Advertisement

قصة الحضارة 09


قصة الحضارة
ول ديورانت





قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> المشهد الإسكنديناوي



الفصل الثامن والعشرون




هجرات الإصلاح الديني




1517 - 1560




1- المشهد الإسكنديناوي




(1470-1523)


ما أن حل عام 1500 حتى كانت تقوى الناس قد جعلت الكنيسة تسيطر على اقتصاد إسكنديناوة. وكانت الكنيسة تملك نصف الأرض في الدنمرك، وكان يفلحها مستأجرون في منزلة تقرب من الرق(1). وكانت كوبن هاجن نفسها إقطاعية للكنيسة، ورجال الأكليروس والنبلاء يتمتعون بالإعفاء من ضرائب الأرض. أما النبلاء فلأنهم اشتركوا في الحرب على نفقتهم الخاصة، وأما رجال الأكليروس فلأنهم نظموا العبادة والأخلاق والتعليم والبر.
وكانت الجامعات في كوبنهاجن وأبسالا بالطبع في أيدي رجال الكنيسة، وكانت الكنيسة تتقاضى سنوياً عشر كل ناتج أو دخل يُحَصَّل خارج مجال الكنيسة، وتقاضت رسماً صغيراً على كل بناء يقام وكل طفل يولد وكل اثنين يتزوجان وكل جثة تدفن، وطالبت بالتبرع بيوم عمل في السنة من كل فلاح. ولم يكن في وسع أحد أن يرث عقاراً، دون أن يقدم عنه حصة للكنيسة، باعتبارها محكمة إشهاد للتثبيت من صحة الوصايا(2). وكان يدافع عن هذه الضرائب بأنها تمول الخدمة الكهنوتية في الكنيسة، ولكن الشكاوى ارتفعت بأن الكثير من متحصلات المعاملات التجارية ذهبت لكي يعيش الأساقفة في أبهة ملكية. وأزعج تجار الدنمرك السيادة الهنزية في بحري الشمال والبلطيق، فتميزوا غيظاً من المنافسة الإضافية للنبلاء ورجال الأكليروس، الذين كانوا يصدرون فائض إنتاج ضياعهم في سفنهم الخاصة غالباً. وفي




صفحة رقم : 8731




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> المشهد الإسكنديناوي


إسكنديناوة كما في غيرها من البلاد، تطلع النبلاء في شوق إلى أراضي الكنيسة. ولقد حدث هناك، كما حدث في كل موضع آخر صراع بين القومية، وبين الكنيسة التي تسمو على كل قومية، وأيدت الكنيسة في كل البلاد الثلاث اتحاد كلمار الإسكنديناوي، الذي كان كريستيان الأول ملك الدنمرك قد جدده (1457). ولكن حزباً قومياً يتألف من سكان المُدن والفلاحين رفض الاعتراف بالاتحاد، باعتباره في الحقيقة سيادة دنمركية، ونادوا بستن ستور الأصغر نائب ملك يحكم أمة مستقلة (1512). ودافع رئيس الأساقفة جوستاف ترول من أبسالا - وكانت وقتذاك عاصمة للسويد - عن الاتحاد، فأقاله ستن ستور الصغير وأمر البابا ليو العاشر بإعادته إلى وظيفته فرفض ستور. وحرم ليو تقديم الخدمات الدينية في السويد وفوض كريستيان الثاني ملك الدنمرك في غزو السويد ومعاقبة نائب الملك، وفشلت أول محاولة لكريستيان، واضطر إلى توقيع هدنة، ولكنه حمل معه عند العودة إلى كوبنهاجن عدة رهائن كضمان لالتزام السويديين بنصوص الهدنة، وكان جوستاف فازا أحد هذه الرهائن. وظفر كريستيان في حملة ثانية بنصر حاسم، ومات ستور متأثراً بالجروح، التي أصيب بها في المعركة. وأعدت أرملته على عجل جيشاً احتفظ بستكهولم لمدة خمسة شهور أمام حصار دنمركي، وأخيراً سلمت مقابل وعد قدمه قائد كريستيان بالحصول على عفو عام. وفي 4 نوفمبر توج كريستيان ملكاً على السويد على يد ترول الظافر الذي أعيد إلى وظيفته.
وفي السابع من نوفمبر استدعى كبار السويديين الذين أيدوا ستور للمثول أمام الملك في قلعة ستوكهولم. واتهمهم ممثل لترول بارتكاب جرائم عظمى بخلعهم كبير الأساقفة وتدمير قلعته، وطالب الملك بالانتقام منهم لهذه الأخطاء. وعلى الرغم من العفو العام الذي صدر فقد حكم على سبعين من كبار السويديين بالإعدام. وقطعت رؤوسهم في الثامن من نوفمبر في الميدان




صفحة رقم : 8732




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> المشهد الإسكنديناوي


الكبير، وقبض على آخرين عديدين في التاسع من نوفمبر وأعدموا، وأضيف إلى مَن قتلوا في هذه المذبحة بعض المشاهدين الذين أعربوا عن تعاطفهم مع المحكوم عليهم، وصودرت أملاك الموتى لصالح الملك، وصرخ كل السويديين من الرعب، وقال الناس إن اتحاد كالمار أغرق في "حمّام الدم بستوكهولم" وانحطت مكانة الكنيسة كثيراً في نظر الجماهير لأنها بدأت المذبحة. وقد رأى كريستيان أن يجعل حكمه آمناً بالقضاء على عقول الحزب القومي. والحق أنه مهد طريق العرش للرهينة الشاب الذي قدر له أن يحرر السويد.
واسمه جوستافوس أركسون، ولكن ذريته أطلقوا عليه اسم فازا، وهو مشتق من كلمة vasa السويدية و fascis. اللاتينية ومعناها حزمة من العصى ظهرت في شعار أسرته. وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره أرسل ليدرس في أبسالا، وعندما بلغ العشرين من عمره استدعي لبلاط ستور الصغير الذي تزوج أختاً غير شقيقة لجوستافوس من أمه، وهناك تلقى مزيداً من التعليم على يد رئيس الوزراء، الأسقف همينج جاد، وفي عام 1519 فر من المراقبة في الدنمرك واتخذ طريقه إلى لوبك، وأقنع أعضاء مجلس الشيوخ فيها (وكانوا في عداء دائم للدنمرك)، أن يقرضوه مالاً ويعيروه سفينة، وعاد إلى شواطئ بلاده (31 مايو سنة 1520)، وأخذ يضرب على غير هدى وهو متنكر أربعة شهور أو كان يختبئ في قرى مغمورة. وفي نوفمبر وصلت الأنباء إليه بأن ما يقرب من مائة من الوطنيين المخلصين، ومنهم أبوه، قتلوا في ستوكهولم، فامتطى صهوة أسرع جواد استطاع العثور عليه، وركب شمالاً إلى موطنه مقاطعة داليكارليا، وصمم على أن ينضم هناك من ملاّك الأراضي الجسورين طلائع جيش يمكن أن يحرر السويديين من الدنمركيين.
وكانت حياته وقتذاك ملحمة جديرة بأن يتغنى بها هوميروس. فقد مضى




صفحة رقم : 8733




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> المشهد الإسكنديناوي


يسير في طرقات ثلجية، والتمس الراحة في بيت زميل سابق له في المدرسة. وقدم له هذا الصديق واجبات الضيافة ثم انطلق ليخطر الشرطة الموالية للدنمركيين أن الرهينة الهاربة يمكن القبض عليها وقتذاك، غير أن الزوجة أنذرت جوستافوس ليلوذ بالفرار. وبعد أن قطع راكباً عشرين ميلاً وجد ملجأ لدى قسيس أخفاه أسبوعاً. وسافر بعد ذلك ثلاثين ميلاً وحاول أن يحرض مدينة راتفيك على الثورة بيد أن أهلها لم يكونوا قد سمعوا بعد بقصة حمام الدم ولم يصدقوها. فركب فازا وسار في مروج متجمدة خمسة وعشرين ميلاً شمالاً إلى مورا، وتوسل مرة أخرى للفلاحين أن يقوموا بثورة، بيد أنهم أصغوا إليه متشككين في تبلد. ووجد نفسه منبوذاً وتملكه اليأس لحظة، فاستدار بفرسه نحو الغرب، وتخلى عن البحث عن ملجأ في النرويج. وقبل أن يصل إلى الحدود أدركه رسول من مورا، ورجاه أن يعود، وتعهد له بأنه سوف يجد وقتذاك أذناً صاغية بروح تفيض حماسة مثل روحه. فقد سمع الفلاحون أخيراً بأنباء الرعب في ستوكهولم، وعلاوة على هذا انتشرت شائعة بان الملك كان يفكر في القيام برحلة يخترق فيها السويد، وأنه أمر بإقامة المشانق في كل مدينة كبرى. وتقرر فرض مكوس جديدة على شعب كان يكافح من أجل الحياة أمام جشع السادة واستبداد المبادئ الأساسية. وعندما خاطب جوستافوس المواطنين في مورا مرة أخرى أعطوه حرساً مكوناً من ستة عشر من سكان المناطق الجبلية، وأقسموا أن يسلحوا أنفسهم، وينظموا صفوفهم، ويسيروا وراءه حيثما يقودهم لمقاتلة الدنمركيين.
ولم يعرفوا وقتها سوى الأقواس والسهام وفئوس الحرب، وعلمهم فازا كيف يصنعون الرماح والحراب برؤوس من حديد. ودربهم بكل حمية يطويها بين جوانحه شاب يحفزه حب الوطن والسلطة، وبهذه الحماسة استولوا على فستيريس ثن ابسالا، وفر كبير الأساقفة ترول مرة أخرى، وكسب الجيش النامي في صبر وتصميم مقاطعة إثر أخرى من الحاميات الدنمركية.




صفحة رقم : 8734




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> المشهد الإسكنديناوي


ولم يستطع كريستيان الثاني الحضور ليتولى بنفسه قيادة قواته لأنه واجه في بلده ذاتها حرباً أهلية إلا أن أسطوله أغار مراراً على الشواطئ السويدية، وبعث جوستافوس برسل إلى لوبك لكي يطلبوا سفناً حربية. وجهزت المدينة التجارية عشرة سفن صرفت نشاط الأسطول الدنمركي، وذلك مقابل وعد بالحصول على مبلغ كبير. وفي السابع من يونية سنة 1523 نادى الثوار المنتصرون، في ركسراد جديدة بقائدهم ملكاً باسم جوستافوس الأول، وفي العشرين من يونيه استسلمت ستوكهولم واتخذ فازا منها بعد ذلك عاصمة له. وفي غضون ذلك كان كريستيان الثاني قد خلع عن عرشه في الدنمرك، وتخلى خلفه فريدريك الأول عن كل المطالب الدنمركية في السيادة على السويد. وانتهى اتحاد كالمار (1397-1523) وبدأت أسرة فازا.




صفحة رقم : 8735




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> الإصلاح الديني السويدي



2- الإصلاح الديني السويدي


كان جوستافوس لا يزال شاباً في السابعة والعشرين من عمره. ولم يكن فارع الطول، كما نعهد في الرجال من أهل الشمال، ولكنه كان يتمتع بقوة بدنية مثل أي قرصان إسكنديناوي، وكان وجهه المستدير متورداً بحمرة الصحة، ولحيته الصفراء الطويلة تضفي عليه وقار الملك أكثر من دلالتها على سنه، وكانت أخلاقه رائعة بالنسبة إلى ملك، بل إن الكنيسة التي قدر له أن ينبذها بعد ذلك بوقت قصير لم تستطع أن تجادل في تقواه. ووقف نفسه على القيام بأعباء الحكم بنشاط لا يعرف الأناءة، جعله ينزلق أحياناً إلى التوسل بالعنف أو الاستبداد، بيد أن ظروف السويد عند ارتقائه العرش كانت تبرر أو تكاد طبعه وحكمه المطلق. وقد ترك آلاف الفلاحين، غمرة فوضى الحرب، حقولهم دون أن يزرعوها، وهجر عمال التعدين مناجمهم، ودمر الصراع المدن، وخفضت قيمة العملة وأفلست الخزانة العامة، وأزهقت أرواح أصحاب




صفحة رقم : 8736




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> الإصلاح الديني السويدي


العقول المدبرة في البلاد في "حمّام الدم". واعتبر البارونات الإقطاعيون الباقون على قيد الحياة جوستافوس حديث النعمة، ونظروا باحتقار إلى ادعائه الحق في الحكم. ودبرت المؤامرات لخلعه فقضى عليها بيد من حديد. وكانت فنلندة، التي كانت جزءاً من السويد، لا تزال في أيدي الدنمركيين، وكان سورن نوربي أمير البحر الدنمركي يحتفظ بجزيرة جوتلاند الاستراتيجية، وضجت لوبك مطالبة بسداد قروضها.
وكانت أول حاجة ملحة استشعرتها الحكومة مال يدفع للقوات المسلحة التي تحميها، ثم للموظفين الذين يقومون على شؤونها، أو وعد بدفع هذا المال، ولكن الضرائب في السويد أيام فازا كانت تكاد تكلف في جبايتها أكثر من المتحصل منها لأن الذين كان في وسعهم وحدهم أن يدفعوها كانوا أقوياء جداً إلى الحد الذي يقاومون فيه جبايتها. وخضع جوستافوس لما اقتضته الحاجة الملحة من تخفيض قيمة العملة مرة أخرى، بيد أن العملات الرديئة سرعان ما هبطت إلى قيمتها الفعلية، وكانت إيرادات الدولة أسوأ مما كانت عليه من قبل، ولم تكن في السويد إلا جماعة واحدة غنية - هي طبقة رجال الأكليروس، فتحول جوستافوس اليهم، وطلب منهم المساعدة، واعتقد أن من العدل أن تخفف ثروة الكنيسة وطأة الفقر الذي يرزح تحته الشعب والحكومة. وكتب عام 1523 رسالة إلى الأسقف هانز براسك من لنكوبنج، يطلب فيها هبة قدرها 5.000 جيلدر للدولة. فاحتج الأسقف ثم أذعن. وأرسل فازا طلباً عاجلاً إلى كنائس السويد وأديارها بضرورة تسليم كل الأموال والمعادن الثمينة، التي ليست ضرورية لمواصلة خدماتها، إلى الحكومة بصفة قرض، ونشر قائمة بالمبالغ التي يتوقع الحصول عليها من كل مصدر. ولم تكن الاستجابة إليه كما توقع، وبدأ يتساءل: ما إذا كانت الحكمة تقضي منه أن يفعل كما كان يفعل الأمراء اللوثروين في ألمانيا - فيصادر ثروة الكنيسة تلبية لحاجات




صفحة رقم : 8737




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> الإصلاح الديني السويدي


الدولة. ولم ينسَ أن أغلب كبار رجال الأكليروس قد عارضوا الثورة، وأنهم عضدوا حكم كريستيان الثاني في السويد.
وفي عام 1519 عاد أولاوس بترى، وهو ابن صاحب مصنع حديد سويدي بعد أن قضى بضع سنوات في الدراسة بفيتنبرج، وسمح لنفسه ببعض الهرطقات، وهو شماس في المدرسة الكاتدرائية في سترانجنارس وقال إن المطهر أسطورة، وإن الصلوات يجب أن يخاطب بها الله وحده وان الاعتراف يوجه إليه وحده، وإن الدعوة إلى ما ورد في الإنجيل من شعيرة القداس. وبدأ الناس يتداولون رسائل لوثر في السويد. فألح براسك على فازا أن يمنع بيعها، فأجاب الملك بأن "تعاليم لوثر عرضت على قضاة عدول فلم يجدوا فيها زيفاً(3)". ولعله رأى أن من حسن السياسة الاحتفاظ على سبيل الاحتياط بهرطيق يساوم الكنيسة عليه.
وأصبحت الأمور أشد إثارة عندما رفض البابا أدريان السادس أن يصادق على تعيين قاصده الرسولي جوهانس ماجنوس رئيساً لأساقفة أبسالا، واقترح إعادة جوستاف تروي عدو الثورة. فأرسل فازا إلى مجلس شورا الفاتيكان رسالة كان حرية وقتذاك (1523) بأن تفزع هنري الثامن وتسعده فيما بعد:
إذا كان عند أبينا المقدس أي اهتمام بسلام بلدنا فإنه يسرنا أن نراه يصادق على اختيار قاصده الرسولي... وسوف نستجيب لرغبات البابا فيما يختص بإصلاح الكنيسة والدين. ولكن إذا أيد قداسته أنصار كبير الأساقفة ترول الموصومين بالجريمة، مخالفاً بذلك كرامتنا وسلامة رعايانا، فإننا سوف نسمح لقاصده الرسولي بالعودة إلى روما، وسوف ندبر أمور الكنيسة في هذه البلاد بمقتضى السلطة المخولة لنا باعتبارنا ملكاً.
وأدت وفاة أدريان وانصراف كليمنت السابع بجهوده لمقاومة لوثر وشارل الخامس وفرانسيس الأول، إلى ترك فازا حراً في المضي قدماً بالإصلاح




صفحة رقم : 8738




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> الإصلاح الديني السويدي


الديني السويدي، فعين أولاوس بترى في كنيسة سانت نيكولاس استكهولم، وعين لورانتيوس شقيق أولاس أستاذاً للاهوت في جامعة أبسالا، ورفع مصلحاً دينياً ثالثاً وهو لورانتيوس أندريا إلى رتبة رئيس شمامسة الكاتدرائية. ودافع أولاوس بترى عن اللوثرية في مناظرة دارت بينه وبين بيترجال (27 ديسمبر سنة 1524) في مقر الأسقفية بالكاتدرائية، برئاسة الملك وقضى فازا بفوز أولاوس، ولم ينزعج عندما اتخذ أولاس زوجة له (1525)، قبل زواج لوثر باربعة شهور، ومهما يكن من أمر فإن الأسقف براسك فزع بسبب هذه المخالفة لرهبانية رجال الأكليروس، وطلب من الملك أن يقضى على بترى بالحرمان. فأجاب جوستافوس بأن أولاوس يجب أن يعاقب إذا كان قد ارتكب خطأ، ولكن "يخيل إلي أن من العجب أن يعاقب المرء بسبب الزواج (وهو شعيرة لا يحرمها الله)، ولا يقع المرء تحت طائلة الحرمان بسبب الفسوق وغيره من الآثام(4)" وبدلاً من أن يحكم على بترى لأنه خالف القانون انتدبه هو وشقيقه لترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة السويدية. وساعدت النسخة المترجمة إلى اللغة الدارجة، كما حدث في كثير من البلاد الأخرى، على تكوين اللغة القومية وتحرير الدين القومي.وعد جوستافوس، مثل معظم الحكام، أي إجراء يقوم به لتدعيم مركز بلاده أو عرشه مسارياً للأخلاق، وحرص على ترقية الأساقفة الذين يذعنون لخططه إلى مرتبة المطرانيات السويدية ووجد أسباباً لا يستطيع دفعها لنزع ملكية أراضي الأديار، ولما كان قد تقاسم الأسلوب مع النبلاء فإنه فسر ذلك بأنه إنما كان يعيد إلى العلمانيين ما أغرى أجدادهم على أن يهبوه للكنيسة، وشكا البابا كليمنت السابع من أن القساوسة السويديين كانوا يتزوجون، ويقدمون القربان بالخبز والنبيذ، ويهملون شعيرة المسح الأخير ويغيرون شعيرة القداس وبعث بنداء للملك بأن يظل مخلصاً للكنيسة، ولكن جوستافوس كان قد قطع شوطاً بعيداً فلم يستطع أن يتراجع، وكانت




صفحة رقم : 8739




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> الإصلاح الديني السويدي


العقيدة المحافظة حرية بأن تخرب خزائنه، ونادى في مجلس فستيريس (1527) بالإصلاح الديني علناً.
كان اجتماعاً تاريخياً في تكوينه ونتائجه معاً. فقد اجتمع أربعة أساقفة وأربعة من كبار القساوسة وخمسة عشر عضواً الركسراد Riksraad و129 نبيلاً واثنان وثلاثون من أوساط الناس وأربعة عشر نائباً لعمال المناجم و104 ممثلاً للفلاحين، وكان هذا مجلساً وطنياً يمثل أعرض قاعدة بين المجالس في القرن السادس عشر. وطرح كبير وزراء الملك اقتراحاً ثورياً أمام المجلس، فقال إن الدولة قد افتقرت إلى المال إلى حد عجزها عن القيام بتبعاتها لخير الشعب، وأن الكنيسة كانت غنية جداً إلى الحد الذي يسمح لها بأن تحول جانباً كبيراً من ثروتها إلى الحكومة، ويبقى لها مع ذلك ما يكفي لأن تقوم بجميع التزاماتها. وحارب الأسقف براسك لآخر لحظة من أجل مثله العليا وأملاكه العقارية، فأعلن أن البابا قد أمر رجال الأكليروس بالدفاع عن أملاكهم. وصوت المجلس في صف القائلين بإطاعة البابا. ورأى جوستافوس أن يقامر على كل شيء برمية واحدة، فأعلن أنه إذا كان هذا حكم المجلس والأمة فإنه سيستقيل ويرحل عن السويد، وظل المجلس في نقاش مستمر طوال ثلاثة أيام. ووقف الأوساط ورجال الفلاحين إلى جانب الملك، وكان لدى النبلاء سبب وجيه للتحرك في الاتجاه نفسه، واقتنع المجلس آخر الأمر بأن فازا أعظم قيمة للسويد من أي بابا، فوافق على رغبات الملك. وتحولت الأديار في فترة العطلة أو في ختام مجلس فستيريس إلى إقطاعيات للملك، وإن سمح للرهبان بالإفادة منها، وتقرر إعادة كل الأملاك التي منحها النبلاء للكنيسة منذ عام 1454 إلى ورثة الواهبين، وأن يسلم الأساقفة قصورهم إلى التاج، وحرم على الأساقفة أن يسعوا إلى الحصول على تأييد البابا لتعيينهم، وتقرر أن يسلم رجال الأكليروس إلى الدولة كل دخل ليست شعائرهم الدينية في حاجة إليه، ووضع حد للاعتراف السري، وتقرر أن تعتمد العظات كلها على الكتاب المقدس وحده. وكان الإصلاح الديني في السويد، بصورة قاطعة أكثر منه في أي مكان آخر، تأميماً للدين وانتصاراً للدولة على الكنيسة.




صفحة رقم : 8740




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> الإصلاح الديني السويدي


وعاش فازا بعد هذه الأزمة ثلاثاً وثلاثين عاماً، وظل حتى النهاية حاكماً مطلقاً... قوياً ولكنه يعمل لخير شعبه... وكان مقتنعاً بأن السلطة المركزية وحدها هي التي تستطيع أن تعيد النظام والرخاء إلى السويد، وأنه في مهمة معقدة كهذه لا يستطيع أن يتوقف عند كل خطوة ليستشر مجلساً متروياً. وبفضل تشجيعه وتنظيمه صبت مناجم الشمال حديدها في أدوات الحرب السويدية، واتسعت رقعة الصناعة، وأبرمت معاهدات تجارية مع إنجلترا وفرنسا والدنمرك وروسيا أوجدت أسواقاً للسلع السويدية، وجلبت إلى السويد منتجات من أثنى عشرة بلداً، وأضفت تهذيباً جديداً وثقة على حضارة كانت قبله معتقلة في سذاجة ريفية وأمية. وازدهرت السويد وقتذاك كما لم تزدهر من قبل.
واشتبك جوستافوس في عدة حروب، وقمع أربع ثورات وعقد قرانه على ثلاث زوجات على التعاقب، وأنجبت له الأولى ولداً أصبح فيما بعد أريك الرابع عشر، وأنجبت له الثانية خمسة أولاد وخمس بنات أما الثالثة التي كانت في السادسة عشرة من عمرها عندما تزوجها وهو في السادسة والخمسين فقد عمرت بعده ستين عاماً. وأغرى الرجسراد Rigsraad بأن يقبل أبناءه ورثة للعرش وأن يجعل وراثة العرش مقصورة على الذكور كقاعدة تتبع في الملكية السويدية.
وصفحت السويد عن حكمه المطلق لأنها أدركت أن النظام أصل الحرية وليس ثمرة لها. وعندما مات (29 سبتمبر سنة 1560)، بعد حكم دام سبعة وثلاثين عاماً دفن في كاتدرائية أبسالا في احتفال صدر عنه بالحب وتميز بالشرف وهو لم يمنح شعبه الحرية الشخصية التي كانوا يستحقونها بصفة خاصة فيما يبدو، ولكنه منحهم حرية جماعية من السيطرة الأجنبية في الدين أو الحكم، وقد هيأ الظروف التي استطاعت أمته في ظلها أن تصل إلى درجة




صفحة رقم : 8741




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> الإصلاح الديني السويدي


النضج في مجالات الاقتصاد والأدب والفن. كان الأب الحقيقي للسويد الحديثة.




صفحة رقم : 8742




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> الإصلاح الديني الدنمركي



3- الإصلاح الديني الدنمركي


كان كريستيان الثاني ملك الدنمرك (حكم 1513-23) شخصية لامعة مثل جوستافوس فازا الذي هزمه في السويد. وقد أكرهه البارونات على التوقيع على شروط استسلام مهينة ثمناً لانتخابه، فأحاط نفسه بمستشارين من الطبقة المتوسطة وتجاهل الريجسراد Rigsraad (مجلس النواب) الدنمركي، المكون من الأعيان من ذوي النسب، وعين أم عشيقته الهولندية الجميلة كبيرة لمستشاريه ولابد أن هذا المجلس الخاص كان يتمتع بشيء من المقدرة والروح، لأن سياسة كريستيان الوطنية كان بناءة بقدر ما كانت مغامراته الأجنبية فاشلة لا طائل تحتها، وعمل جاهداً في تدبير الملك، وأصلح حكم المُدن، وراجع القوانين، وقضى على القرصنة، ومهد الطرق، وشرع في إقامة نظام بريدي عام، وألغى أسوأ آفات الرق، وأبطل عقوبة الإعدام على ممارسة السحر، ونظم الإعانة للمحتاجين، وفتح المدارس للفقراء، وجعل التعليم إجبارياً، وطول جامعة كوبنهاجن، فأصبحت مكاناً يشع بالضياء وملاذاً للعلم. وتعرض لعداء لويك بتقييد سلطة الهانز Hanse، وشجع التجارة الدنمركية وأسبغ عليها حمايته، ووضع حداً للعادة الهمجية التي خولت للقرويين المقيمين بجوار البحر الحق في نهب كل السفن التي تتحطم على شواطئهم.
وأرسل ليو العاشر عام 1517 جيوفاني أركمبولدو إلى الدنمرك ليعرض صكوك الغفران، فندد بول هلجزن، وهو راهب كرملي بما بدا له بيعاً لصكوك الغفران هذه، وهو بذلك سبق رسائل لوثر(5). واشتجر النزاع بين القاصد الرسولي وبين الملك حول تقسيم هذه المبالغ المتحصلة من البيع. وهرب أركمبولدو إلى لوبك بجانب منها، وصادر كريستيان الباقي، عندما




صفحة رقم : 8743




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> الإصلاح الديني الدنمركي


وجد كريستيان أسباباً وجيهة لاعتناق البروتستانتية دفعاً للمظالم الحقيقية التي ارتكبتها الكنيسة وثروتها القائمة، عين هلجزن في منصب بجامعة كوبنهاجن، حيث تزعم أرازموس الدنمرك الفصيح هذا، إلى حين، حركة للإصلاح الديني. وعندما تحول هلجزن إلى رجل يأخذ بأسباب الحيطة أرسل كريستيان إلى فردريك الحكيم الأمير المختار لسكسونا، كي يبعث إليه بلوثر نفسه، أو يبعث إليه على الأقل بعالم في اللاهوت من مدرسة لوثر. وجاء كارلشتادت، ولكنه لم يمكث طويلاً. واصدر كريستيان قانوناً بالإصلاح الديني: لا يجوز رسامة أحد دون أن يكون قد درس دراسة كافية ليفسر الإنجيل باللغة الدنمركية، ولا يستطيع رجال الأكليروس قانوناً أن يملكوا عقاراً، أو يتسلموا تركات ما لم يتزوجوا، وأمر الأساقفة بأن يتخففوا من الترف الذي يعيشون فيه، وفقدت المحاكم الكنسية الاختصاص القضائي، عندما يتعلق الأمر بنظر قضية خاصة بالملكية، وخولت محكمة عليا، عينها الملك، السلطة النهائية في الشئون الكنسية والمدنية على السواء. ومهما يكن من أمر فإنه عندما وضع مجلس دايت ورمس لوثر تحت نير الحرمان الإمبراطوري، أوقف كريستيان إصلاحاته وأشار هلجون بعقد صلح مع الكنيسة.
وبينما كانت هذه السياسة الوطنية التي انتهجها كريستيان تثير شعبه فقد أزمة الموقف بفشله في الشئون الخارجية. وأدت قسوته في السويد إلى أن ينقلب عليه كثير من الدنمركيين. وأعلنت لوبك الحرب عليه بسبب هجماته على السفن الهانزية، وتجاهل النبلاء ورجال الأكليروس، الذين نفرتهم منه الضرائب المرتفعة والتشريع المعادي، ودعواته لعقد مجلس وطني، ونادوا بعمه الدوق فريدريك أف شلسفيج - هولشتين، ملكاً جديداً للدنمرك، وفر كرستيان إلى الفلاندرز مع الملكة زوجته، شقيقة شارل الخامس البروتستانتية، وعقد صلحاً مع الكنيسة، مؤملاً أن يجد مملكة لقداس،




صفحة رقم : 8744




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> الإصلاح الديني الدنمركي


وقبض عليه وهو يقوم بمحاولة، لا طائل تحتها، لاستعادة عرشه، وعاش سبعة وعشرين عاماً في سجون سوندربورج، لا رفيق له إلا قزم نرويجي أحمق. وقادته سبل المجد إلى رمسه، يجلله الخزي والعار رويداً (1559).
ولم يجد فردريك الأول ما كان ينشده من سعادة في ظل تاجه المهدد، فقد رضى به النبلاء ورجال الأكليروس بشروط كثيرة، أحدها أنه لن يسمح أبداً لهرطيق بالوعظ في الدنمرك، وبينما كان هلجزن يواصل نقده لنقائض الكنيسة، حول وقتذاك معظم مناظراته، التي تشتعل حماسة، ضد البروتستانت، وألح على أن إصلاحها دينياً، يتم بالتدريج خير من ثورة يسودها الشغب. ولكنه لم يستطع أن يقف في وجه التيار. فقد كان الدوق كريستيان، ابن فردريك، لوثرياً قبل ذلك، وتزوجت ابنة الملك، بموافقته، البرخت البراندنبرجي الرئيس اللوثري السابق للفرسان النيوتون، وفي عام 1526 مال فردريك مع الريح، وعين هانزتاوزن قساً خاصاً له، وكان قد درس على يد لوثر. فترك تاوزن ديره، وتزوج ودافع علناً عن آراء لوثر. ووجد فردريك أن من المناسب أن يأمر بأن تدفع له لا للبابا، رسوم التصديق على تعيين الأساقفة. وتشجع الوعاظ اللوثريون وتضاعف عددهم، وطلب الأساقفة نفيهم، فرد عليهم فردريك بأنه لا ولاية له على أرواح الناس، وأنه قرر أن يترك العقيدة حرة - وهو إجراء غير مألوف للغاية. وظهرت عام 1524 ترجمة للعهد الجديد باللغة الدنمركية، ونشر كريستيان بدرسن عام 1529 نسخة أفضل من الأولى، دفعت الحركة البروتستانتية دفعة كبيرة. وكان الناس يتلهفون على وضع حد لضرائب العشور التي تدفع لرجال الأكليروس، فقبلوا اللاهوت الجديد، وما أن حل عام 1530 حتى كان اللوثريون يسيطرون على كوبنهاجن وفيبورج. وفي ذلك العام عقدت مناظرة في المجلس بكوبنهاجن، بين زعماء الكاثوليك والبروتستانت، وقضى الملك والشعب بفوز البروتستانت، وظل الاعتراف




صفحة رقم : 8745




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> الإصلاح الديني الدنمركي


بالعقيدة الذي قدمه هناك هانز تاوزن مدى عقد من الزمان، المذهب الرسمي للوثريين الدنمركيين.
وكانت وفاة فردريك (1533) مقدمة الفصل الأخير من الإصلاح الديني الدنمركي. فقد انضم كبار التجار في الدنمرك إلى أعدائهم القدامى في لوبك، وقاموا بمحاولة لإعادة كريستيان إلى العرش، وقاد الكونت كريستوفر أف أولدنبرج قوات لوبك وأطلق اسمه على هذه الحرب فسميت باسم "حرب الكونت"، وسقطت كوبنهاجن في يده، وأخذت لوبك تحلم بحكم الدنمرك بأسرها. بيد أن أوساط الناس والفلاحين نظموا صفوفهم تحت علم كريستيان ابن فردريك، وتغلب جيشهم على أولدنبرج، واستولى على كوبنهاجن بعد حصار ضربه حولها دام عاماً (يوليو سنة 1536). وقبض على جميع الاساقفة، ولم يطلق سراحهم، إلا بعد أن وعدوا بالبقاء إلى جانب النظام البروتستانتي وانعقد المجلس الوطني في أكتوبر سنة 1536، وأنشأ رسمياً كنيسة الدولة اللوثرية، ورئيسها الأعلى كريستيان الثالث. وصودرت جميع أملاك الأسقفيات والأديار لصالح الملك، وفقد الأساقفة كل صوت لهم في الحكم. وقبلت النرويج وأيسلندة كريستيان الثالث وتشريعه، وكتب النصر التام للوثرية في إسكنديناوة (1554).




