Advertisement

قصة الحضارة 07



قصة الحضارة
ول ديورانت



قصة الحضارة -> النهضة -> مقدمة -> مقدمة الترجمة



المجلد الخامس




النهضة




وهو يروي تاريخ الحضارة في إيطاليا من مولد بترارك حتى ممات تيشيان




من1304 إلى 1576




مقدمة الترجمة




بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله على عظيم نعمه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والرسل. وبعد، فهذا هو الجزء الاول (رقم 18) من المجلد الخامس من "قصة الحضارة"، وهو المجلد الذي يروي هذه القصة الطريفة في إيطاليا. ولسنا مغالين إذا قلنا ان ذلك العصر هو أهم العصور كلها من حيث الحضارة. ففيه خرج العالم الغربي من ظلمات العصور الوسطى، وبه بدأ العصر الحديث، ومن أجل هذا خصه المؤلف بمجلدين كاملين، هذا المجلد الذي يروي قصة الحضارة في إيطاليا خاصة، ومن حق إيطاليا ان تنفرد في ذلك العصر بمجلد خاص، لأنها كانت مهد النهضة التي نشأت فيه وترعرعت ثم فاضت منه على سائر أوربا. أما قصة النهضة في غير إيطاليا من العالم- في أوربا وآسية- فقد رواها المؤلف في المجلد السادس الذي ظهر في أواخر العام الماضي والذي شرعنا في ترجمته.
وسيجد القارئ في هذا الجزء وفي الأجزاء الثلاثة الأخرى التي سيصدر فيها هذا المجلد الخامس وصفاً رائعاً لمظاهر النهضة الأدبية والفنية والعلمية والمعمارية، وحديثاً شيقاً عن أعلام هذا العصر، والى جانبه حديث آخر عن أحوال البلاد الإيطالية وحكامها ورجال العلم، والدين، والأدب، والسياسة، والحرب فيها، كل ذلك في لغة شيقة تتخللها بعض الدعابة التي تذهب بالملل في كثير من الأحيان. والترجمة صورة دقيقة من الأصل المترجم بلا زيادة ولا نقصان، فلم نحذف من أقوال المؤلف شيئاً قط ولم نزد عليها إلا بعض تعليقات قليلة




صفحة رقم : 6299




قصة الحضارة -> النهضة -> مقدمة -> مقدمة الترجمة


في هامش الكتاب تفسر الكتاب تفسر عبارة أو تشرح إشارة تاريخية. وقد راعينا في تعريب الأسماء سواء منها أسماء المدن أو الأشخاص نطقها بالإيطالية قدر المستطاع بعد أن حققنا هذا النطق بقدر ما وصل إليه جهدنا. ولهذا قد يجد القارئ فيها بعض الخلاف عن الأجزاء السابقة ولكنه خلاف قليل سنتداركه في تلك الأجزاء عند إعادة طبعها.
ونرجو أن يجد القراء في هذا المجلد من غزارة العلم وطرافة البحث ما يعوضهم عن طول الوقت الذي يقضونه في قراءته. فإن وجدوا فسيعوضنا نحن أيضاً ما عانينا من جهد في ترجمة هذا المجلد الذي يحتوي موضوعات معظمها جديد علينا، كفنون العمارة والعلوم والنقش والتصوير والنحت وغيرها من الفنون والعلوم، وفي البحث عن الاصطلاحات العلمية والفنية التي يزخر بها الكتاب، ونرجو أن نكون قد وفقنا في هذا بعض التوفيق إن لم يكن كله.
ولا يفوتنا أن نسجل شكرنا للإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية التي يرجع إليها في إخراج هذا الكتاب وللجنة التأليف والترجمة والنشر عنايتها بطبعه ونشره، وللقراء الكرام في مصر وسائر البلاد العربية، الذين كان تشجيعهم حافزاً قوياً لنا على مواصلة الجهد المضني الطويل.
وفقنا الله إلى أداء واجبنا في خدمة لغتنا العربية عن طريق الترجمة، وهو الطريق الذي اخترنا أن نسلكه لخدمتها، وأعاننا على تذليل ما نلاقيه فيه من صعاب.
محمد بدران
أكتوبر سنة 1958




صفحة رقم : 6300




قصة الحضارة -> النهضة -> مقدمة -> إلى القارئ



إلى القارئ


هذا المجلد كامل بنفسه مستقل بذاته، ولكنه هو الجزء الخامس من تاريخ الحضارة الذي كتب على أن يكمل بعضه بعضاً وأن يجمع في قصة واحدة نواحي النشاط البشري جميعها. ولقد بدأت هذه السلسلة في عام 1935 وكان أولها ما ورثناه من الشرق - أي تاريخ مصر والشرقين الأدنى والأوسط حتى عام 323 ق.م، وتاريخ الهند والصين واليابان حتى عام 1930. وكان جزؤها الثاني حياة اليونان (1939) وهو يسجل تاريخ اليونان وثقافتهم من اقدم العصور المعروفة، وتاريخ الشرقين الادنى والأوسط من 325 ق.م حتى الفتح الروماني في 146. وواصل الجزء الثالث قيصر والمسيح (1944) رواية قصة الجنس الأبيض حتى عام 325 م، وكان محورها الذي تدور حوله هو نشأة روما وسقوطها والقرون الأولى من المسيحية. وواصل الجزء الرابع عصر الإيمان (1950) رواية هذه القصة حتى عام 1300، ويضم بين طياته الحضارة البيزنطية وحضارات الإسلام واليهودية والعالم المسيحي اللاتيني.
ويهدف هذا المجلد إلى رسم صورة شاملة موجزة لجميع مناحي الحياة البشرية في إيطاليا على عهد النهضة- من مولد بترارك في عام 1304 إلى موت تيشيان Titian في عام 1576. وتشير كلمة النهضة في هذا المجلد إلى إيطاليا دون غيرها من البلاد، ولن تستخدم للدلالة على ما حدث من تقدم ونضوج في فرنسا، وأسبانيا، وانجلترا والاراضي الوطيئة في خلال القرنين السادس عشر إلا ما بعث بعثاً جديداً في تلك البلاد وكانت أصوله أجنبية عنها، وحتى في إيطاليا نفسها تعنى هذه التسمية أكثر ما تعنى بعث الآداب القديمة التي لم يكن لها من الخطر في إيطاليا




صفحة رقم : 6301




قصة الحضارة -> النهضة -> مقدمة -> إلى القارئ


ما كان لتقدم اقتصادياتها وثقافتها حتى بلغت صورتها المميزة لها في تلك البلاد.
ولقد أردت أن اجتنب التكرار السطحي لما نشر في هذا الموضوع من كتب قيمة، فوسعت نطاق البحث إلى أكثر مما ألفه القارئ في المجلدات السابقة من هذه السلسلة. وكان مما اقتضى هذا التوسع غير هذا السبب أننا كلما اقتربنا من عصرنا الحاضر زاد اهتمامنا بموضوعنا، ذلك اننا نشعر بما يجري في دمائنا من حيوية مستمدة من تلك القرون الخطيرة الأحداث التي نشأت فيها أوربا الحديثة، وبذلك تصبح أفكار تلك القرون، وحوادثها، وأشخاصها، لا غنى عنها لفهم عقولنا وأيامنا. ولقد درست بنفسي كل ما ورد ذكره في هذا الكتاب من مؤلفات خاصة بالفن إلا القليل منها، ولكنني تعوزني الدربة الفنية التي تخولني إصدار أحكام عليها قائمة على البحث والنقد. غير أنني قد أقدمت على التعبير عما أفضله منها وعما أنطبع في ذهني بعد قراءتها. والآن نرى الفن الحديث يسير في طريق مضاد للذي سار فيه فن النهضة، ويحاول جاهداً أن يجد صوراً جديدة للجمال، ومعاني جديدة للأشياء. وليس لدينا ما نأخذه على هذه النزعة، لأنه مهما يكن تقديرنا لها، فإن هذا التقدير يجب الا يحول بيننا وبين الترحيب بكل محاولة صادقة منظمة يقصد بها محاكاة ما تمتاز به من قوة ابتكار لا ما أسفرت عنه من نتائج.
وفي عزمنا إذا واتتنا الظروف أن نصدر مجلداً سادساً سيكون عنوانه في الأغلب الأعم عصر الإصلاح الديني بعد ثلاث سنين أو أربع من هذا الوقت، يشتمل على تاريخ الحضارات المسيحية والإسلامية واليهودية في خارج إيطاليا مبتدئاً عام 1300، وفي إيطاليا نفسها من 1576 إلى 1648. ويحسن بنا بعد هذا التوسع في البحث وما نشعر به من آثار الشيخوخة أن نفكر في أن نختم هذه السلسلة بمجلد سابع نطلق عليه اسم




صفحة رقم : 6302




قصة الحضارة -> النهضة -> مقدمة -> إلى القارئ


عصر العقل يواصل رواية القصة إلى بداية القرن التاسع عشر.
وأرى فرضاً عليّ أن أشكر لمستر جوزف أوسلاندر Joseph Ouslander إذنه لي بان أنقل عنا ترجمته الجميلة لإحدى أغاني بترارك، ولمطبعة جامعة كيمبردج إذنها بأن أنقل فقرة بقلم رتشرد جارنت Richard Oarnet، في المجلد الأول من تاريخ كيمبردج الحديث Cambridge Modern History، ولزوجتي ما كان لها من اقتراحات وأحاديث أنارت لي السبيل، وللدكتور إدورد هبكن Edward Hopkin ما قدم لي من معونة في تصنيف مواد الكتاب، وللآنسة ماري كوفمان Mary Kaufman والآنسة فلورا كوفمان Flora Kaufman ما قدمتا من معونة كتابية متعددة الأنواع والسيدة إدث ديجيت Edith Digate ما أظهرت من كفاية عظيمة في كتابه المخطوط على الآلة الكاتبة رغم ما به من صعوبات جمة، ولولاس بركواى Wallace Brockway خبرته العظيمة في إخراج الكتاب وما قدم لى في هذه الناحية من نصائح سديدة.
وأشكر بعد هذا كله ناشري هذا الكتاب، فلقد دلت صلتي الطويلة بهم على انهم من خير من يستطاع وجودهم من الناشرين، ذلك أنهم لم يضنوا على بأي معونة، فقد تحملوا معي نفقات البحث، ولم يجعلوا لحساب المكسب أو الخسارة أي أثر في علاقاتنا. وقد نشروا في عام 1926 كتابي قصة الفلسفة وكل ما كانوا يرجونه من وراء نشره ألا تصيبهم من هذا النشر خسارة، وقد ظلت علاقتنا قائمة سبعة وعشرين عاماً كانت بالنسبة لي صلة موفقة سعيدة.


ملاحظات عن طريقة استخدام هذا الكتاب


1- حذفنا من النص تواريخ مولد الاشخاص ووفاتهم ولكننا أثبتناها في فهرس الأعلام والأماكن.




صفحة رقم : 6303




قصة الحضارة -> النهضة -> مقدمة -> إلى القارئ


2- الفقرات المكتوبة بالخط الصغير تعنى الدارسين المتخصصين وحدهم، وفي وسع القارئ العادي ان يغفلها وهو آمن.
3- رأينا عند ذكر الأماكن التي توجد فيها التحف الفنية أن نذكر اسم المدينة للدلالة على أهم معرض للفنون بها مثال ذلك:
مدينة برجامو للدلالة على مجمع برلين للدلالة على متحف قيصر
كرارا الفني فردريخ بها
بريستشيا للدلالة على بناكوتيكا تشكاجو للدلالة على معهد الفنون
مارتننجو دترويت للدلالة على معهد الفنون بها
كليفلند للدلالة على متحف الفنون بها مدريد للدلالة على البرادو
لنيننجراد للدلالة على الصومعة بها ميلان للدلالة على معرض
لندن للدلالة على المعرض القومي بريرا الفني
منتوا للدلالة على قصر الدوق نابلي للدلالة على المتحف القومي
مودينا للدلالة على بيناكوتيكا إستنسي بارما للدلالة على المعرض الملكي
نيويورك للدلالة على متحف الفن للفنون
العاصمي واشنجتن للدلالة على المعرض القومي
البندقية للدلالة على المجمع العلمي الفني للفنون
غير أنا قد ميزنا معرضي فلورنس الفنيين العظيمين باسميهما أفيزى Uffizi، وبتي Pitti وكذلك المعرض البرغي Borghese في روما.
ول ديورانت
لوس أنجليز في أول ديسمبر سنة 1952




صفحة رقم : 6304




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> أبو النهضة



الكتاب الأول




تمهيد




1300 - 1377




الباب الأول




عصر بترارك وبوكاتشيو




1304 - 1375




الفصل الأول




أبو النهضة


في عام 1302 نفسه، أي في العام الذي انتزع فيه حزب الاشراف السود حكم مدينة فلورنس بالقوة، ونفوا دانتى وغيره من حزب الطبقة الوسطى البيض اتهم الاشراف الظافرون محامياً من البيض هو السُر Ser (أي السيد او الرئيس) بتراتشيو Petracceo بأنه زور وثيقة قانونية. ووصف بتراتشيو التهمة بأنها حجة ماكرة للقضاء على حياته السياسية، فأبى أن يمثل أمام القضاء ليحاكم عليها، فحكم عليها، فحكم عليه في غيابه، وخير بين أن يؤدي غرامة باهظة أو تقطع يده اليمنى. وإذا كان قد ظل يرفض الحضور أمام المحكمة فقد صدر الأمر بنفيه من فلورنس، وصودرت أملاكه. فما كان منه إلا أن فر إلى أريتسو Arezzo هو وزوجته. وفي هذه المدينة طلع فرانتشسكو بتراركا Francesco Petrarka (كما سمى نفسه فيما بعد تظرفاً) على العالم على حين غفلة بعد عامين من نفيه.
وكانت بلدة أريتسو الصغيرة جِبليِة Ghibelline عارمة (أي تدين بالولاء السياسي للإمبراطورية الرومانية المقدسة لا للبابوات)، فكانت لذلك تعاني في القرن الرابع عشر كل ما تعانيه المدن الإيطالية من المحن. وكانت




صفحة رقم : 6305




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> أبو النهضة


فلورنس الجلفية Guelfic - أي التي تناصر البابوات على الأباطرة في النزاع القائم بينهما على السلطان السياسي في إيطاليا - قد أوقعت بأريتسو هزيمة منكرة عند كمبلدينو Campaldino (1189) وهي المعركة التي حارب فيها دانتي؛ فلما حل عام 1340 نفى جميع الجبليين الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة عشرة والسبعين من بلدة أريتسو، ثم خضعت تلك البلدة نفسها نهائياً لحكم فلورنس في عام 1384. وكانت أريتسو هذه هي البلدة التي ولد فيها ماسناس Maccenas في الزمن القديم، وهي التي شهدت في القرنين لخامس عشر والسادس عشر مولد جيورجيوفاسارى Giorgio Vasari الذي أذاع شهرة النهضة، وبيترو أريتينو Pietro Aretino الذي حط من شأنها وقتاً ما، وانجبت كل بلدة في إيطاليا في ذلك العهد عبقرياً من العباقرة ثم نفته منها.
وهرول السيد بتراتشيو نحو الشمال في عام 1312 ليرحب بالإمبراطور هنري السابع الذي كان يرجى في ذلك الوقت أن ينقذ إيطاليا أو في القليل من فيها من الجبليين. ولم يكن بتراتشيو في ذلك العام يقل عن دانتي أملا وثقة في المستقبل، فنقل أسرته إلى بيزا Pizaa وانتظر فيها القضاء على الجلفيين الفلورنسين.
وكانت بيزا لا تزال حتى ذلك الوقت من بين مفاخر المدن الإيطالية. نعم إن تدمير أسطولها على يد اهل جنوى في عام 1284 قد أفقدها بعض أملاكها، وانقص تجارتها، وأن النزاع الذي قام بين الجبليين والجلفيين داخل أسوارها لم يترك لها من القوة ما تستطيع أن تفلت به من قبضة فلورنس التجارية صاحبة النزعة الاستعمارية، والتي كانت تتوق إلى السيطرة على نهر الآرنو حتى مصبه. ولكن أهلها البواسل كانوا يزهون بكنائسها الرخامية الفخمة، وابراجها المزعزعة، ومقابرها الشهيرة، وذلك الحقل المقدس Campo Santo الذي ملئ مربعه الأوسط بثرى الأرض المقدسة،




صفحة رقم : 6306




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> أبو النهضة


والذي زينت جدرانه بعد قليل من ذلك الوقت بمظلمات من صنع تلاميذ جيتو Gitto واللورندستي Lorenzetti، والذي خلدت قبوره المزدانة بالتماثيل ذكرى الموتى من الأبطال أو الأسخياء وإن لم يدم هذا التخليد إلا إلى حين. وفي جامعة بيزا عكف المشترع البارع بارتولوس Bartolus الساسوفرتووى of Sassoferrato بعد إنشائها بزمن وجيز على تعديل القانون الروماني ليوائم حاجات العصر الذي كان يعيش فيه، ولكنه صاغ علم القانون في عبارات غريبة حمل عليه من أجلها بترارك وبوكاتشيو حملة شعواء. ولعل بارتولوس قد رأى من الحكمة أن تكون لغة القانون غامضة لأنه كان يبرر قتل الطغاة المستبدين، وينكر على الحكومات مصادرة أملاك الناس إلا بعد الإجراءات القانونية الواجب اتباعها في مثل هذه الأحوال(1).
وتوفي هنري السابع (1313) قبل أن يقرر هل يكون إمبراطوراً رومانياً أو لا يكون. وابتهج جلفيو إيطاليا بوفاته، ورأى السيد بتراتشيو أنه غير آمن على نفسه في بيزا فهاجر منها هو وزوجته وابنته إلى أفنيون القائمة على ضفة نهر الرون حيث كان البلاط البابوي قد اقيم من عهد قريب، وحيث كانت التجارة آخذة في الأتساع السريع، فأتاحا فرصاً ثمينة للمحامي البارع في مهنته. وركبت الأسرة سفينة شراعية سارت بمحاذاة الساحل إلى جنوى، ولم ينس بترارك قط ما كان يتجلى أمامه من مناظر ساحل الرفييرا الإيطالي الرائعة - من مدن كأنها التيجان على هامات جبال تنحدر إلى بحار زرقاء مخضرة، يقول فيها الشاعر الشاب: ((إنها أشبه بالسماء منها إلى الارض))(2). ووجدت الأسرة بلدة أفنيون مليئة باصحاب المراتب العالية، فانتقلت منها إلى كاربنتراس Carpentras التي تبعد عنها نحو خمسة عشر ميلا نحو الشمال (1315)، وقضى فرانتسكو في هذه البلدة الثانية أربع سنين سعيداً في تواكله وعدم مبالاته بما يحيط به. وانتهت هذه السعادة حين أرسل إلى منبلييه (1319-1323)، ومنها إلى بولونيا (1323-1326) لدراسة القانون.




صفحة رقم : 6307




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> أبو النهضة


وكان من شأن بولونيا أن تسره، فقد كانت مدينة جامعية، مليئة بمرح الطلاب ومجونهم، يغمرها جو التعليم، وتحمس التفكير الحر المستقل. وفي هذه المدينة كانت تدرس في هذا القرن الرابع عشر أولى مناهج التشريح الآدمي، وكانت فيها استاذات من النساء بلغت بعضهن - مثل نوفيلادندريا Novella d'Andrea (المتوفاة عام 1366) - من الجاذبية حدا جعل الرواة يصفونها - وصفا خياليا بلا شك - بأنها كانت تحاضر من تحت قناع لئلا يشغل الطلاب بجمالها عن عملها. وكانت بلدية بولونيا من أوليات البلديات التي ألقت عن كاهلها نير الإمبراطورية الرومانية المقدسة وأعلنت استقلالها بشئونها. وكانت منذ ذلك العهد البعيد وهو 1153 قد اختارت محافظها وظلت قرنين كاملين محافظة على حكومتها الديمقراطية، ولكنها منيت في عام 1325، وبترارك مقيم فيها، بهزيمة ساحقة على يد مودينا Modena لم يسعها إلا أن تضع نفسها تحت حماية البابوية، فلما حل عام 1327 ارتضت أن يكون قس معين من قبل البابا حاكما لها، ونسجت حول هذه الفترة من تاريخها كثير من القصص المريرة.
وكان بترارك يحب الروح السائدة في بولونيا، ولكنه كان يبغض حرفية القانون: " وكان مما يتعارض مع ميويى ويؤلمني أن أحصل فنا لا أربد ان امارسه ممارسة غير شريفة، ولا أستطيع أن أمارسه بغير هذه الطريقة "(2). وكل ما كان يعنى به في الرسائل القانونية هو " ما كان فيها من إشارات يخطئها الحصر للعصر الروماني القديم ". ولهذا فإنه بدلا من أن يدرس القانون قرأ كل ما استطاع أن يجده من كتابات فرجيل، وشيشرون، وسنكا. وفتح هؤلاء أمامه عالما جديداً في الفلسفة والفن الادبي، وشرع يفكر كما يفكرون، ويتوق إلى أن بكتب كما يكتبون، ولما توفى أبواه (1326) هجر دراسة القانون، وعاد إلى أفنيون وألقى بنفسه في غمار الشعر القديم وآداب الغرام.




صفحة رقم : 6308




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> أبو النهضة


ويقول إن يوم الجمعة الحزينة هو اليوم الذي وقعت عيناه على المرأة التي كانت مفاتنها المتمنعة هي التي جعلته أشهر شعراء عصره. وقد وصفها وصفاً مفصلاً يفتتن به قارئه، ولكنه حرص على الاحتفاظ بسرية شخصيتها حرصاً حمل أصدقائه على الظن أنها من مبتكرات خياله الشعري، وأن كل ما يبثها من عاطفة إنما هو من قبيل التسامح الشعري لا أكثر.
ولكننا لا يزال في وسعنا أن نرى على الصفحة الاولى من نسخته الخاصة من ديوان فرجيل، التي تحرص مكتبة أمبروز بميلان على الاحتفاظ بها وتعدها من أثمن كنوزها، لا نزال نرى الألفاظ التي كتبها بخطه في عام 1348 بنصها:
في سنة 1327 من ميلاد المس، وفي اليوم السادس من شهر إبريل، وفي الساعة الاولى، وقعت عيناي في كنيسة القديسة كلارا Santa Clara بأفنيون على لورا Laura التي تمتاز بفضائلها، والتي ذاعت شهرتها في أغاني. وفي تلك المدينة نفسها، وفي الشهر نفسه، وفي اليوم السادس بعينه، وفي الساعة الاولى ذاتها، من عام 1348 احتجب هذا الضوء من نهارنا.
ترى من كانت لورا هذه؟ لقد سجلت في أفنيون في اليوم الثالث من أبريل عام 1348 وصية أوصت بها سيدة تدعى لوراده ساد Laura de Sade زوجة الكونت هيوج ده ساد Hugue de Sade التي ولدت له أثنى عشر طفلاً. وأكبر الظن إن هذه السيدة هي التي كان يهيم بها الشاعر، وكان زوجها من الأسلاف الأبعدين لأشهر رجل سادي في التاريخ. وتصف الرواية المأثورة نقشاً دقيقاً يعزى إلى سيمون مرتينى Simone Martini محفوظ الآن بمكتبة فلورنس بأنه صورة لورا محبوبة بترارك، والصورة ذات وجه جميل رقيق، وفم ظريف، وأنف مستقيم، وعينين ناعستين توحيان بالتواضع والتفكير. ولسنا نعرف أكانت لورا قد تزوجت أم كانت أما شابة حين وقعت عليها عين بترارك أول مرة.




صفحة رقم : 6309




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> أبو النهضة


ومهما يكن من أمرها فإنها تلقت هيامه بها في هدوء، وأبعدته عنها، وشجعته في هيامه بها بتمنعها وصدودها. ويدلنا على ما كان في عاطفته نحوها من إخلاص في بعض الأحيان تأنيب ضميره له لما كان في هذه العاطفة من عنصر شهواني، وحمده الله على كل ما كان لعدم استجابتها لحبه من أثر في تهذيب هذا الحب والسمو به.
وكان في هذه الأثناء يعيش في بروفانس، بلاد شعراء الفروسية الغزلين، وكان صدى أغانيهم لا يزال يتردد في أفنيون، وصار بترارك، كما صار دانتي من قبله بجيل من الزمان من هؤلاء الشعراء الغزلين على غير علم منه، يعبر عن عاطفته بألف حيلة وحيلة من الحيل الشعرية. وكان قرض الشعر وقتئذ من أسباب اللهو الشائعة. وقد بلغ من شيوعه أن شكا بترارك في إحدى رسائله من أن المحامين، ورجال الدين، بل وخادمه الخاص نفسه قد عمدوا كلهم إل قرض الشعر، ويقول إنه يخشى ألا يمضى وقت طويل حتى "تشرع الماشية نفسها أن تخور شعراً " (3). وقد ورث عن بلاده بحر الأغاني، وربط بينه وبين الشعر المقفى العسير الذي ظل مائة عام يشكل الشعر الإيطالي ويقف في سبيله، وألف في خلال الإحدى والعشرين السنة التالية، وهو سائر على ضفاف الجداول، أو بين التلال، أو راكع خاشع أثناء صلوات المساء أو القداس، يتحسس طريقه بين صيغ الأفعال والصفات، في سكون حجرته، تقول إنه ألف في خلال هذه السنين سبع أغان ومائتي أغنية، وقصائد أخرى متنوعة عن لورا الحية الولود. وجمعت هذه الأغنيات والقصائد في نسخ مخطوطة وسميت الكندسنير Canzoniere أو كتاب الأغاني، فأثارت خيال شباب إيطاليا، ورجالها، ورجال الدين فيها. ولم ير أحد حرجا في أن مؤلفها، حين لم يجد طريقا للرقى إلا طريق الكنيسة، قد تيفخ%-@أي حلق شعر اليافوخ وهو كناية عن أنه انتظم في سلك رجال الدين. (المترجم)@




صفحة رقم : 6310




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> أبو النهضة


وانتظم في المراتب الصغرى من مراتب الكنيسة، وأخذ يسعى للحصول على الرتب الكهنوتية.وأما لورا نفسها فلعلها قد اعتراها الخجل، واهتزت مشاعرها- حين سمعت أن شَعرها، وأنفها، وشفتيها... كانت يتغنى بها من البحر الأدرياوي إلى نهر الرون. ولم يحدث قط من قبل فيما أنقذ من الضياع من أدب العالم أن عبر إنسان عن عاطفة الحب هذا التعبير الكامل المختلف الأنواع أو بمثل هذه الأساليب الشعرية التي بذل فيها الكثير من الجهد والعناء، ففيه نجد كل تلك الأوهام المتكلفة الظريفة المنبعثة عن الرغبات المصوغة شعراً، ونجد شعلة الحب الملتهبة قد شذبت تشذيبا عجيبا حتى احتواها الوزن والقافية. وفي هذا يقول الشاعر نفسه: "ما من صخرة، مهما بردت، إلا ستشتعل من هذه الساعة وتحترق تحسراً إذا مستها أغاني ".
ولكن الشعب الإيطالي قد تلقى هذه المعاني الحلوة مصوغة في أروع ما عرفته لغته من الأنغام الموسيقية: رقيقة، ظريفة، منسجمة، مزدانة بالخيال الساطع الوقاد، الذي يبدو دانتى بازائه في بعض الأحيان خشناً فجاًّ، فها هي ذي الآن تلك اللغة الفخمة المجيدة التي انتصرت فيها الحركات على الحروف الساكنة، قد بلغت الآن درجة سامية من الجمال لم ترق إليها لغة ما إلى يومنا هذا. إن في وسع الأجنبي الذي ليس من أهل هذه اللغة أن يترجم ما فيها من الأفكار، ولكن منذا الذي يستطيع أن يترجم ما فيها من موسيقى؟ :


في أية مملكة ذات سناء، بل في أي ميدان من ميادين الفكر المتألق




عثرت الطبيعة على النموذج الذي صاغت على مثاله




هذه الصورة الرقيقة الباهرة التي تمثل هنا




على ظهر الأرض ما صنعته الطبيعة في السماء؟




وأية حورية من ساكنات عيون الماء، وأية روح من أرواح الحراج






صفحة رقم : 6311




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> أبو النهضة




نشرت مثل هذه الذؤابات الذهبية




على متن الهواء؟ وأي قلب عرف أمثال هذه الفضائل؟




وإن كانت أكبر فضائلها قد انطوت على موتى




إن من لا يتطلع إلى عينيها اللتين اكتمل فيهما الجمال




إنما يبحث عن الجمال السماوي بلا جدوى،




ومن لا يرى هاتين المقلتين النيرتين الزرقاوين تشعان الضياء




لا يعرف كيف يذعن الحب ويصد




وليس يعرف حلو أنفاسها إلا من عرف




حلو حديثها وضحكها


ولقد هيأت لبترارك قصائده، وفكاهته المرحة، وإحساسه المرهف بالجمال في المرأة وفي الطبيعة، وفي السلوك، والآداب، والفنون، مكاناً في المجتمع المثقف، ولم يكن تنديده بأخلاق رجال الدين في أفنيون ليمنع عظماء هؤلاء الرجال من أمثال الأسقف جياكو موكولنا Giacomo Colonna أو أخاه الكردنال جيوفني كولنا أن يعرضا عليه ضيافتهما ومناصرتهما. وقد فعل ما تفعله الكثرة الغالبة منا فاستمتع وغفر قبل أن يمل ويلعن، فقد كان يلهو مع محظية له بين الفترات التي ينشد فيها أغانيه للورا. وولد له طفلان غير شرعيين. ووجد متسعاً من الوقت للأسفار، وجمع فيما يظهر مالا موفوراً، فنحن نجده في باريس عام 1331، ثم نجده بعدئذ في فلاندرز وألمانيا، ثم في روما عام 1336 يحل ضيفاً على آل كولنا Colonna. وقد تركت خرائب سوق روما الكبرى أعمق الأثر في نفسه، فقد كشفت له عن قوة وفخامة قديمتين لا تتفقان مع ما كانت عليه تلك العاصمة المهجورة في العصور الوسطى من فقر وقذارة، وألح على خمسة من البابوات متعاقبين أن يتركوا أفنيون ويعودوا إلى روما، وإن كان هو نفسه قد غادر روما وعاد إلى أفنيون.




صفحة رقم : 6312




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> أبو النهضة


وعاش سبع سنين بين أسفاره في قصره الكردنال كولنا في هذه المدينة الثانية، كان يجتمع فيها بأظرف العلماء، ورجال الدين. والمحامين وحكام إيطاليا وفرنسا، وإنجلترا، ويوحي اليهم ببعض تحمسه للآداب القديمة. ولكنه كان يُغضبه ما في أفنيون من فساد ورِشا وخصام رجال الدين، وما يستمتعون به من فراغ منهك قاتل، واختلاط الكرادلة والسراري، و النزول بالمسيحية إلى الشئون الدنيوية. فلما كان عام 1337 ابتاع له منزلا صغيراً في فوكلوز Vaucluse "الوادي المغلق "- الذي يبعد عن أفنيون عشرين ميلاً جهة الشرق. ويجتاز الإنسان مناظر فخمة ذات روعة ليصل إلى ذلك المكان المنعزل، فلا يتمالك نفسه من الدهشة حين يشهد كوخاً صغيراً قائماً أمام صخرة تعلوها أجراف شامخة وعرة، ولكنه يلاطفه انسياب نهر السورج Sorgue الهادئ الرجراج. ولم يستبق بترارك روسو إلى التسامي العاطفي بحبه فحسب، بل استبقه فوق ذلك إلى المتعة التي كان يستمدها من المناظر الطبيعية. انظر مثلا إلى ما كتبه إلى صديق له يقول : " ألا ليتك تعرف ما أحس به من البهجة وأنا أجول، حراً وحيداً، بين الجبال والغابات، ومجاري الماء ". وفي عام 1336 ضرب المثل لغيره من السياح بأن تسلق قمة فنتو Ventoux (التي تعلو 6214 قدماً) لا لشيء إلا الرياضة، واجتلاء ما حولها من المناظر، وما يشعر به المنتصر من زهو وخيلاء. وكان وهو في فوكلوز في ذلك الوقت يرتدي زي الفلاح العامل، ويصيد السمك في الغدير، ويرتاض في حديقتين، ويقنع " بكلب واحد وخادمين لا أكثر ". ولم يكن يندم على شئ (لأن هيامه بلورا قد انصرف في أشعار الصيد) إلا على شدة بعده عن إيطاليا وشدة قربه من أفنيون.
ومن هذه البقعة الصغيرة من الأرض أثار بترارك نصف العالم الأدنى. وكان يجب أن يكتب الرسائل لأصدقائه، وإلى البابوات والملوك، والأموات من المؤلفين، وإلى الأبناء الذين لم يولدوا بعد. وكان يحتفظ




صفحة رقم : 6313




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> أبو النهضة


بصور من هذه الرسائل، ولما تقدمت به السن كان يسلس كبرياءه بمراجعتها وإعدادها للنشر بعد وفاته. وتعد هذه الرسائل المصوغة في لغة لاتينية جزلة، ولكنها تضاهي لغة شيشرون، أهم ما بقى من آثار قلمه. وقد وجه في بعضها إلى الكنيسة نقداً بلغ من شدته أن أبقاها سراً فلم تنشر إلا بعد أن مات وأصبح آمناً على نفسه. ذلك أنه وإن قبل في إخلاص، كما يبدو للعيان، عقائد الكنيسة الكاثوليكية كاملة، كان يقيم بروحه مع الأقدمين: فكان يكتب إلى هوميروس، وشيشرون، وليفي، كأنهم رفاق له أحياء، ويتحسر لأنه لم يولد في أيام البطولة، أيام الجمهورية الرومانية. وكان من عادته أن يطلق اسم ليليوس Laelius على واحد ممن يراسلهم، وأسم سقراط على واحد آخر. وقد أوحى إلى أصدقائه أن يبحثوا عن المخطوطات الضائعة في الآداب اللاتينية واليونانية، وأن ينقلوا النقوش القديمة، ويجمعوا المسكوكات القديمة، لأنها وثائق تاريخية قيم. وحث ولاة الأمور على أن ينشئوا دور الكتب العامة. وكان يجعل نفسه قدوة فيعمل بما يدعو إليه: فكان في أسفاره يبحث عن النصوص الأدبية القديمة ويبتاعها لأنها "تجارة أعظم قيمة من كل ما يعرضه العرب أو أهل الصين " (6)، وينقل بخط يده المخطوطات التي لا يستطيع شراءها، ولما عاد إلى موطنه استأجر النساخين وأسكنهم معه في داره. وكان يزدهي بنسخة من هوميروس أرسلت إليه من بلاد اليونان، ورجا مرسلها أن يبعث اليه بنسخة من مؤلفات يوربديز. وكان يصحب معه أينما رحل النسخة التي لديه من أشعار فرجيل، ويسجل على الصفحة الأولى منها الحوادث البارزة في حياة أصدقائه. ولسنا ننكر أن العصور الوسطى قد حافظت على كثير من الآداب الوثنية القديمة، وأن بعض الدارسين في تلك العصور قد أولعوا بهذه الآداب، ولكن بترارك عرف من إشارات عثر عليها في هذه المؤلفات أن روائع لا حصر لها قد نسيت أو وضعت في غير المكان اللائق بها، وجعل همه الكشف عنها.




صفحة رقم : 6314




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> أبو النهضة


ويسميه رينان Renan "أول الرجال المحدثين " لأنه "خلق في العالم الغربي اللاتيني حنيناً رقيقاً إلى الثقافة القديمة "(7). على أن هذا الوصف لا يكفي لتحديد معنى "الحداثة " التي لم تكتف بإعادة الكشف عن أدب العالم القديم، بل أحلت الأدب الطبيعي محل الأدب الخارق للطبيعة، وجعلته مصدر اهتمام بني الإنسان. وبهذا المعنى أيضا يستحق بترارك أن يوصف بالرجل "الحديث "، فهو وإن كان نقياً معتدلاً في تقواه يُحيره في بعض الأحيان ما يحدث للإنسان في الدار الآخرة، فإن ما بعثه من الاهتمام بالعالم القديم كان هو منشأ اهتمام عصر النهضة بحياة الإنسان على هذه الأرض، وعدم تحريم الملاذ الحسية، وتمجيد الحياة الدنيوية بدلا من الخلود الشخصي. على أن بترارك لم يكن يخلو قلبه من العطف على وجهة نظر العصور الوسطى، وقد أنطق في محاوراته عن احتقار الدنيا De Contemptu Mundi القديس أوغسطين بشرح جيد لهذه النظرة. ولكنه وضع نفسه في هذه الأحاديث الخيالية موضع المدافع عن الثقافة الزمنية والشهرة الدنيوية. وكانت هوة سحيقة تفصل بين مزاجي دانتي وبترارك وإن كان ثانيهما قد بلغ السابعة عشرة من عمره حين توفى أولهما. والنقاد مجمعون على أنه أول الكتاب الإنسانيين، وأول كاتب عبر في وضوح وقوة عما للإنسان من حق في الاهتمام بهذه الحياة الدنيا، وفي الاستمتاع بما تحتويه من جمال، وبذل الجهد في زيادته. والعمل على أن يستحق الثناء من الأجيال المقبلة، وقصارى القول أنه كان أبا النهضة.




صفحة رقم : 6315




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نابلي وبوكاتشيو



الفصل الثاني




نابلي وبوكاتشيو


وبدأ بترارك في فوكلوز القصيدة التي كان يرجو بها أن ينافس فرجيل، و هي ملحمة سماها أفريقيا Africa، وموضوعها تحرير إيطاليا بفضل انتصار اسكبيو الأفريقي على هنيبال. واختار اللغة اللاتينية واسطة لها كما اختارها الكتاب الإنسانيون بعد قرن من ذلك الوقت، ولم يختر اللغة الإيطالية كما فعل دانتي، لأنه كان يريد أن يفهمه كل العالم الغربي الذي يعرف القراءة والكتابة. وكان يزداد ارتياباً في قيمة قصيدته كلما تقدم في نظمها، ولهذا فإنه لم يتمها، ولم ينشرها. وبينما كان منهمكاً في شعره السداسي الأوتاد، كان كتاب أغانيه الإيطالية ينشر شهرته في طول إيطاليا وعرضها، وأذاعت ترجمة له شهرته في فرنسا. ثم وصلته في عام 1340 دعوتان- كانت له هو يد في توجيههما اليه- إحداهما من مجلس الشيوخ الروماني والأخرى من جامعة باريس-تطلبان إليه القدوم إليهما ليتوج فيهما أميراً للشعراء، فقبل دعوة مجلس الشيوخ كما قبل اقتراح ربرت الحكيم Robert the Wise أن يقيم بعض الوقت في نابلي وهو في طريقه إلى روما.
وأعطيت مملكة فردريك الثاني بعد هزيمته هو وآل هوهنشتوفن بقوة جيوش البابوات ودهائهم السياسي، وكانت تشمل جميع إيطاليا الممتدة جنوب الولايات البابوية - نقول أعطيت هذه المملكة إلى بيت أنجو الذي كان يمثلهم شارل كونت بروفانس. وحكم شارل تلك البلاد بوصفه ملك نابلي وصقلية. ثم انتزع بيت أرغونة صقلية من ابنه شارل الثاني. وكسب




صفحة رقم : 6316




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نابلي وبوكاتشيو


ابنه ربرت لقب الحكيم لكفايته، وحسن تصريفه لشئون الحكم، ومهارته الدبلوماسية، ومناصرته للآداب والفنون الراقية، وإن كان قد أخفق في الحرب التي شنها لاستعادة صقلية. لقد كانت مملكته فقيرة في الصناعة، وكانت الزراعة يسيطر عليها ملاك قصيروا النظر يستغلون الزراع كما يستغلهم الملاك الآن استغلالا يكاد يدفعهم إلى الثورة. ولكن تجارة نابلي كانت تدر على بلاط الملك دخلا جعل القصر الجديد Castel Nuovo لا تنقطع منه حفلات الزواج سبيلا إلى الخراب، كما أضحى سباق الزوارق الذي يقام من آن إلى آن مصدر البهجة في خليج نابلي ذي الشهرة التاريخية العظيمة. وفي ميدان المدينة نفسها كان الشبان ذوو الجرأة يثاقفون في ألعاب البرجاس الخطرة بينما كانت السيدات المتوجات يبتسمن لهم من الشرفات المزدانة بالأعلام. وكانت الحياة في نابلي سارة طيبة، والآداب والأخلاق العامة سهلة طليقة، والنساء حساناً لا يصعب منالهن. وقد وجد الشعراء في هذا الجو المليء بالتبذل والغرام كثيراً من الموضوعات لشعرهم ومن الحوافز الدافعة لقرض الشعر. وكانت هذه البيئة هي التي كونت يوكاتشيو.
وكان يوكاتشيو قد بدأ حياته في باريس. وكان مولده ثمرة غير مقصودة لاتفاق حبي بين أبيه- وهو تاجر فلورنسي-وفتاة فرنسية لا يعرف اسمها على وجه التحقيق، وأخلاقها موضع للريبة(9). ولعل مولده غير الشرعي، وأصله النصف الفرنسي، قد تعاونا على تكييف أخلاقه وتاريخ حياته. وجئ به وهو طفل إلى تشر تلدو Certaldo القريبة من فلورنس حيث قضى طفولة غير سعيدة مع زوجة أبيه، ثم أرسل وهو في العاشرة من عمره إلى نابلي (1323)، حيث أعد الحياة المال والتجارة، وفيها سرى في نفسه كره حياة المال والتجارة، كما سرى في نفس بترارك كرهُ القانون، وجهر بأنه يفضل عليها الفقر والشعر، وانهمك في قراءة




صفحة رقم : 6317




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نابلي وبوكاتشيو


أوفد، وأعجب أشد الإعجاب بـ التحولات والهيرودات، و حفظ عن ظهر قلب الجزء الأكبر من فنون الحب الذي يقول فيه:
»إن أعظم الشعراء جميعاً يكشف كيف يمكن أن تلتهب نار فينوس المقدسة في أشد الصدور برودا«(10). فلما عجز أبوه عن أن يرغمه على حب المال أكثر من الجمال أجاز له أن يترك الأعمال التجارية والمالية على شريطة أن يدرس القانون الكنسي. ووافق يوكاتشيو على هذا الشرط ولكن عقله كان قد نضج للكتابة في الغرام.
وكانت أكثر النساء مرحاً في نابلي هي مارية داكوينو Maria d'Aquino وهي ابنة غير شرعية للملك الحكيم(11). ولكن زوج أمها قبل أن تكون ابنته. وتعلمت الفتاة في دير للنساء، ثم تزوجت وهي في الخامسة عشرة من عمرها بكونت أكوينو ولكنها لم تجد فيه ما يفي بحاجتها، فشجعت عدداً من العشاق واحداً بعد واحد لكي يسدوا ما تجده من نقص، وينفقوا ما لهم في ترفها وزينتها. وأبصرها بوكاتشيو أول مرة في قداس سبت النور (1331)، بعد أن مرت أربعة من أعياد الفصح على العيد الذي كشف فيه بترارك لورا في ظروف مواتية مقدسة شبيهة بهذه الظروف. وبدت له أجمل من أفرديتي Aphrodite، »فلم يكن في العالم كله أجمل من شعرها الأشقر، ولا شئ أكثر إغراء من عينيها الخبيثتين«، وأطلق عليها أسم فيامتا Fiammetta-اللهب الصغير- وكان يتوق لأن يحرق نفسه بنارها. ونسى في هيامه بها القانون الكنسى، وانمحى من ذاكرته كل ما حفظه في حياته من الوصايا، وقضى شهوراً طوالا لا يفكر إلا في الطريقة التي تقربه منها. وكان يذهب إلى الكنيسة منفرداً لعله يراها فيها، ويذرع الشارع المقابل لنافذتها غادياً رائحاً، ورحل ينتظر حتى فرغت من المال جيوب غيره، ثم سمحت له أن يتغلب عليها. وقضت معه عاماً كلفه المال الكثير وأضعف من حدة




صفحة رقم : 6318




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نابلي وبوكاتشيو


شهوته، وشرعت هي تشكو من أنه يتطلع إلى غيرها من النساء، هذا إلى أن موارده المالية قد نضب معينها فأخذت الشعلة الصغيرة تبحث عن موارد للمال جديدة، وانزوى بوكاتشيو في زوايا الفقر.
وأكبر الظن أنه كان قد قرأ لبترارك كتاب الأغاني ولدانتي كتاب الحياة الجديدة Vita Nuova، و شاهد ذلك أن قصائده الأول كانت كقصائدهما أغاني مفعمة بالحنين، والحرقة، والهيام الشديدة. وكانت كثرتهما موجهة إلى فيامتا. ومنها عدد قليل يصف هياماً أقل من هذا الهيام لوعة. وكتب فيها رواية نثرية مملة تدعى فيلوكوبا اقتبسها من إحدى روايات العصور الوسطى الغرامية وهي الزهرة والزهرة البيضاء. وكان أجمل منها قصة فيلوستراتا التي روى فيها في شعر رائع متألق كيف أقسمت كريسيدا Criseida أن تكون وفية لترويلس Troilus طوال حياتها، وكيف أسرها اليونان، وكيف أسلمت نفسها بعد قليل من الوقت إلى ديوميد Diomed بحجة أنه » فارع الطول، قوي، جميل« وأنه سهل المنال. وأختار بوكاتشيو أداة له الموشحات ذات الثمانية الأبيات Ottava Rima التي كانت مثالا احتذاه بلتشى Pulci وبوياردو Boiardo، وأريستو Ariosto. وهي قصة شهوانية سافرة مؤلفة من 5,400 بيت من الشعر، تصل إلى ذروتها حين » تطرح كريسيدا ثيابها وتلقى بنفسها وهي عارية في أحضان حبيبها«(12). ولكن القصة إلى هذا دراسة نفسانية رائعة لصنف من النساء-خائن في قلة، مغرور في مرح، وتختم بعبارات أضحت الآن واسعة الانتشار في التمثيليات الغنائية. » إن الفتاة الشابة طائشة، تشتهى كثيراً من العشاق، تقدر جمالها أكثر مما تنبئها به مرآتها، مختالة فخورة ... لا تعرف كنه الفضيلة ولا الذكاء، قلقة على الدوام كالريشة في مهب الريح«.




صفحة رقم : 6319




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نابلي وبوكاتشيو


وكأنما أراد بوكاتشيو أن يقضى على تمنع فيامتا بوطأة الشعر لا غير، فأهدى إليها بعد قليل من الوقت ملحمة شعرية يبلغ طولها طول الإلياذة تماماً. وتروى هذه الملحمة ما وقع من التنافس الدموي بين أخوين هما باليمون Palemon وارتشيتى Arcite بسبب حبهما لإميليا Emilia، ثم موت الذي انتصر منهما في أحضان حبيبته، ثم قبولها المهزوم بعد التريث الواجب. غير أن حب الأبطال نفسه يهن بعد نصف أبيات القصة البالغ عددها 9896، وفي وسع القارئ الإنجليزي أن يقنع بالموجز المحكم الذي وضعه تشوسر Chaucer لهذه القصيدة في قصة الفارس.
وغادر بوكاتشيو نابلي إلى فلورنس في أوائل عام 1341. وبعد شهرين من ذلك الوقت قدم بترارك إلى بلاط الملك ربرت، وتفيأ بعض الوقت ظلال هذا المليك، ثم سار في طريقه يبحث عن تاج أمير الشعراء في روما.




صفحة رقم : 6320




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> شاعر البلاط



الفصل الثالث




شاعر البلاط


وكانت روما عاصمة العالم بلداً خليقاً بالرثاء، فقد غادرتها البابوية إلى أفنيون منذ عام 1309، ولم يبق فيها من الموارد الاقتصادية ما يفي حتى بذلك المجد الوسط الذي عرفته تلك المدينة في القرن الثالث عشر، ولم تعد تتلقى تلك الثروة التي كانت تنساب من ألف أبرشية موزعة في نحو اثنتي عشرة دولة. كذلك لم تكن للسفارات الأجنبية قصور فيها، وقلما كان يظهر فيها وجه كردنال بين خربات الإمبراطورية والكنيسة. ولم يكن ما أصاب الأضرحة المسيحية من دمار ليقل عما أصاب الصروح القديمة المعمدة، وكان الرعاة يسرحون بقطعان الماشية على سفوح التلال السبعة، والمتسولون يجوبون شوارع المدينة. وقطاع الطرق واللصوص يكمنون في الطرق العامة، والزوجات يُختطفن من أزواجهن. والراهبات يُغتصبن، والحجاج ينهبون، وكل من في المدينة يحمل السلاح(13). وكانت أسر الأشراف القديمة-آل كولنا، وأرسينى، وسافلي، وأنيبالدى، وجيتانى، وفرنجيبانى- تتنازع فيما بينها، وتلجأ إلى العنف تارة وإلى الدسائس والمكائد تارة أخرى، للظفر بالسيادة السياسية في مجلس الشيوخ الألجاركى الذي كان يحكم روما. وكانت الطبقات الوسطى قليلة ضعيفة، وجمهرة الشعب خليطا مهوشاً من عشرات الشعوب يعيشون على حال من الفقر المدقع يشل كل قواهم ولا يبعث فيهم أقل رغبة في حكم أنفسهم بأنفسهم. وقد تدهورت قبضة البابوية الغائبة على المدينة فلم تعد أكثر من سلطة اسمية نظرية لمندوب بابوي لا يعنى أحد بشأنه.




صفحة رقم : 6321




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> شاعر البلاط


وبين هذه الفوضى والفاقة كانت الآثار المحطمة لعصر قديم مجيد تغذى رؤى العلماء وأحلام الوطنيين. فكان الرومان يعتقدون أن ستعود روما في يوم من الأيام حاضرة العالم الروحية والسياسية، وأن البرابرة المقيمين وراء الألب سيرسلون إليها الجزية والزكاة. وكان لا يزال في وسع الرجال يقيمون في مناطق متفرقة من المدينة أن يجدوا لديهم فضلة من المال يناصرون بها الفن: فقد زين بيتروكفليني Pietro Cavallini كنيسة القديسة تشيتشيليا مدرسة رومانية لرسوم المظلمات تكاد تضارع في أهميتها مدرسة دتشيو Doccio في سينيا أو مدرسة جيتو Giotto في فلورنس. بل إن روما في شدة بؤسها وفقرها لم تخل من الشعراء الذين أنساهم ماضيها المجيد حاضرها البئيس. فبعد أن عادت بدوا Padua وبراتو Prato سنة دومتيان التي كانت تقضى بوضع إكليل على جبهة شاعر محبوب، رأى مجلس الشيوخ أن مما يتفق مع مكانة روما التقليدية بوصفها أولى المدائن الإيطالية أن تتوج الرجل الذي أجمعت الآراء على أنه حامل لواء الشعراء في أمته وعصره.
وتنفيذاً لهذا العزم سار موكب بهيج من الشباب و الشيوخ في اليوم الثامن من إبريل عام 1341 يرافق بترارك وقد ارتدى المئزر الأرجواني الذي خلعه عليه الملك ربرت حتى وصل إلى سلم الكبتول. وهناك وضع تاج من الغار على رأسه. وقام الشيخ استفانو كولنا الطاعن في السن بإلقاء خطبة أثنى فيها عليه جماً. ومن ذلك اليوم كسب بترارك شهرة جديدة وأعداء جدداً، فأخذ منافسوه ينتفون تاجه بأقلامهم، ولكن الملوك والبابوات رحبوا به في بلاطهم، وسرعان ما وضعه بوكاتشيو في مصاف " الأقدمين النابهين "، وأعلنت إيطاليا وهي مزهوة بما بلغه من الصيت أن فرجيل قد ولد مرة أخرى.




صفحة رقم : 6322




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> شاعر البلاط


ترى أي رجل كان بترارك في ذلك الوقت الذي بلغ فيه ذروة مجده؟ لقد كان في شبابه بهي الطلعة وسيما، يختال بجمال منظره وثيابه، وكان حين كبر يسخر من حرصه الشديد على العناية بمظهره وملابسه وعقص شعره، وضغط قدميه في حذاءين جميلي المنظر. ولما بلغ سن الكهولة سمن وأطال الشعر على ذقنه، ولكن وجهه ظل محتفظاً بسحر رقته وحيويته. وبقى مزهواً بنفسه إلى آخر أيامه، وكان كل ما حدث في هذه الناحية من تغيير أنه أخذ يزهو بجلائل أعماله بدل الازدهاء بمنظره، لكن هذا عيب لا يسلم منه إلا أعاظم القديسين. ولولا ما يظهر في رسائله من تواضع متكلف وافتخار شريف لتضاعف ما فيها من فتنة وبهاء. وكان كسائر الناس يحب الثناء، وتتوق نفسه للشهرة، "وللخلود " الأدبي، وبذلك كان في مستهل عصر النهضة الضارب على وترها الحساس وهو التعطش إلى المجد. وكان يغار من منافسيه، ونزل من عليائه ليرد على ما يصفونه به من عيوب، وقد أثار البعض على ما بلغه دانتي من مكانة (وإن كان قد أنكر ذلك)، وارتاع من شراسة دانتي، كما ارتاع إرزمس فيما بعد من فجاجة لوثر، ولكنه كان يحس أن في عناد شاعر فلورنس وجرأته شيئاً أعمق مما يستطيع القلم الهين أن يسبر غوره. وكان وهو في ذلك الوقت نصف فرنسي في نزعته أكثر تحضراً من أن يسب نصف العالم، وكانت تنقصه العاطفة المتأججة التي رفعت سمت بإيطاليا ثم أنهكت قواها.
وإذ كان قد وهب بعض المناصب الكهنوتية، فقد كان له من الرخاء ما يحمله على ازدراء الثروة، ومن الضعف ما يبعث فيه حب الحياة الأدبية. ويقول في هذا:
"ليس ثمة عبء أخف على النفس أو أحب إليها من حمل القلم. فأما غير ذلك من المتع فإنا نعجز عن نيله، أو أنه يجرحنا في الوقت الذي يسحر فيه لبناً، وأما القلم فنمسك به مغتبطين، ونلقيه راضين، ذلك أن فيه من




صفحة رقم : 6323




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> شاعر البلاط


القوة ما لا ينفع ربه وسيده وحده، بل ينفع كذلك كثيرين غيره، وإن لم يولدوا إلا بعد موت صاحبه بآلاف السنين... وكما أنه لا يوجد بين المباهج الدنيوية ما هو أسمى من الأدب، فكذلك لا يوجد بينها ما هو أبقى على الزمن، أو أرق، أو أكثر وفاء، أو ما يلازم صاحبه في جميع صروف الحياة نعيمها وشقائها، دون أن يكلفه إلا القليل من الجهد أو انشغال البال "(14).
لكنه مع هذا يحدثنا عن "أمزجته المتقلبة التي قلما كانت تسعده، والتي كانت عادة تنزع به إلى القنوط "(15). وكان لا بد له، إذا أراد أن يكون كاتباً عظيما، أن يكون مرهف الإحساس بجمال الشكل والصوت، في الطبيعة، وفي النساء والرجال على السواء، أي أنه كان عليه أن يعاني أشد مما تعانيه الكثرة الغالبة منا من صخب العالم وما فيه من تشويه. وكان يحب الموسيقى، ويجيد العزف على العود، وكان يعجب بالتصوير الجميل، ويعد سيمون مرتيني Simone Martini من بين اصدقائه. وما من شك في أن النساء كن يجتذبنه، وشاهد ذلك أنه يتحدث عنهن في بعض الأحيان بخوف لا يقل عن خوف النساك الزاهدين، ويؤكد لنا لأنه لم يتصل قط بامرأة اتصالاً جسمانياُ بعد أن بلغ سن الأربعين، ويقول في هذا: "إن قوة الجسم والعقل التي تكفى النشاط الأدبي وتكفى مع الزوجة، لا بد أن تبلغ درجة كبرى من العظم "(16).
ولم يعرض بترارك على العالم فلسفة جديدة. فقد نبذ الفلسفة الكلامية المدرسية لأن كل ما رآه فيها هو بتر وتقطيع منطقي لا جدوى منه وبعيد كل البعد عن مطالب الحياة. وتحدى القائلين بعصمة أرسطو من الخطأ، وجرؤ على تفضيل أفلاطون عنه. ورجع عن أكوناس ودنزاسكوتس إلى الكتاب المقدس وكتب آباء الكنيسة، وأحب تقوى أوغسطين وأقواله المنغمة الجميلة، كما أحب رواقية أمبروز المسيحية، بيد أنه كان يقتبس من اقوال شيشرون وسنكا بإجلال لا يقل عن إجلاله ما يقتبسه من أقوال




صفحة رقم : 6324




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> شاعر البلاط


القديسين، ويأخذ حججه عن المسيحية أكثر مما يأخذها من النصوص الوثنية.. وكان يسخر من انقسام الفلاسفة على أنفسهم ويقول إنه "لم يجد بينهم من الأتفاق أكثر مما يجده بين الساعات(17). وكان من أسباب شكواه أن "الفلسفة لا تهدف إلا إلى التقسيم والتفتيت، وإلى التنقيب عن الاختلافات والفروق، والتلاعب بالألفاظ "(18). وتلك طريقة يمكن أن تخلق أشخاصاً بارعين في النقاش والجدل، ولكنها قلما تخلق عقلاء.. وكان يسخر من درجة "الاستاذ " أو "الدكتور " التي تتوج هذه الدراسات، وعجب كيف تستطيع الحفلات أن تبدل الأبله الأحمق عالماً تحريراً. ونبذ، في ألفاظ تكاد تكون هي بعينها ألفاظ أهل هذه الأيام، التنجيم والكيمياء الكاذبة القديمة، وحلول الشياطين في أجسام الآدميين، والفأل والطيرة، وزجر الطير، ومعرفة الغيب عن طريق الأحلام، وما كان يروى في أيامه من المعجزات(19) وأوتى من الشجاعة ما استطاع به أن يثنى على أبيقور(20)، في الوقت الذي كان اسمه مرادفاً للكفر بالله. وكان من حين إلى حين يتحدث حديث المتشككين، ويجهر بهذا التشكك جهر ديكارت به ويقول : "إني لارتيابي في مواهبي ... أتقبل الشك نفسه على أنه حقيقة... فلا اوكد شيئاً، وارتاب في كل شئ إلا حيث يكون الشك تجديفاً "(21).
ويبدو أنه حين استثنى هذا كان مخلصاً في استثنائه. ذلك أنه لم يكن يجهر بأي شك في عقيدة ما من عقائد الكنيسة، فقد كان ظرفه ودماثة خلقه وراحة باله مانعة له من الإلحاد. وقد وضع كثيراً من المؤلفات التي تنطق بتقواه وخشوعه، وهو يسائل نفسه سؤال المتحير: ألم يكن خيراً له أن يشق طريقه سهلا إلى الجنة كما شقها أخوه في ظل حياة الدير الهادئة. ولم يكن يرى نفعاً في فلسفة ابن رشد الإلحادية التي كانت قريبة منه في بولونيا وبدوا، وكانت المسيحية في نظره تقدماً لا شك فيه على الوثنية، وكان يرجو أن يتبين الناس أن في وسعهم أن يتعلموا دون أن يتخلوا عن مسيحيتهم.




صفحة رقم : 6325




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> شاعر البلاط


ورأى بترارك ان من الخير له بعد انتخاب البابا الجديد، كلمنت السادس (1342)، أن يعود إلى أفينون ليقدم له تحياته ويعرض عليه أمانيه. وجرى كلمنت على السُّنَّة القديمة سنة منح هبة- هي عبارة عن إيراد بعض أملاك الكنيسة- لمن يؤيدونها من الكتاب والفنانين، فوهب الشاعر رياسة دير بالقرب من بيزا، ثم عينه في عام 1346 أسقفاً في بارما، ثم أرسله عام 1343 في بعثة إلى نابلي حيث التقى بحاكم من اصعب حكام زمانه مراساً واقواهم شكيمة.
وكان ربرت الحكيم قد مات تواً، وورثت ابنته جونا Joanna الأولى عرشه وأملاكه ومنها ولاية بروفانس وافنيون تبعاً لذلك. وتزوجت جونا بابن عمها أندرو ابن ملك المجر إرضاء لوالدها، وظن أندرو أن من حقه أن يكون ملكاً وزوجاً معاً، فقتله لويس صاحب تارنتو عشيق جونا (1345)، وتزوج الملكة. وخلف أندرو على عرش المجر اخوه لويس فزحف بجيشه على إيطاليا، واستولى على نابلي (1348). وفرت جونا إلى أفنيون، وباعت المدينة إلى البابوية بثمانين ألف فلورين (نحو مليوني دولار)، واعلن كلمنت أنها بريئة، ووافق على زواجها، وامر الغزاة بالعودة إلى بلاد المجر. ولم يأبه الملك لويس بأمره، ولكن الموت الأسود (1348) فشا في جيشه، وأهلك كثيراً من جنوده فاضطر إلى الانسحاب. واستعادت جونا عرشها (1352)، وظلت تحكم البلاد في جو من الأبهة والرذيلة حتى خلعها البابا إربان السادس (1380)، ثم قبض عليها شارل دوق دورتسو Durazzo في العام التالي، وقتلت في عام 1382.
ولم يتصل بترارك بهذه المهزلة الدموية إلا في بدايتها أي في السنة الأولى من حكم جونا، ثم لم يلبث أن عاد إلى تجواله، وأقام فترة من الوقت في بارما، ثم في بولونيا، ثم قضى جزءاً من عام 1345 في فيرونا. وفي هذه المدينة الأخيرة، عثر في مكتبة بإحدى الكنائس على مخطوط يحوي




صفحة رقم : 6326




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> شاعر البلاط


رسائل شيشرون المفقودة لأتكس، وبروتس، وكونتس. وكان قبل ذلك قد كشف في ليبج Li?ge عام 1333 عن خطبة شيشرون المسماة Pro Archia وهي أنشودة للشعر. وكان هذا الكشفان أجل ما كشفته النهضة من الأدب القديم وأعظمها ثمرة.
وفي مقدورنا أن نعد فيرونا في أيام بترارك من أعظم القوى في إيطاليا، فقد كانت هذه المدينة تزهو بقدم تاريخها. وبملهاها الروماني (حيث لا يزال في وسع الإنسان أن يستمع في ليالي الصيف إلى التمثيليات الغنائية في الهواء الطلق)، وزادت ثروتها بفضل التجارة التي تهبط من جبال الألب وتنقل في نهر الأديج Adige. وارتقت المدينة رقياً عظيماً في عهد أسرة اسكالا حتى كادت تنتزع السيادة التجارية من مدينة البندقية، واختارت حكومة المدينة بعد موت إتسيلينو Ezzelino الرهيب (1260) مستينو دلا اسكالا Mostino della Scala حاكماً عليها، واغتيل مستينو (1277) ولكن أخاه ألبرتو Alberto الذي خلفه في الحكم ثبت دعائم حكم الاسكلجيري Scaligeri (أي "حملة السلم " وهو رمز ملائم لهذه الأسرة المصَّعَّدة)، وبدا هذا الحاكم عهد فيرونا المجيد. وفي عهده بدأ الرهبان الدمنيك يشيدون الكنيسة الجميلة كنيسة القديسة أناستاسيا Anastasia، وكشف نَسَّاخ غير ذي شأن القصائد المفقودة التي كتبها كاتلس Catullus اشهر أبناء فيرونا، وحاربت أسرة الكابلتي الجلفية Guelf، أسرة المنتشى montechi، ولم تكن هاتان الأسرتان تحلمان أنهما سوف تصبحان أسرتي الكابيولت Gapulet والمنتجيو Montagues في رواية شكسبير، وكان أقوى "الطغاة، وإن لم يكن أقلهم نبلاً، من أسرة اسكالا هو كان جراندى دلا اسكالا can Grand della Scala الذي جعل بلاطه ملجأ الجبليين المنفيين ومثابة للشعراء والعلماء، وفيه ظل دانتي عدة سنين يتمتع بالعطف المزعزع المطرد الزيادة. ولكن كان جراندى هذا اخضع فيتشندسا Vfcenza، وبدوا، وتريفيزو Treviso، وبلونو Belluno،




صفحة رقم : 6327




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> شاعر البلاط


وفلتري Feltre، وتشقدالى Cividale لسلطانه. ووجدت مدينة البندقية نفسها يتهددها خطر الإحاطة الخانقة من جميع نواحيها. ولما أن خلف كان جراندى أخوه مستينو Mastino الثاني- وكان أقل منه قوة وحماسة-أعلنت البندقية الحرب على فيرونا، وتحالفت مع فلورنس وميلان، وأرغمت فيرونا على أن تتخلى عن جميع ما فتحته من المدن عدا مدينة واحدة، وشاد كان جراندى الثاني جسر اسكاليجيرو Scalegero الفخم على نهر الأديج، وجعل له قنطرة طولها 160 قدماً، وكانت في ذلك الوقت أكبر قنطرة في العالم. واغتاله أخوه كنسنيوريو Consignorio، وحكم بعد هذا الاغتيال حكماً خيراً صالحاً، وشاد أعظم قبر مزخرف من القبور الذائعة الصيت التي دفنت أسرة اسكالا. واقتسم ابناه العرش وظلا يقتتلان إلى أن ماتا، فلما كان عام 1387 استولت دوقية ميلان على فيرونا وفيتشندسا.




صفحة رقم : 6328




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ثورة بيندسو



الفصل الرابع




ثورة بيندسو


وعاد بترارك إلى افنيون وفوكلوز (1345-1347)، وكان ولا يزال ينعم بصداقة آل كولنا، فسره ان يعلم أن الثورة قد اشتعل لهيبها في روما، وأن ابن صاحب حانة وغسالة (22) قد انتزع السلطة من آل كولنا وغيرهم من الأشراف، وأعاد إلى الوجود الجمهورية المجيدة، جمهورية آل اسكبيو، وجراكس، وآرنلد البريتشيائي Arnold of Brescia.
وكان نكولا دي ريندسو جيريني Niccola di Rienzo Gabrini الذي اختصر العامة المقتصدون في الأسماء اسمه في ذلك الوقت فجعلوه كولادى ريندسو Cola di Rinzo ثم أختصره الخلف المهملون فجعلوه ريندسى Rienzi، كان هذا الرجل قد التقى ببترارك في عام 1343، وذلك حين قدم إلى أفنيون، وهو شاب موثق، قبل ذلك الوقت بثلاثين عاماً ليطلع كلمنت السادس على ما آل اليه حال روما من البؤس، وليطلب إلى البابوية أن تمد يد المعونة للشعب الروماني ضد النبلاء المتنازعين النهابين السلابين المسيطرين وقتئذ على العاصمة. وداخلت كلمنت الشكوك في هذا الرجل ولكنه رده بعد أن نفحه بالفلورينات وشجعه بالأقوال لأنه كان يأمل في أن يستخدم هذا القانونى المتحمس في النزاع الكثير الحدوث بين البابوات والأشراف.
وأثارت خرائب روما وآدابها القديمة خيال ريندسو كما اثارت خيال بترارك، فارتدى الشملة الرومانية (Toga) البيضاء التي كان يلبسها أعضاء




صفحة رقم : 6329




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ثورة بيندسو


مجلس الشيوخ القدامى، وأخذ يتحدث إلى الرومان بحماسة لا تقل عن حماسة أبني جراكس وبلاغة لا تكاد تقل عن بلاغة شيشرون، ويشير إلى بقايا السوق الرومانية الكبرى ذات الجلال والفخامة، والحمامات الكبرى، ويذكر الرومان بالأيام الخوالي حين كان الأباطرة أو القناصل يشرعون القوانين من فوق هذه التلال ويصدرون الأوامر للمدينة وللعالم أجمع، ويدعوهم إلى الاستيلاء على زمام الحكم، وإعادة الجمعيات الشعبية، واختيار تربيون له من القوة ما يستطيع به أن يحميهم من الأشراف الغاصبين. واستمع إليه الفقراء وهم فزعون مرتاعون، وتساءل التجار هل يستطيع ذلك التربيون المرتقب أن يجعل روما مكاناً آمناً تقوم فيه الصناعة وتنشط التجارة، وسخر منه الأشراف، واتخذوا ريندسو هدفاً لمرحهم وفكاهاتهم على موائد العشاء، وتوعدهم هو بأن يختار طائفة منهم يشنقهم حين يندلع لهيب الثورة.
وما كان أشد فزعهم حين اندلع لهيبها فعلا. فقد حدث في 20 مايو من عام 1347 أن جاء حشد من الرومان وازدحموا في الكبتول. وظهر ريندسو أمامهم يحف به أسقف أرفيتو نائباً عن البابا. وأعلن عودة الجمهورية، وتوزيع الصدقات على المعوزين، واختير الرجل حاكما بأمره، وأجازوا له في اجتماع آخر عقد فيما بعد أن يتخذ لنفسه اللقب الشعبي القديم- لقب تربيون. واحتج على ذلك ايتفانوكولنا عضو الشيوخ الهرم، فأمره كولا أن يخرج هو وغيره من النبلاء من المدينة. واستشاط هؤلاء الأشراف غضباً ولكنهم اضطروا إلى إطاعة الثوار المسلحين، فانسحبوا إلى ضياعهم في الريف. وأسكرت ريندسو خمرة النصر فأخذ يتحدث عن نفسه كأنه




صفحة رقم : 6330




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ثورة بيندسو


"المنقذ الأعظم للجمهورية الرومانية المقدسة " الملهم "بقوة يسوع المسيح "(23).
وكانت إدارته للشئون البلدة أحسن ما تكون الإدارة، فقد نظم أثمان المواد الغذائية ليمنع المكاسب غير المشروعة، وحفظ ما زاد من الغلال في اهراء، وبدأ العمل في تجفيف المستنقعات الموبوءة ببعوض الملاريا، وزرعت أرض كمبانيا. وانشئت محاكم جديدة لتوزيع العدالة بإنصاف لا رحمة فيه ولا هوادة، فكان يحكم على الراهب وعلى البارون بالإعدام إذا ارتكبا نفس الجرم، وشنق عضو شيوخ قديم لأنه سرق مركباً تجارياً، وقبض على القتلة الذين تستأجرهم الأحزاب المتنازعة، وأنشئت محكمة للصلح وفقت في بضعة أشهر بين المتخاصمين في 1800 نزاع. وارتاع الأشراف الذين اعتادوا أن يتصرفوا في القوانين على هواهم إذ وجدوا أنهم قد القيت على عاتقهم تبعة الجرائم التي ترتكب في ضياعهم، وفرضت على بعضهم غرامات فادحة، وسيق بيترو كولنا رغم مهابته وخيلائه إلى السجن حافي القدمين. وعرض القضاة المتهمون بالعبث بالعدالة مصلوبين في الميادين العامة، وفلح الزراع حقولهم في أمن وسلام لم يعهدوا لهما مثيلا من قبل، وكان التجار والحجاج القادمون إلى روما يُقَبَلون شعار الجمهورية التي بعثت من جديد والتي أمنت الطرق العامة بعد أن ظلت نصف قرن من الزمان مباءة لقطاع الطريق(24). ودهشت إيطاليا على بكرة ابيها مما حدث في روما من تغير وتحول، ورفع بترارك إلى ريندسو قصيدة تفيض بالثناء والاعتراف بالجميل.
واغتنم التربيون هذه الفرصة, افاد منها كما يفيد السياسي المحنك الجريء، فأرسل الوفود إلى جميع أنحاء شبه الجزيرة، ودعا المدن أن ترسل ممثليها ليتألف منهم برلمان عظيم يضم أشتات "إيطاليا المقدسة " ويحكمها على نظام البلديات المستقلة المتحدة، وتكون روما عاصمة العالم كما كانت من




صفحة رقم : 6331




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ثورة بيندسو


قبل. وتمهيداً لهذه الغاية جمع مجلساً من القضاة دعاهم من كافة أنحاء إيطاليا، وعرض عليهم السؤال الآتي: هل من حق الجمهورية الرومانية، وقد بعثت إلى الوجود، أن تستعيد جميع الامتيازات والسلطات؟ ولما أجاب المجلس عن هذا السؤال بأن ذلك من حقها، عرض ريندسو على الجمعية الشعبية قانوناً يعيد إلى الجمهورية كل هذه المنح والسلطات. ومحا هذا الإعلان الشامل مئات من الهبات، وحوادث النزول عن العروش، والتتويج، وهدد الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والمدن المستقلة، وسلطة الكنيسة الزمنية جميعها. وبعثت خمس وعشرون من حكومات المدن المستقلة بممثليها إلى برلمان ريندسو، ولكن المدن الكبرى-البندقية، وفلورنس، وميلان-ترددت في النزول عن سيادتها العليا إلى دولة اتحادية. وسر كلمنت السادس من تقوى ريندسو، ومن إشراك أسقف أرفيتو معه في السلطة رسمياً, ومما أفاءه على الحجاج من حماية، ومن مشروعه الذي يرمي إلى إقامة عيد عام في سنة 1350 ينتظر أن يدر على البلدة مالا جما، ولكنه شرع يسائل نفسه: أليس هذا الجمهوري العظيم الآمال رجلا مثاليا مندفعا اندفاعا سوف يؤدي به إلى الدمار؟
ثم تحطم هذا الحلم النبيل، وكان تحطمه مثاراً للعجب والأسى معاً. ذلك أن السلطة، كالحرية، امتحان لا يجتازه بنجاح إلا من اتصف بالذكاء والرزانة والهدوء. أما ريندسو فقد بلغت قوته الخطابية مبلغاً يمنعه أن يكون من رجال الحكم الواقعيين. وأصبح يؤمن بعباراته الخلابة، ووعوده، ومطالبه، وسمت عقله أقوالُه المنمقة. ولما اجتمعت الجمعية الاتحادية ( في شهر أغسطس من عام 1347)، اتفق على أن تبدأ أعمالها بمنحه لقب فارس. واتخذ طريقه في مساء ذلك اليوم يحف به حرسه إلى مكان التعميد في كنيسة القديس لاتران، وألقى بنفسه في الحوض العظيم، الذي تطهر فيه قسطنطين من وثنيته وذنوبه، كما تقول القصة، ثم ارتدى ثياباً




صفحة رقم : 6332




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ثورة بيندسو


بيضاء، وقضى الليل نائماً على أريكة عامة وضعت بين أعمدة الكنيسة، فلما أصبح الصباح أصدر إلى الجمعية وإلى العالم أجمع مرسوماً يعلن فيه حرية جميع المدن الإيطالية، ويمنح أهلها جميعاً حق المواطنية الرومانية، ويحتفظ لسكان روما وإيطاليا دون سواهم بحق اختيار الإمبراطور. ثم أستل سيفه ولوح به في ثلاث جهات وقال بوصفه ممثل روما: "ذلك ملكي، وذاك لي، وذاك ". واندفع من ذلك الحي في الإسراف والمباهاة، فكان يمتطي صهوة جواد fdqأبيضأأابأأاتابنتساينبااا أبيض، ويخفق من فوق رأسه علم ملكي، ويتقدمه ألف حارس مسلح، ويرتدي ثوباً من الحرير الأبيض ذا أهداب من الذهب(25). ولما عاب عليه استفانوكولنا أهدابه الذهبية أعلن أن الأشراف يأتمرون به (وأكبر الظن أن هذا صحيح)، وأمر بالقبض على عدد منهم، وأمر بهم فسيقوا مكبلين بالأغلال إلى الكبتول، و عرض على الجمعية أن يعدموا، ثم ندم على ذلك العرض، وعفا عنهم، وانتهى الأمر بأن عينهم في بعض مناصب الدولة في كمبانيا. وكان جزاؤه منهم أن حشدوا قوة من مرتزقة الجند معادية للجمهورية، وخرج حرس المدينة الوطني لملاقاتهم، وهزمهم، وقتل في المعركة استفانوكولنا وولده (20 نوفمبر سنة 1347).
وسكر ريندسو بخمرة النصر فأخذ يغفل شيئاً فشيئاً شأن ممثلي البابا الذي أشركه معه من قبل في منصبه وسلطانه. وأخذ كردالة إيطاليا وفرنسا ينذرون كلمنت بأن إيطاليا الموحدة ستجعل الكنيسة أسيرة للدولة- وأن هذا الأسر يصبح أشد وأكثر توكيداً إذا قامت إمبراطورية تحكمها روما. وعملا بهذا التحذير كلف كلمنت مندوبه في روما برتران ده دو Bertrand de Deux أن يعرض على ريندسو واحدة من اثنتين: خلعه من منصبه أو تقييد سلطانه بحيث يقتصر على الشئون الدنيوية الخاصة بمدينة روما. وخضع دولا بعد أن قاوم بعض المقاومة، ووعد بإطاعة البابا، واسترد المراسيم التي ألغي بها الامتيازات الإمبراطورية والبابوية. لكن هذا الخضوع




صفحة رقم : 6333




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ثورة بيندسو


لم يرض كلمنت فاعتزم أن يخلع التربيون المعاند، وأصدر في الثالث من ديسمبر مرسوماً بابوياً يضم فيه كولا بالإجرام والإلحاد، ويهيب بالرومان أن يطردوه من البلاد. وأشار المندوب إلى أنهم إن لم يفعلوا هذا لن يقام عيد. وكان الأعيان في هذه الأثناء قد حشدوا جيشاً آخر، زحف على روما. وأمر ريندسو أن تدق الأجراس تدعو الشعب إلى حمل السلاح، لكن هذه الدعوة لم يستجب لها إلا عدد قليل، لأن كثيرين قد أغضبهم فدح الضرائب التي فرضها عليهم، ومنهم من فضل ما ينالونه من المكاسب في العيد عما تلقيه عليهم الحرية من تبعات. ولما اقتربت قوى الأشراف من الكبتول خارت قوى ريندسو، و خلع شارة منصبه، وودع أصدقاءه، وأجهش بالبكاء، وحبس نفسه في كاستلو سانتا أنجليو Castello Sant' Angelo (15 ديسمبر سنة 1347)، وعاد الأشراف الظافرون فدخلوا قصورهم في المدينة واختار المندوب البابوي اثنين منهم ليحكما روما.
وفر ريندسو إلى نابلي، وكان لا يزال مغضوباً عليه من الكنيسة وإن لم يصب بأذى من جانب الأعيان، ثم فر من نابلي إلى غابات الجبال في أبردسي Abruzzi القريبة من سلمونا Sulmona، وهناك لبس أثواب التائبين، وقضى عامين يعيش عيشة الزهاد المنقطعين للدين. وبعد أن مرت به عشرات المئات من المشاق والمحن اتخذ سبيله سراً متنكراً إلى براج مجتازا إيطاليا وجبال الألب والنمسا، ومثل في تلك المدينة في حضرة الإمبراطور شارل الرابع، وأخذ وهو غاضب يندد بالبابوات، و لكنه أبى أن يجيب البابا كلمنت إلى مطلبه من إرسال كولا ليزج في سجن أفنيون، وأبقاه معتقلا تحت الحراسة في إحدى القلاع القائمة على نهر الألب. وقضى كولا في العزلة




صفحة رقم : 6334




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ثورة بيندسو


وعدم النشاط عاماً كاملاً لم يطق بعده صبراً عليهما، فطلب أن يرسل إلى بلاط البابا. وهرع الناس إلى رؤيته وهو في طريقه إلى أفنيون، وعرض عليه بعض الفرسان الأنجاد أن يحموه بسيوفهم. وبلغ أفنيون، وعرض عليه بعض الفرسان الأنجاد أن يحموا الرجل الذي أراد أن يهبهم الحرية. ومما جاء في هذه الدعوة:
إلى أهل روما ... البواسل الأنجاد ... الذين سادوا الأمم!
إن زعيمكم السابق أسير الآن في أيدي الأجانب، وكأنه-ويا للهول حقاً!- لص من لصوص الليل أو خائن لبلاده، يعرض قضيته وهو مصفد في الأغلال، تأبى أعلى محكمة أرضية أن تمكنه من الدفاع المشروع عن نفسه... إن روما بلا ريب لا تستأهل هذه المعاملة. لقد كان أهلها من قبل غير خاضعين لقانون أجنبي... أما الآن فيساء إليهم بلا تمييز بينهم. ويلقون هذه المعاملة وهم براء من إثم الجريمة بل وهم جديرون بالثناء العظيم الذي يستحقه أهل الفضيلة ... وليست التهمة الموجهة إليه هي خيانة الحرية، بل هي الدفاع عنها، وليس ذنبه أنه سلم الكبتول بل ذنبه أنه حماه. وإن أعظم التهم الموجهة إليه، والتي يجب أن يكفر عنها فوق المشنقة هي أنه قد جرؤ على التوكيد بأن الإمبراطورية الرومانية لا تزال قائمة في روما، وأنها لا تزال مسيطرة على الشعب الروماني. ألا تباً لهذا الزمان! وتباً لتلك الغيرة الشنيعة، وذلك الحقد المنقطع النظير! أين أنت أيها المسيح! يا أعدل القضاة ويا أحكم الحاكمين؟ أين عيناك اللتان تعودت أن تبدد بهما سحب شقاء البشرية؟... لم لا تقضى ببرقك و صواعقك على هذه المحاكمة الدنسة؟(26).
ولم يطالب كلمنت بإعدام كولا، بل أمر بأن يوضع تحت الحراسة




صفحة رقم : 6335




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ثورة بيندسو


في برج القصر البابوي بأفنيون. وبينما كان ريندسو يدرس الكتاب المقدس وكتاب ليفي في سجنه، استولى تربيون آخر يدعى فرانتشسكو برنتشلي Francesco Baroncelli على زمام السلطة في رومة، ونفي أعيان المدينة، وأهان المندوب البابوي، وتحالف هو والجبليون مؤيدو الأباطرة ضد البابوات، وأطلق إنوسنت السادس، الذي خلف كلمنت في الكرسي البابوي، كولا من سجنه، وأرسله ، وتحالف هو والجبليون مؤيدو الأباطرة ضد البابوات، و أطلق إنوسنت السادس، الذي خلف كلمنت في الكرسي البابوي، كولا من سجنه، وأرسله إلى إيطاليا مساعداً للكردنال ألبرنودس Albornoze الذي عهد إليه اعادة سلطة البابوية في روما. وبينما كان الكردنال الماكر، والطاغية المستضعف يقتربان من العاصمة دبرت فتنة في المدينة، خلع على أثرها برنتشلي وقتل، وأسلم الرومان المدينة لألبرنودس. ورحب العامة بريندسو، واقاموا له أقواس النصر، وهتفوا باسمه وقد احتشدوا في الشوارع إظهاراً لفرحهم. وعينه ألبرنودس عضواً في مجلس الشيوخ، وعهد اليه الأعمال غير الدينية في حكومة روما (1353).
ولكن السنين التي قضاها في السجن قد سببت ترهل جسمه، وحطمت شجاعته، وفلت من حدة عقله، وقد كان من قبل قوياً ساطعاً غير هياب ولا وجل. فكانت سياسته متمشية من أغراض البابا، بتهيب المغامرات العظيمة التي كان يندفع إليها في حكمه وهو شاب. وكان الأعيان لا يزالون يحقدون عليه، وصعاليك المدينة يرون فيه الآن رجلا حذراً متحفظاً متجرداً من المثل العليا، فانقلبوا عليه وعدوه خائناً لقضيتهم. ولما أعلن آل كولنا الحرب عليه وحاصروه في بلسترينا، أوشك جنوده الذين لم يتناولوا مرتباتهم أن يتمردوا عليه، فاقترض المال ليؤدي منه مرتباتهم، وفرض الضرائب ليفي بدينه، وأغضب بذلك الطبقة الوسطى. ثم زحفت جموع الغوغاء الثائرة على الكبتول، ولم يكد ينقضي شهران على عودته إلى الحكم، وأخذت تنادى "ليحيى الشعب! الموت للخائن كولا دي ريندسو! ". فخرج إليهم من قصره في دروع الفرسان وحاول أن يسيطر على الجماهير




صفحة رقم : 6336




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ثورة بيندسو


بفصاحته وزلاقة لسانه، ولكن الثائرين علا صياحهم على صوته، وألقوا عليه وابلا من القذائف، فأصاب سهم منها رأسه وانسحب على أثر ذلك إلى القصر. وحينئذ أشعل الغوغاء النار في الأبواب واقتحموها، ونهبوا الحجرات. واختفى ريندسو في إحداها، وأسرع فحلق لحيته، وارتدى ثياب حمال، وكوم بعض قطع من الفرش على رأسه، وخرج من القصر، ومر ببعض الغوغاء دون أن يكشفوا أمره. ولكن سواره الذهبي نم عليه، وسيق أسيراً إلى سلم الكبتول، حيث كان هو من قبل قد حكم على الناس بالإعدام. وطلب إلى الشعب أن يستمع له، وحاول أن يستميل قلوب العامة بخطبته، ولكن أحد الصناع خشي أن يتأثر هؤلاء بفصاحته، فقطع عليه كلامه بضربة سيف في بطنه. وتبعه مائة من أشباه الأبطال فأنفذوا خناجرهم في جسده الميت. ثم سحبت جثته والدم يسيل منها في شوارع المدينة وعلقت في حانوت قصاب كما تعلق جيف البهائم. وبقيت على هذه الحال يومين تعرضت في خلالهما لإهانات الشعب وحجارة الغلمان(27).




صفحة رقم : 6337




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> العالِم الجوال



الفصل الخامس




العالم الجوال


أخفق ريندسو في إعادة روما القديمة التي مات فيها كل شيء إلا الشعر. وقد أفلح بترارك في إعادة الآداب الرومانية التي لم تكن قد ماتت، وكان قد أيد ثورة كولا تأييداً بلغ من القوة حداً خسر معه عطف آل كولنا في أفنيون. وفكر وقتاً ما في الانضمام إلى ريندسو في روما، وأتخذ طريقه فعلا إليها حتى وصل إلى جنوى، وفيها سمع أن مقام التربيون ومسلكه آخذان في الانحطاط، فما كان منه إلا أن غير طريقه وأتجه نحو بارما (1347). وكان في إيطاليا حين نشأ فيها الوباء الأسود، وأودى بحياة كثيرين من أصدقائه، وقضى على لورا في أفنيون، وقبل في عام 1348 دعوة ياقوبو Jacopo الثاني صاحب كراراً لأن ينزل ضيفاً عليه في بدوا.
وكانت المدينة ذات جو عتيق ثقيل ممل. فقد كان عمرها مائة عام حين ولد فيها ليفي عام 59 ق.م، وأصبحت تحكم نفسها بنفسها في عام 1174 ورزحت تحت طغيان أتسيلينو Ezzelino (1237-1256)، ثم استردت استقلالها، وغنت أناشيد الحرية، وأخضعت فيتشندسا سلطانها، ثم هاجمها كان جراندى دلا اسكالا صاحب فيرونا، وكاد يغلبها على أمرها، فتخلت عن حريتها واختارت ياقوبو الأول صاحب كراراً حاكماُ بأمره عليها (1318)، وكان رجلا قُدَّ قلبه من الرخام المسمى باسمه. وتولى سلطته من بعده بعض أعضاء أسرته إما بطريق الميراث أو بالاغتيال. واستولى مضيف بترارك على مقاليد الحكم في عام 1345 بعد أن اغتال سلفه، وحاول أن يكفر عن ذنبه بالحكم الصالح، ولكنه اغتيل بعد أن




صفحة رقم : 6338




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> العالِم الجوال


حكم أربع سنين وخلفه فرانتشسكو الأول صاحب كرارا (1350-1389)، وحكم البلدة حكماً عجيباً ام نحو أربعين عاماً، ورف في خلالها مقام بدا إلى مصاف المدن الكبرى أمثال ميلان، وفلورنس، والبندقية، وإن كان هذا لم يدم إلا وقتاً قصيراً. وقد أخطأ فانضم إلى جنوى ضد البندقية في الحرب العوان التي اتقدت نارها سنة 1378، والتي انتصرت فيها مدينة البندقية وأخضعت بدوا ليلطانها (1404).
وقدمت المدينة في هذه الأثناء أكثر من نصيبها لحياة إيطاليا الثقافية، فأتمت في عام 1307 كنيسة القديس أنطوني المعروفة بذلك الاسم الحبيب إلسانتو EL Santo، ورمم في عام 1306 البهو الأعظم المعروف باسم سالا دلا رجيونى Sala della Ragione (بهو البرلمان) على يد المهندس المعماري الراهب جيوفنى إريمتانو Giovanni Eremitano، ولا يزال هذا البهو قائماً إلى الآن. وكان القصر الملكي (الرجيو Reggio في 1345 وما بعدها) يحتوي على أربعمائة حجرة في كثير منها مظلمات يفخر بها آل كرارا. ولم يبق من هذه المظلمات إلا برج دقت ساعته الشهيرة أولى دقاتها في علم 1346. وابتاع تاجر طوح يدعى انريكو اسكرافني Rnrico Scravegni في بداية ذلك القرن قصراً في المدرج الروماني القديم يسمى "الحلبة " Arena، واستدعى أشهر مثال في ايطاليا وهو جيوفنى بيزانو Giovanni Pisano وأشهر مصوريها وهو جيتو Giotto، لينقشا له معبد بيته الجديد (1303-1305). وكانت نتيجة جهودهما "معبد الحلبة " الصغير الذائع الصيت في أنحاء العالم المتعلم كله. وفيه صوّر جيتو الظريف نحو خمسين صورة جدارية، ونحتاً مستديراً ومدلاة تروى كلها القصة العجيبة قصة العذراء وابنها، وأحاط المظلمات الرئيسية برءوس الأنبياء والقديسين، وبأشكال نسوية ترمز إلى فضائل الجنس البشري ورذائله. وصور تلاميذه على الباب الداخلي بجد فاتر صورة ليوم الحساب ذات أشكال غريبة مختلطة مهوشة كأنها الميازيب، ونقش منتاجينا Montagena بعد




صفحة رقم : 6339




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> العالِم الجوال


150 سنة من ذلك الوقت ضريح كنيسة الإرمتاني القريبة من هذا البيت. ولعله وهو يقوم بعمله قد سخر من التصميم الساذج، وفن المنظور البدائي، ومن تشابه الوجوه، والمواقف, والأشكال تشابهاً يبعث على الملل والسآمة، ومن نقص في العلم بالتشريح، ومن الشقرة الثقيلة البادية في الكثرة الغالبة من الأشكال، كأنما اللمبارد أهل بدوا لا يزالون هم بعينهم اللنجيوبارد Longobards القادمين تواً من ألمانيا الموفورة الطعام. ولكن ملامح العذراء الجميلة في صورة مولد المسيح، ورأس المسيح الفخم النبيل في صورة العازر، والكاهن الأكبر البادي الجلال في صورة الخطاب، والمسيح الهادئ، ويهوذا الأسخريوطي في صورة الخيانة، واللطف الصافي، والـتأليف المتناسق، والنمو المتدرج الشي يشاهد في المنظر الفسيح من حيث اللون والشكل، كل هذا يكسب المنظر جدة ورونقاً وصفاء لا زال يحتفظ بها بعد ستة قرون، وتجعله أو نصر للتصوير في القرن الرابع عشر.
ولعل بترارك قد وقعت عيناه على مظلمات الحلبة، وما من شك في أنه كان يقدر جيتو أعظم التقدير. وشاهد ذلك أنه أوصى إلى فرانتشسكو داكرارا بصورة للعذراء بريشة " المصور الممتاز، جيتو، وهي صورة يدهش جمالها ... سادة الفن "(28).. وما من شك في أنه قد نبهه وشحذ همته ما سمعه من أن ألبرتينو مساتو Albertino Mussato، وهو رجل من ذوي المشاعر الإنسانية سابقاً على بترارك نفسه قد توج شاعراً للبلاط في بدوا عام 1314 لأنه كتب مسرحية باللغة اللاتينية تسمى إتشرينس Ecerinis نحا فيها نحو أسلوب سنكا. ومبلغ علمنا أن هذه كانت أول مسرحية كتبت في عصر النهضة.وما من شك لإي أن بترارك قد زار الجامعة التي كانت مفخرة المدينة والتي كانت في ذلك الوقت أشهر مدارس إيطاليا بأجمعها، وكانت تنافس جامعة بولونيا بوصفها مركزاً للتدريب على القانون، كما كانت تنافس جامعة باريس بوصف كونها مركزاً




صفحة رقم : 6340




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> العالِم الجوال


للفلسفة. ودهش بترارك حين شاهد فلسفة ابن رشد يعتنقها في غير خفاء بعض أساتذة بدوا الذين كانوا يرتابون في خلود نفوس الأفراد، والذين كانوا يتحدثون عن المسيحية كأنها خرافة مفيدة ينبذها المتعلمون في الخفاء.
وفي عام 1348 نجد شاعرنا القلق في مانتوا، ثم نجده بعدئذ في فِرَارا، ثم انضم في عام 1350 إلى سيل الحجاج المتجهين إلى روما للاشتراك في عيدها، وعرج وهو في الطريق على فلورنس فزارها للمرة الأولى وعقد أواصر الصداقة القوية بينه وبين بوكاتشيو. وقد وصف بترارك هذه الصداقة بقوله إنهما من ذلك الحين "كان لهما قلب واحد "(29). وحدث في عام 1351 أن ألغى سيد فلورنس المرسوم القاضي بمصادرة أملاك بترارك، ثم أرسل بوكاتشيو إلى بدوا ليعرض على بترارك تعويضاً مالياً وكرسي الأستاذية في جامعة فلورنس، فلما رفض بترارك هذا العرض رجعت فلورنس عن إلغاء المرسوم.




صفحة رقم : 6341




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> جيتو



الفصل السادس




جيتو


إن من العسير أن نحب فلورنس كما كانت في العصور الوسطى . ذلك أنها كانت وقتئذ نكدة صارمة في الصناعة والسياسة، ولكننا لا يصعب علينا مع ذلك أن نعجب بها. لكنها خصصت ثروتها لخلق الجمال. ففيها أيام شباب بترارك كانت النهضة في أوج مجدها.
فقد علا شأنها فيما كان يكتنفها من جو حافز ملئ بالتنافس المالي والتجاري، والنزاع العائلي، والعنف الفردي، لم يكن لشيء منها مثيل في سائر أنحاء أوربا. لقد كان أهل المدينة منقسمين على أنفسهم تفرق بينهم حرب الطوائف، وكانت كل طائفة فيها منقسمة هي الأخرى إلى أحزاب لا ترحم إذا كتب لها النصر، ولا تسكت عن الانتقام اذا منيت بالهزيمة، وكان انتقال بعض الأسر من حزب إلى حزب في أي وقت مت الأوقات يخل بتوازن القوي بينهما، وكثيراً ما كان يحدث في أي لحظة أن تنتظر السلاح بعض العناصر المتذمرة، وتحاول إسقاط الحكومة، فإذا أفلحت نفت زعماء الحزب المغلوب من المدينة، وصادرت في العادة أملاكهم، وحرقت بيوتهم أحياناً. على أن هذا النزاع الاقتصادي وذاك الاضطراب السياسي لم يكونا كل ما في فلورنس من حياة، ذلك أن اهلها كانوا ذوي شعور وطني قوي يعتزون به وإن كانوا أكثر إخلاصاً لحزبهم منهم لمدينتهم، وكانوا ينفقون كثيراً من مالهم في سبيل المصلحة العامة. وكان الموروثون من الأفراد ينفقون من اموالهم على رصف الشوارع وإنشاء




صفحة رقم : 6342




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> جيتو


المجاري، وتحسين موارد ماء الشرب، وإعداد مكان صالح للسوق العامة، وتشييد الكنائس، والمستشفيات، والمدارس، أو اصلاحها. وكذلك كانت تفعل نقابات الحرف. وكان ألاهلون ذوي شعور بالجمال لا يقل في قوته عن شعور اليونان الأقدمين أو الفرنسيين المحدثين، وكان هذا الشعور يدفعهم لرصد الأموال العامة والخاصة لتزيين المدينة بالعمائر، والتماثيل، والصور، وتجميل بيوتهم من الداخل بهذا كله وبعشرات من الفنون الصغرى.
وكان الخزف الفلورنسي أرقى أنواع الخزف الأوربي في ذلك العهد، كذلك كان الصياغ يحلون الأعناق والصدور، والأيدي، والمعاصم، والمناطق، ومذابح القرابين، والنضد، والاسلحة، والنقود، بالجواهر أو الخشب الملبس، والنقوش المحفورة أو البارزة التي لا يفوتها شئ من نوعها في عصر آخر من العصور.
وأخذ الفنان في ذلك الوقت تنعكس عليه النزعة الجديدة نزعة اهتمام الفرد بكفايته الذاتية أو حبه للفن الجميل، فبرز من الطائفة أو الجماعة ، ورسم ما ينتجه باسمه. وكان نقولو بيزانو Niccolo Pisano قد خلص قبلئذ فن النحت من تقليد الموضوعات الدينية، وخضوعه لأساليب العمارة وذلك بجمعه بين النزعة الطبيعية القوية ومثل الإغريق العليا في تصوير الجسم. وصب تلميذه أندريا بيزانو Andrea Pisano نصفي بابين من البرنز لمبنى التعميد في فلورنس (1300-1306) صور عليهما في أثنين وعشرين نقشاً بارزاً تقدم الفنون والعلوم منذ حفر آدم وغزلت حواء، وليس هذان الأثران الفنيان الباقيان من القرن الرابع عشر بأقل قيمة من "أبواب الجنة " التي نقشها جبرتي Ghiberti في القرن الخامس عشر على هذا البناء نفسه. وفي عام 1334 وافق أمير فلورنس على تخطيط جيتو لبرج يتحمل ثقل أجراس الكنيسة وينشر أصواتها، وصدر بذلك




صفحة رقم : 6343




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> جيتو


مرسوم تتمثل فيه روح العصر جاء فيه أن "برج الأجراس يجب أن يشاد بحيث يسمو في فخامته، وارتفاعه، ودقة صنعه، على كل شئ من نوعه أبدعه في الزمن القديم اليونان والرومان في أوج مجدهم(30). وليس جمال البرج في شكله المربع الذي لا يمتاز بشيء عن أمثاله (والذي كان جيتو يرغب في أن تعلوه منارة مستدقة)، بل في نوافذه المزخرفة على الطراز القوطي، وفي النقوش البارزة التي حفرها جيتو, وأندريا بيزانو، ولوكا دلا ربيا Luca della Robia في الرخام الملون على الألواح السفلى. وواصل العمل، بعد موت جيتو، بيزانو، ودوناتلو، وفرتشسكو تالنتي، وإليهما يدين البرج بما حوته أعلى مقنطراته من جمال بالغ الأوج.
وكان جيتو دي بندوني Giolto di Bondoni يحمل لواء المصورين في القرن الرابع عشر كما كان بترارك يحمل لواء الشعر في ذلك القرن نفسه، وكان الفنان يضارع الشاعر في تعدد كفاياته، فقد كان مصوراً، ومثالاً، ومهندساً معمارياً، ورأسمالياً، وخبيراً بأحوال العالم، لا يقل حذقه للآراء الفنية، عن مهارته في الحيل العلمية والأجوبة الفكهة المسكتة، ولهذا كان جيتو يسير في الحياة واثقاً من نفسه، ينثر روائع فنه في فلورنس، وروما، وأسيسى، وفرارا، ورافنا، وريميني، فايندسا، Faenza، وبيزا، ولوكا Lucca، وأرتسو، وبدوا، وفيرونا، ونابلي، وأربينو Orbino، وميلان. ويبدو أنه لم يكن يهتم مطلقاً بأن يكلف بالقيام بعمل من الأعمال، ولما سافر إليهما ضيفاً على الملك في قصره. وهناك تزوج وكان له أبناء قبيحو المنظر، ولكن أعماله الفنية الجميلة الهادئة، وحياته التي تسري فيها روح البهجة، لم تتأثرا قط بهذا القبح، وكان يؤجر الأنوال للصناع بضعفي أجرها المعتاد(31). ومع هذا فأنه يقص لنا قصة القديس فرانسس رسول الفقر في عمل من أعماله الفنية الراقية الباقية من عصر النهضة.
وكان لا يزال في شرخ الشباب حين أستدعاه الكردنال استفانستشى




صفحة رقم : 6344




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> جيتو


Stefaneschi إلى روما ليصور له بالفسيفساء صوره "الفنية الصغرى navicella " التي تمثل المسيح ينقذ بطرس من الموج. ولا يزال هذا النقش باقياً إلى اليوم، وإن كان قد أدخل عليه تغيير كبير، في دهليز كنيسة القديس بطرس في مكان غير ظاهر فوق عمد المدخل ومن خلفها. وأكبر الظن أن هذا الكردنال نفسه هو الذي كلفه بعمل صورة الملاك المجنح المحفوظة في الفاتيكان. وتظهر هذه الأعمال كلها جيتو شخصاً غير ناضج، قوي التفكير، ضعيف التنفيذ. ولربما كانت دراسات جيتو لنقوش بيتروكفنليني Pietro Cavanelline الفسيفسائية الموجودة بكنيسة القديسة ماريا في ترتستيفيري، ومعلماته في كنيسة القديسة تشيتشيليا Cecilia قد ساعدت على تكوين جيتو في تلك السنين الرومانية، ولعل النحت الطبيعي الذي قام به نقولو بيزانو قد جعله يحول عنايته من أعمال أسلافه إلى ملامح الأحياء من الرجال والنساء ومشاعرهم. وفي ذلك يقول ليوناردو دافنتشي: "لقد ظهر جيتو وصور ما رآه "(32). واختفى الجمود البيزنطي من الفن الإيطالي. ثم أنتقل جيتو إلى بدوا وقضى ثلاث سنين يصور على الجص تلك الرسوم الذائعة الصيت التي تزدان بها كنيسة أرينا. ولعله قد التقى في بدوا بدانتي، ولعله قد عرفه قبل ذلك في فلورنس، فها هو ذا فاساري Vasari، الممتع على الدوام، والدقيق الصادق في بعض الأحيان، يصف دانتي بأنه "الرفيق والصادق الصدوق " لجيتو (33). وها هو ذا يعزو لجيتو صورة لدانتي تكون جزءاً من نقش جصي في قصر الحاكم في فلورنس. وترى الشاعر يثني على المصور ثناء رقيقاً مستطابا في المسلاة الإلهية34). ولما كان عام 1318 كلفت أسرتان من رجال المصارف هما أسرة باردى Bardi وأسرة بيرتسي Peruzzi جيتو بأن يقص لهما على الجص قصص القديسين فرانس، ويوحنا المعمدان ويوحنا المبشر بالإنجيل، وذلك في المزارين اللذين كانا يشيدهما في كنيسة سانتا كروتشي (الصليب المقدس)




صفحة رقم : 6345




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> جيتو


Sante Croce في فلورنس. وقد غطيت هذه الرسوم بالجير فيما بعد، ولكنه كشف عنها في عام 1853 واعيد تلوينها، وبذلك لم يبق فيها من عمل جيتو إلا الرسم والتأليف. وكان هذا بعينه مصير المظلمات الذائعة الصيت في كنيسة القديس فرانس المزدوجة في أسيسي. ويحج عدد كبير من الإيطاليين إلى هذا الضريح القائم فوق إحدى الروابي، ويبدو أن عدد الذين يفدون منهم لمشاهدة الرسوم التي تعزى لتشيمابيو Cimabue وجيتو لا يقل عمن يفدون لتكريم هذا القديس أو للتبرك به. وأكبر الظن أن جيتو هو الذي وضع تصميم الموضوعات ورسم الخطوط الخارجية للمظلمات السفلى في الكنيسة العليا. أما ما بقى فيبدو أنه اكتفى فيه بالإشراف على عمل تلاميذه. وتقض هذه المظلمات التي في الكنيسة العليا حياة القديس فرانسس بتفصيل قلما حظي المسيح نفسه بسيرة مصورة له تماثل هذه القصة في دقائقها. وهي تمتاز بالبراعة في التفكير والتأليف، وباللطف والرقة والتناسق في الإخراج والتنفيذ، وتقضي قضاء لا رجعة بعده على الجمود الكهنوتي الذي كان يلازم الأشكال البيزنطية، ولكنها مع ذلك يعوزها العمق والقوة والنزعة الإنفرادية، فهي في حقيقة الأمر لوحات مصورة رشيقة خالية من تأثير العاطفة أو دم الحياة. أما مظلمات الكنيسة السفلى فقد كانت أقل من مثيلاتها في الكنيسة العليا تعرضاً لعوادي الأيام، وهي تشهد بما طرأ على قدرة جيتو من تقدم. ويبدو أنه هو نفسه الذي قام برسم الصور التي في مُصًلّى مجدلين، وأن تلاميذه هم الذين صوروا الرسوم الرمزية التي تشرح الإيمان التي يقسمها الرهبان الفرنسيس بأن يلتزموا حياة الفقر والطاعة والطهر. ولقد كانت قصة فرانسس المصورة في هذه الكنيسة المزدوجة حافزاً قوياً، بل تكاد تكون مولداً جديداً، لفن التصوير الإيطالي، ونشأت منها تقاليد بلغت المثل الأعلى من الكمال في أعمال الراهب الدمنيكي "الأخ أنجلكو Fra Angelico ".




