Advertisement

قصة الحضارة 05


قصة الحضارة
ول ديورانت




قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الخاتمة -> ما قامت به رومة من جلائل الأعمال

الفصل الثاني

ما قامت به روما من جلائل الأعمال


إن تعليل سقوط روما لأيسر من تعليل طول حياتها- وأهم عمل قامت به روما هو أنها، بعد أن استولت على عالم البحر الأبيض المتوسط، تثقفت بثقافته، ووهبته النظام، والرخاء، والسلم مدى مائتي عام، وصدت عنه غارات البرابرة قرنين من الزمان، وأورثت الغرب قبل موتها تراث اليونان والرومان.
وليس لروما منافس قط في فن الحكم. نعم إن الدولة الرومانية قد ارتكبت آلافاً من الأخطاء السياسية، فقد أقامت صرحها على الجركية أنانية، وكهنوت ذي طقوس غامضة خفية، وأنشأت ديمقراطية من الأحرار ثم قضت عليها بالعنف والفساد، واستغلت ما فتحته من البلاد لتزود بخيراتها إيطاليا الطفيلية، فلما عجزت عن الاستغلال تقوضت دعائمها وانهارت، وخلفت في أماكن متفرقة في الشرق والغرب قفاراً وسمت هذا سلاماً. ولكنها أقامت وسط هذا الفساد كله نظاماً فخماً من الشرائع أمن الناس في أوربا كلها تقريباً على أنفسهم وأموالهم وكان باعثاً قوياً على الجد والمثابرة من أيام المشترعين العشرة إلى أيام نابليون. وشكلت حكومة انفصلت فيها السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية، وظل ما فيها من ضوابط وموازين مصدراً ملهماً لواضعي الدساتير إلى عهد الثورتين الأمريكية والفرنسية. ولقد جمعت زمناً ما بين النظم الملكية والأرستقراطية والديمقراطية، ونجحت في عملها هذا نجاحاً أثنى عليه الفلاسفة، والمؤرخون، ورعاياها وأعداؤها على السواء. ووضعت أنظمة الحكم البلدي المحلي، وأمكنت نصف ألف مدينة من أن تستمتع بالحرية زمناً طويلاً، وأدارت شئون


صفحة رقم : 4114



قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الخاتمة -> ما قامت به رومة من جلائل الأعمال


إمبراطوريتها في أول الأمر بشره وقسوة، ثم بدلتهما تسامحاً وعدالة رضيت بهما الدولة العظيمة رضاً لم تعرف له نظير فيما تلا ذلك من الزمان، وجعلت الصحراء تزدهر بالحضارة، وكفّرت عن ذنوبها بما بسطته على بلادها من سلم دائمة طويلة، وها نحن أولاء في هذه الأيام نبذل أعظم الجهود لنحيي السلم الرومانية في هذا العالم المضطرب.
في هذا الإطار الذي لم يسم عليه إطار غيره شادت روما صرح حضارة يونانية في أصلها، رومانية في تطبيقها ونتائجها، ولسنا ننكر أن انهماكها في شئون الحكم قد شغلها عن أن تنتج من الأعمال الذهنية مثل ما أنتجت بلاد اليونان؛ ولكنها استوعبت التراث الصناعي، والعقلي، والفني الذي تلقته عن قرطاجنة ومصر وبلاد الشرق، وقدرته أعظم التقدير، واستمسكت به اشد الاستمساك. ولسنا ننكر كذلك أن العلوم لم تتقدم على يديها، ولم تدخل شيئاً من التحسين الآلي على الصناعة، ولكنها أغنت العالم بتجارة كانت تسير في بحار آمنة، وأنشأت شبكة من الطرق الباقية حتى الآن أضحت شرايين يجري فيها دم الحياة الجياش. ولقد مرت فوق هذه الطرق، وفوق ألف من الجسور الجميلة إلى عالم العصور الوسطى والعالم الحديث أساليب الزراعة والصناعات اليدوية، والفنون، وعلم إقامة المباني التذكارية وأعمال المصارف والاستثمار، وتنظيم الأعمال الطبية والمستشفيات العسكرية، ونظام المُدن الصحي، وأنواع مختلفة من الفاكهة، أشجار النقل، ونباتات الحقول والزينة، التي جاءت بها من الشرق لتتأقلم في الغرب، وحتى سر التدفئة المركزية قد انتقل من الجنوب الدافئ إلى الشمال البارد. ولقد خلق الجنوب الحضارات ثم غليها الشمال على أمرها فدمرها أو استعارها من أهلها.
ولم تخترع روما نظم التربية، ولكنها أنمتها ووسعتها إلى حد لم يُعرف له مثيل من قبل، وأمدتها بمعونة الدولة، ووضعت المنهاج الذي ظل باقياً يعذبنا في


صفحة رقم : 4115



قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الخاتمة -> ما قامت به رومة من جلائل الأعمال


أيام شبابنا. وفي العمارة لم تخترع الأقواس أو العقود أو القباء، ولكنها استخدمتها بجرأة وفخامة جعلت بعض الطرز من عمائرها أرقى من جميع نظائرها إلى هذه الأيام؛ ولقد أخذت الكنائس الكبرى في العصور الوسطى جميع عناصرها من الباسلقا الرومانية. ولم تخترع روما التماثيل، ولكنها وهبتها قوة واقعية، قلما سما إليها اليونان أصحاب هذه النزعة؛ ولم تبتدع الفلسفة ولكن لكريشيوس وسنكا هما اللذان وجدت فيهما الأبيقورية والرواقية صورتيهما النهائيتين المصقولتين أعظم صقل. ولم تنشئ الأنماط الأدبية إنشاء، لا نستثني من ذلك الهجوا نفسه، ولكن مَن منا يستطيع أن يقدر حق التقدير ما كان لشيشرون من أثر في فنون الخطابة، والمقالة، وأسلوب النثر، أو أثر فرجيل في دانتي، أو تسو Tasso في ملتن... أو ليفي وتاستس في كتابة التاريخ، أو هوراس وجوفنال في دريدن، وسوفت، وبوب؟.
وقد أضحت لغتها بفضل ما دخل عليها من مسخ يثير الإعجاب لغة إيطاليا، ورومانيا، وفرنسا، وأسبانيا، والبرتغال، وأمريكا اللاتينية، أي لغة نصف عالم الرجل الأبيض؛ وقد ظلت تلك اللغة حتى القرن الثامن عشر اللغة الدولية للعلم والتبحر في الدرس، والفلسفة في بلاد الغرب. وكانت هي المعين الذي اغترفت منه مفردات دولية سهلة لعلمي الحيوان والنبات. ولقد بقيت حية في الطقوس المنغمة والوثائق الرسمية للكنيسة الكاثوليكية، ولا تزال تكسب بها تذاكر الأطباء، وتتردد كثيراً في المصطلحات القانونية؛ ودخلت عن طريق اللغات الرومانسية مثل (royal yegal, reyalis، و pessant, pagan, paganus؛ لتزيد من اللغة الإنجليزية ومرونتها. وملاك القول أن ما ورثناه من الرومان يظهر أمامنا آلاف المرات في كل يوم.
ولما أن فتحت المسيحية روما انتقل إلى الدين الجديد بناء الدين الوثني


صفحة رقم : 4116



قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الخاتمة -> ما قامت به رومة من جلائل الأعمال


القديم، انتقل إليه لقب الحبر الأعظم pontifex meximus، وعبادة الأم العظمى، وعدد لا يحصى من الأرباب التي بثت الراحة والطمأنينة في النفوس، والإحساس بوجود كائنات في كل مكان لا تدركها الحواس، وبهجة الأعياد القديمة أو وقارها، والمظاهر الخلابة للمواكب القديمة التي لا يعرف الإنسان بدايتها، نقول ان هذه كلها انتقلت إلى المسيحية كما ينتقل دم الأم إلى ولدها، وأسرت روما الأسيرة فاتحها، وأسلمت الإمبراطوريّة المحتضرة أزمة الحكم والمهارة الإدارية إلى البابوية القوية، وشحذت الكلمة المواسية بقوة سحرها ما فقده السيف المفلول من قوته؛ فحل مبشرو الكنيسة محل جيوش الدولة، وأخذ هؤلاء يجوبون الآفاق في جميع الجهات متتبعين الطرق الرومانية، وعادت الولايات الثائرة بعد أن اعتنقت المسيحية إلى الاعتراف بسيادة روما. وحافظت العاصمة القديمة على سلطانها، خلال الكفاح الطويل الذي دام في عصر الإيمان، ومازال ينمو هذا السلطان، ينمو ويقوى حتى خيل إلى العالم في عصر النهضة أن الثقافة القديمة قد انبعثت من قبرها، وأن المدينة الخالدة أضحت مرة أخرى مركز حياة العالم وثرائه وقمة تلك الحياة وذينك الثراء والفن. وقد احتفلت روما في عام 1963 بمضي 2689 عاماً على تأسيسها، وكان في وسعها أن تعود بنظرها إلى ما تمتاز به حضارتها من استمرار رائع في تاريخ الإنسانية. ألا ليتها تعود إلى حياتها الماضية.
شكراً لك أيها القارئ الصبور


صفحة رقم : 4117





قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> مقدمة -> مقدمة المترجم



المجلد الرابع




عصر الإيمان




مقدمة الترجمة




بسم الله الرحمن الرحيم


باسم الله نبدأ الجزء الأول من المجلد الرابع من مجلدات قصة الحضارة السبعة، وقد صدر منها بعد هذا مجلد خامس في حضارة عصر النهضة. أما هذا المجلد فيروي قصة حضارة العصور الوسطى من قسطنطين إلى دانتي، وهي فترة دامت أكثر من ألف عام. وقد أطلق المؤلف على هذا العهد اسم عصر الإيمان لأنه كان عصر العقيدة الدينية القوية، ولأن فيه أضحت المسيحية دين الدولة الرومانية، وفيه ظهر الدين الإسلامي وانتشر في آسية وأفريقية وأوربا، وبلغت الحضارة الإسلامية فيه ذروة مجدها في الشرق والغرب على السواء.
وهذا المجلد الرابع- وإن لم يشمل من الزمن إلا هذه الفترة القصيرة من تاريخ العالم- من أكبر مجلدات هذه القصة؛ فهو في الأصل الإنجليزي يبلغ نحو ألف ومائتي صفحة مقسمة إلى خمس "كتب" سنصدرها باللغة العربية في ستة أجزاء.
وهذه الفترة من أهم الفترات وأبقاها أثراً في تاريخ العالم، وحسبنا أن نعيد ما قلناه من قبل وهو أن فيها ثبتت دعائم المسيحية، وظهر الإسلام، وقام الصراع بين اليهودية والمسيحية. وفيها بدأت أوربا تتشكل، وتحطمت الإمبراطورية الرومانية وظهرت الأمم الأوربية الحديثة، ونشبت الحروب الصليبية، وظهر الإسلام وعم نوره الآفاق، ولاحت تباشير عصر النهضة




صفحة رقم : 4118




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> مقدمة -> مقدمة المترجم


وسيجد القارئ ذلك كله مفصلاً في هذا الجزء والأجزاء التالية إن شاء الله.
ونرى مرة أخرى أن نكرر الشكر للإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية وللجنة التأليف والترجمة والنشر وللقراء الكرام الذين كان إقبالهم على الأجزاء السابقة أكبر مشجع لنا على مواصلة الجهد في ترجمة هذا المجلد الضخم ونرجو ألا يطول انتظارهم لبقية الأجزاء.




صفحة رقم : 4119




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> مقدمة -> إلى القارئ



مقدمة




إلى القارئ


إن الغرض الذي أبغيه من تأليف هذا الكتاب هو أن أعرض على القارئ قصة حضارة العصور الوسطى من عام 325 م إلى عام 1300 كاملة بقدر ما تتسع لها صفحاته، بعيدة عن الهوى بقدر ما تسمح له الطبيعة البشرية، والطريقة التي اتبعتها في تأليفه هي النظر إلى التاريخ كله على أنه وحدة شاملة يكمل بعضه بعضاً، أي تصوير جميع مظاهر حضارة من الحضارات أو عصر من العصور في صورة جامعة شاملة، وإيراد قصة تلك الحضارة وذلك العصر بهذه الطريقة عينها. ولذلك كان اضطرارنا إلى الإحاطة بجميع النواحي الاقتصادية، والسياسية، والقانونية، والحربية، والأخلاقية، والاجتماعية، والدينية، والتربوية، والعلمية، والطبية، والفلسفية، والدبية، والفنية لأربع حضارات متباينة- البيزنطية، والإسلامية، واليهودية، والأوربية الغربية، مما جعل وحدة المنهج والإيجاز من اشق الأمور. فأما من حيث الوحدة فإن التقاء الحضارات الأربع واصطراعها أيام الحروب الصليبية قد خلع على هذا المنهج شيئاً منها، وأما الإيجاز ففي وسع القارئ المتعب، الذي يرهقه طول الكتاب، أن يجد شيئاً من العزاء إذا علم أن المخطوط في صورته الأصلية كان يزيد على هذا النص الذي بين يديه بقدر نصف طوله . ذلك أننا لم نبق من المخطوط الأصلي إلا ما كان في رأينا لا غنى عنه لفهم تلك الفترة من تاريخ العالم على الوجه الصحيح، أو لجعل القصة حية واضحة زاهية.
على أن في وسع القارئ غير المتخصص أن يمر ببعض الفقرات العويصة




صفحة رقم : 4120




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> مقدمة -> إلى القارئ


دون أن يقف عندها طويلاً، ولن يخل هذا بسياق القصة أو يشوه الصورة. وهذا المجلد هو القسم الرابع من قصة الحضارة التي ستكون بعد تمامها مؤلفة من ستة أقسام : القسم الأول هو "تراث الشرق" (1935)، وقد أحطنا فيه بتاريخ مصر والشرق الأدنى من أقدم العهود إلى أن فتحهما الإسكندر حوالي 330 ق.م، وبتاريخ الهند والصين واليابان إلى الوقت الحاضر؛ والقسم الثاني "حياة اليونان" (1939)، يروي تاريخ اليونان والشرق الأدنى ويصف حضارتهما إلى أن فتح الرومان بلاد اليونان في عام 146 ق.م؛ والقسم الثالث "قيصر والمسيح" (1944) يروي تاريخي روما والمسيحية من بدايتهما، وتاريخ الشرق الأدنى من عام 146 ق.م، إلى مجمع نيقية الذي عقد في عام 325 م. ويواصل هذا الكتاب دراسة حياة الرجل الأبيض حتى موت دانتي في عام 1321. ويشمل القسم الخامس "النهضة والإصلاح" تاريخ الفترة الواقعة بين 1321، 1648 ونعتزم إصداره في عام 1955؛ وأما الجزء السادس "عصر العقل" الذي يصل بالقصة إلى الوقت الحاضر، فيصدر بمشيئة الله في عام 1960 وفي هذا الوقت يكون المؤلف قد قرب من الشيخوخة قرباً يضطره إلى أن يتخلى عن ميزة تطبيق الطريقة الجامعة التي سار عليها في الأقسام الستة على الأمريكتين.
والخطة التي اتبعناها في هذه الأقسام الستة هي أن يكون كل منها وحدة مستقلة بذاتها، ولكن القراء الذين درسوا "القيصر والمسيح" سيجدون أن من السهل عليهم أكثر من غيرهم أن يمسكوا بخيوط القصة التي نرويها في هذا الكتاب. وسيضطرنا تاريخ الحوادث وتسلسلها إلى أن نبدأه بأقل ما يعني به الناس عادةً من نواحي حضارة العصور الوسطى الرباعية وهو الحضارتان البيزنطية




صفحة رقم : 4121




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> مقدمة -> إلى القارئ


والإسلامية؛ وسيدهش القارئ المسيحي من كثرة الصحف التي اختصصنا بها الثقافة الإسلامية كما أن العالم الذي درس حضارة الإسلام سيأسف أشد الأسف للحيز الضيق الذي خصصنا به حضارة المسلمين الزاهرة في العصور الوسطى ولاضطرارنا إلى اختصار تاريخها هذا الاختصار الشديد. ولقد بذلنا جهدنا على الدوام في أن نكون بعيدين عن الهوى والتحيز، وأن ننظر إلى كل دين وكل ثقافة كما ينظر إليهما أهلهما؛ ولكنا مع هذا لا ندعي العصمة من الهوى، ولا ننكر انه قد بقي في قصتنا شيء من التحيز في اختيار مادة الكتاب وفي توزيع صحفه على موضوعاته المختلفة إن لم يكن في غير هاتين الناحيتين. ذلك أن العقل كالجسم سجين في جلده لا يستطيع الفكاك منه.
ولقد أعدنا كتابة المخطوط ثلاث مرات، وكنا في كل مرة نكشف فيه عن أخطاء جديدة، وما من شك أنه ما يزال به كثير منها، غير أننا قد ضحينا بتحسين الجزء بغية إكمال الكل، وإنا لنرحب بكل ما يبلغ إلينا من هذه الأخطاء.
ولقد كان من الواجب أن نهدي هذا الكتاب إلى زوجتي كما أهديت إليها الكتب السابقة، فلقد ظلت سبعة وثلاثين عاماً تحبوني في صبر جميل بقدر من تسامحها، وحمايتها، وإرشادها، وإلهامها لا تفي به هذه المجلدات جميعها. ولكنها هي التي أشارت عليَّ بأن أهدي هذا الكتاب إلى ابنتنا، وإلى زوجها، وإلى حفيدنا.
ول ديورانت
في الثاني والعشرين من نوفمبر سنة 1949




صفحة رقم : 4122




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> تراث قسطنطين



الكتاب الأول




الدولة البيزنطية في أوج مجدها




325 - 565




الباب الأول




يوليان المرتد




632-63




الفصل الأول




تراث قسطنطين


لما أحس الإمبراطور قسطنطين بدنو أجله جمع حوله في عام 335 أبناءه وأبناء أخيه وقسم بينهم حكم الإمبراطورية الضخمة التي استولى عليها، وكان عمله هذا مثلاً من أمثلة الحمق الذي تدفع إليه معزة الأبناء. وقد خص ابنه الأكبر قسطنطين الثاني بالغرب -بريطانيا، وغالة، وأسبانيا؛ وخص ابنه قنسطنطيوس Constantius بالشرق -بآسية الصغرى، وسوريا، ومصر؛ وخص ابنه الأصغر قنسطانس Constans بشمالي أفريقية وإيطاليا، وإليركُم، وتراقية بما في ذلك العاصمتان الجديدة والقديمة -القسطنطينية وروما- وأعطى ابني أخ له أرمينية ومقدونية وبلاد اليونان. وكان الإمبراطور المسيحي الأول قد بذل حياته وحيوانات كثيرة غير حياته، إعادة الملكية، وتوحيد العقيدة الدينية في الدولة الرومانية؛ فلما مات في عام 337 تعرض هذا كله للخطر الشديد، ولم يكن أمامه إلا واحدة من اثنتين ليس فيهما حظ لمختار، فإما أن تقسم حكومة البلاد وإما أن تتعرض لخطر الحرب الأهلية؛ ذلك أن حكمه لم يدم حتى يخلع عليه القداسة طول الزمن، ولم يكن يضمن والحالة هذه أن تنعم البلاد بالسلم إذا خلفه




صفحة رقم : 4123




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> تراث قسطنطين


على العرش وارث واحد، ولهذا بدا له أن شر تقسيم البلاد بين عدة حكام أهون من شن الحرب الأهلية.
غير أن البلاد مع هذا لم تنج من الحرب الأهلية، ويسر الاغتيال حل مشكلة التقسيم. ذلك أن الجيش رفض كل سلطان عدا سلطان أبناء قسطنطين، واغتيل جميع الذكور من أقارب الإمبراطور السابق عدا جالس Dallus ويوليان Julian ابني أخيه، فأما جالس فكان عليلاً يرجى أن لا يطول حياته كثيراً، وأما يوليان فكان في سن الخامسة، ولعل سحر الطفولة هو الذي رقق قلب قنسطنطيوس الذي تعزو إليه الروايات المتواترة، ويعزو إليه أمنيوس، هذه الجرائم(1). وأوقد قنسطنطيوس مرة أخرى نار الحرب مع بلاد الفرس وهي حلقة من النزاع القديم بين الشرق والغرب، ذلك النزاع الذي لم تخمد جذوته في واقع الأمر من أيام مرثون، وأجاز لاخوته أن يبيد بعضهم بعضاً بسلسلة من الاغتيالات الأخوية. ولما أنفر بالملك (353) عاد إلى القسطنطينية، وحكم الدولة التي وجدت من جديد حكماً بذل فيه كل ما أتصف من عجز يصحبه الإخلاص، واستقامة شديدة، ولم يكن يهنأ له عيش لارتيابه في الناس وسوء ظنه يهم، ولا يحبه أحد لقسوته، ولا يرقى إلى مصاف العظماء لكبريائه وغروره.
وكانت المدينة التي سماها قسطنطين روما الجديدة Nova Roma، والتي سميت باسمه في أثناء حياته، قد أقامها على مضيق البسفور جماعة من المستعمرين اليونان حوالي عام 657 ق.م، وظلت ما يقرب من ألف عام تعرف باسم بيزنطية، وسيظل لفظ بيزنطى عنواناً لحضارتها وفنها على مر الأيام، ولم يكن ثمة موضع آخر في الأرض كلها أصلح منها لإقامة عاصمة لدولة ما. وقد أطلق عليها نابليون في تلزت Tilsit عام 1807 اسم إمبراطورية العالم، وأبى أن يسلمها إلى الروسيا التي كانت تتوق إلى السيطرة عليها مسوقة إلى هذا باتجاه ما يخترق بلادها من أنهار. وتستطيع الدولة المسيطرة عليها أن تغلق




صفحة رقم : 4124




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> تراث قسطنطين


في أي وقت تشاء باباً رئيسياً بين الشرق والغرب، وفيها تجتمع تجارة ثلاث قارات، وتفرغ غلات مائة من الدول، وهنا يستطيع جيش أن يصمد ليصد الفرس المتحضرين، والهون الهمح الشرقيين، وصقالبة الشمال، وبرابرة الغرب. وتحميها المياه الدافقة من جميع الجهات إلا جهة واحدة يستطاع حمايتها بالأسوار المنيعة، وتستطيع الأساطيل الحربية والسفن التجارية أن تجد في القرن الذهبي -وهو خليج صغير من خلجان البسفور- مرفأ أميناً يقيها هجمات السفن المعادية والأعاصير المدمرة. ولعل اليونان قد سموا هذا الخليج قرناً Keras لشكله الذي يشبه القرن، أما وصفه بالذهبي فقد أضيف إليه فيما بعد ليوحي إلى سامعيه بما ينعم به هذا المرفأ من ثروة عظيمة يأتي إليه بها السمك والحبوب والتجارة. ورأى الإمبراطور المسيحي أنه واجد في هذا المكان، بين السكان الذين تدين كثرتهم بالمسيحية، والذين طال عهدعم بالملكية والأبهة الشرقيتين، من تأييد الشعب ما لا يستطيع أن يجده في روما: وما يضن به عليه مجلس شيوخها المتغطرس وسكانها الوثنيين. وهنا عاشت الدولة الرومانية ألف عام بعد وفاته رغم هجمات جحافل البرابرة التي أغرقت روما فيما بعد، فقد هدد القوط، والهون، والوندال، والأفار، والفرس، والعرب، والبلغار، وللروس العاصمة الجديدة، وعجزوا جميعاً عن الاستيلاء عليها، ولم تسقط في تلك القرون العشرة إلا مرة واحدة، وكان سقوطها في أيدي الصليبيين المسيحيين الذين كان حبهم للذهب يزيد قليلاً على حبهم للدين. وظلت بعد ظهور الإسلام ثمانية قرون تصد جيوش المسلمين التي اكتسحت أمامها آسية وإفريقية، وأسبانيا. وفيها ظلت الحضارة اليونانية قائمة لا ينضب معينها تحتفظ للعالم بشعلة أنقذته فيما بعد من الهمجية، وعضت بالنواجذ على كنوزها القديمة، حتى أسلمتها آخر الأمر إلى إيطاليا في عصر النهضة، ومنها إلى العالم الغربي.
وفي عام 324 سار قسطنطين الأكبر على رأس جماعة من قواده الجند،




صفحة رقم : 4125




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> تراث قسطنطين


والمهندسين والقساوسة، وانتقل بهم من مرفأ بيزنطية، واجتاز ما حوله من التلال، ليرسم حدود العاصمة التي كان يعتزم إنشاءها. ولما عجب بعضهم من اتساع رقعتها رد على هؤلاء بقوله: "سأواصل السير حتى يرى الله الذي لا تدركه الأبصار أن من الخير أن أقف(2)". وكانت هذه سنته التي جرى عليها طوال حكمه، فلم يكن يتردد قط في القيام بأي عمل، أو النطق بأي لفظ، يمكن أن تنال به خططه أو دولته ذلك التأييد القوي الذي ينبعث من عاطفة الشعب الدينية وولائه للكنيسة المسيحية.
ثم جاء "إطاعة لأمر الله"(3)بآلاف الصناع والفنانين لإقامة أسوار المدينة، وحصونها، ودور المصالح الحكومية، وقصورها، ومنازل سكانها. وزين الميادين والشوارع بالفساقي، والأبهاء ذات العمد، وبالنقوش التي جاء بها من مختلف المدن في دولته الواسعة بلا تمييز بينها؛ وهداه حرصه على تسلية العامة وإيجاد متنفس ينصرف فيه شغبها واضطرابها، فأنشأ مضماراً للسباق تستطيع فيه الجماهير أن تشبع غريزة اللعب والمقامرة على نطاق لم يُر له مثيل إلا في روما أيام انحلالها. وأعلنت روما الجديدة عاصمة للدولة الشرقية في اليوم الحادي عشر من شهر مايو سنة 330: واتخذ ذلك اليوم بعدئذ عيداً يحتفل به في كل عام بأعظم مظاهر الأبهة والفخامة. وكان ذلك إيذاناً بانتهاء عهد الوثنية من الجهة الرسمية وبداية العصور الوسطى عصور انتصار الإيمان من الوجهة الرسمية أيضاً إذا صح ذلك التعبير. وبذلك انتصر الشرق في معركته الروحية على الغرب الظافر بقوته المادية الجسمية، وسيطر على الروح الغربية مدى ألف عام.
وما كان يمضي على اتخاذ القسطنطينية عاصمة للدولة حتى أصبحت أغنى مدائن العالم وأجملها وأعظمها حضارة، وظلت كذلك مدى عشرة قرون كاملة. وبينما كان عدد سكانها في عام 337 لا يزيد على 50.000 نسمة إذا هم يبلغون في عام 400 حوالي مائة ألف، وفي عام 500 ما يقرب من مليون(4). وثمة وثيقة




صفحة رقم : 4126




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> تراث قسطنطين


رسمية (يرجع تاريخها إلى حوالي عام 450) تقول إنه كان بالمدينة وقت كتابة هذه الوثيقة خمسة قصور إمبراطورية وستة قصور لسيدات الحاشية، وثلاثة لعظماء الدولة، و4388 من الدور الفخمة، و322 شارعاً، 52 مدخلاً ذا عمد؛ هذا فضلاً عن نحو ألف حانوت، ومائة مكان للهو، وكثير من الحمامات الفخمة، والكنائس المزدانة بالنقوش الجميلة، والميادين الواسعة العظيمة التي كانت متاحف حقه لفن العالم القديم(5). وقد أنشئت على التل الثاني من التلول التي كانت تعلو بالمدينة فوق ما يحيط بها من المياه سوق قسطنطين، وهي ساحة رحبة إهليلجية الشكل يدخل الإنسان إليها من كلا جانبيها تحت قوس من أقواس النصر. وكان يحيط بالساحة مداخل ذات عمد ، وتماثيل، وكان من ناحيتها الشمالية بناء فخم لمجلس الشيوخ، وفي وسطها عمود من حجر السماق يعلو فوق الأرض 120 قدماً، ويتوجه تمثال لأبلو، ويقال إن هذا العمود من صنع فدياس نفسه .
وكان يمتد من السوق العامة في اتجاه الغرب طريق وسط تقوم على جانبيه قصور وحوانيت، وتظلله طائفة من العمد، ويخترق المدينة إلى الأوغسطيوم Augusteum، وهو ميدان واسع طوله ألف قدم وعرضه ثلاثمائة، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى هلينا Helena أم قسطنطين بوصفها Augusta (العظيمة). وعند الطرف الشمالي من هذا الميدان قامت في صورتها الأولى كنيسة أيا صوفيا Sophia -أي كنيسة الحكمة القدسية. وكان عند طرفه الشرقي قاعة ثانية لمجلس الشيوخ؛ وعند طرفه الجنوبي شيد القصر الرئيسي للإمبراطور، كما شيدت حمامات زيوكسبس Zeuxippus الضخمة التي كانت تحتوي على مئات من التماثيل المنحوتة من الرخام، أو المصبوبة من البرنز. وعند الطرف الغربي للطريق الأوسط كان يقوم بناء ضخم مكون من عقود -يعرف باسم المليون Million




صفحة رقم : 4127




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> تراث قسطنطين


أو شاخص الميل- ومنه تتشعب الطرق العظيمة الكثيرة (التي لا يزال بعضها باقياً للآن)، والتي تربط عاصمة الدولة بمختلف ولاياتها. وهنا أيضاً في غرب الأوغسطيوم أنشئ ميدان السباق العظيم، وبينه وبين كنيسة أياصوفيا كان يمتد القصر الإمبراطوري أو القصر المقدس، وهو بناء معقد من الرخام تحيط به مائة وخمسون فداناً من الحدائق والأبواب ذات العمد. وانتشرت في أنحاء مختلفة من المدينة وضواحيها بيوت الأشراف. وفي الشوارع الجانبية الضيقة الملتوية المزدحمة بالسكان كانت حوانيت التجار ومساكن العامة على اختلاف أنواعها. وكان الطريق الأوسط ينتهي عند طرفه الغربي "بالباب الذهبي" في سور قسطنطين، ويطل من هذا الباب على بحر مرمرة. وكانت القصور تقوم على الشواطئ الثلاثة وتضطرب ظلالها الفخمة في أمواج البحار.
وكان جل أفراد الطبقة العليا من سكان المدينة من الرومان، أما الكثرة الساحقة من غير هذه الطبقة فكانوا من اليونان. وكان هؤلاء وأولئك وغيرهم من السكان يسمون أنفسهم "يونانا". وكانت اللاتينية لغة الدولة الرسمية، ولكن اليونانية ظلت لغة الشعب حتى حلت قبيل مستهل القرن السابع محل اللاتينية في المصالح الحكومية نفسها. وكانت تلي طبقة كبار الموظفين وأعضاء مجلس الشيوخ طبقة من الأشراف قوامها ملاك الأراضي الذين يقيمون في المدينة تارة وفي ضياعهم في الريف تارة أخرى. وكانت هناك طبقة أخرى هي طبقة التجار تحتقرها الطبقات السالفة الذكر ولكنها تنافسها في الثراء. وكان هؤلاء التجار يستبدلون ببضائع القسطنطينية والإقليم الذي من خلفها غلات بلاد العالم. ويلي طبقة التجار في المدينة طبقة أخرى مطَّردة الزيادة من موظفي الحكومة، ومن تحتهم أصحاب الحوانيت ورؤساء الصناع الذين يعملون في مختلف الحرف، وتليهم طبقة يعد أفرادها عمالاً أحراراً من الوجهة الرسمية الشكلية، لا حق لهم في الانتخابات العامة، جبلوا على الشغب والاضطراب، أذلهم الجوع وخضعوا




صفحة رقم : 4128




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> تراث قسطنطين


عادة لرجال الشرطة، يشترى هدوؤهم بالألعاب وسباق الخيل، وبما يوزع عليهم في كل يوم من الخبز أو الحبوب التي تبلغ ثمانين ألف مكيال، ليظلوا هادئين مسالمين. وكانت أحط طبقات المجتمع في القسطنطينية، كما كانت أحطها في سائر أنحاء الإمبراطورية، طبقة الأرقاء، وكان عددهم وقتئذ أقل من عددهم في روما أيام قيصر، وكانوا يلقون من المعاملة خيراً مما كانوا يلقونه في أيامه بفضل شرائع قسطنطين وتأثير الكنيسة التي خففت عن كاهلهم كثيراً من الأعباء، وأشعرت سادتهم الرحمة بهم والإشفاق عليهم.
وكان السكان الأحرار يخرجون من أعمالهم في مواسم معينة، ويجتمعون في ميدان السباق، فَيَغُص بهم على سعته. وكان في هذا الميدان مدرج طوله خمسمائة وستون قدماً وعرضه ثلثمائة وثمانون، وتتسع القاعدة لعدد من النظارة يتراوح بين ثلاثين ألفاً وسبعين(7)، يحميهم عن المجتلد خندق ذو شكل إهليلجي؛ وكان في وسعه خلال الفترات التي بين الألعاب أن يتنزهوا في طريق ظيل ذي خطار من الرخام طوله 2766 قدماً(8). وكان يخترق مضمار السباق جدار منخفض يمتد في وسطه في أكبر طوليه من إحدى نهايتيه إلى الأخرى ويسمى الأسبينا Spina أو عموده الفقري؛ وقد صفت التماثيل على جانبيه، وقامت في وسطه مسلة من مسلات الملك تحتمس الثالث جيء بها من مصر. وكان في طرفه الجنوبي عمود مكون من ثلاث جهات من البرنز ملتوية بعضها على بعض. أقيم في بادئ الأمر في دلفي تخليداً لذكرى معركة بلاثيه Plataea (479 ق.م)؛ ولا تزال المسلة والعمود قائمين حتى الآن. وقد ازدانت الكاثزما Rathisma أي مقصورة الإمبراطور في القرن الخامس بتماثيل لأربعة جياد من البرنز المذهب من عمل ليسيوس في الزمن القديم. وفي هذا المضمار كان يحتفل بالأعياد القومية العظيمة فتسير فيه المواكب، وتقام المباريات الرياضية، والألعاب البهلوانية، وتقتتل الحيوانات وتصاد، وتعرض الوحوش والطيور الأجنبية الغريبة. وبفضل التقاليد




صفحة رقم : 4129




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> تراث قسطنطين


اليونانية والعاطفة المسيحية كانت أسباب التسلية واللهو في القسطنطينية أقل قسوة من نظائرها في روما، وشاهد ذلك أننا لا نسمع في العاصمة الجديدة عن قتال المجالدين؛ ومع هذا فإن أشواط سباق الجياد والعربات البالغة أربعة وعشرين شوطاً، وهي الجزء الأهم من منهاج الاحتفالات كانت تثير في نفوس الجماهير ما تثيره حفلات الأعياد الرومانية في نفوس الرومان من حماسة بالغة. وكان ركاب الخيل والعربات المحترفون يقسمون إلى فئات زرق، أو خضر، أو حمر، أو بيض حسب من يستخدمونهم من أصحاب الخيل والعربات؛ وحسب ما يرتدون من ثياب؛ وعلى هذا النحو أيضاً يسقم النظارة، بل وينقسم سكان المدينة على بكرة أبيهم. وكان الحزبان الرئيسيان -الزرق والخضر- يقتتلان بالخناجر في المضمار وبالخناجر أحياناً في شوارع المدينة. ولم يكن في وسع السكان أن يعبروا عن مشاعرهم إلا في أثناء هذه الألعاب والمباريات، ففيها كانوا يطالبون بحقهم في أن ينالوا رعاية الحكام، أو في ما يريدونه من ضروب الإصلاح، أو في الشكوى من ظلم الحكام، كانوا في بعض الأحيان يعتبون على الإمبراطور نفسه وهو جالس في مقعده الأمين الرفيع الذي كان يتصل بقصره بمخرج يقوم عليه حراس مدججون بالسلاح.
أما فيما عدا هذا فقد كانت جمهرة السكان لا حول لها ولا طول من الناحية السياسية. ذلك أن دستور قسطنطين، الذي لم يكن في واقع الأمر إلا استمراراً لدستور دقلديانوس، كان دستور دولة ملكية مطلقة سافرة. وقد كان في وسع مجلسي الشيوخ في القسطنطينية وفي روما أن يناقشا المسائل المعروضة عليهما، وأن يشرعا، ويفصلان في بعض القضايا، ولكن هذا كله كان يخضع لحق الرفض المخول للإمبراطور. وقد استحوذ على حقوقهما التشريعية مجلس الحاكم الاستشاري المعروف باسم المجلس التشريعي الأعلى المقدس. يضاف إلى هذا أنه كان من حق الإمبراطور أن يسن القوانين بمراسيم يصدرها بنفسه، كما أن إرادته كانت هي




صفحة رقم : 4130




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> تراث قسطنطين


القانون الأعلى. وكان الأباطرة يرون أن الديمقراطية قد أخفت في تحقيق أغراضها، وأنها قد قضت على الإمبراطورية التي ساعدت هي على إقامتها. نعم أنه قد يكون في وسعها أن تحكم المدينة، ولكنها عجزت عن حكم مائة ولاية مختلفة الأوضاع. ولقد أسرفت في الحرية حتى جعلتها إباحية، ثم أسرفت في الإباحية حتى أصبحت فوضى، وحتى هددت حروبها الأهلية وحروب الطبقات الحياة الاقتصادية والسياسية لعالم البحر المتوسط، وانتهى دقلديانوس وقسطنطين إلى أن النظام لا يمكن أن يعود إلا بقصر المناصب العليا على الأشراف ما بين كنت Conites ودوق Duces. لا يختارون على أساس مولدهم، بل يعينهم الإمبراطور الذي يتحمل تبعة الحكم كاملة، ويستمتع بالسلطة كاملة، والذي تحيط به هالة رهيبة من المهابة، والترفع، والعزلة عن الشعب والأبهة الشرقية، وما تخلعه عليه الكنيسة من مراسم التتويج، والتقديس، والتأييد. ولعل هذا النظام كان له ما يبرره من الظروف المحيطة بالدولة في ذلك الوقت، ولكنه لم يفرض على إرادة الحاكم قيوداً إلا مشورة أعوان يهمهم أن يرضوه، وإلا خوفه من الموت المفاجئ. نعم إن هذا النظام قد أوجد أداة إدارية وقضائية قديرة إلى أقصى حدود القدرة، وأطال حياة الإمبراطورية البيزنطية نحو ألف عام كاملة، ولكنها اشترت هذه الحياة بالركود السياسي وبالجمود في كل مناحي الحياة العامة، وبمؤامرات الحاشية، ودسائس الخصيان، وحروب الوراثة، وبعشرات الثورات التي شبت نارها في القصر، والتي رفعت إلى العرش أباطرة كفاة في بعض الأحيان، ولكنها قلما رفعت إليه أباطرة ذوي استقامة خلقية؛ وما أكثر من رفعت إليه من المغامرين الذين لا ضمير لهم، أو من العصابات الألجركية، أو من الحمقى البلهاء.




صفحة رقم : 4131




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> المسيحيون واليهود



الفصل الثاني




المسيحيون واليهود


في القرن الرابع الميلادي كانت الشؤون الكنسية، في عالم البحر المتوسط الذي تعتمد فيه الدولة اعتماداً كبيراً على الدين، قلقة مضطربة إلى حد شعرت الحكومة معه أن لا بد لها من أن تتدخل في أسرار الدين وخفاياه. ذلك أن مجمع نيقية الذي عقد في عام 325 لم يضع حداً للنقاش الحاد الذي احتدم أواره بين أثناسيوس وأريوس، بل ظل كثير من الأساقفة -كانوا هم الكثرة الغالبة في الشرق(9)- يناصرون أريوس، سراً أو جهراً؛ أي أنهم كانوا يرون أن المسيح ابن الله، ولكنه لا يشترك مع الأب في مادته ولا في خلوده. ولم يستنكف قسطنطين نفسه، بعد أن قبل قرار المجمع، وطرد أريوس من البلاد، أن يدعوه إلى اجتماع شخصي معه (331)؛ فلما أجتمع به لم يجد في أقواله ما يستطيع أن يعده خروجاً على الدين، وأوصى بأن ترد إلى أريوس وأتباعه كنائسهم. واحتج أثناسيوس على ذلك، فاجتمع في صور مجلس من أساقفة الشرق وقرر خلعه من كرسي الإسكندرية الديني (335)، وظل عامين طريداً في غاله. أما أريوس فقد زار قسطنطين مرة أخرى، وأعلن قبوله للعقيدة التي قررها مؤتمر نيقية بعد أن أضاف إليها تحفظات دقيقة لا ينتظر من إمبراطور أن يفهمها. وآمن قسطنطين بأقواله، وأمر الإسكندر بطريق القسطنطينية أن يقبله في العشاء الرباني. وفي هذا يقص سقراط المؤرخ الكنسي هذه القصة المحزنة المؤلمة:
"كان ذلك يوم السبت، وكان أريوس يتوقع أن يجتمع بالمصلين في اليوم الذي يليه، ولكن القصاص الإلهي عاجله فأحبط عمله الإجرامي الجريء. ذلك




صفحة رقم : 4132




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> المسيحيون واليهود


أنه لما خرج من القصر الإمبراطوري... واقترب من العمود السماقي المقام في سوق قسطنطين، تملكه الرعب، وأصيب بإسهال شديد... خرجت فيه أمعاؤه من بطنه، وأعقبه نزيف حاد، ونزلت أمعؤه الدقاق. ومما زاد الطين بلة أن طحاله وكبده قد انفصلا من جدة النزيف ومات لساعته(10)".
ولما بلغ هذا التطهير العاجل مسامع قسطنطين بدأ يسأل نفسه: ألم يكن أريوس في واقع الأمر كافراً زنديقاً؟ لكنه لما مات في السنة التالية تلقى مراسيم التعميد على يد صديقه ومشيره يوسبيوس أسقف نقوميديا، وهو من أتباع أريوس نفسه.
وعني قسطنطين بشؤون الدين عناية أكثر جدية من عناية أبيه، فشرع يبحث بنفسه أبوة المسيح، وخرج من هذا البحث باعتناق مذهب أريوس، وشعر بأن واجبه الأدبي يحتم عليه أن يعرض هذه الآراء على جميع العالم المسيحي. وطرد أثناسيوس من كرسي الإسكندرية مرة أخرى (339)، وكان قد عاد إليه بعد موت قسطنطين. ودعيت مجالس الكنائس تحت إشراف الإمبراطور الجديد، وأيدت تشابه المسيح والأب دون اتحادهما في المادة. وأخرج الكهنة الذين استمسكوا بعقائد مجمع نيقية من كنائسهم، وكان الغوغاء في بعض الأحيان هم الذين يخرجونهم منها، وأتى على المسيحية نصف قرن من الزمان لاح فيه أنها ستؤمن بالتوحيد وتتخلى عن عقيدة ألوهية المسيح. وكان أثناسيوس في هذه الأيام العصيبة يقول عن نفسه أنه يقف وحده في وجه العالم كله، فقد كانت جميع قوى الدولة تقاومه، بل إن أتباع كنيسة الإسكندرية خرجوا عليه واضطر في خمس مرات مختلفة أن يفر من كرسيه معرضاً حياته في معظمها لأشد الأخطار، وأن يهيم على وجهه في البلاد الأجنبية. وظل خمسين عاماً (323-373) صابراً يكافح ويدافع عن عقيدته كما حددها مجمع نيقية بزعامته، مستعيناً على ذلك بمهارة الدبلوماسي وعنف الرجل البليغ، ولم تلن له قناة حتى بعد أن ضعف البابا




صفحة رقم : 4133




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> المسيحيون واليهود


ليبريوس واستسلم. وإليه يرجع معظم الفضل في استمساك الكنيسة بعقيدة الثالوث.
وعرض أثناسيوس قضيته على البابا يوليوس الأول (340)، فرده يوليوس إلى كرسيه، ولكن مجمع من أساقفة الشرق عقد في أنطاكية (391)، وأنكر على البابا حقه في هذا الحكم، ورشح جريجوري، وهو رجل من أتباع أريوس، أسقفاً لكرسي الإسكندرية. لكن جريجوري لم يكد يصل إلى تلك المدينة حتى أثارت أحزابها المتنافسة فتنة صماء قتل فيها عدد كبير من الأهلين، واضطر أثناسيوس على أثرها إلى التخلي عن كرسيه حقناً للدماء (342)(11). وثارت في القسطنطينية فتنة أخرى من نوعها، كان سببها أن قسطنطيوس أمر أن يستبدل ببولس، الرجل الوطني المستمسك بالدين القويم، مقدونيوس الأريوسي، فهب جماعة من مؤيدي بولس يقاومون جند الإمبراطور، وقتل في الاضطرابات التي أعقبت هذه المقاومة ثلاثة آلاف شخص، وأغلب الظن أن الذين قتلوا من المسيحيين بأيدي المسيحيين في هذين العامين (342-343) يزيد عددهم على من قتلوا بسبب اضطهاد الوثنيين للمسيحيين في تاريخ روما كله. واختلف المسيحيون وقتئذ في كل نقطة عدا نقطة واحدة، هي أنه يجب إغلاق الهياكل الوثنية، ومصادرة أملاكها، واستخدام أسلحة الدولة التي كانت توجه من قبل لقتال المسيحية في قتال هذه المعابد وقتال من يتعبدون فيها(12). وكان قسطنطين قد قاوم القرابين والاحتفالات الوثنية وإن لم يكن قد حرمها تحريماً باتاً؛ فلما جاء قنسطانس حرمها وأنذر من يعصى أمره بالموت؛ ثم جاء قنسطنطيوس فأمر بإغلاق جميع الهياكل الوثنية في الدولة، ومنع جميع الطقوس الوثنية، وأنذر من يعصى أمره بقتله ومصادرة أملاكه، كما فرض هاتين العقوبتين بعينهما على حكام الولايات الذين يهملون تنفيذ هذا الأمر(13)، ومع هذا كله فقد بقيت جزائر وثئبة متفرقة في بحر المسيحية الآخذ في الاتساع، فكان في المدن القديمة -أثينة، وأنطاكية، وأزمير، والإسكندرية




صفحة رقم : 4134




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> المسيحيون واليهود


وروما- وبخاصة بين الأشراف وفي المدارس طوائف كبيرة من الوثنيين متفرقين في أحيائها المختلفة. وظلت الألعاب تقام في أولمبيا إلى أيام ثيودوسيوس الأول (379-395)، والطقوس الخفية يحتفل بها في إلوسيس: حتى جاء ألريك فهدم هيكلها في عام 396؛ ولم تنقطع مدارس أثينة عن إذاعة تعاليم أفلاطون، وأرسطو، وزينون، وإن فسرتها تفسيرات تلطف من وثنيتهم. (أما تعاليم أبيقور فقد حرمت وأصبح اسم هذا الفيلسوف مرادفاً للكفر). وظل قسطنطين وولده يؤديان ما كان مقرراً من رواتب لرؤساء المدارس الفلسفية وأساتذتها الذين يكونون ما يمكن أن نسميه ببعض التساهل جامعة أثينة؛ كما ظل المحامون والخطباء يهرعون إلى تلك المدينة ليتعلموا فيها أساليب الخطابة وحيلها؛ وكان السفسطائيون الوثنيون -أو معلمو الحكمة- يعرضون بضاعتهم على كل من يستطيع شرائها. وكانت أثينة كلها مولعة ومعجبة ببروهيرسيوس Prohaeresius، الذي جاء شاباً فقيراً، واشترك مع طالب آخر في فراشه وردائه، ومازال يرتقي حتى شغل كرسي البلاغة الرسمي، واحتفظ حتى سن السابعة والثمانين بوسامته، وقوته، وفصاحته، احتفاظاً جعل تلميذه يونبيوس يرى أنه "إله لا يهرم ولا يموت"(14).
ولكن حامل لواء السوفسطائيين في القرن الرابع هو ليبانيوس Libanius وكان مولده في أنطاكية عام 314؛ ولكنه انتزع نفسه من أمه المولعة به، ووفد إلى أثينة للتعلم والدرس، ولما عرض عليه في بلده أن يتزوج من وارثة غنية إذا بقي فيها قال إنه يرفض الزواج من إلهة إذا حال بينه وبين رؤية دخان أثينة(15). ولم يكن يرى أن معلميه في هذه المدينة أنبياء ملهمون بل كان يراهم مجرد منبهين إياه للتأمل والتفكير، ولهذا فقد علم هو نفسه وسط متاهة من الأساتذة والمدارس. وبعد أن ظل يحاضر وقتاً في القسطنطينية ونقوميديا عاد إلى أنطاكية (354)، وأقام فيها مدرسة ظلت مدى أربعين عاماً أشهر مدارس الإمبراطورية وأكثرها طلاباً. وقد بلغ من الشهرة (كما يؤكد لنا هو نفسه) حداً جعل الناس يتغنون بالفقرات الأولى من تعاليمه(16). وكان من بين تلاميذه أمياتس مرسلينس




صفحة رقم : 4135




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> المسيحيون واليهود


Ammianus Marcellinus والقديس يوحنا كريسستوم St. John Chryaostom والقديس باسيلي St. Basil. وكان يستمتع برضاء الأمراء المسيحيين، وإن كان يخطب ويكتب في الدفاع عن الوثنية، ويقرب القرابين في الهياكل. ولما أضرب خبازو أنطاكية عن العمل اختاره الطرفان المتنازعان حكماً بينهما؛ ولما ثارت أنطاكية على ثيودوسيوس الأول اختارته المدينة المعذبة ليدافع عن قضيتها أمام الإمبراطور(17). وقد طالت حياته ما يقرب من جيل كامل بعد أن اغتيل صديقه يوليان، وبعد أن انهارت دعائم النهضة الوثنية.
وتشكلت وثنية القرن الرابع بأشكال مختلفة: فكان منها المثراسية، والأفلاطونية الجديدة، والرواقية، والكلبية، وكان منها الطقوس المحلية التي تقام لآلهة المدن أو الريف، ثم فقدت المثراسية مكانتها، ولكن الأفلاطونية الجديدة ظلت ذات قوة وأثر في الدين والفلسفة. وكان للعقائد التي كساها أفلوطين ظلاً من الحقيقة -كالقول بوجود نفس ثلاثية تؤلف بين الحقائق كلها وتربطها برباط واحد؛ وبالعقل أو الإله الوسيط الذي قام بعملية الخلق، والروح وهي بوصفها الجزء القدسي، والمادة وهي الجسم ومبعث الشر، وبمناطق الوجود التي هبطت على درجاتها غير المنظورة النفس البشرية من الله إلى الإنسان، والتي تستطيع أن ترقي عليها من الإنسان إلى الله- كان لهذه العقائد والأفكار الصوفية الخفية أثرها في آراء الرسولين بولس ويوحنا وفي كثير ممن حذا حذوهما من المسيحيين، وفي تشكيل كثير من العقائد المسيحية الخارجية على الدين القويم(18). وقد ضم أيمبلقوس Lamblichus من أهل خلقيس Chalcis السورية المعجزات إلى الشعائر الخفية في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، فقال أن الرجل المتصوف لا يكتفي بإدراك الأشياء التي لا تدركها الحواس بل أنه -بفضل اتصاله بالله في أثناء نشوته- قد أصبحت له مواهب ربانية من السحر والإطلاع على الغيب. ثم جمع مكسموس الصوري تلميذ أيمبلقوس بين دعوى المواهب الصوفية




صفحة رقم : 4136




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> المسيحيون واليهود


والوثنية المؤمنة المخلصة الفصيحة التي انتصرت على يوليان وأخضعته لسلطانها. وإلى القاريء فقرة من أقوال مكسموس يدافع فيها عن استخدام الأوثان في العبادات الوثنية ويرد على استهزاء المسيحيين بها:
"الله الأب الذي صور كل ما هو كائن أقدم من الشمس ومن السماء، وأعظم من الزمان، ومن الخلود ومن مجرى الكينونة، لا يستطيع أن يسميه مشترع أو أن ينطق به صوت، أو أن تراه عين، لكننا نحن لعجزنا عن إدراك جوهره نستعين بالأصوات، والأسماء، والصور، وبالذهب المطروق، والعاج، والفضة، وبالنبات، والأنهار، وبالسيول، وقلل الجبال في إشباع حنينا إلى معرفته؛ ونداري عجزنا بأن ننحت من الطبيعة أسماء لكل ما هو جميل في هذا العالم... فإذا ما تاق يوناني لأن يتذكر الله حين يبصر تحفة فنية من عمل فدياس أو تاقت نفس مصري لهذه الذكرى فعبد الحيوان، أو مجد غيرهما ذكراه بعبادة نهر أو نار، فإن اختلافهم عني لا يغضبني؛ وكل ما أطلبه إليهم أن يلاحظوا وأن يذكروا، وأن يحبوا(19).
وكانت فصاحة ليبانيوس ومكسموس من الأسباب التي جعلت يوليان يرقد من المسيحية إلى الوثنية، ولما أن اعتلى تلميذهما عرش الإمبراطورية هرع مكسموس إلى القسطنطينية، وأنشد ليبانيوس في أنطاكية نشيد النصر والفرح: "ها نحن أولاء قد عدنا حقاً إلى الحياة، وهب على الأرض كلها نسيم السعادة لما أن حكم العالم إله حق في صورة إنسان"(20).




صفحة رقم : 4137




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> قيصر الجديد



الفصل الثالث




قيصر الجديد


ولد فلافيوس كلوديوس يوليانوس Flavius Claudius Julianus في القصر الإمبراطوري في القسطنطينية في عام 332، وكان ابن أخي قسطنطين. وقد قتل أبوه، وأخوه الأكبر، ومعظم أبناء عمه، في المذبحة التي حدثت أيام حكم أبناء قسطنطين. وأرسل هو إلى نقوميديا ليتلقى فيها العلم على الأسقف يوسبيوس؛ ولقن من علوم اللاهوت المسيحية أكثر ما يطيقه عقله، وظهرت عليه سمات تدل على أنه سيكون قديساً. ولما بلغ السابعة من عمره بدأ يدرس الآداب القديمة على مردونيوس Mardonius، وسرى حب هومر وهزيود والتحمس لآدابهما من الخصي الهرم إلى تلميذه، وهل يوليان إلى عالم الأساطير اليونانية الشعري الزاهر بدهشة وبهجة عظيمتين.
وفي عام 341 نفي يوليان وأخوه جالوس Gallus إلى كبدوكيا لأسباب لا نعلمها الآن، وظلا ست سنين يكادان أن يكونا فيها سجينين في حصن ماسلوم Macellum ولما أطلق سراحهما سمح ليوليان أن يعيش وقتاً ما في القسطنطينية ولكن مرح الشباب، وما امتاز به من إخلاص وذكاء حباه إلى الشعب حباً أقلق بال الإمبراطور؛ فأرسله مرة أخرى إلى محاضرات ليبانيوس حرم عليه هذا، ولكنه استطاع أن يحصل على مذكرات وافية لدروس هذا المعلم. وكان وقتئذ شاباً في السابعة عشرة من عمره، بهي الطلعة، جياش القلب بالعواطف، متأهباً لأن يبهره سحر الفلسفة الخطر، وبينا كانت الفلسفة، وبينا كان التفكير الحر يأتيان إليه بكل ما فيهما من إغراء، كانت المسيحية تُعرض عليه بوصفها مجموعةً من العقائد التعسفية




صفحة رقم : 4138




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> قيصر الجديد


التي لا تقبل الجدل؛ وكنيسةً تمزقها الفضائح، منقسمة على نفسها بسبب منازعات أريوس وأتباعه، وبسبب تبادل اللعنات بين الشرق والغرب، وتكفير كل منهما الآخر.
وفي عام 351 جعل جالوس قيصراً أي ولياً للعهد- وعهد إليه حكم أنطاكية؛ وأحسن يوليان وقتاً ما بأنه آمن من ريبة الإمبراطورية فأخذ يتنقل من نيقوميديا إلى برجموم ثم إلى إفسوس، يدرس فيها الفلسفة على إدسيوس Edssius، ومكسموس، وكريسنثيوس Chrysanthius وقد أتم هؤلاء تحويله سراً إلى الدين الوثني. وفي عام 354 استدعى قسطنطين جالوس ويوليان إلى ميلان حيث كان يعقد محكمة للنظر في أمرهما. ذلك أن جالوس تعدى حدود السلطة المخولة له، وحكم الولايات الأسيوية حكماً بلغ من استبداده وقسوته أن ارتاع له قسطنطين نفسه. وحوكم الرجل أمام الإمبراطور، ووجهت إليه عدة تهم، وأدين، وصدر عليه الحكم بالإعدام، ونفذ على الفور. وأما يوليان فقد ظل تحت الحراسة في إيطاليا عدة أشهر، حتى أفلح أخيراً في أن يقنع الإمبراطور المرتاب أن السياسة لم تكن له على بال في يوم من الأيام، وأن اهتمامه كله موجه إلى الفلسفة. واطمأن قسطنطيوس إذ عرف أن غريمه ليس إلا رجلاً فيلسوفاً، فنفاه إلى أثينة (355). وإذ كان يوليان قبل هذا النفي يوقع الإعدام، فإنه لم يجد صعوبة في الرضا بالنفي إلى بلد هو منبع العلم، والدين، والتفكير الوثني.
وقضى في تلك المدينة ستة أشهر، كانت من أسعد أيام حياته، يدْرس الفلسفة في الغياض التي استمعت إلى صوت أفلاطون في الزمن القديم، وعقد فيها أواصر الصداقة مع ثامسطيوس Themistius وغيره من الفلاسفة المخلدين والمنسيين. الذين أعجبوا بشغفه بالعلم، وكسب قلوب أهل المدينة برقة شمائله، وتواضعه، وجميل مسلكه. وكان يُشَبِّه هؤلاء الوثنيين المثقفين المهذبين الذين ورثوا ثقافة قرن عشرة بعلماء الدين الوقورين الذين كانوا يحيطون به في نقوميديا




صفحة رقم : 4139




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> قيصر الجديد


أو بأولئك الساسة والحكام الأتقياء الذين رأوا من الواجب عليهم أن يقتلوا أباه واخوته وكثيرين غيرهم من خلق الله؛ وخلص من هذا كله إلى أنه ليس ثمة وحوش أكثر تعطشاً للدماء من المسيحيين(21). وكان إذ سمع أن معابد مشهورة قد دمرت، وأن كهنة وثنيين قد حكم عليهم بالإعدام، وأن أملاكهم قد وزعت على الخصيان وأشياع السلطان أجهش بالبكاء(22). وكان هذا في أغلب الظن هو الوقت الذي قبل فيه أن يتعلم سراً وفي حذر شديد طقوس إليسيز الخفية وأسرارها؛ وكانت المبادئ الأخلاقية الوثنية تتجاوز عما لجأ إليه في ارتداده من مخادعة ورياء. هذا إلى أن أصدقاءه ومعلميه على سره لم يكونوا يوافقون على أن يجهر بهذا الارتداد، فقد كانوا يعرفون أنه إذا فعل سيتوجه قسطنطيوس في غير الوقت الملائم، بتاج الشهداء. وكانوا هم يتطلعون إلى الوقت الذي يرث فيه صنيعتهم عرش الإمبراطورية، ويعيد إليهم رواتبهم وآلهتهم. ولهذا قضى يوليان عشر سنين كاملة يؤدي جميع الشعائر والعبادات المسيحية الظاهرة، بل لقد بلغ من أمره أن كان يقرأ الكتاب المقدس علناً في الكنيسة(23).
وفي وسط هذا التخفي والخوف استدعى مرة أخرى إلى المثول بين يدي الإمبراطور في ميلان؛ وتردد أول الأمر في الذهاب خشية العقاب، لكن الإمبراطورة يوزيبيا أرسلت إليه تبلغه أنها دافعت عنه لدى الإمبراطور، وأنه لن يصاب بمكروه، وما كان أشد دهشته حين زوجه الإمبراطور من أخته هلينا Helena، وخلع عليه لقب قيصر، وعهد إليه حكم غالة (355). وارتدى الرجل الأعزب الحي الذي قدم على الإمبراطور في ثياب الفيلسوف الخشنة حلة القائد الرسمية على مضض، وقام بواجبات الزوجية. وما من شك في أنه قد ضايقه فوق هذا وحيره أن يعرف أن الألمان قد اغتنموا فرصة اشتعال نيران الحرب الأهلية التي كادت تقضي على ما للإمبراطورية في الغرب من قوة حربية، فغزوا الولايات الرومانية الممتدة على ضفاف الرين، وشتتوا شمل جيش روماني، ونهبوا المستعمرة الرومانية




صفحة رقم : 4140




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> قيصر الجديد


القديمة في كولوني، واستولوا على أرع وأربعين مدينة غيرها، وفتحوا الألساس كلها، وتقدموا مدى أربعين ميلاً في غالة، ولما أن واجه قنسطنطيوس هذه الأزمة العصيبة، طلب إلى الشاب الذي يرتاب فيه ويزدريه أن يبذل نفسه من فوره فيجعل منها نفس جندي حازم وإداري حازم، وأعطى يوليان حرساً مؤلفاً من ثلثمائة وستين رجلاً، وكلفه بإعادة تنظيم الجيش المربط في غالة، وأمره بعبور جبال الألب.
وقضى يوليان الشتاء في فين Vienne ويانه على نهر الرون، يدرب نفسه التدريب العسكري، ويدرس فنون الحرب دراسة الرجل المجد المتحمس لأداء واجبه. وفي ربيع عام 356 جمع جيشاً عند ريمس Reims صد به الغزاة الألمان واسترد منهم كولوني؛ ولما حاصرته قبيلة الألماني -التي أصبح اسمها علماً على ألمانيا كلها- في سنس Sens ظل يصد هجمات المحاصِرين ثلاثين يوماً، واستطاع أن يحصل على ما يحتاجه جنوده وأهل المدينة من المؤن حتى نفد صبر الأعداء. ثم زحف نحو الجنوب والتقى بجيش قبيلة الألماني الأكبر عند استرسبورج، ونظم جيشه على شكل إسفين هلالي، وقاده قيادة الرجل العارف بأفانين الحرب المملوء القلب بالشجاعة، فانتصر نصراً على قوات العدو التي تفوق قواته عدداً(24)، وتنفست غالة الصعداء بعد هذا النصر المؤزر؛ ولكن قبائل الفرنجة الضاربة في الشمال كانت لا تزال تعيث فساداً في وادي الموز Meuse، فزحف عليها يوليان بنفسه، وأوقع بها هزيمة منكرة، وأرغمها على عبور الرين، ثم عاد إلى باريس عاصمة الولاية متوجاً بأكاليل النصر، ورحب به أهل غالة وشكروا له حسن صنيعه ورأوا في القيصر الصغير يوليوساً Julius جديداً؛ وما لبث جنوده أن هجروا بأملهم في أن يجلس عما قريب على عرش الإمبراطورية.
وبقى في غالة خمس سنين، يعمر الأرض المخربة بالسكان، ويعيد وسائل الدفاع عن نهر الرين. ويمنع استغلال الأهلين الاقتصادي والفساد




صفحة رقم : 4141




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> قيصر الجديد


السياسي، ويعيد الرخاء إلى الولاية، ويملأ خزائنها بالمال، ويخفض في الوقت عينه ما كان مفروضاً على البلاد من الضرائب. وعجب الناس كيف استطاع هذا الشاب الغارق في التفكير، الذي لم ينتزع من بين كتبه إلا من وقت قريب، أن يبذل نفسه فيجعل منها -كأنما قد مسته عصا ساحر- قائدأ محنكاً، وحاكماً عظيماً، وقاضياً عادلاً رحيماً(25). وكان هو الذي وضع في القضاء ذلك المبدأ القائل بأن المتهم يعد بريئاً حتى تثبت إدانته. وكان سبب تقرير هذا المبدأ أن نومريوس Numerius أحد حكام غالة النربونية السابقين اتهم باختلاس الأموال التي عهد إليه تحصيلها؛ ولكنه أنكر التهمة، ولم يكن من النستطاع دحض حجة من الحجج التي أدلى بها. وأغتاظ القاضي Delfedius لنقص الأدلة التي تثبت التهمة عليه فصاح قائلاً: "أي قيصر عظيم! هل يمكن أن يدان إنسان إذا كان مجرد إنكاره التهمة يكفي لبراءته؟" فكان جواب يوليان. "وهلا يمكن أن يبرأ إنسان إذا كان كل ما في الأمر أنه اتهم؟" "وكان هذا" كما يقول أمنيانوس شاهداً من الشواهد الكثيرة، الدالة على رحمته"(26).
غير أن إصلاحاته قد خلقت له أعداء. فالموظفون الذين كانوا يخشون بحثه وتنقيبه، أو يحسدونه لحب الناس له، أخذوا يتهمونه سراً لدى قنسطنطيوس بأنه يعمل للاستيلاء على عرش الإمبراطورية. فلما علم بذلك يوليان رد عليهم بأن كتب يمتدح الإمبراطور مدحاً فيه كثير من المبالغة. ولكن ذلك لم يبدد شكوك قنسطنطيوس، فاستدعى إليه سالست Sallust الذي كان من أخلص أعوان يوليان. وإذا جاز لنا أن نصدق أميانوس فإن الإمبراطورة يوزيبيا، التي لم يكن لها ولد، والتي كانت الغيرة من يوليان وزوجته تأكل قلبها، قد رشت بعض حاشية زوجة يوليان بأن يعطوها عقاراً مجهضاً كلما حملت. ولما أن وضعت هلينا. على الرغم من هذا، طفلاً ذكراً، قطعت القابلة حبل سرته قريباً من جسمه إلى حد




صفحة رقم : 4142




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> قيصر الجديد


نزف من الدم حتى مات(77). وبينا كانت هذه المتاعب كلها تحيط بيوليان تلقى في عام 360 أمراً من قنسطنطيوس بأن يبعث بخير عناصر جيوشه في غالة لينضموا إلى الجيش الذي يحارب فارس.
وكان لعمل قنسطنطيوس هذا ما يبرره. فقد طالب شابور الثاني أن ترد إليه بلاد النهرين وأرمينية (358)، فلما رفض قنسطنطيوس هذا الطلب حاصر شابور أميدا Amida (ديار بكر الحالية في ولاية كردستان التركية). ونزل قنسطنطيوس الميدان وأمر يوليان أن يمد جيوش الإمبراطورية بثلثمائة رجل من كل فيلق من الفيالق الغالية لتشترك في هذه الحرب الأسيوية. ورد يوليان على هذا الطلب بأن هؤلاء الجنود قد تطوعوا في تلك الفيالق على ألا يدعوا إلى الخدمة وراء حدود جبال الألب؛ وحذر الإمبراطور من عاقبة هذا العمل قائلاً أن غالة لن تأمن على نفسها إذا ما تعرض جيشها لهذا النقص الكبير، (وقد حدثت أن عجز الألمان في غزو غالة بعد ست سنين من ذلك الوقت) ولكنه مع ذلك أمر جنوده أن يطيعوا رسل الإمبراطور، غير أن الجنود عصوا هذا الأمر، وأحاطوا بقصر يوليان، ونادوا به أغسطساً Augustus أي إمبراطوراً، ورجوه أن يستبقيهم في غالة، فنصحهم مرة أخرى بإطاعة أمر الإمبراطور، ولكنهم أصروا على الرفض، وأحس يوليان، كما أحس قيصر آخر من قبله، أن الأقدار قد قررت مصيره، فقبل اللقب الإمبراطوري، واستعد للقتال لإنقاذ الإمبراطورية وإنقاذ حياته، وأقسم الجيش الذي أبى قبل أن يغادر غالة أن يزحف على القسطنطينية ويجلس يوليان على العرش.
وكان قنسطنطيوس في كليكية حين بلغته أنباء الفتنة، وظل عاماً آخر يقاتل الفرس، معرضاً عرشه للضياع في سبيل الدفاع عن بلاده. ثم عقد هدنة مع شابور وزحف بفيالقه غرباً لملاقاة ابن عمه. وتقدم يوليان نحوه ومعه قوة صغيرة، ثم وقف بعض الوقت عند سرميوم Sirmium (بالقرب من بلغراد الحالية)، وفيها




صفحة رقم : 4143




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> قيصر الجديد


أعلن إلى العالم اعتناقه الوثنية، وكتب إلى مكسموس رسالة حماسية قال فيها: إننا الآن نجهر بعبادة الأرباب، وكذلك يخلص في عبادتها جميع الجنود الذين اتبعوني(28). وقد ساعده الحظ فأنجاه من مأزق حرج: ذلك أن قنسطنطيوس توفي في نوفمبر من عام 361 على أثر حمى أصيب بها في طرسوس، وكانت وفاته في الخامسة والأربعين من عمره. وبعد شهر من وفاته دخل يوليان القسطنطينية وجلس على العرش دون ان يلقى مقاومة، وأشرف على جنازة ابن عمه قنسطنطيوس بجميع مظاهر الحب.




صفحة رقم : 4144




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> الإمبراطور الوثني



الفصل الرابع




الإمبراطور الوثني


وكان يوليان وقتئذ في الحادية والثلاثين من عمره ويصفه أميانوس الذي كان يراه كثيراً بقوله:
كان متوسط القامة، وكان شعره مرسلاً ناعماً كأنه قد عني بتمشيطه، وكانت لحيته كثة مستدقة، وعيناه براقتين تومضان ناراً، وتكشفان عن حدة ذهنه. وكان حاجباه دقيقين وأنفه معتدلاً، وفمه كبير بعض الشيء، وشفته السفلى ممتلئة، ورقبته غليظة منحنية، ومنكباه كبيرين عريضين. وكان جسمه كله من أعلى رأسه إلى أطراف أصابع قدميه حسن التناسب، ولهذا كان قوياً سريع العدو(29).
غير أن الصورة التي يصور هو بها نفسه لم تكن بهذا الحسن فهو يقول: إن الطبيعة لم تخلع على وجهي كثيراً من الوسامة، ولم تهبه نضرة الشباب، ومع هذا فإني بعنادي قد أضفت إليه هذه اللحية الطويلة... ولم أعبأ بالقمل الذي كان يسرح فيها ويمرح كأنها أجمة للوحوش البرية... أما رأسي فمنكوش، لأني قلما أقص شعري أو أقلم أظافري، وأصابعي لا تكاد ترى إلا سوداء ملوثة بالحبر(30).
وكان يفخر بأنه يحتفظ ببساطة الفيلسوف وسط ترف البلاط. وما كاد يجلس على تخلص من الخصيان، والحلاقين، والجواسيس، الذين كانوا في خدمة قنسطنطيوس. ولما ماتت زوجته في شبابها صمم على ألا يتزوج بعدها أبداً، ولهذا لم يكن في حاجة إلى الخصيان، وكان يشعر أن في وسع الحلاق واحد أن يعنى بجميع موظفي القصر؛ أما الطهاة فلم يكن في حاجة إليهم لأنه لم يأكل




صفحة رقم : 4145




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> الإمبراطور الوثني


إلا أبسط الأطعمة التي يستطيع أن يعدها أي إنسان(31). وكان هذا الإمبراطور الوثني يعيش عيشة الرهبان ويلبس كما يلبسون، ويلوح أنه لم يتصل اتصالاً جنسياً بالنساء بعد أن ماتت زوجته، وكان ينام على قش خشن في حجرة غير مدفأة(32)، ولا يسمح بتدفئة أية حجرة من حجراته طوال فصل الشتاء "لكي يعتاد تحمل البرد". ولم يكن يميل إلى اللهو والتسلية، فكان يهاب دور التمثيل، وما فيها من مسرحيات صامتة مثيرة للغريزة الجنسية، وأثار غضب العامة بالابتعاد عن ميدان السباق؛ فقد كان في الاحتفالات الكبرى يقضي فيه قليلاً من الوقت، ولكنه يجد أن لا فرق بين سباق وسباق، فلا يلبث أن يغادره. وقد أكبر الشعب في بادئ الأمر فضائله، وزهده، وانهماكه في العمل، وفي أزمات الحكم؛ وكانوا يشبهونه بتراجان في حسن قيادته العسكرية، وبأنطونينس بيوس في تقواه وصلاحه، وبماركس أورليوس في الجمع بين الملكية والفلسفة(33). وإنا ليدهشنا أن نرى هذا الوثني الشاب قد رضت عنه على الفور مدينة ودولة لم تعرفا منذ جيل من الزمان إلا أباطرة مسيحيين.
وقد أرضى مجلس شيوخ بيزنطية بمحافظته على تقاليده وحقوقه دون أن يفخر بذلك أو يمن به عليه. واكن يقوم من مقعده ليحي القناصل، ويمثل جميع المظاهر التي يتصف بها الإمبراطور من الوجهة النظرية، وهي أنه خادم لشيوخ الأمة وشعبها ومندوب عنهم. وقد حدث أن اعتدى من غير قصد على أحد الامتيازات الخاصة بمجلس الشيوخ، فما كان منه إلا حكم على نفسه بغرامة قدرها عشرة أرطال من الذهب، وأعلن أنه يخضع كما يخضع كل المواطنين لجميع قوانين الإمبراطورية وتقاليدها. وكان يقضي وقته من الصباح إلى المساء يكدح في أداء واجبات الحكم، لا ينقطع عن ذلك إلا فترة صغيرة بعد الظهر، يخصها بالدرس. ويحدثنا المؤرخون أن ما كان يتناوله من طعام خفيف قد أكسب جسمه وعقله نشاطاً عصبياً، كان يستطيع بفضله أن ينتقل من واجب إلى واجب




صفحة رقم : 4146




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> الإمبراطور الوثني


ومن زائر إلى زائر، وأن يرهق بالعمل ثلاثة من أمناء السر في كل يوم، وكان يظهر في قيامه بواجبات القاضي منتهى النشاط والجلد والاهتمام؛ ويكشف في أثناء ذلك عن سفسطة المحامين، ويخضع في تواضع وأدب جم لآراء القضاة المدعمة بالبراهين والتي تخالف آراءه هو، وأعجب الناس جميعاً بعدالة أحكامه. ومن أعماله أنه خفض الضرائب المفروضة على الفقراء، ورفض التيجان الذهبية التي كانت التقاليد تقضي بأن تقدمها كل ولاية للإمبراطور الجديد، وألغى ما تجمع على إفريقية من الضرائب المتأخرة، وتجاوز على الجيزة الباهظة التي كانت مفروضة حتى ذلك الوقت على اليهود(34). وأصر على إلزام كل من يريد ممارسة مهنة الطب أن يحصل على ترخيص بممارستها، واشتد في تنفيذ ذلك كثيراً، وقصارى القول أنه توج انتصاراته العسكرية بنجاحه في الأعمال الإدارية. ويقول أميانوس إن "شهرته أخذت تنتشر شيئاً فشيئاً حتى عمت بقاع العالم"(35).
ومع هذا النشاط الجم في شؤون الحكم كان أهم ما يولع به هو الفلسفة، وكانت غايته التي لم يغفل عنها يوماً ما هي أن يعيد الشعائر الدينية القديمة إلى سابق عهدها. ولكي يحقق هذه الغاية أمر بإصلاح الهياكل الوثنية وفتحها، ورد ما صودر من أملاكها، وإعادة ما كان لها من موارد. كذلك بعث بالرسائل إلى كبار الفلاسفة في عهده يدعوهم إلى القدوم إليه ليعيشوا ضيوفاً عليه في بلاطه. ولما أن قدم مكسموس، وكان يوليان يلقي خطبة في مجلس الشيوخ، قطع خطبته، وجرى بأسرع ما يستطيع ليحي أستاذه، وقدمه إلى المجلس، وأثنى عليه الثناء المستطاب، وعبَّر له عن شكره واعترافه بفضله. واغتنم مكسموس تحمس الإمبراطور فارتدى أحسن الثياب، وعاش عيشة الترف حتى أثار حوله الريب، ولما أن مات يوليان حوسب حساباً عسيراً على الوسائل التي جمع بها تلك الثروة الطائلة في هذا الوقت القصير(36). لكن يوليان لم يكن يلقي بالاً إلى المتناقضات التي بدت في حياة الرجل لأن حب الفلسفة قد ملك عليه كل تفكيره. ولهذا




صفحة رقم : 4147




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> الإمبراطور الوثني


لم يصرفه عنها أي نقص في سلوك الفلاسفة.. وقد كتب في ذلك إلى يومنيوس يقول: "إذا جاءك أحد من الناس ليقنعك بأن ثمة شيئاً أعظم نفعاً للجنس البشري من دراسة الفلسفة على مهل ومن غير أن يعوقه عن دراستها عائق، فاعلم أنه مخدوع يريد أن يخدعك"(37).
وكان مولعاً بالكتب، يحمل معه مكتبته في حروبه، وقد وسع دار الكتب التي أنشأها قسطنطين، وأنشأ غيرها من الدور. وكتب في ذلك يقول: "من الناس من هو مولع بالخيل، ومنهم من هو مولع بالطير أو بالوحوش البرية؛ أما أنا فقد كنت منذ نعومة أظفاري مولعاً أشد الولع باقتناء الكتب"(38). وكان يفخر بأنه مؤلف وحاكم سياسي معاً، فصرف غير قليل من جهده في تبرير خططه السياسية بمحاورات على طريقة لوشيان Lucian، أو خطب من طراز خطب لبانيوس، أو رسائل لا تكاد تقل سحراً وطرافة عن رسائل شيشرون، أو مقالات فلسفية طوال. وقد شرح عقيدته الوثنية الجديدة في "ترنيمة لابن الملك"؛ وأوضح في مقاله "ضد أهل الجليل" الأسباب التي من أجلها ارتد عن المسيحية، وكتب في مقال له من النقد العالي يقول أن الأناجيل يناقض بعضها بعضاً، وإن أهم ما تتفق فيه هو أنها أبعد ما تكون عن العقل؛ فإنجيل يوحنا يختلف كل الاختلاف عن الثلاثة الأناجيل الأخرى في روايتها وفيما تحتويه من أصول الدين، وقصة الخلق التي جاءت في سفر التكوين تفترض تعدد الآلهة.
" فإذا لم تكن كل قصة من هذه القصص (الواردة في سفر التكوين) أسطورة لا أكثر، وإذا لم يكن لها، كما أعتقد بحق؛ تفسير يخفى عن الناس، فهي مليئة بالتجديف في حق الله. ذلك أنها تمثله، أول ما تمثله، جاهلاً بأن التي خلقها لتكون عوناً لآدم ستكون سبب سقوطه. ثم تمثله ثانياً إلهاً حقوداً حسوداً إلى أقصى الحقد والحسد، وذلك بما تعزوه إليه من أنه يأبى على الإنسان أن يعرف الخير والشر (وهي دون غيرها المعرفة التي تؤلف بين عناصر




صفحة رقم : 4148




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> الإمبراطور الوثني


العقل البشري وتجعله وحدة متناسقة)، وأنه يخشى أن يصبح الإنسان مخلداً إذا طعم من شجرة الحياة. ولِمَ يكون إلهكم غيوراً حسوداً إلى هذا الحد فيأخذ الأبناء بذنوب الآباء؟... ولم يغضب الإله العظيم ذلك الغضب الشديد على الشياطين والملائكة والآدميين؟ ألا فوازنوا بين سلوكه وسلوك ليقورغ نفسه والرومان أنفسهم إزاء من يخرجون على القوانين. يضاف إلى هذا أن العهد القديم يقر التضحية الحيوانية ويتطلبها كما تقرها وتتطلبها الوثنية)... ولم لا تقبلون الشريعة التي نزلها الله على اليهود؟... تقولون إن الشريعة الأولى... كانت مقصورة على زمان ومكان معينين، ولكن في وسعي أن أنقل إليكم من أسفار موسى عشرات الآلاف -لا العشرات فقط- من الفقرات التي تقول إن الشريعة نزلت ليعمل بها في جميع الأزمان(39)".
ولما أراد يوليان أن يعيد الوثنية وجد أنها لا تناقض بعضها بعضاً في العقائد والعبادات فحسب، بل أنها فوق ذلك تحتي في جميع أجزائها من المعجزات والأساطير التي لا يقبلها العقل أكثر مما تحتويه المسيحية؛ وأدرك من ثم أنه ما من دين يأمل أن يستميل إليه النفس البشرية العادية ويحركها إلا إذا خلع على مبادئه الأخلاقية غلالة من خوارق العادات، والقصص والطقوس التي تبهر العقول. ولشد ما تأثر بقدم الأساطير وبانتشارها بين أمم العالم أجمع. ومن أقواله في هذا: "إن الإنسان لعاجز عن أن يعرف متى اخترعت الأساطير أول الأمر... عجزه عن أن يعرف من هو أول رجل عطس(40)، ولهذا كله أسلم نفسه لدراسة الأساطير، ولم يرى عيباً في أن تستخدم في غرس المبادئ الأخلاقية الفاضلة في عقول غير المتعلمين(41)؛ ولم يستنكف هو نفسه أن يكرر قصة سيبيل Cybele، وكيف جيء بالأم العظمى في صورة حجر أسود من فريجيا إلى روما؛ وليس في مقدور أي إنسان يقرأ قصته أن يظن أنه يشك في ألوهية الحجر، أو في مقدرته على أن يستحيل أماً عظمى. ولقد تبين شدة الحاجة إلى الرموز الحسية لتنقل إلى الناس




صفحة رقم : 4149




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> الإمبراطور الوثني


المبادئ الروحية. وكان يعيد العبادة المثراسية للشمس ديناً يحل عند عامة الشعب محل إجلال الفلاسفة للعقل والاستنارة. ولم يكن عسيراً على هذا المليك -الشاعر أن يكتب ترنيمة هليوس الملك، الشمس مصدر الحياة كلها، وواهب النعم التي لا تحصى للخلق. ويقول إن هذا هو الكلمة المقدسة التي خلقت العالم والتي هي الآن سنده ودعامته؛ وقد أضاف يوليان إلى هذا المبدأ الأسمى والعلة الأولى، في الأديان الوثنية القديمة من أرباب وجن يخطئهم الحصر، وكان يظن أن الفيلسوف المتسامح لا يجد حرجاً من قبولهم بقضهم وقضيضهم.
وإنا لنخطئ إذا صورنا يوليان في صورة الرجل الحر التفكير الذي يستبدل العقل بالأساطير؛ ذلك أنه كان يشنع بالكفر ويعده من الحيوانية(42)، ويعلم الناس مبادئ لا تقل بعداً عن الأمور الطبيعية المعقولة عما نجده في أي دين من الأديان؛ وقلما كتب إنسان من السخف مثل ما كتب يوليان في ترنيمته للشمس؛ وقد قبلت التثليث الذي تقول به الأفلاطونية الحديثة، وقال إن الأفكار الخلاقة الأولى التي يقول بها أفلاطون هي بعينها عقل الله؛ وكان يرى أنها هي الحكمة التي صنعت كل شيء، وينظر إلى عالم المادة والجسم كأنه عقبة من فعل الشيطان يضعها في طريق الفضيلة المؤدي إلى تحرير الروح السجينة؛ وفي اعتقاده أن النفس البشرية، إذا ما سلكت طريق التقى والصلاح والفلسفة، قد تتحرر من سجنها هذا وتسمو إلى آفاق التفكير في الحقائق والشرائع الروحية، وتندمج بهذا في الحكمة الإلهية، بل ربما اندمجت في الله الأزلي نفسه. ولم تكن أرباب الشرك الكثيرة، في اعتقاد يوليان، إلا قوى غير شخصية؛ كما انه لم يكن في وسعه أن يؤمن بها في صورها المجسدة البشرية كما يؤمن عامة الناس، ولكنه كان يعرف أن الناس قلما تسمو بهم أفكارهم إلى التجريدات التي تسمو إليها عقول الفلاسفة، أو إلى الرؤى الصوفية التي يراها القديسيون؛ وكان يمارس الشعائر القديمة في السر والعلن، وبلغ ما ضحى به من الحيوانات للآلهة من




صفحة رقم : 4150




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> الإمبراطور الوثني


الكثرة حداً جعل المعجبين به أنفسهم يغضون أبصارهم حياء من هذه المجازر(43). وكان في أثناء حروبه ضد الفرس يستشير مهابط الوحي، ويتفاءل ويتطير كما كان يفعل القواد الرومان، ويعنى أشد العناية بالاستماع إلى تفسير الأحلام، ويبدو أنه كان يؤمن بسحر مكسموس.
وكان يرى كما يرى كل مصلح أن العالم في حاجة إلى تجديد من الناحية الأخلاقية؛ ولكي يصل إلى هذه الغاية لم يقصر همه على سن القوانين الخارجية بل سعى إلى أن يتقرب عن طريق الدين إلى قلوب الناس وسرائرهم. وقد تأثر أشد التأثر بطقوس إليوسيز وإفسوس الرمزية، وكان يرى أنه ليس ثمة طقوس أصلح منها لأن تبعث في قلوب الناس حياة جديدة أنبل من حياتهم السابقة، ويأمل أن المراسم المتبعة مع من يريد الاندماج في أصحاب هذه الطقوس وفي رسامتهم يمكن أن تتسع فتتعدى القلة الأرستقراطية إلى طائفة كبير من الشعب. ويحدثنا ليبانيوس أنه "كان يفضل أن يسمى قساً من أن يسمى إمبراطوراً(44)". وكان يحسد السلطة الكهنوتية المسيحية، على نظمها الحسنة وعلى إخلاص قساوستها ونسائها، وروح المساواة التي تسود المصلين والمتعبدين في كنائسها، والصدقات التي تؤلف بين قلوب أهل ذلك الدين وتستميل نفوسهم إليه. ولم يكن يترفع عن أن يأخذ خير ما في الدين الذي يرجو أن يقوض أركانه ويستبدل به غيره، وقد أدخل عناصر جديدة في الكهانة الوثنية، ونظم كنيسة وثنية وضع نفسه على رأسها، وألح على من دونه من الكهنة أن يجادلوا رجال الدين المسيحيين ويتفوقوا عليهم في تعليم الشعب، وتوزيع الصدقات على الفقراء، وفي استضافة الغرباء، وفي ضرب أحسن الأمثلة في التقى والصلاح(45). وقد أنشأ في كل مدينة مدارس تلقى فيها المحاضرات في الدين الوثني وتعرض فيها مبادئه. وكان يكتب لكهنته الوثنيين كما كتب من بعده القديس فرنسيس لأتباعه من الرهبان فيقول:
"عاملوني بما تظنون أني سأعاملكم به، ودعونا نتعاهد فيما بيننا على أن أبين




صفحة رقم : 4151




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> الإمبراطور الوثني


لكم آرائي في جميع شئونكم، وأن تفعلوا أنتم معي في مقابل هذا نفس العمل فيما يختص بأقوالي وأعمالي، وفي اعتقادي أن ليس ثمة أعظم قيمة من تبادل الرأي على هذا النحو....(46) ومن واجبنا أن نقتسم مالنا مع الناس جميعاً، وعلى الأخص مع الصالحين، والضعفاء والفقراء. وأصارحكم القول، وإن بدا لكم أن في قولي هذا تناقضاً، إن من الأعمال الدالة على التقي والصلاح أن نقتسم ثيابنا وطعامنا مع الأشرار؛ ذلك أننا حين نعطي إنما نعطي الإنسانية الممثلة في الناس، ولا نعطي خلقه طيبين كانوا أو خبيثين(47).
والحق أن هذا الرجل الوثني كان مسيحياً في كل شيء عدا عقيدته؛ ونحن إذا ما قرأنا ما كتبه، وغضضنا النظر عن أساطيره المجردة من الحياة، خيل إلينا أنه مدين بكثير من تطورات خُلُقه إلى المبادئ الأخلاقية المسيحية التي لُقِّنها في طفولته وشبابه المبكر. فكيف كان مسلكه إذن إزاء الدين الذي ربي في أحضانه؟ لقد ترك للمسيحية كامل حريتها في الوعظ، والعبادة، وممارسة جميع شعائرها، وأعاد الأساقفة المستمسكين بدينهم القديم، والذين نفاهم قنسطنطيوس. لكنه منع عن الكنيسة المسيحية ما كانت تقدمه لها الدولة من إعانات مالية، وحرم على المسيحيين أن يشغلوا كراسي البلاغة، والفلسفة، والأدب في الجامعات، وكانت حجته في ذلك أن هذه الموضوعات لا يمكن أن تجد مدرسين يعطفون عليها إلا من بين الوثنيين(48)؛ ووضع حداً إعفاء رجال الدين المسيحيين من الضرائب وغيرها من الفروض المدنية المرهقة، ولحق القساوسة في أن ينتفعوا من غير أجر بالمزايا والتسهيلات المخولة للموظفين العموميين. كذلك حرم الوصية بالمال للكنائس، كما حرم المناصب الحكومية على المسيحيين(49)، وأمر الجماعات المسيحية في كل بيئة أن يعوضوا الهياكل الوثنية تعويضاً كاملاً عما أنزلوه بها من الأضرار في أثناء حكم الأباطرة السابقين؛ وأجاز هدم الكنائس المسيحية المقامة على الأراضي التي اغتصبت ظلماً وعدواناً من المزارات والأضرحة الوثنية. ولما أن




صفحة رقم : 4152




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> الإمبراطور الوثني


وقع الاضطراب والظلم والشغب نتيجة لهذا المنطق المتهور حاول يوليان أن يرد الأذى عن المسيحيين، ولكنه أبى أن يلغى ما سنه من القوانين. ولقد أظهر قدرته على السخرية التي قلما تليق بفيلسوف مثله، حين ذكَّر بعض المسيحيين الذين وقع عليهم العدوان بأن "كتابهم المقدس يهيب بهم أن يصبروا على الأذى(50)" وعوقب المسيحيون الذين ردوا على هذه القوانين بالعنف أو الإهانات عقاباً صارماً، أما الوثنيون الذين لجأوا إلى الإهانة في معاملتهم للمسيحيين فقد عوملوا باللين(51). من ذلك أن العامة من الوثنيين أهل الإسكندرية كانوا يحقدون أشد الحقد على جورج، الأسقف الأريوسي الذي أغتصب كرسي أثناسيوس، لأنه أثار حفيظتهم بموكب عام سخر فيه من الطقوس المثراسية، فقبضوا عليه ومزقوا جسمه إرباً؛ ومع أن المسيحيين، إلا قلة منهم لا تستحق الذكر، لم يهتموا بالدفاع عنه، فقد قتل أو جرح كثيرون من المسيحيين فيما صحب هذه الفتنة من اضطراب (362). وأراد يوليان أن يعاقب من أحدثوا الشغب، ولكن مستشاريه أقنعوه بأن يكتفي بإرسال خطاب احتجاج شديد إلى أهل الإسكندرية. وفي هذا الوقت خرج أثناسيوس من مخبئه واستعاد كرسي أسقفيته، ولكن يوليان أنكر عليه هذا العمل قائلاً إنه لم يؤخذ فيه رأيه، وأمر أثناسيوس أن يعتزل منصبه. وصدع الأسقف الشيخ بالأمر، ولكن الإمبراطور توفي في السنة التالية، وعاد البطرق رمز أهل الجليل المنتصرين إلى كرسيه، ولبث فيه إلى أن مات في الثمانين من عمره، بعد عشر سنين من ذلك الوقت، مثقلاً بمظاهر الشرف ومثخناً بالجراح.
وكان اندفاع يوليان ومثابرته الشديدة على تنفيذ منهجه سبباً في إخفاقه آخر الأمر. ذلك أن من أساء إليهم يقاومونه بإصرار ومعاندة، ومن اجتباهم لم يستجيبوا له في حماسة. ومرد هذا أن الوثنية كانت قد ماتت من الناحية الروحية، ولم يبق فيها ما يجدد شبابها، أو يواسيها في أحزانها، أو يبعث في




صفحة رقم : 4153




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> الإمبراطور الوثني


أهلها الأمل في الدار الآخرة، نعم إن بعض الناس قد اعتنقوها في تلك الأيام الأخيرة، ولكن معظمهم لم يفعلوا ذلك إلا لما كانوا ينتظرون أن ينالوه من المطامع السياسية أو الذهب الإمبراطوري. كذلك عادت بعض المدن إلى تقديم القرابين الرسمية، ولكنها كانت تؤدى بهذا الثمن ما تناله من العطف عليها والعناية بمصالحها. وقد اضطر يوليان في بسينس Pcssinus نفسها، وهي بيت سيبيل، أن يرشو أهلها لكي يعظموا الأم العظمى. وقام كثير من الوثنيين يفسرون الوثنية بأنها مراعاة الذمة والضمير في انتهاب الملذات؛ وساءهم أن يجدوا يوليان أكثر تزمتاً من المسيح، فقد كان هذا الرجل الحر في التفكير أتقى رجل في الدولة، وكان أصدقاؤه أنفسهم يجدون من أصعب الأشياء عليهم أن يجاروه في ورعه، ومنهم من كانوا متشككة يسخرون سراً من أربابه الذين ولى زمانهم ومن الذبائح التي كان يستعطف بها أولئك الأرباب. ذلك أن عادة التضحية بالحيوان على المذبح كانت قد ماتت أو كادت أن تموت في الشرق، وفي كل ما عدا روما من بلاد الغرب، وشرع الناس ينظرون إليها على أنها عمل يجلل صاحبه العار، أو أنها في القليل طعام يشترك في أكله الناس. وكان يوليان يسمي حركته هذه "الهلينية"، ولكن هذه التسمية قد اشمأزت منها نفوس الوثنيين الطليان، الذين كانوا يحتقرون كل شيء يوناني غير ميت. وكان يفرط في الاعتماد على الجدل الفلسفي الذي لم يصل في يوم من الأيام إلى أن يكون الأساس العاطفي للدين؛ كذلك لم يكن أحد يفهم مؤلفاته إلا الفئة المتعلمة، التي كان تعليمها يحول بينها وبين قبول ما في هذه المؤلفات من الأفكار، ولم تكن عقائده إلا توفيقاً مصطنعاً بين متناقضات، وكانت خالية من الجذور التي تمتد إلى آمال الناس أو خيالهم. ولقد لاحت بوادر إخفاقه حتى قبل وفاته، ولم يستنكف الجيش الذي أحبه وحزن عليه أن يرشح مسيحياً ليخلفه على العرش.




صفحة رقم : 4154




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> خاتمة المطاف



الفصل الخامس




خاتمة المطاف


وكان حلمه الأخير العظيم أن يفعل ما فعله الإسكندر وتراجان: فيرفع العلم الروماني على العواصم الفارسية، ويقضي القضاء النهائي على الخطر الفارسي الذي كان يهدد أمن الدولة الرومانية وسلامتها. وللوصول إلى هذه الغاية عني أعظم عناية بتنظيم الجيش، وباختيار ضباطه، وترميم الحصون المشيدة على التخوم وخزن المؤن في المدن القائمة على طريق نصره. فلما تم له ذلك جاء إلى إنطاكية في خريف عام 362، وجمع فيها جنوده؛ واغتنم تجار المدينة احتشاد الجنود فيها فرفعوا أسعار الحاجيات، وشكا الناس قائلين "إن كل شيء موفور ولكن كل شيء غالي الثمن". فما كان من يوليان إلا أن استدعى إليه رؤساء الأعمال الاقتصادية وأخذ ينصحهم بالحد من مكاسبهم، فوعدوه بذلك ولكنهم لم يوفوا بوعدهم؛ فلما يئس منهم "حدد ثمناً عادلاً لكل سلعة وأعلنه للناس جميعاً"، ثم عمل على استيراد أربعمائة ألف موديوس من القمح من بلدان سوريا ومصر(52) وأحتج التجار بأن الأثمان التي حددها لم تترك لهم شيئاً من الأرباح، وابتاعوا في الخفاء القمح المستورد، ونقلوه هو وبضاعته إلى مدن أخرى، ووجدت إنطاكية نفسها تزخر بالنقود وتفتقر إلى الطعام. وسرعان ما قام العمة ينددون بيوليان لتدخله في هذه الشؤون، وأخذ الفكهون يسخرون من لحيته ومن انهماكه في خدمة الآلهة الأموات. ورد عليهم يوليان بنشرة أصدرها سماها "كاره اللحى" (Misopogon) حو ت من الفكاهة والمتعة ما لا يتفق مع مقام إمبراطور. فقد اعتذر في سخرية عن لحيته، وعنف أهل إنطاكية على وقاحتهم،




صفحة رقم : 4155




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> خاتمة المطاف


وطيشهم، وإسرافهم، وفساد أخلاقهم، واستخفافهم بآلهة اليونان. وكانت الحديقة الشهيرة المعروفة باسم دافني Daphne، والتي كانت من قبل مزاراً مقدساً لأبلو، قد حولت إلى مكان للهو والتسلية، فأصدر يوليان أمره أن يمنع اللهو منها وان تعود مزاراً مقدساً كما كانت من قبل؛ وما كاد هذا العمل يتم حتى التهمتها النيران؛ وظن يوليان أن الحريق من فعل المسيحيين فأغلق كنيسة إنطاكية، وصادر أملاكها، وعذب كثيرين من الشهود، وقتل أحد القساوسة(53). ولم يجد الإمبراطور في إنطاكية سلوى إلا "وليمة العقل" التي اجتمع فيها بليبانيوس.
وأخيراً تأهب الجيش للنزول إلى الميدان، وبدأ يوليان الحرب في شهر مارس من عام 363، فسار على رأس جيوشه وعبر نهر الفرات، ثم نهر دجلة، وطارد الفرس المتقهقرين، ولكنه لاقى الأمرين، وكاد يلاقي الهزيمة من جراء "إجداب الأرض" وهي الخطة التي اتبعها الفرس وأرادوا بها إحراق جميع المحصولات في كل جزء يخلونه من البلاد، حتى كان الجنود يوليان يموتون من الجوع مرة بعد مرة، وقد أظهر الإمبراطور في هذه الحروب المضنية أحسن ما اتصف به من خلال، فكان يشارك جنوده كل ما يعترضهم من صعاب، ويكتفي مثلهم بالقليل وبأقل من القليل ويسير مثلهم على قدميه في القيظ، ويخوض مجاري المياه، ويحارب في الصفوف الأولى في جميع المعارك. وكان من بين الأسرى فارسيات ذوات جمال في نضرة الشباب؛ولكنه لم يقتحم عليهن خلوتهن، ولم يسمح لإنسان أن يمس بأذى شرفهن. وتقدم الجنود تحت قيادته القديرة حتى طرقوا أبواب طشقونة Ctesiphon، وضربوا عليها الحصار، ولكنهم اضطروا إلى الارتداد عنها لعجزهم عن الحصول على الطعام. واختار شابور الثاني رجلين من أشراف الفرس وجدع أنفيهما وأمرهما أن يذهبا إلى يوليان ويدعيا أنهما قد فرا من عند الملك لقسوته عليهما واعتدائه الصارخ على كرامتهما، ثم يقودانه هو وجيشه إلى صحراء جدباء. وفعل الرجلان ما أمرا به، وصدقهما يوليان وسار خلفهما هو




صفحة رقم : 4156




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> خاتمة المطاف


وجيشه مسافة عشرين ميلاً حتى وجد نفسه في صحراء جدباء لا ماء فيها ولا نبات، وبينا كان يحاول إنقاذ رجاله من هذا الفج الذي نصب له هاجمته قوة من الفرس، ولكنه صد هجومها وردها على أعقابها، وفر الفرس لا يلوون على شيء. وكان يوليان في مقدمة المطاردين غير عابئ بأنه ليس على جسمه دروع: فأصابته حربة في جنبه نفذت إلى كبده، فسقط على ظهر جواده وحمل إلى الخيمة، وأنذره طبيبه بأنه لن تطول حياته أكثر من بضعة ساعات. ويقول ليبانيوس إن الذي رماه بالحربة رجل مسيحي، ومما هو جدير بالذكر أن أحداً من الفرس لم يطالب بالمكافأة التي وعد بها شابور من يقتل الإمبراطور. ومن المسيحيين من يؤيد رواية ليبانيوس ويثني على القاتل "الذي أقدم على هذا العمل الجريء حباً في الله وفي الدين"(54)، ومن هؤلاء سوزومين Sozomen. وكانت الساعة الأخيرة من حياة يوليان خليقة بتقاليد سقراط وسنكا، وقد وصفها أميانوس فقال: إن يوليان وهو مسجى في خيمته خاطب رفاقه المحزونين الذين ملك الأسى قلوبهم بقوله: "أيها الأصدقاء، إن هذه الساعة لهي أنسب الأوقات التي أغادر فيها هذه الحياة، وأردها إلى الطبيعة بعد أن طلبت ردها إليها"... وبكى جميع الحاضرين فلامهم على بكائهم محتفظاً حتى في تلك الساعة بسلطانه عليهم، وقال لهم أنه لا يليق بهم أن يحزنوا من أجل زعيم دعي للاتحاد بالسماء وبالنجوم. ولما أن أسكنهم بقوله هذا دخل مع الفيلسوفين مكسموس وبرسكوس في حوار دقيق عن شرف النفس ونبلها. وفي أثناء هذا النقاش اتسع الجرح الذي في جنبه فجاءةً، وحال ضغط الدم المتدفق بينه وبين التنفس؛ وبعد أن تناول جرعة من الماء البارد طلبها إلى الحاضرين أسلم الروح وكان في الثانية والثلاثين من عمره .




صفحة رقم : 4157




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> يوليان المرتد -> خاتمة المطاف


وكان الجيش لا يزال معرضاً للخطر وفي حاجة إلى قائد، فاختار زعماؤه جوفيان Jovian قائد الحرس الإمبراطوري. وعقد الإمبراطور الجديد الصلح مع فارس، بأن رد إليها أربعاً من الولايات الخمس التي انتزعها منها دقلديانوس منذ سبعين عاماً. ولم يضطهد جوفيان إنساناً، ولكنه لم يلبث أن حول تأييده من الهياكل الوثنية إلى الكنيسة المسيحية. واحتفل مسيحيو أنطاكية بموت الإمبراطور الوثني احتفالاً عاماً أظهروا فيه الفرح والابتهاج(57)، وإن كان زعماء المسيحيين المنتصرين كانوا في معظم الأحوال يحضون جماعات المصلين أن يكونوا كراماً، وأن ينسبوا ما أصاب المسيحية من أذى(58). وانقضت بعد ذلك أحد عشر قرناً قبل أن تشهد المسيحية يوماً آخر كهذا اليوم.