صفحة رقم : 8746




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> البروتستانتية في شرقي أوروبا



4- البروتستانتية في شرقي أوربا


نعمت بولندة بعصرها الذهبي في عهد سجسموند الأول (1506-48) وابنه سجسموند الثاني (1548-72). وكانا رجلين على حظ من الثقافة والذكاء، وراعيين متذوقين للأدب والفن، وكلاهما منح للفكر والعبادة حرية، وعلى الرغم من أنها لم تكن كاملة، فإنها جعلت معظم أمم أوربا تبدوا قروسطية إذا قورنت ببولندة. وتزوج سجسموند الأول بونا سفورزا المرحة الموهوبة (1518)، وهي ابنة الدوق جيا بجاليازو أمير




صفحة رقم : 8747




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> البروتستانتية في شرقي أوروبا


ميلان، وأحضرت معها إلى كراكو بطانة من رجال الحاشية والعلماء، وبدلاً من أن يتبرم بهم الملك، رحب بهم باعتبارهم جسراً يصل بينه وبين النهضة، وتملكت الأرستقراطية نزعة إلى الترف بارتداء الثياب المنمقة واقتناء الرياش الثمينة، وأصبحت اللفة أكثر صقلاً، والأخلاق أكثر تهذيباً، وازدهرت الآداب والفنون، وكتب أرازموس (عام 1523): "إني أهنئ هذه الأمة... التي بلغت فيها العلوم وفقه القانون والأخلاق والدين وكل ما يفصلنا عن الهمجية درجة من الازدهار تستطيع بها أن تنافس أرفع الأمم شأناً وأعظمها مجداً(6"). وسيطرت بونا على زوجها بجمالها ورشاقتها ودهائها، فأصبحت ملكة فعلاً، وملكة في الزي على السواء. وكان ابنها سجسموند الثاني عالما بالإنسانيات ولغوياً وخطيباً وميالاً إلى التزيي بزي النساء(7). وأضرت الحروب هذه العهود اللامعة لأن بولندة كانت مشتبكة مع السويد والدنمرك وروسيا في نزاع على السيطرة على بحر البلطيق وموانيه، وفقدت بولندة بروسيا، بيد أنها ضمت مازوفيا وتشمل وارسو (1529) وليفونيا وتضم ريجا (1561). وكانت بولندة في هذا العصر دولة أوربية كبرى.
وفي غضون ذلك تسلل الإصلاح الديني من ألمانيا وسويسرة. وقد عودت حرية العبادة، التي ضمنها التاج البولندي لرعاياه من الروم الكاثوليك، الأمة على التسامح الديني، وجعلت ثورة الهسيين والأتراكويين في بوهيميا المجاورة. والتي دامت قرناً من الزمان، بولندة لا تعبأ إلى حد ما بالسلطة البابوية البعيدة. وكان الأساقفة، الذين يعينهم الملك، رجالاً مثقفين محبين لوطنهم، من أنصار الإصلاح الكنسي، مع الاعتصام بحيطة أرازمية، ويؤيدون الحركة الإنسانية تأييداً عظيماً، ومهما يكن من أمر فإن هذا لم يخفف من شدة الحسد الذي تطلع به النبلاء، وسكان المُدن، إلى أملاكهم ومواردهم. وازدادت الشكاوى من استنزاف الثروة




صفحة رقم : 8748




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> البروتستانتية في شرقي أوروبا


القومية إلى روما، ومن صكوك الغفران التي تكلف مشتريها غالياً بصورة غير معقولة، ومن اتجار رجال الدين بالمقدسات والرتب والوظائف الدينية، ومن ارتفاع نفقات التقاضي أمام المحاكم الأسقفية. واستاء صغار النبلاء الزلاخته Sziachka بصفة خاصة من إعفاء رجال الأكليروس من الضرائب ومن جباية رجال الأكليروس لضرائب العشور من النبلاء أنفسهم. ولعل بعض البارونات من ذوي النفوذ قد استمعوا في تعاطف إلى نقد لوثر للكنيسة، لأسباب اقتصادية، وكان لما يتمتع به اللوردات الإقطاعيون من شبه سيادة الفضل في إسباغ الحماية على الحركات البروتستانتية المحلية، كما كان لاستقلال الأمراء الألمان الفضل في إمكان نشوب الثورة وحماية لوثر. ودافع راهب دانزج على رسائل لوثر ودعا إلى القيام بإصلاحات كنسية، وتزوج وارثة (1518)؛ وانتهج واعظ آخر نهج لوثر فعلاً إلى حد أن عدة جماعات من المصلين أزالت كل الصور الدينية من كنائسها (1522)، وما أن حل عام 1540 حتى كانت كل منابر الوعظ في دانزج في أيدي البروتستانت. وعندما قدم بعض رجال الأكليروس في براونزبرج البولندية البروسية الشعيرة اللوثرية وشكا كبراء القساوسة في الكاتدرائية إلى أسقفهم، رد بأن "لوثر بنى آراءه على الكتاب المقدس وكل مَن يشعر بأن في مقدوره أن يدحضها فليضطلع بالعبء (1510)(8"). وأقنع سجسموند الأول بفرض رقابة على المطبوعات، ومنع دخول كتابات لوثر، غير أن كاتم سره وكاهن الاعتراف الفرنسسكاني الخاص ببونا إعتنقا العقيدة المحرمة سراً وكسبتهما إلى صفها، وأهدى كالفن عام 1539 كتابه "تعليق على القداس" لولي العهد.
وعندما الأمير ملكاً باسم سجسموند الثاني انتشرت اللوثرية والكالفينية على السواء بسرعة. وترجم الكتاب المقدس إلى اللغة البولندية، وبدأت اللغة الدارجة تحل محل اللغة اللاتينية في الشعائر الدينية. وأعلن




صفحة رقم : 8749




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> البروتستانتية في شرقي أوروبا


القساوسة المبرزون مثل جان لاسكي تحولهم إلى البروتستانتية. وفي عام 1548 انتقل الاخوة البوهيميون من بلادهم إلى بولندة، وسرعان ما كانت هناك ثلاثون جمعية سرية من طائفتهم في البلاد: وقام رجال الأكليروس الكاثوليك بمحاولة لاتهام بعض أفراد صغار النبلاء Szlachta بالهرطقة ومصادرة أملاكهم، فأدت إلى قيام كثير من صغار النبلاء بالثورة ضد الكنيسة (1552) وصوت المجلس النيابي الوطني لعام 1555، وأقر الحرية الدينية لكل العقائد التي تعتمد على "كلمة الله الخالصة"، وأسبغ صفة الشرعية على زواج رجال الأكليروس، ومناولة القربان المقدس بالخبز والنبيذ، وكان الإصلاح الديني في بولندة في أوج ازدهاره.
وتعقد الموقف في بولندة بتطور أقوى حركة للقائلين بوحدة الكنيسة، إبان القرن السادس عشر في أوربا، وفي أوائل عام 1546 نوقشت محاولات سرفيتوس المنكرة للقول بالتثليث، وذلك في هذا الشرق الأقصى من العالم المسيحي اللاتيني، وزار لايليوس سوكينوس بولندة عام 1551 وترك خمائر من الأفكار المتطرفة، وواصل جيورجيو بلاندرانا الحملة، وفي عام 1561 أصدرت الجماعة الجديدة اعترافاً بالعقيدة. وواصل أعضاؤها الخلط الذي اتسم به لاهوت سرفيتوس، فقصروا الألوهية الكاملة على الرب الأب، ولكنهم جاهروا بالإيمان بالمولد الخارق للمسيح ووحيه الإلهي ومعجزاته وبعثه وصعوده. ورفضوا التسليم بفكرتي الخطيئة الأولى وتكفير المسيح عن خطايا البشر، وسلموا بالتعميد والقربان المقدس كرمزين فحسب، ولقنوا الناس أن الخلاص يتوقف فوق كل شيء على العمل الواعي بتعاليم المسيح. وعندما أدان المجمع المقدس الكالفيني في كراكو (1563) هذه العقائد، أنشأ القائلون بوحدة الكنيسة لهم كنيسة منفصلة. ولم تبلغ الطائفة أوج ازدهارها إلا على يد فاوستوس




صفحة رقم : 8750




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> البروتستانتية في شرقي أوروبا


سوكينوس ابن أخ لايليوس، الذي وصل إلى بولندة عام 1579.
وحاربت الكنيسة الكاثوليكية هذه التطورات بالاضطهاد والكتابات والدبلوماسية، وفي عام 1539 أرسل أسقف كراكو إلى المحرقة امرأة في الثمانين من عمرها بتهمة أنها رفضت عبادة القربان المقدس(9). وتصدى استانسلاوس هوزيوس، أسقف كولم في بروسيا، والكاردينال فيما بعد، لتعبئة الهجوم المضاد بمقدرة وحماسة، وعمل جاهداً من أجل الإصلاح الكنسي، ولكنه لم يكن متعاطفاً مع اللاهوت البروتستانتي أو الشعيرة البروتستانتية. وبناء على اقتراحه أرسل لودوفيكوليبومانو أسقف فيرونا إلى بولندة مندوباً بابوياً، وعين ديوفاني كومندوني، أسقف زانتي قاصداً رسولياً في كراكو. وكسبوا تأييد سجسمون الثاني الفعال للكنيسة بتأكيد الانقسامات بين البروتستانت وتضخيم صعوبة تنظيم الحياة المعنوية للأمة بمثل هذه العقائد الضارة المذبذبة. وفي عام 1564 جاء هوزيوس وكمندوني باليسوعيين إلى بولندة. وضمن هؤلاء الرجال المدربون المخلصون مناصب استراتيجية في النظام التعليمي، واستمالوا آذان الشخصيات البارزة، وإعادة الشعب البولندي إلى اعتناق العقيدة التقليدية.
وكان البوهيميون من البروتستانت قبل لوثر، ولم يجدوا في أفكاره ما يفزعهم إلا قليلاً. وقبل جانب كبير من الألمان على الحدود الإصلاح الديني. وكان الاخوة البوهيميون ويبلغ عددهم حوالي عشرة في المائة من مجموع السكان البالغ 400.000 نسمة، أشد تمسكاً بالبروتستانتية من لوثر. وكان 60 في المائة أتراكويين كاثوليك تناولوا القربان المقدس بالنبيذ وبالخبز على السواء، وتجاهلوا احتجاج البابوات(10). وما أن حل عام 1560 حتى كان ثلثا سكان بوهيميا من البروتستانت، ولكن فرديناند أدخل اليسوعيين عام 1561، وتحول التيار إلى العقيدة الكاثوليكية المحافظة.




صفحة رقم : 8751




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> البروتستانتية في شرقي أوروبا


وعرفت هنغاريا الإصلاح الديني عن طريق المهاجرين الألمان وهم يحملون أنباء لوثر، ذلك الرجل الذي استطاع أن يتحدى الكنيسة والإمبراطورية وعاش مع ذلك. وتطلع الفلاحون الهنغاريون الذين ظلمهم الإقطاع الذي تساعده الكنيسة، بشيء من التحيز للبروتستانتية يمكن أن تضع حداً لضرائب العشور والمكوس التي تجبيها الكنيسة، وتطلع البارونات الإقطاعيون بعيون جشعة إلى أملاك الكنيسة الشاسعة، التي كانت منتجاتها تنافس منتجات أراضيهم، ورأى عمال المُدن، الذين أصيبوا بعدوى مبادئ المدينة الفاضلة، أن الكنيسة هي العقبة الكبرى التي تقف في طريق أحلامهم، وانهمكوا في نشوات تحطيم التماثيل، وتعاونت الكنيسة في إقناع الحكومة باعتبار اعتناق البروتستانتية جريمة يستحق مرتكبها الإعدام. وسعى الملك فرديناند في غربي هنغاريا جاهداً للحصول على مصالحة، وأراد أن يسمح لرجال الأكليروس بالزواج وبتقديم القربان المقدس بصورتيه المعروفتين، وانتشرت البروتستانتية بلا قيود في شرقي هنغاريا في ظل حكم تركي ينظر باحتقار وبلا مبالاة إلى الاختلاف بين المذاهب المسيحية، وما أن حل عام 1550 حتى بدا أن هنغاريا بأسرها سوف تصبح بروتستانتية. ولكن الكالفينية بدأت وقتذاك تنافس اللوثرية في هنغاريا، وأيد المجريون، وهم بفطرتهم مناهضون للألمان، النمط السويسري من الإصلاح الديني "وما أن جاء عام 1558 حتى كان الكالفينيون من الكثرة إلى حد أنهم استطاعوا عقد مجمع مقدس في زنجر"، كان له أثره الكبير. وشطرت مراكز القوى المتنافسة للإصلاح الديني الحركة إلى شطرين، وعاد كثير من الموظفين أو مَن تحولوا من عقيدتهم، ممن ينشدون الاستقرار الاجتماعي أو الهدوء الفكري إلى الكاثوليكية، وفي القرن السابع عشر استعاد اليسوعيون بزعامة ابن أحد الكالفينيين، هنغاريا إلى حضيرة الكاثوليكية.




صفحة رقم : 8752




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> شارل الخامس والأراضي المنخفضة



5- شارل الخامس والأراضي المنخفضة


كانت تجارة نافقة في بلاد الفلاندرز إبان نضج شارل أفضل من الانصراف إلى صناعة ضعيفة مشتتة. وساد الكساد في بروجس وغنت، وعاشت بروكسل باعتبارها قصبة فلمنكية، وكانت لوفان تشكل اللاهوت وتصنع الجعة وأنتورب تتحول - وسوف تكون عند حلول عام 1550 - أغنى مدينة في أوربا وأكثرها حركة وعملاً. وحولت التجارة الدولية والمال ذلك الميناء الهزيل على نهر شلدت العريض الصالح للملاحة بفضل انخفاض المكوس الجمركية على الواردات والصادرات والارتباط السياسي مع أسبانيا وبورصة متخصصة، وشعارها يقول بأنها أنشئت ad usum mercatorum cuiusque gentis ac linguae (ليفيد منها التجار القادمون من كل البلاد والمتحدثون بجميع الألسنة(11)". وكان القيام بمشروع أي عمل حراً من قيود الطائفة الحرفية والحماية البلدية، التي أبقت الصناعة القروسطية غير متقدمة لحسن الحظ. وفتح المصرفيون الإيطاليون هناك وكالات وأقام "التجار المغامرون" الإنجليز مستودعاً وركز آل فوجر وجوه نشاطهم التجاري، وبنى الهانز مؤسستهم العظيمة بيت الشرقيين (1564). وشهد الميناء 500 سفينة تدخل إليها أو تغادرها كل يوم و 5.000 تاجر يشتغلون بتبادل السلع. وكانت حوالة مالية مسحوبة على أنتورب وقتذاك أشيع شكل للعملة الدولية. وفي هذه الفترة حلت أنتورب بالتدريج محل لشبونة، وأصبحت أكبر ميناء أوربي لتجارة التوابل، وكان الوكلاء الفلمنكيون يشترون حمولات السفن الداخلة إلى لشبونة قبل أن تفرغ ثم ترسل مباشرة إلى أنتورب لتوزيعها في شمالي أوربا. وكتب سفير البندقية يقول: "لقد حزنت لرؤية أنتورب لأني شهدت مدينة تبز البندقية(12)"، وكان يشهد التحول التاريخي للزعامة التجارية من البحر الأبيض المتوسط إلى شمال الأطلنطي. وحفزت هذه التجارة الصناعة الفلمنكية فانتعشت حتى في غنت،




صفحة رقم : 8753




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> شارل الخامس والأراضي المنخفضة


وأمدت الأراضي المنخفضة شارل الخامس بمبلغ 1.500.000 جنيه (37.500.000 دولار) سنوياً، وهو يعادل نصف دخله الكلي(13).
واستجاب بمنح الفلاندرز وهولندة حكماً صالحاً معتدلاً، اللهم إلا في مجال الحرية الدينية - وهي هبة لم يكد يدركها أصدقاؤه أو أعداؤه. وكانت سلطته من الناحية الدستورية مقيدة بتعهده الذي أقسم على تنفيذه بمراعاة مواثيق المُدن والمقاطعات وقوانينها المحلية، وبالحقوق الشخصية والعائلية، التي حافظ عليها سكان المُدن بشجاعة، وبمجالس الدولة والمالية، ومحكمة للاستئناف أنشئت لتكون جزءاً من الإدارة المركزية. وكان شارل بوجه عام يحكم الأراضي المنخفضة حكماً غير مباشر عن طريق نواب يقبلهم المواطنون: أولاً عمته، وحاضنته ومربيته مرجريت النمساوية، ثم شقيقته ماري، ملكة هنغاريا السابقة، وهما امرأتان تتمتعان بكفاءة وإنسانية ومهارة. ولكن شارل أصبح أشد استبدادً باتساع رقعة الإمبراطوريّة وأقام حرساً أسبانياً في المُدن المتكبرة، وقمع بقسوة أي مخالفة خطيرة لسياسته الدولية، فعندما رفضت غنت أن تصوت على قرار بالاعتمادات العسكرية التي طلبها ومنحتها له المُدن الأخرى، أخمد شارل الثورة باستعراض قوة لا جدال فيها، واقتضى إعانة مالية وتعويضاً، وألغى الحريات التقليدية التي كانت تتمتع بها البلدية، واستُبْدِل بالحكومة المختارة محلياً موظفون معينون من قبل الإمبراطور (1540)(14). ولكن لم يكن هذا المتبع في الأغلب. وعلى الرغم من هذه القسوة العارضة فقد ظل شارل يحظى بشعبية بين رعاياه في الأراضي المنخفضة، ونال الثقة لما حققه من استقرار سياسي ونظام اجتماعي، وطدا دعائم الرخاء الاقتصادي، وعندما أعلن تنازله عن العرش حزن كل المواطنين تقريباً(15).
وسلم شارل بالنظرية المتداولة القائلة بأن السلام القومي والقوى يتطلبان حدة المعتقد الديني، وخشي أن تؤدي البروتستانتية في الأراضي المنخفضة




صفحة رقم : 8754




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> شارل الخامس والأراضي المنخفضة


إلى تعريض جناحه للخطر في نزاعه مع فرنسا وألمانيا اللوثرية، فأيد الكنيسة تأييداً كاملاً في قمع الهرطقة في الفلاندرز وهولندة. وكانت حركة الإصلاح الديني هناك معتدلة قبل لوثر، ودخلت بعد عام 1517، مثل ما دخلت اللوثرية ومذهب المنكرين للتعميد من ألمانيا، والزونجيلية والكالفينية من سويسرة والألزاس وفرنسا. وسرعان ما ترجمت رسائل لوثر إلى الهولندية وشرحها وعاظ في انتورب وغنت ودوردرخت واترخت وتسفولى ولاهاي. وتزعم الأخوة الرهبان الدومنيكان حركة معارضة نشيطة دحضوا فيها آراء خصومهم، وقال أحدهم إنه يود لو استطاع أن ينشب أسنانه في زور لوثر، وإنه لن يتردد في أن يذهب لتناول العشاء الرباني والدم يلطخ فمه(16). ورأى الإمبراطور، وهو لا يزال شاباً، أن يخمد الهياج بنشر "إعلان ملصوق" بناء على طلب البابا، يحرم طباعة مصنفات لوثر أو قراءتها. وفي العام نفسه أمر الحاكم العلمانية بتنفيذ منشور ورمس في سائر الأراضي المنخفضة ضد كل مَن يعرض آراء لوثر. وفي اليوم الأول من يوليو عام 1523 أرسل هنري فوس وجوهان إيك، وهما راهبان أوغسطينيان إلى المحرقة في بروكسل، فكانا أول شهيدين من البروتستانت في الأراضي المنخفضة. وسجن هنري الزتفيني، وهو صديق وتلميذ للوثر، ورئيس الدير الأوغسطيني في أنتورب، وفر، وقبض عليه في هولستاين وأحرق هناك (1524) وكان تنفيذ هذه الأحكام بالإعدام بمثابة إعلان لآراء المصلحين الدينيين.
وعلى الرغم من الرقابة فإن ترجمة لوثر للعهد الجديد انتشرت على نطاق واسع، وتداولها الناس في هولندة بحماسة أكثر من الفلاندرز الغنية. وكانت هناك أمنية لإعادة المسيحية إلى بساطتها الأولى، فنشأ عنها أمل، بعد مرور ألف عام، في عودة المسيح مبكراً، وإنشاء أورشليم جديدة لا تكون فيها حكومة، ولا زواج ولا ملكية، وامتزجت بهذه الأفكار نظريات




صفحة رقم : 8755




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> شارل الخامس والأراضي المنخفضة


شيوعية عن المساواة وتبادل العون بل "والحب الحر(17)". وتكونت جماعات تنكر التعميد في أنتورب وماسترخت وأمستردام. وجاء ملشيور هوفمان من أمدن إلى أمستردام عام (1531) وأعاد جون الليدني عام 1534 الزيارة يحمل معه يحمل معه عقيدة المنكرين للتعميد من هارلم إلى منستر. وقدر أن ثلثي السكان في بعض المُدن الهولندية كانوا من المنكرين للتعميد. بل إن العمدة في ديفنتز تحول لنصرة القضية. وشحذت المجاعة الحركة، فأصبحت ثورة اجتماعية. وكتب صديق لأرازموس عام 1534 يقول "إن اشتعال حماسة المنكرين للتعميد في هذه المقاطعات يجعلنا نشعر بقلق بالغ لأنه يتصاعد مثل ألسنة اللهب ولا تكاد توجد بقعة أو مدينة لا تتأجج فيها سراً شعلة التمرد(18"). وحذرت ماري الهنغارية الإمبراطور؛ وكانت وقتذاك نائبة له، من أن الثوار قد وضعوا خطة لانتهاب كل ضروب الملكية من النبلاء ورجال الأكليروس والأرستقراطية التجارية، وتوزيع الغنائم على كل رجل حسب حاجته(19). وفي عام 1535 أرسل جون الليديني مبعوثين لتدبير ثورة في نفس الوقت يقوم بها المنكرون للتعميد في عدة محلات هولندية، وبذل الثوار جهود الأبطال، فقد استولت جماعة على دير في فريزلاند الغربية، وحصنته، وحاصرهم الحاكم بالمدفعية الثقيلة، ومات 800 وهم يدافعون دفاعاً لا أمل فيه، (1535) وفي 11 مايو اقتحم بعض المنكرين للتعميد المسلحين قاعة المدينة في أمستردام واستولوا عليها، فطردهم سكان المدينة، ونكلوا بالزعماء، وانتقموا منهم انتقاماً مفزعاً من رجال مفزعين، فاستلت الألسنة، ومزقت القلوب من أجساد الأحياء، وألقي بها في وجوه المحتضرين أو الموتى(20).
وظن شارل أن ثورة شيوعية تتحدى البناء الاجتماعي بأكمله، فاستقدم محكمة التفتيش إلى الأراضي المنخفضة، وخول موظفيها سلطة سحق الحركة وكل الهرطقات الأخرى، مهما قضى ذلك على الحريات المحلية. وأخذ




صفحة رقم : 8756




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> شارل الخامس والأراضي المنخفضة


بين عامي 1521 و 1555 يصدر الإعلان الملصق بعد الإعلان ضد الانقسام بين الطبقات الاجتماعية أو الانشقاق الديني. وقد كشف أعنف هذه الإعلانات (25 سبتمبر سنة 1550) عن تدهور الإمبراطور، ووضعت الأسس التي قامت عليها ثورة الأراضي المنخفضة ضد ابنه:
لا يحق لأحد أن يطبع أو يكتب أو ينسخ أو يخفي أو يبيع أو يشتري أو يعطي في الكنائس أو في الشوارع أو غير ذلك من الأماكن أي كتاب أو رسالة من تأليف مارتن لوثر، أو جون أو يكولا مباديوس، أو أولريخ زونجلى، أو مارتن بوسر، أو جون كالفن، أو غيرهم من الهراطقة، الذين استهجنت أعمالهم الكنيسة المقدسة... ولا يحق له أن يحطم أو يؤذي بأي صورة أخرى تماثيل العذراء المقدسة، أو القديسين الذين اعترفت بهم الكنيسة... وليس له أن يعقد اجتماعات سرية أو اجتماعات غير قانونية، أو يحضر أي اجتماع من هذه الاجتماعات، التي يدعو فيها أنصار الهراطقة المذكورين ويعمدون ويدبرون مؤامرات ضد الكنيسة المقدسة والصالح العام... ونحن نمنع جميع الأشخاص العلمانيين من أن يتحدثوا أو يجادلوا في أمر يتعلق بالكتب المقدسة جهراً أو سراً... أو أن يقرأوا أو يعلموا أو يفسروا الكتب المقدسة، ما لم يكونوا قد درسوا اللاهوت في حينه، أو اعترفت بهم إحدى الجامعات المشهورة، أو يرحبوا بأي رأي من آراء الهراطقة المذكورين... وإلا تعرضوا للعقوبات المنصوص عليها فيما يلي... الرجال (تقطع رؤوسهم) بالسيف والنساء يدفن أحياء إذا لم يصررن على أخطائهن، وإذا أصررن عليها فإنهن يعدمن حرقاً، وفي كلتا الحالتين تصادر أملاكهن كلها لمصلحة التاج.
وتمنع كل الأشخاص أن ينزلوا عندهم أو يستضيفوا أو يزودوا بالطعام أو الدفء أو الملابس أو يؤيدوا بأية طريقة أخرى أي امرئ يعتقد أنه هرطيق، أو يشتبه في أن له سمعة سيئة كهرطيق، وكل من يتخلف




صفحة رقم : 8757




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> شارل الخامس والأراضي المنخفضة


عن التنديد بأي واحد من هؤلاء الذين نأمر بإدانتهم يكون عرضة للعقوبات المذكورة آنفاً... وكل مَن يعرف شخصاً موصوماً بالهرطقة يجب أن يبلغ عنه ويسلمه... ويكون للمبلغ، في حالة الإدانة، الحق في نصف أملاك المتهم... ولكي لا يكون لدى القضاء والموظفين أي ذريعة - بحجة أن العقوبات جسيمة جداً وشديدة، ولم ينص عليها إلا لإثارة الفزع في قلوب المجرمين - ليوقعوا عليهم عقوبة أقل مما يستحقون (نأمر) بأن يعاقب المجرمون حقاً بالعقوبات التي أعلنا عنها سابقاً، ونحظر على جميع القضاة أن يغيروا أو يخففوا العقوبات بأية طريقة، ونحظر على أي أحد، في أي ظرف أن يطلب منا، أو من أي أحد أو سلطة، أن يمنح عفواً عن، أو أن يقدم التماس في صالح، هؤلاء الهراطقة أو المنفيين أو الهاربين، وإلا تعرض للحكم عليه إلى الأبد بعدم الأهلية لتولي الوظائف المدنية أو العسكرية، ولأن يعاقب بعقوبة يقضى بها عليه بطريقة تحكمية(21).
وعلاوة على هذا كان يطلب من أي شخص يدخل البلاد المنخفضة أن يوقع على تعهد بالولاء للعقيدة المحافظة بحذافيرها(22).
وتحولت الأراضي المنخفضة عن طريق هذه المنشورات اليائسة، إلى ساحة قتال بين الشكلين للقديم والجديد من المسيحية، وقدر سفير البندقية في بلاط شارل أن 30.000 شخص، وهم كل المنكرين للتعميد تقريباً، هلكوا عام 1546 في هذه المذبحة الإمبراطوريّة الطويلة(23)، التي قتل فيها الآمنون من المواطنين، وخفض تقدير آخر أقل إثارة عدد الضحايا إلى 10.000 شخص(24). وبقدر ما كان الهولنديون المنكرون للتعميد مهتمين، بقدر ما نجحت محكمة التفتيش الكارولينية، وظل بقية منهم على قيد الحياة في هولندة بإبداء عدم المقاومة، وهرب بعضهم إلى إنجلترا، حيث أصبحوا من أنصار البروتستانتية النشطين في عهد إدوارد السادس




صفحة رقم : 8758




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> شارل الخامس والأراضي المنخفضة


وإليزابث. وانهارت الحركة الشيوعية في الأراضي المنخفضة بعد أن روعها الاضطهاد وخنقها الرخاء.
ولكن عندما انحصرت موجة المنكرين للتعميد تدفق نهر من الهوجينوت المطاردين إلى الأراضي المنخفضة من فرنسا، وجاءوا معهم بإنجيل كالفن، وراقت الحماسة الصارمة القائلة بالحكم الديني للهرطقة الجديدة، لمن ورثوا تقاليد المتصوفة وإخوان الحياة المشتركة، وكان قبول كالفن للعمل باعتباره كرامة بدلاً من أن يعد لعنة، وللثورة باعتبارها بركة بدلاً من أن تعد جريمة، وللنظم الجمهورية باعتبارها أكثر موافقة من الملكية للمطامح السياسية لطبقة رجال الأعمال، يحتوي على أجزاء تلقى ترحيباً متفاوتاً من كثير من العناصر بين السكان. وما أن حل عام 1555 حتى كانت هناك جماعات كالفينية للمصلين في إيبرس وتورناي وفالنسينس وبروجس وغنت وأنتروب، وكانت الحركة تنتشر في هولندة ويرجع الفضل إلى الكالفينية لا إلى اللوثرية، أو مذهب المنكرين للتعميد، في أن ابن شارل سوف يحصر خلال جيل مرير، في صراع قدر له أن يشطر الأراضي المنخفضة إلى قسمين، ويحرر هولندة من السيطرة الإسبانية، ويجعلها موطناً وملجأ من أعظم المواطن والملاجئ للفكر الحديث.
وفي عام 1555 طرح شارل الخامس كل أحلامه ما عدا حلمه بأن يموت في طهارة، وتخلى عن أمله في قمع البروتستانتية في ألمانيا والأراضي المنخفضة أو مهادنة الكاثوليكية في مجلس ترنت، وتخلى عن طموحه في زعامة البروتستانت والكاثوليك والألمان والفرنسيين، في زحف رائع يقوم به ضد سليمان والقسطنطينية والتهديد التركي للعالم المسيحي. وقد أدى إفراطه في الطعام والشراب والعلاقات الجنسية وحملاته المنهكة وأعباء منصب واجه صدمة تغيير ثوري إلى تحطيم جسده وتبلد سياسته وتحطيم




صفحة رقم : 8759




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> شارل الخامس والأراضي المنخفضة


إرادته. وكان يشكو من قروح، وهو في الثالثة والثلاثين، واكتهل في الخامسة وأصيب وهو في الخامسة والأربعين بالنقرس والربو وسوء الهضم والتأتأة، وكان وقتذاك يقضي نصف وقت يقظته في ألم، ووجد أنه من الصعب عليه أن ينام، وكثيراً ما كانت الصعوبة التي يجدها في التنفس تجعله يجلس منتصباً طوال الليل، وكانت أصابعه مشوهة بداء المفاصل، إلى درجة أنه لم يكد يستطيع أن يقبض على القلم، الذي وقع به على صلح كريبي. وعندما قدم كوليني رسالة من هنري الثاني، لم يستطع شارل أن يفتحها إلا بصعوبة وقال متسائلاً: "ما رأيك في يا سيدي أمير البحر؟ ألست فارساً رائعاً يستطيع أن يهاجم ويحطم حربة، أنا الذي لا أستطيع أن أفتح خطاباً إلا بعد مشقة كبيرة؟(25)". ولعل قسوته العارضة وشيئاً من الوحشية التي هاجم بها البروتستانتية في الأراضي المنخفضة، ترجع إلى نفاد صبره بسبب آلامه. وأمر بقطع أقدام الأسرى من الجنود الألمان المرتزقة، الذين حاربوا في صفوف فرنسا، على الرغم من أن ابنه الذي قدر له أن يكون فيليب الثاني الصلب الرأي، طلب لهم الرحمة(26)، وقد حزن حزناً مريراً دام طويلاً لوفاة زوجته الحبيبة إيزابلا (1539)، ولكنه سمح في حينه بحضور عذارى لا حول لهن ولا طول إلى مخدعه(27).
ودعا في خريف عام 1555 إلى عقد اجتماع لمجلس الطبقات في الأراضي المنخفضة، يوم 25 أكتوبر، واستدعى إليه فيليب من إنجلترا. وفي قاعة دوقات برابانت الواسعة المغطاة بالسجاجيد في بروكسل حيث اعتاد فرسان الجزة الذهبية أن يعقدوا اجتماعاتهم، اجتمع النواب والنبلاء والحكام من سبع عشرة مقاطعة في نطاق حرس من الجند المدججين بالسلاح. ودخل شارل يستند على كتف وليام أف أورانج، الذي قدر له أن يكون عدواً لابنه في المستقبل. وتبعه فيليب مع نائبة الإمبراطور ماري الهنغارية، ثم أمانويل فيليبرت أف سافوي، ومستشارو الإمبراطور، وفرسان الجزة




صفحة رقم : 8760




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> شارل الخامس والأراضي المنخفضة


الذهبية، وكثير من الأعيان الآخرين الذين أقبلت عليهم الدنيا يوماً قبل أن تنساهم. وعندما جلس الجميع نهض فيليبرت وشرح في إسهاب ووضوح اغتبط لهما شارل، الأسباب الصحية والعقلية والسياسية التي حدت بالإمبراطور إلى إبداء رغبته في أن يتنازل عن حكم الأراضي المنخفضة لابنه. ثم وقف شارل نفسه وهو يتكئ من جديد على أمير أورانج الوسيم فارع القامة، وتحدث ببساطة، وفي صميم الموضوع، ولخص كيف ارتقى إلى أن بلغ آفاقاً متسعة من السلطان على التعاقب وتحدث عن ذوبان حياته في الحكم. وتذكر أنه زار ألمانيا تسع مرات وإسبانيا ستاً وفرنسا أربعاً وإنجلترا وأفريقية مرتين، وقام بإحدى عشرة رحلة بالبحر واستأنف كلامه قائلاً:
هذه هي المرة الرابعة التي أفكر فيها في الذهاب لإسبانيا من الآن... ولم يسبق أن جربت شيئاً سبب لي مثل هذا الألم العظيم... الذي أشعر به وأنا أفترق عنكم من اليوم دون أن أترك خلفي ذلك السلام والهدوء اللذين طالما رغبت في تحقيقهما... ولكني لم أعد قادراً على مباشرة شئوني دون أن أشعر بتعب شديد يسري في بدني، وبالتالي ألحق بالدولة الضرر... وإن ما يتطلبه تحمل المسؤولية من اهتمام عظيم، وما تسببه خور بالغ للعزيمة، وصحتي التي تدهورت من قبل، كل هذه لم تعد تترك لي القوة اللازمة للحكم... وينبغي لي في حالتي هذه أن أقدم لله والانسان حساباً خطيراً إذا لم أطرح السلطة عن كاهلي... وأن ابني، الملك فيليب قد وصل إلى سن تكفي لأن يكون قادراً على حكمكم، وهو، كما ارجو، أمير صالح لكل رعاياي المحبوبين(28).
وعندما تهالك شارل متألماً في مقعده نسى الحاضرون خطاياه واضطهاده وهزائمه، رثاء لرجل عمل جاهداً مدى أربعين عاماً، حسب ما أملته عليه آراؤه وسمحت به قدرته، تحت وطأة أثقل الالتزامات في عصره، وبكى كثير من السامعين. ونصب فيليب رسمياً حاكماً للأراضي المنخفضة، وحلف




صفحة رقم : 8761




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> شارل الخامس والأراضي المنخفضة


يميناً مغلظة (كما سوف يذكر بها فيما بعد) أن يراعى كل القوانين والحقوق التقليدية للمقاطعات. وفي أوائل عام 1556 سلم له شارل تاج إسبانيا، بكل ممتلكاته في العالم القديم والعالم الجديد، واحتفظ شارل باللقب الإمبراطوري، وكان يأمل أن ينقله لابنه قريباً، ولكن فرديناند احتج، وفي عام 1558 تنازل الإمبراطور عن لقبه لأخيه. وسافر شارل بحراً في السابع عشر من سبتمبر سنة 1556 من فشلنج إلى أسبانيا.