صفحة رقم : 6346




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> جيتو


وفي وسعنا أن نقول إن أعمال جيتو كانت في مجموعها ثورة على الأوضاع الفنية القائمة وقتئذ. ونحن نشعر بأخطائه لأننا نعرف مقدار ما أحدثته الحركة التي بدأها هو من إتقان وبراعة. نحس بأن رسمه، وصياغته، ومراعاته لفن المنظور، وعلمه بالتشريح، كل هذا ناقص معيب. لقد كان الفن، كما كان الطب في عهد جيتو، قد بدأ تواً في تشريح الجسم البشري، وفي أن يبين موضع كل عضلة، وعظم ، ووتر، وعصب، وتركيبه، وقد أتقن معرفة هذه العناصر رجال من أمثال منتينيا Mantegena ومساتشيو Masaccio، وبرع في هذه المعرفة ميكل أنجلو وبلغ فيها درجة الكمال، بل كاد يجعل منها معبوداً له ولأمثاله من رجال الفن. أما في أيام جيتو فقد كان لا يزال من غير المألوف أن يدرس الناس الجسم البشري عارياً.وكان تصويره يجلل من يقدم على تصويره بالعار. فإذ كان هذا فما الذي يجعل أعمال جيتو في بدوا وأسيسي من معالم تأريخ الفن؟ إن الذي يجعلها هكذا هو الـتأليف المتزن، ورسم العين من كل زاوية إلى مركز الاهتمام، والمهابة المستمدة من الحركة الهادئة، والتلوين الرقيق المتألق، وانسياب القصة في عظمة وجلال، والاعتدال في التعبير ولو كان عن المشاعر العميقة، وعظمة الهدوء الذي يغمر تلك المناظر المضطربة، وما نشاهده بين الفينة والفينة من نزعة طبيعية في تصوير الرجال، والنساء، والأطفال كما شاهدهم وأحس بهم، وهم يتحركون في الحياة لا كما درسهم الفنانون في ماضي الأيام. تلك هي العناصر التي تألف منها انتصار جيتو على الجمود البيزنطي والكآبة البيزنطية. وتلك هي أسرار نفوذه الخالد. لقد ظل فن فلورنس مائة عام بعد وفاته يستمد من أعماله حياته وإلهامه.
وجاء في أعقابه جيلان من الفنانين الذين ساروا على نهجه، فحذوا حذوه في موضوعاته وفي طرازه، ولكنهم قلما كانوا يبلغون ما بلغه من براعة وإتقان، فقد كان تديوجدى Taddeo Gaddi تلميذه وابنه في




صفحة رقم : 6347




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> جيتو


العماد يرث عنه فنه، وكان والد تديو وثلاثة من ابناء تديو الخمسة رسامين، ذلك أن النهضة الإيطالية، كالموسيقى الألمانية، كانت تنزع إلى الانتقال في الأسر من الآباء إلى الأبناء، وقد ارتقت فيها بانتقال اصولها الفنية وتجمعها في البيوت والمفاقه والمدارس. وقد بدأ باديو حياته صبياً محترفاً عند جيتو، وما وافى عام 1347 حتى كان هو حامل لواء المصورين الفلورنسيين، وكان حتى بعد أن بلغ تلك المكانة يوقع بإمضاء "تلميذ جيتو الأستاذ الجليل " تكريماً لذكرى أستاذه(35). وقد أثرى بجده في فني التصوير والعمارة ثراء استطاع به بنوه أن يكونوا من أنصار الفن.
ولدينا تحفة فنية ظلت زمناً طويلاً تعزى اليه، ولكنها الآن تعزى إلى أندريا دا فريندسي Andrea da Firenze وهي تدل على أن إيطاليا في هذا القرن الأول من عصر النهضة لم تكن قد خرجت بعد من العصور الوسطى. فقد أقام الرهبان الدمنيك حوالي عام 1370 في
" كابلادجلي اسبنيولي Copella degli Spagnuoli أو معبد الاسبانيين في كنيسة سانتا ماريا نوفلا صورة يمجدون بها فيلسوفهم الشهير يُرى فيها تومس أكوناس في وضع راسخ مريح ولكنه بلغ من الخشوع حداً يحول بينه وبين الكبرياء، ويقف وقفة الظافر والزنديقان أريوس، وسابيوس، والفيلسوف أبن رشد يتمرغون تحت قدميه، ومن حوله موسى، ويوحنا المبشر الإنجيلي وغيرهم من القديسين، وقد بدأو كأنهم أتباع لهم، ومن تحتهم أربع عشرة صورة ترمز إلى سبعة علوم مطهرة وسبعة دنسة، منها نحو دوناتوس Donatus وبلاغة شيشرون، وقانون جستنيان، وهندسة إقليدس وما إليها. والفكرة التي أوحت أليها بهذه الصورة لا تزال كلها من أفكار العصور الوسطى، أما الفن وحده في تصميمه ولونه فيدل على بزوغ فجر عهد جديد من ظلمات العهد القديم. ولقد كان الانتقال تدريجياً إلى حد لم يشعر




صفحة رقم : 6348




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> جيتو


الناس معه بأنهم في عالم جديد إلا بعد مائة عام من ذلك الوقت. ويبدو التقدم في التنفيذ الفني أوضح وأكثر جلاء في أعمال اركانيا Arcagna الذي لا يسمو عليه أحد من الفنانين الإيطاليين في العصور الوسطى إلا جيتو وحده. وكان أسمه الأصلي أندريا دي تشيوني Andrea de Cioni، لكن معاصريه المعجبين به سموه أركانيولو Arcagnolo أي الملاك الأعظم، ثم اختصرت الألسنة الكسولة هذا الاسم فجعلته أركانيا. وكثيراً ما يعد هذا الفنان من بين أتباع جيتو، ولكنه كان في الواقع الأمر من تلاميذ المثال أندريا بيزانوا Andrea Pisano. وكان أركانيولا بارعاً في فنون كثيرة شأنه في هذا شأن أعظم العباقرة في عصر النهضة. وهو بوصفه رساماً قد صور لمعبد استرتسي Strozzi في سانتا ماريا نوفلا غطاء ملونا للمحراب مثل عليه المسيح جالساً على عرشه، كما أنشأ أخوه الأكبر ناردو Nardo على الجدران مظلمات واضحة تمثل الجنة والنار (1354-1357)، وخطط بوصفه مهندساً معمارياً التشر تودسا Certoza أو الدير الكرثوذي Carthusian بالقرب من فلورنس، وهو الدير الذي اشتهر بطرقه المسقوفة الجميلة وما احتواه من مقابر أتشيايولي Acciaiuoli). ونفذ هو ووالده بوصفهما مهندسين ومثالين الهيكل المزخرف في "أورسان متشيلي Or San Micchele في فلورنس. وفي هذا الهيكل صورة للعذراء كان الناس يعتقدون أنها تفعل المعجزات، ولهذا فإنه لما زال وباء الموت الأسود الذي أجتاح أوربا عام 1348 بلغت النذور التي قدمها لها الذين نجوا من الوباء من الكثرة درجة اغتنى منها الرهبان القائمون على خدمة البناء، وتقرر بعدئذ ان يضم هذه الصورة ضريح مقام من الرخام والذهب. واختطه تشيوني على شكل كنيسة قوطية مصغرة ذات عمد، وأبراج مستدقة، وتماثيل، ونقوش بارزة، ومعادن ثمينة، وأحجار غالية، فهي والحالة هذه درة من زخرف القرن الرابع عشر. وذاعت بفضلها شهرة أندريا فعين كبير الفنانين في أرفيتو Orvieto واشترك في تخطيط واجهة كنيستها، ثم عاد




صفحة رقم : 6349




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> جيتو


إلى فلورنس في عام 1362 وأخذ يعمل في الكنيسة العظيمة إلى يوم وفاته. وكانت شهرة سانتا ماريا دل فيوري Santa Maria del Fiori- أكبر الكنائس التي بنيت في إيطاليا حتى ذلك الوقت- قد بدأت من عهد أرنلفو دي كمبيو Cambio Arnolfo di في عام 1296، وتتابع عليها عدد من كبار الفنانين بعضهم في أثر بعض ظلوا يعملون فيها حتى هذا اليوم، ونذكر من هؤلاء جيتو، واندريا بيزانوا، وفرانتشسكو تالنتي وغيرهم. ويرجع تاريخ واجهتها الحالية إلى عام 1887، ولا تزال الكنيسة الكبرى ناقصة إلى هذا اليوم، ولا بد أن يعاد بناء جزء كبير منها في كل قرن. وسبب ذلك أن العمارة كانت أقل الفنون نجاحاً في إيطاليا إبان عصر النهضة، لأنها اخذت في غير حماسة او اهتمام من الشمال بعض عناصر العمارة القوطية المعقد المستدق، وجمعت بينها وبين العمد المأخوذة من العمارة القديمة، ثم شادت فوق هذه كلها في بعض الأحيان القبة ذات الطراز البيزنطي.فكان هذا خليطاً غير متناسق العناصر، إذا استثنينا منه بعض الكنائس الصغرى من عمل برامنتي Bramante حكمنا بأنه تعوزه الوحدة والرشاقة. وكانت واجهة أرفيتو وسينا Siena مظهراً فخماً لفن النحت والفسيفساء أكثر منها مظهراً لفن العمارة الصحيح، وإن العناية الشديدة بإبراز الخطوط المستقيمة والناشئة من وجود طبقات متتالية من الرخام الأسود والأبيض في جدرانها، لما يسبب الانقباض للعين والنفس، مع أن معنى الكنيسة نفسه يجب أن يكون هو الضراعة أو الابتهال الصادرين إلى السماوات العليا. وإن من العسير أن نعد كنيسة سانتا ماريا دل فيوري- وهو الاسم الذي أطلق على كنيسة فلورنس بعد عامي 1412، وقد أشتق اللفظ الأخير (فيوري) من الزنبقة المرسومة على شعار المدينة-زهرة من الأزهار. ولولا القبة الشهيرة التي أنشأها برونلسكو Brunellrsco لعدت كهفاً قد يكون فراغه المظلم هو فم جحيم دانتي بدل أن يكون بيتاً لله.




صفحة رقم : 6350




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> جيتو


وكان أرنلفو دي كمبيو، الرجل المجد الذي لا تنفذ قواه، هو الذي بدأ كنيسة الرهبان الفرنسيس المسماة سانتا كروتشي أو الصليب المقدس في عام 1294، والذي بدأ أيضاً في عام 1298 أجمل بناء في فلورنس كلها، وهو بلاتسا دلا سنيورا Palazz della Signora الذي تعرفه الأجيال المتأخرة باسم بلاتسافيتشيو. وتم بناء الكنيسة في عام 1442 ما عدا واجهتها التي تمت في عام 1863، أما البلاتسا دل سنيورا المعروفة أيضاً باسم القصر القديم فقد تمت أجزاؤها الرئيسية في علم 1341. وكانت هذه هي السنين التي شهدت نفي دانتي ووالد بترارك، ذلك أن النزاع الحربي كان وقتئذ على أشده، ولهذا شاد ارنفلوا لحاكم المدينة حصناً لا قصراً وجعل في سقف معاقل ذات مزاغل، وكان برج الجرس الفريد في نوعه يدعو برنين جرسه أهل المدينة إلى الاجتماع في مجلسها النيابي أو إلى حمل السلاح. ولم يكن كبراء المدينة Priori, Signori يحكمون من هذا المكان فحسب، بل كانوا ايضاً يعيشون فيه، وتظهر روح ذلك العصر في القانون الذي ينص على أن اولئك الكبراء لم يكن يجوز لهم أن يغادروا البناء لأي سبب كان. وأقام نيري دي فيورافنتي Neri di Fioravante فوق نهر الآرنوجسرا من أشهر جسور العالم وهو جسر فيتشيو Ponte Vecchio الذي تصدع الآن بفعل الأيام والحروب، ولكنه لا يزال ينوء بحمل حركة المرور واثنين وعشرين حانوتا. وكانت تقوم حول هذه الصروح الضخمة، التي أنشأها أهل فلورنس مدفوعين بروحهم الوطنية، في الشوارع الضيقة المؤدية من الكنيسة وميادين سنيوريا Signoria كانت تقوم حولها بيوت الأغنياء المعذبين، وكانت لا تزال وقتئذ بيوتا متواضعة، والكنائس الفخمة التي استحال فيها ذهب التجار فنا، وحوانيت التجار والصناع الصاخبة والمساكن المزدحمة التي تقيم فيها جمهرة الشعب المجد، الثائر، السريع الاهتياج، الذكي. وفي جنون هذه العناصر ولدت النهضة.




صفحة رقم : 6351




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ديكمرون



الفصل السابع




ديكمرون


كانت فلورنس هي المدينة التي أحرزت فيها الآداب الإيطالية أعظم انتصاراتها، ففيها خلع جوندسيلي Guenzelli وكفلكنتي Cavalcanti في أواخر القرن الثالث عشر على الأغنية صورتها المصقولة، وأرسل دانتي الشاعر الفلورنسي أولى نغمات شعر الملاحم الإيطالي وآخرها في الحنين إلى فلورنس وإن لم ينشد هذه النغمات فيها نفسها، وفيها ألف بوكاتشيو أعظم كتاب في النثر الإيطالي، وكتب جيوفني فلاني Giovanni Villani أكثر تواريخ العصور الوسطى الإخبارية اتفاقاً مع النزعة التاريخية الحديثة. ذلك أن افلاني زار روما أيام الاحتفال بعيد عام 1300 وتأثر كما تأثر جبن Gibbon فيما بعد بما خلفه ماضيها العظيم من أطلال خربة فخطر له في تلك اللحظة أن يسجل تاريخ المدينة، ثم رأى أن روما قد نالت كفايتها من تخليد ذكراها، فحول فكره إلى موطنه الأصلي وقرر أن "يحشد في هذا المجلد ... جميع ما وقع في مدينة فلورنس من أحداث... وأن يقص أعمال أهل فلورنس كاملة، وأن يورد في إيجاز الشئون الهامة في سائر العالم "(25).
وبدأ تاريخه ببرج بابل وختمه بالأحداث التي وقعت قبيل الموت الأسود الذي مات هو فيه، واتم القصة أخوه ماتيو Matteo وفلبو Philippo أبن أخيه حتى بلغا بها عام 1365. وكان جيوفني حسن الاستعداد للعمل الذي اضطلع به. فقد كان ينتسب إلى أسرة ثرية من التجار، وكان متمكناً من اللغة التسكانية الخالصة، وقد طاف بأنحاء إيطاليا، وفلاندرز، وفرنسا، وعمل ثلاث مرات مختلفة رئيساً لدير،




صفحة رقم : 6352




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ديكمرون


ومرة مديراً لدار سك النقود، وكان لديه إحساس غير عادي، بالنسبة لتلك الأيام، بالأسس والعوامل الاقتصادية التي تعمل في التاريخ، وكان هو أول من أدخل في قصته إحصاءات عن أحوال البلاد الاجتماعية فجعلها بذلك طريقة ممتعة. ومعظم ما في الثلاثة الكتب الأولى من "تاريخ فلورنس الإخباري " قصص خيالية، أما ما تلاها من الكتب فتحدثنا أن فلورنس وما وراءها من الأرضيين كان يسكنها في عام 1338 مائة ألف وخمسة آلاف من السكان، سبعة عشر ألفاً منهم متسولون، وأربعة آلاف يعيشون من الإعانات العامة، وأنه كان بالمدينة ست مدارس ابتدائية يؤمها عشرة آلاف ولد وبنت، وأربع مدارس ثانوية يتعلم فيها ستمائة ولد وقليل من البنات "النحو " (أي الأدب). و "المنطق " (الفلسفة). وقد فعل فلاني ما لم يفعله غيره من المؤرخين فضمن كتابه ملاحظات عما هنالك من كتب، وصور، ومبان، جديدة، حتى ليصح القول بأننا قلما نعرف أن مدينة أخرى قد وصفت جميع مظاهر حياتها وصفاً مباشراً كما وصفت فلورنس، ولو أن فلاني قد سلك كل هذه المناحي والتفاصيل في قصة واحدة من العلل، والمظاهر، والشخصيات، والنتائج لجعل من كتابه الإخباري تاريخاً حقيقياً.
واستقر بوكاتشيو في فلورنس عام 1340 وظل يطارد المرأة في الحياة والشعر والنثر. فقد أهدى امورازا فزيوني Amorasa Visioni إل فيامتا Fiametta واسترجع في 4400 بيت ايام صلتهما السعيدة. وينطق بوكاتشيو فيامتا الأميرة غير الشرعية المولد في رواية نفسانية بقصة انحرافها مع بوكاتشيو وتحلل نشوات الحب القوية، وآلام العاطفة، والغيرة، والهجران بتفصيلات وافية، وحين يؤنبها ضميرها على عدم وفائها تتمثل أفرديتي تؤنبها على جنبها وتقول: "لا تجبني وتقولي إن لي زوجاً وإن القوانين المقدسة والوعود تحرم هذه الأشياء عليَّ لأن هذا




صفحة رقم : 6353




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ديكمرون


كله غرور كاذب واعتراضات حمقاء طائشة على قوة الحب. ذلك أن الحب يفرض قوانينه الأبدية كأنه أمير قوي عظيم، ولا يبالي بغيرها من القوانين التي هي أقل منها شأنا، والتي يراها قواعد منحطة دنيئة(37). ويسيء بوكاتشيو استخدام قلمه فيختم كتابه بأن ينطق فيامتا تمجيداً له وتعظماً بأنه هو الذي هجرها وليست هي التي هجرته. ويعود بوكاتشيو إلى الشعر فينشد في نيفالي فيزولانو حب أحد الرعاة لكاهنة من كاهنات ديانا، ويصف في دقة العاشق الواله ظفره بها بحماسة الذي بنى عليه ديكمرون.
وقد بدأ بوكاتشيو يكتب هذه السلسلة الذائعة الصيت والمتصلة الحلقات من قصص الإغواء بعد طاعون عام 1348 بزمن قليل. وكان وقتئذ في الخامسة والثلاثين من عمره وكانت حرارة الشهوة قد نزلت من الشعر إلى النثر، وشرع يدرك ما في مطاردة النساء الجنونية من فكاهة. ويبدو أن فيامتا نفسها قد ماتت بالطاعون، وأن بوكاتشيو قد هدأ هدوءاً يكفي لأن يستخدم الاسم الذي أطلقه عليه ليسمى به واحدة من أقل الفتيات الروايات في كتابه. ولم ينشر الكتاب كله إلا في عام 1353 وإن كان بعضه قد نشر من غير شك على أجزاء متقطعة، وشاهد ذلك أن المؤلف يجيب وهو يمهد لليوم الرابع عما وجه إلى القصص السابقة من نقد. والكتاب في صورته التي لدينا الآن مؤلف من مائة قصة، مائة قصة كاملة. ولم يكن يقصد بها أن يقرأ عدد كبير منها دفعة واحدة، وما من شك في أنها وقد نشرت متتابعة قد اتخذت موضوعات للسمر في كثير من الأماسي الفلورنسية. وتصف المقدمة ما كان للموت الأسود الذي اجتاح أوربا بأكملها في عام 1348 وما بعدها من آثار في مدينة فلورنس. ويبدو أن المرض قد




صفحة رقم : 6354




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ديكمرون


نشأ من خصب السكان الآسيويين وقذارتهم وما انتابهم من الفقر بسبب الحرب، والضعف بسبب المجاعة، فأمتد الوباء من بلاد العرب إلى مصر، ومن البحر الأسود إلى روسيا وبلاد بيزنطية، ثم نقله تجار البندقية، وسرقوسة، وبيزا، وجنوي، ومرسيليا وسفنها من القسطنطينية والإسكندرية وغيرهما من ثغور الشرق الأدنى بمساعدة البراغيث والفئران إلى إيطاليا وفرنسا. وأكبر الظن أن سني القحط المتعاقبة التي حلت بأوربا الغربية -1333-1334، 1337، 1342، 1345-1347- قد أوهنت ما كان للفقراء من قوة المقاومة، ثم نقل الوباء إلى سائر الطبقات(39). وأنتشر الوباء في صورتين: طاعون رئوي مصحوب بحمى عالية، وبصاق دموي ويؤدي إلى الموت في خلال ثلاثة ايام من بدء الإصابة، ودملي مصحوب بحمى وخراجات وجمرات ويؤدي إلى الموت في خلال خمسة أيام. وقضى الطاعون في هجماته المتعاقبة على نصف سكان إيطاليا بين عامي 1348 و 1365 (40) وكتب مؤرخ إخباري حوالي عام 354 يصفه فقال: لم يكن يصحب الجثث إلى قبورها أحد من أهل المتوفى أو أصدقائه القساوسة أو الرهبان، ولم تطن تتلى عليها صلاة الجنازة... وحفرت في كثير من أنحاء المدينة خنادق ألقيت فيها الجثث، وغطيت بطبقة رقيقة من التراب، وتلتها طبقة بعد طبقة حتى امتلأ الخندق ثم بدئ بحفر خندق جديد. وقد دَفَنْتُ أنا أنيولو دي تورا Agnolo di Tura... بيدي خمسة من أبنائي في خندق واحد، وفعل هذا بعينه كثيرون غيري. وكانت الطبقة التي غطيت بها جثث بعض الموتى رقيقة إلى حد جعل الكلاب تخرجها وتنهشها، وتنشر أعضاءها في جميع أنحاء المدينة. ولم تدق أجراس، ولم يبك الموتى مهما فدح الخطب لأن كل أنسان تقريباً كان يترقب الموت... وكان الناس يقولون إن "هذه هي آخر العالم " يؤمنون بما يقولون(41).




صفحة رقم : 6355




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ديكمرون


ويقول ماثيو فلاني إن ثلاثة من كل خمسة من سكان فلورنس ماتوا بين شهري إبريل وسبتمبر من عام 1348، وقدر بوكاتشيو عدد من مات من أهل فلورنس بستة وتسعين ألفا(43)، وتلك بلا ريب مغالاة واضحة لأن سكان المدينة لا يكادون يزيدون وقتئذ على مائة الف. ويبدأ بوكاتشيو كتاب ديكمرون بوصف مروع للطاعون يقول فيه:
ولم يكن الاتصال بالمرضى أو التحدث إليهم وحدهما ينقلان العدوى إلى الأصحاء، بل يبدو أن مجرد لمس ثياب أولئك المرضى أو أي شئ آخر مسوه أو استعملوه كان يكفي لنقل المرض... وكان أي شئ مما يملكه الموتى أو المصابون بهذا الوباء إذا أمسه حيوان,... مات بعد وقت قليل... وتلك أمور شاهدتها بعيني رأسي. وقذفت هذه المحنة الرعب في قلوب الناس جميعاً... فتخلى الأخ عن أخيه، والعم عن أبن أخيه.. وكثيراً من هذا وما لا يكاد يصدقه العقل، وهو أن بعض الآباء والأمهات رفضوا أن يزوروا أبناءهم أنفسهم أو يعنوا بهم كأنهم ليسوا منهم... وأفترس المرض في كل يوم آلافاً من عامة الشعب لأنهم لم يجدوا من يرعاهم أو يعمل لإنقاذهم، وماتوا وهم لا يكادون يجدون ملجأ أو معونة. ولفظ الكثيرون منهم آخر أنفاسهم في الطرقات، ومات كثيرون غيرهم في بيوتهم ولم يعرف جيرانهم خبر موتهم إلا من رائحة أجسامهم المتعفنة لا من أية وسيلة أخرى، وامتلأت المدينة بهؤلاء وأولئك وغيرهم من الأموات. وأخرج الجيران جثث الموتى من منازل اصحابها ووضعوها أمام أبوابها مدفوعين إلى ذلك بخوفهم أن يتعرضوا هم للخطر بسبب تعفن هذه الجثث لا بأي شعور بالرحمة نحو هؤلاء الأموات، ولهذا كان المارة وبخاصة في الصباح يرون من الجثث ما يخطئه الحصر. وكانوا حينئذ يجيئون بالتوابيت فإذا أعوزتهم جاءوا بألواح من الخشب وحملوا عليها. ولم يكن الأمر مقصوراً على أن يحمل التابوت الواحد جثتين أو ثلاث




صفحة رقم : 6356




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ديكمرون


جثث متجمعة، أو أن يحدث هذا مرة واحدة، بل إنك لتستطيع أن تجد توابيت كثيرة وقد وضع فيها الزوج وزوجته، وأخوان أو ثلاثة أخوة، وأب وابنه، وما إلى هذا وأمثاله... ووصل الأمر إلى حد لم يكن الناس معه يحصون من مات من الخلائق إلا كما يحصى الناس عدد الماعز في هذه الأيام(43). ويرسم بوكاتشيو صورة كتابه ديكمرون من مناظر الخراب السالفة الذكر، وقد وضعت خطة إخراجه في "كنيسة سانتا ماريا نوفلا المعظمة " على أيدي "سبع فتيات ترتبك كل منهن بالأخريات برباط الصداقة أو الجيرة أو القرابة، وقد استمعن توا إلى القداس. وتتراوح أعمارهن بين الثامنة عشرة والثامنة والعشرين من العمر ". وكلهن ذوات فطنة، ونبل، وجمال، وآداب عالية، مرحات مرحا يزينه الشرف. "وتقترح إحداهن أن يقللن من خطر عدوى الطاعون بالرجوع إلى بيوتهن الريفية مجتمعات لا فرادى، وأن يأخذن معهن خدمهن، وأن يتنقلن من بيت ريفي إلى آخر وأن "يستمتعن بالمرح واللهو الذي يتيحه ذلك الفصل من فصول السنة... فهناك نستطيع أن نستمع إلى تغريد الطير، ونرى التلال والسهول وقد اكتست بحلة سندسية، والحقول وقد امتلأت بالقمح يتماوج فيها تماوج ماء البحر، وفيها نرى آلافا من أنواع الثمر، ونشاهد وجه السماء مبسوطا للناظرين، لا يحجب عنا جماله، وإن كان مغضبا علينا "(44). وتوافق الفتيات على هذا الاقتراح، ولكن فلومينا Filomena تدخل عليه بعض التحسين فتقول : "إننا نحن النساء متقلبات، عنيدات، شديدات الريبة، خوارات العود " ولهذا فقد يكون من الخير أن يكون معنا بعض الرجال. وساقت إليهن الأقدار في تلك اللحظة ثلاثة رجال "ثلاثة شبان دخلوا عليهن الكنيسة... لم تقو صروف الزمان، أو فقد الأهل والأصدقاء... أن تنال منهن فتطفئ... نار الحب الملتهبة في قلوبهم ... وكانوا جميعاً ذوي لطف وأدب جم وتربية عالية، وقد




صفحة رقم : 6357




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ديكمرون


خرجوا جميعاً يبحثون عن أعظم سلوى لهم... وهي رؤية عشيقاتهم، واتفق أن كانت أولئك العشيقات الثلاث من بين السبع الفتيات السالفات الذكر ". وتشير بمبينيا على صاحبتها أن يدعى أولئك الشبان للانضمام إلى جماعتهن فيخرجوا معهن إلى الريف، وتخشى نيفيلي Neifile أن يؤدي هذا إلى القيل والقال، فترد عليها فلومينا بقولها: "ما دمت أحافظ على شرفي، ولا أفعل ما يؤنبني عليه ضميري، فلست أبالي بما يقول الناس غير هذا ".
ويتم الاتفاق وتبدأ الرحلة في يوم الأربعاء التالي يتقدمهم الخدم يحملون الطعام ميممين شطر بيت ريفي على مسيرة يومين من فلورنس "يتوسطه فناء جميل رحب، وأبهاء، وحجرات للاستقبال، وأخرى للنوم، كل واحدة منها ذات جمال، مزدانة بصور تسر النفس، وتحيط بها خمائل وأرض ذات كلأ، وحدائق عجيبة غناء، وعيون ماء باردزلال، وسراديب ملأى بالخمر الغالي الثمن "(44). وتنام الفتيات والشبان بعد أن يمضي من الليل معظمه، ويفطرون على مهل، ويتنزهون في الحدائق، حتى إذا تعشوا آخر الأمر أخذوا يسلون أنفسهم بالقصص التي تتفق مع هذا الأسلوب من الحياة. وتتفق الجماعة على أن يقص كل فرد من أفرادها العشرة قصة في كل يوم من أيام النزهة، ويقضون في الريف عشرة أيام (ومن ثم اشتق اسم الكتاب من الكلمتين اليونانيتين ديكا همراي Deka hemeral أي عشرة أيام) وتكون النتيجة أنك تجد في مجموعة بوكاتشيو المرحة قصة تعارض كل مقطوعة من مقطوعات دانتي المكتئبة المخزنة. وتضع الجماعة قاعدة تحرم على أي عضو من أعضائها "أن ينقل من الخارج أي خبر غير سار ".
ويندر أن تكون القصص التي بلغ طول الواحدة منها ست صفحات من ابتكار بوكاتشيو نفسه، بل أنه جمعها من المصادر اليونانية والرومانية القديمة، ومن كتاب الشرق ومن أقاصيص العصور الوسطى،




صفحة رقم : 6358




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ديكمرون


والقصص والخرافات الفرنسية، والأقاصيص الشعبية المنتشرة في إيطاليا نفسها. وآخر قصص الكتاب وأوسعها شهرة قصة جريزلدا Griselds الصابرة التي بنى عليها تشوسر Chaucer واحدة من أحسن وأسخف قصص كنتربري Canterbury Tales. أما أجمل قصص بوكاتشيو فهي القصة التاسعة التي تروي في اليوم الخامس -قصة فدريجو Federigo، وصقره وحبه، والتي تحوي من التضحية ما لا يكاد يقل عن تضحية جريزلدا. أما أكثرها فلسفة فهي قصة الخواتم الثلاثة (الكتاب الأول -القصة الثالثة) ومضمونها أن صلاح الدين "سلطان بابل " يحتاج إلى المال فيدعو ملشيزدك Melchisedek اليهودي الثري إلى العشاء معه ويسأله أي الأديان الثلاثة أحسنها-اليهودية أو المسيحية أو الإسلام؟ ويخشى الشيخ اليهودي الحكيم أن يقول ما يعتقد فيجيب عن هذا السؤال بقصة رمزية:
كان يعيش في الأيام الخالية رجل عظيم الشأن كثير المال، وكان من بين ما عنده من الجواهر الثمينة في كنوزه خاتم عظيم غالي الثمن...وأراد أن يورث هذا الخاتم أبناءه من بعده وأن يبقى عندهم إلى أبد الدهر، فأعلن أن الذي يوجد منهم عند وفاته ممتلكاً للخاتم تنفيذاً لوصيته يجب أن يعترف به وارثاله، وأن يقر له سائر الأبناء بالزعامة والرياسة، وأن يعظموه ويوقروه. واتبع من أوصى له بالخاتم هذه الخطة نفسها مع أبنائه هو، ففعل مثل ما فعل والده. وقصارى القول أن الخاتم أخذ يتنقل من يد إلى يد أجيالاً طوالا حتى وصل آخر الأمر إلى يد رجل له ثلاثة أبناء صالحين فاضلين كلهم مطيعون لأبيهم أحسن إطاعة، ومن أجل هذا كان الأب يسوى بينهم جميعاً في حبه. وكان الأبناء يعرفون قيمة الخاتم وفائدته، ويريد كل منهم أن يكون هو أعظم الثلاثة قدرا بين قومه... ولهذا أخذ كل واحد منهم يرجو أباه-وكان قد بلغ الشيخوخة-أن يوصى له بالخاتم... ولم يكن ذلك الرجل الصالح يدري كيف يختار من بين أبنائه من يفضله على أخويه فيوصى له بالخاتم،




صفحة رقم : 6359




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ديكمرون


ففكر ... في أن يرضيهم هم الثلاثة وعهد في السر إلى صانع ماهر أن يصنع له خاتمين آخرين يشبهان الخاتم الأول شبها يكاد يعجز معه هو نفسه عن أن يعرف أيهل الحقيقي وأيها المقلد. فلما قربت منيته أعطى كل واحد من أبنائه خاتمه سراً، فلما مات الأب واراد كل واحد من الأبناء أن يرث المال والشرف دون غيره من أخويه أظهر خاتمه يؤيد به حقه. وإذا كانت الخواتم الثلاثة متشابهة كل الشبه فقد كان من غير المستطاع معرفة الخواتم الثلاثة متشابهة كل الشبه فقد كان من غير المستطاع معرفة الخاتم الأصيل. وتأجل من ثم الفصل في أي الثلاثة يرث أباه، ولا يزال ذلك مؤجلا حتى الآن. وكذلك أقول لك يا مولاي: إن كل شعب من الشعوب الثلاثة يرى أنه هو الذي يرث من الله شريعته الحقه ووصاياه من بين الشرائع الثلاثة التي أنزلها الله أبو الخلق على هذه الشعوب. أما أي شعب منها هو صاحب هذه الشريعة وتلك الوصايا فإن هذا لم يعرف بعد، وشأن ذلك شأن الخاتم سواء بسواء.
وتوحي هذه القصة بأن بوكاتشيو وهو في السابعة والثلاثين من عمره لم يكن مسيحياً متعصباً لمسيحيته. وخليق بنا أن نوازن بينه وبين تعصب دانتي وما قاله عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)(46). وفي القصة الثانية من قصص ديكمرون نرى اليهودي يحنات يعتنق الدين المسيحي بعد اقتناعه بالحجة التي أوردها فلتير وهي أن المسيحية دين منزل من عند الله ما في ذلك شك، لأنها قد بقيت بعدما فشا بين رجال الدين من فساد في الأخلاق، وارتشاء، وبيع للمناصب الدينية. ويسخر بوكاتشيو بالنسك، والطهارة، والاعتراف الديني، والمخلفات المقدسة، والقساوسة، والرهبان، وجماعات الإخوان، والراهبات، وإضفاء صفة القداسة على الصالحين. ويرى أن الكثرة الغالبة من الرهبان قوم مراءون منافقون، ويسخر من "البلهاء " الذين يقدمون لهم الصدقات (الكتاب السادس، القصة العاشرة). وتحدثنا واحدة من أكثر قصصه مرحا عن الراهب تشيبلا Cipalla وكيف أراد أن يجمع مبلغاً كبيراً من المال فوعد مستمعيه




صفحة رقم : 6360




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ديكمرون


أن يعرض عليهم "أثرا مقدسا أعظم التقديس، وهو ريشة من ريش الملاك جبريل بقيت في حجرة مريم العذراء بعد أن بشرها بمولد المسيح (الكتاب السادس القصة العاشرة ). أما أكثر هذه القصص بذاءة وفحشا فهي التي تروى كيف أشبع الشاب ماستو Masetto الشَّبِق شهوة دير للنساء بأكمله (الكتاب الثالث-القصة الأولى). وفي قصة أخرى يروى بوكاتشيو كيف زنى الراهب رينلدو Rinaldo بزوجة رجل، ثم يسأل راوي القصة: "ومَن مِن الرهبان لا يفعل هذا " (الكتاب السابع القصة الثالثة).
وتظهر السيدات في كتاب ديكمرون شيئا من الحياء حين يستمعن إلى هذه القصص، ولكنهن يستمتعن بما تحويه من فكاهة شبيهة بفكاهة ربليه Rabelais وتشوسر. وتقص فلومينا، وهي فتاة ذات آداب راقية، قصة رينالدو، ويقول بوكاتشيو في أسوأ صورة من صوره إن "السيدات كن في بعض الأحيان يواصلن الضحك زمنا يكفي لخلع أسنانهن جميعها "(47). ويرجع هذا النحو الذي نحاه بوكاتشيو في قصصه إلى أنه قد نشأ وسط مرح نابلي الطليق، وأنه إذا ما فكر في الحب كان في أغلب الأحيان يفكر في معناه الشهواني، أما حب الفروسية والشهامة فكان يسخر منه، وكان موقفه من دانتي كموقف سانكوبانزا من دون كيشوت. ويبدو أنه كان يؤمن بالحب الطليق مع أنه قد تزوج مرتين(48). وتراه بعد أن يقص نحو عشرين قصة لا يصح أن يتحدث بها البوم بين جماعة من الذكور ينطق أحد الرجال بعبارة يقولها للسيدات : "لم ألاحظ قط أي عمل، أو لفظ، أو كلمة، أو أي شئ ناب صدر منكن أو من الرجال ". ويعترف المؤلف في ختام كتابه بصحة بعض ما يوجه من النقد إلى ما في الكتاب من فحش وخاصة "لأني قلت الحق عن الرهبان في مواضع كثيرة ". وهو في الوقت ذاته يهنئ نفسه على ما بذله من "جهد طويل أتم فيه عمله على أكمل وجه بمعونة الله ".
ولا يزال ديكمرون من روائع الأدب العالمي، ويرجع سبب شهرته




صفحة رقم : 6361




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ديكمرون


إلى أخلاقه اكثر مما يرجع إلى نفسه، ولكنه حتى لو خلا من ما يجافى الخلق الكريم لكان مع ذلك خليقا بالبقاء. وليس في بناء الكتاب شئ من النقص- وهو يسمو من هذه الناحية على كتاب قصص كنتربري. وقد ارتفع نثره بالأدب الإيطالي إلى مستوى لم يسم عليه قط، وهو نثر قد يكون في بعض الأحيان معقداً أو مزخرفاً، ولكنه في معظمها بليغ، جذل، لاذع، مطرب، صاف صفاء النبع الجبلي. إنه كتاب في حب الحياة، وقد استطاع بوكاتشيو في غمرة أكبر كارثة حلت بإيطاليا في مدى ثمانين عاما أن يجد في نفسه من الشجاعة ما يستطيع به أن يرى الجمال، والفكاهة، والطيبة، والمرح لا تزال تمشي على الأرض، وتراه في بعض الأحيان ساخراً كما تبين ذلك في هجوه الخالي من الشهامة للنساء في الكرباتشيو Corbaccio، لكنه كان في ديكمرون شبيها بربليه في ضحكه العالي ومرحه، يتقبل ما تعطيه الحياة إياه وما تأخذه منه، ويرضى منها ومن الحب بمتاعبها وسقطاتهما. ولقد شهد العالم نَفْسه مصورا في الكتاب رغم ما فيه من مغالاة ومن صور هزلية. ولقد ترجم إلى جميع اللغات الأوربية، ونقل هانز ساكس Hans sachs ولسنج Lessing، ومليير Moli?re ولافنتينLa Fontaine، وتشوسر Chaucer، وشكسبير نقل هؤلاء كلهم صحفا منع أعجبوا بها كل الإعجاب. وسيظل الكتاب متعة للقراء بعد أن يكون جميع شعر بترارك قد انطوى في عالم الكتب التي يمدحها الناس ولا يقبلون على قراءتها.




صفحة رقم : 6362




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> سينا



الفصل الثامن




سينا


وكانت سينا خليقة بأن تتحدى ادعاء فلورنس بأنها مهد النهضة. ففيها أيضا رفعت حدة الانقسامات الحزبية من حرارة التفكير، وغذى زهو المدينة باستقلالها شجرة الفن، وأمدت صناعة الصوف وصادرات المدينة إلى البلاد الواقعة في شرق البحر المتوسط، والتجارة المتبادلة بين فلورنس وروما مارة بطريق فلامينا Via Flamina، بقدر لا بأس به من الثراء فلم يحل عام 1400 حتى كانت ميادينها وشوارعها الرئيسية مرصوفة بالآجر أو الحجارة، وحتى بلغ فقراؤها من الثراء درجة شجعتهم على القيام بثورة، ذلك أن العمال في صناعة الخشب حاصروا القصر العام Palazza Pubblico في عام 1371، وحطوا أبوابه، وطردوا منه حكومة رجال الأعمال، وأنشئوا حكومة الفقراء ولم تمض على قيام هذه الحكومة إلا بضعة أيام حتى قام جيش مؤلف من ألفي رجل جهزه ذوو المصالح التجارية في المدينة، فهاجم أحياء العمال، وذبح من فيها من الرجال والنساء، والأطفال، دون تمييز أو رحمة، فمنهم من أنفذت في أجسادهم الحراب، ومنهم من مزقت بالسيوف. وخف الأشراف ورجال الطبقة الوسطى-الدنيا لإنقاذ العامة، وقضى على الثورة المضادة، وتولت حكومة الاصلاح مقاليد الأمور، فوهبت المدينة أشرف نوع من الإدارة يستطيع أهلها أن يتذكروه. ثم ثار التجار الأغنياء مرة أخرى في عام 1385، وأسقطوا حكومة الفقراء، وطردوا أربعة آلاف من




صفحة رقم : 6363




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> سينا


العمال العاصين من المدينة. وضعف شأن الصناعة والفن في سينا من ذلك التاريخ . وبلغ الفن في سينا ذروة مجده في القرن الرابع عشر المليء بالاضطراب، فقد قام فيها على الجانب الغربي من الكامبو الفسيح- وهو الميدان الرئيسي في المدينة- القصر العام، البلاتسوببليكو (1288-1309)، يجاوره برج الأجراس Torre de Magnia الذي يعلو إلى 334 قدما، والذي هو أجمل برج في إيطاليا حتى اليوم. وفي عام 1310 انتقل لورندسو ميتاني Lorenzo Maitani أعظم المهندسين المعماريين والمثالين في سينا إلى أرفيتو وخطط الواجهة الفخمة لكنيستها الكبرى، ثم أخذ هو وغيره من الفنانين من أهل سينا ومعهم أندريا بيزانو يعملون في شبه حمى جنونية لتزيين المداخل، والعمد المربوعة، والقواصر، حتى أخرجوا معجزة فنية من الرخام ليخلدوا بها ذكرى معجزه بلسينا Bolsena. وأنشئت لقصر سينا العظيم في عام 1377 واجهة مماثلة للواجهة السالفة الذكر على أساس التخطيط الذي تركه جيوفني بيزانو، ولعلهم قد بالغوا في زخرفته. ولمنه مع هذا لا يزال من عجائب الفن في إيطاليا التي لا تحصى عجائبها الفنية.
وكانت طائفة ممتازة من المصورين في سينا قد واصلت العمل من النقطة التي وقف عندها دي بيوننسنيا Duccio di Buoninsegna. ذلك أن سيمون مارتيني قد عهد إليه في عام 1315 أن يزين بهو المجلس العظيم في البلاتسوبيليكو بصورة تمثل تتويج العذراء (المائستا Maesta)،




صفحة رقم : 6364




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> سينا


و ذلك لأن العذراء كانت من الوجهة القانونية كما كانت من الوجهة الدينية ملكة المدينة المتوجة، وكان من حقها أن ترأس اجتماعات الحكومة البلدية. ولم تكن الصورة تقل روعة عن مثيلتها التي رسمها دتشيو لتوضع في الكنيسة قبل خمس سنين من ذلك الوقت. نعم إنها تضارعها في حجمها، أو فيما أثقلت به من الذهب، وهي شبيهة بأختها "ذات الجلال " تكشف عما استمده فن التصوير في سينا من فن بيزنطية، وذلك بما تظهره من جمود وعدم حركة في الملامح، ومن وقوف أشخاص الصورة المزدحمين فيها وقفة خالية من الحياة، ولعلها قد تقدمت على الصورة الأولى في اللون وفي التصميم. ولكن سيمون ذهب في عام 1226 إلى أسيسي حيث درس مظلمات جيتو، فلما دعا ليصور في معبد بالكنيسة السفلي حياة القديس مارتن، خرج على الوجوه ذات الطابع الراسخ التي مثلها في صوره السابقة، وصور وجه اسقف تور تصويراً أبرز فيه نزعة انفرادية ذائعة الصيت. والتقى بيترارك في أفنيون ورسم صوراً للشاعر ولورا Laura، ومجد من أجل ذلك الكندسونيير Canzoniére. ويقول فاساري Vasari ان هذه السطور الموجزة "قد أذيعت شهرة سيمون أكثر مما أذاعتها أعماله هو مجتمعة ... ذلك أن أعماله سيأتي عليها وقت لا يكون لها فيه وجود، أما ما يكتبه رجل مثل بترارك فسيبقى أبد الدهر "، وذلك تفاؤل لا نجده عند علماء طبقات الأرض أنفسهم. وعين بندكت الثاني عشر سيمون مصوراً رسمياً للبلاط البابوي (1339)، وأوضح بحكم منصبه حياة المعمدان في معبد البابا وحياة العذراء والمنقذ على مدخل الكنيسة. ومات في أفنيون عام 1334.
وواصل بيترو Pietro وأخوه أمبروجيو Ambrogio ابنا لورندستي Lorenzetti ما حاوله سيمون من إخراج الفن من طابعه الديني إلى طابعه الدنيوي وتوسع فيه. ولعل بيترو قد هجر التقاليد العاطفية المسرفة التي أتسم بها فن التصوير في سينا، وأخرج طائفة من الصور لتزدان بها




صفحة رقم : 6365




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> سينا


محاريب الكنائس ليس فيها سبق مثيل في قوتها، وليس لها في بعض الأحيان مثيل في واقعيتها الوحشية. فقد صور أمبروجيو في بهو القسعة (المشيرين) في البلاتسوببليكو أربعة مظلمات (1337-1343): الحكومة الخبيثة وعواقب الحكومة الخبيثة، والحكومة الصالحة وعواقب الحكومة الصالحة. وقد استبقى فيها الرمزية المضادة في العصور الوسطى والتي تخلى عنها جيتو، فنرى صوراً فخمة لأشخاص يمثلون سينا، والعدالة، والحكمة، والاتفاق، والفضائل السبعة، والسلم- وتنحى الشخصية التي تمثل السلم في رشاقة كما تنحى آلهة فدياس. ونشاهد في صورة الحكومة الخبيثة الاستبداد جالسا على العرش، ووزيره الرعب، ونرى التجار تنهب بضائعهم في الطريق، والتحزب والعنف يخضبان المدينة بالدماء. وتظهر صورة الحكومة الصالحة المرسومة على جدران هذا البهو نفسه الأهلين السعداء يعملون مغتبطين في صناعاتهم اليدوية، وفي مسراتهم وتجارتهم، ونرى الزراع والتجار يقودون إلى المدينة بغالا محملة بالطعام والسلع، والأطفال يلعبون، والفتيات يرقصن، والآلات الموسيقية تصدر عنها نغمات صامتة، وترفرف فوق المنظر كله روح مجنحة ترمز إلى الأمن. وربما كان هذان الأخوان النشيطان هما اللذين صورا المظلم الضخم الذي يمثل انتصار الموت في الكامبو سانتو Campo Santo (الميدان المقدس) في بيزا Pisa. وتمثل هذه الصورة جماعة من الصيادين مؤلفة من الأعيان والسيدات يرتدون ثياباً غالية الثمن، ويعثرون على ثلاثة توابيت تحتوي جثثا متعفنة لملوك. ويمسك أحد الصيادين بانفه اشمئزاز من رائحتها. ويحوم ملك الموت فوق هذا المنظر، وهو يلوح بمنجل ضخم، وفي الهواء ملائكة الرحمة يحرسون الأرواح الناجية في طريقها إلى الجنة،




صفحة رقم : 6366




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> سينا


ثم نرى الشياطين المجنحة تجر معظم الموتى إلى الجحيم، ونرى الأفاعي تطوق أجسام الرجال والنساء العارية والنسور تنهشها، وتلتهمها، ومن تحتها الملوك، والملكات، والأمراء، والأميرات، والأساقفة، والكرادلة يتلوون في الهاوية التي تضم الملعونين. وقد صور هذان الفنانان نفسهما على جدار مجاور لهذا في مظلم آخر ضخم صورة يوم الحساب إلى اليسار ومنظراً آخر من مناظر الجحيم إلى اليمين. وتتجسم في هذين المنظرين جميع الأهوال التي يتصورها أهل العصور الوسطى. فهي شبيهة بمنظر جحيم دانتي تُرى رأى العين خالية من الرحمة وذاهبة إلى أبعد حد.
ولم تخرج سينا يوماً من العصور الوسطى، بل بقيت هي وجبيو Gobbio، وسان جمنيانو San Gimignano، وصقلية على حالها إلى ما بعد النهضة، لم تمت هذه المدن أبداً ولكنها تتربص وقتها صابرة مستورة حتى تظهر من جديد.




صفحة رقم : 6367




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ميلان



الفصل التاسع




ميلان


عاد بترارك إلى أفنيون في عام 1351، وأكبر الظن أنه كتب في فوكلوز Vaucluse مقالا لطيفا في حياة الوحدة De vita solitaria يمتدح فيه الوحدة التي يستطيع أن يتخيلها على أنها علاج شاف ولكنه لا يطيقها إذا كانت طعاما يقيم به الأود. وبعد قليل من عودته إلى أفنيون أثار عليه غضب جماعة الأطباء حين حذر البابا كلمنت السادس، وكان وقتئذ يعاني آلام المرض، من الأدوية التي يصفها له الأطباء: "لقد كنت على الدوام أرجو أصدقائي وآمر خدمي، ألا يسمحوا أبدا بات تجرب أية حيلة من حيل الأطباء هذه في جسمي، وأن يفعلوا عكس ما يشير به هؤلاء تماماً"(49). واستشاط غضبا من إخفاق بعض العلاج فكتب في عام 1355 تنديدا بطبيب. ولم يكن أكثر من ذلك ميلا إلى المحامين "الذين يقضون وقتهم كله في النزاع... على أتفه المسائل": "استمع إلى حكمي على جماعتهم كلها. إن شهرتهم ستفنى بفناء أجسادهم، وإن قبراً واحداً ليكفي أسماءهم وعظامهم"(50) واراد البابا إنوسنت السادس أن يجعل أفنيون بغيضة اشد البغض لبترارك فاقترح أن يحرمه بحجة أن متنبئ روحاني ساحر اعتمادا على أن الشاعر دارس لفرجيل. وخف الكردنال تليران Talleyrand لإنقاذ بترارك، ولكن نفس الشاعر عافت جو أفنيون المعطر بالجهالة القدسية فزار أخاه الراهب جراردو Gherardo وكتب رسالة شيقة في فراغ الرهبان داعب فيها فكرة دخول الدير. ولكنه جاءته دعوة




صفحة رقم : 6368




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ميلان


لأن ينزل ضيفا على طاغية ميلان في قصره (1353) فبادر إلى قبولها مبادرة صدمت مشاعر أصدقائه الجمهوريين.
وكانت الأسرة الحاكمة في ميلان يطلق عليها اسم الفيكونتي لأن افرادها كثيراً ما كانوا يشغلون منصب الفيسكوميت Vicecomites أي كبار قضاة الأبرشية. وعين الإمبراطور هنري السابع في عام 1311 ماتيو فيكونتي قسا له في ميلان، وكانت هذه المدينة كما كانت الكثرة الغالبة من مدائن شمالي إيطاليا، تعترف على نحو ما بأنها جزء من الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وأظهر ماتيو في حكمه من البراعة والحزم ما مكن بنيه من أن يحتفظوا بالسلطة حتى عام 1447 وأن كان قد ارتكب هو في أثناء حكمه اغلاطا شنيعة. وقلما كان خلفاؤه يراعون في حكمهم ذمة أو ضميراً، وكثيراً ما كانوا قساة غلاظا، كما كانوا أحياناً مسرفين، ولكنهم لم يكونوا أبداً أغبياء. وقد فرضوا الضرائب الفادحة على الشعب ليحصلوا بذلك على الأموال اللازمة لحروبهم الكثيرة التي أخضعت الشمال الغربي من إيطاليا لحكمهم ولكن مهارتهم في اختيار الحكام وقواد الحرب الماهرين أكسبت جيوشهم النصر وعادت بالرخاء على ميلان. وقد أضافوا إلى صناعة الصوف التي اشتهرت بها ميلان صناعة الحرير، وزادوا من عدد القنوات التي ضاعفت تجارتها، وأمنوا رعاياهم على أنفسهم وأموالهم إلى حد أنساهم حريتهم، فأضحت ميلان تحت حكمهم الاستبدادي من أغنى مدائن أوربا، فكانت قصورها ذات الواجهات الرخامية تطل على الشوارع المرصوفة بالحجارة. ووصلت ميلان بفضل جيوفني فيكونتي الوسيم، المجد، الذي يستطيع أن يكون قاسيا أو كريما إذا دعته إلى ذلك الحاجة أو طافت به نزوة من النزوات، إلى ذروة مجدها، واعترفت لودي Lodi، وبارما، وكريما Crema، وبياتشندسا، وبريشيا، وبرجامو، ونوفارا Novara، وكومو، وفرتشلي Vercelli، والسندريا Alessandria، وتورتونا Tortona، وبنتريمولي Pontremoli،




صفحة رقم : 6369




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ميلان


واستيا Astia، وبولونيا، اعترفت هذه كلها بحكمه وسلطانه، ولما أن نازعه بابوات أفنيون دعواه في تملك بولونيا، وأصدروا عليه قرار الحرمان، حارب كلمنت السادس بالشجاعة والرشا، وظفر ببولونيا، وبالغفران، والسلم نظير مائتي ألف فلورين (1352). وأصيب من جراء جرائمه بالنقرس، وزاد استبداده بمناصرة الشعر، والعلم، والفن. ولما وفد بترارك على بلاطه، وسأله أي الواجبات يطلب إليه أن يؤديها، رد عليه جيوفني ذلك الرد الجميل: "لا شيء أكثر من وجودك الذي يشرفني ويشرف حكمي"(51).
وأقام بترارك في بلاط الفيكونتي في بافيا أو ميلان ثماني سنين، وألف في أثناء هذا الخضوع المريح سلسلة من القصائد بالشعر الإيطالي الرباعي الأوتاد سماها الانتصار أي انتصار الشهوة على الإنسان، والعفة على الشهوة، والموت على العفة، والشهرة على الموت، والزمان على الشهرة، والخلود على الزمان. وهنا أنشد آخر أغانيه إلى لورا Laura، وطلب أن تغفر له شهوانية حبه، وتحدث إلى روحها الطاهرة وحلم أنه اجتمع بها في الجنة- ولعل زوجها قد ذهب إلى مكان آخر. ولا تقل هذه القصائد شأنا عن قصائد دانتي، وهي تمثل انتصار الغرور على الفن.
وتوفى جيوفني فيكونتي في عام 1345 وأوصى بملكه إلى ثلاثة من أبناء أخيه، وكان ماتيو الثاني عاجزا منهمكا في ملذاته، فقتله أخواه ليحفظا بذلك شرف أسرتهما (1355). وحكم برنابو من ميلان جزءاً من الدوقية، وحكم حليستو الثاني Galezzo من بدوا ما بقى منها. وكان جليستو هذا حاكما قديرا يرسل شعره الذهبي في غدائر، وزوج بناته من أبناء الملوك. ولما أن تزوجت ابنته فيولنتي Violante دوق كلارنس Clarence أبن إدورد الثالث ملك إنجلترا، أعطاها بائنة قدرها مائتا ألف فلورين ذهبي (أي خمسة ملايين دولار)، ونفح كل واحد




صفحة رقم : 6370




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> ميلان


من حاشية الزوج الإنجليزية المؤلفة من مائتي ألف تابع بهدية ترفع مقامه في الكرم فوق مقام أغنى معاصريه من الملوك. ويؤكد لنا الرواة أن بقايا مائدة العرس كانت تكفي عشرة آلاف رجل. لقد بلغت إيطاليا في القرن الرابع عشر هذه الدرجة العليا من الثراء في الوقت الذي كانت فيه إنجلترا تتردى في هاوية الأفلاس، وكانت فرنسا تستنزف دماؤها في حرب المائة السنين.




صفحة رقم : 6371




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> البندقية وجنوى



الفصل العاشر




البندقية وجنوى


بعث الدوق جيوفني فيكونتي في عام 1354 بترارك إلى البندقية ليفاوضها في عقد الصلح مع جنوي.
وكتب الشاعر في ذلك يقول: "إنك لتشهد في جنوي مدينة حاكمة، مستقرة على سفح تل أجرد ذات أسوار شاهقة ورجال عظام"(52). وكان أهلها من أشد الناس حرصاً على الكسب يتحدون البحار بإقدامهم وبسالتهم، شقوا لتجارة جنوي طرائق في البحر المتوسط إلى تونس، ورودس، وعكا، وصور، وإلى ساموس، ولسبوس، والقسطنطينية، واخترقوا البحر الأسود إلى بلاد القرم وطربزون، واجتازوا مضيق جبل طارق والمحيط الاسود إلى بلاد القرم وطربزون، واجتازوا مضيق جبل طارق والمحيط الأطلنطي إلى رون وبروج. وهؤلاء المغامرون من رجال الأعمال هم الذين ابتدعوا قبيل عام 1340 طريقة القيد المزدوج (حساب الدوبيا) في إمساك الدفاتر، كما ابتدعوا الـامين البحري على السفن قبيل عام 1370 (53). وكانوا يقترضون المال من الأفراد المستثمرين بفائدة تتراوح بين سبعة وعشرة في المائة، في حين أن سعر الفائدة في معظم المدن الإيطالية كان يتراوح بين أثني عشر وثلاثين. وظلت ثمار التجارة ردحا طويلا من الزمن يتقاسمها بغير طريقة حبية عدد قليل من الأسر الغنية- أسرة دوريا Doria، واسبنولا، وجريملدى، والفيسكي Fieschi. وقاد سيمون بكانيرا Simone Boccanera البحارة وغيرهم من العمال في ثورة موفقة، وأسس أول أسرة من الأدواج Doge حكموا جنوي حتى عام 1797. وخلد فيردي Verdi أسمه في تمثيلية غنائية. ثم انقسم الغالبون بدورهم إلى عدة جماعات متعادية ونشروا الاضطراب في




صفحة رقم : 6372




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> البندقية وجنوى


المدينة بمنازعتهم التي كلفتهم أموالا طائلة، في الوقت الذي كانت فيه البندقية منافسة جنوي العظيمة يعمها الثراء والرخاء بفضل ما تستمتع به من النظام والوحدة.
وكانت البندقية أغنى دول إيطاليا وأقواها بعد ميلان، وكانت حكومتها أقدر الحكومات وأكثرها حزماً بلا استثناء. واشتهر صناعها اليدويون بجمال مصوغاتهم، وكانت كثرتها خاصة بتجارة مواد الترف. وكانت دار صنعتها البحرية تضم 16.000 رجل، و 36.000 بحار يسيرون 3300 سفينة حربية وتجارية. وكان الذي يسرون سفائنها بالمجاديف رجالا من الأحرار لا من العبيد كما جرت بذلك العادة في القرن السادس عشر. وكان تجار البندقية يغزون جميع الأسواق من بيت المقدس إلى أنتويرب، ويتاجرون مع المسيحيين والمسلمين على السواء، ولا يميزون بين أولئك وهؤلاء، وجروا على أنفسهم اللعنات البابوية التي كانت تتساقط عليهم كما يتساقط الظل على الأرض. وكان بترارك الذي جاب الآفاق من نابلي إلى فلاندرز ليشبع "حبه وتحمسه لرؤية كثير من الأشياء" يعجب أشد العجب من كثرة ما يرى من السفن في مياه البندقية:
"أرى سفناً... لا تقل حجماً عن قصري، وسارياتها أعلى من ستة أبراج، كأنها جبال تسبح فوق الماء، تخرج لتواجه ما لا يحصى من الأخطار في كل صقع من أصقاع العالم، تحمل النبيذ إلى إنجلترا، والشهد إلى روسيا، والزعفران والزيت ونسيج الكتان إلى آشور، وأرمينية، وبلاد الفرس والعرب، والخشب إلى مصر وبلاد اليونان، ثم تعود مثقلة بالحاصلات على اختلاف أنواعها فترسلها إلى جميع أنحاء العالم(54).
وكانت هذه التجارة العظيمة الواسعة تعتمد على الأموال الخاصة يجمعها ويستثمرها المرابون الذين أطلق عليهم في القرن الرابع عشر لقب "المصرفيين" Bancherii، وهذا الأسم الإيطالي مشتق من لفظ Banco أي المقعد الذي




صفحة رقم : 6373




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> البندقية وجنوى


كانوا يجلسون عليه أمام نضدهم لمبادلة النقود. وكانت أهم وحدات النقد هي الليرا (واسمها مختصر من لبرا، أي رطل) والدوقات (من دوقا، أي دون أو دوج)، والثانية قطعة من النقد الذهبي زنتها 3560 جراماً وكانت هذه القطعة النقدية هي والفلورين الفلورنسي أكثر أنواع العملة ثباتاً وأعظمها تقديراً في العالم المسيحي .
وكانت الحياة هنا تكاد تبلغ من المرح ما بلغته مدينة نابلي في عهد بوكاتشيو. فكان البنادقة يحتفلون بأعيادهم وأيام نصرهم احتفالات فخمة، ويصنعون ويلونون سفنهم الخاصة بالنزهة وسفنهم الحربية، ويرتدون الحرائر الشرقية، وتتلألأ على موائدهم آنية الزجاج البندقية، وتعزف لهم الموسيقى في البيوت وعلى صفحة الماء.
ورأس الدوج لورندسو تشيليي Lorenzo Celssi يصاحبه بترارك مباراة بين أمهر الموسيقيين في إيطاليا، وأنشدت الأغاني على نغمات مختلف الآلات الموسيقية، وغنت فرق المغنيين، وكانت الجائزة الأولى من نصيب فرانتشيسكو لنديني Francesco Londini الفلورنسي، وهو مؤلف ضرير للقصص الشعرية والقصائد الغزلية. وكان لورندسو فينيدسيانو Lorenzo Veneziano وغيره ينتقلون وقتئذ بالمظلمات من صرامة العصور الوسطى إلى رشاقة النهضة ويبشرون ببهاء فن التصوير البندقي و زهاء ألوانه.




صفحة رقم : 6374




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> البندقية وجنوى


فكانت البيوت، والقصور، والكنائس ترتفع فوق البحر كالمرجان. ولم يكن في البندقية قصور كالقلاع او مساكن محصنة، أو أسوار ضخمة منيعة، لأن خصام الأفراد فيها سرعان ما كان يخضع لسلطان القانون، هذا إلى أنه يكاد يكون لكل بيت خندق من صنع الطبيعة، وظل التخطيط المعماري قوطياً كما كان، ولكنه يحوي من الرشاقة والخفة ما لا تجرؤ العمارة القوطية الشمالية أن تكونه. وشيدت في ذلك العهد الكنيسة الفخمة التي تحمل أسم القديسة ماريا جلوريوزا دي فراري Santa Maria gloriza dei Frari، وظلت كنيسة القديس مرقس بين الفينة والفينة ترفع وجهها القديم مزداناً بالجديد من التماثيل، والفسيفساء، والنقوش العربية، وتعلوها أقواس قوطية فوق عقود مستديرة من الطراز البيزنطي القديم. ولا يكاد بترارك يصدق أن ميدان القديس مرقس Piazza San Marco، "كان له مثيل في أية بقعة من بقاع العالم (55)" وإن لم يكن قد أحيط في ذلك الوقت بكل ما أحيط به من العمائر الفخمة.
ووجهت في عام 1378 ضربة مهلكة إلى هذا الجمال كله الذي كان ظله يتماوج منعكساً على مياه القناة العظمى، وهذا الصرح الموحد من نظامي الحكم والاقتصاد الذي كان يسيطر على إمبراطورية تشمل البحر الأدرياوي وبحر إيجة، وهو نفسه قائم في بقعة مائية صغيرة على سطح الأرض، وذلك حين بلغ النزاع القديم أوجه بين البندقية وجنوي. وسار لوتشيانو دوريا Luciano Doria على رأس أسطول حربي من جنوي إلى بولا Pola، ووجد الأسطول البندقي قد أضعفه وباء تفشى بين بحارته، وأوقع به هزيمة ساحقة استولى فيها على خمس عشرة من سفنه. وأسر نحو ألفين من رجاله. وقتل لوتشيانو في المعركة, ولكن أخاه أمير رجيو خلفه في إمارة الأسطول، واستولى على بلدة Chiogia -الواقعة على رأس ضيق في البحر




صفحة رقم : 6375




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> البندقية وجنوى


على بعد خمسة عشر ميلاً أو نحوها جنوب البندقية نفسها. ثم عقد حلفاً مع بدوا وسد الطريق على جميع سفن البندقية، واستعد لغزو المدينة نفسها ببحارة من جنوي وجنود مرتزقة من بدوا. وظنت المدينة المزهوة بنفسها أنها عاجزة عن الدفاع فطلبت الصلح، ولكن الشروط التي فرضها المنتصرون كانت من الوقاحة والشدة بحيث رفضها المجلس الكبير، وصمم على الدفاع عن كل شبر من المياه الضحلة المتصلة بالبحر. وأخرج الأغنياء ما كانوا يخبئونه من المال وصبوه صبا في خزائن الدولة، وأخذ الأهلون يكدون ليلا ونهاراً لبناء أسطول جديد، وانشئت قلاع سابحة حول الجزائر، وجهزت بالمدافع التي ظهرت وقتئذ لأول مرة في إيطاليا (1379). ولكن أهل جنوي وبدوا كانوا قد حاصروا البندقية من ناحية البحر ثم مدوا حصاراً آخر من الجند على مداخلها البرية وقطعوا الطعام عن المدية. وبينما كان بعض أهلها يموتون جوعاً كان فيتوري بيزاني Vittore Pisani يدرب المجندين للأسطول الجديد. حتى إذا كان شهر ديسمبر من عام1379 قاد بيزاني والدوج أندريا كنتاريني Andrea Contarini هذا الأسطول المجدد- وكان مؤلفا من أربع وثلاثين سفينة واطئة ذات سطح واحد، وستين مركباً كبيراً، وأربعمائة قارب صغير-ليحاصر به الغزاة الجنويين وسفائنهم عند كيوجيا. وكان أسطول جنوي أصغر من أن يواجه أسطول البندقية الجديد، وكانت مدافع البنادقة تصب على مراكب جنوي ومعاقل جنودها ومعسكراتهم حجارة زنة الواحد منها مائة وخمسون رطلا، وقتلت فيمن قتلت وهم كثيرون أمير البحر بيترو دوريا. ولم يجد الغزاة من أهل جنوي حاجتهم من الطعام ، فطلبوا أن يؤذن لهم أن يخرجوا النساء والأطفال من كيوجيا، واجابهم البنادقة إلى ما طلبوا، ولما أن طلب الجنويون أن يخضعوا إذا سمح لأسطولهم أن يعود إلى بلدهم، جاء دور




صفحة رقم : 6376




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> البندقية وجنوى


البنادقة فطلبوا بلا شرط. ودام حصار البنادقة ستة أشهر حتى فت الموت والمرض في عضد الجنويين فاستسلموا، وعاملتهم البندقية معاملة كريمة رحيمة. ولما أن عرض أمديوس السادس Amadeus VI كونت سافوي أن يتوسط لحسم النزاع وافق الطرفان المنهوكا القوى، ونزل كلاهما عن بعض مطالبه، وتبادلا الأسرى، وجنحا إلى السلم (1381).




صفحة رقم : 6377




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> خاتمة القرن الرابع عشر



الفصل الحادي عشر




خاتمة القرن الرابع عشر


خبر بترارك كل مدينة وكل مضيف، ثم أتخذ مقامه في البندقية عام 1361، وعاش فيها سبع سنين، وجاء معه بمكتبته، وكادت تحتوي كل الآداب اللاتينية القديمة ما عدا كتب لكريشيوس. وأوصى في رسالة بليغة بمجموعته القيمة إلى البندقية، ولكنه احتفظ لنفسه بحق استعمالها حتى مماته وأرادت حكومة البندقية أن تظهر تقديرها لعمله، فوهبته قصر مولينا Palazzo Molina وأثثته له [اثاث مريح، ولكن بترارك حمل كتبه معه في آخر أسفاره، ووقعت عند وفاته في يد آخر مضيفيه فرانتشسكو الأول صاحب كرارا Carrara وكان من أعداء البندقية، وأحتفظ ببعض هذه الكتب في بدوا، وبيع بعضها الآخر، ثم تشتت بغير هذه وتلك من الوسائل.
وأكبر الظن أنه كتب في البندقية مقالا في واجبات الإمبراطور وفضائله وسلسلة طويلة من الحوار عن علاج [الحظ] الحسن و السيئ. وينصح في هذا الكتاب الأخير بالتواضع وقت الرخاء، والشجاعة وقت المحنة، ويحذر الإنسان من أن يربط سعادته بانتصاره على ظهر الأرض أو بالحصول على طيباتها، ويعلم الإنسان كيف يصبر على آلام الأسنان، والبدانة، وفقد الزوجة، وتقلبات السمعة، وهذه كلها نصائح سديدة، ولكنها كلها موجودة في أقوال سنكا. كذلك ألف في هذا الوقت عينه أعظم كتبه النثرية وهو كتاب "الرجال النابهون De viris illustribus" وهو يضم سيرة واحد وثلاثين من عظماء الرومان من رميولوس إلى قيصر،




صفحة رقم : 6378




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> خاتمة القرن الرابع عشر


وقد خص قيصر بثلاثمائة وخمسين صفحة من قطع الثُّمن ظلت حتى القرن التاسع عشر أكمل سيرة لهذا الحاكم.
وغادر بترارك البندقية إلى بافيا في عام 1368 يرجو أن يتوسط في الصلح بين جليستو الثاني فيكونتي والبابا إربان الخامس، وكان كل ما وجده أن البلاغة إذا لم تصحبها المدافع لا تجد من السياسيين إلا آذانا صماء. وفي عام 1370 قبل دعوة فرانتشسكو الأول صاحب كرارا لينزل ضيفا عليه مرة أخرى في بلاطه الملكي في بدوا. لكن أعصابه التي أوهنتها الشيخوخة عافت صخب المدينة وزحامها، وما لبث أن آوى إلى بيت ريفي متواضع في أركوا Arqua بين التلال الأوجانية Euganean في الجنوب الغربي السنين الباقية من حياته، جمع فيها رسائله وأعدها لتنشر بعد وفاته، وكتب لنفسه ترجمة صغيرة فاتنة سماها رسالة للمستقبل Epistola ad Posteros (1371). ثم استسلم مرة أخرى لضعف الفلاسفة القديم، فأخذ يسدي النصائح إلى الحكام في كيفية تصريف شئون الدول، وكتب إلى أمير بدوا في رسالته التي أسماها خير الوسائل لأدارة شئون الدولة (1372) يقول "لا تكن سيد رعاياك بل أباهم، وأحبهم كما تحب أبناءك"، ونصحه بأن يجفف المناقع، ويضمن لرعاياه الطعام، ويحافظ عل الكنائس، ويعين المرضى والمحتاجين، ويبسط حمايته ورعايته على رجال الأدب-الذين تعتمد على أقلامهم كل أسباب السمعة الطيبة، ثم عمد إلى كتاب ديكمرون فترجم قصة جريزلدا إلى اللغة اللاتينية لكي تكون في متناول القراء في أوربا.
وكان بوكاتشيو وقتئذ في حالة نفسية تجعله يندم على كتابة ديكمرون أو القصائد الشهوانية التي قالها في أيام شبابه. وكان أحد الرهبان قد بعث وهو يحضر إلى بوكاتشيو رسالة يؤنبه فيها على حياته الآثمة وعلى




صفحة رقم : 6379




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> خاتمة القرن الرابع عشر


قصصه المرحة، وينذره، إذا لم يعجل بالتوبة ويصلح حاله، بالموت العاجل والعذاب المقيم في نار جهنم. ولم يكن بوكاتشيو في وقت من الأوقات يصبر على التفكير الطويل، وكان يقبل أوهام زمانه وما يؤمن به أهله من معرفة الطالع والتنبؤ بالمستقبل عن طريق الأحلام، ويؤمن بوجود آلاف الشياطين، ويعتقد أن أينياس Aeneas قد زار الجحيم بحق)56).
وأخذ يجمع بتحريض بترارك المخطوطات القديمة، وأنقذ من النسيان الكتب من 11 إلى 16 من الحوليات والكتب من 1 إلى 5 من التواريخ لتاستس وكانت وقتئذ في مكتبة مونتي كاتشيو، وأعاد نصوص ماريتال وأوسنيوس، وحاول أن يقدم هوميروس إلى العالم الغربي. وكان بعض العلماء في أثناء عصر الإيمان قد ظلوا على علم باللغة اليونانية، أما في أيام بوكاتشيو فقد كادت هذه اللغة تختفي اختفاء تاما من غربي أوربا ما عدا جنوبي إيطاليا الذي كان وقتئذ نصف يوناني. ثم شرع بترارك في عام 1342 يدرس اللغة اليونانية على راهب من كلابريا Calabria يدعى بارلام Barlaam. ولما خلت إحدى اسقفبات كلابريا من راعيها أوصى بترارك بأن يختار لها بارلام، وأخذ بوصيته، فلما سافر الراهب إلى مقر عمله انقطع بترارك عن دراسة اللغة اليونانية لأنه لم يجد لها مدرسا، أو كتابا في النحو، أو معجما، ذلك بأن هذه الكتب لم يكن لها وجود باللغة اللاتينية أو الإيطالية. ثم التقى بوكاتشيو في عام 1359 بتلميذ لبارلام في ميلان يدعى ليون بيلاتس Leon Pilatus، فدعاه للمجيء إلى فلورنس، وأقنع جامعتها- وكانت قد أسست قبل أحد عشر عاما من ذلك الوقت، بأن تنشئ فيها لبيلاتس كرسيا للغة اليونانية. وتبرع بترارك بجزء من مرتب الأستاذ، وبعث بنسخ من الإلياذة والأوديسية إلى بوكاتشيو، وكلف بيلاتس بترجمتها إلى اللغة اللاتينية. وتعطل العمل مرة بعد مرة وورط بترارك في مراسلات متعبة، وكان يشكو من أن رسائل بيلاتس أطول وأجف من ذقنه نفسها على طولها وجفافها(57)، ولم يتحرك بيلاتس لإنجاز العمل




صفحة رقم : 6380




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> خاتمة القرن الرابع عشر


إلا بمساعي بوكاتشيو. وكانت هذه الترجمة النثرية الخالية من الدقة هي الترجمة اللاتينية الوحيدة التي تعرفها أوربا لملحمتي هوميروس في القرن الرابع عشر.
وكان بيلاتس في خلال هذا الوقت قد علم بوكاتشيو من اللغة اليونانية ما يكفيه لقراءة الآداب اليونانية القديمة قراءة عاجزة. وكان بوكاتشيو نفسه يعترف بأنه لا يستطيع أن يقرأ النص إلا قراءة ضعيفة، ولكنه وصف ما قرأه بأنه يبلغ من الجمال حدا لا يستطيع وصفه. وألهمته هذه الكتب كما ألهمه بترارك نفسه، فخصص ما بقى من جهوده الأدبية كلها تقريبا لأن يعرف أوربا اللاتينية بأدب اليونان، وأساطيرهم، وتاريخهم. فنشر سلسلة من التراجم القصيرة سماها في حظوظ مشهوري الرجال من آدم إلى جون ملك فرنسا، وروى في النساء النابهات قصص شهيرات النساء من حواء إلى جوانا الأولى Joanna I ملكة نابلي، وفي كتاب الجبال والغابات والعيون، الخ ثبتا مرتبا حسب الحروف الهجائية بأسماء الجبال، والغابات، والعيون، والأنهار، والبحيرات التي ورد ذكرها في الأدب اليوناني، ثم وضع كتيبا في الأساطير اليونانية سماه في تسلسل الأنساب. وقد بلغ من انهماكه في موضوعه أن كان يسمى إله المسيحيين جوف، والشيطان بلوتو، ويتحدث عن الزهرة (فينوس) والمريخ كأنهما شخصان حقيقيان كمريم والمسيح. وتبدو هذه الكتب في هذه الأيام مملة ثقيلة لا تطاق، كتبت بلغة لاتينية رديئة وليس فيها كثير من العلم، ولكنها كانت في زمانها كتبا دراسية لطلاب اللغة اليونانية، وكان لها شأن ايما شأن في تهيئة أسباب النهضة.
وهكذا خرج بوكاتشيو من نزق الشباب إلى وقار الشيوخ، واستخدمته البندقية بين الفينة والفينة في بعض شئونها الدبلوماسية، فأرسلته في مهمات




صفحة رقم : 6381




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> خاتمة القرن الرابع عشر


سياسية إلى فورلي Forli، وأفنيون ورافنا، والبندقية. وضعف جسمه حين بلغ سن السنين واصيب بالقوباء الجافة و "أمراض لا أعرف كيف أحصيها"(58). وعاش في تشرتلدو Certaldo إحدى أرباض فلورنس عيشة ضنكا يشكو آلام الفاقة. ولعل رغبة بعض أصدقاء بوكاتشيو في أن يقدموا له بعض المعونة المالية هي التي حدت بهم إلى أن يقنعوا أمير فلورنس بأن ينشئ في عام 1373 كرسيا لدراسة دانتي، وأن يوظف لبوكاتشيو مائة فلورين (2500 دولار) ليلقى سلسلة من المحاضرات عن دانتي في الباديا Badia. لكن صحته وهنت قبل أن يتم المنهج المقرر، فعاد إلى تشرتلدو وقد وطن نفسه على ملاقاة الموت.
وكان بترارك قد كتب عن نفسه يقول: "أحب أن يجدني الموت مستعداً للقائه أكتب أو، إذا شاء المسيح، أصلي وابكي"(59). وقد أجاب الله دعاءه فوجده في يوم عيد ميلاده المتمم للسبعين وهو اليوم العشرون من شهر يوليه عام 1374 مكباً بوجهه على كتاب يبدو كأنه نائم ولكنه في الحقيقة ميت. وقد ترك في وصيته خمسين فلورينا يشتري بها رداء لبوكاتشيو يتقي به البرد في ليالي الشتاء الطويلة. ومات بوكاتشيو أيضا في اليوم الحادي والعشرين من ديسمبر عام 1375 وهو في الحادية والستين من عمره. واقفرت إيطاليا بعد وفاته من كبار الأدباء حتى نبتت البذور التي زرعوها وأينعت وآتت أكلها.




صفحة رقم : 6382




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نظرة عامة



الفصل الثاني عشر




نظرة عامة


تتبعنا تنقل بترارك وبوكاتشيو في أنحاء إيطاليا، لكن إيطاليا من الوجهة السياسية لم يكن لها وجود، بل الذي كان موجوداً هو دول- المدن، وهي قطع ممزقة حرة في أن تهلك نفسها في الأحقاد والحروب. فقد دمرت بيزا منافستها التجارية أملفى، ودمرت ميلان بياتشنوسا، ودمرت جنوي وفلورنس بيزا، ودمرت البندقية جنوي، وانضمت بعد هذا العهد نصف أوربا إلى الجزء الأكبر من إيطاليا لتدمر البندقية. وأدى انهيار الحكومة المركزية على أثر غزوات البرابرة، و "الحروب القوطية " التي ثار عجاجها في القرن السادس، وانقسام شبه الجزيرة بين لمبارديا وبيزنطية، وتهدم الطرق التجارية الرومانية، والنزاع بين اللمبارد والبابوات، وبين البابوات والإمبراطورية، وخوف البابا أنه إذا قامت سلطة عليا في إيطاليا تمتد من الألب إلى صقلية، فإن قيامها يجعل البابا أسيراً ويخضع رئيس أوربا الروحي إلى رئيس الدولة السياسي، كل هذا فكك وحدة إيطاليا ومزقها كل ممزق. ولم يقتصر أشياع البابوات وأشياع الأباطرة على تقسيم إيطاليا شيعاً، بل قسموا فضلا عن ذلك كل مدينة تقريباُ إلى جلف وجبلين Guelf & Ghibelline، ولما أن شبت نار النزاع بين الطائفتين استخدم الشعارين القديمين منافسون جدد، وظلت نيران الأحقاد مشتعلة في جميع مناحي الحياة. فكان إذا وضع الجبلين الريش في ناحية من قبعاتهم وضعها الجلف في الناحية الأخرى، وإذا اتخذ الجبلين وردة بيضاء شارة لهم اتخذ الجلف شارة حمراء. وانتزع الجبلين في ميلان تمثالاً للمسيح




صفحة رقم : 6383




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نظرة عامة


من محراب في كنيسة واحرقوه لأن وجهه كان متجهاً إلى ما ظنوه ناحية الجلف، وفي برجامو الجبلينية اغتال مضيفون بعض ضيوفهم من الكلبريين لأنهم تبينوا من اسلوب أكلهم الثوم أنهم من الجلف(60). وبعث ضعف الأفراد وخور عزيمتهم، واضطراب الأمن بين الجماعات، وخداع الغرور، بعث هذا في النفوس دوام الخوف، والارتياب، والكراهية، واحتقار المخالفين، والأجانب، والأغراب.
ونشأت دولة- المدينة الإيطالية من هذه العقبات القائمة في سبيل الوحدة، فلم يكن الناس يفكرون إلا في مدينتهم، ولم يكن أحد يفكر في إيطاليا بوصفها وحدة وكُلاًّ إلا قليل من الفلاسفة أمثال مكيفلي Machiavelli أو شاعر مثل بترارك، وكان تشليني في القرن السادس عشر نفسه يشير إلى أهل فلورنس بقوله إنهم "رجال من أمتنا " وإلى فلورنس بأنها: "وطني ". وكان بترارك، الذي تحرر بفضل إقامته بالبلدان الأجنبية من الوطنية المحلية الضيقة يأسف لهذه الحروب التافهة، والانقسام المتفشي في بلده، وتوسل في أنشودة بليغة عنوانها: بلادي إيطاليا إلى أمراء إيطاليا أن يهبوها السلم والوحدة:


أي بلادي إيطاليا!- وإن كانت الألفاظ لا تجدى




في اندماج الجروح المتنسرة




التي لا يحصى عديدها، والتي تمزق صدري،




بيد أنه قد يخفف من آلامي




أن أتغنى بأحزان التيبر




وبالمظالم التي حلت بلآرنو حين أطوف وأنوح




بشواطئ البو المحزنة أترنم بقصائدي...




ويلاه! أليست هذه هي الأرض التي وطئتها قدمي أول ما وطئت؟




أليس هذا هو المكان الذي دُللت فيه برفق






صفحة رقم : 6384




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نظرة عامة




وأنا مستريح في المهد، وربيت به في عز وحنان؟




ويلاهّ أليست هذه بلادي-التي أعزها




لما بيني وبينها من روابط البنوة




والتي يثوى في ثراها أبواي؟




فهلا بعثت هذه الفكرة الحنونة




بعض الأسى في قلوبكم القاسية




فنظرتم إلى أحزان الشعب،




الذي يرجو منكم، بعد الله، أن تنقذوه؟




فإذا ما عطفتم وأذعتم،




فإن الفضيلة سترفع رأسها عالية،




وتتأهب للحرب العوان




ضد قوى الغضب العمياء




ولن يطول الزمن الذي تحترب فيه القوتان غير المتكافئتين،




لا! لا! إن اللهب القديم




الذي رفع اسم إيطاليا إلى السماكين لم ينطفئ بعد.


وكان بترارك يحلم أن يستطيع ريندسو Rienzo توحيد إيطاليا، فلما أن خاب أمله فيه اتجه كما اتجه دانتي إلى عاهل الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكان هذا العاهل من الوجهة النظرية الوارث من غير رجال الدين لجميع السلطات الزمنية التي كانت للإمبراطورية الرومانية الوثنية في بلاد الغرب. ومن أجل هذا فإنه لم يمض إلا قليل من الوقت على انسحاب ريندسو من ميدان العمل (1347) حتى وجه بترارك رسالة مثيرة إلى شارل السادس ملك بوهيميا، الذي كان بوصفه "ملك الزمان " الوارث لعرش الإمبراطورية. وقال الشاعر في هذه الرسالة: "فليأت الملك إلى رومة ليتوج فيها إمبراطوراً، وليتخذ روما لابراج عاصمة




صفحة رقم : 6385




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نظرة عامة


لملكه، وليرجع إلى إيطاليا "حديقة الإمبراطورية " الوحدة، والنظام، والسلم (61). ولما اجتاز شارل جبال الألب في عام 1354 دعا بترارك لمقابلته في مانتوا Mantua واستمع في رقة وبشاشة إلى ما وجهه إليه من دعوات تردد أصداء نداء دانتي الحار إلى جده هنري السابع. ولكن شارل لم يكن لديه من القوة ما يكفي لهزيمة جميع طغاة لمبارديا، وجميع اهل فلورنس والبندقية، فأسرع إلى روما. ولم يكن البابا فيها وقتئذ، فعمل على أن يتوج نائبه، ثم قفل راجعاً إلى بوهيميا، وجد في بيع المناصب الدينية وهو عائد إلى بلاده. وسافر اليه بترارك في براج بعد عامين من ذلك الحادث، في سفارة من ميلا، ولكن هذا اللقاء لم تجن منه إيطاليا ثمرة تستحق الذكر.
ولعل نهضة ما لم تكن قد وجدت إذا ما تحقق أمل بترارك. ذلك أن تقطيع أوصال إيطاليا كان مما ساعد على قيام النهضة، فالدول الواسعة الرقعة توطد النظام وتدعم السلطان أكثر مما تنشر لواء الحرية وترعى الفنون. أضف إلى هذا أن لاتنافس التجاري بين المدن الإيطالية كان هو الذي بدأ واتم عمل الحروب الصليبية في تنمية اقتصاد إيطاليا وثروتها. ولسنا ننكر أن تعدد المراكز السياسية قد ضاعف من عدد المنازعات بين المدن، ولكن هذه المنازعات الصغرى في مجموعها لم تسبب من هلاك في الأنفس وخراب في البلاد قدر ما سببته حروب مائة السنين في فرنسا. ولسنا ننكر كذلك أن استقلال المدن قد أضعف من قدرة إيطاليا على صد غارات الأجانب عليها، ولكنه ولد منافسة نبيلة بين المدن والأمراء لرعاية الثقافة، والحرص على التفوق في فنون العمارة، والنحت، والتصوير، والتعليم، والمنح التعليمية، والشعر. لقد كان في إيطاليا النهضة، كما كان في ألمانيا القوطية، مراكز كثيرة مثل باريس.
ولسنا في حاجة إلى المبالغة لكي نقدر ما كان لبترارك وبوكاتشيو من




صفحة رقم : 6386




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نظرة عامة


فضل في التمهيد إلى النهضة: لقد كان كلاهما لا يزال أسيراً لأفكار العصور الوسطى. وكان القَصّاص العظيم في عنفوان شبابه يسخر من فساد أخلاق رجال الدين واتجارهم بمخلفات القديسين، ولكن ىلاف الآلاف من رجال العصور الوسطى ونسائها كانوا يفعلون فعله، وقد اصبح أكثر استمساكاً بالدين واصطباغاً بصبغة العصور الوسطى في الأيام التي أخذ يدرس فيها اللغة اليونانية. وكان بترارك يصف نفسه بحق بأنه واقف بين عهدين(63). وكأنه بهذا كان يتنبأ بما سوف يكون. فقد كان يقبل قواعد الكنيسة التحكمية في الوقت الذي كان يشن فيه حرباً شعواء على أخلاق بابوات أفنيون، وكان يحب الآداب القديمة في أواخر عصر الأيمان، كما كان جيروم Jerome يحبها في بدايته، وكان في قرارة نفسه غير راض عن هذا الحب. وكتب في العصور الوسطى مقالات ممتازة في احتقار العالم الدنيوي وفي السلم المقدسة التي تنبعث من الحياة الدينية. لكنه رغم هذا كان أكثر وفاء للآداب القديمة منه للورا Laura. وكان يبحث عن المخطوطات القديمة ويعتز بها، ويلهم غيره بأن يحذو في ذلك حذوه، وقد بز جميع المؤلفين في العصور الوسطى تقريباً عدا أوغسطين في العمل على عدم انقطاع الصلة بالأدب اللاتيني، وصاغ عباراته وأسلوبه على مثال فرجيل وشيشرون، وكان يفكر في ذيوع شهرته أكثر مما يفكر في خلود نفسه. وقد أثمرت قصائده مائة عام من الأغاني المصطنعة المتكلفة في إيطاليا، ولكنها اعانت على تشكيل أغاني شكسبير. وانتقلت روحه الحماسية من بعده إلى بيكو Pico كما انتقل اسلوبه المصقول إلى بولتيان، وكانت رسائله ومقالاته بمثابة قنطرة من الدماثة والرشاقة بين سنكا ومنتاني، واكتمل توفيقه بين العهود القديمة والمسيحية في البابا تقولاس الخامس والبابا ليو العاشر. وملاك القول أنه كان بحق أبا النهضة في تلك الأيام.




صفحة رقم : 6387




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نظرة عامة


لكننا نقول مرة أخرى: إن من الخطأ أن نبالغ في حظ الأقدمين من هذا المجد الذي بلغته إيطاليا، ذلك أنه كان تتمة لا انقلاباً، وكان لنضوج العصور الوسطى في هذه التتمة شأن أعظم من الكشف الثاني للمخطوطات القديمة والفن القديم. وكان كثير من علماء العصور الوسطى يعرفون الآداب الوثنية ويحبونها، وكان الرهبان هم الذين حافظوا عليها، ورجال الدين هم الذين ترجموها ونشروها، وكانت الجامعات الكبرى هي التي أخذت منذ عام 1100 تنقل إلى شباب أوربا قدراً من التراث العقلي والأدبي للجنس البشري. وكانت نشأة الفلسفة الانتقادية عند إرجينا Erigena وأبلار، وإدخال دراسة أرسطو وابن رشد في مناهج الجامعات ودعوة أكوناس الجريئة إلى إثبات كل العقائد المسيحية تقريباً على اساس العقل، وما تلاها بعد قليل من اعتراف دنزاسكوتس Duns Scotus بأن الكثرة الغالبة من هذه العقائد خارجة عن نطاق العقل، كان هذا كله سبباً في نشأة صرح الفلسفة المدرسية العقلي ثم تحطيمه بعدئذ، وفي ترك المسيحيين المتعلمين أحراراً يحاولون التأليف من جديد بين الفلسفة الوثنية ولاهوت العصور الوسطى من جهة، وتجارب الحياة من جهة أخرى. وكان تحرر المدن من عوائق الإقطاع، واتساع نطاق التجارة، وانتشار الاقتصاد القائم على النقود،- كانت كل هذه قد سبقت مولد بترارك،. وعلم روجر ملك صقلية، وفردريك الثاني، دع عنك خلفاء المسلمين وسلاطينهم، علم هؤلاء كلهم حكام البلاد أن يضيفوا سنا المجد إلى السلطان بمناصرة الفن، والشعر، والعلوم، والفلسفة. وقد احتفظ رجال العصور الوسطى ونساؤها، رغم قلة منهم كانت منهمكة في شئون الدار الآخرة، دون حياء بما طبع عليه الإنسان من سرور بملاذ الحياة البسيطة، وكان للرجال الذين صوروا، وشادوا، ونحتوا تماثيل الكنائس الكبرى




صفحة رقم : 6388




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نظرة عامة


إدراكهم الخاص للجمال، فسموا بالتفكير وبالشكل سمواً لم نر له نظيراً قط.
لهذا نقول دون أن نخشى الزلل إن جميع قواعد النهضة قد وضعت قبل أن يموت بترارك. وكان النماء العجيب في تجارة إيطاليا وصناعتها، واستئثارهما بجانب كبير من نشاط اهلها، قد كدسا الثروة التي أمدت الحركة بالمال، كما كان الانتقال من سلم الريف وركوده إلى حيوية المدن ونشاطها سبباً في خلق المزاج الذي غذى هذه الحركة. أما الأساس السياسي فقد قام على حرية المدن وتنافسها، والقضاء على الأرستقراطية المتعطلة، وقيام الأمراء المتعلمين، والطبقة الوسطى القوية. وأما الأساس الأدبي فقد مهد له تحسن اللغات القومية، والتحمس إلى الكشف عن الآداب اليونانية والرومانية القديمة ودراستها. وكان الأساس الأخلاقي قد وضع هو الآخر: فقد أخذ ازدياد الثروة يحطم القيود الأخلاقية القديمة، وشجع الاتصال بالبلاد الإسلامية عن طريق التجارة والحروب الصليبية نزعة التسامح في الانحراف بالقواعد الدينية والاخلاقية عن المعتقدات والأساليب التقليدية. وكان لإعادة الكشف عن العالم الوثني ذي الحرية النسبية في التفكير السليم نصيب في تحطيم عقائد العصور الوسطى ومبادئها الأخلاقية، ولهذا كله تقهقر الاهتمام بالحياة الآخرة أمام المشاغل الزمنية، البشرية، الدنيوية. ونما الإحساس بالجمال نماء مطرداً، فقد خلفت ترانيم العصور الوسطى، والقصص الغرامية المتتالية، وأناشيد شعراء الفروسية الغزلين، وأغاني دانتي ومن سبقه من الشعراء الإيطاليين، والتصوير المنسجم الذي يطالع الإنسان في المسلاة الإلهية، كل هذا خلف وراءه تراثا من الفن الأدبي، كما أن النماذج الأدبية اليونانية واللاتينية القديمة قد نقلت إلى بترارك رقة في الذوق والتفكير، وصقلا وتأدبا في الحديث وفي الأسلوب،




صفحة رقم : 6389




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> عصر بترارك وبوكاتشيو -> نظرة عامة


أورثهما بترارك من بعده أسرة تجمع أفرادها من دول مختلفة كلهم عباقرة الحضر جاءوا في سلسلة متصلة الحلقات من إرزمس إلى أناتول فرانس. وكانت ثورة الفن قد بدأت حين هجر جيتو الصرامة الصوفية التي انطبعت بها الفسيفساء البيزنطية لكي يدرس الرجال والنساء في مجرى حياتهم الحقة وظرفهم الفطري.
لقد كانت كل الطرق في إيطاليا تؤدي إلى النهضة.