صفحة رقم : 4158




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> التخوم المهددة



الباب الثاني




انتصار البرابرة




325-476




الفصل الأول




التخوم المهددة


لم تكن بلاد الفرس إلا قطاعاً من تخوم يبلغ طولها عشرة آلاف ميل تتعرض فيها الإمبراطورية الرومانية المؤلفة من مائة أمة مختلفة للغزو في أية نقطة وفي أية ساعة على أيدي قبائل لم تفسدها الحضارة، ولكنها تطمع في ثمارها. وكان الفرس وحدهم مشكلة مستعصية على الحل، فقد كانوا يزدادون قوة لا ضعفاً؛ ولم يمض إلا قليل من الوقت حتى استعادوا كل ما كان دارا الأول يبسط عليه سلطانه قبل ألف عام من ذلك الوقت - إلا قليلاً منه. وكان في غرب بلادهم العرب، ومعظمهم من البدو الفقراء؛ ولو إن إنساناً في ذلك الوقت قد قال إن أولئك الأقوام الرحل الواجمين قد كتب لهم أن يستولوا على نصف الإمبراطورية الرومانية وعلى بلاد الفرس كلها لسخر من قوله هذا أحكم الساسة وأنفذهم بصيرة. وكان في جنوب الولايات الرومانية الإفريقية الأحباش، واللوبيون، والبربر، والنوميديون، والمغاربة، وكان هؤلاء كلهم يتربصون بالإمبراطورية الدوائر، وينتظرون على أحر من الجمر تداعي الحصون الإمبراطورية أو قوى البلاد المعنوية. ولاح أن أسبانيا ستظل رومانية آمنة من الغزو وراء جبالها المنيعة وبحارها التي لا يستطيع المغبرون اجتيازها؛ ولم يكن أحد يظن أنها




صفحة رقم : 4159




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> التخوم المهددة


ستصبح في هذا القرن الرابع ألمانية، وفي القرن الثامن بلاداً إسلامية. أما غالة فقد كانت وقتئذ تفوق إيطاليا اعتزازاً برومانيتها، كما تفوقها في النظام وفي الثراء، وفي الآداب اللاتينية من شعر ونثر؛ ولكنها كان عليها في كل جيل أن تدفع عن نفسها غارات النيوتون الذين كانت نساؤهم أعظم خصباً من حقولهم. ولم يكن في وسع الدولة الرومانية أن تستغني إلا عن حامية قليلة لتدفع بها عن بريطانيا غارات الاسكتلنديين والبكتيين من الغرب والشمال؛ وغارات أهل الشمال والقراصنة السكسون من الشرق أو الجنوب؛ فقد كانت شواطئ النرويج بجميع أجزائها معششاً لهؤلاء القراصنة، وكان أهلها يرون الحرب أقل مشقة من حرث الأرض، ويعتقدون أن الإغارة على السواحل الأجنبية عملاً شريفاً لذوي البطون الخاوية وفي أيام الفراغ. ويدعي القوط أن موطنهم الأول هو جنوبي السويد وجزائرها الصغرى، ولا يبعد أن يكون ذلك الموطن هو الإقليم المحيط بنهر الفستيولا Vistula؛ ولكنهم أياً كان موطنهم انتشروا باسم القوط الغربيين نحو نهر الدانوب الجنوب، واستقروا باسم القوط الشرقيين بين نهري الدنيستر Dniester والدون Don. وفي قلب أوربا -الذي تحده انهار الفستيولا والدانوب، والرين- كانت تجول قبائل قدر لها أن تغير خريطة أوربا وتبدل أسماء أممها: هي قبائل الثورنجيين Thuringians، والبرغنديين، والإنجليز، والسكسون، والجوت، والفريزيين Frisians، والجبيديين Gipidae، والكوادي Quadi، والوندال، والألماني، والسوفي Suevi، واللمبارد، والفرنجة. ولم يكن للإمبراطورية كلها -عدا بريطانيا- أسوار تصد تيار هذه الأجناس، وكل ما كان لها من هذا القبيل هو حصون أو حاميات في أماكن متفرقة على طول الطرق البرية أو مجاري الأنهار التي كانت في أطراف الدولة الرومانية. وكانت تفوق البلاد الخارجية عن حدود الدولة الرومانية في نسبة مواليدها: وتفوقها هي على هذه البلاد في مستوى معيشة أهلها، مما جعل الهجرة




صفحة رقم : 4160




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> التخوم المهددة


إليها أو الإغارة عليها قضاء محتوماً لا مفر لها منه في ذلك الوقت، كما أنهما الآن قضاء محتوم على أمريكا الشمالية.
ولعل من واجبنا أن نعدل بعض التعديل تلك الرواية التي تصف تلك القبائل الألمانية بأنها قبائل متبربرة. نعم إن اليونان والرومان حين أطلقوا على أولئك الأقوام لفظ برابرة Barbari لم يكونوا يقصدون بذلك الثناء عليهم، وأكبر الظن أن هذا اللفظ يقابل لفظ فرفارا Varavar في اللغة السنسكريتية، ومعناه الفظ الجلف، غير المثقف(1)؛ وهو شديد الصلة أيضاً بلفظ بربر Berber؛ ولكن اتصال الألمان مدى خمسة قرون بالحضارة الرومانية عن طريق التجارة والحرب كان لا بد أن يترك فيهم أثراً قوياً؛ وقبل أن يحل القرن الرابع بزمن طويل كانوا قد تعلموا الكتابة وأقاموا لهم حكومة ذات قوانين ثابتة.وكانت مبادئهم الأخلاقية من الناحية الجنسية أرقى منها عند الرومان واليونان إذا استثنينا منهم قبائل الفرنجة المروفنجيين؛ وكثيراً ما كانوا يفوقون الرومان في الشجاعة، وكرم الضيافة، والأمانة، وإن كانت تعوزهم رقة الحاشية ودماثة الخلق، وهما الحلتان اللتان يتصف بهما المثقفون. (لسنا ننكر أنهم كانوا قساة القلوب، ولكنهم لم يكونوا أشد قسوة من الرومان؛ وأكبر الظن أنهم قد روعهم أن يعرفوا أن الشريعة الرومانية كانت تجيز تعذيب الأحرار لتنتزع منهم الشهادات أو الاعترافات(3). وكانت نزعتهم فردية إلى حد الفوضى، على حين أن الرومان كانوا في الوقت الذي نتحدث عنه رُوِّضوا على حسن المعاشرة




صفحة رقم : 4161




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> التخوم المهددة


والميل إلى السلم. وكان أهل الطبقات العليا منهم يقدرون الآداب والفنون بعض التقدير، وقد اندمج منهم استلكو Stilicho، ورسمر Ricimer، وغيرهما من الألمان في الحياة الثقافية العليا التي كانت تسود المجتمعات في روما، وكتبوا أدباً لاتينياً أقر سيماكوس Simmachus أنه وجد فيه كثيراً من المتعة. وكان الغزاة بوجه عام -وخاصة القوط- يبلغون من الحضارة درجة تمكنهم من أن يعجبوا بالحضارة الرومانية ويعترفوا أنها أرقى من حضارتهم، ويسعون لاكتسابها لا لتدميرها؛ وظلوا قرنين من الزمان لا يطلبون أكثر من أن يسمح لهم بالدخول في بلاد الإمبراطورية والاستقرار في أراضيها المهملة؛ وطالما اشتركوا في الدفاع عنها بجد ونشاط. ولهذا فإنا إذا ما ظللنا نستخدم لفظ البراءة في حديثنا عن القبائل الألمانية في القرنين الرابع والخامس، فإنما نفعل ذلك بحكم العادة التي جعلت هذا اللفظ يجري به القلم، مع مراعاة هذه التحفظات والاعتذارات السالفة الذكر.
وكانت هذه القبائل التي تكاثر أفرادها قد دخلت بلاد الإمبراطورية في جنوب نهر الدانوب وجبال الألب بطريق الهجرة السلمية وبدعوة من الأباطرة في بعض الأحيان. وقد بدأ أغسطس هذه السياسة، فسمح للبرابرة أن يستقروا داخل حدود الإمبراطورية ليعمروا ما خلا من أرضها، ويسدوا ما في فيالقها من ثغرات بعد أن عجز الرومان عن تعمير أولاها وسد ثانيتها لقلة تناسلهم وضعف روحهم العسكرية. وجرى على هذه السنة نفسها أورليوس، وأوليان، وبروبوس. وقبل أن ينصرم القرن الرابع كانت كثرة السكان في بلاد البلقان وفي غالة الشرقية من الألمان. وكذلك كان الجيش الروماني، وكانت مناصب الدولة السياسية منها العسكرية في أيدي التيوتون. وكانت الإمبراطورية في وقت من الأوقات قد صبغت أولئك الأقوام بالصبغة الرومانية، أما في الوقت الذي نتحدث عنه فإنهم هم الذين بربروا الرومان(5)؛ فقد أخذ الرومان أنفسهم يرتدون




صفحة رقم : 4162




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> التخوم المهددة


ملابس من الفراء على طراز ملابس البرابرة، وأخذوا كذلك يرسلون شعورهم مثلهم، ومنهم من لبسوا السراويل، (البنطلون)، واستثاروا بذلك غضب الأباطرة، فأصدروا في غيظهم مراسيم بتحريم هذه الثياب. (397،416)(6). وجاءت القوة التي دفعت هذه القبائل إلى غاراتها الكبرى على الإمبراطورية الرومانية من سهول المغول النائية. وتفصيل ذلك أن الزيونج-نو Hsiung-nu أو الهيونج-نو Hung-nu أو الهون Hun-وهم فرع من الجنس الطوراني، كانوا في القرن الثالث الميلادي يحتلون الأصقاع الواقعة في شمال بحيرة بلكاش وبحر آرال. وكانت سحنتهم، كما يقول جرادنيس Jordanes هي أقوى أسلحتهم:
فقد كانت ملامحهم الرهيبة تلقي الرعب في قلوب أعدائهم؛ ولعلهم هم لم يكونوا أقدر على الحروب من هؤلاء الأعداء. فقد كان أعداؤهم يستول عليهم الفزع فيفرون من أمامهم لأن وجوههم الكالحة كانت تقذف الرعب في القلوب.. ولأنهم كانت لهم في مكان الرأس كومة لا شكل لها فيها ثقبان بدل العينين. وهم يقسون على أولادهم من يوم مولدهم، لأنهم يقطعون خدود الذكر بالسيف حتى يعودهم تحمل ألم الجروح قبل أن يذوقوا طعم اللبن، ولهذا فإنهم لا تنبت لهم لحى إذا كبروا وتشوه ندب جروح السيوف وجوههم. وهم قصار القامة، سريعو الحركة، خفاف مهرة في ركوب الخيل، بارعون في استعمال الأقواس والسهام، عراض الأكتاف صلاب الرقاب؛ منتصبو الأجسام على الدوام(7).
وكانت الحروب صناعتهم، ورعاية الماشية رياضتهم، وبلادهم كما ورد في أحد أمثالهم "هي ظهور خيلهم"(8). وتقدم أولئك الأقوام إلى الروسيا حوالي عام 355، مسلحين بالأقواس والسهام، مزودين بالشجاعة والسرعة، يدفعهم من خلفهم جدب بلادهم وضغط أعدائهم الشرقيين، فهزموا في زحفهم قبائل الألاني Alani، وعبروا نهر الفلجا (372؟)، وهاجموا في أكرانيا القوط الشرقيين الذين كادوا أن يصبحوا أقواماً متحضرين. وقاومهم إرمنريك




صفحة رقم : 4163




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> التخوم المهددة


Ermanaric المعمر ملك القوط الشرقيين مقاومة الأبطال، ولكنه هزم زمات بيده لا بيد أعدائه كما يقول بعض المؤرخين. واستسلم بعض القوط الشرقيين وانضووا تحت لواء الهون، وفر بعضهم متجهين نحو الغرب إلى أراضي القوط الغربيين الواقعة شمال الدانوب. والتقى جيش من القوط الغربيين بالهون الزاحفين عند نهر الدنيستر، فأوقع به الهون هزيمة منكرة، وطلب بعض من نجوا من القوط الغربيين إلى ولاة الأمور الرومان في البلاد الواقعة على نهر الدانوب أن يأذنوا لهم بعبور النهر والإقامة من مؤيزيا Moesia وتراقية. وأرسل الإمبراطور فالنز Valens إلى عماله أن يجيبوهم إلى طلبهم على شرط أن يسلموا أسلحتهم ويقدموا شبانهم ليكونوا رهائن عنده. وعبر القوط الغربيين الحدود، ونهب موظفو الإمبراطورية وجنودها أموالهم غير مبالين بما يجللهم عملهم هذا من عار. واتخذ الرومان الذين افتتنوا ببناتهم وغلمانهم، أولئك الغلمان والبنات عبيداً لهم وإيماء، ولكن المهاجرين استطاعوا بفضل الرشا التي نفحوا بها ولاة الأمور الرومان أن يحتفظوا بأسلحتهم. وبيع لهم الطعام بما يباع به في أيام القحط، فكان القوط الجياع يبتاعون شريحة اللحم أو رغيف الخبز بعشرة أرطال من الفضة أو بعبد، بل إن القوط قد اضطروا في آخر الأمر أن يبيعوا أطفالهم بيع الرقيق لينجوا من هلاك جوعاً(9). ولما بدت عليهم أمارات التمرد دعا القائد الروماني زعيمهم فرتجيرن Fritigern إلى وليمة وفي نيته أن يقتله؛ ولكن فرتجيرن نجا وأثار حمية القوط المستيئسين وحرضهم على القتال، فأخذوا ينهبون، ويحرقون، ويقتلون، حتى أصبحت تراقية كلها تقريباً خراباً يباباً تعاني الأمرين من جوعهم وغيظهم. وأسرع فالنز من بلاد الشرق لملاقاتهم والتحم بهم في سهول هدريانوبل Hadrianople، ولم يكن معه إلا قوة صغيرة معظم رجالها من البرابرة الذين كانوا في خدمة روما (378). وكانت النتيجة، كما يقول أميانوس "أشنع هزيمة حلت بجيوش الرومان منذ واقعة كاني Cannae" التي حدثت قبل ذلك اليوم




صفحة رقم : 4164




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> التخوم المهددة


بخمسمائة وأربع وتسعين سنة(10). وفيها تفوق الفرسان القوط على المشاة الرومان، وظلت حركات الفرسان وفنونهم العسكرية من ذلك اليوم حتى القرن الرابع عشر هي المسيطرة على فن الحرب الآخذ في الاضمحلال. وهلك في هذه المعركة ثلثا الجيش الروماني، وأصيب فالنز نفسه بجرح بالغ، وأشعل القوط النار في الكوخ الذي آوى إليه، ومات الإمبراطور ومن كان معه محترقين بالنار. وزحفت الجموع المنتصرة إلى القسطنطينية، ولكنها عجزت عن اختراق وسائل الدفاع التي أقامتها ومنيكا أرملة فالنز. وأخذ القوط الغربيون، ومن انضم إليهم من القوط الشرقيين والهون الذين عبروا الحدود غير المحمية عند نهر الدانوب، يعيثون فساداً في بلاد البلقان من البحر الأسود إلى حدود إيطاليا.




صفحة رقم : 4165




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> الأباطرة المنقذون



الفصل الثاني




الأباطرة المنقذون




364-408


ولم تقفر الإمبراطورية في هذه الأزمة من الحكام القادرين. فقد نقل الجيش ومجلس الشيوخ تاج الإمبراطورية إلى فلنتنيان وهو جندي فظ مقطوع الصلة بالثقافة اليونانية يذكرنا بفسبازيان. وعين فلنتنيان أخاه الأصغر فالنز، بموافقة مجلس الشيوخ، أوغسطس وإمبراطوراً على الشرق، واختار هو لنفسه الغرب الذي كان يبدو أشد خطراً من الشرق. ثم أعاد تحصين حدود إيطاليا وغالة، وأعاد إلى الجيش قوته ونظامه، وصد مرة أخرى الغزاة الألمان إلى ما وراء نهر الرين، وأصدر من عاصمته ميلان تشريعات مستنيرة حرم فيها على الآباء قتل الأبناء، وأنشأ الكليات الجامعية، ووسع نطاق المساعدات الطبية الحكومية في روما، وخفض الضرائب، وأصلح النقد الذي انخفضت قيمته، وقاوم الفساد السياسي، ومنح جميع سكان الإمبراطورية حرية العقيدة والعبادة. وكان لهذا الإمبراطور عيوبه ونقاط ضعفه. من ذلك كان يقسو أشد القسوة على أعدائه؛ وإذا جاز لنا أن نصدق سقراط المؤرخ فإنه شرع الزواج باثنتين لكي يجيز لنفسه أن يتزوج جستينا(11)، التي غالت زوجته في ووصف جمالها له. ومع هذا كله فقد كان موته العاجل (375) مأساة كبرى حلت بروما. وخلفه ابنه جراتيان Gratian على عرش الإمبراطورية في الغرب، وسار فيها سيرة أبيه عاماً أو عامين، ثم أطلق العنان للهو والصيد، وترك أزمة الحكم إلى موظفين فاسدين عرضوا جميع المناصب والأحكام للبيع. لهذا خلعه القائد لكسموس عن العرش وغزا إيطاليا ليحاول تنحية فلنتنيان الثاني خلف




صفحة رقم : 4166




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> الأباطرة المنقذون


جراتيان وأخيه غير الشقيق عن ولاية الملك، ولكن ثيودوسيوس الأول الأكبر الإمبراطور الجديد على الشرق زحف غرباً، وهزم الغاصب، وثبت الشاب فلنتنيان على عرشه في ميلان (388).
وكان ثيودوسيوس من أصل أسباني، أظهر مواهبه الحربية ومهارته في القيادة أسبانيا، وبريطانيا، وتراقية. وكان قد أقنع القوط المنتصرين بالانضواء تحت لوائه بدل أن يحاربوه، وحكم الولايات الشرقية بحكمة وروية في كل شيء إلا في عدم تسامحه الديني؛ فلما تولى الملك روع نصف العالم بما اجتمع فيه من صفات متناقضة هي جمال خلقه، ومهابته، وغضبه السريع ورحمته الأسرع، وتشريعاته الرحيمة، وتمسكه الصارم بمبادئ الدين القويم. وبينا كان الإمبراطور يقضي الشتاء في ميلان حدث في تسالونيكي (سالونيكا) اضطراب كان من خصائص تلك الأيام. وكان سببه أن بُثريك Botheric نائب الإمبراطور في ذلك البلد قد سجن سائق عربة محبوب من أهل المدينة جزاء له على جريمة خلقية فاضحة، فطلب الأهلون إطلاق سراحه، وأبى بثريك أن يجيبهم إلى طلبهم، وهجم الغوغاء على الحامية وتغلبوا عليها، وقتلوا الحاكم وأعوانه ومزقوا أجسامهم إرباً، وطافوا بشوارع المدينة متظاهرين يحملون أشلاءهم دلالة على ما أحرزوه من نصر. ولما وصلت أنباء هذه الفتنة إلى مسامع ثيودوسيوس فاستشاط غضباً وبعث بأوامر سرية تقضي بأن يحل العقاب بجميع سكان تسالونيكي. فدعى أهل المدينة إلى ميدان السباق لمشاهدة الألعاب، ولما حضروا انقض عليهم الجند المترصدون لهم وقتلوا منهم سبعة آلاف من الرجال والنساء والأطفال، (390)(12). وكان ثيودوسيوس قد بعث بأمر ثان يخفف به أمره الأول ولكنه وصل بعد فوات الفرصة.
وارتاع العالم الروماني لهذا الانتقام الوحشي وكتب الأسقف أمبروز Ambrose الذي كان يجلس على كرسي ميلان ويصرف منه على شؤون الأبرشية




صفحة رقم : 4167




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> الأباطرة المنقذون


الدينية بالجرأة والصلابة الخليقتين بالمسيحية الحقه، كتب إلى الإمبراطور يقول إنه (أي الأسقف) لا يستطيع بعد ذلك الوقت أن يقيم القداس في حضرة الإمبراطور إلا إذا كفر ثيودوسيوس عن جرمه هذا أمام الشعب كله. وأبى الإمبراطور أن يحط من كرامة منصبه بهذا الإذلال العلني وإن كان في خبيئة نفسه قد ندم على ما فعل، وحاول أن يدخل الكنيسة، ولكن أمبروز نفسه سد عليه الطريق، ولم يجد الإمبراطور بداً من الخضوع بعد أن قضى عدة أسابيع يحاول فيها عبثاً أن يتخلص من هذا المأزق، فجرد نفسه من جميع شعائر الإمبراطورية، ودخل الكنيسة دخول التائب الذليل، وتوسل إلى الله أن يغفر له خطاياه (390). وكان هذا الحادث نصراً وهزيمة تاريخيين في الحرب القائمة بين الكنيسة والدولة.
ولما عاد ثيودوسيوس إلى القسطنطينية تبين أن فالنتنيان الثاني؛ وهو شاب في العشرين من عمره، عاجز عن حل المشاكل التي تحيط به. فقد خدعه أعوانه وجمعوا السلطة كلها في أيديهم المرتشية، واغتصب أربوجاست Arbogast الفرنجي الوثني قائد جيشه المرابط السلطة الإمبراطورية في غالة، ولما قدم فلنتنيان إلى فين ليؤكد فيها سيادته قتل غيلة (292). ورفع أربوجاست على عرش الغرب تلميذاً وديعاً سلس القياد يدعى أوجينوس Eugenius وبدأ بعمله هذا سلسلة من البرابرة صانعي الملك. وكان أوجينوس مسيحياً: ولكنه كان وثيق الصلة بالأحزاب الوثنية في إيطاليا إلى حد جعل أمبروز يخشى أن يصبح يولياناً ثانياً. وزحف ثيودوسيوس مرة أخرى نحو الغرب ليعيد إلى تلك الأنحاء السلطة الشرعية ويردها إلى الدين القويم. وكان تحت لوائه جيش من الهون والقوط، والألاني، وأهل القوقاز، وأيبيريا، وكان من بين قواده جيناس Gainas القوطي الذي استولى فيما بعد على القسطنطينية، واستلكو الوندالي الذي دافع في المستقبل عن روما، وألريك القوطي الذي نهبها. ودارت بالقرب من أكويليا معركة




صفحة رقم : 4168




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> الأباطرة المنقذون


دامت يومين، هزم فيها أربوجاست وأوجينوس (394)؛ فأما أوجينوس فقد ذبح بعد أن أسلمه جنوده، وأما أربوجاست فقد قتل نفسه بيده. واستدعى ثيودوسيوس ابنه هونوريوس Honorius وهو غلام في الحادية عشرة من عمره ليقيمه إمبراطور على الغرب، ورشح ابنه أركاديوس Arcadius البالغ من العمر ثماني عشر سنة ليكون إمبراطور معه على الشرق ثم مات بعدئذ في ميلان منهوكاً من كثرة الحروب (395) ولما يتجاوز الخمسين من عمره. وانقسمت بعد موته الإمبراطورية التي طالما وحدها، ولم يجتمع شملها مرة أخرى بعد ذلك الوقت إلا في فترة قصيرة تحت حكم جستنيان.
وكان ولدا ثيودوسيوس شخصين ضعيفين مخنثين، درجا في مهد الأمن والدعة الموهن للعزيمة، فلم يكونا خليقين بأن يوجها سفينة الدولة فيما يحيط بها من عواصف، وإن كانت أخلاقهما لا تقلان طيبة عن نواياهما. وسرعان ما أفلت زمام الأمور من أيديهما، وأسلما أعمال الدولة الإدارية والسياسة -إلى وزيرهما- إلى روفينوس Rufinus المرتشي الشره في الشرق، وإلى استلكو القدير المجرد من الضمير في الغرب. ولم يلبث هذا الشريف الوندالي أن زوج ابنته مارية Maria بهونوريوس في عام 398 راجياً أن يصبح بهذا الزواج جداً لإمبراطور وصهراً لآخر. ولكن هونوريوس أثبت أنه مجرد من العاطفة تجره من الفطنة، فكان يقضي وقته في إطعام الدجاج الإمبراطوري ويحبو هذا الدجاج بحبه وعطفه، حتى ماتت مارة عذراء بعد أن لبثت زوجة عشرة سنين(13).
وكان ثيودوسيوس قد جعل القوط يجنحون إلى السلم باستخدامهم في الحرب، وبتقديم معونة سنوية من المال لهم بوصفهم حلفاء له؛ ولكن خلفه قطع عنهم هذه المعونة، ولما جاء استلكو سرح جنوده الوط؛ وقام المحاربون المتعطلون يطلبون المال والمغامرات وهيأ لهم ألريك زعيمهم الجديد كليهما واستعان على ذلك




صفحة رقم : 4169




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> الأباطرة المنقذون


بمهارة بزَّ بها الرومان في الحرب وفي السياسة على السواء، وقال لأتباعه إنه لا يدري كيف يَخضع القوطُ ذوو الأنفة والرجولة ويعملون أجزاء عند الرومان أو اليونان الضعفاء المنهوكين، بدل أن يعتمدوا على بسالتهم وقوة سواعدهم فيقتطعوا من الإمبراطورية المتداعية المحتضرة مملكة لهم؟ وقاد ألريك في السنة التي مات فيها ثيودوسيوس قوط تراقية كلهم تقريباً وزحف بهم على بلاد اليونان، واجتاز ممر ترموبيلي دون أن يلقي مقاومة، وذبح كل من لقي في طريقه من الرجال الذين في سن العسكرية، وسبى النساء، وخرب بلاد البلوبونيز، ودمر هيكل دمتر في إليوسيز، ولم يبق على أثينة إلا بعد أن افتدت نفسها بفدية استنفدت معظم ثروتها غير العقارية (393). وجاء استلكو لينقذها ولكنه وصل إليها بعد فوات الفرصة، فاستدرج القوط إلى موقع غير حصين، ولكن ثورة شبت في إفريقية اضطرته إلى أن يعقد معهم هدنة عاد بعدها إلى العرب. ثم وقع ألريك ميثاق حلف مع أركاديوس أجاز فيه ثانيهما للأول أن يستقر أتباعه من القوط في إبيروس، وبسط السلم لواءه بعدئذ على الإمبراطورية أربع سنين.
وفي هذه السنين الأربع ألقى سينيسيوس القوريني، وهو أسقف نصف مسيحي ونصف وثني، خطاباً في القسطنطينية أمام حاشية أركاديوس المترفة وصف فيها في وضوح وقوة المشكلة التي تواجهها روما وبلاد اليونان والتي لا بد لها أن تختار فيها واحدة من اثنتين. وكان مما قاله في هذه الخطبة: كيف تستطيع الإمبراطورية البقاء إذا ظل أهلها يتهربون من الخدمة العسكرية، ويكلون الدفاع عنها إلى الجنود المرتزقة، تجندهم من الأمم التي تهدد كيانها؟ وعرض على الولاة الأمور أن يضعوا حداً للترف والنعيم، وأن يجيشوا جيشاً من أهل البلاد بالتطوع أو التجنيد الإجباري يدافع عنها وعن حريتها؛ وأهاب بأركاديوس وهونوريوس أن ينفضا عنهم غبار الخمول وأن يوجها ضربة قاصمة إلى جموع البرابرة الوقحين الذين في داخل الإمبراطورية، وأن يردوهم إلى مرابضهم




صفحة رقم : 4170




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> الأباطرة المنقذون


وراء البحر الأسود ونهري الدانوب والرين. وصفق رجال الحاشية إعجاباً بما حواه خطاب سينيسيوس من عبارات منمقة بليغة، ثم عادوا من فورهم إلى ولائمهم(14) وكان ألريك في هذه الأثناء يرغم صناع الأسلحة في أبيروس على أن يصنعوا لرجاله القوط كل ما هم في حاجة إليه من الحراب والسيوف والخوذ والدروع.
وفي عام 401 غزا إيطاليا، بعد أن نهب كل ما مر ب في طريقه من البلاد، وهرع آلاف من اللاجئين إلى ميلان ورافنا، ثم فروا منهما إلى روما. واحتمى الزراع في داخل المدن المسورة، وجمع الأغنياء كل ما استطاعوا نقله من ثروتهم، وحاولوا وهم في شدة الذعر أن يعبروا البحر إلى كورسكا، وسردينية، وصقلية. وجرد استلكو ولايات الدولة من حامياتها ليجمع منها جيشاً يستطيع صد تيار القوط الجارف، وانقض به عليهم في بولنتيا Pollentia في صباح يوم عيد القيامة من عام 402 حين وقفوا أعمال النهب ليؤدوا الصلاة. ونشبت بين الجيشين معركة لم تكن فاصلة، ارتد على أثرها ألريك إلى روما التي لم تكن فيها من يدافع عنها، ولم يغادر إيطاليا إلا بعد أن نفحه هونوريوس برشوة سخية.
وكان الإمبراطور الوجل قد فكر أثناء زحف ألريك على ميلان أن ينقل عاصمته إلى غالة، أما الآن فقد أخذ يبحث له عن مكان آخر أعظم منها أمناً، فوجد ذلك المكان في رافنا، التي تجعلها المناقع والبحيرات الضحلة، منيعة من البر، والشواطئ الرقراقة مستعصية على العدو من جهة البحر. ولكن العاصمة الجديدة أخذت ترتجف من الخوف كالعاصمة القديمة حين زحف ردجيسيوس Radagaisus البربري بجيش تبلغ عدته مائتي ألف مقاتل من الألاني، والكوادي، والقوط الشرقيين، والوندال، وعبر بهم جبال الألب، وهاجم مدينة فلورنتيا الناشئة. وفي هذه العصيبة برهن استلكو مرة أخرى على براعته في القيادة، فهزم الجحفل المختلط بجيش أقل منه عدداً، وساق ردجيسيوس مكبلاً بالأغلال أمام هونوريوس، وتنفست إيطاليا الصعداء مرة أخرى، وعادت




صفحة رقم : 4171




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> الأباطرة المنقذون


حاشية الإمبراطور، من أشراف وأميرات، وأساقفة، وخصيان، وطيور داجنة وقواد إلى ما ألفته من ترف، وفساد، ودسائس.
وكان أولمبيوس وزير الإمبراطور، يغار من استلكو ويرتاب في نواياه. فقد ساءه أن يتغاضى القائد العظيم، كما بدا له، عن هرب ألريك المرة بعد المرة. وخيل إليه أنه قد كشف ما بين القائد الألماني والغزاة الألمان من عطف كامن. واحتج على الرشا التي نفح بها ألريك أو وعد بها بناء على طلب استلكو. وتردد هونوريوس في إقصاء الرجل الذي لبث ثلاثة وعشرين عاماً يقود جيوش روما من نصر إلى نصر، والذي أنجى الغرب مما كان يتهدده من أخطار؛ فلما أن أقنعه أولمبيوس بأن استلكو يأتمر به ليجلس ابنه هو على العرش، وافق الشاب الوجل على قتل قائده، وأرسل أولمبيوس من فوره سرية من الجند لينفذوا قرار الإمبراطور. وأراد أصدقاء استلكو أن يقاوموا ولكنه أمرهم ألا يفعلوا ومد رقبته للسيف (408).
وبعد بضعة أشهر من هذا الحادث عاد ألريك إلى إيطاليا.




صفحة رقم : 4172




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا



الفصل الثالث




ما كان يحدث في إيطاليا


كانت الدولة الرومانية الغربية في أواخر القرن الرابع تطالعنا بصورة معقدة مركبة من الانتعاش والاضمحلال، ومن النشاط والعقم الأدبي، ومن الأبهة السياسية والانحلال العسكري. وكانت غالة في هذه الأثناء تزدهر ويعمها الرخاء، وتنازع إيطاليا في جميع الميادين؛ فقد كان عدد الغاليين في الإمبراطورية عشرين مليوناً أو يزيدون من سكانها الذين يقربون من سبعين مليوناً، في حين أن الإيطاليين لا يكادون يبلغون ستة ملايين(15)؛ وأما من عدا هؤلاء وأولئك فكانت كثرتهم من الشرقيين الذين يتكلمون اللغة اليونانية. وقد استحالت روما نفسها منذ بداية القرن الثاني بعد الميلاد مدينة شرقية من الأجناس التي تسكنها. لقد كانت روما من قبل تعتمد في حياتها على الشرق كما كانت أوربا الحديثة تعتمد في حياتها على فتوحها ومستعمراتها إلى أواسط القرن العشرين، وكانت الفيالق الرومانية تستحوذ على غلات ولاياتها التي تزيد على عشرة، وتنتزع منها معادنها الثمينة التي كانت تنساب في قصور الظافرين وخزائنهم. أما في الوقت الذي نتحدث عنه فقد انقضى عهد الفتوح وبدأ عهد التقهقر والتراجع، واضطرت إيطاليا إلى الاعتماد على مواردها البشرية والمادية التي اضمحلت اضمحلالاً ينذر بأشد الأخطار من جراء تحديد النسل، والقحط والوباء، والضرائب الفادحة، والإتلاف والحرب. ولم تزدهر الصناعة يوماً ما في شبه الجزيرة الصقلية؛ ولآن وقد أخذت تفقد أسواقها في الشرق وفي غالة، لم يعد في وسعها أن تعول سكان المدن الذين كانوا يحصلون على الكفاف من العيش بالكدح في الحوانيت وفي البيوت. وكانت الكجلييا Cellegia أو نقابات أصحاب الحرف تعاني الأمرين




صفحة رقم : 4173




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


من جراء عجز أفرادها عن بيع أصواتهم في دولة ملكية مطلقة كان التصويت فيها نادراً. وكسدت التجارة الداخلية، وانتشر قطاع الطرق، وأخذت الطرق التي كانت من قبل مضرب الأمثال في العظمة تضمحل وتتحطم وإن ظلت وقتئذ أحسن من أي طريق في العالم كله قبل القرن التاسع عشر.
وكانت الطبقات الوسطى قبل ذلك الوقت عماد حياة المدن في إيطاليا؛ أما الآن فقد ضعفت هي الأخرى من جراء الانحلال الاقتصادي والاستغلال المالي؛ فقد كان كل ذي مال يخضع لضرائب مطردة الزيادة لإعالة بيروقراطية آخذة في الاتساع، وأهم ما تقوم به من الأعمال هو جباية الضرائب. وكان الهجاءون الفكهون حين يشكون من هذه الحال يقولون إن "الذين يعيشون على الأموال العامة أكثر عدداً من الذين يمدونهم بهذه الأموال(16).
وكانت الرشا تستنفد الكثير مما يجبى من الضرائب؛ وسن ألف قانون وقانون لمقاومة اختلاس إيرادات الحكومة أو أملاكها، والكشف عن هذه الاختلاسات ومعاقبة مرتكبيها، وكان الكثير من الجباة يفرضون على البسطاء أكثر مما يجب أن يؤدوه؛ ويحتفظون بالزيادة لأنفسهم؛ وكان في وسعهم في مقابل هذا أن يخففوا الضرائب عن الأغنياء نظير جعل يأخذونه منهم(17).
وكان الأباطرة يبذلون غاية جهدهم لكي تراعى الأمانة في جبايتها؛ من ذلك أن فلنتيان الثاني عين في كل بلدة موظفاً يسمى "المدافع عن المدينة" ليحمي أهلها من حيل الجباة، وأعفى هونوريوس المدن التي كانت تعاني الأزمات المالية مما كان متأخراً عليها من الضرائب. ومع هذه فإن بعض سكان المدن -إذ صدقنا قول سلفيان Salvian- كانوا يفرون إلى خارج الحدود ليعيشوا تحت حكم الملوك البرابرة الذين لم يتعلموا بعد فن جباية الضرائب كاملاً؛ فقد بدا لهم أن عمال الخزنة أشد رهبة من العدو"(18). وكان من أثر هذه الظروف أن قلت الرغبة في النسل فأخذ عدد السكان في النقصان، وبقيت آلاف الأفدنة من الأراضي




صفحة رقم : 4174




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


الصالحة للزراعة بوراً لا تجد من يفلحها، فنشأ من ذلك فراغ اقتصادي اجتمع إلى ما بقي في المدن من ثروة فأدى إلى اجتذاب البرابرة الذين كانوا في أشد الحاجة إلى تلك الأرض. ووجد كثيرون من أصحاب الأراضي الزراعية أنهم عاجزون عن أداء الضرائب أو الدفاع عن مساكنهم ضد الغزاة أو اللصوص، فتخلوا عن أملاكهم لمن هم أكبر منهم من الملاك أو أعظم قوة، وعملوا عندهم زراعاً (Coloni)، وأخذوا على أنفسهم يقدموا لسادتهم قدراً معيناً من غلة الأرض ومن العمل والوقت، وعلى أن يضمن لك أولئك السادة ما يكفيهم من العيش، ويحموهم في وقتي السلم والحرب. وبهذا كانت إيطاليا، التي لم تعرف فيما بعد الإقطاع بمعناه الكامل، من أوائل الأمم التي عدت أسس هذا الإقطاع. وكانت خطة شبيهة بهذه تحدث في مصر وإفريقية وغالة.
وكان الاسترقاق آخذاً في الزوال على مهل، وسبب ذلك ألا شيء في الحضارة الراقية يعدل أجر الرجل الحر أو مرتبه أو مكتسبة من حيث هو دافع اقتصادي للعمل والإنتاج. ولم يكن كدح الأرقاء مجزياً من هذه الناحية إلا حين يكثر عددهم؛ وكانت أعباء الاحتفاظ بهن قليلة؛ ولكن نفقات الحصول عليهم زادت حين لم تعد الفيالق الرومانية تنقل إلى بلادها ثمار النصر من الآدميين؛ يضاف إلى هذا أن فرار الأرقاء من سادتهم أصبح الآن أمراً يسيراً بسبب ضعف الحكومة؛ هذا إلى أنه كان لا بد من العناية بهم إذا مرضوا أو تقدمت بهم السن. ولما أن زادت تكاليف الأرقاء رأى سادتهم أن يحافظوا على الأموال التي استثمروها فيه بحسن معاملتهم له؛ ولكن أولئك الأسياد كان لا يزال لهم على عبيدهم حق الحياة والموت، وإن كان هذا الحق مقيداً ببعض القيود(19)، كما كان في مقدور السيد أن يستعين بالقانون للقبض على العبد الآبق، وأن يشبع شهوته الجنسية مع من يهوى منهم رجالاً كانوا أو نساءً؛ وهل أدل على هذا من أن بولينوس البلائي Paulinus of Pella كان يفخر بطهارة ذيله في شبابه




صفحة رقم : 4175




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


حين "كبحت جماح شهواتي... فلم أستجيب لعشق امرأة حرة... واكتفيت بالإماء اللاتي كن في بيتي"(20).
وكان معظم الأغنياء يعيشون الآن في بيوتهم الريفية بمنجاة من ضجيج المدن وغوغائها، غير أن الجزء الأكبر من ثروة إيطاليا كان لا يزال ينصب في روما؛ ولم تكن المدينة العظيمة، كما كانت من قبل، عاصمة الدولة، وقلّما كانت ترى الإمبراطور، ولكنها ظلت مركز الحياة الاجتماعية والذهنية في الغرب. وفي روما كانت أعلى درجات الطبقة الأرستقراطية الإيطالية الجديدة. ولم تكن هذه، كما كانت من قبل، طبقة وراثية، بل كانت طائفة يختارها الأباطرة بين الفينة والفينة على أساس الملكية العقارية. وكان أعضاء مجلس الشيوخ يعيشون بأعظم مظاهر الأبهة والفخامة وإن كان مجلسهم قد فقد بعض هيبته وكثيراً من سلطانه. وكانوا يشغلون بعض المناصب الإدارية الهامة ويظهرون فيها كثير من المقدرة والكفاية، ويقيمون الألعاب العامة على نفقتهم الخاصة. وكانت بيوتهم غاصة بالخدم مملوءة بالأثاث الغالي الثمن، وليس أدل على ذلك من أن طنفسة واحدة قد كلفت صاحبها ما قيمته أربعمائة ألف ريال أمريكي(21). وتكشف رسائل سيماركوس Symmacus وسيدنيوس Sidonius. كما يكشف شعر كلوديان عن الناحية الطيبة من حياة أولئك الأشراف الجدد، وما تمتاز به من نشاط اجتماعي وثقافي، وخدمة للدولة وولاء لها؛ وما كان بينهم من صداقة ورقة، وإخلاص متبادل بينهم وبين أزواجهم، وحب لأبنائهم وعطف عليهم.
لكن قس من مرسيلية عاش في القرن الخامس قد صور الحالة في إيطاليا وغالة بصورة أقل جاذبية من الصورة السابقة. فقد عالج سلفيان Salvian في كتابه "عن حكومة الله" (حوالي 450) نفس المشكلة التي أوحت إلى أوغسطين بكتابه "مدينة الله" وإلى أورسيوس Aorsius بكتابه "التاريخ ضد الوثنيين"-وهي كيف يستطاع التوفيق بين الشرور الناجمة من غزوات البرابرة وبين




صفحة رقم : 4176




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


العناية الإلهية الرحيمة الخيرة؟ وقد أجاب سلفيان عن هذا السؤال بأن الآلام يقاسيها سكان الإمبراطورية إن هي إلا قصاص عادل لما كان متفشياً في العالم الروماني من استغلال اقتصادي، وفساد سياسي، واستهتار أخلاقي؛ ويؤكد لنا أنا لا نستطيع أن نجد بين البرابرة مثل ما نجده بين الرومان من ظلم الأغنياء للفقراء، لأن قلوب البرابرة أرق من قلوب الرومان؛ ولو أن الفقراء وجدوا وسيلة للانتقال لهاجروا بقضهم وقضيضهم ليعيشوا تحت حكم البرابرة(22). يواصل هذا الواعظ الأخلاقي وصفه فيقول إن الأغنياء والفقراء، والوثنيين والمسيحيين، في داخل الإمبراطورية كلهم غارقون في حمأة من الفساد لا يكاد التاريخ يعرف لها مثيلاً؛ فالزنى، وشرب الخمر قد أصبحا من الرذائل المألوفة في هذه الأيام، كما أضحت الفضيلة والاعتدال مثار السخرية ومبعث الآلاف من الفكاهات القذرة؛ وصار اسم المسيح لفظاً تدنسه أفواه الذين يسمونه إلهاً(23). ويمضي هذا التاستس Tacitus الثاني فيدعونا إلى أن ننظر إلى الفرق بين هذا كله وبين ما يتصف به الألمان من قوة وشجاعة، ومن مسيحية مليئة بالتقي خالية من التعقيد، ومن لين في معاملتهم للرومان المغلوبين، ومن ولاء متبادل بينهم، ومن عفة قبل الزواج، ووفاء بعده. لقد ذهل جيسريك Gaiseric الزعيم الوندالي إذ وجد حين استولى على قرطاجنة المسيحية أنه لا يكاد يخلو ركن فيها من بيت للدعارة، فما كان منه إلا أن أغلق هذه المواخير وخير العاهرات بين الزواج والنفي. وجملة القول أن العالم الروماني سائر إلى الانحطاط جسيماً، وقد فقد كل ما كان يتصف به من شجاعة أدبية، وترك الدفاع عنه إلى الأجانب المأجورين. ويختتم سلفيان هذا الوصف بقوله إن الإمبراطورية الرومانية "إما أن اكون قد ماتت وإما أنها تلفظ آخر أنفاسها"؛ وإذ كنا نراها في ذروة ترفها وألعابها، فإنها تضحك حين تموت Moritur et ridet(24).




صفحة رقم : 4177




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


تلك هي صورة مروعة، ظاهر فيها الغلو، لأن البلاغة قلّما تصحبها الدقة، وما من شك في أن الفضيلة قد توارت حياء في ذلك الوقت كما تتوارى الآن، وأفسحت الطريق للرذيلة، والبؤس، والسياسة، والجريمة. ويرسم أوغسطين صورة لا تقل عن هذه الصورة قتاماً يهدف بها إلى مثل هذه الغاية الأخلاقية؛ فهو يشكو من أن الكنائس كثيراً ما تخلو من المصلين لأن البنات الراقصات في دور التمثيل يجتذبن الناس منها بما يعرضنه من فتنتهن السافرة(25). وكانت الألعاب العامة لا تزال تشهد قتل الأسرى والمجرمين ليستمتع الناس بهذه المناظر البشعة في أعيادهم. وفي وسعنا أن نتصور ما في هذه المناظر من قسوة حين نقرأ ما يقوله سيماكوس من أنه أنفق ما قيمته 900.000 ريال أمريكي في إقامة حفلة واحدة، ومن أن المجالدين السكسون التسعة والعشرين الذين وقع الاختيار عليهم ليقاتلوا في المجتلد قد فوتوا عليه غرضه بأن خنقوا بعضهم بعضاً فانتحروا جميعاً قبل أن تبدأ الألعاب(26). وكان لروما في القرن الرابع 175 عيداً في العام، منها عشرة تقام فيها مباريات المجالدين، وأربعة وستون تعرض فيها ألعاب الوحوش، وما بقي منها بعد ذلك تعرض فيه مناظر في دور التمثيل(27). واغتنم البرابرة فرصة ولع الرومان بهذه المعارك الزائفة فانقضوا على قرطاجنة، وأنطاكية، وترير Trier حين كان الأهلون منهمكين في مشاهدتها في المدرجات أو حلبات اقتتال الوحوش(28). وحدث في عام 404 أن أقيمت في روما ألعاب للمجالدين احتفالاً بذكرى انتصار استلكو في بولنتيا نصراً مشكوكاً فيه. وحين بدأ الدم يراق قفز راهب شرقي يدعى تلمكس Telemachus من قاعدة النظارة إلى المجتلد ونادي بوقف القتال. ولكن النظارة استشاطوا غضباً فأخذوا يرجمونه بالحجارة حتى قتلوه؛ وأثر هذا المنظر في الإمبراطور هونوريوس فأصدر مرسوماً بإلغاء




صفحة رقم : 4178




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


ألعاب المجالدين . أما السباق فقد بقي حتى عام 549 حين قضى عليه استنزاف الحروب القوطية لثروة المدن.
أما من الناحية الثقافية فلم تشهد روما منذ أيام بلني وتاستوس عصراً نشطت فيه الثقافة مثل ما نشطت في ذلك الوقت. لقد كان كل إنسان مولعاً بالموسيقى حتى لقد شكا أميانوس(29) من أنها قد حلت محل الفلسفة، وأنها قد "حولت الكتب إلى مقابر"؛ وهو يصف لنا أراغن مائية ضخمة، وقيثارات في حجم المركبات. وكانت المدارس كثيرة العدد، ويقول سيماكوس إن كل إنسان كان يجد الفرصة سانحة لتنمية ملكاته(30). وكانت "جامعات" الأساتذة الذين تؤدي لهم الدولة رواتبهم تعلم النحو، والبلاغة، والأدب، والفلسفة لطلاب جاءوا إليها من جميع الولايات الغربية، وذلك في الوقت الذي كان فيه البرابرة المحيطون بالدولة يدرسون فنون الحرب. إن كل حضارة ثمرة من ثمار شجرة الهمجية الصلبة وهي تسقط حين تسقط عند أبعد نقطة من جزع هذه الشجرة.
وجاء إلى المدينة التي يبلغ عدد سكانها مليوناً من الأنفس حوالي عام 365 يوناني سوري، كريم المحتد، وسيم الخلق، يدعى أميمانوس مرسلينوس الإنطاكي. وكان من قبل جندياً تحت قيادة أرسينوس Ursinus في أرض الجزيرة، واشترك بنشاط في حروب قنسطنطيوس ويوليان وجوفيان. وقد عاش هذا الرجل عيشة الجد والعمل قبل أن يشتغل بالكتابة. ولما عاد السلام إلى ربوع الشرق ارتحل إلى روما وأخذ على عاتقه إتمام العمل الذي بدأه ليفي وتاستوس، وذلك بكتابة تاريخ الإمبراطورية من عهد نيفا إلى عهد فالنز. وكتب بلغة لاتينية عسيرة معقدة، تشبه اللغة الفرنسية إذا ما كتبها ألماني؛ وكان من أسباب هذا العسر والتعقيد في




صفحة رقم : 4179




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


كتاباته كثرة ما قرأه من كتابات تاستوس وطول الزمن الذي كان يتكلم فيه اللغة اليونانية. وكان هذا الرجل وثنياً سافراً، من المعجبين بيوليان، ومن الذين يزدرون الترف الذي كان يعزوه إلى أساقفة روما؛ ولكنه رغم هذا كله كان بوجه عام منزهاً عن الهوى فيما كتب، يمتدح كثيراً من فضائل المسيحية، ويلوم يوليان على تقييده الحرية العلمية، ويقول إن هذا خطأ يجب "أن يقضي عليه بالسكوت الأبدي"(31). وكان قد حصل من العلم أقصى ما يسمح وقت الجندي له بتحصيله. وكان يؤمن بالشياطين والسحر، ويقتبس من شيشرون أكبر المعارضين للقدرة على معرفة الغيب مما يؤيده به هذه العقيدة(32). ولكنه كان إلى حد كبير رجلاً شريفاً لا يداجي ولا يجامل، عادلاً مع جميع الناس وجميع الأحزاب؛ "لا أزين قصتي بالألفاظ الخداعة، أمين على الحقائق إلى أبعد حدود الأمانة"(33). وكان يكره الظلم، والبذخ، والمظاهر الكاذبة، ويجهر برأيه فيها أينما وجدت؛ وكان آخر المؤرخين اليونان والرومان الأقدمين، وكان كل من جاء بعده في العالم اللاتيني مجرد إخباريين.
لكن مكروبيوس Macerobius قد وجد في هذه المدينة نفسها، أي في روما، التي كانت أخلاقها في نظر أميانوس وضيعة متعاظمة فاسدة، مجتمعاً من الناس، يجملون ثراءهم باللطف والكياسة، والثقافة، ومحبة الناس. وكان مكروبيوس هذا في أول الأمر من رجال العلم مولعاً بالكتب وبالحياة الهادئة، لكننا نجده في عام 399 يعمل مبعوثاً للإمبراطور في أسبانيا. وقد أصبح تعليقه على كتاب شيشرون المسمى "أحلام سبيو" الوسيلة التي انتقل بها تصوف الأفلاطونية الجديدة وفلسفتها إلى عامة الشعب. وخير كتبه على الإطلاق هو كتاب الساترناليا Saturnalia أو عيد زحل الذي لا يكاد كتاب تاريخي في الخمسة عشر قروناً الأخيرة يخلو من مقتبسات منه. وهو مجموعة من (غرائب الأدب) أورد فيه المؤلف ما حصله من معلومات غير متجانسة في أيام جده ودراسته،




صفحة رقم : 4180




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


ولياليه الطوال التي قضاها ينقب في بطون الأسفار. وقد تفوق في كتاباته على ألوس جليوس Oulus Gellius في الوقت الذي كان يسطو عليه، ذلك بأنه صاغ المادة التي أخذها عنه في صورة حوار خيالي بين رجال حقيقيين هم بريثكستاتوس Proetextatus وسيماخوس Symmachus، وفلافيان، وسرفيوس وغيرهم ممن اجتمعوا ليحتفلوا بعيد الساترناليا بالخمر الطيب، والطعام الشهي، والنقاش العلمي. وألقيت في هذا النقاش على الطبيب ديزاريوس Disarius أسئلة علمية منها: هل الطعام البسيط خير من الطعام المتعدد الألوان؟ ولم يندر أن ترى امرأة سكرى؟ ولم يسكر المسنون من الرجال على الدوام؟ هل طبيعة الرجال أقل أو أكثر حرارة من طبيعة الناس؟. ويدور النقاش حول التقويم، وفيه تحليل طويل لألفاظ فرجيل، ونحوه، وأسلوبه، وفلسفته، وسرقاته؛ وفيه فكاهات مأخوذة من جميع العصور، ورسالة عن الولائم الدسمة، والأطعمة النادرة. وتبحث في المساء مسائل أخف من هذه يتسلى بها هؤلاء العلماء منها: لم تحمر وجوهنا من الخجل وتصفر من الخوف؟-ولم يبدأ الصلع من أعلى الرأس؟ وأيهما أسبق من الآخر الفرخ أو البيضة؟
ونجد في مواضع متفرقة من هذا الخليط المهوش فقرات سامية كالتي يتحدث فيها بريتكستاتوس عن الرق فيقول:
لن أقدر الناس بمراكزهم بل بآدابهم وأخلاقهم، لأن الثانية ثمرة طباعنا أما الأولى فهي نتيجة الصدفة.. وينبغي لك يا إفنجيلوس أن تبحث عن أصدقائك في منزلك لا في السوق العامة ولا في مجلس الشيوخ. عامل عبدك بالرفق والحسنى، وأشركه في حديثك، وأدخله أحياناً في مجالسك الخاصة. وقد عمل أباؤنا على محو الكبرياء من نفس السيد والخجل من نفس العبد بأن سموا الأول "والد الأسرة" وسموا الثاني "أحد أفراد الأسرة" وإن عبيدك ليبادرون إلى احترامك أكثر من مبادرتهم إلى خوفك(35).




صفحة رقم : 4181




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


وكانت ندوة شبيهة بهذه الندوة هي التي رحبت في عام 394 بأن ينضمم إليها شاعر شاءت الأقدار أن يتغنى بمجد روما في ساعة احتضارها. ولد كلوديوس كلوديانوس Claudius Claudianus كما ولد أميانوس، في بلاد الشرق، وكانت لغته الأصلية هي اللغة اليونانية. ولكنه تعلم اللاتينية بلا ريب في حداثة سنه، لأنه كان يكتب بها أسلوب سلس. وبعد أن أقام في روما زمناً قصيراً نزح إلى ميلان، واستطاع أن يجد له مكاناً في أركان حرب استلكو، ثم صار شاعراً غير رسمي لبلاط الإمبراطور هونوريوس، وتزوج سيدة ذات ثراء من أسرة شريفة. وكان كلوديوس يترقب أن تواتيه الفرصة الكبرى ولا يحب أن يموت وهو خامل الذكر. ولذلك كان يمدح استلكو بقصائد عصماء ويهاجم أعداءه بقصائد أخرى حوت أقذع الألفاظ. وعاد إلى روما في عام 400 ولقي منها أعظم آيات الشكر والترحاب حين مدح المدينة الخالدة في قصيدة "عن قنصلية استلكو" لا تقل روعة عن قصائد فرجيل نفسه:
أيا قنصل الناس جميعاً، ويا من تضارع الآلهة في المنزلة، وأنت حامي المدينة التي لا تدانيها مدينة يحيط بها الهواء الذي على سطح الأرض، ولا تبلغ مداها العين، ولا يتصور جمالها الخيال، ولا يوفيها صوت مهما علا حقها من الثناء. إنها ترفع هامتها الذهبية تحت ما جاورها من النجوم، وتحاكي بتلالها السبعة السبع السموات العلي. هي أم الجيوش والشرائع التي عنت لجبروتها الأرض بأجمعها وكانت أقدم مهد للعدالة على ظهر الأرض. تلك هي المدينة التي نشأت نشأة متواضعة، ولكنها امتدت إلى القطبين وبسطت سلطانها من مكانها الصغير حتى بلغ مداه منتهى ما يصل إليه ضياء الشمس... فهي دون غيرها من البلاد قد فتحت صدرها لاستقبال من غلبتهم على أمرهم، وعاملت الجنس البشري معاملة الأم الرؤوم لا معاملة الحاكم المتغطرس، فحمته وخلعت عليها اسمها، ودعت من هزمتهم إلى مشاركتها في حقوق المواطنية، وربطت الشعوب البعيدة برباط




صفحة رقم : 4182




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


المحبة. وبفضل حكمها السلمي أصبح العالم كله وطناً لنا، نعيش فيه أينما شئنا، وأصبح في مقدورنا أن نزور ثول Thule ونرتاد براريها التي كانت من قبل تقذف الرعب في القلوب، والتي أصبح ارتيادها الآن نزهة هينة، وبفضلها يستطيع كل من أراد أن يشرب من مياه الرون ويعب من مجرى نهر العاصي، وبفضلنا صرنا كلنا شعباً واحداً(36).
وأراد مجلس الشيوخ أن يعبر لكلوديوس عن شكره واعترافه بفضله فأقام في سوق تراجان تمثالاً "لأجَلّ الشعراء" الذي جمع بين سلاسة فرجيل، وقوة هومر. وقضى كلوديان بعض الوقت يقرض الشعر في موضوعات تدر عليه المال، ثم وجه مواهبه وجهة أخرى فأنشأ قصيدته "اغتصاب بسبرين Brosperine" وقص فيها القصة القديمة وصور البر والبحر وأسبغ على تلك الصورة من رقيق النغم ما يعيد إلى الذاكرة روايات الحب اليونانية في العصر الذي ظهرت فيه أول مرة. وبلغه في عام 408 أن استلكو قد قتل غيلة، وأن الكثيرين من أصدقاء هذا القائد قد قبض عليهم وأعدموا. واختفى الرجل بعدئذ من ميدان التاريخ فلم نعرف باقي قصته.
وبقيت في روما كما بقيت في الإسكندرية أقليات وثنية كبيرة العدد، وكان فيها حتى نهاية القرن الرابع سبعمائة هيكل وثني(37). ويبدو أن جوفيان وفلنتنيان الأول لم يغلقا الهياكل التي فتحها يوليان؛ فظل القساوسة الرومان حتى عام 394 يجتمعون في مجامعهم المقدسة، وظلت أعياد اللوبركاليا يحتفل بها بكل ما فيها من شعائر نصف همجية، كما ظلت الطريق المقدسة نتردد فيها بين الفينة والفينة أصداء خوار الأثوار التي تساق للضحية.
وكان أعظم الناس إجلالاً بين الوثنيين في روما في أيامها الأخيرة هو فتيوس بريتكستاتوس، زعيم الأقلية الوثنية في مجلس الشيوخ. وكان الناس جميعاً يعترفون بفضائله-باستقامته، وعلمه، ووطنيته، وحياته العائلية اللطيفة. ومن




صفحة رقم : 4183




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


الناس من يقول إنه يماثل كاتو وسنسناتوس Cincinnatus؛ ولكن الزمان يذكر أكثر منه صديقه سيماخوس (345-410)، الذي ترسم رسائله صورة رائعة ساحرة للأرستقراطية التي كانت تظن نفسها مخلدة وهي تحتضر. وحتى أسرته نفسها قد بدت أنها من المخلدين: فقد كان جده قنصلاً في عام 364، وكان هو نفسه حاكماً في عام 384، وقنصلاً في عام 391. وكان ابنته بريتورا، وحفيده قنصلاً في عام 485 بعد وفاة جده، وكان اثنان من أحفاده قنصلين في عام 522. وكان هو ذا ثروة طائلة؛ فقد كانت له ثلاثة قصور ريفية بالقرب من روما، وسبعة أخرى في لاتيوم، وخمسة على خليج نابلي، فضلاً عن قصور أخرى مثلها في أماكن أخرى من إيطاليا؛ وبفضل هذه القصور "كان في وسعه أن يسافر من أقصى شبه الجزيرة إلى أقصاها ثم يأوي إلى منزله في كل مكان يحل به(38)". ولا يذكر لنا التاريخ أن أحداً من الناس كان يحسده على ثروته، لأنه كان ينفق منها بسخاء وينميها بحياة الدرس، والخدمة العامة، والأخلاق الفاضلة، وأعمال البر والإنسانية، التي لا تعرف فيها شماله ما تفعل يمينه. وكان من أصدقائه الأوفياء مسيحيون ووثنيون، وبرابرة رومان. ولعله كان يضع وثنيته قبل وطنيته؛ فقد كان يظن أن الثقافة التي يمثلها ويستمع بها وثيقة الصلة بالدين القديم، وكان يخشى أن يؤدي سقوط أيهما إلى سقوط كليهما. ويعتقد أن المواطن بإخلاصه للشعائر القديمة يحس أنه حلقة في سلسلة مترابطة متصلة أعجب اتصال-تمتد من رميولوس إلى فلنتنيان، وأن هذا الإخلاص يبعث في نفسه حب المدينة وحب الحضارة التي نشأت بفضل الأجيال المتعاقبة خلال ألف عام. وقد استحق كونتس أورليوس سيماخوس بفضل أخلاقه الطيبة أن يختاره مواطنوه ممثلاً لهم في آخر كفاحهم الرائع في سبيل آلهتهم.
وقد استطاع أمبروز أن يجعل الإمبراطور جراتيان مسيحياً متحمساً لدينه، وأغراه تحمسه للدين القديم أن يعلن على الملأ أن العقيدة النيقية فريضة واجبة




صفحة رقم : 4184




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


على جميع الشعوب الخاضعة لحكمنا الرحيم"، وأن إتباع غيرها من العقائد "مفتونون مسلوبو العقول"(39)، وفي عام 382 أمر ألا تؤدي خزانة الإمبراطورية أو خزائن البلديات أية إعانات لإقامة الاحتفالات الوثنية، أو للعذارى الفستية أو الكهنة الوثنيين، ثم صادر الأراضي التي تملكها الهياكل، جماعات الكهنة، وأمر أتباعه بأن يرفعوا من قاعة مجلس الشيوخ في روما تمثال إلهة النصر الذي أقامه فيها أغسطس في عام 29 ق. م، والذي ظل اثنا عشر جيلاً من الشيخ يقسمون بين يديه يمين الولاء للإمبراطور؛ وانتدب مجلس الشيوخ وفدا برياسة سيماخوس يشرح لجراتيان قضية تمثال النصر هذا. ولكن جراتيان أبى أن يستقبل الوفد، وأمر ينفي سيماخوس من روما (382)؛ وفي عام 383 قتل جراتيان وبعث هذا الأمل في مجلس الشيوخ فأرسل وفداً إلى خليفته على العرش؛ وكانت الخطبة التي ألقاها سيماخوس بين يدي فلنتنيان الثاني آية من آيات الدفاع البليغ، وكان مما قاله فيها إنه ليس من الحكمة في شيء أن يقضي هذا القضاء العاجل المفاجئ على شعائر دينية ظلت طوال ألف عام مرتبطة أشد الارتباط باستقرار النظام الاجتماعي وبهيبة الدولة، ثم قال: "ماذا يهمنا، في آخر الأمر، أي طريق يسلكا إنسان ليصل به إلى الحقيقة؟ والحق أن في وسع الناس أن يصلوا إلى معرفة هذا السر العظيم من طريق واحد"(40).
وتأثر فلنتنيان الشاب بهذا القول، ويقول أمبروز إن من كان في المجلس الإمبراطوري من المسيحيين أنفسهم قد أشاروا على الإمبراطور بإعادة تمثال النصر إلى مكانه، ولكن أمبروز، وكان في ذلك الوقت غائباً في بعثة دبلوماسية الدولة، تغلب على المجلس برسالة قوية مليئة بالكبرياء والغطرسة أسلها إلى الإمبراطور. وعدد فيها حجج سيماخوس حجة بعد حجة، ثم دحضها كلها بما وهب من قوة وبلاغة. وقد حوت هذه الرسالة ما يعد في الواقع تهديداً




صفحة رقم : 4185




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> ما كان يحدث في إيطاليا


للإمبراطور بإخراجه من حظيرة الدين إذا أجاب الوفد إلى طلبه، "وقد يكون في وسعك أن تدخل الكنيسة ولكنك لن تجد فيها قساً يستقبلك، أو أنك قد نجدهم فيها ليحرموا عليك دخولها"(41). وكان من أثر ذلك أن رفض فلنتنيان طلب مجلس الشيوخ.
وبذل الوثنيون في إيطاليا مجهوداً آخر في عام 393، فأعلنوا الثورة وخاطروا في سبيل غايتهم بكل شيء. وكان ثيودوسيوس قد أبى أن يعترف بالإمبراطور يوجنيوس نصف الوثني، فرأى هذا الإمبراطور أن يستعين بوثني الغرب في دفاعه عن نفسه، فأعاد تمثال النصر إلى مكانه. وتباهى بقوله إنه حين تم له النصر على ثيودوسيوس سيربط خيله في الكنائس المسيحية. وسار نقوماكس خوس فلافيانوس Nicomachus زوج ابنة سيماخوس، على رأس جيش ليساعد به يوجنيوس، فقاسمه الهزيمة وانتحر. وزحف ثيودوسيوس على روما، وأرغم مجلس الشيوخ على أن يعلن إلغاء الوثنية بجميع أشكالها (394). ولما نهب ألريك روما حسب الوثنيون أن ما أصاب هذه المدينة التي كانت من قبل سيدة العالم من إذلال كان نتيجة غضب الآلهة الذين تخلت عنهم. وفككت حرب الأديان هذه وحدة الشعب. وحطمت قواه المعنوية، ولما أن وصل إليهم سيل الغزو الجارف لم يجدوا وسيلة يواجهونه بها إلا تبادل اللعنات والصلوات المتنافرة.




صفحة رقم : 4186




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> تيار البرابرة الجارف



الفصل الرابع




تيار البرابرة الجارف


عقب أولمبيوس على الأمر القاضي بقتل استلكو بأمر آخر يقضي بقتل آلاف من أتباعه ومنهم رؤساء فيالقه البربرية. وكان ألريك يتحين الفرصة السانحة له وراء جبال الألب، فوجد في هذا فرصته السانحة ولم يدعها تفلت من يده؛ فقال إن الربعة الآلاف من الأرطال الذهبية التي وعد الرومان بأدائها إليه لم تصله بعد، وقال إنه في نظير هذا المال يرضى أن يقدم أنبل الشباب القوطي ضماناً لولاته في مستقبل الأيام. فلما رفض هونوريوس طلبه اجتازا جبال اللب ونهب أكويليا وكرمونا، وضم إليه ثلاثين ألفاً من الجنود المرتزقة الذين أغضبهم قتل زعمائهم، وزحف بطريق فلامنيوس حتى وصل إلى أسوار روما (408). ولم يلق في هذا الزحف مقاومة اللهم إلا من راهب واحد قال له إنه قاطع طريق، فرد عليه إلريك بجواب حيره إذ قال له إن الله نفسه قد أمره بهذا الغزو. وارتاع مجلس الشيوخ كما ارتاع في أيام هنيبال، ودفعه الروع إلى ارتكاب أعمال وحشية. فقد ظن أن أرملة استلكو كانت تساعد ألريك فأمر بقتلها؛ ورد ألريك على هذا بقطع كل الطرق التي يمكن أن يصل منها الطعام إلى العاصمة، وسرعان ما أخذ الناس يموتون فيها من الجوع، وشرع الرجال يقتل بعضهم بعضاً، والنساء يقتلن أبنائهن ليتخذنهم طعاماً. وسار وفد من أهل المدينة إلى ألريك ليسأله عن شروط الصلح، وهددوه بأن ألف ألف من الرومان على استعداد لمقاومته، فتبسم ضاحكاً من قولهم وأجابهم "كلما ازداد سمك القش كان حصده أيسر". ثم رق قلبه فرضى أن ينسحب إذا أعطى كل ما في المدينة من ذهب وفضة، وكل ما تحتويه من ثروة منقولة قيمة. ولما سأله المبعوثون: "وأي شيء بعد هذا يبقى لنا؟"




صفحة رقم : 4187




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> تيار البرابرة الجارف


أجابهم في ازدراء: "حياتكم". وآثرت روما أن تمضي في المقاومة؛ ولكن الجوع اضطرها أن تطلب شروطاً جديدة للاستسلام؛ فقبل ألريك منها 5000 رطل من الذهب وثلاثين ألف رطل من الفضة، وأربعة آلاف قباء من الحرير، وثلاثة آلاف من جلود الحيوان، وثلاثة آلاف رطل من الفلفل.
وفي هذا الوقت عينه فر عدد لا يحصى من البرابرة الأرقاء من أسيادهم الرومان وانضموا تحت لواء ألريك. وكأن الأقدار شاءت أن تعوض الرومان عن هذه الخسارة، ففر من جيش ألريك قائد قوطي يدعى ساروس Sarus وانضم إلى هونوريوس، وأخذ معه قوة كبيرة من القوط، وهاجم بها جيش البرابرة الرئيسي. وعد ألريك هذا العمل نقضاً للهدنة التي وقعها الطرفان، فعاد إلى حضار روما. وفتح أحد الأرقاء أبواب المدينة للمحاصرين؛ وتدفق منه القوط، واستولى العدو على المدينة الكبرى لأول مرة في ثمانمائة عام (410). ولبثت ثلاثة أيام مسرحاً للسلب والنهب بلا تمييز بين أماكنها أو أهلها اللهم إلا كنيستي القديسين بطرس وبولس فلم يمسسهما أحد بسوء، وكذلك نجا اللاجئون الذين احتموا فيهما. غير أنه لم يكن من المستطاع السيطرة على من كان في الجيش البالغ عدده أربعين ألف مقاتل من الهون والأرقاء. فذبح مئات من أغنياء المدينة، واغتصبت نساؤهم ثم قتلن، وبلغ من كثرة القتلى أن لم يعد من المستطاع دفن الجثث التي امتلأت بها الشوارع. ووقع في أيدي الغزاة آلاف من الأسرى بينهم أخت لهونوريوس غير شقيقة تدعى جلا بلاسيديا Galla Placidia. وأخذ الفاتحون كل ما وقع في أيديهم من الذهب والفضة؛ وصهرت التحف الفنية للاستيلاء على ما فيها من معادن نفيسة، وحطم العبيد السابقون روائع فني النحت والخزف وهم فرحون مغتبطون انتقاماً منهم لما كانوا يعانونه من فقر وكدح، هما اللذان أثمرا هذا الجمال وهذه الثروة. ثم أعاد ألريك النظام وزحف بجيشه جنوباً ليفتح صقلية؛ ولكنه أصيب بالحمى في هذه السنة عينها ومات بها في كوسنزا Cosenza. وحول الأرقاء




صفحة رقم : 4188




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> تيار البرابرة الجارف


مجرى نهر بوسنتو Busento ليفسحوا مكاناً آمناً رحباً ينشئون فيه قبره، ثم أعيد النهر إلى مجراه الأصلي، وقتل العبيد الذين بهذه الأعمال مبالغة في إخفاء المكان الذي دفن فيه.
واختير أتلف Atilf (أدلف Adolf) صهر ألريك ليخلفه في ملكه ورضى الملك الجديد أن يسحب جيشه من إيطاليا إذا تزوج بلاسيديا Placidia، وأعطى القوط بوصفهم أحلاف روما المتعاهدين معها غالة الجنوبية بما فيه نربونة Narbonne وطُلوشة (طولوز)، وبردو، ولتكون مملكة لهم يحكمونها مستقلة استقلالاً ذاتياً. ورفض هونوريوس الشرط الخاص بالزواج، لكن بلاسيديا قبلته، وأعلن الزعيم القوطي أنه لا يبغي تدمير الإمبراطورية، بل يريد المحافظة عليها وتقويتها، وسحب جيشه من إيطاليا، وأنشأ مملكة للقوط الغربيين في غالة مستعيناً على إنشائها بمزيج من الدهاء السياسي والقوة الحربية. وكانت هذه المملكة من الوجهة النظرية خاضعة للإمبراطورية، وتخذ طلوشة عاصمة لها (414). وقتل الزعيم القوطي بعد سنة واحدة، واعتزمت بلاسيديا من فرط حبها له أن تعيش من بعده أرملة طول حياتها ولكن هونوريوس وهبها للقائد قنسطنطيوس. ولما مات قنسطنطيوس (421) وهونوريوس (423) أصبحت بلاسيديا وصية على ابنها فلنتنيان الثالث، وحكمت الإمبراطورية الغربية ثلاثين عاماً حكماً يشرف بنات جنسها.
وكان الوندال حتى في أيام ناستون، أمة قوية كثيرة العدد تمتلك الأجزاء الوسطى والشرقية من روسيا الحالية. وكانوا قبيل حكم قسطنطين قد زحفوا جنوباً إلى بلاد المجر، ولما بدد القوط الغربيون شملهم في إحدى الوقائع الحربية، طلب الباقون منهم أن يؤذن لهم بعبور الدانوب ودخول الإمبراطورية الرومانية. ووافق قسطنطين على طلبهم هذا، وظلوا سبعين عاماً يتكاثرون ويتضاعف عددهم في




صفحة رقم : 4189




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> تيار البرابرة الجارف


بنونيا Pannonia. وأثارت انتصارات ألريك حميتهم؛ ولما سحبت الدولة فيالقها من وراء جبال الألب لتدافع بها عن إيطاليا، تفتحت لهم أبواب الغرب واستهوتهم بثروته، حتى إذا كان عام 406 زحفت جموع كبيرة من الوندال، والألاني، والسيوفي وعبرت نهر الرين وعاثت فساداً في بلاد غالة، ونهبوا مينز Manz وذبحوا كثيراُ من أهلها، ثم تحركوا شمالاً إلى بلجيكا، ونهبوا مدينة تيير Tier العظيمة وأحرقوها. ثم أقاموا الجسور على نهري الموز Meause والآين Aisne ونهبوا ريمس Reims، وأمين Amiens، وأراس Arras، وتورناي Tournai، وواصلوا الزحف حتى كادوا يبلغون بحر المانش. ثم اتجهوا نحو الجنوب وعبروا نهري السين Scine واللوار Loire ودخلوا أكوتانيا Aquitaine وصبوا غضبهم الوحشي على جميع مدنها تقريباً ما عدا طلوسة، التي دافع عنها إكسبريوس Exuperius دفاع الأبطال. ووقفوا عند جبال البرنس، ثم ولوا وجههم نحو الشرق ونهبوا نربونة، وشهدت غالة من التخريب والتدمير الكامل ما لم تشهد له مثيل من قبل.
وفي عام 409 دخلوا أسبانيا وكان عددهم وقتئذ نحو مائة ألف. وكان الحكم الروماني في تلك البلاد قد أثقل كاهل أهلها بالضرائب، وأدخل فيها إدارة منظمة، وجمع الثروة في ضياع واسعة، وجعل الكثرة الغالبة من سكانها عبيداً، أو رقيق الأرض، أو أحراراً يعانون ويلات الفقر المدقع. ولكن أسبانيا كانت بفضل ما فيها من استقرار وسلطان للقوانين أعظم ولايات الإمبراطورية رخاء، وكانت مريدة، وقرطاجنة، وقرطبة، وأشبيلية، وطركونه Tarragona من أغنى مدائن الإمبراطورية وأعظمها ثقافة. وانقض الوندال والسيوفي والألاني على هذه الشبه الجزيرة التي كانت تبدو آمنة حصينة، وأعملوا فيها السلب والنهب عامين كاملين حتى لم ينجح فيها مكان من جبال البرنس إلى جبل طارق، بل إن فتوحهم امتدت إلى سواحل إفريقية الشمالية. وأدرك هونوريوس أنه عاجز عن حماية




صفحة رقم : 4190




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> تيار البرابرة الجارف


الأراضي الرومانية بالجيوش الرومانية، فأغرى القوط الغربيين بالمال الوفير ليردوا إليه أسبانيا. وقام ملكهم القدير واليا Wallia بهذا العمل بعد عدة وقائع حربية أحكم خططها (420)، فارتد السويفي إلى شمالي أسبانيا، كما ارتد الوندال إلى إقليم الأندلس (Andalusia) الذي لا يزال يسمى باسمهم حتى اليوم، وأعاد ولاية أسبانيا إلى حوزة الإمبراطورية، وكشف بذلك عما في أخلاق ساسة الرومان من غدر ونكث بالعهود.
وكان الوندال لا يزالون يتوقون إلى الفتح والخبز، فعبروا البحر إلى أفريقية (429). وإذا جاز لنا أن نصدق بروكبيوس Procopius(43)، وجردانيس Jordanes قلنا إنهم جاءوا إليها بدعوة من بنيفاس Boniface حاكم أفريقية الروماني ليستعين بهم على منافسه إيتيوس Eetius الذي خلف استلكو، لكن هذه القصة لا تعتمد على مصدر موثوق به. ومهما يكن من أمرها فإن ملك الوندال كان قادراً على خلق هذه الخطة. وكان جيرسيك ملك الوندال ابناً غير شرعي لعبد رقيق، وكان أعرج لكنه قوي الجسم، متقشفاً زاهداً، لا يهاب الردى في القتال، يلتهب غيظاً إذا غضب، ويقسو أشد القسوة على عدوه ولكنه عبقري لا يغلب في شؤون الحرب والمفاوضة. ولما نزل غلى أفريقية انضم إلى من كان معه من الوندال، والآلاني، من جند، ونساء، وأطفال المغاربة الأفريقيين الذي ظلوا عهوداً طوالاً حانقين على الحكم الروماني، كما انضم إليهم الدناتيون Donatist المارقون الذين كانوا يقاسون أشد أنواع الاضطهاد من المسيحيين أتباع الدين القويم. ورحب هؤلاء وأولئك بالغزاة الفاتحين وبالحكم الجديد. ولم يستطع بينفاس أن يحشد من سكان شمالي أفريقية الروماني البالغ عددهم ثمانية ملايين إلا عدداً ضئيلاً يساعد جيشه الروماني. ولما هزمته جحافل جيسريك هزيمة منكرة تقهقر إلى هبو Hippo حيث أثار القديس أوغسطين الطاعن في السن حمية السكان فهبوا يدافعون عن بلدهم دفاع الأبطال، وقاست المدينة أهوال الحصار أربعة عشر




صفحة رقم : 4191




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> تيار البرابرة الجارف


شهراً كاملة (430-431)، انسحب بعدها جيسريك ليلقي جيشاً رومانياً آخر، وأوقع به هزيمة منكرة اضطر على أثرها سفير فلنتنيان إلى أن يوقع شروط هدنة يعترف فيها باستيلاء الوندال على فتوحهم في أفريقية. وحافظ جيسريك على شروط الهدنة حتى غافل الرومان وانقض على قرطاجنة الغنية واستولى عليها دون أن يلقي أية مقاومة (439). وجرد أشراف المدينة وقساوستها من أملاكهم ونفاهم أو جعلهم أقنان أرض. ثم استولى على كل ما وجده من متاع سواء منه ما كان لرجال الدين أو لغيرهم من الأهلين، ولم يتردد في الالتجاء إلى التعذيب للوقوف على مخابئه.
وكان جيسريك لا يزال وقتئذ في شرخ الشباب، وكان إدارياً قديراً أعاد تنظيم أفريقية وجعل منها دولة ذات ثراء عليه المال الوفير، ولكن أسعد أوقاته كان هو الوقت الذي يشتبك فيه في القتال. وقد أنشأ له أسطولاً ضخماً، نهب به سواحل أسبانيا، وإيطاليا، وبلاد اليونان. وكان يفاجئ تلك البلاد حتى لم يكن أحد يدري أي الشواطئ سترسو فيها سفنه المثقلة بالفرسان، ولم تنتشر القرصنة في غرب البحر المتوسط طوال أيام الحكم الروماني دون أن تلقى مقاومة كما انتشرت في تلك الأيام. واضطر الإمبراطور في آخر الأمر أن يعقد الصلح مع ملك البرابرة ليحصل بذلك على القمح الذي تطعم منه رافنا وروما، ولم يكتف بذلك بل وعده أن يزوجه إحدى بناته. وكانت روما في هذه الأثناء لا تزال تضحك وتلعب لاهية عما سيحل بها بعد قليل من دمار.
وكانت ثلاثة أرباع قرن انقضت مذ دفع الهون أمامهم البرابرة الغزاة بعبورهم نهر الفلجا. ثم تباطأ بعد ذلك زحف الهون نحو الغرب فكان هجرة على مهل، وكان أشبه بانتشار المستعمرين في القارة الأمريكية منه بفتوح ألريك وجيسريك. وما لبثوا أن استقروا بعدئذ شيئاً فشيئاً في داخل بلاد المجر، وبالقرب منها، وأخضعوا لحكمهم كثيراً من القبائل الألمانية.




صفحة رقم : 4192




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> تيار البرابرة الجارف


ومات روا Rua ملك الهون حوالي عام 433 وأورث عرشه بليدا Baleda وأتلا Atilla ابني أخيه. ثم قتل بليدا- بيد أتلا كما يقول بعضهم- حوالي عام 444، وتولى أتلا (ومعنى اللفظ باللغة القوطية الأب الصغير) حكم القبائل المختلفة الضاربة شمال نهر الدانوب من الدن إلى الرين. ويصفه جردانس المؤرخ القوطي وصفاً لا نعرف مقدار ما فيه من الدقة فيقول:
هو رجل ولد في هذا العالم ليزلزل أقدام الأمم، هو سوط عذاب سلط على الأرض، روع سكان العالم أجمع بما انتشر حوله من الشائعات في خارج البلاد، وكان جباراً متغطرساً في قوله، يقلب عينيه ذات اليمين وذات الشمال، يظهر في حركات جسمه ما تنطوي عليه نفسه من قوة وكبرياء. وكان في الحق أخاً غمرات محباً للقتال، ولكنه يتمهل فيما يقدم عليه من أعمال، وكان عظيماً فيما يسدي من نصح، غفوراً لمن يرجو منه الرحمة، رؤوفاً بمن يضع نفسه تحت حمايته. وكان قصير القامة، عريض الصدر، كبير الرأس، صغير العينين، رقيق شعر اللحية قد وخطه الشيب. وكان أفطس الأنف، أدكن اللون، تنم ملامحه على أصله(46).
وكان يختلف عن غيره من البرابرة في أنه يعتمد على الختل أكثر من اعتماده على القوة. وكان يحكم شعبه باستخدامه خرافاته لتقديس ذاته العليا، وكان يمهد لانتصاراته بما يذيعه من القصص المبالغ فيها عن قسوته، ولعله هو الذي كان ينشئ هذه القصص إنشاء، حتى لقد سماه أعداؤه المسيحيون آخر الأمر "بسوط الله"، وارتاعوا من ختله ارتياعاً لم ينجهم من إلا القوط. وكان أمياً لا يستطيع القراءة أو الكتابة، ولكن هذا لم ينقص من ذكائه الفطري. ولم تكن أخلاقه كأخلاق المتوحشين، فقد كان ذا شرف، وكان عادلاً، وكثيراً ما أظهر أنه أعظم كرماً وشهامة من الرومان. وكان بسيطاً في ملبسه ومعيشته، معتدلاً في مأكله ومشربه، يترك الترف لمن هم دونه ممن يحبون التظاهر بما عندهم من آنية فضية وذهبية، وسروج، وسيوف وأثواب مزركشة تشهد بمهارة أصابع أزواجهم،




صفحة رقم : 4193




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> تيار البرابرة الجارف


وكان لأتلا عدد كبير من أولئك الأزواج ولكنه كان يحتقر ذلك الخليط من وحدة الزواج والدعارة الذي كان منتشراً عند بعض الطوائف في رافنا وروما. وكان قصره بيتاً خشبياً ضخماً أرضه وجدرانه من الخشب المسوى بالمسحج، ولكنه يزدان بالخشب الجميل الصقل والنحت، فرشت فيه الطنافس والجلود ليتقي بها البرد، وكانت عاصمة ملكه قرية كبيرة أغلب الظن أنها كانت في مكان بودا Buda الحالية؛ وقد ظل بعض المجريين حتى هذا القرن يطلقون على هذه المدينة إتزلنبرج Etzelnburg أي مدينة أتلا.
وكان في الوقت الذي نتحدث فيه عنه (444) أقوى رجل في أوربا، وكان ثيودوسيوس الثاني إمبراطور الدولة الشرقية، وفلنتنيان إمبراطور الغرب يعطيانه الجزية يشتريان بها السلام، ويتظاهرون أمام شعوبهما بأنها ثمن لخدمات يؤديها أحد أقيالها. ولم يكن أتلا، وهو قادر على أن ينزل إلى الميدان جيشاً خمسمائة ألف مقاتل، يرى ما يحول بينه وبين السيادة على أوربا كلها وبلاد الشرق بأجمعها. ففي عام 441 عبر قواده وجنوده نهر الدانوب، واستولوا على سرميوم Sirmium، وسنجديونوم Singidiunum (بلغراد) ونيسوس Naissus (نيش) وسرديكا Sardica (صوفيا)، وهددوا القسطنطينية نفسها. وأرسل ثيودوسيوس الثاني جيشاً لملاقاتهم، ولكنه هزم، ولم تجد الإمبراطورية الشرقية بداً من أن تشتري السلم برفع الجزية السنوية من سبعمائة رطل من الذهب إلى ألفي رطل ومائة. وفي عام 447 دخل الهون تراقية، وتساليا، وسكوذيا، (جنوبي روسيا) ونهبوا سبعين مدينة وساقوا آلافاً من أهلها أرقاء. وأضيفت السبايا إلى أزواج المنتصرين، ونشأ من ذلك جيل اختلطت فيه دماء الفاتحين والمغلوبين ترك آثاراً من الملامح المغولية في الأقاليم الممتدة من الشرق حتى بافاريا Bavaria، وخرجت غارات الهون بلاد البلقان تخريباً دام أربعة قرون، وأتى على نهر الدانوب




صفحة رقم : 4194




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> تيار البرابرة الجارف


حين من الدهر لم يعد فيه كما كان طريق التجارة الرئيسي بين الشرق والغرب، واضمحلت لهذا السبب المدن القائمة على شاطئيه.
ولما أن استنزفت أتلا دماء الشرق بالقدر الذي ارتضاه ولى وجهه نحو الغرب وتذرع لغزوه بحجة غير عادلة. وخلاصة تلك الحجة أن هونوريا Honoria أخت فلنتنيان الثالث كانت قد نفيت إن القسطنطينية بعد أن اعتدى على عفافها أحد رجال التشريفات في قصرها. وتلمست هونوريا أية وسيلة للخلاص من النفي فلم تر أمامها إلا أن تبعث بخاتمها إلى أتلا وتستجيره ليساعدها في محنتها، واختار الملك الداهية، الذي كانت له أساليبه الخاصة في الفكاهة، أن يفسر إرسال الخاتم بأنه عرض منها للزواج بها، فطالب من فوره بهونوريا وبنصف الإمبراطورية الغربية بائنة لها، ولما احتج وزراء فلنتنيان على الطلب أعلن أتلا الحرب. هذا هو السبب الظاهري، أما السبب الحقيقي فهو ان مرسيان Marcian الإمبراطور الجديد في الشرق أبى أن يستمر على أداء الجزية وان فلنتنيان قد حذا حذوه.
وفي عام 450 زحف أتلا ومعه نصف مليون رجل على نهر الرين، ونهبوا تريير ومتز Metz وأحرقوها وقتلوا أهلها. فقذف ذلك الرعب في قلوب غالة كلها فقد علموا أن الغزاة ليس على رأسهم جندي متمدين كقيصر، أو مسيحي -ولو كان من أتباع أريوس- مثل ألريك أو جيسريك، بل كان الزاحف عليهم هو الهوني الرهيب، سقوط الله المبعوث لعذاب المسيحيين والوثنيين على السواء لما هنالك من فرق شاسع بين أقوالهم وأعمالهم. وجاء ثيودريك الأول Theadoric I ملك القوط المعمر لينقذ الإمبراطورية من محنتها وانضم إلى الرومان بقيادة إيتيوس، والتقت الجيوش الضخمة في حقول قطلونيا Catalaunia بالقرب من ترويس، ودارت بينها معركة من أشد معارك التاريخ هولاً، جرت




صفحة رقم : 4195




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> تيار البرابرة الجارف


فيها الدماء انهاراً، حتى ليقال إن 162.000 رجل قد قتلوا فيها من بينهم ملك القوط البطل المغوار؛ وانتصر الغرب في هذه المعركة نصراً غير حاسم، فقد تقهقر أتلا بانتظام، وأنهكت الحرب الظافرين، أو لعلهم كانوا منقسمين على أنفسهم في خططهم، فلم يتعقبوا أتلا وجنوده ولهذا غزا إيطاليا في العام التالي.
وكانت أول مدينة استولى عليها في زحفه هي أكويليا Aquileia، وقد دمرها تدميراً قضى عليها قضاء لم تقم لها بعده قائمة حتى اليوم، أما فرونا Verona وفبسنزا Vicenza فقد عوملنا بشيء من اللين والرحمة واشترت بافيا وميلان نفسيهما من الغزاة بتسليم كل ما فيهما من ثروة منقولة. وبعد هذا فتحت الطريق إلى روما أمام أتلا؛ وكان جيش إيتيوس قليل العدد لا يقوى على أية مقاومة جدية، ولكن أتلا تباطأ عند نهر البو، وفر فلنتنيان الثالث إلى روما، ثم أرسل إلى ملك الهون وفداً مؤلفاً من البابا ليو الأول واثنين من أعضاء مجلس الشيوخ. وما من أحد يعلم ما جرى حين اجتمع هذا الوفد بأتلا. وكان ليو رجلاً مهيب الطلعة، يعزو إليه المؤرخون معظم ما أحرزه الوفد من نصر لم ترق فيه دماء. وكل ما يذكره التاريخ عن هذا النصر أن أتلا قد ارتد لأن الطاعون فشا بين جنوده، ولأن مئونتهم كانت آخذة في النفاد، ولأن مرسيان كان المدد من الشرق (452).
وقاد أتلا جحافله فوق جبال الألب وعاد بها إلى عاصمته في بلاد المجر، متوعداً إيطاليا بالعودة إليها في الربيع التالي إذا لم ترسل إليه هونوريا، ليتخذها زوجة له. وقد استعاض عنها في هذه الأثناء بشابة تدعى إلديكو Ildico ضمها إلى نسائه. وكانت هذه الفتاة هي الأساس التاريخي الواهي لقصة Krienhild المسماة نِبل أنجليد Nibelungenlied. واحتفل بزفافها له احتفالاً أثقلت فيها الموائد بالطعام والشراب. ولما أصبح الصباح وجد أتلا ميتاً في فراشه إلى جانب زوجته




صفحة رقم : 4196




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> تيار البرابرة الجارف


الشابة، وكان سبب موته انفجار أحد الأوعية الدموية، فكتم الدم الذي تدفق منه نفسه وقضى عليه (453)(47). وقسمت مملكته بين أولاده، ولكنهم عجزوا عن المحافظة عليها، فقد دبت الغيرة بينهم ورفضت القبائل التي كانت خاضعة لأبيهم أن تظل على ولائها لهؤلاء الزعماء المتنازعين، ولم تمض إلا بضع سنين حتى تقطعت أوصال الإمبراطورية التي كانت تهدد بإخضاع اليونان والرومان والألمان والغاليين لحكمها، وتطبع وجه أوربا وروحها بطابع آسية، ومحيت اليونان من الوجود.




صفحة رقم : 4197




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> سقوط رومة



الفصل الخامس




سقوط روما


توفيت بلاسيديا في عام 450، وانفرد فلنتنيان بالملك يخبط فيه خبط عشواء، وكان من اوخم أخطائه عاقبة أن استمع إلى نصيحة بترونيوس مكسموس فقتل إيتيوس الذي وقف زحف أتلا عند ترويس كما استمع هونوريوس إلى أولمبيوس فقتل استلكو الذي وقف زحف ألريك عند يولتثيا. ولم يكن لفلنتنيان ولد ذكر ولم يرتح إلى رغبة إيتيوس في أن يزوج ابنه بودوشيا Budocia ابنة فلنتنيان. وانتابت الإمبراطور نوبة جنونية من الغضب فأرسل في طلب إيتيوس، وذبحه بيده (454). وقال له رجل من رجال الحاشية: "مولاي، لقد قطعت يمينك بشمالك" ولم تمض على هذا العمل بضعة أشهر حتى استطاع بترونيوس أن يغري رجلين من أتباع إيتيوس بقتل فلنتنيان، ولم يهتم أحد بتعقب القاتلين لأن القتل كان قد اصبح من عهد بعيد البديل الوحيد للانتخاب. واختار بترونيوس نفسه للجلوس على العرش، وأرغم يودكسيا Eudsxia أرملة فلنتنيان على ان تتزوجه؛ كما أرغم بودوشيا على أن تتزوج ابنه بلاديوس. وإذا جاز لنا أن نصدق أقوال بروكبيوس(48)، فإن يودكسيا استعانت بجيسريك، كما استغاثت هونوريا قبل ذلك بأتلا. وكان لدى جيسريك من الأسباب ما يجعله يلبي هذه الاستغاثة: فقد أصبحت روما غنية مرة أخرى على الرغم من انتهاب ألريك لها، ولم يكن الجيش الروماني بالجيش القوي الذي يستطيع الدفاع عن إيطاليا. وأبحر ملك الوندال بأسطول قوي لا يغلب (455)، ولم يقف أحد بينه وبين أستيا Ostia وروما إلا بابا أعزل ومعه بعض قساوسة روما. ولم يقو البابا ليو في هذه المرة على




صفحة رقم : 4198




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> سقوط رومة


إقناع الفاتح بالارتداد عن روما، وكل ما استطاع أن يحصل عليه منه هو وعده بأن يمتنع عن ذبح السكان وتعذيبهم وإحراق المدينة. وأسلمت المدينة أربعة أيام كاملة للجند ينهبون فيها ويسلبون؛ ونجت الكنائس المسيحية، ولكن كل ما كان باقياً في المعابد من كنوز نقل إلى سفن الوندال، وكان من بين هذه الغنائم المناضد الذهبية، والماثلات ذات الشعب السبع، وغيرها من الآنية المقدسة التي جاء بها تيتوس Titus من هيكل سليمان إلى روما منذ أربعة قرون. ونهب كذلك كل ما كان في القصر الإمبراطوري من المعادن الثمينة، والحلي، والأثاث وكل ما كان باقياً في بيوت الأغنياء من أشياء ذات قيمة واتخذ آلافاً من الأسرى عبيداً، وفرق بين الأزواج وزوجاتهم، وبين الأبناء وآبائهم، وأخذ جيسريك الإمبراطورة يودكسيا وابنيهما معه إلى قرطاجنة؛ وزوج يودوسيا ابنه هونريك Huneric؛ وأرسل الإمبراطورة وبلاسيديا (صغرى ابنتيهما) إلى القسطنطينية استجابة لطلب الإمبراطور ليو الأول. ولم يكن انتهاب روما على هذا النحو في واقع الأمر تخريباً لا يراعي فيه عرف أو قانون، بل كان يتفق مع الشرائع القديمة للحروب. لقد ثأرت قرطاجنة لنفسها من قسوة روما عليها في عام 146 وكانت في انتقامها هذا رقيقة رحيمة.
وضربت الفوضى وقتئذ أطنابها في إيطاليا. ذلك أن خمسين عاماً من الغزو والقحط والوباء قد تركت آلاف الضياع مخربة، وآلاف الأفدنة بوراً؛ ولم يكن هذا لأن تربتها أنهكت من الاستغلال، بل لأن هذا الأراضي أعوزها الرجال؛ وأخذ القديس أمبروز (حوالي عام 420) يرثي لخراب بولونيا Bologna ومودينا Modena، وبياسنزا Piacenza ونقص عامرها، ووصف البابا جلاسيوس Gelassius (حوالي 480) أقاليم واسعة في شمالي إيطاليا بأنها تكاد تكون مقفرة من الآدميين.
ونقص سكان روما نفسها من مليون ونصف إلى ثلاثمائة ألف في قرن




صفحة رقم : 4199




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> سقوط رومة


واحد(49)؛ واختص الشرق وقتئذ دون غيره بجميع المدائن الكبرى في الإمبراطورية. وهجر الناس الكمبانيا Campagna المحيطة بروما والتي كانت من قبل ملآى بالضياع الخصبة والقصور الصغيرة ولجأوا إلى المدن المسورة ليحتموا فيها من غارات العداء؛ وانكمشت المدن نفسها فلم تعد تزيد مساحة أرضها على أربعين فداناً أو نحوها كي تكفي موارد أهلها تسويرها وحمايتها من العداء؛ وكثيراً ما كانت السوار يبنى على عجل من أنقاض دور التمثيل والباسلقات والهياكل التي كانت من قبل بهجة المدن الإيطالية وسبب رونقها. على أن روما قد بقي فيها قليل من الثروة حتى بعد جيسريك، وانتعشت هي وغيرها من المدن الإيطالية فيما بعد تحت حكم ثيودريك واللمباردين: ولكن الفقر العام الذي حل في عام 470 بالحقول والمدن، وبأعضاء مجلس الشيوخ والعامة على السواء، سحق أرواح الشعب الذي كان من قبل عظيماً وأذل نفسه، فملك عليه اليأس والاستسلام قلبه، وتشكك في الآلهة كلهم عدا بريابوس Priapus واستولى عليه وجل كوجل الأطفال جعله يهاب تبعات الحياة، وجُبْنٌ غاضب ثائر يندد بكل استسلام ويفر من جميع الواجبات الحربية، وكان يصحب هذا الانحطاط الاقتصادي والحيوي عفن ينخر سوسه في جميع طبقات الشعب، في أرستقراطية في وسعها أن تخدم لكنها عاجزة عن أن تحكم، وفي رجال الأعمال المنهمكين في مكاسبهم الشخصية انهماكاً يحول بينهم وبين العمل لإنقاذ شبه الجزيرة، وفي قواد ينالون بالرشوة أكثر مما يستطيعون نيله بقوة السلاح، وبيروقراطية متشعبة متخمة خربت رواتبها خزائن الدولة، وفسدت فساداً مستعصياً على العلاج وقصارى القول أن جذع هذه الشجرة العظيمة قد تعفن، وآن لها أن تسقط.
وتوالت على عرش الإمبراطورية في السنين الخيرة من حياتها طائفة من




صفحة رقم : 4200




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> سقوط رومة


الأباطرة ليس فيهم من هو فوق المتوسط. فقد أعلن القوط في غالة قائداً لهم يدعى أفتوس Avitus إمبراطوراً (455)، ولكن مجلس الشيوخ أبى أن يقره، فاستحال أسقفاً؛ ولم يدخر ماجوريان Magorian (456-461) جهداً في إعادة النظام، ولكن رئيس وزرائه رسمر Ricimer القوطي الغربي أنزله عن العرش. وكان سفيروس (461-466) آلة صماء في يد رسمر يفعل ما يشاء، وكان أنثيميوس Antheimus (467-472) فيلسوفاً نصف وثني لا يرضى بالغرب؛ فما كان من رسمر إلا أن ضرب عليه الحصار وقبض عليه وأمر بقتله وحكم أوليبريوس Olybrius برعاية رسمر شهرين (472)؛ ثم مات ميتة غريبة في ذلك الوقت إذ كانت ميتة طبيعية. وسرعان ما خلع جليسريوس (473)، وظلت روما عامين يحكمها يوليوس نيبوس Julius Nepos. وبينا كانت هذه الأحداث جارية في إيطاليا، انقض عليها خليط آخر من البرابرة -الهرولي Heruli، والإسكيري Sciri، والروجي Rug( وغيرهم من القبائل التي كانت من قبل تعترف بحكم أتلا. وقدم في الوقت نفسه بنونيائيٌّ Pnnonian يدعى أرستيز Orestes فخلع نيبوس، وأجلس ابنه رميولوس (الملقب أوغسطولس استهزاء به) على العرش (475). وطلب الغزاة الجدد إلى أن يعطيهم ثلث إيطاليا، فلما أبى ذبحوه وأجلسوا قائدهم أدوسر Odoacer على العرش بدل رميولوس (476)، ولم يكن هذا القائد -وهو ابن إدكون وزير أتلا- مجرداً من الكفايات. وقد بدأ بأن جمع مجلس الشيوخ المرتاع، وعن طريقه عرض على زينون Zeno الإمبراطور الجديد في الشرق أن تكون له سيادة على جميع الإمبراطورية على شرط أن يحكم أدوسر إيطاليا بوصفه وزيراً له، ورضى زينون بهذا العرض وانتهت بذلك سلسلة الأباطرة الغربيين.
ويبدو أن أحداً من الناس لم ير في هذا الحادث "سقوطاً لروما" بل بدا لهم على عكس هذا أنه توحيد مبارك للإمبراطورية وعودتها إلى ما كانت عليه




صفحة رقم : 4201




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> سقوط رومة


في عهد قسطنطين. وقد نظر مجلس الشيوخ في روما إلى المسألة هذه النظرة، وأقام في روما تمثالاً لزينون، ذلك أن اصطباغ الجيش، والحكومة، والزراع، في إيطاليا بالصبغ الألمانية قد ظل يجري زمناً بلغ من طوله أن بدت معه النتائج السياسية تحولاً عديم الشأن على سطح الحياة القومية.
أما الحقيقة التي لا نزاع فيها فهي أن أدوسر كان يحكم إيطاليا بوصفه ملكاً عليها دون أن يعبأ بزينون. ذلك أن الألمان قد فتحوا في واقع الأمر إيطاليا، كما فتح جيسريك أفريقية، وكما فتح القوط الغربيون أسبانيا، وكما كان الإنجليز والسكسون يفتحون بريطانيا: والفرنجة يفتحون غالة، ولم يعد للإمبراطورية العظمى في الغرب وجوب.
وترتب على فتوح البرابرة هذه نتائج لا حصر لها، لقد كان معناها من الناحية الاقتصادية تحول الحياة من المدن إلى الريف. ذلك أن البرابرة كانوا يعيشون على الحرث، والرعي، والصيد، والحرب، ولم يكونوا قد تعلموا بعد العمال التجارية المعقدة التي تنتعش بها المدن، وكان انتصارهم إيذاناً بالقضاء على الصبغة المدنية للحضارة الغربية قضاء دام سبعة قرون. وأما من الوجهة العنصرية فإن هجرات البرابرة المتعددة أدت إلى امتزاج جديد بين العناصر البشرية -وإلى دخول دم ألماني غزير في إيطاليا، ودم غالي في أسبانيا، ودم أسيوي في روسيا والبلقان وبلاد المجر. ولم يعِد هذا الامتزاج للقوة والنشاط إلى الإيطاليين أو الغاليين بطريقة خفية معجزة الدرك، بل إن ما حدث لم يزد على إفناء الأفراد والسلالات الضعيفة بسبب الحروب وغيرها من ضروب التنافس، وعلى اضطرار كل إنسان لأن ينمي قوته. وحيويته، وشجاعته، وصفات الرجولة التي طمس معالمها طول الاستسلام إلى الأمن والسلام؛ وعلى تأثير الفقر في عودة أساليب للحياة أصح وأكثر بساطة من الأساليب التي ولدها ترف المدن واعتماد الأهلين على الرزاق التي تقدمها لهم الحكومة.




صفحة رقم : 4202




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> انتصار البرابرة -> سقوط رومة


وأما من الوجهة السياسية فقد أحلت الفتوح صورة دنيا من الملكية محل صورة عليا منها. فقد زادت من سلطان الأفراد وقللت من سلطان القوانين ومن اعتماد الناس عليها لحمايتهم. واشتدت النزعة الفردية وازداد العنف. وفي الناحية التاريخية حطمت الفتوح الهيكل الخارجي لذلك الجسم الذي تعفن من الداخل، وأزالت من الوجود، بوحشية يؤسف لها، نظاماً من الحياة، شاخ ووهن وبلي، وفقد كل قدرة على التجدد والنماء، رغم ما كان فيه من فضائل النظام والثقافة، والقانون؛ وبهذا أصبح من المستطاع أن تبدأ حياة جديدة غير متأثرة بالماضي. فانمحت إمبراطورية الغرب ولكن دول أوربا الحديثة قد ولدت- لقد دخل إيطاليا قبل المسيح بألف عام غزاة من الشمال، أخضعوا أهلها لسلطانهم، وامتزجوا بهم وأخذوا عنهم حضارتهم، وبنوا وإياهم في خلال ثمانية قرون حضارة جديدة. وبعد المسيح بأربعمائة عام تكررت العملية نفسها، ودارت عجلة التاريخ دورة كاملة، وكانت البداية هي نفسها النهاية، ولكن النهاية كانت على الدوام بداية.