صفحة رقم : 8762




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> إسبانيا



6- إسبانيا




أ- ثورة العامة




1520-1522


كانت نعمة مشكوكاً فيها لإسبانيا أن يصبح الملك شارل الأول (1516-56) الإمبراطور شارل الخامس (1519-58). وولد وتربى في الفلاندرز: وتعلم مناهج الحياة الفلمنكية، واكتسب الأذواق الفلمنكية، إلى أن تغلبت عليه روح إسبانيا في سنواته. ولم يكن في وسع الملك إلا أن يصبح جزءاً صغيراً من الإمبراطور، الذي كان مشغولاً تماماً بالإصلاح الديني والبابوية وسليمان وبارباروسا وفرانسيس الأول، وشكا الإسبان أنه لم يمنحهم إلا القليل من وقته، وأنه أنفق الكثير من مواردهم البشرية والمادية في المحلات التي كانت في الظاهر لا تهم المصالح الأسبانيّة، وكيف كان في وسع إمبراطور أن يتعاطف مع نظم جماعية جعلت إسبانيا تتمتع بنصف ديمقراطية، قبل مجيء فرديناند الكاثوليكي، وكانت تتوق كثيراً إلى أن تستعيدها؟.
وقام بأول زيارة لمملكته (1517) ولم تكسبه حب أحد، وعلى الرغم من مضي عشرين شهراً عليه وهو ملك، فإنه كان لا يزال لا يعرف الإسبانيّة وكان عزله الفظ لأكسيمينس صدمة للدماثة الإسبانية. وجاء يحيط فلمنكيون، ظنوا إسبانيا بلداً همجياً تنتظر مَن يحلبها. وعين الملك البالغ من العمر سبعة عشر عاماً هذه الديدان الطبية في أعلى المناصب، ولم تخفِ المجالس التشريعية الإقليمية المختلفة التي يسيطر عليها صغار النبلاء، نفورها وعدم رضاها




صفحة رقم : 8763




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> إسبانيا


عن ملك أجنبي. ورفض المجلس التشريعي في قشتالة أن يعترف له باللقب، ثم اعترف به على كره منه حاكماً، تشترك معه في الحكم أمه المعتوهة جوانا، وجعله يفهم أنه لابد من أن يتعلم الإسبانيّة، ويعيش في إسبانيا، وألا يعين مزيداً من الأجانب في أي منصب. وقدمت المجالس التشريعية طلبات مماثلة. ووسط مظاهر الإذلال التي تعرض لها شارل تلقى أنباء بأنه انتخب إمبراطوراً، وأن ألمانيا كانت تدعوه للحضور لكي يتوج. وعندما سأل المجلس التشريعي في بلد الوليد (وكانت وقتذاك العاصمة) أن يمول الرحلة مني بالفشل والخيبة، وساد هرج هدد حياته. وحصل آخر الأمر على المال من المجلس التشريعي في كورونا وأسرع إلى الفلاندرز. ولكي يجعل الأمور محفوفة بالمخاطر أضعافاً مضاعفة أرسل نواباً corregidores لحماية مصالحه في المُدن، وترك مربيه السابق أدريان كاردينال أترخت نائباً له في إسبانيا.
وثارت البلديات الإسبانيّة واحدة وراء الأخرى في "ثورة أعضاء الكومون" ونفوا النواب corregidores وقتلوا بعض النواب الذين صوتوا بالموافقة على منح أموال لشارل، وتحالفوا فيما يعرف باسم Santa Communidad الذي تعهد بالإشراف على الملك. وانضم النبلاء ورجال الكنيسة وأوساط الناس إلى الحركة ونظموا في أفيلا (أغسطس سنة 1520) الـ Santa Iunta أو الاتحاد المقدس ليكون بمثابة حكومة مركزية. وطالبوا بضرورة اشتراك المجالس التشريعية مع المجالس الملكية في اختيار نائب الملك، وعدم شنَّ حرب بغير موافقة المجالس التشريعية، وألا يحكم المدينة النواب بل يحكمها قضاة، أو عمد يختارهم المواطنون(29). ودافع أنطونيو دي أكونيا أسقف سمورة علناً عن قيام جمهورية، وحول أتباعه من رجال الأكليروس إلى محاربين ثوريين، وقدم موارد أسقفية للثورة. وعين جوان دي باديلا، وهو نبيل من طليطلة، قائداً لقوات الثوار. فقادها لتستولي على نورديسيلاس، وأخذ جوانا لالوكا رهينة،




صفحة رقم : 8764




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> إسبانيا


وحثها على أن توقع وثيقة، تخلع فيها شارل، وتعين نفسها ملكة، وكانت عاقلة في جنونها، فرفضت.
ولم يكن لدى أدريان ما يكفي من الجند لقمع الثورة، فاستغاث بشارل وطلب منه العودة، وألقى تبعة قيام الثورة صراحة على تحكم الملك وحكمه الغيابي. ولم يحضر شارل، ولكنه وجد هو أو مستشاروه سبيلاً لإشاعة الانقسام والانتصار. فقد حذر النبلاء أن الثورة كانت تهديداً لطبقات أصحاب الأملاك وللتاج على السواء، والحق أن الطبقات العاملة، التي ظلمت منذ عهد بعيد بالأجور الثابتة، والعمل سخرة، وتحريم الاتحاد، كانت قد استولت من قبل على السلطة في عدة مُدن. وفي بلنسية والمنطقة المجاورة لها قبض الجرمانيا Germania أو اخوة أبناء الطوائف الحرفية على الزمام، وسيطروا على لجان العمال. وكانت هذه الدكتاتورية البروليتارية نقية على غير العادة، وفرضت على آلاف المغاربة الذين ظلوا في المقاطعة أن يختاروا بين التعميد والموت. وقتل آلاف من الذين رفضوا في عناد(30). وثار العامة في ماجوركا، الذين عاملهم سادتهم كالعبيد، ثورة مسلحة، وخلعوا الحاكم المعين من قبل الملك، وذبحوا كل نبيل لم يستطع أن يفلت منهم. وتخلت كثير من المُدن عن روابطها مع الإقطاعيين ومستحقاتها لهم، وفي مدريد وسجونزا ووادي الحجارة أقصت الحكومة البلدية الجديدة كل النبلاء والأعيان من المناصب، وقتل الأشراف هنا وهناك، وفرض الاتحاد Iunta ضرائب على أملاك النبلاء السابق إعفاؤها. وأصبح النهب عاماً، وأحرق العامة قصور النبلاء وذبح النبلاء العامة. وانتشر الصراع بين الطبقات في أرجاء إسبانيا.
وقضت الثورة على نفسها بالتوسع في أهدافها، توسعاً جاوز حدود طاقاتها، وانقلب عليها النبلاء، وحشدوا قواتهم، وتعاونوا مع قوات الملك، واستولوا على بلنسية، وأطاحوا بالحكومة البروليتارية، بعد أيام سقط فيها




صفحة رقم : 8765




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> إسبانيا


قتلى من الجانبين (1521)، وانقسم جيش الثوار، عندما بلغت الأزمة ذروتها، إلى فرقتين متنافستين بقيادة باديلا ودون بدرو جيرون، وانقسمت الجماعة السياسية إلى أحزاب، يناصب بعضها بعضاً العداء، وواصلت كل مقاطعة ثورتها، دون تآزر مع باقي المقاطعات.
وانطلق جيرون، وانضم إلى الملكيين الذين استولوا من جديد على تورديسلاس وجوانا. أما جيش باديلا الذي تضاءل عدد جنوده فقد هزم هزيمة منكرة في فيلالار، وأعدم باديلا. وعندما عاد شارل إلى إسبانيا (يوليو سنة 1522) ومعه 4.000 جندي ألماني، كان النبلاء قد فازوا بالنصر، وقد أضعف النبلاء والعامة بعضهم بعضاً إلى حد أنه استطاع أن يتغلب على البلديات والطوائف الحرفية، ويروض المجالس التشريعية، ويوطد أركان ملكية تكاد تكون مطلقة. وقد قمعت الحركة الديمقراطية تماماً بحيث ظل كل العامة الأسبان خائفين خاضعين، حتى القرن التاسع عشر. وخفف شارل سلطته بالدماثة، وأحاط نفسه بالنبلاء، وتعلم الحديث بلغة إسبانية سليمة، وسرت إسبانيا عندما علق قائلاً إن الإيطالية هي اللغة اللائقة لكي تتحدث بها النساء، والألمانية هي لغة الأعداء، والفرنسية لغة الأصدقاء، والإسبانية لغة الرب(31).


ب- البروتستانت الإسبان


لم تكن هنا إلا قوة واحدة تستطيع أن تتحدى شارل - هي الكنيسة - وكان نصيراً للكاثوليكية، ولكنه مناهض للبابوية. وسعى، مثل فرديناند الكاثوليكي، إلى جعل الكنيسة الإسبانيّة مستقلة عن البابوات ونجح في هذا إلى حد أن التعيينات في مناصب الكنيسة ودخول الكنيسة إبان حكمه كانت في يديه، واستخدمت لرفع شأن السياسة الحكومية: ولم تكن هناك حاجة للإصلاح الديني في إسبانيا، كما هو الحال في فرنسا، لكي تتبع الكنيسة




صفحة رقم : 8766




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> إسبانيا


الدولة. ومع ذلك فإن الحماسة للعقيدة المحافظة الإسبانيّة، إبان نصف مدة حكمه، التي قضاها في مملكته، استحثته إلى حد أنه في سنواته الأخيرة لم يكن هناك أمر (باستثناء قوة آل هايسبرج) يهمه أكثر من قمع الهرطقة.
وبينما حاول البابوات أن يخففوا من وطأة محكمة التفتيش فإن شارل أيدها حتى وفاته. وكان مقتنعاً بالهرطقة في الأراضي المنخفضة كانت تؤدي بها إلى الفوضى والحرب الأهلية، وصمم أن يمنع حدوث مثل هذا التطور في إسبانيا.
وأخمدت محكمة التفتيش الإسبانيّة سورة غضبها، ولكنها مدت رقعة اختصاصها القضائي في عهد شارل. فاضطلعت بعبء الرقابة على المصنفات، وقامت بتفتيش كل مخزن للكتب، وأمرت بإحراق الكتب الموصومة بالهرطقة(32). واستقصت حالات الانحراف الجنسي وعاقبت عليها: ووضعت قواعد نقاء الدم Limpieza، التي أغلقت كل طرق التمييز أمام ذرية المتحولين إلى غير دينهم Conversos وكل مَن عاقبتهم المحكمة. وكانت تنظر إلى المتصوفة نظرة قاسية، لأن بعض هؤلاء ادعوا أن صلتهم المباشرة بالله أعفتهم من حضور الصلاة في الكنيسة، وأضفى آخرون على حالات وجدهم الصوفي طعماً جنسياً مشبوهاً. وأعلن الواعظ العلماني بدرو رويز دي الكراز أن الجماع هو اتحاد بالرب حقاً، وقال الأخ الراهب فرانسيسكو أورتيز مفسراً أنه عندما يرقد مع زميلة متصوفة جميلة فإنه لا يرتكب خطيئة من خطايا الجنس، بل ينعم بمتعة روحية(33). وعاملت محكمة التفتيش برفق هؤلاء المتنورين Alumbrados واحتفظت بأقسى إجراءاتها ضد البروتستانت في إسبانيا.
وكما حدث في شمالي أوربا وقعت مناوشة أرازمية قبل معركة البروتستانت، وهتف بعض رجال الكنيسة المتحررين استحساناً لانتقادات علماء الإنسانيات لأخطاء رجال الأكليروس، ولكن أكسيمنيس وآخرين




صفحة رقم : 8767




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> إسبانيا


كانوا قد قوموا من قبل المظالم البارزة أكثر من غيرها، قبل مجيء شارل. ولعل اللوثرية كانت قد تخللت أرض إسبانيا مع الألمان والبلجيكيين المتكلمين بالفلمنكية في الحاشية الملكية. وأدانت محكمة التفتيش ألمانيّاً في بلنسية عام 1524، لأنه جاهر بالتعاطف مع لوثر، وحكم على فلمنكي بالسجن مدى الحياة عام 1528، لتشككه في المطهر وصكوك الغفران، وأحرق في المحرقة فرانسيسكو دي سان رومان، أول مَن عرف من اللوثريين الأسبان عام 1542، بينما كان المشاهدون المتحمسون يطعنونه بسيوفهم. واعتنق جوان ديازاف كوينكا، الكالفينية في جنيف، فاندفع أخوه الفونسو من إيطاليا ليحوله مرة أخرى إلى العقيدة المحافظة، وعندما فشل الفونسو عمل على قتله (1546)(34) وسجن جوان جيل، أو أجيديو، وهو كبير قساوسة متعلم في أشبيلية، لمدة عام بسبب وعظه ضد عبادة الصور والصلاة للقديسين وفاعلية الأعمال الصالحات في الفوز بالخلاص. ونبشت عظامه بعد وفاته وأحرقت، وواصل رفيقه كبير القساوسة كونستانتينو بونس ديلافوينتي، دعايته، ومات في سجون محكمة التفتيش. وأحرق أربعة عشر من زملاء كونستانتينو، ومنهم أربعة رهبان وثلاثة نساء، وحكم على عدد كبير بعقوبات مختلفة، ودك البيت الذي اجتمعوا فيه حتى سوي بالأرض.
وتطورت جماعة نصف بروتستانتية أخرى في بلد الوليد، وهنا تورط نبلاء من ذوي النفوذ ورجال دين من أصحاب الرتب الرفيعة. ووشي بهم لمحكمة التفتيش، وقبض عليهم جميعاً تقريباً وحكم عليهم بالإدانة، وحاول البعض مغادرة إسبانيا فقبض عليهم وأعيدوا. وكان شارل الخامس وقتذاك يستحم في يوستى، فأوصى بعدم إظهار أية رحمة في معاملتهم، وقطع رأس النائبين وإحراق مَن يرفضون التوبة. وفي يوم أحد الثالوث الموافق 21 مايو سنة 1559 أعدم أربعة عشر من المحكوم عليهم أمام جمع متهلل(35). وتراجع الجميع عما قالوا إلا واحداً، وعوملوا برفق، وقطعت رءوسهم، أما أنطونيو




صفحة رقم : 8768




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> إسبانيا


دي هرزويلو الذي رفض التوبة فقد أحرق حياً. وسمح لزوجته ليونور دي سيزنيروس البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عاماً بالسجن مدى الحياة. وبعد أن أمضت عشر سنوات في السحن، عدلت عن إنكارها لما قالت وجاهرت بهرطقتها، وطالبت أن تحرق حية مثل زوجها فأجيبت إلى ملتمسها(36). وعرض ستة وعشرون آخرون من المتهمين للحرق أحياء في اليوم الثامن من أكتوبر سنة 1559، أمام حشد مكون من 200.000 شخص، يرأسه فيليب الثاني. وحرقت ضحيتان وهما حيتان وخنق عشرة.
وكان بارتلومي دي كارانزا، رئيس أساقفة طليطلة ورئيس أساقفة إسبانيا، أشهر فريسة وقعت في براثن محكمة التفتيش في هذه الفترة. وكان باعتباره من الكومنيكان قد قام بنشاط كبير من مطاردة الهراطقة والإيقاع بهم، وعينه شارل مبعوثاً له في مجلس ترنت، وأرسله إلى إنجلترا لحضور زواج فيليب والملكة ماري. وعندما انتخب رئيساً للأساقفة (1557) كان الاختيار بالإجماع ما عدا صوته. ولكن بعض "البروتستانت" الذين قبض عليهم في بلد الوليد شهدوا بأن كارانزا كان قد تعاطف سراً مع آرائهم، ووجد أنه كان قد راسل المصلح الديني الإسباني الإيطالي جاون دي فالديس، واتهمه عالم اللاهوت ذو النفوذ ملشيور كانو بأنه كان يعضد العقيدة اللوثرية في التزكية بالإيمان. ولم يقبض عليه إلا بعد سنتين من ارتفاع شأنه ووصوله إلى أعلى منصب كنسي في إسبانيا، ونستطيع أن نحكم من هذا على مدى قوة محكمة التفتيش. وظل سبعة عشر عاماً معتقلاً في سجن أو غيره، بينما كانت تصرفاته في حياته ورسائله تتعرض للفحص والاستقصاء في طليطلة وروما. وأعلن جريجوري الثالث عشر أنه "مشتبه فيه بشدة" بالهرطقة وأمره بأن ينكر ستة عشر ادعاء، وأوقفه لمدة حمس سنوات عن مباشرة وظيفته. وتقبل كارانزا الحكم في ذلة،

وحاول أن




صفحة رقم : 8769




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> إسبانيا


يؤدي الكفارات التي فرضت عليه، ولكنه مات في خلال خمسة أسابيع بعد أن أنهكه السجن والإذلال (1556).
وبموته زال خطر البروتستانتية عن إسبانيا، وحدث أن أعدم حوالي 200 شخص بين عامي 1551 و 1600، لما نسب إليهم من هرطقات بروتستانتية - أي بواقع أربعة أشخاص كل عام. وقد تجمد طبع الناس، الذي كان قوامه من كراهية المغاربة واليهود، التي تأصلت جذورها قروناً طويلة، في عقيدة محافظة لا تتزعزع، وامتزجت الكاثوليكية وحب الوطن، ووجدت محكمة التفتيش أن من اليسير أن تسحق، في خلال جيل أو جيلين، المغامرة الإسبانيّة العابرة التي اتسمت بفكر مستقل.


جـ- الإمبراطور يموت




1556-1558


وقام شارل الخامس في الثامن والعشرين من سبتمبر سنة 1556 بالدخول إلى إسبانيا لآخر مرة. واستغنى في برجوس عن خدمات معظم الذين كانوا قد عملوا معه ومنحهم مكافآت، وودع شقيقته، ماري الهنغارية والينورا، أرملة فرانسيس الأول. وأبديا رغبتهما في مشاركته اعتزاله في الدير، ولكن القواعد منعتهما، فاتخذا لهما مسكناً في موضع لا يبعد كثيراً عن هذا الشقيق الذي يبدو أنه لم يكن هناك مَن يحبه وقتذاك سواهما. وبعد أن أقيمت له عدة احتفالات في الطريق، وصل قرية جوانديلا في وادي بلازنسيا، على مسيرة نحو 120 ميلاً غربي مدريد، ولبث هناك عدة شهور، ريثما أكمل العمال الحجرات التي أمر بتجهيزها وتأثيثها في دير يوستى (سانت جوستوس) على مسيرة ستة أميال. وعندما قام بالمرحلة الأخيرة من رحلته (3 فبراير سنة 1557)، لم ينتقل إلى خلوة في دير بل إلى قصر ريفي فسيح، اتسع لإقامة المقربين من تابعيه الخمسين. وابتهج الرهبان بوجود ضيف عظيم مثله، بيد أنهم اكتأبوا عندما




صفحة رقم : 8770




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> إسبانيا


وجدوا أنه ليس لديه النية في أن يشاركهم حميتهم ونظامهم، فقد كان يأكل ويشرب كميات كبيرة، كما كان يفعل من قبل - أي بإفراط، وكانت عجات السردين وسجق الأسترمادورا وفطائر ثعبان السمك، ولحم الحجل المملح والديوك الخصية السمينة وأنهار من النبيذ والجعة، تختفي في كرشه الإمبراطوري، واضطر أطباؤه إلى أن يصفوا له كميات كبيرة من السنامكي والراوند للتخلص من الزيادة في وزنه.
وبدلاً من أن يتلو شارل تسابيحه وأوراده ومزاميره كان يقرأ رسائل من ابنه أو يملي رسائل له، وكان يعرض عليه النصيحة في كل وجه من وجوه الحرب واللاهوت والحكم. وأصبح في العام الأخير من عمره متعصباً متطرفاً قاسياً، وأوصى بتوقيع عقوبات وحشية "لاستئصال جذور" الهرطقة، وأسف لأنه كان قد سمح للوثر بالهرب منه في ورمس. وأمر بجلد أي امرأة مائة جلدة إذا اقتربت من أسوار الدير قاب قوسين أو أدناه(37). وراجع وصيته لكي ينص فيها على إقامة 30.000 قداس من أجل طمأنينة روحه. ويجب ألا نحكم عليه من أعماله في أيام الشيخوخة هذه، ولعل لوثة خبل قد انتقلت إليه بالوراثة من أمه.
وفي أغسطس عام 1558 انقلب النقرس الذي يشكو منه إلى حمى ملتهبة. وعاودته هذه بصورة متقطعة، وأخذت تشتد يوماً بعد يوم، وظل شهراً يتعذب بكل آلام النزع الأخير قبل أن تزهق روحه (21 سبتمبر سنة 1558). وفي عام 1574 أمر فيليب بنقل الجثة إلى الأسكوريان حيث يرقد تحت نصب تذكاري فخم.
وكان شارل الخامس أكبر فاشل في عصره، بل إن فضائله كانت أحياناً بؤساً وشقاء للإنسانية. ومنح إيطاليا السلام، ولكن لم يتم هذا إلا بعد مرور عقد من الزمان. تعرضت فيه للتخريب، وبإخضاعها




صفحة رقم : 8771




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> إسبانيا


هي والبابوية لإسبانيا، وجف عود النهضة الإيطالية تحت رئاسته الكئيبة، وهزم فرانسيس وأسره، ولكن ضاعت منه في مدريد فرصة ملكية ليبرم معه معاهدة كانت حرية بأن تنقذ ما كل الوجوه ومائة ألف روح. وعاون في إعادة سليمان إلى بلاده في فيينا، وصد بارباروسا في البحر الأبيض المتوسط، وقوى مركز آل هايسبورج، ولكنه أضعف الإمبراطوريّة، وفقد اللورين وسلم بورغنديا، وأحبط أمراء ألمانيا محاولة لتركيز السلطة هناك، وكانت الإمبراطوريّة الرومانية المقدسة منذ عهده نسيجاً واهياً، تنتظر نابليون ليحكم بإعدامها، وفشلت جهوده لسحق البروتستانتية في ألمانيا، وترك الأسلوب الذي انتهجه في قمعها في الأراضي المنخفضة تراثاً محزناً لابنه. وكان قد وجد المُدن الألمانية مزدهرة وحرة، وتركها ترزح ألماً تحت وطأة إقطاع رجعي، وعندما جاء إلى ألمانيا كانت تنبض بالحياة، فيها أفكار ونشاط تبز بهما أية أمة أخرى في أوربا وعندما تنازل عن عرشه كانت ضعيفة واهنة روحياً وفكرياً، وظلت جدباء مدى قرنين. وكانت السياسة التي انتهجها في ألمانيا وإيطاليا سبباً واهياً لما لحقهما من ضعف، أما في إسبانيا فكان عمله هو الذي سحق حرية البلديات وقوتها، وكان حرياً بأن يبقي إنجلترا في حظيرة الكنيسة بإقناع كاثرين أن تسلم بحاجة هنري إلى وريث، وبدلاً من أن يفعل ذلك أجبر كليمنت على اتخاذ موقف فيه تذبذب، يؤدي إلى الخراب.
ومع ذلك فإن استبصارنا المتأخر هو الذي يرى أخطاءه وجسامتها، وفي وسع حسنا التاريخي أن يصفح عنها باعتبارها متأصلة بجذورها في قيود بيئته العقلية وفي أوهام العصر العاتية. وكان اقدر سياسي بين معاصريه، ولكنه لم يكن كذلك إلا بمعنى أنه عالج بشجاعة أعمق موضوعات النزاع في أوسع مدى وصلت إليه. وكان رجلاً عظيماً حطت من شأنه مشكلات عصره وحطمته.




صفحة رقم : 8772




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> هجرات الإصلاح الديني -> إسبانيا


ونفذت إلى حكمه الطويل حركتان أساسيتان، وكانت أعظمهما نمو القومية في عهد ملكيات تنزع إلى المركزية، وفي هذه لم يكن له فيها نصيب. وأعظمها من الناحية الدرامية ثورة دينية، حفزت إليها الانقسامات والمصالح القومية والإقليمية. وقبلت شمالي ألمانيا وإسكنديناوة اللوثرية، أما جنوب ألمانيا وسويسرة والأراضي المنخفضة فقد انقسمت إلى طائفتين بروتستانتية وكاثواليكية، وأضحت إسكوتلندة كاللفينية مشيخية، وإنجلترا كاثوليكية أنجيلكانية أو بيوريتانية كالفينية. وظلت إيرلندة وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال موالية لبابوية بعيدة أو مهذبة. ومع ذلك نشأ تكامل واهٍ، وسط ذلك الانقسام المزدوج: فقد وجدت الولايات المستقلة المعتزة بنفسها أنها في حاجة إلى بعضها البعض، لضمان استقلالها، كما لم يحدث من قبل، وأنها مرتبطة بصورة متزايدة في نسيج اقتصادي، وأنها تؤلف مسرحا رحيباً لمناهج سياسية متشابكة العلاقات، وحروب وقانون بأدب وفن. كانت أوربا التي عرفها شبابنا تتخذ شكلها.




صفحة رقم : 8773




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> الشعب



الفصل التاسع والعشرون




توحيد روسيا




1300- 1584




1- الشعب


في سنة 1300 لم يكن لروسيا وجود. وكان معظم القسم الشمالي يتبع ثلاث مدن دولة تحكم نفسها بنفسها، وهي نوفجرد Novgorod، فياتكا Viatka، بسكوف Pskov. وكانت المقاطعات الغربية والجنوبية خاضعة للتوانيا. أما في الشرق فأن إمارات موسكو وريازان وسوزدال ونجنى نفجرد وتفر Tver، ادعت كل منها لنفسها حق السيادة، ولم يربطها بعضها ببعض إلا اشتراكها في الخضوع "للقبيلة الذهبية".
وقد اتخذت "القبيلة الذهبية Golden Horde" هذه التسمية من اللفظة التركية أوردو Ordu ومعناها "المخيم"، أما وصفها "بالذهبية" فيرجع إلى الخيمة ذات القبة، والتي كانت موشاة بغطاء من الذهب، وكانت مقر قيادة "باتو الرائع" حفيد جانكيزخان، وبعد أن تم لهؤلاء الآسيويين الغزاة فتح جنوب روسيا وغرب آسيا، شيدوا عاصمتهم في "سراي" Sarai على أحد فروع نهر الفولجا الأدنى، وهناك تقاضوا جزية سنوية من الأمراء الروس. وكانت "القبيلة" موزعة بين الزراعة وارعي المتنقل، وكانت الأسرات الحاكمة من المغول، أما بقية السكان فكان معظمهم من الأتراك، وقد أطلق على القبيلة اسم "تتار" نسبة إلى قبائل "تاتا Ta-ta" من صحراء




صفحة رقم : 8774




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> الشعب


جوبى، وهي قبائل بدأت في القرن التاسع الزحف المغولي نحو الغرب، وكانت النتائج الأساسية التي ترتبت على طول خضوع روسيا "للقبيلة" نتائج اجتماعية: وهي استبداد أدواق موسكو، وولاء الأهالي ولاء ذليلاً لأمرائهم، والمركز الوضيع للمرأة في المجتمع، وتنظيم حكومة موسكو وفقاً لأساليب التتار من النواحي العسكرية والمالية والقضائية. وقد عاقت سيطرة التتار محاولة روسيا لمدة قرنين من الزمان أن تصبح دولة أوربية غربية.
وواجه الشعب الروسي أشق الظروف بعدم اكتراث رواقي صامت، اللهم إلا أنهم في غمرة آلامهم وأحزانهم، وجدوا في أنفسهم الشجاعة لممارسة الغناء. ونعتهم أعداؤهم بالخشونة والقسوة والخيانة والخبث والعنف(1). ولاشك أن الكد والنصب، وقسوة المناخ، كل أولئك أكسبهم صلابة، على أن ما تميزوا به من الصبر وروح المرح والمودة وكرم الضيافة، كان غيه تعويض كبير لهم، إلى حد أنهم مالوا إلى الاعتقاد بأنهم "أكثر إنسانية"، وأنهم "ملح الأرض" (إشارة إلى ما جاء في إنجيل متى :5-13): لقد أدخلوا قسرا إلى المدنية بقوانين همجية وعقوبات رهيبة، من ذلك - كما روى لنا- أن المرأة التي تقتل زوجها كانت تدفن حية حتى عنقها، وأن السحرة والمشعوذين كانوا يحرقون أحياء في قفص من حديد، وأن مزيفي النقود كان يصب في حلوقهم معدن مصهور(2). وكأي شعب يقاوم البرد كان الروس يدمنون المشروبات الروحية إلى حد فقدان الوعي أحياناً، كما كانوا يضيفون إلى طعامهم التوابل التماساً للدفء. واستمتعوا بالحمام الساخن، وكانوا يستحمون أكثر من معظم الأوربيين، وكان من أوامر الدين عندهم أن تخفي المرأة مفاتن جسمها وشعرها، كما دمغ الدين النساء بأنهن أولياء الشيطان، ومع دلك تساوين بالرجال أمام القانون، وكثيراً ما شاركن في تسليتهم أو في الرقص، وهو ما كان محرماً باعتباره خطيئة. وكانت الكنيسة الروسية تحض بشدة على مكارم الأخلاق، وتحرم




صفحة رقم : 8775




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> الشعب


عقد الزيجات واقتراب الرجل من المرأة في أيام الصوم الكبير. ومن ثم كانت صرامة الشريعة حائلا دون نزوع الشعب إلى الإفراط في الانغماس فيما يكاد أن يكون المسرة الوحيدة التي تركت له، وكان الوالدان هما اللذان يدبران شئون الزواج، وكان يتم في سن مبكرة، فكانت البنت في سن الثانية عشرة والولد في سن الرابعة عشرة يعتبران صالحين للزواج. وكانت مراسم العرس معقدة تصحبها الأشياء الرمزية القديمة والأفراح التي كان مطلوباً من العروس في أثنائها أن تلزم الصمت الموسوم بالحياء، ولسوف تعوض عن ذلك فيما بعد. وكان ينتظر منها أن تقدم إلى والدة زوجها غداة العرس ما يثبت أنه بنى بعذراء، وكان الحريم يبقين في طابق أعلى بعيداً عن الرجال، وكانت سلطة الرجل في الأسرة مطلقة مثلها في ذلك مثل سلطة القيصر في الدولة.
وسما الورع عند الروس بالفقر حتى جعل منه سبيلاً إلى الجنة. وكان كل بيت مهما صغر أو كبر يضم غرفة مزدانة بالأيقونات أو الصور المقدسة، بمثابة مكان للصلاة من حين لآخر. وكان الزائر الصالح يحيى هذه الصور المقدسة قبل التسليم على أهل البيت. وكانت النساء الصالحات يحملن مسابح أينما ذهبن. وكانت الابتهالات تتلى بمثابة تعاويذ ورقى سحرية، ومن ثم- كما يروى كتاب مشهور من القرن السادس عشر اسمه "كتاب الأسرة Domostroi " فإن ابتهالات معينة تكرر في اليوم 600مرة لمدة ثلاث سنوات، قد تؤدى إلى تجسد الآب والابن والروح القدس في شخص المتضرع (3). ومع ذلك كان هناك كثير من المظاهر الجميلة في هذه الديانة الممتلئة بالخرافات. فكان الناس في صبيحة يوم عيد الفصح يحيون بعضهم بعضاً بهذه الألفاظ البهيجة " المسيح قام". وفي ظل هذا الأمل هان أمر الموت إلى حد ما. فإذا حانت منية الرجل الطيب الوقور سدد ديونه وأعفى المدينين له، وأعتق واحداً أو أكثر من أرقائه، ووزع




صفحة رقم : 8776




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> الشعب


الصدقات على الفقراء والكنيسة، ولفظ الأخيرة وكله أمل وثقة في الدار الآخرة.
وعملت الكنيسة الروسية على تقوية الورع عن طريق فن العمارة والرسوم الحائطية والأيقونات والعظات القوية وحفلات التنويم المغناطيسي، والترانيم التي يشترك في إنشادها عدد كبير من المرتلين، والتي كانت تبدو وكأنها تخرج من أخفى أعماق النفس أو المعدة، وكانت الكنيسة لساناً قوياً ناطقاً باسم الدولة، وتثاب على الخدمات التي تؤديها في تعليم الآداب والأخلاق وتقويم السلوك وتوطيد دعائم النظام الاجتماعي بأوفى مثوبة. وكانت الأديرة كثيرة ضخمة. من ذلك أن "دير الثالوث الأقدس" الذي أسسه القديس سرجيوس في سنة 1335، كان قد جمع في عام 1600 من الأراضي الشاسعة ما يحتاج إلى أكثر من مائة ألف فلاح لزرعها. وفى مقابل ذلك وزعت الأديار الصدقات على الروس، وكان بعضها يطعم 400 شخص في اليوم، وفي إحدى سنوات القحط كان دير فولوكولامسك Volokolamsk يطعم سبعة آلاف شخص يومياً. وكان الرهبان يقطعون على أنفسهم عهداً بالتزام العفة، ولكن الكهنة كانوا يضطرون إلى الزواج. وكان معظم هؤلاء "الآباء" أميين، ولكن الشعب لم يكن يعيب عليهم ذلك. وكان مطارنة موسكو في معظم الأحوال أكثر أهل زمانهم كفاية ومقدرة وعلماً، وكانوا يبذلون ثرواتهم للحفاظ على الدولة، ويوجهون الأمراء على طريق الوحدة الوطنية. وكان سانت ألكسيس هو الحاكم الفعلي لروسيا طوال توليه منصبه (1354-1370). إن الكنيسة الروسية بكل أخطائها التي ربما تكون قد فرضتها عليها مهامها- نقول إن هذه الكنيسة في عصر التكوين والتشكيل هذا، كانت بمثابة العامل الأبرز والأهم في تمدين الشعب الذي صبرته وحشياً مصاعب الحياة وضراوة طبيعة الانسان ذاته.