صفحة رقم : 6390




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي



الباب الثاني




البابوات في أفنيون




1309 - 1377




الفصل الأول




الأسر البابلي


نقل البابا كلمنت الخامس في عام 1309 مقر البابوبة من روما إلى أفنيون، وكان كلمنت هذا رجلاً فرنسياً، وكان قبل أن يجلس على كرسي البابوية أسقفا لبوردو، وكان الفضل في اختياره لمنصبه عائدا إلى فليب الرابع ملك فرنسا الذي أثار دهشة العالم المسيحي بهزيمة البابا بنيفاس الثامن، وبعدم اكتفائه بهذه الهزيمة بل اضاف إليها القبض عليه، وإذلاله، ومنع الطعام عنه حتى كاد يميته جوعا. ولم يكن كلمنت ليأمن على حياته في روما التي كانت تحتفظ لنفسها دون غيرها بالحق في إساءة معاملة البابا، والتي اغتاظت من وقاحة الملك البادية في عدم احترامه إياه، يضاف إلى هذا أن الكرادلة الفرنسيين كانوا يؤلفون وقتئذ أغلبية كبيرة في المجمع المقدس ويأبون أن يضعوا أنفسهم تحت سلطان إيطاليا. ولهذا كله أقام كلمنت بعض الوقت في ليون وبواتييه، ثم أتخذ مقامه في أفنيون القائمة على الضفة الأخرى لنهر الرون المقابلة لأرض فرنسا كما كانت في القرن الرابع عشر، وكان يرجو بذلك أن يكون أقل خضوعا لفليب في إقليم يمتلكه ملك نابلي بوصفه كونت بروفانس.
وكانت الجهود الجبارة التي بذلتها البابوية من أيام جريجوري السابع




صفحة رقم : 6391




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


(1073-1085) إلى أيام بنيفاس الثامن (1294-1303) لإنشاء دولة عالمية أوربية بإخضاع الملوك للبابوات- كانت هذه الجهود قد أخفقت، وانتصرت القومية على النزعة الاتحادية النظرية، وحتى في إيطاليا نفسها رفضت جمهوريات فلورنس والبندقية، ودول المدن في لمبارديا ومملكة نابلي سيطرة الكنيسة عليها، وأطلت برأسها مرتين جمهورية في روما، وأخذ مغامرون من العسكريين أو السادة الإقطاعيين-من أسر بجليون Baglioni، وبينتيفجل Bentivogli، وملاتيستا Malatestas، ومنفريد Manfredi، واسفورادسا Sforaza، واخذ هؤلاء وأولئك يستبدلون في الولايات البابوية الأخرى عجرفتهم العسكرية بنواب الكنيسة. وكانت البابوية أثناء مقامها في روما تستخدم مكانتها العظيمة التي استحوذت عليها قرونا طوالا، وكانت الأمم قد اعتادت أن تعظمها وتخضع لسلطانها، وتبعث لها بالأموال، أما بابوية يختار لها باستمرار أحبار فرنسيون (1305-1378)، يكادون سجناء عند ملوك فرنسا، ويقرضون هؤلاء الملوك أموالا طائلة ليشنوا بها حروبهم، أما بابوية من هذا الطراز فقد بدت لألمانيا، وبوهيميا، وإيطاليا، وإنجلترا أنها قوة




صفحة رقم : 6392




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


معادية لها، وأنها سلاح نفساني في يد الملكية الفرنسية. وأخذت تلك الأمم تغفل ما تصدره هذه البابوية من اوامر الحرمان ومن اللعنات وتزداد جرأة على هذا كلما مضت الأيام، ولا تهبها إلا شيئاً من التبجيل الآخذ في النقصان على كره منها متزايد باستمرار.
وأخذ كلمنت الخامس يعمل في صبر وأناة للتغلب على تلك الصعاب، ولم يخضع لفليب الرابع إلا أقل ما يستطيع من الخضوع، وكان فليب هذا يسلط فوق رأس كلمنت سيف التهديد، بأن يكشف للعالم عن سلوك بنيفاس الثامن ومعتقداته الدينية بع أن توفى هذا البابا. واشتدت حاجة البابا إلى المال فأخذ يبيع الرتب الكهنوتية إلى من يعرض فيها أغلى الأثمان، ولكنه كان يوافق موافقة ضمنية على التقارير القاسية التي يقدمها عمدة أنجير Angers ,اسقف مندى Mende لمجلس فينا (1311) عن أخلاق رجال الدين وإصلاح الكنيسة. وكان هو نفسه يحيا حياة مقتصدة طاهرة، ويلتزم أسباب التقوى في غير تظاهر ولا مباهاة، وحمى أرنلد الفلانوفي Arnold of Villanova الطبيب العظيم من الاضطهاد لخروجه على أصول الدين القويم، وأعاد تنظيم الدراسات الدينية في جامعة منبلييه على أساس النصوص اليونانية والعربية، وحاول أن ينشئ كراسي للغات العبرية، والسريانية، والعربية في الجامعات-وإن لم يفلح في هذه المحاولة. وكان مما ضاعف متاعبه أنه اصيب بمرض شديد الألم-يظن انه ناسور- أضطره إلى تجنب الاختلاط بالناس، وقضى عليه في عام 1314. ولو أنه عاش في بيئة خير من بيئته لكان ممن زادت بهم الكنيسة. وعقبت موته فترة خلا فيها كرسي البابوية من مشاغله ضربت فيها الفوضى أطنانها، وكشفت عن طبيعة ذلك العصر ومزاجه. وكتب دانتي إلى الكرادلة الطليان يحرضهم إلى أن يصروا على اختيار بابا إيطالي وعلى إعادة مقره إلى روما، ولكن عدد الكرادلة الإيطاليين لم يكن يتجاوز ستة،




صفحة رقم : 6393




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


فلما انعقد المجلس المقدس في حجرة مقفلة في كربنتراس Carpentras القريبة من أفنيون احتاط به الغوغاء من أهل غسقونية Gascony وأخذوا يصيحون :"الموت للكرادلة الإيطاليين!" وهوجمت بيوت أولئك الكرادلة، وأشعل المتجمهرون النار في البناء الذي انعقد فيه المجمع المقدس، وفتح الكرادلة لأنفسهم ممراً في الجدار الخلفي، وفروا من الغوغاء والنيران. ولم تبذل أي محاولة أخرى لانتخاب البابا مدة سنتين، ثم رفع الكرادلة آخر الأمر في اجتماع لهم عقد في ليون بحماية الجنود الفرنسيين إلى كرسي البابوية رجلاً كان وقتئذ في الثانية والسبعين من عمره، لا يكاد يخطئ من يظن أنه لن يطول به الأجل، ولكنه قدر له أن يحكم الكنيسة ثمانية عشر عاماً بحماسة، وفظاظة، ونهم لا يشبع، وإرادة حديدية. وكان يوحنا الثاني والعشرون قد ولد في كوهور Cohors من اعمال جنوبي فرنسا، وكان أبوه إسكافا، وكانت هذه هي المرة الثانية التي يختار فيها أبن إسكاف إلى اعلى منصب في العالم المسيحي بفضل الديمقراطية العجيبة القائمة في كنيسة مطلقة في تصرفاتها. وكان إربان الثاني (1261-1264) قد مهد الطريق لهذا الاختيار. فقد كان معلماً لأبناء ملك نابلي الفرنسي وكان يوحنا قد درس القانون المدني والكنسي بحماسة قربته من قلب الملك، واختاره بنفياس الثامن بناء على توصية الملك اسقفا لفريجو Fréjus ورفعه كلمنت السابع إلى كرسي أفنيون. وأسكت ذهب ربرت ملك نابلي وطنية الكرادلة الطليان، وأصبح ابن الإسكاف من اعظم البابوات قوة ,و أمضاهم عزيمة.
وأظهر يوحنا من الكفايات ما يندر اجتماعه في إنسان: أظهر جداً في الدراسة، ومهارة في الإدارة-، وأقامت بابوية أفنيون بزعامته نظاماً




صفحة رقم : 6394




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


بيروقراطياً قديراً، وأن كان فاسداً مرتشياً، وجمعت طائفة من الموظفين الملمين بالشئون المالية أدهشت القائمين على وزارات المالية في أوربا، وحسدوها على كفايتها في جمع الإيرادات. واشتبك يوحنا في نحو اثني عشر نزاعاً كبيراً تطلبت منه الأموال، فحذا حذو سلفه في بيع المناصب الكهنوتية، ولكنه كان يبيعها دون حياء. واستطاع ابن بلدة كوهور المصرفية بعدة أساليب مختلفة أن يملأ خزانة البابوية بالمال حتى كان فيها حين وفاته 18.000.000 فلورين ذهبا (450.000.000 دولار) وما قيمته سبعة ملايين من صفائح الذهب والجواهر(2). وكانت حجته في جمع هذه الأموال أن البابوية قد فقدت كثيراً من أموالها المستمدة من إيطاليا، وأن عليها أن تنشئ وظائفها، وموظفيها، وخدامها، من جديد. ويبدو أن يوحنا كان يشعر أن خير طريقة يخدم بها الله هي أن يضم إله المال إلى جانبه، وكانت عاداته الشخصية تنزع إلى التقشف والزهد في الطعام والشراب.
وكان مع هذا كله يناصر العلوم، وأسهم في إنشاء مدارس للطب في بروجيا وكوهور، وأعان الجامعات، وأنشأ كلية لدراسة اللغة اللاتينية في أرمينيا، وشجع دراسة اللغات الشرقية، وحارب الكيمياء القديمة الزائفة والسحر، وكان يقضي الأيام والليالي في الدراسات العلمية، وختم حياته رجل دين متهماً بالخروج عليه. ولعل الذي دعا يوحنا أن ينشر على الناس أن إنساناً ما- حتى أم الله نفسها- لا يستطيع أن يرقى إلى مرتبة "الرؤيا السعيدة" إلا في يوم الحساب، لعل الذي دعاه إلى هذا هو رغبته في أن يقاوم انتشار نوع من التصوف يَدًّعى الآخذون به الاتصال المباشر بالله. وقامت عليه ثورة بين من يدعون العلم بشئون الدار الآخرة، ونددت جامعة باريس بآراء البابا، واعلن مجلس مقدس اجتمع في فنسن Vincenne أنها مخالفة للدين، وأمره فليب السادس ملك فرنسا أن يعود في آرائه الدينية إلى الصراط المستقيم(4). ولكن المعمر الداهية الذي كان وقتئذ قد




صفحة رقم : 6395




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


بلغ سن التسعين أفسد عليهم جميعاً أمرهم بأن مات في عام 1334.
وكان الذي خلف يوحنا رجلاً لطيف المزاج. وكان بندكت الثاني عشر ابن خباز، حاول أن يكون مسيحياً وبابا معاً, وقاوم إغراء توزيع المناصب الكنسية على أقاربه، ونال شرف عداء الناس لأه بأن اختار لهذا المناصب الأكفاء الجديرين بها، لا من يشترونها بالمال، وقطع دابر الرشوة والفساد في جميع فروع الإدارة الكنسية، وكسب عداء الرهبان المتسولين بدعوتهم إلى اصلاح طوائفهم، ولم تعرف عنه القسوة أو إراقة الدماء في حرب، ولهذا ابتهجت جميع قوى الفساد لموته المبكر في عام 1342.
وانحدر كلمنت السادس من بيت شريف في ليموزن Limousin، وقد ألف الترف، والمرح، والفنون، ولم يكن يستطيع أن يفهم لم يكون البابا جادا صارما إذا كانت خزائن البابوية عامرة بالمال، وكاد كل من جاءه يطلب وظيفة أن ينالها، لأنه كان يقول أن أحدا يجب ألا يخرج من عنده غير راض، وأعلن في وقت ما أن كل رجل من رجال الدين يفد إليه في خلال شهرين سينال نصيباً من رفده، ويقدر شاهد عيان عدد من وفدوا عليه بمائة ألف(5). وأجزل العطاء للفنانين والشعراء، واحتفظ باسطبل من الجياد الكريمة يضارع أكبر اسطبل آخر في العالم المسيحي، وأجاز للنساء أن يدخلن البلاط البابوي، ,استمتع بمفاتنهن واختلط بهن اختلاط العشاق الفرنسيين. وبلغ من اتصال كونة تورن Turenne به أن كانت تبيع المناصب الكنسية جهارا لا تخشى في ذلك لومة لائم (6). وترامت طيبة كلمنت إلى أهل روما فبعثوا يرجونه أن يقيم في بلدهم، ولم ير الخير ولكنه ترضاهم بأن أعلن أن العيد الذي قرر بنيفاس الثامن في عام 1300 أن يقام في كل مائة عام يجب أن يقام كل خمسين عاماً. وابتهجت روما حسن سمعت هذا الخبر،




صفحة رقم : 6396




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


وخلعت ريندسو، واعادت خضوعها السياسي للبابوية.
وأصبحت أفنيون في عهد كلمنت السادس الحاضرة الدينية للعالم اللاتيني، وكذلك حاضرة سياسته، وثقافته، وملذاته، وفساده. واتخذت الأداة الإدارية للكنيسة وقتئذ صورتها الواضحة المحددة، فكان لها مجلس رسولي (Camera apostolica) يشرف على شئونها المالية، يرأسه حاجب بابوي (camerarius) لا يعلو عليه في المنزلة إلا البابا نفسه، ثم ديوان التوقيعات (Cancelleria) وله سبعة دوائر يديرها كردنال نائب عن البابا ويشرف على مراسلات الكرسي البابوي الكثيرة المعقدة، ثم مجلس القضاء البابوي المكون من رجال الدين وغير رجال الدين المتضلعين في قانون الكنيسة، ويشمل أيضاً مجمع الكرادلة- المكون من البابا وكرادلته والذي كان بمثابة محكمة استئناف، ثم مجلس التوبة الرسولي- وهو هيئة من رجال الدين تنظر في شئون الزواج، والحرمان من حظيرة الدين، واللعنة، ويستمع إلى اعترافات من يطلبون الغفران البابوي. واراد بندكت الثاني عشر أن يوجد مسكنا للبابا وأعوانه، ولتلك الوزارات، والهيئات، والموظفين، والخدم، فبدأ بتشييد قصر البابوات، وطائفة من الأبنية القوطية الطراز- تشمل حجرات للنوم، وأبهاء للمجالس، وأماكن للصلاة، ومكاتب- وتضم فنائين كبيرين، وتحيط بها أسوار قوية منيعة، يوحي ارتفاعها، وسمكها، وضخامة أبراجها، بأن البابوات إذا حوصروا لا يعتمدون في الدفاع عن أنفسهم على معجزة من السماء، وأتم إربان الخامس هذا البناء الضخم. ودعا بندكت الثاني عشر جيتو إلى القدوم لتزيين القصر والكنيسة الملاصقة له. واعتزم جيتو أن يجيب طلبه، ولكن المنية عاجلته، فاستدعى سيمون مارتيني من سينا، وأنشأ فيهما المظلمات التي محيت الآن والتي بلغ بها فن التصوير في أفنيون ذروة مجده. واجتمع حول هذا القصر، في قصور أخرى أقل منه شأنا، وبيوت كبيرة وصغيرة، وأكواخ حقيرة، عدد




صفحة رقم : 6397




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


كبير من رجال الدين، والمبعوثين، والمحامين، والتجار، والفنانين، والشعراء، والخدم، والجنود والمتسولين، والعاهرات على أختلاف طبقاتهن من المحظيات المثقفات إلى عاهرات الحانات. وسكن هنا لأول مرة أساقفة الطائفة غير المؤمنة الذين عينوا في المراكز التي آلت إلى غير المسيحيين.
وفي وسعنا نحن الذين اعتدنا الضخامة في كل شيء أن تتصور مقدار المال الذي لا بد منه لإقامة هذا الصرح الضخم وكل ما يحيط به: لقد كان عدد البابوات لا تكاد ترسل إليهم شيئاً، واقتصرت ألمانيا التي شجر النزاع بينها وبين يوحنا الثاني والعشرين على إرسال نصف الخراج الذي اعتادت أن ترسله، وأما فرنسا التي كادت البابوية تصبح أسيرة لها تحت رحمتها فقد خصت جزءاً كبيراُ من إيراد الكنيسة الفرنسية بالأغراض الدنيوية، واستدانت المبالغ الطائلة من البابوية لتمول بها حرب مائة السنين، وفرضت إنجلترا اشد القيود على تسرب الأموال إلى كنيسة كانت في واقع الأمر حليفة لفرنسا، واضطر بابوات أفنيون كي يواجهوا هذا الموقف 'لى أن يستغلوا كل مورد من موارد الثروة مهما يكن ضئيلا، ففرضت على كل أسقف أو رئيس دير، سواء كان معينا من قبل البابا أو أي أمير زمني، أن ينزل لمحكمة الكرسي البابوي عن كل إيراده لمدة سنة نظير تعيينه في منصبه، وأن يقدم هبات أخرى باهظة 'لى الوسطاء الذين أيدوا ترشيحه لمنصبه. فإذا ما أصبح رئيس أساقفة كان عليه أن يؤدي مبلغا كبيرا من المال ثمناً لصلبان الأسقفية- وهي منطقة من الصوف الأبيض يلبسها فوق الملحقة لتكون شعارا لمنصبه، فإذا ما اختير بابا جديد أرسل أصحاب كل مرتبة، وكل منصب من مراتب الكنيسة ومناصبها دخلهم كله مدة عام، ثم تابعوا بعد ذلك إرسال عشر إيرادهم كل عام، وكان ينتظر منهم فوق ذلك أن يرسلوا له تبرعات أخرى من آن إلى آن. وإذا ما مات كردنال،




صفحة رقم : 6398




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


أو كبير أساقفة، أو أسقف، أو رئيس دير عادت أملاكه الشخصية ,امواله المنقولة إلى البابوية، وفي الفترة التي يظل فيها المنصب شاغراً بين موت شاغله القديم وتعيين صاحبه الجديد كان البابوات يستولون على المراتب المقرر لهذا المنصب، ويؤدون نفقاته، وكان البابوات يتهمون بأنهم يتعمدون إطالة هذه الفترة. وكان كل من يعين في منصب من مناصب الكنيسة يعد مسئولاً عن الرسوم التي لم يؤدها سلفه. ولما كان الأساقفة ورؤساء الأديرة في كثير من الأحيان سادة إقطاعيين يمتلكون ضياعا أقطعها إياهم الملوك، فقد كان عليهم أن يؤدوا لهم الخراج، ويمدوهم بالجنود، ولهذا كان الكثيرين منهم يواجهون صعابا جمة في الوفاء بالتزاماتهم الدنيوية والدنيوية، وإذا كانت مطالب البابوية أشد صرامة من مطالب الدولة، فإننا نجد رجال الدين في بعض الأحيان يؤيدون الملوك ضد البابوات، وكان بابوات أفنيون يتجاهلون تجاهلاً تاما ما كان لمجالس الكنائس والأديرة من حقوق قديمة في اختيار الأساقفة ورؤساء الأديرة، وكانت هذه النصوص القديمة سببا آخر من اسباب غضب رجال الدين، وكانت القضايا التي تنظر فيها جهات القضاء البابوية تتطلب في العادة الاستعانة بالمحامين، وهي استعانة كبيرة النفقة، وكان على هؤلاء المحامين أن يؤدوا أجراً باهظاً في كل عام نظير حصولهم على ترخيص بالمرافعة أمام المحاكم البابوية. وإذا ما اصدر المجلس البابوي حكما أيا كان نوعه أو أدى خدمة ما لأي إنسان، فقد ينتظر ممن يفيد من هذا الحكم أو تلك الخدمة أن يقدم هدية للبابوية اعترافا منه بما عاد عليه من نفع، وحتى الإذن لشخص ما بأن يرسم قسا كان يبتاع بالمال. وكانت الحكومات الزمنية في أوربا تنظر بعين الخوف والسخط إلى أداة البابوات المالية(7).
وثار الاحتجاج من كل ناحية، ولم يكن أقلها عنفا ما جاء من رجال الكنيسة أنفسهم. من ذلك ما كتبه الحبر الأسباني ألفارو بلايو Alvaro Pelayo




صفحة رقم : 6399




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


هو من انصار البابوية الموالين لها في رسالة رثاء الكنيسة يظهر فيها اسفه ويقول "كلما دخلت حجرات رجال الدين في البلاط البابوي، رأيت السماسرة والقساوسة منهمكين في وزن المال وعده وهو مكدس أكداسا أمامهم... إن الذئاب هي المسيطرة على الكنيسة، وهي تطعم من دماء القطعان المسيحية(8(. وهال الكردينال نابليوني أرسيني Nopoleone Orsini أن يجد جميع أسقفيات إيطاليا موضعا للمبادلة أو دسائس الأسر في أيام كلمنت الخامس. وكتب إدورد الثالث ملك إنجلترا، وكان هو نفسه بارعا في فرض الضرائب- كتب يذكر كلمنت السادس أن "خليفة الرسل إنما جاء ليقود خراف الرب إلى المرعى لا ليجزها(9)، وسن البرلمان الإنجليزي عدة قوانين يحد بها من حق البابوات في فرض الضرائب في إنجلترا. وكان الجباة البابويون في ألمانيا يطاردون، ويقبض عليهم، ويسجنون، وتبتر أطرافهم ويشنقون في بعض الأحيان. وأقسم قساوسة كولوني، وبُن، وأكسانتن Xanten، ومينز في عام 1372 ألا يؤدوا العشور التي طلبها إليهم جريجوري الحادي عشر. وفي فرنسا حل الخراب بكثير من أملاك الكنيسة بسبب ما أصابها من كوارث الحرب، والموت الأسود، ونهب اللصوص وقطاع الطرق، وما كان يفرضه عليها جباة البابا، وهجر كثير من الأساقفة أبرشياتهم. ورد البابوات على هذه الشكاوي بقولهم ان الإدارة الكنسية تتطلب هذه الأموال كلها، وإن العمال الصالحين الذين لا يرتشون يندر وجودهم، وإنهم أنفسهم يخوضون بحارا من المتاعب. وأكبر الظن أن كلمنت السادس حين أقرض فليب السادس ملك فرنسا 592.000 فلورين ذهبي، (14.800.000 دولار) والملك جون الثاني 3.517.000 فلورين أخرى (أي 87.925.000 دولار) إنما فعل ذلك مرغما(10). واحتاج البابوات نفقات طائلة لاسترداد الولايات البابوية التي فقدوها




صفحة رقم : 6400




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


في إيطاليا، ولذلك كانت الخزانة البابوية تعاني عجزا دائما في إيرادها على الرغم من جميع ما فرضته من الضرائب، وأنقذ البابا يوحنا الثاني عشر تلك الخزانة بأن أدى إليها 440.000 فلورين من أمواله الخاصة، وباع إنوسنت السادس صحافة القضية، وجواهره، وتحفه الفنية، وأضطر إربان الخامس أن يقترض 30.000 فلورين من كرادلته، وكان جريجوري الحادي عشر عند موته مدينا بمائة وعشرين ألف فرنك.
ويقول الناقدون إن عجز مالية البابوات لا يرجع إلى النفقات المشروعة بل يرجع إلى ضروب البذخ التي كانت سائدة في بلاط البابوات وصنائعهم. فقد كان كلمنت السادس مثلا محوطاً بأقاربه من الذكور والإناث يرتدون أثمن الثياب والفراء، وبطائفة من الفرسان، والأتباع والجنود المسلحين، والقساوسة، والحجاب، ورجال التشريعات، والموسيقيين، والشعراء، والفنانين، والاطباء، والعلماء، والخياطين، والفلاسفة، والطباخين من كانوا موضع حسد الملوك. وكان هؤلاء جميعاً البالغ عددهم قرابة أربعمائة شخص يطعمون، ويكتسون، ويسكنون، ويتقاضون مرتبات من بابا مولع بالإسراف لم يعرف في يوم من الأيام ماذا يتطلبه جمع. وكان كلمنت يرى نفسه حاكما من واجه أن يقذف الرعب في قلوب رعاياه، وأن يؤثر في نفوس السفراء بضروب "الاستهلاك البادي للعيان" كما يفعل الملوك. وكان لا بد للكرادلة أيضاً، وهم مجلس الدولة الملكي وأمراء الكنيسة في الوقت عينه، أن يكون لهم ما يليق بمكانتهم وسلطانهم من مظاهر، فكانت حاشيتهم، وبطانتهم، ومآدبهم حديث أهل المدينة. ولعل الكردنال برنارد الجرفيزي Bernard of Garves قد جاوز في التنعم والأبهة الحد المعقول حين أستأجر واحدا وخمسين مسكنا تقيم فيها حاشيته، وفعل فعله الكردنال بطرس البنها كي Peter of Banhac الذي كان في خمسة من اسطبلاته العشرة تسعة وثلاثون حصاناً من أحسن




صفحة رقم : 6401




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


طراز منعمة مستريحة. ونهج هذا النهج عينه الأساقفة أنفسهم، وكانت لهم هم أيضاً قصور فخمة مليئة بالمهرجين، والبزاة، والكلاب، على الرغم من احتجاج المجالس المقدسة في الأقاليم.
وتخلقت أفنيون وقتئذ بأخلاق حاشية الملوك وآدابها. فانتشرت فيها ضروب الخسة والسفالة، يشهد بذلك ما كتبه جويوم دوران Guillaume Durand أسقف مندى Mende إلى مجلس فينا يقول: قد يكون إصلاح الكنيسة كلها مستطاعا إذا بدأت كنيسة روما تطهر نفسها مما فيها من قدوة سيئة... تصم رجالها وصمة تتسرب عدواها إلى الناس كلهم... ذلك أن كنيسة الله المقدسة، وخاصة كنيسة روما أقدسها جميعا، قد ساءت سمعتها... في كل مكان، وأخذ الناس جميعا يصيحون ويذيعون في الخارج أن كل من تضمهم إلى صدرها من أعلاهم إلى أقلهم شأنا قد امتلأت قلوبهم طمعا... ومن الأمور الواضحة التي تلوكها الألسنة أن جميع المسيحيين يتخذون رجال الدين أسوأ قدوة لهم في الجشع، لأن هؤلاء الرجال يأكلون من موائد اشد ترفا وأعظم فخامة، وأكثر صحافا من موائد الأمراء والملوك(11).
واستنفد بترارك، وهو من دانت له أساليب البلاغة، كل ما في معاجم اللغة من الفاظ السباب التي وصم بها أفنيون فقال عنها إنها:
بابل العاصية، جحيم الأرض، بالوعة الرذيلة، ومستودع أقذار العالم. لا تجد فيها إيماناً، ولا إحساناً، ولا ديناً، ولا خوفاً من الله...لقد تجمعت فيها جميع أقذار العالم وخباثته... ترى كبار السن من رجالها يندفعون غير مبالين إلى أحضان فينوس، لا يبالون بكبر سنهم أو كرامتهم، أو مالهم من سلطان، بل يرتكبون كل عار، كأن مجدهم كله لا يعتمد على صليب المسيح، بل يقوم على المأكل والمشرب، والسكر، والدعارة ... فالفسق، ومضاجعة المحارم، وهتك الأعراض، والزنا هي أعظم المباهج الشهوانية لمهازل رؤساء الكنيسة(12).




صفحة رقم : 6402




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


وليس في مقدورنا أن نغض الطرف عن هذه الشهادة الصادرة من شاهد عيان لم يحد طوال حياته عن طريق الدين، وإن لم تخل من المبالغة والحقد الشخصي. ومن واجبنا فوق ذلك أن نقص منها بعض الشيء لصدورها من رجل يبغض أفنيون لأنها اختطفت البابوبة من إيطاليا، وكان يطلب الهبات من بابوات أفنيون، وينال منها الكثير، ويطلب المزيد، رجل رضى أن يعيش مع السفاح فيكونتي عدو البابوية، وكان له هو نفسه ولدان غير شرعيين. ولم تكن الأخلاق في روما، التي كان بترارك يلح على البابوات في أن يعودوا إليها، خيراً مما كانت في أفنيون وقتئذ، إلا لأن الفقر كان معواناً على العفة. ولم تصف القديسة كترين السنائية أفنيون بالوضوح الذي وصفها به بترارك، ولكنها أخبرت جريجوري الحادي عشر أنها إذا جاءت إلى البلاط البابوي كانت "خياشيمها تقتحمها روائح الجحيم"(13).
ووجد في هذا الانحلال الأخلاقي بابوات كثيرون خليقون بمنصبهم الرفيع، يفضلون آداب المسيح على آداب زمانهم. وإذا ذكرنا أنه لم يوجد بين بابوات أفنيون السبعة إلا واحد عاش معيشة اللذة الدنيوية، وواحد آخر هو يوحنا الثاني والعشرون، أخذ نفسه بحياة الزهد والتقشف مهما يكن من شراهته وقسوته، وآخر هو جرجوري الحادي عشر كان في السلم مضرب المثل في التقوى وسمو الأخلاق وإن كان في الحرب قاسياً لا يرحم، وأن ثلاثة-بندكت الثاني عشر، وإنوسنت السادس، وإربان الخامس يكادون يكونون في حياتهم قديسين أطهاراً- إذا ذكرنا هذا لم يكن من حقنا أن نلقى تبعة جميع الرذائل التي تجمعت في أفنيون البابوية على كاهل البابوات. لقد كانت الثروة سبب هذه الرذائل، وقد كانت لها هي هذه النتائج بعينها في أماكن أخرى- في روما أيام نيرون، وروما أيام ليو العاشر، وباريس في عهد لويس الرابع عشر، ونيويورك وتشكاجو في هذه الأيام، وكما أننا نجد الكثرة الغالبة من رجال هاتين المدينتين الأخيرتين




صفحة رقم : 6403




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الأسر البابلي


ونسائهما تعيش عيشة صالحة طيبة، أو ترتكب ما ترتكبه من الآثام في اعتدال، فإن من حقنا أن نفترض أن المحامي المعوج، والقاضي غير النزيه، والكردنال الذي يريد الدنيا، والقس الذي لا يراعى واجبات مهنته، كانوا شواذاً يبرزون في وضوح أكثر مما يبرز أمثالهم في أي مكان آخر، لنه كان يشرف عليهم ويصفح عنهم في بعض الأحيان كرسي الرسول، غير أن هذه الفضائح كان فيها من الحقيقة ما يكفي إذا ضم إلى فرار البابوات من روما للقضاء على منزلة الكنيسة وسلطانها. وكأنما أراد بابوات أفنيون أن يحققوا ظن الناس فيهم، بأنهم لم يعودوا كما كانوا قوة عالمية، بل أضحوا آلات طيعة في يد فرنسا، فاختاروا 113 كردنالا فرنسياً لمجمع الكرادلة المؤلف من 134 كردنالا(14). وكان هذا من أسباب تغاضي الحكومة الإنجليزية عن هجمات ويلكف Wyclif القاسية على البابوية. كذلك رفض الناخبون الألمان بعد ذلك الوقت كل تدخل من جانب البابوات في انتخاب ملوكهم وأباطرتهم، ولما أن رفض رؤساء الأديرة في اسقفية كولوني عام 1372 أن يؤدوا العشور إلى البابا جريجوري الحادي عشر، أعلنوا جهرة أن الكرسي الرسولي قد أنحط إلى الدرك الأسفل من الاحتقار، حتى بدأ أن المذهب الكاثوليكي في تلك الديار مهدد باشد الأخطار. أما غير رجال الدين فهم في حديثهم عن الكنيسة يظهرون لها ضروب الاحتقار، لأنها تخلت عما تعودته في الأيام الماضية، فلا تكاد تختار رسلها من الواعظين أو المصلحين، بل تختارهم من الرجال المتباهين، الماكرين، الأنانيين، الشرهين. ويقد بلغت الحال من السوء درجة ينذر معها أن تجد مسيحيين إلا بالاسم"(15).
لقد كان الأسر البابلي للبابوات في أفنيون، وما تلاه من انقسام في البابوية، هو الذي مهد السبيل إلى الإصلاح الديني، وكانت عودة البابوات إلى إيطاليا هي التي أرجعت لهم مكانتهم وأجلت الكارثة التي حلت بهم قرنا من الزمان.




صفحة رقم : 6404




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الطريق إلى رومة



الفصل الثاني




الطريق إلى روما


وكانت منزلة الكنيسة في إيطاليا أقل منها في أي بلد آخر. وكان من أسباب ذلك أن بندكت الثاني عشر أراد أن يخضد شوكه لويس صاحب بافاريا الثائر فايد في عام 1342 جميع السلطات التي انتحلها طغاة المدن اللمباردية متحدياً بذلك دعوى الإمبراطورية وثار لويس لهذا العمل فأيد من قبل الإمبراطورية الطغاة الذين اغتصبوا الولايات البابوية(16). وسخرت ميلان من البابوات، علانية، ولما أن أرسل إليها إريان الخامس في عام 1362 مندوبين يحملان قرارات الحرمان للفسكونتي أرغمهم برنابو Bernabo على أن يأكلوا القرارات بما فيها من رقوق، وخيوط حريرية، ,اختام من الرصاص(17). وكانت صقلية منذ عام 1282 قد ظلت تعادي البابوات جهرة.
وجهز لمنت السادس جيشاً ليسترد به الولايات البابوية، ولكن خليفته إنوسنت السادس هو الذي ردها إلى طاعته مؤقتاً. ويكاد إنوسنت هذا أن يكوناً طيباً للبابوات. ذلك أنه بعد أن حبا عدداً قليلاً من أهله ببعض المناصب اعتزم أن يقف سيل المحسوبية الكهنوتية والفساد، وقضى على مظاهر الترف والفخفخة والإسراف في البلاط البابوي، وأقصى الجيش العرمرم من الخدم الذين كانوا يحيطون بكلمنت السادس، وطرد العدد الجم من طلاب المناصب، وأمر كل قس أن يقيم في مقر عمله، وعاش هو نفسه معيشة الاستقامة والاعتدال. وكان يعتقد أن السبيل الوحيدة لإعادة سلطان الكنيسة هي تحريرها من سلطان فرنسا، وعودة البابوية إلى إيطاليا. ولكن الكنيسة إذا خرجت من فرنسا يتعذر عليها




صفحة رقم : 6405




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الطريق إلى رومة


الاحتفاظ بكيانها بغير الإيراد الذي كان يصل إليها من الولايات البابوية، ومع أن أنوسنت نفسه رجل سلم فقد رأى أن لا سبيل لاستعادة تلك الولايات إلا الحرب.
وعهد بهذه المهمة إلى رجل أوتى إيمان الأسبان وحماستهم، ونشاط الدمنيك، وفروسية عظماء قشتالة. ذلك هو جيل ألفارز كارلوده ألبرنوز Gil Alvarez Carillo de Albernoz. وكان جيل هذا جندياً في جيش الفنسو الحادي عشر صاحب قشتالة، ولم ينقطع عن الحرب بعد أن صار كبير اساقفة طليطلة، والآن وقد اصبح الكردينال إجديو دالبرتوز Egidio d'Albornoz فقد صار قائداً بارعاً. وقد اقنع جمهورية فلورنس- وكانت وقتئذ تخشى الطغاة وقطاع الطرق الذين كانوا يحيطون بها- أقنعها بأن تمده بما يلزمه من المال لتنظيم جيش. وافلح بالمفاوضات البارعة، الشريفة رغم براعتها، لا بالقوة، أن يخلع الطغاة الصغار الذي اغتصبوا الولايات البابوية طاغية بعد طاغية، ووضع لهذه الولايات "الدساتير الإجيدي" (1357) التي ظلت قانونها الأساسي حتى القرن التاسع عش، والتي كانت حلا وسطا عمليا بين الحكم الذاتي والولاء للبابوية. وتغلب على جون هوكوود John Hawkwood المغامر الإنجليزي الذائع الصيت، واسره، وقذف في قلوب زعماء عصابات المغامرين الخوف من مندوب البابا إن لم يكن من الله، واستعاد بولونيا من رئيس أساقفتها المتمرد، وأقنع أمراء ميلان أن يعقدوا الصلح مع الكنيسة، وتهيأت بذلك السبيل لعودة البابوات إلى إيطاليا.
وواصل إربان الخامس سياسة إنوسنت السادس الصارمة الإصلاحية، وبذل كل ما في وسعه لإعادة النظام والأمانة إلى رجال الدين وإلى البلاط البابوي، وقاوم شرف الكرادلة، وقضى على خداع المحامين، وجشع المرابين، وابتزازهم أموال المدنيين، وعاقب من يتجرون بالمقدسات




صفحة رقم : 6406




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الطريق إلى رومة


وبالمناصب الكهنوتية، وضم إلى خدمته رجالاً من ذوي الأخلاق الممتازة، والعقول الراجحة، وأنفق من ماله الخاص على ألف طالب في الجامعات، وأنشأ كلية جديدة في منبلييه، وأمد بالمال كثيرين من العلماء، وأراد أن يتوج أعماله البابوية فأعتزم أن يعبد مقرها إلى روما. وارتاع الكرادلة حين علموا بهذه النية، لأن الكثيرين منهم كانت أصولهم ومواضع حبهم في فرنسا، وكانوا مكروهين في إيطاليا، وتوسلوا إليه ألا يلقي بالا إلى مطالب القديسة كترين أو إلى بلاغة بترارك. وشرح لهم إربان الفوضى التي كانت ضاربة أطنابها في فرنسا- التي كانت مليكها أسيراً في إنجلترا، وجيوشها محطمة، والإنجليز يستولون على أقاليمها الشمالية، ويقتربون يوماً بعد يوم من أفنيون، ترى ماذا تعمل إنجلترا إذا انتصرت البابوية التي كانت تخدم فرنسا وتمدها بالمال؟
ونفذ البابا ما اعتزمه فأبحر من مرسيليا في اليوم الثلاثين من إبريل عام 1367 تحرسه عدة سفن شراعية إيطالية مفعمة قلوب من فيها بهجة، ودخل روما في السادس عشر من شهر إكتوبر وسط مظاهر الترحيب الذي وصل إلى عنان السماء، ومن العامة، ورجال الدين، والأشراف، وأمسك الأمراء الإيطاليون بزمام البغل الأبيض الذي كان يمتطيه، وانطلق لسان بترارك بالشكر للبابا الفرنسي الذي جرؤ على الإقامة في إيطاليا. وكانت روما وقتئذ مقفرة وإن كانت سعيدة: فقد أفقرها انفصالها الطويل الأمد عن البابوية، وهجر المصلون نصف كنائسها وتهدمت، وتخربت كنيسة القديس بولس، وكانت كنيسة القديس بطرس توشك أن تنهار في أية لحظة، وقصر لاتيران قد دمرته النار منذ عهد قريب، والقصور لا تقل تهدماً عن المساكن الصغيرة، وانتشرت المستنقعات فحلت محل البيوت، وتكدست الأقذار في الشوارع والميادين(18). وأصدر إربان الأوامر ببناء القصور البابوية ورصد لها الأموال. ولم يطق صبراً على منظر روما،




صفحة رقم : 6407




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الطريق إلى رومة


فاتخذ مسكنه في مونتي فياسكوني Montefiascone ولكن ذكريات أفنيون وترفها وفرنسا المحبوبة أقضت مضجعه ونغصت عليه حياته. وترامت أنباء تردده إلى بترارك، فأخذ يحثه على أن يصر على ما عقد عليه نيته، وتنبأ القديس بردجت St Bridget السويدي بأن البابا سيموت من فوره إذا غادر إيطاليا، وعمل الإمبراطور شارل الرابع على تقوية عزيمته، فأيد استعادة البابا لإيطاليا الوسطى، وجاء خاشعا إلى روما (1368)، ليقود جواد البابا من كنيسة القديس إنجيلو إلى كنيسة الرسول بطرس، ووقف على خدمته أثناء القداس. وتوجه البابا في حفل خيل إلى الجمع المحتشد المبتهج أنه يحسم النزاع القديم بين الإمبراطورية والبابوية. فلما كان اليوم الخامس من سبتمبر عام 1370 أقلع إربان إلى مرسيليا، ولعله بعمله هذا قد خضع إلى رغبة كرادلته الفرنسيين، وادعى أنه يريد إعادة السلام بين إنجلترا وفرنسا. ووصل في السابع والعشرين من هذا الشهر نفسه إلى أفنيون حيث وافته المنية في التاسع عشر من ديسمبر، وهو يرتدي ثياب راهب بندكتي، ويرقد على أريكة حقيرة، وكان قد أمر بأن يسمح بكل من شاء بالدخول عليه، حتى يستطيع الناس جميعاً أن يروا أن عظمة أجل الناس مقاما ليست إلا بهرجا كاذبا قصير الأمد.
وكان كلمنت السادس البابا الظريف قد عين جريجوري الحادي عشر أبن أخيه كردنالا وهو في الثامنة عشر من عمره، ورسم قسا في التاسع والعشرين من ديسمبر عام 1370، ثم اختير بابا في الثلاثين من ديسمبر وهو في سن التاسعة والثلاثين. وكان غزير العلم، مولعا بشيشرون، وقد جعلته الأقدار رجل حرب وكفاح، قضى مدة بابويته في إخماد الثورات العنيفة. ذلك أن غربان الخامس كان يخشى ألا يثق البابا الفرنسي بالإيطاليين، فاختار عدداً كبيراً من الفرنسيين مندوبين عنه لحكم الولايات البابوية. ووجد هؤلاء الحكام أنفسهم في بيئة معادية لهم فشادوا الحصون لمقاومة الشعب، وجاءوا بأعوان لهم كثيرين من الفرنسيين، وفرضوا




صفحة رقم : 6408




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الطريق إلى رومة


ضرائب باهظة، وآثروا الغطرسة على الكياسة والدهاء. وحدث أن أخذ ابن أخ للمندوب البابوي في بروجيا يطارد امرأة متزوجة مطاردة بلغ من عنفها أن سقطت المرأة من نافذة وقضت نحبها وهي تحاول الفرار منه. ولما جاء وفد إلى المندوب البابوي يطلب إليه عقاب أبن أخيه رد عليه بقوله "علام هذه الجلبة كلها؟ هل تظنون أن الفرنسي خصى؟"(20) وأثار مندوبو البابا بوسائل كثيرة متنوعة كراهية الشعب إلى حد دفع كثيراً من الولايات إلى الانتفاض عليهم في عام 1375 واحدة بعد واحدة. ورفعت القديسة كترين صوتها نائبة عن إيطاليا فألحت على جريجوري أن يعزل أولئك "الرعاة الأشرار الذين يسممون حديقة الكنيسة ويعيثون فيها فسادا"(21): وتزعمت فلورنس هذه الحركة وهي التي كانت في العادة حليفة البابوية، ونشرت راية حمراء كتبت عليها بأحرف ذهبية كلمة الحرية، فلم يحل عام 1376 حتى لم يبق مواليا للبابا من مدن إيطاليا إلا واحدة بعد أن كان عدد المدن التي تعترف للبابا بزعامته المدنية والروحية أربعا وستين مدينة في عام 1375، وخيل إلى العالم أن جميع ما عمله ألبرنوز قد ذهب أدراج الرياح، وأن البابوية قد خسرت مرة أخرى جميع إيطاليا الوسطى:
واتهم جريجوري، بإيعاز الكرادلة الفرنسيين، أهل فلورنس بأنهم يتزعمون الثورة عليه، وأمرهم بالخضوع إلى المندوب البابوي، فلما عصوا امره حرمهم من الدين، ومنع إقامة الخدمات الدينية في مدينتهم، واصدر مرسوماً يعلن فيه أن جميع الفلورنسيين خارجون عن القانون، وأحل لأي إنسان في أي مكان أن يستولي على أملاكهم ويتخذهم أرقاء. وحاق الخطر الانهيار بصرح التجارة والمال الفلورنسي كله، واعتقلت إنجلترا وفرنسا من فورهما من فيهما من الفلورنسيين واستولتا على أملاكهم وكان رد فلورنس على هذا أن صادرت جميع أملاك الكنيسة




صفحة رقم : 6409




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الطريق إلى رومة


الموجودة في أراضيها، وهدمت مباني محكمة للتفتيش، وأغلقت أبواب المحاكم البابوية، وزجت في السجن، وشنقت في بعض الأحيان، القساوسة المعاندين، وبعثت بنداء إلى أهل روما تدعوهم فيه أن ينضموا إلى الثورة، ويقضوا على جميع ما للكنيسة في إيطاليا من سلطة زمنية. وبينما كانت روما لا تزال تتردد في الأمر، إذ قطع جريجوري لزعمائها وعدا صريحا بان يعيد البابوية إلى روما إذا ظلت موالية له. وقبل أهل روما هذا الوعد واعتصموا بالسلم.
وكان البابا في خلال ذلك قد سير إلى إيطاليا قوة من الجنود البريطانيين المرتزقين الجفاة بقيادة "الكردنال المندوب البابوي ربرت من أهل جنيفا"(22). وخاض ربرت غمار الحرب بوحشية لا يكاد يصدقها عاقل، من ذلك أنه لما استولى على كازينا Casena بعد أن قطع على نفسه عهدا بالعفو عن أهلها قتل بالسيف كل من كان فيها من رجال ونساء وأطفال(23). وكان جون هوكودك يقود جنود المرتزقة في خدمة الكنيسة، فذبح هو الآخر في فائندسا Faenza أربعة آلاف من أهلها لارتيابه في أن البلدة تريد الانضمام إلى الثورة. وارتاعت القديسة كترين السينائية من هذه الأعمال الوحشية، ومن مصادرة الأملاك من الجانبين، ومن انقطاع الخدمات الدينية في جزء كبير من إيطاليا، فكتبت إلى جريجوري تقول:
نعم أن عليك أن تسترد الاملاك التي خسرتها الكنيسة، ولكن عليك أكثر من هذا أن تسترد جميع الخراف التي هي كنز الكنيسة الحقيقي والتي تحل بها الفاقة بحق إذا خسرتها... عليك أن تضرب الناس بسلاح الصلاح، والحب، والسلم، فإذا فعلت كسبت به أكثر مما تكسب بسلاح الحرب. وأنا حين أسال الله عن خير الطرق لنجاتك، وإعادة الكنيسة إلى حالها الأولى، وعودة العالم أجمع، لا أجد جواباً غير كلمة السلم! السلم! فبحق المنقذ المصلوب عد إلى السلم(34)!




صفحة رقم : 6410




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الطريق إلى رومة


ودعتها فلورنس إلى أن تكون مع وفدها المرسل إلى جريجوري، فقبلت الدعوة، وسافرت، وانتهزت هذه الفرصة لتندد بأخلاق أفنيون، وبلغ من صرامتها في هذا التنديد أن طالب الكثيرون بالقبض عليها، ولكن جريجوري حين ترامى إليه أن روما تنظم إلى الثورة إذ لم يعجل بالمجيء إليها اقلع من مرسيليا ووصل إلى روما في السابع عشر من يناير سنة 1377، وربما كان من اسباب سفره أنه تأثر بدعوة كترين. ولم يرحب بعودته جميع الأهلين لأن نداء فلورنس أثار في هذه المدينة المنحلة ذكريات للجمهورية القديمة، وجاءت النُّذر إلى جريجوري أن حياته غير آمنة في عاصمة العالم المسيحي القديمة. فانتقل منها إلى أناني في شهر مايو.
وكأنه الآن قد خضع آخر الأمر إلى رجاء كثيرين، فتحول من الحرب إلى الدبلوماسية. وأخذ عماله يشجعون الجماهير في المدن على أن يقبلوا حكوماتهم المتمردة. وكانت تلك الجماهير تتوق إلى مصالحة الكنيسة، ووعد جميع المدن التي تعود إلى الولاء له بأن تكون لها حكومة ذاتية تحت رياسة نائب عن البابا تختاره هي بنفسها. وقبلت المدن هذه الشروط واحدة في أثر واحدة، واتفقت فلورنس مع جريجوري في عام 1377 على أن يحكم برنابو فيكونتي في النزاع القائم بينهما. وأقنع برنابو البابا بأن يهبه نصف الغرامة التي قد يفرضها على فلورنس، فلما وافق على ذلك أمر المدينة بأن تؤدي للكرسي المقدس غرامة قدرها 800.000 فلورين (20.000.000 دولار). ورأت فلورنس أن حلفائها قد تخلوا عنها فخضعت لهذا الأمر وهي كارهة مغضبة، ولكن البابا إربان السادس خفض الغرامة إلى 250.000 فلورين.
ولم يعش جريجوري حتى يشهد نصره، فقد عاد إلى روما في السابع




صفحة رقم : 6411




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الطريق إلى رومة


من نوفمبر عام 1377، وكان يعاني آلام المرض حتى وهو في أفنيون، وتأثر بالشتاء الذي قضاه في إيطاليا الوسطى، وأحس بدنو أجله، وخشي أن يقطع النزاع القائم بين فرنسا وإيطاليا للسيطرة على البابوية أوصال الكنيسة، فأعد العدة في التاسع عشر من مارس عام 1378 لاختيار خلفه على الفور، وتوفى بعد ثمانية أيام من ذلك الوقت وهو يحن إلى أرض فرنسا الجميلة.




صفحة رقم : 6412




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الحياة المسيحية



الفصل الثالث




الحياة المسيحية




1300 - 1424


سنرجئ إلى باب آخر بحثنا في دين الشعب وأخلاق رجال الدين، ولكننا نلاحظ في هذا الفصل ظاهرتين مختلفتين من ظواهر الحياة المسيحية في إيطاليا خلال القرن الرابع عشر هما محكمة التفتيش والقديسون. والإنصاف يقتضينا أن نذكر أن الكثرة الغالية من المسيحيين كانت تعتقد وقتئذ أن الكنيسة التي أقامها أبن الله، وأنه هو الذي وضع عقائدها الأساسية، ومن ثم فأن أية حركة تقوم للقضاء عليها- أياً كانت الأخطاء التي يرتكبها الآدميون الذين يصرفون شئونها-إنما هي خروج على السلطة القدسية وخيانة للدولة الزمنية التي كانت الكنيسة درعها الأخلاقي الواقي. وإذا لم تثبت هذه الفكرة الأساسية في عقولنا لم نستطع فهم تلك الوحشية التي دفعت رجال الدين وغير رجال الدين إلى الاشتراك معا في القضاء على دعوة الإلحاد التي أثار عجاجها (حوالي عام 1303) دلتشينو النوفاري Dolcino of Novara وأخته الحسناء مرجريتا Margherita.
وقد قسم دلتشينو التاريخ، كما قسمه يواقيم الفلوري Joachim of Flora إلى فترات شهدت الفترة الثالثة منه الممتدة من عهد البابا سلفستر الأول (314-335) إلى 1280 فساد الكنيسة بسبب ما كان لها من ثراء دنيوي. ويقول دلتشينو إن البابوات جميعا من أيام سلفستر كانوا غير مخلصين إذا استثنينا منهم سلستين الخامس Celestine وكان الرهبان بندكت، وفرانسس، ودمنيك قد بذلوا محاولات نبيلة لتخليص الكنيسة من عبادة المال وإعادتها إلى عبادة الله، ولكنهم أخفقوا في هذه




صفحة رقم : 6413




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الحياة المسيحية


المحاولات، وأضحت البابوية في عهد بنيفاس الثامن هي العاهر التي وصفها سفر الرؤيا. وتزعم دلتشينو طائفة جديدة من الأخوان تدعى "إخوان بارما الرسوليين" رفضت سلطات البابوات، وورثت خليطاً من العقائد عن الباتارينيين Patarines، والولدنسيين Weldenses، والفرنسيس الروحيين. وكانوا يدعون أنهم يلتزمون بالعفة المطلقة، ولكن كل واحد منهم كان يعيش مع امرأة يسميها أخته. وأمر كلمنت الخامس محكمة التفتيش أن تحاكمهم، ولكنهم رفضوا المثول أمامها، وسلحوا أنفسهم، واتخذوا موقفهم في أسفل جبال الألب البيدمنتية. وسيرت محكمة التفتيش عليهم جيشا، ونشبت بين الجانبين معارك حامية الوطيس، وانسحب الإخوان إلى ممرات في الجبال حوصروا فيها حتى نفذ طعامهم، فأخذوا يأكلون الفئران والكلاب، والأرانب البرية، والكلأ، ثم هوجم معقلهم الجبلي أخيراً، وخر ألف منهم قتلى وهم يحاربون، وحرق منهم عدة آلاف (1204). ولما سيقت مرجريتا إلى مكان الحرق، كانت لا تزال رائعة الجمال على الرغم من ذبول جسدها، وبلغ من جمالها أن عرض عليها رجال من ذوي المكانة أن يتزوجوها إذا تخلت عن إلحادها، ولكنها رفضت تلك العروض وأكلتها النار على مهل. واستبقى دلتشينو وزميل له يدعى لنجينو ليحاكما محاكمة خاصة، وأركبا عربة طافت بهما فرتشلي Vercelli، وقطع لحمهم جزءاً فجزءاً بالكلاليب أثناء هذا الموكب، وانتزعت أطرافهما وأعضاء تناسلهما من جسميهما ثم تركا آخر الأمر ليموتا(26).
ويلذ لنا أن نتحول عن هذه الوحشية إلى ما عكفت عليه المسيحية من بث روح التقوى والصلاح في نفوس الرجال والنساء. ذلك أن القرن الذي شهد ما حل بأفنيون من ضروب المحن والفساد أخرج أيضاً مبشرين أمثال جيوفني دا مونتي كرفينو Giovanni da Monte Corvino وأودريك




صفحة رقم : 6414




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الحياة المسيحية


البردينوني Oderic of Pordenone اللذين حاولا أن يهديا الهنود والصينيين إلى الدين المسيحي، ولكن الصينيين كما يقول إخباري فرنسيسي أصروا على اعتقادهم "الخاطئ بأن في وسع أي إنسان أن ينجو وهو في مذهبه(27). وكان ما أفاده العالم من هذين المبشرين في علم الجغرافية أكثر مما أفاده منهما في شئون الدين".
وولدت القديسة كترين السينائية، وعاشت، وماتت في غرفة وضيعة لا يزال يؤخذ إليها الزائرون. وساعدت من هذه البقعة الصغيرة من الأرض على تحريك البابوية وعلى أن تبث في أهل إيطاليا من التقوى ما بقى بعد ريناشيتا Rinascita وريزر جمنتو Risorgimento. وانضمت وهي في الخامسة عشرة من عمرها إلى طائفة التوبة التابعة للقديس دمنيك، وكانت هذه الطائفة منظمة "ثلاثية" لا تتألف من رهبان او راهبات، بل تتألف من رجال ونساء يعيشون كما يعيش أهل الدنيا، ولكنهم يخصصون حياتهم قدر استطاعتهم لأعمال الدين والبر. وكانت كترين تعيش مع أبويها، ولكنها جعلت حجرتها أقرب ما تكون إلى خلود الزهاد، وانهمكت في الصلوات والتأملات الصوفية لا تكاد تترك حجرتها إلا للذهاب إلى الكنيسة. وقلق ابواها واضطربا لتفكيرها المتصل في شئون الدين وخشيا أن يؤثر ذلك في صحتها، فكانا يعهدان إليها بأشق أعمال البيت، ولكنها كانت تؤديها بلا ملل ولا شكوى وتقول: "أني أخصص في قلبي ركناً صغيراً ليسوع"(28). وظلت محتفظة بصفاء كصفاء الأطفال. وبينما كان غيرها من البنات يبحثن عن جميع المباهج، والشكوك، والنشوة في الحب "الدنس"، كانت هي تبحث عنها وتجدها في الخشوع للمسيح، وكانت وهي في عنفوان هذه التأملات المتزايدة أثناء عزلتها تفكر في المسيح وتتحدث اليه كأنه حبيبها السماوي، وتتبادل القلب معه، وترى نفسها في الرؤيا كأنها قد تزوجته، وأطالت التفكير في جراح المصلوب




صفحة رقم : 6415




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الحياة المسيحية


الخمسة، كما أطال التفكير القديس فرانسس، حتى كانت تشعر بهذه الجراح في يديها وقدميها وجنبيها. ونبذت كل شهوات البدن، وكانت ترى فيها وسوسة من الشيطان، وأساليب خبيثة لحرمانها من ذلك الحب الذي تنهمك فيه وحده.
وقفت ثلاث سنين لا تكاد تتصرف فيها عن وحدتها وتقواها، أحست بعدها أن في مقدورها أن تخرج آمنة إلى حياة المدينة، وكما أنها كرست أنوثتها للمسيح، فقد خصت ما انطوت عليه من حنان الأمهات إلى العناية بالمرضى، والمعوزين من اهل سينا، فكانت تبقى إلى آخر لحظة مع ضحايا الطاعون، وتواسي بروحها المحكوم عليهم بالإعدام من المجرمين حتى ينفذ فيهم حكم الإعدام(29). ولما توفى والداها وتركا لها ميراثاً صغيراً، وزعته على الفقراء، وكان وجهها، وإن شوهه الجدري، نعمة وبركة لكل من شاهدها. وكان الشبان ينبذون، بكلمة تصدر منها، ما اعتادوه من تجديف، كما كان الكبار يستمعون إلى فلسفتها الساذجة الصادقة فتذوب منها شكوكهم. وكان من رأيها أن جميع شرور الحياة إنما هي نتيجة لخبث الإنسان، ولكن جميع خطايا البشر ستمحى وتزول في بحر الله، وستزول شرور العالم كله إذا رضى الناس أن يعتادوا حب المسيح. وآمن كثيرون من الناس بها، وبعثت إليها مونتي بلشيانو Montepulciano تدعوها لتزيل الخصام بين أسرتيها المتعاديتين، وكانت مدينتا بيزا ولوكا تستنصحانها، ودعتها فلورنس لأن تنضم إلى وفد ترسله إلى أفنيون، وهكذا استدرجت شيئاً فشيئاً إلى شؤون العالم.
وهالها ما شهدته في إيطاليا وفرنسا: فقد رأت روما قذرة، مهجورة، ورأت إيطاليا وقد انفصلت عن كنيسة هجرتها إلى فرنسا، ورأت رجال الدين وقد فقدوا بحبهم الدنيا احترام غير رجال الدين، ووجدت فرنسا وقد خربت نصفها الحروب، وحملتها ثقتها برسالتها القدسية على




صفحة رقم : 6416




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الحياة المسيحية


أن تندد بالمطارنة والأحبار في وجوههم، وتقول لهم إن عودتهم إلى روما وإلى الحياة الصالحة هي وحدها التي يمكن أن تنقذ الكنيسة مما هي فيه، وإذ كانت هي نفسها عاجزة عن الكتابة، فقد أخذت وهي فتاة في السادسة والعشرين من عمرها تملئ بلغتها الإيطالية البسيطة الرنانة رسائل صارمة ولكنها يسري فيها الحب تبعث بها إلى البابوات، والأمراء، والحكام، وتكاد تظهر في كل صفحة من صفحاتها تلك الكلمة التي كانت تنبئ بما سيكون وهي كلمة الإصلاح. وأخفقت في مسعاها مع رجال الحكم، ولكنها أفلحت مع الشعب. وابتهجت حين جاء إربان الخامس إلى روما، وحزنت حين غادرها، ثم عادت إلى الحياة النشيطة حين جاء إليها جريجوري الحادي عشر، وأسدت النصح الرشيد إلى إربان السادس، ولكنها روعت من وحشيته، ولما أن مزق أنقسام البابوية العالم المسيحي وفرقه شيعتين، كانت بين الضحايا الأولى لهذا النزاع الذي لا مبرر له، ذلك أنها قللت طعامها حتى لم يكن يزيد على بضع لقمات، وأوغلت في النسك إيغالا بلغ من شدته، كما تقول القصة، أن كان غذاؤها الوحيد هو الخبز المقدس الذي تتناوله أثناء العشاء الرباني. وكان من أثر هذا أن فقدت قدرتها على مقاومة المرض، كما أن الانقسام الديني أفقدها ارادة الحياة، فانتقلت إلى الدار الآخرة بعد عامين من هذا الانشقاق، وكانت وقتئذ في الثالثة والثلاثين من عمرها (1380). ولا تزال حتى اليوم قوة تعمل للخير في إيطاليا التي كانت تحبها لا تزيد عليها في ذلك إلا قوة المسيح والكنيسة.
وولد في ذلك العام نفسه وفي المدينة التي توفيت فيها كترين القديس برنردينو St. Bernerdino وصاغته وشكلته التقاليد التي خلفتها، فكان يقضي أيامه ولياليه أثناء الطاعون الذي فشا في عام 1400 في العناية بالمرضى، ولما انضم إلى طائفة الرهبان الفرنسيس ضرب لهم المثل في العمل بقوانين الطائفة والتقيد الشديد بها. وحذا كثيرون من الرهبان حذوه،




صفحة رقم : 6417




قصة الحضارة -> النهضة -> تمهيد -> البابوات في أفنيون -> الحياة المسيحية


وأنشأ من هؤلاء (1405) طائفة الفرنسيس الممتثلين Obbervantine Franciscans أي الأخوان اللذين يتقيدون تقيداً صارماً بقوانين تلك الطائفة، وخضعت له قبل موته ثلاثمائة من الأديرة.
وخلعت طهارة حياته ونبلها على مواعظه بلاغة لا تستطاع مقاومتها وكان في روما نفسها، التي كان أهلها أشد خروجاً على القانون من أهل أية مدينة أخرى في أوربا، يستدرج المجرمين إلى الاعتراف بجرائمهم، والخاطئين إلى التوبة من خطاياهم، والمتخاصمين الذين اعتادوا الخصام إلى أن يجنحوا للسلم. وأقنع برنردينو رجال روما ونساءها، قبل أن يحرق سقنرولا الأباطيل في فلورنس بسبعين عاماً، أن يلقوا بورق اللعب، والنرد، وتذاكر اليانصيب، والشَّعر المستعار، والصور والكتب البذيئة، وآلاتهم الموسيقية نفسها، في كومة كبيرة جنائزية على الكبتول حيث أشعلت فيها النار (1424). وأحرقت بعد ثلاثة أيام من ذلك العمل وفي الميدان نفسه فتاة اتهمت بالسحر، واحتشدت روما على بكرة أبيها لتشاهد المنظر(31).وكان القديس برنردينو نفسه "من أشد الناس اضطهاداً للإلحاد إرضاء لضميره".
وهكذا اختلط الطيب والخبيث، والجميل والمروع القبيح، في تيار الحياة المسيحية وفوضاها. وظلت الجماهير الساذجة من أهل إيطاليا قانعة بحالها التي كانت عليها في العصور الوسطى راضية عنها، أما الطبقتان الوسطى والعليا، وقد كادت تسكرهما خمرة الثقافة القديمة التي طال اختزانها في البلاد، فقد كان أفرادهما يغدون ويروحون تملأ أعطافهم الروح المتحمسة النبيلة لخلق النهضة والإنسان الحديث.




صفحة رقم : 6418




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> مسرح الحوادث



الكتاب الثاني




النهضة الفلورنسية




1378-1534




الباب الثالث




نشأة آل ميديتشي




1378-1464




الفصل الأول




مسرح الحوادث


أطلق الإيطاليون على هذا النضوج أسم الرناشيتا la Rinascita أي المولد الجديد، لأنه بدا لهم بعثا مظفرا للروح القديمة بعد أوقفت البربرية ف سبيلها مدى ألف عام . ذلك أن الإيطاليين كانوا يشعرون بأن العالم الروماني القديم قد قضت عليه غارات الألمان والهون في خلال القرن الثالث، والرابع، والخامس حين قضت يد القوطية الثقيلة على زهرة الفن الروماني والحياة الرومانية، وهي الزهرة التي كانت لا تزال جميلة وإن كانت آخذة في الذبول. وكان الفن »القوطي« قد كرر هذا الغزو في صورة فن من فنون العمارة مزعزع غير مستقر، فريب الزخرف، وفي صورة نحت خشن، فج، مكتئب، يمثل الأنبياء الصارمين، والقديسين الهزيلي الأجسام. أما الآن فقد كان من نعم الزمان أن أمتص الدم الإيطالي




صفحة رقم : 6419




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> مسرح الحوادث


الغالب القوي، أولئك القوط الملتحين واللمبارد »الطوال اللحى«، وبفضل فتروفيوس Vitruvius وخرائب السوق الرومانية، أقيمت من العمد القديمة ، وطيلاتها أضرحة وقصور وقورة، وبفضل بترارك ومائة غيره من العلماء الطليان أخذت الآداب القديمة التي كشفت كشفا جديداً تعير الأدب الإيطالي مصطلحات نثر شيشرون النقي الخالص ودقته، وموسيقى شعر فرجيل الرخيمة المطربة. وقدر لشمس الروح الإيطالية أن يخترق ضياؤها ضباب الشمال، وأن يفر الرجال والنساء من الخوف الذي سجنت في أرواحهم أثناء العصور الوسطى، وأن يعبدوا الجمال على اختلاف أشكاله، وأن يملئوا الجو ببهجة البعث الجديد، وأن تعود إيطاليا فتية مرة أخرى.
ولقد كان الرجال الذين يتحدثون هذا العصر قريبين من ذلك الحادث الجلل قربا لا يستطيعون مع أن يبصروا »المولد الجديد« في ملابساته التاريخية، أو يتبينوا عناصره المختلفة المحيرة. ولكن النهضة كانت تتطلب أكثر من إحياء القديم، كانت تتطلب أولا وقبل كل شئ المال- مال الطبقات الوسطى الرأسمالية العطن المتجمع من مكاسب المديرين الماهرين، والعمال المنخفضي الأجور، وكانت تتطلب رحلات تكتنفها الأخطار إلى بلاد الشرق، وجهودا مضنية لعبور جبال الألب لشراء السلع رخيصة وبيعها غالية، وتتطلب دقة وعناية في الحساب، والاستثمار، والقروض، وفوائد للأموال وأرباحا للمساهمين في المشروعات تتراكم حتى يتبقى منها بعد النفقات الخاصة، وبعد شراء أعضاء مجالس الشيوخ، والأمراء، والعشيقات، ما يكفي لأن يحول ميكل أنجلو، وتيشيان المال إلى جمال، ويعطرا الثراء بشذا انفاس الفن. ذلك أن المال أصل كل حضارة. وفي هذه النهضة بالذات كانت أموال التجار، ورجال المصارف، والكنيسة، تؤدي منها أثمان المخطوطات التي أحيت العهد القديم. على أن هذه المخطوطات لم تكن هي التي حررت عقل النهضة وحواسها،




صفحة رقم : 6420




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> مسرح الحوادث


بل كان الذي حررها هو النزعة الزمنية غير الدينية التي انبعثت من نشأة الطبقات الوسطى، وقيام الجامعات، وانتشار العلم والفلسفة، وما أثمرته دراسة القانون من تقوية الأذهان وتوجيهها وجهة واقعية، وما أدى إليه ازدياد العلم بالعالم من اتساع أفق العقل ومجاله. وارتاب الإيطالي المتعلم في قواعد الكنيسة التعسفية، ولم يرهبه الخوف من نار الجحيم، ورأى رجال الدين منهمكين في ملاذ الدنيا انهماك غيرهم من الناس، فحطم بذلك الإيطالي المتعلم الأغلال العقلية والخلقية، وتحررت حواسه من تلك القيود، فابتهجت في غير حياء بكل ما يمثل الجمال في المرأة، والرجل، والفن، وجعلته هذه الحرية الجديدة مبدعا خلاقا خلال قرن من الزمان عجيب (1343-1534)، قبل أن يقضي عليه مما انتشر فيه من فوضى أخلاقية، ونزعة فردية انحلالية، واسترقاق قومي، وكانت الفترة الواقعة بين العهدين هي النهضة.
ترى لم كان شمالي إيطاليا أو الأقاليم التي شهدت هذه اليقظة المزدهرة؟ الجواب عن هذا أن العالم الروماني لم يكن قد قضى عليه في هذا الجزء قضاء تاما، بل ظلت البلدان محتفظة فيه بكيانها القديم وذكرياتها القديمة، وأخذت وقتئذ تجدد قانونها الروماني. وكان الفن القديم قد بقى حيا في رومة، وفيرنا، ومانتوا، وبدوا، وكان مجمع الآلهة الذي أقامه أجربا Agrippa لا يزال يتخذ مكاناً للعبادة، وإن كان قد مضى عليه أربعة عشرة قرنا من الزمان، وفي السوق العامة يكاد الإنسان يسمع شيشرون وقيصر يتناقشان في مصير كاتلين Catiline. كذلك كانت اللغة اللاتينية لغة حية، ليست اللغة الطليانية إلا لهجة منها مرخمة. وبقيت الأرباب، والأساطير، والطقوس الوثنية، مائلة في ذاكرة الجماهير، أو قائمة في صور مسيحية وإيطالية تعترض البحر المتوسط، وتشرف على حوضه الذي قامت فيه الحضارة والتجارة القديمتان. كذلك كان




صفحة رقم : 6421




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> مسرح الحوادث


شمالي إيطاليا أكثر مدنا وحواضر واشتغالا بالصناعة من أي إقليم آخر في أوربا إذا استثنينا إقليم فلاندرز، ولم يعان هذا الإقليم من النظام الإقطاعي الكامل ما عاناه غيره من الأقاليم الأوربية، بل إنه أخضع أشرافه إلى مدنه وإلى طبقة التجار فيه. وكان هو الطريق الذي تنتقل فيه التجارة بين بقية إيطاليا وأوربا الواقعة وراء جبال الألب، وبين أوربا الغربية وشرق البحر المتوسط، وقد جعلته تجارته وصناعته أغنى إقليم في العالم المسيحي قاطبة. وكان تجاره المخاطرون يشاهدون في كل مكان من أسواق فرنسا إلى أبعد ثغور البحر الأسود، وقد اعتادوا معاملة اليونان، والعرب، واليهود، والمصريين، والفرس، والهنود، والصينيين والاختلاط بهم، فقدوا حدة عقائدهم التحكيم، ونقلوا إلى الطبقات المتعلمة في إيطاليا ذلك التهاون في العقائد، الذي نشأ بعدئذ في أوربا خلال القرن التاسع عشر من الاتصال المتزايد بالأديان الأجنبية. بيد أن حكمة التجار قد اجتمعت مع التقاليد القومية والمزاج والكبرياء القوميين لإبقاء إيطاليا كاثوليكية حتى في الوقت الذي كانت في وثنية. وأخذت الأموال البابوية تنساب إلى روما من ألف سبيل واردة من عشرات الضياع المسيحية، وفاضت أموال البابا على جميع أنحاء إيطاليا، وكافأت الكنيسة ولاء إيطاليا بالتسامح الكريم عن خطايا الجسد والتسامح الطيب (قبل مجلس ترنت الذي عقد في عام 1545) مع الفلاسفة الملحدين الذين يمتنعون عن تقويض تقي الشعب. ولهذه الأسباب كلها سبقت إيطاليا في الثروة والفن، والتفكير، بقية أوربا بمائة عام، ولم تزدهر النهضة في فرنسا، وألمانيا، وهولندة، وإنجلترا، وأسبانيا إلا في القرن السادس عشر حين أخذت النهضة تزول من إيطاليا. ذلك أن النهضة لم تكن فترة من الزمان، بل أسلوبا من أساليب الحياة والفكر يسير من إيطاليا إلى سائر أوربا متبعا طرق التجارة، والحرب، والأفكار.
واتخذت النهضة موطنها الاول في فلورنس لنفس الأسباب التي جعلت




صفحة رقم : 6422




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> مسرح الحوادث


مولدها في شمال إيطاليا. ذلك أن فيورندسا Fiorenza-أي مدينة الأزهار كانت في القرن الرابع عشر أغنى مدائن شبه الجزيرة الإيطالية ما عدا البندقية، وذلك بفضل تنظيم صناعتها، واتساع نطاق تجارتها، وأعمال رجال المال فيها. غير أنه بينما كان البنادقة في ذلك الوقت. يبددون جهودهم كلها تقريبا في الجري وراء اللذة والثروة، كان الفرنسيون يزدادون حدة في العقل، وقوة في الذكاء، وحذقا في كل فن، فجعلوا بذلك مدينتهم باعتراف الناس جميعا عاصمة إيطاليا الثقافية. ولعل نظامها الشبه الديمقراطي المضطرب كان من بواعث هذا الرقي. ذلك أن النزاع القائم بين الأحزاب المختلفة قد رفع حرارة الحياة والتفكير، فأخذت الأسر المتنافسة ينازع بعضها بعضا في رعاية الأدب كما كانت تتنازع على السلطان. وحدث آخر بواعث هذا الرقي- لا أولها-حين عرض كوزيمودة ميديتشي Cosimo de'Medici مصادر ثروته وغيرها من الأموال والقصور لإيواء مندوبي مجلس فلورنس واستضافتهم (1439). وكان الأحبار والعلماء اليونان الذين جاءوا إلى هذا المجلس ليبحثوا في إعادة الوحدة بين المسيحية الشرقية والغربية يعرفون من الأدب اليوناني أكثر مما يعرفه أي رجل في فلورنس في ذلك الوقت. وأخذ بعضهم يحاضر في فلورنس، وهرعت الصفوة الممتازة من أهل المدينة للاستماع إليهم. ولما أن سقطت القسطنطينية في أيدي الأتراك غادرها كثيرون من اليونان ليتخذوا مقامهم في المدينة التي وجدوا فيها حسن الضيافة قبل أربعة عشر عاما من ذلك الوقت. وحمل كثيرون معهم المخطوطات القديمة، وأخذ بعضهم يلقي المحاضرات في اللغة اليونانية أو في شعر اليونان وفلسفتهم. وهكذا نشأت النهضة في فلورنس بعد أن تجمعت فيها أسبابها من سبل كثيرة عظيمة الأثر، وأضحت هذه المدينة بذلك أثينة إيطاليا.




صفحة رقم : 6423




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الأساس المادي



الفصل الثاني




الأساس المادي


كانت فلورنس في القرن الخامس عشر دولة- مدينة لا تحكم مدينة فلورنس وحدها، بل تحكم معها (إلا في فترات قليلة) مدن براتوا Prato، وبستويا Pistoia، وبيزا وفلتيرا Volterra، وكرتوناCortona، وأردسو Arezzo والأراضي الزراعية الواقعة خلف هذه المدن. ولم يكن الفلاحون أرقاء أرض، بل كان بعضهم من صغار الملاك، وكانت كثرتهم من المستأجرين، يسكنون بيوتا من الحجارة الملتصقة بالأسمنت بطريقة خشنة ولا تفترق كثيرا عن بيوتهم في هذه الأيام، وكانوا يختارون بأنفسهم موظفي قراهم ليصرفوا شئونهم المحلية. ولم يكن مكيفلي يرى حطة في التحدث إلى هؤلاء »الفرسان« الشداد، فرسان الحقل، والبستان، والكرمة، ولكن كبار الحكام في المدن كانوا ينظمون شئون البيع والشراء، ويعملون على استرضاء العمال بخفض اثمان الطعام إلى الحد الذي يسبب البؤس للفلاحين، ومن أجل ذلك زاد النزاع القائم بين الريف والمدينة من حدة الأحقاد القائمة بين الطبقات المتعادية التي تضمها أسوار المدينة.
ويقول فلاني إن مدينة فلورنس نفسها كانت تضم في عام 1343 حوالي 91.500 من الأنفس، وليس لدينا تقدير لسكانها في سني النهضة المتأخرة نستطيع أن نثق به كما نثق بتقدير فلاني، ولكن في مقدورنا أن نفترض أن سكانها قد ازدادوا بسبب اتساع نطاق التجارة وازدهار الصناعة. وكان نصف سكان المدينة من المشتغلين بالصناعات، وكانت صناعات النسيج وحدها تضم في القرن الثالث عشر ثلاثين ألفاً من الرجال والنساء يعملون في مائتي




صفحة رقم : 6424




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الأساس المادي


مصنع(1). ونال فردريجو أريتشيلاري Frederigo Oricellarii لقبه هذا لأنه جاء معه من بلاد الشرق بصبغة بنفسجية (أركيلا Orchella). وقد أحدث استخدامها انقلاباً في صناعة الصباغة، وكسب من روائها بعض صناع الأقمشة الصوفية مكاسب لو كانت لهم في هذه الأيام لعدوا من أصحاب الملايين. وكانت فلورنس قبل أن يحل عام 1300 قد وصلت إلى مرحلة الاستثمار الكبير الرأسمالي، وإيجاد مراكز لإمدادها بالمواد الخام والآلات، وتوزيع العمل توزيعاً منظماً، والإشراف على الإنتاج من قبل أصحاب رؤوس الأموال. وكان الثوب الصوفي في عام 1407 يمر بثلاثين عملية يقوم بكل منها صانع تخصص فيها(2).
وكانت فلورنس تعمل لترويج منتجاتها بتشجيع تجارها على إنشاء علاقات تجارية مع جميع ثغور البحر المتوسط والثغور القائمة على شاطئ البحر الأدرياوي حتى مدينة بروج. وكان لها قناصل في إيطاليا، وجزائر البليار، ومصر، وقبرص، والقسطنطينية، وبلاد فارس، والهند، والصين لحماية تجارتها وتوسع نطاقها. وكان لا بد لها من الاستيلاء على بيزا لتكون مخرجاً لا غنى عنه لبضائع فلورنس المتجهة إلى البحر، وكانت تستأجر لنقلها سفن جنوي. وكانت المنتجات الأجنبية المنافسة لمصنوعات فلورنس تمنع من دخول أسواق هذه المدينة بفرض ضرائب الحامية عليها من حكومة يديرها التجار وأصحاب المال. وكانت بيوت فلورنس المصرفية البالغ عددها ثمانين بيتاً- وأشهرها بيوت باردي Bardi، واسترتسي Strozzi، وبتي Pitti، وينديتشي- كانت هذه البيوت تستثمر مدخرات عملائها المودعين أموالهم فيها. وكانت تقبض الصكوك (Polizze) (4) وتتبادل المتاجر كما تتبادل الأثمان(5)، وتمد الحكومات بالأموال التي تحتاجها لشئون السلم والحرب. وقد أقرضت بعض البيوت




صفحة رقم : 6425




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الأساس المادي


المالية الفلورنسية إدور الثالث ملك إنجلترا 1.365.000 فلورين (34.125.000؟ دولار أمريكي) فلما عجز عن الوفاء أفلست هذه البيوت (1345). إلا أن فلورنس أضحت من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر العاصمة المالية لأوربا على الرغم من هذه الكارثة، وفيها تحدد أسعار تبادل النقد بين مختلف الدول الأوربية(7). ونشأ منذ ذلك الزمن البعيد وهو عام 1300 نظام للتأمين يهدف إلى حماية بضائع إيطاليا أثناء نقلها بحراً- وذلك احتياط لم تتبعه إنجلترا حتى عام 1543(8). وتظهر طريقة القيد المزدوج في إمساك الدفاتر (طريقة الدوبيا) في سجل حسابات فلورنسي يرجع إلى عام 1382، وأكبر الظن أن هذه الطريقة كان قد مضى على وجودها في فلورنس، والبندقية، وجنوي في ذلك العام قرن كامل من الزمان(9)، واصدرت حكومة فلورنس في عام 1345 قراطيس مالية قابلة للتحويل، ويمكن تبديلها ذهباً، وكانت هذه القراطيس ذات سعر منخفض لا يزيد على خمسة في المائة، وهذا الانخفاض في حد ذاته دليل على ما كانت تستمتع به المدينة من سمعة طيبة خاصة برخائها وسلامتها التجارية. وليس أدل على هذا من أن إيراد الحكومة في عام 1400 كان أعظم من إيراد حكومة إنجلترا في عهد الملكة إلزبث الزاهر.
وكان رجال المصارف، والتجار، والصناع، وأصحاب المهن، والعمال الماهرون ينتظمون في سبع طوائف، وكان في فلورنس سبع من هذا النوع تعرف بالطوائف الكبرى (Arti Maggiori) وهي طوائف صانعي الملابس، وصانعي الصوف، وصانعي المنسوجات الحريرية، وتجار الفراء، ورجال المال، والأطباء، والصيادلة. أما الطوائف الأربع عشرة الباقية من طوائف فلورنس أو الطوائف الصغرى Arti Minori فكانت طوائف بائعي الملابس، والجوارب، والقصابين، والخبازبن، وبائعي الخمور، والأساكفة، و صانعي السروج، وصانعي الدروع، والحدادين، وصانعي




صفحة رقم : 6426




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الأساس المادي


الأقفال، والنجارين، وأصحاب الفنادق، و البنائين، و قاطعي الأحجار، وخليط مجتمع من بائعي الزيوت، ولحم الخنزير، وصانعي الجبال. وكان من واجب كل ناخب أن يكون عضواً في إحدى هذه الطوائف، وانضم إليها النبلاء الذين حرمتهم ثورة الطبقة الوسطى في عام 1282 من حقوقهم الانتخابية، وكان الباعث على انضمامهم إليها أن يكون لهم من جديد صوت في الانتخابات. وكان يلي هذه الطوائف الواحدة والعشرين اثنان وسبعون اتحاداً من العمال الذين لا أصوات لهم، ومن تحت هذه الاتحادات آلاف من عمال المياومة الذين حرم عليهم الانتظام في جماعات، والذين كانوا يعيشون في فقر مدقع، ومن تحت هؤلاء أيضاً- أو قل من فوقهم لأنهم كانوا يلقون من أسيادهم عناية أكبر- عدد قليل من الأرقاء. وكان أعضاء الطوائف الكبرى يكونون من الناحية السياسية من يسمونهم »البُدن« أو »ذوي الطعام الجيد«، أما من بقي من الأهلين فكانوا يكونون »صغار الناس« (popolo minuto). وكان تاريخ فلورنس السياسي، كتاريخ الدول الحديثة، يتألف أولا من انتصار طبقة رجال الأعمال على طبقة الأشراف القدماء (1293)، ثم يليه كفاح »طبقة العمال« للفوز بالسلطان السياسي، واعدم تشنتو برنديني Cinto Brandini وتسعة رجال آخرون في عام 1345 لأنهم نظموا فقراء العمال في صناعة الصوف، وجئ بعمال أجانب لتحطيم هذه الاتحادات(10) وحاول »صغار الناس« في عام 1368 أن يقوموا بثورة، ولكن ثورتهم أخمدتن وبعد عشر سنين من ذلك الوقت حدثت فتنة ممشطي الصوف التي جعلت لطبقات العمال السيطرة على البلدية فترة قصيرة عصبية. وتفصيل ذلك أن عاملا حافي القدمين يدعى ميتشيلي دي لاندو Michele di Lando قاد هؤلاء الممشطين واندفع بهم إلى البلاتسوفيتشيو Palazzo Vecchio وطردوا كبار الموظفين، واقاموا مكانهم دكتاتورية العمال (1378). والغيت حينئذ القوانين التي تحرم




صفحة رقم : 6427




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الأساس المادي


إنشاء الاتحادات، ومنحت الاتحادات الصغرى حق الانتخاب. وأجل أداء ما على الأجراء من ديون مدة اثنتي عشر سنة. وخفضت فوائد هذه الديون ليخفف بذلك العبء على الطبقات المدينة. ورد زعماء العمال على هذا بأن اغلقوا حوانيتهم، وأغروا ملاك الأراضي بقطع الطعام عن المدينة. وضايق ذلك الثوار فانقسموا حزبين أحدهما يتألف نت ارستقراطية العمال وقوامه الصناع الحاذقون، وثانيهما »جناح يساري« تدفعه إلى العمل آراء شيوعية، وانتهى الأمر بأن جاء المحافظون برجال أشداء من الريف، وسلحوهم، وقلبوا الحكومة المنقسمة على نفسها، وأعادوا السلطة إلى طبقة أصحاب العمال (1382).
وعدل أصحاب العمال المنتصرون ليقووا بذلك مركزهم ويجنوا ثمار نصرهم. فألفوا السنيوريا Signoria (أو المجلس البلدي المكون من السنيوري Signori أو السادة) من ثمانية من زعماء الطوائف Priori delle arti يختارون بالقرعة بسحب أوراق من أكياس توضع فيها بعد أن تكتب عليها أسماء الصالحين لأن يختاروا إلى تلك المناصب. فإذا تم اختيار أولئك الثمانية، انتخبوا هم واحدا من بينهم ليكون رئيسا للسلطة التنفيذية ويسمى حامل لواء العدالة gonfaloniere di giustizia أو منفذ القانون. وكان لا بد أن يختار اربعة من الزعماء الثمانية من أعضاء الطوائف الكبرى مع أ هذه الطوائف لم تكن تضم إلا أقلية صغيرة من الذكور البالغين. كذلك كان لا بد من وجود هذه النسبة بعينها في مجلس الشعب الاستشاري Consiglio del Popolo. على أننا يجب أن نذكر هنا أن كلمة Popolo لم يكن يقصد بها إلا أعضاء الطوائف الواحدة والعشرين. أما أعضاء مجلس البلدية Considlio del Comune فكانوا يختارون من بين أعضاء النقابات على اختلاف أنواعها، ولكن اختصاصه لم يكن يزيد على أن يجتمع حين




صفحة رقم : 6428




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الأساس المادي


يدعوه مجلس الحكام، وأن يقترع بالإيجاب أو النفي على ما يعرضه عليه الزعماء من اقتراحات. وكان الزعماء يدعون في أحوال نادرة برلمانا Parlamento يجتمع في ميدان الرياسة بأن يقرعوا الناقوس الكبير المعلق في برج قصر فيتشيو. وكانت هذه الجمعية العامة تختار في العادة لجنة من المصلحين Balia وتمنحها السلطة العليا فترة محددة من الوقت، ثم ينفض اجتماعها.
ولقد وقع أحد المؤرخين من رجال القرن التاسع عشر في غلطة كريمة حين خلع في كتابه على فلورنس درجة من الحكم الديمقراطي لم يكن لها قط وجود في هذه الجنة البلوتوقراطية. ونقول أن هذه الدرجة من الديمقراطية لم يكن لها وجود لأن المدن الخاضعة لفلورنس لم يكن لها رأي في اختيار السادة الذين يحكمون المدينة وإن كانت هذه المدن غنية بالعباقرة، وإن كانت تفخر بتراثها الماضي المجيد. وكان حق الاقتراع في فلورنس مقصوراً على 3200 من الذكور، وكان ممثلو رجال الأعمال في المجلسين أقلية يندر أن يتحداها أحد(11). ذلك أن الطبقات العليا لم يكن يخالجها شك في أن الجماهير الأمية الجاهلة، عاجزة عن أن تصدر حكما صحيحا سليما يتفق مع مصلحة الجماعة في الأزمات الداخلية أو الشئون الخارجة.
لقد كان الفلورنسيون يحبون الحرية، ولكن كان معنى الحرية عند الفقراء حرية السادة الفلورنسيين في أن يحكموهم، وكان معناها عند الأغنياء حريتهم في أن يحكموا المدينة والبلدان التابعة لها دون ان تقف في سبيلهم عوائق من قبل الإمبراطورية، أو البابوية، أو الإقطاع.
وكان من عيوب هذا الدستور التي لا يستطيع أحد أن ينكرها او يجادل بها فيها قصر المدة التي يحتفظ فيها الحكام بمناصبهم، وما يحدث في هذا الدستور نفسه على الدوام من تغيرات. وقد ترتب على هذين العيبين قيام الأحزاب، وتدبير المؤامرات، وأعمال العنف، والاضطرابات،




صفحة رقم : 6429




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الأساس المادي


ونقص الكفاية، وعجز الجمهورية عن أن تضع وتنفذ السياسة الثابتة الطويلة الأجل الشبيهة بتلك السياسة التي أدت إلى استقرار الأمور في البندقية وإلى زيادة قوتها. أما النتيجة الطيبة فكانت خلق جو مكهرب من النزاع والنقاد، زاد من حيوية الأهلين، وقوي إحساسهم، وعقلهم، وذكائهم، وأثار خيالهم، وجعل فلورنس مدى قرن من الزمان الزعيمة الثقافية للعالم الغربي.




صفحة رقم : 6430




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> كوزيمو أبو البلاد



الفصل الثالث




كوزيمو »أبو البلاد«


كانت السياسة في فلورنس هي الصراع بين الأسر الغنية بعضها وبعض -الريتشي Ricci، والألبدسي Albizzi، والميديتشي، والريدلفي Ridolfi، والبستي Pazzi، والاستتسي Strozzi، والروتشيلاي Rucellai، والفالوري Valori، والكبوني Capponi، والسودريني Soderini-للسيطرة على الحكم. وقد احتفظت أسرة الأليتسي بسلطانها الأعلى في الدولة فيما بين عامي 1381 و 1434، إذا استثنينا بعض فترات مختلفة، وحمت بشجاعتها أغنياء المدينة من فقرائها.
وفي وسعنا ان نتتبع تاريخ آل ميديتشي من علم 1201، حين كان كيارسيموه ده ميديتشي Chiarissimo عضواً في المجلس البلدي للمدينة المستقلة. وكان أفرار دودة ميدتشي Averardo de'Medici جَدُّ جدَّ كوزيمة هو الذي أفاء على الأسرة ثراءها العظيم بأعماله التجارية الجريئة والمالية الحكيمة، ولذلك اختير حامل شعار المدينة في عام 1314. واختير سلفستر دة ميديتشي Salvestro de'Medici ابنُ ابن أخي افراردو حاملا لشعار المدينة في عام 1378، وهو الذي جمع قلوب أهلها على حب




صفحة رقم : 6431




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> كوزيمو أبو البلاد


تلك الأسرة بمناصرته قضية الفقراء الثائرين. وعمل جيوفني دي بتشي دة ميديتشي Csiovanni di Bicci de' Medic ابنُ ابن أخي سلفسترو، وحامل شعار المدينة في عام 1421 على زيادة تعلق أهل المدينة بالأسرة بتأييده فرض ضريبة سنوية قدرها0.5 % على الدخل قدرت بسبعة في المائة من راس المال الممول (1427)، وإن كانت هذه الضريبة عبثاً باهظاً عليه. فلما فعل ذلك أقسم الأغنياء، الذين كانوا يؤدون فرضة الرءوس بالقدر الذي يؤديه الفقراء، أن يثأروا لأنفسهم من لآل ميدتشي.
وتوفي جيوفني دي ميدتشي في عام 1428 وترك لابنه كوزيمو اسماً رفيعاً وأكبر ثروة في بلاد تسكانيا-179.221 فلورينا(4.480.525؟ دولار)(31). وكان كوزيمو قد بلغ وقتئذ التاسعة والثلاثين من عمره، وأصبح خليقاً بأن يواصل مغامرات المؤسسة الواسعة النطاق. ولم تكن هذه الأعمال مقصورة على الشؤون المصرفية، بل كانت تشمل إدارة ضياع واسعة، ونسج الحرير والصوف، والقيام بتجارة متنوعة تربط الروسيا بأسبانيا واسكتلندة ببلاد الشام، والإسلام بالمسيحية. ولم يكن كوزيمو وهو يشيد الكنائس في فلورنس يرى شيئاً من الإثم في عقد الاتفاقات التجارية، وتبادل الهدايا الغالية، مع سلاطين الأتراك. وكانت الشركة تحرص بنوع خاص على أن تستورد من بلاد الشرق السلع الصغيرة الحجم الكبيرة القيمة كالتوابل، واللوز، والسكر، وتبيعها هي وغيرها من الغلات في عشرات من الثغور الأوربية.
وكان كوزيمة يدير هذه الأعمال بمهارة وهدوء، وبجد بعد ذلك متسعاً من الوقت للاشتغال بالسياسة، فكان عضواً في الديتشي أو مجلس العشرة الحربي، وقاد فلورنس من نصر إلى نصر ضد لوكا Lucca، وكان بوصفه من رجال المصارف المالية يقرض الحكومة الأموال الطائلة لتمويل الحرب. وأثار التفاف قلوب الشعب حوله حسد غيره من كبراء فلورنس




صفحة رقم : 6432






قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> كوزيمو أبو البلاد


له، فاتهمه رينلدو دجلي ألبيتسي Rinaldo degli Albizzi في عام 1433 بأنه يعمل لقب حكومة الجمهورية والانفراد بحكمها حكماً دكتاتورياً، وأقنع رينلدو برناردو جواديني Bernardo Guadagni، وكان وقتئذ حامل شعار المدينة، أن يأمر بالقبض على موزيمو، فأسلم كوزيمو نفسه واعتقل في قصر فيتيشيو. ولما كان رينلدو يسيطر بأتباعه المسلحين على البارلمنتو المنعقد في ميدان دلا فيوري، فقد بدا أن حكم الإعدام وشيك الصدور من هذه الهيئة. ولكن كوزيمو استطاع أن ينفح برناردو بألف دوقة من المال (5.000دولار؟) أصبح بعدها على حين غفلة أكثر رحمة وإنسانية، ورضى أن يكتفي بنفي كوزيمو، وأولاده، وكبار أنصاره من المدينة مدة عشر سنين(14). وأقام كوزيمو في مدينة البندقية واكتسب فيها بفضل تواضعه وثرائه كثيرين من الأصدقاء، وسرعان ما أخذت حكومة البندقية تستخدم نفوذها للعمل على عودته إلى بلده.وكان مجلس حكام فلورنس الذي انتخب في عام 1434 يميل إلى استدعائه، فأصدر حكمه بإلغاء قرار النفي، وعاد كوزيمو ظافراً، وفر رينلدوا وأبناؤه من المدينة.
واختار المجلس حكومة جديدة ومنحها السلطة العليا في المدينة. وخدم كوزيمو ثلاث دورات قصيرة ثم تخلى بعدها عن جميع المناصب السياسية. وقال في ذلك :»إن اختيار الإنسان للمناصب كثيراً ما يضر بالجسم وبالنفس معاً«(15(، وإذا كان أعداؤه قد غادروا المدينة فإن أصدقاءه لم يجدوا أية صعوبة في السيطرة على الحكومة، وأفلح هو بقوة الحجة أو بالمال أن يستبقى اصدقاءه في مناصبهم إلى آخر حياته دون أن تتزعزع أشكال الحكم الجمهوري، ذلك أنه نال تأييد الأسر ذات النفوذ القوي، أو أرغمها على تأييده بما كان يمنحها من القروض، وأن عطاياه السخية لرجال الدين ضمنت له تحمسهم في مساعدته، وأعماله الخيرية العامة التي لم يكن لها من قبل مثيل في اتساع طاقها وسخائها جمعت قلوب المواطنين في غير صعوبة على الرضا بحكمه. وكان من اسباب رضاهم ما تبينوه من أن




صفحة رقم : 6433




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> كوزيمو أبو البلاد


دستور الجمهورية لا يحميهم من أهل الثراء، وقد انطبع هرس انطباعا قوياً في ذاكرة الشعب بعد هزيمة الكيومي. فإذا كان لا بد للجماهير من ان تختار بين آل ألبتسي الذي يناصرون الأغنياء وآل ميديتشي المناصرين للطبقات الوسطى والفقراء، فإنه لم يطل ترددها في هذا الاختيار. ومن أجل هذا فإن الشعب الذي أرهقه سادته الأغنياء، وذاق الأمرين من التحزب والانقسام، رحب بالدكتاتورية في فلورنس عام 1434، وفي بروجيا عام 1389، وفي بولونيا عام 1401، وفي سينا عام 1477، وفي روما عام 1347، و1922. ويقول فلاني إن »آل ميديتشي استطاعوا أن يحرزوا السيطرة على المدينة باسم الحرية، وبتأييد أعضاء طوائف الحرف والجماهير«(16).
واستخدم كوزيمو سلطانه باعتدال ودهاء يمتزج بهما العنف في بعض الحيان. ومن أمثلة هذا العنف أنه لما ارتاب أصدقاؤه في أن بلداتشيو دنجياري Baldaccio d' Anghiari وكان يحبك مؤامرة للقضاء على سلطان كوزيمو، ألقى هؤلاء الأصدقاء ببلداتشيو من نافذة عالية علواً يكفي للقضاء عليه، ولم يجد كوزيمو في هذا العمل سبباً للشكاية، فقد كان من أقواله الساخرة أن الدول لا تحكم بالأدعية والصلوات«. وقد استبدل بضريبة الدخل الموحدة ضريبة تصاعدية على رأس المال، واتهم بأنه قد حدد مقادير هذه الضريبة ليميز بذلك أصدقاءه، ويلقي العبء على أعدائه. وقد بلغ مجموع هذه الأعباء 4.875.000 فلورين (121.875.000 دولار ) في السنين العشرين الأولى من سيطرة كوزيمو. وكان الذين يحاولون التملص منها يزجون في السجن على الفور. وغادر المدينة كثيرون من الأشراف، وعاشوا في الريف معيشة نبلاء العصور الوسطى، وقبل كوزيمو خروجهم منها بهدوء واطمئنان، وقال إن أشرافاً جدداً يمكن خلقهم ببضعة أشبار من القماش الأرجواني(17).
وتبتسم الناس من قوله ووافقوا عليه لانهم أدركوا أن هذه الأعباء




صفحة رقم : 6434




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> كوزيمو أبو البلاد


قد خصصت لإدارة فلورنس وتزيينها، وأن كوزيمو نفسه قد اعتمد من ماله 400.000 فلورين (10.000.000 ؟دولار) للأعمال العامة والصدقات الخاصة(18)، ويكاد هذا يعادل ضعفي المبلغ الذي تركه لورثته (19). وظل كوزيمو يعمل بلا انقطاع إلى آخر سني حياته البالغة سبعاً وخمسين سنة في إدارة أملاكه الخاصة وشئون الدولة، ولما أن طلب وغض النظر عن غدر إدورد الثالث، ورد إليه الملك هذا القرض نقداً وعوناً سياسياً. ولما أن احتاج بارنتوتشيلي Parentucelli اسقف بولونيا إلى المال وسأل كوزيمو العون بادر إلى معونته، ولما أن جلس بارنتوشيلي على كرسي البابوية المالية. وكان يحرص على أن تظل نواحي نشاطه المختلفة منتظمة لا يتسرب إليها الارتباك، فلذلك كان يستيقظ مبكراً، ويذهب في كل يوم تقريباً إلى مكتبه، كما يفعل الأمريكي صاحب الملايين. وكان حين يعود إلى منزله يشذب أشجار حديقته، ويعنى بكرومه. وكان بسيطا في ثيابه، معتدلا في طعامه وشرابه، وعاش (بعد أن ولد له ابن غير شرعي من أمة) عيشة هادئة عائلية منتظمة. وكان الذين يسمح لهم بالدخول إلى بيته يدهشون من الفرق الكبير بين طعامه البسيط على مائدته الخاصة والمآدب الفخمة التي يقيمها للكبراء الأجانب استجلاباً لصداقتهم ورغبة في توطيد السلم بينه وبينهم. وكان في الأحوال العادية رحيماً، حليماً، غفوراً للذنب، قليل الكلام وإن اشتهر بنكاته اللاذعة. وكان جواداً بالمال على الفقراء، يؤدي ديون أصدقائه المعوزين، ويخفي صدقاته فيمنحها دون ان يعرف مانحها، كما كان يستخدم سلطانه دون أن يعرف الناس أن يستخدمه. ولقد أجاد بتيتشلي Botticelli، وبنتورمو Pontormo، وبندسو جتسولي benozzo Gsozzoli تصويره لنا فعرفنا أنه متوسط طول القامة، زيتوني لون الوجه، ذا شعر أشمط مرتد عن




صفحة رقم : 6435




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> كوزيمو أبو البلاد


مقدم رأسه، وأنف حاد طويل، ووجه وقور ينم عن الرأفة والحنان، وينطق بالحكمة والقوة الهادئة.
وكانت سياسته الخارجية كلها تهدف إلى تنظيم السلم، ذلك أنه وقد استحوذ على السلطة بعد أن خاض في سبيلها سلسلة من المعارك المخربة عرف أن الحرب، أو خطر قيام الحرب، تعوق سير التجارة. ومن أعماله في هذه السبيل أنه لما حكم الفيكونتي في ميلان وسادتها الفوضى بعد موت فلبو ماريا Filippo Maria وهددت البندقية بالاستيلاء على الدوقية والسيطرة على شمالي إيطاليا بأجمعه حتى ابواب فلورنس نفسها، بعث كوزيمو إلى فرانتسكوا سفوردسا Francesco Sforza بما يلزمه من المال لتوطيد سلطته في ميلان ووقف تقدم البنادقة. ولما أن تحالفت البندقية ونابلي على فلورنس، طالب كوزيمو بكثير من القروض التي كانت له عند أهل المدينتين، فاضطرت حكومتاهما إلى عقد الصلح(20). ووقفت ميلان وفلورنس من ذلك الوقت ضد البندقية ونابلي، وأصبحت القوتان بعدئذ متوازنتين توازنا لم تجرؤ معه إحداهما بأن تخاطر بالتورط في حرب لا تعلم عاقبتها. وكانت هذه السياسة-سياسة توازن القوى- التي ابتكرها كوزيمو وسار عليها لوراندسو هي التي أفاءت على إيطاليا عشرات السنين من السلم والنظام امتدت من 1450 إلى 1492، اثرت في خلالها مدائنها إثراء امكنها من أن تمد بالمال بداية عصر النهضة.
وكان من حسن حظ إيطاليا والإنسانية جمعاء أن كوزيمو كان يعني بالأدب، والعلم، والفلسفة، والفن بقدر ما يعني الثروة والسلطان. ولقد كان هو نفسه ذا تربية عالية وذوق راق، وكان يتقن اللغة اللاتينية، ويعرف قليلا من اليونانية والعبرية، والعربية، وقد أوتى من سعة الأفق ما جعله يقدر تقوى الراهب أنجلكو وتصويره، وخمسة فلبوليني الجذابة المتعة، والطراز القديم لنقوش جبرتي Gheberti البارزة، والابتكار




صفحة رقم : 6436




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> كوزيمو أبو البلاد


الجريء الذي عمد إليه دونالتو Donatello في نحته، والكنائس الفخمة التي خططها برونيلسكو Brunellesco، والقوة غير الجامحة التي تشاهد في عمائر متشيليتسو Michelozzo، والأفلاطونية الوثنية التي تتصف بها أعمال جمستوس بيثو Gemitus Pietho، والأفلاطونية الصوفية التي ينطبع بها تفكير بيكو Pico وفيتشينو Ficino، ورقة ألبرتي، وفظاعة بجيو Poggio المتعمدة، وإسراف نيقولوده في تعظيم الكتاب المقدس، وكان هؤلاء جميعا ينالون رفده. وقد استدعى جوانس أرجيروبولوس Joannes Argyropoulos إلى فلورنس ليعلم شبابها لغتي اليونان وروما وآدابهما، وظل اثنتي عشر سنة يدرس مع فيتشينو آداب بلاد اليونان وروما. وأنفق قدراً كبيراً من ماله في جمع النصوص الأدبية القديمة حتى كان أثمن ما تحمله سفنه في كثير من الأحيان المخطوطات التي تأتي بها من بلاد اليونان او الإسكندرية. ولما أن افلس نيقولوده نقولى لكثرة ما أنفقه في ابتياع المخطوطات القديمة، فتح له كوزيمو اعتمادا لا حد له في مصرف آل ميديتشي، ومده بالعون حتى مماته. وكان يستخدم خمسة وأربعين نساخاً يشرف عليهم الكتبي المتحمس فسبازيا نودا بستتشي Vespasiano da Bisticci لكي ينسخوا له ما لا يستطيع شراءه من المخطوطات. وكان يضع كل هذه »القطرات الثمينة« في حجرات بدير القديس ماركو، أو بدير فيسولي Fiesole أو في مكتبته هو. ولما توفى نيقولي (1437) وترك وراءه ثمانمائة مخطوط تقدر قيمتها بستة آلاف فلورين (150.000 دولار) وكان مثقلا بالديون، واختار ستة عشر وصيا يعهد إليهم التصرف في كتبه، عرض كوزيمو أن يتحمل هو الديون كلها إذا ما سمح له ان يعين الأمكنة التي توضع فيها هذه المجلدات. فلما اتفق على هذا قسم كوزيمو مجموعة الكتب بين مكتبة دير القديس ماركو ومكتبته. وكانت هذه المجموعات كلها في متناول المدرسين والطلاب من




صفحة رقم : 6437




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> كوزيمو أبو البلاد


غير أجر. وذلك يقول فاركي Varchi المؤرخ الفلورنسي مع المغالاة التي تدفعه إليها وطنيته:
إذا كانت الآداب اليونانية لم يجر عليها النسيان التام ذيله فتصاب الإنسانية من جراء هذا النسيان بخسارة فادحة، وإذا كانت الآداب اللاتينية قد بعثت بعثاً جديداً فجنى الناس من وراء ذلك فوائد لا حد لها ولا تقدر قيمتها، فإن إيطاليا كلها، بل والعالم بأجمعه، مدينان بذلك إلى حكمة آل مدييتشي، وعطفهم، وحبهم، لا لأحد سواهم(21).
وما من شك في أن عملية البعث العظيمة كانت بدايتها أعمال المترجمين العظماء في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وأعمال الشراح العرب، وكتابات بترارك وبوكاتشيو، ثم واصل هذا العمل العلماء وجامعوا المخطوطات أمثال سالوتاري Salutari، وترا فرساري Traversari، وبروني Bruni، وفلا Valla، وكان هذا كله قبل كوزيمو. كذلك واصل هذه الأعمال نقولي، وبجيو، وفيليلفو Filelfo، والفنسو الأفخم ملك نابلي، ومائة غيرهم من معاصري كوزيمو، بل واصلها أيضاً منافسه بلا استرتسي في منفاه وواصلوها كلهم مستقلين عن كوزيمو. ولكننا إذا لم نقصر حكمنا على كوزيمو أبى البلاد بل مددناه حتى شمل أبناءه لورندسو الأفخم، وليو العاشر، وكلمنت السابع لم يسعنا إلا أن نعترف بأن آل ميديتشي لم تضارعهم في مناصرة العلم والفن أية أسرة في تاريخ البشرية المعروف بأجمعه.




صفحة رقم : 6438




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون



الفصل الرابع




الإنسانيون


لقد كان حكم آل مديتشي أو كان زمانهم هو العهد الذي أستحوذ فيه الإنسانيون على عقل إيطاليا واستأثروا به، وحولوه من الدين إلى الفلسفة، ومن السماء إلى الأرض، وكشفوا فيه للجيل المندهش المنذهل عن ثراء الفكر الوثني والفن الوثني، ولقد أطلق على هؤلاء الناس الذين جنوا بالعلم جنوناً منذ ايام أريستو Ariosto(22) البعيدة اسم الإنسانيين umanisti. لأنهم كانوا يسمون دراسة الثقافة القديمة الإنسانيات umanita أو الآداب الأكثر إنسانية Litera humaniores (لا الأكثر رحمة). وأضحت الدراسة الصحيحة الخليقة بالبشر في أيامهم هي الإنسان نفسه بكل ما يكمن في جسمه من قوة وجمال، وما في حواسه ومشاعره من بهجة وألم، وما في عقله من جلال واهن، دراسته من هذه النواحي كلها كما تظهر موفورة كاملة ابعد حد في آداب اليونان والرومان وفنونهم القديمة. وهذه هي الإنسانيات.
لقد كانت الكتب اللاتينية كلها تقريباً، وكثير من الكتب اليونانية الموجودة عندنا في هذه الأيام، معروفة عند علماء العصور الوسطى المنتشرين في بقاع مختلفة من أوربا، وكان أهل القرن الثالث عشر يعرفون أكابر الفلاسفة الوثنيين. ولكن ذلك القرن قد غفل أو كاد عن الشعر اليوناني، وكانت طائفة كبيرة من الكتب القديمة القيمة التي نجلها الآن مهملة في مكتبات الأديرة أو الكنائس الكبرى. وكانت هذه الأركان المنسية أكثر الأماكن التي عثر فيها بترارك ومن جاءوا بعده على الكتب القديمة »المفقودة«، التي يسميها »السجينة الظريفة الأسيرة في أيدي السجانين »الهمج«. وارتاع




صفحة رقم : 6439




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


بوكاتشيو حين زار مونتي كسينو Monte Cossino ووجد المخطوطات الثمينة تبلى في التراب، أو تقطع لتكتب عليها المزامير أو تتخذ تمائم. ولما زار بجيو Poggio دير القديس جول St. Gall في سويسرا وجد كتاب الأنظمة لكونتليان Quntilian في جب قذر مظلم، وأحس وهو يستنفذ هذا الملف كأن المعلم القديم يمد يديه متوسلا إليه أن ينقذه من »البرابرة«، فقد كان هذا هو الاسم الذي يطلقه الإيطاليون المعتزون بثقافتهم على الفاتحين الغلاط المقيمين وراء جبال الألب، كما كان يطلقه عليهم اليونان والرومان من قبل. وكان بجيو وحده هو الذي أخرج من هذه القبور نصوص لكريشيوس، وكولوملا Columella، وفرنتينوس Frontinus، وفتروفيوس Vritruvius، وفليريوس فلاكرس Valerius ، وترتليان، وبلوتوس، وبترونيوس، وأميانس مرسلينس، وعدد غير قليل من خطب شيشرون الكبرى. واستخرج كولوتشيو سليوتاتي Coluecio Salutati في فرتشيلي Vercelli كثيراً من رسائل شيشرون إلى أسرته (1389). وعثر جرلدو لندرياني Gheraldo Landriani على رسائل شيشرون في علم البيان موضوعة في صندوق قديم في لدفي Lodfi (1422)، وأنقذ أمبروجيو ترافرساري Ambrogio Traversari كرنليوس نيبوس من النسيان في بدوا (1343)، وكشفت كتب تاستس Tacitus وهي Germania, Agricola، و Dialogi (الزارع، والألمانية، والحوار) في ألمانيا (1455)، واستردت الكتب الستة الأولى من حوليات تاستس ومخطوط كامل من رسائل بلني الأصغر من ديركورفي Corvey،(1508) وأضحت من أكثر ممتلكات ليو العاشر قيمة.
وكان أكثر من عشرة من الإنسانيين يدرسون أو يطوفون ببلاد اليونان في نصف القرن السابق على فتح الأتراك للقسطنطينية، وأعاد واحد منهم هو جيوفني أورسبا Giovanni Aurlspa إلى إيطاليا 238 مخطوطا تشمل




صفحة رقم : 6440




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


فيما تشمله مسرحيات إيسكلس Aeschylus وسفكليز، واستنقذ رجل آخر يدعى فرانتشسكو فيليلفو Francesco Filelfo من القسطنطينية (1427) نصوص هيرودت، وتوكيديدس، وبوليبيوس، ودمستين، وايسكنيس Aeschines، وأرسطو، وسبعا من مسرحيات يوربديز. ولما عاد هؤلاء الرواد وأمثالهم إلى إيطاليا بما كشفوه من الذخائر، كانوا يقابلون كما يقابل قواد الحرب المنتصرون، وكان الأمراء ورجال الدين يؤدون أغلى الأيمان لبعض هذا الفن. وأدى سقوط القسطنطينية إلى ضياع كثير من الكتب القديمة التي أثبت الكتاب البيزنطيون وجودها في مكتبات تلك المدينة، غير أن آلافاً مؤلفة منها قد أنقذت، وجئ بمعظمها إلى إيطاليا، ولا تزال خير المخطوطات اليونانية القديمة موجودة فيها حتى الآن. وظل الناس ثلاثة قرون من أيام بترارك إلى تاسو Tasso يجمعون المخطوطات بحماسة وحب كحب الآباء للأبناء، وقد اتفق نيقولو دي نقولى أكثر من ثروته في هذا العمل، وكان أندريولو دي أوكيس Andereolo de Ochis على استعداد لأن سيضحي ببيته، وزوجته، وحياته نفسها لكي يضيف شيئاً إلى مكتبته، وكان بجيو يألم أشد الألم حين يرى شيئاً من المال ينفق على غير الكتب. وأعقبت ذلك ثورة في نشر الكتب، فقد شرع الناس يدرسون هذه النصوص المكتشفة، ويفاضلون بها، ويصححونها، ويشرحونها، وقامت من أجل ذلك حملة امتدت من لورندسو فلا Lorenzo Valla في نابلي إلى سيرتومس مSir Thomas More في لندن، وإذ كانت هذه الجهود تتطلب في كثير من الأحيان علماً باللغة اليونانية، فقد أرسلت إيطاليا-ونهجت نهجاً فيما بعد فرنسا، وإنجلترا، وألمانيا-تستدعي مدرسين للغة اليونانية، وتعلم أورسب، وفيليلفو تلك اللغة في بلاد اليونان نفسها، ولما جاء مانيول كريسلوراس Manuel Chrysoloras إلى إيطاليا (1397) مبعوثاً إليها من بيزنطية، وأقنعته جامعة فلورنس بالانضمام إلى اساتذتها




صفحة رقم : 6441




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


ليكون أستاذاً للغة اليونانية وآدابها، وكان من بين تلاميذه في هذه الجامعة بجيو، وبلا استروتسي، ومرسوبيني Marsupini ومانتي Manetti. وبدأ ليوناردو بروني Leonardo Bruni بدراسة القانون ولكنه تركه بتأثير كريسلوراس وشرع يدرس اللغة اليونانية، ويحدثنا هو عن ذلك فيقول : »والقيت بنفسي في تيار تدريسه بحماسة بلغ مناه أن امتلأت احلامي بالليل بما كنت أتلقاه منه بالنهار«(23). ترى هل يتصور أحد في هذه الأيام أن النحو اليوناني كان في وقت ما يستحوذ على الألباب استحواذ قصص المغامرات والروايات الغرامية في هذه الأيام؟
والتقى اليونان والإيطاليون عام 1439 في مجلس فلورنس، وكانت الدروس التي يبادلونها معاً في اللغة أبلغ أثراً في شئون الدين. وهناك ألقى جمستس بليثو Gemistus Pletho محاضراته الذائعة الصيت التي كانت ختام سيادة أرسطو على الفلسفة الأوربية وجلوس أفلاطون على عرش هذه الفلسفة جلوس الآلهة. ولما انقض اجتماع المجلس بقى في إيطاليا يؤانس بساريون Joannes Bessarion وكان قد جاء إليها بوصفه أسقف نيفية، وقضى جزءاً من وقته يعلم اللغة اليونانية. وامتدت حمى الدرس إلى غير فلورنس من المدن، فجاء بها بساريون إلى روما، وعلم ثيودورس جازا Theodorus Gaza اللغة اليونانية في بروجيا (1450)، وبدوا، وفلورنس، وميلان (1492-1511 أو نحو ذلك الوقت)، ويؤانس أرجيروبولس في بدوا (1441) وفلورنس (1456-1471)، وروما (1471-1486)، وقد جاء هؤلاء كلهم إلى إيطاليا قبل سقوط القسطنطينية (1453)، ولهذا فإن هذه الحادثة لم يكن لها إلا شأن قليل في انتقال اللغة اليونانية من بيزنطية إلى إيطاليا. غير أن استيلاء الأتراك على الأراضي المحيطة بالقسطنطينية شيئاً فشيئاً بعد عام 1356 كان من العوامل التي حملت العلماء اليونان على الانتقال نحو الغرب. وكان من الذين فروا من العاصمة




صفحة رقم : 6442




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


الشرقية عند سقوطها قسطنطين لسكارس Constantine Lascaris، وقد جاء ليعلم اللغة اليونانية في ميلان (1460-1465)، ونابلي، ومسينا (1466-1501)، وكان كتابه في النحو أول كتاب يوناني طبع في إيطاليا في عهد النهضة.
ولم يمض إلا وقت قليل على وجود هؤلاء العلماء جميعاً، وتلاميذهم، ونشاطهم الحماسي في إيطاليا، حتى ترجمت كتب الأدب اليوناني والفلسفة اليونانية إلى اللغة اللاتينية ترجمة أكمل، وأدق، وأبلغ مما ترجم منها في القرنيين الثاني عشر والثالث عشر. وترجم جوارينو Guarino أجزاء من كتب استرابون وأفلوطرخس، وترجم ترافرساري ديوجين ليرتيوس، وترجم فلا هيرودوت وتوكيديدس، والإلياذة، وترجم بيرتي Perotti بولبيوس، وترجم فيتشينو أفلاطون وأفلوطين، وكان أفلاطون بنوع خاص أعظم من أهش الإنسانيين وامتعهم. ذلك أنهم كانوا يبتهجون بجمال أسلوبه وسلاسته، ويجدون في المحاولات مسرحية أكثر وضوحاً وحيوية ومواءمة لروح العصر الذي يعيشون فيه مما يجدونه في جميع مسرحيات إيسكلس، أو سفكليز أو يوربديز، وكانوا يحسدون اليونان في عصر سفكليز على ما كان لهم من حرية واسعة في مناقشة أهم مشاكل الدين والسياسة وأكثرها دقة، ويدهشون من هذه الحرية، وكانوا يظنون أنهم واجدون في آراء أفلاطون-التي جعلها صاحبها معماة غامضة-فلسفة صوفية خفية تمكنهم من الاحتفاظ بمسيحية لم يعودوا يؤمنون بها، ولكنهم لم ينقطعوا عن حبها. وتأثر كوزيمو ببلاغة جمستس بلثيو Gemistus Pletho وتحمس تلاميذه في فلورنس فأنشأ في المدينة مجمعاً علمياً أفلاطونياً (1445) لدراسة أفلاطون، وأمد مرسيليو فيتشينو Marsilio Ficino بالكثير من المال الذي أمكنه من أن يخصص نصف حياته لترجمة مؤلفات أفلاطون وشرحها. ومن ذلك الحين فقدت الفلسفة المدرسية (الكلامية) سيطرتها




صفحة رقم : 6443




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


في الغرب بعد أن دامت لها هذه السيطرة أربعمائة عام، وحل الحوار والمقالة محل الجدل المدرسي فأصبحا هما الصورة التي اتخذها العرض الفلسفي، ودخلت روح افلاطون المطربة المبهجة في جسم التفكير الأوربي الناشئ دخول الخميرة المنعشة في العجين.
لكن هذه الثورة قد اعقبتها شئ من رد الفعل. ذلك أنه كلما زاد ما كشفته إيطاليا من تراثها الأدبي القديم غلب على إعجاب الإنسانيين ببلاد اليونان فخرهم بأدب روما القديمة وفنها، ولهذا أحبوا اللغة اللاتينية واتخذوها أداة لأدب حي، فجعلوا أسماءهم لاتينية، وجعلوا مصطلحات عباداتهم وحياتهم المسيحيتين رومانية: فصار أسم الله يوبتر Luppiter، وأسم العناية الإلهية فاتوم Fatum والقديسين ديفي Divi، والراهبات vestales والبابا بنتفكس مكسيموس (الحير الأعظم Pontifex maximus)، وصاغوا أسلوب نثرهم على غرار أسلوب نثرهم على غرار أسلوب شيشرون، وشعرهم على غرار شعر فرجيل وهوراس، وبلغ بعضهم مثل فيليفو، وبوليتيان بأسلوبهم درجة من الرشاقة تكاد تعادل رشاقة الأقدمين. وهكذا أخذت النهضة تعود ادراجها من اللغة اليونانية إلى اللغة اللاتينية، ومن أثينة إلى روما، وبدا كأن خمسة عشر قرناً من الزمان قد أخذت تطوى طيا، وكأن عصر شيشرون، وهوراس، وأوفد، وسنكا، قد ولد من جديد. وأصبح الأسلوب وقتئذ أعظم شأنا من المعنى، وغلبت الصورة على المادة، وترددت أصداء خطب العصر الماضي المجيد مرة أخرى في أبهاء الإيطالية بدل اللاتينية، ولكنهم كانوا يحتقرون لغة المسالي والمغاني ويرونها لاتينية فاسدة منحطة (وفي الحق أنها تكاد تكون كذلك)، ويأسفون لأن دانتي آثر اللغة الدارجة. وقد جوزي الإنسانيون على فعلتهم هذه بأنهم فقدوا اتصالهم بمصادر الأدب الحية، وترك الشعب مؤلفات




صفحة رقم : 6444




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


الإنسانيين إلى الأشراف وآثر عليها القصص المرحة التي كان يكتبها له ساكتي Sacchetti، وبنديلو Bandello، أو الروايات الغرامية التي تمزج الحرب بالحب والتي كانت تترجم أو تقتبس باللغة الإيطالية من الفرنسية. بيد أن الافتتان العابر بلغة ميتة وأدب »خالد« قد أعان المؤلفين الإيطاليين على أن يستردوا ما كان لهم من شغف بفنون العمارة، والنحت وموسيقى الأسلوب، وأن يضعوا قواعد الذوق والنطق التي رفعت اللغة القومية إلى صورتها الأدبية، ووضعت للفن هدفا ومستوى. وإذا انتقلنا إلى مجال التاريخ وجدنا أن الإنسانيين هم الذين أنهوا عهد الإخباريين المتعاقبين من كتاب العصور الوسطى، وهم الكتاب الخالية كتبهم من النقد السليم والمليئة بالفوضى، وأحلوا محل طريقتهم تمحيص المصادر والتوفيق بينها، وعرض مادتها عرضا منتظما واضحا، وبعث الحيوية والإنسانية في الماضي بمزج السير بالتاريخ، والارتفاع بقصتهم إلى مستوى فلسفي بتمحيص علل الحوادث، وتياراتها، ونتائجها، ودراسة ما في دروس التاريخ من انتظام واتساق.
وانتشرت الحركة الإنسانية في جميع أنحاء إيطاليا، ولكن زعماءها كلهم تقريباً من مواطني فلورنس أو خريجيها إلى أن جلس رجل من آل ميديتشي على كرسي البابوية. وكان كولوتشيو سلوتاري Coluccio Salutari الذي أصبح الأمين الإداري لمجلس الحكام في عام 1375 حلقة الاتصال بين بترارك وبوكاتشيو من جهة وكوزيمو من جهة أخرى، وكان يعرف ثلاثتهم ويحبهم جميعاً. وكانت الوثائق العامة التي كتبها نماذج عالية من اللغة اللاتينية الفصحى، وكانت هي المثل الذي حاول الموظفون العموميون في البندقية، وميلان، ونابلي، ورومة أن يحتذوه، وقال جيانجليتسو Giangaleazzo أمير ميلان إن سالوتاري قد أضر اسلوبه الممتاز أكثر مما يستطيع أن يضره جيش من الجنود المرتزقين(24). وكان اشتهار نيقولو دة نيقولي بأسلوبه اللاتيني يعادل اشتهاره بجمع المخطوطات، وكان




صفحة رقم : 6445




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


بروني يسميه »رقيب اللسان اللاتيني«، وكان يفعل ما يفعله غيره من المؤلفين فيعرض ما يكتبه على نقولي ليصححه قبل ان ينشره. وكان نقولي يملأ بيته القديم من كتب الأدب، والتماثيل، والنقوش، والمزهريات، وقطع النقد، والجواهر، وقد امتنع عن الزواج خشية أن يلهيه زواجه عن كتبه، ولكنه وجد لديه متسعاً من الوقت يقضيه مع حظية سرقها من فراش أخيه(25). وقد فتح أبواب مكتبته لكل من يعني بالدراسة فيها، وحث شبان فلورنس على أن يهجروا ويستبدلوا به الأدب. وأبصر مرة شابا ثرياً يقضي يومه بلا عمل فسأله: »ما هي غايتك في الحياة؟« فأجابه في صراحة: »غايتي أن استمتع بوقتي«، فسأله نيقولي مرة أخرى: »فإذا انقضى عهد شبابك فماذا يكون شأنك؟«(26) وأدرك الشاب ما ينطوي عليه هذا القول من معنى، ووضع نفسه من ذلك الوقت تحت سلطان نيقولي وإرشاده.
وترجم ليوناردو بروني، الذي كان أميناً لأربعة بابوات ثم صار فيما بين عامي 1427 و 1444 لمجلس السيادة في فلورنس، طائفة من محاورات أفلاطون إلى لغة لاتينية ممتازة كشفت لإيطاليا لأول مرة عن روعة أسلوب أفلاطون، وألف ليناردو باللغة اللاتينية تاريخاً لمدينة فلورنس كان سبباً في أن أعفته الجمهورية هو وأبناءه من الضرائب، وكانوا يوازنون بين خطبه وخطب بركليز. ولما توفى أقام له كبار المدينة جنازة عامة كما كان يقام للأقدمين، ودفن في كنيسة سانتا كرونتشي (الصليب المقدس Santa Croce) ووضعوا كتابه التاريخ فوق صدره، وخطط له برناردو روسلينو قبراً عظيماً فخما يستريح فيه.
وولد كارلو مارسبيني Corlo Marsuppini في ارتسو كما ولد فيها بروني وخلفه في أمانة مجلس السيادة، وقد روع أهل زمانه بأن كان يحفظ نصف الآداب اليونانية والرومانية عن ظهر قلب. ولم يكن يترك مؤلفاً




صفحة رقم : 6446




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


قديماً لم يقتبس من أقواله في خطابه الأول حين عين أستاذاً للآداب في جامعة فلورنس. وقد بلغ من إعجابه بالوثنية القديمة أن كان يشعر بأن من واجبه أن ينبذ الدين المسيحي(27)، ولكنه رغم هذا كان وقتاً ما أميناً رسولياً للكرسي البابوي في رومة، وقد دفن هو أيضاً في كنيسة سانتا كرتشي ورثاه جيانتسو مانتي Giannozzo Manetti بمرثية رائعة، واختط له دزديريو دا ستنيانو Desiderio de Sttgnano (1453) قبراً مزخرفاً، وإن قيل إنه مات دون أن يعنى بتلقي القربان المقدس(28). وكان مائتي الذي رثى هذا الملحد رجلاً لا تقل قواه عن علمه، وقد ظل تسع سنين لا يكاد يغادر في أثنائها بيته وحديقته، منكباً على دراسة الآداب القديمة، وتعلم اللغة العبرية واللغتين اليونانية واللاتينية، ولما عين سفيراً لدى روما، ونابلي، والبندقية، وجنوي افتتن به كل من رآه، وكسب في هذه المدن كلها صداقة أهلها لحكومته بفضل ثقافته، وسخائه، واستقامته.
وكان هؤلاء الرجال على بكرة أبيهم ما عدا سالوناري من أعضاء الندوة التي تجتمع في بيت كوزيمو بالمدينة أو بيته الريفي، وكانوا يتزعمون الحركة العلمية أثناء سلطانه. وكان لكوزيمو بالمدينة أو في بيته الريفي، وكانوا يتزعمون الحركة العلمية أثناء سلطانه. وكان لكوزيمو صديق آخر لا يكاد يقل عنه سخاء على العلم والعلماء، ذلك هو أمبروجيو ترافرساري Ambrogio Traversari القائد في طائفة الرهبان الكملدولية Camaldulite، والذي كان يعيش في صومعة في دير سانتا ماريا دجلي أنجيلي القريب من فلورنس. وكان يتقن اللغة اليونانية، وتنتابه نوبات من وخز الضمير لحبه الآداب القديمة، وكان يأبى أن يقتبس شيئاً منها في كتاباته، ولكنه كشف عن أثرها فيه بأسلوبه اللاتيني الذي كانت عباراته الإصلاحية التقية مما يرتاع له الجريجوريون المشهورون جميعاً لو أنهم اطلعوا عليها. وكان كوزيمو، الذي يعرف كيف يوفق بين الآداب القديمة وأساليب المالية العليا من جهة والدين المسيحي من جهة أخرى، ويحب أن يزور ترافرساري، كما كان نقولي، ومارسبيني، وبروني، وغيرهم يتخذون صومعته ندوة أدبية لهم.