صفحة رقم : 4203




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> مقدمة



الباب الثالث




تقدم المسيحية




364 - 451


احتضنت الكنيسة الحضارة الجديدة وبسطت عليها حمايتها. ذلك بأن جيشاً فذاً من رجال الكنيسة قام ليدافع بنشاط ومهارة عن الاستقرار الذي عاد إلى الوجود، وعن الحياة الصالحة بعد أن اندكت معالم النظام القديم في غمار الفساد والجبن والإهمال. وكانت مهمة المسيحية من الناحية التاريخية هي أن تعيد الأسس الكريمة للأخلاق وللمجتمع بما تفرضه من مثوبة ومعونة لإلهيتين لمن يعملون وفق قواعد النظام الاجتماعي وإن خالفت أهواءهم أو كان فيها مشقة عليهم وأن تغرس في نفوس البرابرة الهمج السذج مُثُلاً للسلوك أرق وأجمل من مثلهم الأولى، عن طريق عقيدة تكونت تكوناً تلقائياً من الأساطير والمعجزات، ومن الخوف والأمل والحب، لقد كان الدين الجديد يجاهد للاستحواذ على عقول الخلق المتوحشين أو المنحلين الفاسدين وان يُقيم منها دولة دينية عظمى تؤلف بينهم وتجمع ما تفرق من شملهم؛ كما كان يجمعهم سحر اليونان أو عظمة الرومان. وإن في هذا الجهاد لعظمة لا تقل عما نجده في سير أبطال الملاحم وإن لوثته الخرافة والقسوة، وليست النظم والعقائد إلا وليدة الحاجات البشرية؛ فإذا شئنا أن نفهم هذه النظم والعقائد على حقيقتها وجب أن ندرسها في ضوء هذه الحاجات.




صفحة رقم : 4204




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> تنظيم الكنيسة



الفصل الأول




تنظيم الكنيسة


إذا كان الفن هو تنظيم المادة فإن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أروع الآيات الفنية في التاريخ. ذلك أنها قد استطاعت أن تؤلف بين أتباعها المؤمنين خلال تسعة عشرة قرناً كلها مثقلة بالأزمات الشداد، وأن تسير وراءهم إلى أطراف العالم وتقوم على خدمتهم، وتكون عقولهم، وتشكل أخلاقهم، وتشجعهم على التكاثر، وتوثق عقود زواجهم، وتواسيهم في الملمات والأحزان، وتسمو بحياتهم الدنيوية القصيرة فتجعل منها مسرحية أبدية، وتستغل مواهبهم، وتتغلب على كل ما يقوم في وجهها من زيغ وثورة، وتعيد بناء كل ما يتحطم من سلطانها في صبر وأناة. ترى كيف نشأ هذا النظام الرائع الجليل؟
لقد قام هذا النظام على ما كان هناك من خواء روحي يعانيه الرجال والنساء الذين أنهكهم الفقر، وأضناهم الشقاق والنزاع، وأرهبتهم الطقوس الخفية التي لا يدركون كنهها، وتملكهم الخوف من الموت. وقد بعثت الكنيسة في أرواح الملايين من البشر إيماناً وأملاً حببا إليهم الموت وجعلاه أمراً مألوفاً لديهم. ولقد أصبح هذا الإيمان أعز شيء عليهم يموتون في سبيله ويقتلون غيرهم من أجله، وعلى صخرة الأمل هذه قامت الكنيسة. وكانت في بادئ أمرها بسيطة من المؤمنين تختار لها واحداً أو أكثر من الكبراء أو القساوسة ليرشدها، وواحداً أو أكثر من القراء، والسدنة. والشمامسة، ليساعدوا الكاهن. ولما كثر عدد العابدين، وتعقدت شئونهم، اختاروا لهم في كل مدينة قساً سموه إبسكوبس Episcopos أي مشرفاً أو أسقفاً لينسق هذه الشؤون. ولما زاد عدد الأساقفة أصبحوا هم أيضاً في حاجة إلى من يشرف على أعمالهم وينسقها؛ ولهذا بدأنا نسمع




صفحة رقم : 4205




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> تنظيم الكنيسة


في القرن الرابع عن كبار الأساقفة، أو المطارنة المشرفين على الأساقفة والمسيطرين على الكنائس في ولاية بأكملها. وكان يحكم هذه الطبقات من رجال الدين بطارقة يقيمون في القسطنطينية، وإنطاكية، وبيت المقدس، والإسكندرية، وروما. وكان الأساقفة وكبار الأساقفة يجتمعون بناء على دعوة البطرق أو الإمبراطور في المجمع المقدس، فإذا كان هذا المجمع لا يمثل إلا ولاية بمفردها سمي مجمع الولاية، وإذا كان يمثل الشرق أو الغرب سمي المجمع الكلي؛ وإذا ما مثلهما جميعاً كان مجمعاً عاماً؛ وإذا ما كانت قراراته ملزمة لجميع المسيحيين كان هو المجمع الأكبر. وكانت الوحدة الناشئة من هذا النظام هي التي أكسبت الكنيسة اسم الكاثوليكية أو العالمية.
وكان هذا النظام الذي تعتمد قوته في آخر الأمر على العقيدة والهيئة يتطلب شيئاً من تنظيم الحياة الكنسية؛ ولم يكن يطلب إلى القس في الثلاثة القرون الأولى من المسيحية أن يظل أعزب؛ وكان في مقدوره أن يحتفظ بزوجته إذا كان تزوج بها قبل رسامته، ولكنه لم يكن يجوز له أن يتزوج بعد أن يلبس الثياب الكهنوتية، ولم يكن يجوز لرجل تزوج باثنتين أو بأرملة، أو طلق زوجته أو اتخذ له خليلة، أن يصبح قسيساً. وكان في الكنيسة، كما كان في معظم الهيئات المنظمة متطرفون يزعجونها بتطرفهم، من ذلك أن بعض المتحمسين من المسيحيين، في ثورتهم على ما كان في أخلاق الوثنيين من إباحة جنسية، استنتجوا من فقرة في إحدى رسائل القديس بولس أن كل اتصال بين الجنسين خطيئة، ولذلك كانوا يعارضون في الزواج بوجه عام، وتستك مسامعهم من الهلع إذا سمعوا أن قساً تزوج. وقد أعلن مجلس جنجرا Gengra الديني (حوالي 362) أن هذه الآراء لا تتفق مع الدين، ولكن الكنيسة بعد ذلك ظلت تطالب




صفحة رقم : 4206




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> تنظيم الكنيسة


قساوستها وتلح عليهم إلحاحاً متزايداً أن يظلوا بلا زواج، ولقد ظلت الأملاك توهب للكنائس ويزداد مقدارها زيادة مطردة؛ وكان يحدث من آن إلى آن أن يوصى لقس متزوج، وأن ينتقل المال الموصى له إلى ذريته من بعده. وكان رجال الدين يؤدي في بعض الأحيان إلى الزنى أو غيره من الفضائح، وإلى انحطاط مكانة القس في أعين الشعب، ولهذا فإن مجمعاً مقدساً عقد في عام 386 أشار على رجال الدين بالعفة المطلقة، وبعد عام من ذلك الوقت أمر البابا سريسيوس Siricius بتجريد كل قس يتزوج أو يبقى مع زوجته التي تزوج بها من قبل. وأيد جيروم، وأمبروز، وأوغسطين هذا المرسوم بقواتهم الثلاث. وبعد أن لقي مقاومة متفرقة، دامت جيلاً بعد جيل من الزمان، نفذ في الغرب بنجاح قصير الأجل.
وكانت أخطر المشاكل التي لاقتها الكنيسة، والتي تلي في خطورتها مشكلة التوفيق بين مثلها العليا وبقائها، هي الوسيلة التي تمكنها من الحياة مع الدولة ذلك أن قيام نظام كهنوتي إلى جانب موظفي الحكومة كان من شأنه أن يخلق نزاعاً على السلطة لا يسود معه سلم إلا إذا خضعت إحدى الهيئتين للأخرى؛ فأما في الشرق فقد خضعت الكنيسة، وأما في الغرب فقد أخذت تحارب دفاعاً عن استقلالها، ثم أخذت بعدئذ تحارب تأييداً لسيادتها على الدولة. واكن اتحاد الكنيسة والدولة في كلتا الحالتين يتضمن تعديلاً أساسياً في المبادئ الأخلاقية المسيحية. من ذلك أن ترتليان Tertullian وأرجن Origen، ولكتنتيوس Lactantius كانا يُعَلِّمان من قبل أن الحرب غير مشروعة في جميع الأحوال، أما الآن فإن الكنيسة، وقد أصبحت تحت حماية الدولة، قد رضيت بالحروب التي تراها ضرورية لحماية الدولة أو الكنيسة، وكانت الكنيسة نفسها عاجزة




صفحة رقم : 4207




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> تنظيم الكنيسة


عن اصطناع القوة، ولكنها إذا رأت القوة اللازمة لها كانت تلجأ إلى القوة الدنيوية لفرض إرادتها. وكانت تتلقى من الدولة ومن الأفراد هبات قيمة من المال، والمعابد والأراضي؛ فأثرت وأصبحت في حاجة إلى الدولة لتحمي كل ما كان لها من حقوق الملكية، وظلت تحتفظ بثروتها حتى بعد أن سقطت الدولة. ذلك أن الفاتحين البرابرة، مهما كان خروجهم على الدين ومخالفة أوامره، قلما كانوا ينهبون الكنائس أو يجردونها من أملاكها لأن سلطان القول أصبح بعد قليل يضارع سلطان السيف.




صفحة رقم : 4208




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> المارقون



الفصل الثاني




المارقون


لقد كان أشق الواجبات التي واجهها التنظيم الكنسي هو منع تفتت الكنيسة بسبب تعدد العقائد المخالفة لتعاريف العقيدة المسيحية كما قررتها المجالس الدينية. ولم تكد الكنيسة تظفر بالنصر على أعدائها حتى امتنعت عن المناداة بالتسامح، فكانت تنظر إلى الفردية في العقيدة بنفس النظرة المعادية التي تنظر بها الدولة إلى الانشقاق عنها أو الثورة عليها، ولم تكن الكنيسة ولا الخارجون عليها يفكرون في هذا المرق على أنه مسألة دينية خالصة. وكان المرق في كثير من الحالات مظهراً فكرياً لثورة محلية تهدف إلى التحرر من سلطان الإمبراطورية. فاليعقوبيون Monophsityes كانوا يريدون أن يحرروا سوريا ومصر من سيطرة القسطنطينية، وكان الدوناتيون يرجون أن يحرروا أفريقية من نير روما، وإذ كانت الكنيسة والدولة قد توحدتا في ذلك الوقت، فقد كان الخروج على إحداهما خروجاً على الاثنتين معا. وكان أصحاب العقيدة الدينية الرسمية يقاومون القومية، كما كان المارقون يؤيدونها ويدافعون عنها؛ وكانت الكنيسة تعمل جاهدة للمركزية وللوحدة، أما المارقون فكانوا يعملون في سبيل الاستقلال المحلي والحرية.
وأحرزت الآريوسية نصراً مؤزراً بين البرابرة بعد أن غلبت على أمرها في داخل الإمبراطورية. وكانت المسيحية قد جاءت إلى القبائل التيوتونية على أيدي




صفحة رقم : 4209




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> المارقون


الأسرى الرومان الذين قبض عليهم القوط أثناء غزوهم آسية الصغرى في القرن الثالث، ولم يكن "الرسول" ألفلاس Alfilas (311؟-381) رسولا بالمعنى الصحيح لهذا اللفظ، بل كان من أبناء أسير مسيحي من كبدوكية، ولد بين القوط الذين كانوا يعيشون في شمال نهر الدانوب وتربى بين ظهرانيهم، وفي عام 431 رسمه يوسبيوس مطران نقوميديا الأريوسي أسقفاً عليهم، ولما اضطهد أثنريك Athanaric الزعيم القوطي من كان في أملاكه من المسيحيين أذن قنسطنطيوس الأريوسي لألفلاس أن يعبر بالجالية القوطية المسيحية القليلة العدد إلى نهر الدانوب، وينزلها في تراقية، وأراد أن يلم معتنقي دينه من القوط أصول هذا الدين، وأن يكثر عددهم، فنرجم في صبر وأناة جميع أسفار الكتاب المقدس إلى اللغة القوطية ما عدا أسفار الملوك فقد حذفها لأنها في رأيه ذات نزعة عسكرية خطرة؛ وإذا لم يكن للقوط وقتئذ حروف هجائية يكتبون بها، فقد وضع لهم هذه الحروف معتمداً في ووضعها على الحروف اليونانية، وكانت ترجمته هذه أول عمل أدبي في جميع اللغات التيوتونية، ووثق القوط بحكمة ألفلاس واستقامته لشدة إخلاصه وتمسكه بأهداب الفضيلة، ثقة حملتهم على أن يقبلوا مبادئه المسيحية الأريوسية دون مناقشة، وإذا كان غير هؤلاء من البرابرة قد تلقوا أصول المسيحية في قرنين الرابع والخامس عن القوط أنفسهم، فقد كان جميع من غزوا الإمبراطورية، إلا قليلا منهم؛ من الأريوسيين، كما كانت الممالك الجديدة، التي أقامها في البلقان، وغالة وأسبانيا، وإيطاليا، وأفريقية أريوسية من الناحية الرسمية، ولم يكن الفرق بين دين الغالبين والمغلوبين إلا فرقاً ضئيلاً : ذلك أن أتباع الدين القويم كانوا يعتقدون أن المسيح مطابق في كينونته (Homommusios) لله الآب، أما الأريوسيون فكانوا يعتقدون أنه مشابه لا أكثر، في كينونته (Homroousios) لله الآب. ولكن هذا الفرق الضئيل أصبح عظيم الأثر في الشئون السياسية في القرنين الخامس والسادس، وبفضل تتابع الحوادث على هذا النحو ثبتت الأريوسية حتى غلب




صفحة رقم : 4210




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> المارقون


الفرنجة التباع الدين القويم القوط الغربيين في غالة، وفتح بلساريوس Belisarius أفريقية الوندالية، وإيطاليا القوطية، وغير ريكارد Recared (389) عقيدة القوط الغربيين في أسبانيا.
وليس في وسعنا الآن أن نشغل أنفسنا بجميع العقائد الدينية المختلفة التي كانت تضطرب بها الكنيسة في تلك الفترة من تاريخها_ عقائد اليونوميين Eunomians والأنوميين Anomeans والأبليناريين Appollinarians والمقدونيين، والسبليين Sabellians والمساليين Massalians، والنوفاتيين Norvatians والبرسليانيين Priscillianists، وكل ما في وسعنا أن نفعله هو أن نرثى لهذه السخافات التي امتلأت بها حياة الناس، والتي ستظل تملؤها في المستقبل. ولكن من واجبنا أن نقول كلمة عن المانية Manicheism تلك العقيدة التي لم تكن مروقا من المسيحية بقدر ما كانت ثنائية فارسية تجمع بين الله والشيطان، والخير والشر، والضوء والظلام. وقد حاولت أن توفق بين المسيحية والزرادشتية، ولكن الدينيين قاوماها مقاومة شديدة. وقد واجهت هذه العقيدة بصراحة منقطعة النظير مشكلة الشر، وما في العالم الذي تسيطر عليه العناية الإلهية من عذاب وآلام كثيرة يبدو أن من ينوءون بها لا يستحقونها، وشعرت بأن ليس أمامها ألا تفترض وجود روح خبيثة، أزلية، كالروح الخيرة، واعتنق المانية كثيرون من الناس في الشرق الغرب، ولجأ بعض الأباطرة في مقاومتها إلى وسائل غاية في القسوة، وعدها جستنيان من الجرائم الكبرى التي يعاقب عليها بالإعدام، ثم ضعف شأنها شيئاً فشيئاً وأخذت في الزوال، إلا أنها تركت بعض أثارها في بعض الطوائف المارقة المتأخرة، كالبوليسية Paulicians، والبجوميلية Bogomiles، والألبجنسية Albegensians، وقد أتهم أسقف أسباني يدعى برسليان في عام 385 بأنه يدعو إلى المانية وإلى العزوبة العامة؛ وأنكر الرجل التهمة، ولكنه




صفحة رقم : 4211




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> المارقون


حوكم أمام مكسموس الإمبراطور المغتصب في تريير، وكان اللذان اتهماه اثنين من الأساقفة، وأدين الرجل وحرق هو وعدد من رفاقه في عام 385 بالرغم من احتجاج القديسين أمبروز ومارتن.
وبينا كانت الكنيسة تواجه كل أولئك المهاجمين، إذ وجدت نفسها يكاد يغمرها سيل المارقين الدونانيين في أفريقية، وتفصيل ذلك أن دوناتوس Donatus، أسقف قرطاجنة (315)، كان قد أنكر ما العشاء الرباني الذي يقدمه القساوسة من أثر في الخطيئة، ولم تشأ الكنيسة أن تنتزع من رجالها هذه الميزة الكبيرة فهدتها حكمتها إلى عدم الأخذ بهذه الفكرة. ولكن هذه العقيدة المارقة أخذت تنتشر على الرغم من هذا انتشاراً سريعاً في شمال أفريقية؛ وتحمس لها الفقراء من الأهليين، وستحال هذا الانحراف الديني إلى ثورة اجتماعية، وغضب الأباطرة أشد الغضب من هذه الحركة، وأصدروا المراسيم المتعاقبة ضد من يستمسكون بها، وفرضوا عليهم الغرامات الفادحة، وصادروا أملاكهم، وحرموا على الدوناتيين حق التصرف فيما يمتلكون بالبيع أو الشراء أو الوصية، وأخرجهم جنود الأباطرة من كنائسهم بالقوة، وأعطيت هذه الكنائس للقساوسة أتباع الدين القويم، وسرعان ما تألفت عصابات مسيحية -شيوعية في آن واحد- وسميت بأسم الجوابين Circumcelliones؛ وأخذت تندد بالفقر والاسترقاق، فألغت الديون، وحررت الرقيق، وحاولت أن تعيد المساواة المزعومة التي كان يتمتع بها الإنسان البدائي. وكانوا إذا قابلوا عربة يجرها عبيد، أركبوا العبيد العربة ، وأرغموا سيدهن على أن يجرها خلفه، وكانوا يقنعون عادة بالسرقة وقطع الطريق على المارة، ولكنهم كانوا في بعض الأحيان يغضبون من المقاومة، فيعمون أعين أتباع الدين القويم أو أعين الأغنياء بمسحها بالجير، أو يضربونهم بالعصى الغليظة حتى يموتون' وكانوا إذا واجهوا الموت ابتهجوا به لأنه يضمن لهم الجنة. واستبد بهم التعصب الديني آخر الأمر، فكانوا يسلمون أنفسهم إلى ولاة




صفحة رقم : 4212




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> المارقون


الأمور معترفين بأنهم مارقون من الدين، ويطالبون بالاستشهاد. وكانوا يعترضون السابلة، ويطلبون إليهم أن يقتلوهم، ولما أن تعب أعداؤهم أنفسهم من إجابتهم إلى ما يريدون أخذوا يطلبون الموت بالقفز في النيران المتقدة أو بإلقاء أنفسهم من فوق الأجراف العالية، أو بالمشي فوق ماء البحر(2). وحارب أوغسطين الدوناتيين بكل ما كان لديه من الوسائل، وبدا في وقت من الأوقات أنه قد تغلب عليهم، ولكن الدوناتيين عادوا إلى الظهور أكثر مما كانوا عدداً حين جاء الوندال إلى أفريقية، وسروا أعظم السرور لطرد قساوسة الدين القويم، وبقى الحقد الطافي يأكل الصدور، وينتقل من الأبناء إلى الأباء، وهو أشد ما يكون قوة، حتى جاء العرب إلى أفريقية في عام670 فلم يجدوا في البلاد قوة متحدة تقف في وجههم.
وكان بلاجيوس Pelagius في هذه الأثناء يثير قارات ثلاثاً بهجومه على عقيدة الخطيئة الأولى، كما كان نسطوريوس يطلب الاستشهاد بما يجهر به من شكوك في أم المسيح، وكان نسطوريوس في بدء حياته من تلاميذ ثيودور المبسوستيائي Theodore Of Mopsuestia (350؟ -428 ؟) الذي كاد أن يبتدع النقد الأعلى للكتاب المقدس. وكان من أقوال ثيودور هذا أن سفر أيوب إن هو إلا قصيدة مأخوذة من مصادر وثنية، وأن نشيد الأناشيد إن هو إلا إحدى أغاني الفرس ذات معنى شهواني صريح، وأن الكثير من نبوءات العهد القديم التي يزعم الزاعمون أنها تشير إلى يسوع، لا تشير إلا إلى حوادث وقعت قبل المسيحية؛ وأن مريم ليست أم الله ، بل هي أم الطبيعة البشرية في يسوع(3). ورفع نسطوريوس نفسه إلى كرسي الأساقفة في القسطنطينية (428)، والتفت حوله الجموع لفصاحته وذلاقة لسانه، ولكنه خلق له أعداء بتعسفه في عقائده، وأتاح الفرصة لهؤلاء الأعداء بقبوله فكرة ثيودور غير الكريمة في مريم. وكانت كثرة المسيحيين تقول : إذا كان المسيح إلهاً، كانت مريم قد حملت في الله Theotokos




صفحة رقم : 4213




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> المارقون


أي أنها أم الله؛ ولكن نسطوريوس يقول إن هذا أكثر مما قد يطيق ويرد عليهم بقوله إن مريم لم تكن أم الطبيعة الإلهية في المسيح بل أم الطبيعة البشرية، وإن خيراً من تسميتها بأم الله أن تسمى أم المسيح.
وألقى سيريل Cyril، كبير أساقفة الإسكندرية، موعظة في يوم عيد القيامة من عام 429 أعلن فيها العقيدة التي تدين فيها كثرة من المسيحيين وهي أن مريم ليست أم الله الحق بل هي أم كلمة الله، المشتملة على طبيعتي المسيح الإلهية والبشرية معاً(4)، واستشاط البابا سلستين Celestine الأول غضباً على أثر رسالة تلقاها من سيريل فعقد مجلساً في روما (430)، طالب بأن يرجع نسطوريوس عن آرائه أو يعزل من منصبه، فلما رفض نسطوريوس، كلا المطلبين اجتمع في إفسس (431) مجلس عام، لم يعزل نسطوريوس فحسب بل حرمه أيضاً من الكنيسة المسيحية، واحتج على ذلك كثيرون من الأساقفة، ولكن أهل إفسوس قاموا بمظاهرات يعلنون فيها ابتهاجهم بقرار الحرمان، وكانت مظاهرات أحيت بلا ريب ذكريات ديانة- أرتميس، وسمح لنسطوريوس أن يرتحل إلى إنطاكيا، ولكنه وهو فيها ظل يدافع عن أراءه، ويطالب بالعودة إلى منصبه، فنفاه الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني إلى واحة في صحراء ليبيا، بقى فيها سنين كثيرة، حتى أشفقت عليه حاشية الإمبراطور في الدولة الشرقية فبعثت إليه بعفو إمبراطوري، فلما جاءه الرسول وجده يحتضر (حوالي 451) وانتقل أتباعه من بعده إلى شرقي سوريا، وشادوا لهم كنائس وأنشئوا مدرسة لتعليم مذهبهم في الرها وترجموا التوراة وكتب أرسطو وجالينوس إلى اللغة السريانية، وكان لهم شأن أيما شأن في تعريف المسلمين بعلوم اليونان وطبهم وفلسفتهم. ولما أضطهدهم الإمبراطور زينون انتقلوا إلى فارس وأنشئوا مدرسة عظيمة الأثر في نصيبين. وعلا شأنهم بسبب اضطهاد الفرس لهم، وتكونت منهم جماعات في بلخ وسمرقند وفي الهند والصين؛ ولا يزالون حتى الآن يعيشون جماعات متفرقة في آسيا، ولا يزالون ينكرون عبادة مريم.




صفحة رقم : 4214




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> المارقون


وكانت آخر الشيع المارقة الكبرى في ذلك العصر المضطرب وأعظمها أثراً في تاريخ المسيحية هي التي أنشأها أوتيكيس Eutyches رئيس دير قريب من القسطنطينية وكان اوتيكيس هذا يقول إن المسيح ليست له طبيعتان بشرية وإلهية، بل إن له طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية. ودعى فلافيان Flavian بطريق القسطنطينية مجمعاً محلاً مقدساً أنكر هذه البدعة القائلة بالطبيعة الواحدة، وحرم اوتيكس من الكنيسة المسيحية. ولجأ الراهب إلى أسقفي الإسكندرية وروما؛ وأقنع ديوسكوراس، الذي خلف سيريل، الإمبراطور ثودوسيوس بأن يدعوا مجلساً آخر في إفسس (449). وكان للدين وقت إذ خاضعاً للسياسة فبّرئاوتيكس وهوجم فلاَفيان هجوماً خطابياً عنيفاً قضى على حياته(5). وأصدر المجلس قراراً بلعنة كل من يقول بوجود طبيعتين للمسيح. ولم يحضر البابا ليو الأول المجلس، ولكنه بعث إليه بعد' رسائل يؤيد فيها فلافيان. وأرتاع ليو من التقرير الذي أرسله إليه مندوبوه، فأطلق على هذا المجلس "مجمع اللصوص" وأبى أن يوافق على قراراته، ثم عقد مجلس أخر في خلقيدون Chalcedon عام451 أبدى استحسانه لرسائل ليو على أوتيكيس، وأيد من جديد ازدواج طبيعة المسيح. ولكن القاعدة الثامنة والعشرين من القواعد التي أقرها المجلس أكدت مساواة سلطة أسقف القسطنطينية لسلطة أسقف روما. وكان ليو قبل ذلك تدافع عن حقه في أن تكون لكرسيه السلطة العليا لأنه يرى ذلك ضرورياً لوحدة الكنيسة وسلطانها. لذلك رفض هذه القاعدة وبدأ بذلك نزاع طويل الأمد بين الكرسيين.
وزاد الاضطراب حتى أوفى على غايته حين رفضت كثرة المسيحيين في سوريا ومصر عقيدة الطبيعتين في شخص المسيح المفرد، وظل رهبان سوريا يعلمون الناس عقائد اليعقوبيين، ولما أن عين أسقف لكرسي الإسكندرية من أتباع الدين القويم قتل ومزق جسمه أرباً في كنيسته في يوم الجمعة الحزينة(6). وأصبحت




صفحة رقم : 4215




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> المارقون


اليعقوبية من ذلك الحين الدين القومي لمصر وأثيوبيا المسيحيتين، ولم يحل القرن السادس حتى كانت لها الغلبة في غربي سوريا، وأرمينيا، بينما انتشرت النسطورية فيما بين النهرين وشرقي سوريا. وكان نجاح الثورة الدينية من أكبر العوامل في نجاح الثورة السياسية؛ ولما تدفق سيل العرب الجارف على مصر والشرق الأدنى في القرن السابع رحب بهم نصف سكانها ورأوا فيهم محررين لهم من استبداد العاصمة البيزنطية الديني والسياسي والمالي.




صفحة رقم : 4216




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> رومة



الفصل الثالث




الغرب المسيحي




1- روما


لم يظهر أساقفة روما في القرن الرابع بالمظهر الذي يشرف الكنيسة، ويعلى من قدرها: فها هو ذا سلفستر (314-335) يعزى إليه فضل اعتناق قسطنطين المسيحية، ثم تقول الطائفة التقية المتدينة إنه تلقى من قسطنطين طيبته المعروفة "بعطية قسطنطين" وهي غرب أوربا بأكمله تقريباً ولكنه لم يسلك مسلك من يمتلك نصف عالم الرجل الأبيض. وقد أكد يوليوس الأول (337-352) سلطة كرسي روما العليا ولكن ليبريوس (352-366) خضع بسبب شيخوخته أو ضعفه إلى أوامر قسطنطين الأريوسية. ولما مات تنازع دماسوس Damasus ويورنسوس Urinsus البابوية، وأنقسم الغوغاء أيضاً في تأييد المتنازعين بكل ما عرفته تقالي الديمقراطية الرومانية من عنف يستطيع القارئ أن يتصوره إذا عرف أنه قتل في يوم واحد وفي كنيسة واحدة 137 شخصاً في نزاع قام بين أنصار الرجلين(7): وقد أدى هذا إلى أن نفى بريتكتاتوس، حاكم روما الوثني، يورنسوس منها ، فاستدب الأمر لدماسوس وظل يصرف الشئون الدينية بغير قليل من المتعة والحذر: وكان الرجل من علماء الآثار، فأخذ يزين قبور الشهداء الرومان بالنقوش الجميلة وكان كما يقول بعض الوقحين، من الذين "يخدشون آذان السيدات" أي أنه كان بارعاً في جلب الهدايا إلى الكنيسة من نساء روما الموسرات(8).
وجلس ليو الأول ، الملقب باليو الأكبر، على عرش بطرس خلال جبل (400-461) من الأزمات، استطاع فيه بشجاعته وحسن سياسته أن يزيد




صفحة رقم : 4217




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> رومة


سلطة الكرسي الرسولي وهيبته. ولما أن رفض هيلاري بواتييه Hilary Of Poitiers أن يذعن لحكمه في نزاع شجر بينه وبين أسقف غالي آخر، أرسل إليه ليو أوامر حاسمة عاجلة، أيدها الإمبراطور فالنتنيان الثالث بمرسوم من أهم المراسيم الإمبراطورية يؤكد فيه سلطة أسقف روما على جميعا الكنائس المسيحية، وأعترف أساقفة الغرب بوجه عام بهذه السلطة العليا، أما أساقفة الشرق فقاوموها. وقال بطارقة القسطنطينية وإنطاكيا، وبيت المقدس، والإسكندرية، إن لهم من السلطة ما لكرسي روما، وظل الجدل العنيف قائماً بين الكنائس الشرقية وكانت في خلاله لا تطيع أوامر أسقف روما إلا في القليل النادر. واجتمعت صعاب النقل والاتصال مع اختلاف اللغة فزادت الفرقة بين الكنيسة الشرقية والغربية، لكن بابوات الغرب أخذوا يزيدون من نفوذهم حتى في غير الشئون الدينية: لقد كانوا يخضعون في غير الشئون الدينية إلى الدولة الرومانية وإلى حكام روما، وظلوا حتى القرن السابع يطلبون إلى الإمبراطور يعتمد اختيارهم لمنصبهم الديني. ولكن بعدهم عن أباطرة الشرق وضعف حكام الغرب قد تركا البابا صاحب السلطان الأعلى في روما؛ ولما أن فر أعضاء مجلس الشيوخ وفر الإمبراطور من وجه الغزاة، وتقوضت دعائم الحكومة المدنية، وظل البابوات في مناصبهم لم يرهبهم شيئاً من هذا كله، لما حدث هذا ارتفعت مكانتهم ارتفاعاً سريعاً ، وزادت هيبتهم، ولما اعتنق البرابرة الغربيون المسيحية زاد ذلك من سلطة كرسي روما ونفوذه زيادة كبرى.
ولما تركت الأسر الغنية والأرستقراطية الدين الوثني واعتنقت المسيحية كان للكنيسة الرومانية نصيب متزايد من الثروة التي جاءت إلى عاصمة الدولة الغربية، ولشد ما دهش أميانوس حين وجد أن أسقف روما يعيش عيشة الأمراء في قصر لاتران Lateran، ويمشي في المدينة بمظاهر الأبهة الإمبراطورية(9). وازدانت المدينة وقتئذ بالكنائس الفخمة ونشأ فيها مجتمع ديني راق اختلط فيه رجال




صفحة رقم : 4218




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> رومة


الدين الظرفاء اختلاطاً ممتعاً بالغانيات الموسرات، وساعدوهن على أن يكتبن وصاياهن.
وكانت جمهرة الشعب المسيحي تشترك مع البقية الباقية من الوثنيين في مشاهدة التمثيل والسباق والألعاب ولكن أقلية منهم حاولي أن تحيى حياة تتفق مع ما جاء في الأناجيل، وكان اثناسيوس قد جاء إلى روما براهبين مصريين، وكتب ترجمة لحياة أنطونيوس وكان روفينوس Rufinus قد نشر في الغرب تاريخ الأديرة في الشرق ، فتأثرت عقول أتقياء المسيحيين بما ذاع عن تتدين أنطونيوس وشنوده، وباخوم، وأنشأ سكستوس الثالث Sextus III (432-440) وليو الأول أديرة، في روما، ورضيت كثير من الأسر أن تحيا حياة العفة والفقر التي يحياها الرهبان في الأديرة؛ وإن ظلت تقيم في منازلها. وخرجت كثير من السيدات ذوات الثراء مثل مرسلا Marcella، وبولا، وثلاثة أجيال من أسرة ملانيا عن الجزء الأكبر من مالهن للصدقات، وأنشأ، المستشفيات والأديرة وحججن إلى رهبان الشرق، وبلغ من تقشفهن وزهدهن أ، مات بعضهن من الحرمان. وأخذت الدوائر الوثنية في روما تشكو من أن هذا النوع من المسيحية لا يتفق مع حياة الأسر، أو مع نظام الزواج، أو مع القوة التي تحتاجها الدولة، وثار الجدل الشديد حول آراء زعيم الزاهدين في الغرب، وهو في الوقت نفسه من أكبر العلماء وأنبه الكتاب الذين أنجبتهم الكنيسة المسيحية.





صفحة رقم : 4219




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> القديس جيروم



2- القديس جيروم


ولد حوالى عام 340 في استيريدوا Strido القريبة من كويليا، وأغلب الظن أنه من أصل دلماشي، وكأنما كان أهله يتنبئون بما سيكون له من شأن فسموه يوسبيوس هيرونيموس سفرونيوس Eusebius Hieronymus Sophronius "أي الحكيم المبجل صاحب الاسم المقدس"،ونال قسطاً كبيراً من التعليم في ترير وروما، ودرس الكتب اللاتينية القديمة دراسة طيبة، وأحبها حباً وصل




صفحة رقم : 4220




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> القديس جيروم


في ظنه حد الخطيئة . ولكنه مع هذا كان مسيحياً شديد التمسك بدينه، عاملا بأوامره، ساعياً إلى خيره، انظم إلى روفينوس وغيره من أصدقائه في تكوين جماعة من الإخوان الزهاد في أكويليا. وكان يعظهم مواعظ يدعوهم فيها إلى الكمال، حتى لامه أسقفه لقلة صبره على ما في الطبيعة البشرية من أسباب الضعف، وكان جواب جيروم أن قال للأسقف إنه جاهل، اللفظ، آثم، خليق بالقطيع العالمي الذي يقوده، مرشد غير حاذق، لسفينة ضالة(10)، وترك جيروم وبعض أصدقائه مدينة أكويليا تتردى في خطاياهم، رحلوا إلى الشرق الأدنى ودخلوا ديراً في صحراء خلقيس بالقرب من إنطاكيا (374)، ولكنهم لم يحتملوا حرها القاسي غير الصحي فمات اثنان منهم، فأشك جيروم هو أيضاً أن يموت. ولكن هذا لم يثنه عما أراده لنفسه، فغادر الدير ليعيش عيشة النساك في صومعة في الصحراء، وكان يرجع بين الفينة والفينة إلى فرجيل وشيشرون. ذلك أنه جاء معه بمكتبته، ولم يكن في وسعه أن يقطع صلته بالشعر والنثر الذين كان جمالهما يستهويه كما يستهوي جمال الفتيان غيره من الرجال. وإن ما يقوله هو نفسه عن هذا ليكشف عن طبيعة الناس في العصور الوسطى، فقد رأى فيما يراه النائم أنه مات :
"وجئ بي إلى مجلس إلى القضاة الأعلى ، وطلب إليّ أن أفصح عن أمر ، فأجبت بأنني مسيحي". ولكن من كان يرأس الجلسة قال : إنك لتكذب، فما أنت بمسيحي ، ولكنك من أتباع شيشرون؛ فحيثما يكون كنزك يكون أيضاً قلبك" فعقد لساني من فوري ولم أحر جواباً، " ثم شعرت" بضربات السوط لأنه أمر بي أن أجلد ... وفي آخر الأمر خر من كانوا يشهدون المحاكمة سجدا بين يدي رئيس الجلسة وتوسلوا إليه أن يرحم شبابي ويتيح لي فرصة التوبة من ذنبي، على أن يصب على أقصى أنواع العذاب إذا ما عدت إلى قراءة كتب المؤلفين غير المسيحيين ... ولم تكن هذه التجربة أضغاث أحلام لذيذة ... بل إني




صفحة رقم : 4221




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> القديس جيروم


لأقر بأن جلد كتفي قد ازرق واسود من شدة الضرب، وأني لبثت أحس بالرضوض بعد أن صحوت بزمن طويل... وأخذت من ذلك الحين أقرأ كتب اللهََ بحماسة أكثر من التي كنت أقرأ بها من قبل كتب بني الإنسان " (11).
وعاد إلى إنطاكيا في عام 379 ورسم فيها قسيساً. وفي عام 382 نجده في روما أميناً البابا ادماسوس الذي كلفه لترجمة العهد الجديد إلى اللغة اللاتينية ترجمة خيراً من التراجم الموجودة في ذلك الوقت. وظل في منصبه الجديد يلبس للثوب القائم والجلباب اللذين كانا يلبسهما أيام نسكه، ويعيش عيشة الزهد في بلاط البابا الترف، وكانت مرسلا وبولا التقيّان تستقبلانه في بيتيهما الأرستقراطيين وتهتديان بهديه الروحي، وكان نقاده الوثنيون يظنون أنه يستمتع بصحبة النساء أكثر مما يليق برجل مثله يمدح بأقوى الألفاظ عزوبة الرجال، وبقاء البنات عذراى. وقد رد عليهم بأن وجه إلى المجتمع الروماني في عصره هجاء بألفاظ سيظل يذكرها الناس إلى أبد الدهر قال :
أولئك النسوة اللائي يصبغن خدودهن بالاصباغ الحمراء، ويكتحلن بالإثمد ويضعن المساحيق على وجوههن ... واللاتي لا تقنعهن السنون مهما طالت بأنهن قد تقدمت بهن السن، واللاتي يكدسن الغدائر المستعارة، على رءوسهن. ويسلكن أمام أحفادهن مسلك فتيان المدارس اللائي يرتجفن من الخوف... إن الأرامل الخارجات على الدين المسيحي يتباهين بأثوابهن الحريرية، ويتحلين بالجواهر البراقة، وتفوح منهن رائحة المسك ... ومن النساء ما يلبسن ملابس الرجال، ويقصصن شعرهن... ويستحين من أنوثتهن، ويفضلن أن يظهرن الخصيان... ومن النساء غير المتزوجات من يستعن بالسوائل لمنع الحمل، ويقتلن بني الإنسان قبل أن يحملن بهم، ومنهم من إذا وجدن أنهن قد حملن نتيجة لإثمهن يجهضن أنفسهن بما يتعاطين من العقاقير... لكن من النساء من




صفحة رقم : 4222




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> القديس جيروم


يقلن : "إن كل شئ طاهر عند الطاهرات... فلما إذن أحرم على نفسي ما خلقه اللهَ لأستمتع به ؟"(12).
وهو يؤنب امرأة رومانية بعبارات تنم عن تقديره لجمال النساء:
"أن صدرتك مشقوقة عن عمد... وثدييك مشدودان بأربطة من التيل، وصدرك سجين في منطقة ضيقة... وخمارك يسقط أحياناً حتى يترك كتفيك البيضاوين عاريتين، ثم تسرعين فتغطين به ما كشفته عن قصد"(13).
ويضيف جيروم إلى تحير الرجال الأخلاقي مغالاة الفنان الأدب الذي يصور عصوراً من العصور، والمحامي الذي يتبسط في ملخص دعوى. ويذكرنا هجاه بهجاء جوفنال، أو بما نقرأه من هجاء هذه الأيام. ومن الطريف أن نعرف أن النساء كن على الدوام ذوات سحر ودلال كما هن في هذه الأيام. ويشبه جيروم جوفنال في أنه حين يطعن في أمر لا يرضيه يتقصاه بنزاهة وشجاعة. وقد روعه أن يجد التسري منتشراً حتى بين المسيحيين، وروعه أكثر من هذا أن وجده يتخفى وراء ستار التعفف من أشق السبل. ومن أقواله في هذا: ترى من أي مصدر وجد هذا الوباء وباء "الأخت العزيزة المحبوبة" طريقه إلى الكنيسة؟ ومن أين جاءت هذه الزوجات اللاتي لم يتزوج أحد بهن؟ هذه السراري الحديثات، وهذه العاهرات التي اختص بهن رجل واحد؟ إنهن يعشقن مع أصدقائهن من الذكور في بيت واحد ويشغلن معهن حجرة واحدة، وكثيراً ما يشتركن معهم في فراش واحد؛ ومع هذا فهم يقولون عنا إننا نسئ بهن الظن إذا رأينا في هذا عيبا(14). وهو يهاجم القساوسة الرومان الذين كان في مقدورهم أن يرفعوه بتأييدهم إلى كرسي البابوية، ويسخر من رجال الدين الذين يعقصون شعورهم، ويعطرون ثيابهم، ويترددون على المجتمعات الراقية؛ والقسيسين الذين يجرون وراء الوصايا ويستيقظون قبل مطلع الفجر ليزوروا النساء قبل أن يقمن من فراشهن(15)، ويندد بزواج القساوسة، وبشذوذهم الجنسي؛ ويدافع دفاعاً قوياً




صفحة رقم : 4223




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> القديس جيروم


عن بقاء رجال الدين بلا زواج؛ ويقول إن الرهبان وحدهم هم المسيحيون الحقيقيون المبرءون من الملك والشهوات، والكبرياء؛ ويدعو جيروم الناس كافة، ببلاغة لو سمعها كسنوفا Casanova لتعلق به وصار من أتباعه، لأن يخرجوا عن كل مالهم ويتبعوا المسيح؛ ويطلب إلى الأمهات أن يهبن أول أبنائهن إلى الله، لأن أولئك الأبناء من حقه عليهن حسب نص الشريعة(16)؛ وينصح صديقاته من النساء أن يعشن عذارى في بيوتهن إذا تعذر عليهن أن يدخلن الدير. ويكاد جيروم أن يعد الزواج من الخطايا ويقول: "إني لا أمدح الزواج إلا لأنه يأتيني بالعذارى(17)، ويريد أن "يقطع بفأس البكورية خشب الزواج"(18)؛ ويفضل يوحنا الرسول الأعزب على بطرس الذي تزوج(19). وأظرف رسائله كلها هي التي كتبها إلى فتاة (384) تدعى أوستكيوم Eustochium في لذة البكورية، ويقول فيها إنه لا يعارض في الزواج، ولكن الذين يتجنبونه ينجون من سدوم Sodom ومن آلام الحمل، وصراخ الأطفال، ومتاعب البيوت، وعذاب الغيرة. وهو يعترف بأن طريق العفة شاق أيضاً، وأن ثمن البكورية هو اليقظة الدائمة:
"إن فكرة واحدة قد تكفي لضياع البكورية... فليكن رفاقك هم صفر الوجوه الذين هزلت أجسامهم من الصوم... وليكن صومك حادثاً يتكرر في كل يوم، اغسلي سريرك، ورشي مخدعك كل ليلة بالدموع... ولتكن عزلة غرفتك هي حارسك على الدوام... ودعي الله عريسك هو الذي يلعب معك في داخلها... فإذا غلبك النوم جاءك من خلف الجدار، ومد يده من خلال الباب، ومس بها بطنك، فصحوت من النوم وقمت واقفة وناديته "إني أهيم بحبك" فتسمعينه يقول: إن أختي، حبيبتي، جنة مغلقة، وعين ماء غير مفتوحة، وينبوع مختوم"(20).
ويقول جيروم إنه لما نشرت هذه الرسالة: "حياها الناس بوابل من




صفحة رقم : 4224




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> القديس جيروم


الحجارة"؛ ولعل بعض قرائها قد أحسو في هذه النصائح بلوعة سقيمة في رجل يبدو أنه لم يسلم بعد من حرارة الشهوات. ولما ماتت بليسلا Blecilla الفتاة الزاهدة بعد بضعة أشهر من ذلك الوقت (384)، أخذ الكثيرون ينددون بالزهد الصارم الذي علمها إياه جيروم، وأشار بعض الوثنيين بإلقائه هو وجميع رهبان روما في نهر التيبر. لكن جيروم لم يندم على ما فعل، ووجه إلى أمها الثكلى، التي كاد الحزن أن يذهب بعقلها، رسالة تعزية وتقريع. ولما توفي البابا دماسوس في ذلك العام نفسه لم يجدد خلفه تعيين جيروم أميناً لسره، فخرج من روما في عام 385 ولم يعد إليها أبداً، وصحب معه بولا Paula أم بليسلا وأوستكيوم أختها. وأنشأ في بيت لحم ديراً للرهبان صار هو رئيسه، وآخر للراهبات تولت رياسته بولا ومن بعدها أوستكيوم، كما أنشأ كنيسة ليتعبد فيها الرهبان والراهبات مجتمعين، ومضيفة لحجاج الأراضي المقدسة.
واتخذ له خلوة في كهف جمع فيها كتبه وأوراقه، وقضى وقته كله في الدرس والكتابة، وتعليم الناس الأسرار القدسية، وأقام فيها الأربعة والثلاثين عاماً الباقية من حياته. وكان يجادل بقلمه كريسستوم، وأمبروز، وبلاجيوس، وأوغسطين. وكتب نحو خمسين كتاباً في المشكلات الدينية، وفي تفسير الكتاب المقدس، تمتاز بقوة العقيدة التي لا تقبل جدلاً، وكان أعداؤه وأصدقاؤه على السواء يحرصون على قراءة كتبه. وقد أنشأ مدرسة في بيت لحم، وكان هو نفسه يعلم فيها الأطفال من غير أجر وبتواضع منقطع النظير كثيراً من الموضوعات المختلفة، منها اللغة اللاتينية واليونانية. والآن وقد أصبح قديساً ثابت العقيدة أحس بأن لا حرج عليه في أن يقرأ مرة أخرى الكتب القديمة التي حرمها على نفسه في شبابه. وواصل دراسة اللغة العبرية، وكان قد بدأ يدرسها حين أقام في بلاد الشرق أول مرة، وأخرج بعد ثمانية عشر عاماً من الجلد والدرس تلك الترجمة اللاتينية العظيمة الرائعة للكتاب المقدس، وهي الترجمة اللاتينية الشائعة




صفحة رقم : 4225




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> القديس جيروم


التي تعد حتى الآن أهم الأعمال الأدبية التي تمت في القرن الرابع وأعظمها أثراً. ولسنا ننكر أن في الترجمة، كما في كل عمل عظيم مثلها، أخطاء، وأن فيها "عجمة" وعبارات عامية ينفر منها المدقق الحريص على نقاء اللغة؛ ولكن لغة الكتاب اللاتينية أضحت هي لغة الدين والأدب طوال العصور الوسطى، وصبت سيلاً من العواطف والخيالات العبرية في قوالب لاتينية، وأدخلت في الأدب آلافاً من العبارات الرائعة الفصيحة القوية، التي تعد من جوامع الكلم وبفضل هذه الترجمة عرف العالم اللاتيني الكتاب المقدس كما لم يعرفوه من قبل.
ولم يكن جيروم قديساً إلا في أنه كان يحيا حياة الزهد، وأنه وهب نفسه للكنيسة، ولكننا لا نستطيع أن نعده قديساً في أخلاقه أو أقواله. ومما يؤسف له أشد الأسف أن يجد الإنسان في أقوال هذا الرجل العظيم كثيراً من العبارات الدالة على الغيظ والحقد والجدل، وتحريف القول، والشراسة في الجدل، فهو يلقب يوحنا بطريق بيت المقدس بيهوذا (خائن المسيح)، وبالشيطان، ويقول إن الجحيم لا تجد فيها ما يليق به من العقاب(21)، ويصف الرجل العظيم بأنه "غراب مشوه الخلق"(22)، وقد خلق المتاعب لصديقه القديم روفينوس بأن أخذ ينقب لأرجن Origen بعد وفاته عن أخطاء، وكان في عمله هذا عنيفاً إلى حد لم ير معه البابا أنستاسيوس بداً من إدانته (400)، ولو أن جيروم قد ارتكب بعض الخطايا المادية لغفرناها له أكثر مما نغتفر هذا الحقد الروحي الشديد.




صفحة رقم : 4226




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> القديس جيروم


ولم يتوان نقاده عن أن ينزلوا به أشد القصاص، رأوه يُعَلّم الكتب اليونانية واللاتينية، اتهموه بالوثنية؛ ولما رأوه يَدْرس اللغة العبرية على أحد اليهود، اتهموه بأنه ارتد إلى الدين اليهودي؛ ولما أهدى كتبه للنساء قالوا إن الباعث له على هذا هو الجشع المادي، أو ما هو أسوأ من الجشع المادي(22). ولم يكن سعيداً في شيخوخته؛ ذلك أن البرابرة انقضوا على بلاد الشرق الأدنى، واجتاحوا سوريا وفلسطين (395) "وكم من أديرة استولوا عليها، وكم من أنهار خضبت مياهها بالدماء!" ثم ختم أقواله بهذه العبارة "إن العالم الروماني يتساقط"(24). وماتت في أثناء حياته بولا ومرسالا، وأوستكيوم وكن عزيزات عليه. وظل الرجل يواصل العمل في كتاب بعد كتاب، وقد ذبل جسمه وضعف صوته من فرط زهده، وتقوس عوده. وحضرته الوفاة وهو يكتب شرحاً لسفر أراميا -لقد كان رجلاً عظيماً أكثر مما كان رجلاً صالحاً؛ وكان هجاء لاذعاً لا يقل في ذلك عن جوفنال، وكاتب رسائل لا تقل فصاحة عن سنكا، وعالماً مجداً لا ينقطع عن الدرس والتبحر في الدين.




صفحة رقم : 4227




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> الجنود المسيحيون



3- الجنود المسيحيون


لم يكن جيروم وأوغسطين إلا أعظم الرجلين في هذا العصر العجيب، فقد امتاز من "آباء" الكنيسة في بداية الهصور الوسطى ثمانية من علماء الدين: منهم في الشرق أثناسيوس، وباسيلي، وجريجوري، ونزيانزين، ويوحنا كريستوم، ويوحنا الدمشقي؛ وفي الغرب أمبروز، وجيروم، وأوغسطين، وجريجوري الأكبر.
وتدل سيرة أمبروز (340؟-395) على قدرة الكنيسة على أن تجتذب لخدمتها رجالاً من الطراز الأول، لو أنهم وجدوا قبل وقتهم بجيل واحد لكانوا خدماً للدولة. وقد ولد أمبروز في تريير، وكان أبوه والياً على غالة، وكانت مخايل الأمور كلها والسوابق بأجمعها توحي بأنه سيكون من رجال السياسة. ولسنا ندهش




صفحة رقم : 4228




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> الجنود المسيحيون


حين نسمع بعد ذلك أنه كان والياً على شمال إيطاليا. وكان بحكم إقامته في ميلان وثيق الصلة بإمبراطور الغرب، وقد وجد في الإمبراطور الخلال الرومانية القديمة: العقل الراجح، والقدرة على التنفيذ، والشجاعة الهادئة. ولما علم أن الأحزاب المتنازعة قد اجتمعت في الكنيسة لتختار أسقفاً جديداً، أسرع إلى مكان الاجتماع وقمع بهيبته وقوة عبارته بوادر الفتنة بين المجتمعين، ولما عجزت الأحزاب المتنازعة عن الاتفاق على رجل يختارونه لهذا المنصب الديني، اقترح بعضهم أمبروز، وما كاد يُسمع اسمه حتى اجتمعت كلمة الحاضرين في حماسة منقطعة النظير، وأخِذ الحاكم من فوره رغم احتجاجه فعُمد، لأنه لم يكن قد عمد بعد، ورسم شماساً، ثم قساً، ثم أسقفاً، وتم ذلك كله في أسبوع واحد (474)(25).
وشغل الرجل منصبه الجديد، بالهيبة والمقدرة الخليقتين بالحاكم القدير، وبادر بالتخلي عن زخرف المنصب السياسي، وعاش عيشة تعد مضرب المثل في البساطة، فوزع أمواله وأملاكه على الفقراء، وباع الآنية المقدسة في كنيسة ليفتدي بثمنها أسرى الحرب(26). وكان عالماً متفقهاً في الدين دافع بكل قوة عن المبادئ التي أقرها مجمع نيقية، وكان خطيباً مفوهاً لمواعظه الفضل في هدى أوغسطين، وشاعراً ألف عدداً من أقدم ترانيم الكنيسة وأنبلها، وقاضياً فضح بعلمه واستقامته مفاسد المحاكم المدنية، وسياسياً تعهد إليه الكنيسة والدولة بأشق المهام وأعظمها خطراً، ومنظماً دقيقاً كان سنداً قويّاً للبابا وإن كان قد غطى عليه وحجبه، وعالماً دينياً أرغم ثيودسيوس العظيم على التوبة، وكانت له السيطرة على خطط فلنتنيان الثالث. وكان سبب هذه السيطرة أن كانت للإمبراطور الشاب أم أريوسية العقيدة تدعى جيستنيا Justina حاولت أن تحصل على كنيسة في ميلان لقس أريوسي. ولكن المصلين من أتباع أمبروز ظلوا في الكنيسة المحاصرة ليلاً ونهاراً معتصمين فيها، اعتصاماً مقدساً يتحدون أمر الإمبراطور بتسليم البناء "ومن ثم" كما يقول أغسطين "نشأت عادة إنشاد الترانيم والأغاني، تقليداً لعادات الولايات الشرقية




صفحة رقم : 4229




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> الجنود المسيحيون


لإنقاذ الشعب من أن يضنيه طول يقظته وحزنه"(27)، وقاوم أمبروز الإمبراطور مقاومة عنيفة ذاع صيتها في الخافقين ونال التعصب على يديه نصراً مؤزراً.
وكان بولينوس Paulinus (353-431) يمثل في نولا Nola بجنوب إيطاليا نوعاً من القديسين أرق حاشية وألطف معشراً من أمبروز. وكان بولينوس ينتمي إلى أسرة مثرية عريقة تقطن بردو Bordeaux، وقد تزوج من سيدة تنتمي إلى أسرة لا تقل عن أسرته في كرم محتد، ودرس على الشاعر أوسنيوس Ausonius، وخاض غمار السياسة وارتقى رقياً سريعاً. ثم "انقلب" فجأة وتحول عن العالم تحولاً تاماً: فباع أملاكه، ووزع ماله كله على لفقراء؛ ولم يبق لنفسه منه إلا ما يسد ضرورات الحياة؛ ورضيت زوجته ثرازيا Therasia أن تعيش معه "أختاً له في المسيح" طاهرة. ولم تكن حياة الأديرة قد نشأت في الغرب ولهذا فقد اتخذا من بيتهما المتواضع في نولا ديراً خاصاً، عاشا فيه خمسة وثلاثين عاماً ممتنعين عن اللحم والخمر، ويصومان عدداً كثيرة من الأيام في كل شهر، وكانا سعيدين لأنهم تخلصا من متاعب الثروة ومشاغلها. واعترض أصدقاء شبابه الوثنيون، وخاصة أوسنيوس أستاذه القديم، على ما بدا لهم أنه هرب من واجبات الحياة المدنية، فكان جوابه أن دعاهم ليشاركوه في سعادته. وقد احتفظ إلى آخر حياته بروح التسامح في هذا القرن المليء بالحقد والعنف. ولما مات اشترك الوثنيون واليهود مع المسيحيين في تشييع جنازته.
وكتب بولينيوس شعراً مطرباً ساحراً، ولكنه لم يكتبه إلا عرضاً، أما الشاعر الذي كان يمثل النظرة المسيحية إلى الحياة في ذلك العصر أصدق تمثيل فهو أورليوس برودنتيوس كلمنز Aurelius Prudentius Clemenes الأسباني (348-410 تقريباً). فبينا كان كلوديان وأوستيوس يملآن أشعارهما بالآلهة الموتى، كان برودنتيوس يترنم بالأوزان القديمة في الموضوعات الحية الجديدة: كقصص الشهداء (في كتاب التيجان)، ويضع الترانيم لكل ساعة من ساعات اليوم، ويكتب




صفحة رقم : 4230




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> الجنود المسيحيون


بالشعر رداً على دفاع سيماكوس عن تمثال النصر. وفي هذه القصيدة الأخيرة وجه إلى هونوريوس تلك الدعوة الحارة الذائعة الصيت، التي أهاب فيها أن يمنع معارك المجالدين. ولم يكن يكره الوثنيين، بل إنا لنجد في أقواله ألفاظاً طيبة عن سيماكوس، وعن يوليان نفسه، وكان يرجو أبناء دينه المسيحيين ألا يتلقوا أعمال الوثنيين الفنية. وكان يشارك كلوديان في إعجابه بروما، ويثلج صدره أن يستطيع الإنسان التنقل في معظم أنحاء علام الرجل الأبيض وهو خاضع لقوانين واحدة آمن على حياته أينما حل، "نعيش زملاء مواطنين كنا"(28). وإنا لنجد في أقوال هذا الشاعر المسيحي آخر أصداء أعمال روما المجيدة وسيادتها.
ولم يكن أقل مفاخر روما أن أصبحت لغالة في ذلك الوقت حضارة من أرقى الحضارات. فقد كان في القرن الرابع أساقفة عظام لا يقلون شأناً عن أوسنيوس وسيدونيوس في عالم الأدب، نذكر منهم هيلاري البواتييري Hilry Of Poitiers وريمي الريمسي Remi Of Rrims ويفرونيوس الأوتوني Eyphaonius Of Autuni، ومارتن التوري Martin Of Tours. وكان هيلاري المتوفى حوالي عام (367) من أنشط المدافعين على قرارات مجمع نيقية وقد كتب رسالة من اثنتي "عشرة مقالة" حاول فيها أن يشرح عقيدة التثليث. ولكننا نراه في كرسيه المتواضع في بواتييه يحيا الحياة الصالحة الخليقة بالرجل المسيحي المخلص لدينه -يستيقظ في الصبح الباكر، ويستقبل كل قادم عليه، ويستمع للشكليات، ويفصل في الخصومات، ويتلو القداس، ويعظ، ويعلم، ويملي الكتب والرسائل، ويستمع في أثناء وجبات الطعام لقراءات من الكتب الدينية، ويقوم في كل يوم ببعض العمال اليدوية كزرع الأراضي أو نسج الثياب للفقراء(29). وكان بسيرته هذه يمثل رجل الدين الصالح أصدق تمثيل.
وقد خلف القديس مارتن St. Martin شهرة أوسع من شهرة هؤلاء جميعاّ. ففي فرنسا الآن 3675 كنيسة و425 قرية تسمى كلها باسمه. وقد ولد في بتونيا




صفحة رقم : 4231




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> الجنود المسيحيون


حوالي عام 316؛ وأراد، وهو في الثانية عشرة من عمره، أن يكون راهباً، ولكن أباه أرغمه، وهو في الخامسة عشرة، على الانضمام إلى الجيش؛ فلما كان فيه جندياً غير عادي، فكان يهب مرتبه للفقراء، ويساعد البائسين، ويتحلى بالوداعة والصبر كأنه يريد أن يتخذ من معسكر الجيش ديراً. ونال مارتن أمنيته بعد أن قضى في الخدمة العسكرية خمس سنين، فغادر الجيش ليعيش راهباً في صومعة، في إيطاليا أولاً، ثم في بواتييه بالقرب من هيلاري الذي كان يحبه. وفي عام 371 خرج أهل تور يطالبون بأن يكون أسقفاً عليهم، على الرغم من ثيابه الرثة وشعره الأشعث. فوافق على طلبهم، ولكنه أصر على أن يعيش كما كان عيشة الرهبان. وأنشأ في مرموتييه Marmoutler على بعد ميليين من تور ديراً جمع فيه ثمانين راهباً، وعاش معهم عيشة التقشف الخالية من الادعاء والتظاهر. وكان الأسقف رأيه رجلاً لا يكتفي بالاحتفال بالقداس، والوعظ، وتقسيم العشاء الرباني، وجمع المال، بل يعمل أيضاً على تقديم الطعام للجياع، والكساء للعرايا، وعيادة المرضى، ومساعدة البائسين. وقد أحبته غالة كلها حباً جعل الناس في جميع أنحائها يروون القصص عن معجزاته، ولقد بالغوا في هذا حتى قالوا إنه أحيا ثلاثة من الأموات(30). وقد اتخذته فرنسا من قديسيها الشفعاء.
واكن الدير الذي أنشأه مارتن في بواتييه (362) بداية أديرة كثيرة نشأت بعدئذ في عالة. وإذ كانت فكرة الأديرة قد جاءت إلى روما عن طريق كتاب أثناسيوس المسمى "حياة أنطونيوس"، ودعوة جيروم القوية التي أهاب فيها بالناس أن يحيوا حياة الزهد، فقد كان طراز الرهبنة الذي انتشر في الغرب هو أشقها وأكثرها عزلة، وقد حاول أصحابه أن يمارسوا أقسى شعائرها في جو غير رحيم كما كان يمارسها المصريون في شمس مصر الدفيئة وجوها المعتدل. فقد عاش الراهب ولفليك Wulfilaich عدة سنين عاري الساقين حافي القدمين فوق




صفحة رقم : 4232




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> الجنود المسيحيون


عمود في تيير؛ وكانت أظافر أصابع قدميه تتساقط في الشتاء، وتتعلق قطع الجليد بلحيته. وحبس القديس سينوخ نفسه بالقرب من تور في مكان ضيق بين أربعة جدران لم يستطع فيه أن يحرك النصف الأسفل من جسمه. وعاش على هذا النحو سنين كثيرة، كان فيها موضعاّ لإجلال الشعب(31). وأدخل القديس يوحنا كسيان John Cassian في الرهبنة آراء باخوم ليوزان بها نشوة أنطونيوس الروحية. فقد أوحت إليه بعض مواعظ كريستوم أن ينشئ ديراً للرجال وآخر للنساء في مرسيلية (415)، وأن يضع لهما أول ما وضع في الغرب من قوانين لحياة الرهبنة، وكان خمسة آلاف راهب في بروفانس Prevence يعيشون حسب ما وضعه من القواعد قبل أن يموت في عام 435. وبعد عام 400 بقليل أنشأ القديسان هونوراتوس Honoratus وكبراسيوس Caprasius ديراً على جزيرة ليرن Lerins المواجهة لمدينة كان Cannes. وكانت هذه الأديرة تعوّد الناس التعاون في العمل، والدرس، والتبحر في العلوم، أكثر مما تعلمهم التعبد في عزلة، ولم يلبث أن صارت مدارس لتعليم أصول الدين، كان لها أبلغ الأثر في أفكار الغرب. ولما تولى القديس بندكت حكم غالة من الوجهة الدينية في القرن التالي، أقام حكمه على تقاليد كاسيان التي كانت من خير النظم الدينية في التاريخ كله.




صفحة رقم : 4233




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> رهبان الشرق



الفصل الرابع




الشرق المسيحي




1- رهبان الشرق


لما أن أصبحت الكنيسة منظمة تحكم الملايين من بني الإنسان، ولم تعد كما كانت جماعة من المتعبدين الخاشعين، أخذت تنظر إلى الإنسان وما فيه من ضعف نظرة أكثر عطفاً من نظرتها السابقة، ولا ترى ضيراً من أن يستمتع الناس بملاذ الحياة الدنيا، وأن تشاركهم أحياناً في هذا الاستمتاع. غير أن أقلية من المسيحيين كانت ترى في النزول إلى هذا الدرك خيانة للمسيح، واعتزمت أن تجد مكانها في السماء عن طريق الفقر، والعفة، والصلاة، فاعتزلت العالم اعتزالاً تاماً. ولربما كان مبشرو أشوكا Ashoka (حوالي 250 ق.م) قد جاءوا إليه بنظرية بوذية وقوانينها الأخلاقية؛ ولربما كان النساك الذين وجدوا في العالم قبل المسيحية أمثال سرابيس Serapis في مصر أو جماعات الإسينيين في بلاد اليهود قد نقلوا إلى أنطونيوس وباخوم المثل العليا للحياة الدينية الصارمة وأساليب هذه الحياة. وكان الكثيرون من الناس يرون في الرهبنة ملاذاً من الفوضى والحرب اللذين أعقبا غارات المتبربرين؛ فلم يكن في الدير ولا في الصومعة الصحراوية ضرائب، أو خدمة عسكرية، أو منازعات حربية، أو كدح ممل. ولم يكن يطلب إلى الراهب ما يطلب إلى القسيس من مراسم قبل رسامته، وكان يوقن أنه سوف يحظى بالسعادة الأبدية بعد سنين قليلة من حياة السلام.
ويكاد مناخ مصر أن يغري الناس بحياة الأديرة، ولهذا غصت




صفحة رقم : 4234




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> رهبان الشرق


بالرهبان النساك الفرادي والمجتمعين في الأديرة يعيشون في عزلة كما كان يعيش أنطونيوس، أو جماعات كما كان يعيش باخوم في تابن Tabenne. وأنشأت الأديرة للرجال والنساء على طول ضفتي النيل، وكان بعضها يحتوي نحو ثلاثمائة من الرهبان والراهبات. وكان أنطونيوس (251-356) أشهر النساك الفرادي، وقد أخذ ينتقل من عزلة إلى عزلة حتى استقر به المقام على جبل القلزم القريب من شاطئ البحر الأحمر. وعرف مكانه المعجبون به فحذوا حذوه في تعبده ونسكه، وبنوا صوامعهم في أقرب مكان منه سمح به، حتى امتلأت الصحراء قبل موته بأبنائه الروحيين. وقلما كان يغتسل، وطالت حياته حتى بلغ مائة وخمساً من السنين. ورفض دعوة وجهها إليه قسطنطين، ولكنه سافر إلى الإسكندرية في سن التسعين ليؤيد أثناسيوس ضد أتباع أريوس. وكان يليه في شهرته باخوم الذي أنشأ في عام 325 تسعة أديرة للرجال وديراً واحداً للنساء. وكان سبعة آلاف من أتباعه الرهبان يجتمعون ليحتفلوا بيوم من الأيام المقدسة، وكان أولئك الرهبان المجتمعون يعملون ويصلون، ويركبون القوارب في النيل من حين إلى حين ليذهبوا إلى الإسكندرية حيث يبيعون ما لديهم من البضائع ويشترون حاجياتهم ويشتركون في المعارك الكنسية-السياسية.
ونشأت بين النساك الفرادى منافسة قوية في بطولة النسك يتحدث عنها دوشين Abbe Duchesne بقوله إن مكاريوس الإسكندري "لم يكن يسمع بعمل من أعمال الزهد إلا حاول أن يأتي بأعظم منه"، فإذا امتنع غيره من الرهبان عن أكل الطعام المطبوخ في الصوم الكبير امتنع هو عن أكل سبع سنين؛ وإذا عاقب بعضهم أنفسهم بالامتناع عن النوم شوهد مكاريوس وهو "يبذل جهد المستميت لكي يظل مستيقظاً عشرين ليلة متتابعة"، وحدث مرة في صوم كبير أن يظل واقفاً طوال هذا الصوم ليلاً ونهاراً لا يذوق الطعام إلا مرة واحدة في الأسبوع، ولم يكن طعامه هذا أكثر من بعض أوراق الكرنب،




صفحة رقم : 4235




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> رهبان الشرق


ولم ينقطع خلال هذه المدة عن ممارسة صناعته التي اختص بها وهي صناعة السلال(32). ولبث ستة أشهر ينام في مستنقع، ويعرض جسمه العريان للذباب السام(33). ومن الرهبان من أوفوا على الغابة من أعمال العزلة؛ ومن ذلك سرابيون Serapion الذي كان يعيش في كهف في قاع هاوية لم يجرؤ على النزول إليها عدد قليل من الحجاج. ولما وصل جيروم وبولا إلى صومعته هذه وجدوا فيها رجلاً لا يكاد يزيد جسمه على بضعة عظام وليس عليه إلا خرقه تستر حقويه، ويغطي الشعر وجهه وكتفيه، ولا تكاد صومعته تتسع لفراشه المكوّن من لوح من الخشب وبعض أوراق الشجر. ومع هذا فإن هذا الرجل قد عاش من قبل بين أشراف روما(34). ومن النساك من كانوا لا يرقدون قط أثناء نومهم ومنهم من كان يداوم على ذلك أربعين عاماً مثل بساريون Bessarion أو خمسين عاماً مثل باخوم(35). منهم من تخصصوا في الصمت وظلوا عدداً كبيراً من السنين لا تنفرج شفاههم عن كلمة واحدة. ومنهم من كانوا يحملون معهم أوزاناً ثقالاً أينما ذهبوا. ومنهم من كانوا يشدون أعضائهم بأطواق أو قيود أو سلاسل. ومنهم من كانوا يفخرون بعدد السنين التي لم ينظروا فيها إلى وجه امرأة(36). وكان النساك المنفردون جميعهم تقريباً يعيشون على قدر قليل من الطعام ، ومنهم من عمّروا طويلاً. ويحدثنا جيروم عن رهبان لم يطعموا شيئاً غير التين وخبز الشعير. ولما مرض مكاريوس جاءه بعضهم بعنب فلم تطاوعه نفسه على التمتع بهذا الترف، وبعث به إلى ناسك آخر، وأرسله هذا إلى ثالث حتى طاف العنب جميع الصحراء (كما يؤكد لنا روفينس)، وعاد مرة أخرى كاملاً إلى مكاريوس(37). وكان الحجاج، الذين جاءوا من جميع أنحاء العالم المسيحي ليشاهدوا رهبان الشرق، يعزون إلى أولئك الرهبان معجزات لا تقل في غرابتها عن معجزات المسيح، فكانوا -كما يقولون- يشفون الأمراض ويطردون الشياطين باللمس أو بالنطق بكلمة؛ وكانوا يروّضون الأفاعي أو الآساد بنظرة




صفحة رقم : 4236




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> رهبان الشرق


أو دعوة، ويعبرون النيل على ظهور التماسيح. وقد أصبحت مخلفات النساك أثمن ما تمتلكه الكنائس المسيحية، ولا تزال مدخرة فيها حتى اليوم.
وكان رئيس الدير لا يطلب إلى الرهبان أن يطيعوه طاعة عمياء، ويمتحن الرهبان الجدد بأوامر مستحيلة التنفيذ يلقيها عليهم. وتقول إحدى القصص إن واحداً من أولئك الرؤساء أمر راهباً جديداً أن يقفز في نار مضطرمة فصدع الراهب الجديد بالأمر؛ فانشقت النار حتى خرج منها بسلام. وأمر راهب جديد آخر أن يغرس عصا رئيسه في الأرض ويسقيها حتى تخرج أزهاراً؛ فلبث الراهب عدة سنين يذهب إلى نهر النيل على بُعد ميلين من الدير يحمل منه الماء ليصبه على العصا، حتى رحمه الله في السنة الثالثة فأزهرت(38). ويقول جيروم(39) إن الرهبان كانوا يؤمرون بالعمل "لئلا تضلهم الأوهام الخطرة"؛ فمنهم من كان يحرث الأرض، ومنهم من كان يعتني بالحدائق، أو ينسج الحصر أو السلال، أو يصنع أحذية من الخشب. أو ينسخ المخطوطات. وقد حفظت لنا أقلامهم كثيراً من الكتب القديمة. على أن كثيرين من الرهبان المصريين كانوا أميين يحتقرون العلوم الدنيوية ويرون أنها غرور باطل(40). ومنهم من كان يرى أن النظافة لا تتفق مع الإيمان؛ وقد أبت العذراء سلفيا أن تغسل أي جزء من جسدها عدا أصابعها، وكان في أحد الأديرة النسائية 130 راهبة لم تستحم واحدة منهن قط أو تغسل قدميها. لكن الرهبان أنسوا إلى الماء حوالي آخر القرن الرابع، وسخر الأب اسكندر من هذا الانحطاط فأخذ يحن إلى تلك الأيام التي لم يكن فيها الرهبان "يغسلون وجوههم قط"(41).
وكان الشرق الأدنى ينافس مصر في عدد رهبانها وراهباتها وعجائب فعالهم فكانت إنطاكية وبيت المقدس خليتين مليئتين بالصوامع وبالرهبان والراهبات، وكانت صحراء سوريا غاصة بالنساك، منهم من كان يشد نفسه بالسلاسل إلى صخرة ثابتة لا تتحرك كما يفعل فقراء الهنود، ومنهم من كان يحتقر هذا النوع المستقر




صفحة رقم : 4237




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> رهبان الشرق


من المساكن، فيقضي حياته في الطواف فوق الجبال يطعم العشب البري(42). ويروي لنا المؤرخون أن سمعان العمودي Simeon Stylites (390؟-459) كان لا يذوق الطعام طول الصوم الكبير الذي يدوم أربعين يوماً. وقد أصر في عام من الأعوام أثناء هذا الصوم كله أن يوضع في حظيرة وليس معه إلا قليل من الخبز والماء" وأخرج من بين الجدران في يوم عيد الفصح فوجد أنه لم يمس الخبز أو الماء. وبنى سمعان لنفسه في عام 422 عموداً عند قلعة سمعان في شمال سوريا وعاش فوقه. ثم رأى أن هذا اعتدال في الحياة يجلله العار فأخذ يزيد من ارتفاع العمود التي يعيش فوقها حتى جعل مسكنه الدائم فوق عمود يبلغ ارتفاعه ستين قدماً ولم يكن محيطه في أعلاه يزيد على ثلاث أقدام، وكان حول قمته سور يمنع القديس من السقوط على الأرض حين ينام. وعاش سمعان على هذه البقعة الصغيرة ثلاثين عاماً متوالية معرضاً للمطر والشمس والبرد، وكان أتباعه يصعدون إليه بالطعام وينقلون فضلاته على سلم يصل إلى أعلى العمود. وقد شد نفسه على هذا العمود بحبل حزّ في جسمه، فتعفَّن حوله، ونتن وكثرت فيه الديدان، فكان يلتقط الدود الذي يتساقط من جروحه ويعيده إليها ويقول: "كلي مما أعطاك الله!". وكان يلقي من منبره العالي مواعظ على الجماهير التي تحضر لمشاهدته، وكثيراً ما هدى المتبربرين، وعالج المرضى، واشترك في السياسة الكنسية، وجعل المرابين يستحون فينقصون فوائد ما يقرضون من المال إلى ستة في المائة بدل لثني عشر(43).وكانت تقواه سبباً في إيجاد طريقة النسك فوق الأعمدة، وهي الطريقة التي دامت اثني عشر قرناً. ولا تزال باقية حتى اليوم بصورة دنيوية خالصة.
ولم ترض الكنيسة عن هذا الإفراط في التقشف، ولعلها كانت تحس بشيء من الفخر الوحشي في هذا الإذلال النفسي، وبشيء من الشراهة الروحية في هذا الإنكار الذاتي، وبشيء من الشهوانية الخفية في هذا الفرار من النساء ومن العالم




صفحة رقم : 4238




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> رهبان الشرق


كله. وسجلات أولئك الزهاد حافلة بالرؤى والأحلام الجنسية، وصوامعهم تتردد فيها أصداء أنينهم وهم يقاومون المغريات الخيالية والأفكار الغرامية. وكانوا يعتقدون أن الهواء الذي يحيط بهم غاص بالشياطين التي لا تنفك تهاجمهم؛ ويبدو أن الرهبان قد وجدوا أن حياة الفضيلة في العزلة أشق منها لو أنهم عاشوا بين جميع مغريات المدن. وكثيراً ما كان الناسك تختل موازين عقله؛ فها هو ذا روفينس يحدثنا عن راهب شاب دخلت عليه في صومعته امرأة جميلة، فلم يستطع أن يقاوم سحر جمالها، ثم اختفت من فورها في الهواء كما ظن هو، فما كان من الراهب إلا أن خرج هائماً على وجهه، إلى أقرب قرية له، وقفز في فرن حمام ليطفئ النار المستعرة في جسمه. وتروي قصة أخرى عن فتاة استأذنت في الدخول إلى صومعة راهب مدعية أن الوحوش تطاردها فرضى أن يؤويها وقتاً قصيراً، ولكن حدث في تلك الساعة أن مست جسمه مصادفة، فاشتعلت نار الشهوة فيه كأن سني التقشف الطوال التي مرت به قد انقضت دون أن تحدث فيها أقل أثر، وحاول الراهب أن يمسك بها، ولكنها اختفت عن ذراعيه وعن عينيه. ويقول الرواة إن جماعة من الشياطين أخذت تغنّي وتهلل طرباً وتضحك من سقطته، ويقول روفينس إن الراهب لم يطق حياة الرهبنة بعد تلك الساعة؛ فقد عجز كما عجز بفنوس Paphnuce في مسرحية تييس Tuais لأناتول فرانس عن أن يبعد عنه رؤيا الجمال التي أبصرها أو تخيلها، فغادر صومعته وانغمس في الحياة المدنية، وسار وراء هذه الرؤيا حتى أوصلته آخر الأمر إلى الجحيم(44).
ولم يكن للكنيسة النظامية سلطة على الرهبان في أول الأمر؛ وقلما كان أولئك الرهبان يحصلون على أية رتبة كهنوتية، غير أنها مع ذلك كانت تحس بأن تبعة إفراطها هذا واقعة عليها، فقد كان لها نصيب من المجد الذي ينالونه بأعمالهم. ولم يكن في وسع الكنيسة أن ترضى كل الرضا عن المثل العليا للرهبنة.




صفحة رقم : 4239




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> رهبان الشرق


نعم إنها كانت تمتدح العزوبة، والبكورية، والفقر، ولكن لم يكن في وسعها أن تعد الزواج، أو الأبوة، أو الملكية من الخطايا، بل لقد أصبح الآن من مصلحتها أن يدوم الجنس البشري ويتناسل ويكثر. وكان بعض الرهبان يغادرون الأديرة باختيارهم، ويضايقون الناس بإلحافهم في السؤال. ومنهم من كانوا يتنقلون من بلدة إلى بلدة، يدعون إلى الزهد ويبيعون مخلفات حقيقية أو زائفة، ويرهبون المجامع الدينية المقدسة، ويحرضون ذوي الطبائع الحامية من الناس على تدمير الهياكل أو التماثيل الوثنية، أو يدعونه في بعض الأحيان إلى قتل امرأة من طراز هيباشيا Hypatia .ولم تكن الكنيسة راضية عن هذه الأعمال الفردية التي يأتيها هؤلاء الرهبان من تلقاء أنفسهم، وقد قرر مجلس خلقيدون (451) أن تفرض رقابة شديدة على من يدخلون الأديرة، وأن الذين يهبون أنفسهم لها لا يجوز لهم أن يخرجوا بعدئذ منه، وألا يسمح لإنسان بأن ينشئ ديراً أو يغادره إلا إذا أذن له بذلك أسقف الأبرشية.




صفحة رقم : 4240




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> الأساقفة الشرقيون



2- الأساقفة الشرقيون


لقد نالت المسيحية في الوقت الذي نتحدث عنه نصراً في بلاد الشرق يكاد أن يكون تاماً، ففي مصر أصبح المسيحيون المحليون أو القبط هم أغلبية السكان، وكانوا يمدون بالمال مئات من الكنائس والأديرة، واعترف تسعون أسقفاً مصرياً بسلطة بطريق الإسكندرية، وهي سلطة تكاد تضارع سلطة الفراعنة والبطالمة. وكان بعض هؤلاء البطارقة ساسة من رجال الدين ومن طراز غير محبوب أمثال توفيلس الذي حرق هيكل سرابيس الوثني ومكتبته (389). وكان خيراً منه وأحب إلى النفوس الأب سينسيوس Sinesius أسقف بطوليمايس




صفحة رقم : 4241




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> الأساقفة الشرقيون


المتواضع. وكان مولده في قوريني (حوالي عام 365)، وقد درس علوم الرياضة والفلسفة في الإسكندرية على هيباشيا؛ وظل إلى آخر أيام حياته صديقها الوفي، وكان يسميها: "الشارحة الحقه للفلسفة الحقه". ثم زار أثينة، وفيها قويت عقيدته الوثنية، ولكنه تزوج بامرأة مسيحية في عام 403، واعتنق على أثر ذلك الدين المسيحي، ووجد أن من المجاملة البسيطة لزوجته أن يحول ثالوث الأفلاطونية الحديثة المكّون من الواحد، والفكر، والنفس، إلى الأب، والروح، والابن(45). وكتب كثيراً من الرسائل البديعة، ويعض الكتب الفلسفية القليلة الشأن لا يوجد بينها شيء ذو قيمة للقارئ في هذه الأيام، إذا استثنينا مقاله "في مدح الصلح". وفي عام 410 عرض عليه توفليس أسقفية بطوليمايس، وكان وقتئذ من سراة الريف وممن كان مالُهم أكثر من مطامعهم، فقال إنه غير أهل لهذا المنصب، وإنه لا يؤمن ببعث الأجسام (كما تتطلب ذلك عقائد مؤتمر نيقية) وإنه متزوج، ولا يريد أن يهجر زوجته. ولكن العقائد المقررة كانت في نظر توفليس مجرد آلات، فغض النظر عن هذه المخلفات وعيّن سينسيوس أسقفاً قبل أن يفصل الفيلسوف في أمره. ومن الحادثات الطريفة التي تتفق مع ما عرف عن هذا الأسقف أن آخر رسالة كتبها كانت موجهة إلى هيباشيا وأن آخر صلاة له كانت للمسيح(46).
وعوملت الهياكل الوثنية في سوريا بالطريقة التي تتفق مع طباع توفيلس، فقد صدر أمر إمبراطوري يقضي بإغلاقها؛ وقاومت البقية الباقية من الوثنيين أمره هذا ولكنهم استسلموا أخيراً للهزيمة حين رأوا آلهتهم ترضى بتخريب هياكلها دون مبالاة. وكان للمسيحية في آسية زعماء أعظم حكمة من زعمائهما في مصر . فمن هؤلاء باسيلي العظيم الذي تعلم في حياته القصيرة التي لا تزيد على




صفحة رقم : 4242




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> الأساقفة الشرقيون


خمسين عاماً (329 ؟-379) البلاغة على ليبانيوس في القسطنطينية، ودرس الفلسفة في أثينا، وزار النساك في مصر وسوريا، ولم يوافق على زهدهم وانطوائهم على أنفسهم، ثم صار أسقفاً لقيصرية كبدوكيا، ونظم شئون المسيحية في بلاده، فأعاد النظر في شعائرها، وأدخل فيها نظام رهبنة الأديرة التي تنتج كل ما يحتاجه المقيمون فيها، ووضع قانوناً للأديرة لا يزال هو المسيطر على جميع أديرة العالم اليوناني الصقلبي. وقد نصح أتباعه بأن يتجنبوا ما يأتيه النساك المصريون من أعمال القسوة المسرحية، وأن يستعيضوا عنها بخدمة الله وخدمة صحتهم وعقولهم بالعمل النافع، وهو يرى أن حرث الأرض من خير أنواع العبادة. ولا يزال الشرق المسيحي حتى الآن يعترف بما له في المسيحية من أثر لا يضارعه أثر أحد غيره.
أما القسطنطينية فلم يكد يبقى فيها أثر للعبادة الوثنية، بيد أن المسيحية نفسها قد تفرقت شيعاً بسبب النزاع الدائم بين أهلها، فقد كانت الأريوسية لا تزال قوية، وكانت بدع دينية خارجة على الدين لا تنقطع عن الظهور، حتى ليكاد يكون لكل رجل فيها آراؤه الخاصة في الدين. وفي ذلك يقول جريجوري النيسي Gregory Nyassa أخو باسيلى : "هذه المدينة ملآى بالصناع والعبيد، وكلها من المتفقهين في الدين الذين يعظون الناس في الشوارع والحوانيت، فإذا طلبت إلى أحد منهم أن يبدل لك قطعة نقود فضية، أخذ يحدثك عن الفوارق بين الأبن والأب، وإذا سألت عن ثمن رغيف ... قبيل ذلك إ، الابن أقل منزلة من الأب؛ وإذا سألت هل أعد لك الحمام، كان الجواب أن الأبن قد خُلق من لاشيء"(47). وكان أول دير أنشئ في العاصمة الجديدة هو الذي أنشأه أسحق السوري في أيام ثيودوسيوس الأول وسرعان ما تضاعف




صفحة رقم : 4243




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> الأساقفة الشرقيون


عدد الأديرة فيها حتى إذا وافى عام 400 كان الرهبان طائفة ذات قوة وبأس تنشر الرعب في المدينة، وكان لهم شأن صاخب في النزاع القائم بين هذا البطريق وذاك وبين البطريق والإمبراطور.
وتعلم جريجوري نزيانزين مرارة الحقد الطائفي حين قبل دعوة وجهها إليه مسيحيوا القسطنطينية لأن يكون أسقفاً عليهم (379). وكان فالنز قد مات تواً، ولكن أتباع أريوس الذين ناصرهم الإمبراطور من قبل، كانوا لا يزالون يتولون معظم المناصب الكنسية ويقيمون صلواتهم في كنيسة أيا صوفيا. ولذلك أضطر جريجوري أن يصنع مذبحه ويأوي أتباعه في بيت صديق له، ولكنه أطلق على كنيسته المتواضعة اسماً يدل على كبير أمله فيها، لقد سماها أناستازيا Anastasia (البعث)، وكان رجلا أوتى من التقوى بقدر ما أوتى من العلم، درس في أثينة مع مواطنه باسلي، ولم يكن أحد افصح منه إلا الرجل الذي جاء بعد خلفه وزاد أتباعه زيادة مطردة حتى كانوا أكثر من المتعبدين في الكنائس الرسمية، وفي عشية عيد الفصح من عام 379 هجم جماعة من الأريوسيين على كنيسة الأناستازيا ورجموها بالحجارة، وبعد ثمانية عشر شهراً من هذا الحادث أخذ الأمبراطور ثيودوسيوس بيد جريجوري ورفعه على عرشه الخليق به في كنيسة أياصوفيا وسط مظاهر التكريم والنصر العظيم. ولكن السياسة الكهنوتية لم تلبث أن قضت على هدوءه وأطمئنانه، فقام جماعة من شانئيه الأساقفة يعلنون أن تعينه باطل، وأمروه أن يدافع عن نفسه أمام مجلس ديني، ورأى جريجوري أنه أكبر من أن يدافع عن كرسيه، فاعتزل منصبه (381)، وعاد إلى فنزيانزوس Nazianzus في كبدوكيا ليقضي فيها الثماني السنين الباقية من حياته بعيداً عن أعين الخلق في عزلة وهدوء.
وخلفه في منصبه رجل خامل غير خالق الذكر، ولما مات دعت الحاشية الإمبراطورية إلى كنيسة أياصوفيا قساً من إنطاكية يعرف في التاريخ باسم




صفحة رقم : 4244




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> الأساقفة الشرقيون


القديس يوحنا كريستوم- أي صاحب الفم الذهبي. وقد ولد حوالي عام 345 من أسرة شريفة، وتلقى فنون البلاغة في ليبانيوس، وألم بالآداب والفلسفة الوثنية، وكان الأحبار الشرقيون بوجه عام أغزر علماً وأكثر براعة في الجدل من أحبار العرب، وكان يوحنا رجلاً قوي الذهن حاد الطبع، أزعج أتباعه الجدد باصطناع الجد في المسيحية، والتنديد بمظالم العصر وفساده الخلقي بأصرح الألفاظ(48). وصف المسرح بأنه معرض للنساء الفاجرات، ومدرسة للفسق والغوايات والدسائس. وأخذ يسائل سراة المسيحيين في العاصمة لِمَ ينفقون الكثير من أموالهم في الخلاعة والمجون، ولا يهبون الكثير منها إلى الفقراء كما أمرهم المسيح. ويعجب كيف يكون لبعض الناس عشرون قصراً وعشرون حماماً، وألف عبد، وأبواب من العاج،وأرض من الفسيفساء وجدران من الرخام، وسقف من الذهب؛ وينذر الأغنياء بعذاب النار لأنهم يحيون ضيوفهم بالبنات الفاسدات الراقصات(49). وكان يلوم أتباعه من رجال الدين على حياة التبطيل والنعيم(50). وعلى قيام النساء بخدمتهم في بيوتهم الكنسية مما يحمل الناس على الارتياب فيهم وإساءة الظن بهم. وقد أقال ثلاثة عشر أسقفاً من الخاضعين لسلطته لفساد أخلاقهم أو متاجرتهم بالدين، وأبن رهبان القسطنطينية لأنهم يقضون في الشوارع من الوقت أكثر مما يقضونه في صوامعهم. وكان هو نفسه يضرب أحسن الأمثلة في العمل بما يعظ به فلم يكن ينفق إيراد دائرته الدينية في المظاهر الكاذبة التي كانت من مميزات الأسقفيات الشرقية، بل كان ينفقها في بناء المستشفيات، ومساعدة الفقراء. ولم تسمع القسطنطينية قبله مواعظ تضارع مواعظه قوة، وبلاغة، وصراحة، فلم تكن مليئة بالمعنويات الدالة على التقى والورع، بل كانت سننا مسيحية تطبق تطبيقاً صارماً إلى أقصى حدود الصرامة.
"هل في الناس من هم أظلم من الملاّك ؟ فأنت إذا نظرت إلى الطريقة التي يعاملون بها مستأجري أملاكهم رأيتهم أشد وحشية من البرابرة. فهم يفرضون




صفحة رقم : 4245




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> الأساقفة الشرقيون


ضرائب فادحة لا آخر لها على الذين أنهك الجوع والكدح أجسامهم طوال حياتهم، ثم يفرضون عليهم فوق ذلك خدمات لا طاقة لهم بها... يرغمونهم على العمل طوال فصل الشتاء في البرد والمطر، ويحرمونهم من النوم ويرسلونهم إلى بيوتهم محرومين من كل شئ ...
وإن ما يقاسيه أولئك الرجال على أيدي عمال الملاك من عذاب، وضرب، وما يرغمون على أدائه من ضرائب فادحة، وخدمات خالية من الرحمة، لا شدّ عليهم من ألم الجوع. ومنْذا الذي يستطيع إحصاء الوسائل التي يلجأ إليها أولئك الوكلاء لاستخدام المستأجرين في جر المغانم لهم ثم حرمانهم من ثمار كدحهم ؟ فهم يديرون بقوة عضلاتهم مما يمتلكه أولئك الوكلاء من معاصر الزيتون، ولكنهم لا ينالون نصيباً مهماً قلَ مت الزيت الذي يرغمون على تعبئته في الزجاجات أولئك الوكلاء ظلماً وعدواناً؛ وهم لا يؤجرون على عملهم هذا إلا أجراً ضئيلاً".
وبعد، فأن جماعة المصلين في الكنائس يحبون أن يؤنبوا، ولكنهم لا يحبون أن يقوموا. ومن أجل هذا ظلت النساء يتعطرن، وظل الأغنياء يقيمون المآدب الفخمة، وظل رجال الدين منهمكين في شئونهم النسائية الخاصة، وبقيت دور التمثيل تعرض مناظرها المألوفة؛ وسرعان ما وقفت كل طائفة في المدينة، عدا الفقراء الذين لا حول لهم ولا طول، تعارض الرجل ذا الفم الذهبي. وكانت الإمبراطورة يودكسيا زوجة أركاديوس تتزعم الطائفة المتنعمة من أهل العصمة في حياة الترف. وقد فسرت إحدى العبارات الواردة في مواعظ يوحنا بأنها تشير إليها هي، وطلبت إلى زوجها الضعيف أن يعقد مجلساً دينياً لمحاكمة البطريق. وأجابها الإمبراطور إلى طلبها، وعقد في عام 403 مجلس من أساقفة الشرق في خلقيدون. ورفض يوحنا المثول أمامه محتجاً بأنه يجب ألا يحاكم أمام أعدائه. فقرر المجلس خلعه، وذهب الرجل إلى المنفى في هدوء، ولكن




صفحة رقم : 4246




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الشرق المسيحي -> الأساقفة الشرقيون


الناس ضجوا بالاحتجاج ضجيجاً أخاف الإمبراطور، فارجعه إلى كرسيه. ولم تمض إلا بضعة أشهر حتى قام مرة أخرى يندد بالطبقات الغنية، ويبدى بعض آراء انتقادية على تمثال للإمبراطورة، فطلبت يودكسيا مرة أخرى طرده، وقام توفيلس بطريق الإسكندرية، وهو الرجل المتأهب على الدوام لأن يضعف الكرسي المنافس له، يذكر أركاديوس بأن قرار خلقيدون القاضي بخلعه لا يزال قائماً، يمكن تطبيقه عليه، وأرسل الجند للقبض على كريستوم؛ ونقل الرجل إلى الضفة الأخرى من البسفور ونفى في قرية من قرى أرمينية (404). ولما أن سمع أتباعه الأوفياء بهذا النبأ ثاروا ثورة عنيفة، أحرقت. أثنائها كنيسة أياصوفيا ومجلس الشيوخ القريب منها. وأرسل كريستوم من منفاه رسائل استغاثة إلى هونوريوس وإلى أسقف روما، فأمر أركاديوس بنقله إلى صحراء بتيوس البعيدة في بنطس. ولكن الأب المنهوك القوى مات في الطريق عند بلدة كومانا Comana في الثانية والستين من عمره (407). وظلت الكنيسة الشرقية منذ ذلك اليوم حتى الآن - مع استثناء فترات قصيرة- خادمة للدولة خاضعة لأوامرها.




صفحة رقم : 4247




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> الآثم



الفصل الخامس




القديس أوغسطين




1- الآثم


وكانت أفريقية الشمالية التي ولد فيها أوغسطين موطن خليط من الأجناس والعقائد، أمتزج في أهلها الدم البونى والنوميدى بالدم الروماني، ولعلهما أمتزجا في أوغسطين. وكان كثيرون من الناس يتكلمون اللغة البونية -وهي لغة قرطاجة الفينيقية القديمة، وقد بلغوا من الكثرة حداً اضطر معه أوغسطين وهو أسقف ألا يعين من القساوسة إلا من كان يتكلم هذه اللغة. وكانت الدونانية فيها تتحدى الديانة القويمة، والمانية تتحداهما جميعاً، ويلوح أن كثرة الأهلين كانت لا تزال وثنية(52). وكان مسقط رأس أوغسطين هو بلدة تاجستي في نوميديا. وكانت أمه القديسة مونكا Monica مسيحية مخلصة قضت حياتها كلها تقريباً في العناية بولدها الضال والدعاء له بالهداية. أما والده كان رجلا قليل المال، ضعيف المبادئ صبرت مونكا على عدم وفائه ليقينها أنه لن يستمر على هذا إلى أبد الدهر.
ولما بلغ الغلام الثانية عشرة من عمره أرسل إلى المدرسة في مدورا Madaura، ولما بلغ السابعة عشر أرسل ليتم دراساته العليا في قرطاجنة. وقد وصف سلفان أفريقية بعد ذلك الوقت بقليل بأنها "بالوعة أقذار العالم"، كما وصف قرطاجنة بأنها "بالوعة أقذار أفريقية". ومن أجل هذا كانت النصيحة التي أسدتها مونكا لولدها وقت وداعه هي كما جاءت على لسانه.
"لقد أمرتني، وحذرتني في جد وصرامة من مخالفة أمرها، وألا أرتكب




صفحة رقم : 4248




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> الآثم


الفحشاء، وخاصة ألا أدنس عرض امرأة متزوجة. وخيل إلي أن هذه الأقوال لا تعدو أن تكون نصائح امرأة، وأن من العار أن أعمل بها ...واندفعت في غوايتي اندفاع الأعمى، حتى كنت أخجل وأنا بين لذاتي من أن أرتكب ذلك الجرم الشنيع فأكون أقل منهم قحة حين كنت أستمع إليهم يتفاخرون أعظم الفخر بآثامهم؛ نعم فقد كان تفاخرهم يعظم كلما زادت حيوانيتهم. وكنت أسر من هذه الأعمال الفاضحة، ولكم يكن ذلك لما فيها من لذة فحسب، بل لما أناله بسببها من المديح... فإذا عدمت فرصة ارتكاب عمل من الأعمال الإجرامية، التي تسلكني مع السفلة الخاسرين : تظاهرت بأني قد فعلت ما لم أفعله قط"(54).
وقد أظهر أوغسطين أنه تلميذ مجد في اللغة اللاتينية، وفي العلوم الرياضية، والموسيقى والفلسفة" وكان عقلي القلق عاكفاً على طلب العلم"(55). ولم يكون يحب اللغة اليونانية، ولذلك لم يتقنها ولم يتعلم آدابها، ولكنه افتتن بأفلاطون افتتاناً جعله يلقبه "نصف الإله"(56)، ولم يمتنع عن أن يكون أفلاطونياً بعد أن صار مسيحياً. وقد هيأه مرانه الوثني في المنطق والفلسفة لأن يكون أعظم الفقهاء دهاء في الكنيسة المسيحية.
ولما أتم دراسته أخذ يعلم النحو في تاجستى ثم البلاغة في قرطاجنة. وإذا كان قد بلغ وقتئذ السادسة عشر من عمره فقد "كثر الكلام حول اختيار زوجة لي". ولكنه فضل أن يتخذ له خليلة -وهي طريقة سهلة ترضاها المبادئ الأخلاقية والوثنية والقوانين الرومانية. وإذ لم يكن أوغسطين قد عمَد بعد، فقد كان في وسعه أن يستمد مبادئه الخلقية أنى شاء. وكان اتخاذه خليلة له ارتقاء من الناحية الأخلاقية، فقد أنقطع بعدها عن الاختلاط الجنسي الطليق، ويلوح أنه ظل وفياً لخليلته حتى افترقا في عام 385. ووجد أوغسطين نفسه في عام 382 وهو لا يزال في الثامنة عشر من عمره أباً لولد ذكر على كره منه، وقد لقب هذا الولد في وقت من الأوقات "ابن خطيئتي"، ولكنه كان يسميه عادة أديوداتوس




صفحة رقم : 4249




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> الآثم


Adeodatus- أي عطية الله، وقد أحب الولد فيما بعد حباً شديداً، ولم يكن يسمح له أن يبتعد عنه قط.
ولما بلغ التاسعة عشرة من العمر غادر قرطاجنة إلى عالم روما الواسع. وخشيت أمه ألا يعمد فرجته ألا يذهب إلى روما، فلما أصر على الذهاب، توسلت إليه أن يأخذها معه. فتظاهر بموافقتها على توسلها، ولكنه حين ذهب إلى الميناء تركها تصلي في معبد صغير وأبحر دون أن يأخذها معه(57). وقضى عاماً في روما يعلم البلاغة، ولكن تلاميذه لم يؤدوا له أجره، فطلب أن يعين أستاذاً في ميلان، وامتحنه سيماخوس ووافق على طلبه وأرسله إلى ميلان ببريد الدولة، وهناك لحقت به أمه الشجاعة، وأقنعته بأن يسمع معها إلى مواعظ أمبروز، وتأثر هو بهذه المواعظ، ولكنه تأثر أكثر من هذا بالترنيمة التي ترنم بها المصلون. وأقنعته مونكا في الوقت عينه بأن يتزوج، ثم خطبت له عروساً بالفعل، وكان الآن في الثانية والثلاثين من عمره، وكانت عروسه بنتاً صغيرة في السن عظيمة الثراء ورضى أوغسطين أن ينتظر عامين حتى تبلغ الثانية عشر. وكان أول ما أستعد به لزواجه أن أعاد حظيته إلى أفريقية، حين دفنت أحزانها في دير النساء. وكان امتناعه عن النساء أسابيع قليلة كافياً لأن يسبب له انهياراً في أعصابه، فأستبدل بالزواج حظية أخرى، ودعا الله قائلا :"ارزقني العفة، ولكنها لم يحل أوانها بعد"(58).
وقد وجد في خلال هذه المشاغل المختلفة وقتاً لدراسة العلوم الدينية. ولقد بدأ الرجل حياته بعقيدة أمه البسيطة، ولكنه نبذها بأنفه وكبرياء حين ذهب إلى المدرسة، ظل تسع سنين معتنقاً عقيدة الأثنينية المانية لأنه رأى وسيلة لفهم العالم المركب من الخير والشر بالتمييز بينهما. وقضى بعض الوقت يداعب تشكك المجمع العلمي المتأخر، ولكن مزاجه الشديد التأثر والانفعال لم يكن يطيق البقاء زمناً طويلاً معلق الحكم. ودرس وهو في روما وميلان كتب أفلاطون وأفلوطين




صفحة رقم : 4250




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> الآثم


وتأثرت فلسفته أشد التأثر بالأفلاطونية الجديدة، وظلت تسيطر على طريقة على علوم الدين المسيحية إلى أيام أبيلار Abelard. وكانت هذه الفلسفة سبيل أوغسطين إلى المسيحية. وكان أمبروز قد أشار عليه بأن يقرأ الكتاب المقدس على ضوء ما قاله بولس من أن "الحرفية تقتل ولكن الروح تعمل للحياة". ووجد أوغسطين أن التفسير الرمزى للكتاب المقدس يزيل ما كان يبدو له في سفر التكوين من سخف، ولما قرأ رسائل بولس شعُر بأنه قد وجد رجلاً مرت به مثله آلاف الشكوك، فلما ثبتت عقيدته أخر الأمر لم يكن عقلا أفلاطونيا مجرداً بل وجد كلمة الله التي أصبحت إنساناً. وبينما كان أوغسطين جالساً في يوم من الأيام في إحدى حدائق ميلان مع صديقه اليبيوس، خيل إليه أنه يسمع صوتاً يطن في أذنيه ويناديه : "خذ واقرأ، خذ واقرأ". ففتح رسائل بولس مرة أخرى وقرأ :
لا بالبطر والسكر، لا بالمضاجع والعهر، لا بالخصام والحسد. بل ألبسوا الرب يسوع المسيح، ولا تضعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات .
وكانت هذه الفقرة خاتمة تطور طويل الأمد في مشاعر أوغسطين وأفكاره. وقد وجد في هذا الدين العجيب شيئاً أعظم حرارة وأعمق فكراً من كل ما في منطق الفلسفة؛ لقد جاءته المسيحية لترضى فيه عاطفته المنفعلة القوية؛ فلما أن تخلص من التشكك الذهني وجد لأول مرة في حياته دافعاً خلقياً قوياً، وراحة عقلية، وأقر صديقه اليبيوس أنه هو الأخر مستعد لأن يخضع مثله لهذا الصوت الجديد، وتلقت مُونِكا هذا الاستسلام منهما فعكفت على الصلاة حمداً لله على هذه النعمة.




