Advertisement

قصة الحضارة 06


قصة الحضارة
ول ديورانت





قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> نشأة الإقطاع



الباب الثاني والعشرون




الإقطاع والفروسية




600-1200




الفصل الأول




نشأة الإقطاع


تجمعت في الستة قرون التي أعقبت موت جستنيان ظروف عجيبة كان لها أثر بطيء في التغير الأساسي الذي حدث فيه الحياة الاقتصادية في عالم أوربا الغربية.
فقد اجتمعت بعض الظروف التي أشرنا إليها من قبل ومهدت السبيل إلى عهد الإقطاع. ذلك أنه لما أصبحت مدن إيطاليا وغالة غير آمنة على نفسها أثناء الغارات الألمانية، انتقل أعيان هذه المدن إلى قصورهم الريفية وأحاطوا أنفسهم بأتباعهم من الزراع، وأسر من "الموالي". وأعوان عسكريين. وزاد حركة التفرق التي تهدف إلى تكوين وحدات اقتصادية شبه مستقلة في بلاد الريف قيام الأديرة التي كان رهبانها يفلحون الأرض ويشتغلون ببعض الصناعات اليدوية؛ ولم تعد الطرق صالحة للاحتفاظ بوسائل النقل وتبادل المتاجر لما أصابها من التخريب بسبب الحروب والإهمال من جرّاء الفقر. ونقصت إيرادات الدولة بسبب كساد التجارة واضمحلال الصناعة، وعجزت الحكومات الفقيرة عن حماية الحياة والملك والتجارة. واضطرت قصور الأعيان في الريف بسبب العقبات القائمة في سبيل التجارة أن تسعى للاكتفاء الذاتي من الناحية الاقتصادية، فأضحى الكثير من الأدوات التي كانت تشترى من المدن تصنع في الضياع الكبيرة منذ




صفحة رقم : 5224




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> نشأة الإقطاع


القرن الثالث الميلادي. وتصف لنا رسائل سيدونيوس أبولينارس في القرن الخامس سادة الريف وهم يعيشون عيشة الترف وسط ضياع رحبة يفلحها مستأجرون نصف مستعبدين، وقد أضحوا من ذلك الوقت البعيد يكونون أرستقراطية إقطاعية لها محاكمها الخاصة(1) وجيوشها(2) ولا يختلفون عن البارونات في العهود المقبلة إلا في قدرتهم على القيادة.
وكانت العوامل التي مهدت السبيل إلى قيام الإقطاع بين القرنين الثالث والسادس هي بعينها التي أقامته بين القرنين السادس والتاسع: ذلك أن الملوك المروفنجيين والكارلونجيين أخذوا يؤجرون قوادهم وموظفيهم الإداريين بمنحهم مساحات من الأرض؛ وأضحت هذه الاقطاعات في القرن التاسع وراثية وشبه مستقلة بسبب ما طرأ من ضغط على ملوك الأسرة الكارولنجية. وأعادت غارات المسلمين، والشماليين، والمجر في القرن الثامن والتاسع والعاشر نتائج الغارات الألمانية التي حدثت قبلها بستة قرون وزادتها قوة: فقد عجزت الحكومات المركزية عن حماية الأجزاء النائية عن عواصمها، وأقام الأسقف أو البارون المحلي نظاماً في مقاطعته وهيئة للدفاع عنها، وظل محتفظاً بقوته ومحاكمه الخاصة. وإذا كان معظم المغيرين فرساناً فقد كان الطلب يكثر على المدافعين الذين يملك كل منهم جواداً، وأضحى الفرسان لهذا السبب أهم من المشاة، وهكذا نشأ في فرنسا، وإنجلترا في عهد النورمان، وفي أسبانيا المسيحية، طبقة من الفرسان بين الدوق والبارون من جهة والفلاحين من جهة أخرى، كما نشأت في روما القديمة طبقة من الفرسان بين الأشراف والعامة. ولم ير الشعب حرجاً في هذه التطورات، فقد كانوا يتطلعون إلى وجود نظام عسكري يتولى حمايتهم بما يحيط بهم من الرعب، ومن الهجمات التي قد تنقض عليهم في أي وقت كان، ولهذا الغرض كانوا يبنون بيوتهم أقرب ما تكون إلى قصر البارون المنيع أو الدير الحصين،




صفحة رقم : 5225




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> نشأة الإقطاع


ولم يترددوا في قديم ولائهم وخدماتهم إلى سيد يبسط عليهم حمايته القانونية أو دوق يستطيع قيادتهم. وخليق بنا أن ندرك ما عساه يتولاهم من الرعب لو أنه فهموا خضوعهم هذا؛ فها هم أولاء رجال أحرار لم يعودوا قادرين على حماية أنفسهم، يعرضون أرضهم وجهودهم على رجل قوي ويطلبون إليه في نظير ذلك أن يحميهم ويطعمهم؛ وكان من عادة البارون في هذه الأحوال أن يقطع "رجُلَه" مساحة من الأرض يحتفظ بها يعتقد يستطع واهبها أن يلغيه في أي وقت يشاء. وقد أضحى هذا التملك المزعزع الصورة المألوفة لامتلاك رقيق الأرض إياها، فكان الإقطاع بمقتضاه هو خضوع الرجل من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية إلى رجل أسمى منه منزلة في مقابل تنظيم اقتصادي وحماية عسكرية.
وليس من المستطاع تعريف الإقطاع تعريفاً جامعاً مانعاً، فقد كانت له صورة تبلغ المائة عدا في مختلف الأزمنة والأمكنة. وكان منشأه في إيطاليا وألمانيا، ولكن تطوره الخاص به إنما حدث في فرنسا. ولعله بدأ في بريطانيا بتحويل البريطانيين إلى أرقاء أرض على أيدي الفاتحين الأنجليسكسون(3)، ولكن معظم خواصه في تلك البلاد قد جاء بها الغاليون من نورمندية، ولم ينضج هذا النظام الكامل في شمالي إيطاليا أو في أسبانيا المسيحية، ولذلك لم يستطع كبار الملوك في الإمبراطورية الشرقية أن يثبتوا دعائم استقلالهم العسكري والقضائي، أو إقامة نظام الولاء المتدرج الذي بدا في الغرب كأنه من مستلزمات الإقطاع. وبقيت أصقاع كبيرة من أوربا الزراعية خارج نطاق النظام الإقطاعي: كالرعاة وأصحاب الضياع الخاصة بتربية الماشية في بلاد البلقان، وشرقي إيطاليا، وأسبانيا؛ وزراع الكروم في غربي ألمانيا، وجنوبي فرنسا؛ والزراع الأشداء في السويد والنرويج؛ وطلائع التيوتون فيما وراء نهر الإلب؛ وأهل جبال الكريات،




صفحة رقم : 5226




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> نشأة الإقطاع


والألب، والأبنين، والبرانس. ذلك أنه لم يكن يتوقع لتكون قارة كأوربا، تختلف أجزاؤها بعضها عن بعض أشد الاختلاف في طبيعة أرضها وأحوالها الاقتصادية، نظام اقتصادي موحد. وحتى في داخل نظام الإقطاع نفسه كانت ظروف التعاقد ومنزلة المتقاعدين تختلف باختلاف الأمم والملاك، والأزمنة المختلفة؛ ولهذا فإن البحث التحليلي الذي سنصفه فيما بعد ينطبق أكثر ما ينطبق على فرنسا وإنجلترا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر.




صفحة رقم : 5227




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> العبد



الفصل الثاني




التنظيم الإقطاعي




1- العبد


كان المجتمع في تلك البلاد والأوقات يتكون من الأحرار، ورقيق الأرض، والعبيد. وكان الأحرار يشملون الأعيان، ورجال الدين، والجنود النظاميين، وأصحاب المهن، ومعظم التجار والصناع، والفلاحين الذين يملكون أرضهم ولا يلتزمون إلا بالقليل، أو لا يلتزمون بشيء على الإطلاق، لأي سيد إقطاعي، ولا يستأجرونها من سيد نظير إيجار نقدي. وكان أولئك الفلاحون الملاك يكونون أربعة في المائة من الزراع بإنجلترا في القرن الحادي عشر؛ وكانوا أكثر من هذا عدداً في غربي ألمانيا، وشمالي إيطاليا، وجنوبي فرنسا. والراجح أنهم كانوا يكونون ربع الزراع في أوربا الغربية(4).
ونقص عدد العبيد بازدياد عدد أرقاء الأرض؛ وكان معظم عملهم في إنجلترا في القرن الثاني عشر مقصوراً على الخدمة المنزلية، ولا يكاد يكون لهم وجود في أرض فرنسا الواقعة شمال نهر اللوار، وأخذ عددهم يزداد في ألمانيا في القرن العاشر، حين لم يكن الناس يتحرجون أو يؤنبهم ضميرهم من القبض على الصقالبة الوثنيين ليقوموا بالأعمال اليدوية الحقيرة في الضياع الألمانية، أو ليبيعوهم في البلاد الإسلامية أو البيزنطية. كذلك كان التجار الصقالبة يختطفون السلمين أو اليونان من الأراضي الممتدة على شواطئ البحر الأسود، وسواحل آسية الغربية، وإفريقية الشمالية، ليبيعوهم للعمل في الزراعة أو الخدمة المنزلية، أو خصياناً، أو سراري، أو عاهرات في بلاد الإسلام والمسيحية. وراجت تجارة العبيد في إيطاليا




صفحة رقم : 5228




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> العبد


بنوع خاص، وأكثر الظن أن منشأ ذلك هو قربها من البلاد الإسلامية حيث كان في وسع التجار أن يختطفوهم منها وهم مرتاحو الضمير، فقد كان يلوح لهم أن اختطافهم هو انتقام عادل من المسلمين لغاراتهم على البلاد المسيحية.
وقد خيل غلى الناس، وفيهم رجال الأخلاق الشرفاء، أن هذا النظام الذي ظل قائماً من بداية التاريخ المعروف نظام أبدي لا غنى عنه، ولسنا ننكر أن البابا جريجوري الأول اعتق اثنين من عبيده، ونطق في هذه المناسبة بعبارات خليقة بالإعجاب عما للناس جميعاً من حق طبيعي في الحرية(6)، ولكنه مع ذلك ظل يستخدم مئات العبيد في الضياع البابوية(7)، ويوافق على القوانين التي تحرم على العبيد أن يكونوا قساوسة أو أن يتزوجوا من المسيحيات الحرائر(8). وقد حرمت الكنيسة بيع الأسرى المسيحيين إلى المسلمين" ولكنها أباحت استرقاق المسلمين والأوربيين الذين لم يعتنقوا الدين المسيحي. وكان آلاف من الأسرى الصقالبة أو المسلمين يوزعون عبيداً على الأديرة، وظل الاسترقاق قائماً في أراضي الكنيسة وضياع البابوات حتى القرن الحادي عشر(9)؛ وكان القانون الكنسي يقدر ثروة أراضي الكنيسة في بعض الأحيان بعدد من فيها من العبيد لا بقدر ما تساويه من المال، فقد كان يعد العبد سلعة من السلع كما يعده القانون الزمني سواء بسواء؛ وحرم على عبيد الكنائس أن يوصوا لأحد بأملاكهم، وقرر أن ما قد يكون لهم وقت وفاتهم من مال مدخر يؤول إلى الكنيسة(10)؛ وقد أوصى كبير أساقفة نربونة في عام 1149 بعبيده المسلمين على أسقف بيزيير B(ziers(11). وكان القديس تومس أكويناس يفسر الاسترقاق بأنه نتيجة لخطيئة آدم، وأنه وسيلة اقتصادية في عالم يجب أن يكدح فيه بعض الناس ليمكنوا بعضهم الآخر من الدفاع عنهم(12). وكانت هذه الآراء متفقة مع أقوال أرسطو، وموائمة لروح عصرها. وكانت القاعدة المقررة في الكنيسة والتي تنص على أن أملاكها لا يمكن النزول عنها إلا بقيمتها الكاملة في السوق(13)، كانت هذه القاعدة شراً




صفحة رقم : 5229




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> العبد


على عبيدها وأرقاء أرضها، فقد علت عنق العبيد والأرقاء في بعض الأحيان أصعب في أملاك الكنيسة منه في أملاك غيرها(14). غير أن الكنيسة مع هذا خطت خطوات متزايدة في تقييد تجارة الرقيق، وذلك بتحريم استرقاق المسيحيين في الوقت الذي كانت المسيحية سريعة الانتشار.
ولم يكن اضمحلال نظام الاسترقاق ناشئاً عن ارتقاء الأخلاق، بل كان نتيجة تطورات اقتصادية. فقد تبين أن الإنتاج الذي يؤدي إليه القسر الجسماني المباشر أقل ربحاً وأشد صعوبة من الإنتاج الذي يكون الحافز عليه هو الرغبة في التملك. ولقد ظل الاسترقاق قائماً وكانت كلمة Servus اللاتينية تطلق على العبيد وعلى رقيق الأرض، ولكن هذا اللفظ تطور مع الزمن واستحال إلى كلمة serf لرقيق الأرض، كما تطورت كلمة villein ومعناها رقيق الأرض فأصبحت villain ومعناها الآن "وغد"، وكما تطورت كلمة Slav ومعناها صقلبي إلى كلمة Slve أي العبد. ولقد كان رقيق الأرض لا العبد هو الذي يصنع الخبز لعالم العصور الوسطى.




صفحة رقم : 5230




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> رقيق الأرض



2- رقيق الأرض


الأصل في رقيق الأرض أنه رجل يفلح مساحة من الأرض يمتلكها سيد أو بارون يؤجرها له طول حياته ويبسط عليه حمايته العسكرية ما دام يؤدي له أجراً لها سنوياً من الغلات أو العمل أو المال، وكان في وسع هذا المالك أن يطرده منها متى شاء(15)، وإذا مات لا تنتقل الأرض إلى أبنائه إلا بموافقة المالك ورضائه. وكان من حق هذا المالك في فرنسا أن يبيع الرقيق مستقلاً عن الأرض بثمن يعادل أربعين شلناً (حوالي 400؟ ريال أمريكي)؛ وكان مالكه أحياناً يبيعه (أي أنه يبيع عمله) مجزءاً بعض لشخصه وبعضه لآخر؛ وكان في وسع هذا الرقيق في فرنسا أن يحل العقد الإقطاعي إذا أسلم الأرض وكل ما يملك إلى سيده؛ أما في إنجلترا فقد حرم من هذا الحق-حق مغادرة الأرض- وكان الذين يفرون




صفحة رقم : 5231




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> رقيق الأرض


من أرقاء الأرض في العصور الوسطى يعاد القبض عليهم بنفس الصرامة التي يعاد بها القبض على العبيد في هذه الأيام.
وكانت الواجبات الإقطاعية التي يؤديها رقيق الأرض لمالكها متعددة مختلفة الأنواع، وما من شك في أن تذكرها وحده كان يحتاج إلى بعض الذكاء. (1) كان يؤدي في العام ثلاث ضرائب نقدية. (1) فرضه (ضريبة الرؤوس) وهي ضريبة صغيرة للحكومة عن طريق المالك (ب) وإيجاراً قليلاً (جـ) ونفقة يقررها الملك كما يهوى وتؤدي إليه مرة أو أكثر من مرة في العام (2) وكان يؤدي للمالك كل عام جزءاً من محصوله وماشيته، تبلغ عادة عشرة. (3) وكان عليه أن يعمل عند المالك كثيراً من أيام السنة مسخراً من غير أجر؛ وكان هذا النوع من الواجبات ميراثاً انحدر من النظم الاقتصادية القديمة، حين كان الفلاحون مجتمعين يؤدون بعض الأعمال العامة كتقطيع أشجار الغابات، وتجفيف المستنقعات، وشق القنوات، وإقامة الجسور والحواجز، بوصفها فرضاً واجباً عليهم للمجتمع أو للمالك. وكان بعض الأملاك يطلبون من الرقيق أن يعملوا عندهم ثلاثة أيام كل أسبوع في معظم السنة، وأربعة أيام أو خمسة كل أسبوع في موسم الحرث أو الحصاد؛ وكان من حقهم أن يطلبوا عند الضرورة عدة أيام أخرى لا يؤدون عنها إلا واجبات الطعام. ولم تكن هذه السخرة تفرض إلا على فرد واحد من الذكور في كل أسرة (4) وكان رقيق الأرض أن يطحن حبوبه ويخبز خبزه، ويصنع جعته، ويعصر عنبه في مصنع المالك، أو تنوره، أو خابيته، أو معصرته، وأن يؤدي له في نظير كل عمل من هذه الأعمال أجراً قليلاً (5) وكان يؤدي أجراً آخر ليكون له حق صيد السمك، أو اقتناص الحيوان البري، أو رعى ماشيته وحيوانه الأليف في أراضي المالك (6) وكان عليه أن يرفع قضاياه أمام محاكم صاحب الأرض، وأن يؤدي في نظير هذا رسماً يختلف باختلاف خطر القضية (7) وكان أن يلبي دعوة المالك في الانضمام




صفحة رقم : 5232




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> رقيق الأرض


إلى فيلقه إذا نشبت الحرب (8) وإذا أسر المال كان على الرقيق أن يشترك في أداء فديته (9) وكان عليه فوق ذلك أن يشترك في تقديم الهدايا القيمة المستحقة لابن المالك إذا رقى إلى مرتبة الفرسان (10) وكان يؤدي للمالك ضريبة عن كل ما يحمله من الغلات ليبيعه في السوق أو المعرض (11) ولم يكن من حقه أن يبيع جعته أو خمره إلا بعد أن يسبقه المال باسبوعين يبيع فيهما هو جعته وخمره (12) وكان عليه في كثير من الأحيان أن يبتاع قدراً معيناً من خمر سيده كل عام؛ فإذا لم يبتعها في الوقت المناسب (كما تقول إحدى مواد قانون الضيعة) "صب المالك قدراً من الخمر يعادل أربعة جالونات فوق سطح الرقيق، فإذا جرى الخمر إلى أسفل كان على الرقيق أن يؤدي ثمنه، وإذا جرى إلى أعلى لم يكن يلزم بأداء شيء ما"(16). (13) وكان عليه أن يؤدي غرامة للمالك إذا ما أرسل هو ابناً له ليتعلم تعليماً عالياً أو وهبه للكنيسة لأن الضيعة بذلك تخسر يداً عاملة (14) وكان يؤدي ضريبة؛ ويحصل على إذن من المالك إذا تزوج هو أو أحد أبنائه من شخص خارج عن نطاق الضيعة لأن المالك يخسر بهذا العمل بعض أبناء الزوج أو الزوجة أو يخسرهم كلهم، وكان لا بد من الحصول على الإذن وهذه الضريبة في بعض المزارع في كل زوج أياً كان (15) ونستمع في حالات فردية عن "حق الليلة الأولى" أي حق السيد في أن يقضي مع عروس رقيق الأرض الليلة الأولى من زواجها، ولكن الرقيق كان يسمح له أحياناً أن "يفتدي" عروسه بأجر يؤديه للسيد(18)؛ وقد بقي حق الليلة الأولى بصورته هذه في بافاريا حتى القرن الثامن عشر(19). وكان المالك في بعض الضياع الإنجليزية يفرض غرامة على الفلاح الذي تأثم ابنته؛ وفي بعض الضياع الأسبانية كانت زوجة الفلاح التي يحكم عليها في جريمة الزنى تؤول أملاكها كلها أو بعضها لصاحب الأرض(20) (16) وإذا مات الفلاح ولم يكن له ولد يقيم معه عاد بيته وعادت أرضه إلى السيد تطبيقاً لحق الحكومة في أن ترث من لا وارث له؛ وإن




صفحة رقم : 5233




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> رقيق الأرض


كان وارثه ابنة غير متزوجة لم يكن لها أن تستبقي الأرض إلا إذا تزوجت رجلاً يقيم في الضيعة نفسها، وسواء كان للمتوفى وارث أو لم يكن له فقد كان من حق السيد إذا توفي المستأجر أن يستولي في صورة ضريبة التركات على ماشية، أو قطعة من قطع الأثاث أو ثوب من تركه المتوفى، ولقس الأسقفية في بعض الحالات أن يستولي على مثل رسوم الوفاة هذه(21). ولم تكن رسوم الوفاة تحصل في فرنسا إلا إذا لم يكن المتوفى وارث يعيش معه في بيته. (17) وكان عليه في بعض الضياع وبخاصة في ضياع الكنيسة أن يؤدي ضريبة سنوية وضريبة تركات للقائد الذي ينظم وسائل الدفاع الحربي عن المقاطعة.
وليس في وسعنا أن نقدر مجموع الفروض الواجب على رقيق الأرض أداؤها بالنظر إلى هذه الرسوم والضرائب المتنوعة، وهي رسوم وضرائب لم تكن كلها تحصل من كل أسرة. وقد قدرت في ألمانيا في خلال العصور الوسطى بثلثي محصولاته(21)؛ وكانت قوة العادة، التي هي ذات سلطان الأكبر في الأنظمة الزراعية، في صالح رقيق الأرض؛ فقد كانت الرسوم التي يؤديها نقداً وعيناً تنزع على الثبات كما هي على مر القرون(22) رغم ازدياد غلة الأرض وانخفاض قيمة النقد. وكان كثير من القيود والفروض التي تثقل كاهل الرقيق في العصور الوسطى يخففها أو يلغيها تسامح الملاك، أو المقاومة الفعالة من جانب الأرقاء، أو نسيانها على مر الزمان(23). ولعل ما يوصف به رقيق الأرض في العصور الوسطى من بؤس قد بولغ فيه؛ فقد كان الجزء الأكبر من الرسوم التي تنتزع منه بديلاً من الإيجار النقدي الواجب أداؤه للمالك. وضرائب تؤدي للمجتمع لتمكنه من أداء الخدمات والأعمال العامة، ولعل نسبتها إلى دخله كانت أقل من نسبة الضرائب التي نؤديها نحن في هذه الأيام إلى حكومة الاتحاد، وإلى الولاية، والمقاطعة، والمدرسة . ولقد كانت حال الفلاح المتوسط في القرن الثامن عشر مماثلة




صفحة رقم : 5234




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> رقيق الأرض


لحال بعض الزراع الذين يقتسمون مع الملاك غلة الأرض التي يزرعونها في الدول الحالية، وكانت بلا شك خيراً من حال صعاليك الرومان في عهد أغسطس(25). ذلك أن المالك في ذلك الوقت لم يكن يعد نفسه مستغلاً، بل كان يعمل بجد في المزرعة، وقلّما كان موفور الثراء. وظل الفلاحون حتى القرن الثالث عشر ينظرون إليه نظرة الإعجاب، ونظرة الحب في كثير من الأحيان؛ وكانوا إذا ترمل السيد ولم ينجب أبناء يوفدون إليه الوفود يلحون عليه بأن يتزوج مرة أخرى، حتى لا يترك الضيعة دون وريث من نسله، فتسوء حالها إذا تعرضت لحرب الوراثة(26). وكان الإقطاع، كما كانت معظم الأنظمة الاقتصادية والسياسية في التاريخ، ما لا بد له أن يكون لمواجهة مستلزمات المكان والزمان وفطرة الناس.
وكان كوخ الفلاح يقام من الخشب الهش الرقيق، ويسقف عادة بالقش والعشب المتلبد، وأحياناً بالحصباء. ولم نسمع قط عن نظام لمقاومة الحريق قبل عام 1250، ومن أجل هذا كانت النار إذا اشتعلت في أحد هذه الأكواخ أتت عليه وعلى كل ما فيه. وكان الكوخ في كثير من الأحيان يتكون من حجرة واحدة ولا يزيد قط على حجرتين، وبه مدفأة يحرق فيها الخشب، وتنور، ووعاء للعجين، ومنضدة، وبضعة مقاعد، وصوان، وصحاف، وآنية، ومجمرة، ومرجل، وحمالة لتعليق الأوعية، وحشية كبيرة من الريش أو القش قرب التنور مبسوطة على الأرض ينام عليها الفلاح، وزوجته، وأبناؤهما، وطارق الليل من الضيوف مختلطين بعضهم ببعض يدفئ بعضهم بعضاً. وكان فناء البيت مأوى الخنازير والدواجن، وكانت النساء يعنين بنظافة البيت بقدر ما تسمح به الظروف، ولكن الفلاحين الكادحين كانوا يجدون في تنظيف البيت مشقة كبيرة. وتحدثنا الأقاصيص أن الشيطان لا يقبل أرقاء الأرض في الجحيم لأنه لا يطيق رائحتهم(27). وكان بالقرب من الدار فضاء مسور للحصان والأبقار، وقد يكون فيه أحياناً خلايا للنحل وخن للدجاج، وبالقرب منه كوم الروث يتكون من فضلات الحيوانات




صفحة رقم : 5235




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> رقيق الأرض


وأفراد الأسرة. وكان حول هذا كله أدوات الزرع والصناعات المنزلية، وكان قط يحرس البيت من الفئران وكلب يشرف على هذا كله.
وكان الفلاح يرتدي قميصاً نصفياً من القماش أو جلد الحيوان، وسترة من الجلد أو الصوف، ومنطقة وسروالاً، وحذاءً نصفياً أو عالياً، وما من شك في أنه كان يبدو بملابسه هذه شخصاً قوياً لا يختلف كثيراً عن فلاح فرنسا في هذه الأيام. وليس من حقنا أن نصوره في صورة الشخص المظلوم المغلوب على أمره، بل علينا أن نتمثله بطلاً يفلح الأرض، قوياً صبوراً، تحفظ عليه كيانه كما يحفظ كيان كل إنسان غيره عزة كامنة مهما كانت بعيدة عن العقل والمنطق. ولم تكن زوجته أقل منه كدحاً من مطلع الفجر إلى مغيب الشمس، وكانت إلى هذا تنجب له الأبناء، وإذ كان هؤلاء الأبناء قيمة اقتصادية في المزرعة فقد كانت تكثر منهن؛ لكننا مع هذا نقرأ في أقوال بلاجيوس الفرنسيسي (حوالي 1330) أن بعض الفلاحين "كثيراً ما كانوا يمتنعون عن مباشرة أزواجهم كيلا يلدن أبناء محتجين بأنهم يخشون لفقرهم أن يعجزوا عن تربيتهم إذا كثروا"(28).
وكان طعام الفلاح كافياً مغذياً-يتألف من منتجات اللبن، والبيض، والخضر واللحم: وإن كان بعض المؤرخين المتظرفين يرثون له لأنه كان يضطر إلى أكل الخبز الأسود-أي المصنوع من الدقيق غير المنخول(29). وكان يشترك في حياة القرية الاجتماعية، ولكنه لم تكن له متع ثقافية؛ فلم يكن يعرف القراءة، لأنه في وجود رقيق الأرض التي يعرفها إساءة إلى سيده الأمي. وكان يجهل كل شيء عدا الزرع، وحتى هذا لم يكن بارعاً فيه. وكانت طباعه خشنة شديدة، ولعله كان فظاً غليظ القلب. وقد اضطرته أحوال أوربا المضطربة أن يعيش عيشة الحيوان الطيب، وفي الحق أنه استطاع أن يعيش على هذا النحو. فقد كان لفقره شرهاً، ولخوفه قاسياً، وللكبت الواقع عليه عنيفاً، وكان جلفاً لأنه يعامل معاملة الأجلاف. وكان هو عماد الكنيسة، ولكنه كان لديه من




صفحة رقم : 5236




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> رقيق الأرض


الخرافات أكثر مما كان لديه من الدين، وقد اتهمه بلاجيوس بأنه كان يخدع الكنيسة فلا يؤدي إليها عشورها، ويهمل في مراعاة أيامها المقدسة وأيام صومها؛ ويشكو جوتييه ده كوانسي Gautier de Coincy) في القرن الثالث عشر (من أن رقيق الأرض "ليس له في قلبه من خشية الله أكثر ما في قلب الشاة ولا يأبه مطلقاً بقوانين الكنيسة المقدسة"(30). وكانت له لحظات فكاهته الثقيلة السمجة، ولكنه كان في حقله وفي بيته قليل الكلام، صريح الألفاظ، رزيناً، يشغله كدحه المتواصل وأعماله الكثيرة عن أن يضيع جهوده في الكلام أو الأحلام. وكان رغم خرافاته واقعي النزعة، يدرك تصاريف الأقدار التي لا هوادة فيها ولا رحمة، ويوقن أن الموت آت لا ريب فيه، فقد كان جدب فصل من فصول العام يهلكه هو وحيواناته جوعاً. وقد حدث بين عامي 970 و1100 سنون قحطاً حصدت الأهلين زرافات في فرنسا، ولم يكن في وسع أي فلاح بريطاني أن ينسى ما حدث من القحط في عامي 1086 و1125 في إنجلترا المرحة الطروب؛ وقد روع أسقف ترييه في القرن الثاني عشر حين رأى الفلاحين يذبحون جواده ويأكلون لحمه(31). ثم زاد الفيضان والوباء والزلزال الطين بلة وأحالت المسلاة آخر الأمر مأساة.




صفحة رقم : 5237




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> مجتمع القرية



3- مجتمع القرية


وكان جماعة من الفلاحين يتراوح عددهم بين خمسة وخمسمائة يتألفون من أرقاء الأرض، ونصف الأحرار، والأحرار، يبنون قريتهم حول قصر السيد الإقطاعي في الريف. ولم تكن بيوتهم منعزلة بعضها عن بعض بل كانت متجاورة داخل أسوار القرية لأن في قربها أماناً لهم. وكانت القرية عادة جزءاً من ضيعة واحدة أو أكثر من ضيعة، وكان السيد المالك هو الذي يعين الكثرة الغالبة من موظفيها، ولم يكونوا يسألون إلا أمامه وحده، ولكن الفلاحين كانوا يختارون لهم عمدة




صفحة رقم : 5238




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> مجتمع القرية


أو رئيساً يتوسط بينهم وبين المالك وينسق نشاطهم الزراعي. وكانوا يجتمعون في السوق في فترات معينة ليتبادلوا السلع، وكان هذا التبادل هو البقية الباقية من التجارة في هذه الضيعة المكتفية بنفسها من الناحية الاقتصادية. فقد كان البيت الريفي ينتج بنفسه ما يلزمه من الخضر وبعض ما يلزمه من اللحوم، ويغزل صوفه أو كتانه، وينسج معظم ما يحتاجه أفراد من الثياب. وكان حداد القرية يصنع الآلات الحديدية، ودابغ الجلود يصنع البضائع الجلدية، والنجار ينشئ الأكواخ ويصنع الأثاث، وصانع العربات يصنع المركبات، والقصابون، والصباغون، والبناءون، وصانعو السروج، والحذاؤون، والصبانون... كان كل هؤلاء يعيشون في القرية أو يأتون إليها ليقيموا فيها بعض الوقت ليصنعوا ما يطلب إليهم صنعه، وكان القصاب العام أو الخباز ينافس الفلاح وزوجته في إعداد اللحم والخبز.
وكانت تسعة أعشار الاقتصاد الإقطاعي قائمة على الزراعة. وقد جرت العادة في فرنسا وإنجلترا في القرن الحادي عشر أن تقسم أرض المزرعة إلى ثلاثة حقول: أحدها يزرع قمحاً أو شيلماً، وثانيها شعيراً أو شوفاناً، ويترك الثالث بوراً. وكان كل حقل يقسم قطعاً مساحة كل منها نحو فدان إنجليزي أو نصف فدان يفصل كل منها على الأخرى حاجز من أرض غير محروثة. وكان موظفو القرية يحددون لكل زارع عدداً مختلفاً من القطع في كل حقل ويحتمون عليه أن يتبع فيها دورة زراعية تجري على خطة يضعها مجتمع القرية. وكان الأهلون مجتمعين يقومون في الحقل بالعمليات الزراعية كلها من حرث وتمهيد، وغرس وبذر، وحصاد. ولعل توزيع قطع الفلاح الواحد بين ثلاث حقول أو أكثر كان يهدف إلى إعطائه نصيباً معادلاً لنصيب غيره من الأراضي غير المتساوية الخصوبة، ولعل هذه القرية التعاونية كانت باقية من شيوعية بدائية لا تزال آثار قليلة منها باقية في هذه الأيام. وكان من حق كل فلاح يؤدي ما عليه من الواجبات الإقطاعية بالإضافة إلى زرع




صفحة رقم : 5239




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> مجتمع القرية


هذه القطع أن يقطع الأشجار، ويرعى ماشيته، ويجمع الكلأ الجاف من غابات الضيعة، وأرض الكلأ المشاع فيها، "وأرضها الخضراء" وكان له عادة حول كوخه ما يكفي من الأرض لإنشاء حديقة وغرس الأزهار.
ولم يكن علم الزراعة في البلاد المسيحية الإقطاعية يضارع نظيره عند الرومان في عهد كولمبلا Columbella أو عند المسلمين في بلاد العراق أو الأندلس. وكانت أعقاب النبات وغيرها من النفايات تحرق في الحقول لإخصاب التربة وتطهيرها من الحشرات والأعشاب الضارة؛ وكان يتخذ من الطين الغضار أو غيره من التراب والجير نوع من السماد البسيط، فلم يكن يوجد في ذلك الوقت مخصبات صناعية، وكان ما يعترض النقل من صعاب يقلل استخدام روث الحيوان، ولهذا كان رئيس أساقفة رون Rouen يلقي أقذار إسطبلاته في نهر السين بدل أن ينقلها إلى حقوله القريبة منها في دفيل Deville، وكان الفلاحون يشتركون في جمع دريهماتهم القليلة لشراء محراث أو زحافة يستعملونهما جميعاً. وظل الثور هو حيوان الجر عندهم حتى القرن الحادي عشر؛ ذلك أن هذا الحيوان أقل نفقة من الحصان في إطعامه، وكان إذا كبرت سنه أكثر منه نفعاً إذا اتخذ طعاماً. ولكن صانعي السروج اخترعوا حوالي عام 100 بعد الميلاد الطوق الجامد الذي يمكن الحصان من جر حمل ثقيل دون أن يختنق؛ وإذا وضع هذا الطوق في عنق الحصان أمكنه أن يحرث في اليوم الواحد ثلاثة أمثال ما يحرثه الثور أو أربعة أمثاله. وإذ كانت سرعة الحرث مهمة في الأجواء المعتدلة الرطبة فقد أخذ الحصان في القرن الحادي عشر يحل محل الثور ويفقد ما كان له من منزلة عالية جعلت الناس يحتفظون به من قبل للسفر، والصيد، والحرب(32). ودخلت السواقي أوربا الغربية في أواخر القرن الحادي عشر، وكانت مستخدمة قبل ذلك بزمن طويل في بلاد الشرق الإسلامية(33).




صفحة رقم : 5240




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> مجتمع القرية


وكانت الكنيسة تخفف من كدح الفلاح بأيام الآحاد والأعياد التي كان "العمل الوضيع" فيها يعد إثماً من الآثام. وفي ذلك يقول الفلاحون: "إن أثوارنا تعرف متى يحل يوم الأحد، وهي بذلك تأبى أن تعمل في ذلك اليوم"(34). وكان الفلاح إذا فرغ من الصلاة في ذلك اليوم يغني ويرقص، وينسى في ضحكه الريفي العالي أعباء الوعظ والمزرعة الثقال. وكانت الجعة رخيصة الثمن، وكان الحديث حراً طليقاً بذيئاً. وكانت أقاصيص خليعة عن النساء تختلط بالخرافات الرهيبة التي تروي عن القديسين. وكانت ألعاب عنيفة ككرة القدم، والهوكي، والمصارعة، وقذف الأثقال يتبارى فيها رجل مع رجل. وكان قتال الديكة، ومصارعة الثيران كثيري الحدوث، وكان تحمس النظارة يصل غلى غايته حين يحاول رجلان معصوبان بالعينين، مسلحان بالعصى الغليظة أن يقتلا إوزة أو خنزيراً داخل دائرة مغلقة، وكان الفلاحون في بعض الليالي يتزاورون، ويلعبون ألعاباً داخل البيوت، ويحتسون الخمر، وكانوا في العادة يقضون أوقاتهم داخل البيوت، لأن الحارات لم تكن مضاءة، وكانوا يأوون إلى الفراش مبكرين بعد أن تظلم الدنيا بقليل لأن الشموع كانت غالية الثمن. وكانت الأسرة إذا حل الشتاء بليله الطويل تأوي الماشية في الكوخ وترحب بها وتفيد ما تحدثه فيه من الدفء.
وهكذا كان الفلاحون في أوربا يطعمون أنفسهم، وسادتهم، وجنودهم. وقساوستهم، وملوكهم، بكدحهم المتواصل وبسالتهم الصامتة، لا بما تبعثه في نفوسهم الحوافز الصالحة من مهارة وقدرة على الابتكار. وكانوا يجففون المناقع، ويقيمون الجسور والحواجز، ويقطعون أشجار الغابات، ويطهرون القنوات، ويشقون الطرق، ويبنون البيوت، ويوسعون نطاق دائر الحضارة، ويكسبون المعركة القائمة بين الغابة والإنسان. وإن أوربا الحديثة لمن خلقهم وصنع أيديهم؛ ونحن إذا ما شاهدنا الآن تلك السياج الأنيقة، والحقول المنظمة، لا نستطيع أن




صفحة رقم : 5241




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> مجتمع القرية


نتصور ذلك الكدح الطويل، والمحن الشداد التي دامت عدة قرون، والتي حطمت ظهور الرجال وقلوبهم، والتي سخرت المواد الغفل التي تخرجها الطبيعة السخية على كره، ووضعت بها الأسس الاقتصادية لحياتها الحاضرة.
وكانت النساء أيضاً مجندات في تلك الحرب العوان، فقد كان خصبهن وصبرهن على إنجاب الأبناء وتربيتهم هما اللذين ذللا الأرض. وحارب الرهبان وقتاً ما، ولم يكونوا في حربهم أقل بسالة من غيرهم، فقد أقاموا أديرتهم مراقب أمامية في الفقار، وأنشئوا من الفوضى نظاماً اقتصادياً، وبنوا القرى في البراري، وبفضل هذه الجهود كلها رفرف علم الحضارة على ربوع أوربا في نهاية العصور الوسطى بعد أن كان الجزء الأكبر من أرضها في بداية تلك العصور أرضين غير منزرعة، وغابات خالية من السكان، وبراري مقفرة، ولعل هذا العمل، إذا نظرنا إليه النظرة الصحيحة، هو أشد كفاح، وأنبل نصر، وأعظم عمل تم في عصر الإيمان.




صفحة رقم : 5242




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> المالك



4- المالك


في كل نظام اقتصادي يسيطر الرجال الذين يستطيعون السيطرة على أولئك الذين لا يستطيعونها إلا على الجماد. وكان المسيطر على الرجال في أوربا الإقطاعية هو السيد مالك-وهو باللغة اللاتينية dominus، وبالفرنسية seigneur، وبالرومانية senior وبالألمانية Hetr، وبالإنجليزية lord (أي السيد) وكانت أعماله تنقسم ثلاثة أقسام: أن يوفي وسائل الدفاع العسكري عن أراضيه وسكانها؛ وأن ينظم شئون الزراعة والصناعة والتجارة في تلك الأراضي، وأن يخدم سيده الأكبر أو مليكه في الحرب. ولم يكن المجتمع قادراً على البقاء في هذا النظام




صفحة رقم : 5243




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> المالك


الاقتصادي الذي تحطم إلى عناصره الأولى وتمزق لطول عهده بالهجرة، والغارات، والنهب، والحروب-لم يكن المجتمع قادراً على البقاء في هذا النظام إلا باستقلاله المحلي وكفاية موارده من الطعام والجنود؛ ولهذا أصبح القادرون على تنظيم وسائل الدفاع وفلح الأرض هم سادتها وملاكها بطبيعة الحال، وأضحى امتلاك الأرض وإدارتها مصدر الثراء والسلطان، ونشأ عهد من الأرستقراطية مالكة الأرض دام إلى عهد الانقلاب الصناعي.
وكان المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه الإقطاع هو الولاء المتبادل الذي يتمثل فيما على رقيق الأرض أو التابع من التزامات اقتصادية وعسكرية لسيده. وفيما على هذا السيد من واجبات مثلها لسيده الأعلى، وفيما على هذا السيد الأعلى من واجبات للملك، وفيما على الملك من واجبات نحو السيد الأعلى، وفيما على هذا السيد الأعلى من واجبات نحو السيد الأصغر منه، وفيما على هذا السيد الأصغر من واجبات لتابعه أو رقيق أرضه. وكان السيد يجزي أرقاءه على خدمتهم إياه أرضاً يستبقونها طوال حياتهم، تكاد تكون ملكاً لهم. وكان يجيز لهم أن يستخدموا بأجر قليل أفرانه، ومعاصره، وطواحينه، ومياهه، وغاباته، وحقوله؛ وكان يستبدل بكثير من الواجبات التي تتطلب جهودهم العضلية قدراً قليلاً من المال، ويسمح بأن تسقط بعض الواجبات الأخرى على مر الزمان. ولم يكن ينزع الأرض من رقيقه إذا أعجزه المرض أو الشيخوخة-بل كان يعني به عادة ويقدم له المعونة(35). ومن الملاك من كان يفتح أبوابه للفقراء في أيام الأعياد ويطعم كل من يدخلها؛ وكان ينظم وسائل المحافظة على القناطر، والطرق، والقنوات، والتجارة، ويجد الأسواق التي يصرف فيها ما زاد من منتجات الضيعة على حاجتها، والأيدي العاملة للقيام بأعمالها، والمال ليشتري به حاجاتها. وكان يأتي إليها بالسلالات الطيبة من الماشية ليبريها، ويسمح لأرقائه أن يلقحوا ماشيتهم بالذكور الممتازة عنده؛ وكان من حقه أن يضرب رقيق أرضه، أو أن يقتله في بعض الأماكن أو الأحوال، دون أن يخشى عقاباً، ولكن شعوره بمصالحه الاقتصادية كان يكبح جماح وحشيته، وكانت له في أملاكه السلطات القضائية والعسكرية،




صفحة رقم : 5244




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> المالك


وكان يستفيد فوق ما يجب من الغرامات التي تفرضها محاكم الضيعة: ولكن معظم قضاة هذه المحكمة كانوا من أرقاء الأرض أنفسهم، وإن كانت ترهبها سلطة المأمور التابع للشريف. ويتبين لنا من تهافت الأرقاء على هذه الهيئات القضائية لتعفيه من الخدمات نظير ما يقدمه من المال -يتبين لنا من تهافتهم عليها أن قراراتها لم تكن شديدة الظلم. وكان في مقدور كل رقيق يجد في نفسه الجرأة الكافية أن يجهر برأيه في محكمة الضيعة. ومن الأرقاء من كانوا يجدون في أنفسهم هذه الجرأة، وقد أعانت هذه المحاكم بأحكامها الفردية، وبغير قصد منها، على إيجاد الحريات التي قضت آخر الأمر على عهد رقيق الأرض.
وكان في وسع السيد الإقطاعي أن يمتلك أكثر من ضيعة واحدة، وكان يعين في هذه الحالة وكيلاً له يشرف على أملاكه أي على ضياعه كلها، وكان له في كل منها ناظر أو مأمور، وكان هو ينتقل من ضيعة إلى ضيعة ومعه أفراد أسرته ليستهلكوا غلاتها في مواضع إنتاجها؛ وقد يكون له قصر حصين في كل واحد منها. وكان قصر السيد الإقطاعي يرجع نشأته إلى معسكر الفيالق الرومانية المسور (Castellum, Castrum) أو إلى قصر الشريف الروماني الريفي المحصن أو إلى حصن الزعيم الألماني (burg)، وكان يهدف إلى حماية سكانه أكثر مما يهدف إلى راحتهم. وكان أبعد وسائل الدفاع عنه من الخارج خندق عريض عميق: وكانت الأتربة الناتجة من حفره والتي تلقى في الجهة الداخلية منه تكون حاجزاً عالياً تدق فيه عُمد أربعة يرتبط بعضها ببعض ليتكون منها سور متصل. وكان جسر متحرك مثبت طرفه الداخلي يؤدي إلى باب حديدي كبير أو باب آخر شبكي قلبه، يحمي مدخلاً ضخماً في سور الحصن. وكان في داخل هذا السور اسطبلات، ومطبخ، ومخازن، وأبنية صغرى، ومخبز، ومغسل، وكنيسة صغيرة، ومساكن للخدم، مبنية كلها عادة من الخشب. وكان مستأجروا الضيعة يهرعون عادة هم وماشيتهم ومنقولاتهم إلى داخل




صفحة رقم : 5245




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> المالك


هذا السور. ويقوم في وسطه البرج أو بيت المالك؛ وهو في معظم الأحوال برج مربع كبير مقام من الخشب أيضاً؛ ولكنه قبل أن يستهل القرن الثاني عشر بني من الحجارة واتخذ شكلاً دائرياً ليسهل الدفاع عنه أكثر من ذي قبل وكان الطابق الأدنى من هذا البرج مخزناً وجباً، ومن فوقه يسكن المالك وأسرته. وقد نشأت من هذه الأبراج في القرنين الحادي عشر والثاني عشر قصور الأشراف في إنجلترا، وألمانيا، وفرنسا، وهي القصور التي كانت جدرانها الحجرية المنيعة عماد قوة الملاك ضد مستأجريهم وضد الملك.
وكان البرج من داخل مظلماً، ضيقاً محصوراً، قليل النوافذ صغيرها، وقلّما كانت لها ألواح زجاجية. وكان الخيش أو الورق الملون أو المصاريع الخشبية، أو شبابيك الشيش تمنع عنه معظم المطر والكثير من الضوء؛ وكانت الشموع والمشاعل تستخدم في الإضاءة الاصطناعية، ولم تكن هناك في معظم الأحوال إلا حجرة واحدة في كل طابق من أطباقه الثلاثة؛ وكانت السلالم أو الأبواب التي في السقوف، أو الدرج المتعرجة، تصل أطباق البرج بعضها ببعض. وكان في الطابق الثاني البهو الرئيسي، الذي تعقد فيه محكمة المالك والذي يستخدم فضلاً عن ذلك مطعماً، وحجرة لجلوس الأسرة، ونوم معظم أفرادها. وقد يكون في إحدى أطرافها مصطبة مرتفعة، يتناول عليها المالك، وأسرته، ومن يستضيفه طعامهم. أما غيرهم فكانوا يتناولون طعامهم على موائد متنقلة توضع أمام مقاعد في ممرات هذا الطابق. فإذا حان وقت النوم وضعت الحشيات على الأرض أو على أسّرة منخفضة من الخشب في الممرات. وكان أهل الدار كلهم ينامون في هذه الحجرة الوحيدة تحجبهم حواجز بعضهم عن بعض. وكانت الحجرات تطلى بالجير أو بالألوان الزيتية، وتزين بالأعلام، والأسلحة، والدروع. وكان من المستطاع وقاية الحجرة من التيارات الهوائية بالستائر أو الأقمشة المنقوشة. وكانت الأرض تبلط بألواح القرميد أو الحجارة، وتغطى بالقش




صفحة رقم : 5246




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> المالك


أو أغصان الأشجار؛ وكانت تدفأ من وسطها من موقد يحرق فيه الخشب وظلت الدار من غير مدخنة إلى أواخر العصور الوسطى؛ وكان الدخان يخرج من فتحة بالسقف، وكان من خلف المصطبة باب يوصل إلى "مشمسة" يستطيع السيد وأسرته وضيفه أن يستريحوا فيها ويستمتعوا بأشعة الشمس وكان الأثاث هنا أدعى إلى الراحة منه في الحجرات، فقد كان في هذه المشمسة بساط، ومدفأة، وسرير مريح.
وكان مالك الضيعة يرتدي جلباباً يتخذ عادة من الحرير الملون، نقشت عليه رسوم هندسية أو نباتية، وحرملة تغطي الكتفين وغير مشدودة يستطاع رفعها فوق الرأس؛ وسروالاً تحتياً (لباساً) قصيراً من فوقه سروال آخر (بنطلون) قصير أيضاً؛ وجوربين قصيرين يرتفعان إلى الفخذين، وحذاءين طويلين يرتفع طرفاهما الأماميين كأنهما مقدم سفينة، وكان يتأرجح من منطقة جراب وسيف، وتتدلى عادة من عنقه مدلاة على شكل صليب. ولما أراد الأشراف الأوربيون أن يميزوا الفرسان ذوي الخوذ والدروع أحدهم عن الآخر في الحرب الصليبية الأولى(36). أخذوا عن المسلمين عادة(37) تمييز أرديتهم، وحللهم، وألويتهم، ودروعهم، وسروج خيلهم بنقوش خاصة أو شعائر حربية، ومن ثم أنشأت الفروسية لنفسها رطانة عجيبة لا يفهمها إلا الفرسان والقائمون على شئون الفروسية . ولم يكن المالك رغم هذه الزينات كلها بالإنسان المتعطل المتطفل، فقد كان يستيقظ في مطلع الفجر، ويصعد إلى برجه ليتبين هل يحدق به خطر، ثم يفطر مسرعاً،




صفحة رقم : 5247




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> المالك


وقد يذهب بعد ذلك للصلاة في الكنيسة، ثم "يتغدى" في الساعة التاسعة صباحاً، ويشرف بعدئذ على أعمال الضيعة الكثيرة، ويشترك بنفسه في بعضها، ويصدر أوامره إلى الناظر ورئيس الخدم، والسائس، وغيرهم من أتباعه، ويستقبل الزوار وعابري السبيل، ثم "يتعشى" معهم ومع أسرته في الساعة الخامسة، ويأوي عادة إلى فراشه في الساعة التاسعة مساء. وكان هذا العمل الرتيب يتغير في بعض الأيام إذا ذهب إلى الصيد، ويتغير كذلك أحياناً قليلة إذا لعب "البرجاس"، ويتغير من حين إلى حين إذا قامت الحرب. وكثيراً ما كان يقيم الولائم، ويتبادل الهدايا الكثيرة مع الأضياف.
ولا تكاد زوجته تقل عنه عملاً. فكانت تلد له كثيراً من الأبناء وتربيهم، وكانت توجه الخدم الكثيرين، وتلكمهم أحياناً، وتلاحظ المخبز، والمطبخ، والمغسل، وتشرف على عمل الزبد والجبن، وعصر الجعة، وتمليح اللحم لحفظه أيام الشتاء، وتعمل في تلك الصناعات المنزلية الكبرى صناعات الخياطة، والحياكة، والغزل، والنسيج والتطريز، التي تعد بها معظم ملابس الأسرة، فإذا خرج زوجها للحرب قامت هي بشئون المزرعة العسكرية والاقتصادية، وكان ينتظر منها أن تمده بحاجاته المالية في أثناء حروبه؛ فإذا وقع في الأسر كان عليها أن تدبر الماء اللازم لافتدائه من كد رقيق أرضه، أو من بيع جواهرها وأدوات زينتها؛ وإذا مات زوجها وليس له ولد ذكر، فقد تؤول إليها سيادة الضيعة. فتصبح هي سيدتها dame domina، ولكنها كان ينتظر منها أن تتزوج مرة أخرى بعد زمن قليل لتهيئ للضيعة والسيد الأكبر ما يلزمهما من الخدمة أو الحماية العسكرية. وكان السيد الأكبر يقصر اختيارها على عدد قليل من الخاطبين القادرين على أداء هاتين المهمتين، وكان في مقدورها أن تصبح في داخل قصرها مسترجلة أو صخابة، وتبادل زوجها لطمة بلطمة. وكانت في ساعات فراغها تلبس على جسمها القوي أثواباً فضفاضة من الحرير ذات أهداب من الفراء، وتحتذي حذاءين




صفحة رقم : 5248




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> المالك


لطيفين، وتغطي رأسها بغطاء جميل وتزدان بالحلي المتلألئة فتصبح بذلك كله قادرة على بعث نشوة الحب أو الأدب في قلوب الشعراء الجوالين.
وكان أبناؤها يتلقون تعليماً يختلف كل الاختلاف عن تعليم الجماعات. لأن أبناء الأشراف قلّما كانوا يرسلون إلى المدارس العامة، ولم يكن في كثير من الحالات يبذل أي مجهود في سبيل تعليمهم القراءة. ذلك أن القراءة والكتابة كانتا تتركان للقساوسة والكتبة الذين كانوا يستأجرون بأقل الأجور، وأن الكثرة الغالبة من فرسان الإقطاع كانوا يحتقرون المعارف العقلية، فقد تعلم جسكلين Guesclin مثلاً، وهو من أجل شخصيات الفروسية، جميع فنون الحرب، وتعود مواجهة كل تقلبات الجو بقلب ثابت، ولكنه لم يعن أقل عناية بتعلم القراءة؛ ولم يحتفظ الأشراف بتقاليدهم الأدبية إلا في إيطاليا وبيزنطية. وكان ابن أسرة الفرسان يرسل في السابعة من عمره، بدل المدرسة، ليكون وصيفاً في بيت شريف آخر يتأدب فيه ويتعلم الطاعة، والأخلاق الطيبة، وطريق اللبس، وقانون الشرف الخاص بالفرسان، ومما تتطلبه المثاقفة والحرب مع حذق، وربما أضاف القسيس المحلي إلى هذا شيئاً من التدريب على القراءة والحساب. وكانت البنات يتعلمن مائة من الفنون النافعة أو الجميلة، ولم تكن الوسيلة إلى هذا تزيد على النظر والعمل. وكن يعنين بشئون الضيوف، والفارس حين يعود من الحرب أو البرجاس؛ فكن يحللن دروعه، ويحضرون حمامه، ويأتين له بالثياب التحتية والفوقية، والعطور، ويخدمنه وقت الطعام بأدب جم وتواضع ورقة مدروسة؛ وكن هن، لا الأولاد، يتعلمن القراءة والكتابة، وكان منهن كثرة يستمعن إلى الشعراء، والقصاصين والمغنين وإلى نثر ذلك الوقت وشعره الإبداعيين.
وكثيراً ما كان بيت الشريف يشتمل على بعض المقطعين أو الأتباع. فأما المُقْطَع فكان رجلاً ينال من الشرف نظير خدمته العسكرية والشخصية،




صفحة رقم : 5249




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> المالك


أو المعونة السياسية، منفعة أو ميزة قيمة-وهي في العادة مساحة من الأرض ومن عليها من أرقاء الأرض، وفي هذه الحال يكون للمقطع حق الانتفاع بالريع، أما الملكية فتبقى للشريف. وكان الرجل الذي يمنعه كبرياؤه أو تمنعه قوته من أن يكون رقيق أرض ولكنه أضعف من أن يعد لنفسه وسائل الدفاع العسكرية، ويؤدي مراسم "الولاء" لشريف إقطاعي: يركع أمامه وهو أعزل عاري الرأس، ويضع يديه في يدي الشريف، ويعلن أنه "رجل" (homme) (وإن كان يحتفظ بحقوقه بوصفه رجلاً حراً)، ثم يقسم على بعض المخلفات المقدسة أو على الكتاب المقدس أن يظل وفياً للسيد إلى آخر أيام حياته. ثم يرفعه السيد، ويقبله، ويمنحه إقطاعية ، ويعطيه رمزاً لهذه المنحة قشة، أو عصاً، أو حربة، أو قفازاً. ويصبح السيد من ذلك الحين ملزماً بحماية المقطع، وصداقته، والإخلاص له، وتقديم المعونة الاقتصادية والقضائية؛ وكان عليه، كما يقول أحد المحامين في العصور الوسطى، ألا يهين هذا المقطع، أو يغري ابنته أو زوجته(39)، فإذا فعل كان من حق المقطع أن "يلقى القفاز" علامة على التحدي، أي أنه أصبح خارجاً عن الولاء له-ومن حقه مع ذلك أن يحتفظ بإقطاعيته.
وقد يُقطع المقطع "من باطنه" جزءاً من الأرض إلى مقطع أقل منه تكون علاقته به وتبعاته نحوه هي نفس العلاقة والتبعات التي بين المقطع الأصيل والسيد. وكان في وسع المقطع أن تكون له إقطاعيات من عدد من السادة، وأن يكون مديناً لهم "بولاء بسيط" وخدمات محددة، ولكن عليه أن يدين لسيد أعلى "بولاء كامل" وخدمة كاملة في لسلم والحرب. وقد يكون السيد نفسه مهما عظم شأنه، مقطعاً من قبل غيره من السادة إذا أخذ منه ملكاً أو إقطاعية، وقد يكون مقطعاً-أي مالكاً لإقطاعية-من مقطع من سيد آخر.وكان السادة كلهم




صفحة رقم : 5250




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> المالك


مقطعين من الملك. ولم تكن الرابطة الأولى في هذه الصلات المعقدة هي الرابطة الاقتصادية، بل كانت هي الرابطة العسكرية، فقد كان الرجل يقدم الخدمة العسكرية والولاء الشخصي، أو يدين بهما، إلى سيد، وكان ما يعطي له من الأرض جزاء له على خدمته وولائه لا أكثر ولا أقل. وكان الإقطاع من الوجهة النظرية نظاماً عظيماً تتبادل بمقتضاه الأخلاق الطيبة، يربط رجال المجتمع المعرض للخطر بعضهم ببعض برباط قوامه تبادل أداء الواجبات، والحماية، والإخلاص.




صفحة رقم : 5251




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> الكنيسة الإقطاعية



5- الكنيسة الإقطاعية


وكان مالك الضياعة في بعض الأحيان أسقفاً أو رئيس دير؛ وكان كثير من الرهبان يعملون بأيديهم، وكثير من الأديرة والكنائس تنال حظها من أموال العشور التي تجبي من الأبرشية، ولكن المؤسسات الكهنوتية الكبيرة كانت بالإضافة إلى هذا العمل اليدوي وتلك الأموال في حاجة غلى المعونة المالية؛ وكانت تنال الجزء الأكبر من هذه المعونة من الملوك والأشراف على صورة هبات من الأرض أو أنصبه من الإيرادات الإقطاعية. وتراكمت هذه الهدايا حتى أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي، وأكبر السادة الإقطاعيين في أوربا؛ فقد كان دير فلدا مثلاً يمتلك 15.000 قصر صغير من قصور الريف، وكان دير سانت جول يمتلك ألفين من رقيق الأرض(40)؛ وكان ألكوين في تور سيداً لعشرين ألفاً من أرقاء الأرض(41). وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة، ورؤساء الأديرة، وكانوا يقسمون يمين الولاء له كغيرهم من الملاك الإقطاعيين، ويلقبون بالدوق والكونت وغيرهما من الألقاب الإقطاعية، ويسكون العملة، ويرأسون محاكم الأسقفيات والأديرة، ويضطلعون بالواجبات الإقطاعية الخاصة بالخدمة العسكرية والإشراف الزراعي. وكان الأساقفة ورؤساء الأديرة المرتدون الزرد والدروع والمسلحون بالحراب من المناظر المألوفة





صفحة رقم : 5252




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> الكنيسة الإقطاعية


في ألمانيا وفرنسا. وكان رتشرد أمير كورنوول في عام 1257 يجهر بأسفل الخلو إنجلترا من "الأساقفة ذوي الحمية المتوقدة والروح الحربية القوية"(42). وهكذا أضحت الكنيسة جزءاً لا يتجزأ من النظام الإقطاعي، فألفت نفسها منظمة سياسية، واقتصادية، وحربية لا منظمة دينية وكفى. وكانت أملاكها "الزمنية" أي المادية، وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية بما يجلل بالعار كل مسيحي مستمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين، ومصدراً للجدل العنيف ببين الأباطرة والبابوات. وهكذا أصبحت الكنيسة جزءاً لا يتجزأ من نظام الإقطاع.




صفحة رقم : 5253




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> الملك



6- الملك


وكما كانت الكنيسة في القرن الثاني عشر منشأة إقطاعية ذات حكومة دينية غرضها تبادل الحماية، والخدمات، والولاء، تقوم بها طائفة من رجال الدين ويرأسها البابا سيدها الأعلى، كذلك كان الحكم الزمني الإقطاعي يتطلب لكي بلغ تمامه رئيساً أعلى لجميع المقطعين، وسيداً صاحب السلطان على جميع السادة الزمنيين، أي أنه كان في حاجة إلى ملك. وكان الملك من الوجهة الزمنية تابعاً لله، يحكم بما له من حق إلهي، بمعنى أن الله أجاز له أن يحكم، ومن ثم فوضه في أن يحكم. أما من الوجهة العلمية فإن الملك قد ارتفع إلى عرشه بطريق الانتخاب أو الوراثة، أو الحرب. نعم إنهم رجالاً من أمثال شارلمان، وأتو الأول، ووليم الفاتح، وفيليب أغسطس، ولويس التاسع، وفردريك الثاني، ولويس الجميل، وسعوا سلطانهم الموروث بقوة الخُلق أو السلاح؛ ولكن ملوك أوربا الإقطاعية لم يكونوا عادة حكاماً لشعوبهم بقدر ما كانوا مندوبين من قبل الأقيال التابعين لهم؛ فقد كان كبار الأشراف ورجال الدين هم الذين يختارونهم أو يوافقون على اختيارهم، وكان سلطانهم المباشر محصوراً في أملاكهم الإقطاعية أو ضياعهم؛ أما في غير هذه الأملاك والضياع من مملكتهم فقد كان رقيق الأرض أو التابع




صفحة رقم : 5254




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> الملك


الذي أقطع أرضاً يدين بالولاء للمالك الذي يحميه، وقلّما كان يدين بهذا الولاء للملك الذي كانت قوته الصغيرة البعيدة عنه عاجزة عن حماية المراكز الأمامية المشتتة في أنحاء المملكة. وعلى هذا فإن الدولة في النظام الإقطاعي لم تكن إلا ضيعة الملك.
وذهب هذا التفتيت في الحكم إلى أبعد حد في غالة لأن الأمراء الكارلونجيين أضعفوا قواهم بتقسيم الإمبراطورية، ولأن الأساقفة أخضعوهم لسلطان الكنيسة، ولأن هجمات الشماليين على فرنسا كانت أشد هجمات هؤلاء الأقوام عنفاً. ولم يكن الملك في هذا النظام الإقطاعي الكامل إلا "صاحب المقام الأول بين أنداد"؛ لا يعلو عمن يحملون لقب الأمير، والدوق، والمركيز، والكونت إلا قليلاً، ولكنه كان من الناحية العملية شبيهاً "بأشراف الدول هؤلاء"" فقد كان شريفاً إقطاعياً تقتصر موارده المالية على أربع أراضيه، ويضطر إلى الانتقال من ضيعة ملكية إلى أخرى ليحصل على طعامه وشرابه، ويعتمد في الحرب والسلم على المعونة العسكرية أو الخدمة الدبلوماسية التي يؤديها له تابعوه الأغنياء، ولم يكن هؤلاء يتعهدون له بأكثر من أربعين يوماً من العمل المسلح كل عام، وكانوا يقضون نصف وقتهم في الإئتمار به لخلعه. وكان الملك يضطر إلى منح الضيعة في إثر الضيعة لأقوياء الرجال ليكسب بذلك معونتهم أو يجزيهم على هذه المعونة، حتى كان ما بقي من الأرض لملوك فرنسا في القرنين العاشر والحادي عشر أقل من أن يجعل لهم فوق أتباعهم الملاك من السيادة ما يؤمنهم على عرشهم؛ ولما أن أورث هؤلاء الملاك أبناءهم ضياعهم، وأنشئوا لأنفسهم شرطة ومحاكم، وسكوا باسمهم النقود، لما أن فعلوا هذا لم يجد الملك لديه من القوة ما يمنعهم فعله من فعله، ولم يكن في وسعه أن يتدخل في اختصاصات أتباعه القضائية في أملاكهم إلا في قضايا الإعدام التي تستأنف له، ولم يكن من حقه أن يرسل موظفيه أو جباته إلى أملاكهم، أو يمنعهم أن يعقدوا المعاهدات




صفحة رقم : 5255




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> الملك


المستقلة، أو يشنوا الحروب من تلقاء أنفسهم. نعم إن ملك فرنسا كان من الناحية النظرية يمتلك جميع أراضي الملاك الذين يلقبونه سيدهم، ولكنه لم يكن في واقع الأمر إلا مالكاً من كبار الملاك، ولم يكن حتماً أكبرهم، ولم تكن أملاكه في يوم من الأيام أكبر من أملاك الكنيسة.
وكما أن عجز الملوك عن حماية ممالكهم كان سبباً في نشأة نظام الإقطاع، كذلك كان أعجز أمراء الإقطاع عن حفظ النظام فيما بينهم أو إقامة الحكومة الموحدة التي يتطلبها النظام الاقتصادي التجاري، كان هذا العجز سبباً في إضعاف السادة الإقطاعيين وتقوية الملوك، وكان تحمس الأشراف في المنازعات الحربية في أوربا الإقطاعية يلق بهم في غمار الحروب الخاصة والعامة حتى امتصت دماءهم الحروب الصليبية، وحرب الأعوام المائة، وحروب الوردتين، والحروب الدينية التي اختتمت بها هذه الحروب، ومنهم من افتقروا وخرجوا على القانون فصاروا أشرافاً من قطاع الطرق ينهبون ويقتلون كما يشاءون؛ وتطلبت المساوئ التي نشأت من الإفراط في الحرية سلطة موحدة تحفظ النظام في ميع أنحاء المملكة؛ وأوجدت التجارة والصناعة في خارج نطاق الرابطة الإقطاعية طبقة غنية متزايدة العدد؛ ولم يكن التجار راضين عن الضرائب الإقطاعية، وأخطار النقل داخل الممتلكات الإقطاعية، وأخذوا يطالبون بأن تحل حكومة مركزية محل القوانين الخاصة. وتحالف الملك مع هذه الطبقة ومع المدن الآخذة في النماء فأخذت هذه وتلك تمده بما يحتاجه من المال لتأييد سلطانه وتوسيعه؛ وأخذ كل من يحس بالظلم أو الأذى من الأعيان يتطلع إلى الملك لينقذه ويرد الأذى عنه. وكان كبار الملاك من بين رجال الكنيسة أتباعاً للملك عادة وأوفياء له، كذلك كان البابوات يجدون أن اتصالهم بالملك أيسر من اتصالهم بالأشراف المتفرقين الذين لا يستمسكون كل




صفحة رقم : 5256




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> الملك


الاستمساك بالقانون، ولم يمنعهم من هذا الاتصال كثرة ما كان يحدث بينهم وبين الملوك من نزاع. واستطاع ملوك فرنسا وإنجلترا تؤيدهم هذه القوى المختلفة أن يجعلوا سلطتهم وراثية بعد أن كانت بالانتخاب؛ وكانت وسيلتهم إلى هذا أن يتوج الواحد منهم ابناً أو أخاً له قبل وفاته، وارتضى الناس هذه الملكية الوراثية بديلاً من فوضى الإقطاع؛ كذلك كان تحسين سبل الاتصال وازدياد تداول النقد مما جعل فرض الضرائب المنتظمة مستطاعاً، وأمكن الملك بفضل موارده المتزايدة أن يحصل على ما يلزمه من المال لتقوية جيشه وزيادة عدده؛ وانضمت طبقة رجال القانون الناشئة إلى العرش وقوته بفضل ما في القانون الروماني الذي عاد إلى الحياة من نزعة نحو المركزية؛ فلم يحل عام 1250 حتى أيد علماء القانون حق الملك في أن يبسط سلطانه القضائي على كل من في مملكته، وحتى كان جميع الفرنسيين يقسمون يمين الولاء لمليكهم لا لسيدهم الإقطاعي. وبهذا كان لفليب الجميل في آخر القرن الثالث عشر من القوة ما أمكنه من إخضاع أشراف بلاده، بل وإخضاع البابوية نفسها، لسلطانه.
وخفف ملوك فرنسا على أشراف بلادهم مرارة هذا الانتقال بمنحهم ألقاباً وامتيازات في بلاطهم تعوضهم عن حقهم الخاص في سك النقود، وإصدار الأحكام القضائية، وشن الحروب؛ فكان كبار أتباعه يؤلفون حاشية الملك Curia regis، وأصبحوا بذلك رجال بلاط لا أصحاب صولة، واستحالت مراسم قصور الأعيان شيئاً فشيئاً إلى خدمات رسمية يقومون بها في مجالس الملك، وحول مائدته، وفي غرفة نومه. وكان أبناء الأعيان وبناتهم يرسلون إلى قصر الملك ليخدموه أو ليخدموا الملكية بأن يكونوا خدماً خصوصيين أو وصيفات، وليتعلموا آداب البلاط، وبذلك أصبح قصر الملك مدرسة لأبناء الأشراف




صفحة رقم : 5257




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> التنظيم الإقطاعي -> الملك


وكانت خاتمة الحفلات وأعظمها هي حفلة تتويج ملك فرنسا في ريمس أو إمبراطور ألمانيا في آخن أو فرانكفورت، ففي هذه الحالات كان صفوة الأعيان من جميع البلاد يجتمعون في أثوابهم وعدتهم الفخمة الرهيبة، وكانت الكنيسة تستخدم كل ما في شعائرها من خلفاء وجلال لإحاطة تتويج الحاكم الجديد بجميع مظاهر المجد والجلال، وبهذا أضحت سلطة الملك سلطة إلهية، لا يستطيع أحد أن يعارضها وإلا عد خارجاً صراحة على الدين. وأقبل الملاك الإقطاعيون على بلاط الملك الذي أخضعهم لسلطانه، وأسبغت الكنيسة حقاً إلهياً على الملوك الذين حطموا زعامتها وسلطانها في أوربا بعد ذلك الوقت.




صفحة رقم : 5258




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> شريعة الإقطاع



الفصل الثالث




شريعة الإقطاع


كانت العادات والشرائع في الغالب شيئاً واحداً في نظام الحكم الإقطاعي حيث كان القضاة والقائمون بتنفيذ القانون المدني عادة أميين. فإذا ما ثارت مشكلة خاصة بالقانون أو العقاب، سئل أكبر أعضاء المجتمع سناً عما جرت به العادة في هذه المشكلة أيام شبابهم، ولهذا كان المجتمع نفسه المصدر الرئيسي للقوانين. نعم إنه كان في مقدور الشريف أو الملك أن يصدر الأوامر، ولكن هذه الأوامر لم تكن قوانين، وإذا ما طلب إلى الناس أكثر مما تجيزه العادات حالت بينه وبين مطالبه مقاومة الشعب عامة جهرة أو صمتاً(43). وكان لفرنسا الجنوبية قانون مكتوب ورثته عن الرومان، أما فرنسا الشمالية حيث كان الإقطاع أكثر تغلغلاً منه في الجنوب، فقد احتفظت في الأغلب الأعم بشرائع الفرنجة، ولما أن دونت هذه القوانين أيضاً في القرن الثالث عشر، أضحى تغييرها، الذي كان من قبل صعباً، أشد صعوبة مما كان، ونشأت مائة قصة قضائية للتوفيق بين هذه القوانين وبين الحقيقة الواقعة.
وكان قانون الملكية الإقطاعي قانوناً فذاً معقداً، يقر ثلاثة أشكال للملكية العقارية: (1) لملكية المطلقة غير المشروطة بشرط ما. (2) الالتزام وهو منح غلة الأرض لا ملكيتها لتابع إقطاعي بشرط أداء الخدمة المفروضة على الشريف و(3) الإيجار-وهو الذي تعطي به غلة الأرض لرقيق الأرض أو مستأجرها على شريطة أن يقوم بأداء الالتزامات الإقطاعية. وكان الملك وحده حسب النظرية الإقطاعية هو الذي يستمتع بالملكية المطلقة، أما كل من عداه، ومنهم أسمى الأشراف مقاماً، فكانوا مستأجرين يمتلكون الأرض على شريطة أن يؤدوا




صفحة رقم : 5259




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> شريعة الإقطاع


عنها الخدمة الواجبة. كذلك م تكن ملكية السيد الإقطاعي للأرض مقصورة عليه وحده، بل كان لكل واحد من أبنائه حق موروث في أرض الآباء، وكان له أن يحول دون بيعها(44). وكانت العادة المألوفة أن نؤول الأرض إلى أكبر الأبناء الذكور، ذلك بأن هذه العادة التي لم تكن معروفة في القانون الروماني أو قوانين الأمم المتبربرة أصبحت موائمة لظروف النظام الإقطاعي، لأنها تضع شئون الحماية العسكرية والإشراف الاقتصادي في يد رئيس واحد، يفترض فيه أن أنضج أبناء الأسرة عقلاً. أما الذكور الأصغر منه سناً فكانوا يشجعون على المغامرة لتملك ضياع أخرى في أراضي غير أرض آبائهم، وكان القانون الإقطاعي، رغم ما فرضه على الملكية من قيود، لا يقل عن أي قانون سواه احتراماً للملكية وقسوة في عقاب من يعتدون على حقوقها. مثال ذلك أن أحد القوانين الألمانية كان ينص على أن من يزيل لحاء إحدى أشجار الصفصاف التي تمسك أحد الجسور "يشق بطنه، وتنتزع أمعاؤه، وتلف حول القطع الذي أحدثته"، وكان في وستفاليا قانون ظل معمولاً به حتى عام 1454 يقضي بأن من يرتكب جريمة إزالة أحد معالم حدود أرض جاره، يدفن في الأرض إلى ما تحت رأسه، ثم تسلط عليه أثوار ورجال لم يسبق لهم أن حرثوا أرضاً يحرثون رأسه؛ "وللرجل الدفين أن ينقذ نفسه بخير وسيلة يستطيعها"(46).
وكانت الإجراءات القضائية في القانون الإقطاعي تنبع في الأغلب الأعم قوانين البلاد الهمجية، وتعمل لاستبدال العقوبات القانونية العامة بالثأر الفردي؛ وكانت الكنائس، والأسواق العامة، "ومدن الالتجاء" تمنع حق الأماكن الحرم؛ وكان من المستطاع بفضل هذه القيود أن يوقف الانتقام حتى يتدخل القانون في الأمر. وكانت محاكم الضياع تنظر القضايا التي تقوم بين مستأجر ومستأجر، أو بين مستأجر وسيد؛ أما المنازعات التي تثور بين سيد وتابع له، أو بين سيد وسيد، فكانت تعرض على محلفين "من أعيان البارونية" وهم رجال




صفحة رقم : 5260




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> شريعة الإقطاع


يجب ألا يقلوا منزلة عن الشاكي نفسه(47)، وأن يكونوا تابعين للإقطاعية نفسها، وممن يجلسون معه في بهو إقطاعي واحد. وكانت محاكم الأسقفيات أو الأديرة تنظر في قضايا رجال الدين، أما الاستئناف الأعلى فكان يرفع إلى المحكمة الملكية المؤلفة من أعيان الدولة، وكان يرأسها الملك نفسه أحياناً. وكان المدعي والمدعي عليه أمام محاكم الضياع يحبسان حتى يصدر الحكم في قضيتهما. وكان المدعي الذي يخسر القضية المرفوعة أياً كان نوعها يعاقب بنفس العقوبة التي توقع على المدعي إليه إذا ثبتت عليه التهمة. وكانت الرشوة شائعة في جميع المحاكم(48).
وظل التحكيم الإلهي معمولاً به طوال عهد الإقطاع. وقد حدث في عام 1215 أن فرض الاختبار بالحديد المحمي على بعض الخارجين على الدين في كمبريه Cambrai، فلما أصيبوا بحروق سيقوا إلى القائمة التي يشد عليها من يحرقون، ولكن أحدهم أعفي من العقوبة، كما يقولون، لأنه أقر بذنبه، فشفيت يده من فوره، ولم يبق فيها أثر للحروق. وكان انتشار الفلسفة في خلال القرن الثاني، وإقبال الناس من جديد على دراسة القانون الروماني، من أسباب كراهية الناس لهذا "التحكيم الإلهي". واستطاع البابا إنوسنت الثالث أن يقنع مجلس لاتران الرابع في عام 1216 بإلغاء هذا النوع من المحاكمة إلغاءً تاماً، وأدخل هنري الثالث هذا الإلغاء في القانون الإنجليزي (1219)، كما أدخله فردريك الثاني في قانون نابلي (1213)، أما في ألمانيا فقد ظلت الاختبارات القديمة معمولاً بها حتى القرن الرابع عشر، وقاسى سفنرولا Savonarola التحكيم الإلهي بالنار عام 1489 في فلورنس، وعاد هذا التحكيم إلى الوجود في محاكمة الساحرات في القرن السادس عشر(49).
وشجع نظام الإقطاع السنَّة الألمانية القديمة، سنة المحاكمة بالاقتتال، وكانت هذه السنة وسيلة للإثبات من ناحية، وبديلاً من الثأر الفردي من ناحية أخرى.




صفحة رقم : 5261




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> شريعة الإقطاع


وأعاد النورمان هذه السنَّة إلى بريطانيا بعد أن أهملت في عهد الأنجليسكسون، ثم ظلت ثابتة في سجل القانون الإنجليزي حتى القرن التاسع عشر(50). ومما يذكر في هذا الصدد أن فارسياً يدعى هرمان Hermann اتهم فارساً آخر يدعى جاي Guy بالاشتراك في اغتيال تشارلس الصالح Charles the God ملك فلاندرز، فلما أنكر جاي التهمة دعاه هرمان إلى مبارزة قضائية، وظل الرجلان يتقاتلان عدة ساعات، حتى فقد كلاهما جواده وخسر سلاحه، فانتقلا من المبارزة إلى المصارعة، واستطاع هرمان أن يبرهن على عدالة التهمة بانتزاع خصيتي جاي من جسمه، ويموت جاي بتأثير هذا الانتزاع(51). ولعل الإقطاعيين قد استحوا من هذه العادات الهمجية ففرضوا قيوداً على حق المبارزة ظلت تتراكم على مدى الأجيال، فكان يطلب إلى المدعي إذا أراد أن يحصل على حق الدعوة إلى المبارزة أن يتقدم بقضية مرجحة الكسب، وكان من حق المدعي عليه أن يرفض القتال إذا أثبت أنه كان في غير مكان الجريمة حين وقوعها؛ ولم يكن لرقيق أرض أن يبارز حراً، أو مجذوم أن يبارز سليماً، أو ابن غير شرعي أن يبارز ابناً شرعياً، وقصارى القول أنه لم يكن يصح لشخص أن يبارز إلا شخصاً مساوياً له في مرتبته. وكانت قوانين بعض المجتمعات تمنح المحكمة حق منع أية مبارزة قضائية متى شاءت، وكان رجال الدين، والنساء، والمصابون بأية عاهة جسمية يعفون من المبارزة، ولكنهم كان لهم أن يختاروا "أبطالاً"-أي مبارزين بارعين-ينوبون عنهم في المبارزة. ولذلك نسمع منذ القرن العاشر عن أبطال مأجورين يحلون محل الذكور المبارزين وإن كانوا صحيحي الأجسام، ذلك بأنه إذا كان الله سيقضي في الأمر حسب عدالة التهمة فقد يبدو أن شخصية المقتتل لا شأن لها بهذا القضاء. وقد عرض أتو الأول مسألة عفة ابنته، والنزاع القائم حول وراثة بعض الضياع، ليفصل فيها أبطال مبارزون(52)، وكذلك لجأ الفنسو العاشر ملك قشتالة إلى هذا النوع من المبارزة ليقرر هي يعمل بالقانون الروماني في




صفحة رقم : 5262




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> شريعة الإقطاع


مملكته(53) وكانت السفارات تزود أحياناً بالأبطال المبارزين ليكونوا حاضرين إذا نشب نزاع دبلوماسي يجوز الفصل فيه بالمبارزة. وظل أبطال من هذا النوع يظهرون في الاحتفال بتتويج ملوك الإنجليز حتى عام 1821، وقد أصبحوا قبل ذلك التاريخ من مخلفات الماضي ذوات الشكل الجميل، ولكن هذا البطل المبارز كان يفترض فيه في العصور الوسطى أن يلقى قفازة على الأرض، ويعلن بصوت عال استعداده للمبارزة للدفاع عما للملك من حق إلهي في تاجه(54).
وكان الالتجاء إلى الأبطال مما يحط من شأن المحاكمة بالاقتتال، وبهذا حرمته الطبقات الوسطى الناشئة في التشريعات العامة، واستبدلت به في القرن الثالث عشر القانون الروماني في أوربا الجنوبية، وكثيراً ما نددت به الكنيسة، وحرمه إنوسنت الثالث تحريماً قاطعاً (1215)، ومنعه فردريك الثاني من أملاكه في نابلي، وألغاه لويس التاسع في الأقاليم الخاضعة لحكمه خضوعاً مباشراً (1260)، وحرمه فليب الجميل (1303) في جميع أنحاء فرنسا. هذا والمبارزة لا تستمد أكبر أسباب نشأتها من الاقتتال القضائي بقدر ما تستمده من حق الناس القديم في أن يثأروا لأنفسهم ممن يعتدون عليهم.
وكانت العقوبات الإقطاعية قاسية قسوة وحشية، فكانت الغرامات لا يحصى لها عدد، وكان السجن يستخدم وسيلة لحجز المتقاضين أكثر مما يستخدم عقاباً للمذنبين، ولكن السجن كان في حد ذاته تعذيباً للمسجون لما كان ي حجراته من حشرات، وجرذان، وأفاع(55). وكان يحكم أحياناً على الرجال والنساء بالحِنَاك أو الصلب علناً، وأن يجعل المعاقب هدفاً لسخرية الجماهير، أو يقذف الطعام الفاسد أو يرجم بالحجارة، وكان كرسي الاعتراف يتخذ عقاباً لمن يرتكبون بعض الجرائم أو الثرثارين أو النساء الساقطات، فكان من يحكم عليهم بهذا العقاب يشدون إلى كرسي يربط برافعة طويلة ثم يغرق بهم الكرسي في مجرى مائي أو بركة. وكان الأشداء من المذنبين يحكم عليهم أحياناً بالعمل في السفن،




صفحة رقم : 5263




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> شريعة الإقطاع


فكانوا يساقون إليها عراة، ولا ينالون إلا القليل من الطعام الذي لا يغني من جوع، ويشدون إلى المقاعد ثم يرغمون على التجديف فيها حتى تخور قواهم، فإذا امتنعوا أو توانوا جلدوا أشد الجلد وأقساه. وكان الجلد بالسوط أو العصا من العقوبات العادية. وكان جسم المذنب ووجهه أحياناً-يكوي ليوسم. رف ما يرمز للجريمة. وكان الحنث في الإيمان والتجديف يعاقبان أحياناً بحرق اللسان بقطعة من الحديد المحمي. وكان بتر الأعضاء أمراً مألوفاً، فكانت اليدان، أو القدمان، الأذنان، أو الأنف تقطع، والعينان تسلمان وكان من الوسائل التي لجأ إليها وليم الفاتح لمكافحة الجرائم "ألا يقتل إنسان أو يشنق لجريمة ارتكبها، بل أن تفقأ عيناه، وأن تقطع يداه، وقدماه، وخصيتاه، حتى إذا ما بقي شيء من جسمه كان ذلك الشيء الباقي دليلاً على جميع جرائمه وجوره"(56). وقلّما كان التعذيب من العقوبات المعمول بها في العصور الوسطى، وإن كانت الشرائع الرومانية والكنسية قد أعادته إلى الوجود في القرن الثالث عشر. وكان القتل والسرقة يعاقب عليهما أحياناً بالنفي وكان أكثر ما يعاقبان به هو قطع الرأس أو الشنق، وكان عقاب القاتلات أن يدفن وهن على قيد الحياة(57). ويمكن عقاب الحيوان الذي يقتل آدمياً بدفنه حياً أو بشنقه. وكانت المسيحية تدعو إلى الرأفة، ولكن المحاكم الكنسية كانت تعاقب على الجرائم بنفس العقوبات التي توقعها المحاكم المدنية، من ذلك أن محكمة دير سانت جنفييف St, Genevi(ve حكمت بدفن سبع نساء وهن على قيد الحياة عقاباً لهن على السرقة(58). وبعد فلعل كبح جماح الخارجين على القانون في العصور الهمجية، كان يحتاج إلى تلك العقوبات الوحشية، ولكن هذه العقوبات الوحشية نفسها بقيت حتى القرن الثامن عشر، ولم تكن شر أنواع التعذيب هي التي يفرضها الأشراف على القتلة بل كانت هي التي يفرضها الرهبان المسيحيون على الأتقياء المارقين.




صفحة رقم : 5264




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الحروب الإقطاعية



الفصل الرابع




الحروب الإقطاعية


نشأ الإقطاع ليكون نظاماً عسكرياً لمجتمع زراعي غير مطمئن على نفسه؛ وكانت فضائله حربية أكثر منها اقتصادية. وكان ينتظر من سادة الإقطاع وأتباعهم أن يدربوا أنفسهم على الحرب وأن يكونوا في كل لحظة من اللحظات مستعدين لترك المحراث وانتضاء السيف.
وكان جيش الإقطاع هو الأداة الحكومية الإقطاعية، تنظمه روابط الولاء الإقطاعي وينقسم انقساماً دقيقاً إلى طبقة فوق طبقة حسب درجات الشرف والمنزلة، فالأمير، والمركيز، والكونت، ورئيس الأساقفة، وهم قواد الجيش، والبارون، والسيد، الأسقف، ورئيس الدير، هم رؤساء الفرق، وكان الفرسان Knights أو Chevaliers هم راكبي الخيل، وكان الأتباع هم خدم البارونات أو الفرسان، وكاد حملة السلاح men-at-arms-الجيش المرابط في المقاطعات أو القرى-يحاربون مشاة، وكان من وراء الجيش الإقطاعي، كما نراه في الحروب الصليبية، حشد من الخدم Varlets يتبعون الجند سيراً على الأقدام من غير نظام ولا قواد، وكانوا يساعدون الجيوش على انتهاب المغلوبين، ويريحون المعذبين ممن يسقطون في حومة الوغى، والجرحى من الأعداء بأن يجهزوا عليهم ببلطهم الحربية أو عصيهم الغليظة(59). ولكن الجيش الإقطاعي كان في جوهره وأساسه هو الفارس مكرراً، ذلك أن المشاة قد فقدوا منزلتهم العليا بعد معركة هدريانوبل (378)، ولم يستعيدوا هذه المنزلة إلا في القرن الرابع عشر، وكان الفرسان هم عماد الفروسية، وكان اسمهم وكل ما يتصل به من الأسماء الأخرى Cavalry، Chivalry، Caballero، Chevalier، Cavalier مشتقاً من اسم الفرس.




صفحة رقم : 5265




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الحروب الإقطاعية


وكان المحارب في عهد الإقطاع يستخدم الحربة، والسيف، والقوس، والسهم. وقد مد الفارس نفسه ووسع دائرتها حتى شملت سيفه، وأطلق عليه اسماً ينم على إعزازه وحبه، وإن كان مما لا شك فيه أن الشعراء القصاصين هم الذين أطلقوا على سيف شارلمان اسم "المبتهجة" Joyeuse وعلى سيف رولان دورندل Durandel، وعلى سيف الملك آرثر اسم Excalibur. وكان لقوس عدة أشكال فقد تكون قوساً بسيطة قصيرة، تشد عند الصدر، وقد تكون قوساً طويلة تشد حول العين والأذن، وقد تكون قوساً متقاطعة يشد وترها في محز بمقبضها، ثم تطلق فجأة، وقد يستخدم أحياناً زند في إطلاقها، وتنطلق منها قذيفة من الحديد أو الحجر. وكانت القوس المتقاطعة أداة قديمة العهد، أما القوس الطويلة فكان أول من اشتهر باستعمالها إدورد الأول (1272-1307) في حروبه مع أهل ويلز. وكانت الرماية أهم عناصر التدريب العسكري في إنجلترا كما كانت من أهم العناصر في ألعاب الفروسية. وكان تطور القوس وإتقانها بداية تدهور النظام الإقطاعي من الناحية العسكرية، ذلك أن الفارس كان يستنكف أن يحارب راجلاً، ولكن الرماة كانوا يقتلون جواده، ويرغمونه على أن ينزل إلى الأرض التي لا تتفق وطبيعته. ووجهت آخر الضربات إلى الإقطاع في القرن الرابع عشر بعد اختراع البارود والمدافع، فقد أمكن بهما قتل الفارس المدرع وتدمير قصره من مساحة لا سلطان للفارس عليها لبعده عنها.
وإذ كان للمحارب الإقطاعي جواد يحمله، فقد كان يسعه أن يثقل نفسه بالدروع، ولهذا كان الفارس الكامل العدة في القرن الثاني عشر يغطي جسمه بالزرد من عنقه إلى ركبتيه-تستره شبكة ذات أكمام لذراعيه، وقلنسوة من الحديد تغطي كل رأس عدا عينيه، وأنفه، وفمه، وكانت ساقاه وقدماه تغطى بدروع من الزرد خاصة بها. فإذا كان في الحرب غطى رأسه فضلاً من غطائه السالف الذكر بخوذة من الصلب ذات وقاية من الحديد تحمي أنفه. وظهرت في




صفحة رقم : 5266




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الحروب الإقطاعية


القرن الرابع عشر البيضة ذات الحافة الأمامية البارزة، والدرع المصنوع من الصفائح المعدنية لحماية الفارس من القوس الطويلة أو المتقاطعة، وبقيتا حتى القرن السابع عشر، ثم بطل استعمال الدروع كلها تقريباً ليكون المحارب سريع الحركة. وكان للفارس ترس معلق في عنقه، يقبض عليه بيده اليسرى من سيور مثبتة في سطحه الداخلي، وكان هذا الترس يصنع من الخشب، والجلد، والأربطة الحديدية، ويزدان في وسطه بمشبك من الحديد المذهب، وهكذا كان الفارس في العصور الوسطى قلعة متحركة.
وكانت الحصون عادة هي أهم وسائل الدفاع وأجداها في الحروب الإقطاعية. فكان في وسع الجيش الذي يهزم في ميدان القتال أن يجد له ملجأ داخل أسوار بيت الشريف، وكان في وسعه أن يقف من العدو وقفته الأخيرة داخل البرج. واضمحل علم الحصار في العصور الوسطى لأن ما يلزم لدك أسوار الأعداء من تنظيم وعدد كان أغلى وأشق من أن يطيقه الفرسان أصحاب المكانة العالية، ولكن فن المدمر والجندي الملغم ظل باقياً في تلك العصور. كذلك قل شأن الأساطيل في عالم كانت النزعة الحربية فيه أقوى مما تحتمله موارده. وقد ظلت السفائن الحربية شبيهة بسفائن الأقدمين-تحمل فوق سطوحها أبراج القتال، ويدفعها بالمجاذيف الرجال الأحرار أو الأرقاء المشدودين إليها. وكان ما ينقص الرجل أو السفينة من القوة يستعاض عنه بالزينة، فكان بناء السفن والفنانون في العصور الوسطى يضعون على خشب السفينة طبقة من القار تقيه من تأثير الماء والهواء، ثم يطلونها من فوقه. بالألوان الزاهية الممتزجة بالشمع-بيضاء أو قرمزية أو زرقاء في لون ماء البحر الشديدة الزرقة، وكانوا يذهّبون جؤجؤها وأسيجتها، ويقيمون في مقدمها ومؤخرها تماثيل لأناس، وحيوانات، وآلهة. وكانت الأشرعة تلون بألوان زاهية، بعضها أرجواني، وبعضها ذهبي، وكانت سفينة السيد تنقش عليها شارة درعه.
وتختلف حروب العصور الوسطى عن الحروب القديمة والحديثة في كثرة




صفحة رقم : 5267




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الحروب الإقطاعية


عددها، وقلة نفقاتها وعدد من يقتلون فيها. فأما كثرة العدد فكان سببها أن كل سيد كان يدعي لنفسه حق محاربة كل رجل لا تربطه به روابط الإقطاع، كان كل ملك حراً في أن يعمد إلى السرقة الشريفة سرقة أراضي غيره من الحكام. وإذا ذهب الملك أو الشريف إلى الحرب، كان على أتباعه وأقاربه حتى الطبقة السابعة أن يتبعوه ويقاتلوا معه أربعين يوماً، ولا يكاد يوجد يوم من أيام القرن الثاني عشر لم تكن فيه حرب في جزء من أجزاء البلاد المعروفة الآن باسم فرنسا، وكان أسمى ما بلغه الفارس من الصفات أن يكون محارباً بارعاً، وكان ينتظر منه أن يكيل أو يتلقى الضربات القوية في سرور أو جلد، وكانت أعظم أمنية له أن يموت ميتة المحارب في "ميدان الشرف"، لا "ميتة الأبقار" في الفراش(60)، ولقد شكا برثولد الراتسبوني Berthold of Ratisbon من "قلة عدد السادة الذين يصلون إلى السن الصحيحة أو يموتون الميتة الصحيحة"(61) ولكن راتسبون هذا كان من الرهبان.
ولم تكن الحرب شديدة الخطورة، فها هو ذا أردركس فيتالس Ordericns Vitalis يصف معركة بريمول Br(mule (1119) بقوله إنه "لم يقتل إلا ثلاثمائة من الفوارس التسعمائة الذين كانوا يحاربون"(62)؛ وقد أسر أربعمائة فارس في معركة ننشبريه Tinchebrai (1106)، التي كسب فيها هنري الأول ملك إنجلترا بلاد نورمندية، ولكن فارساً واحداً لم يقتل من فرسان هنري. وفي واقعة بوفين Bouvine (1214) وهي من الوقائع الحاسمة التي كانت أشد معارك العصور الوسطى هو لا قتل مائة وسبعون فارساً من الألف والخمسمائة الذين اشتركوا في القتال(63). وكانت الدروع والقلاع تجعل الميزة في الحرب للدفاع، فقد كان من الصعب أن يقتل الرجل الكامل العدة إلا إذا قطع رأسه وهو راقد على الأرض، ولم يكن هذا العمل مما ترضى عنه الفروسية. كذلك كان أسر الفارس وقبول فديته أدنى إلى الصواب من قتله والتعرض للانتقام الدموي، وها هو ذا فرواسار




صفحة رقم : 5268




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الحروب الإقطاعية


Froissart يحزنه أن قتل في إحدى المعارك "كثيرون من الأسرى كان مستطاعاً أن يجني من افتدائهم 400.000 فرنك(64)".وكانت قواعد الفروسية، والحكمة المتبادلة بين الفرسان بعضهم وبعض، تحض على مجاملة الأسرى، والاعتدال فيما يطلب من الفداء، وكان من المعتاد أن يطلق سراح الأسير إذا وعد بشرفه أن يعود ومعه فديته قبل وقت معين، وقلّما كان فارس يحنث في هذا الوعد(65). وكان الفلاحون هم الذين قاسوا أشد البلاء في حروب الإقطاع. وكان كل جيش في فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، يغير على أراضي أتباع عدوه وأرقاء أرضه وينهب بيوتهم ويستولي على كل ما لم يجمع من الماشية في داخل أسواره، وكان كثيرون من الفلاحين بعد هذه الحروب يجرون محاريثهم، وهلك الكثيرون منهم جوعاً لقلة ما أنتجته الأرض من الحبوب.
وحاول الملوك والأمراء أن يحتفظوا بالسلم الداخلية في فترات بين الحروب؛ ونجح في هذه المحاولات الأدواق النورمنديون في نورمندية، وإنجلترا وصقلية، وكونت فلاندرز في بلاده، وكونت برشلونة في قطلونية، ونجح هنري الثالث مدى جيل من الزمان في ألمانيا؛ وفيما عدا هؤلاء كانت الكنيسة صاحبة الفضل في تقييد الحروب، فقد أصدرت عدة مجالس كنسية في فرنسا بين عامي 989 و1050 قراراً بتحديد "سلم إلهية" وأنذرت كل من يستخدم العنف في الحرب مع غير المقاتلين بالحرمان من حظيرة الدين. ونظمت الكنيسة الفرنسية حركة تدعو إلى السلام في عدة مراكز مختلفة، وأقنعت كثيرين من الأشراف بأن يمتنعوا عن الحروب الخاصة بين بعضهم وبعض، ثم لم تكتف بهذا بل أقنعتهم فوق ذلك أن يشتركوا معها في تحريمها، وقام فلبرت أسقف تشارتر Fulbert of Chatrres (960-1028) يحمد الله في ترنيمة ذائعة الصيت لوجود فترة من السلام غير عادية. ورحبت الجماهير ترحيباً حماسياً بهذه الحركة، وأخذ الصالحون ينبئون بأنه لن تمض خمس سنين حتى يكون جميع سكان العالم




صفحة رقم : 5269




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الحروب الإقطاعية


المسيحي قد وافقوا على برنامج السلام(66)، وأعلنت مجالس الكنيسة الفرنسية من عام 1207 وما بعدها "هدنة الله"، ولعلها في هذا كانت تذكر تحريم المسلمين للحرب في الأشهر الحرم فقالت: على الناس جميعاً أن يمتنعوا عن أعمال العنف طوال أيام الصوم الكبير، وفي موسم الحصاد وقطاف الكروم (من 15 أغسطس إلى 11 نوفمبر)، وفي أعياد محددة، وفي جزء من كل أسبوع-كان عادة من مساء الأربعاء إلى صباح الاثنين، وأجازت هذه الهدنة في صورتها النهائية قيام الحروب الخاصة أو الحروب الإقطاعية ثمانين يوماً في السنة. وقد أثمرت هذه النداءات والإنذارات ثمرتها، فقضى على الحروب الخاصة شيئاً فشيئاً بتعاون الكنيسة، وبقوة الملوك المتزايدة، ونشأة المدن والطبقات الوسطى، واستنفاد النشاط العسكري في الحروب الصليبية، وأضحت هدنة الله في القرن الثاني عشر جزءاً من القانون المدني والقانون الكنيسة في أوربا الغربية، وحرم مجلس لاتران الثاني (1139) استخدام العدد الحربية ضد الناس(67)، واقترح جرهوه الريخززبرجي Gerhoh of Reichersburg أن يحرم البابا جميع الحروب بين المسيحيين بعضهم وبعض، وأن يُعرض كل ما يشجر من النزاع بين الحكام المسيحيين على التحكيم البابوي(68). ورأى الملوك أن الوقت لم يحن بعد لتنفيذ هذا الاقتراح، فكانوا يثيرون الحروب القومية أكثر من ذي قبل كلما نقصت الحروب الفردية. وكان البابوات أنفسهم في القرن الثالث عشر، وهم يحركون البيادق البشرية ليظفروا بالسلطان، وكان هؤلاء البابوات يستخدمون الحرب أداة من أدوات السياسة.