صفحة رقم : 6447




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


وكان أعظم الكتاب الإنسانيين نشاطاً وأكثرهم سبباً للمتاعب هو بجيو براتشيوليني Poggio Bracciolini. وقد ولد لأبوين فقيرين بالقرب من أرتسو (1380)، وتلقى تعليمه في فلورنس، ودرس اللغة اليونانية على ما نيول كريسلوراس Manuel Chrysoloras، وكان يكسب عيشه بنسخ المخطوطات، وصادقه سالوتاري وعطف عليه، وعين في الرابعة والعشرين من عمره كاتباً في المحكمة البابوية في رومة، وقضى السنين الخمسين التالية يعمل في البلاط البابوي، ولم ينل في خلال هذه المدة كلها شيئاً من الرتب الدينية حتى أصغرها، ولكنه كان يرتدي الثياب الكهنوتية. وقدر له القائمون على البلاط نشاطه فأرسلوه في أكثر من عشر بعثات، وكثيراً ما كان يحيد من عمله فيها ليبحث عن المخطوطات القديمة، وقد يسر له منصبه في الأمانة البابوية الوصول إلى الكنوز المخبوءة في المكتبات التي كان يحرص عليها أشد الحرص أو كانت تهمل أشد الإهمال في أديرة القديس جول St. Gall ولانجر Langers، وفينجارتن Weingarten وريتشنو Rsichenau وقد بلغت غنائمه من هذه المكتبة حداً من الثراء جعل بروني وغيره من الكتاب الإنسانيين يحبونه أعظم تحية ويرون أن أعماله كانت من المعالم البارزة في تاريخ ذلك العصر. ولما عاد بجيو إلى روما كتب لمارتن الخامس Martin V دفاعاً مجيداً عن عقائد الكنيسة، ومع أنه كان في المجتمعات الخاصة يسخر مع غيره من موظفي البلاط البابوي من العقائد المسيحية(29). وقد كتب عدة محاورات ورسائل بلغة لاتينية غير مصقولة ولكنها منعشة مطربة، يندد فيها برذائل رجال الدين، بينما كان هو يرتكب تلك الرذائل إلى أقصى حد تمكنه منه موارده. ولما أن غاب عليه الكردنال سانتا أنجيلو وجوده أبناء له، وهو ما لا يليق برجل يرتدي الثياب الكهنوتية، وأن له عشيقة، وهو أمر لا يليق حتى برجل من غير رجال الدين، رد بجيو على ذلك بقحته المعهودة: »إن لي ابناء وذلك أمر يليق بغير رجال الدين،




صفحة رقم : 6448




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


وإن لي عشيقة وتلك إحدى عادات رجال الدين القديمة(30). ولما بلغ الخامسة والخمسين من عمره هجر عشيقته التي ولدت له أربعة عشر طفلاً، وتزوج بفتاة في سن الرابعة عشرة. وكاد في هذه الأثناء أن يكون هو مؤسس علم الآثار الحديث، لأنه جد في جمع القديم من النقود، والنقوش، والتماثيل، وعنى بوصف ما كان باقياً من الآثار الرومانية القديمة بدقة العلماء المبرزين. وقد صحب البابا أوجنيوس الرابع Eugenius V إلى مجلس فلورنس وتنازع مع فرانتشسكو فيللفو، وتبادل مع السباب بأقبح الألفاظ، ولم يتورع عن أن يتهمه بالسرقة، والكفر بالله، واللواط. ولقد اسره كل السرور وهو في روما أن يعمل لنقولا الخامس البابا الإنساني، وكتب وهو في سن السبعين كتاب الفكاهات الذائع الصيت، وهو مجموعة من القصص، والهجاء، والبذاءات. ولما انضم لورندسو فلا إلى هيئة الأمناء البابوية هاجمه بجيو بسلسلة جديدة من المطاعن اتهمه فيها باللصوصية والتزوير، والخيانة، والإلحاد، والسكر، وفساد الأخلاق. ورد فلا على هذا بأن سخر من لغة بجيو اللاتينية، وذكر أخطاءه في النحو والتراكيب، وقال إنه لا يعني به لأنه ابله يهذي ذهبت سنه بعقله(31). ولم يعبأ أحد بهذا الاتهام الأدبي غير الضحية التي وجه إليها، ذلك أن هذه المطاعن كانت مباريات في الكتابة اللاتينية، ولقد أعلن بجيو فعلا في إحدى هذه المقالات أنه سوف يثبت أن في مقدور اللغة اللاتينية الفصحى أن تعبر عن أحدث الآراء وأخص الشئون، وقد برع في فن اختيار الألفاظ البذيئة براعة جعلت »العالم كله يخشاه« من بعده، أداة لابتزاز أموال الناس. من ذلك أنه لما توفي ألفنسو ملك نابلي عن الكتابة إلى بجيو معترفاً بوصول الترجمة اللاتينية لكتاب فيروبيديا تأليف أكسانوفون Xanophon كتب الإنسان الحانق يقول: إن في مقدور القلم الطيب أن يطعن أي ملك من الملوك،




صفحة رقم : 6449




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


فما كان من الفنسو إلا أن بادر بإرسال 500 دوقة ليقطع بها لسانه. وألف بجيو بعد أن أستمتع بكل شهوة وغريزة رسالة في شقاء أحوال البشر قال فيها إن شرور الحياة ترجح مباهجها، واختتمها بقول صولون Solon إن اسعد الناس حظاً من لا يولدون(23). وعاد إلى فلورنس حين بلغ الثانية والسبعين من عمره وعين أميناً للحاكم العام، ثم اختير في آخر الأمر حاكماً للمدينة. وقد عبر عن تقديره لهذا الاختيار بكتابة تاريخ لفلورنس على طريقة الأقدمين-جمع فيه بين أخبار السياسة والحرب والخطب الخيالية، ولما أن وافته المنية أخيراً وهو في سن التاسعة والسبعين تنفس غيره من الإنسانيين الصعداء (1459). ودفن هو أيضاً في كنيسة الصليب المقدس Santa Croce وأقيم له تمثال من صنع دوناتلو عند واجهة الكنيسة ، وحدث في أثناء الارتباك الناشئ من بعض التغييرات أن وضع ذلك التمثال في داخل الكنيسة نفسها بوصفه تمثالً لأحد الرسل الأثني عشر.
ولا جدال في أن المسيحية قد فقدت قبل ذلك الوقت من الناحيتين الفقهية والأخلاقية سلطانها على طائفة كبيرة من الإنسانيين الإيطاليين ربما كانت هي الكثرة الغالبة منهم. نعم إن طائفة منهم أمثال ترافرساري، وبروني، ومانتي في فلورنس، وفتورينو دا فلتري Vittorino da Felter في مانتو، وجوارينو دا فرونا Guarino da Verona في فرارا، وفلافيو بيوندو Flavio Biondo في روما قد بقوا أوفياء مخلصين لدينهم، إلا أن الثقافة اليونانية التي تكشف للكثيرين غيرهم والتي دامت ألف عام كاملة، وبلغت الذروة العليا في الأدب، والفلسفة، والفن مستقلة تمام الاستقلال عن اليهودية والمسيحية، نقول إلا أن هذه الثقافة كانت ضربة قاضية على إيمانهم بالعقيدة الدينية التي علمها القديس بولس، بالعقيدة القائلة أن »لا نجاة خارج الكنيسة«. واصبح سقراط وأفلاطون في نظر هؤلاء قديسين من غير رجال الدين، وبدت لهم أسرة الفلاسفة اليونان أعلى درجة




صفحة رقم : 6450




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


من آباء الكنيسة اليونان واللاتين، كما أن نثر سقراط وشيشرون كان يبعث الخجل في نفس الكرادلة أنفسهم من اللغة اليونانية التي كتب بها العهد الجديد ومن اللغة اللاتينية التي ترجمه بها جيرو. كذلك خيل إلى هؤلاء أن روما الإمبراطورية أعظم نبلاً وكرامة من انزواء المسيحيين المؤمنين في صوامع الأديرة، كما أن الحرية التي اتسم بها تفكير اليونان في أيام بركليز والرومان في عهد أغسطس قد أفعمت عقول كثيرين من اٌلإنسانيين بالحسد الذي حطم في قلوبهم العقائد المسيحية التي تحث على التذلل، والإيمان بالدار الآخرة، والعفة، وأخذوا يتساءلون عما يدعوهم إلى إخضاع أجسامهم، وعقولهم، وأرواحهم إلى قواعد رجال الكنيسة الذين انقلبوا وقتئذ رجالا دنيويين، وأخذوا هم أنفسهم يمرحون ويطربون. وكانت العشرة القرون التي انقضت بين قسطنطين ودانتي في نظر هؤلاء الإنسانيين، غلطة يؤسف لها أشد الأسف، وخروجا، كالخروج الذي يصفه دانتي على نفسه، عن الصراط المستقيم. ولقد عفت من ذاكرة هؤلاء الكتاب ما كان في عقول من قبلهم من الأقاصيص المحببة عن العذراء والقديسين، لتفسح مكانها إلى تحولات أوفد Ovid's Metamorphoses وأغاني هوراس الفاسقة الفاجرة. وبدت الكنائس الكبرى وقتئذ دليلا على الهمجية، وفقدت تماثيلها الهزيلة روعتها في الأعين التي رأت تمثال أبلو بلفدير Apollo Belvedere والأصابع التي لمسته.
وهكذا كان مسلك الكثرة الغالبة من الإنسانيين مسلك من يرون أن المسيحية أسطورة تفي بحاجات خيال العامة وأخلاقهم ولكنها يجب ألا تأخذها العقول المتحررة مأخذ الجد، ولهذا كانوا يؤيدونها فيما ينطقون به أمام الجماهير، ويقولون إنهم يستمسكون بأصول الدين التي تنجيهم من العذاب، ويبذلون غاية جهدهم للتوفيق بين العقائد المسيحية والفلسفة اليونانية. لكن هذه الجهود نفسها قد كشفت عما يضمرون، فقد كانوا




صفحة رقم : 6451




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


يعترفون اعترافاً ضمنيا بأن العقل هو الحكم الأعلى في كل شئ. وكانوا يعظمون محاورات أفلاطون بالقدر الذي يعظمون به العهد الجديد، وبهذا عملوا ما عمله السوفسطائيون السابقون على عهد سقراط في بلاد اليونان فحطموا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة العقائد الدينية عند من كانوا يستمعون لهم، سواء كان ذلك عن قصد أو غير قصد. وكانت حياتهم تنم عن عقيدتهم الحقيقية. فقد كان الكثيرون يتخلقون بالأخلاق الوثنية في ناحيتها الشهوانية لا في ناحيتها الرواقية، ولم يكونوا يؤمنون بالخلود إلا إذا كان هو الخلود الناشئ عن تسجيل الأعمال العظيمة، وهو الخلود الذي لا يهبه الله بل تهبه أقلامهم، والذي يؤدي بالناس إما إلى المجد السرمدي أو العار الأبدي. وقد ارتضوا بعد جيل من أيام كوزيمو أن يقتسموا هذه القوة السحرية مع الفنانين الذين نحتوا أو رسموا صور أنصار الفن والأدب، أو شادوا الصروح الفخمة التي تخلد أسماء الأسخياء الواهبين. وكانت رغبة هؤلاء الأنصار في أن ينالوا هذا الخلود الدنيوي إحدى القوى الخلاقة فن النهضة وأدبها.
وظل تأثير الكتاب الإنسانيين القوة المسيطرة على الحياة العقلية في أوربا الغربية نحو مائة عام. فقد كانوا هم الذين قووا إدراك الكتاب لجمال الشكل والتركيب، وعلموهم أساليب البلاغة، وزخرف القول، وما للأساطير القديمة من سحر وفتنة، وما للاقتباس من الكتاب الأقدمين من قوة، وعلموهم التضحية بالمعنى في سبيل سلامة العبارة وجمال الأسلوب. وكان افتتانهم باللغة اللاتينية هو الذي عاق تطور الشعر والنثر الإيطاليين مدى قرن كامل (1400-1500)، وهم الذين حرروا العلم من سلطان الدين، ولكنهم أخروا تقدمه بعبادتهم الماضي، وباهتمامهم الشديد بالكم في العلم بدل الملاحظة الموضوعية والتفكير الإبتكاري. ومن أغرب الأشياء أن أقل ما لهؤلاء الكتاب من نفوذ هو الذي كان في الجامعات،




صفحة رقم : 6452




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


وسبب ذلك أن هذه الجامعات كانت في أيامهم قد تقادم عهدها في إيطاليا، وأن كليات الحقوق، والطب، والدين، »والفنون«-أي اللغة، والأدب، والبيان، والفلسفة-القائمة في بولونيا، وبدوا وبيزا، وبياتشندسا، وبافيا، ونابلي، وسينا، وأرتسو، ولوكا، نقول كانت الكليات القائمة في هذه المدن قد استحوذت عليها عادات العصور الوسطى استحواذا يرد عنها كل توكيد جديد للثقافات القديمة. وكان أكثر ما فعلته أنها أنشأت في أماكن متفرقة كرسيان للبيان عينت فيه أحد هؤلاء الإنسانيين.أما ما كان لإحياء »الآداب« من أثر فقد جاء أكثره عن طريق المجامع العلمية التي أنشأها أنصار الأدب من الأمراء في فلورنس، ونابلي، والبندقية، وفرارا، ومانتوا، وميلان وروما. فقد كان الإنسانيون في تلك المدن يملون ما يريدون مناقشته من النصوص القديمة باللغة اليونانية أو اللاتينية، وكانوا في خلال هذا النقاش يعلقون باللغة اللاتينية على ما يتصل بهذه النصوص من مظاهر النحو، والصرف، والبيان، والسير، والجغرافية، والأدب،. وكان طلابهم يدونون ما يملونه عليهم من النصوص ويثبتون في هوامش الصفحات كثيراً من الحواشي والتعليقات، وبهذه الطريقة تضاعفت تسخ الآداب القديمة كما تضاعف شروحها وانتشرت في أنحاء العالم. ومن أجل ذلك كان عهد كوزيمو عهد الانهماك في التعليم لا الانهماك في الأدب المبتكر الخلاق، فانحصرت أمجاد ذلك العصر الأدبية في النحو، والمعاجم اللغوية، وعلم الآثار القديمة، والبيان، والمراجعة الانتقادية للنصوص القديمة. وهكذا استقرت طريقة التبحر الحديث في العلم، وأداته، ومادته، ومهد الطريق الذي سار فيه تراث اليونان وروما حتى وصل إلى عقول المحدثين.
ولم يبلغ العلماء منذ عهد السوفسطائيين مثل ما بلغوه وقتئذ من المنزلة العالية في المجتمع وفي الشئون السياسية، ذلك أن الكتاب الإنسانيين صاروا أمناء ومستشارين لمجالس الشيوخ، والأمراء، وألأدواق، والبابوات،




صفحة رقم : 6453




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


وكانوا يردون هذا العطف بالمديح المصوغ باللغة اللاتينية الفصيحة، كما يردون على الصد عنهم والاستهزاء بهم بالهجاء اللاذع القاتل، وقد بدلوا المثل الأعلى القديم للرجل الكامل المهذب من رجل شاكي السلاح لابس الزرد إلى إنسان كامل النماء بلغ أعلى درجات الحكمة والمنزلة الأدبية باستيعاب التراث الثقافي للجنس البشري. وقد غوت شهرتهم العلمية وبلاغتهم الساحرة ما وراء جبال الألب من أوربا حين كانت جيوش فرنسا، وألمانيا، وأسبانيا، تحتشد للاستيلاء على إيطاليا، فأخذت هذه الثقافة تتسرب إليها قطرا بعد قطر، وتنتقل بها من صبغة العصور الوسطى إلى الصبغة الحديثة، فكان القرن الذي شهد كشف أمريكا هو بعينه الذي شهد إعادة كشف بلاد اليونان وروما، وكان التحول الأدبي والفلسفي الذي تم في ذلك الوقت أبلغ أثراً في الروح البشرية من الطواف حول الكرة الأرضية وارتياد مجاهلها. ذلك أن الإنسانيين لا الملاحين هم الذين حرروا عقول البشر من العقائد التعسفية، وعلموهم أن يحبوا الحياة بدلا من التفكير النكد في الموت، وأطلقوا العقل الأوربي من عقاله. وكان الفن آخر ما تأثر بالنزعة الإنسانية، لأن هذه النزعة كانت أكثر تجاوباً مع العقل منها إلى الحواس. ولذلك ظلت الكنيسة حتى ذلك الوقت أكبر نصير للفنون، كما كان أهم أغراض الفن هو نقل قصة المسيحية إلى غير المتعلمين وتجميل بيوت الله، ولهذا بقيت العذراء والطفل، وآلام المسيح وصلبه، وبقى الرسل، وآباء الكنيسة، والقديسون، الموضوعات التي لا غنى عنها لفني النحت والتصوير، بل والفنون الصغرى كذلك. بيد أن الإنسانيين أخذوا يعلمون الإيطاليين شيئاً فشيئاً معنى للجمال أكبر شهوانية من قبل، علموهم الإعجاب الصريح بجمال الجسم الآدمي-ذكرا كان أو أنثى وخاصة إذا كان عاريا-وتغلغل هذا الإعجاب في نفوس الطبقات المتعلمة، وكان اهتمام أدب النهضة بالحياة وتوكيدها، بدل التفكير ي الدار الآخرة مما أكسب الفن نزعة




صفحة رقم : 6454




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> الإنسانيون


دنيوية خفية، وأدخل مصورو عصر لورندسو وما تلاه من العصور عناصر وثنية في الفن المسيحي، وذلك خين جاءوا بالحسان الإيطاليات يتخذونهن نماذج لتصوير العذراء، وبالشبان الوسيمين الأقوياء ليكونوا نماذج للقديسين. ولما أخذ الأمراء الزمنيون ينافسون رجال الكنيسة في السخاء على الفنيين وإمدادهم بالمال أثناء القرن السادس عشر تحدت فينوس (الزهرة) وأدرياني، ودافني، وديانا، وربات الشعر والأقذار، تحدث هذه سلطان العذراء، لكن مريم الأم ظلت محتفظة بسيطرتها الطيبة الصالحة إلى آخر أيام فن النهضة.




صفحة رقم : 6455




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> العمارة (عصر برونيلسكو)



الفصل الخامس




العمارة (عصر برونيلسكو)


نادى أنطونيو فيلاريتي Antonio Filarete في عام 1450 يقول : »لعن الرجل الذي ابتدع العمارة القوطية التعسة! ولم يكن في وسع أحد أن يدخلها إلى إيطاليا إلا شعب همجي«(35). ذلك أن هذه الجدران المقامة من الزجاج لا توائم شمس إيطاليا الساطعة، وبدت الدعامات الأفقية العالية (وأن كانت قد اتخذت في كنيسة نوتردام ده باري صورة جميلة فكانت كأنها ماء في نافورة تجمد أثناء مسيله) في أعين أهل الجنوب كأنها محالات قبيحة المنظر تركها وراءهم البناءون الذين عجزوا عن أن يكسبوا بناءهم استقراراً من تلقاء نفسه. لقد كان الطراز القوطي ذو العقد المستدق والقبة العالية يعبر أحسن تعبير عن آمال الأرواح الرقيقة العائدة من العمل المجهد في الحقول إلى سلوى السماء، غير أن الرجال الذين وهبوا من عهد قريب الثراء والراحة اضحوا يرغبون في تجميل الحياة لا أن يفروا منها ويقدحوا فيها، فكانوا يريدون أن يحيلوا الأرض جنة، وأن يحيلوا أنفسهم أربابا.
ولم تكن عمارة النهضة الإيطالية في اساسها ثورة على العمارة القوطية، لأن هذه العمارة القوطية لم تكن لها الغلبة على إيطاليا في يوم من الأيام؟ فقد كان كل طراز وكل تأثير ممثلين بشيء ما في تجارب القرنين الرابع عشر والخامس عشر: كانت فيها العمد الثقيلة، والعقود المستديرة المأخوذة من الطراز الرومانسي اللمباردي، والصليب الذي كانت تخطط على صورته المباني السفلى، والقبة والعارضة المثلثة بين عقودها المتعامدة، وأبراج النواقيس في الكنائس التي أقيمت على منوالها مآذن المساجد الإسلامية،




صفحة رقم : 6456




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> العمارة (عصر برونيلسكو)


والعمد الرفيعة في الأديرة التسكانية التي تذكر الناظر إليها بعمد المساجد أو الأروقة الرومانية واليونانية القديمة، والسقف ذات الكتل الخشبية في إنجلترا وألمانيا، والقبة المضلعة والعقد القوطي والشبابيك القوطية، والفخامة المتناسقة في الواجهات الرومانية، وفوق هذا كله المتانة البسيطة في صحن الباسلقا الذي يكتنفه من الجانبين جناحان يدعمانه. لقد كانت هذه العناصر كلها تمتزج في إيطاليا امتزاجا مثمراً حين أخذ الكتاب الإنسانيون يوجهون العمارة نحو خرائب روما. وبدت وقتئذ العمد المحطمة في السوق الرومانية، التي كانت تتراءى من خلال ضباب العصور الوسطى لأعين الإيطاليين أعظم جمالا من طرز البندقية الغربية، أو فخامة تشارتر الكئيبة، أو جسارة بوفيه الهشة، أو إمتدادات قبة أمين الخفية الغامضة، وأضحت الرغبة في العودة من جديد إلى استخدام العمد الملتفة الجميلة، الغائرة في قواعد ضخمة، والمتوجة بتيجان جميلة في صورة الأزهار، والمرتبطة بطيلات رصينة مهيبة المنظر، نقول أضحت الرغبة في استخدام هذه العمد، حين أخذ الماضي القديم المدفون الحي يتلمس طريقه إلى الظهور، هي الحلم الذي يراود خيال رجال من طراز بروند لسكو، وألبرتي، وميكلتسو Michelozzo، وميكل أنجلو، وروفائيل.
وكتب فاساري الوطني الصميم عن بروند لسكو يقول: »أما فليو بروند لسكو فيمكننا أن نقول عنه إن الله قد وهبه القدوة على أن يكسب العمارة أشكالا جديدة بعد أن ظلت السبيل قروناً كثيرة«(36). وقد بدأ عمله صائغا شأن كثيرين من فناني عصر النهضة الإيطاليين، ثم درس فن النحت وظل وقتاً ما ينافس دوناتلو منافسة الصديق لصديقه، ونازعه هو وجبرتي مهمة نقش الأبواب البرنزية لمكان التعميد في فلورنس. ولما ابصر الرسوم التي وضعها دونالتو غادر فلورنس ليدرس في المنظور والتخطيط في رومة، فلما جاءها افتتن بما رآه فيها من العمائر القديمة وعمائر العصور الوسطى، وشرع يقيس المباني الكبرى بجميع عناصرها، وكان أعظم ما أثار دهشته




صفحة رقم : 6457




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> العمارة (عصر برونيلسكو)


قبة هيكل مجمع الآلهة الذي أقامه أجربا، البالغ عرضها 142 قدماً، ولاح أنه يتوج بقية مثلها كتدرائية سانتا ماريا دل فيوري التي لم تكن قد تم بناؤها، في مسقط رأسه. وعاد إلى فلورنس في الوقت الذي أمكنه فيه أنه يشترك في مؤتمر من المهندسين معماريين وغير معماريين ليبحثوا مشكلة سقف موضع المرنمين المثمن الأضلاع في هذه الكتدرائية والبالغ عرضه مائة وثماني وثلاثين قدماً ونصف قدم. واقترح فلبو أن تقام فوقه قبة، ولكن الضغط إلى الخارج الذي سوف تحدثه هذه لقبة الضخمة على الجدران التي لا تسندها دعامات من خارجها أو كتل خشبية من الداخل بدا لهؤلاء المهندسين عقبة لا يمكن التغلب عليها. والعالم كله يعلم قصة البيضة التي تطلق بها برونسكو: وكيف تحدى الفنانين المجتمعين أن يجعلوا البيضة تقف على أحد طرفيها، فلما عجزوا جميعاً نجح هو في هذا العمل بأن ضغط الطرف الغليظ الفارغ على المنضدة. ولما احتجوا عليه بقولهم إنه كان في وسعهم أن يفعلوا ما فعله هو، قال أنهم سوف يدعون مثل هذه الدعوى بعد أن تتم إقامة قبة الكتدرائية. وكلف هو بالعمل، وظل أربعة عشر عاماً (1420-1434) بلا انقطاع يكدح في القيام بهذا الواجب، ويقاوم ألف محنة ومحنة حتى رفع القبة المزعومة بمقدار 133 قدماً فوق حافة الجدران التي تستند إليها. وانتهى من العمل آخر الأمر، وقامت القبة ثابتة قوية، وابتهجت المدينة كلها لتمامها وعدته أول الأعمال المعمارية الكبرى في عصر النهضة، وأجرأ هذه الأعمال كلها عدا عملا واحداً لا غير. ولما صمم ميكل أنجيلو بعد قرن من الزمان قبة كنيسة الرسول بطرس، وقيل له إنه قد أتيحت له الفرصة للتفوق على برونلسكو رد على ذلك بقوله: »سأقيم قبة مثلها وأختا لها، أكبر منها، ولكنها لا تفوقها في الجمال«(37). ولا تزال هذه لقبة الفخمة الزاهية تشرف على ما حولها من مناظر تمتد عدة فراسخ من مدينة فلورنس ذات السقف الحمراء التي ترقد كأنها حوض من الورد في أحضان تلال تسكانيا.




صفحة رقم : 6458




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> العمارة (عصر برونيلسكو)


وقد أخذ فلبو فكرته عن هيكل مجمع الآلهة، ولكنه وفق أحسن التوفيق بينها وبين الطراز القوطي التسكاني الذي يتمثل في كتدرائية فلورنس، وذلك بأن جعل استدارة قبته على طراز العقد المستدق القوطي. لكنه حين سمح له بتخطيط مبان في الطابق الأرضي جعل الانقلاب إلى الطراز القديم أتم وأوضح. وكان في عام 1419 قد بدأ يشيد لوالد كوزيمو كنيسة سان لورندسو، ولم يتم منها إلا »غرفة المقدسات«، لكنه اختار لها طراز الباسلقا، والبواكي، والرواق المعمد، والعقد الرومانسكي، فجعلها هي العناصر التي بنى عليها تصميمه، وبنى لأسرة باتسي Pazzi في أديرة سانتا كروتشي (الصليب المقدس) معبدا جميلا يعيد إلى الذاكرة قبة هيكل مجمع الآلهة في أثينة ورواقه المعمد، ثم اختط في هذه الأديرة نفسها مدخلا مستطيل الشكل-من عمد ذات حزوز، وتيجان على شكل أزهار، وطيلات ذات تماثيل، وحليات هلالية منقوشة- كان هو الطراز الذي صنع على نمطه مائة ألف باب والذي بقى حتى الآن في كل مكان في أوربا الغربية وأمريكا. ثم بدأ ينشئ على الطراز القديم كنيسة سانتو اسبريتو Santo Spirito، ثم مات ولما يكد البناء يعلو على الأرض. ففي عام 1446 كان جثمان هذا الفنان المولع بفنه سجى في الكتدرائية محوطاً بمظاهر العظمة وتحت القبة التي أقامها، وأقبل عليه سكان فلورنس من كوزيمو إلى اصغر عامل كان يكدح في ذلك المكان، أقبلوا عليه جميعاً، وقد امتلأت قلوبهم أسى وحسرة على أن يكون الموت مآل العباقرة العظام. ويقول فيه فاساري:»لقد عاش كما يعيش المسيحي الصالح، وخلف في العالم آثار صلاحه وتقواه...... ولم يجد الزمان من عهد اليونان والرومان القدامى إلى يومنا هذا برجل أعظم منه، لقد كان بحق منقطع النظير(38)«. وكان برونلسكو في أيام حماسته المعمارية قد وضع لكوزيمو تصميم قصر بلغ من السعة والزخرف مبلغا حمل هذا الحاكم المطلق المتواضع على أن يرفض الاستمتاع بمنظره حين يقوم لأنه يخشى حسد الناس له. ولهذا




صفحة رقم : 6459




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> العمارة (عصر برونيلسكو)


كلف ميكلتسو دي بارتليمو Michelezzo di Baptolmmeo، (1444) أن يشيد له ولأسرته ومكاتبه بدل هذا القصر قصر آل ميديتشي Palazzo Medici أو الريكاردي Riecardi القائم اليوم، ذا الجدران الحجرية السميكة الخالية من الزخرف، والتي تنم عما كان في ذلك الوقت من اضطراب اجتماعي، ومنازعات عائلية، وخوف دائم من العنف والثورة، وهي العوامل التي كانت تبعث النشاط والحياة في السياسة الفلورنسة. وكان لهذا القصر ابواب ضخمة من الحديد يدخل منها الأصدقاء والدبلوماسيين، والفنانون، والشعراء إلى فناء مزدان بتماثيل من صنع دوناتلو، ويؤدي إلى حجرات متوسطة الروعة، ومعبد مزدان بمظلمات فخمة زاهية من صنع بنتسو جوتسولي Benozzo Gozzoli. وأقام آل ميديتشي في هذا القصر إلى عام 1538، عدا الفترات التي نفوا فيها من المدينة، ولكنهم كانوا بلا ريب يخرجون من هذه الجدران المكتئبة ليستمتعوا بأشعة الشمس في البيوت الريفية التي شادها كوزيمو خارج المدينة في كاريجي Careggi، وكفاجيولو Cafaggiolo، وعلى منحدرات فيسولي Fiesole. وكانت هذه الملاجئ الريفية هي التي يأوى إليها كوزيمو ولورندسو، وأصدقاؤهما، وصنائعهما فراراً من عناء السياسة إلى الاستمتاع بالشعر، والفلسفة، والفن، وإلى كاريجي أوى الأب والحفيد ليستقبلا الموت، وكان كوزيمو من حين إلى حين يفكر فيما بعد الموت فتبرع بكثير من المال لإقامة دير في فيسولي Fiesole، وليعيد بناء الدير القديم في سان ماركو ويجعله أوسع رقعة أكثر متعة.. وخطط ميكلتسو في هذا الدير بواكي مسقوفة رشيقة، ومكتبة تضم كتب نقولي، وصومعة ينفرد فيها كوزيمو من حين إلى حين معتزلا أصدقاءه أنفسهم ليقضي يومه في التأمل والصلاة.
وكان ميكتسو أحب المهندسين إليه في هذه المشروعات، كما كان هو الصديق الوفي الذي صاحبه في منفاه، وعاد معه بعد النفي، وعهد إليه




صفحة رقم : 6460




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> العمارة (عصر برونيلسكو)


الأمير بعد عودته بزمن قليل بذلك الواجب الدقيق واجب تقوية قصر فيتشيو لمقاومة ما كان يتهدده من خطر الانهيار. وقد جدد بناء كنيسة سانتسيما أنندسياتا Santissima Annunziata، وأنشأ لها معبداً جميلا، وأثبت أنه مثال ماهر حين زينها بتمثال للقديس يوحنا المعمدان. وشاد لبيرو Piero ابن كوزيمو معبداً فخما في كنيسة سان منياتو San Miniato القائمة على سفح أحد التلال، وعاون بمهارته دوناتلو في تصميم »منبر النطاق« الجميل وحفره في واجهة كتدرائية براتو Prato، ولو أن ميكلتسو كان وقتئذ يعيش في غير بلده لكان هو بلا جدال حامل لواء فن العمارة. وكان أثريا التجار في ذلك الوقت يشيدون أبهاء مدينة فخمة وقصوراً رائعة. وفي عام 1376 عهد مجلس المدينة إلى بنتشي دي تشيوني Benci di Cione وسيمون دي فرانتشسكو تالنتي Simone di Francesco Talenti أن يشيدا رواقاً ذا عمد في مواجهة قصر فيتشيو ليكون مكاناً يخطب فيه الحكام، وأطلق على هذا الرواق في القرون السادس عشر أسم »بهو حاملي الرماح« Loggia dei lanzi، لأن الدوق كوزيمو الأول أقام فيه الرماحة الألمان. وكان أفخم قصر خاص في فلورنس هو الذي شاده (1459) لوكا فانتيشلي Luca Fancelli للمصرفي لوكا بتي Luca Pitti من تصميم قام به برونلسكو قبل أن يشرع في بنائه بتسعة عشر عاماً. وكان في بتي تواضعه، وكان ينازع كوزيمو السلطان، وقد وجه إليه كوزيمو نصيحة لاذعة قال فيها:
إنك تسعى إلى غير غاية، أما أنا فاسعى إلى غاية محددة، وانت تنصب سلكك في الهواء، أما أنا فأنصبه على الأرض... ويبدو لي أن من العدل، ومن الطبيعي أن أرغب في أن يفوق مجد بيتي وشهرته شرف بيتك أنت وسمعته، فلنفعل إذن ما يفعله كلبان كبيران يشم أحدهما الآخر




صفحة رقم : 6461




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> العمارة (عصر برونيلسكو)


حين يلتقيان، ويكشران عن أنيابهما، ثم يسير كلاهما في طريقه، فتعنى أنت بشئونك، وأعنى أنا بشئوني(39).
وواصل بتي مؤامراته ودسائسه، ولم ينقطع عنها بعد موت كوزيمو، بل أخذ يعمل على انتزاع السلطة من بيرو ده ميديتشي Piero de'Medi، واقترف في عمله هذا الجريمة الوحيدة التي لا يعفو عنها أحد في عصر النهضة- وهي جريمة الاخفاق، وأعقبها نفيه من بلده، وخرابه، وبقى قصره ناقصاً مدى قرن من الزمان.




صفحة رقم : 6462




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> جبرتي



الفصل السادس




النحت




1- جبرتي


لقد كانت محاكاة الأشكال اليونانية والرومانية القديمة في النحت أمم منها في العمارة. ذلك أن رؤية الخرائب الرومانية ودراستها، والكشف من حين إلى حين عن آية فنية رومانية كانا يبعثان في المثالين الطليان رغبة قوية في محاكاة هذه المخلفات. وقد يدل على ذلك ما كتبه جبرتي عن تمثال هرم أفروديتي Hermaphrodite الملقى على وجهه الآن في البهو االبرغي Borghese Gallery مستديراً بمظهره إلى النظارة كأنه غير عابئ بهم، وذلك حين وجد هذا التمثال في كروم سان تشلسو San Celso: »إن البيان ليعجز عن أن يصف ما يكشف عنه هذا التمثال من علم وفن أو يُوَفى طرازه الرائع حقه من الثناء«، ويضيف إلى هذا قوله إن ما بلغته هذه الأعمال من الكمال الأعظم من أن تدركه العين، ولا يستطاع تقديره إلا بمرور اليد على سطحه ومنحنياته الرخامية(40). ولما زاد عدد هذه المخلفات المستخرجة من باطن الأرض وألف الناس رؤيتها، اعتاد العقل الإيطالي على مهل مشاهدة التماثيل والصور الفنية العارية، وأضحت دراسة التشريح مما يعني به في مراسم الفنانين كما يعنى به في قاعات الطب، وسرعان ما أخذت النماذج العارية تستخدم بلا خوف ولا حساء. وكان من أثر هذا الحافز القوي أن خرج فن النحت من سيطرة العمارة ومن النقوش على الحجر أو الجص إلى تماثيل البرنز أو الرخام المجسمة.
لكن النقش البارز هو الذي ظفر فيه فن النحت بأشهر انتصاراته




صفحة رقم : 6463




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> جبرتي


فلورنس على عهد كوزيمو. ذلك ان بناء التعميد القبيح المنظر المخطط الذي كان يواجه الكتدرائية لم يكن يزيل قبحه إلا الزخارف التي تضاف إليه. وكان ياقوبو توريتي Jacopo Torriti قد زخرف قبلئذ المنصة، كما زخرف أندريا تافي Andrea Tafi السقف المقبب بنقوش فسيفسائية متزاحمة، كذلك كان أندريا بيزانو Andrea Pisano قد صنع للواجهة الجنوبية بابا مزدوجاً من البرانز (1330-1336). حدث هذا كله من قبل، أما الآن (1401) فإن مجلس السيادة في فلورنس قد اعتمد بالاشتراك مع طائفة تجار الصوف مبلغاً كبيراً من المال ينفق في صنع باب من البرنو للواجهة الشمالية، لعل هذا العمل يرضي عنهم الله فيقضي على وباء الطاعون المنتشر وقتئذ. وأجريت لذلك مباراة، ودعا جميع الفنانين في إيطاليا لتقديم الرسوم، وكان أعظمهم توفيقاً هم برنلسكو، وياقوبو دلاكو يرتشيا Jacopo della Quercia، ولورندسو جبريتي، وعدد قليل آخر من الفنانين، فعهد إليهم أن يصبوا لوحة نموذجية من البرنز تمثل تضحية إبراهيم بإسحق . وعرضت الألواح كاملة بعد عام من ذلك الوقت على القضاء الأربعة والثلاثين-من مثالين، ومصورين، وصياغ. وأجمع المحكمون على أن اللوحة التي صنعها جبرتي كانت أحسنها كلها، وشرع الشاب الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره من ذلك الوقت يصنع البابين الأولين من أبوابه البرنزية الذائعة الصيت.
وليس في وسع إنسان أن يعرف لماذا استغرق العمل في تصميم هذا الباب الشمالي وصبه الجزء الأكبر من السنين الإحدى والعشرين التالية، إلا من درس هذا الباب دراسة دقيقة عن كثب. وكان يساعد جبرتي في عمله مساعدة كريمة دوناتلو، وميكلتسو، وطائفة كبيرة من الأعوان،




صفحة رقم : 6464




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> جبرتي


إلا انهم جميعاً قد عقدوا العزم على أن تكون النقوش المطلوبة أجمل النقوش البرنزية في تاريخ الفن كله، وأن فلورنس تتطلع إليهم ليجعلوها كذلك. وقسم جبرتي البابين إلى ثمانية وعشرين لوحة: منها عشرون تروى حياة المسيح، وأربع تصور الرسل، وأربع تمثل علماء القوانين الكنسية. ولما أن صممت هذه الألواح كلها، وانتقدت، ثم أعيد تصميمها، وصبت، ووضعت في أماكنها على الباب، ولم يستكثر واهبوا المال ما أنفقوه عليها وهو 22.000 فلورني (550.000 دولار)، بل عهدوا إلى جبرتي أن يصنع بابا مزدوجاً آخر للناحية الشرقية من بناء التعميد (1425). وكان يساعد جبرتي في هذا العمل الثاني الذي استغرق سبعة وعشرين عاما رجال ذاع صيتهم من قبل، أو بعد قليل من ذلك الوقت: برونلسكو، وأنطونيو فيلاريتي، وباولو أتشلو Paolo Uccello وأنطونيو دل بولايولو Antonio del Pollaiuolo وغيرهم. واصبح مشغله على مر الزمن مدرسة للفن أنجبت أكثر من عشرة من العباقرة. وكان البابان الأولان يشرحان أجزاء من العهد الجديد، أما هذان البابان فقد مثل فيهما جبرتي على عشر لوحات مناظر من العهد القديم، تبدأ من خلق الإنسان وتنتهي عند مجيء ملكة سبأ إلى سليمان، وأضاف على جوانبهما عشرين شكلا من النقش الكامل أو القريب من الكمال وزخارف متنوعة-من حيوان ونبات-ذات جمال فائق رائع. وهنا تلاقت العصور الوسطى وعصر النهضة تلاقيا منسجما أتم الانسجام: فمثلت في اللوحة الأولى قصص العصور الوسطى عن خلق آدم، وإغواء حواء له، وخروجهما من الجنة، وقد عولجت هذه الموضوعات وكانت شخصياتها إما مكتسبة بأثواب مسترسلة كأثواب اليونان والرومان الأقدمين أو عارية وكثير منها كل العري. وكانت الصورة التي تمثل حواء وهي خارجة من جسم آدم تضارع النقش الهلنستي الذي يمثل أفرديتي خارجة من البحر. وقد دهش الناس حين وجدوا في خلفية النقش مناظر تكاد تضارع في دقة مراعاتها لفن المنظور،




صفحة رقم : 6465




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> جبرتي


وفي وفرة التفاصيل ما يجدونه في أحسن الصور الملونة التي رسمت في ذلك الوقت. ومنهم من كان يشكو من أن هذه النقوش تعتدي على فن التصوير أكثر مما يجب، وتتخطى التقاليد الموضوعة لفن النقش اليوناني الروماني القديم. ولسنا ننكر أن هذه الشكوى الصادقة من الوجهة العلمية النظرية البحتة، ولكن الأثر الذي تحدثه كان أثرا حيا واضحا ساميا. وكان هذا الباب المزدوج الثاني بإجماع الآراء أجمل من الباب الأول. وكان ميكل أنجيلو يرى أنه »بلغ من الجمال حدا يجعله خليقا بأن يزدان به مدخل الجنة«، وكذلك يقول عنه فاساري، وهو بلا ريب لا يفكر إلا في النقوش، إنه »يبلغ حد الكمال في جميع دقائقه وتفاصيله، وإنه أجمل آية فنية في العالم كله عن الأقدمين والمحدثين على السواء(41)«. وسرت فلورنس من هذا العمل سرورا دفعها إلى أن تختار جبرتي لمجلس السيادة في المدينة، ووهبته من المال ما يستعين به على الحياة في شيخوخته.




صفحة رقم : 6466




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> دوناتلو



2-دوناتلو


يظن فاساري أن دوناتلو كان من بين الفنانين الذين اختيروا لكي يعدوا لوحات تجريبية لأبواب بناء التعميد، ولكن الحقيقة أن دوناتلو كان وقتئذ غلاما لا يتجاوز السادسة عشرة من العمر. وقد أطلق عليه أصدقاؤه ذلك الاسم المصغر المحبب الذي يعرفه به الخلف، أما اسمه الحقيقي فهو دوناتو دي نقولو دي بتوباردي Donato di Niccol? di Betto Bardi. ولم يتعلق في مشغل جبريتي إلا بعض فنه، ولكنه سرعان ما شق طريقه لنفسه وانتقل من رشاقة نقوش جبرتي النسوية إلى تماثيل الرجولة المجسمة, وأحدث في فن النحت انقلابا يقوم على إخلاصه للطبيعة وتمسكه بأصولها وقوة شخصيته المبتكرة وطرازه المبدع الخالي من الزخرف والتجميل، أكثر مما يقوم على الأساليب والأهداف اليونانية




صفحة رقم : 6467




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> دوناتلو


والرومانية القديمة. لقد كان دوناتلو ذا روح مستقلة لا تقل قوة عن تمثاله لداود أو جرأة عن تمثاله للقديس جورج.ولم تنضج عبقريته بالسرعة التي نضجت بها عبقرية جبرتي، ولكنها كانت أسمى منها وأوسع مجالا. ولما ان تم نضوجها أخذت تنثر الآيات الفنية الرائعة بلا حساب حتى امتلأت فلورنس بتماثيل من صنعه، ورددت اًصداء شهرته أصقاع ما وراء جبال الألب. ولما بلغ الثانية والعشرين من عمره نافس جبرتي بأن صنع لأورسان ميتشيل Or San Michele، تمثالا للقديس بطرس، ثم فاقه وهو في السابعة والعشرين حين اضاف لهذا الصرح تمثالا للقديس مرقس بلغ من القوة، والبساطة، والإخلاص، درجة »يستحيل معها أن يرفض الإنسان الإنجيلي الذي يبشر به مثل هذا الرجل الصريح« على حد قول ميكل أنجيلو وكان دوناتلو وهو في الثالثة والعشرين قد كلف بنحت تمثال داود ليوضع في الكتدرائية، ولم يكن هذا إلا واحداً من عدة تماثيل لداود قام بصنعها، ذلك أن موضوعها كان لا ينفك يطرب خياله. ولعل أجمل أعماله كلها هو تمثال داود المصنوع من البرنز، والذي كلفه به كوزيمو وصبه في عام 1430 وأقيم في فناء قصر آل ميدتشي وهو الآن في بارجلو Bargello. وكان هذا التمثال أول تمثال عار مجسم من تماثيل النهضة ظهر في غير أمام الجماهير: كان له جسم أملس متين البناء يطالعك لحمه بنضرة الشباب وقوته، ووجه لعله أسرف في جعل صورته الجانبية يونانية الملامح، وخوذة، ولا شك




صفحة رقم : 6468




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> دوناتلو


أنهما يونانية من الحد الواجب. ولقد نبذ دوناتلو الواقعية في هذه المرة، واستسلم الفنان لخياله، وكان يبلغ في هذا التمثال ما بلغه فيما بعد تمثال ميكل أنجلو الأكثر منه شهرة للملك العبراني.
ولكنه لم يلق في تمثال المعمدان ما لقيه هنا من النجاح، ذلك أن هذا الموضوع موضوع شاق غريب على روحه الدنيوية، ولهذا كان تمثالا يوحنا القائمان في بارجلو سخيفين ليس فيهما حياة. وأجمل منهما كثيراً رأس طفل سمى لغير سبب معقول سان جيو فانينو-رأى القديس يوحنا الصغير. ومن التماثيل التي تشاهد في معرض دوناتلو أيضاً تمثال القديس جورج الذي يجمع بين واقعية المسيحية المجاهدة وخطوط الفن اليوناني المقيدة غير الطليقة. ووقفة التمثال قوية تنم عن الثقة بالنفس، والجسم قوي ناضج، والرأس بيضي قوطي ولكنه يستبق رأس بروفس الروماني الطراز الذي نحته بوانارتي Buonarotti. وصنع لواجهة كتدرائية فلورنس تمثالين قويين لإرميا وحبقوق، وكان ثانيهما أصلع إلى حد جعل دوناتلو يطلق عليه اسم »القرعة الكبيرة«. ولا يزال تمثال يوديث القائم فوق »بواكي الرماحة« والذي صنعه دوناتلو تنفيذاً لأمر كوزيمو، لا يزال هذا التمثال يلوح بسيفه فوق هولوفرنير Holofernes. ويرى القائد الذي دس له المخدر في النبيذ نائماً في هدوء قبل أن يقطع رأسه، والفكرة التي أوحت به وطريقة تنفيذها غاية في البراعة، ولكن الفتاة التي قتلت الطاغية تقبل على عملها مرتدية كامل ثيابها في هدوء لا يتفق مع رهبة الموقف.
ووضع دوناتلو أثناء رحلة قصيرة إلى روما (1432) تصميم معبد من الرخام قديم الطراز لكنيسة القديس بطرس القديمة. وأكبر الظن أنه درس وهو في روما التماثيل النصفية الباقية من عهد الإمبراطورية، وسواء كان ذلك أو لم يكن فقد كان هو الذي عمل أول تمثال نصفي ذي شأن في عصر النهضة. وكانت خير صوره الفنية كلها تمثاله النصفي الذي صنعه من الطين




صفحة رقم : 6469




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> دوناتلو


المحروق الملون والذي يصور السياسي نقولو دا أتسانو Niccolo da Uzzano. وقد سلى نفسه وعبر عنها في هذا التمثال بنزعة واقعية تكشف عن الرجولة الحقة وإن كانت لا تضفي على صاحبها شيئاً من التمجيد والثناء. وفيه كشف دوناتلو عن الحقيقة القديمة القائلة إن الفن ليس في حاجة دائمة إلى الجري وراء الجمال، بل إن عليه أن يختار الأشكال ذات القيمة ويبرزها للناظرين. وكان كثير من الكبراء يعلنون أن تماثيله المنحوتة لا تظهر الأشكال على حقيقتها، ولم تكن نتيجة عملهم هذا أحياناً في مصلحتهم. ومن ذلك أن تاجراً من أهل جنوي، لم يرض عن نفسه كما صوره دوناتلو فأخذ يساوم في ثمن التمثال، فلما عرض الأمر على كوزيمو حكم بأن التمثال الذي يطلبه دوناتلو أقل من الواجب أداؤه. وشكا التاجر من أن الفنان لم يقض من العمل إلا شهراً واحداً، ومعنى هذا أن الأجر الذي يطلبه يصل إلى نصف فلوري (12.5دولا) في اليوم وهو أكثر مما يجب أن يتقاضاه إنسان ليس إلا فنانا. فما كان من دونالتو إلا أن حطم التمثال إلى ألف قطعة، وقال إن هذا الرجل لم يؤت من الذكاء إلا القدر الذي يستطيع أن يساوم به على حبات الفول(43).
لكن مدائن إيطاليا كانت تقدره تقديراً أحسن من هذا وتتنافس في الانتفاع بخدماته، وأغرته كل من سينا، ورومة، والبندقية بالإقامة فيها وقتاً ما، ولكن بدوا هي التي صنع فيها روائعه، فقد نحت لمذبح كنيسة القديس إنثوني ST.Anthony ستاراً من الرخام غطيت به عظام الراهب الفرانسيسي العظيم، ووضع فوقه نقوشاً متحركة وتمثالا برنزياُ لصلب المسيح تنم فكرته عن حنان ورقة منقطعي النظير. وأقام في الميدان الذي أمام الكنيسة (1453) أول تمثال عظيم لفارس في الزمن الحديث، وما من شك في أنه استمد وحي هذا التمثال من تمثال أورليوس الراكب القائم في روما، ولكن وجهه ومزاجه يستوحيان عصر النهضة دون غيره من العصور. ولم يجعله




صفحة رقم : 6470




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> دوناتلو


المثال مثلاً أعلى للملك الفيلسوف، بل صوره رجلا تتمثل فيه طبيعة عصره، قاسياً، غير هياب، وقوياً. ذلك هو تمثال جتاميلاتا Gattamelata قائدمدينة البندقية المشهور باسم »القط المعسول«. ولسننا ننكر أن جسم الجواد الغاضب، الذي يقذف بالزبد من فيه أكبر من أن يتناسب مع ساقي راكبه، وأن الحمام يلوث في كل يوم الرأس الأصلع للزعيم الفاتح المغامر، ولكن وقفة التمثال تدل على الزهو والقوة كأن ما كان يتوق إليه مكيفلي من حب الناس للفن قد امتزج هنا مع البرنز المصهور ليكسب تمثال دونالتو القوة والصلابة. وكانت بدوا تنظر في دهشة وتمجيد إلى تمثال هذا البطل الذي أنقذه دوناتلو من النسيان والفناء، ووهبت الفنان 1650 دوقة ذهبية (41.250 دولاراً) في نظير الست السنين التي قضاها في الكدح المتواصل، وطلب إليه أهلها أن يتخذ مدينتهم وطناً له، ولكنه رفض ذلك العرض في نزوة من نزواته، فقد رأى فنه لا يمكن أن يرقى في بدوا حيث يثنى جميع الناس عليه، ولهذا فإن من واجبه لخير الفن أن يعود إلى فلورنس حيث ينتقده جميع أهلها.
والحق إنه عاد إلى فلورنس لأن كوزيمو كان في حاجة إليه، ولأنه كان يحب كوزيمو، لأن كوزيمو كان يفهم الفن، ويعهد إليه بأعمال تدل على الفطنة، ويجزيه عليها الجزاء الأوفى، وقد بلغ الوفاق بينهما حداً يستطيع معه دونالتو أن »يدرك ما يرغب فيه كوزيمو من أقل إشارة تبدر منه«(44). وقد أخذ دونالتو بإيحاء كوزيمو بجميع القديم من التماثيل، والتوابيت، والعقود المعمارية، والعمد، وتيجانها، ويضعها كلها في حديقة آل ميديتشي لكي يدرها الناشئون من الفنانين. وأنشأ دونالتو بمعاونة ميكلتسو استجابة لرغبة كوزيمو قبراً في مكان التعميد للبابا المطرود يوحنا الثالث والعشرين اللاجئ إليه. ونحت لكنيسة سان لورندسو كنيسة كوزيمو المحبوبة منبرين زينهما بنقوش برنزية، ومن هذين المنبرين وغيرهما كان سفنرولا فيما بعد




صفحة رقم : 6471




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> دوناتلو


يصب صواعقه على آل ميديتشي المتأخرين. وأنشأ للمذبح تمثالا نصفياً جميلا من الطين للقديس لورنس، ثم صنع المقدسات القديمة زوجين من الأبواب البرنزية وتابوتاً يتسم بالبساطة والجمال لأبوي كوزيمو. وتوالت أعماله الأخرى كأنها عبث اطفال: منها نقش بديع على الحجر يمثل الصعود لكنيسة الصليب المقدس، وصنع للكتدرائية تماثيل للغلمان المكتنزين يرتلون الترانيم في حماسة عظيمة (1433-1438)، ومنها تمثال نصفي من البرنز لشاب كأنه صحة الشباب مجسمة (وهو الآن في المتحف الفني في نيويورك)، وتمثال لسانتا تشيتشيليا Santa Cicilia (وقد يكون من صنع دزيدريو دا سنتيانو) بلغ من الجمال حداً يكفي لأن يجعله ربة للغناء مسيحية، ونقش برنزي يمثل صلب المسيح (في برجلو) لا يسع الناظر إليه إلا أن يعجب بتفاصيله الواقعية، ومنها في كنيسة الصليب المقدس تمثال منفرد ضامر من الخشب يعد من أكثر صور هذا المنظر تأثيراً في النفس رغم ما وجهه إليه برونلسكو من نقد ووصفه إياه بأنه »فلاح مصلوب«.
وتقدمت السن بالفنان ونصيره معاً، وعنى كوزيمو بالمثال عناية قلما كان دوناتلو معها يفكر في المال. ويقول فاساري في هذا إنه كان يحتفظ بماله في سلة معلقة في سقف مشغله، وكان يأمر معاونيه وأصدقاءه أن يأخذوا منها ما يشاءون كل بقدر حاجته دون أن يرجعوا إليه في ذلك. ولما حضرت كوزيمو الوفاة (1464)، أوصى ابنه بيرو بأن يرعى دوناتلو، ووهب بيرو الفنان الشيخ بيتا في الريف، ولكن دوناتلو لم يلبث أن عاد إلى فلورنس، لأنه كان يفضل مشغله المعتاد عن شمس الريف وحشراته. وعاش الفنان في فلورنس، بل اشترك أهلها كلهم تقريباً، في جنازته حتى ورى في مقره الأخير في قبو سان لورندسو بجوار قبر كوزيمو نفسه (1466) كما طلب هو في حياته.




صفحة رقم : 6472




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> دوناتلو


وقد ارتقى دوناتلو بفن النحت رقيا لا حد له، ولسنا ننكر أنه كان من حين إلى حين يصب في مواقف شخصياته أكثر مما يجب من القوة ومن دقة التصميم، وكثيرا ما كان يعجز عن أن يبلغ الشكل المصقول الحد الذي يعلى من قدر أبواب جبرتين. ولكن أخطاءه كان مردها إلى الذي يعلى من قدر أبواب جبرتين. ولكن أخطاءه كان مردها إلى تصميمه على أن يعبر عن الحياة أكثر مما يعبر عن الجمال، وعن الخُلُق المعقد أو المزاج العقلي لا عن الجسم القوي الصحيح فحسب. كذلك ارتقى دوناتلو بفن النحت الملون وذلك بتوسيع مداه، فلم يجعله مقصوراً على الأغراض الدينية بل جعله يشمل كذلك الأغراض الدنيوية، وبما حبا به موضوعاته من تنويعه، وانفرادية، وقوة لم يسبق لها مثيل، وهو الذي أنشأ أول تمثال للفارس بقي إلينا من عهد النهضة، وتغلب في هذا العمل على مائة من الصعاب الفنية، ولم يتفوق عليه من المثالين غير واحد منهم، وحتى هذا التفوق كان مرده إلى أن صاحبه قد ورث ما تعلمه دوناتلو، وأبدعه، وعلمه غيره. ذلك هو برتلدو Bertolda تلميذ دوناتلو ومعلم ميكل أنجيلو.




صفحة رقم : 6473




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> لوكادلا ربيا



3- لوكادلاَّ ربيا


إن الصورة التي ترتسم في عقولنا، حين نقرأ ترجمتي فاساري لحياة جبرتي ودوناتلو، لتظهر مشغل المثال في عصر النهضة في صورة مشروع تعاوني تعمل فيه كثير من الأيدي، ويوجه عقل واحد، ولكنه ينقل الفن يوماً بعد يوم من الأستاذ إلى الطلاب المتعلمين جيلا بعد جيل. وتخرج من المشاغل مثالون صغار خلفوا في التاريخ أسماء لا تضارع في شهرتها أسماء أساتذتهم الكبار، ولكنها ساعدت بالحد الذي وصلت إليه على أن تشكل الجمال الزائل في صورة خالدة. ومن هؤلاء المثالين الصغار ناني دي بانكو Nanni di Banco الذي ورث ثروة كبيرة، أمكنته من أن يصبح إنساناً عديم القيمة، ولكنه أحب النحت ودوناتلو، وتتلمذ عليه وكان وفيا له




صفحة رقم : 6474




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> لوكادلا ربيا


حتى استطاع أن ينشئ لنفسه مشغلا مستقلا. وقد نحت تمثالا لسانت فيليب يوضع في كوة في مركز طائفة الحداثين في أورسان ميشيل كما صنع للكنيسة تمثالا للقديس لوقا جالسا وممسكا الإنجيل بيده، وينظر بالثقة الكاملة التي يبعثها في النفس الإيمان الجديد بإيطاليا في عهد النهضة التي بدأت وقتئذ فقط تدخلها الريبة في الدين.
وجمع الأخوان برناردو وانطونيو وسلينو Bernardo & Antonio Rosselino حذقهما في العمارة والنحت في مشغل آخر، فوضع برناردو تصميما لقبر من الطراز الروماني القديم لليوناردو بروني Leonardo Bruni في كنيسة الصليب المقدس، ثم انتقل إلى روما حين جلس نقولاس الخامس على كرسي البابوية، وانهمك في الثورة المعمارية التي أحدثها البابا العظيم. وبلغ أطونيو ذروة مجده في سن الرابعة والثلاثين (1461) حين أنشأ قبرا رخاميا في سان منياتو SAn Minato بفلورنس لدون جايمي Don Jayme كردنال البرتغال. ويتمثل في هذا القبر انتصار الطراز الروماني القديم في كل شيء ما عدا جناحي الملاك، وملابس الكردنال، وتاج عفته-لأن دون أذهل العالم بطهارته. وفي أمريكا الآن مثلان جميلان من أعمال أنطونيو-هما التمثال النصفي الرخامي الذي يمثل المسيح الطفل والقائم في مكتبة مورجان Morgan وتمثال الشاب يوحنا المعمدان المحفوظ في المعرض القومي، وهل في أي مكان مثل للنحت الملون الواقعي أنبل من الرأس القوي المموج بالأوعية الدموية والأخاديد التي أوجدها فيها التفكير العميق، والذي يمثل راس الطبيب جيوفني دي سان منياتو Giovanni di San Miniato والمحفوظ في متحف فكتوريا وألبرت؟
وجاء دزدريو دا سنياتو Desiderio da Settignano إلى فلورنس من مدينة ستنيانو القريبة منها والتي ينتسب إليها. وانضم إلى من كانوا يعملون




صفحة رقم : 6475




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> لوكادلا ربيا


مع دوناتلو، ورأى أن عمل أستاذه لا ينقصه إلا الصقل الذي يتطلب الصبر الطويل، وامتازت أعماله بالظرف والبساطة، والرشاقة. ولم يبلغ القبر الذي صنعه لمرسبيني القبر أقامه رسلينو لبروني، ولكن المعبد الذي وضع تصميمه لكنيسة سان لورندسو (1464)، قد سر له كل من وقعت عليه عيناه، وقد زاد ما صنعه من تماثيل ملونة ونقوش محفورة، وإن لم تكن هذه هي أعماله الجوهرية وتوفي في سن السادسة والثلاثين، ترى ماذا كان يستطيع أن يفعل لو أنه عاش كما عاش أستاذه حتى بلغ سن الثمانين؟
ووهب لوكا دلا ربيا من العمر اثنتين وثمانين سنة، استخدمها على خير وجه، فرفع العمل في الطين المحروق إلى مستوى يكاد يضعه في مصاف الفنون الكبرى، وذاعت شهرته أكثر مما ذاعت شهرة دوناتلو نفسه، وما من متحف في أوربا لا تعرض فيه الآن تماثيل من صنعه للعذراء، ونماذج من اعماله في الصلصال الملون الأزرق والأبيض. وقد بدأ لوكا عمله صائغا، كما بدأه كثيرون من فناني النهضة، فلما تعلم في ميدان التصوير الصغير جميع دقائق التصميم، انتقل إلى نقش التماثيل ونحت ميدان التصوير الصغير جميع دقائق التصميم، ولعل خَزنَة الكنيسة لم يخبروا لوكا أن هذه التحف تفوق أعمال جيتو نفسها، ولكنهم سرعان ما عهدوا إليه أن يزين شرفة الأرغن بنقش أعمال جيتو نفسها، ولكنهم سرعان ما عهدوا إليه أن يزين شرفة الأرغن بنقش يصور الغلمان والفتيات المرنمين والمرنمات في أثناء نشوة الترنيم. ونحت دوناتلو بعد عامين من ذلك الوقت نقشا يماثله، ولا يزال يواجه احداهما الآخر في معرض تحف الكنيسة ويبرز كلاهما في قوة عظيمة حيوية الطفولة، وقد أعاد عصر النهضة في هذين النقشين استخدام الأطفال في الفن. ثم عهد إليه سدنة الكنيسة في




صفحة رقم : 6476




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> لوكادلا ربيا


عام 1446 أن يعد نقوشا لأبواب من البرنز خاصة بمكان المقدسات في إحدى الكنائس الكبرى. ولم تبلغ هذه النقوش ما بلغته نقوش جبرتي، ولكنها كانت هي التي أنقذت حياة لورندسو ده ميديتشي أثناء مؤامرة باتسيا Pazzia، ونادت فلورنس كلها وقتئذ بأن لوكا من الفنانين العظام. وكان حتى ذلك الوقت قد اتبع الأساليب التقليدية التي يجري عليها فن المثال، إلا أنه كان في هذه الأثناء يقوم ببعض التجارب على الصلصال، ويبحث عن طريقة يستطيع بها أن يجعل هذه المادة المطواعة جميلة في نسيجها جمال الرخام نفسه. فكان يشكل الصلصال بالصورة التي يرسمها في ذهنه، ثم يغطيه بطبقة زجاجية براقة يستخدم فيها مواد كيميائية مختلفة، ثم يحرقه في أتون بني لهذا الغرض خاصة. وأعجب سدنة الكنيسة بنتيجة هذه التجارب وعهدوا إليه أن يصنع صوراً من الصلصال المحروق تمثل البعث والصعود فوق ابواب أماكن المقدسات في الكنائس الكبرى (1443-1446). وكانت هذه الألواح ذات لون أبيض منفرد، ولكنها كان لها تأثير عظيم بفضل مادتها الجديدة ورقة صقلها وجمال تصميمها. وطلب كوزيمو وابنه بيرو أن تصنع نقوش شبيهة بها من الصلصال المحروق يزدان بها قصر آل ميديتشي ومعبد بيرو في سان ميناتو San Minato. وقد اضاف لوكا في هذه النقوش اللون الأزرق إلى اللون الأبيض الغالب عليها. وتوالت عليه وقتئذ الطلبات بكثرة أغرته على الإسراع في عمله والتساهل فيه، فزين مدخل كنيسة الانيسانتي Ognissanti، بصورة من الصلصال المحروق تمثل تتويج العذراء، كما زين مدخل كنيسة باديا Badia بصورة رقيقة من النوع نفسه تمثل العذراء والطفل يحف بهما ملائكة تغرينا بأن نؤمن بخلود السماوات. ثم شرع يعمل صورة كبرى




صفحة رقم : 6477




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> النحت -> لوكادلا ربيا


من الصلصال المحروق تمثل الزيارة لتوضع في كنيسة سان جيوفني في بستويا Pistoia، وقد خرج في هذا النقش على التقليد المألوف الذي يمثل ملامح اليصابات العجوز، وسذاجة الفتاة مريم وطهرها وحياتها، وقصارى القول إن لوكا أنشأ بعمله مملكة جديدة للفن، وأوجد أسرة من آل دلا ريبا ظلت مزدهرة حتى آخر ذلك القرن.




صفحة رقم : 6478




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> مساتشيو



الفصل السابع




التصوير الملون




1- مساتشيو


كان للرسم الملون الغلبة على النحت في إيطاليا أثناء القرن الرابع عشر، وكان للنحت الغلبة على الرسم الملون في القرن الخامس عشر، ثم عادت الزعامة مرة أخرى للرسم في أثناء القرن السادس عشر، ولعل لعبقرية ليوناردو، وروفائيل، وتيشيان في القرن الخامس عشر، نقول لعل لعبقرية هؤلاء في تلك القرون المختلفة بعض المختلفة بعض الأثر في هذا التغيير. بيد أننا نقرر هنا أن العبقرية قوة من قوى روح عصر من العصور أكثر منها سبباً من أسبابها. ولعل الكشف عن النحت القديم وما بعثه هذا الفن من وحي إلهام لم يكونا قد أصبحا في أيام جيتو حافزاً وموجها للمثالين والمصورين كما كانا لجبرتي دوناتلو. لكن هذا الحافز قد بلغ ذروة قوته في القرن السادس عشر، فلماذا إذن لم يرفع سانسوفينو Sansovino وتشيليني Cellini وأمثالها، ولم يرفع ميكل أنجيلو، فوق منزلة المصورين في ذلك العصر-ولماذا كان ميكل أنجيلو مثالا قبل كل شيء اضطر شيئاً فشيئاً إلى أن يكون مصوراً؟
فهل كان ذلك لأنه كان على فن النهضة واجبات، وكانت له حاجات، أوسع وأعمق مما كان لفن النحت؟ ذلك أن الفن، بعد أن تحرر بفضل ما نال من مناصرة مصدرها للذكاء والثراء كان يرغب في أن يشمل جميع ميادين العرض والزخرف، فإذا شاء أن يفعل هذا هن طريق التماثيل تطلب منه ذلك وقتاً، وجهداً مضنياً، وكلها عقبات لا يستطاع التغلب عليها،




صفحة رقم : 6479




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> مساتشيو


أما التصوير فكان أيسر عليه أن يعبر عن جميع الأفكار المسيحية والوثنية في اوسع نطاقها، في هذا العصر يتسم بالسرعة والخصب. وهل كان في وسع مثال أن يصور حياة القديس فرانسس بالسرعة والإتقان اللذين صورها بهما جيتو؟ يضاف إلى هذا أن الكثرة الغالبة من أهل إيطاليا في عهد النهضة كانت مشاعرها وافكارها لا تزال مصطبغة بصبغة العصور الوسطى، وحتى الأقلية التي تحررت من هذه الصبغة كانت لا تزال جوانحها تنطوي على اصداء وذكريات من الدين القديم، بآماله، ومخاوفه، ورؤاه الغامضة الخفية، وما ينطوي عليه من رقة، وخشوع، ونزعات روحية، وقوي تسري في نفوسها، وكان لابد لهذه كلها، ولما يعبر عنه فن النحت اليوناني والروماني من جمال متعدد الأنواع، ومثل عليا مختلفة، أن تجد لها في الفن الإيطالي متنفساً وشكلاً، وكان في وسع التصوير أن يؤدي هذه المهمة أداء إن لم يكن اكثر من النحت إخلاصاً ودقة، فلا أقل من أن يكون أكثر منه يسراً. وكان النحت قد درس قبلئذ جسم الإنسان دراسة بلغت من الطول والحب مدى يقلل من قدرته على تمثيل الروح، وإن كان المثالون القوط قد أفلحوا من حين إلى حين في تمثيل الروح في الحجارة أحسن تمثيل. وكان لابد لفن النهضة أن يصور الجسم والروح والوجه والشعور، وكان عليه أن يكون قوي الإحساس بالمدى الذي تستطيع أن تبلغه التقوى، والحب، والانفعال، وألألم، والتشكك، والشهوانية، والكبرياء، بضروبها المختلفة، وأن يتأثر بهذا المدى وتلك الضروب وتنطبع فيه. والعبقرية المجدة الكادحة وحدها هي التي تستطيع أن تمثل هذا في الرخام، أو البرونز، أو الصلصال، ولما حاول جبرتي ودونالتو أن يفعلا هذا كان عليهما أن ينقلا إلى فن النحت اساليب الرسم الملون بما يتطلبه من فن المنظور والتدرج غير المُحَس، وقد ضحيا من أجل وضوح التعبير ما كان يطلب إلى التماثيل اليونانية في العصر الذهبي أن تلتزمه من مثل أعلى في الشكل، ومن هدوء واطمئنان في الوقفة والوضع. ونضيف إلى ذلك أخيراً




صفحة رقم : 6480




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> مساتشيو


أن الرسام يتحدث إلى الناس بلغة أقرب إلى أذهانهم من لغة النحت، فهو يتحدث إليهم بالألوان التي تجتذب العين، وبالمناظر التي تروي قصصاً محببة. ولقد وجدت الكنيسة أن التصوير السريع أسرع تأثيراً في الشعب، وأقرب إلى قلوبه من كل نحت في الرخام البارد أو صب في البرنز القاتم الكئيب. ولهذا فإنه لما تقدم عهد النهضة واتسع أفق الفن وهدفه، ارتد النحت إلى الوراء، وخطا التصوير إلى الأمام، وأصبح بعد أن اتسع مداه، وتنوعت أشكاله، وأثبت ما يستطيع أن يبلغه من حذق ومهارة، هو الفن الأعلى الذي يبرز خصائص ذلك العصر، وصار هو وجه النهضة وروحها كما كان النحت أسمى التعبير الفني عند اليونان.
لكنه في الفترة التي نتحدث عنها كان لا يزال غير ناضج يتحسس طريقه إلى هذا النضوج. فأخذ باولو أتشيلو Paolo Uccello يدرس فن المنظور حتى لم يعد يهتم بشيء آخر غير هذه الدراسة، وكان الراهب أنجيلكو Fra Angelico هو المثل الأعلى الكامل للعصور الوسطى في الحياة والفن، ولكن مساتشيو وحده هو الذي أحس بالروح الجديدة التي انتصرت فيما بعد على يد بتيشيلي Botticelli وليوناردو وروفائيل.
وكان بعض ذوي المواهب الأصغر من هؤلاء شأنا قد نقلوا أصول هذا الفن وتقاليده. فقد تتلمذ جدو جدي Gaddo Gaddi على جيتو، وتتلمذ تديو جدي Taddeo Gaddi وتتلمذ جدي Taddeo Gaddi على جدو جدي، وتتلمذ أنجولو جدي Angoloo Gaddi على تديو جدي، وزين أنجولو هذا في ذلك العام المتأخر عام 1380 كنيسة سانتا كروتشي بمظلمات من طراز مظلمات جيتو. وجمع تشينينو تشينيني Cennino Cennini تلميذ أنجولو في كتاب الفن Libro dell Arte (1437) كل ما كان لدى عصره من معلومات في الرسم، والتركيب، والفسيفساء، والصبغات، والزيوت، والورنيش، وغيرها من مستلزمات أعمال المصور. وإلى القارئ ما ورد في الصفحة الأولى من هذا الكتاب:




صفحة رقم : 6481




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> مساتشيو


وهنا يبدأ كتاب الفن، وهو الكتاب الذي وضع وألف دليلا على تعظيمنا لله ولمريم العذراء... ولجميع القديسين... وإجلالاً لجيتو، وتديو، وأنجولو«(45)، لقد بدأ الفن يأخذ طريقه لأن يكون ديناً. وكان أعظم تلاميذ أنجولو راهب كملدوليسي Camaldulese يدعى لورندسو موناكو Lorenzo Mon. ولقد ظهرت قوة جدية في التصوير والتنفيذ في صورة تتويج العذراء التي صورها الراهب لورنتشي Lawrence(1413) على ستار المحراب الفخم في ديره المعروف بدير »الملائكة«. فقد كانت الوجوه في هذه الصورة فردية لا تجري على النمط التقليدي، وكانت الألوان براقة قوية. لكن تلك الألواح المتنوعة لم يراع فيها فن المنظور، فقد كانت الصورة التي في المؤخرة أطول من التي في المقدمة، كأنها رؤوس النظارة حين يطل عليها الإنسان من فوق المسرح. ومنذا الذي علم المصورين الإيطاليين فيما بعد علم المنظور؟
لقد أخذ بورنلسكو، وجبرتي، ودوناتلو قبل هذا القوت يحاولونه ويقتربون منه، وكاد باولو أتشيلو ينفق فيه حياته كلها، فكان يقضي الليلة بعد الليلة مكباً عليه انكباباً جعل زوجته تستشيط منه غضباً. وحدث أن قال لها مرة: »ألا ما أجمل هذا المنظور وما أعظم فتنته! آه ليتني أستطيع أن أجعلك تفهمي«(46) ولم يكن شيء يبدو لباولو أجمل من تقارب الخطين المتوازين تقارباً مطرداً ثم امتزاجهما آخر الأمر في صورة حقل محروث. وأخذ باولو يصوغ قوانين المنظور مستعيناً على ذلك بأنطونيو مانتي وهو عالم رياضي من أهل فلورن، فشرع يدرس الطريقة التي يمثل بها تمثيلاً دقيقاً عقود القبوة المرتدة عن البصر، وازدياد حجم الأجسام ازدياداً يشوه منظرها حين تقترب من جزء الصورة الأمامي، وما يحدث من التواء في العمد على شكل قوس. وشعر أخيراً بأنه قد وصل إلى القواعد المسيطرة على هذه الأمور الغامضة العجيبة. وعرف أنه بفضل هذه القواعد يستطيع




صفحة رقم : 6482




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> مساتشيو


بُعْد واحد أن يخدع العين فتظنه ثلاثة أبعاد، وأن التصوير يمكن أن يظهر الفضاء والعمق، وخيل إلى باولو أن هذه ثورة لا تقل في عظمتها عن أية ثورة أخرى في تاريخ الفن. وشرح مبادئه هذه فيما أخرجه من صور، ثم زين مقنطرات سانتا ماريا نوفلا بمظلمات أدهشت معاصريه، ولكنها عدت عليها عوامل التعرية. غير أنه لا يزال باقيا من صوره صورة حية واضحة المعالم لسير جون هوكود Sir John Hawkwood على أحد جدران الكنيسة (1436)، ذلك أن الزعيم المغامر الفخور قد تحول من هجومه على فلورنس إلى الدفاع عنها، فاستحق بذلك أن ينضم في الكنيسة إلى جماعة العلماء والقديسين.
وكان نمط آخر من أنماط التطور قد بدأ في هذه الأثناء من البداية نفسها ووصل إلى الغاية عينها. فقد كان أنطونيو فينيد سيلنو Antonio Veneziano من أتباع جيتو، وكان جيراردو استارنينا Gerardo Starnina تلميذا لفينيد سيانو، وتتلمذ ماسولينو دا بنيكالي Masolino da Panicale على استارنينا ثم تتلمذ عليه هو مساتشيو . وأخذ ماسولنو ومساتشيو يدرسان فن المنظور مستقلين عن باولو، وكان ماسولينو من الرعيل الأول من الإيطاليين الذين صوروا الأجسام العارية، كما كان مساتشيو أول من طبق مبادئ علم المنظور الجديدة بنجاح استرعى أنظار أهل جيله وبدأ بذلك عهداً جديداً في فن التصوير.
وكان أسمه الحقيقي هو توماسو جيدي سان جيوفني Tommaso Guidi di San Giovanni، أما مساتشيو فقد لقب به من قبيل السخرية ومعناه تومس الكبير. كما أن ماسولينو يعني تومس الصغير، ذلك أن إيطاليا كانت مولعة بأن تلقب أبناءها بهذه الألقاب المميزة لهم. وعمد مساتشيو إلى الفرشاة في سن مبكرة، وانهمك في التصوير انهماكا أهمل معه كل شيء سواه-ملابسه، وجسمه، ودخله، وديونه. وعمل




صفحة رقم : 6483




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> مساتشيو


في وقت ما مع جبرتي، ولعله مال في هذه الدار العلمية إلى تلك الدقة في التشريح التي أضحت فيما بعد من مميزات صوره، ودرس كذلك المظلمات التي كان يصورها ماسولينو في معبد برانكاتشي Brancacci بكنيسة سانتا ماريا دل كارميني Santa Maria del Carmine، ولاحظ في بهجة عظيمة تجاربها في المنظور وتمثيل الصور أو اجزائها إذا ما اقتربت من الناظر إليها، ثم مثل على عمود في كنيسة الدير المعروفة باسم باديا Badia القديس أيفو Jvo شفيع بريطاني ورسم قدميه كما تبدوان إذا نظر إليهما من أسفل. لكن النظارة أبوا أن يعتقدوا أن قديسا يمكن أن تكون له قدمان بهذه الفخامة. وصور في كنيسة سانتا ماريا نوفلا قبواً ذا سقف نصف أسطواني ضمن مظلم يمثل الثالوث الأقدس، وأتقن في هذه الصورة قواعد المنظور وتناقص أجزائها إلى حد خيل إلى العين معه أنها ترى السقف كأنه غائر في جدار الكنيسة.
أما الآية الفنية الرائعة التي كانت من أهم معالم ذلك العهد، والتي جعلته معلم أجيال ثلاثة، فهي الأجزاء التي اضافها إلى مظلمات ماسولينو برانكاتشي والتي تمثل حياة القديس بطرس (1423). وقد مثل الفنان الشاب حادثة مال الخراج بقوة جديدة في التفكير، ودق في التخطيط: فظهر المسيح في نبل صارم، وبطرس في جلال غاضب، والجابي في جسم الرياضي الروماني اللدن، وظهرت ملامح كل واحد من الرسل وثيابه، ووقفته مميزة عن غيرها في سائر الرسل. وكانت المباني، والتلال التي في خلف صورته بمرآه رسولا ملتحياً في هذا المجمع الحاشد. ودشن المعبد بينما كان هو يعمل في هذه المجموعة، وأقيم فيه حفل وسار فيه موكب جليل، وراقب ماساتشيو هذه المراسيم بعين نافذة احتفظت بصورته، ثم مثله في مظلم بأحد المقنطرات. إذ كان برونلسكو، ودوناتلو، وماسولينو،




صفحة رقم : 6484




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> مساتشيو


وجيوفني دي بيتشي دو ميديتشي، وأنطونيو برنكاتشيو القائم على المعبد قد شاركتا جميعاً في هذا الموكب، فقد وجدوا أنفسهم في الصورة. وحدث لأسباب لا نعرفها أن ترك مساتشيو العمل دون أن يتمه وسافر إلى روما في عام 1425. ولم نعد نسمع عنه شيئاً بعد ذلك الوقت، وليس لنا إلا أن نظن مجرد ظن أن حادثاً ما أو مرضاً قد قضى على حياته قبل الأوان. غير أن المعاصرين قد اعترفوا من فورهم بأن مظلمات برنكاتشيو هذه كانت خطوة كبيرة في تقدم فن التصوير. ذلك أن هذه الأجسام العارية الجريئة والثياب الرشيقة، وفن المنظور المدهش، والتماثيل الواقعي للقرب والبعد، والتفاصيل الدقيقة في تشريح الجسم، واستخدم تدرج الضوء والظل لتمثيل العمق، كل هذا ينبئ بتحول فني جديد يسميه فاساري الطراز »الحديث«. وأقبل كل مصور طوح يستطيع الوصول إلى فلورنس لدراسة هذه المجموعة: أقبل الراهب أنجيلكو، والراهب لبولبي Fra Lippo Lippi، وأندريا دل جستانيو Andrea del Gastagno، وفيروتشيو Verrocehio، وجرلندايو Ghirlandaio وبتيشلي، وبيروجينو Perugino، وبيرو دلا فرانتشسكا، وليوناردو، والراهب برتولوميو، وأندريا دل سارتو، وميكل أنجيلو، وروفائيل، ولم يكن لأحد من الأموات تلاميذ ممتازون كما كان لمساتشيو، ولم يكن لأحد من الفنانين منذ أيام جيتو من التفوق مثل ما كان له، وإن لم يكن هو عارفاً بنفوذه. ويقول ليوناردو إن »مساتشيو أظهر بأعماله التي وصلت إلى حد الكمال أن الذين يسترشدون في عملهم بهدى غير هدى الطبيعة، وهي السيدة العليا، يدفنون في الثرى الفقر المجدب«(47).




صفحة رقم : 6485




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> فرا أنجليكو



2- فرا أنجيلكو


وظل فرا أنجيلكو وسط هذه الأساليب الجديدة المثيرة يسير في هدوء على طريقته هو طريقة العصور الوسطى. وكان مولده في قرية تسكانية




صفحة رقم : 6486




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> فرا أنجليكو


وسمي جيدو دي بيترو، ثم وفد إلى فلورنس وهو شاب، ودرس فن التصوير، وأكبر الظن أنه درسه مع لورندسو وموناكو. وسرعان ما نضجت موهبته الفنية، وهيئت له جميع السبل التي تمكنه من أن يشغل مكاناً طيباً مريحاً في العالم، ولكن حب السلام وأمله في النجاة حملاه على أن يلتحق بطائفة الرهبان الدمنيك (1407). وظل فرا جيوفني (الأخ جوفني)- وهو الاسم الذي اطلق عليه في هذه الفترة-يتدرب على نظام الرهبنة زمناً طويلاً في عدة مدن مختلفة، استقر بعدها في دير سان دمنيكو SanDominico ببلدة فيسولي Fiesole(1418)، حيث شرع وسط عادته التي حباه احتجاجه وخمول ذكره يزين المخطوطات ويرسم صور الكنائس وجماعات الإخوان الدينية. وحدث في عام 1436 أن نقل رهبان سان دمنيكو إلى دير سان ماركو الجديد الذي شاده ميكلتسو بأمر كوزيمو ومن ماله. ورسم جيوفني في التسع السنين التالية نحو خمسين صورة بالجص على جدران كنيسة الدير-تشمل بيت القسيسين، ومكان نومهم، ومطعمهم، وموضع راحتهم، وطرقات الدير المقنطرة المسقوفة، وصوامع الرهبان. وكان في خلال هذه المدة يقوم بالشعائر الدينية في تواضع وخشوع حملا زملاءه الرهبان على أن يسموه »الأخ الملاك« فرا أنجيلكو Fra Angelico. وقد بلغ من حلمه أن أحداً من الناس لم يره غاضباً قط، وان أحداً لم يفلح قط في أن يغضبه. وكان في وسع تومس أكمبس Thomas à Kempis أن يجد الصورة التي رسمها لتمثيل محاكاة المسيح قد تحققت إلى أكمل حد فيه إذا استثنينا من ذلك التعميم زلة واحدة لا يستطيع الإنسان معها أن يحاجز نفسه عن الابتسام: ذلك أن الراهب الملاك الدمنيكي لم يستطع أن يقاوم نزعة من نزعاته فوضع في صورة من صور يوم الحساب عدداً قليلا من الرهبان الفرنسيس في الجحيم(48).
وكان التصوير عند الأخ جيوفني عملا دينياً كما كان متعة وانطلاقاً




صفحة رقم : 6487




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> فرا أنجليكو


لحماسة الجمال. وكان مزاجه وهو يصور نفسه مزاجه وهو يصلي، ولم يبدأ قط تصويره دون أن يصلي قبل بدئه. وإذا كان قد تحرر من منافسات الحياة القاسية، فقد كان ينظر إلى هذه الحياة كأنها ترنيمة من الحب الإلهي والتوبة الإلهية. وكانت الصور التي يرسمها دينية على الدوام-حياة مريم والمسيح، والمنعمين في الجنة، وحياة القديسين ورؤساء طائفته. وكان غرضه هو أن يبث التقي أكثر مما يخلق الجمال، وجربا على هذه القاعدة رسم في البيت الذي يعقد فيه الرهبان اجتماعاتهم الصورة التي يظن أنها يجب أن تكون في ذهنهم على الدوام-صورة صلب المسيح، وهي تعبير قوي أظهر فيها أنجيلكو دراسته للأجسام العارية كما أظهر فيها في الوقت عينه الصفة العامة الشاملة للمسيحية. وقد صور فيها عند أسفل الصليب مع القديس دمنيك مؤسسي طوائف الرهبنة المنافسة لطائفته وهم - أوغسطين، وبندكت، وفرانسس، وجون جولبرتو John Gualberto مؤسس طائفة الفلمبروزان Vallombosans، واكبرت مؤسس طائفة رهبان الكرمل. كذلك قص أنجيلكو، في الكوة التي فوق مدخل حجرة الاستقبال التي يطلب إلى الرهبان أن يقدموا فيها واجب الضيافة لكل عابر سبيل، قص في هذه الكوة قصة الحاج الذي تبين أنه هو المسيح نفسه، وكان يهدف بتصويره إلى أن كل حاج يجب أن يعامل على أنه قد يكون هو المسيح. وقد جمعت الآن في حجرة الاستقبال هذه بعض الموضوعات التي صورها أنجيلكو لمختلف الكنائس والحرف الطائفية: منها عذراء عمال الكتان وفيها جعل للملائكة المرنمين أجسام النساء اللدنة، ووجوه الأطفال الطاهرة الصريح، ولا تقل صورة النزول عن الصليب جمالا ورقة عن أية واحدة من ألف الصورة التي تمثل هذا المنظر في فن النهضة. أما صورة يوم الحساب فهي مسرفة بعض الإسراف في تناسب أجزائها، كما أنها مزدحمة بالخيالات المرعبة المنفرة كأنما العفو من صفات البشر والكره من صفات الله. أما أروع




صفحة رقم : 6488




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> فرا أنجليكو


صور أنجيلكو فتقوم في أعلى الدرج المؤدية إلى خلوات الرهبان، تلك هي صورة البشارة- وهي تصور ملكاً في منتهى الظرف والرشاقة يظهر الإجلال والتعظيم لمن ستكون أم المسيح، وتصور مريم تنحني، وتمسك كلتا يديها بالأخرى مظهرة بذلك خشوعها وعدم تصديقها. وقد وجد الراهب المحب من الوقت ما استطاع به أن يصور في الصوامع الخمسين بمساعدة تلاميذه الرهبان صوراً على الجص تذكر الرائي بمنظر ملهم من مظاهر الإنجيل كالتجلي، واجتماع الرسل حول العشاء الرباني، ومريم المجدلية تمسح قدمي المسيح. وصور أنجيلكو في الصومعة المزدوجة التي ترهب فيها كوزيمو صورة لصلب المسيح، وأخرى لعبادة الملوك، تظهر فيها الثياب الشرقية الفخمة التي يحتمل أن الفنان قد شاهدها في مجلس مدينة فلورنس. ورسم في صومعته هو صورة تتويج العذراء، وكان موضوعها هو الموضوع المحبب له الذي صوره المرة بعد المرة، ويحتوي معرض أفيزي Uffizi على واحدة منقولة عنها، كما يحتوي مجمع فلورنس العلمي على واحدة أخرى، ومتحف اللوفر على ثالثة، وأحسنها كلها هي التي رسمها أنجيلكو لقاعة النوم في دير سان ماركو، لأن صورة المسيح ومريم في هذه الصورة من أبدع الصور في تاريخ الفن كله.
وذاعت شهرة هذه الصور الدالة على التقي والخشوع وتوالت بسببها على جيوفني مئات الطلبات، وكان كلما جاء طلب منها رد على صاحبه بقوله إن عليه أولاً أن يحصل على موافقة رئيس الدير، فإذا حصل على هذه الموافقة أجابه إلى ما طلب على الدوام، ولما طلب إليه نقولاس الخامس أن يحضر إلى روما غادر صومعته في فلورنس وذهب ليزين معبد البابا بمناظر من حياة القديسين استيفن ولورنس، ولا تزال هذه الصور من أجمل ما تقع عليه العين في الفاتيكان، وبلغ من إعجاب نقولاس بالفنان أن عرض عليه منصب كبير أساقفة فلورنس، ولكن أنجيلكو اعتذر وأوصى بأن يعين




صفحة رقم : 6489




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> فرا أنجليكو


في هذا المنصب رئيسه المحبوب، وقبل نقولاس هذا العرض، وبقى الراهب أنطونيو من القديسين حتى بعد أن لبس ثياب كبير الأساقفة.
وليس من بين المصورين جميعاً-إذا استثنينا إلجريكو El Greco (الإغريق)- من ابتكر له طرازاً في التصوير خاصاً به كما ابتكر الأخ أنجيلكو، وفي وسع كل إنسان حتى المبتدئ أن يتبين هذا الطراز فلا يخطئ فيه. وهو يمتاز ببساطة الخط والشكل وهي البساطة التي ترجع إلى عهد جيتو، وقلة في مجموع الأوان ولكنها قلة أثيرية سماوية- تشمل الألوان الذهبي والزنجفري، والقرمزي، والأزرق، والأخضر-وهي تكشف عن روح نيرة، وإيمان هانئ، وصور رسمت في بساطة متناهية، تكاد تغفل علم التشريح، ووجوه جميلة، ظريفة، ولكنها شاحبة يبعدها عن الحياة، متشابهة تشابهاً يبعث الملل في الرهبان، والملائكة، والقديسين، كأنها في الفكرة التي قامت عليها أزهار في جنات النعيم، وكلها قد سمت بها روح بلغت المثل الأعلى في الحنان والخشوع، ونقاء المزاج والتفكير الذي يعيد إلى الذاكرة أجمل لحظات العصور الوسطى، ولا تستطيع النهضة أن ترجها. لقد كانت هذه آخر صرخة تبعثها العصور الوسطى في الفن.
وظل الأخ جيوفتي يعمل سنة في روما، ثم عمل بعض الوقت في أرفيتو Orvreto، ثم كان مدة ثلاث سنين رئيساً لدير الدمنيك في فيسولي، ودعا مرة أخرى إلى رومة، حيث توفى في سن الثامنة والستين. وربما كان قلم لورندسوفلا الفصيح هو الذي كتب قبريته:
لست أريد أن يكون ما أمدح به أنني كنت أبليس آخر، بل أريد أن يكون سبب مديحي أنني خرجت عن جميع مكاسبي إلى المؤمنين بك أيها المسيح، لأن بعض الأعمال يتوجه بها إلى الأرض وبعضها إلى السماء. لقد كنت، أنا وجيوفني، من أبناء فلورنس المدينة التسكانية.




صفحة رقم : 6490




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> الأخ فليولبي



3- الأخ فليولبي


ولد من اقتران فن أنجيلكو الظريف بفن مساتشيو الشهواني فن آخر أخرجه رجل يفضل الحياة عن الخلود. كان فلبو ابن قصاب يدعى توماسو لبي Tommaso Lippi. وكان مولده في شارع من حي فقير بمدينة فلورنس خلف دير هبان الكرمل. وتيتم الطفل وهو في الثامنة من عمره، فكفلته عمة له وهي كارهة حتى بلغ سن الثامنة، ثم تخلصت منه بأن سلكته في طائفة رهبان الكرمل، وأخذ الطفل الصغير يملأ هوامش صفحات الكتب التي طلب إليه أن يدرسها برسوم هزلية. ولاحظ رئيس الدير براعته في هذه الرسوم فعهد إليه أن يرسم المظلمات التي فرغ مساتشيو تواً من تصويرها في كنيسة رهبان الكرمل. وما لبث الصبي أن أخذ يرسم صوراُ من عنده في تلك الكنيسة نفسها. ولم يبق لنا الآن شيء من هذه الصور، ولكن فاساري يظن أنها لا تقل جودة عن صور مساتشيو نفسه. ولما بلغ فلبو السادسة والعشرين من عمره (1432) غادر الدير، وظل يسمي نفسه »فرا Fra أي الأخ أو الراهب«، ولكنه كان يعيش في هذا »العالم« ويكسب عيشه من فنه. ويروي فاساري قصة تصدقها الرواية المتواترة، وإن لم يكن في وسعنا أن نتبين صدقها:
»يقولون إن فلبو كان عاشقا متيما، بلغ من حبه النساء أنه كان إذا رأى امرأة أعجبته، لم يكن يتردد في أن يخرج عن كل ما يملك لكي ينالها، فإذا لم يفلح في هذا أطفأ لهيب حبه برسم صورتها. وغلبت عليه هذه النزعة حتى كان إذا انتابته نوبة الهيام لم يلتفت، طالما كانت مستحوذة عليه، إلى شيء من عمله. وحدث مرة، حين كان كوزيمو يستخدمه في عمل ما، أن اغلق عليه باب البيت الذي كان يعمل فيه حتى لا يخرج منه ويضيع وقته. وظل فلبو على هذا النحو يومين، ولكن شهوة الحب الحيوانية




صفحة رقم : 6491




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> الأخ فليولبي


غلبته، فمزق اللوحة التي كان يعمل فيها بمقص، وتدلى من النافذة، وقضى يومين كاملين في ملذاته. ولما بحث كوزيمو عنه لم يجده، أمر بأن يبحث عنه في كل مكان، وظل البحث جارياً حتى عاد فلبو إلى عمله من تلقاء نفسه. وكان كوزيمو من ذلك الوقت يسمح له بالخروج والعودة متي يشاء بكامل حريته،وندم على حبسه السابق في البيت... لأن العباقرة، على حد قوله، أجسام نورانية سماوية وليست حمير حمل... وجعل همه من ذلك الوقت أن يربط فلبو برباط الحب، وبذلك كان الفنان أكثر استعداداً لخدمته من ذي قبل.
ووصف »الأخ فلبو« نفسه في رسالة بعث بها إلى بيرو ده ميديتشي بأنه أفقر راهب في فلورنس، يكفل بنات أخيه اللاتي يتقن إلى الزواج ويعيش معهن(50). وكان الطلب كثيراً على أعماله، ولكن يلوح أن ما يتقاضاه عليه كان أقل مما ترغب فيه بنات أخيه. ولسنا نظن أن أخلاقه الشخصية قد بلغت حداً كبيراً من السوء، لأنا نجده قد كلف بأن يرسم صوراً لمختلف أديرة النساء. وبينما كان يعمل في دير سانتا مرجريتا ببلدة براتو Prato إذ وقع في حب لكريتسا بوتي Lucrezia Boti (إلا إذا كان فاساري مخطئاً، وكانت الرواية المتواترة خاطئة أيضاً). وكانت الرواية المتواترة خاطئة ايضاً). وكانت لكريتسيا هذه راهبة أو حارسة للراهبات. وأقنع رئيسة الدير بأن تجعلها تقف أمامه ليرسم على مثالها صورة العذراء، وسرعان ما فرا معاً. وظلت تعيش مع الفنان على الرغم من تأنيب والدها إياها وإلحاحه عليها بالعودة، وظل يتخذها نموذجاً لصور العذراء على الرغم من غضب والدها وإلحاحه عليها بأن تعود، وولدت له أبنه فلبينو لبي Filippino Lippi الذي ذاع صيته فيما بعد. ولم ير سدنة كنيسة براتو في هذه المغامرات منقصة كبيرة لفلبو، ولهذا عهدوا إليه في عام 1456 أن يزين موضع المرنمين في الكنيسة بمظلمات تصور حياة يوحنا المعمدان والقديس استيفن. وكانت هذه الصور، التي




صفحة رقم : 6492




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> الأخ فليولبي


عدا عليها الزمان، تعد في ذلك الوقت من الآيات الفنية الرائعة: وتبلغ حد الكمال في تركيبها، غنية بألوانها، حية في قَصَصِها، وتصل إلى ذروة الفن على أحد جانبي موضع المرنمين حيث نشاهد رقص سالومة، وعلى الجانب الثاني حيث نشاهد رجم استيفن. ووجد فلبو أن هذا العمل ممل أكثر مما يتقن مع حركته ونشاطه، ففر منه مرتين، ثم أقنع كوزيمو البابا بيوس الثاني في عام 1461 أن يحل الفنان من الإيالن التي أقسمها عند دخول الدير، ويبدو أن فلبو قد أحل أيضاً من وفائه للكريتسيا، التي لم تعد تليق لأن تقف امامه ليتخذها نموذجاً لصور العذراء. وبذل سدنة الكنيسة براتو كل ما في وسعهم ليغروه بالعودة لاتمام مظلماته، وبعد عشر سنين من بدئه فيها أفلح كارلوده ميديتشي ابن كوزيو غير الشرعي الذي كان وقتئذ المبلغ لأوامر البابا، في حمله على إتمامها. وبذل فلبو في تصوير منظر دفن استيفن كل ما لديه من قوة- بذله في فن المنظور الخداع الذي يتمثل في البناء القائم في خلفية الصورة، وفي الصور الانفرادية للأشخاص المحيطين بالجثة، وفي التناسب القوي بين أجزاء الصورة وفي وجه النغل ابن كوزيمو الهادئ المستدير وهو يقرأ الصلوات على الموتى.
ولقد كانت أجمل الصور التي رسمها فلبو هي صور العذراء ، وذلك




صفحة رقم : 6493




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> الأخ فليولبي


بالرغم من مغامراته الجنسية الشاذة، ولعله كان بسبب حساسيته القوية وعشه لجمال المرأة. وإن هذه الصورة لتنقصها روحانية صور أنجيلكو للعذراء وما فيها من روحانية أثيرية، ولكنها مع ذلك تنقل إلى الناظر إحساساً قوياً بالجمال الجثماني الهادئ، والحنان الذي لا حنان بعده. ولقد أصبحت الأسرة المقدسة في صور الراهب لبو أسرة إيطالية، تحيط بها حوادث عادية، وقد خلع فيها على العذراء جمالا جثمانياً ينبئ باقتراب عهد النهضة الوثني. وقد أضاف فلبو إلى هذه المفاتن النسوية فيما أخرجه من صور للعذراء رشاقة وخفة انتقلتا منه إلى تلميذه بتيتشلي.
ودعته مدينة اسبليتو في عام 1466 ليصور قصة العذراء مرة أخرى في قبا كنيستها. وأخذ يعمل فيها بذمة وأمانة بعد أن سكنت حمى عاطفته النسائية، غير أن قواه كانت هي الأخرى قد ضعفت مع ضعف عاطفته، ولم يكن في وسعه أن يكرر في هذه الكنيسة الصور الجدارية التي صورها في كنيسة براتو. وبينما كان يبذل هذه الجهود إذ مات مسموماً، ويظن فاساري أن اللذين دسوا له السم هم أقارب فتاة أغواها. وهذه القصة بعيدة الاحتمال، لأن فلبو دفن في كنيسة أسبليتو، حيث شاد له أبنه بعد سنين قلائل من ذلك الوقت قبراً فخماً عهد إليه به لورندسو ده ميديتشي.
إن كل إنسان يخلق الجمال جدير بأن تحيا ذكراه، ولكن من واجبنا أن نمر بسرعة وفي خجل بدمنيكو فنيدسيانو Dominico Veneziano وقاتله المزعوم أندريا دل كستانيو Andrea del Castagno. فأما دمنيكو فقد استدعى من بروجيا (1439) ليرسم صوراً على جدران كنيسة سانتا ماريا نيوفا (القديسة مارية الجديدة Santa Maria Nuova)، وكان من مساعديه شاب تلوح عليه أمارات النجابة من أهل برجو سان سبلكرو Borgo San Sepolcro يدعى بيرو دلا فراتشسكا. وقد قام في هذه الصور التي لم يبق منها شيء الآن بتجربة من أولى التجارب التي أجريت في




صفحة رقم : 6494




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> التصوير الملون -> الأخ فليولبي


فلورنس بالألوان الممزوجة في الزيت، وخلف لنا وراءه آية واحدة فنية هي صورة امرأة (في متحف برلين) ذات شعر منسدل إلى أعلى، وعينين تنمان عن القلق، وأنف بارز وصدر منتفخ. ويقول فاساري إن دمنيكو علم أندريا دل كستانيو قواعد الفن الجديدة، وكان هو أيضاً وقتئذ يرسم صوراً جدارية في كنيسة سانتا ماريا نوفا. وربما كان تنافسهما قد أفسد ما بينهما من صداقة لأن أندريا كان رجلا عنيدا سريع الانفعال. ويصف لنا فاساري كيف قتل أندريا دمنيكو، ولكن الروايات الأخرى تقول إن دمنيكو عاش بعد موت أندريا أربع سنين. وكان الذي أذاع شهرة أندريا هو صورة جلد المسيح التي رسمها في إحدى بواكي كنيسة سانتا كروتشي حيث أدهشت أفانين المنظور كل من رآها حتى زملاءه الفنانين. وتوجد في دير سانت أبولونيا القديم في فلورنس مختفية فيه صوره الخيالية لدانتي، وبترارك، وبوكاتشيو، وفارينانا دجلي أوبرتي Farinata Degli Uberti، وصورة حية واضحة لببو اسبانا Pippo Spana الجندي المتعجرف، وصورة للعشاء الأخير (1459) تبدو تافهة خالية من الحياة، ولكنها رغم ذلك ربما أوحت إلى ليوناردو بفكرة أو فكرتين.