صفحة رقم : 4251




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> الآثم


وفي يوم عيد الفصح من عام 387 عَمّد أمبروز أوغسطين، وأليبيوس وأديوداتس، ووقفت مُونِكا إلى جانبهم أثناء التعميد فرحة مستبشرة، وصمم أربعتهم على أن يذهبوا إلى أفريقية ليعيشوا فيها معيشة الرهبان. ثم ماتت مونكا في أستيا Ostia وهي واثقة من أنها ستجتمع بهم في الجنة. ولما وصلوا إلى أفريقية باع أوغسطين ما خلفه له أبوه من ميراث صغير ووزع ثمنه على الفقراء، ثم ألف هو وأليبيوس وطائفة من الأصدقاء جماعة دينية وعاشوا معاً في تاجستى، فقراء، عزاباً، منقطعين للدرس والصلاة. وعلى هذا النحو وجدت الطريقة الأوغسطينية (388)، وهي أقدم أخوة رهبانية في الغرب كله.




صفحة رقم : 4252




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> العالم الديني



2- العالم الديني


توفى أديوداتس في عام 389 وحزن عليه أوغسطين كأنه لم يزل وقتئذ يشك فيما ينتظره الذين يموتون وهم مؤمنون بالمسيح من سعادة أبدية. وكان عزاؤه الوحيد في هذا الحزن العميق هو العمل والكتابة. وفي عام 391 استعان به فليريوس أسقف هبو Hpoo (بونة الحالية) على إدارة أبرشيته، ورسمه قسيساً ليمكنه من القيام بهذا العمل. وكثيراً ما كان فليريوس يترك له منبر الخطابة، فكانت بلاغة أوغسطين تؤثر أبلغ الأثر في المصلين سواء فهموها أو لم يفهموها. وكانت هبو ثغراً يسكنه نحو أربعين ألفاً من السكان، وكان للكاثوليك فيه كنيسة. وكان بقية السكان من المانيين ، أو الوثنيين. وكان فرتوناتس Fartunatus الأسقف الماني صاحب السيطرة الدينية في هذه البلدة، ولهذا أنظم الدوناتيون إلى الكاثوليك في تحريض أوغسطين على أن يقابله في نقاش ديني، وقبل أوغسطين هذا الطلب، ولبث




صفحة رقم : 4253




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> العالم الديني


هذان الخصمان، أو إن شئت المجالدان الجديدان يومين كاملين في جدلهم أمام حشد كبير امتلأت به حمامات سوسيوس Socios. وفاز أوغسطين على مناظره، فغادر فرتوناتس هبو ولم يعد إليها أبداً (392).
وبعد أربعة أعوام من ذلك الوقت طلب فليريوس إلى أتباعه أن يختاروا خلفه معللا طلبه هذا بشيخوخته، فأجمعوا أمرهم على اختيار أوغسطين، ولكنه عارض في هذا الاختيار وبكى، وتوسل إليهم أن يسمحوا له بالعودة إلى ديره، غير أنهم تغلبوا عليه؛ وطل الأربعة والثلاثين عاماً الباقية من عمره أسقفاً لهبو.
ومن هذه البقعة الصغيرة كان يحرك العالم. فبدأ عمله باختيار شماس أو شماسين، وجاء براهبين من ديره ليساعداه في عمله، وعاشوا جميعاً عيشة الدير الشيوعية في مسكنهم الكنسي، ولذلك استولت بعض الدهشة على أوغسطين حين رأى أحد أعوانه يترك حين وفاته ميراثاً لا بأس به(59). وكانوا جميعاً يعيشون على الخضر ويبقون اللحم للأضياف والمرضى. وقد وصف أوغسطين نفسه بأنه قصير القامة، نحيل الجسم، ضعيف البنية على الدوام؛ وكان يشكو اضطراباً في الرئة، وكان شديد التأثر بالبرد. وكان مرهف الأعصاب، سريع التهيج، قوي الخيال مكتئبه، حاد الذهن، مرن العقل. وما من شك في أنه كان يتصف بكثير من الخلال المحبوبة رغم تمسكه الشديد بآرائه، وتعسفه في أحكامه الدينية، وعدم تسامحه في بعض الأحيان. وقبل كثيرون مما جاءوا ليأخذوا عنه فنون البلاغة زعامته الدينية، وظل أليبيوس من أتباعه إلى أخر حياته.
ولم يكد أوغسطين يجلس على كرسي الأسقفية حتى بدأ كفاحه الذي أستمر مدى الحياة ضد الدوناتية. فكان يتحدى زعمائهم ويدعوهم إلى المناقشة العلنية، ولكن لم يقبل دعوتهم إلا عدد قليل منهم، ثم دعاهم إلى مؤتمرات حبية، ولكنهم أجابوه بالصمت، ثم بالإهانة، ثم بالعنف، وشنوا هجوماً شديداً على عدد من الأساقفة الكاثوليك في شمالي أفريقية؛ ويبدو أن عدة محاولات قد




صفحة رقم : 4254




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> العالم الديني


بذلت لاغتيال أوغسطين نفسه(60). على أننا لا نستطيع أن نقطع في هذا برأي حاسم لأنه ليس لدينا ما يقوله الدوناتية في هذا الشأن؛ وفي عام 411 اجتمع مجلس ديني في قرطاجنة استجابة لدعوة الإمبراطور هونوريوس ليضع حداً النزاع مع الدوناتية؛ وأرسل الدوناتيون 279 من أساقفتهم، كما أرسل الكاثوليك 286 أسقفاً - لكننا يجدر بنا أن نشير هنا إلى أن لفظ أسقف لم يكن له في أفريقية معنى أكثر من لفظ قسيس وبعد أن سمع مرسلينوس Mercellinus مندوب الإمبراطور حجج كل من الفريقين أمر ألا يعقد الدوناتية اجتماعاً عاماً بعد ذلك اليوم، وأن يسلموا جميع كنائسهم إلى الكاثوليك. ورد الدوناتية على ذلك بأعمال في منتهى العنف منها، على ما يقال، أنهم قتلوا رستتيوتوس Restitutus أحد قساوسة هبو وبتروا بعض أعضاء رجل من رجال أوغسطين، وألح أوغسطين على الحكومة أن تنفذ قرارها بالقوة(61)، وخرج على آرائه القديمة القائلة بأنه "يجب ألا يرغم أحد على القول بوحدة المسيح... وأنه ينبغي لنا أن لا نقاتل الناس إلا بقوة الحجة، وألا نتغلب إلا بقوة العقل"(62). وختم دعوته بقوله إن الكنيسة هي الأب الروحي لجميع الناس، ومن ثم يجب أن يكون لها ما للأب من حق في عقاب الابن المشاكس لرده إلى ما فيه الخير له(63)؛ وقد بدا له أن إيقاع الأذى ببعض الدوناتية خير "من أن تصب اللعنة على الجميع لحاجتهم إلى من يرغمهم"(64). وكان في الوقت نفسه يكرر الدعوة إلى موظفي الدولة ألا ينفذوا عقوبة الإعدام على المارقين(65).
وإذا غضضنا النظر عن هذا النزاع المرير، وعن المشاغل التي تتطلبها أعمال منصبه الديني، حق لنا أن نقول إن أوغسطين كان يعيش في مملكة العقل وإن معظم عمله كان بقلمه. فقد كان يكتب في كل يوم تقريباً رسالة لا يزال لها أعظم الأثر في أصول المذهب الكاثوليكي؛ وإن مواعظه وحدها لتملأ مجلدات ضخمة. ومع أن بعضها قد أفسدته البلاغة المصطنعة وما فيه من جمل متقابلة متوازنة؛ ومع




صفحة رقم : 4255




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> العالم الديني


أن الكثير من هذه المواعظ يبحث في موضوعات محلية، لا شأن لها بغير الوقت الذي قبلت فيه، ويبحث فيها بأسلوب بسيط يتفق مع عقلية الجماعات غير المتعلمة التي كانت تستمع إليه، ومع هذا كله فإن الكثير من هذه المواعظ يسمو إلى منزلة عليا من الفصاحة منشؤها عاطفته الصوفية القوية، والعقيدة الثابتة المتأصلة في أعماق نفسه، ولم يكن في وسع نفسه أن يحصر عقله في أعمال أبرشيته لأنه عقل دأب على العمل ومرن على منطق المدارس. وقد بذل غاية جهده فيما أصدره من الرسائل التي كان بعضها يأخذ برقاب بعض في أن يوفق بين العقل وبين العقائد عقائد الكنيسة التي كان يجهلها ويرى أنها دعامة النظام والأخلاق الفاضلة في هذا العالم الخرب المضطرب. وكان يدرك أن التثليث هو العقبة الكؤود في سبيل هذا التوفيق، ولهذا قضى خمسة عشر عاماً يعمل في أدق كتبه وأحسنها تنظيماً وهو كتاب التثليث De Trinitate الذي حاول فيه أن يجد في التجارب الإنسانية نظائر لثلاثة أشخاص في إله واحد، ومما حيره أكثر من هذه المسألة، وملأ حياته كلها بالدهشة والمجادلة، مشكلة التوفيق بين حرية الإرادة وعلم الله الأزلي السابق لأعمال الإنسان. فإذا كان علم الله يشمل كل شئ فهو يرى المستقبل بكل ما فيه، ولما كانت إرادة الله ثابتة لا تتغير فإن ما لديه من صورة للحوادث التي تقع في المستقبل يحتم عليها أن تقع وفقاً لهذه الصورة، فهي إذا مقررة من قبل لاتغير فيها ولا تغيير. فكيف والحالة هذه يكون الإنسان حراً في أعماله؟ ألا يجب على الإنسان إذن أن يعمل وفق ما هو سابق في علم الله ؟ وإذ كان الله عليماً بكل شئ، فقد عرف منذ الأزل المصير الأخير لكل روح خلقها؛ فلم إذن خلق الأرواح التي قدر عليها اللعنة ؟
وكان أوغسطين قد كتب في السنين الأولى من حياته المسيحية رسالة "في حرية الإرادة De libero arbitrio". حاول فيها وقتئذ أن يوفق بين وجود الشر وبين الخير الذي يتصف به الله القادر على كل شئ. وكان الحل الذي




صفحة رقم : 4256




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> العالم الديني


وصل إليه في هذه المشكلة هو أن الشر نتيجة لحرية الإرادة؛ ذلك أن الله لا يمكن أن يترك الإنسان حراً، دون أن يمكنه أن يعمل الشر كما يعمل الخير. ثم تأثر فيما بعد برسائل بولس فقال إن خطيئة آدم قد وصمت الجنس البشري بوصمة الميل إلى الشر، وإن الأعمال الصالحة مهما كثرت لا تستطيع أن تمكن النفس البشرية من التغلب على هذا الميل، ومحو هذه الوصمة، والنجاة منها؛ بل الذي يمكنها من هذا هو النعمة الإلهية التي يهبها الله لكل من أراد. ولقد عرض الله هذه النعمة على الناس جميعاً ولكن الكثيرين منها رفضوها، وكان الله يعلن أنهم سيرفضونها، ولكن العقاب الذي قد حل بهم نتيجة لهذا الرفض هو الثمن الذي يؤدونه لهذه الحرية الأخلاقية التي بغيرها لا يكون الإنسان إنساناً. وعلم الله السابق لا يتعارض مع هذه الحرية، إذ كل ما في الأمر أن الله يرى من قبل ما سيختاره الإنسان بمحض حريته(66).
ولم يبتدع أوغسطين عقيدة الخطيئة الاولى، ذلك أن بولس، وترتليان، وسبريان، وأمبروز كلهم قد علموها الناس، ولكن الخطايا، التي أرتكبها"والصوت" الذي هداه قد غرسا فيه اعتقاداً مقبضاً بأن إرادة الإنسان تنزع من مولده إلى عمل الشر، وألا شئ يستطيع ردها إلى الخير إلا فضل الله الذي يهبه للناس من غير مقابل. ولم يكن في مقدور أوغسطين أن يفسر نزعة الإرادة البشرية إلى الشر بأكثر من أنها نتيجة لخطيئة حواء، وحب آدم لها. ويقول أوغسطين أننا ونحن كلنا أبناء آدم، نشاركه في أثمه، بل أننا في الواقع أبناء هذا الإثم : لأن الخطيئة الأولى كانت نتيجة شهوته، ولا تزال هذه الشهوة تدنس كل عمل من أعمال التناسل؛ وبفضل هذه الصلة بين الشهوة الجنسية والأبوة، كان الجنس البشري "جمعاً من الخاسرين" وحلت اللعنة على الكثرة الغالبة من الآدميين. نعم إن بعضنا سوف ينجو، ولكن نجاة هؤلاء لن تكون إلا نعمة ينالونها بسبب ما قاساه ابن الله من الآم، وبشفاعة الأم التي حملت




صفحة رقم : 4257




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> العالم الديني


فيه من غير دنس. "لقد حل بنا الهلاك بفعل امرأة، وعادت إلينا النجاة بفضل امرأة(67).
ولقد أنحدر أوغسطين أكثر من مرة إلى مبالغات حاول فيما بعد أن يخفف منها، وكان سبب انحداره إليها كثرة ما كتب وسرعته في كتابته التي كثيراً ما كان يمليها إملاء كما نظن. فكان في بعض الأحيان يدعو إلى العقيدة الكلفنية القائلة بأن الله قد أختار بمحض إرادته منذ الأزل"الصفوة" التي سيهبها نعمة النجاة(68). وقد قامت طائفة كبيرة من النقاد تصب عليه جام غضبها لأخذه بأمثال هذه النظرية؛ ولكنه لم يتراجع عن شئ منها بل دافع عن كل نقطة منها إلى أخر أيام حياته. وجاءه من إنجلترا الراهب بلاجيوس Pelagius وهو أقدر معارضيه بدفاع قوي عن حرية الإنسان، وعن قدرة الأعمال الصالحة على نجاته من العذاب. وكان ما قاله بلاجيوس إن الله في واقع الأمر يعيننا على الخير بما ينزله علينا من الشرائع والوصايا، وبما يضربه قديسوه من الأمثلة الصالحة قولاً وفعلاً، وبمياه التعميد المطهرة، وبدم المسيح المنقذ. ولكن الله لا يرجح كفة خسراننا بأن يجعل الطبيعة البشرية آثمة بفطرتها. فلم تكن ثمة خطيئة أولى، ولم يكن هناك سقوط الإنسان، ولن يعاقب على الذنب إلا من أرتكبه، ولن ينتقل منه جرم إلى أبنائه(69). والله لا يقدر على هؤلاء الأبناء أن يكون مصيرهم الجنة أو النار، ولا يختار متعسفاً من يلعنه ومن ينجيه، بل يترك لنا نحن أن نختار مصيرنا. ويمضي بلاجيوس فيقول إن القائلين بفساد الإنسان الأخلاقي إنما يلومون الله على خطايا البشر. إن الإنسان يشعر بأنه مسئول عما يعمل ومن أجل هذا فهو مسئول عنه حقاً، "وإذا كنت مرغماً فإني قادر".
وجاء بلاجيوس إلى روما حوالى عام 400 وعاش فيها مع أسر صالحة، وأشتهر بالتقي والفضيلة. وفي عام 409 فرّ من ألريك، وكان فراره إلى قرطاجنة ثم إلى فلسطين، ثم عاش في سلام حتى جاء أورسيوس الشاعر الأسباني من




صفحة رقم : 4258




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> العالم الديني


عند أوغسطين يحذر منه جيروم (415) : وعقد مجمع ديني شرقي ليحاكم الراهب، ولكنه قرر صحة عقائده، غير أن مجمعاً أفريقياً نقض هذا الحكم بتحريض أوغسطين ولجأ إلى البابا إنوسنت Innocent الأول فأعلن أن بلاجيوس مارق من الدين؛ وحينئذ ملأ الأمل صدر أوغسطين فأعلن أن "القضية قد أصبحت مفروغاً منها
Causa finita est ثم مات إنوسنت وخلفه زوسموس Zosimus وأعلن أن بلاجيوس برئ. ولجأ أساقفة أفريقية إلى هونوريوس، وسرّ الإمبراطور أن يصحح خطأ البابا، وخضع زوسموس للإمبراطور (418)، وأعلن مجلس إفسوس أن ما يراه بلاجيوس من أن في مقدور الإنسان أن يكون صالحاً دون أن يستعين بنعمة الله زيغ وضلال.
وفي استطاعة الباحث أن يجد في أقوال أوغسطين متناقضات وسخافات بل وقسوة سقيمة في التفكير، ولكن ليس من السهل أن يتغلب عليه لأن الذي يشكل آراءه الدينية في أخر الأمر هو مغامراته الروحية، ومزاجه الجياش بالعاطفة لا تفكيره المنطقي المتسلسل. ولقد كان يعرف ما ينطوي عليه العقل البشري من ضعف، ويدرج أن تجارب الفرد القصيرة هي التي تحكم حكماً طائشاً على تجارب الجنس البشري كله ويقول: "كيف تستطيع أربعون عاماً فهم أربعين قرناً ؟" وقد كتب إلى صديق له يقول: "لاتعارض بحجج قوية هائجاً فيما لا يزال عسير الفهم عليك، أو فيما يبدو لك في الكتاب المقدس...من تباين وتناقض، بل أجِّل... في وداعة اليوم الذي تفهمه فيه"(71) إن الإيمان يجب أن يسبق الفهم. لا تحاول أن تفهم لكي تؤمن، بل آمن لكي تفهم"(72)."وقوة الأسفار المنزلة أعظم من جميع جهود الذكاء البشري"(73). لكنه يرى




صفحة رقم : 4259




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> العالم الديني


أن ليس من المحتم أن نفهم الفاظ الكتاب المقدس حرفياً؛ فقد كتبت أسفاره لكي تفهمها العقول الساذجة، ولهذا كان لابد من أن تستخدم فيه ألفاظ خاصة بالجسم للدلالة على الحقائق الروحية(74). وإذا أختلف الناس في تفسيرها كان علينا أن نرجع إلى حكم مجالس الكنيسة إي إلى الحكمة الجامعة المستمدة من أعظم رجالها حكمة(75).
على أن الإيمان نفسه لا يكفي وحده للفهم الصحيح؛ بل يجب أن يصحبه قلب طاهر يسمح بأن ينفذ فيه ما يحيط بنا من أشعة قدسية، فإذا تطهر الإنسان وتواضع على هذا النحو ارتقى بعد سنين كثيرة إلى الغاية الحقى وإلى جوهر الدين وهو "الاستحواذ على الله الحي"؛ إني أريد أن أعرف الله والنفس، وهل ثمة شئ أكثر من هذا ؟ لا شئ أكثر من هذا على الإطلاق"(76). إن أكثر ما تتحدث عنه المسيحية الشرقية هو المسيح، أما علم أوغسطين فيتحدث عن "الشخص الأول". يتحدث ويكتب عن الله الأب وإلى الله الأب. وهو لا يخلع على الله أوصافاً، لأن الله وحده هو الذي يعرف الله حق المعرفة(77). والراجح أن "الله الحق ليس بذكر ولا بأنثى، وليس له عمر ولا جسم"(78)، ولكن في وسعنا أن نعرف الله، معرفة أكيدة بمعنى ما، عن طريق خلقه، لأن كل شئ في العالم أعجوبة من أعظم للعجائب في نظامها وفي وظيفتها، ولا يمكن أن يكون إلا إذا أوجدها عقل خلاق(79)، وإن ما في الكائنات الحية من نظام، وتناسب، واتزان، ليدل على وجود نوع من القدرة الإلهية الأفلاطونية يتوحد فيها الجمال والحكمة(80).
ولا شئ يضطرنا إلى الاعتقاد بأن العالم خلق في ستة "أيام"؛ وأكبر الظن أن الله قد خلق في أول الأمر كتلة سديمية (nebulosa species)، ولكن النظام البذري، أو المقدرة الإنتاجية rationes seminales كانت كامنة في هذا النظام، ومن هذه القدرة الإنتاجية نشأت الأشياء كلها بعلل طبيعية(81).




صفحة رقم : 4260




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> العالم الديني


وكان أوغسطين يرى - كما يرى أفلاطون- أن ما في العالم من أشياء حقيقية وحوادث قد وجدت كلها أولاً في عقل الله قبل أن توجد على سطح الأرض "كما يوجد تخطيط البناء في عقل المهندس قبل أن يقيمه"(82)، ويتحدث الخلق في الوقت المناسب حسب هذه الصورة الأزلية الموجودة في العقل الإلهي.




صفحة رقم : 4261




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> الفيلسوف



3- الفيلسوف


ترى كيف نستطيع في هذا الحيز الصغير من أن نوفي صاحب هذه الشخصية القوية وهذا القلم الخصيب حقه من التمجيد والتكريم؟ إن هذا الرجل لم يكد يترك مشكلة دينية أو سياسية إلا جهر فيها برأيه وبحثها في رسائله البالغ عددها 230 رسالة، كتبها بأسلوب يفيض بقوة الشعور الحار وبعبارات خلابة أستعمل فيها ألفاظاً جديدة صاغتها من معينه الذي لا ينضب. فقد بحث في حياء ودهاء طبيعة الزمن(83)، وسبق ديكارت إلى قوله :"إني أفكر ولهذا أنا موجود" ففند آراء رجال المجمع الديني يقولون إن الإنسان لا يستطيع أن يكون واثقاً من أي شئ، وقال :"منذا الذي يشك في أنه حي وأنه يفكر ؟... ذلك بأنه أن شك فهو حي"(84).
وكذلك سبق برجسن Bergeson في شكواه من العقل اطول بحثه في الأشياء الجسمية قد أصبح مادي النزعة؛ واعلن كما أعلن كانت Kant أن الروح هي أكثر الحقائق كلها علماً بنفسها، وعبر تعبيراً واضحاً عن النزعة المثالية القائلة إنه "لما كانت المادة لا تعرف إلا عن طريق العقل فليس في مقدورنا من الناحية المنطقية أن نهبط بالعقل فنجعله مادة(85). وأشار إلى مبحث شوبنهور في أن الإرادة، لا العقل، هي العنصر الأساسي في الإنسان وأتفق مع شوبنهور في أن العالم يصلح إذا وقف كل ما فيه من تناسل(86).
ومن مؤلفاته كتابان يعدان من خير كتب الأدب القديم في العالم كله.




صفحة رقم : 4262




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> الفيلسوف


فاعترافاته (حوالي عام 400) هي أول ما كتب من التراجم الذاتية وأوسعها شهرة. والكتاب موجه إلى الله مباشرة بوصفه توبة إليه من الذنوب صيغت في مائة ألف كلمة. ويبدأ الكتاب بوصف ما اقترفه من الذنوب في صباه، ثم يروي قصة هدايته بوضوح، وتتخلل هذه القصة أحياناً نشوة قوية من الصلوات والأدعية. أن الاعترافات كلها ستار الجريمة، ولكن في اعترافات أوغسطين بالذات إخلاصاً ذهل منه العالم كله. ولقد قال هو نفسه -بعد أن بلغ الرابع والستين من عمره وأصبح أسقفاً- إن الصورة الشهوانية القديمة، "لا تزال حية في ذاكرتي، تندفع إلى افكاري...فهي تساورني في نومي لا لتسرني فحسب بل قد يبلغ بي الأمر أن أرضى عنها وأوافق عليها وأحب أن أخرجها من التفكير إلى التنفيذ"(87). وتلك صراحة وتحليل نفساني لانجدها عادة في الأساقفة. وكتابه هذا الذي يعد خير كتبه كلها هو قصة نفس بلغت أعلى درجات الإيمان والسلام. وإنا لنجد في سطوره الأولى خلاصة له كله : "لقد خلقتنا يارب لنفسك ولن تعرف قلوبنا الراحة حتى تستريح لديك". ولما بلغ هذه المرحلة كانت عقيدته ثابتة لا تتسرب إليها ريبة مؤمنة بما في خلق الكون من عدالة:
"لقد أحببتك يارب بعد فوات الأوان، يا إلهي يا ذا الجمال التليد والطارف.. إن السماء والأرض وكل ما فيهما لتوحي إليّ من جميع نواحي أن الواجب عليّ أن أحبك... فأي شئ أحب الآن حين أحبك يارب ؟... لقد سألت الأرض فاجابت لست أنا الذي تحب... وسألت البحر والأعماق البعيدة وكل ما يدب على الأرض فأجابت كلها : لسنا نحن إلهك، فابحث له من فوقنا. وسألت الرياح العاصفة فأجابني الهواء بكل ما فيه : لقد كان أنكسيمانس مخدوعاً، لست أنا الله. وسألت السموات، والشمس والقمر والنجوم فقالت : لسنا نحن الله الذي تبحث عنه . فأجبتها كلها ... حدثيني عن الله؛ إذا لم تكوني أنت




صفحة رقم : 4263




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> الفيلسوف


هو فحدثيني عنه. فصاحت كلها بصوت عال : لقد خلقتنا... وإن الذين لا يجدون السرور في كل شي خلقته لقوم فقدوا عقولهم... وفي رضاك يا إلهي عنا سلامنا .
واعترافات أوغسطين شعر في صورة نثر؛ أما كتبه الأخر"مدينة الله" (413-426)فهو فلسفة في صورة تاريخ، وان الباعث له على كتابه أنه لما ترامت إلى أفريقية أنباء نهب ألريك لروما، وما أعقبه من فرار آلاف اللاجئين ثارت نفس أوغسطين، كما ثارت نفوس جيروم وغيره، لهذه الفاجعة التي بدت لهم كلهم عملاً شيطانياً لا يفعله من أوتى ذرة ن العقل. وتساءل الناس قائلين : لم يترك الإله الخير الرحيم تلك المدينة التي أبدع الناس جمالها وأنشئوا قوائمها وظلوا يجلونها القرون الطوال، والتي أضحت الآن حصن المسيحية الحصين، لم يتركها الإله إلى البرابرة يعيثون فيها فساداً ؟ وقال الوثنيون في كل مكان إن المسيحية هي سبب ما حل بالمدينة من دمار : ذلك أن الآلهة القديمة قد تخلت عن حماية روما بسبب ما أصاب تلك الآلهة من نهب وثل لعروشها، وتحريم لعبادتها. وكانت هذه المدينة قد نمت وازدهرت وعمها الرخاء مدى ألف عام بفضل هداية الآلهة. وتزعزع إيمان كثيرين من المسيحيين بسبب هذه الكارثة . وشعر أوغسطين في قرارة نفسه بهذا التحدي، وأدرك أن ذلك الصرح الديني العظيم الذي شاده لنفسه على مر السنين، يوشك أن ينهار إذا لم يعمل شيئاً يخفف من هذا الذعر المستولي على النفوس . ولذا قرر أن يبذل كل ما وهب من عبقرية لإقناع العالم الروماني أن هذه الكارثة وأمثالها لاتغيب المسيحية ولا تزرى بفضلها. وظل ثلاثة عشر عاماً يواصل الليل بالنهار في تأليف هذا الكتاب بالإضافة إلى ما كان يقوم به من واجبات وما يحيط به من مشاغل تشتت افكاره. وكان ينشره أجزاء متقطعة في فترات متباعدة حتى نسى وسطه




صفحة رقم : 4264




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> الفيلسوف


أوله ولم يدر ما سيكون أخره. ومن أجل هذا كان لابد أن تصبح صفحاته البالغة 1200 صفحة سلسلة من المقالات المهوشة في جميع الموضوعات من الخطيئة الأولى إلى يوم الحساب. ولم يرفعه من الفوضى السارية فيه إلى أعلى مكانة في أدب الفلسفة المسيحية إلا عمق تفكيره وبراعة أسلوبه.
وكان جواب أوغسطين الأول عما يدور بخلد الناس من أسئلة محيرة أن ما حل بروما لم يكن عقاباً لها لاعتناقها الدين الجديد بل كان جزاء لها على ما تنفك ترتكبه من آثام. ثم أخذ يصف ما يمثل على المسرح الوثني من مفاسد، ونقل عن سالست وشيشرون ما قالاه عن مفاسد السياسة الرومانية وقال إن الرومان كانوا في وقت من الأوقات أمة من الرواقيين يبعث فيها القوة رجال من أمثال كاتو وسبيو، وكادت أن تخلق القانون خلقاً، ونشرت لواء السلم والنظام على نصف العالم، وفي هذه الأيام القديمة أيام النبل والبطولة تجلى الله عليها بوجهه، وأشرق عليها بنوره ، ولكن بذور الفساد الخلقى كانت كامنة في دين روما القديم نفسه، كامنة في ثنايا تلك الآلهة التي كانت تشجع الغرائز الجنسية بدل أن تقاومها، تشجع الإله فرجنيوس على أن يحل حزام العذراء، وسبجوس Subigus على أن يضعها تحت الرجل وبرما Perma على أن تتكئ عليها... وتشجع بريابوس Priapus الذي أُمرت العروس الجديدة أن تقوم وتجلس فوق عضوه الضخم الحيواني(89). لقد عوقبت روما، لأنها كانت تعبد أمثال تلك الآلهة لا لأنها غفلت عن عبادتها. ولقد أبقى البرابرة على الكنائس المسيحية وعلى الذين لجأوا إليها، ولكنهم لم يرحموا المعابد الوثنية، فكيف إذن يكون الغزاة صوت عذاب في أيدي الآلهة الوثنية؟.
وكان رد أوغسطين الثاني ضرباً من فلسفة التاريخ -فقد كان محاولة منه لتفسير الحوادث التي وقعت في أزمنة التاريخ المدون على أساس عام وواحد. فقد استمد أوغسطين من فكرة أفلاطون عن الدولة المثالية القائمة




صفحة رقم : 4265




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> الفيلسوف


"في مكان ما في السماء"، ومن فكرة القديس بولس عن وجود مجتمع من القديسين الأحياء منهم والأموات(90)، ومن عقيدة تكنيوس Tyconius الدوناتي عن الوجود مجتمعين أحدهما لله والآخر للشيطان، استمد من هذا كله الفكرة الأساسية التي قام عليها كتابه وهو أنه قصة مدينتين: مدينة أرضية يسكنها رجال هذه الدنيا المنهمكون في شؤون الأرض ومباهجها، ومدينة إلهية هي مدينة عباد الله الواحد الحق في الماضي والحاضر والمستقبل. ولماركس أورليوس في هذا المعنى عبارة ما أعظمها: "في وسع الشاعر أن يقول لأثينة: أي مدينة سكربس Cecrops الجميلة! فهلاّ قلت أنت للعالم أي مدينة الله جميلة؟"(92). وكان أورليوس يقصد بقوله هذا الكون المنظم كله. ويقول أوغسطين أن مدينة الله قد نشأت بخلق الملائكة وإن المدينة الأرضية قد قامت بعصيانه بسبب الشياطين". والجنس البشري منقسم قسمين مختلفين: منهم قسم يعيش طبقاً لسنن الآدميين، وقسم يعيش طبقاً لسنة الله. ونحن نطلق على هذين القسمين اسمين رمزيين فنسميها "المدينتين" أو "المجتمعين". فواحدة منهما قُدّر لها أن تَحْكُم إلى أبد الدهر مع الله، وأخرى قد حُكِم عليها أن تعذّب إلى الدهر مع الشيطان"(93). وليس حتماً أن تنحصر المدينة أو الإمبراطورية الواقعية من جميع نواحيها في داخل نطاق المدينة الأرضية؛ فقد تقوم بأعمال طيبة، فتسنّ الشرائع الحكيمة، وتصدر الأحكام العادلة، وتساعد الدين، كأن هذه الأعمال الصالحة تحدث في داخل مدينة الله؛ كذلك ليست المدينة الروحية هي بعينها الكنيسة الكاثوليكية، فإن الكنيسة أيضاً قد تكون لها مصالح أرضية، وقد ينحط أتباعها فيعلمون لمصلحتهم الخاصة، ويرتكبون الذنوب، وينحدرون من إحدى المدينتين إلى الأخرى، ولن تنفصل المدينتان وتصبح كلتاهما بمعزل عن الأخرى إلاّ في يوم الحساب(94).
وفي وسع الكنيسة أن تكون هي بعينها مدينة الله، وإن أوغسطين ليجعلها




صفحة رقم : 4266




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> الفيلسوف


كذلك في بعض الأحيان، وذلك بأن تتسع عضويتها اتساعاً رمزياً للأرواح السماوية والرواح الأرضية، وللصاحين من الناس الذين عاشوا قبل المسيحية وفي أيام المسيحية(95). وقد احتضنت المسيحية فيما بعد هذه الفكرة القائلة بأنها هي مدينة الله واتخذتها سلاحاً أدبياً استخدمته في شؤون السياسية، كما أنها استنتجت استنتاجاً منطقياً من فلسفة أوغسطين عقيدة الدولة الدينية تخضع فيها السلطات الدنيوية المستمدة من البشر إلى السلطة الروحية الممثلة في الكنيسة والمستمدة من الله. وقد قضى هذا الكتاب على الوثنية بوصفها فلسفة، كما بدأت به المسيحية من حيث هي فلسفة؛ وهو أول صياغة محددة جازمة لعقلية العصور الوسطى.




صفحة رقم : 4267




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> البطريق



4- البطريق


وكان البطل المؤمن الشيخ لا يزال في منصبه حين هجم الوندال على شمال أفريقية، وقد بقي في صراعه الديني إلى آخر أيام حياته يقضي على البدع الجديدة. ويلاقي الناقدين. ويرد على المعترضين، ويحل المشاكل. وكان يبحث في جد هل تبقى نساء في دار الآخرة، وهل يبعث المشوهون، والمبتور الأعضاء، والنحاف والسمان في تلك الدار كما كانوا في حياتهم الدنيوية، وكيف في السبيل إلى عودة الذين أكلهم غيرهم في أيام القحط؟(96). ولكن الشيخوخة أدركته ولحقته معها إهانات محزنة، وسئل في ذلك الوقت عن صحته فأجاب: "أما مِن حيث الروح فأنا سليم... وأما من حيث الجسم فأنا طريح الفراش، لا أقوى على المشي أو الوقوف أو الجلوس إصابتي بالبواسير المتورمة... ومع ذلك فما دام هذا هو الذي ارتضاه لي الله، فماذا أقول غير أني في حالة؟"(97).
وكان قد بذل غاية جهده في أن يؤجل خروج بنيفاس على روما؛ واشترك في دعوته إلى الاحتفاظ بولائه لها. ولما تقدم جيسريك في زحفه استشاره كثيرون




صفحة رقم : 4268




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> البطريق


من الأساقفة والقساوسة هل يبقون في مناصبهم أو يلجأون إلى الفرار؟ فأمرهم بالبقاء وضرب لهم المثل بنفسه. ولما أن حاصر الوندال مدينة هبو كان أوغسطين يعمل على تقوية الروح المعنوية للأهلين الجياع بمواعظه ودعواته، وظل كذلك حتى مات في الشهر الثالث من أشهر الحصار في السادسة والسبعين من عمره، ولم يترك وصية لأنه لم يكن يمتلك شيئاً ، ولكنه كتب بنفسه قبريته: "ما الذي يثقل قلب المسيحي؟ إن الذي يثقله هو أنه حاج مشتاق إلى بلده"(98).
وقلَّ أن نجد في التاريخ رجلاً يضارعه في نفوذه وقوة أثره. نعم إن الكنيسة الشرقية لم تشغف بتعاليمه؛ ويرجع بعض السبب في هذا إلى أنه كان بعيداّ كل البعد عن اليونانية في قلة علمه وفي إخضاعه الفكر للشعور والإرادة كما يرجع بعضه إلى أن الكنيسة الشرقية قد خضعت قبل أيامه لسلطان الدولة "أما في الغرب فقد طبع المذهب الكاثوليكي بطابعه الخاص، وسبق جريجوري السابق وإنوسنت الثالث فيما طلبته الكنيسة من أن تكون لها السلطة العليا على عقول الناس وعلى الدولة، ولم تكن المعارك الكبرى التي شبت بين الباباوات والأباطرة إلا نتيجة سياسية لتفكيره. ولقد ظل حتى القرن الثالث عشر المسيطر على الفلسفة الكاثوليكية وصبغها بصبغة الفلسفة الأفلاطونية، وحتى أكويناس الأرسطوطيلي النزعة قد سار في ركابه. وكان ويكلف Wyclif، وهوس Huss، ولوثر Luther، يعتقدون انهم يعودون إلى أوغسطين حين خرجوا على الكنيسة. ولقد أقام كلفن Calvin عقيدته الصارمة على نظريات أوغسطين الخاصة بالصفوة المختارة والطائفة المعونة. وفي الوقت الذي كان يبعث رجال الفكر على التدبر والتفكير، كان هو الملهم لمن كانت مسيحيتهم خارجة من القلب أكثر من خروجها من العقل. فكان المتصوفة يحاولون أن يترسموا خطاه وهم يتطلعون إلى رؤية الله، وكان الرجال والنساء يجدون في خشوعه ورقة دعواته وصلواته حاجتهم من الغذاء الروحي ومن الألفاظ القوية التي تأخذ




صفحة رقم : 4269




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> القديس أوغسطين -> البطريق


بمجامع القلوب ولعل سر نفوذه وسلطانه على الأجيال التالية انه ألف بين العناصر الفلسفية والصوفية في الديانة المسيحية، وبعث فيها قوة لم تكن لها من قبل، فمهد بذلك الطريق لتومس أكوناس ولنومس أكمبيس Thomas ( Kempis أيضاً.
وكانت عباراته القوية العاطفية التي لا يلجأ بها إلى العقل بل إلى الشعور، إيذاناً بانتهاء الأدب القديم، وانتصار أدب العصور الوسطى. وإذا شئنا أن نفهم العصور الوسطى على حقيقتها وجب علينا أن ننسى نزعتنا العقلية الحديثة، وثقتنا التي نفخر بها بالعقل والعلم، ودأبنا في البحث عن الثروة والسلطان والجنة الرضية، ثم يجب علينا بعدئذ أن ندرك مزاج أولئك الرجال الذين كانت آمالهم في هذه المطالب، والذين وقفوا عند نهاية ألف عام من أعوام النزعة العقلية ووجدوا أن جميع ما كانوا يحلمون به من قيام دولة فاضلة خالية من جميع الآلام والآثام قد حطمنها الحرب والفقر والبربرية، فأخذوا يبحثون عن عزاء لهم فيما يؤملونه من سعادة في الدار الآخرة، ووجدوا لهم سلوى وراحة وإلهاماً في قصة المسيح وفي شخصيته، فألقوا بأنفسهم تحت رحمة الله ورضوانه، وعاشوا حياتهم يفكرون في وجوده السرمدي، وفي حسابه الذي لا مفر منه، وفي موت ابنه الذي كفر به عن خطاياهم. ويكشف أوغسطين أكثر من غيره، حتى في ايام سيماخوس، وكلوديان، وأوسُنيوس عن هذه النزعة ويعبر عنها أحسن تعبير. وبهذا كان أقوى وأصدق وأفصح صوت ارتفع في المسيحية في عصر الإيمان.




صفحة رقم : 4270




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الكنيسة والعالم



الفصل السادس




الكنيسة والعالم


كانت حجج أوغسطين ضد الوثنية آخر رد في لأعظم جدل قام في التاريخ، وقد بقيت بعده الوثنية بمعناها الأخلاقي أي بوصفها إطلاقاً ممتعاً للشهوات الغريزية؛ أما بوصفها ديناً فلم تبق إلا في صورة طقوس قديمة وعادات تغتفرها، أو تقبلها، الكنيسة الكثيرة التسامح ثم تعدلها بعد قبولها. ولقد حلت عبادة القديسين المخلصة الواثقة محل شعائر الآلهة الوثنية، وأرضت نزعة الشرك التي توائم أصحاب العقول الساذجة أو الشعرية. وبُدل اسما تماثيل إيزيس وحورس باسمي مريم وعيسى؛ وأصبح عيد اللوبركاليا وتطهير إيزيس عيد مولد المسيح(99)؛ واستبدلت بحفلات الساترناليا حفلات عيد الميلاد، وبحفلات عيد الزهور عيد العنصرة، وبعيد قديم للأموات عيد جميع القديسين(100)، ويبعث أتيس بعث المسيح(101). وأعيد تكريس المذابح الوثنية للأبطال المسيحيين، وأدخل في طقوس الكنيسة ما كان يغتبط به الناس في الشعائر القديمة من بخور، وأنوار، وأزهار، ومواكب، وملابس، وترانيم؛ وتسامت العادات القديمة عادة ذبح الضحية الحية فكانت هي التضحية الروحية في العشاء الرباني.
وكان أوغسطين قد عارض في عبادة القديسين، واحتاج على ذلك بعبارات خليقة بأن ينطق بها فلتير في تدشين كنيسته في فيرني Fereny. "علينا ألا ننظر إلى القديسين على انهم آلهة، إنا لا نريد أن نقلد أولئك الوثنيين الذين يعبدون الموتى، ولهذا يجب ألا نبني لهم معابد، ولا نقيم لهم مذابح، بل أن نرفع بمخلفاتهم مذبحاً إلى الإله الواحد"(102). لكن الكنيسة قبلت عن حكمة هذا التجسد




صفحة رقم : 4271




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الكنيسة والعالم


الذي لابد منه في دين الشعب. لقد قاومت في بادئ الأمر(103)، عبادة القديسين ومخلفاتهم، ثم استعانت بعدئذ بها، ثم أساءت استخدامها. وعارضت في عبادة التماثيل والصور، وحذرت المؤمنين من تعظيمها إلا إذا فعلت ذلك بوصفها رموزاً(104) لا أكثر؛ ولكن قوة الشعور العام تغلبت على هذا التحذير، وأدت إلى ذلك الإسراف الذي أثار مشاعر محطمي الصور والتماثيل الدينية البيزنطيين. كذلك قاومت الكنيسة السحر والتنجيم، والتنبؤ بالغيب، ولكن آداب العصور الوسطى، كالآداب القديمة؛ ملآى بهذا كله؛ وما لبث الشعب والقساوسة أن استخدموا علامة الصليب على أنها رقبة سحرية تفيد في طرد الشياطين أو بعدها. وكانت التعاويذ تقرأ على رأس طالب التعميد، كما كان يطلب إليه أن يغمره الماء وهو عار من جميع ملابسه حتى لا يختبئ شيطان في ثوب يلبسه أو حلية يزين بها(105). وأضحى العلاج بالأحلام الذي كان يسعى إليه من قبل في هيكل إيسكولابيوس Aesculapius موفوراً في محراب القديسين كزمس Cosmos ودميان في روما، ثم اصبح من المستطاع أن يحصل عليه في مائة ضريح أخرى، ولم يكن رجال الدين هم الذين أفسدوا الشعب في هذه الأمور، بل أن الشعب هو الذي أقنع رجال الدين بما يريد. ذلك أن روح الرجل الساذج لا تتأثر إلا عن طريق الحواس والخيال، والحفلات والمعجزات، والأساطير، والخوف، والأمل؛ فإذا خلا الدين من هذا كله رفضه، أو عدله حتى يدخله فيه. ولقد كان من الطبيعي أن يلجأ الشعب الخائف الذي يحيط به الحرب والخراب، والفقر والمرض، إلى الأضرحة والكنائس الصغرى والكبرى، وإلى الأضواء الخفية، ونغمات الأجراس المطرية، وإلى المواكب، والأعياد والطقوس الممتعة ليجد فيها سلواه.
واستطاعت الكنيسة بالتجائها إلى هذه الضرورات الشعبية أن تغرس في قلوب الناس مبادئ أخلاقية جديدة. فقد حاول أمبروز، وهو الإداري الروماني الحازم في جميع مراحل حياته، أن يصوغ المبادئ الأخلاقية الرومانية




صفحة رقم : 4272




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الكنيسة والعالم


في ألفاظ وعبارات وواقية، وبَدَّل عبارات شيشرون لكي توافق حاجاته، وكانت أخلاق عظماء المسيحيين في العصور الوسطى، من أوغسطين إلى سفنرولا، وفضيلتا ضبط النفس والتمسك التام بأهداب الفضيلة وهما من المثل العليا للرواقية، كانت هذه هي التي شكلت النمط المسيحي للأخلاق، لكن أخلاق الرجولة لم تكن هي المثل الأعلى عند عامة الشعب؛ لقد طال عهد الشعب بالرواقيين، ورأوا فضائل الرجولة تصبغ نصف العالم بالدماء، وتاقت نفوسهم إلى أساليب أرق وأهدأ من الأساليب السابقة، يُستطاع بفضلها إقناع الناس بأن يعيشوا مستقرين مسالمين؛ ولذلك أخذ معلمو الجنس البشري ينشرون على الناس لأول مرة في تاريخ أوربا مبادئ الرأفة والحنان، والطاعة، والخشوع، والصبر، والرحمة، والطهارة، والعفة، والرقة، وكلها فضائل لعلها مستمدة من الأصول الاجتماعية الدنيا للكنيسة المسيحية ومن كثرة انتشارها بين النساء، ولكنها خليقة إلى أعظم حد بأن تعيد النظام إلى شعب فقد قوته المعنوية، وأن تروض أخلاق البرابرة النهابين، وأن تهدئ من عنف العالم المتداعي الآخذ في الانهيار.
وكان أعظم إصلاح قامت به الكنيسة هو الخاص بالمسائل الجنسية بين الرجال والنساء. ذلك أن الوثنية قد أجازت الدعارة على أنها وسيلة لتخفيف مشاق وحدة الزواج، فجاءت الكنيسة تشن على الدعارة حملة شعواء لا هوادة فيها، وتطلب إلى الرجل والمرأة أن يلتزما في زواجهما مستوى واحد من الوقار لا تفريق فيه بينهما. نعم إنها لم تنجح النجاح كله، فقد رفعت من المستوى الأخلاقي في البيت، ولكن البغاء ظل على حاله، وإن اندفع إلى الخفاء وإلى الدرك الأسفل من الانحطاط. ولعل الأخلاق الجديدة قد أرادت أن تقاوم الغريزة الجنسية التي تحللت من جميع القيود، فتعالت في العفة حتى جعلتها شغلها الشاغل، وجعلت الزواج والأبوة أقل منزلة من العزوبة والبكورية مدى الحياة، ورفعت هذه العزوبة أو البكورية إلى مقام المثل العليا، ومضى بعض الوقت قبل أن يدرك آباء الكنيسة أن لا بقاء لأي




صفحة رقم : 4273




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الكنيسة والعالم


مجتمع يعيش على هذه المبادئ العقيمة. على أن من اليسير أن يدرك الإنسان هذا الارتداد إلى التزمت إذا ذكرنا ما كان عليه المسرح الروماني من فساد خلقي طليق، وإلى ما كان في بعض الهياكل اليونانية والرومانية من بغاء، وإلى انتشار الإجهاض وقتل الأطفال، وإلى ما كان يرسم على جدران بمبي من الرسوم المخلة بالآداب، وإلى رذائل الشذوذ الجنسي التي كانت واسعة الانتشار في بلاد اليونان والرومان، وإلى الإفراط الشائع عند الأباطرة، والشهوانية المنتشرة بين الطبقات العليا كما يكشف عنها كاتلوس ومارتيال، وتاسيتوس، وجوفنال. ووصلت الكنيسة في آخر الأمر إلى آراء أسلم من هذه وأحكم، ووقفت بعد زمن ما موقفاً ليناً معتدلاً من خطايا الجسم. غير انه قد أسئ بعض الإساءة إلى فكرة الأبوة والأسرة، فقد كثر في هذه القرون الأولى عدد المسيحيين الذين يظنون أن خير ما يؤدونه من خدمات لله سبحانه وتعالى -أو على الأصح أن خير طريقة ينجون بها من عذاب النار- أن يتركوا آباءهم، أو أزواجهم، أو أبناءهم، ويفروا من تبعات الحياة سعياً وراء النجاة بأشخاصهم نجاة قائمة على الأثارة المرذولة، مع أن الأسرة كانت في عهد الوثنية وحدة اجتماعية دينية؛ وكان من أعظم الخسائر أن أصبح الفرد هو هذه الوحدة في مسيحية العصور الوسطى.
غير ان الكنيسة قد قوت الأسرة لما أحاطت به الزواج من مراسم جدية رهيبة ورفعته من تعاقد إلى عمل مقدس. إنها جعلت رابطة الزواج غير قابلة للحل فرفعت بذلك كرامة الزوجة وأمنتها على مركزها. وشجعت على الصبر الذي يولده فقد الأمل. ولقد أصاب منزلة المرأة بعض الأذى القصير الأجل من جراء عقيدة بعض آباء الكنيسة المسيحية بأن المرأة أصل الخطيئة وأداة الشيطان، ولكن هذه العقيدة قد خفف من أثرها ما تلقاه أم الإله من تكريم. ولما كانت الكنيسة قد رضيت عن الزواج، فقد حبذت كثرة النسل وباركته، وحرمت الإجهاض وقتل الأطفال تحريماً قاطعاً؛ ولعل تحريمها هذا وذاك هو الذي




صفحة رقم : 4274




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الكنيسة والعالم


حدا بعلماء الدين المسيحيين إلى إنزال اللعنة على كل طفل يموت من غير تعميد، وإلى القول بأن جزاءه في الدار الآخرة هو السجن في الظلام السرمدي. وبفضل نفوذ الكنيسة جعل فلنتيان الأول وأد الأطفال من الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام.
ولم تحرم الكنيسة الاسترقاق، بل كان أتباع الدين القويم والمارقون والرومان، والبرابرة، كان هؤلاء جميعاً يرون أن الاسترقاق نظام طبيعي لا يمكن القضاء عليه. وقام عدد كبير من الفلاسفة يحتجون على هذا الرأي، ولكنهم هم أيضاً كان لهم عبيد. والشرائع التي سنها الأباطرة والمسيحيون في هذا الموضوع لا تسمو إلى منزلة شرائع أنطونينس بيوس أو ماركس أورليوس. مثال ذلك أن الشرائع الوثنية كانت تحكم على المرأة الحرة التي تتزوج رقيقاً بأن تكون هي الأخرى جارية؛ أما قوانين قسطنطين فكانت تقضي بقتل هذه المرأة، وإحراق العبد الذي تزوجها حياً. وأصدر الإمبراطور جراتيان مرسوماً يقضي بأن يحرق العبد حياً إذا وجه لسيده أي تهمة عدا تهمة الخيانة العظمى للدولة، وأن تنفذ فيه العقوبة على الفور دون بحث أو تحقيق في صحة التهمة(106). ولكن الكنيسة، وإن رضيت بالاسترقاق وعدته جزءاً من قوانين الحرب، قد فعلت أكثر من أية هيئة أخرى في ذلك الوقت لتخفيف شرور الرق. فقد جعلت مثلاً، على لسان آباء الكنيسة، المبدأ القائل بأن الناس جميعاً أكفاء، ولعل المعنى الذي كانت تقصده من هذا اللفظ أنهم أكفاء في الحقوق القانونية والدينية؛ وطبقت هذا المبدأ فرضيت أن يدخل فيها الناس جميعاً من كل الطوائف والطبقات؛ وكان في وسع أفقر رجل حر أن يرقى إلى أعلى المناصب الدينية؛ وإن لم يكن في مقدور العبد أن يكون قسيساً. وألغت الكنيسة ما كان في الشرائع الوثنية من تمييز بين الضرر الذي يلحق بالحر، والذي يلحق بالعبد، وكانت تشجع عتق العبيد، فجعلت فك الرقاب من وسائل التكفير عن الذنوب، والاحتفال بحظ يصيب صاحب العبد




صفحة رقم : 4275




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الكنيسة والعالم


والقرب من كرسي القضاء الإلهي. وقد أنفقت أموالاً طائلة في تحرير المسيحيين أسرى الحروب من الاسترقاق(107). لكن الاسترقاق، رغم هذا، ظل قائماً طوال العصور الوسطى، ولما مات لم يكن لرجال الدين فضل في موته.
وكان اكبر فضل للكنيسة من الناحية الأخلاقية هو ما وضعته للصدقات من نظام واسع النطاق. وكان الأباطرة قد قرروا إعانات من أموال الدولة للأسرة الفقيرة، كما كان أعيان الوثنيين يعينون "مواليهم" وفقراءهم. ولكن العالم لم يشهد قبل المسيحية نظاماً لتوزيع الصدقات كالنظام الذي أقامت الكنيسة، فقد كانت تشجع الإيصال بالمال للفقراء، على أن توزعه هي عليهم. ولسنا ننكر أن بعض المفاسد والخيانات قد تسربت إلى هذا النظام، ولكن حرص الإمبراطور يوليان على منافسة الكنيسة في هذه الناحية يشهد بأنها قد قامت بواجبها على نطاق واسع. فقد كانت تساعد الأرامل، واليتامى، والمرضى، والعجزة، والمسجونين، وضحايا الكوارث الطبيعية؛ وكثيراً ما تدخلت لحماية الطبقات الدنيا من الاستغلال أو الضرائب الباهظة(108). وكثيراً ما كان القساوسة يهبون أملاكهم كلها للفقراء إذا وصلوا إلى مرتبة الأساقفة. وخصصت كثير من النساء مثل فبيولا Fabiola، وبولا، وملانيا ثروات طائلة للأغراض الخيرية، وقد حذت الكنيسة حذو الوثنيين في إقامة المصحات والمستشفيات، فأنشأت أو أنشأ أثرياؤها مستشفيات عامة على نطاق لم يعرف قط من قبل. فأقام باسيلي مستشفى ذائع الصيت، كما أقام قيصرية بكبدوكيا أول مستشفى للمصابين بالجذام. وقامت خانات للاجئين أو أبناء السبيل على طول طرق الحجاج، وقرر مجمع نيقية أن يقام خان من هذا النوع في كل مدينة. واستخدمت الكنيسة الأرامل لتوزيع الصدقات فوجدن في هذا العمل قيمة جديدة لحياة الوحدة. وكان الوثنيون يعجبون بدأب المسيحيين على العناية بالمرضى في المدن التي يجتاحها القحط أو الوباء(109).




صفحة رقم : 4276




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الكنيسة والعالم


هذا ما فعلته الكنيسة في تلك العهود لأجسام الناس، فماذا فعلت لعقولهم؟ كانت المدارس الرومانية لا تزال قائمة في ذلك الوقت، ولهذا لم تر من واجبها أن تعمل على ترقية العقول. هذا إلى أنها كانت ترفع الشعور فوق العقل، وبذلك كانت المسيحية من هذه الناحية بمثابة رد فعل "إيداعي" على الإيمان "الإتباعي" بالعقل والاعتماد عليه؛ ولم يكن روسو من هذه الناحية إلا أوغسطين مصغراً. ولم يكن يخالج الكنيسة شك في أن بقائها يتطلب تنظيمها، وفي أن هذا يتطلب الاتفاق على مبادئ وعقائد أساسية، وأن الكثرة الغالبة من أتباعها تتوق إلى أن ترجع إلى عقائد مقررة ثابتة، فحددت من اجل ذلك عقيدتها في قواعد مقرة لا تبديل فيها، وجعلت الشك في هذه القواعد ذنباً، وتورطت في نزاع لا نهاية له مع عقل الإنسان المرن وآرائه المتغيرة. وادعت الكنيسة أنها قد وجدت عن طريق الوحي الإلهي جواباً لكل مسألة من المسائل القديمة المتعلقة بأصل الخلق، وطبيعتهم، ومصيرهم، وفي ذلك كتب لكتنيوس (307) يقول: "نحن الذين أخذنا عن الكتاب المقدس علم الحقيقة نعرف بداية العالم ونهايته"(110) وكان ترتليان قد قال هذا القول نفسه قبل ذلك الوقت بقرن من الزمان (197). وأراد أن يغلق باب الفلسفة أمام الناس(111). وإذ كانت المسيحية قد حولت اهتمام الناس من الدار الدنيا إلى الدار الآخرة، فقد عرضت عليهم تفسيرات سماوية للحادثات التاريخية، فقاومت بذلك مقاومة سلبية البحث عن العلل الطبيعية؛ وضحَّت بكل ما أنتجه العلم اليوناني من تقدم خلال سبعمائة عام في سبيل علم نظام الكون وأصل الحياة كما وصفهما سفر التكوين.
وبعد فهل أدت المسيحية إلى اضمحلال في الأدب؟ لسنا ننكر أن معظم آباء الكنيسة كانوا يعادون الآداب الوثنية؛ لأنها تسري فيها كلها عقيدة الشرك الشيطانية، والفساد الخلقي المزري بكرامة الإنسان؛ ولكن اعظم هؤلاء الآباء كانوا على الرغم من هذا يحبون الآداب القديمة، وكان المسيحيون أمثال فرتناتوس




صفحة رقم : 4277




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الكنيسة والعالم


وبردنتيوس، وجيروم، وسيدنيوس، وأوسيدنيوس، وأوسنيوس، يتطلعون إلى أن يكتبوا شعراً كشعر فرجيل، أو نثراً كنثر شيشرون، وإن كفة جريجوري نزينزين، وكريسستوم، وأمبروز، وجيروم، وأوغسطين ترجح، من الناحية الأدبية نفسها، على كفة معاصريهم الوثنيين أمثال أميانوس، وسيماخوس، وكلوديان، ويوليان. لكن أسلوب النثر تدهور بعد أيام أوغسطين، وتسربت من اللغة العامية إلى الكتابة اللاتينية المفردات الخشنة غير المصقولة، وقواعد البناء الخيالية من العناية والدقة، وانحط الشعر اللاتيني في وقت من الأوقات حتى صار مجرد نظم ركيك قبل أن تصاغ الأنماط الجديدة في الترانيم الدينية الفخمة.
لكن العلة الأساسية في تدهور الثقافة لم تكن المسيحية بل البربرية، ولم تكن الدين بل الحروب. ذلك أن تيار البرابرة الجارف قد خرب المدن والأديرة ودور الكتب، والمدارس، أو أقفرها، وجعل حياة طالب العلم أو العالم مستحيلة. ولو أن الكنيسة لم تحتفظ بقدر من النظام في هذه الحضارة المتداعية لكان الخراب اشد والبلية أعظم؛ وفي ذلك يقول أمبروز "لقد ظلت الكنيسة ثابتة لا تزعزعها العواصف الهوج وسط ما حل بالعلم من اضطراب، فالفوضى ضاربة أطنابها في كل شيء حولها، أما هي فتقدم لجميع المنكوبين مرفأ هادياً يجدون فيه الأمن والسلامة"(112). ولقد كان هذا شانها في معظم الأوقات.
وكانت الإمبراطورية الرومانية قد رفعت العلم، والرخاء، والسلطان، إلى الذروة التي بلغتها في العهد القديم، فلما اضمحلت الإمبراطورية في الغرب، وعم الفقر وساد العنف، تطلب هذا مثلاً أعلى جديداً، وأملاً جديداً، ليكونا للناس سلوى وعزاء مما حل بهم من أرزاء، وتشجيعاً لهم على الكدح المتواصل: فحل عصر الإيمان محل عصر السلطان. وسارت الحال على هذا المنوال فلم يرفض العقل الإيمان، ويترك السماء لينشئ المدينة الفاضلة على الأرض، إلا بعد أن عاد الثراء والكبرياء إلى العالم في عصر النهضة. ولكن إذا ما خاب العقل وعجز عن حل




صفحة رقم : 4278




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الكنيسة والعالم


المشكلات، ولم يجد العلم جواباً للأسئلة الكثيرة المحيرة، بل زاد المعرفة والسلطان من غير أن يصلح ضمائر الناس أو يرقي بأهدافهم، وإذا ما انهار كل ما تصوره الناس من مدائن فاضلة انهياراً تاماً لاستمرار الأقوياء على الإساءة إلى الضعفاء: إذا ما حدث هذا كله أدرك الناس لماذا ولى أسلافهم ظهورهم في بربرية القرون المسيحية الأولى نحو العلم، والمعرفة، والسلطان والكبرياء، ولجأوا مدى ألف عام إلى الإيمان، والأمل والصدقات، وما تستلزمه من تذلل وخشوع.




صفحة رقم : 4279




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بريطانيا تصبح إنكلترا



الباب الرابع




أوربا تتشكل




325-529




الفصل الأول




بريطانيا تصبح إنجلترا




325-577


أثرت جميع الطبقات في بريطانيا تحت حكم الرومان عدا طبقة ملاك الأراضي الزراعية. ذلك أن الضياع الكبير زادت مساحتها بما نقص من مساحة الأملاك الصغرى، فقد اشترى الملاك الكبار في كثير من الأحيان أراضي صغار الزراع الأحرار، وأصبح هؤلاء مستأجرين أو من صعاليك المدن، وأيد كثيرون من الفلاحين الغزاة الإنجليز-السكسون ضد كبار الملاك(1). وإذا استثنينا هذه الطبقة -طبقة صغار الزراع- استطعنا أن نقول إن بريطانيا قد عمها الرخاء، فقد كثرت المدن ونمت، وازداد الثراء(2)، واستمتعت كثير من المنازل بوسائل التدفئة المركزية، والنوافذ الزجاجية(3)، وأقام كثير من الكبراء قصوراً ذات حدائق، وأخذ النساجون البريطانيون من ذلك الوقت البعيد يصدرون المنسوجات الصوفية الممتازة التي لا يزال لها المقام الأول بين أقمشة العالم الصوفية. وكانت بضعة فيالق رومانية تكفي في القرن الثالث لضمان الأمن الخارجي والسلام الداخلي.




صفحة رقم : 4280




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بريطانيا تصبح إنكلترا


لكن هذا الأمن أصبح في القرنين الرابع والخامس مهدداً من جميع الجهات: فكان يهدده من الشمال بكت (Picts) كلدونيا، ومن الشرق والجنوب المغيرون من أهل الشمال ومن السكسون، ومن الغرب كِلْت Celt ويلز الذين لم يخضعون للرومان، والجيل Gaels "والاسكتلنديون" المغامرون أهل إيرلندة. وازدادت غارات "الاسكتلنديين" والسكسون على سواحل بريطانيا بين عامي 364، 367 حتى أصبحت خطراً مروعاً يتهدد البلاد؛ وصدها الجنود البريطانيون والجيل، ولكن هذه الغارات لم تنقطع، واضطر استلكو إلى أن يعيد الكرة عليهم بعد جيل من ذلك الوقت. وسحب مكسموس من بريطانيا في عام 381 والمغتصب قسطنطين في عام 407 الفيالق التي كانا في حاجة إليها ليدافعا بها عن قلب الدولة وعن أغراضهما الشخصية، ولم يرجع من هذه الفيلق بعدئذ إلى بريطانيا إلا عدد قليل. وبدأ الغزاة يجتازون التخوم، وطلبت بريطانيا المعونة من استلكو (400)؛ ولكنه كان منهمكاً في صد القوط والهون عن إيطاليا وغالة. ولما استغاثوا مرة أخرى بالإمبراطور هونوريوس أجابهم على البريطانيين أن يعتمدوا على أنفسهم على أحسن وجه يستطيعون(4). و "في عام 409 انتهى حكم الرومان في بريطانيا"(5)، كما يقول يبدي Bede.
وألقى الزعيم البريطاني فرتجيرن Votigeru نفسه أمام غزوة كبرى يشنها البكت Picts، فاستغاث ببعض قبائل الجرمان الشمالية(6)، فأقبل عليه السكسون من إقليم نهر الألب Elbe، والإنجليز من سلزوج Schleswig، والجوت Jutes من جتلندة Jutland. وتقول بعض الروايات - أو لعلها القصص الخرافية- إن الجوت جاءوا 449 بقيادة أخوين يسميان باسمين يدعوان إلى الريبة، هما هنجست Hengist وهورسا Horsa، أي الحصان والفرس. وطرد الجرمان الأشداء البكت "والاسكتلنديين" وكوفئوا على عملهم هذا بمساحات من الأراضي، وأدركوا ما كانت عليه بريطانيا من الضعف من




صفحة رقم : 4281




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بريطانيا تصبح إنكلترا


الناحية الحربية، وبعثوا بهذا النبأ السار إلى مواطنيهم في بلادهم الأصلية(7). وجاءت جموع كبيرة من الجرمان؛ ونزلت على سواحل بريطانيا من غير دعوة من أهلها، وقاومهم الأهلون بشجاعة تفوق ما كان لديهم من مهارة، وظلوا قرناً كاملاً بين كر وفر يحاربونهم حرب العصابات، وانتهى هذا القتال بأن هَزَم التيوتون البريطانيين عند ديرهم Deorham (577)، وأصبحت لهم السيادة على البلاد التي سميت فيما بعد أرض الإنجليز "إنجلند England أو إنجلتر Angletere". قبل معظم البريطانيين فيما بعد هذا الفتح، ومزجوا دمائهم بدماء الفاتحين، وارتدت أقلية شديدة البأس إلى جبال ويلز وواصلت الحرب ضد الغزاة، وعبر غيرهم القناة وأطلقوا اسمهم على بريطاني Brittany في فرنسا الحالية. وخربت مدائن بريطانيا في خلال هذا النزاع، واضطربت وسائل النقل، واضمحلت الصناعة، وفسد القانون والنظام، وحل بالفن سبات عميق، وطغت على مسيحية الجزيرة -وكانت لا تزال في بداية عهدها- الآلهة الوثنية والعادات الجرمانية. وأصبحت إنجلترا ولغتها تيوتونية، واختفت منها الشرائع والنظم اليونانية، وحلت العشائر الفردية محل الهيئات البلدية، ولكن عنصراً كلتياً ظل باقياً في دم الإنجليز، وملامحهم، وأخلاقهم، وأدبهم، وفنهم، وأما اللغة الإنجليزية فلم يبق فيها من هذا العنصر الكلتي إلا القليل الذي يكاد يذكر وأمست اللغة الإنجليزية في هذه الأيام مزيجاً من اللغتين الألمانية والفرنسية.
وإذا شئنا أن نعرف ما كان يسود تلك الأيام المريرة من اضطراب وثوران في النفوس فعلينا أن ننتقل من التاريخ إلى قصص الملك آرثر Arthur وفرسانه، وما كالوه من الضربات الشداد "لتحطيم الكفرة وتأييد المسيح". ويحدثنا القديس جلداس St. Gildae وهو راهب من ويلز في كتاب له عجيب عن




صفحة رقم : 4282




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بريطانيا تصبح إنكلترا


"تدمير بريطانيا On The Destruction Of Britain" (546؟) خلط فيه التاريخ بالمواعظ، يحدثنا، عن "حصار منز بادنكس Mons Badonicus" في تلك الحروب، كما يحدث مؤرخ بريطاني بعده يدعى ننيوس Nennius (حوالي 796) عن اثنتي عشرة معركة حارب فيها الملك آرثر كانت آخرها عند جبل بادون Mt. Badon بالقرب من باث Bath(8). ويرد جفري المنموثي Geoffrey Of Onmouth (1100؟-1154) تفاصيل روائية يصف فيها: كيف خلف الملك آرثر والده أثر بندراجون Uther Pendragon على عرش بريطانيا، وكيف قاوم الغزاة السكسون وفتح أيرلندة، وأيسلندة، والنرويج، وغالة، وحاصر باريس في عام 505 وطرد الرومان من بريطانيا، وقمع فتنة أوقد نارها مدرد Modred ابن أخيه كلفته كثيراً من الخسائر في الأنفس، وقتله في واقعة ونشستر Winchester التي جرح فيها هو جرحاً بليغاً مميتاً، مات من أثره في السنة الثانية والأربعين بعد الخمسمائة من تجسد إلهنا"(9). ويحدثنا كاتب آخر يدعى وليم من أهل ملمزبري Malmesbury، (1090؟-1143) فيقول:
ولما مات فرتمر Vortimer (أخو فرتجيرن Vortigern)، اضمحلت قوة البريطانيين، ولولا ما قام أمبروزيوس Ambrosius، الذي بقى وحده من الرومان... من صد تيار البرابرة المتغطرسين بفضل ما قدمه له الملك آرثر صاحب البأس الشديد من معونة صادقة لولا هذا لهلك البريطانيون على بكرة أبيهم. وقضى آرثر زمناً طويلاً يدعم كيان الدولة المنهارة، ويثير روح مواطنيه المحطمة ويحرضهم على القتال. ثم نازل بمفرده في آخر الأمر 900 من الأعداء معتمداً على صورة للعذراء ثبتها في درعه، وبدد شملهم بعد أن قتل منهم مقتلة عظيمة لا يصدقها العقل(10).




صفحة رقم : 4283




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بريطانيا تصبح إنكلترا


فلنقل مع القائلين أن هذا لا يصدقه العقل. وعلينا أن نقع بأن آرثر شخصية غامضة، ولكنه على أية حال شخصية تاريخية اتصفت بأهم الصفات الجوهرية التي يحدثنا عنها الكتاب، وأنه عاش في القرن السادس؛ والراجح أنه لم يكن من القديسين، أو من الملوك. أما فيما عدا هذا فلنتركه إلى كرتين Chr(tien من أهل تروي، وإلى ملوري Malory الكاتب المطرب المبدع وإلى تنيسن Tennyson العف الطاهر.




صفحة رقم : 4284




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أيرلندة



الفصل الثاني




أيرلندة




160-529


يقول الأيرلنديون- ولا نستطيع أن نكذبهم فيما يقولون- إن جزيرتهم جزيرة الضباب والفاكهة الرطبة "قد سكنها في أول الأمر اليونان والسكوذيون قبل ميلاد المسيح بألف عام أو أكثر، وإن زعماءهم الأولين كتشلين Cutchalain، وكونور Conor، وكونال Conall، من أبناء الآلهة(12). وقد مس هملكو Himilco المستكشف الفينيقي أرض أيرلندة حوالي عام 510 ق.م ووصفها بأنها بلاد خصبة كثيرة السكان"(13) ولعل جماعة من المغامرين الكلت قد عبروا البحر إلى أيرلندة من غالة أو بريطانيا أو منهما معاً في القرن الخامس قبل الميلاد، وغلبوا الأهلين الأصليين الذين لا نعرف عنهم شيئاً. ويبدو أن قد جاءوا معهم إلى أيرلندة بثقافة عصر الحديد الهولستاتية Hallstatt، كما جاءوا معهم بنظام قوي من الصلات العائلية يجعل الفرد فخوراً بقبيلته فخراً يمنعه أن يكون دولة مستقلة، وظلت القبائل تحارب بعضها بعضاً، والممالك تقتتل نحو ألف عام، فإذا سكتت حرب القبائل أو الممالك فترة من الزمان اقتتل أفراد القبائل فيما بينهم؛ فإذا ماتوا دفن الأيرلنديون الصالحون قبل أيام القديس باترك Patrick ، واقفين متأهبين للقتال، ووجوههم متجهة نحو أعدائهم(14). وقد مات معظم ملوك البلاد في المعارك الحربية أو اغتيلوا(15). وتقول الروايات الأيرلندية إنه كان من حق هؤلاء الملوك أن يفضوا بكارة كل زوجة قبل أن يسلموها إلى زوجها، ولعلهم كانوا يفعلون هذا لأنه فريضة تتطلبها الرغبة في تحسين النسل، أو لعلهم




صفحة رقم : 4285




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أيرلندة


كانوا يفعلونها بوصفهم خدام الآلهة الذين يتطلبون أن يجنوا هم أولى الثمار. وقد وُجِّه إلى الملك كنكوبار Conchobar أعظم الثناء لحرصه الشديد على أداء هذا الواجب(16). وكانت كل قبيلة تحتفظ بسجل لأفرادها، ونسبهم، ولملوكها ووقائعها الحربية، وتاريخها القديم "منذ بداية العالم"(17).
وفرض الكلت سلطانهم على البلاد بوصفهم الطبقة الحاكمة، ووزعوا قبائلهم في خمس ممالك؛ ألصتر Ulster، ولينستر Leinster الشمالية، ومونستر Munster، وكنوث Connaught. وكان كل ملك من هؤلاء الملوك تام السيادة في مملكته، ولكن القبائل كلها رضيت أن تكون تارا Tara من أعمال ميث Meath عاصمتها القومية، فيها يتوج كل ملك من الملوك، وفيها يجمع في بداية حكمة الفيس Feis أو مؤتمر أعيان أيرلندة كلها لإقرار التشريعات التي تخضع لها الممالك بأجمعها، ولتصحيح أنساب القبائل وتدوينها، ثم تسجيلها في المحفوظات الأهلية. وشاد الملك كرماك ماك إيرت Cormac Mac Airt في القرن الثالث بهواً كبيراً لا يزال أساسه باقياً حتى الآن لتعقد فيه جلسات هذا المؤتمر. وكان مجلس إقليمي يدعى الأوناك Aonach يجتمع مرة كل سنة أو كل ثلاث سنين في عاصمة كل مملكة، ليسن قوانينها، ويقر الضرائب التي يجب على أهلها أداؤها، ويقوم بوظيفة محكمة الإقليم. وكانت الألعاب والمباريات تسير على النمط التقليدي الآتي: الموسيقى، والغناء، وألعاب الشعوذة؛ والتمثيل الهزلي، والقصص، وإنشاد الشعر وكانت تعقد في أثنائها الزيجات فتزيدها بهجة، وكان عدد كبير من السكان يشتركون في هذه الحفلات. ويبدو لمن يرجع بفكره من خلال القرون الطوال، التي تخلع على القديم رواء وسحراً، إلى هذا التوفيق بين الحكومة المركزية والحرية الإقليمية أنه هو المثل الأعلى للنظم الحكومة. وظل المؤتمر (الفيس Feis) قائماً حتى عام 560، أما المجلس المحلي (الأوناك Aonach) فقد بقي حتى عام 1168.




صفحة رقم : 4286




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أيرلندة


وأول شخصية نستطيع أن نعدها وتقين شخصية تاريخية بحق هي شخصية تواثال Tuathal الذي حكم لينستر Leinster وميث حوالي عام 160م. ومن ملوك أيرلندة أيضاً الملك نيال Niall (حوالي 358) الذي غزا ويلز وعاد منها بغنائم لا تحصى، وأغار على غالة، ثم قتل رجل من أهل أيرلندة عند نهر اللوار. وكان معظم ملوك أيرلندة الذي جاءوا بعده من نسله. وفي السنة الخامسة من حكم ولده ليجير Laeghaire (ليري Leary) وفد القديس بتريك على أيرلندة. وكان الأيرلنديون قد استنبطوا لهم حروفاً هجائية مكونة من خطوط مستقيمة؛ وكان لهم أدب واسع من شعر وقصص يأخذه الناس مشافهة بعضهم عن بعض، وكانت لهم مصنوعات طيبة من الزخرف والبرونز والذهب. وكان دينهم من أديان الشرك وعبادة الطبيعة؛ فكانوا يعبدون الشمس والقمر وغيرهما من مختلف الأجسام الطبيعية، وقد أسكنوا بقاعاً لا حصر لها في أيرلندة بالجن والشياطين والعفاريت. وكانت طائفة من الكهنة ذوي الثياب البيض تتنبأ بالغيب، وتسيطر في زعمها على الشمس والرياح بعصى وعجلات سحرية، وتنزل أمطاراً وتوقد نيراناً سحرية، وتحفظ أخبار القبائل وأشعارها عن ظهر قلب، وتلقنها إلى من يأتون بعدها، وتدرس مواقع النجوم، وتعلم الشبان، وتسدي النصح إلى الملوك، وتجلس للقضاء بين الناس، وتسن الشرائع، وتقرب القرابين للآلهة من فوق مذابح قائمة في الهواء الطلق. وكان من بين أوثانها المقدسة تمثال مغطى بصفائح الذهب يسمونه كرم كرواك Crom Cruach؛ وكان هو إله جميع القبائل الأيرلندية؛ ويلوح أنه كان يُقَرَّب إليه الابن الأول الذي يولد لكل أسرة في البلاد(18) -وربما كان منشأ هذه العادة الرغبة في الحد من كثرة النسل. وكان أيرلنديون يؤمنون بتجسد الأرواح بعد الموت، ولكنهم كانوا يحملون بوجود جزيرة سماوية وراء البحر، "ليس فيها عويل أو غدر، ولا خشونة أو عنف، بل فيها موسيقى حلوة تشنف الأسماع، وفيها أرض جميلة عجيبة ذات منظر لا يدانيه شيء آخر في روعته




صفحة رقم : 4287




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أيرلندة


وبهائه"(19). وتقول إحدى القصص إن الأمير كونال Couall تأثر بهذا الوصف فأبحر في قارب من اللؤلؤ ليكشف هذه الجزيرة السعيدة.
وكانت المسيحية قد دخلت إنجلترا قبل قدوم القديس بتريك إليها بنحو جيل أو كثر من جيل. وقد ورد في أحد التواريخ الإخبارية، التي يؤيدها بيدي، ضمن حوادث عام 431 أن "الباب سلستيني Celstine قد رسم بلديوس Palladius أسقفاً وأرسله إلى من يؤمنون بالمسيح من الأيرلنديين ليكون أول أسقف لهم"، لكن بلديوس توفي ذلك العام ذاته ونال القديس بتريك راعي أيرلندة وحاميها شرف اعتناق أيرلندة المذهب الكاثوليكي الذي لم تتحول عنه قط.
وكان مولده حوالي 389 في قرية بنافنتا Bonnaventa من قرى غربي إنجلترا، من أسرة متوسطو الثراء والجاه. وإذ كان طفل ابن مواطن روماني فقد سمي باسم روماني هو بتريكيوس Patricius. ولم ينل من التعليم إلا قسطاً قليلاً، ولهذا كان يعتذر للناس عن خشونة، ولكنه درس الكتاب المقدس دراسة متقنة يستطيع معها أن يورد منه شواهد من الذاكرة في كل ما يعرض له من المناسبات. ولما بلغ السادسة عشرة من عمره أسره جماعة من المغيرين الأسكتلنديين" (أي الأيرلنديين) وجاءوا به إلى أيرلندة، حيث أقام ست سنين يرعى الخنازير(21). و "تحول" في هذه الساعات التي كان يقضيها بعيداً عن الخلق فتبدلت حاله من عدم المبالاة بشؤون الدين إلى الصلاح البالغ الحد؛ ويقول هو عن نفسه إنه كان يستيقظ في كل يوم قبل الفجر، ثم يخرج للصلاة مهما يكن الجو -سواء كان يتساقط فيه البرد أو المطر أو الثلج. ثم استطاع آخر الأمر أن يفر، واتخذ سبيله إلى البحر، وعثر عليه جماعة من الملاحين في مكان مقفر، فأخذوه معهم إلى غالة أو لعلهم أخذوه إلى إيطاليا. ثم تمكن من أن يسلك سبيله إلى إنجلترا، وأن ينضم مرة أخرى إلى أسرته، وأن يعيش معها بضع سنين.




صفحة رقم : 4288




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أيرلندة


ولكن شيئاً ما دعاه أن يعود إلى أيرلندة- وقد يكون هذا الشيء هو ذكرى جمالها الريفي، أو طيبة قلوب أبنائها وحنوهم. وفسر هو هذا الإحساس بأنه رسالة إلهية، تدعوه إلى نشر المسيحية بين الأيرلنديين. فذهب من ليرنز Lerins وأوكسير Auxerr ودرس اللاهوت، ورسم قسيساً. ولما وصل إلى أوكسير نبأ وفاة بلديوس، عين بتريك أسقفاً، وأعطى بعض مخلفات بطرس وبولس، وأرسل إلى أيرلندة (432).
ووجد فيها ملكاً وثنياً مستنيراً يدعى ليجير يجلس على عرش تارا. وعجز بتريك عن هداية هذا الملك إلى الدين المسيحي، ولكنه حصل على عهد منه بأن يكون له مطلق الحرية في التبشير بهذا الدين. وقاومه كهنة البلاد، وعرضوا على البلاد سحرهم. وقابل بتريك عملهم هذا بأن عرض على الأهلين تعاويذ طاردي الأرواح الخبيثة، وهم طائفة من صغار الكهان جاء بهم معه ليستعينهم على طرد الشياطين. ويحدثنا بتريك في "الاعترافات" التي كتبها حين تقدمت به السن عما تعرض له من الأخطار في عمله فيقول: إن حياته تعرضت للخطر اثنتي عشرة مرة؛ وإنه هو ورفاقه قبض عليهم في يوم من الأيام، وظلوا في الأسر أسبوعين، وهددوا بالقتل، ولكن بعض أصدقائهم أفلحوا في إقناع من قبضوا عليهم بإطلاق سراحهم(22). وتقص الروايات المتواترة الصادرة عن بعض الأتقياء الصالحين من الكتاب مئات من القصص المدهشة عن معجزات بتريك. من ذلك ما قاله ننيوس Nennius من أنه "رد البصر للعمي والسمع للصم(23)، وطهر المجذومين، وأخرج الشياطين، وأعاد الأسرى، وأحيا تسعة من الموتى وكتب 365 كتاباً". ولكن أغلب الظن أن أخلاق بتريك لا معجزاته هي التي هدت الأيرلنديين إلى الدين المسيحي - هدنهم ثقته التي لا تتزعزع بعقيدته، ودأبه على عمله وتحمسه له. ولم يكن الصبر من طبعه، وكان استعداده لأن يصب اللعنات لا يقل عن استعداده لمنح البركات(24)، على أن هذا العمل نفسه كان




صفحة رقم : 4289




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أيرلندة


يصدر عن إقناع تمليه عقائده الواثق بها والتي لا يقبل فيها جدلاً. وكان يعين القساوسة، ويشيد الكنائس، وينشئ الأديرة للرجال والنساء، ويترك حاميات روحية قوية لتقوم بحراسة فتوحه الدينية في كل مكان غزاه، وجعا الناس يظنون أن قبولهم في دولته الكهنوتية مغامرة من أسمى المغامرات وأجلها خطراً، وجمع حوله رجالاً ونساء من ذوي الشجاعة والإخلاص، يتحملون جميع الحرمان ليبشروا الناس بأن الإنسان قد نجا من الخطيئة. على أن بتريك لم يهد أيرلندة كلها، بل بقيت فيها للوثنية جيوب منعزلة، كما بقي لها شعرها، ولا تزال فيها إلى الآن آثار من الدين القديم، لكنه حين واتته منيته (461) كان يمكن أن يقال عنه؛ ما لا أن يقال عن رجل غيره. وهو أن رجلاً واحداً قد هدى أمة بأجمعها.
وأقرب الناس بعده لقلوب الأيرلنديين امرأة كان لها أكبر الفضل في تثبيت دعائم نصره، تلك هي القديسة بردجد Brigid ويقال إنها ابنة عبد وملك؛ ولكننا لا نعرف عنها شيئاً موثوقاً به قبل أن تترهب في عام 476. وقد استطاعت أن تنشئ "كنيسة شجرة البلوط" (كل دارا Cill Dara) بعد أن تغلبت على عقبات يخطئها الحصر؛ ولا يزال الموضع الذي أقامتها فيه يسمى بهذا الاسم كلدير Kildare حتى اليوم. وسرعان ما استحالت الكنيسة ديراً للرجال وللنساء، ومدرسة لا تقل شهرة عن المدرسة الأخرى التي قامت في أرماغ Armagh. وتوفيت بردجد في عام 525، معززة مكرمة من جميع الأيرلنديين، ولا يزال عشرة آلاف من الأيرلنديات يسمين باسم ماري الجيلية Mary of Gael. وبعد جيل من ذلك الوقت صب القديس روادهان لعنة على تارا؛ ثم هجرت الأبهاء القديمة بعد عام 558 حين مات الملك ديرمويد Diarmuid، واعتنق ملوك أيرلندة الدين المسيحي وإن ظلوا مع هذا وثنيين في ثقافتهم.




صفحة رقم : 4290




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الأيام الخيرة من تاريخ غالة القديمة



الفصل الثالث




بداية تاريخ فرنسا




1- الأيام الأخيرة من تاريخ غالة القديمة


كانت غالة في القرنين الرابع والخامس أكثر الولايات الغربية في الإمبراطورية الرومانية رخاء من الناحية المادية وأعظمها رقياً من الناحية العقلية. فقد كانت ترتبها خصبة كريمة، وصناعتها اليدوية متقدمة، وأنهارها وبحارها تعج بالمتاجر وكان نربونه وأرْليز، وبردو، وطولوز (طلوشة)، وليون، ومرسيلية، وبواتيه، وتريبه جامعات مزدهرة تنفق عليها الدولة، وكان المدرسين، والخطباء، والشعراء، والحكماء منزلة لا ينالها في العادة إلا رجال السياسة والملاكون. وفي أيام أوسنيوس وسيدنيوس عقد لغالة الزعامة الأدبية في أوربا كلها.
وكان ديسموس أوسنيوس Deecimus Magnus Ausonius شاعر العصر الفضي في غالة، وفيه تتمثل روح هذا العصر. وقد ولد في بردو حوالي عام 310، وكان والده كبير أطبائها، وفيها تلقى علومه، وقد حدث العالم فيما بعد في شعر كريم سداسي الأوتاد عن فضائل معلميه، ذكر فيه بسماتهم وأغفل ضرباتهم(25). وسارت حياته بعدئذ سيراً هادئاً مطمئناً حتى عين أستاذاً في بردو وظل يعلم "النحو" (وكان يقصد به وقتئذ الأدب) و "البلاغة" (أي الخطابة والفلسفة) نحو ثلاثين عاماً، وكان مربياً للإمبراطور جراتيان قبل أن يتولى عرش الإمبراطورية. وإن فيما كتبه عن والديه وأعمامه وأخواله، وزوجته، وأبنائه وتلاميذه ما يوحي بأن حياته في البيت وفي خارجه كانت شبيهة بحياة المدن الجامعية في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر. وهو يصف بعبارات جذابة البيت والحقول التي ورثها عن أبيه، ويحدثنا عن المكان الذي يرجو أن





صفحة رقم : 4291




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الأيام الخيرة من تاريخ غالة القديمة


يقضي فيها أخريات أيامه، ويقول لزوجته في سني زواجهما الأولى. "فلنعش على الدوام كما نعيش الآن، ولنحتفظ بالاسمين اللذين سمى بهما كلانا الآخر في بداية حبنا... ويجب أن يبقى كلانا في سن الشباب، وستكونين على الدوام جميلة في عيني، وعلينا ألا نحسب حساباً لمر السنين"(26). على أنهما سرعان ما فقدا أول طفل رزقه منها، وقد كتب يحي ذكراه بعبارات تفيض بالحب فقال: "لن أتركك دون أن أبكيك يا بكر أبنائي وباسمي. لقد اختطفك الموت منا في الوقت الذي كنت تحاول فيه أن تبدل لغطك إلى أولى كلمات الطفولة... إنك الآن ترقد على صدر والد جدك الذي تشاركه قبره"(27). وماتت زوجته ولم يمض على زواجهما الموفق إلا زمن قليل، وتركت له ابناً وبنتاً؛ وقد بلغ من حبه ووفائه لها أنه لم يتزوج قط بعد؛ ووصف في شيخوخته ألمه لفقدها ولوعته التي لم يخففها مر السنين، كما وصف السكون المحزن المخيم على بينهما الذي طالما عرف عناية يديه وأحس بنغم وقع قدميها.
وكان الناس في أيامه يحيون قصائده لما فيها من عواطف رقيقة، وصور ريفية جميلة، ولغتها اللاتينية الخالصة، ولشعرها الذي لا يكاد يقل في رقته عن شعر فرجيل.
وكان بولينس الذي أصبح فيما بعد من القديسين، يشبه نثره بنثر شيشرون، وكان سيماخوس يقول إنه لا يستطيع أن يجد في شعر فرجيل شيئاً أجمل من قصيدة موزلا Mosella التي وصف فيها أوسنيوس نهر الوزل. وكان الشاعر قد أولع بذلك النهر حين كان مع جراتيان في ترييه. ويقول في وصفه إنه يجري وسط جنة حقه من الكروم، والبساتين والقصور الصغيرة ذات الحدائق، والمزارع الفاخرة الغنية، ونكاد نحس في وقت ما بخضرة شواطئه، وموسيقى جريانه. ثم لا يلبث أن يتدلى من هذا المستوى الرفيع فيصف في عبارات تتكرر مراراً ما في مجرى النهر من سمك لطيف. وتذكرنا هذه الرغبة الجامحة في ذكر الأقارب




صفحة رقم : 4292




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الأيام الخيرة من تاريخ غالة القديمة


والمدرسين، والتلاميذ، والسمك بكتابات هوتمان Whitman ولكنها ينقصها شعور هوتمان الفياض وفلسفته القوية اللذين يخففان من سآمتها. وسبب ذلك النقض أن أوسنيوس بعد أن ظل ثلاثين عاماً يعلم النحو كان يصعب عليه أن يضمن عباراته شيئاً غير العاطفة الأدبية. فقصائده مسبحة صداقة، وأوراد مدح، ولكن الذين لم يعرفوا منا أمثال أولئك الأعمام والأخوال الذين نفتتن بحبهم، أولئك الأساتذة الذين يُغرونا بتمجيدهم قلما يتأثرون بهذا المديح.
ولما توفي فلنتيان الأول (375)، وجلس جراتيان على عرش الإمبراطورية استدعى إليه معلمه القديم، وأفاض عليه وعلى من معه كثيراً من المنح السياسية. فعين أوسنيوس حاكماً على إليركم Illyricum وإيطاليا، وأفريقية وغالة، واحدة بعد واحدة في فترة قصيرة، ثم عين آخر الأمر قنصلاً وهو في سن التاسعة والستين، وبفضل مشورته أصدر جراتيان مراسيم تفرض إعانات من الدولة لشؤون التعليم، وللشعراء، والأطباء، ولحماية روائع الفن القديم. وبفضل نفوذه أيضاً عين سيمكس حاكماً على روما، وبولينس والياً على إحدى الولايات وحزن أوسنيوس حين اعتزل بولينس شؤون الدنيا وانقطع للدين، لأن الإمبراطورية المهددة من جميع نواحيها كانت في حاجة إلى أمثاله. نعم إن أوسنيوس نفسه كان أيضاً مسيحياً، ولكن لم يكن جاداً كل الجد في مسيحيته، فقد كانت ميوله، وموضوعات شعره، وأوزانه، وما فيه من أساطير كلها وثنية وسارة مطربة.
ولما بلغ الشاعر سن السبعين عاد إلى بردو حيث عاش عشرين سنة أخرى. وكان وقتئذ حياً، في وسعه أن يوفق في قصائد البنوة التي نظمها في شبابه وبين حب الأجداد لأحفادهم حين يبلغ هؤلاء الأجداد الشيخوخة. انظر إليه وهو يقول لحفيده: "لا تخف، وإن كان صدى الضربات الكثيرة يتردد في المدرسة، وإن تجهم وجه المدرس، ولا ترتعد فرقاً إذا سمعت في أثناء ساعات الصباح صراخاً أو طرق أذنيك صوت العصا، فإذا كان المدرس يتخذ العصا




صفحة رقم : 4293




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الأيام الخيرة من تاريخ غالة القديمة


صولجاناً يهزه بيده، وإذا رأيت لديه مجموعة كاملة من العصي... فليس هذا أو ذاك إلا مظهراً خارجياً يبعث به الخوف الكاذب في النفوس. لقد مر أبوك وأمك بهذا كله في أيامهما، ثم عاشا بعدهما ليخففا عني في شيخوختي الهادئة الصافية عبء السنين"(28). وما أسعد حظ أوسنيوس إذ عاش ومات قبل أن يجتاح البلاد تيار البرابرة الجارف.
وكانت منزلة أبلينارس سيدونيوس Appolinaris Sidonius في النثر الغالي أثناء القرن الخامس كمنزلة أوسنيوس في الشعر الغالي في القرن الرابع. لقد خرج سيدونيوس على العالم فجأة مدينة ليون (432) حيث كان يقيم أبوه حاكم غالة. وكان جده قد شغل هذا المنصب نفسه قبل أبيه، وكانت أمه من أقارب أفتوس Avitus الذي جلس على عرش الإمبراطورية في عام 455. والذي تزوج سيدونيوس بابنته عام 452. وكانت كل هذه سبلاً ممهدة يصعب على الإنسان أن يجد خيراً منها. وجاءت إليه ببيانلا ببائنة هي قصر ريفي مترف بالقرب من كليرمنت Clermont. وقد قضى عدداً من سني حياته في الذهاب لزيارة أصدقائه من النبلاء والعودة من هذه الزيارات. وكان أولئك الأصدقاء أناساً ذوي ثقافة ورقة يميلون إلى الدعة والمغامرة(29)، يعيشون في بيوتهم الريفية، وقلما يغمسون أيديهم في رجس السياسة. وكان في وسعهم أن يحملوا حياتهم الناعمة المترفة من الغزاة القوط. ولم يكونوا يهتمون بحياة المدن، فقد أخذ ذوو الثراء الواسع من الإنجليز والفرنسيين في ذلك العهد يرون ما في حياة الريف من متع لا توجد في المدن، وقد جمعت هذه البيوت الريفية المنبسطة ذات الحدائق كل وسائل الراحة وأسباب الجمال، من أرض مرصوفة بالفسيفساء، وأبهاء ذات عمد، وجدران منقوشة عليها مناظر طبيعية، وتماثيل من الرخام أو البرونز ومواقد فخمة، وحمامات، وحدائق وملاعب تنس(30)، ومن حولها غياض يستطيع الرجال والسيدات أن يصيدوا فيها ويطلقوا البزاة. وكان بعضها يحتوي 125 حجرة، وفي كل منها




صفحة رقم : 4294




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الأيام الخيرة من تاريخ غالة القديمة


إلا القليل النادر مكتبة عامرة بالكتب، فيها كتب الوثنين القديمة وبعض النصوص المسيحية الجليلة(31). وكان بعض أصدقاء سودونيوس نفسه من هواة جمع الكتب ولا ريب في أنه كان في غالة كما كان في روما كثير من الأثرياء الذين يقدرون تجليد الكتب الجميلة أكثر مما يقدرون محتوياتها وحدها، ويقنعون بالثقافة التي يستطيعون أن يحصلوا عليها من جلود كتبهم.
ويضرب لنا سيدونيوس أحسن مثل لهذه الحياة اللطيفة -حياة حسن الضيافة والمجاملة، والبهجة، والآداب الراقية، وما فيها من شعر جيد الصقل، ونثر حلو النغم. ولما ذهب أفنوس إلى روما ليجلس على عرش الإمبراطورية، صحبه سودنيوس، واختير ليلقي بين يديه خطاب الترحيب (456)، ثم عاد إلى غالة بعد سنة من ذلك الوقت مع أفنوس المخلوع؛ ولكننا نجده في روما مرة أخرى في عام 468 يشغل منصب محافظ المدينة حين كانت الدولة في آخر مرحلة من مراحل الانهيار. وكان الرجل يسير مطمئناً وسط هذه الفوضى، فاستطاع بذلك أن يصف المجتمعات العليا في غالة وروما في رسائل من طراز رسائل بلني وسيماخوس، ولا تقل عن رسائلهما مباهاة وظرفاً.
ولم يكن الأدب في ذلك الوقت يجد ما يتحدث عنه إلا القليل، وقد بُذل في هذا القليل من العناية ما أبقى على شكل هذا الأدب وسحر ألفاظه بعد أن ذهب كل ما عداهما، وخير ما يمكن أن يقال عن هذه الرسائل أنها حوت ما في طبيعة الرجل المهذب المتعلم من تسامح وظرف وتفاهم وتعاطف. وهي الصفات التي أزدان بها أدب فرنسا منذ تلك الأيام التي لم فيها أدباً فرنسياً. وقد جاء سيدونيس إلى غالة بما يمتاز به الرومان من حب الحديث الممتع اللطيف الذي بدأ بشيشرون وسنكا وانتقل عن طريق بلني وسيماخوس، ومكروبيوس، وسيدونيوس إلى مونتاني ومنتسكيو، وفلتير، ورينان، وسانت بيف، وأناتول فرانس، وهؤلاء يكونون سلسلة متصلة الحلقات، ومن نعم الله أنهم




صفحة رقم : 4295




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الأيام الخيرة من تاريخ غالة القديمة


يكادون يكونون كلهم ذوي عقلية واحدة.
وإذ كنا لا نحب أن نعطى القارئ صورة غير صادقة لسودونيوس، فلابد لنا أن نضيف هنا أنه كان مسيحياً صالحاً، وأسقفاً شجاعاً. وقد وجد الرجل نفسه، على حين غفلة ، وعلى كره منه، يندفع من منزلته المدنية العلمانية إلى أسقفية كليرمنت. وكان على الأسقف في تلك الأيام أن يكون حاكماً إدارياً وهاداً روحياً في آن واحد. وقد كان ذوو التجارب والثراء أمثال أمبروز وسيدونيوس يمتازون بمؤهلات أقوى أثراً وأعظم نفعاً في مناصبهم الجديدة من علوم الدين مهما تعمقوا فيها. وإذا كان سيدونيوس لم يُحصَل من هذه العلوم إلا القليل، فإنه لم يكن يصبّ اللعنات الدينية إلا على القليلين، وكان بدل أن يشغل نفسه بهذا يعطى صحافة الفضية للفقراء، ويغفر ذنوب الناس بسرعة روّعت الكثيرين من رجال الدين. ونتبين من إحدى رسائله أنه كان في بعض الأحيان يقطع صلوات المصلين في كنيسته حين يتناولوا بعض المرطبات(23). ثم حطمت الحقيقة المرة هذه الحياة الممتعة حين قرر أوريكEuric ملك القوط الغربيين أن يضم أوفرني Auvergne إلى البلاد الخاضعة لحكمه. وظل القوط يحاصرون كليرمنت عاصمة هذه الولاية كلما حل فصل الصيف أربع سنين متوالية. وكان سيدونيوس يقاتلهم بالسياسة وبالصلوات، ولكنه عجز عن صدهم. ولما سقطت المدينة أخر الأمر، أسر، وسجن في حصن بالقرب من كاركسن Carcassonne (475)؛ ثم أطلق سراحه بعد علمين وأعيد إلى كرسيه. ولسنا نعرف كم من الزمن عاش بعدئذ، ولكنا نعلم أنه قبل أن يتجاوز الخامسة والأربعين من عمره كان يتمنى أن "يتخلص من آلام الحياة الحضرة ومتاعبها بأن يعجل الله بمنيته"(32) ذلك أنه كان قد فقد إيمانه بالإمبراطورية الرومانية، وبنى كل آماله في تقدم الحضارة على الكنيسة الرومانية. وقد غفرت له الكنيسة ما في شعره من نزعة وثنية وضمته إلى جماعة القديسين.