صفحة رقم : 5270




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية



الفصل الخامس




الفروسية


من العادات الألمانية القديمة عادات التعليم العسكري، بعد أن تأثرت بأساليب المسلمين في بلاد الفرس، والشام، والأندلس وبالأفكار المسيحية المتصلة بالخشوع والأسرار المقدسة، من هذه كلها نشأ نظام الفروسية، وهو نظام لم يبلغ حد الكمال ولكنه نظام نبيل كريم.
كان الفارس شخصاً شريف المولد-أي ينتمي إلى أسرة تحمل لقباً شريفاً وتمتلك أرضاً. ولم يكن من حق جميع أصحاب "الأصول" (أي الذين يمتازون بانتسابهم إلى أسر نبيلة) أن يختاروا فرساناً أو يحملوا هذا اللقب، فالأبناء غير الابن الأكبر-عدا أبناء الملوك-لم يكن لهم في العادة إلا أملاك قليلة لا تفي بالنفقات التي تتطلبها الفروسية، ولهذا يبقى هؤلاء ضمن الأتباع إلا إذا حصلوا بجهودهم على أراضي وألقاب جديدة.
وكان الشاب الذي يتطلع إلى أن يكون فارساً يخضع لنظام تأديبي شاق طويل. فكان يعمل وهو في السابعة أو الثامنة من عمره وصيفاً عند أحد السادة، حتى إذا بلغ الثانية عشرة أو الرابعة عشرة أصبح تابعاً لهذا السيد؛ يقوم بخدمته على مائدة الطعام، وفي غرفة نومه، وفي قصر الضيعة، وفي المثاقفة أو القتال، ويقوم جسمه وروحه بالتمارين والألعاب الشاقة الخطرة؛ ويتعلم بالتقليد و التجربة كيف يستخدم أسلحة الحرب الإقطاعية. فإذا أتم تدريبه سلك في نظام الفرسان حفل يشمل مراسم رهيبة يبدؤها الطالب بالاستحمام بوصفه رمزاً للتطهير الروحي ولعله كان أيضاً رمزاً للتطهير الجسمي. وكان لهذا يمكن أن يسمى "فارس الحمام" تمييزاً له من "فرسان السيف" الذين تلقوا لقب الفروسية في ميدان




صفحة رقم : 5271




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


القتال جزاء عاجلاً لهم على بسالتهم. وكان يرتدي في هذا الاحتفال قميصاً أبيض، من فوقه رداء أحمر ومعطف أسود، يمثل أولها ما يرجى أن يتصف به من نقاء الخلق، وثانيهما الدم الذي قد يسفكه في سبيل الشرف أو في سبيل الله، وثالثها الموت الذي يجب أن يكون متأهباً لملاقاته بلا وجل. وكان يصوم يوم كاملاً ثم يقضي ليلة يصلي في الكنيسة، ويعترف بذنوبه إلى أحد القسيسين، ثم يحضر مراسم القداس، ويأخذ العشاء الرباني، ويستمع إلى موعظة عن واجبات الفارس الخلقية، والدينية، والاجتماعية، والحربية، ويتعهد في خشوع أن يؤديها كلها. فإذا فعل هذا تقدم إلى المذبح ومعه سيف يتدلى من عنقه، فيرفع القس السيف ويباركه ويضعه مرة أخرى فوق عنقه، ثم يلتفت الطالب إلى الشريف الجالس الذي يريد أن يتلقى منه لقب الفروسية، فيسأله هذا السيد ذلك السؤال الصارم: "لأي غرض تريد أن تنضم إلى هذا النظام؟ إن كنت تبغي المال، أو الراحة، أو الشرف؛ دون أن تعمل ما يشرف الفروسية؛ فأنت غير خليق بها، وستكون منزلتك في نظام الفروسية كمنزلة القس المتاجر بالرتب الكهنوتية في الأسقفية. ويكون في الطالب وقتئذ متأهباً لأن يجيبه برد يؤكد له استعداده للقيام بما يفرضه عليه نظام الفروسية. وحينئذ يتقدم إليه فرسان أو سيدات يلبسونه زرد الفروسية من درع على صدره وفي ذراعيه، وقفازين من زرد في يديه، ومهمازين في حذاءيه . ثم يقوم الشريف ويلطمه ثلاث لطمات بعرض السيف على عنقه أو كتفه، وقد يلطمه لطمة أخرى على خده، وهي كلها رموز لآخر الإهانات التي يستطيع أن يتلقاها دون أن يثأر لنفسه، ثم يمنح رتبة الفروسية بهذه الصيغة: باسم الله، والقديس ميخائيل، والقديس جورج أجعلك




صفحة رقم : 5272




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


فارساً". ثم يتسلم الفارس الجديد حربة؛ وخوذة، وجواداً؛ فيحكم خوذته على رأسه، ويقفز فوق جواده، ويهز حربته، ويلوح بسيفه، ويخرج من الكنيسة راكباً، ويوزع الهدايا على خدمه، ويولم وليمة لأصدقائه.
وكان من حقوقه وامتيازاته وقتئذ أن يخاطر بحياته في البرجاس الذي يتدرب فيه أكثر من ذي قبل على المهارة، والجد، والجرأة. وكانت بداية البرجاس في القرن العاشر، وكان أكثر ما ازدهر في فرنسا، وهو الذي سما ببعض العواطف الثائرة وضروب النشاط التي أفسدت حياة رجال الإقطاع. وقد يدعو إليه الملك أو شريف عظيم على لسان مناد للاحتفال بتنصيب فارس؛ أو زيارة مليك، أو زواج فرد من أفراد الأسرة المالكة. وكان الفرسان الذين يرغبون في الاشتراك في البرجاس يأتون إلى البلدة التي سيعقد فيها، ويعلقون أسلحتهم خارج نوافذ حجراتهم، ويثبتون دروعهم في جدران الحصون؛ والأديرة، وغيرها من الأماكن العامة. وكان النظارة يبحثون هذه كلها، وكان لهم أن يتقدموا بما لديهم من الشكاوي الخاصة بما أخطأ فيه كل متقدم للاشتراك في اللعب، فيستمع موظفو البرجاس إلى القضية ويحكمون بعدم أهلية المذنب من المتقدمين، وفي هذه الحالة تكون "على ترسه أو درعه لطخة". ويفد إلى هذا الجمع الحاشد المتحفز تجار الخيول ليعدوا الفارس للبرجاس، وبائعو الخردوات ليحلوه هو وجواده بالحلل الجميلة، والمرابون لافتداء من يسقطون في الحلبة، والعرّافون، واللاعبون على الحبال ونحوها، والممثلون الصامتون، والشعراء الجائلون والمغنون، والعلماء المتنقلون، والنساء الخليعات، والسيدات ذوات المقام السامي. وكان الحادث كله احتفالاً بهيجاً فيه الغناء والرقص؛ ومواعيد اللقاء، والمشاجرات، والمراهنات التي لا حد لها على المباريات.
وقد يدوم البرجاس إلى ما يقرب من أسبوع، وقد لا يدوم إلا يوماً واحداً. وقد قسمت الأيام في برجاس عقد في عام 1285، فكان يوم الأحد يوم اجتماع




صفحة رقم : 5273




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


وعيد، وخصص يوما الاثنين والثلاثاء للمثاقفة، ويوم الأربعاء للراحة، ويوم الخميس للبرجاس نفسه الذي أطلق اسمه على الحفل بوجه عام. وكانت حلبة الصراع ميدان بلدة أو فضاء في أحد أطرافها تحيط به من بعض نواحيه مقاعد وشرفات يشاهد منها السراة الحفل وهم مرتدون أفخر ما كان في العصور الوسطى من حلل. أما السوقة فكانوا يشاهدون الألعاب وهم وقوف حول الحلبة، وكانت المقاعد تزدان بالنسيج المزركش، والبيارق المستطيلة، والدروع المنقوش عليها شارات الأسر الشريفة. وكان الموسيقيون يبدءون المباريات بالأنغام الموسيقية، ويحيون بالنغمات العالية أبرع ما في سباق من ضربات. وكان النبلاء والنبيلات ينثرون النقود على السوقة الوقفين في الميدان، فكان هؤلاء يتلقفونها وهم يصيحون "هبات!" و "مرحى!".
ويدخل الفرسان قبل المباراة الأولى حلبة البرجاس فيمشون إلى الميدان في حللهم وعددهم الفاخرة متباهين في خطاهم، ومن ورائهم أتباعهم على ظهور الجياد تقودها في بعض الأحيان بسلاسل من الفضة أو الذهب السيدات اللائي سيحارب الفرسان تمجيداً لهن. وكانت العادة المألوفة أن يحمل كل فارس ترسه، وخوذته أو حربته، ولفاعة أو قناعاً، أو دثاراً، أو شريطاً انتزعته السيدة المختارة من ثيابها.
وكانت المثاقفة معركة فردية بين فارسين يتباريان. وكانا يعدوان بجواديهما متقابلين ويرمي كلاهما الآخر بحربته المصنوعة من الصلب. فإذا ما اضطر أحد المتبارين أن ينزل عن جواده فإن قواعد المباراة تتطلب أن يترجل الآخر، وبهذا تدور المعركة بينهما راجلين وتستمر حتى يصيح أحدهما طالباً وقف القتال أن يضطر إلى الخروج منه لأنه تعب، أو جرح، أو مات، أو حتى يطلب القضاة أو الملك وقفه. ثم يمثل المنتصر أمام القضاة، ويتلقى في وقار جم جائزة منهم أو من سيدة جميلة. وكانت تشغل عدة أدوار من هذا النوع اليوم كله. وكان الحفل يختم باقتتال حق يصطف فيه الفرسان المتبارون جماعات متقابلة ويقتتلون اقتتالاً حقيقياً،




صفحة رقم : 5274




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


وإن كان يدور في العادة بأسلحة مثلمة، وقد أدى قتال من هذا النوع دار في نيوس Neuss (1240) إلى موت نحو ستين فارساً. وفي أمثال هذه المباريات كان يؤسر البعض، وتؤخذ لفدية ممن يؤسرون كما يحدث في الحروب الحقيقية سواء بسواء. وكانت جياد الأسرى وأسلحتهم غنيمة للمنتصرين؛ فقد كان الفرسان يحبون المال أكثر مما يحبون القتال نفسه وقد ورد في مجموعة الأقاصيص الفرنسية التي كتبت في فرنسا بين منتصف القرن الثاني عشر وآخر القرن الثالث عشر أن أحد الفرسان احتج على تحريم الكنيسة لألعاب البرجاس وقال إن هذا التحريم إذا نفذ حرمه من الوسيلة الوحيدة التي يكسب بها عيشه(69). فإذا انتهت جميع المباريات اجتمع الأحياء من الفرسان والنبلاء من النظارة في حفل ليلي تعد فيه الولائم، ويدور فيه الرقص والغناء، ويستمتع فيه الفرسان الظافرون بتقبيل أجمل النساء، ويستمع الحاضرون إلى القصائد والأغاني التي تؤلف تخليداً لانتصارهم.
وكان يطلب إلى الفارس من الوجهة النظرية أن يكون بطلاً، وسميذعاً وقديساً، وإذا كانت الكنيسة حريصة على ترويض الشرسين من الفرسان، فقد أحاطت نظام الفروسية بمراسيم وأيمان دينية. فقد كان الفارس يقسم أن يكون صادقاً في القول؛ وأن يدافع عن الدين، ويحمي الفقراء والمساكين، وينشر لواء السلم في ولايته، ويقاتل الكفرة. وكان مديناً لسيده الإقطاعي بولاء يرتبط به أكثر من ارتباط الآباء بحب الأبناء، ويتعهد أن يكون حارساً للنساء، مدافعاً عن عفتهن، وأن يكون أخاً لجميع الفرسان يبادلهم المجاملة وضروب المساعدة. وقد




صفحة رقم : 5275




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


يحدث في إبان الحروب أن يقاتل الفارس غيره من الفرسان، فإذا أسر واحداً منهم عامله معاملة الضيف. وهكذا كان الفرسان الفرنسيون الذين أسروا في كريسي Cr(cy وبواتييه يعيشون أحراراً مستمتعين بالراحة والاطمئنان في ضياع من أسروهم من الفرسان الإنجليز، يشتركون مع مضيفيهم في الولائم والألعاب، وظلوا كذلك حتى افتدوا(70). ورفع الإقطاع الشرف الأرستقراطي وطالب النبل عند الفارس إلى منزلة عالية علواً لا يستطيع أن يدركه ضمير السوقة-فكان يقسم بألا يتخلى عن البسالة الحربية والوفاء الإقطاعي؛ وأن يضع نفسه إلى أقصى حد في خدمة جميع الفرسان، وجميع النساء، وجميع الضعفاء والفقراء. وهكذا عادت الرجولة Virtus إلى معناها الذي كان لها عند الرومان بعد أن ظلت المسيحية ألف عام تؤكد الفضائل النسائية، وبهذا كانت الفروسية، رغم هالتها المسيحية، انتصاراً للأفكار الألمانية، والوثنية، والعربية على المبادئ المسيحية، ولقد كانت أوربا التي توالت عليها الهجمات من كل ناحية في مسيس الحاجة إلى الروح الحربية مرة أخرى.
على أن هذا كله كان هو الفروسية من الوجهة النظرية، وكان عدد قليل من الفرسان يستمسكون به في حياتهم، كما كان عدد قليل من المسيحيين يسمون إلى المستوى الرفيع الشاق من إنكار الذات. ولكن الطبيعة البشرية التي ولدت بين الغابات والوحوش قد لوثت هذا المثل الأعلى وذاك؛ فهذا البطل الذي قاتل يوماً ما ببسالة في ألعاب البرجاس أو في ميدان القتال قد يكون في يوم آخر سفاحاً غادراً، وقد يفخر بشرفه كما يفخر بالريشة التي في خوذته، ويفعل ما فعله لانسلكو Lancelot، وترسترام Tristram، وغيرهما ممن هم أكثر تأصلاً في الفروسية فيحطم بالزنى الأسر الطيبة. وقد يتشدق بحماية الضعفاء، ثم يقتل الفلاحين العزل بحد السيف، وكان يعامل العامل اليدوي الذي يعتمد عليه حصنه ومجده معاملة ملؤها الازدراء، كما يعامل الزوجة التي أقسم أن يعزها ويحميها بغلظة




صفحة رقم : 5276




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


في كثير من الأحيان وبوحشية في بعضها(71). وقد يستمع إلى الصلاة في الصباح؛ ويسطو على كل كنيسة في آخر النهار، ويشرب حتى يفقد وعيه في المساء. وهذا ما وصف به جلداس Gildas الفرسان البريطانيين الذين كان يعيش بينهم في القرن السادس، وهو القرن الذي يرى بعض الشعراء أن آرثر Arthur "والطبقة العظيمة من فرسان المائدة المستديرة" كانوا يعيشون في خلاله(72). وكان الفارس يتحدث عن الولاء والعدالة ولكنه يملأ صفحات فرواسار Froissart بالغدر والعنف. وبينما كان الشعراء الألمان يتغنون بالفروسية، تراهم لا ينقطعون عن الكلمات، وإحراق الدور، وقطع الطريق على المسافرين البريئين(73). ولقد دهش المسلمون من فظاظة الصليبيين وقسوتهم، وحتى بوهمند Bohemund العظيم نفسه، لما أراد أن يظهر احتقاره لإمبراطور الروم، بعث له ببضاعة من الأنوف والإبهامات المقطعة(74). لقد كان هؤلاء شواذ ولكنهم كانوا كثيرين. ولسنا ننكر أن من السخف أن ننتظر من الجنود أن يكونوا قديسين، ذلك أن إجادة القتيل تتطلب فضائلها الفذة، وهؤلاء الفرسان الغلاظ هم الذين طردوا الصقالبة من ضفاف نهر الأودر، والمجر من إيطاليا وألمانيا، وهم الذين رضوا أهل الشمال فكانوا هم النورمان وجاءوا بالحضارة الفرنسية إلى إنجلترا على شفار السيوف، فكانوا ما لا بد أن يكونوا.
وكان ثمة عاملان هما اللذان خففا من همجية الفروسية، ونعني بهما النساء والمسيحية، فأما المسيحية فقد أفلحت إلى حد ما في تحويل تيار الخصام في الفروسية إلى الحروب الصليبية، ولعلها استمدت العون في هذا التحويل من عبادة مريم العذراء أم المسيح، فقد رفعت هذه العبادة منزلة الفضائل النسائية فخفضت بذلك من حدة تحمس الرجال الأشداء الميالين إلى العنف. ولكن لعل النساء اللائي يعشن على ظهر الأرض، واللائي لهن تأثير كبير في الحواس وفي الأرواح، قد كان لهن أثر كبير من أثر مريم العذراء في تحويل الفارس المحارب إلى سيد كريم




صفحة رقم : 5277




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


الأخلاق. وكثيراً ما حرمت الكنيسة ألعاب البرجاس، ولكن الفرسان كانوا يغفلون أوامرها ويظهرون ابتهاجهم بهذا الإغفال، وكانت النساء يحرضنه، ولم يكن الفرسان يتجاهلون وجودهن، وكانت الكنيسة غير راضية عن الدور الذي تضطلع به النساء في حفلات البرجاس وفي الشعر، وقام الصراع بين أخلاق السيدات النبيلات وبين التعاليم الأخلاقية التي تدعو إليها الكنيسة، وانتصرت السيدات وانتصر الشعراء في صراع عالم الإقطاع.
لقد وجد الحب العذري، الحب الذي يجعل من المحبوب مثلاً أعلى، في كل عصر من العصور على الأرجح، وكان في شدته يتناسب إلى حد ما مع ما يوضع من العقبات من الزمن بين الشهوة وإشباعها. وقلّما كان هذا الحب من أقدم العصور إلى عصرنا الحاضر سبب الزواج، وإذا ما وجدنا هذا الحب منفصلاً كل الانفصال عن الزواج في عصر ازدهار الفروسية، وجب علينا أن نعد هذه الحال أقرب إلى الطبيعة وإلى الأحوال السوية من أحوالنا الحاضرة. لقد كانت النساء في معظم العصور، وبخاصة في عصر الإقطاع، يتزوجن الرجال لما لديهم من المال، ويعجبن بغير أزواجهن لما يتمتعون به من سحر وجمال. وكان الشعراء لفقرهم يتزوجون من الطبقات الدنيا ويحبون من طبقات بعيدة المنال، ويتوجهون بأجمل أغانيهم إلى السيدات اللاتي لا يرجون أن يصلوا إليهن. وكان الفارق بين المحب وحبيبه في العادة كبيراً إلى درجة يرى معها الناس أن أحفل الشعر بالعواطف الجياشة لا يعدو أن يكون تحية ظريفة للمحبوب. وكان السيد الإقطاعي المهذب يكافئ الشعراء الذين يتشببون بزوجته، وشاهد ذلك أن الفيكونت فو Vaux ظل يستضيف الشاعر بير فيدال Piere Vidal بعد أن تغزل فير بامرأته-بل بعد أن حاول أن يغويها(75)-وإن كانت هذه درجة من المجاملة لا يصح للشعراء عادة أن يجرءوا عليها. وكان الشاعر المحب يرى أن الزواج، إذ يتيح أكبر فرصة للمتعة بأقل قدر من الإغراء، قلّما يوجد الحب




صفحة رقم : 5278




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


العذري أو يستبقيه بعد أن يوجد، ويبدو أن دانتي التقي نفسه لم يحلم قط بأن يقرض الشعر الغزلي في زوجته، ولم يجد ما يعيبه في التغزل بغيرها من النساء المتزوجات منهن وغي المتزوجات وكان الفارس يرى ما يراه الشاعر من أن حب الفارس يجب أن تختص به سيدة أخرى غير زوجته، وكانت هذه السيدة عادة زوجة فارس آخر(76). وكانت معظم الفرسان يسخرون من هذا الحب العذري، ويعودون بعد وقت ما إلى أزواجهم، ويسلون أنفسهم بالحروب. وقد نسمع عن فرسان يصمون آذانهم عن نداء النساء اللاتي يعرضن عليهم حبهن العذري(77). ولقد مات رولان Roland، كما تحدثنا الأغنية Chanson وهو لا يكاد يفكر في خطيبته أود Aude التي كانت تموت من الحزن حين جاءها خبر وفاته. كذلك لم يكن حب النساء كله حباً عذرياً، ولكن جري العرف الذي كان متبعاً عند الكثيرات منهن أن يكون للسيدة حبيب، أفلاطوني أو بيروني Byronic، مضافاً إلى زوجها. وإذا جاز لنا أن نصدق روايات الحب التي كتبت في العصور الوسطى قلنا إن الفارس كان يقسم بأن يقوم بخدمة السيدة التي أعطتها لونها ليلبسه أو بأداء الواجب الذي يفرضه حبها. وكان لها أن تفرض عليه مغامرات خطرة لتمتحن حبه أو لتبعده عنها، وإذا ما قام بخدمتها على الوجه الأكمل كان المنتظر منها أن تكافئه على خدمته بعناق أو بما هو خير عنده من العناق، ذلك هو "الجزاء" الذي كان يطلبه. وكان يوجه إليها كل ما يقوم به من أعمال حربية مجيدة، وكان اسمها هو الذي يناديه في ساعات القتال الحرجة، أو حين يلفظ آخر أنفاسه. وتلك حالة أخرى من الحالات التي لم يكن فيها الإقطاع جزءاً من المسيحية، بل كان نقيضها ومنافسها. ذلك أن النساء اللاتي كن من الوجهة




صفحة رقم : 5279




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


النظرية مقيدات في حبهن بقيود شديدة، فقد أكدن بهذه الطريقة حقهن في الحرية، وشكلن بأنفسهن قانونهن الأخلاقي. وأخذت عبادة المرأة الشهوانية تنافس عبادة مريم العذراء الروحية، ونودي بالحب على أساس مستقل تقدر به قيم، وأوجد مثلاً عليا لأداء الخدمات لهم، وقواعد السلوك، وكان فيه تجاهل للدين معيب حتى في الوقت الذي كان يأخذ مصطلحاته ويصوره.
وقد أنارت هذه التفرقة المعقدة بين الحب والزواج مشاكل كثيرة خاصة بالأخلاق وآداب السلوك. وكان المؤلفون يعالجون هذه المسائل في تلك الأيام، كما كانوا يعالجونها في أيام أوفد بكل ما يتصف به الأخلاقيون من تدقيق وإتقان. وحدث في وقت ما بين عامي 1174 و1182 أن ألف رجل يدعى أندرياس كيلانوس Andreas Capellanus أي القس أندرو-رسالة في الحب ودوائه Tractatus de amore et de amoris remedio أورد فيها بين ما أورد من المسائل قانون الحب العذري ومبادئه. ويقصر أندرو هذا الحب على الأشراف؛ ويقول بلا حياء إنه هيام فارس هياماً محرماً بزوجة فارس آخر، ولكنه يذكر أن خواص هذا الحب هي الولاء والتبعية، وخدمة الرجل للمرأة. وهذا الكتاب هو أهم المراجع التي يستشهد بها على وجود "محاكم الحب" التي كانت السيدات ذوات الألقاب يُستجوبن فيها ويقدمن القرارات الخاصة بالحب العذري. وكانت زعيمة السيدات في هذه الإجراءات أيام أندرو، إذا كان لنا أن نصدق ما يقوله هو عن هذا، هي الأميرة الشاعرة مارية Marie كونتة شمبانيا، وكانت زعيمتها قبل وقتها بجيل هي أمها. وأكثر النساء فتنة في المجتمع الإقطاعي هي إليانور Eleanor دوقة أكتين Aquitaaine التي كانت وقت ما ملكة فرنسا ثم ملكة إنجلترا بعدئذ. وكانت هي وأمها قاضيتين ترأسان محكمة الحب في مدينة بواتييه في بعض القضايا(79) وكان أندرو يعرف مارية حق المعرفة، وكان قساً خاصاً بها، ويبدو أنه ألف كتابه ليذيع به




صفحة رقم : 5280




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


نظرياتها وأحكامها في الحب؛ ومن أقواله فيه إن "الحب يعلم كل إنسان أن يتحلى بكثير من ضروب الأخلاق الفاضلة"، ويؤكد لنا أن أشراف بواتييه الغلاظ قد انقلبوا بفضل تعاليم مارية مجتمعاً من كرائم السيدات وذوي المروءة والشهامة من الرجال.
وتحتوي قصائد شعراء الفروسية الغزلين عدة إشارات إلى محاكم الحب السالفة الذكر التي كانت تقيمها سيدات من الطبقة الراقية-كونتة نربونة Narbonne وكونتة فلاندرز وغيرهما-في بييرفو Pirrefeu وأفنيون Avignon وغيرهما من بلدان فرنسا(80). ويحدثنا المؤرخون أن عشر نساء، أو أربع عشرة، أو ستين منهن كن يجلسن للفصل في القضايا التي تعرض عليهن؛ ومعظمها يعرضه نساء؛ وبعضها يعرضه رجال، وكانت تلك المحاكم تفض المنازعات وتسوي الخلافات؛ وتوقع العقاب على من يخرق القانون. وبمقتضى هذا الحق أصدرت مارية الشمبانية Marie of Champagne (كما يقول أندرو) في السابع والعشرين من إبريل عام 1174 فتوى في سؤال وجه إليها يقول فيه صاحبه: "هل يمكن وجود حب حقيقي بين الأشخاص المتزوجين؟" فكان جوابها إنه لا يمكن وجوده، وكانت حجتها في ذلك أن "المحبين يعطون كل شيء بلا مقابل، ولا يتقيدون فيما يعطون بموجبات الضرورة، أما المتزوجون فإن ما عليهم من واجبات يرغمهم على أن يخضع كل منهم لرغبات زوجه"(81). وقد أجمعت محاكم الحب كلها، كما يقول أندرو، على واحد وعشرين قانوناً من "قوانين الحب": منها (1) لا يمكن أن يتخذ الزواج حجة لرفض الحب... (3) لا يستطيع إنسان أن يحب اثنين في وقت واحد (4) لا يمكن أن يظل كل الحب على حال واحدة، فهو إما أن يزيد وإما أن ينقص (5) المنة التي يسديها صاحبها مرغماً منه تافهة (11) لا يليق بالرجل أن يحبل النساء اللاتي لا يحببن إلا بقصد الزواج... (14) إن السهولة المفرطة في نيل الحبيب تحقر الحب، أما الصعاب التي تعترض الحب فإنها... ترفع من قدره... (19) إذا بدأ الحب يتناقص فسرعان ما يزول، وقلّما يعود... (21) يزداد الحب




صفحة رقم : 5281




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


على الدوام بتأثير الغيرة... (23) الشخص الذي يقع فريسة الحب لا ينام إلا قليلاً ولا يطعم إلا قليلاً (26) المحب لا يضن بشيء على حبيبه(82).
وكانت محاكم المحب هذه أجزاء من ندوات تقيمها نساء طبقة الأشراف، ولكن رجال هذه الطبقة لم يكونوا يعبئون بها، وكان الفرسان العشاق يضعون لأنفسهم قواعدهم. غير أن الذي لا يشك فيه أن ازدياد الثراء والتعطل قد أحاط الحب بأخيلة وآداب ومجاملات امتلأت بها قصائد شعراء الفروسية الغزليين وقصائد بداية النهضة. وفي ذلك يقول فلاني Villani شاعر فلورنس (1280؟-1348) "تكون في فلورنس في شهر يونية من عام 1283 في عيد القديس يوحنا بينما كانت المدينة سعيدة آمنة... اتحاد اجتماعي قوامه ألف شخص، يرتدون كلهم بيض الثياب، ويطلقون على أنفسهم اسم خدام الحب. وقد نظمت هذه الجماعة سلسلة من الألعاب، والحفلات والرقص، مع السيدات، فكان الأعيان ورجال الطبقة الوسطى يمشون على دقات الطبول وأنغام الموسيقى، ويقيمون الولائم في منتصف النهار وفي الليل. وقد ظلت محكمة الحب هذه قائمة نحو شهرين، وكانت أجمل وأشهر ما أقيم من نوعها في تسكانيا"(83).
نشأت الفروسية في القرن العاشر، وبلغت ذروتها في القرن الثالث عشر، وقاست الأمرين من وحشية حرب المائة سنين، واضمحلت أشد الاضمحلال من جرّاء الأحقاد المزرية التي بددت شمل طبقة الأشراف الإنجليز في حروب الوردتين، ثم لفظت آخر أنفاسها في وسط الأحقاد التي أثارتها الحروب الدينية في القرن السابع عشر، ولكنها تركت آثارها البارزة في أوربا أثناء العصور الوسطى والعصر الحديث من النواحي الاجتماعية، والتربوية، والخلقية، والأدبية، والفنية، واللغوية. وازداد عدد طبقات الفروسية-ربطة الساق، والحمام، والقلادة الذهبية-وتضاعفت حتى بلغ عددها 234 طبقة منتشرة في بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وأسبانيا، وجمعت مدارس




صفحة رقم : 5282




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


كمدارس إيتن Eton؛ وهرو Harrow، وونشستر Winchester بين مثل الفروسية الأعلى والتربية "الحرة" في جهودها الموفقة في تاريخ التربية لتثقيف العمل، وتقوية الإرادة، وتقويم الأخلاق. وإذ كان الفارس يتعلم الآداب، والشهامة والمروءة، في حاشية النبيل أو المليك، فقد كان ينقل بعض هذه الصفات إلى من هم دونه من أفراد الطبقات الاجتماعية الأخرى؛ وليست المجاملات والرقة في الوقت الحاضر إلا مزيجاً مخففاً من فروسية العصور الوسطى المركزة. ولقد ازدهر الأدب الأوربي من أغنية رولان إلى دن كيشوت، لأنه أخذ يصف أخلاق الفرسان وموضوع الفروسية، وكان الكشف الثاني لنظام الفروسية من العناصر الفعّالة في الحركة الأدبية الإبداعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومهما يكن في آداب الفروسية الخلقية من إسراف وسخافات، ومهما كان الفرق كبيراً بين حقيقتها العلمية ومثلها العليا، فإنها بلا ريب من أعظم ما ابتدعته الروح البشرية من نظم؛ وإنها فن من فنون الحياة وأبهى وأفخم من كل فن سواه.
وهكذا نرى أن الصورة التي رسمناها للإقطاع لم تقتصر على أن تكون صورة للاسترقاق في الأرض، وللأمية، وللاستغلال، والعنف، بل كانت تجمع بين هذا كله وبين قدر يعدله من الفلاحين الأقوياء، يقطعون أشجار الغابات، ومن رجال متباهين أشداء في لغتهم، وحبهم، وحروبهم، وفرسان يقسمون بأن يكونوا شرفاء، خادمين لمن يحتاجون إلى خدمتهم، يجدون في طلب المغامرات وأسباب الشهرة كما يجد غيرهم في طلب الراحة والأمن، يحتقرون الخطر والموت والجحيم؛ ونساء صابرات كادحات، يلدن ويربين الأبناء في قرى الفلاحين، وسيدات من ذوات الحسب والنسب الرفيع يمزجن دعواتهن الرقيقة لمريم العذراء بالحرية الجريئة في التغني بالشعر الشهواني والحب العذري-ولعل الفروسية كانت أقوى أثراً من المسيحية في رفع منزلة المرأة. ولقد كان أهم ما اضطلع به الإقطاع من أعمال هو إعادة النظام السياسي والاقتصادي إلى أوربا




صفحة رقم : 5283




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> العصور المظلمة -> الإقطاع والفروسية -> الفروسية


بعد أن توالت عليها الغارات والكوارث المخربة المقطعة لأوصالها مائة عام. ولقد أفلحت في غرضها هذا، ولما أن اضمحلت على أنقاضها وتراثها مدنيتنا الحديثة.
وبعد فليست العصور الوسطى حقبة للعالم أن ينظر إليها بتشامخ وازدراء. ذلك أنه لم يعد في وسعه أن يشهر بما كان فيها من جهل وخرافات، وتفكك سياسي، وفقر اقتصادي وثقافي؛ بل عليه بدلاً على هذا أن يعجب كيف استطاعت أوربا أن تفيق من الضربات المتعاقبة التي كالها لها القوط؛ والهون، والوندال، والمسلمون، والمجر؛ والشماليون، واحتفظت في وسط الاضطراب والمآسي بهذا القدر الكبير من الآداب والأساليب الفنية القديمة. ولا يسعه إلا أن يعجب بشارلمان، وألْفرِد، وأولاف، وأتو، وأمثالهم من الرجال الذين أقاموا من هذه الفوضى نظاماً كما يعجب ببندكت، وجريجوري، وبنيفاس، وكولمبا. وألكوين، وبرونو ومن إليهم من الرجال الذين صابروا وصبروا حتى بعثوا الأخلاق والآداب من قفار تلك الأيام؛ وبالمطارنة والصناع الذين استطاعوا أن يشيدوا الكنائس الكبرى، والشعراء المجهولين الذين استطاعوا أو يغنوا فيما بين كل حرب وحرب، وإرهاب وإرهاب.وكان لا بد للدولة والكنيسة أن تبدءا عملهما مرة أخرى من الدرك الأسفل، كما بدأه رميولوس ونوما قبلهما بألف عام، وكانت الشجاعة التي يتطلبها بناء المدن من الغابات، وخلق المواطنين الصالحين من الهمج، أعظم من أختها التي شادت شارتر، وأمين، وريمس في الزمن الحديث، أو هدأت حمى دانتي الانتقامية فصاغت منها شعراً موزوناً.




صفحة رقم : 5284




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> أسبابها



الكتاب الخامس




المسيحية في عنفوانها




1095- 1300




الباب الثالث والعشرون




الحروب الصليبية




1095-1391




الفصل الأول




أسبابها


كانت الحروب الصليبية هي الفصل الأخير من مسرحية العصور الوسطى؛ ولعلها أجد الحوادث بالتصوير في تاريخ أوربا والشرق الأدنى، ففيها عمد الدينان العظيمان- المسيحية والإسلام-، آخر الأمر، وبعد قرون من الجدل والنقاش، إلى الفيصل الأخير فيما بين بني الإنسان من نزاع، ونعني به محكمة الحرب العليا؛ وفيها بلغ كل تطور في العصور الوسطى، وكل توسع في الشؤون التجارية والديانة المسيحية، وكل تحمس في العقيدة الدينية، وكل ما في الإقطاع من قوة، وفي الفروسية من فتنة وبهجة، وبلغ هذا كله غايته في حرب دامت مائتي عام في سبيل البشرية والأرباح التجارية.
وأول سبب مباشر للحروب الصليبية هو زحف الأتراك السلاجقة. وكان العالم قبل زحفهم قد كيف نفسه لقبول سيطرة المسلمين على بلاد الشرق الأدنى. وكان الفاطميون حكام مصر قد حكموا فلسطين حكماً سمحاً رحيماً؛ استمتعت فيه الطوائف المسيحية بحرية واسعة في ممارسة شعائر دينها إذا استثنينا بعض فترات




صفحة رقم : 5285




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> أسبابها


قصيرة قليلة. نعم إن الحاكم بأمر الله، الخليفة المجنون، دمر كنيسة الضريح المقدس (1010)؛ ولكن المسلمين أنفسهم قدموا المال الكثير لإعادة بنائها(1). وقد وصفها الرحالة المسلم ناصري خسرو بأنها بناء واسع الجنبات تتسع لثمانية آلاف شخص، بذل في بنائها أعظم ما يستطاع من الحذق والمهارة، وزين كل مكان في داخلها بالنسيج الحريري البيزنطي المطرز بخيوط الذهب، ورسم فيها المسيح عليه السلام راكباً على ظهر حمار(2)؛ وكان في أورشليم كنائس أخرى كثيرة؛ وكان في وسع الحجاج المسيحيين أن يدخلوا الأماكن المقدسة بكامل حريتهم؛ وكان الحج إلى فلسطين قد أصبح من زمن بعيد إحدى شعائر العبادة أو التوبة من الذنوب، فكان الإنسان أينما سار في أوربا يلتقي بحجاج يدلون على أنهم أدوا هذه الشعيرة بأن يضعوا على أثوابهم شارة في شكل الصليب من خوص النخل جاءوا به من فلسطين؛ ويوصف هؤلاء في كتاب بيرز بلاومان Piers Plowman بأنه "كان من حقهم أن يكذبوا ويخادعوا ما بقي من حياتهم(3)". لكن الأتراك انتزعوا بيت المقدس من الفاطميين في عام 1070، وأخذ الحجاج المسيحيون بعد عودتهم إلى أوطانهم يتحدثون عما يلقونه فيها من ظلم وتحقير. وتقول قصة قديمة لا نجد ما يؤيدها، إن أحد هؤلاء الحجاج وهو بطرس الناسك حمل إلى إربان الثاني Urban من سمعان بطريق أورشليم رسالة تصف بالتفصيل ما يعانيه المسيحيون فيها من اضطهاد وتستغيث به لينقذهم (1088).
وكان السبب المباشر الثاني من أسباب الحرب الصليبية ما حاق بالإمبراطورية البيزنطية من ضعف شديد الخطورة. لقد ظلت هذه الإمبراطورية سبعة قرون طوال تقف في ملتقى المارة بين أوربا وآسيا، تصد جيوش آسيا وجحافل




صفحة رقم : 5286




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> أسبابها


السهوب. أما في الوقت الذي نتحدث عنه فإن اضطراب شؤونها الداخلية، وشيعها الخارجة على الدين، وانفصالها عن الغرب على أثر الانشقاق الذي حدث في عام 1054، كل هذا قد أوهنها وجعلها أضعف من أن تؤدي رسالتها التاريخية. وبينا كان البلغار، والبشناق Patznaks، والكومان Comans، والروس يدقون أبوابها في أوربا، كان الأتراك يقطعون أوصال ولاياتها الآسيوية، وكاد الجيش البيزنطي أن يقضي عليه عند ملازكرت في عام 1071، واستولى السلاجقة على حمص وإنطاكية (1085)، وطرسوس، ونيقية ذات الماضي التاريخي الديني، وأخذوا يتطلعون من وراء مضيق البسفور إلى القسطنطينية نفسها، واستطاع الإمبراطور ألكسيوس الأول (1081-1118) أن يحتفظ بجزء من آسيا الصغرى بعقد صلح مذل، ولكنه لم تكن لديه القدرة الحربية على صد الغارات التي توالت بعدئذ على أملاكه. ولو أن القسطنطينية سقطت وقتئذ في أيدي الترك لأمكنهم الاستيلاء على شرقي أوربا كله، ولَمَا بقي لمعركة تور (732) أثر ما. وبعث ألكسيوس برسله إلى إربان الثاني والى مجلس بياسنزا Piacenza يستحث أوربا اللاتينية لتساعده على صد هجمات الترك؛ وكان من أقواله "إن من الحكمة أن يحارب الأتراك في أرض آسيا بدل أن ننتظرهم حتى يقتحموا بجحافلهم بلاد البلقان إلى عواصم أوربا الغربية.
وثالث الأسباب المباشرة للحروب الصليبية هو رغبة المدن الإيطالية- بيزا، وجنوي، والبندقية، وأملفي Amalfi- في توسيع ميدان سلطانها التجاري الآخذ في الازدياد. ذلك أنه لما استولى النورمان على صقلية من المسلمين (1060-1091)، وانتزعت الجيوش المسيحية منهم جزءاً كبيراً من أسبانيا (1085 وما بعدها)، أصبح البحر المتوسط الغربي حراً للتجارة المسيحية؛ وأثرت المدن الإيطالية وقويت لأنها هي الثغور التي تخرج منها غلات إيطاليا والبلاد الواقعة وراء الألب، وأخذت هذه المدن تعمل للقضاء على تفوق المسلمين في الجزء




صفحة رقم : 5287




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> أسبابها


الشرقي من البحر المتوسط وتفتح أسواق الشرق الأدنى لبضائع غربي أوربا. ولسنا نعلم إلى أي حد كان هؤلاء التجار الإيطاليون قريبين من مسامع البابا.
وصدر القرار النهائي مهن إربان نفسه، وإن كان غيره من البابوات قد طافت بعقولهم هذه الفكرة. فقد دعا جربرت Gerbert، حينما أصبح البابا سلفستر الثاني Sylvester II، العالم المسيحي لإنقاذ بيت المقدس، ونزلت حملة مخفقة في بلاد الشام (حوالي 1001)؛ ولم يمنع النزاع المرير القائم بين جريجوري السابع وهنري الرابع البابا من أن يقول بأعلى صوته: "إن تعريض حياتي للخطر في سبيل تخليص الأماكن المقدسة لأفضل عندي من حكم العالم كله"(4). وكان هذا النزاع على اشده حين رأس إربان مجلس بياسنزا في مارس من عام 1095؛ وأيد البابا في هذا المجلس استغاثة ألكسيوس، ولكنه أشار تأجيل العمل حتى تعقد جمعية أكثر من هذا المجلس تمثيلاً للعالم المسيحي، وتبحث في شن الحرب على المسلمين. ولعل الذي دعاه إلى طلب هذا التأجيل ما كان يعمله من أن النصر في مغامرة في هذا الميدان البعيد غير مؤكد؛ وما من شك في أنه كان يدرك أن الهزيمة ستحط من كرامة العالم المسيحي والكنيسة إلى أبعد حد؛ وأكبر الظن أنه كان يتوق إلى توجيه ما في طبائع أمراء الإقطاع والقراصنة النورمان من حب القتال إلى حرب مقدسة، تصد جيوش المسلمين عن أوربا وبيزنطية. ولقد كان يحلم بإعادة الكنيسة الشرقية إلى حظيرة الحكم البابوي، ويرى بعين الخيال عالماً مسيحياً عظيم القوة متحداً تحت حكم البابوات الديني، وروما تعود حاضرة للعالم؛ وكان هذا تفكيراً أملته رغبة في الحكم لا تعلو عليها رغبة.
وظل البابا بعدئذ بين شهري مارس وأكتوبر من عام 1095 يطوف بشمالي إيطاليا وجنوبي فرنسا، يستطلع طلع الزعماء ويضمن المعونة لما هو مقدم عليه. واجتمع المجلس التاريخي بمدينة كليرمونت Clermont في مقاطعة أوفرني، وهرع




صفحة رقم : 5288




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> أسبابها


إليه آلاف الناس من مائة صقع وصقع لم يقف في سبيلهم برد نوفمبر القارس. ونصب القادمون خيامهم في الأراضي المكشوفة، وعقدوا اجتماعاً كبير لا يتسع له بهو، وامتلأت قلوبهم حماسة حين وقف على منصة في وسطهم مواطنهم إربان الفرنسي وألفى عليهم باللغة الفرنسية أقوى الخطب وأعظمها أثراً في تاريخ العصور الوسطى:
يا شعب الفرنجة! شعب الله المحبوب المختار!... لقد جاءت من تخوم فلسطين، ومن مدينة القسطنطينية، أنباء محزنة تعلن أن جنساً لعيناً أبعد ما يكون عن الله، قد طغى وبغى في تلك البلاد بلاد المسيحيين، وخربها بما نشره فيها من أعمال السلب وبالحرائق؛ ولقد ساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم وقتلوا الآخر بعد أن عذبوهم أشنع التعذيب. وهم يهدمون المذابح في الكنائس، بعد أن يدنسوها برجسهم، ولقد قطعوا أوصال مملكة اليونان، وانتزعوا منها أقاليم بلغ من سعتها أن المسافر فيها لا يستطيع اجتيازها في شهرين كاملين.
على من إذن تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع، إذا لم تقع عليكم أنتم- أنتم يا من حباكم الله أكثر قوم آخرين بالمجد في القتال، وبالبسالة العظيمة، وبالقدرة على إذلال رؤوس من يقفون في وجوهكم؟ ألا فليكن من أعمال أسلافكم ما يقوى قلوبكم- أمجاد شارلمان وعظمته، وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم- فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا، الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة، وغيره من الأماكن المقدسة التي لوثت ودنست.. لا تدعوا شيئاً يقعد بكم من أملاككم أو من شئون أسركم. ذلك بأن هذا الأرض التي تسكنونها الآن، والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار وقلل الجبال، ضيقة لا تتسع لسكانها الكثيرين، تكاد تعجز عن ا، تجود بما يكفيهم من الطعام، ومن اجل هذا يذبح بعضكم بعضاً، ويلتهم بعضكم بعضاً، وتتحاربون، ويهلك الكثيرون منكم في الحروب الداخلية.




صفحة رقم : 5289




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> أسبابها


طهروا قلوبكم إذن من أدران الحقد، واقضوا على ما بينكم من نزاع، واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث، وتملكوها أنتم. إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها، هي فردوس المباهج. إن المدينة العظمى القائمة في وسط العالم تستغيث بكم أن هبوا لإنقاذها، فقوموا بهذه الرحلة راغبين متحمسين تتخلصوا من ذنوبكم، وثقوا بأنكم ستنالون من أجل ذلك مجداً لا يفنى في ملكوت السموات(5).
وعلت أصوات هذا الجمع الحاشد المتحمس قائلة: "تلك إدارة الله Dieu li volt. وردد إربان هذا النداء ودعاهم إلى أن يجعلوه نداءهم في الحرب، وأمر الذاهبين إلى الحرب الصليبية أن يضعوا علامة الصليب على جباههم أو صدورهم. ويقول وليم مالمزبري William Malmsbury: "وتقدم بعض النبلاء من فورهم، وخروا راكعين بين يدي البابا، ووهبوا أنفسهم وأموالهم لله"(6) وحذا حذوهم آلاف من عامة الشعب، وخرج الرهبان والنساك من صوامعهم ليكونوا جنود المسيح بالمعنى الحرفي لهذا اللفظ لا بمعناه المجازي. وانتقل البابا النشيط إلى مدن أخرى- إلى تور، وبوردو، وطولوز (طلوشة)، ومنبلييه، ونيمز Nimes... وظل تسعة أشهر يخطب داعياً إلى الحب الصليبية. ولما بلغ روما بعد أن غاب عنها سنتين، استقبلته بالترحاب أقدم مدن العالم المسيحي تقوى، وأخذ على عاتقه أن يحل جميع الصليبيين من جمع القيود التي تعوقهم عن الانضمام إلى المقاتلين. ولم يلق في عمله هذا مقاومة جدية؛ فحرر رقيق الأرض، وحرر التابع الإقطاعي طوال مدة الحرب مما عليه من الولاء لسيده؛ ومنح جميع الصليبيين ميزة المحاكمة أمام المحاكم الكنيسة لا أمام المحاكم الإقطاعية، وضمن لهم مدة غيابهم حماية الكنيسة لأملاكهم. وأمر




صفحة رقم : 5290




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> أسبابها


بوقف جميع الحروب القائمة بين المسيحيين- وإن لم يقو على تنفيذ أمره هذا، ووضع مبدأ للطاعة يعلو على قانون الولاء الإقطاعي؛ وهكذا توحدت أوربا كما لم تتوحد في تاريخها كله، ووجد إربان نفسه السيد المرتضي- من الوجهة النظرية على الأقل- لملوك أوربا على بكرة أبيهم. وسَرت روح الحماسة في أوربا كما لم تسر فيها من قبل في أثناء هذا الاستعداد المحموم للحرب المقدسة.




صفحة رقم : 5291




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الأولى



الفصل الثاني




الحرب الصليبية الأولى




1095-1099


وانضوت جماعات لا عدد لها تحت لواء الحرب مدفوعة إلى هذا بمغريات جمة: منها أن كل من يخر صريعاً في الحرب قد وعد بأن تغفر له جميع ذنوبه، وأذن لأرقاء الأرض أن يغادروا الأراضي التي كانوا مرتبطين بها، وأعفى سكان المدن من الضرائب، وأجلت ديون المدينين على أن يؤدوا فائدة نظير هذا التأجيل، وتوسع البابا في سلطاته توسعاً جريئاً فأطلق سراح المسجونين، وخفف أحكام الإعدام عن المحكوم عليهم بها إذا خدموا طوال حياتهم في فلسطين، وانضم آلاف من المتشردين إلى القائمين بهذه الرحلة المقدسة؛ وأقبل كثيرون من الأتقياء المخلصين ليخلصوا الأراضي التي ولد فيها المسيح ومات، منهم رجال سئموا الفقر الذي كانوا يعانونه، والذي ظنوا أن لا نجاة لهم منه، ومنهم المغامرون التواقون إلى الاندفاع في مغامرات جريئة في بلاد الشرق، ومنهم الأبناء الصغار الذين يرجون أن تكون لهم إقطاعيات في تلك البلاد، ومنهم التجار الذين يبحثون عن أسواق لبضائعهم، والفرسان الذين غادر أرضهم أرقاؤها فأصبحوا لا عمل لهم، ومنهم ذوو النفوس الضعيفة الذين يخشون أن يرميهم الناس بالجبن وخور العزيمة. ونشطت الدعامة المألوفة في الحروب فأخذت تؤكد الاضطهاد الذي يلقاه المسيحيون في فلسيطن، والمعاملات الوحشية التي يلقونها على أيدي المسلمين، والأكاذيب عما في العقيدة الإسلامية من زيغ وضلال؛ فكان المسلمون يرصفون بأنهم يعبدون تمثالاً للنبي محمد(7)؛ وأخذ الثرثارون "الأتقياء" يقولون: إن النبي قد




صفحة رقم : 5292




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الأولى


أصابته نوبة صرع التهمته في أثنائها الخنازير البرية(8). ورويت قصص خرافية عن ثروة الشرق، وعن الغانيات السمر ينتظرن أن يأخذهن الرجال البواسل(9).
وهذه البواعث المختلفة لا يمكن أن تجتمع من أجلها جموع متجانسة يستطاع إخضاعها لنظام عسكري. وقد بلغ من أمر هذا الخليط أن النساء والأطفال أصروا في كثير من الحالات على الانضمام إلى صفوف المجاهدين ليقوم النساء بخدمة أزواجهن، والأبناء بخدمة آبائهن، ولعلهم كانوا على حق في هذا الإصرار لأن العاهرات سرعان ما تطوعن لخدمة المحاربين. وكان إربان قد حدد لبدء الرحيل شهر أغسطس من عام 1096، ولكن الفلاحين القلقين الذين كانوا أوائل المتطوعين لم يستطيعوا الانتظار إلى هذا الموعد، فسار جحفل منهم عدته نحو أثنى عشر ألفاً (لم يكن من بينهم إلا ثمانية من الفرسان) وبدأ رحلته من فرنسا في شهر مارس بقيادة بطرس الناسك Peter the Hermit، وولتر المفلس (Gautar Sans- Avoir) Walter the penniless، وقام جحفل آخر- ربما كانت عدته 500 من ألمانيا بقيادة القس جتسشوك Gattschalck، وزحف ثالث من أرض الرين بقيادة الكونت إمكو الليننجيني Count Emico iningen-. وكانت هذه الجموع غير النظامية هي التي قامت بأكثر الاعتداءات على يهود ألمانيا ويوهيميا، وأبت أن تطيع نداء رجال الدين والمواطنين من أهل تلك البلاد، وانحطت حتى استحالت إلى وقت ما وحوشها كاسرة تستر تعطشها للدماء بستار من عبارات التقي والصلاح. وكان المجندون قد جاءوا معهم ببعض المال، لكنهم لم يجيئوا إلا بالقليل الذي لا يغني من الطعام، وكان قادتهم تعوزهم التجارب فلم يعدوا العدة لإطعامهم؛ وقدر كثيرون من الزاحفين المسافة بأقل من قدرها الصحيح، وكانوا وهم يسيرون على ضفاف الرين والدانوب كلما عرجوا على بلدة من البلدان يسألهم أبناؤهم في لهفة- أليست هذه أورشليم؟ ولما فرغت أموالهم، وعضهم الجوع، اضطروا إلى نهب من في طريقهم من الحقول والبيوت،




صفحة رقم : 5293




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الأولى


وسرعان ما أضافوا الفسق إلى السلب والنهب(11). وقاومهم أهل البلاد مقاومة عنيفة، وأغلقت بعض المدن أبوابها في وجوههم، وأمرهم بعضها أن يرحلوا عنها بلا مهل، ولما بلغوا آخر الأمر مدينة القسطنطينية، بعد أن نفذت أموالهم، وهلك منهم من هلك بفعل الجوع والطاعون، والجذام، والحمى، والمعارك التي خاضوا غمارها في الطريق، رحب بهم ألكسيوس؛ ولكنه لم يقدم لهم كفايتهم من الطعام، فانطلقوا في أرباض المدينة، ونهبوا الكنائس، والمنازل، والقصور. وأراد ألكسيوس أن ينقذ عاصمته من هذه الجموع الفتاكة التي أهلكت الحرث ولانسل وكانت فيها كالجراد المنتشر. فأمدها بالسفن التي عبرت بها البسفور، وأرسل إليها المؤن، وأمرها بالانتظار حتى تصل إليها فرق أخرى أحسن منها سلاحاً وعتاداً. ولكن الصليبيين لم يستمعوا إلى هذه الأوامر، سواء كان ذلك لجوعهم أو لقلقهم ونفاد صبرهم، فزحفوا على نيقية. وخرجت عليهم قوة منظمة من الترك، كلها من مهرة الرماة، وأبادت هذه الطليعة من فرق الحرب الصليبية الأولى فلم تكد تبقى على أحد منها. وكان ولتر المفلس من بين القتلى؛ وأما بطرس الناسك فكانت نفسه قد اشمأزت من هذه الجموع التي لا تخضع لقيادة، وعاد قبل المعركة إلى القسطنطينية، وأقام فيها سالماً حتى عام 1115.
وبينا كانت هذه الحوادث تجري في مجراها كان الزعماء والإقطاعيون الذين حملوا الصليب قد جمع كل منهم رجاله في إقليمه. ولم يكن من بين هؤلاء الزعماء ملوك، فقد كان فيلب الأول ملك فرنسا، ووليم الثاني ملك إنجلترا، وهنري الرابع ملك ألمانيا، كان هؤلاء جميعاً مطرودين من حظيرة الدين حين كان إربان الثاني يدعو إلى الحرب الصليبية، ولكن كثيرين من الأشراف انضموا إلى صفوف المقاتلين، وكانوا كلهم تقريباً من الفرنسيين أو الفرنجة. وبهذا كانت الحرب الصليبية الأولى في الأغلب الأعم مغامرة فرنسية، ومن أجل هذا ظل الشرق الأدنى إلى هذا اليوم إذا ذكر غربي أوربا سماه بلاد الفرنجة (الأفرنج)، وكان




صفحة رقم : 5294




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الأولى


الدوق جدفري Godfrey سيدبويون Bouillon (وهي مقاطعة صغيرة في بلجيكا) يجمع بين صفات الجندي والراهب- كان شجاعاً محنكاً في الحرب، ورعاً إلى حد التعصب في الدين؛ وكان الكونت بوهمند من سادة ترنتو Taranto ابن روبرت جسكارد Robert Guiscard قد ورث عن أبيه كل شجاعته وبراعته، وكان يحلم باقتطاع مملكة له ولجنوده النورمان من الأملاك البيزنطية السابقة في الشرق الأدنى. وكان معه ابن أخيه تانكرد الهوتفيلي Tancred of Hauteville الذي شاءت الأقدار أن يكون بطل رواية أورشليم المنجاة Jeusalem Delivered لتاسو Tasso. وكان بهي الطلعة، شجاعاً لا يهاب الردي، شهماً، كريماً، يحب المجد والمال، يعجب به الناس كافة ويرونه المثل الأعلى للفارس المسيحي. وكان ريموند Reymond كونت طولوز (طلوشة) قد حارب المسلمين من قبل في أسبانيا فلما تقدمت به السن وهب نفسه وثروته العظيمة إلى حرب أكبر وأوسع، ولكن غطرسته أفسدت عليه نبله، ودنس بخله تقواه.
وسارت هذه الجموع إلى القسطنطينية من طرق مختلفة؛ وعرض بوهمند على جدفري أن يستوليا على المدينة، فرفض جدفري هذا العرض لأنه لم يأت، على حد قوله، إلا لقتال الكفرة(12)، ولكن هذه الفكرة لم تمت. وكان فرسان الغرب الأشداء أنصاف الهمج يحتقرون سادة الشرق المثقفين المخادعين، ويرون أنهم مارقون من الدين، مخنثون، مترفون. وكانوا ينظرون بعين الدهشة والحسد إلى الكنوز المخزونة في كنائس العاصمة البيزنطية، وقصورها وأسواقها، ويرون أن هذا الثراء العظيم يجب أن يكون من نصيب الشجعان البواسل. ولعل ألكسيوس قد ترامت إليه هذه الأفكار التي كانت تملأ صدور منقذيه، وكان ما لاقاه في قتال جحافل الفلاحين (وقد لامه الغرب على هزيمته إياهم) مما دعاه إلى اصطناع الحذر، وإن شئت فقل إلى النفاق. نعم إنه استنجد بالغرب على الأتراك، ولكنه لم يطلب أن تتجمع قوى أوربا المتحدة على أبواب عاصمته، ولم




صفحة رقم : 5295




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الأولى


يكن واثقاً قط من أن أولئك المقاتلين يطمعون في أورشليم بقدر ما يطمعون في القسطنطينية، أو من أنهم سيعيدون إلى ملكه أي إقليم ينتزعونه من الأتراك، وكان قبل من أملاك الدولة البيزنطية. ولهذا عرض على الصليبين المؤن، والأموال، ووسائل النقل، والمعونة الحربية، وعرض على زعمائهم رشا سخية(12)، وطلب إليهم في نظير هذا أن يقسم النبلاء يمين الولاء له بوصفه سيدهم الإقطاعي، وأن تكون كل الأراضي التي يستولون عليها إقطاعيات لهم منه. وأثرت الفضة في نفوس النبلاء ورقت قلوبهم فأقسموا اليمين المطلوبة.
وعبرت هذه الجيوش البالغ عددها نحو ثلاثين ألفاً المضيقين في عام 1079، وكانت لا تزال موزعة القيادة. وكان من حسن حظ الصليبيين أن المسلمين كانوا أشد انقساماً على أنفسهم من المسيحيين، فقد أنهكت الحروب قوة المسلمين في أسبانيا، ومزقت المنازعات الدينية وحدتهم في شمالي إفريقيا؛ وكان الخلفاء الفاطميون في الشرق يمتلكون بلاد الشام الجنوبية، بينما كان أعداؤهم السلاجقة يمتلكون جزأها الشمالي والقسم الأكبر من آسيا الصغرى. وخرجت أرمينيا على فاتحيها السلاجقة وتحالفت مع الفرنجة. وزحفت جيوش أوربا يؤيدها هذا العون كله وحاصرت نيقية. واستسلمت الحامية التركية في المدينة بعد أن وعدها ألكسيوس بالمحافظة على حياتها (19 يونية سنة 1097)، ورفع إمبراطور الروم العلم الإمبراطوري على حصنها، وحمى المدينة من النهب، وأرضى الزعماء الإقطاعيين بالعطايا السخية، ولكن الجنود المسيحيين اتهموا ألكسيوس بأنه ضالع مع الأتراك. واستراح الصليبيون في المدينة أسبوعاً زحفوا بعده على أنطاكية، والتقوا عند دوريليوم بجيش تركي تحت قيادة قلج أرسلان، وانتصروا عليه انتصاراً سفكوا فيه كثيراً من الدماء (أول يوليه سنة 1097)، واخترقوا آسيا الصغرى دون أن يلقوا فيها عدواً غير قلة الماء والطعام، والحر الشديد الذي لم تكن دماء الغربيين قادرة على احتماله. ومات الرجال والنساء، والخيل




صفحة رقم : 5296




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الأولى


والكلاب، من العطش في أثناء هذا الزحف الشاق الذي اجتازوا فيه خمسمائة ميل؛ فلما عبروا جبال طوروس انفصل بعض النبلاء بقواتهم عن الجيش الرئيسي ليفتحوا لأنفسهم فتوحاً خاصة بهم- فسار ريمند، وبوهمند، وجدفري إلى أرمينيا؛ وسار تنكرد وبولدوين (أخو جدفري) إلى الرها حيث أسس بلدوين بالختل والغدر(14) أولى الإمارات اللاتينية في الشرق (1098). وأخذت قوات الصليبيين الكبرى تشكو من هذا التأخير وتتوجس منه الشر المستطير؛ فعاد النبلاء وواصلت القوة بأجمعها الزحف على إنطاكية.
ويصف المؤرخ الإخباري صاحب جستا فرنكورم Gesta Francorum إنطاكية بأنها "مدينة ذات بهجة وجمال عظيم تمتاز عن سائر المدن"(15). وقاومت المدينة الحصار ثمانية أشهر، مات في خلالها كثير من الصليبيين بسبب تعرضهم لأمطار الشتاء القارس والبرد والجوع، وقد وجد بعضهم غذاء جديداً بامتصاص "أعواد حلوة سموها زكرا Zucra" (وهي كلمة مشتقة من لفظ السكر العربي)، ففيها ذاق "الفرنجة" طعم السكر للمرة الأولى وعرفوا أنه يضع من عصير أحد النباتات المزروعة(16). وقدمت العاهرات للغزاة متعاً أشد خطراً من السكر، من ذلك أن رئيساً للشمامسة قتله الأتراك وهو مضطجع مع عاهر سوريا(17). وجاءت الأنباء في شهر مايو من عام 1098 أن جيشاً إسلامياً كبيراً يقوده كربوغة أمير الموصل يقترب من أنطاكية، لكن هذه المدينة سقطت في أيدي الصليبيين (3 يونية 1098) قبل أن يصل إليها هذا الجيش ببضعة أيام. وخشي كثيرون من الصليبيين عجزهم عن مقاومة جيش كربوغة، فركبوا السفن في نهر العاصي، وفروا هاربين. وزحف ألكسيوس بقوة من جنود الروم، ولكن جماعة من الفارين غرروا به، فادخلوا في روعه أن المسيحيين هزموا، فعاد أدراجه ليدافع عن آسيا الصغرى، ولم يغفر له الصليبيون هذه الفعلة. وأراد قسيس من مرسيليه يدعى بطرس بارثلميو Peter Bartholomew أن




صفحة رقم : 5297




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الأولى


يبعث الشجاعة من جديد في قلوب الصليبيين، فادعى أنه عثر على الحربة التي نفذت في جنب المسيح، ولما سار المسيحيون للقتال رفعت هذه الحربة أمامهم كأنها علم مقدس، وخرج ثلاثة فرسان من بيت التلال في ثياب بيض حين ناداهم الرسول البابوي أدهمار وسماهم الشهداء القديسين موريس، وثيودور، وجورج. وبعث ذلك في قلوب الصليبيين روحاً جديدة، وتولى بوهمند القيادة الموحدة فانتصروا انتصاراً حاسماً. ثم اتهم بارثلميو بأنه ارتكب خدعة دينية، وعرض أن يرضى بحكم الله فيجتاز ناراً مشتعلة ليثبت باجتيازها صدق دعواه. وأجيب إلى طلبه فاخترق ناراً مشتعلة في حزم من الحطب، وخرج سالماً في الظاهر، ولكنه توفي في اليوم الثاني من أثر الحروق أو من الإجهاد الذي لم يحتمله قلبه، وأزيلت الحربة من بين أعلام الجيش الصليبي(18).
وأصبح بوهمند من ذلك الحين أمير إنطاكية اعترافاً بفضله، وكان يمتلك هذا الإقليم في ظاهر الأمر بوصفه أميراً إقطاعياً خاضعاً لألكسيوس، لكنه في الواقع كان يحكمه بوصفه حاكماً مستقلاً؛ وقال زعماء الصليبيين إن عجز ألكسيوس عن أن يخف لمعونتهم قد أحلهم من يمين الولاء التي اقسموها له. وقضى أولئك الزعماء ستة أشهر أعادوا فيها تنظيم قواهم وجددوا نشاطهم، ثم زحفوا بجيوشهم على أورشليم. وبعد حروب وقفوا في اليوم السابع من شهر يونية عام 1099 وهم مبتهجون متعبون أمام أسوار المدينة. وكان من سخريات التاريخ أن الأتراك الذين جاءوا ليقاتلوهم قد أخرجوا من المدينة قبل ذلك الوقت بعام، وكان مخرجوهم هم الفاطميين. وعرض الخليفة الفاطمي على الصليبين أن يعقد معهم الصلح مشترطاً على نفسه أن يؤمن الحجاج المسيحيين القادمين إلى أورشليم والذين يأتونها للعبادة. ولكن بوهمند وجدفري طلبا التسليم بغير قيد أو شرط، وقاومت حامية الفاطميين




صفحة رقم : 5298




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الأولى


المكونة من ألف رجل الحصار مدة أربعين يوماً، فلما حل اليوم الخامس عشر من شهر يولية قاد جدفري وتانكرد رجالهما وتسلقوا أسوار المدينة، وتم للصليبيين الفوز بغرضهم بعد أن لاقوا في سبيله الأمرين. وفي هذا يقول القس ريمند الإجيلي شاهد العيان:
وشاهدنا أشياء عجيبة، إذ قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين وقتل غيرهم رمياً بالسهام، أو أرغموا على أن يلقوا أنفسهم من فوق الأبراج، وظل بعضهم الآخر يعذبون عدة أيام، ثم أحرقوا في النار. وكنت ترى في الشوارع أكوام الرؤوس والأيدي والأقدام، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل(19).
ويروي غيره من المعاصرين تفاصيل أدق من هذه وأوفى؛ يقولون إن النساء كن يقتلن طعناً بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من أثداء أمهاتهم(20) ويقذف بهم من فوق الأسوار، أو تهشم رؤوسهم بدقها بالعمد، وذبح السبعون ألفاً من المسلمين الذين بقوا في المدينة، أما اليهود الذين بقوا أحياء فقد سيقوا إلى كنيس لهم، وأشعلت فيهم النار وهم أحياء. واحتشد المنتصرون في كنيسة الضريح المقدس، وكانوا يعتقدون أن مغارة فيها احتوت في يوم ما المسيح المصلوب. وفيها أخذ كل منهم يعانق الآخر ابتهاجاً بالنصر، وبتحرير المدينة، ويحمدون الرحمن الرحيم على ما نالوا من فوز!.




صفحة رقم : 5299




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> مملكة أورشليم اللاتينية



الفصل الثالث




مملكة أورشليم اللاتينية




1099-1143


اختير جدفري البويوني الذي اعترف له آخر الأمر بالصلاح، والتقي المنقطعي النظير حاكماً على دمشق على أن يلقب بهذا اللقب المتواضع وهو "حامي الضريح المقدس" ولم يدع الحاكم الجديد أنه خاضع لألكسيوس لأن الحكم البيزنطي لهذه المدينة كان قد انقضى منذ 365 عاماً، ولهذا أصبحت مملكة أورشليم اللاتينية من يوم إنشائها دولة مستقلة كاملة السيادة. وحرم فيها المذهب الأورثوذكسي الشرقي، وفر البطريق اليوناني إلى قبرص، وقبلت أبرشيات المملكة الجديدة الشعائر اللاتينية، والمطران الإيطالي والحكم البابوي.
وبعد فإن ثمن السيادة هو القدرة على الدفاع عنها. وهذا هو الثمن الذي كاهن على المحررين أن يؤيده؛ فقد وصل إلى عسقلان بعد أسبوعين من هذا التحرير جيش مصري يهدف إلى استعادة المدينة المقدسة في أديان كثيرة وهزم جدفري هذا الجيش القادم، ولكنه مات بعد سنة واحدة من تلك المعركة (1100) وخلفه أخوه بولدوين وهو أقل منه كفاية (1100-1118)، واتخذ لنفسه لقباً أسمى من لقبه وهو لقب ملك. وشملت المملكة الجديدة في عهد الملك فلك Fulk كونت أنجو (1131-1143) الجزء الأكبر من فلسطين وسوريا، ولكن المسلمين ظلوا مالكين حلب، ودمشق، وحمص. وقسمت المملكة أربع إمارات إقطاعية، تتركز على التوالي حول أورشليم، وإنطاكية والرها، وطرابلس؛ ثم جزئت كل إمارة إلى إقطاعيات تكاد كل منها تكون مستقلة عن الأخرى، وكان سادتها المتحاسدون يشنون الحروب بعضهم على




صفحة رقم : 5300




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> مملكة أورشليم اللاتينية


بعض، ويسكون العملة، ويحاكون الملوك المستقلين في هذه وغيرها من الشئون. وكان الأشراف هم الذين يختارون الملك، وتقيده سلطة كنسية دينية لا سلطان عليها لغير البابا نفسه. وكان مما أضعف سلطان الملك غير هذا أنه أسلم عدة ثغور: يافا، وصور، وعكا، وبيروت، وعسقلان- إلى البندقية، وبيزا، وجنوى، نظير ما تقدمه للمملكة الجديدة من معونة حربية وما تحمله لها بطريق البحر من مؤن. أما تنظيم المملكة وقوانينها فكانت تضعها المحاكم العليا في أورشليم- وكان هذا إحدى النتائج المنطقية للحكم الإقطاعي من الوجهة القانونية. وادعى الأشراف ملكية الأرض جميعها، وأنزلوا ملاكها السابقين- سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين- منزلة أرقاء الأرض، وفرضوا عليهم واجبات إقطاعية أشد قسوة مما كان منها وقتئذ في أوربا، حتى أخذ سكان البلاد المسيحيون ينظرون بعين الحسرة إلى حكم المسلمين ويعدونه من العصور الذهبية التي مرت بالبلاد(21).
وكان في المملكة الناشئة كثير من أسباب الضعف، ولكنها كانت تتلقى معونة فذة من نظام من الرهبان الحربين. ذلك أن تجار أملفي Amalfi كانوا قد حصلوا من المسلمين منذ عام 1048 على إذن ببناء مستشفى في بيت المقدس لإيواء الفقراء أو المرضى من الحجاج. ثم نظم ريمند دوبي Raymond du Puy موظفي هذا المعهد تنظيماً جديداً فجعلهم هيئة دينية تكرس حياتها للعفة، والفقر،ى والطاعة، وحماية المسيحيين في فلسطين بالدفاع عنهم دفاعاً عسكرياً؛ ومن ثم أصبح هؤلاء الفرسان فرسان مستشفى القديس يوحنا من أنبل الهيئات الخيرية في العالم المسيحي. وحدث حوالي ذلك الوقت نفسه (1119) أن نذر هيدوه بايان Hugh de Payans وثمانية آخرون من فرسان الصليبيين أنفسهم للرهبنة، وخدمة المسيحيين العسكرية، وأن حصلوا من بلدوين الثاني على مسكن لهم بالقرب من الموضع الذي كان فيه هيكل سليمان، وسرعان ما أطلق عليهم اسم فرسان المعبد. ووضع




صفحة رقم : 5301




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> مملكة أورشليم اللاتينية


لهم القديس برنار نظاماً صارماً، لم يطيعوه زمناً طويلاً؛ وكان مما أثنى عليهم به أنهم "أكثر الناس علماً بفن الحرب"، وأمرهم "ألا يغتسلوا إلا نادراً" وأن يقصوا شعر رؤوسهم(22). وكتب برنار إلى فرسان المعبد يقول "إن على المسيحي الذي يقتل غير المؤمن في الحرب المقدسة، أن يثق بما سينال من ثواب، وعليه أن يكون أشد وثوقاً من هذا الثواب إذا قتل هو نفسه، وإن المسيحي ليبتهج بموت الكافر لأن المسيح يبتهج بهذا الموت"(23)؛ ومن الواجب على الناس أن يقتلوا وهم مرتاحو الضمير إذا كانوا يريدون النصر في الحروب. وكان الواحد من فرسان المستشفى يلبس مئزراً أسود اللون، على كمه الأيسر صليب، أما الواحد من فرسان المعبد فكان يلبس مئزراً أبيض على "حرملته" صليب أحمر. وكانت كلتا الطائفتين تكره الأخرى كرهاً مبعثه الدين. وانتقل فرسان المستشفى وفرسان المعبد من تمريض الحجاج إلى الهجوم على حصون المسلمين؛ ومع أن فرسان المعبد لم يكونوا يزيدون على ثلثمائة، وأن فرسان المستشفى كانوا حوالي 1180(24)، فقد كان لهم جميعاً شأن ظاهر في معارك الحروب الصليبية؛ وذاعت شهرتهم الحربية. وقامت الطائفتان بحملة واسعة لجمع المال، فتوالت عليهما الإعانات من الكنيسة والدولة، ومن الأغنياء والفقراء على السواء؛ فلم يحل القرن الثالث عشر حتى كانت كلتاهما تمتلك في أوربا ضياعاً واسعة تشمل أديرة، وقرى، وبلداناً. وأدهشت كلتاهما المسيحيين والمسلمين بما أنشأت من الحصون الواسعة في بلاد الشام، حيث كانوا يستمتعون بالترف مجتمعين، وسط متاعب الحروب وكدحها، مع أنهم قد نذروا أنفسهم فرادي للفقر(25). وفي عام 1190 أنشأ ألمان فلسطين طائفة الفرسان التيوتون بمعونة عدد قليل من الألمان في بلادهم الأصلية، وشادوا لهم مستشفى قرب عكا.
وعاد معظم الصليبيين إلى أوربا بعد الاستيلاء على بيت المقدس، فنقص بذلك عدد الرجال الذين تعتمد عليهم الحكومة المزعزعة الأركان نقصاً يعرضها




صفحة رقم : 5302




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> مملكة أورشليم اللاتينية


للخطر الشديد. ووفد على البلاد كثيرون من الحجاج ولكن قلما بقي فيها عدد منهم للقتال. وكان الروم في الشمال يترقبون فرصة تتاح لهم لاستعادة إنطاكية والرها وغيرهما من المدن التي كانوا يدعون أنها مدن بيزنطية؛ وأخذ المسلمون في الشرق ينشطون ويضمون صفوفهم بتأثير النداءات الإسلامية والغارات المسيحية. وكان اللاجئون المسلمون الفارون من فلسطين يقصون عليهم الحوادث المفصلة المحزنة التي أعقبت سقوط المدينة في أيدي المسيحيين. واقتحمت هذه الجموع مسجد بغداد العظيم وأهابت بالجيوش الإسلامية أن تحرر بيت المقدس وقبة الصخرة المقدسة من أيدي الكفرة النجسة(26). وكان الخليفة عاجزاً لا يستطيع تلبية النداء، ولكن عماد الدين زنكي أمير الموصل الذي ولد عبداً رقيقاً لبى الدعوة، وزحف جيشه الحسن القيادة في عام 1144 وانتزع من المسيحيين المعقل الخارجي الشرقي، وبعد اشهر قليلة استعاد الرها وضمها إلى حظيرة الإسلام. واغتيل زنكي وخلفه ابنه نور الدين، وكان يماثله في شجاعته، ويفوقه في قدرته. وكانت أخبار هذه الحوادث هي التي أثارت أوربا ودفعتها إلى الحرب الصليبية الثانية.




صفحة رقم : 5303




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الثانية



الفصل الرابع




الحرب الصليبية الثانية




1146-1148


واستغاث القديس برنار بالبابا يوجنيوس الثالث لينادي مرة أخرى بحمل السلاح. وكان يوجنيوس وقتئذ في صراع مع الخارجين على الدين في روما نفسها، فطلب إلى برنار أن يقوم هو نفسه بالدعوى. وكانت هذه فكرة سديدة لأن القديس كان أعظم شأناً من الرجل الذي نصبه هو بابا. فلما أن خرج من صومعته في كليرفو Clairvaux ليدعو الفرنسيين إلى الحرب خفتت أصوات الشك التي كانت مستكنة في صدور المؤمنين، وزالت المخاوف التي نشرتها القصص التي كانت تروي عن الحروب الصليبية الأولى. واتخذ برنار سبيله مباشرة إلى الملك لويس السابع وأقنعه بأن يحمل الصليب، ثم وقف والملك إلى جانبه وأخذ يخطب الجمع الحاشد في فيزلاي Vezelay (1146)؛ ولم يكد يتم خطبته حتى تطوع الجمع كله لحمل السلاح، وتبين أن ما كان معداً من الصلبان لا يكفيهم؛ فمزق برنار مئزره ليصنع منه ما يحتاجه من الشارات، وكتب إلى البابا يقول إن "المدائن والحصون قد خلت من سكانها، ولم يبق إلا رجل واحد لكل سبع نساء، وترى في كل مكان أرامل لأزواج لا يزالون أحياء". ولما أن ضم إليه فرنسا على هذا النحو انتقل إلى ألمانيا، واستطاع بحماسته وفصاحة لسانه أن يقنع الإمبراطور كنراد الثاني بأن الحرب الصليبية هي القضية الوحيدة التي يستطاع بها توحيد حزبي الجلف Guelf والههنستوفن Hohenstaufen اللذين كان نزاعهما يمزق الدولة تمزيقاً. وانضوى كثيرون من النبلاء تحت لواء كنراد، من بينهم الشاب فردريك السوابي Frederick of Swabfa الذي




صفحة رقم : 5304




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الثانية


أصبح فيما بعد بربروسه Barbarossa والذي مات في الحرب الصليبية الثالثة.
وبدأ كنراد والألمان سيرهما في يوم عيد الفصح من عام 1147، وتبعهما الفرنسيون في يوم عيد العنصرة، وكانوا يسيرون في حذر على مسافة منهم، لأنهم لم يكونوا واثقين أيهما أشد عداء لهم: الألمان أو الأتراك. وكان الألمان أيضاً يشعرون بمثل هذه الحيرة بين الأتراك واليونان؛ وبلغ من كثرة المدن البيزنطية التي نهبت في طريق الزاحفين أن أغلقت كثير منها أبوابها في وجوههم، ولم تقدم لهم إلا قليلاً من المؤن أنزلتها في سلات من فوق الأسوار. وعرض عليهم مانول كمنينوس Manuel Comnenus إمبراطور الرومان في ذلك الوقت في رقة ولطف أن تعبر الجيوش النبيلة مضيق الهلسبنت عند ستسوس Sestos، بدل أن تخترق القسطنطينية، ولكن كنراد ولويس رفضا هذا العرض، وقامت طائفة في مجلس لويس تدعوه إلى الاستيلاء على القسطنطينية وضمها إلى فرنسا، ولكنه لم يستجب لهذه الدعوة. على أنه لا يبعد أن تكون أنباؤها قد ترامت إلى اليونان؛ هذا إلى أن هؤلاء قد توجسوا خفية من قامة فرسان الغرب ودروعهم، وإن سرتهم حاشيتهم النسائية. فقد كانت اليانور المتعية تصاحب زوجها لويس، وكان الشعراء يصحبون الملكة، ونبلاء فلاندرز وطلوشة يصطحبون معهم أزواجهم، وكانت وسائل النقل التي مع الفرنسيين مثقلة بالحقائب والصناديق الملآى بالثياب، ومواد التجميل، يراد بها المحافظة على جمال تلك السيدات في الأجواء المتقلبة وفي صروف الدهر والحرب. وعجل مانويل بنقل الجيشين في مضيق البسفور، وأمد اليونان بالنقود المخفضة القيمة ليتعاملوا بها مع الصليبيين. وكثيراً ما أدى نقص المؤن في آسيا، وارتفاع الأثمان التي يطالب بها اليونان، إلى النزاع بين المنقذين ومن يريدون إنقاذهم من أعدائهم، وكان مما أحزن فردريك ذا اللحية الصهباء أنه اضطر إلى أن يسفك بسيفه دماء المسيحيين ليستطيع ملاقاة "الكفار". وأصر كنراد على أن يسير في الطريق الذي سارت فيه الحملة




صفحة رقم : 5305




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الثانية


الصليبية الأولى مخالفاً بذلك نصيحة مانويل. وتخبط الألمان في سيرهم على الرغم من مرشديهم، أو لعل ذلك كان بفعل مرشديهم، فاجتازوا بطاحاً بعد بطاح خالية من موارد الطعام، ووقعوا في كمين بعد كمين نصبه لهم المسلمون، ودب في قلوبهم اليأس لكثرة من هلك منهم. والتقى جيش كنراد عند دورليوم، حيث هزمت الحملة الأولى جيش قلج أرسلان، بقوة المسلمين الرئيسية، ومني فيها بهزيمة ساحقة، لم ينج فيها من جيش المسيحيين أكثر من واحد من كل عشرة. وخدع الجيش الفرنسي الذي كان متأخراً وراء الألمان بمسافة طويلة بما جاءه من أخبار عن انتصار الألمان، فتقدم في غير حذر، وقضي على الكثيرين من رجاله الجوع وهجمات المسلمين. ولما وصل إلى أضاليا أخذ لويس يساوم رؤساء بحارة السفن اليونانية على نقل جيشه بطريق البحر إلى طرسوس أو إنطاكية المسيحيتين، وطالب أولئك الرؤساء بأجور باهظة عن كل شخص تحمله السفن، فقبل لويس وطائفة من النبلاء، وإليانور، وسرب من السيدات الانتقال، وتركوا بقية الجيش الفرنسي في أضاليا، وانقضت جيوش المسلمين على المدينة وقتلوا كل من فيها تقريباً من الجنود الفرنسيين (1148).
ووصل لويس إلى بيت المقدس ومعه النساء وليس معه جيش، كما وصل إليها كنراد بفلول الجيش الذي غادر به راتسبون. وحشد الملكان من هذه الفلول وممن كان في العاصمة من الجنود جيشاً مرتجلاً، وزحفا به على دمشق؛ وكانت قيادته موزعة بين كنراد، ولويس، وبولدوين الثالث (1143-1162). وشجر النزاع في أثناء الحصار بين النبلاء على الطائفة التي تحكم المدينة بعد سقوطها، وتسرب عمال المسلمين إلى الجيش المسيحي، ورشوا بعض الزعماء بالمال فجعلوهم يقعدون بلا عمل أو ينسحبون من الميدان(27). ولما أن ترامت الأنباء بأن أميري حلب والموصل يزحفان بجيش كبير لفك الحصار عن دمشق تغلب دعادة الانسحاب، فانقسم الجيش المسيحي إلى جماعات قليلة فرت إلى إنطاكية أو عكا، أو بيت




صفحة رقم : 5306




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحرب الصليبية الثانية


المقدس.. وهزم كنراد وأصيب بالمرض ورجع مسربلاً بالعار إلى ألمانيا، وعادت إليانور وعاد معظم الفرسان إلى فرنسا، أما لويس فقد بقي فلي فلسطين عاماً آخر يحج فيه إلى الأضرحة المقدسة.
وارتاعت أوربا لما أصيبت به الحملة الصليبية الثانية من إخفاق شنيع، وأخذ الناس يتساءلون كيف يرضى الله جل جلاله أن يذل المدافعون عن دينه هذا الإذلال المنقطع النظير، وشرع النقاد يهاجمون القديس برنار ويصفونه بأنه خيالي متهور، يرسل الناس ليلاقوا حتفهم، وقام في أماكن متفرقة بعض المتشككة الجريئين يجادلون في القواعد الأساسية للدين المسيحي. ورد عليهم برنار بقوله إن أساليب الله سبحانه لا تدركها عقول البشر، وإن الوبال الذي حل بالمسيحيين ربما كان عقاباً لهم على ما ارتكبوا من ذنوب. ولكن الشكوك الفلسفية التي أشاعها أبلارد Abelard (المتوفى عام 1142) أخذت من ذلك الوقت تجد من يعبر عنها حتى جمهرة الشعب نفسه، وسرعان ما خبت جذوة التحمس للحرب الصليبية، وتأهب عصر الإيمان للدفاع عن نفسه بالسيف والنار ضد الأديان الغربية أو عدم الإيمان بأديان على الإطلاق.




صفحة رقم : 5307




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> صلاح الدين



الفصل الخامس




صلاح الدين


وكانت حضارة جديدة عجيبة قد نشأت في سوريا وفلسطين المسيحيتين. ذلك أن الأوربيين الذين استوطنوا هذين البلدين منذ عام 1099 قد تزيوا شيئاً فشيئاً بالزي الشرقي، فلبسوا العمامة والقفطان اللذين يوائمان مناخ تلك البلاد ذات الشمس والرمال. وزاد اتصالهم بمن يعيشون في تلك المملكة من المسلمين، فقل بذلك ما بين الجنسين من تنافر وعداء، فأخذ التجار المسلمون يدخلون بكامل حريتهم البلدان المسيحية ويبيعون أهلها بضاعتهم، وكان المرضى من المسيحيين يفضلون الأطباء المسلمين واليهود على الأطباء المسيحيين(28)، وأجاز رجال الدين المسيحيون إلى المسلمين أن يؤموا المساجد للعبادة، وأخذ المسلمون يعلمون أبناءهم القرآن في المدارس الإسلامية القائمة في إنطاكية وطرابلس المسيحيتين، وتعهدت الدول المسيحية والإسلامية بأن تضمن سلامة التجار والمسافرين الذين ينتقلون من إحداهما إلى الأخرى. وإذ كان الصليبيون لم يأتوا معهم إلا قليل من زوجاتهم فقد اتخذ كثيرون ممن أقاموا منهم في الدول المسيحية لهم زوجات سوريات؛ وسرعان ما كون أبناء هذا الزواج المختلط عنصراً كبيراً من سكان الدول الجديدة، وأصبحت اللغة العربية لغة التخاطب اليومي العامة للسكان، وعقد الأمراء المسيحيون أحلافاً مع الأمراء المسلمين ضد منافسيهم من المسيحيين، كما كان الأمراء المسلمون في بعض الأحيان يستعينون "بالمشركين" في شئون السياسة والحرب. ونمت صلات المودة الشخصية بين المسيحيين والمسلمين. وقد وصف الرحالة ابن جبير الذي طاف بسوريا المسيحية في عام 1183 بنى دينه المسلمين بأنهم ينعمون بالرخاء ويلقون معاملة حسنة على يد الفرنجة. وكان مما




صفحة رقم : 5308




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> صلاح الدين


ساءه أن يرى عكا غاصة بالخنازير والصلبان، تفوح منها رائحة الأوربيين الكريهة، ولكنه يأمل أن يتحضر المسيحيون بالحضارة التي وفدوا إليها ولاتي هي أرقى من حضارتهم(29).
وظلت مملكة أورشليم اللاتينية في سني السلم الأربعين التي أعقبت الحملة الصليبية الثانية تمزقها المنازعات الداخلية، على حين أن أعداءها المسلمين كانوا يسيرون بخطى حثيثة نحو الوحدة. فقد مد نور الدين سلطانه من حلب إلى دمشق (1175)، ولما مات أخضع صلاح الدين لسلطانه مصر وسوريا الإسلامية (1175)؛ ونشر تجار جنوى، والبندقية، وبيزا الاضطراب في الثغور الشرقية بمنافساتهم القاتلة. وفي أورشليم أخذ الفرسان يتنازعون للاستيلاء على العرش. ولما استطاع جاي ده لوزينان أن يشق إليه طريقه بالختل (1186)، استاءت لذلك طبقة الأشراف، حتى قال أخوه جوفري: "إن يكن جاي هذا ملكاً فأنا خليق بأن أكون إلهاً". ونصب ريجلند أمير شاتيون Reginald of Chatillon نفسه أميراً مستقلاً في قلعة الكرك العظيمة وراء نهر الأردن، على حدود بلاد العرب، وكثيراً ما خرق اتفاق الهدنة المعقود بين الملك اللاتيني وصلاح الدين، وأعلن عزمه على أن يغزو بلاد العرب، ويهدم قبر النبي في المدينة، ويدك أبنية الكعبة في مكة(30). وأبحرت قوته الصغيرة المؤلفة من الفرسان المغامرين في البحر الأحمر، واتجهت نحو المدينة؛ ولكن سرية مصرية باغتتها، وقتلتها عن آخرها إلا عدداً قليلاً فروا مع ريجنلد، وبعض الأسرى الذين سيقوا إلى مكة، وذبحوا في يوم عيد النحر (1183).
وكان صلاح الدين في هذه الأثناء قد قنع بشن الغارات الصغيرة على فلسطين؛ فلما رأى ما فعله ريجلند ثارت حميته الدينية، فأخذ ينظم من جديد جيشه الذي فتح به دمشق، والتقى بقوات المملكة اللاتينية في معركة غير حاسمة عند مرج ابن عامر ذي الشهرة التاريخية (1183)، ثم هاجم ريجلند عند




صفحة رقم : 5309




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> صلاح الدين


الكرك بعد بضعة أشهر من ذلك الوقت، ولكنه لم يستطع دخول القلعة الحصينة. وفي عام 1185 وقع مع المملكة اللاتينية هدنة تدوم أربع سنين؛ ولكن ريجلند مل فترة السلم الطويلة، فاعترض في عام 1186 للمسلمين، ونهب كثيراً من متاعها وأسر عدداً من أفرادها، ومنهم أخت صلاح الدين، وقال ريجنلد: "إذا كانوا يثقون بمحمد فليأت محمد لينقذهم". ولم يأت محمد؛ ولكن صلاح الدين ثارت ثائرته، فأعلن الجهاد على المسيحيين، وأقسم ليقتلن ريجنلد بيده.
ونشبت المعركة الفاصلة في الحروب الصليبية كلها عند حطين بالقرب من طبرية في اليوم الرابع من شهر يوليه سنة 1187. وكان صلاح الدين ملماً بمعالم الأرض فاختار لجيوشه الأماكن المشرفة على آبار الماء؛ ودخل المسيحيون ميدان المعركة يلهثون من الظمأ بعد أن اخترقوا السهول في حر منتصف المحرق. وانتهز المسلمون فرصة هبوب الريح نحو معسكر الصليبيين، فأشعلوا النار في الأعشاب البرية، وحملت الريح الدخان فزاد فرسانهم، وقتلوا عن آخرهم؛ وبعد أن ظل الفرسان يقاتلون قتال اليائسين ضد السلاح، والدخان، والظمأ خروا منهوكي القوى، فقتل منهم من قتل وأسر الباقون. ولم تظهر جيوش المسلمين شيئاً من الرأفة بفرسان المعبد أو المستشفى، وأمر صلاح الدين أن يؤتى له بالملك جاي والدوق ريجنلد، فلما أقبلا عليه قدم الشراب إلى الملك دليلاً على أنه قد عفا عنه، أما ريجنلد فقد خيره بين الموت والإيمان برسالة النبي، فلما رفض قتله. وكان مما غنمه المسلمون في هذه المعركة الصليب الذي كان الصليبيون يتخذونه علماً لهم في المعركة، ويحمله فيها أحد القساوسة، وقد أرسله صلاح الدين إلى الخليفة في بغداد. ولما رأى صلاح الدين أنه لم يبق أمامه جيش يخشى بأسه، زحف لتحرير عكا، وأطلق فيها سراح أربعة آلاف أسير من المسلمين، وكافأ جنوده بما غنمه




صفحة رقم : 5310




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> صلاح الدين


من ثروة هذا المرفأ الكثير المتاجر، وخضعت فلسطين كلها تقريباً لصلاح الدين وبقيت في قبضة يده بضعة اشهر.
ولما اقترب من بيت المقدس خرج إليه أعيانها يعرضون عليه الصلح، فقال لهم إنه يعتقد كما يعتقدون هم أن هذه المدينة بيت الله، وإنه لا يرضيه أن يحاصرها أو يهاجمها. وعرض على أهلها أن تكون لهم الحرية الكاملة في تحصينها، وأن يزرعوا ما حولها من الأرض إلى ما بعد أسوارها بخمسة عشر ميلاً دون أن يقف أحد في سبيلهم، ووعدهم بأن يسد كل ما ينقصهم من المال والطعام إلى يوم عيد العنصرة، فإذا حل هذا اليوم ورأوا أن هناك أملاً في إنقاذهم، كان لهم أن يحتفظوا بالمدينة، ويقاوموا المحاصرين مقاومة شريفة، أما إذا لم يكن لهم أمل في هذه المعونة، فإن عليهم أن يستسلموا من غير قتال، وتعهد في هذه الحال أن يحافظ على أرواح السكان المسيحيين وأموالهم . ورفض المندوبون هذا العرض، وقالوا إنهم لن يسلموا المدينة التي مات فيها المسيح منقذ الخلق(31). ولم يطل حصار المدينة أكثر من اثني عشر يوماً، ولما أن استسلمت بعدها فرض صلاح الدين على أهلها فدية قدرها عشر قطع من الذهب (47.50؟ ريالاً أمريكياً) عن كل رجل، وخمس قطع عن كل امرأة، وقطعة واحدة عن كل طفل، أما فقراء أهلها البالغ عددهم سبعة آلاف فقد وعد بإطلاق سراحهم إذا أدوا إليه الثلاثين ألف بيزانت (270.000؟ ريال أمريكي) التي بعث بها هنري الثاني ملك إنجلترا إلى فرسان المستشفى. وقبلت المدينة هذه الشروط "بالشكر والنحيب" على حد قول أحد الإخباريين المسيحيين، ولعل بعض العارفين من المسيحيين قد وازنوا بين هذه الحوادث وبين ما جرى في عام 1099. وطلب العادل أخو صلاح الدين أن يهدي إليه ألف عبد من الفقراء الذين بقوا من غير فداء، فلما أجيب إلى طلبه أعتقهم جميعاً؛ وطلب بليان Balian زعيم المقاومين




صفحة رقم : 5311




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> صلاح الدين


المسيحيين هدية مثلها، وأجيب إلى ما طلب، وأعتق ألفاً آخرين، وحذا حذوه المطران المسيحي وفعل ما فعل صاحبه، وقال صلاح الدين إن أخاه قد أدى الصدقة عن نفسه، وإن المطران وباليان قد تصدقا عن نفسهما، وإنه يفعل فعلهما، ثم أعتنق كل من لم يستطع أداء الفدية من كبار السن؛ ويلوح أن نحو خمسة عشر ألفاً من الأسرى المسيحيين بقوا بعدئذ من غير فداء فكانوا أرقاء. وكان ممن افتدوا زوجات وبنات النبلاء الذين قتلوا أو أسروا في واقعة حطين. ورق قلب صلاح الدين لدموع أولئك النساء والبنات فأطلق سراح من كان في أسر المسلمين من أزواجهم وآبائهن (ومن بينهم جاي) أما "النساء والبنات اللاتي قتل أزواجهن وآباؤهن فقد وزع عليهن منه ماله الخاص ما أطلق ألسنتهن بحمد الله، وبالثناء على ما عاملهن به صلاح الدين من معاملة رحيمة نبيلة" ذلك ما يقوله إرنول Ernoul مولى باليان.
وأقسم الملك والنبلاء الذين أطلق سراحهم ألا يحملوا السلاح ضده مرة أخرى، ولكنهم ما كادوا يشعرون بالأمن في طرابلس وإنطاكية المسيحيتين حتى أحلهما حكم رجال الدين من يمينهما المغلظة، وأخذ يدبرا الخطط للثأر من صلاح الدين(23). وأجاز السلطان لليهود أن يعودوا إلى السكنى في بيت المقدس، وأعطى المسيحيين حق دخولها، على أن يكونوا غير مسلحين، وساعد حجاجهم وأمنهم على أنفسهم وأموالهم(34)؛ وطهرت قبة الصخرة التي حولها المسيحيون إلى كنيسة بأن رشت بماء الورد، وأزيل منها الصليب الذهبي الذي كان يعلوها، بين تهليل المسلمين وأنين المسيحيين. وسار صلاح الدين على رأس جيشه لحصار عكا، ولما وجدها أمنع من عقاب الجو سرح الجزء الأكبر من جنده وانسحب وهو مريض متعب إلى دمشق (1188) في الخمسين من عمره.




صفحة رقم : 5312




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الثالثة



الفصل السادس




الحملة الصليبية الثالثة




1189-1192


وكان احتفاظ المسيحيين بمدائن صور أنطاكية، وطرابلس مما ترك قلوبهم إثارة من الأمل. وكانت الأساطيل الإيطالية لا تزال تسيطر على مياه البحر المتوسط، متأهبة لنقل المحاربين الصليبيين إذا أدوا لها أجورها. وعاد وليم كبير أساقفة صور إلى أوربا، وأخذ يروي في الاجتماعات التي تعقد في إيطاليا، وفرنسا وألمانيا قصة سقوط بيت المقدس، ولما قدم إلى ألمانيا تأثر بدعوته فردريك بربروسه إلى حد دفع الإمبراطور العظيم وهو في سن السادسة والسبعين إلى الزحف بجيشه من فوره (1189)، وحياه العالم المسيحي كله وخلع عليه اسم موسى الثاني الذي سيشق الطريق إلى الأرض الموعودة. ولما عبر الجيش الجديد مضيق الهلسبنت عند غاليبولي، واتخذ إلى أرض فلسطين طريقاً جديداً، كرر أخطاء الحملة الصليبية الأولى ومآسيها؛ واقتفت أثره العصابات التركية وأزعجته، وقطعت عنه المؤن، فمات مئات من رجاله جوعاً، ومات فردريك ميتة غير شريفة إذ غرق في نهر سالف الصغير في قليقية (1190)، ولم ينج من جيشه إلا جزء قليل انضم إلى حصار عكا.
وكان رتشرد الأول (الأنكتار) الملقب "قلب الأسد" قد توج من زمن قريب ملكاً على إنجلترا وهو في الحادية والثلاثين من عمره، فصمم هذا الملك على أن يجرب حظه مع المسلمين. وإذ كان يخشى أن يغير الفرنسيون في أثناء غيابه على الأملاك الإنجليزية في فرنسا، فقد أصر على أن يصحبه فليب أغسطس، ووافق الملك الفرنسي، وكان وقتئذ شابا في الحادية والعشرين




صفحة رقم : 5313




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الثالثة


مهن عمره، وتلقى الملكان الشابان الصليب من وليم كبير أساقفة صور باحتفال مهيب في فيزلاي، وأبحر رتشرد المؤنف من النورمان (لأن الإنجليز لم يشترك منهم في الحروب الصليبية إلا القليل) من مرسيليا، وأبحر جيش فليب من جنوى على أن يلتقي الجيشان في صقلية (1190)، فلما التقيا فيها شجر النزاع بينهما واستسلما للهو وقضيا في نزاعهما ولهوهما نصف عام. وأغضب تانكرد ملك صقلية رتشرد، فانتزع هذا منه مسينا "بأسرع مما يتطلبه من القس ترتيل صلاة السحر"، ثم ردها إليه نظير أربعين ألف أوقية من الذهب؛ فلما توفر له المال بهذه الطريقة أبحر بجيشه إلى فلسطين. وتحطمت بعض سفنه على ساحل جزيرة قبرص، وقبض حاكمها اليوناني على بحارة السفن وزجهم في السجون، فوقف رتشرد عندها بعض الوقت، وفتح الجزيرة، وأعطاها إلى جاي ده لوزينان ملك بيت المقدس المشرد. وبلغ عكا في يونيه من عام 1191 بعد عام من مغادرته فيزلاي، وكان فليب قد سبقه إليها. وكان حصار المسيحيين لعكا قد دام تسعة شهراً، وهلك فيه منهم عدة آلاف، ثم استسلم المسلمون بعد أسابيع قليلة من وصول رتشرد. وطلب المنتصرون من المغلوبين مائتي ألف قطعة لن الذهب (نحو 950.000ريال أمريكي)، وأن يسلموا إليهم 1600 أسيراً من صفوة أهل المدينة، وأن يردوا إليهم الصليب الحق. ووعدهم أهل المدينة أن يجيبوهم إلى ما طلبوا؛ وأيد صلاح الدين هذا الاتفاق، وسمح للمسلمين من سكان عكا ما عدا الألف والستمائة السالفي الذكر أن يغادروا المدينة ومعهم من المؤن ما يستطيعون حمله. ثم أصيب فليب أغسطس بالحمى فعاد إلى فرنسا وترك وراءه قوة فرنسية مؤلفة من 10.500رجل، وأصبح رتشرد القائد الوحيد للحملة الصليبية الثالثة.
وبدأت وقتئذ طائفة من الوقائع المشوشة الفذة، تعاقبت فيها الضربات والمعارك مع التحيات والمجاملات؛ وأظهر فيها الملك الإنجليزي والسلطان الكردي




صفحة رقم : 5314




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الثالثة


بعض ما تتصف به حضارتاهما وديناهما من أنبل الصفات وأظرفها. وليس معنى هذا أن كلا الرجلين كان من أولياء الله الصالحين، فقد كان في وسع صلاح الدين أن يكيل بكل ما لديه من باس الضربات المميتة لعدوه إذا بدا له أن أهدافه الحربية تتطلب هذا؛ وكذلك سمح ذو النزعة الروائية الشعرية لنفسه أن يفعل ما لا يتفق مع حياته النبيلة. من ذلك أنه لما تباطأ زعماء عكا المحاصرة في تنفيذ شروط الاتفاق المعقود بينهم، أمر رتشرد أن تضرب رؤوس 2.500من الأسرى المسلمين أمام أسوار المدينة لينبه بذلك الأهلين إلى وجوب الإسراع في تنفيذ الشروط(35)؛ فلما بلغ هذا النبأ صلاح الدين، أمر بأن يعدم كل من يقع بعدئذ في الأسر أثناء المعارك مع الملك الإنجليزي. ثم بدل رتشرد نغمته، فعرض أن ينهي الحروب الصليبية بأن يزوج أخته جوان للعادل أخي صلاح الدين، ولكن الكنيسة عارضت هذه الفكرة فتخلى رتشرد عنها.
وأيقن رتشرد أن صلاح الدين لن يصبر على الهزيمة، فأعاد تنظيم قوته، وتأهب للسير ستين ميلاً نحو الجنوب بمحاذاة شاطئ البحر ليفك الحصار عن يافا التي كانت وقتئذ في أيدي المسيحيين ويحاصرها المسلمون، ورفض كثير من النبلاء أن يسيروا معه، وفضلوا أن يتخلفوا في عكا، ويحيكوا الدسائس للاستيلاء على عرش فلسطين، لأنهم كانوا واثقين من أن رتشرد سيستولي عليها. وعاد الجنود الألمان الإنجليزي ويفسدون عليه خططه الحربية؛ كذلك لم يكن العامة مستعدين لبذل جهود جديدة في سبيل فلسطين. ويقول المؤرخ الإخباري المسيحي لحملة رتشرد الصليبية إن المسيحيين المنتصرين بعد هذا الحصار الطويل:
استسلموا للخمول والترف، وأبوا أن يغادروا المدينة المليئة بأسباب النعيم- أحسن أنواع الخمور، وأجمل الزانيات. وأطلق الكثيرون منهم لشهواتهم العنان




صفحة رقم : 5315




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الثالثة


فانحلت أخلاقهم ودنسوا المدنية بترفهم، حتى أصبح العقلاء يتوارون خجلاً من طيشهم ونهمهم(36).
وزاد الطين بلة أن رتشرد أمر ألا يصحب الجيش من النساء إلا الغسالات ممن لا يغرين الجند بالإثم. وعوض رتشرد عيوب جنوده بمقدرته الفذة على القيادة، وحذقه في الهندسة العسكرية، وشجاعته الملهمة في الميدان. وكان في هذه الصفات كلها متفوقاً على صلاح الدين وعلى سائر قادة الحروب الصليبية المسيحيين.
والتقى جيشه بجيش صلاح الدين عند أرسوف وانتصر عليه انتصاراً غير حاسم (1191)، وطلب مواصلة القتال، ولكن رتشرد سحب جنوده إلى داخل أسوار يافا، ثم عرض عليه صلاح الدين الصلح؛ وبينا كانت المفاوضات دائرة بين القائدين اتصل كنراد مركيز منفرات Conrad Marquls of Montferrat، الذي كان يتولى أمر صور، في مفاوضات مستقلة مع صلاح الدين، وعرض عليه أن يصبح حليفه، وأن يتولى على عكا ويردها للمسلمين، إذا وافق صلاح الدين على أن يتملك هو صيدا وبيروت. ولكن صلاح الدين أجاز لأخيه، على الرغم من هذا العرض، أن يعقد مع رتشرد صلحاً يترك للمسيحيين جميع ما كان بيدهم وقتئذ من المدن الساحلية، ونصف بيت المقدس. وبلغ من سرور رتشرد بهذه الشروط أن خلع على ابن السفير المسلم لقب فارس (1192)؛ لكنه حين سمع بعد قليل من الوقت أن صلاح الدين يواجه بعض المتاعب في الشرق، رفض شروطه، وحاصر داروم واستولى عليها، وتقدم حتى اصبح على بعد اثني عشر ميلاً من بيت المقدس. ودعا صلاح الدين جنوده إلى حمل السلاح، وكان قد سرحهم ليستريحوا في فصل الشتاء، وحدث الشقاق في هذه الأثناء في معسكر المسيحيين، وأبلغهم كشافتهم أن الآبار التي في طريق بيت المقدس قد سممت، وأن الجيش الزاحف عليها لن يجد ماء للشرب،




صفحة رقم : 5316




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الثالثة


وعقدوا مجلساً للنظر فيما يجب أن يفعلوه، فقرر هذا المجلس أن يتخلوا عن بيت المقدس ويزحفوا على القاهرة البعيدة عنهم بنحو 250 ميلاً. وكان رتشرد قد سئمت نفسه هذه الفعال، وعافتها، وملأ اليأس قلبه، فانسحب إلى عكا وأخذ يفكر في العودة إلى إنجلترا.
ولكنه لما سمع أن صلاح الدين عاود الهجوم على يافا، وأنه استولى عليها بعد يومين لا أكثر، أبى عليه كبرياؤه أن ينكص عن غرضه، وبعث في نفسه روحاً جديدة، وأقلع من فوره إلى يافا مع من استطاع أن يحشدهم من الجنود. ولما وصل إلى الميناء نادى بأعلى صوته "الويل للقاعد!" وقفز إلى وسطه في البحر، وأخذ يلوح ببلطته الدنمرقية الشهيرة ويقتل كل من يقف في سبيله، ثم قاد جنوده إلى داخل المدينة، وأخرج منها جميع الجنود المسلمين. كل هذا ولم يكد صلاح الدين يعرف ما حصل (1192). فلما عرفه استدعى القسم الرئيسي من جيشه لإنقاذ المدينة، وكان عدد رجاله يربو كثيراً على عدد جنود رتشرد الثلاثة الآلاف، ولكن شجاعة الملك وجرأته أكسبتاه النصر. ولما رأى صلاح الدين أن رتشرد راجلاً بعث إليه بجواد من عنده، وقال إن من العار أن يقاتل هذا الرجل الشهم راجلاً. وغضب جنود صلاح الدين من هذا العمل وأمثاله فلم يعودوا يطيقون صبراً عليه؛ وأخذوا يلومونه على أن ترك جنود حامية يافا أحياء ليقاتلوه فيها مرة أخرى. ثم سار رتشرد آخر الأمر- إذا جاز لنا أن نصدق رواة القصة المسيحيين- أمام جيش المسلمين وحربته مدلاة إلى جانبه، ولكن أحداً لم يجرؤ على مهاجمته(37).
ثم تبدلت الحال في اليوم الثاني، وجاءت الإمداد إلى صلاح الدين، واستولى الملل مرة أخرى على رتشرد، وحبس عنه فرسان عكا وصور معونتهم، فأرسل بطلب الصلح من جديد. واشتدت عليه الحمى فطلب فاكهة وشراباً بارداً،




صفحة رقم : 5317




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الثالثة


فما كان من صلاح الدين إلا أن بعث إليه بالكمثرى والخوخ والثلج، وبطبيبه الخاص. وفي اليوم الثاني من سبتمبر 1192 وقع البطلان شروط صلح يدوم ثلاث سنين، وقسمت فلسطين قسمين؛ فاحتفظ رتشرد بجميع ما فتحه من المدن الممتدة على طول الساحل من عكا إلى يافا؛ وسمح للمسلمين والمسيحيين بحرية الانتقال من أحد القسمين إلى الآخر، وتعهد السلطان بحماية الحجاج المسيحيين إلى بيت المقدس على أن تبقى المدينة في أيد المسلمين (ولعل التجار الإيطاليين الذين يهمهم قبل كل شيء أن يسيطروا على الثغور البحرية، قد أقنعوا رتشرد بالتخلي عن المدينة المقدسة نظير استيلائه على المدن الساحلية). وأقيمت المآدب والألعاب احتفالاً بالصلح؛ ويقول صاحب سيرة رتشرد في هذا: "واله وحده يعلم مقدار السرور الذي ملأ قلوب الشعبين، وهو سرور يجل عن الوصف"(38). وزالت إلى حين الأحقاد من الصدور؛ ولما ركب سفينته إلى إنجلترا أرسل رسالته الأخيرة إلى صلاح الدين يتحداه، ويتوعده بأنه سيعود بعد ثلاث سنين ويستولي على بيت المقدس. وأجابه صلاح الدين بأنه إذا كان لابد أن تقطع يده فإنه يفضل أن يقطعها رتشرد (الأنكتار) لا أي رجل سواه(39).
وبعد فإن اعتدال صلاح الدين، وصبره، وعدله قد غلبت بهاء رتشرد، وشجاعته، ومهارته الحربية؛ كما غلب المسلمون بفضل إخلاص زعمائهم ووحدتهم الزعماء الإقطاعيين المنقسمين على أنفسهم، والذين يعوزهم الولاء للغرض والإخلاص في المقصد؛ وكان قصر خط التموين من وراء المسلمين أعظم فائدة من سيطرة المسيحيين على البحار. وكانت الفضائل والأخطاء المسيحية أبرز في السلطان منها في الملك المسيحي؛ فقد كان صلاح الدين مستمسكاً بدينه إلى أبعد حد، وأجاز لنفسه أن يقسو أشد القسوة على فرسان المعبد والمستشفى؛ ولكنه كان في العدة شفيقاً على الضعفاء، رحيماً بالمغلوبين، يسمو على أعدائه في وفائه بوعده سموا




صفحة رقم : 5318




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الثالثة


جعل المؤرخين المسيحيين يعجبون كيف يخلق الدين الإسلامي "الخاطئ" في ظنهم رجلاً يصل في العظمة إلى هذا الحد. وكان يعامل خدمه أرق معاملة، ويستمع بنفسه إلى مطالب الشعب جميعها، وكانت قيمة المال عنده لا تزيد على قيمة التراب. ولم يترك في خزانته الخاصة بعد موته إلا ديناراً واحداً(40)؛ وقد ترك لابنه قبل موته بزمن قليل وصية لا تسمو فوقها أية فلسفة مسيحية :
"أوصيك بتقوى الله تعالى فإنها رأس كل خير؛ وآمرك بما أمر الله به فإنه سبب نجاتك؛ وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد بها فإن الدم لا ينام؛ وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالهم، فأنت أميني وأمين الله عليهم؛ وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء وأرباب الدولة والأكابر. فما بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس؛ ولا تحقد على أحد، فإن الموت لا يبقى على أحد؛ وأحذر ما بينك وبين الناس فإنه لا يغفر إلا برضاهم، وما بينك وبين الله يغفره اله بتوبتك إليه فإنه كريم ".
ومات في عام 1193 ولم يتجاوز سنه الخامسة والخمسين.