صفحة رقم : 8777




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> الشعب


وحين رفضت الكنيسة الروسية في 1448 اندماج الكنيسة اليونانية مع الكاثوليكية الرومانية في مجلس فلورنسة، أعلنت استقلالها عن البطريرك البيزنطي، وبعد ذلك بسنوات خمس حين سقطت القسطنطينية في يد الأتراك، أصبحت موسكو عاصمة المذهب الأرثوذكسي. وحوالي 1505 كتب راهب متحمس إلى أمير عظيم في موسكو "اعلم الآن أن سلطان المسيحية بأسرها قد آل إليك، لأن روما الأولى وروما الثانية (يقصد روما والقسطنطينية) قد سقطتا، أما الثالثة فهي صامدة، ولن يكون هناك رابعة، لأن إمبراطوريتك المسيحية سوف تدوم إلى الأبد"(4).
وكادت الكنيسة أن تكون النصير أو الراعي الوحيد للآداب والفنون، ومن ثم كانت هي التي توجهها. ولم تكن أجود الآداب مدونة. وكانت أغاني الشعب رددتها ألسنة الناس من جيل إلى جيل هي التي تذيع وتمجد قصص حبهم أو أعراسهم أو أحزانهم أو فصولهم أو اعيادهم أو موتاهم، وكان هناك أناشيد مألوفة لقديسين مرموقين وأبطال قدامى ومآثر أسطورية، مثل مآثر سادكو Sadko تاجر نفجرد. وكان المكفوفون والعرج يطوفون بالقرى ينشدون مثل هذه الأغاني والأناشيد والتراتيل المقدسة. وكان كل الأدب المكتوب تقريباً مقصوراً على الأديرة، وكان يخدم الأغراض الدينية.
وكان الرهبان هم الذين وصلوا عندئذ برسم الأيقونات إلى فن كامل، فكانوا يأتون بلوحة صغيرة من الخشب، مغطاة بالقماش أحياناً، ينشرون عليها طبقة لزجة ومن ثم يرسمون عليها الصورة ويضعون الألوان، ثم يغطونها بالطلاء ويضعونها في إطار معدني. وكانت الموضوعات تحددها السلطات الدينية، أما الأشكال والسمات فكانت تقتبس من النماذج البيزنطية، وعادوا بها أدراجهم في تطور مستمر عبر فسيفساء القسطنطينية إلى رسوم الاسكندرية الهلينستية. وأحسن أيقونات هذا العصر هي صورة لا يعرف




صفحة رقم : 8778




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> الشعب


اسم صاحبها تمثل "المسيح يرقى عرش السماء"موجودة في كاتدرائية صعود العذراء في موسكو، وصورة دخول المسيح إلى اورشليم- وهي من عمل مدرسة نفجرد، والثالوث المقدس للراهب أندريه روبليوف في دير الثالوث المقدس. ورسم روبليوف وأستاذه تيوفانس االاغريقي، لوحات جصية جدارية تجمع بين الطراز البيزنطى الجريكو في فلاديمير وموسكو ونفجرد، ولكن الزمن أعمل أثره فيها.
إن كل حاكم كان يبرز عظمته ويريح ضميره ببناء كنيسة أو دير، أو تخصيص الأوقاف والهبات لهذا أو تلك. وقد انضمت الأشكال والحوافز من أرمينية وفارس والهند والتبت ومنغوليا وإيطاليا واسكنديناوه- انضمت إلى التراث البيزنطي السائد، لتشكل عمارة الكنيسة الروسية، بما فيها من جمال نعدد الوحدات، والقبة المذهبة في الوسط، والقباب البصلية الشكل التي صممت بطريقة رائعة لمنع تراكم مياه المطر والثلوج. وبعد سقوط القسطنطينية وطرد التتار قل اعتماد روسيا على الفن البيزنطي والفن الشرقي، وجاء التأثير من الغرب ليعدل من الطراز السلافي. وفي سنة 1472 راود الأمل إيفان الثالث في أن يرث حقوق الأباطرة البيزنطيين وألقابهم، ومن ثم تزوج" زو باليولوغوس Zoe" ابنه أخي آخر حكام الامبراطورية الشرقية، وكانت قد نشأت في روما وتشربت شيئاً من بواكير عصر النهضة، وقد جلبت معها بعض العلماء الاغريق، وأظهرت إيفان على الفن الإيطالي، وربما كان بإيحاء منها إرساله لأول بعثة روسية إلى الغرب (1474)، وقد أصدر إليها توجيهاته بالحصول على الفنانين الايطاليين لموسكو. وقبل الدعوة ريودلفو فيرافانتي البولوني الذي كان يلقب بأرسطو بسبب تعدد مواهبه، ثم تصيد المبعوثون الروس بعد ذلك بييرو سولاريو، والفيزيونوفي وعدة فنانين آخرين، وهؤلاء الايطاليون هم الذين أعادوا بناء الكرملين مع معاونين وعمال من الروس.




صفحة رقم : 8779




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> الشعب


وكان يوري دلجوروكى Vuri Delgoruki قد أسس موسكو سنة 1156 بأن أقام سوراً حول داره (فيللا)، التي كانت تقع في موقع استراتيجي عند التقاء نهرين، فكان هذا الحصن "Kreml" أول شكل للكرملين. واتسع مع الزمن هذا النطاق، وقامت الكنائس والقصور داخل سياج مرصوص من البلوط، ونذر إيفان الثالث نفسه لتعديل هذه المجموعة بأكملها. ومن الواضح أن فييرافانتي Fieravante هو الذي أعاد بناء كاتدرائية صعود العذراء القديمة في الكرملين (1475-1479) حيث توج القياصرة فيما بعد وبقى الطراز بيزنطيا مع زخرفة إيطالية. وأضاف مهندسون معماريون من بسكوت داخل نطاق الكرملين "كاتدرائية عيد البشارة" الصغيرة (1484-1489). ثم أقام ألفزيو Alevisio في الكرملين كاتدرائية رئيس الملائكة (1505-1509). وفيما بين 1485-1508 أعاد سولاريو وآخرون تسوير المنطقة بالآجر القرنفلي على طراز قلعة سفورزسكو في ميلان (5). وهكذا- ترى أنه من وسط روسيا الزاخر المعابد، ومن قلب هذه الوحدة المتسلطة التي تركزت فيها السلطتان الدنيوية والدينية، وسط أمراء موسكو العظام ومطارنتها حكمهم ونفوذهم على النبلاء والتجار والفلاحين، ووضعوا بالدماء والعظام وبالتقي والورع أسس واحدة من اقوى الامبراطوريات في العالم.




صفحة رقم : 8780




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> أمراء موسكو



2 - أمراء موسكو


ظلت موسكو مغمورة حتى عهد دانيال اسكندروفتش في أواخر القرن الثالث عشر, ووسعت رقعتها الداخلية حتى جعلت منها إمارة صغيرة, ويعزو الادراك التاريخي المتأخر (6) - نمو موسكو إلى موقعها على نهر موسكو الصالح للملاحة الذي كان متصلا عن طريق ممر بري قصير, بنهر الفولجا شرقاً، وأنهار أوكا والدون والدنيبر جنوبا و غرباً. وطمع يوري دانيال فتش بن دانيال أمير موسكو في الاستيلاء على إمارة سوزدال المجاورة،




صفحة رقم : 8781




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> أمراء موسكو


وكانت عاصمتها فلاديمير غنية نسبياً، كما طمع في ذلك ميكائيل أمير تفر Tver. واقتتل الفريقان للحصول على الجائزة فكانت الغلبة لموسكو، وقتل ميكائيل وضم إلى قائمة القديسين. ونمت موسكو، واتخذ إيفان الأول، أخر يوري لقبي أمير موسكو العظيم، ودوق فلاديمير العظيم.
وكان إيفان الأول، بوصفه جامعاً للجزية الروسية لحساب خان التتار، يتقاضى أكثر مما كان يرسله أو يحوله، ومن ثم أثرى وازدهر بطريقة شريرة مؤذية. وجعله جشعة للمال ينبز بلقب "Kalita" ومعناه "حقيبة المال". ولكنه بذلك حمى الامارات من حملات التتار لمدة ثلاث عشرة سنة نعمت فيها بالهدوء. وتوفي إيفان سنة 1341 على أنه راهب حليق شعر الرأس، وأطلقوا من حوله بخور القداسة. وورث عنه ابنه سيميون المتكبر ميله إلى جمع الضرائب. ولما كان يدعى السلطان على كل الولايات فإنه أطلق على نفسه اسم الأمير الأعظم على كل الروس، ولكن هذا لم يحل بينه وبين الموت بالطاعون (1353)، وكان إيفان الثاني حاكماً وديعاً يؤثر السلام، وفي عهده اجتاحت روسيا حرب قتل فيها الأخ أخاه. وتميز ابنه ديمتري بكل الصفات التي تتطلبها الحرب والقتال، فهزم كل منافس له وتحدى خان التتار. وفي 1380 جميع ماماي خان جيشاً من التتار والمرتزقة الجنوبيين وغيرهم من المتعطلين المتشردين، وتقدم به نحو موسكو. وقابل ديمتري وحلفاؤه الروس هذا الجحفل عند كوليكوفو Kulikovo قرب نهر الدون وأنزلوا به الهزيمة (1380)، وفاز بلقب دونسكوى Donskoi وعاود التتار الكرة بعد عامين بمائة ألف رجل، ولكن الروس، وقد غرتهم وأرهقتهم نشوة النصر، لم يستطيعوا أن يواجهوا التتار بقوة مماثلة. واستولى التتار على موسكو، وذبحوا أربعة عشرة ألفاً من السكان وأحرقوا المدينة برمتها. وعقد فاسيلى الأول، ابن ديمتري، صلحاً مع التتار، وضم نجنى نفجرد، وأرغم نوفجورود وفياتكا على قبوله أميراً عليها.




صفحة رقم : 8782




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> أمراء موسكو


واقتبس أمراء موسكو العظام أساليب الطغيان والاستبداد عند التتار، وربما كان هذا بديلا عن فوضى الجهل، وأدارت دفة الحكم على الأسلوب البيزنطي بيروقراطية في ظل حكومة فردية مطلقة طابعها العنف والدهاء، خاضعة لمجلس من أبناء الطبقة العليا ذوى الامتيازات (Boyars) الذين كانوا يقدمون مشورتهم وخدماتهم للأمير، وكانوا في نفس الوقت قادة الجيش وحكام الأقاليم والقائمين على التنظيم، والحماة والمستغلين للفلاحين شبه الأحرار الذين كانوا يفلحون الأرض. وهاجر مستعمرون مغامرون الى الأقاليم غير المستقرة وجففوا المستنقعات وأخصبوا الأرض بحرق الغابات والأدغال واستهلكوا الأرض نتيجة اسرافهم وقصر نظرهم في فلحها، ثم انصرفوا عنها ضرباً في الأرض حتى وصلوا البحر الأبيض وجبال الأورال، واتخذوا سبيلهم سرباً إلى سيبريا، وفي السهول المترامية الأطراف بلا نهاية كانت المدن كثيرة ولكنها صغيرة، وكانت البيوت مبنية من الخشب والطين، وكان مقدراً لها أن تحترق وتنقض على مدى عشرين سنة على الأكثر. وكانت الطرق غير معبدة وأقل إزعاجاً في الشتاء حيث كانت تكسوها الثلوج وتملؤها الزحافات والأحذية العالية. وآثر التجار الأنهار على الطرق، ونقلوا تجارتهم في بطئ على الماء أو الجليد بين الشمال والجنوب، مع بيزنطة والمسلمين وعصبة الهانسا (وقد تكونت من بعض المدن الحرة في شمال ألمانيا والدول المجاورة، تكونت في العصور الوسطى بقصد التجارة). وربما كانت هذه التجارة المنتشرة هي التي تغلبت على النزعة الفردية لدى الأمراء وفرضت توحيد روسيا. وكان فاسيلى الثاني (1425-1462) الملقب باسم تمنى Temny - الأعمى- لأن أعداءه فقأوا عينيه - هو الذي قضى على تمرد العصاة وألزمهم الطاعة، عن طريق التعذيب وبتر الأطراف والجلد، وترك لابنه روسيا قوية إلى درجة تضع معها نهاية لمخازي حكم التتار.




صفحة رقم : 8783




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> أمراء موسكو


وصار إيفان الثالث هو (العظيم)، لأنه هو الذي أنجز هذه المهمة، ووحد روسيا. لقد خلق للشدائد، وكان مجرداً من المبادئ الخلقية، لا يتورع عن شىء، حاد الذهن ماكراً حذراً عنيداً قاسياً، وكان يقود جيوشه إلى النصر على مسافات بعيدة، وهو مستقر في مكانه في الكرملين، وكان يعاقب على العصيان أو العجز والقصور عقاباً وحشياً، بأن يعذب أو يضرب بالسياط أو يبتر أطراف حتى أعضاء المجلس، أو يقطع رأس طبيب أخفق في علاج ابنه، وهكذا بمثل هذه الصرامة كان يسيطر على حاشيته، حتى أن النساء ليغمى عليهن لمجرد نظرة منه. وأطلقت عليه روسيا اسم "الرهيب" حتى التقت بحفيده.
وكانت إمارة نفجرد أيسر فتوحاته، وكان ينظر في تطلع جشع إلى هذه السوق المزدهرة الخاضعة للضريبة، ولقد حرضه تجار موسكو على القضاء على منافسيهم في الشمال (7). وسيطر الأمير العظيم على السهول الممتدة بين موسكو ونفجرد، حيث كانت الجمهورية التجارية تشتري المواد الغذائية اللازمة لها وتبيع بضاعتها، ولم يكن على إيفان إلا أن يغلق هذا المخزن المورد للحبوب وتلك السوق، لكى تقع المدينة الدولة في ضائقة وتفلس، أو تخضع وتستسلم. وبعد ثمان سنوات توالت فيها الحرب والهدنة، تنازلت الجمهورية عن استقلالها (1478) ونقل 7000 من صفوة سكانها إلى سوزدال، وطردت عصبة الهانسا، وورث تجار موسكو أسواق نفجرد، وورث أميرهم دخلها.
وما أن ضم إيفان مستعمرات الجمهورية المندثرة حتى بسط حكمه على فنلندة والمنطقة المتجمدة والأورال. وخضعت بسكوف في الوقت المناسب حفاظاً على الأشكال الجمهورية فيها تحت سيادة الأمير العظيم. وتلمست تفر أسباب الحماية عن طريق التحالف مع لتوانيا، ولكن إيفان سار إلى المدينة بنفسه واستولى عليها دون أن يضرب ضربة واحدة، وتبعتها روستوف Rostov




صفحة رقم : 8784




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> أمراء موسكو


واياروسلافل laroslavl. ولما مات أخوة إيفان رفض أن تؤول مخصصاتهم إلى ورثتهم، وضمها الى ممتلكاته، وانحاز أخ له - أندريه - إلى لتوانيا فقبض عليه واعتقله، ومات أندريه في السجن، فبكى إيفان، ولكنه صادر أملاكه. إن السياسة لا قلب لها.
وبدا أن التحرر من ربقة التتار مستحيل، ولكن ثبت أنه أمر يسير . ذلك أن بقايا الغزاة المغول - الأتراك كانوا قد استقروا في ثلاث جماعات متنافسة متنافرة، وتركزوا في سراى Sarai وقازان Kazan وفي القرم، وكان إيفان يضرب كلا منها بالأخرى حتى وثق أنها لن تتحد ضده. وفي 1480 امتنع إيفان عن دفع الجزية، وقاد خان أحمد جيشاً كبيراً من الفولجا حتى ضفاف نهري أوكا وأوجرا جنوب موسكو. وقاد إيفان جيشاً قوامه 150.000 رجل إلى الضفاف المقابلة، وواجه العدوان بعضهما بعضاً لعدة شهور دون أن تقع بينهما معركة. وتردد إيفان في أن يغامر بعرشه وحياته في رمية واحدة، كما خشى التتار مدفعيته التي أدخل عليها تحسينات. ولما تجمدت الأنهار، ولم تعد تحمى الجيوش بعضها من بعض، أصدر إيفان أوامره بالانسحاب، وبدلا من تعقب الجيش المنسحب، انسحب التتار كذلك، حتى وصلوا إلى سراى (1480)، وكان انتصاراً هائلاً ولكنه مضحك، ومنذ ذلك الحين لم تدفع موسكو جزية إلى التتار. وسمى الأمير العظيم نفسه الحاكم المطلق، أى الذي لا يدفع الجزية لأحد. واستدرج الخانات المتنافسون إلى محاربة بعضهم بعضاً، وهزم أحمد وذبح، وانقضى سلطان المغول في سراى، واندثرت "القبيلة الذهبية".
وبقيت لتوانيا. ولم يطق الأمير العظيم ولا مطران موسكو الصبر على السلام، ما دامت أواكرانيا وكييف وروسيا الغربية تحتفظ بقوة تهدد موسكو دوما، وتدعو الأرثوذكس إلى المسيحية اللاتينية. وزعم إيفان أن ثمة مؤامرة لاغتياله، واتخذ من ذلك ذريعة لشن حرب مقدسة لتخليص




صفحة رقم : 8785




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> أمراء موسكو


المديريات المغرر بها (1492). فما كان من أمراء لتوانيا الذين استشعروا القلق في ظل اتحاد الرومان الكاثوليك البولندي إلا أن فتحوا أبوابهم أمام جيوش إيفان. وتوقف الاسكندر أمير لتوانيا العظيم في فدروشا Vedrosha وهزم (1500). ورتب البابا الاسكندر السادس هدنة لمدة ست سنوات. وفي نفس الوقت احتفظت موسكو بالأقاليم التي كسبتها - إلى الغرب من نهر سوز Sozch بما في ذلك شر نيجوف Chernigov حتى سمولنسك تقريباً وكان إيفان الثالث قد بلغ آنذاك الثالثة والستين فترك تخليص البقية لحفدته.
إن حكم إيفان الذي دام ثلاثا وأربعين سنة يعدل في أهميته أى حكم آخر في تاريخ روسيا قبل القرن العشرين. وسواء كان مدفوعاً بشهوة المال وحسب السيطرة أو بإيمانه الراسخ بأن أمن الروس وازهارهم يتطلبان توحيد روسيا، فإن إيفان الثالث حقق لبلده ما كان يؤيده لويس الحادى عشر لفرنسا، وهنري السابع لانجلترا، وفرديناند وايزابلا، لأسبانيا، والاسكندر السادس للولايات البابوية، ولقد كشف تزامن هذه الأحداث عن تقدم القومية والملكية، الأمر الذي قضى على سلطان البابوية الأسمى فوق الأمم والقوميات. وفقد أبناء الطبقة العليا استقلالهم، وأرسلت الامارات الجزية إلى موسكو، واتخذ إيفان لقب "ملك روسيا بأسرها". ويحتمل أن زوجته الاغريقية أوصته بأن يتخذ كذلك لقب "قيصر"، وهو لقب روماني إغريقي. ولقد اتخذ النسر الامبراطوري المزدوج شعاراً قومياً، وادعى وراثة السلطة السياسية والدينية لبيزنطة الغابرة، واقتبست من بيزنطة نظريات الحكومة وأعيادها ومراسمها، وكذلك فعلت الكنيسة، بوصفها من أدوات الدولة، بعد أن دخلت إلى روسيا المسيحية البيزنطية والأبجدية البيزنطية الاغريقية وأشكال الفن البيزنطي، وبقدر ما كانت بيزنطة شرقية لقربها من آسيا، فإن روسيا التي كانت قد اصطبغت بالصبغة الشرقية بسب حكم التتار لها، أصبحت من وجوه كثيرة مملكة شرقية مغايرة للغرب غريبة عنه غامضة لديه.




صفحة رقم : 8786




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب



2- إيفان الرهيب




1533-1584


تابع فاسيلي الثالث إيفانوفتش 1505-1533 توحيد روسيا، وضم سمولنسك إلى مملكته، وأرغم إمارتي ريازان ونفجرد- سفرسكى على الاعتراف بسيادته. وقال أحد كتاب الحوليات الروس "ليس سوى الأطفال الرضع هم الذين استطاعوا أن يكفكفوا الدمع، عندما خضعت لحكم فاسيلى (1510) جمهورية بسكوف التي كانت يوماً مزهوة بنفسها". كانت روسيا آنذاك دولة أوربية كبرى. وتبادل فاسيلى الرسائل على قدم المساواة مع مكسيمليان الأول وشارل الخامس وسليمان القانوني وليو العاشر. وعندما حاول بعض أبناء الأرستقراطية أن يحدوا من استبداده كبح جماحهم بكلمة احتقار واحدة هي "فلاحون". ثم قطع رأس أحد النبلاء. ولما لم ينجب من زوجته أولاداً، فإنه طلقها وتزوج من هيلينا جلنسكى، وهي سيدة مصقولة بارعة مستبدة. وبعد موته صارت وصية على ابنها إيفان الرابع فاسيليفتش البالغ من العمر ثلاث سنوات. وعند موتها عاود أعضاء المجلس أبناء الطبقة العليا شغبهم، وتولت أحزابهم المتناحرة زمام الحكم تباعاً، ونشروا الفوضى والخلل في المدن نتيجة عنفهم، واستنزفوا في الحرب الأهلية دماء الفلاحين الروس البؤساء العاجزين.
وفي غمرة هذه المنازعات كاد الملك الصغير "سيد روسيا بأسرها" أن يكون مهملاً متجاهلاً بل محروماً بائساً في بعض الأحيان. ولما كان يبصر بضروب الوحشية في كل مكان من حوله، فإنه حسبها أسلوباً مقبولاً في السلوك، ومن ثم اختار أعنف ضروب الرياضة، ونشأ شاباً نكدا متقلب المزاج متشككاً. وفجأة، عندما كان بعد ولداً في الثالثة عشرة من عمره، (1544) ألقى إلى كلابه أندريه شويبسكى زعيم أحد أحزاب




صفحة رقم : 8787




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


النبلاء، وتولى زمام الأمور في الدولة، وبعد ثلاث سنوات قام مطران موسكو بتتويجه قيصراً، ثم أمر القيصر بأن ترسل إليه نخبة من العذارى النبيلات من مختلف أنحاء المملكة، واختار منهن أنستاسيا رومانوفا وتزوج منها، ومن لقب أسرتها سوف يتحدد عما قريب لقب أسرة حاكمة.

وفي 1550 دعا أول جمعية وطنية من جميع أنحاء روسيا، واعترف أمامها بجميع أخطائه في شبابه، ووعد بإقامة حكومة عادلة رحيمة. ولعله تحت تأثير الاصلاح في ألمانيا واسكنديناوه، درست الجمعية اقتراحاً بمصادرة أملاك الكنيسة لتدعيم الدولة. ورفض هذا الاقتراح، ولكن اتخذ قرار آخر متصل به، بمقتضاه استردت كل الأراضي المنقولة للكنيسة وغير الخاضعة للحجز، كما ألغيت كل الهبات التي منحت للكنيسة أيام كان إيفان قاصراً. ولم يعد للأديار حق حيازة أية ممتلكات دون موفقة القيصر. وهدأ بال رجال الدين نوعاً ما عندما عين إيفان الكاهن سلفستر مرشداً روحياً له، واتخذ منه ومن ألكسيس أداشيف وزيرين له، وبفضل هذين المعاونين القديرين كان إيفان في سن الحادية والعشرين سيداً على مملكة تمتد من سمولنسك إلى الأورال، ومن المحيط المتجمد إلى بحر قزوين تقريباً.
وكان همه الأول تقوية الجيش، والموازنة بين قوى النبلاء المعادين له، عن طريق هيئتين مسئولتين أمامه: فرسان القوزاق ومشاة سترلتس Strieltsi ، مزودة بالهركوبة (Harquebus) - نوع من الأسلحة النارية اخترع في القرن الخامس عشر. ونشأ القوزاق في هذا القرن من طبقة الفلاحين الذين كان مقامهم في جنوب روسيا بين المسلمين والمسكوف يقتضيهم أن يكونوا دوما على أهبة الاستعداد للقتال عند أول صيحة، كما هيأ لهم




صفحة رقم : 8788




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


فرصاً تتعذر مقاومتها لسلب القوافل التي كانت تنقل التجارة بين الجنوب والشمال. وجموع القوزاق الأصليون هم قوزاق نهر الدون في جنوب شرقي روسيا، وقوزاق زابوروج Zaporogue في الجنوب الغربي، وكانوا جمهوريات شبه مستقلة، ومن الغريب أنه كان يسود بينهم نظام ديموقراطي، حيث كان أرباب البيوت يختارون رئيساً تنفيذياً لجمعية منتخبة. وكانت كل الأرض ملكاً عاماً مشتركاً، ولكنها تؤجر إلى الأسرات بصفة فردية لاستخدامها استخداماً موقوتاً، وكانت الطبقات كلها متساوية أمام القانون (8). واصبح فرسان القوزاق، بسبب اشتهارهم بالشجاعة الهائلة، الدعامة الأولى لإيفان الرابع داخل البلاد وفي الحرب.
وكانت سياسته الخارجية بسيطة، فهو يريد أن تربط روسيا بين بحر البلطيق وبحر قزوين. وكانت كازان واستراخان والقرم لا تزال في قبضة التتار الذين كانوا لا يفتأون يطالبون موسكو بالجزية، ولكن عبثاً. وكان إيفان على يقين من أن أمن روسيا ووحدتها يتطلبان امتلاكها لهذه الأجزاء، والتحكم في نهر الفولجا حتى منابعه. وفي 1552 قاد القيصر الشاب 150.000 رجل إلى أبواب كازان وحاصرها لمدة خمسين يوماً. ولكن المسلمين - وكان عددهم 30.000 - قاوموا وصمدوا في عناد تحدوهم الروح الدينية وهاجموا أعداءهم في غارات متكررة، وعندما أسر نفر منهم وعلقوا على أعواد المشانق أمام الأسوار سدد إخوانهم المدافعون إليهم السهام صائحين: "خير لهؤلاء الأسرى أن يموتوا بأيدي بني وطنهم النظيفة من أن يهلكوا بأيدي المسيحيين الدنسة(9). ولما وهنت عزائم المحاصرين واصابهم القنوط بعد شهر من الاخفاق، أرسل إيفان إلى موسكو في طلب صليب عجيب، فما أن ظهرت هذه الأعجوبة أمام جنوده حتى ثارت حميتهم من جديد، وكان الله يحارب مع الجانبين. وبث مهندس ألماني الألغام في الأسوار فانهارت، واندفع الروس إلى المدينة صائحين "الله




صفحة رقم : 8789




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


معنا"، واعملوا الذبح في كل من لم يباعوا بوصفهم رقيقاً. وروى أن إيفان ذرف الدمع حسرة على المغلوبين قائلاً: "إنهم ليسوا مسيحيين، ولكنهم رجال" وأسكن إيفان فلول المسيحيين في الأطلال. وهتفت روسيا بأنه أول سلافي يستولي على معقل تتري، واحتفلت بالنصر، كما احتفلت فرنسا بصد المسلمين في معركة تور سنة 732. وفي 1554 استولى إيفان على استراخان، وأصبح نهر الفولجا قناة روسية تماماً. وظلت القرم في يد المسلمين حتى 1774. ولكن قوزاق نهر الدون أحنوا رءوسهم آنذاك لحم موسكو.
وما أن حرر إيفان حدوده في الشرق حتى ولى شطره متلهفاً نحو الغرب. وكان يراوده حلم تجارة روسية تتدفق غرباً وشمالاً عبر الأنهار الكبرى إلى البلطيق، وكان يحسد غرب أوربا على التوسع الصناعي والتجاري، وكان يلتمس للاقتصاد الروسي منفذاً يربط به نفسه بهذا التوسع. وفي 1553 أرسل تجار لندن سير هبو ولفبي Hugh Willoughlby وريتشارد تشانسلر لايجاد طريق في المنطقة المتجمدة حول اسكنديناوة وصولا إلى الصين، فأبحرا من هاروك Harwich في ثلاث مراكب، وهلك اثنان من الملاحين في الشتاء في لابلند، ولكن تشانسلر وصل إلى الموقع الذي أسماه البريطانيون أركنجلسك، على اسم الملاك ميكائيل، وشق تشانسلر طريقه وسط مئات الأخطار والصعاب إلى موسكو، فعقد معه إيفان، ثم مع أنطوني جنكنسني فيما بعد، معاهدات تخول "شركة لندن والمسكوف" امتيازات تجارية خاصة في روسيا.
ولكن هذه المعاهدات كانت بالنسبة لإيفان مجرد ثقوب، ولم تكن باباً أو منفذاً إلى الغرب، وأراد أن يستجلب فنيين من ألمانيا، وحشد له من هؤلاء 123 في لوبك، ولكن شارل الخامس رفض السماح لهم بالخروج. وكان النهر الكبير دوينا الجنوبي يجري من قلب روسيا ألى البلطيق قرب




صفحة رقم : 8790




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


ريجا، ولكنه يجري عبر ليفونيا المعادية. ولم تكن منابع دوينا والفلجا بعيدة بعضها عن بعض، ومن ثم يمكن ربط النهرين بقنوات، وهنا، يحكم "القدر المقدور" كان الطريق المائي الذي يمكن أن يعوض روسيا عن عدم تناسب أراضيها المترامية الأطراف مع سواحلها وثغورها، ومن ثم يمكن أن يتصل بحر البلطيق ببحر قزوين والبحر الأسود، كما يمكن أن يلتقي الشرق والغرب. وفي تبادل السلع والأفكار قد يستطيع الغرب أن يسدد شيئاً من دينه الثقافي القديم للشرق.
وعلى ذلك فإن إيفان في سنة 1557 ابتكر ذريعة لمهاجمة ليفونيا، وأرسل إليها بجيش تحت قيادة شاه على ، الذي كان أخيراً خان التتار على كازان. واجتاح الجيش البلاد بطريقة وحشية، فأحرق الدور والمحاصيل، واستبعد الرجال واغتصب النساء حتى الموت. وفي 1558 استولى جيش روسي آخر على نارفا التي تبعد عن البلطيق بثمانية أميال. واستنجدت ليفونيا اليائسة ببولندة والدانمارك والسويد وألمانيا، وارتعدت أوربا الوسطى بأسرها فزعا من مشهد الطوفان السلافي الذي وصل إلى الغرب، كما وصل في القرن السادس إلى نهر الألب. واستثار ستيفن باثوري حمية البولنديين وقادهم إلى الانتصار على الروس عند بولتسك (1582). ولما حلت الهزيمة بإيفان سلم ليفونيا إلى بولندة.
وقبل هذه النكسة الحاسمة بزمن طويل، كان اخفاق حملات إيفان قد أدى إلى الثورة في الداخل، حيث كان التجار الذين كان إيفان يسعى إلى إثرائهم بفتح طرق جديدة للتجارة، قد فقدوا صوابهم بسب هذه الحرب المدمرة الباهضة التكاليف. وعارض النبلاء هذه الحرب لأنها لا بد أن توحد بين دول البلطيق، بسلاحها المتفوق، ضد روسيا التي ما زالت إقطاعية في تنظيمها السياسي والعسكري. وفي أثناء الحرب وفيما قبلها كان إيفان قد ارتاب في مؤامرات النبلاء ضد عرشه، وفي اثناء مرض كاد يقضي عليه




صفحة رقم : 8791




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


(1553) علم أن جماعة قوية من النبلاء كانوا يدبرون أن يبعدوا، عند موته، ابنه ديمتري ويتوجوا الأمير فلاديمير الذي كانت أمه تمنح الجيش عطايا كثيرة، وكان أقرب مستشاريه سلفستر وأداشف ضالعين مع النبلاء، ولمدة سبع سنوات بعد الارتياب فيهما، أبقى إيفان على هذين الموظفين في مواقع السلطة، ثم طردهما في 1560، ولكن دون عنف. ومات سلفستر في أحد الأديار، وقضى أداشف نحبه في إحدى الحملات على ليفونيا، وهاجر عدة نبلاء إلى بواندة وحملوا السلاح ضد روسيا، وفي 1564 لحق الأمير كوربسكي Kurbsky صديق إيفان الحميم والقائد العام، بهؤلاء الهاربين، زاعما أن القيصر يدبر قتله، ومن بولندة أرسل كوربسكي إلى إيفان ما يصل إلى أن يكون أعلاناً للحرب عليه، متهماً إياه بأنه مجرم مجذوم. وتدعى الأساطير أن إيفان عندما قرأ عليه الخطاب دق إحدى قدمي حامله بالمسامير في الأرض بضربة من العصا الملكية، ولكن القيصر تنازل فرد على كوبسكي بدفع يقع في اثنتين وستين صفحة، وكان رداً بليغاً مشوشاً، عاطفياً مليئاً بمقتبسات من الكتاب المقدس، عدد فيه دسائس النبلاء لخلعه. واعتقاداً منه بأنهم كانوا قد دسوا السم لأنستاسيا، تساءل إيفان: " لماذا فرقتم بيني وبين زوجتي؟ ألم تأخذوا مني وليدي الصغير؟ لم يحدث قط أن ذبح أحد من النبلاء... لقد فتشت عبثاً عن رجل يستشعر الشفقة بي، ولكني لم أجد أحداً(10)". وكتب كوربسكي في أخريات أيامه تأريخاً قاسياً عدائياً لإيفان، وهو أهم مرجع لنا في إرهاب إيفان.
إن هذه المؤامرات ومغادرة البلاد توضح لنا أشهر حادث متميز في عهد إيفان. وفي 12 ديسمبر 1564 غادر إيفان موسكو مع أسرته وأيقوناته وكنوزه، مع قوة صغيرة من الجنود، وسار إلى مقره الصيفي في اسكندروفسك. وأرسل إلى موسكو بيانين، زعم الأول أن النبلاء




صفحة رقم : 8792




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


والبيروقراطية والكنيسة تآمروا ضده وضد الدولة، وأنه لذلك "مع اشد الأسف" اعتزل الآن العرش، ليعيش في عزلة. أما البيان الثاني فقد أكد فيه لأهل موسكو أنه أحبهم وأن لهم أن يبقوا واثقين من نياته الطيبة دوما.والحق أنه نمسك بمحاباة العامة والتجار ضد الأرستقراطية، وقد شهد بذلك ما قامت به الطبقتان الوسطى والدنيا آنذاك، فقد انفجروا يرددون صيحات التهديد ضد النبلاء ورجال الدين، مطالبين بأن يشخص إلى القيصر وفد من الأساقفة والنبلاء، ليرجوه في العودة إلى العرش، وتم ذلك وقبل إيفان "أن يتولى أمر الدولة من جديد"، بشروط يحددها هو فيما بعد.
وعاد إيفان ألى موسكو في فبراير 1565، ودعا الجمعية الوطنية من رجال الدين والنبلاء، وأعلن أنه سيعدم زعماء المعارضة ويصادر أملاكهم، وأنه من الآن فصاعدا سيتولى كل السلطة دون استشارة النبلاء أو الجمعية، وأنه سينفى كل من يخالف أوامره العالية ومراسيمه، ولما كانت الجمعية تخشى ثورة الجماهير فقد استسلمت وانحلت، وقرر إيفان أن روسيا سوف تنقسم في المستقبل إلى قسمين: الأول "زمستشينا Zemstchina أو مجموعة المقاطعات ، ويظل تحت حكم النبلاء ومجلسهم "الدوما"، ويخضع لضريبة إجمالية يفرضها القيصر، ويكون تابعاً له في الشئون العسكرية والخارجية، ويكون فيما عدا ذلك حراً يتمتع بحكم ذاتي. والقسم الثاني "أوبرشنينا Oprichnina - الممتلكات المستقلة " يحكمه هو أى إيفان، ويتكون من الأراضي التي يخصصها هو "الطبقة المنفصلة Oprichniki " التي يختارها القيصر للشرطة ولادارة نصف المملكة هذا، ولحمايته من الشغب، ولتقوم بحمايته هو شخصياً، ولتقدم له الخدمات العسكرية الخاصة به. واختير الموظفون الجدد- وكانوا في البداية ألفاً وبلغ عددهم في النهاية ستة آلاف، اختيروا على الأخص من بين صغار أبناء النبلاء، ولما لم يكن لديهم