صفحة رقم : 4296




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة



2- الفرنجة




340-511


أرخى ليل الهمجية سدوله على غالة بعد موت سيدويوس. على أننا ليس من حقنا أن نبالغ في ظلام هذا الليل. فقد ظل الناس في خلاله يحتفظون بمهاراتهم الاقتصادية، فكانوا يتجرون" ويسكون النقود، ويقرضون الشعر، ويشتغلون بالفن، وقد بلغت مملكة القوط الغربيين في جنوبي غالة الغربي أيام ملكيها أوريك Euric(484-507) وألريك الثاني (484-507) درجة من النظام، والحضارة، والرقى، أطلقت لسان سيدونيوس نفسه بالثناء عليها(34). وفي عام 506 نشر أريك الثاني موجزاً من القوانين لمملكته، وكان دستوراً مستنيراً بالنسبة لغيره من دساتير ذلك الوقت، فقد كان يقرر العلاقة بيت السكان الرومان الغالبين والفاتحين على قواعد ثابتة قائمة على العقل. وسن ملوك برغندية في عام 510 دستوراً شبيها بهذا، وكان هؤلاء الملوك قد أسكنوا شعبهم في جنوبي غالة الشرقي وبسطوا سلطانهم على هذا الإقليم بطريق السلم، وظلت أوربا اللاتينية تحكمها الشرائع القوطية والبرغندية وشرائع الفرنجة التي لا تختلف عنهما كثيراً، حتى عادت الشرائع الرومانية إلى الوجود في بولونيا في القرن الحادي عشر الميلادي.
ويبدأ التاريخ يحدثنا عن الفرنجة في عام 240 حين هزمهم الإمبراطور أورليان بالقرب من مينز، واستقر الفرنجة الربواريون Ripuarian (أي الشاطئيون) في بداية القرن الخامس من منحدرات الرين الغربية، واستولوا على كولوني (463)، واتخذوها عاصمة لهم ، وبسطوا سلطانهم على وادي الرين من آخن Aechen إلى متز. وبقيت بعض قبائل الفرنجة على ضفة النهر الشرقية وأطلقوا اسمهم على فرنكونيا Franconia. وربما كان الفرنجة الساليون The Salic Franks




صفحة رقم : 4297




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة


وقد اشتقوا اسمهم من نهر سالا Sala(المعروف الآن باسم إجسل Ijssel الذي يجري في الأرض الوطيئة. ثم تحركوا من هذا الإقليم نحو الجنوب والغرب، واحتلوا حوالي عام 356 الإقليم الواقع بين نهر الموز Meuse والمحيط ونهر السوم Somme. وكان أكثر انتشارهم بطريق الهجرة السليمة بل أن الرومان أنفسهم كانوا يدعونهم أحياناً إلى أن يعمروا الأراضي القليلة السكان. وبهذه الوسائل المختلفة أصبحت غالة الشمالية نصف فرنجة قبل أن يحل عام 430. وقد جاء الفرنجة معهم بلغتهم الألمانية وعقيدتهم الوثنية، وكان من أثر هذا أن اللغة اللاتينية لم تعد اللغة التي يتحدث بها المقيمون على مجرى الرين الأدنى، كما لم تعد المسيحية دين هؤلاء الأقوام.
ويصف الفرنجة الساليون أنفسهم في مقدمة "القانون السالي" بأنهم " الشعب المجيد، الحكيم في مجالسه، النبيل في جسمه، الذي تشع منه الصحة والعافية، الممتاز بجماله، الجريء، السريع، الذي لا تلين له قناة ... هذا هو الشعب الذي ألقى على عاتقه نير الرومان(35). ولم يكونوا يعدون أنفسهم برابرة بل كانوا يقولون إنهم رجال أحرار انتزعوا حيتهم بأيديهم، ومعنى لفظة فرنجة Franks هو الحر، الذي نال حقوقه السياسية. وكانوا طوال القامة، شقر الوجوه، يجمعون شعرهم الطويل يعقدونه فوق رؤوسهم، ثم يتركونه يسقط منها أشبه ما يكون بذيل الحصان، وكانوا يطيلون شواربهم، ويحلقون لحاهم، ويشدون قباءهم على وسطهم بأحزمة من الجلد مغطاة في بعض أجزائها بقطع من الحديد المطلي بالميناء. وفي هذه المنطقة يعلق السيف. والبلطة الحربية، وبعض أدوات الزينة كالمقصات والأمشاط(36)؛ وكان الرجال والنساء مولعين بالحلي، يتزينون بالخواتم، والأساور وعقود الخرز. وكان كل رجل قوي الجسم جندياً محارباً، يتعلم منذ صباه الجري، والقفز، والسباحة، وإصابة الهدف بالحربة أو البلطة. وكانت الشجاعة عندهم أسمى الفضائل كلها، من أجلها يغتفر




صفحة رقم : 4298




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة


القتل، والنهب، والاغتصاب، ولكن التاريخ، بما يلقيه من ضوء ساطع على بعض الحوادث دون بعضها الآخر، يخطئ في تصوير الفرنجة إذ يدخل في روعنا أنهم أقوام محاربون لا غير. والحق أن فتوحهم ووقائعهم الحربية لم تكن أكثر من فتوحنا نحن ووقائعنا، كما كانت أقل منها أتساعاً وتخريباً. ويسدل من شرائعهم على أنهم كانوا يشتغلون بالزراعة والصناعات اليدوية، وانهم أنشئوا في شمالي غالة الشرقي مجتمعاً ريفياً مزدهراً يتمتع عادة بالسلام.
وقننت الشرائع السالية في بداية القرن السادس، وأكبر الظن أن ذلك كان في نفس الجيل الذي شهد آخر مرحلة من مراحل تطور قوانين جستنيان الرومانية. ويقولون إن "أربعة من الزعماء الموقرين" هم الذين كتبوه، وإن ثلاثة جمعيات شعبية متتالية بحثته وأقرته(37). وكانت الطريقة المتبعة في محاكم المتهمين هي طريقة التحكيم الإلهي والاستعانة بالشهود الذين يقسمون أن المتهم برئ. فإذا تعهد عدد كاف من الشهود الصالحين لهذه الشهادة أن المدعي عليه طيب الخلق، برئ من أية تهمة لا وجد دليل قاطع على أنه ارتكبها. وكان عدد الشهود يختلف تبعاً لجسامة الجرم المنسوب إلى المتهم : فسبعة وسبعون شاهداً يكفون لتبرئة المتهم بالقتل، ولكن لما أن اتهمت إحدى ملكات فرنسا في عفتها تطلب الأمر ثلاثمائة من النبلاء يشهدون بصحة انتساب ابنها إلى أبيه(38). فإذا ظل الأمر بعد هذا موضعاً للشك اتبع قانون التحكيم الإلهي. من ذلك أن المتهم كانت تربط يداه وقدماه ويلقى في النهر، فإذا غطس كان بريئاً، وإذا طفا كان مذنباً (وذلك لأن الماء كانت تقرأ عليه رقى خاصة في حفل ديني تجعله يرفض الشخص المذنب)(39)؛ أو كان يطلب إلى المتهم أن يمشي حافي القدمين في نار متقدة أو فوق حديد يحمى حتى يحمر من الحرارة؛ أو يمسك بيده قطعة من الحديد محمية إلى هذه الدرجة ويظل قابضاً عليها مدة محددة من الزمن؛ أو يضع ذراعه عارية في وعاء به ماء يغلي ويخرج شيئاً من قاع الإناء؛ أو يقف




صفحة رقم : 4299




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة


المدعي والمدعي عليه ويمدان ذراعيهما على هيئة صليب ويظلان كذلك حتى تثبت التهمة على أحدهما إذا أنزل ذراعه من شدة التعب؛ أو يأخذ المتهم ماء القربان المقدس، فإذا كان مذنباً فلا بد أن تحل به نقمة الله. وكانت المبارزة تفصل أحياناً في النزاعيين حرين إذا بقى بعد إيراد الأدلة القانونية مجال للشك المعقول. وتدل الأبستاق على أن التحكيم الإلهي بالماء المغلي كان من الوسائل التي يستخدمها الفرس الأقدمون. وقد ورد في قوانين مانو Mnau (قبل عام 100م) شئ من التحكيم الإلهي عند الهنود بالإغراق في الماء، كما ورد ذكر التحكيم الإلهي بطريق النار أو الحديد المحمى في مسرحية أنتيجون لسفكليز(40). أما الساميون فكانوا يرون أن هذا التحكيم يأباه الدين ولذلك كانوا يرفضونه، وكان الرومان يرون أنه خرافة، أما الألمان فقد ساروا فيه إلى آخر مرحله؛ وقبلته الكنيسة المسيحية وهي كارهة، وأحاطته بمراسيم دينية، وأيمان مغلظة.
والمحاكمة بالاقتتال قديمة قدم التحكيم الإلهي. ويصفه ساكسو جراماتيكوس Aaxo Grammaticus، بأنه كان إجبارياً في الدنمرقة في القرن الأول الميلادي؛ وتدل شرائع الإنكليز؛ والسكسون، والفرنجة، والبرغنديين، واللمبارد على أنه كان شائعاً بينهم، وقد وجده القديس بتريك في ايرلندة، ولما أن شكا مسيحي روماني إلى جندوباد Oondobab ملك برغانديا وقال له أن هذا التحكيم لا يحكم على الجريمة بل على المهارة، أجابه الملك بقوله :"أليس حقاً أن نتائج الحروب المبارزات إنما تتقرر بقضاء الله، وأن العناية الإلهية تؤيد بنصرها القضية العادلة ؟"(41). وكان كل ما حدث في هذا الأمر بعد ا، اعتنق البرابرة الدين المسيحي أن تبدل اسم الإله الذي يحكمونه فيما بينهم. وليس في وسعنا أن نحكم على هذه العادات أو نفهمها إلا إذا وضعنا أنفسنا في مكان قوم يؤمنون إيماناً لا يقبل الجدل بأن الله هو الذي يسبب الحوادث جميعها، وأنه لا يرضى عن أي حكم غير عادل. وأمام هذه التجربة المرعبة كان المدعون الذين لا يثقون




صفحة رقم : 4300




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة


من عدالة قضاياهم أو من قوة بيناتهم يترددون كثيراً قبل أن يشغلوا المحاكم بقضاياهم وشكايتهم؛ كما أن المتهمين المجرمين كانوا يتهربون من التحكيم الإلهي ويعرضون أن يؤدوا بدلاً منه تعويضاً للمدعين.
ذلك أنه كان لكل جريمة ثمنها، وكان في وسع المتهم عادة أن يفتدي نفسه بأن يؤدي التعويض المقرر للجريمة المتهم بها على أن يكون ثلثه للحكومة، ثلثه لمن وقعت عليه الجريمة أو لأسرته، وكان المبلغ المفروض يختلف باختلاف منزلة من وقعت علية الجريمة، ولهذا كان المجرم الملم بالشئون الاقتصادية يدخل في حسابه عدداً كبيراً من الحقائق. فإذا لطم رجل يد امرأة في غير حياء فرضت عليه غرامة مقدارها خمسة عشر ديناراً ( نحو دولارين أمريكيين وربع دولار)؛ وإذا لطم عضدها غرم خمسة وثلاثين ديناراً (25ر5 دولارات)، فإذا مس صدرها بغير رضاها غرم خمسة وأربعين ديناراً (75ر6 دولارات)(42). ولم يكن هذا التقدير باهظاً إذا قيس بغيره من الغرامات : فقد كان جزاء اعتداء روماني على فرنجي أو سرقته بإكراه غرامة قدرها 2500 دينار (375دولار)؛ وتخفض هذه الغرامة إلى 1400 ديناراً إذا اعتدى فرنجي على روماني أو سرقه؛ إذا قتل فرنجي رومانياً غرم القاتل 8000 دينار تخفيض إلى أربعة آلاف(43) إذا كان المقتول رومانياً؛ إلى هذه الدرجة انحطت منزلة الروماني العظيم في أعين الفاتحين، وإذا لم ينل المعتدي عليه أو أقاربه للتعويض الكافي، كان من حقهم أن ينتقموا لأنفسهم من المعتدي؛ وبهذه الطريقة كانت سلسلة الانتقام وسفك الدماء تدوم بين الخصوم عدة أجيال، وكانت الغرامات والبارزات القضائية خير الوسائل التي




صفحة رقم : 4301




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة


استطاع الألمان البدائيون ابتكارها لكبح جماح غريزة الانتقام وإحلال القانون محلها.
ونصت أهم مادة في القانون السالي على أنه "لا يجوز أن ترث امرأة شيئاً من الأراضي السالية (المادة السادسة). واعتمدت فرنسا على هذه المادة في القرن الرابع عشر فرفضت ادعاء الملك إدوارد الثالث ملك إنكلترا حقه في عرش فرنسا الذي يرثه عن طريق أمه إزابل Esabelle؛ وأدى هذا الرفض إلى نشوب السنين المائة. وكانت هذه المادة مقصورة على الأملاك الثابتة (العقارات)، التي يفترض أنها تحتاج في حمايتها إلى قوة الرجال العسكرية، ويمكن القول بوجه عام إن القانون السالي لم يكن يرفع من شأن النساء. نعم إن دية المرأة كانت ضعفي دية الرجل(44)، لأنهم كانوا يدخلون في تقديرها أنها قد تكون أما للكثيرين من الرجال، ولكنه يفعل بهن ما يفعله القانون الروماني في أوائل عهده، فيضعهن على الدوام تحت وصاية آبائهن أو أزواجهن أو أبنائهن. وقد جعل القتل عقاب المرأة الزانية، ولكنه لم يكن يعاقب الزانى(45)، وكان يبيح الطلاق للرجل متى شاء هواه(46). وكانت العادة تبيح لملوك الفرنجة بأن يتزوجوا بأكثر من واحدة، وإن لم يبح ذلك القانون نفسه.
وكان أول ملوك الفرنجة المعروفين باسمهم هو كلوديوChlodio الذي هاجم كولوني في عام 431؛ ولقد هزمه إيتيوس Aetius، ولكن كلوديو نجح في احتلال غالة من شرقها إلى نهر السوم في الغرب، واتخاذ تورناي عاصمة له. وخلفه على العرش ملك آخر يدعى مروفك Merovingian (ابن البحر) -وقد يكون هذا مجرد خرافة- وهو الذي سميت باسمه الأسرة المروفنجيةMerovingian التي حكمت الفرنجة حتى عام 751. وأغوى ابنه كلدريك Childeric باسينا Basina زوجة أحد الملوك الثورنجيين Thuringian؛ فجاءت إليه لتكون ملكته، وقالت: إنها لا تعرف رجلا أحصف منه عقلا، أو أقوى منه جسماً،




صفحة رقم : 4302




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة


أن أجمل منه خلقاً. وولدت له كلوفوس Clovis، الذي أنشأ فرنسا والذي تسمى باسمه ثمانية عشر من الملوك الفرنسيين .
وورث كلوفيس عرش المروفنجيين في عام 841، وكان وقتئذ في الخامسة عشر من عمره، ولم تكن مملكته تشغل وقتئذ إلا ركناً من أركان غالة ، فقد كانت قبائل أخرى من الفرنجة تحكم ارض الترين، وكانت مملكتا القوط الغربيين والبرغنديين القائمتان جنوبي غالة قد استقلتا استقلالا تاماً بعد سقوط روما. وكان الطرف الشمالي العربي من غالة، الخاضع بالاسم لحكم روما حتى ذلك الوقت، ضعيفاً لا يجد من يدافع عنه، فغزاه كلوفيس، واستولى على الكثير من مدنه وعلى عدد من أكابر رجاله. ثم قبل الفدية منهم. وباع الغنائم، وابتاع الجند والمؤن، والأسلحة، وزحف على سواسون Soissons وهزم جيشاً "رومانياً" (486). ثم وسع فتوحه في السنين التالية حتى لامست حدود شبه جزيرة بريطاني، ونهر اللوار. وضم إلى جانبه السكان الغاليين بأن ترك لهم أراضيهم، كما ضم إليه رجال الدين المسيحيين بأن احترم دينهم وأبقى لهم ثروتهم. وفي عام 493 تزوج مسيحية تدعى كلوثيلد Clothilde، وما لبث أن اعتنق بتأثيرها الدين المسيحي على أساس العقائد النيقية، وعمده ريمي الأسقف والقسيس في ريمز أمام حشد من رجال الدين والأعيان، دعوا لهذا الغرض ولحكمة لا تخفى، من جميع أنحاء غالة، ثم تقدم كلوفيس إلى ميدان القتال يتبعه ثلاثة آلاف جندي. وربما كان سبب اعتناق كلوفيس الدين الجديد أنه كان يتوق إلى الوصول إلى شواطئ البحر المتوسط، وأنه كان يرى أن مُلك فرنسا خليق بأن يعتنق من أجله هذا الدين. وأخذ أتباع الدين القويم في غالة القوط الغربيين، وغالة البرغنديين، ينظرون إلى حكامهم شرراً، وأصبحوا من ذلك الحين حلفاء الملك الفرنجي الشاب في السر أو في العلن.




صفحة رقم : 4303






قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة


ورأى ألريك الثاني بداية هذا التيار الجارف، وحاول أن يصده بالكلام المعسول، فدعا كلوفيس إلى الاجتماع به، واجتمعا بالفعل في أمبواز Amboise وعقدا ميثاق الصداقة الدائمة، ولكن ألريك قبض على جماعة من الأساقفة أتباع الدين الأصيل بعد عودته إلى طولوز. لتآمرهم مع الفرنجة، فدعا كلوفيس جمعيته الحربية وخطبها قائلاً: "يعز على نفسي أرى هؤلاء الأريوسيين يمتلكون جزءاً من غالة، فلنخرج لطردهم منها بمعونة الله"(47).
ودافع ألريك عن نفسه بكل ما وسعه الدفاع ومعه شعب منقسم على نفسه؛ ولكنه هزم في فوييه Vouill( القريبة من بواتييه (507). وقتله كلوفيس بيده. "وبعد أن قضى فصل الشتاء في بردو" ، كما يقول جريجوري التوري Gregory Of Tours واستولى على جميع كنوز ألريك التي كانت في طولوز، زحف لحصار أبحوليم Angoul(me. ومنّ الله عليه بفضله فتساقطت أسوار المدينة من تلقاء نفسها". وها نحن أولاء نرى منذ ذلك الزمن(48) نغمة المؤرخ الإخباري التي بها العصور الوسطى. وكان سجيبرت الشيخ ملك الفرنجة الربواريين حليفاً لكلوفس من زمن بعيد. والآن أوحى كلوفيس إلى سديبرت بالميزات التي ينالها بعد موت أبيه. فقتل الابن والده وأرسل كلوفيس إلى القاتل شعائر الود والصداقة ومعها عماله ليقتلوه. فلما تم ذلك لكلوفيس زحف على كولوني وأقنع زعماء الربواريين بأن يرتضوه ملكاً عليهم. ويقول جريجوري في ذلك "وجعل الله أعداءه يخرون في كل يوم صرعى تحت قدميه ... لأنه كان يسير أمام الله بقلب سليم، ولأنه كان يفعل ما تقر به عين الله"(49).
وسرعان ما اعتنق الأريوسيون المغلوبون المذهب الصحيح، وسمح لقساوستهم أن يحتفظوا بمناصبهم الدينية بعد أن تخلوا عن الفارق بين المذهبين وهو فارق ليس ذا شأن كبير. ونقل كلوفيس عاصمته إلى باريس وسار إليها مثقلاً بالأسرى والعبيد، والدعوات الصالحات، ومات فيها بعد أربع سنين في سن الخامسة




صفحة رقم : 4304




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة


والأربعين. وجاءت الملكة كلوثيلد، التي كان لمعونتها بعض الفضل في إنشاء فرنسا الغالية، "إلى تور بعد موت زوجها ، وأدت الصلاة في كنيسة القديس مارتن، وعاشت في ذلك المكان عفيفة رحيمة طول أيام حياتها"(50).




صفحة رقم : 4305




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون



3- المروفنجيون




511-614


كان كلوفيس يتوق إلى أن يكون له أبناء ذكور، وقد كان له قبل وفاته أكثر مما كان يحب، ولهذا قسم مملكته بينهم لكي يتجنب نشوب حرب للوراثة بعد وفاته. فأعطى كلدبرت Childebert الإقليم المحيط بباريس، وولى كلودمر Chlodemer إقليم أورلين Orleans، وأعطى كلوتار Chlotar إقليم سواسون Soissons وثيودريك إقليم متز وريمز وواصل الأبناء بمهمتهم البربرية السياسية المؤدية إلى توحيد فرنسا عن طريق الفتح، فاستولى على ثوررنجيا في عام 530، وعلى برغندية في عام 534، وعلى بروفانس في عام 536، وعلى بافاريا وسوبيا في 555. وعاش كلوتار بعد أن مات اخوته جميعاً فورث مما لهم، وكانت غالة تحت حكمه أوسع رقعة من فرنسا في العهود المستقبلة. وقبيل موته في عام 561 قسم غالة مرة أخرى ثلاثة أقسام : إقليم ريمز ومتز المعروف بأستراسيا Austrasia (أي الشرق) وخص به ابنه سجيبرت Sigebert، وبرغندية وأعطاها إلى جنثرام Gunthram، وأعطى إقليم سواسون المعروف بنوستريا Neustria (أي القسم الثاني الغربي) إلى كلبريك Chilperic.
ولقد كان تاريخ فرنسا منذ زواج كلوفيس إلى وقتنا هذا مزيجاً من الرجولة والأنوثة جامعاً بين الحب والحرب. من ذلك أن سجيبرت أرسل هدايا غالية إلى أثاناجلد Athanagild ملك أسبانيا برنهلدا Brunhilda، ووافق أثاناجلد على هذا الزواج لخوفه من الفرنجة




صفحة رقم : 4306




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون


وإن أرسلوا الهدايا؛ وأقبلت برنهلدا لتزدان بها أبهاء متز وريمز (566). ودب الحسد في قلب كلبريك، لأنه لم يكن له إلا زوجة ساذجة تدعى أودوفيرا Audovera وعشيقة فظة تدعى فردجندا Fredegunda، فطلب إلى أثاناجلد أن يزوجه أخت برنهلدا؛ وجاءت جلزونثا Galswintha إلى سوسوان وأحبها كلبريك لأنها جاءت معها بكنوز عظيمة، ولكنها كانت أكبر سناً من أختها؛ فعاد كلبريك إلى أحضان فردجندا . وطلبت جلزونثا أن تعود إلى أسبانيا، فأمر كلبريك بقتلها خنقاً (567)، وأعلن سجيبرت الحرب على كلبريك وهزمه، ولكن فردجندا بعثت إليه بعبدين قتلا سجيبرت، وقبض على برنهلدا ولكنها استطاعت الفرار وتوجت ابنها الشاب كلدبرت الثاني، وحكمت البلاد باسمه حكماً أظهرت فيه كثيراً من الحزم والكفاية .
ويصف المؤرخون كلبريك كأنه نيرون ذلك الوقت وهيروده، يصفونه بأنه غليظ القلب، سفاك للدماء، شهواني نهم شره، في جمع الذهب. ويفسر جريجوري التوري، وهو عمدتنا الوحيد في هذه المعلومات، تلك الصفات إلى حد ما بأن يصوره كأنه فردريك الثاني في عصره، فيقول إن كلبريك كان يسخر من فكرة وجود ثلاثة أشخاص في إله واحد، وبتصوير الله كأنه إنسان، وكان يعقد مع اليهود مناقشات مزرية، ويحتج على ثروة الكنيسة الطائلة، وعلى نشاط الأساقفة السياسي، وألغى الوصايا التي يترك بها الناس ما لهم للكنائس، وكان يبيع كراسي الأساقفة لمن يؤدي أكثر الأثمان، وحاول أن يخلع جريجوري نفسه من كرسي تور(51). ويصف الشاعر فرتناتوس هذا الملك نفسه بأنه جماع الفضائل، فهو حاكم عادل لطيف، شيشرون زمانه في الفصاحة؛ ولكن يجب ألا ننسى أن كلبريك قد أجاز فرتناتوس على شعره.
ومات كلبريك بطعنة خنجر في عام 584، وربما كان طاعنه مسلطاً عليه من برنهلدا، وترك وراءه ولداً رضيعاً هو كلوتار الثاني فحكمت فردجندا نستريا




صفحة رقم : 4307




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون


بالنيابة عنه، بمهارة، وغدر، وقسوة لا تقل عن مثيلاتها في أي رجل من رجال ذلك الوقت. من ذلك أنها جاءت بشاب من رجال الدين ليقتل برنهلدا، ولما عاد دون أن يؤدي مهمته أمرت بقطع يديه وقدميه. لكن مرجعنا في هذه الأخبار هو أيضاً جريجوري(53). وكان أعيان أستراسيا في هذا الوقت لا ينقطعون عن الثورة على برنهلدا المتغطرسة، يشجعهم على هذا كلوتار الثاني؛ وكانت تخمد هذه الثورات بقدر ما تستطيع وتستعين على ذلك بالختل والاغتيال؛ ولكنهم أفلحوا آخر الأمر في خلعها وهي في الثمانين من عمرها، وظلوا يعذبونها ثلاثة أيام كاملة، ثم ربطوها من شعرها وإحدى يديها في ذيل حصان وضربوه بالسياط (614). وورث كلوتار الثاني الممالك الثلاث وتوحدت مرة أخرى دولة الفرنجة.
وقد يحملنا هذا السجل الملطخ بالدماء على أن نبالغ في الهمجية التي كانت تخيم على غالة ولما يكد يمضي على موت سيدونيوس المتحضر المثقف قرن من الزمان، ولكن الناس لا بد لهم أن يجدوا وسيلة يستخدمونه إذا أعوزتهم الانتخابات. ولقد أفسد خلفاء كلوفيس ما بذله من جهود لتوحيد البلاد كما فعل خلفاء شارلمان بملكه بعده. على أن أقل مل يقال في هذا الثناء على هذا العهد أن الحكومة قد ظلت تؤدي واجباتها، وأن غالة لم تكن كلها تطيق وحشية ملوكها وتعد زوجاتهم، وأن ما يبدو من استبداد الملوك كان محدداً بقوة النبلاء الذين يحسدونهم على سلطتهم، وكان الملك يكافئهم على ما يؤدون له من خدمات في الإدارة والحرب بأن يهبهم ضياعاً يكادون يكونون فيها سادة مستقلين؛ وفي هذه الأملاك الواسعة بدأ الإقطاع الذي حارب الملكية الفرنسية ألف عام. وكثر أرقاء الأرض، وبدأ الاسترقاق يحيا مرة أخرى بسبب الحروب الجديدة، وانتقلت الصناعات من المدن إلى بيوت الريف، فضاقت رقعة المدن، وخضعت لسيطرة السادة الإقطاعيين؛ وكانت التجارة لا تزال




صفحة رقم : 4308




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون


نشيطة، ولكنها كان يقف في سبيلها عدم ثبات النقد، وكثرة اللصوص وقطاع الطرق، وارتفاع الضرائب الإقطاعية. وكان القحط والوباء يحاربان بنجاح غريزة التكاثر الآدمية.
وتزوج زعماء الفرنجة بمن بقي من نساء طبقة أعضاء الشيوخ الغاليين-الرومان، ونشأ من هذا التزاوج أشراف فرنسا. وكانوا في ذلك الوقت أشرافاً يتصفون بالقوة، يحبون الحرب، ويحتقرون الآداب، ويتباهون بلحاهم الطويلة، وأثوابهم الحريرية، وكثرة من يتزوجون من النساء. ولسنا نجد في تاريخ طبقة عليا لا تعبأ بالمبادئ الأخلاقية كما لم تعبأ بها هذه الطبقة؛ ولم يكن لاعتناقها المسيحية أثر فيها على الإطلاق، فقد بدت المسيحية لهم كأنها مجرد وسيلة كثيرة النفقة للحكم وتهدئة الشعب؛ ولما "انتصرت البربرية وانتصر الدين" كانت البربرية صاحبة الكلمة العليا مدى خمسة قرون. وكان الاغتيال، وقتل الآباء، والاخوة، والتعذيب، وبتر الأعضاء، والغدر، والزنى، ومضاجعة المحارم؛ كان هذا كله هو الوسيلة التي يخففون بها ملل الحكم. فقد قيل إن كلبريك أمر بأن يكون كل مفصل من مفاصل سجيلا Sigila القوطي بالحديد المحمى، وأن ينزع كل عضو من أعضائه من موضعه(54)، وكان لكاريبرت Charipert عشيقتان أختان وإحداهما راهبة، وجمع دجوبرت Dagobert (628-639) بين ثلاث زوجات في وقت واحد. وربما كان الإفراط الجنسي هو السبب فيما أصاب المروفنجيين من عقم منقطع النظير: ومن أمثلة هذا العقم أن واحداً لا أكثر من أبناء كلوفيس الأربعة وهو كلوتار كان له أبناء، وأن واحداً من أبناء كلوتار الأربعة كان له طفل. وكان الملوك يتزوجون في الخامسة عشرة من عمرهم ويفقدون متى بلغوا سن الثلاثين، ومات كثيرون منهم قبل الثامنة والعشرين(55). ولم يحل عام 614 حتى كان بيت المروفنجيين قد استنفد جميع حيويته وتأهب لأن يخلي مكانه لغيره.




صفحة رقم : 4309




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون


في غمار هذه الفوضى لم يكد يكون للتعليم وجود، فلم يحل عام 600 حتى كانت معرفة القراءة والكتابة ترفاً لا يتمتع به إلا رجال الدين، أما العلوم الطبيعية فقد انمحت أو كادت. وبقى الطب، لأنا نسمع عن وجود أطباء في حاشية الملوك، أما بين الشعب فقد كان السحر والصلاة في نظرهم خيراً من الدواء. وقد ندد جريجوري أسقف تور (538؟-594) بمن يستخدمون الأدوية بدل الصلوات في علاج المرضى، وقال: إن هذا إثم يعذبهم عليه الله. ولما مرض هو أرسل يدعو إليه طبيباً، ولكنه سرعان ما صرفه لأنه لم ينفعه بشيء، ثم شرب قدحاً من الماء ممزوجاً بتراب جئ به من قبر القديس مارتن شفي على أثره شفاء تاماً(56). وكان جريجوري هذا أشهر كتاب النثر في أيامه، وكان يعرف كثيرين من الملوك المروفنجيين معرفة شخصية، وكثيراً ما كانوا يستخدمونه في بعثات لهم. وقد روى في كتابه تاريخ الفرنجة قصة العصر المروفنجي المتأخر بطريقة فجة، مضطربة قائمة على الهوى والخرافة، ولكنه روى هذه القصة بأسلوب واضح، وكانت حوادثها مما شاهده بنفسه، ولغته اللاتينية فاسدة، قوية، خالية من الالتواء. وهو يعتذر عن أغلاطه النحوية، ويرجو ألا يعاقبه الله في يوم الحساب على ما ارتكبه من إثم بسبب هذه الأخطاء(57). وهو يؤمن بالمعجزات وخوارق العادات، ويتصورها تصور الطفل الذي لا يخالجه فيها أدنى ريب أو يؤمن بها إيمان الأسقف الحصيف الماكر اللطيف ويقول: "وسنمزج في قصتنا معجزات القديسين بمذابح الأمم"(58). ثم يمضي فيؤكد أن الأفاعي سقطت من السماء في عام 587، وأن قرية قد اختفت فجأة بجميع مبانيها وسكانها(59). وهو يشهر بكل شيء في أي إنسان لا يؤمن بالله أو يعمل ما يضر بالكنيسة، ولكنه يقبل ما يرتكبه أبناء الكنيسة المؤمنون من أعمال وحشية، وغدر، وخيانة، وفساد خلقي، ولا يجد في هذا ما تشمئز منه




صفحة رقم : 4310




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون


نفسه. وهو صريح في تحيزه وعدم نزاهته، ومن اليسير علينا أن نتغاضى عن بعض عيوبه، والصورة الأخيرة التي لا تنطبع في ذهننا عنه هي أنه رجل ساذج محبوب.
وأصبحت آداب غالة بعده تغلب عليها الصبغة الدينية في موضوعاتها، والصبغة البربرية في لغتها وأسلوبها إلا في حالة واحدة دون غيرها، تلك هي كتابات فنانتيوس فرتناتوس Vanantius Fortunatus (حوالي 530-610) البليغة. وقد ولد هذا الكاتب في إيطاليا، وتعلم في رافنا، ثم أنتقل إلى غالة في الثلاثين من عمره، وكتب يمدح أساقفتها وملكاتها، وأحب ردجندا زوجة كلوتار الأول حباً عذرياً أفلاطونياً. ولما أنشأت هي ديراً صار فرتناتوس قسيساً، ودخل في خدمتها، وما زال يرقى في الدرجات الكهنوتية حتى أصبح أسقف بواتييه؛ وكتب قصائد جميلة يمدح بها الأحبار، والقديسين، منها تسع وعشرون قصيدة في مدح جريجوري التوري وحده؛ ثم كتب ترجمة شعرية للقديس مارتن. وكان أحسن مل كتبه بعض ترانيم حلوة النغم منها واحدة تدعى Pange Lingue أوحت إلى تومس أكوناس بقصيدة تشبهها في موضوعها وتعلو عليها في أسلوبها؛ ومنها قصيدة أخرى تدعى Vexilla Regis أصبحت هي الجزء الأخير من القداس الكاثوليكي. وقد نزع في مزج الإحساس القوي بالسعر البليغ، وإذا ما قرأنا أبياته الدائمة الجدة، اللطيفة الأسلوب، تبينا ما كان ينطوي عليه قلبه من رحمة، وإخلاص، وعواطف رقيقة وسط ما كان يتصف به عصر المروفنجيين من وحشية وجرائم يرتكبها الملوك.




صفحة رقم : 4311




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين



الفصل الرابع




أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين




456-711


سبق القول أن القوط الغربيين حكام غالة استردوا أسبانيا من الوندال في عام 420، وعادوا بعدئذ إلى روما، ولكن روما كانت عاجزة عن حماية أسبانيا، ولهذا فإن السويفي Suevi خرجوا من معاقلهم في التلال الواقعة في الجنوب الغربي من شبه الجزيرة واجتاحوها كلها، فانقض عليها القوط الغربيون مرة أخرى بقيادة ثيودريك الثاني (456) وأوريك (466) بعد أن عبروا جبال البرانس، وفتحوا معظم أسبانيا واحتفظوا بالبلاد في هذه المرة وضموها إلى أملاكهم، وحكمت أسبانيا من ذلك الوقت أسرة من القوط الغربيين وظلت على عرشها حتى جاءها المسلمون.
وأنشأت الملكية الجديدة، في بلدة طليطلة عاصمة فخمة، وجمعت فيها حاشية موفورة الثراء. وكان أثاناجلد Athanagild (563-567) وليوفيجلد Leovigild (568-586) ملكين قويين، هزما الغزاة الفرنجة في الشمال وجيوش بيزنطية في الجنوب؛ وكانت ثروة أثاناجلد هي التي أكسبت ابنتيه ميزة فذة هي انهم قتلتا وهما ملكتان لملكين من الفرنجة. وحدث في عام 589 أن غير ريكارد Recared مذهبه ومذهب الكثرة الغالبة من القوط الغربيين في أسبانيا من الأريوسية إلى المسيحية الأصلية. ولعل سبب هذا التغير أنه قرأ من قبل تاريخ ألريك الثاني. ومن ذلك أصبح الأساقفة أكبر المؤيدين للملكية وأقوى سلطة في الدولة؛ فقد سيطروا بفضل تفوقهم في العلم ودقة النظام على




صفحة رقم : 4312




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين


الأشراف الذين كانوا يجتمعون معهم في مجالس الحكم في طليطلة؛ ومع أن سلطة الملك كانت سلطة مطلقة من الوجهة النظرية، ومع أنه كان هو الذي يختار الأساقفة، فإن هذه المجالس كانت هي التي تختاره، وتأخذ عليه قبل أن يباشر الحكم المواثيق بشأن السياسة التي تريد منه أن يتبعها، ووضعت بإرشاد رجال الدين طائفة من القوانين (634)، كانت أوفى جميع شرائع البرابرة وأقلها تسامحاً. وقد أصلحت من شأن الإجراءات القضائية بأن عمدت إلى تقدير شهادة الشهود في تقدير أخلاق المتهمين بدل شهادات الأصدقاء، وطبقت قوانين واحدة على الرومان والقوط الغربيين، فوضعت بذلك مبدأ المساواة أمام القانون(60). ولكنها لم تأخذ بمبدأ حرية العبادة، وحتمت على جميع السكان أن يعتنقوا المسيحية الصحيحة، وأقرت اضطهاد يهود أسبانيا الذي دام طويلاً، وارتكبت فيه أشد ضروب القسوة.
ونسي القوط الغربيون قبل أن ينقضي على فتحهم أسبانيا لغتهم الألمانية بتأثير نفوذ الكنيسة التي ظلت تستخدم اللغة اللاتينية في مواعظها وطقوسها الدينية، وأفسدوا اللاتينية المستعملة في شبه الجزيرة بأن أدخلوا عليها قوة الرجولة والجمال النسوي اللذين تمتاز بهما اللغة الأسبانية الحاضرة، وكانت المدارس الملحقة بالأديرة والأسقفيات هي التي تقوم بالتعليم، وكان معظمه تعليماً كنسياً، ولكنه كان يشمل شيئاً من دراسة الكتب القديمة، وأنشئت مجامع علمية في بقلارا Vaclara وطليطلة، وسرقسطة، وأشبيلية، وكان الشعر يلقى تشجيعاً كبيراً، وأما التمثيل فكان يقاوم لما فيه من فحش وبذاء.
ولم يحفظ التاريخ من أسماء الأدباء في أسبانيا القوطية إلا اسم إزدور Isidorc الأشبيلي (حوالي 560-636). وتروي إحدى الأقاصيص الطريقة كيف هرب غلام أسباني من بيته غضباً من تأنيبه من أجل كسله، وأخذ يطوف بالبلاد حتى أنهكه التعب، فجلس إلى جانب بئر، فاستلفت نظره شق عميق في




صفحة رقم : 4313




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين


حجر مجاور لحافة البئر. ومرت به في ذلك الوقت فتاة فقالت له إن هذا الشق من أثر احتكاك الحبل الذي ينزل الدلو في البئر ويرفعها، فلما سمعها إزدور قال في نفسه: "إذ كان في استطاعة هذا الحبل اللين بدأ به على العمل في كل يوم أن يشق الحجر، فما من شك أن المثابرة يمكن أن تغلب على بلادة عقلي". ثم عاد من فوره إلى بيت أبيه وواصل الدرس حتى أصبح أسقف أشبيلية المتبحر في العلم(61). ولسنا نعلم إلا القليل عن حياته، وكل ما نستطيع أن نقوله إنه وجد بين مشاغله الدينية الكثيرة، التي كان يقوم بها بما يرضي ضميره، متسعاً من الوقت يكتب فيه ستة كتب. ولعله أراد أن يعين ذاكرته فجمع في خلال عدد كبير من السنين فقرات مختلفة في جميع الموضوعات نقلها من كتب المؤلفين الوثنيين والمسيحيين واستحثه صديقه بروليو Broulio أسقف سرقسطة على أن ينشر هذه المختارات، فأجابه إلى طلبه، وحورها حتى أصبحت من أقوى كتب العصور الوسطى أثراً وسماها "عشرون كتاباً في الاشتقاقات والأصول" وضمها الآن مجلد ضخم يحتوي على 900 صفحة من القطع الكبير. وهو موسوعة علمية ولكنها غير مرتبة على الحروف الهجائية؛ وتبحث على التوالي في المجموعة الثلاثية من العلوم القديمة وهي النحو، والبلاغة، والمنطق؛ ثم في الحساب، والهندسة، والموسيقى، والفلك وهي المجموعة الرباعية عند الأقدمين؛ ثم تبحث في الطب؛ والقانون؛ والتواريخ، والدين، والتشريح، ووظائف الأعضاء، وعلم الحيوان، وعلم الكون، والجغرافية الطبيعية، والهندسة المعمارية، والمساحة، والتعدين، والزراعة والحرب، والألعاب الرياضية، والسفن، والملابس، والأثاث، والأدوات المنزلية،...وكلما انتقل المؤلف إلى موضوع من هذه الموضوعات عرف مصطلحاته الأساسية، وبحث عن منشأها. مثال ذلك أنه يقول إن الإنسان يسمى باللاتينية (هومو Homo) لأن الله قد خلقه من التراب (هومس Humus)، والركبتان تسميان Genus، لأنهما يكونان مقابل الخدين Genae) في الجنين(62). وكان إزدور




صفحة رقم : 4314




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين


عالماً مجداً وإن لم يعن بالتفرقة بين موضوعات درسه؛ وكان واسع الإطلاع على اللغة اليونانية، يعرف الكثير من كتابات لكريتيوس Lukretius (وهو الذي لا يذكر في العصور الوسطى)، وقد حفظ لنا قطعاً مختارة من فقرات كثيرة من الآداب الوثنية لولاه لضاعت عن آخرها. وبحوثه خليط من الاشتقاق الغريب، والمعجزات التي لا يقبلها عقل، ومن تفسيرات مجازية خيالية للكتاب المقدس؛ ومن العلوم الطبيعية والتاريخ حورت لكي تثبت مبادئ أخلاقية، وأخطاء في الحقائق يكفي القليل من الملاحظة لتصحيحها. وكتابه هذا أثر خالد يدل على ما كان فاشياً في هذا العهد من جهالة.
ولا يكاد يبقى شيء من الفنون التي كانت في أسبانيا في عهد القوط الغربيين رياوح أن طليطلة، وإيطاليا وقرطبة، وغرناطة، ومديرا وغيرها من المدن كانت تحتوي على كنائس، وقصور، ومبان عامة جميلة المنظر، أقيمت على الطراز القديمة، ولكنها ميزت عنها بالرموز المسيحية، والنقوش البيزنطية(63). ويقول المؤرخون المسلمون إن العرب الفاتحين وجدوا في طليطلة وكنيستها الكبيرة خمسة وعشرين تاجاً من الذهب المرصع بالجواهر، وكتاباً مزخرفاً للتراتيل مكتوباً على ورقة من الذهب بمداد مصنوع من الياقوت المصهور، وأقمشة منسوجة بخيوط من الذهب والفضة، ودروعاً، وسيوفاً، وخناجر مرصعة من الجواهر، مزهريات مملوءة بها، ومنضدة من الزمرد مطعمة بالفضة والذهب- وكانت هذه المنضدة إحدى الهدايا الكثيرة الغالية التي أهداها أغنياء الغربيين إلى كنيستهم التي تحميهم وترد الأذى عنهم.
وظل استغلال الأقوياء والمهرة البائسين والسذج يجري مجراه في عهد القوط الغربيين كما كان يجري في عهد سائر الحكومات القديمة. فكان الأمراء والأحبار يجتمعون في حفلات دينية أو دنيوية فخمة، ويضعون قواعد للتحليل والتحريم، ويدبرون وسائل للإرهاب والرعب ليتغلبوا بذلك كله على مشاعر




صفحة رقم : 4315




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين


الجماهير ويهدئوا أفكارهم. وتركزت الثروة في أيدي عدد قليل من الأفراد، وكانت الثغرة الواسعة التي تفصل الأغنياء عن الفقراء، والمسيحيين عن اليهود تقسم الأمة ثلاث دول مختلفة؛ فلما أن جاء العرب لم يبال الفقراء واليهود بسقوط دولة ملكية وكنيسة لم تظهر شيئاً من الاهتمام بفقرهم وسامتهم كثيراً من أنواع الاضطهاد الديني.
ولما مات وتيزا Witiza ملك أسبانيا الضعيف في عام 708 لم يقبل الأشراف أن يخلفه على العرش أحد من أبنائه، بل أجلسوا عليه ردريك (لزريق) Roderick، ففر أبناء وتيزا إلى أفريقية، واستغاثوا بزعماء المسلمين. وقام المسلمون ببضع غارات تمهيدية على السواحل الأسبانية، عرفوا بها أن أسبانيا منقسمة على نفسها، وأنها تكاد تكون مجردة من وسائل الدفاع، فجاءوا إليها في عام 711 بقوة أكبر من قوتهم السابقة. والتقت جيوش طارق ولزريق في معركة على سواحل بحيرة يندا Janda في ولاية قادس، انضمت فيها قوة من القوط إلى العرب؛ واختفى لزريق من المعركة. وتقدم المسلمون المنتصرون إلى أشبيلية، وقرطبة، وطليطلة؛ وفتحت كثير من المدائن الأسبانية أبوابها للغزاة. وأقام قائد العرب موسى ابن نصير في العاصمة الأسبانية (713)، وأعلن أن أسبانيا أصبحت من ذلك الوقت ملكاً للمسلمين وللخليفة الأموي في دمشق.




صفحة رقم : 4316




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> ثيودريك



الفصل الخامس




إيطاليا تحت حكم القوط الشرقيين




493-536




1- ثيودريك


لما تصدعت أركان مملكة أتلا بعد وفاته في عام 453 استعاد القوط الشرقيون استقلالهم، وكان قد أخضعهم من قبل لحكمه. وكان البيزنطيون يرشونهم ليصدوا غيرهم من البرابرة الألمان نحو الغرب، وكافئوهم على عملهم هذا بأن أقطعوهم ولاية بنونيا، وأخذوا ثيودريك ابن ملكهم ثيودمير -ولم يكن قد تجاوز السابعة من عمره- رهينة في أيديهم إلى القسطنطينية ليضمنوا بذلك ولاء القوط الشرقيين لهم. وقضى ثيودريك في بلاط إمبراطور القسطنطينية أحد عشر عاماً اكتسب فيها فطنة وذكاء، وإن لم يتلق فيها تعليماً؛ وحذق فنون الحرب والحكم، ولكن يبدو أنه لم يتعلم قط الكتابة(64)؛ وأعجب به الإمبراطور ليو الأول، فلما مات ثيودمير (473) اعترف ليو بثيودريك ملكاً على القوط الشرقيين.
وخشي زينون الذي خلف ليو على عرش الإمبراطورية الشرقية أن يسبب ثيودريك المتاعب البيزنطية، فأشار عليه أن يفتح إيطاليا. وكان أدكور قد اعترف اسمياً بخضوعه للإمبراطور الشرقي ولكنه كان يتجاهله فعلاً، وكان زينون يأمل أن يعيد ثيودريك إيطاليا إلى حكم بيزنطية؛ وسواء تم هذا أو لم يتم فإن زعيمي القبائل الألمانية الخطرة سيسلى أحدهما الآخر ويتركان زينون يدرس الدين على مهل. وأعجب ثيودريك بهذه الفكرة- ويقول بعضهم إنه هو صاحبها. وقاد ثيودريك القوط الشرقيين بوصفه وزير زينون، وكان تحت لوائه عشرون ألف محارب،




صفحة رقم : 4317




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> ثيودريك


وعبر بهم جبال الألب (488). وعاون أساقفة إيطاليا القائد الأريوسي وإن كانوا هم من أتباع الدين الصحيح لأنهم كانوا يكرهون أريوسية أدوكر، ولأن ثيودريك في رأيهم يمثل إمبراطوراً يكاد يكون من أتباع الدين القويم. وبفضل هذه المساعدة استطاع ثيودريك أن يحطم مقاومة أدوكر الشديدة بعد حرب طاحنة دامت خمس سنين، وأقنعه على أن يعقد معه صلحاً ينزل فيها كلاهما عن مطالبه. ثم دعا أدوكر وابنه إلى الطعام معه في رافنا، وبعد أن أكرم وفادتهما قتلهما بيده (493). وبهذا الغدر بدأ عهد أكثر العهود استنارة في التاريخ.
وكانت بضع حملات عسكرية كافية لأن تخضع لحكم ثيودريك غربي البلقان، وجنوبي إيطاليا، وصقلية. وظل ثيودريك خاضعاً خضوعاً اسمياً إلى بيزنطية، وضرب النقود باسم الإمبراطور، وكان يكتب الرسائل إلى مجلس الشيوخ، الذي ظل يعقد جلساته في روما، بما يليق به من التوقير واتخذ لنفسه لقب ركس Rex أي الملك. وكان هذا اللفظ في الزمن القديم من أبغض الألفاظ إلى الرومان، ولكنه كان وقتئذ لقباً عاماً لحكام الأقاليم التي تعترف بسيادة بيزنطية عليها. وقبل قوانين الإمبراطورية الغربية التي زالت من الوجود ونظمها، وحرص أشد الحرص على الدفاع عن آثارها وأشكالها، ووهب كل ما أوتي من جد ونشاط لإعادة الحكم المنظم إلى البلاد والرخاء الاقتصادي إلى الشعب الذي أخضعه لحكمه. وقصر عمل القوط الذين جاءوا معه على وظائف الشرطة والخدمة العسكرية، وسكن تذمرهم بما كان يؤديه لهم من الأجور العالية. أما مناصب الإدارة والقضاء فقد ظلت في أيدي الرومان، وترك ثلثي إيطاليا الزراعية للرومان أنفسهم ووزع الثلث الباقي على القوط، ومع هذا فقد بقيت بعض الأراضي الصالحة للزراعة في إيطاليا من غير أن تفلح. وافتدى ثيودريك الرومان الذين وقعوا في أسر الأمم الأخرى، وأسكنهم إيطاليا، وأقطعهم فيها أرضاً يزرعونها؛




صفحة رقم : 4318




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> ثيودريك


وجفف المستنقعات البنتية، وأعادها أرضاً صالحة للزراعة غير مضرة بالصحة. وكان ثيودريك يؤمن بضرورة تنظيم الحالة الاقتصادية وإخضاعها لسيطرة الحكومة، فأصدر "مرسوماً خاصاً بالأثمان، التي يجب أن تكون في رافنا". ولسنا نعرف كيف كانت هذه الأثمان. وكل ما يقال لنا هو أن نفقات الطعام في حكم ثيودريك كانت أقل مما كانت عليه قبل بمقدار ثلثها. وأنقص عدد موظفي الحكومة ومرتباتهم، ومنع الإعانات التي كانت تعطى للكنيسة، وخفض الضرائب. ومع هذا فقد كانت إيرادات الدولة لا تكفي لإصلاح كثير من الضرر الذي ألحقه الغزاة بروما وإيطاليا، لإقامة قصر متواضع في رافنا وكنيستي سنتا أبليناري Sant' Appollinare وسان فيتال San Vitale. وفي أيامه استعادت فيرونا، وبافيا، ونابلي، وأسبوليتو Spoleto وغيرها من مدن إيطاليا ما كان بها في أيام عزها من مبان فخمة. وبسط ثيودريك حمايته على الكنائس التابعة للمذهب الأصيل من حيث أملاكها وحرية العبادة فيها وإن كان هو من أتباع المذهب الأريوسي؛ وصاغ وزيره كسيودوروس Cassiodorus الكاثوليكي المذهب سياسة الحرية الدينية في تلك العبارة الخالدة! "ليس في مقدورنا أن نسيطر على الدين، لأنا لا نستطيع أن نرغم أحداً على أن يؤمن بما لا يريد أن يؤمن به" . وكتب مؤرخ بيزنطي يدعى بروكبيوس Procopius من مؤرخي الجيل التالي يثني على الملك "البربري" ثناء ليس فيه شيء من المحاباة فقال:
لقد كان ثيودور شديد الحرص على مراعاة العدالة... وبلغ أعلى درجات الحكمة والرجولة.... ومع أنه كان من الناحية الاسمية مغتصباً للملك، فقد كان في الواقع الأمر إمبراطور بحق، لا يقل في ذلك عن أي إمبراطور ممن ميزوا أنفسهم في هذا المنصب الخطير منذ بداية التاريخ. وكان القوط والرومان جميعاً




صفحة رقم : 4319




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> ثيودريك


يحبونه أعظم الحب... ولم يكن كل ما تركه قبل وفاته هو الرعب الذي قذفه في قلوب أعدائه، بل أنه ترك فوق ذلك في قلوب رعاياه شعوراً قوياً بالخسارة والحرمان(67).




صفحة رقم : 4320




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس



2- بؤيثيوس


وفي هذه البيئة التي عمها السلم والأمن بلغ الأدب اللاتيني آخر مرحلة من مراحل الرقي والازدهار. ومن أشهر أدباء ذلك العصر فلافيوس ماجنوس أورليس كسيودورس Flavius Magnus Aurelis Cassiodorus (480-573) الذي كان أمين سر أدوكر وثيودريك. وقد ألَّف، بناء على إشارة ثيودريك، تاريخ القوط(68) وكان يهدف إلى أن يظهر للرومان المتشامخين أن للقوط أيضاً أنباء نبلاء وأعمالاً مجيدة. ولعل أكثر من هذا موضوعية تاريخه الإخباري الذي أرّخ فيه العالم كله من آدم إلى ثيودريك، ونشر في أواخر حياته السياسية مجموعة من رسائله وأوراقه المتعلقة بشؤون الدولة بعضها سخيف بعض السخف، وبعضها كثير المبالغة والتباهي، وبعضها يكشف عن مستوى أخلاقي رفيع ومقدرة إدارية عظيمة كان يتصف بهما الوزير ومليكه. ولما شهد في عام 450 اضمحلال الحكومة التي خدعها ثم سقوطها اعتزل منصبه وآوى إلى ضيعته في اسكويلاس Squillace بكلبيريا Calabria، وأنشأ هناك ديرين، وعاش فيها عيشة وسطاً بين عيشة الرهبان والعظماء حتى وافته المنية في سن الثالثة والتسعين. وقد علم زملاءه الرهبان أن ينسخوا المخطوطات، الوثنية منها والمسيحية، وأعد لهذا العمل حجرة خاصة. وحذت بعض المعاهد الدينية الأخرى حذوه، ولهذا فإن كثيراً مما لدينا من الكنوز الحديثة المنقولة عن الأدب القديم هو ثمرة من ثمار أعمال النسخ التي تمت في الأديرة، والتي بدأها كسيودورس وزملاءه الرهبان. وألّف أواخر سني حياته كتاباً مدرسياً سماه: منهجاً في




صفحة رقم : 4321




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس


الدين والدراسات غير الدينية دافع فيه دفاعاً جريئاً عن قراءة الآداب الوثنية. واتبع فيه منهج الدراسة المدرسي الذي وضعه مريانوس كابلا Marianus Capella والذي قسم فيه العلوم إلى مجموعتين: المجموعة الثلاثية والمجموعة الرباعية، وهو التقسيم الذي ظل متبعاً في التعليم طوال العصور الوسطى.
وكانت حياة أنيسيوس مانليوس سفرينوس بؤيثيوس Anicius Manlius Severinus Boethius (475؟-534) شبيهة بحياة كسيودورس في كل شيء إلا في قصر مدتها. فكلاهما من أبناء الأسرة الرومانية الغنية، وكلاهما كان وزيراً لثيودريك، وكلاهما بذل جهداً كبيراً لسد الثغرة التي تفصل الوثنية عن المسيحية، وكتب كتباً مملة ظلت ألف عام تقرأ وتعّد من الذخائر القيمة. وكان والد بؤيثيوس قنصلاً في عام 483، وكان والد زوجته سيماخوس الأصغر من نسل سيماخوس الذي دافع عن مذبح الحرية. وتعلم أحسن تعليم تستطيع روما أن تقدمه لأبنائها، ثم قضى بعدئذ ثمانية عشر عاماً في مدارس أثينة عاد بعدها إلى قصوره الريفية في إيطاليا، وانهمك في الدرس، واعتزم أن ينقذ عناصر الثقافة اليونانية واللاتينية القديمة التي رآها آخذة في الزوال، فوهب وقته كله -وهو أكبر ما يعتز به العالم المجد- في تلخيص كتب إقليدس في الهندسة النظرية ونقوماخوس في الحساب، وأرخميديز في علم الحيل (الميكانيكا) وبطليموس في الفلك... وكانت ترجمته لرسالة أرسطو في المنطق (Organon) وكتاب برفيري Porhyry المعروف باسم مقدمة لمقولات أرسطو هي التي استمد منها علم المنطق في السبعة القرون التالية أهم نصوصه وأفكاره، وهي التي مهدت السبيل للجدل الطويل بين الواقعية والاعتبارية. وحاول بؤيثيوس أن يكتب أيضاً في اللاهوت: فألَّف رسالة في التثليث دافع فيها عن النظرية المسيحية السائدة، ووضع المبدأ القائل إنه إذا اختلف الدين والعقل وجب إتباع الدين. وليس في




صفحة رقم : 4322




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس


هذه المؤلفات كلها ما هو خليق في هذه الأيام، ولكننا مهما أطنبنا في وصف آثارها في التفكير في العصور الوسطى فإنا لا يمكن أن نتهم بالمبالغة في هذا الوصف.
وأوحت إليه تقاليد أسرته أن يتنحى عن هذه الأعمال المغلقة على الإفهام، وأن ينزل إلى قسم الحياة السياسية. وارتقى في هذه الحياة رقياً سريعاً، فكان قنصلاً، ثم وزيراً، ثم سيد المناصب -أي رئيس وزراء (522). وامتاز في هذه المناصب كلها بحبه للإنسان وبفصاحته، وكان الناس يشبهونه بدمستين وشيشرون. لكن العظمة تخلق للعظيم أعداء، فقد ساء الموظفين القوط في بلاط الملك ما رأوه من عطفه على السكان الرومان والكاثوليك، وأثاروا شكوك الملوك فيه؛ وكان ثيودريك وقتئذ في التاسعة والستين من عمره، ضعيف الجسم والعقل لا يدري كيف ينقل إلى خليفته حكماً مستقراً تتولاه أسرة قوطية أريوسية على امة تسعة أعشارها من الرومان، وثمانية أعشارها كاثوليك. وكان لديه من الأسباب ما يحمله على الاعتقاد بأن الكنيسة والأشراف يناصبانه العداء، وأنهما يترقبان موته بفارغ الصبر. وكان مما قوى هذه الشكوك أن جستنيان نائب الإمبراطور في بيزنطية أصدر مرسوماً يقضي بنفي جميع المانيين من الإمبراطورية، وتحريم جميع المناصب المدنية والعسكرية على جميع الوثنين والمارقين- بما فيهم جميع الأريوسيين ما عدا القوط. وظن ثيودريك أن هذا الاستثناء لا يقصد به إلا إضعاف حجته، وإن جستنيان فيه عند أول فرصة، ورأى أن هذا المرسوم جزاء غير عادل للحريات التي منحها أتباع العقيدة الكنسية الأصلية في الغرب. ألم يرفع إلى أعلى مناصب الدولة بؤيثيوس الذي كتب رسالة عن التثليث يعارض فيها العقيدة الأريوسية؟ وفي تلك السنة نفسها سنة 523 أهدى إلى كنيسة القديس بطرس ماثلتين فخمتين من الفضة المصمتة دليلاً على مجاملته للبابا. لكنه مع هذا أغضب طائفة كبيرة من




صفحة رقم : 4323




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس


السكان بحمايته لليهود، ذلك أنه حين دمر الغوغاء معابدهم في ميلان، وجنوى، وروما أعاد بناءها من الأموال العامة.
وفي هذه الظروف ترامى إلى ثيودريك أن مجلس الشيوخ يأتمر به ليخلعه. وقيل لم إن زعيم المؤامرة هو ألبينوس رئيس مجلس الشيوخ وصديقه بؤيثيوس. فما كان من العالم الكريم إلا أن أسرع إلى ثيودريك وأكد له براءة ألبينوس وقال له: "إذا كان ألبينوس مذنباً فإني أنا ومجلس الشيوخ كله لا تقل عنه جرماً". وقام ثلاثة رجال ذوي سمعة سيئة يتهمون بؤيثيوس بالاشتراك في المؤامرة، وقدموا وثيقة عليها توقيع بؤيثيوس، موجهة إلى إمبراطور بيزنطية تدعوه إلى فتح إيطاليا. وأنكر بؤيثيوس هذه التهم كلها، وقال إن الوثيقة مزورة، لكنه اعترف فيما بعد بأنه: "لو كان هناك أمل في أن يوصلنا ذلك إلى الحرية لما ترددت فيه، ولو أنني عرفت أن هناك مؤامرة على الملك... لما عرفتم نبأها مني"(70). فلما قال هذا قبض عليه (523):
وسعى ثيودريك لأن يتفاهم مع الإمبراطور، وكتب إلى جستين رسالة خليقة بالملك الفيلسوف قال فيها:
إن من يدعي لنفسه حق السيطرة على الضمائر يغتصب حق الله وحده على عباده، أما سلطان الملوك فهو بطبيعة الأشياء مقصور على الحكومة السياسية، وليس من حقهم أن يعاقبوا إنساناً إلا إذا عكر صفو السلم العام. وليس ثمة أشد خطورة من مروق الملك الذي يفصل نفسه عن قسم من رعاياه لأنهم لا يؤمنون بما يؤمن هو به"(71).
ورد عليه جستين بقوله: إن من حقه أن يحرم من مناصب الدولة من لا يثق بولائهم له، وإن نظام المجتمع يتطلب وحدة العقيدة. وطلب الأريوسيون في الشرق إلى ثيودريك أن يحميهم، فطلب إلى البابا يوحنا الأول أن يسافر إلى القسطنطينية لدى الإمبراطور في أمر الأريوسيين




صفحة رقم : 4324




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس


المفصولين من وظائفهم. ورد عليه البابا بأن هذه الرسالة لا تليق برجل أخذ على نفسه أن يقضي على الزيغ والضلال، ولكن ثيودريك أصر على مطلبه، وقوبل يوحنا في القسطنطينية بحفاوة بالغة، ثم عاد صفر اليدين، فاتهمه ثيودريك بالخيانة، وألقاه في السجن، حيث مات بعد سنة واحدة(72).
وفي هذه الأثناء كان ألبينوس وبؤيثيوس قد حوكما أمام الملك وأدينا وحكم عليهما بالإعدام. وروع هذا الحكم مجلس الشيوخ فأصدر مراسيم يتبرأ فيها منهما ويصادر أملاكهما، ويقر العقوبة التي حكم بها عليهما. وقام سيماخورس يدافع عن زوج ابنته فاعتقل. وألف بؤيثيوس وهو في السجن كتاباً من أشهر ما ألف من الكتب في العصور الوسطى وهو كتاب سلوى الفلاسفة Consolatione Philosophiae، وجمع فيه بين النثر العادي والشعر البديع الساحر، لم يذرف فيه دمعه، بل كان كل ما يحويه هو تسليم كتسليم الرواقيين بتصرفات الأقدار التي تخبط خبط عشواء، ومحاولة صادقة للتوفيق بين مصائب الأبرار وما يتصف به المولى سبحانه وتعالى من حب للخير، وقدرة على كل شيء، وعلم سابق بما يقع في الكون من أحداث. ويذكر بؤيثيوس نفسه بجميع النعم التي توالت عليه في حياته- من ثراء و "حَمٍ نبيل، وزوجة طاهرة" وأبناء بررة. ويتذكر المناصب العليا التي شغلها، والساعة العظيمة التي هز فيها بفصاحة لسانه مشاعر أعضاء مجلس الشيوخ حين كان ولداه القنصلان هما رئيسيه. ويقول لنفسه إن هذه السعادة لا يمكن أن تدوم إلى أبد الدهر، بل لا بد أن توجه الأقدار بين الفينة والفينة لمن ينعم بها ضربة تطهره وتزكيه. وتلك السعادة العظيمة خليقة بأن تذهب تلك الجائحة القاصمة(73). ومع هذا فإن ذكرى تلك السعادة الماضية من شأنها أن تزيد من حدة الألم. وفي ذلك يقول بؤيثيوس في بيت من الشعر يردد دانتي صداه على لسان فرنسسكا Francesca: "إن أعظم ما يشفى به




صفحة رقم : 4325




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس


الإنسان حين تصرعه الشدائد هو ذكرى ما كان ينعم به من سعادة"(74). وهو يسأل السيد الفلسفة- بعد أن ينزلها منزلة العقلاء كما يفعل أهل العصور الوسطى- عن موضع الفلسفة الحقه، ويتبين أنها لا تكون في المال أو المجد، ولا في اللذة أو السلطان؛ ومن ثم يرى أنه لا توجد سعادة حقه أو دائمة إلا في الاتصال بالله، ويقول إن "النعمة الحقه هي الاتصال بالله"(75). ومن أغرب الأشياء أنه ليس في الكتاب كله سطر واحد يشير إلى فساد الأخلاق الشخصية، وليس فيه إشارة إلى المسيحية أو أية عقيدة من عقائدها، ولا سطر واحد غير خليق بأن يكتبه زينون، أو أبيقور، أو أورليوس. ومن ثم فإن آخر كتاب في الفلسفة الوثنية قد كتبه مسيحي تذكر في ساعة موته أثينة لا جلجوثا Gelgotha.
ودخل عليه الجلاد في اليوم الثالث والعشرين من شهر أكتوبر من عام 524، ثم ربطوا عنقه بحبل وشدوه حتى جحظت مقلتاه وخرجتا من وقبيهما،ثم انهالا عليه ضرباً بالعصي الغليظة حتى قضى نحبه، وقتل سيماخوس بعد بضعة أشهر من ذلك الوقت. ويقول بروكبيوس(76) إن ثيودريك بكى لما ارتكبه من ظلم في حق بؤيثيوس وسيماخوس، وفي عام 526 لحق ضحيته إلى القبر.
ولم تبقى مملكته طويلاً بعد موته، وكان قبل وفاته قد اختار حفيده أثلريك Athalric ليخلفه على العرش، ولم يكن حفيده هذا قد جاوز العاشرة من عمره ولذلك حكمت أمه أمالاسنثا Amalasuntha، وكانت امرأة نالت قسطاً كبيراً من التعليم والتثقيف، وكانت صديقة لكسيدورس أو لعلها كانت تلميذة له؛ فلما شرعت تحكم البلاد باسم ولدها دخل في خدمتها كما كان من قبل في خدمة أبيها، ولكنها كانت تميل كل الميل إلى الأساليب الرومانية، فأغضبت بذلك رعاياها القوط، ولم يكونوا راضين عن الدراسات اليونانية واللاتينية القديمة التي




صفحة رقم : 4326




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس


كانت تضعف بها، كما يرون، مليكهم الصغير. لهذا أسلمت ابنها إلى مربين من القوط، وأطلق الصبي العنان لشهواته الجنسية، ومات في الثامنة عشر من عمره. وأجلست أمالاسنثا ابن عمها ثيوداهاد Theodahad معها على العرش بعد أن أخذت عليه المواثيق بأن يترك لها شؤون الحكم. ولكنه لم يلبث أن خلعها وألقاها في السجن، فطلبت إلى جستنيان، الذي أصبح وقتئذ إمبراطور الدولة البيزنطية، أن يخف لمعونتها، فجاءها بلساريوس Belisarius.




صفحة رقم : 4327




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور



الباب الخامس




جستنيان




527-565




الفصل الأول




الإمبراطور


توفي أركاديوس في عام 408 وخلفه ابنه ثيودوسيوس الثاني، إمبراطوراً على الشرق ولما يتجاوز السابعة من العمر. وقامت بلشيريا Pulcheria، وكانت تكبره بعامين، بتربيته، وكانت طوال المدة التي أشرفت فيها على تربيته تظهر من الجزع والإشفاق عليه مما جعله غير أهل للحكم، ولهذا ترك شئون الدولة لرئيس الحرس ولمجلس الشيوخ، وانهمك هو في نسخ المخطوطات القديمة وتزيينها، ويبدو أنه لم يقرأ قط كتاب القوانين الذي خلد اسمه. وفي عام 414 أصبحت بلشيريا وصية على العرش وهي في السادسة عشر من عمرها، وظلت تصرف شؤون الإمبراطورية ثلاثاً وثلاثين سنة، ونذرت هي وأختها أنفسهن بأن يضللن عذارى. ويبدو أنهن قد أوفين بالنذر، فقد كن يلبسن ملابس بسيطة تنم عن الزهد والتقشف. ويؤلفن وينشدن الترانيم الدينية، ويصلين، وينشئن المستشفيات، والكنائس، والأديرة، ويغدقن عليها العطايا. واستحال القصر ديراً، وحرم دخوله إلا على النساء وعدد قليل من رجال الدين. وفي وسط هذه المظهر الدينية حكمت بلشيريا، وبوديسيا زوجة أخيها، ووزراؤهما، البلاد حكما صالحاً، وهب الإمبراطورية الشرقية في خلال نيابتهما عن ثيودسيوس التي




صفحة رقم : 4328




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور


دامت اثنتين وأربعين سنة هدوءاً لم تعهده من زمن بعيد، بينما كانت الفوضى ضاربة أطنابها في الغرب. وكانت أهم حوادث ذلك العهد الذي لم يمح ذكراها من صفحات التاريخ نشر شرائع ثيودوسيس (438). فقد عهد في عام 429 إن طائفة من فقهاء القانون بأن يجمعوا كل ما شن في الإمبراطورية من قوانين مذ جلس قسطنطين على العرش، ونفذت الشرائع الجديدة في الشرق والغرب على السواء، وظلت هي الشرائع المعمول بها في الإمبراطورية حتى نشرت شرائع جستنيان التي كانت أعظم منها وأوسع.
وحكم الإمبراطورية الشرقية بين ثيودوسيوس وجستنيان الأول حكام كثيرون، كان الناس يلهجون بذكرها في أيامهم، أما الآن فلا يكاد يعرف عنهم اكثر من أسمائهم. إن يسر العظماء كلهم لتذكرنا بأن الخلود قصير الأجل! وحسبنا أن نذكر من هؤلاء الحكام ليو الأول (457-774) الذي أرسل لمحاربة جيسريك (467) أكبر أسطول حشدته حكومة رومانية، ولكن هذا الأسطول هزم ودمر. وأحدث زينون الإصوري Zenothe Isaurian زوج ابنته شقاقاً كبيراً بين الكنيستين اليونانية واللاتينية بسبب رغبته في تهدئة ثائرة اليعقوبين، وذلك حين قرر في رسالته "التوحيدية" المعروفة باسم الهنوتيكون Henoticon أن ليس للمسيح إلا طبيعة واحدة، وكان أناستاسيوس (491-518) رجلا قديراً، شجاعاً، محباً للخير، دعم مالية الدولة بإدارته الاقتصادية الحكيمة، وخفض الضرائب، وألغى صراع الآدميين مع الوحوش في الحفلات والألعاب، وجعل القسطنطينية أمنع من عقاب الجو بإنشاء الأسوار الطويلة، التي كانت تمتد أربعين ميلا من بحر مرمرة إلى البحر الأسود، وانفق الكثير من أموال الدولة في غير هذه من الأعمال العامة الكثيرة، وترك في خزائنها 000ر320 رطل من الذهب (900ر400ر131 ريال أمريكي) هي التي مهدت السبيل لفتوح جستنيان. لكن الشعب لم يعجبه اقتصاده وميوله




صفحة رقم : 4329




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور


اليعقوبية، فحاصر الغوغاء قصره، وقتلوا ثلاثة من أعوانه. ثم أشرف عليهم تعلوه مهابة الشيوخ التي قاربت الثمانين، وعرض عليهم أن ينزل عن العرش إذا اتفق الشعب على من يختاره خليفة له. وكان هذا شرطاً مستحيل التنفيذ. انتهى الأمر بعده بأن طلبت إليه الجماهير الثائرة أن يحتفظ بالتاج. ولما توفي بعد قليل من ذلك الوقت اغتصب الملك جستين، وهو شيخ أمي (518-527)، يحب الراحة التي يميل إليها ابن السبعين، ولذلك ترك حكم الإمبراطورية إلى جستنيان نائبه وابن أخيه.
ولم يكن هذا الاختيار ليروق فيما بعد، ومن يوم أن ولد جستنيان نفسه, في عين بركبيوس مؤرخه وعدوه. ذلك بأن الإمبراطور قد ولد في عام 482 من أبوين مزارعين من أصل إليرى -أو لعله صقلبي(1)- يقيمان بالقرب من سرديكا Sardica وهي مدينة صوفيا الحالية. وجاء به عمه جستين الى القسطنطينية ورباه تربية صالحة. ولما أصبح جستنيان ضابطاً في الجيش ولبث تسع سنين ياوراً ومساعداً لجستين، أظهر في عمله براعة عظيمة. ولما مات عمه (527) خلفه على عرش الإمبراطورية، وكان وقتئذ في الخامسة والأربعين من عمره، متوسط القامة والبنية، حليق الذقن، متورد الوجه، متجعد الشعر، رقيق الحاشية، تعلو ثغره ابتسامة تكفي لأن تخفي وراءها ما لا يحصى من الأغراض، وكان متقشفاً في طعامه وشرابه تقشف الزهاد، لا يأكل إلا قليلا، ويعيش معظم أيامه على الخضر(2). وكثراً ما كان يصوم حتى تكاد تخور قواه. وكان في أثناء صيامه لا ينقطع عما اعتاده من الاستيقاظ مبكراً، وتصريف شئون الدولة "من مطلع الفجر إلى الظهيرة، وإلى غسق الليل"، وكثيراً ما كان يظن أعوانه أنه قد آوى إلى مضجعه، بينما كان هو منهكماً في الدرس، يبذل جهده ليكون موسيقياً ومهندساً ومعمارياً، وشاعراً ومشترعاً، وفقيهاً في الدين وفيلسوف، وإمبراطوراً يجيد تصريف شئون الإمبراطورية. ولكنه رغم هذا كله لم يتخل عن خرافات




صفحة رقم : 4330




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور


عصره. وكان ذا عقل نشيط على الدوام، عظيم الإلمام بالشؤون الكبرى والتفاصيل الصغرى. ولم يكن قوي الجسم أو شجاعاً، وقد حدثته نفسه بالتخلي عن الملك في أثناء المتاعب التي قامت في بداية حكمه ولم ينزل قط إلى الميدان في حروبه الكثيرة. ولعل من عيوبه الناشئة من دماثة خلقه ورقة طبعه، أن كان من السهل على أصدقائه أن يؤثروا فيه ومن أجل هذا كان كثيراً ما يتقلب في سياسته. ويخضع في أحكامه لزوجته. وقد خص بروكبيوس جستنيان بمجلد كامل من تاريخه، يصفه بأنه "عديم الإخلاص، مخادع، منافق، يخفي عن الناس غضبه، يظهر غير ما يبطن، حاذق، قادر كل المقدرة على التظاهر بالرأي الذي يدعي أنه يعتنقه، بل إنه يستطيع في كثير من الأحيان أن يذرف الدمع من عينيه 000 إذا اقتضت الظروف ذلك"(3). وغير هذا كله يصح أن يكون وصفاً للدبلوماسي القدير. ويواصل بروكبيوس وصفه فيقول : "وكان صديقاً متقلباً في صداقته، عدواً إذا عقد هدنة لا يحافظ على عهده، حريصاً كل الحرص على الاغتيال والنهب" ويلوح أنه كان يتصف بهذا كله في بعض الأوقات، ولكنه كان يستطيع أن يكون رحيماً كريماً. ومن ذلك أن قائداً يدعى بروبوس Probus قد اتهم بسبه، فجئ به ليحاكم بتهمة الخيانة، ولما عرض التقرير الذي وضع عن محاكمته على جستنيان قام من مقعده وأرسل رسالة إلى بروبوس يقول فيها : "إني أغفر لك ما ارتكبته من ذنب في حقي، وأدعو الله أيضاً أن يسامحك"(4). وكان يقبل النقد الصريح ولا يغضب منه "وكان هذا الرجل الظالم"، الذي رزئ بمؤرخه "أسهل منالاً من أي إنسان آخر في العالم، وكان أحقر الناس في الدولة، ومن لا شأن لهم فيها على الإطلاق، يستطيعون كلما شاءوا أن يأتوا إليه ليتحدثوا معه"(5).
ومع هذا فقد عمل على أن يجعل ما كان يقام في بلاط الإمبراطور من مراسيم وحفلات غاية في الأبهة والفخامة، حتى فاقت ما كان يحدث منها في أيام دقلديانوس




صفحة رقم : 4331




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور


وقسطنطين. وكان كنابليون يعوزه التأييد الذي يناله المليك الشرعي، وذلك لأنه ورث الملك من مغتصب له. ولم يكن مهيباً في مظهره ومنشئه، ومن أجل هذا عمد إلى طقوس ومراسيم تبعث الرعب في القلوب كلما ظهر أمام الجماهير أو السفراْء الأجانب. ولهذا السبب عينه شجع فكرة الملكية المقدسة، واستخدم لفظ مقدس في وصف شخصه وملكه؛ وكان يطلب إلى من يمثلون أمامه أن يركعوا ويقبلوا أطراف ثوبه الأرجواني، أو أصابع قدميه من فوق حذاءيه . وعمل على أن يعمده ويتوجه بطريق القسطنطينية، ولبس قلادة اللؤلؤ. وقصارى القول أنه ما من حكومة قد عملت ما عملته الحكومة البيزنطية لتنال إجلاء الشعب له عن طريق المراسيم الفخمة، ولقد كان لهذه السياسة أثرها إلى حد كبير؛ ولسنا ننكر أنه قد حدثت انقلابات كثيرة في تاريخ البيزنطية ولكنها كانت في معظم الأحوال انقلابات مفاجئة قام بها موظفو القصر، لأن الحاشية نفسها لم تكن ترهبها ما وضعته لنفسها من مراسيم وطقوس.
وكانت أكبر فتنة قامت في عهد جستنيان هي التي حدثت في بدايته (532) وكادت أن تقضي على حياته. وكان سببها أن الخضر والزرق- وهم الحزبان اللذان انقسم إليهما أهل القسطنطينية حسب الثياب التي كان يلبسها راكبو خيول السباق المحببون- قد بلغت الخصومة بينهم حد العنف، حتى أصبحت شوارع العاصمة غير مأمونة، وحتى أضطر الأغنياء إلى أن يرتدوا ملابس الفقراء المساكين لينجوا بذلك من طعنات الخناجر في الليل. وانقضت الحكومة آخر الأمر على الطائفتين المتنازعتين، وقبضت على عدد كبير من زعمائهما، فما كان من هذين الحزبين إلا أن ضما صفوفهما وقاما بفتنة مسلحة ضد الحكومة، وأكبر




صفحة رقم : 4332




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور


الظن أن بعض الشيوخ قد اشتركوا في هذه الفتنة أو حاول رعاع المدن أن يقلبوها ثورة عارمة، فهجموا على السجون، وأطلقوا سراح المسجونين، وقتلوا عدداً من رجال الشرطة والموظفين، وأشعلت النار في المباني، وحرقت كنيسة أياصوفيا وأجزاء من قصر الإمبراطور، وهتفت الجماهير قائلة "Niha" أي النصر- وبذلك أطلق هذا الاسم على تلك الفتنة. وأفقد هذا النصر العظيم وعيه، فطالب إبعاد اثنين من أعضاء مجلس جستنيان ، لم يكن يحبهما، ولعل سبب ذلك انهما كانا من ظلمة الحكام، ووافق الإمبراطور على هذا الطلب، فازداد العصاة جرأة وأقنعوا هيباشيوس Hypatius، أحد الشيوخ ، بأن يقبل التاج، فقبله على الرغم من معارضته زوجته وتوسلها إليه ألا يقبله، وخرج بين هتاف الجماهير ليجلس على مقعد الإمبراطور في الألعاب التي كانت قائمة على قدم وساق في الميدان الكبير. واختبأ جستنيان أثناء ذلك في القصر، وأخذ يدبر أمر الهرب، ولكن الإمبراطورة ثيودورا أقنعته بالعدول عن هذه الفكرة، وأشارت عليه بالمقاومة. وتعهد لبساريوس قائد الجيش أن يقوم بهذا العمل، واختار من بين جنوده عدداً من القوط، وسار على رأسهم إلى ميدان الألعاب، وقتل ثلاثين ألفاً من العامة، وقبض على هيباشيوس، وأمر بقتله في السجن. وأعاد جستنيان الموظفين المفصولين إلى عملهما، وعفا عن المتآمرين من أعضاء مجلس الشيوخ، ورد إلى أبناء هيباشيوس ما صودر من أملاكهم(6). وظل جستنيان بعد هذه الفتنة آمناً على نفسه وملكه خلال الثلاثين عاماً التالية، ولكن يبدو أن إنساناً واحداً لا أكثر هو الذي كان يحبه.




صفحة رقم : 4333




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> ثيودورا



الفصل الثاني




ثيودورا


وصف بروكبيوس في كتاب له عن فن البناء تمثالا لزوجة جستنيان فقال : "إنه جميل، ولكن جماله أقل من جمال الإمبراطورة؛ ذلك بأن التعبير عن جمالها بالقول، أو إبرازه في تمثال عمل لا يستطيعه مخلوق من البشر"(7).
ولسنا نجد في كل ما كتب هذا المؤرخ- وهو أعظم المؤرخين بالبيزنطيين على بكرة أبيهم- إلا الثناء على ثيودورا، إذا استثنينا موضعاً واحداً لا أكثر من هذا التعميم. ولكن بروكبيوس قد كشف في كتاب له لم ينشر في أثناء حياته- ولهذا سمى الأنكدوتا Anecdota "أي الذي لم يخرج" _ عن فضيحة للملكة قبل زواجها. وقد بلغت هذه القصة عن الشناعة حداً بعث على الشك فيها وجعلها مثاراً للجدل مدى ثلاثة عشر قرناً. وهذا "التاريخ السري" موجز لما كان في صدر المؤرخ من حقد دفين صريح، وقد كتبه من وجهة نظر واحدة، وخصه كله بتسوءة سمعة جستنيان وثيودورا، وبليساريوس بعد وفاتهم. وإذا كان بروكبيوس هو أهم المراجع التي نعتمد علها في تأريخ ذلك العصر، وإذا كان هو نفسه يبدو في مؤلفاته الأخرى دقيقاً نزيهاً، فإنا لا نستطيع أن نرفض الأنكدوتا ونعدها كلها تزييفا وافتراء، وكل ما نستطيع أن نقوله فيها هو أنها انتقام عمد إليه رجل غاضب من رجال الحاشية لم تتحقق مطامعه. وها هو ذا جون الإفسوسي، الذي كان يعرف الإمبراطورة حق المعرفة، لا يطعن عليها بأكثر من قوله فيها : "ثيودورة العاهر"(6). وفيما عدا هذا فإنا قلما نجد في أقوال المؤرخين المعاصرين ما يؤيد التهم التي رماها بها بركبيوس. نعم إن كثيرين من رجال الدين ينددون بمروقها. ولكن ما من أحد منهم يذكر شيئاً عن فجورها - وهو كرم منهم




صفحة رقم : 4334




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> ثيودورا


لا يقبله العقل إذا كانت فاجرة بحق. وقد يكون في مقدورنا أن نستنتج من كل ما يقال عن ثيودورا أنها بدأت حياتها سيدة غير مكملة، واختتمتها ملكة متصفة بجميع صفات الملوك الطيبة .
ويقول بروكبيوس قول الواثق إنها ابنة مدرب دببة، وإنها نشأت في جو حلبة ألعاب الوحوش، ثم صارت ممثلة ومومساً، تثير مشاعر أهل القسطنطينية، وتدخل البهجة في قلوبهم بتمثيل المسرحيات الصامتة الخليعة. ونجحت أكثر من مرة في إجهاض نفسها، ولكنها ولدت أبناً غير شرعي، وصارت عشيقة رجل سوري يدعى هسبولوس Hecebolus ثم هجرها هذا العشيق، واختفت عن الأعين فترة من الزمان في الإسكندرية، عادت بعدها إلى الظهور في القسطنطية فقيرة ولكنها عفيفة شريفة، تكسب قوتها بغزل الصوف، ثم أحبها جستنيان، فاتخذها عشيقة له، ثم تزوج بها وجعلها ملكة(9). وليس في وسعنا الآن أن نعرف على وجه التحقيق ما في هذه الأقوال من صدق وكذب؛ ولكن الذي نستطيع أن نقوله إذا كانت هذه المقدمات لم تقلق بال إمبراطور فهي خليقة بألا نقف عندها طويلاً. وتوج جستنيان في كنيسة القديسة صوفيا بعد أن تزوجها بزمن قليل، وتوجت ثيودورا إمبراطورة إلى جانبه، ويقول بركبيوس إنه "من قسيس أظهر غضبه لهذا الإجرام الشنيع"(10).
وأيا كان منشأ ثيودورا فإنها أضحت بعد زواجها بالإمبراطور سيدة لا يستطيع أحد أن يتهمها في عفافها. وكانت تحب المال والسلطان حباً جماً، وتثور في بعض الأحيان ثورة جامحة، وتدبر المؤامرات لتصل إلى أغراضها التي لا تتفق مع أغراض جستنيان. وكانت نؤوما، تكثر من الطعام والشراب ، وتحب الترف، والحلي، والمظاهر، وتقضي عدداً كبيراً من اشهر السنة في قصورها القائمة عل شاطئ البحر. لكن جستنيان ظل طول حياته يحبها رغم هذه الصفات، ويصبر صبر الفلاسفة على تدخلها في خططه وأعماله. لقد خلع عليها وهو كلف بها حلة




صفحة رقم : 4335




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> ثيودورا


من السيادة لا تقل من الوجهة النظرية عن سيادته هو، ولم يكن في مقدوره أن يشكو إذا مارست هذه السيادة. وقد اشتركت اشتراكاً فعلياً في السياسة الخارجية والشئون الكنسية. وكانت تنصب البابوات والبطارقة وتخلعهم، وتعزل أعداءها من مناصبهم. وكانت في بعض الأحيان تصدر من الأوامر ما يتعارض وأوامر زوجها، وكثيراً ما كانت أوامرها هي في صالح الدولة، ذلك أن ذكائها كان يتناسب مع سلطانها. ويتهمها فبروكبيوس بقسوتها على معارضيها، وبأنها ألقت بعضهم في الجب وقتلت عدداً قليلاً منهم، وكان الذين يسيئون إليها إساءات شديدة يختفون دون أن يقف لهم أحد على أثر، وكانت تسير في هذا على المبادئ الأخلاقية السائدة بيننا في هذا القرن الذي نعيش فيه. لكنها لم يخل قلبها من الرحمة، من ذلك أنها بسطت حمايتها على البطريق أنثميوس الذي أمر جستنيان لنفيه لمروقه من الدين وأخفته في جناحها عامين كاملين. ولعلها كانت لينة فوق ما ينبغي مع زوجة بليساريوس التي عرفت بالزنى. ولكنها كفرت عن هذا بإقامة "دير للتوبة" جميل تلجأ إليه العاهرات التائبات. على أن بعض التائبات قد تبن من توبتهن، وألقين بأنفسهن من النوافذ لأنهن ضقن ذرعاً وفضلن عليه الموت(12). وكانت تعنى عناية الجدات بزواج صديقاتها، وكان لها هي الفضل في ترتيب هذه الزيجات، وكثيراً ما كانت تجعل الزواج شرطاً أساسياً للرقي في بلاطها. وقد صارت في شيخوختها حارسة قوية الشكيمة للأخلاق الكريمة وهو ما ينتظره الإنسان من أمثالها.
ثم وجهت عنايتها في آخر حياتها لدراسة الدين، وكانت تناقش زوجها في طبيعة المسيح. فقد كان جستنيان يبذل غاية جهده ليوحد الكنيستين الشرقية والغربية لاعتقاده أن الحدة الدينية لابد منها لوحدة الإمبراطورية. غير أن ثيودورا لم تكن تستطيع أن تفهم وجود طبيعتين في المسيح. وإن لم تجد صعوبة ما في وجود ثلاثة أقانيم في الله. ومن أجل هذا اعتنقت مذهب اليعاقبة،




صفحة رقم : 4336




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> ثيودورا


وهي تعلم أن الشرق لا يمكن أن يخضع للغرب في هذه العقيدة. لكنها كانت ترى أن قوة الإمبراطورية ومستقبلها إنما يعتمدان على ولايتها الغنية في آسية وسوريا، ومصر، لا على ولايتها الغربية التي خربها البرابرة وأهلكتها الحروب. وكان لها الفضل في تخفيف حدة تعصب جستنيان للمذهب الديني الأصيل، وبسطت حمايتها على الخارجين على هذا المذهب، وتحدت البابوية، وشجعت خفية قيام كنيسة يعقوبية مستقلة في الشرق؛ ولم تترد في سبيل تحقيق هذه الغايات في أن تعارض بكل ما تستطيع من قوة الإمبراطور والبابا على السواء.




صفحة رقم : 4337




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> بليساريوس



الفصل الثالث




بليساريوس


في وسعنا أن نغتفر لجستنيان شغفه العظيم بالوحدة، لأن هذا الشغف من أعظم ما يولع به الفلاسفة ورجال الحكم على السواء؛ ولقد اقتضاهم في بعض الأحيان أكثر مما اقتضتهم الحرب. ولم تكن استعادة أفريقية من الوندال، وإيطاليا من القوط الشرقيين، وأسبانيا من القوط الغربيين، وغالة من الفرنجة، وبريطانيا من السكسون؛ ولم يكن طرد البرارة إلى مرابضهم، وإعادة الحضارة الرومانية إلى جميع ميادينها القديمة، ونشر الشريعة الرومانية مرة أخرى في جميع بقاع الرجل الأبيض من الفرات إلى سور هدريان، لم تكن هذه المطامع كلها مطامع غير نبيلة، وإن كانت قد أنهكت المنقذين ومن أريد إنقاذهم على السواْء. وكان من الوسائل التي اتبعها جستنيان لبلوغ هذا الغرض أن أزال ما بين الكنيستين الشرقية والغربية من نزاع حول مسألة البابوية، وكان من أكبر أمانيه أن يرد الأريوسيين واليعاقبة وغيرهما من الخارجين على الدين إلى حظيرته، ولم يكن أحد قد فكر في هذا كله منذ أيام قسطنطين.
ولقد كان من حسن حظ جستنيان أن وهب قادة عظماء، ومن سوء حظه أنه كانت موارده المالية قليلة - فلقد كان شعبه غير راغب في الحروب التي كان يريد أن يخوض غمارها، وغير قادر على أداء ما تطلبه من نفقات. وسرعان ما استنفذ الثلاثمائة والعشرين ألف رطل من الذهب التي تركها أسلاف جستين في خزانة الدولة، واضطر بعد استنفادها أن يلجأ إلى الضرائب التي نفرت من قلوب الشعب، وإلى ضروب الاقتصاد التي عرقلت أعمال قواده. وكانت الخدمة العسكرية الإجبارية العامة قد امتنعت قبل عهده بنحو مائة عام، وأصبح جيش




صفحة رقم : 4338




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> بليساريوس


الإمبراطورية يتألف كله تقريباً من جنود مرتزقة من البرابرة يؤتى بهم من مائة قبيلة ودولة، ويعيشون على النهب والسلب، ويحلمون بالثراء والاغتصاب؛ وكثيراً ما كانوا يشقون عصا الطاعة في أشد أزمات القتال، وكثيراً ما فقدوا ثمار النصر لاشتغالهم بجمع الغنائم والأسلاب، ولم يكن شئ يجمعهم ويؤلف بينهم، أو يشحذ هممهم إلا أداء أجورهم بانتظام أو خضوعهم لقواد عظام.
وكان بليساريوس، كما كان جستنيان، منحدراً من أسرة من الفلاحين الإليريين، ويذكرنا بالأباطرة البلقانيين_ أورليوس، وبروبوس، ودقلديانوس- الذين أنجو الإمبراطورية في القرن الثالث. ولسنا نعرف من أيام قيصر قائداً قبل بليسلريوس انتصر في وقائع كالتي انتصر فيها هذا القائد بمثل موارده القليلة من الرجال والمال. وما أقل من تفوقوا عليه في رسم الخطط الحربية أو الحركات العسكرية، وفي حب رجاله له وشفقته على أعدائه. ولعل مما يجدر ذكره في هذا المقام أن أعظم القواد - كالإسكندر، وقيصر، وبليساريوس، وصلاح الدين، ونابليون - قد وجدوا أن الرحمة أقوى من اسلحة الحروب، ولقد كان بليساريوس، كما كان أولئك القواد، ذا احساس مرهف وقلب رقيق يجعلان من الجندي محباً وإلهاً بمجرد فراغه من واجباته الدموية. ومصداق هذا أن بليساريوس كان يشغف بحب أنطونيا كما كان الإمبراطور يشغف بحب ثيودورا. وكان هذا القائد يتحمل خيانتها له، ولا يلبث أن ينسى غضبه من هذه الخيانة، وكان يصحبها معه في حروبه لكثير من الأسباب.
وكان أول ما نال من النصر في حروبه مع الفرس. ذلك أن الحرب قد تجددت بين الإمبراطوريتين بسبب المنافسة القديمة بينهما للسيطرة على الطرق التجارية المؤدية إلى أواسط آسية وبلاد الهند، وبعد أن جنحا للسلم مدى مائة وخمسين عاماً. وبينما كان بليساريوس يتابع انتصاراته المجيدة إذ أستدعى فجأة إلى القسطنطينية، وكان سبب استدعائه أن جستنيان عقد الصلح مع




صفحة رقم : 4339




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> بليساريوس


بلاد الفرس (532) بأن أدى إلى كسرى أنوشروان 000ر11 رطل من الذهب، ثم أرسل قائده ليسترد أفريقية الوندال. وكان جستنيان قد استقر رأيه على أنه لا يستطيع الاحتفاظ بفتوح دائمة في بلاد الشرق لأسباب كثيرة : منها أن السكان سيظلون معادين له، وأن الحدود يصعب عليه أن يدافع منها. أما الغرب ففيه أمم اعتادت الحكم الروماني من عدة قرون، وهي تبغض سادتها البرابرة الخارجين على الدين، وتمد يد المساعدة للدولة الرومانية بالتعاون معها عليهم في الحرب وبأداء الضرائب لها في السلم. ومن أفريقية يستطاع أخذ الحبوب التي تسد أفواه أهل العاصمة فيسكتون عن توجيه اللوم للإمبراطور.
وكان جيسريك قد توفى بعد حكم دام تسعة وثلاثين عاما (477)، وعادت أفريقية الوندالية بعد موته إلى معظم أساليبها الرومانية. فكانت اللاتينية لغتها الرسمية، وكان الشعراء يكتبون فيها شعراً ميتاً ليكرموا به الملوك المنسيين. وأعيد بناء دار التمثيل في قرطاجة، وعاد الأهلون يمثلون المسرحيات اليونانية(14)، ويعظموا آثار الفن القديم، ويقيمون مباني جديدة فخمة. ويصف بركبيوس الطبقات الحاكمة بأنها من رجال مهذبين متحضرين، تظهر عليهم في بعض الأحيان مسحة من البرنزية ولكنهم في الأغلب الأعم قد أهملوا فنون الحرب، وأخذوا يضعفون ويضمحلون شيئاً فشيئاً تحت أشعة الشمس(15).
واجتمعت في البسفور في شهر يونية من عام 533 خمسمائة سفينة نقالة، وتسع وتسعون بارجة حربية، وتلقت أوامر الإمبراطور، وبركات البطريق، وأبحرت إلى قرطاجة. وكان بركبيوس من الذين صحبوا بليساريوس، وكتب وصفاً رائعاً "لحرب الوندال". ونزل بليساريوس في أفريقية بما لا يزيد على خمسمائة من الفرسان، واكتسح وسائل الدفاع الواهية عن قرطاجة، ولم تمض أكثر من بضعة أشهر حتى قضى على قوة الوندال. وعجل جستنيان فدعاه إلى




صفحة رقم : 4340




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> بليساريوس


احتفال بالنصر يقام بالقسطنطينية، فانقض المغاربة من التلال على الحاميات الرومانية، وأسرع بليساريوس بالعودة في الوقت المناسب القضاء على فتنة قامت بين جنوده، وقادهم بعدها للنصر، وبقيت أفريقية القرطاجة من ذاك الحين خاضعة للحكم الروماني إلى أن جاء العرب فاتحين.
وكان جستنيان قد هداه دهاؤه السياسي إلى عقد حلف مع القوط الشرقيين حين كان بليساريوس يهاجم أفريقية؛ فلما تم هذا الفتح أغرى الفرنجة بأن يعقدوا معه حلفاً آخر، في الوقت الذي أمر فيه بليساريوس بفتح إيطاليا التي كانت بليساريوس بلاد تونس قاعدة له، هاجم منها صقلية، ولم يجد صعوبة في الاستيلاء عليها، ثم عبر البحر منها إلى إيطاليا في عام 536، واستولى على نابلي بأن أمر بعض جنوده أن يدخلوا المدينة زحفاً في قنوات المياه المغطاة. وكانت قوات القوط الشرقيين ضعيفة منقسمة على نفسها، ورحب سكان روما ببليساريوس وحيوه تحية المحرر المنقذ، كما رحب به رجال الدين لأنه من القائلين بالتثليث، فدخل روما دون أن يلقى مقاومة. وأمر ثيوداهاد Theadahad بقتل أمالاتنسا Amalathunsa، فخلع القوط الشرقيون ثيوداهاد وأختاروا وتجيس Witigis ملكاً عليهم. وحشد وتجيس جيشاً مؤلفاً من 000ر105 رجل حاصر به بليساريوس في روما. ولما اضطر أهلها إلى الاقتصاد في الزاد والماء، والامتناع عن الاستحمام في كل يوم، بدءوا يتذمرون من بليساريوس الذي لم يكن معه إلا خمسة آلاف رجل مسلح، دافع بهم عن المدينة بمهارة وشجاعة، اضطر معهما وتجيس أن يعود إلى رافا بعد ما بذل من الجهد الكبير مدة عام كامل. وظل بليساريوس ثلاث سنين يلح على جستنيان بأن يمده بعدد آخر من الجند، حتى أرسلهم آخر الأمر ولكنه عقد لواءهم لقواد معادين لبليساريوس. وعرض القوط الشرقيون المحاصرون في رافا، والذين أوشكوا على الهلاك جوعاً، أن يسلموا المدينة إذا رضى بليساريوس أن يكون




صفحة رقم : 4341




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> بليساريوس


ملكاً عليهم. وتظاهر بليساريوس بالقبول حتى استولى على المدينة، ثم أسلمها إلى جستنيان (540).
وشكر له الإمبراطور حسن صنيعه وداخلته فيه الريبة. ذلك أن بليساريوس قد كافأ نفسه على عمله بالاستيلاء على قدر كبير من الغنائم، هذا إلى أنه كسب ولاء جنوده إلى حد أزعج الإمبراطور وأنه قد عرضت عليه مملكة كاملة، فهل يستبعد عليه مع هذا كله أن يتطلع إلى الاستيلاء على العرش من ابن أخي رجل أغتصبه من صاحبه الشرعي؟ لهذا استدعاه جستنيان، وشاهد وهو قلق مرتاب حاشية القائد العظيم ومظهرها الفخم، ويقول بركبيوس "إن سكان بيزنطة كانوا يبتهجون حين يشهدون بليساريوس يخرج من بيته كل يوم ... ذلك بأن خروجه منه وسيره في الطريق كان شبيهاً بموكب في عيد احتشد فيه كثير من الخلق، لأنه كان يصحبه عدد كبير من الوندال، والقوط، والمغاربة، يضاف إلى هذا أنه كان بهي الطلعة، طويل القامة، جميل الوجه، ولكنه كان وديعاً رقيق الحاشية، دمث الأخلاق، حتى لقد كان يبدو كأنه رجل فقير لا يعرفه أحد"(16).
ولم يعن القواد الذين خلفوه في إيطاليا بنظام الجند، وتنازعوا فيما بينهم، فكسبوا لأنفسهم احتقار القوط، فنادوا برجل قوطي، جم النشاط، موفور العقل، رابط الجأش، ملكاً على الشعب المغلوب. وجمع توتيلا Totila الملك الجديد مجندين ذوي بأس شديد من البرابرة الجوالين الذين لا مأوى لهم في إيطاليا واستولى بهم على نابلي (543) وتيبور وضرب الحصار على روما. وقد أدهش الناس برحمته ووفائه بوعده، وعامل الأسرى معاملة طيبة انضووا بفضلها تحت لوائه، واستمسك بما قطعه على نفسه من العهود التي استسلمت بها نابلي، حتى بدأ الناس يتساءلون من هو البربري ومن هو اليوناني المتحضر. ولما وقعت زوجات بعض اعضاء مجلس الشيوخ أسيرات في يده عاملهن بلطف وشهامة واطلق سراحهن، وأما البرابرة الذين في خدمة الإمبراطور فلم يظهروا مثل هذه




صفحة رقم : 4342




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> بليساريوس


الرقة في المعاملة؛ بل أخذوا يعيثون في البلاد فساداً لأن جستنيان لم يؤد اليهم أجورهم لنفاذ ما كان في خزائنه من المال، حتى أخذ الناس يتذكرون في أسى وحنان حكم ثيودريك وما كان يسوده من عدل ونظام(17).
وأمر بليساريوس أن يعود لإنقاذ الموقف. فلما عاد إلى إيطاليا تسلل وحده إلى روما المحاصرة مخترقاً صفوف توتيلا لكنه وصلها بعد فوات الوقت، فقد فقدت الحامية اليونانية روحها المعنوية، لأن ضباطها كانوا جبناء عاجزين؛ وفتح بعض الخونة أبواب المدينة، ودخلها جنود توتيلا البالغ عددهم عشرة آلاف رجل (546). وبعث بليساريوس وهو خارج منها رسالة إلى توتيلا يطلب إليه ألا يدمر المدينة التاريخية. وسمح توتيلا لجنوده الجياع الذين لم ينالوا أجورهم أن ينهبوها، ولكنه منعهم من إيذاء السكان وحمى النساء من شهوات الجنود الجامحة ثم أخطأ إذ غادر روما ليحاصر رافنا.فلما غاب عنها استردها بليساريوس، ولما عاد توتيلا وحاصرها مرة أخرى عجز عن أن يخرج منها القائد اليوناني الموهوب.وظن جستنيان أن الغرب قد خضع له فأعلن الحرب على بلاد الفرس، واستدعى بليساريوس ليذهب إلى الشرق . فلما ذهب استولى توتيلا على روما من جديد (549) ومن بعدها صقلية، وكورسكا، وسردينية، وشبه الجزيرة كلها تقريباً.
وأخيراً أعطى جستنيان قائداً من الخصيان يدعى نارسيز Narses "مبلغاً كبيراً جداً من المال" وأمره أن يحشد جيشاً جديداً يطرد به القوط من إيطاليا. وأدى نارسيز هذه المهمة بمهارة وسرعة، فهزم توتيلا، وقتل في أثناء فراره، وسمح لمن بقى من القوط أن يخرجوا من إيطاليا سالمين، وانتهت بذلك "الحرب القوطية" بعد أن دامت ثمانية عشر عاماً (553).
وأتمت هذه السنون خراب إيطاليا. ذلك أن روما قد وقعت في أيدي الجيوش المحاربة خمس مرات متوالية، وحوصرت ثلاث مرات، ونفذ منها الطعام، وتعرضت للنهب والسلب، ونقص عدد سكانها من مليون إلى أربعين




صفحة رقم : 4343




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> بليساريوس


ألفاً(18). نصفهم تقريباً من المعدمين الذين يعيشون على الصدقات البابوية، ودمرت ميلان وقتل أهلها على بكرة أبيهم. وتدهورت مئات من المدن والقرى إلى هوة الإفلاس بسبب اغتصاب الحكام ونهب الجنود، وبارت الكثير من الأراضي التي كانت من قبل خصبة وهجرها السكان، ونقصت موارد الطعام. ويقول الرواة إن خمسين ألفاً ماتوا من الجوع في بيسينوم Picenum وحدها في خلال هذه الأيام الثمانية عشر(19). وتحطم كيان الأشراف، فقد قتل كثيرون منهم في المعارك الحربية وفي أعمال النهب، وفر عدد كبير منهم إلى خارج البلاد حتى لم يبق منهم من يكفى لقيام مجلس شيوخ روما، فلم تعد تسمع عنه شيئاً ما بعد عام 579(20). وتهدمت قنوات مياه الشرب التي أصلحها ثيودريك من قبل وأهملت، واستحالت الكمبانيا مرة أخرى مناقع واسعة تتفشى فيها الملاريا، ولا تزال كذلك حتى يومنا هذا. وبطل استعمال الحمامات الفخمة التي كانت تمدها هذه القنوات بالماء وتهدمت، وحطمت مئات من التماثيل التي نجت من عبث ألريك وجيسريك، أو صهرت لتصنع من معادنها قذائف وعدد حربية في أثناء الحصار. وكانت آثار الخراب والدمار هي كل ما يشهد بما كان لروما القديمة عاصمة نصف العالم من عظمة وجلال. ولبث الإمبراطور الشرقي زمناً قليلاً حاكماً على إيطاليا بعد هذا الخراب، ولكن ما ناله من النصر كان نصراً عديم القيمة كلفه الكثير من المال والرجاء والعناء، ولم تنج روما من آثار هذا النصر حتى عصر النهضة.