صفحة رقم : 5319




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الرابعة



الفصل السابع




الحملة الصليبية الرابعة




1202-1204


أفلحت الحملة الصليبية الثالثة في أخذ عكا ولكنها لم تفلح في الاستيلاء على بيت المقدس، وكانت هذه نتيجة ضئيلة ميئسة لحملة اشترك فيها اعظم ملوك أوربا. وكان غرق بربروسه، وفرار فيليب أغسطس، وإخفاق رتشرد، ودسائس الفرسان المسيحيين في الأرض المقدسة التي لم يرعوا فيها واجباً أو ضميراً، أو النزاع الذي قام بين فرسان المستشفى وفرسان المعبد، وتجدد الحرب بين إنجلترا وفرنسا، كل هذا قد حطم كبرياء أوربا، وأذلها، وأضعف ثقة العالم المسيحي بها. ولكن موت صلاح الدين المبكر، وانقسام دولته بعد وفاته، بعث في قلوب العالم المسيحي آمالاً جديدة، فلم يكد إنوسنت الثالث Innocent III يجلس على عرش البابوية (1198-1216)، حتى أخذ يطالب العالم المسيحي ببذل مجهود جديد، وقام فلك ده نويي Fnlk de Neuilly، وهو قس ساذج، يدعو الملوك والسوقة إلى حرب صليبية رابعة. وكانت نتيجة الدعوة ميئسة؛ فقد كان الإمبراطور فردريك الثاني طفلاً في سن الرابعة؛ وكان فليب أغسطس يرى أن حملة صليبية واحدة تكفيه طوال حياته، ونسى رتشرد كلماته الأخيرة لصلاح الدين فأخذ يسخر من دعوة فلك، ويقول له: "إنك تدعوني إلى التخلي عن بناتي الثلاث- الكبرياء، والبخل، والانغماس في الملاذ، فدونك هي لأجدر الناس بها: كبريائي لفرسان المعبد، وبخلي لرهبان سيتو Citeaux، وانغماسي في الملاذ إلى المطارنة"(42). ولكن إنوسنت واصل دعوته، وقال إن حملة توجه إلى مصر مقدر لها الفوز بفضل سيطرة الإيطاليين على البحر المتوسط، ثم تتخذ الغنية الخصبة قاعدة للزحف




صفحة رقم : 5320




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الرابعة


على بيت المقدس. ووافقت البندقية بعد مساومات طويلة على أن تعد ما يلزم لنقل 4500 من الفرسان والخيول، و9000 من أتباعهم، وعشرين ألفاً من المشاة، وما يكفي هذه القوة من المؤن تسعة شهور، كل هذا في نظير 85.000 مارك من الفضة (نحو 8.500.000ريال أمريكي). ورضيت أيضاً أن تمدهم بخمسين سفينة حربية بشرط أن تختص جمهورية البندقية بنصف الغنائم الحربية(43). على أن البنادقة لم يكن في عزمهم أن يهاجموا مصر، فقد كانوا يكسبون منها الملايين في كل عام بما يصدرونه إليها من الخشب، والحديد والسلاح، وباستيراد العبيد؛ ولم يكونوا يريدون أن يخاطروا بضياع هذه التجارة بالاشتراك في الحرب، أو باقتسامها مع بيزا وجنوى. ولهذا فإنهم وهم يفاوضون بمقتضاه سلامة تلك البلاد من الغزو (1201)(44). وبقول إرنول Ernoul المؤرخ الإخباري المعاصر إن البندقية حصلت على رشوة كبيرة نظير تحويل الحملة الصليبية عن فلسطين(45).
وتجمعت الجيوش الجديدة في مدينة البندقية في صيف 1202. وكان من أبرز رجالها المركيز بنغاس من منت فرات، والكونت لويس من بلوا Bliois، والكونت بلدوين من فلاندرز، وسيمون ده منت فورت الذي يستمد شهرته من الألبجنسيين، وكان من بين أعيانها الكثيرين جيوفروا ده فيلهاردون Geoffroi de Villehardouin (1160-1213)، مارشال شمبانيا الذي لم يقتصر عمله على ما اضطلع به من دور رئيسي في الأعمال السياسية والحربية المتصلة بالحرب الصليبية، بل إنه سجل تاريخها المعيب في مذكرات سترت معايبها، وكانت بداية النثر الفرنسي الأدبي. وجاء معظم الصليبيين من فرنسا كما جرت بذلك عادتها؛ وكان قد طلب إلى كل رجل أن يأتي معه بقدر من المال يتفق مع موارده حتى يتجمع للحملة مبلغ الـــ 85.000 مارك التي لابد من أدائها للبندقية تنفيذاً للشروط المتفق عليها معها. ونقص المبلغ المتجمع عن الواجب أداؤه




صفحة رقم : 5321




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الرابعة


بأربعة وثلاثين ألف مارك، وحينئذ عرض إنريكودندو لو Enrico Dandolo الدوج الذي لا يكاد يبصر "ذو القلب العظيم"، مدفوعاً إلى ما عرضه بكل ما أمدته به من تقي وقداسة سنوه الأربع والتسعون، عرض هذا الدوج أن ينزل عن المبلغ الباقي إذا ساعد الصليبيون مدينة البندقية على فتح مدينة زارا Zara، وكانت هذه المدينة وقتئذ أهم ثغور البحر الأدرياوي بعد البندقية نفسها؛ وكانت البندقية قد استولت عليها في عام 998، وكثيراً ما خرجت عليها وأخضعت لها، وكانت في الوقت الذي نتحدث عنه من أملاك المجر، ومنفذها الوحيد إلى البحر. وكانت ثروتها وقوتها آخذتين في النماء، ولهذا كانت البندقية تخشى منافستها لها في تجارة البحر الأدرياوي. ووصف إنوسنت الثالث هذا الاقتراح بأنه اقتراح دنئ، وأنذر كل من يشترك فيه بالحرمان، غير أن أعظم البابوات شأناً وأقواهم سلطاناً لم يستطع أن يجعل صوته أعلى من رنين الذهب، وهاجم الإسطولان زارا، واستوليا عليها بعد خمسة أيام، وقسم الفاتحون الغنائم فيما بينهم؛ ثم أرسل الصليبيون بعثة إلى البابا يرجون منه المغفرة، فغفر لهم، ولكنه طلب إليهم أن يردوا الغنيمة؛ فشكروا له غفران الخطيئة، واحتفظوا بالغنيمة؛ وتجاهل البنادقة أمر الحرمان، وخطوا الخطوة التالية لتنفيذ القسم الثاني من مشروعهم وهو الاستيلاء على القسطنطينية.
ولم تكن الإمبراطورية البيزنطية قد تعلمت شيئاً من الحملات الصليبية. ذلك أن هذه الإمبراطورية لم تقدم للصليبيين معونة تذكر، ولكنها حصلت منهم على كسب عظيم؛ فقد استردت الجزء الأكبر من آسيا الصغرى، وكانت تنظر بعين الرضا والاطمئنان إلى ما حل من الضعف بالغرب وبالإسلام في كفاحهما للاستيلاء على فلسطين. وكان الإمبراطور مانيول Manuel قد ألقى القبض على آلاف من البنادقة من القسطنطينية وألغى إلى حين ما للبندقية في تلك المدينة من امتيازات تجارية (1171)(46)؛ ولم يستنكف إيزاك أنجليوس Jsaac Angelus




صفحة رقم : 5322




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الرابعة


أن يتحالف مع المسلمين(47)؛ وفي عام 1195 خلعه أخوه ألكسيوس الثالث Alexius III وسجنه وفقأ عينيه؛ وفر ابن اسحق واسمه أيضاً ألكسيوس إلى ألمانيا، ثم جاء إلى البندقية في عام 1202، واستغاث بمجلس شيوخها وبالصليبيين أن ينقذوا أباء ويعيدوه إلى عرشه، ووعدهم في نظير هذا العمل أن تساعدهم بيزنطية في حربهم على الإسلام. وعقد دنولو والأشراف الفرنسيون مع الأمير الشاب اتفاقاً عظيم الفائدة لهم: فقد أقنعوه أن يتعهد بأداء مائتي ألف مارك فضي إلى الصليبيين، وأن يجهز جيشاً قوامه عشرة آلاف رجل للخدمة في فلسطين، وأن يخضع الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية للبابا في روما(48). ولكن البابا إنوست الثالث نهى الصليبيين على الرغم من هذه المنح السخية عن مهاجمة القسطنطينية وأنذرهم بالحرمان إذا فعلوا؛ ورفض بعض الأشراف أن يشتركوا في الحملة، ورأى قسم من الجيش أنه في حل من يمنه التي أقسمها بالاشتراك في الحملة الصليبية وعاد إلى أوطانه، ولكن فكرة الاستيلاء على أغنى مدينة في أوربا ظلت مستحوذة على الكثيرين من الصليبيين يصعب عليهم مقاومتها، ولهذا فإن الأسطول العظيم المكون من 480 سفينة أقلع في أول يوم من شهر أكتوبر عام 1202 وسط مظاهر الابتهاج والتهليل بينا كان القساوسة الواقفون عند أبراج السفن الحربية ينشدون نشيد تعال أيها الخالق الروح Veni Creator Spilritus(49)، ووقف هذا الأسطول الضخم أمام القسطنطينية في الرابع والعشرين من شهر يونيه عام 1203. ويقول فيل هاردون في وصفها:
وأؤكد لكم أن أولئك الذين لم يروا القسطنطينية من قبل قد فتحوا عيونهم واسعة، لأنهم لم يكونوا يعتقدون أن في العالم كله مدينة في مثل هذا الثراء، حين أبصروا الأسوار الشامخة، والأبراج الضخمة التي تتألف منها، والقصور المنيفة، والكنائس العالية التي لا تحصى عددها، ولا يعتقد إنسان بوجودها إلا إذا كان قد رآها بعينيه، وعرف ما بلغته هذه المدينة سيدة المدن




صفحة رقم : 5323




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الرابعة


كلها من الطول والعرض. واعلموا أنه لم يكن بيننا رجل مهما بلغ من الشجاعة، إلا اقشعر بدنه حين شاهدها؛ وليس في هذا شيء من العجب، لأن أحداً من الناس لم يقم منذ بداية العالم بعمل يضارع في جلاله هجومنا على تلك المدينة(50).
وأرسل المهاجمون بلاغاً نهائياً إلى ألكسيوس طلبوا فيه: أن يرد الإمبراطورية إلى الأخ الأعمى أو إلى ألكسيوس الصغير، الذي كان يصحب الأسطول المغير؛ فلما رفض ألكسيوس الثالث هذا الإنذار نزل الصليبيون إلى البر، بعد مقاومة ضعيفة، أمام أسوار المدينة، وكان دنولو الشيخ المسن أول من وطئت قدماه الأرض. وفر ألكسيوس الثالث إلى تراقيا، وأخرج الأشراف اليون اسحق أنجليوس من سجنه وأجلسوه بأنفسهم على العرش، وأرسلوا باسمه رسالة إلى الزعماء اللاتين يقول فيها إنه ينتظر ابنه ليحييه. وبعد أن استخلص الصليبيون وعداً من اسحق بارتباطه بما تعهد لهم به ولده دخل ندولو والأشراف المدينة، وتوج ألكسيوس الصغير إمبراطوراً بالاشتراك مع أبيه. ولما عرف اليونان الثمن الذي اشترى به هذا النصر انقلبوا عليه غاضبين ساخرين؛ فأما العامة فقد أخذوا يحبسون مقدار ما يجب عليهم أداؤه من الضرائب لجمع ما وعد به منقذيه من المال، وأما الأشراف فقد ساءهم وجود أرستقراطية غربية وقوة أجنبية في المدينة، وأما رجال الدين فقد رفضوا في غضب وحنق أن يخضعوا لروما. وحدث في هذا الأثناء أن رأى بعض الجنود اللاتين جماعة من المسلمين يصلون في مسجد مقام في مدينة مسيحية، فثارت ثائرتهم وأشعلوا النار في المسجد، وقتلوا المصلين. وظلت النار مشتعلة ثمانية أيام وامتدت إلى مسافة ثلاثة أميال، وأحالت جزءاً كبيراً من القسطنطينية رماداً وأنقاضاً. وقام أمير من البيت المالك وتزعم ثورة من أهل المدينة وقتل ألكسيوس الرابع، وأعاد اسحق إنجليوس إلى السجن، وجلس على العرش وتسمى باسم ألكسيوس الخامس دوكاس




صفحة رقم : 5324




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الرابعة


Alexius V. Ducas ، وأخذ يعد جيشاً يطرد به اللاتين من معسكرهم في غلطة. ولكن اليونان كانوا قد قضوا دهراً طويلاً وهم آمنون وراء أسوارهم، فلم يحتفظوا بشيء من الفضائل المتصلة باسمهم الروماني، فاستسلموا بعد شهر من الحصار؛ وفر ألكسيوس الخامس، وأخذ اللاتين الظافرون يعيثون في العاصمة كأنهم جراد منتشر ملتهم (1204).
وازداد نهمهم لطول ما حرموا من فريستهم الموعودة، فانقضوا على المدينة الغنية في أسبوع عيد الفصح وأتوا فيها من ضروب السلب والنهب ما لم تشهده روما نفسها على أيدي الوندال أو القوط. نعم إنه لم يقتل في هذه الحوادث كثيرون من اليونان- فلعل عدد القتلى لم يتجاوز ألفين، أما السلب والنهب فلم يقفا عند حد. ووزع الأشراف القصور فيما بينهم، واستولوا على ما وجدوه فيها من الكنوز؛ واقتحم الجنود البيوت، والكنائس، والحوانيت، واستولوا على كل ما راقهم مما فيها؛ ولم يكتفوا بتجريد الكنائس مما تجمع فيها خلال ألف عام من الذهب والفضة والجواهر، بل جردوها فوق ذلك من المخلفات المقدسة، ثم بيعت هذه المخلفات بعدئذ في أوربا الغربية بأثمان عالية. وعانت كنيسة أياصوفيا من النهب ما لم تعانه فيما بعد على يد الأتراك عام 1453(51)، فقد قطع مذبحها العظيم تقطيعاً لتوزع فضته وذهبه(52). وكان البنادقة، وهم الذين يألفون المدينة التي كثيراً ما رحبت بهم تجاراً، يعرفون أين توجد أعظم كنوزها، فاستعانوا بذكائهم الفائق على أعمال التلصص، وامتدت أيديهم إلى التماثيل، والأقمشة، والأرقاء، والجواهر؛ ونقلت الأربعة الجياد البرنزية التي كانت تطل على المدينة اليونانية، وجمل بها ميدان القديس مرقس Piazza di San Marco. وكانت هذه السرقات المنظمة مصدر تسعة أعشار مجموعات الفنون والجواهر التي امتازت بها كنوز كنيسة القديس مرقس على سائر الكنائس(53). وبذلت محاولة ضئيلة للحد من اغتصاب النساء، وقنع الكثيرون من الجنود بالعاهرات، ولكن




صفحة رقم : 5325




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الرابعة


إنوسنت الثالث أخذ يشكو من أن شهوات اللاتين المكبوتة لم ينج منها الكبار أو الصغار، ولا الذكور أو الإناث، ولا أهل الدنيا أو الدين؛ فقد أرغمت الراهبات اليونانيات على احتضان الفلاحين أو السائسين البنادقة والفرنسيين(54). وبددت في أثناء هذا السلب والنهب محتويات دور الكتب وأتلفت المخطوطات الثمينة أو فقدت، واندلعت ألسنة النيران بعدئذ مرتين في المدينة فالتهمت دور الكتب والمتاحف كما التهمت الكنائس والمنازل، فضاعت مسرحيات سفكليز ويوربديز التي ظلت حتى ذلك الوقت باقية بأكملها ولم ينج منها إلا القليل، وسرقت آلاف من روائع الفن أو شوهت أو أتلفت.
ولما خفت حدة الاضطراب والنهب اختار أعيان اللاتين بلدوين أمير فلاندرز ملكاً لمملكة القسطنطينية اللاتينية (1024)، وجعلوا الفرنسية لغتها الرسمية. وقسمت الإمبراطورية البيزنطية إلى أملاك إقطاعية يحكم كلاً منها أمير نبيل إقطاعي. وكانت البندقية حريصة على السيطرة على طرق التجارة فاستولت على هدريانويل، وإبيروس، وأكارنانيا Acarnania، والجزائر الأيونية، وجزء من البلوبونيز، وجزيرة عوبية، وجزائر الأرخبيل، وغاليبولي، وثلاثة أثمان القسطنطينية. وانتزعت من أهل جنوى "المصانع" البيزنطية، والمعاقل الخارجية، واختار دنوولو لنفسه، وكان وقتئذ يترنح في ثيابه الإمبراطورية، لقب "دوج البندقية، وسيد ربع الإمبراطورية الرومانية وثمنها"(85). ولم يطل عمره بعد هذا فقد مات في زهو هذا النصر الذي ناله بفعال أثيمة لم يؤنبه عليها ضميره. واستبدل برجال الدين اليونان غيرهم من اللاتين، رسم الكثيرون منهم قساوسة لهذه المناسبة دون أن يكون لهم تاريخ سابق في شئون الدين، ووافق إنوسنت الثالث على الاتحاد الرسمي بين الكنيستين اليونانية واللاتينية عن رضا




صفحة رقم : 5326




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> الحملة الصليبية الرابعة


وطيب خاطر، وإن ظل يحتج على الهجوم. وعاد معظم الصليبين إلى أوطانهم مثقلين بالغنائم، وأقام بعضهم في الأملاك الجديدة، ولم يصل منهم إلى فلسطين إلا حفنة قليلة، لم تعمل فيها عملاً ما. ولعل الصليبيين قد ظنوا أن القسطنطينية بعد استيلائهم عليها، ستكون قاعدة ضد الأتراك أقوى مما كانت وهي بيزنطية، ولكن النزاع بين اللاتين واليونان الذي دام أجيالاً طوالاً أنهك قوى العالم اليوناني ولم تفق الإمبراطورية البيزنطية من هذه الضربة القاصمة، ومهد استيلاء اللاتين على القسطنطينية إلى استيلاء الأتراك عليها بعد مائتي عام من ذلك الوقت.




صفحة رقم : 5327




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> إخفاق الحملات الصليبية



الفصل الثامن




إخفاق الحملات الصليبية




1211-1291


لقد كانت فضائح الحملة الصليبية الرابعة، مضافة في نحو عشر سنين إلى إخفاق الحملة الثالثة، مما لا يرتاح له الدين المسيحي الذي واجه بعد زمن قليل بعث فلسفة أرسطو، وفلسفة ابن رشد الدقيقة القائمة على تحكيم العقل. وأخذ المفكرون يجهدون عقولهم ليفسروا للناس كيف رضى الله أن يهزم ناصروه في تلك القضية المقدسة، ولم يهب النصر إلا للبنادقة الأدنياء. ولاح ناصروه في تلك القضية الساذجة في خلال هذه الشكوك أن لا سبيل إلى استرداد حصن المسيح الحصين إلا بالطهر والتجرد من الذنوب. ولهذا قام في عام 1212 شاب ألماني لا يعرف التاريخ من ماضيه إلا أن اسمه نيقولاس Nicholas، وأعلن أن الله قد أمره أن يقود إلى الأرض المقدسة حملة صليبية مؤلفة من الأطفال. وعارضه في ذلك رجال الدين وغير رجال الدين، ولكن فكرته انتشرت انتشاراً سريعاً في عصر تسوده أكثر مما تسود سائر العصور موجات الحماسة العاطفية. وحاول الآباء بكل ما وسعهم من الجهد أن يمنعوا أبناءهم من الاستجابة لدعوته، ولكن آلافاً من الغلمان (وبعض البنات في ثياب الغلمان) لا يزيد متوسط أعمارهم على الثانية عشرة تسللوا من بيوتهم وساروا وراء نيقولاس، ولعلهم قد سرهم أن ينجوا من استبداد البيت إلى حرية الطريق. وخرج القسم الأكبر من هذا الحشد المؤلف من ثلاثين ألف طفل، من مدينة كولوني، وساروا بإزاء نهر الرين، وفوق جبال الألب. وأهلك الجوع عدداً كبيراً منهم وفتكت الذئاب ببعض المتخلفين، واختلط اللصوص بالزاحفين وسرقوا ثيابهم وطعامهم؛ ووصل من نجا منهم إلى




صفحة رقم : 5328




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> إخفاق الحملات الصليبية


جنوى حيث سخر منهم الإيطاليون عبدة المصالح الدنيوية؛ ولم يجدوا سفناً تقلهم إلى فلسطين؛ فلما استغاثوا بإنوسنت الثالث أجابهم بلطف أن يعودوا إلى أوطانهم، فمنهم من سمعوا النصيحة وقفلوا راجعين وهم حزانى مكتئبون، فعبروا جبال الألب، ومنهم من استقروا في جنوي، وتعلموا فيها أساليب العالم التجارية.
هذا ما حدث في ألمانيا، أما في فرنسا فقد قدم إلى فليب أغسطس في ذلك العالم نفسه راع في الثانية عشرة من عمره يدعى استيفن، وقال إن المسيح ظهر له وهو يرعى غنمه، وأمره أن يقود حملة من الأطفال إلى فلسطين، فأمره الملك أن يعود إلى غنمه، ولكن عشرين ألفاً من الغلمان اجتمعوا رغم هذا وساروا وراء استيفن؛ واجتازوا فرنسا إلى مرسيليا، وكان استيفن قد وعدهم أن البحر سيشنق عند هذه المدينة ليمكنهم من الوصول إلى فلسطين راجلين، ولم يشنق لهم البحر، ولكن اثنين من أصحاب السفن عرضا عليهم أن ينقلاهم إلى حيث يقصدون دون أن يتقاضوا منهم أجراً. فازدحم الأطفال في سبع سفن أقلعت بهم وهم ينشدون أناشيد النصر. وتحطمت اثنتان من هذه السفن بالقرب من سردانية وغرق كل من كانوا فيها، وجيء بالباقين من الأطفال إلى تونس أو مصر حيث بيعوا في أسواق الرقيق، وشنق صاحبا السفن التي أقلتهم بأمر فردريك الثاني(56).
وبعد ثلاث سنين من ذلك الوقت وجه إنوسنت الثالث في أثناء انعقاد مجلس لاتران الرابع دعوة أخرى إلى أوربا لاستعادة الأراضي المقدسة، وعاد إلى الخطة التي حالت البندقية دون تنفيذها- خطة الهجوم على مصر. وغادرت الحملة الصليبية الخامسة بلاد ألمانيا، والنمسا، والمجر في عام 1217 بقيادة أندرو Andrew ملك المجر، وأفلحت في الوصول إلى دمياط الواقعة على مصب النيل الشرقي. وسقطت المدينة في أيديهم بعد حصار دام عاماً كاملاً، وعرض عليهم الملك الكامل سلطان مصر وسوريا الجديد أن يصالحهم على أن سلم لهم الجزء الكبير من بيت المقدس، ويطلق سراح الأسرى المسيحيين، ويعيد الصليب الحق. وطلب




صفحة رقم : 5329




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> إخفاق الحملات الصليبية


الصليبيون أن يتقاضوا بالإضافة إلى ذلك كله غرامة حربية، ولكن الكامل رفض هذا الطلب، وبدأت الحرب من جديد، ولكنها لم تجر كما يشتهي الصليبيون، فلم يأتهم ما كانوا ينتظرون من المدد؛ ثم عقدت هدنة تدوم ثماني سنين رد إلى الصليبيين بمقتضاها الصليب الحق، ولكن دمياط أعيدت إلى المسلمين، وجلا جميع الجنود المسيحيين عن أرض مصر.
وعزا الصليبيون هذه المأساة إلى فردريك الثاني إمبراطور ألمانيا وإيطاليا الشاب؛ ذلك أنه أقسم يمين الصليبيين في عام 1215، ووعد أن ينضم إلى الجيوش المحاصرة لدمياط، ولكن المشاكل السياسية القائمة وقتئذ في إيطاليا، مضافاًُ إليها في أغلب الظن ضعف إيمانه، لم يمكناه من أن يبر بقسمه ووعده. فلما كان عام 1228 زحف فردريك، وهو لا يزال مطروداً من حظيرة الدين، على رأس الحملة الصليبية السادسة، ولما وصل إلى فلسطين لم يلق أية معونة ممن فيها من المسيحيين الصالحين، فقد أعرض هؤلاء عن رجل مطرود من الكنيسة المسيحية. فلما رأى الإمبراطور ما فعلوا أرسل رسله إلى الملك الكامل، وكان يقود جيش المسلمين في نابلس، ورد عليه الكامل رداً جميلاً، وأعجب فخر الدين سفير السلطان بما رآه من معرفة الإمبراطور بلغة العرب، وآدابهم، وعلومهم، وفلسفتهم، وشرع الحاكمان يتبادلان المجاملات والآراء، ولشد ما دهش المسيحيون والمسلمون على السواء حين وقعا في عام 1229 معاهدة أعطى الكامل بمقتضاها فردريك مدن عكا، ويافا، وصيدا، والناصرة، وبيت لحم، وجميع مدينة بيت المقدس ما عدا الفضاء المحيط بقبة الصخرة المقدسة عند المسلمين. وأجيز فوق ذلك للحجاج المسيحيين أن يأتوا إلى هذا الفضاء ليؤدوا فيه صلواتهم في موضع هيكل سليمان، وسمح للمسلمين بمثل هذه الحقوق في بيت لحم. ونصت المعاهدة فوق ذلك على إطلاق جميع الأسرى من الطرفين المتعاقدين، وتعهد كلاهما أن يحافظ على السلم عشر سنين وعشرة شهور(57). وهكذا افلح الإمبراطور الطريد فيما عجز




صفحة رقم : 5330




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> إخفاق الحملات الصليبية


عنه المسيحيون في مائة عام كاملة، والتقت الثقافتان المسيحية والإسلامية فترة من الزمان وهما متفاهمتان، تحترم كلتاهما الأخرى، ووجدتا أن في وسعهما أن يعيشا معاً في صفاء ووئام. واغتبط سكان الأرض المقدسة المسيحيون، ولكن جريجوري التاسع نادى بان تلك المعاهدة سبة للعالم المسيحي، وأبى أن يقرها. ولما رجع فردريك إلى بلاده استولى النبلاء المسيحيون المقيمون في فلسطين على بيت المقدس، وعقدوا حلفاً بين القوة المسيحية في آسيا، وبين أمير دمشق المسلم ضد سلطان مصر المسلم (1244). واستنجد سلطان مصر بأتراك خوارزم، فخف هؤلاء لنجدته واستولوا على بيت المقدس ونهبوها، وقيلوا عدداً كبيراً من أهلها. وبعد شهرين من ذلك الوقت هزم بيبرس المسيحيين في غزة، وسقطت مدينة بيت المقدس مرة أخرى في أيدي المسلين (أكتوبر سنة 1244).
وبينا كان إنوسنت الرابع يدعو إلى حرب صليبية على فردريك الثاني ويعرض على كل من يقاتلون الإمبراطور في إيطاليا نفس المنح والمزايا التي يمنحها من يخدمون في الأراضي المقدسة، نظم لويس التاسع أو القديس لويس ملك فرنسا الحملة الصليبية السابعة. ذلك أنه لبس شارة الصليب بعد زمن قليل من سقوط أورشليم، وأقنع نبلاء بلاده أن يحذوا حذوه؛ ولما حل عيد الميلاد أهدى إلى بعض المسيحيين الذين ظلوا ممتنعين عن الانضمام إلى الحملة أثواباً غالية الثمن نقشت عليها شارة الصليب. وبذل الملك جهده للتوفيق بين إرنوسنت وفردريك حتى تلقى الحملة الصليبية تأييد أوربا متحدة. لكن إنوسنت رفض وساطته، وزاد على هذا الرفض أن بعث راهباً يدعى جيوفي ده بيانو كربيني Giovanni de Piano Carpini إلى خان المغول الأعظم يعرض عليه اتحاد المغول والمسيحيين على الأتراك. ورد عليه الخان بان طلب خضوع البلاد المسيحية للمغول. فلما حل عام 1248 سار لويس على رأس الفرسان الفرنسيين ومعهم جان جوانفيل الذي روي أعمال الملك في تاريخه الذائع الصيت. ووصلت الحملة إلى دمياط، واستولت عليها بعد




صفحة رقم : 5331




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> إخفاق الحملات الصليبية


قليل من وصولها، ولكن فيضان النيل السنوي الذي لم يحسب الصليبيون حسابه حين وضعوا خطة الحملة بدأ في وقت وصول الصليبيين، وغمر البلاد بالماء فأحاط بالصليبيين وحصرهم في دمياط مدة نصف عام. على أنهم لم يندموا لما أصابهم لأن "الأشراف" كما يقول جوانفيل "أخذوا يولمون الولائم.. كما أخذ العامة يصاحبون النساء الفاجرات"(58). ولما وصل الجيش زحفه، كان الجوع والمرض، والفرار، قد أنهكت قوته وأنقصت عدده، وأضعفه اختلال نظامه، فهي بهزيمة ساحقة عند المنصورة رغم استبساله في الدفاع عن نفسه، وتبدد شمله وولى الجنود الأدبار، وأسر عشرة آلاف من المسيحيين من بينهم لويس نفسه، وقد خارت قواه من وطأة الزحار (1250). وعالجه من مرضه طبيب عربي، ثم أطلق سراحه بعد أن قضى في الأسر شهراً بشرط أن يسلم دمياط ويفتدي نفسه بخمسمائة ألف جنيه فرنسي (3.800.000ريال أمريكي). ولما أن قبل لويس هذه الفدية الباهظة أنقص منها السلطان خمسها، وقبل نصف الباقي ووثق بعهد قطعه الملك على نفسه أن يؤدي إليه النصف الآخر(59). وسار الملك على رأس فلول جيشه إلى عكا، وأقام فيها أربع سنين، يدعو فيها أوربا في غير طائل إلى أن تكف عن الحروب فيما بينها وأن تنضم إليه في حرب جديدة. وبعث في هذه الأثناء وليم الربركوازي Wlliam of Rubruquois إلى خان المغول يعرض عليه للمرة الثانية دعوة إنوسنت- ولكنه لم يلق منه غير ما لقي في الدعوة الأولى: ثم عاد في عام 1254 إلى فرنسا.
وكانت السنون التي قضاها في الشرق قد هدأت ما كان بين المسيحيين فيه من شقاق، فلما غادره عاد هذا الشقاق سيرته الأولى؛ فقامت بين أهل البندقية وجنوى بين عامي 1256و1260 حرب داخلية في ثغور الشام، انضمت فيها




صفحة رقم : 5332




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> إخفاق الحملات الصليبية


جميع الأحزاب المتنافرة إلى هذا الجانب أو ذاك، وأنهكت قوى المسيحيين في فلسطين. واغتنم بيبرس أحد السلاطين المماليك في مصر هذه الفرصة فزحف بجيشه على الساحل واستولى على المدن المسيحية مدينة في إثر مدينة: قيصرية (1265)، وصفد (1266)، وبافا (1267)، وإنطاكية (1268). وقتل من وقع في الأسر من المسيحيين أو استرقوا، وقاست إنطاكية من النهب والحرق ما لم تفق منه قط فيما بعد.
وثارت حمية لويس من جديد في شيخوخته فلبس شارة الصليب مرة أخرى (1267)، وحذا حذوه أبناؤه الثلاثة، ولكن النبلاء الفرنسيين لم يوافقوا على خطته وقالوا إنها سخافة بلهاء، وأبوا أن ينضموا إليه؛ وحتى جوانفيل نفسه رفض رفضاً باتاً أن يشترك في الحملة الصليبية التالية. ونزل الملك- الحصيف في حكمه، الأخرق في حربه- بقواته القليلة في بلاد تونس؛ وكان يرجو من وراء ذلك أن يحمل أميرها على اعتناق الدين المسيحي، وأن يهاجم مصر من جهة الغرب. ولكنه لم تكد تطأ قدماء أرض إفريقية حتى "أصيب بنزلة معوية شديدة"(60) ومات وهو يردد لفظ إدوارد، ولي عهد إنجلترا في عكا، وقاد بعض هجمات جريئة قامت بها حاميتها، ثم عاد مسرعاً إلى إنجلترا ليضع على رأسه التاج الإنجليزي.
وحلت بالمسيحيين الكارثة الأخيرة حين نهب بعض المغامرين منهم قافلة للمسلمين في بلاد الشام، وشنقوا تسعة عشر من التجار المسلمين، ونهبوا بعض البلدان الإسلامية. وطلب السلطان الترضية الكافية عن هذا الاعتداء؛ ولم يجب إلى طلبه، فلم يسعه إلا أن يزحف عليها بعد حصار دام ثلاثة وأربعين يوماً. فلما سقطت في




صفحة رقم : 5333




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> إخفاق الحملات الصليبية


يده سمح لرجاله أن يقتلوا أو يسترقوا ستين ألفاً من الأسرى (1291). وسرعان ما سقطت بعدئذ في أيدي المسلمين مدائن صور، وصيدا، وحيفا، وبيروت. وبقي شبح مملكة أورشليم اللاتينية ماثلاً إلى حين في ألقاب بعض الزعماء، وظل بعض المغامرين أو المتحمسين قرنين من الزمان يقدمون على محاولات متقطعة غير مجدية "ليواصلوا السجال العظيم"، ولكن أوربا أدركت أن الحروب الصليبية قد انقضى أجلها.




صفحة رقم : 5334




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> نتائج الحروب الصليبية



الفصل التاسع




نتائج الحروب الصليبية


إذا نظرنا إلى الحروب الصليبية من حيث أغراضها المباشرة التي دارت رحالها من أجلها قلنا إنها أخفقت لا محالة. ذلك أنه بعد أن دامت هذه الحروب قرنين من الزمان بقيت بيت المقدس في أيدي المماليك، وقل عدد الحجاج المسيحيين إلى تلك المدينة وزادت مخاوفهم. يضاف إلى هذا أن الحكومات الإسلامية التي كانت من قبل تمتاز بالتسامح مع أصحاب الأديان الأخرى قد ذهب عنها تسامحها بسبب الهجمات المتكررة على بلادها، ولم يبق في أيدي المسيحيين ثغر واحد من ثغور فلسطين والشام التي انتزعوها من قبل لتستقبل التجارة الإيطالية، وأثبتت الحضارة الإسلامية أنها أرقى من الحضارة المسيحية في رقتها، وأسباب راحتها، وتعليمها وأساليبها الحربية. يضاف إلى هذا كله أن الجهود الكبيرة التي بذلها البابوات لنشر لواء السلم على ربوع أوربا بتوجيهها إلى غرض واحد قد تحطمت بفعل المطامع القومية، وحروب البابوات "الصليبية" على الأباطرة.
ولم يفق الإقطاع مما أصابه من إخفاق في الحروب الصليبية إلا بأشد الصعاب. ذلك أن الذي كان يوائم النظام الإقطاعي هو المغامرات والبطولة الفردية في أضيق نطاق، ولهذا لم تعرف كيف توفق بين أساليبها الخاصة وبين مناخ الشرق والحرب في الميادين النائية، وأخطأت خطأ لا يغتفر لها في حل مشكلة التموين في خط مواصلاتها الطويل؛ ثم إنها قد استنفدت في تلك الحروب ما لديها من عتاد، وفقدت روحها المعنوية حين لم تقو على فتح بيت المقدس المسلمة بل فتحت بيزنطية المسيحية. وكان كثيرون من الفرسان قد باعوا أملاكهم أو رهنوها للمرابين




صفحة رقم : 5335




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> نتائج الحروب الصليبية


أو الكنيسة أو الملوك ليحصلوا على المال اللازم للحروب؛ وتخلوا من أجل المال عما كان لهم من حقوق في كثير من المدن القائمة في أملاكهم، وأعفوا كثيرين من الفلاحين من الضرائب والالتزامات الإقطاعية المستقبلة بأثمان عاجلة، وأفاد آلاف من أرقاء الأرض من الامتيازات التي هيأتها لهم الحروب الصليبية بأن تركوا الأراضي التي كانوا يعملون فيها، ولم يرجع آلاف منهم إلى الضياع. وبينا كانت الثروة الإقطاعية والأسلحة الإقطاعية تتحول نحو الشرق، كان سلطان الملوك الفرنسيين يقوى وثراؤهم يزداد، فكانت هذه القوة والزيادة من أهم آثار الحروب الصليبية. وضعفت في الوقت عينه قوة الإمبراطوريتين الرومانيتين الشرقية والغربية: فقد ضاعت هيبة أباطرة الغرب لعجزهم عن استرداد الأرض المقدسة، ولنزاعهم مع البابوية التي أعلت شأنها الحروب الصليبية. أما الدولة الشرقية، فلم تستعد قط ما كان لها في سابق عهدها من قوة وشهرة، رغم مولدها الجديد في عام 1261. ولكن الحروب الصليبية قد أفادت العالم الغربي هذه الفائدة: وهي أنه لولاها لاستولى الأتراك على القسطنطينية قبل عام 1453 بزمن طويل، ذلك أنها أضعفت قوة المسلمين أنفسهم وجعلتهم أقل مقاومة لتيار المغول الجارف.
وحلت الكوارث ببعض المنظمات العسكرية. من هذا أن فرسان المعبد الذين نجوا من مذبحة عكا وفروا إلى قبرص، وانتزعوا في عام 1310 رودس من المسلمين، واستبدلوا باسمهم القديم اسم فرسان رودس، وظلوا يحكمون الجزيرة حتى طردهم منها الأتراك في عام 1522، فانتقلوا منها إلى مالطة وأصبحوا فرسان مالطة، وظلوا باقين حتى حل نظامهم في عام 1799. أما الفرسان التيوتون فقد نقلوا مقرهم الرئيسي بعد سقوط عكا إلى مارينبوج Marienburg في بروسيا التي انتزعوها من الصقالبة وضموها إلى ألمانيا. وأعاد فرسان المعبد تنظيم صفوفهم في فرنسا بعد أن أخرجوا من آسيا؛ وإذ كانت لهم أملاك واسعة غنية في جميع أنحاء




صفحة رقم : 5336




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> نتائج الحروب الصليبية


أوربا، فقد اخذوا يستمتعون بما تدره عليهم هذه الأملاك؛ وإذ كانت أملاكهم معفاة من الضرائب فقد كان في وسعهم أن يقرضوا المال بفوائد أقل من التي يتقاضاها اللمبارد واليهود، وجمعوا هذا ثروة طائلة. هذا إلى أنهم لم يكونوا كفرسان المعبد ينشئون المستشفيات والمدارس أو يقدمون المعونة للفقراء؛ وأثارت أموالهم الطائلة المكنوزة، ودولتهم المسلحة في داخل الدولة، وعدم خضوعهم لسلطان الملوك أثارت هذه كلها حسد فليب الرابع الجميل لهم وخوفه منهم وغضبه عليهم؛ فقبض في الثاني عشر من شهر أكتوبر عام 1310 على جميع من كان في فرنسا من فرسان المعبد دون سابق إنذار لهم ووضع الخاتم الملكي على جميع ممتلكاتهم. واتهمهم فليب باللواط، وبأنهم فقدوا إيمانهم بالدين المسيحي لطول اختلاطهم بالمسلمين، وبأنهم ينكرون المسيح ويبصقون على الصليب، ويعبدون الأوثان، ويحالفون المسلمين سراً، وأنهم طالما خانوا القضية المسيحية. وحوكم السجناء أمام محكمة من المطارنة والرهبان الموالين للملك، فأنكروا التهم الموجهة إليهم، وعذبوا لكي يعترفوا، فمنهم من علقوا من معاصمهم وكانوا يرفعون وينزلون فجأة، ومنهم من وضعت أقدامهم عارية أمام النيران ومنهم من دقت شظايا حادة بين أظافر أيديهم، ومنهم من كانت تقتلع لهم سن كل يوم، ومنهم من علقت أوزان ثقيلة في أعضائهم التناسلية، ومنهم من ماتوا موتاً بطيئاً من الجوع. وكانت جميع وسائل التعذيب السالفة الذكر تستخدم مع أولئك الفرسان في كثير من الحالات، فكانت النتيجة أن الكثيرين منهم حين جيء بهم ليعاد استجوابهم كانوا ضعافاً موشكين على الموت. وأظهر واحد منهم العظام التي سقطت من قدميه المحروقتين. واعترف الكثيرون منهم بجميع التهم التي وجهها لهم الملك، وقال بعضهم إنهم قد تلقوا وعداً مختوماً بخاتم الملك أن يؤمنوا على حياتهم وترد لهم أملاكهم إذا اقروا بارتكاب التهم التي توجهها لهم الحكومة، ومات بعضهم في السجون، وانتحر البعض الآخر؛ وشد تسعة وخمسون على




صفحة رقم : 5337




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> نتائج الحروب الصليبية


قوائم خشبية وأحرقوا بالنيران (1310)، وظلوا إلى آخر لحظة من حياتهم يجهرون بأنهم بريئون. واعترف دوه مولاي Du Molay رئيس الطائفة الأكبر على نفسه نتيجة لهذا التعذيب، فسيق إلى قائمة الإحراق، فعاد إلى الإنكار، واقترح محاكموه أن تعاد محاكمته؛ ولكن فليب لم يرضه هذا التأخير، وأمر بحرقه على الفور، وشرف الملك بحضوره تنفيذ الحكم. وصادرت الدولة جميع ما كان لفرسان المعبد من أملاك في فرنسا، واحتج البابا كلمنت الخامس على هذه الأعمال، ولكن رجال الدين الفرنسيين أيدوا الملك في أعماله، وامتنع البابا عن المقاومة وكان في واقع الأمر سجيناً في أفنيون، وأعلن بإيعاز إلغاء نظام فرسان المعبد (1312). وصادر إدوارد الثاني هو الآخر أملاك فرسان المعبد في إنجلترا ليسد بها حاجته إلى المال. وأعطى فليب وإدوارد الكنيسة بعض هذه الأموال المصادرة، ووهبا بعضها الآخر لأنصارهم وأحبائهم، فأنشئوا بها ضياعاً واسعة، وأعانوا بها الملوك على الأشراف الإقطاعيين القدامى.
وربما كان بعض الصليبين قد تعلموا في الشرق أن يتغاضوا من جديد عن الشذوذ ؛ وفي وسعنا أن نضم هذا، والعودة إلى إنشاء الحمامات العامة والمراحيض الخاصة في الغرب، إلى ما أسفرت عنه الحروب الصليبية من نتائج وأكبر الظن أن الأوربيين قد رجعوا إلى العادة الرومانية القديمة عادة حلق اللحى نتيجة لاتصالهم ببلاد الشرق الإسلامية(61)، ودخلت ألف كلمة وكلمة من اللغة العربية إلى اللغات الأوربية، وانتشرت القصص الشرقية في أوربا، وتهيأ لها مظهر جديد في اللغات القومية الناشئة. وتأثر الصليبيون بروعة الزجاج المنقوش المصنوع في بلاد الإسلام، وربما كان من نتائج تأثرهم بها أنهم نقلوا من بلاد الشرق الأسرار الفنية التي أدت إلى تحسين الزجاج الملون الذي نشاهده




صفحة رقم : 5338




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> نتائج الحروب الصليبية


في الكنائس القوطية(62). وكانت البوصلة، والطباعة، والبارود معروفة في بلاد الشرق قبل انتهاء الحروب الصليبية، ولعلها انتقلت إلى أوربا في أعقاب تلك الحروب. ويلوح أن الأوربيين كانوا أشد جهلاً من أن يعنوا بالشعر، والعلوم، والفلسفة "العربية"؛ ولهذا فإن تأثر الغرب بهذه المؤثرات الإسلامية جاء عن طريق أسبانيا وصقلية لا عن طريق اتصالهم بالمسلمين أثناء هذه الحروب. كذلك تأثر الغرب بالثقافة اليونانية بعد استيلاء الأتراك على القسطنطينية، ومن دلائل هذا التأثر أن موربيك Moerbeke كبير أساقفة كورنثة الفلمنكي أمد تومس أكويناس بتراجم لكتب أرسطو عن أصولها اليونانية مباشرة. وفي وسعنا أن نقول بوجه عام إن ما عرفه الصليبيون من أن أتباع الدين المسيحي قد يكونون مثلهم خلائق متحضرين، كريمين، يوثق بهم ويعتمد عليهم، أو يفوقونهم في هذه الصفات، إن ما عرفه الصليبيون من هذا قد بعث بلا ريب بعض العقول على التفكير، وكان سبباً في إضعاف العقائد الدينية المقررة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. ولقد تحدث بعض المؤرخين أمثال وليم كبير أساقفة صور عن الحضارة الإسلامية حديثاً ملؤه الإجلال بل والإعجاب في بعض الأحيان، لو سمعه المحاربون في الحملة الصليبية الأولى لهزمهم وصدم مشاعرهم وكبرياءهم(63).
وعظم سلطان الكنيسة الرومانية وعلت مكانتها إلى أبعد حد بسبب الحملة الصليبية الأولى، ثم أخذت تضعف بالتدريج بسبب الحملات التي تلتها. وكان منظر الشعوب المختلفة، والأشراف العظام، والفرسان ذوي الكبرياء، والأباطرة والملوك في بعض الأحيان، متحدين جميعاً للدفاع عن قضية دينية بزعامة الكنيسة، كان هذا المنظر سبباً في رفع مكانة البابوية وعلو شأنها. فقد كان مندوبو البابا يدخلون كل قطر وكل أبرشية، يحثون الناس على التطوع للحروب الصليبية ويجمعون لها الأموال، وكان سلطانهم يزاحم سلطان رجال الدين في تلك الأقطار والأبرشيات ويطغى عليه في بعض الأحيان؛ وبفضلهم أصبح




صفحة رقم : 5339




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> نتائج الحروب الصليبية


المستمسكون بدينهم خاضعين مباشرة لسلطان البابا. وأضحى جمع المال على هذا النحو سنة متبعة، وسرعان ما استخدمت الأموال المجموعة في أغراض أخرى غير الحملات الصليبية؛ وأصبح من حق البابا أن يفرض الضرائب على رعايا الملوك، وأن يحول إلى روما مبالغ كبيرة من المال، لولا هذا لذهبت إلى خزائن الملوك واستخدمت في الحاجات المحلية؛ وأثار هذا بلا ريب غضب الملوك ومقاومتهم. وكان توزيع صكوك الغفران على من يقوم بالخدمة في فلسطين أربعين يوماً عملاً مشروعاً في العرف العسكري، وكان منح هذه الصكوك الغفرانية نفسها لمن يتكفلون بنفقات محارب من الصليبيين يبدو كذلك من الأعمال التي يمكن التسامح فيها، أما التوسع في منح تلك الصكوك، إلى الذين يؤدون الأموال ليستخدمها البابوات، أو الذين يحاربون حروب البابا في أوربا ضد فردريك، ومانفرد Manfread وكنراد فقد كان مصدراً جديداً من مصادر غضب الملوك واستيائهم، ومبعثاً لفكاهة الناقدين وسخريتهم. وحدث في عام 1241 أن أمر جريجوري التاسع مندوبه في بلاد المجر أن يعفى الذين أقسموا بالتطوع في الحرب الصليبية من أيمانهم إذا أدوا إليه قدراً من المال، ثم استخدم ما جمعه من الأموال بهذه الطريقة في كفاحه المرير ضد فردريك الثاني(64). وقام الشعراء الجوالون أهل بروفنسال ينتقدون الكنيسة لتحويلها تيار الحرب الصليبية من فلسطين إلى فرنسا، وذلك بعرضها صكوك الغفران نفسها على من يتطوعون لمحاربة المارقين الألبجنسيين في فرنسا(65). ويقول ماثيو باربس Mathew Paris في التعليق على هذا العمل: "ودهش المؤمنون من أن يعد البابوات بغفران جميع خطايا من يسفكون دماء المسيحيين كما تغفر جميع خطايا من يسفكون دماء الكفار"(66). وكان كثيرون من ملاك الأراضي قد باعوا أرضهم للكنائس أو الأديرة أو رهنوها لها ليحصلوا بذلك على ما يلزمهم من المال في الحروب الصليبية، وأصبح للأديرة بفضل هذا ضياع واسعة. ولما أن انحطت مكانة الكنيسة بسبب إخفاق الحروب




صفحة رقم : 5340




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> نتائج الحروب الصليبية


الصليبية أضحت ثروتها هدفاً واضحاً لحسد الملوك، وغضب الشعب وتأنيب النقاد. ومن الناس من كان يعزو الكوارث التي أصابت لويس التاسع في عام 1250 إلى الحرب التي شنها في الوقت نفسه إنوسنت الرابع على فردريك الثاني. وقام المتشككون الجريئون يقولون إن إخفاق الحروب الصليبية يدحض ما يدعيه البابا من أنه نائب عن الله أو ممثله في أرضه. ولما أن قام الرهبان بعد عام 1250 يسألون الناس المال لإعداد حروب صليبية أخرى، استدعى بعض من كانوا يستمعون خطبهم بعض المتسولين وتصدقوا عليهم باسم محمد من قبيل السخرية بالرهبان أو الحقد عليهم، لأن محمداً في رأيهم قد أظهر أنه أعظم قوة من المسيح(67).
وكان أثر الحروب الصليبية الذي يلي في أهميته إضعاف العقيدة الدينية المسيحية هو بث روح النشاط في الحياة المدنية الأوربية لمعرفة الأوربيين بأساليب المسلمين التجارية والصناعية. ذلك أن الحرب تسدى إلى الناس خيراً واحداً وهو أنها تعلمهم علم تقويم البلدان. فقد عرف التجار الإيطاليون الذين أثروا بفضل الحروب الصليبية كيف يرسمون خرائط للبحر المتوسط، وتلقى المؤرخون الإخباريون الرهبان الذين رافقوا الفرسان آراء جديدة عن اتساع بلاد آسيا واختلاف أصقاعها ونقلوا هذه الآراء إلى غيرهم من الناس، وبهذا تحركت في القلوب الرغبة في الكشف والارتياد، وظهرت كتب في وصف الأقاليم والبلدان ترشد الحجاج إلى البلاد المقدسة والى داخل البلاد المقدسة؛ وأخذ الأطباء المسيحيون العلم عن الأطباء اليهود والمسلمين، وتقدم علم الجراحة بفضل الحروب الصليبية.
وسارت التجارة وراء الصليب، أو لعل التجارة هي التي قادت الصليب. لقد خسر الفرسان فلسطين، ولكن الأساطيل التجارية الإيطالية لم تنتزع السيطرة على البحر المتوسط من أيدي المسلمين وحدهم بل انتزعها كذلك من أيدي البيزنطيين. نعم إن مدائن البندقية، وجنوى، وبيزا، وأملفي،




صفحة رقم : 5341




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> نتائج الحروب الصليبية


ومرسيليا، وبرشلونة كانت قبل الحروب الصليبية تتجر مع بلاد الشرق الإسلامية، وتخترق مضيق البسفور والبحر الأسود، ولكن الحروب الصليبية قد وسعن نطاق هذه التجارة إلى أبعد حد. وكان لاستيلاء البنادقة على القسطنطينية، ونقلهم الحجاج والمحاربين إلى فلسطين، وتوريدهم المؤن إلى المسيحيين وغير المسيحيين في بلاد الشرق، واستيرادهم المحاصيل الشرقية إلى أوربا- كان لهذا كله أكبر الأثر في انتعاش التجارة والنقل البحري انتعاشاً لم يكن له نظير منذ أيام مجد روما الإمبراطورية، وجاءت إلى أوربا بكميات موفورة من الأقمشة الحريرية والسكر والتوابل كالفلفل، والزنجيل، والقرنفل، والقرفة- وكانت كلها من مواد الترف النادرة في أوربا في القرن الحادي عشر. وانتقلت من الشرق إلى الغرب بكميات كبيرة نباتات ومحاصيل وأشجار عرفتها أوربا من قبل من بلاد الأندلس الإسلامية. ومن هذه الذرة، والأرز، والسمسم، والخروب، والليمون، والبطيخ، والخوخ، والمشمش، والكرز، والبلح. وسمى البصل الصغير المعروف باسم الشالوت والعسقلاني من اسم عسقلان الثغر الذي كان ينقل منه على ظهور السفن من الشرق إلى الغرب، وظل المشمش يسمى "برقوق دمشق" زمناً طويلاً(68). وجاء من بلاد الإسلام الدمقس، والموصلين، والساتان، والمخمل، والأقمشة المزركشة، والطنافس، والأصباغ، والمساحيق، والعطور، والجواهر لتزدان بها بيوت أمراء الإقطاع وأهل الطبقات الوسطى ويتحلى بها رجالهم ونساؤهم(69). وحلت المرايا الزجاجية المطلية بغشاء معدني محل المرايا المصنوعة من البرنز أو الصلب المصقول، وأخذت أوربا عن الشرق صناعة تكرير السكر والزجاج "البندقي".
ونمت الصناعة الفلمنكية بوجود أسواق جديدة لها في بلاد الشرق، وساعد




صفحة رقم : 5342




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الحروب الصليبية -> نتائج الحروب الصليبية


هذا النماء على قيام البلدان ونشأة الطبقة الوسطى، وأدخلت من بلاد بيزنطية والإسلام فنون للأعمال المصرفية أحسن مما كان موجوداً فيها قبل، فظهرت أشكال ووسائل جديدة للائتمان، وازداد تداول النقود والآراء كما ازداد عدد الرجال. لقد بدأت الحروب الصليبية بنظام إقطاعي زراعي، نفخت فيه روح البربرية الألمانية الممتزجة بالعاطفة الدينية؛ واختتمت بقيام الصناعة، واتساع نطاق التجارة، في عهد ثورة اقتصادية مهدت السبيل لعصر النهضة وأمدته بالمال.




صفحة رقم : 5343




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة



الباب الرابع والعشرون




الثورة الاقتصادية




1066-1300




الفصل الأول




انتعاش التجارة


كل ازدهار التجارة يمد جذوره في اتساع نطاق التجارة والصناعية، ويستمد غذاءه من هذا الاتساع. وكان استيلاء المسلمين على ثغور البلاد الواقعة في شرق البحر المتوسط وجنوبه، وعلى تجارة هذين القسمين، وغارات المسلمين وأهل الشمال والمجر على بلاد أوربا، وما حل بها من الاضطراب أيام خلفاء شارلمان، كان هذا كله سبباً في انحطاط الحياة الأوربية الاقتصادية والعقلية في القرنين التاسع والعاشر إلى الدرك الأسفل؛ فلما أن حمى الإقطاع الزراعة وأعاد تنظيمها، وروض قراصنة الشمال فأصبحوا الزراع والتجار النورمان، وصد الهون واعتنقوا الدين المسيحي، واستعادت التجارة الإيطالية معظم ثغور البحر المتوسط، وأعاد الصليبيون فتح البلاد الواقعة في شرق هذا البحر، واستيقظ الغرب في أثر اتصاله بحضارتين أرقى من حضارتا الإسلام وبيزنطية، لما حدث هذا كله أتيحت الفرصة في القرن الثاني عشر لانتعاش أوربا، ووجد الحافز القوي هذا الانتعاش، والوسائل المادية لازدهار الثقافة في القرن الثاني عشر، وواصلت هذا الانتعاش حتى منتصف القرن الثالث عشر أي إلى بداية نهاية العصور الوسطى.




صفحة رقم : 5344




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


وكان شعار الفرد والمجتمع في ذلك العهد هو: يجب أن يتقدم الطعام على الفلسفة والثراء على الفن Primum est edere, deinde philosophari.
وكانت الخطوة الأولى في انتعاش الاقتصادي هي إزالة القيود التي كانت تعطل التجارة الداخلية. ذلك أن الحكومات القصيرة النظر كانت تفرض مائة ضريبة وضريبة على نقل البضائع وبيعها- تفرضها على دخول الثغور، وعبور القناطر، واستخدام الطرق أو الأنهار، أو القنوات، وعرض البضائع على المشترين في الأسواق والموالد. وكان سادة الإقطاع يرون أن من حقهم أن يجبوا الضرائب على البضائع المارة بأملاكهم كما تفعل الدول في هذه الأيام، وكان منهم من يبسط حماية حقة وخدمات صادقة للتجار إذ يمدنهم بالحراسة المسلحة وكرم الضيافة التي تيسر لهم القيام بأعمالهم ولكن تدخل الدول وسادة الإقطاع في شئون التجارة أدى إلى وجود اثنتين وستين محطة لجباية المكوس على طول نهر الإلب، وسبع وسبعين على نهر الدانوب...؛ وكان التاجر يؤدي ستين في المائة من بضاعته نظير نقلها في نهر الرين أو على شاطئيه(21). وتعرض التجار والمسافرون لأشد الأخطار في الطرق البرية والمسالك المائية الموبوءة بالحروب الإقطاعية، والجنود غير النظاميين، والأشراف اللصوص، والقرصان المنتشرين في الأنهار والبحار. غير أن "هدنة الله" و"سلم الله" يسرتا التجارة البرية بتحديدهما فترات للسفر آمنة أماناً نسبياً؛ كما أن ازدياد قوة الملوك قلل بعض الشيء من السرقات، وأوجد نظاماً موحداً للمقاييس والموازين، وحدد العوائد والمكوس ونظمها؛ ومنعها منعاً باتاً من بعض الطرق والأسواق في أيام الموالد الكبرى.




صفحة رقم : 5345






قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


وكانت هذه الموالد عصب الحياة التجارية في العصور الوسطى. نعم إن البائعين الجوالين كانوا بطبيعة الحال يترددون ببضائعهم الصغيرة على الأبواب، والصناع يبيعون مصنوعاتهم في حوانيتهم، والبائعين والمشترين يجتمعون في المدن أيام الأسواق، والأشراف يقيمون الأسواق قريبة من قصورهم، والكنائس تسمح بإقامتها في أفنينها، والملوك يديرونها في مخازن في عاصمة ملكهم. نعم إن هذا كله كان يحدث، ولكن تجارة الجملة، والتجارة الدولية كانتا تتركزان في المواسم الإقليمية التي كانت تقام في أوقات معينة في لندن واستوربرج Stourbridge بإنجلترا؛ وفي باريس، وليون، وريمس، وإقليم شمبانيا بفرنسا؛ وفي ليل، وإيبر Ypres ودويه Douai، وبروج Bruge بفلاندرز، وفي كولوني، وفرانكفورت، وليبزج، ولوبك Lübeck بألمانيا، وجنيفا بسويسرا؛ ونفجورود بروسيا.. وكانت أشهر هذه الأسواق كلها وأحبها إلى الجماهير ما كان يقام منها بمقاطعة شمبانيا في لآني Lagny، إذا حل شهر يناير، وفي بار- على- الأوب Bar- sur- Aube أيام عيد الفصح، وفي بروفن Provins في شهري مايو وسبتمبر، وفي تراوي Troyes في شهري سبتمبر ونوفمبر. وكان كل موسم من هذه المواسم يدوم ستة أسابيع أو سبعة، وكان تعاقبها على هذا النحو بمثابة سوق دولية تدوم معظم أسام السنة. وكانت أماكنها مما ييسر اجتماع المتاجر والتجار القادمين من فرنسا والأراضي الوطيئة، ووادي نهر الرين، بالقادمين من بروفانس، وأسبانيا، وإيطاليا، وإفريقيا، وبلاد الشرق؛ وكانت هذه المواسم مصدراً كبيراً للثراء والسلطان لفرنسا في القرن الثاني عشر. ونشأت هذه المواسم في مدينة تراوي في القرن الخامس الميلادي، ثم اضمحل شأنها حين انتزع فليب الرابع (1285-1314) شمبانيا من أمرائها المستنيرين ففرض عليها من المكوس والنظم ما أفقرها؛ فلما كان القرن الثالث عشر حلت محلها الثغور والتجارة البحرية.




صفحة رقم : 5346




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


وكان بناء السفن والملاحة قد تحسنا تحسناً بطيئاً منذ أيام الرومان، فقد كان لمئات من المدن الساحلية منارات حسنة لإرشاد السفن، وكان لكثير منها- كالقسطنطينية، والبندقية، وجنوى، ومرسيليا، وبرشلونة- أحواض واسعة. وكانت السفن في العادة ذات سطح واحد أو لا سطح لها على الإطلاق، وكانت حمولتها حوالي ثلاثين طناً؛ وكان في مقدورها لصغر حجمها وقلة حمولتها أن تسير صعداً في الأنهار مسافات بعيدة؛ ولهذا كان في مقدور سفن المحيطات أن تصل إلى أمثال مدائن نوبونة Narbonne، وبوردو، ونانت Nantes، ورون، وبروج، وبرمن، وإن كانت بعيدة بعض البعد عن البحار؛ ولهذا أضحت هذه المدن ثغوراً مزدهرة. وكانت بعض سفائن البحر المتوسط أكبر حجماً من السفن السالفة الذكر، تحمل ستمائة طن وتتسع لألف وخمسمائة راكب(2). وأهدت البندقية إلى لويس التاسع سفينة يبلغ طولها مائة قدم وثماني أقدام، وعدد بحارتها مائة وعشرة. وكان الطراز السائد لا يزال هو الطراز القديم ذا الكوثل المزخرف، والسارية أو الساريتين، والشراع أو الشراعين، والهيكل المنخفض ذي الصفين أو الثلاثة الصفوف من المجاذيف، وقد يصل عددها إلى مائتي مجذاف. وكان معظم المجذفين رجالاً أحراراً متطوعين لأن البحارة العبيد كانوا قليلي العدد في العصور الوسطى(3). وتقدم فن إدارة الشراع إلى الريح الذي كان معروفاً في القرن السادس تقدماً بطيئاً حتى القرن الثاني عشر حين أضيفت إلى الشراع المربع القديم أشرعة أمامية وخلفية(4)، ولكن القوة المحركة الرئيسية ظلت هي المجاذيف كما كانت قبل. وظهرت البوصلة البحرية، التي لا تعرف بدايتها على وجه التحقيق ، في سفن المسيحيين حوالي عام 1200 وجعل الملاحون الصقليون استعمالها مستطاعاً في المياه الهائجة بتثبيت




صفحة رقم : 5347




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


الإبرة الممغنطة فوق قطب متحرك(5)، ومع هذا فقد مرت مائة عام بعد هذا الاختراع قبل أن يجرؤ الملاحون- عدا أهل الشمال- على الابتعاد عن الأرض وتسيير السفن وسط البحار الواسعة. وكانت الملاحة المحيطية من 11 فبراير إلى 22 نوفمبر عملاً استثنائياً ، فقد كانت محرمة على سفن العصبة الهانسية Hansetic League، وكانت سفائن البحرين المتوسط والأسود تقف في هذه الفترة. وظلت الأسفار البحرية بطيئة كما كانت في الزمن القديم، فكان اجتياز المسافة من مرسيليا إلى عكا يتطلب خمسة عشر يوماً، ولم تكن الأسفار البحرية توصف لشفاء الأمراض، وكانت البحار موبوءة بالقرصان، وكثيراً ما كانت السفن تتحطم أثناء سفرها، ولم تكن أقوى البطون تنجو من الاضطراب؛ ويحدثنا فروسار Froissart أن سير هرفية دخ ليون Sir Herve de Leon ظل يتخبط على ظهر السفينة خمسة عشر يوماً بين سوثمبتن Southampton وهارفلير Harflur، وأنه اعتل إلى حد لم يستطع بعده أن يستعيد صحته(6). وكان يعوض المسافرين عن هذه المتاعب بعض التعويض أن أجور السفر كانت قليلة، فقد كان أجر عبور نقل القناة الإنجليزية (بحر المانش) ستة بنسات في القرن الرابع عشر، وكانت أجور نقل البضائع والأسفار البعيدة تتناسب مع هذا الأجر القليل، ولهذا امتاز النقل البحري على البري امتيازاً تبادلت بسببه خريطة أوربا السياسية فغي القرن الثالث عشر.
ولما استرد الصليبيون سردانية (1022) وقورسقة (1091) من المسلمين فتح مضيق مسينا، والبحر المتوسط للملاحة الأوربية، كما استردت الحرب الصليبية الأولى جميع الثغور الجنوبية الواقعة على هذا البحر إلا القليل منها. فلما تحررت التجارة من هذه القيود ربطت أوربا بشبكة من الطرق التجارية لم تقتصر نتيجتها على اتصالها بالمسيحيين في آسيا، بل شملت كذلك اتصالها ببلاد المسلمين في إفريقيا وآسيا، ثم امتدت إلى أبعد من هذا، إلى بلاد الهند والشرق




صفحة رقم : 5348




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


الأقصى. فقد كانت المتاجر تحمل من الصين أو الهند، وتجتاز التركستان، وفارس، والشام إلى موانئ سوريا وفلسطين؛ أو تخترق بلاد المغول إلى بحر الخزر ونهر الفلجا؛ أو تنقلها إلى الخليج الفارسي، ثم تسير صعدا في نهر الفرات ودجلة. ثم تجتاز الجبال والصحراوات إلى البحر الأسود، أو بحر الخزر، أو البحر المتوسط؛ أو تسير السفن في البحر الأحمر ثم تنقل بالقنوات أو القوافل إلى القاهرة أو الإسكندرية. وكانت التجارة- ومعظمها في القرن الثالث تجارة مسيحية- تنتشر من ثغور إفريقيا الإسلامية إلى آسيا الصغرى وبيزنطية، أو إلى جزائر قبرص، ورودس، وكريت (إقريطش)؛ أو إلى ثغور سلانيك، وبيرية، وكورنثة، وبتراس؛ أو إلى صقلية، وإيطاليا، وفرنسا، وأسبانيا. وكانت القسطنطينية تضيف بضائعها الكمالية إلى هذا التيار الجارف، وتغذى التجارة الصاعدة في نهر الدانوب والدنيبر إلى أوربا الوسطى، والروسيا، ودول البحر البلطي. واستولت مدائن البندقية، وبيزا، وجنوى على التجارة الغربية البيزنطية، وحاربت كما يحارب المتوحشون لكي تكون للمسيحيين السيادة على البحار.
وكان مركز إيطاليا بين الشرق والغرب، موغلة في البحر المتوسط، وثغورها المتجهة إلى البحر في ثلاث جهات مختلفة، وبلدانها المشرفة على ممرات جبال الألب، مما يسر لها في ثلاث الاستفادة أكثر من سائر الأقطار من تجارة أوربا مع بيزنطية، وفلسطين، وبلاد المسلمين. فقد كان لها على البحر الأدرياوي مدائن البندقية، ورافنا، وريميني، وأنكونا، وباري، وبرنديزي، وتارنتو؛ وكان لها في الجنوب كروتون (أقروطونة)؛ وكان لها على الساحل الغربي رجيو، وسلرنو، وأملفي، ونابلي، وأستيا، وبيزا، ولوكا، وكانت هذه تنقل تجارة غنية واسعة؛ وكانت فلورنس المركز المصرفي لهذه التجارة تسيطر على شئونها المالية. وكان نهر الأرنو والبو ينقلان بعض هذه التجارة في داخل البلاد إلى مدائن بدوا،




صفحة رقم : 5349




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


وفرارا، وكرمونا، وبياسنزا، وبافيا. وكانت روما تستولي على الإتاوات والعشور من سكان أوربا الأتقياء إلى كنائسها وأضرحتها؛ وكانت سينا Siena، وبولونيا تقعان عند ملتقى الطرق الداخلية الكبرى الكثيرة الإنتاج؛ وكانت ميلان، وكومو، وبريشيا، وفيرونا، والبندقية تجمع في أحجارها ثمار التجارة تنتقل فوق جبال الألب من حوضي الدانوب والرين؛ وكانت جنوى تسيطر على البحر الترهيني، كما كانت البندقية تتحكم في البحر الأدرياوي. وكان أسطول جنوى التجاري يتألف من مائتي سفينة عليها عشرون ألفاً من البحارة، وكانت ثغورها التجارية تمتد من قورسقة إلى طربزون. وكانت جنوى تتجر بكامل حريتها مع بلاد المسلمين كما تتجر معها البندقية وبيزا؛ وأسبانيا الإسلاميتين؛ وكانت كثير من هذه المدن الإيطالية تبيع الأسلحة للمسلمين في أيام الحروب الصليبية، وكان البابوات الأقوياء أمثال إنوسنت الثالث ينددون بالتجارة أياً كانت مع المسلمين؛ ولكن الذهب كان أقوى أثراً من الدين أو الدم المراق، ولهذا ظلت "التجارة المحرمة" تجري في مجراها العادي(7).
واضمحلت جنوى من جراء حروبها مع البندقية، وتطلعت ثغور فرنسا الجنوبية وأسبانيا الغربية إلى نصيب من تجارة البحر المتوسط؛ واستعادت مرسيليا إلى حين ما كان لها في سابق أيامها من تفوق بعد أن كسدت تجارتها أيام سلطان المسلمين، ولكن منبلييه أخذت في خلال القرن الثاني عشر تنافسها في أن تكون باب فرنسا الجنوبي مدفوعة في هذه المنافسة بسكانها المختلفي الأجناس وثقافتها المتعددة الأصول- غالية، وإسلامية، ويهودية. وأفادت برشلونة من أهلها الذين يتمنى بعضهم إلى الأسر التجارية اليهودية القديمة التي بقيت فيها أن استردت من المسلمين. وإذا كانت جبال البرانس تفصل أسبانيا المسيحية عن سائر أوربا فقد وجدت في هذه المدينة وفي بلنسية وسيلة




صفحة رقم : 5350




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


للاتصال بعالم البحر المتوسط. وكانت ثغور قادس، وبوردو، ولاروشل، ونانت ترسل سفنها لتسير بازاء ساحل المحيط الأطلنطي إلى رون، ولندن، وبروج؛ كما كانت جنوى في القرن الثالث عشر، والبندقية في عام 1317 ترسلان سفنهما إلى هذه الثغور الأطلنطية كلها مخترقة مضيق جبل طارق؛ وقبل أن يحل عام 1300 كانت التجارة التي تعبر جبال الألب قد نقصت، وأخذت تجارة المحيط الأطلنطي تسمو بأمم هذا المحيط إلى تلك الزعامة التي ضمنها لها كولمبس فيما بعد.
وأثرت فرنسا من أنهارها وهي الحبال السائلة التي تربط بها التجارة الأقاليم الواقعة على شطآنها وتوحدها. وبفضل هذه الأنهار- الرون، والجارونن واللوار، والساؤون، والسين، والواز Oise، والموزل ازدهرت تجارتها وأخصبت حقولها، ولم يكن في وسع بريطانيا وقتئذ أن تنافسها، ولكن الثغور الخمسة الواقعة على القناة الإنجليزية كانت ترحب بالسفن والبضائع الأجنبية. وكان نهر التاميز عند لندن محاطاً منذ ذلك العهد البعيد بأحواض السفن المتجاورة الممتدة على شاطئيه، وكانت تصدر منها المنسوجات، والصوف، والقصدير لتستورد بأثمانها التوابل من بلاد العرب، والحرير من الصين، والفراء من الروسيا، والخمور من فرنسا. وكان أنشط من هذه كلها وأنشط من أي ثغر في أوربا الشمالية مدينة بروج العاصمة التجارية والمنفذ الخارجي لبلاد فلاندرز بغلاتها الزراعية والصناعية. وعند هذه المدينة كان يتقاطع محوراً التجارة الأوربية المحور الشرقي الغربي والمحور الشمالي الجنوبي، كما كانا يتقاطعان عند البندقية وجنوى. وكان موقعها القريب من شاطئ بحر الشمال والمقابل لإنجلترا، مما يسرها استيراد الصوف الإنجليزي لينسج على الأنوال الفلمنكية والفرنسية. وكانت إلى هذا بعيدة في الداخل بعداً يجعل ثغرها مأوى أميناً للسفن. ولهذا اجتذبت إليها أساطيل جنوى والبندقية وفرنسا القريبة. وسمحت لهذه المدن بان توزع بضائعها بمائة طريق وطريق على الثغور




صفحة رقم : 5351




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


الأصغر منها. ولما أن ازداد النقل البحري أمناً ورخصاً، اضمحلت التجارة البرية، وحلت بروج محل المدن ذات المواسم التجارية، فأضحت السوق التي تلتقي فيها التجارة الأوربية؛ فكانت حركة النقل الثقيل على أنهار الموز Meuse، والشلد Scheldt والرين تحمل إلى بروج بضائع ألمانيا الغربية وفرنسا الشرقية لتصدر منهما إلى الروسيا، واسكنديناوة، وإنجلترا، وأسبانيا. وانتعشت بلدان أخرى بفضل هذه التجارة النهرية نذكر منها فلنسين Valencienne، وكمبريه Cambrai، وثورنيه Tonrai، وغنت Gnent، وأنتورب (أنفرس) Antwerp الواقعة على نهر الشلد؛ ودينان Dinant، وليبج Liege، ومسترخت Maestricht على نهر الموز.
وكانت بروج أشهر مدائن القسم الغربي من العصبة الهانسية، وكان منشأ هذه العصبة وأمثالها أن المدائن التجارية في أوربا الشمالية ألفت من بينها في القرن الثاني عشر أحلافاً مختلفة سماها الألمان هانسات Hanses أي اتحادات أو نقابات، تهدف إلى تشيع التعاون الدولي ضد المنافسة الخارجية، وإقامة هيئات متجانسة من التجار البعدين عن أوطانهم، وحماية أنفسهم من القراصنة، وقطاع الطرق، وتقلب العملة، والمدينين الممماطلين، وجباة الضرائب، والمكوس الإقطاعية.
وكونت لند، وبروج، وإيبر، وترواي، وعشرون مدينة أخرى "اتحاد لندن"؛ وانضمت لوبك، التي أسست في عام 1158 لتكون مرقباً خارجياً للحرب والتجارة الألمانيتين مع اسكنديناوة، إلى هامبرج (1210)، وبروج (1252) في اتحاد مشابه لهذا، انضمت إليه فيما بعد دانزج، وبرمن، ونفجورود، ودوربات Dorpat، ومجدبرج، وثورن Thorn، وبرلين، وفزبي Visby، واستوكهولم، وبرجن Bergen، ولندن؛




صفحة رقم : 5352




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


وبلغ هذا الاتحاد عنفوانه في القرن الرابع عشر، وكان يضم وقتئذ اثنتين وخمسين بلدة، ويشرف على مصاب جميع الأنهار الكبرى- الرين، والويزر weser، والألب، والأودر، والفستيولا- التي تنقل غلات أوربا الوسطى إلى بحر الشمال والبحر البلطي؛ وكان هذا الحلف يسيطر على تجارة أوربا الشمالية من رون إلى نفجورود؛ وظل مدة طويلة يحتكر مصايد الرنجة في البحر البلطي وتجارة القارة الأوربية مع إنجلترا. ولقد أنشأ الحلف محاكم للفصل فيما يشجر بين أعضائه من نزاع، والدفاع عنهم فيما يقام عليهم من قضايا من البلدان الخارجة عنه، وكان في بعض الأحيان يحارب بوصفه سلطة مستقلة. وقد سن الحلف قوانين لتنظيم العمليات التجارية بل والسلوك الأخلاقي بين أعضائه مدناً كانوا أو رجالاً؛ وكان يحمى التجار المنظمين إليه من الشرائع الاستبدادية، والضرائب والغرامات غير القانونية؛ ويفرض على أعضائه مقاطعة المدن التي تسيء إليه، ويعاقب المماطلين في الدفع، والمخلين منضمة إليه، والمشترين بضائع مسروقة. وأنشأ محطة تجارية في كل مدينة منضمة إليه، وجعل تجاره خاضعين لقوانينه الألمانية أينما ذهبوا، وحرم عليهم الزواج من الأجنبيات.
وظلت العصبة الهانسية قرناً من الزمان عاملاً الحضارة، فقد ظهرت البحر البلطي وبحر الشمال من القراصنة، ونظفت المجاري المائية؛ وعدلتها فجعلتها مستقيمة، ورسمت خرائط للتيارات البحرية والمد والجزر، وأبانت عليها موضع القنوات، وأنشأت المنارات البحرية، والثغور، والقنوات، وسنت القوانين البحرية وجمعتها في كتب؛ وجملة القول أنها أحلت النظام مكان الفوضى في تجارة أوربا الشمالية. ولقد ضمت هذه العصبة طبقة التجار، وألفت منهم هيئة قوية فحمت بذلك الطبقة الوسطى من الأشراف، وعملت على تحرير المدن من سادة الإقطاع؛ وليس أدل على قوتها من أنها قاضت ملك فرنسا لأن جنوده أتلفوا بضائع العصبة، وأرغمت ملك إنجلترا على أن يؤدي ما يلزم من النفقات




صفحة رقم : 5353




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


لإقامة الصلوات طلباً لنجاة أرواح تجار العصبة الهانسية الذين أغرقهم الإنجليز(8). ويفضل هذه العصبة انتشرت تجارة الألمان ولغتهم وثقافتهم نحو الشرق إلى بروسيا، وليفونيا Livonia، وإستونيا Estonia، ورفعت بلدان كونجزبرج K?nigsburg، وليباو Libau، وميمل Memel، وريجا Riga إلى مصاف المدن الكبرى. وكانت العصبة تتحكم في أثمان البضائع التي يتجر فيها أعضاؤها وأوصافها، وبلغ اشتهار أعضائها بالاستقامة أن استخدم الإنجليز لفظ Easterlings أي (رجال الشرق) بمعنى "نقي أوصاف" وأن أضيف بهذا المعنى إلى لفظي فضة أو ذهب بمعنى موثوق به أو صادق.
ولكن العصبة الهانسية أضحت على مر الزمن عاملاً من عوامل الاستبداد والحماية معاً؛ فقد أسرفت في فرض القيود الاستبدادية على استقلال أعضائها، وأرغمت المدن على الانضمام إليها باستخدام سلاح المقاطعة تارة وبالعنف تارة أخرى، وقاومت المدن والأحلاف المنافسة لها بجميع الوسائل الطيبة منها والخبيثة، ولم تتورع عن استئجار القراصنة للإضرار بتجارة أولئك المنافسين؛ وبلغ من أمرها أن نظمت لها جيوشاً خاصة، وأقامت من نفسها دولة داخل كثير من الدول؛ وبذلت كل ما في وسعها للضغط على طبقة الصناع التي تستمد منها بضائعها وظلم هذه الطبقة، ولهذا أصبح الكثيرون من العمال وغيرهم من الناس يخشونها ويحقدون عليها، ويرون أنها أقوى وسيلة من وسائل الاحتكار قيدت بها التجارة في أي وقت من الأوقات. ولما أن ثار العمال في إنجلترا عام 1381 طاردوا كل المنضمين إلى العصبة الهانسية، واقتفوا آثارهم في أماكن العبادة داخل الكنائس، وقتلوا كل من لم يستطيعوا النطق بلفظي Cheese Bread (الخبز والجبن) بلهجة إنجليزية(9).
واستولت العصبة في عام 1160 على جزيرة جتلاند Gotland التابعة




صفحة رقم : 5354




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


للسويد واتخذت فزبي قاعدة وحصناً لتجارة البحر البلطي، وأخذت بعدئذ عقداً بعد عقد، تبسط سيطرتها على تجارة الدنمرقة، وبولندا، والنرويج، والسويد، وفنلندة، والروسيا. وعلى سياسة تلك البلاد، حتى قال آدم البرمني Adam of Bremen: إن تجار العصبة الهانسية في القرن الثالث عشر "بلغوا من الكثرة مبلغ ورث البهائم.. وكانوا يبذلون من الجهد للحصول على جلد طير الغطاس كأن في هذا الجلد نجاتهم إلى ابد الدهر(10). واتخذ هؤلاء التجار مقرهم في نفجورود القائمة على نهر فلخوف Volkhov، وأقاموا فيها بوصفهم حامية تجارية مسلحة، واتخذوا كنيسة القديس بطرس مخزناً لبضائعهم، وأحاطوا مذبحها بدنان الخمر، وأقاموا على هذه المخازن حراسة أشبه بحراسة الكلاب المتوحشة، وعنوا في أثناء ذلك بأداء جميع ما يتطلبه التقي والصلاح من الشعائر الدينية(11).
ولم تقنع العصبة بهذا بل وجهت أفكارها نحو السيطرة على تجارة نهر الرين، وأرغمت كولوني على الخضوع لها مع أنها كانت صاحبة عصبة مستقلة. أما في جنوب تلك المدينة فقد وقفت في وجهها عصبة الرين المؤلفة في عام 1254 من كولوني، ومينز، وأسبير Speyer، وورمز، واستربرج، وبازل. وفي جنوب هذه المدائن كانت أجزبرج Augsburg، وألم Ulm، ونورمبرج Nuremberg تقوم بالتجارة الآتية من إيطاليا؛ ولا نزال حتى اليوم نرى في البندقية مستوع هذه التجارة المسمى Fondaco de Fedeschi القائم على القناة الكبرى. وقامت رجنزبرج Regensburg وفينا على الطرف الغربي لنهر الدانوب، ذلك الشريان العظيم الذي كان يحمل غلات الأجزاء الداخلية من ألمانيا إلى بحر إيجة عن طريق سلانيك، أو إلى القسطنطينية والروسيا والبلاد الإسلامية وبلاد الشرق عن طريق البحر الأسود. وهكذا دارت التجارة الأوربية الداخلية دورة كاملة، وعمت التجارة الخارجية في العصور الوسطى في كل مكان.




صفحة رقم : 5355




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


ترى أي صنف من الناس كان أولئك التجار الذين كانوا يرسلون بضائعهم في هذه الطرق مجتازة أرضين كثيرة متباينة يسكنها أقوام ذوو وجوه مرتابة ولغات غريبة وعقائد متحاسدة متباغضة؟ لقد كان أولئك التجار ينتمون إلى شعوب مختلفة ويأتون من بلاد كثيرة متباينة، ولكن عدداً كبيراً منهم كان من الشوام، واليهود، والأرمن، واليونان. وقلما كانوا من صنف رجال الأعمال الذين نعرفهم اليوم رجالاً آمنين جالسين خلف مكاتبهم في مدنهم؛ بل كانوا في العادة ينتقلون في البلدان مع بضائعهم؛ وكثيراً ما كانوا يقطعون مسافات طويلة ليبتاعوا بأرخص الأثمان ما يحتاجونه من البضائع من الأماكن التي تكثر فيها، ثم يعودون ليبيعوها غالية في البلدان التي يندر فيها وجودها. وكانوا في العادة يشترون ويبيعون بالجملة en gross كما يقول الفرنسيون. وقد ترجم الإنجليز لفظ grosser إلى grocer ثم أطلقوا اللفظ بهذه الصيغة grocer على من يبيع التوابل بالجملة(12). وكان التجار خلائق مغامرين، ومرتادين؛ وفرسان القوافل مسلحين بالخناجر والرشا، متأهبين للقاء قطاع الطرق، والقراصنة، وآلاف مؤلفة من البلايا والمحن.
وربما كان أشد ما يضايقهم هو اختلاف الشرائع وتعدد جهات التقاضي، وكان من أهم أعمالهم وضع قانون دولي للتجارة والملاحة يتقدم على مر الأيام. لقد كان التاجر إذا سافر براً يخضع إلى قضاء محكمة جديدة، وربما خضع إلى قوانين مختلفة في أملاك كل سيد إقطاعي، وكان من حق هذا السيد أن يستولي على بضائعه إذا سقطت على الأرض في الطريق، وإذا جنحت سفينته أصبحت بمقتضى "قانون التحطيم" من حق السيد الذي جنحت عند ساحل أرضه؛ وكان مما يفتخر به أحد السادة البريطانيين أن صخرة خطرة في ساحل بلاده كانت أثمن درة في تاجه(13). وظل التجار يقاومون هذا الظلم الصارخ عدة قرون حتى بدءوا يلغونه تدريجاً في القرن الثاني عشر. وكان التجار اليهود




صفحة رقم : 5356




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


الدوليون قد جمعوا في هذه الأثناء طائفة من القوانين التجارية يسيرون على هديها؛ وأصبحت هذه النظم فيما بعد أساس القانون التجاري في القرن التجاري في القرن الحادي عشر(14). وأخذ هذا القانون التجاري ينمو عاماً بعد عام بما يضاف إليه من الأوامر التي يصدرها النبلاء أو الملوك لحماية التجار أو الزوار القادمين من الدول الأجنبية؛ وأنشئت محاكم خاصة لتنفيذ القانون التجاري؛ ومما هو خليق بالذكر أن هذه المحاكم قد أغلقت ضروب الإثبات والمحاكمات القديمة كالتعذيب، والمبارزة، والتحكيم الإلهي.
وكان التجار الأجانب قد حصلوا منذ القرن السادس الميلادي بمقتضى قوانين القوط الغربيين على حقهم في أن يحاكموا في المنازعات الخاصة بهم وحدهم أمام مندوبين من بلادهم؛ وهكذا بدأ النظام القنصلي الذي تقيم الأمة التجارية حسب نصوصه "قناصل" لها في خارج بلادها أي مستشارين لحماية مواطنيها ومساعدتهم. ولقد أنشأت جنوى قنصلية لها من هذا النوع في عكا عام 1180، وحذت المدن الفرنسية حذوها في هذا العمل في أثناء القرن الثاني عشر؛ وكان ما عقد من الاتفاقات لتبادل هذه الحقوق القنصلية من خير المصادر التي استمد منها القانون الدولي في العصور الوسطى.
وكان قدر من القانون البحري قد ظل قائماً من العهود القديمة؛ فلم يمح هذا القانون قط بين تجار رودس المستنيرين، بل كان من أقدم الشرائع البحرية "قانون أهل رودس" الصادر في عام 1167. وأصدرت قوانين أوليرون Lois d'Oleron في أواخر القرن الثاني عشر جزيرة في البحر قرب ساحل بوردو لتنظيم تجارة الخمور ثم أخذتها عنها فرنسا وفلاندرز، وإنجلترا. ونشرت العصبة الهانسية قانوناً مفصلاً في القواعد والنظم البحرية يسير عليه أعضائها: وقد نص فيه على ما يجب اتخاذه من الاحتياطات لضمان سلامة الركاب والبضائع، وعلى الحقوق التي يتمتع بها الناجمون ومن ينجونهم وواجبات ربابنة السفن وملاحيها




صفحة رقم : 5357




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> انتعاش التجارة


وأجورهم، والشروط التي يصح للسفينة التجارية أو يجب عليها بمقتضاها أن تتحول إلى سفينة حربية. وكانت العقوبات المقررة في هذه القوانين صارمة، ولكن يلوح أن هذه الصرامة كانت واجبة لتثبيت التقاليد والعادات الخاصة بالأنظمة البحرية، وبث الثقة بها والاعتماد عليها في قلوب الخاضعين لها. ذلك أن العصور الوسطى قد ظلت تؤدب الناس عشرة قرون ليظل أهل هذا الزمن الحديث أحراراً أربعمائة عام.




صفحة رقم : 5358




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> تقدم الصناعة



الفصل الثاني




تقدم الصناعة


تقدمت الصناعة بنفس الخط التي اتسع بها التجارة؛ ذلك أن اتساع الأسواق زاد الإنتاج، وزيادة الإنتاج أنعشت التجارة.
غير أن وسائل النقل كانت أقل العوامل تقدماً، فقد كانت معظم الطرق الرئيسية في العصور الوسطى مليئة بالأتربة، والأقذار، والأوحال، ولم تكن هناك قنوات أو برابخ تنقل الماء من الطرق، ولهذا كثرت فيها الحفر والبرك؛ وكانت المخاضات كثيرة والقناطر قليلة. وكانت الأحمال تنقل على ظهور البغال أو الخيل ولا تنقل في العربات لأن العربات يصعب عليها تجنب الحفر كما تتجنبها دواب الحمل. وكانت عربات الركوب كبيرة سمجة عجلاتها ذات إطار من حديد غير ذات مرونة(15)؛ ولهذا كانت هذه العربات غير مريحة مهما تكن زينتها، ومن أجل ذلك فإن الناس رجالاً كانوا أو نساء كانوا يفضلون ركوب الخيل منفرجة سيقانهم ذكوراً وإناثاً على الجانبين. وقد ظلت العناية بالطرق حتى القرن الثاني عشر موكولة إلى أصحاب الأملاك المجاورة لها، ولم يكن هؤلاء الملاك يدركون كيف يطلب إليهم أن ينفقوا المال على إصلاح الطرق التي ينتفع المارون بها أكثر مما ينتفع بها سواهم. وحذا فردريك الثاني في القرن الثالث عشر حذو المسلمين والبيزنطيين فأمر بإصلاح طرق صقلية وجنوبي إيطاليا، وأنشئت في هذا الوقت عينه أولى "الطرق الكبرى الملكية" بتثبيت مكعبات حجرية في الثرى المفكك أو الرمال، وشرعت في هذا القرن نفسه ترصف شوارعها الرئيسية، وأنشأت مدائن فلورنس، وباريس، ولندن، والمدن الفلمنكية قناطر غاية في الجودة، كذلك نظمت الكنيسة في القرن الثاني عشر هيئات أخوية دينية لإصلاح




صفحة رقم : 5359




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> تقدم الصناعة


القناطر وتشييدها، وعرضت على من يشتركون في هذا العمل الغفران من الذنوب. وكان إخوان الجسور Freres Pontifs هم الذين أنشئوا جسر أفنيون الذي لا يزال محتفظاً بأربع عقود من صنع أيديهم. وبذلت بعض طوائف الرهبان لا سيما الرهبان البندكتيين جهوداً كبيرة للمحافظة على الطرق والجسور؛ وظل ملك إنجلترا ورجال الدين فيها ومواطنوها فيما بين عامي 1176و1209 يقدمون أموالهم أو جهودهم الجسيمة لإنشاء جسر لندن، وقامت فوق هذا الجسر بيوت وكنيسة صغيرة، وكان الجسر يقوم فوق عشرين عقداً من الحجر يعبر عليها نهر التاميز؛ وأقيمت في بداية القرن الثالث أولى القناطر المعلقة المعروفة فوق خانق في ممر سان جوتار Gothard St. بجبال الألب.
وكانت المسالك المائية أكثر ما يستخدمه الناس في النقل، فأصبحت لذلك ذات شأن عظيم في نقل البضائع لأن الطرق البرية كانت كثيرة المتاعب، فقد كانت السفينة الواحدة تحمل ما تحمله خمسمائة دابة، وكانت إلى هذا أقل نفقة من الدواب، ومن أجل ذلك كانت أنهار أوربا المنتشرة من نهر التاجه Tagus إلى الفلجا Volga من أهم مسالكها العامة، وكان اتجاه هذه الأنهار ومصابها العامل الرئيسي في انتشار السكان، ونمو المدن، بل والسياسية العسكرية للأمم في كثير الأحيان. وكانت القنوات لا حصر لها وإن كانت الأحواض غير معروفة.
وكان السفر بالبر والبحر على السواء شاقاً بطيئاً، فكان انتقال الأسقف من كنتر بري إلى روما يتطلب تسعة وعشرين يوماً. وكان في وسع حملة الرسائل إذا استبدلوا الخيل في مراحل الطريق أن يجتازوا مائة عام في اليوم الواحد؛ لكن الرسل الخصوصيين كانوا يكلفون كثيراً، ولهذا كان البريد (الذي أعيد في إيطاليا في القرن الثاني عشر) مقصوراً في العادة على الأعمال الحكومية، وكانت عربات عامة حافلة تسير بانتظام في أماكن متفرقة من القارة كالعربات التي كانت تسير بين لندن وونشستر. وكانت الأخبار بطيئة الانتقال شأنها في هذا




صفحة رقم : 5360




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> تقدم الصناعة


شأن الرجال؛ مثال ذلك أن نبأ موت بربروسه في قليقية لم يصل إلى ألمانيا إلا بعد أربعة أشهر(16). ولهذا كان في وسع الرجل في العصور الوسطى أن يتناول فطوره من غير أن تزعجه مصائب العالم التي يجد الناس في جمعها؛ وكان من حسن حظه أن ما يصله من أخبار هذه المصائب قد بلغ من قدم العهد حداً لا يستطاع معه علاجه.
وخطا الناس بعض خطوات في تسخير القوى الطبيعية واستخداماتها لمنفعتهم. وشاهد ذلك أن "كتاب يوم الحشر" يسجل وجود خمسة آلاف طاحونة مائية في إنجلترا في عام 1086، وثمة رسم باق من عام 1169 يصور عجلة مائية يضاعف دوراتها البطيئة ويزيد سرعتها عدد من التروس المتعاقبة المدرجة في الصغر(17). وبفضل هذا الازدياد في السرعة أضحت العجلة المائية أداة رئيسية من أدوات الصناعة؛ وأخذت تنتشر في بلاد أوربا المختلفة، فظهرت في ألمانيا عام 1245 آلة مائية لنشر الخشب تدار بالماء(18)؛ وكانت آلة أخرى في دويه Douoi (1313) تستخدم لصنع الآلات الحادة؛ وانتشرت الطواحين الهوائية، التي عرفت لأول مرة في أوربا الغربية عام 1105، انتشاراً سريعاً بعد أن شاهد المسيحيون سعة انتشارها في بلاد الإسلام(19)، فقد كان في أيبر Ypres وحدها مائة وعشرون من هذه الطواحين في القرن الثالث عشر.
وكان تحسن أدوات العمل وازدياد حاجات الناس عاملاً هاماً في تشجيع أعمال التعدين التي نهضت وقتئذ نهضة فجائية عظيمة. من ذلك أن حاجة التجارة إلى عملة ذهبية موثوق بها، وقدرة الناس المتزايدة على إشباع شهوتهم في لبس الحلي قد أديا إلى تجدد العمل في استخراج التبر بغسل طين الأنهار، ومن العروق المعدنية في إيطاليا، وفرنسا، وإنجلترا، والمجر، ومن ألمانيا بنوع خاص. وكشف حوالي عام 1175 عروق غنية للنحاس الأحمر، والفضة، والذهب في إرز جبيرج Erz Gebirge (أي جبال المعدن)؛ وعلى أثر هذا الكشف هرع الناس




صفحة رقم : 5361




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> تقدم الصناعة


إلى فرايبرج Freiberg، وجسلار Goslar، وأنابرج Annaberg كما هرعوا إلى أمريكا بعد كشفها؛ وأطلق اسم بلدة يوقيمثالر Joachimsthaler الصغيرة على النقود التي تسك فيها، ثم اختصر هذا اللفظ اختصاراً تحتمه كثرة الاستعمال واشتق منه كلمة ثالر thaler الألمانية وكلمة دولار Dollar الإنجليزية(20)؛ وأضحت ألمانيا بعدئذ أكبر مورد للمعادن الثمينة إلى أوربا، وكانت مناجمها هي الأساس الذي قامت عليه قوتها السياسية، كما كانت تجارتها هي الإطار الذي حدد هذه القوة. فقد كان الحديد يستخرج من جبال هارز Harz ومن وستفاليا Westphalia، والأراضي الوطيئة، وإنجلترا، وفرنسا، وأسبانيا، وصقلية، وعاد الناس مرة أخرى إلى استخراجه من جزيرة إلبا. وكان الرصاص يستخرج من دبي شير Derbyshire، والقصدير من ديفون، وكورنوول، وبوهيميا؛ والزئبق والفضة من أسبانيا، والكبريت والشب من إيطاليا، واشتق اسم سلزبرج Salzburg من طبقاتها الملحية العظيمة. وعاد الإنجليز في القرن الثاني عشر إلى استخراج الفحم الذي كان يستخدم في بلادهم أيام الرمان ثم أهمل- كما يلوح- في عهد السكسون، ومما يدل على كثرة استخراجه أن الملكة إليانور غادرت قصر نتنجهام في عام 1237 لكثرة الدخان المتصاعد من الفحم لأن الدخان كان يسمم المدينة- ذلك مثل من العصور الوسطى لإحدى المصائب التي يظن الناس أنها من مصائب العصر الحديث(21).
وكان امتلاك الرواسب المعدنية منشأ كثير من الاضطراب في القوانين. فلما أن كانت يد الإقطاع قوية في البلاد كان السيد الإقطاعي يدعى أن المعادن الموجودة في أرضه من حقه وحده، وكان يستخرج رواسبها بأيدي رقيق أرضه. وكانت الهيئات الكنيسة تدعى لنفسها مثل هذه الدعوى، وتستخدم أرقاء الأرض، أو العمال المأجورين في استخراج الرواسب القيمة من أرضيها. وأصدر




صفحة رقم : 5362




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> تقدم الصناعة


فردريك بربروسه قراراً ينص على أن الملك وحده صاحب جميع المعادن التي في بلاده، وأن هذه المعادن لا يمكن استخراجها إلا على أيدي شركات تعمل تحت إشراف الدولة(22). فلما عاد هذا الحق الملكي الذي كان متبعاً أيام أباطرة الرومان أصبح هو القانون السائد في ألمانيا في العصور الوسطى؛ وسار على هذه السنة نفسها ملوك إنجلترا فادعى الملك لنفسه ملكية جميع رواسب الفضة والذهب، أما المعادن الدنيئة فكان في استطاعة صاحب الأرض أن يستخرجها بشرط أن يدفع عن ذلك إتاوة للملك(23).
وكان فحم الخشب هو الذي يستعمل في صهر المعادن، وكان كثير من الخشب في أفران ظلت حتى ذلك الوقت بحالتها البدائية؛ ولكن النحاسين كانوا على الرغم من هذا يخرجون أدوات جميلة من الشبه، كما كان صناع الأدوات الحديدية في لييج، ونورمبرج، وميلان، وبرشلونة، وطليطية يصنعون أسلحة وأدوات حديدية ممتازة. واشتهرت أشبيلية بصلبها الجيد، وأخذ الحديد الزهر (المصهور في درجة 1535°مئوية) يحل محل الحديد المطاوع الملين في درجة 800مئوية). وكانت الأدوات الحديدية كلها تقريباً تصنع قبل هذا التغيير "بالطرق"- Smiting ومن هذا الفظ اشتق لفظ اسمث smith السكسوني أي الطارق للحداد. وكان صب الأجراس من الصناعات الهامة لأن الكنائس الكبرى وأبراج المدن كانت تتنافس في أوزان أجراسها، وارتفاع أصواتها، وحسن نغماتها. وكان النحاسون يصنعون أغطية النيران Curfews أي (Couvre feus) التي يضعها الناس على نيرانهم إذا دقت أجراس المساء Curfew. واشتهرت بلاد سكسونيا بما فيها من مصاهر البرنز، كما اشتهرت إنجلترا "بالتنك" Pewter وهو مزيج من النحاس، والبزمزت، والأنتيمون (الإتمد) والقصدير. وكان الحديد المطاوع يستخدم في صنع قوائم حديدية رشيقة للنوافذ، وأخرى من الحديد المشغول لأمكنة المرتلين في الكنائس،




صفحة رقم : 5363




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> تقدم الصناعة


والمفصلات الضخمة ذات الأشكال المختلفة التي كانت تنتشر على الأبواب لتقويتها وتزينها. وكان الحدادون والصائغون كثيري العدد؛ وذلك لأن الذهب والفضة لم يكن يستخدمها الناس للمباهات أو لإخفائها فحسب، بل كانا يستخدمان فوق ذلك لوقاية صاحبهما من العملة المنتقصة، وإعطائه في الأزمات نوعاً من الثروة يستطيع تحويله إلى طعام أو سلع.
واتسع نطاق صناعة المنسوجات في القرن الثالث عشر اتساعاً عظيماً في فلاندرز وإيطاليا، وكانت مؤسسات شبه رأسمالية ينتج فيها آلاف من الصناع سلعاً للسوق العامة ويجمعون المكاسب للمستثمرين الذين لا تقع عليهم أعينهم؛ وكان لنقابة الصوف في فلورنس مصانع كبيرة يشتغل فيها نحت سقف واحد غسالون، وقصارون، وقزازن، وغزالون، وناسجون، ومفتشون وكتبة يعملون بأدوات، وآلات، وأنوال لا يمتلكونها وليست لهم أية سيطرة عليها(24).
وكان المتجرون بالجملة في الأقمشة ينظمون المصانع، ويقدمون ما يلزمها من الأدوات، ويمدونها بالعمال ورؤوس الأموال، ويحددون الأجور والأثمان، وينظمون عمليتي التوزيع والبيع، ويتحملون أخطار المغامرة، وما ينتج عن الإخفاق من خسائر، ويجنون ما يثمره النجاح من مكاسب(25). وكان غيرهم من أصحاب الأعمال يفضلون أن يحصلوا على المواد الغفل التي يحتاجها الأفراد أو الأسر، ثم توزعها تلك الأسر أو هؤلاء الأفراد على التجار نظير أجر أو ثمن، وبهذه الطريقة انضم آلاف من الرجال والنساء في إيطاليا، وفلاندرز، وفرنسا إلى المهن الصناعية(26)؛ ولهذا أصبحت مدائن أمين، وبوفيه، وليل، ولاون، وسان كنتان، وبروفن Provins، وريمس، وتراوي، وكمبريه، وتورنيه، ولييج، ولوفان Louvain مركزاً عظيماً لأعمال الوساطة السالفة الذكر- وفاقتها في ذلك غنت، وبروج، وإيبر، ودويه واشتهرت كلها بأذواقها الفنية وثوراتها، وأعارت لاؤن اسمها إلى شاش البطانات Lawn كلما أعارت كمبريه اسمها إلى التيل




صفحة رقم : 5364




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> تقدم الصناعة


الرفيع "الكمبريك" Cambric واشتق الطراز المضلع في النسيج diaper من اسم مدينة إيبر(27). وكان في غنت 2300 نساج يعملون على الأنوال؛ وكان في بروفن في القرن الثالث عشر ثلاثة آلاف ومائتان(28). وكانت لأكثر من عشر مدائن في إيطالية صناعاتها الخاصة في النسيج. وتخصصت نقابة الصوف في فلورنس في القرن الثاني عشر في إنتاج البضائع الصوفية المصبوغة، كما نظمت نقابة الأقمشة في بداية القرن الثالث عشر أعمالاً واسعة النطاق لاستيراد الصوف وتصدير منسوجاته، وقبل أن يحل عام 1306 كان في فلورنس 300 مصنع للنسيج كما كان فيها عام 1336 ألف نساج(29). وكانت جنوى تنسج المخمل اللطيف والحرير ذا الخيوط الذهبية. وأخذت فينا في أواخر القرن الثالث عشر تستورد النساجين الفلمنكيين، وسرعان ما نشأت فيها صناعة للنسيج خاصة بها. وكادت إنجلترا تحتكر إنتاج الصوف في شمالي أوربا؛ وكانت ترسل معظم منسوجاتها منه إلى فلاندرز. ومن أجل هذا ارتبطت هذه البلاد بعجلتها في شئون السياسة والحرب واشتقت من اسم وورستد Worstead أسماء لأنواع مختلفة من الأقمشة الصوفية. وكانت أسبانيا تنتج نوعاً جيداً من الصوف، وكانت أغنام المرينو التي بها مصدراً من مصادر دخلها القومي.
وكان العرب قد أدخلوا إنتاج الحرير ونسجه في أسبانيا في القرن الثامن كما أدخلوها في إيطاليا في القرن التاسع، وواصلت مدائن بلنسية، وقرطاجنة، وأشبيلية، ولشبونة، وبالرمة، ذلك الفن بعد أن أضحت بلاداً مسيحية، واستقدم روجر الثاني النساجين اليونان واليهود من كورنثة وطيبة اليونانيتين إلى بالرمه في عام 1147، وأسكنها أحد قصورها، وبفضل هؤلاء الرجال وأبنائهم انتشرت تربية دودة القز في جميع أنحاء إيطاليا؛ ونظمت لوكا صناعة الحرير على نطاق رأسمالي واسع، كانت تنافسها فيها مدائن فلورنس، وميلان، وجنوى، ومودينا،




صفحة رقم : 5365




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> تقدم الصناعة


وبولونيا، والبندقية؛ وتخطت هذه الصناعة جبال الألب وأنتجت صناعاً مهرة في زيورخ، وباريس، وكولوني.
وكان في ميدان صناعات العصور الوسطى مئات من مختلف الحرف الأخرى منها حرفة طلاء الآنية الخزفية بطبقة زجاجية وذلك برش سطوحها وهي مبللة بالرصاص ثم حرقها في نار غير شديدة؛ فإذا أرادوا أن يكون لون سطحها الأملس البراق أخضر لا أصفر أضافوا النحاس أو البرنز إلى الرصاص. ولما أضحت المباني والنيران كثيرة الأكلاف في مدن القرن الثالث عشر المطردة النماء حلت قطع القرميد محل السقف المصنوعة من القش، وفرضت مدينة لندن هذا التغيير على سكانها في عام 1212. وما من شك في أن الحرف المتصلة بالبناء كانت متقدمة لأن طائفة من أمتن المباني الباقية في أوربا الآن يرجع تاريخها إلى هذا العهد. وكان الزجاج يصنع للمرايا، والنوافذ، والأواني، ولكنه كان يصنع في نطاق ضيق إذا قيس إلى غيره من المصنوعات، وكانت الكنائس تحتوي على أحسن ما صنع من أنواع الزجاج أما البيوت فلم يكن فيها شيء منه. وكانت صناعة الزجاج بالنفخ معروفة في أوربا الغربية منذ القرن الحادي عشر إن لم يكن قبله، ولعل هذا الفن لم يختف قط من إيطاليا منذ أن بلغ ذروة مجده في أيام الدولة الرومانية. أما الورق فقد ظل حتى القرن الثاني عشر يستورد من بلاد الشرق الإسلامية أو من أسبانيا، ولكن مصنعاً للورق افتتح في رافنزيرج Ravensburg بألمانيا في عام 1190، وبدأت أوربا في القرن الثالث عشر تصنع الورق من النيل. وكانت الجلود من أهم السلع في التجارة الدولية، كما كان دبغها منتشراً في كافة الأنحاء. وكان صناع القفازات والسروج، وأكياس النقود، والأحذية والأساكفة من أبرز الناس وأكثرهم تنافساً. وكانت الفراء تستورد إلى داخل أوربا من الشمال والشرق، وكانت من ملابس الملوك والأشراف والطبقة الوسطى. وكانت الخمر والجعة تستخدمان بدل وسائل التدفئة المركزية، وكانت




صفحة رقم : 5366




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> تقدم الصناعة


كثير من المدن أرباحاً طائلة من احتكار البلديات لصناعة الخمور، وكانت ألمانيا في ذلك العهد قد تزعمت العالم في الصناعة القديمة.
ويرجع معظم رخاء مدينة همبورج في القرن الرابع عشر إلى معاصرها الخمسمائة والى بيع منتجاتها، وبقيت الصناعات بوجه عام، إذا استثنينا منها صناعة النسيج، في مرحلة الصناعات اليدوية، فكان الصناع الذين يعملون للسوق المحلية- كالخبازين، والأساكفة، والحدادين، والنجارين ومن إليهم- هم المالكين لأدواتهم وثمار عملهم، وظلوا أحراراً من الناحية الفردية. وكانت معظم الصناعات لا تزال تقوم في بيوت العمال أو الحوانيت الملاصقة لبيوتهم؛ وكانت كثير من الأسر تؤدي لنفسها كثيراً من الأعمال التي توكل الآن للحوانيت أو المصانع- كانت تصنع خبزها، وتنسج ثيابها، وتخصف نعالها. وكانت خطى التقدم في هذه الصناعة المنزلية بطيئة؛ وكانت الأدوات ساذجة، والآلات قليلة، ولم تكن دوافع المنافسة والكسب مما يحفز الناس على الإنتاج أو على استبدال القوة الآلية بالمهارة البشرية؛ ومع هذا فلربما كان هذا النظام هو أحسن صورة من التنظيم الصناعي في التاريخ كله. نعم إن إنتاجه كان بطيئاً، ولكن أكبر الظن أن ما كان يبعثه في نفوس الصناع من رضا وقناعة كان عالياً إذا قيس بغيره من العصور. فقد بقي العامل قريباً من أسرته، وكان هو الذي يحدد ساعات عمله ويحدد بقدر ما ثمن ما يصنع؛ وكان إعجابه بمهارته يسمو بخلقه ويبعث فيه الثقة بنفسه؛ وكان فناناً وصانعاً معاً؛ وكان يغتبط اغتباط الفنان حين يرى الشي الكامل الذي يصنعه يتشكل شيئاً فشيئاً بين يديه.