صفحة رقم : 6495




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> متنوعات أشتات



الفصل الثامن




متنوعات أشتات


إذا شئنا أن نشعر بحياة الفن في فلورنس أيام كوزيمو شعوراً حياً واضحاً فإن علينا ألا نقتصر إلى درس حياة اولئك العباقرة اللذين مررنا بهم، بل إن علينا فوق ذلك أن ندخل الشوارع الجانبية والأزقة الضيقة من شوارع الفن وأزقته، وأن نزور مئات الحوانيت ومشاغل الفنانين حيث كان صناع الفخار يشكلون الطين ويلونوه، أو صناع الزجاج ينفخون الزجاج أو يقطعونه إلى اشكال من الآنية الهشة الجميلة، أو الصياغ يشكلون المعادن النفيسة أو الحجارة الكريمة، ويصنعون منها الحلي، والميداليات، والأختام، وقطع النقود، وألف قطعة وقطعة من زينة الثياب أو الأشخاص، أو البيت أو الكنيسة: وعلينا أن نسمع إلى ضجيج الصناع المنكبين على أعمالهم يطرقون الحديد، أو النحاس، أو البرنز أو ينقشونها، ويصنعون منها أسلحة ودروعا، وأوعية وآنية وأدوات للعمل والصناعة. وعلينا فوق ذلك أن نلاحظ لنجارين صناع الأثاث وهم يصممون، أو ينحتون الخشب، أو يرصعونه أو يمسحونه، والحفارين ينقشون المعادن، وغيرهم من العمال ينقشون أثاث المعبد، أو يرسمون على الجلد، أو ينحتون العاج، أو يخرجون المنسوجات الرقيقة ليجعلوا بها الأجسام مغرية، أو يزينوا بها البيوت. وعلينا كذلك أن ندخل الأديرة، ونشاهد الرهبان يزينون المخطوطات في صبر وأناة، والراهبات الهادئات يطرزن الأقمشة تروي القصص وتزدان بها الجدران. وعلينا قبل هذا كله أن نتخيل أهل البلاد وقد بلغوا درجة من الرقي تكفي لفهم الجمال، ومن الحكمة ما يكفي لأن يغمروا أولئك الذين يهبون أنفسهم للفن باسباب الشرف والعيش، ويمدوهم بالحوافز القوية لمواصلة هذه الجهود.




صفحة رقم : 6496




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> متنوعات أشتات


وكان حفر المعادن من مخترعات فلورنس، ومات مبتدع هذا الفن في نفس العام الذي مات فيه كوزيمو. كان توماسو فنجورا Tommaso Finiguerra من صناع النِّل أي أنه كان يحفر اشكالا مختلفة على المعدن أو الخشب، ثم يملأ الفراغ الحادث بمركب أسود مصنوع من الفضة والرصاص. وتقول أحد القصص اللطيفة إن قطعة من الورق أو القماش سقطت مصادفة على سطح معدني فرغ هو توا من تطعيمه، فلما رفعها وجد صورة السطح المعدني مطبوعة عليها. إن في هذه القصة شواهد على أنها وضعت بعد أن تم اختراع هذا الفن، على أنه مهما يكن من أمرها فإن فنجورا وغيره من الفنانين قد عمدوا إلى أخذ بصمات على الورق ليحكموا منها على أثر الرسوم المحفورة. ويلوح أن باتشيو بلديني Baccio baldini (حوالي 1450) وهو صائغ فلورنسي هو أول من أخذ هذه الطوابع من سطوح المعادن المحفورة، ليتخذها وسيلة لحفظ رسوم الفنانين وتكثيرها. وكان بتيتشلي، ومنتنيا Mantegna وغيرهم يمدونه بالرسوم. وبعد جيل من ذلك الوقت ارتقى ماركنتنيو ريمندي Marcantonio بالأصول الجديدة لفن النحت، واتخذها وسيلة ينشر بها في العالم فن التصوير في عهد النهضة بجميع مظاهره ما عدا ألوانه.
ولقد استبقينا إلى آخر هذا الباب رجلا لا نعرف أي صنف نضعه فيه، وخير طريقة لفهمه أن نقول إنه جمع كل خصائص زمانه وتجسمت فيه. لقد جمع ليون باتستا ألبرتي Leon Battista Alberti كل خصائص القرن الذي عاش فيه عدا ناحيته السياسية. فقد ولد في مدينة البندقية لأب منفي من فلورنس، ثم عاد إلى فلورنس، حين أعيد إليها كوزيمو، وشغف حباً بفنها، مومسيقاها، وندواتها الأدبية والفلسفية. واستجابت فلورنس لحبه هذا بأن خلعت عليه لقب الرجل الكامل الذي ليس بعد كماله كمال. فقد كان وسيما الوجه، قوي البنية، بارعاً في جميع أنواع الرياضة الجسمية،




صفحة رقم : 6497




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> متنوعات أشتات


ويستطيع وقدماه موثوقتان أن يقفز من فوق رجل واقف، كما يستطيع وهو واقف في الكاتدرائية الكبرى لأن يقذف بقطعة من النقود إلى داخل حلقة في القبوة، وكان يسلي نفسه بترويض الحيوان البري وتسلق الجبال. وكان إلى هذا مغنيا بارعاً، وعازفاً قديراً على الأرغن، ومحدثاً ساحراً، وخطيباً مفوهاً، يقظ الذهن هادئه، سيداً رقيقاً مجاملاً، شهماً كريماً في معاملة جميع الناس عدا النساء، فكان لا ينفك يهجوهن هجاء لاذعاً، وبغضب قد يكون متكلفاً، وقلما كان يعنى بالمال، ولهذا فقد عهد إلى أصدقائه أن يعنوا بأملاكه، وكان يقتسم معهم ما تدره عليه من دخل، وكان يقول إن »في وسع الناس أن يفعلوا كل شئ إذا أرادوا« والحق إنا قلما نجد من كبار الفنانين في النهضة الإيطالية من لم يبرعوا في كثير من الفنون. وكان البرتي، كما كان ليوناردو بعد نصف قرن من أيامه، أستاذاً أو في القليل ممارساً ماهراً، في أكثر من عشرة ميادين-في الرياضة والميكانيكا، والعمارة، والتصوير، والموسيقى، والشعر، والتمثيل، والفلسفة، والشرائع المدنية والكنسية. وكان يكتب في هذه الموضوعات كلها تقريباً، وكان مما كتبه رسالة في التصوير تأثر بها بيرو دلا فرانتشسكو، ولعلها أثرت أيضاً في ليوناردو. وأضاف إلى كتاباته حوارين عن النساء وعن فن الحب، ومقالا ذائع الصيت عن »العناية بالأسرة«. وكان إذا انتهى من رسم صورة دعا الأطفال وسألهم عما يفهمونه منها، فإذا عجزوا وتحيروا في الإجابة حكم عليها بالإخفاق(51). وكان من أوائل المصورين الذين أدركوا الفائدة التي ترجى من آلة التصوير المظلمة الصندوق. وإذا كان الرجل مهندساً معمارياً قبل كل شئ، فقد أخذ يتنقل من مدينة إلى مدينة ليبني واجهات للمباني أو معابد على الطراز الروماني. واشترك وهو في روما في تخطيط المباني التي كان نقولاس الخامس »يقلب بها العاصمة ظهراً لبطن« كما يقول فاساري، وحول في رميني Rimini كنيسة سان فرانتشسكو القديمة إلى معبد لا يكاد يفترق في شئ عن الهياكل الوثنية. وأقام في




صفحة رقم : 6498




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> متنوعات أشتات


فلورنس واجهة من الرخام لكنيسة سانتا ماريا نوفلا، وشاد لأسرة روتشيلاي Rucellai معبداً في كنيسة سان بانكرادسيا San Pancrazia، وقصرين فخمين ذوي تخطيط بسيط، وزين في مانتوا Mantua كتدرائية إنكوروناتا Incoronata ومعبدها وأنشأ لكنيسة سانت أندريا واجهة على صورة قوس نصر روماني.
وألف مَسْلاَةً تدعى فيلودكسوس بلغة لاتينية مثقلة بالتراكيب الاصطلاحية إلى حد لم يشك أحد معه في أنها من تأليف كاتب قديم حين قال لهم هو هذا من قبيل السخرية بالجيل الذي كان يعيش فيه. وكان يكتب رسالاته في صورة حوار مهلهل وبلغة إيطالية سهلة خالية من الزخرف يستطيع أن يقرأها رجل الأعمال الكثير المشاغل نفسه. وكان دينه رومانياً أكثر منه مسيحياً، ولكنه كان يصبح على الدوام مسيحياً حين يسمع الترانيم الكنسية. ونظر بعين بصيرته إلى الأمام، فعبر عن خوفه من أن ضعف العقائد المسيحية سيلقى بالعالم في غمار الفوضى الأخلاقية والفكرية. وكان يحب الرف المحيط بفلورنس، ويأوى إليه كل ما أستطاع، وأنطلق تيوجنيو Teogeni، وهو الشخصية التي سمى بها حواره، بقوله:
في وسعي أن استمتع في هذا المكان على مهل بصحبة الأموات العظماء، فإذا ما آثرت أن أتحدث إلى الحكماء، أو رجال الحكم، أو الشعراء العظام، فما علي إلا أن ألجأ إلى أرفف كتبي، فأجد فيها من الصحاب خيراً ممن تستطيع قصوركم أن تحبوني بهم على ما فيها من موال ومتملقين.

وكان كوزيمو يتفق معه في رأيه ولا يجد في شيخوخته سلوى أكثر من بيوته الريفية، وأصدقائه الأخصاء، ومجموعات الفنية، وكتبه. وكان يعاني آلاماً مبرحة من داء الرثية، وترك في آخر أيامه مهام الدولة الداخلي إلى لوكا بتي، فأساء هذا استخدام تلك الفرصة ليزيد بها ثروته. ولم تكن ثروة كوزيمو نفسه قد نقصت بسبب ما كان ينفقه في الصدقات، وكان




صفحة رقم : 6499




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> متنوعات أشتات


يشكو تلك الشكوى الوهمية الفكهة وهي أن الله كان دائماً يسبقه فيعيد إليه ما ينفقه في أوجه الخير، مضافاً إليه ربحه(52). وكان حين يذهب للإقامة في الريف يدرس كتب أفلاطون، وتتلمذ في هذه الدراسة على محسوبه فتشينو Ficino. ولما حضرته الوفاة وعده فتشينو بالحياة في دار الأخيار معتمداً في ذلك على ما نقله أفلاطون عن سقراط لا على أقوال المسيح. ولما مات (1464) حزن على موته أصدقاؤه وأعدائه على السواء، فقد كانوا يخشون أن تضرب الفوضى أطنابها في الحكومة، فخرجت المدينة كلها تقريباً تشيع جثته إلى قبره الذي كلف دزيديريو دا ستنيانو Desiderio da Settignano أن يعده له في كنيسة سان لورندسو.
وكان الوطنيون من أمثال جوتشيارديني Guicciardini، الذين أغضبهم مسلك آل مديتسي المتأخرين، يرون فيه ما يرى بروتس Brutus في قيصر(53)، وكان مكيفلي يعظمه كما يعظم قيصر(54) لقد قضى كوزيمو على الديمقراطية، ولكن الحرية التي وقف في سبيلها لم تكن إلا حرية الأغنياء في أن يحكموا الدولة حكماً قائماً على العنف والتحزب. ولسنا ننكر أنه قد لوث حكمه بأفعال القسوة التي كان يرتكبها في بعض الأحيان، ولكن حكمه كان في معظمه من أكثر العهود ليناً، وسلاماً، ونظاماً في تاريخ فلورنس، وكان العهد الآخر الذي يضارعه هو عهد الحفيد الذي دربه آباؤه. وقلما عرف التاريخ أميراً أوتى ما أوتيه من حكمة في الكرم، واهتمام حق بتقدم الإنسانية، ويقول فتشينو هذا: » إني مدين لأفلاطون بالشيء الكثير، ولكني لست أقل من ذلك ديناً لكوزيمو، فهو الذي حقق لـي الفضائل التي أخذت فكرتها عن أفلاطون«(55). وقد ازدهرت في عهده الحركة الإنسانية الأدبية، وفي عهده نالت العبقريات المتعددة التي وهبها دوناتلو والراهب انجيلكو، ولبولبي من السخاء ما كان أكبر مشجع لها، وفي أيامه عاد أفلاطون إلى تيار الإنسانية الفكري، بعد أن ظل يطمس معالمه عهوداً طوالاً. ولما انقضى على موت كوزيمو عام، وسنحت للزمان الفرصة لأن




صفحة رقم : 6500




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> نشأة آل ميديتشي -> متنوعات أشتات


يطمس مجده ويكشف عن أخطائه قرر المجلس الأعلى في فلورنس أن ينقش على قبره أنبل ما يستطيع أن يمنحه من الألقاب وهو »أبو وطنه Pater Patriae«. والحق أنه كان خليقاً بهذا اللقب، فقد رفعت النهضة بفضله رأسها عالياً، ووصلت في عهد حفيده إلى أنقى ذروتها، وفي عهد ابن حفيده فتحت روما. ألا إن في وسع المرء أن يغفر لأمثال هذه الأسرة كثيراً من الذنوب.




صفحة رقم : 6501




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> بيرو إلجتوسو



الباب الرابع




العصر الذهبي




1464-1492




الفصل الأول




بيرو »إلجتوسو«


ورث بيرو بن كوزيمو وهو في سن الخمسين ثروة أبيه، وسلطانه، وداء مفاصله. وقد حل به هذا المرض مرض ذوي اليسار منذ أيام صباه، ولهذا كان معاصروه يميزونه من غيره ممن يشبهونه في اسمه بأن يلقبوه إلجيتوسو It Gottoso. وكان رجلاً على درجة لا بأس بها من الكفاية، رضى الأخلاق، أحسن القيام بعدة مهام دبلوماسية عهد بها إليه والده. وكان مكرماً لأصدقاءه، مناصراً للآداب، والدين، والفن، ولكنه كان يعوزه ذكاء كوزيمو، وظرفه، وبشاشته، وكياسته. وكان كوزيمو قد ضمن لنفسه العون السياسي بأن أقرض ذوي النفوذ من مواطنيه مبالغ طائلة، ولكن بيرو لم يكد يخلف أباه حتى طالب فجأة بهذه القروض، فما كان من بعض المدنيين الذين كانوا يخشون الإفلاس إلا أن نادوا بالثورة »باسم الحرية التي اتخذوها شعاراً لها« كما يقول مكيفلي Machiavelli »وستاراً يخفون بها غرضهم«(1).واستطاعوا أن يسيطروا على الحكومة وقتاً ما، ولكن حزب آل ميديتشي أستردها منهم، وظل بيرو يحكم المدينة حكماً مضطرباً حتى توفي في عام 1469.




صفحة رقم : 6502




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> بيرو إلجتوسو


وخلف بيرو ولدين لورندسو وكانت سنه عشرين عاماً وجوليانو Giuliano وكان في السادية عشر من عمره. ولم تكن فلورنس تصدق بأن هذين الغلامين يصلحان لإدارة أعمال أسرتهما دع عنك شئون الدولة عامة، وأخذ بعض الأهلين يطالبون بإعادة الحكم الجمهوري في حقيقته وفي مظهره، وكان كثيرون يخشون أن تضرب الفوضى أطنابها في المدينة وتتقد فيها نار الحرب الداخلية، ولكن لورندسو أدهشهم بأن أزال هذا الخداع فجأة عن عيونهم.




صفحة رقم : 6503




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> تنشئة لورندسو



الفصل الثاني




تنشئة لورندسو


لم يكن ضعف صحة بيرو خافياً على كوزيمو، ولهذا بذل كل ما في وسعه ليعد لورندسو للإطلاع بواجبات الحكم. وكان الغلام قد درس اللغة اليونانية على جوانس أرجير و بولس Joannes Argyropoulos، والفلسفة على فتشينو، وتعلم وتربى عن غير قصد بالاستماع إلى حديث الحكام، والشعراء، والفنانين، والكتاب الإنسانيين. وتعلم كذلك فنون الحرب، ونال وهو في التاسعة عشرة من عمره الجائزة الأولى في مباراة للفروسية قامت بين أبناء الأسر الكبيرة في فلورنس »بفضل شجاعته لا محاباة« لأسرته(2). وكان منقوشاً على درعه من تلك المباراة شعار فرنسي معناه »سيعود الزمان« Le temps revient، وهو شعار يصح أن يكون شعار النهضة. وكان قد عمد في هذه الأثناء إلى كتابة المقطوعات الغنائية بإسلوب دانتي وبترارك، وإذا كان لا بد له أن يتبع التقاليد السائدة في ايامه فيكتب في الحب، فقد أخذ يبحث في الأسر الشريفة عن سيدة يتصبب فيها بشعره، حتى وقع اختياره على لكريدسيا دوناتي Lucrezia Donati وأخذ يتغنى بجميع فضائلها ما عدا عفتها التي كانت موضع اسفه، فقد يبدو أنها لم تسمح له بأكثر من عواطف قلمه. ورأى بيرو أن الزواج هو العلاج الشافي من داء العشق، فأقنع الشاب بأن يتزوج كلارتشي أرسيني Clarice Orsini (1469)، وبهذا استطاع ان يعقد حلفاً بين آل ميديتشي وبين واحدة من اقوى أسرتين من روما. وأقام آل ميديشتي بهذه المناسبة ولاءً لأهل المدينة كلهم دامت ثلاثة أيام متوالية، وأستهلك فيها خمسة آلاف رطل من الحلوى.




صفحة رقم : 6504




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> تنشئة لورندسو


وكان كوزيمو قد درب الصبي على ممارسة الشئون العامة بعض التدريب، فلما تولى بيرو الأمر وسع دائرة تبعاته المالية والحكومية، ولما توفى بيرو، الفى لورندسو نفسه أغنى رجل في فلورنس، بل ربما كان اغنى رجل في إيطاليا كلها. ولقد كان تصريف شئون ماله وأعماله عبئاً ينوء به كاهله الغض ويتيح الفرصة لأن تعود الجمهورية فتفرض عليه سلطانها، ولكن عملاء آل ميديتشي، ومدينتهم، واصدقائهم، ومن ولوهم هم مناصبهم قد بلغوا وقتئذ درجة عظيمة من الكثرة ومن الحرص على أن يدوم سلطان الأسرة. فلم يمض على وفاة بيرو غير يومين حتى مثل بين يدي لورندسو في بيته وفد من ذوي المكانة في المدينة، وطلبوا اليه أن يتولى ريادة سفينة الدولة. ولم يجد الوفد صعوبة في إقناعه بالنزول على مطلبه، ذلك أن مصالح أسرة ميديتشي المالية متصلة بشئون المدينة اتصالاً يخشى معه ان تنهار إذا استطاع اعداء هذه الأسرة أو منافسوها أن يستحوذوا على السلطة السياسية. وأراد أن يكّم أفواه من يوجهون النقد لصغر سنه، فعين مجلساً من المواطنين المجربين يستشيروا في جميع الأمور ذات البال، وظل طول حياته يستشير هذا المجلس، ولكنه سرعان ما أظهر من الحصافة وأصالة الرأي ما جعل المجلس يسلم بزعامته فلا يعارض آرائه إلا في القليل النادر. وقد عرض على أخيه الأصغر قسطاًُ كبيراً من السلطة، ولكن جوليانوا كان يؤثر عليها الموسيقى، والشعر، والمثاقفة، والعشق، وكان شديد الإعجاب بلورندسو وسره أن يتخلى له عن مشاغل الحكم وما يضفيه عل صاحبه من الشرف.ونهج لورندسو في الحكم منهج كوزيمو وبيرو من قبله، فظل (حتى عام1490) مواطناً عادياً، ولكنه كان يشير بالخطط السياسية على الباليا Balia التي كان لأنصار أسرته فيها أغلبية مضمونة موثوثق بها. وكان لمجلس الباليا بنص للدستور سلطة مطلقة وإن كانت مؤقتة، وقد أصبح في عهد الميديتشيين مجلساً دائماً من سبعين عضواً.




صفحة رقم : 6505




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> تنشئة لورندسو


وارتضى أهل المدينة حكمهم لأن الرخاء ظل كما كان، ولما زار جاليتسو ماريا اسفوردسا Galeazzo Maria Sdorza دوق ميلان مدينة فلورنس في عام 1471 ذهل حين شهد ما تتمتع به المدينة من ثراء، وذهل أكثر من هذا مما جمعه كوزيمو، وبيرو ولورندسو من روائع الفن في قصر آل ميديتشي وحدائقهم. فقد كانت المدينة حتى في ذلك الوقت متحفاً حقاً من التماثيل، والمزهريات، والجواهر، والصور، والمخطوطات المزدانة بالنقوش، والآثار المعمارية. وأكد جليتسو أنه شاهد في هذه المجموعة وحدها من الصور الجميلة أكثر مما شاهده منها في سائر إيطاليا، ذلك أن فلورنس قد سبقت غيرها بمراحل طويلة في هذا الفن الذي يمتاز به عصر النهضة. وزاد آل مديتيشي ثراء على ثرائهم حين رأس لورندسو (1471) وفداً من أهل فلورنس قدم إلى روما ليهنئ سكتس Sixtus الرابع بارتقائه عرش البابوية، ورد سكتس على هذه التهنئة بأن جدد تعيين ممثل بيت ميديتشي مديراً للأموال البابوية، وكان بيرو قد حصل قبل خمس سنين من ذلك الوقت على حق استغلال المناجم البابوية القريبة من سفيتا فيتيشيا وكانت تخرج حجر الشب الثمين المستعمل في صباغة الأقمشة وصقلها، وكان استغلال هذه المناجم يدر عليه أموالاً طائلة.
وواجه لورندسو بعد قليل من عودته من روما أولى أزماته الكبرى التي لم يفلح كل الفلاح في معالجتها. وتفصيل ذلك أن منجماً من مناجم الشب في ناحية فلتيرا Volterr- وهي جزء من أملاك فلورنس- قد أجر إلى بعض المتعهدين أكبر الظن أنهم كانوا ذوي صلة بآل ميديتشي. فلما تبين لأهل فلتيرا أن المنجم يدر ربحاً موفوراً طالبوا بأن يكون للبلدية قسط من هذا الربح. فأحتج المتعهدون على هذا الطلب، ورفعوا امرهم إلى مجلس فلورنس الأعلى. وزاد المجلس المشكلة تعقيداً حين أمر بأن يذهب الربح بأجمعه إلى بيت مال دولة فلورنس كلها. واعترضت فلتيرا على هذا الأمر،




صفحة رقم : 6506




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> تنشئة لورندسو


وأعلنت استقلالها، وقتلت عدداً من الأهلين الذين عارضوا في انفصالها عن فلورنس.وأشار توماسو سودير يني Tommaso Soderini بتسوية الخلاف بالتوفيق بين الطرفين، ولكن لورندسو رفض ما عرض عليه من وسائل التوفيق، وكانت حجته أن ذلك يشجع الفتن وحركات الانفصال في أنحاء أخرى من الدولة، وأخذ بهذا الرأي، وأخمدت الفتنة بالقوة القاهرة، وأفلت زمام جنود فلورنس المرتزقين، ونهبوا المدينة الثائرة فلم يسمع لورندسو إلا أن يعجل بالذهاب إلا فلتيرا، ويبذل جهده لإعادة النظام وإصلاح ما فسد من الأمور، ولكن ذلك العمل بقي وصمة في سجل حكمه.
ولم يتردد الفلورنسيون في أن يغفروا له قسوته على فلتيرا، وامتدحوا نشاطه حين أنقذ المدينة من المجاعة في عام 1472 باستيراد مقادير موفورة من الحبوب. وسرهم فوق ذلك حين عقد حلفاً ثلاثياً مع البندقية وميلان لكي يحتفظ بالسلم في شمالي إيطاليا غير أن البابا سكتس لم يرض كل الرضى عن هذا العمل، ذلك أن البابوية لا يمكن أن تعيش مطمئنة على سلطتها الزمنية الضعيفة إذا كانت على أحد جانبي الولايات البابوية دولة قوية موحدة في شمالي إيطاليا، ومملكة نابلي القوية تحف بها من الجانب الآخر. ولما عرف سكتس أن فلورنس تحاول ابتياع مدينة إيمولا واقليمها (وهي الواقعة بين بولونيا ورافنا) ارتاب في أن لورندسو يعمل لبسط أملاك فلورنس حتى تصل إلى البحر الأدرياوي. فما كان من سكتس نفسه إلا أن عجل بشراء إيمولا Imola ليجعل منها الحلقة التي لا غنى عنها في سلسلة المدن الخاضعة لسلطان البابوات من الناحية القانونية، وإن كانت قلما خضعت لهم فعلاً. وقد استعان في هذا العمل بخدمات شركة باتسي Pazzi المصرفية وبأموالها، وكانت هذه الشركة وقتئذ أقوى منافس لآل ميديتشي. ثم نقل من فلورنس إلى باتسي الامتيازات التي تدر الربح الموفور والخاصة




صفحة رقم : 6507




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> تنشئة لورندسو


بتصريف شئون المالية البابوية، ولم يكتف بذلك بل عين رجلين من أعداء الميديتشين-جيرولامو رياريو Girolamo Riario حاكماً لإيمولا وفرانتشسكو سلفياني Francesco dalviati كبيراً لأساقفة بيزا، وكانت وقتئذ من أملاك فلورنس. ورد لورندسو على ذلك في ساعة غضبه بعمل عاجل طائش لم يكن كوزيمو ليرضي به: ذلك أنه أتخذ الوسائل المؤدية إلى انهيار شركة باتسي، وأمر بيزا أن تمنع سلفياني من الجلوس على كرسي الأسقفية. واستشاط البابا غضباً من هذا العمل، ووافق على مؤامرة دبرها آل باتسي، ورياريو، وسلفياني يبغون بها إسقاط لورندسو، وقد أبى أن يوافق على اغتيال عدوه الشاب، ولكن المتآمرين لم يجدوا في هذا التأنق عقبة تحول بينهم وبين غرضهم، فدبروا أمر قتل لورندسو وجوليانوا أثناء القداس الذي سيقام في الكنيسة الكبرى في يوم عيد الفصح (26 أبريل من اعم 1478)، في اللحظة التي يرفع فيها القس القربان المقدس غير مبالين بمخالفة ذلك العمل للأصول الدينية المرعية. وأتفق على أن يستولي سلفياتي وجماعة آخرون على البلاتسو فيتشيو ويطردوا مجلس فلورنس الأعلى.
وجاء لورندسو إلى الكنيسة في اليوم المحدد لا يحمل سلاحاً وليس معه حرس جرياً على سنته، وتأخر جوليانو عن الموعد المضروب، فذهب إليه فرانتشسكو ده باتسي وبرناردو بنديني، وكانا قد تعهدا باغتياله، وأخذا يمزحان معه، واقنعاه بالذهاب إلى الكنيسة، وفيها وبيننا كان القس يرفع يده بالقربان المقدس طعنه بنديني جوليانو في صدره، فسقط على الأرض مدرجاً بدمه، وانقض عليه فرانتشسكو واخذ يكيل له الطعنات بعنف أدى إلى جرح ساقه هو. وهاجم أنطونيو دا فلتيرا Antonio da Volterra وقسيس يدعى استفانوا لورندسو بخنجريهما، فاتقى الضربات بذراعيه، ولم يصب إلا جرح خفيف، ثم أحاط به أصدقاؤه وساروا به إلى إحدى غرف المقدسات في الكنيسة، وفر المعتديان من الجمهور الغاضب، وحمل جوليانو بعد موته إلى قصر آل ميديتشي.




صفحة رقم : 6508




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> تنشئة لورندسو


وبينما كانت هذه الأحداث تقع في الكنيسة زحف سلفياتي كبير الأساقفة، وياقوبو دة باتسي ومائة من أتباعهما المسلحين نحو البلاتسا (قصر) فيتشيو، وحاولوا أن يثيروا الشعب ويضموه لهم بصياحهم الشعب! الحرية! ولكن الشعب التف حول آل ميديتشي في هذه الأزمة ورد عليهم بندائه لنحي السكرات!- وهي شارة آل ميديتشي، ولما دخل سلفياتي القصر طعنه سيزاري بتروتشي حامل الشعار، وشُنق ياقوبو دة بجيو Jacopo di Poggio ابن الكاتب الإنساني المعروف في إحدى نوافذ القصر، وقبض كبار الحكام في عزم وشجاعة على عدد آخر من المتآمرين الذين ارتقوا الدرج، وألقوا بهم من النوافذ، فمنهم من مات شدة الاصطدام بالأرض ومنهم من أجهز عليه الشعب رجماً بالحجارة. ولما ظهر أمامهم لورندسو ومن حوله عدد كبير من الحراس عبر الشعب عن فرحته بنجاته بغضبه العنيف على كل من ارتاب في أنه كانت له يد في هذه المؤامرة، واختطف فرنتشسكو دة باتسي من فراشه، وكان قد خارت قواه من كثرة ما نزف من دمه، وشنق إلى جانب كبير الأساقفة, الذي أخذ يعض كتف فرانتشسكو وهو يعالج سكرات الموت. . وجرت جثة ياقوبو دة باتسي كبير الأسرة المبجل عارية في شوارع المدينة وألقيت في نهر الآرنو Arno. وبذل لورندسو كل ما يستطيع ان يبذله لتخفيف حنق العامة وتعطشهم للدماء، وأنقذ حياة عدد من الذين اتهموا ظلماً بالاشتراك في المؤامرة، ولكن الغرائز الكامنة حتى في المتحضرين لا تستطيع ان تترك هذه الفرصة السانحة لها لتعبر عن نفسها وهي آمنة وخافية عن الأعين في زحمة الجماهير.
وهال سكستس الرابع أن يشنق كبير الأساقفة على هذا النحو، فاصدر قراراً بحرمان لورندسو، وحامل الشعار، وكبار الحكام في فلورنس، ووقف جميع الخدمات الدينية في كافة أملاك المدينة، واحتج عدد من رجال الدين على قرار الحرمان، وأصدر وثيقة ينددون فيها البابا وملأوها بأشنع




صفحة رقم : 6509




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> تنشئة لورندسو


ألفاظ السباب(3)،وبعث فرانتي Ferrante أي فرديناند الأول ملك نابلي بناء على طلب البابا وفداً إلى فلورنس يدعو مجلسها الأعلى وأهلها إلى أن يسلموا لورندسو إلى البابا أو ينفوه من المدينة على الأقل. ونصح لورندسو المجلس بإجابة طلب فرديناند، ولكن المجلس رد عليه بأن فلورنس مستعدة لان تتحمل أية محنة تنزل بها وألا تغدر بزعيمها فتسلمه إلى الأعداء. فما كان من سكتس وفرانتي إلا أن أعلنا الحرب على فلورنس (1479). وهزم ألفنسو ابن الملك جيش فلورنس بالقرب من بجيوبنسي Poggiobonsi وأخذ يعيث في الريف فساداً. gthslashألفاظألفاظ ألفا
وما لبث أهل فلورنس أن أخذوا يتذمرون من فدح الضرائب التي فرضت عليهم لأداء نفقات الحرب، وأدرك لورندسو أنه ما من جماعة تطول تضحيتها بنفسها من أجل فرد واحد. فأستقر رأيه في هذه الأزمة الخطيرة من تاريخ حياته على قرار لا يستقر عليه سواه ولم يسبق أن أتخذ مثله من قبل. ذلك أنه ركب البحر من بيزا إلى نابلي، وطلب أن يؤخذ إلى الملك. وأعجب فرانتي بشجاعته، فقد كان الرجلان يحتربان ولم يحصل لورندسو على تصريح بضمان حياته في سيره، لم يكن معه سلاح ولاحرس. وأكثر من هذا أن فرانتشسكو بسينيو الزعيم الحربي المغامر الذي دعا إلى نابلي لينزل ضيفاً على مليكها قد اغتيل غدراً وخيانة من وقت قريب بأمر من الملك نفسه. واعترف لورندسو بصراحة بالصعاب التي كانت فلورنس تواجهها، ولكنه أوضح شدة الخطر الذي يحيق بنابلي إذ قوى سلطان البابوية بتمزيق أملاك فلورنس، لأن البابوية إذا تم لها هذا استطاعت أن تصر على طلبها القديم وهو أن تكون نابلي إقطاعية بابوية تعطي الجزية عن يد وهي صاغرة. يضاف إلى هذا أن الأتراك كانوا يزحفون على الغرب براً وبحراً، وأنهم قد يغزون إيطاليا في أي وقت من الأوقات، ويهاجمون أملاك فرانتي الواقعة على البحر الأدرياوي، وليس




صفحة رقم : 6510




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> تنشئة لورندسو


من مصلحة إيطاليا في تلك الأزمة أن تنقسم على نفسها وأن تمزقها الأحقاد والحروب الداخلي. ولم يرتبط فرانتي مع لورندسو بشيء، ولكنه مر بأن يحجز لورندسو كما يحجز الأسير والضيف الكريم.
وزادت الانتصارات المستمرة التي نالها ألفنسو على جيوش فلورنس وإلحاح سكتس المستمر بأن يرسل لورندسو إلى روما أسيراً بابويا، زادت هذه وتلك مهمة لورندسو صعوبة على صعوبتها. وبقي أمر زعيم فلورنس ثلاثة أشهر طوال معلقاً لا يبت فيه، وكان يدرك أن إخفاقه في مهمته سيؤدي في أكبر الظن إلى قتله وإلى القضاء على استقلال فلرونس. وكان في هذه الأثناء قد كسب صداقة الكثيرين بكرمه وسخائه، ودماثة أخلاقه، وبشاشته، وكان ممن كسب صداقتهم الكونت كارفا Count caraffa وزير الدولة، فأخذ هذا يدافع عن قضيته. وقدر فرانتي أعظم التقدير ثقافة أسيره، ونبل خصاله، فها هو ذا كما يلوح رجل مهذب كريم، فإذا عقد الصلح مع رجل على شاكلته فإن ذلك سيضمن لنابلي صداقة فلورنس طوال حياة لورندسو على أقل تقدير. ولهذا وقع معه معاهدة، وأهداه جواداً كريماً، وسمح له بأن يركب البحر من نابلي. ولما علمت فلورنس أن لورندسو جاء بالصلح رحبت به ترحيباً فخماً اعترافاً منها بجميله. واستشاط سكتس غضباً، وأراد أن يواصل الحرب بمفرده، ولكن محمدا الثاني فاتح القسطنطينية أنزل جيشاً له في أترانتو Otranto (1480)، وهدد باجتياح إيطاليا، والاستيلاء على حصن المسيحية اللاتينية نفسه. فما كان من سكتس إلا أن دعا أهل فلورنس للمفاوضة في شروط الصلح. وقدمت وفودهم إلى البابا ما يجب له من فروض الطاعة، وأخذ هو يؤنبهم أشد التأنيب، ثم عفا عنهم. وأقنعهم بأن يجهزوا خمس عشرة سفينة لمحاربة الأتراك، وعقد الصلح معهم، واصبح لورندسو من ذلك الحين سيد تسكانيا لا ينازعه في ذلك منازع.




صفحة رقم : 6511




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> لورندسو الأفخم



الفصل الثالث




لورندسو الأفخم


وشرع الآن يحكم حكماً رحيماً أكثر مما كان يحكم في أيام شبابه، وكان وقتئذ قد بدأ العقد الرابع من عمره، ولكن الناس كانوا سريعي النضوج في أيام النهضة ذات الأحداث التي تعجل النضوج، ولم يكن لورندسو وسيما، فقد كان أنفه الكبير الأفطس يشرف على شفته العليا، ثم يعود فيتجه نحو الخارج اتجاهاً عجيباً. وكان أدكن اللون، وكانت جبهته الصارمة وفكه الثقيل ينمان عن غير ما يبدو من دماثة أخلاقه، ورقة أدبه ومجاملته، وحلو فكاهته، وعقله المرهف الشاعري. وكان طويل القامة، عريض المنكبين، قوي البنية، أشبه برجال الرياضة منه برجال السياسة والحكم، والحق أنه قلما كان يفوقه أحد في ألعاب القوة. وكان في سيره وجلوسه مهيباً إلى الحد الذي لا غنى له عنه في منصبه السامي، أما في حياته الخاصة فإنه سرعان ما يجعل أصدقاءه ينسون سلطانه وثراءه. وكان كابنه ليو العاشر يستمتع بأعظم الفنون دقة، وأكثر المهرجين سذاجة، وكان فكها مع يلتشي Pulci، شاعراً مع بولتيان Politian عالماً مع لندينو Landino فيلسوفاً مع فيتشينو Ficino، يتذوق جمال الفن مع بتيتشلي Botticelli، موسيقياً مع اسكوار تشيالوبي Squarchialupi، مرحاً مع اشد الناس مرحاً في أيام الأعياد. كتب مرة إلى فيتشينو يقول: (إذا ما اضطرب عقلي بكثرة الأعمال العامة وصخبها، واستكت مسامعي بصراخ المواطنين المشاكسين، فكيف أطيق ذلك الخصام والنزاع إذا لم أجد الراحة في العلم"؟- ويقصد بالعلم طلب المعرفة على اختلاف أنواعها(4).
بيد أن اخلاقه لم تكن مضرب المثل في الكمال كما كان عقله، ذلك أنه




صفحة رقم : 6512




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> لورندسو الأفخم


كان، مثله مثل الكثيرين من معاصريه، لا يدع عقيدته الدينية تحول بينه وبين الاستمتاع بالحياة. فكان يكتب ترانيم دينية بإخلاص ظاهر، ولكنه كان ينتقل منها دون تأنيب من ضمير إلى القصائد التي تتغنى بالحب الشهواني. ويبدو أنه لم يعرف الندم قط إلا على ما فاته من الملاذ، ولما أن قبل مكرها ولأسباب سياسية زوجة كان يجلها أكثر مما يحبها، أخذ يستمتع بالزنا كعادة أهل زمانه، ولكنه لم يكن له أبناء غير شرعيين، وكانوا يرون في ذلك ميزة له على غيره من أمثاله. ولا يزال الجدال حامياً حول خلقه التجاري. لكن أحداً لم يشك قط في سخائه، والحق أنه كان متلافا للمال مثل كوزيمو، لا يستريح له بال حتى يجزي على كل عطية بعطية أكبر منها، وقد أمد بالمال أكثر من عشر منشآت دينية، وأعان عدداً لا يحصى من الفنانين، والعلماء، والشعراء، وأقرض الدولة أموالا طائلة. وكان من نتيجة ذلك أنه وجد بعد مؤامرة باتسي أن ما أنفقه من الأموال على الشئون العامة والخاصة قد تركه غير قادر على أن يوفي بالتزاماته، فما كان من المجلس، الحريص على استرضائه، إلا أن يقرر الوفاء بديونه من مال الدولة (1480). وليس من الواضح كل الوضوح أكان هذا العمل جزاء عادلا على خدماته التي أداها لبلاده، وأمواله الخاصة التي أنفقها في الأغراض العامة(5)، أم كان اختلاساً سافراً للأموال العامة(6(. فإذا عرفنا أن هذا العمل لم يقلل من حب الشعب للورندسو مع أنه كان معروفاً له غير خاف عليه، فإن هذا في حد ذاته يوحي بأن التفسير الهين الرقيق أدنى التفسيرين إلى الصواب. ولقد كان جوده، وثراءه، وترفه في منزله كل ما كان يفكر فيه الناس حين لقبوه بالأفخم II magnifico.
وكان من أثر نشاطه الثقافي المتعدد النواحي أن اضطره إلى إهمال مؤسساته المالية المترامية الأطراف بعض الإهمال. وقد استغل عماله انشغاله بهذه الشئون فاندفعوا في الإسراف والتدليس. ولكنه أنقذ ثروة أسرته بأن




صفحة رقم : 6513




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> لورندسو الأفخم


سحبها شيئاً فشيئاً من الأعمال التجارية واستثمرها في الملاك العقارية بالمدينة، وفي الزراعة الواسعة النطاق، وكان يجد لذة كبرى في الإشراف بنفسه على مزارعه وبساتينه، ولم يكن علمه بالمخصبات يقل عن علمه بالفلسفة. حتى اضحت أرضه القريبة من قصره الريفي في كاريجي Careggi وبجيو أكايانو Poggio a Caiano مضرب المثل في الاقتصاد الزراعي. وانتعشت حياة فلورنس الاقتصادية تحت حكمه(7)، فنقصت فوائد الديون فيها إلى خمسة في المائة، وسرعان ما ازدهرت المشروعات التجارية التي كانت تجد المال موفوراً، دام هذا الازدهار حتى صارت إنجلترا منافسا لها يخشى بأسه في صادراتها من المنسوجات. وكانت سياسة السلم التي انتهجها في حكمه وسياسة توازن القوى التي استمسك بها في إيطاليا في العشر السنين الثانية من هذا الحكم أقوى أثراً من العوامل السابقة نفسها. ذلك أن فلورنس اشتركت مع غيرها من الدول الإيطالية في طرد الأتراك من إيطاليا، فلما ترك لها ذلك اقنع لورندسو فرنتي ملك نابلي، وجاليتسو اسفوردسا Gaoleazzo Sforza صاحب ميلان أن يعقدا مع فلورنس حالفاً للدفاع المتبادل، ولما أن انضم البابا إنوسنت الثامن إلى هذا الحلف، بادرت الكثير من الدول الصغرى إلى الانضمام أيضاً إليه. وتنحن عنه مدينة البندقية، ولكن خوفها من الحلفاء أرغمها على أن تسلك بإزائه مسلكاً طيباً، ودامت السلم في إيطاليا بفضل هذه الوسيلة حتى توفي لورندسو إذا استثنينا فترات قصيرة قليلة.. وقد بذل في هذه الأثناء كل ما كلن لديه من كياسة وماله من نفوذ لحماية الدول الضعيفة من القوية، ولتسوية المصالح المتضاربة والمنازعات، والتوفيق بينها، والقضاء على كل سبب من أسباب الحرب قبل استفحاله(8). وبلغت فلورنس في هذه العشر السنين السعيدة (1480-1490) ذروة مجدها في الشئون السياسية والأعمال الفنية والأدبية.




صفحة رقم : 6514




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> لورندسو الأفخم


وكان لورندسو من حيث الشئون الداخلية يحكم عن طريق مجلس السبعين Consiglio di Settante. وكان هذا المجلس يتألف بنص دستور سنة 1480 من ثلاثين عضواً يختارهم مجلس سيادة المدينة القائم في ذلك العام، ومن أربعين عضواً آخرين يختارهم هؤلاء الثلاثون.. وكانت عضويته تدوم مدى الحياة، وكان ما يحدث فيه من فراغ يملأ باختيار هؤلاء الأعضاء أنفسهم، وبفضل هذا النظام لم يكن مجلس السيادة وحامل العلم أكثر من عمال منفذين لسياسة مجلس السبعين، واستغنى بهذا عن البرلمان الشعبي وعن الانتخابات العامة. ولم تكن معارضة هذه السياسة بالأمر الهين، لأن لورندسو كان يستخدم الجواسيس للوقوف عليها، وكانت لديه الوسائل الكافية لمضايقة معارضيه من الناحية المالية. وبذلك اختفت الأحزاب القديمة إلى حين، وقضى على الجرائم، وساد النظام وإن ضعفت الحرية، وفي ذلك يقول أحد الكتاب المعاصرين: " ليس لدينا هنا تلصص، ولا اضطرابات ومشاغبات ليلية، ولا اغتيالات بل إن في مقدور كل إنسان أن يصرف شئونه ليلاً أو نهاراً وهو آمن كل الأمان"(9). ويقول جوتشيارديني Guiceiardini: " إذا كان لا بد لفلورنس أن يكون لها حاكم مستبد، فإنها لم يكن في مقدورها أن تجد مستبداً خيراً منه أو اكثر منه بهجة". وكان التجار يفضلون الرخاء الاقتصادي على الحرية السياسية، أما صعاليك المدينة فقد شغلوا على الدوام بالاشغال العامة الواسعة النطاق، وغفروا للورندسو سلطانه المطلق مادام يمدهم بالخبز والالعاب. وأما الاغنياء فكان يغريهم بالعاب الفروسية، ويثير مشاعر الطبقات الوسطى بسباق الخيل، والعامة بالحفلات والمواكب.
وكان من عادة أهل فلورنس في أيام المواكب التنكرية أن يطوفوا بشوارع المدينة في أقنعة زاهية مخيفة، ينشدون أغاني هجائية أو غرامية، وأن ينظموا مواكب نصر- مايسمونه الترينفي Trionfi - وهي استعراض




صفحة رقم : 6515




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> لورندسو الأفخم


من جموح تسير في أزياء منقوشة أو تيجان من أزهار تمثل شخصيات أو أحداثاً أسطورية أو تاريخية. وكان لورندسو يحب هذه السنة ولكنه يخشى ما تنزع إليه من اضطراب، ولهذا اعتزم أن يخضعها لسيطرته، وذلك بأن يمنحها موافقة الحكومة وتنظيمها، وبهذا اضحت هذه المواكب في عهده أحب مظاهر الحياة إلى نفوس الفلورنسيين. وقد استخدم الفنانين لتصميم المركبات، والاعلام، والأزياء وتلوينها، ووضع هو وأصدقاؤه الأغاني التي يتغنى بها من فوق المركبات، وكانت هذه الاغاني تمثل ما في الأعياد التنكرية من تحلل في الأخلاق، وكان اشهر مواكب لورندسو هذه موكب " انتصار باخوس" وفيه كان يسير موكب من العربات يحمل فتيات حساناً وجماعة من الشبان ذوي الثياب الغالية الجميلة يمتطون جياداً وثابة مختالة، يجتازون جسر فيتشيو Ponte Vecchio حتى يصلوا إلى الميدان الفسيح القائم أمام الكنيسة الكبرى، وكانت أصوات متناسقة متعددة النغمات تملأ الجو مصاحبة لدق الصنوج، والعزف على العود، تغني قصيدة من نظم لورندسو نفسه لا تتفق بأي حال مع الموضع الذي تغنى فيه أمام الكنيسة.


1- ما أحلى الشباب وما أخلاه من الهموم !




ولكنه يسرع بالفرار في كل ساعة.




أيها الفتيان والفتيات استمتعوا بهذا اليوم




لأنكم لا تعرفون شيئاً مما يأتي به الغد.




2- هذا هو باخوس وهذه أدرياني المبتهجة




المحبان الصادقان !




وهما، على الرغم من سرعة مر الزمان




يجد كلاهما في صاحبه متعاً جديدة على الدوام




3- أولئك الحور العين وأتباعهن جميعاً






صفحة رقم : 6516




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> لورندسو الأفخم




يستمتعن بأعياد متواصلة،




أيها الفتيان والفتيات استمتعوا بهذا اليوم




لأنكم لا تعرفون شيئاً مما ياتي به الغد.




4- أيتها السيدات وأيها العشاق من الشبان !




ليعش باخوس، ولتحي الشهوات




ارقصوا، والعبوا، وغنوا،




وليملأ الحب الحلو صدوركم ناراً.




5- ومهما يكن ما يأتي به المستقبل




فاستمتعوا أيها الشبان وأيتها الفتيات بيومكم هذا




لأنكم لا تعرفون شيئاً مما يأتي به الغد(11).


وتؤيد أمثال هذه القصائد والمواكب بعض التأييد ما اتهم به لورندسو من أنه أفسد شباب فلورنس، واكبر الظن أن هذا الشباب كان " يفسد" من تلقاء نفسه وإن لم يعمل هو على فساده؛ ذلك أن الآداب العامة في البندقية، وفرارا، وميلان لم تكن خيراً منها في فلورنس، بل إن هذه الآداب كانت في فلورنس على آل ميديتشي المصرفيين خيراً منها في روما أيام البابوات الميديتشيين.
لقد كانت حاسة الجمال المرهفة في فلورنس أقوى من أن تكبح جماحها آدابه العامة، وكان الشعر من أهم ما يصبو إليه وينفق فيه ساعات فراغه، وكانت قصائده تضارع خير ما قيل من الشعر في أيامه؛ وبينا كان بوليتان الذي يفوقه في هذه الميدان لا يزال يتردد بين اللغتين اللاتينية والإيطالية، كانت أشعار لورندسو قد أعادت إلى اللغة الإيطالية القومية الأسبقية الأدبية التي جاء بها دانتي ونبذها الكتاب الإنسانيون؛ وكان يفضل مقطوعات بترارك الغنائية على أشعار الحب التي جاءت في الآداب اللاتينية القديمة، وإن كان يسهل عليه أن يقرأ هذه الاشعار في لغتها الاصلية، وكم من أغنية




صفحة رقم : 6517




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> لورندسو الأفخم


أنشأها كانت خليقة بأن تزدان بها أغاني بترارك نفسه. ولكنه لم يمن يأخذ الحب الشعري مأخذ الجلد فوق ما يجب أن يأخذه. وكان يكتب بإخلاص أكثر وأجمل على المناظر الريفية، التي يمرن فيها أطرافه ويستمتع فيها بهدوء عقله، وكانت خير قصائده هي التي يتغنى فيها بما في الريف من الغابات ومجاري المياه، والاشجار والأزهار، وقطعان الماشية والرعاة. وكان في بعض الأحيان يكتب قطعاً شعرية فكهة سمت بلغة الفلاحين الساذجة، فأوجدت فيها شعراً حياً بهيجاً؛ وكتب في بعض الأوقات هزليات هجائية متحررة من المبادئ الخلقية تحرر هزليات رابليه Rabelais، ثم كتب مسرحية دينية لأبنائه، وترانيم نجد في مواضع متفرقة منها نغمة من التقي الذي تسري فيه روح الإخلاص، غير أن أكثر ما يميزه من القصائد عن غيره من الشعراء هي أغاني التنكر التي كتبت ليتغنى بها في أوقات الأعياد وفي ساعات اللهو والانشراح، والتي تعبر عن مشروعية اللذة، وتسخر من احتشام العذارى. وليس ثمة ما نستبين منه أخلاق النهضة الإيطالية وآدابها، وتعقدها، واختلاف مناحيها، من صورة أعظم شخصياتها ومحور قطبها يحكم دولة، ويصرف شئون ثروة، ويثاقف في ألعاب الفروسية، ويكتب شعراً ممتازاً، ويشكل برعايته النقادة المميزة الفنانين والمؤلفين، ويختلط في غير تكلف أو تباعد بالعلماء والفلاسفة، والفلاحين، والمهرجين، ويمشي في المواكب ويترنم بالأغاني الفاجرة الخليعة، ويؤلف الأناشيد الرقيقة، ويداعب العشيقات، ويلد أحد البابوات، وتجلّه أوربا بأجمعها وتعده أعظم الإيطاليين في زمانه وأكثرهم نبلاً.




صفحة رقم : 6518




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)



الفصل الرابع




الأدب (عصر بوليتيان)


وأفاد أدباء فلورنس من عونه ومثلهن فأخذوا يزيدون في كل يوم ما يكتبونه باللغة الإيطالية، وأخرجوا على مهل اللغة التسكانية الأدبية التي أضحت نموذجاً ومثلاً تحتذيه شبه الجزيرة كلها. ويصفها فاركي Varchi المتحمس لوطنيته: » بأنها ليست أحلى واغنى لغات إيطاليا وأكثرها ثقافة فحسب، بل إنها تفوق في هذا كله جميع اللغات المعروفة في هذه الأيم(12)«.
وبنما كان لورندسو يحي الأدب الإيطالي، كان في الوقت عينه يواصل في جد وحماسة مشروعا جده فيجمع كا ما يستطيع من الكتب الأدبية اليونانية والرومانية القديمة ليفيد منها العلماء في فلورنس. من ذلك أنه بعث بوليتيان Politian وجون لاسكارس John Lascaris إلى كثير من المدن في إيطاليا وخارجها لشراء المخطوطات القديمة، وقد جاء لاسكارس من دير واحد عند جبل آثوس Mt. Athos بمائتي مخطوط، منها عشرون لم تكن معروفة حتى ذلك الوقت في أوربا الغربية. ويقول بوليتيان إن لورندسو كان يود لو سمح له بأن ينفق كل ثروته، بل ويرهن أثاث بيته ليبتاع الكتب. وكان يستأجر النساخين لينسخوا له ما لا يستطيع شراءه من المخطوطات، ويجيز في نظره ذلك لغيره من المولعين بجمع الكتب أمثال ماثياس كورفينوس Matthias Corvinus ملك المجر وفد ريجو Federigo دوق أربينو أن يرسلوا نساخين من عندهم ليعيدوا نسخ ما في مكتبة آل ميديتشي من مخطوطات.. وقد ضمت هذه المجموعة بعد موت لورندسو إلى المجموعة الأخرى التي




صفحة رقم : 6519




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


وضعها كوزيمو من قبل في دير سان ماركو، وكانت المجموعتان تضمان في عام 1495 تسعة وثلاثين والف مجلد منها ستون وأربعمائة باللغة اليونانية. وخطط ميكل أنجيلو فيما بعد داراً فخمة لهذه الكتب، وأطلق عليها الخلف أسم لورندسو فسماها المكتبة اللورنتيانية Bibliotheca Laurentiana. ولما أنشأ برناردو تشينيني Bernardo Cennini مطبعة في فلورنس (1471)، لم يسخر لورندسو من الفن الجديد، كما سخر منه صديقه بوليتيان أوفد ريجو دوق أربينو، بل يبدو أن ما سوف يتمخض عنه نظام الحروف المتنقلة من إمكانيات، واستخدم العلماء لمقابلة النصوص المختلفة حتى تطبع الكتب القديمة بأعظم الدقة المستطاعة في ذلك الوقت. وشجع ذلك بارتولوميو دي لبري Bartolommeo di Libri فطبع النسخة الأصلية من مؤلفات هومر (1488) برعاية العالم المدقق دمتريوس كلكنديلس Demetrius Chalcondyles، وكذلك أصدر جون لاسكارس النسخة الأصلية من مؤلفات يوربديز (1494)، والمختارات الشعرية اليونانية، ومؤلفات لوتشيان Lucian، وطبع كرستوفورو لندينو Cristoforo Landino أشعار هوراس (1482)، وفرجيل، وبلني الأكبر، ودانتي، وكانت لغة هؤلاء الثلاثة وإشاراتهم تحتاج في هذا الوقت إلى شئ من الإيضاح. وفي وسعنا أن نستشف روح ذلك العصر إذا عرفنا أن فلورنس كافأت كرتوفورو على أعماله العلمية بأن أهدت إليه بيتاً فخماً.
وهرع العلماء إلى فلورنس بعد أن أغراهم بذلك اشتهار آل ميديتشي وغيرهم من أهل فلورنس بما يغدقونه عليهم من الهبات، واتخذوا هذه المدينة عاصمة الثقافة الأدبية. وكان من هؤلاء العلماء فسبازيانو دا بستتشي Vespasiano da Bisticci الذي كان يعمل بائعاً للكتب وأميناً للمكتبات في فلورنس، وإربينو، وروما، ثم ألف سلسلة بليغة محكمة في سير أعيان الرجال خلد فيها أسماء كتاب ذلك العصر وأنصار العلم فيه. وأراد لورندسو أن




صفحة رقم : 6520




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


ينمي التراث الذهني للوع البشري وينقله إلى الأجيال القادمة فأعاد إلى الوجود الجامعة القديمة في بيزا والمجمع العلمي الأفلاطوني في فلورنس ووسع نطاقهما. ولم يكن مجمع فلورنس العلمي كلية رسمية بل كان هيئة من العلماء المولعين بفلسفة أفلاطون، يجتمعون في فترات غير منتظمة في قصر لورندسو بمدينة فلورنس أو في قصر فتشينو الريفي في كاريجي Careggi، ويطعمون معاً، ويقرءون بصوت عال محاورة من محاورات أفلاطون أو أجزاء منها، ثم يتناقشون فيما تحتويه من آراء فلسفية. وكان المجمع يحتفل باليوم السابع من نوفمبر، وهو الذي يزعمون أن أفلاطون ولد ومات فيه، احتفالا لا يكاد يقل روعة ومهابة عن الاحتفالات الدينية، فكانوا يتوجون بالأزهار تمثالا نصفياً يعتقدون أنه تمثال أفلاطون، ويوقدون أمامه مصباحاً كما توقد المصابيح أما صور الآلهة. وقد اتخذ كرستوفورو من هذه الاجتماعات أساساً للحديث الخيالي الذي سماه جدل الكملدولينين Disputationes Camaldulenses (1468) وذكر فيه كيف زار هو وأخوه دير الرهبان الكملدولينين، والتقى فيه بالشابين لورندسو وجوليانودة ميديتشي، وليون باتستا ألبرتي وستة آخرين من علية أهل فلورنس، وكيف كانوا يضطجعون على الكلأ قرب عين ماء جارية، ويوازنون بين حياة المدينة المسرعة القلقة، وسكنى الريف الصحي الجميل، وبين حياة النشاط وحياة التأمل والتفكير، وكيف كان ألبرتي يمتدح حياة التفكير الريفي، بينما كان لورندسو يقول إن العقل الناضج يؤدي أكمل وظيفته ويجد أعظم ما يرضيه في خدمة الدولة وفي تجارة العالم(13).وكان بين من يحضرون مناقشات المجمع العلمي الأفلاطوني بوليتبيان، وبيكو دلا ميرندولا Pico della Mirandola ومرسيليو فيتشينو Marsilio Ficino وقد بلغ من إخلاص مرسيليو للمهمة التي ندبه لها كوزيمو أن




صفحة رقم : 6521




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


خصص حياته كلها تقريباً لترجمة أفلاطون إلى اللغة اللاتينية، ولدراسة الأفلاطونية، وتعليمها، والكتابة عنها. وكان في شبابه وسيم الخلق إلى درجة جعلت عذارى فلورنس يشغفن به حباً. ولكن عنايته بهن كانت أقل من عنايته بكتبه، وقد ضل عن دينه وقتاً ما، وخيل إليه أن الأفلاطونية أسمى من الدين قدراً، وكان يلقب طلابه »بأحبائه في أفلاطون« بدل »أحبائه في المسيح«(14)، وكان يحرق الشموع أمام تمثال نصفي لهذا الفيلسوف، ويمجده كما يمجد القديسين(15)، ولم تكن المسيحية وهو في هذه النشوة تبدو له إلا أنها أحد الأديان الكثيرة التي تخفي كثيراً من عناصر الحق في طيات عقائدها المجازية وطقوسها الرمزية، وظل كذلك حتى ردته كتابات القديس أوغسطين، وشكر الله على شفائه من مرض خطير، إلى الإيمان بالدين المسيحي، وبلغ من شدة إيمانه أن أصبح قسيساً حين بلغ سن الأربعين، ولكنه ظل مع ذلك متحمساً للأفلاطونية، يقول إن سقراط وأفلاطون قد جاءا بعقيدة للتوحيد لا تقل نبلا عما جاء به أنبياء بني إسرائيل، وأنهما هما أيضاً ق نزل عليهما الوحي نزولا مصغراً، كما نزل في الواقع على جميع الناس الذين يخضعون لحكم العقل. وحذا لورندسو وبعض الكتاب الإنسانيين حذوه فسعوا إلى تفسير الدين المسيحي تفسيراً يقبله الفيلسوف دون أن يعملوا على استبدال دين جديد بهذا الدين. وظلت الكنيسة جيلاً من الزمان أو جيلين (1447-1534) تبتسم لهذه المخاطرة وتتسامح مع لقائمين بها حتى جاء سفنرولا وشنع بها وقال إنها خداع وتضليل. وكانت الشخصية الساحرة الجذابة التي لا يعلو عليها إلا لورندسو نفسه هي شخصية الكونت جيوفني بيكو دلا ميرندولا. وكان مولده في البلدة (القريبة من ميدونا) التي أذاع اسمه شهرتها، ثم تلقى العلم في بولونيا وباريس، وكان يستقبل بأعظم مظاهر التكريم في بلاط الملوك والأمراء في أوربا كلها تقريباً، حتى أقنعه لورندسو آخر الأمر أن يتخذ فلورنس موطناً له. وكان عقله الحريص على العلم المتحمس له ينتقل من فرع منه




صفحة رقم : 6522




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


إلى فرع- من الشعر، إلى الفلسفة، إلى العمارة، إلى الموسيقى،-وقد وصل في كل فرع منها إلى درجة غير قليلة من البراعة. حتى قال عنه بوليتيان إن الطبيعة قد كملته فجمعت فيه كل مواهبها: »كان طويل القامة، متناسب الأعضاء، يشع وجهه بشيء من النورانية الإلهية«، نافذ النظرات، لا يمل الدرس، قوي الذاكرة إلى حد الإعجاز، غزير المعرفة في كل فرع من فروع العلم، فصيح اللسان يجيد عدة لغات، تعجب به النساء ويحبه الفلاسفة، لا يقل جمال خُلقه عن وسامة خَلْقه، بلغ الدرجة العليا في جميع الصفات الذهنية. وكان عقله مفتوحاً لجميع الفلسفات والأديان، لا يسعه ولا يوائمه أن يرفض أي نظام أو أي إنسان، ومع أنه نبذ التنجيم في السنين الأخيرة من حياته، فإنه رحب بالتصوف وبالسحر ولقيا منه من القبول ما لقيه أفلاطون والمسيح. ولم يظن بكلمة طيبة على الفلاسفة المدرسين، الذين رماهم معظم من عداه من الكتاب الإنسانيين بأنهم قوم همج ينطقون بالسخافات والأباطيل. وكان يجد في التفكير العربي واليهودي كثيراً مما يدعو إلى الإعجاب، وكان من بين أساتذته وأصدقائه المكرمين عدد كبير من اليهود(16). وكان من بين ما درسه أسرار القبلة اليهودية، واعترف في غير مماحكة، ولا تكلف بما يعزى إليها من قدم، وجهر بأنه وجد فيها أدلة تقطع بألوهية المسيح. وإذا كان من ألقابه الإقطاعية أنه »كونت كنكورديا« Count of Cpncordia فقد أخذ على عاتقه ذلك الواجب السامي واجب التوفيق بين ديانات الغرب العظمى -اليهودية، والمسيحية، والإسلام-ثم التوفيق بينها وبين أفلاطون، ثم بين أفلاطون وأرسطو. واكن كل من عرفه يتودد إليه ويتملقه، ولكنه ظل إلى آخر حياته القصيرة يحتفظ بتواضعه




صفحة رقم : 6523




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


الساحر الفنان الذي لا تضارعه إلا ثقته القوية المخلصة بدقة علمه وبقوة العقل الإنساني.
ولما قدم إلى روما في الرابعة والعشرين من عمره (1486)، أذهل القساوسة. والعلماء بأن نشر مجموعة مكونة من تسعمائة قضية تشمل المنطق، وما بعد الطبيعة، واللاهوت، وعلم الأخلاق، والرياضيات، والطبيعة، والسحر، والقبلة، وتضم فوق ذلك البدعة الدينية السمحة القائلة بأنه ما دامت أعظم خطيئة ارتكبها الإنسان محدودة غير أبدية، فإنها لا يمكن أن تستحق العقاب الأبدي. وجهر بيكو باستعداده للدفاع عن أية قضية من هذه القضايا وعنها جميعاً في أية مناقشة عامة ضد أي إنسان، وعرض أن يقوم بأداء جميع نفقات السفر لمن يريد أن يتحداه أيا كان البلد الذي يأتي منه. وقد مهد لهذه المباراة الفلسفية المقترحة بإعداد رسالة ذائعة الصيت عرفت فيما بعد باسم:(في كرامة الإنسان De hominis dignitale) عبر فيها بحماسة الشباب عن آراء الكتاب الإنسانيين في النوع الإنساني وهي الآراء التي تناقض معظم ما يراه أهل العصور الوسطى. وقد كتب بيكو في ذلك يقول: »من الأقوال المألوفة في المدارس أن الإنسان عالم صغير نتبين فيه جسماً امتزجت فيه العناصر الأرضية، بالروح السماوية، والنفس النباتية بحواس الحيوانات الدنيا والعقل الإنساني، وعقل الملائكة، وصورة الإله«(17)، ثم قال على لسان الله نفسه تلك العبارة التي قالها لآدم وعدها دليلا من قبل الله على ما للإنسان من إمكانيات لا حد لها: »لقد خلقتك كائناً لست سماوياً ولا أرضياً... لكي تكون حراً في أن تشكل نفسك وتتغلب عليها ... في مقدورك أن تنحط فتكون حيواناً، أو أن تولد من جديد في صورة الله«. وأضاف بيكو إلى هذه عبارة تنم عن الروح العليا الممثلة في النهضة الفنية:
»تلك هي العطية الإلهية التي لا تعلو عليها خطيئة ما، تلك هي سعادة




صفحة رقم : 6524




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


الإنسان العظمى ليس بعدها سعادة... وهي انه يستطيع أن يكون ما يريد أن يكون. أن الحيوانات لتحمل معها من أجسام امهاتها من اللحظة التي تولد فيها كل ما هو مقدر لها أن تكونه، والأرواح العليا (الملائكة) هي منذ البداية... ما سوف تكونه إلى أبد الدهر، لكن الله أبا الكون قد وهب الإنسان منذ مولده أصول كل الإمكانيات وكل نوع من أنواع الحياة(18).
ولم يجرؤ أحد على أن يقبل تحدي بيكو فيناقشه في قضاياه المتعددة الأنواع، ولكن البابا إنوسنت الثامن وسم ثلاثاً من هذه القضايا بالإلحاد، وإذا لم تكن هذه القضايا الثلاث إلا جزءاً صغيراً من مجموع قضاياه، فإن بيكو كان يسعه أن ينتظر من البابا الرأفة به، وفي الحق أن إنوسنت لم يقف من هذه المسألة موقف الإصرار والمعاندة، ولكن بيكو أصدر تصريحاً رجع فيه عن أقواله فيها وإن يكن رجوعاً تكتنفه الحيطة والحذر، وسافر إلى باريس حيث عرضت عليه جامعتها أن تحميه من البابا، فلما كان عام 1496 أبلغ البابا إسكندر السادس المعروف بظرفه ودماثة خلقه بيكو أنه قد نسي كل شيء، فعاد بيكو من فوره إلى فلورنس، وأصبح من أخلص أتباع سفنرولا، وتخلى عن سعيه وراء التبحر في العلوم عامة، وأحرق مجلداته الخمسة في الغزل. وخرج عن ماله لأداء بائنات الفتيات الفقيرات، وعاش هو نفسه كما يعيش الرهبان، وفكر يوماً ما في الانضمام إلى طائفة الرهبان الدمنيكيين، ولكنه مات قبل أن يكوّن رأيه في هذا الموضوع-وكان عند وفاته لا يزال شاباً في الحادية والثلاثين من عمره. ولم يمنح نفوذه بعد انقضاء حياته القصيرة، وكان هو الملهم لرتشلين Reuchlin أن يواصل في ألمانيا تلك الدراسات العبرية التي كان يشغف بها بيكو طوال حياته.
وكان بوليتيان يعجب ببيكو إعجابا نبيلا كريماً، ويصحح شعره بعد




صفحة رقم : 6525




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


أن يقدم لذلك أجمل اعتذار. على أن نجمه لم يلمع بالقوة والسرعة اللتين لمع بهما نجم بيكو، وإن كان أكثر منه نفاذاً إلى بواطن الأمور، وأعظم منه ثقافة وتهذيباً. واتخذ أنجيلس باسوس Angèlus Bassus كما كان يسمى نفسه أول الأمر-أو أنجيلو أمبروجيني Angelo Ambrogini كما كان يسميه بعضهم-اتخذ اسمه الذي اشتهر به اكثر من غيره من الأسماء من مونتي بولدسيانو Monte Poliziano في مؤخرة مدينة فلورنس. ودرس اللاتينية بعد أن قدم إلى فلورنس على كرستوفورو لندينو Cristoforo Landino كما درس اللغة اليونانية على أندرونكوس سالونيكا Andronicus Salonica، والأفلاطونية على فتشينو، وفلسفة أرسطو على أرجيروبولوس Argyropoulos. وبدأ وهو في السادسة عسرة من عمره يترجم هوميروس إلى لغة يونانية قوية مليئة بالمصطلحات اللغوية إلى حد بدت معه وكأنها من أعمال العهد الفضي للشعر الروماني إن لم تكن من عهده الذهبي. ولما أتم ترجمة الكتابين الأولين بعث بالترجمة إلى لورندسو، فشجعه هذا الأمير- أمير أنصار الأدب والفن، اليقظ لكل ما يجده من جودة وامتياز-على الاستمرار في عمله، وأقامه في بيته واتخذه معلماً خاصاً لأبنه بيرو، وأمده بكل ما يحتاجه. ولما تحرر بوليتيان بفضل هذا العون من كل عوز أحذ ينشر النصوص القديمة ومن بينها قوانين جسفتيان وأظهر فيها من غزارة العلم واصالة الحكم ما أكسبه ثناء العالم الأدبي كله. ولما نشر لندينو أشعار هوراس قدم لها بوليتيان بقصيدة تضارع في لغتها اللاتينية، وتركيب جملها، وأوزانها الشعرية المعقدة قصائد هوراس نفسه. وكان يستمع إلى محاضراته في الأدب القديم آل ميديتشي، وبيكو دلا مير ندولا، وطلبة من الأجانب- روتشلن، وجروسين Grocyn وغيرهما- بعد أن ترددت فيما وراء الألب أصداء شهرته في العالم، والشعر، والخطابة بلغات ثلاثة. وكان من عادته في كثير من الأحيان أن يبدأ محاضرته بقصيدة لاتينية طويلة يقرضها لتلك المناسبة




صفحة رقم : 6526




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


خاصة، وكان من هذه القصائد قصيدة جزلة جميلة النغم سداسية الأوتاد تروي تاريخ الشعر من هوميروس إلى بوكاتشيو. وكشفت هذه القصيدة هي وغيرها من القصائد التي نشرها بوليتيان بعنوان السلفيات عن اسلوب لاتيني سهل، سلس، فياض، قوي الخيال إلى حد جعل الكتاب الإنسانيين ينادون به أميراً عليهم على الرغم من صغر سنه، وسرهم أن اللغة النبيلة التي كانوا يأملون إعادتها قد علمها بوليتيان تعليما بعث فيها الحياة من جديد. وقد جعل بوليتيان من نفسه كاتباً لاتينياً من طراز الكتاب اللاتين الأقدمين، غير أنه مع ذلك أصدر في يسر وخصب إنتاج طائفة متتابعة من القصائد باللغة الإيطالية لا نجد لها نظيرا في كل ما كتب بين بترارك وأريستو، فلما أن فاز جوليانو أخو لورندسو في مثاقفة أقيمت عام 1475 وصف بوليتيان هذه المثاقفة في قصيدة مثمنة الأوتاد، رخيمة النغم، رشيقة العبارة، ثم امتدح في قصيدته سيمونتا الحسناء جمال حبيبة جوليانو الأرستقراطي بشعر بليغ عذب جعل شعر الغزل الإيطالي من ذلك الوقت ينمو نمواً جديداً في رقة اللفظ وقوة الشعور. ويصف بوليتيان على لسان جوليانو خروجه إلى الصيد والتقائه بسيمونتا وغيرها من الفتيات يرقصن في الحقل فيقول:


وجدت الحورية الحسناء التي ألهبت قلبي بنار الحب




ذات مزاج لطيف، نقي، فطين تقف وقفة رشيقة،




يشع منها الحب والأدب، والقداسة، والحكمة، والظرف،




وجهها القدسي حلو رقيق.




تفيض منه البهجة وتتمثل في عينيها السماويتين جنات الخلد؛




وكل ما نتمناه نحن الخلائق الفانين المساكين من نعيم؛




وقد أرسلت من رأسها الملكي وجبينها الوضاء




غدائر ذهبية تساقط مسترسلة في بهجة وحبور؛






صفحة رقم : 6527




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)




وأخذت الحسناء تسير بين المغنيين،




وقد انتظمت خطاها ونسقت على وقع الأنغام الشجية




وأرسلت إلىَّ من عينيها خلسة،




وهما لا تكادان ترتفعان عن بساط الحقل،




شعاعاً قدسياً مختلساً




وكأن شعرها قد دبت فيه الغيرة مني،




فسد طريق هذا الشعاع الوضاء وحجبه عن ناظري




ولكنها، وهي التي ولدت ونشأت في السموات العالي لتثني عليها الملائكة الكرام،




لم تكد ترى هذا الظلم حتى رفعت بأنقى يد وأنصعها




غدائرها العاصية، وتبدت لي بطلعتها الرقيقة الحلوة،




ثم أرسلت من عينيها نظرة حادة ملتهبة




من نظرات الحب القوية، وقعت على عيني فألهبتها،




حتى لم أدر كيف نجوت من الاحتراق بذلك اللهيب(19)


وانشأ بوليتيان في حب معشوقته إبوليتا ليونتشينا Ippolita Leoncina أغاني غرامية أوفت على الغاية في الرقة والحنان، ثم أطلق العنان للأنغام التي كان يفيض بها قلبه فأنشأ أغاني مثلها يتخذ منها أصدقاؤه رقى يتخلصون بها من حيائهم. ولم يفته حفظ أقاصيص الفلاحين الشعرية، فلما حفظها صاغها من جديد في صورة أدبية مصقولة، ثم انتقلت في صورتها الجديدة إلى الشعب وذاعت بين أفراده، ولا تزال لها أصداء تتردد في تسكانيا إلى يومنا هذا، وقد وصف في قصيدته حبيبتي السمراء فتاة ريفية حسناء تغسل وجهها وصدرها عند ماء، وتتوج شعرها بالأزهار»وكان ثدياها كورد الربيع، وشفتاها حمراوين كالورد«، وذلك بوصف قديم لا يمل الإنسان سماعه. وأراد بوليتيان أن يؤلف من جديد بين التمثيل،




صفحة رقم : 6528




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


والشعر، والموسيقى والغناء، كما حدث في مسرح اليونان الديونيسي، فوضع في يومين أثنين، كما يؤكد هو ويقسم، مسرحية غنائية في 434 بيتاً غنيت للكردنال فرانتشسكو جنزاجا Francesco Gonzaga في منتوا (1472). وقد سماها قصة أورفيوس وتحدث فيها عن موت يوريديس Eurydice زوج أورفيوس، وكيف ماتت من عضة ثعبان، حين كانت تحاول الهرب من راع هام بحبها، وكيف اتخذ أورفيوس البائس المسكين طريقه إلى الجحيم، وسحر بلوتو بقيثارته فلم يسمع إله العالم السفلي إلا أن يعيد له يوريديس على شريطة ألا ينظر إليها حتى يخرج من الجحيم كله، فاختطفت منه وأعيدت من فورها إلى الجحيم، وحيل بينه وبين تعقب خطاها. وأثر ذلك في أورفيوس وتملكته نوبة من الجنون فكره النساء كلهن، وأوصى الرجال بأن يغفلوا النساء، ويشبعوا أنفسهم بالغلمان كما أشبعها زيوس بجانيميد. واستشاطت مينادات (أرواح) الغاب غضباً من احتقاره النساء، فانهلن عليه ضرباً حتى فارق الحياة، وسلخن جلده، ومزقن أطرافه من جسمه، وأخذن يغنين وهن مبتهجات لانتقامهن منه. وقد ضاعت الموسيقى التي كانت تصاحب الشعر، ولكن في وسعنا أن نضع ونحن آمنون مسرحية أورفيوس بين أولى المسرحيات التي تبشر بظهور المسرحيات الغنائية الإيطالية.
وكاد بوليتيان أن يصبح من الشعراء العظام، ولكنه لم يبلغ من هذه المرتبة لأنه تجنب مساقط العواطف الثائرة، ولم يتعمق أغوار الحياة أو الحب، فهو ساحر على الدوام غير عميق على الإطلاق، وكان حبه للورندسو أقوى ما عرف من المشاعر، وكان يقف إلى جانب راعيه ونصيره عند مقتل جوليانو في الكنيسة، وكان هو الذي أنقذ حياة لورندسو بإغلاق أبواب غرفة المقدسات وإحكام مزاليجها في وجه المتآمرين، ولما عاد لورندسو




صفحة رقم : 6529




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


من رحلته الخطرة إلى نابلي حياه يوليتيان بأبيات من الشعر تشف عن حب يكاد يزري به وبسيده، ولما مات لورندسو حزن عليه يوليتيان حزناً يجل عن العزاء، ثم أخذ غصنه يذبل شيئاً فشيئاً حتى مات بعد عامين من وفاته في ذلك العام المشئوم الذي مات فيه بيكو عام 1494 عندما كشف الفرنسيون إيطاليا.
ولم يكن لورندسو ليبلغ ما بلغه من مرتبة الرجل المكمل، لم يكن له بعض الهوى بالفلسفة، وبعض الشك في الدين، وبعض الانطلاق في الحب، وكان أمير فلورنس المصرفي يدعو إلى صحبته ومائدته لويجي بلتشي Luigi Pulci ويلذ له سماع الهجاء الفظ في قصيدته مرجنتي الأعظم Morgante maggiore. فقد كانت هذه القصيدة الشهيرة التي يعجب بها بيرون تقرأ للورندسو وضيوف بيته بصوت عال فقرة فقرة. وكان لويجي رجلاً قوي الفكاهة منطلقاً فيها، هز مشاعر القصر والأمة كلها باستخدام لغة الطبقات الوسطى، ومصطلحاتها، وأفكارها، في قصص الفروسية الغرامية. وكانت القصص الخيالية التي تصف مغامرات شارلمان في فرنسا،واسبانيا، وفلسطين قد دخلت إيطاليا في القرن الثاني عشر أو قبله، ونشرها في شبه الجزيرة المغنون الجوالون، والشعراء المرتجلون، فتدخل البهجة والسرور على كافة الطبقات. ولكن الذكور العاديين من بني الإنسان كان يوجد فيهم على الدوام نزعة من الواقعية المخادعة، الفتية، الساخرة من نفسها، تصاحب وتكبح جماح الروح الغرامية التي يحبو بها النساء والشباب الأدب والفن. وقد جمع بلتشي هذه الصفات كلها، وألف من القصص الشعبية الخرافية، ومن المخطوطات المحفوظة في مكتبة لورندسو، ومما كان يدور من الحديث حول مائدة لورندسو نفسه- ألف من هذا كله ملحمة تسخر من المردة، والشياطين، والوقائع الحربية التي تفعم بها قصص الفروسية، وتقص من جديد في شعر جدي تارة، وساخرة تارة أخرى، مغامرات الفارس المسيحي




صفحة رقم : 6530




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


أورلندو والمارد العربي الجبار الذي يكون اسمه نصف أسم القصيدة . وخلاصتها أن أورلندو يهاجم مورجنتي، فينقذ هذا حياته بأن يعلن فجأة اعتناقه الدين المسيحي، ويعلمه أورلندو اللاهوت، ويقول له إن أخويه اللذين قتلا تواً يقيمان وقتئذ في الجحيم لأنهما من الكفار، ويبشره بالجنة إذا أخلص لدين المسيح، ولكنه ينذره بأن لابد له وهو في الجنة أن ينظر إلى أهله الذين يحترقون بشيء من الرحمة. ويقول له الفارس المسيحي: »إن علماء ديننا مجمعون على أنه إذا شعر المنعمون في السماء بالرحمة على الأشقياء من أقاربهم، الذين يتردون في أطباق الجحيم المروعة مختلطين بعضهم ببعض، فإن سعادتهم تنتهي إلى لاشيء«. ولا يضطرب مورجنتي لهذا، بل يقول لأورلندو مؤكداً: »سنرى هل أحزن على أبنائي، وهل أرضى بحكم الله، وأسلك مسلك الملائكة، أو لا أرضى بحكمه ولا أسلك مسلكهم... سأقطع أيدي أخوي وآخذها إلى أولئك الرهبان الصالحين حتى يوقنوا بأن عدويهم قد هلكا«.
ويدخل بلتشي في المقطوعة الثامنة عشرة مارداً جديداً يدعى مرجوتي Margute، وهو لص مرح، وقاتل رقيق، يعزو إلى نفسه كل رذيلة إلا الغدر بالصديق. وسأله مورجنتي هل يؤمن بالمسيح أو يؤثر عليه محمداَ فيجيب مرجوت بقوله:


إني لا أومن بالأسود أكثر مما أومن بالأزرق




وكل ما أومن به هو الديكة السمينة مسلوقة أو قد تكون محمرة،




وأومن أحياناً بالزبد أيضاً،




وبالجعة وبالخمر الفطير الذي يطفو على وجهه قطع التفاح الحميص،...




أما الذي أؤمن به أشد الأيمان فهو النبيذ المعتق،






صفحة رقم : 6531




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)




واعتقد أن الذي يثق به أشد الثقة هو الذي تكتب له النجاة...




إن الأيمان كالحرب معد،...




والإيمان يتشكل بالصورة التي يدركه بها الإنسان- هذه أو تلك،




أو غيرها من الصور.




فإذا شئت إذن أن تعلم أي نوع من العقائد أنا مرغم على اعتناقه!




فأعلم أن أمي كانت راهبة يونانية،




وأن أبي كان من بين الأتراك في بروصه ملا(21)


ويموت مرجوتي من الضحك بعد أن يظل يختال ويستهتر في مقطوعتين، ويموت بلتشي دمعة واحدة يذرفها عليه، بل يجتذب من خياله السحري شيطاناً من الطراز الأول يدعى عشتروت هو الذي اشترك في العصيان مع إبليس، يستدعيه الساحر ملاجيجي Malagigi ليأتي برينلدو بسرعة من مصر إلى رنتشسفاليز، فيقوم بهذه المهمة في مهارة ويكسب من حزق رينلدو ما يجعل هذا الفارس المسيحي يقترح أن يرجو الله أن يطلق عشتروت من الجحيم. ولكن الشيطان الظريف شديد التفقه في الدين، ومن أجل ذلك يقول إن التمرد على العدالة اللانهائية جريمة لا نهائية تستحق عقاباً سرمدياً. ويعجب ملاجيجي من أن الله الذي سبق كل شيء في علمه بما في ذلك عصيان إبليس واللعنة الأبدية قد خلقه، فيعترف عشتروت بأن هذا من الأسرار الخفية التي لا يعرف أحد حتى الحكماء أنفسهم كنهها(22).
ولقد كان في الحقيقة شيطاناً عاقلاً، لأن بلتشي وهو يكتب في عام 1483 ينطقه بأقوال مدهشة يستبق بها كولمبس، فيقول عشتروت لرينلدو وهو يشير إلى التحذير القديم القائم عند أعمدة هرقل (جبل طارق) والذي يقال فيه »لا تسر إلى ما بعد هذا ne plus ultra:


أعلم أن هذه النظرية خاطئة، وأن سفينة




الملاح الجريء ستخوض عباب الأمواج الغربية






صفحة رقم : 6532




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)




وتتوغل فيها إلى مدى بعيد.




والأرض، وإن بدت سهلا أملس منبسطا،




قد خلقت في صورة عجلة مستديرة




ولقد كان الإنسان في الأيام الخالية أفظع صورة مما هو،




وإن كان من شأن هرقل نفسه أن يعتريه الخجل إذا عرف




إلى أي مدى سينطلق بعد قليل أضعف قالب بحري




وراء الحدود التي حاول عبثاً أن يضعها له.




سوف يكشف الإنسان بلا شك عن نصف عالم آخر




لأن الأشياء جميعها تنزع نحو مركز مشترك عام




والأرض المتزنة اتزاناً عجيباً بقدرة الله العجيبة الخفية




معلقة بين أبراج النجوم




وفي الجهات المقابلة لنا من الأرض مدن ودوا




وأقطار غاصة بالسكان لم تعرف حقيقتها قبل الآن




وها هي ذي الشمس تشق طريقها الغربي مسرعة




لتدخل البهجة على قلوب الأمم بما تتوقعه من ضياء


وقد سار بلتشي على سنة ابتداء كل مقطوعة، مهما يكن فيها من السخرية والتهريج، بتضرع وابتهال إلى الله وإلى الأولياء الصالحين، وكلما زاد ما في مادته من دنس زادت المقدمة جداً ووقاراً. وتختم القصيدة بالجهر بإيمانه بأن الأديان كلها خير وبركة-وهو تصريح يغضب بلا شك كل مؤمن حق. ويجيز بلتشي لنفسه بعض عبارات من الكتاب المقدس ليؤيد بها قوله إن علم المسيح السابق لم يكن يعدل علم الله الأب، وحين يجيز لنفسه أن يأمل بأن تنجو جميع الأرواح في آخر الأمر بما فيها روح إبليس نفسه. ولكنه بقي كما بقي كل فلورنسي صالح، وكما بقي غيره من أفراد الدائرة الملتفة حول لورندسو، مؤمناً في ظاهر الأمر بكنيسة مرتبطة ارتباطاً




صفحة رقم : 6533




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الأدب (عصر بوليتيان)


لا انفصام له بالحياة الإيطالية. ولم ينخدع رجال الدين بخضوعه هذا وولائه، ولما توفي (1484) لم يسمحوا بأن تدفن جثته في أرض مكرسة.
وإذا كانت جماعة لورندسو قد استطاعت أن تنتج هذه الآداب المتنوعة في جيل واحد، فإن من حقنا أن نظن-وسنجد في واقع الأمر- أن يقظة مثل هذه اليقظة قد وجدت في مدن أخرى غير فلورنس-في ميلان، وفراراً، ونابلي، وروما. والحق أن إيطاليا كانت قد أتمت المرحلة الأولى من نهضتها وتجاوزتها إلى المرحلة التالية، فقد أعادت كشف بلاد اليونان القديمة، ووضعت المبادئ الأساسية للدراسات القديمة، وجعلت اللاتينية مرة أخرى لغة ذات بهاء وجلال، وقوة وعنفوان. ثم فعلت أكثر من هذا: فقد كشفت إيطاليا من جديد الذي بين موت كوزيمو ولورندسو لغتها هي وروحها، وطبقت مقاييس اللفظ والأسلوب على اللغة القومية، وأنشأت شعراً قديماً في رومة، ولكنه أصيل و »حديث« في لغته وتفكيره، متأصل في شئونها ومشاكلها اليومية أو في مناظر الريف وأشخاصه. يضاف إلى هذا أن إيطاليا قد نهضت في جيل واحد، وبفضل بلتشي، بالمسلاة الفكهة فجعلتها أدباً راقياً، ومهدت الطريق إلى بورادو Borardo وأريتسو Ariosto، بل إنها قد استبقت بسمات سرفنتير Cervantes من خيلاء الفروسية وتنطعها وادعاءاتها، وأخذ عهد الدراسة يختنق تدريجياً، وحل بالخلق والإبداع محل المحاكاة، وبعث الأدب الإيطالي بعثاً جديداً بعد أن ذبل على أثر اختيار بترارك اللغة اللاتينية ليكتب بها ملحمته. ولم يمض بعد هذا الوقت الذي نتحدث عنه زمن طويل حتى كاد إحياء الأدب القديم أن ينسى في نضرة الثقافة الإيطالية وغزارتها، وهي الثقافة التي تزعمت العالم في الأدب وغمرته بفيض من الفن.




صفحة رقم : 6534




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> العمارة والنحت (عصر فيروتشيو)



الفصل الخامس




العمارة والنحت (عصر فيروتشيو)


وواصل لورندسو في حماسة بالغة تقاليد آل ميديتشي القديمة القاضية بمناصرة الفن، يشهد بذلك ما كتبه معاصريه فالوري يقول : » لقد بلغ من شدة إعجابه بآثار العهود القديمة لأنه لم يكن شيء أحب إليه من هذه الآثار وإن كان من يريدون التقرب إليه وإدخال السرور عليه يجمعون من كل أنحاء العالم مدليات، ونقوداً،... وتماثيل كاملة ونصفية، وكل ما طبع بطابع اليونان أو روما القديمة(24). وأضاف لورندسو ما جمعه من مخلفات العمارة والنحت إلى ما خلفه كوزيمو وبيرو، ووضعها كلها في حديقة قائمة بين قصر آل ميديتشي ودير سان ماركو، وأجاز لكبار الزوار والعلماء الموثوق بهم أن يدخلوها، وعين راتباً لمن كان يظهر الجد أو تلوح عليه سمات النجابة من الطلاب- وكان من بينهم الشاب ميكل أنجيلو-ليعيشوا منه، كما كان يمنح الجوائز لمن يظهر منهم كفاية ممتازة. وفي ذلك يقول فاساري: »ومن أهم ما يستلفت النظر أن جميع من كانوا يدرسون في حديقة آل مديتشي، وكانوا من المقربين للورندسو، قد أصبحوا من رجال الفن الممتازين، ويرجع الفضل كل الفضل في هذا إلى عظيم الحكمة هذا الرجل العظيم المناصر للفنون... الذي لم يكن صادق الحكم على العباقرة فحسب، بل أوتي فوق ذلك من الإرادة والقوة ما استطاع به أن يكافئهم على نبوغهم(25).
وكانت أهم الحوادث ذات الشأن العظيم في تاريخ الفن في عهد لورندسو هي نشر رسالة فتروفيوس Vitruvius (1486) المسماة في العمارة De Architectura (التي كتبت في القرن الأول قبل الميلاد) والتي كان




صفحة رقم : 6535




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> العمارة والنحت (عصر فيروتشيو)


بجيو قد استخرجها من أرض دير سانت جول قبل ذلك الوقت بنحو سبعين عاماً. واستحوذت هذه الرسالة القديمة الجامدة على مشاعر لورندسو، واستخدم نفوذه في نشر طراز روما الإمبراطورية في العمارة، ولعله في هذه المسألة بالذات قد أساء أكثر مما احسن، لأنه أعاق في فن العمارة ما كان يمارسه بنجاح مثمر في ناحية الأدب-تعني تنمية الأشكال الوطنية. لكن الروح التي حفزته إلى هذا العمل كانت روحاً كريمة بحق، فقد ازدانت روما بفضل تشجيعه، وبفضل أمواله في كثير من الأحوال، بطائفة كبيرة من المباني الرشيقة كانت ملكاً للمدينة أو الأفراد. وكان من هذه الأعمال إتمامه كنيسة سان لورندسو والدير القائم في فيسولي، واستخدامه جوليانو دة سنجلو Giuliano da sangallo لتخطيط دير خارج باب سان جلو San Gallo هو الذي خلع على هذا المهندس اسمه. وبنى له جليانو قصراً ريفياً فخماً في بوجيو أكايانو Poggio a Caiano وبلغ من جماله أن أوصى به لورندسو فرديناند ملك نابلي حين طلب إليه هذا مهندساً يعمل عنده. ويدلنا على مقدار حب أولئك الفنانين للورندسو ما أظهره جوليانو من الكرم بعدئذ، فقد أرسل إليه هدايا كل ما منحته إياه فلورنس من هبات-وهي تمثال نصفي للإمبراطور هدريان، وتمثال كيوبيد النائم وغيره من التماثيل القديمة، وضم لورندسو هذه الهبة إلى مجموعاته التي في حديقته، والتي تكون منها فيما بعد نواة مجموعة التماثيل القائمة في معرض أفيزي Uffizi، وكان غيره من ذوي المال يضارعونه -ومنهم من بزه-في فخامة مسكنه. من ذلك أن بينيديتو ده ميانو Benedetto de Maiono شاد لفلبو استرتزي الأكبر Filippo Strozzi Elder قصراً يتجلى فيه باكمل صورة ذلك الطراز التسكاني من العمارة الذي أبرزه في قصر بتي Pitti- والذي يتمثل فيه الفخامة والنعيم من الداخل تحجبهما عن العين واجهة ضخمة من الكتل الحجرية »الريفية« غير المصقولة. وقد بدا المهندس بناءه بعد أن




صفحة رقم : 6536




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> العمارة والنحت (عصر فيروتشيو)


رصد له طالع بأكبر عناية، وبعد أن أقيمت لذلك صلوات دينية في عدة كنائس، وبعد أن وزعت الصدقات زلفى واستدراراً للبركة. وأتم سيموني بولايولو Simone Pollaiuolo هذا البناء بعد أن توفى بينيديتو (1497) وأضاف إليه طنفاً جميلاً على مثال طنف آخر شاهده في روما. وفي يوسعنا أن نتصور ما كان ثمة من جمال في داخل هذه الأسوار التي يخيل إلى من يراها أنها سجون، بالنظر إلى مواقدها الفخمة، وهي أروقة ضخمة تستند إلى عمد منحوتة على شكل أزهار تعلوها نقوش بارزة، وظل مجلس السيادة في هذه الأثناء يزيد داره الفذة الجميلة وهي قصر فيتشيو جمالاً على جمالها.
وكان معظم المهندسين مثالين أيضاً، لأن المثالين كانوا أصحاب الشأن الأكبر في زخرفة الأبنية، ونحت أطنافها، وقوالبها وعمدها المربوعة، وتيجانها، وعمد الأبواب واثاث المصطلى، والنقوش البارزة على الجدران، وأماكن القربان، ومواقف المرنمين، والمنابر، وأجران التعميد، وكان جوليانو دا مايانوا هو الذي نحت مواضع المقدسات في الكتدرائية وفي دير فيسولي. وكان آخو بينيديتو هو الذي أتقن فن تلبيس الخشب، واشتهر به إلى حد ماتيوس كورفينوس Mathius Corvinus ملك المجر يطلب إليه صنع صندوقين من الخشب الملبس ويدعوه إلى بلاطه. ولبى بينيديتو الدعوة، وعمل على أن يرسل الصندوقان بعد ذهابه، فلما وصل الصندوقان وأخرجا من غلافهما أمام الملك سقطت منهما القطع الخشبية المطعمة لأن الهواء الرطب قد حلل الغراء الذي يمسكها، ونجح بينيديتو في إعادة القطع إلى أماكنها، ولكنه كره صناعة التلبيس، واتجه من ذلك الوقت إلى فن النحت فنبغ فيه أعظم نبوغ، حتى لا نكاد نجد من تماثيل العذراء ما هو أجمل من تمثال مادنا الجالسة على العرش، ولا من




صفحة رقم : 6537




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> العمارة والنحت (عصر فيروتشيو)


التماثيل النصفية ما يفوق تمثال فلبو استرتسي الذي في التزم فيه أمانة التصوير وكشف فيه عن خصائص صاحبه، وقل أن نجد في المقادير ما يضارع في جماله قبر استرسي هذا الذي أنشأه له في سانتا ماريا نوفلان ولا في المنابر ما هو أعظم رشاقة في نحته من المنبر الذي صنعه بينيديتو لكنيسة الصليب المقدس Santa Croce، وقل أن نجد في المحاريب ما هو أقرب إلى الكمال من محراب سانتا فينا Santa Fina القائم في كنيسة سان جمنيانو san Gimignano المعهدية .
وكان النحت والعمارة يوجدان عادة في أسر بعينها- كأسر دلا ربيا della Robias، وسنجالو sangalli، وروسلينو Rossllini، وبولايولو. وقد تعلم أنطونيو بولايولو عم سيموني دقة التصميم ورقته حين كان صائغاً في مشغل والد ياقوبو. وقد رفعته منتجاته من الفضة والذهب إلى مكانة جعلته تشيليني Cellini زمانه، والصديق المفضل للورندسو، وللكنائس، ومجلس السيادة في فلورنس، وطوائف الحرف. ولاحظ أنطونيو أن هذه التحف الصغيرة قلما تحتفظ باسم صانعها، وكان يتوق كما يتوق رجال النهضة إلى تخليد شهرته، فأتجه نحو النحت وصب من البرنز تمثالين فخمين لهرقول Hercules لا يقلان في قوتهما عن تمثال الاسرى لميكل أنجيلو وعن تمثال لأوكؤون الذي رمز إلى العاطفة المعذبة. ولما انتقل بعدئذ إلى الرسم روى قصة هرقول في ثلاثة رسوم جدارية لقصر آل ميديتشي، وتحدى بتيتشلى في صورة أبلو ودافني وضارع سخف مائة من الفنانين بأن أظهر كيف يستطيع القديس سبستيان أن يتلقى وهو هادئ السهام التي يرميه بها الرماة من أقواسهم على مهل، فلا تؤثر في جسمه قط. وعاد أنطونيو في سنيه الأخيرة إلى صنع التماثيل، وصب لكنيسة القديس بطرس القديمة في رومة




صفحة رقم : 6538




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> العمارة والنحت (عصر فيروتشيو)


نصبين فخمين لقبري سكتس الثامن أظهر فيهما من قوة النت ودقة العلم بالتشريح ما يبشر مرة أخرى ببراعة ميكل أنجيلو المقبلة.
ولم يكن مينو دا فيسولي Mino da Fesole يضارع أنطونيو هذا في تعدد كفايته أو في شدة انفعاله؛ فقد قنع بأخذ فن النحت عن دزيديريو دا ستنيانو Desiderio da Settigonano، ولما مات أستاذه اكتفى بالسير على ما كان له من تقاليد في الرشاقة السهلة اللينة. ولقد بلغ من تأثر مينو بموت دزبديريو، إذا جاز أن نصدق فاساري، أنه لم يجد بعدئذ شيئاً من السعادة في فلورنس، وأخذ يطلب مناظر جديدة في روما. وفيها أذاعت شهرته ثلاث تحف فنية هي: قبرا فرنتشسكو ترنابؤوني Francesco Tornabuonj والبابا بولس الثاني، ورواق من الرخام للكردنال ده استوت فيل Cardinal d' Stouteville، فلما عادت إليه الثقة ونجا من الإفلاس عاد إلى فلورنس وزين بمحاريب بديعة كنائس سانت أميروجيو sant' Ambrogio وسانتا كروتشي (الصليب المقدس)، ومكان التعميد، وانشأ في كتدرائية فيسولي موطنه الأول قبراً مزخرفاً على الطراز الروماني القديم للأسقف سالوتاتي Salutati وصنع لدير فيسولي نصبا آخر شبيهاً به، اقل منه إمعاناً في الزخرف ليخلد به ذكرى الكونت أوجو Count Ugo مؤسس الدير. ومما تفخر به كتدرائية براتو Prato منبر من صنعه، وثمة اثنا عشر متحفاً يعرض فيها تمثال نصفي أو أكثر من تمثال نصفي حفظ فيها صورة انصاره أكثر مما تملقهم: صورة وجه نقولو استرتسي منتفخاً كأنه مصاب بالنكاف ، وصور ملامح بيرو المصاب بالنقرس وما يبدو فيها من هزال، ورأس ديتيلسفي نيروني Dietisalbvi Neroni الجميل، وعمل نقشاً بارزاً جميلاً لماركس أورليوس في شبابه، وتمثالاً نصفياً رائعاً لقديس يوحنا المعمدان في طفولته، ونقوشاً بارزة بديعة للعذراء والطفل. وتبدو في هذه




صفحة رقم : 6539




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> العمارة والنحت (عصر فيروتشيو)


التحف كلها الرشاقة النسوية التي أخذها مينو من دزيديريو، فهي تبعث السرور ولكنها لا تسترعي الانتباه، وليس فيها عمق؛ فهي لا تثير اهتمامنا كما تثير تماثيل أنطونيو بولايولو، أو أنطونيو روسلينو؛ وكان منشأ هذا أن مينو قد أفرط في حب ديزيديرو حتى لم يستطع إغفال النماذج التي وضعها هذا الأستاذ، ليبحث في الطبيعة الصارمة غير الرحيمة عن حقائق الحياة وما تكشف عنه من معان خفية.
أما فيروتشيو Verrocchio فقد كانت له » عين حقة « وأوتي من الشجاعة ما أمكنه به أن يفعل هذا الذي عجز عنه مينو، وأخرج أعظم آيتين من آيات النحت في عصره. كان أندريا دي ميكيلي تشيوني Andrea di Michele Cione ( لأن هذا هو أسمه الحقيقي) صائغاً، ومثالاً، وصانع اجراس؛ ورساماً، وعالماً بالهندسة النظرية، وموسيقياً. ويرجع أكبر أسباب شهرته في الرسم إلى أنه علم ليوناردو، ورندسو دي كريدي، وبروجينو Perugino وكان له فيهم أثر كبير. أما رسومه هو فأكثرها جامد، ميتة؛ وقل أن يوجد في صور عهد النهضة ما هو أبعث على النفور من صورة تعميد المسيح الذائعة الصيت؛ فالمعمد فيها متطهر متزمت، عنيد، والمسيح وهو على ما يظن في الثلاثين من عمره يبدو كأنه شيخ مسن؛ والملاكان اللذان إلى يساره فدمان فدامة نسوية، ومن هذه الصور صورة المَلَك التي كان من العادة أن تعزى إلى ليوناردو؛ غير أن صورة طوبياس والملائكة الثلاثة صورة ممتازة؛ وفي صورة الملك الوسطى ما يستبق رشاقة صور بتيتشلي ومزاجه، كما أن صورة الشاب طوبياس تبلغ من الجمال حداً لا يسعنا معه إلا ان نقول إنها هي صورة لورندسو أو أن نقّر أن دافنتشي قد اخذ من طراز فيروتشيو في التصوير أكثر مما كنا نظن. وثمة رسم لرأس امرأة محفوظ في كنيسة المسيح Christ Church بأكسفورد يوحي مرة أخرى بالتفكير السماوي الغامض الذي يطالعنا في صور نساء ليوناردو،




صفحة رقم : 6540




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> العمارة والنحت (عصر فيروتشيو)


كما أن صور مناظر فيروتشيو الطبيعية القائمة تنبئ مقدماً بالصخور القاتم والمجاري الخفية الغامضة التي نشاهدها في آيات ليوناردو الخيالية الحالمة.
وأكبر الظن أن ثمة كثيراً من الخيال في القصة التي يرويها فاساري عن فيروتشيو ويقول فيها إنه لما رأى صورة الملاك التي رسمها ليوناردو في تعميد المسيح »اعتزم ألا يمسك الفرشاة مرة أخرى، لأن ليوناردو وهو لا يزال في شرخ الشباب قد بزه في هذه الصورة«(26). ولكننا نعلم أن فيروتشيو، وإن ظل يشتغل بالتصوير بعد ظهور صورة التعميد قضى في الواقع معظم سني حياته بعد نضوجه في الاشتغال بالنحت، فعمل بعض الوقت مع دوناتلو وأنطونيو بولايولو، وتعلم من كل منهما شيئاً، ثم نَـــمَّى هو طرازه الخاص الذي يمتاز بالصرامة وبالزوايا. وأخذ يشق طريقه بنفسه فصب من الصلصال المحروق تمثالا نصفياً مبرءاً من الملق للورندسو-أظهر فيه أنفه، وقُصَّته ، وجبهته التي تنم عن كثرة القلق. ومهما يكن من أمره فإن المانيفيكيو (الأفخم) قد سره كثيراً نقشان في البرنز للإسكندر ودارا نقشهما له قيروتشيو؛ فبعث بهما إلى ماثياس كورفينوس ملك المجر، وعهد إلى المثال (1472) أن يخطط في كنيسة سان لورندسو قبراً لأبيه بيرو وعمه جيوفني. ونحت فيروتشيو الناووس في الحجر السماقي وزينه بقوائم من البرنز، وأكاليل في صورة بديعة الأزهار. وصب بعد أربع سنين من ذلك الوقت تمثالا لداود الغلام وهو واقف في خيلاء وهدوء أمام رأس جالوت المقطوع؛ وأعجب به مجلس سيادة فلورنس إعجاباً لم يسعه معه إلا أن يضع التمثال على رأس الدرج الرئيسية في قصر فيتيشيو، وقبل هذا المجلس في ذلك العام نفسه تمثالاً من البرنز يصور غلاماً يمسك الدلفين ويتخذه بزبزاً لعين ماء في فسقية قائمة في فناء القصر. وصمم فيروتشيو وهو في عنفوان مجده وصب




صفحة رقم : 6541




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> العمارة والنحت (عصر فيروتشيو)


من البرنز فجوة في جدار أورسان ميتشيل من الخارج ومجموعة من تماثيل المسيح وتومس الشاك (1483). وصورة المسيح تنم عن النبالة القدسية، كما أن تومس قد صور بعطف وإدراك، وقد صقلت يداه صقلا بلغ من الكمال حداً قلما يرى له نظير في التماثيل؛ وتمثل الأثواب انتصار فن النحت، والمجموعة كلها تطالعك بواقعية حية يخيل إليك أنها تتحرك.
وقد بلغ تفوق فيروتشيو في صناعة التماثيل والنقوش البرونزية من الوضوح حداً لم يسع مجلس شيوخ البندقية معه إلا أن يدعوه (1479) إلى تلك المدينة ليصب لها تمثالاً لبرتولومبو كليوني Bartolomeo Colleoni، المحارب المغامر الذي كسب النصر لدولة الجزيرة في عدة وقائع. ولبى أندريا الدعوة، وعمل نموذجاً للجواد، وكان يتأهب لصبه من البرنز حين علم أن مجلس الشيوخ يفكر في أن من الخير أن يقصر عمله على صنع تمثال الجواد وحده، وأن يترك تمثال راكبه إلى فيلانو Vellano من أهل بدوا. فما كان من أندريا، كما يقول فاساري إلا أن حطم رأس النموذج وسيقانه وعاد إلى فلورنس مغضباً حانقاً. وأنذره مجلس الشيوخ أنه إذا وطئت قدماه أرض البندقية بعدئذ حطم رأسه تحطيماً حقيقياً لا مجازياً، فأجابه بأن ليس له لأن يتوقع عودته إلى المدينة لأن الشيوخ لم يؤتوا كما أوتى المثالون من المهارة ما يستطيعون به أن يعيدوا الرؤوس المحطمة إلى أصحابها. ثم عاد مجلس الشيوخ ففكر في الأمر تفكيراً خيراً من تفكيره الأول، وعهد إلى فيروتشيو بالمهمة كلها مرة أخرى، وأقنعه بأن يعود إلى عمله نظير أجر يعادل ضعفي الأجر الأول؛ فعاد وأصلح رأس نموذج الجواد وأفلح في صبه؛ ولكن المكان الذي كان يعمل فيه ارتفعت حرارته أثناء العمل ارتفاعاً كبيراً، ,اصيب فيروتشيو ببرد وقشعريرة، ومات بعد بضعة أيام وهو في السادسة والخمسين من عمره (1488)، ولما وضع أمامه في ساعاته الأخيرة صليب خشن الصنع، طلب إلى من حوله أن يبعدوه عنه وأن يأتوا




صفحة رقم : 6542




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> العمارة والنحت (عصر فيروتشيو)


إليه بصليب آخر من صنع دوناتلو، حتى يموت، كما كان يعيش، في حضرة الأشياء الجميلة.
وأتم المثال البندقي السندرو ليوباردي Alessandro Leopardi التمثال العظيم. وأخرجه في طراز حي، وأبرز فيه على خير وجه من الحركة والسيطرة ما نفي عن هذا التمثال أية خسارة بموت فيروتشيو. وأقيم التمثال في كامبو دي سان دسانيوبولو Campo di San Zaniopolo- ميدان القديسين يوحنا وبولس؛ ولا يزال يزهو فيه إلى اليوم، وهو أجمل ما بقي من عصر النهضة من تماثيل الفوارس وأعظمها خيلاء.




