن يكون هلاكه بسبب ثرائه الذي يحدده هذا التحديد. ذلك أنه أن أصبح أغنى رجل في رومه ظل حليف الشقاء، شديد الرغبة في أن يشغل منصباً عاماً، وأن يكون والياً على أحد الأقاليم، وقائداً لحملة أسيوية. ومن أجل ذلك كان يطوف الشوارع يستجدي الناس أصواتهم في ذلة وخضوع، ويحتفظ بالأسماء الأولى لعدد لا حصر له من المواطنين، ويتظاهر بشظف العيش، ويعمل على ضم ذوي النفوذ من رجال السياسة إليه بإقراضهم المال من غير فائدة على شرط أن يؤدوه له متى طالبهم بأدائه. على أنه رغم حرصه وطمعه كان طيب القلب، لا يصد عن بابه من يريد لقاءه، يكرم أصدقاءه إلى أقصى حدود الكرم، يسدي النصيحة لكلا الحزبين السياسيين بالحكمة التي امتاز بها أمثاله من الرجال على مدى الأيام. وقد حقق في حياته كل آماله، فاختير قنصلاً في عام 70 ق.م، واختير إلى هذا المنصب مرة أخرى في عام 55، وحكم سوريا، وأعان على تجيش الجيش العظيم الذي قاده لفتح بارثيا Parthia. وهُزم في كارهي Carrhae وأسر غدراً وخيانة، ثم قتل قتلة وحشية في عام 53، فقطع رأسه، وصب أعداؤه الذهب المصهور في فمه.
وكان تيتس بمبونيوس أتكس Titus Pomponius atticus أصدق




صفحة رقم : 3092




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> أصحاب الملايين


أرستقراطية من كراسس، ومن طراز من أصحاب الملايين أسمى من طرازه: فقد كان يضارع في الشرف والأمانة ماير أنشل سلسل آل رتشيلد Meyer Anschel of the rot Schil، ولا يقل علماً عن لورنزوده مديشي Lerenzo de Medici وكان حاذقاً في الشؤون المالية حذق فلتير Voltaire. ونحن نسمع به في بادئ الأمر وهو يطلب العلم في أثينا حين سحر بحديثه وبقراءته للشعر اليوناني واللاتيني لب صلا، فألح عليه هذا القائد السفاح أن يعود معه إلى رومه ليكون فيها رفيقاً له، فأبى تيتس أن يستجيب لإلحاحه. وكان عالماً ومؤرخاً، كتب تاريخاً موجزاً للعالم(15)، وعاش معظم حياته في الأوساط الفلسفية في أثينا، وسمى أتكس لعلمه الغزير ببلاد أتكا وحبه العظيم لأهلها. وورث الرجل عن أبيه وعمله أموالاً تبلغ قيمتها نحو 960.000 ريال أمريكي استثمرها في مزرعة عظيمة لتربية الماشية في إبيروس Epirus وفي شراء الدور في رومه وتأجيرها، وفي تدريب المصارعين وأمناء السر وتأجيرهم، وفي نشر الكتب. وكان إذا تهيأت أسباب المشروعات النافعة أقرض المال بفوائد مجزية، ولكنه كان يقرض أثينا وأصدقاءه قرضاً حسناً من غير فائدة(16). وكان شيشرون وهورتنسيوس Hortensius وكاتو الأصغر يودعون عنده ما أدخره من المال، ويعهدون إليه تدبير شؤونهم، ويجلونه لبعد نظره واستقامته وعظم ما يؤديه إليهم من الأرباح.
وكان يسر شيشرون أن يستشيره فيما يبتاعه من البيوت، وفيما يختاره لتزيينها من التماثيل، وفيما يملأ به من مكتباته من الكتب. وكان أتكس يولم الولائم في قصد واعتدال، ويعيش في تواضع الأبيقوري الحق، ولكن بشاشته لأصدقائه وحديثه المطرب المثقف جعلا بيته ملتقى العظماء من رجال السياسة. وكان يعاون الأحزاب جميعها، وقد نجا من اضطهادها جميعاً، ولما بلغ السابعة والسبعين من عمره، وأصيب بدء عضال آلمه ويئس من شفائه منه أمات نفسه جوعاً.
وأبحر لوسيوس لوسينيوس لوكلس Lucius Lucinius Lueullus وهو




صفحة رقم : 3093




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> أصحاب الملايين


رجل من أسرة من كبريات الأسر الشريفة، عام 74 ليتم ما بدأه صلا من حرب مثرداتس. وظل ثماني سنين يقود جنوده القلائل في شجاعة ومهارة حتى أوشكت حملته أن تظفر بالنصر المؤزر على عدوه؛ ثم تمرد جنوده المتعبون، فقادهم هو وهم مرتدون من أرمينيا إلى أيونيه وسط مخاطر لا تقل عن المخاطر التي خلدت اسم زينوفون Zenophon. ولما أفلحت الدسائس في إبعاده عن قيادة الجيش، عاد إلى رومه حيث ضي بقية حياته في هدوء وترف ونعيم. وشاد على تل بنسيوس Pincius قصراً واسع الأبهاء، وبوائك، ودور كتب، وحدائق. وكان له في تسكولم Tusculum ضيعة تمتد عدة أميال، وابتاع له في ميسينيوم قصراً صغيراً ذا حديقة بعشرة ملايين سسترس (أي نحو مليون ونصف مليون ريال أمريكي)، وحول جزيرة نسيدا Nesida بأكملها إلى مصيف له لا يشاركه فيه سواه. وذاعت شهرة حدائقه بما حوت من غروس لم يكن لها نظير من قبل في رومه. من ذلك أنه هو الذي أدخل شجرة الكرز إلى إيطاليا من بلاد بنتس، ومن إيطاليا نقلت هذه الشجرة إلى شمالي أوربا والى أمريكا. وكانت موائده من الحادثات الهامة التي يتناقل الناس أخبارها في رومه طوال العام. ولقد حاول شيشرون في يوم من الأيام هو وجماعة من أصدقائه ليتعشى معه ذات ليلة، ولكنه استحلف لوكلس ألا يخبر بذلك أحداً من خدمه. ووافق لوكلس على هذا ولم يشترط إلا ن يسمح له بأن يخبر رجاله بأنه سيتعشى في "قاعة أبلون تلك الليلة".
ولما أقبل شيشرون ومن معه وجدوا مائدة فخمة. ذلك أنه كان للوكلس عدة حجرات للطعام في قصره بالمدينة يختار كل واحدة منها حسب فخامة الوليمة. وكانت قاعة أبلون مخصصة بالوجبات التي تتكلف الواحدة




صفحة رقم : 3094




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> أصحاب الملايين


منها مائتي ألف سسترس أو أكثر(17). ولكن لوكلس لم يكن بالرجل النهم، وكانت بيوته بمثابة معارض لروائع الفن المختارة أحسن اختيار، وكانت مكتباته مورداً عذباً للعلماء والأصدقاء، وكان هو نفسه ضليعاً في الآداب القديمة وفي الفلسفة على اختلاف أنواعها. وكان يفضل منها بطبيعة الحال فلسفة أبيقور. وكان يسخر من حياة بمبي الشاقة المجهدة، ويرى أن حسب المرء طول حياته حملة حربية واحدة، وأن كل ما زاد على ذلك غرور لا خير فيه.
وحذا حذوه كثيرون من أثرياء رومه وإن لم يكن لهم ذوقه، وسرعان ما أخذ الأشراف والأثرياء يتنافسون في مظاهر الترف والنعيم، على حين كان وميض نار الثورة يلوح في الولايات المفلسة، والناس يموتون جوعاً في أكواخهم القذرة الحقيرة. وكان الشيوخ لا يستيقظون من نومهم إلا وقت الظهيرة، وقلما كانوا يحضرون جلسات المجلس. وكان بعض أبنائهم يتزينون بأزياء العاهرات، ويختالون في الطرقات كاختيالهن، على أجسامهم ثياب مطرزة مزركشة، وفي أرجلهم صنادل النساء، متعطرين متحلين بالجواهر، لا يقبلون على الزواج، وإذا تزوجوا عملوا على ألا يكون لهم أبناء، وينافسون شبان اليونان في التخنث. وكان الشيخ الواحد في رومه ينفق على بيته ما لا يقل عن عشرة ملايين سسترس. وقد بنى كلوديوس زعيم العامة قصراً كلفه 14.800.000. وكان المحامون أمثال شيشرون وهورتنسيوس Hortensius يتنافسون في تشييد القصور تنافسهم في الخطابة رغم قانون سنسيوس الذي يحرم الأجور القضائية. وكانت حدائق هورتنسيوس تحوي أكبر مجموعة من الحيوانات في إيطاليا كلها. وكان لكل رجل ذي مقام منزل ذو حديقة في بايا Baiae أو بالقرب منها، حيث كان الأشراف يتمتعون بحمامات البحر وجمال خليج نابلي،




صفحة رقم : 3095




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> أصحاب الملايين


ويطلقون لشهواتهم الجنسية العنان. وقامت قصور أخرى من نوعها على التلال المجاورة لرومه. وكان لكل ثري عدد من هذه القصور، فكان ينتقل من قصر إلى قصر في فصول السنة المختلفة. وكانت الأموال تنفق جزافاً في تزيينها من الداخل، وفي تأثيثها وشراء ما يلزمها وما لا يلزمها من الصحاف الفضية، وحسبنا أن نذكر أن شيشرون أنفق خمسمائة ألف سسترس على نضد من خشب الليمون. ولم يكن غريباً أن ينفق أمثاله مليون سسترس على نضد آخر من خشب السرو، ولقد قيل إن كاتو الأصغر، وهو الذي كان مضرب المثل في الفضائل الرواقية بأجمعها، قد ابتاع من مدينة بابل أغطية خوان بثمانمائة ألف سسترس(18).
وكان يقوم بالخدمة في هذه القصور جيوش من الأرقاء أخصائيون في أعمالهم المختلفة- منهم خدم حجرة السيد نفسه، ومنهم حاملو رسائله، وموقد ومصابيحه، وموسيقيوه، وأمناء سره، وأطباؤه، وفلاسفته، وطهاته. وأصبح الأكل وقتئذ أهم أعمال الطبقات العليا في رومه. وكان القانون الأخلاقي عندهم وهو قانون كتردورس القائل بأن: "الشيء الطيب هو ما له صلة بالبطن". وحسبنا دلالة على فهم أهل ذلك العصر وتفننهم في ملء بطونهم أن نذكر أن وليمة أقامها كاهن كبير في عام 63 ق.م وحضرها خليط من الجنسين منهم قيصر وعذارى فستا، كانت المشهيات فيها بلح البحر، وطيور الدج بالخنجل (الأسفراغ) والطيور السمينة، وفطائر البطلينوس ، وحشيشة القريض البحرية، وشرائح البطارخ والسمك الصدفي الأحمر، والطيور المغردة؛ ثم يجيء بعد هذا الطعام نفسه ويتكون من أثداء الخنازير، ورؤوسها، السمك، والبط المنزلي والبري، والأرانب، والدجاج، والفطائر والحلوى(19). وكانت الأطعمة الشهية النادرة تستورد من جميع أجزاء الإمبراطورية ومن البلاد الخارجية، فالطواويس تستورد




صفحة رقم : 3096




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> أصحاب الملايين


من جزيرة ساموس Samos، والقطا من فريجيا. والكركي من أيونيا، والتن (التونة) من خلقدونية Chalcedon والشيق من جاديز Gades، والبطلينوس من تارنتم Tarentum والدخس من رودس. وكانت الأطعمة التي تنتجها إيطاليا نفسها تعد حقيرة بعض الشيء لا تليق إلا بالسوقة. وقد أولم الممثل أيزوبس Aesopus وليمة أكل فيها من الطيور المغردة ما ثمنه خمسة آلاف ريال أمريكي بنقود هذه الأيام(20). وظلت القوانين تصدر بتحريم الإسراف في الطعام، ولكن أحداً لم يكن يأبه بها. وحاول شيشرون أن يتقيد بهذه القوانين فلا يأكل إلا لاخضر المباحة شرعاً، وظل عشرة أيام يشكو زحار البطن".
وأنفقت بعض الثروة الجديدة في إقامة الملاهي الرحبة والألعاب على أوسع نطاق. من ذلك أن إيمليوس اسكورس Aemilius Scaurus شاد ملهى يحتوي ثمانية آلاف مقعد، وثلاثمائة وستين عموداً، وثلاثة آلاف تمثال، ومسرحاً ذا ثلاث طبقات وثلاثة صفوف من الأعمدة منها صف من الخشب، وصف من الرخام، وثالث من الزجاج. وتمرد عبيده لشدة ما أرهقهم من العمل فحرقوا الملهى بعد الفراغ من بنائه، وحملوه ديناً يبلغ مائة مليون ستسرس(23). وقدم بمبي في عام 55 ما يلزم من المال لإقامة أول ملهى حجري دائم في رومه- وكان يحتوي على 17.500 مقعد، وعلى بستان فسيح ذي أروقة يتنزه فيها النظارة بين الفصول. وأقام اسكربيونيوس كوريو Scribonius Curio أحد قواد قيصر عام 53 ملهيين من الخشب كلاهما على شكل نصف دائرة يتصلان بظهريهما. وكان الملهيان يعرضان مسرحيات في الصباح، فإذا انتهى دار البناءان، والنظارة لا يزالون في مقاعدهم، على قطبيهما فاستحال نصفا الدائرتين مدرجاً،




صفحة رقم : 3097




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> أصحاب الملايين


وأضحى المسرحان حلبة للمصارعة(24). ولم تبلغ الألعاب في بلد من البلاد أو في عصر من العصور من الكثرة وعظيم النفقة وطول الزمن مثل ما بلغته وقتئذ في رومه(25). وحسبنا دليلاً على ذلك أن ألعاباً أقامها قيصر اشترك فيها يوم واحد عشرة آلاف مجالد، وقتل فيها الكثيرون منهم. وعرض صلا قتالاً للأسود اشترك فيه مائة أسد، وعرض قيصر قتالاً آخر كان فيه أربعمائة، وعرض بمبي قتالاً كان فيه ستمائة. وكانت الوحوش في هذه الألعاب تقاتل الرجال والرجال يقاتل بعضهم بعضاً، والنظارة الذين تغص بهم الساحات يشاهدون مناظر الموت وهم مغتبطون.




صفحة رقم : 3098




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> المرأة الجديدة



الفصل الثالث




المرأة الجديدة


كان ازدياد الثراء وفساد الأخلاق من أكبر العوامل في الانحلال الخلقي وانفصام رابطة الزواج. وظلت الدعارة منتشرة في البلاد رغم ازدياد التنافس من النساء ومن الرجال. وازداد عدد المواخير والحانات التي تأوي هؤلاء العاهرات زيادة جعلت بعض الساسة يلجئون في الحصول على أصوات الناخبين إلى اتحاد أصحاب المواخير(35). واصبح الزنى من الأمور العادية، وألفه الناس حتى لم يعد يستلفت أنظار إنسان ما غلا إذا استخدم للأغراض السياسية. ولم يكن ثمة امرأة موسرة إلا طلقت مرة على الأقل. ولم يكن اللوم في ذلك واقعاً على النساء، فقد كان أكبر أسباب انتشار الطلاق أن الزواج عند الطبقات العليا أصبح خاضعاً لمال وللسياسة. ذلك أن الرجال كانوا يختارون أزواجهم أو كانت الأزواج يخترن للشبان ليحصلوا منهن على أكبر البائنات أو على صلات يفيدون منها جاهاً ومالاً. وقد تزوج صلا وبمبي خمس مرات. وأراد صلا أن يضم بمبي إلى جانبه فأقنعه بالتخلص من زوجته الأولى والاقتران بإميليا ربيبة صلا، وكانت وقتئذ متزوجة وحاملاً.ووافقت إميليا على هذا الزواج مكرهة ولكنها ماتت في أثناء الوضع عقب انتقالها إلى بيت بمبي. وزوج قيصر ابنته يوليا Julia إلى بمبي ليضمن بذلك انضمامه إليه في الحلف الثلاثي. وأغضبت كاتو هذه الحال فوصفها بقوله "عن الإمبراطورية أصبحت توكيلاً لإدارة شؤون الزواج"(25). ولم تكن هذه الزيجات إلا زيجات سياسية، إذا تم النفع المرجو منها تطلع الزوج إلى زوجة أخرى يرقى على كتفيها إلى منصب أعلى أو مال أوفر. ولم يكن ثمة حاجة إلى سبب يبديه، وحسبه أن يرسل غليها خطاباً يبلغها فيه أنها أصبحت حرة في شؤونها كما أصبح




صفحة رقم : 3099




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> المرأة الجديدة


هو حراً في شؤونه. وامتنع بعض الرجال عن الزواج امتناعاً تاماً، وكانت حجتهم في هذا أن المرأة الجديدة قد ذهب حياؤها وأسرفت في حريتها، واكتفى كثيرون منهم باتخاذ السراري والإماء. وكان الرقيب متلس المقدوني Metellus Macedonicus(131) يرجو الرجال أن يتزوجوا وينجبوا البناء لأن هذا واجب تفرضه عليهم الدولة مهما ضاقت نفوسهم بالزوجات(26)، ولكن عدد الأعزاب والزيجات العقيمة أخذ بعد هذا النصح يزداد أسرع قبله، وأصبح الأطفال من الكماليات التي لا يطيقها إلا الفقراء.
وهل تلام المرأة وهي تعيش في هذه الظروف إذا استخفت بقسم الزواج ووجدت في الصلات الجنسية غير المشروعة الحب والعطف اللذين لم ينلها إياهما الزواج السياسي. لقد كانت هناك بطبيعة الحال كثرة من النساء الصالحات حتى بين الأغنياء أنفسهم، ولكن الحرية الجديدة أخذت تحطم ما كان للأب من سيطرة تامة على أسرته Patria Potestas كما أخذت تحطم كيان الأسرة بأكمله. وخلعت النساء الرومانيات العذار، وكان لهن من الحرية مثل ما للرجال سواء بسواء، واتخذن لهن أثواباً من الحرير المهلل الشفاف المستورد من الهند والصين، وأرسلن رسلهن يجوبون أسواق آسيا ليأتوهن بالحلي والعطور، واختفى الزواج الذي يتبعه انتقال الزوجة إلى دار زوجها Marriahe cum manu، وكانت النساء يطلقن أزواجهن كما يطلق الرجال زوجاتهم. وأخذت طائفة متزايدة من النساء تنفس عن نفسها بالأعمال الثقافية، فتعلمن اللغة اليونانية، ودرسن الفلسفة، وكتبن الشعر، وألقين المحاضرات العامة، ولعبن وغنين ورقصن، وأقمن الندوات الأدبية واشتغل بعضهن بالتجارة والشؤون المالية، ومارست فئة منهن صناعة الطب أو المحاماة.
وكانت كلوديا Clodia زوج كونتس كاسليوس متلس Quintus Caecilius Metellus اشهر النساء اللاتي أكملن ما في أزواجهن من نقص بالقيام بطائفة




صفحة رقم : 3100




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> المرأة الجديدة


من أعمال الفروسية والشهامة، فقد تمتلكها نزعة قوية للدفاع عن حقوق النساء، وهزت مشاعر الجيل القديم بسيرها بعد زواجها مع أصدقائها الرجال دون أن يكون معها مَحْرَم، وكانت تستقبل تعرف من أصدقائها وتقبلهم أحياناً على ملأ من الناس، بدل أن تغض الطرف وتنزوي في عربتها شأن النساء الراقيات في عرف تلك الأيام. وكانت تولم الولائم لأصدقائها من الرجال، وكان زوجها يعتمد الغياب في أثنائها كما كان يفعل بعدئذ ماركيز ده شاتليه Marquis ds chatelet. ويصف شيشرون- وهو الرجل الذي لا يوثق بوصفه- "حبها، وزناها، وعهرها، وأغانيها، وما كانت تقيمه من حفلات موسيقية وولائم الطعام، ومقاصف الشراب في بايا Baiae براً وبحراً"(37). وكانت في الحق امرأة ماهرة إذا زلت في ظرف وكياسة، يعجز الإنسان عن ألا يزل معها، ولكنها أخطأت في الاستخفاف بأنانية الرجال. لقد كان كل واحد من عشاقها يحب أن يستأثر بها حتى تفتر شهوته، كما كان كل واحد منهم يصبح عدوها الألد حين تتخذ لها صديقاً غيره. ومن أجل ذلك لطخها كتلس Cutullus (إذا كانت هي التي يسميها لزبيا Lesbia) بالنكات البذئية، وذكرها كاليوس Caelius في حديث له عن الذي تُبتاع به أفقر العاهرات، ووصفها كاليوس في المحكمة بأنها تُبتاع بربع آس Quadrantaria (أي ما يعادل 1.5slash100 من الريال الأمريكي). ذلك بأنها كانت قد اتهمته بأنه حاول قتلها بالسم، واستأجر هو شيشرون للدفاع عنه، ولم يتورع الخطيب المدره عن اتهامه بالفسق مع محارمها وبالقتل، وقال في خلال دفاعه إنه رغم هذا "ليس عدواً للنساء وأولى له ألا يكون عدواً لامرأة هي صديقة لكل الرجال". وبرئ كتلس مما اتهم به وجوزيت كلوديا بعض الجزاء لأنها أخت ببليوس كلوديوس أشد الزعماء تطرفا في رومه وألد أعداء شيشرون.




صفحة رقم : 3101




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> كاتوثان



الفصل الرابع




كاتو ثانٍ


وقام في وسط هذا الفساد والانحلال رجل كان بقية من رجال الأيام الخالية وداعية للسير على سننها. ذلك هو ماركس بورسيوس كاتو Marcus Porcius Cato الأصغر. وكان قد خرج على مبدأ من مبادئ جده الأعلى فدرس اللاتينية وأفاد منها تلك الفلسفة الرواقية التي بعثت فيه مع عقيدته الجمهورية إخلاصه القوي الذي لم يفارقه قط طول حياته. وورث كاتو من المال مائة وعشرين تالنتا (أي ما يعادل 432.000 ريال أمريكي) ولكنه عاش عيشة بسيطة كلها جد ونشاط، وكان يقرض المال ولكنه لا يتقاضى عن قرضه فوائد. وكانت تعوزه فكاهة جده الأعلى الخشنة، وقد أزعج الناس بما كان يتصف به في ظنهم من الاستقامة الصارمة العنيدة والاستمساك بالمبادئ استمساكاً لا يتفق في رأيهم مع روح العصر الذي يعيش فيه، ذلك أن حياته نفسها كانت اتهاماً لحياتهم لا يغفرونه له، وكانوا يتمنون أن لو مال قليلاً نحو الرذيلة، ولو لم يكن هذا إلا احتراماً لعادات بني الإنسان وتأدباً في حقهم. وما من شك في أنهم قد ابتهجوا حين فعل كاتو فعلة تكاد تنم عن سخريته بالمرأة واعتقاده أنها ليست إلا أداة للتناسل "فأعار" زوجته كارسيليا إلى صديقه هورتلسيوس Hortensius -أي طلقها وحضر زواجها الذائع الصيت- ولما مات هورتلسيوس بعدئذ أعادها إلى عصمته(28). ولم يكن في وسع معاصريه أن يحبوه لأنه كان ألد أعداء الخيانة والسفالة. وأشد المدافعين عن حقوق الآباء على أبنائهم وأسرهم. وكان نقده لأخلاق ذلك العصر أقسى واشد صرامة من نقد الرقيب كاتو الأكبر نفسه. وقلما كان يضحك أو يبتسم، ولم يحاول




صفحة رقم : 3102




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> كاتوثان


قط أن يكون لطيفاً بشوشاً، وكان يؤنب كل من تملقه أشد التأنيب. وقد قال شيشرون إنه أخفق في أن ينتخب قنصلاً لأنه كان يحيا حياة مواطن في جمهورية أفلاطون لا حياة روماني بين حثالة أبناء رميولوس"(29).
ولما عين كوسترا كان سوط عذاب يصب على العجز وعلى استغلال سلطان الوظيفة، وحفظ أموال الخزانة العامة من جميع الغارات السياسية، ولم تضعف يقظته وحرصه على هذه الخزانة بعد أن انقضت فترة توليه منصبه. وكان يصب تهمه على جميع الأحزاب على حد سواء، وقد أفاد من هذه التهم آلاف المعجبين ولكنها لم تترك له صديقاً واحداً. ولما كان بريتوراً أقنع مجلس الشيوخ بأن يصدر قراراً بأن يأمر كل مرشح للقنصلية بياناً مفصلاً بما أنفقه أثناء الحملة الانتخابية، وما اتبعه فيها من الوسائل، وأزعج هذا القرار كثيراً من السياسيين لأن الكثرة الغالبة منهم كانت تعتمد في انتخابها على الرشا، فلما أن ظهر كاتو بعدئذ في السوق العامة أخذوا هم ومواليهم يسبونه ويرمونه بالحجارة، فلم يكن منه إلا أن اعتلى المنصة وواجه المجتمعين وهو ثابت الجنان، وما زال يخطب فيهم حتى خضعوا له. ولما اختير تربيوناً سار على رأس جيش إلى مقدونية، وامتطى خدمه وأتباعه الجياد، أما هو فسار راجلاً. وكان يهزأ برجال الأعمال ويدافع عن الأرستقراطية أو حكم أبناء الأسر الشريفة، ويرى انه إن لم يحكم البلاد هؤلاء الأشراف فلا من مفر من أن يحكمها ذوو الثراء، وهذا شر أيما شر. وشن حرباً شعواء لا هوادة فيها على الذين كانوا يفسدون السياسة الرومانية بالمال والأخلاق الرومانية بالترف، وظل إلى آخر أيام حياته يقاوم يخطوها بمبي أو قيصر نحو الطغيان الفردي. ولما أن قضي قيصر على الجمهورية تخلص كاتو من حياته بيده والى جانبه كتاب من كتب الفلسفة.




صفحة رقم : 3103




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> اسبارتكوس



الفصل الخامس




اسبارتكوس


ووصل سوء الحكم وقتئذ إلى غايته كما تأصلت الديمقراطية فيه بدرجة قلما نجد لها نظيراً في تاريخ الدول. وحدث في عام 98 ق.م أن أعاد القائد الروماني ديديوس Didius ما فعله من قبله سلبسيوس جلبا Swpicius Galba فقد خدع قبيلة كاملة من الأسبان المشاغبين حتى استدرجهم إلى معسكر روماني في أسبانيا مدعياً أنه يريد أن يسجل أسماءهم ليوزع الأرض الزراعية عليهم، فلما دخلوا المعسكر هم وأزواجهم وأبناؤهم أمر بهم فذبحوا عن أخرهم، ولما عاد إلى رومه احتفل بعودته احتفال الظافرين(30). ولم يطق هذه الفظائع وأمثالها من ضروب الوحشية التي كان يقترفها رجال الإمبراطورية ضابط سبيني في الجيش الروماني يدعى كونتس سرتوريوس Quintus Sertorius فذهب الأسبان، ونظم صفوفها ودربهم على القتال وقادهم من نصر إلى نصر على الجيوش الرومانية التي سيرت لإخضاعهم، وظل ثماني سنين (80-72) يحكم مملكة ثائرة خارجة على حكم الرومان، كسب في خلافها قلوب الأسبان بحكمه العادل وبإنشاء المدارس لتعليم أبنائهم. وعرض متلس القائد الروماني مائة تالنت أي ما يقارب من 360.000 ريال أمريكي، وعشرين ألف فدان من الأرض مكافأة لأي روماني يقتل سرتويوس، وكان لهذا العرض السخي أثره فدعاه بربنا Perpenna، وهو لاجئ روماني في معسكره، إلى وليمة، واغتاله، وتولى قيادة الجيش الذي دربه سرتوريوس. وأرسل بمبي لقتال بربنا ولم يلق صعوبة ما في التغلب عليه. وأسر بربنا وأعدم وعاد الرومان إلى استغلال أسبانيا من جديد.
وكان العمل الثاني من أعمال الثورة من فعل الأرقاء لا من فعل الأحرار.




صفحة رقم : 3104




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> اسبارتكوس


ذلك أن لنتولس بتياتس lentulus Batiates قد أنشأ في كبوا مدرسة للمصارعين، رجالها من الأرقاء أو المجرمين المحكوم عليهم، ودربهم على صراع الحيوانات أو صراع بعضهم بعضاً، في حلبة الصراع العامة أو في البيوت الخاصة. ولم يكن ينتهي الصراع حتى يقتل المصارع. وحاول مائتان من هؤلاء المصارعين أن يفروا، ونجح منهم ثمانية وسبعون، وتسلحوا واحتلوا أحد سفوح بركان فيزوف، وأخذوا يغيرون على المدن المجاورة طلباً للطعام(37). واختاروا لهم قائداً من أهل تراقية يدعى اسبارتكوس Spartacns ويقول فيه أفلوطرخس إنه "لم يكن رجلاً شهماً وشجاعاً وحسب، بل كان إلى ذلك يفوق الوضع الذي كان فيه ذكاء في العقل ودماثة الأخلاق"(31). وأصدر هذا القائد نداء إلى الأرقاء في إيطاليا يدعوهم إلى الثورة، وسرعان ما التف حوله سبعون ألفاً، ليس منهم إلا من هو متعطش للحرية وللانتقام. وعملهم أن يصنعوا أسلحتهم، وأن يقاتلوا في نظام أمكنهم به أن يتغلبوا على كل قوة سيرت عليهم إخضاعهم. وقذفت انتصاراته الرعب في قلوب أثرياء الرومان، وملأت قلوب الأرقاء أملاً، فهرعوا إليه يريدون الانضواء تحت لوائه، وبلغوا من الكثرة حداً اضطر معه أن يرفض قبول متطوعين جدد بعد أن بلغ عدد رجاله مائة وعشرين ألفاً لأنه لم يكن يسهل عليه أن يعنى بأمرهم. وصار بجيوشه صوب جبال الألب، وغرضه من هذا "أن يعود كل رجل إلى بيته بعد أن يجتاز هذه الجبال"(32). ولكن أتباعه لم يكونوا متشعبين مثله بهذه العواطف الرقيقة السليمة، فتمردوا على قائدهم، وأخذوا ينهبون مدن إيطاليا الشمالية، ويعيثون فيها فساداً. وأرسل مجلس الشيوخ قوات كبيرة بقيادة القنصلين لتأديب العصاة. والتقى أحد الجيشين بقوة منهم كانت قد انشقت على اسبارتكوس وأفنتها عن آخرها. وهوجم الجيش الثاني قوة العصاة الرئيسية فهزمته وبددت شمله. ثم سار اسبارتكوس بعدئذ صوب جبال الألب والتقى في أثناء سيره بجيش ثالث يقوده كاسيوس فهزمه شر هزيمة، ولكنه وجد جيوشاً




صفحة رقم : 3105




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> اسبارتكوس


رومانية أخرى تفق في وجهه وتسد عليه المسالك فولى وجهه شطر الجنوب وزحف على رومه.
وكان نصف الأرقاء في إيطاليا متأهبين للثورة، ولم يكن في وسع أحد في العاصمة نفسها أن يتنبأ متى تنشب هذه الثورة في بيته، وكانت تلك الطائفة الموسرة المترفة التي تتمتع بكل ما في وسع الرق أن يمتعها به، كانت تلك الطائفة كلها ترتعد فرائصها فرقاً حين تفكر في أنها ستخسر كل شيء- السيادة والملك والحياة نفسها. ونادى الشيوخ وذوو الثراء يطالبون بقائد قدير، ولكن أحداً لم يتقدم للاضطلاع بهذه القيادة، فقد كان القواد كلهم يخافون هذا العدو الجديد العجيب، ثم تقدم كراسس crassus آخر الأمر وتولى القيادة، وكان تحت إمرته أربعون ألفاً من الجنود، وتطوع كثير من الأشراف في جيشه لأنهم لم ينسوا كلهم تقاليد الطبقة التي ينتمون إليها ولم يكن يخفي على اسبارتكوس أنه يقاتل إمبراطورية بأكملها، وأن رجاله لا يستطيعون أن يصرفوا شؤون العاصمة بله الإمبراطورية نفسها إذا استولوا عليها. فلم يعرج في زحفه على رومه وواصل السير حتى بلغ ثورياي Thurii مخترقاً إيطاليا كلها من شمالها إلى جنوبها، لعله يستطيع نقل رجاله إلى صقلية أو إلى إفريقيا. وظل سنة ثالثة يصد الهجمات التي يشنها عليه الرومان، ولكن جنوده نفذ صبرهم وسئموا القتال، فخرجوا عليه وعصوا أوامره، وأخذوا يعيثون فساداً في المدن المجاورة. والتقى كراسس بجماعة من أولئك النهابين وفتك بهم، وكانوا أثنى عشر ألفاً وثلاثمائة ظلوا يقاتلون إلى آخر رجل فيهم. وفي هذه الأثناء كان جنود بمبي قد عادوا من أسبانيا فأرسلوا لتقوية جيوش كراسس، وأيقن اسبارتكوس أن لا أمل له في الانتصار على هذه الجيوش الحرارة، فانقض على جيش كراسس وألقى بنفسه في وسطه مرحباً بالموت




صفحة رقم : 3106




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> اسبارتكوس


في وسط المعمعة، وقتل بيديه ضابطين من ضباط المئين، ولما أصابته طعنة ألقته على الأرض وأعجزته عن النهوض ظل يقاتل وهو راكع على ركبته إلى أن مات وتمزق جسمه لم يكن من المستطاع أن يتعرف عليه. وهلك معه معظم أتباعه. وفر بعضهم إلى الغابات، وظل الرومان يطاردونهم فيها، وصلب ستة آلاف من الأسرى في الطريق الأبياوي الممتد من كبوا إلى رومه (71). وتركت أجسامهم المتعفنة على هذه الحال عدة شهور تطميناً لجميع السادة وإرهاباً لجميع العبيد.




صفحة رقم : 3107




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> بمبي



الفصل السادس




بمبي


ولما عاد كراسس وبمبي من هذه الحملة لم يسرحا جنودهما أو يجرداهم من سلاحهم عند أبواب رومه استجابة لرغبة مجلس الشيوخ وإطاعة للقانون، بل عسكرا بهم خارج أسوار المدينة، وطالباً أن يؤذن لهما بأن يرشحا نفسيهما للقنصلية دون أن يدخلا المدينة- وخالفا بذلك مرة أخرى كل السوابق المألوفة. وزاد بمبي على ذلك أن طلب أرضاً لجنوده وموكب نصر لنفسه. ولكن مجلس الشيوخ لم يجبه إلى طلبه، وكان يرجو أن يفرق بين القائدين ويثير كلا منهما على الآخر. غير أن كراسس وبمبي اتفقا فيما بينهما، وعقدا حلفاً فجائياً مع الطبقات الدنيا ومع رجال الأعمال، ونجحا بفضل الرشا السخية في أن يختارا قنصلين في عام 70 ق.م وقد ناصرهما رجال الأعمال لغرضين أولهما رغبتهم في أن يستعيدوا ما كان لهم من سلطان في مناصب المحلفين الذين يحاكمونهما، وثانيهما أن يستبدلوا بلوكس Lucullus- الذي كان يحكم الشرق حكماً صالحاً لا نفع فيه لهم رجلاً من طبقتهم يعمل بمبادئهم. وقد وجدوا في بمبي ضالتهم المنشودة.
وكان بمبي وقتئذ في الخامسة والثلاثين من عمره ولكنه كان جندياً ضرسته الحروب وخاض معارك كثيرة. وكان من أسرة غنية من طبقة الفرسان، نال إعجاب مواطنيه لشجاعته واعتداله وحذقه كل ضروب الألعاب وفنون الحرب. وكان قد طهر صقلية وإفريقيا من أعداء صلا ولقبه الفكه بلقب "العظيم" جزاء له على زهوه وانتصاره في الحروب. وقد أحرز بعض النصر وهو شاب أمرد(33). وقد بلغ




صفحة رقم : 3108




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> بمبي


من الجمال حدا أنطق فلورا Flora إحدى سراري ذلك الوقت بقولها إنها لم تكن تستطيع أن تفارقه قط دون أن تعضه(34). وكان مرهف الشعور، شديد الحياء، يحمر وجهه من شدة الخجل إذا اضطر إلى خطابة في اجتماع عام، أما في الحرب فقد كان في تلك الأيام باسلاً مقداماً يخوض غمارها ولا يبالي بما يتعرض له من الأخطار. ولما تقدمت به السن أثر حياؤه كما أثرت بدانته في قدرته على القيادة، وكان تردده سبباً في هزائمه. ولم يكن ألمعياً سريع الخاطر أو عميق التفكير؛ ولم يكن هو الذي يرسم الخطط التي يسير عليها، بل يضعها غيره- كان يضعها له في أول الأمر السياسيون من طبقته العامة ثم الأثرياء من الشيوخ. وكان ثراؤه الواسع سبباً في انتشاله من المغريات السياسية الدنيئة؛ فكان وهو في وهدة الفساد والأنانية التي يتردى فيها أهل زمانه علماً في الوطنية والاستقامة؛ ويلوح أنه كان في أعماله يستهدف الصالح العام مع صالحه الخاص. وكان أبرز عيوبه غروره وكبرياؤه، ومنشأ ذلك أن انتصاراته الأولى قد جعلته يغالي في تقدير مواهبه، وكان مما يعجب له ولا يستطيع فهمه أن تتلكأ رومه هذا التلكؤ الطويل في أن تجعله يستمتع بكل ما يستمتع به الملوك إلا الاسم وحده.
ولما تسنم صنيعتا صلا منصب القنصلية أخذا يعملان ما في وسعهما لتقويض أركان الدستور الذي وضعه ولي نعمتهما. وأراد بمبي وكراسس أن يوفيا بما عليهما من دين للعامة فأقرا مشروع قانون يهدف إلى إرجاع ما كان للتربيون من سلطات، ووطدا دعائم حلفهما مع رجال الأعمال فأمرا لوكلس أن يخول الملتزمين الإشراف التام على جباية الضرائب في بلاد الشرق، وأيدا التشريع الذي يقضي بأن توزع مناصب المحلفين بالتساوي بين أعضاء الشيوخ وطبقتي الفرسان ورجال المال. ومضى على كراسس خمسة عشر عاماً قبل أن يلقى جزاءه- وهو أن يصب الذهب في جوفه صبا في بلاد آسيا. أما بمبي فقد نال جزاءه في عام 67 حين خولته الجمعية سلطة تكاد أن تكون مطلقة من كل قيد في




صفحة رقم : 3109




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> بمبي


تأديب قراصنة قليقية. ذلك أن جزيرة رودس قد استطاعت في الأيام السالفة أن تطهر بحر إيجة من هؤلاء القراصنة؛ فلما أن ذلت رودس وافتقرت على يد رومه وديلوس لم يكن في مقدورها أن تحتفظ بالعمارة البحرية التي تمكنها من هذا العمل، ولم يكن الأشراف ملاك الأراضي المسيطرون على مجلس الشيوخ شديدي الحرص على أن تبقى مسالك التجارة البحرية آمنة من الأخطار. أما التجار والعامة فقد تأثروا بهذه الحال أشد التأثر، فقد تعذرت التجارة أو كادت في بحر إيجة بل وفي القسم الأوسط من البحر الأبيض المتوسط، ونقص المستورد من الحبوب نقصاً سريعاً ارتفع بسببه ثمن القمح في رومه حتى بلغ عشرين سسترس لكل موديس أو نحو ثلاثة ريالات أمريكية لكل جالونين. وتباهى القراصنة بنصرهم فرفعوا على سفنهم التي تبلغ عدتها ألف سفينة الساريات المذهبة والأشرعة الأرجوانية، وجهزوها بالمجاديف المصفحة بصفائح الفضة. وقد استولوا على أربعمائة من المدن الساحلية، واحتفظوا بها، ونهبوا الهياكل في سمثريس Samothrace. وساموس Samos، وإبدورس Epidaurus، وأرجوس Argos ولوكاس Leucas وأكتوم Actium، وعمدوا إلى اختطاف الموظفين الرومان، وبلغت بهم الجرأة أن هاجموا سواحل أبوليا Apaulia وإتروريا.
وأراد جابينيوس Gabinias صديق بمبي أن يعالج هذا الموقف، فتقدم بمشروع قانون يجعل له السيطرة التامة مدى ثلاثة سنوات على جميع الأساطيل الرومانية وعل جميع الأشخاص المقيمين على مدى خمسين ميلاً من شاطئ البحر الأبيض المتوسط. وعارض كل الشيوخ، ما عدا قيصر، هذا الإجراء العجيب، ولكن الجمعية أجازته في حماسة بالغة ووافقت على أن تمد بمبي بجيش مؤلف من 125.000 مقاتل وأسطول مؤلف من 500 سفينة، وأبلغت خزانة




صفحة رقم : 3110




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> بمبي


الدولة أن تضع تحت تصرفه 144.000.000 سسترس. وكان هذا المشروع في واقع الأمر سلباً للسلطة من مجلس الشيوخ، وختاماً لعودة "صلا" إلى الحكم، وإقامة لملكية مطلقة مؤقتة كانت فاتحة لملكية قيصر ومثلاً له يحتذيه.
وكانت نتيجة هذا العمل مؤيدة لهذه السابقة الخطيرة، فلم يمض على تنصيب بمبي إلا يوم واحد حتى أخذ ثمن القمح في الانخفاض، وقبل أن يمضي عليه في هذا المنصب ثلاثة شهور أتم العمل الذي أنيط به- فاستولى على سفن القراصنة ومعاقلهم وأعدم زعماءهم وإن لم يسيء استعمال السلطة غير العادية التي وضعت بين يديه. وتشجع التجار فنشطت التجارة الخارجية، ومخرت السفن عباب البحار، وتدفق على رومه سيل من الحبوب.
وقبل أن يعود بمبي من قليقية صديقه منليوس Manilius على الجمعية مشروع قانون بنقل قيادة الجيوش وحكم الولايات التي كان يقودها ويحكمها لوكلس(66) إلى بمبي، وإطالة الفترة التي حددها قانون جابينيوس لسلطاته المتعددة, وعارض مجلس الشيوخ في هذا المشروع، ولكن التجار والمرابين أيدوا الاقتراح تأييداً قوياً، ذلك أنهم كانوا يؤملون أن يكون بنبي أقل ليناً من لوكلس لمدينتهم في آسيا، وأن يعيد إلى الملتزمين حق جباية الضرائب، وأنه لن يكتفي بفتح بثينيا وبنتس بل سيفتح كذلك كبدوكيا وسوريا وبلاد اليهود. وأن هذه الحقول الغنية ستُفتح أبوابها إلى التجارة والأموال الرومانية تحت حماية الجيوش الرومانية. وقام "رجل جديد" هو ماركس تليوس شيشرون Marcus Tullius Cicero كان قد اختير بريتورا في ذلك العام بمعونة رجال الأعمال فأيد "قانون منليوس، وهاجم العصبة المالية الحاكمة في مجلس الشيوخ بفصاحة وتهور لم يسمع بمثلهما في رومه من أيام أبني جراكس، وبصراحة لم تعهد قط في السياسيين". ومن أقواله في هذا الهجوم:
"إن جميع النظم الخاصة بالمال والائتمان التي تسير عليها رومه ترتبط بخراج




صفحة رقم : 3111




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> بمبي


الولايات الأسيوية ارتباطاً لا انفصام له، فإذا ما حجز هذا الخراج انهارت جميع نظم المال والائتمان في هذه البلاد.. وإذا ما خسر بعض الناس أموالهم كلها جرّوا معهم كثيرين غيرهم. فأنقذوا الدولة من هذه الكارثة... وابذلوا في الحرب على مثرداتس كل ما استطعتم من جهود حتى تحتفظوا بشرف رومه وسلامة أحلافنا، وبأثمن جزء من مواردنا، وبثروة عدد لا يحصى من المواطنين".
وأجازت الجمعية من فورها مشروع القانون، ولم يكن ذلك لأن العامة يعنون أقل عناية بأموال الماليين، بل لأنهم كان يسرهم أن يجدوا في تخويل قائد من القواد سلطات واسعة غير محدودة وسيلة لإلغاء تشريعات "صلا" والقضاء على سلطان مجلس الشيوخ عدوّهم القديم.
ومن ذلك اليوم أخذ أجل الجمهورية ينصرم، وأخذت حياتها تقترب من نهايتها. ذلك أن الثورة الرومانية مستعينة بفصاحة عدوها الألد، كانت قد خطت خطوة أخرى نحو طغيان قيصر.




صفحة رقم : 3112




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> شيشرون وكاتلين



الفصل السابع




شيشرون وكاتلين


يقول أفلوطرخس إن ماركس تليوس إنما سمي شيشرون لأن أحد أجداده كانت له على أنفه ثؤلولة تشبه الحمصة الجبلية (cicer). ولكن أرجح من هذا التعليل أن آباءه قد اكتسبوا هذا اللقب لما كانوا ينتجونه من حمص ذائع الصيت. ويصف شيشرون في كتاب "القوانين" وصفاً رقيقاً يخلب اللب بيته الصغير المتواضع الذي شهد مولده بالقرب من أربينوم Arpinum في منتصف المسافة بين رومه ونابلي على التلال المتصلة بجبال أبنين Appenine. وكان لمولده من الثروة ما يكفيه لأن يعلم ولده خير تعليم يستطيع أن يناله في ذلك الوقت، فاستأجر الشاعر اليوناني أركباس Archias ليعلم ماركس الأدب واللغة اليونانية، ثم أرسله ليدرس القانون مع كونتس موسيوس أسكيفولا Quinuts Mucius Scaevola أعظم رجال القانون في عصره.
وكان شيشرون يستمع في شوق وانتباه إلى المحاكمات والمناقشات التي تدور في السوق العامة، وسرعان ما أتقن الفنون والأساليب المتبعة في الخطب القانونية. وقد قال في إحدى المناسبات: "من أراد النجاح في القانون فعليه أن يتخلى عن جميع مسراته، ويتجنب كل ضروب اللهو. ويودع التسلية والألعاب والطرب، وأكاد أقول إن عليه أن يقطع صلاته بأصدقائه(26)".
وسرعان ما كان هو نفسه يشتغل بالقانون ويلقى خطباً رنانة حوت من البلاغة والشجاعة ما أكسبه شكر الطبقات الوسطى والدنيا. وقد قاضى أحد صنائع صلا وشهر بما كان يرتكبه من الاضطهاد حين كان حكم الإرهاب




صفحة رقم : 3113




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> شيشرون وكاتلين


الذي أقامه صلا على أشده (80 ق.م)(27). ثم سافر بعد قليل من ذلك الوقت إلى بلاد اليونان، ولعله سافر إليها فراراً من غضب ذلك الطاغية، وظل في تلك البلاد يدرس الفلسفة وفن الخطابة. وبعد أن قضى ثلاث سنين في أثينا هنيئاً سعيداً انتقل إلى رودس حيث استمع إلى محاضرات أبولونيوس Appollonius بن مولون Molon في البلاغة، والى محاضرات بوسيدونيوس Poseidonius في الفلسفة، وتعلم من أولهما تراكيب الجمل المتعاقبة وعفة اللفظ وهما الصفتان اللتان كان يمتاز بهما أسلوبه؛ وتعلم من ثانيهما تلك الرواقية المعتدلة التي نادى بها بعدئذ فيما كتبه من مقالات عن الدين وفن الحكم والصداقة والشيخوخة.
ثم عاد إلى رومه في سن الثلاثين وتزوج ترنشيا Terentia واستطاع ببائنتها السخية أن تشتغل بالسياسية، وعلا شأنه ونبه ذكره بعدله وحسن إدارته حين كان كوسترا في صقلية عام 75 ق.م ولك عاد إلى الاشتغال بالمحاماة في عام 70 ق.م وأهاج عليه طبقة الأشراف إذ قبل أن يوكل في قضية أقامتها مدن صقلية على كيوس فيرس Caius Verrs عضو الشيوخ، واتهمته فيها بأنه وهو صاحب الخراج في تلك الجزيرة (73-71) كان يبيع المناصب والأحكام. ويخفض الضرائب بنسبة ما يناله من الرشا، وأنه لم يكن يبقى في سرقوسة شيئاً من تماثيلها، وأنه وهب إيراد مدينة بأكملها إلى إحدى سراريه، وأسرف في الظلم، وابتزاز الأموال والسرقات حتى غادر الجزيرة وهي أكثر خراباً مما كانت بعد حربين من حروب الرقيق. وشر من هذا كله أن فيرس قد اختص نفسه ببعض ما كان يختص به الملتزمون عادة، وناصر رجال الأعمال شيشرون في اتهاماته، أما هرتنسيوس الزعيم الأرستقراطي للمحامين الرومان فقد تولى زعامة المدافعين عن فيرس، وأجيز لشيشرون أن يقضي في صقلية حوالي مائة يوم يجمع فيها الأدلة؛ ولكنه اكتفى منها بخمسين يوماً، وعرض في خطبته الافتتاحية من الأدلة الدامغة ما جعل هرتنسيوس- وكان قد زين حدائقه ببعض ما نهبه





صفحة رقم : 3114




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> شيشرون وكاتلين


فيرس من التماثيل- يتخلى عن موكله. وحكم على فيرس بغرامة قدرها أربعون مليون سسترس، ففر إلى خارج البلاد، ونشر شيشرون بعدئذ الخمس الخطب الإضافية التي كان قد أعدها، وكانت كلها هجوماً عنيفاً على فساد الحكم الروماني في الولايات. وبلغ ما أحرزه من تأييد الشعب بجده وشجاعته أنه حين رشح نفسه للقنصلية في عام 63 ق.م انتخب بحماسة بالغة منقطعة النظير.
وكان شيشرون من أبناء طبقة الفرسان، ولذلك كانت ميوله بطبيعة الحال مع الطبقة الوسطى، وكانت تشمئز نفسه من كبرياء الأشراف ويستنكر امتيازاتهم سوء حكمهم، ولكنه كان يخشى أشد خشية أولئك الزعماء المتطرفين، فقد كان يرى أن منهجهم، بوضعه أزمة الحكم في أيدي الغوغاء، يعرض الملكية لأشد الأخطار. ولهذا كانت الخطة السياسية التي وضعها لنفسه حين تولى الحكم أن يقيم "حلفاً من الطبقات"- أي تعاوناً بين الأشراف ورجال الأعمال، يحول دون عودة تيار الثورة الجارف.
على أن أسباب التذمر وقواه كانت أعمق وأكثر من أن يقضي عليها بسهولة، فقد كان كثيرون من الفقراء يستمعون إلى الخطباء ينادون بوجوب قيام دولة مثالية، وكان بعض من يستمعون إليهم على استعداد لأن يستخدموا أساليب العنف في تحقيقها. وكان يعلو عن هؤلاء قليلاً جماعات من العامة خسروا أملاكهم لعجزهم عن أداء ما عليها من رهون. وكان بعض جنود صلا القدامى قد عجزوا عن استغلال أراضيهم استغلالاً مربحاً، وكانوا مستعدين للاشتراك في أي اضطراب يتيح لهم فرصة لانتهاب المال بلا كد. وكان بين الطبقات العليا طائفة من المدنيين المفلسين العاجزين عن أداء ديونهم، والمضاربين الذين فقدوا كل أمل أو رغبة في الوفاء بالتزاماتهم، ومنهم من كانت لهم مطامع سياسية ولكنهم وجدوا سبل الرقي تسدها عليهم طائفة من المحافظين طالت آجالهم فوق ما ينبغي لها أن تطول. وكان إلى جانب هؤلاء كلهم عدد قليل من الثوار المخلصين لمثلهم العليا الذين




صفحة رقم : 3115




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> شيشرون وكاتلين


لا يخالجهم شك في أنه لا سبيل إلى تلطيف ما تئن منه الدولة الرومانية من فساد وظلم إلا بانقلاب كامل وثورة جارفة.
ولم يحاول أحد جمع هذه الطوائف المشتقة وضمها كلها في قوة سياسية مؤتلفة إلا رجل واحد هو لوسيوس سرجيوس كاتلين Lucius Sergius Catiline، وهو رجل لا نعرف عنه إلا ما يصفه به أعداؤه- أي ما نستقيه من تاريخ حركته كما كتبها سلست Sallust الغني صاحب الملايين، وما نقرأه من اتهامات ومثالب مقذعة في خطب شيشرون ضد كاتلين. فأما سلست فيصفه بأنه "روح ملطخ بالإجرام، هو والآلهة والناس على طرفي نقيض، لا يجد الراحة في نومه ولا في يقظته لأن ضميره قد قسا عليه فأتلف عقله المضني المنهوك. وكان هذا سبباً في صفرة وجهه، وحمرة عينيه، وهرجلته في مشيه، فتارة يسرع وتارة يبطئ؛ وملاك القول أن وجهه ونظراته لا تترك مجالاً للشك في أن بعقله خبالاً"(38). ذلك وصف يوحي بالصورة التي يرسمها لأعدائهم في الحرب أقوام يكافحون في سبيل الحياة والسلطان؛ حتى إذا ما وضعت الحرب أوزارها هذبت الصورة شيئاً فشيئاً. أما صورة كاتلين فلم تهذب قط؛ فقد اتهم في شبابه بافتراع عذراء فستية، وهي أخت غير شقيقة لزوجة شيشرون الأولى، وبرأت المحكمة العذراء من هذه التهمة ولكن ألسنة السوء لم تبرئ منها كاتلين، بل فعلت عكس هذا إذ أضافت إلى التهمة الأولى تهمة ثانية هي أنه قتل ابنه ليرضى بقتله عشيقته الغيور(39). ولسنا نجد ما تعارض به هذه القصص إلا قولنا إن عامة الناس في رومه- "الغوغاء اليائسين الجياع" كما يسميهم شيشرون- ظلوا أربع سنين بعد وفاة كاتلين ينثرون الأزهار على قبره(40). وينقل لنا سلست هذه الفقرة وهي كما يلوح فحوى خطبة له:
"منذ وقعت الدولة في قبضة عدد قليل من أقوياء الرجال... أصبح لهم فيها كل النفوذ والمنزلة والثروة، ولم يتركوا لنا فيها إلا الخطر والهزيمة والمحاكمات




صفحة رقم : 3116




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> شيشرون وكاتلين


والفقر.. وماذا بقي لنا في الحياة إلا الأنفاس التي تتردد في صدورنا؟... أليس خيراً لنا أن نموت شجعاناً من أن نفقد حياتنا اليائسة الذليلة بعد أن تصير لعبة في أيدي السفهاء"(41).
وكانت الخطة التي يريد أن يضعها لضم عناصر الثورة المتعارضة خطة سهلة بسيطة تتلخص في كلمتين هما "سجلات جديدة"، ويقصد بهما إلغاء الديون كلها إلغاء تاماً بلا قيد ولا شرط. وأخذ يعمل لهذه الغاية بهمة لا تعادلها إلا همة قيصر؛ والحق أنه نال إلى حين عطف قيصر إذا لم يكن قد نال في السر معونته. وقد قال شيشرون: "لم يكن ثمة شيء لا يستطيع فعله، ولم تكن ثمة آلام لا يقاسيها في سبيل تعاون عناصر الثورة ويقظتها وكدحها. وكان في وسعه أن يتحمل البرد والجوع والعطش"(42). ويقول لنا أعداؤه إنه نظم فرقة قوامها أربعمائة رجل عهد إليها قتل القنصلين والاستيلاء على أزمة الحكم في أول يوم من عام 65 ق.م فلما حل ذلك اليوم لم يحدث شيء غير هادي، وفي عام 64 ق.م رشح كاتلين نفسه للقنصلية ضد شيشرون وشن عليه حملة انتخابية شديدة ، روعت أصحاب رؤوس الأموال، وبدأت أموالهم تتسرب من إيطاليا. واتخذت الطبقات العليا لتأييد شيشرون وتحقق بذلك ما كان ينادي به من "تعاون الطبقات"، ودام هذا التعاون عاماً كاملاً، وكان هو ممثل هذا التعاون وصوته الناطق.
ولما وجد كاتلين أبواب السياسة موصدة أمامه ولى وجهه شطر الحرب، فجهز أتباعه سراً جيشاً في أتروريا من عشرين ألف مقاتل، وجمعوا في رومه عصبة من المتآمرين كان فيها ممثلون لجميع الطبقات من الشيوخ إلى الرقيق. وكان فيها




صفحة رقم : 3117




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> شيشرون وكاتلين


بريتوران هما سثيجس Sefhegus ولنتولس Lentulus، وتقدم كاتلين للقنصلية مرة أخرى في شهر أكتوبر التالي.
ويقول لنا المترجمون له من المحافظين إنه أراد أن يضمن لنفسه النجاح في هذا الانتخاب، فدبر قتل منافسه في أثناء الحملة، واغتيال شيشرون في الوقت عينه. وادعى شيشرون أنه علم بهذا التدبير فملأ "ميدان المريخ" بحرس مسلح، وأشرف بنفسه على عملية الانتخاب، وهزم كاتلين للمرة الثانية رغم تأييد الطبقات الدنيا وتحمسهم له. ويحدثنا شيشرون أنه في اليوم السابع من نوفمبر طرق بابه عدد من المتآمرين، ولكن حراسه صدوهم عنه وأبصر شيشرون في اليوم الثاني كاتلين في مجلس الشيوخ فأخذ يكيل له ذلك السباب الذي كان كل تلميذ ينطق به في وقت من الأوقات. وبينما كان الخطيب يصب اللعنات على كاتلين خلت المقاعد التي حوله واحداً بعد واحد حتى لم يبق في المجلس غيره. وتحمل وهو صامت سيل التهم الجارف والألفاظ المقذعة القاسية تنصب انصباب السياط على رأسه.
وأخذ شيشرون يستثير كل عاطفة من عواطفه، فشبه الأمة بالأب العام وشبه كاتلين بقاتل أبيه، واتهمه غمزاً وضمناً بغير دليل بأنه يأتمر بالدولة، وبالسرقة، والزنى، والأفعال الجنسية الشاذة، وتوجه آخر الأمر إلى جوف Jove أن يقي رومه السوء، وأن يصب عذابه السرمدي على كاتلين.
ولما أتم شيشرون خطبته خرج كاتلين من المجلس دون أن يعترضه أحد، وانضم إلى قواته في إتروريا. وأرسل قائده لوسيوس منليوس Lucius Manlius آخر نداء له إلى مجلس الشيوخ وقال فيه:
إنّا لنُشهد الآلهة والناس على أننا لم نمتشق الحسام لنقاتل به بلدنا، أو نهدد به سلامة بني وطننا. وكل الذي يدفعنا نحن المعدمين البائسين الذين تضافر علينا عنف المرابين وقسوتهم فشردونا من أوطاننا، وحكم علينا




صفحة رقم : 3118




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> شيشرون وكاتلين


بالفاقة والحرمان، وأصبحنا سخرية للساخرين- كل الذي يدفعنا إلى ما نحن فاعلوه هو رغبتنا في أن نحمي أنفسنا من الظلم. وأما المال وأما السلطان، وهما أكبر أسباب النزاع بين بني الإنسان، فلا مأرب لنا فيهما، بل كان الذي نطلبه هو الحرية، ذلك الكنز الذي لا يفرط فيه الإنسان إلا حين يسلم الروح. وإنــّا لنتوسل إليكم أيها الشيوخ أن تستشعروا الرحمة على بني وطنكم المعذبين(44)!.
وخطب شيشرون في اليوم الثاني خطبة وصف فيها أتباع منافسه العاصي بأنهم طائفة ملتفة حول عصبة من الضالين المارقين المتعطرين، وأطلق العنان لعبقريته فاخترع كل ما أسعفته به من سخرية وسباب، وختم خطبته مرة أخرى بنغمة دينية. وعرض على مجلس الشيوخ في الأسابيع التالية ما زعم أنه براهين تثبت أن كاتلين قد حاول أن يشعل نار الثورة في بلاد الغاليين، وأفلح في اليوم الثالث من ديسمبر أن يقنع أولي الأمر بالقبض على لنتولس، وسثيجس وخمسة غيرهما من أتباع كاتلين. وصرح في خطبة ثالثة له بالجريمة التي ارتكبوها، وأعلن أنهم قد زجوا في السجن، وأبلغ المجلس والشعب أن المؤامرة قد أخفقت، وأن في وسعهم أن يعودوا إلى بيوتهم آمنين مطمئنين. وفي اليوم الخامس من ديسمبر دعا مجلس الشيوخ إلى الاجتماع وسأله عما يفعله بالمعتقلين، فاقترح سلانوس أن يقتلوا، وأشار قيصر أن يكتفي بسجنهم، وذكر الشيوخ بأن قانون سمبرونيوس يحرم إعدام المواطن الروماني. ونصح شيشرون في خطبة له رابعة أن يعدموا، وكان في هذه المرة رقيقاً في نصحه، غير عنيف في عرضه. وأيد كاتو بفلسفته هذا الرأي، ورجحت كفة القائلين بالإعدام. وحاول بعض الشبان من الأشراف أن يغتالوا قيصر وهو خارج من قاعة المجلس ولكنه نجا من شرهم.
وذهب شيشرون ومعه رجال مسلحون إلى السجن الذي كان فيه المعتقلون، وهناك نفذ الحكم على الفور، ثم أرسل ماركس أنطونيوس زميل شيشرون في القنصلية، ووالد ماركس أنطونيوس الذائع الصيت- أرسل على رأس جيش




صفحة رقم : 3119




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الحركة الرجعية الألجركية -> شيشرون وكاتلين


روماني للقضاء على قوة كاتلين. ووعد مجلس الشيوخ أن يعفو عن كل رجل يترك صفوف الثوار، وأن يمنحه فوق ذلك مائتي ألف ستسرس. ولكن "أحداً لم يفر من معسكر كاتلين" على حد قول سلست. ودارت رحى القتال بين الجيشين في سهول بستويا Pistoia (61). وقاتل الثوار، وكانوا ثلاثة آلاف رجل، قتال الأبطال، ودافعوا عن أعلامهم- نستور ماريوس- العزيزة عليهم إلى آخر رجل منهم رغم ما كانوا عليه من قلة بالنسبة لأعدائهم. ولم يستسلم واحد منهم أو يفر من الميدان، بل ماتوا جميعاً في المعركة كما مات بينهم كاتلين نفسه.
وإذ كان شيشرون من رجال الفكر لا من رجال العمل، فقد أدهشه وأثر فيه ما أظهره من المهارة والشجاعة في القضاء على هذه الفتنة الصماء. ومن أقواله في مجلس الشيوخ: "إني ليخيل إليّ أن تدبير هذا العمل العظيم يتطلب حكمة فوق حكمة الآدميين"(45) وشبه نفسه برميولوس، ولكنه قال إن حفظ رومه أعظم من تشييدها(46).
وتبسم الشيوخ وكبار الموظفين ضاحكين من قوله، ولكنهم كانوا يعلمون أنه هو الذي أنجاهم، وهتف له كاتو وكاتلس ولقباه بأبي الوطن Pater Patriae. ويحدثنا هو عن نفسه بقوله إنه لما اعتزل منصبه في عام 63 ق.م قدمت له جميع الطبقات ذوات الأملاك شكرها، ولقبته بالرجل الخالد، وسارت من حوله إلى بيته(47). ولم يشترك صعاليك المدينة في هذه المظاهرة، ذلك أنهم لم يغفروا له اعتداءه على قوانين رومه بقتله المواطنين دون أن يتيح لهم فرصة استئناف حكم الإعدام، وأحسوا بأنه لم يحاول قط إزالة أسباب ثورة كاتلين أو تخفيف أعباء الفقر عن جمهرة الشعب، ومنعوه أن يخطب في الجمعة في آخر يوم من حكمه، وكانوا يستمعون له وهم غضاب حين أقسم أنه قد حافظ على المدينة. والحق أن الثورة لم ينقض عهدها في ذلك الوقت بل اندلعت نيرانها فيما بعد حين أصبح قيصر قنصلاً.




صفحة رقم : 3120




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> لكريشيوس



الباب الثامن




الأدب في عهد الثورة




145-30 ق.م




الفصل الأول




لكريشيوس


لم يغفل الناس الأدب وسط هذا الانقلاب العنيف في أحوال البلاد الاقتصادية ونظم حكمها وأخلاقها، كما أنه لم يكن بمنجاة من حمى ذلك العهد وما فيه من دوافع قوية. من ذلك أن فارو Varro ونيبوس Nepos قد وجدا السلامة في دراسة الآثار القديمة وفي البحوث التاريخية. وعاد سلست من حروبه ليدافع عن حزبه ويغشى أخلاقه بستار من المقالات الأدبية الرائعة. ونزل قيصر من عليائه على رأس الإمبراطورية ليكتب في النحو ويواصل حروبه في شروحه Commentaries، وحاول كاتلس وكلفس Calvus أن يجدا في الحب وفي الغزل ملجأ يعصمهما من أعاصير السياسة، وفر لكريشيوس وأمثاله من ذوي القلوب الضعيفة والنفوس المرهفة الحس إلى حدائق الفلسفة، وغادر شيشرون من آن إلى آن حرارة السوق العامة ليهدئ أعصابه ويروح عن نفسه بين صفحات الكتب. ولكن أحداً من هؤلاء لم يجد ما ينشده من السلام لأن الحروب والثورات كانت تطغى عليهم جميعاً. وما من شك في أن لكريشيوس نفسه قد أحس بالقلق الذي يصفه في الفقرة الآتية:
"إن عبئاً يثقل عقولهم وجبلاً من الشقاء يرسو فوق قلوبهم... ذلك




صفحة رقم : 3121




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> لكريشيوس


أن كلاً من لا يعرف ما يريد فيعمل دائباً لتبديل مكانه ظناً منه أن في استطاعته أن يلقى حمله عن عاتقه. فهاك رجلاً قد مل الحياة في منزله، فتراه يخرج من قصره بين الفينة والفينة، ولكنه لا يجد نفسه في خارج الدار أحسن منه حالاً في داخلها فيعود إليها فجأة، فتراه مسرعاً يسوق جياده إلى بيته الريفي لا يلوي على شيء.. ولكنه لا يكاد يجتاز عتبة الدار حتى يتثاءب أو يحاول نسيان متاعبه في النوم العميق. وقد بلغ به الأمر أن يعود من فوره إلى المدينة. وهكذا يفر كل امرئ من نفسه، ولكن نفسه التي لا يستطيع الفرار منها تزيد التصاقاً به رغم إرادته كما هو المنتظر منها، وهو يكره نفسه لأنه وهو إنسان مريض لا يعرف سبب شكواه. وكل من يستطيع أن يرى هذا بوضوح يطرح عمله من ورائه ظهرياً، ويسعى قبل كل شيء لفهم طبيعة الأشياء.
وكل ما نعرفه عن حياة تيتس لكريشيوس كارس Titus Lucretius carus هو قصيدته. ولم يشأ أن يذكر في هذه القصيدة شيئاً عن نفسه؛ أما فيما عداها فإن الأدب الروماني يغفل إغفالاً عجيباً شأن رجل من أعظم رجاله إذا استثنينا إشارات قليلة في مواضع منه مختلفة. وتحدد الرواية المأثورة تاريخ مولده بعام 99 أو 95، وتاريخ وفاته بعام 55أو 51 ق.م، أي أنه عاش نحو خمسين سنة من سني الثورة الرومانية: سني الحرب الاجتماعية، ومذابح ماريوس، وإرهاب صلا، ومؤامرة كاتلين، وقنصلية قيصر. وكانت الأرستقراطية التي ينتمي إليها في الأغلب الأعم آخذة في الانحلال البادي للعيان؛ وكان العالم الذي يعيش فيه يتصدع ويتردى في الفوضى التي لا يأمن فيها أحد على حياته أو ماله. وقصيدته حنين منه إلى الراحة الجسمية والسلامة العقلية.
ولجأ لكريشيوس من متاعب العالم إلى الطبيعة والفلسفة والشعر. ولعله أيضاً قد عرج على الحب، فإذا كان قد وقع له شيء منه فما من شك في أنه لم يوفق فيه، لأنه يقسو في كتابته على النساء، ويشهر بفتنة الجمال،




صفحة رقم : 3122




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> لكريشيوس


وينصح الشباب المتعطش لإشباع شهواته بأن يسد مطالب الجسد بالاختلاط الجنسي الهادئ الطليق(2). وكان يجد في الغابات والحقول، وفي النبات والحيوان، وفي الجبال والأنهار والبحار، كان يجد في هذه كلها بهجة لا يعادلها إلا شغفه بالفلسفة. وكان مرهف الحس سريع التأثر كوردسورث Wordsworth، قوي الإدراك مثل كيتس Keats، توحي إليه المدرة أو ورقة الشجرة، كما توحي لشلي Shelley، علم ما وراء الطبيعة. وكان لجمال الطبيعة ورهبتها وكل ما يتصل بهما أثره فيه، فكانت تحرك عواطفه صور الأشياء وأصواتها، ورائحتها ومذاقها؛ وكان يحس بصمت المرابض الخفية، وسدول الليل الهادئ، وطلوع النهار المتثاقل. وكان كل شيء طبيعي أعجوبة الأعاجيب في نظره- ماء ينساب على مهل، ونبات يخرج من البذور، وتغير دائم في الجو، ونجوم في السماء ثابتة لا تحول، وكان يرقب الحيوانات في شغف وعطف، ويحب ما فيها من صور القوة والجمال، ويحس بآلامها، ويعجب من فلسفتها التي لا تعبر عنها الألفاظ. ولم ير قبله شاعر عبر عن جلال العالم وما حواه من تباين دقيق وقوة متناسقة ملتئمة، بمثل ما عبر عنه هو. فهنا كسبت الطبيعة في آخر الأمر معاقل الأدب، وأفاضت على شاعرها قدرة على الوصف لم يفقه فيهما إلا هومروس وشكسبير.
وما من شك في أن هذه الروح الحساسة التي تستجيب إلى ما حولها من المؤثرات قد تأثرت تأثراً عميقاً بخفايا الدين ومظاهره الخلابة، ولكن الدين القديم الذي كان فيما مضى دعامة قوية لكيان الأسرة والنظام الاجتماعي قد فقد ما كان له من سيطرة على الطبقات المتعلمة في رومه، فقد كان قيصر مثلاً يبتسم في لطف وهو يمثل دور الكاهن الأكبر، كما كانت مآدب الكهنة متعة الأبيقوريين الرومان. وكان من الأهلين أقلية صغيرة تكفر بالآلهة الرومانية جهرة، وكان بعض الساسة الرومان يقوم بالليل ويحطم أصنام الآلهة، كما كان يفعل ألقبيادس Alcibiades في أثينا(3). أما الطبقات الدنيا فإن الطقوس الرسمية لم تعد تلهم




صفحة رقم : 3123




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> لكريشيوس


الكثيرين من أفرادها أو تخفف عنهم أحزانهم، فأخذوا يهرعون إلى الهياكل الملطخة بالدماء والتي كانت تعبد فيها "الأم الكبرى" الفريجية، أو الإلهية ما الكبدوكية، أو بعض الآلهة الشرقية التي جاء بها الجنود أو الأسرى من بلاد الشرق إلى إيطاليا. وتطورت الفكرة الرومانية القديمة عن "أوركوس" Orcus، وهي التي كانت تمثلها في صورة مكان تحت الأرض يأوي إليه الموتى بلا تمييز بينهم، فصاروا يعتقدون بوجود جحيم حقيقي "ثرتاروس Tartarus" أو أكيرون Acheron يعذب فيه الناس جميعاً عذاباً أبدياً إلا طائفة قليلة تولد من جديد وتبدأ حياة جديدة في مجتمع جديد(4). وقد نظر الشمس والقمر على أنهما إلهين، وكان كل كسوف وخسوف يحدث لهما يبعث الرعب في القرى المنعزلة وفي قلوب الكثيرين من الأهلين، وأقبل العرافون والمتنبئون الكلدان على إيطاليا يجوسون خلالها ويستطلعون طلع المعدمين والأثرياء على السواء، ويكشفون عن الكنوز المخبأة وعما يخبئه المستقبل، ويفسرون الأحلام والفؤول تفسيراً ماؤه الحذر والغموض، أو الملق النافع. وكانوا يبحثون كل ظاهرة طبيعية غير مألوفة، ويدعون أنها نذير تنذرهم به الآلهة. وكان الدين الذي يعرفه لكريشيوس هو هذا الحسد العظيم من الخرافات والطقوس والنفاق.
فلا عجب والحالة هذه إذا اشمأزت نفسه منها، وثارت عليه، وهاجمه بكل ما في قلب المصلح الديني من جرأة وحماسة.
وفي وسعنا أن نحكم على مقدار ما كان يعمر قلبه أيام شبابه من تقي وإيمان، وما أصابه بعدئذ من خيبة رجاء، إذا عرفنا مقدار ألمه الشديد من حال الدين وقتئذ. فقد أخذ يبحث لنفسه عن دين يعوضه عما فقده من إيمانه بالدين القديم، فتنقل من تشكك إنيوس Ennius إلى قصيدة أنبادقليس الرائعة التي شرح فيها مبدأ التطور وتنازع الأضداد. ولما عرف آراء أبيقور خيل إليه أنه عثر على جواب المسائل التي كانت




صفحة رقم : 3124




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> لكريشيوس


تحير عقله، وبدا له أن الرجل الحر يجد في ذلك الخليط العجيب من المادية وحرية الإدارة، ومن الآلهة المرحة والعالم الذي لا يؤمن بالآلهة، جواباً عما ينتابه من شكوك ومخاوف. ولاح أن نسمة من نسمات التحرر من المخاوف السماوية تنبعث من حدائق أبيقور، وتكشف عن سلطة القانون العليا واستقلال الطبيعة بشؤونها وسلطانها على مصائرها، ومن أن الموت أمر طبيعي لا تلام عليه. ولذلك اعتزم لكريشيوس أن ينتزع هذه الفلسفة من النثر القبيح الذي صاغها فيه لكريشيوس ويصهرها فيخرجها شعراً، ثم يقدمها لمعاصريه على أنها هي الطريقة المثلى، وهي الحقيقة، بل هي الحياة نفسها. وكان يحس أن في نفسه قوة نادرة مزدوجة- فيها إدراك العالِم الموضوعي، وعاطفة الشاعر الذاتية؛ ويرى في نظام الطبيعة بأكمله سمواً، وفي عناصرها جمالاً، بشجعان ويبرران هذا التزاوج بين الفلسفة والشعر. وقد أبرز هذا الهدف العظيم الذي كان يعلم له جميع قواه الكامنة وسما به إلى مستوى رفيع فذ من الرقي الفعلي، ثم تركه قبل أن يبلغ هذا الهدف منهوكاً خائر القوى، أو لعله تركه ناقص العقل مخبولاً. غير أن كدحه الطويل المبهج المطرب قد حباه بسعادة استحوذت عليه فصب فيها كل ما كان كامناً في روحه الدينية من إخلاص عميق.
ولم يختر لكريشيوس لقصيدته عنواناً شعرياً بل اختار لها عنواناً فلسفياً هو: De Rerum Natura "في طبيعة الأشياء"، وهي ترجمة بسيطة لعبارة Peri Physeos (عن الطبيعة) التي اختارها الفلاسفة قبل سقراط اسماً عاماً لرسالاتهم. وبعد أن كتبها قدمها لأبناء كيوس مميوس Caius Memmius في عام 58 ق.م لتكون لهم سبيلاً هادياً يخرجهم من الخوف إلى الإدراك. وقد حذا في طريقة عرضه لما احتوته من الآراء طريقة أنبادقليس في ملحمته، كما احتذى في تعبيره لغة إثيوس العجبية الخالية من الزخرف والتجميل، واختار لها




صفحة رقم : 3125




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> لكريشيوس


الوزن السهل الصالح للتعبير عن مختلف الأغراض، وهو الوزن السداسي الأوتاد. ثم نسي إلى حين إهمال الآلهة شؤون الناس وتباعدها عنهم فبدأ بدعوة حارة موجهة إلى فينوس إذ خالها رمزاً للرغبة المبدعة، ولطرائق السلم كما كانت محبوبة أنبادقليس فقال:
يا أم شعب إنياس، يا بهجة الخلق والآلهة، أي فينوس المغذية المربية!.. إن جميع الأحياء تحمل بها أمهاتها وتلدها، ثم تنظر إلى الشمس عن طريقك أنت. وإذا أقبلت فرت الرياح أمامك، وتبددت سحب السماء؛ إليك ترفع الأرض ذات المعجزات أزهارها الجميلة، وإليك تضحك أمواج البحر وتتلألأ السماء الصافية بالضياء الشامل. ذلك أنه إذا ما بدت تباشير النهار في فصل الربيع وهبت ريح الجنوب المخصبة فأكسبت كل الأشياء نضارة وخضرة، هللت لك طيور الهواء أولاً ورحبت بقدومك، أيتها الإلهة المقدسة، لأن قوتك قد نفذت في قلبها، ثم أخذت القطعان البرية تقفز فوق المراعي التي تفرح بقفزها، وتعبر الجداول السريعة الجريان، وهكذا يصبح كل واحد منها أسير جمالك ويسير في ركابك أينما سرت، ثم تبعثين بالحب الجميل في صدور كل المخلوقات من خلال البحار والجبال والأنهار الجارية، وأوكار الطير بين أوراق الشجر والحقول الخضراء؛ وتوحين إليها بأن تتناسل وتخلد أنواعها. وإذ كنت أنت وحدك تتحكمين في طبيعة الأشياء، وبغيرك لا يرتفع شيء إلى شواطئ الضوء اللامعة، ولا يوجد شيء بهيج أو جميل؛ فإن نفسي تتوق إليك لتكوني شريكتي في كتابة هذه الأبيات.. ألا فامنحي أيتها الإلهة ألفاظي جمالاً لا يدركها الفناء، واجعلي في خلال ذلك الوقت أعمال الحرب الوحشية تنام وتسكن... وإذا ما استند المريخ إلى جسمك المقدس فانحني حوله من عليائك، وصُبِّي الألفاظ الحلوة من فمك، واطلبي نعمة السلام إلى الرومان(5).




صفحة رقم : 3126




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> في طبيعة الأشياء



الفصل الثاني




في طبيعة الأشياء


إذا حاولنا أن نصوغ ما في جدل لكريشيوس من اضطراب حماسي في صورة منطقية، فإن فكرته الأساسية تتمثل في ذلك البيت المشهور:


Tantum religio potint suadere malorum




ما أكثر ما بعثه الدين في قلوب الناس من شرور!


فهو يروي قصة إفجينيا في أوليس، والضحايا البشرية التي يخطئها الحصر، والذبائح التي تقدم قرباناً للآلهة التي يمثلونها في صورة البشر النهمين، ويذكرنا بالأهوال التي تحيط بالسذج والشبان حين يضلون في أجام الآلهة المنتقمة الجبارة، وما يقذفه في قلوبهم الرعد والبرق والموت والجحيم من رعب، وبالأهوال السفلى التي يصورها الفن الإتروري والقصص الشرقية الغامضة الخفية. وهو ينحى باللائمة على بني الإنسان لأنهم يفضلون مراسم التضحية على التعقل الفلسفي ويقول:
"أيها الخلائق البائسون ما بالكم تعزون إلى الآلهة هذه الأعمال الشائنة وهذا الغضب المرير! كم من أحزان يهيئها الناس لأنفسهم (بهذه العقائد) وكم من جراح تثخن بها أجسامنا، ودموع تذرفها أعين أبنائنا! ذلك أن التقوى لا تكون في كثرة توجيه الرأس المقنع إلى الأحجار، ولا في الاقتراب من جميع مذابح القربان، ولا في الركوع والسجود... أمام هياكل يكون في طاقة الإنسان أن ينظر إلى الأشياء جميعها بعقل هادئ مطمئن"(7).




صفحة رقم : 3127




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> في طبيعة الأشياء


ولا ينكر لكريشيوس وجود الآلهة، ولكنه يقول إنها تقيم بعيدة عنا، سعيدة كل السعادة في عزلتها وبعدها عن أفكار البشر ومتاعبهم، هنالك "وراء أسوار العالم المشتعلة" (extar flammantia moeine mundi) بمنأى عن ضحايانا وصلواتنا، وهي تعيش كما يعيش أتباع أبيقور بعيدة عن الشؤون الدنيوية، فائقة بتأمل الجمال وعمل ما تتطلبه الصداقة والسلام(8). وليست الآلهة في رأيه هي التي خلقت العالم، وليست هي سبب ما يقع فيه من الأحداث، فمن ذا الذي يظلمها ذلك الظلم الصارخ فيتهمها بأنها سبب ما في الحياة على الأرض من تلف، واضطراب، وآلام، ومظالم؟ كلا إن هذا الكون اللانهائي الذي يشمل عدة عوالم مستقل عما سواه، ولا شأن له بغيره، ولا يسيطر عليه قانون خارج عنه؛ فالطبيعة تفعل كل شيء من نفسها. من ذا الذي أوتي من القوة ما يستطيع به أن يتصرف في الأشياء مجتمعة، ويقبض بيده على ذلك العنان القوي عنان الأبدية التي لا قرار لها؟ من ذا الذي يستطيع أن يحرك السموات كلها دفعة واحدة.. ويهز السماء الصافية بالرعد القاصف، ويقذف بالبرق فيزلزل به في كثير من الأحيان هياكل الآلهة، ويرسل الصواعق فيقضي بها على البريء وينجو منها المجرم"(9). إن إله الكون الذي لا إله سواه هو القانون، وأصدق العبادات، والسبيل الوحيد إلى السلام أن يعرف الناس ذلك القانون ويحبوه. إن مخاوف العقل وظلمته لا تبددها أشعة الشمس... بل يبددها النظر في قوانين الطبيعة(11).
وهكذا "يمس" لكريشيوس "برحيق ربات الشعر" مادية دمقريطس الخشنة، ويصرح بأن مبدأه الأساسي المقرر أن لا وجود إلا للذرات والفراغ"(12) أي المادة والفضاء، ثم ينتقل من فوره إلى مبدأ جوهري (وافتراض) من مبادئ العلم الحديث، وهو أن ما في العالم من مادة وحركة لا يتغير أبداً، وألا شيء ينشأ من لا شيء، وأن ليس الإتلاف والتحطيم إلا تغيراً في الشكل، وأن الذرات لا تتحطم، ولا تتبدل، وأنها




صفحة رقم : 3128




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> في طبيعة الأشياء


صلبة، مرنة، عديمة الصوت والرائحة والذوق واللون، وأنها لا حدود لها، يتدخل بعضها في بعض ليتكوّن منها مُركبات وصفات لا حصر لها، وتتحرك حركة لا انقطاع لها، في سكون الأشياء العديمة الحركة البادي للأنظار:
"فكثيراً من نرى على سفوح الجبال.. الأغنام ذات الأصواف تزحف حيث يغريها بالزحف الكلأ الذي تتلألأ عليه قطرات الندى، وترى الحملان التي شبعت ورويت تلعب وتتناطح في لعبها برؤوسها. ولكن هذه كلها تنطمس للبعيد عنها حتى لا تستطيع العين أن تميزها، وتبدو لطخة بيضاء على تل أخضر. وتنتشر الجيوش الجرارة في بعض الأحيان في ميادين واسعة؛ وتتحرك حركات تمثل بها الحروب، تسطع دروعهم البرنزية فتضيء ما حولها، وتنعكس على قبة السماء، وتزلزل الأرض وتجلجل تحت أقدام الجند وسنابك الخيل، وتصطدم هذه الأصوات بالجبال فتدفع بها مرة أخرى إلى نجوم السماء. ومع هذا فإن في تلل الجبال مكاناً تبدو منه هذه الجيوش كأنها ساكنة لا تتحرك؛ ولا تعدو أن تكون بقعة صغيرة بيضاء مستقرة فوق السهل"(13).
وتحتوي الذرات على المنيمات minima أو "أصغر الأشياء"، وكل منيمة minimum جسم نهائي صلب، لا يقبل الانقسام، ولعل اختلاف ترتيب هذه الأجزاء هو السبب في اختلاف أحجام الذرات وأشكالها، وهو الاختلاف الذي ينشأ منه تباين الطبيعة تبايناً يسر النفوس وينعشها. والذرات لا تتحرك في خطوط مستقيمة أو منتظمة، بل إن في حركتها انحرافاً أو زيغاً دقيقاً لا يستطاع قياسه، وفيها تلقائية عنصرية تسري في جميع الأشياء وتصل إلى غايتها في إرادة الإنسان الحرة .