صفحة رقم : 5367




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقود



الفصل الثالث




النقود


وأحدث هذا التوسع العظيم في التجارة والصناعة انقلاباً كبيراً في الأعمال المالية، فأما التجارة فلم يكن في مقدورها أن تتقدم ما دامت قائمة على المبادلة، بل أضحت تتطلب مستوى ثابتاً للقيم، وواسطة للتبادل سهلة، ووسيلة ميسرة مفتوحة لاستثمار الأموال.
وكان من حق سادة الإقطاع وكبار رجال الدين في القارة الأوربية في عهد الإقطاع أن يسكوا النقود، ولهذا عانى الاقتصاد الأوربي الأمرين من جراء الفوضى النقدية التي كانت أسوأ من فوضى هذه الأيام؛ وزادت هذه الفوضى النقدية بفعل مزيفي العملة وقارضيها، وكان الملوك يأمرون بأن تقطع أطراف من يرتكبون هذه الأعمال أو أعضاؤهم التناسلية أو أن تقلى أجسامهم وهم أحياء(30)، ولكن الملوك أنفسهم كثيراً ما كانوا يخفضون قيمة نقدهم . وقل وجود الذهب بعد أن فتح المسلمون بلاد الشرق، فكان النقد بأجمعه بين القرنين الثاني والثالث عشر يصنع من الفضة أو المعادن الخسيسة، ذلك أن الذهب والحضارة يتلازمان كثرة وقلة .




صفحة رقم : 5368




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقود


على أن العملة الذهبية ظلت تضرب في الإمبراطورية البيزنطية طوال العصور الوسطى؛ ولما أن كثر الاتصال بين الغرب والشرق أخذت النقود البيزنطية الذهبية المعروفة بالبيزانط Bezants في بلاد الغرب، أخذت هذه النقود يتعامل بها في كافة أنحاء أوربا، وكان لها من الاحترام في العالم المسيحي أكثر ما لسائر النقود. ولما رأى فردريك الثاني ما للعملة الذهبية المستقرة في بلاد الشرق الأدنى من أثر طيب في تلك البلاد سك في إيطاليا أولى العملات الذهبية في أوربا الغربية. وسمي هذه العملة أوغسطالس Augustales مقلداً بهذا في صراحة نقد أغسطس ومكانته. والحق أنها كانت خليقة بهذه التسمية، لأنها، وإن كانت تقليداً لعملة الشرق، كانت ذات طابع فخم. وسمت من فورها إلى أعلى مستوى في فن المسكوكات في العصور الوسطى؛ وأصدرت جنوى وفلورنس في عام 1253 مسكوكات ذهبية؛ وكان الفلورين الفلورنسي، الذي تعادل قيمته زنة رطل من الفضة أجمل وأبقى هذه المسكوكات، وكان يقبل في جميع أنحاء أوربا؛ ولم يحل عام 1284 حتى كان لجميع دول أوربا الكبرى، ما عدا إنجلترا، عملة ذهبية يوثق بها- وذلك جهد عظيم مشكور ضحى به في الفوضى الضاربة أطنابها في القرن العشرين.
وقبل أن يختتم القرن الثالث عشر كان ملوك فرنسا قد ابتاعوا أو صادروا كل ما لسادة الإقطاع من حقوق تخول لهم سك العملة إلا القليل الذي لا يكاد يستحق الذكر من هذه الحقوق، وظل نظام النقد الفرنسي حتى عام 1789 محتفظاً بالمصطلحات التي وضعها له شارلمان، وإن لم يحافظ على قيمتها؛ فكان فيه الليرا (Livra) أو الجنيه الفضي، والصلدي (sou) وهو 1slash30 من الجنيه، والدينار (denier) وهو 2slash12 من الصلدي. وأدخلت غارة الرومان هذا النظام النقدي في إنجلترا، وفيها أيضاً كان الجنيه الإنجليزي يقسم عشرين قسماً يسمى واحدها




صفحة رقم : 5369




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقود


شلناً، ويقسم كل منها اثنى عشر قسماً- هي البنسات. وأخذ الإنجليز ألفاظ penny, shilling, pound من الأسماء الألمانية pfenning, schilling, pfund ولكنهم أخذوا الرموز الدالة عليها من اللغة اللاتينية L من لبرا Libra، S من سليدس solidus، d من ديناريوس denarius، ولم يكن لإنجلترا عملة ذهبية إلا في عام 1343، غير أن عملتها الفضية التي قررها هنري الثاني (1154-1189) ظلت أكثر العملات استقراراً في أوربا. وضرب المارك الفضي في ألمانيا في القرن العاشر، وجعلت قيمته نصف قيمة الجنيه الفرنسي أو البريطاني.
ولكن النقد في العصور، رغم هذا التطور كله، قد لاقى الأمرين من جزاء تقلب قيمته، وعدم ثبات نسبة الفضة إلى الذهب، وحق الملوك والمدن- والأشراف ورجال الدين في بعض الأحيان- في جمع النقود كلها في أي وقت، وتقاضى أجر على إعادة سكها، وإصدار عملة جديدة مخفضة تزداد فيها نسبة المعدن الخسيس. وتأثر النقد الأوربي كله لما أصابه من انحطاط في فترات غير منتظمة لعدم أمانة دور الضرب، وازدياد مقدار الذهب أسرع من ازدياد مقدار السلع، وسهولة أداء الديون الوطنية بالعملة المخفضة. ولنضرب لذلك مثلاً الجنيه الفرنسي فلم تكن قيمته في عام 1789 تزيد على 1.2 في المائة مما كانت عليه أيام شارلمان(32). وفي وسعنا أن نحكم على مقدار انخفاض قيمة النقد من ذكر أثمان بعض السلع التي تعد نموذجاً لغيرها: من ذلك أن الاثنتي عشرة بيضة كان ثمنها في رافنا عام 1286 "بنساً" واحداً؛ وكان ثمن الخنزير في لندن عام 1328 أربعة شلنات، وثمن الثور خمسة عشر شلناً(33)؛ وكان رأس الضأن في فرنسا في القرن الثالث عشر يشتري بثلاثة فرنكات، والخنزير




صفحة رقم : 5370




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقود


يشتري بستة(34)؛ فالنقد يزداد تضخماً على مر العصور .
بقي أن نعرف مصدر النقود اللازمة لتمويل التجارة والصناعة وتوسيع نطاقها. لقد كان أهم مصدر منفرد لهذا المال هو الكنيسة، وذلك بفضل ما كان لها في جمع المال من نظام لا يدانيه نظام سواه، وكان لديها على الدوام رأس مال سائل تستطيع توجيهه في جميع الأوقات لأي غرض تشاء. وكانت الكنيسة أعظم قوة مالية في العالم المسيحي، ويضاف إلى هذا أن كثيرين من الأفراد كانوا يودعون أموالهم أمانات في الكنائس والأديرة. وكانت الكنيسة تقرض من أموالها الأفراد والهيئات في أوقات الشدة، وكان أكثر من يقترضون المال هم القرويين الذين يرغبون في إصلاح ضياعهم، وكانت الكنائس والأديرة بمثابة مصارف عقارية، وكان لها فضل في تكوين طبقة الزراع الأحرار(36)، وكانت منذ عام 1070 تقرض المال للملاك المجاورين لها نظير حصة من ريع أملاكهم(37)، وقد أصبحت الأديرة بهذه الفروض المضمونة برهون أولى هيئات الإفراض في العصور الوسطى. وكان دير سانت أندريه St. Andre في فرنسا يقوم بعمل مصرفي بلغ من اتساع نطاقه أن كان يستأجر المرابين اليهود ليؤدوا للملوك والأمراء، والأشراف، والفرسان، والكنائس، والمطارنة؛ وربما كانت أعمال الرهن التي يقوم بها هؤلاء الفرسان أوسع الأعمال المالية التي من هذا النوع في القرن الثالث عشر.
غير أن هذه القروض التي تقدمها الهيئات الكنسية كانت في العادة تستخدم




صفحة رقم : 5371




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقود


في الاستهلاك أو في الأغراض السياسية، وقلما كانت تستخدم في تمويل الصناعة أو التجارة. وبدأ الائتمان التجاري حينما كان الفرد أو الأسرة يستودع التاجر مالاً أو يعهد إليه به يستخدمه في رحلة بحرية معينة أو مشروع معين على أن ينال في نظير هذا جزءاً من المكسب، وكان هذا العمل يسمى في العالم المسيحي إيداعاً Commenda. وكان هذه النظام- نظام الشريك "الموصي" طريقة رومانية قديمة أكبر الظن أن العالم المسيحي الغربي عاد فتعلمها من الشرق البيزنطي. وكان من شأن هذه الطريقة النافعة- طريقة الاشتراك في المكسب دون مخالفة أوامر الكنيسة التي تحرم الربا- أن تنتشر انتشاراً واسعاً؛ وبذلك استحالت "الكمبانية" (Com-panis) أي الاشتراك في الخبز، أو الاستثمار في داخل نطاق الأسرة شركة soietas تضم عدة أشخاص لا يتحتم أن يكونوا كلهم من ذوي القربى ويمولون طائفة أو سلسة من الأعمال بدل أن يمولوا عملاً واحداً. وظهر هذا النوع من المنظمات المالية في جنوى والبندقية في أواخر القرن العاشر، ووصل إلى درجة عليا من الرقي في القرن الثامن عشر، وكان من أسباب نمو التجارة الإيطالية السريع. وكثيراً ما كانت طوائف الاستثمار هذه توزع ما تتعرض له من الأخطار بأن تشتري "أجزاء" أي أسهماً في عدد من السفن أو المشروعات في وقت واحد، ولما أن أصبحت هذه الأسهم (partes) في القرن الرابع عشر قابلة للانتقال، نشأت من هذه الشركة المحاصة joint stock company. وكان أعظم مصدر فردي لرأس المال- أي المال الذي تؤخذ منه نفقات مشروع ما قبل أن يدر دخلاً- هو المالي المحترف. وقد بدأ هذا المالي عمله في الزمن القديم بأن كان صرافاً يبدل النقود ثم استحال من زمن بعيد إلى مراب يستثمر ماله ومال غيره في المشروعات التجارية أو في إقراضها إلى الكنائس، أو الأديرة، أو الأشراف أو الملوك. ومما يجدر التنبيه إليه في هذا المقام أن الدور الذي كان يضطلع به اليهود في إقراض المال قد بولغ فيه كثيراً. لقد كان اليهودي ذوي حول




صفحة رقم : 5372




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقود


وطول في أسبانيا، ولكنهم ظلوا زمناً ما ضعفاء في ألمانيا، وكان يفوقهم الماليون المسيحيون في إيطاليا وفرنسا(39). وكان أكبر مقرض لملوك إنجلترا هو وليم كيد William Cade؛ كما كان أكبر المقرضين في فرنسا وفلاندرز في القرن الثالث عشر أسرتي لوشار Louchard وكرسبان Crespin في أراس(40)؛ وقد وصف وليم البريطوني William the Breton أراس في ذلك الوقت بأنها "مكتظة بالمرابين"(41). وكان من مراكز المال في شمالي أوربا غير المراكز السالفة الذكر مصفق أو بورصة (من bussa أي كيس) أي سوق المال في بروج. وكان من طوائف المرابين المسيحيين طائفة أكبر من هؤلاء جميعاً نشأت في كاهور Cahors إحدى مدن فرنسا الجنوبية يقول ماثيو باريس في وصفها:
وفي تلك الأيام (1235) انتشر وباء الكهوريين Cohorisians البغيض انتشاراً مروعاً لم يكد يبقي معه إنسان في إنجلترا كلها وبخاصة بين المطارنة إلا وقع في شباكهم، ولقد كان الملك نفسه مديناً لهم بمبالغ لا تحصى، وكانوا يخادعون المعوزين ويحتالون عليهم في حاجاتهم، ويغشون ما يقومون به من أعمال الربا بستار الاتجار(42).
وعهدت البابوية شئونها المالية في إنجلترا إلى رجال المصارف الكهوريين فترة من الزمان، ولكن قسوتهم أثارت غضب الإنجليز إلى حد جعلهم يقتلون أحد أفراد تلك الطائفة في أكسفورد، ولعنهم روجر أسقف لندن، ثم نفاهم هنري الثالث من إنجلترا، وندد ربرت جروستست Robert Groseteste أسقف لنكلن وهو على فراش الموت بابتزاز "التجار والصيارفة من رجال مولانا البابا" الذين هم "أغلظ أكياداً من اليهود"(43).
وكان الإيطاليون هم الذين ارتقوا بالأعمال المصرفية في القرن الثالث عشر إلى درجة لم يكن لها مثيل من قبل. فقد نشأت أسر مصرفية عظيمة لتمد التجارة




صفحة رقم : 5373




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقود


الإيطالية الواسعة النطاق بالمال وهو عصب حياتها: ومن هؤلاء أسرتا بونسنيوري Buonsignori وجلراني Gallerani في سينا Siena وأسر فرسكوبلدي Frescobaldi، وباردي Bardi، وبروزي Peruzzi في فلورنس، وأسرتا بيزاني، Pisani وتيبولي Tiepoli في البندقية.. وقد مدت هذه الأسر أعمالها المالية إلى ما وراء جبال الألب، وكانوا يقرضون ملوك إنجلترا وفرنسا الذين لا تنقطع حاجتهم إلى المال مبالغ طائلة، كما كانوا يقرضون الأشراف، والأساقفة، ورؤساء الأديرة، والمدن. وكان البابوات والملوك يستخدمون أولئك المرابين لتحصيل إيرادهم، والإشراف على دور الضرب والشئون المالية، والاستعانة بآرائهم في السياسة. وكانوا يشترون الصوف، والتوابل، والحلي، والحرير جملة، ويمتلكون السفن والنزل في أقصى أوربا وأدناها(44). وقبل أن ينتصف القرن الثالث عشر كان هؤلاء "اللمبارد"، كما كان أهل الشمال يسمون جميع رجال المصارف الإيطاليين، أعظم رجال المال في المال قوة ونشاطاً. وكانوا قوماً مكروهين من أجل ثرائهم؛ لأن الناس في كل جيل يقترضون المال وينددون بمن يقرضونه. وكان قيام هذه الطائفة ضربة قاصمة وجهت إلى رجال المصارف الدوليين اليهود، ولم يتورع أفرادها عن أن يشيروا بنفي منافسيهم ذوي الصبر والجلد(45). وكان أقوى "اللمبارد" جميعاً هم شركات المصارف الفلورنسية، وفي وسعنا أن نعد منها ثمانين شركة بين عامي 1260و1347. وكانت هذه الشركات تمول عملها الحملات السياسية والحربية التي يقوم بها البابوات وتجنى من وراء عملها هذا أرباحاً طائلة، وكانت من حيث هي المصارف التي تمد البابوات بالمال ستاراً نافعاً لتلك العمليات التي قلما كانت تتفق مع آراء الكنيسة عن الربا. وكانت تجنى من الأرباح ما لا يكاد يقل عن أرباح المصارف في هذه الأيام؛ مثال ذلك أن شركة بروزي وزعت على المساهمين فيها أرباحاً قدرها أربعون في المائة في عام 1308(47).




صفحة رقم : 5374




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقود


ولكن هذه الشركات الإيطالية كادت تكفر عن نهمها بما كانت تؤديه من الخدمات الحيوية للتجارة والصناعة. ولما أخذ نجمها في الأفول خلفت وراءها في جميع اللغات الأوربية تقريباً بعض مصطلحاتها وهي ألفاظ banco, credito, debito, cassa, conto, disconto, conto corrente, netto, bilanza, banca rotta ومعناها على التوالي المصرف، والدائن، والمدين، وصندوق النقد أي الخزانة، والحساب، والخصم، والحساب الجاري، والرصيد، والميزان الحسابي، والإفلاس(48).
وكانت الشركات المصرفية الكبرى في البندقية وفلورنس، وجنوى في أثناء القرن الثالث عشر أو قبله تقوم بجميع الأعمال التي تقوم بها المصارف في هذه الأيام كما تدل على ذلك الألفاظ السالفة الذكر. فكانت تقبل الودائع، وتفتح الحسابات الجارية بين الجماعات التي تقوم بسلسلة من الأعمال المالية لم تصل بعد إلى نهايتها، وكان مصرف البندقية منذ عام 1171 ينظم تبادل الحسابات بين عملائه بعمليات مقصورة على عمليات إمساك الدفاتر(49). وكانت تقرض المال، وتقبل ضماناً له الحلي، والدروع الغالية الثمن، والقراطيس المالية الحكومية، أو حق جباية الضرائب أو تدبير شئون الإيرادات. وكانت تخزن البضائع المعدة للنقل إلى خارج البلاد. وكان في مقدورها بفضل علاقاتها الدولية أن تصدر خطابات الاعتماد التي يستطاع بها تسليم المال المودع في بلد ما إلى مودعه أو من ينيبه عنه في بلد آخر- وهي وسيلة مصرفية المعبد(50). وكانت تقوم أيضاً بعكس هذه العملية فتكتب السفاتج: فكان التاجر إذا أخذ بضاعة أو قرضاً، يكتب على نفسه صكاً بأن يسدد ما عليه إلى الدائن قبل وقت معين في إحدى الأسواق الموسمية الكبرى أو في إحدى المصارف الدولية. وكانت هذه الصكوك تسوى بعضها مع بعض في السوق الموسمية أو المصرف بحيث لا يؤدي نقداً إلا صافي




صفحة رقم : 5375




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقود


الحساب بعد التسوية. وبهذه الطريقة أصبحت مئات العمليات المالية والتجارية تسوى من غير أن يكلف المتعاملون أنفسهم مشقة حمل مبالغ طائلة وأثقال كبيرة من النقد أو تبادلها. ولما أصبحت المراكز المصرفية بيوت مقاصة، وفر رجال المصارف على أنفسهم عناء الذهاب إلى الأسواق الموسمية، فكان في وسع التجار المقيمين في سائر أنحاء أوربا أن يسحبوا الأموال من حساباتهم في مصارف إيطاليا ثم تسوى حساباتهم بعمليات إمساك الدفاتر بين المصارف المختلفة. وبهذه الطريقة زادت فائدة النقود وزاد تداولها عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل. ولم يكن "نظام الائتمان"- الذي قام على أساس الثقة المتبادلة أقل مظاهر الثورة الاقتصادية شأناً أو أقلها دلالة على الشرف والأمانة.
كذلك كانت بداية نظام التأمين في القرن الثالث عشر، فكانت نقابات التجار تؤمن أعضاءها من حوادث الحريق، وغرق السفن، وغيرهما من الكوارث والأضرار، بل تعدت هذا النوع إلى تأمينهم من القضايا التي تقام عليهم لجرائم ارتكبوها- سواء كان هؤلاء الأعضاء مذنبين أو بريئين(51). وكانت أديرة كثيرة تعطى المؤمن مرتباً سنوياً طوال حياته. فإذا قدم لها الشخص مبلغاً معيناً من المال تعهدت بأن تمده بالطعام، والشراب، وبالثياب، والمسكن أحياناً، طوال حياته الباقية(53). وقام أحد مصارف بروج منذ القرن الثاني عشر بالتأمين على البضائع، ويبدو أن شركة قانونية للتأمين قد أسست في هذا البلد عام 1310(54). وكان آل باردي في فلورنس يؤمنون الأقمشة التي تنقل بطريق البر من الأخطار التي تتعرض لها في الطريق.
وأصدرت مدينة البندقية أولى السندات الحكومية في عام 1157، وكان سبب إصدارها أن مطالب الحرب اضطرت هذه الجمهورية أن تطلب قروضاً إجبارية من أهلها،- وأنشئت إدارة خاصة لتسليم هذه القروض-، ثم تعطى من يقدمونها شهادات تكون بمثابة ضمان من الحكومة بسداد هذه القروض




صفحة رقم : 5376




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقود


مضافاً إليها فائدة. وأصبحت هذه السندات الحكومية بعد عام 1206 قابلة للتحويل والانتقال من يد إلى يد، وكان من المستطاع بيعها أو شراؤها أو اتخاذها ضماناً للديون. وكانت شهادات مثلها منصوص فيها على مديونية البلدية في كومو Como عام1250 على أنها مساومة لقدر معين من النقود المعدنية. وغذ لم تكن أوراق النقد إلا وعداً من الحكومة بالدفع، فإن هذه الشهادات الذهبية القابلة للتحويل تعد بداية أوراق النقد في أوربا(55).
وتطلبت العمليات المعقدة الخاصة بأصحاب المصارف، والبابوات، والملوك، نظاماً دقيقاً لإمساك الدفاتر. ولذلك امتلأت المحفوظات، ودفاتر الحسابات، وبسجلات الإيجار، والضرائب، والأموال الواردة والمنصرفة، والديون التي لأصحابها أو عليهم. وقد بقيت طرق المحاسبة، التي كانت متبعة في روما في عهد الإمبراطورية، متبعة في القسطنطينية بعد أن ضاعت منذ القرن السابع في أوربا الغربية؛ ومن هذه المدينة أخذها العرب، ثم عادت إلى الوجود في إيطاليا أثناء الحروب الصليبية: وإنا لنجد في الحسابات العامة لمدينة حنوي في عام 1340 نظاماً كاملاً لطريقة الدوبيا -القيد المزدوج- وإن ضياع سجلات جنوى الخاصة بالأعوام المحصورة بين 1278و1340 ليترك لدينا مجالاً للترجيح على أن هذا التقدم كان أيضاً من الأعمال المجيدة التي ظهرت في القرن الثالث عشر(56).




صفحة رقم : 5377




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الربا



الفصل الرابع




الربا


كانت العقيدة الدينية المسيحية في الربا أكبر العقبات في نمو النظام المصرفي وتقدمه. وكان لهذه العقيدة عند المسيحيين ثلاثة مصادر: طعن أرسطو على الربا وقوله إنه عمل غير طبيعي إذ هو توليد المال للمال(57)، وطعن المسيح على الربا(58)، ومعارضة آباء الكنسية للأعمال التجارية وللربا في روما. أما القانون الروماني فقد شرع الربا وكان "رجال شرفاء" أمثال بروتس يتقاضون رباً فاحشاً على أوالهم. وكان أمبروز Ambrouse قد عارض النظرية القائلة إن من حق الإنسان أن يفعل بماله ما يشاء إذ قال:
أتقول "إنه ملكي"؟ ألا فقل لي ماذا تملك؟ أي ثروة جئت بها معك حين خرجت من بطن أمك؟ إن ما تأخذه فوق كفايتك إنما تأخذه بالعنف. فهل الله ظالم إذ لم يوزع وسائل العيش بيننا بالتساوي فتنال أنت منها حظاً موفوراً ويبقى غيرك محتاجاً فقيراً؟ أو هل الأصح من هذا أنه أراد أن يحبوك بدلائل حنوه عليك، في الوقت الذي وهب الذي وهب غيرك من الناس فضيلة الصبر؟ وإذن فهل تظن أنت يا من وهبك الله نعمته أنك لا ترتكب الظلم حين تحتفظ لنفسك أنت وحدك بما يمنك أن يكون مصدر الحياة لكثير من الناس؟ إن الذي تقبض عليه بيدك هو خبز الجياع، وإن ما تخزنه هو كساء العرايا، وإن المال الذي تكتنزه لهو الذي ينقذ الفقراء من بؤسهم(59).




صفحة رقم : 5378




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الربا


واقترب غير أمبروز من آباء الكنسية من الشيوعية؛ فها هو ذا كلمنت الإسكندري يقول: "إن الانتفاع بكل ما في العالم يجب أن يكون حقاً مشاعاً للناس جميعاً. ولكن الناس يظلم بعضهم بعضاً إذ يقول واحد منهم إن هذه الشيء ملكه، ويقول الآخر إن ذاك له، وهكذا حدث الانقسام بين الناس"(60). وكان جيروم يرى أن الكسب كله حرام، كما كان أوغسطين يرى أن جميع "الأعمال" المالية إثم لأنها تصرف الناس عن السعي للراحة الحقة، أعني الله"(61). وكان البابا ليو الأول قد رفض هذه العقائد المتطرفة، ولكن الكنسية ظلت لا تعطف على التجارة، وترتاب في جميع أنواع المضاربات والمكاسب، وتعارض جميع صنوف "الاحتكار" و"الجبء" و"الربا". وكان هذه اللفظ الأخير يطلق في العصور الوسطى على فائدة المال أياً كان قدرها، وفي ذلك يقول أمبروز: "الربا هو كل مال يضاف إلى رأس المال"(62)، وقد أدخل جراتيان Gratian هذا التعريف الجامد في القانون الكهنوتي الذي تسير عليه الكنيسة.
وكانت مجامع نيقية (325)، وأورليان (538)، وماسون Macon، وكليشي (626) وقد حرمت على رجال الدين أن يقرضوا المال ليكسبوا بإقراضه، وتوسعت قوانين شارلمان الصادرة في عام 789 ومجالس الكنيسة التي عقدت في القرن التاسع، في هذا التحريم حتى شمل غير رجال الدين؛ فلما أن عاد القانون الروماني إلى الوجود في القرن الثاني عشر شجعت عودته إرنريوس Irnerius و"الشراح" في بولونيا على الدفاع عن الربا. وكان في وسعهم أن يؤيدوا حججهم بما جاء في قانون جستنيان، ولكن مجلس لاتران الثالث (1179) جدد هذا التحريم وقرر "أن الذين يجهرون بالربا لا يقبلون في العشاء الرباني، وإذا ماتوا وهو على إثمهم لا يدفنون دفن المسيحيين، وليس لقسيس أن يقبل صدقاتهم"(63). وما من شك في أن إنوسنت الثالث كان يرى




صفحة رقم : 5379




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الربا


رأياً أقل صرامة من هذا، لأنه أشار في عام 1206 بأن "يعهد ببائنة الزوجة في بعض الحالات إلى تاجر من التجار" لكي تحصل منها على دخل بطريق الكسب الشريف"(64). غير أن جريجوري التاسع عاد إلى القول بأن الربا هو كل ما يناله الإنسان من كسب نظير قرض(65)، وظل هذا الرأي قانون الكنيسة الرومانية حتى عام 1917.
وكانت ثروة الكنيسة في الأرض لا في التجارة، فقد كانت تزدري التجار كما يزدريهم سادة الإقطاع، أما الأرض والعمل (وتدخل فيه الإدارة) فكان يبدو لها أنهما وحدهما مصدر كل الثروة وكل القيم، وكانت تنظر بعين السخط إلى سلطان طبقة التجار وثرائها المتزايدين لأن هذه الطبقة لم تكن تميل إلى الملاك الإقطاعيين ولا إلى الكنيسة؛ وقد ظلت قروناً طوالاً تظن أن جميع المرابين يهود، وترى من حقها أن تبدي سخطها على الشروط الصارمة التي يفرضها المرابون على الهيئات والمعاهد الدينية التي تحتاج إلى المال. ويمكن القول بوجه عام إن ما بذلته الكنيسة من جهود للإشراف على طرق الكسب كان عملاً مقروناً بالشجاعة يهدف إلى تثبيت قواعد الأخلاق المسيحية، ويسمو على ما كان يدنس الحياة والشرائع اليونانية والرومانية من سجن المدين أو استرقاقه، ولسنا واثقين من أن الناس في هذه الأيام أسعد حالاً مما عساهم أن يكونوا لو عملوا برأي الكنيسة في الربا.
وظل تشريع الحكومات زمناً طويلاً يؤيد موقف الكنيسة في هذه الناحية، وكانت المحاكم المدنية نفسها تحرم الربا(66)، ولكن تبين أن حاجات التجارة أقوى أثراً من خشية السجن أو الجحيم. ذلك أن اتساع نطاق التجارة والصناعة تطلب استخدام المال المتعطل في المشروعات النشيطة، ووجدت الدول في أثناء الحرب أو الأزمات الطارئة أن الاقتراض أيسر من فرض الضرائب؛ وكانت النقابات تقرض المال وتقرضه بالربا، وكان الملاك الذين يرغبون




صفحة رقم : 5380




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الربا


في توسيع أملاكهم، أو يسافرون للاشتراك في الحروب الصليبية يرحبون بالمرابي، بل إن الكنائس نفسها والأديرة كانت تتغلب على أزماتها، أو نفقاتها المتزايدة، أو حاجتها للمال بالالتجاء إلى "اللمبارد" أو الكهوريين أو اليهود.
واستطاع الناس أن يجدوا بذكائهم منافذ لهم في هذا القانون، من ذلك أن المقترض كان يبيع الأرض رخيصة للمقرض، ويترك له حق الانتفاع بريعها نظير فائدة ماله، ثم يعود بعدئذ فيشتري الأرض منه (البيع الوفائي). أو كان المالك يبيع للدائن جزءاً من ريع أرضه أو دخلها، أو ريعها أو دخلها كلهما. مثال ذلك أنه إذا باع أ إلى ب ريع جزء من أرضه يغل عشر جنيهات بمبلغ مائة جنيه، فإن ب في واقع الأمر يقرض أ مائة جنيه بفائدة قدرها عشرة في المائة. وكانت أديرة كثيرة تستثمر أموالها بهذه الطريقة- وبخاصة في ألمانيا حيث اشتق اللفظ المقابل للفائدة Zins من اللفظ اللاتيني الذي كان يطلق في العصور الوسطى على الريع Census(67). كذلك كانت المدن تقرض المال بأن تبيع المقرض جزءاً من دخلها(68). وكان الأفراد والهيئات ومنها الأديرة تقرض المال نظير عطايا تنالها سراً أو بيوع صورية(69)، حتى لقد شكا البابا ألكسندر الثالث في عام 1163 من أن "كثيرين من رجال الدين (وبخاصة في الأديرة)" يقرضون المال لمن هم في حاجة إليه، ويرتهنون أملاكهم ضماناً له، ثم يحصلون على ثمار هذه الأملاك المرتهنة مضافة إلى رأس المال المقرض، وإن كانوا يحجمون عن الربا المألوف لأنه محرم تحريماً صريحاً"(71). وكان بعض المدينين يتعهدون بدفع "تعويضات" تزيد زيادة مطردة عن كل يوم أو شهر يتأخرون فيه عن أداء الدين، وكان يوم السداد يحدد عمداً في أجل قريب حتى تصبح هذه الفائدة الخفية محققة لا مفر من أدائها(71). وكان الكهوريون يقرضون بعض الأديرة المال على هذا الأساس




صفحة رقم : 5381




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الربا


بشروط ترفع سعر الفائدة إلى ستين في المائة في السنة . وكانت بعض الشركات المصرفية تقرض المال جهرة بالربا وتدعى الحصانة من القانون، لأنه في رأيها لا ينطبق إلا على الأفراد، ولم تكن مدن إيطاليا ترى أية غضاضة في دفع فوائد عن سنداتها الحكومية، وبلغ انتشار الربا حداً جعل إنوسنت الثالث يجهر في عام 1208 بأنه لو طرد جميع المرابين من الكنيسة كما يتطلب ذلك القانون الكنسي، لوجب إغلاق الكنائس جميعها(73).
واضطرت الكنيسة على كره منها أن تكيف نفسها وفق الظروف الواقعية، فتقدم القديس تومس أكويناس حوالي عام 1250 بجرأة عظيمة بمبدأ كهنوتي جديد عن الربا قال فيه إن من يستثمر ماله في مشروع تجاري يحق له شرعاً أن ينال نصيباً من ربحه إذا شارك فعلاً في التعرض للخسارة(74)، وفسرت الخسارة بأنها تشمل التأخر في أداء الدين عن تاريخ معين مشروط(75). وارتضى القديس بونافنتورا St. Bonaventura والبابا إنوسنت الرابع هذا المبدأ وتوسعاً فيه حتى قالا بشرعية أداء عوض للدائن نظير ما يصيبه من الخسارة لعدم انتفاعه براس ماله(76). وأقر البابا مارتن Martin الخامس في عام 1425 شرعية بيع الريع، ثم ألغت معظم الدول الأوربية بعد عام 1400 ما وضعته من القوانين لتحريم الربا، ولم يكن تحريم الكنيسة إلا كاملاً مهملاً يتفق جميعاً على




صفحة رقم : 5382




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الربا


إغفاله. وحاولت الكنيسة أن تجد حلاً للمسألة بتشجيعها القديس برنردينو الفلتري St. Bernardino وغيره من رجال الدين على أن ينشئوا ابتداء من عام 1251 ما يسمى "تلال الحب" -montes pietattis- حيث كان في وسع المحتاجين الموثوق بأمانتهم أن يحصلوا على قروض من غير فائدة إذا أودعوا شيئاً لهذا القرض. ولكن هذه "التلال" التي كانت متقدمة لمحال الرهون الحاضرة لم تعالج إلا جانباً صغيراً من المشكلة، وبقيت حاجات التجارة والصناعة كما كانت من قبل، ووجدت رؤوس الأموال للوفاء بهذه الحاجات.
وكان المرابون المحترفون يتقاضون فوائد باهضة، ولم يكن هذا لأنهم شياطين لا ضمير لهم، بل كان سببه أنهم يتعرضون لخسارة مالهم وفقد حياتهم؛ ذلك أنهم لم يكن في مقدورهم على الدوام أن يلزموا مدينيهم بأن يوفوا بالتزاماتهم بالتجائهم إلى القانون، وكانت مكاسبهم عرضة لأن يستولي عليها الملوك أو الأباطرة، وكانوا معرضين في أي وقت من الأوقات لخطر النفي من البلاد، وكانوا في كل حين مكروهين ملعونين. وما أكثر القروض التي لم ترد لأصحابها؛ وما أكثر المدينين الذين ماتوا مفلسين، أو انضموا إلى جيوش الصليبيين، وأعفوا من أداء الفوائد، ثم لم يعودوا منها أبداً. وإذا عجز المدينون عن الوفاء، لم يكن في وسع الدائنين إلا أن يرفعوا سعر الفائدة على الديون الأخرى؛ إذ ينبغي أن تتحمل الديون الرابحة خسائر الديون الخاسرة كما تتحمل أثمان السلع التي تستريها نفقات السلع التي تتلف قبل بيعها. وكان السعر في فرنسا وإنجلترا في القرن الثاني عشر يتراوح بين 33% و43% (77)، وكان يبلغ في بعض الأحيان 86%؛ وقد انخفض في إيطاليا في عهد الرخاء إلى 12.5% والى 20%(78). وحاول فردريك الثاني حوالي عام 1240 أن يخفض هذا السعر




صفحة رقم : 5383




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الربا


إلى 10%، ولكنه سرعان ما أدى سعراً أعلى من هذا لدائنيه المسيحيين. وكانت حكومة نابلي تجيز أن يكون أعلى سعر قانوني للفائدة 40%(79). وكان السعر ينخفض كلما زاد ضمان القروض، وزادت المنافسة بين المقرضين؛ وبعد أن تخبط الناس في ألف من التجارب والأخطار عرفوا كيف يستخدمون الأدوات المالية الجديدة، أدوات الاقتصاد التقدمي، وبدأ بذلك عصر المال في أثناء عصر الإيمان.




صفحة رقم : 5384




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقابات الطائفية



الفصل الخامس




النقابات الطائفية


كان في روما عدد لا حصر له من الجماعات تطلق عليها أسماء مختلفة: طوائف، وهيئات، واتحادات، ونقابات. كانت فيها جماعات للصناع، والتجار والمقاولين، والأندية السياسية، والإخوة السرية، والإخوة الدينية. ترى هل بقيت جماعة من هذه الجماعات فنشأت عنها النقابات الطائفية التي كانت قائمة في العصور الوسطى؟.
لدينا رسالتان من رسائل جريجوري الأول (590-604) تشيران إلى وجود هيئة من صناعي الصابون في نابولي، وأخرى من الخبازين في أترانتو؛ ونقرأ في كتاب قوانين الملك بوثارس Botharis اللمباردي (636-652) عن "الرؤساء الكوموسيين"، ويلوح أن هؤلاء كانوا كبار البنائين من كرمو Como ويسمي بعضهم بعضاً الزملاء Collegantes- أي الذين يزامل بعضهم بعضاً في جماعة واحدة(80). وقد ورد ذكر جماعات لعمال النقل كانت قائمة في روما في القرن السابع وفي ورمز في القرن العاشر(81). وظلت النقابات القديمة قائمة في الإمبراطورية البيزنطية- إلى جماعة الخبازين في القرن السادس، والى هيئات الموثقين والتجار في القرن التاسع، والسماكين في القرن العاشر، والى موردي الأطعمة في القرن الحادي عشر. ونسمع عن جماعات الصناع في البندقية في القرن التاسع، وبجماعة للبستانيين بروما في القرن الحادي عشر(82). وما من شك في أي أن الكثرة الغالبة من النقابات والاتحادات في الغرب قد قضت عليها غارات القبائل المتبربرة، وما أعقبها من فاقة، ومن عودة العمال إلى الأعمال الزراعية




صفحة رقم : 5385




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقابات الطائفية


ولكن يبدو أن بعضها قد بقي في لمباردي؛ ولما أن عادت التجارة والصناعة إلى الانتعاش في القرن الحادي عشر، كانت الظروف التي أوجدت الجماعات القديمة هي التي بعثت النقابات الطائفية بعثاً جديداً.
ومن أجل هذا كانت النقابات الطائفية أقوى ما تكون في إيطاليا، حيث بقيت الهيئات والأنظمة الرومانية القديمة حافظة لكيانها على خير وجه. ففي فلورنس مثلاً نجد في القرن الثاني عشر اتحادات للحرف- كالموثقين، وصناع الملابس، وتجار الصدف، وأصحاب المصارف، والأطباء، والصيادلة، والبزازين، وتجار الفراء، والدابغين، وصانعي الأسلحة، وأصحاب النزل...(83) ويلوح أن هذه النقابات الطائفية قد أنشئت على غرار نظائرها في القسطنطينية(84). ويبدو أن تدمير الاتحادات الطائفية القديمة كان في شمال جبال الألب أتم منه في إيطاليا، ولكننا مع ذلك نجد لها ذكراً في شرائع دجوبرت Dagobert الأول (630)، وشرائع شارلمان (779-789)، وأوامر هنكمار كبير أساقفة ريمس (852). وعادت النقابات الطائفية إلى الظهور في فرنسا وفلاندرز في القرن الحادي عشر، وسرعان ما تضاعف عددها وأطلق عددها وأطلق عليها اسم "المتصدقين" أو "الإخوة" أو "الشركات". وتفرعت النقابات الطائفية (الهانز) في ألمانيا من الجماعات القديمة markgenossenschaften- وهي هيئات محلية لتبادل المعونة، وأداء الشعائر الدينية، والاحتفال بالأعياد. واستحال كثير من هذه الجماعات قبل أن يحل القرن الثاني عشر إلى اتحادات للصناعات والحرف، وقبل أن يحل القرن الثالث عشر بلغت هذه الاتحادات من القوة درجة أمكنها بها أن تنازع المجالس البلدية سلطتها السياسية والاقتصادية(85)، ولم تكن العصبة الهانسية إلا واحدة من هذه الاتحادات. وورد ذكر النقابات الطائفية الإنجليزية لأول مرة في قوانين الملك أين Ine، (688-726) فقد ذكر فيها لفظ "ججلدان" Gegilan- وهي جماعات كان يُساعد بعضها بعضاً




صفحة رقم : 5386




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقابات الطائفية


فيما يفرض عليهم من مال "الفداء". وكانت كلمة جلد gild الإنجليسكسونية (التي اشتقت منها كلمة guild أي النقابة الطائفية في العصور الوسطى وهي قريبة في أصلها من كلمة geld الألمانية وكلمتي gold وyield الإنجليزيتين) تعني في أول الأمر الاشتراك في مال عام، ثم أصبحت تعني فيما بعد الاشتراك في الجماعة التي تشرف على هذا المال. ووردت أقدم إشارة إلى النقابات الطائفية الإنجليزية في عام 1093، ولم يحل القرن الثالث عشر حتى كان لكل مدينة مهمة في إنجلترا تقريباً نقابة طائفية أو أكثر من نقابة، وحتى كان نوع من "الاشتراكية النقابية" البلدية يسيطر على أحوال الناس في إنجلترا وألمانيا.
وكانت نقابات القرن الحادي عشر الطائفية جميعها تقريباً نقابات للتجار، ولم تكن تضم إلا التجار المستقلين ورؤساء العمال، وكانت تحرم من الانضمام إليها جميع من يعتمدون على غيرهم، وكانت هيئات تعمل صراحة لفرض قيود على التجارة، فكانت عادة تحمل المدن التي توجد فيها على أن تمنع بالضرائب الجمركية الحامية المرتفعة أو بغيرها من الوسائل دخول السلع التي تنافس ما تصنعه هي؛ وإذا ما سمح لهذه البضائع الأجنبية بدخول المدينة بيعت بأثمان تحددها النقابة التي تؤثر دخولها في بضائعها هي. وكثيراً ما كانت إحدى نقابات التجار الطائفية تحصل من المقاطعة أو الملك على ترخيص باحتكار سلعة أو سلع في الإقليم الذي تعمل فيه أو الدولة كلها. مثال ذلك أن الشركة الباريسية للنقل التجاري المائي كادت تملك نهر السين كله. وكانت النقابة الطائفية ترغم الصناع عادة بأوامر تصدرها المدينة أو بالضغط الاقتصادي على ألا تعمل معها أو برضاها وألا تبيع ما تنتجه إلا للنقابة أو عن طريقها.
وأصبحت أكبر هذه النقابات على مر الزمن هيئات متحدة قوية، تتجر في أنواع مختلفة من البضائع، وتشتري المواد الغفل جملة، وتؤمن التجارة من الخسائر، وتنظم توريد الطعام لمدنها ونقل فضلاتها، وترصف الشوارع، وتنشئ




صفحة رقم : 5387




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقابات الطائفية


الطرق والأحواض وتعمق المرافئ، وتؤمن الطرق الرئيسية بتعيين الشرطة فيها، وتشرف على الأسواق، وتنظيم الأجور، وساعات العمل وظروفه، وشروط التمرن على الصناعات، وطرق الإنتاج والبيع، وأثمان المواد الخام والمصنوعات(87). وكانت تحدد للسلع أربع مرات أو خمس مرات في كل عام "ثمناً عادلاً" تراه حافزاً قوياً للإنتاج ومجزياً لجميع المهتمين بها. وكانت تزن وتختبر وتعد جميع ما يشتري ويباع من الحاصلات المتصلة بحرفتها وفي الدائرة التي تعمل فيها، وتبذل كل ما في وسعها لتمنع البضائع المغشوشة أو المنحطة من دخول السوق(88). وكانت النقابات تتحد لمقاومة اللصوص، وسادة الإقطاع، والمكوس، والعمال المشاكسين، والحكومات التي تفرض الضرائب الفادحة. وكان لها شأن كبير في السياسة، وكانت تسيطر على كثير من المجالس البلدية، وكثيراً ما أمدت الأقاليم بتأييد قوى في كفاحها ضد الأشراف والأساقفة والملوك، ثم تطورت هي آخر الأمر فأصبحت هيئة ألجركية من التجار والماليين.
وكان لكل نقابة طائفية في العادة غرفتها الخاصة، وكان بعض هذه الغرف في العصور الوسطى صروحاً مزخرفة أحسن زخرف. وكان لها طائفة من الموظفين الكبار، ومسجلين، وخزنة للأموال، ومأمورين، وشرطة... وكانت لها محاكمها الخاصة يحاكم فيها أعضاؤها، وكانت تحتم على أعضائها أن يعرضوا منازعاتهم على محكمة النقابة الطائفية قبل أن يلجئوا إلى قانون الدولة. وكانت تفرض على أعضائها أن يمدوا بالمعونة زملائهم النقابيين في حالات المرض والكوارث، وأن تنقذهم أو تفتديهم إذا هوجموا أو سجنوا(89). وكانت تشرف على أخلاق أعضائها وآدابهم، وثيابهم، وتفرض عقوبة على كل من يحضر اجتماعاتها بغير جورب. وحدث أن اشتبك عضوان من نقابة التجار في ليستر Leicester في تلاكم في سوق بسطن Boston فما كان من زملائهما إلا أن فرضوا عليهما غرامة قدرها برميل من الجعة، يشربه أعضاء النقابة(90). وكان لكل نقابة




صفحة رقم : 5388




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقابات الطائفية


طائفية عيد سنوي تمجد فيه شفيعها القديس، يبدأ بصلاة قصيرة يقضون بعدها اليوم كله في يدمنون الشراب. وكانت النقابة تشترك في تمويل كنائس المدينة صغيرها وكبيرها وتزيينها، وفي إعداد التمثيليات الدينية التي نشأت منها المسرحيات الحديثة وفي تمثيلها. وكان كبار رجالها يمشون الاستعراضات البلدية بأثوابهم الزاهية، رافعين أعلام حرفهم في مواكب فخمة. وكانت تؤمن أعضاءها من الحريق، والفيضان، والسرقة، والسجن، والعجز، والشيخوخة(91). وكانت تنشئ المستشفيات، وبيوت الصدقات، وملاجئ الأيتام والمدارس؛ وتتحمل نفقات جنازات الموتى والصلوات التي تنجي أرواحهم من العذاب في المطهر، وقلما كان الأغنياء من أعضائها ينسونها في وصاياهم.
وكان أرباب الحرف في كل صناعة ممنوعين عادة من الانضمام إلى نقابات التجار الطائفية، وإن كانوا خاضعين لنظمها الاقتصادية وسلطانها السياسي، ولهذا أخذوا في القرن الثاني عشر يؤلفون في كل بلدة نقابات طائفية خاصة بهم، فنجد في 1099 نقابات لطوائف النساجين في لندن ولنكلن، وأكسفورد، وحذا حذوهم بعد قليل من ذلك الوقت القصارون ودابغو الجلود، والقصابون، والصياغ... وانتشرت هذه النقابات الطائفية في القرن الثالث عشر في جميع أنحاء أوربا وسميت فيها بأسماء مختلفة كأرباب الحرف، والجمات، فكان في مدينة البندقية منها ثمان وخمسون، وفي جنوى ثلاث وثلاثون، وفي فلورنس إحدى وعشرون، وفي كولوني ست وعشرون، وفي باريس مائة. وفي عام 1245 أصدر إتين بوالو Etienne Boileau "شهبندر التجار" في أيان لويس التاسع "كتاباً للحرف" رسمياً أثبت فيه القواعد والنظم الخاصة بمائة نقابة طائفية ونقابة قائمة في باريس. ومما يثير الدهشة ما يحتويه هذا التثبت من تقسيم للعمل: فكانت في صناعة الجلد مثلاً اتحادات خاصة بعمال السلخ، والدباغة، والأساكفة، وصناع عدد الخيل، وصناع السروج، وصناع الأدوات




صفحة رقم : 5389




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقابات الطائفية


الجلدية الدقيقة. وكان في النجارة اتحادات خاصة بكل من عمال الصناديق، والأثاث، وبناء السفن، وصناع العجلات، والبراميل، وفاتلي الحبال. وكانت كل نقابة طائفية تحرص على أسرار حرفتها، وتحيط ميدان عملها بسياج يصد عنه من لا ينتمي إليه، وتشغل نفسها بكثير من المنازعات القضائية الخاصة بهذه الحرفة(92).
وكانت نقابة الحرف الطائفية تتخذ لها شكلاً دينياً، وقديساً شفيعاً، وتنزع إلى الاحتكار؛ وكانت في هذا كله تساير روح العصر الذي تعيش فيه. ولم يكن في وسع أحد عادة أن يشتغل بحرفة إلا إذا كان عضواً في النقابة الخاصة بها(93) وكان جميع المنتمين إلى الحرفة هم الذين يختارون زعماءها مرة في كل عام، ولكنهم كانوا كثيراً ما يختارون لأقدميتهم في النقابة أو لثروتهم. وكانت أنظمة النقابة- بالقدر الذي تسمح به نقابات التجار، وأوامر البلديات، والقوانين الاقتصادية- تعين الأحوال التي يعمل فيها أعضاؤها، والأجور التي يتقاضونها، والأثمان التي يحددونها. وكانت قواعد النقابات تحدد عدد الرؤساء في كل منطقة، وعدد الصبيان الذين يدربون عند كل رئيس، وتحرم استخدام نساء في الصناعات عدا زوجة الرئيس؛ كما كانت تحرم استخدام الرجال بعد الساعة السادسة مساء، وتعاقب الأعضاء لما يطلبونه من أثمان عالية، وما عساهم يقدمون عليه من معاملات غير شريفة أو يصنعونه من سلع يستخدمون فيها مواد بالية. وكانت النقابة في كثير من الأحيان تدمغ منتجاتها بطابعها أو علامتها التجارية ليكون هذا شهادة منها بجودة نوعها، وكان هذا العمل موضع فخر لها(94)؛ وقد أخرجت نقابة النسيج في بروج من المدينة عضواً من أعضاء النقابة زور طابع مدينة بروج على بضاعة رديئة(95). وكانت النقابة تعارض في قيام المناقشة بين الرؤساء في زيادة مقدار الإنتاج أو خفض ثمنه، خشية أن يتمكن أعظم الرؤساء مهارة أو أكثرهم جداً من أن يزيدوا ثروتهم على حساب غيرهم من الرؤساء،




صفحة رقم : 5390




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقابات الطائفية


ولكنها كانت تشجع المنافسة التي قوم بين الرؤساء أو بين المدن لتحسين نوع المنتجات. وكانت نقابات الحرف تقوم بما تقوم به نقابات التجار من بناء المستشفيات والمدارس، وتقوم بالتأمين المختلف الأنواع، وتقدم المعونة إلى الفقراء من أعضائها، والبائنات إلى بناتهم، وتدفن موتاهم، وتعني بأراملهم، وتتبرع بالعمال والمال لبناء الكنائس الصغير والكبيرة، وتصور العمليات التي تؤديها، وتنقش شاراتها على زجاج الكنائس.
ولم تمنع النزعة الأخوية بين رؤساء نقابات الحرف أن يكون فيها درجات متفاوتة في العضوية والسلطان، فكان في الدرجة السفلى منها صبي التمرين الذي يبلغ العاشرة أو الثانية عشرة من العمر، يرسله والداه ليعيش مع صانع متمرن مدة من الزمن تتراوح بين ثلاث سنين واثنتي عشرة سنة، ويقوم بخدمته في حانوته ومنزله. وكان يمنح في نظير هذه الخدمة الطعام، والكساء، والمأوى، وتعلم الحرفة، ويعطى في السين الأخيرة من الخدمة أجراً وأدوات؛ فإذا ما قضي مدة التمرين أعطى منحة من المال يبدأ بها عمله مستقلاً، فإذا هرب من معلمه أعيد إليه وعوقب على هربه، فإذا داوم على الهرب حرم عليه الاشتغال بالحرفة. وإذا أتم خدمته عين عاملاً بالمياومة، ينتقل من رئيس إلى رئيس ويعمل بأجر يومي. فإذا مر عليه وهو بهذه الحال عامان أو ثلاثة أعوام، وكان لديه من المال ما يستطيع به فتح حانوت مستقل امتحن لمعرفة كفايته الفنية أمام لجنة من أعضاء نقابته الطائفية، فإذا اجتاز الامتحان أصبح رئيساً. وكان يطلب إلى الرئيس أحياناً- ولم يكن هذا إلا في أواخر العصور الوسطى- أن يعرض على رؤساء النقابة عينة من صنعه يرضون عنها.
وكان الصائغ الذي تخرج على هذا النحو- أو الرئيس كما كانوا يسمونه- يمتلك أدواته، وكان في العادة ينتج سلع الاستهلاك التي يطلبها المستهلك مباشرة، وكان هذا المستهلك في بعض الأحيان يقدم له المادة الغفل، وكان يحق له أن يأتي




صفحة رقم : 5391




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقابات الطائفية


أي وقت ليراقب سير العمل. ولم يكن الوسيط في هذا النظام هو الذي يسيطر على المسالك القائمة بين صانع السلعة والمنتفع بها. وكانت السوق التي ينتج لها الصانع هي التي تحدد ما ينتجه، وكانت هذه السوق عامة أو لأهواء المستثمرين أو المشترين البعيدين عنه؛ ولم يكن يعرف ما يطرأ على السوق من تقلبات اقتصادية جنونية بين رخاء تارة وكساد تارة أخرى. وكانت ساعات عمله كثيرة تختلف من ثمان إلى ثلاث عشرة ساعة- ولكنه كان يختارها بنفسه، ويعمل على مهل، ويستمتع بكثير من الأعياد الدينية، وكان يأكل الطعام المغذي المفيد، ويبتاع الأثاث المتين ويلبس الثياب البسيطة الطويلة الأجل، وكانت له حياة ثقافية لا تقل عن حياة الصانع في هذه الأيام إن لم يكن خيراً منها. نعم إنه لم يقرأ كثيراً، وكان لهذا ينجو من كثير من السخف الباطل المضل، ولكنه كان يشترك اشتراكاً فعلياً في المغاني، والمراقص، والتمثيليات، والشعائر الدينية التي تقام في بيئته.
وظلت النقابات الطائفية طوال القرن الثالث عشر يزداد عددها، ويعظم سلطانها، وكانت قيداً ديمقراطياً يحد من سلطان نقابات التجار الألجركية. غير أن نقابات الصناع الطائفية أصبحت على مر الزمن أرستقراطية عمال، تنزع إلى قصر رؤساء الصناع على أبناء الصناع أنفسهم، وخفض أجور عمال المياومة الذين ثاروا عليها في القرن الرابع عشر ثورات كثيرة أضعفت سلطانها، وتضع العقبات المطردة الزيادة في سبيل من يريدون الانضمام إليها، أو الدخول في البلدان التي تقوم فيها(96). على أنها كانت منظمات ممتازة لعصر صناعي، كثيراً ما ضيقت صعاب النقل فيه الأسواق التي تصرف فيها السلع وجعلتها مقصورة على المشترين المحليين، ولم تكن رؤوس الأموال المتجمعة من الكثرة والسيولة بحيث تكفي




صفحة رقم : 5392




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> النقابات الطائفية


لتمويل الأعمال التجارية والصناعية الواسعة النطاق. فلما ظهرت الأموال المتجمعة فقدت النقابات، سواء كانت نقابات تجار أو أرباب حرف، ما كان لها من إشراف على السوق، ومن ثم فقدت ما كان لها من إشراف على ظروف العمل. وقضت الثورة الصناعية على هذه النقابات في إنجلترا بسبب ما حل بها من نكبات ناشئة من تغير الأحوال الاقتصادية؛ ثم ألغتها الثورة الفرنسية إلغاء فجائياً تاماً، لأنها كانت في نظر القائمين بهذه الثورة لا تتفق مع حرية العمل وكرامته، وهما الحرية والكرامة اللتان كلفتهما قبل في ساعة من ألمع الساعات.




صفحة رقم : 5393




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)



الفصل السادس




الحكومات المحلية (القومونات)


أحدثت الثورة الاقتصادية التي تمخض عنها القرنان الثاني عشر والثالث عشر ثورة أخرى في المجتمع ونظم الحكم، شأنها شأن الثورتين اللتين تمخض عنهما القرنان الثامن عشر والعشرون. ذلك أن طبقات جديدة نشأت في عالم السلطتين الاقتصادية والسياسية، وحققت للمدينة في العصور الوسطى ذلك الاستقلال القوي الذي نشأ عنه كثير من النزاع والخصام، والذي بلغ غايته في عصر النهضة.
هذا وإن الجدل الثائر حول الوراثة والبيئة ليمتد أثره إلى نشأة مدن أوربا كما يمتد إلى نشأة نقاباتها؛ ترى هل نشأت هذه المدن من البلديات الرومانية، أو أنها أثر من آثار التطور الاقتصادي الذي ظل يجري في مجراه زمناً طويلاً؟ الحق أن كثيراً من المدن الرومانية قد حافظت على وجودها المستمر خلال قرون الفوضى والفقر والانحلال؛ ولكن عدداً قليلاً منها في إيطاليا وفرنسا الجنوبية الشرقية هي التي احتفظت بالنظم الرومانية القديمة، ولم يحتفظ بالقانون الروماني القديم إلا أقل من هذا العدد القليل. وأما في شمال الألب فإن قوانين القبائل الهمجية طغت على التراث الروماني، وتسربت بعض العادات السياسية السائدة في القبيلة والقرية الألمانية إلى البلديات القديمة. وكانت الكثرة الغالبة من المدن القائمة في شمال جبال الألب تابعة للأملاك الإقطاعية يحكمها موظفون معينون من قبل سادة الإقطاع وتتحكم إرادتهم في شئونها، ذلك أن النظم البلدية كانت غريبة غير مألوفة عند الفاتحين التيوتون، أما النظم الإقطاعية فكانت هي الطبيعية




صفحة رقم : 5394




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


المألوفة عندهم، ولهذا نشأت مدينة العصور الوسطى خارج إيطاليا من تطور المراكز والطبقات والسلطات التجارية.
وقامت المدينة الإقطاعية عادة على ربوات عالية، عند ملتقى الطرق، أو على ضفاف المجاري المائية الحيوية، أو عند الحدود. وكانت الصناعات والحرف المتواضعة التي تشغل بها سكان المدن قد نشأت ببطيء حول أسوار القصر الإقطاعي أو الدير المحصن؛ ولما خفت وطأة غارات الشماليين والمجر اتسع نطاق هذا النشاط القائم خارج الأسوار، وتكاثر عدد الحوانيت، واستقر التجار والصناع الذين كانوا من قبل أشخاصاً عابرين وأصبحوا من أهل المدن المقيمين الدائمين. غير أن الخوف وعدم الأمان عادا في أيام الحرب إلى ما كانا عليه من قبل، فأنشأ الأهلون المقيمون خارج السور سوراً ثانياً أطول محيطاً من الخندق الإقطاعي ليحتموا في داخله هم وحوانيتهم وبضائعهم. وظل السيد الإقطاعي أو الأسقف يملك ويحكم هذه المدينة التي اتسعت رقعتها بوصفها جزءاً من أملاكه، ولكن سكانها المتزايدين كان يزاد بينهم العنصر التجاري والدنيوي، فأخذوا يتبرمون من الفروض والسيطرة الإقطاعية، ويعملون سراً وعلناً ليستخلصوا للمدينة حريتها.
ونشأت من التقاليد السياسية القديمة والحاجات الإدارية الجديدة جمعية من المواطنين وطائفة من الموظفين؛ وشرعت هذه الحكومة المحلية- الهيئة السياسية- تأخذ على عاتقها شيئاً فشيئاً تنظيم شئون المدينة- البقعة الجغرافية. واستخدم أفراد هذه الهيئة الذكاء الذي هو من طبيعتهم ليثروا سيد على سيد- الشريف على الأسقف، والفارس على الشريف، والملك على كل واحد من هؤلاء الثلاثة أو عليهم جميعاً. وسلك أهل المدن سبلاً كثيرة مختلفة ليحصلوا بها على حريتهم: منها أن يقسموا أغلظ الأيمان أن يمتنعوا عن أداء المكوس والضرائب التي يفرضها عليهم الشريف أو الأسقف، ويقاوموا من يريد جباتها منهم؛ ومنها أن يعرضوا على السيد الإقطاعي مبلغاً محدوداً من المال جملة واحدة




صفحة رقم : 5395




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


أو قسطاً سنوياً يشترون به ميثاقاً ينص على حريتهم. ونال أهل المدن التي تدخل في أملاك الملك الخاصة استقلالهم الذاتي بهبات من المال يؤدونها له أو خدمات يقومون بها في الحرب. ومن المدن ما أعلنت استقلالها دون مبالاة، وثارت ثورات عنيفة دفاعاً عن هذا الاستقلال. فقد حاربت مدينة تور مثلاً اثنتي عشرة حرباً قبل أن تنال حريتها. وباع عدد من سادة الإقطاع المدينين أو المحتاجين، وبخاصة من كان يستعد منهم للحروب الصليبية، مواثيق بالحكم الذاتي للمدن التي يسيطرون عليها إقطاعياً؛ وكانت هذه هي الطريقة التي نالت بها كثير من المدن الإنجليزية الحكم الذاتي من رتشرد الأول. ومن سادة الإقطاع، وبخاصة في فلاندرز، من أعطوا مواثيق بالحرية الناقصة للمدن التي كان نماؤها الاقتصادي سبباً في زيادة دخلهم. وقاوم رؤساء الأديرة والأساقفة هذه النزعة الاستقلالية أطول من غيرهم لأن يمينهم التي اقسموها حين تولوا مناصبهم كانت تحتم عليهم ألا ينقصوا موارد أديرتهم أو كراسيهم الأسقفية، وهي الموارد التي كانوا يعتمدون عليها في أداء واجباتهم الكثيرة، ومن اجل هذا كان كفاح المدن ضد حاكميها من رجال الدين شاقاً مريراً إلى أقصى حد.
وكان ملوك أسبانيا يبسطون رعايتهم على الحكومات المحلية ليتخذوها معولاً لتقويض سلطان الأشراف المشاكسين، ولهذا كانت المواثيق التي منحوها للمدن كثيرة بعيدة المدى في الحرية، وعلى هذا الأساس نالت ليون Leon عهدها من ملك قشتالة في عام 1020 ونالته برغوس Burgos في عام 1073، وناجيرا Nagera في عام 1076، وطليطلة في عام 1085، ونالته بعدها بزمن قليل، كمبستيلا Compostela، وقادس، وبلنسية، وبرشلونة. وأفاد الإقطاع في ألمانيا، وأفادت المدن في إيطاليا، من الضعف الذي حل بالإمبراطورية والبابوية كلتيهما أثناء الحروب التي شبت بينهما بسبب التنازع على المناصب والسلطان وغير ذلك من أسباب الخصام بين الكنيسة والدولة، وكان للمدن القائمة في شمالي




صفحة رقم : 5396




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


إيطاليا من السلطان السياسي ما لا يكاد يعرف له نظير قبل ذلك الوقت او بعده؛ وكما كانت المجاري المتدفقة من جبال الألب تمد بمائها الأنهار العظيمة في لمبارديا وتسكانيا، فتحمل المتاجر وتخصب السهول، كذلك كانت تجارة أقاليم أوربا الواقعة في شمال الألب وتجارة آسيا الغربية اللتان تلتقيان في شمالي إيطاليا سبباً في نشأة طبقة تجارية وسطى استخدمت ثروتها في تجديد المدن القديمة، وتشييد مدن جديدة، وتشجيع الآداب والفنون بالمال الوفير، وبث روح العزة والإباء التي حطمت بها أغلال الإقطاع.
وأخذ الأشراف يشنون من قصورهم الحصينة في الريف حرباً خاسرة على حركة استقلال المدن والحكم الذاتي فيها؛ فلما خضعوا لما لابد من الخضوع له، انتقلوا إلى الإقامة في المدن الكبيرة وأقسموا يمين الولاء لحكوماتهم المحلية. أما الأساقفة، الذين ظلوا قروناً طوالاً الحكام الحقيقيين والحكام القادرين الحازمين لبلدان لمبارديا، فقد خضعوا لهذه الحكومات بمساعدة البابوات، وكانوا قد تجاهلوا هذه السلطة من زمن بعيد. فأخذنا نسمع منذ عام 1080 عن "قناصل" يحكمون لوقا Lucca، ثم نجدهم في عام 1084 في بيزا، وفي عام 1098 في أرزو Arezzo، وفي عام 1099 في جنوى، وفي عام 1105 في بافيا، وفي عام 1138 في فلورنس. وظلت مدائن شمالي إيطاليا حتى القرن الخامس عشر تعترف بسيادة الإمبراطورية الرسمية وتصدر أوراقها الحكومية باسمها(97)؛ ولكنها كانت من الوجهة العملية الواقعية حرة مستقلة، وقد عاد إليها العهد القديم عهد المدينة- الدولة بكل ما فيه من فوضى ومن حافز.
وتطلب تحرير المدن في فرنسا كفاحاً عنيفاً في كثير من الأحيان؛ فقد أفلح الأساقفة الحاكمون في له مان Le Mans (1069)، وكمبرية (1076) وريمس (1139)، بما كانوا يصدرونه من أحكام الحرمان تارة وبالقوة تارة أخرى، أفلحوا في القضاء على الحكومات المحلية التي أقامها الأهلون؛ أما في




صفحة رقم : 5397




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


نوايون Noyon فقد منح الأسقف البلدة عهداً بحريتها من تلقاء نفسه (1108)؛ وحررت سان كنتن St. Quentin نفسها في عام 1080، وبوفيه في 1099، ومرسيليا في 1100، وأمين Amiens في 113، واغتنم أهل لاؤن Laon غياب أسقفهم الفاسد في عام 1115 فأنشأوا حكومة ذاتية؛ فلما عاد رشوه بالمال حتى أقسم أن يحميها، ثم أغرى الملك لويس السادس بعد عام من ذلك الوقت بأن يقضي عليها. ونرى في وصف الراهب جويبرت النوجنتي Guibert of لما حدث بعدئذ مثلاً من عنف ثورة المدن في سبيل الحكم الذاتي:
في اليوم الخامس من أسبوع عيد الفصح... علا صخب مضطرب في جميع أنحاء المدينة، وأخذ الناس ينادون بأعلى أصواتهم "الحكم الذاتي المحلي"!... ودخل أهل المدينة وقتئذ فناء الأسقف، مشرعة سيوفهم، وبلطهم الحربية الصغيرة والكبيرة، وأقواسهم، وعصيهم الضخمة، وحرابهم، وكانوا جماعة جد كبيرة.. وهرع الأشراف من كل فج ليساعدوا الأسقف.. فقاوم هو وبعض أعوانه الأهلين بالحجارة والسهام... وخبأ نفسه في برميل... وأخذ يتوسل إليهم توسلاً يبعث الرحمة والأسى في النفوس، ويعدهم بأنه لن يكون أسقفهم بعد ذلك اليوم، وأنه سيهبهم ثروة لا حد لها، ويغادر البلاد. وبينا كانوا هم يسخرون منه بقلوبهم المتحجرة، إذ رفع رجل منهم يدعى برنار بلطته الحربية، وأطار بها مخ ذلك الرأس المقدس الآثم؛ وانفلت هو من الأيدي الممسكة به، ومات قبل أن يصل إلى الأرض إذ عالجته ضربة أخرى تحت وقب عينه وفوق أنفه. فلما قضي نحبه قطعت ساقاه، وأثحن بالجراح؛ وابصر ثيبوت Thibaut في إصبع الأسقف خاتماً لم يقو على انتزاعه منها، فقطعها(98).
ودام هذا الكفاح مائة عام؛ وقتل الأهلون في فيزلاي Vezelay (1106) أرنود Arnaud رئيس الدير، وأقاموا فيها حكومة محلية؛ وثارت أورليان في عام 1137، ولكن ثروتها لم تفلح. ومنح لويس السابع مدينة سان Sens عهداً




صفحة رقم : 5398




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


بحريتها في عام 1146، ولكنه ألغي هذا العهد بعد ثلاث سنين بناء على طلب من رئيس الدير الذي كانت تلك البلدة ضمن أملاكه؛ ثم قتل أهل المدينة رئيس الدير وابن أخيه، ولكنهم عجزوا عن إعادة الحكومة المحلية. وواصل أسقف تورناي الحرب الأهلية ست سنين (1190-1196) ليقضي على حكومتها المحلية، وأصدر البابا قرار بحرمان جميع أهل المدينة من الكنيسة؛ وثار أهل رون في يوم أحد الفصح من عام 1194 ونهبوا بيوت قساوسة كنيستها الكبرى، وفي عام 1207 أصدر البابا قراراً الحرمان على المدينة. وفي عام 1235 استولى العامة على الحجارة التي جيء بها إلى المدينة لبناء كنيستها، واتخذوها قذائف ومتاريس في الثورة التي قاوما بها على أكبر رئيس ديني في غالة، وولى هو ومن معه من رجال الدين الأدبار، ولم يعودوا إلا بعد عامين من ذلك الوقت، لما أن حمل البابا لويس السابع على إلغاء الحكومة المحلية. وعجزت كثير من مدن فرنسا على نيل حريتها إلى أن قامت الثورة الكبرى، ولكن الكثرة الغالبة من المدن الفرنسية نالت حريتها بين عامي 1080و1200، وبدأت أزهى عصورها بفضل ما بعثته فيها الحرية من روح دافعة قوية. وكانت الحكومات المحلية هي التي أنشأت الكنائس القوطية الكبرى.
وضم الملوك في إنجلترا المدن إليهم في كفاحهم ضد الأشراف بأن منحوا هذه المدن عهوداً تحقق لها قسطاً محدوداً من الحكم الذاتي. فقد منح وليم الفاتح مدينة لندن عهداً من هذه العهود؛ ومنح هنري الثاني مدائن لنكلن، ودرهام، وكارليل Carlisle، وبرستل، وأكسفورد، وسلزبري، وسوثمبتن عهوداً شبيهة بهذا العهد؛ وابتاعت كمبردج في عام 1201 لنفسها حقوق الحكم المحلي من الملك يوحنا. ونزل الأشراف الحاكمون في فلاندرز عن كثير من الحقوق لمدائن غنت، وبروج، ودويه، وتورناي، وليل... ولكنهم تغلبوا على جميع ما بذلته المدن من محاولات للحصول على الاستقلال البلدي العام. وحصلت مدائن ليدن Lyden




صفحة رقم : 5399




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


وهارليم Haarlem، ورتردام، ودرودرخت Drodrecht، ودلفت Delft وغيرها من المدن الهولندية في القرن الثالث عشر على عهود بالحكم الذاتي المحلي. أما في المانيا فقد تطلب تحرير مدنها زمناً طويلاً، وكان هذا لاتحرير في الغالب بطريق السلم؛ فقد منح الأساقفة الذين ظلوا عدة قرون يحكمون المدن حكماً إقطاعياً من قبل الأباطرة، إلى مدائن كولوني، وتريير Trier، ومتز، ومينز، واسبير، واسترسبورج، وورمز، ومنحوا هذه المدن حق اختيار موظفيها وسن قوانينها.
ولم تطو صحفية القرن الثالث عشر حتى كانت الثورة القائمة في سبيل الحكم المحلي قد تم لها النصر في أوربا الغربية، فقد خلعت المدن عن عاتقها نير سادتها الإقطاعيين، وتخلصت من الضرائب والمكوس الإقطاعية أو خفضتها، وحددت حقوق رجال الدين في أضيق نطاق، وإن كانت كثرتها الغالبة لم تنل حريتها كاملة. وحرمت المدن الفلمنكية إنشاء أديرة جديدة، والإيصاء بالأرض إلى الكنائس؛ وضيقت نطاق ما كان لرجال الدين من حق في أن يحاكموا أمام المحاكم الكنسية، ونازعتهم حقهم في أن يشرفوا على المدارس الابتدائية(99). وكان رجال الطبقة الوسطى من التجار هم المسيطرين على الحياة البلدية والاقتصادية، واعترف بنقابات التجار الطائفية في كل الحكومات المحلية تقريباً بأنها هيئات ذات حكم ذاتي. وكانت الحكومة المحلية هي ونقابة التجار الطائفية؛ وليس أدل على هذا من أن نقابات المدينة الطائفية هي التي كانت تختار عمدة Lord Manor لندن؛ ذلك أن امتلاك المال قد أصبح وقتئذ ولأول مرة في مدى ألف عام الآخذ في الازدياد يتحدى سلطان الأشراف ورجال الدين. ووجهت طبقة التجار الوسطى ثروتها، ونشاطها، وقدرتها للحصول على المنافع السياسية ووجهتها بدرجة أعظم مما كانت




صفحة رقم : 5400




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


توجه في الزمن القديم، وإن كان في ذلك عظيماً في ذلك الوقت نفسه؛ فقد حرمت الفقراء في معظم المدن من المجالس والوظائف العامة، واستبدت بالفلاح والصانع، واحتكرت مكاسب التجارة، وأرهقت الأهلين بالضرائب الفادحة، وأنفقت معظم إيراد الحكومة المحلية في المنازعات الداخلية أو الحروب الخارجية التي تبغي بها الاستحواذ على الأسواق والقضاء على المنافسين. وحاولت أن تقضي على هيئات الصناع، وحرمت عليهم حق الإضراب، وإلا تعرضوا للإعدام أو النفي، وكان ما تضعه من القواعد لتحديد الأثمان والأجور يهدف إلى مصالحها هي، والى إلحاق الأذى الشديد بالطبقة العاملة(100). وحدث وقتئذ ما حدث في أيام الثورة الفرنسية، فكانت هزيمة سادة الإقطاع نصراً لطبقة رجال الأعمال أكثر مما كانت لسائر الطبقات.
غير أن الحكومات المحلية للمدن كانت على الرغم من هذه المساوئ تأكيداً جليلاً للحرية الإنسانية؛ فقد كان سكان المدينة إذا سمعوا دقات الجرس من برجها يسارعون إلى الاجتماع ليختاروا حكامها، وكان للمدن جيشها الإقليمي الخاص بها، تدافع به عن نفسها أقوى الدفاع، حتى استطاعت أن تهزم به جيوش الإمبراطور المدربة في لنيانو (1176)، وحاربت به بعضها البعض حتى أنهكت قواها جميعاً. نعم إن مجالسها الإدارية لم تلبث أن ضعف نظامها حتى أضحت أرستقراطية من التجار، ولكن الجمعيات البلدية كانت أولى الحكومات النيابية منذ عهد تيبيريوس، وكانت هي لا العهد الإنجليزي الأعظم Magns Carta مبدأ الديمقراطية الحديثة(101)؛ وهي التي أحلت مناقشة الشهود مناقشة قانونية منظمة محل البقايا الرجعية للقوانين والقبلية- الأيمان، والمبارزة، والتحكيم الإلهي- واستبدلت بالفداء أو ثمن الدم الغرامات أو السجن، أو العقاب البدني، وهي التي قللت من المماطلة والتأجيل في تطبيق القانون، وأحلت التعاقد القانوني محل العلاقات الإقطاعية والولاء الإقطاعي، ونشأت فيها




صفحة رقم : 5401




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


مجموعة كاملة جديدة من القوانين المنظمة لشئون المال والتجارة قامت على أساسها حياة جديدة في أوربا.
وسرعان ما استحالت هذه الديمقراطية الفتية نظاماً اقتصادياً شبه اشتراكي تحت إشراف الدولة. فكانت الحكومة المحلية للمدينة تسك عملتها، وتنظم الأشغال العامة وتشرف عليها، وتنشئ الطرق، والقناطر، وتشق القنوات، وترصف بعض شوارع المدينة، وتنظم توريد المؤن لها، وتحرم الإجباء ، والاحتكار، وابتياع السلعة كلها من السوق، وأوجدت الاتصال المباشر بين البائع والمشتري في الأسواق والمواسم التجارية؛ وفحصت عن المكاييل والمقاييس، وفتشت السلع، وعاقبت من يغش فيها، وفرضت الرقابة على الصادرات والواردات، وخزنت الحبوب للسنين العجاف، وأمدت السكان بالحبوب بأثمان معتدلة في أوقات الأزمات، ونظمت أثمان الأطعمة الأساسية والجعة. وكانت إذا وجدت أن الثمن الذي حددته لسلعة مرغوب فيها منخفض انخفاضاً يقلل إنتاجها، أجازت لبعض أثمان الجملة أن توازن نفسها بطريق المنافسة، ولكنها أنشأت محاكم أو "جلسات" للخبز والجعة تعمل على بقاء أثمان الأشتات في هاتين السلعتين متناسبة تناسباً دائماً مع أثمان القمح أو الشعير(102). وكانت بين الفينة والفينة تنشر قوائم بالأثمان المعتدلة، مفترضة أنه لابد أن يكون لكل سلعة "ثمناً عادلاً" يتضمن ثمن المادة المصنوعة منها وأجر العمل اللازم لإنتاجها، وقد أغفلت هذه النظرية عامل العرض والطلب وما يطرأ على قيمة النقد من تقلبات. واحتكرت بعض الحكومات المحلية- مثل حكومة بال Basel وجنوى تجارة الملح، كما احتكرت غيرها مثل حكومة نورمبرج صنع خمورها، ومنها ما كانت تخزن الحبوب في مخازن البلدية(103). وكانت الضرائب الجمركية الحامية التي




صفحة رقم : 5402




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


تفرضها البلديات تحول دون تداول البضائع(104)، كما كان يعطل هذا التداول أحياناً إرغام أصحاب التجارة العابرة على أن يعرضوا بضاعتهم للبيع في المدينة قبل أن تخرج منها(105). وكان يحدث في تلك الأيام ما يحدث في أيامنا هذه فيحتال بعض المواطنين المتمردين للخروج على هذه القواعد؛ كما كانت الأسواق السوداء كثيرة العدد(106)، وكانت الأضرار الناشئة من بعض هذه القيود أكثر من نفعها، ولهذا أهملت بعد زمن قليل.
غير أننا يحق لنا نقول بوجه عام أن قامت بها الحكومات المحلية لمدائن العصور الوسطى من أعمال ينطق بمهارة رجال الأعمال الذين كانوا يشرفون عليها وبشجاعتهم. فقد استعملت أوربا بفضل توجيههم الحكيم في القرنين الثاني عشر والثالث عشر برخاء لم تعرف له مثيلاً منذ سقوط روما. وتكاثر سكان أوربا في عهد هذا النظام تكاثراً لم يكن له نظير منذ ألف عام على الرغم من انتشار الأوبئة والمجاعات والحروب. وكان أولئك السكان قد أخذوا يتناقصون في القرن الثاني، وأكبر الظن أنهم وصلوا إلى الحد الأدنى في القرن التاسع؛ ثم أخذ عددهم يزداد مرة أخرى في الفترة الواقعة بين القرن الحادي عشر والموت الأسواد (1349) بفضل انتعاش التجارة والصناعة؛ ويغلب على الظن أن أهل الإقليم المحصور بين الموزل والرين قد تضاعفوا عشرة أضعاف، ولعلهم بلغوا في فرنسا عشرين مليوناً، أي أنهم لا يكادون يقلون عما كانوا عليه في القرن الثاني عشر(107). وقد كان من آثار الثورة الاقتصادية أن أخذ السكان يهاجرون من القرى إلى المدن. نعم إن القسطنطينية البالغ عدد سكانها 800.000، وقرطبة وبالرم البالغ عدد سكانهما نصف مليون كانتا مزدحمتين بالسكان من زمن بعيد؛ ولكن عدداً قليلاً من المدن القائمة في شمال جبال الألب هي التي كان يسكنها قبل عام 1100 أكثر من ثلاثة آلاف نسمة(108).




صفحة رقم : 5403




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


وقبل أن يحل عام 1200 كان في باريس نحو مائة ألف، وفي كل من دويه، وليل، وإيبر، وغنت، وبروج نحو خمسين ألفاً؛ وكان في لندن عشرون ألفاً. وقبل أن يحل عام 1300 كان في باريس 150.000 ألفاً، وفي البندقية، وميلان، وفلورنس مائة ألف(109)، وفي سينا Siene ومودينا 30.000(110)، وفي لوبك، ونورمبرج، وكولوني 20.000، وفي فرانكفورت، وبال، وهمبرج، ونوروك، ويورك 10.000. وغني عن البيان أن هذه الأرقام تقريبية وأنها عرضة إلى الخطأ الكبير.
وكان ازدياد السكان نتيجة من نتائج التطور الاقتصادي وسبباً من أسبابه في آن واحد: فأما أنه نتيجة من نتائج هذا التطور فلأن الناس أصبحوا يأمنون على أنفسهم وأموالهم أكثر من ذي قبل، وأنهم صاروا أقدر مما كانوا على استغلال مصادر الثروة الطبيعية بفضل تقدم الصناعة، وأن الأطعمة والسلع قد زاد انتشارها بفضل رواج التجارة وازدياد الثروة. وأما أنه كان سبباً من أسبابه فلأنه أوجد أسواقاً مطردة الاتساع للتجارة والصناعة، للأدب، والتمثيل، والموسيقى، والفن، وكان تنافس الحكومات المحلية وتفاخرها سبباً في توجيه ثروتها إلى بنا الكنائس، وأبهاء المدن، وأبراج النواقيس، والفساقي، والمدارس، والجامعات؛ وعبرت الحضارة البحار والجبال في إثر التجارة؛ فانتقلت من بلاد الإسلام وبيزنطية إلى إيطاليا، وأسبانيا، وتخطت جبال الألب إلى ألمانيا، وفرنسا، وفلاندرز، وبريطانيا. وأصبحت العصور المظلمة إحدى الذكريات الماضية، وتمخضت أوربا مرة أخرى عن حياة فنية نشيطة.
وليس من حقنا أن ندعي أن مدينة العصور الوسطى هي الأمثل الأعلى لما يجب أن تكون عليه المدن. نعم إنها تبدو للناس في هذه الأيام في صورة جميلة، يتوج تَلاًّ فيها قصر منيع، ويحيط بها سور ذو أبراج، فيها بيوت وأكواخ، وحوانيت ذات سقف من القش أو القرميد تزدحم حول الكنيسة أو القصر الحصين




صفحة رقم : 5404




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


أو الميدان العام. ولكننا يجب أن نضيف إلى هذه الصورة أن شوارعها كانت أزقة ضيقة ملتوية، (وتلك أحسن وسيلة للدفاع ومنع وهج الشمس) يسير فيها الناس والماشية على وقع حوافر الدواب وطقطقة الأحذية الخشبية، وأصوات المارة وهم سائرون فيها على مهل في ذلك العصر الذي لم تكن فيه آلات تريح عضلاتهم وتبلي أعصابهم. وكانت تحيط بكثير من مساكن المدينة حدائق، وأخنان الدجاج، وحظائر الخنازير، ومراعي البقر، وأكوام الروث. وكانت لندن من المدن الشديدة على أهلها، فأمرت "كل من يربي خنزيراً أن يحتفظ به في بيته"، أما في غيرها فقد كانت الخنازير تجوس بملء حريتها خلال أكوام الفضلات المكشوفة(111). وكانت الأمطار تملأ الأنهار من حين إلى حين فتطفي على الحقول والمدن، حتى كان الناس يسيرون بالقوارب تدفعها المجاذيف إلى قصر وستمنستر(112). وكانت الشوارع تظل بعد المطر مليئة بالوحل عدة أيام؛ وكان للرجال وقتئذ يحتذون أحذية طويلة، وأما النساء فكن يحملن في عربات وكراسي تتقلب من حفرة إلى حفرة. وقد رصفت بعض المدن شوارعها الرئيسية بالحجارة في القرن الثالث عشر، أما الكثرة الغالبة منها فقد ظلت شوارعها غير مرصوفة، تتعثر فيها الأقدام وتنبعث منها الروائح الكريهة. وكانت للأديرة والقصور الحصينة وسائل صالحة لصرف الفضلات(113)، أما الأكواخ فلم يكن لها من هذا، وكانت في أماكن متفرقة من المدينة ميادين كَلِئة، بها مضخة يستقي منها الناس وحوض ترتوي منه الحيوانات المارة.
وكانت بيوت المدن القائمة في شمالي الألب تقريباً من الخشب، ولم يكن فيها بيوت من الآجر أو الحجارة إلا بيوت أغنى الأشراف والتجار، وكانت الحرائق كثيرة، وإذا شبت انتشرت في معظم الأحيان في جميع المدينة لا يعوقها




صفحة رقم : 5405




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


عائق. ولنضرب لذلك مثلاً مدائن رُوَن، وبوفيه، وأراس، وتراوي، وبروفن، وبواتيه، ومواساك Moissac فقد دمرتها كلها الحرائق في عام 1188، ودمرت رون النارست مرات بين عامي 1200و1225(114)، ولم يعتد الناس صنع السقف من القرميد إلا في القرن الرابع عشر، وكانت النار تكافح بالدلاء تستخدمها فرق باسلة عاجزة، وكان في المدينة خفراء مسلحون بخطاطيف طويلة يهدمون بها البيت المحترق إذا كان وجوده خطراً على غيره من البيوت. وإذ كان الأهلون جميعاً يرغبون في السكنى بجوار القصر الحصين ليأمنوا بذلك على أنفسهم وأموالهم، فقد كانت المباني ترتفع عدة أطباق تصل أحياناً إلى ستة، وكانت الأطباق العليا تبرز في الشارع بروزاً يكسيها روعة ويجعلها خطراً يهدد المارة. وكانت المدن تصدر قرارات تحدد بها ارتفاع المباني.
وكان في وسع الأهلين أن يستمتعوا بالحياة في مدينة العصور الوسطى على الرغم من هذه الصعاب التي قلما كان يحس بها الناس، لأنها كانت تعمهم كلهم تقريباً، فقد كانت الأسواق مزدحمة بالناس، وكان حديثهم كثيراً، وأثوابهم وبضائعهم زاهية جذابة، وكان البائعون الجائلون ينادون على سلعهم بأعلى أصواتهم، والصناع لا ينقطعون بتمثيل مسرحية دينية في أحذ الميادين، أو موكب ديني يسير أحياناً في أحد الشوارع يشترك فيه التجار المزهوون، والصناع الأقوياء، ورجال الدين بأثوابهم الوقورة، ورجال الدنيا بثيابهم الزاهية، وترتل فيها الأناشيد. أو تكون كنيسة فخمة تشاد في المدينة، أو تطل فتاة حسناء من شرفة منزل، أو تدق نواقيس برج المدينة تدعو المواطنين إلى الاجتماع أو إلى امتشاق الحسام. وفي المساء تدق الأجراس تهيب بالأهلين أن يعودوا سراعاً إلى بيوتهم،




صفحة رقم : 5406




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الحكومات المحلية (القومونات)


لأن الشوارع كانت محرومة من الأضواء، ما عدا ضوء الشموع يتراءى من نوافذ البيوت وضوء مصباح هنا وهنا أمام ضريح. فإذا أراد كبير من أهل المدينة أن يسير فيها ليلاً سبقه خدمه يحملون المشاعل أو الفوانيس والسلاح لأن رجال الشرطة قلما كان لهم وجود. وكان المواطن الحكيم يبكر في العودة إلى داره فراراً من ملل الليالي الظلماء، وعلماً منه بأن الديكة سوف توقظه بصياحها في مطلع الفجر، وأن العمل في انتظاره يطلب إليه أن ينجزه.




صفحة رقم : 5407




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الثورة الزراعية



الفصل السابع




الثورة الزراعية


وبدل نمو الصناعة والتجارة، وانتشار الاقتصاد النقدي، وازدياد الطلب على العمال في المدن، بدل هذا كله نظام الزراعة تبديلاً كبيراً. ذلك أن البلديات لحرصها على أن تظفر بعمال جدد أعلنت أن أي شخص يقيم في مدينة 366 يوماً دون أن يطلبه سيد إقطاعي، ويتحقق من شخصيته، ويستولي عليه لأنه من أرقاء أرضه، أي شخص تنطبق من هذه الشروط يصبح من تلقاء نفسه حراً، يتمتع بحماية قوانين حكومة المدينة وسلطانها. وذهبت فلورنس إلى أبعد من هذا فدعت في عام 1106 جميع الفلاحين المقيمين في القرى المجاورة لها للمجيء إليها والإقامة فيها أحراراً؛ ودفعت بولونيا Bologna وغيرها من المدن المال إلى سادة الإقطاع لكي يسمحوا لأرقاء أراضيهم بأن ينتقلوا إلى المدن. وفر عدد كبير من أرقاء الأرض أودعوا ليفلحوا أرضين جديدة في شرق نهر الإلب، وأصبحوا فيها أحراراً من تلقاء أنفسهم.
أما الذين بقوا في ضياع سادة الإقطاع فقد أخذوا يعارضون في أداء الضرائب والرسوم الإقطاعية التي أضحت لطول العهد بأدائها مقررة واجبة الأداء؛ ونشأت من هذه المعارضة متاعب جمة. وحذا كثير من أرقاء الأرض حذو عمال المدن فأنشئوا لهم جمعيات ريفية، وأقسموا أن يعملوا مجتمعين للامتناع عن أداء الرسوم والضرائب الإقطاعية، ثم سرقوا أو أتلفوا ما عند سادتهم من وثائق تسجيل استرقاقهم أو التزاماتهم، وأحرقوا قصور المعاندين من أولئك السادة، وأنذرهم بأنهم سيغادرون أملاكهم إذا لم يجيبوا مطالبهم. وفي عام 1100 أعلن أرقاء الأرض في سانت ميشيل- ده- بوفيه أنهم سيتزوجون من تلك الساعة




صفحة رقم : 5408




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الثورة الزراعية


بأية امرأة يرغبون في زواجها، وسيتزوجون بناتهم من أي شخص يرغبون فيه. وفي عام 1202 رفض أرقاء الأرض في سانت أرنول- ده- كريبي St. Arnoul de Crepy أن يؤدوا إلى سيدهم رئيس الدير ضريبة الأموات التقليدية أو الغرامة التي تفرض عليهم إذا زوجوا بناتهم خارج أملاك سيدهم. وشبت فتن أخرى من هذا النوع في أكثر من عشر مدن منتشرة من فلاندرز إلى أسبانيا، حتى وجد سادة الإقطاع أن من العسير عليهم أن يحصلوا على ربح من استخدام أرقاء الأرض، وزادت هذه الصعوبة أمامهم على مر الأيام. ذلك أ ضروب المقاومة المتزايدة كانت تتطلب منهم إشرافاً مستمراً كثير النفقة في كل مرحلة من مراحل العمل؛ وكان عمل هؤلاء الأرقاء في حوانيت الضيعة أكثر نفقة وأقل جودة من العمل الحر الذي يخرج السلع نفسها في المدن.
وأراد سادة الإقطاع أن يستبقوا الفلاحين في أرضهم، ويجعلوا عملهم مربحاً لأولئك السادة، فاستبدلوا بالقروض الإقطاعية القديمة مقادير من المال تؤدي دفعة واحدة، وباعوا أرقاء الأرض حريتهم بأثمان يؤدونها من مدخراتهم، وأجروا مساحات متزايدة من أرضهم إلى الفلاحين الأحرار بأجر نقدي، واستأجروا عمالاً أحراراً يعملون في حوانيت ضياعهم. وحذت أوربا الغربية حذو بلاد الشرق الإسلامية والبيزنطية فشرعت من بداية القرن الحادي عشر تنتقل انتقالاً يزداد عاماً بعد عام من الدفع عيناً في أكثر الأحوال إلى الدفع نقداً في معظمها. واشتدت رغبة ملاك الأراضي الإقطاعيين في الحصول على السلع المصنوعة التي يعرضها التجار عليهم، فزادت في المال يبتاعون به هذه السلع؛ ولما ساروا إلى قتال المسلمين في الحروب الصليبية كانوا أحوج إلى المال منهم إلى الطعام والبضائع. كذلك كانت الحكومات تطالب بأداء الضرائب نقداً لا عيناً؛ فلم ير الملاك بداً من الخضوع إلى مقتضيات الظروف، فباعوا محصولاتهم بالنقود العاجلة بدل أن يستهلكوها بالهجرة الشاقة




صفحة رقم : 5409




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الثورة الزراعية


المتعبة من قصر ريفي إلى قصر آخر مثله. وكان هذا الانتقال إلى الاقتصاد النقدي كثير النفقة على الملاك الإقطاعيين. ذلك أن إيجار أرضهم والأموال التي كانوا يحصلون عليها من الزراع نظير الرسوم المفروضة عليهم قد أصبح لها من الثبات في العصور الوسطى ما للعادات المألوفة، ولم يكن في مقدورهم أن يزيدوها بنفس السرعة التي تنخفض بها قيمة النقد؛ ولذلك اضطر كثيرون من الأشراف إلى بيع أرضهم- وباعوها عادة إلى رجال الطبقة الوسطى الناشئة. وحسبنا دليلاً على هذا أن بعض النبلاء قد ماتوا من زمن بعيد أي منذ عام 1250 وهو لا يملكون أرضاً، ومنهم من مات فقيراً معدماً(115). وكان من نتيجة هذه الأحوال أن أعتق فليب الجميل ملك فرنسا جميع أرقاء الأراضي الملكية في أوائل القرن الرابع عشر، وأن أمر ابنه لويس العاشر في عام 1315 بتحرير جميع أرقاء الأرض "بشروط عادلة صالحة"(166). وأخذ نظام رقيق الأرض يتلاشى شيئاً فشيئاً في عدد من البلاد المختلفة الواقعة غرب نهر الإلب وذلك في أوقات مختلفة من بداية القرن الثاني عشر إلى نهاية القرن السادس عشر، وحلت محلها ملكية الفلاحين لأرضهم، وتقسمت ضياع الإقطاع الكبرى إلى مزارع صغيرة، وحصل الفلاحون في القرن الثالث عشر على درجة من الحرية والرخاء لم يستمتعوا بمثلها مدى ألف عام. وفقدت القرى المحاكم الإقطاعية ما كان لها من سلطان على الفلاحين، وأخذ سكان القرى يختارون حكامهم، ولم يكن هؤلاء يقسمون يمين الولاء لسيد الإقطاع المالك لأرضهم بل للملك نفسه. على أن تحرير رقيق الأرض في أوربا الغربية لم يتم كله قبل عام 1789، فقد ظل عدد كبير من سادة الإقطاع يطالبون بحقوقهم القديمة من الوجهة القانونية، ولقد حاولوا في القرن الرابع عشر أن يستعيدوها من الوجهة العملية؛ غير أن الحركة التي تهدف إلى العمل الحر المنتقل لم يكن يستطاع وقفها طالما كانت التجارة والصناعة آخذتين في النماء.




صفحة رقم : 5410




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الثورة الزراعية


وكان الحافز الجديد للحرية، مضافاً إلى اتساع الأسواق الزراعية، من أسباب تحسن أساليب الزراعة، وأدواتها، ومحصولاتها، كما كان تكاثر سكان المدن، وازدياد الثراء، وأساليب الجديدة التي يسرت الأعمال التجارية والمالية÷ كل هذا كان سبباً في اتساع نطاق الاقتصاد الريفي وزيادة غناه. وتطلبت الصناعات الجديدة محصولات صناعية غير التي كانت موجودة من قبل- قصب السكر، وبذر اليانسون، والكمون، والكتان، والعنب الهندي، والزيوت النباتية والأصباغ. وكان قرب المدن المزدحمة بالسكان مشجعاً على تربية الماشية، وصناعة منتجات الألبان، وغرس حدائق الخضر. وجرت السفن بالخمور في الأنهار وفي البر والبحر من آلاف الكروم المنتشرة في أودية التيبر، والآرنو، والبو، والوادي الكبير، والتاجه، والإبرة، والرون، والجروند، والجارون، واللوار، والسين، والموزل، والموز، والرين، والدانوب، وجرت السفن بهذه الخمور لتفرج كرب العمال الكادحين في حقول أوربا، حوانيتها، وغرف الحاسبين فيها؛ وحتى إنجلترا نفسها كانت تعصر الخمر في الفترة الممتدة من القرن الحادي عشر إلى القرن السادس عشر. وخرجت الأساطيل الضخمة في البحر البلطي، وبحر الشمال لتصيد منهما الرنكة وغيرها من أنواع السمك لتطعم المدن الجائعة التي تكثر فيها أيام الصوم، ويرتفع فيها ثمن اللحم؛ فكانت يارموث Yarmouth مدينة بحياتها إلى تجارة الرنكة، وأقر تجار لوبك بفضلها عليهم بأن نقشوا الرنكة على مقاعدهم في الكنيسة(117)، واعترف الهولنديون الشرفاء بأنهم "شادوا على الرنكة" مدينة أمستردام الشامخة(118).
وتحسنت أساليب الزراعة الفنية على مهل، فلقد تعلم المسيحيون من العرب في أسبانيا، وصقلية، وبلاد الشرق، وأدخل الرهبان البندكتيون والسسترسيون Cistercians الأساليب الرومانية القديمة والإيطالية الحديثة الخاصة بالزراعة،




صفحة رقم : 5411




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الثورة الزراعية


وتربية الماشية، والاحتفاظ بخصب التربة في الأقطار الواقعة شمال جبال الألب؛ وترك الزراع في الضياع الجديدة يبتكرون ويغامرون كما يشاءون ولم يفرض عليهم تقسيم أراضيهم بين المزروعات المختلفة. وكان الزراع الذين يفلحون في القرن الثالث عشر حقول فلاندرز المستحصلة من المستنقعات يتبعون الدورة الزراعية الثلاثية، فكانت الأرض تزرع كل عام ولكن خصبها كان يجدد مرة كل ثلاث سنين بزرع الكلأ الذي يتخذ غذاء للحيوان أو البقول. وكان زوجان من الثيران القوية يجران المحاريث ذات السهام الحديدية تتعمق الأرض أكثر من ذي قبل. غير أن الكثرة الغالبة من المحاريث ظلت مع ذلك تصنع من الخشب (1300). ولم يكن يعرف التسميد إلا أصقاع قليلة، وقلما كانت عجلات العربات تطوق بإطار من حديد. وكانت تربية الماشية من الأعمال الشاقة لطول فترات الجفاف؛ ولكن القرن الثالث عشر شهد التجارب الأولى في تهجين السلالات وأقلمتها. ولم تتقدم صناعة مستخرجات الألبان، فلم تكن البقرة العادية في القرن الثالث عشر تدر إلا قليلاً من اللبن، وقلما كان يصل إلى رطل واحد في الأسبوع (مع أن البقرة الحسنة التربية تنتج الآن ما بين عشرة أرطال وثلاثين رطلاً من الزبد في الأسبوع الواحد).
وبينما كان السادة في أوربا يقاتل بعضهم بعضاً، كان فلاحوها يخوضون معارك أعظم شأناً، وتتطلب من الشجاعة والبطولة ما يسمو على المعارك الحربية، ولا يتغنى بمديحهم إنسان؛ تلك هي معارك الإنسان مع الطبيعة. فقد طغى البحر بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر خمساً وثلاثين مرة على الجسور، وأغرق الأراضي الوطيئة، وشق خلجاناً وأجواناً جديدة في البقاع التي كانت من قبل أرضاً صلبة، وأهلك مائة ألف من السكان في مائة عام. ونقل الفلاحون أهل هذه الأقاليم في خلال الفترة الممتدة من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر بإشراف أمرائهم ورؤساء أديرتهم جلاميد الصخر من اسكنديناوة وألمانيا




صفحة رقم : 5412




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> الثورة الزراعية


وشادوا بها "السور الذهبي" الذي أنشأ البلجيكيون والهولنديون وراءه دولتين من أعظم دول التاريخ كله حضارة، وانتزعت بذلك آلاف الأفدنة من البحر، ولم يستهل القرن الثالث عشر حتى كانت شبكة من القنوات تشق الأراضي الوطيئة. واحتفر الإيطاليون بين عامي 1179و1257 القناة العظمى Naviglio Grande بين بحيرة مجيوري ونهر البو فأخصبوا بها 86.485 فداناً، وأحال المهاجرون القادمون من فلاندرز، وفريزيا Frisia، وسكسونيا، وأرض الرين مناقع المورن Mooren الواقعة بين نهر الإلب والأودر حقولاً غنية. وقطعت غابات فرنسا الزائدة على الحاجة شيئاً فشيئاً وحلت مكانها الضياع التي ظلت تطعم فرنسا خلال الاضطراب السياسي الذي دام قروناً طوالاً. ولعل هذه البطولة الجماعية التي بذلت في تقطيع الغابات، وتجفيف المستنقعات، وإرواء الأرض وزراعتها، لا الانتصارات الحربية أو التجارية، هي العامل الأساسي الذي أدى آخر الأمر إلى انتصار الحضارة الأوربية في الأعوام السبعمائة الأخيرة.