صفحة رقم : 8793




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


أرض، فقد كانوا على استعداد لتأييد إيفان مقابل الضياع التي منحهم إياها. واقتطع جزء من هذه الأراضي من أملاك التاج، والجزء الأكبر منها من أملاك النبلاء الثوار التي صودرت. وبنهاية عصر إيفان كانت هذه "الممتلكات المستقلة - أوبرشنينا" تشمل نصف روسيا تقريباً، وكثيراً من موسكو وأهم طرق التجارة. وكان هذا الانقلاب مماثلاً لما حاوله بطرس الأكبر بعد ذلك بمائة وخمسين عاماً: الارتفاع بطبقة جديدة إلى السلطة السياسية، والارتقاء بالتجارة والصناعة في روسيا. وفي مثل هذا القرن الذي كانت فيه القوة العسكرية كلها من الوجهة العملية في قبضة الأستقراطية، تطلب المشروع شجاعة مفرطة في القيصر الذي لم يتزود إلا بجنده الخصوصيين، وبالتأييد الهزيل الذي لا يعتد به من جانب والجماهير. ويؤكد لنا بعض المعاصرين أن إيفان - في هذه الفترة الدقيقة - وهو آنذاك في سن الخامسة والثلاثين، كان يمثل ابن العشرين (11)
واتخذ إيفان آنذاك الاسكندروفسك مقراً دائماً، وحولها إلى قلعة محصنة. وربما كان التوتر الذي انتابه بسبب ثورته ضد النبلاء بالاضافة إلى الاخفاق في الحرب الطويلة الأمد مع ليفونيا، سبباً في اعتلال عقله الذي لم يكن قط كامل الاتزان. ولقد ألبس حراسه غفارات سوداء، وهي لباس الكهنة، وقلنسوات ضيقة، وأطلق على نفسه لقب رئيس الرهبان، ورتل مع فرقة المرتلين، وشهد معهم القداس يومياً، وكم خر ساجداً أمام المذبح في حماسة حتى تكررت إصابات جبهته بالكدمات. وزاد هذا من الفزع الذي بثه في روسيا التي بدأت تحس نحوه بمزيج من التبجيل له والاشفاق عليه، وحتى أفراد "الطبقة المنفصلة"Oprichnikii كانت تمثل أمامه في ذله وخشوع حتى أطلق عليهم أنهم حاشيته أو بلاطه.
واقترن انقلاب إيفان بالارهاب، شأنه في ذلك أى انقلاب آخر، وقبض على معارضيه وأعدموا دون شفقة أو رحمة، وجاء عرض




صفحة رقم : 8794




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


لأحداث هذه السنوات (1560-1570) دونه أحد الرهبان، ويحتمل أن يكون معادياً، أن عدد قتلى غضبه بلغ 3470. ويقول هذا العرض التأريخي أن الضحية كان في الغالب يعدم "مع زوجته" أو "مع وزوجته وأطفاله"، وفي حالة واحدة "مع عشرة من الرجال جاءوا لمساعدته (12). واعدم الأمير فلاديمير مع أمه، أما أولاده فقد أبقى إيفان على حياتهم ووفر لهم أسباب العيش. ويقال إن القيصر طلب إلى الرهبان أن يصلوا من أجل نفوس ضحاياه. ودافع إيفان عن إعدامهم بأن هذا هو العقاب المعتاد لجريمة الخيانة وخاصة زمن الحرب. وقد سلم أحد ممثلي بولندة بهذه الحجة، وتضرع إنجليزي شهد شيئاً من هذه المجزرة قائلاً :"ندعو الله أن نتمكن من تعليم ثوارنا العنيدين واجبهم نحو أميرهم بالطريقة نفسها (13).
وجاءت ذروة هذا الارهاب في نفجرد. وكان إيفان قبل ذلك بفترة وجيزة قد منح رئيس الأساقفة مبلغاً كبيراً من المال لاصلاح الكنائس، وظن أ،ه كان بذلك محبوباً من رجال الدين هناك على الأقل. ولكنه أبلغ أنه قد وجدت وثيقة، ليست بالضرورة غير مزيفة، خلف صورة للعذراء في أحد أديار نفجرد، وفيها عهد بالتعاون بين نفجرد وبسكوف مع بولندة لمحاولة خلع القيصر. وفي الثاني من يناير 1570 انقضت على المدينة قوة عسكرية قوية يقودها الأوبرشنيكي، وأعملت النهب والسلب في الأديرة، وقبضت على 500 من الرهبان والكهنة. وفي 6 يناير وصل القيصر إلى هناك، وأمر أن يجلد بالسياط حتى الموت كل من لم يستطع من رجال الدين هؤلاء أن يدفع فدية قدرها 50 روبلا، كما جرد رئيس الأساقفة من ثوبه وسجن. وجاء في "سجل أحداث نفجرد الثالث" أنه قد أعقب هذا مذبحه الأهالي التي دامت خمسة أسابيع. وفي بعض الأحيان كان خمسمائة فرد يذبحون في اليوم الواحد، وتقول البيانات الرسمية أن عدد القتلى بلغ 2770، واحتج إيفان بأنهم 1505 فقط. ولما استقر في الأذهان أن التجار، وهم متلهفون




صفحة رقم : 8795




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


على إعادة فتح باب التجارة مع الغرب، قد شاركوا في المؤامرة، فقد أحرق جنود القيصر كل حوانيت المدينة، ودمرت بيوت التجار في الضواحي، وحتى البيوت في المزارع المجاورة للمدينة لحقها التدمير. وما لم يكن رواة الأحداث في الأديار قد بالغوا في وصف المذبحة، فإنه يجدر بنا أن نعود بالذاكرة إلى عقاب شارل الجرىء لثوار لييج 1468، وأعمال السلب والنهب في روما على يد جنود شارل الخامس 1527 لنجد أمثلة شبيهة بانتقام إيفان الوحشي. ولم تستعد نفجرد قط تفوقها القديم في الحياة التجارية في روسيا. واتجه إيفان بعد ذلك إلى بسكوف حيث حظر على جنوده السلب والنهب ، ثم عاد أدراجه إلى موسكو حيث احتفل في حفلة تنكرية ملكية بإفلاته من مؤامرة خطيرة.
إن حكماً مثل هذا ممتلئاً بالفتن والشغب لا يكاد يساعد على التقدم الاقتصادي أو إنجاز الأعمال الثقافية. لقد انتعشت التجارة وقت السلم وانتكست زمن الحرب. وفي الأراضي المخصصة لطبقة الأوبرشنيكي، وفي سائر الأراضي فيما بعد، كان الفلاح مرتبطاً قانوناً بالأرض، على أساس أنه وسيلة للنهوض بالزراعة المستمرة فيها (1581) على أن نظام الرق الذي كان نادراً في روسيا قبل 1500، صار في 1600 قانوناً من قوانين الأرض. وكانت الضرائب باهظة فاحشة، واندفع التضخم المالي بشدة، فكان الروبل في 1500 يساوي 94، وفي 1600 يساوي 24 من الروبلات في 1910(14). وليس بنا من حاجة إلى تتبع الهبوط إلى أبعد من ذلك، إلا لنعلم، كدرس من دروس التاريخ، أن النقود هي آخر شىء يجدر بالانسان أن يدخره.
وأرغم إسراف الأسر القصير النظر في الإنجاب وإرهاق التربة، الناس على هجرة متواصلة لا تهدأ إلى أراض بكر. فلما اجتاز المهاجرون جبال الأورال وجدوا أمامهم مملكة للتتار سكانها من قبائل البشكير المسلمة




صفحة رقم : 8796




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


Bashkirs وقبائل أوستياك (قبائل من الفنلنديين والماجيار في غرب سيبيريا) نعرف عاصمتها باسم سيبير Sibir (وهي من ألفاظ القوزاق). وفي 1581 جند سيمين ستروجانوف 600 من القوزاق وأرسلهم تحت قيادة إرماك تيموفيفتش لغزو هذه القبائل، وقد تم له ذلك، وأصبحت سيبيريا الغربية جزءاً من المملكة الروسية المتضخمة. أما إرماك الذي كان من زعماء قطاع الطرق فقد مجدته الكنيسة الأرثوذكسية، وضمته إلى قائمة القديسين.
وكانت الكنيسة هي الحاكم الحقيقي لروسيا، لأن خشية الله كانت سائدة في كل مكان، على حين كان سلطان إيفان محدوداً. وكانت قواعد الطقوس الدينية، إن لم تكن قواعد الفضيلة والأخلاق، تقيد الجميع، حتى القيصر نفسه، وكان الكهنة يراقبون هل غسل يديه بعد مقابلته لسفراء الدول من خارج نطاق الأرثوذكسية. وكانت الصلاة وفق الطقوس الرومانية الكاثوليكية غير مرخص بها، أما البروتستانتية فقد تسامحوا معها على أساس المشاركة في العداء للبابا في روما. وكان إيفان الرابع - مثل هنري الثامن - يزهو بعلمه في اللاهوت. وانغمس مرة في مناقشة عامة في الكرملين مع كاهن لوثري من بوهيميا، ويجب أن نسلم بأنه، وهو أعنف القياصرة، أدار المناقشة في كياسة أكثر مما بدا في النازعات الدينية في ألمانيا المعاصرة(15). ولكن إيفان لم يتصرف بمثل هذه الكياسة مع رجل لاهوتي آخر، ذلك أنه ذات يوم أحد في سنة 1568 أثناء الصلاة في كنيسة الصعود، رفض فيليب مطران موسكو أن يمنح إيفان البركة الي توسل إليه فيها، وطلب القيصر ذلك ثلاث مرات ولكن دون جدوى، ولما سأل أتباعه عن سبب لهذا الرفض، بدأ فيليب يعدد جرائم إيفان وفسوقه، فصاح القيصر: "هدئ من روعك وامنحني البركة" فأجاب المطران: "إن سكوتي يوقعك في الخطيئة ويستوجب هلاكك". وغادر إيفان المكان دون أن يمنح البركة. وظل فيليب شهراً تعروه الدهشة والعجب والقلق،




صفحة رقم : 8797




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


ولكن لم يمس فيه بسوء. وبعده دخل أحد خدم القيصر الكاتدرائية وقبض على المطران وساقه إلى أحد السجون في تفر. ولا يعلم مصيره علم اليقين، ولكن الكنيسة الروسية تؤيد القول بأنه أحرق حياً. وفي 1652 ضم إلى قائمة القديسين، وبقيت رفاته حتى 1917 موضع إجلال وتبجيل في كنيسة صعود العذراء.
وظلت الكنيسة تنتج معظم الأدب والفن في روسيا. ودخلت الطباعة في سنة 1491، ولكن اقتصر المطبوع طوال هذا العهد على كتب الصلوات وكان زعيم العلماء آنذاك هو المطران مكاريوس، الذي شرع في 1529، بمعونة بعض السكرتيرين في جمع ما تبقى من آداب بلده في اثنى عشر مجلداً ضخماً، ومرة أخرى نرى أن معظمها كان دينياً تماماً، وفي الكثير الغالب يتعلق بالأديار ووقائع التاريخ حسب ترتيب حدوثها. وألف سلفستر معلم الاعتراف لايفان كتاباً مشهوراً هو "كتاب الأسرة"، بمثابة دليل للاقتصاد المنزلي والسلوك، والخلاص الأبدي، وإنا لنلحظ فيه حث الزوج على أن يضرب زوجته برفق، وتعليمات دقيقة لآداب البصق والمخاط (16). ولم يكن إيفان نفسه، كما تدل رسائله، أقل كتاب هذا العصر براعة وقوة.
وكان أروع إنتاج فني روسي في عهد إيفان هو كنيسة "بازل المبارك" التي لا تزال قائمة بعيداً عن الكرملين في أحد أطراف الميدان الأحمر. ولدى عودة القيصر من حملاته الظافرة ضد كازان وأستراخان (1554) شرع في بناء ما أسماه كاتدرائية "شفاعة العذراء" وهي التي نسب إليها انتصاراته بحكمة. وحول هذا المقام المتوسط من الحجر، شيدت فيما بعد سبعة معابد من الخشب خصصت لقديسين كان إيفان قد تغلب على أعدائه في أيام أعيادهم. وتوج كل معبد منها بقية رشيقة مزدانة بالرسوم، وكانت القباب كلها بصلية الشكل، وإن اختلفت زخرفة كل منها. وأضفى آخرها وهو




صفحة رقم : 8798




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


الذي أقيم للقديس بازل في 1588 : أضفى اسمه في وقت لاحق، على هذه المجموعة الرشيقة الفاتنة. وتنسب أسطورة لا يمكن التغاضي عنها هذه العمارة إلى أحد الايطاليين، وتروى كيف أن إيفان فقأ عينيه لئلا ينافس هذه التحفة الفنية الرائعة. ولكن اثنين من الروس: بارما وبوستنيكوف هما اللذان وضعا التصميم، ولكنها اقتبسا بعض حركات عصر النهضة في زخرفتها فحسب(17). ويوم أحد السعف من كل سنة، كجزء من حكمة الدولة، سار سادة موسكو ورجال الدين فيها في موكب رهيب إلى هذه الكاتدرائية، على حين امتطى المطران صهوة جواد مزودة بآذان صناعية، ليقلد الحمار الذي قيل إن السيد المسيح كان يركبه عند دخوله أورشليم، وسار القيصر على قدميه يقود حصان المطران في تواضع وخشوع ممسكاً بلجامه، وكانت تحف بالموكب الأعلام والصلبان والأيقونات وحملة المباخر، على حين ردد الأطفال عبارات الشكر والثناء تضرعاً إلى السماء لتبارك الحياة في روسيا. وما أن وافى عام 1580 حتى بدا أن إيفان قد انتصر على كل أعدائه. وكان قد بقى على قيد الحياة عدد من الزوجات، وبنى بزوجة سادسة. وفكر في اتخاذ زوجة أخرى عن طريق المضارة الودية(18) (الزواج باثنين في وقت واحد).وكان له أربعة أولاد، مات أولهم في طفولته، وكان الثالث فيودور يعاني من تخلف عقلي. أما الرابع ديمتري، فزعموا أنه كان بنوبات صرع. وفي أحد أيام شهر نوفمبر 1580 أنب القيصر زوجة ابنه الثاني " إيفان" وضربها، لما بدا له من أنها ترتدي ثوباً ينافي الحشمة والوقار، فأجهضت، فما كان من ابن القيصر إلا أن وجه اللوم إلى أبيه، فضرب القيصر ابنه في سورة الغضب دون ترو بالعصا الملكية على رأسه فمات الابن لتوه من أثر الضربة. فجن جنون القيصر ندماً على فعلته، وقضى أيامه ولياليه يصرخ صراخاً عالياً من الحزن والأسى. وكان يقدم




صفحة رقم : 8799




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


تنحيه عن العرش صباح كل يوم، ولكن حتى أعضاء المجلس أنفسهم أصبحوا الآن يؤثرونه على أبنائه. وعاش إيفان ثلاث سنين بعد ذلك، ثم أصابه مرض غريب، جعل جسمه يتورم وتنبعث منه رائحة منتنة. وفي 18 مارس 1584 قضى نحبه وهو يلعب الشطرنج مع بوريس جودونوف، وتناثرت الاشاعات تتهم بوريس بأنه دس له السم، واعد المسرح لأوبرا عظيمة في تاريخ القياصرة.
ويجدر بنا ألا نظن أن إيفان الرابع كان مجرد غول متوحش. ونظراً لطول قامته وقوته كان يمكن أن يكون وسيماً، لولا أنفه العريض المسطح الذي كان يعلو شارباً منتشراً ولحية كثة حمراء. لقد ترجمت خطأ لفظة Groznyi بلفظة الرهيب Terrible والأرجح أنها تعني "المرعب" Awesome ،مثل لفظة أغسطس التي أطلقت على القياصرة (الرومان). وقد أطلق على إيفان الثالث نفس اللقب كذلك. وفي نظرنا، وحتى في نظر معاصريه القساة، كان إيفان الرابع قاسياً تواقاً إلى الانتقام بشكل يدعو إلى الاشمئزاز، وقاضياً لا يستشعر الرحمة.لقد عاصر محاكم التفتيش في أسبانيا، وإحراق سرفيتس ، وعادة هنري الثامن في ضرب العنق، واضطهاد الملكة ماري، ومذبحة سانت برثلميو. ويقال إنه عندما سمع بهذه المذبحة أنكر همجية الغرب(19) (ولو أن أحد البابوات رحب بالمذبحة وامتدحها). لقد كان ثمة أشياء تثير غيظه وحنقه، وتذكى النار في مزاج سريع الانفعال أكسبته الوراثة والبيئة عنفاً. ويقول شاهد عيان إنه كان في بعض الأحيان "يرغى من فمه - كما يفعل الحصان"(20) نتيجة مضايقة صغيرة أو انزعاج يسير. ولقد اعترف القيصر بخطاياه وجرائمه بل بالغ فيها أحياناً ولم يكن على أعدائه إلا أن ينتحلوا منها اتهاماتهم له.




صفحة رقم : 8800




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> توحيد روسيا -> إيفان الرهيب


وأكب على الدرس والتحصيل في حماسة، وجعل من نفسه أحسن متعلم من غير رجال الدين في بلده وفي زمانه. وكان يتميز بروح المرح والدعابة، ويضحك ضحكات عالية بملء شدقيه، ولكن غالباً ما كانت ابتسامته تنم على الدهاء المخيف. غطى شروره بالنيات والمقاصد الرائعة، فكان يريد أن يحمي الفقير والضعيف من الغني والقوي، ويحابي التجار والطبقات الوسطى كبحاً لجماح الأرستقراطية الاقطاعية المشاكسة، كما كان يرغب في فتح باب للتجارة والأفكار على الغرب، ويزود روسيا بطبقة جديدة من الاداريين الذين لا يتقيدون- كما تفيد أعضاء المجلس من ابناء الطبقة العليا- بالأساليب العتيقة الجامدة، ويحرر من ربقة التتار، وينتشلها من وهدة الفوضى إلى الوحدة. وكان القيصر همجياً يناضل نضالاً وحشياً ليرقى سلم الحضارة.
وأخفق إيفان لأنه لم ينضج قط إلى حد السيطرة على النفس. وكادت أن تنسى في غمرة الانقلاب تلك الاصلاحات التي كان قد خططها. وترك الفلاحين خاضعين لملاك الأرض خضوعاً أشد وأنكى من ذي قبل. وأوصد بالحروب أبواب التجارة، وساق الرجال القادرين إلى أسلحة العدو، وشطر روسيا إلى قسمين متناحرين، وسار بها إلى الفوضى. وضرب لشعبه مثلاً مفسداً للقسوة المتسمة بالورع وللأهواء الجامحة. وقتل أحسن أبنائه مقدرة وكفاية، وأسلم عرشه إلى شخصية ضعيفة أدى عجزها إلى الحرب الأهلية. لقد كان إيفان واحداً من كثيرين من رجال عصره، الذين يمكن أن يقال عنهم إنه كان من الخير لبلادهم وللإنسانية جمعاء ألا يولدوا قط.




صفحة رقم : 8801




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> مقدمة



الفصل الثلاثون




عبقرية الإسلام




1258-1520


صمد العالم الإسلامي من 1095 إلى 1291 أمام سلسلة من الحملات الدينية العنيفة، مثل تلك الحملات الدينية العنيفة التي أخضع بها فيما بعد البلقان، وحول ألفاً من الكنائس إلى مساجد. ودفعت سبع حملات صليبية حث عليها اثنا عشر من البابوات، نقول دفعت بملوك أوربا وفرسانها ورعاعها ضد قلاع المسلمين في آسيا الصغرى وسوريا وفلسطين ومصر وتونس. وعلى الرغم من إخفاق هذه الهجمات آخر الأمر، فإنها أضعفت نظام هذه الدول الإسلامية ومواردها إضعافاً خطيراً. وكان الصليبيون قد نجحوا في أسبانيا حيث هزم المسلمون واخرجوا، ولكن بقاياهم تجمعوا في غرناطة التي تأخر قدرها المحتوم بعض الوقت، وكان النور مانديون الأشداء قد أخذوا صقلية من المسلمين. ولكن أين هذه الجراح والتمزيق من انقضاض المغول الوحشي المدمر (1219-1258) على بلاد ما وراء النهر وفارس والعراق؟ وتعرضت مراكز إشعاع الحضارة الإسلامية، المدينة تلو الأخرى، للسلب والنهب والمذابح والحريق- بخاري، سمرقند، بلخ، نيسابور، الري، هراة، بغداد. وأسقطت الحكومات الإقليمية والمحلية، وأهملت القنوات وتركت للرمال التي تذروها الرياح، وأكرهت التجارة على الفرار، ودمرت المدارس والمكتبات، وتشتت الدارسون ورجال العلم أو ذبحوا أو استعبدوا. وتحطمت روح الإسلام لنحو قرن من الزمان




صفحة رقم : 8802




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> مقدمة


ثم انبعثت من جديد في بطئ. ثم اكتسح تتار بتمورلنك غربي آسيا بدمار جديد، وشق الأتراك العثمانيون طريقهم عبر آسيا الصغرى إلى البسفور، ولم تعرف حضارة أخرى في التاريخ مثل هذه الكوارث عدداً وانتشاراً وشمولاً.
على أن المغول والتتار والأتراك أتوا بدمهم الجديد ليحل محل أنهار الدماء البشرية التي كانوا سفكوها. وكان الاسلام قد صار مترفاً فاتر الهمة، وكانت بغداد- مثل القسطنطينية- فقد فقدت إرادتها في امتشاق الحسام للدفاع عن النفس، وأغرم الناس هناك بالحياة اللينة الهينة الرخية إلى حد الإشراف على الموت. أن تلك الحضارة الرائعة- مثل الحضارة البيزنطية، أينعت لتذوى وتذبل،. ولكنها كانت غنية - مثل اليونان القديمة وإيطاليا النهضة - إلى حد القدرة على تمدين غزاتها، بفضل ما أنقذ من شتاتها وذكرياتها، وأنشأت فارس تحت حكم خانات المغول حكومة مستنيرة وأنتجت أدباً جيداً وفناً عظيماً، وشرفت التاريخ بعالم جليل هو رشيد الدين. وفيما وراء النهر، بنى تيمورلنك وعمر، بشكل مؤثر، قدر ما كان قد خرب ودمر. ووسط حملات السلب والنهب التي كان يشنها، توقف ليكرم حافظ الشيرازي. وفي الأناضول كلن الأتراك فعلاً متحضرين،وكان الشعراء بينهم من الكثرة قدر كثرة المحظيات أو الخليلات. وفي مصر استمر المماليك في إقامة الأبنية بناء العمالقة الجبابرة. وفي غربي إفريقية أنجب الإسلام فيلسوفاً مؤرخاً، كان يبدو إلى جانبه أعظم علماء المسيحية المعاصرة بمثابة حشرات صغيرة تقع في الشرك وتموت جوعاً وسط عناكب الفلسفة النصرانية في العصور الوسطى. وفي نفس الوقت كان الإسلام ينتشر في الهند إلى أقصى الشرق.




صفحة رقم : 8803




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الأيلخانات في فارس



1- الأيلخانات في فارس




1265- 1337


عندما سار ماركوبولو في 1271 عبر فارس ليرى الصين على عهد قبلاي خان، وجد نفسه إمبراطورية المغول. ولم يكن التاريخ قد سجل من قبل قط مملكة مترامية الأطراف مثلها. ففي الغرب لامست شواطئ نهر الدنيير في روسيا، وفي الجنوب شملت القرم والعراق وفارس والتبت والهند حتى ضفاف نهر الكنج. وفي الشرق طوقت الهند الصينية والصين وكوريا، وفي الشمال كان يقع موطنهم الأصلي منغوليا. وفي كل هذه البلاد تعهد حكام المغول الطرق، ونهضوا بالتجارة، وقاموا على حماية السائحين والمسافرين، وأطلقوا حرية العبادة لمختلف العقائد.
لقد أسس هولاكو حفيد جنكيزخان، بعد تدمير بغداد 1258، عاصمة جديدة اسمها المراغة شمال غربي فارس. ولما مات 1265 أصبح ابنه "أباقا" خان أو أمير فارس، وخضع خضوعاً غير ثابت لقبلاي خان، على بعد الشقة بينهما. ومن هنا بدأت أسرة الأيلخانية التي حكمت فارس والعراق حتى 1337. وكان أعظم أفراد هذه الأسرة هو غازان خان، الذي كاد أن يكون أقصر رجال جيشه قامة، ولكن أرادته كانت أقوى من أسلحتهم. وطرح غازان ولاءه للخان للأكبر في منغوليا أو الصين وجعل من دولته مملكة مستقلة، واتخذ من تبريز عاصمة لها، وقدم إليه الرسل من الصين والهند ومصر وإنجلترا وأسبانيا. وقد أصلح الإدارة، وثبت العملة، وحمى الفلاحين من ملاك الأرض ومن اللصوص، وساد الرخاء بدرجة تذكر ببغداد في أزهى أيامها. وشيد في تبريز مسجداً ومدرستين وأكاديمية للفلسفة ومرصداً ومكتبة ومستشفى. ووقف دخول أراض معينة، وقفاً دائماً للإنفاق على هذه المنشآت ، ووفر لها أعظم العلماء والأطباء ورجال




صفحة رقم : 8804




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الأيلخانات في فارس


العلم في ذاك العصر. وكان هو نفسه واسع الثقافة. وكان يعرف عدة لغات، واضح أن من بينها اللاتينية(1). وشيد لنفسه مقبرة بلغت من الفخامة والضخامة مبلغاً ظن معه أن موته (1304) كان بمثابة دخوله ظافراً منتصراً إلى مقر أشرف وأعظم.
ووصف ماركو بولو تبريز بأنها "مدينة عظيمة متألقة". وقال عنها فرا أودريك Fra Oderic، (1320) "إنها أجمل مدينة في العالم للتجارة، فهنا توجد أية سلعة بكميات وفيرة ...." ويقول المسيحيون هنا "إن الدخل الذي كانت تدفعه المدينة لحاكمها يفوق ما تدفعه فرنسا كلها لمليكها "(2) هذا بالإضافة إلى "المباني الأنيقة والمساجد الفخمة"، "وأروع الحمامات في العالم"(3). وقدر أودريك أن عدد سكانها يبلغ مليوناً من النفس.
وتابع أولجايتو السياسة المستنيرة التي انتهجها أخوة غازان. وشهد عصره بعضاً من أروع العمارة والزخرفة في تاريخ فارس، وان سيرة قاضي قضاته رشيد الدين فضل الله لتوضح ازدهار التعليم والثقافة والآداب في هذا العصر. وولد رشيد الدين سنة 1247 في همذان، وربما كان أبواه من اليهود، كما قال أعداؤه، مستشهدين بسعة اطلاعه وعلمه بالشريعة الموسوية. ولقد خدم رشيد الدين الخان أباقا كطبيب له، وغازان بوصفه كبيراً للوزراء، وأولجايتو بوصفه صاحب بيت المال. وشيد في إحدى الضواحي شرقي تبريز حياً جديداً أسماه "ربع الرشيد"، وهو مركز جامعي فسيح. وفي رسالة له محفوظة في مكتبة كمبردج يصف هذا المركز فيقول:
"لقد شيدنا نزلاً شاهقاً يناطح السحاب، و 1500حانوت تفوق الأهرام في رسوخها، و 30.000 منزل فاتن، كما




صفحة رقم : 8805




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الأيلخانات في فارس


شيدت فيها الحمامات الصحية والحدائق الغناء والمخازن والمطاحن ومصانع النسيج والورق. ونزح الناس من كل حدب وصوب إلى هذا الربع، وكان من بينهم مائتان من قراء القرآن. وزودنا بالمساكن 400 آخرين من العلماء ورجال اللاهوت ورجال القانون وعلماء الحديث، في شارع سمي "شارع العلماء". وأجرينا على هؤلاء جميعاً رواتب يومية وأرزاقاً ومخصصات سنوية للملابس، ومبالغ من المال لشراء الصابون والحلوى. وأتينا كذلك بألف طالب، وأصدرنا الأوامر بصرف الأرزاق والمخصصات اليومية لهم، حتى يتفرغوا في راحة وأمان، لطلب العلم ونفع الناس به. كما حددنا كذلك، من الطلبة، وكم منهم يدرسون مع كل أستاذ أو معلم. وبعد التحقق من صلاحية كل طالب وقدرته على فرع الدراسة الذي يريد التخصص فيه، أمرناه بأن يتعلمه.
وأولينا عنايتنا ورعايتنا بصفة خاصة وبطرق شتى، لخمسين طبيباً ماهراً جاءوا من الهند والصين ومصر وسوريا. فأمرنا بأن يترددوا على دار الشفاء كل يوم، وأن يتعهد كل منهم عشرة طلاب صالحين لدراسة الطب، ويدربهم على ممارسة هذا الفن الجليل. كما أمرنا بأن يعهد إلى أطباء النظارات والجراحين وأطباء العظام الذين يعملون بدار الشفاء، بخمسة من أبناء موظفينا وحاشيتنا ليتعلموا طب العيون والجراحة وطب العظام. ولكل هؤلاء الرجال شيدنا حياً خلف دار الشفاء... سمي "شارع الأطباء". كذلك استقرت كل جماعة من أرباب الحرف ورجال الصناعة الذين أتينا بهم من مختلف البلاد، في شارع سمي باسمها" (4).




صفحة رقم : 8806




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الأيلخانات في فارس


وخليق بنا أن يتولانا أشد العجب والدهشة لرجل وجد، مع إسهامه النشيط إدارة شئون المملكة، من الوقت والمعرفة ما استطاع معه تدوين خمسة كتب في اللاهوت، وأربعة في الطب وفي نظم الحكومة، وكتاباً من عدة مجلدات في تاريخ العالم. وفوق ذلك يؤكد لنا أحد المسلمين المعجبين أن رشيد الدين استطاع أن يخصص لتأليفه فترة ما بين صلاة الفجر وشروق الشمس. ومهما يكن من أمر فإن هناك أياماً تتلبد فيها السماء بالغيوم حتى في أذربيجان. وقضى رشيد الدين سبع سنين في كتاب "جامع التواريخ" ونشره في مجلدين ضخمين، ويقتضي نشره بالإنجليزية سبع مجلدات. وضمنه بيانات جوهرية عن المغول من جنكيزخان إلى غازان، وعن مختلف الدول والأسرات الإسلامية في شرقي العالم الإسلامي وغربيه، وعن فارس واليهود قبل بعثة الرسول وبعدها، وعن الصين والهند، مع دراسة مستفيضة لبوذا والبوذية، مع موجز مبسط لأعمال وأفكار ملوك أوربا وبابواتها وفلاسفتها، ويشهد كل الذين قرءوا هذه المجلدات- ولو أنها لم تترجم بعد إلى أية لغة أوربية- بأنها أقيم عمل في النثر الأدبي في فارس. ولم يستفد رشيد الدين من محفوظات حكومته فحسب، ولكنه استخدم كذلك علماء من الصين ليؤمنوا له المعاهدات الصينية وغيرها من الوثائق، ويبدو أنه قرأها مع غيرها من المراجع العربية والعبرية والتركية والمغولية، والتركية والمغولية، كل في لغته الأصلية(5).
ورغبة في نقل هذه المجموعة الوافية من التواريخ إلى الأعقاب رغم الزمن والحرب، أرسل رشيد الدين نسخاً من هذا الكتاب إلى المكتبات هنا وهناك، وترجم إلى العربية ووزع. وخصص أموالاً لكتابة نسخة بالعربية وأخرى بالفارسية في كل عام، لإهدائها إلى إحدى المدن في العالم الإسلامي. على أن كثيراً من هذا الكتاب مع مؤلفاته الأخرى قد ضاع، وربما يرجع هذا إلى الكارثة السياسية التي حلت به. ذلك أنه في سنة 1312 أشرك الأمير أو لجابتو على شاه مع رشيد الدين في الإشراف على بيت المال. وفي زمن "أبى سعيد"




صفحة رقم : 8807




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الأيلخانات في فارس


الذي خلف أولجابتو، نشر على شاه مختلف الاتهامات ضد زميله رشيد الدين، وأغرى الخان بأن رشيد الدين وأبنه إبراهيم كانا قد دسا السم لأولجابتو. فعزل المؤرخ (رشيد الدين) وسرعان ما أعدم (1318) وهو في سن السبعين، مع أحد أبنائه، وصودرت ممتلكاته، وحرمت مؤسساته من العطايا والمنح، ونهبت ضاحية "ربع رشيد" ودمرت.
وقام أبو سعيد بترضية متأخرة، ذلك أنه عين ابنا آخر من أبناء المؤرخ وزيراً له، ونهج غياث الدين سبيل الحكمة والعدالة في إدارة دفة الحكومة. وأعقب موت أبى سعيد فترة من الفوضى، ووضعت نهاية لحكم أسرة الأيلخانية، وانقسمت مملكتهم إلى ولايات صغيرة دمرتها الحرب، وخلصها الشعر.