صفحة رقم : 6543




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> جيرلندايو



الفصل السادس




الرسم




1- جيرلندايو


وكان مرسم فيروتشيو جامعاً لخصائص النهضة، ذلك أن الفنون جميعها قد وجدت فيه في مشغل واحد، وكثيراً ما اجتمعت كلها في رجل واحد؛ فكان في وسعك أن تجد في مكان واحد فناناً يصمم بناء كنيسة أو قصر، وآخر يحفر أو يصب تمثالا، وثالثا يخطط صورة أو يرسمها بالألوان، ورابعاً يقطع جوهرة أو يرصع بها، وآخر يحضر أو يطعم العاج أو الخشب، أو يصهر المعدن أو يطرقه، أو يصنع الأعلام لموكب في عيد؛ وكان في وسع رجل مثل فيروتشيو، أو ليوناردو، أو ميكل أنجيلو، أن يقوم بهذه الأعمال كلها. وكانت فلورنس تضم كثيراً من هذه المدارس، وكان طلاب الفن يسيرون في الشوارع في غير احتشام(27)، أو يعيشون عيشة بوهيمية يسكنون في الطوابق السفلى المستأجرة، أو يصبحون أثرياء يجلهم البابوات والأمراء كأنهم أرواح ملهمة لا تقدر بثمن، ويعلون على القانون-كما كان شأن تشيليني. وكانت فلورنس تجل الفن والفنانين ;أأكثر أكأكثر مما تجلهما مدينة أخرى عدا أثينة وحدها، وتتحدث عنهم وتقتتل من أجلهم، وتروي عنهم القصص(28) كما نروي نحن قصص الممثلين والممثلات. وكانت فلورنس في عهد النهضة هي التي أوجدت الفكرة الوجدانية للعبقرية-أي للرجل الملهم بروح قدسية مستكنة فيه.
وخليق بالذكر أن مدرس فيروتشيو لم يترك وراءه مثًّالا عظيما عدا ليوناردو (الذي لم يكن مثالا خالصا بل جمع إلى عظمته في فن النحت




صفحة رقم : 6544




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> جيرلندايو


عظمة أخرى في غيره من الفنون) يستطيع أن يواصل العمل الممتاز الذي بلغه هذا الأستاذ؛ ولكنه علم رسامين نابغين- هما ليوناردو وبروجينو- وآخر أقل منهما كغاية وإن كان ايضاً من ذوي الكفايات الملحوظة، ونعني به لورندسو دي كريدي Lorenzo di Credi. وكان سبب ذلك أن الرسم أخذ يحل تدريجاً محل النحت بوصفه الفن المحبب إلى قلوب الناس؛ وأكبر ظننا أنه قد كان من الخير أن الرسامين لم يفيدوا من الرسوم الجدارية القديمة المفقودة، ولم يخضعوا لها ويتقيدوا بها.لقد كانوا يعرفون أن قد وجد من قبل رجال مثل أبليز Apelles وبروتجنيز Protogenes، ولكن قل منهم من شاهد بقايا الرسوم القديمة في الإسكندرية أو بمبي؛ لهذا لم يكن ثمة إحياء للقديم في هذا الفن، وكان الاتصال بين العصور الوسطى والنهضة في هذه الناحية واضحاً لا خفاء فيه: فقد كان خط السير من الرسامين البيزنطيين لدوتشيو Duccio ثم إلى جيتو فالراهب أنجلكو فليوناردو، فرفائيل فتيشيان، نقول إن هذا الخط كان منحرفاً معوجا، ولكنه كان واضحاً لا خفاء فيه؛ ومن أجل هذا كان على الرسامين، أن يضعوا بتجاربهم وأخطائهم قواعد فنهم وطرازه، ولم يكن هذا شأن المثالين. لقد فرض عليهم الابتكار وفرضت عليهم التجارب فرضا، فكانوا يكدحون لإظهار دقائق تشريح الإنسان، والحيوان، والنبات؛ وجربوا أنواعاً من التوليف الدائري، والمثلثي وغيرهما من الأشكال؛ وكشفوا عن حيل المنظور، وخداع التظليل لكي يعطوا لخلفيات الصور أعماقاً؛ ولاشكالهم أجساماً؛ وكانوا يجوبون الشوارع بحثاً عن الرسل والعذارى، ورسموا من نماذج عارية أو مكسوة، وانتقلوا من التصوير على الجص إلى التصوير الزلالي، ثم انتقلوا مرة أخرى من هذا إلى ذاك، واستخدموا القواعد الجديدة للرسم بالزيت التي جاء بها إلى شمالي إيطاليا روجيير فان درفيدن Rogier van der Weyden وأنطونيو دا ميسينا Aonio da Messina، وكانوا كلما ازدادوا مهارة وشجاعة، وكثر عدد مناصريهم




صفحة رقم : 6545




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> جيرلندايو


من غير رجال الدين، أضافوا إلى الموضوعات الدينية القديمة قصصاً من الأساطير اليونانية والرومانية، وأنماطاً من التمجيد الوثني للجسم؛ وجاءوا بالطبيعة إلى مَرْسَمِهم، واندمجوا هم في الطبيعة، فلم يكن شئ في بني الإنسان أو في الطبيعة يبدو في نظرهم غريباً على الفن، ولم يكن ثمة وجه مهما بلغ من القبح لا يستطيع الفن أن يكشف عما فيه من معنى خفي وضاء. لقد كانوا يسجلون العالم؛ ولما أن جعلت الحرب والسياسة إيطاليا سجنا ويبابا، ترك الرسامون وراءهم خطوط النهضة وألوانها وحياتها وعواطفها الجائشة، وأخذ الرجال الموهوبون الذين كونتهم هذه الدراسات والذين ورثوا تقاليد مطردة الثراء من الأساليب، والمواد، والأفكار-أخذ هؤلاء الرجال يرسمون خيرا مما كان يرسمه العباقرة منذ قرن من الزمان. ويقول فاساري في لحظة من لحظات فظاظته إن بينتسو جتسولي Benozzo Gozzoli »لم يكن من الأفذاذ الممتازين... ولكنه بز كل من في مثل سنه بمثابرته، لأن بين أعماله الجمة عدداً منها لا يسع الإنسان إلا أن يقول إنها طيبة«(29). وقد بدأ الرجل حياته الفنية تلميذاً من تلاميذ الراهب أنجلكو، وتبعه إلى روما وأرفيتو ليكون مساعداً له في عمله. ثم استدعاه بيرو المريض بالنقرس إلى فلورن، وطلب إليه أن يصور على جدران المعبد في قصر آل ميديتشي رحلة المجوس من الشرق إلى بيت لحم. وهذه الصور هي أروع آيات بينتسو التي صورها في الجص، وهي تتكون من موكب فخم ولكنه موكب حي من الملوك والفرسان في ثياب فخمة، ومن الأتباع والخدم، والملائكة، والصائدين، والعلماء، والأرقاء، والخيل، والفهود، والكلاب، ومن نحو ستة من آل ميديتشي - ومن بينتسو نفسه، وقد أدخل بحيلة ماكرة إلى هذا الاستعراض؛ ومن وراء كل هذا في الصورة خلفيات ومناظر طبيعية جميلة تثير الدهشة. وامتلأ قلب بينتسو وهوا بهذا الظفر العظيم فسافر إلى سان جمنيانو San Gimignano وزين مكان المرنمين في سانت أجستينو Sant' Agstino بسبعة عشر منظراً




صفحة رقم : 6546




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> جيرلندايو


مستمدة من حياة القديس شفيعها. وظل بعدئذ سبعة عشر عاماً يكدح في كمبو سانتو Campo Santo في بيزا يغطي مساحات كبيرة من جدرانها بواحد وعشرين منظراً من أسفار العهد القديم تبدأ من آدم إلى عهد النهضة. وكانت العجلة التي اتسمت بها أعمال بينتسو سبباً في الحط بعض الشيء من جودة اعماله، فقد كان قليل العناية برسومه، وجعل كثيراً من صوره علة وتيرة واحدة باعثة على السآمة، وحشد فيها طائفة جمة مربكة من الاشخاص والتفاصيل؛ ولكنها كان يسري فيها دم الحياة وبهجتها، وكان يحب ما فيها من مناظر قوية ومن تمجيد العظماء؛ وإنما في ألوانه من روعة، وفي خصب إنتاجه من حماسة ليكاد ينسينا ما في خطوطه من نقص وعيوب.
وانتقل ما كان للراهب أنجلكو من أثر حميد إلى بلدوفينتي Alesso Baldovenetti وإلى كوزيمو روسيلي Cosimo Roselli ثم انتقل عن طريق إلسو إلى رسام من كبار الرسامين في عهد النهضة الا وهو دمنيكو جرلندايوDomenico Gherlandaio. وكان والد دمنيكو صائغاً أطلق عليه من قبيل التهكم لقب جرلندايو أخذاً من الأكاليل المصنوعة من الذهب والفضة التي صاغها للرؤوس اللطيفة في فلورنس. ودرس دمنيكو على هذا الأب وعلى بلدوفينتي، وأظهر في دراسته كثيراً من الغيرة والحماسة، وكن يقضي الساعات الطوال يتأمل مظلمات مساتشيو Massaccio في الكرميني Carmime وتعلم بعد مران طويل، لم يعرف فيه الكلل سبيلاً إلى نفسه، فنون المنظور، وتمثيل الاشكال البارزة أمام الناظر بحيث يتمثل فيها هذا البروز، وعمل النماذج، وتأليف الأجزاء، و » كان يرسم كل إنسان يمر أمام مشغله « كما يقول فاساري » بحيث تبدو صورته مشابهة شبهاً قوياً عجيباً لشخصه بعد نظرة خاطفة سريعة يلقيها عليه. ولم يكد يبلغ الحادية والعشرين من عمره حتى عهد إليه أن يصور قصة سانتا فينا




صفحة رقم : 6547




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> جيرلندايو


Santa Fina في معبدها بكتدرائية سان جمنيانو. ولما بلغ الحادية والثلاثين (1480) فاز بلقب أستاذ بفضل أربعة مظلمات صورها في كنيسة آل انيسانتو The Ognissanti ومعظمها في فلورنس - وتمثل هذه المظلمات القديس جيروم، والنزول عن الصليب، ومادنا مزر كورديا Madonna della Misericoxdia (وتشمل هذه صورة مهديها أمريجو فسبيوتشي Amerigo Vespucchi ) والعشاء الاخير وهي الصورة التي استمد منها ليوناردو بعض الإيحاء.
واستدعاه سكتس الرابع إلى روما فصور له في معبد سستيني Sistine المسيح ينادي بطرس وأندرو من خيمتهما وهي الصورة التي تكتسب جمالها بنوع خاص من خلفيتها المكونة من الجبال، والبحر، والسماء. وكان في أثناء إقامته هذه في روما يدرس ويرسم العقود والحمامات، والعمد، ومجاري المياه العذبة، والمدرجات الموجودة في المدينة القديمة، وكان يدرسها ويرسمها بعين اليقظ المدرب، فكان في وسعه أن يقدر بلا مسطرة أو فرجار نسب كل الاجزاء كلها بمنتهى الدقة. وعهد تاجر من أهل فلورنس مقيم في روما يدعى فرانتشسكو تورنبيوتي Francesco Tornabuoni توفيت زوجته إلى جرلندايو ان يرسم مظلمات يخلد بها ذكراها في سانتاماريا تعلو على صورة منيرفا، ونجح دمنيكو فيما عهد إليه نجاحاً حمل تورنبوني على أن يعيده إلى روما مزوداً بالمال وبخطاب يشهد بمهارته. وسرعان ما عهد غليه مجلس السيادة في فلورنس بزخرفة صالا دل أورولجيو (بهوا اورولجيو) Sala del Orologio في قصره. وأخذ في السنين الاربع التالية (1481-1485) يصور في مصلى ساستي Sassetti في سانتا ترنتا مناظر مستمدة من حياة القديس فرانسس، وقد استعان في هذه المظلمات بكل ما وصل إليه فن الرسم من تقدم ما عدا استخدام الزيت: فقد حوى تناسق التأليف، ودقة الخطوط، وتدرج الضوء، والامانة في مراعاة فن المنظور،




صفحة رقم : 6548




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> جيرلندايو


والواقعية في التصوير (تصوير لورندسو، ويوليتيان، بلتشي، وبلا، واسترتسي، وفرانتشسكو ساستي)، وراعى في الوقت نفسه التقاليد الأنجليه في المثالية والتقى؛ وليس بين صورة صلوات الرعاة التي ترى خلف المحراب والتي تقرب من الكمال وبين صور ليورناردو وروفائيل إلا خطوة واحدة في الخيال الأكثر عمقاً والرشاقة الأكثر دقة.
وعرض جيوفني ترنبيوني رئيس مصرف آل ميديتشي بروما على جرلندايو في عام 1485 1200 دوقة (30 ألف دولار امريكي) نظير طلاء معبد في كنيسة سانتا ماريا نوفلا، ووعده بمائتي دوقة اخرى إذا حاز عمله رضاه التام. واستعان جرلندايو بعدد من تلاميذه من بينهم ميكل أنجيلو وقضى الجزء الأكبر من الخمس السنين التالية في هذا العمل العظيم من اعمال حياته. وقد رسم في السقف صورة المبشرين الاربعة بالإنجيل، كما صور على الجدران القديس فرانسيس، وبطرس الشهيد، ويوحنا المعمدان ومشاهد من حياة مريم والمسيح مبتدئة من البشارة إلى تتويج العذراء الفخمة. وهنا ايضاً وجد لذة كبيرة في تصوير المعاصرين: لودوفيكا تورنبيوني ذات الجلال الخليقة بأن تكون ملكة وجنفرا ده بنتشي Ginevra di Benci الوقحة الحسناء، وفيتشينو، ويولتيان، ولندينو العلماء وبلدوفنتي، وميناردي Mainardi وجرلندايو نفسه من رجال التصوير. ولما فتح المعبد للجمهور في عام 1490 هرع إليه جميع العظماء ورجال الأدب في فلورنس ليفحصوا هذه الرسوم؛ وأصبحت الصورة الواقعية التي شاهدوها حديث المدينة كلها، واعلن تورنبيوني رضاءه التام عنه. غير انه كان في أزمة مالية وقتئذ، فرجا دمنيكو أن ينزل له عن المائتي دوقة الإضافية، فرد عليه الفنان قائلاً إن رضاء نصيره أعز عنده من الذهب مهما عظم.
وكان دمنيكو محبباً إلى القلوب، وقد بلغ من حب إخوانه إياه أن




صفحة رقم : 6549




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> جيرلندايو


واحد منهم هو دافد كاد يذبح رئيس دير برغيف جاف قديم لأنه جاء إلى دمنيكو ومساعديه في مرسمه بطعام رآه دافد غير لائق بعبقرية أخيه. وكان جرلندايو يفتح مرسمه لكل من يعني بالعمل أو الدرس فيه، واتخذ منه مدرسة للفن حقة. وكان يقبل جميع ما يكلف به من الأعمال الفنية كبيرة كانت أو صغيرة، ويقول فذ ذلك إنه يجب ألا يحرم أحداً من رغبته، وقد ترك العناية بشئون بيته وبماله إلى دافد، وقال إنه لا يكفيه إلا أن يملأ بالصور جميع جدران فلرونس. وقد أخرج كثيراً من الصور التي لا ترق إلى ما فوق الدرجة الوسطى، ولكنه أخرج أحياناً بعض الصور الرائعة التي تأسر القلوب وتخلب الألباب، كصورة الجد ذي الأنف البصلي وهي الصورة الخلابة المحفوظة في متحف اللوفر، والصورة الأخرى الجميلة صورة المرأة إحدى صور مجموعة مورجان في نيويورك، وهما صورتان تكشفان عن الصفات الخلقية التي ترتسم عاماً بعد عام على وجه الإنسان. غير أن عظماء النقاد الذين يضعهم علمهم وتضعهم سمعتهم فوق الشبهات لا ينزلونه إلا منزلة دنيا(30)، وفي الحق أنه برع في الخطوط لا في الألوان، وأنه كان يسرع في التصوير أكثر مما يجب، وأنه زحم صوره بالتفاصيل التي لا علاقة لها بتلك الصور، ولعله خطا خطوة إلى الوراء في تفضيل الذهان الزلالي بعد أن قاوم بلدوفنتي بتجاربه في الرسم بالزيت. غير أنه مع هذا سما بما تجمع من أصول فنه إلى الذروة التي استطاع أن يصل إليها في بلده وفي القرن الذي يعيش فيه، وترك لفلورنس وللعالم كنوزاً يحنى النقاد هاماتهم من أجلها شكراً له واعترافاً بفضله.




صفحة رقم : 6550




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> بتيتشيلي



2- بتيتشيلي


ولم يعل عليه في عبقريته من أهل فلورنس في جيله إلا رجل واحد، ذلك هو سندرو بتيتشيلي Sandro Botticelli الذي كان يختلف عن جرلندايو كما يختلف الخيال الأثيري عن الحقائق المجسدة. وقد عجز مريانا فلبيي




صفحة رقم : 6551




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> بتيتشيلي


Mariana Filipepe والد ألسندريو عن أن يقنع ولده أن حياته تكون مستحيلة إذا لم يعرف القراءة والكتابة والحساب، فاضطر أن يعهد به إلى صائغ ليتدرب عنده على صناعته، وكان هذا الصائغ يسمى بتيتشيلي، ولصق هذا الاسم بسندرو نفسه، إما بسبب حب التلميذ معلمه أو بسبب نزوة من نزوات التاريخ. وانتقل الغلام في السادسة عشرة من عمره من حانوت الصائغ إلى الراهب فلبو لبي Filippo Lippi الذي أحب هذا العالم القلق الوثاب. وصور فلبينو تلميذ فلبو فيما بعد سندور هذا في صورة شخص متبرم نكد، ذي عينين غائرتين، وأنف بارز، وفم لحيم شهواني، وغدائر مسترسلة، وقلنسوة أرجوانية، وميدعة حمراء، وجورب أخضر(31). ترى من ذا الذي كان يستطيع أن يظن أن هذا هو شكل الرجل إذا ما شاهد الصور الخيالية الرقيقة التي خلفها بتيتشيلي في المتاحف؟ ولعل كان فنان لا بد أن يكون شهوانياً قبل أن يستطيع بلوغ المثل الأعلى في التصوير، أي أنه لا بد أن يعرف الجسم، ويحبه، ويرى أنه المصور النهائي لحاسة الجمال، والمقياس الذي يقاس به سمو هذه الحاسة. ويصف فاساري سندرو بأنه "شخص مرح" يدبر الحيل لزملائه الفنانين وبلداء الذهن من المواطنين؛ وما من شك في أنه قد جمع في شخصه كثيراً من الرجال، شأنه في ذلك شأننا جميعاً، وأنه كان يتقمص هذه الشخصية أو تلك حسبما تتطلبه الظروف، أما نفسه الحقيقية فقد استبقاها سراً رهيباً خافية عن العالم.
وأنشأ بتيتشيلي مرسمه الخاص حوالي عام 1465، وسرعان ما عهد إليه آل ميديتشي ببعض الأعمال؛ ويلوح أن لكريدسيا ترنبيوني أم لورندسو هي التي كلفته بتصوير يوديث Judith؛ ورسم بعدئذ لزوجها بيروجتسو Piero Gottosso صورة مادونا ذات التسبيحات Madonna of the Magnificat ورسم كذلك ترنيمات عبادة المجوس بالألوان لثلاثة أجيال من آل ميديتشي، ورسم بتيتشيلي في صورة مادونا لورندسو وجوليانو كأنهما غلامان أولهما في




صفحة رقم : 6552




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> بتيتشيلي


السادسة عشرة من عمره والثاني في الثانية عشرة يمسكان كتاباً تسطر فيه العذراء أغنيتها التسبيحية الذائعة الصيت- وقد استعار هذه الفكرة من الراهب لبو. وفي الصورة الثانية عبادة المجوس نرى كوزيمو راكعاً عند قدمي مريم، وبيرو راكعاً أمامهما في مستوى أوطأ، ولورندسو - وقد بلغ الآن السابعة عشرة ممسكاً بسيف رمزاً إلى أنه قد بلغ وقتئذ السن التي يجيز فيها القانون أن يقتل. وسار لورندسو وجوليانو على سنة بيرو فظلاّ يرعيان بتيتشيلي ويناظرانه، وأجمل صوره هما صورة جوليانو، وصورة محبوبته سيمونيتا فسبيوتشي Simonetta Vespucci. على أنه لم ينقطع عن رسم الصور الدينية كصورة القديس أوغسطين القوية في كنيسة آل أنيسنتي، ولكنه أخذ يتجه تدريجاً في هذه الفترة - ولعله في ذلك كان متأثراً بنفوذ دائرة آل ميديتشي- نحو موضوعات وثنية، مستمدة في العادة من الأساطير القديمة، وبفضل الأجسام العارية؛ وشاهد ذلك ما يقول فاساري من أن "بتيتشيلي صور في كثير من البيوت... عدداً كبيراً من النساء العاريات"، ويتهمه "بالانحرافات الخطيرة في معيشته"(32)، ذلك أن الكتاب الإنسانيين، والأرواح الحيوانية كانوا قد جذبوا سندرو إلى حين نحو الفلسفة الأبيقورية.ويبدو أن لورندسو وجوليانو هما اللذان رسم لهما صورة مولد فينوس (1480). وتبدو في هذه الصورة فتاة عارية تتظاهر بالاحتشام تخرج من محارة ذهبية في البحر، ولا تجد في متناول يدها غير غدائرها الطويلة الشقراء تستخدمها استخدام ورقة التين؛ وترى عن يمينها هبات النسيم المجنحة تدفعها نحو ساحل الأرض، وعن يسارها فتاة جميلة (لعلها سيمونتا) ترتدي جلباباً أبيض منقوشة عليه الأزهار، تقدم للآلهة ميدعة تزيدها جمالا على جمالها. والصورة آية في الرقة والتصميم؛ والـتأليف فيها هو كل شئ، واللون في منزلة ثانوي، والواقعية متغاضى عنها، وكل شئ فيها موجه




صفحة رقم : 6553




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> بتيتشيلي


نحو استثارة الخيال الأثيري عن طريق ائتلاف الخطوط المنساب المتدفق. وقد استمد بتيتشيلي فكرته من فقرة في قصيدة بوليتيان لاجيو سترا La Giostra؛ واستمد بعد ذلك من وصف هذا الكاتب في القصيدة نفسها انتصارات جوليانوا في المثاقفة والحب موضوع في صورته الوثنية الثانية المريخ والزهرة وترى الزهرة (فينوس) في هذه مكسوة غير عارية، وقد تكون في هذه المرة أيضاً هي سيمونتا؛ ويرى المريخ منهوكا ونائماً، وليس هو المحارب الفظ بل هو شاب ذو جسم لا عيب فيه، قد يخطئه المرء فيحسبه أفرديتي أخرى. وعبر بتيتشيلي أخيراً في صورة الربيع (بريمافيرا Primavera) عن طبيعة ترنيمة لورندسو لباخوس Bacchus ("من شاء أن يكون سعيداً فليسعد") : ففيها تعود القابلة للظهور ساعة المولد بردائها المسبل وقدميها اللطيفتين؛ ويرى إلى اليسار جوليانو(؟) يقتطف تفاحة من شجرة ليقدمها إلى واحدة من ربات الجمال الواقفات إلى جانبه نصف عاريات. وإلى اليسار رجل شبق يمسك بفتاة تكتسي غلالة من الضباب؛ وتشرف سيمونتا في تواضع على المنظر كله، ومن فوقها كيوبد في الهوا يرسل سهامه التي لم تعد تقع. وترمز هذه الصور الثلاث إلى أشياء كثيرة، لأن بتيتشيلي كان مولعاً بالرمزية، ولكنها كانت تمثل-وقد يكون ذلك على غير علم منه-انتصار الإنسانيين في الفن؛ وقضت الكنيسة من ذلك الحين نصف قرن(1480-1534) تكافح لاستعادة سيطرتها على موضوعات التصوير.وكأنما أراد سكستس أن يكافح في هذا الأمر كفاح الأشراف، فدعا بتيتشيلي إلى روما (1481)، وعهد إليه أن يصور ثلاثة مظلمات في معبد ستيني. ولم تكن هذه المظلمات من خير آياته الفنية، لأن مزاجه وقتئذ كان بعيداً عن التقي والصلاح؛ ولكنه لما عاد إلى فلورنس (1485) وجد المدينة على بكرة أبيها تضطرب بعظات سفنرولا، وذهب هو ليستمع




صفحة رقم : 6554




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> بتيتشيلي


إليها، واحدثت فيه أثراً عميقاً. ذلك لأنه كان على الدوام يضم جوانحه على شئ من الجلد والصرامة، وكان قد فقد ما عسى أن يكون قد أخذه من التشكك عن لورندسو، وبلتشي، وبوليتيان في الأعمال الخفية من إيمان شبابه، فلما سمع هذا الخطيب الملتهب حماسة يعظ في كنيسة سان ماركو (القديس مرقس) بعث فيه وفي فلورنس كلها ما ينطوي عليه هذا الإيمان من تبعات رهيبة جسام: فالله قد قبل لنفسه أن يهان، ويجلد، ويصلب لينقذ البشرية من خطيئة آدم وحواء؛ ولا شئ غير حياة الفضيلة والتوبة الصادقة يمكن أن تستدر بعض الرحمة من تلك التضحية التي قدمها الله، وبذلك ينجو المرء من عذاب الجحيم الأبدي. وحوالي هذا الوقت وضح بتيتشيلي بالرسم مناظر المسلاة الإلهية لدانتي، فقد وجه فنه من جديد لخدمة الدين، وأخذ يقص مرة أخرى تلك القصة الرائعة قصة مريم والمسيح، فرسم لكنيسة القديس برنابا مجموعة رائعة تصور العذراء على عرشها ويحف بها عدد من القديسين؛ وهي في هذه المجموعة لا تزال العذراء الرقيقة الجميلة التي صورها في مرسم الراهب لبو. ثم رسم بعد قليل من ذلك الوقت سيدة الرمان The Madonna of the Pomegrante وهي تمثل العذراء يحيط بها الملائكة المنشدون، والمسيح الطفل يمسك بيده الفاكهة التي ترمز بذورها الكثيرة إلى انتشار الدين المسيحي. وأعاد في عام 1490 ملحمة أم المسيح في صورتني هما صورتا البشارة والتتويج، ولكنه كان وقتئذ قد عمر طويلا وفقد ما كان لفنه من جدة ووضوح وظرف.
وحدث في عام 1498 أن شنق سفنرولا وأحرق، وارتاع بتيتشيلي من هذا الاغتيال الذي لا يماثله اغتيال آخر في عصر النهضة، ولعله قد صور بعد قليل من حدوث تلك المأساة صورته الرمزية المعقدة وهي صورة البهتان Calumny. وتُرى في هذه الصورة خلفية من طريق ذي عقود من الطراز القديم، وبحر بعيد، وثلاث نساء يمثلن الزور، والخداع،




صفحة رقم : 6555




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> بتيتشيلي


والبهتان- يقودهن رجل رث ممزق الثياب (الحسد)، يسحبن ضحية عارية من شعرها إلى محكمة يجلس فيها قاض ركبت في رأسه أذنا حمار طويلتان، تقدم له النصح امرأتان تمثلان الريبة والجهل، ويتأهب للانصياع إلى غضب الجمهور المتعطش لسفك الدماء، فيحكم بإعدام الرجل الآثم. وإلى اليسار يُرى الندم متشحا بالسواد وينظر في أسى وحسرة إلى الحقيقة العارية-وهي هنا فينوس بتيتشيلي مرة أخرى مكتسية بشعرها المتلوي نفسه. ترى هل قصد بالضحية أن تمثل سفنرولا؟ ربما كان ذلك، وإن كانت النساء العرايا يروعن الراهب لو أنه رآهن.
وكان آخر آيات بتيتشلي الفنية هي صورة الميلاد المحفوظة بالمعرض الأهلي بلندن، وهي صورة مضطربة ولكنها جميلة الألوان، تظهر مرة أخرى ما طبع عليه من رشاقة منسقة مؤتلفة. ويبدو كل شئ في هذه الصورة وكأنه يستنشق السعادة السماوية، فتعود فيها سيدات الربيع في صورة ملائكة ذات أجنحة ترحب بهذا الميلاد المعجز المنقذ، ويرقصن على فنن معلق في الفضاء معرضات أنفسهن للخطر. ولكن بتيتشلي كتب على الصورة باللغة اليونانية هذه العبارة التي تشتم منها رائحة سفنرولا وتعيد في أوج النهضة ذكرى العصور الوسطى.
"رسمت، أنا ألسندرو، هذه الصورة في آخر عام 1500 وقت اضطراب إيطاليا.. حين وقعت الأحداث التي وردت في (الإصحاح) الحادي عشر من إنجيل يوحنا، في الجزء الثاني من أجزاء الرؤيا، حين انطلق الشيطان ثلاث سنين ونصف سنة. وسوف يصفد فيما بعد، كما ورد في (الإصحاح) الثاني عشر من إنجيل يوحنا، وسنراه يداس بالأقدام في هذه الصورة".
وليس لدينا شئ من تصويره بعد عام 1500، ولم يكن وقتئذ قد تجاوز السادسة والخمسين، ولعله كان لا يزال فيه شئ من القدرة الفنية،




صفحة رقم : 6556




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> بتيتشيلي


ولكنه اخلى مكانه ليوناردو وميكل أنجلو، وانزوى في ظلمات الفقر النَّكِد. وقد أعانه آل ميديتشي، الذين كانوا عماده من قبل، ببعض الصدقات، ولكنهم هم أنفسهم كانوا قد ذهبت ريحهم؛ ومات الرجل وحيداً، ضعيفاً، في السادسة والستين من عمره، بينما كان العالم السريع النسيان يجري في مجراه المعتاد.
وكان من بين تلاميذه فلبينولي أبن معلمه. وكان "ابن العشق هذا" محبوباً من كل من عرفه: فقد كان رجلا ظريفاً، دمث الأخلاق، متواضعاً، مجاملاً مؤدباً. بلغت "صفاته الممتازة درجة محت وصمة مولده، إذا كان في مولده وصمة" كما يقول فاساري. وقد تعلم على أبيه وعلى ساندرو فن التصوير بسرعة بلغ منها أن أخرج وهو في الثالثة والعشرين رؤيا القديس برنار The Vision of St. Bernard وهي صورة "لا ينقصها إلا النطق" كما يصفها فاساري. ولما قرر رهبان الكرمل أن يكملوا المظلمات التي بدئ بها قبل ستين عاماً من ذلك الوقت في معبد برانكاتشي Brancacci، عهدوا بهذه المهمة إلى فلبينو هو لا يزال في سن السابعة والعشرين. ولم تبلغ النتيجة المستوى الذي بلغته ماساتشيو Massaccio ولكن فلبينو أبرز في صورة القديس بولس يخاطب القديس بطرس في السجن شخصية ذات مهابة بسيطة وقوة هادئة لا تنسى على مر الدهور.
واستدعاه الكردنال كارفا Caraffa في عام 1489 إلى روما بإيحاء من لورندسو ليزخرف كنيسة سانتا ماريا بمناظر من حياة القديس تومس الأكويني (أكوناس). وابرز الفنان في المظلم الرئيسي هذا الفيلسوف في نشو الظفر، وتحت قدميه أريوس، وابن رشد، وغيرهما من "غير المؤمنين". ولعله وهو يرسم تلك الصورة قد استعاد في خياله صورة مماثلة




صفحة رقم : 6557




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> الرسم -> بتيتشيلي


لها من عمل أندريا دا فريندسا Andrea da Firenza، هذا بينما كانت آراء ابن رشد أثناء هذا تتغلب على العقائد الدينية المسيحية في جامعتي بولونيا، وبدوا. ثم عاد فلبينو بعدئذ إلى فلورنس، وسجل في معبد فلبو استرتسي في كنيسة سانتا ماريا نوفلا سيرة الرسولين فليب ويوحنا في مظلمات بلغ من واقعيتها أن حاول غلام، كما تقول القصص، أن يخبئ كنزا سرياً في ثقب مثله فلبينو في صورة جدار. ثم انقطع عن عمله في هذه المجموعة إلى حين، وحل محل ليوناردو المرجئ المسوف في عمله، فصور ستار محراب لرهبان اسكوبيتو Scopeto؛ واختار للزخرفة الموضوع القديم موضوع المجوس يعبدون الطفل، ولكنه بعث فيها الحياة بتصوير المغاربة، والهنود، وكثيرين من آل ميديتشي؛ ومن آل ميديتشي هؤلاء رجل يعمل منجما وبيديه آلة "الربع". وتعد صورة هذا المنجم من أعظم الصور الإنسانية وأكثرها فكاهة في عصر النهضة. ودعي فلبينو آخر الأمر (1498) إلى براتو Prato ليرسم صورة للعذراء، وكأنما أراد الداعون بهذا أن يقولوا إن خطايا أبيه قد غفرت. وأثنى فاساري على هذه الصورة، ولكن الحرب العالمية الثانية أتلفتها. وعمد وهو في سن الأربعين إلى حياة الاستقرار وتزوج، وعلاف بضع سنوات قليلة مسرات الأبوة ومضايقاتها. ووافته المنية فجأة في السابعة والأربعين من عمره على اثر مرض بسيط هو التهاب اللوزتين والحلق؛ وكان ذلك في عام 1505.




صفحة رقم : 6558




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> وفاة لورندسو



الفصل السابع




وفاة لورندسو


لم يكن لورندسو نفسه من أفراد تلك القلة التي بلغت في تلك القرون سن الشيخوخة، وقد كان كأبيه يعاني آلام الرِّثية والنقرس مع اضطراب في المعدة كثيراً ما كان يسبب له آلاماً مبرحة توهنه وتهد قواه. وقد جرب كثيراً من وسائل العلاج، فلم يجد خيراً مما كان يتيحه الاستحمام بالمياه المعدنية من تخفيف لآلامه لم يكن يلبث أن يزول؛ ولقد أدرك قبل وفاته بوقت ما أنه هو الذي كان يبشر بإنجيل المرح والبهجة لن يطول به العمر.وتوفيت زوجته في عام 1488 وحزن على فقدها حزناً صادقاً وشعر بما فقده من معونتها وإن لم يكن في أثناء حياتها وقيالها. وكانت قد ولدت له أبناء كثيرين بقي منهم سبعة بعد وفاتها. وكان يعنى على الدوام بالإشراف على تعليمهم وتربيتهم، وبذل ما في وسعه في السنين الأخيرة من حياته كي يهديهم إلى زيجات تعود بالسعادة على فلورنس وعليهم هم أيضاً. فخطب لبيرو أكبر أولاده فتاة أورسينية ليكسب بذلك أصدقاء له في روما، وتزوج جوليانو أصغرهم إحدى أخوات دوق سافوي، وخلع عليه فرانسس الأول لقب دوق نمور Nemours، وأعانه ذلك على أن ينشئ جسراً بين الكنيسة، وقبل الشاب هذا قبولاً حسناً، وسر الناس جميعاً بجمال طبعه، بأن يخرج على كل السوابق فيرسمه كردنالا وهو في سن الرابعة عشرة، وخضع البابا لرأيه لنفس الأسباب التي خضعت من أجلها معظم الزيجات الملكية وهي ربط حكومة بأخرى برباط الود الناشئ من صلات الدم.




صفحة رقم : 6559




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> وفاة لورندسو


وتنحى لورندسو عن الاشتراك الفعلي في حكم فلورنس، وأخذ يعهد بقسط متزايد من أعماله العامة والخاصة لابنه بيرو، وطلب الراحة لنفسه في هدوء الريف وحديث الأصدقاء؛ ودافع عن مسلكه هذا برسالة تفصح عن طبيعته المميزة له قال فيها:
وهل شئ أحب لذي العقل المنظم من الاستمتاع بالفراغ مع الكرامة؟ إن هذا هو الذي يرغب في الحصول عليه كل الخيرين من الرجال، ولكنه لا يناله إلا العظام منهم. نعم إننا ونحن في خضم الشئون العامة قد يتاح لنا أن نتطلع إلى يوم نستريح فيه من عناء العمل؛ ولكن الراحة أيا كانت يجب ألا تحول بيننا حيلولة تامة عن العناية بما يهم بلدنا. ولست بمستطاع أن أنكر أن الطريق الذي قدر على أن اسلكه كان طريقاً مجهداً وعراً، مليئاً بالأخطار، محوطاً بالغدر من كل جانب؛ ولكنني يعزيني عن هذا أنني قد اسهمت في العمل على رفاهية بلدي، الذي يضارع الآن في رخائه أية دولة أخرى مهما بلغ ازدهارها.كذلك لم أهمل قط مصالح أسرتي والعمل على تقدمها، فقد وضعت نصب عيني على الدوام أن أحذو حذو جدي كوزيمو الذي كان يشرف على شئونه العامة والخاصة بيقظة لا تقل في هذه عنها في تلك. وإذا كنت قد وصلت الآن إلى الهدف الذي كنت أعمل واعنى به، فإني أعتقد أن من حقي أن استمتع بلذة الراحة، وأنال نصيبي من حسن سمعة مواطني، وأعتز بالمجد الذي ناله وطني.
ولكنه لم يتح له إلا قليل من الوقت للاستمتاع بالهدوء الذي لم يعتده؛ ذلك أنه لم يكد ينتقل إلى قصره الريفي في كزيجي Careggi (21 مارس سنة 1492) حتى اشتدت عليه آلام المعدة اشتداداً مروعاً. واستدعى الأخصائيون من الأطباء، فسقوه مزيجاً من الجواهر فساءت حاله على الفور، واستسلم للموت. وقد أفصح لبيرو وبوليتيان قبل وفاته عن حزنه لأنه لم يطل أجله حتى يتم مجموعة المخطوطات ليستعينا بها ويفيدا منها




صفحة رقم : 6560




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> وفاة لورندسو


الطلاب. ولما دنيت منيته بعث في طلب قسيس، وأصر وهو في آخر رمق أن يغادر سريره لكي يتلقى القربان المقدس وهو جاث على ركبتيه، وطافت بذاكرته في تلك اللحظة صورة ذلك الواعظ العنيد الذي ندد به ورماه بأنه قضى على الحريةـ، وأفسد الشباب، وتاقت نفسه لأن ينال عفو هذا الرجل قبل أن يموت. ولذلك بعث بصديق يرجو سفنرولا أن يحضر إليه ليستمع إلى اعترافه ويغفر له ذنوبه غفراناً أعظم قدراً مما ناله قبل.. وجاء سفنرولا وعرض عليه الغفران بثلاثة شروط، كما يقول بوليتيان: أن يؤمن لورندسو إيماناً صادقاً برحمة الله، وأن يعد بأن يستقيم في حياته إذا شفي من مرضه، وأن يلقى الموت صابرا. وقبل لورندسو هذه الشروط وغُفِر له، ويقول ج.ف. بيكو (وهو غير بيكو الكاتب الإنساني) أحد الأولين اللذين كتبوا سيرة شفنرولا إن الشرط الثالث كان أن يعد لورندسو »بأن يعيد الحرية إلى فلورنس«؛ وتقول القصة حسب رواية بيكو إن لورندسو لم يرد على هذا الطلب وإن الراهب تركه دون أن يغفر له(34). وتوفي لورندسو في اليوم التاسع من شهر إبريل من عام 1492 وهو في سن الثالثة والأربعين.
ولما ترامى نبأ احتضاره إلى فلورنس لم يبق في المدينة كلها تقريباً أحد إلا حزن عليه، وحتى خصوم لورندسو نفسه لم يعرفوا كيف يستطاع حفظ النظام الاجتماعي في فلورنس، أو السلم في إيطاليا، من غير يده الصناع الهادية(35). واعترفت أوربا بمقدرته الفائقة في شئون الحكم، وأدركت ما فيه من خصائص الوقت الذي كان يعيش فيه؛ فقد كان هو »رجل النهضة« في كل شيء سوى كرهه العنف. ولقد استطاع بفطنته في السياسة وهي الفطنة التي كسبها على مهل، وبلاغته في الجدل وهي البلاغة السهلة المقنعة رغم سهولتها، وصلابته وشجاعته في الإقدام والعمل، استطاع بهذه المزايا أن يجعل جميع أهل فلورنس إلا القليلين منهم، ينسون الحرية التي




صفحة رقم : 6561




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> وفاة لورندسو


قضت عليها أسرته؛ ومن لم ينسوها من أهلها كانوا يدركون أنها هي حرية العشائر الغنية في أن تستخدم القوة والخداع في تنافسها على السيطرة الاستغلالية في »ديمقراطية« لا يستطيع الإدلاء بأصواتهم فيها إلا جزء من ثلاثين جزءاً من الأهلين. وكان لورندسو يستخدم سلطته في اعتدال، ويستخدمها لخير الدولة، وغن أدى ذلك إلى إهمال ثروته الخاصة. ولقد كان فاسد الخلق من الناحية الجنسية وضرب بذلك اسوأ الأمثلة لشباب فلورنس، لكنه ضرب أحسن الأمثلة في الأدب، وأعاد إلى اللغة الإيطالية مكانتها الأدبية الراقية، وكان ينافس محاسبيه في قرض الشعر؛ ويناصر الفنون بذوق راق نقاد ووضع بذلك مستوى له تسعى أوربا لبلوغه؛ وإذا ما عُدَّ المستبدون كان هو خيرهم وأرقهم أخلاقاً، وقد قال عنه فرديناند ملك نابلي: (لقد طال أجل هذا الرجل حتى بلغ مجده؛ ولكنه لم يطل أجله بالقدر الذي تتطلبه إيطاليا)(36)؛ واضمحلت فلورنس من بعده ولم تذق إيطاليا طعم السلم بعد وفاته.




صفحة رقم : 6562




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> النبي



الباب الخامس




سفنرولا والجمهورية




1492 - 1534




الفصل الأول




النبي


إن الذي يمتاز به الحكم الوراثي هو الاستمرار، أما نقمته فهي أنه يؤول إلى من لا يعلون على المستوى الأوسط من الحكام. ومصداق ذلك ان بيرو دي لورندسو Piero di Lorenzo خلف أباه في سلطانه دون عناء، ولكن سوء خلقه وخطأ أحكامه أفقداه حب الشعب وهو الحب الذي كان يقوم عليه حكم آل ميديتشي. فقد كان الرجل حاد الطبع سريع الغضب، متوسط الذكاء، مزعزع الإرادة، حسن النية إلى درجة تدعوا إلى الإعجاب، وقد جرى على سنة آل ميديتشي من السخاء على الفنانين ورجال الادب، ولكنه كان في ذلك أقل بصيرة وكياسة من أبيه. وكان قوي البنية، بارعاً في الرياضة، اشترك في المباريات الرياضية وظهر فيها أكثر مما ترى فلورنس أنه يليق برئيس دولة معرضة للأخطار. وكان من المحن الكثيرة التي لازمته أن مشروعات لورندسو واسرافه قد أفقروا خزانة المدينة، وأن منافسة المنسوجات البريطانية كانت تنشر الكساد الاقتصادي في فلورنس، وأن زوجة بيرو الارسينية كانت تشمخ بأنفها الروماني على الفلورنسيين وترميهم بأنهم أمة من أرباب الحوانيت، وأن الفرع الآخر من أسرة ميديتشي




صفحة رقم : 6563




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> النبي


المنحدر من لورندسو "الأكبر" بدأ يتحدى أبناء كوزيمو واحفاده، وتزعم حزباً تولى المعارضة باسم الحرية. وكان شر ما منى به بيرو من تعاسة أنه كان معاصراً لشارل الثامن ملك فرنسا الذي غزا إيطاليا، ولا الذي كان يريد استبدال المسيح بالميديتشيين، ولم يكن بيرو قد خلق ليتحمل هذه الأعباء الثقال.
وانتقلت أسرة سفنرولا من بدوا إلى فرارا حوالي عام 1440 وذلك حين دعا نقولو الثالث د، ست Nicolo III d'Este ميشيل سفنرولا ليكون طبيب بلاطه. وكان ميشيل هذا رجلاً تقياً قل أن يوجد مثله في الاطباء، وكان كثيراً ما يلوم أهل فرارا لأنهم يفضلون القصص الغرامية على الدين(1). وكان ابنه نقولو متوسط القدرة في الطب، ولكن إلينا بوناكسي Elena Bonacossi زوجة نقولو كانت امرأة قوية الاخلاق ذات مثل عليا سامية، وكان جيرولاما ثالث أبنائهما السبعة، وأعداه هو أيضاً لدراسة الطب، ولكنه رأى أن تومس أكوناس أكثر إمتاعاً من التشريح، وأن انفراده بكتبه ألذ من عبث الشباب. وراعه ألا يجد في جامعة فيرونا طالباً "بلغ من الفقر درجة تحمله على أن يجل الفضيلة". وكتب يقول: "إذا شئت أن تكون رجلاً في هذا المكان، فعليك أن تلوث فمك بأقذر ألفاظ التجديف، واكثرها حيوانية، وأشدها فظاعة ... وإذا درست الفلسفة والفنون الطيبة كنت تقياً، فأنت منافق، وإذا آمنت بالله فأنت نغفل"(2). ولهذا ترك المدرسة وعاد إلى والدته وغلى العزلة، وأضحى رجلاً ذا وجدان سليم يشعر بنقائصه، وينغص عليه حياته تفكيره في الجحيم وفي خطايا بني الإنسان. وكانت أولى كتاباته المعروفة قصيدة يندد فيها برذائل إيطاليا وفيها البابوات أنفسهم، وينذر نفسه لإصلاح بلده وكنيسته. وكان يقضي الساعات الطوال في الصلاة والدعاء، وطال صيامه حتى حزن أبواه مما




صفحة رقم : 6564




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> النبي


أصابه من هزال، وحدث في عام 1474 أن اشتدت تقواه عن ذي قبل بعد أن استمع إلى العظات التي كان يلقيها الراهب ميشيل Fra Michele أيام الصوم الكبير، وسره أن يرى كثيرين من أهل فرارا يأتون بأقنعتهم، وشعرهم المستعار، وأوراق اللعب، والصور البذيئة، وغيرها من متاع الدنيا ليلقوها على كومة حريق في ميدان السوق. وبعد عام من ذلك الوقت هرب خلسة من بيته، وهو في الثالثة والعشرين من عمره، ودخل ديراً للبندكتيين في بولونيا.
وكتب رسالة رقيقة إلى أبويه يرجوهما أن يغفرا له أنه خيب ما كانا يرجوان له من رقي في الشؤون الدنيوية؛ ولما أن ألحا عليه بالعودة رد عليهما مغضباً: "أيها الأعميان ! لماذا تداومان على البكاء والأسى؟ إنكما تزعجاني وإن كان عليكما أن تبتهجا ... وليس لي ما أقوله إذا داومتما على هذا الحزن إلا أنكما ألد أعدائي وأعداء الفضيلة؟ فإن كان ذلك، قلت لكما: كونوا كلكم دوني، يا من ترتكبون الإثم"(3). وأقام في دي بولونيا ست سنين، وكان في خلالها يطالب في عزة وفخر أن يعهد إليه بأحقر الأعمال، ولكن موهبته الخطابية تكشفت في اثناء هذه المدة، وعهد إليه بالخطابة، ثم نقل إلى سان ماركو في فلورنس عام 1481، وكلف بالخطابة في كنيسة سان لورندسو، لكن مواعظه فيها لم ترق الجماهير، لأنها كانت ممتعة من الناحية النظرية والتلقينية أكثر مما كانت تطيقه مدينة عرفت بالغة الإنسانيين وأسلوبهم المصقول؛ فأخذ من يستمعون إلى عظاته يقل عددهم اسبوعاً بعد أسبوع؛ فما كان من رئيس الدير إلا أن خصه بتعليم المستجدين. واكبر الظن أن السنين الخمس التالية هي التي تكونت فيها أخلاقه واتخذت صورتها النهائية. ولما ازدادت مشاعره وأغراضه قوة ظهرت آثارها على ملامحه، فتغضنت جبهته وتجهمت، وانقبضت شفتاه الغليظتان تنمان عن قوة العزيمة، وانحنى أنفه الضخم إلى الخارج كإنما كان يريد أن يحيط




صفحة رقم : 6565




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> النبي


بالعالم أجمع، وبدا وجهه مكتئباً قاسياً، ينم عن قدرة لا حد لها على الحب والكره، وجسمه الضئيل تحطمه وتنتابه الرؤى، والآمال الخائبة، والأعاصير الداخلية المستنبطة، وكتب وقتئذ لأبويه يقول: " لا زلت لحماً ودماً مثلكما؛ ولا زالت حواسي مستعصية غير خاضعة لعقلي، ولهذا كان لا بد لي أن أناضل بقسوة كي أمنع الشيطان أن يقفز على ظهري"(4). وعمد إلى السوط وجلد نفسه كي يتذلل ما بدا له أنه الفساد المتأصل في الطبيعة البشرية.وإذا كان قد جسد وساوس الجسم والكبرياء فجعلها أصوات الشيطان، فإنه لم يكن أقل من ذلك استعداداً لأن يجسد نصائح نفسه الخيرة وتحذيراتها. وهام وهو بمفرده في صومعته يعلي من شان وحدته بأن يصور نفسه كأنه ميدان تصطرع فيه الارواح التي تحوم حوله ليظفر منها الخبيث او الطيب، وخيل إليه آخر الأمر أن الملائكة وكبارهم يتحدثون إليه، واخذ ألفاظهم على أنها وحي إلهي، وقام فجأة يتحدث إلى العالم كأنه نبي اختير ليكون رسولاً من عند الله، وآمن أشد الإيمان بالرؤى غير المعترف بها والمعزوة إلى الرسول يوحنا، وورث فلسفة الأخرويات عن يواقيم الفلوري، Joachiem of Flora الصوفي، وقال كما قال يواقيم إن عهد المسيح الدجال قد أقبل، وإن الشيطان قد استحوذ على العالم، وإن المسيح سيظهر بعد قليل ليبدأ حكمه في الأرض، وإن الانتقام الإلهي سيحل بالطغاة، والزانين، والكافرين ممن خيل إليهم أنهم يسيطرون على إيطاليا.
ولما أن أرسله رئيس ديره ليخطب في لمبارديا (1486) تنحى سفنرولا على أسلوبه التعليمي الذي كان يصطنعه في شبابه، وصاغ عظاته في صورة التشهير بالرذائل الخلقية، والتنبؤ بيوم الدينونة، والدعوة إلى التوبة. واصغى إليه آلاف ممن لم يكونوا يستطيعون تتبع حججه الأولى، وأخذوا يستمعون في وجل إلى البلاغة الجديدة الثائرة القوية التي ينطق بها رجل خيل إليهم أنه يتحدث عن يقين وتأييد إلهي. وسمع بيكو دلا مرندولا بما أوتيه




صفحة رقم : 6566




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> النبي


الراهب من نجاح، وأستأذن لورندسو في أن يعرض على رئيس الدير أن يأمر بعودة سفنرولا إلى فلورنس. وعاد سفنرولا فعلا (1489)؛ واختير بعد عامين رئيساً لدير سان ماركو؛ ووجد فيه لورندسو عدوا أصرح واقوى من أي عدو آخر اعترض سبيله.
ودهشت فلورنس إذ رأت أن الواعظ الأضخم الذي كان من قبل يبعث البأس بحججه في قلوبهم، قد أخذ الآن يروعهم بالرؤى والخيالات الدينية، ويستحوذ على قلوبهم بالأوصاف الحية التي يصور بها الوثنية، والفساد، والرذائل المتفشية بين جيرانهم، ويسمو بارواحهم إلى مراقي التوبة والأمل، ويبعث في نفوسهم من جديد قوة الإيمان التي كانت تلهمهم وتروعهم في ايام شبابهم:
"يا أيتها النساء يامن تختلن بزينتكن، وشعركن، وأيديكن، أقول لكن جميعاً قبيحات، فهل تردن أن ترين الجمال الحق؟ انظرن إلى الرجل التقي أو المرأة التقية، حيث تسيطر الروح على المائدة؛ انظرن إليه وهو يصلي، وحين يتلألأ عليه شعاع من الجمال الرباني ساعة يختتم صلواته؛ سترين وقتئذ جمال الله يتلألأ في وجهه، فتبصرنه كأنه وجه ملاك"(5)، وذهل الناس من شجاعته، فقد كان تنديده بالقساوسة والبابوية أشد من تنديده بغير رجال الدين، وكانت قسوته على الأمراء أشد منها على الشعب، وسرى في قلوب الفقراء تيار قوي من التطرف؛ أنظر إلى قوله: لا يوجد في هذه الأيام شيء من نعم الروح القدسي أو هباته لا يستطاع شراؤه أو بيعه، أما الفقراء فقد أبهضت كاهلهم الأعباء الثقال؛ وإذا ما دعوا لأداء مبالغ من المال فوق طاقتهم، صاح الأغنياء في وجوههم قائلين: "أعطونا ما بقي لديكم". ومن الناس من لا يزيد دخلهم على خمسين (فلورينا في العام)، ثم يؤدون ضرائب عن مائة، على حين أن الأغنياء لا يؤدون إلا القليل، لأن الضرائب قد نظمت على هواهم. ألا فلتفكروا




صفحة رقم : 6567




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> النبي


جيداً أيها الأغنياء، لأن العذاب سوف يحل بكم. ولن نسمي هذه المدينة بعد اليوم فلورنس، بل ستكون معششاً للصوص، وللدناءة، وسفك الدماء. فإذا جاء هذا الوقت حلت بكم الفاقة...وانقلب اسمكم، أيها القساوسة فصار هو الرعب(6).
ثم يأتي بعد القساوسة دور رجال المصارف:
لقد ابتدعتم وسائل كثيرة تجمعون بها المال، وتجرون بها عمليات كثيرة من التبادل تقولون إنها مشروعة، ولكنها أبعد ما تكون عن العدالة، وقد أفسدتم بأعمالكم مناصب المدينة وكبار حكامها. ليس في مقدور أحد أن يقنعكم بأن الربا اثم؛ ولذلك نراكم تدافعون عنه وتعرضون نفوسكم للهلاك؛ وليس فيكم من يستحي من إقراض المال بالربا، بل إن من يفعلون غير أفعالكم يرمون بالبلاهة والغفلة... إن وجوهكم لهي وجوه العاهرات قد نضب منها ماء الحياء؛ فأنتم تقولون إن الحياة الطيبة السارة هي حياة الكسب، والمسيح يقول:


طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات


ثم يوجه كلمة إلى لورندسو فيقول(7):
إن الطغاة لا يمكن تقويمهم، لأنهم متكبرون، ولأنهم يحبون الملق، ولن يردوا مكاسبهم الحرام... وهم لا يستمعون إلى نداء الفقراء، ولا يلومون الأغنياء...... ويفسدون أخلاق الناخبين، ويكلون جباية الضرائب إلى الملتزمين ليبهضوا بذلك كاهل الأهلين(8)... وقد جرت عادة الطاغية أن يشغل الناس بالمعارض والأعياد حتى ينصرفوا عن التفكير في أعماله إلى التفكير في ملاهيهم، فينشئوا غير ملمين بسير أمور الدولة، ويتركوا أزمة الحكم في يديه(9).
وهو لا يرى أن ذلك الطغيان مما يستطاع تبريره بحجة أنه المال ينفق على الآداب والفنون. ذلك أن سفنرولا لا يقول إن الآداب والفنون من أعمال الوثنيين؛ وإن قول الإنسانيين إنهم مسيحيون محض اختلاق، وإن أولئك المؤلفين




صفحة رقم : 6568




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> النبي


الأقدمين الذين يجدُّون هم في الكشف عن آثارهم ونشرها والثناء عليها غرباء عن المسيح وعن الفضائل المسيحية، وليس فنهم إلا وثنية وعبادة لآلهة الكفار، أو إنها عرض فاجر للعرايا من النساء والرجال.
واضطرب لورندسو لهذا. لقد كان جده هو الذي أنشأ دير سان ماركو وأغناه، وكان هو نفسه قد حباه بالمال الكثير؛ وبدا له أن مما لا يقبله العقل أن يقوم راهب فيقضي من فوق منبر ذلك البيت المقدس الذي أنشأه آل ميديتشي على ذلك التأييد الشعبي الذي قام على أساسه سلطان أسرته، مع أن هذا الراهب لا يكاد يعرف شيئاً عن صعاب الحكم؛ ويقدس تلك الحرية التي لم تكن في حقيقتها إلا حرية الأقوياء في استغلال الضعفاء بلا وازع من سلطان القانون. وحاول لورندسو أن يسترضي الراهب، فجاء إلى دير سان ماركو ليحضر القداس، ونفح الدير بهبات سخية. ولكن سفنرولا ازدراه وسخر منه، وقال في عظة له بعد ذلك إن الكلب الأمين لا يكف عن النباح دفاعاً عن صاحبه إذا ما ألقي إليه عظم. ولما وجد في صندوق الصدقات قدراً كبيراً من الذهب على خلاف المعتاد ظن أنه جاء من لورندسو، فوهبه إلى دير آخر وقال إن النهضة تفي بحاجات إخوانه الرهبان. وبعث إليه لورندسو خمسة من زعماء المدينة ليحاولوا إقناعه بأن عظاته النارية ستؤدي إلى العنف الذي لا طائل من ورائه، وأنها قد أخذت تخل بالنظام وتهدد الأمن والسلام في فلورنس. ورد عليهم سفنرولا بأن عليهم أن يأمروا لورندسو بأن يكفر عن سيئاته، وأُغرى راهب فرنسيسي اشتهر ببلاغته أن يلقي عظات شعبية يهدف بها إلى إبعاد المستمعين من الرهبان الدمنيكيين عن سفنرولا، ولكن هذا الراهب أخفق في مهمته، وهرعت إلى سان ماركو جماعات أكبر مما كان يهرع إليه من قبل، حتى لم تعد كنيسة الدير تتسع للمستمعين. ونقل سفنرولا منبره إلى الكنيسة الكبرى ليلقي فيها عظاته في موسم الصوم الكبير من عام 1491؛ وكان هذا الصرح يزدحم بالحاضرين كما أعلن أن الراهب سيخطب فيه، مع أنه قد أنشئ لكي




صفحة رقم : 6569




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> النبي


يسع أهل مدينة بأكملها. ولم يحاول لورندسو بعدئذ، وكان يقاسي آلام المرض، أن يتدخل في عظاته.
وكان ضعف بيرو بعد موت والده لورندسو سبباً في أن أصبح سفنرولا أكبر قوة في فلورنس؛ ووافق البابا الجديد إسكندر السادس على كره على انفصال ديره عن المجموعات اللمباردية (من أديرة الدمنيك) التي كان هذا الدير جزءاً منها، وبهذا نصب سفنرولا نفسه من الوجهة العملية رئيساً مستقلاً لأهل ديره. فلما تم له ذلك أصلح نظمه، ورفع مستوى الرهبان الخاضعين لحكمه من الناحيتين الخلقية والعقلية؛ فانضم إلى جماعته رهبان جدد، وأحاطه أعضاء الدير البالغ عددهم 250 عضواً بالحب والإخلاص اللذين كان عوناً قوياً له في جميع ظروف حياته ما عدا محنته الأخيرة. وأصبح سفنرولا من أجل ذلك أشد جرأة فيما يوجهه من نقد للفساد الشائع وقتئذ بين رجال الدنيا والدين على السواء. لكنه ورث على غير علم منه آراء الملحدين الولندسيين Waldensian والبتاريين Patarine المعارضة لآراء الكنيسة، وكانت هاتان الطائفتان لا تزالان تكمنان في أماكن مختلفة من شمالي إيطاليا ووسط أوربا، فأخذ يندد بالثراء الدنيوي الذي يستمتع به رجال الدين، وبما يتجلى في الحفلات الكنسية من أبهة وفخامة، ويشنع على "الأحبار الكبار الذين يضعون على رؤوسهم تيجاناً فخمة من الذهب والحجارة الكريمة... وعلى ملابسهم الجميلة وأوشحتهم المنسوجة من الديباج المقصب". وأخذ يقارن هذا بما كان عليه رجال الكنيسة الأولون من بساطة، ويقول إن هؤلاء "لم تكن لهم تيجان ذهبية وأقداح قربان إلا أقل من القليل؛ وذلك لأن القليل الذي كانوا يملكونه منها قد تحطم ليسد حاجة الفقراء والمعوزين؛ أما أحبارنا فإنهم ينهبون من الفقراء ما لا يملكون سواء ليقيموا به أودهم، ليحصلوا به على أقداحهم"(10). وكان يضيف إلى هذا التشهير نبوءات بسوء المصير. وكان قد تنبأ بأن لورندسو وإنوسنت




صفحة رقم : 6570




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> النبي


الثامن سيموتان في عام 1492؛ ومات كلاهما في ذلك العام بالفعل. ثم تنبأ في هذا الوقت الذي تتحدث عنه أن الله سيرسل على إيطاليا كارثة مدلهمة ينتقم بها لذنوبها وآثام طغاتها ورجال الدين فيها، فإذا انقضت هذه الكارثة فإن المسيح سوف يقود الأمة في سبيل الإصلاح المجيد، وأنه هو نفسه، سفنرولا، سيموت موتاً عنيفاً. ثم تنبأ في بداية عام 1494 أن شارل الثامن سيغزو إيطاليا، ورحب هو بهذا الغزو ووصفه بأنه يد الله المطهِّرة. ويقول أحد معاصريه إن ما كان يلقيه وقتئذ من عظات كانت "مليئة بالإرهاب، والفزع، والصراخ والعويل، إلى حد جعل كل من سمعها يطوف بالمدينة ذاهلا، صامتا شبيها بالأموات"(11).
وتحققت نبوءة سفنرولا، فعبر شارل الثامن جبال الأبنين في عام 1494 وانقض على إيطاليا يعتزم ضم مملكة نابلي إلى التاج الفرنسي، ودخل أملاك فلورنس في شهر أكتوبر من ذلك العام وحاصر حصن ساردسانا Sarzana، وظن بيرو أنه يستطيع إنقاذ فلورنس من فرنسا؛ كما أنقذها والده من نابلي، بالذهاب إلى عدوه. فقابل شارل في ساردسانا وأجابه إلى كل ما طلب: فسلمت إلى الفرنسيين بيزا وليغورن Leghorn، وجميع ما لفلورنس من حصون في الغرب على أن تبقى في أيديهم طوال أيام الحرب، ورضي أن تقدم فلورنس مائتي ألف فلورين (5.000.000 دولار أمريكي) تساعد بها على تمويل حملة شارل(12): فلما وصل نبأ هذا التسليم إلى فلورنس ارتاعت له حكومة المدينة ومجلسها، ولم يكونوا قد استشيروا من قبل في أمر هذه المفاوضات بعكس ما حدث من قبل في أيام لورندسو.
وقرر مجلس حكام فلورنس بزعامة المعارضين لبيرو من آل ميديتشي أن يخلعوه ويعيدوا الجمهورية القديمة؛ فلما عاد بيرو من ساردسانا وجد أبواب قصر فيتشيو مغلقة في وجهه، وأخذ الناس يهزءون به وهو راكب في طريقه إلى منزله، والصبية يقذفونه بالحجارة. وخشي بيرو الاعتداء على حياته




صفحة رقم : 6571




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> النبي


ففر هو وأسرته وإخوانه من المدينة، ونهب العامة قصر آل ميديتشي وحدائقهم، وبيوت عمال بيرو على أمواله؛ ونهبت المجموعات الفنية التي قضي آل ميديتشي في جمعها أربعة أجيال، وبعثرت، وباعت الحكومة ما بقي منها في مزاد علني. وعرض مجلس حكام فلورنس مكافأة قدرها خمسة آلاف فلورين لمن يأتيهم ببيرو والكردنال جيوفني ده ميديتشي على قيد الحياة، وألفين لمن يأتي بهما ميتين. وارسلت خمسة رجال، من بينهم سفنرولا، إلى شارل في بيزا يطلبون إليه شروطاً للصلح أخف وطأة من الشروط السالفة الذكر، وقابلهم شارل بمجاملة سلبية، فلما غادر الوفد بيزا نزع أهلها شارات الأسد والسوسن وهي شعار بيزا عن منازلهم ونادوا باستقلالهم. ودخل شارل فلورنس، ورضي بأن يدخل تعديلا طفيفاً على مطالبه؛ ودفعه حرصه على الوصول إلى نابلي إلى أن يتجه بجيشه نحو الجنوب، وشرعت فلورنس وقتئذ تقوم بتجربة في الديمقراطية تعد من أروع التجارب في التاريخ.




صفحة رقم : 6572




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الحاكم



الفصل الثاني




سفنرولا الحاكم


دعي أهل فلورنس في اليوم الثاني من ديسمبر عام 1494 إلى برلمان Parlamento، دعاهم إليه الناقوس العظيم المعلق في برج قصر فيتشيو. وطلب إليهم مجلس السيادة أن يخولوه سلطة ترشيح عشرين من رجالها، يعينون هم مجلس سيادة جديد ورؤساء جدداً للموظفين، وأن يحتفظ هذا المجلس وأولئك الموظفون بمناصبهم عاماً واحداً، تملأ بعده جميع المناصب بطريق القرعة من سجل يحتوي أسماء الذكور المتمتعين بالحقوق السياسية والبالغ عددهم قرابة ثلاثة آلاف. ووافق البرلمان على أن يعهد بهذه السلطة إلى مجلس السيادة القديم.. وحل »العشرون« المجالس والهيئات التي كانت تنظر في الشئون العامة وتديرها أيام آل ميديتشي، ووزعوا المناصب المختلفة على أنفسهم، ولكنهم لم يكونوا ذوي خبرة ودراية بهذه الأعمال، وقامت بينهم التحزبات للأسر فمزقتهم تمزيقاً، وانهارت الأداة الحكومية الجديدة، وأوشكت الفوضى أن تضرب أطنابها في المدينة، وشرع دبيب الكساد يدب في التجارة والصناعة، وتعطل الناس، واحتشدت الجموع الغاضبة في الشوارع؛ وأقنع بيرو كبوني Pero Capponi »العشرين« أن لا سبيل إلى عودة النظام إلا إذا دعي سفنرولا إلى مجالسهم.
واستدعاهم الراهب إلى ديره، وعرض عليهم منهاجاً طموحاً من التشريعات السياسية، والاقتصادية، والخلفية. ووضع »العشرون« بزعامته وزعامة بيترو سديريني Pietro Soderini دستوراً جديداً اتخذوا بعض مبادئه من الدستور الذي نجح أيما نجاح في استقرار الحكم في البندقية. وينص هذا الدستور على إنشاء مجلس أعلى Maggior Consiglio يتكون




صفحة رقم : 6573




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الحاكم


من رجال تولوا هم أو اسلافهم من الأجيال الثلاثة السابقة مناصب كبيرة في الدولة، على أن يختار هؤلاء الأعضاء الأولون ثمانية وعشرين عضواً آخر ينضمون إليهم في كل عام. أما الهيئة التنفيذية للحكومة فتبقى في جوهرها كما كانت في أيام ميديتشي: مجلس للسيادة مكون من ثمانية رؤساء وحامل للشعار، يختارهم الأعلى لمدة شهرين، ومن عدة لجان -لجنة الأثني عشر، والعشرة والثمانية-مهمتها تصريف الشئون الإدارية، وشئون الضرائب والحرب. وأجل إنشاء الديمقراطية الكاملة بحجة أنها نظام غير عملي في مجتمع لا تزال كثرته من الأميين، يندفعون وراء العواطف والانفعالات؛ ولكن المجلس الأعلى الذي يكاد أعضاؤه يبلغون ثلاثة آلاف عضو كان يعتبر هيئة نيابية. وإذا لم يكن في قصر فيتشيو حجرة تتسع لهذه الجمعية الضخمة، فقد كلف سيمون بلا يولو-ال كروناكا Simone Palaiuolo Ii Cronaca- بأن يعيد تخطيط جزء من داخل القصر ليجعل بهو قاعة الخمسمائة Sala dei cinquecento يتسع لعقد جلسات المجلس مجزءاً. وقد كلف ليوناردو دافنتشي وميكل أنجيلو بعد ثمان سنين من ذلك الوقت أن ينقشا الجدران المتقابلة متنافسين تنافسا ذائع الصيت في التاريخ. ورحبت الجماهير بهذا الدستور المقترح ترحيباً كان الفضل فيه لنفوذ سفنرولا، وشرعت الجمهورية الجديدة تباشر أعمالها في اليوم العاشر من شهر يونية سنة 1495.
وبدأت أعمالها بداية طيبة، فأصدرت عفواً عاماً من جميع المؤيدين لحكم آل ميديتشي الزائل، ودلت على كرمها المنبعث عن احترامها لنفسها بأن ألغت جميع الضرائب عدا ضريبة قدرها عشرة في المائة من دخل الأملاك العقارية، وبذلك أعفى التجار الذين كانوا يسيطرون على الأعمال التجارية من الضرائب، والقوا العبء كله على الأرستقراطية المالكة للأرض، وعلى الفقراء المنتفعين بها. ثم أنشأت الحكومة بإيعاز سفنرولا




صفحة رقم : 6574




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الحاكم


مكتبا للقروض monte dè pieta يقرض المال بفائدة قدرها خمسة في المائة؛ وبذلك أنجت الفقراء من الاعتماد على المرابين الذين كانوا يتقاضون فوائد تبلغ أحياناً ثلاثين في المائة. ثم حاول المجلس بتحريض الراهب أيضاَ ان يصلح الأخلاق والقوانين: فحرم سباق الخيل، والأغاني البذيئة في الحفلات التنكرية، وانتهاك الحرمات، والميسر، وشجع الخدم على أن يبلغوا عن أسيادهم إذا قامر؛ وكان من يحكم عليهم من المذنبين يعذبون؛ كما كان المجدفون يعاقبون بخرق ألسنتهم، ومن يرتكبون اللواط يلقون من العقوبات الشديدة ما يزري بهم. ونظم سفنرولا الغلمان من جماعته في شرطة أخلاقية مهمتها المساعدة على تنفيذ هذه الإصلاحيات. وتعهد هؤلاء الغلمان بأن يداوموا على الذهاب إلى الكنيسة بانتظام، ويتجنبوا مشاهدة السباق، والاستعراضات، والألعاب البهلوانية، وصحبة الأرذال الفاسدين، والإطلاع على الأدب البذيء، ومشاهدة الرقص، ومدارس الموسيقى، كما تعهدوا بتقصير شعر الرأس. وكانت »عصب الأمل« هذه تجوب الشوارع تطلب الصدقات للكنيسة؛ وتشتت الجماعات التي تحتشد للعب الميسر، وتنتزع أجسام النساء ما ترى أنه غير لائق من الثياب.
وارتضت المدينة هذه الإصلاحيات إلى حين، وأيدتها بعض النساء تأييداً حماسياً، وسلكن مسلكاً مرضياً، ولبسن ثياباً بسيطة، وخلعن الحلي، وبدأت الثورة الأخلاقية فلورنسة آل ميديتشي المرحة تبديلا، وأخذ الأهلون يتغنون في الشوارع بالترانيم الدينية بدل الأغاني الخمرية، وغصت الكنائس بالمصلين، وأخرج الناس الصدقات بمقادير لم يعهد مثلها من قبل، ورد بعض رجال المصارف والتجار مكاسبهم غير المشروعة(13). ودعا سفنرولا جميع سكان المدينة، فقرائهم وأغنيائهم على السواء، أن يتجنبوا البطالة، والترف، وأن يجدوا في أعمالهم، وأن يجعلوا حياتهم قدوة حسنة لغيرهم، وقال في ذلك: »يجب أن نبدأ إصلاحاتكم بشئون




صفحة رقم : 6575




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الحاكم


الروح... وأن تضعوا مغانمكم الدنيوية في خدمة الصالح الأخلاقية والدينية التي هي أساس هذه المغانم، وإذا كنتم قد سمعتم »أن الدول لا تحكم بالصلوات والأدعية« فاذكروا ان هذا هو حكم الطغاة المستبدين،... وهو حكم لا يعمل لحرية المدينة بل يعمل لظلمها، فإذا شئتم حكماً صالحاً، وجب عليكم أن تردوا هذا الحكم إلى الله«(14). وطلب إلى فلورنس أن تعتقد أن لحكوماتها ملكاً لا تراه العين-هو المسيح نفسه؛ وتنبأ بأن هذه الحكومة الدينية ستؤدي إلى »المدينة الفاضلة«. وقال »أي فلورنس! وإذن ستكونين غنية بثروتك الروحية والزمنية؛ وستفوزين بإصلاح روما، وإيطاليا، وجميع الأقطار، وستبسطين جناحي عظمتك على العالم كله«(15). والحق أن فلورنس لم تسعد في يوم ما قبل ذلك الوقت كما سعدت في تلك الأيام التي كانت لحظة ساطعة في تاريخ الفضيلة القلق المضطرب.
لكن الطبيعة البشرية لا تتغير، فالناس ليسوا فضلاء بفطرتهم، والنظام الاجتماعي إنما يحافظ على كيانه المزعزع وسط التنازع الخفي والعلني القائم بين النفوس والأسر، والطبقات، والعناصر، والعقائد. وكان في المجتمع الفلورنسي عنصر قوي شديد الميل إلى الحانات، والمواخير، وأندية القمار ينفسون بها عن غرائزهم، أو يتخذونها وسيلة إلى الكسب؛ وثارت ثائرة أسر الباتسيين، والزيليين، والكيونيين، والفرع الأصغر من الميديتشيين وغيرهم من الأعيان الذين أخرجوا بيرو، حين رأوا أزمة الحكومة تقع في يدي راهب. وكانت بقية من حزب بيرو لا تزال قائمة تتحين الفرص التي تستطيع بها العودة إلى الحكم وتستعيد بها الثراء. كذلك كان الرهبان الفرنسيس يعملون بكل ما أوتوا من حماسة دينية ضد سفنرولا الدمنيكي، كما كانت عصبة صغيرة العدد من المتشككين تصب اللعنات على الطائفتين. واجتمعت هذه الطوائف المختلفة من أعداء النظام الجديد في تجريح مؤيديه ووصفهم بالباكين Piagnoni (لأن الكثيرين منهم كانوا يبكون إذا سمعوا




صفحة رقم : 6576




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الحاكم


عظات سفنرولا وذوي الرقاب الملتوية Collitorti، والمنافقين Stropiccioni ومن يلوكون الصلوات Masticapternostri، وكان الذين يلقبون بهذه الألقاب يسمون أعداءهم الكلاب الكلبة Arrabiati لشدة عداء هؤلاء لهم.
وافلحت طائفة الأربياتي (الكلاب الكلبة) في انتخاب مرشحها فلبو كوربتسي Filippo Corbizzi حاملاً لشعار الدولة في بداية عام 1496، فلما تم له ذلك عقد في قصر فيتشيو مجلساً من الكهنوت؛ واستدعى سفنرولا للمثول أمامه، واتهمه بالتورط في نشاط سياسي لا يليق بالرهبان، وانظم إليه في هذه التهمة عدد من رجال الدين من بينهم راهب دمنيكي من طائفة سفنرولا نفسه. وكان جواب سفنرولا: الآن قد حقت كلمات الله: (لقد حاربني أبناء أمي)... ليس الاهتمام بشئون هذا العالم... جريمة يتهم بها راهب إلا إذا خاض فيها دون أن يكون له غرض أسمى، ولم يكن يسعى لنصرة قضية الدين«(16)، وطالبوه بأن يصرح هل كانت عظاته موحى بها من عند الله، ولكنه أبى أن يجيب عن هذا السؤال، وعاد إلى صومعته وهو أشد حزناً مما كان. ولعله كان يستطيع التغلب على أعدائه لو أن الظروف الخارجية كانت في صالحه. لكنها لم تكن؛ ذلك أن الفلورنسيين الذين يمتدحون الحرية كانوا غاضبين أشد الغضب على بيزا لأنهم يطالبون بها؛ وحتى سفنرولا نفسه لم يجرؤ على الدفاع عن المدينة الثائرة. وعوقب قس من قساوسة الكنيسة عقاباً صارماً على يد مجلس للسيادة مؤلف من الباكين لأنه صرح بأن من حق أهل بيزا أيضاً ان يكونوا أحراراً. ووعد سفنرولا بأن يرد بيزا إلى فلورنس، واندفع فادعي أن بيزا في قبضة يده؛ ولكنه كان، كما وصفه مكيفلي ساخراً، نبياً لا جند له. ودعمت بيزا استقلالها بعد أن طرد شارل الثامن من إيطاليا وذلك بتحالفها مع ميلان والبندقية، واسف الفلورنسيين لأن سفنرولا قد ربط نجمهم بنجم شارل الآفل، ولأنهم دون غيرهم




صفحة رقم : 6577




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الحاكم


لم يشتركوا في ذلك العمل المجيد وهو طرد الفرنسيين من إيطاليا(17). وكان القائدان الفرنسيان للحصنين الفلورنسيين، وهما حصنا سردسانا وبيترا سانتا Pietra Santa قد باعا أحدهما إلى جنوي، والآخر إلى لوكا. وقامت حركات تطالب بالتحرر في مونتي بلتشياتو Montepulciano وأرتسو Arezzo، وفلتيرا Volterra وغيرها من المدائن التابعة لفلورنس اضطربت لها انحاؤها؛ ولاح أن المدينة التي كانت من قبل قوية مزهوة قد أوشكت أن تخسر ممتلكاتها الخارجة كلها تقريباً، وأن تخسر كذلك جميع منافذها التجارية القائمة على نهر الآرنو، والبحر الأدرياوي، وعلى الطرق المؤدية إلى ميلان وروما. وكان لهذا أسوأ الأثر في التجارة، وقل إيراد الضرائب؛ وحاول المجلس أن يحصل على المال الذي تتطلبه الحرب ضد بيزا بقروض جبرية من أغنياء المواطنين، وعرض عليهم في مقابل هذه القروض سندات حكومية؛ فلما أن لاحت امارات الإفلاس انخفضت قيمة هذه السندات إلى ثمانين في المائة، ثم إلى خمسين، فإلى عشرة في المائة من قيمتها الاسمية. واقفرت خزانة الدولة في عام 1496. وحذت الحكومة حذو لورندسو فاقترضت المال من رصيد اؤتمنت عليه الدولة لتقديم البائنات للعرائس الفقيرات. وفشت الرشوة هي والفساد والعجز وضربت أطنابها في إدارة الأموال الحكومية سواء كان مديروها هم الكلاب الكلبة أو الباكين. واختير فرانتشسكو فالوري حاملا لشعار الدولة (يناير 1497) بأغلبية من الباكين فزادت الكلاب الكلبة جنوناً بأن حرمت عليها جميع الوظائف الكبرى ومنعت من عضوية المجلس إذا كان أفرادها ممن تهربوا من أداء الضرائب، ولم يسمح لغير الباكين بالخطابة في المجلس، وأخرج من فلورنس كل راهب فرنسيسي يرفع عقيرته بالخطابة ضد سفنرولا. وحدث في خلال عام 1496 أن ظل المطر ينهمر في كل يوم تقريباً مدة أحد عشر شهراً واتلف المحصولات في الأراضي الضيقة الرقعة الواقعة في




صفحة رقم : 6578




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الحاكم


مؤخر المدينة؛ وبلغ من شدة القحط أن كان الناس يسقطون موتى من الجوع على قارعة الطريق. وافتتحت الحكومة محطات للإغاثة لمد الفقراء بالحبوب، فكانت النساء يتساقطن موتى من شدة الزحام على طلبها. وأخذ حزب آل ميديتشي يدبر المؤامرات لعودة بيرو؛ وعرفت اسماء خمسة من زعائمهم وحكم عليهم بالإعدام (1497)؛ ومنعوا من استئناف الحكم إلى المجلس وهو الحق الذي يضمنه لهم الدستور، وأعدموا ولما يمض على صدور الحكم إلا ساعات قليلة؛ وأخذ كثيرون من الفلورنسيين يوازنون بين ما هو منتشر في الحكم الجمهوري من تحزب، وعنف، وقسوة، وبين ما كان يسود عهد لورندسو من نظام وأمن وسلام. وتكررت مظاهرات الجموع الغاضبة المعادية أمام دير سفنرولا؛ فكان الكلاب الكلبة والباكون يتراشقون بالحجارة في الشارع؛ ولما أن شرع الراهب يلقي موعظته في يوم الصعود من عام 1497 قاطعه جماعة من الغوغاء وحاول أعداؤه في أثناء الشغب أن يقبضوا عليه ولكن أصدقاءه ردوهم على أعقابهم. وعرض حامل الأختام على مجلس السيادة أن ينفي سفنرولا من المدينة لعل ذلك يسكن من غضب الأهلين، ولكن الاقتراح رفض بأغلبية صوت واحد؛ وكان سفنرولا في هذه العاصفة التي انهارت فيها أحلامه انهياراً مريراً يواجه ويتحدى أعظم قوة في إيطاليا.




صفحة رقم : 6579




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد



الفصل الثالث




سفنرولا الشهيد


لم يضطرب البابا اسكندر السادس اضطراباً شديداً بسبب ما وجهه سفنرولا من نقد لرجال الدين أو لأخلاق أهل روما. ذلك أنه سمع مثل هذا النقد من قبل؛ فقد ظل مئات من رجال الكنيسة قروناً طوالا يشكون من أن القساوسة يحيون حياة تنافي الفضيلة، ومن أن البابوات يحبون المال والسلطان حباً لا يليق بخلفاء المسيح(18). وكان البابا اسكندر سهلاً رضي الطباع، لا يسوئه النقد الهين ما دام يحس بأنه آمن في الكرسي الرسولي. أما الذي كان يسوئه من سفنرولا فهو آراء هذا الراهب السياسية؛ ولسنا نعني بهذه الآراء السياسية ما في الدستور الجديد من نزعة شبه ديمقراطية. كذلك لم يكن البابا يهتم خاصاً بالميديتشيين، ولعله كان يؤثر أن تقوم في فلرونس جمهورية ضعيفة عن أن تقوم فيها حكومة مستبدة قوية. كذلك كان يخشى أن يغزو الفرنسيون البلاد مرة أخرى؛ فقد اشترك من قبل في تكوين عصبة من الدول الإيطالية تعمل على طرد شارل الثامن من إيطاليا، وتحبط أي هجوم ثان يقوم به الفرنسيون؛ ولم يكن يطيق استمساك فلورنس بتحالفها مع فرنسا، ويرى أن سفنرولا هو القوة الخفية التي توجه سياسة المدينة هذه الوجهة، ويرتاب في أنه يراسل في السر الحكومة الفرنسية. وقد كتب سفنرولا في واقع الأمر ثلاث رسائل يؤيد فيها ما اقترحه الكردنال جوليانو دلا روفيري Guiliano della Rovere من أن يعقد الملك مجلساً عاماً من رجال الدين والحكم يصلح الكنيسة، ويخلع الإسكندر لأنه »كافر وزنديق«(19). وحرض الكردنال أسكانيو اسفوردسا Ascanio Sforza ممثل ميلان في البلاط البابوي، البابا على أن




صفحة رقم : 6580




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


يضع حداً لخطب الراهب ونفوذه؛ فكتب الإسكندر في اليوم الحادي والعشرين من شهر يوليه عام 1495 رسالة موجزة إلى سفنرولا قال فيها: إلى ابننا المحبوب نهدي تحياتنا وبركتنا الرسولية. لقد سمعنا أنك أشد العاملين في كرمة الرب غيرة، فابتهجنا لذلك أشد الأبتهاج وحمدنا الله العلي القدير على هذا. وسمعنا كذلك ما تؤكده من أن تنبوءاتك لا تصدر منك بل من الله . ومن أجل هذا نرغب في أن نتحدث إليك في هذه الأمور كما يقضي علينا بذلك قيامنا على رعاية أبناء هذا الدين؛ حتى إذا ما زدنا بهذه الطريقة علما بإرادة الله كنا أقدر على أداء واجبنا؛ ولهذا نأمرك بمالنا عليك من حق الطاعة المقدسة التي أقسمت بالحرص عليها أن تعجل بالمثول بين يدينا، وسوف تلقي منا الترحيب المشفوع بالحب والحنان(20).
وكانت هذه الرسالة نصراً عظيماً لأعداء سفنرولا، لأنها وضعته في مأزق لا يسعه معه إلا أن يختم حياته بوصفه مصلحا أو أن يعصى أمر البابا علناً. وخشي سفنرولا ألا يستطيع العودة إلى فلورنس إذا ألقى بنفسه في قبضة البابا؛ ولربما قضى بقية أيامه في جب سانت أنجيلو Sant' Angelo؛ وإذا لم يعد فإن أنصاره سيقضي عليهم لا محالة. لهذا عمل بنصيحتهم فرد على الإسكندرية قائلا إن مرضه الشديد يحول بينه وبين القدوم إلى روما. وتكشفت بواعث البابا السياسية إلى هذه الدعوة حين كتب إلى مجلس السيادة في فلورنس في الثامن من سبتمبر يحتج على استمرار التحالف بين فلورنس وفرنسا، وينبه الفلورنسيين إلى أنهم لا يليق بهم أن يوجه إليهم اللوم بأنهم دون سائر الإيطاليين يتحالفون مع أعداء إيطاليا؛ وأمر سفنرولا في الوقت عينه أن يمتنع عن الخطابة، وأن يخضع لسلطان الوكيل العام للرهبان الدمنيك في لمباردي، وأن يرحل إلى أي مكان يأمره هذا الوكيل بالرحيل إليه.




صفحة رقم : 6581




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


ورد عليه سفنرولا (في التاسع والعشرين من سبتمبر) بأن أتباعه لا يريدون أن يخضعوا إلى الوكيل العام للدمنيك، ولكنه في الوقت عينه سيمتنع عن الخطابة. فرد عليه الإسكندر مرة أخرى رداً يدل على رغبته في التوفيق والمصالحة (16أكتوبر)، وأعاد في هذا الرد أمره له بالامتناع عن الخطابة، وعبر عن أمله في أن يجيء سفنرولا إلى روما حين تسمح له صحته بالمجيء إليها لكي يستقيل منها »بروح البهجة والأخوة«(21)، ثم ترك الإسكندر الأمر عند هذا الحد مدة عام.
وكان حزب سفنرولا في هذه الأثناء قد استرد لنفسه السلطان في المجلس وفي مجلس السيادة، ورجا مبعوثو حكومة فلورنس في روما البابا أن يلغي أمره القاضي بمنع الراهب من الخطابة، قائلين أن فلورنس في حاجة إلى تأثيره القوي أيام الصوم الكبير. ويبدو أن الإسكندر أجابهم إجابة شفوية إلى ما طلبوا، وعاد سفنرولا في السابع عشر من فبراير سنة 1496 إلى الخطابة في الكنيسة الكبرى. وعهد الإسكندر حوالي ذلك الوقت إلى أحد الأساقفة الدمنيكيين المتبحرين في العلم أن يفحص ما نشر من مواعظ سفنرولا ليتبين ما بها من خروج على الدين. وكتب الأسقف في تقريره يقول: »أيها الأب الأقدس؛ إن هذا الراهب لا ينطق بشيء يتعارض مع الحكمة أو الشرف؛ فهو يتحدث عن بيع المناصب الدينية وعن فساد القساوسة؛ وهو إن شئت الحقيقة شائع شيوعاً كبيراً؛ وهو يحترم عقائد الكنيسة وسلطاتها؛ وأفضَّل من أجل هذا أن أتخذه لي صديقاً- ولو تطلب هذا أن تعرض عليه ثياب الكردنال الأرجوانية«. ولم يفارق الأسكندر ظرفه فبعث إلى فلورنس راهباً دمنيكياً يعرض على سفنرولا القلنسوة الحمراء؛ ولم يشعر الراهب بأن هذا تكريماً له بل كان وقعه عليه أليماً، لأنه لم ير فيه إلا مثلا آخر من شراء المناصب، فقال لمبعوث الإسكندر: »عليك أن تأتي إلى عظتي التالية تعرف ردي على روما«(23).




صفحة رقم : 6582




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


وكانت عظته الأولى في ذلك العام إيذاناً ببدء النزاع مع البابا، وكان هذا النزاع حادثاً عظيم الخطر في تاريخ فلورنس؛ وتاق نصف المدينة المهتاجة إلى سماعه، ولم تتسع الكتدرائية على رحبها لكل من أرادوا الدخول، وإن كانوا قد ازدحموا في داخلها حتى لم يستطع أحد منهم حراكا. وأحاطت بالرئيس جماعة من اصدقائه المسلحين حتى اوصلته إلى الكنيسة. وبدأ عظته بأن شرح سبب انقطاعه الطويل عن المنبر، وأكد ولاءه التام لتعاليم الكنيسة، لكنه أتبع ذلك بتحدي البابا تحدياً جريئاً فقال:
إن الرئيس لا يستطيع أن يصدر إليّ أمراً أياً كان يتعارض مع القواعد التي تسير عليها طائفتي، ولا يستطيع البابا أن يصدر أمراً ما يتعارض مع مقتضيات البر أو أوامر الإنجيل؛ ولست أعتقد أن البابا سيحرص يوماً ما على أن يفعل هذا؛ فإن فعل فسأقول له: »إنك الآن لست براع، ولست أنت كنيسة روما، إنك مخطئ«... وإذا تبين بوضوح أن أوامر الرؤساء تتعارض مع أوامر الله، وبخاصة إذا تعارضت مع قواعد البر والخير، فما من أحد من الناس في هذه الحال ملزم بإطاعتها ... وإذا ما تبينت بوضوح أن رحيلي عن مدينة ما سيؤدي إلى هلاك أهلها الروحي والزمني، فإني لن أطيع إنساناً على ظهر الأرض يأمرني بالرحيل عنها... لأني إن اطعته عصيت أوامر الله(24).
وندد في عظته التي ألقاها في يوم الأحد الثاني من آحاد الصوم الكبير بأخلاق عاصمة العالم المسيحية بأقسى الألفاظ فقال: »إن ألف عاهر، وعشرة آلاف عاهر، وأربعة عشر ألف عاهر عدد قليل لا يكفي روما لأن جميع من فيها من رجال ونساء في العهر سواء«(25). وانتشرت هذه العظات في طول أوربا وعرضها عن طريق الاختراع الجديد العجيب ونعني به المطبعة، وكان الناس يقرئونها في كل مكان حتى سلطان تركيا نفسه، وأثارت عاصفة من المنشورات والكتيبات في داخل فلورنس وخارجها،




صفحة رقم : 6583




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


منها ما اتهم الراهب بالخروج على الدين والنظام ومنها ما دافع عنه ووصفه بأنه نبي وقديس.
وأخذ الإسكندر يبحث عن وسيلة غير مباشرة يتقي بها الحرب العلنية. ومن أجل هذا أمر في شهر نوفمبر من عام 1496 أن توحد جميع الأديرة الدمنيكية التسكانية لتؤلف مجموعة تسكانية- رومانية جديدة توضع تحت سلطة بادر جياكومو دا تشيتشيليا (الصقلي) Padre Giacomo de Cicilia. وكان بادر جياكومو هذا ممن يعطفون على سفنرولا، ولكنه في أغلب الظن لا يمانع في نقل الراهب إلى بيئة أخرى إذا اشار عليه البابا ذلك. ورفض سفنرولا أن يطيع أمر التوحيد، وعرض الأمر على الشعب برمته في نشرة سماها :»دفاع من إخوان سان ماركو«. وجاء في هذه النشرة: »إن هذا الاتحاد مستحيل، وغير معقول، ومضر، ولا يمكن إرغام إخوان سان ماركو على قبوله، لأن الرؤساء لا يحق لهم أن يصدروا أوامر تتعارض مع القواعد التي تسير عليها الطائفة، أو تتعارض مع قانون الخير العام أو سلامة النفوس«(26). وإذا نظرنا إلى الأمر من الناحية الرسمية فإنه جميع من يؤمون الأديرة يخضعون خضوعاً مباشراً للبابوات، ومن حق البابا أن يضم هؤلاء كلهم ويوحد بينهم رغم إرادتهم؛ بل إن سفنرولا نفسه قد وافق في عام 1493 على أمر أصدره الإسكندر بضم جماعة الدمنيكين في دير سانت كترين بمدينة بيزا إلى جماعة سفنرولا في دير سان ماركو الذي يرأسه(27). على أن الإسكندرية لم يتخذ إجراءً عاجلاً، وظل سفنرولا يخطب وأصدر إلى الجمهور سلسلة من الرسائل يدافع عن تحديه للبابا.
ولما اقترب موعد الصوم الكبير من عام 1494 أعد الكلاب الكلبة عدتهم للاحتفال بالعيد بإقامة المهرجانات، والمواكب، والأغاني بجميع المظاهر التي كانت متبعة في أيام الميديتشيين. وأراد مساعد سفنرولا الأمين الراهب دمنيكو أن يحبط هذه الخطط، فأمر الأطفال من اتباعه أن ينظموا هم




صفحة رقم : 6584




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


احتفالا يختلف عن الاحتفال السالف الذكر. فأخذ هؤلاء الأولاد والبنات في خلال الأسبوع السابق لأيام الصوم يطوفون بالمدينة في جماعات، يدقون الأبواب، ويرجون او يطلبون في بعض الأحيان- أن يعطوا ما يسمونه »الأباطيل« أو الأشياء الملعونة (أناثمازي Anathemase)-ويقصدون بها الصور التي يرون أنها بذيئة، وأغاني الغرام، وأقنعة أعيد المساخر وملابسها، والشعر المستعار، وملابس التنكر، وأوراق اللعب، والنرد، والآلات الموسيقية، ومستحضرات التجميل، والكتب الخبيثة مثل ديكمرون أو مورجنتي مجيوري... ولما حل اليوم الأخير من أيام المساخر وهو اليوم السابع من فبراير، سار أشد الناس حماسة من أتباع سفنرولا في موكب رهيب وهو ينشدون الأناشيد خلف تمثال للطفل يسوع نحته دوناتلو يحمله أربعة أطفال في هيئة ملائكة إلى ميدان مجلس السيادة Piazza della Signoria. وكان قد أعد في ذلك الميدان من المواد القابلة للاشتعال هرم ضخم ارتفاعه ستون قدماً ومحيطه عند قاعدته مائتان وأربعون. وصفت على طبقات الهرم السبع أو ألقيت عليها جميع »الأباطيل« التي جمعت في خلال الأسبوع أو جيء بها وقتئذ لتحرق، وكان منهل مخطوطات وتحف فنية عظيمة القيمة. وأشعلت النار في الكومة من أربع نقط، ودقت أجراس قصر فيتشيو لتعلن هذا أول »حريق للأباطيل يقوم به اتباع سفنرولا «.
ونقلت عظات الراهب في أيام الصوم ميدان الحرب إلى روما، ذلك أن الراهب، وإن قبل المبدأ القائل بأن الكنيسة يجب أن يكون لها قسط تعتمد عليه من السلطة الزمنية، قال إن ثروة الكنيسة هي سبب انحطاطها. ولم يكن هجومه عليها وقتئذ يقف عند حد:
»إن الارض تسفك فيها أنهار الدماء، ولكن القسس لا يعبثون بشيء من هذا؛ بل إنهم ينشرون الموت الروحي بين الناس جميعاً بما يضربونه




صفحة رقم : 6585




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


لهم من المثل السيئة. لقد ابتعدوا عن الله، فلا يعرفون من أسباب التقوى إلا أن يقضوا لياليهم مع العاهرات... وهم يقولون إن الله لا يعني قط بشئون العالم، وإن كل شئ يحدث فيه مصادقة واتفاقاً، وهم لا يؤمنون بأن المسيح موجود في العشاء الرباني... تعالي أيتها الكنيسة السفيهة... إن الله يقول: لقد وهبتك ثياباً جميلة، ولكنك اتخذتها أصناما، وجعلت من الأدعية المقدسة زينة وغروراً، وجعلت العشاء الرباني سلعة تباع وتشترى. لقد أصبحت في شهوانيتك عاهراً مجردة من الحياة، وأنت أحط من الحيوان، إنك من الفظائع الممقوتة. لقد كنت يوماً ما تشعرين بالخجل من آثامك، أما الآن فقد فارقك الحياء؛ وكان من مسحوا من رجال الدين يسمون أبناءهم اخوتهم وأخواتهم، أما الآن فهم يتحدثون صراحة عن أبنائهم ... والآن أيتها الكنيسة الفاجرة لقد كشفت عن خبثك ورذائلك للعالم أجمع وبلغ خبث رائحتك عنان السماء(28).
وكان سفنرولا يتوقع أن يؤدي هذا الهجاء القاذع إلى حرمانه من حظيرة الدين، وقد رحب فعلاً بهذا الحرمان فقال:
يقول الكثيرون منكم إن قرار الحرمان سيصدر... أما أنا فإني أتوسل إليك يا الله أن تعجل بهذا القرار... فليحمل هذا الحرمان إليّ على سن حربة، ولتفتحوا له الأبواب! وسأرد عليه، وإذا لم يذهلكم هذا الرد فقولوا فيَّ ما شئتم... إني لا أبغي يارب إلا صليبك! فلأضطهد؛ إني أسألك هذه النعمة؛ اللهم لا تمتني في فراشي، بل دعني أقدم لك دمي، كما قدمت أنت دمك لي(29).
وأوقدت هذه الخطب النارية لهيب الحماسة في كافة أنحاء إيطاليا، وهرع الناس من أقصى مدائنها للاستماع إليها، وجاء دوق فراراً متخفياً،




صفحة رقم : 6586




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


وفاضت الجماهير إلى الشوارع من الكنيسة، وكانت كل عبارة جامعة محكمة تنقل ممن في داخل الكنيسة إلى من في خارجها، أما في روما فقد انقلب الناس على الراهب انقلاباً كاد يشمل جميع الأهلين وأخذوا يطالبون بإنزال العقاب به(30). وحدث في إبريل من عام 1497 أن سيطرت الكلاب الكلبة على المجلس وادعوا أن المدينة معرضة لخطر الطاعون، فحرموا الخطابة تحريماً تاماً في الكنائس بعد اليوم الخامس من شهر مايو. وانصاع الإسكندر إلى تحريض الكلبيين فوقع في الثالث عشر من مايو قراراً بحرمان الراهب، ولكنه أذاع في الوقت عينه أنه مستعد لإلغاء هذا القرار إذا استجاب سفنرولا إلى أمره بالقدوم إلى روما. وأصر الراهب على رفض الدعوة لأنه كان يخشى أن يزج به في السجن؛ ولكنه لزم الصمت ستة أشهر؛ فلما حل عيد الميلاد أنشد في سان ماركو نشيد القداس الأكبر ، وقدم العشاء الرباني لرهبان ديره، وسار على رأسهم في موكب كبير حول الميدان. وروع كثيرون من الناس حين رأوا رجلاً محروماً يحتفل بالقداس، ولكن الإسكندر لم يعترض على هذا العمل، بل فعل عكس هذا إذ لمح بأنه مستعد للرجوع في قرار الحرمان إذا انضمت فلورنس إلى الحلف الذي يقاوم عودة فرنسا لغزو إيطاليا(31). لكن مجلس السيادة رفض هذا الاقتراح ظنا منه أن الفرنسيين قد ينتصرون في هذا الغزو، وفي الحادي عشر من فبراير عام 1498 بلغ عصيان سفنرولا غايته، فقد خطب في كنيسة سان ماركو فوصف قرار الحرمان بأنه قرار ظالم باطل، واتهم بالمروق من الدين كل من يؤيد صحته، وانتهى الأمر بأن أصدر هو قراراً بالحرمان قال فيه:
ومن اجل هذا فلتحل اللعنة Anathema على من يصدر أوامر تتعارض مع الخير. ولو أن هذا الأمر قد نطق به ملك من السماء، بل




صفحة رقم : 6587




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


نطقت به مريم العذراء نفسها، ونطق به جميع القديسين (وهو مستحيل لا ريب) لحلت عليهم اللعنة... وإذا ما نطق أي بابا بما يناقض هذا، فليعلن حرمانه(32).
وقرأ سفنرولا صلاة القداس في اليوم الذ قبل الصوم الكبير في الميدان القائم أما كنيسة سان ماركو، وقدم العشاء الرباني لجمع غفير من الناس ودعا الله جهرة بقوله: »اللهم إني كنت غير مخلص في أعمالي، أو إن كانت ألفاظي غير موحى بها منك فأمتني في هذه الساعة«، ونظم سفنرولا في عصر ذلك اليوم حرقاً ثانياً للأباطيل.
وأبلغ الإسكندر مجلس السيادة أنه سيصدر قراراً بحرمان المدينة إذا لم يستطع هذا المجلس إقناع سفنرولا بأن يكف عن الخطابة؛ لكن المجلس أبى أن يسكته وإن كان في ذلك الوقت شديد العداء له، وآثر أن يحمل البابا وحده عبء هذا القرار، هذا إلى أن الراهب البليغ قد يكون ذا نفع في مقاومة البابا الذي كان في ذلك الوقت ينظم الولايات البابوية تنظيماً يجعل منها قوة عظيمة تقلق بال جيرانها. وواصل سفنرولا خطبه، ولكنه قصرها على كنيسة الدير؛ وكتب سفير فلورنس في روما يقول إن عداء روما للبابا قد اشتد إلى حد يعرض حياة أهل كل فلورنسي فيها للخطر، وإنه يخشى إذا نفذ البابا ما هدد به من الحرمان فإن جميع التجار الفلورنسيين في روما قد يلقي بهم في السجون. ولم يسع مجلس السيادة إلا الخضوع، وأمر سفنرولا أن يكف عن عظاته (17 مارس). وأطاع الراهب الأمر، ولكنه تنبأ بأن فلورنس ستحل بها أشد الكوارث؛ وشغل الراهب دمنيكو منبر الدير بدله، وجعل نفسه الناطق بلسان الراهب؛ وكتب سفنرولا في خلال ذلك إلى ملوك فرنسا، وأسبانيا، وألمانيا، وبلاد المجر، يرجوهم أن يدعوا إلى عقد مؤتمر عام لإصلاح الكنيسة وجاء في رسالته:
لقد حان وقت الانتقام؛ وقد أمرني الله أن أكشف عن أسرار جديدة،




صفحة رقم : 6588




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


وأن أظهر للعالم الأخطار التي تتهدد سفينة القديس بطرس نتيجة لطول إهمالكم. إن الكنيسة غاصة بكل ما هو ممقوت ومرذول من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، ومع ذلك فإنكم لا تكتفون بالسكوت عن علاج مساوئها بل إنكم تقدمون الولاء والخشوع للمتسببين في هذه الرذائل التي تدنسها؛ وقد غضب الله من هذا أشد الغضب، وترك الكنيسة زمناً طويلاً من غير راع ... ذلك بأني بهذا أقر ... أن الإسكندر هذا ليس بابا، ولا يمكن أن يكون بابا؛ لأنه يغض الطرف عن الخطيئة المهلكة خطيئة الاتجار بالمقدسات والمناصب الكهنويتة التي ابتاع بها كرسي البابوية، وهو في كل يوم يبيع المناصب الكنسية لصاحب أكبر عطاء؛ وإذا غضضنا النظر عن آثامه الأخرى البادية للعيان، فإني أعلن على رؤوس الأشهاد أنه ليس مسيحياً ولا يؤمن بالله(33).
واضاف إلى ذلك قوله إنه إذ عقد الملوك مجلساً فإنه سيمثل أمامه ويبرهن على صحة هذه التهم جميعها. واعترض أحد عمال ميلان على إحدى هذه الرسائل وبعث بها إلى الإسكندر.
وقام راهب فرنسيسي في الخامس والعشرين من شهر مارس عام 1498 وسلط أضواء المسرحية على نفسه بأن خطب في كنيسة سانتا كروتشي (الصليب المقدس) يتحدى سفنرولا ويدعوه إلى التحكيم الإلهي بوساطة النار؛ واتهم في خطابه الراهب الدمنيكي بأنه خارج على الدين، ومتنبئ كذاب، وعرض أن يخوض النار إذا قبل سفنرولا أن يحذو حذوه؛ وقال إنه يتوقع أن يحترق كلاهما، ولكنه يرجو أن تنجو فلورنس بهذه التضحية من الاضطراب الذي أحدثه فيها دمنيكي مزهو يعصي أوامر البابا. ورفض سفنرولا هذا التحدي لكن دمنيكو قبله. واغتنم مجلس السيادة هذه الفرصة التي سنحت له لكي يندد بالراهب الذي أصبح في زعمه زعيما مهرجاً أثار في المدينة كثيراً من المتاعب. وارتضى الالتجاء إلى أساليب العصور الوسطى،




صفحة رقم : 6589




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


وأعد العدة لكي يدخل النار الراهب جوليانوا رندينلي Giuliano Rondinelli أحد الرهبان الفرنسيس والراهب دمنيكو دا بستشيا Domenico da Pescia في البياتسا دلا سنيوريا (ميدان مجلس السيادة).
واحتشد في اليوم المحدد جمهور كبير في الميدان العظيم ليستمتع بالنظر إلى معجزة من المعجزات أو إلى عذاب يحل ببني الإنسان، واحتل النظارة كل نافذة وكل سقف يطل على هذا المنظر. وأعدت في وسط الميدان كومتان متماثلتان من الخشب الممزوج بالقار، والزيت، والراتنج، والبارود،تعترضان طريقاً عرضه قدمان، وتضمنان اشتعال لهب شديد. واتخذ الرهبان الفرنسيس موقفهم في اللوجيا دي لاندسي Loggia dei Lanzi، واقبل الرهبان الدمنيك من الاتجاه المقابل لهم، وكان الراهب دمنيكو يحمل قرباناً مقدساً، بينما كان سفنرولا لا يحمل الصليب. وشكا الفرنسيس من أن قلنسوة الراهب الدومنيكي الحمراء قد سحرها رئيس الدير حتى أضحت غير قابلة للاحتراق؛ وأصروا على أن يخلعها؛ واحتج الراهب الدومنيكي على هذا الطلب ولكن الجماهير ألحت عليه بالامتثال ففعل. ثم طلب إليه الفرنسيس أن يخلع اثواباً أخرى ظنوا أنها هي أيضاً قد تكون مسحورة؛ وارتضى دمنيكو هذا، وسار إلى قصر مجلس السيادة واستبدل بثيابه ثياب راهب آخر. وألح الفرنسيس مرة أخرى أن يحرم عليه الاقتراب من سفنرولا، لئلا يعود إلى التأثر بسحره؛ وارتضى دمنيكو أن يحيط به الرهبان الفرنسيس؛ وعارضوا في أن يخوض النار وهو يحمل الصليب أو القربان المقدس، فأعطاهم الصليب ولكنه أبى أن يعطيهم القربان، وأعقبت هذا مناقشة فقهية بين سفنرولا والرهبان الفرنسيس وخلاصتها هل يحترق المسيح مع ظاهر القربان المقدس أو لا يحترق معه. وظل البطل فرنسيس في خلال هذه المدة في القصر يرجو مجلس السيادة أن ينقذه بوسيلة ما؛ وأطال الرهبان الجدل حتى أقبل الليل وخيم الظلام، ثم أعلنوا أن التحكيم الإلهي لن يحدث.