صفحة رقم : 5413




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> حرب الطبقات



الفصل الثامن




حرب الطبقات


لم يكن في أوربا الغربية في بداية العصور الوسطى إلا طبقتان: طبقة الألمان الغالبين وطبقة الأهلين المغلوبين. وكانت الكثرة الغالبة من الأشراف الذين وجدوا فيما بعد في إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وشمالي إيطاليا من أبناء الفلاحين، وظلوا يعتزون بهذه العلاقة العنصرية حتى في أثناء حروبهم. وكانت الطبقات في القرن الحادي عشر ثلاثاً: هي الأشراف الذين يحاربون، ورجال الدين الذين يصلون، والفلاحون الذين يشتغلون. وأصبح هذا التقسيم تقليداً ثابتاً إلى حد ظن الناس معه أنه منزل من عند الله. وكان معظم الفلاحين، كما كان معظم النبلاء، يرون من واجب الإنسان أن يبقى في الطبقة التي ولد فيها قانعاً بها البقاء صابراً عليه.
وأضافت الثورة الاقتصادية التي قامت في القرن الثاني عشر طبقة جديدة إلى هذه الطبقات الثلاث- أهل المدن أو الطبقة الوسطى العاملة- وقوامها الخبازون والتجار، ورؤساء أرباب الحرف من أهل المدن، ولم تكن هذه الطبقة قد ضمنت وقتئذ أرباب المهن، وكانت تسمى في فرنسا الطبقة الثالثة. وقد سيطرت هذه الطبقة على الشئون البلدية، واستطاعت أن تصل إلى مقاعد البرلمان الإنجليزي، والديت Diet الألماني، والكورتز Cortes الأسباني، والى الجمعية العامة States General للطبقات وهي مجلس فرنسا القومي النيابي الذي لم يجتمع إلا نادراً؛ ولكن هذه الطبقة الجديدة قلما كان لها أثر في السياسة القومية قبل القرن الثامن عشر، فقد ظل الأشراف يحكمون الدولة ويصرفون شئونها الإدارية، وإن أصبحوا في ذلك الوقت أقل من غيرهم سلطاناً في المدن؛ ذلك




صفحة رقم : 5414




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> حرب الطبقات


أنهم كانوا يعيشون في الريف (إلا في إيطاليا)، ويحتقرون سكان المدن، ويخرجون من طبقتهم كل من تزوج من أفراد الطبقة الوسطى، ولا يشكون في أن حكم الأشراف لا بديل منه، إلا حكم رجال الأعمال الأثرياء، أو رجال الدين أصحاب الأساطير، أو رجال الحرب الطغاة.
وكان التجار الأغنياء يبرمون من غطرسة الأشراف، ويحتقرون ويستغلون طبقة الصناع، ويقيمون في بيوت مزخرفة، ويبتاعون الأثاث الجميل، ويتغذون بالأطعمة المجلوبة من خارج البلاد، ويلبسون الثياب الغالية. وكانت نساؤهم يغطين أجسامهن الكبيرة بالحرير والفراء والمخمل والجواهر؛ وكان مما آلم جين النافارية Jenne of Navarre ملكة فرنسا وحز في نفسها أن وجدت ستمائة من نساء الطبقة الثالثة في بروج قد خرجن من هذا لاستقبالها في ثياب لا تقل فخامة عن ثيابها هي. وشكا الأشراف من هذا وأخذوا يطالبون بأن تسن القوانين لوقف تيار هذا التظاهر الوقح؛ وسنت من حين إلى حين قوانين لهذا الغرض، ولكن الملوك كانوا في حاجة إلى تأييد هذه الطبقة والى أموالها، ولهذا لم تنفذ هذه القوانين إلا في أوقات قليلة متفرقة.
وأفادت الطبقة الجديدة المالكة للعقار في المدن فائدة كبيرة من زيادة عامرها، ويسر لها التعطل الناشئ من هذه الزيادة المسيطرة على طبقة العمال اليدويين. ذلك أن صعاليك المدن من الخدم، وتلاميذ الصناعة، وعمال المياومة لم يكن لهم إلا حظ قليل من التربية، ولم يكن لهم شيء من القوة السياسية، وكانوا يعيشون في درجة من الفاقة أشد في بعض الأحيان مما كان يعانيه أرقاء الأرض. فقد كان أجر عامل المياومة في إنجلترا في القرن الثالث عشر نحو بنسين في اليوم- وتعادل القيمة الشرائية لهذا الأجر حوالي دولارين من نقد الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1948؛ وكان التجار يتقاضى أربعة بنسات وثمن بنس في اليوم (4.12 دولارات) والبناء 3دولارات، والمهندس المعماري اثني عشر بنساً




صفحة رقم : 5415




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> حرب الطبقات


يضاف إليها بدل انتقال وهبات في بعض الأحيان(119). لكن الأثمان كانت منخفضة بهذه النسبة عينها: فقد كان الرطل من لحم البقر يباع في إنجلترا بفارذبج 31slash100 من الدولار)؛ وكانت الدجاجة تباع ببنس واحد (84slash100 من الدولار)، وكان ثمن الكوارتر من القمح خمسة شلنات وتسعة شلنات ونصف بنس (57.90 دولاراً)(120). وكان العامل يبدأ عمله في مطلع الفجر وينتهي منه في غسق الليل- إلا في مساء السبت أو أيام الأعياد فكان ينتهي قبل ذلك. وكان في السنة ما يقرب من ثلاثين يوماً من أيام الأعياد، لكن الأيام التي كان يستريح فيها العامل من الكدح في إنجلترا لم تكن تزيد على ستة. وكانت ساعات العمل تزيد قليلاً على مثيلاتها في إنجلترا في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، ولم تكن الأجور الحقيقية أسوأ منها في تلك الفترة، بل إن بعضهم ليقول إنها كانت أعلى منها(121).
وتطور النزاع بين الطبقات في أواخر القرن الثالث عشر فأصبح حرباً مسلحة بينها؛ فكان كل جيل يشهد ثورة يقوم بها الفلاحون وبخاصة في فرنسا؛ ففي عام 1251 ثار الفلاحون في فرنسا وفلاندرز على من كانوا يستبدون بهم من الملاك سواء كانوا من رجال الدين أو الدنيا. وأطلق هؤلاء على أنفسهم اسم الرعاة Pastoureux وشنوا حرباً ثورية شبيهة بالحروب الصليبية بقيادة واعظ غير مرخص معروف بلقب "سيد بلاد المجر". وزحفوا من فلاندرز واخترقوا أمين إلى باريس، وانضم إليهم في طريقهم المتذمرون من الفلاحين وصعاليك المدن حتى بلغ عددهم مائة ألف رجل أو يزيدون؛ وكانوا يحملون أعلاماً دينية، وينادون بولائهم للويس التاسع، وكان وقتئذ سجيناً عند المسلمين في مصر؛ ولكنهم كانوا مسلحين بالهروات، والخناجر، والفؤوس، والحراب، والسيوف




صفحة رقم : 5416




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> حرب الطبقات


فكانوا بذلك جميعاً خطراً يخشى بأسه. وكانوا ينددون بفساد الحكم، واستبداد الأغنياء بالفقراء، ونفاق القساوسة وشرههم؛ وكان العامة يهتفون لهم حين يسمعون منهم هذه الأقوال. وانتحلوا لأنفسهم حق الوعظ الديني، وأخذوا يغفرون للناس ذنوبهم، ويعتقدون عقود الزواج، وبلغ من أمرهم أن ذبحوا بعض من عارضوهم من القساوسة. ولما واصلوا في زحفهم إلى أورليان ذبحوا فيها عشرات من رجال الدين وطلبة الجامعة، ولكن رجال الشرطة تغلبوا عليهم في تلك المدينة وفي بوردو، فقبض على زعمائهم وأعدموا، ثم صيد البائسون الباقون أحياء كما تصاد الكلاب في هذا الزحف العديم النفع، وشتتوا تشتيتاً أدى بهم إلى ضروب من البؤس مختلفة. وفر بعضهم إلى إنجلترا، وقاموا فيها بفتنة صغرى أثارها الفلاحون قلمت أظفارها هي أيضاً.
وثارت نقابات الحرف في المدن الصناعية الفرنسية فتكرر إضرابها عن العمل وقيامها بثورات مسلحة على احتكار طبقة التجار السياسي والاقتصادي، وتحكمها فيهم. ففي بوفيه هاجم 1500 من الغوغاء عمدة المدينة وبعض رجال المصارف وأساءوا معاملتهم (1233). وتمرد عمال النسيج في رون على تجر الأقمشة وقتلوا عمدة المدينة حين تدخل في النزاع (1281)؛ وفي باريس حل الملك فيليب الجميل اتحادات العمال بحجة أنها تدبر الثورة (1295،1307)؛ غير أن نقابات الحرف الطائفية استطاعت مع ذلك أن تكسب حق الاشتراك في الجمعيات البلدية وفي الوظائف العامة في مدينة مرسيليا (1213)، وأفنيون وآرل Arles (1225)، وأمين، ومنبلييه، ونيمز Nimes... وكان أحد رجال الدين ينحاز أحياناً إلى جانب الثائرين، ويمدهم بالعبارات التي تلوكها ألسنتهم. ومع ذلك ما قاله أحد أساقفة القرن الثالث عشر: "كل الغنى مصدره السرقة، وكل غنى لص أو وارث لص"(123). وقامت فتن من هذا النوع اضطربت بها مدن فلاندرز، فثار النحاسون في دينان Dinant عام 1255، والنساجون في تورناي عام 1281،




صفحة رقم : 5417




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> حرب الطبقات


وفي غنت عام 1274، وفي هينولت Hinault عام 1292، على الرغم أن الإعدام أو النفي كان هو العقوبة التي تحكم بها على زعماء حركة الاضطراب. وقام عمال إيبر Ypres، ودويه، وغنت، وليل، وبروج، بفتنة جامعة عام 1302، وهزموا جيشاً فرنسياً عند كورتريه، وحصلوا على حق قبول ممثليهم في مجالس الحكومات البلدية ووظائفها، وألغوا القوانين الاستبدادية التي كانت ألجركية التجار تضايق بها أرباب الحرف. ولما أن نال النساجون شيئاً من السلطة إلى حين، حاولوا أن يحددوا أجور القصارين- بل أن ينقصوها- فانحاز هؤلاء إلى جانب التجار الأغنياء(124).

وسيطرت نقابات التجار الطائفية على لندن في عام 1191، وسرعان ما عرضوا بعد ذلك على الملك يوحنا أن يمدوه بقدر من المال في كل عام؛ إذا ما ألغى نقابات النساجين، ووافق الملك على هذا العرض (1200)(125). وفي عام 1194 قام رجل يدعى وليم فتزوبرت Fitzobert أو ذو اللحية الطويلة، وأخذ يخطب في الفقراء من أهل لندن منادياً بضرورة الثورة، وأصغى آلاف من الناس إلى ندائه هذا، وحاول اثنان من أثرياء المدن أن يقتلوه، ففر منهم إلى إحدى الكنائس، ولكنه أخرج منها بعد أن سلط عليه الدخان، وانتحر بأن بقر بطنه بطريقة لا تكاد تفترق في شيء عن الطريقة اليابانية. وعده أتباعه من القديسين الشهداء وعبدوه، وقدسوا التراب الذي جرى عليه دمه، واحتفظوا به(126). وإن حب الناس لربن هود الذي يسرق أموال الأشراف ورجال الدين ولكنه يشفق على الفقراء، وانتشار قصته، ليوحيان إلينا بما كان عليه شعور الطبقات بعضها نحو بعض في بريطانيا خلال القرن الثاني عشر.
وكان أشد المنازعات إثارة للأحقاد ما قام منها في إيطاليا. فقد حدث في أول الأمر أن انضم العمال إلى نقابات التجار الطائفية وقاموا معاً بسلسلة من الاضطرابات الدموية العنيفة الموجهة ضد الأشراف؛ وتم النصر للمتحالفين في هذا




صفحة رقم : 5418




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> حرب الطبقات


الكفاح قبل أن يختتم القرن الثالث عشر؛ واشترك عمال الصناعات في حكم فلورنس إلى حين، غير أن كبار التجار ورجال المشروعات سرعان ما أصبحت لهم السيطرة في مجلس المدينة، ففرضوا على الموظفين نظماً استبدادية متعسفة، أدت في القرن الرابع عشر إلى دخول النزاع في مرحلته الثانية- مرحلة الحروب المتقطعة المتباعدة بين رجال الصناعة الأغنياء وعمال المصانع. وكانت هذه المشاهد- مشاهد النزاع الداخلي- هي التي قام فيها القديس فرانسس ينادي بإنجيل الفقر، ويذكر الأغنياء الأشرار بأن المسيح لم يكن له قط ملكاً خاصاً(127).
واضمحلت الحكومات المحلية كما اضمحلت النقابات الطائفية في القرن الرابع عشر بسبب نطاق اتساع اقتصاد البلديات وتحوله إلى اقتصاد قومي وأسواق وقفت قواعدهما واحتكارهما حجر عثرة في سبيل تقدم الاختراع، والصناعة، والتجارة. وكان من أسباب اضمحلالها فوق ذلك ما كان فيها من منازعات داخلية أشاعت فيها الفوضى، واستغلال قاس شديد الوطأة للريف المحيط بها، ووطنيتها الضيقة المقصورة على حدود المدينة، وسياستها، وعملتها المضطربة غير المستقرة، وحروبها التافهة الحقيرة بعضها على بعض في فلاندرز وإيطاليا، وعجزها عن أن تنتظم في اتحاد يشمل عدة مدائن ذات حكم ذاتي، كان يمكن أن يبقى بعد أن قوى سلطان الملوك. وليس أدل على ضعف هذه الحكومات المحلية من أن عدداً منها في فرنسا التمس من الملك في عام 1300 أن يتولى هو حكمها.
ومع هذا كله فإن الثورة الاقتصادية التي قامت في القرن الثالث عشر هي التي خلقت أوربا الحديثة، فهي التي قضت آخر الأمر على الإقطاع الذي أدى مهمة الحماية الزراعية والتنظيم الزراعي، وأصبح حجر عثرة في سبيل اتساع نطاق المشروعات الاقتصادية. وهي التي حولت ثروة الإقطاع الجامدة إلى موارد سائلة متداولة يستخدمها الاقتصاد العالمي. وهي التي أمدت الأعمال الصناعية والتجارية بالآلات اللازمة لتقدمها، وما نشأ عن هذا التقدم من زيادة كبيرة في سلطان




صفحة رقم : 5419




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الثورة الاقتصادية -> حرب الطبقات


الرجل الأوربي، ووسائل راحته، وفي معلوماته. وبفضلها عم أوربا رخاء استطاعت به أن تبني في قرنين من الزمان مائة كنيسة كبرى تتطلب كل واحدة منها وفرة عجيبة من المهارات والأموال. وكان ما تنتجه للأسواق المطردة الاتساع هو الذي هيأ السبيل للنظم الاقتصادية القومية التي قامت عليها الدول الحديثة، ولعل حرب الطبقات نفسها التي أطلقتها الثورة الاقتصادية من عقالها كانت هي الأخرى حافزاً إضافياً لعقول الناس ونشاطهم. ولما هدأت عاصفة الانتقال كان صرح أوربا الاقتصادي والسياسي قد تبدل، وكان تيار الصناعة والتجارة الجارف قد اكتسح العقبات المتأصلة من طريق التطور البشري، ودفع الناس إلى الأمام من مجد الكنائس الكبرى المشتت إلى مراحل النهضة الشامل.




صفحة رقم : 5420




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بيزنطة



الباب الخامس والعشرون




أوربا تفيق من رقدتها




1095-1300




الفصل الأول




بيزنطة


اختتم ألكسيوس الأول كمنينوس Alexius I Comnenus حكمه الطويل (1108-1118) على أثر مؤامرة من طراز المؤامرات التي اختصت بها بيزنطية، وذلك بعد أن قاد سفينة الإمبراطورية بنجاح في حروب الترك والنورمان، وفي الحرب الصليبية الأولى. وكانت ابنته الكبرى أنا كمنينا Anna Comnena مضرب المثل في العلم، كما كانت ملمة بخلاصة الفلسفة، وكانت شاعرة موهوبة، وسياسية ذات بهاء، ومؤرخة مهذبة تميل في كتابتها إلى الكذب والاختلاق. ولما خطبت إلى ابن الإمبراطور ميخائيل السابع حسبت أنها بحكم مولدها وبفضل جمالها ومواهبها الذهنية قد اختارتها الأقدار للتربع على عرش الإمبراطورية؛ ولم تكن تغفر لأخيها جون John أنه ولد وارث للعرش، فدبرت مؤامرة لاغتياله، ولكن تدبيرها افتضح وعفي عنها، وآوت إلى أحد الأديرة، وكتبت سيرة أبيها في قصة نثرية تدعى ألكسياد Alexiad. وأدهش جون كمنينوس (1118-1143) أوربا بالتمسك بالفضائل الشخصية، وبكفايته الإدارية، وبانتصاره في حروبه ضد أعدائه من الوثنيين والمسيحيين والمسلمين، وخيل إلى الناس حيناً من الدهر أنه سيعيد الدولة إلى ما كانت عليه من مجد وسعة رقعة، ولكن خدشاً من سهم مسموم في كنانته قضي على حياته وأحلامه.




صفحة رقم : 5421




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بيزنطة


وكان ابنه مانويل الأول Manuel I (1143-1180) إله الحرب مجسماً، وهب نفسه للحرب ومتعتها؛ يسير على الدوام في طليعة جنوده؛ ويرحب بالمبارزة الفردية، وقد انتصر في كل واقعة خاض غمارها إلا الأخيرة من هذه المواقع. وكان في ميدان القتال رواقياً في مبادئه، أما في قصره فكان أبيقورياً، مترفاً في طعامه ولباسه، سعيداً في عشقه الحرام لابنة أخيه. وعادت الآداب والعلوم إلى سابق ازدهارها بفضل ترفه ومناصرته؛ وكانت سيدات البلاط يشجعن المؤلفين، وقد نزلن هن أيضاً من عليائهن ليقرضن الشعر؛ وجمع زناراس Zanaras في أيامه كتابه الضخم الذي أسماه موجز التاريخ. وشاد مانويل لنفسه قصراً جديداً هو قصر البلاشرني Blachernae على شاطئ البحر عند طرف القرن الذهبي؛ وكان أودم الدويلي Odom of Deuil يظنه "أجمل بناء في العالم، فقد كانت عمده وجدرانه مغطاة إلى نصفها بالذهب، ومرصعة بالجواهر التي كانت تتلألأ حتى في ظلام الليل"(1). لقد كانت القسطنطينية في القرن الثاني عشر صورة أخرى من النهضة الإيطالية.
وتطلبت فخامة العاصمة، والحروب الكثيرة التي شنتها الإمبراطورية العجوز لتصد عنها الموت، تطلبت هذه وتلك ضرائب فادحة ألقاها المترفون على المنتجين لضرورات الحياة. وكانت النتيجة إن زاد فقر الفلاحين، واستسلموا للاسترقاق الأراضي، وأن سكن عمال المدن اليدويون في مساكن قذرة كثيرة الضجيج، يُرتكب في ظلماتها وأفذارها ما لا يحصى من الجرائم.
وكانت حركات ثورية شبه شيوعية تضطرم نارها في قلوب صعاليك المدن(2)، ولكن هذه الحركات قد عفا ذكرها لكثرة ما حدث من أمثالها على مر الأيام. وكان استيلاء الصليبيين على فلسطين قد فتح ثغور الشام لتجارة اللاتين، وخسرت القسطنطينية ثلث تجارتها البحرية التي استولت عليها المدن الناهضة في إيطاليا. وكان من أعظم الآمال التي تداعب قلوب المسيحيين والمسلمين




صفحة رقم : 5422




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بيزنطة


على السواء أن يستولوا على ما فيها من الكنوز التي أنفقت في جمعها ألف عام؛ وحدث أن زار المدينة أحد المسلمين الصالحين في أيام مانويل الزاهرة فدعا الله أن يمن على المسلمين بفضله وكرمه فيجعل القسطنطينية عاصمة بلاد الإسلام(3). وحتى البندقية نفسها ربيبة بيزنطية دعت فرسان أوربا لأن ينضموا إليها في انتهاب ملكة البسفور.
ولم تعش المملكة اللاتينية التي أقامتها الحملة الصليبية الرابعة في القسطنطينية إلا سبعاً وخمسين سنة (1204-1261)، ذلك أن المملكة الجديدة لم تقو على البقاء إلا ريثما كانت بيزنطية المتحفزة للثأر منها تعوزها الوحدة وقوة السلاح. أما هي فلم تكن لها أصول تقوم عليها من عنصرية الشعب أو دينه أو عاداته، وكانت تكرهها الكنيسة اليونانية التي خضعت مكرهة لروما، ويضعضعها انقسامها إلى إمارات إقطاعية تدعى كل منها لنفسها السيادة الكاملة، وتعوزها جميعاً التجربة التي لا غنى عنها لتنظيم اقتصادياتها الصناعية والتجارية، وتهاجمها الجيوش البيزنطية من خارجها، وتحرقها المؤامرات في داخلها، ولا تستطيع أن تستمد من سكانها المعادين لها ما تحتاجه من المال للدفاع العسكري عن كيانها.
لكن الغزاة الفاتحين كان مصيرهم في بلاد اليونان خيراً من مصيرهم في القسطنطينية. ذلك أن الفرنجة، والبنادقة، وغيرهم من الأشراف الطليان عجلوا بتقسيم تذلك البلاد التاريخية إلى أقسام إقطاعية، وشادوا القصور الجميلة فوق التلال العالية تشرف على ما حولها من المواقع، وشرعوا وأظهروا في حكم السكان المتراخين المجدين حكماً حازماٍ جريئاً. وحل مطارنة الكنيسة اللاتينية محل أساقفة المذهب الأرثوذكسي الذين نفوا من اللابد، وأنشأ الرهبان القادمون من بلاد الغرب على التلال أديرة كانت من روائع الفن ومستودعاً لكنوزه. وقام رجل فخور من الفرنجة فلقب نفسه "دوق أثينا"، وجاء شكسبير في غير منطق سليم وأخطأ خطأ يغتفر له، ورجع به إلى الوراء ألفي عام، وسماه ثيسيوس، ولكن الروح




صفحة رقم : 5423




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بيزنطة


الحربية التي أقامت هذه الممالك الصغيرة كانت هي بعينها القاضية عليها لكثرة ما ثار بينها من المنازعات والأحقاد القاتلة؛ فقد كانت الأحزاب المتنافسة يحارب بعضها بعضاً على تلال المورة وسهول بؤوتيا حرباً طاحنة قضت عليها جميعاً؛ ولما أن غزت اليونان "الشركة القطلونية Catalian Company" الكبرى المؤلفة من جماعة المغامرين القادمين من قطلونيا (1311) ذبحت زهرة فرسان الفرنجة في المعركة التي دارت قرب نهر سفسوس Cephisus، وأضحت المنهوكة القوى ألعوبة في أيدي القراصنة الأسبان.
وبعد عامين من سقوط القسطنطينية أقام لسكاريس Theodoae Lescaris حمو ألكسيوس الثالث حكومة بيزنطية في منفاه في نيقية. ورحبت بحكمه جميع الأناضول بما فيها مدائن بورصة، وفلدلفيا، وأزمير، وإفسوس الغنية؛ وأفاءت إدارته الحازمة القديرة العادلة على هذه الأقاليم رخاء جديداً، وبعثت في الآداب اليونانية حياة جديدة، وأحيت قلوب الوطنيين اليونان آمالاً جديدة. وأنشأ ألكسيوس كمنينوس ابن مانويل في شرق تلك البلاد وفي طربزون بالذات مملكة بيزنطية أخرى، ونشأت مملكة ثالثة في إبيروس برياسة ميخائيل أنجلوس؛ وضم جون فتاتزيس John Vatatzes زوج ابنه لسكاريس وخليفته (1222-1254) جزءاً من أبيروس إلى مملكة نيقية، واسترد سالونيك من الفرنجة (1246)، وكاد يستولي على القسطنطينية نفسها لولا أنه عاد إلى آسيا الصغرى لأنه عرف أن البابا إنوسنت قد دعا المغول الزاحفين غرباً إلى الإغارة على بلاده من جهة الشرق (1248). ورفض المغول مشروع البابا محتجين بتلك الحجة الساخرة وهي أنهم لا يريدون أن يعملوا على "إثارة الأحقاد بين المسيحيين بعضهم وبعض"(4). وكان حكم الملك جون الطويل الأمد من خير الأحكام في التاريخ وأعظمها تشريفاً لصاحبها، فقد استطاع أن يخفف الضرائب، ويشجع الزراعة، وينشئ المدارس، ودور الكتب،




صفحة رقم : 5424




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بيزنطة


والكنائس، والأديرة، والمستشفيات وملاجئ لكبار السن والفقراء، على الرغم من الحروب الكثيرة النفقات التي خاض غمارها ليعيد بها وحدة الإمبراطورية البيزنطية(5). وازدهرت الآداب والفنون في عهده، وأصبحت نيقية في القرن الثالث عشر من أكثر مدن العالم ثروة وأعظمها جمالاً.
وكان ابنه ثيودور لسكاريس الثاني (1254-1258) شغوفاً بالعلم معتل الجسم، عالماً ومضطرب العقل؛ مات بعد حكم قصير، واغتصب العرش بعد موته ميخائيل بليولوجوس Michael Paleologus زعيم الأشراف المتذمرين (1259-1282). وإذا جاز لنا أن نصدق المؤرخين قلنا إن ميخائيل كان متصفاً بكل نقيصة- كان "أنانياً، منافقاً... كذوباً بغريزته، مغروراً، قاسياً، شرهاً"(6). ولكنه كان واسع الحلية شديد الدهاء، دبلوماسياً، معقود لواء النصر، استطاع بمعركة واحدة أن يثبت قدمه في ابيروس، كما استطاع بحلفه مع جنوى أن يفوز بمعونتها على البنادقة والفرنجة في القسطنطينية؛ وأمر قائده استراتيجوبولس Strategopulus أن يتظاهر بالهجوم على العاصمة من ناحية الغرب. وزحف استراتيجولس على المدينة ولم يكن معه أكثر من ألف رجل، فلما وجد حاميتها خفيفة دخلها واستولى عليها دون عناء، وفر الملك بلدوين الثاني هو وحاشيته، وتبعه رجال الدين اللاتين الذين كانوا في المدينة وقد استولى عليهم رعب كانوا خليقين به. وعبر ميخائيل البسفور وهو لا يكاد يصدق النبأ وتوج إمبراطور (1261)، وهكذا بعثت الإمبراطورية البيزنطية من رقادها، وكان الناس يظنونها قد قضت نحبها، واستعادت الكنيسة اليونانية استقلالها، وظلت الدولة البيزنطية الفاسدة قائمة تصرف شئونها قرنين آخرين احتفظت فيهما بالآداب القديمة ونقلتها إلى العالم الغربي، وصدت رغم ضعفها جيوش المسلمين في تلك الفترة من الزمان.




صفحة رقم : 5425




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> الأرمن



الفصل الثاني




الأرمن




(1060-1300)


وحدث حوالي عام 1080 أن غادرت أسر أرمنية كثيرة بلادها لعدم رضائها عن سيطرة السلاجقة عليها، وعبرت جبال طوروس، وأنشأت مملكة أرمينية الصغرى في قليقية. وبينما كان الأتراك، والكرد، والمغول، يحكمون أرمينية الحقيقية، احتفظت الدولة باستقلالها مدى ثلاثة قرون. واستطاع ليو الثاني Leo II في حكمه الذي دام أربعة وثلاثين عاماً (1185-1219) أن يصد هجمات سلاطين حلب ودمشق، ويستولي على إسوريا Isauria وينشئ عاصمة مملكته في سيس Sis (وهي الآن في تركيا)، ويعقد حلفاً مع الصليبيين، ويدخل الشرائع الأوربية في بلاده، ويشجع الصناعة، والزراعة، ويمنح تجار البندقية وجنوى عدداً من الامتيازات، ويقيم الملاجئ للأيتام، والمستشفيات للمرضى، والمدارس لطلاب العلم. واستمتع رعاياه في أيامه برخاء منقطع النظير، وكسب بحق اسم ليو الأفخم، وكان من أعظم ملوك العصور الوسطى حكمة وأكثرهم خيراً وصلاحاً. ووجد صهره هثوم الأول Hethumi (1226-1270) المسيحيين غير أهل لأن يعتمد عليهم، فتحالف مع المغول، وسره أن يطردوا السلاجقة من أرمينية (1240). فلما أن اعتنق المغول الإسلام حاربوا أرمينية الصغرى ودمروها تدميراً (1303 وما بعدها). وفتح المماليك المصريون أرمينية في عام 1335، وقسمت البلاد بعد الفتح بين سادة الإقطاع. وظل الأرمن من خلال هذا الاضطراب يبدون ضروباً من المهارة الفنية في العمارة، وحذقاً عظيماَ في النقش الدقيق، يستمسكون بنوع من الكثلكة المستقلة عن سائر المذاهب، استطاعوا به أن يصدروا كل المحاولات التي بذلتها القسطنطينية أو روما للسيطرة على بلادهم.




صفحة رقم : 5426




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> روسيا والمغول



الفصل الثالث




روسيا والمغول




(1054-1315)


كانت قبائل نصف همجية تسيطر في القرن الحادي عشر على بلاد روسيا الجنوبية، وهذه القبائل هي الكومان Cumans، والبلغار، والخزر Khazars، والبلوفتسي، والبتزيناك Patzinaks... أما ما بقي من روسيا الأوربية فكان مقسماً إلى أربع وستين إمارة- أهمها كيف Kiev، وفلهينيا Volhynia، ونفجورود، وسزداليا Suzdalia، واسمولنسك Smolensk، وريازان Ryazan، وشرنيجوف Chernigov، وبرياسلافل Pereyaslavl. وكانت معظم هذه الإمارات تعترف بسيادة كيف عليها؛ ولما قربت منية يارسلاف Yaroslav أمير كيف الأكبر (1054) وزع هذه الولايات بترتيب أهميتها بين أبنائه حسب سنهم؛ فأعطى أكبرهم إمارة كيف، ثم وضع نظاماً دورياً فذاً يقضي بأنه إذا مات أمير ينتقل الباقون من الأمراء كل منهم إلى الولاية التي تلي ولايته في الأهمية. وانقسمت طائفة من هذه الإمارات في القرن الثالث عشر إلى عدد من الإقطاعيات وراثية على مر الزمن، فكانت أساساً للنظام الإقطاعي المعدل الذي تعاون فيما بعد هو وغارات المغول على إبقاء بلاد الروسيا بحالها التي كانت عليها في العصور الوسطى بعد أن خرجت أوربا الغربية من هذه العصور. على أن بلاد الروسيا كان لها في هذه الفترة صناعات يدوية نشيطة، وتجارة أغنى مما أصبح لها في كثير من القرون المتأخرة.
وكانت سلطة كل أمير وراثية في العادة، ولكنها كانت تحددها جمعية شعبية تسمى الفيشي Veche ومجلس من أعيان البلاد يدعى بويارسكايا دوما




صفحة رقم : 5427




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> روسيا والمغول


Boyarskaya duma. وتركت معظم الشئون الإدارية والقانونية في أيدي رجال الدين، وكادت معرفة القراءة والكتابة تقتصر على هؤلاء هم وعدد قليل من الأعيان، والتجار، والمرابين. وقد استعان هؤلاء بالنصوص أو النماذج البيزنطية، فأنشئوا للروسيا آدابها، وقوانينها، ودينها، وفنونها. وبفضل جهودهم هذبت وحددت الحقوق أو القوانين الروسية Russkaya Pravda التي وضعت أول مرة في أيان يارسلاف، وصيغت صياغة قانونية (حول 1160). وجعلت للكنيسة الروسية الولاية النامة على شئون الدين ورجاله، وشئون الزواج والأخلاق والوصايا، وكان لها سلطان مطلق على الأرقاء وغيرهم من الموظفين الذين يعملون في أملاكها الواسعة. وارتفعت بفضل جهودها منزلة العبيد في الروسيا من الوجهة القانونية إلى حد ما، ولكن تجارة الرقيق ظلت قائمة حتى بلغت ذروتها في القرن الثاني عشر(7).
وشهد هذا القرن نفسه اضمحلال مملكة كيف وسقوطها، فقد كان للفوضى الإقطاعية السائدة في غرب أوربا ما يماثلها من الفوضى السائدة بين القبائل والأمراء؛ وشبت بين عامي 1054،1224 ثلاث وثمانون حرباً أهلية في الرسيا، وأغير عليها ست وأربعون مرة، وشنت دول روسية ست عشرة حرباً على شعوب غير روسية، وتنازع 293 أميراً عرش أربع وستين إمارة(8). وحدثت في عام 1113 اضطرابات ثورية في كيف كان سببها ما حل بالأهلين من فقر من جراء الحروب، وارتفاع سعر الفائدة على الديون، والاستغلال، والتعطل. وهاجمت الجماهير الحانقة الثائرة بيوت رجال الأعمال والمرابين ونهبتها، واحتلت دواوين الحكومة وبسطت سيادتها عليها لحظة من الزمان. واستدعت الجمعية البلدية مونوماخ Monomakh أمير برياسلافل ليكون أمير كيف الأعظم؛ وجاء الأمير وهو كاره، وقام فيها بما قام به صولون في اثنينا عام 594ق.م، فخفض سعر الفائدة على القروض، وقيد بيع المدينين المفلسين أرقاء من تلقاء أنفسهم، كما قيد سلطة أرباب الأعمال




صفحة رقم : 5428




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> روسيا والمغول


على العمال والموظفين؛ فاستطاع بفضل هذه الوسائل وأمثالها- التي لم يرض عنها الأغنياء ووصفوها بأنها بمثابة مصادرة لأموالهم، وعابها الفقراء لأنها في نضرهم غير كافية- أن ينجي المدينة من الثورة ويعيد تنظيم السلام في ربوعها(9). وبذل جهوداً كبيرة للقضاء على نزاع الأمراء وحروبهم، وتوحيد بلاد الروسيا من الوجهة السياسية. ولكن هذا العمل كان أكبر من أن يقوم به في حكمه الذي لم يدم أكثر من اثني عشر عاماً.
وعاد النزاع بيم الأمراء وبين الطبقات بعد موته إلى ما كان عليه من قبل. وفي هذه الأثناء كانت سيطرة القبائل الأجنبية سيطرة مستمرة على المجاري الدنيا لأنهار الدنيستر، والدنيبر، والدن؛ وكان نمو التجارة الإيطالية في القسطنطينية، والبحر الأسود، وموانئ الشام، قد حولا إلى خلجان البحر المتوسط كثيراً من التجارة التي كانت تنتقل قبل ذلك الوقت من بلاد الإسلام وبيزنطية إلى دويلات البحر البلطي مارة بأنهار الروسيا. ونقصت من جراء ذلك ثروة كيف وضعفت وسائلها المادية وروحها المعنوية، وأخذ جيرانها الهمج منذ عام 1096 يغيرون على ما وراءها من الأصقاع وما حولها من الضواحي، ينهبون الأديرة ويبيعون من يأسرونهم من الفلاحين بيع الرقيق. وأضحت كيف مكاناً غير أمين، فنقص سكانها، وأدى هذا إلى نقص الأيدي العاملة فيها. وهاجم جيش أندرى بجوليوبسكي Andrey Bogolyubski كيف في عام 1169، ونهبها وخربها تخريباً كاملاً، واسترق آلافاً من أهلها حتى كادت "أم المدائن الروسية" يعفو ذكرها من التاريخ مدى ثلاثة قرون. وأتم هذه الخراب الذي حل بكيف استيلاء البنادقة والفرنجة على القسطنطينية في عام 1204، وغارات المغول التي امتدت من عام 1229 إلى عام 1240.
وانتقلت زعامة الروسيا في النصف الثاني من القرن الثاني عشر من "الروس الصغار" أهل أكرنيا إلى "الروس الكبار" الأكثر منهم غلظة وأقدر منهم




صفحة رقم : 5429




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> روسيا والمغول


على تحمل المشقة، وهم أهل الإقليم المحيط بموسكو والممتد على ضفتي الفلجا الأعلى. وكانت موسكو قد أنشئت في عام 1156، ولم تكن في ذلك الوقت إلا قرية صغيرة تستخدمها سوزداليا Suzdalia (التي كانت تمتد في الجهة الشمالية من موسكو) مركزاً أمامياً على حدودها على الطريق الذي يصل مدائن فلادمير Vladimir وسزدال Suzdal بكيف. وحارب أندري بجوليوبسكي (1157-1174) ليجعل إمارة سوزداليا الجالس هو على عرشها صاحبة السيادة على الروسيا بأجمعها. ولكنه اغتيل وهو يقاتل ليخضع نفجورود لسلطانه كما اخضع كيف من قبل.
وكانت مدينة نفجورود واقعة في الشمال الغربي من الروسيا على ضفتي نهر فلخوف Volkhav قرب مخرج هذه النهر من بحيرة إلمن Ilmen. وإذ كان نهر فلخوف يصب في بحيرة لدوجا Lagoga في الشمال، وكانت أنهار أخرى تخرج من بحيرة إلمن متجهة نحو الجنوب والغرب والى البحر البلطي عن طريق بحيرة لدوجا، فإن هذه المدينة لم تكن قريبة من الحدود قرباً يهدد أمنها، ولا هي بعيدة عنها بعداً يضر بتجارتها، ولهذا نشأن فيها تجارة داخلية وخارجية نشيطة، وأضحت هي المركز الشرقي لتجارة مدن العصبة الهانسية. فكانت تتجر عن طريق نهر الدنيبر مع كيف وبيزنطية، وعن طريق نهر الفلجا مع بلاد الإسلام. وكادت تحتكر تجارة الفراء الروسية لأن سلطانها كان يمتد من بسكوف PskoV في الغرب إلى المحيط الجامد الشمالي، ويكاد يصل إلى جبال أورال في الشرق. وسيطر تجار نفجورود الأقوياء الأشراف بعد عام 1196 على الجمعية التي كانت تحكم الإمارة عن طريق أميرها المنتخب. فقد كانت هذه المدينة- الدولة جمهورية حرة تطلق على نفسها اسم "سيدي نفجورود الأكبر". فإذا لم ينل أمير لها رضاء أهلها فإن "سكانها يقدمون له واجب الاحترام ويرشدونه إلى طريق الخروج" من المدينة؛ فإذا قاومهم زجّوه في السجن؛ ولما أراد




صفحة رقم : 5430




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> روسيا والمغول


اسفياتوبولك Sviatopolk أمير كيف الأكبر أن ينصب ابنه أميراً عليهم رغم أنوفهم (1015) قال له أهل نفجورود: "ابعثه إلى هنا إن كان له رأس ليس هو في حاجة إليه"(10). ولكن الجمهورية لم تكن ديمقراطية، لأن العمال وصغار التجار لم يكن لهم صوت في حكومتها، ولم تكن في وسعهم أن يؤثروا في سياستها إلا بالعصيان المتكرر.
وبلغت نفجورود ذروة مجدها في عهد الأمير ألكسندر نفكي Alexander Nevsky (1238-1263) فقد أراد البابا جريجوري التاسع أن يخرج الروسيا من المذهب المسيحي اليوناني إلى المذهب اللاتيني، ودعا إلى حرب صليبية على نفجورود؛ وظهر جيش سويدي على نهر النيفا، فهزمه ألكسندر بالقرب من مدينة ليننغراد الحالية (1240) واشتق لقبه من اسم هذا النهر. وكان نصره هذا أعظم من أن يبقيه رئيساً لجمهورية، فنفي بسببه من المدينة، فلما أن تولي الألمان الحرب الصليبية، واستولوت على بسكوف وتقدموا حتى أصبحوا على بعد سبعة عشر ميلاً من نفجورود، توسلت الجمعية المرتاعة إلى ألكسندر أن يعود، فعاد، واسترد المدينة، وهزم فرسان ليفونيا Livonine على جليد بحيرة بيبوس (1242) وقضي سنيه الأخيرة ذليلاً مهيناً يتزعم أهل بلده تحت نير المغول.
ذلك أن المغول دخلوا الروسيا بقوات لا حصر لها. جاءوا من التركستان، واخترقوا جبال القفقاس، وأبادوا عندها جيشاً من الكرج، ونهبوا بلاد القزم. واستنجد القومان، الذين ظلوا عدة قرون يحاربون كيف، بالروس وقالوا لهم: "لقد امتلكوا اليوم ديارنا، وسيملكون دياركم غداً"(11) وعرف بعض المراء الروس صدق قولهم وقادوا عدة فرق يريدون أن ينضموا بها للدفاع عن القومان. وبعث المغول رسلاً منهم يعرضون على الروس أن يحالفوهم ضد القومان، فقتل الروس الرسل ودارت معركة على شاطئ نهر كلكا Kalak بالقرب من بحر آزاق Azov، هزم فيها المغول جيش الروس والقومان، وأسروا عدداً من قواد الروس




صفحة رقم : 5431




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> روسيا والمغول


بالخيانة، وكبلوهم بالأغلال، وأقاموا فوقهم طواراً جلس عليه كبار رجال المغول ليطعموا وليمة النصر، بينا كان الأسرى الأشراف يموتون اختناقاً (1223).
ثم ارتد المغول إلى منغوليا، وصرفوا جهودهم في فتح الصين، وعاد الأمراء الروس إلى الحرب فيما بينهم، ولكن المغول عادوا في عام 1237 بقيادة باتو Batu ابن ابن أخي جنكيز خان؛ وكانت عدتهم 500.000كلهم تقريباً من الفرسان؛ وكان الطريق الذي جاءوا منه حول الطرف الشمالي من بحر الخزر، وأعملوا السيف في رقاب الضاربين على ضفتي نهر الفجا، وخربوا مدينة بلغار Bolgar عاصمتهم. وبعث باتو برسالة إلى أمير ريازان يقول فيها: "إن كنت تبغي السلم فأعطنا عشر ما عندك"، فرد عليه بقوله: "إن في وسعك أن تأخذ كل ما عندنا بعد أن نموت"(12)، واستنجدت ريازان بالإمارات الروسية، فأبت أن تنجدها؛ فقاتلت وحدها قتال الأبطال، وخسرت جميع ما تملكه، فقد نهب المغول الذين لا يغلبون جميع مدن ريازان، وحاصروا فلدمير؛ واجتاحوا سورذاليا، وبددوا جيشها، وحرقوا مسكو، وحاصروا فلدمير؛ وقص النبلاء شعرهم واختبئوا في الكنائس ولبسوا مسوح الرهبان، فلما أحرقت الكنيسة والمدينة كلها قتلوا عن آخرهم؛ ودمرت النيران سوزال، ورستوف، وعدداً كبيراً من قرى الإمارة (1238). وزحف المغول على نفجورود، فلما وقفت في سبيلهم الغابات الكثيفة، والأنهار الغزيرة المياه، خربوا شرنجوف Chernigov وبريسلافن، وبلغوا في زحفهم مدينة كيف وبعثوا برسلهم يطلبون إلى المدينة الاستسلام؛ ولما قتل أهل كيف الرسل، عبر المغول نهر الدنيبر، وتغلبوا عليها بالقوة بعد مقاومة ضعيفة، وخربوا المدينة، وقتلوا آلافاً مؤلفة من أهلها؛ ولما أن رأى جيوفني ده بيانو كربيني هذه المدينة بعد ست سنين من ذلك الوقت، وصفها بأنها بلدة تحتوي على مائتي كوخ، وأن الأرض التي حولها كانت تتناثر فيها الجماجم. ولم تكن الطبقات الوسطى والعليا




صفحة رقم : 5432




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> روسيا والمغول


تجرؤ في يوم من الأيام على أن تسلح الفلاحين أو العامة من سكان المدينة، فلما أن جاء المغول كان الأهلون ضعافاً عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم. فأخذ الفاتحون يقتلون أو يسترقونهم كما يحلو لهم.
وتقدم المغول إلى وسط أوربا يغلبون ويُغلبون، ثم عادوا أدراجهم مخترقين الروسيا يعيثون فيها فساداً، فأقاموا على أحد روافد الفلجا مدينة سراي Sarai واتخذوها عاصمة لعشائر مستقلة تعرف باسم الحشد الذهبي. وظل باتو وخلفاؤه يسيطرون على الجزء الأكبر من الروسيا مدة مائتي عام وأربعين عاماً من ذلك الوقت؛ وسمح للأمراء الروس بأن يحتفظوا بأرضهم على شرط أن يؤدوا عنها جزية سنوية لخان الحشد الذهبي، أو للخان الأعظم لقرقورم المغولية، وأن يقدموا من حين إلى حين بزيارة لهذا أو ذاك يقدمون لهما فروض الولاء، ويقطعون فيها مسافات طويلة. وكان المراء يجمعون هذا الخراج ويفرضونه على الأهلين بالمساواة القاسية، يدفع الغني منه بقدر ما يدفع الفقر، ومن عجز عن الدفع بِيْع بَيْع الرقيق. واستسلم الأمراء وخضعوا لسيادة المغول لأنها حمتهم من الثورات الاجتماعية، وانضموا إلى المغول في هجومهم على الشعوب الأخرى ومن بينها الإمارات الروسية نفسها. وتزوج كثيرون من الروس مغوليات، ولربما دخلت بعض ملامح الوجوه، والأخلاق المغولية، في السلالات الروسية(13). وأخذ بعض الروس عن المغول أساليبهم في التحدث والملبس. ولما أصبحت الروسيا تابعة لدولة أسيوية انفصلت إلى حد كبير عن الحضارة الأوربية، وتعاون استبداد الخان مع استبداد أباطرة بيزنطية على إيجاد "حاكم جميع الروس المطلق" في الدولة المسكوفية المتأخرة.
وعرف زعماء المغول أنهم لا يستطيعون إخضاع الروسيا بالقوة وحدها،




صفحة رقم : 5433




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> روسيا والمغول


فاصطلحوا مع الكنيسة الروسية، وحموا لها ممتلكاتها ورجالها، وأعفوا هذه الممتلكات وأولئك الرجال من الضرائب، وجعلوا الإعدام عقاباً لمن ينتهك حرماتها. وقابلت الكنيسة هذا الجميل بمثله- أو لعلها أرغمت على رده إرغاماً- فأوصت الروس بالخضوع للسادة المغول، ودعت الله جهرة أن يهبهم السلامة(14). وأراد آلاف من الروس أن يضمنوا لأنفسهم الأمن والسلام وسط عواصف الرعب فترهبوا؛ وتوالت الهبات على المؤسسات الدينية، حتى أثرت الكنيسة الروسية ثراء فاحشاً وسط الفقر السائد في جميع البلاد. ونمت في الشعوب روح الخضوع والاستسلام، ومهدت السبيل إلى الاستبداد الذي سلط عليها قروناً طوالاً. لكن الروسيا ظلت مع ذلك هي الروسيا وإن حنت رأسها لعاصفة المغول الهوجاء، ووقفت سداً منيعاً تصد عن أوربا سيل الغزاة الأسيويين، فقد تحطمت قوة التيار البشري الجارف على صخرة الأجناس الصقلبية- الروس، والبوهيميين، والمورافيين، والبولنديين- والمجرية؛ وقضت أوربا الغربية فترة من الزمن ترتجف من الهول ولكنها لم تكد يمسها أذى. ولعل بقية أوربا استطاعت أن تسير في طريقها نحو الحرية والسياسة والعقلية، ونحو الثروة، والنعيم، والفن، لأن الروسيا ظلت مائتي عام مغلوبة، ذليلة، راكدة، فقيرة.




صفحة رقم : 5434




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بحر البلقان المضطرب



الفصل الرابع




بحر البلقان المضطرب


يرى الناظر إلى بلاد البلقان عن بعد أنها خليط مضطرب من العواصف السياسية والدسائس، ومن الخداع الجذاب والمهارة التجارية، والحروب والاغتيال، والمذابح المدمرة. أما البلغاري، والروماني، والمجري، واليوغسلافي فيرى كل منهم أن أمته هي ثمرة ألف عام من الكفاح للظفر باستقلالها من الإمبراطوريات المحيطة بها، والاحتفاظ بثقافة فذة باهرة، والتعبير عن خصائصها القومية في البناء، واللباس، والشعر، والموسيقى والغناء دون أن يعوقها عن ذلك عائق.
وظلت بلغاريا، التي كانت من قبل دولة قوية في عهد كروم Krum وسيمون Simeon، ثمانية عاماً ومائة عام خاضعة لبيزنطية، ووجد تذمر البلغار والفلاخ Vlach أهل ولاشيا Wallachia من يعبر عنه في شخص أخوين هما يوحنا وبطرس آسن Asen كان لهما الأخوان أهل ترنوفا Trnova إلى كنيسة القديس كمتريوس وأقنعاهم بأن هذا القديس غادر مدينة سلانيك اليونانية ليتخذ ترنوفا موطناً له، وأن في وسع بلغاريا إذا انضوت تحت لوائه أن تستعيد حريتها. وأفلحا في بلوغ هدفهما، وقسما الدولة الجديدة تقسيماً ودياً بينهما، فاتخذ يوحنا ترنوفا مقراً لحكمة واتخذ بطرس برسلاف Preslav. وكان أعظم ملك من نسلهما، وفي تاريخ بلغاريا كله، هو يوحنا آسن الثاني (1218-1241)؛ ذلك أن هذا الملك لم يضم إلى ملكه تراقيا، ومقدونية، وإبيروس، وألبانيا فحسب، بل حكم هذه البلاد حكماً عادلاً أحبه من اجله رعاياه من اليونان أنفسهم. وكسب




صفحة رقم : 5435




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بحر البلقان المضطرب


رضاء البابوات بإظهار الولاء لهم، وبإغداق الأموال على الأديرة؛ وشجع التجارة، والآداب والفنون بمناصرتها وبما سنه لها من القوانين المستنيرة، وجعل ترنوفا من أكثر مدائن أوربا جمالاً، ورفع منزلة بلغاريا في الثقافة والحضارة إلى مصاف معظم الأمم الراقية في تلك الأيام. لكن خلفاءه على العرش لم يرثوا منه حكمته؛ وأشاعت غزوات المغول الاضطراب في الدولة وأضعفتها (1292-1295)، وأدى ذلك إلى خضوعها في القرن الرابع عشر إلى الصرب أولاً ثم إلى الأتراك فيما بعد.
وأفلح الزهوبان Zhupan (الزعيم) استيفن نمانيا Stephen Nemanga في عام 1159 في إخضاع العشائر والأقاليم الصربية المختلفة لحكمه، فكان هو المؤسس الحقيقي لمملكة الصرب، التي ظلت خاضعة لحكم أسرته مائتي عام. وكان ابنه سافا Sava يؤدي للأمة أعمال كبير الأساقفة والحاكم السياسي في وقت واحد، فأصبح فيما بعد أعظم قديسيها منزلة في نفوس الأهلين.وكانت البلاد لا تزال فقيرة، حتى كانت القصور الملكية نفسها تقام من الخشب. وكانت لها فرصة بحرية مزدهرة هي مدينة راجوسا Ragusa (دبرفنيك Dubrovnik الحالية)، ولكن هذه المدينة كانت دولة مستقلة مفردة. أصبحت في عام 1221 خاضعة لحماية البندقية. واتخذ الفن الصربي في خلال هذين القرنين طرازاً خاصاً به وبلغ درجة عظيمة من الإتقان في هذا الطراز الخاص، نتبينهما في الصور والنقوش المرسومة على جدران كنيسة القديس بنتيليمون Panteleimon ذات الدير في نريز Nerez (حوالي عام 1164)، فهي تكشف عن واقعية مسرحية لم نعتدها في التصوير البيزنطي، وتسبق بقرن من الزمان بعض أساليب التصوير التي كانت في ظن الناس من ابتكار دشيو Duccio وجيتو Giotto. وتظهر في هذه الصور الجدارية وغيرها مما رسم في القرنين الثاني عشر والثالث عشر صور للملوك تنم عن فردية لا تضارعها فيها أية صورة بيزنطية قبل ذلك العهد(15).




صفحة رقم : 5436




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بحر البلقان المضطرب


وبنما كانت بلاد الصرب في العصور الوسطى تسير نحو حضارة راقية، حطمت الاضطهادات والمروق من الدين وحدة الأمة، ولربما كان في وسعها لولا هذا أن تقف زحف الأتراك. كذلك أضعفت المنازعات الدينية البوسنة Bosnia بعد أن بلغت ذروة مجدها في العصور الوسطى تحت حكم البان Ban (أي الملك) كولين Kulin (1180-1204)، وما زالت كذلك حتى خضعت إلى المجر عام 1254.
وعم الاضطراب هنغاريا بعد موت استيفن الأول (1038) من جراء الفتن التي أثارها المجر الوثنيون على الملوك الكاثوليك، وما بذله هنري الثالث من محاولات لضم هنغاريا إلى ألمانيا. وهزم اندرو الأول Andrew I هنري، ولما جدد الإمبراطور هنري الرابع هذه المحاولة فوت الملك جيزا الأول Giza I عليه غرضه بأن أعطى هنغاريا إلى جريجوري السابع، ثم استردها منه إقطاعية بابوية (1076). وأدى التنافس على العرش في القرن الثاني عشر إلى تقوية الإقطاع في البلاد، فقد منح المتنافسون النبلاء إقطاعيات واسعة نظير تأييدهم لهم، حتى بلغ هؤلاء النبلاء من القوة في عام 1222 ما مكنهم من انتزع "مرسوم ذهبي Golden Bull" شبيه شبهاً عجيباً بالعهد الأعظم (مجنا كارتا) الذي وقعه جون ملك إنجلترا في عام 1215. وقد أنكر هذا المرسوم وراثة الإقطاعيات، ولكنه وعد أن يدعى مجلس كل عام، وألا يسجن أي نبيل إلا بعد أن يحاكم أمام كونت من القصر الإمبراطوري، وألا تفرض ضريبة ما على ضياع الأشراف أو رجال الدين. وظل هذا المرسوم الملكي المعروف باسم المرسوم الذهبي نسبة إلى غلافه أو خاتمه صك الحرية لأشراف هنغاريا، وأضعف سلطة الملكية الهنغارية وقت أن كان المغول يستعدون لإيقاع أوربا في أزمة من أشد الأزمات في تاريخها كله.




صفحة رقم : 5437




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بحر البلقان المضطرب


وفي وسعنا أن ندرك ما بلغه المغول من سعة الملك وقوة السلطان إذا ذكرنا أن أجادي Ogadi الخان الأعظم سير في عام 1235 ثلاثة جيوش للزحف على كوريا والصين وأوربا. وعبر الجيش الثالث بقيادة باتو نهر الفلجا في عام 1237، وكانت عدته ثلاثمائة ألف مقاتل. ولم يكن هذا الجيش حشداً غير نظامي، بل كان قوة جيدة التدريب، حسنة القيادة مجهزة بآلات قوية للحصار وبأسلحة نارية جديدة عرف المغول طريقة استعمالها من الصينيين. وخرب هؤلاء المحاربون في مدى ثلاث سنين الروسيا الجنوبية كلها تقريباً. وكأنما كان باتو غير قادر على أن يفكر في الهزيمة فقسم هذا الجيش قسمين، زحف أحدهما على بولندة، واستولى على كركوفيا Cracow ولبلين Lubiln وعبر نهر الأودر وهزم الألمان في ليجنتز Leignitz (1241)؛ وتسلق الجيش الثاني بقيادة باتو نفسه جبال الكربات، وهاجم هنغاريا، والتقى بقوات هنغاريا والنمسا المتحدة عند موهي Mohi وأوقع بها هزيمة الاعتدال فيما يذكرون من الأرقام- عدد القتلى من المسيحيين بمائة ألف، وقدر الإمبراطور فردريك الثاني خسائر الهنغاريين بما "لا يكاد يقل عن جميع القوة الحربية للملكة"(16). ومن سخريات التاريخ أن الغالبين والمغلوبين في هذه البلاد كانوا من دم واحد، فقد كان للقتلى من أشراف هنغاريا أبناء المجر المغول الذين اجتاحوا البلاد قبل ثلاثة قرون من ذلك الوقت. واستولى باتو على بست Pesth وإزترجوم Eztergom (1241)؛ وعبرت قوة من المغول نهر الدانوب، وأخذت تطارد الملك الهنغاري بيلا الرابع Bela IV حتى وصلت إلى شاطئ البحر الأدرياوي، وكانت أينما حلت تنزل الخراب والدمار. وأخذ فردريك الثاني يهيب بأوربا




صفحة رقم : 5438




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بحر البلقان المضطرب


أن تتحد لتستطيع الوقوف في وجه تيار الغزو الأسيوي الجارف، ولكن نداءه كان صرخة في واد. وحاول أنوسنت الثالث أن يدعو المغول إلى المسيحية والى السلام، ولكن دعوته هو الآخر ذهبت أدراج الرياح؛ وكان الذي أنجى المسيحية وأوربا هو موت أجادي وعودة باتو إلى قوقورم للاشتراك في انتخاب خان جديد. ولم يحدث في التاريخ كله تخريب أشمل من هذا التخريب أو أوسع فقد امتد من المحيط الهادي إلى البحرين الأدرياوي والبلطي.
وعاد بيلا الرابع إلى بست المخربة وعمرها بالألمان، ونقل عاصمة ملكه إلى بودا Buda على الضفة الأخرى من الدانوب (1247)؛ وأعاد على مهل اقتصاديات بلاده المحطمة. وقامت طبقة جديدة من الأشراف فأعادت تنظيم المراعي والضياع الكبرى التي كان الرعاة الفلاحون الأذلاء ينتجون منها الطعام للأمة. وهبط عمال المناجم الألمان من أرزجيرج واستخرجوا المعادن الخام الغنية من ترنسلفانيا Transylvania. وكانت حياة الأهلين وعاداتهم لا تزال خشنة غليظة، وأدوات العمل بدائية، والبيوت أكواخاً من الأغصان والطين. وقام الرجال في هذه البيئة التي تضطرب فيها الأجناس واللغات، وينقسم فيها الأهلون إلى طبقات ومذاهب دينية متنابذة متعادية، قام الرجال في هذه البيئة يعملون لتحصيل أرزاقهم ومكاسبهم، ووصل أسباب الاقتصاد الذي هو منبت الحضارة.




صفحة رقم : 5439




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> دول التخوم



الفصل الخامس




دول التخوم


كما أن كل نقطة في الكون اللانهائي يمكن أن تعد مركزاً له، كذلك نرى كل أمة وكل نفس في موكب الحضارات والدول تفسر مسرحية التاريخ والحياة تفسيراً يدور حول صفاتها هي والدور الذي قامت به فيه. وكان في شمال جبال البلقان خليط آخر من الشعوب- من البوهيميين، والبولنديين، واللتوانيين، والليفونيين، والفنلنديين، كل واحد منها يجعل تاريخه القومي المحور الذي حوله العالم كله مستمسكاً في ذلك بالعزة القومية التي تبعث الحياة في نفوس الشعوب.
وكان الفلنديون الذين تربطهم بالمجر والصرب صلات دم بعيدة، يعيشون في بداية العصور الوسطى على ضفتي نهر الفلجا الأعلى والأوكا Oka. وقبل أن يستهل القرن الثامن هاجر أولئك الأقوام إلى الأراضي الجدباء المسرحية المناظر المعروفة عند غيرهم باسم فنلندة وعندهم هم باسم السؤمي Suomi أو أرض المناقع، ولما أخذوا يغيرون على سواحل اسكنديناوة اضطر إرك التاسع Eric Ix ملك السويد إلى فتح بلادهم في عام 1157. وترك إرك أسقفاً عندهم في أبسالا لينشر بينهم الحضارة، فقتل الفنلنديون الأسقف هنري ثم اتخذوه بعد قتله قديسهم الشفيع، وأخذوا في بسالة هادئة يزيلون ويجففون المناقع، ويصرفون مياه العشرة "الآلاف بحيرة"(17) ويجمعون الفراء، ويجاهدون ضد الثلوج.
وأخذت قبائل قريبة في أصولها من الفنلنديين تعمل بالفأس والمجرف جنوب خليج فنلندة، وهي قبائل البروسيين Borussians أو Prussians، والإسث Esths (الإستونيين)، واللف، Livs (اللفونيين)، واللتفا Litva




صفحة رقم : 5440




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> دول التخوم


(اللثوانيين) واللت Letts واللتفيين. فكانوا يصيدون الحيوان من الغابات، والسمك من مياه البحار والأنهار، ويربون النحل، ويفلحون الأرض، ويتركون وراءهم تراثاً من الآداب والفنون لمن هم أقل منهم قوة من خلفائهم الذين كانوا هم يكدحون من أجلهم. وظلت هذه القبائل كلها ما عدا الأستونيين وثنية حتى القرن الثاني عشر حين نشر الألمان بينهم المسيحية والحضارة بالنار والسيف. ولما وجد اللفونيون أن الألمان يتخذون الدين المسيحي وسيلة للتسلل إلى بلادهم والسيطرة عليهم قتلوا المبشرين، ونزلوا إلى نهر الدفينا Dvina ليتطهروا فيه من دنس التعمد، وعادوا إلى آلهتهم القدامى. ودعا إنوسنت الثالث إلى شن حرب صليبية عليهم، ودخل الأسقف ألبرت Albert نهر الدفينا لحكم الألمان 1201. وأتمت طائفتان من الفرسان الدينيين- العسكريين طائفتا الفرسان اللفونيين، والفرسان التيوتون إخضاع دول البحر البلطي لألمانيا، وامتلكوا فيها أرضين واسعة، ونشروا الدين المسيحي بين أهلها، واتخذوهم رقيق أرض(18). وقويت قلوب الفرسان التيوتون بهذا النجاح، فتقدموا نحو الروسيا يرجون أن يخضعوا في القليل ولاياتها الغربية لألمانيا وللمسيحية اللاتينية، ولكنهم هزموا عند بحيرة بيبوس (1242) في واقعة من مواقع التاريخ الحاسمة التي لا يحصى لها عدد.
وكان بحر آخر من الصقالية يموج حول هذه الدول البلطية. وكان منهم طائفة تسمى البولانيين أي "شعب الحقول"- وكانت تفلح أودية أنهار الوارث Warthe والأودر Oder، وطائفة أخرى تسمى المازور Mazurs، تسكن على ضفتي نهر الفستيولا Vistula، وطائفة ثالثة تدعى البومرزاني Pomerzani (أي "بجانب البحر") هي التي اشتق منها اسم بمرانيا Pomerania. وأراد الأمير البولندي ميسزكو الأول Mieszko I أن يجنب بلاده فتح الألمان، فوضع بولندة تحت حماية البابابوات، وأدارت بولندة من




صفحة رقم : 5441




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> دول التخوم


ذلك الحين ظهرها نحو صقالبة الشرق نصف البيزنطيين، وألقت بنفسها في أحضان أوربا الغربية والمسيحية الرومانية. وفتح بلسلاف الأول Boleslav I، (992-1025) ابن ميسزكو بومرانيا، وضم إلى بلاده برسلو Breslau وكركوفيا Cracow ونصب نفسه أو ل ملك على بولندة. وقسم بلسلاف الثالث Boleslav III (1102-1139) المملكة بين أبنائه الأربعة؛ وضعفت الملكية بعد هذا التقسيم، وقسم الأشراف الأرض إمارات إقطاعية، وأخذت بولندة تنقلب بين الحرية تارة والخضوع لألمانيا وبوهيميا تارة أخرى. واندفع عليها تيار المغول الجارف في عام 1241، واستولوا على كركوفيا عاصمة البلاد، ودكوها دكاً. ولما انحسر تيار الأسيويين طغت في أثره موجة من المهاجرين الألمان على بولندة الغربية، وخلقت فيها مزيجاً قوياً من لغة الألمان وشرائعهم، ودمائهم، ورحب بلسلاف الخامس في هذا الوقت عينه (1246) باليهود الفارين من المذابح في ألمانيا، وشجعهم على تنمية الأعمال التجارية والمالية، واختير ونسسلاس الثاني Wenceslas II ملك بوهيميا ملكاً على بولندة في عام 1310، وضم الأمتين تحت تاج واحد.
واستقر الصقالبة في بوهيميا ومورافيا في القرنين الخامس والسادس؛ وقام زعيم صلقبي يدعى سامو في عام 623 وحرر بوهيميا من حكم الآفار وأسس فيها دزلة ملكية مطلقة ماتت بموته في عام 658. وغزا شارلمان أرضها في عام 805، وظلت بوهيميا ومورافيا جزأين من الدولة الكارولنجية زمناً لا نعرف مداه. حتى إذا كان عام 894 أخضعت أسرة بريميزل Premysl كلا الإقليميين لسلطانها الدائم، ولكن المجر حكموا مورافيا نصف قرن من الزمان (907-957). وفي عام 928 أخضع هنري الأول بوهيميا للألمان. وعم الرخاء بوهيميا في عهد الدوق ونسسلاس الأول Wencaslas I، (928-935) على الرغم من خضوعها للألمان هذا الخضوع المتقطع. وكانت أم هذا الدوق القديسة لدملا St. Ludmilla




صفحة رقم : 5442




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> دول التخوم


قد ربته تربية مسيحية خالصة، وظل بعد أن تولى الحكم مسيحياً مخلصاً يطعم الفقراء ويكسوهم، ويحمي الأرامل والأيتام، ويستضيف الغرباء، ويحرر الأرقاء من ماله. وحاول أخوه أن يغتاله لأنه تعوزه الرذائل التي لابد من وجودها في الملوك، فضربه ونسسلاس بيده وعفا عنه، ولكن غيره من المتآمرين اغتالوا الملك وهو في طريقه لحضور القداس في اليوم الخامس والعشرين من شهر سبتمبر عام 935؛ ولا تزال أهل بوهيميا يحتفلون بهذا اليوم ويسمونه عيد ونسسلال قديس بوهيميا وحارسها.
وخلفه أدواق ذوو نزعة حربية، وزحف بلسلاف الأول Boleslav I (939-967) والثاني (967-999)، وبراتسلاف الأول Bratislav I (1037-1055) من عاصمتهم ذات الموقع الحربي المنيع وفتحوا مورافيا، وسيليزيا، وبولندة؛ ولكن هنري الثالث أرغم براتسلاف على الجلاء عن بولندة والعودة إلى أداء الجزية لألمانيا. ثم حرر أتوكار الأول Attokar I 1197-1230 بوهيميا وصار أول ملوكها، وأخضع أتوكار الثاني النمسا، واستيريا Styria وكارنثيا؛ وكان أرتوكا هذا شديد الرغبة في تنمية الصناعة وإيجاد طبقة وسطى في البلاد يقاوم بها النبلاء المتمردين، فشجع الألمان على أن يهاجروا إلى بلاده حتى أصبح العنصر الألماني هو الكثرة الغالبية من سكان مدن بوهيميا ومورافيا كلها تقريباً(19)، وأصبحت مناجم الفضة في كتناهورا Kutna Hora أساس رخاء بوهيميا ومطمع غزاتها الكثيرين. وأعلن الألمان الحرب على أتوكار في عام 1274، وأبى أشراف بلاده أن يساعدوه على الغزاة، فتخلى لهم عن فتوحه، واحتفظ بعرشه بوصفه أميراً إقطاعياً خاضعاً لألمانيا. ولما أن تدخل الإمبراطور ردولف هبسبرج Rudolf of Hapsburg في شئون بوهيميا الداخلية عبأ أتوكار جيشاً جديداً




صفحة رقم : 5443




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> دول التخوم


حارب به الألمان عند درنكروت Durnkrut؛ وتخلى عنه النبلاء للمرة الثانية، فألقى بنفسه في وطيس المعمعة بين صفوف الأعداء المتراصة، ومات وهو يقاتل قتال المستيئس.
وصالح ونسسلاس الثاني (1287-1305) الألمان على أن يعود أميراً إقطاعياً خاضعاً لهم، وبذل جهوداً جبارة في إعادة النظام والرخاء إلى البلاد. وانتهى بموته عهد الأسرة البريمسلية بعد أن حكمت البلاد خمسمائة عام. كان البوهيميون، والمورافيون، والبولنديون هم كل من بقي من المهاجرين الصقالبة الذين كانوا يملئون من قبل ألمانيا الشرقية إلى حدود نهر الإلب، كانوا في الوقت الذي نتحدث عنه خاضعين لسلطان الألمان.




صفحة رقم : 5444




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> ألمانيا



الفصل السادس




ألمانيا


كان الذين كسبوا المعركة في النزاع التاريخي القائم حول تولي غير رجال الدين المناصب الكهنوتية هم أشراف ألمانيا- الأدواق واللوردة، والأساقفة، ورؤساء الأديرة. وقد سيطر هؤلاء على الملكية الضعيفة بعد هزيمة هنري الرابع؛ وأقاموا في البلاد نظاماً إقطاعياً يعمل على تفكيكها وإضعاف سلطان حكومتها المركزية، وأدى هذا النظام إلى حرمان ألمانيا في القرن الثالث عشر من زعامة أوربا.
وخلع هنري الخامس (1106-1126) أباه عن العرش، وواصل كفاح أبيه ضد البارونات والبابوات. ولما رفض بسكال الثاني Paschael II أن يتوجه إمبراطوراً إلا إذا نزل عن حقه في تولية غير رجال الدين المناصب الكهنوتية، زج بالبابا والكرادلة في السجن. ولما مات ألغي الأشراف نظام الملكية الوراثية، وقضوا على الأسرة الفرنكونية Franconian، وولوا لوثير الثالث Lothair III السكسوني ملكاً على البلاد، وبعد ثلاثة عشر عاماً من ذلك الوقت أسس كنراد الثالث Conrad III أسرة هوهنستاوفن Hohenstaufen السوابية أقوى أسرة ملكية في تاريخ ألمانيا كله.
ولم يوافق الدوق هنري البافاري على من وقع عليه اختيار الناخبين، وأيده في هذا الرفض عمه ولف Welf أو جلف Guelf؛ وشب النزاع من هذا الوقت بين جلف وغبلين Ghibelline وهو النزاع الذي اتخذ في القرنين الثاني عشر




صفحة رقم : 5445




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> ألمانيا


والثالث عشر صوراً كثيرة، وكانت له نتائج متعددة .
وحاصر جيش آل هوهنستاوفن العصاة البافاريين في بلده ويزبرج Weisberg وقلعتها. وتقول إحدى الروايات القديمة إن المدينتين المتنازعتين "هي ولف!" ز"هي ويبلنجّ" سجلتا اسم الطائفتين المقتتلتين، وتقول القصص الظريفة إنه لما قبل السوابيون المنتصرون استسلام المدينة على أن يؤمن النساء وحدهن من القتل، وان يسمح لهن بمغادرتها ومعهن كل ما يستطعن حمله، خرجت من القتل، وأن يسمح لهن بمغادرتها وهن يحملن أزواجهن على ظهورهن(20). وعقدت هدنة في عام 1142 حين خرج كنراد للحرب الصليبية، ولكن كنراد أخفق في غرضه وعاد يجلله العار. وخيل إلى الناس أن بيت هوهنستاوفن قد تلطخ اسمه بالعار حين جلس على العرش أعظم رجل من رجاله.
وكان فريدريخ friedrich (سيد السلام) أو فردريك الأول (1152-1190) في سن الثلاثين حين اختير ملكاً. ولم يكن رجلاً مهيب الطلعة- فقد كان قصير القامة، أبيض البشرة، أصفر الشعر، ذا لحية حمراء أكسبته في إيطاليا اسم بربروسه Barbarossa، ولكنه كان ذا عقل صاف وعزيمة ماضية؛ قضي حياته في العمل لخير الدولة، وأعاد ألمانيا إلى زعامة العالم المسيحي وإن كان قد مني بكثير من الهزائم. وإذ كان يجري في عروقه دم آل هوهنستاوفن وآل ولف جميعاً، فقد نادى بسلم في البلاد Landfried، وصالح أعداءه، وهدأ أصدقاءه، وقضى بشدة على المنازعات، والاضطرابات، والجرائم. ويصفه معاصروه بدماثة الخلق، وباستعداده الدائم ابتسامة رقيقة جذابة، وإن كان "شديد الوطأة على الأشرار" حتى كانت قسوة قوانينه الجنائية، وهمجيتها عاملاً في تقدم الحضارة في ألمانيا. وكان الناس يثنون بحق على حياته




صفحة رقم : 5446




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> ألمانيا


الخاصة لما عرف عنه من تمسكه بأهداب العفة والفضيلة، وإن كان قد طلق زوجته الأولى لقربها إليه من ناحية العصب، وتزوج بوريثة كونت برغندية فنال بهذا الزواج مع عروسة مملكة.
وإذ كان يتوق لأن يتوجه البابا إمبراطوراً، فقد وعد يوجنيوس الثالث Eugenius III أن يساعده على الرومان المتمردين، والنورمان المشاكسين، إذا حقق البابا رغبته، وقدم الملك الشاب الفخور إلى نيبي Nepi القريبة من روما حيث التقى بهدريان الرابع البابا الجديد، وأغفل الشعيرة المعتادة القاضية بأن يمسك الحاكم الزمني زمام جواد البابا وركابه ويساعده على النزول. وبذلك نزل هدريان إلى الأرض من غير معونة، وأبى على فردريك "قبلة السلام" وتاج الإمبراطورية إلا إذا أدى فردريك هذه الشعيرة. وظل أعوان البابا والملك يومين كاملين يتناقشون في هذه المسألة ويجعلون تاج الإمبراطورية معلقاً على أداء المراسم الشكلية، حتى خضع فردريك آخر الأمر، فانسحب البابا وعاد إلى المدينة ممتطياً صهوة جواده، وأمسك فردريك بزمام فرس البابا وركابه، وظل من ذلك الحين يتحدث عن الإمبراطورية المقدسة، يرجو من وراء هذا أن يعترف العالم بأن الإمبراطور هو البابا النائبان عن الله في الأرض.
وجعله لقبه الإمبراطوري ملكاً على لمبارديا أيضاً؛ ولم يكن حاكم ألماني بعد هنري الرابع يستمسك بحرفية هذا اللقب، ولكن فردريك سرعان ما بعث إلى كل بلد من بلدان إيطاليا الشمالية حاكماً يصرف أمورها باسمه. وقبلت بعض المدن أولئك السادة الأجانب ولم يقبلهم بعضها. وإذ كان فردريك يحب النظام أكثر من الحرية، ولعله أيضاً كان يرغب في السيطرة على المنافذ الإيطالية لتجارة ألمانيا مع بلاد الشرق، فقد خرج في عام 1158 ليخضع البلاد الثائرة التي تعشق الحرية أكثر من النظام. واستدعى إلى بلاطه في رنكاجليا Roncaglia فقهاء القانون الذين كانوا يحيون الشريعة الرومانية في بولونيا؛ وسره أن يعرف




صفحة رقم : 5447




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> ألمانيا


منهم أن هذه الشريعة تجعل الإمبراطور صاحب السلطة المطلقة على جميع أجزاء الإمبراطورية والمالك لكل ما فيها، وتخوله حق تعديل الحقوق الشخصية أو إلغائها إذا رأى في تعديلها أو إلغائها مصلحة للدولة. ورفض البابا اسكندر الثالث هذه الادعاءات لخوفه منها على حقوق البابوية الزمنية، وأيد هذه الرفض بإعلانه أن هذه الحقوق هبات من بيبين وشارلمان؛ ولما أصر فردريك على الاستمساك بمطالبه حرمه البابا من الكنيسة (1160). وانتقلت وقتئذ صيحات مدينتي جلف وغبلين لتمثل أولاهما مؤيدي البابا والثانية مؤيدي الإمبراطور. وحاصر فردريك مدينة ميلان العنيدة عامين كاملين، حتى إذا استولى عليها آخر الأمر حرقها عن آخرها (1162). وأغضبت هذه القسوة مدائن فيرونا، وفيسنزا، وبدوا، وترفيزو، وفرارا، ومانتوا، وبرشيا، وبرجامو، وكرمونا، وبياسنزا، وبارما، ومودينا، وبولونيا، وميلان، فعقدت فيما بينهما حلف جامعة المدن اللمباردية (1167) وهزمت جيوش تلك الجامعة جيش فردريك الألماني عند لنيانو في عام 1176، وأرغمته على أن يعقد هدنة تدوم ست سنين. واصطلح الإمبراطور والبابا بعد عام من ذلك الوقت، ووقع فردريك معاهدة صلح في كنستانس (1183) أعاد بها الحكم الذاتي إلى المدن الإيطالية. وأقرت هذه المدن في نظير هذا بالسيادة الاسمية للإمبراطورية عليها، ووافقت كرماً منها وشهامة على أن تمد فردريك وحاشيته بما يلزمه من الزاد في زيارته للمبارديا.
وهكذا هزم فردريك في إيطاليا ولكنه انتصر في جميع البلاد الأخرى، وأفلح في تثبيت دعائم السلطة الإمبراطورية على بولندة، وبوهيميا، وهنغاريا. وفرض من جديد على رجال الدين الألمان، بالفعل إن لم يكن بالقول، جميع حقوق تولي المناصب التي كان يطالب بها هنري الرابع، وكسب معونة هؤلاء الرجال حتى على البابوات أنفسهم(21). ونعمت ألمانيا بما ناله من مجد، وسرها أن تستدعيه من إيطاليا، واغتبطت بمواكب الفرسان التي كانت تسير في حفلات




صفحة رقم : 5448




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> ألمانيا


تتويجه، وزيجاته، وأعياده. وخرج الإمبراطور الشيخ في عام 1189 على رأس مائة ألف من الرجال إلى الحرب الصليبية الثالثة، ولعله كان يرغب في أن يؤلف من الشرق والغرب إمبراطورية رومانية تعود إلى رقعتها القديمة. ومات الإمبراطور غريقاً في قليقية بعد عام من ذلك الوقت.
وكان فردريك كما كان شارلمان مشبعاً إلى أقصى حد بالتقاليد الرومانية، وقد أنهك قواه بما بذله من الجهد لإحياء ماضيها الميت. وحزن أنصار الملكية المطلقة المعجبون بها لما مني به من الهزائم، وعدوها انتصاراً للفوضى، أما عشاق الديمقراطية فيسرون بها ويرونها مراحل في طريق الحرية. وإذا ما نظرنا إلى أعماله بعينه هو رأيناه على حق فيما فعل؛ فقد كانت ألمانيا وإيطاليا تسيران مسرعتين في طريق الفساد واختلال النظام، ولم تكن سلطة غير سلطة الإمبراطورية القوية تستطيع القضاء على المنازعات والاضطرابات الإقطاعية والحروب القاتمة بين المدن المختلفة، وكان لابد أن يستتب النظام ليمهد السبيل إلى نشأة الحرية القومية. ونسجت حول فردريك الأول في عهود الضعف الألمانية المقبلة أقاصيص دالة على حب الشعب له، وخلع على بربروسه بعد حين من الصفات ما كان القرن الثالث عشر يتصور وجوده في حفيده: فقيل إنه لم يمت بحق بل كل ما في الأمر أنه كان نائماً في جبال كيفهوزر Kyffhauser بثورنجيا Thuringia، وكان في مقدور الناس أن يروا لحيته الطويلة تنمو مخترقة ما يغطيه من الرخام؛ وسوف يستيقظ من نومه في يوم من الأيام، وينفض الثرى عن كتفيه، ويعيد إلى ألمانيا النظام والقوة. ولما أنشأ بسمارك دولة ألمانيا الموحدة قال هذا الشعب الفخور إنه هو بربروسه نهض ظافراً من قبره(22).
وكاد هنري السادس (1190-1197) يحقق حلم أبيه، فقد انتزع في عام 1194 جنوبي إيطاليا وصقلية من النورمان بمعونة جنوى وبيزا، وخضعت له إيطاليا كلها عدا الولايات البابوية. وضمت بروفانس، ودوفينيه Cauphine،




صفحة رقم : 5449




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> ألمانيا


وبرغندية؛ وألساس، ولورين، وسويسرا، وهولندة، وألمانيا، والنمسا، وبوهيميا، ومورافيا، وبولندة ضمت هذه كلها إلى أملاك هنري، واعترفت إنجلترا بسيادته عليها، وأدى له المسلمون الموحدون الجزية، وطلبت إنطاكية، وقليقية، وقبرص أن تضم إلى الإمبراطورية، وكان هنري ينظر بنهم إلى فرنسا وأسبانيا، وقد وضع الخطط للاستيلاء على بيزنطية، وكانت الفرق الأولى من جيشه قد أبحرت إلى بلاد الشرق حين أصيب بزحار البطن وقضي نحبه في صقلية وهو في الثالثة والثلاثين من عمره.
ولم يكن هنري قد حسب حساب مناخ هذه البلاد التي فتحها وأعد العدة لاتقاء ثأرها منه. ولم يكن له إلا ولد واحد هو طفل في الثالثة من عمره، وأعقبت موته فترة من الفوضى دامت نحو عشر سنين أخذ المطالبون بالعرش فيها يقتتلون فيما بينهم. ولما أن بلغ فردريك الثاني سن الرشد تجددت الحرب بين الإمبراطورية والبابوية، تجددت في إيطاليا على يد ملك ألماني- نورماني أصبح إيطاليا، سنتحدث عنه فيما بعد حين نتكلم على إيطاليا. وأعقبت موت فردريك الثاني (1250) نحو ثلاثين عاماً أخرى من الفوضى يسميها شلر: "العهد المرعب الذي لا سادة فيه"، باع فيه الأمراء الناخبون عرش ألمانيا لكل مستضعف يتركهم أحراراً في أن يوطدوا أركان سلطانهم المستقبل. وتكشف عهد الفوضى عن نهاية أسرة هوهنستاوفن، وأنشأ رودلف الهبسبرجي في عام 1273 أسرة جديدة واتخذ فينا عاصمة له. وأراد رودلف أن يكسب تاج الإمبراطورية، فوقع في عام 1279 إعلاناً يعترف فيه بخضوع السلطة الملكية البابوية خضوعاً تاماً؛ ويتخلى فيه عن جميع مطالبه في إيطاليا الجنوبية وصقلية. ولم يصبح رودلف إمبراطوراً قط، ولكنه استطاع بشجاعته، وإخلاصه، ونشاطه أن يعيد النظام والرخاء إلى ألمانيا، وأن ينشئ أسرة قوية ظلت تحكم النمسا وهنغاريا حتى عام 1918.
وبذل هنري السابع (1308-1313) آخر الجهود لتوحيد ـألمانيا وإيطاليا




صفحة رقم : 5450




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> ألمانيا


فعبر جبال الألب (1310) بمعونة ضئيلة من الأشراف الألمان وقوة صغيرة من فرسان الوالون Walloon ، ورحبت به كثير من مدن لمبارديا، وكانت قد سئمت حرب الطبقات ونزاع المدن بعضها مع بعض، وتاقت نفسها إلى التحرر من سلطان الكنيسة عليها. ورحب دانتي بالغزاة برسالة عن الملكية، أعلن فيها بشجاعة تحرر السلطة الزمنية من السلطة الروحية، وطلب فيها إلى هنري أن ينقذ إيطاليا من سيطرة البابوية، ولكن الجلف من أهل فلورنس أصبحت لهم الغلبة في البلاد، وسحبت المدن المشاكسة تأييدها، ومات هنري، وهو محوط بالأعداء، بحمى الملاريا وهي الداء الذي تجزي به إيطاليا بلين الفنية والفنية عاشقيها المملقين.
وصدت ألمانيا في الجنوب حواجز من طبيعة الأرض، واختلاف العنصر، واللعنة، فوجدت لها مخرجاً وتعويضاً في جهة الشرق، فاستردت الهجرات والفتوح والاستعمار الألماني والهولندي ثلاثة أخماس ألمانيا من الصقالبة؛ وانتشر الألمان الكثير والنسل على ضفتي الدانوب ووصلوا هنغاريا ورومانيا؛ وأقام التجار الألمان أسواقاً وثغوراً في فرانكفورت على الأودر، وفي برسلاو، وبراج، ودانترج وريجا ودوربات Dorpt وريفال Reval، ومراكز تجارية في كل مكان في الرقعة الممتدة من بحر الشمال والبحر البلطي إلى جبال الألب والبحر الأسود. لقد كانت فتوحهم وحشية، ولكن النتائج أدت إلى رقي لا يستطاع تقديره في حياة سكان الحدود الاقتصادية والثقافية.
وكان انهماك الأباطرة في هذه الفترة السالفة الذكر في شئون إيطاليا، وحاجتهم المتكررة إلى ضمان تأييد الأشراف والفرسان، أو مكافأتهم على هذا التأييد بهبات الأرض أو السلطان، وما طرأ على سلطة الملوك الألمان من الضعف بسبب مقاومة البابا لهم وخروج اللمبارد عليهم، كان هذا كله قد ترك الأشراف أحراراً يتملكون الأرض في الريف، وينزلون الفلاحين منزلة الرقيق؛ فعلاً بذلك شأن الإقطاع في القرن الثالث عشر في ألمانيا بينما كان سلطان الملوك يقضي عليه




صفحة رقم : 5451




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> ألمانيا


في فرنسا. وأصبح الأساقفة الذين قربهم الأباطرة الأولون ليكونوا في ظهر الأشراف، أصبح هؤلاء طبقة ثانية من النبلاء، لا يقلون ثروة وقوة واستقلالاً عن الأشراف الدنيويين. ولم يحل عام 1263 حتى عهد الإقطاعيون إلى سبعة من الأشراف- هم كبراء أساقفة مينز وتريير، وكولوني، ودوقا سكسونيا وبارفيا، وكونت بلاتين ومارجريف برندنبرج حق اختيار الملك. وحد هؤلاء الناخبون من سلطان الحاكم، واغتصبوا الامتيازات الملكية، واستولوا على أراضي التاج. ولقد كان يسعهم أن يعملوا عمل الحكومة المركزية ويهيئوا للأمة وحدتها، ولكنهم لم يفعلوا، بل كانوا فيما بين الانتخابين يسيرون كما يحلو لهم، ولم تكن أمة ألمانية قد وجدت بعد، وكل ما كان موجوداً هم السسكون والسوابين، والبافاريون، والفرنجة... وكذلك لم يكن هناك برلمان قومي، بل كانت في البلاد المختلفة مجالس إقليمية تسمى لاندتاج Landtage. ولما قام مجلس ريشستاغ Reichstag أو مجلس لمجموعة البلاد الألمانية في عام 1247، اضمحل فيما بين عهدي الانتخاب، ولم يعل شأنه إلا في عام 1338، وكانت طائفة من الموظفين- من رقيق الأرض أو الأحرار المعينين من قبل الملوك. يؤلفون بيروقراطية مفككة ويكسبون نظام الحكم نوعاً من الاستمرار غير المترابط. ولم يكن للبلاد عاصمة موحدة يتركز فيها ولاء الشعب واهتمامه؛ ولم تكن هناك مجموعة موحدة من القوانين تحكم بها البلاد كلها، فقد احتفظ كل إقليم بعاداته وقوانينه رغم ما بذله بربروسه من الجهد لفرض القانون الروماني على ألمانيا كلها. وحدث في عام 1225 أن صيغت قوانين سكسونيا في كتاب واحد سمي المرآة السكسونية Sachsenspiegel، وفي عام 1275 صيغت قوانين سوابيا وعاداتها في "المرآة السوابية" Schwabenspiegel؛ وأيد هذان القانونان ما كان للشعب من حق




صفحة رقم : 5452




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> ألمانيا


قديم في اختيار ملوكه، وما كان للفلاحين من حق الاحتفاظ بحريتهم وأرضهم، وقالت المرآة السكسونية في هذا الصدد إن رق الأرض والاستعباد يتعارضان مع الطبيعة البشرية ومع إرادة الله، وأن أصلهما يرجع إلى القوة أو الغش(23)، لكن رق الأرض أخذ مع ذلك ينمو ويزداد.
وكان عهد آل هوهنستاوفن (1183-1254) أعظم العهود الألمانية قبل بسمارك. نعم إن عادات الشعب وآدابه كانت لا تزال خشنة غليظة، وكانت قوانينه مضطربة هي والفوضى سواء، وأخلاقه خليطاً من الأخلاق المسيحية والوثنية، ومسيحيته نصف ستار لانتهاب الأراضي واغتصابها من أصحابها. كذلك لم تكن ثروة الشعب أو وسائل نعيمه تضارع ثروة شعب إيطاليا أو فلاندرز إذا وازنا مدينة في ألمانيا بمدينة مثلها في ذينك البلدين الأخيرين. ولكن الفلاحين الألمان كانوا مجدين كثيري النسل، وكان التجار الألمان مغامرين ذوي إقدام، والأشراف أكثر سكان أوربا ثقافة وقوة، والملوك هم الرؤساء الزمنيين للعالم الغربي يحكمون بلاداً تمتد من نهر الرين إلى نهر الفستيولا، ومن نهر الرون إلى جبال البلقان، ومن البحر البلطي إلى الدانوب، ومن بحر الشمال إلى صقلية. ونشأت وترعرعت مائة مدينة ومدينة بفضل حياتها الاقتصادية الناشطة، وكان لكثير منها صكوك ومواثيق تؤيد حكمها الذاتي؛ وأخذت على مر السنين تزداد ثروتها وتزدهر فنونها حتى كانت في عصر النهضة فخر ألمانيا وشاهداً على عظمتها ومجدها، وإنا ليعترينا الآن الأسى والحزن على ما كان لها من جمال زال ولم يبق له وجود.




صفحة رقم : 5453




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> اسكنديناوة



الفصل السابع




اسكنديناوة


عادت الدنمرقة إلى الظهور في التاريخ مرة أخرى في عهد ولدمار الأول Waldemar I (1157-1182) بعد أن ظلت مائة عام تنعم بالاختفاء عنه، فقد استعان هذا الملك بوزيره أبسالون Absalon كبير أساقفة لند Lund على إقامة حكومة قوية، طهرت البحار من القراصنة. واعتنت الدنمرقة بحماية التجارة وتشجيعها، وأسس أبسالون في عام 1167 مدينة كوبنهاجن Copenhagen أي "مرفأ السوق"- Kjoebenhaven. وردّ ولدمار الثاني (1202-1241) على الاعتداءات الألمانية بالاستيلاء على هولستين Holstein، وهمبرج، وعلى البلاد الألمانية الواقعة في الشمال الشرقي من نهر الإلب. ثم قام بثلاث حروب "صليبية" ضد صقالبة البحر البطلطي "تكريماً للعذراء المباركة" واستولى على إستونيا الشمالية، وأسس مدينة ريفال Reval. وهوجم في إحدى هذه الحروب وهو في معسكره؛ ويقول الرواة إنه نجا من الموت بسببين أولهما شجاعته وثانيهما أنه نزلت من السماء في وقت الهجوم عليه راية حمراء عليها صليب أبيض. وأصبحت هذه الراية المعروفة باسم الدنبرج Dannebrog أي القماش الدنمرقي علم القتال الدنمرقي؛ وأسره الكونت هنري الشويريني Count Henry of Schwerin في عام 1223، ولم يطلق سراحه بعد أن قضي في الأسر عامين ونصف عام إلا بعد أن نزل للألمان على جميع فتوحه الألمانية والصقلبية ما عدا روجن Rügen. وقضي هذا الملك بقية حياته العجيبة النافعة في الإصلاحات الداخلية وتقنين جميع شرائع الدنمرقة. وكانت مساحة الدنمرقة حين وفاته ضعفي مساحتها في هذه الأيام، وكانت تشمل الجزء الجنوبي من بلاد السويد، وكان عدد سكانها مساوياً لعدد سكان السويد (300.000) والنرويج (200.000)




صفحة رقم : 5454




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> اسكنديناوة


مجتمعين. ثم ضعفت سلطة الملوك بعد وفاة ولدمار الثاني، حتى إذا كان عام 1282 حصل الأشراف من إرك جلبنج Eric Glipping على عهد يعترف فيه بأن جمعيتهم "الدنهف Danehof" برلمان قومي.
وليس في نقدور كائن من كان أن يجعلنا نتصور أعمال أهل اسكنديناوة في هذه الأيام الأولى اللهم إلا إن كان قصاصاً واسع الخيال، وحسبنا أن نقول عنها إنها جهود جبارة تبذل في سبيل الاستيلاء على هذه الشبه الجزيرة الوعرة الخطرة يوماً بعد يوم وقدماً بعد قدم. لقد كانت الحياة لا تزال فيها بدائية؛ وكانت موارد الغذاء الأولية فيها هي صيد الحيوان والسمك والزراعة. وكان لابد من تقطيع أشجار الغابات المترامية الأطراف، وتأنيس الحيوان البري، وجر الماء إلى مجار تمكن الأهلين من الإنتاج، وإنشاء المرافئ البحرية؛ وكان لابد من أن يعتاد الرجال الجلد وتحمل المشاق لمغالبة الطبيعة التي بدت وكأنها تغضب من تطفل الإنسان عليها وتدخله في شئونها. وكان للرهبان السسترسيين Cistercian شأن عظيم في هذا الكفاح الذي قضوا فيه حياتهم جيلاً بعد جيل، فكانوا يقطعون الأشجار، ويفلحون الأرض، ويعلمون الفلاحين أساليب الزرع الراقية. وكان من أبطال هذا الكفاح إيرل برجر Earl Birger رئيس وزراء السويد من 1248 إلى 1266. فهو الذي ألغي رق الأرض، وأقام حكم القانون، وأسس مدينة استكهولم Stokholm (حوالي عام 1255)، وأنشأ أسرة فولكنج Folkung (1250-1363) بأن أجلس ابنه ولدمار على العرش. وأثرت مدينة برجن لأنها كانت منفذ تجارة النرويج، وأضحت مدينة فزبي Visby القائمة على جزيرة جتلند Gotland مركز الاتصال بين بلاد السويد والعصبة الهانسية. وشيدت كنائس فخمة ممتازة، وتضاعف عدد الكنائس الكبرى والمدارس، وأخذ الشعراء يغنون قصائدهم؛ وفي القرن الثالث عشر أضحت جزيرة أيسلندة Iceland القائمة بعيداً عن البلاد في ضباب المحيط الجامد الشمالي أكثر المراكز الاسكندويناوية في العالم نشاطاً في الأدب.




صفحة رقم : 5455




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> وليم الفاتح



الفصل الثامن




إنجلترا




1- وليم الفاتح


حكيم وليم الفاتح إنجلترا حكماً جمع فيه بمهارة عظيمة بين الشدة، والقانون، والتقوى، والدهاء، والخداع. فلما أن رفعه إلى العرش الويتان Witan تحت تأثير الخوف والإرهاب، أقسم أن يطيع القوانين الإنجليزية المعمول بها وقتئذ. وانتهز بعض الأعيان في غربي إنجلترا وشماليها فرصة غيابه في نورمندي وحاولوا إيقاد نار الثورة في البلاد (1067)، فعاد إليهم واندفع في البلاد ينتقم من أهلها أشد الانتقام، فأطلق لنفسه فيه العنان يقتل الأهلين، ويهلك الحرث والنسل، ويدمر البيوت بأساليب منظمة محكمة لم تنج إنجلترا من آثارها كلها حتى القرن التاسع عشر(24). وقسم أخصب أراضي المملكة إلى ضياع واسعة وزعها على أعوانه النورمان، وشجعهم على بناء قصور حصينة يتخذونها قلاعاً يدافعون بها عن أنفسهم ضد السكان المعادين . واحتفظ هو بمساحات من الأرض واسعة لتكون ملكاً للتاج، واتخذ قطعة من هذه الأرض طولها ثلاثون ميلاً، مسارح للملك يصيد فيها الوحوش. ودمر كل ما في هذه البقعة من منازل، وكنائس، ومدارس ليفسح الطريق للخيل والكلاب، وكان يعاقب كل من يقتل أيلاً أو أيلة في الغابة الجديدة بفقء عينه(25).




صفحة رقم : 5456




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> وليم الفاتح


وهكذا نشأت في إنجلترا طبقة الأشراف الجدد الذين لا يزال أبناؤهم من حين إلى حين يسمون بأسماء فرنسية، وانتشر الإقطاع الذي كان من قبل ضعيفاً نسبياً في طول البلاد وعرضها، وحول الشعب أرقاء الأرض. وجعلت الأرض كلها ملكاً للملك، ولكنه سمح للإنجليز الذين استطاعوا أن يبرهنوا على أنهم لم يقفوا في وجه الفاتحين بأن يعودوا إلى شراء أرضيهم من الدولة. وأراد وليم أن يسجل مغانمه ويعرفها، فأرسل عماله في عام 1083 ليسجلوا اسم مالك كل قطعة من الأرض في إنجلترا، وحالها، ومحتوياتها؛ وقد ورد في هذا السجل أن الملك "شدد عليهم في أوامره تشديداً لم تبق معه ياردة واحدة من الأرض، لا... بل ولا ثور أو بقرة، أو خنزير، لم يكتب في سجله"(26). وكانت نتيجة هذا العمل هو كتاب الأحكام وهو اسم ينذر بما سيكون له من شأن خطير إذ أصبح هو "الحكم" الأخير في جميع المنازعات العقارية. وأراد وليم أن يضمن لنفسه معونة البلاد الحربية، ويحد من سلطان أتباعه العظام، فاستقدم إليه جميع كبار الملاك في إنجلترا- وكان عددهم ستين ألفاً- إلى اجتماع عقد في سلزبري Salisbury (1086)، وجعل كل واحد منهم يقسم يمين الإخلاص التام للملك. وكان عمله هذا احتياطاً حكيماً ضد الإقطاعية الفردية التي كانت وقتئذ تقطع أوصال فرنسا.
وبعد فلابد للإنسان أن يتوقع قيام حكومة قوية بعد الفتح. وهذا ما حدث في إنجلترا وقتئذ، فقد أقام وليم أو خلع فرساناً ونبلاء، وأساقفة ورؤساء أساقفة وأديرة؛ ولم يتردد لحظة في أن يزج في السجن لوردة عظماء. وأن يتمسك بما له من حق تعيين رجال الدين في مناصبهم. ويقاربه في هذه الناحية جريجوري السابع الذي كان مثله ذا حول وطول، والذي كان في هذا الوقت عينه يستقدم الإمبراطور هنري الرابع إلى كنوسا Canossa . وأراد الملك أن يمنع الحرائق




صفحة رقم : 5457




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> وليم الفاتح


فأمر سكان إنجلترا بإطفاء نار المدافئ أو تغطيتها قبل الساعة الثامنة مساء، ومعنى هذا أن يأوي الأهلون إلى فراشهم في فصل الشتاء في هذا الوقت(27). واشتدت حاجته إلى المال للإنفاق منه على حكومته الآخذة في الاتساع، وعلى فتوحه المترامية الأطراف، ففرض ضرائب باهظة على جميع البيوع، والواردات، والصادرات، واستخدام القناطر، والطرق. وأعاد جميع الضرائب التي ألغاها من قبل إدوارد المعترف. ولما علم أن بعض الإنجليز أودعوا أموالهم في سراديب الأديرة ليخففوها عنه، أمر بتفتيش جميع الأديرة وبنقل كل ما هو مخبأ فيها إلى بيت ماله، ولم يكن بلاطه الملكي يتورع عن قبول الرشا، وتسجيلها بأمانة في السجل العام(28). لقد كانت حكومته في صراحة تامة حكومة فاتحين يعتزمون أن يجعلوا مكاسب مغامرتهم تتناسب مع ما تعرضوا له من الأخطار.
وكان لرجال الدين النورمان نصيبهم من النصر، فقد جئ بلافرانك Lafranc القدير المرن من كائن Caen ونصب كبيراً لأساقفة كنتربري وكبيراً لوزراء الملك. فلما جاء وجد رجال الدين الأنجليسكسون مولعين بالصيد، ولعب النرد، والزواج(29)، فاستبدل بهم قساوسة وأساقفة، ورؤساء أديرة من النورمان؛ ووضع دستوراً جديداً للأديرة هو المعروف بعادات كنتربري، ورفع مستوى رجال الدين الإنجليز من الناحيتين العقلية والخلقية. وأصدر وليم- بإيحاء منه في أغلب الظن- قراراً بفصل المحاكم الكنسية عن المحاكم المدنية، وأمر بأن ينظر في جميع المسائل الروحية بمقتضى قانون الكنيسة، وتعهد بأن تنفذ الدولة كل ما تحكم به المحاكم الكنسية من عقوبات. وأمر بأن تجبى العشور من الشعب لمعونة الكنيسة، ولكنه طلب ألا يذاع أو ينفذ قرار بابوي أو رسالة بابوية في إنجلترا بغير موافقته، وألا يدخل إنجلترا مبعوث من قبل البابا إلا بإذن ملكي. وفصلت من ذلك الحين جمعية الأساقفة الوطنية عن الويتان وكانت من قبل جزءاً منه، وأصبحت




صفحة رقم : 5458



قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> وليم الفاتح


هيئة مستقلة، لا تنفذ قراراتها إلا إذا صادق عليها الملك(30).
ووجد وليم أن حكم مملكته أيسر عليه من حكم أسرته، شأنه في هذا شأن الكثرة الغالبة من عظماء الرجال. فقد كانت الإحدى عشرة السنة الأخيرة من حياته مليئة بالنزاع بينه وبين زوجته الملكة ماتلدا Matilda، وطلب ابنه روبرت أن يكون له السلطان الكامل على نورماندي، فلما رفض طلبه هذا خرج على أبيه، وحاربه وليم حرباً غير حاسمة، ثم صالحه على أن يوصي له بهذه الدوقية بعد وفاته. وزاد جسم الملك زيادة صعب عليه معها أن يركب الخيل؛ وحارب فليب الأول ملك فرنسا لخلاف على الحدود؛ ولما طال مكثه في رون، وكاد يعجز عن الحركة لبدانته، سخر منه فليب- على حد قول بعضهم- بأن قال إن ملك إنجلترا "ملازم الفراش للنفاس"، وأن الشموع ستوقد في الاحتفال العظيم الذي سيقام في الكنيسة بعد أن يلد. وأمر وليم جيشه أن يحرق مانت Mantes عن آخرها هي وما جاورها، وأن تتلف كل المحصولات والفاكهة، ونفذ أمره بحذافيره. وبينما كان وليم يسير فوق جواده وسط مظاهر التخريب والتدمير وهو ثمل بخمرة النصر إذ عثر به الجواد فسقط فوق قربوس السرج الحديدي، فحمل إلى صومعة القديس جوفاس Gervase القريبة من رون، حيث اعترف بذنوبه اعترافاً كاملاً، وأدلى بوصيته، وكفر عن هذه الذنوب بأن وزع ثروته على الفقراء والكنيسة، ووهب المال لإعادة بناء مانت. وترك أبناؤه جميعاً، عدا، هنري، فراش موته ليقتتلوا من أجل وراثة العرش، وفر ضباطه وخدمه بما استطاعوا أن يستولوا عليه من المغانم؛ وحمل جثته قروي من أتباعه إلى "دير الرجال" Abbay aux Hommes في كائن (1087). ووجد أن التابوت الذي صنع له لا يتسع لجثته؛ فلما أراد الخدم أن يحشروا جسمه الضخم في هذا التابوت الضيق، انفجر الجسم؛ وملأ الكنيسة كلها برائحة الملك الكريهة(31).
وكانت نتائج الفتح النورماني كثيرة يخطئها الحصر، فقد فرض شعب جديد




صفحة رقم : 5459




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> وليم الفاتح


وفرضت طبقة جديدة على الدنمرقيين الذين حلوا محل الإنجليز والسكسون، الذين غلبوا البريطانيين الرومان، الذين فرضوا سيادتهم على الكلت ؛ وكان لابد أن تمر عدة قرون قبل أن يثبت الأنجليسكسون والكلت وجودهم في الدم البريطاني واللغة البريطانية؛ وكان بين النورمان والدنمرقيين أواشج قربى، ولكنهم في المائة السنين التي جاءت بعد رولو Rollo أصبحوا فرنسيين، فلما نزلوا بإنجلترا أصبحت عاداتها الرسمية ولغتها الرسمية عادات ولغة فرنسية، وظلت كذلك ثلاثة قرون. وجاء مع الفاتحين من فرنسا إلى إنجلترا نظام الإقطاع بكل ما فيه من زينة الخيول، وفروسية، وعلامات الدروع ونقوشها، والمفردات التي تعبر عنها. وفرض رق الأرض على إنجلترا فرضاً كاملاً قاسياً إلى حد لم تعرفه من قبل في تاريخها(32)، وكان المرابون اليهود الذين جاءوا مع وليم حافزاً جديداً للتجارة والصناعة؛ ونشاـ من الاتصال الوثيق بين إنجلترا والقارة الأوربية أفكار جديدة في الأدب والفن، وبلغ فن العمارة النورماني ذروة مجده في بريطانيا؛ وجاء الأشراف الجدد بعادات جديدة وأخلاق جديدة، وحيوية جديدة، وبنظام زراعي خير مما كان في البلاد من قبل. وحسن الأشراف والأساقفة النورمان النظام الإداري للدولة تحسيناً كبيراً فقد أصبح الحكم مركزياً، ووحدت الدولة وإن لم يكن هذا التوحيد قد تم عن طريق الحكم المطلق، وأصبحت الحياة والأموال أكثر أمناً من ذي قبل، وأقبلت إنجلترا على عهد طويل من السلام الداخلي لم تغز بعده أبداً غزواً ناجحاً.