صفحة رقم : 3129




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> في طبيعة الأشياء


لقد كانت كل الأشياء من قبل عماء، ولكن التوزيع التدريجي للذرات المتحركة حسب أحجامها وأشكالها قد أنتج- عن غير قصد- الهواء والنار والماء والتراب ومن هذه كلها نشأت الشمس والقمر والكواكب والنجوم؛ وفي الفضاء اللانهائي تنشأ باستمرار عوالم جديدة وتفتحت عوالم أخرى قديمة، والنجوم نيران مثبتة في حلقة من الأثير (وهو ضباب من ذرات أرق من الذرات السابقة) المحيطة بكل مجموعة كوكبية. وهذا الجدار الكوني الناري هو الذي يكون "أسوار العالم الملتهبة". ثم انفصل جزء من الضباب البدائي عن هذه الكتلة وأخذ يدور وحده وبرد فتكونت منه الأرض. وليست الزلازل ناشئة من صراخ الآلهة بل من تمدد الغازات والمجاري التي تحت الأرض. كما أن الرعد والبرق ليسا صوت الإله وأنفاسه بل هما نتيجتان طبيعيتان لتكاليف السحب واصطدامها بعضها ببعض. وليس المطر مرحمة من جوف بل هو رجوع الرطوبة التي بخرتها الشمس إلى الأرض.
والحياة في رأيه لا تختلف في جوهرها عن غيرها من خصائص المادة، فهي نتيجة الذرات التي لا حياة في كل منها بمفردها. وكما أن الكون قد اتخذ صورته الخاصة به طوعاً لقوانين المادة المتأصلة فيها، فكذلك أخرجت الأرض كل أنواع الكائنات الحية وأعضاءها بطريقة الانتخاب الطبيعي لا بغيرها من الطرق.
لا شيء ينشأ في الجسم ويقصد به أن نستخدمه، ولكن ما ينشأ فيه ينتج بعد وجوده الغرض الذي يستخدم فيه(14).. فلم يكن هدف الذرات هو الذي جعلها ترتب نفسها ترتيباً قائماً على الذكاء والفطنة، بل السبب في ترتيبها هذا أن كثيراً من الذرات منذ الأزل قد تحركت والتقت بطرق مختلفة لا حصر لها، وجربت كل التراكيب المختلفة.. ومن ثم نشأت مبادئ الأشياء العظيمة... وأجيال الكائنات الحية(15). وما أكثر ما حاولت الأرض أن توجده من الهولات، فمنها ما لم تكن له أقدام، ومنها ما لم تكن له يدان أو فم أو وجه أو أطراف ملتصقة بجسمه.. ولكن هذه المحاولات




صفحة رقم : 3130




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> في طبيعة الأشياء


كلها ذهبت أدراج الرياح، فقد ضنت عليها الطبيعة بالنماء، ولم تستطيع هي أن تجد لنفسها الطعام، أو أن تتصل بعضها ببعض اتصالاً مبعثه الحب.. وما من شك في أن كثيراً من الحيوانات قد بادت في ذلك الوقت لأنها عجزت عن الاحتفاظ بأنواعها عن طريق التزاوج والتناسل، وسبب ذلك أن الأنواع التي لم تهبهما الطبيعة صفات "تحميها من أعدائها" كانت تحت رحمة غيرها، وسرعان ما هلكت وانقرضت(16).
وليس العقل (Animue) إلا عضواً كالقدمين والعينين، وهو مثلهما أداة أو وظيفة لتلك الروح (Anime) أو النسمة الحيوية، وهي مادة جداً رقيقة تنتشر في الجسم كله، وتبعث الحياة في كل جزء من أجزائه. وعلى الذرات الشديدة الحساسية التي يتكون فيها العقل تسقط الصور أو الأشرطة التي لا ينقطع خروجها من سطوح الأشياء. وهذا هو منشأ الإحساس. وينشأ الذوق والشم والسمع والبصر واللمس من جزيئات تخرج من هذه الأشياء وتقع على اللسان أو الحالق أو الخياشيم أو الاذنيين أو العينيين أو الجلد. والحواس كلها صور اللمس. وهي المحك النهائي للحقائق، فإذا ما ظن أنها أخطأت فليس ذلك إلا نتيجة لسوء التفسير، ولا يصحح خطأ إحدى الحواس إلا حاسة أخرى، ولا يمكن أن يكون العقل محك الحقائق لأن العقل يعتمد على التجارب أي على الإحساس.
وليست النفس شيئاً روحياً، ولا هي خالدة، فهي لا تستطيع تحريك الجسم إلا إذا كانت ذات جسم، وهي تنمو وتشيخ مع الجسم، وتتأثر بما يتأثر به من مرض ودواء وخمر، وتتبدد ذراتها تبدداً ظاهرياً حين يموت، ولو وجدت النفس بغير الجسم لكانت عديمة الإحساس عديمة المعنى؛ وما فائدة النفس بغير أعضاء اللمس والذوق والشم والسمع والبصر؟ والحياة لا توهب لنا لتكون ملكاً خالصاً لنا بل عارية نستعيرها ونحتفظ بها ما دمنا على الانتفاع بها، فإذا ما استنفدنا قوانا وجب علينا أن نغادر مائدة الحياة مغتبطين شاكرين، كما يغادر




صفحة رقم : 3131




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> في طبيعة الأشياء


الضيف الوليمة. وليس الموت نفسه أمراً مخيفاً رهيباً، بل الذي يسبب رهبته هو خوفنا مما نلقاه في الدار الآخرة. ولكن الدار الآخرة لا وجود لها، والجحيم هو جحيم هذه الدنيا، فهو العذاب الناشئ من الجهل والانفعالات والتخاصم والشره؛ والجنة توجد على ظهر هذه الأرض، وهي معابد الحكماء الصافية sapientum templa serena(17).
وليست الفضيلة في خوف الآلهة، ولا في تجنب الملذات وخشيتها، بل هي في تناسق أعمال الحواس والمواهب بإرشاد العقل؛ ومن الناس من يفنون أعمارهم من أجل تمثال يقام لهم، أو شهرة يتحدث بها الناس عنهم، ولكن "ثروة الإنسان الحقة هي أن يعيش عيشة بسيطة وعقله في سلام" (vivere parce Aequo Animo)(18)، وخير من العيش الجامد المعنت في الأبهاء المذهبة "الرقود في جماعات على الكلأ الناعم بجوار غدير تحت أشجار باسقة"(19)، أو سماع الألحان الموسيقية العذبة اللطيفة، أو أن يفقد الإنسان ذاته في حب أطفاله والعناية بهم، والزواج خير ولكن الحب المثير للعواطف جنون، يجرد العقل من صفائه وتدبيره. "فإذا أصابت الإنسان سهام فينوس- سواء أطلق هذه السهام غلام له أعضاء فتاة، أو أطلقتها امرأة يشع الحب من جسمها كله- فإنه ينجذب نحو مصدر الضربة ويتوق إلى الاتحاد معه"(20). ولا يستطيع زواج ولا مجتمع أياً كان نوعه أن يجد قاعدة سليمة يقوم عليها في هذا الغرام الجنوني.
ولما كان لكريشيوس قد وجه عواطفه كلها نحو الفلسفة ولم يجد في قلبه متسعاً للحب، فإنه أبى أن يعود إلى العهد الروائي العاطفي القديم الذي يقول به اليونان الذين كانوا يمجدون الحياة البدائية، وينادون بالعودة إلى الطبيعة، كما مجدها روسو ونادى بالعودة إليها.
نعم لقد كان الناس في ذلك الوقت أصلب عوداً، ولكنهم كانوا يعيشون في الكهوف، ولا يعرفون الناس، ويتناكحون بلا زواج، ويقتل بعضهم




صفحة رقم : 3132




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> في طبيعة الأشياء


بعضاً بغير قانون، ويموت منهم جوعاً بقدر من يموت من المحتضرين بالتخمة(21).
أما الطريقة التي تمت بها الحضارة فيشرحها لكريشيوس في خلاصة موجزة لتاريخ الإنسان الطبيعي يقول فيها إن التنظيم الاجتماعي قد وهب الإنسان القدرة على البقاء بعد أن بادت الحيوانات التي كانت أشد منه قوة وبطشاً. وقد اهتدى إلى النار حين رآها تندلع من احتكاك أوراق الأشجار وأغصانها، وأنشأ من الإشارات والحركات لغة، وتعلم الغناء من الطير، وأنس الحيوان لمنفعته، كما استأنس هو بالزواج والقانون؛ ثم شق الأرض، ونسج الملابس، وصهر المعادن وصنع منها أدواته؛ ثم رصد كواكب السماء، وقاس الزمن وتعلم الملاحة؛ ثم رقى فن القتل، وتغلب على الضعفاء، وشاد المدن، وأقام الدول.
وليس التاريخ إلا موكب الدول والحضارات التي تنشأ وتزدهر ثم تضمحل وتفنى، ولكن كلاً منها تخلف وراءها تراثاً من العادات والأخلاق والفنون تتلقاه عنها الحضارات التي تأتي من بعدها "فهي كالعدائين في سباق يسلم كل منهم مصباح الحياة إلى غيره"(22)
(et quasi cursores vitai lampada tradut) وكل ما ينمو من الأشياء يضمحل: الأعضاء، والكائنات الحية، والأسر، والدول، والأجناس، والكواكب، والنجوم. والذرات وحدها هي التي لا تموت أبداً، وتوجد إلى جانب قوى الخلق والنماء قوى أخرى تعادلها وتوازنها وهي قوى التدمير، وهذه لا تنقطع عن العمل ما بين دفع وجذب وتراخ وانقباض، وحيات وموت. وفي الطبيعة خير وشر، والآلام يلقاها كل كائن حي وإن لم يستحقها، والانحلال يتبع خطى كل تطور، وأرضنا نفسها في طريقها إلى الموت والفناء، وها هي ذي الزلازل تخربها وتدمرها، والأرض تفقد قدرتها على الإنتاج والأمطار والأنهار تقرضها وتفتتها، وتنقل الجبال نفسها آخر الأمر إلى البحار، وسيأتي على عالمنا النجمي كله يوم يفنى فيه كما تفنى هذه الجبال؛




صفحة رقم : 3133




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> في طبيعة الأشياء


فتهاجم جدران السماء من كل جوانبها وتتصدع ثم تتهدم وتخرب(23). ولكن ساعة الفناء نفسها تكشف عما في العالم من حيوية لا تقهر "ويمتزج بالعويل على الموتى البكاء على الطفل الوليد"(24) وتتكون عوالم جديدة ونجوم وكواكب جديدة، وتنشأ أرض أخرى وحياة غير الحياة الأولى، ويبدأ التطور من جديد.
وإذا ألقينا نظرة عامة على هذه القصيدة التي تعد "أروع نتاج الأدب القديم كله"(25)، فقد نلاحظ لأول وهلة ما فيها من عيوب: كاضطراب موضوعاتها التي حال موت الشاعر في مقتبل العمر دون مراجعتها، وتكرار عباراتها وأبياتها وفقرات منها برمتها، واعتقاده أن الشمس والقمر والنجوم ليست في حقيقتها أكبر مما تبدو للناظر إليها(26)، وعجز النظام الذي تشرحه القصيدة عن أن يفسر كيف تستحيل الذرات الميتة إلى حياة وإدراك، وإغفال الشاعر ما يبعثه الإيمان في المؤمن من نظر ثاقب وطمأنينة وساوى، وإلهام وشاعرية قوية محركة، كما أغفل ما للدين من آثار اجتماعية. ولكن ما أقل هذه الأغلاط وما أضعف شأنها أمام المحاولة الجريئة التي بذلها الشاعر لتفسير العالم والتاريخ والدين والمرض تفسيراً منطقياً معقولاً ، وأمام ما صور به الطبيعة من أنها عالم يسيطر عليه القانون لا يعتري المادة والحركة فيه زيادة أو نقصان. وأمام عظمة الموضوع الذي تحدث عنه ونبل الطريقة التي عرض بها؛ وأمام قوة الخيال المتصلة التي تشعر في كل مكان "بجلال الأشياء" وتسمو برؤى أنبادقليس، وعلم دمقرطيس، ومبادئ أبيقور الأخلاقية، إلى شعر يبلغ من الروعة والجمال أسمى ما بلغه الشعر المعروف في جميع العصور. فها هي ذي لغة كانت لا تزال بعد غير مصقولة ولا ناضجة تكاد في ذلك الوقت أن تكون




صفحة رقم : 3134




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> في طبيعة الأشياء


خلواً من المصطلحات الفلسفية والعلمية، بل خلقها ثم وجه الكلام القديم وجهات جديدة من حيث الوقع والجرس، وصاغ الوزن السداسي صياغة أكسبته حيوية وقوة لم تكن له في أية لغة أخرى من اللغات المعروفة، وسما به بين الفينة والفينة إلى درجة من الرقة والجمال والسلاسة لا تقل من نظائرها في شعر فرجيل. وإن ما في القصائد لكريشيوس من حيوية لا نفارقه في وقت من الأوقات ليدل على أنه قد استمتع بحياته كلها، لم يكد يترك فيها فترة قصيرة أو طويلة من يوم مولده إلى يوم وفاته إلا عاش خلالها على الرغم مما كان يحيط به من آلام متعددة وخيبة مريرة.
وكيف مات لكريشيوس؟ يقول القديس جيروم Saint Jerome إن "لكريشيوس قد جن على أثر تجرعه دواء يولد الحب، بعد أن كتب عدة كتب.. م مات منتحراً في الرابعة والأربعين من عمره"(28). وليس لهذه القصيدة ما يؤيدها، ويشك الكثيرون في صحتها، ولسنا نعتقد أن قديساً يستطيع أن يروي رواية عن حياة لكريشيوس منزهة عن الهوى. وقد وجد بعضهم ما يؤيد هذه القصة في قصيدته نفسها؛ ذلك أن منها شواهد على الذهن المكدود غير الطبيعي، فضلاً عن أن موضوعاتها مهوشة غير منظمة، وأنها مقتضبة تنتهي انتهاء فجائياً غير متوقع(29). ولكن الإنسان ليس في حاجة إلى أن يكون لكريشيوس- ولكريشيوس دون غيره- لكي يكون حاد المزاج سريع التهيج، مهوشاً، ولكي يموت.
لقد كان لكريشيوس كما كان يوربديز رجلاً من الطراز الحديث، وكان تفكيره وإحساسه يوائمان عصرنا الحاضر أكثر مما يوائمان القرن الأول قبل ميلاد المسيح. وقد تأثر به هوارس وفرجيل في أيام شبابهما، وهما يذكرانه من غير أن يبوحا باسمه في كثير من عباراتهما الجزلة، ولكن الجهود التي كان يبذلها أغسطس لإعادة الدين القديم قد جعلت هذين الشاعرين وهما صنيعتا أغسطس يريان أن




صفحة رقم : 3135




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> في طبيعة الأشياء


ليس من الحكمة أن يعبرا في صراحة عن إعجابهما بلكريشيوس ويعترفا بما في عنقهما له من دين يضاف إلى هذا أن الفلسفة الأبيقورية لن تكن توائم العقل الروماني، كما كانت أعمال الأبيقوريين توائم الذوق الروماني في عصر لكريشيوس ، فقد كانت رومه في حاجة إلى رجل ذي فلسفة ميتافيزيقية يمجد القوى الصوفية الباطنية لا القوانين الطبيعية، والى عالم أخلاقي ينشئ شعباً حربياً كامل الرجولة لا شعباً من أصحاب النزعة الإنسانية المحبين للسلم والهدوء؛ وكانت في حاجة إلى فلسفة سياسية شبيهة بفلسفتي فرجيل وهوراس، تبرر سيطرة رومه الإمبراطورية. ولما بعث الدين من جديد بعد سنكا كاد الناس ينسون لكريشيوس، ولم يبدأ يظهر أثره في الفكر الأوربي إلا بعد أن كشفه بجيو Poggio من جديد في عام 1418 ب.م. وقد أخذ طبيب من مدينة فيرونا Varona يدعى جيرولامو فراكستورو Girolamo Fracastoro (1483-1553) عن الشاعر نظريته التي يقول فيها إن المريض ينشأ من "بذور" Semina خبيثة تسبح في الهواء، وفي عام 1647 أحيا جاسندي Gassndi الفلسفة الذرية. وكان فلتير يقرأ في طبيعة الأشياء في خشوع ويقول كما قال أوفد Ovid إن ما فيها من أبيات ثورية سيبقى ما بقيت الأرض(30).
وقد خاض لكريشيوس بمفرده أقسى الوقائع في زمانه ونعني بها إحدى وقائع الحرب الأبدية بين الشرق والغرب، بين "القلب الحنون" والإيمان الباعث للسلوى المخفف للأحزان من جهة، والعقل العنيد الجاسي والعلم المادي من جهة أخرى. ولسنا في حاجة إلى القول بأنه أعظم الشعراء الفلاسفة، وأنه هو الذي سما بالأدب اللاتيني ما سما به كاتلس وشيشرون إلى ذروة مجده؛ وبه انتقلت زعامة الأدب نهائياً من بلاد اليونان إلى رومه.




صفحة رقم : 3136







قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> حبيب لزبيا



الفصل الثالث




حبيب لزبيا


في عام 57 ق.م غادر رومه كيوس مميوس Caius Memmius الذي أهدى إليه لكريشيوس قصيدته ليكون بريتوراً أولاً في بثينيا Bithynia، وكان حكم حكام الولايات الرومان قد أخذوا في ذلك الوقت يعتادون عادة جديدة هي أن يصطحب كل منهم عند سفره إلى ولايته أحد المؤلفين. ولم يأخذ هذا الحاكم معه لكريشيوس بل أخذ شاعراً يختلف عنه في كل شيء عدا قوة عاطفته ويدعى كونتس (أوكيوس) فليريوس كاتلس Quintus Valerius Catullus. وكان كونتس هذا قد قدم إلى رومه من مدينة فيرونا موطنه الأصلي، وكان لأبيه فيها من المنزلة ما يجيز له أن يكون ضيفاً كثير التردد على قيصر، وما من شك في كونتس نفسه كان على جانب كبير من الثراء، فقد كانت له بيوت ذات حدائق بالقرب من تيبور Tibur وعلى شواطئ بحيرة جاردا Garda، وكان له بيت جميل في رومه. وهو يقول عن هذه الأملاك إنها كانت مستغرقة في الدين، ولا ينفك يعلن أنه فقير، ولكن الصورة التي نستطيع أن نرسمها له من قصائده هي صورة الرجل المهذب الذي لا يهتم بكسب العيش، ولكنه يمتع نفسه بطيبات الدنيا من غير حساب في صحبة أمثاله المترفين في عاصمة الدولة. وكانت هذه الفئة تضم طائفة من العقول وأبرع الخطباء السياسيين من الشبان أمثال ماركس كثيليوس Marcus Caeliua وهو شريف أصبح فيما بعد شيوعياً، وليسينيوس كلفس Licinius Calvus الشاعر النابه والقانوني الضليع؛ وهلفيوس سنا Helvius Cinna الشاعر الذي كاد الغوغاء من أنصار أنطونيوس يحسبونه أحد قتلة قيصر وينهالون عليه ضرباً حتى يقضي نحبه. وكان هؤلاء يعارضون قيصر ويوجهون له كل ما تسعفهم




صفحة رقم : 3137




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> حبيب لزبيا


به عقولهم من نكات لاذعة، وهو لا يعرفون أن ثورتهم الشعرية إنما تعبر عن الثورة التي يعيشون في جرها. وكان هؤلاء جميعاً قد ملوا الأدب القديم، ولم يطيقوا فجاجة نيفيوس Naevius وإنيوس Ennius وألفاظهما الطنانة المزوقة. وتاقت نفوسهم لأن يغنوا عواطف الشبان في أوزان جديدة غنائية في لفظ عذب رقيق عرف يوماً من الأيام في الإسكندرية أيام كلمكس Calimachus ولكن رومه لم تشهد مثله قبل أيامهم هذه. ولم يكونوا راضين عن المبادئ الأخلاقية القديمة وعن تقاليد السلف التي كانت تلقى على أسماعهم في كل حين من أفواه الكبراء المنهوكين. وكانوا ينادون بقدسية الغرائز، وبراءة الشهوات وعظمة التهتك والانغماس في الملاذ، ولم يكونوا هم وكاتلس أسوأ من غيرهم من أدباء الشبان الذين كانوا يعيشون في ذلك الجيل وفي الجيل الذي يليه: من هوارس Horace وأوفد Ovid وتيبلس Tibullus وبروبريتوس Propertius، بل ومن فرجيل الخجول في أيام شبابه، أولئك الذين جعلوا الشعر يدور حول كل امرأة متزوجة أو غير متزوجة، تقدم لربات شعرهم حباً سهلاً عابراً.
وكانت كلوديا Clodia أرشق فتاة في هذه الفئة، وهي من سلالة أسرة كلوديوس التي لم تذهب عنها حتى تلك الأيام عظمة الأباطرة . ويؤكد لنا أبوليوس Apeulius(31) أنها هي التي سماها كاتلس باسم لزبيا Lesbia إحياء لذكرى سابفة Sappho التي كان يترجم قصائدها أحياناً، ويحاكيها كثيراً، ويحبها دائماً. ولما جاء كاتلس إلى رومه في الثانية والعشرين من عمره اتخذها صديقة له، بينما كان زوجها حاكماً في بلاد غالة الإيطالية. وقد سحرت لبه من ساعة أن وضعت "قدمها البراقة على عتبة داره التي أبلتها أعتاب الناس من قبل، وكان يدعوها إلهته المتألقة ذات الخطوة الرشيقة". ولا غرابة في أن تفتنه خطاها، فإن مشية المرأة قد تكفي وحدها لتفتن الرجل كما يفتنه صوتها. وقد عطفت عليه فرضيت




صفحة رقم : 3138




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> حبيب لزبيا


أن يكون من بين عبادها. ولم يكن في وسع الشاعر الهائم بها أن يضارع في غير ميدان الشعر مواهب منافسه فوضع تحت قدميها أجمل ما في اللغة اللاتينية من القصائد الغنائية، وترجم لها أحسن ترجمة وصفت بها سايفو لجنون المحبين وهو الجنون الذي كان يمتلكه وقتئذ(32). وكتب في الطائر الذي كانت تضمه إلى صدرها أبياتاً تعد من خير ما كتب في وصف الغيرة:


أيها الطائر يا بهجة حبيبتي




التي تلعب معك وتضمك إلى صدرها




والتي تمد لك سبابتها إذا طلبتها،




وتغريك بأن تعضها عضة قوية.




لست أدري أية دعابة لطيفة يلذ لحبيبتي الوضاءة




أن تداعب بها أمنيتي... .


وقد أحس وقتاً ما بأن السعادة قد غمرته، وظل يتردد عليها كل يوم ينشدها قصائده، ونسى كل شيء إلا حبه إياها وافتنانه بها.


أي لزبياي حبيبتي هيا بنا نعيش،




ولا تلق بالاً إلى شيء مما ينطق به العجائز القساة




ونراه حقيراً غير جدير بالاعتبار.




قد تغرب الشموس ثم تعود؛




أما نحن فإذا غربت شمسنا القصيرة الأجل




غلب علينا السبات الطويل في ليلنا الأبدي.




ألا فاعطني ألف قبلة ثم مائة




ثم ألفاً أخرى، ثم مائة ثانية






صفحة رقم : 3139




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> حبيب لزبيا




ثم ألفاً بعدها، ثم مائة




حتى إذا بلغت القبلات آلافاً مؤلفة




تعمدنا الخطأ في العد والحساب لكيلا نعرف نحن عديدها




أو تحسدنا عليه نفس حقيرة




إن عرفت عدد قبلاتنا الكثيرة.


ولسنا نعرف كم من الوقت دامت هذه النشوة؛ وأكبر الظن أنها قد ملت آلافه المؤلفة، فرأت أن تراوح عن نفسها بعد أن خانت زوجها من أجله بأن تستبدل به عاشقاً غيره. واتسعت وقتئذ دائرة عشاقها حتى خالها كاتلس في نوبة من نوبات الجنون "تعانق ثلاثة آلاف زان مرة واحدة"(35). وأبغضها في الوقت الذي كانت فيه نار الحرب تلتهم فؤاده (adi et Amo)(36)، وأبى أن يستمع إلى ما كانت فيه تحدثه به من وفاء وإخلاص، وصور لنا هذا الإباء بالصورة المأثورة عن كيتس Keats:


إن الألفاظ التي تفوه بها المرأة للمحب الواله الجائع،




يجب أن تنقش على صفحة الرياح السافية،




وتحفر على مجاري الماء الدافقة(27).


ولما أصبح الشك اللاذع يقيناً لا مرية فيه، استحال هيامه بها حقداً عليها ورغبة قوية في الانتقام منها، فاتهمها بأنها تسلم نفسها لرواد الحانات، وأخذ يندد بمحبيها الجدد ولا يتورع عن سبهم بأفحش الأقوال وفكر في الانتحار، على حد قوله في شعره.
وقد أظهر في الوقت نفسه عواطف أشرف من هذه وأدل منها على نبله: فقد وجه إلى صديقه مانليوس في يوم عرسه أغنية يقول فيها إنه يحسده على ما يتيحه له زواجه من صحبة طيبة صالحة، وبيت آمن مستقر، ومن متاعب سعيدة هي متاعب الأبوة. ثم انتزع نفسه من مكان مأساته بأن صحب مميوس Memmius




صفحة رقم : 3140




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> حبيب لزبيا


إلى بيثينيا Bithynia، ولكنه لم يحقق ما كان يرجوه فيها من استعادة نشاطه وماله. ثم خرج عن طريقه يوماً من الأيام ليبحث عن قبر أخ له مات بجوار طروادة، وادى لهذا الأخ الميت في خشوع مراسم الدفن التي يؤديها الأبناء لآبائهم، ثن أنشد بعدئذ بقليل أبياتاً رقيقة من الشعر أضحت بعض ألفاظها من الأقوال الخالدة:


أيها الأخ العزيز لقد تنقلت في كثير من الدول وجبت البحار.




وجئت لأقدم لك هذا القربان المحزن.




وأهدي إليك آخر ما يهدي إلى الأموات.




فتقبل هذه الهدايا التي تبللها دموع الأخوة؛




ووداعاً يا أخي إلى أبد الدهر.


وبدل مقامه في آسيا حاله، وهدأ من طبعه، وأثرت أديان الشرق القديمة واحتفالاته في هذا المتشكك الذي وصف الموت من قبل بأنه "سبات الليل الأبدي"، فوصف في "أتيس" Atys وهي أعظم قصائده كلها وأعذبها لفظاً وأوضحها تصويراً عبادة شيبيل Cybele وصفاً رائعاً قوياً، وامتلأت نفسه حمية وحماسة وهو يقرأ عويل عبادها الذين يضحون من أجلها برجولتهم، وحزنهم على متع الصبا وأصدقاء الشباب. وقد قص في قصيدته "بليوس وثيتس Peelus and Thetis" قصة بليوس وأردياني Ariadne في شعر سداسي الأوتاد حلو النغم لا يكاد يجاريه شعر فرجيل نفسه. وابتاع بعدئذ في بلده أمستريس Amastris يختاً صغيراً طاف به البحر الأسود وبحر الأرخبيل والبحر الأدرياوي وسار به صعداً في نهر البو Po حتى وصل إلى بحيرة جاردا Garda والى بيته في سرميو Sirmio.
وهنا أخذ يسأل نفسه قائلاً: "وهل ثمة سبيل للفرار من متاعب فوق فرشنا من أن نعود إلى مواطننا الأولى ومعابدنا، وأن نستريح فوق فرشنا المحبوبة؟"(39) إن الناس يبدأون حياتهم بالبحث عن السعادة ثم يقنعون آخر الأمر بالسلام.




صفحة رقم : 3141




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> حبيب لزبيا


إن علمنا بكاتلس لأوفى من علمنا بمعظم شعراء الرومان لأنه يكاد في جميع الأحوال يتخذ من نفسه موضوعاً لشعره؛ وإن هذه الصرخات الغنائية، صرخات الحب والكره، لتكشف عن نفس رحيمة حساسة قادرة على أن تكون ذات عواطف كريمة حتى للأهل والأقارب؛ ولكن الذي لا يسرنا منه أنه يجعل نفسه على الدوام موضوع شعره، ويتعمد الفحش في القول، ويقسو على أعدائه فينشر على الناس أخص خصائصهم، ويشنع على ميلهم للواط، وعلى رائحة أجسامهم النتنة، ويقول عن واحد منهم إنه يغسل أسنانه بالبول متبعاً في ذلك عادة أسبانية قديمة(40)، ويقول عن آخر إنه أبخر إذا فتح فاه مات في ذلك كل من حوله(41). فهو والحالة هذه يتذبذب في غير عناء بين الحب والقذارة، يقبل ويلوط، وينافس مارتيال Martial في قيادة الناس إلى أقذار رومه ومباذلها في أركان شوارعها. ويمثل ما يتصف به معاصره وأبناء طبقته من مزيج بين خشونة البداوة ورقة الحضارة، كأن الرومان المتعلمين مهما برعوا في آداب اليونان لم يستطيعوا قط أن ينسوا الإسطبلات والمعسكرات. ويدافع كاتلس عن نفسه بمثل ما يدافع به مارتيال فيقول إنه لابد له أن يمزج أبياته الشعرية بالأقذار لكي يسترعي بها انتباه مستمعيه.
على أنه قد كفر عن هذه السيئات بما كان يبذل من العناية الفائقة في الوصول بشعره إلى درجة الكمال. ففي أبياته الإحدى عشرية الأوتاد من الجمال الطبيعي غير المتكلف ما تعجزه عنه صنعة هورامس وتكلفه، وما يسمو في بعض الأحيان فوق أناقة فرجيل نفسه، وقد كلفه إخفاء فنه كثيراً من التفنن. وكثيراً ما يشير كاتلس إلى ما كان يعانيه من الجهد المؤلم والعناية الشديدة اللذين جعلا شعره سريع الفهم بين السهولة. وقد يسر له بلوغ هذه الغاية ما كان يعرفه من مفردات اللغة فقد كان يصوغ الألفاظ التي يتداولها الناس شعراً رقيقاً. وقد أغنى الآداب اللاتينية بألفاظ التصغير الرقيقة، كما أغناها بلغة الحانات الدارجة.




صفحة رقم : 3142




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> حبيب لزبيا


وكان يتجنب قلب الألفاظ وتبديل مواضعها، كما كان يتجنب الإبهام والغموض؛ وكانت أبياته سلسة سهلة، خفيفة على السمع، ترحب بها الآذان. وقد عكف على دراسة شعراء الإسكندرية الهلنستيين ، وشعراء أيونيا الأقدمين، وأتقن ما يمتاز به شعر كلمكس Callimachus من عبارات سهلة وأوزان متعددة، وما في شعر أركلوكس Archelochus من قوة واتجاه مباشر نحو الغرض، وما في شعر أنكريون Anacreon من خمريات قوية، وما في شعر سابفو من حب ونشوة. والحق أننا إذا أردنا أن نحذر كيف كان أولئك الشعراء يكتبون معظم أشعارهم، فإن علينا أن ندرس كاتلس، فقد درس هذا الشاعر أشعارهم، وأجاد فهم دروسهم إجادة رفعته من مرتبة تلاميذهم حتى أصبح في مرتبتهم. وقد فعل في الشعر اللاتيني ما فعله شيشرون في النثر اللاتيني، تسلمه قوة فجة فسما به حتى أصبح فناً لا يفوقه فيه أحد غير فرجيل.




صفحة رقم : 3143




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> العلماء



الفصل الرابع




العلماء


كيف كانت الكتب اللاتينية تكتب وتوضح بالرسوم، وتجلد وتنشر وتباع؟ لقد كان الرومان من أقدم الأزمان يكتبون التمارين المدرسية، والرسائل القصيرة، والسجلات التجارية التي لا يقصد بها أن تبقى طويلاً؛ كانوا يكتبون هذه كلها بقلم معدني ذي طرف رفيع على ألواح مطلية لطيفة من الشمع، ويمحون ما يكتبونه عليها بإبهامهم. وأقدم ما وصل إلينا من الأدب اللاتيني مكتوب بريش الطير والحبر على ورق مصنوع في مصر من أوراق نبات البردي التي يضم بعضها إلى بعض ويضغط ويلصق بالغراء. ثم بدأ الرق المتخذ من جلود الحيوان المجففة ينافس نبات البردي في القرن الأول الميلادي لكتابة الآداب والوثائق الهامة. وكانت الدبوما (المزدوجة) تتكون من ورقة مطوية من الرق. وكان الكتاب الأدبي يصدر عادة في صورة ملف (Volumen أي الملفوف) وتفك طياته في أثناء قراءته. وكان النص يكتب عادة في عمودين أو ثلاثة أعمدة في كل صفحة، خالياً في كثير من الأحيان من علامات الترقيم والفواصل بين الجمل أو بين الكلمات نفسها. وكانت بعض المخطوطات توضحها رسوم بالحبر، فقد كان كتاب Imagines لفارو Varro مثلاً يتألف من سبعمائة صورة لعظماء الرجال، ومع كل صورة ترجمة لصاحبها. وكان في وسع أي إنسان أن ينشر أي مخطوط يشاء باستئجار الأرقاء لنسخ صور منه، وأن يبيع النسخ بعد كتابتها. وكان للأغنياء كتبة ينسخون لهم ما يشاءون من الكتب، ويطعمونهم، ولكنهم يأجرونهم على عملهم، ولذلك كانت الكتب رخيصة، وقد جرت العادة في أول الأمر أن تكتب




صفحة رقم : 3144




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> العلماء


ألف نسخة من كل مخطوط. وكان بائعو الكتب يشترون النسخ جملة من الناشرين أمثال أتكس Atticus ثم يبيعونها فرادى في محال بيعها. ولم يكن الناشر أو البائع يعطي المؤلف شيئاً، اللهم إلا كلمة طيبة أو هدية في بعض الأحيان، ذلك أن الرسوم التي تؤدي الآن إلى مالك الكتاب لم تكن معروفة في ذلك الوقت. وكانت المكتبات العامة كثيرة العدد، وقد جعل أسنيوس بليو Asinius Pollio في عام 40 ق.م مجموعته الخاصة أولى المكتبات العامة في رومه. وفكر قيصر بإنشاء مكتبة أخرى أكبر منها وجعل فارو مديراً لها، ولكن هذه الفكرة لم تنفذ إلا في عهد أغسطس، شأنها شأن كثير من أفكار قيصر ومشروعاته.
وكان من أثر هذه الوسائل المشجعة التي خففت كثيراً من المتاعب عن طلاب العلم، أن أخذ الأدباء والعلماء الرومان ينشطون نشاط علماء الإسكندرية وأدبائها، فغمر البلاد سيل جارف من القصائد والنشرات، وكتب التاريخ، والكتب المدرسية، لا يقل في قوته عن فيضان نهر التيبر نفسه. فكان كل شريف يزين مغامراته بالشعر، وكانت كل سيدة تكتب وتلحن، وكل قائد يدون مذكرات، وكان العصر عصر "الملخصات"، تخرج في كل موضوع من الموضوعات لتفي بحاجات ذلك العصر التجاري السريع.
وقد اتسع وقت ماركس ترنتيوس فارو Marcus Terentius Varro، رغم حملاته الحربية الكثيرة، خلال حياته التي دامت تسعة وثمانين عاماً (116-26 ق.م)، لتخليص كل فرع من فروع العلم يعرفه أهل زمانه. وكانت ملفاته البالغ عددها 620 ملفاً (نحو 74 كتاباً) دائرة معارف عصره كتبها رجل بمفرده. وقد افتتن بالبحث في أصول الكلمات فكتب مقالاً "في اللغة اللاتينية" لا يزال حتى الآن أكبر ما يهدينا إلى معرفة لغة الرومان الأولى. ولعله أراد أن يعاون أغسطس على تحقيق بعض أغراضه فحاول في رسالته " عن الحياة الريفية" De Re Rustica (36




صفحة رقم : 3145




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> العلماء


ق.م) أن يشجع الناس على العودة إلى الأرض لتكون خير ملجأ يعصمهم من فوضى النزاع المدني. وقد جاء في مقدمة هذه الرسالة: "إن السنة الثمانين تنذرني بان على أن أحزم متاعي وأستعد للخروج من هذه الحياة"(42)، وهو يرى أن تكون آخر وصيته له مرشداً يهديه إلى الحياة الريفية الهادئة السعيدة، ويعجب بالنساء القويات اللائي يلدن في الحقول ثم يواصلن عملهن من فورهن(43). ثم يبدي حزنه وأسفه على نقص نسبة المواليد بين المواطنين، وهو النقص الذي اخذ يبدل سكان رومه ويقول: "لقد كانت نعمة الأطفال سبب فخر المرأة وإعجابها بنفسها، أما الآن فإنها تفخر بما يفخر به إنيوس Ennius فتفضل أن تواجه الحرب ثلاث مرات على أن تلد طفلاً واحداً". ويقول في "عادياته المقدسة" Divine Antiquities إن كثرة النسل والنظام والشجاعة في أمة ما تتطلب مبادئ أخلاقية تؤيدها عقيدة دينية. ويأخذ بقول المشرع العظيم كونتس موسيوس أسكيفولا Q. Muciu Scarvola إن الدين نوعان- أحدهما للفلاسفة والثاني لعامة الشعب، وينادي بأن ثانيهما يجب أن يقوي وتثبت دعائمه، على الرغم مما فيه من عيوب ونقائص لا يرتضيها العقل، ويشير إلى بذل الجهود لإرجاع عبادة آلهة رومه القديمة إلى عهدها الأول، وإن كان هو نفسه يؤمن بنوع غامض من وحدة الوجود . ولقد تأثر بكاتو وبولبيوس فألقى بنفسه في تيار سياسة أغسطس الدينية وإن لم يكن من المؤمنين بمبادئها، كما نهج منهج فرجيل في تقواه الريفية.
وكأنما أراد فارو أن يتم أعمال كاتو الأكبر في جميع الميادين فاكمل كتاب الرقيب المعروف باسم "الأصول Oirgines" في كتابه هم المسمى "حياة الشعب الروماني"- وهو كتاب في تاريخ الحضارة الرومانية. ومما يؤسف له أن الدهر




صفحة رقم : 3146




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> العلماء


لم يبق على هذا الكتاب بل أباده كما أباد كل مؤلفات فارو تقريباً، على حين أنه أبقى التراجم التي كتبها كرنليوس نيبوس Cornelius Nepos، والتي لا تزيد قيمها على ما يكتبه صبية المدارس. لقد كان التاريخ في رومه فناً، لم يضم إلى صفات الفن خصائص العلم، ولم يرق حتى في كتابات تاستس Tacitus إلى درجة البعث الإنتقادي والى تلخيص المصادر. ولكن التاريخ بوصفه ميداناً من ميادين البلاغة قد وجد في ذلك العصر من يمارسه على خير وجه ونعني به كيوس سلستيوس كرسبس Caius sallustius Crispus (86-35 ق.م)، وقد قام كيوس بعمل هام في السياسة والحرب إلى جانب قيصر، وحكم نوميديا وبرع في السرقة، وأنفق كثيراً من المال على النساء، ثم ركن إلى حياة الترف والآداب في بيت له في رومه اشتهر فيما بعد بحدائقه الغناء وأصبح مسكناً للأباطرة. وكانت كتبه كما كانت سياسته مواصلة للحرب بوسائل غير وسائلها. فقد كانت "التواريخ وحرب جوجوثين، وكتلين" كلها دفاعاً مجيداً عن العامة وهجوماً عنيفاً على "الحرس القديم". وقد أظهر فيها ما كان في رومه من انحلال خلقي ، واتهم مجلس الشيوخ والمحاكم بأنها ترفع حقوق الملكية فوق الحقوق الإنسانية، وينطق ماريوس Marius بخطبة يؤكد فيها ما لطبقات الناس جميعاً من حقوق متساوية، ويطالب بان تفتح السبيل لذوي المواهب أياً كان مولدهم(46). ويزيد في تأثير قصصه بما يورده فيها من تعليقات فلسفية وتحاليل أخلاقية نفسية. وأوجد أسلوباً من الهجاء وجزءاً واضحاً سريعاً أصبح هو المثل الذي احتذاه تاستس Tacitus.




صفحة رقم : 3147




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> العلماء


وقد استمد هذا الأسلوب لونه ونغمته من الخطب التي كانت تلقى السوق العامة وفي الحكم، شأنه في هذا شأن جميع النثر الروماني في القرن الذي كان يعيش فيه سلست وفي القرن الذي يليه. ذلك أن تقدم مهنة القضاء ونشأة الديمقراطية الكلامية قد زادا حاجة الناس إلى الخطابة العامة، فأخذت مدارس الخطابة يتضاعف عددها على الرغم من عداء الحكومة لها. وفي هذا يقول شيشرون إنك تجد "الخطابة في كل مكان"، وكان أول ظهور أساتذة هذا الفن في النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد، ومن أشهرهم ماركس أنطونيوس (ابن أنطونيوس الشهير)، ولوسيوس كراسس Lucius Crassus، وسلبسيوس روفوس Sulpicius Rufus، وكونتس هورتنسيوس Quintus Hortensius. وفي وسعنا أن نتصور ما كان لهؤلاء الخطباء من رئات قوية إذا علمنا أن الذين يستمعون لهم كانت لا تتسع لهم السوق العامة، بل كانت تغص بهم الهياكل والشرفات المجاورة لها. وكانت بلاغة هورتنسيوس واستعداده لأن يبيع مواهبه وضميره بالمال مما جعله محبوب الأشراف كما جعله من أغنى أغنياء رومه. وترك لورثته بعد وفاته عشرة آلاف دن من الخمر(46)، وكان إلقاؤه قوياً حباً حياً حتى كان روسيوس وإبسيوس وغيرهما من كبار الممثلين الذائعي الصيت يحضرون المحاكمات التي يترافع فيها ليتعلموا ما ينقصهم من فن التمثيل بدراسة حركاته وطريقة إلقائه؛ وقد حذا حذو كاتو الكبر فراجع خطبه ونشرها، وهو الفن الذي وصل به منافسه شيشرون إلى ذروة الكمال، والذي جعل للخطابة أبلغ الأثر في النثر الروماني كله. ولقد بلغت اللغة اللاتينية عن طريق الخطابة الدرجة القصوى في البلاغة والرونق والقوة والحمال الذي يبلغ جمال اللغات الشرقية؛ والحق أن الخطباء الشبان الذين جاءوا من بعد هورتنسيوس وشيرشرون كانوا يعيبون على ما يسمونه الأسلوب "الأسيوي" إسرافه في المحسنات اللفظية، وفي إثارة عواطف السامعين، حتى لقد أخذ قيصر وكلفس Calvus




صفحة رقم : 3148




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> العلماء


وبروتس Brutus وبليو Polio على أنفسهم أن يلتزموا أسلوب الخطابة "الأتكي" الذي يمتاز بالهدوء والعفة والاعتدال. وهنا قام الخلاف من زمن بعيد بين النزعتين "الإبداعية" و"الاتباعية" أي بين النظرة العاطفية والنظرة العقلية إلى الحياة، وما تستلزمه هذه النظرة الأخيرة من سيطرة على الأسلوب. وكان الشباب أصحاب المذهب الاتباعي يجأرون بالشكوى من أن الشرق قد أخذ يغلب رومه على أمرها في كل شيء حتى في الخطابة نفسها.




صفحة رقم : 3149




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون



الفصل الخامس




قلم شيشرون


كان شيشرون يفخر بخطبه ويدرك أن هذه الخطب تهيئ السبيل إلى الأدب الروماني، ولذلك أحس بوقع انتقادات المدرسة الأتيكية، فلم يعه إلا أن يدافع عن نفسه، فكتب عدة رسائل طويلة في فن الخطابة، وقد لخص في بعضها تاريخ البلاغة الرومانية في حوار واضح بارع وضع فيه القواعد التي يجب اتباعها في تأليف الخطب وفي الإيقاع والإلقاء. ولم يسلم في هذه الرسائل بأن أسلوبه "أسيوي"، وقال إنه قد حذا فيه حذو دمستين Demosthenes واتهم "الأتيكيين" بأن خطبهم الفاترة الخالية من العواطف تنيم السامعين أو تجعلهم يفرون منهم.
وتوضح السبع والخمسون التي وصلت إلينا من خطب شيشرون جميع الحيل التي يلجأ إليها من خطب الخطباء الناجحون. فهي توفي على الغاية في عرض ناحية واحدة من نواحي الموضوع الذي يتحدث عنه الخطيب عرضاً يفيض حرارة وحماسة؛ وفي إدخال السرور على المستمعين بالفكاهات والنوادر؛ وفي إثارة كبريائهم وأهوائهم، وعواطفهم، ووطنيتهم، وتقواهم؛ وفي عرض أخطاء المعارض له أو أخطاء مولاه سواء كانت صحيحة أو مما يرويها الناس عنه، وسواء كانت تمس الشؤون العامة أو تمسه هو نفسه؛ ويحذقه في تحويل انتباه السامعين من النقط التي في غير صالحه، وغمرهم بفيض من الأسئلة الخطابية يضعها بحيث تكون الإجابة عنها صعبة أو مؤذية، ثم يكيل التهم في جمل تكون عباراتها قوية قوة السياط، وتيارها الجارف يغمر المستمعين؛ ولا تدعى هذه الخطب أنها عادلة منصفة بل إن فيها من التجريح أكثر مما فيها من التصريح، وهي خلاصات يستغل من




صفحة رقم : 3150




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون


يلقيها حرية القذف التي كانت محرمة في المسارح، ولكنها مباحة في السوق العامة وفي ساحات القضاء. ولا يتردد شيشرون في أن يصف ضحاياه بألفاظ مثل "الخنزير" و"الوباء" و"الجزار" و"القذارة"؛ ويقول لبيزو Piso إن العذارى يقتلن أنفسهن ليتقين شر عُهره، ويصب اللعنات على أنطونيوس لأنه يظهر حبه لزوجته على ملأ الناس؛ وكانت هذه المثالب تسر المستمعين والمحلفين ولم يكن أحد من الناس يأخذها مأخذ الجد. ولم يأنف شيشرون نفسه من أن يكتب إلى بيزو رسائل تفيض وداً وصداقة بعد بضع سنين من هجومه الوحشي عليه في In Pisonem. وجدير بنا فوق هذا أن نقر بأن في خطب شيشرون من الأنانية والبلاغة الخطابية أكثر مما فيها من الإخلاص الخلقي أو الحكمة الفلسفية، بل إن فيها من الأنانية والبلاغة أكثر مما فيها من الفطنة أو التعمق القانوني، ولكنها بلاغة ليست كمثلها بلاغة قط. إن خطب ديموستين نفسه لم يكن فيها هذا التصوير الواضح، الحيوي، وهذه الفكاهة الغزيرة، وهذا القذف اللاذع لبني الإنسان؛ ومما لا جدال فيه أنا لا نجد أحداً قبل شيشرون أو بعده قد أكسب اللغة اللاتينية ما أكسبها هو من سحر وسلامة فاتنة، وقوة عاطفية وجمال. لقد كانت خطبه أسمى ما وصل إليه النثر اللاتيني؛ وقد كتب إليه قيصر الكريم وهو يهدي إليه كتابه "في التشبيه" يقول: "لقد كشفت كل كنوز الخطابة، وكنت أنت أول من استخدمها، وبذلك كانت لك اليد الطولي على جميع الرومان، وكنت مفخرة وطنك؛ لقد نلت نصراً دونه نصر أعظم القواد، لأن الذهن البشري أنبل من توسيع رقعة الإمبراطورية الرومانية"(47).
وتكشف خطب شيشرون عن أخلاقه السياسية، أما رسائله فتكشف عن إنسانيته، وتجعل المرء يعفو عن جميع عيوبه السياسية. لقد أملى هذه الخطب كلها إلا قلة منها على أمين سره، ولم يراجعها بنفسه، ولم يكن يفكر وهو يكتب معظمها أنها ستنشر على الملأ، ومن أجل هذا فإن الناس لم تعرض عليهم نفسية إنسان




صفحة رقم : 3151




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون


وسريرته كاملتين، كما عرضت عليهم نفسية شيشرون وسريرته. وفي ذلك يقول نيبوس Nepos "لا حاجة لمن يقرأ هذه الرسائل بقراءة تاريخ تلك الأيام"، ذلك أن في وسع قارئها أن يطلع على أهم الفصول الحيوية من المسرحية الثورية من داخلها، والستائر كلها مرفوعة عنها. وأسلوبها في الغالب صريح قديم، خال من الفن والتكلف، ملئ بالملح والفكاهات(49)، ولغتها مزيج جذاب من الرقة الأدبية، وسلاسة اللغة الدارجة. وهي أكثر ما بقي من آثار شيشرون بل من النثر اللاتيني كله طرافة ومتعة؛ ومن الطبيعي أن نجد في هذه المجموعة الكبيرة من الرسائل (وهي تشمل 864 رسالة تسعون منها كتبت لشيشرون) بعض المتناقضات وغير قليل من الشواهد الدالة على عدم الإخلاص. وليس فيها كلها أثر واحد للتقي والإيمان اللذين يطالعاننا كثيراً في مقالات شيشرون أو في تلك الخطب التي يجعل الآلهة فيها ملجأه الأخير، ويتبين لنا من هذه الرسائل أن رأيه الخاص في كثير من الناس، وخاصة في قيصر، لا يتفق على الدوام مع ما يصفهم به جهرة(50)، وفيها يظهر غروره الشديد الذي لا يكاد يصدقه العقل ألطف وأحب إلى النفس مما يظهر في خطبه، حيث يبدو لنا وكأنه يحمل معه تمثالاً أينما ذهب. وهو يقر مبتسماً بأن "تقديري لنفسي وثنائي عليها أعظم الأشياء قدراً عندي"(51). ويؤكد لنا في سذاجة ساحرة أنه "إذا كان في الناس من لا يتصف بالغرور فهو أنا"(52). ومما يلهو به القارئ ما يجده فيها من رسائل كثيرة عن المال، ومن أقوال كثيرة عن بيوته المتعددة. فقد كان له فضلاً عن بيوته ذات الحدائق في أربينوم Arpinum وأستوري Asturae وبتيولي وبمبي Pompeii كان له فضلاً عن هذه البيوت ضيعة في فورميا Formiae تبلغ قيمتها 250.000 سترس، وأخرى في تسكولوم Tusculum تساوي 500.000، وقصر عل تل بلاتين




صفحة رقم : 3152




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون


Palatine كلفته 3.500.000 ألا إن هذه المتع وأسباب الترف لتبدو شنيعة مشينة إذا ما أتصف بها الفيلسوف.
ولكن هل في الناس من بلغت فضائله تبقى معها سمعته إذا ما نشرت رسائله الخاصة؟ والحق أن الإنسان إذا أمعن في قراءة هذه الرسائل يكاد يحب هذا الرجل. إنه في واقع الأمر لم يكن له من الأغلاط، ولعله لم يكن له من الغرور، اكثر مما لنا، ولكنه أخطأ إذ خلد هذه الأغلاط وهذا الغرور في نثر أوفى على الكمال. وخير ما نستطيع أن نصفه به أن كان عاملاً مجداً، وأباً رحيماً، وصديقاً وفياً؛ وفي وسعنا أن نراه في بيته مولعاً بكتبه وبأبنائه، يحاول أن يحب زوجه ترنتيا Terentia الغضوب المصابة بالرثية والتي لم تكن تقل عنه ثروة أو فصاحة. ولقد أوتى هو وزوجه من الثروة ما يبعد عنهما السعادة، وكانت متاعبهما ومنازعاتهما تنشأ على الدوام من حساباتهما الضخمة، وظلت هذه المنازعات تزداد حتى طلقها بسبب تشاحن على المال نشأ بينهما. ولم يلبث بعد أن طلقها أن تزوج بيليا Publia؛ وقد اسفلت نظره إليها أنها ذات ثروة طائلة وليست كبيرة السن، فلما أن أظهرت بغضها لابنته تليا Tullia طلقها هي الأخرى. وكان يحب تليا أشد الحب، فلما ماتت حزن عليها حزناً كاد يذهب بعقله، وأراد أن يشيد لها معبداً كمعابد الآلهة. ومن ألطف رسائل شيشرون التي كتبها إلى تيرو Tiro كبير أمناء سره والتي كتبها عنه. وكان تيرو يكتب ما يمليه عليه مختزلاً، ويشرف له على أمواله بقدرة وأمانة كافأه عليهما شيشرون بتحريره من الرق. وأكثر الخطابات عدداً هي التي كتبها إلى أتكس Atticus الذي كان




صفحة رقم : 3153




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون


يستثمر لشيشرون أمواله المدخرة والذي أنجاه من عدة ورطات مالية، ونشر له مؤلفاته، وأسدى إليه من النصح السديد ما لم يعمل به. وقد كتب شيشرون إلى أتكس، وكان غائباً في بلاد اليونان عن حكمة وفطنة حين بلغت الثورة عنفوانها، خطاباً يعد مضرب المثل في الوفاء وعذوبة اللفظ قال فيه:
لست اشعر بحاجة أشد من حاجتي إلى من أستطيع أن أفضي إليه بكل ما يتصل بي، ومن يحبني، ومن أثق بحزمه وحصافة رأيه، ومن أستطيع أن أتحدث إليه بلا ملق ولا رياء ولا تحفظ. إن أخي الذي يفيض صراحة وحناناً غائب عني... وأنت يا من أنجيتني من متاعبي وأسباب قلقي برأيك السديد، ويا من كنت رفيقي في الشؤون العامة وموضع ثقتي في جميع شؤوني الخاصة. وشريكي في جميع أقوالي وأفكاري- أين أنت؟(54).
وبينما كانت بلاد الرومان تمر بتلك الأيام العصيبة حين عبر قيصر الروبكون وهزم بمبي، ونصب نفسه حاكماً بأمره، اعتزل شيشرون الحياة العامة إلى حين وأخذ ينشد الراحة من عنائها في قراءة الفلسفة والكتابة فيها. وقد كتب إلى أتكس في ذلك الوقت يقول له: "تذكر ما وعدتني به فلا تعط كتبك لإنسان ما بل احتفظ بها لي. إني أحبها أعظم الحب، وتشمئز نفسي أشد الاشمئزاز من كل ما عداها"(55). وقد عمل وقتئذ بما كان ينصح به غيره، وأصدر في فترة لا تزيد إلا قليلاً على سنتين ما يكاد يكون مكتبة في الفلسفة .ذلك أن ضعف العقيدة الدينية لدى الطبقات العليا قد خلف وراءه فراغاً أخلاقياً لاح معه




صفحة رقم : 3154




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون


أن رومه تتردى في مهاوي الانحلال الخلقي والاجتماعي. وكان شيشرون يأمل أن تحل الفلسفة محل الدين متهدي هذه الطبقات إلى الحياة الطبية، وتحفزها لأن تحيا هذه الحياة، ولم يكن يعتزم أن يضيف إلى النظم الفلسفية السابقة نظاماً جديداً، بل كان كل ما يهدف له هو تلخيص تعاليم حكماء اليونان وتقديمها للرومان لتكون آخر ما يهديه لهم في حياته(57). وقد بلغ من أمانته العلمية أن أقر في غير خفاء أنه يستمد فلسفته من رسائل بانتيوس Panaetiue وبوسيدونيوس Poseidonius وغيرهما من فلاسفة اليونان المحدثين(58)، وأن عمله لا يزيد على تكييف رسائلهما تكييفاً جديداً؛ بل إنه في بعض الأحيان لا يفعل أكثر من ترجمة هذه الرسائل. ولكنه قد حول نثر هؤلاء الفلاسفة الجاف الممل إلى لغة لاتينية سهلة، واضحة، جذابة، وجمل بحوثه بالحوار. وكان ينتقل فيها تنقلاً سريعاً من بيداء المنطق وما وراء الطبيعة الجدباء، إلى المشاكل الحية، مشاكل السلوك وحكم البلاد. وقد اضطر كما اضطر لكريشيوس إلى ابتكار مصطلحات فلسفية جديدة، ونجح في هذا نجاحاً جعله صاحب الفضل على اللغة والفلسفة كلتيهما. والحق أن الحكمة لم يزنها من أيام أفلاطون هو الذي استمد منه شيشرون معظم أفكاره؛ ذلك بأنه لم يكن يحب تحكم الأبيقوريين الذين "يتحدثون عن الأمور الإلهية حديث الواثقين، حتى ليخيل إليك أنهم قد جاءوا لساعتهم من مجتمع للآلهة". وكذلك لم يكن يعجبه تحكم الرواقين الذين يلوون الحجج عن قصد وتعمد حتى ليخيل إليك أن الآلهة أنفسها إنما وجدت لمنفعة الآدميين(59) وتلك نظرية لم ير شيشرون نفسه في بعض أطواره أنها بعيدة عن حكم العقل. وكانت النقطة التي بدأ منها فلسفته هي بعينها بداية فلسفة الأقديمية الجديدة The New Academy- أي التشكك الهين الذي لا يعترف بأن شيئاً ما مؤكداً كل التأكيد، والذي يرى في الاحتمالات الراجحة ما يكفي مطالب الحياة البشرية؛




صفحة رقم : 3155




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون


وفي ذلك يقول في بعض كتاباته: "إن فلسفتي في معظم الحالات هي فلسفة الشك(61).. ولعلكم تأذنون لي ألا أعرف ما لا أعرفه"(61). ويقول في موضع آخر: "إن الذين يريدون أن يعرفوا رأيي الشخصي يظهرون قدراً من التشوف لا يقره العقل"(62). ولكن ما أوتي من قدرة فائقة على التعبير سرعان ما كان يتغلب على حيائه: فيهزأ بالتضحيات الدينية، والهاتفين والعرافين. ويخصص رسالة بأكملها لإنكار القدرة على التنبؤ بالغيب، ويتساءل في معرض استنكار الاعتقاد بالتنجيم، وهو الاعتقاد الذي كان واسع الانتشار في تلك الأيام، هل كان من قتلوا في واقعة كاني قد ولدوا في مطلع نجم واحد(63). بل إنه ليشك في أن العلم بالمستقبل خير لمن يعلمه، وذلك لأن المستقبل نفسه قد يكون كريهاً كغيره من الحقائق الكثيرة التي يدفعنا حمقنا إلى الجري وراءها. ويظن شيشرون أن في مقدوره أن يقضي على العقائد القديمة كلها قضاء مبرماً بالسخرية منها والاستهزاء بها. فيقول مثلاً: "إذا سميت الحب سيريز Ceres وسميت الخمر باخوس Bachus كانت هذه التسمية استعارة من الاستعارات المألوفة، ولكن هل تظن أن أحداً من الناس قد بلغ به الجنون إلى الحد الذي يعتقد معه أن ما يأكله إله بحق"(63). على أن شكه في الإلحاد لم يكن يقل عن شكه في أية عقيدة تحكمية أخرى. فهو يرفض العقيدة الذرية التي كان يقول بها دمقريطس ولكريشيوس، ويقول إن من أبعد الأشياء أن تنظم الذرات نفسها بلا هاد يهديها ولو ظلت تفعل كذلك أبد الدهر، ثم ينشأ من هذا التنظيم عالمنا الذي نعيش فيه. وشأنها في ذلك شأن الحروف الهجائية فإن من أبعد الأشياء كذلك أن تتجمع هذه الحروف من تلقاء نفسها فينشأ من تجمعها "حوليات إنيوس"(64). ويقول إن




صفحة رقم : 3156




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون


جهلنا بالآلهة ليس بالدليل القاطع على عدم وجودها، بل إنه ليذهب إلى أبعد من هذا فيقول إن إجماع الناس على وجودها يكفي في حد ذاته لترجيح وجود قوة مدبرة. ويستخلص من هذا أن الدين نظام لابد منه للأخلاق الشخصية والنظام العام، وأنه نظام لا يمكن أن يهاجمه إنسان عاقل(65)؛ ولذلك فإنه ظل يقوم بواجبات العراف الرسمي في الوقت الذي كان يكتب فيه ضد التنبؤ والعرافة. ولم يكن يعد هذا نفاقاً بمعناه الصحيح، ولعله كان يسميه سياسة وحسن التصرف. ذلك أن الأخلاق الرومانية، والمجتمع الروماني، ونظام احكم فيه، كانت كلها وثيقة الارتباط بالدين القديم، وأنه إذا أريد لها البقاء وجب ألا يترك هذا الدين كي يموت. (وكان الأباطرة يبررون اضطهاد المسيحيين بمثل هذه الحجج). ولما توفيت تليا التي كان يحبها أعظم الحب، اشتدت به نزعة الأمل في الخلود. وكان قبل ذلك بعدة سنين كثيرة قد استعار من فيثاغورس وأفلاطون وإيكسودس في "حلم سبيو" الذي اختتم به "جمهورية" أسطورة معقدة بليغة عن حياة بعد الموت، ينعم فيها الموتى العظماء الصالحين بالنعيم الأبدي. أما في رسائله الخاصة- وحتى في رسائله التي يواسي فيها الثاكلين من أصدقائه- فإنه لا يذكر قط شيئاً عن الحياة الآخرة.
وإذ كان على علم بما يسري في أيامه من نزعة التشكك فإن الأسس التي أقام عليها بحوثه في الأخلاق والسياسة كانت أسساً دنيوية محضة، لا تعتمد قط على تأييد غير القوى الطبيعية. فهو يبدأ (في De Finbus) بالتساؤل عن الطريق الموصل إلى السعادة. ثم يوافق الرواقيين في شيء من التردد على أن الفضيلة وحدها لا تكفي للوصول إليها. ومن أجل هذا تراه (في De Effcüs) يبحث عن طريق الفضيلة، ويفلح بفضل جمال أسلوبه في أن يجعل الواجب محبباً ممتعاً إلى حين، وفي ذلك يقول: "الناس جميعاً أخوة، وخليق بنا أن نعد العالم كله مدينة مشتركة للآلهة والبشر على السواء"(66). ثم يواصل حديثه قائلاً إن




صفحة رقم : 3157




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون


أسمى المبادئ الخلقية هي الولاء لهذا الكل، ولاء يكون الحافز له هو الضمير الحي. وأول ما يجب على الإنسان لنفسه وللمجتمع، أن يقيم حياته على أساس اقتصادي سليم، وعليه بعدئذ أن يؤدي واجباته بوصفه مواطناً في بلده. والسياسة الحكيمة أعظم شرفاً من أعمق البحوث الفلسفية(67).
وهو يرى أن الملكية المطلقة خير أنواع الحكومات إذا كان الملك صالحاً، وأكثرها شراً وفساداً إذا كان الملك فاسداً- وتلك حقيقة سرعان ما تأيدت في رومه نفسها. وعنده أن الحكومات الأرستقراطية تصلح إذا كان الحاكمون فيها هم أحسن الناس حقاً. ولكن شيشرون، وهو من أفراد الطبقة الوسطى، لا يسلم تسليماً مطلقاً بأن الأسر القديمة المحافظة على أرستقراطيتها خير الأسر. والحكم الديمقراطي في رأيه يصلح إذا كان الشعب فاضلاً، وهذا في ظنه لا يكون أبداً. هذا إلى أن هذا الحكم يفسده الافتراض الكاذب بأن الناس متساوون. ولذلك كان خير الحكومات هي التي تقوم على دستور يجمع بين هذه الأنواع كلها كحكومة رومه قبل عهد ابني جراكس، فقد جمعت بين سلطة الجمعيات الديمقراطية، وسلطة مجلس الشيوخ الأرستقراطية، وسلطة القنصلين التي لا تكاد تقل عن سلطة الملوك في السنة التي يتوليان فيها منصبهما, والملكية إذا لم تكن لها ضوابط وموازين تصبح حكومة استبدادية، كما أن هذه الظروف نفسها تجعل الأرستقراطية ألجركية، وتجعل الديمقراطية حكم الغوغاء وتستحيل إلى فوضى وطغيان. وقد كتب بعد خمس سنين من تولى قيصر منصب القنصلية، وكأنه فيما كتب كان يصّوب السهم إلى صدر قيصر:
يقول أفلاطون إن الحكام المستبدين ينبتون من مغالاة الناس في التحلل من القيود تحللاً يسميه حرية، كما ينبت النبات من الجذور... وإن هذه الحرية تهوى بالأمة آخر الأمر إلى درك الاستعباد.. إن كل شيء يزيد على




صفحة رقم : 3158




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون


حده ينقلب إلى ضده.. وذلك لأن العامة التي ليس لها حاكم يسيطر عليها تختار من بينها في العادة زعيماً يقودها.. وهو إنسان جرئ لا ضمير له.. يسعى لنيل رضاء الناس بما يعطيهم من أموال غيرهم. ولما كان هذا الرجل يخشى أشد الخشية أن يظل فرداً كغيره من الأفراد فإنهم يخلعون عليه حماية المنصب العام، ويجددون له هذه الحماية على الدوام، فيحيط نفسه بحرس مسلح، وينتهي به الأمر إلى أن يصبح طاغية يستبد بالشعب الذي حباه القوة والسلطان(68).
ولكن قيصراً رغم هذا نال بغيته، ورأى شيشرون أن خير ما يفعله هو أن يكظم غيظه ويرفه عن نفسه بالقول المعاد في القانون، والصداقة، والمجد، والشيخوخة، وبأن "القوانين تلتزم الصمت في أيام الحرب" Silent lege enter arma على حد قوله هو نفسه. على أنه كان في وسعه على الأقل أن يستسلم للتفكير في فلسفة القانون، وقد عرفه كما عرفه الرواقيون بأنه "التفكير الصحيح المتفق مع الطبيعة"(69) أي أن القانون يعمل لجعل الصلات التي تنشأ من دوافع الناس الاجتماعية صلات منظمة مستقرة. وفي ذلك يقول إن "الطبيعة قد غرست في نفوسنا الميل إلى حب الناس" (المجتمع)، "وهذا هو أصل القانون"(70) ويرى شيشرون أن الصداقة يجب ألا تقوم على المنافع المتبادلة بل على المصالح المشتركة التي تدعمها، وتحدوها الفضيلة والعدالة، وأن قانون الصداقة هو "ألا يطلب الإنسان إلى صديقه أن يعمل أشياء غير شريفة، وألا يعملها هو إذا طلب إليه عملها(71)، وعنده أن الحياة الشريفة هي خير ضمان للشيخوخة السارة، وأن الاستهتار والإسراف في أيام الصبا يتركان الشيخوخة جسماً والعقل منهوكا قبل الأوان. أما الحياة التي تقضي على خير وجه فقد يبقى الجسم والعقل فيها سليمين حتى يبلغ المرء مائة من السنين، ولنضرب لذلك ماسينسا Masinassa. والانكباب على الدرس قد يجعل الإنسان "يغفل عن اقتراب الشيخوخة منه خفية(72). والشيخوخة أمجادها كما للشباب أمجاده- ففيها الحكمة المتسامية،




صفحة رقم : 3159




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون


وفيها حب الأطفال آباءهم وإجلالهم إياهم، وفيها تهدأ حمى الرغبات والمطامح. وقد تخشى الشيخوخة الموت ولكن ذلك لا يحدث إذا كان العقل قد كونته الفلسفة، فأدرك أن وراء القبر، في أحسن الأحوال، حياة جديدة أسعد من الحياة وفي أسوئها من عنائها(73).
وفي وسعنا أن نحكم على مقالات شيشرون في الفلسفة بأنها كلها ضئيلة الأثر، وأنها كآرائه في الحكم والسياسة تستمسك فوق ما يجب بالسنن القديمة والتقاليد المرعية. وسبب ذلك أنه وإن أوتي تشوف العالم فقد أوتي معه حذر أبناء الطبقة الوسطى وضعف عزيمتهم، ولذلك ظل في فلسفته نفسها سياسياً يكره أن يسيء إلى شخص واحد من الناس، خشية أن يفقد بذلك صوته يوم الانتخاب. وكان ديدنه أن يجمع آراء غيره ويجيد الموازنة بين ما لها وما عليها، فإذا انتهى من هذه الموازنة خرج السامع بعدها من نفس الباب الذي دخل منه، لا يدري أي الكفتين ترجح على الأخرى. ولولا ما امتازت به هذه الكتب الصغيرة من أسلوب سهل جميل لعفي عليها الزمان، ولما بقي لها ذكر الآن. فما أجمل لاتينية شيشرون وما أسهل قراءتها، وما أسلس لغتها وأوضحها! لقد كان إذا قص حادثة أسبغ عليها من الحيوية التي تسري في خطبه فتسترعي الأسماع وتسحر الألباب. وإذا وصف شخصاً أظهر في هذا الوصف من البراعة ما يجعل القارئ يتأسف معه لأنه لم يجد متسعاً من الوقت يمكنه من أن يكون أعظم مؤرخي رومه(74)، وإذا انطلق في الخطابة أفاض على السامع جُملاً متزنة، جميلة اللفظ، قوية العبارة، مما أخذه عن إيزوقراطيس Isocrates، وجعل السوق العامة تدوي بالتصفيق والاستحسان.
إن آراء شيشرون هي آراء الطبقات العليا، أما أسلوبه فقد أراد به أ يصل إلى قلوب الشعب؛ ومن أجل هذا تراه يبذل جهده لكي يكون




صفحة رقم : 3160




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> الأدب في عهد الثورة -> قلم شيشرون


هذا الأسلوب واضحاً لا غموض فيه، وأن تكون الحقائق التي يوردها مما يهز مشاعر السامعين هزاً، وهو يمزج المعنويات بالنوادر والفكاهات.
وملاك القول أن شيشرون قد خلق اللغة اللاتينية خلقاً جديداً، فوسع نطاق مفرداتها، وصاغ منها أداة مرنة للتعبير عن الفلسفة، وجعلها صالحة لاستيعاب الآداب والعلوم في أوربا الغربية سبعة عشر قرناً من الزمان. وإن الأجيال التي جاءت بعده لتذكره على أنه مؤلف أكثر منه رجل سياسة. ولما أن نسي الناس ما قام به وهو قنصل من أعمال مجيدة، أو كادوا ينسونها، على الرغم مما فيها من ذكريات طيبة، ظلوا يمجدون فتوحه في عالم الأدب والفصاحة. وإذ كان من عادة الناس أن يمجدوا الصورة كما يمجدون المادة، وأن يعظموا الفن كما يعظمون العلم والسلطان، دون سائر الرومان، من الشهرة ما لم ينل أكثر منه إلا قيصر وحده. ولم يغفر هو لرومه هذا الاستثناء الوحيد.




صفحة رقم : 3161




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الرقيع



الباب التاسع




قيصر




100-44 ق.م




الفصل الأول




الرقيع


يقول يوليوس قيصر إنه ينتمي إلى يولوس أسكانيوس Iulus Ascanius ابن إينياس Aeneas ابن فينوس Venus الزهرة) ابنة جوبتر: أي أنه بدأ حياته إلهاً واختتمها إلهاً. وكال آل يوليوس من أقدم الأسر في إيطاليا وأعلاها شرفاً، وإن كان الدهر قد عدا عليها فذهب بمالها وأفقرها. فقد كان أحد أفراد هذه الأسرة يوليوس قنصلاً في عام 489، كان منها قنصل آخر في عام 482، وكان فوبسكس يوليوس Vopiscus Julius قنصلاً في عام 473، وسكستس يوليوس Sextus Julius في عام 157، وآخر في عام 91(1). وقد ورث عن عم لزوجته يدعى ماريوس- كما يرث الناس في بعض الأحيان عن أعمامهم- ميلاً إلى المبادئ السياسية المتطرفة. وكانت أمه أورليا سيدة وقورة حكيمة مقتصدة في تدبير شؤون بيتها الصغير، وكان هذا البيت




صفحة رقم : 3162




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الرقيع


في حي سابورة- وهو حي من الطراز القديم، ومن الأحياء التي تكثر فيها الحوانيت والحانات والمواخير. في هذا البيت ولد قيصر في عام 100ق.م، وكان مولده نتيجة لجراحة هي التي كانت سبباً في تسميته باسمه الأول .
ويقول سيوتونيوس Suetnius فيما نقله عنه هلند Holland إن قيصر هذا كان شخصاً مطيعاً سلس القياد إلى حد يدعو للعجب، كما كان الميل إلى التعلم". وكان المعلم الذي يتولى تعليمه اللغتين اللاتينية واليونانية وعلوم البلاغة رجلاً من الغاليين. وشرع قيصر مع هذا المعلم يعد نفسه على غير علم منه للفوز بأعظم فتوحه كلها. ذلك أن الشاب أظهر استعداداً عظيماً للخطابة، وبدأ في شبابه يكتب ويؤلف. ثم أنقذه من هذه النزعة تعيينه ياوراً حربياً لماركس ثرمس Marcus Thermus في آسيا. وأحبه نقوميدس Nicomedes والى بيثينيا Bithynia حباً دفع شيشرون وغيره من الثرثارين المغتابين إلى أن يعيروه بأنه "أسلم عذرته لملك"(2). ولما عاد إلى رومه في عام 84 تزوج كوساتيا Cossutia استجابة لرغبة أبيه. فلما أن توفي والده بعد زواجه منها بزمن قليل طلقها وتزوج كرونليا Cornelia ابنة سنا Cinna الذي تولى قيادة الثورة بعد ماريوس. ولما تولى صلا زمام السلطة أمر قيصر أن يطلق كورنليا، فلما أبى أن يطيع هذا المر صادر صلا أملاكه التي ورثها عن أبيه كما صادر بائنة كورنليا وسجل اسمه في المحكوم عليهم بالإعدام.
ولما علم قيصر بذلك هرب من إيطاليا وانضم إلى الجيش المحارب في قليقية، حتى إذا مات صلا عاد إلى رومه (75). ولما رأى أن أعداءه هم أصحاب الأمر والنهي فيها غادرها مرة أخرى إلى آسيا. وأسره القراصنة في الطريق واقتادوه إلى كمين لهم في قليقية، وعرضوا عليه أن يطلقوا سراحه نظير فدية قدرها عشرون




صفحة رقم : 3163




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الرقيع


تالنتا (72.000 ريال أمريكي)، فلما سمع ذلك لاسهم على أنهم لم يقدروه حق قدره، وعرض عليهم هو نفسه أن يعطيهم خمسين تالنتا. وأرسل خدمه ليأتوه بالمال، وأخذ في هذه الأثناء يسلي نفسه بكتابة القصائد وقراءتها على آسريه. فلما لم تعجبهم قصائده سماهم برابرة همجاً، وأوعدهم بأنه سيشنقهم في أول فرصة تتاح له. ولما جاءه الفداء أسرع بالذهاب إلى ميليطس Miletus وأعد السفن والملاحين، وطارد القراصنة وقبض عليهم، واستعاد منهم الفداء، وصلبهم؛ ولكنه وهو الرجل الشفيق الرحيم قطع رقابهم أولاً(3). وذهب بعدئذ إلى جزيرة رودس ليدرس فيها البلاغة والفلسفة.
ولما عاد إلى رومه وزع جهوده بين السياسة والحب. وكان وسيم الوجه وإن كان سقوط شعر رأسه في هذه السن المبكرة أخذ يشغل باله. ولما توفيت كرنليا في عام 68 تزوج بمبا ابنة حفيدة صلا. وإذ كان هذا الزواج زواجاً سياسياً محضاً فإنه لم يتورع عن العلاقات الجنسية غير المشروعة حسب عادة ذلك الوقت؛ ولكن هذه العلاقات بلغت من الكثرة ومن التنوع الشاذ حداً جعل كوريا Curia (والد قائده الأخير) يصفه بقوله إنه "زوج كل امرأة وزوجة كل رجل ommium mulierum vir et ommium virorum mulier" (4). وظل يتبع هذه العادات نفسها في حروبه فيبعث مع كيلوبطرة في مصر، ومع الملكة إيونو Eunoe في نوميديا، ومع كثيرات من النساء في غالة، حتى كان جنوده يلقبونه في مزاحهم بلقب "الزاني الأصلع". ولما تم له النصر في بلاد الغاليين أخذ جنوده ينشدون بيتين من الشعر المقفى يحذرون فيهما جميع الأزواج بقولهم إن عليهم أن يغلقوا الأبواب على زوجاتهم ما دام قيصر في المدينة. وكان الأشراف يحقدون عليه لسببين أولهما أنه قضى على امتيازاتهم، وثانيهما أنه أفسد زوجاتهم؛ وطلق بمبي زوجته لاتصالها بقيصر، ولم تكن كراهية كاتو الشديدة له منبعثة عن أسباب فلسفية خالصة بل كان من أسبابها أن أختاً له غير شقيقة تدعى




صفحة رقم : 3164




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الرقيع


سرفليا Servilia كانت أحب عشيقات قيصر له. ولما ارتاب كاتو في صلات قيصر بكاتلين وظنه شريكاً له في مؤامراته طلب إليه في مجلس الشيوخ أن يقرأ جهرة رسالة جئ بها إليه في تلك اللحظة، فما كان من قيصر إلا أن أوصلهما إليه دون تعليق عليها، فإذا هي رسالة حب بعثت بها إليه سرفليا(5). وظلت تهيم بحبه طوال حياته؛ وكانت ألسنة السوء القاسية تتهما في أخريات أيامها بأنها أسلمت ابنتها ترشيا Tertia إلى قيصر لتشبع شهواته. وحدث في مزاد علني أثناء الحرب الأهلية أن باع قيصر إلى سرفليا ضياعاً صادرها من جماعة من الأشراف المعاندين بثمن أسمى زهيد. ولما أظهر بعضهم دهشته من ضآلة الثمن قال شيشرون في سخرية لاذعة كانت خليقة بأن تطيح برأسه إنه tertia deducta، وهي عبارة تحتمل معنيين فقد يكون معناها أن الثمن "ينقص ثلثه" وقد تكون إشارة منه إلى الإشاعة الرائجة وقتئذ وهي أن سرفليا قد جاءت بابنتها ترشيا إلى قيصر. وأصبحت ترشيا فيما بعد زوجاً ليكيوس القاتل الأول لقيصر، وهكذا يختلط عشق الخلائق بالفتن التي تندلع نيرانها في الدول.
ولعل هذه الظروف قد ساعدت على رفع قيصر إلى أعلى الدرجات، ولعلها أيضاً قد عانت على سقوطه. فقد كانت كل امرأة فاز بحبها صديقة له عظيمة النفع، وخاصة في معسكرات الأعداء؛ وقد حافظت معظمهن على وفائهن له حتى بعد أن هدأت عاطفة حبه لهن وأضحت لا تزيد على المجاملات المألوفة من الرجال إلى النساء. من ذلك أن كراسس أقرض قيصر أموالاً طائلة ليستخدمها في الدعاية لنفسه وهو يطالب بالقنصلية فيرشو بها الشعب، ويقيم له الألعاب، وذلك على الرغم مما كان يشاع وقتئذ من أن زوجته ترتلا كانت تعشق قيصر.
وحسبك دليلاً على مقدار هذه الأموال أن قيصر كان يوم ما مديناً له بثمانمائة تالنت (2.800.000 ريال أمريكي). ولم يكن الباعث على هذه القروض هو الكرم والصداقة، بل كانت بمثابة اشتراك من أصحابها في الحملات




صفحة رقم : 3165




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الرقيع


تود إليهم في صورة مساعدات سياسية أو غنائم حربية؛ فقد كان كراسس- كما كان أتكس- في حاجة إلى من يحمي ملايينه وتتيح له فرص استثمارها. وكان معظم الساسة الرومان في ذلك الوقت ينوءون بمثل هذه "الديون". فقد كان ماركس أنطونيوس مثلاً مديناً بنحو 40.000.000 سسترس، وشيشرون بستين مليوناً، وميلو Milo بسبعين مليوناً على أن من الجائز أن تكون هذه الأرقام افتراء على هؤلاء الساسة.
وجملة القول أن علينا أن نتمثل في أول حياته في صورة السياسي الذي لا ضمير له، والرقيع المستهتر، الذي بدلته السنون والتبعات شيئاً فشيئاً فجعلته من أقدر رجال الحكم وأرعاهم للحرمات في تاريخ العالم. وينبغي لنا- ونحن نطرب من عيوبه ونقائصه- ألا ننسى أنه كان رجلاً عظيماً على الرغم من هذه العيوب والنقائص. وليس في وسعنا أن نسوي بين أنفسنا وبين قيصر بقولنا إنه كان يضلل بالنساء، ويرشو الزعماء، ويؤلف الكتب.