صفحة رقم : 6590




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


وغضبت الجماهير لهذا الخداع الذي حرمهم رؤية الدم المسفوك، وهاجموا القصر لكنهم صدوا، وحاول بعض الكلاب الكلبة أن يعتقلوا سفنرولا، ولكن حراسه دفعوهم عنه، وعاد الدمنيك إلى سان ماركو وسط سخرية الجماهير، وإن كان من الواضح أن الفرنسيس هم الذين كانوا السبب الأكبر في هذا التأخير: وشكا الكثيرون من أن سفنرولا قد سمح بأن يمثله دمنيكو في التحكيم الإلهي بدل أن يواجهه بنفسه، بعد أن أعلن أنه يتلقى الوحي من الله، وأن الله سيحميه. وانتشرت هذه الأفكار في المدينة، ولم يكد ينقضي الليل حتى تنحي أتباع رئيس الدير عنه.
وكان اليوم الثاني هو أحد السعف، وفيه سارت الغوغاء من جماعة الكلاب الكلبة وغيرهم تريد مهاجمة دير سان ماركو، وقتلوا في طريقهم بعض الباكين من بينهم فرانتشسكو فالوري، ولما أطلت زوجته من النافذة حين سمعت صراخه رميت بسهم أرداها قتيلة، ونهب بيته وحرق، وقتل أحد أحفاده خنقاً. ودق جرس سان ماركو يدعو الباكين إلى النجدة، ولكنهم لم يلبوا النداء، واستعد الرهبان للدفاع عن أنفسهم بالسيوف والهراوات، وأمرهم سفنرولا بأن يضعوا أسلحتهم ولكن أوامره ذهبت أدراج الرياح، ووقف هو نفسه أعزل أمام المحراب ينتظر الموت. واستبسل الرهبان في الكفاح، وأخذ الراهب إتريكو يضرب بسيفه وهو مبتهج ابتهاج غير رجال الدين، ويصرخ عن كل ضربة صرخة مدوية قائلا: أنج شعبك يا رب Salvum fuc populum tuum Domine ، ولكن الجماهير الغاضبة كان أكثر من أن يطيقها الرهبان؛ وأقنعهم سفنرولا في آخر الأمر أن يضعوا أسلحتهم. ولما أن جاء الأمر من مجلس السيادة باعتقاله هو ودمنيكو، استسلم الرجلان، وسيقا وسط الجماهير التي أخذت تسخر منهما، وتضربهما بالأيدي، وتركلهما بالأقدام، وتبصق عليهما، وأودعا زنزانتين في قصر فيتيشيو، وضم الراهب سلفسترو إلى السجينين في اليوم الثاني.




صفحة رقم : 6591




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


وبعث مجلس السيادة إلى البابا إسكندر بأنباء التحكيم الإلهي والقبض على الرهبان، ورجاه أن يعفو عما وقع على أحد رجال الدين من عنف، وطلب إليه أن يأذن بتقديم المسجونين إلى المحاكمة، وأن يعذبا إذا استدعى الأمر تعذيبهم. وطلب البابا أن يرسل الرهبان الثلاثة إلى روما ليحاكموا أمام محكمة كنسية؛ فرفض مجلس السيادة هذا الطلب، ولم يسع البابا إلا أن يقنع بأن يشترك مندوبان بابويان في محاكمة المتهمين(34). وكان مجلس السيادة يصر على إعدام سفنرولا، وذلك لاعتقاده أن حزبه سيبقى قائماً ما دام هو حياً؛ وأن موته هو الذي يرأب الصدع الذي قسم المدينة والحكومة على نفسيهما حتى اصبح مع فرنسا عديم القيمة لا تخشاه أية دولة أجنبية، وأضحت فلورنس بسبب ذلك مُعششا للمؤامرات الأجنبية في الداخل ومعرضة للغزو من الخارج.
وجرى المحققون على الشريعة التي سنتها محكمة للتفتيش، فأخذوا يعذبون الرهبان الثلاثة عدة مرات بين اليوم التاسع من أبريل واليوم الثاني والعشرين من مايو. وانهار سلفسترو على الفور، ولم يتردد في أن يجيب المحققين إلى كل ما رغبوا فيه حتى كانت اعترافاته عديمة القيمة بسبب الإفراط في يسرها. أما دمنيكو فقد ظل يقاوم؛ حتى النهاية وحتى بعد أن عذب عذاباً كاد ان يؤدي به إلى الموت ظل يجهر بأن سفنرولا قديس لا تشوبه شائبة من خداع أو إثم. وتوترت أعصاب سفنرولا وخارت قوله فلم يلبث أن انهار تحت ضغط التعذيب، وأدلى المحققين بكل ما أوحوا إليه به. فلما أفاق أنكر ما اعترف به، فعذب وعاد إلى الخضوع. ولما تكرر عذابه للمرة الثالثة تحطمت روحه وأمضى اعترافا مهوشاً بأنه لم يتلق وحياً إلهياً، وأنه آثم في كبريائه وأطماعه، وأنه حث قوى أجنبية زمنية على أن تعقد مجلساً عاماً للكنيسة، وأنه دبر مؤامرة لخلع البابا. وأدين الرهبان الثلاثة بأنهم منشقون خارجون على الدين، وأنهم أذاعوا أسرار الاعترافات؛ وادعوا




صفحة رقم : 6592




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


أنها رؤى ونبوءات، وأنهم أشاعوا الفرقة والاضطراب في الدولة؛ وحكم عليهم بالإعدام باتفاق الدولة والكنيسة. وتفضل الإسكندر فبعث إليهم بالغفران.
ونفذت الجمهورية العاقة قاتلة ابيها في الثالث والعشرين من شهر مايو عام 1498 حكم الإعدام في منشئها ورفاقه. واقتيدوا حفاة مجردين من ثيابهم الكهنوتية إلى ميدان مجلس السيادة الذي حرقوا فيه »الأباطيل« مرتين، واحتشدت جماهير كثيرة لتشاهد هذا المنظر كما احتشدت من قبل لتشاهد منظر التحكيم الإلهي، ولكن الحكومة أمدتهم في هذه المرة بحاجتهم من الطعام والشراب. وسأل أحد القساوسة سفنرولا »بأي روح تتحمل هذا الاستشهاد؟ « فرد عليه بقوله: »ما أكثر ما تعذب الرب من أجلي!« وقبل الصليب الذي كان معه ولم ينبس بعد ببنت شفة. وسار الرهبان بجنان ثابت ليلقوا مصيرهم المحتوم، وكاد الطرب يستخف دمنيكو فأخذ ينشد تسبيحه الشكر لله الذي أنعم عليه بنعمة الاستشهاد. وشنق ثلاثتهم وتركوا معلقين، وسمح للصبيان أن يرشقوهم بالحجارة وهم في حشرجة الموت. وأوقدت تحتهم نار حامية أحالت جثثهم رماداً؛ ثم ألقي الرماد في نهر الأرنو لئلا يعبد الناس بوصفه بقايا القديسين. وجاء بعض الباكين يتحدون الإحراق بالنار فركعوا في الميدان وأخذوا ينتحبون ويصلون؛ وظلت الأزهار تنثر في صباح اليوم التالي للثالث والعشرين من مايو في كل عام حتى عام 1703 في البقعة التي سقطت فيها دماء الرهبان الساخنة. وترى اليوم لوحة في أرض الميدان المرصوفة تشير إلى أشنع جريمة وقعت في تاريخ فلورنس.
وبعد فقد كان سفنرولا هو العصور الوسطى بعثت حية في عصر النهضة، وكانت النهضة هي التي قضت عليه. وكان يشهد انحلال إيطاليا




صفحة رقم : 6593




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


الأخلاقي بفعل الثروة، كما يشهد اضمحلال العقيدة الدينية؛ ووقف مستبسلاً، متعصباً، ولكنه وقف عبثاً، في وجه روح العصر المتشككة، الشهوانية. لقد ورث الرجل ما كان يتصف به القديسون في العصور الوسطى من غيرة أخلاقية وسذاجة عقلية، وبدا أنه لا مكان له في عالم يسبح بحمد بلاد اليونان الوثنية التي عثر عليها من جديد. وأخفق الرجل في هدفه وكان إخفاقه نتيجة قصور عقله وفي كفايته، ويستخف استخفاف السذج الطيبي القلوب بما تتطلبه مقاومة سلطان البابوية وغرائز الآدميين من قوة ليست له. ولقد روعته أخلاق الإسكندر ترويعاً نستطيع أن ندرك سببه، ولكنه كان عنيفاً في اتهاماته عنيداً في سياسته. لقد كان بروتستنتيا قبل أن يجيء لوثر، ولكن بروتستنتيته لم يكن لها معنى إلا أنها الدعوة لآراء الكنيسة القائمة، ولكن ذكراه أصبحت قوة تملأ عقول البروتستنت؛ ولذلك لقبه لوثر بالقديس. وكان أثره في الأدب ضئيلا لأن الأدب كان وقتئذ في أيدي المتشككين والواقعيين أمثال مكيفلي وجولتشيارديني Guicciarddini، أما أثره في الفن فكان عظيما إلى أبعد حد. وقد كتب الراهب بارتولوميو على صورته يقول: »صورة جيرولاما من أهل فرارا، النبي المبعوث من عند الله«. وقد تحول بتيتشيلي من الوثنية إلى التقي والصلاح بتأثير مواعظ سفنرولا؛ وكثيراً ما كان ميكل أنجيلو يستمع إلى الراهب ويقرأ عظاته في خشوع، وكانت روح سفنرولا هي التي حركت الفرشاة في سقف معبد ستيني Sistine ورسمت وراء المحراب صورة يوم الحساب.
أما عظمة سفنرولا فترجع إلى ما بذله من الجهد لإحداث ثورة أخلاقية




صفحة رقم : 6594




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> سفنرولا الشهيد


في فلورنس، و لحث الناس على أن يكونوا أشرافاً، صالحين، عادلين. ونحن نعرف أن هذه أشق الثورات كلها، ولا ندهش لأن سفنرولا أخفق فيما أفلح فيه المسيح، وهو أن يصلح قلة ضئيلة يرثى لها من الخلائق؛ ولكننا نعرف أيضاً أن ثورة كهذه هي وحدها التي تؤدي إلى تقدم حق في شئون الخلق، وأن تقلبات التاريخ إذا قيست إليها كانت مناظر عارضة سريعة الزوال عديمة الأثر، إن بدلت شيئاً فلن تبدل الإنسان.




صفحة رقم : 6595




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الجمهورية والميدتشيون



الفصل الرابع




الجمهورية والميديتشيون




1498-1534


لم يخفف موت سفنرولا من الفوضى التي كادت تجعل البلاد بلا حكومة أيام سلطانه. ذلك أن الفترة القصيرة التي لم تكن تدوم إلا ثلاثة شهور، وهي التي كان يقضيها أعضاء مجلس السيادة وحامل الأختام في مناصبهم، كانت تقضي على الاستمرار الواجب في الهيئة التنفيذية، وتبعث فيها قلقاً أشبه بقلق المحموم، وتؤدي إلى الفساد وعدم الإحساس بالتبعة. وحاول المجلس في عام 1502، وكانت تسيطر عليه وقتئذ أقلية ظافرة من أصحاب المال، أن يتغلب على بعض هذه الصعوبة بأن يختار حامل الشعار على أن يبقى في منصبه طول حياته حتى يستطيع مواجهة البابوات الحكام الزمنيين على قدم المساواة، وإن ظل مع ذلك خاضعاً لمجلس السيادة ومجلس الحكام. وكان اول من حظي بهذا الشرف بيتروسدريني، وهو من أصدقاء الشعب الأثرياء، وكان وطنياً أميناً، لم يؤت من العقل والإرادة درجة كبرى تهدد فلورنس بالدكتاتورية. واستخدم مكيفلي فيمن استخدمهم من المستشارين، وساس البلاد بحكمة وراعى جانب الاقتصاد، واستعان بأمواله الخاصة على العودة إلى مناصرة الفنون التي انقطع حبلها في عهد سفنرولا. واستبدل مكيفلي بتأييد منه بجنود فلورنس المرتزقة مجندين من أهلها، اضطروا بيزا آخر الأمر (1508) إلى قبول »الحماية« مرة أخرى.
ولكن السياسة الخارجية التي إتبعهتا الجمهورية أوقعت البلدة في عام 1512 في الكارثة التي تنبأ بها الإسكندر السادس. ذلك بأن فلورنس




صفحة رقم : 6596




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الجمهورية والميدتشيون


أصرت على الاستمساك بحلفها مع فرنسا طوال المدة التي كان فيها »الحلف المقدس« المكون من البندقية، وميلان، ونابلي، وروما يبذل الجهود تلو الجهود ليطهر إيطاليا من الغزاة الفرنسيين. فلما توجت جهود الحلف بالنصر ولى شطر فلورنس لينتقم منها، وسير إليها جنوده لكي يستبدلوا الالجاركية الجمهورية بدكتاتورية ميديتشية. وقاومت فلورنس جنود الحلف، وبذل مكيفلي جهودا جبارة لتنظيم وسائل الدفاع عنها. واستولى الغزاة على براتو Prato حصنها الامامي ونهبوه، وإلى عساكر مكيفلي الادبار أمام جنود الحلف المرتزقين المدربين. واستقال سدريني حتى لا يطول سفك الدماء، ودخل جوليانو ده ميديتشي ابن لورندسو فلورنس، بعد أن نفح الحلف بعشرة آلاف دوقة (نحو 250.000 دولار)، في حماية الجنود الاسبانية، والجرمانية، والإيطالية. وسرعان ما انضم إليه أخوه الكردنال جيوفيني، والغى دستور سفنرولا، وأعيدت سيادة آل ميديتشي على فلورنس.
وسلك جيوفيني وجوليانو مسلك الحكمة والاعتدال، وارتضى الشعب هذا التغيير بعد أن أتخمه طول الاستشارة والاهتياج. ولما أن أصبح جيوفيني هو البابا العاشر (1513)، وتبين أن جوليانو أرق واظرف من أن يكون حاكماً ناجحاً، أسلم حكم فلورنس إلى ابن أخيه لورندسو، ومات هذا الشاب الطموح بعد ست سنين من حكم الاستهتار، وخلفه الكردنال جويليوده ميديتشي Giulio de'Medici، ابن جوليانو الذي قتل في مؤامرة باتسي Pazzi، فأدار شئون فلورنس بكفاية ممتازة؛ ولما اصبح هو البابا كلمنت السابع (1521) حكم المدينة وهو جالس على كرسي البابوية. وانتهزت فلورنس فرصة الكوارث التي حلت به فطردت منها ممثليه (1527)، وظلت أربع سنين تستمع مرة أخرى بتجارب الحرية. ولكن كلمنت خفف بالدبلوماسية وقع الهزيمة، واستخدم جنود شارل




صفحة رقم : 6597




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الجمهورية والميدتشيون


الخامس ليثأر لاقاربه المطرودين. وزحف جيش من الاسبان والجرمان على فلورنس (1529)، وأعاد قصة عام 1512؛ وقاومت المدينة مقاومة الابطال ولكنها لم تجدها نفعا، وبدا السندروده ميديتشي Alessandro de Medici (1513) عهداً من الظلم والوحشية، والفجور لم يسبق له مثيل في سجلات اسرته، ومضت بعد ذلك ثلاثة قرون بعد أن تذوق فلورنس طعم الحرية مرة أخرى.




صفحة رقم : 6598




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الفن في عهد الجمهورية



الفصل الخامس




الفن في عهد الجمهورية


أن عصر الاهتياج السياسي يكون في العادة حافزاً قوياً للأدب وسندرس فيما بعد كاتبين من الطراز الأول - مكيفلي وجوتسيارديني Guicciardini - كانا من كتاب تلك الفترة. لكن الدولة المشرفة على هاوية الإفلاس، والتي لا تكاد تخرج من ثورة إلا إلى ثورة، لا تكون صالحة لنماء الفنون - وهي أقل ما تكون صالحاً لنماء العمارة بوجه خاص. ومع هذا فقد وجد عدد من الرجال الاغنياء، أوتوا من البراعة ما يستطيعون به أن يطفوا فوق الفيضان الجارف، فظلوا يتحدون الحظ العاثر بإقامة القصور. من ذلك أن جيوفيني فرانتشيسكو، وأرسطوطيلي دا سنجلو Aristotele da Sagalla، أقاما قصراً فخماً لأسرة بندلفيني Pandolfini بناء على تصميم من عمل روفائيل، وخطط ميكل أنجيلو بين عامي 1520، 1524 غرفة مقدسات جديدة Nuova Sagrestia لكنيسة سان لورندسو بتكليف من الكردنال جويليوده ميديتشي - تتكون من فناء مربع بسيط، وقبة متواضعة يعرفها العالم كله بأنها موطن أجمل ما نحته ميكل أنجيلو وهو مقابر الميديتشيين.
وكان بين منافسي هذا الفنان الجبار المثال بيترو ترجيانو Pietro Torrigiano الذي كان يعمل معه في حديقة التماثيل التي أنشأها لورندسو، والذي جدع أنفه ليؤيد بذلك حجة له. وغضب لورندسو من هذا العمل العنيف غضباً اضطر ترجيانو من أجله أن يلجأ إلى روما ويصبح جندياً في خدمة سيزاري بورجيان وأظهر بسالة عظيمة في كثير من المعارك، واتخذ سبيله إلى إنجلترا، وخطط فيها إحدى آيات الفن الإنجليزية وهي قبر




صفحة رقم : 6599




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الفن في عهد الجمهورية


هنري السابع في دير وستمنستر (1519). ونحت بعدئذ(1) وهو يطوف في إسبانيا طواف القلق المضطرب، تمثالاً جميلاً للعذراء والطفل كلفه به دوق أركوس Arcos، ولكن الدوق لم يكافئه عليه بما يستحق، فحطم التمثال، وانتقم منه الدوق بأن اتهمه لدى محكمة التفتيش بالمروق من الدين، وحكم على ترجيانو بعقوبة شديدة، ولكنه فوت على أعدائه غرضهم بأن أضرب عن الطعام حتى مات جوعا.
ولم تشهد فلورنس في فترة من تاريخها مثل ذلك العدد الجم من الفنانين الذي شهدته في عام 1492، ولمن كثيرين منهم فروا منها بسبب ما كانت تموج به من اضطراب، وخصوا بشهرتهم أماكن غيرها؛ فذهب ليوناردو إلى ميلان، وميكل أنجيلو إلى بولونيا، وأندريا سانسوفينو Andrea Sansovino إلى لشبونة وأتخذ سانسوفينو لقبه من جبل سو فينو، وأذاع شهرته إلى حد نسى معه الناس اسمه الحقيقي وهو أندريا دي دنيكو كنتوتشي Andrea di Domenico Contucci. وكان أندريا ابن عامل فقير ولكنه اولع اشد الولع بالرسم وبعمل نماذج من الصلصال؛ وارسله رجل رحيم من أهل فلورنس إلى مرسم أنطونيو دل بولا يولو؛ وسرعان ما نضج الغلام فشاد في كنيسة سانتو اسبريتو معبد القربان المقدس، وصنع فيه تماثيل ونقوشا بارزة »بلغت من القوة والجودة« كما يقول فاساري »درجة لا يجد الإنسان معها أي عيب فيها«، ثم وضع أمام المعبد دريئة مصعبة من البرنز بلغت من الجمال حداً لا يسع الإنسان معه غلا أن يحبس انفاسه عند النظر إليها. ورجا جون الثاني ملك البرتغال لورندسو أن يبعث إليه بالفنان الشاب، وذهب إليه أندريا وظل عنده تسع سنين يكدح في النحت والعمارة. وعاوده الحنين إلى إيطاليا، فعاد إلى فلورنس (1500)، ولكنه سرعان ما غادرها إلى جنوى، ثم انتهى به المطاف إلى روما، وأنشأ في كنيسة سانتا ماريا دل بوبولو قبرين من الرخام - للكردنالين اسفوردسا - وبسو دلا روفيري Basso delle Rovere نالا أعظم الثناء من مدينة تزدحم وقتئذ (1505-1507) بالعباقرة.




صفحة رقم : 6600




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الفن في عهد الجمهورية


وأرسله ليو العاشر إلى لوريتو Loreto حيث زين بين عامي 1523 و1528 كنيسة سانتا ماريا بمجموعة من النقوش البارزة مستمدة من حياة العذراء، وبلغت من الجمال حداً بدا معه الملك في صورة البشارة كأنه »من السماء لا من الرخام«، على حد قول فاساري، ثم آوى أندريا بعد قليل من ذلك الوقت إلى ضيعة قريبة من موطنه مونتي سان سافينو، وعاش فيها عيشة الفلاح المجد حتى توفي في عام 1529 في الثامنة والستين من عمره.
وكانت أسرة دلا ربيا Robbia della في هذه الاثناء تواصل العمل بامانة ومهارة في اشغلا الصلصال المزجج؛ وطال عمر أندريا دلا ربيا أكثر مما طال عمر عمه الذي بلغ خمسة وثمانين عاماً، وأوتى بذلك من الوقت ما مكنه من أن يدرب على فنه ثلاثة من أبنائه هم جيوفني، ولوكا، وجرولو. وقد بلغت اشغال أندريا في الصلصال المحروق من بريق اللون والرقة حداً يذهل معه زائر المتحف، فيهبر عينه ويمسك قدمه فلا يستطيع التحرك من مكانه. وقد امتلأت حجرة في البرجيلو Bargello بروائع من صنع يده، وامتاز مستشفى الالمبرئين بالزخارف الهلالية التي زين بها صورة البشارة. ونافس جيوفني دلا ربيا أباه أندريا في مهارته التي يتبينها الإنسان في البرجيلو واللوفر؛ وكاد آل دلا ربيا يقصرون جهودهم على الموضوعات الدينية مدى ثلاثة أجيال كاملة، وكانوا من أشد أنصار سفنرولا واعظمهم تحمساً لآرائه،وانضم ثلاثة من ابناء أندريا إلى إخوان سان ماركو يطلبون النجاة مع الراهب.
وكان الرسامون يحسون أعمق الإحساس بتأثير سفنرولا، وقد أخذ لورندسو ده كريدي Lorenzo de Credi فنه عن فيرتشيو Verrocchio، وحاكى طراز ليوناردو زميله في الدرس، وأخذ رقة صوره الدينية من التقوى التي بعثها فيه بيان سفنرولا ومصيره المفجع، وقضى نصف عمره يعمل في تصوير العذراء؛ حتى لا يكاد يخلو مكان من هذه الصور،




صفحة رقم : 6601




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الفن في عهد الجمهورية


فنحن نراها في رومة، وفلورنس، وتورين، وافنيون، وكليفلاند. ووجوه هذه الصور غير متقنة، واثوابها فخمة، ولربما كانت أحسنها كلها صورة البشارة المحفوظة في متحف أفيزي. ولما بلغ لورندسو الثانية والسبعين من العمر وأحس بأن الوقت قد حان للتحلي بمظهر القداسة، ذهب ليعيش مع رهبان رانتا ماريا نوفو؛ ومات في ذلك المكان بعد ست سنين من ذهابه إليه.
واتخذ بيرو دي كوزيمو Piero di Cosimo لقبه من معلمه كوزيمو روسلي Cosimo Rosselli لأن »من يدرب الكفايات، ويزيد من سعادة الانسان أب بحق لا يقل شأناً عن أبي الإنسان الذي ولده«(35). وأيقن كوزيمو أن تلميذه قد بَزَّه؛ فلما استدعاه سكستس الرابع لزخرفة معبد سستيني صحب بيرو معه؛ وهناك رسم بيرو صورة هلاك جند فرعون في البحر الأحمر وسط مناظر طبيعية مكتئبة من الماء، والصخر، والسماء الملبدة بالغيوم. وقد خلف لنا صورتين عظيمتين كلتاهما في متحف لاهاي وهما صورتا جوليانو دا سنجلو. ووهب بيرو نفسه كلها للفن، فقلما كان يعني بالمجتمعات او بالصداقة؛ وكان يعشق الطبيعة والوحدة، وينمك في الصور والمناظر التي يصورها. ومات الرجل وحيداً دون أن يعترف، بعد أن أخذ عنه فنه تلميذان تفوقا على أستاذهما كما تفوق هو على استاذه من قبل: نعني بهما الراهب بارتولميو وأندريا دل سارتو Andrea del Sarto.
واتخذ باتشيو دلا بورتا Baccio delle Porta لقبه من باب سان بيرو الذي كان يعيش عنده، فلما انضم إلى طائفة الرهبان سمى الأخ بارتولميو Fra Bartolommeo؛ وبعد أن درس الفن مع كوزيموروسلين وبيرو دي كوزيمو اتخذ لنفسه مرسماً مع ماريتو البرتنلي. وشاركه في رسم عدة صور، وظل وثيق الصلة به، صديقاً وفياً له، حتى فرق بينهما الموت.




صفحة رقم : 6602




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الفن في عهد الجمهورية


وكان بارتولميو شاباً متواضعاً، حريصاً على طلب الفن، ينطبع فيه كل تأثير، ظل فترة من الزمن يسعى للحاق بليوناردو، والوصول إلى بعض ما وصل إليه؛ ولما جاء روفائيل إلى فلورنس درس معه باتشيو فن المنظور والطرق المثلى لمزج الالوان؛ ثم زار روفائيل بعدئذ في روما، ورسم معه صورة فخمة نبيلة هي رأس القديس بطرس، ثم شغف حباً بطراز ميكل أنجيلو الفخم الرائع، ولكنه كانت تعوزه الشدة الرهيبة التي يمتاز بها ذلك الغاضب؛ ولما حاول بارتولميو ذلك العمل الضخم فقد وهو يحاول تكبير آراءه البسيطة ما كان في صفاته هو من سحر وفتنة - ونعني بتلك الصفات ما كان في الوانه من غنى وعمق وتظليل رقيق، وما في تواليفه من تناسب فخم رائع، وما في موضوعاته من تقوى وعاطفة.
وتأثر أشد التأثر بعظات سفنرولا، وجاء إلى حرق الأباطيل بجميع ما صور من الأجسام العارية، ولما هاجم أعداء الراهب دير سان ماركو ( 1498) انضم إلى المدافعين عنه، وأقسم في أثناء ذاك الاشتباك أن ينظم إلى سلك الرهبان إذا نجا من الموت؛ وبر بقسمه فدخل دير الرهبان الدمنيك في براتو Prato، وظل خمس سنين ممتنعاً عن التصوير، منهمكاً في ممارسة الشعائر الدينية؛ ولما أنتقل إلى دير سان ماركو رضى أن يضم روائعه الفنية المرسومة بالالوان الزرقاء، والحمراء، والسوداء إلى مظلمات الراهب أنجيلكو الوردية. وصور في مطعم هذا الدير صورتين إحداهما للعذراء والطفل، والثانية ليوم الحساب؛ كما صور في طريقه المقنطر المسقوف صورة للقديس سبستيان؛ ورسم في صومعة سفنرولا صورة قوية للراهب متنكراً في زي القديس الشهير بطرس. وكانت صورة القديس سبستيان الصورة العارية الوحيدة التي صورها بعد الانضمام إلى سلك الرهبان؛ وقد وضعت هذه الصورة اولاً في كنيسة سان ماركو، ولكنها بلغت من الجمال حداً اعترفت معه بعض النساء بأنها بعثت في نفوسهن




صفحة رقم : 6603




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الفن في عهد الجمهورية


أفكاراً خبيثة، فما كان من الراهب إلا أن باعها إلى رجل من أهل فلورنس أرسلها إلى ملك فرنسا. وظل الراهب بارتولميو يرسم الصور حتى عام 1517 حين شل المرض يديه فلم يقو على أن يمسك الفرشاة. ثم مات في تلك السنة وهو في الخامسة والأربعين من عمره.
وكان منافسه الوحيد على مركز السيادة بين المصورين الإيطاليين في عصره تلميذاً آخر من تلاميذ بيرو دي كوزيمو، ذلك هو أندريا دمنيكو دا نيولو دي فرانتشيسكو فيينوتشي Andrea Domenico d'agnolo di Francesco Vennuci المعروف لنا باسم أندريا دل سارتو Andrea del Sarto لأن أباه كان خياطاً. ونضج الرجل نضوجاً سريعاً كما ينضج معظم الفنانين في عصر النهضة، فقد بدأ تدريبه وهو في السابعة من عمره. ودهش بيرو من براعة الشاب في التصميم، ولاحظ وهو فرحان جذل كيف كان أندريو في أيام العطلة التي يغلق فيها المرسم يقضي وقته في عمل صور في الرسوم التمهيدية التي كان يصنعها ليوناردو وميكل أنجيلو لقاعة الخمسمائة في قصر فيتشيو. ولما أن اصبح بيرو في شيخوخته رجلا شاذاً غريب الأطوار، اتخذ أندريا وفرانشيابجيو Franciabigio زميله في الدرس مرسماً خاصاً بهما، وظلا فترة من الزمن يعملان معاً. ويولوح أن أندريا بدأ حياته المستقلة بأن صور في فناء كنيسة البشارة Annunziata (1509) خمسة مناظر مأخوذة من حياة سان فلبوبنتسي San Filippo Benizzi، وهو نبيل فلورنسي أنشأ طائفة الرهبان الخادمين لعبادة مريم العذراء خاصة. وتمتاز هذه المظلمات، رغم ما أصابها من عوادي الزمان وتعرضها للجو، ببراعة التنفيذ، والتأليف، ووضوح القصص، ومزج الألوان المتناسقة القوية حتى أصبح هذا الفناء في هذه الأيام كعبة يحج إليها المولعون بالفن إذا زاروا فلورنس. وقد أتخذ أندريا نموذجاً لإحدى صور النساء تلك المرأة التي أضحت زوجة له أثناء قيامه بهذه الرسوم-نعني بها لكريدسيا دل




صفحة رقم : 6604




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الفن في عهد الجمهورية


فيدي Luerezia del Fede وهي سليطة جميلة ظل وجهها الأسمر، وشعرها الفاحم يراودان خيال الفنان إلى ما قبل وفاته.
وشرع أندريا وفرانتشيا بجيو في عام 1515 يعملان طائفة من المظلمات في طرقات دير إخوة أسكالدسو Scalzo، واختارا موضوعاً لهما حياة القديس يوحنا المعمدان؛ ولكن بدأ أندريا بلا ريب هي التي أظهرت خصائصها في طائفة من الصور؛ فقد رسم صور الإناث بكل ما فيها من كمال الشكل والتركيب. وتلقى في عام 1518 دعوة من فرانسس الأول بالمجيء إلى فرنسا؛ فقبل دعوته ورسم صورة الصدفة المعلقة في متحف اللوفر؛ غير أن زوجته التي تركها في فلورنس رجته أن يعود؛ وأذن له الملك بالعودة بعد أن تعهد بالرجوع إلى فرنسا، وأعطاه مبلغاً كبيراً من المال ليبتاع له تحفاً فنية من إيطاليا. لكن أندريا أنفق مال الملك في بناء بيت له ولم يعد قط إلى فرنسا. ولما أوشك على الإفلاس رغم هذا عاد إلى التصوير ورسم لطرقات كنيسة البشارة آية من آياته الفنية يصفها فاساري بأنها: »بتصميمها، وظرفها، وبراعة ألوانها، وحيويتها، ونقوشها، لا تترك مجالا للشك في أنه يسمو بمراحل طويلة على جميع من سبقوه«-ومنهم ليوناردو وروفائيل(26). وقد تلفت هذه الصورة، صورة عذراء الكيس، Madonno del socco- وهو اسم سخيف سميت به لأنها تصور مريم ويوسف متكئين على كيس-ولم تعد تكشف عما كانت عليه من روعة الألوان وبهجتها؛ ولكن تركيبها الذي يبلغ حد الكمال، وألوانها الرقيقة المتناسقة، وتمثيلها للأسرة تمثيلا هادئاً- بما فيها يوسف، وقد أصبح فجأة قادراً على القراءة، فأخذ يقرأ في كتاب-كل هذا يضعها في مصاف أعظم الصور في عصر النهضة.
وصور أندريا في مطعم دير سلفي Selvi صورة العشاء الأخير (1526) يتحدى بها ليوناردو، واختار لها نفس الساعة ونفس الموضوع:




صفحة رقم : 6605




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الفن في عهد الجمهورية


"سيخونني واحد منكم". وكان أندريا أكثر جرأة من ليوناردو، إذا أكمل في صورته وجه المسيح؛ ولكنه هو أيضاً قصر عن بلوغ العمق الروحي، والرقة الفطنة التي نعهدها في عيسى، غير أن صور الرسل واضحة تتميز كل منها عن الأخرى تمييزاً يثير الدهشة، والمعاني التي تبرزها واضحة، والتلوين غزير، هادئ، كامل، والصورة حين ينظر إليها الإنسان من مدخل قاعة الطعام تخدعه فلا يستطيع أن يحاجز نفسه عن الظن بأنها تمثل منظراً من الأحياء.
وقد بقي موضوع الأم العذراء الموضوع المحبب لأندريا، كما بقي الموضوع المحبب للكثرة الغالبة من فناني عصر النهضة في إيطاليا؛ فأخذ يصورها المرة بعد المرة في دراساته للأسرة المقدسة، كما نشهد ذلك في معرض آل بورجيا في روما، أو في متحف نيويورك، وقد صورها في إحدى الكنوز المحفوظة في معرض أفيزي في صورة عذراء المنتقمات Madonna del Arpie وتعد هذه الصورة أجمل صورة لعذارى لكريدسيا، وصورة الطفل هي أجمل ما أخرجه الفن الإيطالي. وتوجد في معرض بتي Pitti على الضفة الأخرى لنهر الآرنو صورة صعود العذراء يظهر فيها الرسل ورجال الدين ينظرون في ذهول وخشوع إلى الملائكة الصغار وهم يرفعون العذراء-وهي هنا أيضاً لكريدسيا-إلى السماء؛ وهكذا تتم ملحمة العذراء بهذه الصورة المتلألئة التي رسمها أندريا.
وقلما نجد شيئاً من السمو في صور أندريا دل سارتو، كما لا نجد فيها جلال ميكل أنجيلو، أو التدرج غير المحس الذي لا يسبر عمقه والذي نجده في ليوناردو، أو كمال الصقل الذي نراه في رفائيل، أو مدى القوة التي نشهدها في الفنانين البنادقة العظام. غير أنه هو وحده الذي يضارع أولئك البنادقة في جمال اللون ويضارع كريجيو Correggio في الرشاقة، وإن




صفحة رقم : 6606




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الفن في عهد الجمهورية


براعته في التلوين- في عمقه، وتدرجه، وشفيفه- لترفع صوره فوق صور تيشيان Titian، وتنتوريتو Tintoretto وفيرونيري Veronese لما في هذه من إسراف كثير في التلوين. نعم إن صور أندريا ينقصها التنوع، فهي تتحرك داخل دائرة من الموضوعات والاحساسات شديدة الضيق، فصور العذراء التي تبلغ المائة عدا كلها صورة من الأم الشابة الإيطالية، المتواضعة، المحببة، المكتظة بالحلاوة؛ ولكن ما من أحد قد فاقه في براعة التكوين، وقلما بزه أحد في التشريح، وعمل النماذج، والتصميم. ويقول ميكل أنجيلو فيه: »إن في فلورنس إنساناً صغيراً إذا اشتغل بأعمال عظام جعل العرق يتصبب من جبينك«(37).
ولم تطل حياة أندريا نفسه حتى يصل إلى درجة النضج الكامل، ذلك أن الألمان الظافرين استولوا على فلورنس في عام 1530، ثم نشروا فيها عدوى الطاعون، وكان أندريا من أوائل ضحاياه؛ وتجنبت زوجته حجرته في تلك الأيام الأخيرة المضطربة، وكانت هي التي اثارت فيه آلام الغيرة التي تصحب الزواج بالحسان من النساء؛ وقضى الفنان الذي حباها حياة تكاد تعز على الموت، وليس إلى جانبه أحد، وهو في الرابعة والأربعين من عمره.
وبعد فإن من واجبنا أن ننظر إلى الفنانين القلائل الذين ورد ذكرهم في هذا الباب، لا على انهم وحدهم الجديرون بأن تسجل أسماؤهم فيه، بل على أنهم ممثلون لا أكثر لما كان في هذا العصر من عبقرية مرنة نيرة. فقد وجد في هذا العصر مثالون ومصورون وغيرهم، ولا يزال لهم في المتحف وجود كوجود الأشباح-نذكر منهم بينيديتو دا روفيتسانو Bendetto da Rovezzano، وفرانشيابجيو Franciabigio، وريدلفو جرلندايو Ridolfo Ghirlandaio ومئات آخرين غيرهم. وعاش في ذلك العصر فنانون في شبه عزلة، منهم سكان الأديرة ومنهم غير رجال الدين، كانوا لا يزالون




صفحة رقم : 6607




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الفن في عهد الجمهورية


يمارسون الفن ذا الصلة القوية بهم فن تزيين المخطوطات، نذكر منهم الراهب يوستاتشيو Eustachio، وأنطونيو دي جيرولامو؛ وعاش فيه خطاطون بلغ حظهم من الجمال درجة لا يسع الإنسان معها إلا أن يعذر فيدريجو الأربنودي Federigo of Urbino حين يتحسر لاختراع الطباعة؛ وكان هناك فنانون يتقنون أعمال الفسيفساء، ويحتقرون التصوير لأنه في رأيهم زهو زائل لا يدوم أكثر من يوم، وكان هناك حفارون في الخشب أمثال بتشيودانيو لو Baccio d'Agnolo ازدانت بيوت فلورنس بكراسيهم، ونضدهم، وصناديقهم، ذات النقوش المحفورة؛ وكان هناك من لم يحفظ التاريخ أسماءهم من العاملين في الفنون الصغرى. ذلك أن فلورنس قد احتوت ثروة ضخمة من الفنون استطاعت بها أن تتحمل معها انتهاب الغزاة، ورجال الدين، وأصحاب الملايين، من عهد شارل الثامن إلى هذه الأيام، ولا تزال تحتفظ بقدر رائع من روائع الصناعة الدقيقة يبلغ من الكثرة حداً لم يستطع معه إنسان فرد أن يحصي جميع الكنوز التي ادخرت في تلك المدينة وحدها خلال قرني النهضة، أستغفر الله بل خلال قرن واحد منهما؛ لأن عصر فلورنس العظيم في الفن بدأ حين عاد كوزيمو من منفاه سنة 1434، واختتم بوفاة أندريا دل سارتو سنة 1530. ذلك أن الشقاق الداخلي، وعهد سفنرولا المتزمت، وما عانته المدينة من حصار، وهزيمة، ووباء قد أخمدت كلها روح أيام لورندسو المرحة، وحطمت قيثارة الفن الهشة.
غير أن الأوتار العظيمة كانت قد ضربت، وتردد صدى موسيقاها في طول شبه الجزيرة وعرضها. فكانت الطلبات تنهال على فناني فلورنس من سائر المدن الإيطالية، بل جاءتها أيضاً من أسبانيا، وفرنسا، وبلاد المجر، وألمانيا، وتركيا. وهرع إلى فلورنس ألف فنان ليغترفوا من بحر فنها العباب، ويكون كل واحد منهم طرازه-بيرو دلا فرانتشسكا




صفحة رقم : 6608




قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة الفلورنسية -> سفنرولا والجمهورية -> الفن في عهد الجمهورية


Piero della francesca، وبيروجينو Perugino، ورفائيل Raphael... ونقل مائة فنان وفنان إنجيل الفن من فلورنس إلى خمسين من المدن الإيطالية وإلى البلاد الأجنبية. وفي هذه المدن الخمسين كانت روح العصر وذوقه، وسخاء ذوي الثراء، وتراث الفن تعمل كلها متضامنة مع الحافز الفلورنسي؛ فلم تلبث إيطاليا كلها من جبال الألب إلى كلبريا Calabria أن أخذت تمارس فنون التصوير، والنحت، والبناء، والتأليف والغناء، في سورة من الإبداع والابتكار، يخيل إلى الإنسان معها أنها، فيما انتابها من حمى العجلة، كانت تدرك أن هذه الثروة الضخمة لن تلبث أن تبيد في أتون الحرب العوان، وإن كبرياء إيطاليا ستزول حين يطأها الطغاة الأجانب بالأقدام، وأن سجون العقائد التعسفية ستغلق ابوابها مرة أخرى على عقل إنسان النهضة الخصيب، الوفير، العجيب.




صفحة رقم : 6609




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> ما وراء الأحداث



الكتاب الثالث




مسرح الحوادث الإيطالية




1378 - 1534




الباب السادس




ميلان




الفصل الأول




ما وراء الأحداث


إننا نظلم النهضة حين نركز دراستنا على مدائن فلورنس، والبندقية، وروما، ذلك أن النهضة ظلت نحو عشر سنين هي اكثر بهاء في ميلان تحت حكم لدوفيكو Lodovico وليوناردو منها في فلورنس، وكانت إزبلا دست Isabella D'Este في مانتوا خير من تجلى في شخصها تحرير النهضة للمرأة والارتفاع بشأنها، وأعلت النهضة كذلك من شأن بارما Parma بظهور برجينو، كما أعلت من شأن ارفيتو Orvieto بظهور سينوريلي Siqnorelli. وبلغ أدب النهضة ذروته على يد أريستو Ariosto في فيرارا، كما بلغ أثرها أعلاه في تهذيب الأخلاق في اربينو Urbrino أمام كستجليوني، وهي التي خلعت أسم فياندسا Faenza على فن من فنون الخزف وأسم فيتشندسا على الطراز المعماري البلاسي Palladian في تلك المدينة، واعادت الحياة إلى سينا Siena حين أنجبت بنتورتشيو، وإلى ساسيتا Sassetta وسادوم Sadom وجعلت نابولي موطنا ورمزا للحياة المرحة وشعر الأناشيد. ولهذا نرى من




صفحة رقم : 6610




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> ما وراء الأحداث


واجبنا ان نمر على مهل في شبه الجزيرة التي لا نظير لها في أشباه الجزائر من بيدمنت Piedmont إلى صقلية، ونتيح الفرصة للأصوات المتنوعة الخارجة من مدائنها تمتزج في النشيد المتعدد النغمات الذي تترنم به النهضة.
لم تكن الحياة الاقتصادية في الدول الإيطالية خلال القرن الخامس عشر أقل تنوعا من مناخ المدن، ولهجاتها، وأزيائها. فقد كان شمالي شبه الجزيرة ينتابه أحيانا شتاء قارس تتجمد فيه مياه نهر البو من منبعه إلى مصبه، بينما كان الإقليم الساحلي المحيط بجنوى والذي تحميه الألب الليجورية Lligurian Alps يستمتع بجو معتدل يكاد يدوم طول العام. وكان الضباب يلف قصور البندقية، وأبراجها، وشوارعها المائية، وكانت روما مشمسة ولكن العفن يتصاعد في سماءها، أما نابلي فهي الفردوس في مناخها. وكانت هذه المدائن أينما وجدت وما يتصل بها من أقاليم الريف تنتابها من حين إلى حين تلك الزوابع، والفيضانات، والحدب، والأعاصير، والمجاعات، والأوبئة، والحروب، التي لا تنفك الطبيعة تسيرها على العالم لتوازن بها إسراف بنى الإنسان في التناسل والإخصاب كأنها تتبع في ذلك تعاليم مالتس Malthus . وكانت الحرف اليدوية القديمة تمد فقراء المدن بالكفاف من العيش كما تمد الأغنياء بأسباب الترف، ولم يصل إلى مرحلة المصانع ورؤوس الأموال إلا صناعة النسيج، من ذلك أن إحدى مصانع الحرير في بولونيا تعاقدت مع ولاة الأمور في المدينة على أن تخرج من الغزل "ما تخرجه 4000 امرأة غازلة"(1) وكانت في تلك المدن طبقة وسطى من خليط من صغار البائعين، وتجار الواردات والصادرات، والمدرسين، والمحامين، والأطباء، ورجال الإدارة، والسياسة، وكانت طبقة من رجال الدين الأثرياء المهتمين بشئون هذه




صفحة رقم : 6611




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> ما وراء الأحداث


الدنيا تضيف بهرجها ورشاقتها إلى الأبهاء والشوارع، كما كان الرهبان على ‎اختلاف طوائفهم، النكدون منهم والمرحون، يجوبون البلاد طلباً للصدقات أو المغامرات. وكان الأعيان من الملاك ورجال المال يعيشون أكثر ما يعيشون داخل أسوار المدن، ويسكنون أحياناً في قصور ريفية. وكان يتزعم هذه الطائفة من الأعيان صاحب مصرف، أو مغامر حربي مستأجر، أو مركيز، أو دوق، أو دوج، أو ملك هو وزوجته أو عشيقته مثقل بأسباب الترف ومزدان بثمار الفن، يرأس داراً للقضاء. أما في الريف فكان الفلاح يحرث فدادينه القليلة أو بعض أملاك سيد المقاطعة، ويعيش عيشه الفرقة التي ألفها منذ أجيال حتى لم تعد تخطر له على بال.
وكان الرق قائماً في نطاق ضيق، وكان أكثر ما يقوم به الأرقاء هو خدمة الأغنياء، كما كانوا في بعض الأحيان يكملون بعملهم ما يقوم به العمال الأحرار في الضياع الكبيرة أو يصلحون ما فسد من هذه الأعمال، وكانوا أكثر ما يوجدون في صقلية، ولكنهم كانوا يوجدون كذلك في أماكن متفرقة من شبه الجزيرة حتى في جزئها الشمالي(2). وأخذت تجارة الرقيق تزداد منذ القرن الرابع عشر إلى ما بعده، فكان تجار البندقية وجنوى يستوردونهم من بلاد البلقان، وجنوبي الروسيا، وبلاد الإسلام، وكان العبيد والإماء المغاربة يعدون زينة لبلاط الملوك والأمراء في إيطاليا(3)، وقد تلقى البابا إنوسنت الثامن في عام 1488 مائة رقيق مغربي هدية من فرديناند الكاثوليكي، وزعهم هدايا من غير ثمن على كرادلته وغيرهم من أصدقائه(4)، وبيعت كثير من نساء كابوا جواري في روما بعد الاستيلاء على تلك المدينة في عام 1501(5)، غير أن هذه الحقائق المتفرقة لا توضح اقتصاديات النهضة بقدر ما توضح أخلاق بنيها، ذلك أن الرق لم يكن له إلا شأن ضئيل في إنتاج السلع أو نقلها.
أما هذا النقل فكانت أهم وسائله ظهور البغال أو العربات، أو الأنهار،




صفحة رقم : 6612




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> ما وراء الأحداث


أو القنوات، أو البحار. وكان الأغنياء يسافرون على ظهور الخيل أو في مركبات تجرها الخيول، وكانت سرعتها معتدلة ولكنها مثيرة للمشاعر، وكان الانتقال من بيروجيا إلى أربينو وهي مسافة تبلغ أربعة وستين ميلاً يستغرق يومين ويتطلب أن يكون المسافر صلب العود، وقد يحتاج الانتقال في قارب من برشلونة إلى جنوى أربعة عشر يوماً. وكانت النزل كثيرة العدد عظيمة الصخب، قذرة، غير مريحة. وكان منها واحد في بدوا يتسع لمائة ضيف ومائتي حصان، وكانت الطرق وعرة شديدة الخطر، والشوارع الرئيسة في المدن مرصوفة بالبلاط، ولكنها لم تكن تضاء أثناء الليل إلا نادرا. وكانت المياه النقية تأتي إلى المدن من جبال، وقلما كانت توصل إلى بيوت الأفراد، بل كانت تصل عادة إلى نافورات عامة بديعة التصميم يجتمع حول مياهها الباردة المنعشة الساذجات من النساء والعاطلون من الرجال ليتناقلوا أخبار اليوم.
كان يحكم دول المدن التي تقتسم شبه الجزيرة في بعض الأحيان - كما حدث في فلورنس، وسيناء، والبندقية - أقلية من التجار ذوي المال، ولكن أكثر من كانوا يحكمونها هم "المستبدون" على اختلاف درجات استبدادهم. وكان هؤلاء قد حلوا محل الأنظمة الجمهورية أو أنظمة القومونات ، بعد أن أفسدها استغلال الطبقات وأعمال العنف السياسية. فكان يبرز من تنافس الأقوياء رجل - يكاد يكون على الدوام وضيع النشأة- يخضع سائر المتنافسين، أو يبيدهم أو يستأجرهم، وينصب نفسه حاكماً مطلقاً، ويورث من يخلفه سلطته في بعض الأحيان. هكذا كان يحكم آل فسكونتي، وأسفوردسا في ميلان، والأسكاليجير Scaliger في فيرونا، وآل كراريسي Carraresi في بدوا، والجندساجا Sonzaga في




صفحة رقم : 6613




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> ما وراء الأحداث


مانتوا والإستنسي Estensi في فيرارا. وكان هؤلاء يستمتعون بشيء من الحب المزعزع، لأنهم كانوا يكبحون جماح الحركات الحزبية، ويؤمنون الناس على أنفسهم وأموالهم، داخل أسوار المدينة، وبقدر ما تسمح بذلك أهواؤهم. وارتضت الطبقات الدنيا حكمهم لأنها رأت في هذا الحكم آخر ملجأ لها يعصمها من طغيان الأدواق، ووطنت طبقات الفلاحين المحيطة بهم نفسها على هذا الوضع لأن القومون لم يهبها ما تريده من الحماية أو العدالة أو الحرية.
وكان المستبدون قساة لأنهم كانوا غير آمنين. ولم تكن تؤيدهم تقاليد من شرعية الحكم، وكانوا معرضين في أية لحظة للاغتيال أو للثورة عليهم، فقد أحاطوا أنفسهم بالحراس، لا يأكلون أو يشربون إلا وخوف السم يراودهم، وكان أكثر أمل لهم أن يموتوا موتاً طبيعياً. وكانوا في العقود الأولى من حكمهم يدبرون شئون المدن بالدسائس، والرشا، والاغتيال الخفي الهادئ، وساروا على سنن مكفيلي كلها قبل أن يولد مكفيلي نفسه، ثم أحسوا بعد عام 1450 بأنهم أصبحوا أكثر أمناً لأن الزمن خلع على حكمهم شيئا من القداسة، فأقنعوا في حكمهم الداخلي بالوسائل العلمية، ولكنهم كانوا يكمون أفواه الناقدين، ويخمدون أنفاس المتذمرين المنشقين، ويستخدمون لهذا الغرض جيشاً كبيرا من الجواسيس. وكانوا يعيشون مترفين، ويتخذون الأبهة المصطنعة وسيلة للتأثير في النفوس. غير أنهم رغم هذا قد نالوا احترام رعاياهم وتسامحهم معهم بل أنهم نالوا في فيرارا وأربينو ولاء هؤلاء الرعايا وإخلاصهم بإصلاحهم شئون الإدارة، وتوزيع العدالة بالقسطاس المستقيم في الأمور التي تتأثر بها مصالحهم الخاصة. وكانوا يساعدون الشعب إذا حلت به المجاعة أو غيرها من الشدائد، ويخففون من آثار التعطل بالأعمال العامة، وبناء الكنائس والأديرة، وتجميل المدن بروائع الفن، ومناصرة العلماء، والشعراء، والفنانين الذين




صفحة رقم : 6614




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> ما وراء الأحداث


يستطيعون أن يخلعوا شيئاً من الطلاء على سياستهم، ويحيطوهم بهالة من السناء، ويخلدوا ذكراهم.
وكانوا يوقدون نار حروب كثيرة ولكنها كانت في العادة صغيرة، يريدون بها أن يحصلوا على سراب الأمان الخادع بتوسيع رقعة أملاكهم، ويشبعوا نهمهم المتزايد إلى تملك أرضين يفرضون عليها ضرائب. ولم يكونوا يبعثون برعاياهم إلى هذه الحروب، لأنهم إن فعلوا اضطروا إلى تسليحهم وقد يكونون في هذا كالساعي إلى حتفه بظلفه، ولهذا كانوا يستأجرون الجنود المرتزقة، ويؤدون إليهم أجورهم بما يحصلون عليه من الفيء من الأراضي المفتوحة، أو الفدية، أو مصادرة أملاك المغلوبين، أو النهب والسلب. وكان المغامرون المتهورون ينقون من فوق الألب وفي أعقابهم في أكثر الأحيان شراذم من الجنود الجياع، ويبيعون خدماتهم إلى مكن يؤدي عنها أكبر الأثمان، يناصرون هذا الجانب أو ذاك تبعا لتقلبات الأجور. من ذلك أن خياطا من اسكس، يعرف في إنجلترا باسم سير جون هوكود Sir John Hawkwood وفي إيطاليا باسم أكوتو Acuto، حارب بمهارة عسكرية فنية من ذلك عدة مئات الآلاف من الفورينات، ومات في سنة 1394 بعد أن وصل إلى طبقة السادة الزراع، ودفن باحتفال مهيب، وزين قبره بثمار الفن في كنيسة سانتا ماريا دل فيوري.
وكان الحاكم المطلق ينفق المال على شئون التعليم كما ينفقه في إنشاء المدارس، ودور الكتب، وإعانة المجامع العلمية والجامعات. فقد كان في كل بلدة في إيطاليا مدرسة تنفق عليها الكنيسة عادة، وفي كل مدينة كبرى جامعة. وارتفع الذوق العام والآداب العامة بفضل الدروس التي لقنها الإنسانيون، ونشرتها الجامعات، وحاشيات الملوك والأمراء، وأصبح من كل أثنين من الإيطاليين واحد يستطيع الحكم على الفن، وكان في كل




صفحة رقم : 6615




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> ما وراء الأحداث


مركز هام فنانوه، كما كان له طرازه المعمار الخاص. وانتشرت مباهج الحياة بين الطبقات المتعلمة في إيطاليا من أقصاها إلى أقصاها، ورقت الأخلاق وظرفت نسبيا، وإن كانت الغرائز قد أضحت حرة طليقة إلى حد لا مثيل له من قبل. وملاك القول أن العبقرية لم تجد منذ أيام أغسطس حتى ذلك الوقت الذي نتحدث عنه تلك الكرة التي تستمتع إليها وتحضر مجالسها، ولا تلك المنافسة الحافزة الدافقة، أو تلك الحرية الواسعة.




صفحة رقم : 6616




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> بيدمنت ولجوريا



الفصل الثاني




بيدمنت ولجوريا


في الشمال الغربي من إيطاليا وفي الجنوب الشرقي من فرنسا الحالية كانت تقع إمارة سافوي - بيدمنت، وهي التي كانت أسرتها الحاكمة حتى عام 1945 أقدم الأسر الملكية كلها في أوربا. وقد أنشأ هذه الدولة الصغيرة الكونت همبرت الأول Count Humbert 1 وكانت تابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة، ولكن هذه الدولة الصغيرة المزدهرة اتسعت وبلغت ذروة المجد تحت حكم "الكونت الأخضر" أماديوس Amadeus VI (1343 - 1383) الذي ضم إليها مدن جنيف، ولوزان، وأوستا Aosta، وتورين، وأتخذ هذه المدينة الصغيرة الأخيرة عاصمة لدولته. ولم يكن أحد من حكام زمانه يستمتع بمثل ما يستمتع به هو من شهرة عظيمة بالحكمة، وبالعدل، والسخاء. ورفع الإمبراطور سجسمند Sigismund حكام هذه الدولة إلى مرتبة الأدواق (1416)، ولكن دوقها الأول أمديوس الثامن قطع رأسه حين أرتضى أن يلقب انتيبوب (أي البابا الدخيل) فلكس الخامس Felix V Antipope (1439). وفتح فرانسس الول سافوي بعد مائة عام أو نحوها من ذلك الوقت وضمها إلى فرنسا (1536)، وأضحت هي وبيدمنت ميدانا للصراع بين فرنسا وإيطاليا، وأسلمهما إله الحكمة إلى إله الحرب، وخيم عليهما الركود فلم يصلهما التيار الإيطالي الجارف، أو تشعرا بروح النهضة كاملة، وكل ما لدينا من آثارهما الفنية صور من عمل ديفيندينتي فيرارى Defendente Ferrari، ولكنها لا تسمو إلى ما فوق المرتبة الوسطى، تشاهدها الآن في معرض تورين الفني وفي فيرتيشيلي Vercelli موطن ذلك الفنان.
وتقوم في جنوب بيدمنت مدينة لجوريا Liguria التي تضم جميع أمجاد




صفحة رقم : 6617




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> بيدمنت ولجوريا


الرفييرا الإيطالي، ففي جهة الشرق يوجد رفييرا الليفنتي Riviera di Levant (أي ساحل مشرق الشمس)، وفي الغرب رفييرا البنتيتي Por di Pontente أي ساحل مغربها، وتقوم عند ملتقاهما على عرش مت التلال وقاعدة منبسطة من البحر ذي الماء الأزرق مدينة جنوى التي لا تكاد تقل بهاء وروعة عن نابلي. وقد بدت هذه المدينة لعين بترارك كأنها "بلد الملوك، والمثل الأعلى للرخاء، وباب البهجة والسرور"، ولكن هذا الوصف ينطبق عليها قبل التصدع الذي حدث في كيوجيا chioggia (1378)، وبينا كانت البندقية تنتعش انتعاشا سريعاً بفضل تعاون جميع طبقاتها تعاوناً منظماً قائماً على الإخلاص للمصلحة العامة في سبيل إعادة التجارة والرخاء المادي، ظلت جنوى جارية على ما ألفته من التناحر الداخلي بين الأشراف بعضهم وبعض، وبين الأشراف والعامة. وأوقد الظلم الذي ارتكبته الألجاركية الحاكمة نار ثورة صغيرة (1383)، ذلك أن القصابين ساروا، وهم مسلحون بأدوات حرفتهم التي لا يرد لها مطلب، وعلى رأس جماعة من الغوغاء إلى قصر الدوج Doge وأرغموه على تخفيض الضرائب وطرد جميع النبلاء من المناصب الحكومية، وحدثت في جنوى عشر ثورات في فترة لا تزيد على خمس سنين، (1390 - 1394)، حكم خلالها وسقط عشرة دوجات، حتى بدا لأهلها آخر الأمر أن النظام أثمن من الحرية، وخشيت الجمهورية المنهكة أن تضمها ميلان إلى أملاكها فأسلمت نفسها مع شاطئ الرفييرا التابعين لها إلى فرنسا (1396)، ثم قامت ثورة عاصفة بعد عامين من ذلك الوقت طرد على أثرها الفرنسيون، ووقعت خمس معارك طاعنة في شوارع المدينة، وأحرق عشرون قصراً، ونبهت المباني الحكومية وهدمت، وأتلف من الأملاك ما قيمته مليون من الفلورينات. وأدركت جنوى مرة أخرى أن فوضى الحرية لا يمكن أن تطاق، فأسلمت نفسها إلى ميلان (1426). ولكن ميلان طغت وتجبرت فلم يطق أهل جنوى صبراً




صفحة رقم : 6618




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> بيدمنت ولجوريا


على حكمها، وشبت نار الثورة فيها مرة أخرى، وأعيدت الجمهورية (1435)، وعاد تطاحن الأحزاب إلى سابق عهده.
وكان عنصر الثبات الوحيد وسط هذه التقلبات هو مصرف القديس جورج. وترجع نشأته إلى أن الحكومة في أثناء حربها مع البندقية اقترضت المال من الاهلين، وأعطتهم بدلها صكوكاً، فلما وضعت الحر بأوزارها عجزت الحكومة عن استهلاك هذه الصكوك، ولكنها عهدت إلى المقرضين أن يحصلوا العوائد الجمركية على البضائع التي تمر بالميناء، وكون الدائنون من أنفسهم هيئة عرفت باسم بيت القديس جورج Casa di San Giorgio، واختاروا من بينهم مجلس إدارة من خمسة محافظين، وأعطتهم الحكومة قصراً يتخذونه مقراً لهم. وسارت إدارة البيت أو الشركة سيراً حسناً، وكانت أقل أنظمة الجمهورية فساداً، وعهد إليها أمر جباية الضرائب، وأقرضت الحكومة بعض مالها، واستولت في نظير ذلك على أملاك قيمة في ليجوريا، وقورسقة، وشرقي البحر المتوسط، وفي البحر الأسود، وأصبحت في وقت واحد بيت مال الحكومة ومصرفاً خاصاً يقبل الودائع، ويخصم الكمبيالات، ويعقد القروض لتمويل التجارة والصناعة. وإذ كانت الأحزاب جميعها مرتبطة بها، فقد كانت موضع احترامها جميعاً، ولا يمسونها بأذى ما في أثناء الثورات والحروب، ولا يزال قصرها الفخم الذي أنشئ في عهد النهضة قائماً إلى اليوم في ميدان كريكا منتو Piazza Caricamento.
وكان سقوط القسطنطينية في أيدي الأتراك العثمانيين ضربة أوشكت أن تقضي على جنوى، فقد استولى الأتراك على محلة بيرا القريبة من القسطنطينية، التي كانت تابعة لجنوى. ولما خضعت الجمهورية المفتقرة إلى فرنسا مرة أخرى (1458)، أشعل فرانتشيسكو اسفوردسا نار ثورة بفضل ما بذله من الأموال، طرد الفرنسيين على أثرها من جنوى، وخضعت المدينة مرة أخرى لحكم ميلان (1464). وأتاحت الإضرابات




صفحة رقم : 6619




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> بيدمنت ولجوريا


التي أضعفت ميلان بعد اغتيال جالست جاليستو اسفوردسا (1474) إلى أهل جنوى فسحة قصيرة تنسموا فيها نسيم الحرية؛ فلما أن استولى لويس الثاني عشر على ميلان سنة 1499، دانت جنوى أيضاً لسلطانه. ثم حدث آخر الأمر في أثناء الصراع الطويل الذي قام به فرانسيس الأول وشارل الخامس أن قام أمير من أمراء البحرين من أهل جنوى يدعى أندريا دوريا Andrea Doria ووجه سفنه لقتال الفرنسيين، وطردهم من جنوى ووضع لها دستوراً جمهورياً جديداً (1528)؛ جعل حكومتها الحركية تجارية شبيهة بحكومتي فلورنس والبندقية؛ وخضعت بالحقوق السياسية فيها الأسر التي كانت أسمائها مدونة في الكتاب الذهبي (il libro d'oro). وتألفت الحكومة الجديدة من مجلس للشيوخ يضم أربعمائة عضو، ومن مجلس يتألف من مائتين، ومن دوج يختار لمدة عامين. وبسط هذا النظام لواء السلام والأمن بين الأحزاب المتنازعة، وحافظ على استقلال جنوى حتى غزاها نابليون في عام 1797.
ولم تسهم المدينة في أثناء هذه الاضطرابات العاصفة إلا بأقل من نصيبها الخليقة به في الآداب، والعلوم، والفنون الإيطالية. نعم إن رؤساء بحريتها ارتادوا البحار في عزم وشجاعة، ولكن لما أن قام ابنها كولمبس بينهم كانت جنوى أجبن، أو أفقر، من أن تمده بالمال ليحقق به أحلامه. أما أعيانها فكانوا منهمكين في السياسة، وتجارها لا هم لهم إلا كسب المال، ولم يكن لإحدى الطائفتين متسع من الوقت أو المال تنفقه في مغامرات العقل، وأعيد بناء كتدرائية سان لوراندسو القديمة على الطراز القوطي (1307)، وأصبح داخلها رائعاً فخماً، وزين معبد سان جيوفنى باتستا (1451 وما بعدها) وهو مصلى الكتدرائية - بمحراب جميل، وستر من صنع ماتيو تشفتالى Mateo Civitali، وتمثال مكتئب ليوحنا المعمدان من صنع ياقوبو سانسو فينا Iacopo Sansovino. وأحدث أندريا دوربا




صفحة رقم : 6620




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> بيدمنت ولجوريا


ثورة في جنوى لا تكاد تقل أثراً عما أحدثه من ثورة في حكومتها، فقد استدعى الراهب جيوفنى دا منترسولي Giovanni de Mantorsoli من فلورنس ليعيد تخطيط قصر د رينا Palazza Dorina، (1529) كما استقدم بيرينو دل فاجا Perino del Vaga من روما ليزينها بالمظلمات والنقوش البارزة على الجص، ورسوم الحيوانات والنباتات الغريبة التي لا وجود لها، وبالنقوش العربية الطراز؛ وقد أضحى القصر بذلك من أعظم قصور إيطاليا فخامة. وجاء ليونى ليونى Leone Leoni منافس سلينى وعدوه من روما ليصب مدلاة جميلة لأمير البحر، كما خطط متتروسولى قبره. وملاك القول أن عصر النهضة لمن يبدأ في جنوى قبل دوربا بزمن طويل ولم يطل بعد وفاته كثيراً.




صفحة رقم : 6621




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> بافيا



الفصل الثالث




بافيا


كانت مدينة بافيا تقوم هادئة على ضفة نهر التيسينو بين جنوى وميلان، وكانت في وقت من الأوقات مقر ملوك لمباردى، ثم خضعت في القرن الرابع عشر لميلان، واتخذها آل فسكونتى واسفوردسا عاصمة ثانية لهم.
وبدأ جلياتسو فسكونتى الثاني (1360) القلعة الفخمة Castello، التي أتمها جيان Gian (أي جيوفنى، أو جون) جلياتسو فسكونتى؛ والتي اتخذت مسكناً لهذا الدوق الثاني، وقصراً لمباهج أدواق ميلان المتأخرين. وقد وصف بترارك هذا القصر بأنه "أنبل ثمار الفن الحديث، ووضعه كثيرون من معاصريه في مصاف مساكن الملوك في أوربا. وكانت مكتبة القصر تضم مجموعة من الكتب تعد من أثمن المجموعات في أوربا، وكان من بين ما تحتويه 951 ألف مخطوط مزينة الهوامش بالنقوش. ونقل لويس الثاني عشر حين استولى على ميلان عام 1499 مكتبة بافيا هذه فيما نقله من المغانم، وضرب جيش فرنسي داخل القلعة بآخر طراز من مدافعه (1527)، حتى لم يبق منها الآن إلا أسوارها.
وهكذا دمرت القلعة، ولكن أجمل درة من عهد آل فسكونتى واسفوردسا لا تزال باقية سليمة - ونعني بها دير تشيرتوزا Certosa المستتر بعيدا عن الطريق العام بين بافيا وميلان. فقد أعتزم جيان جلياتسو وفسكونتي giangaleazzo Visconti أن يقيم في سهل مطمئن هادئ صوامع، وطرقات مقنطرة، وكنيسة وفاء لنذر نذرته زوجته. وظل أدواق ميلان من ذلك الوقت حتى عام 1499 يكملون هذا الصرح ويزينونه لتكون رمزا لتقواهم




صفحة رقم : 6622




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> بافيا


وفنهم، حتى يتعذر علينا ان نجد في إيطاليا كلها ما هو أبدع منه.وخطط كرستوفورو مانيتجاتسو Cristoforo Mantegazza وجيوفنى أنطونيو أماديو Giovanni Antonio Amadeo من أهل بافيا واجهة هذا الدير اللمباردية - والرومانية، ونحتاها وأقاماها من رخام كرارا وأمداهما بما يلزمهما من المال جلياتسو ماريا أسفوردسا ولدوفيكو إل مورو (المغربي) Lodovico il moro وفي هذه الواجهة إسراف في الزخرفة، وإفراط في العقود، والتماثيل، والنقوش البارزة، والمدليات، والعمد المستديرة والمربعة، والتيجان، والنقوش العربية الطراز، والملائكة المحفورة، والقديسين، وجنيات الأساطير، والأمراء، والفاكهة، والأزهار، يتعذر معه أن تشعر الناظر إليها والتناسق. أما كل جزء فيها إذا نظر أليه بمفرده فيسترعي انتباهه دون مراعاة لسائر أجزاءه. لكن كل جزء مع ذلك هو في حد ذاته ثمرة كدح، وحب، وحذق؛ ,عن نوافذه الأربعة التي من طراز عهد النهضة والتي أنشأها أمديو لخليقة وحدها بأن تخلد أسمه. وليست الواجهة وحدها هي التي تستلفت الأنظار بجمالها، ففي بعض الكنائس الإيطالية نرى الواجهات فخمة رائعة في حين أن بقية أجزاءها الخارجية ليس فيها ما تمتاز به، أما دير كرتوز بيافيا فكل معالمه ومناظره الخارجية جميلة تسترعي النظر: لا فرق في ذلك بين الدعامات الملتصقة بالجدران، والأبراج الرائعة، والبواكي، والمنارات اللولبية القائمة فوق الليوان الشمالي والصحن، وعمد الطرق المقنطرة وعقودها الرشيقة. وإذا ما علا الإنسان يبصره من داخل الفناء إلى ما فوق هذه العمد الرفيعة خلال أطباق ثلاثة متتالية من البواكي حتى وقع على الطبقة الرابعة التي تعلوها من العمد والتي تقوم عليها القبة، إذا ما علا ببصره إلى الطبقة وجدها مجموعة مؤتلفة، متناسقة، خططت ونفذت تخطيطاً وتنفيذاً يستثيران أعظم الإعجاب، أما داخل الكنيسة فكل شيء فيه جميل لا يعلو عليه جمال، ففيه عناقيد




صفحة رقم : 6623




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> بافيا


من العمد قائمة؛ وعقود قوطية لقباب محفورة، وسراديب، ورديئات مشبكة، مصبعة دقيقة الصنع كأنها المخرمات (الدنتلا) الملكية؛ ومداخل وطرق مقنطرة ذات أشكال وزخارف رشيقة؛ ومحاريب من الرخام مرصعة بالحجارة الكريمة، وصور من صنع بيروجينو، وبرجنيونى، ولوينى؛ ومقاعد فخمة مطعمة يجلس عليها المرنمون؛ وزجاج ملون براق، وعمد بذل في نحتها أعظم العناية؛ وبندريلات ، وعصابات لأحجار الزوايا في العقود، وطنف؛ وفبر جيان جلياتسو فسكونتي الفخم الذي أقامه كرستو فورو رومانو ونبدتو بريسكو؛ وقبر لدوفيكو إل مورو وبيتريس دست وتمثالاهما، وقد جمع بينها وأقيما من الرخام البديع، وإن كان أحدهما قد مات قبل الآخر بعشر سنين، وفرقت بينهما خمسمائة ميل. كذلك اجتمعت في هذا الصرح طرز مختلفة لمباردية، وقوطية، مع طراز عصر النهضة، فأثمرت ما يكاد يكون أكمل الثمار المعمارية لهذا العصر الأخير. ذلك أن ميلان قد جمعت في عهد لدوفيكو المغربي حسان النساء اللاتي خلقن فيها بلاطاً لا نظير له في غيرها من البلدان، وفنانين متفوقين أوفوا على الغاية في الإتقان، نذكر منهم برامنتي، وليوناردو، وكَردَسو Cardosso لينزعوا زعامة إيطاليا، مدى عشر سنين زاهية متلألئة، من فلورنس، والبندقية وروما.




صفحة رقم : 6624




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفسكونتي



الفصل الرابع




الفسكونتى




1378 - 1447


توفي جلياتسو الثاني في عام 1378 وأوصى بنصيبه من مملكة ميلان ابنه جيان جلياتسو فسكونتي الذي ظل يتخذ بافيا عاصمة له. وكان جيان جلياتسو هذا من الطراز الذي يحبه مكيفلي ويعجب به. فقد كان يقضي جزءا كبيرا من وقته في مكتبة قصره العظيمة، يعني ببنيته الضعيفة، ويكسب ولاء رعاياه بالضرائب المعتدلة، ويتردد على الكنيسة مظهراً تقواه التي تأسر النفوس، ويملأ بلاطه بالقساوسة والرهبان، وبذلك كان هو آخر أمير في إيطاليا يمكن أن يظن الدبلوماسيون أنه يعمل ليجمع شبه الجزيرة كلها تحت سلطانه. ومع هذا فقد كان ذلك هو الأمل الذي يراوده والمطمع الذي يشغل باله، والهدف الذي يسعى لتحقيقه بالدهاء، والغدر، والقتل كأنه قد قرأ كتاب الأمير وأجله قبل أن يكتب، وكأنه لم يسمع بالمسيح.
وكان بيرنابو Bernnabo أبن عمه في هذه الأثناء يحكم النصف الآخر من مملكة الفسكونتي من حاضرته ميلان. وكان برنابو وغداً سافراً، أرهق رعاياه بأفدح الضرائب، وأرغم الفلاحين على أن يعنوا بالخمسة الآلاف من كلابه التي يستخدمها في الصيد ويطعمها، وكمم أفواه المتذمرين بأن أعلن أن المجرمين سيعذبون أربعين يوماً. وكان يسخر من تقوى جيان جلياتسو، ويعمل على خلعه ليجعل نفسه سيد أملاك أسرة فسكونتي. وعرف جيان بما يدبره له، وكان لديه من الجواسيس العدد الذي لابد لكل حكومة قديرة أن تحتفظ به منهم، فأعد العدة للقاء بينه وبين بيرنابو، ولما جاءه هذا مطمئنا مع ولديه، قبض حرس جيان السري على ثلاثتهم،




صفحة رقم : 6625




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفسكونتي


ويبدو أنه دس السم لبيرنابو (1385). وحكم جيان بعدئذ ميلان، ونوفارا، وبافيا، ونياتشندسا، وبارما، وكرمونا، وبريشيا Brescia ثم استولى في عام 1387 على فيرونا، وفي عام 1389 على بدوا، وأذهل فلورنس في عام 1399 حين ابتاع بيزا بمائتي ألف فلورين، وخضعت بيروجيا، وأسيسي، وسنا لقواده في عام 1400، كما خضعت لهم لوكا وبولونيا في عام 1401، وبذلك اصبح جيان سيد شمالي إيطاليا كله من نوفارا إلى البحر الأدرياوي. وكانت الولايات البابوية قد ضعفت وقتئذ من جراء الانشقاق الذي حدث فيها (1378 - 1417) على أثر عودة البابوية من أفنيون. وكان جيان يحرض البابوات المتنافسين بعضهم على بعض، ويحلم بأن يستولي على جميع أراضي الكنيسة، فإذا تم له ذلك سير جيوشه على نابلي، وكان يعتقد أن سيطرته على بيزا وغيرها من المنافذ سترغم فلورنس على الخضوع، وبذلك تبقى مدينة البندقية وحدها خارجة عن هذا النطاق، ولكنها لن يكون لها حول ولا تستطيع أن تقف بمفردها في وجه إيطاليا المتحدة. غير أن المنية عالجت جيان جلياتسو فمات في عام 1402 ولما يتجاوز الحادية والأربعين من عمره.
وقلما كان في هذا الوقت كله يغادر بافيا أو ميلان، وكان يحب الدسائس أكثر مما يحب الحرب، ونال بالدهاء أكثر مما ناله قواده بقوة السلاح. على أن هذه المغامرات السياسية كلها لم تستنفذ خصب عقله، فقد أصدر كتاب قوانين يشمل فيما يشمله قواعد تضمن صحة الشعب، وعزل المصابين بالأمراض المعدية عزلا إجبارياً(7). وبدأ يشيد تشير توذا دي بافيا Certosa di Pavia وكتدرائية ميلان، وأستدعى مانيول كريسلوراس Manuel Chrysoloras ليكون أستاذ اللغة اليونانية في جامعة ميلان، وعضد الشعراء، والفنانين، والعلماء، والفلاسفة، وأعتز بصحبتهم، ومد القناة العظمى naviglio Grande من ميلان إلى بافيا، فأنشأ بذلك




صفحة رقم : 6626




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفسكونتي


طريقاً مائياً داخليا في عرض إيطاليا ممتدا من جبال اللب وخترقا ميلان، وسائرا في نهر ألبو إلى البحر الأدرياوي، يروي مائة آلاف من الأفدنة. ونشطت الزراعة والتجارة بفضل هذه القناة، وشجع نشاطها قيام الصناعة، وشرعت ميلان تنافس فلورنس في المنسوجات الصوفية. وكان الحدادون من أهلها يصنعون السيوف والدروع للمحاربين في أوربا الغربية كلها، وحدث في أزمة من الأزمات أن صنع بعض رؤساء صناع الأسلحة ما يكفي ستة آلاف جندي في قليل من الأيام(8) وكان نساجو الحرير من أهل لوكا الذين أفقرتهم المنازعات الحزبية والحروب، قد هاجروا بالمئات إلى ميلان في عام 1314، فلم يحل عام 1400 حتى كانت صناعة المنسوجات الحريرية قد ازدهرت في هذه المدينة، ازدهارا جعل رجال الأخلاق يشكون من أن الملابس قد أصبحت جميلة إلى حد يجلل لابسها بالعار. لكن جيان جلياتسو حمى هذا الاقتصاد المزدهر بالإدارة الحكيمة، والعدالة المنسقة المنظمة، والعملة الموثوق بها، والضرائب المعتدلة التي شملت رجال الدين والأعيان كما شملت العامة وغير رجال الدين. وقد عمل على توسيع نطاق إدارة البريد، فكان فيها عام 1425 مائة جواد تعمل بانتظام؛ وكانت مكاتب البريد تقبل المراسلات الخاصة، وخيلها تسافر خلال النهار - وطول الليل في أوقات الضرورة. وقد بلغت الإيرادات السنوية للدولة في فلورنس عام 1423 أربعة ملايين فلورين ذهبي (100.000.000 دولار)، وبلغت إيرادات البندقية أحد عشر مليون فلورين، وميلان اثني عشر مليوناً(9).وكان يسر الملوك أن يزوجوا أولادهم وبناتهم من أسرة فسكونتي؛ ولم يفعل الإمبراطور ونسسلاس Wenceslas أكثر من تتويج الحقيقة الواقعة بالمظهر الرسمي حين أعلن تصديقه الإمبراطوري عن أن يحمل جيان لقب دوق وعلى شريعة هذا اللقب، وحين خلع عليه هو وورثته دوقية ميلان "إلى أبد الدهر".




صفحة رقم : 6627




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفسكونتي


غير أن أبد الدهر هذا لم يدم أكثر من اثنين وخمسين عاماً. ذلك أن جيان ماريا فسكونتي Gianmaira Visconti أكبر أبناء جيان كان في سن الثالثة عشرة حين مات أبوه (1402)، ولذكل أخذ القواد الذين قادوا جيوش جيان إلى النصر يتنافسون للظفر بمنصب الوصي على الملك، وبينما كان هؤلاء القواد يتنازعون حكم ميلان عادة إيطاليا إلى انقسامها القديم: فاستردت فلورنس مدينة بيزا، واستولت البندقية على فيرونا، وقيتشنتسا، وبدوا، وخضعت كل من سينا، وبيروجيا، وبولونيا إلى طاغية من الطغاة. وعادة إيطاليا كما كانت، بل أسوء مما كانت، لأن جيان ماريا Gianmaria ترك شؤون الحكم للولاة الطغاة المستبدين ووجه كل اهتمامه لكلابه، ودربها على أكل لحوم البشر، وكان يسره ويثلج قلبه أن يراها تطعم الأحياء من الآدميين الذين حكم عليهم بأنهم مذنبون سياسيون أو مجرمون في حق المجتمع(10)، وانتهى به الأمر أن أغتاله ثلاثة من الأعيان.
ويلوح أن أخاه فلبو ماريا فسكونتي ورث عن أبيه حدة ذكائه، وجده، وجلده، وأطماعه وسياسته البعيدة النظر. ولكن ما كان يتصف به جيان جلياتسو من شجاعة ممتزجة بالهدوء، أضحى في فلبو جبناً ممتزجاً بالخمول، وخوفاً دائماً من الاغتيال، واعتقاداً لا يتزعزع في غدر الجنس البشري لا ينفك يراوده. ولهذا أغلق على نفسه أبواب قلعة بورتا جيوفيا Porta Giovia في ميلان، وأخذ يأكل ويسمن، وأولع بالخرافات والمنجمين، ولكنه استطاع بفضل دسائسه ودهائه لا غير أن يبقى إلى آخر أيام حكمه الطويل سيد بلده المطلق، وسيد قواده بل وأسرته أيضاً، وتزوج بيتريس تندا Beatrice Tenda طمعاً في مالها، ثم حكم عليها




صفحة رقم : 6628




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفسكونتي


بالإعدام جزاء خيانتها، وتزوج بعدها من ماريا صاحبة سافوي، وأبقاها في عزلة عن جميع الناس عدا وصيفتها، وأقض مضجعه عدم وجود ولد له، وأتخذ له عشيقة، ثم رقت أخلاقه بعض الشيء بسبب حبه بيانكا الفتاة الحسناء التي كانت ثمرة هذه العلاقة. وجرى على سياسة أبيه في مناصرة العلم، وأستدعى مشهوري العلماء إلى جامعة بافيا، وعهد ببعض الأعمال الفنية إلى برندلسكو والى بيزانلو صانع المدليات، المنقطع النظير. وحكم ميلان حكما أتوقراطياً حازماً، قضى فيه على التحزب والانقسام، ووطد دعائم النظام، وحمى الفلاحين من الضرائب الفادحة التي كانت يفرضها عليهم سادة الإقطاع كما حمى التجار من قطاع الطرق، وأفلح بسياسته الخارجية البارعة ومهارته في استخدام جيوشه في أن يعيد ولاء بارما، وبياتشندسا وجميع بلاد لمباردي حتى بريشيا، وجميع الأراضي الواقعة بين ميلان وجبال الألب، أن يعيد ولاء هذه كلها إلى ميلان، وأقنع أهل جنوى في عام 1421 أن طغيانه أرحم بهم من حروبهم الداخلية؛ وشجع التزاوج بين الأسر المتنافسة، فقضى بذلك على كثير من أسباب النزاع القائمة بينها؛ وأستبدل بمائة من الحكومات المستبدة حكومة استبدادية واحدة، وأخذ الأهلون الذين حرموا من الحرية ولكنهم تحرروا من النزاع الداخلي يتذمرون، ويتكاثرون، وينعمون بالرخاء.
وكان بارعاً في العثور على القواد المقتدرين، لكنه كان يرتاب في أنهم جميعاً يعملون على أن يحلوا محله، فكان يؤلبهم بعضهم على بعض، وظل يوقد نار الحرب يرجو من ورائها أن يستعيد كل ما كسبه أبوه، وأضاعه أخوه. ونشأت من حروبه مع البندقية وفلورنس طائفة من المحاربين المغامرين المستأجرين، نذكر منهم جتلاميلاتا Gattamelata، وكليوني، وجيرمنيولا garmagnola، وبراتشيو، وفورتبر اتشيو Fortebraccio، ومنتوني Montone، وبتشينينو Piccinino، ومودسيو أتندولو




صفحة رقم : 6629




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفسكونتي


Muzio Attendolo .... الخ. وكان مودسيو هذا صبيا ريفيا ينتمي إلى أسرة كبيرة من المحاربين والمحاربات؛ وكسب لقب اسفوردسا بما أظهره في خدمة جوانا Joanna الثانية ملكة نابلي من قوة الجسم والإرادة، ثم خسر عطفها عليه، وأودعه السجن، ولكن أخته ذهبت إلى السجن منتضية كامل سلاحها وأرغمت السجانين على إطلاق سراحه؛ ثم عين قائدا لإحدى فيالق ميلانو، ولكنه غرق بعد قليل من ذلك الوقت وهو يعبر أحد الأنهار. وسرعان ما قفز أبنه غير الشرعي إلى مكان أبيه، وشق طريقه إلى العرش بالحرب والزواج.




صفحة رقم : 6630




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا



الفصل الخامس




آل أسفوردسا




1450 - 1500


كان فرانتشيسكو اسفردسا المثل الكامل لجندي النهضة. كان طويل القامة، وسيم الخلق، مولعا بالرياضة البدنية، شجاعا؛ وكان أحسن العدائين، والقفازين، والمصارعين في جيشه؛ لا ينام إلا قليلاً، ويمشي عاري الرأس صيفاً وشتاء، ويجتذب محبة رجاله بالاشتراك معهم في تحمل المشاق وفي الطعام، وفي قيادتهم إلى النصر الذي يدر عليهم المغانم الكثيرة بمهارته في الفنون والحركات العسكرية، لا بكثرة العدد أو وفرة السلاح. ولم يكن أحد يدانيه في شهرته العسكرية حتى كان قوى أعدائه تلقى سلاحها، في أكثر من موقعة، حين تقع أعينها عليه، وتحييه برؤوسها العارية وتصفه بأنه أعظم قواد زمانه. وكان يطمع في أن يقيم لنفسه دولة، ولم يكن يتردد في اصطناع أية وسيلة توصله إلى غرضه لا يصده عنها مراعاة مبدأ أو وخز ضمير. وحارب على التوالي في صف ميلان، وفلورنس، والبندقية، حتى كسب فلبو ولاءه بأن زوجه من بيانكا، وأمهرها كرمونا وبنتريمولي (1441)، ولما توفي فلبو بعد ست سنين من ذلك الوقت ولم يكن له وارث من نسله، وانتهت بموته أسرة الفسكونتي، أحس فرانتشيسكو بأن المهر يجب أن يشمل ميلان أيضا.
لكن أهل ميلان لم يكونوا يرون هذا الرأي، واعتلوا جمهورية سموها الجمهورية الأمبروزية نسبة إلى الأسقف العظيم الذي أدب ثيودوسيوس وهدى أوغسطين قبل ألف عام من ذلك الوقت. غير أن الأحزاب المتنازعة في المدينة لم تتفق على رأي؛ واغتنمت المدن التابعة لميلان هذه الفرصة السانحة وأعلنت استقلالها؛ وسقطت بعضها أمام جيوش البندقية؛ ولاح




صفحة رقم : 6631




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


خطر هجوم البندقية وفلورنس على ميلان؛ وزاد من شدة الخطر أن كلا من دوق أورليان، والإمبراطور فردريك الثالث، وألفنسو ملك أرغونة طالب بميلان لنفسه. فلما تأزمت الأمور على هذا النحو ذهب وفد من أهل المدينة إلى أسفوردسا وأعطوه بريشيا، ورجوه أن يدافع عن ميلان، فاستجاب لرغبتهم، وصد الأعداء بما أوتي من نشاط وحسن تدبير، ولما أن عقدت الحكومة الصلح مع البندقية دون أن تستنير برأيه وجه جنده ضد الجمهورية، وحاصر ميلان حتى كادت تهلك جوعا، وقبل استسلامها له، ودخل المدينة وسط تهليل الجماهير الجياع، وأغمد في نفوسهم شهوة الحرية بتوزيع الخمر عليهم. ثم دعيت إلى الاجتماع جمعية عمومية مكونة من رجل عن كل أسرة في المدينة، وخلعت عليه سلطة الدوق غير عابئة باحتجاج الإمبراطور، وبدأت أسرة اسفوردسا عهدها الباهر القصير (1450).
ولم تتبدل أخلاقه بعد توليه أزمة الحكم، بل ظل يعيش عيشة بسيطة ويعمل بجد؛ وكان من حين إلى حين يلجأ إلى أعمال القسوة والغدر، متذرعا إلى ذلك بمصلحة الدولة؛ ولكنه كان يوجه عام عادلا رحيما. وكان من عيوبه إحساسه المرهف بجمال النساء إحساساً طليقا لا يقف عند حد؛ وحدث أن قتلت زوجته المهذبة عشيقته ثم سامحته؛ وقد ولدت له ثمانية أبناء، وكانت تسدي إليه النصح الحكيم في الشؤون السياسية، وحببت الشعب في حكمه بما كانت تقدمه من غوث إلى المحتاجين وحماية المظلومين. وكان يصرف شؤون الدولة في كفاية لا تقل عن كفايته في قيادة جندها. وكان النظام الاجتماعي الذي فرضه على المدينة سببا في عودة الرخاء إليها إلى درجة أنستها أو كادت تنسيها ذكريات آلامها وحريتها المتقطعة. ولما أستتب له المر شرع يبني قلعة اسفرديسكو Castello Sforzesco ليتخذها حصنا ضد العصيان أو الحصار وحفر قنوات جديدة، ونظم الأشغال العامة وشاد المستشفى العظيم Ospeddale Maggiore، وجاء إلى ميلان بالكاتب




صفحة رقم : 6632




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


الإنسان فيليفو Filelfo، وشجع التعليم، والعلم، والفن، وأغرى فتشيندسو فبا Vincenzo Foppa أن يأتي من بريشيا ليقيم مدرسة تصوير. ولما هددته دسائس البندقية، ونابلي، وفرنسا، أوقفها كلها عند حدها بأن كسب تأييد كوزيمو ده ميديتشي القوى وصداقته المتينة، ثم قلم أظافر نابلى بأن زوج أبنته ابوليتا Ippolita بألفنسو بن فرديناند، وأمن شر دوق أورليان بأن عقد حلفا مع لويس الحادي عشر ملك فرنسا. ولكن بعض الأعيان ظلوا يأتمرون به ليقتلوه ويحصلوا على سلطانه، غير أن نجاح حكمه قضى على تدبيرهم، وعاش حتى مات في سلام ميتة القواد التقليدية (1466).
وإذ كان ابنه جليانسو ماريا اسفوردسا قد ولد وفي أحضانه النعمة فإنه لم يتلق دروس الفقر والكفاح، واستسلم للملذات، والترف، والظاهر الكاذبة؛ وكان يجد لذة كبير في إغواء أزواج أصدقائه، ويعاقب معارضيه بقسوة يبدو أنه ورثها وراثة ملتوية، غامضة من دماء آل فسكونتي عن طريق بيانكا الرحيمة. ولم يقاوم أهل ميلان استبداده وظلمه لأنهم قد اعتادوا الحكم المطلق، فلم يكونوا يبالون بما يصيبهم منه؛ ولكن الانتقام الفردي ثأر لما كان مكبوتاً في قلوب الجماهير من شدة الرعب. وتفصيل ذلك أن جيرولامو ألجياتي Girolamo Olgiati أحزنه أن يغوي الدوق أخته ثم ينبذها؛ وحسب جيوفني لمبونياني Giovannl Lampugnani أن هذا السيد نفسه قد انتزع منه بعض ملكه؛ وكان نقولو منتينو Niccolo Monteno قد علمهما كما علم كارلوفسكونتي تاريخ الرومان ومثلهم العليا، وعلمهما كذلك قتل المستبدين من عهد بروتس إلى بروتس. وبعد أن طلب الشبان الثلاثة العون من الأولياء الصالحين كنيسة القديس استيفن، حيث كان جلياتسو يتعبد وانهالوا عليه طعناً حتى فارق الحياة (1476). وقتل لمبونياني وفسكنتي قبل أن يبرحا مكانهما، وعذب الجاني تعذيباً لم يكد يترك فيه عظماً من عظامه دون أن يكسر أو يخلع من وقبه؛ ثم سلخ جلده




صفحة رقم : 6633




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


حياً، ولكنه ظل إلى آخر نفس من حياته يرفض أن يندم على ما فعله، ويدعوا الأبطال الوثنيين والقديسين والمسيحيين ليباركوا عمله، ومات وهو يردد تلك العبارة التي تمثل شعار الرومان الأقدمين وشعار النهضة وهي:
"الموت مر ولكن السمعة الطيبة تبقى إلى أبد الدهر Mors acrba, fama perpetua"،(11).
وترك جلياتسو عرشه إلى ولد له لم يكن يتجاوز السابعة من العمر، يسمى جيان جلياتسو اسفوردسا، وظل حزبا الجولف والجبلين ثلاث سنين يتنافسان للاستحواذ على وصاية العرش ويستخدمان في سبيل ذلك وسائل القوة والخداع، وكان الفوز في آخر الأمر لشخصية من أروع الشخصيات وأكثرها استعصاء على التحليل في عهد النهضة المليء بالشخصيات الرائعة المعقدة، ونعني بها شخصية لدوفيكو اسفوردسا Lodovico Sforza رابع أبناء فرانتشسكو اسفوردسا. ولقبه أبوه مورو mauro؛ ولكن معاصريه بدلوا هذا اللقب إلى آل مورو il Moro (المغربي)- لأنه كان أسود الشعر والعينين، وارتضى هو عن طيب خاطر هذا الاسم الساخر، وأضحت بذلك الشارات والحلل المغربية طرازا شائعا في بلاطه. ووجد غيرهم من الفكهين لهذا الاسم مرادفا في اللغة الإيطالية هو Moro ومعناه شجرة التوت، وأصبحت هذه أيضا شعاراً له، وصار لون التوت طراز العصر في ميلان، واتخذ منه ليوناردو موضوعا وتصميما لبعض زخارفه في حجرات القلعة (Castello). وكان أعظم معلمي لدوفيكو هو العالم فيليلفو الذي أمده بأساس قوى في الآداب القديمة، ولكن بيانكا حذرت العالم الإنساني بقولها؛ "إن علينا أن نعلم أميراً لا تلميذاً فحسب"، ولهذا حرصت على أن يحذق ابنها فني الحكم والحرب. وقلما أظهر لدوفيكو شجاعة بدنية، ولكن ذكاء آل فسكونتي تحرر فيه من قسوتهم، وأصبح رغم أخطائه وآثامه من أعظم رجال التاريخ تحضراً.




صفحة رقم : 6634




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


ولم يكن وسيما، فقد كفاه الله شر هذا العائق الذي يلهي ويشغل عن مهام الأمور، وكان وجهه مكتنز اللحم، وأنفه مسرفا في الطول والانحناء، وذقنه ممتلئا، وشفتاه شديدتي الانطباق؛ ومع هذا فإن في صورته الجانبية المعوزة إلى بوت رفيو Botraffio، وتماثيله المحفوظين في ليون Lyons واللوفر قوة هادئة في الملامح، وحساسية في الذكاء، ورقة تكاد تصل إلى حد النعومة. وقد أشتهر بأنه في معظم الأحيان مراوغا، ولا تجده أبدا ذا ضمير حي، وقد تجده من حين إلى حين عديم الإخلاص، ولقد كانت هذه هي العيوب التي يشترك فيها ساسة النهضة، ولعلها هي العيوب التي لا غنى عنها لجميع الدبلوماسيين مهما يكن في هذا القول من قسوة. ومع هذا فقلما تجد بين أمراء النهضة من يضارعه في رحمته وكرمه، فقد كانت القسوة مما يتنافى مع طبعه، وما أكثر من أستمتع بجوده من الرجال والنساء. لقد كان حليما دمث الأخلاق، مرهف الحس بكل جمال وكل فن، قوي الخيال، جياش العاطفة، ولكنه قلما كان يفقد اتزانه أو هدوء طبعه. وكان متشككا، يؤمن بالخرافات، سيد الملايين، وعبد منجمه. كان لدوفيكو هذا كله، وكان الوارث المتوّج المزعزع للعناصر المتنافرة.
ظل ثلاثة عشر عاما (1481 - 1494) يحكم ميلان نائبا عن أبن أخيه. وكان جلياتسو اسفرودسا جبانا يميل إلى العزلة، يرهب تبعات الحكم، كثيرا ما تنتابه الأمراض، عاجزا عن القيام بالأعمال الجدية، يسميه جوتشيارديني Guicciardini العاجز، وكان يستسلم للهو أو المرض، يسره أن يترك تصريف شؤون الدولة إلى عمه الذي كان يعجب به إعجاباً ملؤه الحسد، ويثق به ثقة ممزوجة بالشك. وقد نزل له لدوفيكو عما في لقب الدوق ومنصبه من أبهة وفخامة، فكان جيان هو الذي يجلس على العرش، ويتقبل الولاء، ويعيش الترف الملكية، ولكن زوجته إزبلا الأرغونية كان





صفحة رقم : 6635




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


يسوءها استيلاء لدوفيكو على زمام السلطة، وحرصت جيان على أن يتولى بنفسه مقاليد الأمور، ورجت أباها ألفنسو، ولي عهد عرش نابولي، أن يزحف بجيشه، ويوليها السلطات التي يتولاها الحاكم الحق.
وكان حكم لودفيكو يتسم بالحزم والكفاية، وقد أنشأ حول عشته الصيفية في فيجيفانو مزرعة تجريبية واسعة، ومحطة لتربية الماشية، وكانت تجرى فيها التجارب على زراعة الأرز، والكروم، وأشجار التوت؛ وكان يصنع من ألبان ماشيته زبداً وجبنا لم تعرف إيطاليا نفسها نظيرا لهما من قبل، وكانت ثمانية وعشرون ألفا من الثيران، والبقر، والجاموس، والضأن، والمعز ترعى في الحقول وعلى سفوح التلال؛ وكانت أسطبلاته الرحبة تضم الجياد والأفراس التي تنتج أجمل الخيل في أوربا. وكان يشتغل في صناعة الحرير في ميلان وقتئذ عشرون ألف عامل، وانتزعت من فلورنس كثيرا من أسواق أوربا. وكان الحدادون، والصياغ، والحفارون للخشب، وصناع الميناء؛ والخزف، والفسيفساء، وناقشو الزجاج، وصناع العطور، والبارعون في صناعة التطريز ونسج الستر، وصناع الآلات الموسيقية، كان هؤلاء كلهم تعج بهم صناعات ميلان، وكانوا يزينون بالحلى القصور، وكبار أفراد الحاشية ويصدرون ما يكفي منها لابتياع أدوات الترف الأرق منها والتي تستورد من بلاد الشرق. وحرص لدوفيكو على أن ييسر حركة مرور الناس والبضائع، و "يهب الناس أكثر مما لديهم من الضوء والهواء"(12) فأمر بتوسيع الشوارع الهامة، وأقيمت على جانبي الطرق الكبرى المؤدية إلى القلعة Castello قصور وحدائق للأعيان من السكان، وعلت في سماء المدينة كاتدرائيتها الكبرى، التي اتخذت وقتئذ صورتها النهائية، وأضحت مركزا من المراكز المتنافسة في حياتها النابضة. وكان يسكن ميلان في عام 1492 مائة وثمانية وعشرون ألفا من السكان(13)، وبلغت من الرخاء في عهد لدوفيكو ما لم تبلغه في عهد جيان




صفحة رقم : 6636




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


جلياتسو فسكونتي نفسه. ولكن الناس أخذوا يضجون بالشكوى من أن هذا الثراء الموفور كان يذهب لتقوية نائب الملك وزيادة أبهة البلاط لا لانتشال عامة الشعب من فقره الذي طال عليه العهد حتى لم تعد تعرف بدايته. وكان أصحاب البيوت يئنون من فدح الضرائب، كما كانت مظاهرات الشغب والاحتجاج تضطرب بهما كرومونا ولودي Lodi. وكان لدوفيكو يرد على ذلك بقوله انه في حاجة إلى المال لإقامة المستشفيات والعناية بالمرضى، ولمعونة جامعتي بافيا وميلان، ولتقديم المال اللازم لإجراء التجارب في الزراعة، وتربية الحيوان، والصناعة، ولكي يؤثر بما يبدو في بلاطه من روعة الفن وفخامة المظهر في قلوب السفراء الذين لا تحترم حكوماتهم إلا الدول القوية الغنية.
ولم تقتنع ميلان بهذه الحجج، ولكن يبدو أنها شاركت لدوفيكو في مسرته حين جاء إليها بعروسه التي كانت أظرف أميرات فرارا وأكثرهن استئثارا بالمحبة (1491). ولم يكن يدعي أنه كفء لبيتريس دست العذراء المرحة؛ ذلك انه كان وقتئذ في سن التاسعة والثلاثين، وكان قد أتخذ له عددا من الخليلات ولدن له ولدين وبنتاً - بيانكا الظريفة التي لم يكن حبه أياها يقل عن حب أبيه للسيدة الجياشة العاطفة التي سميت هذه الفتاة باسمها. ولم تثر بيتريس شيئا من المتاعب بسبب الاستعدادات المعتادة التي يتخذها الرجال في زمن النهضة للاكتفاء بزوجة واحدة، لكنها حين وصلت ميلان هالها أن تجد تشتيشيليا جييليراني Cecillia Gellerani الحسناء آخر عشيقات زوجها لا زالت تقيم في حاشية القصر. وأدهى من هذا وأمر أن لدوفيكو ظل يزور تشتيشيليا مدة شهرين بعد زواجه، ولما سأل في هذا قال لسفير فيرارا أنه لا يطيق إبعاد الشاعرة المثقفة التي أستمتع بها جسمه وعقله. وأنذرته بيتريس بأنها ستعود إلى فيرارا؛ فخضع لدوفيكو وأقنع الكونت برخميني بأن يتزوج تشتيشيليا.