صفحة رقم : 5460




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> توماس أبكت



2- تومس أبكت


من الأقوال المأثورة في إنجلترا أن يتوسط ملك ضعيف بين كل ملكين قويين، ولكن الحقيقة أن الملوك الضعاف الذين يتوسطون ملكين قويين لا حد لعددهم. ومصداقاً لهذا نقول إنه لما مات وليم الفاتح استولى ابنه روبرت على نورمندي وجعلها مملكة مستقلة، وتوج ابنه الأصغر منه وليم روفس (الأحمر 1087-1100) ملكاً على إنجلترا بعد أن قطع على نفسه عهداً بأن يسلك مسلكاً حسناً مع لانفكرانك متوجه ووزيره. وحكم هذا الملك حكماً استبدادياً حتى عام 1093، ثم مرض ووعد بأن يكون حسن السلوك، فلما شفي من مرضه، عاد إلى استبداده وظل كذلك حتى اغتالته يد مجهولة في أثناء صيده. وظل الرجل التقي أنسلم الذي أصبح بعد لانفرانك كبير أساقفة كنتربري يقاوم مقاومة طويلة، أعيد بسببها إلى فرنسا.
ودعا ابن ثالث من أبناء وليم الفاتح يدعى هنري (1100-1135) أنسلم إلى العودة، فطلب المطران- الفيلسوف أن يمتنع الملك عن اختيار الأساقفة، فلما رفض الملك هذا الطلب نشب بينهما نزاع طويل اتفق بعده على أن تختار جمعيات رجال الكنائس والرهبان بحضور الملك نفسه الأساقفة الإنجليز ورؤساء الأديرة، وأن يقدموا له مراسم الولاء بوصفه مصدر أملاكهم وسلطاتهم الإقطاعية وكان هنري يحب المال ويكره التبذير؛ ولهذا فرض الضرائب الفادحة ولكنه راعى جانب الاقتصاد والعدالة في حكمه؛ وحافظ على السلم والنظام في إنجلترا، عدا معركة واحدة- في تنشبريه عام 1106- استرد فيها نورمندي إلى التاج البريطاني. وأمر النبلاء أن "يضبطوا أنفسهم في معاملاتهم لزوجاتهم وأبنائهم وبنات رجالهم"(33). وكان له هو أبناء غير شرعيين وبنات غير شرعيات من عشيقاته المتعددات(34)، ولكنه أوتى من الكياسة والحكمة




صفحة رقم : 5461




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> توماس أبكت


ما جعله يتزوج مود Maud سليلة الملوك الاسكتلنديين والإنجليز السابقين على عهد النورمان، فطعم بذلك الأسرة المالكة الجديدة بالدم الإنجليزي القديم.
وأرغم هنري الأشراف والقساوسة على أن يقسموا يمين الولاء لابنته ماتلدا وابنها الشاب الذي أصبح فيما بعد هنري الثاني. فلما مات الملك اغتصب العرش استيفن بلوا Blois وحفيد وليم، وظلت إنجلترا أربعة عشر عاماً تعاني كوارث الموت والضرائب الفادحة في حرب داخلية امتازت بأشد ضروبات القسوة والإرهاب(35). وكبر هنري الثاني في هذه الأثناء، وتزوج اليانور الأكتانية Eleanor of Aquitaine واستولى على دوقيتها، وغزا إنجلترا، وأرغم استيفن على الاعتراف به وارثاً للعرش. ولما توفي استيفن صار ملكاً على إنجلترا (1154)؛ وبذلك انتهى عهد أسرة النورمان وبدأ عهد أسرة البلانتجنت . وكان هنري رجلاً حاد الطبع، كثير المطامع، قوي الذهن، يميل بعض الميل إلى الكفر بالله(36). وكانت له السيادة الاسمية على مملكة تمتد من أسكتلندة إلى جبال البرانس، وتشمل نصف فرنسا، ولكنه ألفى نفسه بادي العجز في مجتمع إقطاعي، مزق فيه كبار الأشراف بجنودهم المرتزقة وحصونهم المنيعة الدولة إلى إقطاعيات يحكمونها بأنفسهم، ولهذا شرع الملك بنشاط رهيب يجمع المال والرجال، ويحارب الأشراف ويخضعهم سيداً بعد سيد، ويدمر القصور الإقطاعية الحصينة، ويوطد أركان النظام والأمن والعدالة والسلم. وأخضع لحكم إنجلترا أيرلندة التي غلبها ونهبها قراصنة ويلز؛ وكان في إخضاعها حكيماً مقتصداً في ماله وفي جنده. ولكن هذا الرجل القوي، الذي يعد من أعظم الرجال في تاريخ إنجلترا كله، قد ذل وتحطم حين التقي بتومس أبكت Thomas àBecket، وهو رجل




صفحة رقم : 5462




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> توماس أبكت


ذو إرادة لا تقل مضاء عن إرادته ودين أعظم قوة من أية دولة قائمة في ذلك الوقت.
ولد تومس في لندن عام 1118 من أبوين نورمانيين من أبناء الطبقة الوسطى. واسترعى الغلام انتباه ثيوبولد Theobald كبير أساقفة كنتربري بذكائه الناضج قبل الأوان، فأرسله إلى بولونيا Bologna وأكسير Auxerre ليدرس الشرائع المدنية والكنسية. ولما عاد إلى إنجلترا انتظم في سلك رجال الدين، وما لبث أن ارتقى في المناصب الدينية حتى صار كبير شمامسة كنتربري. ولكنه كان مثل كثيرين غيره من رجال الدين في تلك القرون الماضية، رجل عمل أكثر مما كان رجل دين؛ فكانت الشئون الإدارية والدبلوماسية أكثر ما تظهر فيها مهارته؛ وأظهر في هذين الميدانين مقدرة فائقة رفعته إلى مقام الوزارة ولم يتجاوز السابعة والثلاثين من عمره. وساد الوئام بينه وبين هنري إلى حين، فكان المستشار الوسيم موضع ثقة الملك في أخص شئونه، يشاركه ألعاب الفروسية، ويكاد يشاركه في ثروته وسلطانه. وكانت مائدته أفخم الموائد في إنجلترا كلها، وكانت صدقاته للفقراء تضارع كرم ضيافته لأصدقائه. وكان في الحرب يقود بنفسه سبعمائة من الفرسان، ويبارز الأعداء فرداً لفرد، ويضع الخطط الحربية؛ ولما أرسل في بعثة إلى باريس ارتاع الفرنسيون حين رأوا حاشيته الفخمة المؤلفة من ثمان مركبات، وأربعين جواداً، ومائتين من الأتباع؛ وقالوا في أنفسهم ترى ماذا يكون الملك الذي له مثل هذا الوزير!
وعين كبيراً لأساقفة كنتربري في عام 1162، فلم يكد يتولى منصبه حتى تبدلت أساليبه تبدلاً فجائياً كاملاً كأنما حدث ذلك بسحر ساحر، فتخلى عن قصره الفخم، وثيابه الملكية، وأصدقائه من الأشراف، وبعث إلى الملك باستقالته من الوزارة وارتدى الثياب الخشنة، فلبس شعاراً من الصوف، وعاش على الخضر، والحبوب، والماء، وكان كل ليلة يغسل قدمي ثلاثة عشر




صفحة رقم : 5463




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> توماس أبكت


متسولاً وأضحى من ذلك الوقت مدافعاً عن جميع حقوق الكنيسة، وامتيازاتها، ومصادر إيرادها. وكان من بين هذه الامتيازات عدم محاكمة رجال الدين أمام المحاكم المدنية. وثارت ثائرة هنري، وهو الذي كان يطمع في أن يبسط سلطانه على كافة الطبقات، حين وجد أن المحاكم الكنسية كثيراً ما تترك رجال الدين دون أن تعاقبهم على ما يرتكبونه من الجرائم. ولهذا دعا فرسان إنجلترا وأساقفتها إلى اجتماع عقده في كلارندن Clarendon (1164)، وحملهم على أن يوقعوا دستور كلارندن الذي قضي على كثير من الحصانات التي كان يتمتع بها رجال الدين. ولكن بكت رفض أن يختتم الوثائق بخاتم أسقفيته الكبرى، فما كان من هنري إلا أن أذاع القوانين الجديدة غير عابئ بهذا الرفض، وقدم الرئيس الديني المريض للمحاكمة أمام المحكمة الملكية. وجاء بكت، وعارض في هدوء أساقفته الذين أعلنوا مع الملك أنه مذنب لخروجه على قوانين سيده الإقطاعي ملك البلاد. ولما أمرت المحكمة بالقبض عليه أعلن أنه سيستأنف القضية أمام البابا، ثم خرج سالماً من القاعة بثيابه الأسقفية التي لم يجرؤ أحد على لمسها. وأطعم في ذلك المساء عدداً كبيراً من الفقراء في بيته بلندن، ثم فر في أثناء الليل متخفياً سالكاً طرقاً ملتوية إلى القناة الإنجليزية، وعبر المضيق المضطرب الماء قارب ضعيف، ووجد ملجأ له في دير قائم في سانت أومرOmer St. في بلاد ملك فرنسا، ثم قدم استقالته من منصب كبير الأساقفة إلى البابا اسكندر الثالث. وأيده البابا في موقفه، وأعاد تعيينه في كرسيه، ولكنه أرسله ليعيش مؤقتاً معيشة راهب سسترسي في دير بنتني Pontigny.
ونفي هنري من إنجلترا جميع أقارب بكت ذكوراً وإناثاً، صغاراً كانوا أو كباراً. ولما جاء هنري إلى نورمندي خرج تومس من صومعته وصعد منبراً في فيزلاي Vezelay، وأعلن حرمان جميع رجال الدين الإنجليز الذين أيدوا دستور كلارندن (1166). وكان جواب هنري أن هدد بمصادرة أملاك جميع الأديرة




صفحة رقم : 5464




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> توماس أبكت


والصوامع القائمة في إنجلترا، ونومندي، وأنجو، وأكتين، والمنتسبة إلى دير بنتني إذا استمر هذا الدير على إيواء بكت. وتوسل الرئيس المرتاع إلى بكت أن يغادر الدير، وعاش الرجل المتمرد المريض من الصدقات في نزل قذر ببلدة سان Sens. وأغرى لويس السابع ملك فرنسا البابا اسكندر الثالث، فأمر هنري أن يعيد كبير الأساقفة إلى كرسيه، وأنذره إذا رفض بأنه سيحرم إقامة جميع الصلوات والخدمات الدينية. والأقاليم الخاضعة لحكم إنجلترا (1169). فاضطر هنري إلى الخضوع، وجاء إلى أفرانش Avranches، والتقى ببكت، ووعده بأن يصلح كل ما يشكو منه، وأمسك بركاب كبير الأساقفة المنتصر وهو يهم بالركوب عائداً إلى إنجلترا (1169). فلما عاد تومس إلى كنتربري كرر قرار الحرمان على الأساقفة الذين قاوموه. فذهب بعضهم إلى هنري في نومندي وأثاروا غضبه، ولعلهم بالغوا في وصف مسلك بكن. فصاح هنري قائلاً: "عجباً!... أيجرؤ رجل يُطعم خبزي... على أن يهين الملك والمملكة جميعها، ولا يأخذ بحقي واحد من أولئك الخدم الكسالى الذين يُطعمون على مائدتي فيغسل تلك الإهانة؟". وذهب إلى إنجلترا أربعة من الفرسان الذين سمعوه، من غير علم الملك على ما يظهر؛ ووجدوا كبير الأساقفة عند مذبح كنيسة كنتربري في يوم 30 من ديسمبر سنة 1170، فقطعوا جسمه بسيوفهم وهو واقف في مكانه.
وروعت المسيحية كلها وثار ثائرها على هنري ودمغته من تلقاء نفسها بطابع الحرمان العام. فاعتزل الملك العالم في حجرته ثلاثة أيام لا يذوق فيها الطعام؛ أصدر بعدها أمره بالقبض على القتلة، وبعث بالرسل إلى البابا يعلنون براءته من الجريمة، ووعد بأن يكفر عن ذنبه بالطريقة التي يرتضيها الإسكندر. ثم ألغي دستور كلارندن، ورد إلى الكنيسة جميع مالها في بلاده من حقوق وأملاك. وقام الناس في هذه الأثناء يقدسون بكت ويعلنون أن معجزات كثيرة حدثت عند قبره، وأعلنت الكنيسة قداسته رسمياً (1172)، وسرعان ما أخذت الآلاف




صفحة رقم : 5465




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> توماس أبكت


المؤلفة. تحج إلى ضريحه. وجاء هنري أخيراً إلى كنتربري حاجاً نادماً؛ ومشى الثلاثة الأميال الأخيرة من الطريق على الحجارة الصوان حافي القدمين ينزف الدم منهما؛ ثم استلقى على الأرض أمام قبره عدوه الميت، وطلب إلى الرهبان أن يضربوه بالسياط، وتقبل ضرباتهم؛ وهكذا تحطمت إرادته القوية أمام السخط العام عليه والمتاعب المتزايدة في بلاده. وأخذت زوجته إليانور، التي طردها الملك الزاني وسجنها، تأتمر به مع أبنائه لتخلعه عن العرش؛ وتزعم هنري أكبر أبنائه فتنتين إقطاعيتين قامتا عليه في عامي 1173و1183، ومات وهو خارج على أبيه. ثم تحالف ولداه رتشرد وجون، بعد أن طال انتظارهما موته، مع فليب أغسطس ملك فرنسا وانضما إليه في حرب ضد أبيهما، ولما طرد من لمان Le Mans جهر بالطعن على الإله الذي حرمه من البلدة التي ولد فيها وأحبها، ومات في شينون Chinon (1189)؛ وكان آخر ما نطق به أن سب أولاده الذين غادروا به، والحياة التي وهبته المجد والسلطان، والغنى، والعاشقات، والأعداء، والعار، والغدر، والهزيمة.
لكنه لم يخفق الإخفاق كله. نعم إنه قد سلم لبكت الميت بما لم يسلم به لبكت الحي، لكن حجة هنري هي التي كسبت المعركة على توالي الأيام: ذلك أن المحاكم المدنية هي التي وسعت اختصاصها وبسطت سلطانها في عهد كل ملك جاء بعده على رعايا الملك سواء كانوا من رجال الدين أو رجال الدنيا(37). ولقد حرر القانون الإنجليزي من القيود الكنسية والإقطاعية، ومهد السبيل لنمائه ذلك النماء الذي جعله من أجل الأعمال التشريعية التي ظهرت منذ عهد روما الإمبراطورية. ولقد حذا حذو جده العظيم وليم الفاتح فقوى حكومة إنجلترا ووحدها بإخضاع الأشراف المتمردين الذين أشاعوا الفوضى في البلاد إلى القانون والنظام. وكان نجاحه في هذه الناحية أكثر مما يجب أن يكون: ذلك أن الحكومة المركزية قويت حتى كادت تصبح حكومة مطلقة غير مسئولة إلى أقصى حد، وحتى




صفحة رقم : 5466




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> توماس أبكت


كانت الجولة الثانية في المعركة التاريخية بين النظام والحرية هي التي قام بها الأشراف المناضلون عن الحرية.




صفحة رقم : 5467




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> العهد الأعظم أو مجنا كارتا



3- العهد الأعظم أو مجنا كارتا


لقد ورث ريتشارد الأول الملقب بلقب الأسد عرش أبيه دون أن ينازعه منازع، وكان رتشرد ابن إليانور المغامرة المتهورة التي لا تغلب، ولقد تتبع خطاها ولم يتبع خطا هنري القدير النكد. وولد رتشرد في أكسفورد 1157 وانتدبته أمه ليصرف شئون أملاكها في أكتين، وفيها أشربت نفسه بثقافة بروفانس المتشككة، و"بعلوم" الشعراء الغزليين "المرحة" ولم يعد قط رجلاً إنجليزياً. وكان حبه للمغامرات والغناء أكثر من حبه للسياسة والإدارة، وامتلأت الاثنتان والأربعون سنة التي عاشها بحوادث روائية تكفي لأن تملأ مائة عام، وكان لشعراء زمانه مثالاً يحتذونه ونصيراً يلقون منه التشجيع. وقد قضي الخمسة الشهور الأولى من حكمه في جمع المال اللازم لحرب صليبية؛ فخص بهذا الغرض جميع الأموال التي خلفها وراءه هنري الثاني، وأقصى آلافاً من الموظفين ثم أعاد تعيينهم نظير جعل يتقاضاه منهم، وباع صكوكاً بالحرية للمدن التي تستطيع أداء ثمنها، واعترف باستقلال اسكتلندة نظير 15.000 مارك، ولم يقبل هذا الثمن القليل لأنه يزهد في المال بل لأنه شديد الحب للمغامرات. ولم يمض على اعتلائه العرش نصف عام حتى أبحر إلى فلسطين، ولم يكن حرصه على سلامته أكثر من حرصه على حقوق غيره؛ وقد أثقل كاهل البلاد بالضرائب إلى أقصى طاقتها، وبدد ما جمعه من المال في الترف، والولائم، والمظاهر الكاذبة، واندفع في العمل خلال العقد الأخير من القرن الثاني عشر بجرأة وتهور جعلا زملاءه الشعراء يضعونه في صف الإسكندر، وآرثر، وشارلمان.
وحارب صلاح الدين وأحبه، وعجز عن هزيمته وأقسم أن يهزمه، وقفل




صفحة رقم : 5468




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> العهد الأعظم أو مجنا كارتا


راجعاً إلى بلاده وأسره في طريق عودته (1192) ليوبولد دوق النمسا، وكان قد أساء إليه في آسيا، وأسلمه ليوبولد في بدء عام 1193 إلى الإمبراطور هنري السادس. وكان لهنري هذا ثأر قديم عند هنري الثاني ورتشرد، واحتفظ هنري السادس بملك إنجلترا سجيناً في حصن ببلدة درنشتين Dürnstein على نهر الدانوب على الرغم من القانون الذي كان معترفاً به في أوربا بوجه عام والذي يحرم اعتقال رجال الحروب الصليبية؛ وطلب إلى إنجلترا فدية قدرها 150.000 مارك (15.000.000 دولار أمريكي) أي نصف الإيراد السنوي لأملاك التاج البريطاني. وكان جون أخو رتشرد وقتئذ يحاول اغتصاب العرش، فلما لقي مقاومة فر إلى فرنسا وانضم إلى فليب أغسطس في هجومه على إنجلترا. ونكث فليب بعهد قطعه على نفسه بالمحافظة على السلم، فهاجم الأملاك الإنجليزية في فرنسا واستولى عليها، وعرض رشا كبيرة على هنري السادس ليبقى رتشرد أسيراً. وضاقت نفس رتشرد بسجنه المريح، وكتب قصيدة من الشعر الممتاز(38)، يطلب فيها إلى بلاده أن تفتديه من الأسر. وكانت إليانور في أثناء هذه الأحداث المضطربة تحكم البلاد حكماً ناجحاً بوصفها نائبة عن الملك معتمدة على النصائح الحكيمة التي يقدمها لها القاضي الأكبر هيوبرت ولتر Hubert Walter كبير أساقفة كنتربري، ولكنهما وجدا من العسير عليهما جمع الفدية المطلوبة. ولما أطلق سراح رتشرد آخر الأمر (1194) أسرع إلى إنجلترا، وجبى الضرائب وجمع الجند وقاد بنفسه جيشاً عبر به القناة الإنجليزية ليثأر لنفسه ولإنجلترا من فليب. وتقول الرواية المأثورة إنه ظل عدة سنين يرفض القداس لئلا يطلب إليه أن يصفح عن عدوه الغادر. فلما تم له استعادة جميع الأملاك التي استولى عليها فليب ركن إلى السلم التي أمكنت فليب من أن يعيش. وتنازع في هذه الأثناء مع أحد أتباعه الإقطاعيين وهو أدهمار Adhemar فيكونت مدينة ليموج Limoges، وكان قد وجد كنزاً من الذهب مخبوءاً في أرضه، وعرض على رتشرد جزءاً منه، لكن رتشرد أبى إلا أن




صفحة رقم : 5469




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> العهد الأعظم أو مجنا كارتا


يأخذه كله، وحاصر أدهمار. وأصاب رتشرد سهم منطلق من قصر أدهمار الحصين فمات رتشرد "قلب الأسد" في الثالثة والأربعين من عمره إثر نزاع قام على كومة من الذهب.
وخلفه على العرش أخوه جون (1199-1216) بعد أن لقي بعض المقاومة وعدم الثقة، وبعد أن اضطره ولتر كبير الأساقفة أن يقسم حين تتويجه أنه قد نال عرشه منتخباً من الأمة (أي الأعيان والمطارنة) وبنعمة الله. ولكن جون الذي خان أباه، وأخاه، وزوجه، لم تكن تقف في وجهه يمين أخرى بعد أيمانه الماضية أو يهتم كثيراً بهذه اليمين، ولم يكن يبدو عليه شيء من التمسك بالعقائد الدينية شأنه في هذا شأن هنري الثاني ورتشرد الأول، حتى ليقال إنه لم يتناول قط القربان المقدس بعد أن بلغ سن الرشد، بل لم يتناوله أيضاً في يوم تتويجه(39). واتهمه الرهبان بالكفر وقالوا إنه اقتنص مرة وعلاً سميناً وقال: "ما أسمن هذا الحيوان وما أحسن طعامه! ولكني أقسم أنه لم يسمع قط بالقداس" وغضب الرهبان من قوله هذا لأنه رأوا فيه سخرية ببدانتهم(40). وكان جون رجلاً حاد الذهن مجرداً من الضمير، وكان إدارياً حازماً ممتازاً "ولم يكن صديقاً حميماً لرجال الدين"، ولهذا افتري عليه بعض الافتراء المؤرخون الإخباريون من رجال الأديرة كما يقول هولنشد Holinshed(41)؛ ولم يكن مخطئاً على الدوام، ولكنه كثيراً ما أغضب الناس بمزاجه الحاد، وملحه، وفكاهاته البذيئة الشائنة، واستبداده وغطرسته، وما فرضه من الضرائب الفادحة التي يحس أنه مضطر إليها للدفاع عن الأملاك الإنجليزية في القارة ضد فليب أغسطس.
ونال جون في عام 1199 على إذن من البابا إنوسنت الثالث بتطليق إزبل Isabel أميرة جلوسستر Gloucester بحجة أنها تمت إليه بصلة القرابة، ولم يلبث




صفحة رقم : 5470




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> العهد الأعظم أو مجنا كارتا


بعد طلاقها أن يتزوج بإزبلا أميرة أنجوليم Isabella of Anguleme رغم أنها كانت مخطوبة لكونت لوزنيان Lusignan. وغضب الأشراف في كلا البلدين لهذا العمل واستنجد الكونت بفليب ليأخذ له بحقه. واحتج في الوقت نفسه بارونات أنجو، وتورين، وبواتو Poitou، ومين لدى فيليب قائلين إن جون يستبد بأقاليمهم. وكانت فروض الطاعة الإقطاعية التي ترجع إلى عهد تسليم نورمندية إلى رولو تقضي بأن يعترف الأعيان الإقطاعيون في فرنسا، حتى في المقاطعات التي تملكها إنجلترا، بملك فرنسا سيداً إقطاعياً عليهم؛ وكان جون حسب قانون الإقطاع، بوصفه دوق نورمندية، تابعاً لملك فرنسا، وأمر فليب تابعة الملكي بالقدوم إلى باريس، ليبرئ نفسه من عدة تهم وادعاءات، وأبى جون أن يطيع الأمر، فقضت محكمة الإقطاع الفرنسية بمصادرة أملاكه في فرنسا، ومنحت نورمندية، وأنجو، وبواتو لآرثر كونت بريطاني Briltany وحفيد هنري الثاني. وطالب آرثر بعرش إنجلترا، وحشد لذلك جيشاً، وحاصر الملكة إليانور في ميرابو Mirabeau، فقادت الملكة بنفسها، وهي في الثمانين من عمرها، قوة للدفاع عن ولدها المشاكس. وأنقذها جون من عدوها، وقبض على آرثر، ويبدو أنه أمر بقتله، فما كان من فليب إلا أن غزا نورمندية، وكان جون وقتئذ يقضي شهر العسل في رون وفي شغل شاغل عن قيادة جنده، فمنوا بالهزيمة. وفرّ جون إلى إنجلترا، وانتقلت نورمندية، ومين، وأنجو، وتورين إلى التاج الفرنسي.
وبذل البابا إنوسنت الثالث، ولم يكن على وئام مع فليب، كل ما في وسعه لمساعدة جون، ثم دب النزاع بينه وبين جون. وكان سبب هذا النزع أنه على أثر وفاة هيوبرت ولتر (1205) حمل الملك كبار الرهبان في كنتربري على أن يختاروا جون ده جراي John de Gray، أسقف نوروك Norwich للمنصب الشاغر، ولكن طائفة من الرهبان الشبان اختارت رجنلد Reginald نائب رئيس ديرهم ليكون كبيراً للأساقفة. وأسرع المرشحان المتنافسان إلى رومة يطلب كل منهما تأييد البابا؛ ولكن إنوسنت رفض أن يؤيدهما جميعاً، وعين في المنصب الشاغر استيفن لانجتن Stephen Langton، وهو مطران إنجليزي قضى الخمس والعشرين سنة الأخيرة مقيماً في باريس، وكان وقت اختياره أستاذاً للاهوت في جامعتها. واحتج جون على هذا الاختيار وقال إن لانجتن لم يكن لديه ما يؤهله لأن يشغل أكبر منصب ديني في إنجلترا، وهو منصب يجمع بين الوظائف السياسية والدينية. وتجاهل إنوسنت احتجاج جون، ودشن استيفن كبيراً لأساقفة كنتربري (1207) في فيتربو Viterpo من أعمال إيطاليا. وتحدى جون لانجتن بأن يطأ بقدمه أرض إنجلترا، وأنذر رهبان كنتربري العصاة بحرق الأديرة فوق رؤوسهم، وأقسم "بأسنان الله" بأن ينفي كل قس كاثوليكي من إنجلترا إذا أصدر البابا قراراً بحرمانها، ويسمل أعين بعضهم ويجدع أنوفهم جزاء وفاقاً لهم على فعل رئيسهم. وأصدر البابا قرار الحرمان (1208)، وامتنعت كل الخدمات الدينية في إنجلترا ما عدا التعميد والمسح وقت الوفاة. وأغلق القساوسة الكنائس، وسكنت الأجراس، ودفن الموتى في أرض لم تدشن. ورد جون على هذه الأعمال بمصادرة جميع أملاك الكنائس والأديرة وأعطاها لغير رجال الدين؛ وحرم إنوسنت الملك من حظيرة المسيحية، ولكن جون لم يعبأ بقرار الحرمان، وانتصر في عدة وقائع حربية أيرلندة، واسكتلندة، وويلز. ووجفت قلوب الشعب هلعاً من قرار الحرمان، ولكن الأشراف رضوا بانتهاب أملاك الكنيسة لأن ذلك الانتهاب يحول نهم الملك إلى حين عن أملاكهم هم.
واختال جون عجباً بانتصاره المؤقت، وأساء إلى الكثيرين بتطرفه وعنته؛ فقد هجر زوجته الثانية ليلد أطفالاً غير شرعيين من عشيقات مستهترات، وزج اليهود في السجن لينتزع منهم أموالهم، وترك بعض المطارنة السجناء




صفحة رقم : 5471




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> العهد الأعظم أو مجنا كارتا


يموتون من فرط المشقة، وأغضب الأشراف بأن أضاف الإهانات إلى الضرائب الفادحة، وتشدد في تنفيذ قانون الغابات البغيض. ولجأ إنوسنت في عام 1213 إلى آخر ملجأ له، فأصدر مرسوماً بخلع الملك الإنجليزي عن العرش، وأعفي رعايا جون من بين الطاعة التي أقسموها له، وأعلن أن أملاك الملك أضحت غنيمة مشروعة لكل من يستطيع انتزاعها من يديه النجستين. وقبل فليب أغسطس الدعوة، وحشد جيشاً رهيباً، وزحف به على شاطئ القناة الإنجليزية. واستعد جون لصد الغزو، ولكنه تبين وقتئذ أن أعيان البلاد لن يساعدوه في حرب ضد بابا مسلح بقوة مادية ودينية معاً. واستشاط الملك غضباً من فعلتهم، ورأى في الوقت نفسه خطر الهزيمة محدقاً به. فعقد اتفاقاً مع بندلف Pandulf، مبعوث البابا مضمونه أنه إذا ألغى إنوسنت قرار الحرمان الصادر على الملك وعلى إنجلترا، وقرار الخلع، واستحال من عدو إلى صديق، فإن جون يتعهد بأن يرد إلى الكنيسة كل ما صادره من أملاكها، وأن يضع تاجه ومملكته تحت سيادة البابا الإقطاعية. واتفق الطرفان على هذا، وأسلم جون إنجلترا كلها للبابا، ثم استعادها منه بعد خمسة أيام بوصفها إقطاعية بابوية تدين للبابا بالولاء وتؤتى الجزية عن يد وهي صاغرة (1213).
وأقلع جون إلى بواتو ليهاجم فليب، وأمر بارونات إنجلترا أن يتبعوه بالسلاح والرجال، ولكنهم لم يطيعوا أمره. وأدت هزيمة جون عند بوفين Bouvines إلى حرمانه من الألمان وغيرهم من أحلافه الذين كان يتطلع إلى معونتهم ضد توسع فرنسا، فعاد إلى إنجلترا ليواجه الأشراف الحانقين. واستاء النبلاء من فدح الضرائب المفروضة عليهم لتمويل حروبه المخربة، ومن خروجه على السوابق القديمة والقوانين المرعية، وتسليمه إنجلترا ليشتري به عفو البابا وتأييده. وأراد جون أن يحسم الأمر فيما بينه وبينهم فطلب إليهم أن يؤدوا له قدراً من المال بدل الخدمة العسكرية، ولكنهم بعثوا إليه بدلاً من هذا المال بوفد يطلب إليه العودة إلى




صفحة رقم : 5472




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> العهد الأعظم أو مجنا كارتا


قوانين هنري الأول، التي حمت حقوق الأشراف وحددت سلطات الملك. فلما لم يتلق الأشراف جواباً مرضياً حشدوا قواتهم المسلحة عند استامفورد Stamford، وبينا كان جون يتلكأ في أكسفورد من جون ملك إنجلترا بعناية الله تعالى.... إلى كبار أساقفته، وأساقفته، ورؤساء أديرته، وحملة ألقاب إيرل وبارون... وجميع رعاياه الأوفياء. تحية. اعلموا أننا بهذا العهد الحاضر نؤكد عنا وعن ورثتنا إلى أبد الدهر:
1- أن ستكون كنيسة إنجلترا حرة لا يعتدي على شيء من حقوقها وحرياتها...
2- أننا نمنح جميع الأحرار في مملكتنا، عنا وعن ورثتنا إلى أبد الدهر، جميع الحريات المدونة فيما بعد...
12- ألا يفرض بدل خدمة أو معونة.. إي المجلس العام لمملكتنا.
14- لكي يجتمع المجلس العام المختص بتقدير المعونات وبدل الخدمات.. سنأمر باستدعاء كبار الأساقفة، والأساقفة، ورؤساء الأديرة، وحملة ألقاب إيرل، وكبار البارونات في البلاد ... وغيرهم ممن هم تحت رياستنا...
15- لن نجيز في المستقبل لكائن من كان أن يأخذ معونة من مستأجريه الأحرار (غير الأرقاء)، إلا إذا كان ذلك لافتدائه، أو تنصيب ابنه الأكبر فارساً، أو مرة واحدة لزواج ابنته الكبرى؛ ولن تكون المعونة في هذه الحالة إلا معونة معقولة...




صفحة رقم : 5473




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> العهد الأعظم أو مجنا كارتا


17- لن تعرض الشكاوي العادية على محكمتنا، بل ينظر فيها في مكان محدد.
36- لن يعطى أو يؤخذ بعد الآن شيء نظير أمر يطلبه شخص ببحث حاله... بل يجب أن يعطى هذا الأمر بغير مقابل (أي أنه يجب ألا يطول حبس إنسان من غير محاكمة).
39- لا يقبض على رجل حر، أو يسجن، أو ينزع ملكه، أو يخرج من حماية القانون، أو ينفى، أو يؤذي بأي نوع من الإيذاء... إلا بناء على محاكمة قانونية أمام أقرانيه (أي المساوين له في المدينة) أو بمقتضى قانون البلاد.
40- لن نبيع العدالة أو حقاً من الحقوق لإنسان ما ولن نحرم منها إنساناً ما.
41- يتمتع جميع التجار بحق الدخول في إنجلترا والإقامة فيها والمرور بها براً أو بحراً سالمين مؤمنين للشراء والبيع... دون أن تفرض عليهم ضرائب غير عادلة.
60- كل العادات والحريات السالفة الذكر... يجب أن يراعيها أهل مملكتنا كلهم، سواء منهم رجال الدين وغير رجال الدين، كل فيما يخصه، نحو أتباعهم.
وقعناه بيدنا بحضور الشهود، في المرج المعروف باسم ريمنيد في اليوم الخامس عشر من شهر يونيه من السنة السابعة عشرة من حكمنا(42).
والعهد الأعظم أساس الحريات التي يتمتع بها العالم الناطق باللغة الإنجليزية في هذه الأيام، والحق أنه خليق بهذه الشهرة. نعم إنه مقيد ببعض القيود، فهو ينص على حقوق النبلاء ورجال الدين أكثر مما ينص على حقوق الشعب كله، ولم تبين فيه الوسائل الكفيلة بتنفيذ الإشارة الدالة على التقي والصلاح الواردة في المادة رقم 60 من العهد؛ ولقد كان العهد انتصاراً للإقطاع لا للديمقراطية.




صفحة رقم : 5474




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> العهد الأعظم أو مجنا كارتا


كل هذا صحيح ولكنه نص على الحقوق الأساسية وحماها، وقرر عدم إطاعة حبس إنسان بلا محاكمة، كما أقر نظام المحلفين، وأعطى البرلمان الناشئ سلطة على المال اتخذتها الأمة فيما بعد سلاحاً لمقاومة الاستبداد، وبدل الملكية المطلقة ملكية دستورية مقيدة.
بيد أن جون لم يفكر قط في أنه قد خلد اسمه بالنزول عن سلطاته ومطالبه الاستبدادية، فقد وقع العهد وهو مرغم، وأخذ غداة توقيعه يأتمر لإلغائه. فقد لجأ إلى البابا، وكانت سياسة إنوسنت الثالث وقتئذ تهدف إلى استعانة إنجلترا على فرنسا، فخف لمعونة تابعه الذليل المهان بأن أعلن أن العهد باطل لا قيمة له، وأمر جون ألا يخضع لشروطه، كما أمر الأشراف ألا ينفذوها، فلما رفض البارونات إطاعة أمره، أصدر قراراً بحرمانهم هم وأهل لندن والثغور الخمسة؛ غير أن استيفن لانجتن الذي كانت له اليد الطولى في صياغة العهد أبى أن ينشر قرار الحرمان؛ وقرر مبعوثو البابا في إنجلترا وقف لانجتن عن العمل، وأذاعوا قرار البابا، وجندوا جيشاً من المرتزقة في فلاندزر وفرنسا، وهاجموا النبلاء الإنجليز، وأعملوا فيهم النار والسيف، والسلب والقتل والفسق. ويبدو أن الأشراف لم يلقوا من الشعب معونة خليقة بأن يعتمدوا عليها؛ ولهذا فإنهم بدل أن يقاوموا الغزاة بقواهم الإقطاعية، دعوا لويس ابن ملك فرنسا ليغزو إنجلترا، ويدافع عنهم، ويستولي على عرش البلاد جزاء له على عمله؛ ولو نجحت هذه الخطة لأصبحت إنجلترا جزءاً من فرنسا. وحذر مبعوثو البابا لويس من عبور القناة، فلما خالف أمرهم حرموه هو وجميع أتباعه من حظيرة الدين. ووصل لويس إلى لندن، وتقبل ولاء البارونات وخضوعهم، ولكن جون انتصر في كل مكان وخارج عن مدينة لندن التجارية، وكان حين ينتصر قاسياً مجرداً من الرحمة، ولكنه وهو في عنفوان نشاطه ونصره أصيب بزحار البطن، واتخذ طريقه وهو في شدة




صفحة رقم : 5475




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> العهد الأعظم أو مجنا كارتا


الألم إلى أحد الأديرة، ومات في نيوارك Newark في التاسعة والأربعين من عمره.
وتوج قاصد رسولي ابناً لجون لا يتجاوز السادسة من عمره ملكاً على إنجلترا باسم هنري الثالث (1216-1272)؛ وعين له مجلس وصاية برياسة إيرل بمبروك Pembroke. وشجع الأشراف ارتقاء واحد منهم إلى هذا المنصب، فانحازوا إلى هنري وأرجعوا لويس إلى فرنسا. وشب هنري وكان ملكاً فناناً، خبيراً بالجمال، وكان هو الموحي ببناء دير وستمنستر وواهب المال لهذا البناء. وحسب العهد قوة تعمل على التفكك وحاول إلغاءه ولكنه عجز. وفرض الضرائب على النبلاء وأرهقهم إرهاقاً أوشكوا من أجله أن يثوروا عليه، وكان كلما فرض ضريبة أقسم أنها ستكون آخر الضرائب. وكان البابوات أيضاً في حاجة إلى المال، وأخذوا يجبون العشور من الأبرشيات الإنجليزية برضاء الملك ليمدوا البابوية بالمال في حربها مع فردريك الثاني. وكانت ذكرى هذا الابتزاز هي التي مهدت السبيل لثورة ويكلف Wycliffe وهنري الثاني.
وكان إدوارد الأول (1272-1307) أقل شغفاً بالعلم وأكثر عناية بشئون الملك من أبيه. كان رجلاً طموحاً، قوي الإرادة، صبوراً في الحرب. داهية في السياسة، خبيراً بالفنون العسكرية وجر المغانم، ولكنه يستطيع إذا شاء أن يكون معتدلاً حذراً، بعيد النظر في أهدافه؛ ولهذا كان حكمه من أكثر الأحكام نجاحاً في التاريخ الإنجليزي كله. فقد أعاد تنظيم الجيش، ودرب قوة كبيرة من الرماة على استخدام القوس السمحة، وأنشأ قوة من الجيش المرابط بأن أمر كل إنجليزي قادر على حمل السلاح أن يكون لديه سلاح وأن يتعلم طريقة استخدامه. ولقد وضع بهذا العمل على غير علم منه أساساً عسكرياً للديمقراطية. ولما تمت له هذه القوة فتح بها بلاد ويلز، وكسب اسكتلندة ثم فقدها، ورفض أداء الجزية التي تعهد جون بأدائها للبابوات، وألغى سيادة البابا على إنجلترا،




صفحة رقم : 5476




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> العهد الأعظم أو مجنا كارتا


ولكن أهم ما حدث في حكمه هو نمو البرلمان، ولعل إدوارد قد صار بغير رضاه أهم شخصية في أعظم ما حدث في إنجلترا من أعمال جليلة- وهو التوفيق، في الحكم وفي الأخلاق، بين الحرية والقانون.




صفحة رقم : 5477




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> نشأة القانون



4- نشأة القانون


وهذه الفترة- من فتح النورمان إلى إدوارد الثاني- هي التي اتخذ فيها قانون إنجلترا واتخذت فيها حكومتها الصورتين اللتين احتفظتا بهما حتى القرن التاسع. فقد أصبح القانون الإنجليزي قومياً للمرة الأولى بعد أن بسط القانون الإقطاعي النورماني سلطانه على القانون الإنجليسكسوني المحلي. فلم يعد القانون الإنجليزي بعدئذ هو قانون إسكس Essex أو مرسيا Mercia أو القانون الدنمرقي بل أصبح "قانون البلاد وعاداتها"، وإن من العسير علينا أن ندرك الآن ما تنطوي عليه هذه العبارة السالفة الذكر حين نطق بهما رانلف ده جلانفيل Ranulf de Glanville (المتوفى عام 1190)(43). ولقد اشتهر القانون الإنجليزي والمحاكم الإنجليزية بفضل الدفعة القوية التي دفع بها هنري الثاني وبفضل قيادة جلانفيل كبير القضاة، اشتهرا بالإنصاف وسرعة الفصل في المنازعات (مع شيء من الفساد والرشوة) شهرة حملت ملوك أسبانيا المتخاصمين على أن يعرضوا منازعاتهم على محاكم إنجلترا(44). ولربما كان جلانفيل هو مؤلف "رسالة في القانون" Tractatus de Legibus التي تعزوها إليه الرواية المأثورة، وسواء كان ذلك أو لم يكن فإن هذه الرسالة هي أقدم ما لدينا من الكتب في القانون الإنجليزي. وبعد نصف قرن من ذلك الوقت (1250-1256) أخرج هنري ده براكتن Henry de bracton أول خلاصة منظمة للقانون الإنجليزي في كتابه "في قوانين إنجلترا وعاداتها" Delegibus et Consuetudinibus Anglise وهو كتاب في خمسة مجلدات ومرجع من أهم المراجع في القانون الإنجليزي.




صفحة رقم : 5478




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> نشأة القانون


وكانت حاجة الملك المتزايدة إلى المال والجند هي التي أدت إلى اتساع الوتنجموت Witengemot الإنجليسكسوني حتى أصبح هو البرلمان الإنجليزي. ذلك أن هنري الثالث أراد أن يحصل على المال أكثر مما يرغب في أن يمدوه به، وألا يصبر حتى يوافقوا على طلباته، فاستدعى فارسين من كل مقاطعة لينضموا إلى البارونات والمطارنة في المجلس العظيم الذي عقد في عام 1254. ولما تزعم سيمون ده منت فورت Simon de Montfort، وهو ابن محارب صليبي من الأسرة الألبجنسية، ثورة قام بها النبلاء على هنري الثالث في عام 1264، أراد أن يضم الطبقات الوسطى إلى قضيته، فلم يكتف بدعوة فارسين من كل مقاطعة بل دعا أيضاً اثنين من المواطنين البارزين من كل قصبة مقاطعة أو كل بلدة لينضموا إلى البارونات في جمعية وطنية. وكان خليقاً بهؤلاء الرجال أن يستشاروا هل يؤدون المال أو يكتنفون بالكلام، وذلك لأن البلدان كانت آخذة في النماء، وكان التجار ذوي مال. وأفاد إدوارد الأول من المثل الذي ضربه له سيمون، فلما أن تورط في الحرب مع اسكتلندة، وويلز، وفرنسا في وقت واحد، اضطر أن يطلب المال من جميع طبقات الأمة، فدعا لهذا الغرض "البرلمان النموذجي" في عام 1295 وهو اول برلمان كامل في تاريخ إنجلترا. وقال في مرسوم الدعوة إن "ما يمس الناس جميعاً يجب أن يوافقوا جميعاً عليه، وإن الأخطار العامة يجب أن تقابل بوسائل يتفقون عليها جميعاً"(45). ولهذا دعا إدوارد اثنين من أهل "كل مدينة، وقصبة مقاطعة، وبلدة كبيرة" للحضور في المجلس الأكبر الذي سيعقد في وستمنستر، ونص على أن يختار أولئك الرجال ذوو المكانة من المواطنين في كل منطقة، ذلك أنه لم يكن أحد يحلم وقتئذ بحق الانتخاب العام في مجتمع لا تعرف القراءة فيه إلا أقلية صغيرة، بل إن "العامة" في "البرلمان النموذجي" نفسه لم يكن لهم من السلطان ما للأشراف. ولم يكن قد وجد بعد برلمان سنوي يجتمع بمحض




صفحة رقم : 5479




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> نشأة القانون


إرادته ويكون هو المصدر الوحيد للتشريع. ولكن اتفق في عام 1195 على المبدأ القائل بأن القانون الذي يقره البرلمان لا يمكن أن يلغيه إلا البرلمان، ثم اتفق في عام 1297 على ألا تجبى الضرائب إلا بعد موافقة البرلمان؛ هذه هي المبادئ البسيطة التي قامت عليها أكثر الحكومات ديمقراطية في تاريخ العالم.
ولم يحضر رجال هذا البرلمان الواسع إلا وهو كارهون. وكانوا يجلسون فيه منفصلين عن سائر الطبقات، ويأبون أن يقترعوا على الأموال المطلوبة إلا في جمعياتهم الإقليمية، وظلت المحاكم الكنسية تنظر في جميع القضايا التي للقانون الكنسي شأن فيها، وفي معظم القضايا التي يكون أحد رجال الدين طرفاً فيها. وكان في الاستطاعة محاكمة رجال الدين إذا ارتكبوا جناية كبرى أمام السلطات الزمنية؛ أما من يحكم عليهم في جرائم أقل من جريمة الخيانة العظمى فكانوا حسب "ميزات رجال الدين" يسلمون إلى محكمة كنسية من حقها وحدها أن تعاقبهم على جرائمهم. يضاف إلى هذا الكثرة الغالبة من القضاة كانت من رجال الكنيسة، لأن دراسة القانون كانت مقصورة في الغالب على رجال الدين. ثم أصبحت المحاكم الدينية في عهد إدوارد الأول أكثر مدنية مما كانت قبله، ولما امتنع رجال الدين عن أن ينضموا إلى غيرهم من الطبقات في الاقتراع على الأموال المطلوبة، قال إدورد الأول إن على الذين يتمتعون بحماية الدولة أن يتحملوا نصيبهم من أعبائها، ثم أمر محاكمه ألا تنظر في القضايا التي يكون المدعي فيها أحد رجال الكنيسة، وأن تنظر في كل قضية يكون أحد رجال الكنيسة هو المدعي عليه فيها(46). وزاد مجلس إدوارد المنعقد في سنة 1279 على هذا بأن حرم بمقتضى قانون مورتمين Mortmain أن تمنح الهيئات الكنسية أرضاً بغير موافقة الملك.
ونما القانون الإنجليزي نمواً سريعاً في أيام وليم الأول، وهنري الثاني، وجون، وإدوارد الأول على الرغم من تعدد جهات الاختصاص على النحو




صفحة رقم : 5480




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> نشأة القانون


السالف الذكر. وكان هذا القانون إقطاعياً محضاً شديد الوطأة على رقيق الأرض، فقد كانت الجرائم التي يرتكبها الأحرار على أرقاء الأرض يعاقب عليها بالغرامة؛ وكان القانون يجيز للنساء أن يمتلكن المال ويورثنه ويتصرفن فيه بالوصية، كما أجاز لهن أن يتعاقدن، ويقاضين غيرهن ويُقاضين، وجعل من حق المرأة أن ترث ثلث أملاك زوجها العقارية بعد وفاته، ولكن جميع المنقولات التي جاءت بها إلى البيت وقت زواجها، أو حصلت عليها في أثناء الزواج، تصبح ملكاً للزوج(47). وكانت الأرض كلها من الناحية القانونية ملكاً للملك ينالها أصحابها منه إقطاعياً. وكانت ضيعة السيد الإقطاعي كلها في العادة يوصي بها لأبنه الأكبر، ولم يكن يقصد بهذا أن تبقى الأملاك غير مجزأة، بل يقصد به فوق ذلك حماية السيد الإقطاعي الأعلى من تجزئة التبعة الإقطاعية في جباية المكوس وأداء التزامات الحرب. أما الفلاحون الأحرار فلم يكن ثمة قانون يلزمهم بأن يورثوا أملاكهم أكبر أبنائهم.
وظل قانون التعاقد غير ناضج في هذا التشريع الإقطاعي. وكانت محكمة للمقاييس والموازين تحدد مستوى الموازين، والمقاييس، والنقود؛ وتفرض رقابة الدولة على استعمالها. وبدأ التشريع التجاري المستنير في إنجلترا "بقانون التجار" (1283) و"عهد التجار" Carta Mercatoria (1203)- وهما عملان جليلان آخران من الأعمال التي تمت في عهد إدوارد الأول.
وتحسنت طرق الإجراءات القانونية تحسناً بطيئاً، واتبعت لتنفيذ القوانين عدة وسائل، فجعل لكل حي "رقيب" ولكل حاضرة إقليم شرطي (كنستبل Constable) ولكل إقليم حاكم. وكان القانون يفرض على جميع الرجال أن يرفعوا عقيرتهم "بصرخة وزعقة" إذا شهدوا اعتداء على القانون، وأن يشتركوا في مطاردة المعتدي، وأجيزت الكفالة. ومن فضائل القانون الإنجليزي أن التعذيب لم يكن يلجأ إليه في مناقشة المتهمين أو الشهود. من ذلك أنه لما أغرى




صفحة رقم : 5481




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> نشأة القانون


فليب الرابع ملك فرنسا إدوارد الثاني بأن يقبض على فرسان المعبد الإنجليز، ولم يجد هذا الملك دليلاً يأخذهم به، كتب البابا كلمنت الخامس، بتحريض فليب بلا ريب، إلى إدوارد يقول: "ترامى إلينا أنك تحرم التعذيب لأنه مخالف لقانون بلدك، ولكن ما من قانون للدولة يمكن أن يسمو على القانون الكنسي، قانوننا. ولهذا آمرك أن تعذب هؤلاء الرجال"(48). وخضع إدوارد لأمر البابا، ولكن التعذيب لم يلجأ إليه مرة أخرى في الإجراءات القانونية الإنجليزية إلا في عهد ميري "اللعينة" (1553-1558).
وأدخل النورمان إلى إنجلترا نظام الفرنجة القديم، نظام التحقيق القضائي أمام المحلفين، وهم طائفة من المواطنين المحليين، وذلك في شئون الأقاليم المالية والقانونية. وارتقت محكمة كلارندن (حوالي عام 1166) بنظام "المحلفين" بـأن أجازت للمتقاضين ألا يقرروا صدقهم أو كذبهم عن طريق القتال، بل أمام لجنة محكمين مؤلفة من اثني عشر فارساً يختارهم من بين المواطنين في الإقليم أمام المحكمة نفسها أربعة من الفرسان يعينهم حاكم الإقليم. وكانت هذه هي الدورة القضائية الكبرى، أما في الدورة الصغرى التي كانت تعقد للنظر في القضايا العادية فكان حاكم الإقليم نفسه يختار اثني عشر من أحرار الإقليم المجاور للمحكمة. وكان الناس وقتئذ يعارضون في نظام المحلفين كما يعارضونه الآن، ولم يكن يدور بخلدهم قط أن هذا النظام سيصبح أساساً من أسس الديمقراطية. ولم ينته القرن الثالث عشر حتى كان حكم المحلفين قد حل في إنجلترا كلها تقريباً محل أنظمة التحقيق القديمة التي كانت تجري حسب الشريعة الهمجية.




صفحة رقم : 5482




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> البلاد الإنجليزية



5- البلاد الإنجليزية


كانت تسعة أعشار إنجلترا في عام 1300 ريفاً، وكان بها مائة بلدة تعد في نظر المدائن التي خلفتها في هذه الأيام قرى صغيرة، وكان بها مدينة واحدة هي لندن




صفحة رقم : 5483




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> البلاد الإنجليزية


تزهو على غيرها بسكانها البالغين أربعين ألفاً(49)- أي أربعة أضعاف أية مدينة أخرى في ذلك الوقت، ولكنها أقل كثيراً في ثروتها وجمالها من باريس، أو بروج، أو البندقية، أو ميلان، دع عنك القسطنطينية أو بالرم، أو روما. وكانت بيوتها من الخشب، تعلو طبقتين أو ثلاث طبقات، ذات سقف هرمية، وكثيراً ما كانت الطبقات العليا تبرز عن الطبقات التي تحتها. وكانت قوانين المدن تحرم إلقاء فضلات المطابخ، أو حجر النوم، أو الحمامات من النوافذ، ولكن سكان الطبقات العليا كثيراً ما كانوا يلجئون إلى هذه الوسيلة الهينة للتخلص من فضلاتهم. وكانت مياه المنازل القذرة تتخذ طريقها إلى مياه المطر التي تجري عند حافة الإفريز، وكان إلقاء البراز في هذه المياه الجارية محرماً أما البول فكان إلقاؤه فيه مسموحاً به (50). وكانت المجالس البلدية تبذل جهدها لتحسين وسائل الصحة العامة- فكانت تأمر أهل المدن بتنظيف الشوارع أمام بيوتهم، وتفرض الغرامات على من يهملون منهم أمرها هذا، وتستأجر عمالاً يجمعون الفضلات والأقذار ويحملونها في عربات إلى قوارب الفضلات في نهر التاميز. وكان كثيرون من السكان يربون الخيل، والماشية، والخنازير، والدجاج، ولكن هذا العمل لم يكن كثير الضرر، لأن الأماكن الخالية كانت كثيرة، ولأن كل بيت تقريباً كانت له حديقة. وكانت تقوم في أماكن متفرقة أبنية من الحجارة، مثل كنيسة المعبد Temple Church، ودير وستمنستر، وبرج لندن الذي بناه وليم الفاتح ليحمي عاصمته ويضع فيه المسجونين الممتازين. وكان أهل لندن من ذلك الوقت البعيد يفخرون بمدينتهم، وسرعان ما قال عنهم فرواسار Froissart "إنهم أعظم خطراً من جميع سكان بقية إنجلترا، لأنهم أقوى أهل البلاد مالاً ورجالاً"، ووصفهم الراهب تومس الولسنجهامي Thomas of Walsingham بأنهم "يكادون يكونون أكثر الناس كبرياء، وغطرسة، وشرهاً، وأقلهم استمساكاً بالعادات القديمة وإيماناً بالله"(51).




صفحة رقم : 5484




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> البلاد الإنجليزية


وأنتج امتزاج سلالات النورمان، والأنجليسكسون، والدنمرقيين، والكلت، ولغاتهم، وأساليبهم في الحياة، أنتج هذا الامتزاج الأمة الإنجليزية، واللغة الإنجليزية، والأخلاق الإنجليزية. ولما انفصلت نورمندية عن إنجلترا، نسيت أسر النورمان المقيمة في إنجلترا بلاد نورمندية، وتعلمت حب بلادها الجديدة. وظلت صفات الكلت الصوفية الشعرية باقية، وبخاصة عند الطبقات الوسطى، ولكنها قد خفف منها بأس النورمان ودينونتهم، وظل في مقدور البريطاني الناشئ من هذا المزيج، وسط نزاع الأمم، والطبقات، وكوارث القحط والوباء، ظل في مقدور البريطاني أن يجعل من "إنجلترا المرحة"، كما يسميها هنري الهنتنجدوني Henry Huntingdon (1084-1155) أمة جمة النشاط، والفكاهة النابية، والألعاب الصاخبة، والرفقة الطيبة، والمحبة للرقص والأغاني الشعرية، والجعة. ومن هذه الأصلاب والأجيال القوية نشأت شهوانية حجاج تشوسر Chaucer العارمة، والعبارات الطنانة المزوقّة التي كان ينطق بها رجال العصر الإلزبيثي المتفاخرون.




صفحة رقم : 5485




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترة اسكتلندة ويلز



الفصل التاسع




إنجلترا - إسكتلندة - ويلز




(1066-1318)


جلس هنري الثاني على عرش إنجلترا في عام 1154 وتولى البابوية في العام نفسه إنجليزي يدعى نقولاس بريكسبير Nicholas Breakspear وسمي باسم هدريان الرابع. وبعد عام من ذلك الوقت بعث هنري جون السلزبري إلى روما برسالة تنم عن كثير من الدهاء قال فيها إن أيرلندة في حال يرثى لها من الفوضى السياسية، والاضمحلال الأدبي، والانحطاط الخلقي، وعدم الاستقلال الديني والانحلال. وسأل البابا هل يسمح له بالاستيلاء على هذه الجزيرة التي تسودها النزعة الفردية، ويعيد إليها النظام الاجتماعي، ويرغمها على طاعة البابا هنري إلى طلبه، إذا جاز لنا أن نصدق جرالدس كمبرنسس Giraldus Cambrensis وأصدر مرسوماً بابوياً منح فيه هنري أيرلندة، مشترطاً عليه أن يعيد إليها الحكومة النظامية، وأن يجعل رجال الدين الأيرلنديين اكثر تعاوناً مع روما، وأن يُفرض بنس واحد، أي ما يعادل الآن (83slash100 من الدولار الأمريكي) في كل عام على كل بيت في أيرلندة يؤدي إلى كرسي القديس بطرس(52). ولم تكن مشاغل هنري وقتئذ تمكنه من أن يفيد من حالة الفوضى السائدة في أيرلندة، ولكنه ظل متحفزاً للإفادة منها.
وحدث في عام 1166 أن هزم تيرنان أورورك Tiernan o'Rourke، ملك بوفني Benfni درموت ماك مرو Dermot Mac Murrough ملك لينستر في حرب قامت بين الملكين لأن ثانيهما أغوى زوجة الأول. ولما طرد رعايا درموت مليكهم من البلاد فر هو وابنته الحسناء إيفا Eva إلى إنجلترا وفرنسا، وحصل على خطاب من هنري الثاني يؤكد فيه عطفه على فرد من رعاياه




صفحة رقم : 5486




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترة اسكتلندة ويلز


يساعد درموت على استرداد عرش لينستر. وكانت نتيجة هذا التأكيد أن تلقي درموت من رتشرد فتز جلبرت Richdrd Fitz Gilbert إيرل بمبروك بويلز الملقب "بالقوس السمحة" وعداً بالمساعدة العسكرية إذا تعهد له بأن يزوجه بإيفا وأن يخلفه على عرش مملكة درموت. وزحف رتشرد في عام 1169 على رأس قوة صغيرة من أهل ويلز إلى أيرلندة، وأعاد درموت إلى عرشه بمساعدة قساوسة لينستر، ولما توفي درموت (1171) ورث مملكته. فما كان من روري أكنور Rory o' Connor ملك أيرلندة الأعلى وقتئذ إلا أن سار على رأس جيش لقتال الغزاة من أهل ويلز، وحاصرهم في دبلن وسد عليهم جميع المسالك. وهجم المحاصرون هجمة صادقة على الأيرلنديين وفكوا الحصار، وفر الإيرلنديون السيئو التدريب الناقصو العتاد. واستدعى هنري الثاني رتشرد فعبر البحر إلى ويلز، وقابل الملك، ووافق على أن يسلمه دبلن وغيرها من الثغور الأيرلندية، وأن يتولى ما بقي من لينستر إقطاعية من التاج البريطاني. ونزل هنري إلى البر قرب ووترفورد Waterford (1171) على رأس قوة تبلغ أربعة آلاف رجل، وتلقي معونة رجال الدين الأيرلنديين، وقدمت له أيرلندة كلها عدا كونوت Connought وألسستر Ulster فروض الولاء، وتبدل فتح ويلز لأيرلندة فتحاً نورمانياً- إنجليزياً دون إراقة دماء. وعقد المطارنة الأيرلنديون مجلساً دينياً أعلنوا فيه خضوعهم للبابا خضوعاً تاماً، وقرروا أن تكون شعائر الكنيسة الأيرلندية من ذلك الحين متفقة مع شعائر كنيستي إنجلترا وروما. وسمح للكثرة الغالبة من ملوك أيرلندة أن يحتفظوا بعروشهم، على شريطة أن يعلنوا ولاءهم الإقطاعي لملك إنجلترا، وأن يؤدوا إليه جزية سنوية.
ونال هنري بغيته بمهارة فائقة واقتصاد في المال والأرواح، ولكنه أخطأ إذ ظن أن القوة التي تركها وراءه تستطيع المحافظة على السلم والنظام. يضاف إلى هذا أن عماله أخذوا يقتتلون لاقتسام الغنائم، كما شرع أعوانهم وجنودهم ينهبون




صفحة رقم : 5487




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترة اسكتلندة ويلز


البلاد دون أن تفرض عليهم إلا أقل رقابة، وسخر الفاتحون جهودهم لتحويل أهل أيرلندة إلى أرقاء أرض. وعمد الأيرلنديون إلى حرب العصابات يقاومون بها الفاتحين، وكانت نتيجة هذا أن هوت البلاد في وهدة الفوضى والدمار، وظلت ذلك قرناً من الزمان، حتى عرض بعض الزعماء الأيرلنديين بلادهم على اسكتلندة في عام 1315. وكان ربرت بروس Robert Bruce الاسكتلندي قد هزم الإنجليز توا عند بنكبيرن Bannockbnrn قبل ذلك. ونزل إدوارد أخو روبرت في أيرلندة ومعه ستة آلاف رجل؛ وأصدر البابا يوحنا الثاني عشر قراراً بحرمان كل من يساعد الأسكتلنديين، ولكن لأيرلنديين جميعهم تقريباً ثاروا إجابة لنداء إدوارد، وتوجوه ملكاً على البلاد في عام 1316. ولكنه هزم وقتل بعد عامين من ذلك الوقت، وأخفقت الثورة وسط مظاهر الفقر واليأس.
ويقول رانلف هجدن Ranulf Higden، وهو رجل بريطاني عاش في القرن الرابع عشر، إن الاسكتلنديين شعب "مرح"، رجاله أقوياء، غلاظ إلى حد كبير، ولكنهم إذا امتزجوا بالإنجليز صلحت حالهم كثيراً. وهم قساة على أعدائهم، يكرهون القيود أكثر من كراهيتهم كل شيء آخر، ويرون أن العار كل العار أن يموت منهم رجل في فراشه، والفخر كل الفخر أن يموت في ميدان القتال(53).
وبقيت أيرلندة أيرلندية ولكنها فقدت حريتها، وأصبحت اسكتلندة بريطانية ولكنها بقيت حرة؛ وتضاعف عدد الإنجليز، والسكسون، والنورمان في الأراضي المنخفضة، وأعادوا تنظيم الحياة الزراعية حسب الأساليب الإقطاعية. وكان ملكولم الثالث Malcolm III (1058-1093) رجلاً محارباً غزا إنجلترا عدة مرات، ولكن زوجته الملكة مرجريت كانت أميرة أنجليسكسونية نشرت اللغة الإنجليزية في البلاط الاسكتلندي، وجاءت إلى البلاد برجال الدين الذين يتكلمون اللغة الإنجليزية، وربت أبناءها على أسس التربية الإنجليزية واتخذ دافد الأول David I، (1126-1153) آخر هؤلاء الأبناء وأقواهم




صفحة رقم : 5488




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترة اسكتلندة ويلز


الكنيسة أداته المختارة لحكم البلاد، وأنشأ في كلسو Kelso، ودراي بيرج Dryburgh، وملروز Melrose، وهولي رود Holyrood أديرة يتكلم رهبانها اللغة الإنجليزية، وجبى العشور (للمرة الأولى في اسكتلندة) لمعونة الكنيسة، وأغدق المال على الأساقفة ورؤساء الأديرة إغداقاً جعل الناس يحسبونه من القديسين وإن لم يكن منهم؛ وأضحت اسكتلندة في عهد دافد الأول كلها عدا مرتفعاتها ولاية إنجليزية(54).
لكنها لم تكن أقل استقلالاً مما كانت قبل، فقد استحال المهاجرون الإنجليز اسكتلنديين محبين لوطنهم الجديد، وخرج من بينهم آل استيورت Stuart وآل بروس Bruce. وغزا دافد الأول نورثمبرلند وافتتحها، ثم فقدها ملكولم الرابع (1153-1165)؛ وحاول وليم الأسد William the Lion (1165-1214) أن يستردها، فـأسره هنري الثاني ولم يطلقه إلا بعد أن تعهد بإخضاع التاج الاسكتلندي لملك إنجلترا (1174). وبعد خمسة عشر عاماً من ذلك الوقت استطاع أن يتحلل من هذا العهد بأن ساعد رتشرد الأول بالمال في الحرب الصليبية الثالثة، ولكن الملوك الإنجليز ظلوا يطالبون بسيادتهم الإقطاعية على اسكتلندة. واسترد اسكندر الثالث (1249-1268) جزائر هبريدة Hebrides من النرويج، واحتفظ بصلات الود والصداقة مع إنجلترا، ووهب اسكتلندة عصراً ذهبياً يسوده السلم والرخاء.
وتنازع ربرت بروس، وجون بليول John Balliol ولدا دافد الأول على العرش بعد وفاة اسكندر. وانتهز إدوارد الأول ملك إنجلترا هذه الفرصة وتدخل في النزاع وأصبح بليول ملكاً على اسكلندة بفضل تأييده له، واعترف بسيادة إنجلترا العليا على بلاده (1292). فلما أمر إدوارد بليول أن يجهز جيشاً ليقاتل مع إنجلترا في فرنسا، تمرد النبلاء والأساقفة الاسكتلنديون، وأمروا بليول أن يعقد حلفاً مع فرنسا على إنجلترا (1295)، وهزم إدوارد الاسكتلنديين عند




صفحة رقم : 5489




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترة اسكتلندة ويلز


ودنبار (1296)، وتقبل خضوع أشراف البلاد، وخلع بليول عن العرش، وعين ثلاثة من الإنجليز ليحكموا اسكتلندة بالنيابة عنه، وعاد بعد ذلك إلى إنجلترا.
وكان كثيرون من النبلاء الاسكتلنديين يملكون أرضاً في إنجلترا، فكان عليهم لهذا السبب واجب الطاعة لمليكها. ولكن قدماء الغاليين الاسكتلنديين ساءهم هذا الاستسلام أشد الاستياء، فأعد واحد منهم يدعى وليم ولاس Willaim Wallace جيشاً من عامة الاسكتلنديين"، وبدد شمل الحامية الإنجليزية، وظل عاماً كاملاً يحكم إنجلترا نائباً عن بليول. ثم عاد إدوارد وهزم ولاس في فولكيرك Falkirk (1298)، وقبض عليه في 1305، وأمر به فبقرت بطنه وقطعت أطرافه عملاً بقانون الخيانة الإنجليزي.
وأرغم مدافع آخر عن استقلال أيرلندة على الخروج إلى الميدان بعد عام من ذلك الوقت. ذلك أن ربورت بروس حفيد بروس الذي كان يطالب بالعرش في عام 1286 تنازع مع جون كومين John Comn، من كبار ممثلي إدوارد الأول في اسكتلندة، وقتله. ولم يكن أمام بروس بعد هذا العمل إلا العصيان، فتوج نفسه ملكاً على اسكتلندة، وإن لم يؤيده إلا نفر من أعيان البلاد، وإن كان البابا قد حرمه جزاء له على جريمته. وزحف إدوارد مرة أخرى صوب الشمال ولكنه مات في الطريق (1307). وكان عجز إدوارد الثاني نعمة على بروس وبركة، فقد انضوي رجال اسكتلندة ورجال الدين فيها تحت لواء طريد القانون، واستولت جيوشه يقودها أخوه إدوارد وسير جيمس دجلاس Sri James Douglas ببسالة عظيمة على إدنبرة، وغزت نورثمبرلند، وانتزعت درهام من الاسكتلندين. وزحف إدوارد الثاني في عام 1304 على اسكتلندة بأكبر جيش شهدته البلاد في تاريخها الماضي كله، والتقى بالاسكتلنديين عند بنكبيرن Bannockburn. وكان بروس قد أمر رجاله بأن يحفروا أمام موقعه




صفحة رقم : 5490




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترة اسكتلندة ويلز


حفراً يخفونها عن الأعين، فلما هجم عليه الإنجليز سقط الكثيرون منهم في هذه الحفر، وهلك الجيش الإنجليزي حتى لم يكد يبقى منه أحد. واشتبك الأوصياء على إدوارد الثالث في حرب مع فرنسا في عام 1328، ووقعوا معاهدة نورثمبتون Northampton، وتحررت اسكتلندة مرة أخرى.
وقام في هذه الأثناء نزاع آخر في ويلز أسفر عن نتيجة تختلف عن النتيجة السابقة. ذلك أن وليم الأول طالب بالسيادة عليها بوصف كونها جزءاً من مملكة هرولد Harold المنهزم. ولم يتسع له الوقت لضمها إلى فتوحه، ولكنه أقام على حدودها الشرقية ثلاث مقاطعات على رأس كل منها إيرل Earl، وشجع رؤساء هذه المقاطعات على أن يوسعوا حدودها في ويلز. وكان القراصنة النورمان يجتاحون وقتئذ ويلز الجنوبية، وهم الذين تركوا فتز Fitz (أي ابن) في بعض أسماء أهل تلك البلاد. ثم أخضع كدرجان آب بلدين Cadwgan ap Blepyn أولئك النورمان في عام 1094؛ وهزم أهل ويلزا الإنجليز عند كروين Corwen في عام 1165؛ وشغل هنري الثاني بالنزاع مع بكت، فاعترف باستقلال ويلز الجنوبية تحت حكم مليكها المستنير رايس آب جرفيد Rhys ap Graffyn، (1171)، وبسط لويلين الأكبر Llywelyn the Great حكمه على جميع البلاد بفضل مقدرته العظيمة في الحرب والسياسة؛ ثم تنازع أبناؤه فيما بينهم وأشاعوا الاضطراب في أنحاء البلاد، ولكن حفيده لويلين آب جرفيد (المتوفى عام 1282) رد إلى البلاد وحدتها، وعقد الصلح مع هنري الثالث، وأنشأ لنفسه لقب أمير ويلز. وعقد إدوارد الأول عزمه على أن يضم ويلز واسكتلندة إلى إنجلترا، فغزا ويلز بجيش ضخم وعمارة بحرية قوية (1282)؛ وقُتِل لويلين حين التقى مصادفة بقوة صغيرة على الحدود، وقبض إدوارد على أخيه دافد، وعلق رأسه بعد أن فصل عن جسمه هو ورأس لويلين من برج لندن، وتركهما حتى نحلت شعرهما الشمس والرياح والأمطار. وأضحت ويلز جزءاً من إنجلترا (1284)،




صفحة رقم : 5491




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترة اسكتلندة ويلز


وخلع إدوارد في عام 1301 لقب أمير ويلز على ولي عهد إنجلترا.
واحتفظ أهل ويلز في أثناء هذا الارتفاع والهبوط بلغتهم وعاداتهم، وظلوا يفلحون أرضهم الصلبة بشجاعة وجلد، ويسلون أنفسهم في الليل والنهار بالأقاصيص، والشعر، والموسيقى، والغناء. وصاغ شعراؤهم في ذلك الوقت قصص مابينوجيون Mabinogion، ومزجوا الأدب مزجاً فذاً مقطوع النظير بالحنان الصوفي ذي النغم الجميل. وكان الشعراء والمغنون الجائلون يجتمعون في كل عام في مجلس وطني نستطيع أن نرجع بتاريخه إلى عام 1176، تعقد فيه المباريات في الخطابة، والشعر، والغناء، والعزف على الآلات الموسيقية؛ وكان أهل ويلز مقاتلين بواسل، ولكنهم لم يكونوا يصبرون على الحرب الطويلة الأمد، وكانوا يتوقون إلى العودة إلى أوطانهم يحمون بأنفسهم نساءهم وأطفالهم وبيوتهم، وكان من أمثالهم مثل يتمنون فيه أن يكون "كل شعاع من أشعة الشمس خنجراً يطعن صدور المحبين للحرب"(55).




صفحة رقم : 5492




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بلاد نهر الراين



الفصل العاشر




بلاد نهر الرين




(1066-1315)


كانت الأقاليم المحتشدة حول حوض الرين الأدنى ومصابه الكثيرة من أغنى أقاليم العالم في العصور الوسطى. فقد كان في جنوب الرين إقليم فلاندرز الممتد من كاليه Calais مخترقاً بلجيكا الحالية إلى نهر الشلد Sheldt. وكان هذا الإقليم من الوجهة الرسمية إقطاعية من ملك فرنسا، ولكنه كان من الوجهة الفعلية تحت حكم أسرة مالكة من النبلاء المستنيرين لا يحد من سلطتهم إلا ما كان للمدن من استقلال ذاتي تفخر به. وكان الأهلون القريبون من الرين ينتمون إلى العنصر الفلمنكي، وأصلهم من عنصر ألماني يسكن البلاد المنخفضة ويتكلمون لهجة ألمانية؛ أما من كانوا يقطنون في غرب نهر ليس Lys فكانوا من الولون Walloons- وهم خليط من الألمان والفرنسيين امتزجوا بأصل كلتي- ويتكلمون لهجة فرنسية. وأثرت غنث وأودنارد Audenaarde، وكورتربه، وإيبرس، وكاسل Kassel في الإقليم الشمالي الشرقي الفلمنكي؛ وبروج، وليل، ودويه في الإقليم الجنوبي الغربي الولوني، أثرت هذه البلدان من تجارتها وصناعتها وإن كانتا قد سببتا لها الاضطراب. وكانت كثافة السكان في هذه المدن أكثر منها في سائر المدن الأوربية القائمة في شمال جبال الألب، وكانت هذه المدن تسيطر على حكامها الأشراف في عام 1300؛ فقد كان قضاة المقاطعات الكبرى يؤلفون من بينهم محكمة عليا للبلاد ويتفاوضون مستقلين مع المدن والحكومات الأجنبية(56). وكان أولئك الحكام الأشراف في العدة يتعاونون مع المدن، ويشجعون التجارة والصناعة، وكانت لهم عملة مستقرة،




صفحة رقم : 5493




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بلاد نهر الراين


ووضعوا منذ عام 1100- أي قبل إنجلترا بمائتي عام- نظاماً عاماً للمقاييس والموازين يعمل به في جميع المدن.
لكن حرب الطبقات قضت في آخر الأمر على حرية المدن وحرية حكامها الأشراف. والسبب في ذلك أن صعاليك المدن زاد عديدهم، واشتد غضبهم وسلطانهم، وأن الحكام الأشراف انضموا إليهم ليناهضوا بهم الطبقة الوسطى الغنية المغترة بنفسها؛ فلجأ التجار إلى فليب أغسطس يطلبون إليه المعونة، فوعدهم بها يرجو بذلك أن يخضع فلاندرز إلى التاج الفرنسي خضوعاً أتم من ذي قبل. وكانت إنجلترا تحرص على أن تبقى أهم سوق تصرف فيها صوفها بعيدة عن سيطرة ملك فرنسا، فعقدت حلفاً مع حكام فلاندرز، مع هينولت Hainault دوق برابانت Brabant وأتو الرابع Otto IV إمبراطور ألمانيا. وهزم فليب جيوش هذا الحلف عند بوفين (1214)، وأخضع حكام فلاندرز، وحمى النظام الألجركي للتجار. ولم ينقطع نزاع السلطات والطبقات بعد هذه الهزيمة؛ حتى إذا كان عام 1297 تحالف الكونت جي ده دمبيير Guy de Dampierre مرة أخرى مع فلاندرز وإنجلترا؛ فما كان من فليب الجميل إلا أن غزا فلاندرز، وزج جي في السجن، وأرغمه على تسليم البلاد إلى فرنسا. فلما أن زحف الجيش الفرنسي لاحتلال بروج، ثار العامة عليه، وهزموا الجنود، وذبحوا أغنياء التجار، واستولوا على المدينة. وبعث فليب بجيش قوي ليغسل هذه الإهانة التي لحقته؛ وألف عمال المدن من أنفسهم جيشاً مرتجلاً عاجلاً هزموا به الفرسان والجنود المرتزقة التي بعثت بها فرنسا في معركة كورتريه (1302)؛ واخرج جي ده دمبيير الشيخ من سجنه وأعيد إلى منصبه، واستمتع الحلف العجيب بين الحكام الأشراف والصعاليك الثوار بالنصر عشر سنين.
وظلت البلاد المعروفة لنا الآن باسم هولندة جزءاً من مملكة الفرنجة من القرن الثالث حتى التاسع؛ ثم أصبحت في عام 843 هي الطرف الشمالي




صفحة رقم : 5494




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بلاد نهر الراين


لدولة لورين الحاجزة التي أنشأتها معاهدة فردون Verdun. وقسمت تلك البلاد في القرنين التاسع والعاشر إقطاعيات كي تستطيع صد غارات الشماليين. وقطع الألمان الأشجار من الإقليم الكثيف الغابات الواقع في شمال نهر الرين، واستقروا فيه، وأطلقوا عليه اسم هولندة، أي أرض الغابات. وكان معظم أهله أرقاء أرض، منهمكين في كدحهم لانتزاع القوت من أرضين لابد لهم أن يقيموا الحواجز حولها لوقايتها من ماء البحر أو لتجفيفها بعد أن تطغى المياه عليها. غير أنها كانت تضم أيضاً مدناً ليست كالمدن الفلمنكية ثروة أو اضطراباً، بل تعتمد اعتماداً سليماً على الصناعة المستقرة والتجارة المنتظمة. وكانت دوردرخت Dordrecht أكثر هذه المدن رخاء؛ كما كانت أوترخت Utrecht مركزاً للعلوم، وهارلم مقر كونت هولندة؛ وأضحت دلفت Delft عاصمة البلاد إلى حين، ثم انتقلت العاصمة حوالي عام 1250 إلى لاهاي The Hague . وكان أول ظهور أمستردام في عام 1204 حين شاد أحد الأعيان الإقطاعيين قصراً حصيناً عند مصب نهر أمستل Amstel؛ واجتذب هذا الموقع الأمين على الزيدرزي Zuider Zee والقنوات الكثيرة التي تخترقه في كل مكان- اجتذب هذا الموقع التجارة، ثم جعلت المدينة في عام 1297 ثغراً حراً تفرغ فيه المتاجر ويعاد شحنها دون أن تؤدي ضرائب جمركية؛ وأضحى لهولندة الصغيرة من ذلك الحين شأن عظيم في شئون العالم الاقتصادية، وفيها غذت التجارة الثقافة كما يحدث في غيرها من البلدان، فنحن نسمع في القرن الثالث عشر عن شاعر هولندي مارلانت Maerlant، يهجو حياة رجال الدين المترفين هجاء لاذعاً. وبدأ الفن




صفحة رقم : 5495




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بلاد نهر الراين


الهولندي حياته الفذة العجيبة في الأديرة، وكان يشمل النحت، وصناعة الخزف، والتصوير، وتزيين الكتب.
وكانت دوقية برابانت تقوم إلى جنوب هولندة، وكانت تشمل وقتئذ مدائن أنفرس Antwerp، وبركسل ولوفن Louvain. أما لييج فكان يحكمها أساقفتها حكماً مستقلاً، وكانوا يتركون لها قسطاً كبيراً من الحكم الذاتي؛ وكان إلى جنوب برابانت مقاطعات هينولت، ونامور Namur، ولمبرج Limburg، ولكسمبرج؛ ثم دوقية لورين ومدائنها تريير Trier، ونانسي Nancy، ومتز؛ ثم عدة إمارات أخرى خاضعة خضوعاً اسمياً لإمبراطور ألمانيا، ولكنها كانت متروكة في الأغلب الأعم لأشرافها الحكام. وكان لكل من هذه الأقاليم تاريخه الحافل بأحداث السياسة، والحب، والحرب؛ فلنودعها ولننتقل إلى غيرها. وكان في جنوبها وغربها إقليم برغندية التي تكون الآن الجزء الشرقي من وسط فرنسا؛ وكانت حدودها تتبدل على الدوام تبدلاً لا يشجعنا على تعيينها، أما أحداثها السياسية فإنها تتبدل على الدوام تبدلاً لا يشجعنا على تعيينها، أما أحداثها السياسية فإنها كفيلة بأن تملأ مجلدات ضخمة عديمة الفائدة. وحسبنا أن نقول عنها إن رودلف الأول جعلها مملكة مستقلة في عام 888؛ وإن رودلف الثالث أوصى في عام 1032 بضمها إلى ألمانيا. ولكن جزءاً منها ضم فرنسا في هذا العالم نفسه وأصبح دوقية تابعة لها. وكان أدواق برغندية، كما كان ملوكها السابقون يحكمونها، حكماً يدل على الحكمة والذكاء، وكانت الكثرة الغالبة منهم تحرص على السلم. ويقع أزهى عصورهم في القرن الخامس عشر.
وكانت سويسرا في العصور القديمة موطن عدد من القبائل المختلفة- الهلفيتي Helvetii، والرئيتي Raeti، والليبنتي Lepouti- وهم خليط من الأصول الكلتية، والتيوتونية، والإيطالية. واحتلت قبائل الألماني Alemani الهضبة الشمالية وصبغتها بالصبغة الألمانية؛ ثم قسمت البلاد بعد انهيار الدولة




صفحة رقم : 5496




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بلاد نهر الراين


الكارولنجية إلى إقطاعيات خضعت للدولة الرومانية المقدسة. غير أن استعباد سكان الجبال من أشق الأعمال، ولذلك فإن أهل سويسرا سرعان ما حرروا أنفسهم من الاسترقاق الإقطاعي وإن ظلوا يؤدون بعض الالتزامات الإقطاعية. وكان أهل القرى المجتمعون في جمعيات ديمقراطية يختارون موظفيهم، ويحكمون أنفسهم بمقتضى الشرائع الألمانية القديمة شرائع الألماني Alemanni والبرغنديين. وألف الفلاحون المجاورون لبحيرة لوسرن Lucerne "مقاطعات غابية" (Waldst?lte) للدفاع المتبادل- وهذه المدن هي: أوري Uri، وندولدن Nidewalden، وشويز Schwyz. ومن هذه المدينة الأخيرة اشتق اسم دولة سويسرا. وكان الأهلون الأشداء سكان المدن التي نشأت عند ممرات الألب- جنيف، وكنستانس، وفريبورج، وبيرن، وبازل- ينتخبون موظفيهم، وينفذون قوانينهم الخاصة بهم، ولم يكن سادتهم الإقطاعيون يعترضون على هذا الأسلوب من الحكم، ما دامت الضرائب الإقطاعية الأساسية تؤدي لهم.
غير أن كونتات آل هبسبرج الذين كانوا يسيطرون على الأقاليم الشمالية منذ عام 1173 لم يكونوا يسيرون على هذه القاعدة، ولما أن حاولوا فرض الالتزامات الإقطاعية بأشد ضروب القسوة، أغضبوا أهل شويز، فألفت الثلاث المقاطعات الغابية في عام 1291 "حلفاً أبدياً" وأقسم أهلها أن يتعاونوا على صد الغارات الأجنبية، والقضاء على الفتن الداخلية، وأن يفضوا كل منازعاتهم بالتحكيم، وألا يعترفوا بقاض يُنصب عليهم إذا كان من غير أهل واديهم، أو كان قد ابتاع منصبه. وسرعان ما انضمت مدائن لوسرن، وزيورخ، وكنستانس إلى هذه الجامعة. وسير أدواق هبسبرج في عام 1315 جيشين على سويسرا ليرغموا أهلها على أداء جميع الالتزامات الإقطاعية، ولكن مشاة شويز وأوري المسلحين بالرماح ذات البلط في رؤوسها هزموا الفرسان النمساويين في




صفحة رقم : 5497




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بلاد نهر الراين


"مراثون سويسرا"، هزيمة انسحبت على أثرها القوات النمساوية، وجددت المقاطعات الثلاث يمين المساعدة المتبادلة (9 ديسمبر سنة 1315)، وأنشأت الاتحاد السويسري. ولم تكن سويسرا قد أصبحت بعد دولة مستقلة، فقد كان المواطنون الأحرار يعترفون ببعض الالتزامات الإقطاعية، وبسيادة إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة. ولكن السادة الإقطاعيين والأباطرة المقدسين عرفوا كيف يحترمون أسلحة المقاطعات والمدن السويسرية وحرياتها، ومهد انتصار مورجارتن السبيل لقيام أكثر الديمقراطيات استقراراً وأعظمها تمسكاً بالعقل والاتزان في التاريخ كله .




صفحة رقم : 5498




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب أغسطس



الفصل الحادي عشر




فرنسا




(1060-1328)




1- فيليب أغسطس


كانت فرنسا حينما جلس على عرشها فليب الثاني أغسطس (1180) دولة صغرى تكتنفها الصعاب، ولا يكاد أحد يرجو لها عظمة في مستقبل الأيام. فكانت إنجلترا تمتلك نورمندية، وبريطاني، وأنجو، وتورين، وأكتين- وهي أملاك تعادل مساحتها ثلاثة أضعاف الممتلكات التي يسيطر عليها ملك فرنسا سيطرة مباشرة. وكان الشطر الأكبر من برغندية في حوزة ألمانيا، وكانت مقاطعة فلاندرز المزدهرة إمارة مستقلة في واقع الأمر، شأنها في هذا شأن مقاطعات ليون Lyons، وسافوي Savoy، وشامبيري Cnambery. وكانت هذه أيضاً حال بروفانس- الجنوب الشرقي من فرنسا- الغنية بالخمر والزيت، والفاكهة، والشعراء؛ ومدائن أرل Arles، وأفنيون، وإيكس، ومارسيليا. وكان إقليم الدوفنيه المحيط بفينا قد ترك لألمانيا بوصف كونه جزءاً من برغندية، وكان في هذا الوقت إقليماً مستقلاً يحكمه دوفن dauphin اشتق لقبه من الدلفين dolphin (الدَّخس) الذي كان شعار أسرته.
وكانت فرنسا الأصلية مقسمة إلى مقاطعات تحمل أسماء مختلفة- دوقيات، وكنتيات، وسنيوريات، وسنسكلتيات sensechalties، وبيلياجات (مأموريات) Bailliages يحكمها بترتيب أهميتها أدواق، وكونتون counts، وسنيورون (سادة) وسنسكالون sensechal (رؤساء خدم الملوك). ومأمورون bailiffs وكان هذا الحشد المفكك، الذي كان يسمى فرنسيا Francia منذ القرن التاسع، خاضعاً لملك فرنسا خضوعاً متفاوت الدرجات،




صفحة رقم : 5499




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب أغسطس


مقيداً بقيود كثيرة. وكانت باريس عاصمة الملك في عام 1180 مدينة ذات مبان من الخشب، وشوارع كثيرة الأوحال، وكان معنى لوتيتيا Lutetia اسمها الروماني "بلدة الوحل"، واشمأزت نفس فليب أغسطس من الروائح الكريهة المنبعثة من الشوارع المارة بجوار نهر السين، فأمر أن ترصف شوارع باريس كلها بالحجارة الصلدة(59).
وكان فليب أول ملوك ثلاثة رفعوا فرنسا في ذلك الوقت إلى مكان الزعامة الذهنية، والأدبية، والسياسية في أوربا، ولكن ملوكاً أقوياء قد سبقوه في فرنسا، منهم فليب الأول (1060-1108) الذي خلد اسمه في التاريخ بأنه طلق امرأته وهو في سن الأربعين وأرغم فولك Fulk كونت أنجو بأن يسلم له الكونتة برتراد Bertrade. ووجد القس الذي يبارك هذا الزنى ويعده زواجاً، ولكن إربان الثاني حين جاء إلى فرنسا داعياً إلى الحرب الصليبية الأولى حرم الملك. وأصر فليب على إثمه اثنتي عشرة سنة، ثم طرد بعدها برتراد ورفع عنه الحرمان، ولكنه لم يلبث أن تاب من توبته، واسترد ملكته، وسافرت معه إلى أنجو، وعلمت زوجيها أن يتصافيا، ويخيل إلينا أنها متعت كل منهما بكل ما فيها من مفاتن(60).
وتضخم جسم فليب وهو في سن الأربعين، فترك شئون الدولة الخطيرة لابنه لويس السادس (1108-1137)، المعروف باسم لويس البدين. لكنه كان خليقاً بخير من هذا الاسم، فقد ظل يحارب أربعاً وعشرين سنة، يحارب البارونات الذين كانوا يسلبون المسافرين وانتصر عليهم آخر الأمر؛ وقوى الملكية بأن نظم لها جيشاً قوياً، وبذل كل ما في وسعه لحماية الفلاحين، والصناع، والحكومات المحلية للمدن، وأوتي من الحكمة ما جعله يتخذ سوجر Suger رئيس الدير وزيراً له وصديقاً. وكان سوجر رئيس دير القديس دنيس Denis (1081-1150) ريشليو القرن الثاني عشر، دبر شئون فرنسا بحكمة




صفحة رقم : 5500




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب أغسطس


وعدالة وبعد نظر؛ وشجع التجارة وأصلح أحوالها، وخطط وشاد إحدى روائع المباني القوطية التي تعد أجمل مباني ذلك الطراز وأقدمها عهداً. وكتب وصفاً ممتعاً للسنين التي قضاها في الوزارة ولأعماله فيها. وكان في الواقع خير ما أورثه لويس البدين ولده الذي ظل سوجر يخدمه إلى وقت مماته.
وكان لويس السابع (1137-1180) هو الرجل الذي قالت عنه إليانور الأكتانية إنها تزوجت ملكاً فلم تجده إلا راهباً. لقد كان يعمل جاداً في أداء واجباته الملكية، ولكن فضائله قضت عليه، فقد بدا لإليانور أن انهماكه في شئون الحكم إهمال منه للواجبات الزوجية، وأضاف بصبره على علاقتها بعشاقها الإهانة إلى هذا الإهمال، فما كان منها إلا أن طلقته، وأسلمت يدها ودقية أكتين التي تمتلكها إلى هنري الثاني ملك إنجلترا. وخابت آمال لويس في الحياة فوجه همه إلى الدين والى الصلاح، وترك العمل لبناء فرنسا القوية إلى ولده.
وكان فليب الثاني أغسطس شبيهاً بفليب الآخر الذي كان سميذعاً من الطبقة الوسطى: كان رجلاً ذكياً يلطف ذكاءه نبل عواطفه، كان يناصر العلوم ولا يتذوقها، يجمع بلين الحذر والدهاء وبين الشجاعة والحزم، حاد الطبع سريع المغفرة، لا يتردد في أن يسلك أي سبيل تؤدي به إلى التملك، ولكنه لم يكن شرها في هذه الناحية، وكان معتدلاً في تقواه يستطيع أن يكون سخياً للكنيسة دون أن يسمح لسلطان الدين أن يطغي على شئون السياسية، ذا صبر ومثابرة نال بهما ما لم يكن يستطيع أن يناله بالمغامرة الجريئة. وكان هذا الرجل عادياً وعظيماً (أوجست August) معاً، عنيداً في لطف، قاسياً في حكمة؛ وبهذا كان هو الرجل الذي تحتاجه بلاده في وقت أحاطت بها إنجلترا أيام




صفحة رقم : 5501




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب أغسطس


هنري الثاني وألمانيا في عهد بربروسه، ولعل الأقدار قد ساقته إلى فرنسا في هذا الوقت العصيب، ولولاه لكان من الجائز ألا يبقى لها وجود.
وارتاعت أوربا لزيجاته؛ فقد ماتت إزبلا زوجه الأولى في عام 1189، وبعد أربع سنين من وفاتها تزوج انجبورج Ingeborg الأميرة الدنمرقية. وكان زواجه هذا وذاك زواجاً سياسياً، فيه من التملك أكثر مما فيه من الغرام. ولم ترق إنجبورج في عين فليب، فهجرها بعد يوم واحد، ولم يمض على زواجه بها أكثر من عام حتى أقنع مجلساً من الأساقفة الفرنسيين أن يجيز له طلاقها، ولكن البابا سلستين الثلث Celestine III أبى أن يوافق على هذا القرار. غير أن فليب تحدى البابا وتزوج في عام 1169 بأني الميزانية Agnes of Meran؛ فحرمه سلستين، ولكن فليب ظل على عناده وقال في ساعة من ساعات حنانه: "خير لي أن أفقد نصف أملاكي من أن أفارق أني". وأمره إنوسنت الثالث أن يرجع إنجبورج، فلما عصي فليب الأمر حرم البابا الصلب العنيد جميع الخدمات الدينية في أملاك فليب. وثارت ثائرة فليب فخلع جميع الأساقفة الذين أطاعوا أمر الحرمان، وقال في حسرة: "ما أسعد صلاح الدين الذي ليس له من فوقه البابا"، وهدد بأن يعتنق الإسلام(61). وواصل حربه الدينية أربع سنين بدأ الشعب بعدها يتذمر خوفاً من عذاب النار، فطرد فليب محبوبته أني (1202) ولكنه أبقى إنجبورج محبوسة في إيتامب Etampes حتى عام 1213 حين ردها إلى عصمته.
وبين هذه الأفراح والاضطرابات فتح فليب نورمندية واستردها من إنجلترا (1204)، وضم في السنتين التاليتين بريطاني، وأنجو، ومين، وتورين، وبواتو، إلى أملاكه التي تحت تسلطانه المباشر؛ وأصبح له وقتئذ من القوة ما يستطيع به أن يسيطر على الأدواق، والكونتة، والسادة في جميع أنحاء مملكته. وكان مأموروه وعماله يشرفون على الحكومات المحلية، وصارت




صفحة رقم : 5502




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب أغسطس


مملكته قوة دولية كبرى، ولم تعد رقعة من الأرض ممتدة على ضفتي نهر السين. ولم يسكت جون ملك إنجلترا على ما أصابه من ضياع ملكه، فأقنع أتو الرابع إمبراطور ألمانيا، وكونتي بولوني وفلاندرز أن ينضما إليه في الوقوف في وجه هذا التوسع الفرنسي، واتفقوا على أن يهاجم جون فرنسا من أكتين (وكانت لا تزال ملكاً لإنجلترا) وأن يهاجما حلفاؤه من الشمال الشرقي. ولم يوزع فليب قوته لملاقاة هذه الهجمات المتفرقة، بل سار رأس جيشه الرئيسي لقتال حلفاء جون، وهزمه عند بوفين، بالقرب من ليل Lille (1214). وأسفرت هذه المعركة عن كثير من النتائج الهامة، أسفرت عن خلع أوتو، وتولى فردريك الثاني عرش ألمانيا، وقضت زعامة ألمانيا للقارة الأوربية، وعجلت اضمحلال الدولة الرومانية الشرقية، وأخضعت كونت فلاندرز وخلفاؤه لطاعة ملوك فرنسا، وضمت أمين، ودويه، وليل، وسان كنتن إلى أملاك التاج الفرنسي، ووسعت رقعة فرنسا الشمالية الشرقية بالفعل حتى وصلت إلى نهر الرين، وتركت جون عديم الحول والطول أمام باروناته، وأرغمته على توقيع العهد الأعظم، وأضعفت الملكية وقوت الإقطاع في إنجلترا وألمانيا، على حين أنها قوت الملكية وأضعفت الإقطاع في فرنسا، ويسرت قيام حكومات المدن المحلية والطبقات الوسطى التي عاونت فليب أعظم معاونة في السلم والحرب.
ولما أن ضاعف فليب أملاكه ثلاثة أضعاف ما كانت عليه من قل شرع يحكمها طابعه المهارة والإخلاص. وقضي الرجل نصف وقته في نزاع مع الكنيسة واستبدل برجال الدين في مجلسه وفي الوظائف الإدارية رجالاً من طبقة المحامين الناشئة. ومنح كثيراً من المدن عهوداً بالحكم الذاتي، وشجع التجارة بما مح من التجار من امتيازات، وحمى اليهود تارة، ونهبهم تارة أخرى، وملأ خزائنه بالمال بأن استبدل بالخدمات الإقطاعية إتاوت نقدية، وزاد إيراد الملك من 600 جنيه فرنسي إلى 1200 (نحو 240.000 ريال أمريكي) في اليوم




صفحة رقم : 5503




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب أغسطس


وتمت في أيامه واجهة منيسة نوتردام Noter Dame، وبنى اللوفر ليكون حصناً يحرس نهر السين(62). ولم يمت فليب حتى كانت فرنسا هذه الأيام قد ولدت.