صفحة رقم : 3166




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> القنصل



الفصل الثاني




القنصل


بدأ قيصر حياته السياسية بأن تحالف مع كاتلين سراً واختتمها بأن أعاد الحياة إلى رومه. ذلك أنه لم يكد يمضي عام واحد على موت صلا حتى قدم للمحاكمة نيوس دلابلا Gnaeus Dolabella أحد العاملين في حركة صلا الرجعية، وكان قرار المحلفين على غير ما يشتهيه قيصر، ولكن العامة هللت له حين هاجم ذلك القرار في خطبة بليغة ردد فيها المبادئ الديمقراطية. نعم إنه لم يكن يضارع شيشرون في تحمسه وفكاهته، أو في جمله الموزونة القوية، أو في حدة لسانه. والحق أن قيصر كان يبغض أسلوب شيشرون "الأسيوي" لأنه اعتاد من أول الأمر ذلك الأسلوب الموجز القوي ذا البساطة الصارمة التي امتازت بها فيما بعد "تعليقاته" على الحربين الغالية والأهلية. على أنه رغم هذا كله لم يلبث أن صار أفصح الفصحاء في رومه إذا استثنينا شيشرون نفسه(6).
واختير قيصر كوسترا في عام 68، وأرسل للعمل في أسبانيا حيث تولى قيادة الحملات العسكرية التي سيرت لتأديب القبائل الوطنية، فخرب مدنها، ونهب من الأموال ما استطاع أن يوفي به بعض ما عليه من الديون. على أن هذه المدن قد حمدت له في الوقت نفسه أن خفض فوائد قروضها من الماليين الرومان، ولما قدم إلى مدينة جادز وشاهد فيها تمثالاً للإسكندر الأكبر أخذ يلوم نفسه على أنه لم يعمل إلا القليل في مثل السن التي فتح الفتى المقدوني حين بلغها نصف عالم البحر الأبيض المتوسط.
ثم عاد بعدئذ إلى رومه واندفع في الصراع القائم وقتئذ في سبيل المنصب والسلطان. فاختير إيديلا أو مشرفاً على المباني العامة في عام 65، وأنفق أمواله-




صفحة رقم : 3167




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> القنصل


أي أموال كراسس- في تزيين السوق العامة بما أقامه فيها من المباني والأعمدة الجديدة؛ وأخذ يتودد إلى العامة بما كان ينفقه عن سعة على الألعاب. وكان صلا قد أزال من الكبتول ما جمعه فيه ماريوس من شارات النصر كالأعلام والصور والمغانم التي تمثل صفات الرجل المتطرف القديم وانتصاراته، فأعادها كلها قيصر إلى مواضعها واغتبط بعودتها جنود ماريوس القدامى أشد الاغتباط، وأظهر بهذا العمل وحدة سياسته المناقضة لسياسة ماريوس. واحتج المحافظون على هذه السياسة، وعرفوا من ذلك الوقت أنه رجل يجب عليهم أن يعملوا للقضاء عليه.
وكان في عام 64 ق.م رئيساً لإحدى اللجان التي عينت للنظر في بعض قضايا القتل، فاستدعى للمثول أمام اللجنة من كان حياً من عمال صلا الذين عاونوه على وضع قوائم من حكم عليهم هذا القنصل، وقضى على الكثيرين من هؤلاء العمال بالنفي أو الإعدام. وفي عام 63 ق.م اقترع في مجلس الشيوخ ضد إعدام من اشتركوا مع كاتلين، وقال في عرض خطابه إن الشخصية البشرية لا بقاء لها بعد الممات(7)؛ ويلوح أن قوله هذا كان الجزء الوحيد من خطابه الذي لم يسيء فيه إلى أحد. واختير في تلك السنة نفسها رئيساً أعلى الدين الروماني pontifex maximus ثم اختير في عام 62 بريتورا praetor وأمر في ذلك العام بمحاكمة أحد زعماء المحافظين لاختلاسه بعض الأموال العامة. وفي عام 61 عين والياً على أسبانيا ولكن دائنيه حالوا بينه وبين السفر إليها، وأقر في ذلك الوقت أنه في حاجة إلى 25.000.000 سسترس إذا أراد ألا يمتلك شيئاً قط، فتقدم كراسس لمعونته وضمنه في جميع ديونه. وبذلك استطاع أن يسافر إلى أسبانيا، ويشن حملات حربية مروعة على القبائل الثائرة ذات النزعة الاستقلالية. وعاد بعدها إلى رومه ومعه من الغنائم ما يكفي لأداء ديونه وملء خزائن الدولة بالمال، فما كان من مجلس الشيوخ إلا أن اقترح أن يقام له احتفال بنصره العظيم. ولعل




صفحة رقم : 3168




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> القنصل


الأشراف قد أظهروا بعملهم هذا كثيراً من الهاء وحصافة الرأي، فقد كانوا يعرفون أن قيصر سيرشح نفسه لمنصب القنصلية، وأن القانون ينص على ألا يرشح لها من كان غائباً عن البلاد، وأن من يقام له احتفال بالنصر يحب أن يظل بحكم القانون بعيداً عنها إلى يوم الاحتفال- وحرص مجلس الشيوخ على أن يحدده بعد موعد الانتخاب. ولكن قيصر استبق يوم الاحتفال بنصره، ودخل المدينة وأدار المعركة الانتخابية بجد ومهارة عجز معارضوه عن مقاومتها.
وكان سبب نجاحه مهارته في ضم بمبي إلى قضية الحرية. وكان بمبي قد عاد تواً من بلاد الشرق بعد أن قام فيها بسلسلة من الأعمال الحربية والسياسية المجيدة، فقد طهر البحر من القراصنة، وأمن بذلك سبل التجارة في البحر الأبيض المتوسط، وأعاد الرخاء إلى المدن التي كان رخاؤها يعتمد على هذه التجارة. وكان قد أرضى أصحاب المال في رومه بفتح بيثينيا وبنتس وسوريا، وكان قد خلع ملوكاً وأجلس على العرش آخرين، وأقرضهم الأموال من غنائمه الحربية بفوائد باهظة، وقبل رشوة كبيرة من ملك مصر الذي دعاه إلى القدوم إليها لإخماد فتنة اندلع لهيبها في تلك البلاد. ثم عاد فامتنع ما اتفق عليه بحجة أنه عمل غير مشروع(9)؛ ونشر لواء السلام في ربوع فلسطين وجعلها ولاية خاضعة لنفوذ رومه، وأنشأ تسعا وثلاثين مدينة جديدة، وأقر حكم القانون والنظام والسلام. وقصارى القول أنه كان قد سلك قبل ذلك الوقت مسلك السياسي الحكيم والحاكم القدير وأن مسلكه عاد على البلاد بالمال الوفير. فلما رجع إلى رومه حمل إليها ثروة عظيمة من الضرائب، والخراج، والبضائع التي غنمها في حروبه، ومن الأموال التي افتدى بها الأرقاء أو بيعوا بها، فاستطاع بذلك أن يعمر خزانة الدولة بمائتي مليون سسترس، وأن يضمن لها إيراداً سنوياً قدره ثلاثمائة وخمسون مليوناً، وأن يوزع على جنوده ثلاثمائة وأربعة وثمانين مليوناً، وأن يستبقي لنفسه رغم هذا كله من المال ما ينافس به كراسس فيكون أحد رجلين هما أغنى أغنياء رومه.




صفحة رقم : 3169




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> القنصل


وكان خوف مجلس الشيوخ من هذه الأعمال أكثر من سروره منها، فلما علم أن بمبي قد نزل في برندزيوم(62) ومعه جيش يدين له بالولاء والإخلاص، ويستطيع بكلمة من قائده أن يجعله حاكماً بأمره على البلاد، لما علم مجلس الشيوخ ذلك تملكه الرعب. ولكن بمبي كان رجلاً كريماً عظيماً، فسرح جنوده ودخل رومه وليس معه إلا أتباعه الأخصاء. ودام الاحتفال بنصره يومين كاملين، ولكن هذه الفترة على طولها لم تكف لعرض الحفلات التي تصور انتصاراته وتظهر مغانمه.
وكان مجلس الشيوخ حقوداً ضنيناً، فرفض طلبه القاضي بتوزيع الأرض على جنوده، ولم يقر الاتفاقات التي عقدها مع الملوك المغلوبين، وأعاد النظم التي أقامها من قبله لوكلس في بلاد الشرق والتي أغفلها بمبي. وكانت نتيجة هذه العمال أن تمزق اتفاق شيشرون المعروف بحلف الطبقات Concordi ordinum، وأن ألقى بمبي والرأسماليين في أحضان الطبقات الدنيا واغتنم قيصر هذه الفرصة السانحة فألف منه ومن بمبي وكراسس الحكومة الثلاثية الأولى(63) وتعهدوا جميعاً أن يقاوموا كل تشريع لا يرضى عنه أي واحد منهم. واتفق بمبي أن يساعد قيصر في أن ينتخب قنصلاً، كما تعهد قيصر، إذا ما اختير لهذا المنصب، أن ينفذ الاقتراحات التي عرضها ورفضها مجلس الشيوخ.
وكانت الحملة الانتخابية شديدة مريرة استخدمت فيها الرشوة من كلا الجانبين. ولما سمع كاتو زعيم المحافظين أن حزبه يبتاع أصوات الناخبين تحلل من مبادئه الأولى ووافق على هذا العمل بحجة أنه وسيلة إلى غرض نبيل، واختار العامة قيصر كما اختار الأشراف ببياوس Pibulus.
وما كاد قيصر يتسلم مقاليد منصبه (59) حتى عرض على مجلس الشيوخ




صفحة رقم : 3170




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> القنصل


المطالب التي تقدم بها بمبي: وهي توزيع الأرض على عشرين ألفاً من المواطنين الفقراء ومنهم جنود بمبي، والتصديق على الاتفاقات التي عقدها بمبي في بلاد الشرق، وتخفيض المبالغ التي تعهد الملتزمون بجمعها من ولايات آسيا بمقدار ثلثها.
ولما عارض المجلس كل مطلب من هذه المطالب بجميع ما لديه من وسائل فعل قيصر ما فعله ابنا جراكس، فعرضها على الجمعية مباشرة. واستطاع المحافظون أن يقنعوا ببيلوس، كما أقنعوا العرافين بأن يعلنوا أن الحظ غير موات لإجابتها. ولم يأبه قيصر لأقوال العرافين، وحمل الجمعية على أن تتهم ببيلوس بالخيانة، وقام رجل متحمس من العامة فأفرغ وعاء من البراز على رأس ببيلوس.
ثم وافقت الجمعية على مشروعات قيصر، وكانت تجمع، كما تجمع مشروعات ابني جراكس، بين السياسة وخطة مالية ترضي رجال الأعمال. وأعجب بمبي بوفاء قيصر بعهده، واتخذ يوليا ابنته زوجة رابعة له، وأصبح الاتفاق بين العامة والطبقة الوسطى رابطة حب وصداقة. وتعهد أعضاء الحكومة الثلاثية للنجاح المتطرف من أتباعهم أن يؤيدوا ببيلوس كلوديوس Publius Clodius في أن ينتخب تربيوناً في خريف عام 59، وأخذوا يعملون من ذلك الحين للمحافظة على رضاء الناخبين بما يقدمونه لهم من ضروب اللهو والألعاب الكثيرة.
وتقدم قيصر بمشروعه الثاني الخاص بتوزيع الأراضي في شهر إبريل من ذلك العام نفسه. وكان هذا المشروع يقضي بتوزيع الأراضي التي تملكها الدولة في كمبانيا على من كان له ثلاثة أبناء من المواطنين الفقراء؛ وتجاهل قيصر مجلس الشيوخ مرة أخرى، وأجازت الجمعية المشروع، وبذلك تمت الموافقة على سياسة ابني جراكس بعد جهود دامت مائة عام كاملة. ولزم ببليوس Bibulus في ذلك الوقت بيته واكتفى بأن أخذ يصدر من حين إلى حين تصريحات يقول فيها إن الطوالع غير مواتية للتشريعات الجديدة. أما قيصر يصرف الشؤون العامة




صفحة رقم : 3171




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> القنصل


من غير أن يستشيره فيها، وبلغ من إهماله إياه أن كان الفكهون من أهل المدينة يصفون هذا العام بأنه "قنصلية يوليوس وقيصر". وأراد أن يفرض رقابة الشعب على مجلس الشيوخ، فأنشأ أول صحيفة إخبارية، بأن جعل الكتبة يسجلون أعمال الشيوخ وغيرهم، مضافة إلى الأخبار اليومية، ثم تعلق هذه "الأعمال اليومية" ويحملها إلى جميع أجزاء الإمبراطورية رُسل يخصصون لهذا العمل.
وقبل أن تنتهي فترة هذه القنصلية التاريخية أفلح قيصر في أن يعين والياً على بلاد الغالة الجنوبية وغالة ناربونة في الخمس السنين التي تلي سنة القنصلية. وإذ كان القانون يحرم إقامة الجنود في إيطاليا نفسها فإن قيادة الفيالق المقيمة في شمال إيطاليا قد جعلت لصاحبها السيطرة العسكرية على شبه الجزيرة بأكملها. وأراد قيصر أن يستوثق من بقاء تشريعاته السابقة، فعمل على أ ينتخب صديقاه جابنيوس Gabinius وبيزو Piso قنصلين في عام 58، وتزوج كلبيرنيا Calpurnla ابنة بيزو؛ ولكي يضمن استمرار العامة على تأييده بذل جهوده الموفقة لانتخاب كلوديوس تربيوناً في عام 58. ولم يحز لنسفه أن تتأثر مشروعاته بطلاقة الحديث لزوجته الثالثة بمبيا بسبب ارتيابه في صلاتها غير المشروعة بكلوديوس.




صفحة رقم : 3172




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الأخلاق والسياسة



الفصل الثالث




الأخلاق والسياسة


كان ببليوس كلوديوس بلشر Publiws Claudius Pulcher أيببليوس كلوديوس الجميل فرعاً من دوحة آل كلوديوس. وكان شاباً أرستقراطياً باسلاً لا يهاب الردى ولا يتورع من الناحية الخلقية عن اقتراف أية موبقة. وقد نزل من مرتبته السامية، كما نزل منها كاتلين وقيصر، ليقود العامة في كفاحهم ضد الأغنياء، وأراد أن يكون من حقه أن يختار تربيوناً فأقنع إحدى الأسر الفقيرة في أن تتبناه، وأراد أن يعيد توزيع الثروة التي تجمعت في أيدي بعض الطبقات في رومه، وأن يقضي على شيشرون- وكان قد استطال في عرض أخته كلوديا وأخذ يدليع عن حرمة الملكية- فعمل جندياً عادياً تحت إمرة قيصر حتى يستطيع أن يستولي على زمام السلطة. وكان يعجب بخطط قيصر ويعشق زوجته، واحتال للوصول إليها بأن تزيى بزي امرأة ودخل بيت قيصر، ثم تزيى بزي كاهن واشترك في المراسم الدينية التي يقيمها النساء وحدهن إلى الآلهة الطيبة Bona Dea. ثم افتضح سره ووجهت إليه تهمة الاعتداء على حرمة الإلهة وأسرارها، وحوكم على هذه التهمة. ولما نودي على قيصر ليشهد عليه قال إنه لا يوجه تهمة ما إلى كلوديوس. فلما سأله المدعي العمومي عن سبب طلاقه بمبيا قال إن سبب هذا الطلاق هو "أن زوجتي يجب أن تكون بعيدة عن الشبهات".
وكانت هذه إجابة لبقة تسيء إلى ذلك العون السياسي القيم، ولا تسيء إليه هو، وشهد كثيرون من الشهود بأن كلوديوس من الشهود كان على اتصال بكلوديا، وأنه ضاجع أخته ترشيا بعد زواجها من لوكس: واحتج كلوديوس بانه كان غائباً عن رومه في ذلك اليوم الذي يعزى إليه فيه ذلك الاتهام المزعوم الدنيء، ولكن




صفحة رقم : 3173




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الأخلاق والسياسة


شيشرون شهد بان كلوديوس كان معه في رومه في ذلك اليوم نفسه. وظن الشعب أن المسألة كلها مؤامرة من مجلس الشيوخ للقضاء على زعيم من زعمائه، وأخذ يطالب ببراءته من التهمة الموجهة إليه. ورشا كراسس عدداً من القضاة- بتحريض قيصر كما يقول بعضهم- ليحكموا في صالح كلوديوس، واستطاع المتطرفون للمرة الأولى أن يقدموا من المال أكثر مما يقدمه المحافظون، وبرئ كلوديوس. ولم يدع قيصر هذه الفرصة السانحة تفلت من يده فاستبدل بزوجة من أبناء المحافظين ابنة أحد الشيوخ المناصرين لقضية الشعب.
ولم يكد قيصر يعتزل منصبه حتى اقترح بعض المحافظين إلغاء كل التشريعات التي أصدرها إلغاء تاماً. ولم يكتم رايه في هذه "القوانين اليوليوسية" وطلب بمحوها من سجلات القوانين الرومانية. وتردد مجلس الشيوخ في الاستجابة إلى هذا التحدي الصريح لقيصر ومن ورائه الجحافل الرومانية، ولكلوديوس المسيطر على التربيونية. وكان كاتو في عام 63 قد خطب ود الشعب وحاول ضمه إلى جانب المحافظين بإعادة النظام القاضي بتوزيع الغلال على الأهلين بثمن بخس. وأراد كلوديوس أن يكون أكثر منه استرضاء للعامة فأخذ يوزع الغلال من غير ثمن على كل من يطلبها، وأقرت الجمعية بناء على طلبه مشروعات قوانين تحرم رفض الإجراءات التشريعية بالاستناد إلى الحجج الدينية وتجعل تأليف الهيئات النقابية من الحقوق المشروعة، وكان مجلس الشيوخ قد حاول من قبل حلها. وقد أعاد هو تنظيم هذه الهيئات وجعل لها حق الاقتراع مجتمعة، وكسب بذلك ولاءها وإخلاصها له، فعينت له من أعضائها حرساً مسلحاً. وإذ كان يخشى أن يحاول كاتو وشيشرون، بعد أن تنتهي فترة توليه منصبه، إلغاء ما قام به قيصر من الأعمال فقد أقنع الجمعية بتعيين كاتو مندوباً رومانياً في قبرص وإصدار قرار يقضي بنفي كل من يتسبب في قتل أي مواطن روماني دون أن يحصل على موافقة الجمعية، كما تتطلب ذلك قوانين الدولة. ورأى شيشرون أنه هو المقصود بهذا القانون، ففر إلى




صفحة رقم : 3174




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الأخلاق والسياسة


بلاد اليونان حيث أخذت المدن والشخصيات الكبيرة تتنافس في تكريمه والاحتفاء بمقدمه. وكان رد الجمعية على هذا القرار أن قررت مصادرة أملاك شيشرون، وهدم بيته القائم على تل البلاتين Palatine.
وكان من حسن حظ شيشرون أن كلوديوس قد غمره ما ناله من نصر، فأخذ يهاجم بمبي وقيصر، ويحاول الانفراد بزعامة الشعب. وكان جواب بمبي على خطط كلوديوس أن أيد الطلب الذي تقدم به كونتس Quintus أخو شيشرون بالسماح لخطيب رومه أن يعود إليها. ودعا مجلس الشيوخ جميع المواطنين الرومان إلى الاجتماع في عاصمة الدولة ليبدوا رأيهم في هذا الاقتراح. وجاء كلوديوس بعصابة مسلحة إلى ميدان المريخ لتشرف على عملية الاقتراع، واستخدم بمبي رجلاً فقيراً من الأشراف يدعى أنيوس مليو Annius Milo لتنظيم عصابة أخرى لمناوأتها، وكانت نتيجة ذلك حدوث شغب واضطراب سفكت فيه الدماء، فقتل عدد كبير من الناس ولم ينج كونتس نفسه من القتل إلا بمعجزة من المعجزات. على أنه أفلح فيما كان يرمي إليه، وعاد شيشرون ظافراً إلى رومه بعد نفي دام عدة شهور (57)، وحيته في طريقه من برنديزيوم إلى رومه جماهير غفيرة بلغت من الكثرة حداً تظاهر معه شيشرون بالخوف من أن يتهم بأنه قد دبر أمر نفيه ليحظى بهذا التكريم العظيم عند عودته(11).
ويلوح أنه قد تعهد بمناصرة بمبي، ولعله أيضاً قد تعهد بمناصرة قيصر، نظير سماحمها بعودته. وشاهد ذلك أن قيصر أقرضه أموالاً كثيرة لينظم بها شؤونه المالية من جديد، وأبى أن يتقاضى عليها فائدة(12). وظل شيشرون بعد عودته عدة سنين المدافع عن أقطاب الحكومة الثلاثية والناطق بلسانهم مجلس الشيوخ.
ولما لاح في أفق رومه خطر نقص الحبوب مرة أخرى (57) استطاع أن




صفحة رقم : 3175




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الأخلاق والسياسة


يحصل لبمبي على تفويض عجيب، هو أن تكون له السلطة الكاملة مدى ست سنين على كل موارد الطعام في رومه، وعلى جميع الدولة وتجارتها الخارجية. واستطاع بمبي مرة أخرى أن يفيد من هذه السلطة أعظم إفادة، ولكن دستور الجمهورية أصيب مرة أخرى بطعنة نجلاء، وظل حكم الأفراد يحل محل حكم القانون. وكذلك استطاع شيشرون أن يقنع مجلس الشيوخ بالموافقة على اقتراح عرض عليه بتقديم مبلغ كبير من المال لأداء مرتبات جنود قيصر في غالة. وفي عام 54 أفلح في دفاعه عن حكم أولس جابنيوس Aulus Gabinius، حاكم إحدى الولايات وصديق رجال الحكومة الثلاثية، حتى برئ من تهمة ابتزاز أموال الولايات واستخدام العنف في الحصول عليها. وفي عام 55 خسر كل ما كسبه من عطف قيصر ومعونته بهجومه العنيف على وال روماني آخر يدعى كلبيرنيوس بيزو Calpurnius Piso. ذلك أنه لم ينس قط أن بيزو هذا كان من الذين اقترعوا على نفيه، ونسي أن ابنة بيزو كانت زوجة قيصر.
ولما عاد كاتو من قبرص عام 57 ق.م بعد أ أعاد تنظيم شؤونها على خير وجه شرع المحافظون يلمون شعثثهم ويعيدون تنظيم صفوفها، وكان كلوديوس قد أضحى وقتئذ عدو بمبي الألد فقبل ما عرضه عليه الأشراف من أن يعيرهم محبة الشعب وعصاباته السفاحة. واتجه الأدب من ذلك الوقت وجهة معادية لقيصر وأخذت قصائد كلفس Clavus وكاتلس Catullus الهجائية تصّوب كالسهام المسمومة معسكر الحكومة الثلاثية. وكلما توغل قيصر في بلاد الغاليين، وتواترت أنباء ما كان يلاقيه فيها من الأخطار الكثيرة، أخذ الأمل يدب من جديد في صدور الشخصيات النبيلة، وقال شيشرون وقتئذ إن "من لم يمت بالسيف مات بغيره".




صفحة رقم : 3176




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الأخلاق والسياسة


وإذا جاز لنا أن نصدق ما قاله قيصر، فإن عدداً من المحافظين قد أخذوا يأتمرون مع أربوفستس Ariovistus القائد الجرماني على اغتيال قيصر(13). وسارع دميتوس Domitius يرشح نفسه للقنصلية، ويعلن أنه إذا ما فاز بها فسيقترح من فوره على المجلس استدعاء قيصر- أي أن قيصر سيتهم ويحاكم. وتلونّ شيشرون بلون الزمان، فاقترح أن ينظر مجلس الشيوخ في يومي 25، 26 من شهر مايو في إلغاء قوانين قيصر الخاصة بالأراضي الزراعية.




صفحة رقم : 3177




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فتح بلاد غالة



الفصل الرابع




فتح بلاد غالة


تسلم قيصر في عام 58 ق.م مهام منصبه، منصب حاكم بلاد غالة الجنوبية والنربونية، أي شمالي إيطاليا وجنوبي فرنسا. وكان أريوفستس قد سار في عام 71 ق.م على رأس خمسة ألفاً من الجرمان إلى بلاد الغالة حين استعانته إحدى قبائلها على قبيلة أخرى. وقدم لها قائد الألماني المعونة التي طلبتها ولكنه لم يغادر البلاد، بل بقي فيها ليبسط حكمه على جميع القبائل الضاربة في شمالي غالة الشرقي. واستنجدت قبيلة الإيدوي Aedui إحدى هذه القبائل برومه لتعينها على الألمان (61). وخولّ مجلس الشيوخ الحاكم الروماني على بلاد غالة النربونية حق إجابة هذا الطلب، ولكنه في الوقت نفسه تقريباً ضم أريوفستس إلى طائفة الحكام الموالين لرومه. وكان مائة وعشرون ألفاً من الألمان قد عبروا في هذه الأثناء نهر الرين، واستقروا في فلاندرز فشدوا بذلك أزر أريوفستس، وأخذ يعامل أهل البلاد معاملة الشعوب المغلوبة، وشرع يمني نفسه بالاستيلاء على بلاد غالة بأجمعها(14).
وبدأت في الوقت عينه قبائل الهلفتي Helvetti الضاربة حول جنيفا تهاجر نحو الغرب، وكانت عدتها نحو 368.000، وأنذر قيصر بان هذه القبائل تعتزم اختراق بلاد غالة النربونية في طريقها إلى جنوبي فرنسا الغربي. ويصف ممسن Mommsen حركات هذه القبائل بقوله: "لقد كانت القبائل الألمانية الضاربة تتحرك في جميع الأصقاع الممتدة من نهر الرين إلى المحيط الأطلنطي، وكانت هذه اللحظة شبيهة باللحظة التي انقضت فيها قبائل الألماني والفرنجة على إمبراطورية القياصرة المتداعية.. بعد خمسمائة عام من ذلك الوقت"(15) وأخذ قيصر يحتال لإنقاذ رومه بينا كانت رومه نفسها تدبر المؤامرات للقضاء عليه.




صفحة رقم : 3178




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فتح بلاد غالة


وجند قيصر من ماله الخاص. ومن غير أن يرجع في ذلك إلى مجلس الشيوخ- وكان الدستور يحتم عليه الرجوع إليه- نقول جند ثلاث فرق جديدة كاملة العدة زيادة على الأربع الفرق التي كانت تحت إمرته. ثم أرسل يدعو أريوفستس ان يحضر إليه من فوره ليبحث الموقف معه. ورفض أريوفستس الدعوة كما كان قيصر يتوقع. وأقبلت وقتئذ على قيصر وفود كثيرة من القبائل الغالية تتطلب إليه حمايتها، فأعلن الحرب على أريوفستس وقبائل الهلفتي، واتجه بجيوشه نحو الشمال ودارت بينه وبين جحافل الهلتي معركة حامية عند ببركتي Bibracte عاصمة الإيدوي، ومكانها الآن بالقرب من بلدة أوتون Autun الحالية. وانتصرت جيوش قيصر في هذه المعركة انتصاراً غير حاسم، أقرب ما يكون إلى الهزيمة، كما يقول قيصر نفسه، ونحن مضطرون أن نأخذ عنه هو معظم هذه الأنباء. وعرض الهلفتي أن يعودوا إلى موطنهم في سويسرا، ووافق قيصر على أن يؤمنهم في عودتهم إليه، ولكنه اشترط عليهم أن تخضع البلاد التي كانوا يحتلونها إلى حكم رومه. وبعثت بلاد الغالة جميعها وقتئذ تشكر له تخليصها من أعدائها، وترجوه أن يساعدها على طرد أريوفستس. والتقى قيصر بالألمان عند أسثيم Astheim ، ودارت بينه وبينهم معركة انتهت بقتلهم أو أسرهم عن آخرهم تقريباً، كما يقول هو نفسه (58). وفر أريوفستس من الميدان ولكنه مات بعد ذلك بقليل.
واعتقد قيصر أن تحرير غالة من أعدائها لا يفترق في شيء عن فتحها، فشرع من فوره يعيد تنظيمها على أساس خضوعها لسلطان رومه، وحجته في ذلك أن هذا التنظيم هو الوسيلة الوحيدة لحمايتها من الألمان. ولم تقنع هذه الحجة بعض الغاليين فثاروا، واستعانوا عليه البلجي Belgae وهو قبيلة ألمانية كلتية




صفحة رقم : 3179




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فتح بلاد غالة


قوية تسكن شمال غالة بين نهري السين والرين. والتقى بهم قيصر على شاطئ نهر الآين Aisne وهزمهم، ثم سار بسرعة خاطفة لم تمكن أعداءه من لم شعثهم، والتقى بالسويسيون Suissiones، والأمبياني Ambiani، والنرفياي Nervii، والأدوتيشي Aduatici. وهزم كلاً منهم على انفراد، ونهب بلادهم، وباع أسرارهم لتجار الرقيق الإيطاليين. وأعلن في ذلك الوقت فتح بلاد الغالة، وكان في إعلانه هذا متعجلاً بعض الشيء، وجاراه مجلس الشيوخ فأعلن أن غالة ولاية رومانية، ورفع العامة في رومه- ولم يكونوا يقلون في نزعتهم الاستعمارية عن أي قائد من القواد- عقيرتهم يمجدون بطلهم البعيد. وعاد قيصر فعبر الألب إلى بلاد غالة الجنوبية، وأخذ يعمل على تنظيم شؤونها الإدارية، وسد ما حدث من النقص في فيالقه، ودعا بمبي وكراسس أن يقابلاه في لوكا ليضع معهما خطة مشتركة للدفاع عن أنفسهم ضد الحركة الرجعية التي يقوم بها المحافظون.
وأرادوا أن يقطعوا الطريق على دمتيوس Domitius فاتفقوا على أن يتقدم بمبي وكراسس للقنصلية في عام 55 ق.م منافسين له، وعلى أن يعين بمبي والياً على أسبانيا وكراسس على سوريا لمدة خمس سنين (54-50)؛ وأن يظل قيصر والياً على غالة خمس سنين أخرى (53-49)، وعلى أن يسمح له بعد انتهاء هذه الفترة أن يتقدم مرة أخرى للقنصلية.
وأمد قيصر زميليه وصديقيه بما يلزمهما من الأموال التي غنمها من الغاليين لخوض المعركة الانتخابية؛ وبعث أيضاً بمبالغ طائلة إلى رومه ليوجد ببعضها أعمالاً للمتعطلين، ويدفع منها مكافآت لمؤيديه، وليرفع ببعضها مكانته في أعين الشعب بالإقدام على تنفيذ منهاج واسع من المنشآت العامة. وحيا الشيوخ الذين جاءوا ليفحصوا عن غنائمه بالرشا السخية، فأدى ذلك إلى إخفاق الحركة التي كانت ترمي إلى إلغاء ما أصدره من القوانين. واختير بمبي وكراسس قنصلين بعد أن قدما الرشا السخية المعتادة، وعاد قيصر يعمل على إقناع الغاليين أن السلام أحلى من الحرية.




صفحة رقم : 3180




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فتح بلاد غالة


وأخذت الأحوال على نهر الرين شمالي كولوني تنذر بالشر المستطير. فعبرت النهر قبيلتان ألمانيتان إلى غالة البلجيكية، وزحفتا فيها إلى أن وصلتا لييج Liege، واستعانهما الحزب الوطني في غالة على الرومان، والتقى قيصر بالغزاة عند أكسانتن Xanten (55)، وصدهم إلى نهر الرين، وقتل منهم كل من لم يمت في النهر غرقاً رجالاً كانوا أو نساءً أو أطفالاً. ثم أقام مهندسوه في عشرة أيام جسراً على النهر العظيم، وكان عرضه وقتئذ 1400 قدم، وعبرت عليه فيالق قيصر، وحاربت أعداءها في الأراضي الألمانية زمناً يكفي لجعل نهر الرين حداً آمناً للدولة الرومانية،ثم عاد بعد أسبوعين إلى بلاد غالة.
ولسنا نعرف السبب الذي حدا به إلى غزو بريطانيا في ذلك الوقت، ولعله قد أغراه بهذا الغزو ما وصل إلى علمه من الشائعات عن كثرة الذهب واللؤلؤ فيها، أو لعله كان يرغب في الاستيلاء على ما في بريطانيا من قصدير وحديد لتصدره رومه إلى البلاد الخارجية، أو لعله قد أغضبه ما قدمته بريطانيا من عون إلى الغاليين، وأنه رأى أن يجعل السلطة الرومانية في غالة آمنة من جميع جهاتها. ومهما يكن السبب فقد سار على راس قوة صغيرة عبر بها بحر المنش في أضيق أجزائه، وهزم البريطانيين الذين لم يكونوا مستعدين لحربه، وأخذ عن البلاد بعض المعلومات القليلة، ثم قفل راجعاً (55). لكنه عبر البحر إليها مرة أخرى في العام الثاني وهزم البريطانيين بقيادة كسفلونس Cassivelaunus، ووصل إلى نهر التايمز، وانتزع من أهل البلاد وعداً بأن يعطوا الجزية، ثم رجع إلى غالة.
ولعل سبب رجوعه أن سمع أن الثورة يكاد يندله لهيبها مرة أخرى بين القبائل الغالية، فلما عاد أخضع أولاً الإبورون Eburones. ثم زحف على ألمانيا (53). ولما عاد منها ترك الجزء الأكبر من جيشه في غالة الشمالية، ثم ذهب مع من بقي من هذا الجيش ليقضي الشتاء في شمالي إيطاليا، وكان يرجو أن يخصص بضعة شهور لإصلاح أسواره في رومه، ولكنه سمع في أوائل عام 52 أن




صفحة رقم : 3181




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فتح بلاد غالة


فرسنجتركس Vercingetorix أقدر الزعماء الغاليين قد حشد كل القبائل الغالية تقريباً في حرب تبغي بها أن تستعيد استقلالها. وبذلك أصبح مركز قيصر شديد الحرج لأن الجزء الأكبر من جيشه كان في شمال إيطاليا، والأقاليم الواقعة بينه وبين هذا الجيش في أيدي الثوار. ولكنه سار على رأس قوة صغيرة فوق ثلوج السفن Cevennes وهاجم مدينة أوفرني Auvergne. ولما جاء فرسنجتركس بقوته ليدافع عنها ولي قيصر دسمس بروتس Decimus Brutus قيادة جنوده الذين كانوا يهاجمونها، وسار هو متخفياً ومعه عدد كبير من الفرسان مخترقاً بلاد غالة من الجنوب إلى الشمال، وانضم إلى جيشه الرئيسي، وقاده من فوره إلى القتال، وحاصر أفريكوم Avaricum (بورج Bourgas) وسنابوم Cenabum (أورليان Orleans)، واستولى عليهما، وأعمل فيهما السلب والنهب، وقتل أهلهما، وملأ بكنوزهما خزائنه الخاوية. ثم زحف بجيشه على جرجفيا Gergovia حيث قاومه الغاليون مقاومة عنيفة اضطرته إلى الانسحاب وفي ذلك الوقت تخلى عنه الأدويون الذين أنجاهم قبل من الألمان، والذين بقوا حتى ذلك الوقت أنصاراً له وحلفاء، ثم استولوا على قواعده ومخازن ميرته في سواسون Soissons، وشرعوا يستعدون لرده إلى البلاد غالة النربونية.
وكان هذا هو الوقت الذي ساءت فيه أحوال قيصر كما لم تسوء من قبل ولا من بعد، ومرت به بعض الأيام فقد فيها كل أمل في النجاة. وفي هذا الوقت العصيب ضرب الحصار على أليزيا Alesia (أليز سنت رين Alise ste- Reine)، وجازف بكل شيء في هذا الحصار لأن فرسنجتركس جمع فيها ثلاثين ألفاً من جنوده. وما كاد قيصر يوزع مثل هذا العدد من الجند حول المدينة حتى وصلته الأنباء بأن 250.000 من الغاليين بدءوا يزحفون نحو المدينة من الشمال. فما كان منه إلا أن أمر جنوده بأن يقيموا حول المدينة سورين دائريين من التراب، أحدهما من أمامهم والآخر من خلفهم، وانقضت جيوش فرسنجتركس وحلفائه




صفحة رقم : 3182




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فتح بلاد غالة


على هذين السورين وعلى الجيوش الرومانية الباسلة وهاجمتها المرة بعد المرة، ولكنها باءت في كل هجماتها بالخسران. وواصل الجيش المنقذ هجماته على هذا النحو أسبوعاً كاملاً، ثم تبدد شمله لاختلال نظامه ونقص طعامه وعتاده، واستحال هذا الجيش فلولاً لا حول لها ولا طول في الساعة التي نفذت فيها موارد الرومان، ولم يمض إلا قليل من الوقت حتى بعثت المدينة الجائعة فرسنجتركس نفسه بناء على طلبه إلى قيصر أسير الحرب، ثم استسلمت للرومان ووضعت نفسها تحت رحمتهم (52). وعفا قيصر عن المدينة فلم يمسسها بسوء، ولكنه أسلم جنودها لرجال جيشه ليكونوا رقيقاً لهم. وسيق فرسنجتركس مكبلاً بالأغلال إلى رومه حيث سار فيما بعد يزين موكب نصر قيصر، وجوزي بالقتل على حبه للحرية.
وقرر حصار إليزيا مصير بلاد غالة، كما قرر خصائص الحضارة الفرنسية. ذلك أنه أضاف إلى الإمبراطورية الرومانية بلاداً تبلغ مساحتها ضعفي مساحة إيطاليا وفتح خزائن خمسة ملايين من الناس وأسواقهم إلى التجارة الرومانية. يضاف إلى هذا أن ذلك الحصار أنجى إيطاليا وعالم البحر الأبيض المتوسط مدة أربعة قرون من غارات البرابرة، وانتشل قيصر مرة أخرى من حافة هاوية الخراب إلى ذروة المجد والثروة والسلطان. وظلت بلاد غالة عالماً آخر تثور ثورات متفرقة عقيمة، أخمدها قيصر بقسوة لم تألفها منه، ثم خضعت لرومه وأسلمت لها أمورها. وما كاد يتم له النصر حتى عاد قيصر كما كان الفاتح الشهم الكريم، فعامل القبائل المغلوبة معاملة لينة كان من آثارها أن هذه القبائل لم تتحرك قط لتخلع عن كاهلها نير رومه حين شبت فيها نار الحرب الأهلية، ولم يكن في مقدورها ولا في مقدور قيصر أن يؤدبا هذه القبائل. وظلت بلاد غالة بعدئذ ثلاثمائة عام ولاية رومانية يعمها الرخاء في ظلال السلم الرومانية، وتعلمت من خلالها اللغة اللاتينية، وأدخلت عليها كثيراً من التغيير حتى أصبحت الأداة التي نقلت بها ثقافة العهود الغابرة إلى




صفحة رقم : 3183




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فتح بلاد غالة


شمالي أوربا. ولا جدال في أن قيصر ومعاصريه لم يكونوا يدركون ما سوف تتمخض عنه انتصاراته الدموية من نتائج بعيدة المدى، فقد كان أقصى ما يظنه أنه أنقذ إيطاليا، وضم لها ولاية جديدة. وأنشأ لها جيشاً قوياً، لكنه لم يدر بخلده أنه منشئ الحضارة الفرنسية.
ودهشت رومه إذ وجدت أن قيصر إداري قادر لا يعتريه ملل، وقائد محتك واسع الحيلة، بعد أن لم تكن تعرف عنه أكثر من أنه رجل متلاف رقيع، وسياسي، ومصلح. ثم أدركت في الوقت عينه أنه مؤرخ عظيم. ذلك أنه وهو في ميادين القتال تقض مضجعة الهجمات المتوالية عليه من رومه، كان يسجل فتوحه في غالة، ويدافع عن هذه الفتوح في شروحه Commentaries، وقد سما بها إيجازها العسكري- إذا جاز أن نصفها بهذا الوصف- وبساطتها الفنية من منزلة النشرات الحزبية إلى أسمى مكان في الأدب اللاتيني. وحتى شيشرون نفسه، بعد أن تقلب مرة أخرى في مبادئه السياسية، أخذ يتغنى قيصر ويستعجل في ذلك الوقت ما حكم به عليه التاريخ فيما بعد إذ قال:
ليست معاقل الألب المنيعة، ولا مياه الرين الفياضة الصاخبة، هي الدرع الحقيقي الذي صد عنا غارات والقبائل الألمانية الهمجية، بل الذي صدها في اعتقادي هو قيادة قيصر وقوة ساعديه. ولو أن الجبال دكت وسويت بالسهول، والأنهار جفت، لاستطعنا أن نحتفظ ببلادنا حصينة منيعة بفضل ما نال قيصر من نصر مؤزر وما قام به من أعمال مجيدة. ألا ما اعظم فضله علينا(16).
ويجب أن نضيف إلى هذا ما أثنى به عليه ألماني عظيم إذ قال:
إذا كان ثمة جسر يربط ماضي هلاس ورومه المجيد بتاريخ أوربا




صفحة رقم : 3184




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فتح بلاد غالة


الحديث، الذي هو أعظم منه مجداً وأسمى قدراً، وإذا كان غرب أوربا رومانياً، وإذا كانت أوربا الألمانية قد صبغت بالصبغة اليونانية والرومانية القديمة.. فما ذلك كله إلا من عمل قيصر. وإذا ما أوجده سلفه العظيم في بلاد الشرق قد كادت تمحو معالمه كلها زعازع العصور الوسطى، فإن الصرح الذي شاده قيصر ظل قائماً آلاف السنين التي تبدلت فيها الأديان وتغيرت الدولة(17).




صفحة رقم : 3185




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فساد الدمقراطية



الفصل الخامس




فساد الدمقراطية


انحطت السياسة الرومانية في خلال الخمس السنين الثانية من ولاية قيصر على غالة إلى الدرك الأسفل من الفساد والعنف، فقد كان القنصلان بمبي وكراسس يسيران في حكمهما على خطة شراء أصوات الناخبين، وإرهاب المحلفين، والالتجاء إلى القتل في بعض الأحيان(18). ولما انقضت مدة ولايتهما جند كراسس جيشاً كبيراً وأبحر به إلى سوريا، ثم عبر نهر الفرات، والتقى بالبارثيين عند كرهية Carrhae، ودارت الدائرة عليه لتفوق فرسان البارثيين، وقتل ولده في المعركة.
وبينا كان كراسس يرتد بقواته بنظام، دعاه قائد البارثيين إلى الاجتماع به، فأجاب الدعوة، ولكن القائد البارثي غدر به وقتله، وأرسل رأسه ليمثل به دور بنيثيوس Bentheus في احتفال في بلاط ملك البارثيين، مثلث فيه مسرحية باخية Bacchae ليوربديز Euripidis. وأصبح جيشه بغير قيادة، وكان قد مل القتال، فانحلت عراه وتبدد شمله (53).
وكان بمبي في هذه الأثناء قد جمع له جيشاً، ولعله كان يبغي به إتمام فتح أسبانيا، ولو أن قيصر نجح في خططه لفتح بمبي أسبانيا القاصية، ولأخضع كراسس أرمينية وبارثيا، ولبسطت رومه سلطانها على هذه البلاد جميعها في الوقت الذي فيه قيصر يمد حدود الإمبراطورية الرومانية إلى نهري التاميز والربن. ولكن بمبي أبقى فيالقه في إيطاليا بدل أن يقودها إلى أسبانيا، إلا فيلقاً واحداً أعاره قيصر إبان الأزمة التي نجمت عن ثورة الغاليين. وحدث في عام 54 أن انفصمت العروة الوثقى التي كانت تربطه بقيصر على أثر وفاة زوجته يوليا في أثناء




صفحة رقم : 3186




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فساد الدمقراطية


الوضع، وعرض عليه قيصر أن يزوجه أكتافيا حفيدة أخيه وأقرب قريباته في ذلك الوقت، وطلب أن يتزوج هو بابنة بمبي، ولكنه رفض كلا العرضين. وأخلت النكبة التي حلت بكراسس وجيشه في العام التالي من الميدان قوة أخرى كانت تعمل على إيجاد التوازن فيه. ذلك أن نجاح كراسس كان من شأنه أن يحول دون طغيان قيصر أو بمبي. وعقد بمبي من ذلك حلفاً صريحاً مع المحافظين، ولم يبق أمامه لنجاح خططه التي كان ينبغي بها الحصول على السلطة العليا بالطرق المشروعة في الظاهر إلا عقبة واحدة، هي مطامع قيصر وجيشه. وكان يعرف أن قيادة قيصر للجيش تنتهي في عام 49، فاستصدر مراسيم تقضي بمد أجل قيادته هو إلى آخر عام 46، وطلب إلى جميع الإيطاليين القادرين على حمل السلاح أن يحلفوا يمين الولاء العسكري له هو شخصياً، وكان يعتقد بعد هذا أن الزمن كفيل بأن يجعله سيد رومه(19).
وبينا كان القائدان اللذان يبغي كلاهما أ، يكون الحاكم بأمره في رومه يضعان خططهما على هذا النحو كانت الدمقراطية تحتضر في عاصمة البلاد، فكانت الأحكام القضائية، ومناصب الدولة، وعروش الملوك الخاضعين لسلطانها، تباع إلى من يعرض فيها أغلى الأثمان. من ذلك أن القسم الأول من المقترعين في الجمعية قد استولى في عام 53 على عشرة ملايين سسترس ثمناً لأصوات أفراده(20). ولما لم ينفع المال لم يتورع ذوو الشأن عن الالتجاء إلى الاغتيال(21) أو كشف الستار عن ماضي الناس، والتهديد بالكشف عن فضائحهم، فلم يروا أمامهم سبيلاً غير الإذعان. وفشا الإجرام في المدينة كما انتشرت السرقات في الأقاليم، ولم يكن في هذه ولا في تلك قوة من الشرطة تطمئن الناس على أنفسهم أو أموالهم، فكان الأغنياء يستأجرون عصابات من المجالدين يدفعون عنهم الأذى أو يؤيدونهم في الجمعية. واستهوت رائحة المال أو هبات الحبوب أحط الطبقات في إيطاليا فهرعت إلى رومه، وجعلت اجتماعات الجمعية مهزلة من المهازل، فكان كل من يقبل




صفحة رقم : 3187




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فساد الدمقراطية


الاقتراع كما يطلب إليه يؤذن له بدخولها سواء كان من مواطني رومه أو من غير مواطنيها. وكان يحدث في بعض الأحيان ألا يكون من بين من أعطوا أصواتهم إلا أقلية هي التي لها حق الاقتراع. وكثيراً ما كان الخطباء يحصلون على حق الخطابة في الجمعية بالهجوم على المنصة والاستيلاء عليها قوة واقتداراً. وأضحت العصابة التي ترفعها قوتها على سائر العصابات المنافسة لها هي التي تشرع للدولة، كما كان الذين يقترعون على غير هواها يضربون حتى يكاد يقضي عليهم، ثم تشعل النار بعد الضرب في بيوتهم. وقد كتب شيشرون بعد جلسة من هذه الجلسات يقول:
"لقد امتلأ التييبر بجثث المواطنين كما سدت بها البالوعات العامة، واضطر الأرقاء إلى امتصاص الدم بالإسفنج من السوق العامة"(22).
وكان كلوديوس وميلو أعظم الخبراء الممتازين في هذه المهزلة البرلمانية، فقد كانا ينظمان عصابات من أحط الطبقات ليصلوا بها إلى أغراضهم السياسية، وقلما كان يوم واحد يمر دون أن توضع قوة هذه العصابات موضع الاختبار. من ذلك أن كلوديوس هاجم شيشرون في أحد شوارع المدينة في يوم من الأيام، وحرق أجراؤه بيت مليو في يوم ثان، ثم قبضت عصابات ميلو على كلوديوس نفسه في يوم آخر وقتله (52). غير أن صعاليك المدينة الذين لم يكونوا يجهلون ما يدبره من المؤامرات رفعوه إلى مقام الشهداء، واحتفلوا بجنازته احتفالاً عظيماً، وجاءوا بجثته إلى مجلس الشيوخ، وحرقوا البناء فوقها كأنه كومة الحطب التي تحرق عليها جثث الموتى.
وجاء بمبي بجنوده ففرقوا الغوغاء، ثم طلب إلى المجلس جزاء له على عمله هذا أن يعينه "قنصلاً بغير زميل"، وهي عبارة نصح بها كاتو وقال إنها أخف على السمع من لفظ دكتاتور. ثم عرض بمبي على الجمعية، بعد أن أرهبها بجنده، عدة اقتراحات يبغي بها القضاء على الرشوة والفساد السياسيين المنتشرين في البلاد، كما عرض عليها




صفحة رقم : 3188




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> فساد الدمقراطية


اقتراحاً بإلغاء حق المرشح لمنصب القنصل أن يفعل هذا وهو غائب عن رومه، (وكانت الجمعية قد منحت قيصر هذا الحق بناء على مشروع قانون عرضه عليها بمبي نفسه في عام 55). وأخذ يشرف بنفسه على قوة الدولة العسكرية، وعلى أعمال المحاكم؛ ولم يؤخذ عليه في هذا الإشراف شيء من الهوى أو المحاباة. وحوكم مليو على جريمة قتل كلوديوس وأدين على الرغم من دفاع شيشرون عنه ثم هرب إلى مرسيليا. وغادر شيشرون رومه ليحكم قليقية (51)، وحكمها بكفاية ونزاهة أدهشتا أصدقاءه وأغضبتهم عليه. ثم استسلمت عناصر الثروة والنظام كلها في عاصمة البلاد إلى دكتاتورية بمبي، أما الطبقات الفقيرة فظلت صابرة تتلهف على عودة قيصر.




صفحة رقم : 3189




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية



الفصل السادس




الحرب الأهلية


دامت الفتن والثورات في الدولة الرومانية مائة عام، حطمت في خلالها كيان الطبقة الأرستقراطية الأنانية القليلة العدد التي كانت تتولى شؤون الحكم في البلاد، ولكنها لم تحل حكومة أخرى محلها. فأما الجمعية فقد أفسدها التعطل والرشوة والخبز ومجالدة الوحوش، فأحالتها إلى جماعة من الغوغاء الجهلة تسيطر عليهم أهواؤهم وشهواتهم، فكانت بذلك عاجزة أشد العجز عن حكم نفسها بله حكم إمبراطورية واسعة الرقعة. وانحطت الديمقراطية حتى أضحت وكأنها هي المعنية بقول أفلاطون: "صارت الحرية إباحية، وأخذت الفوضى تتوسل أن يوضع حد للحرية"(24). ولم يختلف قيصر مع بمبي في أن الجمهورية قد ماتت، وأنها أصبحت على حد قوله: اسماً على غير مسمى لا جسم لها ولا صورة"(25). ولم يكن ثمة مفر من الدكتاتورية، ولكنه كان يريد أن يضع أزمة الأمور في أيدي قيادة تعمل لتقدمها ورقيها، قيادة غير جامدة لا تبقي البلاد على حالها التي تردت فيها، بل تبذل جهودها لتخفيف ما يتغلغل فيها من مفاسد ومظالم وفاقة أفسدت الديمقراطية وهوت بها إلى الحضيض. وكان قيصر وقتئذ في الرابعة والخمسين من عمره، وما من شك في أنه قد أوهنته حروبه الطويلة في غالة، وأنه لم يكن يحب أن يتورط في محاربة مواطنيه وأصدقائه السابقين، ولكنه كان على علم بالمؤامرات التي تحاك له، والفخاخ التي تنصب لاقتناصه، وكان يؤلمه أشد الألم أن تكون هذه المؤامرات والفخاخ هي الجزاء الذي يجزي به من أنجى إيطاليا من الدمار والخراب. وكانت مدة حكمه في غالة تنتهي في اليوم الأول من شهر مارس سنة 49 ق.م، ولم يكن في وسعه أن يتقدم للقنصلية إلا في




صفحة رقم : 3190




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية


خرف ذلك العام، وفي الفترة الواقعة بين الزمنيين يفقد الحصانة التي يسبغها عليه منصبه، ولا يستطيع دخول رومه دون أن يعرض نفسه للاتهام بأنه خارج على القانون، وهو السلاح المألوف الذي كانت تلجأ إليه الأحزاب المختلفة في رومه في نزاعها على السلطة. وكان ماركس مارسلس Marcus Maecellus قد عرض قبل ذلك الوقت على مجلس الشيوخ أن يعزل قيصر من الولاية قبل انتهاء مدتها، ومعنى هذا الغزل هو البقاء خارج البلاد أو المحاكمة، وكان التربيونان قد أنجياه من هذه المكيدة باستخدام ما لهما من حق الاعتراض، ولكن مجلس الشيوخ كان بلا ريب راضياً عن هذا الاقتراح، وقال كاتو بصريح العبارة إنه يرجو أن توجه التهمة إلى قيصر، وأن يحاكم وينفى من إيطاليا.
أما قيصر نفسه فلم يدخر جهداً في العمل على إزالة أسباب النزاع بينه وبين خصومه. فلما أن طلب مجلس الشيوخ بإيعاز بمبي أن يتخلى له كلا القائدين عن فيلق يرسله لقتال بارثيا، أجابه قيصر من فوره إلى طلبه، وإن لم تكن القوة الني لديه كبيرة. ولما طلب بمبي إلى قيصر أن يعيد إليه الفيلق الذي أرسله له قبل عام من ذلك الوقت، بادر أيضاً بإرساله إليه، وإن كان أصدقاؤه قد أبلغوه أن الفيلقين لم يرسلا إلى بارثيا بل بقيا في كابوا. وطلب قيصر على لسان مؤيديه في مجلس الشيوخ أن يعاد العمل بقرار الجمعية السابق الذي كان يجيز له أن يرشح نفسه لمنصب القنصلية وهو غائب عن رومه، ولكن المجلس رفض الاقتراح وطلب إلى قيصر أن يسرح جنوده. وأحس هو أن ليس له سند يحميه إلا فيالقه، ولعله لم يكن يعمل لكسب ولائهم له إلا ليقفوا إلى جانبه في مثل هذه الأزمة. غير أنه في ذلك الوقت عرض على مجلس الشيوخ أن يعتزل هو وبمبي منصبيهما- وبدا هذا العرض معقولاً لا غبار عليه في نظر الشعب، حتى أنه كلل جبين رسوله بالأزهار. ووافق المجلس على هذه الخطبة بأغلبية 370 ضد 22، ولكن بمبي أبى أن يخضع لهذا القرار، حتى إذا أشرف عام 50 على الانتهاء ولم يبق منه إلا بضعة




صفحة رقم : 3191




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية


أيام، أعلن أن قيصر عدو الشعب إذ لم يتخل عن القيادة قبل اليوم الأول من شهر يوليا. وفي أول عام 49 قرأ كوريو Curio على المجلس رسالة من قيصر يعلن فيها استعداده لتسريح جيشه كله عدا فيلقين اثنين إذا سمح له بأن يظل والياً على غالة حتى عام 48، ولكنه أفسد هذا العرض بأن أضاف إليه أنه يرى في رفضه إعلاناً للحرب عليه. ودافع شيشرون عن هذا الاقتراح، ووافق عليه بمبي، ولكن القنصل لنتولس Lentulus تدخل في الأمر وأخرج كوريو Curio وأنطونيوس نصيري قيصر من المجلس(26)، وبعد نقاش طويل أصدر المجلس على كره منه وبإلحاح لنتولس وكاتو ومارسلس إلى بمبي أمراً وسلطة "يعمل بهما على ألا تصاب للدولة بسوء". وتلك عبارة رومانية معناها الدكتاتورية والحكم العسكري.
وتباطأ قيصر وتردد أكثر مما كانت عادته. فقد كان مجلس الشيوخ من الوجهة القانونية على حق فيما فعل، ولم يكن من حقه هو أن يعرض الشروط التي تعتزل بمقتضاها منصبه وقيادته. وكان يعرف أن الحرب الأهلية قد تثير الفتنة في غالة وتخرب إيطاليا بأجمعها، ولكنه كان يعلم أيضاً أن استسلامه معناه إسلام الإمبراطورية للعجز وللرجعية، وترامي إليه في أثناء تفكيره أن صديقاً من أقرب الأصدقاء إليه ومن أقدر مؤيديه وهو تيتس لبيينس Titus Labienus قد انشق عليه وانضم إلى بمبي، فما كان منه إلا أن استدعى الفيلق الثالث عشر، أكثر فيالقه ولاء له وأحبها إلى قلبه، وعرض المر كله على رجاله. وكانت أول كلمة نطق بها أمامهم وهي "زملائي الجنود. Commilitones" كافية لكسب قلوبهم، ولم يكونوا ينكرون عليه حقه في استعمال هذا اللفظ لأنهم رأوه من قبل يشترك معهم في الصعاب ويتعرض معهم للأخطار، وكثيراً ما شكوا هم أنفسهم من أنه يجازف بحياته ويعرضها للخطر فوق ما يجب. وكان هو على الدوام يخاطبهم بهذا اللفظ بدل اللفظ المقتضب الجاف الذي كان ينطق به من هم أقل منه مجاملة




صفحة رقم : 3192




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية


من القواد. وكان معظم رجاله من بلاد الغالة الجنوبية، وهي البلاد التي جعل لأهلها حق المواطنين الرومان، وكانوا يعرفون أن مجلس الشيوخ قد أبى أن يعترف لهم بهذه المنحة، وأن أحد أعضائه قد جلد رجلاً من أهلها ليدل بذلك على احتقاره لعمل قيصر، على الرغم من أن جلد المواطن الروماني كان عملاً لا يجيزه القانون. وكان قيصر قد علمهم في أثناء حروبهم الطويلة أن يحترموه- بل أن يحبوه على طريقتهم الخشنة الصامتة في الحب. وكان قاسياً على الجبناء ومن لا يرعون النظام، ولكنه كان سمحاً ليناً لا يقسو عليهم جزاء لهم على أغلاطهم التي تدفعهم إليها طبيعتهم البشرية، وكان يتغاضى عن أخطائهم الجنسية ويجنبهم ما لا ضرورة له من الأخطار، وكثيراً ما أنجاهم من الهلاك بحنكته وحسن قيادته. وهذا إلى أنه ضاعف أجورهم، ووزع عليهم كثيراً من غنائمه الحربية، ولما جاءوا إليه شرح لهم ما عرضه على مجلس الشيوخ، وكيف قابل المجلس هذه العروض، وذكر لهم أن الأرستقراطية المتعطلة الفاسدة لا تستطيع أن توفر لرومه النظام والعدالة والرخاء، وسألهم هل يتبعوه؟ فلم يعارض واحد منهم، ولما قال لهم إنه ليس لديه مال يؤدي منه أجورهم جاءوا إلى خزائنه بكل ما كان مدخراً لديهم.
وفي اليوم العاشر من شهر يناير نت عام 49 ق.م. عبر بأحد فيالقه الروبيكون وهو مجرى صغير بالقرب من أريمينوم Ariminum كان هو الجنوبي لغالة الجنوبية. ويقال إنه قد نطق في ذلك الوقت بقوله المأثور: "لقد قضي الأمر" Iacta est alea(27)، وخيل إلى الناس أن هذا العمل هو الحمق بعينه لأن الفيالق الخمسة الباقية من جيشه كانت لا تزال بعيدة عنه في بلاد غالة لا تستطيع اللحاق بعه إلا بعد عدة أسابيع، على حين أن بمبي كان لديه عشرة فيالق، أي ستون ألف جندي، وكان من حقه أن يجند ما يشاء من الفيالق الأخرى، ولديه من المال ما يكفي لتسليحهم وإطعامهم. وانضم بعدئذ إلى قيصر الفيلق الثاني عشر من فيالقه عند بسينوم Picenum، والفيلق الثامن عند كورفنيوم Corfinium، ثم




صفحة رقم : 3193




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية


أنشأ ثلاثة فيالق جديدة من أسرى الحرب ومن المتطوعين ومن أهل البلاد؛ ولم يكن يلقي صعوبة في جمع الجنود لأن إيطاليا لم تكن قد نسيت بعد ما قاسته في الحرب الاجتماعية (88)، كانت ترى في قيصر البطل المدافع عن حقوق الإيطاليين. فكانت مدائنها تفتح أبوابها لاستقباله واحدة بعد أخرى، وكثيراً ما خرج سكان بعض هذه المدائن على بكرة أبيهم ليحيوه ويرحبوا به(28)، وقد كتب شيشرون في ذلك يقول: "إن المدن تحييه كأنه إله معبود"(29). وقاومت كورفنيوم مقاومة قصيرة الأجل، ثم استسلمت له ولم يسمح لجنوده أن ينهبوها، وأطلق سراح منه قبض عليهم من الضباط، وبعث إلى معسكر بمبي بكل ما تركه لبيينس Labienus من المال والعتاد. ولم يشأ أن يصادر ضياع من وقع في يده من الأعداء وإن كان في ذلك الوقت معدماً فقيراً لا يكاد يملك شيئاً من المال- وكانت هذه خطة حميدة يمتاز بها قيصر، كان من أثرها أن وقفت كثرة الطبقة الوسطى من الأهلين على الحياد. وأعلن في ذلك الوقت أنه سيعد كل المحايدين أصدقاء له وأنصاراً. وكان في كل خطوة يخطوها إلى الأمام يعرض عروضاً للصلح على أعدائه. من ذلك أنه أرسل إلى لنتولس Lentulus رسالة يرجوه فيها أن يستخدم ما يخلعه عليه منصب القنصل من نفوذ ليعيد السلم إلى البلاد، وعرض رسالة كتبها إلى شيشرون استعداده لاعتزال الحياة العامة وترك المجال إلى بمبي على شرط أن يسمح له بأن يعيش آمناً على حياته(30). وبذل شيشرون جهده في التوفيق بين القائدين، ولكن منطقه لم يجده نفعاً أمام تعسف الثورة ودعاواها المتعارضة(31).
ولما تقدم قيصر نحو العاصمة انسحب بمبي هو وجنوده منها وإن كانت جيوشه وقتئذ لا تزال أكثر من جيوش قيصر عدداً. وانسحب من ورائه في غير نظام عدد كبير من الأشراف تاركين وراءهم زوجاتهم وأبناءهم تحت رحمة قيصر. ورفض بمبي عروض الصلح جميعها، وأعلن أنه سيعدّ كل من




صفحة رقم : 3194




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية


لم يغادر رومه وينضم إلى معسكره عدواً له. ولكن الكثرة العظمى من أعضاء مجلس الشيوخ بقيت في رومه، وتذبذب شيشرون بين الفريقين، وكان يحتقر تردد بمبي وخور عزيمته، فقسم وقته بين ضياعه في الريف وسار بمبي إلى برنديزيوم وعبر بجنوده البحر الأدرياوي. وكان يعرف أن جيشه يعوزه النظام، وأنه في حاجة إلى كثير من التدريب قبل أن يستطيع الصمود في وجه فيالق قيصر، وكان يرجو أن يستطيع الأسطول الروماني الذي يسيطر هو عليه أن يجوع إيطاليا في هذه الأثناء ويدفعها إلى إبادة عدوه.
ودخل قيصر رومه في اليوم السادس عشر من مارس دون أن يلقى في دخولها أية مقاومة، ودخلها وهو مجرد من السلاح لأنه ترك جنوده في البلدان المجاورة لها؛ وأعلن حين دخولها العفو العام عن جميع أهلها، وأعاد إليها الإدارة البلدية والنظام الاجتماعي. ودعا التربيونان مجلس الشيوخ إلى الانعقاد وطلب إليه قيصر أن يعينه حاكماً بأمره (دكتاتوراً)، ولكن المجلس لم يجبه إلى طلبه، ثم عرض على المجلس أن يبعث رسلاً إلى بمبي ليفاوضوه في عقد الصلح فرفض ذلك أيضاً. فطلب المال من الخزانة العامة فوقف في سبيله التربيون لوسيوس متلس Lucius Metellus فلما قال قيصر إن النطق بعبارات التهديد أصعب عليه من تنفيذها خضع متلس. واستطاع من ذلك الوقت أن يكون حر التصرف في أموال الدولة، ولكنه كان نزيهاً كل النزاهة، فأودع في الخزانة العامة كل ما غنمه من الأموال في حروبه الأخيرة. ولما تم له ذلك عاد إلى جنوده واستعد لملاقاة الجيوش الثلاثة التي كان بمبي وأنصاره يعدونها في بلاد اليونان وأفريقيا وأسبانيا، وأراد أن يضمن لإيطاليا كفايتها من الحبوب التي تعتمد عليها في حياتها، فأرسل كوريو Curio المتهور العنيف ومعه فيلقان من جيشه ليستولي على صقلية، فلما نزل في الجزيرة سلمها إليه كاتو وانسحب منها إلى إفريقيا، فاندفع وراءه كوريو اندفاع رجيولوي Regulus، واشتبك معه في معركة




صفحة رقم : 3195




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية


لم يكن قد كمل استعداده هو لها، فهزم وقتل في ميدان القتال، ولم يندم عند وفاته على ما أصابه بل ندم أشد الندم على ما ألحقه من الأذى بقيصر.
وكان قيصر في هذه الأثناء قد سار على رأس جيش إلى أسبانيا وكان غرضه من هذا الزحف أن يضمن عودتها إلى تصدير الحبوب إلى إيطاليا، وأن يحول بينها وبين الهجوم على مؤخرته حين يزحف لملاقاة بمبي، وارتكب في إيطاليا كما ارتكب في غالة عدة أغلاط عسكرية فنية(32)، كانت عاقبتها أن تعرض جيشه- الذي كان أقل من جيش أعدائه عدداً- للهزيمة وللهلاك جوعاً. ولكنه أنجاه وأنجى نفسه، كمألوف عادته، بسرعة خاطره وشجاعته(33)، فقد حول مجرى أحد الأنهار واستحال الحصار الذي كان مضروباً عليه حصاراً على أعدائه، وظل صابراً زمناً طويلاً حتى يستسلم له الجيش المحاصر وإن كان جنوده قد ملوا الانتظار طويلاً يطالبون بالهجوم على العدو. ثم استسلم أنصار بمبي آخر الأمر وخضعت أسبانيا كلها إلى قيصر (أغسطس سنة 49). وعاد بعدئذ إلى إيطاليا براً، ولكنه وجد الطريق مغلقاً في وجهه عند مرسيليا، وقد وقف أمامه جيش يقوده لوسيوس دمتيوس Lucius Domitius وهو القائد الذي أسره في كورفنيوم ثم أطلق سراحه. واستولى قيصر على المدينة بعد أن حاصرها حصاراً شديداً، ثم أعاد تنظيم الإدارة في غالة، ولم يحل شهر ديسمبر حتى عاد ظافراً إلى رومه.
وقوت هذه الحملات مركزه السياسي، كما طمأنت البطون المتخوفة في العاصمة على كفايتها من الطعام، فلم يمانع مجلس الشيوخ وقتئذ في أن يعينه دكتاتوراً. ولكن قيصر تخلى عن هذا اللقب بعد أن اختير أحد القنصلين في عام 48 ق.م. ولما وجد أزمة النقد مستحكمة في إيطاليا، لأن اختزان النقود قد سبب انخفاض الأثمان، وأبى المدينون أن يؤدوا بالنقود الغالية ما استدانوه بالنقود الرخيصة- لما وجد هذا أصدر قراراً




صفحة رقم : 3196




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية


يهيج أداء الديون سلعاً بقدر أثمانها محكمون من قبل الحكومة كما كانت تقدر قبل الحرب. وكان يرى أن هذه "خير وسيلة للاحتفاظ بشرف المدينين ولتبديد أو تقليل الخوف الذي كان يساور البعض من أن تلغى هذه الديون إلغاء تاماً، وهو الإلغاء الذي يحتمل حدوثه في أعقاب الحروب"(34).
ومن الشواهد الدالة على بطئ سير الإصلاح في رومه قبل ذلك العهد أنه اضطر مرة أخرى أن يحرم استعباد المدين إذا لم يؤد دينه، وأنه أباح خصم الفوائد التي دفعت قبل ذلك الوقت من أصل الدين، وحدد سعر الفائدة بواحد في المائة كل شهر. وأرضت هذه الإجراءات معظم الدائنين لأنهم كانوا يخشون أن تصادر أموالهم، ولكنها أغضبت المتطرفين الذين كانوا يرجون أن يسير قيصر على خطة كاتلين فيلغى الديون كلها ويعيد توزيع الراضي على السكان. ووزع قيصر الحبوب على المعوزين وألغى جميع أحكام النفي ما عدا الحكم الصادر على ميلو، وعفا عن كل من يعود إلى البلاد من الأشراف. ولكن أحداً لم يحمد له اعتداله، ذلك أن المحافظين الذين عفا عنهم عادوا يأتمرون به ليقتلوه، وبينا كان يواجه بمبي في تساليا Thessaly تخلى عنه المتطرفون وانضموا إلى كئيليوس Caelius بعد أن وعدهم بإلغاء الديون إلغاء تاماً، وبمصادرة الأملاك الواسعة، وتوزيع الأراضي على الأهلين توزيعاً جديداً.
وفي أواخر عام 49 انضم قيصر إلى الجنود والى الأسطول اللذين جمعهما لصاره في برنديزيوم. وكان عبور جيش من الجيوش البحر الأدرياوي شتاء في تلك الأيام عملاً لم يسمع به من أحد قط. ولم يكن في استطاعة الاثنتي عشرة سفينة التي تحت تصرفه أن تقل من جنوده إلا ستين ألفاً في كل مرة، وكانت أساطيل بمبي التي تفوقها عدة وعدداً تغدو وتروح بين ثغور الشاطئ المقابل له والجزائر المجاورة لهذا الشاطئ. ولكن قيصر رغم هذا أقلع بجنوده، ونزل في إبيروس ومعه عشرون ألفاً منهم. غير أن سفنه تحطمت وهي عائدة إلى إيطاليا. ولم يعرف




صفحة رقم : 3197




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية


قيصر السبب الذي أخر بقية جيشه، فحاول أن يعبر البحر مرة أخرى في زورق صغير. وأخذ الملاحون يجدفون والموج يعاكسهم حتى كادوا يغرقون، ولكن قيصر لم تهن عزيمته رغم ما كان يحيط به من أهوال جسام، وأخذ يقوي قلوبهم بهذه العبارة التي لا يبعد أن تكون من نسج خيال المؤلف:


"لا تخافوا إنكم تحملون قيصر وحظه"(35)،


ولكن الريح والموج قذفا بالقارب إلى الشاطئ الذي بدأ منه، واضطر هو أن يعود من حيث أتى.
وكان بمبي في هذه الأثناء قد استولى بأربعين ألفاً من رجاله على درشيوم Dyrrhachium ومخازنها الغنية، ولكنه عجز عن مهاجمة جيش قيصر الذي تناقص عدده وقلت مؤونته، وكان بمبي في تلك الأيام قد سمن وابتلى بالتردد وخور العزيمة. وبينا كان هو في تردده جمع ماركس أنطونيوس أسطولاً جديداً حمل عليه ما كان باقياً من جيش قيصر في إيطاليا.
وبذلك أصبح قيصر متأهباً للقتال، ولكنه ما زال يكره أن يقاتل الروماني رومانياً، فأرسل رسولاً إلى بمبي يعرض عليه أن يتخلى القائدان كلاهما عن قيادتهما، ولكن بمبي لم يرد عليه فهاجمه وأخفق في هجومه، غير أن بمبي عجز أن يتبع النصر بمطاردة عدوه. ثم قتل ضباط بمبي جميع من وقع في أسرهم من أعداءهم الضباط على الرغم من نصيحة قائدهم الأعلى، أما قيصر فلم يقتل أحداً من أسراه(37)، وهو عمل رفع من قوة جنوده المعنوية بقدر ما أضعف من قوة بمبي. وطلب رجال قيصر إلى قائدهم أن يعاقبهم على ما أظهروه من الجبن في حربهم الأولى ضد الفيالق الرومانية، فلو لم يجبهم إلى ما طلبوه توسلوا إليه




صفحة رقم : 3198




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية


أن يعود بهم إلى ساحة القتال، ولكنه رأى من الحكمة أن يرتد إلى تساليا ليستريحوا فيها بعض الوقت.
واستقر رأي بمبي وقتئذ على القرار الذي قضى على حياته. فقد أشار عليه أفرانيوس Afranius أن يعود إلى إيطاليا الخالية من وسائل الدفاع ويستولي عليها؛ ولكن معظم مستشاريه ألحوا عليه أن يطارد قيصر ويقضي عليه. وبالغ الأشراف الذين كانوا في معسكر بمبي فيما أحرزه من النصر في درهشيوم وظنوا أن القضية الكبرى قد فصل فيها في ذلك المكان. وهال شيشرون- وكان قد انضم إليهم آخر الأمر- أن يسمعهم يتنازعون فيما سيعود على كل منهم بعد أن يعودوا إلى ما كانوا فيه، وأن يرى ما يتقلبون فيه من الترف وهم في ميدان القتال، فقد كان الطعام يقدم لهم في صحاف من الفضة، وكانت خيامهم مفروشة بالطنافس الوثيرة تزينها الصور الرائعة وطاقات الزهر الجميلة.
وكتب شيشرون في ذلك يقول:
"وكان البمبيون، ما عدا بمبي نفسه، يحاربون بوحشية شديدة، وينطقون في أحاديثهم بمبادئ القسوة، حتى كان الرعب يستولي عليَّ إذا ما فكرت في نصرهم... إنهم قوم ليس فيهم ما هو خير إلا قضيتهم.. لقد كانوا يفترضون أن يعدم أعداؤهم جملة لا أفراداً متفرقين.. وقدر لنتلس نفسه أن يستولي على بيت هورتنسيوس وعلى حدائق قيصر وباياني"(38).
وكان بمبي نفسه أميل إلى التريث وعدم الاشتباك في معركة فاصلة، ولكنه اضطر إلى اعمل برأي مستشاريه لما أن عيروه بالجبن والخور، فأصدر أمره بالزحف.
ودارت رحى المعركة الفاصلة في فارسالس في اليوم التاسع من شهر أغسطس عام 48 ق.م، وكانت معركة طاحنة دام فيها القتال حتى نهايتها المريرة. وكان




صفحة رقم : 3199




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية


جيش بمبي يتألف من ثمانية وأربعين ألفاً من المشاة، وسبعة آلاف من الفرسان؛ أما جيش قيصر فلم يكن يزيد على اثنين وعشرين ألفاً من المشاة؛ وألف من الفرسان. ويقول أفلوطرخس تعليقاً على هذا الموقف.
"وكان عدد قليل من أنبل رجال رومه يشاهدون المعركة عن كثب.. ويفكرون فيما صارت إليه الإمبراطورية بسبب المطامع الشخصية..لقد التقت في هذا المكان زهرة شباب المدينة الواحدة وعماد قوتها في صراع عنيف، وحسبنا هذا برهاناً قاطعاً على ما في الطبيعة البشرية من عمى وجنون إذا ما أثيرت شهواتها"(40).
لقد كان أقرب الأقارب، بل كان الأخوة أنفسهم، يقاتل بعضهم بعضاً في الجيشين المتعاديين. وقد أمر قيصر رجاله أن يبقوا على حياة كل من يستسلم من الرومان، أما الشباب الأرستقراطي ماركس بروتس فقد أمرهم قيصر أن يقبضوا عليه دون أن يصيبوه بأذى، فإذا لم يجدوا سبيلاً إلى هذا فليسمحوا له بالفرار(41). وروع البمبيون لتفوق أعدائهم القيادة، والتدريب، والقوة المعنوية. وقُتل منهم وجُرح خمسة عشر ألفاً، واستسلم عشرون ألفاً، وولى الباقون الأدبار. ونزع بمبي شارة القيادة عن رجاله وفر مع من فروا من رجاله. ويخبرنا قيصر أنه لم يفقد من رجاله إلا مائتين(42)- وهو قول يحملنا على الشك في كتبه كلها. وأخذ رجاله يتندرون بما في خيام أعدائهم من وسائل الزينة، وبما وجدوه فيها من الموائد المثقلة بالطعام الشهي الذي أعد لساعة الاحتفال بالنصر. وأكل قيصر عشاء بمبي في خيمة بمبي نفسه.
وسار بمبي على ظهر جواده الليل كله حتى وصل إلى لارسا Larissa، وركب منها سفينة أقلته إلى الإسكندرية، وعرج في طريقه على متليني Mytilene حيث انضمت إليه زوجته، وطلب إليه سكانها أن يقيم معهم، ولكنه رفض طلبهم في أدب ومجاملة، ونصحهم أن يستسلموا للفاتح في غير




صفحة رقم : 3200




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الحرب الأهلية


خوف لأن "قيصر" على حد قوله "رجل عامر القلب بالصلاح والرحمة"(43). وفر بروتس أيضاً إلى لارسا، ولكنه أطال المكث فيها ووجّه منها رسالة إلى قيصر. وأبدى القائد المنتصر أشد الاغتباط حين سمع أن بروتس، حي يرزق، وعفا عنه من فوره، كما عفا عن كاسيوس استجابة لرغبة بروتس. وكان كذلك ليناً في معاملة أمم الشرق التي أيدت بمبي مدفوعة إلى ذلك بمشيئة الطبقات العليا المسيطرة عليها. ووزع ما جمعه بمبي من الحبوب على سكان بلاد اليونان الجياع، ولما جاءه الأثينيون يطلبون إليه أن يعفو عنهم، أجابهم وعلى شفتيه ابتسامة اللوم بقوله: "إلى متى ينجيكم مجد آباءكم الأولين من موارد الهلاك التي توردونها أنفسكم؟"(44).
وأكبر الظن أن بعضهم قد حذر قيصر من أن بمبي يفكر في معاودة القتال معتمداً على جيش مصر ومواردها، وعلى القوة التي كان كاتو ولبينس Labienus ومتلس يعدونها في يتكا Utica. ولكن حدث بعد أن وصل بمبي إلى الإسكندرية أن أمر بوثينس Pothinus خصى الشاب بطليموس الثاني عشر ووزيره خدمة أن يقتلوه، ولعله فعل ما فعل رجاء أن يكافئه عليه قيصر. فقد طعن القائد طعنة نجلاء حين وطئت قدماه شاطئ مصر، بينا كانت زوجته تنظر إليه في هلع وهي على ظهر السفينة التي أقلتهما إلى تلك البلاد. فلما جاء قيصر أهدى إليه رجال بوثينس رأس القائد الذي فصل عن جسده، فولى وجهه عنهم في هلع، وأخذ يبكي من فرط تأثره بهذا الشاهد الجديد على أن الناس كلهم يلقون مصيراً واحداً، وإن اختلفت الوسائل المؤدية إلى هذا المصير. ونزل قيصر في قصر البطالمة الملكي وشرع ينظم شؤون تلم المملكة القديمة.