صفحة رقم : 8808




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> حافظ الشيرازي



2- حافظ الشيرازي




1320-1389


ما كان أكثر من ينظم القصيد في فارس. وكان الملوك يكرمون الشعراء اللذين لم يتقدم عليهم في الحظوة بهذا التكريم والتبجيل إلا الحظايا والحظاظون والقواد. وفي زمن حافظ طبقت الآفاق شهرة عشرين من الشعراء، وذاع صيتهم من البحر المتوسط إلى نهر الكنج، ومن اليمن إلى سمرقند، ولكنهم جميعاً، على أية حال، أحنوا رءوسهم إجلالاً لشمس الدين محمد- المشهور باسم حافظ الشيرازي - وأكدوا له أنه بز "الشيخ سعدي" الشاعر الرخيم نفسه. وارتضى حافظ هذا التقدير، وأخذ يحدث نفسه في احترام قائلاً:
"قسماً بالقرآن الذي تعيه في صدرك يا حافظ، لم أر قط أجمل من شعرك"(6).
"وحافظ" لفظة معناها "الذكور" الذي يحفظ ويتذكر، وهو لقب




صفحة رقم : 8809




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> حافظ الشيرازي


أطلق على كل من حفظ القرآن كله - مثل شاعرنا - ولم يعرف تاريخ ميلاده، وأبواه غير معرفين. وسرعان ما أقبل على الشعر. وكان أول من رعى الشاعر واحتضنه هو "أبو إسحق " الذي عينه غازان خان حاكماً على جنوب إيران. وأولع أبو إسحق بالشعر أيما ولع، وأهمل شئون الحكومة. ولما جاءه النذير بأن بعض القوات المعادية تعد العدة لمهاجمة عاصمة "شيراز"، قال إنه لسفيه ذلك الرجل الذي يضيع مثل هذا الربيع الجميل في الحرب، ولكن قائداً متلبد الشعور هو "مبارز الدين محمد بن المظفر" استولى على شيراز وقتل أبا إسحق (1352)، وحرم شرب الخمر وأغلق كل حانة في المدينة. وفي هذا كتب حافظ مرثية حزينة قال فيها:


"ولو أن الخمر تبعث السرور، والريح تنشر أريج الورود،




لا تشربوا الخمر على أنغام القيثارة لأن المحتسب يقظ،




وخبئوا الطاس في أكمام عباءاتهم المرقعة،




لأن الزمن يسفك الدماء، كما ينسكب الخمر من عين الإبريق الدامعة،




واغسلوا بدموعكم ما تلطخ بالخمر من أرديتكم




لأن هذا موسم الورع وزمن التقشف والتعفف"(7).


ولما وجد خليفة ابن المظفر أن تحريم الخمر أمر غير عملي، أو تبين أن شاربي الخمر أسلس قياداً وأيسر حكماً من المتطهرين المتزمتين، أعاد فتح أبواب الحانات، وخلد حافظ اسمه.
وسار شاعرنا على تقاليد الفرس في نظم من القصائد في الخمر، واعتبر في بعض الأحيان أن زجاجة من الخمر "تسمو على تقبيل العذارى"(8)، ولكن حتى الكروم تجف وتذوى بعد ألف مقطع من الشعر، وسرعان ما تبين حافظ أن الحب، عذرياً كان أو عملياً، لا يستغنى عنه الشعر.




صفحة رقم : 8810




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> حافظ الشيرازي




"هل تعرف ما هو الحظ السعيد؟ إنه الظفر بنظرة إلى غادة




هيفاء، إنه التماس صدقة منها في زقاقها، وازدراء أبهة الملك"(9).




وبدا له الآن أن الحرية ليست حلوة مثل حلاوة العبودية في الحب.




"إن عمرنا قصير، ولكن طالما أننا قد نفوز




بالمجد وهو الحب، فلا تحتقر




الاصغاء إلى توسلات القلب،




فإن سر الحياة سوف يبقى فيما وراء العقل.




فاهجر عملك إذن وقبل حبيبتك الآن.




إنى لأمنح العالم كله هذه النصيحة الغالية،




عندما تتفتح أزهار الربيع، وتهجر الريح الطاحون




وتنزلق برفق لتقبل الغصن المورق.




أى حسناء شيراز، امنحيني أمنية الحب،




ومن أجل شامتك - تلك الحبة من الرمل العالقة




بصفحة خد من اللؤلؤ - سوف يمنحك حافظ




كل بخاري، وكل سمرقند.




آه لو دخلت مع القدر في رهان مرة،




لحاولت برمية واحدة، مهما كان الثمن،




لألتقط أنفاسي، أيها الحب اجمع بيننا،




فما حاجتي بعد ذلك إلى الجنة،




إن الذي خلق غدائر شعرك من ذهب وفضة،




وجمع بين الوردة الحمراء والوردة البيضاء




وأسلم إليهما خدك في شهر العسل




أليس بقادر على أن يمنحني الصبر، وأنا ابنه (10)".






صفحة رقم : 8811




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> حافظ الشيرازي


ويبدو أنه آخر الأمر، قد هدأت نفسه بالزواج، فلو فسرنا قصائده الرقيقة تفسيراً صحيحاً، فإنه وجد زوجة وأنجب عدة أطفال، قبل أن يحزم أمره بين النساء والخمر. ويبدو أنه في بعض أشعاره يرثيها ويتألم لفراقها:


"سيدتي، يا من حولت بيتي




إلى فردوس حين حللت به،




من عند الله أحاطها بعنايته، كانت طاهرة، مبرأة من الثم،




جميلة المحيا مثل القمر، عاقلة،




وعيناها ذواتي النظرة العطوفة الناعمة




كانتا تشعان فتنة لا حدود لها




ثم حدثني قلبي: هنا سوف يستقر بي المقام!




فإن هذه المدينة تتنفس بحبها في كل ركن منها.




ولكنها نقلت إلى عالم بعيد قصي،




للأسف لم يعرفه قلبي، وا أسفاه أيها القلب المسكين




إن نجماً خبيثاً شريراً أعمل أثره




فأرخى قبضة يدي التي كانت تمسك بها، ووحدها بعيداً




رحلت من كانت تسكن في صدري"(11).


ومهما يكن من أمر فقد ألف المقام، وركن إلى العزلة الهادئة، وقلما ارتحل إلى خارج شيراز، وقال إنه يترك لقصائده أن تجوب الأرض بدلاً من شخصه، وكم دعى إلى بلاط كثير من الملوك والأمراء. واقنع للحظة وجيزة بقبول دعوة من السلطان أحمد بالاقامة في القصر الملكي في بغداد(12)،




صفحة رقم : 8812




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> حافظ الشيرازي


ولكن حبة لشيراز أبقاه حبيساً بها، وكان يشك في أن بالجنة نفسها مثل هذه الأنهار الفاتنة أو مثل هذه الورود الحمراء في شيراز. وكان بين الحين والحين يوجه قصائد المديح إلى أمراء الفرس في عصره أملا في عطايا أو جوائز تخفف من ألم الفقر الذي كان يعاني منه، لأنه لم يكن في فارس ناشرون لينقلوا نفثات البراع عبر البحار، وكان على الفنان (أى الشاعر) أن ينتظر على أبواب النبلاء والملوك. والحق أن شاعرنا "حافظ" كاد أن يرحل يوماً إلى الخارج، ذلك أن أحد أمراء الهند لم يبعث إليه بالدعوة فحسب، بل زوده كذلك بالمال اللازم لنفقات الرحلة، فأقلع حافظ ووصل إلى هرمز على الخليج الفارسي، وكان على وشك الركوب في السفينة فهبت عاصفة هوجاء حولته عن عزمه، وحببت إليه الاستقرار. فعاد أدراجه إلى شيراز، وبعث إلى الأمير الهندي بقصيدة بدلاً من شخصه.
ويضم ديوان حافظ 693 قصيدة معظمها غنائية، وبعضها رباعيات، وبعضها الآخر شذرات غير واضحة المعنى. وهي أصعب في ترجمتها من أشعار دانتى، زاخرة بقواف كثيرة مما يجعل منها في الانجليزية شعراً غير مصقول محطم عقول الوزن، كما تعج بالاشارات والتلميحات المبهمة التي كانت تبهج عقول الناس في ذاك الزمان، ولكنها الآن ثقيلة على السمع في الغناء، والأفضل أن توضع نثراً في الغالب:


"كاد الليل أن ينصرم، حين جذبني أريج الورود، فدلفت إلى




الحديقة، مثل العندليب، أفتش عن بسم للحمى التي انتابتني،




وهناك في الظل تألقت وردة، وردة حمراء كأنها مصباح محجب،




فحدقت النظر في محياها،




إن الوردة فاتنة لمجرد أن وجه محبوبتي فاتن.... وماذا يكون




عبير المروج، والنسيم الذي يهب في الحديقة، إذا لم يكونا






صفحة رقم : 8813




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> حافظ الشيرازي




لخد محبوبتي الذي يشبه الخزامى (التيوليب)؟




وفي ظلمة الليل حاولت أن أطلق قلبي من رباط غدائر شعرك




ولكني أحسست بلمسات خدك ورشفت رحيق شفتيك، وضممتك




إلى صدري. ولفني شعرك وكأنه لهب. وألصقت شفتي




بشفتيك، وأسلمت قلبي ونفسي لك كأنهما فدية (13).


وكان حافظ إحدى النفوس الموهوبة الصادية المنهوكة، التي تستجيب وتتأثر - عن
طريق الفن والشعر والمحاكاة والرغبة شبه اللاواعية، تستجيب وتتأثر بالجمال إلى حد الرغبة في عبادته، فترغب بالعينين وبالألفاظ وبأطراف الأنامل، أن تعبد أي شكل جميل، سواء كان نحتاً على حجر أو رسماً أو آدمياً أو زهرة، ونعاني في صمت مكبوت كلما ألم بها الجمال. ولكن هذه النفوس أيضاً تجد فيما تفاجأ به كل يوم من فتنة أو سمو أو جمال جديد، بعض المغفرة لقصر عمر الجمال ولسلطان الموت. ولذلك خلط حافظ التجديف بالعبادة، وانساق في هرطقة غاضبة حتى في الوقت الذي كان فيه يثنى على "الواحد الأحد الخالد" وهو المصدر الذي يفيض منه كل جمال على الأرض.
والتمس كثير من الناس أن يضفوا عليه احتراماً ووقاراً، بتفسير خمرة بأنها نشوة روحية، وحاناته بأنها أديار، ولهبه بأنها "النار المقدسة". صحيح أنه أصبح متصوفاً وشيخاً، وارتدى ملابس الدراويش، ونظم قصائد صوفية غامضة، ولكن معبوداته الحقيقية كانت الخمر والنساء والغناء، وبدأت حركة لمحاكمته بوصفه زنديقاً كافراً، ولكن أفلت منها بالتوسل بأن قصائد الهرطقة كان يقصد بها أن يعبر عن آراء المسيحيين، لا عن آرائه هو. ومع ذلك كتب يقول:


"أيها التحمس، لا تظن أنك بمنجاة من خطيئة الكبرياء،




فليس الفرق بين المسجد وكنيسة الكفار سوى الغرور"(14).






صفحة رقم : 8814




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> حافظ الشيرازي


والكافر هنا بطبيعة الحال هو المسيحي. وبدا في بعض الأحيان لحافظ أن "الإله " ما هو إلا شيء اختلقته آمال الإنسان:


"وهذا الذي يسوقنا في هذه الأيام التي تمر كوميض البرق،




هذا الذي نعبده رغم معرفتنا بمن يفنيه أو يذبحه،




أنه هو نفسه قد يتولاه الحزن والأسى، لأننا حين نفترق




سيختفي هو أيضاً في هذا اللهيب نفسه"(15).


ولما مات حافظ كانت عقيدته مشكوكاً فيها، وكان مذهب المتعة عنده لاصقاً به إلى حد الاعتراض على تشييع جنازته في احتفال ديني، ولكن أصدقاءه أنقذوا الموقف بتفسير أشعاره بالمجاز والاستعارة. وجاء بعد ذلك جيل دفن رفاقه في حديقة أطلقوا عليها "الحافظية" تزدان بورود شيراز، وتحققت نبوءة الشاعر بأن قبره سيكون "مزاراً يحج إليه عشاق الحرية من جميع أنحاء العالم". وعلى لوح مقبرة حافظ المصنوع من المرمر نقشت إحدى قصائده، وهي عامرة بالروح الدينية العميقة أخيراً. وفيها:


"أين أنباء الوحدة؟ حتى أنهض




من التراب، سوف أصحو لأرحب بك !




إن نفسي مثل الطائر الزاجل، حنيناً منها إلى الجنة،




سوف تصحو وتتوجع من شرور العالم التي أطلقت من عقالها.




وعندما يهتف بي صوت حبك لأكون عبداً لك




سوف أصحو إلى ما هو أعظم كثيراً من السيادة




على الحياة والعيش، والزمن والعمر الفاني.




صب يا إلهي من سحب نعمتك الهادية




شآبيب الرحمة التي تسرع إلى قبري




قبل أن أنهض، مثل التراب الذي تذروه الرياح من مكان إلى مكان،




إلى ما وراء علم الإنسان.






صفحة رقم : 8815




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> حافظ الشيرازي




وعندما تعرج بقدميك المباركتين إلى قبري،




سوف تحضر بيدك الخمر والإغراء إلي،




ولسوف يرن صوتك في طيات ملاءتي الملفوفة،




ولسوف أنهض وأرقص على غناء قيثارتك.




ورغم شيخوختي، ضمني ليلة إلى صدرك،




فإني، عندما ينبثق الفجر ليوقظني،




بنضارة الشباب في خدي، من بين أحضانك سوف أنهض.




انهض! دع عيني تسح وتمرح في نعمتك العظيمة!




أنت الهدف الذي حاول كل الناس الوصول إليه،




أنت المحبوب الذي يعبده حافظ، ووجهك




سوف يأمره أن ينبعث من الدنيا ومن الحياة ويصحو(16).






صفحة رقم : 8816




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> تيمور



3- تيمور




1336- 1405


عرفنا أول عرفنا عن التتار أنهم قوم رحل من آسيا الوسطى، وأنهم أنسباء وأقرباء، وجيران للمغول، وشاركوهم في الحملات على أوربا، ووصف كاتب صيني من القرن الثالث عشر تحدرهم، وصفاً كثير الشبه بما صور به المؤرخ جوردانيز أمة الهون قبل ذلك بألف سنة، فالتتار قصار القامة، كريهو الطلعة والمحيا للغرباء عنهم، يجهلون القراءة والكتابة، مهرة في الحرب، يسددون سهامهم دون أن تطيش من فوق ظهر جواد مسرع، ويحافظون على استمرار جنسهم أو عرقهم بالمواظبة على تعدد الزوجات. وكانوا في هجراتهم وحملاتهم ينقلون معهم كل متاعهم وأسراتهم - الزوجات والأولاد والجمال والخيول والغنم والكلاب، ويرعون الحيوانات




صفحة رقم : 8817




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> تيمور


فيما بين المعارك، ويتغذون بلحومها وألبانها، ويتخذون الملابس من جلودها. وكانوا يأكلون بنهم وشراهة عند توافر المؤن، ولكن كانوا يحتملون الجوع والعطش والقيظ والقر، "بصبر أكثر من أي شعب آخر في العالم "(17). وكانوا يتسلحون بالسهام المكسوة أطرافها أحياناً بالنفط الملتهب، وبالمدافع، وبكل معدات العصور الوسطى للحصار، ومن ثم كانوا أداة صالحة مستعدة لكل من كان يحلم بتأسيس إمبراطورية منذ كان في المهد صبياً.
وعندما مات جنكيزخان (1227) وزع ملكه على أبنائه الأربعة. فأعطى جغتاي الاقليم المحيط بسمرقند، وحدث أن أطلق اسم هذا الابن على قبائل المغول أو التتار التي حكمها. وولد تيمور (أي الحديد)، في مدينة "كش Kesh" في بلاد ما وراء النهر، لأمير إحدى هذه القبائل. وطبقاً لما رواه كلافيجو Clavijo أدى "سوط الله" الجديد هذه المهمة منذ نعومة أظفاره: فنظم عصابات من صغار اللصوص لسرقة الغنم والماشية من المراعي المجاورة (18). وفقد في إحدى هذه المغامرات إصبعيه الوسطى والسبابة من يده اليمنى، وفي مغامرة أخرى أصيب بجرح في عقبه، ومن ثم عرج بقية أيام حياته (19) فلقبه أعداؤه Timur-i-Lang أى تيمور الأعرج، ولكن الغربيين غير المدققين، مثل مارلو حرفوا هذا الاسم إلى Tamburlane أو Tamerane. وقد وجد تيمور فسحة من الوقت لتلقي قليل من التعليم، وقرأ الشعر، وعرف الفرق بين المبادئ والانحلال. ولما بلغ سن السادسة عشرة ولاه أبوه زعامة القبيلة. وآوى إلى أحد الأديار، لأن هذا الرجل العجوز (الوالد) قال عن الدنيا إنها ليست "أفضل من زهرية من الذهب مليئة بالثعابين والعقارب" وقيل إن الوالد نصح ابنه أن يرعى الديانة دوماً،




صفحة رقم : 8818




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> تيمور


واتبع تيمور هذه الوصية إلى حد تحويل الرجال إلى مآذن (تكديس بعضهم فوق بعض للتنكيل بهم).
وفي سنة 1361 عين خان المغول "خوجة الياس" حاكماً على بلاد ما وراء النهر، وعين تيمور مستشاراً له، ولكن الشاب النشيط لم يكن قد نضج بعد لممارسة فن الحكم، وتشاجر بعنف مع سائر موظفي خوجة الياس، وأجبر على الهروب من سمرقند إلى الصحراء... فجمع حوله عدداً من المحاربين الشبان، وضم عصبته إلى عصبة أخيه الأمير حسين الذي كان في مثل ظروفه. وتجولوا من مكمن إلى مكمن، حتى تحجرت أجسامهم ونفوسهم بسب الأخطار والتشرد والفقر، إلى واتاهم بعض الحظ حين استخدموا لقمع فتنة في سيستان Sistan ، وما أن اشتد عود الأخوين حتى أعلنا الحرب على خوجة الياس وخلعاه وذبحاه. وأصبحا حاكمين في سمرقند على قبائل جغتاي (1365)، وبعد ذلك بخمس سنوات تآمر تيمور على ذبح الأمير حسين، وأصبح السلطان الوحيد.
وتروى سيرة حياته المشكوك فيها، عن عام 769هـ (1367م): "دخلت عامي الثالث والثلاثين، ولما كنت دوماً قلق البال لا يقر لي قرار، فقد كنت تواقاً إلى غزو بعض البلاد المجاورة"(20). وكان يقضي أيام الشتاء في سمرقند، وقل أن انقضى ربيع دون أن يخرج فيه إلى حملة جديدة. وقد لقن المدن والقبائل في بلاد ما وراء النهر أن تتقبل حكمه طواعية أو سلماً لا حرباً. وفتح خراسان وسيستان، واخضع المدينتين الغنيتين هراة وكابول، وأحبط المقاومة والتمرد بما كان ينزل من عقاب وحشي. ولما استسلمت مدينة سبزاوار Sabzawar بعد حصار كلفه كثيراً، أسر ألفين من رجالها، "وكدسهم أحياء، الواحد فوق الآخر، وضرب عليهم بنطاق من الآجر والطين، وأقام منهم مئذنة، حتى إذا استقين الرجال جبروت غضبه، لا يعود يغويهم شيطان الصلف والكبرياء". وهكذا روى القصة مادح




صفحة رقم : 8819




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> تيمور


معاصر(21). وغفلت مدينة زيرية Zirih عن هذه الحقيقة وأبدت مقاومة، فأقام الغازي من رؤوس أبنائها عدداً أكبر من المآذن. واجتاح تيمور أذربيجان واستولى على لورستان وتبريز، وأرسل فنانيهما إلى سمرقند. واستسلمت أصفهان في 1387 وارتضت بقاء حامية من التتار بها، فلما غادر تيمور المدينة انقض السكان على الحامية وذبحوا رجالها. فعاد تيمور بجيشه وانقض على المدينة وأمر كل فرد في جيشه أن يأتيه برأس واحد من الفرس. وقيل إن سبعين ألفاً من رءوس الأصفهانيين علقت على أسوار المدينة أو أقيمت منها أبراج تزين الشوارع (22). فلما سكن روع تيمور وهدأت نفسه خفض الضرائب التي كانت المدينة تدفعها لحاكمها، ودفعت سائر مدن فارس الفدية دون ضجة.
وتقول أسطورة أطراف من أن تصدق، إنه في شيراز في 1387، دعا تيمور أشهر مواطني المدينة إلى المثول بين يديه، وقرأ عليه غاضباً سطوراً (من الشعر) كانت قد قدمت فيها مدينتا بخاري وسمرقند من أجل الخال في خد سيدة، وقيل إن تيمور شكا غاضباً وهو يقول: "إني بضربات سيفي اللامع الصقيل أخضعت معظم الأرض المعمورة لأزين بخاري، وسمرقند، مقر حكومتي، وأنت أيها التعس الحقير تريد أن تبيعهما من أجل شامة سوداء في خد سيدة تركية في شيراز!" وتؤكد الرواية أن حافظ انحنى أمام الأمير وقال: "وا أسفاه أيها الأمير، أن هذا التبذير هو سبب البؤس الذي تراني فيه". واستساغ تيمور هذا الجواب فأبقى على حياة الشاعر ومنحه هدية سنية. ومما يؤسف له أن أحداً من كتاب سيرة تيمور المتقدمين لم يورد ذكر هذه الحادثة الطريفة(23).
وعند ما كان تيمور في جنوبي فارس جاءته الأبناء بأن طقطميش خان القبيلة الذهبية انتهز فرصة غيابه ليغزو بلاد ما وراء النهر، بل حتى ليعمل السلب والنهب في المدينة الجميلة بخاري التي قدرها حافظ بنصف خال على




صفحة رقم : 8820




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> تيمور


خد سيدة، فسار تيمور ألف ميل إلى الشمال (تصور مشاكل التموين في مثل هذه المسيرة)، ورد طقطميش إلى الفولجا. وسار جنوباً وغرباً وأغار على العراق وجورجيا وأرمينية، وهو يذبح في طريقه كل السادة الذين دمغهم بأنهم "شيوعيون مضللون"(24). واستولى في 1393 على بغداد بناء طلب سكانها الذين لم يعودوا يحتملون جور سلطانهم أحمد بن أويس. ولما رأى تدهور العاصمة أمر معاونيه بإعادة بنائها، وفي نفس الوقت أضاف إلى حريمه نخبة من الزوجات، وغلى حاشيته واحداً من اشهر الموسيقيين، ولجأ السلطان أحمد إلى بايزيد الأول سلطان العثمانيين في بروسة. وطلب تيمور تسليم السلطان أحمد، فرد بايزيد بأن هذا أمر يخدش تقاليد الضيافة عند الأتراك.
وكان من الممكن أن يتقدم تيمور إلى بروسه، لولا أن طقطميش عاود غزو بلاد ما وراء النهر، فاكتسح التتري المهتاج جنوبي روسيا، وبينما كان طقطميش مختبئاً في البرية، اجتاح مدينتي القبيلة الذهبية: سراي واستراخان. ولما لم يجد تيمور أية مقاومة، تقدم بجيشه غرباً من الفلجا إلى الدون، وربما كان من خطته أن يضم روسيا كلها إلى مملكته. وأقسام الروس في البلاد الصلوات في حرارة وحمية، وحملت "عذراء فلاديمير" إلى موسكو، بين صفوف الضارعين الراكعين وهم يصيحون: "يا أم الاله، خلصي روسيا". وساعد فقر السهوب على إنقاذها. ولما وجد تيمور أنه لا غناء في هذه السهول الجرداء ولا شيء فيها يمكن سلبه، ارتد إلى الدون وقاد جنوده المنهوكين الجياع إلى سمرقند (1395-1396).
وتجمع كل الروايات على أنه كان في الهند ثروات تشتري مائة روسيا، وأعلن تيمور أن حكام المسلمين في شمال الهند شديدو التسامح مع الهندوس الوثنيين الذين يجب عليهم اعتناق الاسلام أو تحويلهم إليه. وسار تيمور، وهو في الثالثة والستين من العمر على رأس جيش قوامه 92.000 رجل




صفحة رقم : 8821




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> تيمور


(1398). وعلى مقربة من دلهي التقى بجيش سلطانها محمود، فهزمه، وذبح مائة ألف (؟) سجين، ونهب العاصمة، وجلب معه إلى سمرقند كل ما استطاعت جنوده ودوابه أن تحمل من ثروات الهند الأسطورية.
وفي 1399، ولم تكن قد محيت من ذاكرته قصة أحمد وبايزيد الأول، تقدم مرة ثانية، وعبر فارس إلى أذربيجان، وخلع ابنه المبذر المضيع الذي كان حاكماً عليها، وشنق الشعراء والوزراء الذين كانوا قد أغروا الشاب بالانغماس في اللهو، واجتاح جورجيا. ولما دخل آسيا الصغرى حاصر سيواس، واغتاظ لطول مقاومتها، فدفن أربعة آلاف جندي مسيحي أحياء- أو أن مثل هذه القصص من دعاية الحرب؟ ورغبة منه في حماية جناح جيشه عند مهاجمة العثمانيين، أرسل رسولاً إلى مصر مقترحاً ميثاق عدم اعتداء، ولكن سلطان المماليك أودع الرسول السجن، واستأجر سفاحاً لقتل تيمور. وباء المشروع بالإخقاق. وبعد إخضاع حمص وحلب وبعلبك ودمشق، سار التتري إلى بغداد التي طردت كل الموظفين الذين عينهم هو. واستولى عليها بثمن باهظ، وأمر جنوده البالغ عددهم عشرين ألفاً بأن يحضر إليه كل منهم رأس واحد من الأهالي. وتم له ما أراد- أو هكذا قيل: أغنياء وفقراء، رجالاً ونساء، شيباً وشباناً، فكلهم دفعوا ضريبة الرأس هذه، وكدست رءوسهم على شكل أهرام مروعة أمام أبواب المدينة (1401). وأبقى الغزاة على مساجد المسلمين وعلى أديار الرهبان والراهبات ، وسلبوا ودمروا ما عداها تدميراً تاماً، حتى العاصمة التي كانت يوماً مدينة زاهرة باهرة لم تعد سيرتها الأولى إلا في أيامنا هذه بفضل زيت البترول .
وإذا أيقن آنذاك تيمور أنه يمكنه أن يطمئن على ملكه عن اليمين وعن الشمال ،أرسل إلى بايزيد إنذاراً نهائياً للتسليم . ولكن سلطان الأتراك الذي زادت ثقته بنفسه يفضل انتصاره في معركة نيقوبوليس 1396،




صفحة رقم : 8822




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> تيمور


أجاب بأنه سوف يسحق جيش التتار ويتخذ من زوجة تيمور الأثيرة جارية له (25) والحم أقدر قائدين في زمانهما في أنقرة 1401، وأرغمت استراتيجية تيمور أعدائه الأتراك على القتال بعد أن أرهقتهم وأنهك قواهم طول السير. وهزم الأتراك هزيمة منكرة وأخذ بايزيد أسيراً. وابتهجت القسطنطينية، وظل العالم المسيحي بمنجاة من الأتراك لمدة نصف قرن بفضل التتار. وواصل تيمور سيره في اتجاه أوربا إلى بروسه واحرقها، وحمل معه من المدينة المكتبة البيزنطية والأبواب الفضية. وتقدم نحو البحر المتوسط، وانتزع أزمير من أيدي فرسان رودس، وذبح السكان،وقدمت جنوه التي كانت لا تزال تحتفظ بخيوس وفوشيا وميتلين خضوعها ودفعت الجزية. وأفرج سلطان مصر عن رسول ملك التتار، وانخرط في الزمرة الممتازة، زمرة التابعين الخاضعين لسلطان تيمور. وعاد تيمور أدراجه الى سمرقند، وهو أقوى حكام عصر، حيث امتد ملكه من أواسط آسيا إلى النيل ومن البسفور إلى الهند. وبعث إليه هنري الرابع ملك إنجلترا بالتهنئة، كما أوفدت إليه فرنسا أسقفاً يحمل الهدايا. وأرفد إليه هنري الثالث ملك قشتالة بعثة شهيرة برياسة روى جونزاليز كلافيجو.
وإنا لمدينون لمذكرات كلافيجو بمعظم ما نعلمه عن بلاط تيمور. فقد غادر قادس في 13 مايو 1403، ومر بالقسطنطينية وطرابزون وأرضروم, وتبريز وطهران (التي وردت الآن لأول مرة على لسان أحد الأوربين) ونيسابور، ومشهد، حتى وصل سمرقند في 31 أغسطس 1404. وكان قد توقع لسبب ما، أن هناك قوماً من السفاكين الكريهى الطلعة. وما كان أشد دهشته لكبر عاصمة تيمور وازدهارها، وفخامة المساجد والقصور، وسلوك سادتها وعاداتهم الحميدة، وثراء البلاط وترفه، واحتشاد للفنانين والشعراء حول تيمور احتفاء به وتكريماً له.




صفحة رقم : 8823




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> تيمور


وكانت المدينة آنذاك قد مضى على بنائها أكثر من ألفى عام، وكانت تضم نحو مائة وخمسين ألف نسمة مع "مجموعة من أعظم الدور وأجملها"، مع كثير من القصور "التي تضللها الأشجار"، بهذا كله رجح كلافيجو أن سمرقند "أكبر من أشبيلية"، هذا بخلاف الضواحي المترامية. وكان الماء يرفع إلى البيوت من نهر يجري بالقرب من المدينة، وكست مياه الري المنطقة الخلفية بالخضرة. وتضوع الهواء بعبير البساتين والكروم. وتوافرت المراعي للأغنام والماشية، ونمت المحاصيل الكثيرة. وكان في المدينة مصانع للمدافع والدروع والأقواس والسهام والزجاج والخزف، والمنسوجات المتناهية في اللمعان بما فيها "القرمزي" وهو الصباغة الحمراء، ومنه اشتقت اللفظة الإنجليزية Crimson. وكانت المدينة تضم التتار والأتراك والعرب والفرس والعراقيين والأفغانيين والكرجيين والأرمن والكاثوليك والنساطرة والهندوس، ممن يعملون في الحوانيت أو في الحقول، ويسكنون في بيوت من الطوب أو من الطين أو الخشب، أو يسرحون ويمرحون في المدينة على ضفة النهر، كل يمارس شعائره الدينية في حرية تامة، ويدعو لعقيدته المتعارضة مع سائر العقائد. وكانت تحف على جوانب الشوارع الرئيسية الأشجار والحوانيت والمساجد والمدارس والمكتبات، وكان هناك مرصد، وكان ثمة جادة رئيسية عريضة تقطع، في خط مستقيم، المدينة من أحد طرفيها إلى الطرف الآخر، وكان القطاع الرئيسي من هذا الطريق العام مغطى بالزجاج(26).
وفي 8 سبتمبر استقبل إمبراطور التتار كلافيجو، الذي مر بساحة فسيحة "نصبت فيها خيام كثيرة من الحرير"، وسرادقات مطرزة بالحرير، وكانت الخيمة هي المسكن المألوف لدى التتار، وكان لتيمور نفسه في هذه الساحة خيمة يبلغ 300 قدم، كما كان هناك أيضاً قصور ذوات أرضية من الرخام أو القرميد، مزودة بأثاث متين مرصع بالأحجار




صفحة رقم : 8824




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> تيمور


الكريمة، وكله مصنوع أحياناً من الفضة أو الذهب. ووجد كلافيجو ملك التتار جالساً القرفصاء على وسائد من الحرير "تحت مدخل أجمل قصر" قبالة نافورة يندفع منها عامود من الماء الذي انصب في حوض يتحرك فيه التفاح بلا انقطاع. وكان تمور يرتدي عباءة من الحرير ويلبس قبعة عالية واسعة مرصعة بالياقوت واللآلىء. وكان هذا العاهل طويل القامة نشيطاً يقظاً، أما الآن وهو في سن الثامنة والستين، فقد كان منحنياً ضعيفاً متوجعاً، وكاد أن يكون كفيفاً. وكان يستطيع بشق النفس أن يرفع جفنيه ليرى السفير.
وحصل تيمور من الثقافة على ما يمكن أن يحتمله رجل عمل، فقرأ التاريخ؛ وجمع الفن والفنانين، وصادق الشعراء والعلماء، واستطاع عند الاقتضاء أن يتحلى بأجمل العادات. واستوى غروره مع قدرته، مما لم يتفوق فيه أحد عليه في زمانه. وقدر تيمور على العكس من قيصر، أن القسوة جزء ضروري من الاستراتيجية، ولكنه، إذا صدقنا ضحاياه، غالباً ما يبدو آثماً متهماً بالقسوة لمجرد الانتقام. فإنه حتى في إدارته المدنية كان يسرف في الحكم بالإعدام، حتى على محافظ اتبع سياسة الظلم في المدينة، أو على جزار تقاضي للحم ثمناً أكثر مما ينبغي (27). إنه نفذ سياسة القسوة والعنف بوصفها ضرورية لحكم شعب لم يألف القانون بعد. وبرر مذابحه على أنها وسيلة لإرغام القبائل المخالفة للقانون والنظام على اتباع النظام ومتطلبات الأمن في دولة موحدة قوية. ولكنه مثل سائر الغزاة والفاتحين أحب القوة لذاتها، وأحب الغنائم والأسلاب من أجل العظمة التي يمكن أن تغطي الغنائم تكاليفها.
وفي 1405 شرع في فتح منغوليا والصين، يراوده حلم إنشاء دولة تضم نصف العالم، وتربط بين البحر المتوسط وبحر الصين. وكان جيشه يتألف من مائتي الف من الرجال الأشداء. ولكنه قضى نحبه في أتار




صفحة رقم : 8825




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> تيمور


Ottar على الحدود الشمالية من مملكته، وكانت آخر أوامره أن يتابع جيشه سيره، ولبرهة بسيطة تقدم جواده الأشهب المسرج، دون أن يمتطيه صاحبه، وهو يسير الهوينا في خطى متزنة - تقدم الحشد. ولكن جنوده كانوا على يقين من أن عقل قائدهم وإرادته كانتا تشكلان نصف قوتهم، فعادوا على عجل إلى أوطانهم وهم في حداد على موت القائد، وقد كتب لهم الخلاص من هذه المهمة. وشيد له بنوه في سمرقند مقبرة فخمة هي "مقبرة الأمير"، وهي عبارة عن برج تعلوه قبة ضخمة بصلية الشكل، مكسوة واجهتها بالآجر ذي الطلاء الأزرق الجميل الفيروزي المائل للخضرة.
وتحطمت إمبراطورية تيمور بموته، وكادت الأقاليم الغربية أن تنهار في الحال. وكان لزاماً أن يقنع أولاده بالشرق الأوسط. وكان أعقل أفراداً أسرة تيمور هو شاه رخ الذي رخص لابنه أو لوج في أن يحكم بلاد ما وراء النهر من سمرقند، على حين حكم الوالد نفسه خراسان من هراة، وتحت حكم خليفتي تيمور هذين أصبحت العاصمتان مركزين متنافسين على ازدهار التتار وثقافتهم، ازدهاراً وثقافة تعدلان أياً من مثيلاتهما في أوربا في ذات العصر (1405-1449). وكان شاه رخ قائداً قديراً يحب السلام، وقد شجع الفنون والآداب، وأسس في هراة مكتبة ذائعة الصيت. وقال أحد أمراء أسرة تيمور "إن هراة هي جنة الدنيا" (28). أما أولوح بك فقد رعى رجال العلم، وشيد في سمرقند أعظم مرصد في ذاك العصر. وقال أحد كتاب السير المنمقين من المسلمين:
"كان عالماً، عادلاً، بارعاً نشيطاً، على درجة كبيرة من المعرفة بعلم الفلك، على حين أنه في علوم البلاغة كان شديد التدقيق. وسمت مكانة رجال العلم في عصره إلى ذروتها. وفي الهندسة فسر أدق المسائل، أما في علم الظواهر الكونية




صفحة رقم : 8826




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> تيمور


(الكوزموجرافيا) فقد شرح كتاب بطلمبوس. ولم يجلس على العرش ملك مثله قط حتى اليوم. وسجل ملاحظات عن النجوم بالتعاون مع العلماء الأولين. وأسس في سمرقند كلية لا يمكن أن يوجد لها الأقاليم المتاخمة السبعة مثيل من جمالها ومكانتها وقيمتها"(29).
ولكن هذا النموذج الفريد للرعاية قتل في 1449 بيد ابن غير شرعي له. واستمرت هذه الثقافة العالية التي تميزت بها أسرة تيمور على عهد السلطان "أبو سعيد" والسلطان "حسين بن بيقره" في هراة حتى نهاية القرن الخامس عشر. وفي 1501 استولى مغول الأوزبك على سمرقند وبخارى، وفي 1510 انتزع الشاه الصفوى هراة وبابور، وفر آخر حكام أسرة تيمور إلى الهند وأسس هناك أسرة مغولية جعلت من دلهي الإسلامية بعاصمة رائعة في روعة رومه على عهد أسرة مديتشي.