صفحة رقم : 5504




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> القديس لويس



2- القديس لويس


ولم يتمكن ابنه لويس الثامن (1223-1226) في حكمه القصير من أن يفعل الشيء الكثير. وأهم ما يذكره به التاريخ أنه تزوج بلانش القشتالية Blanche of Castille، وأنه أنجب منها الرجل الوحيد في العصور الوسطى الذي أفلح كما أفلح أشوكا في الهند القديمة في أن يكون في واقع الأمر قديساً وملكاً جميعاً. وكان لويس التاسع في الثانية عشرة من عمره، وكانت والدته في الثانية والثلاثين حين توفي لويس الثامن. وحافظت بلانش على ما يجري في عروقها من دم ملكي؛ فقد كانت ابنة ألفنسو التاسع Alfonso IX ملك قشتالة، وحفيدة هنري الثاني وإليانور الأكتانية، وكانت ذات جمال، وفتنة، ونشاط، وأخلاق قويمة، ومهارة فائقة. وكانت في الوقت عينه ذات أثر كبير في عصرها لما اتصفت به من الفضائل بوصفها زوجة وأرملة، وإخلاص لبنيها الأحد عشر. ولم تكن فرنسا تكرمها لأنها بلانش الملكة الصالحة Blanche la bonne reine فحسب، بل كانت تكرمها أيضاً لأنها بلانش الأم الصالحة Blanche la bonne mere. وقد أعتقت في حياتها كثيرين من أرقاء الأرض الذين يعملون في الضياع الملكية، وتصدقت بالأموال الكثيرة، وأدت من مالها البائنات لكثير من البنات التي يحول فقرهن دون تشجيع الشبان على حبهن. وأعانت بالمال بناء كنيسة شارتر Chartres الكبيرة. وبفضل نفوذها أظهر زجاج الكنيسة الملون العذراء مريم في صورة الملكة لا في صورة العذراء(63). وكانت مفرطة في حب ابنها لويس، ولم تكن كريمة في معاملتها زوجته. وقد عكفت




صفحة رقم : 5505




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> القديس لويس


على تربيته على الفضائل المسيحية، وكانت تقول له إنها تفضل أن تراه ميتاً عن أن تراه يرتكب أحد الذنوب البشرية(64). على أن أعمالها هذه لم تكن هي التي جعلت لويس رجلاً متديناً مخلصاً لدينه؛ وذلك أنها هي نفسها قلما كانت تضحي بالسياسة في سبيل العاطفة؛ فقد انضمت إلى الحرب الألبجنسية الدينية، لكي تبسط سلطان التاج على فرنسا الجنوبية. وظلت تحكم المملكة تسع سنين (1226-1235) كبر في أثنائها لويس، وقلما استمتعت فرنسا بحكم خير من حكمها. وثار البارونات في بداية حكمها نائبة عن ولدها، ظناً منهم أن في مقدورهم أن يستعيدوا من امرأة ما انتزعه فليب الثاني منهم من سلطات؛ ولكنها تغلبت عليهم بحكمتها وسياستها وطول أناتها؛ وقاومت إنجلترا مقاومة شديدة؛ ثم وقعت معها هدنة بشروط عادلة. ولما بلغ لويس التاسع سن الرشد، وتولى شئون الحكم، ورث مملكة قوية، مستمتعة بالسلم والرخاء.
وكان لويس شاباً وسيماً، أطول من معظم الفرسان بمقدار طول رأسه، حسن الملامح دقيقها، أبيض لون البشرة، ذا شعر أشقر غزير، وكان ذا ذوق راق، مغرماً بالأثاث الفخم المترف، والثياب الملونة؛ ولم يكن مكباً على مطالعة الكتب، بل كان يميل إلى اقتناص الحيوان وصيد الطير، وضروب التسلية والألعاب الرياضية؛ ولم يكن قد أصبح بعد قديساً، وشاهد ذلك أن راهباً شكا بلانش من مغازلة ولدها للفتيات، فبحثت له عن زوجة، وعاش معها عيشة الهدوؤ والاستقرار، وأصبح مضرب المثل في وفاء الأزواج ونشاط الآباء. وكان له أحد عشر ولداً كان له هو نصيب موفور في تربيتهم؛ فتخلى على الترف شيئاً فشيئاً، واعتاد بالتدريج عيشة البساطة المتزايدة، وصرف همه في شئون الحكم، والصدقات، والتقوى. وكان يرى أن الملكية أداة للوحدة القومية واتصالها، وحماية الفقراء والضعفاء من الأقلية العليا المحظوظة.
وكان يحرم حقوق النبلاء، ويشجعهم على الوفاء بالتزاماتهم لأرقاء الأرض،




صفحة رقم : 5506




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> القديس لويس


والأتباع، والسادة؛ ولكنه لا يطيق الاعتداء على سلطة الملك الحديثة العهد؛ ويمنع بعزيمته الماضية أن يقع ظلم من سيد على تابع. وكثيراً ما أنزل أشد العقاب بالبارونات الذين قتلوا أتباعهم من غير محاكمة. ولما أن شنق إنجران ده كوسي Enguerrand de Coucy ثلاثة طلاب فلمنكيين لقتلهم بضعة أرانب برية في ضيعته، أمر لويس بسجنه في برج اللوفر، وهدده بالشنق، ولم يطلقه إلا بعد أن اشترط عليه أن يبني ثلاث كنائس صغيرة تتلى فيها الصلوات كل يوم لأرواح ضحاياه، وأن يهب الغابة التي صاد فيها الطلبة الشبان الأرانب لدير القديس نقولاس، وأن يفقد في مزرعته حق الصيد والحقوق القضائية، وأن يخدم ثلاث سنين في فلسطين، ويؤدي إلى الملك غرامة قدرها 12.500 جنيه(65). وحرم لويس الثأر الإقطاعي والحروب الإقطاعية بين الأمراء، ونهي عن المبارزة بوصفها وسيلة من الوسائل القضائية... ولما حلت المحاكمة عن طريق الأدلة والبراهين محل القتال، تخلت محاكم البارونات عن مكانها شيئاً فشيئاً للمحاكم الملكية التي نظمها في كل مقاطعة مأمور الملك، وتقرر حق استئناف أحكام القضاة البارونات إلى محكمة الملك المركزية؛ وشهد القرن الثالث عشر في فرنسا، كما شهد في إنجلترا استبدال قانون الدولة العام بالقانون الإقطاعي. وقصارى القول أن فرنسا لم تنعم منذ أيام الرومان بما نعمت به في عهد لويس التاسع من أمن ورخاء؛ وحسبنا دليلاً على هذا أن ثروة فرنسا في أيامه بلغت من الوفرة درجة ارتفعت بها العمارة القوطية إلى أقصى حدود الكثرة والكمال.
وكان يعتقد أن في مقدور الحكومة أن تكون عادلة كريمة في علاقاتها الخارجية دون أن تفقد بذلك هيبتها وقوتها. وكان يتجنب الحرب أطول أكد مستطاع؛ فإذا لاح خطر الاعتداء عليه نظم جيوشه أحسن تنظيم، ووضع خططه الحربية، وقادها- في أوربا- بجد ومهارة نال بهما سلماً كريمة لم تترك في نفوس أعدائه رغبة في الانتقام. وما كادت فرنسا تتأكد من سلامتها، حتى




صفحة رقم : 5507




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> القديس لويس


عمد الملك إلى سياسة المصالحة التي قبل بمقتضاها التوفيق بين الحقوق المتعارضة ورفض التهدئة الناشئة من إجابة المطالب غير العادلة. وقد رد إلى إنجلترا وأسبانيا أقاليم اغتصبها منهما أسلافه، وأسف لذلك مستشاروه، ولكنه ضمن بعمله هذا استتباب السلام، ونجت فرنسا من الهجوم حتى في أثناء غياب لويس في الحروب الصليبية. ويقول عنه وليم الشارتريسي William of Chartres إن "الناس كانوا يخشونه لأنهم موقنون بعدله"(66). ولم تشتبك فرنسا من 1243 إلى 1270 في حرب مع عدو لها مسيحي؛ ولما أن أخذ جيرانها يحارب بعضهم بعضاً بذل لويس ما يستطيع من جهد للتوفيق بينهم، وسخر من قول مجلسه إن من الواجب إثارة هذا النزاع لكي تضعف بذلك قوة من قد يصبحون أعداءه في مستقبل الأيام(66). وكان الملوك الأجانب يحكمونه فيما يشجر بينهم من نزاع، وكان الناس يعجبون كيف يستطيع هذا الرجل الصالح أن يكون ملكاً صالحاً.
ولم يكن لويس "ذلك الوحش الكامل الذي لم يعرفه العالم قط"- أي الرجل المبرأ من جميع العيوب. فقد كان يغضب أحياناً، ولعل سوء صحته هو سبب غضبه. وكانت سذاجته تصل في بعض الأحيان إلى حد الجهالة أة السذاجة اللتين يستحق عليهما أشد اللوم، ودليلنا على ذلك ما ارتكبه من خطأ شنيع إذ تورط في الحروب الصليبية والمعارك الخاسرة في مصر وتونس، حيث ضاعت أرواح كثيرة فضلاً عن روحه هو؛ ومع أنه راعى واجب الشرف والأمانة في معاملته أعداءه المسلمين، فإنه لم تطاوعه نفسه على أن يطبق في معاملته إياهم روح التفاهم الكريم الذي نجح به أيما نجاح مع أعدائه المسيحيين. وقد دفعه إيمانه الديني القوي الشبيه بإيمان الأطفال إلى درجة من عدم التسامح الديني ساعدت على إنشاء محكمة التفتيش في فرنسا، وهدأت ما تنطوي عليه نفسه من رحمة نحو ضحايا الحرب الصليبية الألبجنسية. وقد امتلأت خزائنه بالبضائع




صفحة رقم : 5508




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> القديس لويس


والأموال التي صادرها من المارقين الذين حكم بإدانتهم(68)، وقد خانته روحه المرحة وفكاهته في معاملته اليهود الفرنسيين.
فإذا أسقطنا من صحيفته هذه العيوب رأينا أنه قد اقترب قرباً يشرفه من المثل المسيحي الأعلى، انظر إلى ما يقوله عند جرانفيل Joinville "لم أسمعه قط في يوم من أيام حياتي يقول قالة السوء عن أي إنسان"(69). ولما أن قبل آسروه المسلمون خطأ منهم عشرة آلاف جنيه فرنسي (أي نحو 2.800.000 ريال أمريكي) أقل من الفدية المتفق عليها، أرسل لويس بعد أن أطلق سراحه جميع القدر الناقص من مال الفداء، وأغضب بذلك مستشاريه(70). وقبل أن يغادر البلاد للقتال في حربه الصليبية الأولى، أمر موظفيه في جميع أنحاء مملكته "أن يتلقوا كتابة، وأن يحققوا، كل ما عساه أن يقدم فينا أو في أسلافنا من الشكاوي. وكذلك جميع ما يقام على مأمورينا أو محافظينا أو حراس غاباتنا، أو رؤساء جنودنا أو مرءوسيهم من دعاوى خاصة بمظالم ارتكبوها أو اغتصاب للأموال"(71). ويقول جوانفيل "وكثيراً ما كان يخرج بعد الصلاة، ويجلس مستنداً إلى شجرة في غابة فنسن Vincenne ويأمرنا بالجلوس حوله. ويقبل عليه كل من له مظلمة ويتحدث إليه دون أن يحول بينه حائل أو يقدمه حاجب". ثم يفصل في بعض القضايا بنفسه، ويحيل بعضها إلى مستشاريه الجالسين حوله، ولكنه كان يعطى كل شاك حق استئناف الحكم للملك نفسه(72). وقد أنشأ المستشفيات والملاجئ، والأديرة، والمضايف للغرباء، وبيتاً للمكفوفين، وآخر للعاهرات التائبات "بنات الله"؛ وأمر عماله في كل مقاطعة أن يبحثوا عن العجزة والفقراء، وينفقوا عليهم من الأموال العامة. وكان أينما سار يجعل من مبادئه المقررة أن يطعم مائة وعشرين فقيراً في كل يوم. وكان يأمر بأن يجلس معه على مائدته ثلاثة منهم، يتولى هو تقديم الطعام لهم ويغسل بنفسه أقدامهم(73). وكان يفعل ما يفعله هنري الثالث ملك إنجلترا فيقف على المائدة في خدمة المجذومين، ويطعمهم بيديه. ولما حل القحط




صفحة رقم : 5509




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> القديس لويس


بنورمندية، أنفق الأموال الطائلة في توفير الطعام للمحتاجين من أهلها. وكان يقدم الصدقات كل يوم للمرضى، والفقراء، والأرامل، والنساء اللاتي في حالات النفاس، والعاهرات، والعاجزين من العمال "حتى ليتعذر علينا أن نحصى صدقاته"(74). ولم يكن ليفسد هذه الصدقات بإذاعتها بين الناس. وكان الفقراء الذين يغسل أقدامهم يختارون من بين المكفوفين، وكان يعمل عمله هذا خفية، ويقال لهؤلاء إن الملك هو الذي يخدمهم. ولم يكن أحد من الناس يعرف زهده وتعذيبه نفسه حتى شوهدت آثارهما على جسمه بعد وفاته(75).
وأصيب أثناء حروبه في عام 1242 بالملاريا في مناقع سانتوج Saintonge؛ وأسفر هذا المرض عن إصابته بفقر دم خبيث، وأوشك على الموت في عام 1244. ولعل هذه المصائب قد زادت روحه الدينية تدريجاً، فإنه ما كاد يشفي من مرضه حتى أقسم أن يشن الحرب الصليبية، وأضعف صحته بانهماكه في زهده وتعذيب نفسه. ولما عاد من حربه الصليبية الأولى ولما يتجاوز الثامنة والثلاثين من عمره كان قد انحنى جسمه وأصابه الصلع، ولم يبق من نضرة شبابه وجماله إلا ما يخلعه عليه إيمانه الساذج من خلق جميل وإرادة طيبة. وكلن يرتدي قميصاً من الشعر، تحت مئزر الرهبان الرمادي، ويأمر بأن يضرب بسلاسل صغيرة من الحديد، ويحب طائفتي الرهبان الجديدتين- الفرنسسكان والدمنيكان، ويهبهم المال بلا حساب، ولم يمتنع عن أن يكون هو راهباً فرنسسكانيا إلا بعد جهد جهيد. وكان يحضر الصلوات مرتين كل يوم، ويتلو الأدعية المقررة أدعية الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة ودعاء المساء، ويتلو صلاة العذراء خمسين مرة قبل أن يأوي إلى فراشه، ويصحو في منتصف الليل لينضم إلى قساوسته في صلاة السحر في كنيسة قصره(76). وكان يمتنع من مباشرة زوجه في صيام الميلاد




صفحة رقم : 5510




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> القديس لويس


والصوم الكبير. وبلغ من تمسكه بشعائر الدين أن كان معظم رعاياه يبتسمون من تقواه ويلقبونه "الأخ لويس". وقالت له امرأة جريئة: "إن من الخير أن يكون في مكانك ملك غيرك، فلست أنت إلا ملك الفرنسسكان والدمنيكان... إن من العار أن تكون أنت ملك فرنسا، ومن أعجب العجائب ألا يخلعوك". فأجابها لويس بقوله: "لقد قلت حقاً... فلست خليقاً بأن أكون ملكاً.. ولو أراد منقذنا لوضع في مكاني رجلاً غيري يعرف خيراً مني كيف يحكم المملكة"(77).
وكان شديد التحمس لخرافات أهل زمانه ويشاركهم فيها. من ذلك أن دير القديس دنيس كان يدعي أن لديه مسماراً من الصليب الحق، وحدث أن وضع المسمار في غير موضعه بعد احتفال عرض فيه على الشعب؛ فثارت لهذا الحادث ضجة كبيرة، ثم وجد المسمار وارتاح الملك كثيراً لوجوده، حتى قال: "لقد كان خيراً لي من هذا أن تبتلع الأرض أحسن مدينة في ملكي"(78). وفي عام 1236 احتاج بولدون الثاني إمبراطور القسطنطينية إلى المال لينقذ دولته المتداعية، فباع للويس تاج الأشواك الذي لبسه المسيح في آلامه بأحد عشر ألف جنيه فرنسي (2.200.000 ريال أمريكي). واشترى لويس من الدلال نفسه بعد خمس سنين من ذلك الوقت قطعة من الصليب الحقيقي، ولربما كان المقصود بهذا الشراء وذاك أن يكون المال هبة من لويس لدولة مسيحية تفرج به أزمتها. وأمر لويس بطرس المنتربلي Peter of Montreuil ليبنى سينت شابل Sainte Chapelle ليُودع فيها هذان الأثران.
ولم يكن لويس رغم صلاحه هذا أداة طيعة في أيدي رجال الدين، فقد كان يدرك ما في طبيعتهم البشرية من عيوب، ويعاقبهم عليها بالقدوة الطيبة والتقريع العلني(79). وقد قيد سلطات المحاكم الكنسية، وبسط سلطة القانون على جميع المواطنين، سواء كانوا من رجال الدنيا أو من رجال الدين، وأصدر في عام




صفحة رقم : 5511




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> القديس لويس


1268 أول الأوامر العالية التي قيد بها حق البابا في تعيين أصحاب المناصب الدينية وجباية الضرائب في فرنسا: "تقرر أنه لا يجوز لأحد أن يفرض أو يجبى بأية طريقة كانت فروضاً أو ضرائب مالية فرضتها محكمة روما... إلا إذا كانت القضية معقولة، متفقة مع أصول الدين، وعاجلة جداً... ونالت موافقتنا الصريحة من تلقاء أنفسنا، وموافقة كنيسة مملكتنا" .
وقد بقي لويس الملك على الدوام رغم زهده وميوله الدينية؛ ولقد حافظ على جلال الملك حتى ساعة أن ظهر واقفاً على قدميه، ومرتدياً ثياب الحاج، وبيده عصا الحاج ليبدأ حربه الصليبية الأولى (1248). وهو صاحب "الجسم الرفيع" النحيل، والوجه الشبيه بوجوه الملائكة الأطهار، والمحيا المليء بشراً وسماحة"(81) كما يصفه فراسلمبين Fra Salimbene. وقد بكت الملكة بلانش وهو يفارقها بعد أن أنابها عنه في البلاد وإن كانت في سن الستين وقالت: "يا أحب الأبناء وأجملهم، يا أجمل الأبناء وأرقهم قلباً، إني لن أراك بعد اليوم"(82). وأسر لويس في مصر، وظل في الأسر حتى افتدي بمبلغ من المال جمعته بلانش بعد عناء كبير، ولكنه لما عاد إلى فرنسا مهزوماً ذليلاً وجد أن أمه قد توفيت. ثم أقدم في عام 1270 رغم ضعفه ومرضه على حرب صليبية أخرى ونزل هذه المرة في تونس. ولم تكن هذه مغامرة جنونية سخيفة كما بدت للناس بسبب خيبتها. ذلك أن لويس قد سمح لأخيه شارل دوق أنجو أن يقود جيشاً فرنسياً إلى إيطاليا، وكان يبغي من وراء هذا أن يضعف سيطرة الألمان عليها، ويرجو أن يتخذ صقلية قاعدة تغزو بها فرنسا بلاد تونس، وبعد أن وصل المحارب العظيم المحطم الجسم الصغير السن إلى أرض تونس، مات بزحار البطن.




صفحة رقم : 5512




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> القديس لويس


وسلكته الكنيسة بعد سبع وعشرين سنة من موته في عداد القديسين. وظل الناس بعد وفاته أجيالاً وقروناً يرون أن حكمه هو العصر الذهبي في تاريخ فرنسا، ويعجبون كيف لا تتيح الأقدار التي لا يفقهون تصريفها لأمور البشر ملكاً آخر لفرنسا يماثله. ذلك أنه كان ملكاً مسيحياً بحق.




صفحة رقم : 5513




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب الجميل



3- فيليب الجميل


زادت الحروب الصليبية من قوة فرنسا، وكان لها شأن كبير. وأكسبها طول حكم فليب أغسطس ولويس التاسع استقراراً واتصالاً في الحكم في الوقت الذي كانت فيه إنجلترا تعاني الأمرين من إهمال رتشرد الأول، واستهتار جون، وعجز هنري الثالث، وكانت في ألمانيا مفككة الأوصال من أثر الحروب الناشبة بين الأباطرة والبابوات، فلم يحل عام 1300 حتى كانت فرنسا أقوى دول أوربا كلها.
وكان فليب الرابع يلقب بالجميل Ie Bel لجمال جسمه ووجهه، لا لدهائه السياسي وجرأته وقسوة قلبه. وكان ذا آمال واسعة: كان يأمل أن يخضع كل الطبقات- الأشراف، ورجال الدين، وأهل المدن، وأرقاء الأرض- لحكم القانون وسيطرة الملك مباشرة، وأن يقيم نماء فرنسا وتقدمها على أساس التجارة والصناعة لا الزراعة، وأن يمد حدودها إلى المحيط الأطلنطي، وجبال البرانس، والبحر المتوسط، وجبال الألب، ونهر الرين. ولم يختر أعوانه ومستشاريه من كبار رجال الدين والأشراف الذين ظلوا يخدمون ملوك فرنسا طوال الأربعة القرون الماضية، بل اختارهم من طبقة المحامين الذين أقبلوا عليه وعقولهم مفعمة بالأفكار الاستعمارية التي أوحى إليهم بها القانون الروماني. فكان بيير فلت Pierre Flotte وجيوم ده نورجاريه Guilluame de Nogaret من ذوي العقول النابهة الذين لا يبالون بالمبادئ الأخلاقية أو السوابق؛ وشاد فليب بفضل توجيههم صرح القانون الفرنسي، وأحل الشريعة الملكية محل




صفحة رقم : 5514




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب الجميل


الشريعة الإقطاعية، وانتصر على أعدائه بسياسته الحصيفة، وحطم في نهاية الأمر سلطان البابوية، وجعل البابا في الواقع سجيناً في فرنسا. وحاول أن يفصل جوين Guienne عن إنجلترا، ولكنه وجد إدوارد الأول قوياً لا يُغلب، وحصل على شمبانيا Champagne، وبري Brie، وتبرة بطريق الزواج، وابتاع بالمال شارتر، وفرانش كمتيه Franch- Comte، وإقليم ليون وجزءاً من اللورين.
وكان دائم الحاجة إلى المال، ولهذا وجه نصف ذكائه ونصف وقته إلى اختراع الضرائب وجمع الأموال، واستبدل المال بالقروض الإقطاعية الواجب أداؤها للتاج؛ وكم من مرة خفض قيمة النقد، وأصر على أن تؤدي الضرائب سبائك أو بالنقد الصحيح القيمة، ونفي اليهود واللمبارد وقضي على فرسان المعبد ليصادر أملاكهم، وحرم إصدار المعادن النفيسة من بلاده، وفرض رسوماً باهظة على الصادرات والواردات، والمبيعات، وضريبة حربية مقدارها بنس على كل جنيه فرنسي في ثروة الأفراد في فرنسا. ثم فرض أخيراً ضريبة على الكنيسة دون أن يستشير البابا، وكانت الكنيسة وقتئذ تمتلك ربع أرض فرنسا. وسنروي قصة هذا الصراع عند الكلام على بنيفاس الثامن. ولما مات البابا الطاعن في السن بعد أن حطمه الكفاح، استخدم فيليب ماله وأعوانه في اختيار رجل فرنسي لقب كلمنت الخامس في مكانه، كما استطاع أن ينقل مقر إلى أفنيون، وهكذا انتصر فيليب على البابوية انتصاراً لم يظفر به من قبل على الكنيسة رجل من غير أهلها، وأصبح رجال القانون في فرنسا من هذا الوقت هم الذين يحكمون رجال الدين.
وتنبأ الرئيس الأكبر لفرسان المعبد وهو سائر إلى الخشبة التي يشد عليها من يراد إحراقهم بأن فليب سيتبعه في خلال عام واحد. وقد صدقت النبوءة، ولم يمت فليب وحده في عام 1314 بل مات فيها كلمنت أيضاً- ولم يكن الملك




صفحة رقم : 5515




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب الجميل


المنتصر قد تجاوز وقتئذ السادسة والأربعين من عمره. وكان الشعب الفرنسي يعجب بشجاعته وصلابة رأيه. وأيده في صراعه مع بنيفاس، ولكنه يصب اللعنات على ذكراه ويراه أشد الملوك استبداداً في تاريخه كله. وكادت انتصاراته تحطم كيان فرنسا. وقد كان تخفيضه قيمة النقد سبباً في اضطراب الاقتصاد القومي. وكانت الأجور العالية للأراضي الزراعية والأثمان المرتفعة سبباً في فقر الشعب، وأضرت الضرائب الفادحة بالصناعة، كما كان نفي اليهود واللمبارد سبباً في شل حركة التجارة وفي خراب الأسواق وتعطيل المواسم التجارية. وجملة القول أن الرخاء الذي ازداد في عهد القديس لويس قد نقص واضمحل في عهد فليب الذي يتقن جميع ما في القانون والسياسة من ألاعيب(83).
وجلس على العرش ثلاثة أبناء لفليب وواراهم الثرى في خلال الأربعة عشر عاماً التي أعقبت وفاته، ولم ينجب واحد منهم أبناء يرثون ملكه، بل ترك شارل الرابع (المتوفى عام 1328) بنات، اتخذ القانون السالي القديم ذريعة لحرمانهم من التاج. وكان أقرب وريث من الذكور للأسرة المالكة هو فليب الفالوازي Philip of Valois ابن أخي فليب الجميل، فلما تولى الملك انتهت بموته الأسرة التي تناسلت من الملوك الكابيتيين مباشرة وبدأ عهد أسرة فالوا.
وإذا ألقينا نظرة عامة عاجلة على أحوال فرنسا في ذلك الوقت رأينا أنها تقدمت تقدماً عجيباً في النواحي الاقتصادية، والتشريعية، والتعليمية، والأدبية، والفنية. فقد كان نظام رقيق الأرض يختفي من البلاد بخطى سريعة، لأن نمو الصناعات في المدن كان يغري الناس بالنزوع إليها من المزارع، حتى بلغ سكان باريس مائتي ألف في عام 1314، وبلغ سكان فرنسا 22.000.000(84). ولما قدم برونتو لاتيني إلى فرنسا فاراً من الاضطهاد السياسي في فلورنس دهش مما كان يسود شوارع باريس في عهد لويس التاسع من أمن وطمأنينة، وما كان في




صفحة رقم : 5516




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب الجميل


المدن من تجارة وصناعة، وما كان في الريف الجميل المحيط بالعاصمة من حقول وكروم مثمرة(85).
وأوشكت الطبقتان الناشئتان، طبقتا الموظفين ورجال الأعمال، أن تضارعا في الثراء طبقة رجال الأعمال، فاضطرت الدولة إلى تمثيل هاتين الطبقتين في مجلس الطبقات Etats Generaux الذي دعاه فليب الرابع إلى الانعقاد في باريس عام 1302 ليقد له المعونة الأدبية والمالية في نزاعه مع بنيفاس. ولم تكن هذه المجالس العامة التي تمثل فيها الطبقات- الأعيان، ورجال الدين، والعامة- لم تكن هذه المجالس تدعى إلى الانعقاد إلا في الضرورات القصوى (1302، 1308، 1314...) وكان المحامون الذين يخدمون الملك بوصفهم مجلساً للدولة Conseil d'etat يوجهونها توجيهاً ماهراً نحو الهدف الذي يريدونه. أما برلمان باريس الذي اتخذ شكله المعروف به في عهد لويس التاسع فلم يكن جمعية نيابية، بل كان هيئة مؤلفة من أربعة وتسعين من المحامين ورجال الدين يعينهم الملك ويجتمع مرة أو مرتين في العام ليكون محكمة عليا. وقد نشأت من أحكامه مجموعة من التشريعات القومية تعتمد على القانون الروماني لا على شرائع الفرنجة، وتهب الملكية المعونة الكاملة المستمدة من التقاليد القانونية القديمة.
وقد بقيت الفورة العقلية التي سادت عهد فليب الرابع محفوظة لأهل هذا الجيل في الرسائل السياسية التي كتبها أحد أنصاره- بييردوبوا Pierre Dubois (1255-1312)، وهو محام مثل كوتانس Coutances في مجلس الطبقات الذي عقد في عام 1302. فقد عرض دوبوا في رسالتين من رسائله "ملتمس مقدم من شعب فرنسا إلى الملك ضد البابا بنيفاس Supplication de peuple de France Contre Ie pape Boniface (1394)، وفي نبذة عن




صفحة رقم : 5517




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب الجميل


"استرداد الأرض المقدسة" (1306) آراء تكشف لنا عن الثغرة الواسعة التي كانت تفصل في ذلك الوقت عقلية رجال القانون عن عقلية رجال الكنيسة في فرنسا. من ذلك ما قاله دوبوا من أن الكنيسة يجب ألا تحبس عليها الأموال، وأن تجري عليها من الآن معونة مالية من الدولة؛ ويجب أن تفصل الكنيسة الفرنسية عن روما؛ وأن تجرد البابوية من جميع السلطات الزمنية، وأن تكون الدولة صاحبة السلطة العليا. وقال أيضاً إن فليب يجب أن يعين إمبراطورياً لدولة أوربا الموحدة، وأن تكون القسطنطينية عاصمته؛ وأن تؤلف محكمة دولية لتفصل فيما يشجر بين الأمم من نزاع، وأن تعلن المقاطعة الاقتصادية على أية أمة مسيحية تحارب أمة مسيحية أخرى؛ وأن تنشأ في روما مدرسة للدراسات الشرقية؛ وأن يتاح للنساء جميع ما يتاح للرجال من فرص تعليمية، وأن يتساوين مع الرجال في جميع الحقوق السياسية(86).
وكان هذا العصر عصر شعراء الفروسية الذين يتغنون بالحب العذري في بروفانس؛ وعصر قصاصي الملاحم في شمالي فرنسا، وعصر أغنية رولان Chanson de Roland، وغيرها من الأغاني الرمزية، وأغنية أوكسان ونيقولت Aucassin et Nicolette، وقصة الوردة Roman de la Rose، والعصر الذي ظهر فيه المؤرخان اللذان يعدان طليعتي المؤرخين الفرنسيين البارزين وهما فلاردوين Villardhouin وجوانفيل. ونظمت في هذا العهد الجامعات الكبرى في باريس وأورليان، وأنجير Angers، وطولوز (طلوشة)، ومنبلييه. بدأ هذا العصر بروسلن Roscelin وأبلار Abelare وانتهى بأعلى ما وصلت إليه الفلسفة المدرسية Scholastic Philosophy. وكان عصر النشوة القوطية- التي ظهرت في الكنائس الفخمة الكبرى في سان دنيس، وتشارتر، ونوتردام، وأمين،




صفحة رقم : 5518




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> فرنسا -> فليب الجميل


وريمس، وفي النحت القوطي في أكمل مظاهره الروحية. وكان الفرنسيون وقتئذ يفخرون فخراً لا نلومهم عليه بوطنهم، وعاصمتهم، وثقافتهم؛ وكانت وطنية قومية تعمل لوحدة البلاد تحل تدريجاً محل النعرة الإقليمية التي كانت تسود عصر الإقطاع؛ وأخذ الناس ذلك الحين يتحدثون حديث الحب والإعزاز عن "فرنسا الحلوة"، كما نرى ذلك في أغنية رولان. وملاك القول أن الحضارة المسيحية قد بلغت عظمتها في فرنسا وإيطاليا.




صفحة رقم : 5519




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> أسبانيا



الفصل الثاني عشر




أسبانيا




1096-1285


سار المسيحيون في فتح أسبانيا بالسرعة التي أمكنتهم منها الفوضى الناشئة من تطاحن الملوك الأسبان، ومنح البابوات من عانوا على إخراج المسلمين من أسبانيا لقب المحاربين الصليبيين وامتيازاتهم؛ وأقبل بعض فرسان المعبد من فرنسا للانضمام إلى أهل البلاد المسيحيين؛ وتكونت في القرن الثاني عشر ثلاث جماعات دينية حربية- فرسان كلاترافا Calarrava، وفرسان سنتياجو، وفرسان القنطرة؛ واستولى ألفنسو الأول (الأذفنش) في عام 1118 ملك أرغونة على مدينة سرقسطة؛ وفي عام 1195 هزم المسيحيون، ولكنهم كادوا يبيدون جيش الموحدين الأكبر في واقعة العقاب Las Navkas de Tolosa في عام 1212. وكان نصرهم في هذه الواقعة نصراً حاسماً، تحطمت على أثره مقاومة المسلمين وسقطت قلاعهم واحدة بعد واحدة في أيدي المسيحيين: قرطبة (1236)، وبلنسية (1238)، وإشبيلية (1248)، وقادس (1250)، ثم وقف فتح المسيحيين نحو قرنين ليفسح الوقت إلى حروب الملوك.
ولما هزم ألفنسو (الأذفنش) الثامن ملك قشتالة هجم على مملكته ملكاً ليون ونبرة وكانا قد وعداه من قبل بأن يخفا لمساعدته، واضطر ألفنسو إلى عقد الصلح مع المسلمين ليحمي نفسه من غدر المسيحيين(87). وأعاد فرنندو الثالث Fernando III (1217-1252) توحيد ليون Leon وقشتالة، ووسع حدود المملكة الكاثوليكية إلى غرناطة، واتخذ إشبيلية عاصمة لملكه، وحول مسجدها العظيم إلى كنيسة، واتخذ القصر Alcazar مسكناً له، وكانت الكنيسة تعده وقت مولده ابناً غير شرعي، ولكنه عدته قديساً بعد




صفحة رقم : 5520




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> أسبانيا


وفاته. وكان ابنه ألفنسو (الأذفنش) العاشر (1252-1284) عالماً ممتازاً، ضعيف العزيمة؛ وأعجب الأذفنش الحكيم (el Sabio) بما وجده في إشبيلية من علوم المسلمين، فتحدى المتعصبين من أهل ملته باستخدام العلماء من العرب واليهود والمسيحيين على السواء لترجمة كتب المسلمين إلى اللغة اللاتينية كي تستطيع أوربا أن تفيد من هذه العلوم. وقد أنشأ هذا الملك مدرسة لعلم الهيئة هي صاحبة "الأزياج الأذفنشية" الخاصة بالأجرام السماوية وحركاتها التي أضحت المرجع الذي يعتمد عليه علماء الهيئة المسيحيون. ونظم هذا الملك هيئة من المؤرخين، وضعت كتاباً سمته باسمه جمعت فيه تاريخ أسبانيا، وتاريخاً عاماً واسعاً للعالم كله، ونظم نحو 450 قصيدة، بعضها بلغة قشتالة، وبعضها باللغة الجليقية- البرتغالية؛ ولُحن الكثير منها، ولا تزال هذه القصائد باقية حتى اليوم، أثراً خالداً لأغلبية العصور الوسطى. وفاضت حماسته الأدبية في عدة كتب ألفها هو أو أمر بتأليفها، في ألعاب الدراما، والشطرنج، والنرد، والموسيقى، والملاحة، والكيمياء، والفلسفة. ولعله أيضاً قد أمر بترجمة الكتاب المقدس من اللغة العبرية إلى القشتالية مباشرة. وقد رفع اللغة القشتالية إلى المرتبة العليا التي أمكنتها من أن تسيطر من ذلك الوقت إلى يومنا هذا على الحياة الأدبية في أسبانيا؛ ولقد كان هو في واقع المر منشئ الأدب الأسباني والبرتغالي، وعلم التاريخ الأسباني، والمصطلحات العلمية الأسبانية. ولكنه لوث تاريخه الوضاء بما حاكه من الدسائس للاستيلاء على عرش الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وأنفق في هذه المحاولة كثيراً من أموال أسبانيا، وعمل على ملء خزائنه بزيادة الضرائب وتخفيض قيمة النقد، ثم خلع ورفع ابنه إلى العرش، وعاش بعد سقوطه عامين، ثم مات محطماً كسير القلب.
وارتفع شأن أرغونة بزواج ملكتها بيرونلا Petronella من الكونت رامون برنجر Ramon Barenger صاحب برشلونة (1137)؛ وحصلت أرغونة




صفحة رقم : 5521




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> أسبانيا


بفضل هذا الزواج على قطلونية المشتملة على أعظم الثغور الأسبانية. وعم الرخاء هذه المملكة الجديدة على يد بدرو الثاني Pedri II (1196-1213)، بتأمين المواني، والأسواق، والطرق، وبصرامته في تنفيذ القانون على من يعبث بهذه المرافق، وجعل بلاطه في برشلونة مركز الفروسية والأسبانية والشعراء الغزليين، وزاد من بهجته أن كان ملتقى المحبين، ثم تقرب إلى الله- وضمن لنفسه لقبه- بأن قدم أرغونة إلى إنوسنت الثالث على أن يأخذها منه إقطاعية. وكان ابنه جيم Jaime أوجيمس James الأول (1213-1276) في الخامسة من عمره حين قتلى بدرو في ميدان القتال؛ واغتنم أشراف أرغونة هذه الفرصة السانحة ليستعيدوا استقلالهم الإقطاعي؛ ولكن جيمس تولى زمام الأمور وهو في العاشرة، وسرعان ما أخضع الأشراف لسلطان الملك. وكان لا يزال شاباً في سن العشرين حين استولى على جزائر البليار ذات الموقع الحربي المنيع من المسلمين (1229-1235)، واسترد منهم بلنسية وأليقانط. وقام في عام 1265 بحركة من محركات الفروسية التي هيأتها له الوحدة الأسبانية، فاستولى على مرسيه من المسلمين وأهداها إلى ملك قشتالة. وكان أكثر حكمة من الفنسو الحكيم، حتى أصبح بفضل هذه الحكمة أقوى ملوك أسبانيا في ذلك القرن، لا يقل في ذلك عن فردريك الثاني ولويس التاسع، فقد كان يشبه أولهما في ذكائه ودهائه، وبسالته المجردة من الضمير. لكن تحلله من قيود الأخلاق. وكثرة طلاقه نساءه، وحروبه العوان، وما كان يلجأ إليه من الأعمال الوحشية في بعض الأحيان تجعل الفرق بينه وبين القديس لويس كبيراً من هذه الناحية.
وقد دبر المؤامرات للاستيلاء على الجزء الجنوبي الغربي من فرنسا، ولكن لويس استطاع أن يتغلب عليه بقوة صبره وإن كان قد نزل له عن منبلييه. ودبر في أخريات أيامه مؤامرة أخرى للاستيلاء على صقلية ليتخذها قاعدة حربية، ومركزاً تجارياً، وليجعل البحر المتوسط الغربي بحيرة أسبانية. ولكن هذا




صفحة رقم : 5522




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> أسبانيا


الحلم لم يتحقق إلا في عهد ولده. ذلك أن بدرو الثالث (1276-1285)، تزوج ابنة مانفرد ملك صقلية ابن فردريك، وظن أن هذه الجزيرة من حقه هو حين استولى عليها شارل كونت أنجو؛ وبارك البابا استيلاءه عليها، فما كان من بدرو إلا أن ألغي سيادة البابا على أرغونة، وارتضى الحرمان البابوي، وركب البحر إلى صقلية.
وشهدت هذه الفترة في أسبانيا ما شهدته في إنجلترا وفرنسا من قيام الإقطاع واضمحلاله. بدأه الأشراف بأن تجاهلوا أو كادوا يتجاهلون السلطة المركزية، فقد كانوا هم ورجال الدين معفين من الضرائب التي كان عبؤها الباهظ واقعاً على عاتق المدن والتجارة، ثم انتهوا بأن خضعوا للملوك المسلحين بجيوشهم هم، تؤيدهم موارد المدن وحاجياتهم، ويعلى من مكانتهم إحياؤهم القانوني الروماني، الذي كان يفترض أن الحكم الملكي المطلق من بدائه نظام الحكم. ولم يكن ثمة قانون أسباني في بداية تلك الفترة، بل كانت هناك قوانين متفرقة لكل دولة من دول أسبانيا، ولكل طبقة من طبقات كل دولة. ثم شرع فردريك الثالث يضع نظاماً جديداً لقانون قشتالة، وأتم ألفنسو العاشر هذا النظام الذي عرف باسم قانون السبعة الأقسام (Siete Partidas) لأنه كان مقسماً سبعة أقسام (1260-1265)، وهو من أتم القوانين وأعظمها شأناً في تاريخ التشريع. وقد أسس قانون السبعة الأقسام على قوانين القوط الغربيين الأسبان ولكنه عدل لكي يتفق مع قوانين جستنيان، وكان أرقى من العصر الذي وضع فيه، ولهذا ظل مهملاً إلى حد كبير؛ ولكنه أصبح في عام 1338 قانون قشتالة النافذ، ثم صار في عام 1492 قانون أسبانيا كلها. ثم أدخل جيمس الأول قانوناً مثله في أرغونة، فقد نشرت أرغونة في عام 1283 قانوناً تجارياً وبحرياً نافذاً، وأقامت في بلنسية ثم في برشلونة وميورقة بعدئذ محاكم تدعى محاكم "قنصلية البحر".
وتزعمت أسبانيا بلاد العالم في العصور الوسطى في إقامة المدن الحرة والأنظمة




صفحة رقم : 5523




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> أسبانيا


النيابية. ذلك أن الملوك أرادوا أن يحصلوا على تأييد المدن في صراعهم مع الأشراف، فمنحوا كثيراً من البلدان عهوداً بالحكم الذاتي. وأصبح استقلال المدن بشئونها شهوة جامحة في أسبانيا كلها، فأخذت البلدان الصغرى تطالب بتحررها من البلدان الكبرى أو من الأشراف أو الكنيسة، أو الملك؛ فلما أفلحت في نيل هذه الحرية أقامت مشانقها في السوق العامة رمزاً لحريتها. وكان يحكم برشلونة في عام 1258 مجلس مؤلف من مائتي عضو، تمثل كثرتهم الغالبة شئون الصناعة والتجارة(88). وبلغت سيادة المدن زمناً ما حد الاستقلال، وأخذت تشن الحرب على المسلمين أو بعضها على بعض، ولكنها بالإضافة إلى هذا الاستقلال ألفت من نفسها أخوة hermandades للتعاون على العمل أو للمحافظة إلى هذا أمنها وسلامتها. ولما أن حاول الأشراف في عام 1295 أن يخضعوا حكومات المدن المحلية ألفت ثلاث وأربعون مدينة "أخوة قشتالة"، وتعهدت كلها بالاشتراك في الدفاع عن استقلالها، وأنشأت لها جيشاً مشتركاً. ولما أن هزمت هذه "الأخوة" الأشراف، فرضت رقابتها على موظفي الملك وكبحت جماحهم، وسنت قوانين تراعيها المدن المنضمة إلى هذا الحلف التي بلغ عددها مائة مدينة في بعض الأحيان.
ولقد جرت عادة الملوك الأسبان من زمن بعيد أن يعقدوا من حين إلى حين جمعية من الأشراف ورجال الدين؛ وأطلق اسم كورتز Cortes أي المحاكم لأول مرة على إحدى هذه الجمعيات التي عقدت في عام 1137. وضم كورتز ليون الذي اجتمع في عام 1188 بعض رجال الأعمال يمثلون المدن. وأكبر الظن أن هذا هو أقدم مثل من أمثلة النظم النيابية السياسية في أوربا المسيحية. ووعد الملك في هذا المجلس التاريخي ألا يعلن الحرب أو يعقد الصلح، أو يصدر قراراً إلا بعد موافقة الكورتز(89). واجتمع في قشتالة أول مجلس من هذا النوع مؤلف من الأعيان، ورجال الدين، ورجال المال من الطبقة الوسطى في عام 1250




صفحة رقم : 5524




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> أسبانيا


أي قبل اجتماع "برلمان" إدورد الأول "النموذجي" بخمس وأربعين سنة. ولم يكن الكورتز هو الذي يضع القوانين بنفسه، ولكنه كان يصوغ "المستمسكات" ويعرضها على الملك، وكثيراً ما كان لهذا المجلس سلطان على المال يحمل الملك على أن يوافق على هذه "المستمسكات". وأصدر كورتز قطلونية في عام 1283 قراراً صادق عليه ملك أرغونة بألا يصدر بعد ذلك الوقت أي تشريع قومي بغير رضاء المواطنين (cives)، ثم صدر قرار آخر يطلب إلى الملك أن يدعو الكورتز إلى الاجتماع كل عام، وسبقت هذين القرارين مثلهما من القرارات التي أصدرها البرلمان الإنجليزي (1311-1322) بأكثر من ربع قرن من الزمان. هذا إلى أن الكورتز عين أعضاء يختارهم من كل طبقة من الطبقات الاجتماعية يؤلفون جنتا (Junta) أي اتحاداً ليشرف في أثناء الفترات التي تقع بين أدوارد انعقاد الكورتز على تنفيذ القوانين وإنفاق الأموال التي وافق عليها(90).
وكان من العوامل التي عقدت مشكلة الحكم في أسبانيا قيام الجبال التي قسمتها أقساماً منفصلة، وعرقلت تنفيذ قانون عام موحد في جميع ربوعها. يضاف إلى هذا أن عدم استواء أرضها، وجفاف هضبتها، وما كان يحل بها من الدمار حيناً بعد حين بسبب الحروب، كل هذا قد عطل الزراعة، وجعل أسبانيا في معظم أجزائها مراعي للماشية والضأن. وكانت قطعان الضأن الجميلة الصوف تغذى آلاف الأنواع في البلدان؛ ولقد حافظت أسبانيا على شهرتها العالمية القديمة بجمال أصوافها. وكانت التجارة الداخلية تقف في سبيلها صعاب النقل، واختلاف الموازين والمقاييس والنقد، غير أن التجارة الخارجية تمت في موانئ برشلونة، وطرقونة، وبلنسية، وإشبيلة، وقادس؛ وكان تجار قطلونية يجوبون جميع الأقطار؛ وكان لتجار قشتالة في عام 1282 مركز في بروج لا يضارعه إلا مركز العصبة الهانسية(91). وأصبح التجار والصناع أعظم من يمدون التاج بالمعونة




صفحة رقم : 5525




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> أسبانيا


المالية، ونظم صعاليك المدن لهم نقابات طوائف Gremios، ولكن الملوك كانوا يسيطرون سيطرة قوية على هذه النقابات، وكانت الطبقات العامة تعاني مساوئ الاستغلال الاقتصادي دون أن تستمتع بحق التمثيل النيابي السياسي.
وكانت كثرة الصناع إما من اليهود أو المسلمين المقيمين في أسبانيا المسيحية. فأما اليهود فقد أثروا في أرغونة، وقشتالة؛ وأسهموا بحظ موفور في حياة المملكتين العقلية؛ وكان عدد كبير منهم تجاراً أغنياء، ولكن قيوداً متزايدة في شدتها فرضت عليهم في نهاية هذه الفترة. وأما المسلمون المقيمون في أسبانيا المسيحية فقد ترك لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية، وقسط كبير من الاستقلال بحكم أنفسهم؛ وكان منهم أيضاً تجار أغنياء، ودخل عدد قليل منهم في بلاط الملوك، كما كان لأرباب الحرف منهم أثر قوي في العمارة الأسبانية، وأعمال التجارة الدقيقة، وأشغال المعادن، ونتج من أثرهم هذا طراز أسباني إسلامي أدى إلى استخدام الموضوعات والأشكال الإسلامية في الفن المسيحي. وقد سمي ألفنسو السادس نفسه في إحدى نشواته الدينية "إمبراطور العقيدتين Emperador de Ios Dos Cultos"(92). ولكن المسلمين في أسبانيا المسيحية كانوا يرغمون في العادة على لبس زي خاص، وعلى أن تكون منازلهم في كل مدينة في حي منعزل عن سائر أحيائها، وكانت تفرض عليهم ضريبة فادحة أكثر مما تفرض على غيرهم؛ وأخيراً أشعلت الثروة التي جمعوها بفضل مهارتهم في الأعمال الصناعية والتجارية نار الحسد في قلوب الأغلبية المسيحية؛ فأصدر جيمس الأول عام 1247 أمراً بطردهم من أرغونة، فغادرها أكثر من مائة ألف يحملون معهم حذقهم الفني، وتدهورت الصناعة في أرغونة من ذلك الحين.
وبعث امتزاج الحضارة الأسبانية بجزء غير قليل من الثقافة الإسلامية، والقوة الناشئة من الانتصار على عدو قديم، وتقدم الصناعة وازدياد الثروة، وارتقاء العادات والأذواق، بعث هذا كله في الحياة العقلية بأسبانيا نشاطاً عظيماً؛




صفحة رقم : 5526




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> أسبانيا


فشهد القرن الثالث عشر نشأة ست جامعات في أسبانيا، وكان ألفنسو الثاني ملك أرغونة (1162-1196) أول الشعراء الغزلين الأسبان، وسرعان ما أصبح هؤلاء الشعراء يعدون بالمئات؛ ولم يكن هؤلاء يقرضون الشعر فحسب، بل صاغوا من احتفالات الكنيسة مسرحيات زمنية، ومهدوا بذلك السبيل إلى روائع لوبي ده فيجا Lope de Veag وكلدرون Calderon. وكان من روائع ذلك العصر أيضاً ملحمة السيد Cid ملحمة أسبانيا القومية. وكان خيراً من هذا كله فنون الموسيقى، والغناء، والرقص التي كانت تفيض من قلوب الشعب في المنازل والشوارع، والتي كانت مصدر العظمة والفخامة في قصور الملوك. وكانت أول مصارعة للثيران على الطراز الحديث سجلت في تاريخ أسبانيا هي المصارعة التي أقيمت في أبيلا عام 1107 في حفلة عرش؛ وقبل أن يحل عام 1300 كانت تلك المصارعة من الألعاب العامة في المدن الأسبانية. وجاء الفرسان الفرنسيون الذين أقبلوا على أسبانيا ليساعدوا أهلها في حروبهم مع المسلمين، جاءوا معهم في الوقت عينه بمبادئ الفروسية واحتفالاتها، فأصبح احترام النساء، أو احترام ملكية الرجل دون غيره لامرأة بعينها من مسائل الشرف لا تقل في هذا عن افتخار الرجل بشجاعته أو استقامته، وأضحت المبارزة للاحتفاظ بالشرف عاملاً أساسياً في الحياة الأسبانية. وكان امتزاج الدم الأوربي بالدم الأفريقي والسامي، والثقافة الغربية بالثقافة الشرقية، والأساليب السورية والفارسية بأصول الفن القوطي، والخشونة الرومانية بالعواطف الشرقية؛ كان هذا الامتزاج هو الذي تولد منه الخلق الأسباني، والذي جعل الحضارة الأسبانية في القرن الثالث عشر عنصراً فذاً بارزاً في موكب الحياة الأوربية.




صفحة رقم : 5527




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> البرتغال



الفصل الثالث عشر




البرتغال




1095


سُرَّ ألفنسو ملك قشتالة وليون في عام 1095 من الكونت هنري البرغندي أحد الفرسان الصليبيين الأسبان سروراً جعله يزوجه بابنته تريزا، وأن يجعل من بائنتها مقاطعة من مقاطعات ليون تدعى البرتغال أعطاه إياها إمارة إقطاعية. ولم يكن هذا الإقليم قد استرد من المسلمين إلا قبل ذلك الوقت بإحدى وثلاثين سنة، وكان المسلمون لا يزالون يحكمون جزأه الواقع جنوب نهر منديجو Mondego. وساء الكونت هنري أن يكون أقل من ملك، فأخذ هو وزوجته منذ قرانهما يأتمران ليجعلا من إقطاعياتهما دولة مستقلة؛ ولما مات هنري (1112) واصلت تريزا سعيها لنيل الاستقلال، وعلمت أعيان بلادها وأتباعها أن يفكروا على الدوام في حريتهم القومية، وشجعت مدنها على أن تحصن نفسها وتدرس فنون الحرب وأساليبها، وقادت بنفسها جنودها في حرب إثر حرب. وكانت في فترات السلم تحيط نفسها بالموسيقيين، والشعراء، والعشاق(93). وهُزمت، وأُسرت، ثم أُطلق سراحها، وأعيدت إلى إقطاعياتها؛ وأنفقت المال جزافاً في حب محرم، وخُلعت عن عرشها، ونفيت مع حبيبها، وماتت فقيرة معدمة (1130).
وكان إلهامها واستعدادها هما اللذين أمكنا ولدها أفنسو الأول هنريك Affonsol Henriqnes (1128-1185) أن يحقق أغراضه: ذلك أن ألفنسو السابع صاحب قشتالة وعده بأن يعترف به حاكماً مستقلاً تام السيادة على جميع البلاد التي ينتزعها من المسلمين جنوبي نهر الدوو. فهاجم هنري المسلمين




صفحة رقم : 5528




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> البرتغال


بكل ما روثه عن أبيه من شجاعة وتهور، وعن أمه من روح عالية وصلابة، وهزمهم في أوتريك Outrique (1139)، ونادى بنفسه ملكاً على البرتغال. وأقنع رجال الدين الملكين بأن يعرضا الأمر على البابا إنوسنت الثالث، فكان حكمه لصالح قشتالة، فما كان من أفنسو هنريك إلا أن نقض هذا الحكم بأن عرض مملكته الجديدة على البابا إقطاعياً له. وقبل إسكندر الثالث هذا العرض واعترف به ملكاً على البرتغال (1143) على شريطة أن تؤدي جزية سنوية إلى كرسي روما(94). وواصل أفنسو هنريك حروبه مع المسلمين، واستولى على سنتريمة Santarem ولشبونة، ومد رقعة مملكته إلى نهر التاجه Tagus. ووصلت البرتغال في عهد أفنسو الثالث (1248-1279) إلى حدودها الأرضية التي لها في الوقت الحاضر، وأصبحت لشبونة ثغرها وعاصمتها لموقعها الحربي على مصب نهر التاجه (1263). وتقول إحدى الأساطير القديمة إن يولسيز- أوديسيوس Ulysses- Odysseus، هو الذي أنشأ المدينة وسماها باسمها القديم يولسبو Ulissipo الذي حرفه الناس فيما بعد بإهمالهم فكان أولسبو Olisipo أو لشبونة Lisbon.
ونغصت سني أفنسو الثاني الأخيرة الحربُ الأهلية التي شبت نارها بينه وبين ابنه دنيز Dinilz الذي كان يأخذه العجب من أن والده قد طال عمره أكثر مما يجب. وانتقل دنيز من هذه البداية المربية إلى حكم صالح طويل (1279-1325) عقد فيه الصلح بين ليون وقشتالة بحلف بينهما سببه الزواج، وامتنع النزاع بينه وبين وارث آخر للعرش بفضل توسط إزبل Isabel، زوجة دنيز الصالحة، وترك دنيز مجد الحروب ووجه جهوده إلى إصلاح حال بلاده من الناحيتين الثقافية والاقتصادية، فأنشأ مدارس زراعية وعلم الأهلين طرقاً للزراعة خيراً من الطرق التي كانوا يجرون عليها، وغرس الأشجار لتمنع تعرية التربة، وشجع التجارة، وأنشأ السفن والمدن، ونظم للبرتغال أسطولاً حربياً، وعقد




صفحة رقم : 5529




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> البرتغال


معاهدة تجارية مع إنجلترا، فاستحق بذلك اللقب الذي أطلقه عليه شعبه حباً فيه وهو Re Lavrador أي الملك العامل. والحق أنه كان إدراياً مجداً، وقاضياً عادلاً، يعين الشعراء والعلماء، وقد كتب هو أحسن ما كتب من الشعر في زمنه وبلاده، وبفضله ارتقت اللغة البرتغالية، فلم تعد كما كانت من قبل لهجة جليقية بل أضحت لغة أدبية؛ وقد صاغ في أغانيه الرعوية pastorellas أغاني شعبه صياغة أدبية، وشجع الشعراء الغزلين في بلاطه على أن يغتنوا بمباهج الحب وآلامه. وكان دنيز نفسه عليماً بأحوال النساء، وكان يفضل أبناءه غير الشرعيين على ابنه الشرعي الوحيد. ولما أن خرج هذا الابن على أبيه؛ وحشد جيشاً ليخلع به أباه عن عرشه، ركبت إزبل، وكانت تعيش بعيدة عن مرح بلاط الملك ومباهجه، ووقفت بين القوتين المتحاربتين، وعرضت أن تكون أولى ضحايا نزاعهما وعنفهما. فاستحى زوجها وابنها من فعلهما وامتنعا عن القتال (1323).




صفحة رقم : 5530




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> صقلية في عهد النورمان



الباب السادس والعشرون




إيطاليا قبل النهضة




1057- 1308




الفصل الأول




صقلية في عهد النورمان


من أعجب الأشياء أن النورمان قد استطاعوا أن يكيفوا أنفسهم بما ينفق مع البيئات الكثيرة المختلفة التي حلوا بها من اسكتلندة إلى صقلية، وأنهم أيقظوا بنشاطهم القوي العنيف الأقاليم والشعوب الراقدة، وأن رعاياهم قد امتصوهم امتصاصاً كاملاً في عدد قليل من القرون حتى اختفوا من التاريخ.
لقد ظلوا مائة عام مفعمة بالاضطرابات يحكمون جنوبي إيطاليا التي كانوا فيها خلفاء للبيزنطيين، وصقلية التي ورثوها عن المسلمين. فقد شرع روجر جسكارد Roger Guescard يغير على هذه الجزيرة بجماعة قليلة العدد من القراصنة في عام 1060، فلم يحل عام 1091 حتى تم له الاستيلاء عليها، واعترفت إيطاليا بحكمه فيها عام 1085، فلما مات (1011) كانت "الصقليتان"- الجزيرة وجنوبي إيطاليا- قد أصبحتا ذواتي شأن في السياسة الأوربية. وكانت سيطرة مضيق مسينا والخمسين ميلاً الفاصلة وأفريقية، قد أكسبت النورمان ميزات تجارية وحربية عظيمة، وأضحت مدائن أملفي، وسلرنو، وبالرم مراكز للتجارة الناشطة مع ثغور البحر المتوسط بما فيها




صفحة رقم : 5531




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> صقلية في عهد النورمان


مراكز التجارة الإسلامية في بلاد تونس وأسبانيا. وأضحت صقلية وقتئذ إقطاعية بابوية فحولت المساجد الإسلامية كنائس فخمة زاهية، وحل القساوسة الروم الكاثوليك محل المطارنة اليونان في إيطاليا الجنوبية.
واتخذ روجر الثاني (1101-1154) مدينة بالرم عاصمة لملكه ووسع أملاكه في إيطاليا حتى ضمت نابلي وكبوا، ورفع لقبه في عام 1130 من كونت إلى ملك. وكان له من الطموح والشجاعة، والدهاء وسعة الحيلة ما لعمه روبرت جسكارد؛ فقد كان نابها يقظاً في تفكيره، نشيطاً في عمله إلى حد جعل الإدريسي المسلم كاتب سيرته يقول عنه إنه قد أنجز وهو نائم ما لم ينجزه غيره من الرجال وهم أيقاظ. وكان يقاومه البابوات لأنهم يخشون اعتداءه على الولايات البابوية، ويقاومه الأباطرة الألمان الذين ساءهم استيلاءه على أبرزي Abruzzi، والبيزنطيون الذين كانوا يحملون باسترجاع إيطاليا الجنوبية، ومسلمو أفريقيا الذين كانوا يتوقون إلى استرجاع صقلية. وقد حارب هؤلاء جميعاً، وكان في بعض الأحيان يحارب عدة طوائف منهم في وقت واحد، وخرج من حربهم ومملكته أعظم مما كانت حين جلس على عرشها، وقد ضم إليها أملاكاً جديدة هي مدائن تونس، وصفاقس، ووهران، وطرابلس. واستعان بمن في صقلية من النابهين المسلمين، واليونان، واليهود، لتنظيم أداة حكومية مدنية وبيروقراطية إدارية أفضل مما كان لأية أمة أخرى في أوربا وقتئذ. وأبقي على نظام الزراعة الإقطاعي في صقلية، ولكنه كبح جماح البارونات بفضل المحكمة الملكية التي كانت قوانينها تفرض على جميع الطبقات. وقد أصلح نظام صقلية الاقتصادي بأن جاء إليها بناسجي الحرير من بلاد اليونان، ووسع نطاق التجارة بتأمين الناس على حياتهم في حلهم وترحالهم وعلى أملاكهم. ومنح المسلمين واليهود، واليونان، والكاثوليك حريتهم الدينية واستقلالهم الثقافي، وفتح أبواب المناصب العليا لذوي المواهب على اختلاف أديانهم وطبقاتهم، ولبس هو الثياب الإسلامية التي يلبسها رجال الدين




صفحة رقم : 5532




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> صقلية في عهد النورمان


المسلمون، وعاش معيشة ملك لاتيني في بلاط شرقي. وظلت مملكته جيلاً من الزمان "أغنى دول أوربا وأعظمها حضارة"(2)، وكان هو أكثر ملوك زمانه استنارة(3)، ولولاه لما وجد فردريك الثاني، وهو ملك أعظم منه.
وفي وسعنا أن نعرف ما كانت عليه صقلية في عهد النورمان باطلاعنا على كتاب جاري للإدريسي. فقد كان فيها فلاحون مجدون يفلحون أرضها الخصبة ويخرجون الزرع ويمونون المدن. نعم إنهم كانوا يعيشون في أكواخ حقيرة ويعانون ما يعانيه النافعون على أيدي الماهرين من استغلال، ولكن تقواهم المشرقة كانت تكسب حياتهم كرامة، وأعيادهم وحفلاتهم وأغانيهم كانت تملأ هذه الحياة بهجة وبهاء. فقد كان لكل موسم من مواسم السنة الزراعية رقصه وأغانيه، وكان يصحب موسم جني الكروم أعياد خمرية تجمع بين الساترناليا Saturnalia القديمة وحفلات التنكر الحديثة، وحتى الفقراء أنفسهم بقي لهم الحب، والأغاني الشعبية التي تختلف من الفحش والهجاء إلى الأناشيد الشعرية الموفية على الغاية القصوى من الحنان والعفة. ويقول الإدريسي عن بلدة "شنت ماركو" (إن لها بادية ومزارع واسعة ومياه نابعة) وينبت بها من جميع جهاتها البنفسج الزكي الرائحة العطر الفائحة.
وعادت مسينا، وقطانيا، وسرقوسة إلى الازدهار كعهدها أيام القرطاجنيين واليونان، والرومان؛ وخيل إلى الإدريسي أن بالرم "هي المدينة السنية العظمى والمحلة البهية الكبرى، والمنبر الأعلى في بلاد الدنيا، وإليها في المفاخر النهائية




صفحة رقم : 5533




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> صقلية في عهد النورمان


القصوى ذات المحاسن الشرائف ودار الملك في الزمان المؤتنف والسالف" وقال عنها "ولها حسن المباني التي سارت الركبان بنشر محاسن في بناءاتها، ودقائق صناعاتها، وبدائع مخترعاتها" وقال عن شارعها الأوسط: "فالسماط الأوسط يشتمل على قصور منفية، ومنازل شامخة شريفة، (وكثير من المساجد) والفنادق، والحمامات، وحوانيت التجار الكبار... وشيدت بنيانها ونمقت بأعجب المغتربات، وأودعت بدائع الصفات، فشهد لها بالفضل المسافرون، وعلى في وصفها المتجولون، وقطعوا قطعاً ألا مباني أشرف من مغانيها، وأن قصورها مشارف القصور، وأن دورها مفازة الدور". "ومبانيها ومتنزهاتها حسنة تعجز الواصفين، وتبهر عقول العارفين، وهي بالجملة فتنة للناظرين" .
ولما شاهد ابن جبير الرحالة المسلم مدينة بالرمة في عام 1184 صاح قائلاً: إنها أم الحضارة والجامعة بين الحسنين غضارة ونضارة... تروق الأبصار بحسن منظرها البارع، عجيبة الشأن... قد زخرفت فيها لملكها دنياه. تنتظم بلبتها قصوره انتظام العقود في نحور الكواعب" .
وكان من يزورون بالرم يدهشون من كثرة اللغات المختلفة التي يتكلمها أهلها، ومن اختلاط الأجناس والأديان اختلاطاً لا يعكر صفوه ما بينهم من اختلاف، ومن تجاور الكنائس المسيحية، والمعابد الإسرائيلية، والمساجد




صفحة رقم : 5534




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> صقلية في عهد النورمان


الإسلامية واختلاطها بعضها ببعض، من ثياب أهلها الرشيقة، وشوارعها الكثيرة النشاط والحركة، وحدائقها الهادئة، وبيوتها المريحة.
وكانت فنون الشرق تستخدم في تزيين القصور والبيوت التي يقيم بها الفاتحون من أهل الغرب. كذلك كانت أنوال بالرم تنسج الأقمشة الحريرية الفخمة والثياب المطرزة بالذهب، وكان صناع العاج يصنعون أقداحاً صغيرة مشكلة أو محفورة ذات صور خيالية غريبة أو فنية دقيقة. كما كان صناع الفسيفساء يغطون أرض البيوت، وجدرانها، وسقفها بالرسوم التي تمثل موضوعات شرقية. وكان المهندسون والصناع اليونان والمسلمون يشيدون الكنائس، والأديرة، والقصور، فلا يظهر في هندستها أو في زخرفها أثر للطراز النورماني بل تجمع بين ما تركه الطراز البيزنطي أو العربي من آثار الألف العام السابقة. وشاد الفنانون اليونان في عام 1143 ديراً للراهبات بأموال وهبها جورج أمير بحرية روجر وأهداه إلى سانتا كاريا دل أمرجليو Santa Maria dell Ammiraglio ولكنه يعرف الآن بالمرتورانا Martorana نسبة إلى مؤسسه. ولقد جدد بناء هذا الدير مراراً كثيرة حتى لم تبق إلا القليل من عناصره التي كان عليها في القرن الثاني عشر. ويحيط بقبته الداخلية نقش عربي من ترنيمة مسيحية يونانية. وأرض الدير من الرخام البراق المختلف الألوان، وبه ثمانية عمد من الحجر السماقي الملون تحيط بأقباء ثلاث؛ وتيجان الأعمدة منحوتة نحتاً جميلاً؛ أما الجدران، والأجزاء المثلثة التي بين العقود، والقباب فتتلألأ فيها الفسيفساء الذهبية المشتملة على صورة شهيرة لملك السكون في قبة المحراب. وأجمل من هذا الدير نفسه كنيسة القصر الخاصة Capella Palatina التي بدأها روجر الثاني في عام 1132، فكل ما في هذه الكنيسة غاية في الرونق والجمال: من رسوم الأرضية الرخامية البسيطة، إلى العمد الرفيعة الدقيقة البالغة حد الكمال، وتيجانها المختلفة الأشكال، وقطع الفسيفساء البالغ عددها 282 قطعة والتي تملأ كل فراغ، وصورة المسيح الرهيبة




صفحة رقم : 5535




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> صقلية في عهد النورمان


القائمة فوق المذبح والتي تعد من أروع ما في العالم من نقوش الفسيفساء، يعلو هذا كله سقف من الخشب على شكل قرص العسل، منحوت أو مذهب، أو مرسوم عليه بالألوان صور فيلة، وريم، وغزلان، و"ملائكة"، أكبر الظن أنها كانت صوراً مما يحلم به المسلمون في جنات النعيم. وليس في فنون العصور الوسطى أو الحديثة كنيسة ملكية تضارع هذه التحفة الفنية التي هي أثمن جوهرة في صقلية النورمانية.
ومات رجار (روجر) في عام 1154 وهو في التاسعة والثلاثين من عمره. واستحق ابنه وليم الأول (1154-1166) لقب "الخبيث"؛ ويرجع بعض السبب في هذا إلى أن سيرته قد كتبها أعداؤه، وبعضه الآخر إلى أنه ترك مقاليد الحكيم لغيره وعاش هو مترفاً منعماً بين الخصيان والمحاظي. وثار في أيامه المسلمون في تونس على المسيحيين، وقضوا على سلطان النورمان في إفريقيا. وعاش وليم الثاني (1166-1189) عيشة أشبه ما تكون بعيشة وليم "الخبيث"، ولكن كاتبي سيرته لقبوه وليم "الطيب"، ولعلهم لم يكن لهم غرض من وراء هذه التسمية إلا أن يحولوا دون اختلاط الأسماء. وأراد أن يكفر عن انحلال أخلاقه بما أنفق من المال في عام 1176 على دير منريل Monreale- "الجبل الملكي"- وكنيسته وهما على بعد خمسة أميال في خارج بالرم. ويتألف بناء هذا الدير وتلك الكنيسة من خليط مشوه من القواعد والعمد المتشابكة؛ أما الأروقة فذات قوة وجلال، وجمال، ونقوش الفسيفساء ذائعة الصيت رغم فجاجتها؛ وتيجان العمد غنية بالنقوش المحفورة التي تمثل الحياة الواقعية- فيها نوح ثمل ونائم، وراعي خنازير يعني خنزير، وبهلوان واقف على رأسه.
ولعل ما انغمس فيه ملوك صقلية النورمان من النعيم قد أوهن بنيتهم وقصر آجالهم، فقد ماتت أسرة روجر الثاني ميتة غير شريفة بعد أربعين عاماً من موته،




صفحة رقم : 5536




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> صقلية في عهد النورمان


ولم يعقب وليم الثاني أبناء فاختير للجلوس على العرش ابن غير شرعي لأحد أبناء روجر الثاني يدعى تانكرد Tancaed (1189). وكان هنري السادس إمبراطور ألمانيا قد تزوج في هذه الأثناء من كنستانس Constance ابنة عمه وليم الثاني. وكان يتوق إلى توحيد إيطاليا كلها تحت تاج الإمبراطور، فطالب بعرش الصقليتين؛ وعقد حلفاً مع بيزا وجنوى اللتين كانت تجارتهما ترزح تحت سيطرة النورمان على وسط البحر المتوسط؛ وفي عام 1194 وقف أمام بالرم بقوة عظيمة لا تقهر، وأقنع أهلها بأن يفتحوا له أبوابها، وتوج فيها ملكاً على صقلية. ولما مات (1197) ترك عروشه لابنه فردريك البالغ من العمر ثلاث سنين، والذي صار فيما بعد أقوى الملوك المستبدين وأعظمهم استنارة في القرن الثالث عشر الغني بملوكه الأقوياء.




صفحة رقم : 5537




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> الولايات البابوية



الفصل الثاني




الولايات البابوية


كانت دولة مدينة بنفنتو تقوم في شمالي إيطاليا النورمانية، وكان يحكمها أدواق من أصل لمباردي. وكان من ورائها الأراضي التي تخضع لحكم البابوات الزمني- "ميراث بطرس"- وتشمل أنياني، وتيفولي، وروما، ثم تمتد من المدينة الأخيرة إلى بروجيا Perugia.
وكانت روما مركز المسيحية اللاتينية، ولكننا لا نستطيع أن نعدها أنموذجاً للمسيحية؛ ذلك أنه لم تكن في العالم المسيحي مدينة أقل منها احتراماً للدين، إلا باعتباره إحدى مصالحها المكتسبة، ولم يكن لإيطاليا في الحروب الصليبية نصيب كبير، فلم تشترك مدينة البندقية مثلاً في الحرب الصليبية الرابعة إلا لتستولي على القسطنطينية، ولم تكن المدن الإيطالية تنظر إلى هذه الحروب إلا على أنها في الأغلب الأعم فرص تمكنها من إنشاء ثغور، وأسواق، وتجارة في بلاد الشرق الأدنى. وقد أجل فردريك الثاني حملته الصليبية إلى أبعد أجل مستطاع، ثم أقدم عليها وفي قلبه أضعف قسط من العقيدة الدينية. ولسنا ننكر أنه كان في روما رجال ذوو روح دينية رحيمة يساعدون الحجاج على تعهد أضرحة القديسين والاحتفاظ بها، ولكن أصوات هؤلاء الرجال لم تكن تعلو على صخب السياسة وضجيجها.
وإذا ما غضضنا النظر عن البابوية، وجدنا روما في ذلك الوقت مدينة فقيرة، فقد كان انتهاب النورمان إياها خاتمة ستة قرون من الدمار والإهمال، نقص فيها عدد السكان إلى أربعين ألفاً أو نحوها، وكان عددهم في العهد القديم مليونا، ولم تكن مركزاً للتجارة أو الصناعة؛ وبينا كانت مدن إيطاليا الشمالية تتزعم الثورة




صفحة رقم : 5538




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> الولايات البابوية


الاقتصادية، كانت الولايات البابوية لا تزال تتلكأ متوانية في النظام الزراعي الساذج؛ فكانت حدائق الخضر، والكروم، وحظائر الماشية تختلط بالبيوت والخربات داخل أسوار أوريليا. وكانت الطبقات الدنيا من أهل العاصمة تعيش إما من صناعتها اليدوية أو من الصدقات الكنسية؛ أما الطبقات الوسطى فكانت خليطاً من التجار، والمحامين، والمدرسين، ورجال المصارف، وطلاب العلم والقساوسة المقيمين فيها أو الذين يأتون لزيارتها؛ وأما الطبقة العليا فكانت من كبار رجال الدين وكبار الملاك الزراعيين. وكانت العادة الرومانية القديمة، عادة امتلاك الأرض في الريف والإقامة في المدن، لا تزال سائدة. وكان أشراف الرومان قد تجردوا من زمن بعيد من النزعة الوطنية العامة التي تؤلف بين قلوبهم وتدعوهم إلى الدفاع عن أنفسهم، فانقسموا لهذا السبب شيعاً وأحزاباً تتزعمها الأسر الغنية القوية- الفرنجيباني Frangipani، والأرسيني Orsini، والكولنا Colonna، والبيرليوني Pierleoni، والكيتاني Ceatani، والسافلي Savilli، والكرسي Carsi، والكنتي Conti، والأنيبلدي Annibaldi. وجعلت كل أسرة مسكنها قلعة حصينة، وسحلت أفرادها وأتباعها، وكثيراً ما كانت تشتبك هي وغيرها من الأسر في شجار في الشوارع، وتشتبك من حين إلى حين في حروب أهلية. أما البابوات فلم تكن لهم إلا أسلحة روحية قلما يخشاها أحد في روما، وأخذوا يكافحون عبثاً ليحفظوا النظام في المدينة. وكثيراً ما كانوا يتلقون فيها الإهانات، ويعتدي عليهم في بعض الأحيان. وفر كثير منهم إلى أنانيي، أو فيتربو Viterbo أو بروجيا بل إن منهم من فروا إلى ليون وأخيراً إلى أفنيون لينجو من الموت أو يعيشوا في هدوء وسلام.
وكان البابوات يحملون بأن يقيموا حكماً دينياً تكفي أن تكون فيه كلمة الله، كما يفسرونها هم، هي القانون؛ ولكنهم وجدوا أنفسهم لا حول لهم ولا طول بين استبداد الأباطرة وألجركية الأشراف، وديمقراطية الشعب. وحافظت بقايا السوق




صفحة رقم : 5539




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> الولايات البابوية


الكبرى والكبتول بين الرومان على ذكرى جمهوريتهم القديمة، وكانت جهود تبذل من حين إلى حين لإعادة نظم الحكم الذاتي وأشكاله القديمة. وظل الأشراف القدماء يسمون الشيوخ وإن كان مجلس الشيوخ قد اختفى من الوجود. وكان القناصل ينتخبون أو يعينون، وإن لم يكن بيدهم شيء من السلطان، وكانت بعض مخطوطات قديمة، نسيت أو كادت تنسى، تحفظ للبلاد الشرائع الرومانية. وبعث قيام المدن الحرة في شمالي إيطاليا في أهل روما روحاً جديدة، فأخذوا يطالبون بالعودة إلى الحكم الذاتي المدني لا الديني، واختاروا في عام 1143 مجلس شيوخ مؤلف من ستة وخمسين عضواً، وظلوا عدة سنين بعد هذا التاريخ يختارون له أعضاء جدداً في كل عام. وكانت أحوال ذلك الوقت تتطلب صوتاً يرتفع بتغييرها، ووجدت هذا الصوت في رجل من أهل بريشيا Brescia يدعى أرنولد Arnold. وتقول الرواية المتواترة إنه درس على أبيلار Abelard في فرنسا ثم عاد إلى بريشيا راهباً. وبلغ من زهده وتقشفه أن وصفه برنار بأنه رجل "لا يأكل ولا يشرب". وكان شديد التمسك بالدين القويم، ولكنه ينكر صحة العشاء الرباني إذا قدمه القساوسة المذنبون. وكان يرى أن مما يجافي القانون الأخلاقي أن يكون للقس أملاك، ويطالب بأن يعود رجال الدين إلى الفقر الذي كان يتصف به الحواريون، وأشار على الكنيسة بأن تنزل للدولة عن جميع أملاكها المادية وسلطانها السياسي. وأدانه إنوسنت الثني في مجلس لاتران عام 1139 وأمره أن يلزم الصمت، ولكن البابا أو أوجنيوس الثالث Eugenius III عفا عنه على شريطة أن يحج إلى عدد من الكنائس في روما. وكان هذا خطأ كريماً من البابا؛ لأن منظر معالم الجمهورية القديمة ألهب خيال آرنلد، فـأهاب بالرومان وهو واقف وسط خرائب المدينة بأن ينبذوا حكم رجال الدين، ويعيدوا الجمهورية الرومانية (1145). وافتتن الشعب بحماسته فاختار قناصل وتربيونين ليكونوا هم حكامه الحقيقيين، وأقام طائفة من هيئة من الفرسان ليكونوا قادة




صفحة رقم : 5540




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> الولايات البابوية


في جيش إقليمي للدفاع. وسكر أتباع آرنلد بخمرة هذا النصر الهين فلم يكتفوا بنبذ سلطة البابوات الزمنية بل أيضاً سلطة أباطرة الدولة الرومانية الشرقية \في إيطاليا. ثم ذهبوا إلى أبعد من هذا فقالوا إن الجمهورية الرومانية يجب ألا تحكم إيطاليا وحدها بل أن تحكم "العالم" كما كانت تحكمه في الزمن القديم(5). وأعادوا بناء الكبتول، واستولوا على كنيسة القديس بطرس، وأحالوها قلعة، واستولوا على الفاتيكان، وفرضوا الضرائب على الحجاج؛ وفر أوجنيوس الثالث إلى فيتربو وبيزا (1146) بينا كانت القديس برنار يصب اللعنات من كليرفو Clairvaux على شعب روما، ويذكرهم بأن كيانهم موقوف على وجود البابوية، وظلت حكومة روما الذاتية عشر سنين تحكم مدينة القياصرة والبابوات.
واستجمع أوجنيوس الثالث شجاعته وعاد إلى روما في عام 1148، وقصر واجباته وقتاً ما على الواجبات الروحية، وأخذ يهب الصدقات، وكسب بذلك قلوب الشعب. وغضب خليفته هدريان الرابع أشد الغضب من مقتل كردينال في شجار عام، فأصدر قراراً بحرمان العاصمة (1155)، وخشي مجلس الشيوخ أن تقوم في المدينة ثورة لا يستطيع الأشراف تحمل آثارها، فألغي الجمهورية واستسلم إلى البابا. واختبأ آرنلد المطرود من حظيرة الكنيسة في كمبانيا؛ ولما أن اقترب فردريك بربروسه من روما طلب إليه هدريان أن يقبض على هذا الرجل المتمرد؛ وكشف مخبأ آرنلد وقبض عليه، وأسلمه الإمبراطور إلى صاحب شرطة البابا في روما، وشنقه (1155). ثم حرقت جثته، وألقي برماده في نهر التيبر "خشية أن يجمعها الناس ويكرموها بوصفها رماد شهيد" كما يقول أحد معاصريه(6). وعاشت آراؤه بعد موته، وعادت إلى الظهور عند زنادقة لمباردي الباتريين Paterine والوالدنسيين Waldensian، وعند الأليجنسيين في فرنسا، وفي مرسليوس Marsilius من أهل بدوا، وفي زعماء حركة الإصلاح. وظل مجلس الشيوخ قائماً حتى عام 1216 حين أفلح إنوسنت الثالث في أن




صفحة رقم : 5541




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> الولايات البابوية


يستبدل به شيخاً أو شيخين من المناصرين لقضية البابا. وظلت سلطة البابوات الزمنية قائمة حتى عام 1870.
وكانت الولايات البابوية في أوقات مختلفة تشمل أمبريا Umbria بما فيها اسبليتوا Spoleto وبروجيا؛ وأرض التخوم المشتملة على أنكوتا الواقعة على البحر الأدرياوي، ورومانيا Romagna، أو الإقليم الخاضع لحكم روما والمشتمل على مدائن رميني Rimini، وإمولا Imola، ورافنا Ravenna، وبولونيا Bologna، وفرارا Ferrare. وظلت رافنا في هذا الوقت آخذة في الانحطاط، بينا أخذت فرارا تزداد شهرة بحكمة زعمائها من آل إست Este. وقامت في بولونيا حياة ناشطة قوية في ظل حكومتها الذاتية بزعامة رجالها القانونيين العظام خريجي جامعاتها. وكانت من أولى المدائن التي اختارت لها حاكماً ذا سلطان Podesta يتولى الشؤون الداخلية في حكومتها الذاتية، ورئيساً Capitano ليشرف على شئونها الخارجية. وكانت تشترط فيمن يتولى الشؤون الداخلية صفات خاصة: كان يجب أن يكون من الأشراف، وأن يكون من غير أهل المدينة، وأن تزيد سنه على ستة وثلاثين عاماً؛ وألا تكون له أملاك في داخل نطاق البلدة ذات الحكم الذاتي، وألا يكون له أقارب بين الناخبين، وألا يكون من أقارب الحاكم السابق أو من موطنه. وكانت هذه القواعد الغربية التي وضعت لتضمن النزاهة في إدارة شؤون المدينة هي المتبعة في كثير من المدن الإيطالية ذات الحكم الذاتي. أما "رئيس شعب (قبطانه)" فلم يكن يختاره مجلس المدينة، بل يختاره حزب الشعب الذي يسيطر عليه نقابات التجار الطائفية؛ ولم يكن يمثل الفقراء بل كان يمثل طبقة رجال الأعمال. وقد بسط سلطانه في القرون التالية بإضعاف سلطان البودستا، وذلك بعد أن تفوق رجال الطبقة الوسطى الرأسمالية على الأشراف في الثروة والنفوذ.




صفحة رقم : 5542




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> البندقية تنتصر



الفصل الثالث




البندقية تنتصر




1096- 1311


كان إقليم فنيتو Veneto يقع إلى شمال كرارا ونهر البو، وكان هذا الإقليم يفخر بمدائنه الهامة- البندقية، وترفيزو، وبدوا، وفيسنزا، وفيرونا.
وفي هاذ العصر بالذات عظمت قوة البندقية، فأمكنها حلفها من أن تصل إلى ثغور بحر إيجة والبحر الأسود، حتى ليقال إن بنيها الذين كانوا في القسطنطينية في القرن الثاني عشر زادوا على مائة ألف، وإنهم كانوا يعيشون الرعب في أحد أحياء المدينة بوقاحتهم ومشاحناتهم. ثم انقلب مانيول Manuel إمبراطور الروم فجأة على البنادقة المقيمين في عاصمته، وألقي القبض على عدد كبير منهم، وأمر بان تصادر بضائعهم كلها (1171)، وكان أهل جنوى هم الذين حرضوه على هذا العمل غيرة منهم وحسداً. وأعلنت البندقية الحرب، وأخذ أهلها يعملون ليلاً ونهاراً لإنشاء أسطول، فلما كان عام 1171 قاد الدوج فيتالي الثاني Doge Vitale Michieli II عمارة بحرية مؤلفة من 130 سفينة لقتال جزيرة عوبية Euboea ليتخذوها قاعدة بحرية لأعماله المقبلة ضد المضيقين. ولكن جنوده أصيبوا وهم على سواحل عوبية بمرض يقال إن سببه تسميم اليونان موارد الماء في الجزيرة! وهلك منهم آلاف مؤلفة بلغ من كثرتها أن السفن لم تجد بعد ذلك من يحاربون على ظهرها. وقاد الدوج عمارته عائداً إلى البندقية، وفشا الطاعون فيها وأهلك عدداً كبيراً من أهلها؛ ولما أن اجتمعت الجمعية وجهت اللوم إلى الدوج على هذه الكوارث، وأصيب بطعنة قاتلة (1172)(7). ومن واجبنا ألا نغفل عن هذه الكوارث حين ندرس ما حدث في الحملة الصليبية الرابعة، والثورة الألجركية التي غيرت دستور البندقية.




صفحة رقم : 5543




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> البندقية تنتصر


وخشي كبار التجار أن تنهار إمبراطوريتهم التجارية إذا دامت هذه الهزائم، فعقدوا النية على أن ينتزعوا من الجمعية العمومية حق انتخاب الدوج، وأن ينشئوا مجلساً من صفوة الأهلين يكون أقدر على بحث شؤون الدولة وتصريفها، وعلى الوقوف في وجه أهواء الشعب واستبداد الدوج، ثم أقنعوا أكابر قضاة الجمهورية الثلاثة بأن يعينوا لجنة تضع للبلاد دستوراً جديداً. وأوصت هذه اللجنة في تقريرها أن يختار كل حي من أحياء دولة المدينة الستة اثنين من كبار الأهلين يختار كل منهم أربعين من خيرة الرجال، وأن يتألف من الأربعمائة والثمانين عضواً الذين يختارون على هذا النحو مجلس أعظم Maggior Conscglio يكون هو الهيئة التشريعية العامة للأمة ثم يختار المجلس الأعظم ستين عضواً من أعضائه يكونون مجلس الشيوخ الذي يشرف على الشؤون التجارية والمالية والعلاقات الخارجية. وكان من هذه التوصيات ألا تجتمع الأرنجو Arrengo أي الجمعية الشعبية إلا للتصديق على اقتراحات الحرب والسلم أو رفضها، وأن يختار رجل من كل حي من الأحياء الستة يتألف منهم جميعاً مجلس خاص يحكم الدولة إذا ما أصبح عرش الدوج شاغراً، وكان لابد من أن يقر هذا المجلس كل عمل حكومي يقوم به الدوج لكي يصبح هذا العمل مشروعاً. واختار أول مجلس أعظم انتخب بالطريقة السالفة الذكر أربعة وثلاثين من أعضائه، اختاروا من بينهم أحد عشر عضواً، عقدوا اجتماعاً علنياً في كنيسة سان ماركو اختاروا فيه الدوج (1173). ورفع الشعب عقيرته باحتجاج لحرمانه من حق اختيار رئيس الدولة، ولكن الدوج الجديد وجه الاضطراب وجهة أخرى بأن نثر النقود على الجموع المحتشدة(8)، ولما اختار المجلس الأعظم أنريكو دنوولو Enrico Dandolo دوجاً في عام 1192 طلب إليه أن يقسم في يمين تتويجه أن يطيع جميع قوانين الدولة، وبهذا أضحت ألجركية التجارة صاحبة السلطة العليا في البلاد.




صفحة رقم : 5544




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> البندقية تنتصر


وأثبت دندولو، وكان وقت اختياره في الرابعة والثمانين من عمره، أنه من أقدر الزعماء في تاريخ البندقية؛ فقد استطاعت البندقية في أيامه، وبفضل سياسته المكيفلية، وبسالته الشخصية، أن تثأر لنفسها من الكارثة التي حلت بها عام 1171، فتستولي على القسطنطينية وتنهبها في عام 1204، وبهذا أصبحت البندقية القوة المسيطرة على الجزء الشرقي من البحر المتوسط، والبحر الأسود؛ وانتقلت الزعامة التجارية في أوربا من بيزنطية إلى إيطاليا. وساعد أهل جنوى في عام 1261 اليونان على استعادة القسطنطينية، وكوفئوا على عملهم هذا بأن منحوا فيها ميزات تجارية؛ ولكن أسطول البندقية هزم أسطول جنوى بالقرب من صقلية بعد ثلاث سنين من ذلك الوقت، وأرغم إمبراطور الروم على أن يرد إلى البندقية مركزها الممتاز في عاصمة ملكه.
وتوجت الألجركية الظافرة هذه الانتصارات الخارجية بضربة دستورية جديدة. فقد عرض الدوج بيترو جرادنجو Pietro Gradenigo في عام 1297 على المجلس الأعظم اقتراحاً، حمله على الموافقة عليه، يقضي بألا يختار لعضوية هذا المجلس إلا من كان من أعضائه منذ عام 1293 أو كان من أبنائهم الذكور(9). وكان من أثر "إغلاق المجلس" في وجه المواطنين أن حرمت الكثرة الغالبة من الشعب من الوظائف العامة، وأن وجدت طبقة مغلقة لا يستطيع الانتماء إليها إلا أبناء أعضائها. وأنشئ "كتاب ذهبي" Libro d'oro لتسجيل عقود الزواج والوفيات بين أفراد هذه الطبقة الأرستقراطية ليضمن به نقاءها واحتكارها للسلطان، وبهذا جعلت الألجركية التجارية نفسها ألجركية المولد. ولما أن دبر الشعب ثورة على هذا الدستور الجديد، سمح لزعمائه بأن يدخلوا قاعة المجلس ثم شنقوا من فورهم.
ولا يسعنا إلا أن نقر بأن هذه الألجركية السافرة القاسية قد أحسنت الحكم، فقد كانت في محافظتها على الأمن والنظام، وفي حسن توجيهها للسياسة العامة،




صفحة رقم : 5545




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> البندقية تنتصر


وفي العمل على استقرار القانون وبسط سلطانه، تفضل غيرها من المجتمعات الإيطالية في العصور الوسطى. وسبقت القوانين التي سنتها البندقية لتنظيم أعمال الأطباء والصيادلة أمثالها في فلورنس بنصف قرن من الزمان؛ وحرمت القوانين في عام 1301 قيام الصناعات المضرة بالصحة بين المساكن، وأخرجت من البندقية جميع الصناعات التي تنفث الدخان المؤذي في الهواء. وكانت قوانين الملاحة شديدة مفصلة، كما كانت جميع الواردات والصادرات خاضعة لرقابة الدولة وسيطرتها، وكانت التقارير الدبلوماسية تعني بأحوال التجارة أكثر من عنايتها بالشؤون السياسية، وأصبحت الإحصاءات الاقتصادية للمرة الأولى جزءاً من الحكم في هذه المدينة(10).
وكادت الزراعة تكون غير معروفة في البندقية، أما الصناعات اليدوية فكانت متقدمة لأن هذه المدينة استوردت من مدن البحر المتوسط القديمة فنوناً وحرفاً كادت تقضي عليها الاضطرابات السياسية في الغرب، واشتهرت مصنوعات الحديد، والشبه، والزجاج، والأقمشة المنسوجة من خيوط الذهب والحرير، واشتهرت كلها في القارات الثلاث، وأكبر الظن أن بناء القوارب للتنزه، أو الاتجار، أو الحرب كان أعظم صناعات البندقية. وقد وصلت هذه الصناعة إلى مرحلة الإنتاج الرأسمالي بالجملة، والتمويل الجماعي، وكادت تصل إلى المرحلة الاشتراكية لسيطرة أكبر عميل لهذه الصناعة وهو الدولة. وكانت سفائن جمالية المنظر عالية الجؤجؤ، منقوشة الأشرعة، في بعضها مائة وثمانون مجذافاً تربط البندقية بالقسطنطينية، وصور، والإسكندرية، ولشبونة، ولندن، وعشرات من المدن الأخرى بسلسلة ذهبية من المرافئ والمتاجر. وكانت بضائع من وادي البو تصل إلى البندقية كي يعاد شحنها منها إلى الخارج؛ وكانت بضائع مدن نهر الرين تأتيها بعد أن تجتاز جبال الألب لتنتشر من موانيها في عالم البحر المتوسط؛ وكان مصفق المدينة Rialto أكثر الأماكن حركة في سائر أنحاء أوربا،




صفحة رقم : 5546




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> البندقية تنتصر


يزدحم بالتجار، والملاحين ورجال المصارف القادمين من مائة قطر، ولم تكن ثروة شمالي أوربا تضارع غناء هذه المدينة التي يرتبط كل شيء فيها بعجلة التجارة والمال، والتي كانت السفينة الواحدة من سفنها التي ترسل إلى الإسكندرية تعود منها بربح يعادل ألفاً في المائة من المال المستثمر في بضائعها- إذا لم تلاق عدواً، أو قرصاناً، أو عاصفة مدمرة(11). وقصارى القول أن البندقية كانت أغنى المدن الأوربية في العصور الوسطى، ولعلها لم يكن يضارعها في ثرائها إلا المدائن الصينية التي وصفها ماركو بولو ابن البندقية وصفاً لا نستطيع تصديقه.
إلا أن العقيدة تضمحل كلما زادت الثرة. ولقد كان البنادقة يكثرون من استخدام الدين في الحكم، ويواسون من لا أصوات لهم في إدارة الشؤون العامة بالمواكب ويمنونهم بجنة النعيم؛ غير أن الطبقات الحاكمة قلما كانت تسمح للمسيحية أو للحرمان من حظيرة الكنيسة بأن يعترض سبيل الحرب أو الأعمال المالية، فقد كان شعارها "نحن بنادقة، ونحن بعد ذلك مسيحيون Siamo Veneziani poi Cristiani"(12)، وتطبيقاً لهذا الشعار لم يكن لرجال الدين نصيب ما في الحكم(13)، وكان التجار البنادقة يبيعون السلاح والرقيق، ويمدون المسلمين الذين يقاتلون المسيحيين بالمعلومات الحربية(14). وكان شيء من التسامح يصحب هذا الحرص على الكسب المتميز بسعة الأفق؛ فقد كان في وسع المسلمين أن يأتوا إلى البندقية وهم آمنون، وكان اليهود- وخاصة في الجيودكا Giudecca جزيرة أسبنالنجا Spinalunga يقيمون شعائر دينهم في معابدهم وهم آمنون.
وقد ندد دانتي بـ"فجور البنادقة الطليق"(15)، ولكن ليس من حقنا أن نصدق ما يوجهه من نقد رجل يصب اللعنات ذات اليمين وذات الشمال. وأكثر من أقوال دانتي دلالة على أخلاق البنادقة تلك العقوبات الصارمة الواردة




صفحة رقم : 5547




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> البندقية تنتصر


في الشرائع البندقية لتوقع على الآباء الذين يحرضون أبناءهم على الفسق، وتلك القوانين التي تكرر وضعها بلا جدوى لمنع الارتشاء في الانتخابات(16). والصورة التي تنطبع في أذهاننا منها هي صورة أرستقراطية صارمة ساطعة اعتادت منظر بؤس الجماهير فلم تعد تتأثر به؛ وسوقة تخفف من حدة الفقر بمباهج الحب الطليق. ونحن نسمع منذ عام 1094 عن مواكب "الكرنفال" وذكرت "المساخر" لأول مرة في عام 1228؛ وفي عام 1296 جعل مجلس الشيوخ اليوم السابق للصوم الكبير عيداً شعبياً. يزدان فيه السكان- رجالاً ونساء- بأغلى أثوابهم وأبهى زينتهم، فكانت النساء ذوات الثراء يتوجن أنفسهن، بتيجان أو قلانس أو عمائم منسوجة بخيوط الذهب، تتلألأ عيونهن تحت أقنعة من نسيج الذهب أو الفضة، وفي أعناقهن عقود من اللؤلؤ، وفي أيديهن قفاوات من جلد الشموا Chamois أو نسج الحرير، وفي أقدامهن أخفاف أو أحذية من الجلد، أو الخشب، أو الفلين، حمراء اللون أو ذهبية؛ وأثوابهن من نسيج التيل الرفيع أو الحرير العادي أو المشجر أو المطرز، والمنثورة، عليه الجواهر، يكشف عن أعناقهن وما تحت أعناقهن، فكن بذلك فتنة لأهل زمانهن وشاهداً على ما فيه من فضائح وآثام. وكن يضعن على رؤوسهن شعراً مستعاراً، ويستعملن الأدهان الملونة والمساحيق، ويصمن لكي تصبح أجسامهن نحيلة رشيقة(17). وكن يسرن بكامل حريتهن وسط الجماهير في أي وقت يردن، ويشتركن في غواية وخفر في حفلات اللهو والتنزه في القوارب، ويستمعن في سرور إلى الشعراء الغزلين الذين أدخلوا أساليب الغناء البروفنسية في موضوعات الحب الأبدية.
ولم يكن البنادقة يميلون في هذا الوقت إلى الثقافة. نعم إنهم كانت لهم مكتبة عامة طيبة، ولكن أنهم قلما كانوا يفيدون منها، ولم يسهموا بنصيب في العلوم، ولم يخلفوا وراءهم شعراً خالداً ظهر في وسط هذا الثراء المنقطع النظير.




صفحة رقم : 5548




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> البندقية تنتصر


وكانت المدارس كثيرة عندهم في القرن الثالث عشر، ولدينا ما يدل على أنهم كانوا يعطون الطلاب الفقراء منحاً تمكنهم من مواصلة الدرس، ولكننا نعرف أنه كان لديهم في القرن الرابع عشر قضاة لا يعرفون القراءة(18). وكانوا يقدرون الموسيقى أعظم تقدير، أما الفن فلم يكن قد وصل إلى الدرجة العالية التي بلغها فيما بعد؛ غير أن الثراء كان يأتي إلى البندقية بالفن من بلاد كثيرة، وكان ذوق الأهلين آخذاً في الارتقاء؛ وكانت أسسه توضع في هذه الفترة وبخاصة فن الزجاج، وقد بقي لهم بعض ما كان للرومان الآخرين من حذق فيه.
وليس من حقنا أن نصور البندقية في ذلك العصر بتلك الصورة الجميلة التي وجدها عليها فاجنر Wagner أو نتشه في القرن التاسع عشر. فقد كانت بيوتها مقامة من الخشب، وشوارعها من الأرض العادية؛ وإن كان طريق سان ماركو قد رصف بالآجر في عام 1172؛ وكان الحمام موجوداً في المدينة منذ عام 1256. وبدأ البنادقة يقيمون الجسور على القنوات وكان أصحاب القوارب ينقلون الناس في القناة العظمى. أما القنوات الجانبية الصغرى فالراجح أنها كانت أقل بهجة مما هي عليه الآن؛ ذلك أن النضوج الكامل في كل شيء يتطلب بعض الوقت. غير أن ما في الشوارع والقنوات من عيوب لا يمكن أن يحجب عن العين عظمة مدينة ترتفع جيلاً بعد جيل من مناقع البحر الضحل وضبابه، أو يحول بين الإنسان وبين الدهشة من شعب يدفع هامته من الخراب والعزلة ليغطي سطح البحر بسفنه ويجبي المال ويستورد الجمال من نصف العالم.
وكانت مدينة ترفيزو Treviso وتخومها تقع بين البندقية وجبال الألب، ولن نقول عن هذه المدينة إلا أن أهلها كانوا يجبون الحياة حباً جماً، ويسمونها بلد الحب ويقولون إن المدينة احتفلت في عام 1214 بعيد




صفحة رقم : 5549




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> البندقية تنتصر


قصر الحب، فأقيم قصر من الخشب علقت فيه الطنافس والأقمشة المزركشة، وتيجان الزهر، وجاءت نساء المدينة فأمسكن بالقصر وهن مسلحات بالماء المعطر، والفاكهة، والأزهار، ثم أقبل الفرسان الشبان من أهل البندقية ينافسون شباب بدوا المرح الجريء في حصار السيدات، ويمطرونهن وابلا مماثلاً لقذائفهن؛ ويقال إن البنادقة كسبوا المعركة بأن خلطوا الأزهار بقطع النقود الذهبية. ومهما يكن سبب هذا النصر فقد سقط الحصن وحامياته الحسان في أيديهم(19).




صفحة رقم : 5550




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> من منتوا إلى جنوى



الفصل الرابع




من منتوا إلى جنوى


كانت المدائن الشهيرة في لمباردية تحكم السهول الواقعة في غرب فنيتو والمحصورة بين نهر البو وجبال الألب وهي: منتوا، وكرمونا، وبريشيا، وبرجامو، وكومو، وميلان، وبافيا. وكانت في جنوب نهر البو، في المقاطعة باسم إميليا Emilia في هذه الأيام، مدائن مودينا، ورجيو، وبارما، وبياسنزا، ولسنا نعتقد أن من يحبون إيطاليا سيملون من تكرار هذه الأسماء على مسامعهم. وكانت ولاية بيدمونت Piedmont المحصورة بين لمباردية وفرنسا تضم فرسلي Vercelli وتورين، وفي جنوبي هاتين البلدتين كانت تنحني حول خليج جنوى ومدينة جنوى نفسها. وثروة هذا الإقليم هدية من نهر البو الذي يخترق شبه الجزيرة من الغرب إلى الشرق، يحمل المتاجر، ويملأ القنوات ويروي الحقول. وكان نشاط الصناعة والتجارة في هذه المدن هو الذي حباها بالثروة والعزة اللتين جعلتاها تغض الطرف في معظم الأوقات عما كان للإمبراطور الألماني من سيادة اسمية عليها وأمكناها من أن تخضع الأشراف شبه الإقطاعيين المقيمين خلفها.
وكانت كنيسة كبرى تقوم عادة في وسط كل بلدة من هذه البلدان الإيطالية، لكي تخلع البهجة والسرور على الحياة بمواكب التقي وقوة الأمل. وكان إلى جانبها مكان التعميد الدال على تمتع الطفل بمزايا المواطنية المسيحية وتبعاتها، وبرج الأجراس التي تدعو الناس إلى العبادة أو الاجتماع أو حمل السلاح. وفي الميدان العام المجاور للكنيسة الكبرى كان الفلاحون والصناع يعرضون




صفحة رقم : 5551




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> من منتوا إلى جنوى


بضاعتهم، والممثلون، واللاعبون على الحبال ونحوها، والشعراء الجائلون يمثلون أدوارهم، والمنادون يعلنون ما يريدون، والمواطنين يثرثرون بعد قداس أيام الآحاد، والشبان أو الفرسان يتبارون في الألعاب الرياضية أو البرجاس. وكانت قاعة عامة للمدينة، وبضعة حوانيت وبيوت ومساكن مشتركة يتكون منها سياج من الآجر حول الميدان. ومن هذا المكان الوسط تمتد الشوارع المتعرجة الملتوية التي يبلغ من ضيقها أنه إذا سار فيها راكب فر س أو مرت بها عربة اضطر الراجلون إلى الانزواء في مدخل بيت أو الالتصاق بجدار. ولما تقدم القرن الثالث عشر وازدادت ثروة الأهلين استخدمت قطع القرميد في تسقيف البيوت المطلية جدرانها بالمصيص فراق منظرها في أعين من يستطيعون نسيان الوحل والروائح الكريهة. وكان الميدان والشوارع الكبرى دون غيرها هي المرصوفة، وكان يحيط بالمدينة سور ذو أبراج وشرفات لأن الحروب كانت كثيرة في تلك الأيام، وكان من واجب الإنسان أن يعرف كيف يقاتل إذا لم يشأ أن يكون راهباً.
وكانت ميلان وجنوى أكبر هذه المدن كلها. وكانت جنوى- الفخمة كما كان يسميها أحباؤها- ذات موقع ممتاز للعمل والمتعة. فقد كانت تقوم على تل مواجه للبحر الذي يغري بالاتجار، وتستمع بجو الرفييرا الدافئ الذي يمتد إلى رابلو Rapallo في الشرق وسان ريمو San Remo في الغرب. وكانت جنوى منذ أيام الرومان ثغراً نشيط الحركة، ولهذا كان سكانها تجاراً، وصناعاً، ورجال المصارف، وصناع السفن، وبحارة، وجنوداً، وساسة. ونقل مهندسو جنوى الماء النقي إليها من الألب الليجورية Ligurian Alps في قناة مسقفة لا تقل عن قنوات روما القديمة، وأقاموا حاجزاً ضخماً في الخليج المسمى باسمها ليجعلوا مرفأها العظيم آمناً في أثناء العواصف والحروب. وقلما كان أهل جنوى يعنون بالآداب أو الفنون في تلك الأيام؛ شأنهم في هذا شأن البنادقة المعاصرين لهم؛ فقد كانوا يصرفون جهودهم كلها في التغلب على منافسيهم وارتياد سبل جديدة




صفحة رقم : 5552




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> من منتوا إلى جنوى


للكسب. وكاد مصرف جنوى يكون هو الدولة، فقد كان يقرض المدينة المال بشرط أن يحصل هو إيرادتها، وكان بفضل سلطانه هذا يسيطر على الحكومة، وكان كل حزب يتولى السلطة يتعهد بأن يكون وفياً مخلصاً للمصرف؛ ولكن أهل جنوى كان لهم من الشجاعة بقدر ما لهم من حب الكسب، فقد تعاونوا مع أهل بيزا على إخراج المسلمين من غربي البحر المتوسط (1015-1113)، ثم حاربوا بيزا حروباً منقطعة حتى قضوا على القوة المنافسة لهم في واقعة ملوريا Meloria البحرية (1284). وجندت بيزا في هذه الحرب الأخيرة كل من كان فيها من الرجال بين العشرين والستين من العمر، كما جندت جنوى كل من كان فيها بين الثامنة عشرة والسبعين. وتلك حقيقة في وسعنا أن نعرف منها روح ذلك العصر وحالته النفسية. وكتب الراهب سلمبيني Salimbene في ذلك يقول "بين أهل بيزا وأهل جنوى، وكذلك بين أهل بيزا وأهل لوكا Lucca، الحقد والاشمئزاز الطبيعي بقدر ما بين الآدميين والأفاعي"(21). وظل الرجال يقتتلون يداً بيد في هذه الواقعة الأخيرة التي حدثت في البحر قرب ساحل قورسقة حتى هلك نصف المحاربين "وارتفعت في جنوى وبيزا أصوات الحزن والعويل كما لم ترتفع في هاتين المدينتين من يوم أنشئنا إلى أيامنا هذه"(22). ولما علم أهل لوكا وفلورنس الأخبار بالكارثة التي حلت ببيزا وفلورنس ظنوا أنهم قد لاحت لهم أحسن فرصة لإرسال حملة لقتال تلك المدينة البائسة، ولكن البابا الرابع أمرهم أن يكفوا عن القتال، واندفع أهل جنوى في هذه الأثناء نحو الشرق وتضاربت مصالحهم مع مصالح البنادقة، فنشأت بينهم أشد الأحقاد، وتنازع أهل المدينتين في عام 1255 على امتلاك عكا، وانحاز فرسان المستشفى في المعركة إلى جانب أهل جنوى، كما انضم فرسان المعبد إلى البنادقة؛ وسقط في هذه المعركة وحدها عشرون ألف رجل(23)، وكانت سبباً في تحطم وحدة المسيحيين في بلاد الشام، ولعلها هي التي قررت




صفحة رقم : 5553




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> من منتوا إلى جنوى


إخفاق الحروب الصليبية. وظل النزاع قائماً بين جنوى والبندقية حتى عام 1379، حين منيت جنوى بهزيمة ساحقة لا تقل في ذلك عما لحق ببيزا على يديها قبل ذلك بمائة عام.
وكانت ميلان أغنى مدائن لمباردية وأقواها؛ وكانت من قبل إحدى العواصم الرومانية، ولهذا كانت تفخر بقدم عهدها وتقاليدها. ذلك أن قناصل جمهوريتها قد تحدوا الأباطرة، وأساقفتها تحدوا البابوات، وآوى أهلُها الملحدين الذين تحدوا المسيحية نفسها أو اشتركوا معهم في إلحادهم. وكان فيها في القرن الثالث عشر مائة ألف من الأهلين، وثلاثة عشر ألف بيت وألف حانة(24). وكانت هي مولعة بالحرية حريصة عليها، فلم تتخل عنها راضية إلى غيرها، وكان جنودها يطوفون بالطرق ليرغموا القوافل، أياً كانت وجهتها، على أن تعرج على ميلان أولاً. وقد دمرت كومو ولودي Lodi، وحاولت أن تخضع بيزا، وكرمونا، وبافيا، ولم تركن إلى السكون حتى سيطرت على جميع تجارة نهر البو(25). ووقف رجلان من أهل لودي أمام كنستانس عام 1154 وتوسلوا إلى فردريك بربروسه أن يحمي مدينتهم؛ وبعث الإمبراطور إلى ميلان يحذرها من مواصلة العدوان على لودي؛ فرفضت المدينة رسالته في سخرية ووطئتها بالأقدام. واغتنم فردريك هذه الفرصة ليحقق رغبته التي طالما تاقت نفسه إليها وهي تدمير ميلان (1162)، ولم تمض خمس سنين على هذا التدمير حتى أعاد الباقون من أهلها هم وأصدقاؤهم بناء المدينة، وابتهجت لمباردية جميعها ببعثها، ورأت فيه رمزاً لتصميم إيطاليا علة ألا يحكمها قط ملك ألماني. وخضع فردريك، ولكنه قبل أن يموت زوج ابنه هنري السادس من كنستانس ابنة روجر الثاني ملك صقلية؛ ووجدت العصبة اللمباردية في ابن هنري رجلاً أشد رهبة من فردريك.