صفحة رقم : 3201




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر وكليوبطرة



الفصل السابع




قيصر وكيلوبطرة


وأخذت مصر بعد وفاة بطليموس السادس (145) تسير مسرعة في طريق الاضمحلال وعجز ملوكها عن الاحتفاظ بنظامها الاجتماعي أو حريتها القومية؛ وأخذ مجلس الشيوخ الروماني يقوي فيها سلطانه ويملي عليها إرادته، بل إنه أقام حامية رومانية في الإسكندرية. وكانت مقاليد الحكم قد آلت بعد وفاة بطليموس الحادي عشر الذي أجلسه بمبي وجابنيوس على العرش إلى أبنه بطليموس الثاني عشر وابنته كيلوبطرة، وذلك لأن والدهما قد أوصى قبل وفاته أن يرثا الملك من بعده، وأن يتزوج الأخ أخته ويشتركا في حكم البلاد معاً.
وكانت كليوبطرة من أصل يوناني مقدوني، وأكبر الظن أنها كانت أقرب إلى الشقرة منها إلى السمرة(45). ولم تكن بارعة الجمال ولكن قوامها الرشيق المعتدل. وخفة روحها، وتنوع ثقافتها"، ودماثة خلقها، وحسن صوتها، مضافة إلى مقامها الملكي قد جعلتها فتنة لكل من رآها تسلبه لبه وإن كان قائداً رومانياً. وكانت على علم بتاريخ اليونان وآدابهم وفلسفتهم، تجيد الحديث باللغات اليونانية والمصرية والسورية، ويقال إنها كانت تتقن لغات أخرى غير هذه. وقد جمعت إلى فتنة أسبازيا الذهنية فتنة المرأة المتحللة إلى أقصى حد من القيود الخلقية. ويقال إنها ألفت رسالة في مستحضرات التجميل، وأخرى في المقاييس والموازين والنقود المصرية، وموضوع الرسالة الثانية موضوع مغر جذاب(46). وكانت إلى هذا حاكمة قديرة وإدارية ماهرة، نجحت في نشر التجارة المصرية، وارتقت على يديها الصناعة؛ وكانت تجيد تدبير الشؤون المالية حتى في الوقت الذي كانت تنصب فيه شراك الحب. وقد جمعت إلى هذه الصفات شهوة جسدية قوية، ووحشية




صفحة رقم : 3202




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر وكليوبطرة


عنيفة تصب على أعدائها العذاب والموت صباً، ومطامع سياسية بعيدة، تحلم ببناء إمبراطورية واسعة، ولا تحترم في سبيل الوصول إلى غايتها قانوناً إلا قانون النجاح. ولو أنها لم يجر في عروقها دم البطالمة المتأخرين الداعرين لكان من الجائز أن تحقق غرضها وتصبح ملكة تحكم دولة واسعة الرقعة تضم بلاد البحر الأبيض المتوسط. وكانت تدرك أن مصر لم تعد قادرة على البقاء مستقلة عن الدولة الرومانية، ولم تر ما يمنعها أن تكون هي المسيطرة على الدولة المتحدة.
وقد استاء قيصر حين عرف أن بوثينس نفى كيلوبطرة، ونصب نفسه نائباً عن بطليموس الشاب يحكم باسمه، ولذلك أرسل إليها سراً، وجاءته سراً وقد احتالت على الوصول إليه بأن أخفت نفسها في فراش حمله تابعها أبولودورس Apollodorus إلى مسكن قيصر. وذهل القائد الروماني حين رآها، وأسرته بشجاعتها وسرعة بديهتها، وهو الذي لم يدع انتصاراته في ميدان القتال تربى على انتصاراته في ميادين الحب. ووفق بينها وبين بطليموس وأجلسها هي وأخاها على عرش مصر كما كانا من قبل. وعرف قيصر من أخيه أن بوثينس هو والقائد المصري أخلاس Achillas كانا يأتمران به ليقتلاه ويبيدا القوة العسكرية الصغيرة التي جاءت معه إلى مصر، فدبر في الخفاء اغتيال بوثينس، وفر أخلاس، واتصل بالجيش المصري، وحرضه على الثورة. وسرعان ما امتلأت الإسكندرية بالجنود ينادون بالويل والثبور لقيصر، ويحرض ضباط الحامية الرومانية التي وضعها مجلس الشيوخ في تلك المدينة على الانضمام إلى الجيش الثائر ضد هذا الدخيل الخائن الذي سولت له نفسه أن يقرر وراثة عرش البطالمة، وأن يعمل على أن يولد من صلبه من يرث هذا العرش في المستقبل.
وعمل قيصر في هذا الظرف الحرج ما كانت تسعفه حيلته، فأحال القصر الملكي والملهى المجاور له إلى قلعتين تحصن فيهما هو ورجاله. ثم أرسل يطلب المدد من آسيا الصغرى وسوريا ورودس. ولما أدرك أن أسطوله الضعيف




صفحة رقم : 3203




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر وكليوبطرة


الذي لم يكن فيه من يحميه لن يلبث أن يقع في يد أعدائه، أمر به فحرق والتهمت النار جزءاً من مكتبة الإسكندرية لا نعرفه على وجه التحديد. ورأى أن لابد له من الاستيلاء على جزيرة فاروس لأنها هي المدخل الذي يمكن أن يصل إليه منه المدد المنتظر، فهاجمها هجوم اليائس، واستولى عليها، ثم جلا عنها، ثم عاد فاستولى عليها. وحدث في إحدى هذه المعارك أن اضطر إلى السباحة في البحر لينجو من الموت بعد أن صوبت إليه عاصفة من السهام، وذلك حين قذف المصريون به وبأربعمائة من رجاله إلى البحر بعيداً عن الحاجز الذي كان يصل الجزيرة بأرض المدينة. وظن بطليموس الثاني عشر أن الثوار قد حالفهم النصر، فخرج من القصر وانضم إليهم واختفى من التاريخ. ولما جاء المدد إلى قيصر هزم به المصريين وحامية مجلس الشيوخ في معركة النيل، وكافأ كليوبطرة على إخلاصها له في هذه الأزمة بأن عين أخاها الأصغر بطليموس الثالث عشر ملكاً معها على مصر، فجعلها بذلك حاكمة البلاد الحقيقية.
ويصعب علينا أن ندرك السر في بقاء قيصر تسعة أشهر في الإسكندرية، والجيوش تجيش لقتاله في يتكا Utica، ورومه في أشد الحاجة إلى يده الصناع، لأن كئيليوس Caelius وميلو ينفخان فيها نار الثورة عليه. فلعله كان يحس بأنه جدير ببعض الراحة واللهو بعد حروب دامت عشر سنين؛ وفي هذا يقول سيوتونيوس Suetonius إنه كثيراً ما كان يقضي الليل كله حتى مطلع الفجر يلهو مع كيلوبطرة، وكان بوده أن يسير معها في قاربها من أقصى مصر إلى أقصاها حتى يصلا إلى بلاد الحبشة لولا أن هدده جنوده بالخروج عليه" (47)، لأن كل واحد منهم لم يجد له فتاة لعوباً. أو لعل شهامته قد أجبرته على أن ينتظر حتى تفيق كيلوبطرة من آلام الوضع، فقد وضعت طفلاً في عام 47 ق.م سمي قيصريون Caesarion، ويقول ماركس أنطونيوس إن قيصر اعترف بأنه ولده(48). ولا يبعد أن تكون قد أسرت إليه تلك الفكرة الجميلة فكرة أن يكون ملكاً




صفحة رقم : 3204




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر وكليوبطرة


ويتزوجها فيجتمع بذلك عالم البحر الأبيض المتوسط تحت فراش واحد.
ذلك كله ظن وهو إلى ذلك إثم؛ فليس ثمة ما يؤده إلا ما نستخلصه من الشواهد والقرائن المفصلة. وما من شك في أنه عاد إلى نشاطه حين عرف أن فرناسس Pharnaces بن مثرداتس قد استولى مرة أخرى على بنتس Pontus وأرمينيا الصغرى، وأنه أخذ يدعو بلاد الشرق إلى الثورة من جديد على رومه المنقسمة على نفسها. ووضحت في ذلك الوقت حكمته في "تهدئة" أسبانيا وغالة قبل لقائه بمبي؛ فلو أن الغرب ثار عليه وقت أن ثار الشرق لكان من المرجح أن تتصدع أركان الدولة وأن يزحف "البرابرة" نحو الجنوب، وألا تشهد رومه قط عصر أغسطس. لكن قيصر حال دون ذلك كله؛ فقد بدأ بإصلاح أمر فيالقه الثلاثة، ثم غادر مصر في شهر يونية من عام 47 ق.م، وسار بسرعته المعتادة على طول شواطئ مصر وسوريا وآسيا الصغرى إلى بلاد بنتس وهزم فرناسس في واقعة زيلا Ziela (2 أغسطس)، وبعث من ميدان القتال إلى صديق لع بهذا الخبر القصير البليغ: "جئت، ورأيت، وهزمت" vein, vidi, vici(49). وقابله شيشرون عند تارنيم (26 سبتمبر)، وطلب إليه أن يعفو عنه وعن غيره من المحافظين، فأجابه إلى ما طلب وأظهر له الرضا والود، وهاله بعد أن عاد إلى رومه أن الحرب الأهلية قد استحالت في العشرين شهراً التي قضاها بعيداً عنها إلى ثورة اجتماعية، وأن دلابلا Dolabella زوج ابنة شيشرون انضم بقوته إلى كئيليوس وعرض على الجمعية مشروع قانون بإلغاء جميع الديون، وأن أنطونيوس أطلق جنوده على صعاليك دلابلا المسلحين، وأن ثمانمائة من الرومان قتلوا في السوق العامة. وكان كئيليوس قد استخدم سلطته وهو بريتور Praetor فأعاد ميلو إلى رومه، ونظما معاً جيشاً في جنوبي إيطاليا، وطلبا إلى الأرقاء أن ينضموا إليهما في ثورة جائحة على النظام القائم. ولم يلقيا في هذه الثورة إلا قليلاً من النجاح، ولكن روح الثورة كانت قد أشربت بها جميع النفوس، فكان المتطرفون في رومه




صفحة رقم : 3205




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر وكليوبطرة


يحتفلون بذكرى كاتلين وينثرون الأزهار مرة أخرى على قبره. وكان جيش بمبي في إفريقيا قد ازداد عدده حتى أضحى في قوة الجيش الذي هزم في فرسالس. وكان سكستس Sextus بن بمبي قد أنشأ في أسبانيا جيشاً جديداً، وتعرضت إيطاليا مرة أخرى لخطر انقطاع الحبوب عنها. تلك هي الأحوال التي كانت قائمة في شهر أكتوبر من عام 47 حين عاد قيصر إلى رومه والى زوجته كلبيرنيا calpurnia ومعه كيلوبطرة وأخوها- زوجها الغلام وقيصرون.
وشرع في الأشهر القليلة التي أتيحت له بين الحروب يعيد النظام إلى رومه.ولما عين حاكماً بأمره من جديد استرضى المتطرفين إلى حين بإلغاء القانون الأخير من قوانين صادرة، وألغي في رومه كل ما قل عن ألفي سسترس من أجر الأراضي. وحاول في الوقت نفسه أن يهدئ مخاوف المحافظين فعين ماركس بروتس حاكماً على بلاد غالة الجنوبية. وأكد لشيشرون وأتكس أنه لن يثير حرباً على نظام الملكية، وأمر بإعادة تماثيل صلا التي حطمها الرعاع. ولما وجه أفكاره نحو بمبي وأنصاره ساءه وثبط من همته أن يسمع أن أكثر جنوده ولاء له قد ثاروا عليه، لأنهم لم يتسلموا مرتباتهم من زمن بعيد وأنهم يرفضون الإنجاز إلى أفريقيا. وكانت خزائن الدولة وقتئذ خاوية أو شبه خاوية، فجمع ما يحتاجه من المال بمصادرة أموال الأشراف الذين خرجوا عليه وبيعها. ولما سئل في ذلك قال غنه قد تعلم أن الجند يعتمدون على المال، وان المال يعتمد على القوة، والقوة تعتمد على الجند. ثم ظهر فجاءة بين الجنود المتمردين، وجمعهم حوله وقال لهم في هدوء إنه قد سرحهم، وإن في مقدورهم أن يعودوا إلى منازلهم، وإنه سيؤدي إليهم كل ما تأخر من رواتبهم بعد أن يتم له النصر في أفريقيا على يد "غيرهم من الجنود".
ويقول أبيان إنهم "لما سمعوا هذا القول استولى عليهم الخجل جميعاً لأنهم تخلوا عن قائدهم في الساعة التي يحيط به العدو من كل جانب.. فصاحوا بأنهم نادمون على خروجهم عليه، وتوسلوا إليه أن يحتفظ بعم في خدمته"(51) فأجابهم إلى ما طلبوا في إباء ساحر، وأبحر بهم إلى أفريقيا.




صفحة رقم : 3206




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر وكليوبطرة


والتقى في اليوم السادس من شهر إبريل سنة 46 ق.م بقوى متلس سبيو Metellus Scipio في ثبسوس ولبينس Labienus وجوبا الأول Juba 1 ملك نوميديا مجتمعة. وخسر المعركة الأولى في هذه المرة أيضاً، ولكنه فعل ما فعله من قبل، فأعاد تنظيم صفوفه وهجم بها على عدوه وانتصر عليه. ولامه جنوده المتعطشون للدماء على ما أظهره من رأفة بأعدائه في فرسالس، واعتقدوا أنه لولا هذه الرحمة لما اضطروا إلى قتال هؤلاء الأعداء مرة أخرى، ولذلك قتلوا من جنود بمبي الثمانين ألفاً نحو عشرة آلاف ولم تأخذهم بهم رأفة، لأنهم لم يريدوا أن يلتقوا بهؤلاء الجنود مرة أخرى في ميدان القتال. وانتحر وفر سبيو ومات في مناوشة بحرية، وهرب كاتو ومعه سرية من جنوده إلى بُتِكا.
ولما اقتفى أثره وأراد الضباط أن يصدوه عن المدينة، أقنعهم كاتو بأنه لا جدوى من عملهم هذا، وأعد المال لمن أرادوا القتال، ولكنه أشار على ابنه بالاستسلام لقيصر. أما هو نفسه فقد رفض كلتا الخطتين، وقضى السهرة في بحوث فلسفية. ثم آوى إلى حجرة نومه، وقضى شطراً من الليل يقرأ فيدون Phaedo لأفلاطون. وأيقن أصدقاؤه أنه سيقتل نفسه فأخذوا سيفه من جانبه. فلما غفلت أعينهم أمر خادمه أن يأتيه بالسيف، وتظاهر بالنوم ساعة من الليل، ثم قام وأمسك بسيفه وبقر به بطنه؛ وهرول إليه أصدقاؤه، وأعاد الطبيب أحشاءه إلى بطنه، وخاط الجرح، وضمده، ولكنهم لم يكادوا يخرجون من الحجرة حتى رفع كاتو الضمادات عن الجرح وأعاد فتحه وأخرج منه أحشاءه، وقضى نحبه.
ولما جاء قيصر كان أشد ما أحزنه أن لم تتح له الفرصة للعفو عن كاتو، وأن كل ما يستطيع أ يفعله عن ولده.
وشيع أهل يُتِكا الرواقي المنتحر في مشهد حافل كأنهم يعرفون أنهم يدفنون معه جمهورية كادت تبلغ من العمر خمسة قرون.




صفحة رقم : 3207




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر الحاكم



الفصل الثامن




قيصر الحاكم


عاد قيصر إلى رومه في خريف عام 46 بعد أن نصب سلست والياً على نوميديا، وأعاد تنظيم ولايات أفريقيا. وأوجس مجلس الشيوخ خيفة من هذه العودة، وأدرك أن البلاد مقبلة على الحكم الملكي المطلق، فاختاره حاكماً بأمره مدة عشر سنوات. واحتفلت رومه بعودته احتفالاً لم تشهد له مثيلاً من قبل، وكافا قيصر كل جندي من جنوده بخمسة آلاف درخمة أتيكية (حوالي ثلاثة آلاف ريال أمريكي)، أي أكثر كثيراً مما كان قد وعدهم به، وأولم وليمة كبرى للمواطنين الرومان احتوت على اثنين وعشرين ألف مائدة. وأعد لتسليتهم معركة بحرية صورية، اشترك فيها عشرة آلاف رجل. ثم غادر رومه إلى أسبانيا في أوائل عام 45 وهزم آخر جيش من جيوش بمبي عند مندا Munda.
ولما عاد إلى رومه في شهر أكتوبر وجد إيطاليا كلها تسودها الفوضى. ذلك أن الحكم الألجركي الفاسد، والثورات التي دامت مائة عام كاملة، قد أشاعا الاضطراب والفوضى في الأعمال الزراعية والصناعية والمالية والتجارية. أضف إلى هذا أن استنزاف موارد الولايات، وحبس رؤوس الأموال، وزعزعة أركان الاستثمار، أدت كلها إلى اضطراب سوق المال. هذا إلى أن آلاف الضياع قد حل بها الخراب، لأم مائة ألف من الرجال سيقوا من الأعمال المنتجة إلى ميادين القتال، وأن آلافاً مؤلفة من الزراع أرغمتهم منافسة الحبوب المستوردة من خارج البلاد أو التي تنتجها الضياع الكبرى التي يعمل فيها العبيد على الانضمام إلى صعاليك المدن والاستماع وبطونهم خاوية إلى الوعود التي يمنيهم بها الزعماء المهرجون. وأخذ من أبقت عليهم رحمة قيصر من الأشراف




صفحة رقم : 3208




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر الحاكم


يأتمرون به في قصورهم ونواديهم، ولما أن طلب إليهم في مجلس الشيوخ أن يعترفوا بضرورة الدكتاتورية ويعانوه على أن يعيد النظام إلى البلاد ويأسو جراحها، سخروا مما يعرضه عليهم هذا المغتصب وبسطوا ألسنتهم في استضافته لكيلوبطرة في رومه، وأخذوا يشيعون سراً أنه يعيد العدة ليكون ملكاً، ولينقل عاصمة الدولة إلى الإسكندرية أو إلى إليوم llium.
ومن أجل ذلك شرع قيصر، وقد أدركته الشيخوخة ولما يتجاوز بعد الخامسة والخمسين من عمره، ويعمل بهمة الرومان الأصيل ليحيي موات الدولة الرومانية. وكان يعلم أن انتصاراته لن تكون لها قيمة إن لم يكن في مقدوره أن يشيد في مكان الحطام التي أزلها صرحاً أحسن منها وأثبت دعامة. ولما أن مد أجل دكتاتوريته في عام 44 من عشر سنين إلى دكتاتورية تدوم مدى الحياة لم ير فرقاً كبيراً بين الحالين، وإن لم يكن قد أدرك في ذلك الوقت أن أجله لن يطول أكثر من خمسة شهور.
وأخذ مجلس الشيوخ يتملقه وحباه بكل ما يستطيع من ألقاب التعظيم، ولعله كان يهدف بذلك إلى أن يشيع كراهيته في قلوب الشعب الذي كان يبغض الملكية ولا يطيق حتى اسم الملك. وأجاز له المجلس أن يلبس إكليل الغار الذي كان يوارى به صلعته، وأن يحمل حتى في وقت السلم رمز سلطات الإمبراطور imperator. وبفضل هذه السلطات كان يسيطر على خزائن المال، كما كان منصب الحبر الأكبر Pontifex Maximus يمكن من السيطرة على الشؤون الدينية في البلاد، وكان له، بوصفه قنصلاً، أن يقترح القوانين وينفذها، وبوصفه تربيوناً كانت ذاته مصونة لا تمس، وبوصفه رقيباً كان له أن يعيّن أعضاء مجلس الشيوخ ويسقطهم. واحتفظت الجمعيات بحقها في الاقتراع على القوانين المعروضة عليها، ولكن دلابلا وأنطونيوس رجلي قيصر كانا يسيطران عليها، وكانت توافق عادة على سياسته. وكان هو من ناحيته يجتهد في أن يقيم




صفحة رقم : 3209




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر الحاكم


دكتاتورية على محبة الشعب له ورضائهم عنه شأنه في هذا شأن غيره من الطغاة الحاكمين.
وأنزل مجلس الشيوخ حتى صار أشبه شيء بمجلس استشاري له، ورفع عدد أعضائه من ستمائة عضو إلى تسعمائة، وكان يجدده على الدوام باستبدال أربعمائة عضو جديد بمثل عددهم من أعضائه السابقين. وكان كثيرون من هؤلاء الأعضاء الجدد من رجال العمال، وكثيرون منهم من المواطنين البارزين في المدن الإيطالية أو مدن الولايات الرومانية، ومنهم من كانوا من أعضاء المئين أو الجنود أو أبناء العبيد. وارتاع الأشراف حين رأوا زعماء غالة المغلوبة يدخلون مجلس الشيوخ وينضمون إلى حكام الإمبراطورية، بل عن الماجنين من أهل العاصمة قد ساءهم هذا التصرف ونشروا في طول المدينة وعرضها مقطوعة شعرية يقولون فيها "إن قيصر يقود الغاليين في موكب نصره، ثم يدخلهم مجلس الشيوخ؛ لقد خلع الغاليون سراويلهم القصيرة ولبسوا المئزر العريض الأطراف" الذي يلبسه الشيوخ(52).
ولعل قيصر قد تعمد أن يجعل المجلس الجديد هيئة ضخمة عاجزة عن المداولة الجدية المنتجة أو المقاومة الموحدة. ولذلك اختار طائفة من أصدقائه هم بلبس balbus، وأبيوس Oppius، وماتيوس Matius وغيرهم، ليتخذ منهم وزراء له غير رسميين ينفذون سياسته؛ وأدخل النظام البيروقراطي في الدولة بأن وضع الشؤون الكتابية في دولاب الحكومة ودقائق الأعمال الإدارية في أيدي من كان في بيته من المحررين والرقيق. وسمح للجمعية أن تختار نصف كبار الحكام في المدينة، واختار هو النصف الباقي بطريق التوصية، وكانت الجمعية تأخذ بهذه التوصيات على الدوام. وكان من حقه، بوصفه تربيوناً، أن يعترض على قرارات غيره من التربيونين والقناصل ويبطلها، ورفع عدد البريتورين Praetors إلى ستة عشر، والكوسترين Quaestor إلى أربعين لينجز بذلك




صفحة رقم : 3210




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر الحاكم


أعمال البلدية والأعمال القضائية، وراقب بنفسه شؤون المدينة كلها على اختلاف أنواعها، وقضى عل كل ما كان فيها من عجز وفساد وإتلاف، ونص في جميع العهود التي منحها للمدينة على الأوامر الصريحة والعقوبات الشديدة التي يتعرض لها كل من يحاول إفساد الانتخابات أو الوظائف العامة. وأراد أن يقضي على السنة القديمة سنة السيطرة على الشؤون السياسية بابتياع أصوات الناخبين جملة. ولعله أراد أيضاً أن يحصن نفسه من ثورة الرعاع. فألغى الاتحادات والنقابات ولم يبق منها إلا ما كان ذا أصل قديم، وإلا الجماعات اليهودية ذات الأغراض الدينية الخالصة. وقصر وظائف المحلفين على الطبقتين العليين واحتفظ لنفسه بحق النظر في أهم القضايا وأخطرها شأناً، وكثيراً ما كان يجلس للقضاء بنفسه. وليس ثمة من ينكر ما تتصف به أحكامه من حكمة ونزاهة. وقد اقترح على المشترعين في أيام أن يجمعوا القوانين الرومانية المعمول بها وقتئذ في كتاب واحد منظم، ولكن موته العاجل حال دون إتمام هذا المشروع.
ثم سار على خطة ابني جراكس، فوزع الأرض على جنوده القدامى وعلى الفقراء، وسار أغسطس نفسه على هذه السياسة، فهدأت الاضطرابات بين الزراع كثيراً من السنين. وأراد أن يمنع عودة الملكية الزراعية إلى التركز فحرم بيع الراضي الجديدة قبل مضي عشرين عاماً، كما أمر أن يكون ثلث العمال في المزارع من الأحرار، وذلك لكي يحول دون استغلال الأراضي كلها على أيدي الأرقاء. وكان من قبل قد أنقص عدد الرعاع المتعطلين في المدينة بمن جنده منهم في الجيش، وبإقطاعهم الأرض الزراعية بعد تسريحهم. ثم أنقص عددهم مرة أخرى بأن أرسل ثمانين ألفاً من المواطنين ليستعمروا قرطاجنة وكورنثة وأشبيلية وأرليس وغيرهما من المراكز. ولم يكتف بهذا بل أراد أن يضمن العمل للباقين من المتعطلين فوضع برنامجاً ضخماً للبناء رصد له 160.000.000 سسترس. من ذلك أنه أمر بإنشاء بناء جديد في ميدان المريخ لاجتماع الجمعيات، وإضافة مبنى




صفحة رقم : 3211




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر الحاكم


جديد للسوق العامة يدعى سوق أبوليوم لتخفيف الزحام عن السوق القديمة. ثم جمل كثيراً من المدن في إيطاليا وأسبانيا وغالة وبلاد اليونان.
وبعد أن خفف أعباء الفقر بهذه الوسائل أراد أن يعرف أثرها في الناس، فطلب إلى من شاء الفقراء أن يتقدم إلى الدولة بالحصول على إعانات من الحبوب، فوجد أن عدد الطالبين قد نقص على الفور من 32.000 إلى 150.000.
وقد ظل حتى ذلك الوقت نصيراً للعامة، يهدف إلى إسعادهم في جميع ما وضعه من المشروعات. ولكنه كان يعلم أن الثورة الرومانية ثروة زراعية أكثر منها صناعية، وأنها موجهة في الغالب إلى طبقة الأشراف التي تسخر لخدمتها الأرقاء، ثم إلى المرابين، وأنها لم يوجه إلا القليل منها لرجال الأعمال. فواصل خطة ابني جراكس الزراعية، ودعا رجال الأعمال إلى تأييد الثورة الزراعية والمالية.
وكان شيشرون قد حاول أن يعقد حلفاً بين الطبقات الوسطى والأشراف، أما قيصر فحاول أن يؤلف بين أولئك وبين العامة، وأمده بالمال كثيرون من الممولين على اختلاف درجاتهم من كراسس إلى بلبس، كما أمد الكثيرون من أمثالهم بالمال للثورتين الأمريكية والفرنسية. ولكن قيصر رغم هذه المعونة قضى على مصدر من أكبر مصادر الاستغلال المالي والربح غير المشرع- وهو جباية الضرائب في الولايات على أيدي جماعات الملتزمين. ثم خفض الديون بدرجات متفاوتة، وسن قوانين صارمة لتحريم الربا الفاحش. وأسعف العاجزين عجزاً شديداً عن الوفاء بديونهم بوضع قانون للإفلاس لا يختلف في جوهره عن القانون المعمول به في هذه الأيام. وأعاد إلى العملة استقرارها بجعل الذهب أساساً لها، وبصك قطعة ذهبية تدعى أوريوس Aureus كانت تساوي في قوتها الشرائية الجنيه الإسترليني في القرن التاسع عشر، وكانت صورته تطبع على النقود




صفحة رقم : 3212




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر الحاكم


الحكومية وتزيين برسوم لم تعرفها رومه من قبل.
وقد نظمت الإدارة المشرفة على مالية الدولة تنظيماً جديداً، وطمعت بكفايات جديدة كانت نتيجتها أن وجد في خزائنها حين قتل قيصر 700.000.000 سسترس، وفي خزينته الخاصة 100.000.000.
وأراد أن يقيم نظام الضرائب والإرادة على أساس علمي سليم، فأجري إحصاء عاماً في إيطاليا وأعد العدة لإحصاء عام مثله في سائر أنحاء الإمبراطورية، ثم أراد أن يعوض النقص الكبير الذي أحدثته الحروب في عدد المواطنين الرومان، فتوسع إلى أقصى حد في منح حق المواطنية الرومانية- وكان ممن شملهم هذا الحق الأطباق والمعلمون في رومه. وكان النقص المطرد في المواليد قد أقض من قبل مضجعه، فقرر في عام 59 ق.م أن تكون الأولوية في امتلاك الأراضي التي توزعها الحكومة لآباء الثلاثة الأبناء. والآن قرر منح مكافآت للأسر الكبيرة، وحرم على من ليست لهن أبناء من النساء أن يركبن المحفات أو يتحلين بالجواهر- وكان هذا التشريع أضعف تشريعاته كلها وأقلها نفعاً.
وظل قيصر كما كان رجلاً لا أدريا وإن لم يكن عقله بعيداً كل البعد عن الخرافات(53). ولكنه بقي الرئيس الأعلى لدين الدولة ولم يبخل على هذا الدين بما يحتاجه من الأموال، فأعاد بناء الهياكل القديمة وأنشأ هياكل أخرى جديدة. وكانت فينوس أمه الحنون تلقى منه أعظم ضروب التكريم، لكنه مع هذا كان يطلق للناس كامل الحرية في الفكر والعبادة، وألغى ما كان قد صدر من الأوامر بتحريم عبادة إيزيس، ومنع التعرض لليهود في ممارسة شعائر دينهم. ولما رأى أن تقويم الكهنة لم يعد يتفق مطلقاً مع فصول السنة أمر سوسجينس Sosigenes العالم اليوناني الإسكندري السنة من ذلك الحين تشتمل على 365 يوماً، يضاف إليها يوم في آخر شهر فبراير كل أربع سنين. وأخذ شيشرون يشكو من هذا




صفحة رقم : 3213




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر الحاكم


التغيير ويقول إن قيصر لم يقنع بحكم الأرض فتطاول إن تنظيم النجوم والتحكم في شؤونها، ولكن مجلس الشيوخ قبل هذا الإصلاح أحسن قبول، وأطلق اسم يوليوس وهو اسم أسرة قيصر على شهر كونكتيلس Quinctilis (الشهر الخامس) وكان هذا الشهر هو الشهر الخامس حين كان شهر مارس بداية العام.
ولك تكن الأعمال التي شرع فيها قيصر أو فكر فيها ووقفت بسبب قتله أقل شأناً من الأعمال التي تمت فعلاً. ومن هذه الأعمال الأولى أنه وضع أساس ملهى عظيم، ومعبد للمريخ يتفق وما عرف عن هذا الإله من شره ونهم، وعين فارو على رأس هيئة تعمل لإنشاء دور كتب عامة. وعمل على إنقاذ رومه من وطأة الملاريا بتجفيف بحيرة فوسينس Fucinus ومنافع بنتين Pontine، واستصلاح الأراضي المجففة وزرعها. وأشار ببناء جسور حول التيبر ليمنع طغيان مياهه على الأراضي المجاورة له، واقترح تحويل مجرى هذا النهر لإصلاح ميناء أستيا Ostia الذي كان غرين النهر يسده من آن إلى آن. وأمر مهندسيه بأن يعدوا مشروعاً يرمي إلى إنشاء طريق يخترق وسط إيطاليا من الشرق إلى الغرب والى حفر قناة في برزح كورنثة Corinth.
وكان أشد ما أغضب أهل رومه من أعماله أن منح أحرار الإيطاليين كلهم ما لأهل رومه نفسها من حقوق، وأهن سوي بين الولايات وبين إيطاليا. ذلك أنه منح حق الانتخاب لأهل غالة الجنوبية في عام 49، ثم وضع في عام 44 ميثاقاً يدل ظاهرة على أنه لجميع مدن إيطاليا وانه يسوي بين هذه المدن وبين رومه، ولكن أكبر الظن أنه كان يفكر في إقامة حكومة نيابية من نوع ما تجعل لهذه المدن نصيباً ديمقراطياً في حكومته الملكية(55). ثم انتزع حق تعيين الولاة من مجلس الشيوخ المرتشي الفاسد، ورشح هو لهذه المناصب رجالاً عرفوا بالمقدرة والكفاية، وجعلهم في كل آن عرضة للعزل بأمر منه وحده، وخفض الضرائب في الولايات إلى ثلثي ما كانت




صفحة رقم : 3214




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> قيصر الحاكم


عليه، وعهد جبايتها إلى موظفين مسؤولين أمامه. ولم يأبه باللعنات القديمة التي كانت تصب على من يعيد بناء كبوا وقرطاجنة وكورونثة؛ وأتم في هذه الناحية أيضاً ما شرع فيه ولدا جراكس، وأعطى حقوق الرومان أو اللاتين للمستعمرين الذين أرسلهم لإنشاء عشرات المدن الممتدة من جبل طارق إلى البحر السود، أو لتعمير ما كان قائماً منها من قبل. ولا جدال في أنه كان يريد أن يمنح حق المواطنية الرومانية لجميع الذكور الراشدين في الإمبراطورية كلها، وبذلك لا يكون مجلس الشيوخ ممثلاً لطبقة واحدة في رومه بل يكون ممثلاً لعقلية الولايات جميعها وإرادتها. وهذه الفكرة التي سيطرت على عقل قيصر فيما يجب أن يكون عليه نظام الحكم، مضافة إلى تنظيمه الجديد لرومه وإيطاليا، تكمل في رأينا تلك المعجزة المنقطعة النظير- المعجزة التي جعلت من الشاب المتلاف العربيد رجلاً من أقدر رجال السياسة المشؤومة في جميع العصور وأعظمهم شجاعة وعدلاً واستنارة.
وكان قيصر كالإسكندر لا يعرف أين تقف جهوده وإصلاحاته؛ فلما أن رسم في ذهنه صورة لدولته في نظامها الجديد ساءه أن يجدها معرضة للغزو عند أنهار الفرات والدنواب والرين، فأخذ يفكر في إرسال حملة عظيمة لإخضاع بارثيا والأخذ بثأر كراسس الذي أمده بالمال في أزماته، وفي الزحف حول البحر الأسود لتهدئة سكوذيا Scythia، وفي ارتياد نهر الدانوب وفتح ألمانيا(16). حتى إذا ما أمن الإمبراطورية على هذا النحو عاد إلى رومه مثقلاً بالمجد والمغانم، ومعه من المال ما يستطيع به أن يقضي على الكساد الاقتصادي في البلاد، وله من القوة والجاه ما يستطيع به أن يغض الطرف عن كل معارضة؛ ومن الحرية ما يمكنا من أن يعين من يخلفه، وأن يموت بعد أن يورث العالم "السلم الرومانية" Pax Romana، وهي أعظم تراث يستطيع أن يورثه إياه.




صفحة رقم : 3215




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> بروتس



الفصل التاسع




بروتس


ولما تسربت أنباء هذه الخطة إلى رومه رحب بعها العامة الذين يحبون المجد، وتلمظ لها رجال الأعمال ذ شموا فيها رائحة الحرب، وتصوروا المطالب تنهال عليهم لصنع العتاد، وتصوروا الولايات تنهب وتتكدس في خزائنهم الأموال. أما الأشراف فرأوا الفناء يحل بهم عند عودة قيصر، ولذلك عقدوا النية على قتله قبل أن يغادر البلاد.
وكان قيصر قد عامل هؤلاء الأشراف معاملة كريمة أطلقت لسان شيشرون بالثناء عليه. وكان قد عفا عن كل من استسلم له من أعدائه، ولم يحكم بالإعدام إلا على عدد قليل من الضباط الذين خانوا عهده فحاربوه بعد أن هزمهم وعفا عنهم. وكان قد أحرق كل الرسائل التي عثر عليها في خيمة بمبي وسبيو من غير أن يقرأها، وأرسل ابنة بمبي وأحفاده الأسرى إلى سكتس ابن بمبي، وكان لا يزال في حرب معه، وأصلح تمثال بمبي وأقامه في موضعه بعد أن طرحه أتباعه على الأرض؛ وعين بروتس وكاسيوس واليين على اثنتين من الولايات، كما عين غيرهما من الأشراف في بعض المناصب العليا، وصبر على كثير من الأذى والمثالب دون أن يشكو أو يتذمر، ولم يتخذ شيئاً من الإجراءات ضد من كان يظن أنهم يأتمرون به ليقتلوه. أما شيشرون الذي طالما لبس لكل حالة لبوسها، وأدار شراعه لكل ريح، فإن قيصر لم يكتف بالعفو عنه بل كرمه ولم يبخل عليه بشيء مما طلبه الخطيب العظيم لنفسه أو لأصدقائه البمبيين، بل نه انصاع لإلحاف شيشرون، فعفا عن ماركس مرسلس وهو الرجل الذي خرج على قيصر ولم يندم على فعله. وقد امتدح شيشرون في خطبة له رنانة عنوانها "إلى مرسلس"(56)




صفحة رقم : 3216




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> بروتس


" كرم قيصر الذي لا يصدقه العقل"، وقال عن بمبي إنه لو انتصر لكان أشد منه انتقاماً من أعدائه. ثم أضاف إلى ذلك قوله: "لقد سمعت مع الأسف الشديد عباراتك الفلسفية المشهورة lam satis vivi لقد نلت كفايتي من طول الحياة ومن الشهرة... ورجائي إليك أن تطرح حكمة الحكماء.. ولا تكن حكيماً إذا عرضتك الحكمة للأخطار.. إنك لا تزال بعيداً كل البعد عن إنجاز أعمالك العظيمة، بل إنك لم تضع بعد أسسها" ثم وعد قيصر وعداً صادقاً باسم مجلس الشيوخ كله بأنهم سيسهرون على سلامته ويصدون بأجسامهم كل اعتداء عليه(57). وأثرى شيشرون في ذلك الوقت ثراء جعله يفكر في شراء قصر آخر هذا القصر غير قصر صلا نفسه. وكان يستمتع بالمآدب التي يدعوه إليها أنطونيوس ويلبس وغيرهما من أعوان قيصر، ولم تكن رسائله في أي وقت مضى أكثر بهجة مما كانت في ذلك الوقت(58). غير أن قيصر لم ينخدع بهذا كله، فقد كتب إلى ماريوس يقول: "إذا كان في الناس من هو ظريف فذاك شيشرون ولكنه يبغضني أشد البغض"(59). وكان قيصر صادقاً في قوله، فلما أن عاد البمبيون إلى مناوأة قيصر بعد أ، أمنوا جانبه ارتمى هذا الأديب التلراني في أحضانهم وكتب يثني على كاتو الأصغر ثناء ما كان أجدره بأن ينبه قيصر إلى ما يحيط به من الأخطار. غير أن قيصر لم يفعل أكثر من أن يرد على شيشرون بكتابة ضد كاتو Anti- Cato لا تدل على حصافة عقله. ذلك أنه بعمله هذا أمكن خصمه من أن يختار السلاح الذي ينازله به، وكانت نتيجة هذا أن انتصر الخطيب عليه، وأثنى الرأي العام على أسلوب شيشرون كما أثنى على الحاكم الذي اختار أن يكتب رسالة وهو قادر على أن يوقع أمراً بالإعدام.
وبعد فإن الذين حرموا ما كان لهم من سلطان لا يمكن أن تستل سخائمهم




صفحة رقم : 3217




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> بروتس


بالعفو عن مقاومتهم لمن حرمهم هذا السلطان، وليس عفوك عمن عنك بأقل صعوبة عمن آذيته. ومصداق هذا أن الأشراف في مجلس الشيوخ الذي لم يكن يجرؤ على رفض المقترحات التي عرضها عليه قيصر حسب الأصول الدستورية أخذوا يتبرمون وينددون تنديد الوطنيين الصادقين بالقضاء على الحرية التي أتخمت بالمال خزائنهم، وعز عليهم أن يقروا بأن عودة النظام تتطلب التضحية ببعض حريتهم. وقد روعهم وجود كليوبطرة وقيصريون في رومه. نعم إن قيصر كان يعيش مع زوجته كلبيرنيا وإنهما كانا يتبادلان المحبة في الظاهر، ولكن من ذا الذي يعرف- ومن ذا الذي تطاوعه نفسه على ألا يذيع- ما كان يحدث في أثناء زياراته الكثيرة للملكة العظيمة الجميلة؟ وأكدت الشائعات أنه يريد أن ينصب نفسه ملكاً، وأن يتزوج كيلوبطرة، وأن ينقل عاصمة دولتهما المتحدة إلى بلاد الشرق. ألم يأمر بأن يقام له تمثال على الكبتول بجوار تماثيل ملوك رومه الأقدمين؟- ألم تطبع صورته على النقود الرومانية؟ وهي وقاحة لم يسبق لها نظير. ألم يلبس جلابيب أرجوانية من اللون الذي كان يحتفظ به عادة للملوك؟ لقد حاءه القنصل أنطونيوس يوم عيد لبركاليا في الخامس عشر من فبراير عام 44 عاري الجسد إلا من جلود الماعز التي كان يلبسها الكهنة في ذلك العيد ثملاً من كثرة ما احتسى من الخمر، وحاول ثلاث مرات أن يضع التاج الملكي على رأس قيصر؛ ورفضه قيصر في المرات الثلاث. ولكن ألم يكن سبب هذا الرفض أن الجماهير قد أبدت غضبها من هذا العمل وإن أبدته همساً؟ ألم يقص التربيونين عن منصبيها لأنهما رفعا عن تمثاله الإكليل الملكي الذي وضعه عليه أصدقاؤه ولما أقبل عليه الشيوخ وهو جالس في هيكل فينوس لم يقم واقفاً لاستقبالهم. وقال بعضهم إنه قد أقعدته وقتئذ نوبة صرع، وقال غيرهم إنه كان يشكو إسهالاً شديداً، وإنه ظل جالساً حتى لا تتحرك أمعاؤه في هذه اللحظة غير




صفحة رقم : 3218




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> بروتس


المواتية(60)، ولكن كثيرين من الأشراف كانوا يخشون أن ينادي به ملكاً في أي يوم.
وأقبل كيوس كاسيوس، وهو رجل مريض الجسم- "أصفر نحيل" كما يصفه أفلوطرخس(61)، على ماركس بروتس واقترح عليه اغتيال قيصر. وكان قبل ذلك قد عرض خطته على جماعة من الشيوخ وعلى بعض الممولين الذين قل ما ينهبونه من الولايات مذ وضع قيصر القيود الشديدة على الملتزمين، بل عرضها أيضاً على بعض القواد في جيش قيصر الذين أحسوا بأم ما حباهم به من المناصب والغنائم كان أقل مما يستحقون، وكان هؤلاء كلهم قد وافقوا عليها.وكان المتآمرين في حاجة إلى بروتس ليكون هو رافع لواء المؤامرة، لأنه اشتهر بين الناس كافة بأنه أعظم الناس استمساكاً بالفضيلة، وكان الناس يقولون إنه من سلالة بروتس الذي طرد الملوك قبل ذلك الوقت بأربعمائة وستة وأربعين عاماً. وكانت أمه سرفليا أختاً غير شقيقة لكاتو، وزوجته بورشيا ابنة كاتو وأرملة ببيولس عدو قيصر؛ ويقول أبيان "إن الناس كانوا يظنون أن بروتس نفسه ابن قيصر لأن قيصر كان عشيق سرفليا في الوقت الذي ولد فيه بروتس"(62).ويضيف أفلوطرخس إلى ذلك أن قيصر كان يعتقد أن بروتس ولده(63). ولا يبعد أن يكون بروتس نفسه ممن يعتقدون هذا الاعتقاد، وأنه كان يحقد على قيصر لأنه أفسد أخلاق أمه وجعله مضغة في أفواه الرومان، يقولون عنه إنه ابن زانية بدل أن يكون من نسل آل بروتس. وكان هو على الدوام مكتئباً يميل إلى الصمت كأن ظلماً حل به يجثم على صدره ويشغل باله، وذلك في الوقت الذي كان فيه فخوراً معجباً بنفسه، لأنه أياً كان مولده يجري في عروقه دم الأشراف. وكان يجيد اللغة اليونانية ويجب الفلسفة، وكان في علم ما وراء الطبيعة من القائلين برأي أفلاطون، وفي الأخلاق من أتباع زينون. وكان مما انطبع في ذهنه أن الرواقية تتفق مع المبادئ اليونانية والرومانية في الحث على قتل الطغاة الظالمين. وقد كتب




صفحة رقم : 3219




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> بروتس


في هذا إلى صديق له يقول: "إن آباءنا كانوا يعتقدون أنه لا ينبغي لنا أن نخضع للمستبد ولو كان هذا المستبد أبانا نفسه"(64). وقد ألف رسالة في الفضيلة وخلط الناس في المستقبل بينه وبين هذا الوصف، وإن كان بعيداً عنه. فقد أقرض أهل سلاميس Salamis في قبرص عن طريق بعض الوسطاء أموالاً بسعر ثمانية وأربعين في المائة، ولما تذمروا من أداء ما تراكم عليهم من الفوائد ألح على شيشرون، وكان وقتئذ قنصلاً في قليقية، أن يستعين بالجيوش الرومانية على جمع المال(65). وقد حكم غالة الجنوبية حكماً صالحاً يمتاز بحسن الإدارة والكفاية، ولما عاد إلى رومه عينه قيصر بريتوراً Praetor على الحواضر.
وقد ثار كل عنصر طيب فيه على مقترحات قيصر، وأخذ كاسيوس يذكره بآبائه على الظلم، ولعل بروتس قد شعر بأنه يتحداه بأن يثبت أنه من نسلهم وبأن يحذو حذوهم. وكان هذا الشاب الحسّاس يحمرّ وجهه خجلاً حين يرى تمثال بروتس الأكبر أمثال هذه العبارة:


أي بروتس! هل مت؟ وإلا فإن آباءك براء منك


وقد أهدى إليه شيشرون عدة من رسائله كتبها في تلك السنين، وسرت في ذلك الوقت بين الأشراف شائعة فحواها أن لوسيوس كتا Lucius Cotta سيعرض على مجلس الشيوخ في اجتماعه المقبل الذي سيكون في الخامس من شهر مارس اقتراحاً بتنصيب قيصر ملكاً، لأن عرّافة سيبيل قالت إن البارثيين لن يهزموا إلا على يد ملك(67). وقال كاسيوس إن المجلس، وقد أصبح نصف أعضائه ممن عينهم قيصر، سوف يوافق على هذا الاقتراح، وإنه لن يبقى بعد ذلك أمل في عودة الحكم الجمهوري. وتأثر بروتس بهذا كله، واستسلم، واخذ المتآمرون بعد ذلك يحكمون أمرهم ويضعون خططهم. واستخلصت بورشيا




صفحة رقم : 3220




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> بروتس


السر من زوجها، بأن طعنت نفسها بخنجر في فخذها لتبرهن بذلك على أنه ما من أذى يصيبها في جسمها يحملها على أن تنطق بشيء رغم إرادتها. وأصر بروتس في لحظة غير مواتية له على ألا يمس أنطونيوس بأذى.
وحدث في مساء اليوم الرابع عشر من شهر مارس أن عرض2 قيصر على من كانوا مجتمعين في منزله أن يكون موضوع حديثهم "ما هي خير طريقة للموت؟" وأجاب هو عن ذلك السؤال بقوله: "إنها الميتة المفاجئة". وتوسلت إليه زوجه في صباح اليوم الثاني ألا يذهب إلى مجلس الشيوخ، وقالت إنها رأته في نومها ملطخاً بالدماء؛ وحاول خادم آخر، كان يرى مثل رأيها، أن يفتعل نذيراً بمنع قيصر من الذهاب، فتسبب في سقوط صورة لأحد أسلافه معلقة على جدار، ولكن دسمس بروتس Decimus Brutus، وهو صديق حميم لقيصر وأحد المتآمرين، ألح عليه أن يحضر الاجتماع وإن لم يفعا فيه أكثر من أن يطلب بنفسه في رقة ومجاملة تأجيل الجلسة إلى وقت آخر. وأقبل صديق لقيصر عرف نبأ المؤامرة ليحذره فوجده قد غادر داره في طريقه إلى المجلس. وقابل في طريقه عرافاً كان قد أسر إليه من قبل أن "يحذر اليوم الخامس عشر من شهر مارس" وقال له قيصر وهو يبتسم، إن الخامس عشر من مارس قد جاء ولم يصب فيه بسوء، فأجابه اسبورنا Sburinna "نعم ولكنه لم يمض بعد".
وبينا كان قيصر يقرب القربان الذي كان من المألوف تقريبه قبل الجلسة أمام ملهى بمبي حيث يعقد المجلس اجتماعه إذ وضع أحدهم في يده لوحة صغيرة يحذره فيها من لمؤامرة ولكنه لم يعبأ بها. وتقول الرواية المأثورة إن هذه اللوحة وجدت في يده بعد مقتله .




صفحة رقم : 3221




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> بروتس


وشغل تربونيوس Trebonius- وهو أحذ المتآمرين، وكان من قبل أحد قواد قيصر المقربين- أنطونيوس بالحديث فعطله عن حضور الاجتماع. ولما دخل قيصر الملهى واتخذ فيه مجلسه هجم "دعاة الحرية" من فورهم عليه. ويقول سيوتونيوس: "لقد كتب بعضهم يقولون إنه حين هجم عليه ماركس بروتس قال باللغة اليونانية Kai su teknon- "وأنت أيضاً يا ولدي"(69). ويقول أبيان إن قيصر حين طعنه بروتس امتنع عن كل مقاومة، وغطى وجهه ورأسه بثوبه، واستسلم للضربات، وسقط عند قدمي تمثال بمبي(70). وهكذا تحققت رغبة واحدة من رغبات أكمل إنسان أنجبته الأيام الخالية .




صفحة رقم : 3222




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وبروتوس



الباب العاشر




أنطونيوس




44-3- ق.م




الفصل الأول




أنطونيوس وبروتس


لقد كان مقتل قيصر مأساة من مآسي التاريخ الكبرى، وليس السبب في عظم هذه المأساة مقصوراً على أنها حالت بينه وبين إتمامه عملاً من أجل الأعمال السياسية والإدارية، وأدت إلى امتداد عهد الفوضى والحروب خمسة عشر عاماً أخرى. ولو كانت نتائجها مقصورة على هذا وذاك لهان الخطب، فقد عاشت الحضارة بعده، وأتم أغسطس ما بدأه قيصر، بل إنه مأساة من نوع آخر وهو أن الحزبين المتعارضين في مجلس الشيوخ كان كلاهما في أغلب الظن على حق: فالمتآمرين محقون في اعتقادهم أن قيصر كان يعتزم أن ينصب نفسه ملكاً، كما أن قيصر نفسه كان محقاً في ظنه أن الفوضى والنظام الإمبراطوري قد جعلا الملكية أمراً محتوماً. وقد انقسم الناس بين الرأيين ولا يزالون منقسمين منذ اللحظة الرهيبة التي مرت بمجلس الشيوخ، وقد استولى عليه الهلع من وقع الحادث، ثم فر أعضاؤه مذعورين مضطربين من قاعة الاجتماع. وأقبل أنطونيوس على مكان الحادث بعد وقوعه، ورأى أن الحكمة هي عين الشجاعة، فاحتمى في بيته. وخانت شيشرون فصاحته حتى




صفحة رقم : 3223




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وبروتوس


في الوقت الذي حياه بروتس وخنجره يقطر دماً في يده قائلاً له مرحباً "بأبي بلده". ولما خرج المتآمرون وجدوا الشعب هائجاً في الميدان العام، وأرادوا أن يضموه إلى جانبهم بألفاظ الحرية والجمهورية، ولكن العامة الذين جن جنونهم من هول الحادث لم يعبئوا بهذه الألفاظ التي طالما استخدمت لستر المطامع والشره. ولجأ القتلة إلى البناء القائم على الكبتول ليعتصموا به خوفاً على حياتهم، وأحاطوا أنفسهم بحراسهم من المصارعين. وانضم إليهم شيشرون في آخر النهار، وأرسلوا رسلهم إلى أنطونيوس يستطلعون طلعه فأجابهم جواباً ودياً.
واحتشد في اليوم الثاني جمع غفير في السوق العامة وأرسل المتآمرين صنائعهم ليبتاعوا تأييدهم وينظموا من هذا الحشد جمعية شرعية. ثم استجمعوا شجاعتهم، ونزلوا من فوق الكبتول، وألقي بروتس على المجتمعين خطبة كان قد أعدها من قبل ليلقيها في مجلس الشيوخ. غير أن هذه الخطبة لم يكن لها أثر في السامعين، وحاول كاسيوس أن يؤثر هو فيهم ولكنهم قابلوه بصمت وفتور، فعاد المحررون إلى الكبتول، حتى إذا ما نقص عدد العامة المحتشدين تسللوا إلى بيوتهم. واعتقد أنطونيوس أنه وارث قيصر، فحصل من كلبيرنيا- وقد أذهلتها الفاجعة وكادت تذهب بعقلها- على كل ما تركه قيصر في القصر من أوراق وأموال، ثم عاد في الوقت نفسه جنود قيصر القدامى المضرسين للحضور إلى رومه. وفي اليوم السابع عشر دعا مجلس الشيوخ إلى الاجتماع مستخدماً في ذلك حقه بوصفه تربيوناً، وأدهش الأحزاب جميعها بلطفه وهدوئه، فقبل ما عرضه عليه شيشرون وأصدر عفواً عاماً، ووافق على أن يعين بروتس وكاسيوس واليين لاثنتين من الولايات، (أي أن يفرا وينجوا ويستمتعا بالسلطان)، على شرط أن يقر مجلس الشيوخ جميع الأوامر والقوانين والتعيينات التي أصدرها قيصر. وإذ كانت كثرة الشيوخ مدينة بمناصبها وأموالها إلى هذه القرارات نفسها فقد وافقت على هذا الشرط، ولما فض الاجتماع أثنى الجميع على أنطونيوس وقالوا إنه هو السياسي




صفحة رقم : 3224




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وبروتوس


الذي انتزع السلم من بين أنياب الحرب. وفي مساء ذلك اليوم نفسه أولم وليمة عشاء لكاسيوس. وعاد مجلس الشيوخ إلى الانعقاد في اليوم الثامن عشر وأقر وصية قيصر، ووافق على أن يحتفل بجنازته احتفالاً عاماً، واختار أنطونيوس ليؤبنه التأبين المألوف.
وفي اليوم التاسع حصل أنطونيوس من العذارى الفستية على وصية قيصر، وكان قد أودعها عندهن، وقرأها لجماعة صغيرة في بادئ الأمر ثم لجماعة أخرى أكبر من الأولى عدداً. وقد جاء فيها أنه يوصى بجميع أملاكه الخاصة لثلاثة أحفاد أخوته (وكان ذلك مثار دهشة أنطونيوس وغضبه) وسمي واحداً منهم بالذات وهو كيوس أكتافيوس متبناه ووريثه. وجعل الدكتاتور حدائقه متنزهاً عاماً للشعب، وأوصى لكل مواطن في رومه بثلاثمائة سسترس. وسرعان ما انتشر نبأ هذا الإحسان في جميع أنحاء المدينة، ولما جئ في اليوم العشرين من الشهر بجثة قيصر إلى السوق العامة، بعد أن حنطت في بيته، لإجراء المراسم النهائية احتشد حولها جمع غفير من الناس ومن بينهم جنود قيصر القدامى ليكرموه. ويظهر أن أنطونيوس قد تحدث إلى هذا الجمع في بادئ الأمر بحيطة فلم يطلق للسانه العنان، ولكن عواطفه المكبوتة لم تلبث أن تغلبت عليه فأطلقت لسانه وأكسبت ألفاظه فصاحة أيما فصاحة. ولما رفع من النعش العاجي الثوب الممزق الملطخ بالدماء والذي مزقته الطعنات التي وجهت إلى قيصر، ثارت عواطف المجتمعين ثوراناً لم يكن في وسع أحد أن يكبح جماحه، وعلا النحيب والعويل، وأخذ كل واحد يجمع الأحطاب اللازمة لإشعال النار التي ستحرق بها الجثة. وألقى الجنود القدامى أسلحتهم فوق كومة الأحطاب لتكون قرباناً يقربونها إلى قيصر، كما ألقى الممثلون ملابسهم والموسيقيون آلات عزفهم، كما ألقيت النساء أغلى ما يمتلكن من الحلي. وانتزع بعض المتحمسين مشاعل من النار وذهبوا بها ليحرقوا بيوت المتآمرين، ولكنهم وجدوا الحراسة شديدة على




صفحة رقم : 3225




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وبروتوس


هذه المباني، ووجدوا أن أصحابها قد فروا من رومه. وظلت طائفة كبيرة من الشعب بجوار الأحطاب المحترقة طوال الليل، ما لازمها اليهود ثلاثة أيام كاملة اعترافاً منهم بفضل قيصر وعطفه عليهم فيما أصدره من قوانين. ولم ينقطعوا طوال هذه الأيام الثلاثة عن ترديد أناشيدهم الجنازية. وظلت العاصمة في هذه الأيام الثلاثة تجتاحها الفتن والقلاقل حتى أمر أنطونيوس جنوده في آخر الأمر أن يعيدوا إليها النظام، وأن يلقوا بكل من لا يرتدع عن السلب والنهب من فوق صخرة تربيا Tarpeia.
وكان أنطونيوس نصف ما كان قيصر كما سيكون أغسطس نصفه الثاني؛ فقد كانت أنطونيوس قائداً عظيماً كما كان أغسطس حاكماً فذاً ممتازاً، ولكن الصفتين لم تجتمعا في واحد منهما. وقد ولد أنطونيوس في غالة 82 ق.م، وقضى الشطر الأكبر من حياته في المعسكرات كما قضى أكثرها في معاقرة الخمر، ومجالس النساء، والاستمتاع بالمرح وشهي الطعام.
وكان رغم كرم محتده وبهاء طلعته يتصف بفضائل عامة الناس. وكان قوي الجسم، حيواني الروح، طيب القلب، كريماً، شجاعاً، وفياً. وقد أساء إلى سمعته وسمعة قيصر نفسه إذ احتفظ في داره برومه بطائفة كبيرة من النساء والغلمان، وبعشيقة يونانية في محمله كلما غادر رومه(1). وكان قد ابتاع منزل بمبي في المزاد العام وأقام فيه، ثم أبى أن يؤدي ثمنه(2). وهاهو ذا يجد في أوراق قيصر- أو يسجل فيها على ما يقول بعضهم- كل ما يستفيد من وجوده- مناصب لأصدقائه، ومراسيم يصل بها إلى أغراضه، وخيراً كثيراً لنفسه، فلم يمض على مقتل قيصر أسبوعان حتى وفى بديون كانت عليه يبلغ مقدارها نحو 1.500.000 ريال أمريكي، وأصبح بعد عشية وضحاها رجلاً ثرياً. واستولى على الخمسة والعشرين مليون ريال التي كان قيصر قد أودعها في هيكل أبس Aps وعلى خمسة ملايين أخرى من أموال قيصر الخاصة. ولما رأى أن دسمس بروتس،




صفحة رقم : 3226




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وبروتوس


الذي عينه قيصر قبل مقتله والياً على غالة الإيطالية، وقد تولى هذا المنصب المربح رغم اشتراكه في اغتيال قيصر، استصدر قراراً من الجمعية بتعيينه هو والياً على هذه الولاية ذات الموقع العسكري الخطير، وعوض دسمس عنها بولاية مقدونية. ثم استصدر قراراً بأن يتخلى ماركس بروتس وكاسيوس عن مقربة لدسمس، وعن سوريا لدلابلا، وأن يقنعا بقورنية وكريت.
وارتاع مجلس الشيوخ من قوة أنطونيوس المتزايدة، فدعا إلى رومه كيوس أكتافيوس متبني قيصر لكي يقضي على هذه القوة. وقد صار كيوس في مستقبل الأيام أعظم الساسة الحاكمين في التاريخ الروماني. أما في عام 44 فلم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة من العمر، وقد تسمى باسم الرجل الذي تبناه كما جرت بذلك العادة المألوفة وعدله بإضافة اسمه هو فصار اسمه الكامل كيوس يوليوس قيصر أكتافيانوس. وظل ذلك اسمه حتى ضم إليه بعد سبعة عشر عاماً من ذلك الوقت اسم أغسطس، وهو اللقب العظيم التي تعرفه به القرون التالية. وكانت جدته هي يوليا Julia أخت قيصر، أما جده فكان مصرفياً من أصل عامي في فلترا Velitrae من أعمال لاتيوم. وكان أبوه قد عمل إيديلا شعبياً ثم بريتوراً ثم فيما بعد والياً على مقدونية.
وقد نُشئَ الغلام على البساطة الاسبارطية، وتعلم الآداب والفلسفة اليونانيتين والرمانيتين، وقضى معظم الثلاث السنين الأخيرة في قصر قيصر. ولقد كان من أسباب حزن قيصر أنه لم يكن له أبناء شرعيون، كما كان من أكبر الشواهد على حصافة رأيه أن تبنى أكتافيوس، فأخذه وهو غلام معه إلى أسبانيا في عام 45، وسره أن رأى الشاب المريض، العصبي، الضعيف الجسم، قد تحمل أخطار الحرب وشدائدها بشجاعة عظيمة. وعمل قيصر على أن يدرب الشاب على فنون الحرب والحكم(3). وإن لنعرف ملامحه من التماثيل الكثيرة التي أقيمت له: فهو رقيق، نحيل، جاد، حيي وحازم معاً، مستسلم وعنيد؛ مثالي اضطرته الظروف




صفحة رقم : 3227




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وبروتوس


لأن يكون واقعياً، ومفكر علمته صروف الدهر أن يكون من رجال العمل. وكان أصفر الوجه، هزيل الجسم، ممعوداً يشكو سوء الهضم. ولذلك لم يكن يأكل إلا قليلاً، ولا يشرب إلا أقل؛ وعاش أطول مما عاش من حوله من الأقوياء بالحمية وتنظيم الحياة.
وجاء في أواخر مارس عام 44 عبد محرر إلى أبولونيا Appolonia من أعمال اليريا Illyria حيث كان اكتافيان مع جيشه يحمل إليه نبأ مقتل قيصر ووصيته.
وارتاع الشاب المرهف الحس لجحود الناس وكفرهم بنعم المنعم عليهم، وثار في نفسه كل ما كان كامناً فيها من حبه لأخي جدته الذي كان يعزه أعظم إعزاز، والذي كان يعمل جاهداً لإقامة صرح الدولة المحطمة. وعقد النية في صمت على أن يواصل جهود قيصر وأن ينتقم من قاتليه. ثم ركب من فوره إلى شاطئ البحر وعبره إلى برنديزيوم وأسرع إلى رومه؛ وأشار عليه أقاربه فيها أن يظل مختفياً عن الأنظار لئلا يهلكه أنطونيوس، ونصحته والدته ألا يقوم بعمل من الأعمال ولكنها ابتهجت حين سخر من هذه النصيحة. وكان كل ما أشارت به عليه أن يصبر كلما كان الصبر في مقدوره، وأن يلجأ إلى الختل بدل الحرب السافرة، وقد عمل بهذه النصحية الحكيمة إلى آخر أيامه.
وتوجه لزيارة أنطونيوس وسأله عما هو فاعل بقتلة قيصر. وهاله أن يرى أنطونيوس مشغولاً بإعداد جيش يزحف به على دسمس بروتس، لأنه أبى أن يتخلى عن بلاد غالة الجنوبية؛ وطلب إلى أنطونيوس أن يوزع ما تركه قيصر حسب وصيته، وخاصة ذلك الجزء الذي يوصي بإعطاء كل مواطن خمسة وأربعين ريالاً. غير أن أنطونيوس وجد أسباباً كثيرة تدعو إلى تأخير تنفيذ الوصية، فما كان من أكتافيان إلا أن وزع على جنود قيصر القدامى أموالاً استدانها من أصدقاء قيصر وأعد بنفسه جيشه.




صفحة رقم : 3228




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وبروتوس


وإغتاط أنطونيوس من وقاحة هذا "الولد" على حد قوله. وأعلن أن بعضهم قد حاول قتله، وأن الذي كان يريد اغتياله قد قال إن اكتافيان هو المحرض له. وأنكر اكتافيان هذه التهمة، وقال إنه برئ منها، وانتهز شيشرون فرصة هذا النزاع وأدخل في رومه أكتافيان أن أنطونيوس فظ غير مهذب يجب أن يهزم. ووافق أكتافيان على هذا الرأي، وضم فيلقيه إلى فيالق القنصلين هرتيوس Hirtius وبنسا Pansa، وزحف بها كلها شمالاً لقتال أنطونيوس. وأمد شيشرون هذه الحرب الأهلية الجديدة بطائفة من الاتهامات المقذعة ضمنها أربع عشرة "فلبة قوية" في الطعن على سياسة أنطونيوس العامة وحياته الخاصة، ألقى بعضها في مجلس الشيوخ أو في الجمعية، ونشر بقيتها للدعاوة ضد أنطونيوس على أحسن الصور التي صارت الدعاوة الحربية تنشر بها في مستقبل الأيام. ولما التقى الجيشان في موتينا Mutina (مودينا Modena) هزم أنطونيوس وفر من الميدان (44)؛ ولكن هرتيوس وبنسا قتلا في المعركة. وعاد أكتافيان إلى رومه وأصبح القائد الأوحد لفيالق مجلس الشيوخ وفيالقه هو، وأرغم المجلس وهو مؤيد بهذه القوة على أن يعينه قنصلاً، وأن يلغى العفو الذي أصدره عن المتآمرين وأن يحكم عليهم جميعاً بالإعدام. ولما تبين له أن شيشرون ومجلس الشيوخ من ألد أعدائه، وأن كل ما في الأمر أنهما يتخذانه أداة مؤقتة للقضاء على أنطونيوس لما تبين له هذا سوى النزاع القائم بينه وبين أنطونيوس، وكون منه ومن أنطونيوس ولبدس الحكومة الثلاثية الثانية. (43- 33 ق.م)، ثم زحفت جيوشهم المتحالفة على رومه واستولت عليها دون أن تلقى مقاومة، وفر كثون من الشيوخ ومن المحافظين إلى جنوبي إيطاليا والى الولايات الخارجية، واعترفت الجمعية بهذه الحكومة الثلاثية، وخولتها سلطات كاملة مدى خمسة أعوام.




صفحة رقم : 3229




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وبروتوس


ولكي يستطيع الحكام الثلاثة أداء رواتب جنودهم، وملء خزائنهم، والانتقام من قتلة قيصر، بسطوا على رومه حكماً لا يماثله في تاريخ الرومان كله حكم آخر في الإرهاب وسفك الدماء. فقد أعدوا قوائم تحتوي على أسماء من لابد من إعدامهم، وكانوا ثلاثمائة من الشيوخ، وألفين من رجال الأعمال، وعرضوا على كل حر يأتيهم برأس واحد من هؤلاء 25.000 درخمة (15.000 ريال أمريكي)، وعلى كل عبد 10.000(4). وأضحى امتلاك المال جريمة يعاقب عليها بالإعدام فكانوا يحكمون بقتل الأطفال الذين يرثون مالاً، وينفذون فيهم الحكم، وكان ينتزع من الأرامل ما يرثنه من الأموال، وقد أرغمت 14.000 امرأة على أن ينزلن للحكام الثلاثة عن الجزء الأكبر من أملاكهن، ثم استولوا آخر الأمر على الأموال المدخرة المودعة عند "العذارى الفستية". وقد عفوا عن أتكس لأنه ساعد من قبل فلفيا Fulvia زوجة أنطونيوس، ولكنه رغم اعترافه بهذا الفضل أرسل مبالغ طائلة من المال إلى بروتس وكاسيوس. وأقام الحكام الثلاثة جنودهم حراساً على كل مخارج المدينة، واختبأ المحكوم بإعدامهم في الآبار والبالوعات والحجر العليا في الدور والمداخن. ومنهم من ماتوا وهم يدافعون عن أنفسهم، ومنهم من أماتوا أنفسهم جوعاً أو شنقاً أو غرقاً، ومنهم من قفزوا من فوق الأسطح أو ألقوا أنفسهم في النار. ومن الناس من قتل خطأ، ومن غير المحكوم عليهم من انتحروا فوق أجسام من قتلوا من أقاربهم. وكان التربيون سلفيوس Salvius يعلم أنه من المقتضي بإعدامهم، فأقام وليمة وداع لأصدقائه، ودخل عليه رسل الحكام الثلاثة في أثناء الوليمة، وقطعوا رأسه وتركوا جسمه أمام المائدة، وأمروا المدعوين أن يستمروا في طعامهم وشرابهم. وانتهز العبيد هذه الفرصة للتخلص من سادتهم، ولكن كثيرين منهم قضوا نحبهم وهم يدافعون عن ملاكهم، وقد تخفى واحد منهم في زي سيدة وقتل بدلاً منه. ومات




صفحة رقم : 3230




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وبروتوس


بعض الأبناء دفاعاً عن آباءهم، ونم بعضهم على آباءهم ليرثوا نصيباً من أموالهم. ومن الزوجات الزانيات أو اللاتي خانهن أزواجهن من نمي عليهم، وأنقذت زوجة كوبونيوس Coponius بعلها بالنوم مع أنطونيوس. وكانت ففيا زوجة أنطونيوس قد حاولت أن تشتري منزل جارها رفوس Rufus، فأبى ذلك عليها ثم حاول في ذلك الوقت أن يقدمه لها هبة من غير ثمن، ولكنها استطاعت أن تضع اسمه بين أسماء المحكوم بإعدامهم، فلما قطع رأسه أمرت به فدق بالمسامير على باب بيته الأمامي(5).
ووضع أنطونيوس اسم شيشرون بين الأسماء الأولى من المحكوم عليهم. وذلك لأن أنطونيوس كان زوج أرملة كلوديوس، وابن زوجة لنتولس الكتاليناري Lentulus the Catallnarian الذي قتله شيشرون في السجن، وقد ساءه بحق ما احتوته "فلبات" شيشرون من تجريح وطعن شديد. وعارض أكتافيان في هذا ولكنه لم يستمر طويلاً في معارضته، ذلك أنه لم يكن في وسعه أن ينسى تمجيده لقتلة قيصر،كما لم ينس العبارة التي قالها للمحافظين يبرر بها مغازلته لوريث قيصر وما فيها من تورية. وحاول شيشرون الفرار، ولكنه لم يتحمل دوار البحر فغادر المركب وقضى الليل في بيته في فورميا Formiae؛ وأراد أن يقضي فيه اليوم الثاني في انتظار مقتله لأن ذلك في نظره خير من البحر الهائج المضطرب، ولكن عبيده دفعوه إلى داخل هودج، وساروا به نحو السفينة، وبيناهم في طريقهم إذ أقبل عليهم جنود أنطونيوس. وأراد العبيد أن يقاوموهم ولكن شيشرون أمرهم أن يضعوا الهودج على الأرض ويستسلموا. ثم مد الرجل رأسه "وجسمه يعلوه العثير، وشعر رأسه ولحيته منفوش، ووجهه قد أضناه القلق والتعب"(7)، حتى يسهل على الجنود قطعه (42). وكانت أوامر أنطونيوس تقضي بأن تتقطع أيضاً يده اليمنى.




صفحة رقم : 3231




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وبروتوس


فقطعت وجيء بها مع رأسه غليه. وضحك أنطونيوس ضحكة الفوز، ووهب القتلة 250.000 درخمة، وأمر بتعليق الرأس واليد في السوق(8).
وفي أوائل عام 42 عبر الحكام بقواتهم البحر الأدرياوي واخترقوا مقدونية إلى تراقيا حيث جمع بروتس وكاسيوس آخر الجيوش الجمهورية، واستعانا على تموينه بالمال ينتزعونه بطرق لا تماثلها في قسوتها حتى السوابق الرومانية. فقد طلبا من الولايات الشرقية للإمبراطورية ضرائب عشر سنين مقدماً، وحصلا بالفعل على تلك الضرائب. ولما أظهر أهل رودس شيئاً من المعارضة في هذه المطالب هاجم كاسيوس ثغرهم العظيم، وأمر الأهلين جميعهم بتسليم ثروتهم، وقتل كل من تردد منهم، وحمل معه عشرة ملايين ريال أمريكي. وفي قليقية أنزل جنوده في بيوت طرسوس Tarsus، ولم يبارحوها حتى أدت إليه تسعة ملايين ريال، ولم يستطع السكان أداء هذا المال حتى باعوا بالمزاد جميع أراضي البلدية، وصهروا جميع آنية الهياكل وحليها، وباعوا كل الأحرار عبيداً- فباعوا أولاً الأولاد والبنات، ثم النساء والشيوخ، وباعوا آخر الأمر الشبان. وانتحر الكثيرون من الأهلين حين علموا أنهم بيعوا. وجمع كاسيوس من بلاد اليهود أربعة ملايين ريال، وباع سكان أربع من المدن عبيداً. ولم يتحرج بروتس أيضاً عن جمع المال بالقوة، من ذلك أنه رفض سكان أكسانثوس Xanthus من أعمال ليثيا مطالبه حاصرهم حتى نفذت مؤونتهم ولم ينفذ عنادهم فانتحروا جميعاً(9). وأطال بروتس المكث في أثينا لحبه الفلسفة؛ ولكن المدينة كانت غاصة بالشبان الرومان النبلاء الذين كانوا ينادون بالحرب التي تعيدهم إلى أوطانهم. ولما أن جمع بروتس كفايته من المال طوى كتبه وانضم بجيوشه إلى كاسيوس ونزل إلى الميدان.
والتقت جيوش الطرفين المتقاتلين في فلباي في شهر سبتمبر من عام 42.




صفحة رقم : 3232




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وبروتوس


وزحف جناح بروتس على جناح أكتافيان وزحزحه عن موضعه واستولى على معسكره، ولكن جيوش أنطونيوس هزمت جيوش كاسيوس هزيمة منكرة. وأمر كاسيوس حامل درعه أن يقتله ففعل. ولم يستطع أنطونيوس أن يواصل انتصاره على الفور؛ لأن المرض أقعد أكتافيان فلزم خيمته واختل نظام جيشه، فاضطر أنطونيوس إلى إعادة تنظيم الجيش كله. وبعد أن استراح بضعة أيام قاده لقتال بروتس، وأوقع بمن بقي من الجيوش الجمهورية هزيمة ولوا على أثرها الأدبار. ورأى بروتس رجاله يستسلمون فأدرك- ولعله قد سره أن يدرك- أنه خسر كل شيء، فألقى بنفسه على سيف صديق له ومات.
ولما أقبل أنطونيوس على جثته غطاها بثوبه الأرجواني؛ فلقد كان هو وبروتس صديقين في يوم من الأيام.




صفحة رقم : 3233




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وكليوبطرة



الفصل الثاني




أنطونيوس وكليوبطرة


لقد كانت معركة فلباي آخر معركة برية للأشراف القدامى، وقد حذا الكثيرون منهم- ابن كاتو، وابن هورتنسيوس، وكونتليوس فارس، Quintilius Varue، وكونتس لبيو Quintus Labeo- حذو بروتس وكاسيوس فانتحروا. وقسم المتنصرون الإمبراطورية فيما بينهم: فأعطى ليدس أفريقيا وأخذ أكتافيان الغرب، واختار أنطونيوس مصر وبلاد اليونان والشرق. وكان أنطونيوس دائم الحاجة إلى المال، فعرض على مدائن الشرق ألا يؤاخذاها على ما أمدت به أعداءه من المال إذا هي أمدته بمثله- أي بعشرة أمثال الضريبة السنوية في مدى عام. وعاد قديم مرحه وبشاشته إليه حين ظن أن النصر قد أعاد إليه أمنه وطمأنينته، فانقص مطالبه من الإفزيين حين أقبلت عليه نساؤهم في ثياب كاهنات باخوس يحيينه ويسمينه الإله ديونيسس؛ ولكنه وهب طاهيه بيت موظف مجنيزي Magnesian كبير مكافأة له على عشاء أعده له. وعقد مجلساً من أهل المدن الأيونية في إفسوس وأقر فيه حدود تلك الولايات، وحسم ما بينها من خلاف بحكمة لم ير معها أغسطس بعد عشرة أعوام من ذلك الوقت ما يدعو إلى تعديل ما اتخذ في هذا المجلس من قرارات. وعفا عن كل من حاربه إلا الذين اشتركوا في مقتل قيصر. ومد يد المعونة للمدن التي لاقت العذاب على يد كاسيوس وبروتس، ورفع عنها الضرائب الرومانية، وحرر كثيرين ممن باعهم المتآمرون أرقاء، كما حرر مدن سوريا من الطغاة الذين قضوا على حكوماتها الدمقراطية(10).
وبينا كان أنطونيوس يظهر هذه الكياسة المنبعثة من طيبة قلبه وبساطة




صفحة رقم : 3234




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وكليوبطرة


خلقه؛ استسلم للشهوات الجنسية استسلاماً أفقده احترام رعاياه لسلطته. فقد أحاط نفسه بالراقصات والموسيقيات والعشيقات، والمهرجين والصخابين، واتخذ له زوجات ومحظيات كلما لاحت له امرأة وأعجبته. وكان قد أرسل الرسل إلى كليوبطرة يدعوها للمثول بين يديه في طرسوس لتجيب عما اتهمت به من مساعدتها كاسيوس على جمع المال والجنود. وجاءت كليوبطرة، ولكنها جاءت في الوقت الذي اختارته وعلى الطريقة التي اختارتها. فبينما كان أنطونيوس جالساً على عرش في السوق العامة، ينتظر منها أن تحضر وتدفع عن نفسها ما اتهمت به، ثم يقضي لها أو عليها- ركبت هي نهر سندس Cyndus في قارب ذي أشرعة أرجوانية، وسكان مذهب، ومجاديف من فضة، تضرب الماء على أنغام الناي والمزمار والقيثار. وكانت وصيفاتها هن بحارة القارب، ولكن في زي حور البحار وربات الجمال. أما هي فقد تزينت بزي الزهرة (فينوس) ورقدت تحت سرادق من قماش موشي بالذهب.
ولما انتشر بين أهل طرسوس هذا المنظر الفتان أقبلوا على شاطئ النهر زرافات ووحداناً، وتركوا أنطونيوس وحده جالساً على عرشه. ودعته كيلوبطرة إلى العشاء معها في قاربها، فأقبل عليها ومعه حاشيته الرهيبة، فأولمت وليمة فاخرة، وقدمت لهم فيها أشهى الطعام والشراب، وأفسدت القواد بما قدمت لهم من الهدايا والابتسامات. وكان أنطونيوس قد أوشك أن يقع في حبها وهي لا تزال فتاة حين شاهدها في الإسكندرية، فلما أبصرها في تلك اللحظة وهي في التاسعة والعشرين من عمرها رآها قد اكتملت مفاتنها؛ وبدأ حديثه معها يلومها على ما فعلت؛ واختتمه بأن أهدى إليها فينيقيا، وسوريا الوسطى، وقبرص، وأجزاء من قليقية وبلاد العرب واليهود(11). وكافأته هي بما يشتهي، ودعته إلى الإسكندرية، فأجاب الدعوة، وقضى في تلك المدينة شتاء بعيداً عن الهموم والأكدار (41- 40) يعب حب الملكة عبا، ويستمع إلى المحاضرات في




صفحة رقم : 3235




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وكليوبطرة


المتحف، ناسياً أن له إمبراطورية في حاجة إلى من يحكمها. أما هي فلم تكن أسيرة حبه. بل كانت تعرف أن مصر الغنية الضعيفة لن تلبث أن تجتذب إليها رومه الشرهة القوية، وأن السبيل الوحيد لنجاة بلادها وعرشها هي أن تتزوج بسيد رومه. ولقد حاولت من قبل أن تفعل هذا بقيصر، وهي تحاول الآن أن تفعله بأنطونيوس، ولم يكن له هو سياسة غير سياسة قيصر. فمال إلى تحقيق الحلم القديم، وهو توحيد رومه ومصر، ونقل عاصمته إلى بلاد الشرق الفتان الجميل.
وبينما كان أنطونيوس يلهو ويلعب في الإسكندرية، كانت زوجته فلفيا وأخوها لوسيوس يأتمران بأكتافيان ليسقطاه وينتزعا سلطانه على رومه. والحق أن أكتافيان كان أبعد ما يكون عن السعادة في ذلك البلد: فقد أضحى مجلس الشيوخ بؤرة للمغامرين والقواد، ودب التذمر بين العمال المتعطلين، واختل نظام الشعب كل الاختلال. وكان سكستس بمبي يحول بين المدينة وبين استيراد ما يلزمها من الطعام، ووقف دولاب الأعمال التجارية لما ساد البلاد من خوف، وقضى النهب والضرائب الفادحة على الثروات فلم يكد يبقى منها شيء، وأخذ الكثيرون من الناس يعيشون عيشة الاستهتار والفساد الجنسي الطليق، محتجين بأن الغد قد يأتي بإلغاء العملة، أو بإنتهاب جديد، أو بالموت.
وكان أكتافيان نفسه من أبعد الناس طهارة الذيل في ذلك الوقت، وكأنما أرادت فلفيا وأراد لوسيوس أن يبلغا بالفوضى غايتها القصوى فجيشا جيشاً ودعوا إيطاليا إلى القضاء على أكتافيان، فحاصر ماركس أجربا Marcus Agrippa قائد جيوش أكتافيان لوسيوس في بروزيا Perusis حتى اضطره إلى الخروج منها بعد نفاد مؤونته (مارس عام 40). وماتت فلفيا من شدة مرضها. وعدم تحقيق مطامعها، وحزنها على إهمال أنطونيوس لها. وعفا أكتافيان عن لوسيوس لعله بذلك يحتفظ بالسلام بينه وبين أنطونيوس، ولكن أنطونيوس عبر البحر وحاصر جيوش أكتافيان في برنديزيوم. وكان الجيشان أكثر حكمة من قائدهيما




صفحة رقم : 3236




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وكليوبطرة


فامتنع كل منهما عن قتال الآخر، واضطراهما إلى أن يسويا ما بينهما من نزاع تسوية سلمية (40). وتعهد أنطونيوس أن يكون حسن السلوك، فزوجه أكتافيان أخته اللطيفة الطاهرة، وسر كل إنسان بهذه النتيجة إلى حين، وتنبأ فرجيل- وكان وقتئذ يكتب نشيده الرابع- بعودة حكم "زحل" العادل المثالي.
وفي عام 38 وقع أكتافيان في حب ليفيا Livia زوجة تيبيريوس كلوديوس نيرون Tiberius Cladius Nero وكانت وقتئذ حاملاً، فطلق من أجلها زوجته الأولى اسكريبونيا Scriponie. وأقنع نيرون بالتخلص من ليفيا، وتزوج بها، واستطاع بفضل إصغائه إلى نصائحها المقنعة، وصلاتها بأشراف البلاد- لأنها من سلالة أسرة كلوديوس النبيلة- استطاع بذلك أن يحسن صلاته بطبقة الملاك، فخفض الضرائب، وأعاد ثلاثين ألفاً من العبيد الآبقين إلى سادتهم. وشرع يعمل في صبر وأناة لإعادة النظام إلى إيطاليا. وأمكنه بمعونة أجربا وبمائة وعشرين سفينة أمده بها أنطونيوس أن يحطم أسطول سكتس بمبي، ويستورد الطعام إلى رومه، ويقضي على مقاومة البمبيين (36). وحمد له مجلس الشيوخ عمله واختاره تربيوناً طول حياته.
وذهب أنطونيوس إلى أثينا مع أكتافيا بعد أن زُفت إليه باحتفال رسمي في رومه. وفي ذلك البلد استمتع أنطونيوس إلى حين بتلك المتعة الجديدة متعة الحياة مع امرأة صالحة، وتخلى عن مشاغل السياسة والحرب، وأخذ يستمع إلى محاضرات الفلسفة وأكتافيا إلى جانبه. على أنه كان في هذه الأثناء يدرس الخطط التي وضعها قيصر لفتح بارثيا. وكان لبينس Labienus ابن قائد من قواد قيصر قد دخل في خدمة ملك بارثيا، وقاد جيوشه من نصر إلى نصر في قليقية وسوريا- وهما ولايتان من أغنى ولايات الدولة الرومانية وأعودها عليها بالمال (40). وألفى أنطونيوس نفسه في حاجة إلى الجند لمواجهة هذا التهديد الخطير، كما وجد في حاجة إلى المال لأداء مرتبات الجنود، والمال عند كليوبطرة




صفحة رقم : 3237




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وكليوبطرة


موفور، ومل فجأة حياة الفضيلة والسلم، فأعاد أكتافيا إلى رومه وطلب إلى كليوبطرة أن تقابله في أنطاكية. وجاءت إليه كليوبطرة بعدد قليل من الجنود، ولكنها عارضت في مشروعاته الضخمة الواسعة، ويبدو أنها لم تعطه من مالها الكثير إلا النزر اليسير. وزحف أنطونيوس على بارثيا بمائة ألف جندي (36)، وحاول عبثاً أن يستولي على قلاعها، وفقد نحو نصف رجاله في تقهقر يدل على منتهى الجرأة والبطولة مدى ثلاثمائة ميل في بلاد معادية له. وضم أرمينيا إلى الإمبراطورية الرومانية في أثناء تقهقره، وأقام لنفسه موكب نصر، وصدم مشاعر الإيطاليين صدمة عنيفة بإقامة هذا الموكب في الإسكندرية ثم أرسل رسالة طلاق إلى أكتافيا (32)، وتزوج كليوبطرة، وثبتها هي وقيصريون حاكمين معاً على مصر وقبرص، وخلع الولايات الشرقية من الإمبراطورية على ابنه وابنته من كليوبطرة. وإذ كان يعرف أنه لابد أن يسوي الأمور بينه وبين أكتافيا في القريب العاجل أطلق لنفسه العنان في اللهو والترف. وشجعته كليوبطرة على أن يغامر آخر مغامرة في سبيل السلطة العليا، وساعدته على حشد جيش وأسطول، وأقسمت له بقسمها المحبب إليها أنها واثقة من النصر وثوقها بأنها ستتولى الحكم في الكبتول يوماً من الأيام(13).




صفحة رقم : 3238




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وأكتافيان



الفصل الثالث




انطونيوس وأكتافيان


صبرت أكتافيا على هجرها صبر الكرام، وعاشت ساكنة هادئة في بيت أنطونيوس في رومه، تربي أطفاله الذين رزقهم من فلفيا وابنتيها منه. وكان منظرها المحزن أمام أكتافيان في كل يوم، وصمتها الفصيح، يثيران كوامن غضبه، ويؤكدان له أنه هو إيطاليا جميعاً مقضي عليهما إذا نجح أنطونيوس في خططه، فاخذ يعمل على أن تدرك إيطاليا حقيقة الموقف، تدرك أن انطونيوس قد تزوج ملكة مصر، وأنه وهبها هي وأطفالها غير الشرعين أكثر ولايات الإمبراطورية خراجاً، وأنه سيضع رومه وإيطاليا بأجمعها في المقام الثاني بعد مصر.
ولما بعث أنطونيوس برسالة إلى مجلس الشيوخ- وكان قد تجاهله سنين طوالاً- يقترح فيها أن يعتزل هو وأكتافيان الحياة العامة، وأن تعود جميع النظم الجمهورية إلى سابق عهدها، تخلص أكتافيان من هذا الموقف الحرج بأن قرأ على المجلس ما ادعى أنه وصية لأنطونيوس انتزعها هو قسراً من العذارى الفستية، وفيها يوصي أنطونيوس بأن يكون ولداه من كليوبطرة وريثيه دون غيرهما، ويأمر بان يدفن إلى جانب الملكة في الإسكندرية(14). وكانت الفقرة الأخيرة من هذه الوصية حاسمة في نظر المجلس بقدر ما كان يجب أن تكون مثيرة للارتياب في صحتها. ذلك أنها لم تثر في نظر المجلس الشك في أن وصية تودع في رومه تشترط هذه الشروط، بل أقنعته وأقنعت إيطاليا أن كليوبطرة تستخدم أنطونيوس في خططها التي تبغي بها الاستيلاء على الإمبراطورية. ولجأ أكتافيان إلى الأساليب الخداعة التي هي من أخص خصائصه، فأعلن الحرب (32) على كليوبطرة لا على أنطونيوس، ليجعلها بذلك كفاحاً مقدساً في سبيل استقلال إيطاليا.