صفحة رقم : 4344




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> قانون جستنيان



الفصل الرابع




قانون جستنيان


لقد نسي التاريخ حروب جستنيان، وحق له أن ينساها، ولا يذكر اسمه إلا مقترناً بقوانينه. وكان قد مضى قرن من الزمان منذ نشر قانون ثيودوسيوس، وأضحت كثير من أصوله عتيقة لا تطبق لتغير الظروف التي شرعت فيها، وسنت قوانين جديدة كثيرة اختلطت بعضها ببعض في كتب القوانين، ووجد تناقض كثيرين بعض القوانين والبعض الآخر عاق أعمال المحاكم والسلطة التنفيذية. يضاف إلى هذا أن تأثير المسيحية قد بدل كثيراً من الشرائع وغير تفسيرها. ثم إن قوانين روما المدنية كثيراً ما كانت تتعارض مع قوانين الأمم التي تتألف منها الإمبراطورية، وإن كثيراً من التشريعات لم تكن تتفق مع تقاليد الشرق المصطبغ بالصبغة اليونانية. وقصارى القول أن شريعة روما كلها أضحت أكداساً من المواد القانونية التجريبية لا قانوناً منطقياً واحداً.
ولم يكن جستنيان، وهو صاحب النزعة القوية إلى الوحدة، ليرضى عن هذه الفوضى كما لم يكن يرضى عن تمزيق أوصال الإمبراطورية. ولهذا عين في عام 528 عشرة من فقهاء القانون لينظموا قوانين الدولة، ويوضحوها، ويصلحوها. وكان أكثر أعضاء هذه اللجنة نشاطاً ونفوذاً هو الكوستر تريبونيان Tribonian الذي ظل إلى أن مات أشهر الموحين بخطط جستنيان التشريعية، والناصحين له، والمنفذين لآرائه، وذلك رغم حرصه الشديد على المال ومظنة الكفر بالله. وأممت اللجنة الجزء الأول من عملها بسرعة أكثر مما كان خليقاً بها، وأصدرته في عام 529 باسم القانون الدستوري، وأعلن الإمبراطور أنه هو قانون




صفحة رقم : 4345




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> قانون جستنيان


الإمبراطورية، وأنه يلغي جميع ما سبقه من التشريعات إلا ما تضمنه منها، وصُدِّر بهذه العبارة الجميلة:
إلى الشبان الراغبين في دراسة القانون: يجب ان يسلح جلالة الإمبراطور بالقانون كما يجب أن يعلو مجده بقوة السلاح، حتى يسود بذلك الحكم الصالح في الحرب والسلم على السواء، وحتى يتبين للناس أن الحاكم... لا تقل عنايته بالعدالة عن عنايته بالنصر على أعدائه(21).
ثم أنتقل اعضاء اللجنة إلى القسم الثاني من مهمتهم، وهي أن يضموا في مجموعة واحدة آراء فقهاء القانون الرومان، التي رأوا أنها لا تزال خليقة بأن تكون لها قوة القانون، ونشرت هذه الآراء باسم مجموعة القوانين والفتاوى المدنية (533)؛ وقالت اللجنة إن آراء الفقهاء والشروح التي وردت في هذه المجموعة ستصبح من ذلك الحين واجبة الطاعة على جميع القضاة، وإن جميع ما عداها من الآراء قد فقدت ما كان لها من قوة شرعية، وامتنع من ذلك الحين نَسْخ ما عدا هذه من آراء فقهاء القانون واختفى معظمها، ويستدل مما بقي منها على أن المحررين قد حذفوا ما كان من آراء مناصرة للحرية، وأنهم عمدوا إلى الغش والتزوير فبدلوا بعض أحكام فقهاء القانون الأقدمين حتى تكون أكثر ملاءمة للحكم المطلق.
وبينا كانت اللجنة تقوم بهذا العمل الكبير أصدر تريبونيان Tribonian واثنان من زملائه كتاباً موجزاً في القانون المدني سمياه القانون Institutiones (533). وكان هذا الكتاب في جوهره عبارة عن شروح جايوس Gius معدلة ومصححة حتى تلائم روح ذلك العصر. وكان جايوس هذا قد لخص في القرن الثاني بعد الميلاد القوانين المدنية المعمول بها في أيامه. وأظهر في هذا العمل من البراعة ما يثير الإعجاب. وكان جستنيان في هذه الأثناء يصدر قوانين




صفحة رقم : 4346




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> قانون جستنيان


جديدة. فلما كان عام 534 ضم تريبونيان وأربعة من مساعديه هذه القوانين إلى النسخة الجديدة المعدلة من كتاب القوانين. وبعد صدورها أصبحت النسخة الأولى غير ذات موضوع، ولم يعثر عليها بعدئذ. ولما مات جستنيان نشر ما سنّه من قوانين جديدة باسم التشريعات الجديدة. ولم تنشر هذه باللغة اللاتينية كما كانت تنشر الكتب السابقة بل نشرت باللغة اليونانية، وكانت هي آخر ما صدر باللاتينية من كتب القانون في الإمبراطورية البيزنطية. وقد أطلق على هذه المؤلفات كلها فيما بعد اسم مجموعة القوانين المدنية. وكان يشار إليها في غير دقة باسم قانون جستنيان.
وجرى هذا القانون على ما جرى به قانون ثيودوسيان فجعل الشريعة المسيحية الأصلية قانون الدولة. وقد بدأ بتقرير التثليث وصب اللعنات على نسطوريوس، وأوتبكيس، وأبولينارس. واعترف بالزعامة الدينية للكنيسة الرومانية وأمر كل الهيئات المسيحية بالخضوع إلى سلطانها. ولكن الفصول التي جاءت بعد المقدمة أعلنت سلطة الإمبراطور على الكنيسة فقالت إن جميع القوانين الكنسية كجميع القوانين المدنية تصدر عن العرش، ثم مضى كتاب القانون يذكر القوانين الخاصة بالمطارنة، والأساقفة، ورؤساء الأديرة، والرهبان، ويحدد العقوبات التي توقع على القساوسة الذين يقامرون، أو يرتادون دور التمثيل أو يشهدون الألعاب(22). وجعل عقوبة المانيين والمارقين المرتدين هي الإعدام. أما الدوناتيون، والمنتانيون، واليعقوبيون وغيرهم من الطوائف المنشقة فكان عقابهم أن تصادر املاكهم، وأن يحكم عليهم بأنهم غير أهل لأن يبيعوا أو يشتروا، أو يرثوا أو يُورَثوا. وحرمت عليهم الوظائف العامة، والاجتماعات، كما حرموا من حق مقاضاة المسيحيين أتباع الدين القويم للحصول على ما لديهم قِبَلهم من الديون. وأباح القانون في بعض مواده الرحيمة للأساقفة أن يزُوروا السجون، ليحموا المسجونين من سوء استعمال القانون.




صفحة رقم : 4347




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> قانون جستنيان


وبدل القانون الميزات القديمة التي كانت تتمتع بها بعض الطبقات. من ذلك أن المعاتيق لم يعودوا يعاملون على أنهم طائفة خاصة قائمة بنفسها، بل أصبحوا يتمتعون من ساعة تحريرهم بجميع مميزات الأحرار، فيباح لهم أن يكونوا أعضاء في مجلس الشيوخ وأن يكونوا أباطرة. وقسم الأحرار جميعاً إلى طبقة ذوي الشرف أو الرتبة، وإلى طبقة عامة. وأقر القانون نظام الطبقات الذي نشأ منذ أيام دقلديانوس فقسمها إلى أشراف Patricii، وممتازين Illustres ومحترمين Specabites (وهي التي أخذ منها لفظ Respecabls أي محترم الإنجليزية)، وأصفياء Claricsimi، وأمجاد Gloriosi ولقد كان في هذا القانون الروماني كثير من العناصر الشرقية.
وظهرت فيما ورد في هذه الشرائع من قوانين خاصة بالرق بعض آثار المسيحية أو الرواقية. مثال ذلك أن اغتصاب أمّة كان عقابه الإعدام كاغتصاب الحرة سواء بسواء؛ كذلك كان يحق للعبد أن يتزوج من حرة إذا وافق سيده على هذا الزواج. وكان جستنيان يشجع العتق كما تشجعه الكنيسة، لكن القانون كان يجيز بيع الطفل حين يولد في سوق الرقيق إذا كان أبواه معدمين(23). وكان في قانون جستنيان فقرات تشجع استرقاق رقيق الأرض، وتمهد السبيل لنظام الإقطاع. مثال ذلك أن الرجل الحر إذا زرع قطعة من الأرض ثلاثين عاماً كان يطلب إليه أن يبقى هو وأبنائه إلى أبد الدهر مرتبطين بهذه الأرض(24). وكان القانون هذا بأن يمنع الزارع من ترك الأرض؛ وإذا هرب رقيق الأرض أو صار من رجال الدين من غير رضاء سيده، جاز لهذا السيد أن يطالب به كما يطالب السيد بعبده.
رفع هذا القانون من منزلة المرأة إلى حد ما. وكان إخضاعها للوصاية عليها طول حياتها قد انتهى في القرن الرابع، وبطل المبدأ القديم القاضي بأن الأبناء الذكور هم وحدهم الذين يحق لهم أن يرثوا آباءهم، وبذلت الكنيسة جهوداً




صفحة رقم : 4348




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> قانون جستنيان


كبيرة لتأييد المبدأ الجديد لأن كثيرات من النساء كن يوصين لها بأملاكهن. وحاول جستنيان أن ينفذ آراء الكنيسة الخاصة بالطلاق، وحرمه إلا إذا أراد أحد الزوجين أن يدخل ديراً للنساء أو الرجال. غير أن هذا العمل كان خروجاً متطرفاً على العادات والقوانين القائمة وقتئذ ولذلك عارضه كثيرون من الشعب بحجة أنه سيزيد من حوادث التسميم، وذكرت فيما سن بعدئذ من القوانين في الإمبراطورية الرومانية حالات كثيرة مختلفة يباح فيها الطلاق، وظلت هذه معمولاً بها، في الإمبراطورية البيزنطية حتى عام 1453 فيما عدا فترات منقطعة(25). ومحى من القانون ما فرضه أغسطس من عقوبات على العزوبة والعقم. وكان قسطنطين قد جعل الزنى من الجرائم التي يعاقب مرتكبها بالإعدام، وإن لم ينفذ هذا العقاب إلا في حالات نادرة، أما جستنيان فقد احتفظ بعقوبة الإعدام للزنى من الرجال، اما الزانية فقد جعل عقابها الإقامة في دير للنساء. وأباح القانون للزوج أن يقتل عشيق زوجته إذا وجدها في منزله أو شاهدها تتحدث معه في حانة بعد إنذارها ثلاث مرات أمام شهود. كذلك فرض القانون عقوبات صارمة على من يزني بامرأة غير متزوجة أو بأرملة إلا إذا كانت حظية أو عاهراً. وكان هتك العرض غصباً يعاقب عليه بالإعدام ومصادرة الأملاك، وكان ثمن هذه الأملاك المصادرة يعطى للمرأة المغتصبة. ولم يكتف جستنيان بتقرير عقوبة الإعدام للواط، بل كان في كثير من الأحيان يضيف إليها التعذيب، وبتر الأعضاء، وعرض المذنبين على الجماهير في الشوارع قبل إعدامهما، وإنا لنحس في هذا التشريع الصارم ضد الشذوذ الجنسي بأثر المسيحية التي روعتها آثام الحضارة الوثنية فدفعتها إلى هذا التزمت الوحشي.
وغير جستنيان قانون الملكية تغييراً أساساً. من ذلك أنه ألغى ما كان ينص عليه القانون القديم من حق الأقارب من العصب أن يرثوا من يموت دون أن يترك وصية؛ وجعل حق الميراث لأبناء الميت وأحفاده الخ من الظهور والبطون،




صفحة رقم : 4349




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> قانون جستنيان


وشجع قانون الهبات والوصايا لجهات البر؛ وأعلن أنه لا يجوز النزول عن شيء من أملاك الكنيسة، سواء كانت ثابتة أو منقولة، أو كانت أجور أملاك، أو رقيق أرض، أو عبيد؛ فلم يكن يحق لأي رجل من رجال الدين أو غير رجال الدين ولا لأية جماعة دينية أو غير دينية النزول عن أي شيء تمتلكه الكنيسة أو بيعه أو الإيصاء به. وأضحت هذه القوانين التي وضعها ليو الأول وأنثميوس وأيدها قانون جستنيان هي الأساس الشرعي لثروة الكنيسة المتزايدة. فقد كانت أملاك غير رجال الدين تنقسم وتتفرق، أما أملاك الكنيسة فظلت تتراكم وتزداد جيل بعد جيل. وحاولت الكنيسة أن تحرم الربا، ولكنها عجزت عن تحريمه؛ وأجاز القانون القبض على المدينين الذين يتخلفون عن جلسات المحاكمة، ولكنه أجاز إطلاق سراحهم بالكفالة أو إذا أقسموا أن يعودوا حين يطلبون للمحاكمة.
وحرم القانون سجن أي شخص إلا بأمر أحد كبار القضاة، وحدد الزمن الذي يمكن أن ينقضي بين القبض عليه ومحاكمته تحديداً دقيقاً لا يتعداه. وبلغ عدد المحامين من الكثرة حداً جعل جستنيان يشيد لهم باسلقا خاصة نستطيع أن نتصور مساحتها إذا عرفنا أن مكتبتها كانت تضم 150.000 مجلد أو ملف. وكان المتهم يحاكم أمام قاضي يعينه الإمبراطور، غير أنه كان من المستطاع تحويل القضية إلى محكمة الأسقف إذا رغب في ذلك الطرفان المتقاضيان. وكانت نسخة من الكتاب المقدس توضع أمام القاضي في كل جلسة. وكان وكيلا الطرفين يقسمان على الكتاب أنهما سيبذلان كل ما في وسعهما للدفاع عن موكليهما بذمة وامانة، ولكنهما يتخليان عن القضية إذا وجداهما مما يخل بالشرف والأمانة. وكان المدعي والمدعي عليه يلزمان أيضاً بأن يقسم كل منهما على الكتاب المقدس أن قضيته عادلة. وكانت العقوبات التي ينص عليها القانون صارمة ولكنها قلما كانت ملزمة فقد كان في وسع القاضي مثلاً أن يخفف العقاب عن النساء والقُصَّر،




صفحة رقم : 4350




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> قانون جستنيان


والسكارى الذين يقدمون للقضاء. وكان السجن للمحافظة على المتهمين حتى يحاكموا، ولكنه قلما كان يستخدم لعقاب المدنيين.
وقد أجاز قانون جستنيان عقاب المجرم ببتر اعضائه، فكان في هذا أكثر رجعية من قانون هدريان وأنطونينوس بيوس. مثال ذلك أن جباة الضرائب الذين يزورون فى حساباتهم، والذين ينسخون الآداب الدينية اليعقوبية كان يجوز عقابهم بقطع يدهم، اتباعاً للنظرية القائلة بأن العضو الذي اقترف ذنباً يجب أن يجازى بما أقترفه. وكثيراً ما يذكر القانون عقوبة جدع الأنف أو قطع الرقبة، وأضافت القوانين البيزنطية إليهما سلم العينين، وأكثر ما يكون ذلك لتشويه وجه الوارثين للعرش أو المتطلعين له. وكانت عقوبة الإعدام تنفذ في الأحرار بقطع رءوسهم، وفي بعض الأرقاء بصلبهم؛ وكان السحرة والفارون من الجيش يحرقون أحياء؛ وكان في وسع المواطن المحكوم عله أن يستأنف الحكم أمام محكمة أعلى درجة من المحكمة التي أصدرته، ثم إلى مجلس الشيوخ ثم إلى الإمبراطور نفسه آخر الأمر.
وإنا لنعجب بقانون جستنيان إذا نظرنا إليه في مجموعه أكثر مما نعجب به لو نظرنا إلى كل جزء من أجزائه على انفراد. وأكثر ما يختلف فيه عن القوانين التي صدرت قبله هو تشدده في اتباع المبادئ والسنن المقررة، وسد الطريق على التعديل والإصلاح، وما يسري فيه من ميل إلى القسوة في الانتقام، حتى لقد كان في وسع الروماني المتعلم أن يجد الحياة في حكم الأنطونيين أكثر حضارة منها في حكم جستنيان. وكان سبب هذه العيوب أن الإمبراطور لم يكن يستطيع التخلص من البيئة التي يعيش فيها والزمن الذي وجد فيه، وقد اضطرته رغبته الملحة في ان يوحد كل شيء على أن يقنن ما في عصره من الخرافات والوحشية كما يقنن ما فيه من عدالة ورحمة. وكان القانون شديد التمسك بالقديم والمحافظة عليه، شأنه في هذا شأن كل ما هو بيزنطي، وكان موائماً كل المواءمة لحضارة




صفحة رقم : 4351




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> قانون جستنيان


خيل إلى أهلها أنها لن تموت أبداً. لكنه سرعان ما نقص الخاضعون له فلم يتعدوا أهل مملكة صغيرة آخذة في النقصان. ذلك أن الشرقيين الخارجين على الدين والذين أذاقهم هذا أشد العذاب قد فتحوا صدورهم للمسلمين وكانوا أكثر رخاء في ظل القرآن منهم في ظل هذا القانون. وأغفلت إيطاليا تحت حكم اللمبارد، وغلاة تحت حكم الفرنجة وإنجلترا تحت حكم الأنجليسكسون، وأسبانيا تحت حكم القوط الغربيين، أغفلت هذه البلاد كلها أوامر جستنيان. لكن هذا القانون بالرغم من هذا كله، ظل بضعة أجيال يبسط النظام والأمن على خليط من الشعوب، وبفضله استطاع الناس أن يجتازوا حدود كثير من الأمم وينتقلون في شوارع مدنها وهم أكثر أمناً وأعظم حرية مما يستمتع به الذين ينتقلون في ذلك الإقليم نفسه في هذه الأيام. ولقد ظل هو قانون الإمبراطورية إلى آخر أيامها، ولقد أحيا سنته مسترعو بولونيا بعد خمسة قرون من اختفائه في الغرب. وعمل به الأباطرة والبابوات، وسرى في نظم كثير من الدول الحديثة، فكان هو الهيكل الذي قام عليه نظامها.




صفحة رقم : 4352




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الفقيه الديني الإمبراطوري



الفصل الخامس




الفقيه الديني الإمبراطوري


لم يبق بعدئذ أمام جستنيان إلا أن يوحد العقيدة الدينية، وأن يجعل الكنيسة أداة متجانسة يتخذها وسيلة للحكم. وأكبر الظن أن جستنيان كان مخلصاً في عقيدته الدينية، وأن غرضه من توحيد الدين لم يكن سياسياً فحسب، فقد كان هو نفسه يعيش في قصره عيشة الراهب في ديره على قدر ما تسمح له بذلك ثيودورا؛ يصوم، ويصلي، وينكب على دراسة المؤلفات الدينية، ويناقش دقائق العقائد الدينية مع الفلاسفة، والبطارقة، والبابوات. وينقل بروكبيوس في هذا المعنى قول أحد المتآمرين على جستنيان دون أن يخفي موافقته التامة على ما ينقله: "إن من أوتي أقل قسط من عزة النفس لا يليق به أن يرفض العمل على قتل جستنيان؛ وخليق به ألا يداخله أقل خوف من رجل يجلس على الدوام في ردهة قصره من غير حرس ويقضي الجزء الأكبر من الليل يقلب صفحات الكتب المسيحية المقدسة هو وجماعة من القساوسة الطاعنين في السن"(26). ويكاد يكون من أول الأعمال التي استعان فيها جستنيان بسلطته وهو نائب عن جستين أنه رتق الفتق الذي اتسع بين الكنيستين الشرقية والغربية على أثر نشر رسالة الإمبراطور زينون المعروفة باسم هنوتوكون Henotucon وقد استطاع جستنيان أن يكسب تأييد القساوسة الإيطاليين أتباع الدين الأصلي ضد القوط، وإخوانهم في الشرق ضد اليعقوبين، بقبوله وجهة نظر البابوية في المسائل التي كانت موضوع الخلاف.
وكانت هذه الشيعة الأخيرة التي تقول بأن ليس للمسيح إلا طبيعة واحدة قد كثر عددها في مصر حتى كاد يعادل عدد الكاثوليك. وبلغ من كثرتهم في




صفحة رقم : 4353




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الفقيه الديني الإمبراطوري


الإسكندرية أن انقسموا هم أيضاً إلى طائفتين يعقوبيتين إحداهما تؤمن بنصوص الكتاب المقدس وأخرى لا تؤمن به. وكان أفراد الطائفتين يقتتلون في شوارع المدينة بينما كانت نساؤهم يتبادلن القذائف من سطوح المنازل. ولما ان أجلست قوات الإمبراطور المسلحة أسقفاً كاثوليكياً في كرسي أثناسيوس كانت أول تحية حياه به المصلون أن رجموه بوابل من الحجارة، ثم قتله جنود الإمبراطور وهو جالس على كرسيه. وبينما كانت الكثلكة تسيطر على أسقفية الإسكندرية، كان الخارجون عليها يزداد عددهم زيادة مطردة في ريف مصر، فكان الفلاحون لا يأبهون بقرارات البطريق أو بأوامر الإمبراطور، وكانت مصر قد خرجت عن طاعة الإمبراطورية أو أوشكت أن تخرج عن طاعتها قبل أن يفتتحها الغرب بقرن كامل.
وتغلبت ثيودورا بثباتها على جستنيان المتردد في هذه المسألة كما تغلبت عليه في كثير من المسائل الأخرى، فأخذت تأمر مع شماس روماني يدعى فيجلوس Vligilius وتعرض عليه أن تنصبه بابا إذا قبل بعض مطالب اليعقوبيين. وأثمرت هذه المؤامرة ثمرتها، فأخرج بليساريوس البابا سلفريوس من روما (537) ونفي إلى جزيرة بلماريا Palmaria حيث مات مما لقيه من قسوة، ونصب فيجليوس بابا في مكانه بأمر الإمبراطور. وقبل جستنيان آخر الأمر رأي ثيودورا القائل بأن مذهب اليعاقبة لا يمكن القضاء عليه، فحاول أن يسترضي أتباعه في وثيقة دينية إمبراطورية تعرف باسم الفصول الثلاثة. ثم استدعى فيجليوس إلى القسطنطينية وألح عليه بأن يوافق على هذه الوثيقة. وأجابه فيجليوس إلى طلبه في كره منه، فما كان من رجال الدين الكاثوليك في أفريقية إلا أن أعلنوا طرده من الكنيسة وتجريده من رتبه الكهنوتية (550). وحينئذ قام جستنيان بمحاولة سافرة للسيطرة على البابوية لم يقم بها إمبراطور غيره من قبله. ذلك أنه دعا مجلساً عاماً للاجتماع في القسطنطينية (553) لم يكد يحضره أحد




صفحة رقم : 4354




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الفقيه الديني الإمبراطوري


من أساقفة الغرب، ووافق المجلس على المبادئ التي وضعها جستنيان، ولكن الكنيسة الغربية رفضتها ، وعاد النزاع بين الكنيستين الشرقية والغربية إلى ما كان عليه من قبل، ولم يخمد لظاه مدة قرن من الزمان.
وتغلب الموت آخر الأمر على كل هذا الجدل، فقد توفيت ثيودورا في عام 548، وكانت وفاتها أشد الضربات التي حطمت شجاعة جستنيان، وصفاء ذهنه، وقوة بدنه. وكان وقتئذ في الخامسة والستين من عمره، وكان قد أضعفه نسكه وما حل به من ازمات متعاقبة. فترك شؤون الحكم لعماله، وأهمل وسائل الدفاع التي بذل غاية جهده لإقامتها، وانهمك في البحوث الدينية، وحلت بالبلاد كوارث لا حصر لها عليه نغصت عليه حياته في السبعة عشر عاماً التي عاشها على حافة القبر. فقد امتاز حكمه بكثرة ما حدث فيه من الزلازل التي دمرت اثنتي عشرة مدينة وكادت تمحو آثارها من الوجود، ونضب معين خزانة الدولة من جراء النفقات التي تطلبتها إعادة بنائها، وفشا الطاعون في البلاد في عام 542، وجاء بعده القحط في عام 556، وعاد الطاعون مرة أخرى في عام 558. وفي عام 559 اجتاز الهون الكتريجور Kutrigur Huns نهر الدانوب، وهتكوا أعراض الأمهات والعذارى الراهبات، وألقوا إلى الكلاب بالأطفال الذين ولدتهم السبايا اللائي أخذوهن معهم في زحفهم، وتقدموا حتى بلغوا أسوار القسطنطينية. واستغاث الإمبراطور في هلعه الشديد بالقائد العظيم الذي طالما أنجاه من الكوارث من قبل. وكان بليساريوس وقتئذ ضعيفاً منهوك القوى، ولكنه انتضى سيفه ولبس درعه، وجمع ثلاثمائة من جنوده المحنكين الذين حاربوا معه في إيطاليا، وضم إليهم بضع مئات من الجنود غير المدربين، وسار بهم ليلاقي الهون البالغ عددهم سبعة آلاف رجل. وزع قواه بما تعوّد من حذق وبُعد نظر، فأخفى مائتين من خيرة جنوده في غابات قريبة من ميدان القتال، فلما أن تقدم الهون لقتاله انقض هؤلاء على جناحهم، بينما كان بليساريوس يتلقى هجوم أعدائه على رأس جيشه الصغير.




صفحة رقم : 4355




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الفقيه الديني الإمبراطوري


وارتد البرابرة على أعقابهم وولوا الأدبار قبل أن يصاب روماني واحد بجرح خطير. وغضبت الجماهير في العاصمة لأن بليساريوس لم يقتف أثر العدو ويقبض على قائد الهون ويأت به أسيراً. ودأبت الغيرة في قلب الإمبراطور فاستمع إلى وشاية الواشين بقائده الكبير، واتهمه بالتآمر عليه، وأمره بأن يسرح جنوده المسلحين. ولما مات بليساريوس في عام 565 صادر جستنيان نصف ممتلكاته.
وعاش الإمبراطور بعد قائده ثمانية أشهر. وأثمرت دراسته للدين في سنيه الأخيرة ثمرة عجيبة! وهل أعجب من أن يخرج على الدين حامي حمى الدين. فقد أعلن جستنيان أن جسد المسيح غير قابل للدنس، وأن طبيعة المسيح البشرية لم تتعرض في يوم من الأيام لحاجة من حاجات الجسد الفاني، ولا لشيء من مساوئه. وأنذره رجال الدين بأنه إذا مات قبل أن يرجع عن هذه الخطيئة "فسيلقى في نار جهنم ويبقى فيها إلى أبد الآبدين"(27). ولكنه مات قبل أن يتوب من ذنبه (556)، بعد حياة دامت ثلاثة وثمانين عاماً، جلس منها على العرش ثمانية وثلاثين.
وكان موت جستنيان نقطة أخرى من النقاط التي يمكن أن تعد خاتمة التاريخ القديم. لقد كان في حياته إمبراطور رومانياً بحق، يفكر في جميع شؤون الإمبراطورية شرقيها وغربيها على السواء، ويبذل كل ما وسعه من جهد ليصد عنها البرابرة. وليعيد إلى الإمبراطورية الواسعة حكماً منظماً وشرائع متجانسة. ولقد أفلح في تحقيق جانب كبير من هذا الغرض: فقد استرد أفريقية، ودلماشيا، وإيطاليا، وقورسقة، وسردينيا، وصقلية، وبعض أسبانيا، وطرد الفرس من سوريا، وتضاعفت رقعة الإمبراطورية في عهده ضعفين. وتمثل شريعته بما فيها من وحدة، ووضوح، واتساع في الأفق، ذروة في تاريخ القانون. ولسنا ننكر أن إدارته لشؤون الإمبراطورية قد لوّثها فساد الموظفين، ورشوة الحكام، وفدح الضرائب، وتدخل الأهواء، والنزوات في العفو والعقاب؛ ولكنها مع ذلك




صفحة رقم : 4356




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الفقيه الديني الإمبراطوري


كانت تمتاز بالعمل المتواصل على تنظيم حكم الإمبراطورية وشئونها الاقتصادية؛ ولقد أفلحت في إقامة صرح من النظام إن يكن معادياً للحرية فإنه قد حفظ كيان الحضارة في ركن من أركان أوربا في الوقت الذي غرقت فيه سائر القارة في ظلمات العصور المظلمة. هذا إلى أنه قد خلد اسمه في تاريخ الصناعة والفن كما يشهد بذلك جامع أياصوفيا الذي هو أثر من آثاره. وما من شك في أن أشياعه من معاصريه قد بدا لهم أن الإمبراطورية استطاعت مرة أخرى أن تصد تيار التدهور وأن تبعد عنها يد الردى إلى حين.
غير ان الذي يؤسف له لم يكن أكثر من مهلة جد قصيرة. فقد ترك جستيان خزائن الدولة خاوية، وكان قد وجدها عامرة، وكانت شرائعه القاسية الخالية من التسامح الديني، وكان جباته اللصوص، سبباً في نفور الأمم التي استولت جيوشه على بلادها، فلم يطل ولاؤها له، وكانت هذه الجيوش قد ضعفت مِرتَّها، وتبدد شملها، ولم تنل أجورهاـ فلم يكن في وسعها أن يطول دفاعها عن البلاد التي افتتحتها وأحلت بها الخراب والدمار. وسرعان ما تركت أفريقية للبربر، وسوريا؛ وفلسطين، ومصر، ثم أفريقية وأسبانيا للعرب، وإيطاليا للمبارد. وقبل أن ينقضي قرن واحد على موت جستنيان خسرت الإمبراطورية أكثر مما كسبه هو لها. وإذا ما عدنا إلى الماضي أدركنا من خلال ثناياه، وامتلأت نفوسنا زهواً بهذا الإدراك، ما كان في نظام حكم الإمبراطورية من أخطاء. وبدا لنا أنه كان من الخير أن تجمع القوميات والمذاهب الدينية الناشئة في نظام اتحادي، وأن تمد يد الصداقة إلى القوط الشرقيين الذين حكموا إيطاليا حكاً صالحاً إلى حد كبير. وأن تكون الدولة أداة لحفظ الثقافة القديمة من الضياع ومَعِيناً غزيراً تستمد منه الدول الجديدة أسباب حضارتها ورفاهيتها.
وليس ثمة ما يضطرنا إلى قبول حكم بروكبيوس على جستنيان، فقد كفانا




صفحة رقم : 4357




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الفقيه الديني الإمبراطوري


بروكبيوس نفسه مؤونة دحض هذا الحكم(28) لقد كان الإمبراطور حاكماً عظيماً، نشأت أخطاؤه من إخلاصه لعقيدته وجريه فيها على سنن مطلقة: فنشأ اضطهاده من ثقته، ونشأت حروبه من نزعته الرومانية، ومصادرته للأملاك من هذه الحروب. فنحن نأسف أشد الأسف لضيق أفقه وعنف أساليبه، ونطرب لتحقيقه أغراضه. لقد كان هو وبليساريوس، لابنياس وإبتيوس، آخر الرومان.




صفحة رقم : 4358




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العمل والثروة



الباب السادس




الحضارة البيزنطية




336-565




الفصل الأول




العمل والثروة


كان الاقتصاد البيزنطي مزيجاً من المشروعات الفردية، والتنظيم الحكومي، والصناعات المؤممة، شبيهاً بما يجرى به العمل في هذه الأيام. وكان امتلاك الفلاحين للأراضي التي يزرعونها لا يزال في عصر جستنيان هو القاعدة المعمول بها في الزراعة؛ ولكن الضياع كانت آخذة في الاتساع، وكان كثير من الزراع يضطرون شيئاً فشيئاً إلى الخضوع الإقطاعي لكبار الملاك، وكان الذي يرغمهم على هذا الخضوع هو الجفاف، والفيضان، والتنافس، والعجز عن فلح الأرض، والضرائب، والحروب. وكانت الموارد المعدنية التي في باطن الأرض ملكاً للدولة ولكن معظمها كانت تستعمله الهيئات الخاصة التي تستأجره من الحكومة. وكانت مناجم بلاد اليونان قد نضب معينها، ولكن مناجم قديمة وجديدة كانت تستغل في تراقية، وبنطس، وبلاد البلقان. وكان معظم عمال الصناعة "أحراراً" أي أنهم لم يكن يرغمهم على العمل إلا عدم رغبتهم في الموت جوعاً؛ ولم يكن للاسترقاق المباشر في خارج الخدمة المنزلية وصناعة النسيج إلا شأن ضئيل، ولكن الدولة كانت تلجأ إلى السخرة في سوريا، وفي مصر وشمالي أفريقية على الأرجح للمحافظة على قنوات الري الكبرى(1). وكانت الحكومة تنتج في مصانعها معظم




صفحة رقم : 4359




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العمل والثروة


ما يحتاجه الجيش والموظفون، والحاشية من البضائع(2).
وأثار جماعة الرهبان النساطرة من أواسط آسية حوالي عام 552 اهتمام الإمبراطور جستنيان بصناعة الحرير، إذ عرضوا عليه أن يمدوا الإمبراطورية بموارد مستقلة عن غيرها من البلاد. وإذا ذكرنا كثرة الحروب التي شبت نارها بين بلاد اليونان والرومان من جهة وبلاد الفرس من جهة أخرى للسيطرة على الطرق التجارية الموصلة إلى الصين والهند، ولاحظنا اسم "طريق الحرير" الذي كان يطلق على الممرات الشمالية الموصلة إلى بلاد الشرق الأقصى، واسم "سريكاSerica " (أرض الحرير) الذي كان الرومان يطلقونه على بلاد الصين واسم "سرندياSerindia " الذي كانوا يطلقونه على الإقليم الواقع بين الصين والهند، إذ ذكرنا هذا كله أدركنا سبب قبول جستنيان لهذا الاقتراح والتحمس له. وعاد الرهبان إلى أواسط آسية ثم جاءوا إليه ومعهم بويضات دود القز، وأكبر الظن أنهم جاءوا معهم أيضاً ببذور شجر التوت(3). وكانت صناعة الحرير قائمة قبل ذلك في بلاد اليونان، ولكنها كانت قائمة في نطاق ضيق، وكانت تعتمد على دود القز البري الذي يعيش على أوراق أشجار البلوط والدردار والسرو. وكانت نتيجة هذا الاقتراح أن قامت صناعة الحرير في نطاق واسع في بلاد الإمبراطورية وخاصة في سوريا وبلاد اليونان، وتقدمت في بلاد البلوبونيز تقدماً أكسب الجزيرة اسم موريا Morea أي أرض شجر التوت Morus Alba.
وكانت الدولة تحتكر صناعة بعض أنواع من المنسوجات الحريرية والصبغات الأرجوانية في مدينة القسطنطينية، وكانت هاتان الصناعتان تقومان في حوانيت داخل القصر الإمبراطوري أو قريبة منه(4). ولم يكن يسمح بارتداء الثياب الحريرية المصبوغة الغالية إلا لكبار موظفي الحكومة، وكان أغلاها كلها لا يسمح به لغير أفراد الأسرة الإمبراطورية. ولما أخرجت المشروعات الفردية خفية منسوجات حريرية تماثل منسوجات الحكومة وباعتها لغير الطبقات الممتازة




صفحة رقم : 4360




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العمل والثروة


قضى جستنيان على هذه "السوق السوداء" بأن أزال معظم القيود المفروضة على لبس الحرير الغالي والملابس ذات الصبغة الغالية، وأغرق الحوانيت بالمنسوجات الحكومية، وباعها لها بأثمان لا تستطيع المصانع الخاصة مجازاتها؛ ولما قضى بهذه الطريقة على المنافسة عادت الحكومة فرفعت الأثمان مرة أخرى(5). وحذا جستنيان حذو دقلديانوس فعمل على بسط السيطرة الحكومية على جميع الأثمان والأجور. وحدث بعد انتشار الطاعون في عام 542 أن نقضت الأيدي العاملة، وارتفعت أجور العمال، وتضاعفت أثمان السلع. وعمل جستنيان ما عمله البرلمان الإنجليزي في عام 1351 بعد طاعون 1348، فأراد أن يساعد أصحاب الأعمال والمستهلكين بمرسوم يحدد الأثمان والأجور جاء فيه:
لقد وصل إلى علمنا أن التجار، والصناع، والزراع، والبحارة قد تغلبت عليهم، بعد أن حل بنا غضب الله، روح الجشع، فأخذوا يطلبون أثماناً وأجوراً تعادل ضعفي ما كانوا ينالونه قبل أو ثلاثة أضعاف.... لذلك نحرم على هؤلاء جميعاً وأمثالهم أن يطلبوا أثماناً أو أجوراً أكثر مما كانوا يطلبونه من قبل. كذلك نحرم على متعهدي البناء، أو الأعمال الزراعية أو غيرها أن يؤدوا للعمال أجوراً أعلى مما جرت العادة بأدائه في الأيام الماضية(6). وليس ما لدينا ما يدلنا على ما كان هذا المرسوم من أثر.
وراجت التجارة الداخلية والخارجية في الإمبراطورية البيزنطية من عهد قسطنطين إلى أواخر حكم جستنيان. وكان ما فيها من الطرق والجسور الرومانية يتعهد ويصلح بانتظام، ودفع الحرص الشديد على الكسب وما يبعثه من إبداع وإنشاء إلى بناء أساطيل بحرية ربطت العاصمة بمئات الثغور في الشرق والغرب. وظلت القسطنطينية في القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر أعظم الأسواق التجارية ومراكز النقل البحري في العالم كله، وانحطت الإسكندرية التي كانت لها السيادة في هذه الناحية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، فأصبحت منزلتها في




صفحة رقم : 4361




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العمل والثروة


التجارة بعد إنطاكية(7). وكانت سوريا كلها تعج بالمتاجر والمصانع، ويرجع هذا إلى موقعها بين بلاد الفرس والقسطنطينية، وبين القسطنطينية ومصر، وإلى ما اتصف به تجارها من حذق وحب للمغامرة بحيث لم يكن ينافسهم في انتشار كجارتهم ودهائهم إلا اليونان الذين لا يجارونهم في المثابرة والجلد، كما يرجع إلى انتشارهم هم أنفسهم في جميع بلاد الإمبراطورية، فكانوا بذلك عاملاً في إيجاد ذلك الطابع الأخلاقي والفني الذي طبعت به الحضارة البيزنطية.
وإذا كان الطريق التجاري القديم بين سوريا وأواسط آسية يخترق بلاد الفرس المعادية للدولة البيزنطية، فقد أراد جستنيان أن ينشئ طريقاً جديداً بإقامة صلات ودية بينه وبين الحميريين المقيمين في الطرف الجنوبي الغربي من جزيرة العرب، وملوك الحبشة، وكان هؤلاء وأولئك يسيطرون على أبواب البحر الأحمر الجنوبية. وكانت السفن التجارية البيزنطية تخترق هذه المضايق والمحيط الهندي في طريقها إلى الهند؛ ولكن الفرس الذين كانوا يسيطرون على ثغور الهند كانوا يفرضون على هذه التجارة رسوماً عالية كأنها تمر ببلاد إيران نفسها. فلما خاب رجاء جستنيان في هذا الطريق شجع إنشاء المرافئ البحرية على البحر الأسود، فكانت المتاجر ترد إلى هذه المرافئ ثم تنقل في السفن إلى خلقيس Colchis ومنها بطرق القوافل إلى سجديانا Sogdiana، حيث يلتقي تجار الصين وتجار الغرب ويتساومون دون أن يتدخل الفرس فيما بينهم. وبفضل هذه التجارة الناشطة التي كانت تسير في هذا الطريق الشمالي ارتفعت سيرنديا إلى أعلى درجات الثروة والفن في العصور الوسطى. وظلت التجارة اليونانية في هذه الأثناء محتفظة بمنافذها القديمة في الغرب.
وكان من أكبر العوامل في هذا النشاط الاقتصادي الكبير النقد الإمبراطوري الذي كان عملة مقبولة في جميع أنحاء العالم تقريباً لثباته وسلامته. وكان قسطنطين قد سك نقداً جديداً ليحل محل الأوريوس Aurues الذي سكه




صفحة رقم : 4362




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العمل والثروة


قيصر. وكانت هذه القطعة النقدية الجديدة المعروفة باسم صوليدوس Solidus أو بيزنت Bezant تزن 4.55 جرامات أو جزءاً من ستة أجزاء من الأوقية الإنجليزية من الذهب، وتعادل قيمته 5.83 من الدولارات في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1946. وإن تدهور الصوليدوس في قيمته المعدنية والاقتصادية حتى صار هو الصلدي ليدل أوضح دلالة على ارتفاع الأثمان خلال عصور التاريخ المختلفة، وعلى انحطاط قيمة النقد، ويوحي بأن الادخار فضيلة تتطلب ممارستها كثيراً من الدقة والحصافة. وارتقت أعمال المصارف كثيراً في ذلك الوقت، وفي وسعنا أن نعرف ما كان يسود الإمبراطورية البيزنطية من رخاء عندما ارتقى جستنيان العرش إذا عرفنا أنه حدد سعر الفائدة بما لا يزيد على أربعة في المائة لقروض الفلاحين، وستة في المائة للقروض التجارية، واثني عشر في المائة للنقود المستثمرة في المشروعات البحرية(8). ولم تكن فوائد القروض منخفضة هذا الانخفاض في ذلك الوقت في أي بلد من بلاد العالم.
وكان أعضاء مجلس الشيوخ وكبار التجار يستمتعون بثراء عظيم وبمظاهر من الترف قلما استمتع بهما أمثالهم قبلهم في روما وذلك بفضل ما كان يمتلكه الأولون من أراض واسعة، وما يقدم عليه الآخرون من مغامرات تجارية في أقطار نائية تتناسب أرباحها مع ما كانت تتعرض له أموالهم من الخطر. وكان الأشراف في الشرق أرقى ذوقاً من نظائرهم في روما في أيام شيشرون وجوفنال. فلم يكن أفراد هذه الطبقة يتخمون بطونهم بالأطعمة الغريبة يحضرونها من البلاد النائية، وكان الطلاق عندهم أقل منه في روما، وكانوا أكثر منهم إخلاصاً وجداً في خدمة الدولة، وكان أكثر ما يسرفون فيه هو الملابس المزركشة، والأثواب ذات الأهداب، المغطاة بالفراء والأصباغ البرقة، والجلابيب الحريرية المصبوغة بصبغات غالية والمطرزة بخيوط الذهب والمنقوشة عليها مناظر مستمدة من الطبيعة أو من التاريخ




صفحة رقم : 4363




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العمل والثروة


وكان بعض الناس أشبه "بجدران صور متحركة". من ذلك أن أحد أعضاء مجلس الشيوخ قد صورت على ثوبه قصة المسيح من أولها إلى آخرها(9). وكان تحت هذه الطبقة ذات الغشاء الذهبي طبقة وسطى ترزح تحت أعباء الضرائب، وطبقة أخرى كادحة من موظفي الدولة، وخليط من الرهبان الذين لا ينقطعون عن التدخل في شؤون الناس، وأمشاج من صعاليك المدن كانوا ضحية نظام الأثمان، لا يخفف عنهم أعباء الحياة إلا ما يتلقونه من الدولة من إعانات.
ولم تكن المبادئ الخلقية من الناحيتين التجارية والجنسية تختلف اختلافاً بيناً عن أمثالها في الثقافات الأخرى في نفس هذه المرحلة من التطور الاقتصادي. لقد كان كريستوم يندد بالرقص ويقول إنه يثير الشهوات، ولكن القسطنطينية لم تنقطع عن الرقص رغم تنديد كريستوم، وظلت الكنيسة ترفض تعميد الممثلين، ولكن المسرح البيزنطي ظل يعرض تمثيلياته الصامتة الإيحائية، لأن الناس يجب أن يجدوا ما يخفف عنهم متاعب وحدة الزواج وملل الحياة الرتيبة. ويقول بروكبيوس في كتابه التاريخ السري، وهو الذي لا يوثق به قط، إن النساء في وقته "كن جميعهن تقريباً فاسدات"(10). وكانت وسائل منع الحمل من الموضوعات التي لا ينفك الناس عن دراستها والبحث فيها. وقد أفرد لها أريباسيوس Oribasius أشهر أطباء القرن الرابع فصلاً خاصاً في كتابه الموجز في الطب. وأوصى كاتب آخر في الطب يدعى إيتيوس Aetius من رجال القرن السادس باستخدام الخل وماء البحر، أو الامتناع عن الجماع في بداية فترة الحيض ونهايتها(11). وحاول جستنيان وحاولت ثيودورا أن يقللا من الدعارة بنفي القيودات وأصحاب المواخير من القسطنطينية. ولكن نتيجة العمل لم تدم طويلاً. وكانت منزلة المرأة بوجه عام عالية، ولم تكن النساء في أي عصر من العصور السابقة أقل تقيداً بالقوانين والعادات أو أعظم نفوذاً في الحكومة منهن في ذلك العصر.




صفحة رقم : 4364




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العلم والفلسفة



الفصل الثاني




العلم والفلسفة




364-565


نرى ماذا كان حظ التربية والتعليم، والأدب، والعلوم والفلسفة في هذا المجتمع الذي يبدو في ظاهره مجتمعاً دينياً؟
لقد ظل التعليم الابتدائي في أيدي مدرسين خصوصيين يؤدي لهم الآباء أجورهم قدراً معيناً عن كل تلميذ في فترة محددة كم الزمن. أما التعليم العالي فقد ظل إلى أيام ثيودوسيوس الثاني يقوم به المحاضرون ليس لغيرهم سلطان عليهم، وأساتذة تؤدي لهم المدينة أو الدولة أجورهم. ويشكو ليبانيوس من ضآلة أجور هؤلاء الأساتذة ويقول إنهم كانوا يتوقون من شدة الجوع إلى الذهاب إلى الخباز، ولكنهم يمتنعون عن الذهاب إليه خشية أن يطالبهم بأداء ما عليهم من الديون(12). غير أننا مع ذلك نقرأ عن مدرسين أمثال يومانيوس يتقاضون 600.000 سسترس (30.000 ريال أمريكي؟) في كل عام(13). وكان أحسن الأفراد في هذه المهنة وأسوأهم. يتناولون أجوراً أكثر مما يستحقون، أما من عداهم فإنهم يتقاضون أقل مما يجب أن يتقاضوه. وعمل يوليان على نشر الوثنية بأن جعل الامتحانات التي تقوم بها الدولة والتعيين من قبلها هو القاعدة المتبعة في تعيين أساتذة الجامعات كلها(14). وجاء ثيودوسيوس الثاني، لأسباب عكس هذا السبب السابق، فجعل الإقدام على التعليم بغير ترخيص من الدولة جناية، وما لبث هذا الترخيص أن أقتصر على أتباع الدين الرسمي للدولة.
وكان مقر الجامعات الكبرى في الدولة في الإسكندرية، وأثينة،




صفحة رقم : 4365




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العلم والفلسفة


والقسطنطينية، وإنطاكية؛ وكانت هذه الجامعات تتخصص على التوالي في تعليم الطب، والفلسفة، والأدب، والبلاغة. وجمع أريباسيوس Oribasius البرجمومي (حوالي عام 325-403) طبيب يوليان موسوعة طبية مؤلفة من سبعين "كتاباً"؛ وألف إيتيوس الأميدي Aetius of Amida طبيب البلاط في عهد جستنيان أخرى شبيهة بهذه الموسوعة تمتاز بأحسن ما في الطب القديم من تحليل لأمراض العين، والأذن، والأنف، والفم، والأسنان؛ وبفصول شيقة في تضخم الغدة الدرقية والصرع، والعمليات الجراحية من استئصال اللوز إلى جراحة البواسير. وكان الإسكندر التراليسي Alexander of Tralles (حوالي عام 525-605) أكثر مؤلفي الطب ابتكاراً في ذلك العهد: فقد وضع أسماء لكثير من الطفيليات المعوية المختلفة، ووصف اضطرابات القناة الهضمية وصفاً دقيقاً؛ وبحث في أمراض الرئتين وعلاجها بحثاً وافياً لا نظير له فيما سبقه من البحوث. وترجم كتابه المدرسي في علم الأمراض الباطنية العلاجي، إلى اللغات السريانية، والعربية، والعبرية، واللاتينية، وكان له في العالم المسيحي أثر لا يعلو عليه إلا أثر كتب أبقراط، وجالينوس، وسورانوس(15). ويقول أوغسطين إن تشريح الأجسام الآدمية كان مألوفاً في القرن الخامس(16). ثم طغت الخرافات على الطب شيئاً فشيئاً، فآمن معظم الأطباء بالتنجيم، وأشار بعضهم باستخدام طرق في العلاج تختلف باختلاف مواقع الكواكب(17). وكان مما أشار به إيتيوس لمنع الحمل أن تضع المرأة بالقرب من شرجها سن طفل(18)، وسبق مارسلوس في كتابه في الطب DeMedicamentis (395) المحدثين فأشار بلبس قدم أرنب(19). وكان للبغال حظ أحسن من حظ الآدميين؛ ذلك أن أحسن كتاب علمي في ذلك العهد هو كتاب فلافيوس الفجتيوسي Flavius Vegitius، (383- 450) المعروف باسم :Digestorumartis Mulomedicinae Libri IV ويكاد هذا الكتاب أن يكون هو الأساس




صفحة رقم : 4366




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العلم والفلسفة


الذي قدم عليه الطب البيطري، وقد ظل هو المرجع الذي يعتمد عليه حتى عصر النهضة.
وسارت الكيمياء والكيمياء الكاذبة جنباً إلى جنب. وكانت الإسكندرية مركزهما جميعاً. وكان الباحثون في الكيمياء الكاذبة بوجه عام مخلصين في بحثهم، يستخدمون الطرق التجريبية بأمانة أكثر مما يستخدمها غيرهم من العلماء الأقدمون. وقد كان لهم الفضل في تقدم كيمياء المعادن والسبائك تقدماً كبيراً؛ ولسنا واثقين من أن المستقبل لن يحقق ما كانوا يسعون إليه من أغراض. كذلك كان للتنجيم أساس صحيح شريف؛ فقد كان الناس جميعاً يؤمنون إيماناً لا يقبل الشك بأن النجوم، والشمس، والقمر، تؤثر كلها فيما يقع على الأرض من أحداث، ولكن الدجالين أقاموا على هذه الأسس صرحاً عجيباً من السحر، والتنبؤ بالغيب والتمائم والرقى المستمدة من أسماء الكواكب. وكان استطلاع الأبراج السماوية لمعرفة مستقبل الناس أكثر انتشاراً في مدائن العصور الوسطى منه في نيويورك أو باريس في هذه الأيام. وشاهد ذلك أن القديس أوغسطين يحدثنا عن صديقين كانا يرصدان بعناية مواقع النجوم وقت مولد حيواناتها المستأنسة(20). ولقد كان المثير مما عند العرب من سخافات في التنجيم والكيمياء الكاذبة مما ورثه المسلمون عن اليونان الأقدمين.
وكانت أظرف شخصية في علوم ذلك العصر هي شخصية هيباشيا الفيلسوفة والعالمة الرياضية، وكان والدها ثيون Theon هو آخر من سجلت أسماؤهم في سجل أساتذة متحف الإسكندرية. وقد كتب شرحا لكتاب Syntaxis لبطليموس أقرّ فيه لما كان لابنته من نصيب في تأليفه. ويقول سويداس إن هيباشيا كتب شروحاً لكتاب القوانين الفلكية لبطليموس، وكتاب المخروطات لأبلونيوس البرجى(21)، ولكن مؤلفاتها كلها لم يبق منها شئ.




صفحة رقم : 4367




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العلم والفلسفة


ثم انتقلت من الرياضيات إلى الفلسفة، وسلكت في بحوثها على هدى أفلاطون وأفلوطين، و "بزت جميع فلاسفة زمانها" (على حد قول سقراط المؤرخ المسيحي)(22). ولما عينت أستاذة للفلسفة في متحف الإسكندرية هرع لسماع محاضراتها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار النائية. وهام بعض الطلاب بحبها، ولكن يبدوا أنها لم تتزوج قط. ويحاول سوداس أن يقنعنا بأنها تزوجت، وبأنها رغم زواجها بقيت عذراء طول حياتها(23). وينقل لنا هو نفسه قصة أخرى، لعل أعداءها هم مخترعوها مضمونها أن شاباً ضايقها بإلحاحه حتى عيل صبرها فما كان منها إلا أن رفعت ثيابها وقالت له :"إن الذي تحبه هو الذي يرمز إلى التناسل القذر وليس هو شيئاً جميلا قط"(24). وقد بلغ من حبها للفلسفة من أنها كانت تقف في الشوارع وتشرح لكل من يسألها النقط الصعبة في كتب أفلاطون أو أرسطو، ويقول سقراط المؤلف إنه "قد بلغ من رباطة جأشها ودماثة أخلاقها الناشئتين من عقلها المهذب المثقف أن كانت في كثير من الأحيان تقف أمام قضاة المدينة وحكامها دون أن تفقد وهي في حضرة الرجال مسلكها المتواضع المهيب الذي امتازت به عن غيرها، والذي أكسبها احترام الناس جميعاً وإعجابهم بها".
لكن هذا الإعجاب لم يكن في واقع الأمر يشمل الناس جميعاً، فما من شك في أن مسيحي الإسكندرية كانوا ينظرون إليها شزراً، لأنها لم تكن كافرة فاتنة فحسب، بل كانت إلى ذلك صديقة وفية لأرستيزArestes حاكم المدينة الوثني. ولما أن، حرض سيريل Cyril كبير الأساقفة -أتباعه الرهبان على طرد اليهود من الإسكندرية أرسل أرستيز إلى ثيودوسيوس الثاني تقريراً عن الحادث بعيداً عن النزاهة بعداً استاء منه كبير الأساقفة ورجاله أشد الاستياء. وقذف بعض الرهبان الحاكم بالحجارة، فأمر بالقبض على زعيم الفتنة وتعذيبه حتى مات (415). وأتهم أنصار سيريل هيباشيا بأنها صاحبة السلطان الأكبر على أرستيز، وقالوا إنها هي




صفحة رقم : 4368




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العلم والفلسفة


وحدها التي تحول دون الاتفاق بين الحاكم والبطريق. وفي ذات يوم هجم عليها جماعة من المتعصبين يتزعمهم "قارئ" أي كاتب صغير من موظفي سيريل، وأنزلوها من عربتها، وجروها إلى إحدى الكنائس، وجردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قضوا على حياتها، ثم قطعوا جسمها إرباً، ودفنوا ما بقي منها في مرح وحشي شنيع (415)(25). ولم يعاقب أحد من المجرمين واكتفى الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني بأن قيد حرية الرهبان في الظهور أمام الجماهير، (سبتمبر عام 416). وبذلك كان انتصار سيريل انتصاراً كاملاً.
ورحل أساتذة الفلسفة الوثنيون بعد موت هيباشيا إلى أثينة ليتقوا فيها الأذى، وكان التعليم غير المسيحي لا يزال حراً نسبياً ولا يزال معلموه آمن على أنفسهم من غيرهم في المدن الأخرى. وكانت حياة الطلاب فيها لا تزال نشيطة يسودها معظم ما يسود الحياة العلمية الراقية من ضروب السلوى -من تآخ بين الطلاب، وأثواب تميزهم من غيرهم، وعقاب يفرض عليهم في صورة عمل إضافي، ومرح عام وبهجة(27). وكانت المدرستان الرواقية والأبيقورية قد اختفتا من المدينة، ولكن المجمع العلمي الأفلاطوني كان يتدهور ذلك التدهور الرائع الذي آل إليه أمره في عهد ثمستيوس وبرسكوس Priscus وبركلو Proclus. وكان لثمستيوس (حوالي 380) بما كتبه من شروح على كتب أرسطو أثر كبير في ابن رشد وغيره من زعماء الفكر في العصور الوسطى. وكان برسكسوس في فترة من الزمن صديق يوليان ومشيره، وقد قبض عليه فالنز وفلنتنيان الأول واتهماه باستخدام السحر لكي تصيبهما الحمى، ثم عاد بعد ذلك إلى أثينة وظل يعلم فيها حتى توفي عام 395وهو في سن التسعين. واتخذ بركلوس (410-485) الرياضيات طريقاً إلى الفلسفة كما يفعل الأفلاطونيون الحقيقيون. وكان هذا الفيلسوف رجل صبر وجلد، فرتب آراء الفلسفة اليونانية كلها في نظام واحد،




صفحة رقم : 4369




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العلم والفلسفة


وخلع علها صورة علمية سطحية. ولكنه إلى هذا كان يتصف أيضاً بشيء من المزاج الصوفي للفلسفة الأفلاطونية الحديثة، وكان يضن أن في وسع الإنسان بفضل صومه وتطهير نفسه أن يكون على صلة بالكائنات غير البشرية(28). وكانت مدارس أثينة قد فقدت حيويتها بعد أن أغلقها جستنيان في عام 529، واقتصر عملها على ترديد نظريات المعلمين الأقدمين وإعادتها مراراً وتكراراً، وكان التراث العظيم الذي آل إليها قد أثقلها حتى كاد يقضي عليها، ولم تخرج عله إلا إلى نزعة تصوفية تستعير مادتها من المذاهب المسيحية البعيدة عن الدين الأصيل. ثم أغلق جستنيان مدارس علماء البلاغة كما أغلق مدارس الفلاسفة، وصادر أملاكها وحرم الاشتغال بالعليم على جميع الوثنيين، وبذلك انقضى عهد الفلسفة اليونانية بعد حياة دامت أحد عشر قرناً من الزمان.
ويبدو الانتقال من الفلسفة إلى الدين، ومن أفلاطون إلى المسيح، واضحاً جلياً في بعض الكتابات اليونانية العجيبة التي يعزوها مفكرو العصور الوسطى عن ثقة ويقين إلى ديونيسيوس الأريوباجيDionysius the Areopagite ، وهو رجل من أهل أثينة اعتنق تعاليم بولس. وأهم مؤلفات هذا الكاتب أربعة هي: في السلطة الكهنوتية السماوية، وفي السلطة الإكليروسية، وفي الأسماء القدسية، وفي اللاهوت الصوفي.
ولسنا نعرف من هو ديونيسيوس صاحب هذه المؤلفات، ولا متى ألفت أو أين ألفت وتدل محتوياتها على أنها كتبت بين القرنين الرابع والسابع، وكل الذي نعرفه أنه قلما كان لغيرها من الكتب مالها من اثر عميق في علم اللاهوت المسيحي.وقد ترجم يوحنا اسكوتوس أرجينا John Scotus Erigena واحداً منها وبنى عليها تعاليمه. وكان ألبرتوس مجنوسAlbertus Magnus وتوماس أكويناس يجلانها، وكان




صفحة رقم : 4370




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> العلم والفلسفة


مائة من المتصوفة اليهود، والمسلمين، والمسيحيين على السواء يستمدون آراءهم منها، وكان فنانو العصور الوسطى ورجال الدين الشعبيون يتخذونها مرشداً هادياً معصوماً من الزلل يصل بها الكائنات العليا وطبقات الصديقين الأبرار. وكان غرضها العام أن تجمع بين الأفلاطونية الحديثة وعلوم الكون المسيحية. ومن تعاليمها : أن الله موجود في جميع الكائنات، وأنه مصدر حياتها جميعاً، وإن كان جلاله فوق مدارك العقل، وأن بين الله والبشر ثلاث طبقات ثلاثية من الكائنات غير البشرية هي : السيرافيم، والشيروبيم، وحملة العرش، والقوى المسيطرة، والفضائل، والسلطات، ثم الملائكة العليا وكبار الملائكة، والملائكة (وليذكر القارئ كيف رتب دانتي هذه الطوائف التسع حول عرش الله، وكيف جمع ملتن بعض أسمائها في بيت له طنان رنان). وتقول هذه الكتب إن الخلق هو عملية انبعاث: أي أن الأشياء جميعها تنبعث من الله عن طريق تلك الطبقات من الملائكة، ثم تنعكس الآية فتقود هذه الطبقات التسع من الهيئة السماوية العليا بني الإنسان وجميع المخلوقات وتعود بهم إلى الله.




صفحة رقم : 4371




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الأدب



الفصل الثالث




الأدب




364-565


أعاد ثيودوسيوس الثاني، والنائبون عنه في عام 425 تنظيم التعليم العالي في القسطنطينية وقرروا رسمياً إنشاء جامعة مؤلفة من واحد وثلاثين مدرساً، منهم واحد للفلسفة ، واثنان للقانون، وثمانية وعشون "لنحو" اللغة اليونانية واللاتينية وبلاغتها. وكان العلماء الأخيران يشملان دراسة آداب اللغتين، وتوحي كثرة عدد المدرسين المخصصين لهذه الآداب بما كان يوجه إلى الآداب من عناية كبيرة. وقد وضع أحد أولئك الأساتذة واسمه برسكيان Priscian حوالي عام 526 كتاباً ضخماً في نحو اللغتين اللاتينية واليونانية أصبح من أهم الكتب الدراسية في العصور الوسطى. ويبدو أن الكنيسة الشرقية لم تكن تعترض وقتئذ على نسخ الآداب الوثنية(29). وقد ظلت مدرسة القسطنطينية، حتى آخر عهد الإمبراطورية البيزنطية، تنقل بأمانة روائع الأدب القديم رغم احتجاج عدد قليل من القديسين. وحوالي عام 450 أنشأ موسايوسMusaeus ، وهو رجل لا يُعرَف موطنه الأصلي، قصيدته الذائعة الصيت، هيرو و ليندرHero & Leander ، ذكر فيها كيف حاول ليندر كما حاول بيرن Byron، من بعده أن، يعبر مضيق الهلسبنت سباحة لكي يصل إلى حبيبته هيرو، وكيف غرق أثناء هذه المحاولة، وكيف أبصرته هيرو يقذف به الموج ميتاً أسفل برجها "فألقت بنفسها من فوق الصخرة الوعرة الشامخة تطلب لنفسها مع حبيبها الميت حدثاً لها بين الأمواج"(30).
وكان المسيحيون المهذبون من رجال الحاشية البيزنطية هم الذين وضعوا آخر ما تحتويه السجلات اليونانية القديمة من قصائد غزلية جميلة، كتبت بالأوزان




صفحة رقم : 4372




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الأدب


والروح القديمة وبعبارات تشير إلى الآلهة الوثنية. وها هي ذي أغنية منقولة عن أجاثياس Agasthias (حوالي 550) لعلها قد أعانت بن جنسن Ben Jonson على كتابة إحدى روائع مسرحياته :
"لا أحب الخمر، ولكن إن شئت أن تبلى بالفرح أحزان رجل حزين فارتشفي منها الرشفة الأولى، ثم قدمي لي الكأس أتناولها من يدك. فإذا مستها شفتاك فلن أبقى بعدئذ صابراً جاسياً أتجنب الكأس الحلوة، لأنها تحمل إلى قبلتك وتحدثني عما نالته من الابتهاج بك".
وأهم ما كتب من أدب ذلك العصر هو ما كتبه المؤرخون. فقد كتب أونتبيوس السرديسي Eunapius of Sardis تاريخاً عاما لذلك العصر من عام 270 إلى 400 جعل بطله جستنيان، وترجم لثلاث وعشرين من السوفسطائيين ورجال الأفلاطونية الحديثة ترجمة لا تخرج عما كان يدور على الألسنة من سيرهم. وقد ضاع هذا الكتاب ولم يبق له أثر. وكتب سقراط، وهو مسيحي من أهل القسطنطينية ومن أتباع الدين الرسمي فيها، تاريخ الكنيسة من عام 309 إلى 439 وهو كتاب دقيق نزره إلى حد كبير منا يدلنا على ذلك ما كتبه عن هيباشيا. ولكن المؤلف يحشو قصته بالخرافات والأقاصيص والمعجزات ويتحدث كثيراً عن نفسه كأنه يصعب عليه أن يفرق بين نفسه وبين العالم الذي يكتب عنه. ويختم كتابه بحجة طريفة يدعو بها إلى قيام السلام بين الشيع المختلفة، فيقول إنه إذا ساد السلام فلم يجد المؤرخون حسب ظنه شيئاً يكتبون عنه، فتنقرض لهذا السنن تلك الطائفة من الآسي(32). ومن الكتب الأخرى التي ألفت في ذلك العصر كتاب التاريخ الكنسيEcclesiastical History لسوزومن Sozemen ومعظمه منقول من سقراط. وكان سوزمن هذا رجلا فلسطينياً اعتنق الدين المسيحي، وكان كمن نقل عنه محامياً في العاصمة. ويبدو أن دراسة القانون لم تحل




صفحة رقم : 4373




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الأدب


بينه وبين الإيمان بالخرافات. وألف سوزموس Sozimus القسطنطيني حوالي عام 475 كتاباً في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية. وكان سوزموس هذا رجلاً وثنياً، ولكنه لم يخضع لما خضع له منافسوه المسيحيون من الأوهام والسخافات. وأشار ديونيسيوس إجزجيوس Dionysis Exiguus -أودِنس القصير -حوالي عام 525 بإتباع طريقة جديدة في تأريخ الحوادث تبدأ من السنة التي قيل إن المسيح ولد فيها. غير أن الكنيسة اللاتينية لم تقبل هذه الطريقة إلا في القرن العاشر، وظل البيزنطيون إلى آخر أيام دولتهم يؤرخون سنيهم من بدء خلق الدنيا. ألا ما أكثر الأشياء التي كانت معروفة في بواكير حضارتنا والتي خفيت عنا نحن في هذه الأيام!
وكان بروكبيوس هو المؤرخ العظيم الوحيد في هذا العهد. وقد ولد هذا الكاتب في قيصرية من أعمال فلسطين (490)، ودرس القانون، ثم انتقل إلى القسطنطينية وعين أميناً ومستشاراً لبليساريوس. وصحب ذلك القائد في حروبه في سوريا، وأفريقية، وإيطاليا، ثم عاد معه إلى العاصمة. ونشر في عام 550 كتب الحروب. وإذا كان قد عرف من صلته بالقائد والإمبراطور عظمة أول الرجلين، وبخل ثانيهما، فقد خلع عن بليساريوس ثوب البطولة البرّاق وترك جستنيان منزوياً في الظلام. وقابل الجمهور كتابه أحسن قبول، وسكت عنه الإمبراطور. وكتب بروكبيوس بعدئذ كتابه المعروف باسم الأنكدونا أو التاريخ السري، ولكنه أفلح في أن يبقيه دون أن ينشره أو يذيع ما فيه حتى طلب إليه جستنيان في عام 455 أن يكتب شيئاً عن الأبنية التي أنشئت أثناء حكمه. فأصدر بروكبيوس في عام 560 كتابه المسمى "الصروح De Aedfiicirs". وأسرف فيه في الثناء على الإمبراطور إسرافاً يحملنا على الضن بأن الإمبراطور قد شك في إخلاصه أو حسبه يسخر منه، ولم ينشر التاريخ السري إلا بعد وفاة




صفحة رقم : 4374




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الأدب


جستنيان- وربما بعد وفاة بروكبيوس نفسه أيضاً. وهو كتاب شيق ممتع يحتوي على فضائح شبيهة بما تكتب عن جيراننا، وإن كان التشنيع الأدبي على من لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم أمراً غير مستحب، وإن كان كل مؤرخ يجهد نفسه في إثبات بحث من البحوث لا يسعه إلا أن يمسخ الحقائق.
ولا تخلو كتب بروكبيوس من أخطاء في الأمور البعيدة عن تجاربه. فقد كان في الأحيان ينقل ما كتبه هيرودوت عن أخلاق معاصريه وفلسفتهم، وفي البعض الآخر ينقل خطب توكيديدز وحصار المدن في أيامه، وكان يشارك أبناء عصره في خرافاتهم، وسود صحف كتبه بأخبار النذر، والتنبؤات، والمعجزات، والأحلام. أما حين يكتب عما يشاهده فقد أثبتت الأيام صدقه. وكان شجاعاً فيما أقدم عليه من عمل عظيم، منطقياً في ترتيب مادته، يستحوذ على لب القارئ وانتباهه في قصصه، ولغته اليونانية واضحة خالية من الالتواء والتعقيد، وهي فصيحة لا تكاد في فصاحتها عن لغة اليونان الأقدمين.
وبعد فهل كان بوكبيوس مسيحياً ؟ فأما في الظاهر فنعَم، غير أننا نراه يردد أداء من ينسج منوالهم، كما نتبين في كتاباته جبرية الرواقية، وتشكك الأكاديمية. وهو يتحدث عن "طبيعة الحظ المعوجة المتمردة وإرادته التي لا ضابط لها. واعتقادي أن هذه أشياء لم يدركها عقل الإنسان في الماضي ولن يدركها قط في المستقبل. ومع هذا فالناس لا ينفكون يتحدثون كثيراً عن هذه الموضوعات ولا ينقطعون عن تبادل الآراء فيها...لأن كل واحد منها يبحث عما يدارى به جهله...ولهذا سأكون حصيف الرأي فألزم الصمت في مثل هذه الموضوعات، وكل ما أبغيه من هذا ألا أزعزع إيمان الناس بما يجلونه من العقائد القديمة"(33).




صفحة رقم : 4375




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الانتقال من الوثنية



الفصل الرابع




الفن البيزنطي




326-565




1- الانتقال من الوثنية


كانت أعظم مآثر الحضارة البيزنطية هي الإدارة الحكومية وفن الزخرفة : فقد أقاموا دولة دامت أحد عشر قرناً من الزمان، وأنشئوا أياصوفيا القائمة في هذه الأيام.
وكان الفن الوثني قد لفظ أنفاسه الأخيرة قبيل عهد جستنيان، وكان نصف ما خلفه من الآثار قد شُوَه أو هدم. فقد بدأ تخريب البرابرة، وانتهاء الأباطرة، وتدمير الأتقياء ورجال الدين، بدأ عمل هؤلاء وهؤلاء عهداً من الإتلاف المتعمد والإهمال دام حتى قام بترارك في القرن الرابع عشر يدافع عما بقى منه في أيامه. وكان من العوامل التي زادت أعمال التخريب اعتقاد الجماهير أن الآلهة الوثنية شياطين، وأن الهياكل مأواها. وأياً كانت عقيدة ذلك الوقت فقد كانوا يشعرون أن مواد هذه الآثار الفنية يمكن أن ينتفع بها على خير وجه في تشييد الكنائس المسيحية أو أسوار المنازل، وكثيراً ما كان الوثنيون أنفسهم يشاركون المسيحيين في أعمال التدمير. وقد بذل بعض الأباطرة، وخاصة هونوريوس وثيودوسيوس الثاني، كل ما في وسعهم لحماية المنشئات القديمة(34)، وأبقى المستنيرون من رجال الدين على البارثنون، وهيكلثسيوس، والبارثينون، وغيرها من الصروح بأن أعادوا تدشينها بوصفها أضرحة مسيحية.
وكانت المسيحية في بادئ الأمر ترتاب في الفن وتراه عماداًً للوثنية، وعبادة




صفحة رقم : 4376




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الانتقال من الوثنية


الأصنام، وفساد الأخلاق، وترى أن هذه التماثيل العارية لا تتفق مع ما يجب أن تحاط به البكورة والعزوبة من إجلال. ولما خيل إلى الناس أن الجسم أداة الشيطان، وأصبح الراهب مثل الرجولة الأعلى بدل الرجل الرياضي،اختفت من الفن دراسة التشريح، ولم يبق في فني النحت والتصوير إلا وجوه كئيبة وثياب لا شكل لها. فلما انتصرت المسيحية على الوثنية واحتاجت إلى صروح ضخمة تأوي عبادها المتزايدين، أخذت تقاليد الفن المحلية والقومية تثبت وجودها مرة أخرى، وارتفع فن البناء فوق الأنقاض. يضاف إلى هذا أن تلك الصروح الرحبة كانت تلح في طلب الزخرفة والزينة، وكان العابدون في حاجة إلى تماثيل للمسيح ومريم يقوى بها خيالهم، وإلى صور تحدث السذج الأميين عن قصة إلههم المصلوب. وهكذا ولدت فنون النحت والفسيفساء والتصوير من جديد.
ولم يكن الفن الجديد في روما إلا اختلافاً قليلاً عن الفن القديم. فقد انتقلت من الوثني إلى المسيحية متانة البناء، وبساطة الشكل، وطرز الباسلقا المعمدة. ومثال ذلك أن مهندسي قسطنطين خططوا كنيسة القديس بطرس الأولى بالقرب من ساحة الألعاب الحيوانية التي أنشأها نيرون على تل الفاتيكان، وجعلوا طولها380 قدماً وعضها 212. وقد ظلت هذه الكنيسة مدى اثني عشر قرناً أعظم كنائس المسيحية اللاتينية حتى هدمها برامنتي ليقيم في مكانها كنيسة أكبر منها هي كنيسة القديس بطرس الحالية. وأعاد فلنتيان الثاني وثيودوسيوس الأول بناء الكنيسة التي أقامها قسطنطين "للقديس بولس خارج الأسوار San Paolo fuori le mura " في المكان الذي قيل إن الرسول استشهد فيه. وهذه الكنيسة أقل أتساعاً من كنيسة القديس بطرس، فقد كان طولها أربعمائة قدم وعرضها مائتين . ولا تزال كنيسة القديس قنسطنزا Santa Constanza التي أقامها




صفحة رقم : 4377




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الانتقال من الوثنية


قسطنطين ضريحاً لأخته قنسطنطيا في معظم أجزائها بالصورة التي كانت عليها وقت بنائها في 326-330، وأعيد بناء كنائس سان جيوفني San Geovanni في لترانا Latrana وسانتا ماريا في ثرستفيري Trastevre "وسان لورنزو خارج الأسوار" في خلال قرن بعد أن بدأها قسطنطين، وأعيد بناؤها مراراً كثيرة من ذلك الحين. وأنشئت كنيسة سانتا ماريا مجيوري Santa Maria Maggiore في عام 432 على غرار أحد الهياكل الوثنية. ولا يزال صحنها في جوهره كما كان منذ إنشائها إذا استثنينا ما حلى به من النقوش في أيام النهضة.
ولا يزال طراز الباسلقا من ذلك الوقت حيى الآن الطراز المحبب في الكنائس المسيحية؛ ذلك بأن اعتدال نفقاته وجلال بساطته، وتناسق بنائه، وعظيم متانته قد جعلته محبباً إلى الناس في جميع الأجيال. وتناسق لم يتقبل في يسر إدخاله عليه من التطور والتغيير، ولهذا بدأ البناءون الأوربيون يتلفتون حولهم ليبحثوا عن آراء هندسية جديدة حتى وجدوها في بلاد الشرق، بل وجدوها أيضاً في اسبالاتو Spalato المركز الأدرباوي الأمامي لبلاد الشرق. ففي هذا المكان القائم على ساحل دلماشيا أطلق دقلديانوس كامل الحرية لفنانيه، وعهد إليهم أن يجربوا كافة الوسائل التي تمكنهم من أن يقيموا له قصراً يلجأ إليه إذا أراد الاستجمام من عناء الحكم؛ وفيه أحدث أولئك الفنانون انقلاباً كبيراً في العمارة الأوربية. ففيه كانت الأقواس ترفع مباشرة من تيجان الأعمدة، وليس بينها وبين تلك التيجان عوارض؛ وهكذا مهدت السبيل بخطوة إلى الطرز البيزنطية، والرومانية، والقوطية. وفي هذا القصر أيضاً استبدلت بالأفاريز ذات الصور والتماثيل زخرفة عجيبة من الخطوط المتعرجة، التي تنفر منها عيون الأقدمين والتي ألفها الشرق من زمن بعيد. وبذلك كانت اسبلاتو هي النذير الأول بأن




صفحة رقم : 4378




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الانتقال من الوثنية


أوربا لم يغلبها على أمرها دين شرقي فحسب، بل سيغلبها كذلك فن شرقي إن لم يكن في جميع أنحائها ففي العالم البيزنطي على الأقل.




صفحة رقم : 4379




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الفنانون البيزنطيون



2- الفنانون البيزنطيون


نرى من أين جاء إلى القسطنطينية ذلك الفن ذو اللون الفذ، البراق المقبض الذي نسميه الفن البيزنطي؟ ذلك السؤال ثار فيه الجدل بين علماء الآثار بقوة لا تكاد تنقص عن قوة الجنود المسيحيين في حروبهم، وكان النصر النهائي في هذه المعركة الكبرى لبلاد الشرق. وتفصيل ذلك أنه حين قويت سوريا وآسية الصغرى بفضل ما حدث فيهما من تقدم صناعي، وحين ضعفت روما بسبب الغزو الأجنبي، ارتد التيار الهلنستي الذي اندفع نحو الشرق إثر فتوح الإسكندر من آسية إلى أوربا، وتلاقت في بيزنطية مؤثرات الفن الشرقي المنصبة من فارس الساسانية، وسوريا النسطورية، ومصر القبطيةـ ووصلت هذه المؤثرات إلى إيطاليا، بل تعدتها إلى غالة، وتخلى الفن اليوناني الممثل للطبيعة عن مكانه إلى الفن الشرقي ذو الزخارف الرمزية. وكان الشرق يفضل الألوان عن الخطوط والأقواس والقباب عن السقف الخشبي. والزينة الكثيرة عن البساطة الصارمة، والأثواب الحريرية الفخمة عن الجبة التي لا شكل لها. وكما أن دقلديانوس وقسطنطين قد اتخذا في نظم الحكم أشكال الملكية الفارسية، فكذلك شرع فن القسطنطينية يغض النظر شيئاً فشيئاً عن الغرب الذي ألقى الآن بنفسه في أحضان البربرية، وأخذ يرنو ببصره إلى آسية الصغرى وأرمينية، وفارس، وسوريا، ومصر. ولعل انتصار جيوش الفرس في عهد شابور الثاني وكسرى أنوشروان قد عجل خطوات البواعث والأساليب الشرقية. وكانت الرها ونصيبين في ذلك الوقت مركزين مزدهرين من مراكز ثقافة ما بين النهرين، وهي الثقافة التي




صفحة رقم : 4380




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الفنانون البيزنطيون


مزجت العناصر الإيرانية، والأرمنية، والكبدوكية والسورية(35)، ونقلها التجار، والرهبان، والفنانون إلى إنطاكية، والإسكندرية، وإفسوس، والقسطنطينية، ثم نقلوها أخيراً إلى رافنا وروما، فكادت النظم اليونانية والرومانية القديمة تفقد قيمتها في هذا العالم المعماري الجديد، عالم العقود والأقواس، والقباب.
ولما اتخذ الفن البيزنطي هذه الصورة الجديدة عمل على نشر العقائد المسيحية وإظهار مجد الدولة. فأخذ يقص على الثياب والقماش المزركش، وفي نقوش الفسيفساء ورسوم الجدران، حياة المسيح وأحزان مريم، وأعمال الرسل والشهداء الذين تضم الكنائس عظامهم؛ أو دخل بلاط الأباطرة، وزين قصر الإمبراطور، وغطى ملابس الموظفين بصورة رمزية أو رسوم تاريخية وخطف أبصار رعاياه بالملابس الزاهية الكثيرة الألوان، وانتهى أمره بأن صورة المسيح ومريم في صورتي إمبراطور وملكة. ذلك أن الفن البيزنطي لم يكن له كثير من المؤيدين يختار من بينهم من يناصره، ولهذا لم يكن له مجال واسع يختار منه موضوعاته وطرازه، فكان الإمبراطور أو البطرق هو الذي يحدد له ما يعمل ويبين له طريق العمل، وكان الفنانون يعملون جماعات، ولهذا قلما يذكر التاريخ أسماء فنانين أفراداً، ولكنهم أتوا بالمعجزات في بهاء الألوان؛ وكان الفنان يرفع من شأن الناس أو يحط من قدرهم بمستحدثاته الرائعة؛ ولكن هذه المنزلة اقتضته استمساكاً بالأشكال والأنماط المتبعة، وضيقاً في المجال، وجموداً في خدمة ملك مطلق التصرف ودين لا يقبل التغيير.
وكان تحت تصرفه مواد كثيرة يستخدمها في عمله، كانت لديه محاجر الرخام في بروكنسوس Procnnesus، وأتكا، وإيطاليا؛ وكانت لديه عمد وتيجان ينتهبها من كل هيكل وثني قائم، وكان لديه الآجر يكاد ينمو كالنبات في الأرض التي تجففها الشمس. وكان أكثر ما يعمل فيه الآجر المثبت بالملاط؛ ذلك أنه




صفحة رقم : 4381




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الفنانون البيزنطيون


كان يسهل استخدامه في الأشكال المنحنية التي فرضتها عليه الأنماط الشرقية. وكثيراً ما كان يقنع بالشكل الصليبي - شكل الباسلقا ذات الجناحين التي تستطيع حتى تنتهي بقباء. وكان في بعض الأحيان يقطع الباسلقا فيجعلها مثمنة الجوانب كما فعل في كنيستي القديسين سرجيوس وباخوس في القسطنطينية، أو في كنيسة فينالي في رافانا. ولكن الطراز الذي برع فيه وبز فيه جميع الفنانين الذين سبقوه أو جاءوا بعده هو القبة المستديرة المقامة على هيكل كثير الأضلاع. وكانت الطريقة التي اتبعها للوصول إلى هذه الغاية هي إنشاء قوس أو نصف دائرة من الآجر فوق كل ضلع من أضلاع السطح المتعدد الزوايا والأضلاع، ثم إقامة مثلث دائري من الآجر متجه إلى أعلى وإلى الداخل بين كل نصف دائرة، ثم بناء قبة فوق الحلقة المستديرة الناشئة من هذا كله. وكانت المثلثات الدائرية تبدو متدلية من حافة القبة إلى قمة المضلع، وبهذا ربعت الدائرة من الوجهة المعمارية، وبعد هذا كاد طراز الباسلقا أن يختفي من الشرق.
وقد أفاء البَنّاء البيزنطي على هذا البناء من الداخل ما أسعفته به عشرات الفنون المختلفة. وقلما كان يستخدم التماثيل لهذا الغرض، ذلك أنه لم يكن يريد أن يصور رجالاً ونساء،بل كان يعمل لخلق جمال مجرد من الصور الرمزية. ولكن المثالين البيزنطيين كانوا رغم هذا القيد عمالاً يمتازون بالكفاية والصبر وسعة الحيلة. وقد نحتوا التاج "الثيودوسي" للعمد بأن جمعوا بين "آذان" النمط الأيوني، وأوراق النمط الكورنثي؛ وكأنهم أرادوا أن يجعلوا هذه الوفرة من الطرز أشمل وأعم، فحفروا على هذا التاج المركب أجمة من النبات والحيوان. وإذ كانت نتيجة هذا لا تتناسب مع الجدران أو الأقواس فقد وضعوا بينها وبين التاج عصابة مربعة وعريضة من أعلاها، ومستطيلة وضيقة نوعاً عند قاعدتها، ثم حفروا على توالي الأيام أزهاراً على هذه العصابات نفسها. وهنا أيضاً كانت الغلبة للفرس غلى اليونان، كما للأولين في مربع القمة. ثم طلب إلى




صفحة رقم : 4382




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الفنانون البيزنطيون


المصورين أن يزينوا الجدران بصور نثبت عقيدة الناس أو ترهبهم؛ ووضع عمال الفسيفساء مكعباتهم المتخذة من الحجر أو الزجاج الملون البراق فوق أرضية زرقاء أو ذهبية، وزينت الأرض والجدران، أو مذابح الكنائس، أو ما بين العقود، أو أي جزء من البناء لا تطيق عين الشرقي أن تراه خالياً من الزخرف. وكان الصناع يزينون الملابس، والمذابح، والعمد، والجدران بالجواهر والأحجار الكريمة؛ وصناع المعادن يضعون فيها صفائح الذهب والفضة؛ وصناع الخشب ينقشون المنابر وأسوار المحاريب، والنساجون يعلقون الأنسجة المزخرفة على الجدران ويفرشون الأرض بالطنافس، ويغطون المذابح والمنابر بالأقمشة المطرزة وبالحرير. ولم يذكر التاريخ قبل ذلك العهد فناً أوتي ما أوتيه الفن البيزنطي من وفرة الألوان، ودقة الرموز، وغزاة الزينة؛ وقدرة على تهدئة الذهن وتنبيه الروح.




صفحة رقم : 4383




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> أيا صوفيا



3- أيا صوفيا


ولم تكن العناصر اليونانية والرومانية، والشرقية، والمسيحية قد أتمت امتزاجها ليكون منها الفن البيزنطي قبل عهد جستنيان. فلقد أتاحت له فتنة نيقا Nika، كما أتاح حريق روما لنيرون من قبل، فرصة بناء عاصمته من جديد. ذلك أن الغوغاء في لحظة من لحظات نشوة الحرية أحرقوا دار مجلس الشيوخ، وحمامات زيوكسبوس Zeuxippus وأروقة الأوغسطيوم، وجناحا من أجنحة القصر الإمبراطوري، وأياصوفيا كنيسة البطريق الكبرى، وكان في وسع جستنيان أن يعي بناء هذه كلها حسب تخطيطها القديم فلا يتطلب هذا منه أكثر من عام أو عامين. لكنه لم يفعل هذا وصمم على أن في بنائها مزيداً من الوقت والمال وأن يستخدم في هذا البناء عدداً كبيراً من الرجال، وأن يجعل عاصمة ملكه أجمل من روما، وأن يقيم فيها كنيسة لا يدانيها صرح آخر




صفحة رقم : 4384




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> أيا صوفيا


في العالم كله. وكانت بداية عمله أن وضع في ذلك الوقت منهجاً للأبنية أوسع وأعظم من أي منهج آخر وضع لها في التاريخ: وكان هذا المنهج يَشمل حصوناً، وقصوراً وأديرة، وكنائس، وأروقة معمدة، وأبواباً أقيمت في جميع أنحاء الإمبراطورية. ففي القسطنطينية أعاد بناء مجلس الشيوخ من الرخام الأبيض، وشاد حمامات زيوكسبوس من الرخام المتعدد الألوان، وبنى رواقاً معمداً من الرخام، ومتنزهاً في الأوغسطيوم، ونقل الماء العذب إلى المدينة في قناة مبنية جديدة تضارع أحسن ما وجد من القنوات في إيطاليا. أما قصره فلم يكن يعلو عليه قصر آخر في البهاء والترف. فقد كانت أرضه وجدرانه من الرخام، وسُقُفه تقض بالفسيفساء البراقة ما ناله من النصر في أيام حكمه، وتصور الشيوخ في حفلاتهم يقدمون للإمبراطور مظاهر الإجلال والتعظيم التي "لا تكاد تقل عما يقدم منه لله"(36)، وبني على الجانب الآخر من البسفور، بالقرب من خلقيدون مسكناً صيفياً لثيودورا وحاشيتها هو قصر هريون الذي كان له مرفؤه، وسوقه، وكنيسته وحماماته الخاصة به.
وبعد أربعين يوماً من خمود نار الفتنة نيقا بدأ يبني كنيسة أياصوفيا الجديدة. ولم يقمها إلى قديسة تحمل ذلك الاسم، بل أقامها إلى المقدسة صوفيا Hagia Sophia أو الحكمة المقدسة، أو العقل الخلاق، أو إلى الله نفسه. وأستدعى لهذا الغرض من ترالبس في آسية الصغرى، ومن ميليتس الأيونية، أنثميوس وأزدور أعظم المهندسين الأحياء، ليضعا رسوم البناء ويشرفا على تشييده. ولم يتبع المهندسان شكل الباسلقا التي جرت عليه التقاليد، بل وضعا للبناء تصميماً تكون صرته قبة واسعة لا ترتكز على جدران بل على أكتاف ضخمة، وتسندها نصفا قبتين من كلا الجانبين. واستخدم في العمل عشرة آلاف عامل، وأنفق عليه 320.000 رطل من الذهب (134.000.000 دولار أمريكي) وهو كل ما كان في خزانة الدولة، وأمر حكام الولايات بأن يبعثوا إلى الكنيسة الجديدة بأجمل ما بقي من




صفحة رقم : 4385




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> أيا صوفيا


المخلفات القديمة، وجئ بعشرات الأنواع والألوان من الرخام من مختلف الأقطار وصبت في النقوش والزينات مقادير هائلة من الذهب، والفضة، والعاج، والأحجار الكريمة. واشترك جستنيان نفسه اشتراكاً عملياً في تخطيط البناء وإقامته، وكان له نصيب غير قليل (كما يقول المؤرخ المداهن الساخر) في حل ما يعترض العمل من المشاكل الفنية. فكان يتردد عليه في كل يوم وعليه ثياب بيض، وفي يده عصا طويلة، وعلى رأسه منديل، يشجع العمال ويحثهم على العمل ويتموه في موعده المقرر. وتم بناء الصرح العظيم في خمس سنين وعشرة أشهر؛ وفي اليوم السادس والعشرين من شهر ديسمبر من عام 537 أقبل الإمبراطور والبطريق ميناس يتقدمان موكباً مهيباً لافتتاح الكنيسة المتلألئة الفخمة. وسار جستنيان بمفرده إلى المنبر ورفع يديه إلى السماء ونادى قائلاً: "المجد لله الذي رآني خليقاً بأن أتم هذا العمل! الجليل! أي سليمان! لقد انتصرت عليك!".
وقد خط البناء على شكل صليب يوناني طوله 250 قدماً وعرضه 225، وغطى كل طرف من أطرافه بقبة صغرى، وقامت القبة الوسطى على المربع (البالغ 100 قدم × 100) والمكون من الضلعين المتقاطعين، وكانت ذروة القبة تعلو عن الأرض مائة قدم وثمانين قدماً. وقطرها مائة قدم -أي أقل من قطر قبة البنثيون في روما باثنتين وثلاثين قدماً. وكانت هذه القبة الثانية قد صبت من الأسمنت المسلح قطعة واحدة مصمتة، أما قبة أياصوفيا فقد بنيت من الآجر في ثلاثين سطحاً تلتقي كلها في نقطة واحدة- وهو طراز أضعف من الطراز الأول . وليست ميزة هذه القبة في حجمها بل في دعائمها: فهي لا تقوم على بناء دائري كما تقوم قبة البنثيون بل على أربطة من أعلاها، وعلى عقود




صفحة رقم : 4386




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> أيا صوفيا


بين حافاتها المستديرة وقاعدتها المربعة. ولم تحلّ هذه المشكلة المعمارية قبل ذلك الوقت حلاً أكثر توفيقاً من هذا. وقد وصف بروكبيوس القبة بأنها "عمل مجيد يبعث الروعة في النفوس... وهي لا تبدو قائمة على ما تحتها من البناء بل تبدو كأنها معلقة بسلسة من الذهب في أبراج السماء"(37).
وأما من الداخل فكانت الكنيسة صورة رائعة من الزخرف البراق. فقد كانت أرضها وجدرانها من المرمر المتعدد الألوان: أبيض، وأخضر، وأحمر، وأصفر، وأرجواني، وذهبي. وأقيم منه كذلك طابقان من العميد يخيل إلى إليها أنها حديقة من الأزهار. وكانت تيجان العمد، والعقود وما بينهما، والأفاريز، والطنف مغطاة بنقوش على الحجارة مكونة من أوراق الأكنثوس والكرم. وكان يطل من الجدران والقباب فسيفساء لا مثيل لها في روعتها وسعتها. وكانت تضيئها أربعون ماثلة من الفضة معلقة من حافة القبة تضاف إلى ما فيها من النوافذ الكثيرة. وإن ما يحس به الناظر إلى هذه الكنيسة من سعة تبعثها في نفسه أجنحتها الطويلة، وبنائها الرئيسي، والفضاء الخالي من العمد تحت القبة الوسطى، وما في حظارها الفضي المواجه للقباء من زخارف معدنية، والحظار المعدني الجميل الذي في الإيوان الأعلى، والمنبر المرصع بالعاج والفضة والحجارة الكريمة، وعرش البطريق المصنوع من الفضة المصمتة، والسجف المنسوجة من خيوط الحرير والفضة، والتي ترتفع فوق المذبح وعليها صورتا الإمبراطور والإمبراطورة تتلقيان بركات المسيح ومريم؛ والمذبح الذهبي اللون المصنوع من الرخام النادر الوجود وعليه الأواني المقدسة من الفضة والذهب -وهو بعض ما في الكنيسة من زخرف وزينة- ليجل عن الوصف، ولو أن جستنيان قد تباهى به أباطرة المغول من بعده، وهو أنهم كانوا يبنون كما يبني الجبابرة، ويزينون مبانيهم كما يزينها الصباغ، لكان على حق في مباهاته.
وكانت أياصوفيا بداية الطراز المعماري البيزنطي وخاتمته في آن واحد.




صفحة رقم : 4387




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> أيا صوفيا


وكان الناس في كل مكان يسمونها "الكنيسة الكبرى" وحتى بروكبيوس المتشكك نفسه تحدّث عنها حديث الرجل المرتاع فقال: "إذا دخل الإنسان هذه الكنيسة للصلاة، أحس بأنها ليست من أعمال القوى البشرية... ذلك أن الروح ترقى إلى السماء تدرك أن الله هنا قريب منها؛ وأنه يبتهج بهذا اليوم، بيته المختار" .




صفحة رقم : 4388




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> من القسطنطينية إلى رافنا



4- من القسطنطينية إلى رافنا


كانت أياصوفيا أجلّ ما قام به جستنيان من الأعمال، وكانت أبقى على الدهر من فتوحه أو قوانينه، ولكن بروكبيوس يصف أربعاً وعشرين كنيسة أخرى بناها جستنيان أو أعاد بناءها في عاصمة ملكه. ويقول: "لو رأيت كنيسة منها بمفردها لحسبت أن الإمبراطور لم يبْن كنيسة سواها بل قضى سني حكمه جميعها في بنائها وحده"(3). وظلت حمى البناء منتشرة في جميع أنحاء الإمبراطورية طوال حياة جستنيان، حتى كان القرن السادس وهو بداية العصور المظلمة في الغرب من أكثر العصور ازدهاراً في تاريخ العمارة في الشرق. فكانت ألف كنيسة في إفسوس، وإنطاكية، وغزة، وبيت المقدس، والإسكندرية، وسلانيك، ورافنا، ورمة، واللاد الممتدة من كرش في بلاد القرم إلى الصفاقس في شمالي أفريقية، تحتفل بانتصار المسيحية على الوثنية، وبالطراز الشرقي-البيزنطي على الطراز اليوناني-الروماني. وحلّت العقود والقباب محل الأعمدة الخارجية، والعوارض، والقواصر، والطنف. وازدهرت في سوريا




صفحة رقم : 4389




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> من القسطنطينية إلى رافنا


نهضة حقه في القرن الرابع، والخامس، والسادس؛ فكانت مدارسها القائمة في إنطاكية، وبيروت، ونصيبين، تخرج العدد الجم من الخطباء، والمحامين، والمؤرخين، والخارجين على الدين. وبرع صنّاعها في أعمال الفسيفساء، والنسيج، وجميع الفنون الزخرفية، وشاد مهندسوها مائة كنيسة زينها مثّالوها بما لا حصر له من النقوش البارزة.
وكانت الإسكندرية المدينة الوحيدة في الإمبراطورية التي كان ازدهارها متصلاً لم ينقطع أبداً. ذلك أن مؤسسها قد اختار لها مكاناً يكاد يرغم عالم البحر المتوسط على استعمال مرافئها وزيادة تجارتها. ولم تبق الأيام على شيء مما أقيم فيها من عمائر في تاريخها القديم أو في أوائل العصور الوسطى، ولكن ما بقى من أعمالها في المعادن، والعاج، والخشب، والتصوير، متفرقاً في أماكن مختلفة يوحي بأن أهلها قد بزوا غيرهم في الشهوانية، والحمية الدينية. وكان الطراز الشرقي في عهد جستنيان هو الطراز الغالب في فن العمارة القبطي الذي بدأ بالباسلقا الرومانية.
وبدأ مجد رافنا المعماري بعد أن اتخذها هونريوس عاصمة الإمبراطورية الغربية في عام 404 بزمن قليل. وعم الرخاء المدينة في الفترة الطويلة التي كانت فيها جلا بلاسيديا Galla Placidia نائبة عن الإمبراطور، وكانت صلتها الوثيقة بالقسطنطينية سبباً في قدوم الصنّاع الشرقيين، واختلاطهم بالمهندسين الإيطاليين: وفي دخول الأنماط الشرقية وامتزاجها بالأشكال الإيطالية. وظهر فيها الطراز الهندسي الشرقي المؤلف من قبة مقامة على قاعدة ذات شكل صليبي منذ عام 450 في الضريح الذي لقيت فيه بلاسيديا ربها؛ ولا يزال في وسعنا أن نرى فيه النقش الفسيفسائي الذائع الصيت الذي يمثل المسيح في صورة الراعي الصالح. وفي عام 458 أضاف الأسقف نيون Neon إلى مكان التعميد المقبب في باسلقا أرسيانا Basilica Ursiana سلسلة من قطع الفسيفساء من بينها صورة مفردة




صفحة رقم : 4390




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> من القسطنطينية إلى رافنا


للرسل. وساد ثيودريك حوالي عام 500 كنيسة كبرى سماها باسم القديس ابلينارس الذي يقال إنه مؤسس العشيرة المسيحية في رافنا. وهنا يظهر على الفسيفساء التي طبقت شهرتها آفاق العالم للقديسون ذوو الثياب البيض في وقارهم الشديد الذي ينبئ ببداية الطراز البيزنطي.
وكان استيلاء بليساريوس على ارفنا من الأسباب التي عجلت بانتصار الفن البيزنطي في إيطاليا. وسرعان ما تمت كنيسة سان فينالي San Vitale (547) في عهد جستنيان وثيودورا، اللذين وهباها المال اللازم لتزيينها، كما وهباها أيضاً وجهيهما غير الجذابين لينقشا على جدرانها. وما من شك في أن الإمبراطور قد أوتي حظاً كبيراً من الشجاعة إذ أجازا أن تنقل صورتهما إلى الخلف. ومواقف أولئك الحكام، والقساوسة، والخصيان تنبئ كلها عن صلابة وحدة في الطباع، وفي مظهرهما الأمامي الجامد ليعد انقلاباً في الصور التي كنا نشهدها قبل عصور اليونان والرومان الأقدمين. وأثواب النساء كثيرة الزركشة تعلن انتصار نقوش الفسيفساء، ولكننا لا نجد هنا رشاقة مواكب البارثنون للمرحة والسعادة، أو نصب السلام لأغسطس أو ما نشاهده في الصور المنقوشة على أبواب شارترز وريمز من نبل ورقة.
وبعد عامين من افتتاح كنيسة سان فيتال افتتح أسقف رافنا كنيسة سانت ابلناري في كلاس Class وهي ثاني كنيسة أقيمت لهذا القديس راعي المدينة؛ وكان موضعها في ضاحيتها التي على شاطئ البحر، والتي كانت في وقت ما قاعدة الأسطول الروماني على البحر الأدرياوي. ونشاهد فيها التصميم الباسلقي الروماني القديم، ولكن تيجان الأعمدة المختلطة الأشكال تظهر عليها مسحة بيزنطية تنم عنها أوراق الأقنتا الملفوفة الملتوية على خلاف ما كان يظهر في الأنماط اليونانية والرومانية القديمة، كأنما هبت عليها ريح شرقية. وإن ما في هذه الكنيسة من




صفحة رقم : 4391




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> من القسطنطينية إلى رافنا


صفوف الأعمدة الكاملة الطويلة، وفي حليات العقود والمثلثات المحصورة بينها من فسيفساء زاهية (من القرن السابع)، وما في موضع المرنمين من لوحات جميلة من المصيص، وما في الصليب القائم في القبا من الجواهر مرصعة بها أرضية من النجوم في الفسيفساء، إن في هذا كله ما يجعل هذه الكنيسة من أشهر كنائس شبه الجزيرة التي تكون كلها معرضاً عظيماً الفنون الجميلة.