صفحة رقم : 5554




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> الصليبي المحروم



الفصل الخامس




فردريك الثاني




1194 - 1250




1- الصليبي المحروم


كانت كنستانس في سن الثلاثين حين تزوجت هنري، وكانت في الثانية والأربعين حين ولدت ابنها الوحيد. وخشيت أن يرتاب الناس في حملها وفي شرعية طفلها فأمرت بأن تنصب خيمة في السوق العامة. أييزي Iesi (القريبة من أنكونا)؛ وفيها وعلى مرأى من الحاضرين جميعاً ولدت الغلام الذي أصبح فيما بعد أكثر الناس فتنة في القرن الأخير من العصور الوسطى. وكان يجري في عروق الوليد دم ملوك النورمان الإيطاليين ممتزجاً بدماء أباطرة هوهنستاوفن الألمان.
وكان في الرابعة من عمره حين توج في بالرم ملكاً على صقلية (1198) ؛ وذلك لأن والده مات قبل عام من ذلك الوقت ثم ماتت والدته بعد عام من تتويجه. وأوصت قبل موتها أن يكون البابا وصياً على ابنها ، وأن يتولى تعليمه وحمايته السياسية ، وعرضت عليه في نظير ذلك راتباً مجزياً ، وأن ينوب عنه في الحكم، وأن تعاد له السيادة على صقلية. وقبل البابا هذا العرض مسروراً ، واستخدم مركزه في إنهاء ذلك الاتحاد بين صقلية وألمانيا الذي أقامه والد فردريك؛ ذلك أن البابوات كانوا يخشون بحق قيام دولة كبرى تحيط بولايات البابا من جميع الجهات ، وتكون في الواقع سجناً للبابوية وصاحبة السلطان عليها. وأعد إنوسنت العدة لتعليم فردريك، ولكنه أيد أتو الرابع في أن يتولى عرش ألمانيا. وشب فردريك محوطاً بالإهمال وبالفقر في بعض الأحيان، حتى كان ذوو القلوب




صفحة رقم : 5555




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> الصليبي المحروم


الرحيمة من أهل بالرم يأتون الطعام لهذا الغلام الملكي البائس(26). وكان يسمح له بأن يجري في شوارع العاصمة المتعددة الأجناس واللغات وفي أسواقها كما يشاء، وأن يختار أصدقاءه كما يشتهي. ولم يتلق الغلام تعليماً منتظماً، ولكن عقله المتعطش للمعرفة كان يتعلم من كل ما يرى ويسمع، حتى لقد دهش العالم فيما بعد من اتساع معلوماته ودقتها. فقد تعلم في تلك الأيام وبالطريقة السالفة الذكر اللغتين العربية واليونانية، وبعض معارف اليهود، وعرف في أيام شبابه خلقاً من شعوب مختلفة، ذوي ملابس، وعادات، وعقائد متباينة، ولم يتخل قط عن عادة التسامح التي ألفها في صغر سنه. وقرأ كثيراً من كتب التاريخ، وأصبح كاتباً بليغاً ومثاقفاً ماهراً، ومغرماً بالخيل والصيد. وكان قصير القامة، قوي البنية، "ذا وجه جميل جذاب"(27)، وشعر ملو أحمر طويل، نشيطاً، فخوراً، سريع البت في الأمور. ولما بلغ الثانية عشرة من عمره، فصل الرجل الذي انتدبه البابا لينوب عنه في الوصاية عليه وتولى زمام الأمور بنفسه. وبلغ الحلم في الرابعة عشرة وتزوج في الخامسة عشرة من كنستانس الأرغونية Constance of Aragon، وشرع يعمل ليسترد عرش الإمبراطورية.
وواتاه الحظ فنال بغيته، ولكن ذلك لم يكن من غير ثمن. وتفصيل ذلك أن أتو الرابع نقض العهد الذي قطعه على نفسه بأن يحترم سيادة البابا في الولايات البابوية، فحرمه البابا من الكنيسة، وأمر بارونات الإمبراطورية وأساقفتها أن يختاروا لعرشها فردريك الشاب الذي تحت وصايته "لأن له حكمة الشيوخ وإن كان لايزال في سن الشباب"(28). ولكن إنوسنت، وقد مال فجأة إلى فردريك، ولم يتحول عن غرضه الأول وهو حماية البابوية من كل عدوان عليها. ولهذا طلب إلى فردريك نظير تأييده إياه (1212) أن يتعهد له أن تظل صقلية إقطاعية للبابوات تؤدي لهم الجزية، وأن يحمي الولايات البابوية من كل عدوان؛ وأن تظل "الصقليتان"- وهما إيطاليا الجنوبية النورمانية والجزيرة- منفصلتين




صفحة رقم : 5556




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> الصليبي المحروم


انفصالاً دائماً عن الإمبراطورية؛ وأن يقيم في ألمانيا بوصفه إمبراطوراً عليها، ويترك الصقليتين لابنه الطفل هنري ليكون ملكاً على صقلية، وأن ينوب عنه في حكمها نائب يعينه إنوسنت؛ وتعهد فردريك فضلاً عن هذا كله أن يحافظ على جميع حقوق رجال الدين وسلطانهم في دولته، وأن يعاقب المارقين، وأن يحمل الصليب ويخرج إلى الحرب الصليبية. ودخل فردريك ألمانيا بعد أن أمده البابا بالمال اللازم لرحلته ورحلة حاشيته. وكانت لاتزال تحت سلطان جيوش أتو. لكن هذه الجيوش منيت بالهزيمة في بوفين على يدي فيليب أغسطس؛ فانهارت مقاومة أتو، وتوج فردريك إمبراطوراً باحتفال فخم مهيب في آخن (1215). وفيها جدد الوعد الذي قطعه على نفسه من قبل بأن يشن حرباً صليبية. وتأثر كثير من الأمراء بحماسة النصر الذي ناله الشاب فأقسموا يميناً مثل يمينه. وخيل إلى ألمانيا حيناً من الدهر أنه داود ثان بعثه الله لينقذ أورشليم بلد داود من ورثة صلاح الدين.
لكن الأمور لم تسر بالسرعة المطلوبة، فقد حشد هنري أخو أتو جيشاً ليخلع به فردريك، ووافق هونوريوس الثالث Honorius III البابا الجديد على أن يدافع الإمبراطور الشاب عن عرشه. وانتصر فردريك على هنري، ولكنه تورط وقتئذ في الشؤون السياسية للإمبراطورية، ويلوح أنه كان يحن إلى موطنه الأول في إيطاليا، فقد كان دم الجنوب وحرارة الجنوب ممتزجين بطبعه، وكانت ألمانيا تضايقه. وقد أعطى البارونات سلطات إقطاعية واسعة، ومنح عدداً من المدن عهوداً بالحكم الذاتي، وعهد بحكم ألمانيا إلى إنجلبرت كبير أساقفة كولوني، وهرمان السالزي Herman of Salza الرجل الحازم القدير كبير الفرسان التيوتون. وتمتعت ألمانيا بالسلم والرخاء في السنين الخمس والثلاثين التي تولى فيها العرش على الرغم من إهماله الظاهري لشؤونها. وبلغ من رضاء البارونات




صفحة رقم : 5557




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> الصليبي المحروم


والأساقفة عن سيدهم الغائب أن توجوا مرضاه له ابنه هنري البالغ من العمر سبع سنين "ملكاً على الرومان" - أي وارثاً لعرش الإمبراطورية (1220). وعين فردريك نفسه في الوقت عينه نائباً في صقلية عن هنري الذي بقى وقتئذ في ألمانيا. وبدل هذا العمل خطط إنوسنت تبديلاً تاماً، ولكن إنوسنت كان قد فارق هذا العالم. وخضع هونوريوس للأمر الواقع، ولك يكتف بالخضوع له بل توج فردريك إمبراطوراً في روما، لأنه كان شديد الرغبة في أن يرحل فردريك من فوره لإنقاذ الصليبيين في مصر. لكن بارونات إيطاليا الجنوبية ومسلمي صقلية خرجوا عليه وقتئذ، وقال فردريك إنه لابد له أن يعيد النظام في مملكته الإيطالية قبل أن يخاطر بالغياب عنها زمناً طويلاً. يضاف إلى هذا أن زوجته ماتت في ذلك الوقت (1222). وأراد هونوريوس أن يغريه بأن يبرّ بقسمه فأقنعه بأن يتزوج إزابلا Isabella، وارثة عرش أورشليم الضائعة، ووافق فردريك على هذا الزواج وأضاف لقب "ملك أورشليم" إلى لقبيه الآخرين وهما ملك صقلية وإمبراطور الدولة الرومانية المقدسة. ثم أخرت سفره مرة أخرى متاعب قامت في المدن اللمباردية. ومات هونوريوس في عام 1227 واعتلى عرش البابوية جريجوري التاسع الرجل الصارم القوي الشكيمة. وأخذ فردريك وقتئذ يعد العدة في جد، فأنشأ أسطولاً عظيماً، وحشد أربعين ألفاً من المحاربين الصليبيين في برنديزي، لكن وباء مروعاً فشا في جيشه، مات منه آلاف، وفرَّت منه آلاف أكثر منها. وأصيب بهذا الوباء الإمبراطور نفسه، وكبير قوَّاده لويس الثورنجيائي Louis of Thuringia. ومع هذا فقد أصدر فردريك أمره بالرحيل، ومات لويس، وساءت حال فردريك، وأشار عليه أطباؤه ومن كان معه من كبار رجال الدين بأن يعود إلى إيطاليا، فعمل بمشورتهم، وطلب العلاج من مرضه في بزيولي Pozzuoli. ونعد صبر البابا جريجوري؛ فلم يستمع إلى أقوال رسل فردريك وأعلن في العالم حرمان الإمبراطور.




صفحة رقم : 5558




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> الصليبي المحروم


وبعد سبعة اشهر من ذلك الوقت أبحر فردريك إلى فلسطين (1228) وهو لا يزال مطروداً من حظيرة الدين. فلما سمع جريجوري بوصوله بلاد الشام أحل رعايا فردريك وابنه هنري من يميني الولاء لهما، وأخذ يعمل لخلع الإمبراطور. وعد نائب فردريك في إيطاليا هذه الأعمال إعلاناً للحرب من جانب البابا، فهاجم الولايات البابوية. ورد جريجوري على هذا العمل بأن أرسل جيشاً لغزو صقلية، وأشاع الرهبان أن فردريك قد مات؛ وما لبث جزء كبير من صقلية وإيطاليا الجنوبية أن سقط في يدي البابا. ووصل مندوبان عن البابا من رهبان الفرنسسكان مدينة عكا بعد أن وصلها فردريك بزمن قليل، وحرما على كل رجل في صفوف المسيحيين أن يطيع أمر الرجل الطريد. ودهش الكامل قائد جيوش المسلمين إذ وجد حاكماً أوربياً يعرف اللغة العربية، ويقدر الآداب والعلوم والفلسفة العربية أعظم التقدير، فعقد صلحاً مواتياً مع فردريك، دخل على أثره الإمبراطور بيت المقدس فاتحاً دون أن يريق في هذا الفتح قطرة دماء. ولم يجد فردريك من رجال الدين من يرضى بتتويجه ملكاً على بيت المقدس فما كان منه إلا أن توج نفسه كنيسة الضريح المقدس. وأعلن أساقفة قيصرية أن وجود فردريك في الضريح والمدينة قد دنسهما، فحرما إقامة الخدمات الدينية في بيت المقدس وعكا. وترامى إلى بعض فرسان المعبد أن فردريك يعتزم زيارة المكان الذي يقال إن المسيح قد عمد فيه في نهر الأردن؛ فبعث برسالة سرية إلى الكامل يقول فيها إن الفرصة قد واتته لأسر فردريك. فما كان من القائد المسلم إلا أن بعث بالرسالة إلى فردريك. وأراد الإمبراطور أن ترفع اللعنة عن بيت المقدس فغادرها في اليوم الثالث بعد التتويج وسافر إلى عكا، وفيها أخذ عامة المسيحيين يلقون عليها الأقذار وهو خارج منها إلى سفينته(29).
ولما وصل فردريك برنديزي جيش فيها من فوره جيشاً جديداً. وزحف




صفحة رقم : 5559




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> الصليبي المحروم


به ليسترد المدن التي استسلمت للبابا. وفر جيش البابا أمامه وفتحت له المدن أبوابها، ولم يقاوم منها إلا سورا Sora فضرب عليها الحصار حتى استولى عليها عنوة وأشعل فيها النار فدمرتها تدميراً. ووقف فردريك عند حدود الولايات البابوية، وأرسل إلى البابا يدعوه إلى الصلح، فأجاب البابا دعوته ووقعا معاهدة سان جرمانو San Germano (1230)، وألغى قرار الحرمان ورفرف لواء السلم إلى حين.




صفحة رقم : 5560




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> أعجوبة العالم



2 - أعجوبة العالم


ثم وجه فردريك عنايته للشؤون الإدارية، فأخذ يعالج من مقره في فجيا Foggia من أعمال أبوليا Apulia مشاكل دولته التي اتسعت فوق ما ينبغي أن تتسع. وزار ألمانيا في عام 1231 وأيد في "قانون لمصلحة الأمراء" ما كان هو وولده قد منحه من سلطان البارونات؛ وذلك بأنه كان يرضي أن يسلم ألمانيا للإقطاع إذا كان تسليمه يتيح له السلم التي تمكنه من أن ينفذ ما يريده لإيطاليا، ولعله أدرك أن معركة بوفين قد أنهت زعامة ألمانيا لأوربا، وأن القرن الثالث عشر هو عصر فرنسا وإيطاليا؛ وقد جوزي على إهماله شؤون ألمانيا بتمرد ابنه وانتحاره.
واستطاع أن يؤلف بين عواطف الصقليين المتعددة وينشئ منها صرحاً من النظام والرخاء يعيد إلى الأذهان مجدها في أيام روجر الثاني. فقد ألقى القبض على المسلمين الثائرين المعتصمين بالجبال، ونقلهم إلى إيطاليا، ودربهم ليجعل منهم جنوداً مرتزقة، فأصبحوا خير من يعتمد عليهم في جيش فردريك. وفي وسعنا أن نتصور غضب البابوات حين يرون الجنود المسلمين يقودهم الإمبراطور ويحارب بهم جنده. وظلت بالرم حتى ذلك الوقت عاصمة الصقليتين من الوجهة القانونية، ولكن فجيا كانت هي العاصمة الحقيقية. وكان فردريك يحب إيطاليا حباً لا يعادله حب معظم الإيطاليين، وكان يعجب كيف يقدر يهود فلسطين هذا التقدير العظيم وإيطاليا على ظهر الأرض؛ وكان يسمى إيطاليا الجنوبية "قرة عينه وملجأ وسط السيول،




صفحة رقم : 5561




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> أعجوبة العالم


وجنة وسط برية من الأشواك"(30)، وشرع في عام 1223 يشيد في فجيا القصر الحصين الهائل الذي لم يبق منه اليوم إلا مدخله؛ وسرعان ما قامت حول بيته مدينة من القصور يسكنها أعوانه، ودعا أشراف مملكته الإيطالية ليكونوا وصفاء في بلاطه، وما زالوا يرقون في خدمته حتى كان منهم عماله الذين تولوا شؤون الحكومة الإدارية. وكان على رأس هؤلاء جميعاً بيرو دلي فجني Piero delle Vigne خريج مدرسة الحقوق في بولونيا. وقد عينه فردريك أميناً على بيت المال وأحبه كحبه أبنه أو أخاه، وحل رجال القانون محل رجال الدين في دولاب الحكم في باريس بعد سبعين عاماً من ذلك الوقت؛ فهنا في أقرب الدول إلى كرسي القديس بطرس انتقل الحكم انتقالاً تاماً من أيدي رجال الدين إلى أيدي رجال الدنيا.
وإذ كان فردريك قد نشأ في عصر الفوضى، وتشبع بالآراء الشرقية، فإنه لم يخطر بباله قط أن النظام المعروف باسم الدولة يستطاع المحافظة عليه بغير سلطان الملوك. ويبدو أنه كان يعتقد مخلصاً أنه إذا انعدمت السلطة المركزية القوية أهلك الناس أنفسهم، أو افتقروا المرة بعد المرة بسبب الإجرام والجهل، والحرب؛ وكان مثل بربروسه يرى أن نظام المجتمع أعظم قيمة من حرية الشعب، ويحس أن الحاكم الحازم الذي يستطيع المحافظة على النظام يستمتع بكل ما في ملكه من نعيم. وكان يسمح للشعب بقدر من التمثيل في حكومته: فقد أنشأ جمعيات تنعقد مرتين كل عام في خمسة مواضع من مملكته، لتعالج المشاكل، والشكاوي والجرائم المحلية. ولم يدع إلى هذه الجمعيات أشراف الإقليم ومطارنته فحسب، بل كان يدعو إليها بالإضافة إليهم أربعة مندوبين عن كل مدينة كبيرة، ومندوبين اثنين عن كل بلدة. أما فيما عدا هذا فقد كان فردريك ملكاً مطلق السلطان، يرى أن القاعدة الأساسية التي يقوم عليها القانون الروماني- وهي أن الأهلين قد عهدوا إلى الإمبراطور دون غيره الحق المطلق في التشريع-




صفحة رقم : 5562




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> أعجوبة العالم


يرى أن هذه القاعدة من البدائة التي لا تقبل الجدل. واصدر للدولة من ملفي Melfi عام 1231 الكتاب الأعظم وهو أول مجموعة منظمة للقوانين بعد جستنيان، وأتم كتابٍ في فقه التشريع في تاريخ القانون كله. ويرجع أكبر الفضل في صدوره إلى مهارة بيرودلي فجني وحسن مشورته. وكان هذا القانون رجعياً من بعض الوجوه؛ فقد أقر ما في النظام الإقطاعي من فروق بين الطبقات. وأيد ما كان للسيد الإقطاعي من حقوق قديمة على أرقاء أرضه، لكنه كان في كثير من النواحي قانوناً تقدمياً: فقد حرم الأشراف من سلطانهم التشريعية والقضائية، وحقهم في سك العملة، وركز هذه الحقوق كلها في الدولة؛ وألغى نظام التقاضي بالقتال أو التحكيم الإلهي، وأنشأ نظام المدعين العموميين المعينين من قبل الدولة لتعقيب الجرائم التي ظلت حتى ذلك الوقت تقلت من العقاب إذا لم يتقدم مواطن ما بعرضها على القضاء. وندد الكتاب بالتباطؤ في إصدار الأحكام، ونصح القضاة بتقصير خطب المحامين، وحتم على محاكم الدولة أن تعقد جلساتها في كل يوم ما عدا أيام العطلة الرسمية.
وعني فردريك كما عني معظم الحكام في العصور الوسطى بتنظيم شؤون الاقتصاد القومي، فحدد "ثمناً عادلاً" لعدد من مختلف الخدمات والسلع. وأممت الدولة إنتاج الملح، والحديد، والصلب، والقنب، والقار، والمنسوجات المصبوغة، والأقمشة الحريرية(31)؛ وأقامت الدولة مصانع للنسيج تعمل فيها إماء مسلمات على أعين رؤوساء من الخصيان(32)؛ وكانت تمتلك وتدير مذابح الحيوانات والحمامات العامة؛ وأنشأت مزارع نموذجية، وشجعت زراعة القطن وقصب السكر، وطهوت الغابات والحقول من الحيوانات الضارة، وشقت الطرق وأقامت القناطر، وحفرت الآبار لتزيد موارد المياه(33).وكان الجزء الأكبر من التجارة الخارجية في يد الدولة تنقله سفن تمتلكها الحكومة، كان في واحدة منها ثلاثمائة من الملاحين(34). وخفضت المكوس المفروضة على التجارة الداخلية إلى الحد




صفحة رقم : 5563




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> أعجوبة العالم


الأدنى، ولكن العوائد المفروضة على الصادرات والواردات كانت أكبر مورد من موارد الدولة. وكان ثمة ضرائب أخرى كثيرة، لأن هذه الحكومة كانت تستطيع أن تجد على الدوام، كما تجد سائر الحكومات، منافع للمال. ومن بين الأعمال التي تعلي من قدر فردريك أنه وضع نظاماً سليماً للنقد روعيت فيه واجبات الشرف والأمانة.
وكان فردريك وحده سيد هذه الدولة والمدير لجميع شؤونها، وأراد أن يجعلها ذات جلال وقداسة دون أن يعتمد على المسيحية التي كانت في العادة مغاضبة له، فبذل غاية في جهده في أن يخلع على نفسه كل ما كان يحيط بالإمبراطور الروماني من رهبة وجلال. فلم يطبع على نقوده الجميلة الشكل شعاراً أو لفظاً مسيحياً، بل طبع حول أحد وجهيها تلك الأقصوصة Aug Cesar Rom Imp (الإمبراطور الروماني قيصر أغسطس) وطبع على الوجه الآخر النسر الروماني يحيط به اسم Fredericus (فردريكوس). ولقن الناس أن الإمبراطور كان بمعنى ما ابن الله، وأن شرائعه هي العدالة الإلهية مقننة، وكانوا يشيرون إليه بلفظ Iustitia وهي كلمة تكاد تكون صيغة الغائب الثالوث جديد. وكان فردريك يحرص على أن يوضع إلى جانب أباطرة الرومان في التاريخ ومعارض الفن، فأمر المثالين بأن ينحتوا له تماثيل من الحجارة، وزينت رأس قنطرة في فلتورنو Volturno، وفتحة باب في كيوا، بنقوش من الطراز القديم تمثله هو وأعوانه؛ ولم يبق من هذا كله إلا رأس أنثى ذو جمال بارع(35). لكن هذه المحاولة التي بذلت قبل عصر النهضة لإحياء الفن القديم أخفقت لأن تيار الفن القوطي قد اكتسحها أمامه.
واستطاع فردريك، رغم اقترابه من الألوهية، وجده المتواصل في شؤون الملك أن يستمتع بالحياة بمختلف نواحيها في بلاط بفجيا. فقد كان لديه جيش من الأرقاء، كثرتهم من المسلمين، يقومون على خدمته، ويشرفون على




صفحة رقم : 5564




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> أعجوبة العالم


دولاب حكومته وموظفيه. ولما توفيت زوجته الثانية تزوج بإزبلا الإنجليزية عام 1235؛ ولكن إزبلا الإنجليزية لم يكن في مقدورها أن تفهم عقليته أو أخلاقه، فآثرت الانزواء وتركت فردريك يستمتع بعشيقاته حتى ولد له ابن غير شرعي. وكان أعداؤه يتهمونه بأنه أنشأ لنفسه "حريماً"، كما اتهمه جريجوري التاسع باللواط(36)؛ ورد فردريك على ذلك بقوله إنه يحتفظ بجميع أولئك النساء البيض والسود، والغلمان لبراعتهم في الغناء، والرقص، والألعاب البهلوانية، أو غيرها من ضروب التسلية المعتادة في بلاط الملوك. وكان يحتفظ فضلاً عن هذا كله بحديقة للحيوان البري، وكان يسافر أحياناً وفي صحبته عدد من الفهود، والوشق، والآساد، والنمورة الرقطاء، والقردة، والدببة، مسلوكة في السلاسل يقودها عبيد من المسلمين. وكان فردريك مولعاً باقتناص الحيوان وصيد الحيوان بالصقورة، وجمع الطيور الغريبة، وقد كتب لابنه مانفرد Manfred رسالة علمية في الصيد بالبزاة جديرة بالإعجاب.
وكان أعظم ما يستمتع به بعد الصيد هو الحديث الظريف المهذب - delico parlare، فكان يفضل التقاء العقول الحصيفة على المبارزة بالسلاح، وكان هو نفسه أعظم المحدثين ثقافة في أيامه، وقد اشتهر بفكاهته وسرعة بديهيته، وكان هو فلتير نفسه(37).وكان يتحدث بتسع لغات ويكتب سبعاً منها، ويراسل الكامل باللغة العربية، ويقول له في رسائله إنه أعز أصدقائه بعد أولاده، ويكتب باللغة اليونانية إلى جون فانتزس John Vatatzes زوج ابنته وإمبراطور الروم؛ وباللغة اللاتينية إلى العالم الغربي. وكان رفاقه - وبخاصة بيرودلي فجني - يصوغون أسلوبهم اللاتيني البليغ على نمط الكتب الرومانية القديمة؛ لأنهم كانوا يحسون بروح الكتاب الرومان الأقدمين تسري في نفوسهم ويعملون على محاكاة هؤلاء الكتاب، وكادوا يكونون هم الرواد السباقين لكتاب عصر النهضة ذوي النزعة الإنسانية. وكان فردريك نفسه شاعراً، أثنى دانتي




صفحة رقم : 5565




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> أعجوبة العالم


على شعره اللاتيني، وقد أدخل غزل بروفانس والشعراء المسلمين الغزلين في بلاطه، وتعلق به، وقلده النبلاء الشبان الذين كانوا في خدمة المليك. وكان الإمبراطور نفسه يحب أن يستريح من العناء بعد أن يقضي يوماً من تصريف شؤون الملك أو الصيد أو الحرب ومن حوله النساء الحسان والشعراء يتغنون بأمجاده ومفاتن نسائه، كما كان يفعل بعض الأمراء في بغداد.
وكان فردريك كلما تقدمت به السن يوجه قسطاً متزايداً من اهتمامه إلى العلوم والفلسفة. وكان أكبر ما يبعث فيه هذه الرغبة العلمية هو التراث الذي خلفه المسلمون في صقلية. وقد قرأ بنفسه كثيراً من روائع الكتب العربية الخالدة، واستدعى إلى بلاطه كثيرين من العلماء والفلاسفة المسلمين واليهود، وأجاز العلماء على ترجمة المراجع الهامة اليونانية والإسلامية إلى اللغة اللاتينية. وقد بلغ من ولعه بالعلوم الرياضية أن أقنع سلطان مصر بأن يبعث له بأحد الرياضيين الذائعي الصيت، كما كان على صلة ودية وثيقة بليوناردو فيبوناتشي Leonards Fibonacci أعظم علماء الرياضة المسيحيين في أيامه. لكنه كان يشارك أهل زمانه في بعض خرافاتهم، وأشتغل بالتنجيم والكيمياء الكاذبة، وأغرى ميخائيل اسكت Michael Scot الذي كان واسع المعرفة في علوم مختلفة بأن يجيء إلى بلاطه، وأخذ يدرس معه بعض العلوم الخفية بالإضافة إلى الكيمياء، والتعدين، والفلسفة. وكان شغوفاً بالإطلاع في جميع العلوم، فكان يبعث بالأسئلة العلمية والفلسفية إلى العلماء المقيمين في بلاطه وإلى غيرهم في البلاد النائية كمصر، وبلاد العرب، والشام والعراق. وكانت لديه حديقة للحيوان يتخذها للدرس لا للهو، ونظم تجارب علمية في تربية الدجاج، والحمام، والخيل، والجمال، والكلاب، ووضع قوانين لتحريم الصيد في مواسم معينة قائمة على أساس سجلات دقيقة خاصة بمواسم الزواج والتوالد عند الحيوان حتى قيل إن حيوانات أبوليا كتبت إليه تشكره على حسن صنيعه. وقد تضمنت شرائعه تنظيماً مستنيراً لمهنة الطب، والجراحات




صفحة رقم : 5566




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> أعجوبة العالم


الطبية وبيع العقار. ولم يكن يرى حرجاً في تشريح جثث الموتى، وكان الأطباء المسلمون يعجبون من سعة علمه بالتشريح. أما الفلسفة فحسبنا دليلاً على واسع علمه بها أنه طلب إلى بعض علماء المسلمين أن يفسروا ما بين آراء أرسطو والإسكندر الأفروديسي من تناقض في خلود العالم. ولقد حياه ميخائيل اسكت بقوله: "أيها العاهل المحظوظ، إني لقوي الاعتقاد بأنه لو كان في مقدور رجل ما أن يفر من الموت بعلمه لكنت أنت ذلك الرجل(38)".
وكان فردريك يخشى أن تضيع بحوث العلماء الذين جمعهم عنده بعد موتهم، فأنشأ في عام 1224 جامعة نابلي - وهي أنموذج نادر من جامعات العصور الوسطى، أقيمت من غير حاجة إلى موافقة السلطات الدينية على إنشائها. وقد استدعي إليها علماء متبحرين في جميع الفنون والعلوم، ومنحهم مرتبات عالية، ورتَّب إعانات مالية ليمكن النابهين من الطلاب الفقراء من الدرس. وحرَّم على شباب مملكته أن يخرجوا منها في طلب التعليم العالي؛ وكان يأمل أن تنافس نابلي بعد وقت قصير مدينة بولونيا فتصبح مدرسة كبرى للقانون وتدرّب الناس على أعمال الإدارة العامة.
وبعد فهل كان فردريك ممن ينكرون وجود الله ؟ لقد كان في شبابه من الأتقياء الصالحين، ولعله ظل مستمسكاً بالعقائد الأساسية في الديانة المسيحية إلى أيام حربه الصليبية. ثم يبدو أن اتصاله الوثيق بزعماء المسلمين ومفكريهم قضي على عقيدته المسيحية. وقد افتتن بعلوم المسلمين ورآها أسمى قدراً من أفكار المسيحيين ومعارفهم أيامه. ومما يدل على ذلك أنه لما عقد مجمع الأمراء الألمان في فريولي Friuli، (1232) استقبل وفداً من المسلمين أحسن استقبال، ثم اشترك على مرأى من الأساقفة والأمراء مع هؤلاء المسلمين في وليمة أقيمت للاحتفال بأحد الأعياد الدينية الإسلامية(39). ويقول عنه ماثيوباريس Matthew Paris: "ويقول أعداء الإمبراطور إنه يوافق على شريعة محمد




صفحة رقم : 5567




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> أعجوبة العالم


ويؤمن بها أكثر من إيمانه بشريعة المسيح عيسى ... وإن صداقته للمسلمين أقوى من صداقته للمسيحيين"(40). وشاعت عنه شائعة صدقها جريجوري التاسع تتهمه بأن قال إن "ثلاثة من المشعوذين ساقوا بدهائهم أهل زمانهم ليسودوا بهم العالم - موسى، وعيسى، ومحمداً !". ودوي هذا السباب والكفران في جميع أنحاء أوروبا، وأنكر فردريك التهمة، ولكنها ساعدت على نفور الرأي العام منه في آخر أزمات حياته. وما من شك في أنه كان حر الفكر إلى حد ما، فقد كانت لديه شكوكه في العقيدة القائلة بأن العالم خلق دفعة واحدة في زمن معين، وفي خلود الفرد، وفي ولادة العذراء، وفي أمثالها من العقائد الواردة في الدين المسيحي(42). وقال حين رفض مبدأ التحكيم الإلهي: "منذا الذي يصدق أن الحرارة الطبيعية الكامنة في الحديد المتوهج تبرد من غير سبب كاف، أو أن عنصر الماء يرفض قبول (غمر) المتهم لأنه ميت الضمير"(43). ولم ينشئ في حياته كلها إلا كنيسة واحدة.
وقد منح جميع أصحاب العقائد المختلفة في مملكته حرية العبادة ببعض القيود، فقد كان الروم الكائوليك، والمسلمون، واليهود يمارسون شعائر دينهم دون أن يصيبهم أذى، ولكنهم لم يكن في مقدورهم (إلا في حالة واحدة) أن يدرسوا في الجامعة، أو أن يرقوا إلى منصب رسمي في الدولة. وكان يحتم على جميع المسلمين والعبرانيين أن يرتدوا ثياباً تميزهم عن المسيحيين، وألزم المسلمين واليهود بأن يؤدوا نظير إعفائهم من الخدمة العسكرية ضريبة الفرضة التي كان الحكام المسلمون يفرضونها على المسيحيين واليهود. وكانت شرائع فردريك تعاقب من يعتنق الدين اليهودي أو الإسلامي من المسيحيين أشد العقاب، غير أنه لما اتهم يهود فلدا Fulda في عام 1235 بأنهم يقتلون طفلاً مسيحياً ليستخدموا دمه في عيد فصحهم هب فردريك لإنقاذهم، وكذب القصة وقال إنها خرافة اخترعها غلاظ القلوب، وكان عنده في بلاطه عدد من العلماء اليهود(44).




صفحة رقم : 5568




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> أعجوبة العالم


وأشد ما يلاحظ من تناقض في حكم هذا الملك الذي يجري على سنن العقل هو اضطهاده الإلحاد والملحدين. ذلك أن فردريك لم يكن يسمح في بلاده بحرية التفكير أو القول لإنسان ما حتى أساتذة جامعته، بل اختص نفسه ورفاقه دون غيرهم بهذه الميزة، فقد كان كمعظم الحكام يرى أن الدين ضروري لا غنى عنه للنظام الاجتماعي، ولم يكن يقبل أن يقوض علماؤه دعائمه؛ يضاف إلى هذا أن القضاء على الإلحاد ييسر قيام السلام المتقطع مع البابوات؛ وجرياً على هذه السياسة أيد فردريك محكمة التفتيش كل التأييد على حين أن بعض الملوك في القرن الثالث عشر ترددوا في معاونتها، وبذلك اتفق البابوات هم وعدوهم الألد في هذه المسألة وحدها.




صفحة رقم : 5569




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> النزاع بين الإمبراطورية والبابوية



3 - النزاع بين الإمبراطورية والبابوية


وأخذت أهداف فردريك البعدية الواسعة المدى تزداد وضوحاً كلما تقادم حكمه في فوجيا: كان يبغي أن يبسط سلطانه على إيطاليا بأجمعها؛ وأن يوحد إيطاليا وألمانيا تحت سلطان الإمبراطورية الرومانية بعد أن يعيدها إلى الوجود، ولعله كان يبغي أيضاً أن يجعل روما كما كانت قبل عاصمة العالم الغربي السياسية والدينية معاً. ولما أن دعا الأعيان الإيطاليين والمدن الإيطالية إلى مجمع في كرمونا Cremona عام 1226 كشف عن أغراضه بأن أرسل الدعوة أيضاً إلى دوقية اسبليتو، وكانت وقتئذ ولاية بابوية، وبأن سير جنوده في أراضي البابوات. وأمر البابا أعيان اسبليتو ألا يحضروا الاجتماع. وارتابت مدن لمباردية في الدعوة فرأت فيها وسيلة يبغي بها فردريك أن يخضعها للإمبراطور خضوعاً حقيقياً لا خضوعاً اسمياً فحسب، فأبت أن ترسل مندوبين عنها إلى الاجتماع؛ ولم تكتف بهذا بل ردت على هذه الدعوة بأن ألفت العصبة اللمباردية الثانية التي تعهدت فيها مدائن ميلان، وتورين، وبرجامو، وبرشيا، ومانتوا، ويولونيا، وفيسنزا،




صفحة رقم : 5570




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> النزاع بين الإمبراطورية والبابوية


وقيرونا، وبدوا، وتافيزو أن تعقد فيما بينها حلفاً دفاعياً هجومياً يدوم خمساً وعشرين سنة؛ وبهذا لم يجتمع المجمع قط.
وخرج هنري على أبيه فردريك في عام 1234، وتحالف مع العصبة اللمباردية، فركب فردريك من جنوبي إيطاليا إلى رمز Worms وليس معه جنود، بل كان معه بدلاً منهم مال كثير؛ وخمدت الفتنة حين ترامت إلى القائمين بها أخبار قدومه أو حين مست أيديهم ذهبه؛ وزج هنري في السجن، وظل يكتوي بناره سبع سنين؛ وبينما كان ينتقل إلى مكان آخر يحبس فيه، عدا بجواده فوق جرف عال وهوى إلى أسفله جثة هامدة. وواصل فردريك سيره إلى مينز، ورأس فيها مجمعاً، أقنع فيه كثيرين من النبلاء الحاضرين أن ينضموا إليه في حملة يعيد بها سلطة الإمبراطورية على لمباردية. واستطاع بفضل هذه المعونة أن يهزم جيش العصبة اللمباردية (1237)؛ واستسلمت له جميع مدنها ما عدا ميلان وبريشيا، وعرض جريجوري التاسع وساطته بين الطرفين، غير أنه لم يكن من المستطاع التوفيق بين آمال فردريك في الوحدة وحب الإيطاليين الحرية.
وقرر جريجوري في هذه الساعة الفاصلة أن ينضم إلى جانب العصبة، وأن يجعل مصير سلطة البابوات الزمنية موقوفة على نتيجة هذه الحرب، مع أنه كان وقتئذ رجلاً مريضاً في سن التسعين. ولم يكن جريجوري مولعاً بحب المدن اللمباردية، فقد كان مثل فردريك يرى أن حريتها هي الطريق المؤدي إلى النزاع والفوضى، ويعرف أنها تأوي الملحدين الذين يعارضون جهرة في ثروة الكنيسة وسلطته الزمنية. وفي هذا الوقت بالذات كان الملحدون من أهل ميلان المحاصرة يدنسون مذابح الكنائس ويقلبون الصلبان التي تحمل صورة المسيح(45). ولكن جريجوري كان يعتقد أنه إذا تغلب فردريك على هذه المدن، ابتلعت إيطاليا الموحدة الولايات البابوية، وتألفت منها كلها إمبراطورية موحدة يسيطر عليها عدو للمسيحية وللكنيسة. ولهذا أقنع جريجوري مدينتي البندقية وجنوى




صفحة رقم : 5571




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> النزاع بين الإمبراطورية والبابوية


بالانضمام إليه هو والعصبة في حرب يشنها على فردريك؛ ثم اصدر منشوراً عاماً شديد اللهجة، اتهم فيه فردريك بالكفر، والتجديف، والاستبداد، وبالرغبة في القضاء على سلطة الكنيسة، ثم حرمه في عام 1239، وأمر كل مطران من مطارنة الروم الكاثوليك أن يعلن أنه خارج على القانون، وأعفي رعاياه من يمين الولاء التي اقسموها له. ورد فردريك على هذا برسالة دورية بعث بها إلى ملوك أوروبا ينفي فيها تهمة الكفر، ويتهم البابا بأنه يريد أن يخضع جميع الملوك لسلطان البابوية، وأخذ النزاع الأخير بين الإمبراطورية والبابوية يجري في مجراه.
وأظهر ملوك أوروبا عطفهم على فردريك، ولكنهم لم يهتموا بما طلبه إليهم من معونة. كذلك انحاز أعيان ألمانيا وإيطاليا إلى جانبه، لأنهم كانوا يرجون أن يعيدوا مدنهما إلى طاعتهم الإقطاعية؛ أما في المدن نفسها فقد انحازت الطبقتان الوسطى والدنيا بوجه عام إلى جانب البابا، وعادت إلى الوجود عبارتا ويبلنج وولف Waibling and Welf بعد أن تحولتا إلى لفظي جبلين وجلف Ghibelline and Gulf ليدل أول اللفظين على أنصار الإمبراطورية، والثاني على المؤيدين للبابوية. ولم تخل روما نفسها من هذا الانقسام، فقد كان فيها كثيرون من المؤيدين لفردريك؛ ولما أن اقترب من روما بجيش صغير أخذت المدن واحدة بعد واحدة تفتح له أبوابها لأنها رأت فيه قيصراً ثانياً. وتوقع فردريك أن يلقي القبض عليه، فاخترق العاصمة على رأس موكب حزين من رجال الدين. وتأثرت قلوب الرومان بشجاعة البابا الشيخ وضعفه، وعمد الكثيرون منهم إلى أسلحتهم للدفاع عنه. ولم يشأ فردريك أن يحسم الموقف في ذلك الوقت فمر بروما جون أن يعرج عليها وقضى الشتاء في فجيا.
وكان قبل ذلك قد أقنع الأمراء الألمان بأن يتوجوا ابنه كنراد ملك الرومان (1237)، ووضع زوج ابنته على رأس حكومة فيسنزا، وبدوا،




صفحة رقم : 5572




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> النزاع بين الإمبراطورية والبابوية


وتريفيزو، كما وضع على رأس حكومة المدن الأخرى التي استسلمت له إنزيو أحب أبنائه إليه وهو "صورة منا في وجهه وقوامه"، فقد كان وسيماً، فخوراً، مرحاً، شجاعاً في الحرب، بارعاً في قول الشعر. واستولى الإمبراطور على رافنا وفائنزا في عام 1240، وخرب في عام 1241 بنفنتو مركز القوات البابوية. واعترض أسطوله قافلة بحرية من جنوى تنقل إلى روما طائفة من الكرادلة، والمطارنة، ورؤساء الأديرة، والقساوسة الفرنسيين والأسبان والإيطاليين، وحجزهم فردريك في إبوليا ليتخذهم رهائن يساوم بهم؛ وما لبث أن أطلق الفرنسيين منهم، ولكنه أطال احتجاز الباقين، ومات عدد منهم في السجن، فارتاعت أوروبا التي طالما رأت أن رجال الدين محصنون يجب ألا يعتدي عليهم، وكثر وقتئذ عدد الذين يعتقدون أن فردريك هو المسيح الدجال الذي تنبأ بظهوره يواقيم الفلوري Joochim of Flora الصوفي منذ بضع سنين. وعرض فردريك أن يطلق رجال الدين إذا رضي جريجوري أن يعقد معه الصلح ولكن البابا لم يتزحزح عن موقفه إلى يوم مماته (1241).
وكان إنوسنت الرابع أكثر مسالمة من سلفه، فقد وافق بتحريض القديس لويس على شروط الصلح (1244)، ولكن مدن لمبارديا امتنعت عن التصديق على الاتفاق، وذكرت إنوسنت بأن جريجوري قد تعهد بألا تعقد البابوية صلحاً منفرداً مع فردريك. وغادر إنوسنت روما سراً، وهرب إلى ليون Lyons، وواصل فردريك الحرب، وبدا أن ليس ثمة قوة تستطيع منعه من فتح الولايات البابوية وضمها إلى دولته وإقامة سلطانه في روما. ودعا إنوسنت رجال الدين إلى مجلس عقد في ليون، وكرر هذا المجلس حرمان الإمبراطور وخلعه لأنه رجل فاسد الأخلاق، عاق، وتابع عديم الولاء لسيده البابا الذي يقر بسيادته عليه (1245). واختار النبلاء الألمان، بتحريض البابا، هنري رابس Henry Rapse إمبراطوراً بدل فردريك، فلما مات نادوا بوليم الهولندي William of Holland




صفحة رقم : 5573




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> النزاع بين الإمبراطورية والبابوية


خلفاً له. وأصدر البابا قراراً بحرمان كل من يساعد فردريك، وحرمت الخدمات الدينية في كل الأقاليم الموالية له؛ وأعلنت عليه هو وإنزيو حرباً صليبية، ومنح الذين حملوا الصليب للقتال في فلسطين إذا اشتركوا في قتال الإمبراطور الكافر جميع المزايا التي تمنح الصليبيين.
وأطلق فردريك العنان لحقده وشهوة انتقامه، وأقدم على أعمال قطعت عليه خط الرجعة. فأصدر "منشوراً للإصلاح" يعلن فيه أن رجال الدين "عبيد للدنيا منهمكون في ملذاتهم، لم تبق ثروتهم المتزايدة على شيء من تقواهم"(46). ثم صادر ما للكنيسة من أملاك في الصقليتين ليستخدم ثمنها في حربه، ولما أن تزعمت بلدة في أبوليا مؤامرة للقبض عليه، أمر برؤساء المتآمرين فاقتلعت عيونهم وبترت أعضاءهم ثم قتلوا. ولما أن استنجد به ابنه كنراد، اتخذ سبيله إلى ألمانيا، ولكنه علم وهو في تورين أن بارما قد انتقصت على حاميته التي بها، وأن الخطر محدق بإنزيو، وأن الثروة قد اندلع لهيبها في إيطاليا الشمالية كلها وصقلية نفسها، فأخذ يقلم أظفار فتنة بعد فتنة في مدينة تلو مدينة، ويأخذ الرهائن من كل واحدة منها، ويقتل أولئك الرهائن حين تثور عليه مدنهم. وإذا وجد في الأسرى رسلاً للبابا أمر بقطع أيديهم وأرجلهم(47).
وبينما كان الحصار مضروباً على بارما سئم فردريك طول البطالة فخرج هو وإنزيو وخمسين من الفرسان لصيد طيور الماء في المستنقعات المجاورة للمدينة. وبينما هم في صيدهم خرج رجال بارما ونساؤها على المحاصرين وهجموا عليهم هجوم اليائيسين، فتغلبوا على قوات الإمبراطور المختلة النظام المعدومة القيادة، واستولوا على أموال الإمبراطور وحريمه ووحوشه، فما كان منه إلا أن فرض ضرائب فادحة، وجهز جيشاً جديداً، وواصل القتال. وجاءته الأنباء بأن بيرو دلي فجني وزيره الأول وموضع ثقته قد غدر به وأخذ يدبر المؤامرات ضده؛ فأمر بالقبض عليه وفقء عينيه، فما كان من بيرو بعد أن فعل به هذا إلا أن أخذ يضرب




صفحة رقم : 5574




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> النزاع بين الإمبراطورية والبابوية


برأسه جدران سجنه حتى مات (1249). وجاءته الأنباء في تلك السنة نفسها أن سكان بولونيا قد أسروا إنزيو في المعركة التي قامت عند لافسالتا La Fossaalta، وحدث في الوقت عينه أن حاول طبيب فردريك أن يقتله بالسم؛ وحطمت هذه الضربات المتوالية السريعة روح الإمبراطور، فارتد إلى أبوليا ولم يشترك بعدئذ في الحرب القائمة. وانتصر قواده في عدة معارك عام 1250، ولاح أن الحظ قد عاد يواتيه. فقد طلب القديس لويس وهو في أسر المسلمين في مصر إلى إنوسنت الرابع أن يضع حداً للقتال حتى يستطيع فردريك أن يخف لنجدة الصليبيين. ولكن صحة الإمبراطور أخذت في الوهن ولم تفدها هذه الآمال المنعشة، فقد حطم الزحار - وهو البلية التي طالما أذلت ملوك العصور الوسطى -، جسم الإمبراطور المتغطرس. وطلب أن تغفر له ذنوبه، فأجيب إلى طلبه، ولبس الإمبراطور الملحد مسوح الرهبان السسترسيين، ومات في فلورنتينو في الثالث عشر من ديسمبر سنة 1250. وتهامس الناس بأن روحه قد حملتها الشياطين واخترقت بها فوهة بركان إتنا إلى الجحيم.
ولم يظهر بعد موته ما له من نفوذ، فسرعان ما انهارت إمبراطوريته، وتفشت فيها الفوضى أشد مما كانت عليه حين جلس على عرشها. واختفت الوحدة التي قضي حياته يحارب من أجلها حتى من ألمانيا نفسها، وسارت المدن الإيطالية في ركب الحرية وقوتها الناشطة المبدعة، وسلكت طريق الفوضى، فأدى بها إلى استبداد الأدواق والزعماء اللصوص الذين ورثوا، وهم لايكادون يدركون، فساد فردريك الخلقي، وحريته الفكرية، ومناصرته الآداب والفنون. والحق أن ما كان يتصف به طغاة عصر النهضة من ذكاء قوى مجرد من الضمير كان صدى لخلق فردريك وعقله خالياً من ظرفه وفتنته. وإنا لنستبين في تفكير فردريك وفي حاشيته حلول الكتب اليونانية والرومانية القديمة محل الكتاب المقدس، والعقل محل الإيمان، والطبيعة محل الله، والضرورة محل العناية الإلهية،




صفحة رقم : 5575




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> فردريك الثاني -> النزاع بين الإمبراطورية والبابوية


ثم استولت هذه النزعة بعد فترة من الاستمساك بالدين على عقول فلاسفة النهضة وكتابها الإنسانيين. وملاك القول أن فردريك كان "رجل النهضة" قبل أن يحل عهد النهضة بمائة عام. نعم إن مكيفلي كان يتحدث في كتاب الأمير وفي عقله سيزاري بورجيا Coesar Borgis ولكن فردريك هو الذي مهد السبيل لفلسفة كتاب الأمير. وكذلك كان نتشة ينظر بعين فكره إلى بسمارك ونابليون، ولكنه لم يكن ينكر أثر فردريك - "أول من يوافق هواي من الأوروبيين"(48). وقد ارتاعت الأجيال التي جاءت بعده بأخلاقه، وافتتنت بعقله، وقدرت بعض التقدير عظمة مطامعه الإمبراطورية، فوصفته المرة بعد المرة بالصفات التي ابتدعها ماثيو باريس حين قال عنه إنه الرجل "العجيب الذي بدل العالم وأثار عجبه Super mundi et immutator mirabilis".




صفحة رقم : 5576




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> تمزق إيطاليا



الفصل السادس




تمزق إيطاليا


أوصي فردريك لابنه كنراد بعرش الإمبراطورية، وعين مانفرد Manfred ابنه غير شرعي نائباً عن الإمبراطور في إيطاليا، وشبت نار الفتنه في كل مكان تقريباً في إيطاليا، وخضعت نابلي، واسبليتو، وأنكونا، وفلورنس لمبعوثي البابا، ونادى إنوسنت الرابع: "فلتبتهج السماء ولتفرح الأرض !" وعاد البابا منتصراً إلى إيطاليا، واتخذ نابلي مقر قيادته الحربية، وزحف منها ليضم الصقليتيين إلى الولايات البابوية، ووضع الخطط ليفرض على مدن إيطاليا سيادة اقل سفوراً من سيادته على تلك الولايات. ولكن هذه المدن عقدت العزم على أن تحمي استقلالها من البابوات والأباطرة على السواء، وإن رضيت أن تشترك مع البابا في الصلوات. وكان إزلينو Ezzlino وابرتر بلافيسينو Uberto Pallavicino يسيطران على عدد من المدن ويدينا فيها بالولاء لنكراد. ولم يكن في قلب كلا الرجلين شيء من الاحترام للدين؛ فنشأ الإلحاد في أيامهما، وكان يخشى أن تفقد الكنيسة شمالي إيطاليا كله. وهبط كنراد الشاب فجاءة بجيش جديد من جبال الألب، وأعاد فتح البلدان الإيطالية المتذمرة، ودخل مملكة الصقليتين منتصراً، ولكنه لم يدخلها إلا ليموت بالملاريا (مايو سنة 1254). وتولى مانفرد قيادة قوات الإمبراطور، وبدد شمل جيش بابوي بالقرب من فجيا (2 ديسمبر). وبلغت هذه الهزيمة مسامع البابا وهو على فراش الموت فمات بائساً مغموماً (7 ديسمبر) يقول بصوت خافت : "رباه لقد أفسدت الإنسان عقاباً له على ظلمه".




صفحة رقم : 5577




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> تمزق إيطاليا


أما ما بقي من القصة فهو الفوضى السافرة، فقد شن البابا إسكندر الرابع (1254-1256) حرباً صليبية على إزلينو، جرح فيها هذا الطاغية ووقع في السر، وأبى أن يعوده الأطباء أو القساوسة أو أن يتناول الطعام، وأمات نفسه جوعاً، دون أن يتوب أو يقبل منه الاعتراف (1259). وأسر أيضاً أخوه ألبريجو Alberigo، وكان مثله في وحشيته وجرائمه، وأرغم على أن يشهد بعينيه تعذيب أسرته؛ ثم انتزع لحمه من جسمه بالكلاليب، وشد وهو لا يزال حياً إلى جواد؛ وجر على الأرض حتى مات(49). واندفع المسيحيون والكافرون وقتئذ في الأعمال الوحشية ما خلا مانفرد المرح النَّغل، وبقي مانفرد طوال الست السنين التالية سيد إيطاليا الجنوبية بعد أن أوقع بالجيوش البابوية هزيمة أخرى عند منتابرتو Montaperto (1260). وكان يجد متسعاً من الوقت للغناء وكتابة الشعر "ولم يكن له مثيل على ظهر الأرض" على حد قول دانتي "في العزف على الآلات الوترية"(50). ولما يئس إربان الرابع (1261-1264) من أن يجد في إيطاليا من يرد مانفرد عن غيره، وأدرك أن البابوية يجب أن تعتمد من ذلك الوقت على حماية فرنسا إياها، طلب إلى لويس التاسع أن يقبل ملك الصقليتين إقطاعية من البابا. ورفض لويس هذا العرض، ولكنه أجاز لأخيه شارل دوق أنجو أن يقبل من إربان "مملكة نابلي وصقلية" (1264). واخترق شارل إيطاليا على رأس ثلاثين ألفاً من الجنود الفرنسيين وبدد شمل جيش مانفرد الذي كان أقل من جيشه عدداً. وقفز مانفرد في وسط أعدائه ومات ميتة أشرف من ميتة أبيه. ونزل في العام الثاني صبي في الخامسة عشرة من عمره وهو كنرادين Conradin من ألمانيا ليتحدى شارل، ولكنه هزم عند تجلياكزو Tagliacozzo وضرب رأسه علناً في ميدان السوق بنابلي عام 1268. وانتهى بمقتله وموت إنزيو الذي طال سجنه بعد أربع سنين من ذلك الحين أجل بيت هوهنسناوفن نهاية محزنه، وأصبحت الدولة الرومانية المقدسة شيئاً لا وجود




صفحة رقم : 5578




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> تمزق إيطاليا


له إلا في المظاهر والحفلات، وانتقلت زعامة أوروبا إلى فرنسا.
واتخذ شارل نابلي عاصمة له، وأوجد في الصقليتين أرستقراطية وبيرقراطية فرنسيتين، وأقام فيها جيشاً فرنسياً، ورهباناً وقساوسة فرنسيين، وحكم البلاد وجني الضرائب بوسائل استبدادية جعلت أهلها يتمنون لو يعث فردريك حياً، كما جعلت البابا كلمنت الرابع يتمنى لو أن البابوية لم تنتصر. وبينما كان شارل يستعد لقيادة أسطوله لفتح القسطنطينية إذ ثار العامة في بالرم يوم الاثنين التالي لعيد القيامة من عام 1282 بعد أن انطلق حقدهم الكامن في صدورهم لأن جندياً فرنسياً أساء الأدب مع عروس صقلية، وقتل الغوغاء كل فرنسي في المدينة. وليس أدل على الحقد الدفين الذي كان يغلي في صدور الصقليتين من الوحشية التي كانت تدفع رجالهم لأن يشقوا بسيوفهم أرحام النساء اللاتي حملن من الجنود أو الموظفين الفرنسيين ثم يطأون الأجنة الأجنبية حتى تموت تحت أقدامهم(51). وحذت مدن أخرى حذو بالرم حتى قتل ثلاثة آلاف من الفرنسيين في مذبحة تعرف باسم "مذبحة صلاة المساء" لأنها بدأت في ساعة تلك الصلاة. ولم ينج من القتل رجال الدين في الجزيرة؛ فقد هاجم الصقليون المعروفون بالتقي والصلاح الكنائسي والأديرة وذبحوا الرهبان والقساوسة دون أن يعبأوا بكرامة رجال الدين. وأقسم شارل دوق أنجو أن ينتقم من الجزيرة انتقاماً لا تنمحي آثاره مدى ألف عام، وتوعدها بأن يتركها "صخرة صماء جرداء خالية من السكان"(52). وحرم البابا مارتن Martin الرابع العصاة من حظيرة الدين وأعلن حرباً صليبية على صقلية. ولما عجز الصقليون عن حماية أنفسهم عرضوا الجزيرة على بدرو الثالث صاحب أرغونة. وجاء بدرو إلى الجزيرة بجيش وأسطول وثبت أسرة أرغونة ملوكاً على صقلية (1282). وبذل شارل كل ما في وسعه ليسترد الجزيرة ولكن جهوده ذهبت أدراج الرياح، فقد دمر أسطوله، ومات وهو منهوك القوى مغموماً حزيناً




صفحة رقم : 5579




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> تمزق إيطاليا


في فجيا (1285). واكتفى خلفاؤه بعد سبعة عشر عاماً من الكفاح غير المجدي بمملكة نابلي.
أما المدن الإيطالية القائمة في شمال روما فقد أخذت تثير الخصام بين الإمبراطورية والبابوية، واستطاعت بذلك أن تحتفظ بنوع من الحرية الطائشة الجموحة. وظلت أسرة دلا توري Della Torre تحكم ميلان عشرين عاماً حكماً ارتضاه سائر أهلها ، ثم استولت على زمام الأمور عصبة من النبلاء بزعامة أتوفسكنتي Otto Visconti عام 1277، وأنشأ آل فسكنتي الملقبين بالكبتاني (الرؤساء) أو الدوتشي duci حكومة ألجركية حازمة قديرة حكمت المدينة مائة وسبعين عاماً. وكانت الكونتة ماتلدا قد أوصت للبابوية بإقليم تسكانيا بما فيه مدائن أرزو Arezzo، وفلورنس، وسينا Siena، وبيزا، ولوكا (1107)؛ ولكن هذه السيادة البابوية الصورية قلما كانت تنقص من حق مدائن الإقليم في أن تحكم نفسها أو تولي عليها من تختارهم من الطغاة.
وكان لسينا كما كان لكثير غيرها من المدن التسكانية ماض تعتز به، يرجع إلى أيام التسكانيين الأقدمين. وكانت غارات البرابرة قد خربت تلك المقاطعة، ولكنها انتعشت في القرن الثامن لأنها أضحت محطة وسطي في طريق الحج والتجارة بين فلورنس وروما. ونحن نسمع عن وجود نقابات طائفية للتجار بتلك المدينة في عام 1192 ثم بمثلها للصناع ثم لأصحاب المصارف، حتى أصبح بيت بونسنيوري Buonsignori الذي أنشئ فيها عام 1209 من أشهر المؤسسات التجارية والمالية في أوروبا كلها، وكان له وكلاء في جميع أنحائها، وبلغت القروض التي أمد بها التجار، والمدن، والملوك، والبابوات مبلغاً لا يكاد يصدقه العقل. وكانت فلورنس وسينا تتنازعان السيطرة على طريق فرنسيسا Via Francesa الذي يصل كلتيهما بالأخرى، وظلت المدينتان التجاريتان تحارب كلتاهما الأخرى حروباً منقطعة منهكة من عام 1207 إلى عام 1270؛ وانضمت سينا إلى الأباطرة في الكفاح




صفحة رقم : 5580




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> تمزق إيطاليا


القائم بين البابوية والإمبراطورية لأن فلورنس انحازت إلى جانب البابوية، وكان انتصار مانفرد عند منتابرتو Montaperto (1260) في واقع الأمر نصراً لسينا على فلورنس. ومع أن أهل سينا كانوا يقاتلون البابا، فإنهم كانوا يعزون ما نالوه من نصر في تلك الواقعة إلى قديستهم الشفيعة العذراء أم الإله. ووهبوا مدينتهم لمريم إقطاعية لها، وطبعوا على نقدهم تلك العبارة الدالة على الزهو والخيلاء وهي دولة العذراء، وضعوا مفاتيح المدينة تحت قدمي العذراء في الكنيسة الكبرى التي سموها باسمها. وكانوا في كل عام يحتفلون بذكرى انتقالها إلى السماء ويقيمون لذلك احتفالاً رهيباً مثيراً. فقد كان جميع المواطنين من سن الثامنة عشرة إلى سن السبعين يسيرون إلى الكنيسة (duomo) في ليلة العيد وبيد كل منهم شمعة مضاءة في موكب فخم وراء قساوستهم وكبار موظفيهم، فإذا أتوا الكنيسة جددوا يمين الولاء والطاعة إلى العذراء. وكان موكب آخر يسير في يوم العيد نفسه ويتألف من ممثلين للمدن والقرى والأديرة المفتوحة أو التابعة لسينا، وكان هؤلاء المندوبون يسيرون أيضاً إلى الكنيسة يحملون الهدايا، ويجددون يمين الطاعة والخضوع لحكومة مدينة سينا ولملكتها. وكانت سوق عامة تقام في ميدان المدينة في هذا اليوم، ويستطيع الأهلون أن يشتروا فيها بضائع آتية من مائة مدينة، ويقوم فيها البهلوان والمغني والموسيقي بأدوارهم، ولم يكن يزيد عن عدد الذين يؤمنون وكر الميسر في المدينة إلا من يؤمنون ضريح مريم نفسها.
وكانت الأعوام المائة التي بين 1260، 1360 هي التي بلغت فيها ذروة عظمتها، ففي هذه السنين المائة شادت كنيستها (1245-1339)، وأنشأت قصرها العام الذائع الصيت (1310-1320)؛ وبرج الأجراس الجميل (1325-1344). ونحت نقولو بيزانو Nccolo Pisano فسقة فخمة للكنيسة في عام 1266؛ ولم يحل عام 1311 حتى كان دوتشيو دي بيوننسنيا Duccio di Buoninsegna قد شرع يزين كنائس المدينة بعدد من أقدم روائع صور النهضة




صفحة رقم : 5581




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> تمزق إيطاليا


الزيتية، بيد أن هذه المدينة الفخورة كانت تقوم بأعمال لا تحتملها مواردها، وكان نصر منتابرتو ضربة قاضية على سينا، فقد اصدر البابا المهزوم قرار الحرمان على المدينة، وحرم دخول البضائع فيها أو أداء الديون لها، وأفلس عدد كبير من مصارفها، حتى إذا كان عام 1270 ضم شارل دوق أنجو المدينة المعذبة إلى عصبة الجلف (أو العصبة البابوية). وظلت سينا من ذلك الحين تسيطر عليها وتفوقها منافستها القوية الفاتحة في الشمال والتي لا تشعر نحوها بشيء من الرحمة.




صفحة رقم : 5582




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> نهضة فلورنس



الفصل السابع




نهضة فلورنس




1095-1308


سميت فلورنس بهذا الاسم لكثرة أزهارها، وقد نشأت قبل المسيح بمائتي عام لتكون محطة تجارية على نهر الآرنو حيث يلتقي برافده المنيون Magnon، وخربتها غارات البرابرة، ولكنها استفاقت في القرن الثامن وصارت ملتقى الطرق على فيا فرنسيسا Via Francesa بين فرنسا وروما. وصارت سهولة اتصالها بالبحر المتوسط عاملاً في تشجيع تجارتها البحرية. وأنشأت فلورنس أسطولاً تجارياً كبيراً يحمل إليها الأصباغ والحرير من آسيا، والصوف من إنجلترا وأسبانيا، ويحمل منها المنسوجات إلى نصف بلاد العالم. واحتفظت فلورنس ببعض الأسرار الصناعية التي أمكنت صباغيها من أن يلونوا الأقمشة الحريرية والصوفية بظلال من الأوان الجميلة، لا تعلو عليها ألوان أخرى حتى في بلاد الشرق التي برعت في هذه الصناعة من زمن بعيد. وكانت نقابتا الصوف الشهيرتان- وهما نقابة الصوف ونقابة الحارة الخبيثة . تستوردان حاجتهما من الصوف وتجنيان مكاسب طائلة من نسجه وتحويله بضائع جاهزة. وكان الجزء الأكبر من العمل يجري في مصانع صغيرة بعضها في بيوت المدن أو الريف. وكان التجار هم الذين يوردون إليها المواد الغفل، ويجمعون البضائع التي تباع في الأسواق، ويدفعون أثمانها قطعة قطعة. وكانت المنافسة القائمة بين الصناع الذين يعملون في منازلهم- وخاصة السيدات العاملات- سبباً في بقاء مستوى الأجور منخفضاً في هذه




صفحة رقم : 5583




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> نهضة فلورنس


المصانع؛ ولم يكن يسمح للنساجين بأن يقوموا بعمل إجماعي لرفع أجورهم أو تحسين أحوال أعمالهم؛ وكانت الهجرة محرمة عليهم. وأراد أصحاب هذه المصانع أن يزيدوا من تأديب الصناع وإرغامهم على حفظ النظام، فأقنعوا الأساقفة بأن يصدروا رسائل دينية تتلى من فوق المنابر أربع مرات في العام وتنذر العامل الذي يعتاد إتلاف الصوف بغضب الكنيسة وبالحرمان نفسه(53).
وكانت هذه الصناعة والتجارة تحتاجان إلى رؤوس الأموال لتستثمر فيهما، وسرعان ما أدى هذا إلى قيام التنافس بين التجار وأصحاب المصارف للسيطرة على الحياة في فلورنس. واستطاع أصحاب المصارف أن يمتلكوا ضياعاً واسعة باستيلائهم على الأراضي المرهونة التي يعجز أصحابها عن فك رهونها، كما أصبحوا ممن لا غنى عنهم للبابوات لسيطرتهم المالية على أملاك الكنائس المرهونة لهم، وكادوا في القرن الثالث عشر يحتكرون شؤون البابوات المالية في إيطاليا(54). ولهذا فإن تحالف فلورنس مع البابوات بصفة عامة في نزاعهم مع الأباطرة كان الباعث عليه هذه العلاقة المالية من جهة وخشية الفلورنسيين من اعتداء الأباطرة والأشراف على حرية البلد والتجار من جهة أخرى. ومن أجل هذا كان رجال المصارف أكبر المؤيدين لحزب البابا في فلورنس، فهم الذين قدموا المال اللازم لحملة شارل دوق أنجو على إيطاليا إذ أقرضوا البابا إربان الرابع 148.000 جنيه فرنسي (أي 29.600.000 ريال أمريكي). ولما استولى شارل على نابلي سمح لأصحاب المصارف الفلورنسيين أن يسكوا النقود ويجبوا الضرائب في المملكة الجديدة، وأن يحتكروا تجارة الأسلحة، والحرير، والشمع، والزيت، والحبوب، وتوريد الأسلحة والمؤن للجنود، كل ذلك ليضمنوا تحصيل قرضهم السالف الذكر(55). وإذا جاز لنا أن نصدق دانتي، فإن هؤلاء الماليين الفلورنسيين لم يكن لهم ما لأمثالهم في هذه الأيام من ظرف وكياسة، بل كانوا قناصة للمال، غلاظاً شرهين، يجنون الأرباح الطائلة بالاستيلاء على الأراضي التي يغلق رهنها، ويتقاضون فوائد باهظة




صفحة رقم : 5584




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> نهضة فلورنس


عن القروض دون أن يكون لهم وازع من دين أو ضمير- وما أشبههم بفلكو بوتناري Folco Potinari متبني بيتريس Beatrice في ملهاة دانتي(56). وكانوا يقومون بأعمالهم في إقليم واسع الرقعة، فنحن نجد مصرفين فلورنسيين- مصرف برونلسشي Brunelleschi ومصرف ميديشي Medici يسيطران على الأعمال المالية في نيمر Nimes" وأمدييت فرانزيسي Franzesi الفلورنسي فليب الرابع بما يحتاجه من المال لحروبه ودسائسه، وظل الماليون الإيطاليون من بداية حكمه يسيطرون على الشؤون المالية الفرنسية حتى القرن السابع عشر. كذلك استدان إدوارد الأول ملك إنجلترا 200.000 فلورين ذهبي (2.160.000 ريال أمريكي) من بيت فرسكوبلدي Frescobaldi الفلورنسي عام 1295. وكانت هذه القروض معرضة للخطر، كما كانت تخضع الحياة الاقتصادية في فلورنس إلى الحوادث النائية التي ليست لها في ظاهر الأمر أية صلة بها. وعقدت عدة صفقات استثمار سياسية، وعجزت بعض الحكومات عن الوفاء بالتزاماتها المالية، ثم سقط بنيفاس الثامن وانتقل مقر البابوية إلى أفنيون (1307) فأدى هذا إلى إفلاس عدد من المصارف في إيطاليا والى حلول كساد عام وحرب عوان بين الطبقات.
وكانت ثلاث طبقات تقتسم الحياة المدنية غير الدينية في فلورنس: "الشعب الصغير popolo minuto- ويشمل أصحاب الحوانيت، والشعب السمين popolo grasso ويشمل أصحاب الأعمال ورجال الصناعة والتجارة، والعظماء grandi أي النبلاء. وكان الصناع يؤلفون النقابات ويستغلهم في الأعمال السياسية أصحاب الأعمال والتجار ورجال المال الذين يملئون النقابات الطائفية الكبرى. وكان "الشعب الصغير" و"الشعب السمين" يأتلفان وقتاً ما للوقوف في وجه الأعيان في التنافس القائم للسيطرة على الحكومة. وكان هؤلاء الأعيان يطالبون لأنفسهم بمكوس إقطاعية من المدينة، وقد أيدوا في أول الأمر الأباطرة ثم أيدوا البابوات ضد حركات المدينة. ونظمت هاتان الطبقتان




صفحة رقم : 5585



قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> نهضة فلورنس


المؤلفتان جيشاً إقليمياً كان على جميع الصحيحي الأجسام من أهل المدينة أن ينظموا إليه وأن يتعلموا فيه فنون الحرب. فلما تهيأت أسباب القوة بهذا الاستعداد استولوا على قصور الأشراف الحصينة القائمة في الريف، ودمروها وأرغموا أصحابها على السكنى داخل أسوار المدينة والخضوع للقوانين البلدية. وكان النبلاء لا يزالون أغنياء بما يحصلون عليه من ريع أملاكهم في الريف، فشادوا لهم قصوراً حصينة في المدن، وانقسموا أحزاباً، وأخذوا يتقاتلون في الشوارع، ويتنافسون ليروا أي حزب يسبق الآخر لقلب الديمقراطية الضيقة المدى القائمة في فلورنس وإحلال دستور أرستقراطي محلها. وتزعم حزب الأوبرتي Uberti ثورة قام بها الغبليون ليقيموا في فلورنس حكومة موالية لفردريك، واستبسلت الطبقتان المؤتلفتان في المقاومة، ولكن كتيبة من الفرسان الألمان أوقعت بهما هزيمة ساحقة، وسقطت الديمقراطية الفلورنسية، وفر زعماء الجلف من المدينة، وهدمت بيوتهم انتقاماً لما قاموا به من تدمير قصور رجال الإقطاع منذ مائة عام؛ وجرى الأهلون من ذلك الوقت عقب كل انتصار في حروب الطبقات والأحزاب على أن يحتفلوا بالنصر بنفي زعماء الطبقة المغلوبة ومصادرة أملاكهم أو تخريبها(57). وظل أشراف الغبليين ثلاث سنين يحكمون المدينة تؤيدهم حامية من جنود الألمان، فلما مات فردريك قامت ثورة جلفية من الطبقتين الوسطى والدنيا واستولى الثوار على زمام الحكم (1250) وعينوا زعيماً للشعب ليراقب أعمال البودستا كما كان التربيونون في روما القديمة يراقبون أعمال القناصل. واستدعى زعماء الجلف المنفيون، وأيدت الطبقات الوسطى المنتصرة ما نالته من نصر داخلي بحروب شنتها على بيزا وسينا للسيطرة على طريق تجارة فلورنس إلى البحر والى روما، وأصبح أغنى التجار نبلاء جدداً، وعملوا على احتكار وظائف الدولة لأنفسهم.
ولما هزم مانفرد وسينا مدينة فلورنس في منتابرتو أعقب ذلك فرار زعماء




صفحة رقم : 5586




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> نهضة فلورنس


الجلف مرة أخرى، وظلت فلورنس بعد فرارهم ست سنين يحكمها مندوبون عن مانفرد. فلما خسرت الإمبراطورية قضيتها في عام 1268 عادت السلطة مرة أخرى إلى أيدي الجلف الخاضعين خضوعاً اسمياً لشارل دوق أنجو. وأرادوا أن يقيدوا سلطان البودستا المعين من قبل شارل فأقاموا إلى جانبه هيئة مؤلفة من اثني عشر من الأنزياني anziani (أي "الأقدمين" أو الكبراء) ليسدوا النصح إلى ذلك الموظف، ومجلساً مكوناً من مائة عضو "لا ينفذ عمل من الأعمال الهامة ولا ينفق أي اعتماد مالي إلا إذا وافق عليه أولاً"(58). واغتنمت الطبقات الوسطى الرأسمالية فرصة انشغال شارل "بالمذبحة المسائية" فقاموا في عام 1282 بانقلاب دستوري أصبحت بمقتضاه هيئة مؤلفة من الرؤساء ومختارة من النقابات الطائفية الكبرى هي المسيطرة بالفعل على حكومة المدينة، وظل منصب البورستا باقياً في خلال هذه التقلبات، ولكنه كان مجرداً من السلطان، لأن السلطة العليا انتقلت إلى أيدي التجار وأصحاب المصارف.
وأعاد حزب الأشراف القدامى المغلوب تنظيم نفسه برياسة كرسو دوناري الرجل الوسيم المتغطرس، وأطلق عليهم لسبب غير معروف اسم "النري Nrri" أي السود، وسمي النبلاء الجدد أصحاب المصارف والتجار الذين تزعمتهم أسرة شرشي Cherchi باسم البيض Blanchi. ويئس النبلاء القدامى من معونة الإمبراطورية المحطمة فولوا وجههم شطر البابا يستعينونه على الطبقة الوسطى الرأسمالية. ودبر دوناتي Donati، بوساطة آل سبيني Spini وكلائه في فلورنس، تدبيره مع بنيفاس الثامن للاستيلاء على فلورنس؛ وكانت الأحزاب التسكانية قد امتد نفوذها إلى الولايات البابوية فلم تترك لبنيفاس أملاً في إعادة النظام إليها إلا إذا كان له صوت مسموع في حكومات تسكانيا البلدية(59). وعرف أحد رجال القانون الفلورنسيين خبر هذه المفاوضات فاتهم ثلاثة وكلاء من أسرة سبيني في روما بخيانة فلورنس، وأدانت الهيئة الحاكمة المؤلفة من مندوبي النقابات




صفحة رقم : 5587




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> نهضة فلورنس


الطائفية الكبرى ثلاثتهم (إبريل 1300) فهدد البابا من اتهموهم بالحرمان؛ وهاجمت جماعة من النبلاء المسلحين من حزب دوناتي عدداً من كبار رجال النقابات، فقررت هيئة المندوبين السالفي الذكر، وكان دانتي وقتئذ من أعضائها، نفي عدد من النبلاء متحدية بذلك البابا (يونية 1300). واستنجد بنيفياس بشارل دوق فالوا Valois وطلب إليه أن يدخل إيطاليا، ويخضع فلورنس، ويسترد صقلية من أرغونة.
ووصل شارل فلورنس في نوفمبر من عام 1310، وأعلن أنه لم يأت إليها إلا لإعادة النظام والسلم في ربوعها، ولكن كرسو دوناتي دخل المدينة بعد قليل من ذلك الوقت على رأس جماعة مسلحة، ونهب بيوت المندوبين الذين نفوه، وفتح أبواب السجون، ولم يطلق أصدقاءه وحدهم، بل أطلق كل من أراد الخروج منها. وساد الهرج والمرج المدينة، واشترك النبلاء والمجرمون ف السرقة، وخطف الآدميين، وقتلهم؛ ونهبت مخازن التجارة، وأرغمت الوارثات على الزواج من خطاب مفاجئين، واضطر الآباء إلى إمضاء وثائق ببائنات كبيرة. وأخرج كرسو آخر الأمر هيئة مندوبي النقابات والبودستا من وظائفهم، واختار السود، وظل كرسو سبع سنين حاكماً يأمره لا معقب لحكمه في فلورنس. وحوكم المندوبون المعزولون وأدينوا، وحكم عليهم بالنفي ومنهم دانتي نفسه (1302)، وحكم على 359 من البيض بالإعدام، ولكن أجيز لمعظمهم النجاة من الموت بالنفي من البلاد.. وقبل شارل فالوا هذه الحوادث راضياً، وقبل معها 44.000 فلورين (4.800.000 ريال أمريكي) مكافأة له على ما عانى من مشقة، وغادر فلورنس إلى الجنوب. وفي عام 1304 أحرق السود الذين أفلت زمامهم بيوت أعدائهم، فدمر في هذه الحرائق 1400 بيت، وأصبح وسط فلورنس رماداً وخرائب. ثم تفرق السود




صفحة رقم : 5588




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> نهضة فلورنس


أحزاباً جدداً، وحدثت أعمال من العنف لا حصر لها طعن فيها دوناتي طعنة أردته قتيلاً (1305).
وبعد فإن علينا أن نذكر مرة أخرى أن المؤرخ كالصحفي ينزع على الدوام إلى أن يضحي بما هو طبيعي وعادي في سبيل ما هو مسرحي مثير؛ وأنه لا يرسم أبداً صورة وافية لأي عصر من العصور. لكن من واجبنا أن نسجل في ختام هذا الفصل أن إيطاليا كانت تستند في أثناء هذا النزاع بين البابوات والأباطرة، وبين الحلف والغبليين، وبين السود والبيض، إلى الفلاحين الكادحين، ولربما كانت حقول إيطاليا في ذلك الوقت كما هي الآن ميداناً للعمل الزراعي الفني والجدي، وأنها كانت مقسمة ومنظمة تسر العين وتطعم الفم. فقد كانت التلال والصخور والجبال تحفر وتدلارج لتزرع فيها الكروم، وأشجار الفاكهة، وبساتين الجوز واللوز، وأشجار الزيتون؛ وكانت الحدائق تسور لمنع عوامل التعرية من اكتساح تربتها والاحتفاظ بالمطر الثمين. وكان في الحواضر عدد لا يحصى من الصناعات يستوعب الكثرة الغالبة من الرجال، ولا يترك إلا القليل من الوقت يصرف في الخطب والانتخابات، والمدى، والسيوف. كذلك لم يكن التجار وأصحاب المصارف كلهم رجالاً شرهين قساة القلوب، وكانوا هم أيضاً ممن جعلوا المدينة تعج بالأعمال وتنمو وتتسع رقعتها لما يضطرم فيها من حمى الكسب إن لم يكن لشيء سواها؛ وكان في وسع النبلاء أمثال كرسو دوناتي، وجيدو كفكنتي Guido Covalcanti، وكان جراندي دلا اسكالا Can Grandi della Scala أن يكونوا رجال ثقافة، وإن عمدوا إلى سيوفهم من حين إلى حين ليحسموا أمراً من الأمور. وكانت النساء ينخطرن بكامل حريتهن في هذا المجتمع المرح؛ ولم يكن الحب فيه لفظاً أجوف يردده الشعراء الغزلون أو يتمشدق به الفلاحون الكادحون، أو خدمات يؤيدها فارس لمعبودته الضنينة؛ بل كان




صفحة رقم : 5589




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> إيطاليا قبل النهضة -> نهضة فلورنس


هياماً سامياً حماسياً ينتهي بالاتصال الكامل بين الرجل والمرأة، وبالأمومة غير المتعمدة. وكان المدرسون في أماكن متفرقة من هذا البحر العجاج يجاهدون صابرين ليلقنوا المعارف إلى السباب المحجم عن معارفهم، والعاهرات يخففن من شبق الرجال الواسعي الخيال؛ والشعراء يستعيضون عن آمالهم الخائبة بقرض الشعر، والفنانون يعيشون على الطوى وهم يسعون وراء الكمال، والقسيسون ينهمكون في السياسة ويواسون الفقراء والمنكوبين، والفلاسفة يجاهدون ليخرجوا من متاهة الأساطير إلى سراب الحقيقة البراق. وكان في هذا المجتمع دوافع للعمل، وأسباب لإثارة النفوس، وللتنافس، تقوي أذهان الرجال وألسنتهم، وتستثير ما لديهم من قوى مختزنة لم يكن أحد يتوقع وجودها فيهم، وتغريهم بتمهيد السبيل للنهضة وتهيئة أسبابها. وهكذا جاء البعث الجديد بعد أن عانت المجتمعات في أوربا كثيراً من الآلام، وأريقت في سبيله أنهار من الدماء.




صفحة رقم : 5590




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> مذهب الروم الكاثوليك -> عقيدة الشعب



الباب السابع والعشرون




مذهب الروم الكاثوليك




1095 - 1294




الفصل الأول




عقيدة الشعب


يعد الدين من كثير من الوجوه أكثر أساليب الإنسان طرافة لأنه آخر ما تفسر به الحياة، وهو سبيله الوحيدة لاتقاء الموت. وليس في تاريخ العصور الوسطى كله ما هو أعظم أثراً في النفس من الدين، فإنك تراه في كل مكان، ويكاد يكون أعظم القوى في تلك العصور. وليس من السهل على من يعيشون الآن منعمين تتوافر لهم جميع حاجاتهم أن يدركوا حق الإدراك، ما كان في تلك العصور من فوضى وعوزهما اللذان شكلا عقائد الناس في خلالها. ولكن من واجبنا أن ننظر إلى ما كان عند المسيحيين واليهود من خرافات، وأسرار خفية، ووثنية، وسذاجة، وسلامة طوية، نقول إن من واجبنا أن ننظر إلى هذا كله بنفس العطف الذي يجب أن ننظر به إلى عنائهم، وفقرهم، وأحزانهم، وإن فرار الآلاف المؤلفة من الرجال والنساء من "الدنيا، واللحم، والشيطان" إلى أديرة الرجال والنساء ليوحي إلينا بما كان يسود ذلك الوقت من اضطراب، واختلال أمن، وعنف أوفت على الغاية أكثر مما يوحي بجبن أولئك الفارين وخور عزيمتهم. وبدا أن من البداءة أن لا سبيل إلى السيطرة على الدوافع البشرية




صفحة رقم : 5591




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> مذهب الروم الكاثوليك -> عقيدة الشعب


الوحشية إلا بقانون أخلاقي تؤيده قوة تعلو على القوى البشرية. وكان أكبر ما يحتاجه العالم وقتئذ هو عقيدة توازن المحن بالآمال، وتخفف من وقع الحرمان بالسلوى والعزاء، وتزيل من ملل الكدح بخيال العقيدة، وتمحو قصر الأجل بعقيدة الخلود، وتضفي على المسرحية الكونية معنى ملهما يشرفها ويرفع من قدرها، لولاه لكانت موكباً لا معنى له ولا يمكن احتماله، موكباً من الأنفس، والأجناس، والنجوم، تهوى واحدة بعد واحدة إلى الفناء الذي ليس منه محيص.
وسعت المسيحية إلى الوفاء بهذه الحاجات بفكرة حماسية رائعة عن الخلق والخطيئة الآدمية، والأم العذراء، والإله المعذب، والنفس الخالدة التي قدر عليها أن تواجه يوم الحساب فيقضى عليها بالتردي في الجحيم إلى أبد الآبدين، أو أن تنجو وتنال النعيم السرمدي على يد كنيسة توفر لها بأسرارها المقدسة البركة الإلهية التي حلت على العالم بموت منقذه. وكانت حياة الكثرة الغالبة من المسيحيين تجول وتجد معناها في هذه النظرة الشاملة إلى العالم.
وكان أعظم ما أهدته العقيدة الدينية إلى العالم في العصور الوسطى هو ثقته بأن الحق سيعلو آخر الأمر، وأن كل نصر ظاهري للشر سيفنى آخر العهد حين يظفر الخير بالشر في العالم كله، وتلك ثقة تعلى من قدر البشرية وتدعم كيانها. وكانت عقيدة يوم الحساب أساس العقيدة المسيحية واليهودية والإسلامية. وبقى الاعتقاد بعودة المسيح إلى الأرض، ونهاية العالم لتكون هذه العودة وتلك النهاية تمهيداً ليوم الحساب الأخير، بقى هذا الاعتقاد بعد هبوط مسعى الرسل، ومرور العام المتمم للألف بعد المسيح، ومخاوف أربعين قرناً وآمالها. نعم إن هذا الاعتقاد أضحى أقل وضوحاً وأضيق انتشاراً مما كان قبل، ولكنه لم يمنح من النفوس، فقد قال روجر بيكن Roger Bacon في عام 1271 : إن "العقلاء من الناس" يرون أن نهاية العالم قد قربت(1)، وكان كل وباء شامل، وكل




صفحة رقم : 5592




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> مذهب الروم الكاثوليك -> عقيدة الشعب


كارثة مدلهمة، وكل زلزال مروع، وكل مذنب يظهر في السماء، وكل حادثة غير عادية، كان كل شيء من هذا القبيل يعد نذيراً بنهاية العالم، وحتى إذا ظل العالم باقياً فإن الموتى وأجسامهم ستبعث من فورها بعد وفاتها لتحاسب على ما قدمت من خير وشر.
وكانت تجيش في صدور الناس آمال غامضة بدخول الجنة، ولكنهم كانوا يخافون النهار خوفاً واضحاً صريحاً لا غموض فيه، وكان في الدين المسيحي في العصور الوسطى كثير من الرقة والرأفة، ولكن رجال الدين والوعاظ الكاثوليك، والبروتستنت الأولين، كانوا يشعرون بأن من الواجب عليهم أن يروعوا الناس بأهوال الجحيم . ولم يكن المسيح في هذا العهد هو "عيسى الوديع الرقيق"، بل كان هو المنتقم الجبار لكل ما يرتكبه ويقال إن القديس البشر من آثام. وكان في الكنائس كلها تقريباً رمز من يمثل المسيح في صورة قاض، وكان في الكثير منها صور ليوم الحساب، تمثل ضروب التعذيب التي يلقاها الملعونون تمثيلاً أشد وضوحاً من النعيم الذي يتمتع به السعداء المقربون. مثوديوس استطاع أن يقنع بوريس Boris ملك بلغاريا باعتناق الدين المسيحي بأن رسم له صورة الجحيم على جدار القصر الشيطان مشدوداً إلى مشواة ملتهبة من الحديد بسلاسل حمراء من شدة الحرارة، لا ينقطع له الملكي(4). وكان كثيرون من المتصوفة يدعون أنهم رأوا في أحلامهم صوراً للنار، وقد وصفوها وصفاً جغرافياً، وصوروا ما فيها من عذاب(5)، ونقل إلينا الراهب تنديل Tundale من رهبان القرن الثاني عشر تفاصيل لها دقيقة: فقال إن في وسط الجحيم يرى صراخ من فرط




صفحة رقم : 5593




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> مذهب الروم الكاثوليك -> عقيدة الشعب


الألم، ويداه طليقتان يمدهما ليقبض بهما على العصاة المذنبين، يحطمهم بأسنانه كما يحطم العنب، وأنفاسه النارية تجذبهم إلى حلقة الملتهب. ويقذف أعوانه من الشياطين أجسام المذنبين بخطاطيف من الحديد في النار مرة وفي الماء الزمهرير مرة أخرى، أو يعلقونهم من ألسنتهم، أو ينشرون أجسامهم بالمناشير أو يطرقونها بالمقاطع على سندان، أو يقلونها في النار، أو يعصرونها حتى تصفى من قطعة من النسيج. وكان الكبريت يمزج بالنار حتى تزيد رائحته الكريهة من عذاب الآثمين. وليس للنار ضوء، ولهذا فإن الظلمة المروعة تغشى هذه الآلام المختلفة التي لا يحصى لها عدد(6). أما الكنيسة نفسها فلم يصدر عنها رسمياً قول يحدد مكان النار أو يصفها، ولكنها كانت تعلن سخطها على أمثال أرجن Origen الذين يرتابون في حقيقة نيرانها المادية(7). ولو أن أهوال هذه العقيدة قد نالها بعض التخفيف لأخفقت تحقيق غرضها، ولهذا فإن القديس تومس أكويناس كان يؤمن بأن "النار التي ستعذب فيها أجسام المجرمين نار مادية" وحدد مكان الجحيم "في أسفل الأرض"(8).
ولم يكن الشيطان في خيال العامة من أهل العصور الوسطى، وفي خيال رجال من أمثال جريجوري الأكبر، رمزاً أو كتلة أو تشبيها، بل كان جسماً حقيقياً حياً من لحم ودم، يغشى كل مكان في العالم، يغوي الناس بضروب من المغريات ويخلق كل أنواع الشر. وكان من المستطاع عادة أن يطرد بقضه وقضيضه بقدر من الماء المقدس أو بعلامة الصليب، ولكنه في هذه الحال يخلف وراءه رائحة خبيثة هي رائحة الكبريت المحترق. والشيطان شديد الإعجاب بالنساء، ويتخذ بسماتهن ومفاتهن أدوات يغوى بها ضحاياه، وينال رضاءهن بعض الأحيان- إذا كان لنا أن نصدق النساء أنفسهم. فقد اعترفت امرأة من طلوشة (طولوز Toulouse) أنها كثيراً ما ضاجعت الشيطان، وأنها وهي في الثالثة والخمسين من عمرها ولدت منه هولة لها رأس ذئب، وذئب أفعى(9). وللشيطان في رأي




صفحة رقم : 5594




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> مذهب الروم الكاثوليك -> عقيدة الشعب


أقوام العصور الوسطى عدد لا يحصى من أعوانه الأبالسة، يحومون حول كل نفس، ويعملون دائبين على جرها إلى ارتكاب الإثم. وهؤلاء أيضاً يحبون أن يضاجعوا النساء اللاتي يهملن أنفسهن، أو ينمن وحدهن، أو ينقطعن للدين والعبادة(10). وقد وصف الراهب ريكالم Richalm أولئك الأبالسة بأنهم "ويملاؤن العالم كله، وأن الهواء كله ليس إلا كتلة سميكة منهم يترصدوننا في كل زمان ومكان.... ومن أعجب العجائب أن يبقى واحد منا حيا يرزق، ولولا رحمة الله لما نجا أحد من شرهم"(11). وكان الناس كلهم تقريباً بما فيهم الفلاسفة أنفسهم يؤمنون بهذا العدد الجم من الأبالسة والشياطين، ولكن روح الفكاهة المنجية كانت تخفف من رهبة هذا الإيمان بهم، وكان كثير من الرجال ذوي العقول المتزنة ينظرون إلى أولئك الأبالسة الصغار على أنهم جماعة من الخبثاء أكثر منهم خلائق مروعين. وكان من العقائد الشائعة أو أولئك الأبالسة يتدخلون تدخلاً مسموعاً، ولكنه غير منظور، في أحاديث الناس، ويخرقون أثوابهم، ويلقون بالأقذار على عابري السبل. ويقال إن شيطاناً متعباً جلس مرة على خمسة فأكلتها راهبة وهي لا تدري ما تفعل(12).
وأكثر رهبة من العقيدة السالفة الذكر الاعتقاد بأن "كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون" (الآية 14 من الإصحاح 22 من إنجيل متى). وكان المؤمنون المستمسكون بدينهم يعتقدون أن الكثرة الغالبة من الجنس البشري ستتردى في الجحيم(13)، وكان كثيرون من رجال الدين المسيحيين يؤمنون بحرفية القول المعزو إلى المسيح : "من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن" (مرقس إصحاح 16 الآية 16). ووصل القديس أوغسطين على الرغم منه إلى النتيجة القائلة إن من مات من الأطفال قبل التعميد مآله النار(14)، وكان القديس آنسلم يظن أن ليس في عذاب الأطفال غير المعمدين (الآثمين لأن آدم وحواء قد ارتكبوا الإثم) من المخالفة للعقل والمنطق أكثر مما في فرض الرق على




صفحة رقم : 5595




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> مذهب الروم الكاثوليك -> عقيدة الشعب


أبناء الأرقاء- وهو لا يرى أن في هذا بعداً ما عن المعقول(15). وقد خففت الكنيسة من هول هذه العقيدة بأن علمت الناس أن الأطفال غير المعمدين لا يلقون في الجحيم بل يلقون في يمبوس Infernus puerorum حيث لا يكون عذابهم إلا ما يشعرون به من ألم لأنهم حرموا من الجنة(16). وكانت الكثرة الغالبة من المسيحيين تعتقد أن المسلمين جميعاً- كما كانت الكثرة الغالبة من المسلمين ما عدا النبي محمداً تعتقد أن المسيحيين جميعاً- سيلقون في النار، وكان الاعتقاد السائد أن "غير المؤمنين" سيعذبون(17). وذهب مجلس لاتران الرابع إلى أبعد من هذا فأعلن (1215) أن لا نجاة لأحد من النار إذا لم يكن من أتباع الكنيسة الجامعة(18). وقرر البابا جريجوري التاسع أن ما كان يأمله ريمند للي Raymond Lully من أن "الله يحب شعبه حباً يؤدي إلى نجاة الناس جميعاً تقريباً، لأنه لو كان المعذبون أكثر من الناجين لكانت رحمة المسيح خالية من كثير الحب"(19)، وليس ثمة رجل آخر من رجال الدين البارزين أجاز لنفسه أن يعتقد- أو أن يقول- إن الناجين سيزيدون على المعذبين(20). وقدر برثلد الرجنز برجي Bertshold of Regensburg، وهو من أشهر وعاظ القرن الثالث عشر وأحبهم إلى الناس، نسبة المعذبين إلى الناجين بمائة ألف إلى واحد(21). ويرى القديس تومس أكويناس أن "في هذا أيضاً رحمة الله أكثر مما تظهر في شيء سواه، لأنه يرفع القليلين إلى معارج النجاة، التي يعجز عن إدراكها الكثيرون"(22). وكان كثيرون من الناس يعتقدون أن البراكين هي أفواه جهنم، وأن قعقعتها ليست إلا صدى خافتاً لأنين المعذبين(23)، وكان جريجوري الأكبر يقول إن فوهة بركان إتنا تزيد أتساعاً في كل يوم لتبتلع العدد الذي لا يحصى من الأرواح التي كتب عليها العذاب(24). وكانت أحشاء الأرض المزدحمة تضم ثناياها الحارة الكثرة الغالبة من جميع من ولدوا من بني الإنسان، ولا يستطيع أحد أن يستريح أو يفر من النار إلى أبد الدهر، وفي




صفحة رقم : 5596




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> مذهب الروم الكاثوليك -> عقيدة الشعب


ذلك يقول بوئلد : إحص رمال شواطئ البحار، أو الشعر الذي ينبت على أجسام البشر والحيوان من يوم أن خلق آدم، وقدر سنة من العذاب لكل حبة رمل أو شعرة، ثم اعلم أن هذه الحقبة من الزمن التي تصل إليها لا تكاد تمثل بداية آلام المعذبين(25). وكانت اللحظة الأخيرة في حياة الإنسان هي اللحظة في البداية كلها، وكان خوف الناس من أن يكون الإنسان في هذه اللحظة الأخيرة آثماً لم تغفر له ذنوب، كان هذا الخوف عبئاً ثقيلاً ترزح تحته النفوس البشرية.
وكانت عقيدة المطهر أو الأعراف تخفف من هذه الأهوال تخفيفاً غير قليل. وكانت الصلوات من أجل أرواح الموتى عادة قديمة قدم الكنيسة نفسها، وفي وسعنا أن نرجع طقوس التفكير عن الذنوب والصلاة على أرواح الموتى إلى عام 250م(26). وقد تحدث أوغسطين عن وجود موضع يتطهر فيه الموتى من ذنوب غفرت لهم ولكنها لم يكفر عنها تكفيراً كافياً بعد موتهم، وقبل جريجوري الأول هذه الفكرة، وقال إن ما تعانيه الأرواح في المطهر من آلام قد يخفف ويقصر مداه بفضل دعاء الأحياء من أصدقائهم وصلواتهم(27)، غير أن هذه النظرية لم تصبح من العقائد الواسعة الانتشار حتى نفخ فيها بطرس دميان Peter Damian حوالي عام 1070 من روحه الحماسية وأذاعها ببلاغته. وزاد انتشار هذه الفكرة في القرن الثاني عشر حين ذاعت قصة تقول إن القديس بتريك St. Patrick أراد أن يقنع بعض المتشككين فأجاز حفر حفرة في إيرلندة نزل إليها بعض الرهبان، ثم عاد بعضهم، كما تقول القصة، ووصفوا المطر والنار وصفاً واضحاً ثبط عزيمة من يريدون أن يحذوا حذوه، وأدعى أون Owen الفارسي الأيرلندي أنه نزل من هذه الحفرة إلى الجحيم في عام 1153، ووصف ما لاقاه في العالم السفلي وصفاً لاقى نجاحاً منقطع النظير(28). فقد




صفحة رقم : 5597




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> مذهب الروم الكاثوليك -> عقيدة الشعب


أقبل الناس من بعيد لزيارة هذه الحفرة، ونشأت من ذلك شرور ومساوئ مالية اضطرت الباب إسكندر السادس أن يأمر في عام 1497 بردمها لأنها من الادعاءات الباطلة(29).
ترى كم من الناس في العالم المسيحي أثناء العصور الوسطى كانوا يصدقون العقائد المسيحية، إننا نسمع عن وجود ملحدين كثيرين، ولكن الكثرة الغالبة من أولئك الملحدين كانت تتمسك بالمبادئ الأساسية للعقائد المسيحية، وقد حدث بمدينة أورليان Orleans في عام 1017 أن "رجلين من أكرم الناس أباً وأوسعهم علماً" أنكروا عقائد خلق العالم، والتثليث، والجنة، والنار، وقالا إنها كلها مجرد هذيان"(30). ويقول جون السلزبري John of Salisbury في القرن الثاني عشر إنه سمع إنه كثيرين من الناس يتحدثون "أحاديث لا يقبلها الدين"(31)، ويقول فلاني Villani إنه كان بمدينة فلورنس في ذلك القرن نفسه جماعة من الأبيقوريين، يسخرون من الله والقديسين، ويطلقون العنان لشهواتهم الجسمية(32). ويحدثنا جرالدس كمبرنسس Giraldus Cambrensis (1146؟- 1220) عن قس، لا يذكر إسمه، لامه قس آخر على عدم عنايته بالاحتفال بالقداس، فكان رده أن سأل ناقده هل يؤمن هو حقاً باستحالة مادة القربان إلى لحم المسيح ودمه، وبعقيدة التجسد، وبمولد المسيح من مريم العذراء، وبالبعث ـ وزاد على ذلك أن قال : هذا كله قد اخترعه القدماء الماكرون ليرهبوا الناس ويسيطروا عليهم ، وإن طائفة من المنافقين يحذون الآن حذوهم(33). وينقل جرلد الويلزي نفسه قول العالم سيمون التورنائي Simon of Tournai (حوالي 1201) في حسرة وألم: "رباه ياذا الجلال!




صفحة رقم : 5598




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> مذهب الروم الكاثوليك -> عقيدة الشعب


إلى متى تبقى هذه الشيعة المخرفة من المسيحيين، وتدوم هذه البدعة التي لا أصل لها؟"(34). وتقول إحدى القصص المتداولة عن سيمون هذا إنه أثبت في محاضرة له عقيدة التثليث بالحجج القوية البارعة، فلما رأى إعجاب مستمعيه به تاه بنفسه عجباً فقال إن في وسعه أن يثبت عكس هذه العقيدة بحجج أخرى أقوى من حججه الأولى، فلما نطق بهذا- كما تقول القصة- أصيب من فوره بالشلل والعته(35). وفي عام 1200 كتب بطرس رئيس دير الثالوث المقدس Holy Jrinity في ألدجيت Aidgate بلندن يقول: "من الناس من لا يعتقدون بوجود الله، ويقولون إن العالم سيره الصدفة.. ومنهم كثيرون لا يؤمنون بالملائكة الأخيار أو الأشرار، ولا بالحياة بعد الموت أو بأي شيء روحي لا تراه العين"(36). وقد أثار شجن فنسنت من أهل بوفيه Vincent of Beauvais (1200 ؟- 1264) أن كثيرين يسخرون من الرؤى ومن القصص (قصص القديسين)" ويقولون "إنها من خرافات العوام أو إنها بدع كاذبة"، ويضيف إلى ذلك قوله : "وليس لنا أن نعجب من أن هذه القصص لا تقبلها عقول الذين لا يعتقدون بوجود النار"(37). وبقد كانت عقيدة الجحيم من العقائد التي لا يستسيغها الكثيرون. وكانت بعض النفوس الساذجة تتساءل: "لم خلق الله الشيطان إذا كان قد سبقت في علمه خطيئته وسقوطه؟"(38). وقال بعض المتشككين إن الله لا أن تصل قسوته إلى الحد الذي يجعله يعاقب على الذنب المحدد بالألم الغير المحدود ؛ ويجيب رجال الدين عن هذا الاعتراض بقولهم إن الذنب الذي يرتكبه الآدمي إجرام في حق الله، وإنه لهذا يعد إثماً لا نهاية له. ولم يقنع هذا القول ناسجاً كان يعيش في طولوز عام 1247 فقال : لو أنني استطعت أن أقبض على هذا الإله الذي لا ينجى من كل ألف من خلقه إلا واحداً ثم يعذب الباقين، لانتزعت أسنانه وأظافره كما يفعل بالخونة المارقين، ولبصقت
في وجهه"(39). ولبعض المتشككين أقوال لا تبلغ من




صفحة رقم : 5599




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> مذهب الروم الكاثوليك -> عقيدة الشعب


العنف هذا المبلغ كله، فيقولون مثلاً إن نار الجحيم لابد أن تكلس الروح والجسم حتى يصبحا عديمي الإحساس بها ويصير "من اعتاد الجحيم مستريحاً فيها راحته في أي مكان سواها"(40). وتبدو في نشيد أوكاسين ونيقولت Gueassin et Nieolette (حوالي عام 1230) الفكاهة القديمة القائلة بأن الإنسان يلقي في الجحيم صحاباً أظرف ممن يلقاهم في الجنة(41). ويشكو القسيسون من أن معظم الناس يؤجلون التفكير في النار إلى آخر لحظة في حياتهم لوثوقهم من أنهم مهما تكن آثامهم فإن "ثلاث كلمات" (ego-te absolvo) "تكفي لنجاتي"(42).
ويبدو أنه كان في القرى وقتئذ كما فيها الآن من لا يؤمنون بالله، ولكن الكافرين القرويين لا يتركون وراءهم ذكريات تحدث عنهم، يضاف إلى هذا أن معظم ما وصل إلينا من أدب العصور الوسطى قد كتبه رجال الدين أو أن رجال الدين قد أخفوا الجزء الأكبر منه ولم يبرزوا لنا إلا ما وقع عليه اختيارهم. وسنجد فيما بعد "علماء جوالين"يقولون شعراً يبدو فيه عدم الاحتشام، ولصوصاً غلاظاً ينطقون بأشد الأقوال تجديفاً، وأناساً ينامون ويغطون(43)، بل ويرقصون(44) ويفجرون(45) في الكنائس، كما نجد من يرتكبون "العهر، والنهم، والقتل، والسرقة في يوم الأحد" (كما يقول أحد الرهبان) "أكثر ممن يرتكبون هذه الذنوب في جميع أيام الأسبوع الذي قبله"(46). وفي وسعنا أن نذكر في هذه الصفحة ما لا يحصى من الأمثلة نجمعها من مائة بلد وبلد، ومن ألف عام وعام ؛ وكلها تدل على ما كان في العصور الوسطى من نقص في الإيمان الحق، وتحذرنا من التغالي في الاعتقاد بتقوى الناس في تلك العصور، ولكن العصور الوسطى لا تزال مع هذا تغمر الباحث في جو من العبادات والعقائد الدينية، فلقد كانت كل دولة أوروبية تأخذ المسيحية في كنفها وتحت حمايتها، وترغم الناس بقوة القانون على الخضوع للكنيسة، وكان كل ملك، إلا القليل النادر منهم، يثقل




صفحة رقم : 5600




قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> مذهب الروم الكاثوليك -> عقيدة الشعب


الكنيسة بالهبات، وكانت كل حادثة تقع في التاريخ، إلا ما ندر منها، تفسر على أساس من الدين، وكل واقعة في أسفار العهد القديم تسبق إلى تصوير شيء في أس