صفحة رقم : 3239




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وأكتافيان


وأبحر أسطول أنطونيوس وكليوبطرة في شهر سبتمبر من عام 32 إلى البحر الأيوني. وكان مؤلفاً من خمسمائة سفينة حربية، ولم يكن أسطول بهذه القدرة قد ظهر على متن البحر من قبل. وكان يؤيده جيش مؤلف من ثلاثمائة ألف من المشاة، واثني عشر ألفاً من الفرسان، وأمدهما بمعظمه أمراء الشرق وملوكه يرجون من وراء ذلك أن تكون هذه الحرب وسيلة للتحرر من نير رومه. وعبر أكتافيان البحر الأدرياوي بأربعمائة سفينة وثمانين ألف جندي من المشاة واثني عشر ألفاً من الفرسان. وظلت القوات المتعادية عاماً أو نحو عام تستعد للمعركة الفاصلة وتضع خططها؛ فلما كان اليوم الثاني من شهر سبتمبر عام 31 التحم الجيشان والأسطولان عند أكتيوم في الخليج الأمبراسي في معركة من المعارك الحاسمة في التاريخ. وبرهن أجربا على أنه أبرع من أعدائه في وضع الخطط، وكانت سفينه الخفيفة أسهل وأخف حركة من سفائن أنطونيوس الضخمة ذات الأبراج العالية. وقد أحرقت النار هذه السفن إذ ألقى عليها بحارة أكتافيان مشاعل متقدة. ويصف ديوكاسيوس Dio Cassius ما حدث وقتئذ بقوله:
"وأهلك الدخان بعض البحارة قبل أن تصلهم النيران، ومنهم من نضج لحمهم في دروعهم التي احمرت من شدة اللهب، ومنهم من شوتهم النار شياً في سفنهم كما تشوي اللحوم في الأفران. وألقى الكثيرون منهم أنفسهم في البحر، ومن هؤلاء من إلتهمتهم الحيتان، ومنهم من قتلوا رمياً بالسهام، ومنهم من قضوا نحبهم غرقاً. ولم يمت من هذا الجيش كله ميتة يستطيعون تحملها إلا من قتل بعضهم بعضاً(15).
ورأى أنطونيوس أن الدائرة قد دارت عليه، وأشار إلى كليوبطرة أن تنفذ خطة الانسحاب التي اتفقا عليها من قبل. فوجهت ما بقي من أسطولها نحو الجنوب، وانتظرت قدوم أنطونيوس. ولما عجز من إنقاذ السفينة المعقود لواؤها له، غادرها وركب قارباً أقله إلى كليوبطرة، وجلس هو وحده في مقدم السفينة




صفحة رقم : 3240




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وأكتافيان


أثناء عودتهما إلى الإسكندرية ورأسه بين يديه، فقد أدرك أنه خسر كل شيء حتى الشرف.
وسار أكتافيان إلى أثينا ومنها إلى إيطاليا ليخمد فتنة ثارت بين جنوده الذين أخذوا يطالبون بأن يباح لهم نهب مصر، ثم رجع إلى آسيا ليعاقب بعض من انضموا من أهلها إلى أنطونيوس، وليجمع أموالاً جديدة يسعف بها المدن التي طال عليها عهد الشقاء والحرمان. ثم اتجه بعدئذ نحو الإسكندرية (30). وكان أنطونيوس قد ترك كليوبطرة وأقام في جزيرة قرب فاروس، وأرسل منها رسلاً يطلب الصلح، ولكن أكتافيان لم يعبأ بهم، وأرسلت كليوبطرة إلى أكتافيان على غير علم من أنطونيوس صولجاناً وتاجاً وعرشاً من الذهب دليلاً على خضوعها له. وكان جوابه لها- على حد قول ديو- أنه يتركها ويترك مصر دون أن يمسها بأذى إذا قتلت أنطونيوس(16).
وكتب الحاكم المهزوم إلى أكتافيان مرة أخرى يذكره بصداقتهما الماضية وبكل المرح الطائش الذي اشتركا فيه أيام الصبا، وقال إنه يرضى بأن يقتل نفسه إذا عفا هو عن كليوبطرة، ولم يرد عليه أكتافيان في هذه المرة أيضاً. وجمعت كليوبطرة كل ما استطاعت جمعه من أموال مصر في أحد أبراج القصر ثم أبلغت أكتافيان أنها ستتلف هذه الأموال كلها وتقتل نفسها إذا لم يعقد معها صلحاً شريفاً. وسار أنطونيوس على رأس القوة الصغيرة التي كانت باقية لديه ليحارب عدوه في المعركة الأخيرة، واستطاع بشجاعة اليائس أن يكسب نصراً مؤقتاً، ولكنه أبصر في اليوم الثاني جنود كليوبطرة المرتزقة تستلم للعدو، وتراءى إليه أن كليوبطرة قد ماتت، فطعن نفسه طعنة قضت على حياته. ولما علم أن الخبر مكذوب طلب إلى أتباعه أن ينقلوه إلى البرج الذي آوت الملكة ووصيفاتها إلى حُجَره العليا وأغلقت عليهن الأبواب، فأدخل إليها من النافذة ومات بين ذراعيها. وسمح لها أكتافيان أن تخرج من البرج وتدفن حبيبها، ثم أجاز لها




صفحة رقم : 3241




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> أنطونيوس -> أنطونيوس وأكتافيان


المثول بين يديه. ولم يتأثر بما كان باقياً من المفاتن في امرأة محطمة مهزومة في التاسعة والثلاثين من عمرها، وعرض عليها شروطاً للصلح بدت معها الحياة عديمة القيمة لمن كانت من قبل ملكة. ولم يخالجها شك في أنه يعتزم أخذها أسيرة إلى رومه لتزين موكب نصره، فما كان منها إلا أن لبست ثيابها الملكية، ووضعت صلا على صدرها، وماتت. وحذت حذوها وصيفتاها شارميون Charmion وإيريس Iris فانتحرتا(17).
وسمح أكتافيان أن تدفن إلى جوار أنطونيوس، وقتل هو وقيصريون وأكبر أبناء أنطونيوس من فلفيا أما ابنا أنطونيوس والملكة فقد أبقى على حياتهما وأرسلهما إلى إيطاليا حيث ربتهما أكتافيا وعنيت بهما كما لو كان ابنيها. ووجد الظافر الخزانة المصرية سليمة وفيها من المال الموفور ما كان يحلم به. ونجت مصر من المذلة التي كادت تلحق بها لو أنها سميت ولاية رومانية. ذلك أن كل ما فعله أكتافيان أن جلس على عرش البطالمة وورث أملاكهم، وترك في مصر حاكماً يدير شؤون البلاد باسمه.
وهكذا غلب وريث قيصر وريثة الإسكندر، وضم مُلك الإسكندر إلى مُلكه، وانتصر الغرب على الشرق مرة أخرى، كما انتصر من قبل في مراثون ومجنيزيا، وإنتهى صراع الجبابرة، وكان الفوز فيه لرجل عليل.
وقُضِيَ على الثورة في أكتيوم، كما قضي على الجمهورية في فرسالس وأتمت رومه الدورة المشتومة التي يعرفها أفلاطون ونعرفها نحن: ملكية، فأرستقراطية، فاستغلال ألجركي، فديمقراطية، ففوضى ثورية، فدكتاتورية. وانتهى مرة أخرى، في جزر التاريخ ومده، عهد من عهود الحرية، وبدأ عهد من عهود النظام.




صفحة رقم : 3242




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> في الطريق إلى الملكية



الكتاب الثالث




الزعامة




30 ق. م.- 192 ب. م




الباب الحادي عشر




مواهب أغسطس السياسية




30 ق.م-14 ب.م




الفصل الأوَّل




في الطريق إلى الملكية


انتقل أكتافيان من الإسكندرية إلى آسية وواصل فيها توزيع الممالك والولايات. ولم يصل إلى إيطاليا إلا في صيف عام 29 ق.م. ولم تكد تبقى طبقة من طبقات الأهلين فيها إلا حييته وأحتفلت بمقدمه، وعدته منقذ البلاد، وأشتركت في موكب النصر الذي دام ثلاثة أيام متوالية. وأغلق هيكل يانوس إشارة إلى أن إله الحرب قد نال كفايته إلى حين، فقد أنهكت الحرب الأهلية التي دامت عشرين عاماً شبه الجزيرة التي كانت تشتهي الحرب وتتعطش للدماء. وفي هذه الفترة أهملت المزارع ونُهبت المدن أو ضُرب عليها الحصار، وسُرق الكثير من ثروتها أو دُمر تدميراً، وتحطم دولاب الإدارة ووسائل الدفاع عن النفس والمال؛ وجعل اللصوص الشوارع كلها غير مأمونة خلال الليل، وكان قطاع الطريق يجوبون المسالك يخطفون المسافرين ويبيعونهم بيع الرقيق. وكان من أثر هذا أن كسدت التجارة، ووقفت حركة الاستثمار، وارتفعت فوائد الديون ارتفاعاً، ونقصت قيمة الأملاك. ولم يكن للفاقة والفوضى أثر في تحسين الأخلاق التي انحلت بسبب الثروة والترف؛ ذلك أنه قلما توجد ظروف أشد إفساداً للأخلاق من الفقر الذي يعقب الغنى، ولذلك امتلأت رومة بالرجال




صفحة رقم : 3243




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> في الطريق إلى الملكية


الذين فقدوا مركزهم الاقتصادي وخسروا اتزانهم الأخلاقي: من جنود ذاقوا طعم المغامرات وتعلموا فنون التقتيل؛ ومواطنين أبصروا بأعينهم مدخراتهم تلتهما الضرائب الفادحة وتضخم العملة وهما من مستلزمات الحروب، وكانوا ينتظرون أن يحدث حادث ما ينتشلهم من الوهلة التي تردوا فيها ويعيد إليهم الثراء والنعيم؛ ومن نساء ذهبت الحرية بعقولهنَ فكثر بينهن الطلاق والإجهاض والزنا؛ وانتشر العقم لضعف الرجولة وأخذت السفسطة الضحلة تفخر بنزعتها المتشائمة الساحرة.
على أن هذا الوصف لا يحمل إلى القارئ صورة كاملة لرومة في ذلك الوقت، بل يجب أن يضاف إليهِ وباء فتاك ينخر عظامها وتسري جراثيمه في دمائها فقد عادت القرصنة إلى البحار، وكانت تزداد بهجة وسروراً كلما تدهورت الولايات وأشرفت على الدمار. وسغبت المدن والولايات ولما توالى عليها من ابتزاز والنهب في أيام صلا، ولوكلس، وبمبي، وجابنياس، وقيصر،و وبروتس، وكاسيوس، وأنطونيوس، وأكتافيان. وحل الخراب ببلاد اليونان التي كانت ميداناً للقتال، ونُهبت أموال مصر وأرزاق أهلها، وأطعم الشرق الآدنى مائة جيش ورشا ألف قائد؛ وكان أهلهُ يبغضون رومة أشد البغض لأنها هي السيد الذي قضى على حريتهم دون أن يعوضهم عنها أمناً أو سلاماً، وكانوا يتطلعون إلى زعيم يقوم بينهم، فيكشف عما تعانيهِ إيطاليا من ضعف وخوف، ويجمع شتاتهم ويقودهم في حرب يتحررون بها من سيطرة رومة.
وكان في وسع مجلس الشيوخ القوي في يوم من الأيام أن يواجه هذه الأخطار، فيعبئ الفيالق الضخمة، ويجد لها القادة المهرة، ويمدهم بحنكتهِ وكفايته السياسية البعيدة النظر. أما الأن فلم يبقَ من مجلس الشيوخ إلا أسمهُ، فقد أنقرضت الأسر التي كان يستمد منها القوة، وقضى عليها النزاع الطويل أو العقيم، ولم تنتقل تقاليد الحكم التي كانت تمتاز بها هذه الأسر إلى رجال




صفحة رقم : 3244




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> في الطريق إلى الملكية


الأعمال وإلى الجنود وأهل الولايات الذين خلفوها في المجلس الجديد. ومن أجل هذا فقد أسلم هذا المجلس معظم ما كان له من سلطان إلى رجلٍ في وسعه أن يرسم الخطط، ويتحمل التبعات، ويقود، وأسلمها إليهِ وهو شاكر ومغتبط.
وتردد أكتافيان طويلاً قبل إلغاء هذه الهيئة القديمة، ويصوره ديوكاسيوس Dio Cassius، وهو يبحث المسألة بحثاً مفصلاً مع ماسيناس وأجربا، فيقول أنهم كانوا يرون أن الحكومات كلها حكومات ألجركية،ولذلك فأن المشكلة المعروضة أمامهم لم تكن مشكلة الاختيار بين الملكية، والأرستقراطية، والديمقراطية؛ بل كان عليهم أن يقرروا: هل تضطرهم ظروف الزمان والمكان أن يفضلوا الألجركية في صورة الملكية المعتمدة على الجيش، أو في صورة الأرستقراطية المتأصلة في الوراثة، أو في صورة الديمقراطية التي تعتمد على ثروة رجال الأعمال؟ وقد وفق أكتافيان بينها كلها في "زعامة امتزجت فيها نظريات شيشرون وسابقات بمبي وسياسات قيصر".
وقبل الشعب هذا الحل قبول الفلاسفة؛ ذلك أنه لم يعد حريصاً على الحرية مولعاً بها، بل كان قد مل الفوضى وتاقت نفسه إلى الأمن والنظام، وكان يرضى أن يحكمه أي إنسان يضمن له الخبز والألعاب. وأدرك إدراكاً يكتنفه الغموض أن جمعياته السمجة التي يتغلغل فيها الفساد ويمزقها العنف، لا تصلح لحكم الإمبراطوية، ولا تستطيع إعادة الحياة إلى إيطاليا المريضة، بل أنها لا تستطيع أن تحكم مدينة رومة نفسها. هذا إلى أن الصعاب التي تكتنف الحرية تتضاعف كلما اتسعت رقعة الأراضي التي تعتنقها. فلما لم تعد رومة دولة لا تشمل أكثر من مدينة واحدة دفعها النظان الإمبراطوري دفعاً إلى أن تحذو حذو مصر وفارس ومقدونية. ولم يكن في وسعها أن تقاوم هذا الدفع الشديد، وكان لا بد أن تقوم على أنقاض الحرية، التي استحالت فردية وفوضى حكومة جديدة تضع للدولة المترامية الأطراف نظاماً جديداً. وكان عالم البحر الأبيض المتوسط كله عالماً




صفحة رقم : 3245




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> في الطريق إلى الملكية


مختل النظام، مترامياً تحت قدمي أكتافيان، ينتظر منه أن يبسط عليه الحكم الصالح.
ونجح أكتافيان فيما أخفق فيهِ قيصر لأنه كان أكثر من قيصر صبراً، وأوسع منه حيلةً، ولأنه كان يفهم فن الألفاظ والأشكال، ويرضى أن يسير سيراً وئيداً حذراً في المواقف التي اضطر فيها عمه العظيم لضيق وقته أن يخرج على التقاليد المرعية، ويحدث في نصف عام من حياته من التغيرات ما يتطلب جيلاً كاملاً. وفوق هذا فقد كان المال موفوراً لدا أكتافيان. ويقول سوتنيوس إنه لما جاء بكنوز مصر إلى رومة "كثرت فيها النقود كثرة أنخفض معها سعر الفائدة" من اثني عشر إلى أربعة في المائة، و "أرتفعت قيمة الأملاك الثابتة ارتفاعاً عظيماً". وما كاد يتضح للناس أن حقوق الملكية قد عادت إليها قدسيتها وأن أكتافيان قد فرغ من أحكامه على أعدائه ومن مصادرة الأملاك، حتى خرجت الأموال من مخابئها وعاد الأستثمار سيرته الأولى، وراجت التجارة، وأخذت الثروة تتجمع من جديد، وتسرب بعضها إلى جيوب العمال والأرقاء. ولشدما أغتبطت جميع الطبقات في إيطاليا بعد أن عرفت أن تلك البلاد ستبقى هي المستمتعة بخيرات الإمبراطورية، وأن رومة ستظل عاصمتها، وأن خطر نهضة الشرق وبعثه قد زال إلى حين، وأن ما كان يحلم بهِ قيصر من قيام اتحاد من أمم حرة متساوية في الحقوق لم يسفر إلا عن العودة في هدوء إلى امتيازات الشعب المفضل صاحب السيادة. وكان أول ما فعله أكتافيان بالأموال الجمة التي أنتهبها أن وفى بما عليه لجنوده من ديون. وقد أستبقى في الخدمة منهم مائتي ألف رجل أقسم كل واحد منهم يمين الولاء له شخصياً، وسرح الثلثمائة ألف الباقين بعد أن أقطع كلاً منهم مساحة من الأراضي الزراعية ونفحه بهبة مالية سخية. ووزع الهدايا الثمينة على قواده وأنصاره وأصدقائه، وكثيراًؤما كان يسد العجز الذي يحدث في الخزانة




صفحة رقم : 3246




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> في الطريق إلى الملكية


العامة من ماله الخاص. وكان إذا رأى ولاية من الولايات حل بها الضنك بسبب الأحوال السياسية أو الطواريء الطبيعية أعفاها من الخراج العام، وبعث إليها بالمال الكثير لإنقاذها مما تعانيه. وألغى جميع المتأخر من الضرائب على أصحاب الأملاك، وأحرق علناً السجلات التي تثبت ما عليهم للدولة من الديون، وأدى من أموال الدولة ثمن ما يوزع من الغلال على المحتاجين، وأقام الألعاب للشعب على نظام واسع، وقدم المال لجميع المواطنين. ثم شرع في إقامة المنشآت العامة ليقضي بذلك على التعطل ويجمل رومة، وأنفق على هذه الأعمال من أمواله الخاصة، فلا غرامة بعد هذا إذا نظرت إليه الأمة نظرتها إلى إلهٍ معبود.
وبينما كانت هذه الأموال تتسرب من يديهِ كان هذا الإمبراطور المتواضع يعيش عيشة بسيطة خالية من مظاهر العظمة، يتجنب ترف النبلاء، ومتع المنصب وأبهتهِ، يرتدي الأثواب التي تنسجها له النساء في بيتهِ، وينام على الدوام في حجرة صغيرة في الدار التي كانت من قبل قصر هورتنسيوس. ولما أحترق هذا القصر بعد أن أقام فيهِ ثمانية وعشرين عاماً، أقام له قصراً جديداً على نظام القصر القديم، وكان ينام في نفس الحجرة الضيقة التي كان ينام فيها من قبل. وكانت متعته الوحيدة أن يفر من الشؤون العامة بركوب زورق تدفعه الرياح دفعاً بطيئا على طول ساحل كمبانيا.
واستطاع على مر الوقت أن يقنع مجلس الشيوخ والجمعيات الوطنية، أو أن يتفضل بالسماح لها، بأن تخلع عليه‎ِ السلطات التي جعلته في مجموعها ملكاً في كل شيء إلا في الأسم وحده. وقد احتفظ على الدوام بلقب إمبراطور Imperator بوصفه القئد الأعلى لجميع القوات المسلحة في الدولة. وإذ كان الجيش قد بقي معظمه خارج خارج حدود العاصمة على الدوام، وخارج حدود ايطاليا في معظم الأحوال، فقد كان في وسع المواطنين أن ينسوا، وهم يمارسون جميع المراسم الشكلية للجمهورية الميتة، أنهم يعيشون في كنف حكومة ملكية




صفحة رقم : 3247




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> في الطريق إلى الملكية


عسكرية تختفي منها مظاهر القوة طالما كانت الألفاظ كافية للحكم. واختير أكتافيان قنصلاً في عامي 43 و 33 وفي كل عام من الأعوام المحصورة بين 31 و 23. وخلعت عليه أعوام 36، 30، 23 سلطات التربيون فكسب بذلك طول حيلته الحصانة التي يتمتع بها التربيون، وأصبح له حق وضع القوانين وعرضها على مجلس الشيوخ أو الجمعية، وحق الاعتراض على كل موظف في الحكومة ووقفها. ولم يعترض أحد على هذه الدكتاتورية المحبوبة، ذلك أن رجال الأعمال الذين امتلأت خياشيمهم برائحة غنائم أكتافيان المصرية، والجنود المدينين لكرمه بأرضهم أو مراكزهم، وكان من عادت عليهم بالنفع قوانين قيصر، ومناصبه ووصيته-كل هؤلاء كانوا يقولون ما يقوله هومر من أن حكومة الفرد خير أنواع الحكومات كلها، أو أنها في القليل خيرها إذا كان هذا الفرد كأكتافيان حر التصرف في أموالهِ، وإذا كان في مثل جدهِ وكفايتهِ، وإذا كان مثله بيّن الإخلاص لخير البلاد.
ولما كان رقيباً مع أجربا في عام 28 أجرى إحصاءً عاماً للسكان، وأعاد النظر في عضوية مجلس الشيوخ، فأنقص عدد الأعضاء إلى ستمائة عضو، ولقب هو نفسه مدى الحياة بلقب "زعيم الشيوخ" Princeps Senatus. وكان معنى هذا اللقب في بادئ الأمر "الأول في ثبت أعضاء مجلس الشيوخ"، ثم ما لبث أن أصبح معناه "الزعيم" بمعنى الحاكم كما أصبح معنى لفظ Imerator بعد أن خلع هذا اللقب على أكتافيان هو إمبراطور Emperor بالمعنى الذي يفهم من هذا اللفظ في هذه الأيام. ويسمي التاريخ بحق حكومته وحكومة خلفائهِ مدى قرنين من الزمان بحكومة "الزعامة" ولا يسميها الحكومة الملكية بالضبط، وذلك لأن الأباطرة "Emperors" كانوا يعترفون-نظرياً على الأقل-بأنهم لم يكونوا إلا زعماء (Princepes) مجلس الشيوخ. وأراد أكتافيان أن يجعل مظهر سلطتهِ الدستورية أروع من ذي قبل، فنزل في




صفحة رقم : 3248




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> في الطريق إلى الملكية


عام 27 عن جميع مناصبه، وأعلن عودة الجمهورية، وصرح برغبتهِ (وهو في الحامسة والثلاثين من عمره) باعتزال الحاة العامة. وأكبر الظن أن هذه المسرحية قد أعدت من قبل؛ فقد كان أكتافيان من أولئك الرجال الحذرين الذين يعتقدون أن الأمانة خير أساليب السياسة، بشرط أن تمارس بحكمة وحسن تدبير. ومهما تكن حقيقة هذا الأمر فقد قابل مجلس الشيوخ نزول أكتافيان عن حقوقه بنزوله هو أيضاً عما له من حقوق، وتوسل إليه أن يظل هادياً للدولة ومصرّفاً لأمورها، ومنحه لقب أغسطس وهو اللقب الذي أخطأ المؤرخون فحسبوه اسمه. ولم يكن هذا اللقب يستعمل من قبل إلا في وصف الأشياء والأماكن المقدسة وبعض الأرباب المبدعة أو المكثرة (ومعنى أوجير Augere باللاتينية "يزيد")؛ فلما أن أطلق على أكتافيان خلع عليهِ هالة من القداسة وحباه بحماية الدين والآلهة.
ويلوح أن سكان رومة قد بدا لهم زمناً ما أن "عودة" الجمهورية كانت عودة حقيقية، وأنهم استعادوها فعلاً في نظير صفة خلعوها على أكتافيان. ولم لا؟ ألا يزال مجلس الشيوخ والجمعيات هي التي تسن القوانين، وتختار كبار الحكام؟ إن أحداً لا ينكر ذلك وكل ما يفعله أغسطس وعماله هو أن "يقترحوا" القوانين و"يرشحوا" أرباب المناصب الهامة. وكان أكتافيان بوصف كونه إمبراطوراً وقنصلاً يسيطر على الجيش والخزانة، وينفذ القوانين، وكان بفضل امتيازاته التربيونية يشرف على كل ما عدا ذلك من أعمال الحكومة. ولم تكن حقوقه أوسع كثيرا من حقوق بركليز Pericles أو بمبي أو أي رئيس نشط من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن الفرق كله أن سلطاته هو كانت دائمة. وقد استقال في عام 23 من القنصلية، ولكن مجلس الشيوخ منحه وقتئذ "سلطات القنصل" وإن لم يبق له اسمه، فجعله بذلك المسيطر على الموظفين جميعهم في الولايات كلها.
ولم يعترض أحد على ذلك في هذه المرة أيضاً؛ بل حدث عكس هذا.




صفحة رقم : 3249




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> في الطريق إلى الملكية


وذلك أنه لما لاح خطر نقص الحبوب حاصر الشعب مجلس الشيوخ، وأخذ يطالب بجعل أغسطس دكتاتوراً. وكان سبب ذلك أنهم قد ساءت أحوالهم في عهد ألجركية مجلس اليوخ إلى حد جعلهم يميلون إلى الدكتاتورية التي ستخطب ودهم في زعمهم لتقضي بذلك على سلطان الأغنياء. وأبى أغسطس أن يقبل هذا العرص ولكنه وضع الأنونا Annona أو موارد الطعام تحت سلطانه، وقضى على خطر القحط في أقرب وقت؛ وحمد له الشعب عمله هذا حمداً جعل رومة ترتاح أشد الارتياح حين أقدم على تعديل نظم الدولة على النحو الذي رسمه لها في ذهنه.




صفحة رقم : 3250




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> النظام الجديد



الفصل الثاني




النظام الجديد


والآن فلندرس حكومة الزعامة ببعض من التفصيل لأنها كانت في كثير من نواحيها من أعظم الأعمال السياسية في التاريخ ومن أكثرها دقة.
لقد جمع الزعيم في يده كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية؛ فكان من حقهِ أن بقترح القوانين على الجمعيات أو على مجلس الشيوخ ويعرض المراسيم؛ وكان في وسعه أن ينفذها وأن يفرضها بالقوة إذا شاء، وأن ينشرها ويعاقب الخارجين عليها. ويقول سوتونيوس إن أغسطس كان يجلس في مجلس القاضي بانتظام وإن مجلسه كان يدوم في بعض الأحيان حتى يجن الليل "وكان يأمر بوضع محفنة فوق المنصة يلجأ إليها إذا أصابته وعكة...وكان رجلاً حي الضمير ليناً في أحكامهِ إلى حد كبير" وإذ كان قد ألقيت عليهِ تبعة مناصب كثيرة فقد شكل له مجلساً غير رسمي من المستشارين أمثال مانياس، ومن المنفذين لقراراته أمثال أجربا، ومن القواد أمثال تيبيريوس، كما أنشأ له هيئة من أرقائه ومعاتيقه.
وكان كيس ماسناس من أثرياء رجال الأعمال، وكان قد قضى نصف حياته يساعد أغسطس في الحرب والسلم وفي أعماله السياسية الداخلية والخارجية، وساعده أخيراً على الرغم منه في مغامراته النسائية. واشتهر قصره العائم على تل الأكولين بحدائقه الغناء وببركة استحمامه ذات الماء الساخن. وكان أعداؤه يصفونه بأنه شخص. مخنث أبيقوري لأنه كان يتباهى بلبس الحرير والتحلي بالجواهر، وأنه يعرف كل ما يعرفه المبطان الروماني. وكان يستمتع بالأدب والفن ويناصرهما بكرم وسخاء، وقد أعاد إلى فرجيل ضيعته ووهب هوراس ضيعة




صفحة رقم : 3251




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> النظام الجديد


أخرى. وكان هو الموحي بكتاب الجورجيين Geprgics والأناشيد. وأبى أن يشغل أي منصب من المناصب العامة. مع أنه كان في وسعه أن يحصل منها على أي منصب يريده إلا القليل. وقد ظل سنين طوالاً يجهد نفسه في بحث مبادئ السياسة الخارجية ووقائعها، وبلغ من شجاعته أن كان يعنف أغسطس إذا ظنه قد وقع في خطأ موبق. ولما مات (في عام 8 ق.م.) حزن عليه الزعيم وعدّ موتهُ خسارة لا تعوض.
ولعل أغسطس (أصله من الطبقة الوسطى ولم يكن يحتقر التجارة كما يحتقرها الأشراف) كان يعمل بمشورته حين رشح كثيرين من رجال الأعمال للمناصب الإدارية الكبرى وإلى حكم الولايات نفسها. ولما تذمر مجلس الشيوخ من هذه البدعة، استرضاه بأشياء كثيرة: فمنح بعض لجانه سلطات استثنائية، وجمع حوله مجلساً من الزعماء المستشارين مؤلفاً من حوالي عشرين رجلاً كلهم تقريباً من الشيوخ، وأصبح لقرارات هذا المجلس على مدى الأيام ما لقرارات مجلس الشيوخ نفسه من قوة، وكانت سلطاته واختصاصاته تزداد كلما ضعفت سلطات مجلس الشيوخ، ونقصت اختصاصاته. ولكن مجلس الشيوخ لم يكن إلا أداته العليا على الرغم مما كان يغدق عليه من ضروب العطف والمجاملة.
وقد استخدم حقه بوصفهِ رقيباً فأعاد النظر في عضويته أربع مرات، وكثيراً ما استخدم حقه في حقه في طرد بعض أعضائه منه لعجزهم عن القيام بالأعمال الرسمية أو لسوء سلوكهم الشخصي، وقد رشح هو نفسه معظم أعضائه الجدد؛ وكان من دخلوه من الكوسترين والبريتورين والقناصل بعد انقضاء المدة المحددة لتوليهم مناصبهم، كانوا كلهم ممن اختارهم هو أو ممن وافق على اختيارهم. وقد حشد في هذا المجلس أغنى رجال الأعمال في إيطاليا وانضمت الطبقتان إلى حد ما في ذلك الائتلاف الذي هيئته لهما سيطرتهما المتحدة التي اقترحها شيشرون في الأيام الخالية. وبذلك وقفت قوة المال في وجه كبرياء المولد وامتيازاته، كما وقفت




صفحة رقم : 3252




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> النظام الجديد


الأرستقراطية الوراثية في وجه مساوئ الثروة وأعمالها التي لا تتحمل لها تبعة.
واقتصرت اجتماعات مجلس الشيوخ بناء على اقتراح أغسطس على اليومين الأول والخامس عشر من كل شهر، ولم يكن اجتماعه يدوم في العادة أكثر من يوم واحد. وإذ كان الذين يرأسون اجتماعه هم "زعماء الشيوخ" فإنه لم يكن يُستطاع عرض أي اقتراح عليهِ بغير موافقتهِ، والحق أن كل اقتراح يُعرض عليهِ كان يعده من قبل هو أو أعوانه. وأصبحت اختصاصات المجلس القضائية والتنفيذية وقتئذ أهم من اختصاصاته التشريعية، فكان بمثابة محكمة عليا، وكان يحكم إيطاليا بوساطة لجان، ويوجه أعمال الأشغال العامة المختلفة. وكان يحكم الولايات التي لا تحتاج إلى إشراف عسكري كبير، ولكن الزعيم هو الذي كان يشرف على العلاقات الخارجية. ولما جرّد المجلس بهذه الطريقة من سلطاتهِ القديمة أهمل هو نفسه اختصاصاته الضيقة نفسها وصار يتخلى بستمرار عن كثير من التبعات للإبمراطور وموظفيهِ.
وظلت الجمعيات تعقد جلساتها، ولكن عدد هذه الجلسات أخذ يقلُ شيئاً فشيئاً؛ وظلت تقترع ولكنها لم تكن تقترع إلا على المشروعات أو الترشيحات التي يوافق عليها الزعيم، وقضى على حق العامة في تولي المناصب أو كاد يقضي عليه في عام 18 ق.م. حين صدّر قانون يُقصر تولي هذه المناصب على الرجال الذين تبلغ قيمة أملاكهم أربعمائة ألف سسترس (60.000 ريال أمريكي) أو أكثر(2). ورشح أغسطس نفسه للقنصلية ثلاث عشر مرة، وسعى لنيل أصوات الناخبين كما كان يسعى غيره من المرشحين؛ ونزل بذلك من عليائه للاشتراك في المسرحية التي كانت تمثل فصولها على مسرح السياسة الرومانية. وقد عمل على منع الرشا في الأنتخابات بأن طلب إلى كل مرشح أن يودَع قبل عملية الانتخاب مبلغاً من المال ضماناً منه بأنه لن يلجأ إلى الرشوة(3). بيد أن أغسطس نفسه وزع في وقت من الأوقات ألف سسترس على كل عضو ناخب




صفحة رقم : 3253




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> النظام الجديد


في قبيلته حتى يضمن بذلك صحة أصوات القبيلة(4). وظل القناصل والتربيونون يُنتخبون حتى القرن الخامس بعد الميلاد(5). غير أن المنصبين أصبحا بعد أن آلت معظم حقوقهما إلى الزعيم منصبين إداريين لا تنفيذيين، ثم انتهيا إلى أن صارا منصبي شرف لا أكثر.
أما حكم رومة الفعلي فقد وضعه أغسطس في أيدي موظفين إقليميين يتقاضون مرتبات من الدولة وتساعدهم في عملهم شرطة مؤلفة من ثلاثة آلاف رجل يرأسهما "كبير شرطة البلدية Praefectus Urbi" وفضلاً عن هذا فقد وُضع ست كتائب قوام كل منها ألف جندي بالقرب من رومة، وثلاث كتائب في داخلها ليضمن بذلك استتباب النظام من النوع الذي يريده، وليؤيد بها سلطانه، وإن كان قد اعتدى بعمله هذا على جميع السوابق أشد الاعتداء. وأصبحت هذه الكتائب فيما بعد هي الحرس البريتوري، أي حرس البريتوريوم Praetorium أو مقر القائد الأكبر. وهذه الفرق هي التي جعلت كلوديوس إمبراطور في عام 41 ب.م، وهي التي بدأت عملية إخضاع الحكومة للجيش.
ثم امتدت عناية أغسطس الإدارية من رومة إلى إيطاليا وإلى الولايات الخارجية. فمنح حق المواطنية الرومانية أو حق الانتخاب الضيق المعروف "بالحقوق اللاتينية" لجميع العشائر التي اشتركت في تحمل أعباء الحرب على مصر. ثم أعان المدن الإيطالية بما نفحها به من هبات، وزينها بالمباني الجديدة، وابتكر طريقة تمكن أعضاء مجلسها من إعطاء أصواتهم في انتخاب الجمعيات في رومة بطريق البريد. ثم قسم الولايات فئتين: أولاهما ما تحتاج إلى دفاع جدي والثاني ما كانت في غير حاجة إلى هذا الدفاع. فأما الثانية (وكانت تشمل صقلية، وبتكا، وغالة النربونية، ومقدونية، وآخية، وآسية الصغرى، وبيثينيا، وبنطتس، وقبرص، وكريت، وقورينة، وأفريقية الشمالية، فقد وضع حكمها في يد مجلس الشيوخ. أما الثانية-وهي الولايات الإمبراطورية-




صفحة رقم : 3254




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> النظام الجديد


فكان يحكمها سفراؤه، ووكلاؤه، أو رؤساء حرسه. وقد أمكنه هذا النظام البديع من أن يختفض بسيطرته على الجيش، الذي كان يقيم معظمه في الولايات "المعرضة للخطر". وهذا إلى أنه وضع في يده موارد مصر الغنية وأمكنه من أن يراقب الحكام المعنيين من قِبَل مجلس الشيوخ بأعين وكلائه الذين كان يعينهم لجباية الخراج من الولايات جميعها بلا استثناء. وكان كل حاكم يتقاضى في أيامه مرتباً محدوداً، وبذلك قلت رغبته إلى حد ما في ابتزاز المال من أهل الولاية التي يحكمها. وكان إلى جانب الوالي هيئة من الموظفين المدنيين تساعد على الدوام الاتصال في الأعمال الإدارية وتمنع إلى حد ما رؤساءهم المؤقتين من الإقدام على الأعمال غير المشروعة. أما أقيال الدول التي كانت خاضعة لنفوذ رومة فكانوا يعاملون معاملة طيبة حكيمة، وظلوا بسببها موالين لأغسطس كل الولاء، وقد أقنع الكثيرين منهم بأن يرسلوا إليهِ أبنائهم ليعيشوا في قصره، وليتلقوا فيه تربية رومانية؛ وأصبح هؤلاء الشبان بفضل هذا التدبير الكريم رهائن لديهِ حتى يحين وقت تتويجهم، ثم صاروا بعئذ على غير علم منهم أداة لصبغ بلادهم بالصبغة الرومانية.
ويبدو أن أغسطس بعد انتصاره في أكتيوم، وما بهثه هذا الانتصار في نفسه من حماسة وزهو، وبعد أن رأى من حوله جيشاً ضخماً وأسطولاً قوياً، يبدو أنه أخذ بعد هذا يُعد العدة لتوسيع رقعة الإمبراطورية ومد حدودها إلى المحيط الأطلنطي، والصحراء الكبرى، ونهر الفرات، والبحر الأسود، ونهر الدانوب والألب، وأنه كان يعتزم الاحتفاظ بالسلم الرومانية بسياسة العدوان عند هذه الحدود جميعها لا بسياسة الدفاع السلبي. وقد أتم الإمبراطور بنفسه فتح أسبانيا، ونظم الإدارة في بلاد غالة تنظيماً يدل على مقدرته ومهارته، وكان من نتائجه أن ساد السلام ربوع تلك البلاد نحو قرن كامل. واكتفى في بارثيا باسترجاع الأعلام، ومن بقي على قيد الحياة من الأسرى الذين أخذوا من كراسس في عام 53؛ أما في




صفحة رقم : 3255




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> النظام الجديد


أرمينية فقد أعاد إلى عرشها ملكها تجرانيس Tigranes الموالي لرومة. وأرسل بعثات لفتح بلاد العرب ولكنها أخفقت. وأخضع ربيباه تيبيريوس ودورسس في العشر السنين المحصورة بين 19، 9 ق.م بلاد إليريا Illyria وبانونيا Pannonia وريتيا Raetia. ولما غزا الألمان غالة تذرع أغسطس بهذه الحجة فأمر دروسس أن يعبر بهر الرين؛ ولشد ما اغتبط حين علم أن هذا الشاب قد شق طريقه إلى نهر الإلب. غير أن دروسس أصيبت أحشاؤه على أثر سقطة سقطها على الأرض عانى على أثرها المرض ثلاثين يوماً. وكان تيبيريوس شديد الحب لأخيه، فسار على ظهر جواده أربعمائة ميل من غالة إلى ألمانيا ليضمه إلى صدره في آخر ساعات حياته؛ ولما تم له ذلك نق جثته إلى رومة، وسار وراء الجنازة طول الطريق (9ق.م) ثم عاد بعدئذ إلى ألمانيا وحمل على القبائل الضاربة بين الإلب والرين حملتين (8-7 ق.م 4-5 ب.م) خضعت على أثرهما روما.
وحلت برومة وقتئذ في وقت واحد تقريباً كارثتان بدلت حمى الفتح والتوسع سياسة سلام. ذلك أن بانوينا ودلماشيا اللتين فتحتا حديثاً ثارتا على رومة، وقتل أهلهما جميع من كان فيهما من الرومان، وأعدتا جيشاً مؤلفاً من مائتي ألف رجل وهددتا إيطاليا نفسها بالغزو. واسرع تيبيريوس فعقد الصلح مع القبائل الألمانية، وسار على رأس قواته القليلة إلى بانونيا، واستطاع بصبره وخططه العسكرية الفنية أن يستولي على محصولات البلاد أو يتلفهما فيحرم العدو من مصادر تموينه، كما استطاع بحرب العصابات أن يمنعه من إنتاج محصولات جديدة، وعمل في الوقت نفسه على أن يوفر المؤن لجنوده.وأصر على العمل بهذه السياسة ثلاث سنين رغم ما وجه إليهِ من النقد في بلاده، حتى نال أخيراً بغيته، فرأى الثوار الجياع يلقون أسلحتهم، وبسط هو السلطة الرومانية من جديد على ربوع البلاد. ولكن حدث في تلك السنة نفسها (9 ب.م) أن نظم أرمنيوس الثورة في




صفحة رقم : 3256




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> النظام الجديد


ألمانيا، وأوقع فيالق فاروس الروماني في كمين، وقتل جنودها عن آخرها إلا من انتحر بإلقاء نفسه على سيفه مثل فاروس نفسه. ولما سمع أغسطس بهذا النبأ "تأثر أشد التأثير" كما يقول سوتونيوس. وظل عدة شهور لا يحلق لحيته ولا يقص شعر رأسه، وكان في بعض الأحيان يضرب الباب برأسه ويصيح بأعلى صوته: "أي كونتليوس فاروس أعد إليَّ فيالقي(6)!" وأسرع تيبيريوس إلى ألمانيا، وأعاد فيها تنظيم الجيش، وصد هجمات الألمان، ورد حدود الدولة الرومانية، بناء على أوامر أغسطس إلى نهر الرين.
وكان هذا قراراً خسر فيهِ أغسطس شطراً كبيراً من كبريائه، ولكنه دل على حكمته وحصافة عقله. وقد أسلمت ألمانيا بمقتضاه إلى "البربرية" أي إلى ثقافة غير رومانية ولا يونانية، وتركت حرة تسلح سكانها المتزايدين لمحاربة رومة. على أن الأسباب التي حملت الرومان على السعي لفتح ألمانيا كان من شأنها أن تتطلب منهم إخضاع سكوذيا-أي جنوبي الروسيا. ولكنهم لم يفعلوا لأن الإمبراطورية يجب أن يقف امتدادها في مكان ما؛ وكان نهر الرين حداً للدولة خيراً من أي حد آخر غرب جبال أورال. هذا إلى أن أغسطس بعد أن ضم أسبانيا الشمالية والغربية، وريشيا، ونوركم، وبامونيا، وموزيا، وجلاتيا، وليسيا، وبمفيليا شعر بأنه قد استحق بأعماله لقب "الإله المكثر". وكانت الإمبراطورية حين وفاته تشمل مساحة قدرها 3.340.000 ميل مربع أي أكثر من مساخة الولايات المتحدة في القارة الأمريكية، وكانت تعادل مساحة رومة قبل الحروب البونية مائة مرة. ونصح أغسطس خليفته بأن يقنع بهذه الإمبراطورية وهي أعظم إمبراطورية شهدها التاريخ حتى ذلك الوقت، وأن يوجه همه إلى توحيدها وتقويتها في الداخل بدل أن يوسعها في الخارج، وأظهر دهشته من أن "الإسكندر لم يرد أن تنظم الإمبراطورية التي أنشأها أصعب من كسبها(7)". وبهذا بدأت السلم الرومانية Pax Romana.




صفحة رقم : 3257




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> عهد الرخاء



الفصل الثالث




عهد الرخاء


لا يمكن أن يقال عن أغسطس إنه "فر من الميدان وسمى هذا الفرار سلماً"؛ ذلك أنه لم يكد تمضِ عشر سنين بعد معركة اكتيوم حتى انتعشت بلاد البحر الأبيض المتوسط انتعاشاً لم يضارعه في سرعته انتعاش قبله. وقد كانت عودة النظام في حد ذاتها باعثاً قوياً على هذا الانتعاش؛ وكيف يتمنع الرخاء من إجابة هذه الدعوة الإجماعية التي يتقدم بها إليه ما عاد إلى البحر من أمن وسلامة، وإلى الحكومة من الاستقرار، مضافاً إلى استمساك أغسطس بالقديم الموروث وتحفظه، وإلى استهلاك كنوز مصر المدخرة، واستغلال المناجم الجديدة، وإنشاء دور سك جديدة، وإلى ثقة الأهلين بالنقد وسرعة تداوله، وكعالجة الزحام في إيطاليا بإقطاع الأهلين أرضاً يفلحونها، وبنقلهم إلى أراضي المستعمرات؟ ومن القصص المأثورة في هذا الصدد أن جماعة من بحارة الإسكندرية نزلوا في بتيولي، وكان أغسطس قريباً منها، فأقبلوا في ملابسهم الزاهية وأهدوا إليهِ البخور كما يهدى البخور إلى الآلهة، وقالوا له إنهم استطاعوا بفضله أن يسيروا في البحر آمنين، وأن يتاجروا واثقين، وأن يعيشوا سالمين(8).
ولم يكن اغسطس، وهو حفيد رجل مصرفي، يخالجه أدنى شك في أن خير سياسة اقتصادية هي السياسة التي تجمع بين الحرية والأمان. ومن أجل ذلك وفر الحماية لجميع طبقات الأمة بسن القوانين، وبالدقة في تطبيقها؛ ووضع في الطرق العامة حراسة قوية، وأقرض ملاك الأراضي المال من غير فائدة(9)؛ وهدأ ثائرة الفقراء بما وزعه عليهم من قمح الدولة، و"بالقرعة" والهدايا بعض الاحيان. أما فيما عدا هذا فقد ترك للمشروعات الخاصة، والإنتاج، والتبادل، حرية أوسع




صفحة رقم : 3258




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> عهد الرخاء


مما كان لها من قبل. عل أن الأعمال التي تديرها الدولة كانت مع هذه الحرية كثيرة متنوعة إلى حد لم تبلغه من قبل، وكان لها شأن أيما شأن في إنعاش الحياة الاقتصادية؛ فقد شُيد في خلال هذه المدة اثنان وثمانون هيكلاً، وأنشئت سوق عامة جديدة وباسلقا جديدة لتيسير الأعمال المالية وأعمال المحاكم، وأقيم بناء جديد لمجلس الشيوخ بدل البناء الذي احترق فيهِ كلوديوس؛ وشُيدت صفوف الأعمدة لتخفيف حرارة الشمس، وأكمل الملهى الذي بدأه قيصر وسمّي باسم مرسلس زوج ابنة أغسطس؛ واستحث الإمبراطور الأثرياء على أن ينفقوا بعض أموالهم في تجميل إيطاليا بالباسلقات، والهياكل، ودور الكتب، والملاهي، والطرق. ويقول ديوكاسيوس إنه "أمر الذين يحتفلون بالنصر أن ينفقوا مغانمهم في تشييد مباني عامة تخلد ذكرى أعمالهم"(9أ). وكان أغسطس يرجو من وراء ذلك أن يجعل عظمة رومة في ازدياد سلطانه ورمزاً لهذا السلطان.
ومن أقواله في آخر أيامه أنه وجد رومة مدينة من اآجر ثم تركها وهي من الرخام(9ب)؛ وذلك مغالاة تُغتفر لقائلها، فقد كان فيها قبل أيامه كثير من الرخام، وبقي فيها من بعدهِ كثير من الآجر، ولكن الحقيقة أنه قلما فعل رجل لمدينة ما فعله أغسطس لرومة.
وكان ساعده الأيمن في إعادة بناء رومة ماركس فسيانيوس أجربا Marcus Vispanius Agrippa. وكان صديقه هذا قد اشترك مع ماسنياس في تنفيذ سياسة أغسطس. ولما كان أجربا إيديلاً عام 33 ق.م ضم الجماهير إلى جانب أكتافيان بأن فتح لهم 170 حماماً، ووزع عليم الزيت والملح بلا ثمن، وأقام لهم ألعاباً عامة دامت خمسة وخمسين يوماً، وعين حلاقين لجميع المواطنين




صفحة رقم : 3259




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> عهد الرخاء



من غير أجور-ولعله أنفق ما تطلبه هذا كله من ماله الخاص. وكانت كفايته خليقة بأن تجعله فيصراً ثانياً؛ وكنه فضل أن يخدم أغسطس مدى جيل كامل. ومبلغ علمنا أنه لم يرتكب إثماً يشين حياته العامة أو الخاصة، فقد تركه المغتابون الرومان، الذين لم يتركوا أحداً غيره إلا سلقوه بألسنة حداد، دون أن يمسوه بقالة سوء. وكان هو أول روماني أدرك ما للقوة البحرية من خطر عظيم، فوضع خطة لإنشاء عمارة بحرية وأنشأها، وتولى قيادتها، وهزم بها سكستس بمبي، وطهر البحر من القراصنة، وكسب العالم لأغسطس في معركة أكتيوم. وعُرض عليهِ ثلاث مرات أن يقام له موكب نصر بعد هذه الانتصارات الرائعة، وبعد أن هدأ أسبانيا وغالة والمملكة اليسبورية، ولكنه رفض في كل مرة. وقد وهبه زعيمه ثروة طائلة اعترافاً منه بفضلهِ، ولكنه ظل رغم هذه الثروة يعيش عيشة خالية من البذخ والترف. وبذل جهوده كلها في إقامة المنشآت العامة كما بذلها من قبل في خفظ كيان الدولة، فكان يستأجر بماله الخاص مئات من العمال لإصلاح الطرقن والمباني، والمجاري العامة، وإعادة فتح قناة مارسيس المغطاة. وأنشأ هو قناة من نوعها جديدة، هي قناة يوليوس، وأصلح وسائل مد رومة بالماء باحتفار سبعمائة بئر وإنشاء خمسمائة عين فوّارة، ومائة وثلاثين خزاناً.
ولما شكا الناس من ارتفاع أثمان النبيذ أجابهم أغسطس بدهائهِ المعروف:
"لقد عمل صهري أجربا على ألا تظمأ رومة أبداً"(10).
وأنشأ أجربا، وهو أعظم المهندسين الرومان بلا منازع، مرفأ واسعاً عظيماً، ومركزاً لبناء السفن بإيصال بحيرتي لكريتس وأفرنس بالبحر. وهو الذي أنشأ أول الحمامات العامة الرائعة الفخمة، التي امتازت بها رومة فيما بعد على سائر مدن العالم. وشاد من ماله الخاص هيكلاً لفينوس والمريخ أعاد بناءه هدريان وهو المعروف لنا بهيكل الآلهة Pantheon في هذه الأيام، ولا يزال يظهر عليهِ حتى الآن هذه العبارة M. AGRIPA...PECIT. ونظم أعمال مسح أراضي الإمبراطورية




صفحة رقم : 3260




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> عهد الرخاء


مرة كل ثلاثين عاماً، وكتب رسالة في الجغرافية، ورسم للعالم خريطة ملوّنة على الرخام. وكان مثل ليوناردو دافنشي عالماً طبيعياً، ومهندساً، ومخترعاً للمقذوفات الحربية وفنّاناً. وكان موته المبكر وهو في سن الخمسين (12ق.م) من الأحزان الكثيرة التي عكرت صفاء سني أغسطس الأخيرة. وقد زوجه أغسطس بابنته يوليا، وكان يرجو أن يرث الإمبراطورية من بعدهِ لأنه خير مَن يستطيع أن يحكمها حكماً صالحاً نزيهاً شريفاً.
وكانت المنشآت العامة الكثيرة النفقة، مضافة إلى الخدمات الواسعة التي تقوم بها الحكومة سبباً في زيادة المصروفات العامة زيادة لم يكن لها نظير من قبل. ذلك أن المرتبات كانت تؤدي وقتئذ للموظفين في الولايات وفي المدن، وللحكام ورجال الشرطة؛ وكان يقوم على حراسة البلاد جيش قوي دائم وأسطول ضخم، وكانت المباني العامة التي لا عداد لها تشاد أو تُصلح، وكان العامة يرشون بالحبوب والألعاب ليظلوا هادئين. وإذ كانت هذه النفقات كلها إنما تؤدى من الإيرادات العادية، ولم تحمل الأجيال التالية بدين أهلي ما، فقد أصبحت الضرائب في أيام أغسطس علماً وصناعة دائمة. ولم يكن أغسطس نفسه بالرجل الصلب الذي لا يلين، فكثيراً ما أعفى الأفراد المأزومين والمدن المأزومة من الضرائب أو أداها من ماله الخاص. وأعاد إلى البلديات خمسة وثلاثين ألف رطل من الذهب قدمت إليهِ "هدية تتويج"، حينما اختير قنصلاً للمرة الخامسة، ورفض هبات أخرى كثيرة(12)، وألغى ضريبة الأراضي التي فرضت على إيطاليا في أثناء الحرب الأهلية؛ وفرض بدلاً منها على جميع سكان الإمبراطورية ضريبة مقدارها خمسة في المائة على الأموال التي يوصى بها لأي إنسان عدا الأقارب الأدنين والفقراء(13)، كما فرض ضريبة مقدارها واحد في المائة على المزادات العامة، وأربعة في المائة من أثمان الأرقاء، وخمسة في المائة عند تحريرهم، وقرر عوائد جمركية تتراوح بين اثنين ونصف وخمسة في المائة على جميع البضائع




صفحة رقم : 3261




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> عهد الرخاء


الواردة إلى كل المواني تقريباً. وكان سكان المدن جميعاً يؤدون ضرائب للبلديات، ولم تكن الأملاك الرومانية معفاة من الضرايبة كما كانت الأراضي الإيطالية. وكانت الضرائب تؤدى على الماء المستمد من القنوات العامة. وكان دخل الخزانة كبيراً من تأجير الأراضي العامة، والمناجم، ومصائد الأسماك، واحتكار الدولة للملح، ومن الغرامات التي تفرضها المحاكم. وكانت الولايات تؤدي ضريبة على الأراضي Tributum Soli، وضريبة الفرضة Tributum Capitis، ومعناها الحرفي ضريبة على الرؤوس، ولكنها كانت في واقع الأمر ضريبة على الأملاك الشخصية. وكانت الضرائب تجمع في خزانتين في رومة كلتاهما في معبد، وهما الخزانة الأهلية (Aerarium) التي يشرف عليها مجلس الشيوخ، والخزانة الإمبراطورية (Fiscus) التي كان يملكها ويديرها الإمبراطور . وكانت ترد إلى الخزانة الثانية الأموال من أملاك الإمبراطور الخاصة، ومن الأموال التي يوصي بها الخيرون والأصدقاء. وبلغ ما تجمَّع من هذه الوصايا في أيام أغسطس 1.400.000.000 سسترس.
ويمكن القول بوجه عام إن الضرائب في أيام الزعامة لم تكن فادحة، وإن ما أنفقت فيهِ حصيلتها إلى عهد كمادوس كان يبرز ما عاناه الناس في أدائها. وقد عم الرخاء الولايات وأقام الأهلون مذابح لأغسطس الإله شكراً له أو تطلعاً إلى ما سوف يأتيهم بهِ من خير. وقد أضطر في رومة نفسها لأن يعنف الناس على إسرافهم في مديحهِ. ومن أمثلة هذا الإسراف أن أحد المتحمسين أخذ يجري في شوارع المدينة ويدعو رجالها ونساءها لأن "يهبوا" حياتهم لأغسطس؛ أي أن يقطعوا على أنفسهم عهداً بأن يقتلوا أنفسهم حين يموت. وحدث في عام 2 ب.م. أن اقترح مسالا كرفينس Messala Corvinus الذي




صفحة رقم : 3262




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> عهد الرخاء


استولى على معسكر أكتافيان في فلباي أن يمنح أغسطس لقب "أبي البلاد". ولشد ما اعغتبط مجلس الشيوخ بمنح الإمبراطور هذا اللقب وكثيراً غيره من ألقاب الثناء والتكريم، فقد سره ألا يتحمل إلا القليل من تبعة الحكم، وأن يحتفظ مع ذلك بالثراء ومظاهر الشرف. وكانت طبقة رجال الأعمال التي زادت ثروتها كثيراً عن ذي قبل تحتفل بذكرى مولده احتفالاً يدوم يومين كاملين في كل عام. ويقول سوتونيوس "إن الناس جميعاً على اختلاف أصنافهم وطبقاتهم كانوا يقدمون له الهدايا في اليوم الأول من شهر يناير"-أي في عيد رأس السنة. ولما أن دمرت النيران قصره القديم تبرعت إليهِ كل مدينة في الإمبراطورية بمقدار من المال ليستعين بهِ على إعادة بنائه، ويبدو أن كل قبيلة وكل نقابة فعلت هي الأخرى مثل ما فعلت المدن. وأبى أن يأخذ من أي فرد أكثر من دينار واحد، ومع ذلك فقد حصل على ما يكفي لبناء القصر وزيادة. وقصارى القول أن جميع بلاد البحر الأبيض المتوسط قد أحست بالسعادة بعد محنتها الطويلة، وكان في وسع أغسطس أن يعتقد أنه استطاع بصبره أن ينجز العمل العظيم الذي أخذ على عاتقه أن ينجزه.




صفحة رقم : 3263




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> إصلاحات أغسطس



الفصل الرّابع




إصلاحات أغسطس


لقد أشقى أغسطس نفسه إذ حاول أن يصلح قلوب الناس ويسعدهم معاً، وكان ذلك تطاولاً منه لم تغفره له رومة أبداً، ذلك أن إصلاح الأخلاق أشق أعمال الحكام وأكثرها دقة وخطورة، وقل من الحكام من جرؤ على محاولته، وقد تركه أكثرهم للمنافقين أو القديسيين.
وبدأ أغسطس هذا الإصلاح بداية متواضعة لوقف تيار الانقلاب العنصري في رومة. ذلك أن سكان رومة لم يكونوا يتناقصون كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل كان هؤلاء السكان يزدادون زيادة مطردة بفضل المغريات الكثيرة، وما كان يوزع عليهم من الأرزاق وما يستورد من الثروة ومن الرقيق. وإذ كان المحررون ينالهم نصيبهم من الأرزاق التي توزعها الدولة، فقد أعتق كثيرون من المواطنين عبيدهم المرضى أو الطاعنين في السن لكي تطعمهم الدولة، وحرر أكثر من هؤلاء لبواعث إنسانية، كما استطاع كثيرون منهم أن يقتصدوا من المال ما يبتاعون بهِ حريتهم. وإذ كان أبناء المحررين يصبحون مواطنين رومانيين من تلقاء أنفسهم، فقد تضافر تحرير الأرقاء وتكاثر الغرباء مع قلة تناسل عناصر السكان الأصليين على تبديل الطابع العنصري لسكان رومة. وكان أغسطس يشك في إمكان استقرار أحوال بلد يسكنه هذا الخليط المختلف العناصر من الأهلين، ويرتاب في ولاء هؤلاء السكان إلى الإمبراطورية وهم الذين تجري في عروقهم دماء الشعوب المغلولة على أمرها. لذلك عمل على قانون فوفيا كانينيا Lex Fufia Caninia (2 ب.م) وغيره من القوانين التي تبيح لكل من يملك عبداً أو عبدين لا أكثر أن يعتقه أو يعتقهما جميعاً، ولمن يملك-ثلاثة عبيد إلى عشرة أن يعتق نصفهم،




صفحة رقم : 3264




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> إصلاحات أغسطس


ومن يملك أحد عشر إلى ثلاثين أن يعتق ثلثهم، ومن يملك واحداً وثلاثين إلى مائة أن يعتق ربعهم، ومن يملك مائة عبد وعبد إلى ثلثمائة أن يعتق خمسهم، والتي لا تبيح لسيد أن يعتق أكثر من مائة من عبيده.
وقد يتمنى الإنسان أن لو حدد أغسطس اقتناء العبيد لا تحريرهم. ولكن القدماء كانوا يرون الاسترقاق قضية مسلماً بها لا تحتمل جدلاً، ولو أنه طلب إليهم أن يحرروا العبيد جملة لنظروا إلى ما ينجم عن هذا العمل من النتائج الاقتصادية والاجتماعية نظرة الرعب والهلع، كما يخشى أصحاب الأعمال في وقتنا الحاضر ما عساه أن ينجم عن الضمان الاجتماعي للعمال من تراخٍ في العمل وقلة في الإنتاج. لقد كان تفكير أغسطس قائماً على المصالح العنصرية ومصلح الطبقات، ولم يكن في مقدوره أن يرسم في ذهنهِ صورة لرومة القوية لا يتصف أفرادها بالخلق والشجاعة والمقدرة السياسية التي كان يمتاز بها الرومان الأقدمون بوجه عام والأشراف الأقدمون بوجه خاص. وكان ضعف العقيدة الدينية القديمة بين الطبقات العليا سببا في القضاء على ما كان للزواج والوفاء والأبوة من حرمة وقداسة، وكانت هجرة الناس من الأرياف إلى المدن قد جعلت الأطفال عبئاً ثقيلاً على آبائهم أو لعباً يتسلون بها على أحسن تقدير، بعد أن كانوا مصدر ربح لهم. واشتدت رغبة النساء في التجمل واجتذاب الأموال بعد أن كن يرين أن خير زينة لهن هي إنجاب الأبناء. وقصارى القول أن الرغبة في الحرية الفردية بدت في ذلك الوقت مجانية لحاجات العنصر الروماني الأصيل. ومما زاد الطين بلة أن السعي وراء الهبات والوصايا أضحى وقتئذ أكثر الأعمال ربحاً في إيطاليا(16). فقد كان الرجال الذين لا أبناء لهم إذا بلغوا مرحلة العمر الأخيرة يجدون أحسن الترحيب في بيوت لهم أبناء، يستقبلون فيها ويطعمون، وكان كثير من الرومان يحبون هذه المتعة وهذا النوع من الحياة اللينة، حتى أصبحت سبباً آخر من أسباب العقم. يضاف إلى هذا أن طول سني الخدمة العسكرية حال بين كثيرين




صفحة رقم : 3265




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> إصلاحات أغسطس


من الشبان وبين الزواج في أكثر سني العمر صلاحية له. وامتنع كثيرون من الرومان الأصليين عن الزواج بتاتاً، وفضلوا الاتصال بالعاهرات أو اتخاذ السراري والعشيقات حتى على تعدد الزوجات متفرقات. ويلوح أن الكثرة العظمى من المتزوجين عمدت إلى تحديد عدد أفراد أبنائها باللجوء إلى إجهاض الزوجات وقتل الأطفال ومنع الحمل(18).
وأقلقت هذه المظاهر وأمثالها من مستلزمات الحضارة بال أغسطس وأقضّت مضجعه، وبدأ يشعر أن لابد من العودة إلى العقائد والأخلاق القديمة. وعاد إليهِ بعد أن صفا ذهنه وأنهك جسمه بفعل السنين احترامه لتراث الآباء والأجداد، فأخذ يشعر أن ليس من المصلحة في شيء أن ينفصل عن الماضي انفصالاً تاماً، بل الواجب أن تعمل الأمة-إذا أرادت لنفسها حياة حياة صحيحة سليمة-على استمرار تقاليدها الماضية، كما يجب على الفرد أن تكون له ذاكرة. ولذلك أخذ يقرأ بجد أكسبته إياه السنون تواريخ رومة القديمة ويعجب بالفضائل التي يعزوها المؤرخون إلى أهلها، ويحسدهم عليها, وأشد ما كان يعجب بخطبه كونتس متلس في الزواج، فتلاها في مجلس الشيوخ وأصدر أمراً إمبراطورياً بإذاعتها بين طبقات الشعب. وكان كثيرون من رجال الجيل القديم يتفقون معه في آرائه فألفوا من بينهم حزباً متزمتاً شديد الرغبة في تقويم الأخلاق عن طريق التشريع؛ وأكبر الظن أن ليفيا Livia أمدتهم بنفوذها. واستخدم أغسطس ماله من حقوق بوصفهِ رقيباً وتربيوناً فأصدر طائفة من القوانين-أو لعله حمل الجمعية على إصدارها-تهدف كلها إلى تقويم الأخلاق، وتشجيع الزواج، والوفاء بين الأزواج، والأبوة الصالحة، والحياة البسيطة، والعودة بها إلى السنن القديمة. وحرمت هذه القوانين على المراهقين-والمراهقات-أن يحضروا دور اللهو العامة في صحبة الكبار من أقاربهم؛ ومنع النساء من مشاهدة الاستعراضات الرياضية، وقصر أماكنهم في المجتلدات على




صفحة رقم : 3266




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> إصلاحات أغسطس


المقاعد العليا؛ ثم حدد مقدار ما ينفق من المال في البيوت، وعلى الخدم، والولائم، والزواج، والجواهر، والملابس. وكان أهم هذه "القوانين اليوليائية" كلها "القانون اليوليائي الخاص بالعفة ومنع الزنى "Lex Julia de Pudicitia et de Coercendis Adulterus" (18ق.م). وبهذا القانون وضع الزواج لأول مرة في التاريخ الروماني تحت حماية الدولة بعد أن كان متروكاً لسلطة الآباء في أسرهم Patria Potestas، واحتفظ الأب بحقهِ في قتل ابنتهِ الزانية هي وشريكها ساعة أن يضبطهما متلبسين بهذه الجريمة، وأجيز للزوج أن يقتل عشيق زوجته إذا ضبطه في منزلهِ، أما زوجته فلم يكن له أن يقلها إلا إذا ارتكبت الفحشاء في بيتهِ هو. وكان يطلب إلى الزوج الذي يكشف عن خيانة زوجته أن يأتي بها إلى المحكمة في خلال ستين يوماً من هذا الكشف؛ فإذا لم يفعل هذا كان يُطلب إلى والد الزوجة أن يقوم هو بهذا العمل؛ فإذا لم يفعل الوالد نفسه ذلك جاز لأي مواطن أن يتهمهما. وكان عقاب المرأة الزانية أن تُنفى من البلاد طوال حياتها، وأن تجرّد من ثلث ثروتها ومن نصف بائنتها، وأن يُحرم عليها الزواج مرة أخرى. وقد قُررت هذه العقوبات نفسها على الزوج الذي يتغاضى عن زوجته الزانية. غير أنه لم يكن من حق الزوجة أن تتهم زوجها بالزنى، فقد كان له أن يتصل بالعاهرات الرسميات المسجلات دون أن يعاقبهُ القانون على هذا الاتصال. ولم يكن هذا القانون يطبق إلا على المواطنين الرومان.
وأكبر الظن أن أغسطس سن حوالي ذلك الوقت قانوناً آخر يُعرف عادة باسم القانون اليوليائي الخاص بالزواج بين الطبقات Lex Julia de Maritandis Ordiniyrdus ذلك لاحتوائهِ على فصل خاص بالزواج بين الطبقات أي بين الطبقتين العليين. وكان الهدف الذي يرمي إليهِ مزدوجاً، فقد كان يرمي إلى تشجيع الزواج وإلى تحديده معاً، وذلك لأنه كان يعطل امتزاج الدم الروماني




صفحة رقم : 3267




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> إصلاحات أغسطس


بالدم الغريب، ويعيد إلى الزواج فكرته الأولى فكرة الاتحاد لإنجاب الأبناء.
وكانت السبيل التي سلكها القانون للوصول إلى هذين الهدفين هي فرض الزواج على جميع الصالحين له من الرجال إذا كانوا أقل من سن الستين، وعلى الصالحات له من النساء إذا كن أقل من الخمسين. وألغيت الوصايا التي كانت تشترط في الموصى له أن يظل عزباً؛ وفرضت عقوبات على العزاب: فحرموا من الميراث عدا ميراث الأقارب إلا إذا تزوجوا في خلال مائة يوم بعد وفاة الموروث؛ كما مُنعوا من مشاهدة الحفلات والأعياد العامة.
ولم تكن الأرامل أو المطلقات يرثن إلا إذا تزوجن مرة أخرى في خلال ستة شهور من موت الزوج في الخالة الأولى ومن الطلاق في الحالة الثانية. وحرمت العنس والزوجة العقيم من الميراث إذا بلغت الخمسين من عمرها، أو كانت أصغر من ذلك وكانت تملك خمسين الف سسترس (75000 ريال أمريكي). وحرم على الرجال من طبقة أعضاء مجلس الشيوخ أن يتزوجوا من المحرَّرات أو الممثلات أو العاهرات، كما حرم على الممثل والمحرَّر أن يتزوج ابنة من طبقة أعضاء مجلس الشيوخ. وفرضت على النساء اللاتي يمتلكن أكثر من عشرين ألف سسترس أن يؤدين ضريبة سنوية قدرها 1% من أموالهن حتى يتزوجنَ، ثم تخفض هذه الضريبة بالتدريج كلما رزقن ابناً، فإذا رزقن الطفل الثالث رفعت الضريبة عنهن، وإذا كان لأحد القنصلين أبناء أكثر من زميله تقدم عليهِ. وكان يفضل في تولي المناصب العامة أكبر المتقدمين إليها أسراً متى كان صالحاً لتولي المنصب. وكان من حق الأم ذات الثلاثة الأبناء أن ترتدي جلباباً خاصا Ius Trium Liberorum وأن تحرر من سيطرة زوجها عليها.
وقد أغضبت هذه القوانين الطبقات جميعها حتى طبقة المتزمتين، فقد اشتكى هؤلاء من أن "حق الثلاثة الأبناء" قد حرر الأم من سلطان الرجل تحريراً شديد الخطورة. ومن الرجال من أخذوا يبررون عدم الزواج بقولهم إن "المرأة




صفحة رقم : 3268




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> إصلاحات أغسطس


الحديثة" قد تطرفت في استقلالها، وغطرستها، ونزقها، وإسرافها. وكانوا يرون أن حرمان العزّاب من مشاهدة المعارض والألعاب العامة عقاب قاس مستحيل التنفيذ، ولهذا أمر أغسطس بإلغائهِ في عام 12ق.م؛ ثم خففت القوانين اليوليائية مرة أخرى بمقتضى قانون بُبْيَا بُبّيَا Popia Poppea، وذلك بتخفيف شروط الميراث على العزّاب، وبمضاعفة الفترة التي تستطيع الأرامل والمطلقات في أثنائها أن يرثن قبل أن يتزوجن مرة أخرى، وبزيادة القدر الذي يستطيع أن يرثه مَن لا أبناء لهُ. ثم أعفيت أمهات الأبناء الثلاثة من القيود التي وضعها قانون فوكونيا Lex Voconia على الوصايا للنساء. وخفضت السن المحددة للتقدم للمناصب العامة بنسبة حجم أسرة من يتقدم لهذه المناصب. ولاحظ الناس بعد أن سُنت هذه القوانين أن القناصل الذين وضعوا صيغتها وأطلقوا أسماءهم عليها عزّاب لا أبناء لهم. وأصناف النمامون إلى ذلك أن الذي اقترح هذه القوانين على أغسطس-وهو الذي لم يكن له إلا ولد واحد-هو ماسناس الذي لم يكن له ولد، وأنه في الوقت الذي سنت فيهِ كان ماسناس يعيش عيشة الترف والخنوثة، وكان اغسطس يغوي زوجة ماسناس على الفحشاء(19).
وليس في وسعنا أن نحكم على أثر هذه الشرائع التي تعد أهم الشرائع الاجتماعية في التاريخ القديم، ولكننا لا نستطيع أن نقول إنها لم تسن بالعناية والدقة الواجبتين، وإن من أرادوا خرقها كانوا يجدون فيها كثيراً من الثغرات؛ فمنهم من تزوجوا إطاعة للقانون ثم ما لبثوا أن طلقوا زوجاتهم؛ ومنهم من يبنّوا أطفالاً ليحصلوا بذلك على المناصب أو الوصايا، ثم "حرروهم"-أي طردوهم من ديارهم بعدئذ(20). وأعلن تاستس بعد قرن من ذلك الوقت أن هذه الشرائع أخفقت في الغرض الذي كانت ترمي إليهِ: "فالزواج وإنجاب الأبناء لم يزيدا على ما كانا عليهِ من قبل، وذلك لأن مغريات عدم النسل مغريات عظيمة القوة"(21).
ولم ينقطع الفساد الخلُقي وإن أصبح الناس أكثر تأدباً فيهِ عما كانوا من




صفحة رقم : 3269




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> إصلاحات أغسطس


قبل؛ ونتبين من أقوال أوفد أنه كان في طريقه إلى أن يصير فناً من الفنون الجميلة، وموضوعاً يعني مهرة الخبراء بتعليمه للمبتدئين. والحق أن أغسطس نفسه كان يرتاب في قوة هذه الشرائع. وكان يتفق مع هوراس في أن القوانين عبث لا طائل منه إذا لم تتغير القلوب(22). ولقد كافح كفاح الأبطال ليصل إلى قلوب الناس؛ فكان يعرض من مقصورتهِ في ساحة الألعاب أبناء جرمنيكوس الكثيرين، وكان جرمنيكوس مضرب المثل في الأبوة؛ وكان يهب ألف سسترس للآباء ذوي الأسر الكبيرة(23)؛ وأقام نصباً تذكارياً لأَمة ولدت خمسة أبناء (وهي لم تفعل ذلك بالطبع لبواعث وطنية)(24)؛ ولشد ما اغتبط حين رأى فلاحاً يأتي راجلاً إلى رومة ومن ورائهِ ثمانية أبناء، وستة وثلاثون حفيداً، وتسعة عشر من أبناء أحفاده(25). ويصوره ديو كاسيوس يخطب في الناس ويشهر "بانتحار العنصر" الروماني الأصيل(26). وكان يلذ له أن يقرأ مقدمة تاريخ ليفي الأخلاقية، ولعله هو الموحي بها. وقد أصبحت الآداب في عصرهِ وبتأثيرهِ آداباً تعليمية عملية الصبغة، وأقنع بنفسهُ أو عن طريق ماسيناس فرجيل وهوراس بأن يستخدما شعرهما في الدعاية إلى الإصلاح الخلقي والديني، فحاول فرجيل في كتاب الزراعة Georgics أن يعيد الرومان بأغنيهِ إلى المزارع، كما حاول في الإنياذة Aeneid أن يجتذبهم إلى الآلهة القدامى. أما هوراس فبعد أن ذكر أمثلة كثيرة لمسرات العالم حول أغانيهِ إلى الموضوعات الراقية. وأقام أغسطس في عام 17ب.م "الألعاب القرنية Ludi Saeculares -التي ظلت قائمة ثلاثة أيام، وشملت حفلات، ومباريات، واستعراضات؛ وقد أقامها احتفالاً بعودة عصر زحل الذهبي، وكلف هوراس أن يكتب Carmen Saecular لكي يغنيها في الموكب سبعة وعشرون فتى ومثلهم من الفتيات. وحتى الفن نفسهُ قد استخدم للإشارة إلى




صفحة رقم : 3270




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> إصلاحات أغسطس


الأخلاق، فقد مُثلت في نقش أراباسس Ara Pacis البارز الجميل حياة رومة وحكومتها؛ وشُيدت المباني العامة لتمثيل قوة الإمبراطورية وعظمتها، وأقيمت عشرات الهياكل لتستثير في قلوب الناس ذلك الإيمان الذي كاد يموت.
واقتنع أغسطس في آخر الأمر-وهو الرجل المتشكك الواقعي-بأن إصلاح الأخلاق لا بد أن ينتظر نهضة دينية. ذلك أن جيل المتشككين أمثال لكريشيوس وكانلس وقيصر كان قد مضى وانقضى، وأدرك أبناء هذا الجيل أن خشية الآلهة هي شباب الحكمة، بل إن أوفد الساخر نفسهُ أخذ يكتب بعد قليل من ذلك الوقت على طريقة فلتير: "إن أسباب الرحمة للإنسان أن تكون هنالك آلهة، وأن نعتقد بوجودها Expenditesses Deos et Un Expedit Esse Putemuse "(27). وكانت عقول المتحفظين تعزو أسباب الحرب الأهلية وما جرته على الدولة من كوارث إلى إهمال الدين، وما استتبع هذا الإهمال من غضب آلهة السماء. وأصبح الناس الذين حل بهم عقاب الآلهة في كل مكان من إيطاليا على استعداد لأن يعودوا إلى مذابح البلاد القديمة، وأن يسبحوا بحمد الآلهة الذين أبقوا عليهم ليستمتعوا بعودة الدين إلى سالف عهدهِ السعيد. ولما خلف أغسطس لبدس Lepidus الفاتر الإيمان-بعد أن ظل صابراً زمناً طويلاً يترقب موته-لما خلفه من منصب الكاهن الأكبر "احتشدالناس من كافة أنحاء إيطاليا لينتخبوني لهذا المنصب حتى بلغ عددهم حداً لم يبلغ مثله في رومة من قبل"(28). وتزعم هو حركة إحياء الدين وسار على بهجها، وكان يرجو أن يكون الناس أكثر قبولاً لإصلاحاتهِ السياسية والأخلاقية إذا ما ربطها رباطاً وثيقاً بالآلهة الرومانية. ومن أجل هذا رفع مقام الجماعات الأربع الكهنوتية، وزاد ثروتها إلى حد لم يكن له مثيل في الأيام السلفة، واختار نفسه عضواً في كل منها، واضطلع بواجب اختيار أعضائها الجدد، وكان يحرص كل الحرص على حضور اجتماعاتها ويشترك في مواكبها الفخمة الرهيبة.




صفحة رقم : 3271




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> إصلاحات أغسطس


ثم حرم ممارسة العبادات والطقوس المصرية الآسيوية في رومة، ولكنه استثنى اليهود من ذلك التحريم، وأطلق الحرية الدينية لسكان الولايات، وأغدق الهبات على الهياكل، وجدد الاحتفالات والمواكب والأعياد الدينية القديمة. ولم تكن الألعاب القرنية احتفالات دنيوية كما يظن لأول وهلة، فقد كانتت تقام في كل يوم من أيامها الثلاثة طقوس وتتلى فيهِ أناشيد، أهم ما تُشعر بهِ عودة صلات الود الوثيقة بالآلهة. ولما أن تغذت العبادات القديمة بهذه المعونة الملكية العليا سرت فيها حياة جديدة ومست من جديد شغاف قلوب الناس وآمالهم السماوية. ومن أجل هذا ظلت ثلاثة قرون صامدة للفوضى الناشئة من العبادات المتعارضة التي تسربت إلى رومة بعد أيام أغسطس. ولما أن ماتت بعد هذه القرون الثلاثة عادت من فورها إلى الحياة من جديد، وإن اتخذت لها رموزاً جديدة وتسمت بأسماء جديدة.
وكان أغسطس نفسهُ من أكبر المنافسين لآلهتة، وكان قيصر قد ضرب له المثل في هذا التنافس: ذلك أن مجلس الشيوخ اعترف بألوهية قيصر بعد عامين من مقتله، وما لبثت عبادته أن انتشرت في سائر أنحاء الإمبراطورية. وكانت بعض المدن الإيطالية منذ عام 36ق.م قد أفسحت لأكتافيان مكاناً بين معبوداتها؛ وما وافى عام 27ق.م حتى أضيف اسمه إلى أسماء الآلهة في الترانيم الرسمية التي كانت تنشد في رومة، وحتى أصبح يوم مولده يوماً مقدساً لا عيداً فحسب؛ ولما مات أصدر مجلس الشيوخ قراراً أن تعبده رومة من ذلك الوقت وأن تعده من الآلهة الرسمية. وكان ذلك كله يُعد عملاً طبيعياً لا غبار عليهِ عند الأقدمين لأنهم لم يدر بخلدهم قط أن ثمة تفصل على الدوام بين الآلهة والآدميين؛ فما أكثر ما كانت الآلهة تتخذ لنفسها أشكالاً آدمية، ولقد كان ما لهرقل، وليقورغ والإسكندر، وقيصر، وأغسطس وأمثالهم من عبقرية مبدعة يبدو للشرق المتدين بنوع خاص إعجازاً خليقاً بالتقديس. ألم يعتقد المصريون أن الفراعنة، والبطالمة، بل وأنطونيوس نفسه أرباب يعبدون؟ ولقد




صفحة رقم : 3272




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> إصلاحات أغسطس


كان عسيراً عليهم أن يضعوا أغسطس في منزلة تقل عن هؤلاء. ولم يكن الأقدمون وهم يفعلون هذا من الغفلة والبلاهة بالدرجة التي يرميهم بها من يفعلون فعلهم في هذه الأيام؛ فلقد كانوا على علم تام بأن أغسطس بشر، فإذا ألهوا روحه أو أرواح غيره فإنهم لم يكونوا يستعملون لفظ إله Theos, Deus إلا بالمعنى الذي نستعمل نحن فيهِ لفظ قديس في هذه الأيام. والحق أن تقديس الموتى وليد التألية الروماني، وأن الصلاة للآدمي المؤلفة لم تكن تبدو لهم في ذلك أكثر سخفاً مما تبدو الصلاة للقديس في هذه الأيام.
وارتبطت عبادة عبقرية الإمبراطور في البيوت الإيطالية بعبادة أرباب المنازل وعبقرية أبي الأسرة. ولم يكن في هذه العبادة شيء عسير على شعب ظل عدة قرون يؤله الموتى من آبائهِ، ويبني لهم المذابح، ويسمي مقابر أسلافه هياكل. ولما أن زار أغسطس آسية اليونانية في عام 21ق.م وجد أن عبادته قد انتشرت فيها انتشاراً سريعاً؛ وكانت النذور تقدم إليهِ والخطب ترحب بهِ بوصفه "المنقذ" و "ناقل الأنباء السارة" و "الإله ابن الإله". وقال بعض الناس أنه هو المسيح الذي طال انتظاره أقبل يحمل السلام والسعادة لبني الإنسان(29). وجعلت مجالس الولايات الكبرى عبادته المحور الذي تدور عليهِ احتفالاتها، وعينت مجالس الولايات والبلديات طائفة جديدة من الكهنة يدعون بالأغسطيين لخدمة الإله الجديد. وأبدى أغسطس استيائه من هذا كلهِ، ولكنه قبله آخر الأمر على أنه تمجيد روحي للزعامة، وتقوية للرابطة بين الدين والدولة، وعبادة مشتركة موحدة بين عقائد مختلفة مفرقة، وهكذا رضي حفيد المرابي أن يكون إلهاً.