صفحة رقم : 8827




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> المماليك



4- المماليك




1340-1517


بينما كان الإسلام في آسيا يعاني الغزو المتكرر والثورات، استغل سلاطين المماليك (1250-1517) مصر التي سادها استقرار نسبي إذ ذاك. وقضى الموت الأسود على ازدهار البلاد لفترة من الزمن، ولكن في أثناء هذه التقلبات استمر المماليك يوفقون بين الإدارة القادرة والمصالح الفنية من جهة والاختلاسات والفظائع من جهة أخرى. ومهما يكن من أمر، فإنه في 1318 بدأت بالسلطان الملك الناصر بن برقوق أسرة المماليك البرجية التي ساد عهدها الترف والدسائس والعنف والانحلال الاجتماعي، وخفضوا قيمة النقد، حتى على عادة الحكومات، وفرضوا الضرائب الباهظة على ضروريات المعيشة، وأساءوا استغلال احتكار الدولة




صفحة رقم : 8828




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> المماليك


لسكر والفلفل. وفرضوا في الإسكندرية رسوماً باهظة على تجارة أوربا مع الهند، مما دعا تجار الغرب إلى البحث عن طريق إلى الهند حول أفريقية. وخسرت مصر على مدى جيل بعد رحلة فاسكوداجاما (1498) كثيراً من نصيبها الذي كان يوماً هائلاً، من التجارة بين الشرق والغرب، وأوقعت هذه الكارثة الاقتصادية البلاد في حالة من الفقر المدقع إلى درجة أن السلطان سليم الأول لم يلق إلا مقاومة ضعيفة، حين أنهى حكم المماليك، وجعل من مصر ولاية عثمانية.
وظلت القاهرة من 1258 حتى 1453 أجل وأزهى مدن العالم الإسلامي وأكثرها ازدحاماً بالسكان. ووصفها ابن بطوطة وصفاً رائعاً في 1326، وقال عنها ابن خلدون الذي زارها 1383 إنها "عاصمة الكون، جنة الدنيا، مكتظة بجميع أجناس البشر، عرش الملكية، مدينة ازدانت بالقصور والدور الفخمة والرهبنات والأديار والكليات، مضيئة بنجوم العلم والمعرفة، جنة يرويها النيل حتى ليبدو أن الأرض تقدم ثمارها إلى الناس على سبيل الهدية والتحية"(30) - وربما كان الفلاحون المنهوكون يعترضون على هذا.
وعكست مساجد مصر في ذاك العصر قساوة الحكم أكثر مما عكست ألوان السماء. فلم يكن هنا إيوانات أو بوابات من الطوب المصقول أو القرميد الملون، كما كان الحال في آسيا الإسلامية، بل كانت جدران حجرية ضخمة جعلت من المسجد قلعة أكثر منه بيتاً للعبادة. وكان مسجد السلطان حسن (1356-1363) عجيبة عصره، ولا يزال أفخم آثار الفن المملوكي. وذهب المقريزي المؤرخ إلى أنه "فاق كل ما بنى من مساجد(31)" ولكنه كان قاهرياً محباً لوطنه. وتروى أسطورة غير مؤكدة كيف أن السلطان جمع مشاهير المهندسين من بلاد كثيرة، وطلب إليهم أن يذكروا له أعلى صرح على البسيطة، وأمرهم بأن يشيدوا صرحاً أعلى منه، فذكروا له قصر خسرو الأول في مدينة طيسفون (مدينة بابلية على نهر دجلة) الذي يرتفع الجزء الباقي من مدخله 105 من الأقدام فوق سطح الأرض. فبنى العمال




صفحة رقم : 8829




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> المماليك


جدران المسجد الجديد، بعد أن سرقوا حجارة الأهرام المتهدمة، على ارتفاع مائة قدم، وزادوا فوقها إفريزاً (كورنيش) بارتفاع 13 قدماً وشيدوا في أحد الأركان مئذنة بارتفاع 280 قدماً. وإن هذا المبنى الشاهق ليترك انطباعاً في نفوس الغربيين، ولكنه قل أن يسر الناظرين منهم. ومهما يكن من شيء فإن أهل القاهرة كانوا فخورين به، إلى حد أنهم ابتدعوا أو استعاروا خرافة تقول بأن السلطان قطع يد المهندس حتى لا يصمم تحفة رائعة تضارع هذه، وكأن المهندس يصمم بيده وكانت مساجد المقابر أكثر فتنة وجذباً للأنظار، رغم الغرض الذي بينت من أجله، وقد بناها سلاطين المماليك خارج أسوار القاهرة لتضم رفاتهم. من ذلك أن السلطان الظاهر برقوق الذي بدأ حياته عبداً شركسياً، انتهى أمره في مجد صامت، راقداً في مقبرة من أفخم هذه المقابر.
وكان قايتباى أعظم البناة بين المماليك البرجية، فبالرغم من أن الحرب مع الأتراك أنهكته، فقد دبر الأموال لتشييد المباني النفيسة في مكة والمدينة والقدس، وجدد في القاهرة قلعة صلاح الدين والجامع الأزهر، وبنى داخل العاصمة مسجداً ذا زخارف منسقة. وتوج قايتباى أعماله في أخريات أيامه، بمسجد تذكاري من الجرانيت والرخام، ذي زخرفة رائعة ومئذنة عالية ذات شرفات، وقبة مزينة بنقوش هندسية، مما جعل هذا المسجد مأثرة من المآثر الأقل قيمة للفن الإسلامي.
وانتشرت الفنون الصغيرة في عهد المماليك. وصنع النقاشون على العاج والعظام والخشب ألفاً من المنتجات الجميلة، من صناديق الأقلام إلى المنابر، وهي منتجات كان يتخيلها الذوق، ويقوم على تنفيذها العمل المتواصل والمهارة. وحسبك في هذا أن تلقي نظرة على منبر مسجد قايتباى خارج أسوار المدينة في متحف فكتوريا وألبرت. وبلغ التطعيم بالذهب والفضة




صفحة رقم : 8830




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> المماليك


ذروته أيام هذه الأسرات الدموية. أما مصانع الخزف المصري التي كانت قد ابتدعت ألفاً من البدع والأشياء الغربية في آلاف السنين السحيقة في القدم، فإنها أخرجت الآن للعالم الزجاج المطلي بالمينا ومصابيح المساجد والكؤوس والزهريات المزدانة بالصور أو الزخرفة التشكيلية من المينا الملونة، والمرصعة بالذهب أحياناً. وبمثل هذه الطرق وبكثير غيرها لا يحصيها العد، خلع الفنانون المسلمون على الجمال شكلاً خالداً، وبذلك عوضوا عن وحشية ملوكهم أو كفروا عنها.




صفحة رقم : 8831




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> العثمانيون



5- العثمانيون




1288-1517


يبدأ التاريخ بعد اختفاء الأصول. فلا أحد يعرف أين نشأ الأتراك. "فذهب بعض الناس إلى أنهم كانوا قبيلة فنلندية أوجرية Finno-Ugric (شعب أسيوي شرقي الأورال) من الهون، وأن اسمهم يعني "خوذة" وهي في إحدى اللهجات التركية Durko. وقد شكلوا لغاتهم من اللغتين المغولية والصينية، وأدخلوا بعد ذلك ألفاظاً فارسية أو عربية، وهذه اللهجات التركية هي الوسيلة الوحيدة لتصنيف المتكلمين منهم بوصفهم أتراكاً. واتخذت واحدة من هذه العشائر اسمها من اسم زعيمها سلجوق. ونمت بالنصر تلو النصر، وتكاثرت سلالتها، وحكموا في القرن الثالث عشر فارس والعراق وسوريا وأسيا الصغرى. وفرت عشيرة أخرى من أقرباء العشيرة الأولى، بقيادة زعيمها طغرل، أر، من خراسان في نفس القرن، حتى لا يكتسحها طوفان المغول. واستخدمها سلجوق أمير قونية بآسيا الصغرى، في الأعمال الحربية، وأقطعها جزءاً من الأرض لرعي ماشيتها.
وفي 1288 (؟) مات أرطغرل، فاختير ابنه عثمان، وهو إذ ذاك في الثلاثين من عمره، ليخلف أباه، ومنه اشتق اسم "العثمانيين". ولم




صفحة رقم : 8832




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> العثمانيون


يطلقوا على أنفسهم اسم الأتراك قبل القرن التاسع عشر، بل أطلقوه على الشعوب شبه الهمجية في تركستان وخراسان. وفي 1290 رأى عثمان أن السلجوقيين أضعف من أن يقفوا في طريقه، فأعلن نفسه أميراً مستقلاً على ولاية صغيرة في الشمال الغربي من آسيا الصغرى، وفي 1299 تقدم بقواته غرباً إلى بني شير. ولم يكن عثمان قائداً عظيماً، ولكنه كان مثابراً صبوراً، وكان جيشه صغيراً، ولكنه مكون من رجال ألفوا في ديارهم ركوب الخيل أكثر مما ألفوا السير على الأقدام، رجال أرادوا أن يغامروا بحياتهم الشاقة من اجل الأرض أو الذهب أو النساء أو السلطان، وكانت تقع بينهم وبين بحر مرمرة مدن بيزنطية ناعسة سيئة الحكم هزيلة الدفاع. فحاصر عثمان واحدة منها وهي بروسه، وأخفق أول الأمر في الاستيلاء عليها، ولكنه عاود الكرة بعد الكرة، حتى استسلمت المدينة أخيراً لابنه أورخان، في الوقت الذي كان يرقد فيه عثمان على فراش الموت في بني شير (1326).
واتخذ أورخان من بروسه، التي تقدست برفات أبيه، عاصمة جديدة للعثمانيين. وساقته الرغبة في المزيد من السلطان إلى البحر المتوسط، المركز العتيق للتجارة والثروة والمدنية. وفي نفس العام سقطت فيه بروسه، انتزع نيقوميديا التي صارت فيما بعد أزميد، وفي 1330 استولى على نيقية التي أصبحت أزنيق، وفي 1336 استولى على برجاموم التي أصبحت برجامه. وكانت تلك المدن العريقة في القدم والتي تفوح منها رائحة التاريخ، مراكز للحرف والتجارة، وقد اعتمدت في المواد الغذائية والأسواق اللازمة لها على الجماعات الزراعية المحيطة بها والتي كان العثمانيون قد استولوا عليها في ذاك الحين، وكان على هذه المدن أن تعيش على هذه البقاع الداخلية أو أن تموت جوعاً. فلم تقاوم طويلاً، لأنها كانت قد عانت من ظلم حكامها البيزنطيين، كما سمعت بأن أورخان لم يثقل الكواهل بالضرائب، وأنه رخص في حرية العقيدة - وكان كثير من هؤلاء المسيحيين في الشرق الأدنى هراطقة مرهقين:




صفحة رقم : 8833




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> العثمانيون


نساطرة أو من القائلين بأن للمسيح طبيعة واحدة. وسرعان ما ارتضى العقيدة الإسلامية جزء كبير من الأراضي المفتوحة، وهكذا تحل الحرب المشاكل اللاهوتية، على حين كانت هذه المشاكل قبل الحرب تقف عاجزة محيرة. ومذ وسع أورخان ملكه على هذا الشكل، فقد اتخذ لنفسه لقب سلطان العثمانيين. وعقد أباطرة بيزنطة أواصر السلام معه، واستأجروا جنوده، وسمحوا لابنه سليمان في بناء معاقل على أرض أوربا. وقضى أورخان نحبه وهو في الواحدة والسبعين من عمره، بعد أن خلد ذكراه بين جوانح شعبه.
وكون خلفاؤه من بعده أسرة قل أن يوجد لها في التاريخ مثيل، في هذا المزيج من القوة الحربية والمهارة والمقدرة الإدارية والقسوة الوحشية، والإخلاص الرفيع للآداب والعلوم والفنون. وكان مراد الأول أقل أفراد هذه الأسرة جاذبية، ولما كان أمياً فإنه كان يبصم بأصابعه المغموسة في المداد على الوثائق، على غرار القتلة المغمورين. ولما قاد ابنه صاوندجي ثورة إجرامية فاشلة ضده، فقأ مراد عينيه وقطع رأسه، وأرغم آباء الثوار على قطع رءوس أبنائهم (32). ودرب مراد جيشاً لا يكاد يقهر، وفتح معظم أراضي البلقان، ويسر خضوعهم له بأن أقام لهم حكومة أقدر من تلك التي عرفوها على عهد السيطرة المسيحية.
وورث بايزيد الأول عرش أبيه في ميدان القتال في قوصوه (1389). ذلك أنه بعد أن قاد الجيش إلى النصر أمر بإعدام أخيه يعقوب الذي كان قد قاتل ببسالة في ذاك اليوم العصيب. واصبح قتل الأخوة على هذا النحو قاعدة منتظمة عند سلاطين آل عثمان بعد الجلوس على العرش، طبقاً للمبدأ القائل بأن التمرد على الحكومة يؤدي إلى التمزق، إلى حد أنه يجدر التخلص في أول فرصة ممكنة ممن يحتمل أن يطالبوا بالعرش. وأحرز بايزيد لقب




صفحة رقم : 8834




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> العثمانيون


"بلدرم أي الصاعقة"، لسرعته في خططه الحربية، ولكن أعوزه فن الحكم الذي تميز به أبوه، وأضاع بعض طاقته الجبارة في المغامرات النسائية، وقدم ستيفن لازارفتش، حاكم الصرب من قبل السلطان، أخته لتنضم إلى حريم السلطان، وأصبحت هذه السيدة دسبوانا زوجته الأثيرة لديه، وغرست فيه الولع بشرب الخمر وإقامة المآدب السخية، وربما أضعفت عن غير عمد حيويته كرجل. وتألق غروره وكبرياؤه حتى سقوطه. وبعد أن هزم بايزيد فرسان أوربا في نيقوبوليس، أطلق سراح كونت نفرز Nevers مع دعوة ممتازة للمبارزة، رواها أو عدل فيها فروسار Froissor، قال:
"أي جون، إني أعلم جيداً أنك سيد عظيم في بلدك، وأنك ابن سيد عظيم. أنت شاب يافع، وربما تلاقي بعض اللوم أو العار لأنك وقعت في هذه المغامرة في بداية عهدك بالفروسية ، وأنك تخلصاً من اللوم وإنقاذاً لشرفك" ربما تحشد قوة من الرجال لمحاربتي. ولو ساورني الشك أو الخوف قبل رحيلك، لأجبرتك على أن تقسم بشريعتك وعقيدتك، أنك لا أنت ولا أحد من زمرتك، سوف تشهر السلاح ضدي ولكني لن ألزمك أو ألزم أحداً من أتباعك بمثل هذا القسم أو الوعد. ولكني سأفعل ذلك عندما تعود إلى وطنك وإلى مسراتك، لتجمع من القوة ما تشاء، ولا تدخر وسعاً، واخرج إلى قتالي، ولسوف تجدني دوماً على أهبة الاستعداد لاستقبالك واستقبال عصيتك.. واطلع من تشاء على هذا الذي أقول لك، فإني قادر على القتال، ومستعد على الدوام للتوغل في العالم المسيحي"(33).
ولما أسر تيمورلنك السلطان بايزيد عامله بكل إجلال واحترام؛




صفحة رقم : 8835




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> العثمانيون


على الرغم من الرسائل المهينة التي كانا قد تبادلاها على مدى عام، وأمر تيمور بفك أغلال السلطان وأجلسه إلى جانبه، وأكد له أنه سيبقى على حياته، واصدر تعليماته بأن تنصب ثلاث خيام فخمة لحاشيته، ولكن عندما حاول بايزيد الهرب، احتجز في غرفة ذات نوافذ مسدودة بالحواجز، وقد بالغت الأساطير فقالت إنها قفص من حديد. ومرض بايزيد، فدعا تيمورلنك أحسن الأطباء لمعالجته، وأرسل السيدة دسبوانا لتسهر على رعايته ومواساته ، ولم تجد هذه المساعدات شيئاً لبعث القوى الحيوية في السلطان المحطم ومات بايزيد بعد عام من هزيمته.
وأعاد ابنه محمد الأول تنظيم حكومة العثمانيين وقوتهم، وعلى الرغم من أنه فقأ عيني أحد المطالبين بالعرش وقتل آخر، فإنه اكتسب لقب السيد المهذب، بفضل سلوكه الكيس اللطيف وحكمه العادل، وسنوات السلم العشر التي منحها للعالم المسيحي، وكان لمراد الثاني مثل هذه المشارب، فآثر الشعر على الحرب، ولكن، ولكن عندما نصبت القسطنطينية مزاحماً له ليخلعه، ونقضت المجر عهد السلم، أثبت مراد الثاني في وارنه (1444) أنه قائد كأحسن ما يكون القواد. ثم عاد إلى مغنيسيا في آسيا الصغرى، حيث عقد مرتين في كل أسبوع اجتماعاً للشعراء والعلماء، وقرأ الشعر وتحدث في العلوم والفلسفة. واقتضت ثورة في أدرنه عودته إلى أوربا، فأخمدها، وقهر هونياد في قوصوه. وعندما مات في 1451، بعد أن قضى في الحكم ثلاثين عاماً، وضعه المؤرخون المسيحيون في مصاف أعظم حكام عصره. وقد أمر في وصيته بأن يدفن في بروسه في مصلى متواضع غير مسقوف، "حتى تنزل عليه رحمة الله وبركاته مع شروق الشمس والقمر، وسقوط المطر والندى على جدته"(34).
وتساوى محمد الثاني مع أبيه في الثقافة والفتوحات والفطنة السياسية وطول الحكم، وليس في العدل ولا في النبل. فنقض المعاهدات الوثيقة،




صفحة رقم : 8836




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> العثمانيون


ولطخ انتصاراته بالمذابح غير الضرورية. وكان يتسم في مفاوضاته واستراتيجيته بدهاء الشرق. وسئل يوماً عن خططه فأجاب: "لو أن شعرة من لحيتي عرفت لانتزعتها"(35). وتحدث السلطان بخمس لغات، وكان واسع الاطلاع في عديد من الآداب، بارعاً في الرياضيات والهندسة ورعى الفنون، وأجرى معاشات على ثلاثين شاعراً عثمانياً، وبعث بالهدايا الملكية إلى شعراء في فارس والهند. وجاء بعده في المرتبة الثانية كنصير للأدب والفن وزيره الأكبر محمود باشا، فأعان هو وسيده كثيراً من الكليات والمؤسسات الدينية، حتى أطلق على السلطان "أبو الأعمال الخيرية". وكان محمد أيضاً "أبا الانتصارات". فقد خرت القسطنطينية له ولمدافعه، وبفضل مدافعه أصبح البحر الأسود بحيرة عثمانية، وأمام جيوشه ودبلوماسيته وقعت دول البلقان في أسر العبودية. ولكن هذا الفاتح الذي لا يقاوم، لم يتغلب على نفسه أو يكبح جماحها، فما أن بلغ الخمسين حتى كان قد أنهك قواه بكل ألوان الإفراط الجنسي، ولم تجد العقاقير نفعاً في تجديد حيويته، حتى أدرجه حريمه آخر الأمر في عداد الأموات. وقضى نحبه في سن الواحدة والخمسين في اللحظة التي بدا فيها أن جيشه على وشك غزو إيطاليا وضمها إلى العالم الإسلامي.
وأدى النزاع بين أبنائه إلى تولى بايزيد الثاني العرش. ولم يكن بالسلطان الجديد نزوع إلى الحرب، ولكن عندما استولت البندقية على قبرص وتحدت سيطرة الأتراك على شرق البحر المتوسط، أفاق السلطان وضلل مخادعيه بميثاق للسلام، حتى بنى أسطولاً من 270 سفينة ودمر أسطول البندقية بعيداً عن شواطئ اليونان. وأغار جيش تركي على شمال إيطاليا حتى وصل غرباً إلى فيشنتزا (1502). فتوسلت البندقية لعقد الصلح ومنحها بايزيد شروطاً سخية، ثم ركن إلى الشعر والفلسفة من




صفحة رقم : 8837




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> العثمانيون


جديد. وخلعه ابنه سليم على العرش (1512) ولم يلبث بايزيد أن مات، وقيل إنه مات مسموماً.
إن التاريخ، من بعض الوجوه، ليس إلا تعاقباً لموضوعات متعارضة، فإن الطباع والأشكال السائدة في عصر ينكرها ويبرأ منها العصر الذي يليه، والذي يضيق ذرعاً بالتقاليد، ويتحرق لهفاً إلى التجديد: فالكلاسيكية تنجب الرومانتيكية، وهذه تلد الواقعية، وهذه تأتي بالتأثرية، كما تدعو فترة إلى الحرب العدوانية. فقد ازدرى سليم الأول بسياسة السلم التي انتهجها والده. وكان سليم قوى الجسم قوى الإرادة، عزوفاً عن المسرات وأسباب المتعة ، ولوعا بالصيد والقنص وحياة المعسكر، واستحق لقب "العبوس" لأنه شنق تسعة من ذوى قرباه منعاً لأية فتنة أو تمرد، وشن الحرب تلو الحرب من أجل الفتح والغزو. ولم تزعجه إغارة إسماعيل الصفوي شاه فارس على الحدود التركية. فقطع سليم على نفسه عهداً بأن يشيد ثلاثة مساجد ضخمة في القدس، وبودا وروما، إذا من الله عليه بالنصر على الفرس (36). وإذ أثار النعرة الدينية في شعبه إلى حد القتال. فإنه تقدم نحو إسماعيل، واستولى على تبريز، وجعل من شمالي أرض الجزيرة ولاية عثمانية. وفي 1515 حول مدافعه ورجاله الانكشارية إلى المماليك، وضم سوريا وبلاد العرب ومصر إلى مملكته (1517). وحمل من القاهرة إلى القسطنطينية أسيراً مكرماً هو "خليفة المسلمين"وهو أكبر مقام ديني عند المسلمين. وأصبح سلاطين العثمانيين بعد ذلك - مثل هنري الثامن - أصحاب السلطة الدينية كما كانوا أصحاب السلطة الزمنية (سادة الدين والدولة).
وفي أوج مجد قواته وعظمتها، جهز سليم لغزو رودس والعالم المسيحي. فلما تمت كل الاستعدادات، أصيب بالطاعون فقضى عليه (1520). وأمر ليو العاشر الذي كان قد ارتعد فرقاً لنقدم سليم أكثر مما ارتعد لظهور مارتن لوثر - أمر الكنائس المسيحية بإقامة الصلوات شكراً لله.




صفحة رقم : 8838




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الأدب الإسلامي



6- الأدب الإسلامي




1400-1520


نظم سليم العبوس نفسه قصائد من الشعر المقفى، وورث ابنه سليمان القانوني ديواناً ملكياً ضم قصائده المجموعة، مثل ما ورثه إمبراطورية تمتد من الفرات إلى الدانوب والنيل، وإنك لترى أثنى عشر من السلاطين وكثيراً من الأمراء، من بينهم الأمير جم الذي أجزل أخوه بايزيد الثاني العطاء لملوك المسيحية وبابواتها ليحتجزوا الأمير في معتقل لائق، نقول إنك لترى هؤلاء السلاطين والأمراء بين 2200 شاعر عثماني طبقت شهرتهم الآفاق في القرون الستة الأخيرة (37). واقتبس معظم هؤلاء الشعراء من الفرس أشكال شعرهم وأفكاره، وفي بعض الأحيان لغته، وواصلوا، في معين من القصيد لا ينضب، تمجيد عظمة الله، وحكمة الشاة أو السلطان، وارتعاد شجرة السرو حسداً عندماً يقع نظرها على السيقان النحيلة الناصعة البياض للحبيبة. وقد ألفنا الآن نحن في الغرب هذه المفاتن إلى حد أننا لم نعد نهتز لهذه التشبيهات الهائلة. ولكن "الأتراك الفظعاء" الذين كانت نساؤهم متدثرات من الأنف إلى أخمص القدم بشكل كله إغراء، اهتزوا إلى الأعماق بهذه الإيحاءات الشعرية، وهذا الشعر الذي غيرت ترجمته من طبيعته، والذي لا يؤثر فينا شعرة، كان يحفزهم إلى التقي والورع وإلى تعدد الزوجات وإلى الحرب.
وإنا لنختار في خيال ساذج، من بين ألف من الموتى الخالدين، ثلاثة أسماء لا تزال غريبة غير مألوفة لدى المجتمعات المحلية في الغرب. من هؤلاء أحمدي، وهو من سيواس (المتوفى 1413) الذي نهل أول ما نهل من الأستاذ الفارسي النظامي، وقد كتب أحمدي "اسكندرنامة" أي كتاب الإسكندر، وهو ملحمة ضخمة في أسلوب قوي غير مصقول، لم تتناول




صفحة رقم : 8839




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الأدب الإسلامي


قصة غزو الفرس للإسكندر فحسب، ولكن تضمنت كذلك تاريخ الشرق الأدنى وديانته وعلومه وفلسفته من أقدم العصور إلى عهد بايزيد الأول. ويجدر بنا أن نكف عن الاقتباس لأن الترجمة الإنجليزية أشبه شيء بكابوس يجثم على الصدر. أما شعر أحمد باشا (المتوفى 1496) فقد ابتهج به السلطان محمد الثاني إلى حد أنه عين الشاعر وزيراً له. ولكن الشاعر وقع في غرام خادم جميل من حاشية الإمبراطور الذي كان به مثل هذا الميل، فما كان منه إلا أن أمر بإعدام الشاعر وأرسل أحمد إلى مولاه قصيدة غنائية تفيض رقة، حتى أن محمداً وهبه الغلام، ولكنه نفى الاثنين إلى بروسه(38).وهناك أوى أحمد إلى داره شاعراً شاباً قدر له في الحال أن يبزه، ونظم نجاتي (المتوفى 1508)، وكان اسمه الحقيقي عيسى - نظم قصيدة غنائية مدح محمد الثاني، وربطها في عمامة صفى السلطان وزميله في لعبة الشطرنج، ودفع فضول محمد الثاني به إلى الوقوع في الشرك، وفض اللفيفة وقرأ القصيدة، واستدعى ناظمها وعينه موظفاً في القصر الملكي. وأبقاه بايزيد الثاني ناعماً بالحظوة والثراء. وكتب نجاتي الذي انتصر بشكل بطولي على الازدهار والنجاح، بعض القصائد الغنائية التي تستحق أعظم الثناء والتقدير في الأدب العثماني.
ومهما يكن من أمر، فإن فطاحل الشعر الإسلامي كانوا لا يزالون من الفرس. وكان بلاط حسين ببقرة في هراة يعج بالعنادل المغردة، حتى أن وزيره مير على شيرنواى شكا قائلاً: "لو انك مددت قدميك لرفست بهما ظهر شاعر". فرد عليه شاعراً آخر بقوله: "وكذلك تفعل أنت لو سحبتهما(39)". وكان مير على شير (المتوفى 1501)، إلى جانب معاونته في حكم خراسان، ورعايته للأدب والفن، وذيوع صيته في رسم المنمنات والتلحين - نقول كان شاعراً فحلاً، فكان ميسيناس وهوراس زمانه في وقت معاً. ومن فيض رعايته المستنيرة استمد العون والسلوى المصوران بهزاد




صفحة رقم : 8840




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الأدب الإسلامي


وشاه مظفر، والموسيقيون قول محمود وشائقي نائي وحسين يودي، والشاعر الإسلامي الكبير في القرن الخامس عشر ملا نور الدين عبد الرحمن جامي (المتوفى 1492).
ووجد جامي في حياته الطويلة الهادئة فسحة من الوقت ليكتسب شهرته عالماً ومتصوفاً وشاعراً. فشرح باعتباره من رجال الصوفية، في نثر رقيق، الفكرة الصوفية القديمة، وهي أن الاتحاد البهيج بين النفس البشرية وبين الحبيب، وهو الله سبحانه وتعالى، لا يتأتى إلا إذا أيقنت النفس أن الإنسان ليس غلا وهماً وسراباً، وأن كل الأشياء في الدنيا هي مجموع من الأشباح العبرة التي تتلاشى في ضباب الفناء. ومعظم قصائد جامي عبارة عن تصوف منظوم شعراً، ممزوج بشيء من الحسية الجذابة. ويقص علينا سلمان وأبسال حكاية طريفة تشير إلى أن الحب الإلهي يسمو على الحب الدنيوي. وسلمان هو ابن شاه يون (أيونيا) وقد ولد من غير أم (وهذا شيء أصعب بكثير من التوالد العذري) وقد تولت تربية الأمير الجميلة أبسال التي افتتنت به حين بلغ الرابعة عشرة من العمر، وقد غزت قلبه وأسرته بما اصطنعت من أسباب التجميل والتطرية:


"أحاطت سواد عينيها بسواد الإثمد




حتى تحوله إلى ليل وهو في وضح النهار،




وزينت وزججت الحواجب فوقهما.




لتصيبه إذا ضل هناك، وشعرها الذي يتضوع منه المسك




صففته في لفائف أفعوانية كثيرة




كمن فيها "الإغراء" فوق خدها




الذي أضاءت ورده بندى قرمزي




ووضعت هناك حبة دقيقة من المسك




لتوقع في الشرك طائر هذا القلب الحبيب






صفحة رقم : 8841




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الأدب الإسلامي




وقد نمر أحياناً فتطلق ضحكة تكسر بها




ياقوتة شفتيها اللتين تحفظان بينهما اللآلى




أو تنهض وكأنها على عجل، فتقعقع خلاخيلها الذهبية،




وعلى نداءاتها المفاجئة. تأتي




تحت قدميها الفضيتين بالتاج الذهبي(40).


وهو تاج الأمير وريث العرش بلا منازع، ويستسلم الأمير دون عناء لهذه المغريات، ولبعض الوقت ينعم الاثنان - الولد والسيدة في حب مشبوب. فيؤنب الملك هذا الشاب على مثل هذا العبث، ويأمره أن ينجو بنفسه إلى الحرب والحكم. ولكن سلمان بدلاً من ذلك يهرب مع أبسال على ظهر جمل، "وكأنهما لوزتان حلوتان في قشرة واحدة"، حتى إذا وصلا إلى البحر صنعا قارباً وسارا به "شهراً" وأتيا إلى جزيرة مكسوة بالخضرة، مليئة بالأزهار العطرة والطيور المغردة، والثمار والفاكهة التي تتساقط تحت قدميها بكثرة.ولكن في جنة عدن هذه يتحرك ضمير الأمير فيؤنبه، ويفكر في مهام الملك التي أغفلها، ويحث الأمير محبوبته أبسال على العودة معه إلى يون، ويحاول أن يدرب نفسه على الاضطلاع بأعباء الملك، ولكنه موزع بين الواجب والجمال، إلى حد أنه كاد آخر الأمر أن يجن، وانضم إلى أبسال في محاولة للانتحار، فبنيا محرقة، وقفزا إليها، وبد كل منهما في يد الآخر، وأنت النيران على أبسال، ولكن سلمان يخرج سالماً ولم يحترق. والآن وقد تطهرت نفسه، فإنه يرث العرش ويشرفه. وكل هذا مجاز يفسره جامي بأن الملك هو الله، وسلمان هو النفس البشرية، وأبسال هي نشوة الشهوة، والجزيرة السعيدة هي جنة الشيطان التي تضل فيها النفس عن مصيرها الإلهي، أما المحرقة فهي نار تجربة الحياة، التي تتلاشى فيها الرغبات الشهوانية، أما العرش الذي ترقى إليه النفس المطهرة فهو عرش الله. ومن العسير أن نعتقد أن شاعراً أن يصدر مفاتن




صفحة رقم : 8842




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الأدب الإسلامي


المرأة بهذا الشكل الحساس، يمكن أن يطلب إلينا اجتنابها اللهم إلا بين الفينة والفينة.
وفي جرأة عوض عنها ما تمخضت عنه تجاسر جامي فعالج، شعراً من جديد، الموضوعات الأثيرة لدى اثنى عشر من الشعراء قبله: يوسف وزليخة، ليلى والمجنون، وفي تصدير فصيح يعيد تقرير النظرية الصوفية: نظرية الجمال الإلهي والجمال الدنيوي:


في "القفر البدائي"، حيث لم تعط الحياة أية علامة على




وجودها، ورقد الكون مختبئاً منكراً نفسه، كان ثمة شيء.




إنه الجمال المطلق يظهر نفسه لنفسه فقط، وبنوره هو وحده.




مثل أجمل النساء في غرفة زفافها المحفوفة بالأسرار، كان ثوبها نقياً




لا تشوبه أية شائبة، ولم تعكس أية مرآة وجهها، ولم يمر




المشط قط بخصلات شعرها، ولم يحرك النسيم العطر قط شعرة




واحدة منها، ولم يأو قط أي عندليب على صفحة خدها الوردي..