صفحة رقم : 6637




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


وكانت بيتريس فتاة في الرابعة عشرة من عمرها حين جاءت إلى لدوفيكو؛ ولم تكن بارعة الجمال، ولكنها كانت تفتن من رآها بمرحها البريء الذي كانت تستقبل به الحياة وتستمتع بها وكانت قد نشأت في نابلي، وتمرست في أساليبها المبهجة وغادرتها قبل أن تفقد صدقها وأمانتها، ولكنها أخذت منها إسرافها وخلوها من الهموم، فلما أفاض عليها لدوفيكو من ثروته أطلقت العنان لهذا الإسراف حتى قالت عنها ميلان أنها "جنت جنوناً بحب الإسراف"(14). وكان كل من في المدينة يغفر لها هذا لأنها كان تنشر المرح البريء في كل مكان - "تقضي الليل والنهار" كما يقول أحد الإخباريين المعاصرين "في الغناء والرقص وجميع أنواع المسرات" حتى سرت روحها في جميع أفراد البلاط، فلم تقف فيه البهجة عند حد. ووقع لدوفيكو الوقور الرزين في حبها بعد بضعة أشهر من زواجهما، وأعترف بعض الوقت بأن القوة مهما بلغت، والحكمة أيا كانت، لا قيمة لهما إلى جانب سعادته الجديدة. وأضافت بفضل رعايته زينة العقل إلى روح الشباب، فتعلمت كيف تخطب باللغة اللاتينية، وشغلت عقلها بشؤون الدولة، وأدت لزوجها في بعض الأوقات خدمات جليلة بأن كانت سفيرة له لا تستطاع مقاومتها، ورسائلها لأختها ازبلادست التي فاقتها شهرة طاقة من الزهر العطر وسط الأجمة المكفيلية من منازعات عصر النهضة.
وأضحى بلاط ميلان وقتئذ، وفيه بيتريس تتزعم الرقص، ولدوفيكو الكادج يؤدي نفقات الحفلات أضخم بلاط للأمراء لا في إيطاليا وحدها، بل في أوربا بأجمعها، وأتسع قصر اسفورديسكو حتى بلغ ذروة مجده، ببرجه الأوسط الشامخ، ومتاهة حجراته المترفة التي لا تعرف بدايتها من نهايتها، وأرضه المطعمة، ونوافذه الزجاجية الملونة، وأرائكه المطرزة، وطنافسه العجمية؛ وسجفه التي نقشت عليها مرة أخرى قصص طروادة وروما، هنا سقف من صنع ليوناردو، وهناك تمثال أخرجته يد




صفحة رقم : 6638




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


كروستوفورو سولاري أو كروستوفور روماني، ولا يكاد يخلو مكان فيه من أثر بالغ الجمال من آثار الفن اليوناني، أو الروماني، أو الإيطالي. في هذه البيئة المتألقة أختلط العلماء بالمحاربين، والشعراء بالفلاسفة، والفنانون بالقواد، وأختلط هؤلاء جميعا بالنساء اللاتي أضفن إلى مفاتنهن الطبيعية كل ما يمكن أن تسبعه عليهن من رقة مستحضرات التجميل، والجواهر، والثياب، وكان الرجال حتى الجنود منهم يعنون بتصفيف شعرهم وبأثوابهم. وكانت الفرق الموسيقية تعزف على مجموعة الآلات المختلفة، والأغاني تتردد في جنبات الأبهاء. وبينما كانت فلورنس ترتعد فرقا أمام سفنرولا وتحرق أباطيل الحب، والفن، كانت الموسيقى والآداب الخليعة تسود عاصمة لدوفيكو. وكانت الأزواج يتغاضون عن عشق زوجاتهم نظير استمتاعهم هم بما يشاءون(17)، وكانت الحفلات الساخرة المقنعة لا تنقطع، وآلاف الأزياء المرحة تستر ما لا يحصى من الآثام، والرجال والنساء يرقصون ويغنون، كأن الفقر لا يترقب المدينة خارج أسوارها، وكأن فرنسا لا تعد العدة لغزو إيطاليا، أو كأن نابلي لا تتآمر على تخريب ميلان.
ولق وصفها بيرناردينو كوريو Bernardino Corio، وكان قد جاء إلى بلاطها من موطنه في كومو Como، بأسلوبه الفصيح البليغ في كتابه تاريخ ميلان Historia di Milano، (1500 فيما يظن) فقال:
"لقد كان بلاط أمرائها فخما إلى أبعد حدود الفخامة، مليئا بالحديث عن أنماط الثياب، وبالمباهج الجديدة، ولكن الفضيلة كانت في ذلك الوقت يثني عليها كل لسان حتى كأن منيرفا ربة الحكمة كانت تتنافس مع فينوس (الزهرة) ربة الجمال في أيهما يكون مدرستها أزهى المدرستين وأعظمهما بهاء. وأقبل على مدرسة كيوبد أجمل الفتيان، وقدم إليها الآباء بناتهم، والأزواج زوجاتهم، والأخوة أخواتهم، وهرعوا جميعا إلى أبهاء الغرام بلا تفكير ولا مبالاة، حتى روع ذلك من كانت لهم عقول يفهمون بها.




صفحة رقم : 6639




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


كذلك عملت منيرفا بكل ما فيها من قوة على تزيين مجمعها العلمي الظريف، الذي دعا إليه الأمير لدوفيكو اسفوردسا، فخر الأمراء وأعظمهم، رجالا لا يدانيهم أحد في العلم أو الفن من أقصى أطراف أوربا، وأجرى عليهم الأرزاق. لقد اجتمعت فيه علوم اليونان، وأزدهر شعر اللاتين ونثرهم وأنار الآفاق، وفيه سكنت ربات الشعر، وجاء إليه أساتذة فن النحت، وأساتذة التصوير من الأقاليم النائية، وفيه كانت تتردد أصداء الأغاني والأصوات العذبة على اختلاف أنواعها، وتسمع الألحان الحلوة التي يخيل إلى الإنسان أنها تتساقط من السماء نفسها على ذلك البلاط الذي لا مثيل له في العالم"(17).
ولعل بيتريس هي التي أحلت، بحب الأمومة المتوقد، الخراب والدمار بلدوفيكو وإيطاليا. فقد ولدت له ولد ذكرا في عام 1493 سمى مكسميليان باسم إشبينه، وارث عرش الإمبراطورية. وتحيرت بيتريس فلت تكن تدري ماذا يكون من أمرها وأمر الطفل إذا مات لدوفيكو، ذلك أن زوجها لم يكن له حق شرعي في حكم ميلان، وقد يخلعه جيان جلياتسو بمساعدة أهل نابلي في أية لحظة، وينفيه،أو يقتله، وإذا استطاع جيان أن يكون أن يكون له ولد، فالمفروض أن هذا الابن سيرث الدوقية، مهما يكن من مصير لدوفيكو. وكانت هذه المتاعب، تقض مضجع لدوفيكو فبعث بالسر يرسل إلى الملك مكسميليان يعرض عليه أن يزوجه ببيانكا ماريا اسفوردسا ابنة أخيه ويزودها ببائنة مغرية مقدارها أربعمائة ألف دوقة (5.000.000 دولار)، على شرط أن يمنح مكسميليان، حين يصبح إمبراطورا، لدوفيكو لقب دوق ميلان مع ما يتبع هذا اللقب من سلطات، ووافق الملك مكسميليان على هذا العرض، ومن واجبنا أن نضيف إليه أن الأباطرة الذين خلعوا لقب الدوق على الفسكونتى المتولي شئون الحكم قد أبو أن يوافقوا على أن يلقب به الحكام من أسرة اسفوردسا، وكانت ميلان من الوجهة القانونية لا تزال خاضعة لسلطان الإمبراطورية.




صفحة رقم : 6640




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


وكان جيان جلياتسو مشغولا بكلابه وظبائه شغلا يحول بينه وبين الالتفات إلى هذه التطورات وما تسببه له من متاعب. ولكن زوجته إزبلا ذات الروح الحماسية قد تبينت الاتجاه الذي تسير فيه، وكررت رجاءها إلى أبيها. ولما حل شهر يناير من 1494 جلس الفنسو على عرش نابلي، وأتخذ له سياسة معادية عداء صريحا لنائب الملك في ميلان. ولم يكتف البابا إسكندر السادس بالتحالف مع نابلي، بل كان يتوق إلى ضم مدينة فورلي Forli - التي كان يحكمها أحد أفراد أسرة اسفوردسا - مع عدة بلدان أخرى ليكون منها دولة بابوية قوية. وكان لورندسو ده ميديتشي، صديق لدوفيكو، قد توفي في عام 1492، ودفع اليأس لدوفيكو إلى أتباع وسائل مستيئسة لحماية نفسه، فعقد حلفا بين ميلان وفرنسا، وارتضى أن يمر شارل الثامن والجيش الفرنسي بلا مقاومة في شمالي إيطاليا حين يعتزم شارل تأييد حقوقه في عرش نابلي.
على هذا النحو جاء الفرنسيون، واستضاف لدوفيكو شارل، ودعا له بالنجاح والتوفيق في حملته على نابلي. وبينما كان الفرنسيون يزحفون جنوبا إذ توفي اسفوردسا بمجموعة من العلل، وظن خطأ أن لدوفيكو دس له السم، وفعل لدوفيكو ما يقوى هذه الريبة إذ عجل فعمل على أن يخلع عليه لقب الدوق (1495). وفي هذا الوقت بالذات غزا لويس، دوق أورليان، إيطاليا على رأس جيش فرنسي آخر، أعلن سيستولي على ميلان التي يمتلكها لأنه من نسل جيان جلياتسو فسكونتي. وتبين لدوفيكو وقتئذ انه أرتكب خطأ موبقاً حين رحب بشارل، فأسرع يقلب سياسته رأسا على عقب، وسعى إلى عقد "حلف مقدس" من البندقية، وأسبانيا، وإسكندر السادس، ومكسميليان ليطرد الفرنسيين من شبه الجزيرة. فما كان من شارل إلا أن رجع على أعقابه مسرعا، ومنى بهزيمة غير حاسمة عند فرنوفو Fornovo، (1495) ولم يستطع إعادة فلول جيشه إلى فرنسا




صفحة رقم : 6641




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


إلا بشق الأنفس. وقرر لويس دوق أورليان أن ينتظر حلول يوم يكون فيه أسعد حظاً من يومه السابق.
وكان لدوفيكو يفخر بما كللت به خطته الملتوية من نجاح ظاهري. فقد ألقى على ألفنسو درسا قاسيا، خدع أورليان، وقاد الحلف إلى النصر. وبدا أنه أصبح أمنا في مركزه. فخفف من يقظة دبلوماسيته، وأخذ يستمتع مرة أخرى بأبهة بلاطه وحريات شبابه. ولما حملت بيتريس مرة ثانية أعفاها من الالتزامات الزوجية، وعقد صلة غير شرعية مع لكريدسيا كريفيلي Lucrezia Crevelli (1496). وأحزنت بيتريس خيانته وتحملتها على مضض، ولم تعد تنشر حولها الغناء والمرح، بل شغلت نفسها بولدها، وأما لدوفيكو فكان يتردد بين عشيقته وزوجته، ويبرر هذا بأنه يحبهما كلتيهما، واعتكفت بيتريس مرة أخرى في عام 1497 لتضع حملها، ووضعت ولدا ميتا، وماتت بعد ساعة من وضعه وهي تعاني آلاما مبرحة، ولما تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها.
وتبدل في تلك اللحظة كل شيء في المدينة وفي الدوق، ويقول كاتب معاصر إن الناس "أظهروا من الحزن ما لم يعرف مثله في ميلان من قبل"، وارتدى أفراد الحاشية ثياب الحزن، وغلب على لدوفيكو الأسى والندم فكان يقضي أياما طوالا في العزلة والصلاة، ولم يكن هذا الرجل القوي الذي قلما فكر من قبل في الدين يرجو إلا مرحمة واحدة - هي أن يلقى منيته، ويرى بيتريس مرة أخرى، وينال منها المغفرة، ويستعيد حبها، وظل أسبوعين كاملين يرفض استقبال موظفي الدولة، ومندوبيه، وأطفاله، ويحضر الصلاة ثلاث مرات في اليوم، ويزور في كل يوم قبر زوجته في كنيسة سانتا ماريا دلى جرادسى Santa Maria delle Grazie، وعهد إلى كرستوفورو سولارى أن ينحت تمثالا لبيتريس تمثالا مضطجعا، إذ كان يرغب في أن يوارى معها بعد موته في قبر واحد، فقد طلب أن




صفحة رقم : 6642




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


يوضع تمثاله بجوار تمثالها، وحدث هذا فعلا، ولا يزال هذا النصب الساذج قائما في التشرتوازا دي بافيا Cetrosa di Paira يخلد ذكرى ذلك العهد السعيد القصير الذي انتهى بالنسبة إلى لدوفيكو وميلان كما أنتهي بالنسبة إلى بيتريس وليوناردو.
وسارت المأساة إلى نهايتها سيرا حثيثا، ففي عام 1498 أصبح دوق أورليان هو لويس الثاني عشر ملك فرنسا، ولم يكد يجلس على العرش حتى أكد من فوره عزمه على امتلاك ميلان. وأخذ لدوفيكو يبحث عن الحلفاء، ولكنه لم يجد له حليفا واحدا، فقد ذكرته مدينة البندقية في غير مجاملة باستعدائه شارل الثامن عليها. ثم ولى قيادة جيشه جلياتسو دي سان سيفيرينو Galeazzo di San Severino الذي كان أجمل من أن يتولى قيادة جيش، ولم يكد هذا القائد يبصر العدو حتى أطلق ساقيه للريح، وزحف الفرنسيون على ميلان دون أن يلقوا أية مقاومة. ثم عين لدوفيكو صديقه الوفي الذي يضع فيه ثقته بيرنردينو داكورتي Bernardino da Corte ليحرس مكسميليان. ثم أتخذ لدوفيكو طريقة متخفيا (في 2 سبتمبر سنة 1499) إلى انزبروك ومكسميليان بعد أن لاقى كثيرا من الأخطار؛ ولما أن قاد جيان تريفلدسيو Gian Trivulzio، وهو قائد من أهل ميلان أساء إليه لدوفيكو في يوم من الأيام، الفرنسيين إلى ميلان سلمه بيرناردينو القصر وكنوزه دون مقاومة نظير رشوة قدرها 150.000 دوقة (1.875.000 دولا أمريكي).ويقول لدوفيكو وهو حزين ممتعض "انه لم تقع قط خيانة أفظع من هذه منذ أيام يهوذا"(18). وأمنت على قوله إيطاليا كلها.
وأصدر لويس أمره إلى تريفلدسيو بان يؤدى البلد المفتوح نفقات الفتح، فأخذ القائد يجني الضرائب الباهظة، وسلك الجنود الفرنسيون مسلك الغلظة والوقاحة، وأخذ الناس يتمنون عودة لدوفيكو، حتى عاد فعلا على رأس




صفحة رقم : 6643




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


قوة صغيرة من مرتزقة السويسريين، والجرمان، والإيطاليين. وأرتد الجنود الفرنسيين إلى القصر، ودخل لدوفيكو ميلان ظافرا (في الخامس من فبراير سنة 1500). وجيء إليه أثناء مقامه القصير في المدينة بأسير فرنسي هو الفارس بايار Chevalier Bayard الذي اشتهر بشجاعته وحسن أدبه. ورد إليه لدوفيكو جواده وسيفه، وأطلق سراحه، وأرسله محروسا إلى معسكر الفرنسيين. غير أن هؤلاء لم يردوا الجميل بمثله، بل أخذت الحامية المعسكرة في القصر تطلق القذائف على شوارع ميلان، حتى نقل لدوفيكو مقر قيادته إلى بافيا لينجي السكان من القتل أو يكسب رضاهم. ثم بدأت أمواله تنفذ، وعجز عن أداء رواتب الجنود في مواعيدها، فاقترحوا عليه أن يعوضوا أنفسهم بنهب المدن الإيطالية، فلما نهاهم عن ذلك استشاطوا غضبا. وعهد إلى جيان فرانتشيسكو جندساجا Giannfrancesco Gonzaga وزوج ازبلا أخت بيتريس أن يتولى قيادة جيشه الصغير. وقبل فرانتشيسكو هذه المهمة، ولكنه أخذ يتفاوض سرا مع الفرنسيين (19).فلما ظهر هؤلاء عند نوفارا Novara قاد لدوفيكو قوته المختلطة إلى الميدان، ولكنها ارتدت على أعقابها عند أول صدمة وولت الأدبار، ووضع قوادها شروط الصلح مع الفرنسيين، ولما حاول لدوفيكو الفرار متخفيا، غدر به السويسريون المرتزقون وأسلموه إلى العدو (10 أبريل عام 1500). وارتضى مصيره المحتوم في اطمئنان وهدوء، ولم يطلب إلا أن يؤتى بنسخته الخاصة من المسلاة الإلهية من مكتبته في بافيا. واقتيد بشعره الأشيب، وسط الجموع الساخرة في شوارع ليون Lyons، ولكنه ظل في أثناء ذلك محتفظا بأنفته وكبريائه، وسجن في قصر ليس سانت جورج Lys-Ssint George في برى Berry. ورفض لويس الثاني عشر أن يقابله، وتجاهل رجاء الإمبراطور مكسميليان انه يطلق سراح الأسير المهشم، ولكنه سمح للدوفيكو أن يتمشى في أفنية القصر، ويصطاد السمك من الخندق، وأن يستقبل الأصدقاء.




صفحة رقم : 6644




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> آل أسفوردسا


ولما مرض لدوفيكو وأضحت حياته في خطر بعث إليه لويس بطبيبه الأستاذ سالومون Maitre Salomon، وجاء إليه بأحد أقزامه من ميلان ليسليه، ثم نقله في عام 1504 إلى قصر لوش Loches وسمح له بقسط من الحرية أكثر مما كان له قبل، وحاول لدوفيكو الهرب في عام 1508، فتسلل من الأماكن المحيطة بالقصر يحمل حملا من القش، ولكنه ضل طريقه في الغابات، واقتفت كلاب الصيد أثره، وشددت عليه من أجل ذلك الحراسة في سجنه، فحرم من الكتب، ومن أدوات الكتابة، وسجن في جب تحت الأرض. وهناك في السابع من شهر مايو عام 1508 مات في ظلام العزلة، بعيدا كل البعد عن حياة البهجة التي كان يستمتع بها يوما ما في عاصمته المرحة. وكان حين وافته المنية في السابعة والخمسين من عمره(20).
كان لدوفيكو في حياته قد أجرم في حق الرجال والنساء وفي حق إيطاليا نفسها، ولكنه كان يحب الجمال، كان يعز الرجال الذي جاءوا إلى ميلان بالفن والموسيقى، والشعر، والعلم. وفي ذلك يقول جرولامو تيرابسكي Girolamo Tiraboschie منذ قرن من الزمان:
إذا أحصينا العدد الجم من العلماء الذين وفدوا إلى بلاطه من كافة أنحاء إيطاليا وهم واثقون من انهم سينالون الشرف أعظمه ومن الهبات أسخاها، وإذا ذكرنا العدد الكبير من مشهوري المهندسين المعماريين والرسامين الذين دعاهم إلى ميلان، والمباني الكثيرة الفخمة التي أقامها فيها، وذكرنا فوق ذلك أنه شاد جامعة بافيا العظيمة ووهبها الأموال الطائلة، وأفتتح المدارس لكل أنواع العلوم في ميلان، وإذا ما قرأنا فضلا عن هذا كله قصائد المدح ورسائل التبجيل التي وجهها إليه العلماء على اختلاف أجناسهم، إذا فعلنا هذا فانا لا يسعنا إلا أن نقر بأنه خير من عاش على ظهر الأرض من الأمراء.




صفحة رقم : 6645




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الآداب



الفصل السادس




الآداب


أحاط لدوفيكو وبيتريس نفسيهما بعدد كبير من الشعراء، لكن حياة البلاط بلغت من البهجة والمرح حدا لا تستطيع معه أن تلهم الشاعر ذلك الإخلاص الحافظ القوي الذي ينطقه بعيون الشعر. وكان سرافينو الأكويلائي Serafino of Aqulia دميما قصيرا، ولكن أغانيه التي ينشدها بنفسه على العود كانت تبعث البهجة في قلب بيتريس وأصدقائها، فلما توفيت خرج خلسة من ميلان لأنه لم يطق ما ساد في الحجرات من صمت بعد أن كانت تعج بضحكاتها، وتشهد خطوات قدميها الرقيقتين. واستقدم لدوفيكو كاملي Camelli وبلينتشيوني Bellincione الشاعرين التسكانيين إلى بلاطه لعلهما يبعثان الرقة في التعبيرات اللمباردية، وكانت النتيجة أن نشبت حرب شعواء بين الشعراء التسكانيين واللمبارديين، أخرجت منها الأغاني المسمومة الشعر النبيل الشريف. وكان بلينتشيوني مشاغباً شكساً إلى حد دفع منافساً له من الشعراء أن بعث له نقشاً يكتب على قبره يحذر فيه من أن يمر به أن يخفف الوطء لئلا تقوم جثته وتعضه. ومن أجل هذا أتخذ لدوفيكو شاعرا لمبارديا يدعى جسبار فسكونتى Gasparo Visconti شاعر بلاطه، فسكونتي هذا لبياتريس في عام 1496 مائة وثلاثا وأربعين من الأغاني وغيرها من القصائد مكتوبة بحروف من الفضة والذهب على رقائق من العاج، ومزينة بنقوش دقيقة بديعة ومغلفة بورق مقوى مطلي بالفضة المنقوشة عليها الأزهار بالميناء، وكان شاعرا بحق ولكن الزمن طواه وطمس ذكراه. وكان يحب بترارك، واشتبك في محاورة شعرية جدية ولكنها ودية مع برامنتي موضوعها مقارنة مزايا كل من بتراراك ودانتي، ذلك أن




صفحة رقم : 6646




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الآداب


المهندس العظيم كان يحب أن يضع نفسه في عداد الشعراء أيضا، وكانت هذه المجادلات الشعرية من موضوعات الترويح المحببة في بلاط الأمراء والملوك في عهد النهضة، يكاد يشترك فيها كل إنسان، وحتى قواد الجيوش أنفسهم أصبحوا ممن ينشئون الأغاني الشعرية. وكانت خير القصائد في عهد آل اسفوردسا هي التي كتبها شاعر مصقول العبارة يدعى نقولا دا كريجيو Niccolo da Correggio، وجاء إلى ميلان مع حاشية بيتريس يوم زفافها، وبقي في ميلان حباً ببيتريس ولودفيكو، وعمل عندهم شاعراً ودبلوماسياً، وألف أنبل أشعاره حين ماتت بيتريس. وكانت تشيتشيليا جلراني عشيقة لدوفيكو هي الأخرى شاعرة، وكانت ترأس ندوة ممتازة من الشعراء، والعلماء، ورجال الحكم والفلاسفة، وقصارى القول أن كل ما امتازت به فرنسا في القرن التاسع عشر من رقة الحياة والثقافة قد أزدهر في ميلان أيام لودفيكو.
ولم يكن لدوفيكو يضارع لورندسو في ولعه بالعلوم، ولا في اختياره من يناصرهم. فقد جاء إلى مدينته بألف من العلماء، ولكن مناقشاتهم العلمية لم تخرج عالما واحدا ممتازا. وقد ولد فرانتشيسكو فيليلفو Francesco Fillelfo، الذي رددت إيطاليا كلها أصداء علمه وشتائمه، في تولنتينو، وتلقى العلم في بدوا، وعين فيها أستاذا وهو في الثامنة عشر من عمره، واشتغل بالتدريس وقتا ما في البندقية، وسره حين أتيحت له الفرصة لزيارة القسطنطينية إذ عين فيها أمينا لقنصلية البندقية (1419). قلما جاءها شرع يدرس اللغة اليونانية على جون كريسلوراس Joho Chrysoloras وتزوج بابنة جون، وظل سنين طوالا موظفا صغيرا في البلاط البيزنطي. فلما عاد إلى البندقية كان هلنستياً بارعاً يفخر، وله بعض الحق، بأنه لا يوجد إيطالي غيره متمكن من اللغتين القديمتين وآدابهما تمكنه هو. وكان يكتب الشعر، ويلقي الخطب، باللغتين اليونانية واللاتينية،




صفحة رقم : 6647




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الآداب


وكانت البندقية تؤجره نظير كونه أستاذ لهاتين اللغتين وآدابهما أجرا عاليا غير معتاد وهو مائة سكوين Sequin (12.500 دولار) في العام، لكن فلورنس أغرته بأجر أكبر من هذا (1429) فجاء إليها وأصبح فيها أكبر علمائها. وقد قال هو عن نفسه إن "المدينة على بكرة أبيها تقف لتتطلع لي ... واسمي يجري على كل لسان". ولا يفسح لي الطريق كبار رجال البلدة المدنيين فحسب، بل يفسحه أيضاً لي النساء أنفسهن، ويظهرن لي من الإجلال والتعظيم ما يخجلني. وكان يستمع لدروسه أربعمائة شخص في كل يوم، معظمهم من الرجال المتقدمين في السن، من منزلة أعضاء مجلس الشيوخ"(22). ولكن سرعان ما انتهى هذا كله، لأن فيليلفو كان ميالا للنزاع والشجار، حتى أغضب أولئك الرجال الذين استدعوه إلى فلورنس - نقولو ده نقولي، وأمبروجيو ترافرساري وغيرهما. ولما سجن كوزيمو ميديتشي في قصر فتشيو، حرض فليليفو الحكومة على أن تعدمه، فلما أنتصر كوزيمو هرب هو من المدينة، وقضى ست سنين يعلم في سينا وبولونيا، واخيرا اجتذبه فلبوماريا فسكونتي (1440)إلى ميلان بان منحه ذلك الأجر الذي لم يكن له نظير من قبل وهو 750 فلورينا في العام، وفيها قضى فيليلفو بقية حياته الطويلة العاصفة.
وكان فيليلفو ذا نشاط مروع عجيب، كان يلقي في كل يوم محاضرات تدوم أربع ساعات في اللغة اليونانية أو اللاتينية أو الإيطالية، ويشرح كتب الأقدمين، أو أشعار دانتي، أو كتب افلوطرخس، واكن يلقي خطبا عامة في الاحتفالات الحكومية، أو الحفلات الخاصة؛ وكتب بالغة اللاتينية ملحمة في فرانتشيسكو اسفوردسا، وعشر "قصائد" في الهجاء، وعشرة "كتب" من الشعر الغنائي، وألفى بيت وأربعمائة من الشعر اليوناني، وكتب عشرة آلاف بيت في الحب (1465) لم تطبع، وكثير منها مما لا يجوز طبعه، وكانت له زوجتان، وتزوج بثالثة، وكان له أربعة وعشرون من الأبناء




صفحة رقم : 6648




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الآداب


الشرعيين فضلا عن غير الشرعيين الذين كان وجودهم دليلا على خياناته. وقد وجد وسط هذه الجهود كلها متسعا من الوقت لإثارة حروب أدبية شعواء مع الشعراء، والسياسيين، والكتاب الإنسانيين. وكان رغم ما يتقاضاه من مرتب كبير، ,أجور أخرى تأتيه من حين إلى حين، يشكو الفقر في أوقات متفرقة، ويستجدي مناصريه في أشعار له على مثال أشعار قدماء اليونان والرومان ذات القافية الواحدة لكل بيتين يطلب إليهم المال، والطعام، والكساء، والخيل، ووظيفة كردنال. ولقد أخطأ أن جعل بجيوبين من يسعى إليهم، فقد وجد أن هذا الوغد المرح يفوقه في البذاءة.
لكن علمه، رغم هذا كله، قد جعله العالم الذي يسعى إليه في زمانه. فقد أستقبله البابا نقولاس الخامس في قصر الفاتيكان عام 1453، ووهبه كيسا به 500 دوقة (12.500 دولار)، وعينه الفنسو الأول ملك نابلي شاعر بلاطه ومنحه لقب فارس، واستضافه دوق بورسو Bprso في فيرارا، كما استضافه المركيز لدوفيكو جندساجا في مانتوا والطاغية سجسمند ومالتستا في ريميني., ولما أصبح غير آمن على نفسه في ميلان على أثر موت فرانتشيسكو اسفوردسا وما أعقب موته من فوضى، لم يجد صعوبة ما في الحصول على منصب في جامعة روما، غير أن خازن بيت المال البابوي تلكأ في أداء مرتبه، فعاد فيليلفو إلى ميلان، ولكنه مع ذلك كان يتوق إلى أن يختم حياته بحفيد الرجل الذي رشحه هو للإعدام. غير أن لورندسو عفا عنه، وعرض عليه كرسي الأدب اليوناني في فلورنس، وقد بلغ من فقر فيليلفو وقتئذ أن اضطرت حكومة ميلان أن تقرضه المال اللازم لسفره، فاستطاع بذلك أن يصل إلى فلورنس حيث مات بالزحار بعد أسبوعين من وصوله إليها وكان وقتئذ في الثالثة والثمانين من عمره (1481). وكانت حياته واحدة من حيوات مائة مثله، إذا نظر إليها مجتمعه فاح منها شذى عطر النهضة الإيطالية الفذة، التي يمكن أن يكون فيها طلب العلم وجدا وهياما، والأدب حربا وقتالا.




صفحة رقم : 6649




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفن



الفصل السابع




الفن


كان الحكم المطلق نعمة على الفن وبركة، فقد كان أكثر من عشرة حكام يتنافسون في البحث عن المهندسين المعماريين، والمثالين، والرسامين ليزينوا لهم عواصمهم ويخلدوا ذكراهم، وكانوا ينفقون في هذا التنافس أموالا قلما تخصصها الديمقراطيات للجمال، أموالا لم يكن يستطاع تخصيصها للفن لو أن ثمار الجهود والعبقرية البشرية كانت توزع على الناس بالقسطاس المستقيم. وكانت نتيجة هذا ان الفن الإيطالي في عصر النهضة كان فنا خاص ببطانة الملوك ذا ذوق أرستقراطي، ولكنه كان في الأغلب الأعم يلم في شكله وموضوعه بحاجات العظماء من رجال الدنيا والسلطات الكنسية. ذلك هو فن النهضة على حين أن أنبل الفنون وأعظمها هو الذي يخلق للجماهير من كدحها ومن ثمار هذا الكدح هبة عامة ومجدا عاما، هكذا كانت الكنائس الفوطية الكبرى وهياكل بلاد اليونان وروما القديمة.
وترى كل ناقد يندد بكتدرائية ميلان لإكتضاضها بالزخارف، واضطراب خطوط البناء، ولكن أهل ميلان لا يزالون منذ خمسة قرون يجتمعون في مبناها الضخم الظليل، مشغوفين به، ولا يزالون حتى في هذا العهد المتشكك يعتزون به ويرون أنه عملهم الجماعي وموضع فخرهم المشترك. وكان الذي بدأ هذا البناء هو جيان جلياتسو فسكونتي (1386)، وقد وضع تصميمه على نطاق خليق بعاصمة إيطاليا الموحدة التي كان يحلم بوجودها، فكانت تتسع لأربعين ألفا يعبدون فيها الله ويظهرون إعجابهم بجيان. وتقول الرواية المأثورة أن نساء ميلان كن يصبن في ذلك الوقت بمرض غريب في أثناء حملهن، وأن كثيرين من أطفالهن يموتون وهم صغار.




صفحة رقم : 6650




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفن


وقد مات لجيان نفسه ثلاثة أبناء تعسرت ولادتهم وماتوا بعد أن ولدوا بزمن قليل، وحزن عليهم أشد الحزن، ولهذا وهب المزار العظيم لمريم في مولدها Mariae nasceenti، رجاء أن يرزق بوارث، وأن تلد نساء ميلان أبناء أصحاء. ثم دعا المهندسين من فرنس وألمانيا للاشتراك في العمل مع المهندسين الطليان، فأما المهندسون من أهل الشمال فقد جاءوا بالطراز القوطي، وأما الإيطاليون فهم الذين أفاضوا عليها الزخرف، وضعف التناسق بين الطراز والشكل من جراء تضارب الآراء بين الجانبين ومن الزمن الطويل الذي تم فيه بناء الكنيسة، والذي بلغ قرنين من الزمان. تبدل خلالها مزاج العالم وذوقه، فلم يعد من أتموا هذا الصرح يحسون بما يحس به من بدأوه. ولم يكن قد تم من البناء حين توفي جبان جلياتسو (1402) إلا جدرانه، ثم توقف العمل لقلة المال. ثم أستدعى لدوفيكو برامنتي وليوناردو، وغيرهما ليصمموا السقف المستدير الذي يضم الأبراج المتفرقة الفخمة في تاج موحد، لكنه رفض آراءهم؛ ثم أستدعى آخر الأمر (1490) جيوفني أنطونيو أمديو من عمله الشاق في التشرتوزا دي بافيا، وعُهد إليه بالأشراف التام على مشروع الكنيسة الكبرى كله. وكان هو ومعظم مساعديه مثالين أكثر منهم مهندسين؛ ولهذا لم يكونوا يطيقون أن يبقى أي جزء من ظاهر البناء خاليا من النحت أو الزينة؛ وقضى الرجل في هذا العمل السنين الثلاثين الأخيرة من حياته (1490 - 1522) ومع هذا فإن السقف المستدير لم يتم إلا في عام 1759؛ كما أن واجهة الكنيسة التي بدأ بها في عام 1616 لم يتم إلا بعد أن فرض نابليون إتمامها فرضاً بأمر إمبراطوري (1809).
وكانت في أيام لدوفيكو ثانية كنائس العالم من حيث الحجم، فقد كانت تغطي مساحة قدرها 120.000 قدم مربعة، أما اليوم فقد نزلت عن هذا الشرف الخداع، شرف الضخامة، إلى كتدرائية القديس بطرس في إشبيلية،




صفحة رقم : 6651




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفن


ولكنها لا تزال تفخر بطولها وعرضها (486 قدماً × 289)، وبارتفاعها البالغ 354 قدماً من الأرض إلى رأس العذراء الذي يعلو المنارة القائمة في السقف المستدير، وبأبراجها المستدقة العلية البالغ عددها مائة وثلاثة وخمسين والتي تقلل من مجدها وعظمتها، وبالتماثيل البالغ عددها ألفين وثلاثمائة والتي تغطي هذه الأبراج المستدقة، والعمد، والجدران، والسقف. وقد شيدت الكنيسة كلها حتى سقفها نفسه بالرخام الأبيض جيء به إليها بجهد كبير من اكثر من عشرة محاجر في إيطاليا. وواجهة البناء منخفضة انخفاضاً يتناسب مع سعته، ولكنها مع ذلك تستر السقف المستدير البديع؛ وليس في وسع الإنسان أن يشاهد متاهات العمد التي تقوم فوق أرضها كأنها تضرع وتبتهل إلا إذا طار بجناحين ثم استطاع أن يقف في أعلاها وسط الهواء، وعليه إذا أراد أن يحس بروعة حجمها الضخم وما فيه من إسراف، أن يطوف المرة بعد المرة حول سقفها العظيم بين طائفة لا حصر لها من الدعامات؛ وعليه أن يجتاز شوارع المدينة الضيقة المزدحمة، ثم يخرج فجأة إلى ميدان الكنيسة الرحب المفتوح، لكي يدرك روعة الواجهة والمنارة اللتين تنعكس عليهما شمس إيطاليا فتبدلهما لآلاء حجرياً؛ وعليه أن يزاحم بمنكبيه الجموع الحاشدة في أحد أيام العطلة ويدخل معها من أبواب الكنيسة ويدع كل هذه الرحاب الواسعة؛ والعمد، التيجان، والعقود، والقباب، والتماثيل، والمحاريب، والألواح الزجاجية الملونة تنقل إليه بصمتها سر الإيمان والأمل والعبادة.
وإذا كانت الكاتدرائية هي الأثر الخالد الذي أقامه جيان جلياتسو فسكونتي، وإذا كانت تشرتوزا بافيا هي ضريح لدوفيكو وبيتريس، فإن المستشفى الكبير (Ospedale Maggiore) هو الأثر البسيط الضخم الذي يخلد ذكرى فرانتشيسكو اسفوردسا. وأراد اسفوردسا أن يخطط بطريقة "خليقة بأملاك الدوق العظيمة، وبالمدينة الكبرى الذائعة الصيت"، فاستدعي من فلورنس (1456) أنطونيو أفرولينو Antonio Averulino




صفحة رقم : 6652




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفن


المعروف باسم فيلاريتى Filarete والذي اختار له شكلاً ضخما من الطراز الرومانسي اللمباردي، والراجح أن برامنتي هو المهندس الذي أنشأ الفناء الداخلي، وقد أنشأ في مواجهته طبقتين من العقود المستديرة تعلو كل طبقة منها شرفة ظريفة رشيقة. وقد ظل المستشفى الكبير من أعظم ما في ميلان من أمجاد حتى دكت الحرب الأوربية الثانية معظم أجزائه وتركتها خراباً تنعى من بناها.
وكان لدوفيكو وحاشيته يرون أن فنان ميلان الأعظم هو برامنتي لا ليوناردو، لأن ليوناردو لم يكشف لأهل زمانه إلا جزاءاً من نفسه. وقد ولد دوناتو د انيولو Donato d'Agnolo في كاستل ديورانتي Castel Drante القريبة من أربينو Urbino وأطلق عليه من قبيل السخرية لقب برامنتي ومعناه الشخص الذي يلتهب بالرغبات الجامحة التي لا تشبع. ورحل إلى مانتوا ليدرس مع مانتينيا Mantegna؛ وتعلم فيها ما يكفي لأن يخرج بعض مظلمات متوسطة الجودة، ويرسم صورة ملونة رائعة للعالم الرياضي لوكا بتشيولي Leca Pocioli؛ ولعله التقى في مانتوا بليون باتستا البيرتي Leon Batista Alberli الذي كان يصمم كنيسة سانت أندريا Sant' Andrea؛ وسواء كان هذا أو لم يكن فان طائفة من التجارب المتكررة في فن المنظور نقلت برامنتي من التصوير إلى العمارة؛ ونشاهده عام 1472 في ميلان يدرس كنيستها الكبرى بدقة الرجل الذي يعتزم القيام بأعمال جليلة. وأتيحت له حوالي عام 1476 فرصة يظهر فيها كفايته، وكانت هذه الفرصة هي تخطيط كنيسة سانتا ماريا حول كنيسة سان ساتيور San Satiro الصغيرة. وقد أظهر في هذه الآية الفنية المتواضعة طرازه المعماري الخاص في القباءات نصف الدائرية، وحجر المقدسات، والقبب المثمنة الأضلاع، والقباب الدائرية، التي تعلوها كلها طنف رشيقة، والتي تزدحم بعضها فوق بعض في صورة جامعة تخلب اللب. ولما عجز




صفحة رقم : 6653




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفن


برامتي عن أن يجد مكانا للقبا، أخذ يداعب بفن المنظور، فنقش على الجدار القائم خلف المحراب صورة قبا تخدع الإنسان خطوطه المتجهة كلها نحو مكان واحد فلا يكاد يشاهد قبا غائراً بحق. وقد أضاف إلى كنيسة سانتا ماريا دل جراتسي قباً، وسقفاً مستديراً مقببا، والمداخل المعمدة للطرق المقنطرة التي كانت هي الأخرى بين ما دمرته الحرب الأوربية الثانية. ولما سقط لدوفيكو رحل برامنتي نحو الجنوب، متأهباً لأن يهدم روما ويبنيها من جديد.
ولم يكن المثالون الذي في بلاط لدوفيكو فنانين جبارين مثل دوناتلو وميكل انجلو، ولكنهم نحتو للشيرتوزا، والكتدرائية، والقصر، مائة صورة وصورة ذات رشاقة خلابة فتانة. وسيضل الناس يذكرون اسم كرستوفورو سولاري Cristoforo Solari الأحدب (II Gobbo) ما بقي القبر الذي أنشأه للدوفيكو وبياتريس قائما. وكسب جيان كرستوفورو رومانو محبة الناس جميعاً بظرفه وغنائه العذب؛ وكان من كبار المثالين في التشيرتوزا ولكنه انتقل إلى مانتوا بعد موت بيتريس بعد أن ظلت هذه المدينة تلح عليه عاماً كاملاً، وفيها نحت لإزبيلا مدخلاً ظريفاً لحجرة مكتبتها في قصر البرديزو Paradiso (الجنة) ثم حفر صورة لها في مدلات تعد من اجمل مدليات النهضة. وانتقل بعدئذ إلى أربينو ليعمل فيها عند الدوقة إلزبتا جندساجا Elisabetta Gonzaga، ثم أصبح من أبزر الشخصيات في كتاب البلاط لكستجليوني Caztiglione. وكان أعظم حفاري المدليات في ميلان كلها هو كرستوفورو فبا Crcistoforo Foppa. الملقب من قبيل السخرية كرادسا Caradossa، وهو الذي قطع الجواهر البراقة التي كانت تتحلى بها بيتريس، وجاب على نفسه حسد تشيليني Cellini.
وكان في ميلان مصورون جيدون قبل ليوناردو بجيل من الزمان، كان فيها فينتشندسوفيا الذي ولد في بريشيا، وتكون في بدوا، وقام أكثر




صفحة رقم : 6654




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفن


أعماله في ميلان، وذاعت في أيامه شهرة مظلماته التي صورها في سانت يستورجيو sant' Eustorgio، ولا تزال صورة استشهاد القديس سبستيان تزين أحد جدران الكاستلو. وترك لنا أمبروجيو برجنيوني الذي نسج على منواله بميلان، وفي تررين،وبرلين، وكلها تجرى على تقاليد روح التقى الصادق القوي؛ وترك لنا كذلك صورة أنيقة لجيان جلياتسو اسفوردسا في طفولته هي الآن بين مجموعة ولاس wallace في لندن. وفي الصور نجاحا في التعبير عن هذا الموضوع الشاق. وكان أمبروجيو ده برديس Ambrogio de Perdis مصور البلاط عند لودفيكو حين قدم إليه ليوناردو، ويلوح أنه كان له نصيب في تصوير عذراء الصخور مع ليوناردو نفسه، لعله هو الذي رسم الصورة الساحرة للموسيقيين الملائكة المحفوظة في المعرض القومي بلندن، ولكن أجمل مخلفاته صورتان محفوظتان في الأمبروزيانا: أحدهما لشاب جاد غاية الجد لا يعرف من هو ، والثانية لفتاة يعتقد الآن إنها بيانكا ابنة لدوفيكو غير الشرعية. وقلما أفلح فنان غيره في إدراك المفاتن المتضاربة لفتاة تتصف بالحشمة والبراءة، ولكنها مدركة لجمالها الساذج فخورة به.
وكانت المدن الخاضعة لميلان تقاسي الأمرين من جراء نزوح ذوي المواهب من أهلها إلى تلك العاصمة لما فيها من مغريات، ولكن كثيرا من هؤلاء استطاعوا أن يخلدوا أسماءهم في تاريخ الفن. ولم تكن كومو تقنع بأن بابا لا أكثر لميلان يوصل إلى البحيرة التي سميت تلك المدينة باسمها، بل كانت هي أيضاً تفخر بروائعها الفنية مثل برج القومون Torre del Comune، وبرولتو




صفحة رقم : 6655




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفن


Broletto وتفخر أكثر من ذلك بكتدرائيتها الفخمة المشيدة من الرخام. وقد قامت الواجهة القوطية الرائعة لهذه الكاتدرائية أيام اسفوردسا (1457 - 1487)؛ وصمم برامنتي لها مدخلا جميلا من الجهة الجنوبية، وشاد ستوفورد سولاري القبا الخلاب على الطراز البرامنتي. وأهم من هذه المعالم وأكثر إمتاعا تمثالان يجاوران المدخل الرئيسي: أحدهما على اليسار لبلني الأكبر Pliny the Elder وثانيهما على اليمين لبلنى الأصغر Pliny the Younger، وهما من أبناء روما القدمين، وثنيان متحضران اتخذا لهما مكانا في واجهة كتدرائية مسيحية أيام لدوفيكو المغربي السمحة.
وكانت أجمل درة في برجامو Bergamo هي الكابلا كليوفي Capella Colleoni وكان سبب قيامتها أن الأفاق البندقي المغامر الذي ولد هنا أراد أن يشاد له معبد تثوى فيه عظامه وأن يكون لقبره شاهد يخلد انتصاراته. وصمم جيوفني أنطونيو أماديو المعبد والقبر، وحرص على أن يظهر فيهما الروعة والذوق السليم، ثم أقام سكستس سيري النورمبرجى Sixtus Siry of Nuremberg على الضريح تمثال فارس من الخشب، لو أن فيروتشيو ولم يَصُب لهذا القائد العظيم تمثالاً آخر من مادة أقوى وهي البرنز لكان لهذا التمثال الخشبي شهرة أوسع من شهرته الحاضرة. وكان قرب برجامو من ميلان مانعاً لها من الاحتفاظ بمصيرها، ولكن واحداً منهم هو أندريا بريفتالي Andrea Previtali عاد إلى برجامو (1513) بعد أن درس مع جيوفني بليني في البندقية، وأورثها صوراً تمثل التقى بأعظم معانيه والتواضع في أجمل صورة.
وكانت بريشيا تخضع تارة للبندقية وتارة لميلان، وساعدها ذلك على أن تحفظ التوازن بين التأثيرين، وأن يكون لها مدرسة للفن خاصة بها. وكان من أبنائها النابهين فنتشيندسو، وقد وزع ثمار مواهبه على ست مدن أو نحوها، ثم عاد بعدئذ ليقضي السنين الأخيرة من عمره في مسقط رأسه،




صفحة رقم : 6656




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفن


وشارك تلميذه فينتبشندسو جفركيو Vincezo Giverchio شرف تكوين المدرسة البريشية الفنية. ودرس جيرولامو روماني المعروف باسم رومانينو مع فيرامولو، ثم درس في ما بعد في بدوا والبندقية، ثم أتخذ بريشيا مركزا له وصورة فيها وفي غيرها من بدن إيطاليا الشمالية سلسلة طويلة من المظلمات وستر المحاريب، والصور، ألوانها ممتازة ولكن خطوطها لا تبلغ هذه الدرجة من الإتقان. وحسبنا أن ننظر من هذه الصور صورة العذراء والطفل المحفوظة في إطار فخم من صنع استيفانو لمبرتي Stefano Lamberti في كنيسة سان فرانتشيسكو. وسما تلميذه السندرو بنفيتشينو Alessandro Bonvieino، المعروف باسم موريتو البريشيائي Moretto da Brescia، بهذه الأسرة إلى أعلى مكانتها بأن مزج مجد البنادق ذوي الإحساس المرهف بالعاطفة الدينية المتحمسة التي ظلت تمتاز بها صور بريشيا إلى آخر أيامها. وقد رسم موريتو في كنيسة القديسين نادسارو وتشيلسو Nazaro e Celso حيث وضع تيشيان صورة البشارة، صورة لا تقل عن هذه الصورة الأخيرة جمالاً وهي صورة تتويج العذراء. وصورة الملاك الأكبر التي بها لا تقل من حيث رقة الشكل والملامح عن أجمل الأشكال الموجودة في الكريجورو. وكان في وسعه أن يصور كلما شاء صوراً لفينوس مثيرة للشهوات شأنه في هذا شأن تيشيان؛ وتكشف صورة سالومي عن وجه من أظرف وأرق ما صور من الوجوه في نطاق فن النهضة كله بدل أن تكشف عن صورة قاتلة بالنيابة.
وجمعت كريمونا حياتها كلها حول كنيستها الكبرى التي أنشئت في القرن الثاني عشر وحول البرج (Torrazo) المجاور لها وهو برج يكاد يضارع برج جيتو والخرلدة Giralda. ورسم جيوفيني ده ساكى Giovanni de Sacchi، المسمى البرودينوني II Prodenone بسام المدينة التي أنشأ فيها، داخل هذه الكنيسة أروع آية من آياته الفنية هي صورة يسوع يحمل صليبه. وأنجبت




صفحة رقم : 6657




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ميلان -> الفن


ثلاث أسر عظيمة في تلك المدينة أجيالا متعاقبة من ذوي المواهب العالية في فن التصوير الكريموتائي: أسرة بيمي Bempi (وقد أنجبت بنيفادسيو Benifazio، وبينيديتو benedetto، وجيان فرانتشيسكو وأسرة بكاتشيني Boccaccini وأسرة كامي Campi. ودرس يوكاتشيويكا تشيبني في البندقية، وأقحم نفسه في منافسة لا طاقة له مع ميكل أنجلو في روما، ثم عاد إلى كريمونا، وعلا صيته بما انشأ من مظلمات في كتدرائيتها صور فيها العذراء، وواصل ابنه كاملو Camillo أعماله الرائعة الممتازة. كذلك واصل جيليو Giuilio وانطونيو ولدي جلبترو كامي وبرتردينو كامى تلميذ جيوليو أعمال جلياتسو. وكان جلياتسو هذا قد وضع تصميم كنيسة سانتا مرغريتا في كريمونا ثم رسم فيها صورة المخلص في المعبد. وهكذا نزعت الفنون في إيطاليا على عهد النهضة إلى أن تجتمع في عقل واحد، وقد ازدهرت في عهد عباقرة متعددي الكفايات تعددا لم يعرف حتى في بلاد اليونان.




صفحة رقم : 6658




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> تكوينه



الباب السابع




ليوناردو دافنتشي




1452 - 1519




الفصل الأول




تكوينه




1452 - 1482


ولد ليوناردو أعظم الشخصيات الفنانة في العصور الوسطى في الخامس عشر من إبريل عام 1452 بالقرب من قرية فنتشي التي تبعد عن فلورنس بنحو ستين ميلا. وكانت أمه كترينا Caterina من بنات الفلاحين لم ترد داعيا إلى أن تتزوج أباه. وكان الذي أغواها بيرو دانطونيا محاميا على شيء من الثراء، ولما ولد له ليوناردو في عام مولده امرأة من طبقته، واضطرت كترينا أن تقنع بزوج فلاح مثلها، وأسلمت ابنها الذي كان ثمرة اتصالها بعشيقها إلى أبيه وزوجته، فنشأ ليوناردو في نعيم شبه أرستقراطي ينقصه حب الأم وحنانها. ولعله قد سرى إليه في هذا الجو المبكر حب الثياب الجميلة وكره النساء.
والتحق بمدرسة قريبة من قريته وأولع فيها بدراسة العلوم الرياضية، والموسيقى، والرسم، وسر والده بغنائه وعزفه على العود، ودرس كل شيء في العالم الطبيعي بشغف، وصبر، وعناية، ليستطيع بهذه الدراسة أن يجيد الرسم، وكان للعلم والفن اللذين ائتلفا ائتلافا عجيبا في عقله منشأ واحد - هو الملاحظة المفصلة الدقيقة. ولما أشرف على الخامسة عشر من عمره أخذه أبوه إلى مرسم فيروتشيو في فلورنس، وأقنع هذا الفنان




صفحة رقم : 6659




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> تكوينه


المتعدد الكفايات أن يقبله صبيا يتمرن عنده. والعالم المتمدن كله يعرف قصة فارساى التي يروي فيها كيف صور ليوناردو الملك في صورة تعميد المسيح التي رسمها فيروتشيو، وكيف روع الأستاذ بجمال الصورة روعة حملته على أن يتخلى عن الرسم ويخصص جهوده للنحت. لكن أكبر الظن أن قصة هذا التخلي قصة خيالية نسج بردها بعد وفاة صاحبها؛ وشاهد ذلك أن فيروتشيو رسم عدة صور بعد صورة التعميد هذه، ولعل ليوناردو قد رسم في فترة التمرين صورة البشارة المحفوظة في متحف اللوفر بما فيها صورة الملك السمج والفتاة المروعة. ذلك أنه كان يصعب عليه أن يتعلم الرقة والظرف من فيروتشيو.
وتحسنت أحوال السيد بيرو المالية تحسنا كبيرا من خلال ذلك الوقت، فاشترى عدة عقارات، وأنتقل هو وأسرته إلى فلورنس (1469)، وتزوج بأربعة نساء واحدة بعد واحدة، ولم تكن ثانيتهما تكبر ليوناردو بأكثر من عشر سنين. ولما ولدت الثالثة منهن لبيرو طفلا، أفسح له ليوناردو مكانه بأن ذهب ليعيش مع فيروتشيو، وقبل في ذلك العام عضوا في جماعة القديس لوقا. وكانت هذه الجماعة تتألف في الأغلب الأعم من الصيادلة، والأطباء، والفنانين، وكان مقرها الرئيسي في مستشفى سانتا ماريا نوفا. ولعل ليوناردو قد أتيحت له هناك بعض الفرص لدراسة التشريح الداخلي والخارجي معا. ولعله في تلك السنين قد رسم الصورة التي تعزى إليه إن كان هو الذي رسمها، وهي صورة القديس جيروم النحيلة، الدالة على معرفة بالتشريح، والموجودة بمعرض الصور في قصر الفاتيكان، واكبر الظن أنه هو الذي رسم قبيل عام 1474 الصورة الزاهية الألوان غير الناضجة وهي صورة البشارة الموجودة في معرض أفيزي.
واستدعى ليوناردو قبل عيد مولده الرابع والعشرين بأسبوع واحد




صفحة رقم : 6660




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> تكوينه


وثلاثة شبان آخرين للمثول أمام لجنة مشكلة من أعضاء مجلس السيادة في فلورنس لمحاكمتهم بتهمة اللواط. ولسنا نعرف ما تم في هذه المحكمة، ولكن التهمة تجددت في اليوم السابع من شهر يونيه عام 1456 وأمرت اللجنة بحبسليوناردو مدة قصيرة. ثم أطلقت سراحه وقالت إن التهمة غير ثابتة عليه(1). وما من شك في انه كان في هذا الصنف، ودليلنا على ذلك انه لم يكد يستطيع أن يفتتح لنفسه مرسما خاصا، حتى جمع حوله طائفة من الشبان الوسيمي الوجوه، كان يصحب بعضهم معه في هجرته من مدينة إلى مدينة، وكان يشير في مخطوطاته إلى هذا أو ذاك منهم بقوله "أحب أحبائي" أو "أعز أعزائي"(2). ولسنا نعرف ماذا كانت علاقاته الخاصة بأولئك الشبان، وفي مذكراته فقرات يفهم منها انه يكره الصلات الجنسية أيا كان نوعها . ولقد كان من حق ليوناردو أن يرتاب في السبب الذي دعا إلى توجيه هذه التهمة علنا له نفر قليل غيره دون غيرهم من أن اللواط كان واسع الانتشار في إيطاليا وقتئذ، ولم يغفر قط لفلورنس ما أصابه من مهانة باعتقاله.
ويبدو أنه حمل المر على محمل أكثر جدية مما حملته عليه فلورنس. وعرض على ليوناردو بعد عام من هذه التهمة مرسم في حديقة آل ميديتشي. وقبله، ثم طلب إليه مجلس السيادة نفسه في عام 1478 أن يصور ستارا لمحراب معبد القديس برنار في قصر فيتشيو لكنه لسبب ما لم يقم بما عهد ايه، فأتخذه بدلا منه غرلندايو وأئمة فلبينولي، ومع هذا فإن مجلس السيادة عهد إليه بعد قليل من ذلك الوقت بعمل آخر: هو أن يقوم برسم صورتين - ولسنا نستطيع أن نصفهما بأنهما صورتان حيتان- لرجلين بالحجم




صفحة رقم : 6661




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> تكوينه


الطبيعي شنقا في مؤامرة الباتسي على لورندسو وجوليانو ده ميديتشي. ولعل ليوناردو صاحب الولع السقيم ببشاعة الجنس البشري وآلامه قد شعر ببعض المتعة في هذا الواجب البشع البغيض.
لكنه والحق يقال كان مولعا بكل شيء، فقد كانت جميع أوضاع الجسم البشري وحركاته وسكناته، وجميع تعبيرات الوجه في الصغار والكبار على السواء، وجميع أعضاء الحيوان وأجزاء النبات وحركاتها من تماوج أعواد القمح في الحقول إلى طيران الطير في السماء، وجميع ما يتناوب على الجبال من تحات وارتفاع، وجميع التيارات والدوامات المائية والهوائية، وتقلبات الجو وظلاله، وبدائع السماء التي لا تبلى جدتها - كل هذه كانت تبدو له عجيبة غاية العجب، لا يُنقص التكرار من روعتها وغرابتها وأسرارها. حتى لقد ملأ آلاف الصفحات بملاحظاته عنها، ورسوم أشكالها التي لا تحصى. ولما طلب إليه الرهبان سان اسكوبيتو San Scopeto أن يرسم صورة لمعبدهم (1481)، رسم كثيرا من الصور المبدئية لعدد كبير من المعالم والأشكال أدت به إلى أن يضل في التفاصيل وأن يعجز عن إتمام صورة عبادة المجوس.
لكن هذه الصورة رغم هذا النقص من أعظم صوره. ذلك أن التصميم الذي بنيت عليه رسم على طراز هندسي دقيق روعي فيه فن المنظور مراعاة غاية الدقة، وقسمت فيه جميع الرقعة التي رسم عليها مربعات تنقص نقصا تدريجيا، فقد كانت نزعة ليوناردو الرياضية تنافس على الدوام نزعته الفنية، وكثيرا ما كانت تتعاون معها. لكن موهبة ليوناردو الفنية كانت وقتئذ قد تكونت ونمت، واتخذت صور العذراء الوضع والملامح التي احتفظت بها في جميع صوره إلى آخر حياته: كذلك صور المجوس تصويرا ينم عن فهم عظيم عجيب - في شاب مثله - لأخلاق الكبار من الناس وتعبيراتهم، وكانت صورة "الفيلسوف" التي في اليسار دراسة حالم مذهول بحق التفكير نصف المتشكك، كأن المصور قد أصبح




صفحة رقم : 6662




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> تكوينه


في هذه السن المبكرة ينظر إلى قصة المسيحية بروح الرجل المتشكك الكاره لتشككه، المؤمن الجاشع رغم هذا التشكك. وتجمعت حول هاتين الصورتين نحو خمسين صورة أخرى، كأنما هرع كل رجل وكل امرأة إلى هذا المهاد ليبحث فيه في شغف ونهم عن معنى الحياة، وعن بعض ضياء العالم، ثم وجد ضالته في طائفة لا حصر لها من المواليد.
وهذه الآية الفنية التي لم تتم، والتي كاد الزمان يذهب بمعالمها، معلقة الآن في معرض أفيزي بفلورنس، ولكن فلبيتولي هو الذي نفذ الرسم الذي ارتضاه الإخوان الإسكوبيتينيون. فقد كان طبع ليوناردو ومصيره اللذان لازماه إلى آخر أيام حياته إلا في حالات شاذة قليلة، هما أن يبدأ ما يريد عمله، ويرسم في عقله صورة له مسرفة في العظمة، ثم يضل في بيداء التجارب والتفاصيل، ثم ينظر فيما وراء موضوعه منظرا متناسقا بعيد المدى إلى أقصى حدود البعد من الصور البشرية، والحيوانية، والنباتية، والأشكال المعمارية، ومن الصخور، والجبال، ومجاري الماء، والسحب، والأشجار، يراها كلها في ضوء خفي من الظلال والقتام، وينهمك في فلسفة الصورة أكثر من انهماكه في تنفيذها وعملها، ويترك لغيره ما هو أقل من هذا من الواجبات نعني بذلك تلوين الأشكال التي رسمها على هذا النحو، ووضعها بحيث تكشف عن سرها ومعناها، ثم يتولى عنها في يأس بعد إجهاد طويل للجسم والعقل لما وجده من نقص في الصورة التي صاغتها يده من المادة التي لديه فلم ترق إلى ما رسمه لها في أحلامه.




صفحة رقم : 6663




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> في ميلان



الفصل الثاني




في ميلان




1482 - 1499


ولم يكن في الرسالة التي بعث بها ليوناردو وهو في سن الثلاثين إلى لدوفيكو نائب الملك في ميلان سنة 1482 شيء من التردد، أو الإحساس بضيق الوقت الذي لا يرحم، بل كل ما كانت تفصح عنه هو مطامع الشباب التي لا تقف عند حد، هي مطامع تغذيها قوى مطردة النماء. لقد نال كفايته من المقام في فلورنس، واشتدت رغبته في رؤية أماكن ووجوه جديدة. وكان قد سمع أن لدوفيكو في حاجة إلى مهندس حربي ومعماري، ومثال، ومصور، وقال في نفسه انه سيتقدم بهؤلاء جميعا مجتمعين في شخص واحد، ومن أجل هذا كتب رسالته الذائعة الصيت:
سيدي الأجل الأفخم: لقد اطلعت الآن اطلاعا كافيا على جميع البراهين التي يتقدم بها كل أولئك الذين يحسبون أنفسهم أساتذة في أدوات الحروب ومخترعيها، وأنعمت النظر فيها، فتبين لي أن اختراع هذه الآلات السالفة الذكر واستخدامها لا يختلفان في شيء عن الآلات والطرق التي تستخدم الآن. وقد جرأني هذا على أن أتصل بعظمتكم دون أن أبغي قط الإساءة إلى أحد غيري، لكي أكشف لكم عما عندي من الأسرار، ثم أعرض عليكم بعدئذ، إذا سركم هذا، أن اشرح لكم شرحا وافيا في الوقت الذي يوائمكم جميع الأمور التي أوجزها في هذه الرسالة:
1- عندي تصميمات للقناطر خفيفة، قوية تصلح للانتقال بسهولة ...
2- إذا حوصر مكان ما، فأني أعرف كيف أقطع الماء عن الخنادق، وكيف أقيم عددا لا يحصى من .... السلالم لتسلق الجدران وغيرها من الآلات ...




صفحة رقم : 6664


قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> في ميلان


3- لدي طرق لصنع المدافع التي يسهل حملها، والتي يمكن بها إلقاء حجارة صغيرة بطريقة تضاهي نزول البرد ...
4- وإذا أتفق أن كانت المعركة تدور في البحر، فإني أعرف كيف أصنع كثيرا من الآلات التي تصلح كل الصلاحية لأغراض الهجوم والدفاع، والسفن التي تستطيع مقاومة نيران أثقل المدافع، والبارود والدخان.
5- ولدي أيضاً وسائل أستطيع بها الوصول إلى أماكن معينة بحفر الكهوف والطرق السرية الملتوية، أحفرها دون ضجيج ولو أستلزم ذلك المرور تحت الخنادق أو تحت نهر جار.
6- وأستطيع أيضاً صنع عربات مغطاة آمنة لا يمكن الهجوم عليها، تستطيع الدخول بين صفوف العدو المتراصة المزودة بالمدفعية؛ وليس ثمة فرق من الجنود المسلحين مهما عظمت قوتها لا تستطيع هذه العربات فوق من الجنود المسلحين مهما عظمت قوتها لا تستطيع هذه العربات تحطيما. وتستطيع فرق المشاة أن تزحف خلف هذه العربات دون أن تصاب بأذى ودون أن يستطيع العدو مقاومتها.
7- كذلك أستطيع إذا دعت الحاجة أن أصنع المدافع، ومدافع الهاون، والمدافع الخفيفة، بأشكال غاية في الجمال والمنفعة، تختلف كل الاختلاف عما هو مستعمل منها الآن.
8- وحيث يتعذر استخدام المدافع أستطيع أن أمدكم بمجانيق، ومنغوليات، وقذافات وغيرها من الآلات ذات القوة العجيبة، وليست شائعة في الوقت الحاضر. وقصارى القول أني أستطيع أن أزودكم في مختلف الظروف التي تدعو إليها الحاجة بعدد لا يحصى من آلات الهجوم والدفاع المختلفة الأنواع.
9- واعتقادي أنني أستطيع في وقت السلم أن أرضيكم




صفحة رقم : 6665




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> في ميلان


بقدر ما يرضيكم أي إنسان غيري في فن العمارة، وفي إنشاء المباني العامة والخاصة، وفي نقل الماء من مكان إلى مكان.
10- أستطيع فوق ذلك أن أصنع التماثيل من الرخام أو الصلصال، كما أستطيع التصوير بحيث لا يقل عملي فيه عن عمل أي إنسان آخر مهما يكن شأنه.
وسأقوم فضلا عن هذا بعمل الحصان البرنزي الذي سيضفي مجدا خالدا وشرفا أبديا على الذكرى الطيبة للأمير والدكم وعلى بيت اسفوردسا العظيم.
واذا ما بدا لأي إنسان أن أحد الأشياء السابقة مستحيل أو غير عملي، فإني أعرض استعدادي لتجربته في حديقتكم أو في أي مكان ترون عظمتكم أن أجربه فيه، وأتقدم لكم بأعظم آيات الخضوع والولاء.
ولسنا نعرف بماذا أجاب لدوفيكو عن هذه الرسالة، ولكننا نعرف أن ليوناردو وصل ميلان في عام 1482 أو في عام 1483 وانه سرعان ما وجد طريقه إلى قلب "المغربي". وتقول إحدى القصص إن لورندسو قد بعثه إلى لدوفيكو ليقدم إليه عودا موسيقيا جميلا هدية منه يستجلب بها رضاه، وتقول قصة أخرى انه فاز في ميلان في مباراة موسيقية، وانه لم يفز فيها بسبب إحدى القوى التي دعاها لنفسه "بأعظم آيات الخضوع والولاء" بل فاز بصوته الموسيقي وحديثه الطلي، وبالنغمات الحلوة التي كانت تنبعث من العود الذي صنعه بيده على شكل رأس حصان (5). ويبدو أن لدوفيكو حين قبله عنده لم يضعه في المنزلة التي قدر هو بها نفسه، بل قبله على انه شاب نابه- قد يكون أقل نبوغا في العمارة من برامنتي، ولم يكسب من التجارب ما يكفي لأن يعهد إليه بأعمال الهندسة العسكرية، ولكنه يستطيع أن يعد الحفلات المقنعة في البلاط، والمواكب في المدينة، ويزخرف ثياب الزوجة أو العشيقة أو الأميرة، وينقش الرسوم على الجدران، ويرسم الصور الملونة، وربما استطاع أن يحفر القنوات لتحسين وسائل الري في




صفحة رقم : 6666




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> في ميلان


سهل لمباردي. ويسوؤنا أن نعلم أن هذا الرجل صاحب العقل الواسع المتعدد الكفايات قد أضطر أن ينفق الوقت الثمين الذي لا يعوض في صنع أحزمة غريبة الشكل لزوجة لدوفيكو الحسناء بيتريس دست، وبضع نماذج لأثواب المثاقفة والحفلات، وينظم المواكب، أو يزين الإسطبلات، غير أن الفنان في عصر النهضة كان ينتظر منه أن يعمل هذه الأشياء كلها في الفترات التي لم يكن يشتغل فيها برسم صور مريم العذراء؛ وقد اشترك برامنتي نفسه في سخافات البلاط، ومن يدري لعل ما في طباع ليوناردو من أنوثة قد حبب إليه رسم الثياب والحلي، وما في طباعه من رقة الفارس المهذب قد جعله يستمتع بتصوير الخيل السريعة العدو على جدران الإسطبلات، وقد زين حجرة القصر استعداداً لزواج بيتريس، وأنشأ للعروس حماما خاصا، وأقام في الحديقة ظله جميلة لمتعتها الصيفية، ونقش حجرات أخرى لحفلات القصر، ورسم صورا ملونة للدوفيكو وبيتريس، وأبنائهما، وصورا غيرها لتشيتشيليا جلرينى، ولكريدسيا كريفلي عيشيقتي لدوفيكو. وقد ضاعت هذه الصورة كلها إلا إذا كانت صورة فرونيبر الحسناء المحفوظة في متحف اللوفر هي بعينها لكريدسيا. ويصف فارساي صور الأسرة بأنها "غاية في الإبداع"، وقد ألهمت صورة لكريدسيا أحد الشعراء قصيدة خماسية يمدح بها جمال هذه السيدة ويثنى فيها على مهارة الفنان(6).
وربما كانت تشيتشيليا هي النموذج الذي رسم منه ليوناردو صورة عذراء الصخور. وقد تعاقدت معه على هذه الصورة (1483) الجماعة المعروفة باسم أخوة الحمل Confraternity of the Conception لتكون في وسط ستار المحراب لكنيسة فرنتشيسكو. وقد أشترى الصورة الأصلية فيما بعد فرانسيس الأول وهي الآن في متحف اللوفر. وإذا ما وقف الإنسان أمامها طالعه وجه الأمومة الرقيق الذي أستعمله ليوناردو أكثر من عشر مرات فيما رسمه من الصور بعد ذلك الوقت؛ وأبصر صورة الملك تذكره




صفحة رقم : 6667




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> في ميلان


بمثيلته في صورة تعميد المسيح لفيروتشيو؛ وطفلين أبدع تصويرهما، وفي خليفة الصورة صخور معلقة بارزة لا يتصور أحد غير ليوناردو أنها كانت مسكن مريم العذراء. وقد عدا الزمان على الألوان فجعلها قائمة، ولكن لعل الفنان نفسه أراد أن يكون لها هذا الأثر القائم، وأنه خضب صورته بجو مغبر يسميه الإيطاليون "المدخَّن sfumato".وهذه الصورة من أروع صور ليوناردو، ولا يعلو عليا إلا صورة العشاء الأخير، وموناليزا، وصورة العذراء والطفل والقديسة آن.
وصورتا العشاء الأخير وموناليزا أشهر الصور على الإطلاق في العالم كله، ونرى الناس يحجون ساعة بعد ساعة، ويوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، إلى حجرة الطعام حيث توجد أعظم مفاخر ليوناردو. ففي ذلك البناء المستطيل المتواضع كان الرهبان الدمنيك المتصلون بكنيسة لدوفيكو المحببة- سانتا ماريا دل جرادسي- يتناولون طعامهم. فلما جاء الفنان إلى ميلان طلب إليه لدوفيكو بعد وقت قليل من وصوله أن يرسم صورة العشاء الأخير على أبعاد جدار في المطعم. وظل ليوناردو ثلاث سنين (1495- 1498) يكدح أو يلهو بالعمل في فترات متقطعة؛ كان الدوق والرهبان في أثنائها يظهرون تأففهم من تباطؤه الذي لا آخر له. وقد شكا رئيس الدير إلى لدوفيكو- إذا صح أن نصدق فاساري- من تباطؤ ليوناردو البادي للعيان، وأبدى عجبه من أنه كان في بعض الأحيان يجلس أمام الجدار ساعات طوالاً لا يمسه فيها. ولم يجد ليوناردو صعوبة ما في أن يفهم الدوق أن أهم ما في عمل الفنان هو تصور الفكرة لا تنفيذها، وأن "العباقرة" حسب تعبير فاساري "ينتجون أكثر إنتاجهم حين لا يقومون إلا بأقل الأعمال". واقتنع الدوق بهذا التفسير ولكنه وجد من الصعب عليه أن يشرح لرئيس الدير. وقال ليوناردو للدوفيكو أنه يواجه في هذه الحالة صعوبتين بنوع خاص- أولهما أن يفكر في الملامح الخليقة بابن الله؛




صفحة رقم : 6668




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> في ميلان


وأن يصور إنساناً لا قلب له مثل يهوذا الأسخريوطي؛ ولعله قد أشار في دهاء إلى أنه قد يتخذ وجه رئيس الدير الذي يسرف في التردد عليه نموذجاً لوجه الأسخريوطي هذا . وكان ليوناردو يطوف أنحاء ميلان بحثاً عن الرءوس والوجوه التي يستخدمها لتمثيل الرسم، وقد أختار من بين المئات الذين عثر عليهم الملامح التي مزجها في مصهر فنه حتى أخرج منها تلك الرءوس الانفرادية التي جعلت آيته الفنية موضع إعجاب العالم. وكان في بعض الأحيان يهرول من الشارع أو من رسمه إلى المطعم، ويضيف ضربة أو ضربتين إلى الصورة، ثم يعود من حيث أتى(8).
وكان موضوع الصورة جليلا فاخرا، ولكنه كان ممن وجه نظر الفنان محفوفا بالمخاطر. ذلك انه لابد أن يقتصر على صور الذكور، وعلى منضدة متواضعة في حجرة بسيطة، ويجب أن لا تتعدى المناظر الطبيعية الحقيقية أو المتخيلة أشدها قتاما، وألا يشتمل على شيء من ظرف النساء يضعف من قوة الرجال. ولم يكن يستطيع أن يدخل في الصورة من الأعمال الواضحة ما يبعث على الحركة ويشعر بالحياة. على أن ليوناردو قد أخل قدرا ضئيلا من المناظر الطبيعية يبصرها الرائي من خلال النوافذ التي رسمها خلف صورة المسيح، ثم استبدل بالعمل والحركة صورة الاجتماع الذي عقد في اللحظة الحاسمة التي تنبأ فيها المسيح بأن أحد الرسل سيغدر به، فيسأله كل واحد منهم في خوف وهلع أو في دهشة وذهول: "أأنا هو؟". وقد كان في وسع ليوناردو أن يختار موضوع العشاء الرباني؛ ولكن هذا كان من شأنه أن يجمد ثلاثة عشر وجها كلها فيجعل منها صورة موحدة رزينة عديمة الحركة. أما هذا الموضوع ففيه أكثر من الحركة الجسمية




صفحة رقم : 6669




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> في ميلان


العنيفة، فيه روح باحثة متقصية، وفيه وحي وإلهام، ولم يكشف قط فيما بعد فنان في صورة واحدة عن مثل هذا العدد الجم من النفوس. وقد أعد ليوناردو للرسل عددا لا يحصى من الرسوم المبدئية التخطيطية، بعضها- كصورة يوحنا الأكبر، وفيليب، ويهوذا الأسخريوطي- رسوم بلغت من الرقة والقوة درجة لا تضارعها إلا رسوم رمبرانت Rembrandt وميكل أنجلو. ولما أراد ليوناردو أن يتخيل ملامح المسيح، وجد أن الرسل قد استنفذوا مصادر إلهامه كلها، ويقول لوماتسو Lomazzo (وقد كتب في عام 1557) إن دسينالي Zenale صديق ليوناردو القديم أشار عليه بأن يترك وجه المسيح ناقصا وقال له: "إن من المستحيل حقا أن يتصور الإنسان وجوها أجمل وأرق من وجه يوحنا الأكبر أو يوحنا الأصغر. فارض إذن بسوء حظك، وأترك مسيحك ناقصا لأنك لو أتمتته لما كان إذا قورن بوجوه الرسل منقذهم أو سيدهم"(9). وعمل ليوناردو بهذه النصيحة، ورسم هو أو أحد تلاميذه رسما تخطيطيا لرأس المسيح (هو الآن في معرض بريرا Brera)؛ ولكنه يمثل حزنا واستسلاما خليقين بالنساء، بدل أن يمثل العزيمة التي دبت في هدوء في قلب جشمان Gethsemane، ولعل ليوناردو يعوزه التقي وتعظيم المقدسات، ولو أنهما كانا له وأضفيا إلى حسه المرهف، وعمق تأثره، وحذقه لجاءت صورته أقرب إلى الكمال.
وإذ كان ليوناردو مفكرا وفنانا معا، فقد كان يتجنب التصوير على الجص لأنه في اعتقاده لا يتفق مع التفكير بحال. ذلك أن التصوير على المواد الطرية وعلى الجص الموضوع توا لابد أن يكون سريعا قبل أن يجف. وكان ليوناردو يفضل التصوير الزلالي على جدار جاف- أي التصوير بألوان ممزوجة بمادة هلامية، لأن هذه الطريقة تتيح له فرصة التفكير والتجربة. غير أن هذه الألوان لا تلتصق بقوة على السطح الذي توضع




صفحة رقم : 6670




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> في ميلان


فوقه، ولهذا فإن الطلاء بدأ يتقشر ويتساقط في أثناء حياة ليوناردو نفسها؛ دع عنك تأثير رطوبة المطعم وغمره بمياه المطر من حين إلى حين. وكانت الصورة حين شاهدها فاساري في عام 1536 قد بدأت تفقد معالمها، ولما أن رآها لوماتسو Lomazzo بعد ست سنين من إتمامها كان التلف قد بلغ منها مبلغا لا يستطاع إصلاحه. وعجل الرهبان هذا التلف فيما بعد بأن شققوا بابا إلى المطبخ بين أرجل الرسل (1656). أما النقوش المحفورة التي تمثل هذه الصورة والمنتشرة في جميع أنحاء العالم فلم تؤخذ عن الأصل الذي تلف، بل أخذت من صورة له غير متقنة رسمها ماركو دجيونو Marco d'Oggiono أحد تلاميذ ليوناردو. وكل ما نستطيع دراسته منها في هذه الأيام هو تأليفها وخطوطها الخارجية العامة، أما ظلالها ودقائقها فإن دراستها من أصعب الأشياء. وأيا كانت عيوب الصورة حين فرغ منها ليوناردو، فقد أدرك بعضهم لساعته أنها أعظم صورة أخرجها فن النهضة حتى ذلك الوقت.
وكان ليوناردو في هذه الأثناء قد عهد أليه عمل آخر يختلف عن ذلك العمل السالف الذكر كل الاختلاف ويزيد عليه صعوبة. ذلك أن لدوفيكو كان يتوق من زمن بعيد إلى أن يخلد ذكرى أبيه فرانتشيسكو اسفوردسا بتمثال لفارس يضارع تمثال جتاميلاتا Gattamelata الذي صنعه دوناتيلو في بدوا، وتمثال كليوني لفيروتشيو في البندقية، وأثارت هذه الرغبة مطامع ليوناردو؛ فشرع يدرس تشريح الجواد، وحركاته، وطبيعته، ورسم لهذا الحيوان مائة صورة تخطيطية، كلها تقريباً ذات نشاط وتخطيط. وسرعان ما أنهمك في صنع نموذج له من الجص؛ ولما طلب إليه بعض سكان بياتشندسا أن يدلهم على الفنان ليصمم لهم أبواباً من البرنز لكنيستهم الكبرى ويصبها، كبت لهم رداً نستبين منه خصائصه المميزة له يقول فيه: "ليس ثمة من يستطيع القيام بهذا العمل غير ليوناردو الفلونسي، الذي يصنع الآن الجواد البرونزي للدوق فرانتشيسكو؛ وليس بكم حاجة إلى أن




صفحة رقم : 6671




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> في ميلان


تدخلوه في حسابكم، لأن لديه من الأعمال ما يشغله طول حياته؛ واعتقادي أن هذا العمل يبلغ من الفخامة درجة لا يستطيع معها أن يتمه"(10). وكانت هذه الفكرة نفسها تراود أيضاً لدوفيكو في بعض الأوقات، وكان يطلب إلى لورندسو أن يستدعي فنانين آخرين ليتموا العمل (1489)؛ ولم يكن لورندسو كما لم يكن ليوناردو، يظن أن ثمة إنسان أجدر بذلك من ليوناردو نفسه.
وأخيراً تم النموذج الجصي (1493)، ولم يبقى إلا أن يصب التمثال من البرونز. وعرض النموذج على الجمهور في شهر نوفمبر من ذلك العام تحت قوس يزدان به موكب عرس بيانكا مارية ابنة لدوفيكو. ودهش الناس من ضخامة حجمه وروعته؛ فقد كان الحصان وراكبه يعلوان في الجو ستاً وعشرين قدماً، وأنشأ الشعراء قصائد يتغنون فيها بمدحه، ولم يكن أحد يشك في أن التمثال حين يصب سيفوق في قوته ومطابقته للحياة آيات دوناتيلو وفيروتشيو. ولكنه لم يصب، ويلوح أن لدوفيكو لم يكن في غنى عن المال الذي يبتاع به الخمسين من أطنان البرنز اللازمة له. ولذلك ترك النموذج في العراء، وأخذ ليوناردو يشغل نفسه بالفن والغلمان، والعلم والتجارب، والأدوات الآلية والمخطوطات؛ ولما استولى الفرنسيون على ميلان عام 1499 اتخذ رجالهم الجواد والحصى هدفاً لهم وحطموا قطعاً كثيرة منه، وأبدى لويس الثاني عشر في عام 1500 رغبته في أن ينقله على عربة إلى فرنسا غنيمة حربية له، ثم لا نعود نسمع عنه بعد ذلك.
وحطم هذا الإخفاق العظيم أعصاب ليوناردو وهد قواه إلى حين، ولعله قد أفسد علاقته بالدوق؛ ولم يكن لدوفيكو عادة يضن على فنانه بالمال، ودهش أحد الكرادلة حين عرف أن ليوناردو أعطى ألفي ودقية (25.000 دولار ؟) في عام من الأعوام فضلا عن غيرها من الهدايا والامتيازات(11) ولهذا كان يعيش عيشة الأرستقراطي : فكان عنده عدة




صفحة رقم : 6672




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> في ميلان


صبيان يتدربون على العمل، وكثيرون من الخدم، والأتباع، والجياد، وكان يستأجر الموسيقيين، ويلبس الحرير والفراء، والقفازات المزركشة، والأحذية الجلدية ذات الأشكال الغريبة. وكان ينتج أعمالاً لا تقدر بمال، ولكن يبدو أنه كان في بعض الأحيان يبعث بالمهام التي يعهد بها إليه، أو ينقطع عنها ليشتغل ببحوثه الخاصة وبالتأليف في العلم، والفلسفة، والفن. ومل لدوفيكو آخر الأمر تباطؤه فاستدعى بروجينو في عام 1497 ليزين له بعض الحجرات في قصره؛ غير أن بروجينو تعذر عليه المجيء، وتولى ليوناردو العمل، ولكن هذا الحادث حز في نفس الرجلين. وحدث حوالي ذلك الوقت أن حلت بلدوفيكو ضائقة مالية من جراء نفقاته الدبلوماسية، والنفقات العسكرية، فتأخر في أداء مرتب ليوناردو. وظل ليوناردو يقوم بنفقاته الخاصة ما يقرب من عامين، ثم بعث إلى لدوفيكو ليذكره بمطلوبه (1495). واعتذر لدوفيكو اعتذاراً كريماً، ثم وهب ليوناردو بعد عام من ذلك الوقت كرمة يتخذها مورداً لرزقه. وكان كيان لدوفيكو السياسي لذلك في ذلك الوقت يتحطم فوق رأسه؛ فقد استولى الفرنسيون على ميلان، وفر لدوفيكو، وألفى ليوناردو نفسه حراً ولكنه متعب غير مطمئن.
ورأى أن ينتقل إلى مانتوا (ديسمبر عام 1499)، حيث رسم صورة رائعة لإزبلا دست، ولكنها طلبت إلى زوجها أن يتخلى عنها. وكان ذلك أول مرحلة خطئها هذه الصورة في طريقها إلى متحف اللوفر. ولم يستسيغ الفنان هذا الفعل، فغادر المدينة إلى البندقية؛ وأدهشه فيها جمالها الفخم، ولكنه وجد ألوانها الزاهية، وزخارفها القوطية- البيزنطية متلألئة براقة أكثر مما يطيقه ذوقه الفلورنسي، فعاد أدراجه إلى المدينة التي قضى فيها أيام صباه.




صفحة رقم : 6673




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> فلورنس



الفصل الثالث




فلورنس




1500 - 1501 ، 1503 - 1506


وكان في الثامنة والأربعين من العمر حين حاول أن يمسك مرة أخرى بحبل الحياة الذي قطعه قبل ذلك بسبعة عشر عاماً. وكان وقتئذ قد تبدل، وتبدلت فلورنس أيضا، ولكنه سار في طريق غير الذي سارت فيه هي. فأما فلورنس فقد أصبحت في أثناء غيابه جمهورية نصف ديمقراطية من الوجهة السياسية ونصف متزمتة من الوجهة الدينية، وأما هو فقد أعتاد حكم الدوق وترف الأرستقراطية وأساليبها الناعمة. وأخذ أهل فلورنس، وهم الناقدون على الدوام، ينظرون شزراً إلى حريره ومخمله، والى ظرف آدابه، واتباعه من الشبان ذوي الشعر المعقوص. وكان ميكل أنجيلوا وقتئذ أقل منه باثنين وعشرين عاما، ولم تكن تعجبه ملامحه الجميلة التي تختلف كل الاختلاف عن أنفه المحطم، وكان وهو الفقير المعدم يعجب من أين يجد ليوناردو المال الذي يحيا به تلك الحياة الرخية؛ وكان ليوناردو قد اقتصد ستمائة دوقة في الأيام التي قضاها في ميلان، ورفض الآن عروضا كثيرة حتى التي جاءته من مركيزة مانتوا، ولما بدأ يعمل مرة أخرى كان يعمل متباطئا كعادته.
وكان الرهبان السرفيون قد استخدموا فلبينولي ليرسم ستار محراب لكنيسة البشارة Annunziato، وأظهر ليوناردو عرضا رغبته في أن يقوم بمثل هذا العمل، وكان فلبينو كريما إذ تخلى عن هذه المهمة للرجل الذي كان يراه الناس عامة أعظم المصورين في أوربا، وجاء الرهبان السرفيون بليوناردو وأسرته ليعيشوا في الدير، وتكلفوا بنفقاتهم في المدة التي بدت لهم جد طويلة، ثم حدث في يوم من عام 1501 أن كشف الغطاء




صفحة رقم : 6674




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> فلورنس


عن الرسم التمهيدي لصورة العذراء والطفل والقديسة آن والطفل يوحنا ((فأعجب بها أشد العجب كل من رآها)) كما يقول فرساي ((ولما علقت ... هرع إليها الناس عامة، رجالا ونساء، شيبا وشبانا من كل فج، وظلوا يفدون إلى الدير يومين كاملين ليشاهدوها، كأنهم في أيام عيد، وأثارت عظيم دهشتهم وإعجابهم)). ولسنا نعرف أكانت هذه هي الصورة الكاملة الحجم التي هي الآن أحد كنوز مجمع الفنون الملكي في بيت بيرلنجتن Burlington House بلندن. والراجح أنها هي، وإن كان الثقات الفرنسيون(12) يرون إنها هي الشكل الأول للصورة المحفوظة في اللوفر، والتي تختلف عنها كل الاختلاف. وإن الابتسامة التي تنم الكبرياء والرقة والتي يتلألأ بها وجه العذراء في الرسم التمهيدي وتجمله لهي من معجزات ليوناردو بحق، وإذا قيست بها ابتسامة موناليزا بدت هذه الابتسامة أرضية ساخرة، بيد أن هذه الصورة لم تكن من الصور الناجحة، وإن كانت من أعظم ما صور في عهد النهضة. ذلك أن في مقام العذراء القلق فوق ساقي أمها الممتدتين بعض ما تشمئز منه الأنفس وما ينم عن ذوق سقيم. ويلوح أن ليوناردو قد أهمل هذا الرسم التمهيدي إلى الصورة التي طلبها الرهبان، فكان لا بد لهم أن يلجئوا إلى لبي من جديد، ثم إلى بروجينو ليصور لهم ستار المحراب؛ ولكن ليوناردو سرعان ما رسم صورة العذراء، والقديسة آن والطفل يسوع المحفوظة في متحف اللوفر، ولعله قد رسمها من صورة معدلة من الرسم التمهيدي للصورة في بيت بيرلنجتن. وكانت هذه الصورة نصرا فنيا مؤزرا. من رأس آن المزين بالجواهر إلى قدمي مريم العاريتين عريا مخزيا والجميلتين جمالا ربانيا. وهنا وصل التقسيم إلى مثلثات الذي اخفق في الصورة التمهيدية ذروة النجاح؛ فرؤوس آن، مريم، والطفل، والحمل تكون هي الأربع جانبا واحدا عظيم الثراء، والطفل وجدته يحدقان في كلف إلى مريم، وأثواب النساء




صفحة رقم : 6675




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> فلورنس


التي لا نظير لها في الثياب تملأ الفراغ الذي بين أجزائها، وقد لطف القتام الذي هو من خصائص فرشاة ليوناردو وجميع الخطوط الخارجية للصورة كما تلطفها الظلال في الحياة الواقعية. ولقد كانت الابتسامة الليوناردية التي طبعها على فم مريم في الصورة التمهيدية، ولكنه طبعها على فم آن في الصورة الملونة، هي الطراز الذي سار عليه أتباع ليوناردو نصف قرن من الزمان.
ثم انتقل ليوناردو من هذه الدعوات الرقيقة ذات النشوة الدينية الصوفية ليعما مهندسا عسكريا في خدمة سيزارى بورجيا (يونية 1502)؛ ذلك أن بورجيا كان وقتئذ قد بدأ حملته الثالثة في الرومانيا Romagna، وكان في حاجة إلى رجل يستطيع رسم الخرائط التخطيطية، وبناء الحصون وتجهيزها، وإقامة الجسور على الأنهار أو تحويل مجراها، واختراع أسلحة الهجوم والدفاع، ولعله قد سمع عن الآراء التي عبر عنها ليوناردو عن آلات الحرب أو صورها بها. فقد كان فيها مثلا رسم لعربة مدرعة أو دبابة يحرك عجلاتها الجنود من داخل جدرانها، وكتب ليوناردو يقول ((أن هذه العربات تحل محل الفيلة ... ففي وسع الإنسان أن يطعن بها، وفي وسعه أن يمسك بها بمنافيخ يروع بها خيول العدو، وفي وسعك أن تضع فيها جنودا مسلحين بالبنادق القصيرة تحطم بها كل سرية))(12). وفي مقدورك، كما يقول ليوناردو أن تضع مناجل فتاكة على جانبي المركبة، ومنجلا دوارا أشد منها فتكا على عمود بارز إلى الأمام، وهذه كلها تحصد الرجال حصد الهشيم(14). أو تستطيع أن تجعل عجلات المركبة تدير جهازا يلقى بالقذائف الحديدية المهلكة في الجهات الأربع(15). وفي وسعك أن تهاجم حصنا بأن تضع جنودك تحت غطاء واق، وأن تصد المحاصرين بأن تلقي عليهم زجاجات ملأى بالغاز السام(17). وقد فكر ليوناردو في وضع ((كتاب يبين كيف تصد الجيوش بقوة الفيضان الناشئ من إطلاق المياه)) وكتاب يبين كيفية إغراق الجيوش بسد منافذ المياه التي تجري في




صفحة رقم : 6676




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> فلورنس


الوديان(18) ووضع تصميما لأدوات تقذف بطريقة آلية وابلا من السهام من سطح دوار، ولرفع المدافع على العربات، وإسقاط سلم مزدحم بقوة محاصرة تحاول تسلق الجدران(19). واغفل بورجيا معظم هذه الأدوات لأنه ظنها غير عملية، واكتفى بتجربة واحدة منها أو اثنتين في حصار تشري Ceri عام 1503، ولكنه مع ذلك أصدر هذه البراءة:
إلى جميع عالمنا، وحكام قلاعنا، وضباطنا، ورؤساء الجنود المرتزقون، والموظفين، والجنود، والرعية. نلزمكم جميعا ونأمركم بأن حامل هذا خادمنا الممتاز الذي نوليه أعظم حبنا، ومهندسنا المعماري، وكبير مهندسينا ليوناردو دافنشي - الذي عيناه للتفتيش على قلاعنا ومعاقلنا في أملاكنا، حتى نستطيع أن نمدها بما هي في حاجة إليه حسب ما يشير علينا به - نلزمكم ونأمركم أن تيسروا له الانتقال الذي لا يتحمل فيه أية مشقة أو يطلب إليه فيه أداء فريضة ما، وأن يلقى منكم هو ومن معه الترحيب الودي، وأن تكون له الحرية التامة في أن يطلع، ويختبر، ويقيس بأعظم الدقة كل ما يرغب فيه. وعليكم أن تقدموا له العون بالعدد الذي يرغب فيه من الرجال ليتمكن من تحقيق هذه الغاية، وأن تمدوه أنتم بكل ما في وسعكم من معونة وتكرموه غاية الأكرام. وإن إرادتنا لتقتضي أن يحتم على كل مهندس أن يتصل به ويعمل بمشورته في كل ما يقوم به من الأعمال في جميع أملاكنا(20).
وكتب ليوناردو كثيرا، ولكنه قلما كتب عن نفسه. ولق كنا نود أن نعرف رأيه في بورجيا، وأن نضعه إلى جانب رأي الرسول الذي بعثه فلورنس إلى سيزاري في ذلك الوقت - نعني نقولو مكفيلي. ولم استطعنا لأضاء لنا رأيه كثيرا مما خفي علينا في الرجل. غير أم كل ما نعرفه أن ليوناردو زار إمولا Imoia، وفائندسا، وفلورلي، ورافنا، وريميني، وبسارو، وأربينو، وبروجيا، وسينا، وغيرها من المدن، وأنه كان في




صفحة رقم : 6677




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> فلورنس


سنجاليا Sinigallia حين اقتنص سيزاري وخنق فيها أربعة من الضباط الخونة، وانه قدم إلى سيزارى ست خرائط كبيرة لإيطاليا الوسطى، بين فيها اتجاه المجاري المائية، وطبيعة الأرض وتضاريسها، والمسافات التي بين النهار، والجبال، والحصون، والبلدان. ثم عرف فجأة أن سيزاري موشك على الموت في رومة، وأن إمبراطوريته آخذة في الانهيار، وأن أحد أعداء آل بورجيا في طريقه إلى العرش البابوي. وولى ليوناردو وجهه مرة أخرى نحو فلورنس (إبريل 1503) بعد أن أخذ عالم العمل يبتعد عنه.
وفي شهر أكتوبر من ذلك العام عرض بيترسدريني رئيس حكومة فلورنس على ليوناردو وميكل أنجيلو أن يرسم كلاهما صورة جدارية في بهو الخمسمائة الجديد في قصر فيتشيو. وقبل كلاهما العرض، وكُتب معهما عقدان دقيقان غاية الدقة، وذهب كل منهما إلى مرسم خاص به ليرسما صورتيهما التمهيديتين. وكان الذي طلب إليهما أن يصور كل منهما بعض انتصارات جيوش فلورنس: فيصور أنجيلو معركة في الحرب مع بيزا، ويصور ليوناردو انتصار فلورنس على ميلان عنيد أنغياري Anghiari. وأخذ أهل فلورنس المتيقظون المتحفزون يتتبعون هذا العمل كأنه مباراة بين المجالدين، وثار النقاش الحاد بين المتنافسين وأساليبهما، وظن أحد المراقبين أنه إذا تفوقت إحدى الصورتين على الأخرى تفوقا حاسما، فإن هذا التفوق سيقرر للمصورين فيما بعد هل ينهجون نهج ليوناردو ويتبعون نزعته نحو الرقة والتمثيل الدقيق للمشاعر، أو يهيمون كما يهيم ميكل أنجيلو بالعضلات الضخمة والقوة الشيطانية.
ولعل هذا هو الوقت - ونقول لأن الحادث الذي سنرويه ليس له تاريخ - لعل هذا هو الوقت الذي أطلق اصغر الفنانين العنان لحقده على ليوناردو فأهانه إهانة سافرة، وتفصيل ذلك أن بعض الفلورنسيين كانوا




صفحة رقم : 6678




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> فلورنس


يناقشون في أحد الأيام فقرة من المسلاة الإلهية في بياتسا سانتا ترينيتا Piazza Santa Trinita. وشاهدوا في أثناء النقاش ليوناردو مارا بهم فأوقفوه وسألوه أن يشرح لهم. وظهر ميكل أنجيلو في هذه اللحظة، وكان معروف عنه أنه قد درس دانتي دراسة متقنة. فقال ليوناردو: ((هاهو ذا ميكل أنجيلو، وسيشرح لكم هذه الأشعار)). وظن هذا الجبار الشقي أن ليوناردو يسخر في غضب وازدراء: ((أشرحها أنتك يا من صنعت نموذجا لجواد يصب من البرنز ثم عجزت عن صبه، وتركته دون أن تتمه، فيا للعار: وقد ظنت ديكة ميلان الخصبة أن في طاقتك أن تنجزه)) ويقال إن ليوناردو احمر وجهه خجلا، ولكنه لم ينبس ببنت شفة، وسار ميكل أنجيلو في طريقه وهو يكاد يتمزق من الغيظ(21).
وأعد ليوناردو صورته التمهيدية بعناية فائقة، فزار موضع المعركة في أنغياري وقرأ التقارير التي كتبت عنها، ورسم عدة صور تخطيطية للخيل والرجال في معمعان القتال أو في حشرجة الموت، وأتيحت له وقتئذ، ما لم يتح له إلا قليلا في ميلان، فرصة إدخال الحركة على فنه، فأفاد منها أكبر فائدة من هول منظره. ذلك أن أحدا من أهلها لم يكن يظن أن أرق الفنانين في فلورنس يستطيع أن يتخيل أو يصور هذه المذبحة الوطنية. ولعل ليوناردو قد أفاد في هذا العمل من تجاربه في حملات سيزارى بورجيا، فاستطاع أن يعبر في صورته عن الأهوال التي ربما رآها أو استخرجها من عقله. ولم يحل شهر فبراير من عام 1505 حتى كان قد فرغ من صورته التمهيدية وشرع يرسم صورته الوسطى - معركة الأعلام - في بهو الخمسمائة.
ولكن شرع الرجل الذي درس الطبيعة والكيمياء والذي لم يكن قد عرف بعد مصير صورة العشاء الأخير وقع مرة أخرى في خطأ موبق. ذلك أنه كان يجري بعض التجارب التي تستخدم فيها الحرارة، ورأى أن يثبت الألوان




صفحة رقم : 6679




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> فلورنس


في الجدار المجصص بالحرارة المنبعثة من موقد على الأرض. وكانت الحجرة رطبة، والشتاء شديد البرودة، فلت تعلو الحرارة علوا كافيا، ولم يمتص الجص الطلاء، وبدأت الألوان التي في أعلى الجدار تسيل، ولم يفلح ما بذله من مجهود جبار في أن يمنع التلف. ونشأت في هذه الأثناء صعاب مالية، فلم يؤجره مجلس السيادة أكثر من خمسة عشر فلورينا (188؟ دولارا) في الشهر، وهو مبلغ ضئيل ينقص كثيرا عن المائة والستين أو نحوها التي كانت مخصصة له في ميلان. ولما أن عرض عليه موظف قليل الكياسة أن يؤدي له أجرة نحاسية رفضها ليوناردو، وترك العمل مجللا بالعار مفعما باليأس، وكل ما كان له من سلوى قليلة هو أن ميكل أنجيلو لم يرسم صورة ملونة بعد أن أتم صورته التمهيدية، لأنه قبل دعوة البابا يوليوس الثاني بالقدوم إلى روما ليقوم بها ببعض الأعمال. وهكذا أخفقت المباراة العظمى إخفاقاً يؤسف له، وكان من أثره أن فلورنس أصبحت حاقدة على أعظم فنانين في تاريخها كله.
وقضى ليوناردو في العمل فترات متقطعة من 1503 إلى 1506 رسم فيها صورة موناليزا أي السيدة إلزبتا الزوجة الثالثة لفرنتشيسكو دل جيوكندو الذي صار عضوا في مجلس السيادة في عام 1512. ولعل طفلا من أبناء فرانتشيسكو دفن في عام 1499 كان من أبناء إلزبتا هذه، ولربما كانت هذه الفاجعة من أسباب الملامح الجدية الحزينة الكامنة وراء بسمات صورة جيوكندا La Gioconda. ةفي وسعنا أن نتبين الروح التي أقبل بها على هذه الصورة الفاتنة التي أمتزج فيها التصوير بالفلسفة، إذا علمنا أن ليوناردو أستدعى صاحبتها إلى مرسمه مرارا كثيرة في هذه السنوات الثلاث، وأنه قد سخر في رسم صورتها جميع أسرار فنه وما فيه من تدرج غير محَس، فيخلع عليها في رقة الضوء والظلال، ويحيطها بمنظر خيالي خلاب من الشجار والمياه، والجبال والسماء، ويكسوها أثوابا من المخمل والساتان،




صفحة رقم : 6680




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> فلورنس


ذات الطيات كل طية فيها في حد ذاتها آية فنية رائعة، ويدرس بعناية عاطفية فائقة العضلات الدقيقة التي تكون الفم وتحركه، ويأتي بالموسيقيين ليعزفوا لها حين تتذكر طفلها، ولم يكن لمئات الموانع والعوائق، وعشرات المصالح التي تشغل باله وتصرفه عن عمله، وما أضطر إليه وقتئذ من كفاح في تصميم صورة انغيارين ولم يكن لهذا كله أثر في وحدة فكرته أو في مثابرته وتحمسه، فبقيت هذه متصلة غير متقطعة.
ذلك إذن هو الوجه الذي أريق في وصفه بحر من المداد على آلاف الصفحات، وهو وجه جميل وإن لم يكن جماله غير مألوف، ولو أن الأنف كان أقصر مما هو لكتبت فيه آلاف أخرى من الصفحات، ولكان في مقدور كثير من صور الغلمان في الزيت أو الرخام - كأية صورة من صور كريجيو - أن تجعل صورة ليزا هذه ذات جمال متوسط لا أكثر. أما الذي رفع من شأن هذه الصورة وخلد شهرتها على مر القرون فهو ابتسامتها وما يصحبها من بريق وليد في عينيها، انثناء إلى أعلى في شفتيها ينم عن السرور الذي لم تحاول كبته. ترى لأي شيء تبتسم؟ أتبتسم لما يبذله الموسيقيون من جهود لتسليتها؟ أم لنشاط الفنان وجده حين يقضي في تصويرها ألف يوم ولا يفرغ منها أبدا؟ أم لأنها ليست مجرد موناليزا تبسم، ولكنها ككل النساء تقول لكل الرجال: ((مساكين أيها العشاق المولهون! إن الطبيعة التي تأمركم بتعمير الأرض واستمرار الخلق تحرق أعصابكم بالنهم السخيف لأجسامنا، وترهق عقولكم فتتوهمون في غير تعقل أن مفاتننا هي المثل الأعلى في الجمال، وترتفع بكم إلى نشوة شعرية لا تلبث أن تخبو إذا نلتم بغيتكم منا - كل هذا لكي تسرعوا تكونوا آباء؟ ترى أيمكن أن يكون هناك سخف أكبر من هذا السخف؟ ولكننا نحن النساء أيضاً نقع مثل الرجال في الشراك، ونؤدي لكم في نظير افتتانكم بنا ثمنا أغلى مما




صفحة رقم : 6681




قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> ليوناردو دافنتشي -> فلورنس


تؤدونه أنتم. ولكن اعلموا أيها البلهاء المحببون أنه يسرنا أن ترغبوا فينا، وأن الحياة تفتدى حين نُحب)). أو هل كانت ابتسامة ليوناردو نفسه هي التي صورت على فم ليزا - هل كانت هي الروح المقلوبة التي يصعب عليها أن تستعيد المسة الرقيقة الناعمة من يد امرأة، والتي لا تؤمن بمصير أيا كان للحب أو العبقرية إلا الانحلال البذيء وقليلا من الشهرة يومض ويخبو في نسيان الإنسان؟
ولما أن انتهت آخر الأمر الجلسات، احتفظ ليوناردو بالصورة، مدعيا أنها هي التي أكثر الصور اكتمالا لا تزال ناقصة. ولعل زوجها لم يكن يعجبه منظر زوجته وهي تثني شفتيها في وجهه ووجه زائريه