صفحة رقم : 3273




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> أغسطس نفسه



الفصل الخامس




أغسطس نفسه


تُرى أي رجل هذا الذي ورث ملك قيصر في الثامنة عشرة من عمرهِ، وكان سيد العالم في الحادية والثلاثين. والذي حكم رومة نصف قرن من الزمان، والذي شاد أعظم إمبراطورية في التاريخ القديم؟ لقد كان كئيباً جذاباً معاً، ولم يكن أحد أسمج منه، ولكن نصف عالم قد عبده رغم هذه السماجة. وكان ضعيف البنية، لا يمتاز بالشجاعة النادرة، ولكنه كان قادراً على أن يهزم جميع أعدائه وينظم شؤون الممالك، وينشيء حكومة أفادت على الدولة المترامية الأطراف مدى قرنين من الزمان رخاءً منقطع النظير.
وقد استنفذ المثّالون كثيراً من الرخام والبرونز في صنع تماثيل وصوَر له يظهره بهضها في صورة الشاب الجاد المهذب الفخور الوجل، وبعضها في صورة الكاهن المنقبض الصدر، وبعضها قد غطت فيهِ نصف جسمه شارت الملك، وبعضها في ثياب القائد العسكري-فقد اضطر الفيلسوف على كره منه وبمشقة على نفسه أن يضطلع بواجب القواد. ولكن هذه الصور لا تكشف عن الأمراض التي كان يشكو منها-وإن أوحت بها في بعض الأحيان-وهي الأمراض التي جعلت حربه ضد الفوضى تتأثر في كل خطوة بكفاحهِ في سبيل صحتهِ. ولم يكن بالرجل الوسيم الخلق، وكان ذا شعر أصفر بلون الرمل، ورأس مثلث عجيب الشكل، وحاجبين مقترنين، وعينين صافيتين نافذتي النظرات؛ ولكن ملامحه مع ذلك كانت هادئة ساكنة-على حد قول سوتنيوس-وقد بلغ هدوؤه وسكونه حداً جعل أحد الغاليين، وكان قد جاء ليغتاله، يبدل نيته ويرتد عنه. وكان ذا جسد حساس يشوبه القوب من آن إلى آن؛ وقد أضعف داء المفاصل




صفحة رقم : 3274




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> أغسطس نفسه


ساقه اليسرى فكان يعرج قليلاً، وكان يصاب في بعض الأحيان بنوع من التصلب شبيه بتصلب المفاصل تعجز معه يده اليمنى عن الحركة. وأصيب هو وعدد كبير من الرومان في عام 23 ق.م بوباء يشبه التيفوس، وكان يشكو من وجود حصا في المثانة، ولا يستطيع النوم إلا بمشقة، ويعاني في كل ربيع تمدداً في الحجاب الحاجز، ويصاب بالزكام إذا هبت الريح من الحبوب".
وكان شديد التأثر بالبرد، ولذلك كان يلبس في الشتاء "صدرية من الصوف يقي بها صدره، ويلف اللفائف على فخذيهِ وساقيهِ، ويلبس شعاراً وأربعة إشارات وعباءة ثقيلة". ولم يكن يجرؤ على تعريض رأسه للشمس، وكان يتعبه ركوب الخيل، فكان يحمل أحياناً في محفة إلى ميدان القتال(30). وظهرت عليهِ آثار الشيخوخة وهو في سن الخامسة والثلاثين بعد أن عاش في إحدى الفترات الحاسمة في تاريخ الإنسانية فأصبح عصبياً، معتلاً، سريع التعب، ولم يكن أحد يحلم وقتئذ بأنه سيعيش أربعين سنة أخرى. وجرّب عدداً كبيراً من الأطباء على اختلاف أنواعهم وجزاهم كلهم أحسن جزاء، وكان منهم أنطونينس موسى الذي عالجه من مرض لم يكن معروفاً على وجه التحقيق (ولعله خرَّاج في الكبد) بالكمادات والحمامات، وقد كرم موسى هذا بأن أعفى جميع الأطباء من الضرائب(31). ولكنه كان يعالج نفسه بنفسهِ في أكثر الأحيان، فكاد يعالج داء المفاصل بالاستحمام بالماء المالح الساخن وبالحمامات الكبريتية، وكان يقل من الطعام، ولا يتناول الأطعمة البسيطة الخفيفة كالخبز الخشن، والجبن، والسمك، والفاكهة. وقد بلغ من عنايته بمأكلهِ أن كان "في بعض الأحيان يتناول طعامه بمفردهِ قبل المآدب أو بعدها، ولا يطعم أو يشرب شيئاً في أثنائها"(32). وقصارى القول أن روحهُ هي التي أبقت على جسمه وحملته حمل الصليب شأنه في هذا شأن القديسين في العصور الوسطى.
وكان جوهر طباعه حيويتة أعصابه، وقوة عزيمته، ونفاذ بصيرته، وسعة




صفحة رقم : 3275




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> أغسطس نفسه


صدرهِ وحسن تفكيره. وقد قبل من المناصب عدداً يخطئه الحصر، واضطلع بتبعات لم يضطلع أحد بأكثر منها إلا قيصر وحده، وأدى ما تتطلبه هذه المناصب من واجبات بأمانة وذمة، ولم تمنعه هذه الواجبات من أن يرأس جلسات مجلس الشيوخ بانتظام، وأن يحضر المؤتمرات والاجتماعات، وأن يحكم في مئات من القضايا، وأن يتحمل على مضض حضور المآدب والحفلات، وأن يدبر الحملات الحربية في البلاد النائية، وأن يصرف أموال الفيالق الحربية والولايات، وأن يزورها كلها، وأن يشرف على كل صغيرة وكبيرة من الأعمال الإدارية في دولاب الحكومة.
وفوق هذا كله ألقى مئات الخطب، وأعدها هو حصراً يفخر بهِ على أن يجعلها واضحة، سهلة، جميلة الأسلوب، وكان يقرؤها بعد إعدادها ويفضل ذلك على أن يرتجلها حتى لا ينطق بألفاظ يندم عليها بعد النطق بها. ويحاول سوتونيوس أن يقنعنا بأنه لهذا السبب عينه كان يكتب مقدماً أحاديثه الهامة مع الأفراد، حتى مع زوجته نفسها، ويقرأها لهم(33).
وقد ظل يؤمن بالخرافات كما كان يؤمن بها معظم المتشككين في عصره بعد أن فقد إيمانه بدينه بزمن طويل. من ذلك أنه كان يحمل جلد عجل البحر ليتقي به شر الصواعق، وكان يعتقد بالفأل والطيرة، ويعمل في بعض الأحيان بما يتراءى له في منامه من نُذُر، وكان يأبى أن يبدأ رحلة في الأيام التي يرى أنها أيام مشئومة(34).
وقد اشتهر في الوقت عينه بأنه واقعي في أحكامه، عملى في تفكيره، وكان ينصح للشبان بأن يبادرون بالانخراط في سلك الأعمال التي تتطلب منهم همه ونشاطاً حتى تقوَّم التجارب وضرورات الحياة، ما أخذوه عن الكتب من آراء(35).
وقد اختفظ إلى آخر أيام حياته بعقليتهِ الطيبة البرجوازية وبتحفظه وحذره




صفحة رقم : 3276




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> أغسطس نفسه


واعتدالهِ في نفقاته. وكانت الحكمة المحببة إليهِ هي قوله "بادر على مهل". وكان يفوق معظم أمثاله من ذوي السلطان العظيم في تقبل النصح واحتمال التأنيب بصدر واسع وتواضع عظيم.
وقد زوّده الفيلسوف أثندورس Athendorus عندما همّ بوداعة وهو عائد من عنده إلى أثينة بعد أن عاش معهُ سنين بنصيحة قال له فيها: "إذا غضبت فلا تقل كلمة أو تفعل شيئاً قبل أن تعدّ لنفسك الحروف الهجائيةالأربعة والعشرين".
وشكر أغسطس للفيلسوف تحذيره وتوسل إليهِ أن يبقى معه عاماً آخر وقال له: "لا خطر يتهدد الخير الذي يعود على الإنسان بفضل السكوت"(36).
لقد قلنا من قبل إن مما يثير الدهشة أن يتحول قيصر من رجل سياسي صخاب إلى قائد سياسي محنك؛ ولكن أكثر من هذا إثارة للدهشة تحول أكتافيان القاسي القلب المنطوي على نفسه إلى أغسطس المتواضع الكبير العقل النبيل الطبع. ولقد حدث هذا التحول في خلال نموه. إن الشاب الذي أجاز لأنطونيوس أن يعلق رأس شيشرون في السوق العامة، والذي تنقّل من حزب إلى حزب دون أن يجد من ضميره تأنيباً على هذا التنقل، والذي أطلق العنان لشهواتهِ الجنسية، والذي طارد أنطونيوس وكليوبطرة إلى منيتهما دون أن تؤثر فيهِ صداقة أو شهامة-إن هذا الشاب العنيد الذي لا يحب أحداً لم يُسَمم عقله السلطان والجاه، بل أصبح في الأربعين سنة الأخيرة من حياته مضرب المثل في العدل والاعتدال، والإخلاص والنبل والتسامح، يضحك من سخرية الشعراء بهِ وهجوهم إياه، وينصح تيبيريوس أن يقنع بمنع أعمال العدوان أو محاكمة المعتدين، وألا يسعى لتكميم أفواههم، ولا يصر على أن يعيش غيره من الناس عيشة البساطة التي فرضها هو على نفسهِ. فكان إذا دعا إلى وليمة، انسحب منها في بدايتها لكي يترك لضيوفها الحرية التامة في الاستمتاع بالطعام والمرح. ولم يكن




صفحة رقم : 3277




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> أغسطس نفسه


مزهواً بنفسهِ وكان يستوقف الناخبين ليطلب إليهم أن يعطوه أصواتهم في الانتخاب، وينوب عن أصحابهِ من المحامين في القضايا. وكان إذا دخل رومة أو خرج منها يفعل ذلك في السر لأنه يبغض مظاهر الأبهة، وهو لا يظهر في نقش أراباسيز Ara Pacis مميزاً عن غيره من المواطنين بأية علامة من علامات الامتياز، وكانت استقبالاته الصباحية مباحة لجميع المواطنين، وكان يستقبلهم كلهم بالبشاشة والترحيب. ولما تردد أحد الناس في أن يعرض عليهِ ماتمساً، لامه مازحاً بقولهِ إنه يعرض عليهِ وثيقة "كأنه يقدم فَلساً لفيل(37)".
ولما بلغ سني الشيخوخة، وأحفظته الخيبة، واعتاد عظيم السلطة، بل اعتاد الألوهية، تبدلت حاله فخرج عن تسامحه، واضطهد أعداءه من الكتاب، وصادر التواريخ التي تسرف في الانتقاد، وأصم أذنهُ عن سماع أشعار أوفد التي يقول فيها إنه تاب وأناب، ويقال إنه أمر في يوم من الأيام أن تكسر ساقا ثالس Thallus أمين سره لأنه أخذ خمسمائة دينار ليبوح بما يحتويه أحد الخطابات الرسمية، وإنه أرغم أحد محرريهِ على الانتحار حين تبين له أنه زنى برومانية متزوجة. وقصارى القول أن الإنسان إذا نظر إلى أخلاقه في جملتها لم يكن من السهل عليهِ أن يحبه؛ وإن من واجبنا أن نتصور ما كان يعانيه من الضعف الجسم وما قاساه في شيخوختهِ من أحزان قبل أن تتفتح قلوبنا له كما تتفتح لقيصر المقتول أو لأنطونيوس المغلوب.




صفحة رقم : 3278




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> آخر أيام أغسطس



الفصل السّادس




آخر أيام أغسطس


تكاد مآسي أغسطس وهزائمه كلها أن تكون في داخل بيتهِ. وأول ما نذكره من هذه المآسي أنه لم يُرزق من زوجاته الثلاث-كلاديا وأسكربونيا وليفيا- إلا طفلة واحدة! ذلك أن أسكربونيا قد ثأرت لطلاقها منه على غير علم منها بـأن ولدت له يوليا Julia . وكان يأمل أن تلد ليفيا ولداً ينشئهُ ويعلمهُ أساليب الحكم، ولكن زواجها من أغسطس قد تكشف لسوء حظهِ عن زواج عقيم، وإن كانت قد كافأت زوجها الأول بأن أنجبت لهُ ولدين عظيمين هما تيبيريوس ودروسس. وإذا استثنينا هذا العقم فقد كانت هي وأغسطس سعيدين بهذا الزواج؛ فقد كانت هي ذات جمال وجلال، وخلق مكين وذكاء عظيم؛ وكان أغسطس يعيد على مسامعها أنباء أهم ما يعتزم القيام به القيام من الأعمال، ولم يكن تقديره لمشورتها ينقص عن تقديره لمشورة أرجح أصدقائهُ عقلاً. وسئلت مرة كيف صار لها هذا النفوذ العظيم، فأجابت بقولها إن سبب ذلك أني "عفيفة إلى أقصى حد العفة...لا أتدخل مطلقاً في شؤونهِ، أني كنت أدعي أني لم أرَ خليلاته ولم أسمع شيئاً عنهن أو عما كان بينه وبينهن من وقائع غرامية(38)". وكانت مضرب المثل في الفضائل القديمة، ولعلها كانت تُسرف في الإصرار على الدعاية لهذه الفضائل. وكانت تقضي أوقات فراغها في أعمال البر، فتساعد الآباء ذوي الأسر الكبيرة، وتهب البائنات للعرائس الفقيرات، وتنفق على كثير من اليتامى من مالها الخاص. وكان قصرها نفسه أشبه بملجأ للأيتام؛ ذلك أن أغسطس كان يشرف في هذا القصر وفي قصر أخته أكتافيان على تربية أحفاد، وأبناء إخوتهِ وأخواتهِ، وبناتهن، وحتى على أبناء أنطونيوس الستة




صفحة رقم : 3279




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> آخر أيام أغسطس


الذين بقوا أحياء. وكان يرسل الذكور في سن مبكرة إلى الحروب، يعنى بتعليم البنات الغزل الحياكة، "ويحرم عليهن أن يفعلن أو يقلن شيئاً خفية، إن كان مما يصح أن يسجل في يومية المنزل"(39).
وأحب أغسطس دروسس ابن ليفيا، وتبناه ورباه، وكان يسره أن يورثه ثروته وملكهُ، وكان موت هذا الفتى في سبابهِ من أولى مآسي الإمبراطور. أما تيبيريوس فقد كان يحترمهُ ولكنه لا يحبهُ، ذلك بأن تيبيريوس خليفة أغسطس كان صلفاً مفرطاً في ثقتهِ بنفسهِ، ينزع إلى الكآبة والخفاء. ولا شك في أن جمال ابنتهُ يوليا وخفة روحها قد متعاه بالكثير من أوقات السعادة في أيام طفولتها. ولما بلغت الرابعة عشرة من عمرها أقنع أكتافيان بأن تسمح بطلاق ابنها مارسلس من زوجتهِ، وأغرى الشاب بأن يتزوج يوليا، ولكن مارسلس توفي بعد سنتين من هذا الزواج؛ وبعد أن حزنت عليهِ يوليا حزناً قصير الأجل شرعت تستمع بحرية طالما تاقت نفسها إليها. غير أن الإمبراطور الشديد الولع بعقد عقود الزواج لم يلبث أن حمل أجربا على كره منه على أن يطلق زوجته ويقترن بالأرملة المرحة (21ق.م) راجياً أن يثمر هذا الزواج حفيداً له يرثهُ بعد وفاتهِ. وكانت يوليا وقتئذ في الثامنة من عمرها، أما أجربا فكان في الثانية والأربعين، ولكنه كان رجلاً صالحاً عظيماً وكان له من الثروة ما يحبب الناس فيهِ. وقد جعلت يوليا بيته في المدينة ندوة للمرح والفكاهة، وأضحت هي روح الشباب المرح في العاصمة، على نقيض ليفيا التي كانت تتزعم طائفة المتزمتين. وانطلقت الألسن تتهم يوليا بخيانة زوجها الجديد وتعزو إليها جواباً غير معقول عن سؤال غير معقول كذلك. فقد قيل إنها سئلت لم كان أبناؤها الخمسة الذين ولدتهم لأجريا مشابهين له فأجابت: "إني لا أقبل راكباً قط إذا كانت السفينة قد امتلأت Munquam Nisi Nave Plena Tollo Vectorem(40)". ولما مات أجربا عقد أغسطس آمالهُ على ولدي يوليا الأكبرين جيوس ولسيوس وغمرهما




صفحة رقم : 3280




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> آخر أيام أغسطس


بحبه، وعني بترقيتهما إلى منصبين كبيرين لا تجيز قوانين البلاد ترقيتهما إليها في مثل سنهما.وأضحت يوليا أرملة مرة أخرى، وكانت أبرع جمالاً وأكثر ثراء من ذي قبل، فاندفعت مستهترة في كثير من مغامرات العشق أطلقت فيها ألسنة أهل رومة وجعلتها موضع تندرهم ولهوهم، وخففت عنهم ما كانوا يجدونه من الضيق بسبب "القوانين اليوليوسية". وأراد أغسطس أن يقطع ألسنة السوء عن الولوغ في عرضهِ ولعله أراد أيضاً أن يزيل ما بين زوجته وابنته من شقاق فزوجها مرة ثالثة؛ فأرغم تيبيريوس ابن ليفيا على أن يطلق زوجته الحامل فبسانيا أجربنا Vipsania Agrippina، ابنة أجربا، وأن يتزوج يوليا التي لم تكن أقل منهُ كرهاً لهذا الزواج (9ق.م). وبذل هذا الشاب-وكان من الطراز الروماني القديم-غاية جهدهِ لكي يكون زوجاً صالحاً، ولكن يوليا لم تلبث أن امتنعت عن بذل أي جهد للتوفيق بين حياتها الأبيقورية وحياتهِ الرواقية، وعادت إلى مغامرات الحب الخفية. وصبر تيبيريوس على هذه الفضائح وكظم غيظه إلى حين؛ وكان قانون يوليا الخاص بالزانيات Lex Julia de Adulteriis يطلب إلى زوج الزانية أن يشكوها إلى المحاكم؛ ولكن تيبيريوس عصى هذا القانون لكي يرد الأذى عن واضعهِ، ولعلهُ أراد بذلك أيضاً أن يرد الأذى عن نفسهِ، لأنه هو وليفيا كانا يأملان أن يتبناه أغسطس، وأن يوليهِ زعامة الإمبراطورية من بعدهِ. ولما تبين أن الإمبراطور يؤثر عليهِ أبناء يوليا من أجربا اعتزل مناصبهِ الرسمية، وآواى إلى رودس، وعاش فيها سبع سنين معيشة الرجل العادي البسيط قضاها في الوحدة والفلسفة والتنجيم. وخلا الجو ليوليا، وكان لها من الحرية ما لم تستمتع به قط من قبل، فأخذت تتنقل من عشيق إلى عشيق حتى كان قصف عشاقها ومرحهم يملآن السوق العامة صخباً وضجيجاً طوال الليل(41).
وقاسى أغسطس وقتئذ (2ق.م)، وهو شيخ محطم في الستين من عمره،




صفحة رقم : 3281




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> آخر أيام أغسطس


كل ما يقاسيه أب وحاكم يشهد بعينيهِ انهيار أسرته وشرفه وشرائعه. وكانت هذه القوانين تحتم على أبي الزانية أن يتهمهما بالزنى علناً إذا لم يقم زوجها بهذا الاتهام. وقد عرضت عليهِ أدلة على سوء سلوكها، ولما أعلن أصدقاء تيبيريوس أنهم سيتولون هم اتهام يوليا أمام المحاكم إذا لم يتهمهما أغسطس، قرر أن يسبقهم إلى العمل؛ فأصدر قراراً ينفي ابنتهُ إلى جزيرة بندتيريا Pandateria، وهي صخرة جرداء بالقرب من شاطئ كمبانيا، في الوقت الذي بلغ فيهِ مرحها وفسادها ذروتهما، وأرغم أحد عشاقها وهو ابن من أبناء أنطونيوس أن ينتحر، ونفى عدداً آخر من العشاق خارج البلاد. وقتلت فوبي Phoebe إحدى معتوقات يوليا نفسها شنقاً مفضلة ذلك على الشهادة عليها.ولما سمع الوالد المنكوب بهذا النبأ قال:


"وددت لو أني كنت والد فوبي ولا أكون والد يوليا"


وكان ولداها جيوس ولوسيوس قد سبقاها إلى الدار الآخرة بزمن طويل؛ فأما لوسيوس فقد توفي في مرسيليا في العام الثاني قبل الميلاد على أئر مرض من الأمراض، وأما جيوس فقد مات من جرح أصيب بهِ في أرمينية (4ب.م). وألفى أغسطس نفسهُ في شيخوختهِ من غير أنيس ولا وريث، في الوقت الذي كانت فيهِ ألمانيا، وبانونيا، وغالة تُهدد بالانقضاض عليهِ، فاضطر على الرغم منهُ إلى استدعاء تيبيريوس (2ب.م)، وتبناه، وأشركه معهُ في الحكم، وأرسلهُ لإخماد نار الثورة؛ ولما عاد في العام التاسع بعد الميلاد بعد حروب طاحنة مظفرة دامت خمس سنين أقرت رومة، وكانت تحقد عليهِ لتزمتهِ، بأن تيبيريوس قد شرع يحكم البلاد وإن كان أغسطس لا يزال زعيمها.
وبعد فإن آخر مآسي الحياة أن تدوم مأساتها على الرغم من صاحبها-أي أن يعيش الإنسان بعد أن يخسر كل شيء، وأن يُحرم حتى الموت. ولم يكن أغسطس، إذا نظرنا إلى عدد السنين وحدهُ، قد بلغ أرذل العمر حين أخرجت يوليا من البلاد، فقد كان غيره من الرجال وهم في سن الستين أقوياء




صفحة رقم : 3282




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> آخر أيام أغسطس


أشداء؛ أما هو فقد حيي أكثر من حياة، ومات أكثر من ميتة، مذ جاء إلى رومة غلاماً في الثامنة عشرة من عمرهِ ليثأر لمقتل قيصر وينفذ وصيتهِ. وكم من حرب خاض غمارها من ذلك الحين، وكم من هزيمة أوشكت أن تحيق بهِ، وما أكثر ما عانى من آلام وأمراض، وتعرض لمؤامرات وأخطار، وما أكثر ما شاهد من مرارة الخيبة، وانهيار أغراضه النبيلة وتبددها؛ وقد حدث له كل ذلك في فترة لا تزيد على أربعين عاماً، ملئت كلها بالآلام والمنغصات، ورأى فيها آمالهُ تضيع أملاً بعد أمل، وأعوانهُ يُختطفون من واحداً بعد واحد، حتى اختطف من آخر الأمر تيبيريوس العنيد الشجاع نفسهُ! ولعله كان يرى وقتئذ أنهُ كان خيراً له وأحكم أن يموت ميتة أنطونيوس في أوج العظمة وبين ذراعي حبيبتهِ. وما من شك في أنه كان يتحسر إذا ما عاد بذاكرتهِ إلى تلك الأيام الجميلة، حين كان قلبه يفيض بالسعادة إذا رأى يوليا وأجربا من حولهُ، أو شاهد أحفادهُ يمرحون ويلعبون في أرض قصرهِ. وها هو ذا يرى يوليا أخرى ابنة ابنته قد شبت عن الطوق، وأخذت تسير سيرة أمها، وكأنها أخذت على نفسها أن توضح للناس جميع ما ورد في أشعار صديقها أوفد من أفانين العشق. ولما جاءت أغسطس الأدلة القاطعة على أنها زانية نفاها في عام 8ب.م إلى جزيرة في البحر الأدرياوي، ونفى أوفد في الوقت نفسهُ إلى تومي Tomi على شاطئ البحر الأسود؛ ويروى أن الإمبراطور اليائس الضعيف قال وقتئذ: "يا ليتني لم أتزوج قط، أو يا ليتني مت دون أن يكون لي ولد!" وقد فكر في بعض الأحيان أن يميت نفسه جوعاً.
ولاح له أن الصرح الذي شاده قد انهار من أساسهِ، ذلك أن السلطات التي اضطلع بها لكي يحفظ الأمن والسلام في ربوع البلاد قد أضعفت مجلس الشيوخ والجمعيات التي استمد منها هذه السلطات، حتى فقدت كل مقومات الحياة. فقد مل الشيوخ التصديق على ما يطلب إليهم التصديق عليهِ كما ملوا إطراء أغسطس وتملقهُ، فلم يعودوا يحضرون الجلسات. وأما الجمعيات فلم تكن يجتمع فيها إلا حفنة من المواطنين، وأصبح الموظفون الأكفاء ينفرون من المناصب التي




صفحة رقم : 3283




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> مواهب أغسطس السياسية -> آخر أيام أغسطس


كانت من قبل مطامع الرجال المبدعين المبتكرين بما تخلعهُ عليهم من الجاة والسلطان، وأضحى هؤلاء يرونها من دواعي الغرور الكاذب الكبير الأكفاء. وحتى السلم التي بسط أغسطس لواءها على البلاد، والأمن الذي وطد دعائمه في رومة، قد أضعفا قوى الشعب وأوهنا عزيمتهُ، فلم يكن أحد يرغب في الانضمام إلى الجيش، أو يعترف بأن الحرب شر محتوم، وأن لا بد من خوض غمارها من آن إلى آن؛ وحل الترف محل البساطة في العيش، والعلاقات الجنسية الطليقة محل الأبوة والأمومة، وأخذ الشعب العظيم يسير مسرعاً بإرادتهِ المضمحلة المنهوكة في طريق الفناء.
وكان الإمبراطور الشيخ يشهد هذه المآسي ويشعر بها ويدركها حق الإدراك. ولم يكن في وسع أحد من الناس أن يقول لهُ وقتئذ إن الزعامة العجيبة الحاذقة التي أنشأها ستهب الإمبراطورية الرومانية أطول فترة من الرخاء عرفها البشر في تاريخهم كلهُ، وإن السلم الرومانية التي بدأت في صورة السلم الأغسطسية ستعد في عصور التاريخ المقبلة أجل الأعمال في تاريخ الحكم والسياسة رغم ما فيها من العيوب الكثيرة وعلى الرغم من أنه قد جلس على العرش في أثنائها بضعة ملوك بلهاء. لقد كان أغسطس وقتئذ يعتقد، كما يعتقد ليوناردو دافنشي، أنه أخفق فيما كان يبتغيهِ.
ووافتهُ المنية وهو هادئ ساكن في نولا Nola، وكان قد بلغ السادسة والسبعين من عمره (14ب.م)، وقال لأصدقائهِ الذين التفوا حولهُ وهو على فراش الموت تلك الكلمات التي طالما اختتمت بها الملهاة الرومانية: "والآن وقد أتقنت تمثيل دوري، فصفقوا بأيديكم وأخرجوني من المسرح بتصفيقكم"، ثم عانق زوجتهُ وقال لها: "تذكّري عشرتنا الطويلة يا ليفيا. الوداع".
ثم فاضت روحهُ بعد هذا الوداع البسيط(42). وبعد بضعة أيام من وفاتهِ حملت جثته في شوارع رومة على أكتاف الشيوخ إلى ميدان المريخ حيث أحرقت بينما كان أطفال كبار الأسر في البلاد يرتلون ندبة الأموات.




صفحة رقم : 3284




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الحافز الأغسطي



الباب الثاني عشر




العصر الذهبي




30ق.م-18م




الفصلُ الأوّلُ




الحافز الأغسطي


إذا كان والسلام أكثر ملاءمة لإنتاج الآداب والفنون من الحروب والقلاقل، فإن الخرب والهزات الاجتماعية العنيفة تزيل الثرى من حول نبات الفكر، وتغذي البذور التي تنضج في أوقات السلم. والحياة الهادئة لا تخلق الأفكار العظمية ولا عظماء الرجال، ولكن الأزمات القاسية والكفاح من أجل البقاء تقتلع موات الأشياء من جذورها وتجعل نماء الآراء والأساليب الجديدة. والسلم التي تعقب النصر في الحرب فيها من الحوافز والدوافع ما في دور النقاهة السريع من حيوية وقوة، والناس في هذه الفترة يبتهجون لمجرد أنهم أحياء وكثيراً ما يرفعون عقيرتهم بالغناء.
حمد الشعب لأغسطس أنه عالج سرطان الفوضى الذي كان يقوض دعائم حياتهم المدنية وإن كان قد استعان على ذلك بجراحة كبرى. وقد دهشوا حين ألفوا أنفسهم وقد أثروا إثراء سريعاً بعد ما حل بهم من الخراب، وتاهوا كبرياء وحين وجدوا أنهم، رغم ما كانوا يرزحون منذ قليل من ضعف واضطراب، لا يزالون سادة المعروف لهم. وأخذوا يعودون بنظرهم إلى تاريخهم، من بدايته إلى الوقت الذي يعيشون فيهِ، من عهد منشئ رومة الأول إلى عهد معيد




صفحة رقم : 3285




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الحافز الأغسطي


حياتها ومجدها، وقالوا إنه تاريخ عجيب حقاً، وإنه أشبه ما يكون بملحمة شعرية. ولم يثر دهشتهم أن يصوغ فرجيل وهوراس حمدهم ومجدهم وزهوهم شعراً، وأن يصوغه ليفي نثراً.
وخير من ذلك كلهُ أن الأقاليم التي فتحوها إلا القليل منها لم يكن يسكنها أقواهم همج غير متحضرين، فقد كان جزء كبير منها يشمل التي تثقفت بالثقافة اليونانية-فكانت ذات لغة رقيقة، وأدب سام، وعلم عظيم، وفلسفة ناضجة، وفن نبيل. وأخذت هذه الثروة الروحية وقتئذ تتدفق على رومة، وتثير في أهلها الرغبة في تقليدها ومنافستها، وتبعث في لغتها وآدابها الحياة والنماء، فسرت إلى المفردات اللاتينية عشرة آلاف كلمة يونانية، ودخلت الأسواق الرومانية عشرة آلاف تمثال ونقش وهيكل وشارع وبيت.
وأخذت الأموال تتنقل إلى الطبقات العليا، وإلى الشعراء والفنانين، من أيدي الذين استولوا على كنوز مصر، ومن ملاك الأراضي الإيطالية الغائبين عنها، ومن الذين يستغلون موارد الإمبراطورية وتجارتها. وشرع الكتاب يهدون مؤلفاتهم إلى الأغنياء يرجون بذلك أن ينالوا أعطية تعينهم على مواصلة أعمالهم الأدبية، فأهدى هوراس أغانيه إلى سالست، وإيليوس لاميا Aelius Lamia ومانليوس تركواتس Manilius Turquatus وموناتيوس Munatius، وجمع مسالا كورفينوس Massala Corvinus حولهُ طائفة من المؤلفين كان نجمهم للامع تيبلس Tibullus، واستعاد ماسناس ثروته وقيمة شِعرهِ بما قدمهُ من العطايا لفرجيل وهوراس وبروبيرتيوس Propertius؛ وظل أغسطس حتى سنيهِ الأخيرة التي استولى عليهِ فيها الاضطراب والغيظ يجزل العطاء للأدباء، فكان يسره أن تتحول إلى الآداب والفنون تلك القوى التي كانت سبباً في اضطراب السياسة، فكان يجزل العطاء للمؤلفين ليؤلفوا الكتب، إذا ما تركوه يحكم الدولة كما يشاء. وقد ذاعت أنباء سخائهِ على الشعراء فاجتمعت حوله طائفة كبيرة منهم تسير في ركابهِ أينما سار.




صفحة رقم : 3286




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الحافز الأغسطي


وأصرَّ شاعر يوناني على أن يتعقبه كلما خر ج من قصرهِ كل يوم، ويعرض عليه أبياتاً من الشعر، فما كان منه في يوم من الأيام إلا أ، وقف وهو خارج من القصر وكتب هو بعض أبيات من عندهِ، وأمر أحد أتباعه أن يضعها في يد الشاعر اليوناني، فعرض الشاعر عليهِ بضعة دنانير وقال إنهُ يأسف لأنهُ لا يستطيع أن يقدم له أكثر منها، فأجازه قيصر على فكاهتهِ لا على شعرهِ بمائة ألف سسترس(1).
ونُشر من الكتب في ذلك الوقت ما لم ينشر مثله في أي عصر من العهود الماضية. أما الشعر فأصبح عمل كل إنسان فيلسوفاً كان أو أبله(2). وإذ كان المقصود بالشعر كله وبمعظم الكتب أن يقرأ على الناس بصوت عالٍ، فقد كانت تُعقد الاجتماعات من الأصدقاء الذين يُدعون لهذا الغرض، أو من الجماهير ليقرأ عليهم المؤلفون ثمار قرائحهم. وكان يحدث في أوقات التسامح، وهي نادرة، وأن يقرأ المؤلفون هذه الثمار بعضهم على بعض. وكان جوفنال Juvenal يقول إن من الأسباب التي تضطره لسكنى الريف هو أن يفر من الشعراء الذين تزدحم بهم رومة(3). وكان الكتاب يجتمعون في محال بيع الكتب التي يزدحم بها حي الأرجليتم Argiletum ليحصلوا على عدد من أنجبتهم البلاد من عباقرة الأدب، بينما كان المفلسون من محبي الكتب يقرؤون خلسة نتفاً من الكتب التي يعجزون عن شرائها. وكانت الإعلانات يُلصق على الجدران معلنة أسماء الكتب الجديدة وأثمانها, فكان المجلد الصغير يُباع بأربعة سسترات أو خمسة، والمجلد المتوسط يُباع بعشرة (نحو ريال أمريكي ونصف الريال)؛ أما الكتب الأنيقة كحكم مارتيال Martial والتي كانت تُزين في الغالب بصورة مؤلفيها فكان الواحد منها يُباع بخمسة دنانير أو نحوها (3 ريالات(4)). وكانت الكتب تصدر إلى جميع أنحاء الإمبراطورية أو تُنشر في رومة، وليون، وأثينة والإسكندرية في وقت واحد(14). وقد اغتبط مارتيال




صفحة رقم : 3287




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الحافز الأغسطي


من أن كتابه يُشترى ويباع في بريطانيا. وكان لمعظم الناس في ذلك الوقت حتى الشعراء أنفسهم وكتبات خاصة ويصف أوفد مكتبته وصفاً ينم عن تعلقه بها. ويُستدل من أقوال مارتيال على أن المولعين باقتناء الكتب قد وجدوا حتى في ذلك العهد السحيق، فكانوا يجمعون النسخ الأنيقة الفخمة والمخطوطات النادرة؛ وقد أنشأ أغسطس دارين من دور الكتب العامة، وحذا حذوه تيبيريوس، وفسبازيان، ودومتيان Domitian، وتراجان، وهدريان، فلم يحل القرن الرابع قبل الميلاد حتى كان في رومة وحدها ثمان وعشرون من هذه الدور. وكان الأجانب من الطلاب والكتاب يُقبلون عليها وعلى المحفوظات العامة للدرس والبحث؛ فأقبل ديونيشيوس من هليكرنسس Halicarnassus، وديودور من صقلية، وأخذت رومة تنافس الإسكندرية في الحياة العامة، وأضحت العاصمة الأدبية للعالم الغربي.
وكان هذا الازدهار سبباً في تحول الأدب والمجتمع كله عما كانا عليهِ من قبل، فعلت مكانة الآداب والفنون، وأخذ النحاة يحاضرون عن الأحياء من المؤلفين، وكان الناس يُنشدون مقطوعات من أقوالهم في الطرقات، والكتاب يختلطون بكبار الحكام وبنساء الطبقات العالية في الندوات الخاصة إلى حد لم يشهد التاريخ له نظيراً من بعد إلا في عصر ازدهار الآداب في فرنسا. وأضحى الأشراف أنفسهم رجال أدب، كما أضحى الأدب نفسه أرستقراطياً، وحل محل فجور إينوس، وبلوتس، ولكريشيوس العارم جمال رقيق أو تعقيد بغيض في التعبير والتفكير. وامتنع الكتاب عن الاختلاط بالجماهير، فامتنعوا عن وصف أساليبهم في الحياة وعن التحدث بلغتهم؛ فبدأ الأدب ينفصل عن الحياة انفصالاً أفقد الآداب اللاتينية ما كان لها من حيوية. وأضحت الآداب تُصاغ على الأنماط اليونانية، كما كانت موضوعاتها تؤخذ من التقاليد اليونانية أو من بلاط أغسطس. وكان الشعراء إذا بقي لديهم وقت بعد وصف الرعاة على نحو ما كان يفعل ثيوكريتس، أو الحب كما كان يفعل أناكريون Anackreon،




صفحة رقم : 3288




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الحافز الأغسطي


يقضونهُ في التغني بجمال الزرع وبفضائل الآباء. ومجد رومة وعظمة الآلهة. وسار الأدب في ركاب الحكم، وأضحى مواعظ تدعو الأمة إلى الاستمساك بالأفكار الأغسطية.
وكانت البلاد قوتان تقاومان تسخير الأدب لخدمة الدولة على النحو السالف الذكر. أولاهما "جوع هوراس البغيضة الدنسة" التي كانت تحب الأدب القديم والمسرحيات القديمة وما فيها من هجوٍ لاذع وتجريح وتفضلهما على جمال الأدب الجديد المعطر المنمق. أما القوة الثانية فكانت دنيا الأراذل والعاهرات، دنيا المرح والرذيلة، التي كانت تنتمي إليها كلوديا ويوليا. وقد ثارت هذه الفئة الغنية ثورة جامحة على القوانين اليوليوسية، وكانت تعارض كل إصلاح خلقي، وكان لها شعراؤها، ومجامعها ومعاييرها الأخلاقية والاجتماعية. وأخذت القوتان المتعارضتان تتطاحنان في الأدب كما تتطاحنان في الحياة، فتلتقيان تارة كما التقتا في تيبلس، وبروبيرتيوس، وتقاومان تُقى فرجيل وعفته ببذاءة أوفد وجرأتهِ، وتقضيان على يوليا وابنتها وعلى شاعر بالنفي من البلاد، وتظلان في هذا التطاحن حتى تُنهِك كلتاهما الأخرى في العصر الذهبي. لكن ضمائر الأحداث العظيمة، وما هيأتهُ الثروة والسلم للناس من فراغ أطلق قرائحهم، وعظمة العالم الذي كان يدين لرومة بالطاعة، كل هذا قد غلب على ما في طبيعية الدولة من جمود، وأنتج عصراً ذهبياً ظل الناس في مستقبل الأيام يرون أنهُ أخرج أكمل الأدب طرا في صورتهِ ولفظهِ.




صفحة رقم : 3289




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> فرجيل



الفصل الثاني




فرجيل


ولد فرجيل أحب الرمان إلى القلوب في عام 70ق.م في ضيعة قرب منتوا Mantua، حيث يتعرج نهر منسيو Mincio ويتجه على مهل نحو البو. ولم تنجب العاصمة من بعدهِ إلا عدداً جد قليل من العظماء، فقد كانوا في القرن الذي تلا مولد هذا الشاعر والذي ولد المسيح في منتصفهِ يجيئون من إيطاليا، ثم جاءوا فيما بعد ذلك من الولايات. ولعل الدم الكلتي كان يجري في عروق فرجيل لأن الغاليين سكنوا منتوا قبل مولدهِ بزمن طويل. وكان هو من الوجهة القانونية غاليَّ المولد لأن أهل غالة الجنوبية لم يمنحوا حق المواطنية الرومانية على يد قيصر إلا بعد مولد باثنين وعشرين عاماً. ولعل هذا هو الذي جعل هذا الشاعر الذي كان أفصح من تغنى بعظمة رومة ومصيرها لا يذكر فيما بعد شيئاً عما يتصف بهِ الجنس الروماني من قوة الجسم وقدرة على مغالبة الصعاب، بل يتغنى بما في خلق الكلت من تصوف ورقة ورشاقة، وهي صفات قل أن يجدها الإنسان في العنصر الروماني الأصيل.
وكان والده كاتب محكمة، فادخر من مرتبهِ ما يكفي لشراء ضيعة وتربية النحل فيها، وقضى الشاعر طفولته في هذه البيئة الهادئة الطنانة، ولذلك ظلت أشجار الشمال الظليلة ومياهه الغزيرة عالقة بخيالهِ بعد أن شب وترعرع، ولم يكن يحس بالسعادة الحقة إلا بين تلك الحقول والمجاري المائية. ولما بلغ الثانية عشر من عمره أرسل إلى المدرسة في كرمونا Cremona، ثم أرسل في الرابعة عشر إلى ميلان، وفي السادسة عشر إلى رومة؛ وهنا درس البلاغة وما يتصل بها من الموضوعات على الرجل الذي درسها عليهِ أكتافيان




صفحة رقم : 3290




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> فرجيل


فيما بعد. والراجح أنه حضر بعدئذ محاضرات Siro الأبيقوري في نابلي، وبذل غاية جهده ليتقبل فلسفة اللذة، ولكن نشأته الريفية حالت بينهُ وبين هذا الهدف، ويلوح أنه عاد إلى موطنه في الشمال بعد أن أنم دراسته، وذلك لأننا نجده في العام الرابع بعد الميلاد يسبح في الماء لينجو من جندي اغتصب ضيعة أبيهِ؛ فقد صادرها أكتافيان وأنطونيوس لأن هذه البلاد انتصرت إلى أعدائها. وحاول أسنيوس بليو Asinius Pollio العالم وحاكم غالة الإيطالية أن يرد الضيعة إلى مالكها ولكنه عجز، فعوضه عن ذلك بأن تولى رعلية الشاب فرجيل وشجعه على الاستمرار في كتاب "المختارات Eclogues" وهي القصائد التي كان ينشئها في ذلك الوقت.
ولم يكد يحل عام 37 حتى كان اسم فرجيل على كل لسان في رومة. ذلك أن المختارات نُشرت قبيل ذلك الوقت وتقبلها أهل رومة بقبول حسن، وكانت إحدى الممثلات قد أنشدت أبياتها على المسرح، وصفق لها النظارة تصفيقاً ملؤه الحماسة والإعجاب(6). وموضوع القصائد هو وصف الرعي على نمط قصائد ثيوقريطس Theocritus، ونجد فيها أحياناً ألفاظها نفسها؛ وهي جميلة الأسلوب والتوقيع وأنغامها أجمل الأنغام السداسية الأوزان التي استمعت لها رومة في تاريخها كلهُ، وهي مليئة بالحنان التأملي، والحب التخيلي. وذلك أن الشاب وإن قضى شطراً كبيراً من حياتهِ في العاصمة قد انفصل عنها زمناً يكفي لأن يجعلهُ يمجد حياة الريف ويعدها المثل الأعلى للحياة الحقة. وكان من أثر شعرهِ أن أصبح كل إنسان يسره أن يتخيل نفسه راعياً يسير مع قطعانهِ على سفوح الأبنين صاعداً أو نازلاً، ويحطم قلبهُ بالحب وصد الحبيب.
وكان أكثر واقعية من هذه الأشباح الثيوقريطية ما كان في شعر فرجيل




صفحة رقم : 3291




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> فرجيل


من وصف للمناظر الريفية. وقد مجد فرجيل هذه المناظر أيضاً كما مجد مناظر الرعي واتخذها هي الأخرى مثلاً أعلى للحياة؛ ولكنه هنا لم يكن مقلداً، فقد استمع من قبل إلى أغاني الخطاب الشهوانية، وشهد بعينيهِ النحل القلق يحوم حول الأزهار(8)، وعرف يأس الزراع الخالي البال الذي خسر أرضه كما خسر آلاف الناس أراضيهم في تلك الأيام(9). على أن أهم من هذا كلهُ كان شديد الإحساس بما كان يرتجيهِ ذلك العصر من القضاء على التخريب والحرب. وكانت الكتب السبيلية Sibylline قد تنبأت بأن عصر زحل الذهبي سيعود مرة أخرى بعد العصر الحديدي؛ ولما أن ولد في عام 40ق.م وَلَدٌ لأسينيوس بليو نصير فرجيل أعلن الشاعر في الكتاب الرابع من المحتارات أن مولده سيكون بداية المدينة الفاضلة فقال:
والآن سيعود العصر الأخير الذي (يبش بهِ) نشيد كومية (سبيل)، وها هي ذي الأحقاب العظيمة المتعاقبة تولد من جديد وتعود العذراء ، ويعود حكم زحل (Saturn) وينزل من السماء العليا جيل جديد. أي لوسينا الطاهرة العفيفة (ربة المواليد)! ابتسمي للغلام الذي ولد منذ قليل، والذي سيزول في عهدهِ لأول مرة جيل جديد، وينشأ في العالم جيل الذهب. إن إلهك أبلو قد أصبح الآن ملكاً على الأرض".
وتحققت هذه النبوءات بعد عشر سنين من ذلك الوقت، فتخلص الناس من عدد الحرب الحديدية، وسيطر على البلاد جيل جديد مسلح بالذهب ومفتون بهِ؛ ولم تشهد رومة في السنين القليلة الباقية من حياة فرجيل اضطرابات جديدة، وعمها الرخاء والسعادة، وحيا الناس أغسطس ولقبوه بالمنقذ وإن لم يلقبوه أبلون. ورحب بلاط الإمبراطور- وإن لم يكن فيهِ من المظاهر العظيمة والأبهة إلا نصف ما في بلاط الملوك-




صفحة رقم : 3292




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> فرجيل


بما في شعر فرجيل من تفاؤل؛ واستقدمه إليهِ ماسيناس، وأحبهُ، ورأى فيهِ أداة شعبية ينفذ بها إصلاحات أكتافيان. وكان حكمه هذا دليلاً على بعد نظره؛ ذلك أن فرجيل-كان في الثالثة والثلاثين من عمرهِ- كان يبدو وقتئذ رجلاً ريفياً سمجاً، شديد الحياء إلى حد يجعلهُ يتلعثم إذا تكلم، يتجنب الظهور في أي مكان عام يمكن أن يعرفهُ الناس فيهِ ويشيروا إليهِ، لا يطيق مجتمعات رومة الراقية الحديثة المهذارة المتطاولة. وفوق هذا فقد كان فرجيل معتل الجسم كأغسطس بل أكثر منه اعتلالاً، يشكو شكوى مستمرة من الصداع وأمراض الحلق، واضطرابات المعدة والبصاق الدموي الكثير. ولم يتزوج فرجيل قط، ويلوح أنه لم يكن أكثر إحساساً بالحب العارم الطليق من بطله إنياس. ويبدو أنه أتى عليهِ حين من الدهر كان يواسي نفسه فيهِ بالعطف على غلام من الرقيق؛ أما فيما عدا هذا فقد كان معروفاً في نابلي باسم "العذراء"(10).
وكان ماسناس كريماً في معاملة الشاعر الشاب، فأقنع أكتافيان بأن يرد لهُ ضيعتهُ، واقترح على الشاعر أن يكتب عدة قصائد يمجد فيها الحياة الزراعية. وكانت إيطاليا في ذلك الوقت (37ق.م) تجزي أشد الجزاء على تحويل كثير من أرضها الزراعية إلى مراعٍ وبساتين، وكروم؛ وكان سكستس بمبي يمنع عنها الطعام الذي يرد من صقلية وأفريقية؛ ونقص القمح ينذرها بانفجار بركان الثورة من جديد. وكانت حياة المدن توهن ما في شباب إيطاليا من رجولة، ولاح أن صحة الأمة من جميع نواحيها تتطلب العودة إلى حياة الزرع. فلما اقترح ماسيناس على فرجيل أن يكتب القصائد التي تمجد الزرع أجاب الشاعر الطلب من فورهِ، فقد كان عليماً بحياة الريف، وكان أجدر بتصوير ما فيها من جاذبية وجمال معتمداً على ما اختزنه في ذاكرتهِ من حب لها عظيم، وإن كان ضعف صحته في ذلك الوقت يحول بينه وبين احتمال ما فيها من صعاب. وخبأ




صفحة رقم : 3293




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> فرجيل


الشاعر نفسهُ في نابلي، وبعد أن ظل يعمل سبع سنين خرج على العالم بأعظم ما أنشأه من القصائد وهي القصيدة المعروفة باسم Georgics وترجمتها الحرفية "العمل في الأرض". وسُر منها ماسيناس وجاء معهُ بفرجيل إلى الجنوب ليقابل أكتافيان، وكان وقتئذ (29ق.م) عائداً من انتصارهِ على كليوبطرة. واسترح القائد المضني في بلدة أتلا Atella الصغيرة، وأخذ يستمع أربعة أيام كاملة لألفي بيت، وهو مأخوذ بجمالها مفتتن بسحرها. هذا إلى أن القصائد تتفق مع سياسته اتفاقاً يفوق كل ما كان يتوقعهُ ماسيناس. فقد كان يعتزم الآن أن يسرح الجز الأكبر من جيوشهِ الجرارة التي ساد بها العالم، وأن يعمل على أن يستقر جنوده المضرسون في الأرض فيستطيع بذلك أن يهدئ بالهم، وأن يطعم المدن الإيطالية، ويحفظ كيان الدولة، كل ذلك بفلح الأرض في الريف. وأصبح فرجيل من ذلك الوقت حراً في أن يفكر في الشعر دون غيره.
في هذه القصائد نرى فناناً عظيماً يعالج أشرف الفنون بأجمعها-فن زراعة الأرض. وفيها يأخذ فرجيل عن هزيود Hesiod وأراتس Aratus، وكاتو، وفارو ولكنه يحول نثرهم الخشن أو أبياتهم العرجاء إلى شعر رقيق مصقول؛ وهو يطرق جميع فروع الفلاحة ويفيها حقها-فيتحدث عن أنواع التربة ووسائل علاجها، وفصول الزرع والحصاد، ويبحث في غرس أشجار الزيتون والكروم، وتربية الماشية والخيل والضأن، والعناية بالنحل. ويستهويه كل عمل من أعمال الزراعة ويثير اهتمامه ويستحوذ على فكرهِ حتى ليحتاج إلى أن يجد نفسه من الانهماك في الموضوع الذي يتحدث عنه ونسيان ما بعدهِ، فيقول:
"ولكن الوقت يمر مراً سريعاً، وما مر منهُ لا يمكن أن يعود أبداً، على حين أننا نحن يسحرنا حب (موضوعنا) فنطيل الوقوف عند كل دقيقة من دقائقهِ". ولا ينسى فرجيل أن يقول كلمة عن أمراض الحيونات وطريقة علاجها، ويصف حيوانات المزرعة المعروفة وصفاً يدل على فهمه




صفحة رقم : 3294




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> فرجيل


لطبائعها وعطفه عليها، وهو لا يفرغ أبداً من الإعجاب ببساطة غرائزها وقوة انفعالاتها، وكمال أشكالها. وهو يمجد الحياة الريفية ويجعلها هي المثل الأعلى للحياة، ولكنه لا ينسى ما فيها من تقلبات الحظوظ، ومن الجهود المضنية، والكفاح الدائم للحشرات، وتناوب الجدب والعواطف، وما تسببه هذه وتلك لأهل الريف من عذاب أليم.ولكن العمل في رأيه يقهر كل شيء(12)، كما أن للجهود التي تُبذل في أعمال الزراعة غرضاً ونتيجة تكسبانها كرامة، وليس لأي روماني أن يشعر بالخجل من قيادة المحراث. ومن أقوال فرجيل إن الأخلاق الكريمة تنشأ في المزارع، وإن جميع الفضائل التي قامت على أساسها عظمة رومة قد غُرست وغُذيت في الريف، وإن الإنسان قلما يجد عملاً من أعمال إلقاء البذور ووقايتها، والغرس والعزق والحصاد إلا له ما يقابله في تنمية الروح وتقويتها، وإن الروح إذا كانت في الحقول، حيث معجزات النماء وتقلبات الجواء تنبئ عن وجود القوى الخفية، لتحس بوجود الحياة المبدعة الخالقة، وتتأثر بالإلهام الإلهي، وتدرك ضآلتها أمام عظمة هذه الحياة، وتمتلئ إجلالاً لها وتعظيماً، أسرع من إحساسها وتأثرها وإدراكها لذلك وامتلائها به في المدينة. وهنا ينشد أشهر أبياتهِ كلها، ويبدؤها بترديد صدى معاني لكريشيوس، ولكنه ينشدها بنغمة فرجيلية خالصة فيقول:
"ألا ما أسعد الرجل الذي استطاع أن يتعلم علل الأشياء، ويطأ بقدمهِ جميع الخاوف والأقدار القاسية العنيدة وصخب الجحيم الشره. ولكن الرجل الذي يعرف الأرباب الريفية بان، وسلفانوس الهرم، والأخوات الحوريات لا يقل عنه سعادة(13)". وهو يرى أن الزارع على حق حين يسترضي الآلهة بالضحايا، ويستجلب عطفها ورضاها؛ لأن هذه الأعمال الدالة على التقى والصلاح تبعث بأعيادها وحفلاتها الضياء في أعمال الفلاحة الشاقة، وتخلع على الأرض وعلى الحياة معنى، وشاعرية وخيالاً ذا روعة.




صفحة رقم : 3295




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> فرجيل


وكان دريدن يرى أن هذه القصائد "خير أشعار أحسن الشعراء(14)". وهي تشترك مع De Rerum Natura في تلك الميزة النادرة الوجود وهي أنها تلقينية وجميلة معاً. ولم تأخذها رومة بجد على أنها كتاب في الزراعة، ولسنا نعرف أن أحداً ممن قرؤوها قد استبدل المزرعة بالسوق العامة؛ ولعل فرجيل إنما كتب هذه النفحات الريفية كما يظن سنكا ليطرب بها أهل المدن. ومهما يكن من شيء فقد أحس أغسطس أن قرجيل أدى الأمانة التي عرضها عليهِ ماسناس على خير وجه وأكمله، فاستدعى الشاعر إلى قصرهِ واقترح عليهِ أن يقوم بواجب أشق من الأول موضوعه أوسع وأعم من الزرع وحياة الريف.




صفحة رقم : 3296




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الإلياذة



الفصل الثالث




الإلياذة


لقد كانت الفكرة الأولى أن يتغنى فرجيل بمعارك أكتافيان(15)، ولكن ما يفترضه القدماء من انحدار قيصر ربيب أكتافيان من الزهرة (فينوس) وإنياس هو الذي جعل الشاعر-أو لعله جعل الإمبراطور-يفكر في إنشاء ملحمة في تأسيس رومة. ثم تفتح الموضوع أمام الشاعر، فشمل الأحداث التي وقعت بعد تأسيس رومة، والتنبؤ بإنشاء إمبراطورية أغسطس، وبالسلم التي كانت أثراً من أعمالهِ. وشمل مشروع الملحمة أيضاً وصف أخلاق الرومان في أثناء هذه الأعمال المجيدة، والسعي لبث حب الفضائل القديمة في قلوب الرومان، وتصوير بطلها في صورة الإنسان الذي يعظم الآلهة، ويهتدي بهديها، ويدعو إلى الإصلاحات والمبادئ الأخلاقية التي دعا إليها أغسطس فيما بعد.
فلما رسم فرجيل خطوط الملحمة الرئيسية آوى إلى عدة أماكن نائية منعزلة في إيطاليا، وقضى العشر السنين التالية (29-19) في تأليف الإنياذة. وكان يكتب فيها على مهل مخلصاً في عملهِ إخلاصاً فلوبير Flaubert، فيملي بضعة أسطر في صدر النهار ثم يعيد كتابتها في الأصل.
وكان أغسطس في هذه الأثناء ينتظر إتمام الملحمة بفارغ الصبر، وكثيراً ما كان يسأل عما تم منها، ويلحُّ على فرجيل بأن يبعث إليهِ كل ما يفرغ من كتابتهِ. وظل الشاعر يستمهله أطول وقت مستطاع، ولكنه أخيراً قرأ لهُ الكتب الثانية والرابعة والسادسة منها. ولما سمعت أكتافيا أرملة أنطزنيوس الفقرة التي تصف ابنها مرسلس الذي مات من عهد قريب، أغمي عليها(16).
ولم تتم الملحمة ولم تراجع المراجعة الأخيرة، لأن فرجيل سافر إلى بلاد




صفحة رقم : 3297




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الإلياذة


اليونان في عام 19ق.م والتقى بأغسطس في أثينة، وأصيب بضربة شمس في مجارا، فقفل راجعاً إلى بلدهِ بعد أن وصل برنديزيوم بزمن قليل، وطلب وهو على فراش الموت إلى أصدقائهِ أن يتلفوا مخطوط الملحمة قائلاً إنه كان يحتاج إلى ثلاث سنين على الأقل تقديراً لصقلها وإعدادها للنشر، ولكن أغسطس أمرهم ألا ينفذوا هذه الوصية.
أما قصة الإنياذة فيعرفها كل تلميذ. وخلاصتها أنه بينما كانت مدينة طروادة تحترق يظهر شبح هكتور القتيل إلى "إنياذ الصالح" قائد أحلافه الدروانيين، ويأمره أن يستعيد من اليونان ما كان في طروادة من "أشياء مقدسة وآلهة منزلية". وأهمها كلها البلاديوم Palladium أو صورة بلاس أثيني Pallas Athene؛ وكانوا يعتقدون أن بقاء الطرواديين موقوف على الاحتفاظ بها. وفي ذلك يقول هكتور Hector بطلهم المعروف: "ابحثوا عن هذه الصورة" الرموز المقدسة "لأنكم بعد أن تطوفوا بالبحار ستقيمون لكم آخر الأمر مدينة عامرة"(17). ويفر إنياس مع أبيه الشيخ أنكيسيز Anchises وابنه اسكونيوس، فيركبون سفينة تقف بهم في اماكن مختلفة، ولكن أصوات الآلهة تناديهم على الدوام أن يواصلوا السير. وتدفعهم الريح إلى مكان قريب من قرطاجنة حيث يجدون أميرة فينيقية تُدعى ديدو Dido تشيد مدينة جديدة. (وبينما كان فرجيل يكتب هذا كان أغسطس ينفذ مشروع قيصر وهو إعادة بناء قرطاجنة). ويقع إنياس في حب الأميرة، وتهب عاصفة مواتية فتتيح لهما الفرصة لأن يلجأا معاً إلى كهف واحد، ويتم بينهما ما تعده ديدو زواجاً، ويقبل إنياس تفسيرها هذا إلى حين، ويشترك هو ورجاله وهم راضون في بناء المدينة، ولكن الآلهة القاسية، التي لا نراها قط في الأساطير القديمة تعني كثيراً بالزواج، وتنذره بالسفر وتقول له إن هذه ليست هي البلدة التي يجب عليهِ أن يتخذها عاصمة لهُ. ويصدع إنياس بما يؤمر، ويترك الملكة الحزينة وهو يودعها بهذه الألفاظ الشبيهة بالغناء:




صفحة رقم : 3298




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الإلياذة


"لن أنكر قط أيتها الملكة أنك تستحقين مني ما تعجز الألفاظ عن التعبير عنه...إني لم أمسك قط مشعل الزوج ولم أقسم يمين الزواج...ولكن أبلو قد أمرني الآن بركوب البحر...فامتنعي إذن عن أن تهلكي نفسك وتهلكيني بهذه الشيكات. إني لا أسعى إلى إيطاليا بمحض إرادتي"(18).
"لا أسعى إلى إيطاليا بمحض إرادتي"، هذا هو سر القصة ومحورها الذي تدور عليهِ، ونحن الذين نحكم على فرجيل وبطله بعد ثمانية قرون من كتابة الأدب العاطفي وقراءته، نعلق على الحب الروائي، وعلى العلاقات بين غير الأزواج، وأكثر مما كان يعلقه عليها اليونان الرومان. فقد كان الزواج عند الأقدمين رابطة بين الأسر أكثر مما كان رابطة بين الأجسام والأرواح، وكانت مطلب الدين أو الوطن أسمى من حقوق الأفراد ونزواتهم. ويعطف فرجيل على ديدو ويسمو إلى ذروة البلاغة في فقرة من أجمل فقرات ملحمته حين يتحدث عنها وهي تلقي نفسها فوق كومة من الحطب المعد لحرق الموتى وتحرق نفسها حية؛ ثم يسير في ركاب إنياس إلى إيطاليا.
وينزل القرطاجنيون إلى البر عند كومي ثم يسيرون إلى لاتيوم حيث يستقبلهم ملكها لاتنس ويرحب بهم. وكانت ابنته لا فينيا Lavinia مخطوبة لترنس Turnus وهو شاب وسيم وزعيم الروتوليين المجاورين لهذه المدينة؛ ويوقع إنياس الجفوة بينها هي وأبيها وبين خطيبها؛ ويعلن ترتس الحرب عليهِ وعلى لاتيوم، وتنشب معارك حامية الوطيس. وتعتزم سيبيل الكومائية Cumaean Sibyl أن تقوي إنياس وتشجعه، فتأخذه إلى ترتاروس بطريق بحيرة إيرنس Aernus. وكما أن فرجيل قد كتب ملحمة عن تجوال إنياس على نمط أوذيسية هومروس وأخرى قصيرة عن حروبه شبيهة بالإلياذة، فإنه الآن يستوحي رحلة أوديسيوس في الجحيم، ويصبح هو نفسه مثلاً يحتذيهِ دانتي ويهتدي بهديهِ في ملهاته المقدسة.وفي هذا يقول فرجيل: "ما أسهل النزول إلى الجحيم Facilis Descensus




صفحة رقم : 3299




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الإلياذة


Averni " ولكن بطله يجد الطريق إليها وعراً شديد العذاب، كما يجد العالم السفلي معقداً شديد الاختلاط. وفي هذا العالم يلتقي بديدو، فتشيج بوجهها عما عما يبثه من وجدهِ؛ ويشهد ضروب العذاب التي يعاقب بها من ارتكبوا الذنوب على وجه الأرض، والسجن الذي يُعذب فيهِ أنصاف الآلهة المتمردون كما يُعذب الشيطان. ثم تأخذه سيبيل إلى أيك السعداء حيث ينعم الصالحون في الأودية الخضراء بالنعيم السرمدي. وهنا يشرح له والده أنكيسيز، الذي توفي في الطريق، أسرار الجنة، والمطهر والجحيم، ويصور له في أوضح صورة وأشملها مجد رومة وأبطالها في مستقبل الأيام. وتكشف له الزهرة في رؤيا أخرى عن موقعة أكتيوم وانتصارات أغسطس، وبعد أن تنتعش روح إنياس بهذه المناظر يعود إلى عالم الأحياء، ويقتل ترنس، وينشر الموت من حوله ببطشهِ وشدة بأسه. ويتزوج بلفينيا الخيالية، ثم يموت والدها فيرث عرش لاتيوم، ولا يلبث أن يخر صريعاً في إحدى المعارك، وينتقل إلى جنان الفردوس، ويشيد ابنه أسكانيوس Ascanins ألبالنجا لتكون عاصمة جديدة للقبائل اللاتينية، ومنها يخرج من نسلهِ رميولرس وريموس ليشيدا مدينة رومة.
ويبدو أن من سوء الأدب أن ينتقد الإنسان نفساً كريمة رفيعة كنفس فرجيل لما تغمر بهِ بلدها وإمبراطورها من ثناء وتعظيم، أو أن ينقب الإنسان عن عيوب في ملاحم لعله لم يرغب قط في كتابتها، ولم يعش ليتمها. ولا حاجة إلى القول بأنه كتبها على نمط الملاحم اليونانية، وتلك هي السنة جرى عليها الأدب الروماني كلهُ إذا استثنينا منه الهجاء والمقالة. غير أننا نستبيح لأنفسنا هذا القدر من النقد، وهو أن مناظر المعارك الحربية ليست إلا أصداء ضعيفة لما في مناوشات الإلياذة من قعقعة وضجيج، وأن أورورا Aurora




صفحة رقم : 3300




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الإلياذة


لتظهر في الإنياذة بقدر ما تظهر بهِ الفجر ذات الأصابع الوردية في إلياذة هومر. ويستعير الشاعر من نئيفيوس، وإنيوس، ولكريشيوس حوادث وعبارات، وسطوراً كاملة في بعض الأحيان، كما أن أبولونيوس الرودسي Apllonius of Rhodes هو الذي يمده بالمثل الذي يحتذيهِ في حب ديدو المفجع، وهذا الأنموذج هو أرجونوتكا Argonautica. وكانت هذه الاستعارات الأدبية جائزة لا غبار عليها في عصر فرجيل، كما كانت جائزة في عصر شيكسبير، لك أنه كان ينظر إلى آداب البحر الأبيض المتوسط كلها على أنها تراث عقول البحر الأبيض المتوسط كلها، والمعين الذي تستمد منه هذه العقول. ولا جدال في أن ما تقوم عليهِ الملحمة من أساطير تتعب القارئ وتبعث في نفسهِ الملل، وذلك لأننا نضع لأنفسنا الآن أساطير أخرى جديدة؛ ولكن الذي لا شك فيهِ أيضاً أن هذه الإشارات والملحمات الإلهية التي تتخلل القصيدة كانت مألوفة محبوبة حتى لقراء الشعر الروماني المتشككين. ولسنا نجد في ملحمة فرجيل العليل ذات الشعر الهادئ السلس ما نجده في قصة هومر من حوادث دافئة، كما أننا لا نجد فيها الحقائق التي يسري فيها دم الحياة والتي تحرك جبابرة الإلياذة، أو أهل إثكا Ithaca السذج. يضاف إلى هذا أن قصة فرجيل كثيراً ما تمشي الهوينا، وأن أشخاصهُ كلهم تقريباً مرضى إلا الذين يهجرهم إنياس أو يقضي عليهم. وديدو الإنياذة امرأة حية لطيفة، خادعة، شديدة الانفعال، وترنس محارب ساذج شريف يغدر بهِ لاتنس، وتحكم عليهِ الآلهة السخيفة بموت هو غير جدير بهِ. وبعد أن يقرأ الإنسان عشر مقطوعات كلها نواح وندب، تشمئز نفسهُ من "تقي" إنياس الذي يتركه مسلوب الإرادة. ويُغتفر له عذره، ولا يولتيهِ النجاح إلا بتدخل القوى السماوية، وفوق هذا كله فإننا لا نستمتع بالخطب الطويلة التي يقتل بها الشاعر الصالحين من الرجال، والتس تكون بلاغتها سبباً آخر من أسباب مللنا، يضاف




صفحة رقم : 3301




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الإلياذة


إلى هذا ما ندجده فيها من تمحيص هو محك الإنسانية النهائي لمعرفة الحقيقة.
وإذا شئنا أن نفهم الإنياذة على حقيقتها ونقدرها التقدير الذي هي جديرة بهِ، كان علينا أن نتذكر في كل قسم من أقسامها أن فرجيل لم يكن يكتب رواية خيالية، بل كان يكتب لرومة كتاباً مقدساً؛ وليس ذلك لأنه يقدم لها شريعة دينية واضحة، فإن الآلهة الذين يسيرون الحوادث في تمثيليتهِ من وراء الستار لا يقلون خبثاً عن لآلهة هومر، وإن لم يكونوا قريبين من البشر الفكهين قرب هؤلاء؛ بل إنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن كل ما في القصة من شر وشقاء ليس منشؤه من فيها من رجال ونساء بل منشؤه الآلهة أنفسهم. وأكبر الظن أن فرجيل لم يكن يرى في أولئك الأرباب إلا أنهم أدوات لشعرهِ، ورموز للظروف الظالمة المستبدة، والحادثات المفاجئة التي تخل بسير العالم المنتظم الرتيب؛ وهو على العموم يتذبذب بين جوف الأرباب وبين القدر اللا شخصي، فهذا يسيطر على الكائنات تارة وذلك يسيطر عليها تارة أخرى. وآلهة القرية والحقل أحب إليهِ من آلهة أولمبس، فهو لا يترك فرصة تُتاح له إلا مجد الأولى ووصف طقوسها ومراسمها، وتمنى لو استطاع الناس أن يعودوا إلى ما كانوا عليهِ من حب الآباء، والوطن والآلهة، وهو الحب الذي كانت تغذيهِ العقيدة الريفية البدائية: "أسفي على تقوى الأقدمين وإيمانهم!" غير أنه لا يؤمن بالفكرة القديمة عن الجحيم خيث يحشر الموتى جميعاً الصالح منهم والطالح، بل تخالجه أفكار أرفية فيثاغورية عن تجسيد الأرواح بعد الموت، وعن الحياة في الدار الآخرة، وهو يوضح إلى أقصى حد يستطيعه فكرة الثواب في الجنة والمطهر، والعقاب في الجحيم.
لكن الدين الحقيقي في الإنياذة هو دين الوطنية، وإلهها الأعظم هو رومة




صفحة رقم : 3302




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الإلياذة


فمصير رومة هو المحرك لحبكة القصة، وكل ما في القصة من محن وشدائد إنما يرجع إلى "الواجب المضني واجب بعث الشعب الروماني Tantae Molis Erat Romanam Condere Gentem". والشاعر فخور بالإمبراطورية فخراً يمنعه أن يحسد اليونان على تفوقهم في الثقافة ويقول في ذلك: فلتحول الشعوب الأخرى الرخام والبرونز إلى شخوص حية ولترسم مسارات النجوم.
"أما أنت يا أبن رومة، فواجبك أن تحكم العالم، وستكون فنونك أن تعلم الناس طرائق السلم، وأن تشفق على الذليل، وتذل الفخور(20)". وفرجيل لا يأسف على موت الجمهورية، وهو يدرك أن حرب الطبقات هي التي قضت عليها ولم يقضِ عليها قيصر؛ وهو في كل جزء من اجزاء قصيدتهِ يبشر بأن حكم أغسطس سيعيدها سيرنها الأولى، ويرحب بهِ ويصفه بأنه حكم زحل قد عاد إلى الأرض، ويعده بأنه سيُجزي على عملهِ بأن يُحشر في زمرة الأرباب. وقصارى القول أن أحداً من الناس لم يوف بما ألقي على كاهلهِ من واجب أدبي بأكمل مما وفى بهِ فرجيل.
يبقى بعد ذلك أن نسأل لم نحتفظ بحبنا الشديد لهذه الدعاوة للتقى وصالح الأخلاق، وحب الوطن، والنعرة الإمبراطورية؟ إن من أسباب هذا الحب ما نجده في كل صفحة من ورقة روح الشاعر وظرفه، وأنا نشعر بأن عطفهِ قد امتد من إيطاليا بلادهِ الجميلة إلى جميع بني الإنسان، بل إلى جميع الكائنات الحية؛فهو يدرك آلام الطبقات العليا والدنيا، ويعرف أهوال الحرب وما يصاحبها من فحش ورذيلة، ولا ينسى أن أنبل الناس أقصرهم آجلاً، وأن ما في الحياة من أحزان وآلام، وما في "الأشياء من دموع Lacrimae Rurum" تذهب ببهجة الأيام تارة وتزيدها تارة أخرى. وهو حين يكتب عن "العندليب الذي يبكي في ظلال شجرة الحور صغارها الحراث فانتزعها من عشها قبل أن يكسوها الريش، فيقضي الليل كلهُ ينتحب، ثم يجثم على فنن ويعيد أغنيته الحزينة،




صفحة رقم : 3303




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الإلياذة


ويملأ الغابة بها وبعوبله"(21) نقول إنه حين يفصل هذا لا يقلد لكريشيوس فحسب. وإن الذي يجذبنا نحو فرجيل مراراً وتكراراً هو ما في حديثه من جمال لا ينقطع أبداً. ولم يكن عبثاً منه أن ينكب على سطر من سطورهِ "فيلعقه بلسانه ليسويه ويصقله، كما تلعق الدبة ديسمها"(22). ولن يستطيع أحد غير القارئ الذي حاول الكتابة أن يتصور ما عاناه الشاعر من التعب حتى أكسب قصته ما فيها من نعومة وسلاسة، وزينها بكثير من الفقرات ذات الأنغام القوية الرنانة التي تطالعنا في كل صفحتين من الكتاب، وتغري القلم باقتباسها واللسان بالنطق بها. ولعل القصيدة مفرطة في جمالها المتناسق المتمائل، لأن جمال اللفظ نفسه يمل إذا أفرطت فصاخته في الطول. وفي فرجيل سحر نسائي ولكنا لا نطالع فيهِ قط ما نجده في شعر لكريشيوس من رجولة وقوة التفكير، وكما لا نجد فيهِ تلك الأمواج الصاخبة التي نراها في ذلك "البحر المتلاطم العجاج" المسمى هومر. ونحن نبدأ نفهم ما يعزى إلى فرجيل من حزن واكتئاب، حين نتصوره يدعو إلى عقائد لم يكن في وسعهِ قط أن يستعيدها في نفسهِ، ويقضي عشر سنين في كتابة ملحمة تتطلب كل حادثة من حوادثها، ويتطلب كل سطر من سطورها، ما يحتاج إليهِ الفن المصطنع من جهود، ثم يموت والأفكار تساوره بأنهُ عجز عن تحقيق غرضه، وأن خياله لم ينره وميض من الإبداع والابتكار، وأنه لم يبعث في أشخاصه نسمة الحياة. ولكن أحداً لا يجادل في أن الشاعر قد انتصر نصراً مؤزراً على أداتهِ إن لم يكن قد نال هذا النصر نفسه على موضوعهِ. وقلما بلغت الصناعة ذلك الحد الأعلى من الإعجاز الذي بلغته في شعر فرجيل.
وبعد عامين من وفاتهِ أخرج منفو وصيتهِ قصيدتهِ إلى العالم، وقام بعضهم يعيبها ويسفهها: فنشر أحد النقاد ثبتاً طويلاً بعيوبها، ونشر غيره ثبتاً آخر بما فيها منم سرقات، وأصدر ثالث ثمانية مجلدات محتوية على ما بين شعر فرجيل والشعر القديم من شبه(23). ولكن رومة سرعان ما نسيت هذه الشيوعية




صفحة رقم : 3304




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> الإلياذة


الأدبية، فوضع هوراس فرجيل هومر، ونشأت مدارس أدبية بدأت بها قرون تسعة عشر، ظل الناس فيها يحفظون الإنياذة عن ظهر قلب، وظل الناس جميعاً خاصتهم وعامتهم يهتفون باسمهِ، والصناع، والتجار، يقتبسون من شعرهِ، وشواهد القبور والجدران تنقش عليها عباراته؛ ومتنبئو الهياكل يجيبون السائلين بعبارات غاضبة يقتطعونها من أبيات ملحمته؛ وبدأت من ذلك الوقت تلك العادة التي لم تنقطع إلى عصر النهضة، عادة فتح ملحمة فرجيل فتحاً عشوائياً للبحث عن نصيحة أو نبوءة في أول فقرة تقع عليها عين الفاتح. وانتشر صيته حتى كان يعد في العصور الوسطى من السحرة والقديسين. وكيف لا وهو الذي تنبأ في التشيد الرابع بمجيء المنقذ، ووصف رومة فب الإنياذة بالمدينة المقدسة التي ستخرج منها قوة الدين وتنتشل العالم مما يتخبط فيهِ؟ ألم يصور الكتاب السادس الرهيب يوم الحشر وعذاب المذنبين، وتطهيرهم في نار المطهر، ونعيم الصالحين في الجنة؟ لقد كان فرجيل أيضاً كما كان أفلاطون ذا روح مسيحية طبيعية رغم آلهته الوثنية. وكان دانتي يعجب بعذوبة شعره، ولم يكن يسترشد بهِ في وصف الجحيم والمطهر فحسب، بل كان يسترشد بهِ أيضاً في تدفق فنه القصصي وجمال حدديثه؛ وكان ملتن يفكر وهو يكتب الفردوس المفقود وخطب الشياطين والآدميين الطنانة الرنانة؛ وكان فلتير-وهو الذي كنا نتوقع أن يكون أقسى مما كان في الحكم على فرجيل- يصف الإنياذة بأنها أجمل ما خلفه لنا الأقدمون من تراث أدبي(74).




صفحة رقم : 3305




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس



الفصل الرّابع




هوراس


إن من أجمل الصور التي يشهدها الإنسان في عالم الأدب-والتي تبدو فيها الغيرة بين الناس شديدة لا تفوقها إلا غيرة العشاق-هي صورة فرجيل وهو يقدم هوراس إلى ماسيناس. فقد التقى الشاعران في عام 40ق.م، حين كان فرجيل في الثلاثين من عمره وهوراس في الخامسة والعشرين، وفتح فرجيل أبواب ماسيناس بعد عام من ذلك الوقت وبقي الثلاثة بعدئذ أصدقاء أوفياء حتى فارقوا هذا العالم.
واحتفلت إيطاليا في عام 1935 بمرور ألفي عام على مولد كونتس هوراشيوس فلاكس Quintus Horatius Flaccus، وكان مولده في بلدة فنوزيا Venusia الصغيرة من أعمال أبوليا Apulia، وكان والده رقيقاً معتوقاً ارتفعت منزلته حتى أصبح جابياً-أو صياداً كما يقول بعض الناس(23). ومعنى كلمة فلاكس ذو الأذن المدلاة، وأكبر الظن أن هوراشيوس هو اسم السيد الذي كان الوالد في خدمتهِ. وأثرى العبد المعتوق بطريقة ما، وأرسل ابنه إلى رومة ليدرس البلاغة ثم أرسله إلى أثينة ليدرس فيها الفلسفة. وفي هذه المدينة انضم الشاب إلى جيش بروتس وتولى قيادة أحد الفيالق، وقال وقتئذ قالته المأثورة "إن من ألذ الأشياء ةأشرفها أن يموت الإنسان في سبيل بلادهِ Dulce et Decorum Pro Patria Mori"(26). ولكن هوراس-وكان يقلد أركلوكس Archilochus في أغلب الأحيان-القى بدرعهِ في إبان المعركة وولى الأدبار. ولما وضعت الحرب أوزارها ألفى نفسه وقد جرد من جميع أملاكه ومن كل ما ورثه




صفحة رقم : 3306




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس


عن أبيهِ، "وودفعتني المسبغة إلى قرض الشعر"(27)، ولكن الحقيقة أنه كان يكسب قوته من منصب كاتب كوستر.
وكان قصيراً بديناً، ومزهواً حيياً، لا يحب السوقة ولكنه لا يجد من الثياب أو المال ما يعينه على الاختلاط بالأسواط التي نالت من التعليم ما ناله هو. وكان يخشى عواقب الزواج فأكتفى على حد قولهِ بالسراري والعشيقات؛ وهو قول قد يكون حقاً، وقد لا يكون إلا نوعاً من الترخيص الشعري اخترعه للدلالة على نضوجه. وقد كتب عن العاهرات كتابة جمعت بين حذر العلماء وتعقيد الشعراء، وظن أنه جدير بأعظم الثناء لأنه لم يُغو النساء المتزوجات(28). وإذ كان أفقر من أن يقضي على نفسهِ بالانهماك في الشهوات الجنسية فقد عمد إلى قراءة الكتبي وكتابة الأغاني باللغتين اليونانية واللاتينية، وبأصعب أوزان الشعر اليوناني وأكثرها اختلاطاً. وأطلع فرجيل على إحدى هذه القصائد وامتدحها لماسيناس. وسر الأبيقوري الرحيم من حياء هوراس وتلجلحهِ في الحديث، ووجد في سفسطتهِ الفكرية ما يدعوه إلى حبه. وفي عام 37 اصطحب ماسنياس فرجيل وهوراس وغيرهما من الصحاب في سفرة قصيرة مخترقين إيطاليا في قارب قنوي تارة، وعربة ومحمل تارة أخرى، ثم سيراً على الأقدام في بعض الأوقات. وبعد قليل من ذلك الوقت قدم ماسنياس الشاعر لأكتافيان، واقترح عليهِ أن يعينه أمين سره.فاعتذر الشاعر قائلاً إنه لا يجد من نفسه ميلاً إلى العمل. وفي عام 34 أهدى إليهِ ماسيناس بيتاً وضيعة تدر عليهِ بعض المال في الوادي السابيني بيستيكا Ustica على بعد خمسة وأربعين ميلاً من رومة. وبذلك أصبح في استطاعتة هوراس أن يعيش في المدينة أو في الريف كما يشاء، وأن يكتب كما يأمل المؤلفون




صفحة رقم : 3307




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس


أن يكتبوا-في الوقت الذي تحلو لهم فيهِ الكتابة، وبالعناية والجهد اللذين يحلو لهم أن يبذلوهما في كتابتهم .
وأقام بعض الوقت في رومة يمتع نفسه بحياة من يتسلى بمشاهدة العالم المسرع المندفع. وكان يختلط بجميع طبقات الناس، ويدرس جميع الأصناف التي تتكون منها رومة، ويفكر في حماقات العاصمة ورذائلها وهو مسرور سرور الطبيب إذا كشف علة المريض. وقد وصف بعض تلك الأصناف في كتابين من كتب هجوه (34، 30ق.م)، حذا فيهما أولاً حذو لوسليوس Lucilius، ثم خفف فيما بعد من حدتهِ وأصبح أكثر مما كان متسامحاً. وكان يطلق على هذه القصائد اسم المواعظ Sermones-وإن لم تكن مواعظ في أية صورة، بل كانت أحاديث خالية من التكلف والصناعة؛ وكانت أحياناً محاورات ودية خاصة في أشعار سداسية الوزن تكاد لغتها أن تكون هي اللغة العامية.
وقد اعترف هو نفسه بأنها نثر في كل شيء عدا الوزن، "لأنك لا تستطيع أن تطلق اسم الشاعر على رجل يكتب كما أكتب أنا أبياتاً أقرب ما تكون إلى الكلام المنثور". ونحن نلتقي في هذه الأشعار الاذعة بالأحياء من رجال رومة ونسائها، ونستمع إليهم يتحدثون كما يتحدث الرومان: فلسنا نجد فيها رعاة فرجيل وزرَّاعه وأبطاله، ولا فُساق أوفد الخرافيين وبطلاته، بل نشاهد العبد الوقح البذئ، والشاعر المزهو بنفسهِ، والمحاضر ذا الألفاظ الطنانة، والفيلسوف الشره، والثرثار الممل، والساميَّ الحريص على المال، ورجل الأعمال، والحاكم، ورجل الشارع العادي، غنشعر أنا نشهد آخر الأمر رومة الحقة. فها هو ذا هوراس يضع في قصائده لمن يشاء




صفحة رقم : 3308




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس


أن ينقب عن آثار الأقدمين القواعد التي يجب أن يسير عليها من يريد النجاح في هذه الحلبة التي تصطرع فيها الغيلان من الناس، ويضعها في صورة مرحة ولكنها مهلكة قاتلة(29). وهو يسخر من النهمين الذين يملئون بطونهم بشهي الطعام، ولكنهم لا يستطيعون المشي على أرجلهم لأنهم مصابون بالرثية(30)، ويذكر من "يمتدح الأيام الماضية" بأنه إذا جاءه إله ليعبده إلى تلك الأيام أبى وتمنع(31)، ويقول إن أحسن ما في الماضي هو علم الإنسان أنه لن يضطر إلى أن يحيا مرة أخرى. وهو يعجب كما يعجب لكريشيوس من ذوي الأرواح القلقة الذين إذا كانوا في المدن تاقوا إلى سكنى الريف، فإذا سكنوا الريف تاقوا إلى المدن، والذين لا يستطيعون أن يستمتعوا بما عندهم، لأن من الناس من عنده أكثر منهم؛ والذين لا يقنعون بزوجاتهم ويهيمون بخيالهم المفرط في العظمة وفي الحقارة معاً بجمال غيرهن من النساء اللائي أصبحن في نظر غيرهم من الرجال ولا جمال لهن. ويختتم نصائحه بقولهِ إن جنون المال هو مرض رومة القتال، ويسأل من يقضي أيامه في جمع الذهب: "لم تسخر من تنتلس لأن الماء يبتعد عن شفتيهِ الظامئتين على الدوام؟ ليس عليك إلا أن تبدل الأسماء فتنطبق القصة عليك أنت(32)" ثم يهجو نفسه أيضاً؛ فهو يصور عبده يقول له في وجههِ إنه، وهو الداعي إلى أحسن الخلق، رجل أحمق حاد الطبع لا يعرف قط ما يدور في عقلهِ أو ما يهدف أليهِ، وأنه عبد شهواتهِ ككل إنسان آخر. وما من شك في أنه يوصي نفسه، كما يوصي غيره، بسلوك الطريقة الوسطى الذهبية إذ يقول: "إن للأشياء حداً ومقياساً(34)" لا يقصر الرجل الذكي عنه ولا يتجاوزه. وهو في بداية كتاب الهجاء الثاني يشكو إلى صديق له أن المجموعة الأولى قد انتُقدت أشد النقد، فقيل فقيل إنها مفرطة في الخشونة وفي الضعف، ثم يستنصح الصديق فيقول له: "استرح" فيعترض عليهِ الشاعر بقولهِ: "ماذا؟ ألا أكتب الشعر قط"؟ فيجيبه "نعم" فيقول "ولكني لن أستطيع النوم(35)".