صفحة رقم : 4392




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الفنون البيزنطية



5- الفنون البيزنطية


لقد كان فن العمارة أروع ما خلفه الفنان البيزنطي، ولكنه كان في ثناياه أو من حوله فنون أخرى كثيرة نبغ فيها نبوغاً خليقاً بالتنويه. نعم إنه لم يكن يعنى بالنحت المجسم، وأن مزاج العصر كان يفضل الألوان على الخطوط، ولكن بروكبيوس يثني على المثالين في ذلك العصر، وأكبر الظن أنه يعني بهم أصحاب النقش البارز، ويقول إنهم لا يقولون مهارة عن فدياس وبركستليز، وإنا لنجد على بعض التوابيت الحجرية المصنوعة في القرن الرابع والخامس والسادس صوراً آدمية منحوتة تكاد تضارع الرشاقة الهلينية، مختلطة بها كثير من نقوش الزينة الآسيوية. وكان النقش على العاج من الفنون المحببة إلى البيزنطيين، وكانوا يصنعون منه ألواحاً ذات طيتين أو ثلاث طيات، ويجلدون به الكتب، ويصنعون منه العلب، وصناديق العطور، والتماثيل الصغيرة، ويطعمون به التحف ويزينون به ما لا يحصى من الأشياء. وقد بقيت الفنون الهلنستية في هذه الصناعة لم يمسها سوء، وكل ما حدث فيها أنها استبدلت المسيح والقديسين بالآلهة والأبطال. وإن الكرسي العاجي الذي كان يجلس عليه الأسقف مكسميان في الباسلقا أرسيا Basilica Ursiana (حوالي 550) ليعد تحفة عظيمة في فن من الفنون الصغرى.
وبينا كان الشرق يجري التجارب على الرسم بألوان الزيت(40)،




صفحة رقم : 4393




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الفنون البيزنطية


كان التصوير البيزنطي لا يزال مستمسكاً بالأساليب اليونانية التقليدية كتثبيت ألوان الرسوم بالحرارة -بحرق الألوان في سطوح الخشب، والخيش ونسيج التل؛ وكالمظلمات يصنعونها بخلط الألوان بالجير ووضعها على سطوح من الجبس المبلل، ومزج اللون بمحلول الماء والصمغ أو الغراء وبزلال البيض ثم وضعها على المربعات الخشبية أو على الجبس بعد أن يجف. وقد عرف الرسام البيزنطي كيف يمثل البعد والعمق، ولكنه كان يهرب عادة من صعاب النظور بأن يملأ خلفية الصورة بالمباني والسجف. وقد أخرج عدداً كبيراً من اللوحات المصورة، ولكنها لم يبق منها إلا القليل. وكانت جدران الكنائس تزدان بالرسوم، وتدل القطع الباقية منها على الواقعية غير المتقنة كالأيدي العديمة الشكل، والأجسام الصغيرة، والوجوه الشاحبة. والشعر المصفف تصفيفاً غير معقول.
وقد برع الفنان البيزنطي في الأشياء الدقيقة وأظهر فيها مرحه وظرفه. وليست روائع التصوير الباقية إلى هذا اليوم من أعماله هي رسوم الجدران أو اللوحات الكثيرة، بل هي الرسوم الصغرى ذات الألوان البراقة التي كان يزين بها ما ينشر من الكتب في عصره. ذلك أن الكتب كانت كثيرة النفقات في ذلك العصر، ولهذا كانت تحلى كما تحلى غيرها من الأشياء النفيسة. وكان الفنان يبدأ عمله هذا برسم ما يريده من الحليات على البردي أو الرق أو الجلد بفرشاة دقيقة أو قلم، ثم يضع أرضية تكون عادة ذات لون ذهبي أو أزرق، ثم يضع ما يريده من الألوان، ثم يزين الأرضية والحواشي بأشكال رشيقة دقيقة. وكان في بادئ الأمر يقتصر على تحسين الحرف الأول من كل فصل أو صفحة؛ وكان يحاول في بعض الأحيان أن يرسم صورة للمؤلف، ثم انتقل بعدئذ إلى توضيح النصوص بالصور؛ فلما تقدم فنه آخر الأمر كاد ينسى النص ويملأ الكتاب بالزخارف ويبينها على أساس هندسي أو رمزي ديني يكرر بأشكال مختلفة بخطئها




صفحة رقم : 4394




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الفنون البيزنطية


الحصر، حتى تصبح الصفحة كلها وكأنها صورة واحدة بديعة من الألوان والخطوط كأن النص دخيل عليها من عالم أكثر منها خشونة.
وكانت زخرفة المخطوطات مألوفة في مصر أيام الفراعنة والبطالمة، ثم انتقلت منها إلى بلاد اليونان الهلنستية وروما. وتحتفظ الفاتيكان بإنياذة، والمكتبة الأمبروزية في ميلان بإلياذة؛ تعزى كلتاهما إلى القرن الرابع؛ وهما مزدانتان زينة يونانية ورومانية قديمة، ويبدو الانتقال من الزخرفة الوثنية إلى المسيحية واضحاً في الطبوغرافية المسيحية لصاحبها كزماس انديكبلوستيز Cosmas Inalccplenstes (حوالي 547). وقد نال لقبه هذا "إنديكلبوستير" لأنه سافر إلى الهند بحراً، كما نال شهرته لأنه حاول أن يثبت أن الأرض مستوية. وأقدم كتاب ديني مزخرف باق إلى هذا اليوم هو سفر التكوين المكتوب في القرن الخامس والمحفوظ الآن في مكتبة فينا. والنص مكتوب بحروف من الفضة والذهب على أربع وعشرين "ورقة" من الجلد الأرجواني الرقيق. ويحتوي على أربعة وعشرين زخرفاً بيضاء وخضراء، وبنفسجية، وحمراء، وسوداء، تصور قصة الإنسان من سقوط آدم حتى موت يعقوب. ولا يقل عنه جمالاً الملف الصغير لكتاب يوشع المحفوظ في الفاتيكان وكتاب الأناجيل الذي زخرفه الراهب رابولا Rabula في أرض الجزيرة في عام 586. ومن أرض الجزيرة وسوريا جاءت الصور والرموز التي كانت لها الغلبة في الكتابة التصويرية التي ذاعت في العالم البيزنطي. وقد تكررت هذه الكتابة في الفنون الصغرى واتخذت لها ألف شكل وشكل حتى ثبتت وأصبحت تقليداّ وعرفاً متبعاً، وكان لها نصيب موفور في جمود الفن البيزنطي.
وإذا كان المصور البيزنطي مولعاً بالتصوير البراق الدائم فقد اتخذ الفسيفساء وسيلته إلى هذين الفرضين. ومن أجل هذا اختار الأرض حجراته مربعات من




صفحة رقم : 4395




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الفنون البيزنطية


الرخام الملون كما يفعل المصريون واليونان والرومان من قبله أما السطوح الأخرى فكان يستخدم فيها مكعبات من الزجاج أو الميناء من جميع الألوان ومختلف الحجوم، ولكن سطحها في العادة كان يبلغ 1slash8 بوصة مربعة. وكانت الحجارة الثمينة تختلط أحياناً بالمكعبات، وكثيراً ما كانت الفسيفساء تستخدم في صنع الصور الصغيرة والنصمات التي توضع في الكنائس أو البيوت. أو تحمل في الأسفار عوناً لأصحابها على الزمن ودليلاً على التقي والخشوع. غير أن صانع الفسيفساء كان يفضل على هذه الصور الصغرى مجالاً أوسع هو جدران الكنائس والقصور. فكان في مرسمه يجرب وضع المكعبات على قطعة من الخيش عليها رسم ملون. وهنا كان يجهد عبقريته الفنية ليضع تحت يده الألوان المدرجة الذائبة بعضها في بعض كما يجب أن يراها الناظر من بعيد. وفي هذه الأثناء كانت طبقة من الأسمنت الغليظ، ثم طبقة أخرى من الأسمنت الرقيق توضعان على السطح المراد تغطيته. ثم يأتي صانع الفسيفساء ويضغط مكعباته في هذا القالب على غرار النموذج الذي وضعه لنفسه فوق الخيش، وقد جرت عادته على أن يضع حافاتها المقطوعة إلى الأمام لكي يقع عليها الضوء. وكان يفضل السطوح المنحنية كسطوح القباب، وأنصاف القباب الشبيهة بالأصداف لأنها تمتص في أوقات مختلفة بزواياها المختلفة أنواعاً عدة من الأضواء المطلة. ومن هذا الفن الشاق الذي يتطلب المهارة والجلد ألهم الفن القوطي في مستقبل الأيام غير قليل من فن تلوين الزجاج.
وقد ورد ذكر هذا الزجاج الملون في النصوص الباقية من لقرن الخامس ولكن شيئاً منه لم يبق حتى الآن، ويبدو أن صبغته كانت من خارجه لم تمزج فيه مزجاً(41). وكان صنع الزجاج بالنفخ وتقطيعه قد مضى عليهما الآن ألف عام




صفحة رقم : 4396




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الفنون البيزنطية


وكانت سوريا، أقدم مواطن الصناعيين، لا تزال مركزاً من مراكزهما. وكان فن الحفر على المعادن الثمينة والحجارة الكريمة قد انحط بعد أيام أورليوس؛ ولهذا نرى الجواهر، والنقود، والأختام البيزنطية غير دقيقة الشكل والصناعة. لكن الصناع مع هذا كانوا يبيعون منتجاتهم لكل طبقة من الطبقات تقريباً، لأن البيزنطيين كانوا مولعين أشد الولع بالحلي. وكانت محال صنع التحف الذهبية والفضية كثيرة العدد في العاصمة؛ كما كانت الحقائق والأقداح، وعلب المخلفات المصنوعة كلها من الذهب تزدان بها كثير من مذابح الكنائس؛ وكانت الصاف الفضية تغطي موائد ذوي اليسار.
وكان في كل بيت، بل يكاد يكون لدى كل شخص، شيء من النسيج الرقيق. وكانت لمصر الزعامة في هذا الميدان بما كان فيها من منسوجات رقيقة، متعددة الألوان، مزدانة بالصور، تصنع منها الثياب، والستر، وأغطية الفراش، وكان قبط مصر سادة هذه الميادين. وتكاد بعض الأقمشة المصرية التي كانت تزدان بها الجدران في تلك الأيام تضارع من الناحية الفنية أقمشة الجوبلين Goblins(42) كان النساجون البيزنطيون ينسجون الحرير المطرز، والثياب المطرزة، بل والأكفان المطرزة أيضاً -فقد كانت المنسوجات التيلية تصور عليها بالفعل ملامح الموتى. وكان الناس في القسطنطينية يعرفون ما يلبسون من الثياب، ذلك أن كل طبقة من أهلها كانت تعتز بنوع خاص من الثياب يميزها من غيرها وتدافع عنه أقوى دفاع، وما من شك في أن أية جماعة بيزنطية كانت تبدو برَّاقة كذيل الطاووس.
وكانت الموسيقى محببة لجميع الطبقات منتشرة بينها، وكان ذا شأن متزايد في طقوس الكنيسة، وقد أعانت على مزج العاطفة بالعقيدة. وقد كتب ألبيوس Alypius في القرن الرابع مقدمة موسيقية بقيت منها حتى الآن أجزاء هي أهم ما نسترشد به في قراءة العلامات الموسيقية اليونانية. وقد استبدلت في ذلك القرن




صفحة رقم : 4397




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الحضارة البيزنطية -> الفن البيزنطي -> الفنون البيزنطية


بالحروف الهجائية التي كانت بها الأنغام علامات رمزية؛ ويبدو أن أمبروز هو الذي جاء بهذه العلامات إلى ميلان، وأن هيلاري Hilary هو الذي أدخلها في غالة، وجيروم في روما. وألف رومانس Romanus، الراهب اليوناني في أواخر القرن الخامس ألفاظ الترانيم التي لا تزال حتى الآن جزءاً من الطقوس الدينية اليونانية ولحنها؛ وليس ثمة ما يضارع هذه الترانيم في عمق الشعور وقوة التعبير. وكتب بؤيتيوس مقالاً في الموسيقى لخص فيه نظريات فيثاغورس وارستكسنوس Aristoxenus وبطليموس. وقد ظلت هذه الرسالة تدرس في جامعتي أكسفورد، وكمبردج يوم كنا نحن طلاباً(43).
وبعد، فإن من واجب الإنسان أن يكون شرقياً إذا شاء أن يفهم الفن الشرقي على حقيقته. وإن المعنى الجوهري الذي يدركه العقل الغربي من النزعة البيزنطية هو أن الشرق قد سرى في قلوب اليونان وتغلغل في أفئدتهم: في الحكومة الأتوقراطية، وفي الطبقات المتدرجة الثابتة، وفي ركود العلم والفلسفة، وفي الكنيسة الخاضعة لسلطان الدولة، والشعب الخاضع لسلطان الدين، وفي الثياب الفخمة والحفلات العظيمة، والطقوس الدينية ذات الألفاظ الطنانة الرنانة والمناظر الرائعة، والنغمات الموسيقية الساحرة المتكررة التي تستحوذ على نفوس؛ وتغمر الحواس بفيض من الألوان البراقة؛ وأخضع الطبيعة للخيال، والفن التمثيلي للفن الزخرفي. ولقد كان من شأن الروح اليوناني القديم أن يجد هذا كله غريباً عنه لا يطيقه، ولكن بلاد اليونان نفسها وقتئذ جزءاً من الشرق. وغلبت على العالم اليوناني كلالة أسيوية فيه في الوقت الذي كانت بلاد الفرس المتجددة الحيوية، وكانت قوة الإسلام العظيمة التي لا يكاد العقل يدرك مداها، نقول في الوقت الذي كانت هذه وتلك تنازعانها حياتها نفسها.




صفحة رقم : 4398




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني



الباب السابع




الفرس




334-641




الفصل الأول




المجتمع الساساني


ومن وراء نهر الفرات أو دجلة كانت تقوم طوال تاريخ اليونان وروما تلك الإمبراطورية التي تكاد تكون خافية على العالم الغربي، والتي لبثت ألف عام تصد أوربا المتوسعة وجحافل آسية الهمجية، لا تنسى قط ما ورثته من مجد الأكميمينيين، وتنتعش على مهل مما أصابها في حروب البارثيين، وتحتفظ في زهو وخيلاء بثقافتها الأرستقراطية الفذة تحت حكم ملوكها الساسانيين الأشداء الشجعان، احتفاظاً أمكنها به أن تحول فتح المسلمين لإيران إلى نهضة فارسية جليلة الشأن.
وكان لفظ إيران في القرن الثالث الميلادي أوسع معنى من لفظ إيران أو فارس في هذه الأيام. فقد كانت، كما يدل اسمها "الآريين"، وكانت تشمل أفغانستان وبلوخستان، وسنجديانا، وبلخ والعراق. ولم تكن فارس، وهي الاسم القديم لإحدى الولايات الحديثة، إلا جزءاً صغيراً يقع في الجنوب الشرقي من هذه الإمبراطورية، ولكن اليونان والرومان الذين لم يكونوا يعنون بشؤون "البرابرة" أطلقوا اسم الجزء على الكل. وكان يخترق إيران في وسطها من الجنوب الشرقي لجبال هملايا إلى الشمال الغربي لجبال القفقاس حاجز جبلي




صفحة رقم : 4399




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني


يقسم البلاد قسمين، في الشرق منه هضبة عالية جدباء، وفي الغرب وديان خضراء يسقيها النهران التوأمان، ويجري ماء فيضانهما الموسمي في شبكة من القنوات تكسب البلاد الخصب والنماء فتنتج أرضها القمح، والبلح، والعنب، والفاكهة. وكان بين النهرين، وعلى ضفافهما، وفي ثنايا التلال، وواحات الصحراء، عدد لا حصر له من القرى وعشرات المئات من البلدان وعشرات من المدائن الكبيرة: منها إكباتانا، والري، وموصل، واصطخر (برسبوليس القديمة)، والسوس، وسلوقية، وطيسفون (المدائن) العظيمة عاصمة الملوك الساسانيين.
ويصف أميانوس الفرس في ذلك الوقت بأنهم "يكادون كلهم يكونون نحاف الأجسام، سمر البشرة إلى حد ما... لهم لحى على جانب من الظرافة، وشعر طويل أشعث"(1). غير أن الطبقات العليا لم تكن ذات شعر أشعث، ولم يكن أفرادها نحاف الأجسام على الدوام، وكان يغلب عليهم الجمال، وكانوا ذوي أنفة وكبرياء، ودماثة في الأخلاق، يميلون إلى الرياضة الشاقة الخطرة، والثياب الفخمة. وكان رجالهم يلبسون العمائم على رءوسهم، والسراويل المنتفخة في سيقانهم، والصنادل أو الأحذية ذات الأربطة في أقدامهم. وكان أغنيائهم يلبسون معاطف أو جلابيب من الصوف أو الحرير ويتمنطقون بمناطق يعلقون فيها السيوف. أما الفقراء فكانوا يقنعون بأثواب من نسيج القطن، أو الشعر، أو الجلد. وكان النساء يلبسن أحذية طويلة، وسراويل قصيرة، وقمصاناً واسعة، وعباءات أو أثواباً مهفهفة، ويعقصن شعرهن الأسود من الأمام في غديرة يتركنها تنوس خلفهن ويزينها بالأزهار. وكانت جميع الطبقات مولعة بالزينة والألوان الجميلة. وكان الكهنة والزرادشتيون المتحمسون يلبسون ثياب القطن الأبيض يرمزون به إلى الطهارة؛ أما قواد الجنود فكانوا يفضلون اللون الأحمر، وكان الملوك يميزون أنفسهم من سائر الطبقات بالأحذية القصيرة الحمراء، والسراويل الزرقاء، وأغطية للرءوس تعلوها كرات منتفخة أو رءوس حيوانات




صفحة رقم : 4400




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني


أو طيور. وكانت الملابس في بلاد فارس، كما كانت في جميع المجتمعات المتحضرة، تكون نصف الرجل أو أكثر قليلاً من نصف المرأة..
وكان الرجل الفارسي العادي المتعلم سريع الانفعال كالرجل الغالي، شديد التحمس، كثير التقلب؛ يغلب عليه الخمول، ولكنه سريع التيقظ، يميل بطبعه إلى "الحديث الجنوني، يسرف فيه إسرافاً... أميل إلى الدهاء منه إلى الشجاعة، لا يخافه إلا البعيدون عنه"(2) -إي حيث يكون أعداء الفرس. وكان فقراؤهم يشربون الجعة، ولكن الطبقات كلها تقريباً، بما فيها الآلهة، كانوا يفضلون النبيذ؛ فقد كان أتقياء الفرس والمقتصدون منهم يصبونه حسب الطقوس الدينية، وينتظرون حتى تأتي الآلهة لتشربه، ثم يشربون هم بعدها الشراب المقدس(3). ويصف المؤرخون الفرس في عصر الساسانيين بأنهم أغلظ أخلاقاً مما كانوا في عهد الأكيمينيين، وأرق منهم في عهد البارثيين(4)، ولكن قصص بروكبيوس تحملنا على الاعتقاد بأن الفرس ظلوا طوال العهود أحسن أخلاقاً من اليونان(5). ولقد أخذ أباطرة الروم عن البلاط الفارسي نظم حفلاتهم وطرائقهم الدبلوماسية. وكان ملوكهم المتنافسون يخاطب بعضهم بعضاً بلفظ "الأخ". ويضمنون للدبلوماسيين الأجانب سلامتهم من الاعتداء ومرورهم سالمين بأرضهم، ويعفونهم من التفتيش الجمركي والعوائد(6). وفي وسعنا أن نرجع التقاليد الدبلوماسية المتبعة في أوربا وأمريكا إلى الأساليب التي كانت متبعة في بلاط ملوك الفرس.
ويقول أميانوس إن "معظم الفرس يسرفون في الجماع"(7)، ولكنه يعترف مع ذلك بأن اللواط والدعارة كانا أقل انتشاراً بينهم مما كانا بين اليونان. وقد امتدح غماليل الفرس لثلاث صفات فيهم فقال: "هم معتدلون في الطعام، قنوعون في علاقاتهم الخاصة وفي العلاقات الزوجية"(8). وكانوا يستخدمون كل الوسائل لتشجيع الزواج وزيادة المواليد، حتى يكون لهم من الأبناء ما يسد مطالب الحرب




صفحة رقم : 4401




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني


ولهذا كان إله الحب عندهم هو المريخ لافينوس. وكان الدين يأمر بالزواج، ويحتفل به احتفالاً مصحوباً بطقوس رهيبة، ومن تعاليمه أن الإخصاب يقوي أهورا مزدا إله النور في صراعه العالمي مع أهرمان وهو الشيطان في الديانة الزرادشتية(9). وكان رب البيت يعبد أسلافه حول نار الأسرة، ويطلب الأبناء لكي يضمن لنفسه العناية به وعبادته فيما بعد، فإذا لم يولد له أبناء من صلبه تبنى ولداً من أبناء غيره. وكان الآباء هم الذين ينظمون عادة زواج أبنائهم يساعدهم في هذا غالباً موثق رسمي لعقود الزواج، ولكن المرأة كان في وسعها أن تتزوج على خلاف رغبة والديها. وكانت البائنات والهبات تقوم بنفقات الزواج المبكر والأبوة المبكرة. وكان يسمح للرجال بتعدد الزوجات. وكان يوصي به إذا كانت الزوجة الأولى عاقراً. وكان الزنى منتشراً(10). وكان في وسع الزوج أن يطلق زوجته إذا خانته، كما كان في وسع الزوجة أن تطلق زوجها إذا هجرها أو قسا عليها. وكان التسري مباحاً. وكان لهؤلاء المحظيات كما كان لنظائرهن عند اليونان، الهتايراي Hetairai، الحرية الكاملة في أن يسرن أمام الجماهير وأن يحضرن مآدب الرجال(11). أما الزوجات الشرعيات فكن في العادة يبقين في أجنحة خاصة بهن في البيوت(12)، وقد ورث المسلمون عن الفرس هذه العادة القديمة. وكانت نساء الفرس ذوات جمال بارع، ولعله كان من الصواب أن يمنع الرجال من الاختلاط بهن. والنساء في شاهنامة الفردوسي هن اللآئي يبدأن بخطبة الرجال وإغوائهن، وكانت مفاتن النساء تتغلب على قوانين الرجال.
وكان يستعان على تربية الأبناء بالعقيدة الدينية، ويبدو أن هذه كان لابد منها لتدعيم سلطان الأبوين. وكانوا يسلون أنفسهم بألعاب الكرة؛ والرياضة البدنية، والشطرنج(13)، ويشتركون منذ نعومة أظفارهم في وسائل التسلية التي يمارسها الكبار كالضرب بالنبال، وسباق الخيل، وحجف الكرة، والصيد. وكان كل ساساني يرى في الموسيقى عوناً لابد منه في شؤون الدين، والحب،




صفحة رقم : 4402




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني


والحرب. وفي هذا يقول الفردوسي إن الموسيقى وأغاني النساء الجميلات كانت تلازم المآدب وحفلات الاستقبال الملكية(14). وكانت القيثارة، والناي، والمزمار، والقرن، والطبلة، وغيرها من الآلات الموسيقية كثيرة عندهم. وتؤكد الرواية المأثورة أن برباد مغني كسرى أبرويز ألّف 360 أغنية، ظل يغني في كل ليلة واحدة منها لسيده عاماً كاملاً(15). وكان للموسيقى كذلك شأن كبير في التعليم؛ فقد كان مقر المدارس الابتدائية هو أبنية الهياكل، وكان الكهنة هم الذين يقومون بالتعليم فيها. أما التعليم العالي في الآداب، والطب، والعلوم، والفلسفة فكان يتلقى في دار المجمع العلمي الشهير في غنديسابور في سوريلنا. وكان أبناء أمراء الإقطاع وحكام الولايات يعيشون في الغالب بالقرب من الملوك، وكانوا يتلقون العلم من أمراء الأسرة المالكة في مدارس كبرى متصلة بالبلاط(16).
وظلت اللغة الفهلوية الهندي-أوروبية لغة فارس البارثية هي المستعملة في البلاد. ولم يبق مما كتب بها في ذلك العهد إلا نحو 600.000 كلمة كلها تقريباً تبحث في شؤون الدين. لكننا نعلم أنها كانت لغة واسعة(17)؛ غير أن الكهنة كانوا هم حفظتها وناقليها، ولذلك تركوا الكثير مما كتب بها في غير الدين يفنى على مر للزمان (ولعلنا قد خُدِعنا بخطة شبيهة بهذه الخدعة فظننا أن الكثرة الغالبة مما كتب من أدب العصور الوسطى في العالم المسيحي كان أدباً دينياً). وكان الملوك الساسانيون ملوكاً مستنيرين يناصرون الأدب والفلسفة، وكان أكثرهم مناصرة لها كسرى أنو شروان، فقد أمر بترجمة كتب أفلاطون وأرسطو إلى اللغة الفهلوية، وبتدريس هذه الكتب في غنديسابور، بل قرأها هو نفسه. وقد كتب في عهده كثير من المؤلفات التاريخية لم يبق منا كلها إلا الكرنماكي-أرتخشتر أو أعمال أردشير وهو مزيج من التاريخ والقصص كان هو الأساس الذي استمد منه الفردوسي كتاب الشاهنامة. ولما أغلق جستنيان مدارس أثينة فر سبعة من أساتذتها إلى فارس ووجدوا لهم في بلاط كسرى ملجأ أميناً.




صفحة رقم : 4403




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني


ولكنهم حنوا فيما بعد إلى أوطانهم، فاشترط الملك "البربري" في المعاهدة التي عقدها مع جستنيان عام 533 أن يسمح للحكماء اليونان بالعودة إلى أوطانهم وألا يمسهم أي أذى.
وفي عهد هذا الملك المستنير أصبحت كلية غنديسابور التي أنشئت في القرن الرابع أو الخامس "أعظم المراكز الثقافية في ذلك العهد(18)"، ويهرع إليها الطلاب والمدرسون من كافة أنحاء العالم. وكان يؤمها النساطرة المسيحيون، الذين جاءوا معهم بتراجم سريانية لكتب الطب والفلسفة اليونانية. وجاء إليها أتباع الأفلاطونية الجديدة وبذروا فيها بذور العقائد الصوفية، وامتزجت فيها علوم الطب الهندية، والفارسية، والسورية، واليونانية. ونتج عنها مدرسة للعلاج مزدهرة ناجحة(19). وكان المرض حسب النظرية الفارسية ينتج إذا دنس أو تلوث ركن أو أكثر من الأركان أو العناصر الأربعة -النار، والماء، والتراب، والهواء. ويقول أطباء الفرس وكهنتهم إن الصحة العامة تتطلب إحراق كل المواد المتعفنة، وإن صحة الأفراد تتطلب الطاعة التامة لقانون الطهارة الزرداشتي(20).
ولسنا نعرف عن علم الفلك عند الفرس في ذلك الوقت أكثر من أنه قد احتفظ لهم بتقويم منظم، وأن سنتهم كانت تنقسم إلى اثني عشر شهراً في كل منها ثلاثون يوماً، وأن الشهر كان ينقسم إلى أربعة أسابيع، اثنان منها يحتوي كل منها على سبعة أيام واثنان في كل منهما ثمانية، وأنهم كانوا يضيفون خمسة أيام في آخر العام(21). وكان التنجيم والسحر منتشرين في البلاد، فلم يكونوا يقدمون على عمل هام دون الرجوع إلى أبراج النجوم، وكانوا يعتقدون أن جميع مصائر الناس على هذه الأرض تحددها النجوم الطيبة والخبيثة التي تحترب في السماء - كما تحترب الملائكة والشياطين في النفس البشرية - حرب أهورا مزدا وأهرمان القديمة.




صفحة رقم : 4404




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني


وأعاد الملوك الساسانيون إلى الدين الزرادشتي ما كان له من سلطان ورونق. فوهبت الأراضي والعشور إلى الكهنة، وأسس نظام الحكم على أساس الدين كما كانت الحال في أوربا، وعين كاهن أكبر ذو سلطان لا يفوقه سلطان الملك نفسه رئيساً لطائفة الكهنة المجوس الوراثية، التي كانت تشرف على جميع نواحي الحياة الذهنية في فارس إلا القليل منها، وكانت تنذر كل من تحدثه نفسه بالإثم أو بالخروج على سلطان الدولة بالعذاب الدائم في الجحيم؛ وظلت تسيطر على عقول الفرس وعلى جماهير الشعب مدى أربعة قرون(22). وكانوا من حين إلى حين يحمون الأهلين من عسف الحياة والفقراء من استبداد الحكام(23). وقد بلغ من ثراء هذه الجماعة أن كان الملوك أنفسهم يستدينون أموالاً طائلة من خزائن الهياكل. وكان في كل بلدة كبيرة معبد للنار تشتعل فيه نار مقدسة يقولون إنها لا تنطفئ أبداً وترمز إلى إله النور. وكانوا يعلمون الناس أن حياة الفضيلة الطاهرة وحدها هي التي تنجي الروح من أهرمان؛ وكان لا بد للروح في حربها القائمة على الشيطان من أن تستعين بكهنة المجوس وبما يعرفونه عن الغيب، وبراقهم وسحرهم، ودعواتهم. فإذا ما نالت الروح هذه المعونة سمت إلى درجة القداسة والطهارة، وخرجت سالمة من محكمة يوم الحساب الرهيبة، واستمتعت بالنعيم المقيم في الجنة.وكانت أديان أخرى أقل منزلة من هذا الدين الرسمي تجد لها مكاناً حوله. فكان مثراس إله الشمس المحبب للبارثيين بين عدد قليل من أفراد الشعب بوصفه مساعداً لأهورا. ولكن الكهنة الزرداشتيين كانوا يعدون الخروج على الدين القومي، كما يعده المسيحيون، والمسلمون، واليهود جريمة كبرى يعاقب عليها بالإعدام. وشاهد ذلك ما حدث حين قام ماني Mani حوالي (216-276) يدعي أنه رسول رابع مكمل لبوذا، وزرادشت، ويسوع، ويدعو إلى دين قوامه العزبة، والسلام، والهدوء، إذ صلب بناء على طلب




صفحة رقم : 4405




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني


المجوس ذوي النزعة الحربية القومية، واضطر أتباعه إلى العمل على نشر دينهم في خارج البلاد. أما اليهودية والمسيحية فكانتا بوجه عام تلقيان من الملوك والكهنة الساسانيين كثيراً من التسامح، كما كانت البابوات أكثر تسامحاً مع اليهود منهم مع المارقين من الدين المسيحي. وقد وجد كثير من اليهود ملجأ لهم في الولايات الغربية من الإمبراطورية الفارسية. وكانت المسيحية قد ثبتت دعائمها في تلك الولايات حين جلس الساسانيون على العرش، وظلت لا تلقى معارضة منهم حتى أضحت الدين الرسمي لعدوي الفرس القديمين وهما بلاد اليونان وروما؛ فلما أشترك قساوستها اشتراكاً فعلياً في الدفاع عن الأقاليم البيزنطية ضد شابور الثاني، كما حدث عند نصيبين عام 338، شرع ملوك الفرس يضطهدونهم(24)، وبدأ المسيحيون في فارس يجهرون بآمالهم الطبيعية في انتصار الدولة البيزنطية. وأمر شابور في عام 341 بذبح جميع المسيحيين الساكنين في الإمبراطورية، ولما أن رأى أن قرى بأكملها من القرى المسيحية قد أقفرت من أهلها أمر بأن يقتصر على قتل القسيسين، والرهبان، والراهبات؛ ولكن 16.000 مسيحي قد أهلكوا نتيجة لهذا الاضطهاد الذي دام حتى موت شابور (379). ولما جلس يزدجر الأول على العرش (339-420) رد للمسيحيين حريتهم الدينية، وساعدهم على بناء كنائسهم، حتى إذا كان عام 422 قرر مجلس من أساقفة الفرس استقلال الكنيسة المسيحية الفارسية عن الكنيستين المسيحيتين اليونانية والرومانية.
وفي داخل هذا الإطار المكون من العبادات والمنازعات الدينية، والمراسيم والأزمات الحكومية والحروب الداخلية والخارجية، في داخل هذا الإطار كان الناس يمدون الدولة والكنيسة بمقومات حياتهما -يفلحون الأرض، ويرعون الماشية والضأن، ويمارسون الصناعات اليدوية، ويتبادلون التجارة. وكانت الزراعة عندهم من الواجبات الدينية، فكان الشعب يعلم أن تنظيف




صفحة رقم : 4406




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني


الفلوات من الأشجار والأعشاب، وزرع الأرض، والقضاء على الآفات، واستئصال الأعشاب الضارة بالنبات، وإصلاح الأراضي البور، وتسخير مجاري الماء لري الأرض -كان الشعب يعلم أن هذه الأعمال المجيدة كلها تضمن انتصار أهورا مزدا في آخر الأمر على أهرمان. وكان الفلاح الفارسي في مسيس الحاجة إلى كثير من أسباب السلوى الروحية، لأنه كان يعمل عادة بوصفه مستأجراً لأرض الأمير الإقطاعي، ويؤد ضرائب ورسوماً أخرى قدراً من المحاصيل يتراوح بين سدسه وثلثه. ونقل الفرس عن الهند حوالي عام 450 استخراج السكر من القصب حتى لقد وجد الإمبراطور الشرقي هرقل مخازن ملأى بالسكر في القصر الملكي بطيسفون (المدائن) (627)؛ ولما فتح العرب بلاد فارس بعد أربعة عشر عاماً من ذلك الوقت، عرفوا من فورهم كيف يزرعون القصب، وأدخلوا زراعته في مصر وصقلية، ومراكش، وأسبانيا ومنها انتشرت في أوربا(26). وكانت تربية الحيوانات من أهم الأعمال في بلاد الفرس، فلم تكن تفوق الخيل الفارسية إلا الجياد العربية الأصيلة في تسلسل أنسابها، وجرأتها، وجمالها، وسرعتها. وكان لكل فارسي جواد يعزه كما يعز رستم راكوش، وقد قدس الفرس الكلب لعظيم نفعه في حراسة قطعان الماشية والبيوت، وكان للقطة الفارسية شأن عظيم في كافة أنحاء البلاد.
وتطورت الصناعة في عهد الساسانيين فانتقلت من المنازل إلى الحوانيت في المدن. وكثرت نقابات الحرف، ووجدت في بعض البلدان جماعات ثورية من الصعاليك(27)، وأدخل نسج الحرير من الصين، وسرعان ما انتشرت هذه الصناعة وتقدمت حتى كان الحرير الساساني يطلب في كل مكان، وكان نموذجاً يحتذيه فن النسيج في بيزنطية، والصين، واليابان؛ وكان تجار الصين يفدون إلى إيران ليبيعوها حريرهم الخام ويشتروا منها الطنافس. والجواهر، والأصباغ الحمراء؛ وعمل الأرمن، والسوريون، واليهود على ربط بلاد الفرس، وبيزنطية، ورومة




صفحة رقم : 4407




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني


في سلسلة من التبادل التجاري البطيء. وأعانت الطرق والجسور الصالحة، التي كانت تتعهدها الدولة بعنايتها، على إنشاء طائفة من المراكز، وطرق القوافل التجارية التي ربطت طيسفون بسائر ولايات الدولة؛ وأنشئت المرافئ في الخليج الفارسي، لتيسير التجارة مع الهند. وكانت الأنظمة الحكومية تحدد أثمان الحبوب، والأدوية وغيرها من ضروريات الحياة، وتمنع تخزينها لرفع أثمانها، واحتكارها(28). وفي وسعنا أن نقدر ثراء الطبقات العليا من قصة الشريف الذي دعا ألف ضيف إلى وليمة، فلما جاءوا وجد أنه لا يملك من الصحاف ما يكفي لأكثر من خمسمائة، فاستطاع أن يستعير الخمسمائة الباقية من جيرانه(29).
ونظم أمراء الإقطاع، الذين كانوا يعيشون في الغالب في ضياعهم، طريقة استغلال الأرض ومن عليها، وألفوا الفيالق من مستأجري أرضهم ليحاربوا حروب الآمة. وكانوا يتدربون على الحرب بمطاردة الصيد بحماسة وشجاعة، فكانوا لذلك ضباطاً في سلاح الفرسان ذوى شهامة؛ وكانوا هم وجيادهم مسلحين كما كانت جيوش الإقطاع مسلحة في أوربا فيما بعد؛ ولكنهم لم يبلغوا ما بلغه الرومان في فرض النظام على جنودهم، أو في استخدام ما عرف فيما بعد من فنون هندسة الحصار والدفاع. وكان يعلوا عليهم في المنزلة الاجتماعية عظماء الأشراف الذين كانوا يتولون حكم الولايات ويرأسون المصالح الحكومية. وما من شك في أن الإدارة الحكومية كانت حازمة قديرة إلى حد بعيد؛ وشاهد ذلك أن الخزانة الفارسية كانت في أغلب الأوقات أكثر عمراناً بالمال من خزائن أباطرة الرومان، وإن كانت الضرائب في الدولة الفارسية أقل إرهاقاً مما كانت عليه في الإمبراطورية الرومانية الشرقية أو الغربية. ولقد كان في خزائن كسرى أبرويز في عام 626 ما قيمته 460,000,000 دولار أمريكي(30)، وكان دخله السنوي يقدر بنحو 170,000,000 دولار_ وهما مبلغان ضخمان إذا ذكرنا ما كان للفضة والذهب من قوة الشراء في العصور الوسطى.




صفحة رقم : 4408




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني


وكان سن القوانين من عمل الملوك، ومستشاريهم، والمجوس؛ وكانوا يعتمدون في سنها على قوانين الأبستاق القديمة، وكان يترك للكهنة تفسير هذه القوانين وتنفيذها. ووصف أميانوس، الذي كان يحارب الفرس، قضاتهم بأنهم كانوا "رجالا عدولا، ذوي تجربة، وعلم بالقوانين(31)". وكان المعروف عن الفرس بوجه عام أنهم يحافظون على الوعد، وكانت الإيمان التي يقسمونها في المحاكم تحاط بهالة من التقديس، وكان الحنث في اليمين يلقى أشد العقاب في هذا العالم بحكم القانون، ويعاقب صاحبه في الدار الآخرة بوابل من السهام، والبلط والحجارة. وكان التحكيم الإلهي من الوسائل التي يلجأ إليها لكشف الجرائم، فكان يطلب إلى المتهمين أن يمشوا على مواد تحمى في النار حتى تحمر، أو يخوضوا اللهب، أو يطعموا الطعام المسموم. وكان وأد الأطفال وإسقاط الأجنة محرمين يعاقب من يرتكبهما بالإعدام. وكان الزاني إذا عرف ينفى من البلاد والزانية يجع أنفها وتصلم أذناها. وكان في وسع المتقاضين أن يستأنفوا الأحكام أمام محاكم عليا؛ ولم يكن الحكم بالإعدام ينفذ إلا إذا نظر فيه الملك وأقره.
وكان الملك يقول إنه يستمد سلطانه من الآلهة، وإنه وليهم في الأرض، وإنه يضارعهم في قوة أحكامهم، وكان يلقب نفسه حين تسمح الظروف "ملك الملوك، وملك الآريين وغير الآريين، وسيد الكون، وابن الآلهة(32)". وأضاف شابور الثاني إلى هذه الألقاب: "أخا الشمس والقمر، ورفيق النجوم" وكان الملك الساساني مطلق السلطان من الوجهة النظرية، ولكنه كان يعمل في العادة بمشورة وزرائه الذين كانوا يؤلفون مجلساً للدولة. وقد أثنى المسعودي المؤرخ المسلم على ما كان الملوك الساسانيين من إدارة ممتازة، وعلى سياستهم الحسنة النظام، وعنايتهم برعاياهم ورخاء بلادهم(33).
ويقول كسرى أنوشروان، كما جاء في كتاب ابن خلدون "لولا الجيش لما كان الملك، ولولا موارد الدولة ما كان الجيش، ولولا الضرائب ما كانت الموارد؛ ولولا الزراعة ما كانت الضرائب،




صفحة رقم : 4409




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني


ولولا الحكومة العادلة ما كانت الزراعة(34)". وكانت المَلَكِية في الأوقات العادية وراثية، ولكن كان في وسع الملك أن يختار غير ابنه الأكبر ليخلفه على العرش. وجلست ملكتان على العرش في زمنين مختلفين؛ وإذا لم يترك الملك من بعده ولياً من نسله اختار الأشراف ورجال الدين حاكماً على البلاد، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون أن يختاروا واحداً من غير الأسرة المالكة.
وكانت حياة الملك مثقلة بالواجبات والتبعات التي لا آخر لها. فقد كان ينتظر منه أن يخرج للصيد والقنص بلا خوف، وكان يخرج إليه في هودج مزركش تجره عشرة من الجمال، وعليه ثيابه الملكية. وكانت سبعة جمال تحمل عرشه، ومائة جمل تحمل الشعراء المنشدين. وقد يكون في ركابه عشرة آلاف من الفرسان؛ ولكن إذا صدقنا ما كتب من النقوش الساسانية على الصخور قلنا إنه كان ينبغي له آخر الأمر أن يمتطي صهوة جواد، ويواجه بنفسه وعلاً، أو غزالاً، أو رئماً، أو جاموساً برياً، أو نمراً، أو أسداً، أو غيرها من الوحوش التي جمعت في حديقة حيوان الملك أو "جنته". فإذا عاد من الصيد إلى قصره واجه مهام الحكم الشاقة، وسط ألف من الحشم وفي حفلات ا آخر لها. وكان عليه أن يرتدي ثياباً مثقلة بالجواهر، وأن يجلس على عرش من الذهب، ويضع على رأسه تاجاً يبلغ من الثقل حداً لابد معه أن يعلق على مسافة جد صغيرة، لا يمكن رؤيتها، من رأسه الذي لا يستطيع تحريكه. وعلى هذا النحو كان يستقبل الشعراء، والأضياف، ويتبع ما لا يحصى من المراسم الشاقة الدقيقة، ويصدر الأحكام، ويستقبل الوافدين الذين حددت لهم المواعيد ويتلقى التقريرات. وكان على الذين يدخلون عليه أن يخروا سجداً أمامه، ويقبلوا الأرض بين يديه، وألا يقفوا إلا إذا أمرهم بالوقوف، ولا يتحدثوا إليه إلا وفي فمهم منديل خشية أن تعدي أنفاسهم الملك أو تدنسه. فإذا جاء الليل دخل على إحدى زوجاته أو محظياته يبذر فيها بذوره العليا.




صفحة رقم : 4410




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الملكية الساسانية



الفصل الثاني




الملكية الساسانية


تقول الرواية الفارسية إن ساسان كان كاهناً في برسبوليس (اصطخر)، وإن ابنه باباك Papak كان أميراً صغيراً في خور، وإن باباك قتل جوزهر، حاكم الولاية الفارسية، وأعلن نفسه ملكاً على تلك الرواية، وأورث سلطانه ابنه شابور، وإن شابور مات نتيجة لحادثة وقعت في الوقت المناسب، فخلفه ابنه أردشير. وأبى أرطبانوس الخامس آخر ملوك الفرس الأرساسيين أو البارثيين أن يعترفوا بهذه الأسرة المحلية الجديدة؛ فحاربه أردشير وهزمه (224)، وصار ملك الملوك (226). فلما تم له هذا استبدل بحكم الأرساسيين الإقطاعي المفكك حكماً ملكياً قوياً أداته بيروقراطية مركزة كثيرة الفروع؛ وكسب تأييد رجال الدين بأن أعاد العقيدة الزرادشتية وأعاد إلى كهنتها سابق سلطانهم، وأثار كبرياء الشعب بأن أعلن أنه سيقضي على النفوذ الهلنستي في فارس، ويثأر لدارا من ورثة الإسكندر، ويستعيد كل الأقاليم التي كانت فيما مضى تحت حكم الملوك الأكمينيين. والحق أنه قدير بوعده هذا أو كاد. فقد قام بحملات خاطفة مدت حدود باد الفرس في الشمال إلى نهر جيحون، وفي الغرب إلى نهر الفرات، ووضع التاج قبل أن تدركه المنية في عام 241 على رأس ابنه شابور، وأمره أن يلقي باليونان والرومان في البحر.
وورث شابور الأول عن أبيه قوته ودهاءه؛ وتمثله النقوش التي على الصخور بهي الطلعة، نبيل الملامح، ولكن هذه النقوش كانت بلا ريب تحيات من صانعيها جرى العرف بأن تكون على هذه الصورة. وقد تلقى شابور تعليماً طيباً،




صفحة رقم : 4411




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الملكية الساسانية


ونشأ على حب العلم، ويقال إنه أعجب بحديث أوسطاثيوس Eustathius السوفسطائي سفير اليونان إعجاباً جعله يفكر في اعتزال الملك ليتفرغ للفلسفة(35) وخالف سميه بأن أطلق الحرية الكاملة لجميع الأديان، وسمح لماني بأن يلقي مواعظه الدينية في بلاطه؛ وأعلن أن "المجوس، والمانيين، واليهود، والنصارى، والناس جميعاً أياً كان دينهم يجب أن يتركوا وشأنهم في جميع أنحاء إمبراطوريته(6). وواصل ما بدأه أردشير من تنقيح الأبستاق، فأقنع الكهنة بأن يضموا إلى كتابهم المقدس أبواباً في غير شؤون الدين تشمل علوم ما بعد الطبيعة والفلك، والطب، معظمها مأخوذ من بلاد الهند واليونان. وكان سخياً في مناصرة الفنون، ولم يبلغ ما بلغه شابور الثاني، أو كسرى الأول والثاني، من براعة في قيادة الجند، ولكنه كان أقدر الملوك الساسانيين جميعاً في الشؤون الإدارية. وأنشأ له عاصمة جديدة في شاه بور لا تزال آثارها تحمل اسمه حتى الآن، وأقام عند ششتار على نهر قارون سداً يعد من أكبر الأعمال الهندسية في التاريخ القديم. وقد بني هذا السد من كتل ضخمة من الحجر الأعبل (الجرانيت)، تكون منها جسر طوله 1710 قدم، وعرضه عشرون قدماً. وحول مجرى النهر مؤقتاً لكي يستطاع إقامة البناء؛ ورصف قاع المجرى عنده رصفاً متيناً؛ وأنشئت فيه بوابات لتنظيم تصريف المياه. وتقول الرواية المتواترة إن شابور استخدم في تخطيط السد وبنائه مهندسين وأسرى من الرومان. وقد ظل هذا السد يؤدي الغرض منه حتى هذا القرن(37). ثم حول شابور اهتمامه على كره منه إلى الحرب والقتال، فغزا سوريا، ووصل في حملته إلى إنطاكية، ولكنه هزم في معركة مع جيش روماني فعقد مع روما صلحاً (244)، استردت بمقتضاه جميع ما كان قد استولى عليه في حروبه. غير أنه حقد على أرمينية أن تعاونت عليه مع روما، فزحف على تلك البلاد، وأقام فيها أسرة صديقة لفارس (252)؛ ولما حمى بذلك جناحه الأيمن، عاد إلى قتال روما، فهزم الإمبراطور فلبريان وأسره (260)،




صفحة رقم : 4412




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الملكية الساسانية


ونهب إنطاكية، واستولى على آلاف من الأسرى سخرهم للعمل في إيران(260). ثم انضم أدناثوس حاكم تدمر إلى روما، فاضطر شابور مرة أخرى إلى الاكتفاء بأن يكون نهر الفرات الحد الفاصل بين أملاك الفرس والرومان.
وخلفه على العرش فيما بين 272و302 ملوك لم يرق أحد منهم إلى ما فوق الدرجة الوسطى من الكفاية. ويأتي بعد هذا هرمزد الثانى (302- 309) الذي يشيد التاريخ بحكمه القصير الأجل، والذي بدأ فيه طائفة من الأعمال النافعة وبسط على البلاد لواء السلم والرخاء. وبذل الملك عناية كبيرة فى ترميم الأبنية العامة، والمساكن الخاصة، موجهاً أكبر اهتمامه إلى مساكن الفقراء، وكان ينفق على هذه الأعمال كلها من أموال الدولة. وأنشأ محكمة جديدة خصها بسماع شكاوى الفقراء ضد الأغنياء، وكثيراً ما كان يتولى رياستها بنفسه. ولسنا نعرف هل كانت هذه العادات الغريبة هي التي حرمت ابنه من وراثة العرش؛ وسواء كان ذلك أو لم يكن فقد حدث على أثر وفاة هورمزد أن زج النبلاء بابنه في السجن، وأعطوا الملك لابنه الذي لم يولد بعد، ولقبوه في ثقة واطمئنان بشابور الثاني، وأرادوا ألا يتركوا في الأمر مجالا للشك فتوجوا الجنين بأن علقوا التاج الملكي على رحم أمه(38).
وبهذه البداية الطيبة حكم شابور الثاني أطول حكم في تاريخ آسية (309-379). وقد درب منذ طفولته على الفنون الحربية، فقوى جسمه وإرادته، حتى إذا بلغ السادسة عشرة من عمره تولى شؤون الملك ونزل إلى ميدان القتال، فغزا شرقي جزيرة العرب وخرب حوالي عشرين قرية، وقتل آلافاً من الأسرى، وقاد ألفاً غيرهم إلى الأسر في حبال ربطها بجروحهم. وفي عام 337 شن الحرب على روما للسيطرة على الطرق التجارية المؤدية إلى بلاد الشرق الأقصى، وواصلها حتى وفاته تقريباً إذا استثنينا فترات من السلم قصيرة. وكان اعتناق روما وأرمينية للدين المسيحي سبباً في ازدياد نيران الحرب شدة على شدتها




صفحة رقم : 4413




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الملكية الساسانية


كأن الآلهة هي الأخرى قد نزلت إلى الميدان، وجاءت معها بكل ما يحدثنا عنه هومر من وحشية في القتال. وظل شابور أربعين عاماً يقاتل طائفة كبيرة من أباطرة الروم واحداً بعد واحد، قصده يوليان إلى طيسفون، ولكنه ارتد بعد ذلك ارتداداً غير شريف؛ واضطر جوفيان أمام تفوق عدوه عليه في الفنون العسكرية أن يعقد مع شابور صلحاً نزل له بمقتضاه عن الولايات الرومانية الممتدة على نهر دجلة وعن أرمينية كلها. ولما مات شابور الثاني كانت بلاد الفرس قد بلغت ذروة سلطانها وهيبتها، وكانت مائة ألف فدان من أرضها قد أصلحت واستخدم في إصلاحها الأسرى من الأعداء.
وانتقل ميدان الحرب في القرن التالي إلى حدود الفرس الشرقية. فقد حدث حوالي عام 425 أن استولت على الأقاليم المحصورة بين نهري سيحون وجيحون جماعات طورانية يطلق عليها اليونان اسم الإفثاليين Ephthalites، ويلقبون خطأ باسم "الهون البيض"، استولوا على الإقليم المحصور بين نهري سيحون وجيحون وحاربهم الملك بهرام الخامس الساساني (420-438)، المعروف باسم الغور -أي "الحمار الوحشي"- لجرأته في أعمال الصيد، وانتصر عليهم، ولكنهم بعد وفاته أخذوا ينتشرون في الإقليم لكثرة تناسلهم وتفوقهم في القتال، وأنشئوا لهم إمبراطورية امتدت من بحر الخزر إلى نهر السند، وجعلوا عاصمتها جرجران، وكانت أشهر مدنها بلخ، وهزموا فيروز شاه وقتلوه (459-484)، وأرغموا الشاه الذي خلفه على أداء الجزية.
وبينما كان الخطر يتهدد فارس من جهة الشرق، إذ ضربت الفوضى أطنابها في البلاد، نتيجة لاضطرار الملكية إلى الكفاح للمحافظة على سلطانها ضد الأشراف ورجال الدين. وفكر كفاده الأول (488-531) في أن يضعف أولئك الأعضاء بمناصرة إحدى الحركات الشيوعية، التي كانت تتخذهم الهدف الأول لهجاتها وتفصيل ذلك أن أحد رجال الدين الزرادشتيين المدعو مزدق قد




صفحة رقم : 4414




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الملكية الساسانية


أعلن في عام 490 أنه مرسل من عند الله للدعوة إلى عقيدة قديمة مضمونها أن الناس جميعاً يولدون أكفاء، وأن ليس لأحد من الناس حق طبيعي في أن يمتلك أكثر مما يمتلكه غيره، وأن المِلْكية والزواج من البدع التي ابتدعها البشر، وأنها أخطاء عاقبتها البؤس والشقاء، وأن السلع جميعها والنساء كلهن يجب أن تكون ملكاً مشاعاً لجميع الرجال. ويقول عنه أعدائه إنه كان يجيز السرقة، والزنى ومضاجعة المحارم ويتخذ هذه الأعمال وسيلته الطبيعية لمقاومة الملكية والزواج، ويقول إنها الطرق المشروعة للوصول إلى المدينة الفاضلة. واستمع إليه الفقراء وبعض الطوائف الأخرى مغتبطين، ولكن أكبر الظن أن مزدق نفسه قد أدهشته أن يجد ملكاً يوافق على آرائه. وبدأ أتباعه ينهبون بيوت الأغنياء، ثم لا يكتفون بهذا بل يسبون نساءهم أيضاً، ويأخذون أثمن ما في هذه البيوت ومن فيها من جوار ومحظيات حسان. وثارت ثائرة الأشراف فزجوا كفاده في السجن وأجلسوا أخاه جامسب على العرش. وقضى كفاده في "قلعة النسيان" ثلاث سنين فر بعدها من السجن، وهرب إلى الإفثاليين، ورأى هؤلاء الفرصة سانحة لأن يكون حاكم بلاد الفرس خاضعاً لسلطانهم، فأمدوه بجيش وساعدوه على أخذ طيسفون عنوة. ونزل جامسب عن العرش، وفر الأشراف إلى ضياعهم في الريف، وأصبح كفاده مرة أخرى ملك الملوك (499). ولما استتب له الأمر غدر بالشيوعيين، وقتل مزدق وآلافاً من أتباعه(39). ولعل هذه الحركة قد رفعت من شأن العمل اليدوي، لأن قرارات مجلس الدولة بعدئذ لم يكن يوقعها الأمراء ورجال الدين وحدهم، بل كان يوقعها معهم رؤساء نقابات الحرف(40). وحكم كفاده بعد ذلك جيلاً آخر؛ وحارب أصدقاء الإفثاليين وانتصر عليهم، وحارب روما حرباً غير حاسمة، ثم مات وترك العرش لابنه الثاني كسرى أعظم ملوك الساسانيين جميعاً.
كان خسرو الأول ("أي صاحب المجد المتقى" 531-579) يعرف عند اليونان باسم كسروس Chosroes وعند العرب باسم كسرى؛ ولقبه الفرس




صفحة رقم : 4415




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الملكية الساسانية


بأنوشروان ("الروح الخالدة"). ولما أن ائتمر به اخوته الأكبر منه سناً ليخلعوه قتل اخوته جميعاً، وقتل جميع أبنائهم عداً واحداً منهم. ولقبه رعاياه "بالعادل"، ولعله يستحق هذا اللقب إذا فرقنا بين العدالة والرحمة. ويصفه بروكبيوس بأنه كان "بارعاً إلى أقصى حد في تصنع التقى" وفي نكث العهد(41) ولكن بروكبيوس من ألد أعدائه. ويثنى الطبري المؤرخ الفارسي الأصل على "نفاذ بصيرته، وعلمه، وذكائه، وشجاعته، وحصافة رأيه" وينطقه بخطبة ألقاها أول ما جلس على العرش، وهي خطبة قد أحسن المؤرخ اختراعها إن لم يكن صادقاً في نسبتها إليه(42). ونظم كسرى الحكومة كلها على أساس جديد وأختار أعوانه لكفايتهم بصرف النظر عن طبقتهم، ورفع منزلة بزرجمهر مربي ولده فجعله من كبار وزرائه، وقد طبقت شهرة هذا الوزير الآفاق. واستبدل بجنود الإقطاع الغير مدربين جيشاً نظامياً دائماً حسن النظام كامل العدة، وأنشأ نظاماً عادلاً للضرائب، وجمع القوانين الفارسية ونظمها، وأنشأ الترع والجسور لإصلاح نظام الري ومد المدن بالماء، وأصلح الأراضي لبور بأن أمد أصحابها بالماشية، والآلات والبذور. وشجع التجارة ووسع نطاقها بإنشاء الجديد من الطرق والجسور، وإصلاح ما كان قائماً منها وتعهده، وقصارى القول أنه بذل جهوده العظيمة كلها في خدمة الشعب والدولة. وشجع الزواج -أو أرغم الناس عليه إرغاماً- لاعتقاده أن بلاد الفرس في حاجة إلى المزيد من الناس لحرث أرضها وحماية تخومها. وحمل العزاب على الزواج بأن وهب البائنات للزوجات، وأمر بتعليم أبنائهم على نفقة الدولة(43). وكان يربي الأطفال اليتامى والفقراء ويعلمهم وينفق عليهم من أموال العامة، ويعاقب المرتدين عن الدين بالإعدام، ولكنه كان يسمح بانتشار المسيحية حتى بين حريمه. وقد قرب إليه الفلاسفة، والأطباء، والعلماء، من بلاد الهند واليونان، وكان يسره أن يبحث معهم مشاكل الحياة، والحكم، والموت. وكان من الموضوعات التي دار حولها البحث ذلك السؤال:




صفحة رقم : 4416




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الملكية الساسانية


"ما هو أشد أنواع البؤس؟". وأجاب أحد الفلاسفة اليونان عن هذا السؤال بقوله:"هو الشيخوخة المصحوبة بالفقر والبلاهة": وأجاب فيلسوف هندي بل هو "العقل القلق في الجسم السقيم". وكسب وزير كسرى ثناء جميع المجلس بحق حين قال "أما أنا فأعتقد أن أشقى الشقاء أن يرى الإنسان آخرته منه من غير أن يكون قد مارس الفضيلة"(44). وكان كسرى يناصر الآداب، والعلوم، ويعين العلماء على متابعة الدرس بالهبات القيمة، ويمد بالمال المترجمين والمؤرخين. وبلغت جامعة غنديسابور في أيامه ذروة مجدها. وكان يحرص كل الحرص على حماية الأجانب في بلاده فكان بلاطه لهذا السبب غاصاً على الدوام بكبار الزائرين من البلاد الأجنبية.
ولما جلس على العرش جهر برغبته في أن يعقد الصلح مع روما. ووافق جستنيان على هذه الرغبة لأنه كان يعد العدة لغزو أفريقية وإيطاليا، ووقع "الأخوان" في عام 532"صلحاً دائماً". ولما أن سقطت أفريقية وإيطاليا في يد جستنيان طالب كسرى متفكهاً بقسط من الغنيمة، وحجته أن بيزنطية لم تكن لتصل إلى هذا النصر لو أن فارس لم تعقد معها الصلح، فبعث إليه جستنيان ببعض الهدايا القيمة(45). وفى عام 539 أعلن كسرى الحرب على "روما" بحجة أن جستنيان قد أخل بشروط الصلح، ويؤيد بركبيوس هذه التهمة. لكن أكبر الظن أن كسرى قد رأى أن من الحكمة أن يبادر بالهجوم على جستنيان وجيوشه لا تزال مشغولة في الغرب، فذلك في رأيه خير له من أن ينتظر حتى تنتصر بيزنطية ثم توجه قوتها كلها ضد فارس. يضاف إلى هذا أن كسرى قد بدا له ألا بد لبلاد الفرس من امتلاك مناجم الذهب في طربزون وأن يكون لها منفذ على البحر الأسود. ولهذا زحف على سوريا، وحاصر هيرابوليس، وأباميا، وحلب، وتركها وشأنها بعد أن افتدت أنفسها بكثير من المال، وسرعان ما وقف أمام إنطاكية. ولم يبال أهلها به وبقوته فحيوه من فوق




صفحة رقم : 4417




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الملكية الساسانية


الأسوار بوابل من السهام وقذائف المنجنيقات، وبوابل آخر من ألفاظ السخرية الوقحة التي اشتهرت بها هذه المدينة في كافة أنحاء العالم(46). واستشاط المليك غضباً فهجم على المدينة واستولى عليها عنوة، ونهب كنوزها، وأحرق جميع مبانيها عدا كنيستها الكبرى، وذبح عدداً كبيراً من أهلها، وساق من بقي منهم ليعمروا "إنطاكية" أخرى في بلاد الفرس، ثم نزل مبتهجاً ليستحم في البحر المتوسط الذي كان في وقت من الأوقات حد دولة الفرس الغربي. وأرسل - جستنيان قائده بليساريوس لينقذ بلاده، ولكن كسرى عبر الفرات على مهل مثقلاً بالغنائم، وفضل القائد الحصيف ألا يتبعه (541). وما من شك في أن انتهاء الحروب التي قامت بين الفرس والرومان إلى نهاية غير حاسمة إنما يرجع بعضه إلى تعذر إقامة حامية قوية على ناحية العدو من الصحراء السورية أو جبال طوروس، وإن كان ما أدخل حديثاً من تحسين على وسائل النقل والاتصال قد جعل الحروب الكبيرة في أمثال تلك الأصفاع مستطاعة في هذه الأيام. وقام كسرى بعدئذ بثلاث غزوات على آسية الرومانية زحف فيها على تلك البلاد زحفاً سريعاً، وحاصر عدداً من مدنها، وأخذ منها الفداء والأسرى، ونهب ريفها، ثم ارتد عنها في أمان (542-543) وأدى له جستنيان عام 542 ألفي رطل من الذهب (نحو 840.000 دولار أمريكي) ثمناً لهدنة تدوم خمسة أعوام على أن يؤدي إليه بعد انتهائها 2600 رطل أخرى نظير امتدادها خمسة أعوام جديدة وبعد أن دامت الحرب بين العاهلين الطاعنين في السن جيلاً من الزمان تعهد آخر الأمر (562) بأن يحتفظا بالسلم خمسين عاماً، وتعهد جستنيان بأن يؤدي للفرس ثلاثين قطعة من الذهب في كل عام (7.500.000 دولار أمريكي)، ونزل كسرى عن حقه في جميع الأقاليم المتنازع عليها في بلاد القوقاز والبحر الأسود.
ولكن كسرى لم يفرغ بهذا من حروبه كلها. فقد أرسل حوالي عام 570 بناء على طلب الحميريين المقيمين في الجنوب الغربي من جزيرة العرب جيشاً من




صفحة رقم : 4418




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الملكية الساسانية


عنده ليخلصهم من الأحباش الذين فتحوا بلادهم. فلما أنجى الفرس الحميريين من الغزاة، وجد هؤلاء أن بلادهم قد أضحت ولاية فارسية. وكان جستنيان قد عقد حلفاً مع بلاد الحبشة، ورأى خلفه جستين الثاني أن طرد الفرس للأحباش من جزيرة العرب عمل عدائي موجه له. هذا إلى أن الترك الضاربين على الحدود الشرقية لبلاد الفرس قد اتفقوا سراً أن ينضموا إلى من يهاجمون كسرى. وأعلن جستين الحرب في عام 572. ونزل كسرى إلى الميدان بنفسه لعى الرغم من كبر سنه، واستولى على مدينة دارا الواقعة على الحدود الرومانية؛ ولكن صحته خانته فهزم لأول مرة في حياته (578)، وارتد إلى طيسفون حيث وافته منيته في عام 579 ولسنا نعرف سنه بالضبط حين وفاته. وقد امتد حكمه ثمانية وأربعين عاماً كسب فيها كل ما خاضه من الوقائع عدا واقعة واحدة؛ ووسع حدود إمبراطوريته في جميع جهاتها، وجعل بلاد الفرس أقوى منها في أي عهد آخر بعد عهد دارا الأول؛ ووهبها نظاماً من الحكم بلغ من شأنه أن العرب حين فتحوا تلك البلاد فيما بعد اتخذوه نظاماً لحكمها دون أن يدخلوا عليه تغييراً يستحق الذكر. ويكاد كسرى أن يكون معاصراً لجستنيان؛ ولكن معاصريهما مجمعون على أنه أعظم ملكين، ويعده من جاء بعده من الفرس أقوى من حكم بلادهم في تاريخها كله وأعظمهم شأناً.
وحكم بعده ابنه هرمز الرابع (579-589) ولكن قائده بهرام قوبين خلعه وأعلن نفسه وصياً على كسرى الثاني ابن هرمز (589)، ثم أعلن نفسه ملكاً بعد عام واحد من ذلك الوقت. ولما بلغ كسرى سن الرشد طالب بعرش أبيه؛ فرفض بهرام طلبه، ففر كسرى إلى هيرابوليس في سوريا الرومانية؛ وعرض عليه الإمبراطور اليوناني موريس أن يعيده إلى ملكه إذا انسحب الفرس من أرمينية. ووافق كسرى على هذا الطلب؛ وشهدت طيسفون ذلك المنظر العجيب الفذ منظر جيش روماني يُجلس على العرش ملكاً فارسياً (596).




صفحة رقم : 4419




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الملكية الساسانية


وبلغ كسرى أبرويز (الظافر) درجة من السلطان لم يبلغها ملك آخر من ملوك الفرس منذ أيام خشيارشاي، ومهد السبيل لسقوط دولته؛ ذلك أنه لما قتل فوفاس موريس وجلس مكانه على العرش أعلن أبرويز الحرب على المغتصب (306) انتقاماً لصديقه؛ ولكن الواقع أن الحرب لم تكن إلا تجديداً للنزاع قديم. وكانت الدولة البيزنطية قد مزقها الشقاق والتحزب، فلم تجد جيوش الفرس صعوبة في الاستيلاء على دارا، وأميدا، والرها، وهيرابوليس، وحلب، وأباميا، ودمشق (605-613). وزاد هذا النصر من حماسة أبرويز فأعلن الحرب الدينية على المسيحيين، وانضم 26.000 من اليهود إلى جيشه، ونهبت جيوشه المتحدة في عام 614 أورشليم، وقتلت 90.000 من المسيحيين(47)، وأحرقت كثيراً من كنائسها ومن بينها كنيسة الضريح المقدس، وأخذ الصليب الحق، وهو أعز أثر على المسيحيين، إلى بلاد الفرس. وأرسل أبرويز إلى هرقل Heraclius الإمبراطور الجديد رسالة دينية قال فيها: "من كسرى أعظم الآلهة وسيد الأرض كلها إلى هرقل عبده الغبي الذليل: إنك تقول إنك تعتمد على إلهك، فلم إذن لم ينقذ أورشليم من يدي؟"(48). واستولى جيش فارس على الإسكندرية في عام 616، ولم يحل عام 619 حتى دخلت مصر كلها في حوزة ملك الملوك، وهو ما لم يحدث لها منذ أيام دارا الثاني. وفي هذه الأثناء كان جيش فارسي آخر يجتاح آسية الصغرى ويستولي على خلقيدون (617)؛ ولبثت تلك المدينة في أيدي الفرس عشر سنين وهي التي لم يكن يفصلها عن القسطنطينية إلا مضيق البسفور. وكان أبرويز في هذه السنين العشر يدمر الكنائس، وينقل ما فيها من الآثار الفنية والكنوز إلى بلاد الفرس ويفرض على آسية الغربية من الضرائب الفادحة ما ينضب منه معينها وما أعجزها عن مقاومة غزو العرب الذي لم يكن بينها وبينه وقتئذ إلا نحو جيل من الزمان.
ثم ترك كسرى تصريف الحرب لقواده، وعاد لينقلب في اللهو والترف




صفحة رقم : 4420




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الملكية الساسانية


في قصره بدستجرد (على بعد نحو ستين ميلاً من طيسفون)؛ وقضى وقته بين الفن والحب. وجمع المهندسين، والمثالين، والمصورين، ليجعل عاصمته الجديدة أعظم شأناً من عاصمته القديمة، ولينحت صوراً مشابهة لشيرين أجمل زوجاته الثلاثة آلاف وأحبهن إلى قلبه. وشكا الفرس قائلين إنها امرأة مسيحية، وادعى بعضهم أنها قد أدخلت الملك في دينها، وسواء كان هذا أو لم يكن فقد سمح لها والحرب الدينية دائرة رحاها أن تنشئ كثيراً من الكنائس والأديرة. ولكن بلاد الفرس التي عمها الرخاء لكثرة ما أفاء عليها من الأسلاب والأرقاء، كان في وسعها أن تغفر لمليكها لهوه وترفه، وفنه، وتسامحه الديني، وترحب بفتوحه وترى فيها النصر النهائي على بلاد اليونان والرومان، ولأهورا مزدا على المسيح. لقد جوزي الإسكندر أخيراً على فعلته، وانتقم الفرس من اليونان لهزائمهم في مرثون، وسلاميس، وبلاتية، وأربيلا.
ولم يكن باقياً للإمبراطورية البيزنطية إلا عدد قليل من الثغور الأسيوية وقليل من أرض إيطاليا، وأفريقية، وبلاد اليونان، وأسطول لم يهزم بعد، وعاصمة محاصرة جن جنونها من الرعب واليأس. ولبث هرقل عشر سنين ينشئ جيشاً جديداً ودولة جديدة من أنقاض الجيش القديم والدولة القديمة. فلما تم له ذلك لم يحاول عبور البسفور إلى خلقيدون بل تجنب ذلك العمل الكثير النفقة والمشقة، وأبحر بأسطوله إلى البحر الأسود ثم اخترق أرمينية وهاجم بلاد الفرس من خلفها، ودمر كلورمية Clorumia مسقط رأس زرادشت، كما ضرب كسرى من قبل مدينة أورشليم، وأطفأ نارها المقدسة الخالدة (624). وسير إليه كسرى الجيوش يتلو بعضها بعضاً، ولكن هرقل هزمها جميعاً، ولما تقدم اليونان فر كسرى إلى طيسفون. وآلم قواده ما كان يوجهه إليهم من إهانات فانضموا إلى النبلاء وخلعوه، ثم سجنوه ولم يطعموه إلا الخبز القفار والماء، وذبحوا ثمانية عشر من أبنائه أمام عينيه، وانتهى أمره بأن قتله ابن من أبنائه يدعى شيروى (628).




صفحة رقم : 4421




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الفن الساساني



الفصل الثالث




الفن الساساني


لم يبق من الآثار ما يدل على ثراء ملوك ساسان ومجدهم إلا بقايا الفن الساساني، ولكن هذه البقايا تكفي وحدها لأن تزيد إعجاباً بقدرة الفن الفارسي على البقاء من عهد دارا الأكبر واصطخر إلى عهد الشاه عباس وأصفهان، وبقدرته على التكيف لمواءمة ما يحيط به من الظروف.
فأما ما بقي من العمارة الساسانية فكله غير ديني، فقد اختفت من الوجود هياكل النار المقدسة، ولم يبقى قائماً إلا القصور الملكية، وحتى هذه ليست إلا "هياكل ضخمة"(49) قد تجردت من زمن طويل مما كانت تزدان به واجهاتها من حلي مصنوعة من الجص. وأقدم هذه الخربات كلها ما يسمونه قصر أردشير الأول في فيروز آباد القائمة إلى الجنوب الشرقي من شيراز. ولا يعرف أحد تاريخ بنائه، ويختلف ظن المؤرخين بين 340 ق.م، 460 م ولا تزال قبة هذا البناء الضخمة بعد أن مضى عليها خمسة عشر قرناً تقلب عليها في خلالها الحر والبرد، والسرقات والحروب، لا تزال هذه القبة باقية إلى الآن تغطي بهواً فسيحاً، تعلو في الجو مائة قدم؛ ويبلغ عرضها خمساً وخمسين قدماً. وثمة مدخل ذو قوس يبلغ ارتفاعه تسعاً وثمانين قدماً، وعرضه اثنتين وأربعين، يقسم الموجهة التي طولها 170 قدماً قسمين، وقد تهدمت هذه الواجهة في هذه الأيام، وكانت أقواس صغيرة تؤدي من قطري البهو المستطيل الأوسط إلى قبة دائرية. وقد ابتدعت طريقة فذة ظريفة لحمل ضغط القبة، فأقيم جدار مزدوج أجوف ربط إطاره الداخل والخارجي بعقد دائري وبذلك زاد الجدار الخارجي من قوة الجدار الداخلي، ثم زيدت قوة الجدار المزدوج مرة أخرى بدعامات من الخارج مكونة




صفحة رقم : 4422




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الفن الساساني


من أنصاف عمد مربعة مسندة من الحجارة الثقيلة وملتصقة بالبناء. ذلك طراز معماري يختلف كل الاختلاف عن الطراز القديم ذي العمد الذي كان في برسبوليس -وهو طراز فج سمج غير ظريف ولكنه قد استخدمت منه أشكال بلغت كمالها في كنيسة أياصوفيا متى أقامها جستنيان.
وهناك غير بعيد من هذا الأثر عند سروستان أثر آخر شبيه به وهو مثله لا يعرف تاريخه ويتكون من واجهة ذات ثلاثة أقواس، وبهو أوسط كبير، وحرات واسعة تعلوها قباب بيضية الشكل، وأقواس دائرية، وأنصاف قباب لتقوية البناء. وليس ببعيد أن تكون الدعامات الهيكلية التي يسميها المهندسون بالدعامات "الطائرة" المعروفة في الهندسة القوطية قد تطورت من هذه الأنصاف القباب بأن أزيل منها الهيكل الخارجي الذي تستند إليه(51).
وإلى الشمال الغربي من مدينة السوس توجد بقايا قصر خرب آخر يعرف بالإيواني خارقه، وهو أقدم مثل معروف للعقود المستعرضة ذات أضلاع تخترقه من جانب إلى آخر(52). لكن أروع الآثار الساسانية كلها وأعظمها تأثيراً في النفس، أثر بعث لضخامته الرهبة في قلوب العرب الفاتحين وهو القصر الملكي في طيسفون وهو الذي يسميه العرب طاق كسرى (الأول). وربما كان هو البناء الذي وصفه في عام 638 مؤرخ يوناني قال عنه إن جستنيان "بعث إلى كسرى برخام يوناني وصناع مهرة شادوا له قصراً على الطراز الروماني غير بعيد من طيسفون"(53). وقد تهدم جناحه الشمالي في عام 1888؛ وزالت منه القبة؛ لكن جدرانه الثلاثة الضخمة ترتفع إلى مائة قدم وخمسة أقدام، وتنقسم واجهة البناء أفقياً إلى خمس بوائك مسدودة وفي البناء عقد عال أوسط -وهو أعلى العقود الأهليلجية المعروفة وأوسعها، إذ يبلغ ارتفاعه 85 قدماً وعرضه 72- يؤدي إلى بهو طوله 115 قدماً وعرضه 75، لقد كان الملوك الساسانيون مولعين بالحجرات الواسعة. وهذه الواجهات المخربة تحاكي الواجهات الرومانية التي لا تبلغ درجة كبرى من




صفحة رقم : 4423




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الفن الساساني


الرشاقة أمثال ملهى مرسلس Marcellus، وتؤثر في الناظر إليها بروعتها أكثر مما تبره بجمالها. لكننا لا نستطيع أن نحكم على الجمال الماضي بالخربات القائمة في هذه الأيام.
وليس أعظم ما يستهوي الإنسان من الآثار الساسانية هو قصور اللبن المحطمة بل هو النقوش المحفورة على جوانب الجبال الفارسية. وقد تطورت هذه الأشكال الضخمة من النقوش الأكيمينية، وتراها في بعض الأحيان مجاورة لها في مكان واحد، كان أصحابها قد أرادوا أن يؤكدوا استمرار قوة الفرس وتكافؤ الملوك الساسانيين والأكيمينيين، وأقدم هذه النقوش الساسانية تمثل يطأ بقدمه عدواً مطروحاً على الأرض وربما كان هذا العدو آخر الأرساسيين، وأجمل من هذا نقشي رستم القريب من اصطخر الذي يخلد ذكرى أردشير، وشابور الأول، وبهرام الثاني. وقد صور فيه الملوك كبار الأجسام ولكن أجسامهم كأجسام معظم الملوك والسوقة، يصعب عليها أن تنافس أجسام الحيوانات في رشاقتها وتناسب أعضائها وشبيه بهذا نقشي -رجب، ونقش آخر عند شابور، فيهما صور حجرية قوية لشابور الأول وبهرام الأول والثاني. وفي طاق البستان القريب من كرمنشاه نرى قوسين قائمين على عمودين محفورين حفراً قليل البروز في الصخور، ونقوشاً على وجهي الأقواس من الداخل والخارج تمثل شابور الثاني وكسرى أرويز يصيدان الوحوش. ونرى الفيلة السمينة، والخنازير البرية تبعث الحياة في هذا الحجر الأصم، وقد بذلت في تصوير أوراق الأشجار عناية كبيرة، وحفرت تيجان الأعمدة حفراً جميلاً. ولسنا ننكر أننا لا نرى في هذه النقوش ما نراه في الحركات اليونانية من رشاقة أو في الخطوط اليونانية من يسر ونعومة، وأنا لا نجد فيها حرصاً شديداً على الفردية، ولا عناية بفن المنظور، كما أنها ليس فيها إلا القليل من مجاراة النماذج المألوفة؛ ولكنها مع هذا لا تقل عن معظم النقوش الكبرى في روما الإمبراطورية عظمة وفخامة، وقوة وحيوية ورجولة.




صفحة رقم : 4424




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الفن الساساني


ويبدو أن هذه النقوش المنحوتة في الصخر كانت ملونة، شأنها في ذلك شأن الكثير من زينات القصور، ولكن هذه الألوان لم يبق منها إلا آثار قليلة. بيد أن أدب الفرس لا يترك مجالاً للشك في أن فن التصوير قد ازدهر في عصر الساسانيين؛ ويقول الكتاب إن النبي ماني أنشأ مدرسة للتصوير؛ ويحدثنا الفردوسي عن كبار رجال الفرس الذين يزينون قصورهم بصور الأبطال الإيرانيين(54)، ويصف الشاعر البحتري ما كان على جدران قصر المدائن من صور ملونة(55). وكان من عاداتهم أنه إذا مات ملك من ملوك الساسانيين استُدعي أعظم مصور في زمانه لرسم صورة له تضم إلى مجموعة الصور المحفوظة في الخزانة الملكية(56).
واشتركت في فنون التصوير، والنحت، والخزف وغيرها من فنون الزينة مع فن المنسوجات الساسانية في نقوسها؛ فقد كانت الأقمشة الحريرية، والمطرزات، والمنسوجات والموشاة، والدقمس المشجر، والأنسجة المزركشة المعلقة على الجدران، وأغطية الكراسي، والسردقات، والخيام، والطنافس، كانت هذه كلها تنسج بمنتهى الصبر والمهارة، وتصبغ بصبغات ساخنة صفراء، وزرقاء، وخضراء. وكان كل فارسي، عدا الفلاح والكاهن، يأمل أن يلبس أحسن مما تمكنه طبقته من لبسه، وكثيراً ما كانت الهدايا تتخذ شكل أثواب فخمة، وكانت الطنافس الزاهية الألوان من مستلزمات الثراء في الشرق من أيام الآشوريين الأقدمين. وقطع النسيج الساسانية التي تزيد على العشرين قطعة، والتي هي كل ما نجا من عوادي الدهر، هي أغلى قطع النسيج الباقية في العالم في هذه الأيام. ولقد كان العالم القديم كله من مصر إلى اليابان حتى في عصر المنسوجات الساسانية يعجب بها ويسعى لمحاكاتها؛ وكانت هذه المنسوجات الوثنية في أيام الحروب الصليبية تفضل على غيرها من المنسوجات لتلف بها مخلفات القديسين المسيحيين. ولما أن استولى هرقل على قصر كسرى أبرويز في دستجرد كان من أثمن غنائمه أقمشة مطرزة




صفحة رقم : 4425




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الفن الساساني


رقيقة، وطنفسة كبيرة(58). ومن التحف الذائعة الصيت "طنفسة الشتاء" لكسرى أنوشروان. وقد نقشت هذه الطنفسة لتنسيه نقوشها التي تمثل مناظر الربيع والصيف برد الشتاء. كان فيها أزهار وفاكهة منسوجة من الياقوت، وكانت فيه ماسات تنمو بجوار جدران من الفضة؛ وجداول من اللؤلؤ فوق أرضية من الذهب(59)، وكان مما يفخر به هارون الرشيد طنفسة ساسانية كبيرة مرصعة بالجواهر(60). وقد بلغ من مهارة الفرس أن كانوا يكتبون قصائد الحب على طنافسهم(61).
ولم يبق من الفخار الساساني إلا قطع قليلة من ذات الفائدة المادية، لكن فن الخزف كان راقياً في أيام الملوك الإكيمينيين، وما من شك في أنه لم يمح كله من الوجود في أيام الساسانيين، لأنه بلغ من ذروة الكمال في إيران الإسلامية. ويظن إيرنست فنلوز Ernest Feneilosa أن بلاد الفرس قد تكون هي المركز الذي انتشر منه فن الميناء حتى في بلاد الشرق الأقصى(62)، ولا يزال مؤرخو الفن يتجادلون هل فارس الساسانية، أو سوريا، أو بيزنطية هي التي أنشأت فن الخزف البرّاق ذي الطلاء الذهبي أو الفضي أو النحاسي، وفن الميناء ذي الحواجز من خيوط معدنية. وكان صناع المعادن الساسانيون يصنعون جراراً، وأباريق، وأقداحاً كأنهم يصنعونها إلى جبل من الجبابرة؛ وكانوا يديرونها على مخارط؛ وينقشونها بالأزميل، أو يحدثون عليها رسوماً بارزة بطرقها من الداخل، ويتخذون لها أيادي وأفواهاً على شكل حيوانات تختلف من الديكة إلى الآساد. وفي دار الكتب الأهلية بباريس قدح فارسي ذائع الصيت هو "قدح كسرى" له رصيعة من البلور المطعم في شبكة من الذهب المطروق. وتقول الرواية المتواترة إن هذا القدح كان من الهدايا التي بعث بها هارون الرشيد إلى شارلمان. وليس ببعيد أن يكون القوط قد أدخلوا هذا الفن عن الفرس ونقلوه إلى بلاد الغرب(64).




صفحة رقم : 4426




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الفن الساساني


وكان صانعو الفضة يصنعون صحافاً قيمة، ويساعدون الصياغ على صنع الحلي للخاصة والسواقة على السواء رجالاً كانوا أو نساء. وقد بقيت حتى الآن عدة صحاف من عهد الساسانيين في المتحف البريطاني وفي لنينغراد، والمكتبة الأهلية بباريس، والمتحف الفني بنيويورك، وتحمل كلها صور ملوك أو نبلاء في الصيد، وحيوانات اكثر إتقاناً من الآدميين. وكانت النقود الساسانية نافس بعض الأحيان النقود الرومانية في جمال منظرها، كما تشهد بذلك عملة شابور الأول(65). والكتب الساسانية نفسها يمكن أن تعد من التحف الفنية. وتصف الروايات المتواترة كيف كان الذهب والفضة يجريان من جلود ماني حين أحرقت في الميادين العامة(26). وكانت المواد الثمينة تستخدم في أثاث الساسانيين، يدل على ذلك أن كسرى الأول كانت له منضدة من الذهب مرصعة بالحجارة الكريمة، وأن كسرى الثاني أرسل إلى منقذه، الإمبراطور موريس (أو موريق)، منضدة من الكهرمان، قطرها خمسة أقدام، ذات قوائم من الذهب، ومغلفة بالجواهر(27).
وملاك القول أن الفن الساساني يكشف عن جهود كبرى بذلت لإنعاشه بعد أن ظل أربعة قرون آخذاً في الاضمحلال في عهد البارثيين. وإذا جاز لنا أن نحكم عليه من بقاياه، قلنا في شيء من التردد إنه لا يضارع الفن الإكيميميني في نبله وفخامته، أو الفن الفارسي الإسلامي في قوة ابتكاره ورقته وحسن ذوقه، ولكنه احتفظ في النقوش البارزة بكثير مما كان له في الزمن القديم من قوة تبشر بما بلغته موضوعات التحلية من خصوبة في مستقبل الأيام. وكان هذا الفن يرحب بالأفكار والأنماط الجديدة، وقد أوتي كسرى الأول من الحكمة ما جعله يستخدم فنانين ومهندسين من اليونان في الوقت الذي كان يهزم فيه قواد اليونان العسكريين. وقد وفى الفن الساساني بما عليه من الدين، فكان يصدر أشكاله وتحفه شرقاً إلى بلاد الهند، وإلى التركستان والصين، وغرباً إلى سوريا وآسية




صفحة رقم : 4427




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> الفن الساساني


الصغرى، والقسطنطينية، والبلقان، ومصر، وأسبانيا. ولعل تأثير هذا الفن كان من العوامل التي حولت اهتمام الفن اليوناني من الصور القديمة إلى الحلي البيزنطية، واهتمام الفن اللاتيني المسيحي من السقف الخشبية إلى العقود والقباب والجدران المسندة المقامة من الآجر أو الحجر. وانتقلت البواكي وأنصاف القباب العظيمة من العمارة الساسانية إلى المساجد الإسلامية وإلى القصور والأضرحة المغولية. ذلك أن التاريخ لا يضيع في شيء: فكل فكرة مبدعة تتاح لها إن عاجلاً أو آجلاً فرصة تخرج فيها إلى الوجود وتتطور، وتضيف لونها الجديد إلى شعلة الحياة المتقدة.




صفحة رقم : 4428




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> فتح العرب



الفصل الرابع




فتح العرب


قتل شروى أباه وتّوج ملكاً باسم كفاده الثاني، ثم عقد الصلح مع هرقل ونزل له عن مصر، وفلسطين، وسوريا، وآسية الصغرى، وغربي الجزيرة، وأعاد الأسرى الذين أخذهم الفرس إلى بلادهم: وردَّ إلى أورشليم بقايا الصليب المقدس. وابتهج هرقل -وحق له أن يبتهج- بهذا النصر المؤزر، ولكنه، لم يكن يعرف أنه في اليوم الذي أعاد فيه الصليب المقدس إلى موضعه في الضريح عام 629 قد هاجمت سرية من العرب حامية يونانية بالقرب من نهر الأردن. وفي ذلك العام نفسه فشا وباء فاتك في بلاد الفرس، أودى بحياة آلاف من أهلها ومنهم الملك نفسه. وعلى أثر موته نودي بابنه أردشير الثالث -ولم يكن قد جاوز السابعة من عمره- ملكاً على الفرس. ولكن قائداً يدعى شهربراز قتل الغلام واغتصب العرش. ثم قُتِل شهربراز نفسه بأيدي جنوده، وجرّ أولئك الجنود جثته في شوارع المدائن وهم يصيحون: "هذا مصير كل من جلس على عرش بلاد فارس ولم يكن يجري في عروقه الدم الملكي"، ذلك أن الجماهير أكثر ملكية من الملوك. وسادت وقتئذ الفوضى في تلك البلاد التي أنهكتها الحروب مدى ستة وعشرين عاماً، وفشا في الدولة التفكك الاجتماعي بعد أن عمها الفساد الأخلاقي بتأثير الثروة التي جاءت في أعقاب النصر الحربي(68)، وقام تسعة من الحكام يتنازعون عرش البلاد في خلال أربع سنوات، ثم اختفوا كلهم مقتولين أو هاربين أو ميتين ميتة طبيعية أو شاذة. وأعلنت بعض الولايات، بل بعض المدن نفسها، استقلالها عن الحكومة المركزية بعد أن عجزت هذه الحكومة عن بسط سلطانها على البلاد. ووضع




صفحة رقم : 4429




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> فتح العرب


التاج في عام 634 على رأس يزدجرد الثالث سليل بيت ساسان وابن جارية زنجية(69).
وفي عام 632 توفي محمد (صلى الله عليه وسلم) بعد أن أنشأ دولة عربية جديدة، وتلقّى عُمر خليفته الثاني، رسالة من المثنى قائده في سوريا، يبلغه فيها أن الفوضى ضاربة أطنابها في بلاد الفرس وأنه قد آن الأوان للاستيلاء عليها(70). وعهد عمر هذا العمل إلى خالد بن الوليد أعظم قواده جميعاً. وزحف خالد بازاء الساحل الجنوبي للخليج الفارسي على رأس قوة من العرب البدو الذين ضرستهم الحروب والراغبين أشد الرغبة في الغنائم ، ثم أرسل رسالة إلى هورمزد حاكم الولاية القائمة على الحدود الفارسية يقول له فيها: "أسلم تسلم".
ودعاه هورمزد إلى المبارزة وقبل خالد دعوته وقتله. وتغلب المسلمون(71) على كل ما واجهوه من مقاومة حتى وصلوا إلى نهر الفرات؛ ثم استدعي خالد لينقذ جيشاً عربياً في الجبهة أخرى، وتولى المثنى قيادة العرب، وعبر النهر على جسر من القوارب. وعهد يزدجرد، وكان لا يزال شاباً في الثانية والعشرين من العمر، بالقيادة العليا إلى رستم والي خراسان، وأمره أن يجند قوة ضخمة ينقذ بها الإمبراطورية. والتقى الفرس بالعرب في موقعة الجسر وهزموهم وأخذوا يطاردونهم مطاردة فيها كثير من التهور. وأعاد المثنى تنظيم صفوفه وهزم في واقعة البويب الجيش الفارسي المختل النظام وأفناه عن آخره تقريباً (634). وكانت خسائر المسلمين في هذه المعركة فادحة، فقد مات المثنى متأثراً بجراحه، ولكن الخليفة أرسل قائداً آخر أقدر منه يدعى سعد بن أبي وقاص على رأس جيش جديد قوامه ثلاثون ألف رجل. ورد يزدجرد على هذا بأن أنزل إلى الميدان جيشاً مؤلفاً من 120.000 من الفرس. وعبر بهم رستم نهر الفرات وعسكر عند القادسية




صفحة رقم : 4430




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> فتح العرب


حيث دارت معركة من أعظم المعارك الحاسمة في تاريخ آسية وأشدها هولاً، دامت أربعة أيام. وهبت في اليوم الرابع عاصفة رملية في وجوه الفرس، واغتنم العرب هذه الفرصة وحملوا على أعدائهم الذين أعمتهم الرمال حملة صادقة، قتل فيها رستم ومزق جيشه شر ممزق (636). وزحف سعد بجنوده دون أن يلقى مقاومة تذكر حتى وصل إلى نهر دجلة، واجتازوه ودخل المدائن.
وذهل العرب السذج الأشداء حين وقعت أعينهم على القصر الملكي وأدهشته عقوده الفخمة، وبهوه الرخامي العظيم، وطنافسه الكبيرة، وعرشه المطعم بالجواهر، وقضوا أربعة أيام يحاولون جمع غنائمهم. ولعل هذا هو السبب الذي من أجله نهى عمر سعداً عن متابعة الزحف نحو الشرق وقال له إن في العراق ما يكفي(72). ووافق سعد على أمر الخليفة وقضى الثلاث السنين التالية يوطد دعائم حكم العرب في أرض الجزيرة. وكان يزدجرد في هذه الأثناء ينشئ في ولاياته الشمالية جيشاً جديداً قوامه 150.000 مقاتل. وبعث عمر لملاقاته 30.000 من رجاله، والتقى الجيشان عند نهاوند، وهزم العرب الفرس بفضل مهارتهم في الفنون العسكرية في معركة "فتح الفتوح" وقتل من الفرس في هذه المعركة 100.000 ضيق عليهم العرب في مضيق بين جبلين (641)؛ وسرعان ما سقطت بلاد الفرس كلها في أيدي العرب، وفر يزدجرد إلى بلخ وطلب إلى الصين أن تمد له يد المعونة؛ ولكن الصين لم تجبه إلى طلبه، ثم عاد فطلبها إلى الترك، فأمدوه بقوة صغيرة، لكن الجنود الترك قتلوه طمعاً في جواهره حين هم بالزحف ليبدأ الحرب من جديد (652)؛ وبذلك انتهى عهد الساسانيين في فارس.




صفحة رقم : 4431




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> مقدمة الترجمة



مقدمة الترجمة




بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله (وبعد) فهذا هو الجزء الخاص بالحضارة الإسلامية من المجلد الرابع من قصة الحضارة، وهو المجلد المسمى "عصر الإيمان"، وقد عاينا في ترجمة من الصعاب ما لم نعانه في سائر ما ترجمناه حتى الآن من أجزاء الكتاب البالغ عددها نحو عشرين جزءاً ما طبع منها وما لم يطبع. ذلك أن المؤلف قد نقل الشيء الكثير عن المؤرخين، والأدباء والشعراء، والعلماء، ورجال الدين، والفلاسفة، والمتصوفة، والحكماء. فليس في الكتاب صفحة تخلو من نص منقول عن واحد من هؤلاء، وقد يكون في الصفحة الواحدة ما لا يقل عن عشرة نصوص. هذا إلى ما ورد فيه من أسماء هؤلاء جميعاً وأسماء مؤلفاتهم، وبلدانهم، وأصدقائهم، والملوك، والسلاطين، والأمراء، والوزراء الذي اتصلوا بهم؛ وكان لا بد لنا أن نرجع في هذا كله إلى المصادر العربية وترجمتها الأجنبية التي نقل عنها المؤلف وأشار إلى بعضها ولم يشر إلى البعض الآخر، فكان علينا نحن أن نبحث عن أسماء لمصادر أولاً ثم عن النصوص بعدئذ.
على أن هذا ليس هو كل شيء، فقد كانت أسماء من نقل عنهم ترد أحياناً محرفة تحريفاً يتطلب تصحيحه الكثير من الجهد. وكم من نص نسب إلى غير قائله لخطأ في المراجع التي نقل عنها المؤلف، كالأبيات التي يعزوها نقلاً عن أمين الريحاني لأبي العلاء المعري وليست هي له بل من أقوال محي الدين بن عربي، والتي كان علينا أن نتصل من أجلها بنيويورك لنبحث فيها عن نسخة




صفحة رقم : 4432




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> مقدمة الترجمة


من كتاب "رباعيات أبي العلاء"، لأمين الريحاني لأنا لم نجده في مصر. وأكثر من هذا أن المؤلف ينقل في كثير من الأحيان عن تراجم المستشرقين للكتب العربية، وهؤلاء قد يطلقون عليها أسماء غير أسمائها العربية أو يترجمونها ترجمة يصعب معها الاهتداء إليها كتسمية الجزء الأول من كتاب نفح الطيب للمقري باسم "تاريخ الأسر الإسلامية بالأندلس"، وكتاب "اليميني" أو "السيرة اليمينية" باسم "تاريخ الأمير سبكتجين ومحمود الغزنوي" الذي لا توجد منه إلا نسخة محطوطة في دار الكتب، تتطلب قراءتها والبحث فيها كثيراً من الجهد، وترجمة "تذكرة الكحالين" باسم "رسالة الرمد" إلخ.
وقد وفقنا بحمد الله إلى تذليل هذه الصعاب فصححنا ما حرف أو كتب خطأ من أسماء الأشخاص والأماكن والكتب، واهتدينا إلى النصوص من مصادرها، وصححنا بعض الأخطاء التي وقع فيها المؤلف كخلطه بين الكندي الفيلسوف وعبد المسيح بن إسحق الكندي الذي كتب رسالة في الدفاع المسيحية عزاها المؤلف إلى الكندي الفيلسوف. وقد عوننا في ذلك غير قليل من العلماء والأصدقاء نذكرهم هنا اعترافاً بفضلهم السيد الحاخام الأكبر الذي ساعدنا في تحقيق كثير من الأسماء والنصوص العبرية في هذا الجزء والجزء الذي يليه والذي اغترفنا من بحر علمه ما روى غلتنا في هذا الميدان، ومنهم صديقنا الأديب الأستاذ كامل كيلاني الحجة في أبي العلاء الذي هدانا إلى كثير من النصوص المنقولة عنه وعن غيره للشعراء، والدكتور عبد الوهاب عزام، والدكتور يحيى الخشاب اللذان عانانا على تحقيق بعض الأسماء الفارسية، والأستاذ دريني خشبة الذي ترجم لنا شعراء رباعيتين لعمر الخيام لم نجدها في التراجم المطبوعة فضلاً عما استخرجه لنا من النصوص الأدبية الأخرى، والأستاذ أمين الشريف الذي وفر علينا كثيراً من المشقة بالبحث عن كثير من الأحاديث النبوية الشريفة، وأصدقاؤنا في دار الكتب، وكتبة وزارة التربية الذين يسروا




صفحة رقم : 4433




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> مقدمة الترجمة


لنا سبيل الحصول على المراجع أعظم تيسير. فهؤلاء جميعاً أقدم خالص الشكر عن نفسي وعن القراء. وإذا كان قد فاتنا شيء من هذه الناحية فإنا نعتذر عنه مقدماً ونتقبل شاكرين ما يهدينا إليه القراء لنتداركه في الطبعة الثانية إن شاء الله، وعذرنا أننا بذلنا كل ما نستطيع من جهد للوصول إلى الحقيقة كاملة، ونقول كما يقول ابن خلكان، والتمثيل مع الفارق بطبيعة الحال: "فمن وقف على هذا الكتاب من أهل العلم ورأى فيه شيئاً من الخلل فلا يعمل بالمؤاخذة فيه، فإني توخيت فيه الصحة حسبما ظهر لي، مع أنه كما يقال:
أبي الله أن يصح إلا كتابه. ولكن هذا جهد المقل، وبذل الاستطاعة، وما يكلف الإنسان إلا ما تصل قدرته إليه، وفوق كل ذي علم عليم...والله يستر عيوبنا بكرمه الضافي، ولا يكدر علينا ما منحنا من مشرع عظاته النمير الصافي إن شاء الله تعالى بمنه وكرمه".
هذا وسيرى القارئ أن المؤلف قد أنصف الحضارة الإسلامية فشاد بفضلها وأوضح ما كان لها من أثر خالد في حضارة أوربا والعالم أجمع وما يدين به العالم الحديث لهذه الحضارة، ثم هو يعتذر في آخر هذا الجزء عن تقصيره في هذه الناحية. وكان لا بد له أن يمهد لوصفه تلك الحضارة بفصول عن باعثها عليه الصلاة والسلام وعن القرآن والدين، ولم تفته الإشادة بمحاسنه وفضائله. على أننا لم نشأ أن نترك هذه الفصول كما هي لما عساه أن يكون فيها من أخطاء أو سوء فهم أو نستقل برأينا فيها، فعرضنا الأمر على الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية فعهدت إلى الأستاذ الجليل الدكتور محمد يوسف موسى أن يعلق على هذه الفصول فكتب التعليق القيم الوارد في هوامشها والذي ذيل باسمه(ي). وقد أضفنا نحن من عندنا تعليقات أخرى على هذه الأجزاء وعلى سائر فصول الكتاب ذيلناها بلفظ (المترجم).




صفحة رقم : 4434




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> مقدمة الترجمة


وكان هذا أيضاً هو رأي إخواننا أعضاء مجلس إدارة لجنة التأليف، ونرجو أن نكون قد سلكنا هذا الطريق الصحيح.
ولا يسعنا أن نختم هذه المقدمة قبل أن نقدم جزيل الشكر مرة أخرى للإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية صاحبة المشروع وأكبر عون فيه، وللجنة التأليف والترجمة والنشر ناشرة الكتاب، والقراء الكرام في مصر والبلاد العربية التي شجعونا بإقبالهم على الأجزاء السابقة على مواصلة الجهد في هذا العمل الشاق، وفقنا الله وإياهم إلى الخير، وهدانا الصراط المستقيم.
محمد بدران




صفحة رقم : 4435




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب








الكتاب الثاني




الحضارة الإسلامية




569- 1258




الباب الثامن




محمد صلى الله عليه وسلم




570-632




الفصل الأول




جزيرة العرب


توفي جستنيان في عام 565 وهو سيد إمبراطورية عظيمة، بعد خمس سنين من وفاته ولد محمد (صلى الله عليه وسلم) في أسرة فقيرة في إقليم ثلاث أرباعه صحراء




صفحة رقم : 4436




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







مجدية قليلة السكان، أهله من قبائل البدو الرحل، إذا جمعت ثروتهم كلها فإنها لا تكاد تكفي إنشاء كنيسة أو صوفيا. ولم يكن أحد في ذلك الوقت يحلم أنه لن يمضي قرن من الزمان حتى يكون أولئك البدو قد فتحوا نصف أملاك الدولة البيزنطية في آسية، وجميع بلاد الفرس، ومصر، ومعظم شمالي أفريقية، وساروا في طريقهم إلى أسبانيا. والحق أن ذلك الحادث الجلل الذي تمخضت عنه جزيرة العرب، والذي أعقبه استيلاؤها على نصف عالم البحر المتوسط ونشر دينها الجديد في ربوعه، لهو أعجب الظواهر الاجتماعية في العصور الوسطى.
وبلاد العرب أكبر أشباه الجزائر في العالم، ويبلغ أكبر أطوالها 1400 ميل وأكبر عروضها 1250 ميلاً، وهي من الوجهة الجيولوجية امتداد للصحراء الكبرى، وجزء من الإقليم الصحراوي الرملي يمتد إلى صحراء جوبي مخترقاً بلاد فارس. ومعنى "عرب" قحل . وبلاد العرب هضبة واسعة ترتفع على مسافة ثلاثين ميلاً من البحر الأحمر ارتفاعاً فجائياً إلى 12.000قدم، تنحدر نحو الشرق انحداراً سهلاً في أرض جبلية جدباء حتى تصل إلى الخليج الفارسي. وفي وسط الجزيرة عدد من الواحات الكلئة، والقرى ذات النخيل، نشأت حيث يمكن الحصول على الماء بحفر الآبار. وتمتد الرمال حول هذه المراكز مئات الأميال في جميع الجهات. ويسقط الثلج في تلك البلاد مرة كل أربعين عاماً، وتنخفض درجة الحرارة فيها بالليل إلى 3o، أما شكس النهار فتلفح الوجوه وتغلي الدم في العروق، والهواء المحمل بالرمال يضطر الأهلين إلى لبس الأثواب الطوال،





صفحة رقم : 4437




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







وشد غطاء الرأس بالعقال لوقاية الجسم والشعر. وتكاد المساء تكون على الدوام صافية خالية من الغيوم، والهواء "يشبه النبيذ البراق". ويسقط المطر أحياناً قرب شاطئ البحر صالحاً لقيام الحضارة، وأكثر ما يكون ذلك على الساحل الغربي في بلاد الحجاز حيث نشأت بلدتا مكة والمدينة، وفي الطرف الجنوبي الغربي من بلاد اليمن موطن الممالك العربية القديمة.
ويسجل نقش بابلي (يرجع تاريخه إلى حوالي عام 2400ق.م). هزيمة لحقت بملك ماجان على يد نارام سن الحاكم البابلي. وقد كانت ماجان هذه عاصمة المملكة المعينية التي كانت قائمة في الجنوب الغربي من جزيرة العرب. وقد عُرف خمسة وعشرون من ملوكها الذين حكموها بعد هذه الهزيمة من نقوش عربية يرجع تاريخها إلى عام 800 ق.م. وثمة نقش آخر يرجعه بعضهم إلى 2300ق.م وإن كانوا غير واثقين من هذا. وقد ورد في هذا النقش اسم مملكة عربية أخرى هي مملكة سبأ في بلاد اليمن. ومن سبأ أو من مستعمراتها في القسم الشمالي من بلاد العرب-لأن هذا موضع خلاف بين المؤرخين-"ذهبت" ملكة سبأ إلى سليمان حوالي عام 950 ق.م. وقد اتخذ ملوك سبأ مأرب عاصمة لهم، وخاضوا حروب "الدفاع" المعتادة، وأنشئوا أعمالاً عظيمة للري كسدود مأرب (التي لا تزال آثارها باقية إلى الآن)، وشادوا الحصون والهياكل الضخمة، ووهبوا كثيراً من المال للشئون الدينية، واتخذوا الدين وسيلة للحكم(2). والنقوش التي خلفوها-والتي لا ترجع في أغلب الظن إلى ما قبل عام 900ق.م-منحوتة نحتاً جميلاً بحروف هجائية. وكانت بلادهم تنتج الكندر والمر اللذين كان لهما أيما شأن في الشعائر الدينية الأسيوية والمصرية، وكانوا يسيطرون على التجارة بين الهند ومصر، وعلى الطرف الجنوبي




صفحة رقم : 4438




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







من طريق القوافل الذاهب إلى البتراء وبيت المقدس ماراً بمكة والمدينة. وحدث حوالي عام 115 ق.م أن قامت مملكة صغيرة أخرى في الجنوب الغربي من بلاد العرب هي مملكة الحميرين، فهاجمت مملكة سبأ، وغلبتها على أمرها، وظلت بعد هذا الوقت تسيطر على تجارة بلاد العرب عدة قرون. وفي عام 25 ق.م غضب أغسطس من سيطرة بلاد العرب على التجارة المتبادلة بين مصر والهند فسير جيشاً بقيادة جالوس Aelius Gallus للاستيلاء على مأرب. وأضل الأدلاء العرب الفيالق الرومانية، وأهلكهم الحر والمرض، وعجزت الحملة عن تحقيق غرضها، ولكن جيشاً رومانياً آخر نجح في الاستيلاء على عدن، وانتقلت بذلك السيطرة على التجارة بين مصر والهند إلى يد روما. (وقد فعل البريطانيون ذلك بعينه في الوقت الحاضر).
وفي القرن الثاني قبل الميلاد عبر بعض الحميريين البحر الأحمر، واستعمروا بلاد الحبشة، ونشروا الثقافة السامية بين أهلها الزنوج، كما أدخلوا فيها الكثير من الدم السامي . وتلقى الأحباش من مصر وبيزنطية الدين المسيحي والصناعات اليدوية والفنون. وكانت سفنهم التجارية تجوب البحار وتوغل فيها إلى الهند وسرنديب(2). وكانت سبع ممالك صغيرة تقر بالسيادة للنجاشي .




صفحة رقم : 4439




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







هذا في الحبشة أما في بلاد العرب نفسها فإن كثيرين من الحميريين ساروا على سنة ملكهم ذي نواس، واعتنقوا الدين اليهودي، واندفع ذو نواس في حماسته الدينية فأخذ يضطهد المسيحيين المقيمين في الجنوب الغربي من جزيرة العرب، فاستغاث هؤلاء ببني دينهم، واستجاب الأحباش إلى دعوتهم، وهزموا ملوك الحميريين (522م)، وأجلسوا على عرش البلاد أسرة حبشية. وتحالف جستنيان مع الدولة الجديدة، ورد الفرس على هذا بأن انحازوا إلى جانب ملوك حمير المخلوعين وطردوا الأحباش، وأقاموا في بلاد اليمن حكماً فارسياً (575) انتهى بعد ستين عاماً أو نحوها حين فتح المسلمون بلاد الفرس.
وازدهرت بعض الممالك العربية الصغرى في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة، ولكنها لم تدم طويلاً. فقدد ظل مشايخ بني غسان يحكمون الجزء الشمالي الغربي والقسم المحيط بتدمر من بلاد سوريا من القرن الثالث إلى القرن السابع تحت سيادة بيزنطية. وأنشأ ملوك بني لحم في الحيرة القريبة من بابل في هذا الوقت عينه بلاطاً نصف فارسي، وتقفوا ثقافة فارسية اشتهرت بموسيقاها وشعرها. ويرى من هذا أن العرب انتشروا شمالاً في سوريا والعراق قبل الإسلام بزمن طويل.
وكان النظام السياسي السائد في بلاد العرب قبلا الإسلام، إذا استثنينا هذه الممالك الصغرى في الجنوب والشمال، وهو النظام البدائي الذي يقوم على رابطة القرابة والذي تجتمع الأسر بمقتضاه في عشائر وقبائل. بل إن هذه الممالك الصغرى نفسها لم تكن تخلو من قسط كبير من هذا النظام القبلي. وكانت القبيلة تسمى باسم أب لها مزعوم عام، فالغساسنة مثلاً كانوا أنهم "أبناء غسان"، ولم يكن لبلاد العرب بوصفها وحدة سياسية وجود قبل عصر النبي إلا في مسميات اليونان غير الدقيقة، فقد كانوا يسمون جميع الساكنين في شبه الجزيرة باسم السركنوي Sarakenoi، ومن هذا الاسم اشتق اللفظ الإنجليزي Saracens، ويلوح أنه هو




صفحة رقم : 4440




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







نفسه مشتق من لفظ "الشرقيين" العربي. وكانت قلة سبل الاتصال وصعوبتها مما اضطر أهل البلاد إلى أن يعملوا على الاكتفاء بأنفسهم من غيرهم، كما أنهما كانتا سبباً في نمو روح العزلة فيهم، فالعربي لم يكن يشعر بواجب أو ولاء لأية جماعة أكبر من القبيلة، وكانت قوة ولائه تتناسب تناسباً عكسياً مع سعة الجماعة التي يدين لها بهذا الولاء، فلم يكن يتردد في أن يقدم وهو مرتاح الضمير على ما لا يقدم عليه الرجل المتحضر إلا من أجل بلاده أو دينه أو "عنصره"، أي أن يكذب، ويسرق، ويقتل، ويموت. وكان يحكم كل قبيلة أو بطن من القبيلة شيخ يختاره رؤساء العشائر فيها من بيت اشتهر من زمن بعيد بثرائه، أو سداد رأيه، أو شدة بأسه في القتال.
وكان الرجال في القرى ينتزعون بعض الحب والخضر من التربة الضنينة، ويربون بعض الماشية القليلة العدد، وبعض الجياد الكريمة، ولكنهم كانوا يجدون أن زراعة بساتين النخيل، والخوخ، والمشمش، والرمان، والليمون، والبرتقال، والمز، والتين أجدى لهم وأعود بالربح عليهم. ومنهم من كان يعنى بزراعة النباتات العطرة كالكندر، والسعتر، والياسمين، والخزامي، وكان بعضهم يستخرجون العطر من ورد الجبال، وبعضهم يحفرون سيقان الأشجار ليستخرجوا منها المر أو البلسم. وربما كان جزء من اثني عشر جزءاً من السكان يعيشون في المدن القائمة على الساحل الغربي أو بالقرب منه. وكان في هذا الساحل عدد من المرافئ والأسواق تتبادل منها تجارة البحر الأحمر. وفي داخل البلاد كانت تسير طرق القوافل الكبرى إلى بلاد الشام.
ونحن نسمع عن تجارة بين بلاد العرب ومصر منذ عام 2743م؛ وأكبر الظن أن الاتجار مع الهند لم يكن يقل قدماً عن الاتجار مع مصر. وكانت الأسواق والمواسم السنوية تستدعي التجار إلى هذه تارة وإلى تلك تارة أخرى، وكان




صفحة رقم : 4441




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







يجتمع في سوق عكاظ الشهيرة القريبة من التجار، والممثلين، والخطباء، والمقامرين، والشعراء، والعاهرات.
وكان خمسة أسداس السكان بدواً رحلاً، يشتغلون بالرعي وينتقلون بقطعانهم من مرعى إلى مرعى حسب فصول السنة وأمطار الشتاء. والبدوي يحب الخيل، ولكن الجمل أعز أصدقائه في الصحراء، فهو يسير ويهتز في وقار، وإن كان لا يقطع إلا ثمانية أميال في الساعة، ولكنه يستطيع أن يصبر على الماء خمسة أيام طوال في الصيف، وخمسة وعشرون يوماً في الشتاء. والناقة تدر اللبن، وبول الجمل مفيد في تقوية الشعر ، وروثه يمكن أن يُتخذ وقوداً، وإذا ذُبح أكل لحمه، وصُنعت الثياب والخيام من جلده ووبره. وبهذه المقومات المختلفة الأنواع كان في وسع البدوي أن يواجه حياة الصحراء متجلداً كجمله، مرهف الحس نشيطاً كجواده. والبدوي قصير القامة، نحيف الجسم، مفتول العضلات، قوي البنية، في وسعه أن يعيش أياماً متوالية على قليل من التمر واللبن، وكان يستخرج من البلح نفسه خمراً يرتفع بها من تراب الأرض إلى خيال الشعراء. وكان يدفع عن نفسه ملل الحياة الرتيبة وسآمتها بالحب والحرب، وكان يسرع كما يسرع الأسباني (الذي ورث عنه سرعة غضبه) إلى الانتقام لما عساه أن يوجه إليه أو إلى قبيلته من إهانة أو أذى. وكان يقضي جزءاً كبيراً من حياته في الحرب التي تستعر نارها بين القبائل المختلفة، ولما أن فتح بلاد الشام، وفارس، ومصر، وأسبانيا لم يكن عمله هذا إلا توسعاً منه في غارات النهب التي كان يشنها في أيام الجاهلية وإن اختلف الغرض في هذه عن تلك.
وكان من بعض أوقات السنة هدنة مقدسة للحج أو للتجارة، أما في غير هذه الأوقات فكان يرى أن الصحراء ملكه الخاص، وأن كل من




صفحة رقم : 4442




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







يدخلها في غير هذه الأشهر الحرم ومن غير أن يؤدي له ما يفرضه من إتاوة، معتد عليه معلى وطنه، وأن نهب أموال هذا المعتدي ليس إلا ضريبة تُجبى منه بأهون السبل, وكان يحتقر حياة الحضر، لأن معناها الخضوع لمطالب القانون والتجارة، ويحب الصحراء القاسية لأنه يتمتع فيها بكامل حريته، وكان البدوي رحيماً وسفاكاً للدماء، كريماً وبخيلاً، غادراً وأميناً، حذراً وشجاعاً، ومهما يكن فقيراً، فإنه كان يواجه العالم بمهابة وأنفة، ويزهو بنقاء دمه ويولع بأنه يضيف إلى اسمه سلسلة نسبه.
كان لدى البدوي أمر لا يقبل فيه جدلاً، ذلك هو جمال نسائه الذي لا يدانيه في نظره جمال. لقد كان جمالاً أسمر، قوياً، يفتن اللب، خليقاً بأن يتغزل فيه بعشرات المئات من الأغاني الشعرية، ولكنه جمال قصير الأجل سرعان ما يذوى في جو الصحراء القائظ. وكانت حياة المرأة العربية قبل أيام النبي تنتقل من حب الرجل لها حباً يقترب من العبادة إلى الكدح طوال ما بقي من حياتها، ولم تتغير هذه الحياة فيما بعد إلا قليلاً . وكان في وسع أبيها أن يئدها حين مولدها إذا رغب في هذا، فإن لم يفعل فلا أقل من أن يحزن لمولدها، ويواري وجهه خجلاً من الناس، لأنه يحس لسبب ما أن جهوده قد ذهبت أدراج الرياح، وكانت طفولتها الجذابة تستحوذ على قلبه بضع سنين، ولكنها حين تبلغ السنة السابعة أو الثامنة من عمرها كانت تُزوج لأي شاب من شبان القبيلة يرضى والده أن يؤدي للعروس ثمنها . وكان حبيبها وزوجها يحارب العالم كله إذا لزم الأمر ليحميها، أو يدافع عن شرفها. وقد انتقلت بعض مبادئ هذه الشهامة المتطرفة مع




صفحة رقم : 4443




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







هؤلاء العشاق المتيمين إلى أسبانيا. ولكن هذه المعبودة كانت إلى هذا سلعة من السلع، فقد كانت جزءاً من أملاك أبيها، أو زوجها، أو ابنها، تُورَث مع هذه الأملاك، وكانت على الدوام من خدم الرجل، وقلما كانت رفيقته. وكان يطلب إليها أن تلد له كثيراً من الأبناء، والأبناء الذكور بطبيعة الحال، لأن واجبها أن تنجب المحاربين، ولم تكن في كثير من الأحوال إلا زوجة واحدة من كثيرات من الزوجات وكان في وسع الرجل أن يخرجها من بيته متى شاء.
ولكن مفاتنها لم تكن تقل عن الحرب إلهاماً لخيال الشعراء، وموضوعاً لشعرهم، وكان العربي قبل الإسلام أمياً ولكن حبه للشعر لم يكن يزيد عليه إلا حبه للخيل والنساء والخمر. ولم يكن بين العرب في الجاهلية علماء أو مؤرخون ولكنهم كانوا مولعين بفصاحة اللسان، وصحة الكلام، والشعر المختلف المعقد الأوزان. وكانت اللغة العربية قريبة الشبه باللغة العبرية، معقدة في تصريفها، غنية بمفرداتها، دقيقة في الفروق بين ألفاظها، قادرة في ذلك الوقت على التعبير عن جميع أحاسيس الشعراء وفيما بعده عن جميع دقائق الفلسفة. وكان العرب يفخرون بقدم لغتهم وكمالها، يولعون بترديد مقاطعها العذبة في خطبهم الرنانة وشعرهم الجذل ونثرهم الرصين، يأخذ بلبهم شعر الشعراء الذين كانوا يعيدون على أسماعهم في القرى والمدن، وفي مخيمات الصحراء أو الأسواق، مغامرات أبطالهم أو قبائلهم أو ملوكهم في الحب أو الحرب في قصائد طوال من الشعر الموزون المقفى. وكان الشاعر العربي مؤرخ العرب، وجامع أنسابهم، وهجاءهم، والمعتني بفضائلهم، وناقل أخبارهم، وما همهم، وداعيهم إلى القتال. وإذا نال الشاعر جائزة في إحدى المباريات الشعرية الكثيرة التي كانت تعقد من آن إلى




صفحة رقم : 4444




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







آن، كانت قبيلته كلها تعد ذلك شرفاً لها تبتهج له أعظم ابتهاج؛ وكانت أهم هذه المباريات كلها تعقد كل عام في سوق عكاظ، حيث كانت تتنافس القبائل في كل يوم تقريباً مدى شهر كامل على لسان شعرائها. ولم يكن في هذا السوق محكمون غير الجماهير المنصتة التي تبدي استحسانها لما تسمع أو احتقارها له . وكانت أحسن القصائد التي تقال في هذه السوق تكتب بحروف جميلة براقة فسميت من أجل ذلك "بالمذهبات"، وكان يُحتفظ بها في خزائن الأمراء والملوك تراثاً خالداً قيماً. وكان العرب يسمون هذه القصائد أيضاً بالمعلقات لأن الفائز منها-كما تقول القصص المتواترة-قد كتبت على الحرير المصري بأحرف من ذهب وعُلقت على جدران الكعبة في مكة.
وقد بقيت من هذه المعلقات التي قبلت في الجاهلية سبع قصائد يرجع تاريخها إلى القرن السادس الميلادي، وهي قصائد طوال من الشعر المقفى المعقد الأوزان، وموضوعها في العادة هو الحب أو الحرب. وتقص إحداها وهي معلقة لبيد قصة جندي عاد من الحرب إلى قريته وبيته حيث كان قد ترك زوجته، فوجد بيته خالياُ، وقد غادرته الزوجة مع رجل غيره. ويصف لبيد منظر هذا البيت الخيالي بحنان لا يقل عن حنان جولد سمث . ويزيد عليه في فصاحة الشعر وقوة التعبير. وفي معلقة أخرى تستحث النساء الرجال إلى الحرب بقولهن:


ويها بني عبد الدار ويها حماة الديار




ضرباً بكل بتار




نحن بنات طارق لا ننثني لوامق






صفحة رقم : 4445




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب









نمشي على النمارق المسك في المفارق




والدر في المخانق إن تقبلوا نعانق




ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق




فراق غير وامق


وفي معلقة لأمرئ القيس أبيات تنم عن حب شهواني سافر:


وبيضة خدر لا يرام خباؤهـا تمتعت من لهو بها غير معجل




تجاوزت أحراساً إليها ومعشراً علي حرصاً لو يسرون مقتلي




إذا ما الثريا في السماء تعرضت تعرض أثناء الوشاح المفصل




فجئت وقد نضت لنوم ثيابها لدى الستر إلا لبسة المتفضل




فقالت يمين الله مالك حيلة وما أن أرى عنك الغواية تنجلي




خرجت بها أمشي تجر وراءنا على أثرينا ذيل مرط مرحل




فلما اجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبت حقاف عقنقل




هصرت بفودي رأسها فتمايلت على هضيم الكشح رياً المخلخل




مهفهفة بيضاء غير مفاضلة ترائبها مصقولة كالسجنجل




تصد وتبدي عن أسيل وتتقي بناظرة من وحش وجرة مطفل




وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش إذا هي نضته ولا بمعطل




وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيت كقنوة النخلة المتعثكل




غدائره مستشزرات إلى العلا تضل العقائص في مثنى ومرسل




وكشح لطيف كالجديل مخصر وساق كأنبوب السقي المذلل




وتضحي فتيت المسك فوق فراشها نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل




وتعطو برخص غير شئن كأنه أساريع ظبي أو مساويك أسحل




تضيء الظلام بالعشاء كأنها منارة ممس راهب متبتل






صفحة رقم : 4446




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







وكان شعراء الجاهلية ينشدون أشعارهم على نغمات الموسيقى، فجمعوا بذلك بين الشعر والموسيقى في صورة واحدة. وكان الناي، والمزهر، والدف أحب الآلات الموسيقية إليهم، وكثيراً ما كانت الفتيات المغنيات يُستدعين لتسلية الأضياف في الولائم. وكان في مجال الشراب عدد منهن، وكان عند ملوك الغساسنة عدد كبير من الفتيات ليفرجن عنهم متاعب الملك. ولما خرج أهل مكة لقتال النبي في عام 634 أخذوا معهم سرباً القيان ليلينهم ويشجعنهم على القتال، وكانت الأغاني العربية حتى في أيام الجاهلية أناشيد مشجية حزينة، لا تُستخدم فيها إلا ألفاظ قليلة نغمتها على الدوام في الدرجات العليا من السلم الموسيقي، وتكفي فيها أبيات قليلة لتشغل المعنى ساعة كاملة.
وكان للعربي ساكن الصحراء دينه الدال على حذقه ودهائه رغم بدائيته. فكان يهاب ويعبد أرباباً لا حصر لها في النجوم، والقمر، وفي أطباق الأرض، وكان حين إلى حين يطلب الرحمة من السماء المنتقمة، ولكنه لم يكن في الغالب يستبين سبيل الرشاد بين الجن المحيطين به، ولا يرى أملاً في استرضائهم، فغلب عليه من أجل ذلك النزعة الجبرية والاستسلام، فإذا دعاهم في رجولة ولم يطل الدعاء، ويستهزئ بالأبدية ولا يعبأ بها، وبيدوا أنه لم يكن يفكر كثيراً في الحياة بعد الموت، على أنه كان في بعض الأحيان يطلب أن يربط جمله بجوار قبره، وأن يُمنع عنه الطعام حتى يلحق به بعد قليل في الدار الآخرة، وينجيه من مذلة السير على قدميه في الجنة، وكان بين الفينة والفينة يقدم لآلهته الضحايا البشرية، كما كان في بعض الأماكن يعبد الأصنام الحجرية.
وكانت مكة مركز عبادة الأصنام. ولم يكن سبب قيام هذه المدينة المقدسة في موضعها الذي قامت فيه هو جودة مناخها، ذلك أن الجبال الجرداء التي تكاد تطبق عليها من جميع الجهات تجعل صيفها حار لا يطاق. وكان الوادي الذي تقوم




صفحة رقم : 4447




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







فيه غير ذي زرع، ولا يكاد يوجد في البلدة كلها كما عرفها محمد حديقة واحدة، ولكن موقعها في منتصف ساحل البلاد الغربي، وعلى بعد ثمانية وأربعين ميلاً من البحر الأحمر، جعلها محطة صالحة في طوق القوافل الطوال التي تجمع في بعض الأحيان ألف جمل بعضها وراء بعض، والتي كانت تحمل المتاجر بين جنوبي بلاد العرب (ومن ثم بين الهند وأفريقية الوسطى) وبين مصر، وفلسطين، وبلاد الشام. وكان التجار أصحاب هذه التجارة يؤلفون فيما بينهم شركات محاصة، ويسيطرون على أسواق عكاظ، ويقومون بالشعائر الدينية المجزية حول الكعبة وحجرها الأسود المقدس.
ومعنى الكعبة البيت المربع. واللفظ ذو صلة باللفظ الإنجليزي Cube (مكعب) ومن المعتقدات الشائعة أن الكعبة بنيت ثم أعيد بناؤها عشر مرات، فقد بناها في فجر التاريخ ملائكة السماء، وبناها في المرة الثانية آدم أبو البشر، وفي المرة الثالثة ابنه شيث، ثم بناها في المرة الرابعة إبراهيم وإسماعيل ابنه من هاجر... وبناها في المرة السابعة قصي زعيم قبيلة قريش، وبناها في المرة الثامنة كبار قريش في حياة محمد (605)، وبناها في المرتين التاسعة والعاشرة زعماء المسلمين عامي 681 و 696. والكعبة كما بنيت في المرة العاشرة هي كعبة هذه الأيام في معظم أجزائها. وهي مقدمة ي داخل بناء واسع هو المسجد الحرام. وهي بناء مربع من الحجر طولها أربعون قدماً، وعرضها خمسة وثلاثون، وارتفاعها خمسون، وفي ركنها الجنوبي الشرقي، وعلى بعد خمسة أقدام من سطح الأرض، الحجر الأسود، وهو حجر قاتم اللون بيضي الشكل قطره سبع بوصات. ويعتقد الكثيرون أن هذا الحجر قد نزل من السماء-ولعله كان صاعقة؛ ويقول معظمهم




صفحة رقم : 4448




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







إنه وجد بالكعبة من أيام إبراهيم، ويرى علماء المسلمين أنه رمز لذلك الفرع من أبناء إبراهيم فرع إسماعيل وأبنائه الذي نبذه بنو إسرائيل فكان منه آباء قبيلة قريش. ويؤيدون قولهم هذا بما جاء في المزمور الثامن عشر بعد المائة في الآيتين 22 و23 "الحجر الذي رفضه البناؤون صار رأس الزاوية"، وفي الآيتين 42 و43 من الإصحاح الحادي والعشرين من إنجيل متي، وهو قول عيسى بعد أن نطق بهذه العبارة العجيبة: "لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره" وإن لم يكن في وسع المسلمين أن يقولوا إنهم قد حققوا ما قاله عنهم المسيح .
وكان في الكعبة قبل الإسلام عدد من الأصنام تمثل معبودات العرب. منها، اللات، والعزى، ومناة. وفي وسعنا أن ندرك قدم عهد هذه الآلهة العربية إذا عرفنا أن هيرودوت قد ذكر الإلات (اللاَّت) على أنها من أكبر أرباب العرب. وكانوا يقولون لأهل مكة أن إلههم الأكبر رب أرضهم، وإن عليهم أن يؤدوا لها عشر محاصيلهم، والثمرة الأولى من نتاج قطعانهم. وكانت قريش، وهي التي تعزو نسبها إلى إبراهيم وإسماعيل، تختار من بين رجالها سدنة الكعبة وخدامها والمشرفين على مواردها المالية. وكانت أقلية أرستقراطية منه هم بنو قصي يتولون زمام الحكومة المدنية في مكة.
وكانت قريش في بداية القرن السادس منقسمة إلى فئتين متنافستين، إحداهما يتزعمها التاجر الثري الخير هاشم، والأخرى يتزعمها ابن أخيه أمية.




صفحة رقم : 4449




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> جزيرة العرب







وكان لهذا التنافس الشديد شأنه العظيم في تاريخ العرب بعد الرسالة. ولما توفي هاشم خلفه في زعامة بيته أخوه الأصغر عبد المطلب-وفي عام 568 تزوج عبد الله بن عبد المطلب بآمنة، وهي أيضاً من قصي، وأقام عبد الله مع عروسه أياماً قليلة سافر بعدها في بعثة تجارية. ومات في المدينة وهو راجع من سفره وبعد شهرين من وفاته (569) ولدت آمنة أعظم شخصية في تاريخ العصور الوسطى .




صفحة رقم : 4450




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في مكة








الفصل الثاني




محمد في مكة




569-622


[نكرر هنا ما ذكرناه في مقدمة هذا الجزء من أننا آثرنا أن نثبت هذه الفصول التي يتحدث فيها المؤلف عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن القرآن والدين الإسلامي كما أوردها حرصاً منا على الأمانة في الترجمة من جهة ولكي يطلع قراء العربية على بعض آراء الكتاب غير المسلمين من جهة أخرى سواء كانت هذه الآراء مما يتفق مع ما أجمع عليه أولئك القراء أولا يتفق معه. يضاف إلى ذلك أن هذه الفصول لا تخلو من كثير من الثناء على النبي وتمجيد للإسلام يصح أن يطلع عليه القراء. على أن إثباتنا لأقوال المؤلف لا يعني مطلقاً أننا نوافقه عليها. وقد ذكر وهو مسيحي في كلامه على المسيحية ما لا يوافقه عليه كثيرون من أبنائها كما ذكر عن اليهودية ما لا يوافقه عليه كثيرون من اليهود، ويجب أن لا يغفل القراء التعليقات التي أثبتناها في هوامش هذه الفصول].
لقد كان محمد من أسرة كريمة ممتازة، ولكنه لم يرث منها إلا ثروة متواضعة، فقد ترك له عبد الله خمسة من الإبل، وقطيعاً من المعز، وبيتاً، وأمة عنيت بتربيته في طفولته. ولفظ محمد مشتق من الحمد وهو مبالغة فيه، كأنه حمد مرة بعد مرة، ويمكن أن تنطبق عليه بعض فقرات في التوراة تبشر به. وقد توفيت أمه وهو في السادسة من عمره وكفله أولاً جده وكان وقتئذ في السادسة والسبعين من عمره ثم عمه أبو طالب ولقي منهما كثيراً من الحب والرعاية، ولكن يبدوا أن أحداً لم يعن بتعليمه القراءة والكتابة. ولم تكن لهذه الميزة قيمة عند العرب في ذلك الوقت، ولهذا لم يكن في قبيلة قريش كلها إلا سبعة عشر يقرءون ويكتبون. ولم يُعرَف عن محمد أنه كتب شيئاً بنفسه، وكان بعد الرسالة يستخدم كاتباً خاصاً له ولكن هذا لم يحل بينه وبين المجئ بأشهر وأبلغ كتاب




صفحة رقم : 4451




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في مكة







في اللغة العربية، أو بين قدرته على تعرف شؤون الناس تعرفاً قلما يصل إليه أرقى الناس تعليماً.
ولا نكاد نعرف عن شباب محمد إلا القليل، وكان ما يروى عنه من القصص قد ملأ عشرة آلاف مجلد. وتقول إحدى الروايات إن عمه أبا طالب قد أخذه معه وهو في الثامنة عشرة من عمره في قافلة إلى بصرى ببلاد الشام، وليس ببعيد أن يكون قد عرف في هذه الرحلة قليلاً من القصص الشعبية اليهودية والمسيحية. وتصور قصة أخرى بعد بضعة سنين من الرحلة السابقة مسافراً إلى بصرى في تجارة إلى السيدة خديجة وكانت وقتئذ أرملة غنية، ثم نراه في الخامسة والعشرين من عمره وقد تزوج فجأة بهذه السيدة وهي وقتئذ في الأربعين من عمرها وأم لعدة أبناء. ولم يتزوج غيرها حتى توفيت بعد ذلك بستة وعشرين عاماً، ولم يكن الاقتصار على زوجة واحدة أمراً مألوفاً عند أغنياء العرب في ذلك الوقت، ولكن لعله كان طبيعياً في حالتهما. وقد رزق منها عدة بنات أشهرهن كلهن فاطمة، كما رزق بولدين توفيا في طفولتهما. وقد وجد سلواه في تبني علي بن أبي طالب الذي مات عنه والده. وكانت خديجة سيدة طيبة، وزوجة صالحة، وتاجرة بارعة ظلت وفية لمحمد في صروف حياته الروحية، وظل يذكرها بعد وفاتها على أنها خير نسائه كلهن.
ويصف زوج فاطمة محمداً وهو في سن الخامسة والأربعين بقوله:
لم يكن الطويل الممغط ولا القصير المتردد، وكان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا السبط، وكان جعداً رجلاً، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، وكان أبيض مشرباً أدعج العينين أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، دقيق




صفحة رقم : 4452




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في مكة







المشربة، أجود شئن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معاً،...أجود الناس كفاً وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من آره بديهة، ومن خالطه أحبه، يقول ناعته "لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم".
وكان محمد مهيب الطلعة، لا يضحك إلا قليلاً، قادراً على الفكاهة ولكنه لا يترك العنان لهذه الموهبة، لأنه كان يعرف خطورة المزاح إذا نطق به من يتولى أمور الناس، ولم يكن قوي البنية، ولهذا كان مرهف الحس سريع التأثر، ميالاً إلى الانقباض كثير التفكير. كان إذا غضب أو تهيج انتفخت عروق وجهه بدرجة يرتاع لها من حوله ، ولكنه كان يعرف متى يهدأ من انفعاله، وكان في وسعه أن يعفو من فوره عن عدوه الأعزل إذا تاب.
وكان في بلاد العرب كثيرون من المسيحيين، وكان منهم عدد قليل في مكة، وكان محمد على صلة وثيقة بواحد منهم على الأقل ورقة بن نوفل ابن عم خديجة الذي كان مطلعاً على كتب اليهود والمسيحيين المقدسة. وكثيراً ما كان محمد يزور المدينة التي مات فيها والده، ولعله قد التقى هناك ببعض اليهود وكانوا كثيرين فيها. وتدل كثير من آيات القرآن على إعجابه بأخلاق المسيحيين، وبما في دين اليهود من نزعة إلى التوحيد، وبما عاد على المسيحية واليهودية من قوة كبيرة لأن لكلتيهما كتاباً مقدساً تعتقد أنه موحى من عند الله. ولعله قد بدا له أن ما يسود جزيرة العرب من شرك، ومن عبادة للأوثان، ومن فساد خلقي، ومن حروب بين القبائل وتفكك سياسي، نقول لعله قد بدا له أن حال بلاد العرب إذا قورنت




صفحة رقم : 4453




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في مكة







مورد رزقهم ، وكادوا يوقعون به أذى جسيماً لولا أن حماه عنهم عمه أبو طالب. ولم يعتنق أبو طالب الدين الجديد، ولكن إخلاصه لتقاليد العرب القديمة تحتم عليه أن يحمي كل فرد من أفراد قبيلته.
وكان خوف قريش من إثارة الفتنة الصماء بين العرب مانعاً لها من استخدام العنف مع محمد والأحرار من أتباعه، أما من آمنوا به من العبيد فقد كان في وسعهم أن يستخدموا من الأساليب ما يرونه كفيلاً بردهم عن الدين الجديد دون أن يخالفوا بذلك قوانين القبائل وتقاليدها.
فزجوا بعضهم في السجون وعرضوا البعض الآخر ساعات طوال إلى وهج الشمس وهم عراة الرؤوس. ومنعوا عنهم الماء وكان أبو بكر قد ادخر من تجارته خلال عدة سنين أربعين ألف قطعة من الفضة، فلما رأى ما كان يحدث لأولئك العبيد أنفق 35000 منها في تحرير أكبر عدد من العبيد المسلمين، ويسّر محمد الأمر بقوله إن المرتد المكره لا عقاب عليه وغضبت قريش من ترحيب محمد بالعبيد أكثر من غضبها من عقيدته الدينية. وظلت تضطهد من دخل في الإسلام من الفقراء اضطهاداً بلغ من القسوة حداً لم يسع النبي معه إلا أن يأذن لهم أو يشير عليهم بالهجرة إلى بلاد الحبشة، حيث رحب بهم ملكها المسيحي وأكرم وفادتهم(615).
وحدث بعد عام من لك الوقت حادثة كان لها من الشأن في تاريخ




صفحة رقم : 4458




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في مكة







الإسلام ما كان لإيمان بولس في تاريخ المسيحية. تلك هي اعتناق عمر بن الخطاب للدين الجديد بعد أن كان من ألد أعدائه وأشدهم عنفاً في مناهضته. وكان عمر رجلاً قوي الجسم، ذا مكانة اجتماعية عالية، وشجاعة أدبية تكاد تكون منقطعة النظير. وبعث إسلامه الثقة في قلوب المؤمنين المضطهدين، وهي ثقة ما كان أحوجهم إلها في ذلك الوقت كما كان سبباً في دخول كثيرين من العرب في الدين الجديد. وبدأ المسلمون من ذلك الوقت يدعون الناس جهرة في الشوارع والطرقات بعد أن كانوا من قبل لا يعبدون الله إلا سراً في بيوتهم. واجتمع المدافعون عن آلهة الكعبة وأقسموا أن يقطعوا كل صلة بينهم وبين من لا يزالون من بني هاشم يرون واجباً عليهم أن يدافعوا عن محمد. ورأى كثيرون من الهاشميين ومن بينهم محمد وأسرته حقناً للدماء أن ينسحبوا إلى شعب منعزلة في مكة يستطيع أبو طالب أن يدفع عنهم الأذى فيه (615). وظلت هذه الفرقة بين العشائر قائمة سنتين كاملتين عاد بعدها بعض رجال قريش إلى صوابهم فدعوا الهاشميين أن يعودوا إلى بيوتهم وتعهدوا ألا يمسوهم بسوء.
وابتهجت لهذه القلة المسلمة في مكة، ولكن ثلاثة خطوب ألمت بمحمد في عام 619، فقد توفيت في ذلك العام السيدة خديجة أوفى الناس له وأكثرهم تأييداً لدعوته، وتوفي أبو طالب الذي كان ينصره ويدافع عنه. وأحس محمد أنه لا يأمن على نفسه في مكة، وآلمه بطء انتشار الدعوة فيها، فهاجر إلى الطائف (620). وهي بلدة ظريفة بعيدة عن مكة بنحو ستين ميلاً إلى جهة الشرق، ولكن الطائف لم تقبله، لأن زعماءها لم يروا من مصلحتهم أن يغضبوا أشراف مكة التجار، ولأن العامة فزعوا من الدين الجديد فأخذوا يهزءون بمجمد في الشوارع، ويقذفونه بالحجارة، حتى سال الدم من ساقيه، فعاد إلى مكة، وتزوج أرملة تدعى سودة ، ثم خطب وهو في سن الخمسين عائشة بنت أبي بكر وكانت




صفحة رقم : 4459




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في مكة







وقتئذ فتاة حسناء في السابعة من العمر .
ولم ينقطع عنه الوحي في هذه الأثناء، وخيل إليه في ذات ليلة أنه انتقل من نومه إلى بيت المقدس، حيث رأى في انتظاره عند المبكى من أنقاض هيكل البُرَاق، وهو جواد مجنح فطار به إلى السماء، ثم عاد به منها، ثم وجد النبي نفسه بمعجزة أخرى آمناً في فراشه بمكة. وبفضل الإسراء أصبحت بيت المقدس ثالثة المدن المقدسة عند المسلمين .
وفي عام 620 أخذ محمد يبث الدعوة بين التجار الذين وفدوا على مكة ليحجوا إلى الكعبة، وقبل بعض التجار دعوته، لأن عقائد التوحيد، والرسول المبعوث من عند الله، ويوم الحساب كانت مألوفة عندهم، انتقلت إليهم من يهود المدينة. ولما عاد هؤلاء التجار إلى بلدهم أخذ بعضهم يدعون أصدقائهم إلى الدين الجديد، ورحب بعض اليهود بهذه الدعوة لأنهم لم يروا فارقاً كبيراً بين تعاليم محمد وتعاليمهم. وفي عام 622 أقبل على محمد في مكة سراً ثلاثة وسبعون رجلاً من أهل المدينة ودعوه إلى الهجرة إلى بلدهم واتخاذها موطناً له. فسألهم هل يدافعون عنه كما يدافعون عن أبنائهم، فأقسموا أن يفعلوا، ولكنهم سألوه عما يُجزون به إذا قُتلوا في أثناء دفاعهم عنه، فأجابهم بأن جزائهم هو الجنة.
وفي ذلك الوقت أصبح أبو سفيان حفيد أمية زعيم قريش في مكة، وكان قد نشأ في جو من الكراهية لبني هاشم، فعاد إلى اضطهاد أتباع محمد، ولعله




صفحة رقم : 4460




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في مكة







قد سمع أن النبي يعتزم الهجرة من مكة، وخشي أنه إذا استقر له الأمر في المدينة قد يشن الحرب على مكة وعلى آلهة الكعبة. وعهدت قريش بتحريضه إلى بعض رجالها أن يقبضوا على محمد، ولعلها عهدت إليهم أن يقتلوه، وعلم محمد بالخبر ففر هو وأبو بكر إلى غار ثور على بعد فرسخ من مكة، وظل رسل قريش يبحثون عنهما ثلاثة أيام ولكنهم عجزوا عن العثور عليهما. وجاء أبناء أبي بكر لهما بجملين فركباهما في أثناء الليل واتجها بهما شمالاً، وبعد أن ضلا سائرين عدة أيام قطعا فيها نحو مائتي ميل وصلا أخيراً إلى المدينة في 24 سبتمبر من عام 622. وكان قد سبقهم إليها مائتان من المسلمين بدعوى أنهم حجاج عائدون من مكة، ووقفوا عند أبواب المدينة ومعهم من أسلم من أهلها ليستقبلوا النبي، وبعد سبعة عشر عاماً من ذلك الوقت اتخذ الخليفة عمر اليوم الأول من السنة العربية التي حدثت فيها تلك الهجرة، وكان هو في ذلك العام يوم 16 يولية من سنة 622، البداية الرسمية للتاريخ الإسلامي.




صفحة رقم : 4461




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في المدينة








الفصل الثالِث




محمد في المدينة




622-630


تقع يثرب، التي سميت فيما بعد "مدينة النبي" على الحافة الغربية من الهضبة العربية الوسطى. وكانت إذا قورنت من حيث جوها بمكة بدت كأنها جنة عدن، وكان بها مئات من الحدائق وغياض النخل، والضياع. ولما دخل محمد المدينة تقدمت إليه طائفة في إثر طائفة وألحت عليه أن ينزل عندها ويقيم معها؛ وأمسك بعضها بزمام ناقته لتمنعه عن مواصلة السير وأصرت على ذلك إصراراً تمليه عليها تقاليدها العربية، وكان جوابه غاية في حسن السياسة فكان يقول لهم: "خلوا سبيلها فإنها مأمورة"، وبهذا لم يترك للغيرة سبيلاً إلى قلوبهم لأن الله وحده هو الذي يسير الناقة ويهديها إلى حيث تقف. وبنى محمد في المكان الذي وقفت فيه ناقته مسجداً وبيتين متجاورين أحدهما لسودة والآخر لعائشة، وأضاف إليهما مساكن أخرى لزوجاته الأخريات.
وكان حين غادر مكة قد قطع كثيراً من صلات القرابة، فلما جاء إلى المدينة اعتزم أن يستبدل بصلات الدم صلات الأخوة الدينية في الدولة الجديدة، كما أراد أن يقضي عل أسباب الغيرة بين المهاجرين الذين جاءوا من مكة والأنصار الذين أسلموا من أهل المدينة-وكانت بوادر هذه الغيرة قد بدت في ذلك الوقت-فآخى بين كل واحد من إحدى الطائفتين وزميل له من الطائفة الأخرى، وطلب إلى كلتيهما أن تصلي في المسجد مع أختها. وفي أول احتفال أقيم في المدينة صعد المنبر وقال بصوت عالٍ "الله أكبر" وردد المجتمعون النداء بأعلى صوتهم وسجد لله وهو لا يزال متجهاً بظهره إليهم، ثم نزل عن المنبر بظهره فلما وصل إلى آخره




صفحة رقم : 4462




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في المدينة







سجد لله ثلاث مرات وكان هذا السجود رمزاً للخضوع إلى الله والاستسلام له ومنه سمي الدين الجديد بالإسلام أي "الاستسلام" و"السلم"، وسمي أتباعه بالمسلمين. ثم التفت إلى الحاضرين وأمرهم أن يحافظوا على هذه الشعائر إلى أبد الدهر، ولا يزال المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يتبعون هذه السنة في الصلاة سواء كانت في مسجد، أو ضاربين في الصحراء أو في بلد غريب لا مسجد فيه. وتنتهي الصلاة بخطبة كانت في زمن النبي خبراً عن وحي وتوجيهاً لأعمال الأسبوع وسياسته. ذلك أن النبي كان ينشئ حكومة مدنية في المدينة. واضطر بحكم الظروف أن يخصص جزءاً متزايداً من وقته للمشاكل العملية المتصلة بالتنظيم الاجتماعي، والأخلاق، والعلاقات السياسية بي القبائل، ولشؤون الحرب، لأنه لم يكن ثمة حد فاصل بين الشؤون الدينية والدنيوية، بل اجتمعت هذه الشؤون كلها في يد الزعيم الديني كما كانت الحال عند اليهود.
فكان محمد في المدينة الرسول الديني والحاكم السياسي جميعاً، ولم ترضَ أكثرية العرب عن هذا الوضع وأخذت تنظر بعين الريبة إلى الدين الجديد وشعائره، وترى أن محمداً كاد يقضي على تقاليد العرب وحريتهم، وأنه كان يزج به في الحروب، وكان من هؤلاء يهود المدينة الذين ظلوا متمسكين بدينهم ولم ينقطعوا عن الاتجار مع قريش في مكة.
وقد عقد محمد مع أولئك اليهود عهداً ينم عن مهارة سياسية كبيرة، وقد جاء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن يتبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربقتهم يتعاقلون بينهم وهم يقدرون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة، وبنو الحارث، وبنو جشم،




صفحة رقم : 4463




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في المدينة







وبنو النجار، وبنو عمر بن عوف، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وإن ذمة الله واحدة، وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا مناصرين عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود وبينهم مواليهم وأنفسهم، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وسرعان ما قبلت هذا جميع قبائل اليهود في المدينة وما حولها قبيلة بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع.
وهاجرت إلى المدينة مائتا أسرة من مكة فنشأت فيها من جراء هذه الهجرة مشكلة الحصول على ما يكفي أهلها من الطعام وحل محمد هذه المشكلة كما يحلها كل الأقوام الجياع بالحصول على الطعام أنى وجد. ومن ذلك أنه أمر أتباعه بالإغارة على القوافل المارة بالمدينة، متبعاً في ذلك ما كانت تتبعه معظم القبائل العربية في ذلك الوقت . فلما كللت هذه الغارات بالنصر أعطى المغيرين أربعة أخماس الغنائم، واحتفظ بالخمس الباقي للأعمال الدينية والخيرية، وكان نصيب من استشهد في هذه الغزوات من حق أرملته، أما هو فكان جزاءه الجنة. وكثرت الغزوات، وتضاعف عدد المشتركين فيها، وارتاع لها تجار مكة الذين كانت حياتهم الاقتصادية تعتمد على سلامة قوافلهم، فأخذوا يدبرون أمر الانتقام من محمد والمسلمين. وكان من هذه الغارات واحدة حدثت في آخر يوم من شهر رجب أحد




صفحة رقم : 4464




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في المدينة







الأشهر الحرم التي كان العرب يمتنعون فيها عن جميع أعمال القتال، وقتل فيها رجل، وأساءت بذلك إلى سمعة أهل مكة والمدينة على السواء وإلى تقاليد العرب المرعية منذ القدم. وفي عام 623 جمع محمد نفسه ثلاثمائة من المسلمين المسلحين، واعترض طريق قافلة قادمة من الشام إلى مكة. وعلم أبو سفيان وكان على رأس القافلة بهذه الخطة، فغير طريقه، وأرسل إلى مكة من يطلب النجدة، وبعثت قريش بتسعمائة من رجالها، والتقى الجيشان الصغيران عند وادي بدر على بعد عشرين ميلاً جنوبي المدينة. ولو أن محمداً هُزم في هذه الغزوة لقضي عليه وعلى الإسلام في هذه المعركة، ولكنه قاد رجاله بنفسه وانتصر على قريش؛ وقويت بهذا النصر شوكة الإسلام، وعاد المسلمون إلى المدينة ومعهم كثير من الأسرى والغنائم (يناير عام 624)، وقتل من هؤلاء الأسرى بعض من كانوا أشد الناس اضطهاداً للمسلمين في مكة، وأطلق سراح الباقين نظير فدية كبيرة، ونجا أبو سفيان، وأنذر المسلمين بالانتقام.
ولما عاد إلى مكة أخذ يواسي أسر القتلى ويشجعهم، ويطلب عدم البكاء عليهم ورثائهم ويقول إن الحرب سجال وإنهم سيأخذون بثأرهم. ثم أقسم ألا يقرب زوجه إلا بعد أن يخرج مرة أخرى لقتال محمد.
واشتد ساعد محمد بهذا النصر، وجرى العرب بعده على الأساليب المألوفة في الحروب. من ذلك أن شاعرة تدعى عصماء هاجمته في شعرها فتسلل عمير، وهو مسلم ضرير إلى بيتها وطعنها وهي نائمة بسيفه في صدرهما طعنة بلغ من قوتها أن نفذ السيف من تحتها إلى فراشها. وفي اليوم التالي سأل محمد عميراً هل قتل عصماء فأجابه، يا رسول الله إني قد قتلتها، فقال "نصرت الله ورسوله يا عمير"؛ فقال عمير: "هل علي شيء من شأنها يا رسول الله؟" فأجابه بقوله إن هذا أمر "لا ينتطح فيه عنزان". ومنها أن رجلاً ممن اعتنقوا الدين اليهودي يدعى أبا عفك يناهز من العمر مائة عام هجا النبي فقتله بعضهم وهو نائم في فناء بيته، وارتد شاعر ثالث




صفحة رقم : 4465




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في المدينة







من أهل المدينة يدعى كعب بن الأشرف، وكانت أمه يهودية، حين انقلب محمد على اليهود، وكتب قصائد يحرض فيها قريشاً على أن يثأروا لهزيمتهم، وأثار غضب المسلمين بتشبيبه بنسائهم، فقال النبي "من لي بابن الأشرف؟" فلم يمضِ آخر النهار حتى كان رأس الشاعر ملقى أمام قدميه. وكان المسلمون يرون أن هذه الأعمال وأمثالها إن هي إلا دفاع مشروع عن أنفسهم من الخونة، فقد كان محمد رئيس دولة، وكان من حقه أن يصدر فيها الأحكام
ولم يطل حب اليهود من أهل المدينة لهذا الدين ذي النزعة الحربية، والذي بدا لهم أول الأمر شديد الشبه بدينهم، وأخذوا يسخرون من تفسير محمد لكتابهم المقدس، وقوله أنه هو الذي بشر به آباؤهم، وكان جوابه أن قال، كما أوحى إليه، إنهم حرفوا كتابهم، وقتلوا أنبياءهم، وأبوا أن يصدقوا المسيح. وكان قد اتخذ بيت المقدس قبلة يتجه إليها المسلمون في الصلاة، فاستبدل به في عام 624 مكة والكعبة، واتهمه اليهود بأنه قد عاد إلى عبادة الأوثان . وحدث في هذا الوقت أن زارت فتاة مسلمة سوق بني قينقاع اليهودي في المدينة، وبينا هي جالسة




صفحة رقم : 4466




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في المدينة







في حانوت صائغ إذ شبك يهودي خبيث قميصها من وراء ظهرها في أعلى ثيابها، فلما قامت ورأت ما فعل بها بكت مما لحقها عار فقتل أحد المسلمين اليهودي الأثيم، وقتل أخوه اليهودي المسلم، فجمع محمد أتباعه وحاصر يهود بني قينقاع في حيهم خمسة عشر يوماً، حتى استسلموا، فقبل استسلامهم وأمرهم أن يخرجوا بقضهم وقضيضهم من المدينة ويتركوا وراءهم جميع ممتلكاتهم، وكان عددهم في ذلك الوقت نحو سبعمائة.
ولا يسعنا إلا أن نعجب بأبي سفيان لأنه استطاع أن يكظم غيظه وينتظر بعد يمينه غير الطبيعية عاماً كاملاً قبل أن يقدم على قتال محمد. وفي أوائل 625 سار على رأس جيش تبلغ عدته ثلاثة آلاف رجل إلى جبل أحد على بعد ثلاثة أميال شمالي المدينة، وصحب الجيش خمسة عشر من النساء بينهن زوجات أبي سفيان ليثرن حماسة الجند بأغانيهن الحزينة ودعوتهن إياهم إلى الانتقام.
ولم يكن جيش المسلمين يزيد على ألف، وهُزم المسلمون في هذه الغزوة، وحارب فيها محمد بشجاعة عظيمة، وأصيب بعدة جروح وحُمل من الميدان. وقتل في المعركة حمزة عم النبي ومضغت كبده هند أشهر زوجات أبي سفيان، وكان أبوها، وعمها، وأخوها قد قتلوا جميعاً في غزوة بدر، وكان حمزة نفسه هو الذي قتل أباها، ثم لم تكتفِ بهذا بل صنعت لنفسها من جلده وأظافرهِ خلاخيل وأساور. وظن أبو سفيان أن محمداً قد مات، وعاد منتصراً إلى مكة . وبعد ستة أشهر من هذه الواقعة شفي النبي واستطاع أن يهاجم بني النضير، لأنهم أعانوا قريشاً على




صفحة رقم : 4467




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في المدينة







المسلمين وكانوا يأتمرون به ليقتلوه. وبعد أن حاصرهم ثلاثة أسابيع أذن لهم أن يهاجروا من المدينة على أن تأخذ كل أسرة معها حمل بعير. واستولى النبي على بعض ما كان لهم من بساتين النخيل الغنية، فكان بعضها له، ووزع مل بقي منها على المهاجرين . لقد كان محمد يرى أنه في حرب مع أهل مكة، وأن من حقه أن يؤمن نفسه بإبعاد الجماعات المعادية له عن جناحيه.
وعادت قريش وعاد أبي سفيان إلى مهاجمة المسلمين في عام 626 بجيش يبلغ 10.000 رجل يساعدهم يهود بني قريظة مساعدة جدية. ورأى محمد أنه لا يستطيع مقابلة هذه القوة الكبيرة في الميدان، ففضل أن يدافع عن المدينة بحفر خندق حولها. وحاصرتها قريش عشرين يوماً حتى فتَ في عضدهم المطر والعواصف، فعادوا إلى أوطانهم، وقاد محمد من فوره ثلاثة آلاف من المسلمين وهاجم بهم يهود بني قريظة، فلما استسلموا خيرهم بين الإسلام والموت.
وكان النبي في ذلك الوقت قد أصبح من مهرة القواد، فقد جهز في العشر السنين التي قضاها في المدينة خمساً وستين غزوة وسرية حربية قاد بنفسه سبعاً وعشرين منها، ولكنه كان إلى هذا سياسياً محنكاً، يعرف كيف يواصل الحرب بطريق السلم، وكان يشارك المهاجرين في الحنين إلى بيوتهم وأسرهم في مكة، ويشارك المهاجرين والأنصار جميعاً في الحنين إلى زيارة الكعبة، التي كانت في صباهم عزيزة عليهم وموضع إجلالهم.




صفحة رقم : 4468




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في المدينة







وفي عام 628 أرسل محمد إلى قريش يعرض عليهم الصلح، ويتعهد لهم بسلامة قوافلهم إذا رضوا أن يؤدي شعائر الحج في موسمه. وأجاب زعماء قريش بأنهم يشترطون لقبول هذا العرض أن يمضي قبله عام كامل من السلم، وأدهش محمد أتباعه بقبوله إياه ، ووقع الطرفان شروط هدنة تدوم عشر سنين، وحدثت بعدئذ غارة على يهود خيبر في مساكنهم الواقعة في الشمال الشرقي من المدينة على مسيرة ستة أيام منها، ودافع اليهود عن أنفسهم بأحسن ما يستطيعون من دفاع، وسقط منهم في أثناء ذلك ثلاثة وتسعون رجلاً، ثم سلم الباقون آخر الأمر، وسمح لهم بالبقاء في أماكنهم يزرعون الأرض، على شرط أن يسلموا جميع ممتلكاتهم ونصف محصولاتهم المستقبلة إلى الفاتحين. ولم يمس أحد من الباقين بسوء ما عدا زعيمهم كنانة وابن عمه فقد قطع رأساهما لأنهما أخفيا بعض ما يمتلكان، وضُمت صفية وهي فتاة يهودية في السابعة عشرة من عمرها كانت مخطوبة لكنانة ، إلى نساء النبي.




صفحة رقم : 4469




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> محمد في المدينة







وفي عام 629 دخل مسلمو المدينة، البالغ عددهم ألفين، مكة مسالمين، وانسحبت قريش إلى التلال لتجنب الاحتكاك بالمسلمين، وطاف محمد وأتباعهُ في أثناء ذلك بالكعبة سبع مرات. ومس محمد الحجر الأسود بعصاه مظهراً له دلائل الإجلال، ولكنه نادى ونادى بعده المسلمون "لا إله إلى الله". وكان لمسلك المسلمين المنفيين وحسن نظامهم، ووطنيتهم، وتقواهم أعظم الأثر في نفوس أهل مكة، فأسلم من قريش عدد من ذوي المكانة من بينهم خالد بن الوليد وعمر اللذين صارا فيما بعد من أعظم قواد المسلمين. وعرضت بعض القبائل المجاورة على النبي أن يؤمنها على دينها نظير مساعدتها إياه في القتال؛ ولما عاد إلى المدينة رأى أنه قد أصبح له من القوة ما يمكنه من الاستيلاء على مكة عنوة.
ولم يكن قد مضى من الهدنة إلا عامان، ولكن إحدى القبائل المتحالفة مع قريش أخلت بشروط الهدنة فهاجمت إحدى القبائل المسلمة ، فجمع النبي عشرة آلاف رجل وزحف بهم على مكة، وأدرك أبو سفيان قوة المسلمين فسمح لهم بأن يدخلوا مكة بلا مقاومة. وكان جواب محمد جواباً كريماً، فقد أعلن عفواً عاماً عن جميع أهل مكة عدا اثنين أو ثلاثة من أعدائه، وحطم الأصنام التي كانت في داخل الكعبة وحولها، ولكنه ترك الحجر الأسود في مكانه وأجاز تقبيله. ونادى بمكة مدينة الإسلام المقدسة، وأعلن أنه لن يدخلها بعد ذلك اليوم كافر، وامتنعت قريش بعدئذ عن كل مقاومة مباشرة، وأصبح الرجل المضطهد الذي هاجر من مكة منذ ثمان سنين صاحب الكلمة العليا في حياتها.




صفحة رقم : 4470




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> انتصار النبي








الفصل الرّابع




انتصار النبي


قضى النبي معظم العامين الباقيين من حياته في المدينة، وكان ينتقل فيها من نصر إلى نصر، فقد خضعت فيهما بلاد العرب كلها، بعد فتن قليلة الشأن، إلى سلطانه ودخلت في دين الإسلام. وجاء إلى المدينة كعب ابن زهير، أعظم شعراء العرب في ذلك الوقت، وكان قد هجا النبي في بعض قصائده، وأسلم نفسه إليه، واعتنق الإسلام، فعفا عنه النبي، وأنشأ الشاعر قصيدة عصماء في مديح النبي أجازه عليها ببردته ، وعاهد النبي المسيحيين في بلاد العرب، وأخذ على نفسه أن يحميهم وأن يكونوا أحرار في ممارسة شعائر دينهم نظير ضريبة هينة، ولكنه نهاهم عن الربا. ويقول المؤرخون إنه بعث الوفود إلى ملك الروم، وملك الفرس وإلى أمير الحيرة وبني غسان، يدعوهم إلى الدين الجديد؛ ويلوح أن أحداً منهم لم يرد على رسائله ، وكان يشهد بعين المستسلم الفيلسوف الحروب المشتعلة نارها بين فارس وبيزنطية وما جرته عل الدولتين من خراب، ولكنه يبدو أنه لم يفكر قط في توسيع سلطانه خارج حدود بلاد العرب .




صفحة رقم : 4471




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> انتصار النبي







وكانت أعمال الحكومة تشغل وقته كله، فقد كان يُعنى أشد العناية بكل صغيرة وكبيرة في شؤون التشريع والقضاء، والتنظيم المدني، والديني، والحزبي. وحتى التقويم نفسه قد عني بتنظيمه لأتباعه، فقد كان العرب يقسمون السنة كما يقسمها اليهود إلى اثني عشر شهراً قمرياً، وكانوا يضيفون إليها شهراً كل ثلاث سنوات لكي تتفق مع السنة الشمسية. فأمر النبي أن تكون السنة الإسلامية اثني عشر شهراً على الدوام كل منها ثلاثون يوماً أو تسعة وعشرون على التوالي، وكانت نتيجة هذا أن أصبحت السنة الإسلامية فيما بعد غير متفقة مع فصول السنة، وأن تقدم التقويم الإسلامي سنة كاملة على التقويم الجريجوري كل اثنتين وثلاثين سنة.
ولم يكن النبي مشرعاً علمياً، فلم يضع لأمته كتاباً في القانون أو موجزاً فيه، ولم يسر في تشريعه على نظام مقرر، بل كان يصدر الأوامر حسبما تمليه عليه الظروف. فإذا أدى هذا إلى شيء من التناقض أزاله بوحي جديد ينسخ القديم ويجعله كأنه لم يكن ، وحتى شؤون الحياة العادية كانت أوامره فيها تُعرض في بعض الأحيان كأنها موحى بها من عند الله. وكان اضطراره إلى تكييف هذه الوسيلة السامية بحيث تتفق مع الشؤون الدنيوية مما أفقد أسلوبه بعض ما كان يتصف به من بلاغة وشاعرية، ولكن لعله كان يشعر بأنه بهذه التضحية القليلة جعل كل تشريعاته




صفحة رقم : 4472




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> انتصار النبي







تصطبغ بالصبغة الدينية الرهيبة . ومع اضطلاع النبي بهذه الشؤون كلها فقد كان جم التواضع إلى درجة تحببه إلى النفوس، وكثيراً ما كان يعترف بأن ثمة أموراً لا يعرفها، ويحتج على الذين يظنونه أكثر من إنسان يجري عليه ما يجري على الناس جميعاً من موت ووقوع في الخطأ.
ولم يدعِ في يوم من الأيام أنه قادر على معرفة الغيب أو الإتيان بالمعجزات. لكنه مع هذا لم يكن يستنكف أن يستعين بالوحي بالأغراض البشرية والشخصية، كما حدث حين نزل الوحي مؤيداً زواجه من زوجة زيد متبناه . وتزوج النبي بعشر نساء وكانت له اثنتان من السراري هن مبعث الدهشة والحسد والتعليق والمدح عند الغربيين، ولكن علينا أن نذكر على الدوام أن نسبة الوفيات العالية من الذكور بين الساميين في العصر القديم وفي بداية العصور الوسطى جعلت تعدد الزوجات، في نظر هؤلاء الساميين، ضرورة حيوية تكاد تكون واجباً أخلاقياً. وكان تعدد الزوجات في نظر النبي أمراً عادياً مسلماً به لا غبار عليه، ولذلك كان يقبل عليه وهو مرتاح الضمير لا يبغي به إشباع الشهوة الجنسية، ويروى عن عائشة حديث عن النبي مشكوك في صحته يقول فيه "حبب إلي من




صفحة رقم : 4473




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> انتصار النبي







المساكن التي أقام بها واحداً بعد واحد كلها من اللبن، لا يزيد اتساعها على اثنتي عشرة أو أربع عشرة قدماً، ولا يزيد ارتفاعها على ثمان أقدام، سقفها من جريد النخل، وأبوابها ستائر من شعر المعز أو وبر الجمال. أما الفراش فلم يكن أكثر من حشية تُفرش على الأرض ووسادة، وكثيراً ما كان يُشاهد وهو يخصف نعليهِ؛ ويرقع ثوبه، وينفخ النار، ويكنس أرض الدار، ويحلب عنزة البيت في فنائه، ويبتاع الطعام من السوق. وكان يأكل بيده، ويلعق أصابعه بعد كل وجبة، وكان طعامه الأساسي التمر وخبز الشعير، وكان اللبن وعسل النحل كل ما يستمتع به من الترف في بعض الأحيان.
ولم يتعاطَ الخمر التي حرمها هو على غيره، وكان لطيفاً مع العظماء، بشوشاً في أوجه الضعفاء، عظيماً مهيباً أمام المتعاظمين المتكبرين، متسامحاً مع أعوانه، يشترك في تشييع كل جنازة تمر به، ولم يتظاهر قط بأبهة السلطان. وكان يرفض أن يوجه إليه شيء من التعظيم الخاص، يقبل دعوة العبد الرقيق إلى الطعام، ولا يطلب إلى عبد أن يقوم له بعمل يجد لديه من الوقت والقوة ما يمكنانه من القيام به لنفسه. ولم يكن ينفق على أسرته إلا القليل من المال رغم ما كان يرد إليه من الفيء وغيره من الموارد، أما ما كان ينفقه على نفسه فقد كان أقل من القليل. وكان يخص الصدقات بالجزء الأكبر من هذا المال، لكنه كان ككل الناس يعنى بمظهره الشخصي ويقضي في تلك العناية كثيراً من الوقت، فكان يتعطر ويكتحل، ويصبغ شعره، ويلبس خاتماً نقش عليه "محمد رسول الله" وربما كان الغرض من هذا الخاتم هو توقيع الوثائق والرسائل. وكان صوته موسيقياً حلواً يأسر القلوب، وكان مرهف الحس إلى أقصى حد، لا يطيق الروائح الكريهة، ولا صلصلة الأجراس، أو الأصوات العالية "واقصد في مشيك، واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير". وكان قلقاً عصبي المزاج، يُرى أحياناً كاسف البال، ثم ينقلب فجأة مرحاً كثير الحديث؛ وكان حلو الفكاهة فقد




صفحة رقم : 4475




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> انتصار النبي







قال مرة لأبي هريرة، وكان يتردد عليه كثيراً: "يا أبا هريرة زد غباً تزدد حباً". وكان محارباً صارماً لا يرحم عدواً ، وقاضياً عادلاً في وسعه أن يقسو ويغدر، ولكن أعماله الرحيمة أكثر من أن تُعد. وقد قضى على كثير من الخرافات الهمجية كفقء أعين بعض الحيوانات لوقايتها من الحسد، أو ربط بعير الميت عند قبرهم. وكان أصدقاؤه يحبونه حباً يقرب من العبادة، وكان أتباعه يجمعون بصاقه أو شعره بعد قصه، أو الماء الذي يغسل به يديه، لاعتقادهم أن في هذه الفضلات شفاء لهم من ضعفهم أو مرضهم.
وقد أعانه نشاطه وصحته على أداء جميع واجبات الحب والحرب ، ولكنه أخذ يضعف حين بلغ التاسعة والخمسين من عمره، وظن أن يهود خيبر قد دسوا له السم في اللحم قبل عام من ذلك الوقت فأصبح بعد ذلك الحين عرضة لحميات ونوبات غريبة. وتقول عائشة إنه كان يخرج من بيته في ظلام الليل، ويزور القبور، ويطلب المغفرة للأموات ، ويدعو الله لهم جهرة، ويهنئهم على أنهم موتى. ولما بلغ الثالثة والستين من عمره اشتدت عليه هذه الحميات، وحدث في إحدى الليالي أن شكت عائشة الصداع، وأن شكاه هو نفسه وسألها وهو يمازحها إلا تفضل أن تموت هي قبله، فتحظى بأن يدفنها رسول الله، فأجابته بحديثها المعهود، أنه حين يعود من دفنها سيأتي بعروس أخرى مكانها. وظلت الحمى تعاوده أربعة عشر يوماً بعد ذلك الوقت، وقبل وفاته بثلاثة أيام نهض من فراشه،




صفحة رقم : 4476




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> محمد صلى الله عليه وسلم -> انتصار النبي







ودخل المسجد وشاهد أبا بكر يؤم المسلمين للصلاة بدله، فجلس متواضعاً إلى جانبه حتى أتم صلاته. وفي اليوم السابع من شهر يونيه عام 632 توفي ورأسه على صدر عائشة.
وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا إن محمداً كان من أعظم عظماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحاً لم يدانه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله، وقل أن نجد إنساناً غيرة حقق كل ما كان يحلم به. وقد وصل إلى ما كان يبتغيه عن طريق الدين، ولم يكن ذلك لأنه هو نفسه كان شديد التمسك بالدين وكفى، بل لأنه لم يكن ثمة قوة غير قوة الدين تدفع العرب في أيامه إلى سلوك ذلك الطريق الذي سلكوه، فقد لجأ إلى خيالهم، وإلى مخاوفهم وآمالهم، وخاطبهم على قدر عقولهم، وكانت بلاد العرب لما بدأ الدعوة صحراء جدباء، تسكنها قبائل من عبدة الأوثان، قليل عددها متفرقة كلمتها، وكانت عند وفاته أمة موحدة متماسكة. وقد كبح جماح التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية والمسيحية، ودين بلاده القديم، ديناً سهلاً واضحاً قوياً، وصرحاً خلقياً قوامه البسالة والعزة القومية. واستطاع في جيل واحد أن ينتصر في مائة معركة، وفي قرن واحد أن ينشئ دولة عظيمة، وأن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم في نصف العالم.




صفحة رقم : 4477




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> شكله



الباب التاسع




القرآن




الفصل الأوَّل




شكله


لفظ القرآن مشتق من القراءة، ويطلق على كتاب المسلمين كله أو على كتاب المسلمين كله أو على أي جزء منه، وهو يتألف كما يتألف الكتاب المقدس، كتاب اليهود والمسيحيين، من أجزاء جمع بعضها إلى بعض. ويعتقد المسلمون أن كل حرف منه موحى به من عند الله، ويختلف عن التوراة في أنه كله نطق به رجل واحد، ومن اجل هذا بلا ريب لا يعادله في آثاره أي كتاب آخر جاء به رجل واحد. وقد أملى النبي في أوقات مختلفة من الثلاث والعشرين السنة الخيرة من حياته ما كان يوحى إليه من آياته ، وكان كل ما يُوحى به إليه يُكتب على الرق، أو الجلود، أو سعف النخيل، أو العظام ثم يحفظ مع الآيات السابقة دون أن يراعى في ذلك ترتيب زمني أو منطقي، ولم تجمع هذه الآيات كلها في كتاب واحد في حياة النبي، ولكن بعض المسلمين كانوا يحفظونها عن ظهر قلب، ولما مات عدد من هؤلاء القراء ولم يكن هناك من يخلفهم أمر الخليفة أبو بكر زيد بن ثابت كبير كتاب الوحي أن يبحث عن آيات القرآن ويجمعها، فجمع زيد أجزاءه من سعف النخيل، وألواح الحجارة البيضاء، وصدور الناس كما تقول الرواية المأثورة، فلما تم له ذلك نسخت منه عدة




صفحة رقم : 4478




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> شكله


صور. ولما كانت ألفاظه خالية من الحركات فقد اختلف بعض القراء في تفسير بعضها واختلفت نصوصها في مدن العالم الإسلامي الآخذ في الاتساع، فرأى الخليفة عثمان أن يقضي على هذا الاختلاف، وأمر زيداً وثلاثة من علماء قريش أن يراجعوا مخطوط زيد (651) ثم كتبت نسخ منه وأرسلت إلى دمشق والكوفة والبصرة، وظل القرآن من هذا الوقت محفوظاً نقياً محوطاً بأعظم العناية والتبجيل.
ومن شأن الظروف التي أحاطت بالقرآن أن تعرضه للتكرار وعدم الانسجام، فكل فقرة بمفردها تؤدي إلى غرض واضح0 فهي إما أن تقرر عقيدة، أو تأمر بصلاة أو دعاء، أو تسن قانوناً، أو تشهر بعدو، أو توجه إلى عمل، أو تروي قصة، أو تدعو إلى قتال، أو تعلن نصراً، أو تصوغ عهداً، أو تطلب مالاً، أو تنظم شعيرة دينية، أو تنص




صفحة رقم : 4479




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> شكله


على مبدأ أخلاقي، أو تضع نظاماً للتجارة، أو الصناعة، أو عمل من الأعمال المالية .
ولكننا لسنا واثقين من أن محمداً كان يريد جمع هذه الأجزاء المتفرقة كلها في كتاب واحد، فقد كان كثير منها حديثاً لرجل بعيه في وقت بعينه ، ويصعب فهمه دون معرفة واسعة بتاريخ ذلك الوقت وتقاليد أهله. وعدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وهي مرتبة حسب طولها، لا بحسب نزولها فإن لك غير معروف، فهو يبدأ بالسور الطوال وينتهي بالقصار، وإذا كانت قصار السور بوجه عام أقدم عهداً من طوالها، فإن القرآن تاريخ مقلوب . فالسور المدنية وهي التي يبدأ بها الكتاب




صفحة رقم : 4480




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> شكله


عملية في أغراضها عادية في أسلوبها، أما السور المكية فهي شعرية روحية وبها ينتهي الكتاب. وخليق بنا أن نبدأ بقراءته من نهايته .
وجميع السور ما عدا فاتحة الكتاب حديث من الله أو جبريل إلى النبي أو أتباعه أو أعدائه؛ وتلك هي الطريقة التي سار عليها أنبياء بني إسرائيل؛ وهي التي نراها في كثير من فقرات أسفار موسى الخمسة. وكان محمد يعتقد أنه ما من قانون أخلاقي يمكن أن يقع في النفوس وأن يُطاع طاعة تكفل للمجتمع النظام والقوة إلا إذا آمن الناس أنه منزل من عند الله. وهذه الطريقة تتفق مع الأسلوب الحماسي الفخم ومع البلاغة اللذين يسموان في




صفحة رقم : 4481




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> شكله


بعض الأحيان، عن أقوال للنبي أشعيا. وأسلوب القرآن وسط بين الشعر والنثر تتخلله كثير من الفقرات الموزونة المقفاة، ولكنها لا تتبع أوزاناً ولا قوافي خاصة منتظمة؛ وفي السور المكية الأولى نغمات موسيقية رنانة، وأسلوب جزل قوي لا يدركه كل الإدراك إلا الملمون باللغة العربية الذين يعطفون على الدين الإسلامي. ولغة القرآن هي اللغة العربية الفصحى الخالصة، وهو غني بالتشبيهات والاستعارات القوية الواضحة والعبارات الخلابة التي لا توائم ذوق الغربيين. وهو بإجماع الآراء خير كتاب وأول كتاب، في الأدب النثري العربي.




صفحة رقم : 4482




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> العقائد



الفصل الثاني




العقائد


من بين الأغراض التي يهدف لها الدين ان يكون سبيلاً إلى الحكم الأخلاقي، وليس من شأن المؤرخ أن يسأل هل هذا الدين أو ذاك حق أو باطل، وأنى له العلم المحيط بكل شيء والذي يوصله إلى هذه المعرفة؟ وإنما الذي يسأل عنه هو العوامل الاجتماعية والنفسانية التي أدت إلى قيام هذا الدين، وإلى أي حد أفلح في تحويل الوحوش إلى آدميين، والهمج إلى مواطنين صالحين، والصدور الفارغة إلى قلوب عامرة بالأمل والشجاعة، وعقول مطمئنة هادئة، وما مقدار ما تركه بعد ذلك من الحرية لتطور العقول البشرية، وما هو أثره في التاريخ؟
وترى اليهودية، والمسيحية، والإسلام أن أهم ما يحتاج إليه المجتمع السليم هو الإيمان بأن هذا الكون خاضع لحكم أخلاقي مسيطر على شؤونه-أي الإيمان بأنه مهما يكن في هذا الكون من شر، فإن عقلاً خيراً، يعجز الناس عن إدراك كنهه، يسيّر المسرحية الكونية إلى غاية عادلة نبيلة. والأديان الثلاثة التي أعانت على تكوين عقلية الناس في العصور الوسطى مجمعة كلها على أن هذه العقلية الكونية هي الله الواحد ذو الجلال. غير أن المسيحية قد أضافت إلى هذه العقيدة أن الله الواحد يظهر في ثلاثة أقانيم مختلفة، أما اليهودية والإسلام فتريان أن هذا الاعتقاد ليس إلا شركاً مقنعاً، وتعلنان وحدانية الله بأقوى الألفاظ وأشدها حماساً.وفي القرآن سورة خصصت كلها لهذا الغرض وهي السورة الثانية عشرة بعد المائة.




صفحة رقم : 4483




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> العقائد


ويردده المؤذن من فوق مائة ألف مئذنة كل يوم، فالله هو أصل الحياة ومنشؤها، ومصدر كل خير على ظهر الأرض. "وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج" (سورة الحج الآية 5) "فلينظر الإنسان إلى طعامه، أنا صببنا الماء صباً، ثم شققنَا الأرض شقاً، فأنبتنا فيها حباً، وعنباً وقضباً، وزيتوناً ونخلاً، وحدائق غلباً، وفاكهة وأباً" (سورة عبس الآيات 24-30)..."انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إنَّ في ذلكم لآياتٍ لقوم يؤمنون" (سورة الأنعام الآية 99).
والله أيضاً إله القوة "الله الذي رفع السمواتِ بغير عمدٍ ترونها... وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى... وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات" (سورة الرعد الآيتان الثانية والثالثة). ويقول في آية الكرسي الشهيرة "الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم" (سورة البقرة الآية 255).
والله مع سلطانه وعدله رحيم أبداً، فكل سورة من سور القرآن، ما عدا سورة التوبة، وكل رسالة يكتبها مسلم متمسك بدينه تبدأ بتلك العبارة الفخمة "بسم الله الرحمن الرحيم". ومع أن النبي لا يفتأ يُذكّر الناس بأهوال النار، فإنه لا يمل من الثناء على رحمة الله الأبدية.
والله كما يصفه القرآن يحيط علماً بكل شيء، "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" "ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد" (سورة ق16).
والله يعلم المستقبل كما يعلم الحاضر والماضي، وإذن فكل الأشياء سابقة في




صفحة رقم : 4484




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> العقائد


علمهِ، وكل شيء قد تقرر وتحدد منذ الأزل بإرادة الله، ومن ذلك مصير كل نفس وما سيصيبها من خير وشر. فالله يعلم منذ الأزل منذا الذي ينجو من العذاب وهو الذي "يُضِلُ مَنْ يَشاء ويُهدي مَنْ يَشاء" (سورة فاطر 8) "يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً" (سورة الإنسان 31) وكما أن يهوه قد طمس على قلب فرعون فجعله قاسياً، كذلك يقول الله عن الكافرين "إنا جعلنا في قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً، وإن تدعُهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً" (سورة الكهف 57)، وما من شك في أن المقصود من هذه الآية وأمثالها حث الناس على الإيمان.... غير أنه مع ذلك قول عنيف في أي دين، ولكن محمداً يؤكده بنفس القوة التي يؤكد بها القديس أوغسطين أمثاله. "ولو شئنا لآتينا كلَّ نفسٍ هُداها ولكنْ حَقَ القولُ مني لأملأنَّ جهنمَ مِن الجنةِ والناسِ أجمعين" (سورة السجدة 13). وهذا الإيمان بالقضاء والقدر جعل الجبرية من المظاهر الواضحة في التفكير الإسلامي ، وقد استعان بها النبي وغيره من الزعماء لبث الشجاعة في قلوب المؤمنين عند القتال لأن ساعة الموت لا يقدمها خطر ولا يؤخرها حذر. وبفضل هذه العقيدة لاقى المؤمنون أشد صعاب الحياة بجنان ثابت، ولكنها أيضاً كانت من الأسباب التي عاقت تقدم العرب وعطلت تفكيرهم في القرون المتأخرة.
ويتحدث القرآن كثيراً عن الملائكة والجن والشيطان. فأما الملائكة فهم رسل الله وهم الذين يحصون أعمال البشر الطيب منها والخبيث. والجان مخلوقون من النار، ويختلفون عن الملائكة في أنهم يأكلون ويشربون، ويتناكحون ويموتون، ومنهم الصالحون الذين يستمعون إلى القرآن (سورة الجن) ولكن




صفحة رقم : 4485




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> العقائد


معظمهم دون ذلك يقضون وقتهم في تضليل الناس وغوايتهم. وزعيم الجن الأشرار إبليس، وكان من قبل من الملائكة الأخيار ولكنه أبى أن يسجد لآدم فطرده الله من رحمته.
والمحور الذي تدور عليه المبادئ الأخلاقية في القرآن، كما هي الحال في كتاب العهد القديم، هو خوف العقاب ورجاء الثواب في الحياة الآخرة، "اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد" (سورة الحديد 20) وليس فيها محقق إلا شيء واحد هو الموت. وكان بعض العرب يعتقدون أن كل شيء ينتهي عند الموت، ويسخرون من عقيدة الدار الآخرة، ويقولون "إن هذا إلا أساطير الأولين" (سورة المؤمنون 83)، ولكن القرآن يؤكد بعث الجسم والروح (سورة القيامة 3-4) ولن يكون هذا البعث بعد الموت مباشرة، بل إن الموتى سينامون إلى يوم القيامة، ولكن نومهم هذا سيحملهم على الظن بأن استيقاظهم سيكون بعد موتهم على الفور. وعلم يوم القيامة عند الله وحده، ولكنه تسبقه علامات تنبئ بهِ، فإذا قرب ذلك اليوم ضعف إيمان الناس، وفسدت أخلاقهم، وكثر التشاحن والشقاق والحروب العوان، وتمنى العقلاء الموت. وستكون آخر النذر ثلاث نفخات في الصور، ففي النفخة الأولى تكسف الشمس، وتهوي النجوم، وتزول السموات، وتدك الجبال والمباني فلا تُرى فيها عوجاً ولا أمتاً، وتجف مياه البحر أو تتطاير لهباً (سورة طه 102 وما بعدها). وفي النفخة الثانية تهلك الخلائق جميعها-الملائكة والجن والبشر-إلا من رحم الله، وبعد أربعين عاماً ينفخ إسرافيل النفخة الثالثة فتقوم الجسام من القبور وتتصل بالأرواح، ويتجلى الله لعباده تحف بهِ الملائكة يحملون الكتب التي دونت فيها أعمال الناس جميعها وأقوالهم وأفكارهم .




صفحة رقم : 4486




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> العقائد


وتوزن الحسنات أمام السيئات ويحاسب الإنسان على ما قدمت يداه. ويتقدم الأنبياء فيشهدون على من رفضوا رسالتهم، ويشفعون لمن آمنوا بهم. ويسير الأخيار والأشرار جميعاً على الصراط-وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف-المعلق فوق الجحيم. فيسقط منه الأشرار والكفرة، ويجتازه المصلحون آمنين إلى الجنة، ولن يكون ذلك لما يستحقونه من عقاب أو ثواب بل لما ينالهم من رحمة الله . ذلك أن القرآن كبعض العقائد المسيحية يُعنى على ما يظهر بصحة الإيمان أكثر مما يعنى بالسلوك الطيب، فهو كثيراً ما ينذر من لا يقبلون دعوة النبي بعذاب النار في الآخرة (آل عمران الآيات 1 و63 و131وسورة النساء 56 و115 والأعراف والأنفال 50 والتوبة 63 الخ). وإذا لم تكن الذنوب كلها بدرجة واحدة ولا من نوع واحد فقد جعلت النار سبع طبقات في كل طبقة من العقاب ما يتناسب مع الذنب الذي ارتكبه المذنب، ففيها الحرارة التي تشوي الوجوه، وفيها الزمهرير، وحتى من يستحقون أخف العقاب يلبسون أحذية من نار، ويشرب الضالون المكذبون من الحميم وشرب الهيم (سورة الواقعة 40 وما بعدها)، وربما كان دانتي قد أبصر بعض الرؤى التي وصفها في ملهاته في القرآن.
وتختلف صورة الجنة في القرآن عن صورتها في ملهاة دانتي فهي في القرآن واضحة وضوح صورة النار والجنة هي مقر المؤمنين الصالحين والذين يموتون في سبيل الله،




صفحة رقم : 4487




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> العقائد


والفقراء يدخلونها قبل الأغنياء. ومقر الجنة في السماء السابعة الفلكية أو ما بعدها، وهي حديقة واسعة الأكناف تجري من تحتها الأنهار وتظللها الأشجار الظليلة، ويلبس فيها الصالحون ثياباً من سندس وإستبرق، ويحلون بالجواهر، ويتكئون على الآرائك، ويطوف عليهم ولدان مخلدون، ويأكلون فاكهة من أشجار تطأطئ أغصانها لهم ليملئوا من ثمارها أيديهم، فيها أنهار من لبن، وعسل، وخمر يشرب منها الصالحون (وإن كانت الخمر محرمة في الدنيا) في أكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون "لا يسمعون فيها لغواً ولا كذباً" (سورة النبأ 53)، "فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنسٌ قبلهم ولا جان...كأنهن الياقوت والمرجان" "وكواعب أترابا". "وعندهم قاصرات الطرف عين، كأنهن بيضٌ مكنون"، أجسامهن من المسك مبرأة من نقائص الأجسام البشرية وآثامها. وسيكون لكل رجل من الصالحين اثنتان وسبعون من أولئك الحور جزاء له على ما عمل من الطيبات ، ولم تنقص الأيام ولا الأعمال ولا الموت من جمال أجسامهن، ولا من نعيم رفاقهن (سورة الدخان) وفي الجنة غير هذه المتعة الجسمية متع أخرى روحية فمن المؤمنين من يتلون القرآن، وسيتجلى لهم الله جميعاً بوجهه "ويطوف عليهم ولدان مخلدون". ترى منذا الذي يستطيع أن يرفض مثل هذا النعيم.




صفحة رقم : 4488




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> القرآن والأخلاق



الفصل الثالِث




القرآن والأخلاق


القانون والأخلاق في القرآن ، كما هما في التلمود، شيء واحد، فالسلوك الديني في كليهما يشمل أيضاً السلوك الدنيوي، وكل أمر فيهما موحى به من عند الله. والقرآن يشمل قواعد للآداب، وصحة الجسم، والزواج والطلاق، ومعاملة الأبناء والعبيد والحيوان، والتجارة، والسياسة، والربا، والدَّين، والعقود، والوصايا، وشؤون الصناعة والمال، والجريمة، والعقاب، والحرب والسلم.
ولم يكن محمد يحتقر التجارة، فقد كان هو نفسه في صباه تاجراً، وحين كان سيد المدينة كان يبتاع بعض السلع جملة ويبيعها أشتاتاً، ويربح من هذا البيع دون أن يرى فيهِ عيباً أو منقصة، وكان في بعض الأحيان يدلل على السلع بنفسه، ولغة القرآن غنية بالتشبيهات التجارية، ففيه وعد بالثراء في الدنيا للمسلمين الصالحين، وإنذار بعذاب أليم للمخادعين والكاذبين من التجار . وفي الأحاديث النبوية تنديد بالمحتكرين والمضاربين الذين يحتجزون السلع ليبيعوها بأغلى الأسعار، وحض على إيفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم، وأمر لصاحب العمل بأن يؤدي للعامل أجره قبل أن يجف عرقه. ويحرم القرآن الربا أخذاً أو إعطاء (سورة البقرة 275 وسورة آل عمران 130)، ولسنا نجد في التاريخ كله مصلحاً فرض على الأغنياء من الضرائب ما فرضه عليهم محمد لإعانة الفقراء. وكان يحض كل موصٍ بأن يخص من مالهِ جزءاً للفقراء، وإذا مات رجل ولم يترك وصية فرض على ورثته أن يخصصوا بعض ما يرثون لأعمال الخير (سورة النساء 8 و9) وقد قبل محمد كما قبل معاصروه نظام الاسترقاق على أنه من قوانين الطبيعة، ولكنه بذل كل ما في وسعه لتخفيف أعباء الرق ومساوئه.




صفحة رقم : 4489




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> القرآن والأخلاق


كذلك رفع من مقام المرأة في بلاد العرب، وإن لم يرَ عيباً في خضوعها للرجل، وهو يهيب بالرجال ألا يكونوا عبيداً لشهواتهم، ويكاد يصف النساء كما يصفهم آباء الكنيسة المسيحية بأنهم من أكبر الشرور التي أصيب بها الرجال، ويظن أن مصير الكثرة الغالبة منهن هو الجحيم . وهو يحرم على النساء ولاية الحكم، لكنه يسمح لهن أن يحضرن الصلاة في المساجد، وإن كان يرى أن بيوتهن أولى بهن، وكن إذا جئن إليه للصلاة أحسن معاملتهن ولو أتين معهن بأطفالهن. وقد روي عنه أنه كان إذا سمع بكاء طفل في أثناء الصلاة قصر خطبته حتى لا يؤذي بطولها أمه. وقضى القرآن على عادة وأد البنات (سورة الإسراء 31) وسوى بين الرجل والمرأة في الإجراءات القضائية والاستقلال المالي، وجعل من حقها أن تشتغل بكل عمل حلال، وأن تحتفظ بمالها ومكاسبها، وأن ترث، وتتصرف في مالها كما تشاء (سورة النساء 4 و32)، وقضى على ما اعتاده العرب في الجاهلية من انتقال النساء من الآباء إلى الأبناء فيما ينتقل لهم من متاع. وجعل نصيب الأنثى في الميراث نصف نصيب الذكر، ومنع زواجهن بغير إرادتهن. وفي القرآن آية يأخذها بعضهم حجة على حجب النساء وهي "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" (سورة الأحزاب 33). ولكن الآية إنما تؤكد النهي عن التبرج، ويروى أن النبي أجاز للنساء أن يخرجن لقضاء حوائجهن. أما زوجاته هو فقد طلب إلى أتباعه




صفحة رقم : 4490




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> القرآن والأخلاق


ألا يكلموهن إلا من وراء حجاب. وفيما عدا هذه القيود فإن نساء المسلمين كن يخرجن من البيوت بكامل حريتهن غير محجبات في أيام النبي وفي القرن الأول بعد الهجرة .
وبعد فإن المناخ من العوامل التي تؤثر في الأخلاق الفردية، ولعل حرارة الجو في بلاد العرب كانت من أسباب تقوية الغريزة الجنسية والنضج المبكر، ولهذا يجب التسامح بعض الشيء فيما نراه من نزعات الرجال في هذه الناحية في البلاد التي يطول فيها فصل الحر-ولقد كانت الشرائع الإسلامية تحرص على طلب العفة من الرجال والنساء قبل الزواج ، وزيادة الفرص لإشباع الغريزة الجنسية بين الأزواج. ولهذا حتم القرآن الاستعفاف قبل الزواج (سورة النور 33) وأوصى النبي بالصيام للاستعانة على هذا الاستعفاف. ويشترط الدين الإسلامي رضاء الخطيبين لإتمام عقد الزواج، فإذا تم هذا الرضاء بشهادة الشهود العدول وأدى العريس مهر عروسه، كان ذلك كافياً لإتمام العقد سواء رضي بذلك




صفحة رقم : 4491




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> القرآن والأخلاق


آباء%=@يشترط الأحناف إجازة الولي في حال تزويج الصغير والصغيرة وإن كانا عاقلين والشافعي يحتم وجود الولي في حال تزويج البنت البكر وإن كانت بالغة وهو الذي يقوم بعقد الزواج (راجع بدائع الصنائع جـ3 ص33 و241). والزواج لابد فيه من مهر لا يشترط أداؤه فعلاً ليتم عقد الزواج، وللزوجين أن يتفقا على تأجيله كله أو بعضه على ما هو متعارف (راجع بدائع الصنائع ج‍2 ص277-278). (ي)@ العروسين أو لم يرضوا. وقد أجيز للمسلم أن يتزوج مسيحية أو يهودية ولكنه حرم عليه أن يتزوج من وثنية أو مشركة. وعدم الزواج في الإسلام، كما هو في الدين اليهودي، إثم، والزواج فيهِ فريضة محببة إلى الله (سورة النور 32). وأجاز الإسلام تعدد الزوجات ليعوض بكثرة النسل الوفيات العالية بين الذكور والنساء على السواء، ولطول فترة النفاس، وما يحدث في البلاد الحارة من نقص سريع في قوة الإخصاب، ولكنه حدد عدد الزوجات الشرعيات بحيث لا يزدن على أربع وإن كان النبي نفسه قد تجاوز هذا العدد. وحرم الإسلام التسري (سورة المعارج 29 و31) ولكن ذلك عنده خير من الزواج بمشركة (سورة البقرة 231) .
وبعد أن تسامح الإسلام مع الرجل إلى هذا الحد فمكنه بتعدد الزوجات من إشباع غريزته الجنسية إشباعاً حلالاً حرم الزنى أشد التحريم، فجعل عقوبة الزاني والزانية مائة جلدة (سورة النور ) لكنه اشترط لتوقيع هذه العقوبة




صفحة رقم : 4492




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> القرآن والأخلاق


ثبوت الزنى بشهادة أربعة من الشهود. ونهى القرآن فضلاً عن هذا عن رمي المحصنات فقال "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعةِ شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً" (سورة النور 4) وقد قل الاتهام بالزنى بعد نزول هذه الآية.
وأباح القرآن الطلاق للرجل كما أباحه التلمود. وللمرأة أن تطلق نفسها من زوجها بأن ترد له صداقها (سورة البقرة 229)؛ لكن الإسلام وإن أجاز للزوج أن يطلق زوجته كما كان مباحاً له في أيام الجاهلية%=@الصحيح في هذا أنه لما كان الإسلام حريصاً على أن تكون




صفحة رقم : 4493




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> القرآن والأخلاق


العشرة بين الزوجين بالمعروف فإن العشرة إن ساءت وأصبح من الخير لهما الانفصال كان ذلك بالطلاق برضاء الزوجين بلا مقابل أو بمقابل. (ي)@ ، فإن النبي لم يكن يشجع عليهِ ويروى عنه أنه قال إن "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". هذا إلى أن القرآن نفسه يحض على عدم قطع العلاقة الزوجية إلا بعد أن تُبذل الجهود للإصلاح بين الزوجين "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما" (سورة النساء 35). ولا يصبح الطلاق نهائياً إلا بعد صدوره ثلاث مرات بين كل واحدة والأخرى شهر على الأقل ولكي يُرغم الزوج على أن يطيل التفكير في أيمان الطلاق قبل صدورها، فإن الإسلام لا يبيح بعد ذلك للرجل أن يرد مطلقته إلى عصمته إلا إذا تزوجت من رجل آخر ثم طُلقت منه. ولا يباح للزوج أن يقرب زوجته في المحيض وليس ذلك لأنها "نجسة" في ذلك الوقت، وإن كان يطلب إليها أن تتطهر بعده قبل أن يقربها زوجها. والنساء حرثٌ للرجال ومن الواجب على الرجل أن ينجب أبناء، وينبغي للزوجة أن تقر للزوج بتفوقهِ عليها في الزكاء، ومن ثم أن تكون له عليها القوامة وحق الطاعة، فإذا عصت كان له أن يهجرها ويضربها (سورة النساء 34) والمرأة التي تتوفى وزوجها راضٍ عنها تدخل الجنة .
لكن ما فقدته النساء من حقوق قد نلن أكثر منه بفصاحة لسانهن، ورقة قلوبهن، ومفاتنهن، شأنهن في هذا شأن النساء في العالم كله. وقد حدث مرة أن لام عمر بن الخطاب زوجته لأنها كلمته بلهجة رأى فيها شيئاً من قلة الاحترام، فما كان منها إلا أن أكدت له أن هذه هي اللهجة التي تخاطب بها ابنته حفصة وغيرها من أزواج النبي رسول الله. فذهب عمر من فوره ولام على ذلك حفصة وزوجة أخرى من أزواج النبي. فقيل له إن هذا ليس من شأنهِ وخرج عمر غاضباً. وسمع النبي بهذا فأثار ضحكه. وكان النزاع يقوم في بعض الأحيان بين النبي وبين أزواجه كما يحدث عند غيره من المسلمين، ولكنه كان على الدوام يعزهن، ويظهر لهن ولغيرهن من النساء المسلمات ما يليق بهن من عواطف طيبة. ويروى عنه أنه قال إن المرأة الصالحة أثمن شيء في العالم. ويذكر الله الناس في القرآن مرتين بأن أمهاتهم حملنهم كرهاً ووضعنهم كرهاً وأرضعنهم أربعة وعشرين أو ثلاثين شهراً( ، ويروى عن النبي أنه قال: "الجنة تحت أقدام الأمهات".




صفحة رقم : 4494




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> القرآن والدين والدولة



الفصل الرّابع




القرآن والدين والدولة


إن أعقد ما يلاقيه المصلح من المشاكل مشكلتان، أولهما أن يجعل التعاون بين الناس محبوباً جذاباً، والثانية أن يحدد سعة الكل والجماعة التي يشير عليها بالتعاون الكامل. والأخلاق المثالية تطلب المعاونة التامة بين كل جزء وبين كلّ كلّ-أي بين العالم أجمع وحياته الجوهرية ونظامه أي الله سبحانه وتعالى. وفي هذه الدرجة من التعاون يصبح الدين والأخلاق شيئاً واحداً، ولكن الأخلاق وليدة العادة وحفيدة القسر، وهي لا تنمي التعاون إلا بين مجموعات مزودة بالقوة، ومن أجل هذا كانت كل الأخلاق الواقعية أخلاقاً جماعية.
وقد تخطت القوانين الأخلاقية التي جاء الإسلام بها حدود القبيلة التي ولد النبي بين ظهرانيها، ولكنها اقتصرت على الجماعة الدينية التي أنشأها. فلما تم له النصر في مكة وضع القيود على غارات النهب بين القبائل، وإن لم يكن في مقدورهِ أن يمنع هذه الغارات منعاً باتاً؛ وأشعر بلاد العرب كلها، أي أنه أشعر بلاد الإسلام كلها في ذلك الوقت، معنى جديداً للوحدة، ووضع لها أفقاً للتعاون والولاء أوسع مما عرفته من قبل "إنما المؤمنون أخوة" (سورة الحجرات 10) وقللت العقيدة المشتركة ما بين الطبقات والأجناس من فروق، وفي




صفحة رقم : 4495




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> القرآن والدين والدولة


ذلك يقول النبي: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبداً حبشي كأن رأسه زبيبة".
تلك بلا مراء عقيدة نبيلة سامية ألفت بين الأمم المتباينة المنتشرة في قارات الأرض فجعلت منها شعباً واحداً: وهي لعمري أعظم معجزة للمسيحية والإسلام.
غير أن هذا الحب السامي الذي يدعو إليه الدينان يقابله عداء شديد لغير المؤمنين (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء"..."إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" سورة المائدة 51 و55 "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان" (سورة التوبة 23). لكن القرآن يأمر في آيات كثيرة بأن يسلك المسلمون جادة الاعتدال في الأخذ بهذه المبادئ فيقول "لا إكراه في الدين" "فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا" (سورة البقرة 137) "وإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين" (سورة النحل 82) "فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت بهِ إليكم" (سورة هود 57) "فتول عنهم حتى حين، وأبصرهم فسوف يبصرون" (سورة الصافات 174 و175) "وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون" (سورة الصافات 178 و179). أما كفار العرب الذين لم يؤمنوا برسالة النبي فقد أمر بقتالهم ولما أن بدأت الحرب مع قريش وانسلخت الأشهر الحرم أمر المسلمون بقتالهم حيث وجدوهم (سورة التوبة 5) "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا




صفحة رقم : 4496




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> القرآن والدين والدولة


سبيلهم إن الله غفورٌ رحيم"-"وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه"، "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم" (سورة التوبة 5 و6) ومن وصايا أبي بكر لجيوشه أن لا يقتلوا شيخاً عاجزاً عن القتال، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة. وكان على كل مسلم سليم الجسم أن يشترك في الجهاد "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص" (سورة الصف 4). ومن أحاديث النبي "والذي نفس محمد بيده لغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ خير من الدنيا وما فيها". و"لمقام أحدكم في الصف خيرٌ من صلاته ستين سنة".
لكن هذه المبادئ الأخلاقية الحربية ليست في واقع الأمر تحريضاً على القتال "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (سورة البقرة 190). وكان محمد يتبع قوانين الحرب التي كان يتبعها المسيحيون في أيامه ويشن الحرب على كفار قريش المسيطرين على مكة كما كان إربان الثاني Urban II فيما بعد يدعوا إلى قتال المسلمين المسيطرين على بيت المقدس.
ويلوح أن الثغرة التي لابد من وجودها بين النظريات المجردة والأفعال الواقعية كانت أضيق في الإسلام منها في سائر الأديان. ولقد كانت العرب أكثر شهوانية من كثير من الشعوب، ولهذا أجاز الإسلام تعدد الزوجات ، أما فيما عدا هذا فإن الشريعة الإسلامية شديدة كل الشدة على من لا يتمسك من المسلمين بأصول الدين؛ والذين يجهلون الإسلام هم وحدهم الذين يظنون أنه




صفحة رقم : 4497




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> القرآن والدين والدولة


دين سهل من الوجهة الأخلاقية. كذلك كان من طبيعة العرب الآخذ بالثأر، ولهذا لم يدع الإسلام إلى مقابلة الإساءة بالإحسان . "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" (سورة البقرة 194) "ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل" (سورة الشورى 41)، تلك أخلاق تليق بالرجال، شبيهة بما جاء في العهد القديم، فهي تؤكد فضائل الرجولة كما تؤكد المسيحية فضائل الأنوثة. وليس في التاريخ دين غير دين الإسلام يدعو أتباعه على الدوام إلى أن يكونوا أقوياء، ولم يفلح في هذه الدعوة دين آخر بقدر ما أفلح فيها الإسلام: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا" (سورة آل عمران 200) هكذا كان يقول أيضاً زرادشت الذي نادى بمبادئ نتشة قبل وجود نتشة بزمن طويل.
والمسلمون يعظمون القرآن إلى درجة تقرب من العبادة، وقد كتبوا المصاحف وزينوها وبذلوا في سبيل ذلك كل ما يستطيعون من عناية مدفوعين إليها بحبهم له، وهو الكتاب الذي يبدأ منه أطفال المسلمين بتعلم القراءة، وهو المحور الذي يدور عليه تعليمهم والذروة التي ينتهي بها هذا التعليم. وقد ظل أربعة عشر قرناً من الزمان محفوظاً في ذاكرتهم، يستثير خيالهم، ويشكل أخلاقهم، ويشحذ قرائح مئات الملايين من الرجال. والقرآن يبعث في النفوس




صفحة رقم : 4498




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> القرآن -> القرآن والدين والدولة


الساذجة%=@الأفضل أن يقال السليمة الفطرة ولقد آمن بالقرآن كثير من رجال العلم والفكر في كل عصر من العصور الماضية وفي هذا العصر الذي نعيش فيه؛ كما آمن به من لا يحصون كثرة من الناس على اختلاف حظوظهم من العقل والفكر؛ وما ذلك إلا لأنه جاء بالعقيدة الحقة الواضحة التي يتقبلها الجميع. (ي)@ أسهل العقائد، وأقلها غموضا، وأبعدها عن التقيد بالمراسم والطقوس، وأكثرها تحرراً من الوثنية والكهنوتية. وقد كان له أكبر الفضل في رفع مستوى المسلمين الأخلاقي والثقافي، وهو الذي أقام فيهم قواعد النظام الاجتماعي والوحدة الاجتماعية، وحضهم على إتباع القواعد الصحية، وحرر عقولهم من كثير من الخرافات والأوهام، ومن الظلم والقسوة، وحسن أحوال الأرقاء، وبعث في نفوس الأذلاء الكرامة والعزة، وأوجد بين المسلمين (إذا استثنينا ما كان يقترفه بعض الخلفاء المتأخرين) درجة من الاعتدال والبعد عن الشهوات لم يوجد لها نظير في أية بقعة من بقاع العالم يسكنها الرجل الأبيض. ولقد علم الإسلام الناس أن يواجهوا صعاب الحياة، ويتحملوا قيودها، بلا شكوى ولا ملل، وبعثهم في الوقت نفسه إلى التوسع توسعاً كان أعجب ما شهده التاريخ كله. وقد عرَّف الدين وحدده تحديداً لا يجد المسيحي ولا اليهودي الصحيح العقيدة ما يمنعه من قبوله.
"ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبهِ ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساءِ والضراءِ وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" (سورة البقرة الآية 177).




صفحة رقم : 4499




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> سيف الإسلام -> الخلفاء الراشدون



الباب العاشِر




سيف الإسلام




632-1058




الفصل الأوَّل




الخلفاء الراشدون




632-660


مات النبي ولم يعين من يخلفه من بعده، ولكنه كان اختار أبا بكر (573-634) ليؤم المسلمين في مسجد المدينة، واقتنع المسلمون بعد شيء من الاضطراب والتنافس بأن هذا التفضيل يجعل أبا بكر أحق الناس بأن يختار أول خليفة لهم .
ولم يكن لفظ خليفة في بادئ الأمر لقباً لأبي بكر، بل كان مجرد وصف له. وساء ذلك الاختيار علياً ابن عم محمد وزوج ابنته، وظل ستة أشهر ممتنعاً عن بيعة أبي بكر، وغضب لذلك أيضاً العباس عم النبي وعلي. ونشأ عن هذا الخلاف الأول أكثر من عشر حروب، كما نشأت عنه أسرة عباسية حاكمة، وانقسام اضطرب به العالم الإسلامي.
وكان أبو بكر وقتئذ في التاسعة والخمسين من عمره، وكان قصير القامة، نحيف الجسم، قوي البنية، قليل الشعر، أبيض اللحية حمراء الصبغة، بسيطاً




صفحة رقم : 4500




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> سيف الإسلام -> الخلفاء الراشدون


في معيشته، متقشفاً، رحيماً في حزم، يعنى شخصياً بجميع شؤون الإدارة والقضاء جليلها وصغيرها على السواء، لا يهدأ له بال حتى يأخذ العدل مجراه، وظل يعمل ولا يتقاضى أجراً على عمله، وظل شديد التقشف حتى أقنعه الشعب بأن ينزل قليلاً عن تقشفه، ثم أوصى قبل وفاته بأن يعود إلى بيت مال المسلمين كل ما أرغم على أخذه منه. وحسبت قبائل بلاد العرب أن تواضعه ضعف. وإذا كان بعضها لم يتمكن الإسلام من قلوب أفرادها، ومنهم من اعتنقه كارهاً، فقد ارتد هؤلاء عنه، وأبوا أن يؤدوا الزكاة التي فرضها عليهم الإسلام. ولما أصر أبو بكر على وجوب أدائها زحفوا على المدينة، وجمع أبو بكر جيشاً في ليلة واحدة، وقاده بنفسهِ في مطلع الفجر، وبدد به شمل العصاة (632)، ثم أرسل خالد بن الوليد أشهر قواد المسلمين وأشدهم بطشاً، لقتال المرتدين في جزيرة العرب وإرغامهم على أداء الزكاة.
وربما كانت هذه الفتنة الداخلية من العوامل التي أدت إلى فتح العرب غربي آسية، ويلوح أن فكرة هذه المغامرة وهذا التوسع لم تكن تخطر ببال أحد من زعماء المسلمين حين تولى أبو بكر الخلافة. وحدث أن بعض القبائل العربية الضاربة في بلاد الشام رفضت المسيحية والخضوع للدولة البيزنطية، وصدت جيوش الإمبراطورية، وأرسلت تطلب النجدة من المسلمين، فأرسل إليها أبو بكر المدد، وعمل على نشر كراهية الدولة البيزنطية بين القبائل العربية. وكانت هذه فرصة مواتية لضم شتات العرب وتوحيد صفوفهم في حرب خارجية. وكان العرب-كما نعلم- قوماً ألفوا الحروب، فلبوا نداء أبو بكر لخوض غمارها وقد بدت في أول الأمر قصيرة الأجل. وسرعان ما أصبح بدو الصحراء المتشككون فيما مضى يضحون بحياتهم في سبيل نصرة الإسلام.
واجتمعت أسباب عدة عملت كلها على اتساع ملك العرب؛ فمن الأسباب الاقتصادية أن ضعف الحكومة النظامية في القرن السابق لظهور النبي قد أدى




صفحة رقم : 4501




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> سيف الإسلام -> الخلفاء الراشدون


إلى انهيار نظم الري في جزيرة العرب(1)، فضعفت من جراء ذلك غلات الأرض الزراعية، وحاقت بالسكان المتزايدين أشد الأخطار، ولهذا فقد تكون الحاجة إلى أرض صالحة للزرع والرعي من العوامل التي دفعت جيوش المسلمين إلى الغزو والفتح(2). يضاف إلى هذا عدة أسباب: منها أن الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية قد أنهكتهما الحروب، وما حل بكلتيهما من الدمار على يد الأخرى، فكان ضعفهما مغرياً للعرب على غزو بلادهما، ولقد كانت الضرائب في ولايات الدولتين تزداد زيادة مطردة، والأداة الحكومية تزداد عجزاً عن تصريف شؤون الحكم وحماية الأهلين، كذلك كان للصلات العنصرية بين المسلمين وسكان بعض الولايات شأن غير قليل في هذا التوسع. فقد كان في الشام والعراق قبائل عربية لم تجد صعوبة في قبولها حكم العرب الغزاة أولاً، ثم اعتناق دينهم بعدئذ. يضاف إلى هذا عوامل دينية: منها أن اضطهاد بيزنطية لليعاقبة والنساطرة وغيرها من الشيع المسيحية قد أحفظ عليها قلوب أقلية كبيرة من السوريين والمصريين، بل تعداها إلى بعض الحاميات الإمبراطورية. ولما سار الفتح في طريقه زادت الأسباب الدينية قوة على قوتها؛ فقد كان قادة المسلمين من صحابة النبي المتحمسين، يصلون وهم يحاربون، ويصلون أكثر مما يحاربون، وقد بعثوا في قلوب أتباعهم على مر الأيام روحاً حماسية قوية اعتقدوا معها أن الموت في الجهاد يفتح لهم أبواب الجنة. وهناك فوق ذلك عوامل أخلاقية لها أيضاً شأنها في هذه الفتوح: ذلك أن المبادئ الأخلاقية المسيحية والرهبنة قد أضعفتا في بلاد الشرق الأدنى ذلك الاستعداد للقتال الذي كان من طبيعة العرب ومن تعاليم الإسلام. ولقد كانت جيوش العرب خيراً من جيوش الفرس والروم نظاماً وأحسن قيادة، يألفون المشاق وينالون جزاءهم من الفيء، لقد كان في وسعهم أن يحاربوا وبطونهم خاوية، ويعتمدوا على النصر في الحصول على طعامهم. ولكنهم لم يكونوا في حروبهم همجاً متوحشين، انظر إلى ما أوصاهم




صفحة رقم : 4502




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة الإسلامية -> سيف الإسلام -> الخلفاء الراشدون


به أبو بكر: "أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة، ولا بعيراً إلا لمأكله؛ وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له؛ وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منه شيئاً فاذكروا اسم الله عليه؛ وتلقون قوماً قد محضوا أوساط رؤوسهم وت