صفحة رقم : 3309




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس


وكان خيراً له أن يعمل بهذهِ النصيحة إلى حين. وكان كتابه الثاني المسمىردود الغناء Epodes (29ق.م) أقل كتبه شأناً. فأشعاره خشنة مؤذية للسمع خالية من الشهامة، بعيدة عن الذوق، بذيئة في الأمور الجنسية، كل ما يستطيع الإنسان أن يقوله في وصفها إنها تجربة في الأوزان الشعرية ذات المقاطع المتعاقبة منبورة، وهي المقاطع التي سار عليها أركلوكس Archilodhus. ولعل اشمئزازه من "دخان رومة ومالها وضجيجها"(36) قد زاد حتى أمَرَّ نفسه؛ ولعله لم يطق صبراً على الضغط "السوقة الجهال ذوي التفكير الخبيث". وهو يصور نفسه متدفقاً ومدفوعاً بين أراذل العاصمة، وينادي قائلاً: "أيها البيت الريفي! متى أراك؟ متى أستطيع وأنا بين كتب الأقدمين تارة، وأستمتع بالنوم والفراغ تارة أخرى، أن أجزع النسيان الحلو لمتاعب الحياة؟ متى يقدم لي صحاف الفول إخوان فيثاغورس نفسه، ومعها الخضر المخلوطة باللحم السمين؟ آه، أيتها الليالي والملائم القدسية!"(37) ثم قصرت فترات إقامته في رومة؛ وصار يقضي كثيراً من وقته في بيته السبيني الريفي حتى شكا أصدقاؤه ماسيناس نفسه بأنه "اقتطعهما من حياتهِ". ولكن الحقيقة أنه بعد أن عانى حر المدينة وعثيرها وجد في الهواء النقي والعمل التيب الهادئ، والعمال السذج في ضيعتهِ، بهجة تطهره من أدران المدن. هذا إلى أنه كان وقتئذ ضعيف الجسم، وأنه كان يعيش على الأكثر، كما يعيش أغسطس، على الخضر وحدها. وفي ذلك يقول: إن فيما أمتلكه من مجرى الماء النقي وأفدنة قليلة من الأشجار، ووثوقي من أني سأجني محصولاً من الحب، إن في هذا لسعادة دونها سعادة سيد أفريقية الخصبة ونعيمها البراق"(39). وإن حب الريف ليجد في غيرهِ من شعراء عهد أغسطس من يعبر عنه تعبيراً حماسياً نادر الوجدود في أدب اليونان.


ما أسعد من يعيش بعيداً عن قلق الأعمال ومتاعبها.




كما كانت تعيش أقدم شعوب العالم.






صفحة رقم : 3310




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس




يفلح بثيرانه الأرض التي ورثها عن أبيهِ.




وليس عليهِ دين...




ما أحلى النوم تحت شجرة السنديان القديمة.




والنهر يجري بين جسريهِ العاليين.




وطيور الأيك تغرد.




والماء يتدفق من العيون.




يدعو الإنسان للنوم الهنيئ!(40).


وجدسيرنا أن نضيف إلى هذا أن الذي ينطق بهذه الأبيات مراب من أهل المدن، ينطقه بها هوراس في سخرية يمتاز بها عن كثيرين منم الشعراء، وأن هذا المرابي بعد أن ينطق بها لا يلبث أ، ينساها ويفقد نفسه بين أكوام نقوده.
وأكبر الظن أن هذا المرابض الهادئة هي التي كان يكدح فيها "كدح السعداء المجدين" في تأليف هذه الأغاني التي يعلم أن ذيوع اسمه أزو خمول ذكره موقوف عليها. لقد مل الأشعار السداسية الوزن ولم يعد يطربه انسجام أوزانها المقيسة المحددة، أو التي تُقطع من آخر البيت لضرورة الشعر كأنها جُزَّت بمقصلة. وكان قد استمع في شبابهِ بالأوزان الدقيقة المرحة التي رآها في شعر سابفو Sappho والكيوس Alckeus، وأركلوكس Archilochus، وأنكريون Anacreon، فأراد الآن أن ينقل هذه الأوزان "السابفية" والألكية، والتفاعل المركبة من مقطعين ومن أحد عشر مقطعاً، إلى صورة الشعر الغنائي الروماني، وأن يعبر عن آرائه في الحب والخمر، والدين، والدولة، والحياة والموت في مقطوعات جديدة منعشة للنفس جامعة رصينة التركيب، قابلة للتلحين،




صفحة رقم : 3311




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس


معقدة تعقيداً يتطلب حلها الجهد الكثير. ولم يكن يكتب هذه الأشعار لذوي العقول الساذجة التي تريد أن تمر بها مراً سريعاً دون أن تبذل في إدراكها أي مجهود؛ والحق أنه قد حذر أمثال هؤلاء من مستهل المجموعة الثالثة من الإقدام على قراءتها فقال:
"إني أبغض السوقة النجسين وأتجنبهم. صه! أنا، كان ربات الشعر، أغني للعذارى والشباب أغاني لم يسمعها أحد من قبل".
ولو أن العذارى قد عنين بشق طريقهن وسط أقوال هوراس ورغباتهِ المقلوبة لارتعن وسررن مما في أغانيهِ من أبيقورية مهذبة مصقولة. فالشاعر يصور مسرات الصداقة، والطعام والشراب، والمغازلة، وإن المرء ليصعب عليهِ أن يستدل من هذه الترانيم على أن كاتبها رجل زاهد لا يأكل إلا قليلاً ولا يشرب إلا أقل. ثم يسأل الشاعر نفسه (قبل أن يسألها قارئ هذه الصفحات): "لم نشغل أنفسنا بالسياسة الرومانية وبالحروب في الأقاليم النائية؟ ولم نعني هذه العناية كلها بتدبير أمور المستقبل الذي يسخر من تدبيرنا . إن الشباب والجمال يمساننا مساً ويمران بنا مراً سريعاً فلنستمتع بهما الآن،" مضطجعين إلى شجرة الصنوبر، وغدائرنا الشمطاء متوجة بالأزهار ومعطرة بالناردين السوري(42)". وبينما نحن نتحدث هذا الحديث يمر الوقت الحسود وينقضي، فلنغتنم الفرص "ولنختطف الأيام Carpe Diem(43)". ويتلو الشاعر أسماء طائفة من النساء الخليعات اللاتي يقول إنه أحبهن: لالاج، جلسيرا، تئيرا، إيانشا، رستارا، كنديا، ليسي، بيرها، ليديا، تندراس، كلو، فيلس، مرتال. ولا حاجة بنا أن نصدق كل ما يدعيهِ من ذنوب يقول إنه ارتكبها، فقد كانت هذه الأقوال وقتئذ دعاوى أدبية يكاد يفرضها شعراء تلك الأيام على أنفسهم فرضاً؛ وشاعد ذلك أنا نجد أولئك السيدات أنفسهن في خدمة




صفحة رقم : 3312




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس


أقلام غير قلمه قبل ذلك الوقت. ولم يكن أغسطس الذي تاب وقتئذ وأناب لينخدع بهذه الضلالات الشعرية، فقد كان يسره أن يجد بينها تعظيماً لحكمهِ وثناء عليهِ، وعلى انتصاراتهِ، وأعوانه، وإصلاحاته الأخلاقية، وعلى السلم التي بسط لواءها في أيامهِ. وقد ألف هوراس أغنيته المشهورة في الشراب Nunc ets Bibendum(44) حين جاءته الأنباء بأن كليوبطرة قضت نحبها، وأن أغسطس استولى على مصر، فقد كان لهذا النبأ وقع عظيم حتى في نفس هذا الشاعر السوفسطائي الذ سر من انتصار الإمبراطورية واتساع رقعتها إلى حد لم تبلغه قط من قبل. وهو يحذر قراءه من الاعتقاد بأن القوانين الجديدة يمكن أن تحل محل الأخلاق القديمة، ويأسف لانتشار الترف والزنى، والخلاعة، والعقائد المنحطة الفاسدة، ويقول مشيراً إلى الحرب الأخيرة: "وا أسفا على ما أصابنا من جروح وما ارتكبنا من جرائم، وعلى من مضوا من إخوتنا صرعى في الميدان! وهل ثمة شيء قد اشمأزت منه نفوسنا نحن أبناء هذا الجيل؟ وأي ظلم لم نرتكبه؟"(45) ويقول إن رومة لن تنجو إلا بالرجوع إلى الأساليب البسيطة وإلى الثبات الذي كان شعار الأيام الخالية. وهكذا نرى الشاعر المتشكك الذي كان من الصعب عليهِ أن يؤمن بأي شيء يحني رأسه الأشيب أمام النصب القديمة، ويقر أن الناس يهلكون إذا لم تكن لهم أساطير يؤمنون بها، ويسخر قلمه لخدمة الآلهة المرضى الضعاف.
وبعد فليس في أدب العالم ما يشبه هذه القصائد تمام الشبه-فهي رقيقة وقوية؛ وفيها تأنق ورجولة، وحذق وتعقيد، تخفي ما فيها من فن للفن البالغ درجة الكمال، وتخفي ما استلزمته من جهد بما يبدو عليها من يسر وسلاسة. فهي موسيقى من طراز غير طراز فرجيل، ذلك أن موسيقاها أقل من موسيقى فرجيل عذوبة في النغم وأكثر منها تعقلاً، وهي لم تكتب للشبان والعذارى بل كتبت للفنانين والفلاسفة. وليس في القصائد كلها شيء من الانفعال أو التحمس، أو "اللفظ المنمق"؛ بل الألفاظ كلها سهلة حتى في الجمل المقلوبة




صفحة رقم : 3313




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس


التي يجب أن يكون أولها آخرها. ولكن في الأغاني الكبرى كبرياءً وجلالاً في التفكير، حتى ليخيل إليك وأنت تستمع إليها أن إمبراطوراً هو الذي يتحدث وأنه لايتحدث بألفاظ من حروف بل من برونز:


لقد أقمت نصباً أبقى على الزمان من البرونز،




وأعل من قمة الأهرام الملكية؛




لا تستطيع العواصف الهوج أن تحطمه.




ولا ريح الشمال الضعيفة، ولا كر السنين




التي لاعداد لها، ولا مر الزمان السريع.




إني لن أموت الميتة الكبرى.


وأغفلت الجماهير التي هجاها هوراس أغانيه، وشهر بها النقاد ووصفوها بأنها مملة متكلفة، وندد المتزمتون بما فيها من أغاني الحب؛ أما أغسطس فوصف القصائد بأنها قصائد خالدة، وطلب إلى الشاعر أن يتبعها بمجموعة رابعة تصف أعمال دروسس وتيبيريوس في ألمانيا؛ واختار هوراس لكتابة الأناشيد "القرنية" يصف فيها المباريات القرنية. وأجاب الشاعر إلى ما طلب ولكنه لم يجد من نفسه الإلهام الذي يمكنه من تنفيذ هذه الرغبة؛ ذلك بأن الأغاني قد استنفذت كل جهوده، ولهذا رجع في كتابه الأخير إلى الشعر السداسي الأوتاد الذي كتب به كتبه في الهجاء، والذي هو أليق الأوزان بالحديث، فكتب بهِ رسائله، وهي أشبه بحديث ينطق به صاحبه من مقعد مريح. وكان هوراس يريد على الدوام أن يكون فيلسوفاً، وقد غلبت عليهِ هذه النزعة في تلك الرسائل، فاسترسل في الحكم حتى في أثناء ثرثرتهِ. وإذ كان الفيلسوف شاعراً ميتاً وفقيهاً محتضراً، فقد كان هوراس وهو شيخ في الرابعة والخمسين من عمرهِ قد نضجت سنه للبحث في طبيعة الله، والإنسان، والأخلاق، والأدب، والفن.




صفحة رقم : 3314




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس


وكُتبت أشهر رسالة من هذه الرسائل كلها-وهي المعروفة لدى النقاد باسم "فن الشعر" إلى آدبيزونس Ad Pisones-وهم أفراد غير معروفين معرفة أكيدة من عشيرة بيزو Piso. ولم تكن هذه رسالة بالمعنى الحقيقي للرسائل، بل كانت نصيحة قصيرة من صديق إلى صديق يبين له فيها طريقة الكتابة، ويقول له فيها: عليك أن تختار موضوعاً يتفق مع مواهبك، واحذر أن ينطبق عليك المثل القائل تمخض الجبل فولد فأرة ؛ والكاتب المثالي هو الذي يعلم ويسلى في وقت واحد، "ومن يمزج النافع بالسار يكسب جميع الأصوات(48)". وتجنب الألفاظ الجديدة، والعتيقة المهملة، والمسرفة في الطول. وأوجز بالقدر الذي يجيزه وضوح معانيك، وامضِ مسرعاً إلى لباب الموضوع. وإذا كتبت الشعر فلا تظن أن العاطفة هي كل شيء، نعم إنك إذا شئت أن يحس قارئك بعاطفة ما فلا بدَّ لك أن تحس بها(49)، ولكن الفن غير الشعور، إنه الصورة التي يعبر بها عنه (وهنا أيضاً يتحدى الأسلوبُ الإتباعي الإسلوبَ الإبداعي )، ولكي تصل إلى حسن الصيغة، عليك أن تواصل دراسة آداب اليونان ليلاً ونهاراً؛ وليكن ما تمحوه من كتابتك قد ما تثبته أو قريباً منه.
"واعرض ما تكتبه على ناقد قدير وحاذر من أصدقائك، فإذا إجتازت




صفحة رقم : 3315




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس


كتاباتك هذه المراحل كلها، فأخفها ثماني سنين؛ فإذا لم تجد بعدئذ إنك قد أفدت من نسيانها فانشرها، ولكن اذكر على الدوام أنها لن يعيده إلى الزمن وحده. وإذا كتبت مسرحيات فلتجعل الأعمال لا الأقوال هي التي تقص القصة، وتصور الأشخاص. ولا تمثل الرعب على المسرح، وإلزام وحدة الأعمال والزمان والمكان، واجعل القصة قصة واحدة، تقع حوادثها في زمن قصير وفي مكان واحد. وادرس الحياة والفلسفة، لأن الأسلوب مهما بلغ لا قيمة له من غير الملاحظة والفهم. كن جريئاً في المعرفة". وعمل هوراس نفسه بكل هذه القواعد إلا قاعدة واحدة-فهو لم يتعلم البكاء؛ ذلك أنه لم يكن قوي الشعور، أو أن شعوره قد اختنق فصمت، ولذلك لم يسم قط إلى ذلك الفن الأعلى الذي يجسم الإخلاص في العطف أو "العواطف التي يذكرها أصحابها بهدوء". يضاف إلى هذا أنه كان مسرفاً في تمجيد المدن. ولقد كان قوله: "Nil admirari لا تعجب بشيء قط(50)" نصيحة غير قويمة، لأن الشاعر الحق يجب أن يعجب بكل شيء حتى لو كان كشروق الشمس أو منظر الشجر يحييه كل يوم. وكان هوراس يلاحظ الحياة ويراقبها، ولكنه لم يتعمق في هذه المراقبة، وقد درس الفلسفة واحتفظ على الدوام "باعتدال عقلهِ" ولذلك لم يسم شيء من أغانيهِ فوق المرتبة الوسطى(52). وكان يعظم الفضيلة تعظيم الرواقيين، ويحترم اللذة احترامالأبيقوريين، فيسأل نفسه "أي الناس هو الحر إذن؟" ثم يجيب كما يجيب زينون: "هو الرجل الحكيم، سيد نفسه، الذي لا يرهب الفقر ولا الموت ولا الأغلال، والذي يتحدى شهواته ويزدري بالمطامع والذ هو كلٌ في نفسهِ(53)". ومن أنبل قصائده قصيدة تُضرب على نغمة رواقية وتقول:
"إذا كان الرجل عادلاً حازماً فقد تتصدع الدنيا كلها من حوله وتتساقط فوق رأسهِ، وتجده تحت حطامها غير هياب ولا وجل(54)". ولكن هوراس رغم هذا كله يلقب نفسه بأمانة جذابة: "خنزيراً من حظيرة أبيقور(55)".




صفحة رقم : 3316




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> هوراس


وهو كأبيقور يقدر الصداقة فوق الحب، وكفرجيل يمتدح إصلاحات أغسطس، ويعيش في حياته كلها عزباً". وقد بذل كل ما في وسعهِ داعياُ إلى الدين ولكنه كان لا دين لهُ، وكان يشعر أن الموت يقضي على كل شيء(56).
وقد أظلمت أفكاره أيامه الأخيرة-وأوتي حظه من الأسقام، فكان ممعوداً مصاباً بالنقرس وبغيره من الأمراض. ومن أقواله في رثاء حاله: "إن السنين وهي تمر تسلبنا كل مسراتنا واحدة بعد واحدة(57)". ويقول لصديق آخر: "واحسرتاه يابستيوس إن السنين تمر بنا سراعاً؛ لن تستطيع تقوانا أن تمنع عنا غضون أجسامنا، أو تقدم أعمارنا، أو الموت الذي لا يُقهر(58)". وقد ذكر في قصيدتهِ الهجائية الأولى كيف كان يأمل إذا حانت منيته أن يفارق الحياة الدنيا راضياً "كالضيف الذي نال من الوليمة كفايته(59)". وها هو ذا الآن يقول لنفسهِ: "لقد لعبت ما شئت أن تلعب، وأكلت ما شئت أن تأكل، وشربت ما شئت أن تشرب، وقد آن أن ترحل(60)". وقد انقضت خمس عشر سنة مذ قال لما سيناس إنه لن يطول أجله كثيراً بعد رجل المال(61). وقد مات ماسيناس في عام 18ق.م وتبعه هوراس بعد بضعة أشهر، وأوصى بأملاكه إلى الإمبراطور ودفن بجوار قبر ماسيناس.




صفحة رقم : 3317




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ليفي



الفصل الخامِس




ليفي


لم يظفر النثر في عهد أغسطس بمثل ما ظفر به الشعر من مؤلفات عظيمة قيمة، فقد اضمحلت الخطابة بانتقال التشريع والقرارات، في الواقع إن لم يكن في الشكل، من مجلس الشيوخ والجمعيات إلى حجرات الزعيم السرية. وظل العلم يجري في مجراه الهادئ تحميهِ من العواصف والأحداث ومصالحه الخيالية، ولم ينتج العصر كله آية أدبية خالدة إلا في التاريخ. وكان صاحب هذه الآية الخالدة تيتس ليفيوس Titus Livius.
ولد تيتس في بتفيوم Patavium (بدوا Padua) في عام 59ق.م. ثم وفد غإلى العاصمة، وأكب على دراسة البلاغة والفلسفة، وخص السنين الأربعين الأخيرة من حياتهِ بكتابة تاريخ لرومة (23ق.م-17م). وذلك كل ما نعرفه عن هذا المؤرخ "فمؤرخ رومة لا تاريخ له"(63). وكان موطنه الأصلي، كموطن فرجيل، وهو إقليم البو، وقد احتفظ على الدوام بفضائل الأقدمين وبساطتهم وتقواهم، ثم نشأ فيهِ احترام قوي للمدينة الخالدة-لعل سببه ما كان يصله عنها من أنباء وهو بعيد عنها. وقد وضع خطة كتابه على أساس واسع عظيم، وقدر له أن يتمه وإن لم يصل من "كتبه" البالغة مائة واثنين وأربعين كتاباً إلا خمسة وثلاثون. وإذ كانت هذه الكتب الباقية تحتويها ستة مجلدات فإن في وسعنا أن نقدر ضخامة هذا المؤلف. ويلوح أن الكتاب قد ظهر أجزاء متتابعة لكل منها عنوان خاص، ويجمعها كلها عنوان واحد هو "من أسس المدينة Ab urbe condita". وكان في وسع أغسطس أن يتغاضى عن ميوله الجمهورية وأبطاله الجمهوريين لأن روح الكتاب الدينية والأخلاقية والوطنية كانت تتفق كل الاتفاق مع خطط




صفحة رقم : 3318




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ليفي


الإمبراطورية السياسية. ومن أجل ذلك اتخذ ليفي صديقاً له وشجعه ليجعل منه فرجيلاً ناثراً يبدأ عمله من حيث تركه الشاعر. وقد فكر ليفي في يوم من الأيام وهو في وسط مرحلته الطويلة التي بدأت في عام 753 ق. م أن ينقطع عن العمل بحجة أنه نال ما يبتغيه من الشهرة الخالدة؛ ثم واصل العمل لأنه على حد قوله وجد نفسه قلقاً حائراً حين امتنع عن الكتابة.
وكان المؤرخون الرومان يرون أن الشعر ولد هجين من أبوين هما البلاغة والفلسفة! وإذا كان لنا أن نصدقهم فإنهم كانوا يؤرخون ليوضحوا المبادئ الأخلاقية بالقصص البليغة، أي أن يجلو المغزى الخلقي بقصة. وقد نُشئ ليفي ليكون ممثلاً، ولكنه حين وجد الخطابة خطرة معرضة للنقد، "اتجه نحو التاريخ" كما يقول تين Taine "لكي يظل كما كان خطيباً"(65). وبدأ كتابه بمقدمة جافة ندد فيها بما كان شائعاً في عصره من فساد وترف وخنوثة؛ وقال إنه دفن نفسه في الماضي لكي ينسي مساوئ الحاضر، "الذي لا نطيق ما ابتلانا من أمراض كما لا نطيق لها علاجاً"، ثم يقول إنه سيتخذ التاريخ سبيلاً لتصوير الفضائل التي رفعت من شأن رومة. وكانت سبباً في عظمتها، وهي اتحاد الأسرة وقداستها، وتقوى الأبناء، والعلاقة المقدسة بين الناس والآلهة في كل خطوة من الخطوات، وقدسية ما يقطعه الناس من عهود وضبط النفس والوقار إلى أقصى حد. ويقول إنه سيجعل رومة الرواقية هذه أمة نبيلة كريمة الأخلاق إلى حد يرى الناس معه أن فتح بلاد البحر الأبيض المتوسط كان من الأعمال التي تحتمها من الأخلاق الكريمة، أو أنها أمر إلهي وشريعة مقدسة نزلت على ما في الشرق من فوضى وما في الغرب من همجية، وسيجعل ما نالته رومة من ظفر نتيجة لما تحلي لها به أهلها من كريم الخلق، كما عزاه بولبيوس إلى نظام حكومتها الصالح الرشيد.
وأكبر ما في الكتاب من عيوب إنما يرجع إلى هذه النزعة الأخلاقية،




صفحة رقم : 3319




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ليفي


ففي على أن مؤلفه رجل يخضع لحكم العقل. وكان احترامه للدين احتراماً مسرفاً إلى حد يكاد يحمله على الأيمان بكل خرافة، ويملأ صحف كتابه بالفأل والطيرة والتنبؤ بالغيب حتى لنشعر ونحن نقرؤها أن الذين يدبرون الحوادث ويقومون بالأعمال هم الآلهة كما نشهد ذلك في أشعار فرجيل. ولسنا ننكر أنه يعبر عن شكهِ أنه يعبر عن شكهِ فيما يروي من أساطير تاريخ رومة الأول، ويبتسم حين يذكرمن الروايات أقلها احتمالاًأسأأ ، ولكنه حين يواصل الكتابة لا يفرق بين الأساطير والتاريخ الحقيقي، ويسير وراء أسلافه بلا تميز كبير بين الباطل من أقوالهم والصحيح، ويقبل الأقاصيص والروايات الخيالية التي اخترعها المؤرخون الأولون ليمجدوا بها أسلافهم(66). وقلما يعنى بالرجوع إلى المصادر الأصلية أو الآثار، ولا يشغل نفسه قط بزيارة الأماكن التي وقعت فيها أهم الحوادث. وتراه أحياناً يعمد إلى شرح صحائف كاملة من بولبيوس(67). ويلجأ إلى طريقة القساوة القديمة طريقة الحوليات، فيقص الحوادث التي وقعت في عهد كل قنصل من القناصل، ولهذا فإنك إذا ضربت صفحاً عما فيهِ من بحوث أخلاقية لن تجد فيهِ أثراً للتعليل الصحيح وربط النتائج بأسبابها، بل كل ما تجده سلسلة متتابعة من الأحداث الرائعة. وهو لا يفرق بين الآباء الأجلاف الأولين الذين عاشوا في عهد الجمهورية المبكر وبين أشراف عصره، أو بين السوقة الأشداء الذين أنشئوا الديمقراطية الرومانية والغوغاء الأدنياء الذين قرضوا أركانها، وهو يتحيز للأشراف على الدوام.
ولقد كان السر الحقيقي في عظمة ليفي هو العزة الوطنية التي تجعل رومة في نظرة محقة على الدوام. وهذا السر هو الذي حباه بالسعادة الدائمة في أثناء كدحه الطويل، ولهذا السبب فإننا قلما نجد كاتباً نفذ خطة واسعة كخطتهِ بمثل ما نفذها هو في أمانة أشعرت قراءة الأقدمين ولا تزال تشعرنا نحن بعظمة رومة وبما قدر لها في عالم الغيب من مصير. ولقد كان هذا الشعور




صفحة رقم : 3320




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ليفي


بعظمة رومة هو مصدر ما في أسلوب ليفي من نشاط، وما في أشخاصه من قدرة، وما في وصفهِ من بهجة وقوة، وما في نثره من انسجام رائع جليل. وإن الخطب التي اخترعها من عنده وبثها في تاريخه لتعد آيات في الخطابة أصبحت من بعدهِ نماذج تُحتذى في المدارس، وإن القارئ ليسحر لبه ما يتخلل الكتاب كله من أخلاق كريمة؛ فليفي لا يعمد إلى الصخب والضجيج، ولا يقسو في أحكامهِ على الناس، وعطفهِ على الدوام أوسع من علمهِ وأعمق من فكرهِ. وهذا العطف يفارقه حين يروي قصة هنيبال، ولكننا لا يسعنا أن نغفر ذلك لهُ، وهو إلى هذا يكفر عن هذا الذنب بتتابع حوادث القصة وروعتها التي تصل إلى ذروتها حين يصف الحرب البونية الثانية.
ولم يكن قراؤه يهتمون بما في كتابهِ من أخطاء، ومن نقص في الدقة، ومن تحيز، وكانوا يحبون أسلوبه وقصصه، ويبتهجون بالصورة الواضحة التي صور بها ماضيهم. وكانوا يعدون كتابهُ "من أسس المدينة" ولحمة منثورة من أنبل ما خلفه عصر أغسطس، والنزعة التي سادت ذلك العصر. ولقد ظل كتاب ليفي يلون أفكار الناس عن تاريخ رومة وأخلاق أهلها ثمانية عشر قرناً كاملة تبدأ من أيامه. وحتى الذين كانوا يقرءون كتابه من أهل البلاد الخاضعة لسلطان الرومان قد تأثروا بهذا السجل الضخم للفتوح التي لم يكن لها نظير من قبل، وبالأعمال الضخمة الجبارة التي قام بها رجالها. ويقص بلني الأصغر قصة أسباني تأثر بكتاب ليفي تأثراً حمله على أن يسافر من قادس Cadiz إلى رومة لعله يلقاه فيها. فلما حقق رغبته وصلى لربهِ، ونسي كل ما عدا ذلك من الحقوق، وعاد راضياً إلى موطنه عند المحيط الأطلنطي(68).




صفحة رقم : 3321




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين



الفصل السّادس




ثورة العاشقين


وظل الشعر في هذه الأثناء ينتشر وتعلو مكانته، ولكن على غير ما كان يشتهي أغسطس. ذلك أن الفنانين العظماء، أمثال فرجيل وهوراس، وهم وحدهم الذين يستطيعون قرض الشعر الجيد في الموضوعات التي تطلبها الحكومة؛ فأما من كانوا أعلى من هذين الشاعرين قدراً فإنهم لا ينصاعون إلى هذه المطالب، وأما من كانوا أقل منهما شأناً فإنهم لا يستطيعون إجابتها. وقد خضع مصدران من مصارد الشعر الكبرى- الدين، الطبيعة، والحب- إلى سلطان الإمبراطورية، أما المصدر الثالث فقد ظل خارجاً على سلطانها غير خاضع لأي قانون حتى في أغاني هوراس. ثم فر الشعر فراراً بطيئاً على يد تيبلس Tibullus وبروبرتيوس Propertius، وثار ثورة سارت في طريق يحفه المرح المتزايد إلى خاتمة مفجعة.
وتفصيل ذلك أن ألبيوس تيبلس (54- 19) خسر الأرض التي ورثها عن آبائهِ كما خسر فرجيل أرضه حين وصلت نيران الحرب الأهلية بلدة بدوم Pedum- قرب تيبور Tibur- مسقط رأسه. وأنقذه مسالا من الفقر وأخذه مع حاشيته إلى بلاد الشرق، ولكن تيبلس مرض في الطريق وعاد إلى رومة مغتبطاً بنجاحه من الخرب ومن السياسة، فقد أمكنه ذلك من أن يصرف جهوده كلها في التغني بعشق الفتيات والفتيان، ونظم المراثي المصقولة على نمط يونانيّ الإسكندرية. وكتب الابتهال المألوف إلى دليا Dilia (وهو اسم لا نعرف عنه أكثر من هذا ولعله لم يقصد بهِ فتاة بعينها بل كان يسمى بهِ الكثيرات من عشيقاتهِ) التي تجلس أمام بابها كالحارسة العنيدة(69)، يُذكّرها كما ذًكرت كثيرات من الغانيات قبلها أن الشباب




صفحة رقم : 3322




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين


لا يجيء إلا مرة ثم ينقضي مسرعاً خفية؛ ولم يقلق باله أن دليا متزوجة، فقد أنام زوجها بأن قدم له نبيذاً مركزاً، ولكنه استشاط غضباً حين فعل به عاشقها الجديد ما فعله هو بزوجها(70). ولعل هذه الموضوعات العتيقة لم تكن خليقة بإقلاق بال أغسطس، أما الذي جعل تيبلس، وبروبرتيوس وأوفد مبغضين إلى حكومة تلقى أشد الصعاب في وجود مجندين للجيش فهو النزعة المؤثرة القوية المضادة للجندية، والتي كانت تتصف بها هذه العصبة المتحللة في حبها من جميع القيود. ذلك أن تيبلس يسخر من المحاربين الذين يسعون إلى الموت في الوقت الذي يستطيعون فيهِ أن يغرَّروا بالنساء، ويتحسر على عهد زحل ويتصوره عهداً:
لم يكن فيه جيوش، ولا حقد، ولا حرب...فلم تكن حرب حين كان الناس يشربون من أقداح خشبية...ألا فأعطني الحب وحده ودَع غيري يذهب إلى الحرب...فالبطل هو الذي يدركه الكبر في كوخهِ المتواضع بعد أن وُلد له بنون، فتراه يرعى الماشية وابنه يرعى الضأن، وزوجته الصالحة تسخن الماء لجسمه المتعب. فلأعش حتى تصبح كل شعرة من شعر رأسي ناصعة البياض، وأحدّث عن الأيام الخوالي كما يتحدث الشيوخ"(71).
أما سكستس بروبرتيوس (49- 15) فكانت أغانيه أقل بساطة وأقل حناناً، يزينها العلم أكثر مما يزين أشعار تيبلس، وتماثلها فيما تحتويهِ من أناشيد الدعارة الهادئة. وقد ولد سكستس في أمبريا Umbria وتلقى العلم في رومة، وسرعان ما آل إلى قرض الشعر، وضمه ماسيناس إلى ندوتهِ على الإسكولين Esquiline وإن لم يكن في القراء- إلا قلة ضئيلة منهم- من يستطيع أن يستخرج أفكاره من أغوار حذلقته. وهو يصف في زهو وسرور الولائم التي كانت تقام على شاطئ نهر التيبر، حيث كان يحتسي خمر لزبس Lesbos في كؤوس من صنع الفنانين العظام "وهو جالس كأنه على عرش بين النساء




صفحة رقم : 3323




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين


المرحات"، يرقب السفن تجري في النهر من تحته(72). وكان بروبرتيوس يتغنى بمدح الحرب من حين إلى حين ليطرب بذلك وليّ نعمته وزعيمه؛ أما حبيبته سنثيا Cynthia فكانت لها عنده نغمة أخرى، فهو يقول لها: "لِمَ أنجب أبناء ليضحى بهم في الانتصارات البارثية Parthian ؟ لا، لن يكون ولد من أبنائنا جندياً"(73)، وهو يؤكد لها أن كل ما في العالم من أمجاد عسكرية لا يعادل ليلة واحدة مع سنثيا(74).
وإذا أحصينا كل هؤلاء الأبيقوريين خفاف القلوب والأحلام، الذين كانوا يقضون حياتهم بين الحب والصد كان ببليوس أفيديوس نازو Publius Ovidius Naso أنموذجهم السعيد وحامل لوائهم جميعاً. وكان مولده عام 43 ق.م سلمو Sulmo (سلمو)، وهي بلدة في واد جميل من وديان الأبنين على بُعد تسعين ميلاً أو نحوها شرقي رومة. وكان يتخيلها من منفاه في سنيه الأخيرة بلدة جميلة ذات كروم وغياض من شجر الزيتون، وحقول من القمح، ومياه جارية. وأرسله أبوه- وكان رجلاً ثرياً من رجال الطبقة الوسطى- ليدرس القانون في رومة، ولكنه صُدم حين سمع أن ابنه يريد أن يكون شاعراً. فأخذ يذكر للصبي ما لقيه هومر من مصير محزن؛ فقد مات هذا الشاعر- كما يقول أحسن الناس علماً بأخباره- فقيراً أعمى. وأثّر هذا التحذير في أوفد فواصل دراسة القانون وارتقى حتى صار قاضياً في المحاكم البريتورية، وأبى أن يتقدم ليكون كوسترا، فحزن لذلك أبوه أشد الحزن (لأن هذا المنصب كان يؤهله لأن يكون عضواً في مجلس الشيوخ)؛ وفضل أن يعمد إلى دراسة الأدب وإلى الحب، محتجاً بأنه لا يسعه إلا أن يكون شاعراً "ولثغت بالأوزان فجاءت الأوزان"(75).
وسافر أوفد على مهل إلى أينة وإلى الشرق الأدنى وصقيلة، ولما عاد انظم إلى زمرة أكثر الناس مجنوناً وخلاعة في العاصمة، وكان ذا نصيب موفور




صفحة رقم : 3324




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين


من الجمال، والذكاء، والعلم، والمال، فاستطاع بذلك أن يفتح جميع الأبواب المغلقة. وتزوج مرتين في شبابهِ، وطلق زوجته، ثم قضى بعض الوقت يرعى في المراعي العامة ويقول: "فليجد غيري مسراتهم في الماضي، وأما أنا فما أسعدني إذ ولدت في هذا العصر الذي توائم أخلاقه أخلاقي"(76). وكان يسخر من الإنياذة، ولم يفد منها إلا نتيجة واحدة، هي أنه لما كان ابن الزهرة هو الذي أنشأ رومة فقد وجب أن تصبح مدينة الحب لتدل على تقى أهلها وصلاحهم إن لم يكن ذلك لسبب آخر(77). وخلبت لبه عاهر جميلة يسميها كورنا Corinna إخفاء لاسمها عن القراء، أو لعل ذلك اسم يطلقه على الكثيرات غيرها من النساء اللاتي وقع في حبهن. وسرعان ما وجدت أشعاره المكشوفة فيها من ينشرها له، فنشرت بعنوان الغزليات Amores في عام 14م، ولم تلبث إلا قليلاً حتى جرت على لسان كل شاب في رومة حديثاً وغناء. ويقول هو في ذلك: "إن الناس في كل مكان يريدون أن يعرفوا من تكون كورونا هذه التي أتغنى بحبها"(78). وقد أضلهم هو في مجموعة أخرى من الغزليات في وصف الحب الخليط فقال:
"ليس الذي يثير عاطفتي هو الجمال الثابت؛ بل إن ثمة مائة سبب تحفظ لي حبي، فإذا رأيت فتاة جميلة ذات عينين ناعستين مطرقتين إلى حجزها اشتعلت نارالحب في قلبي، وأسرتني بسذاجتها. وإذا أبصرت فتاة خليعة، اخترقت سهام لحاظها قلبي، لأنها ليست قروية ساذجة، لأنها تقوى أملي في أن أضمها إلى صدري على فراشي الوثير. وإذا تمنعت وتظاهرت بالعناد والصلابة حكمت بأنها ستخضع لي لا محالة، ولكنها ممعنة في خداعها. وإذا كنت عالمة ضليعة بما في الكتب اتهويتني بشمائلك النادرة... وتخطر




صفحة رقم : 3325




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين


إحداهن الهوينا فأحبها لحسن خطاها، وتخطو الأحرى بقوة، ولكنها ترق إذا طاف بها طائف الحب.. وإذا غنت فتاة بصوت شجي.... خطفت منها القبلات في أثناء الغناء، وإذا ضربت الأخرى بأناملها الخفيفة على الأوتار الشاكية- فمنذا الذي لا يقع في حب هاتين اليدين الماهرتين؟ وهذه تأسرني بحركاتها، إذا ما حركت يديها في اتزان وانسجام، وتفننت في ثني خصرها الرقيق فتذكى النار في قلبي الذي تلتهب فيه نيران الحب لأقل الأسباب.... ضع هبوليتس Hippolytus في مكاني يصبح بريابس Priapus!... إني لتفتنني الطويلة والقصيرة على السواء، فكلتاهما تضرم النار في قلبي... وإني لأتقدم إليهما ضارعاً متوسلاً أن يستجيبا لحبي(79).
واعتذر أوفد عن عدم التغني بمجد الحرب، وقال إن كيوبد Cupid جاءه واحتلس قدماً من شعره وتركه أعرج(80). وكتب مسرحية لم يُعثر عليها بعد وهي مرحية ميديا Medea قوبلت بقبول حسن، ولكنه كان على العموم يفضل الشعر الغزلي أو كما يسميه هو "ظلال الزهرة الكسول"، ولا يرغب في أكثر من أن يسمى "المنشد المعروف بأساليبه التافهة"(81). وأغانيه هي بعينها أغاني جماعة التروبدور سبقتها بألف عام كاملة، وموجهة مثلها للسيدات المتزوجات. وهي تجعل المغازلة أهم أعمال الحياة. ويعلم أوفد كورنا كيف تتحدث إليه بالإشارات وهي مضطجعة على فراش زوجها(82)، ويؤكد لها أنه سيظل وفياً لها أبد الدهر، وأنه لن يزني بغيرها أبداً: "فلست زير نساء يتنقل من هذه إلى تلك ويحب مائة امرأة في وقت واحد". ثم يحظى بها آخر الأمر ويكتب قصيدة ابتهاجاً بنصره، ويثني فيها عليها لطول صدها عنه، وينصحها بأن تعود إلى هذا الصد من حين إلى حين، حتى يدوم حبه لها أبد الدهر. ثم يخاصمها ويضربها، ويندم على فعلته، ويحزن ويجن بحبها أكثر من ذي قبل، ويفعل ما يفعله رميو فيتوسل إلى الليل أن يطول وإلى الفجر ألاّ يطلع، ويرجو أن تهب




صفحة رقم : 3326




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين


ريح مواتية فتحطم قطب عربة الفجر. وتخدعه كورونا كما خدعها، ويستشيط هو غضباً حين يعرف أنها لا تجد فيما لها في شعرهِ من خشوع جزاءً كافياً لحبها له؛ وتقّبله طالبة إليه أن يصفح عنها ولكنه لا يسامحها لما كسبته من حذق جديد في بث لواعج الهوى، ويقول إن معلماً جديداً قد علمها هذا الحذق(83). وبعد بضع صفحات من الكتاب نجده يحب فتاتين في وقت واحد كلتاهما جميلة حسنة الذوق في اختيار ملابسها، مهذبة، مثقفة"(84). ثم لا يلبث أن يساوره الخوف من أن يقضي عليه توزيع قلبه بين حبيبته، ولكنه يقول إنه يسعده أن يخر صريعاً في ميدان الحب(85).
ولاقت هذه القصائد قبولاً لا بأس به من المجتمع الروماني بعد أربع سنين من صدور قوانين الإصلاح اليوليوسية، وظلت بعض الأسر العظيمة أمثال أسرة الفابيين والكرفينيين، والبمبونيين تستضيف أوفد في بيوتها؛ وازدهى الشاعر بما ناله من نصر فأصدر كتاباً في التغرير بالنساء سماه فن الغرام Ars Amatoria(2م) يقول فيهِ. "لقد عينتني الزهرة معلماً للحب". وهو يحذر قرائه تحذيراً ينطوي على العفة والطهارة فيقول إن أمثاله يجب إلا تطبق إلا على الجواري والسراري؛ ولكن ما يفيض به الكتاب من تصوير للصداقات الوثيقة، ومواعيد اللقاء السرية، والرسائل الغرامية، ومن هزل وفكاهة، وخيانة أزواج، وخادمات محتلات ماهرات، كل هذا يوحي بأن الكتاب إنما يصور أحوال الطبقتين العليا والوسطى في رومة. وأراد أن لا تكون دروسه سريعة الأثر فوق ما يجب أن تكون فأضاف إلى رسالته الأولى رسالة ثانية في علاج الحب Remedia Amoris يقول فيها إن خير علاج من داء الحب هو العمل الشاق، ثم يليه في القوة الصد، ويأتي بعدهما الغياب، ومن المفيد أيضاً أن تفاجئ حبيبتك في الصباح قبل أن تتم زينتها(90). ثم أراد آخر الأمر أن يوفق بين آرائه الأولى والثانية فأخرج رسالة ثالثة عنوانها: De Medicamina Fociei Feminineae وهي رسالة شعرية في




صفحة رقم : 3327




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين


أصباغ التجميل وأدهانه، أخذ ما فيها عن اليونان. ولاقت هذه الرسائل الصغيرة رواجاً عظيماً، وانتشرت بسببهِ سمعهة أوفد السيئة في كل مكان، ويقول في ذلك: "ما دامت شهرتي قد طبقت العالم كله فإني لا يعنيني قط ما يقوله عني شخص أو شخصان"(91) ولم يكن وهو يقول هذا يعر أن أحد هذين الشخصين الحقيرين هو أغسطس نفسه، وأن قصائده قد أغضبت الزعيم، وأنه يراها إهانة لحقت بالقوانين اليوليوسية، وأنه لن ينسى هذه الإهانة حين تخطر الفضائح الإمبراطورية على بال الشاعر الغافل.
وفي السنة الثالثة بعد الميلاد تزوج أوفد للمرة الثالثة، وكانت زوجته الجديدة من أكبر الأسر الممتازة في رومة؛ واستقر الشاعر، وكان وقتئذ في السادسة والأربعين من عمرهِ، في حياته المنزلية الهادئة، ويلوح أنه هو وزوجته قد تبادلا الوفاء والإخلاص والهناءة في فابيا Fabia، وفعلت به السن ما لم يفعل به القانون، فأخمدت نيران عواطفه وجعلت شعره جديراً بالاحترام. فروى في كتابهِ Heroides قصصاً عن حب شهيرات النساء أمثال بنلبي Penelope وفيدرا Phaedra وديدو، وأريدني Ariadne، وسابفو، وهلن Helen، وهيرو Hero ولعله أسرف في طول هذه القصص حتى أمل، لأن التكرار قد يجعل كل شيء حتى الحب نفسه مسئماً. على أن مما يثير الدهشة حقاً في هذه القصص جملة على لسان فدرا تعبر فيها عن فلسفة أوفد: "لقد حكم جوف بأن الفضيلة هي كل ما يهبنا اللذة"(92). ونشر الشاعر حوالي 7م أعظم مؤلفاته كلها وهو كتاب "التحول Metamorphoses. ويتألف من خمسة عشر سفراً، تقص في شعر سداسي الأوتاد تحول الجماد والحيوان والناس والآلهة. وإذا كان كل شيء في الأساطير اليونانية الرومانية، إلا القليل النادر، قد بدل صورته، فقد استطاع أوفد بفكرتهِ هذه أن يغترف من بحر الأساطير القديمة كلها إلى تأليه قيصر، وكانت كتاباته هي القصص التي ظلت ذات شأن عظيم في برامج الكليات جميعها حتى الجيل السابق على جيلنا




صفحة رقم : 3328




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين


هذا، بل إن ثورة هذه الأيام لم تَمحِ بعد ذكرها من العقول: كقصص عربة فيتون Phaethon's Chariot، وببراموس وثزبي Pyramus & Thisbe وبرسيموس وأندرمدا Perseus & Andromeda، وسرقة برسبرين The Pape of Prosperine، وأورثوزا Arethusa، ميديا Medea، وديدالوس وأيكاروس Daedalus & Lacrus، وبوسيز وفليمون Baucis & Philemon، وأورفيوس ويورديس Orpheus & Eurydice، وأطلنطا Atlanta، وفينوس وأدنيس Venus & Adonis وكثيراً غيرها. هذا هو المعين الذي استمدت من مئات الآلاف من موضوعات القصائد، والرسوم والتماثيل. وإذا كان لا بد للإنسان أن يواصل دراسة الأساطير القديمة، فإن أيسر السبل إلى دراستها أن يقرأ قصص هذا الحشد العظيم من الآدميين والآلهة، وهي قصص تروى بكثير من التشكك الفكه النزعة الغزلية، وللفن فيها أثر دائم عظيم يعجز عنه العابث غير القدير، ولا يصل إليهِ إلا من أوتي المقدرة والصبر الطويل، فلا عجب والحالة هذه أن يعلن الشاعر الواثق من نفسه في ختامها أنه من الخالدين: "Per Saecula Omnia Vivam سأعيش إلى آخر الدهر".
وما كاد يفرغ من كتابة هذه العبارة الأخيرة حتى ترامى إليهِ أن أغسطس قد أمر بنفيهِ إلى بلدة تومي Tomi الباردة الهمجية الواقعة على ساحل البحر الأسود وهي المعروفة الآن بقسطنطة، والتي لا تزال غير محببة إلى غير أهلها. وتلك كارثة لم يكن الشاعر مستعداً لتحملها في مثل سنه، وكان قد أتم في هذا الوقت إحدى وخمسين عاماً، وفرغ توّاً، قبيل انتهائه من كتاب "التحول"، من قصيدة من الشعر الجيد يثني فيها على الإمبراطور ويعترف فيها بأن سياسته قد نشرت لواء السلام والأمن والرفاهية التي يستمتع بها الجيل الذي يعيش فيهِ أوفد. وكان فوق هذا قد أتم نصف قصيدة تدعى فاستي Fasti وهي قصيدة تكاد تكون من القصائد التقية تتحدث عما في السنة الرومانية م أعياد دينية. وكان يوشك




صفحة رقم : 3329




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين


أن يجعل هذه القصيدة ملحمة موضوعها من التقويم الروماني، لأنه استخدم في رواية قصص الدين القويم وفي تكريم هياكله وآلهته ما استخدمه في الأساطير اليونانية والغزَل الروماني من أسلوب سهل واضح وعبارات وجُمل رقيقة. وكان يرجو أن يهدي القصيدة إلى أغسطس ليشترك بها في إعادة الدين القويم إلى سابق عهدهِ، ولتكون بمثابة اعتذار منه عن سخريته بهذا الدين، وإنكار لما فرط منه في حقهِ.
ولم يتبين الإمبراطور من قراره أسباب نفيه، وليس في مقدور أحد أن يعرففي هذه الأيام حقيقة هذه الأسباب. على أن ثمة إشارة بعيدة من الإمبراطور لأسباب هذا النفي، فقد نفى في الوقت نفسه حفيدته يوليا وأمر بإخراج كتب أوفد من دور الكتب العامة. ويلوح أن الشاعر كان له بعض الشأن في مسلك يوليا الشائن، سواء كان حظه فيهِ حظ الشاهد، أو المشارك، أوالفاعل الأصلي. أما هو نفسه فيقول إنه عوقب بسبب "خطأ" وقع فيه وبسبب قصائده، ويذكر ما يوحي بأنه شهد على الرغم منه منظراً غير لائق(93). وأجيز له أن يبقى في أثناء الشهور الباقية من عام 8م ينظم فيها شؤونه. وكان القرار مجرد إبعاد، أخف من النفي، يسمح له بأن يحتفظ بأملاكهِ، ولكنه أقسى منه إذ يلزمه بالإقامة في مدينة واحدة. فلم يكن منه إلا أن أحرق كتاب التحويل، وإن يكن بعض القراء قد نقلوا صوراً منه واحتفظوا بها لأنفسهم. وابتعد عنه معظم أصدقائه(94) وعرض بعضهم أنفسهم لأشد الأخطار ببقائهم معه إلى ساعة رحيله؛ وشجعته زوجته وأعانته على تحمل محنته بما أظهرت له من الحب والإخلاص، وإن لم تسافر معه إطاعة لأمره. وإذا استثنينا هذه المظاهر القليلة فإن رومة بأسرها لم تظهر شيئاً من الاهتمام بشاعر أفراحها ومسراتها حين أبحر من أستيا ليبدأ سفره الطويل وابتعاده عن كل شيء يحبه. وكان البحر هائجاً طوال أيام الرحلة تقريباً،




صفحة رقم : 3330




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين


وخيل إلى الشاعر مرة أن الأمواج ستبتلع سفينتة، ولما أبصر تومي حزن إذ بقي على قيد الحياة واستسلم للحزن واليأس.
وكان في أثناء الرحلة قد شرع ينظم القصائد المعروفة لنا باسم الأحزان Tristia. فلما جاء المدينة واصل نظمها وبعث بها إلى زوجته وابنته وربيبته وأصدقائه. وأكبر الظن أن الروماني المرهف الحس قد بالغ في وصف أهوال موطنه الجديد حين عنه إنه: مكان قفر خالٍ من الأشجار لا ينبت فيهِ شيء وإن كان ضباب البحر الأسود عنه الشمس، وإن البرد يشتد فيهِ حتى يبقى ثلج الشتاء في بعض السنين طوال فصل الصيف، ويتجمد ماء البحر الأسود في فصل الشتاء المظلم الكئيب، كما يتجمد ماء نهر الدانوب حتى ليسهل أن يمر عليهِ البرابرة الضاربون حول المدينة على أهلها وهم خليط من الجيتا Getae حملة الخناجر واليونان المهجنين. ولما فكر في سماء رومة الصافية وحقول سلمو Sulmo الناضرة تحطم قلبه أسىً وحسرة، وسرى في شعرهِ- وكان لا يزال جميلاً في شكله ولفظه- شعور عميق قوي لم يسر فيه قبل.
وتتصف "الأحزان" هي والرسائل الشعرية التي كتبها لأصدقائه "من البحر الأسود Ex Ponto" بكل ما تتصف به أعماله العظيمة من سحر وجمال، فقد بقي له في منفاه كل ما كان له من ألفاظ سهلة يبعث بها السرور في القلوب حتى وهو في المدرسة، ووصف للمناظر تكتسب وضوحها من نفاذ بصره ومن خياله، وقدرة على تصوير الأسخاص وبث الحياة فيهم بما أوتي من دقة ومهارة سيكلوجية، وعبارات موجزة مليئة بالتجربة والتفكير، ورقة في الحوار، ويسر وسهولة في الأوزان، كل هذه الخصائص قد بقيت له في منفاه وخالطها جِدٌّ ووقار ورقة، كان افتقار قصائده الأولى إليها مما جعلها غير جديرة بالرجال.وكان ينقصه في جميع مراحل حياته قوة الخلق؛ وكما أنه قد أفسد




صفحة رقم : 3331




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين


شعراء في وقت من الأوقات بما ملأه به من وصف الشهوات الجنسية التافهة، فقد أغرق الآن أشعاره بفيض من الدموع والتضرع للزعيم والتذلل له.
وكان يحسد القصائد التي تستطيع الوصول إلى رومة، ومن أقواله في هذا المعنى: "ارحلي أيتها الكتب وحيي باسمي الأماكن التي أحبها" و "أرض بلادي العزيزة على"(95) ويتمنى لو أن صديقاً شجاعاً حمل هذه الرسائل إلى الإمبراطور فأشفق عليه. وهو يفصح في كل رسالة عن أمله في أن يعفو الإمبراطور عنه، أو يأمر بنقله إلى مكان أقل قسوة من منفاه. وهو لا ينفك يفكر في زوجته ويردد اسمها في أثناء الليل، ويتمنى أن يقبل شعرها الأبيض قبل أن تحين منيته(96). ولكنه لم يصله عفو، حتى إذا قضى في المنفى تسع سنين وبلغ من العمر ستين عاماً، رحب بالموت، وجيء بعظامه إلى إيطاليا استجابةً لرجائه، ودفنت بجوار عاصمة البلاد.
وحققت الأيام ما تنبأ لنفسه من شهرة خالدة، وكان له في العصور الوسطى ما لفرجيل من أثر عميق، وأضحى كتاباه "التحولات" والهيرويدات مصدر كثير من روايات الحب في تلك العصور، واستمد منه بوكاشيو، وتسو، وتشوسر، واسبنسر كثيراً من موضوعاتهم، ووجد مصورو النهضة في أشعاره الشهوانية كنزاً من الموضوعات لا ينضب له معين، وملاك القول أنه كان أعظم شاعر وجداني إبداعي في العصر العقلي الإتباعي.
وانقضى بموته عهد من العهود الزاهرة في تاريخ الأدب. ولا جدال في أن عصر أغسطس لم يكن من أزهى عصور الأدب كما كان عصر بركليز في اليونان أو عصر إلزبث في إنجلترا.
وقد كان حتى في أحسن ما أخرجه من النثر بلاغة طنّانة، وفي خير ما أخرجه من الشعر كمال في الشكل قلّما ينتقل كلاهما من القلب إلى القلب.




صفحة رقم : 3332




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الذهبي -> ثورة العاشقين


ولسنا نجد في هذا العصر من يضارع إسكلس أو يوربديز أو سقراط أو حتى لكريشيوس أو شيشرون. لقد كان احتضار الإمبراطور للأدباء هو الذي يلهم أدب رومة ويغذيه ويقمعه ويضيق عليه. وإن العصر الأرستقراطي- كعصر أغسطس أو لويس الرابع عشر أو القرن الثامن عشر في إنجلترا- إن هذا العصر ليعلي من شأن الاعتدال والتوسط، وحسن الذوق، ويوجه الأدب وجهة "إتباعية" في الأسلوب يعلو فيها العقل والشكل على الوجدان والحياة. وذلك أدب أكثر صقلاً وأقل حيوية، وأنضج وأقل تأثيراً من أدب العصور أو العقول المبدعة العاطفية. ولكننا إذا أغضضنا الطرف عن هذا ونظرنا إلى أدب ذلك العصر في نطاق الأدب العقل الإتباعي وجدناه جديراً باسمه؛ فنحن لا نرى من قبله حكماً رزيناً قد عبر عنه بمثل هذا الفن البالغ أوج الكمال، وحتى المرح الجنوني الذي وصفه أوفد قد خفف من حدته القالب الإتباعي الذي صب فيه. وقد بلغت اللغة اللاتينية في شعره وشعر فرجيل وهوراس أعلى ما وصلت إليه بوصفها أداة لقرض الشعر، ولم تبلغ بعدهم ما بلغته في أيامهم من ثراء في اللفظ، وفخامة في النغم، ودقة في التعبير مع إيجاز ومرونة وعذوبة ألفاظ.




صفحة رقم : 3333




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> تيبيريوس



الباب الثالث عشر




الجانب الآخر من الملكية




14-96 م




الفصل الأوَّل




تيبيريوس


إذا نزل العلماء من عليائهم إلى ميدان العواطف زاد العلم ولعابها؛ أما إذا كانت العواطف هي المسيطرة على السياسة تصدعت أركان الإمبراطوريات وزلزلت دعائمها. وكان اختيار أغسطس لتيبيريوس اختياراً حكيماً، ولكنه جاء بعد فوات الفرصة. ولما كان تيبريوس يعمل على إنقاذ الإمبراطورية بصبره وحسن قيادته أوشك الإمبراطور أن يحبه، فقد جاء في ختام إحدى الرسائل التي وجهت إليه: "وداعاً يا أحب الناس إليّ... ويا أشجع الرجال، ويا أعظم القواد إخلاصاً وأحياهم ضميراً"(1). ولكن عاطفة الجوار وقرب الدار أعمت أغسطس كما أعمت من بعده أورليوس، فنأى بجانبه عن تيبيريوس وقرب إليه أحفاده الصغار، واضطره إلى التخلي عن زواج سعيد موافق ليكون ديوث يوليا، وغضب منه حين لم يرض عن سلوكها، وتركه يبلغ سن الشيخوخة وهو يدرس الفلسفة في رودس. ولما تولي تيبيريوس رياسة الدولة في آخر الأمر كان قد بلغ الخامسة والخمسين من عمره، وكره المجتمع، ولم يعد يرى في السلطان سعادة.




صفحة رقم : 3334




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> تيبيريوس


وإذا شئنا أن نفهمه على حقيقته وجب علينا أن نذكر أنه من آل كلوديوس وأنه كان أول الفرع الكلودي من الأسرة اليوليوسية الكلودية التي كان آخرها نيرون. وقد ورث عن أبويه أنبل دم في إيطاليا، وأضيق أهلها أفقاً، وأقواهم إرادة. وكان طويل القامة شديد البأس، حلو الملامح، ولكن حب الشباب ضاعف من حيائه، وسماجة طباعه، وإحجامه وحبه للعزلة(2). ويمثل رأسه الجميل المحفوظ في متحف بسطن في صورة قس شاب عريض الجبهة، واسع العينين غائرهما، ذي وجه يدل على الحزن وعميق التفكير، وقد بلغ من جده ووقاره في شبابه أن أطلق عليه بعض المجان اسم "الرجل العجوز". وقد أخذ من التربية كل ما يستطيع أن يأخذه عن الرومان واليونان والبيئة والتبعة، وأتقن اللغتين اليونانية والرومانية وآدابهما، وكتب الأغاني الشعرية، ودرس التنجيم و "غفل عن الآلهة"(3). وكان يحب أخاه الأصغر دروسس رغم أنه كان أحب منه إلى الشعب؛ وكان زوجاً مخلصاً وفياً لفسبانيا Vipsania مكرماً لأصدقائه إكراماً لم يكون يترددون معه في أن يهدوا إليه الهدايا وينتظروا منه أن يهدي إليهم أربعة أمثالها. وكان أقسى قواد زمانه وأقدرهم، فنال بذلك إعجاب جنوده وتعلقهم به، لأنه كان يعني بكل شؤونهم مهما صغرت، ولأن كان يكسب المعارك بفنه أكثر مما يكسبها من دماء جنده.
ولكن فضائله هي التي قضت عليه، فقد كان يصدق القصص التي تروى عن أعمال أسلافه، وكان يتوق إلى صرامة الرومان الأقدمين تعود إلى المدنية الجديدة، وارتاح إلى إصلاحات أغسطس الأخلاقية، ولم يخف قط عزمه على تنفيذها طوعاً أو كرهاً. ولك يكن يحب ذلك الخليط من الأجناس الذي كان يغلي في بوتقة رومة، فقدم إليهم الخبز ولكنه لم يقدم إليهم الألعاب، وأغضبهم بامتناعه عن حضور ما كان يقدمه إليهم منها أثرياء المدينة. وكان قوي الاعتقاد بأن رومة لا ينجيها مما تردت فيه من الانحطاط إلا طبقة




صفحة رقم : 3335




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> تيبيريوس


من الأشراف الصلاب ذوي الخلق القويم والذوق الجميل. ولكن الأشراف والعامة على السواء لم يطيقوا صلابة عوده، وصرامة وجهه، وصمته الطويل، وحديثه البطيء، وما يبدو عليه من علم بتفوقه، وفوق هذا كله اقتصاده الشديد في أموال الدولة. فهو والحالة هذه رواقي ولد خطأ في عصر أبيقوري. وقد حالت أمانته الصارمة بينه وبين تعلم فن سنكا، فن الدعوة إلى عقيدة بلغة مزينة جميلة، وإتباع عقيدة أخرى والمثابرة عليها بتجمل وكياسة.
وظهر تيبيريوس أما مجلس الشيوخ بعد أربعة أسابيع من وفاة أغسطس، وطلب إليه أن يقرر إعادة الجمهورية، وقال للأعضاء إنه لا يصلح لحكم تلك الدولة المترامية الأطراف، "وإن خير طريقة لإدارة أعمال المصالح المختلفة التي تشرف على الشؤون العامة في مدينة احتوت هذا العدد الجم من الرجال النابهين ذوي الأخلاق العالية... أن يتولاها جماعة مؤتلفون من خير المواطنية وأعظمهم كفاية"(4). ولم يجرؤ أعضاء المجلس على أن يصدقوا ما يقوله لهم، فحيوه كما حياهم بطأطأة رؤوسهم، وما زالوا به حتى قبل أن يتولى السلطة التي قال عنها "إنها استرقاق مبهظ مذل" على أمل أن يسمح له المجلس في يوم من الأيام أن يعتزلها ليحيا حياته الخاصة متمتعاً بالحرية(5). وهكذا مثلت الرواية من كلا الجانبين أحسن تمثيل. وما من شك في أن تيبيريوس كان يريد أن يتولى الزعامة وإلا لوجد سبيلاً إلى الفرار منها، وأن مجلس الشيوخ كان يخشاه ويبغضه، ولكنه كانت ترهب عودة جمهورية تقوم، كما كانت تقوم الجمهورية القديمة، على جمعيات تعد من الوجهة النظرية مصدر السلطات جميعها، وكان يرغب في نظام أقل دمقراطية من هذا النظام السالف الذكر لا أكثر منه. ولشد ما ابتهج حين أقنعه تيبيريوس (14 م) أن يأخذ من الجمعية المئوية حق اختيار الموظفين العموميين. وشكا المواطنون من هذا الانقلاب بعض الوقت وكان سبب شكواهم أنهم خسروا الأموال التي كانت تبتاع بها أصواتهم، وأضحى كل ما بقي بعدئذ من السلطة لعامة الناس هو سلطة




صفحة رقم : 3336




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> تيبيريوس


الاختيار الإمبراطور بقتل سلفه. ذلك أن الدمقراطية بعد تيبيريوس قد انتقلت من الجمعيات إلى الجيش، وكانت أداة الانتخاب هي حد السيف.
ويلوح أنه كان يبغض الملكية بغضاً حقاً خالياً من الرياء، وأنه كان يعد نفسه رأى مجلس الشيوخ الإداري وذراعه المنفذة، ولذلك رفض من الألقاب كل ما تشتم منه رائحة الملكية وقنع بلقب "زعيم الشيوخ" Princeps Senatus، وقضى على كل محاولة ترمي إلى تأليهه، أو عبادة روحه، وأظهر كرهه للملق. ولما أراد مجلس الشيوخ أن يسمي أحد الأشهر باسمه، كما سمي من قبل شهرين باسم قيصر وأغسطس، رد هذه التحية رداً ينطوي على الفكاهة فقال: "وماذا تفعلون إذا وجد لديكم ثلاثة عشر قيصراً؟" . ورفض اقتراحاً يطلب إليه أن يعيد النظر فيمن يختارون لعضوية مجلس الشيوخ، وقال إنه لا شيء مطلقاً يفوق احترامه لهذه الجمعية القديمة "جمعية الملوك". وكان يحضر اجتماعات المجلس، ويحيل إليه "حتى أصغر الأمور ليحكم فيها"، ويجلس فيه ويتكلم كأنه عضو عادي لا أكثر، وكثيراً ما كان يقترع مع الأقلية، ولم يحتج يوماً من الأيام إذا وافق المجلس على قرارات تتعارض مع رغبته التي أبداها جهرة(7). و "كان منطوياً على نفسه، صبوراً". على حد قول ستونيوس "إذا ما وجهت إليه وإلى أسرته الشتائم والافتراءات والمطاعن". وكان يقول في ذلك "إن البلد الحر يجب أن تطلق فيه حرية القول والفكر"(8). ويعترف تاستس وهو من المعادين له أن ترشيحاته "كانت تصدر عن حكمة، وأن من كان يرشحهم من القناصل والبريتورين كانوا يتصفون بصفات الشرف والكمال القديمة الخليقة بمناصبهم. وكان من يلونهم من الموظفين يمارسون سلطات مناصبهم بعيدين عن




صفحة رقم : 3337




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> تيبيريوس


تدخل الإمبراطور. وكانت القوانين إذا استثنينا ما يختص منها باغتصاب الملك تجري في مجراها الطبيعي... وكانت أعمال الإيرادات العامة يصرفها رجال امتازوا بالاستقامة والنزاهة... ولم تفرض على أهل الولايات أعباء جديدة، وكانت الضرائب القديمة تجبى في غير عنف أو قسوة... وساد النظام بين عبيده... وكانت دور العدالة مفتحة الأبواب لتفصل في كل نزاع يقع بين الإمبراطور وأفراد الشعب، وكان القانون وحده هو الفيصل في هذا النزاع"(9).
ودام هذا الحكم الصالح، حكم تيبيريوس، تسع سنين، استمتعت فيها رومة وإيطاليا والولايات بحكومة صالحة لم تر خيراً منها في تاريخها كله. وحسبنا أن نذكر شاهداً على هذا أن تيبيريوس الذي وجد حين اعتلائه العرش في خزانة الدولة مائة مليون سسترس ترك فيها حين وفاته 2.700.000.000 دون أن يفرض ضرائب جديدة، وعلى الرغم من هباته الكثيرة للأسر والمدن التي حلت بها الكوارث، وبالرغم من عنايته بإصلاح جميع المنشآت العامة وعدم اشتباكه في حروب تجر له المغانم، ورفضه كل ما أراد أن يوصي به إليه أشخاص لهم أبناء أو أقارب أدنون. ولم يدخر جهداً في العناية بجميع شؤون البلاد الداخلية والخارجية. وكان يكتب للولاة الذين يريدون أن يجبوا من الضرائب أكثر مما كان مفروضاً على ولايتهم يقول لهم: "لقد كان من واجب الراعي الصالح أن يقص صوف غنمه لا أن يجزها"(10). ولم يكن يعزو إلى نفسه مجد الظفر في ميدان القتال وإن كان من القادة المحنكين، وقد بسط لواء السلام على الإمبراطورية واحتفظ به بعد السنة الثالثة من حكمه.
وكانت سياسة السلام هذه هي التي حالت بينه وبين ما كان يبغيه من تقدم في عهده. ذلك أن جرمنكوس ابن أخيه، وهو الشاب الوسيم الذي تبناه بعد موت دروسس، كسب بعض المعارك في ألمانيا ورغب أن يواصل الزحف عليها ليفتحها. وكان من رأي تيبيريوس عدم التورط في هذا الفتح،




صفحة رقم : 3338




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> تيبيريوس


فأغضب بذلك الشعب ذا النزعة الاستعمارية. وإذ كان جرمنكوس حفيد ماركس أنطونيوس فإن الذين كانوا لا يزالون يحلمون بإعادة الجمهورية قد اتخذوه رمزاً لقضيتهم، فلما أن نقله تيبيريوس إلى بلاد الشرق عد نصف أهل رومة هذا القائد الشاب شهيداً لحسب الزعيم، ولما أن فاجأ جرمنكوس المرض ومات ظنت رومة كلها أن الإمبراطور قد أمر بأن يدس له السم في الطعام(19)، واتهم بهذه الجريمة أكنيوس بيزو أحد الموظفين المعينين من قِبَل تيبيريوس في آسية الصغرى. وحاكمه مجلس الشيوخ، وأيقن الرجل أن مجلس الشيوخ سيدينه فانتحر لكي يحتفظ بأملاكه لأسرته. ولم تكشف المحاكمة عن شواهد تدل على ارتكاب تيبيريوس لهذه الجناية أو تثبت براءته منها، وكل ما نعرفه أنه طلب إلى مجلس الشيوخ أن يمكن بيزو من أن يحاكم محاكمة عادلة، وأن أنطونيا أم جرمنكوس ظلت إلى آخر أيام حياتها أخلص أصدقاء تيبيريوس(11).
واضطر تيبيريوس أمام تدخل الجمهور الثائر المهتاج في هذه القضية المشهورة، والقصص البذيئة التي كانت تذاع عن الإمبراطور، ودسائس أجربينا أرملة جرمنكوس وإثارتها الناس عليه، اضطر تيبيريوس أما هذا كله أن يلجأ إلى قانون الخيانة العظمى الذي أصدره قيصر والذي ينص على الجرائم التي ترتكب ضد الدولة. وإذا لم يكن لرومة مدع عمومي أو نائب عمومي، ولم يكن لها (قبل أغسطس) شرطة، فقد كان من حق كل مواطن ومن واجبه أن يوجه التهمة أما المحاكم لكل شخص يعرف أنه خرق القانون، فإذا أدين المتهم كوفئ المخبّر أو المبّلغ بربع أملاك المحكوم عليه وصادرت الدولة بقية أملاكه. واستعان أغسطس بهذا الإجراء الخطير لإرغام الناس على إطاعة قوانينه الخاصة بالزواج. والآن وقد انتشرت المؤامرات ضد تيبيريوس فقد كثر المخبرون الذين رأوا أن يستفيدوا بالتبليغ عنها، وكان أنصار الزعيم من الشيوخ على أتم استعداد للسير في محاكمة المتآمرين بمنتهى الصرامة، وحاول الإمبراطور أن يمنعهم، ونفّذ القانون




صفحة رقم : 3339




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> تيبيريوس


تنفيذاً صارماً في حالة الذين اتهموا بتسوئ ذكرى أغسطس أو تدنيس تماثيله؛ أما "الأشخاص الذين كانوا يوجهون التهم له فقد حرم أن يوقع عليهم عقاب ما" كما يقول تاستس. وأكد لمجلس الشيوخ أن والدته ليفيا تريد منهم هذه المعاملة الرحيمة لمن يعتدون على سمعتها الطيبة(12).
وأضحت ليفيا نفسها في ذلك الوقت إحدى المشكلات الكبرى في الدولة. ذلك أن عجز تيبيريوس عن الزواج قد تركه وليس له من يحميهِ من امرأة ذات عقلية جبارة اعتادت أن يكون لها عليهِ. وكانت تشعر أن تدبيرها هو الذي هيأ له السبيل لاعتلاء العرش، وأفهمته أنه إنما يتولاه بوصفه ممثلاً لها لا أكثر(13). وكانت رسائله الرسمية في سني حكمه الأولى تحمل توقيعه وتوقيعها معاً، وإن كان وقتئذ قد قارب الستين من عمره، "ولكنها لم تقنع بأن تكون مساوية له في شؤون الحكم" كما يقول ديو "بل أرادت إن تفرض سيادتها عليه...وشرعت تصرف الأمور جميعها هي وحدها الحاكمة"(14). وصبر تيبيريوس على هذا الحال صبر الكرام ولكن ليفيا عاشت بعد أغسطس خمسة عشر عاماً، فشاد تيبيريوس لنفسهِ قصراً خاصاً، وترك أمه لا ينازعها منازع في امتلاكها القصر الذي شيده أغسطس. وراحت ألسنة السوء تتهمه بقسوة عليها، وبأنه أمات زوجته المنفية من الجوع. وكانت أجريتينا في أثناء ذلك تدفع ابنها بيرون ليخلف تيبيريوس على العرش أو ليغتصبه منه إن أمكن(15). وتحمل أيضاً على مضض، وكل ما فعله أن أنبها على فعلتها بعبارة مقتبسة من اللغة اليونانية: "هل تظنين يا ابنتي العزيزة أنك تظلمين إذا لم تكوني إمبراطورة؟" وكان أصعب شيء على نفسهِ أن يعرف أن وحيده دروسس الذي رزقه من زجته الأولى كان فتى رقيعاً، دنيئاً، قاسياً، فاسد الأخلاق، شهوانياً، فاجراً.




صفحة رقم : 3340




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> تيبيريوس


كان هذا الكبت الذي فرضه تيبيريوس على نفسهِ، وصبره على هذه المحن، سبباً في إثارة أعصابه وضيق صدره، فأخذ يزداد انطواءً على نفسهِ، وبدت على وجهه الكآبة، وفي حديثه الصرامة، مما نفر منه الناس جميعاً، وأبعدهم عنه، اللهم إلا أصدقاءه الذين يرجون له الخير، وكان ثمة رجل واحد بدا أنه أكثر الناس وفاء له، ذلك هو لوسيوس إيليوس سجانوس Lucius Aelius Sejanus.
وأثرت في تيبيريوس خيبته وحزنه، وأضحى رجلاً حزيناً فريداً في السابعة والستين من عمره، فغادر العاصمة الهائجة المحمومة وآواى إلى كابري حيث عاش عيشة العزلة بعيداً عن سائر الناس. ولكن ألسنة السوء لم تنقطع عن الاستطالة فيه، ولم يعقها عائق عن أن تتبعه في عزلتهِ، فقال بعضهم إنه يريد أن يخفي عن أعين الناس جسمه الهزيل ووجهه الخنازيري ، ويطلق العنان لشهواته ورذائله غير الطبيعية(16). ولا شك في أن تيبيريوس كان كثير الشرب، ولكنه لم يكن سكيراً، أما قصة رذائله فأكبر الظن أنها افتراء عليه(17)، ويقول تاستس إن معظم من كانوا حوله من الأصدقاء في كابري كانوا من اليونان الذين لا يمتازون بشيء إلا الأدب"(18). وظل هو في عزلته يصرف شؤون الإمبراطورية تصريفاً حازماً حكيماً، إلا أنه كان يبلغ آراءه ورغباته إلى الموظفين وإلى مجلس الشيوخ على لسان سيجانوس Sejanus. وإذ كان المجلس يخشاه خشية متزايدة، أو يخشى سجانوس أو الحرس العسكري فقد كان يقبل رغبات الإمبراطور، ويرى أنها أوامر واجبة الطاعة. وبذلك استحالت الزعامة إلى ملكية تحت سلطان الرجل الذي عرض أن يعيد الجمهورية، ومن غير أن يحدث أي تغيير في دستور البلاد، ومن غير أن يبدو من تيبيريوس نفسه أي دليل واضح على عدم الإخلاص.
وانتهز سجانوس الفرصة التي أتيحت له فنفى عدداً كبيراً من أعدائه بعد اتهامه إياهم بتهم ينطبق عليها "قانون الخيانة" أو "قانون الجلالة" حسب اسمه




صفحة رقم : 3341




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> تيبيريوس


اللاتيني، ولم يتدخل الإمبراطور المتعب في هذا الأمر. وإذ كان لنا أن نصدقه يقوله سوتنيوس فإن تيبيريوس نفسه قد ارتكب كثيراً من أعمال القسوة(91)، ويقول تاستس-وهو ممن لا يعتمد على أقوالهم-إنه طلب تنفيذ عقوبة الإعدام في ببيوس سبيتوس Poppaeus Sabinus بحجة أن عيونه قد سمعوه وهو يأتمر بالحكومة(20). وماتت ليفيا بعد سنة من ذلك الوقت (27)، حزينة وحيدة في بيت زوجها السابق؛ ولم يحضر تيبيريوس جنازتها، ولم يكن قد رآها بعد أن غادر رومة إلا مرة واحدة. وتحرر سجانوس بموتها مما عساه أن تفرضه عليه "أم بلادها" من قيود، فأقنع تيبيريوس بأن أجربينا وابنها نيرون كانت لهما يد في مؤامرة سبينوس، فنفيت الأم إلى بندتيربا Pandateria ونُفي الابن إلى جزيرة بنتيا Pontia حيث قتل نفسه بعد ذلك بزمن وجيز.
وإذ كان سجانوس قد كسب كل شيء إلا عرش البلاد فقد أخذ يعمل جاهداً للوصول إليه. وكان قد أغضبه خطاب كتبه تيبيريوس إلى مجلس الشيوخ يرشح فيه جيوس ابن أجربينا ليكون زعيماً من بعده، فدبر مؤامرة لاغتيال الإمبراطور عام (31). ونجا الإمبراطور بفضل أنطونيا أم جرمنكوس إذ خاطرت بحياتها لتبعث إليه تحذره من الخطر الذي يتهدده؛ ولم يكن الزعيم الشيخ قد فقد عزيمته بعد فعُينَ في السر رئيساً جديداً للحرس، وأمر بالقبض على سجانوس، واتهمه بالخيانة أمام مجلس الشيوخ. ولم يكن هذا المجلس في يوم من الأيام أكثر استجابة لرغبات الأباطرة منه في هذه المرة، فقد أدان سجانوس من فورهِ، ونفذ فيه حكم الإعدام خنقاً في الليلة نفسها. وأعقبت ذلك فترة من حكم الإرهاب تولى قيادتها أحياناً شيوخ أضر سجانوس بمصالحهم، أو آذى أقاربهم أو أصدقاءهم، وأحياناً أخرى تولاها تيبيريوس نفسه. ودفعه الخوف والغضب، اللذان استولى عليهِ بعد أن زال عن عينيه ما كان يغشاها من خداع، إلى سورة جنونية من الانتقام. وفي هذه الفترة قتل كل إنسان ذي خطر عاون سجانوس




صفحة رقم : 3342




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> تيبيريوس


أو كانت لديه يد في تنفيذ أغراضه، ولم تنج من القتل ابنته الصغيرة نفسها؛ وإذ كان القانون يحرم قتل العذارى فقد فضت بكارتها قبل خنقها؛ وانتحرت مطلقته أبكاتا Apicata، ولكنها أرسلت قبل انتحارها خطاباً إلى تيبيريوس تبلغه فيهِ أن لفلا Livilla ابنة انطونيا قد اشتركت مع سجانوس في تسميم زوجها دروسس ابن الإمبراطور، فما كان من تيبيريوس إلا أن أمر بمحاكمة ليفلا، ولكنها امتنعت عن الطعام حتى ماتت. وبعد سنتين من ذلك الوقت (33) انتحرت أجربينا في منفاها كما امتنع عن الطعام ابن آخر من أبنائها، كان قد حكم عليه بالسجن، وظل ممتنعاً حتى مات.
وعاش تيبيريوس ستة أعوام بعد سقوط سجانوس، وأكبر الظن أنه أصيب وقتئذ بخبال في عقله، وبغير هذا الافتراض لا نستطيع أن يفسر ما يعزى إليه من أعمال القسوة التي لا يصدقها عقل. فنحن نسمع أنه كان في ذلك الوقت تهم الخيانة العظمى التي توجه إلى الناس بدل أن يعارض فيها، كما كان يفعل من قبل، حتى بلغ مجموع مَن أدينو بتلك التهمة في حكمه ثلاثة وستين شخصاً، وتوسل إلى مجلس الشيوخ أن يعمل على حماية "شيخ وحيد طاعن في السن". وفي عام 37 غادر كابري بعد تسع سنين من السجن الاختياري، وطاف ببعض مدن كمبانيا. وبينما كان يستريح في بيت لوكلس الخلوي في ميسنوم انتابته نوبة إغماء وخيل إلى من حوله أنه قضى نحبه. والتفّت بطانته من فورها حول جايوس الذي سيصبح في ظنها إمبراطوراً بعد قليل، ولكنهم روعوا حين رأوا تيبيريوس يفيق من نوبته. ثم أنجاهم من هذه الورطة صديق لهم جميعاً بأن كتم أنفاسه بوسادة (37)(21).
ويصفه ممسن Mommsen بقوله إنه كان "أقدر حاكم شهدته الإمبراطورية"(22). وقد حلت به في حياته كل الكوارث التي يمكن أن تحل بإنسان إلا القليل النادر منها، وحتى بعد وفاته لم ينج من قلم تاستس.




صفحة رقم : 3343




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> جايوس



الفصل الثاني




جايوس


واحتفل الشعب بموت الإمبراطور الشيخ بهتافه: "تيبيريوس إلى نهر التيبر"، ورحب بواحتفل الشعب بموت الإمبراطور الشيخ بهتافه: "تيبيريوس إلى نهر التيبر"، ورحب بإقرار مجلس الشيوخ تنصيب جايوس قيصر جرمنكوس خليفة له. وكانت أجربينا قد ولدت جايوس وهي ترافق جرمنكوس في حروبه عند الحدود الشمالية، فنشأ بين الجند، ولبس لباسهم، ولقبوه تدليلاً له بلقب كالجيولا Caligula أو الحذاء الصغير أخذاً من الحذاء النصفي Caliga الذي كان يحتذيه الجيش. فلما جلس على العرش أعلن أنه سيسير على المبادئ التي كان يسير عليها أغسطس في سياسته، وأنه سيتعاون مع مجلس الشيوخ في جميع الأمور. ووزع على المواطنين التسعين مليون سسترس التي أوصى لهم بها تيبيريوس وليفيا وأضاف إليها ثلثمائة سسترس لكل واحد من المائتي ألف الذين يأخذون حبوباً من الدولة. وأعاد إلى الجمعية حق اختيار كبار الحُكّام، ووعد بتخفيض الضرائب وإقامة الألعاب الكبرى، وأرجع ضحايا تيبيريوس المنفيين، وجاء برماد أمه إلى رومة مصحوباً بمظاهر التقوى والتكريم. ولاح أنه سيكون على النقيض من سلفه في كل شيء، فقد كان متلافاً للمال، مرحاً، رحيماً، ولم يمض على اعتلائه العرش ثلاثة أشهر حتى قرب الناس للآلهة مائة وستين ألفاً من الضحايا شكراً لها على أن وهبتها زعيماً فاتناّ محسناً(23).وكان الشعب قد نسى حسبه ونسبه، فقد كانت جدته لأبيه ابنة أنطزنيوس، وكانت جدته لأمه ابنة أغسطس، وقد تجددت في دمه الحرب التي ثار عجاجها من قبل بين أنطونيوس وأكتافيان وانتصر فيها أنطونيوس. وكان كالجيولا يفخر بمهارته في المبارزة، والمجالدة، وركوب العربات، ولكنه




صفحة رقم : 3344




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> جايوس


"كانت تنتابه نوبات الصرع"، ويكاد في بعض الأحيان "يعجز عن المشي أو التفكير"(24). وكان يختفي أسفل سريره إذا سمع هزيم الرعد، ويفر مذعوراً إذا شاهد اللهب فوق بركان إتنا؛ وكان مصاباً بالأرق يطرف به ليلاً جنبات قصره الواسع يصيح طالباً طلوع الفجر. وكان طويل القامة، ضخم الجسم، كثيف الشعر، إذا استثنينا رأسه الأصلع. وكان له صدغان منخفضان، وعينان غائرتان، تنفر الناس منه، ويُسر هو من ذلك النفور. وكان "يمثل بوجهه أمام المرآة كل المناظر المخيفة"(25). وكان قد أحسن تعليمه في صباه، فكان خطيباً مفوهاً، حاد الذكاء، فكهاً لا يراعي في فكاهته احتشاماً ولا قانوناً. وقد افتتن بحب التمثيل فأعان كثيرين من الممثلين، وكان هو نفسه يمثل ويرقص سراً. وكان إذا رغب أن يشهده النظارة دعا زعماء مجلس الشيوخ متظاهراً بأنه يدعوهم إلى اجتماع خطير، ثم يعرض أمامهم رقصة(26). ولو أنه أتيحت له حياة هادئة يعمل فيها عملاً يتحمل تبعته لجاز أن يهدئ ذلك من أعصابه، ولكن سم السلطة ذهب بعقلهِ، ذلك أن صحة العقل، كالحكم، تحتاج إلى ضوابط وموازين، وما من أحد من بني الإنسان يستطيع أن يكون قادراً على كل شيء وأن يكون في نفس الوقت سليم العقل. ولما أسدت إليهِ جدته أنطونيا بعض النصح أنبها بقوله: "اذكري أن في مقدوري أن أفعل أي شيء بأي إنسان". وذكر لضيوفه في إحدى الولائم أن في وسعه أن يقتلهم كلهم وهم متكئون في مقاعدهم؛ وكان وهو يحتضن زوجته أو عشيقته يقول لها ضاحكاً": "سيطيح هذا الرأس الجميل بكلمة تخرج من فمي"(27).
وسرعان ما أخذ الزعيم الشاب يصدر الأوامر إلى مجلس الشيوخ ويطلب إليه الخضوع لهذه الأوامر، بعد أن كان يُظهر له أعظم الاحترام، فصار يسمح




صفحة رقم : 3345




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> جايوس


للشيوخ أن يقبلوا قدميه تعظيماً له وتبجيلاً، ثم يتقبل الشكر منهم على تشريفه إياهم بهذا التقبيل(28). وكان شديد الإعجاب بمصر وأساليبها، وأدخل كثيراً من هذه الأساليب إلى رومة، وكان يتوق إلى أن يُعبد على أنه إله كما كان يعبد الفراعنة ملوك مصر الأقدمون، وجعل دين إيزيس أحد الأديان الرسمية في الدولة، ولم ينس أن جده الأكبر كان يعتزم ضم إقليم البحر الأبيض المتوسط تحت سلطان دولة ملكية شرقية، فأخذ هو أيضاً يفكر في نقل عاصمة ملكه إلى الإسكندرية، ولم يحل بينه وبين تنفيذ قصده إلا ارتيابه في ذكاء أهلها. ويصفه سوتونيوس بأنه كان يقضي وقته "فيما تعود من فصاحة أخواته كلهن"(29)،فقد بدا له أن هذه عادة من أحسن العادات المصرية القديمة. ولما مرض أوصى بأن تكون أخته دروزلا Drusilla وريثة عرشه من بعدهِ، فلما تزوجت أرغمها على أن تطلق زوجها وأخذ "يعاملها كأنها زوجة شرعية"(30). وكان يرسل إلى غيرها من النساء اللاتي يحبهن رسائل بأسم أزواجهن يبلغهن فيها نبأ طلاقهن، ثم يدعوهن إلى معانقته، فلم توجد امرأة ذات مكانة إلا دعاها إليهِ. على أن هذه الصلات كلها مضافاً إليها صلات بينه وبين كلا الجنسين لم تمنعه أن يتزوج أربع مرات. وحضر مرة زفاف ليفيا أرستلا L ivia Orestilla وكيوس بيزو Caius Piso، فما كان منه إلا أن أخذ العروس إلى بيتهِ، وتزوجها ثم طلقها بعد بضعة أيام. وسمع أن لوليا يولينا Lollia Paulina بارعة الجمال، فاستدعاها إليه، وطلقها من زوجها، وأمرها ألا تكون لها من ذلك اليوم علاقة بأي رجل. وكانت زوجته الرابعة سيزونيا Caesonia حاملاً من زوجها حين تزوج بها، ولم تكن صغيرة السن أو جميلة ولكنه أحبها وأخلص لها الحب.
وكانت شؤون الحكم في هذا العبث الإمبراطوري من الأمور التي لا يعبأ بها وفي وسعه أن يتركها لغيره من أصحاب العقول الصغيرة. وقد راجع كالجيولا السجل المحتوي على أسماء رجال الأعمال مراجعة تدل على




صفحة رقم : 3346




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> جايوس


مقدرة فائقة، ورقى خير هؤلاء الرجال أعضاء في مجلس الشيوخ. ولكن إسرافه لم يلبث أن أفرغ خزانة الدولة من الأموال التي ملأها بها تيبيريوس، فبددها تبديداً منقطع النظير؛ من ذلك أنه لم يكن يستحم بالماء بل بالعطور، وقد أنفق على إحدى الولائم عشرة ملايين سسترس(31)، وبنى قوارب عظيمة للنزهة ذات عمد وشاد أبهاء للمآدب، وحمامات، وحدائق، وأشجار فاكهة، مطعمة في مؤخرها بالجواهر. وأمر مهندسيه أن يقيموا على خليج بايا Baiae جسراً مستنداً إلى عدد من القوارب بلغ من كثرته أن عز الطعام في رومة لعدم وجود السفن لنقل الحبوب. ولما تم بناء الجسر أقيم احتفال عظيم، وأضيء مكان الاحتفال بالأضواء الغامرة على الطريقة الحديثة، وأخذ الناس يقصفون ويطربون ويشربون، حتى انقلبت بهم القوارب وغرق منهم كثيرون. وكان من عادته أن ينثر من قصر يوليا النقود الذهبية والفضية على الشعب من تحته، ثم يراقبهم في مرح وسرور وهم يتنازعون نزاعاً قاتلاً على اختطاف هذه النقود. وبلغ من حبه للعصبة الخضراء في سباق الخيل أن منح سائق إحدى العربات مليوني سسترس، وأن بنى إسطبلاً من الرخام ومذوداً من العاج لجواد السباق انستاتس Incitatus ، ودعاه إلى وليمة واقترح أن يعينه قنصلاً.
وأراد أن يجمع المال اللازم لعبثه وشهواته التي لم تنقطع طوال حياته فأرجع العادة القديمة، عادة تقيم الهدايا إلى الإمبراطور؛ وكان يتسلم هذه الهدايا بيدهِ، وهو جالس في شرفة قصره، من كل من يقدمها إليه؛ ويشجع المواطنين على أن يذكروه في وصاياهم ويجعلوه وارثاً لهم، وفرض الضرائب على كل شيء: على كل طعام يُباع، وعلى كل الإجراءات القضائية، وفرض 12.5% على أجور الحمالين. ويؤكد سوتونيوس أنه فرض "على مكاسب العاهرات" ضريبة "تعادل مقدار ما تناله الواحدة منهن نظير عناقها مرة، وقرر القانون أن تظل من كانت يوماً ما عاهرة خاضعة لهذه الضريبة وإن تزوجت"(32).




صفحة رقم : 3347




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> جايوس


وكان الأغنياء في أيامه يُتهمون بالخيانة ويُحكم عليهم بالإعدام لتُصادر أموالهم لصالح الخزائن العامة. وكان هو نفسه يبيع المجالدين والأرقاء بالمزاد العلني، ويرغم اشراف البلاد على حضور هذا المزاد والاشتراك فيهِ؛ وكا الواحد منهم إذا عفا فسر إعفائه بأنه عطاء، حتى إذا استيقظ وجد قد كسب ثلاثة عشر مجالداً وخسر تسعة ملايين سسترس(33)، وكان يرغم الشيوخ على أن يجادلوهم أيضاً في المجتلدات.
ودُبرت بعد ثلاث سنين مؤامرة للقضاء على هذا العبث المذل، ولكن كالجيولا كشف سر المؤامرة، وانتقم لنفسه بأن فرض على البلاد عهداً من الإرهاب زاده وحشية حبه الجنوني للأذى، فكان يأمر الجلادين بأن يقتلوا الضحايا بإثخانهم بالجراح الصغيرة الكثيرة حتى يشعروا بأنعم يموتون"(34). وإذا كان لنا أن نصدق ديوكاسيوس فإنه أرغم أنطونيا جدته التقية على أن تقتل نفسها(35). ويقول سوتونيوس إنه لما قل ما يلزمه من اللحم لإطعام الوحوش التي كان يستخدمها في الألعاب أمر أن يُقدم "جميع الصلع" المساجين طعاماً لهذه الوحوش لأن في ذلك الخير كل الخير للناس،وأنه أمر أن يكوى جميع رجال الطبقات العليا بالحديد المحمي وأن يُحكم عليهم بالعمل في المناجم، وأن يُلقوا للحيوانات الضارية، أو يُحبسوا في أقفاص حديدية ثم تُنشر أجسامهم نصفين بالمناشير(36). تلك قصص ليس في وسعنا أن ننفيها أو نؤيدها ونحن نوردها هناعلى أنها من الروايات التي كان الناس يتناقلونها. وكل ما نستطيع أن نقوله نحن بشأنها أن سوتونيوس كان مؤرخاً ثرثاراً مولعاً باغتياب الناس، وأن الشيخ تاستس كان يكره الأباطرة، وأن ديوكاسيوس كتب تاريخه بعد مائتي عام من حكم كالجيولا(37). وأصدق من هذه القصص في رأينا ما يُروى من أن كالجيولا أشعل نار الحرب بين الزعامة والفلسفة بنفيه كريناس سكندس Crrrinas Secundus وإصدار حكم الإعدام على اثنين من المعلمين، وأدرج اسم الشاب سنكا بين أسماء المحكومين بإعدامهم، ثم أنجاه من الموت مرضه واعتقاد الإمبراطور أنه




صفحة رقم : 3348




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> جايوس


سيقضي نحبه دون حاجة إلى تجريح جسمه. ونجا كلوديوس عم كالجيولا لأنه كان أو تظاهر بأنه أبله حقيراً غلبت عليه شهوة قراءة الكتب.
وآخر ما لجأ إليه كالجيولا من العبث أن أعلن أنه إله معبود لا يقل شأناً عن جوبتر نفسه، وحُطمت رؤوس التماثيل الشهيرة المقامة لجوف وغيره من الأرباب، ووضعت في مكانها رؤوس للإمبراطور. وكان يسره أن يجلس في هيكل كاستر وبلكس Castor and Pollux ويتلقى عبادة الناس. وكان يحلو له في بعض الأحيان أن يتحدث إلى تمثال من تماثيل جوبتير، وكان هذا الحديث في الغالب تأنيباً للإله، وقد استطاع بحيلة من الحيل أن يجيب عن قصف الرعد ووميض البرق كلما قصف الأول وأومض الثاني(38). وأقام هيكلاً لعبادته، وعين له جماعة من الكهنة، وأمده بطائفة من الضحايا، وعين جواده المحبوب كاهناً من بين كهنته. وادعى أن إلهة القمر قد نزلت إليهِ وعانقته، وسأل فيتلوس Vitellius ألم يرها بعينه؟ فكان جواب تابعه الحكيم "لا، إن أمثالك من الآلهة هم وحدهم الذين يرى بعضهم بعضاً"(39). ولكن الناس لم تخدعهم هذه السخافات؛ من ذلك أن إسكافاً غالياً رأى كالجيولا متخفياً في صورة جوبتير، وسأل عن رأيه في الإمبراطور فقال "مخادع كبير". وعلم بذلك كالجيولا ولكنه لم يعاقب الرجل لى هذه الشجاعة السارة(40).
وما كاد هذا الإله يبلغ التاسعة والعشرين من عمره حتى أضحى شيخاً منهوك القوى من طول الإِفراط، ولعله أصيب ببعض الأمراض السرية، وحتى كان له رأس صغير نصف أصلع فوق جسم مسترخ بدين، ووجه كالح، وعينان غائرتان، ونظرات خبيثة تنم عن الغدر والخيانة. ووافته المنية على حين غفلة، وكانت منيته على يد الحرس البريتوري الذي طالما ابتاع معونته بالهدايا. وذلك أن ضابط من ضباط الحرس يدعى كاسيوس كئيريا




صفحة رقم : 3349




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> جايوس


Cassius Chaerea أهانه كالجيولا مراراً كثيرة بالألفاظ البذيئة التي كان يبلغها إليهِ كل يوم لتكون بمثابة سر الليل ووجواز المرور؛ فقتله سراً في إحدى ممرات الملهى (41). ولما ذاع الخبر في المدينة تردد أهلها في تصديقه، وظنوا أنه حيلة من حيل الإمبراطور الخبيث يريد بها أن يعرف أي الناس يبتهج بموتهِ. وأراد مغتالوه ألا يتركوا الناس في شكهم فقتلوا زوجته الأخيرة؛ وحطموا رأس ابنته بدقهِ في إحدى الجدران. ويقول ديو إن كالجيولا عرف في ذلك اليوم أنه ليس إلهاً(41).




صفحة رقم : 3350




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> كلوديوس



الفصل الثالث




كلوديوس


ترك كالجيولا الإمبراطورية والأخطار تتهددها من كل ناحية: فالخزانة خاوية، ومجلس الشيوخ قد اضمحل وضعف شأنه، والشعب غاضب ثائر، وموريتانيا Moretania ثائرة، وبلاد اليهود قد امتشقت الحسام لأنه أصر على أن يوضع تمثاله ليعبد هيكل أورشليم، ولم يكن أحد يعرف أين يوجد الحاكم القدير الخليق بأن يواجه المشاكل. ولكن حدث أن عثر الحرس البريتوري على كلوديوس الظاهر البلاهة مختبئاً في أحد الأركان، فنادوا بهِ إمبراطوراً. وخشي مجلس الشيوخ صولة الجند، ولعل هذا الاختيار قد أنجاه من موقف لم يكن يحمده، وسره أن يتعامل مع إنسان متحذلق عديم الأذى بدل أن يتعامل مع رجل مجنون مستهتر لا يعبأ بشيء. ولهذا أيد الحرس في اختياره وارتقى تيبيريوس كلوديوس قيصر أغسطس جرمنكوس عرش الإمبراطور في تردد وخشية.
وكلوديوس هذا ابن أنطونيا ودروسس وأخو جرمنكوس وليفيا، وحفيد أكتافيان وتيبيريوس كلوديوس نيرون. وكان مولده في لجدنوم Lugdunum (ليون الحالية) في السنة العاشرة قبل الميلاد، وكان وقت أن أختير إمبراطوراً في الخمسين من عمره، طويل القامة ممتلئ الجسم، ذا شعر أبيض ووجه بشوش، ولكن شلل الأطفال وغيره من الأمراض قد أضعفت بنيته. وكانت ساقاه رفيعتان لا تكادان تقويان على حمله، فكان يخجل في مشيته، وكان رأسه يتأرجح فوق كتفيهِ. وكان مغرماً بالخمر الجيد والطعام الشهي، وكان يشكو داء الرثية، ويتمتم قليلاً إذا تحدث، وإذا ضحك رفع صوته




صفحة رقم : 3351




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> كلوديوس


إلى حد لا يليق بالألباطرة. ويقول عنه شانئوه القساة إنه كان إذا غضب "خرج الزبد من فمهِ وسال المخاط من أنفهِ"(43). وقد قام على تربيته النساء والأرقاء المحررون، فنشأ هياباً حساساً، وهما صفتان قد تصلحان للحكام، ولم تكد تسنح له الفرص للتدريب على ممارسة شؤون الحكم. وكان أقرباؤه يرونه إنساناً مريضاً ضعيف العقل؛ وكانت أمه التي ورثت عن أكتافيان رقتها وظرفها تسميه "الهولة التي لم يكتمل خلقها"، وكانت إذا أرادت أن تعير إنساناً بشدة البلاهة وصفته بأنه: "أشد بلاهة من ابني كلوديوس". وإذ كان محتقراً من جميع الناس فقد عاش خاملاً مغموراً آمناً لذلك على نفسهِ، ويقضي وقته بين الميسر والكتب والشراب؛ وتفقه في اللغة وفي العاديات، وكان ضليعاً في الفنون "القديمة"، والدين، والعلوم الطبيعية، والقانون،. وقد كتب تاريخاً لإتروريا، وقرطاجنة، ورومة، ورسالة في النرد، وأخرى في حروف الهجاء، وملهاة يونانية، وترجمة لحياته. وكان العلماء والفلاسفة يراسلونه ويهدون إليهِ مؤلفاتهم، وينقل عنه بلني الأكبر ويعده من الثقاة الذين يعتمد عليهم. وقد علم الناس وهو إمبراطور كيف يعالجون عض الأفاعي، وهدأ مخاوف الشعف الخرافية بأن تنبأ بكسوف الشمس في يوم ميلاده وفسر لهم سبب هذا الكسوف. وكان يحسن الكلام باللغة اليونانية، وكتب عدداً من مؤلفاته بهذه اللغة؛ وكان حسن النية، ولعله كان صادقاً حين قال في مجلس الشيوخ إنه كان يتظاهر بالغباوة لينجو من الموت.
وكان أول أعماله وهو إمبراطور أن منح كل جندي من جنود الحرس الذين رفعوه على العرش خمسة عشر ألف سسترس. وكان كالجيولا قد وهبهم من قبل هبات من هذا النوع ولكنه لم يهبها لتكون ثمناً صريحاً لعرش الإمبراطورية. واعترف كلوديوس وقتئذ بسلطان الجيش وسيادته في الوقت الذي ألغى فيهِ مرة أخرى حق الجمعية في اختيار كبار الحكام. وكان أكثر حكمة وكرماً من سلفهِ، فوضع حداً للاتهام بالخيانة، وأطلق




صفحة رقم : 3352




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> كلوديوس


سراح من سجنوا من قبل بمقتضى هذا الاتهام، وأعاد جميع المنفيين إلى أوطانهم، ورد الأموال المصادرة إلى أصحابها، وألغى الضرائب التي فرضها جايوس. ولكنه أمر بإعدام قتلة كالجيولا، وحجته في هذا أن الخطر كل الخطر في التغاضي عن قتلة الأباطرة. وحرم عادة السجود للإمبراطور، وأعلن في صراحة أنه لا يريد أن يتخذ إلهاً يعبد. وحذا خذو أغسطس في إصلاح المعابد ودفعه شغفه بالآثار القديمة إلى السعي لبعث الدين القديم. وانكب بجد وإخلاص على العناية بالشؤون العامة، وبلغ من عنايته بها أن كان "يطوف بمن يبيعون السلع ويؤجرون المباني، ليقوم كل ما يعتقد أن فيه ضرراً بمصالح الشعب"(44). لكنه وإن جارى أغسطس في اعتداله، وخرج عن تحفظ أغسطس وحذره إلى سياسة قيصر الجريئة المتشعبة، فسعى إلى إصلاح أداة الحكم والقانون، وأنشأ المباني والخدمات العامة، وأعلى من شأن الولايات، ومنح الحقوق الانتخابية لغالة وفتح بريطانيا وصبغها بالصبغة الرومانية. وقد أدهش الناس جميعاً حين أظهر أنه ذو خلق وإرادة، وليس ذا علم وذكاء فحسب. ولم يكن أقل ثقة من قيصر وأغسطس بأن كبار الحكام في الأقاليم قليلو العدد ناقصو المران، وأن مجلس الشيوخ يمنعه كبرياؤه ونزقه من الاضطلاع بمهام الإدارة البلدية والإمبراطورية المعقدة المتنوعة؛ ومن أجل هذا كان يعظم المجلس فترك له سلطات كثيرة، ومظاهر شرف وكرامة من هذه السلطات؛ أما شؤون الحكم الحقيقية فكان يضطلع بها نفسه يعاونه بها مجلس يعين هو أعضاءه، وهيئة من الموظفين العموميين نظمها تدريجياً واختار أفرادها، كما اختارهم قيصر وأغسطس وتيبيريوس، من أرقاء بيت الإمبراطور المحررين؛ واستخدم في الأعمال الكتابية والواجبات الصغرى أرقاء "عموميين". وكان على رأس هذه الإدارة البيروقراطية أربعة وزراء: وزير دولة ("للمواصلات" ab epistulis)، ووزير مالية ("للحسابات" a rationibus)، ووزير آخر ("للملتمسات" a libellis)، ونائب عمومي ("للقضايا القانونية" a cognitionibus). وتولى الثلاثة




صفحة رقم : 3353




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> كلوديوس


المناصب الأولى ثلاثة من أقدر الأرقاء المحررين-نارسس Narcissus، وبلاس Pallas، وكالستس Callistus. وكاب ارتقاؤهم إلى هذه المناصب ذات الثراء والجاه إذاناً بارتفاع شأن طبقة المحررين إلى أعلى الدرجات، وهو ارتقاء كان يسير في مجراه منذ قرون عدة، وبلغ في عهد كلوديوس هذه الدرجة الرفيعة. ولما احنج الأشراف على وضع السلطة في أيدي هؤلاء العصاميين الحديثي النعمة كان جواب كلوديوس أن أعاد منصب الرقيب، وأن اختير هو لايشغل هذا المنصب، وأن أعاد النظر في سجل الأشخاص الذين يختار منهم أعضاء المجلس، فمحا منه أسماء كبار المعارضين لسياسته، وأضاف إليه أعضاءً جدداً من الفرسان من أهل الولايات.
ولما تهيأت له هذه الأداة الإدارية وضع لنفسه منهاجاً واسعاً من المنشئات العامة والإصلاحات، فأصلح نظام المرافعات أمام المحاكم وفرض عقوبات على تأخير القضايا، وجلس على منصة القضاء ساعات طوالاً كل أسبوع، وحرم تعذيب أي احد من المواطنين. وأراد أن يقي مدينة رومة غائلة الفيضانات المخربة التي أصبحت تهددها أكثر من ذي قبل لأن سفوح الأبنين أخذت تجرد من الأشجار، فـأمر بحفر مجرى إضافي في الجزء الأدنى من نهر التيبر. ولكي يعجل باستيراد الحبوب إلى إيطاليا أمر بإنشاء مرفأ جديد بالقرب من أستيا Ostia، وأقام مخازن، وأحواضاً، ورصيفين عظيمين لتقليل حدة أمواج البحر، وحفر قناة توصل الميناء بنهر التيبر في نقطة بعيدة عن مصبهِ الذي يسده الغرين. وأتم بناء قناة "كلوديوس" التي بدأها كالجيولا لنقل الماء العذب إلى رومة، وشاد قناة أخرى، وكانت كلتاهما من الأعمال الضخمة المشهورة بجمال منظرها وبعقودها الشامخة. ولما رأى أن أراضي المرسيين Marsians تتحول في بعض فصول السنة إلى منافع حين تفيض بـحيرة فوستس، خصص جانباً من أموال الدولة تؤدى من أجور 30.000 عامل مدة أحد عشر عاماً




صفحة رقم : 3354




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> كلوديوس


ليحفروا نفقاً طوله ثلاثة أميال يصل البحيرة بنهر سريز Ciris مخترقاً بعض الجبال. وقبل أن تنطلق مياه البحيرة في هذا النفق أجرى فوق مياه البحيرة معركة بحرية صورية بين أسطولين عليهما تسعة عشر ألفاً من المجرمين الذين أدانتهم المحاكم، وشهدها خلائق أجمعون من كافة أنحاء إيطاليا فوق الثلال المشرفة على البحيرة. وحيت هذه الجموع الإمبراطور بالعبارة المأثورة: "مرحباً بقيصر! نحن الذين نوشك أن نموت نحييك Ave Caesar! Morituri Salutamus(45).
وازدهرت أحوال الولايات في عهده كما ازدهرت في عهد أغسطس، وعاقب الموظفين على سوء استخدام وظائفهم إلا في حالة واحدة هي حالة فلكس المدعي العمومي في بلاد اليهود، وذلك لأن بلاس Pallas شقيق الشخص الذي نم على القديس بولس أخفى جرائمه عن الإمبراطور، وكان يهتم بكل صغيرة وكبيرة من أعمال الولايات. وتمتاز مراسيمه التي عثر عليها في كافة أنحاء الإمبراطورية بالإسهاب والتكرار، ولكنها تكشف عن عقلية وعن إرادة منصرفتين إلى تحقيق الصالح العام. وقد بذل جهده لإصلاح المواصلات والنقل، وحماية المسافرين من اعتداء اللصوص وقطاع الطرق، وفي خفض ما تتكلفه الهيئات من نفقات الوظائف العامة المنشأة لخدماتها. وكان يرغب كما يرغب قيصر في رفع شأن الولايات حتى تعادل إيطاليا نفسها وحتى تكون كلها وحدات متنساوية في مجموعة الأمم الرومانية، فنفذ ما كان يعتزمه قيصر من منح حقوق المواطنية الرومانية لبلاد غالة الجنوبية، ولو استطاع أن ينفذ رغباته لمنح هذا الحق جميع الأحرار في الإمبراطورية(46). ولقد كشفت في مدينة ليون عام 1524 لوحة برونزية احتفظت لنا بجزء من الخطبة الطويلة الكثيرة الاستطراد التي أقنع بها مجلس الشيوخ بأن يقبل في عضويته وفي المناصب الإمبراطورية أولئك الغاليين الذين منحوا حق المواطنية الرومانية، ولم يسمح في الوقت نفسه بأن يضعف الجيش أو يعتدي على حدود الدولة، فظل الجيش عاملاً




صفحة رقم : 3355




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> كلوديوس


قائماً بمهمته ومستعداً على الدوام للقيام بها، ونشأ في أيامه قواد عظام أمثال كربولا Carbula، وفسبازيان Vespasian، وبولينس Paulinus، وتكونوا بفضل اختياره وتشجيعه. وقرر كذلك أن يتم مشروعات قيصر، فغزا بريطانيا في عام 43 وفتحها، وعاد منها إلى رومة بعد أن غاب عنها ستة أشهر، ولما أقيم له احتفال بالنصر بعد عودته خالف جميع السوابق بأن عفا عن كركتكوس Caractacus ملكها الأسير. وسخر أهل رومة من عمل إمبراطورهم العجيب ولكنهم أحبوه، ولما أن راجت مرة من المرات في أثناء غيابه عن العاصمة، شائعات كاذبة بأن الإمبراطور قد قتل، عمت المدينة موجة من الحزن لم يسع مجلس الشيوخ معها إلا أن يؤكد للناس نأكيداً رسمياً بأن اللإمبراطور لم يُصب بسوء، وأنه سيعود قريباً إلى رومة.
لكنه سقط من هذا العلو الشاهق لأنه أقام نظاماً للحكم أكثر تعقيداً مما يستطيع الإشراف عليه بنفسه، ولأن عبيده المحررين وأفراد أسرته أساءوا استغلال لطفه وعطفه. لقد أصلحت البيروقراطية التي أنشأها أحوال الإدارة، ولكنها فتحت فيها آلاف الثغرات للرشا والفساد؛ وكان نارسس وبلاس من أعظم رجال السلطة التنفيذية الذين يرون أن مرتباتهم أقل من كفايتهم، فكانا يستعيضان عن هذا الفرق ببيع المناصب وأغتصاب الرشا بالتهديد، وتوجيه التهم الكاذبة إلى من يريدون مصادرة ضياعهم من الأثرياء. وكانت نتيجة ذلك أن أصبحا أغنى الناس جميعاً في التاريخ القديم كله، فكان نارسس يمتلك 400.000.000 سسترس (86.000.000 ريال أمريكي) وكان بلاس يشكو الابؤس لأنه لم يكن له إلا 300.000.000 فقط(47). ولما شكا كلوديوس من وجود عجز في خزانة الإمبراطورية، قال الثرثارون الرومان إن في وسعه أن ينال كفايته من المال وفوق كفايته منه إذا أشرك معه في الحكم عبديه المحررين(48). وروعت هذه السلطات العظيمة والأموال المكدسة الأسر الشريفة القديمة التي أضحت وقتئذ فقيرة




صفحة رقم : 3356




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> كلوديوس


إلى هؤلاء العصاميين، وكانت تتلظى غيظاً حين تضطر إلى رجاء العبيد السابقين أن يسمحوا لها بأن تتحدث إلى الإمبراطور.
أما كلوديوس فقد كان منهمكاً في العمل، يكتب إلى الموظفين والعلماء، ويعد المراسيم والخطب، ويؤدي حاجات زوجته. ذلك رجل كان خليقاً به أن يعيش عيشة الرهبان، وأن يحصن نفسه من الحب، لأن زوجاته كن سبباً في القضاء عليهِ، كما كانت سياسته في منزلهِ أقل نجاحاً من سياسته الخارجية. وقد تزوج كما تزوج كالجيولا أربع مرات، فأما زوجتنه الأولى فماتت في يوم زفافها، وأما الثانية والثالثة فقد طلقهما؛ ولما كان في الثامنة والأربعين من عمره تزوج فليريا مسالينا وهي فتاة في السادسة عشر، ولم تكن بارعة الجمال. فقد كان رأسها مستوياً، ووجهها متورداً، وصدرها قبيح الشكل(49). ولكن المرأة ليست في حاجة إلى الجمال لكي تكون زانية، ولما أن اعتلى كلوديوس عرش الإمبراطورية تخلقت بأخلاق نساء الملوك، وادعت لنفسها حقوقهن، فكانت ترافقه في مواكب نصره، وعملت على أن تحتفل بعيد ميلادها في سائر أنحاء الإمبراطورية. ثم أحبت الراقص منستر Mnester، ولما صد عنها طلبت إلى زوجها أن يأمره بأن يكون أكثر إطاعة لرجائها؛ وأجابها كلوديوس إلى ما طلبت، وخضع الراقص إليها استجابة لدواعي الزطنية. وابتهجت مسالينا بنجاحها في خطتها التي لم تكلفها أقل العناء، واتبعتها مع غيره من الرجال؛ فأما الذين لم تنجح معهم هذه الخطة وظلوا على صدودهم فقد أتهمهم الموظفون الخاضعون لسلطانهم بجرائم اخترعوها من عندهم اختراعاً، فصودرت أملاكهم وحرموا من حريتهم ومن حياتهم نفسها في بعض الأحيان(50).
ولعل الإمبراطور كان يسمح بهذا العبث وتلك الأعمال الشاذة ليضمن لنفسهِ هو الآخر حرية الاستمتاع بما يريد من الملاذ، "فقد كان مفرطاً في شهواته




صفحة رقم : 3357




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> كلوديوس


النسائية" كما يقول سوتونيوس، ثم يضفي عليه بعدئذ هذا الميزة العجيبة التي يفضل بها غيره من الناس فيقول: "وكان مبرءاً من الرذائل غير الطبيعية"(51) ويقول ديو: إن مسالينا "كانت تقدم إليه بعض الفتيات ذوات الجمال الجذاب ليضاجعهن"(53). وإذ كانت الإمبراطورة في حاجة إلى المال تستعين به على عيشها واستهتارها فقد كانت تبيع المناصب، والتوصيات، وعقود الأعمال العامة. ونقل المؤرخون عن جوفنال أنها كانت تدخل المواخير متخفية، وتستقبل كل من يدخلها، وتأخذ منهم كل ما يقدمون لها من الأجور وهي منشرحة الصدر راضية. وأكبر الظن أن هذه القصة منقولة عن المذكرات الضائعة التي كتبتها أجربينا الصغرى التي خلفت مسالينا وكانت من ألد أعدائها. ويروي تاستس أنه "بينما كان كلوديوس يقضي وقته كله في تصريف شؤون منصب الرقيب الذي كان يتولاه"(53)-والذي يشمل فينا يشمله من الواجبات رفع مستوى أخلاق الرومان-كانت مسالينا "تطلق العنان لحبها"، وبلغ من استهتارها آخر الأمر أن تزوجت رسمياً من شالب وسيم يُدعى كيوس سليوس Caius Silius حين كان زوجها غائباً في أستيا، وأن تزوجت به "في احتفال مهيب صحبته كل المراسيم المعتادة"(54). وأبلغ نارسس النبأ إلى الإمبراطور عن طريق سراريه(55)، وحذروه من مؤامرة تُدبر لاغتياله وإجلاس سيليوس مكانه على العرش. فعجل كلوديوس بالعودة إلى رومة، واستدعى الحرس البريتوري، وأمر بذبح سيليوس وغيره من عشاق مسالينا ثم آوى إلى حجراته محطم الأعصاب منهوك القوى. أما الإمبراطورة فقد أخفت نفسها في حدائق لوكلس التي كانت قد صادرتها لتتخذها مسرحاً للهوها وملذاتها. وبعث إليها كلوديوس برسالة يدعوها فيها إلى الحضور للدفاع عن نفسها. وخشي نارسس أن يصفح عنها الإمبراطور ويصب جام غضبه عليه هو فأرسل إليها بعض الجند وأمرهم بقتلها، فوجدوها وحدها مع أمها، وقتلها بعضهم بضربة واحدة وترك جثتها بين ذراعي




صفحة رقم : 3358




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> كلوديوس


أمها(48). وقال كلوديوس لحرسه البريتوري إنهم في حل من دمه إذا تزوج مرة أخرى ولم يرد ذكر مسالينا على لسانه من تلك الساعة .
ولكن لم تمضِ سنة على وعدهِ حتى كان يتردد بين الزواج من لوليا بولينا Lollia Paulina أو من أجربينا الصغرى. فأما لوليا زوجة كالجيولا السابقة فكانت ذات ثروة طائلة، ويقال أنها كانت في بعض الأحيان تتحلى بجواهر تبلغ قينتها أربعين مليون سسترس(59)، ولعل كلوديوس كان يُعجب بمالها أكثر من إعجابه بذوقها؛ وأما اجربينا فكانت إبنة أجربينا الكبرى من جرمنكوس. وكانت هي الأخرى يجري في عروقها دم أكتافيان وأنطونيوس اللذين مات عدوين. وقد ورثت من أمها جمالها، وكفايتها، وقوة عزيمتها وحبها للانتقام حباً لا يحد منه شيء من وخز الضمير. وكانت قد ترملت مرتين، ورزقت من زوجها الأول أكنيوس دومتيوس أهينوباربس Cnoeus Domitius Ahenobarbus ابنها نيرون وكان كل همها طول حياتها أن يرقى ابنها هذا عرش الإمبراطورية. وأما زوجها الثاني كيوس كرسبس Caius Crispus الذي تقول الشائعات إنها قتلته بالسم فقد ورثت عنه الثروة الطائلة التي استخدمتها للوصول إلى أغراضها. وكان هدفها أن تتزوج كلوديوس، وأن تتخلص بوسيلة ما من ابنه برتنكس، وأن تجعل نيرون بعد أن يتبناه كلوديوس وارث العرش من بعده. ولم يعقها عن تنفيذ قصدها أنها ابنة أخت كلوديوس، بل أتاحت هذه الصلة فرصاً ثمينة للاتصال بالحاكم الشيخ اتصالاً أثار فيهِ عواطف ليست من قبيل عواطف الخال نحو ابنة أختهِ. ولم يكن منه إلا أن وقف فجأة أمام مجلس الشيوخ وطلب أن يأمره بالزواج




صفحة رقم : 3359




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> كلوديوس


مرة أخرى لخير الدولة؛ ووافق المجلس على طلبه، وسخِر منه رجال الحرس البريتوري، ووصلت أجربينا إلى العرش(45).
وكانت وقتئذ في الثانية الثلاثين من عمرها، أما كلوديوس فكان في السابعة والخمسين؛ وكانت قواه آخذة في الانحلال، أما هي فكانت في عنفوان قوتها، وتغلبت عليه بكل ما وُهبت من سحر وفتنة، فأقنعته بأن يتبنى نيرون وأن يزوج الشاب البالغ من العمر ستة عشر عاماً بابنته أكتافيا وهي فتاة في الثالثة عشر من عمرها(53). ولما تم هذا اخذت تزيد من سلطانها السياسي عاماً بعد عام، حتى استطاعت في آخر الأمر أن تجلس معه على سرير الملك، ثم استدعت الفيلسوف سنكا من حيث كان منفياً بأمر كلوديوس، وعينه مدرساً خاصاً لابنها (49)، وأفلحت في تعيين صديقها بروس Burrus رئيساً للحرس البريتوري. فلما استحوذت على السلطان بهذه الطريقة حكمت البلاد حكما قوياً خليقاً بالرجال، وساد النظام والاقتصاد في بيت الإمبراطور؛ ولو أنها لم تطلق العنان لجشعها وحرصها على المال وحبها للانتقام لكان حكمها خيراً لرومة ورحمة بها. ولكنها أطلقت العنان لهذا الجشع فأمرت بقتل لوليا بولينا لأن كلوديوس نطق عفواً في لحظة من اللحظات بكلمة أشار فيها إلى رشاقة لوليا وهي إشارة لا تعفو عنها قط زوجة. ثم أمرت بدس السم لماركس سلانس Marcus Silanus لخوفها أن يعينه كلوديوس والاثاً له من يعدهِ، وائتمرت مع بلاس ونارسس، وبذلك قضى ملك المال، الذي لم يكن وفاؤه يقل عن تلوث يده، بقية حياته في السجن. وكان الإمبراطور قد أضعفه اعتلال صحته، وجهوده الفنية، ومغامراته النسائية، فترك بلاس وأجربينا يروعان البلاد بحكم إرهابي آخر. فكان الناس يتنهبون وينفون أو يقتلون لأن الخزانة خلت من المال الذي انفق في الأعمال العامة والألعاب وأضحت في حاجة إلى أن تملأ بالأموال المصادرة. وكانت نتيجة هذا أن خمسة وثلاثين من الشيوخ وثلثمائة من الفرسان حُكم عليهم بالإعدام في




صفحة رقم : 3360




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> كلوديوس


الثلاثة عشر عاماً التي حكمها كلوديوس. وقد يكون لبعض هذه الأحكام ما يبررها الأن من نفذت فيهم دبروا المؤامرات أو ارتكبوا الجرائم، وإن كنا لا نستطيع أن نقرر هذا واثقين. ولقد ادعي نيرون فيما بعد أنه فحص عن جميع أوراق كلوديوس، وأنه تبين من ذلك الفحص أن الإمبراطور نفسه أمر بأن يحاكم كل واحد ممن سيقوا أمام القضاء(60).
وتنبه كلوديوس إلى ما كانت تفعله أجربينا بعد زواجه بها، فاعتزم أن يضع حداً لسلطانها، وأن يفسد عليها ما دبرته لنيرون، فيعين برتنكس وارثاً للملك من بعده، ولكن أجرببنا كانت أقوى منه عزماً وأقل منه إصغاءً لصوت الضمير، فلما علمت نية الإمبراطور جازفت بكل شيء، فأطعمت كلوديوس فطيراً ساماً قضى عليه بعد آلام مبرحة دامت اثنتي عشرة ساعة دون أن يستطيع النطق بكلمة واحدة (54). ولما ألهه مجلس الشيوخ، وكان نيرون قد اعتلى العرش، قال إنه لا يشك في أن الفطير هو طعام الآلهة، لأن كلوديوس أصبح بعد أن أكله إلهاً يعبد(61).




صفحة رقم : 3361




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون



الفصل الرابع




نيرون


ينتمي نيرون من جهة أبيه إلى أسرة الدوميتيين الأهينوياربيين Domit( Ahenobarbi، وقد لقبوا بهذا اللقب لأن رجال هذه الأسرة كانت لهم لحي شبيهة في لونها بلون البرونز. وقد اشتهروا في رومة مدى خمسمائة عام بقدرتهم وجرأتهم، وغطرستهم، وشجاعتهم، وقسوة قلوبهم. وكان جد نيرون لأبيه مولعاً بالألعاب والمسرح، وكان يسوق عربة في السباق، وينفق الكثير من الأموال على الوحوش والمجتلدات، وقد اضطر أغسطس إلى تأنيبه لقسوته الوحشية في معاملة موظفيه وأرقائه. وقد تزوج بأنطونيا ابنة أنطونيوس وأكتافيا. وزاد ابنه أكنيوس دوميتيوس من شهرة الأسرة بانهماكه في الفسق، ومضاجعه المحارم، والوحشية والخيانة. وقد تزوج في عام 28 م بأجربينا الثانية ولم تكن وقتئذ تزيد على الثالثة عشرة من عمرها، وإذا كان على علم بآباء زوجته وآبائه فقد اعتقد: "أن لا خير مطلقاً يمكن أن يؤدي إليه قراننا"(62). وقد أطلقنا على ابنهما الوحيد اسم لوسيوس Lucius وأضافا إليه لقب نيرون، ومعناه في اللغة السبينية: القوي الشجاع.
وكان أهم من علموه هما كرمون Chaeremon الرواقي الذي علمه اللغة اليونانية، وسنكا الذي علمه الأدب والأخلاق ولكنه لم يعلمه الفلسفة؛ ذلك أن أجربينا منعته من تعلم الفلسفة لزعمها أنها تجعل نيرون غير صالح لتولي عرش الإمبراطورية(63). وما من شك في أن نتيجة هذا التحريم تشهد بفضل الفلسفة. وقد شكا سنكا، كما يشكو كثير من الأساتذة، من أن الأم كانت تفسد عليه عمله بتدخلها فيه، فقد كان الغلام يهرول إليها كلما أنّبه مدرسه، ولم يكن يشك في أنها ستحنو عليه وتدلله. وقد حاول




صفحة رقم : 3362




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


سنكا أن ينشّئه على حب التواضع، ودماثة الخلق، والبساطة، والتقشف، والصبر على الشدائد؛ وإذا كان قد حرم عليه أن يفصل له القول في عقائد الفلاسفة وجدلهم، فلا أقلّ من أن يهدي إليه الرسائل البليغة التي كان يؤلفها، ويأمل أن يقرأها تلميذه في يوم من الأيام. وكان الأمير الشاب طالباً مجداً، وكان في وسعه أن يكتب شعراً لا بأس به، وأن يخطب في مجلس الشيوخ بالرقة والأدب اللذين كان يخطب بهما أستاذه نفسه. ولما مات كلوديوس لم تجد أجربينا صعوبة ما في تثبيته على العرش، وخاصة بعد أن ضمن له بروس تأييد الحرس بكامل قوته.
وكافأ نيرون الجند مكافأة مجزية ووهب كل مواطن أربعمائة سسترس، وألقى في تأبين سلفه خطبة أثنى عليه فيها ثناء جماً، كتبها له سنكا(64). وهو الذي نشر بعد قليل بغير توقيع هجاء مقذعاً في الإمبراطور المتوفي قال فيه إنه طرد من أولمبس. وقد نيرون مظاهر الخضوع المعتادة إلى مجلس الشيوخ، واعتذر في أدب وتواضع عن صغر سنه، وأعلن أنه لن يحتفظ بشيء من السلطات التي كان الزعيم يتمتع بها حتى ذلك الوقت عدا قادة الجيوش- وهو اختيار عملي يشعر بذكاء تلميذ الفيلسوف. والراجح أنه كان مخلصاً في وعده- لأن نيرون وفى به بأمانة مدى خمسة أعوام(65)- وهي الخمسة أعوام النيرونية Quinquennium Neronis التي كان تراجان يراها خير السنين في تاريخ الحكومة الإمبراطورية(66). ولما اقترح مجلس الشيوخ أن تقام تماثيل من الذهب والفضة تكريماً له، رفض الإمبراطور الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره هذا العرض. ولما اتهم رجلان بأنهما يفضلان عليه برتنكس أمر أن يلغي هذا الاتهام؛ وتعهد أمام مجلس الشيوخ أن يتمسك طوال حكمه بفضيلة الرحمة التي كان سنكا وقتئذ يمجدها في إحدى رسائله المسماة De Clementia (الرحمة). ولما طلب إليه مرة أن يوقع وثيقة بإدانة أحد المجرمين قال في حسرة:




صفحة رقم : 3363




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


"ليتني لم أتعلم قط الكتابة!" وقد خفض الضرائب الباهظة أو ألغاها إلغاءً تاماً، وخصص معاشات سنوية للمتازين من الشيوخ الذين أخنى عليهم الدهر. وإذ كان يعرف أن عقله لم ينضج بعد، فقد سمح لأجربينا أن تدير له شئونه، فكانت تستقبل السفراء، وأمرت أن تنقش صورتها على نقود الإمبراطورية إلى جانب صورته. وارتاع سنكا وبروس لتدخل الأم في شئون الحكم فاتفقا على أن يضربا على وتر كبرياء نيرون لينالا لأنفسهما حق القيام بمهام الحكم. واستشاطت الأم غضباً فأعلنت أن برتنكس الوارث الشرعي للعرش، وأنذرت ولدها بأنها ستسقطه بنفس الوسائل القوية التي استخدمتها في رفعه. ورد نيرون على هذا التهديد بأن أمر بدس السم لبرتنكس فما كان من أجربينا إلا أن آوت إلى قصرها الصغير وكتبت فيه مذكراتها، وهي آخر سهم في كنانتها، وطعنت فيها على جميع أعدائها وأعداء أمها، واغترف منها تاستس وستونيوس ذلك التيار الجارف من المثالب والأعمال الوحشية التي صورا بها النواحي السوداء من صور تيبيريوس وكلوديوس ونيرون.
وعم الرخاء الإمبراطورية، وصلحت أحوالها الداخلية والخارجية، بفضل إرشاد الفيلسوف الأول وقوة النظام الإداري الذي كانت تساس به شئونها. فوضعت على الحدود حراسة قوية، وطهرت البحر الأسود من القراصنة، وأعاد كريولا أرمينية إلى حظيرة الإمبراطورية بأن بسط عليها الحماية الرومانية، ووقّعت بارثيا معاهدة صلح دامت حمسين عاماً، وقلّت الرشوة في دور القضاء وفي الولايات، وأصلحت أحوال الموظفين في دواوين الحكومة، وصرفت الشئون المالية بالاقتصاد والحكمة، واقترح نيرون-ولهل ذلك كان بإيعاز من سنكا-ذلك الاقتراح البعيد الأثر القاضي بإلغاء جميع الضرائب غير المقررة، وخاصة الرسوم الجمركية التي كانت تجبي عند الحدود وفي الثغور، حتى تكون التجارة حرة في جميع أنحاء الإمبراطورية. غير أن مجلس الشيوخ لم يوافق على




صفحة رقم : 3364




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


هذا الاقتراح، متأثراً في ذلك بنفوذ نقابة الجباة. وتدل هذه الهزيمة على أن الزعامة كانت لا تزال تلتزم حدود سلطتها الدستورية.
وأراد سنكا وبروس أن يمنعا نيرون من التدخل في شئون الدولة فتركاه ينهمك في ملذاته الجنسية كما يهوى. وفي ذلك يقول تاستس: "لم يكن ينتظر من الأباطرة أن يحيوا حياة التقشف وكبح الشهوات في الوقت الذي كانت فيه الرذيلة تستهوي جميع طبقات الناس". ولم تكن العقائد الدينية تشجع نيرون على أن يراعي جانب الفضيلة؛ ذلك أن القدر الضئيل الذي ناله من الفلسفة قد حرر عقله من قيود الدين دون أن ينضج حكمته. "فقد كان يزدري جميع أنواع العبادات" كما يقول ستونيوس. "ويسلح على صورة الآلهة-سيبيل-التي كان يجلها أعظم الإجلال"(68). وكان نهماً مفرطاً في الطعام، غريب الأطوار والشهوات، ينفق على الولائم بغير حساب، حتى كانت أزهار الوليمة وحدها تكلفة أربعة ملايين سسترس(69). وكان يقول في هذا إن البخلاء وحدهم هم الذين يحسبون ما ينفقون. وكان يعجب بكيوس بترونيوس Caius Petronius ويحسده لأن هذا الشريف المثري علمه طرقاً جديدة للجمع بين الفضيلة والذوق السليم. ويقول تاستس في فقرة مأثورة يصف فيها المثل الأعلى للأبيقورية إن بترونيوس "كان يقضي أيامه في النوم ولياليه في العمل، والمرح واللهو. وكان الخمول شهوته وطريقه إلى الشهرة، وكان ينجز بحب اللذات والراحة المترفة ما ينجزه غيره بالقوة والجد. ولم يكن كغيره من الناس الذين يجهرون بأنهم يعرفون كيف تكون المتعة الاجتماعية، ثم يبددون في ذلك أموالهم، بل كان يحيا حياة كثيرة النفقة ولكنها خالية من التبذير، فكان أبيقورياً ولكنه غير مسرف، يطلق العنان لشهواته ولكنه يستمتع بها في تجمل وحكمة. وهو شهواني متعلم رقيق الحاشية، حديثه مرح ممتع لطيف، يخلب لب من يستمع له بشيء من عدم الاكتراث اللطيف الباعث على السرور. وكان أكثر ما يبعث السرور في حديثه أنه ينساب




صفحة رقم : 3365




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


انسياباً طبيعياً غير متكلف من مزاجه الصريح. ولقد أظهر وهو وال على بيثينيا، كما أظهر وهو قنصل، أن قوة العقل ودماثة الخلق قد تجتمعان معاً في شخص واحد، وذلك رغم ما كان يتصف به من دقة، وأخذ الأمور في يسر وإهمال... وكان يعود من أعماله الرسمية إلى مألوف حياة اللذة والمتعة، مولعاً بالرذيلة أو بالملاذ التي تقترب من حدود الرذيلة، وكان نيرون وعصبته مولعين بحسن الذوق والرشاقة فكانوا لذلك يتخذونه المحكمفي كل ما يتصل بهما، ولم يكن شيء بديعاً، كما لم يكن شيء ساراً أو نادراً إلا إذا أراد هو أن يكون(70).
ولم يبلغ نيرون من الرقة مبلغاً يصل به إلى هذه الأبيقورية الفنية، بل كان يتخفى ويزور المواخير، ويطوف بالشوارع، ويتردد على الحانات بالليل في صحبة أمثاله من رفاق السوء يسطون على الحوانيت ويسيئون إلى النساء، ويفسقون بالغلمان، ويجردون من يقابلون مما معهم، ويضربونهم، ويقتلونهم"(71) وحدث أن شيخاً لجأ إلى القوة في رد اعتداء الإمبراطور عليه فأرغم بعد قليل على أن يقتل نفسه. وحاول سنكا أن يوجه شبق الإمبراطور نحو معتوقة تدعى كلوديا أكتي Claudia Acte، فلما تبين له أن أكتي وفية له وفاء تعجز بسببه بالاحتفاظ بحبه استبدل بها امرأة بارعة في كل فنون العشق تدعى بوبيا سابينا Poppea Sabina. وكانت بوبيا تنتمي إلى أسرة عريقة ذات ثروة طائلة، يقول عنها تاستس إنها "كان لها نصيب موفور من كل شيء إلا الشرف". وكانت من النساء اللواتي يقضين النهار كله في تزيين أنفسهن، ولا يحيين قط إلا حين يرغبن في الحياة. وحدث أن افتحر زوجها بجمالها أمام نيرون، فما كان من الإمبراطور إلا أن عينه والياً على لوزتانيا Lusitania (البرتغال) وضرب حصاراً على بوبيا، ولكنها أبت أن تكون عشيقة له، وقبلت أن تتزوجه إذا طلق أكتافيا.
وكانت أكتافيا قد صبرت على مساوئ نيرون صبر الكرام، وحافظت




صفحة رقم : 3366




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


على تواضعها وعفتها وسط تيار الدعارة الجارف التي اضطرت أن تحيا في غمرته من يوم مولدها، ومما يذكر بالفضل لأجربينا أنها ضحت بحياتها في الدفاع أكتافيا ضد بوبيا، فلم تترك وسيلة تثني بها الإمبراطور عن طلاق أكتافيان إلا لجأت إليها؛ وبلغ من أمرها أن عرضت محاسنها على والدها، وقاومتها بوبيا مقاومة شديدة وتغلبت عليها، ولجأت في كفاحها إلى نزق الشباب، فعيرت نيرون بأنه يخشى والدته، وأقنعته بأن أجربينا كانت تأتمر به لتسقطه، وما زالت به حتى رضي في ساعة من ساعات جنون الشهوة أن يقتل المرأة التي حملته في بطنها وأعطته نصف العالم. وقد فكر أولاً في أن يقتلها مسمومة، ولكنها كانت قد حصنت نفسها من السم بما تعودته من الأدوية المضادة له. ثم حاول أن يقتلها غرقاً ولكنها أنجت نفسها بالسباحة من السفينة التي تحطمت بتدبير الإمبراطور. وطاردها رجاله إلى دارها، فلما قبضوا عليها خلعت ثيابها وقالت لهم: "ادفعوا سيوفكم في رحمي" واحتاج قتلها إلى عدة طعنات، ولما رأى الإمبراطور جثتها العارية كان كل ما قاله: "لم أكن أعرف أن لي أماً بهذا الجمال"(72). ويقال إن سنكا لم تكن له يد في هذه المؤامرة، ولكن أسوأ ما خط في تاريخ الفلسفة وأدعاه للأسى هو تلك السطور التي تشرح كيف كتب الفيلسوف الرسالة التي وجهها نيرون إلى مجلس الشيوخ يقول فيها إن إن أجربينا تأتمر بالزعيم، فلما افتضح أمرها انتحرت(73). وقبل مجلس الشيوخ هذا التفسير في سرور ظاهر، وأقبل أعضاؤه مجتمعين ليهنئوا نيرون لما أن عاد إلى رومة، وحمدوا للآلهة أن كلأته بعنايتها وأنجته من كل سوء.
وإن المرء ليصعب عليه أن يصدق أن هذا الإنسان الذي قتل أمه شاب في الثانية والعشرين من عمره، مغرم بالشعر والموسيقى والفنون الجميلة، والتمثيل والألعاب الرياضية؛ وأنه كان يعجب باليونان لمبارياتهم التي تنمي فيهم القوة الجسمية والمهارة الفنية، وأنه عمل على إدخال هذه المباريات في رومة فأقام في




صفحة رقم : 3367




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


عام 59 ألعاب الشباب Ludi Iuvenales، وأنشأ في السنة التالية الألعاب النيرونية Neronia على نمط الاحتفال الذي كان يقام كل أربع سنين في أولمبيا، ويشمل سباقاً للخيل، ومباريات الألعاب الرياضية، وفي "موسيقى"-ويدخل فيها الخطابة والشعر، وبنى لذلك مدرجاً كبيراً وملعباً رياضياً وحماماً فخماً، وأنه يمارس الحركات الرياضية بمهارة فائقة، كما كان مولعاً بسوق العربات، وأنه اعتزم أخيراً أن يشترك هو نفسه في المباريات. ولكنها هي الحقيقة، وقد بدا لعقله المولع بكل ما هو يوناني أن هذا العمل لاغبار عليه، بل كان يعتقد أنه يتفق مع أحسن التقاليد اليونانية. وأما سنكا فكان يرى أن هذا سخف أيما سخف، وحاول أن يقصر هذا العرض الإمبراطوري على من يضمهم ميدان خاص، ولكن نيرون تغلبت عليه ودعا الجماهير لتشهد ألعابه، فأقبلت عليه وحيته تحية حماسية حارة.
ولكن أهم ما كان يرغب فيهِ هذا المخلوق الغريب بحق هو أن يكون فناناً عظيماً. ذلك أنه، وقد استحوذ على كل سلطة، وكان يتوق إلى الاستحواذ على كل ضروب الكمال والتهذيب. ومما يذكر له مقروناً بالثناء أنه جد في دراسة فنون النقش، والتصوير، والنحت، والموسيقى، والشعر(74). ولجأ في تحسين صوته إلى وسيلة غريبة فكان "يستلقي على ظهره، ويضع لوحاً من الرصاص على صدره، ويفرغ أمعاءه بمحقن أو بالقئ، ويمتنع عن أكل الفاكهة وعن كل طعام يضر بالصوت"(75). وكان في بعض الأيام يقصر على الثوم وزيت الزيتون يتخذهما وسيلة للغرض نفسه. ودعا ذات ليلة أكابر الشيوخ إلى قصره وعرض عليهم أرغناً مائياً جديداً، وأخذ يشرح لهم نظريته وتركيبه(76). وقد يلغ من إعجابه بالنغمات التي كان يضربها ربنوس Terp o s على العود وافتتانه بها أن كان يقضي معه بعض الليالي بأكملها يتعلم العزف على هذه الآلة. وكان يجمع الفنانين والشعراء حوله، ويعقد المباريات بينه وبينهم في قصره، ويفاضل بين




صفحة رقم : 3368




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


صوره وصورهم، ويستمع إلى أشعارهم ويقرأ عليهم شعره. وكان ينخدع بثنائهم، ولما أن أنبأه أحد المنجمين بأنه سيفقد عرشه، أجابه ضاحكاً بأنه في هذه الحال سيكسب قوته من فنه. وكان يحلم أنه في يوم من الأيام سيغزف على ملأ من الناس على الأرغن المائي والناي، وينفخ في المزامير، ثم يظهر على المسرح راقصاً وممثلاً لأدوار في مسرحية ترنس Turnus لفرجيل. وفي عام 59 أقام حفلة موسيقية شبه عمومية عزف فيها على العود Citharoedus في حديقته الواقعة على نهر التيبر. وظل خمس سنين لا ينفذ ما تتوق له نفسه من إظهار مهارته في جمع حاشد، ثم نفذ هذا العزم في نابلي آخر الأمر. وسيطرت الروح اليونانية على هذا الحفل، وعفا الناس عن تقصيره، وأدركوا ما يرمي إليهِ. وازدحمت قاعة الاحتفال بالمستمعين ازدحاماً حال بينه وبين إجادة العرض، وقد بلغ من شدة الازدحام أن تهدمت القاعة عقب خروج النظارة منها. وشجع هذا النجاح الإمبراطور الشاب فظهر في ملهى بمبي العظيم في رومة (65) يغني ويضرب على العود. وأنشد في هذه المرة عدة قصائد لعلها كانت من قوله هو نفسه$=@ويقول سوتونيوس إنه شاهد المخطوطات الملكية مكتوبة ومصححة بخط نيرون نفسه.@ . وقد بقيت أبيات من هذه القصيد، وهي تدل على مقدرة في القريض لا بأس بها. وكتب من أغانيه الكثيرة ملحمة طويلة عن طروادة (جعل بطلها باريس Paris)، ثم شرع يكتب ملحمة أطول منها عن رومة. ولم يكفه هذا التنوع في مواهبه فظهر على المسرح ممثلاً دور أوديب Oedipus، وهرقل، وألكميون، بل إنه مثل أيضاً دور أستيز قاتل أمه. واغتبط النظارة إذ شاهدوا إمبراطوراً يعني بتسليتهم ويركع على المسرح أمامهم ويطلب أن يصفقوا له حسب مألوف عادتهم. وتلقف الشعب الأغاني التي كان ينشدها نيرون وأخذ يرددها في الحانات والطرقات، وانتشر




صفحة رقم : 3369




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


تحمسه للموسيقى والغناء بين الطبقات، وازدادت بذلك محبة الناس له، وكان أخلق بها أن تنقص.
وارتاع مجلس الشيوخ من هذه المظاهر أكثر مما ارتاع من كل ما يدور من اللغط عما يحدث في القصر من فجور ومن علاقات جنسية شاذة، وأجاب نيرون عن مخاوف الشيوخ بقوله إن العادة التي كان يجري عليها اليونان وهي قصر المباريات الرياضية والفنية على طبقة المواطنين كان أفضل مما اعتاده الرومان وهو تركها للأرقاء؛ وأن من الواجب أن لا تُتخذ المباريات صورة قتل المجرمين قتلاً بطيئاً؛ وأعلن الشاب المجرم أنه لن يسمح ما دام حياً بأن يستمر القتال في المجتلد حتى يموت المجتلدون(78). وأراد أن يعيد التقاليد اليونانية إلى سابق عهدها، وأن يمجد أعماله هو في المباريات العامة، فأقنع بعض الشيوخ أن يشتركوا فيها-أو لعله أرغمهم على هذا الاشتراك-ممثلين، وموسيقين، ورياضيين، ومصارعين وسائقي عربات. وأظهر بعض الأشراف أمثال ثراسي بيتس Thrasea Paetus نفورهم من هذه الأساليب، فكانوا يتعمدون الغياب من مجلس الشيوخ كلما جاء نيرون ليخطب فيهِ، وندد به بعضهم مثل هلفيديوس برسكس Helvid(us Priscus تنديداً عنيفاً في المنتديات الأرستقراطية التي أضحت الملجأ الوحيد لحرية الرأي؛ وأخذ الفلاسفة الرواقيون في رومة يتحدثون جهرة عن هذا الأبيقوري الخبيث الجالس على العرش. ودُبرت المؤامرات لخلعهِ، ولكن عيونه كشفوا أمرها، فكان جوابه كجواب أسلافه، وهو التورط في عهد الإرهاب الشديد، فأعيد قانون الخيانة (62)، ووجهت التهم إلى كل من كان موتهم مرغوباً فيهِ من الناحية الثقافية أو المالية بسبب مقاومتهم أو ثرائهم. ذلك أن نيرون قد أفقر خزانة كالجيولا من قبله بإسرافه وهباته وألعابه، وجهر بهزمه على مصادرة جميع ضياع المواطنين الذين لا يوصون للإمبراطور بعد وفاته إلا بمبالغ قليلة، ثم جرد كثيراً من الهياكل من نذورها، وصهر ما كان




صفحة رقم : 3370




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


فيها من تماثيل ذهبية وفضية؛ ولما أن احتج سنكا على هذه الأعمال وانتقد سلوكه وسعره-وكان غضب الإمبراطور على شعره أشد من غضبه على نقد سلوكه-أقاله نيرون من منصبه في البلاط (62)، وقضى الفيلسوف الشيخ الثلاث السنين الباقية من حياته في عزلة عن العالم في بيته، وكان يوروس قد مات قبل إقالة سنكا ببضعة أشهر.
وأحاط نيرون بعدئذ نفسه بطائفة جديدة من القرناء، معظمهم من قرناء السوء ذوي الغلظة والفظاظة، فأصبح تجلينس، رئيس شرطة المدينة، مستشاره الأول، ويسر للزعيم كل سبيل الملذات. وفي عام 62 طلق نيرون أكتافيا بحجة أنها عقيم، ولم تمض على طلاقها اثنا عشر يوماً حتى تزوج بوبيا؛ واحتج الشعب على هذا العمل احتجاجاً صامتاً بتحطيم التماثيل التي أقامها نيرون لبوبيا وتتويج ثماثيل أكتافيا بالزهور. وغضبت بوبيا من ذلك العمل وأقنعت حبيبها أن أكتافيا تعتزم الزواج مرة أخرى، وأن مؤامرة تُدبر لخلعهِ وإحلال زوج أكتافيا الجديد مله. وإذا كان لنا أن نصدق ما يقوله تاستس فإن نيرون دعا أنسيتس Anicetus قاتل أجربينا وطلب إليه أن يعترف بأنه ارتكب الفحشاء مع أكتافيا، ويتهمها بأنها شريكة في مؤامرة لاغتيال الزعيم. ومثل أنسيتس الدور الذي أمر بتمثيله، ونُفي إلى سردينية حيث قضى بقية حياته ينعم بالثروة والراحة؛ أما أكتافيا فقد نفيت إلى بندتيريا Pandateria، ولكنها لم يكد يمضي على مجيئها إليها إلا بضعة أيام حتى أقبل عليها وكلاء الإمبراطور يريدون اغتيالها. ولم تكد وقتئذ قد جاوزت الثانية والعشرين من عمرها، ولم تكن تعتقد أن الحياة يليق أن تُختتم هذه الخاتمة العاجلة، وبخاصة إذا كانت فتاة مثلها لم ترتكب قط ذنباً. وودافعت عن نفسها أمام قاتليها وقالت لهم إنها لم تعد إلا أخت نيرون، وإنها عاجزة عن الإساءة إليه، ولكنهم قطعوا رأسها وجاءوا بهِ إلى بوبيا يطلبون إليها مكافأتهم على عملهم هذا. ولما أبلغ الشيوخ أن أكتافيا قد توفيت شكروا




صفحة رقم : 3371




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


للآلهة مرة أخرى أن قد حفظوا الإمبراطور وأنجوه من السوء(79).
وكان نيرون وقتئذ إلهاً من تلك الآلهة. ذلك أن أحد القناصل المنتخبين اقترح بعد موت اجربينا أن يقام هيكل "لنيرون المألَّه". ولما أن ولدت له بوبيا في عام 63 ابنة توفيت بعد مولدها بقليل أعلن المجلس ربوبية هذه الطفلة، ولما أقبل تريداتس Tiridates ليتلقى من نيرون تاج أرمينية خر راكعاً أمام الإمبراطور وعبده بوصفه الإِله متراس Mithras، ولما أن شاد نيرون بيته الذهبي أقام أمامه تمثالاً ضخماً ارتفاعه مائة قدماً، وفي أعلاه رأس شبيه برأسه، تحيط به هالة من أشعة شمسية دلالة على أنه فيبس أيلو Phoebus Apollo. هذا ما كان يتصوره أمام حقيقته فإنه وهو في الخامسة والعشرين من عمره كان إنساناً فاسداً، منتفخ البطن، رفيع الأطراف، ضعيفها، ضخم الوجه، مجعد الجلد، أصفر الشعر ملتويهِ، عسلي العينين كلتيهما.
وكان، وهو كما يزعم إله وفنان، يضايقه ما في القصور التي ورثها من عيوب، ولذلك صمم بناء قصر جديد لنفسه. ولكن تل البلاتين كان مزدحماً بالقصوروكان في أسفله المضمار الأكبر من ناحية، والسوق الكبرى من ناحية أخرى،والأكواخ القذرة الحقيرة من بقية النواحي، وكان يحزنه أن يرى رومة قد نشأت على غير نظام موضوع، بدل أن تخطط تخطيطاً علمياً كالإسكندرية وأنطاكية، ولذلك كان يحلم بأن يعيد بناءها من جديد، وأن يكون هو منشئها الثاني، وأن يسميها نيروبوليس (مدينة نيرون).
وحدث في اليوم الثامن عشر من شهر أيلول 64 أن شبت النار في المضمار الأكبر، وانتشرت سريعاً، وظلت مشتعلة تسعة أيام حتى التهمت ثلثي المدينة, وكان نيرون غائباًَ في أنتيوم Antium حين شبت النار، فلما وصله النبأ أسرع بالعودة إلى رومة فبلغها في الوقت الذي استطاع فيه أن يرى القصور القائمة على تل البلاتين تلتهمها النيران. وكان البناء المعروف




صفحة رقم : 3372




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


بالدومس ترنستوريا (بيت المرور) الذي أقامه منذ زمن قريب ليربط به قصره بحديقة ماسيناس، وكان هذا البناء من أوائل ما تتهدم من الأبنية. ونجت أبنية السوق والكبتول من الحريق كما نجت أيضاً الأحياء الواقعة في شرقي نهر التيبر. أما سائر أجزاء المدينة، فقد دُمر فيها ما لا يُحصى من البيوت والهياكل والمخطوطات النفيسة والتحف الفنية. وهلك آلاف من السكان بين أنقاض المباني المتهدمة في الشوارع المزدحمة، وهام مئآت الآلاف على وجوههم في الطرقات أثناء الليل لا يجدون لهم مأوى يبيتون فيهِ وقد ذهب الرعب بعقولهم، وهم يستمعون إلى الشائعات القائلة بأن نيرون هو الذي أمر بإشعال النار في المدينة، وأنه ينشر المواد الحارقة فيها ليجدد ما خبا منها، وبأنه يرقبها من برج ماسيناس وهو ينشد على نغمة القيثارة ما كتبه من الشعر عن نهب طروادة . وقد قام بحهود كبيرة في قيادة المحاولات التي بذلت لحصر النيران أو التغلب عليها، وإغائة المنكوبين، وأمر بأن تُفتح جميع أبواب المباني العامة والحدائق الإمبراطورية ليلجأ إليها المعدمون، وأقام مدينة من الخيام في ميدان المريخ، وأمر بالاستيلاء على الطعام من الإقليم المجاور للمدينة، ووضع الخطط الكفيلة بإطعام الأهلين(80). وصبر على ما ووجه إليه الشعب الهائج الحانق من تهم وطعون. ويقول تاستس (وهو الرجل الذي يجب ألا ننسى قط تحيزه لأعضاء مجلس الشيوخ) إنه أخذ يتلفت حوله ليجد من يستطيع أن يلقي عليه التهمة حتى وحده في:
"طائفة من الناس يحقد عليهم الشعب لأعمالهم الخبيثة، ويسمون غالباً بالكرستياني Chrestiani (المسيحيين). والاسم مشتق من كرستس Chrestus وهو اسم رجل عذبه بنتيوس بيلات Pontius Pilate المشرف




صفحة رقم : 3373




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


على الشؤون المالية في بلاد اليهود في عهد تيبيريوس. وكان ما حل به من العذاب ضربة شديدة وجهت إلى الشيعة التي أوجدها هذا الرجل، وبفضل هذه الضربة وقف نمو هذه الخرافات الخطيرة إلى حين، ولكنها لم تلبث أن عادت إلى نشاطها وانتشرت انتشاراً سريعاً قوياً في بلاد اليهود...وفي مدينة رومة نفسها، وهي مستودع الأقذار العام الذي ينساب إليه كل ما هو دنئ ممقوت انسياب السيل المنحدر من أقطار العالم. ولجأ نيرون إلى أساليبه المعهود في الحيل، فعثر على جماعة من الفخار والسفلة الأراذل، وأغراهم بمختلف الوسائل على أن يعترفوا بأنهم هم مرتكبو الجريمة النكراء؛ وبناء على اعتراف أولئك السفلة أدين عدد من المسيحيين، ولم يصدر الحكم عليهم على أدلة واضحة تثبت أنهم هم الذين أشعلوا النار في المدينة، بل أدينوا لأنهم يكرهون الجنس البشري كله. واستخدمت في إعدامهم أفانين من القسوة المتناهية، ولم يكتف نيرون بتعذيبهم بل أضاف إلى هذا التعذيب السخرية منهم والازدراء بهم، فألبس بعضهم جلود الوحوش وتركوا تلتهمهم الكلاب، وسمر غيرهم في الصلبان، ودفن الكثيرون منهم أحياء، ودهنت أجسام البعض الآخر بالمواد الملتهبة وأشعلت فيها النيران، ولتكون مشاعل في الليل...وفي آخر الأمر أفعمت هذه الوحشية قلوب الناس جميعاً رأفة ورحمة، ورقت هذه القلوب أسى على المسيحيين(81).
ولما أزيلت الأنقاض أخذ نيرون يعيد بناء المدينة كما صورتها له أحلامه والغبطة بادية في أسارير وجهه. وطلب إلى كل مدينة في الإمبراطورية أن تقدم معونتها لها الغرض، أو أرغمت على تقديم هذه المعونة، واستطاع الذين دمرت بيوتهم أن يبينوا لهم بيوتاً جديدة بعد أن أمدهم بالمال المتجمع من هذه المعونة.وشقت الشوارع الجديدة مستقيمة متسعة، وشيدت واجهات المنازل الجديدة وطبقاتها الأولى من الحجارة، وجعلت بينها وبين غيرها من المباني المجاورة لها فواصل تمنع انتشار النار من بناء إلى




صفحة رقم : 3374




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


آخر. وشقت تحت الأرض مجار تنساب فيهامياه العيون السفلى إلى خزان يحتفظ فيه بالماء ليُستعان به على إطفاء النار في المستقبل. وشاد نيرون من أموال الخزانة الإمبراطورية عقوداً ذات عمد على جانبي الشوارع الرئيسية في المدينة، لتكون مداخل مسقوفة ظليلة لآلاف من البيوت. وأسف المولعون بالقديم، كما أسف الشيوخ المسنون، على ما كان في المدينة القديمة من مناظر جميلة خلع عليها الدهر هالة من الرواء والتقديس ، ولكنهم لم يلبثو أن أجمعوا على أن رومة جديدة قد خرجت من بين اللهب أصح وآمن وأجمل من رومة القديمة.
ولو أن نيرون أعاد تنظيم حياته كما أعاد تنظيم عاصمته لغفر له الناس جرائمه، ولكن بوبيا ماتت في عام 65 في الأيام الأخيرة من حملها، ويقال إنها ماتت من ركلة في بطنها. وراجت بين الناس شائعة فحواها أن هذه الركلة كانت عقاباً لها على عودتها متأخرة من السباق(82) وخزن نيرون حزناً شديداً على موتها، لأنه كان ينتظر على أحر من الجمر وجود وارث له من صلبهِ، وأمر أن تحنط جثتها بالأفاوية النادرة وتدفن بموكب مهيب وأبنها بنفسه. ثم عثر على شاب يدعى أسبورس Sporus عظيم الشبه ببوبيا، فأمر بخصيه، وتزوجه في احتفال رسمي و "استعمله في كل شيء كما تستعمل النساء"، وقال في ذلك أحد المتفكهين إنه يتمنى لو أن والد نيرون قد عثر على مثل هذه الزوجة(83). وشرع في السنةنفسها يشيد بيته الذهبي، وكان إسرافه في زينته، كما كانت تكاليفه الباهظة ومساحته الواسعة-فقد أقيم على رقعة من الأرض كانت تشغلها من قبل آلاف من بيوت الفقراء-كان هذا كله سبباً في إثارة سخط الأشراف عليه وارتياب العامة فيه من جديد.
وأقبل جواسيس نيرون فجاءة يبلغونه نبأ مؤامرة واسعة النطاق تهدف إلى إجلاس كلبيرنيوس بيزو Calpurnius Piso على العرش (65)؛ وقبض صنائعه على عدد من الشخصيات غير الكبيرة متهمين بتدبير المؤامرة، وانتزعوا منهم




صفحة رقم : 3375




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


بالتهديد تارة وبالتعذيب تارة أخرى اعترافات تدين، بين من تدين من الشخصيات المعروفة، الشاعر لوكان Lucan والفيلسوف سنكا Seneca، وتكشف الخطة التي كان يرمي إليها الإمبراطور وأعوانه شيئاً فشيئاً. وبلغ انتقام نيرون درجة من الوحشية لم يسع رومة معها إلا أن تصدق ما شاع وقتئذ من أنه أقسم ليبيدن طبقة الشيوخ عن آخرها. ولما تلقى سنكا الأمر بأن يقتل نفسه شرع يجادل ساعة من الزمن ثم أطاع، وقطع بعض أوردته ومات وهو ينشد أبياتاً من شعره. وأغرى تجلينس Tigellinus بالمال عبداً من عبيد بترونيوس Petronius فتقدم بالشهادة على سيده، لأن تجلينس كان يحسد هذا الرجل الأبيقوري على منزلته عند نيرون فأغراه بقتله. ومات بترونيوس ميتة بطيئة بأن قطع أوردته ثم سدها، وأحذ يتخدث مع أصدقائه حديثاً لطيفاً كمألوف عادته، ويقرأ لهم أبياتاً من شعره. ثم تنزه وأغفى بعض الوقت وفتح أوردته مرة أخرى وفارق الحياة في هدوء واطمئنان(84). وأدين ثراسبابيتس زعيم الداعين إلى الفلسفة الرواقية في مجلس الشيوخ، ولم تكن التهمة التي وجهت إليه أنه اشترك في المؤامرة، بل كانت تهمة عامة يمكن أن توجه إلى أي انسان وهي حماسته للإمبراطور، وعدم استمتاعه بغنائه وتأليفه كتاباً في حياة كاتو أثنى عليه فيه. واكتفى بنفي هلفيديوس برسكس Helvidius Priseus زوج ابنته، ولكن رجلين آخرين أعدما لأنهما متبا يمتدحان برسكس وصهره. ونفى موسونيوس روفس Musonius Rufus أحد الفلاسفة الرواقيين وكاسيوس لنجينس Cassius Longinus أحد علماء القانون، وحكم على أخوين لسنكا وهما أنيوس ميلا Annaeus Melaوالد لوكان وأنيوس نوفاتس Annaeus Novatus-وهو جليو Callio الذي أطلق سراح القديس بولس في أثينة- هذان حكم عليهما بأن ينتحرا.
وبعد أن طهر نيرون مؤخرته على هذا النحو سافر في عام 66 ليتبارى في الألعاب الأولمبية ويطوف ببلاد اليونان في رحلة موسيقية، لأن "اليونان"




صفحة رقم : 3376




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


على حد قوله "هم الشعب الوحيد الذي له آذان موسيقية"(85). واشترك في أولمبيا في سباق العربات واساق فيها بنفسه مركبة ذات عجلتين تجرها أربعة جياد في صف واحد أفقي مستعرض Quardriga وسقط من العربة في حلبة السباق وكاد يقضي عليه، ولما أعيد إلى العربة واصل السباق وقتاً ما، كلنه انقطع عنه قبل نهاية الشوط. وكان المحكمون يفرقون بين الإمبراطور والرجل الرياضي، فقدموا له تاج النصر. وتملكته نشوة الفرح حين رأى الجماهير تصفق له طرباً فأعلن من فوره أن بلاد اليونان كلها لا أثينة وإسبارطة وحدهما ستكون من تلك الساعة حرة طليقة-أي أنها لن تعطي الجزية لرومة. وكان جواب المدن اليونانية على هذا الكرم أن أقامت الألعاب الأولمبية والبيثية Pyth an والنيميائية Nemean والبرزخية Ishmian فام واحد. ورد هو على ذلك بأن اشترك فيها جميعها مغنياً، وعازفاً، وممثلاً، ومتبارياً في الألعاب الرياضية. وقد حرص أشد الحرص على إطاعة قوانين المباريات، وكان شديد المجاملة لمنافسيه، ومنحهم حق المواطنية الرومانية تعزية لهم على تفوقه عليهم جميعاً. وتلقى في أثناء رحلته أنباء بأن الثورة شبت نارها في بلاد اليهود، وأن لهيبها اندلع في الغرب كله. وكان كل ما فعله أن تنهد وتحسر ثم واصل رحلته. ومن أقوال سوتنيوس في التعليق على هذه الرحلة أنه كان إذا غنى في ملهى "لا يسمح لأحد بالخروج منه، ولو كان ذلك لعذر شيد يحتم عليه الخروج؛ وكان من نتائج ذلك أن ولدت بعض النساء وهن في الملهى، وأن تظاهر بعض الرجال بالموت حتى يحملوا إلى الخارج"(86). ولما جاء إلى مضيق كورنثة أمر أن يبدأ العمل في شق قناة ي هذا المضيق كما كان قيصر ينوي أن يشقها؛ وبديء العمل فعلاً، ولكنه وقف في أثناء الاضطراب الذي حدث في العام الثاني. وارتاع نيرون أنباء الفتن والمؤامرات فعاد إلى




صفحة رقم : 3377




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


رومة (67) ودخلها في موكب رسمي، وعرض في هذا الموكب غنائم نصره، وهي الجوائز التي ظفر بها في بلاد اليونان والبالغ عددها 1808 جائزة.
وكانت المآسي جادة مسرعة في أعقاب هذه المهازل. ومن ذلك أن يوليوس فندكس Julius Vindex حاكم ليون الغلي أعلن استقلال بلاد الغليين في شهر مارس من عام 268، ولما عرض نيرون جائزة قدرها 2.500.000 سسترس لمن يأتيه برأسه أجاب فندكس عن هذا القول: " أن من يأتيني برأس نيرون سيأخذ في مقابل ذلك رأسي"(87). وأخذ نيرون يعد العدة لملاقاة هذا العدو الشديد البأس في الميدان، وكان أول ما عني به أن اختار العربات لينقل عليها آلاته الموسيقية وأدوات المسرح(88). وبينما هو يعد العدة إذ جاءته الأنباء في شهر إبريل بأن جلبا Gelba قائد الجيش الروماني في أسبانيا انظم إلى فندكس في ثورته، وأنه يزحف على رومة. وسمع مجلس الشيوخ أن الحرس البريتوري يتأهب للخروج على الإمبراطور طمعاً فيما يناله رجاله من أجور عالية، فنادى بجلبا إمبراطوراً. فما كان من نيرون إلا أن وضع بعض السم في صندوق صغير، وبعد أن تسلح بهذا السلاح الفتاك من بيته الذهبي إلى الحدائق السرفيلية الواقعة في طريق أستيا. وطلب قبل فراره إلى من كان في القصر من الضباط أن يرافقوه، فرفضوا جميعاُ طلبه، وأنشد له أحدهم بيتاً من شعر فرجيل يقول فيهِ: "وهل من الصعب على الإنسان إذن أن يموت؟". ولم يكن في مقدوره أن يصدق أن قد فارقه فجاءه ذلك السلطان القاهر الذي كان سبباً في القضاء عليهِ، فأخذ يرسل النداء تلو النداء إلى الكثيرين من أصدقائه يطلب إليهم النجدة، ولكن أحداً منهم لم يرد على رسالة من رسائله، فذهب إلى نهر التيبر يريد أن يغرق نفسه فيه. حتى إذا بلغه خارت قواه، وعرض عليه فاؤون أحد معاتيقه أن يخفيهِ في بيته القائم على طريق سلاريا، ورحب نيرون بهذا الاقتراح، واجتاز في ظلال الليل على ظهر جواد أربعة أميال من وسط المدينة إلى بيت فاؤون. وقضى تلك الليلة




صفحة رقم : 3378




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الجانب الآخر من الملكية -> نيرون


في مخزن الطعام، وعليه جلباب قذر، يتلوى من الجوع، ولم يطف بجفنه النوم، ترتعد فرائصه فرقاً في كل صوت يقع على أذنيهِ. وجاء رسول فاؤون يبلغه أن مجلس الشيوخ قد نادى بأن نيرون عدو الشعب وأمر بالقبض عليهِ، وقرر أن يعاقب "حسب السنة القديمة". وسأل نيرون عن ماهية تلك السنة فقيل له: "إن الرجل المذنب يجرد من ثيابهِ، ويصلب جسمه في عمود بمسمار ذي شعب يُدق في عنقهِ، ثم يُضرب حتى يقضي نحبه. وارتاع من هول هذا العقاب، فحاول أن يطعن نفسه طعنة تقضي عليهِ، ولكنه أخطأ إذ جرب سنان الخنجر اولاً ووجده حاداً لا يطيقه فنادى قائلاً: "أي فنانا يموت موتي!".
وسمع في مطلع الفجر وقع حوافر الخيل، فأدرك أن جنود مجلس الشيوخ قد أدركوه، فأنشد بيتاً من الشعر يقول: "استمعوا؛ ها هي ذي أصوات الساعين إلىَّ تقع على أذني"-ثم طعن نفسه بخنجر في حلقه، ولكن يده اضطربت ووهنت فأعانه إبثروديتس أحد معاتي