ولكن الجمال لا يطيق أن يبقى مجهولاً. انظر إلى زهرة التوليب




فوق قمة الجبل، وهي تنفذ في الصخر فرعها الغض لأول بسمة




من بسمات الربيع...كذلك الجمال الأبدي أتى من الأماكن المقدسة




للأسرار ليشع في كل الآفاق وفي كل النفوس، وثمة شعاع واحد




انطلق من هذا الجمال الأبدي، واخترق الأرض والسموات، ومن ثم




تكشف وظهر في مرآة المخلوقات. وأصبحت كل ذرات الكون




بمثابة مرايا تعكس كل منها ناحية من نواحي العظمة الأبدية.




وسقط شيء من تألقها على الوردة والعندليب، فأصابهما شيء




من جنون الحب البائس واتقدت حماستهما ناراً، وجاء ألف من




الفراشات لتهلك في اللهب، وهي التي أضفت على قمر كنعان لمعانه




الساطع الذي أصاب زليخة بالجنون(41)






صفحة رقم : 8843




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الأدب الإسلامي




إن جامي يهبط من علياء سمائه ليصف جمال الأميرة زليخة في تكرار




وإسهاب يتقدان حماسة، حتى إلى حد وصف "حصن العفة والملمس




الحرام فيها".




وكان نهداها بمثابة كرتين من نور بالغ النقاوة أو فقاعتين




تقفزان حديثاً من نافورة كافور، أو رمانتين صغيرتين تنموان




على غصن واحد، لا يستطيع أي طامع جريء أن يمسهما




بإصبعه(42).


إن زليخة ترى يوسف في المنام، فتقع في غرامه لأول ظهوره. ولكن أباها يزوجها من وزيره بوتيفار. ثم ترى يوسف بشخصه رأي العين معروضاً للبيع في سوق الرقيق فتشتريه وتغريه، ولكنه يرفض صداقتها والتفاهم معها، فيصيبها الهزال. ويموت الوزير، ويحل يوسف محله، ويتزوج زليخة، وسرعان ما ينتاب الهزال الاثنين، إلى حد الموت آخر الأمر. إن حب الله هو الحقيقة وهو الحياة، إنها قصة قديمة، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يركن إلى هذه المواعظ؟




صفحة رقم : 8844




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي



8- الفكر الإسلامي


أفلت شمس العلم والفلسفة وضاع مجدها، لأن الدين كان قد كسب معركته ضدهما، في الوقت الذي كان فيه يتراجع ويستسلم في الغرب المراهق. وكان الذين يحظون بالشرف الرفيع هم رجال الدين والدراويش والنساك والأولياء، أما العلماء فقد قصدوا إلى استيعاب نتائج أبحاث أسلافهم، أكثر مما قصدوا إلى إمعان النظر في الطبيعة من جديد. وكان آخر تقدم أو محاولة نشيطة في الفلك الإسلامي في سمرقند حين صاغ راصد النجوم في مرصد أولوج بك في سنة 1437 الجداول الفلكية التي حظيت بأعظم التقدير في أوربا حتى القرن الثامن عشر. وقاد ملاح عربي مزود بجداول وخريطة عربية، فاسكودا جاما من أفريقية إلى الهند في المرحلة التاريخية التي وضعت نهاية لسيطرة الإسلام الاقتصادية(49).
وفي الجغرافيا أنجب المسلمون شخصية عظيمة فذة في هذا العصر. ففي سنة 1304 ولد في طنجة محمد عبد الله بطوطة الذي طاف بدار الإسلام- العالم الإسلامي- لمدة أربع وعشرين سنة ثم عاد إلى المغرب




صفحة رقم : 8845




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي


ليقضي نحبه في فاس. وإن يوميات هذا الرحالة لتوحي بمدى انتشار الإسلام الواسع، فهو يذهب إلى أنه قطع في رحلته 75.000 ميل (أكثر من أي إنسان آخر قبل عصر البخار)، كما زعم أنه رأى غرناطة وشمال أفريقية وتمبكتو ومصر والشرقين الأدنى والأوسط وروسيا والهند وسيلان والصين، وأنه زار كل حاكم مسلم في هذا العصر. وفي كل مدينة كان يقدم احتراماته أولا إلى العلماء ورجال الدين ثم بعد ذلك إلى الملوك والحكام. وإنا لنرى النزعة الإقليمية عندنا منعكسة عليه حين يعدد "الملوك السبعة العظام في العالم"، وكأنهم مسلمون فيما عدا واحداً صينياً(50). إنه لا يصف الأشخاص والأماكن فحسب، بل يصف كذلك حيوان كل منطقة ونباتها والمعادن والأطعمة والأشربة والأسعار في مختلف البلاد، وكذلك المناخ ومظاهر الطبيعة والعادات، والأخلاق والطقوس الدينية والمعتقدات،وهو يتحدث بكل إجلال عن السيد المسيح والسيدة العذراء. ولكنه يشعر ببعض الارتياح والرضا حين يشير إلى أن "كل حاج يزور كنيسة القيامة في القدس يدفع رسوماً للمسلمين"(51). وعندما عاد إلى فارس روى كل تجاربه ومشاهداته، فأنزله سامعوه منزلة القصاص، ولكن الوزير أمر أحد سكرتيريه بتدوين ما أملاه ابن بطوطة من مذكرات. وضاع الكتاب وكاد أن ينسى، حتى وجد أخيراً أثناء الاحتلال الفرنسي الحديث للجزائر.
وفيما بين سنتي 1250 ، 1350 كان أعظم الكتاب إنتاجاً في التاريخ الطبيعي من المسلمين. فكتب محمد الدميري بالقاهرة كتاباً في علم الحيوان يقع في 1500 صفحة وكان الطب لا يزال قلعة سامية، (أي علماً برز فيه الجنس السامي). فكانت المستشفيات كثيرة في العالم الإسلامي. وشرح طبيب من دمشق هو علاء الدين بن النفيس الدورة الدموية الرئوية (1260) قبل سرفيتس (طبيب أسباني، القرن 16) بنحو 270سنة،




صفحة رقم : 8846




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي


ونسب طبيب من غرناطة هو ابن الخطيب "الموت الأسود"إلى مرض معد، وأشار بالحجر الصحي للمصابين- معارضاً بذلك قول رجال الدين بأنه انتقام إلهي من خطايا الإنسان وآثامه. واشتمل بحثه "في الطاعون" (حوالي 1360 على هرطقة مشهورة: "يجب أن يكون من القواعد المقررة لدينا أن أي برهان مأخوذ من تقاليد "أتباع محمد" ينبغي أن يخضع للتعديل إذا تعارض تعارضاً واضحاً صريحاً مع الدليل الذي تأتي به الحواس (53).
وكان العلماء والمؤرخون كثيرين مثل الشعراء. وكانوا يكتبون باللغة العربية وهي لغة الاسبرانتو في العالم الإسلامي، كما جمعوا كثير من الأحوال بين الدرس والتأليف وبين النشاط السياسي والإداري. ومثال ذلك أبو الفداء الدمشقي، فقد اشترك في اثنتي عشرة حملة حربية، وكان وزيراً للملك الناصر في القاهرة، ثم عاد إلى سوريا حاكماً على حماه، وجمع مكتبة ضخمة، وألف مجموعة من الكتب تعتبر قمة مثيلاتها في هاتيك الأيام.وفاق بحثه في الجغرافيا "تقويم البلدان" في اتساع مداه، أي مؤلف أوربي من نوعه في عصره، وقد قدر فيه أن الماء يغطي ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ‎، وأشار إلى السائح حول العالم يكسب أو يفقد يوماً في مسيرة غرباً أو شرقاً، وكان كتابه "المختصر في أخبار البشر" هو التاريخ الإسلامي الأساسي المعروف لدى الغرب.
ولكن الاسم اللامع في كتابة التاريخ في القرن الرابع عشر هو عبد الرحمن ابن خلدون. فهنا نجد رجلاً ذا وزن وقيمة حتى في أعين أهل الغرب رجلاً عركته التجارب والسياحة وفن الحكم الذي مارسه عملياً، وهو مع ذلك حسن الاطلاع على الفن والأدب والعلوم والفلسفة في عصره، يكاد يحيط بالجوانب الإسلامية في هذا كله في "تاريخ للعالم". وإن مولد مثل هذا الرجل في تونس (1332) وارتفاع مكانته هناك، ليوحيان إلينا




صفحة رقم : 8847




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي


بأن ثقافة شمالي أفريقية لم تكن مجرد صدى للإسلام في آسيا، بل كان لها طابع وحيوية خاصتان بها، وتقول سيرة حياة ابن خلدون: "لم أزل منذ نشأت وناهزت منكباً على تحصيل العلم، حريصاً على اقتناء الفضائل، متنقلاً بين دروس العلم وحلقاته....".
وقضى الموت الأسود على أبوابه وعلى كثير من المعلمين، ولكنه تابع دراسته "إلى أن شددت بعض الشيء"(54). وهذا ضرب من الوهم يتميز به الشباب. وعين في العشرين من عمره سكرتيراً لسلطان تونس، ثم لسلطان فاس في الرابعة والعشرين، وفي سن الخامسة والعشرين دخل السجن. ثم انتقل إلى غرناطة وأرسل سفيراً لها لدى بطرس القاسي في أشبيلية. وعندما عاد إلى أفريقية أصبح الوزير الأول للأمير أبى عبد الله في "بجاية" ولكن كان لزماً عليه أن يفر لينجو بنفسه عندما خلع سيده وقتل. وأرسلته مدينة تلمسان في سنة 1370 مبعوثاً لها إلى غرناطة، ولكن اعتقله في الطريق إليها أحد أمراء المغرب العربي، وبقى ابن خلدون أربع سنوات في خدمة هذا الأمير ثم لجأ إلى حصن بالقرب من وهران، وهناك (1377) كتب "مقدمة تاريخه" وهي مقدمة "لتاريخ العمران". ولما كان في حاجة إلى كتب أكثر مما استطاعت وهران أن تمده بها فإنه عاد إلى تونس، ولكن هناك تألب عليه من ذوي النفوذ فيها، فانتقل إلى القاهرة (1384)، وكانت شهرته كعالم قد طبقت الآفاق، وازدحم حوله الطلاب حين كان يحاضر في الجامع الأزهر، وأجرى عليه السلطان برقوق راتباً "كما كانت عادته مع العلماء"(55). وعين قاضياً للمالكية، فطبق القوانين بصرامة شديدة وأغلق الملاهي مما أدى إلى هجوه وعزله من منصبه، فاعتزل الحياة العامة ثانية. ثم أعيد إلى منصب قاضي القضاة، وصحب السلطان ناصر الدين فرج في حملة ضد تيمور، وهزمت القوات المصرية، فالتمس ابن خلدون ملجأ له في دمشق، وحاصرها تيمور،




صفحة رقم : 8848




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي


وكان مؤرخاً آنذاك في سن الشيخوخة، فرأس وفداً يلتمس من التتري المنتصر شروطاً لينة رفيقة وأحضر- مثل أي مؤرخ آخر، مخطوطة تاريخه معه، وقرأ على تيمور الجزء الخاص به وسأله أن يصحح له معلوماته، وربما كان قد تعمد مراجعة الصفحات قبل ذلك لهذا الغرض نفسه. ونجحت الخطة، وأطلق تيمور سراحه، وما لبث أن عاد لبن خلدون مرة أخرى قاضياً للقضاة في القاهرة، ومات وهو في هذا المنصب، في سن الرابعة والسبعين (1406).
وألف ابن خلدون وسط هذه الحياة القلقة موجزاً عن فلسفة ابن رشد، وأبحاثاً في المنطق والرياضيات، ومقدمة ابن خلدون، وتاريخ البربر، وشعوب الشرق، والكتب الثلاثة الأخيرة فقط هي الباقية، وهي تشكل في مجموعها "تاريخ العالم" (كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر). والمقدمة واحدة من الروائع في الأدب الإسلامي وفي فلسفة التاريخ، فهي إنتاج "حديث" إلى درجة مذهلة لعقلية عاشت في العصور الوسطى. ويرى ابن خلدون أن التاريخ "فرع هام من الفلسفة"(56)، وينظر نظرة عريضة واسعة إلى مهمة المؤرخ:
"اعلم أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التوحش والتأنس والعصبيات، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال" (57). (ص 33 من مقدمة ابن خلدون طبعة كتاب الشعب- القاهرة 1969).




صفحة رقم : 8849




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي


واعتقاداً منه بأنه أول من كتب التاريخ بهذه الطريقة، فإنه يسأل القارئ الصفح عن أية أخطاء لم يكن في الإمكان تجنيها فيقول:


"وأنا من بعدها موقن بالقصور بين أهل العصور، معترف




بالعجز عن المضاء في هذا القضاء، راغب من أهل اليد البيضاء،




والمعارف المتسعة الفضاء، في النظر بعين الانتقاد، لا بعين




الارتضاء، والتغمد لما يعثرون عليه بالإصلاح والإغضاء.




فالبضاعة بين أهل العلم مزجاة والاعتراف من اللوم منجاة،




والحسنى من الإخوان مرتجاة. والله أسأل أن يجعل أعمالنا خالصة




لوجهه الكريم، وهو حسبي ونعم الوكيل"(58).


(المصدر السابق، ص 10)
ثم هو يأمل في أن يكون كتابه هذا عوناً على الأيام الحالكة التي تنبأ بها:


وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله،




وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة، وعالم


محدث. فاحتاج لهذا العهد من يدون أحوال الخليفة والآفاق


وأجيالها، والعوائد والنحل لأهلها، ويقفو مسلك المسعودى




لعصره، ليكون أصلاً يقتدي به من يأتي من المؤرخين من بعده (59)".


(المصدر السابق، ص 31).
ويخصص ابن خلدون بعض صفحات يملؤها الزهو والفخر، يشير فيها إلى أخطاء بعض المؤرخين. ويحس بأنهم ضلوا في مجرد ترتيب الأحداث ترتيباً زمنياً، وقل أن ارتفعوا إلى مستوى إيضاح الأسباب والنتائج. وتقبلوا الخرافة بمثل الارتياح الذي تقبلوا به الحقيقة تقريباً، وقدموا إحصاءات مبالغ فيها، وفسروا أشياء كثيرة جداً بقوى خارقة




صفحة رقم : 8850




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي


للطبيعة، أما بالنسبة له، فهو يعتزم أن يعول كلية على العوامل الطبيعية في تفسير الحوادث. ولسوف يحكم على ما يكتبه المؤرخون في ضوء التجارب الراهنة للجنس البشري، ويرفض أي حدث مزعوم يعتبر الآن مستحيل الوقوع. فإن التجربة يجب أن تفصل في صحة التقاليد أو فسادها(60). وكان منهجه في "المقدمة" هو أن يعالج أولاً فلسفة التاريخ، ثم يتناول أشغال الناس ومهمتهم وبراعاتهم، وأخيراً يعرض لتاريخ العلوم والفنون، وهو يدون في مجلدات متعاقبة التاريخ السياسي لمختلف الأمم، الواحدة تلو الأخرى، متعمداً التضحية بوحدة الزمان في سبيل وحدة الحضارة، كيف تنشأ، وكيف يحتفظ بها وكيف تنمي الآداب والعلوم والفنون، ولماذا تبلى(61)، فالإمبراطوريات- مثل الأفراد- لها حياة ولها مسارات خاصة بها. إنها تنشأ وتنضج وتضمحل(62) فما هي أسباب هذا التعاقب؟
والأحوال الأساسية في هذا التعاقب هي أحوال جغرافية. ذلك أن للمناخ تأثيراً عاماً ولكنه أساسي. فالشمال البارد ينتج آخر الأمر، حتى في أناس أصلهم من الجنوب، جلداً أبيض اللون وشعراً خفيفاً، وعيوناً زرقاء وميلاً إلى الجدية. أما الأقاليم المدارية فتنتهي بمرور الزمن إلى الجلد الأسمر والشعر الأسود، "وتغلب الروح الحيوانية"، وخفة في العقل والمرح وسرعة التنقل بين المسرات مما يؤدي إلى الغناء والرقص (63). ويؤثر الطعام في الخلق. فالغذاء الثقيل المكون من اللحوم والتوابل والحبوب بسبب بلادة الجسم والعقل، والاستسلام السريع للقحط أو العدوى. أما الغذاء الخفيف، مثل هذا الذي تتناوله شعوب الصحراء، فإنه يساعد على رشاقة الأجسام وصحتها، وعلى سلامة العقول. وعلى مقاومة المرض (64). وليس ثمة تفاوت فطري في القدرة الكامنة بين شعوب الأرض: فإن تقدمهم




صفحة رقم : 8851




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي


أو تأخرهم تحدده الأحوال الجغرافية، ويمكن تغييره بتغيير هذه الأحوال، أو بالهجرة إلى مكان آخر (65).
أما الأحوال الاقتصادية فهي أقل قوة فقط من الجغرافية. ويقسم ابن خلدون المجتمعات إلى رحل ومقيمة أو مستقرة تبعاً لوسائل الحصول على القوت، ويعزو معظم الحروب إلى الرغبة في الحصول على مصدر للغذاء أكثر وفرة. فالقبائل الرحل لابد أن تغزو إن عاجلاً أو آجلاً، الجماعات المستقرة المتوطنة، لأن هؤلاء الرحل مرغمون بحكم ظروف حياتهم على التمسك بالصفات الحربية مثل الشجاعة وقوة الاحتمال والجلد والتماسك. وقد يدمر الرحل حضارة، ولكنهم لا يستطيعون إقامة حضارة قط. فإن الشعب المقهور يمتص دماء الرحل وثقافتهم. ولا يستثنى من ذلك العرب الرحل. والحرب أمر طبيعي طالماً أن الشعب غير قانع أبداً لأمد طويل بما لديه من غذاء. إن الحرب هي التي تنشىء السلطان السياسي وتجدده، ومن ثم كانت الملكية هي الشكل المألوف للحكومة. وقد سادت في كل حقب التاريخ تقريباً (66). وقد تنشىء السياسة المالية مجتمعاً أو تهدمه، فإن فرض الضرائب الباهظة أو دخول الحكومة إلى مجال الإنتاج والتوزيع، يمكن أن يخمد أو يقضي على الحوافز والمغامرة والمنافسة، ويقتل البقرة الحلوب التي تدر الدخل (67). ومن جهة أخرى فإن الإفراط في تركيز الثروة قد يمزق المجتمع إرباً بإذكاء نار الثورة(68).
وثمة قوى معنوية في التاريخ.وفي تماسك الناس تدعيم للإمبراطوريات، وأفضل وسيلة لتأمين هذا هو غرس عقيدة واحدة وممارستها. ويتفق ابن خلدون مع البابوات ومحاكم التفتيش والمصلحين الدينيين البروتستانت على عقيدة واحدة.
وذلك لأن الملك إنما يحصل بالتغلب . والتغلب إنما يكون




صفحة رقم : 8852




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي


بالعصبية، واتفاق الأهواء على المطالبة، وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه. قال تعالى: "لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم". وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا، حصل التنافس وفشا الخلاف. وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتحدت وجهتها، فذهب التنافس وقل الخلاف ، وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك، فعظمت الدولة، كما نبين لك بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى وبالله التوفيق، لا رب سواه (69). المصدر السابق، ص 142).
وليس الدين عوناً في الحرب فحسب، بل إنه كذلك خير عون على النظام في المجتمع، وعلى اطمئنان النفس وهدوء البال عند الناس فرادى. ولا يتأنى هذا إلا بعقيدة دينية تتقرر بلا مساءلة ولا جدال. إن الفلاسفة ليبتدعون مئات الأساليب، ولكن واحداً منهم لم يقع على بديل للدين، كمرشد ومصدر إلهام للبشر في حياتهم "وما دام الإنسان لا يستطيع فهم الدنيا، فإن من الخير له أن يتقبل العقيدة التي ينقلها إليه مشرع ملهم تلقى الوحي، يعرف ما فيه خيرنا ونفعنا أكثر مما تعرف نحن، ويشرع لنا ما ينبغي علينا أن نؤمن به وما ينبغي علينا أن نفعل (70)، وبعد هذه المقدمة الرشيدة ينتقل مؤرخنا الفيلسوف إلى تفسير للتاريخ قائم على المذهب الطبيعي.
إن كل إمبراطورية تمر بأطوار متعاقبة:
1- تحط قبيلة متنقلة منتصرة رحالها لتنعم بما أفاء الله به عليها من فتح رقعة من الأرض أو ولاية. "إن أقل الأقوام حضارة أعظمها فتوحاً"(71).




صفحة رقم : 8853




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي


2- وكلما ازدادت العلاقات الاجتماعية تعقيداً، اقتضى الأمر سلطة أكثر تركيزاً بغية المحافظة على النظام، فيصبح الرئيس القبلي ملكاً.
3- وفي هذا النظام المستتب، تنمو الثروة، وتتصاعد المدن، ويرتقي التعليم والآداب ،وتجد الفنون من يرعاها، وتبزغ شمس العلوم والفلسفة. ويؤذن التوسع في سكنى المدن والحياة الناعمة بفضل الثراء، ببداية الاضمحلال.
4- إن المجتمع الذي أثرى يبدأ في إيثار المسرة والترف والدعة على العمل أو المغامرة أو الحرب ، ويفقد الدين سيطرته على الإنسان وعقيدته، وتنحط الفضائل والأعمال الحربية، ومن ثم يكون الاتجاه إلى استخدام الجنود المرتزقة للدفاع عن المجتمع، ومثل هؤلاء تعوزهم حماسة الروح الوطنية والعقيدة الدينية، وكأن الثروة التي لا يحسن الدفاع عنها تغري بمهاجمتها ملايين الجياع المضطربين فيما وراء الحدود.
5- إن الحملات الخارجية أو الدسائس الداخلية، أو كلتيهما معاً تسقط الدولة (72).
تلك كانت دورة الزمن بالنسبة لرومه، والمرابطين والموحدين في أسبانيا، والإسلام في مصر وسوريا والعراق وفارس، وهي تجري دائماً على هذا المنوال(73).
تلك هي قلة قليلة من آلاف الأفكار التي جعلت من "مقدمة ابن خلدون" أشهر نتاج فلسفي في القرن الذي عاش فيه. وكان لابن خلدون أفكاره الخاصة به كل شيء تقريباً، فيما عدا الدين الذي يرى أنه ليس من الحكمة أن يكون فيه مبتكراً. وعلى حين أنجز عملاً ضخماً من أمهات الكتب في الفلسفة يصرح بأن الفلسفة خطيرة، وينصح قراءه بأن يتركوها وشأنها (74). ويحتمل أنه قصد ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) واللاهوت، أكثر مما قصد




صفحة رقم : 8854




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي


الفلسفة بمعناها الأوسع، كمحاولة لرؤية أحوال الإنسان من وجهة نظر أكثر شمولاً. إنه يتحدث في بعض الأحيان كما تتحدث أبسط امرأة عجوز في السوق، فيسلم بالمعجزات والسحر، و "العين الشريرة"، والخواص الغامضة لحروف الهجاء، ونبوءات الأحلام، والأمعاء، أو طيران الطيور (75). وهو مع ذلك يعجب بالعلوم، ويقر بتفوق اليونان على المسلمين في هذا المضمار، ويرثى لتدهور الدراسات العلمية في الإسلام (76). ويستنكر الكيمياء القديمة- ويعترف بشيء من الإيمان بالفلك (77).
وثمة سقطات معينة أخرى يجدر إيرادها. ذلك أنه على الرغم من ابن خلدون كان رحب الأفق، قدر رحابة الإسلام، إلا أنه شاطر الإسلام كثيراً من تحديداته، فلم يجد في مجلدات مقدمته الثلاثة إلا سبع صفحات للكلام عن المسيحية. ولم يورد ذكر اليونان والرومان وأوربا في العصور الوسطى غلا عرضاً. وعندما دون تاريخ شمال أفريقية ومصر الإسلامية والشرقين الأدنى والأوسط، اعتقد ذلك أنه قد روى "تاريخ الشعوب"(78). وهو في بعض الأحيان جاهل جهلاً معيباً يؤاخذ عليه، فيذهب إلى أن أر سطو كان يعلم من رواق وسقراط من دن (79).أن كتابته الفعلية في التاريخ تتخلف كثيراً عن مقدمته النظرية، ومجلداته عن البربر والشرق عبارة عن سجل جاف موحش لأنساب الأسرات وتسلسلها، ودسائس القصر، والحروب الصغيرة. ومن الواضح أنه قصد أن تكون هذه المجلدات تاريخاً سياسياً فحسب، وكتب المقدمة بوصفها تاريخاً للثقافة ، ولو أنها على الأرجح نظرة عامة في الثقافة.
ولكي تستعيد تقديرنا وإجلالنا لبن خلدون، جرى بنا أن نتساءل فقط عن أي عمل مسيحي في القرن الرابع عشر يمكن أن يضارع "المقدمة". وربما كان بعض المؤلفين القدامى قد تناولوا جانباً من هذا الميدان الذي طرقه ابن خلدون. وكان أحد أبناء جلدته، وهو المسعودى (المتوفى 956) قد




صفحة رقم : 8855




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفكر الإسلامي


عالج في كتاب مفقود الآن، تأثير الدين والاقتصاد والسلوك والبيئة علة شخصية الشعب وقوانينه، كما تناول أسباب الاضمحلال السياسي(80). ومهما يكن من أمر فقد أحس ابن خلدون، وله بعض الحق، أنه خلق علم الاجتماع. إننا لا نستطيع، في أي أدب كان قبل القرن الثامن عشر، العثور على فلسفة للتاريخ، أو على منهج لعلم الاجتماع، يمكن أن يباري في قوته ومداه ودقة تحليله منهج ابن خلدون. إن رائد فلسفة التاريخ في عصرنا قد حكم على مقدمة ابن خلدون بأنها أعظم تأليف من نوعه أنتجه عقل بعد في أي زمان أو مكان (81). وقد يقارن به كتاب هربرت سبنسر "مبادىء علم الاجتماع" 1876-1896، ولكن كان لسبنسر معاونون كثيرون. إننا على أية حال قد نتفق مع مؤلف ممتاز مشهور في تاريخ العلوم "على أن أهم مؤلف تاريخي في العصور الوسطى"(82) هو مقدمة ابن خلدون.




صفحة رقم : 8856




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفن في آسيا الإسلامية



7- الفن في آسيا الإسلامية


في كل البقاع التي وصل إليها الإسلام من غرناطة إلى دلهي وسمرقند، استخدم الملوك والنبلاء العباقرة والعبيد لبناء المساجد والمقابر، والرسم على الآجر وإحراقه، ونسج الحرائر والسجاجيد وصبغها، وطرق المعادن، والحفر على الخشب والعاج، وزخرفة المخطوطات بالألوان المائية والخط، واستمسك الخانات والتيموريون والعثمانيون والمماليك،وحتى الأسرات الصغيرة التي حكمت الأجزاء الضعيفة من العالم الإسلامي، استمسكوا جميعاً بالتقليد الشرقي، وهو تلطيف السلب بالشعر، وتلطيف القتل بالفن.




صفحة رقم : 8857




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفن في آسيا الإسلامية


وفي قرى الريف وفي قصور المدن أخرجت الثروة جمالاً، ونعمت قلة محظوظة بقرب أشياء تغري اليدبلمسها، وتغري العين بالنظر إليها.
وكان المسجد لا يزال مجمع الفن الإسلامي. فالطوب والقرميد أكسبا المئذنة جمالاً شاعرياً، وأبواب الخزف المزخرف جعلت من ضوء الشمس ألواناً براقة، وأبرز المنبر الأشكال المتعرجة المحفورة أو التطعيم المعقد في الخشب، ووجهت فخامة المحراب قلوب المصلين إلى مكة. وقدمت المصبعات والثريات مشبكاتها المعدنية إجلالاً وولاء لله. وجعل السجاد من الأرض البلاط مكاناً ليناً وهيأ لركبتي المصلى سجوداً وثيراً. وغلفت المصاحف المذهبة بالحرير الثمين. وعجب كلافيجو "من المساجد الجميلة المزدانة بالآجر الأزرق والذهبي (43)"، وفي أصفهان أقام أحد وزراء أولجايتو في مسجد الجمعة محراباً بات فيه الجص العادي من مفاتن الزخرفة العربية والنقش. وشيد أولجايتو نفسه في "سلطانية " ضريحاً فخماً (1313) أراد أن ينقل إليه رفات على والحسين (كان الخان أولجايتو شيعيا). ولكن خطته أخفقت إخفاقاً محموداً، فإن عظام الخان ووريت الترب في هذا الضريح المهيب. وتتسم أطلال المسجد في فارامين (1326) بالضخامة والجلال.
وأولع تيمور بالبناء، وسرق أفكار العمارة، كما سرق الفضة والذهب من ضحايا أسلحته. وآثر الضخامة بوصفه فاتحاً، وكأنما هي ترمز إلى إمبراطوريته وإلى إرادته، ومثل محدثي الثراء أغرم باللون وأسرف في الزخرفة،‎. وافتتن بالآجر الأزرق المطلي في هراة، فاستقدم خزافين من فارس إلى سمرقند ليكسوا بالطوب اللامع واجهات المساجد والقصور في عاصمته، وسرعان ما أشرقت المدينة وتألقت بالخزف الفخم. ولحظ في دمشق قبة بصلية الشكل تنبعج فوق القاعدة ثم يستدق طرفها إلى أعلى حتى يصبح مدبباً، فأمر مهندسيه أن يأخذوا تصميمها وأبعادها قبل أن




صفحة رقم : 8858




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفن في آسيا الإسلامية


تسقط في الحريق العام، وتوج سمرقند بمثل هذه القباب، ونشر هذا الطراز بين الهند وروسيا، حتى إنك لتراه سائداً من تاج محل إلى الميدان الأحمر. ولما عاد من الهند أحضر معه الفنانين والصناع المهرة: فأقاموا له في ثلاثة أشهر مسجداً ضخماً هو "مسجد الملك" له بوابة ارتفاعها مائة قدم، وسقف مرفوع على 480 عموداً من الحجر. وشيد لأخته "تشوشوك بيكا" ضريحاً لتدفن فيه، أصبح تحفة العمارة في عصره (44). وعندما أمر ببناء مسجد تخليداً لذكرى زوجته الأثيرة لديه، بيبى خاتون، أشرف على البناء بنفسه، وألقى باللحوم إلى العمال في الحفائر، ونفح الصناع المهرة المجتهدين بالنقود، وحثهم أو أجبرهم على العمل ليل نهار، حتى أقبل الشتاء وتوقف البناء، وأخمدت حماسته.
وأنجز خلفاؤه فناً أكثر نضجاً. ففي "مشهد" على الطريق بين طهران وسمرقند استخدمت "جوهر شاد" زوجة "شاه رخ" المغامرة، المهندس المعماري قوام الدين في بناء المسجد الذي يحمل اسمها (1418)، وهو أروع نتاج الهندسة الإسلامية الفارسية وأغناه بالألوان(45). وفيه تحيط المآذن المزودة بالفوانيس الرائعة بالضريح وكأنها تحرسه، وتؤدي أربعة مداخل فخمة إلى فناء رئيسي، كسبت واجهة كل منها بآجر من الخزف المزخرف، "لا مثيل لها من قبل ومن بعد"(46) - تحفة الزمان - تتحدى اللون في مائة شكل من الزخرفة العربية "الأرابسك" والرسوم الهندسية والحركات الزهرية والخط الكوفي الفخم، وأضفت شمس فارس على هذا مزيداً من البريق والتألق. وفوق الجزء الجنوبي الغربي من الرواق ذي الأعمدة المؤدى إلى حرم المسجد ارتفعت مئذنة من الآجر الأزرق تناطح السماء، وعلى الباب بحروف بيضاء على أرضية زرقاء نقش إهداء الملكة، وهو إهداء يفيض فخراً وتقى:


إن عظمتها العريقة في المجد، شمس سماء الطهارة والعفة....






صفحة رقم : 8859




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفن في آسيا الإسلامية




جوهر شاد، خلد الله عظمتها وأدام طهارتها ! من مالها الخاص،




ولخبر آخرتها، ومن أجل اليوم الذي يحاسب فيه المرء على




ما قدمت يداه، تقرباً إلى الله وشكراً له سبحانه.. ..شيدت




هذا المسجد الجامع العظيم، هذا البيت المقدس، في عهد السلطان




المعظم، سيد الحكام، والد نائب الملك، شاه رخ أدام الله




ملكه وإمبراطوريته ، وزاد على الأرض صلاحه وعدله




وكرمه(47).


ولم يكن مسجد جوهر شاد إلا واحداً من جملة مبان جعلت من مشهد رومه "المذهب الشيعي"، وهناك على مدى ثلاثين جيلاً، شيد أتباع الإمام الرضا مجموعة كبيرة من العمائر فخامتها بالألباب، ذوات مآذن جميلة وقباب فاخرة، ومداخل كسيت واجهاتها بالآجر اللامع أو بصفائح الفضة أو الذهب، وساحات تعكس فسيفساءها الزرقاء والبيضاء أو خزفها المزخرف أشعة الشمس. وهنا في هذا المنظر العريض الخلاب بأشكاله وألوانه، استخدم الفن الفارسي كل سحره ليمجد أحد أولياء الله الصالحين ويرهب الحاج الزائر حتى يعمر قلبه بالتقوى والإيمان.
ومن أذربيجان إلى أفغانستان ارتفع في هذا العصر في أرض الإسلام ألف مسجد ‎: ذلك أن بيوت العبادة لها من القيمة الكبيرة لدى الإنسان ما لفاكهة الأرض، ولكن عندنا أهل الغرب المحصورين في خلايا العقل، لا تعني هذه الأضرحة إلا أسماء جوفاء، بل قد يزعجنا أن نحيها ونكرمها بتلك الانحناءات الجافة المقتضبة. وماذا يعنينا أن جوهر شاد قد حصلت لرفاتها الطاهرة على مقبرة جميلة في هراه، وأن شيراز جددت عمارة مسجدها الجامع في القرن الرابع عشر، وأن يزد وأصفهان قد أضافتا محرابين فاخرين إلى مسجدي الجمعة فيهما؟ الحق أننا بعيدون جداً، من حيث الزمان والمكان والتفكير، إلى حد لا نشعر معه بهذه العظمة والجلال،




صفحة رقم : 8860




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفن في آسيا الإسلامية


كما أن هؤلاء الذين يقيمون الصلاة في تلك المساجد لا يستهويهم كثيراً اجتراءاتنا القوطية أو الصور الحسية في عصر النهضة، على أنه جدير بنا مع ذلك أن نتأثر ونحن وقوف على أطلال الجامع الأزرق في تبريز (1437-1467) ونستعيد في الذاكرة الفخامة التي اشتهر بها يوماً خزفه الأزرق المزخرف وزخرفته العربية الذهبية، كما لا يغيب عن أذهاننا أن محمد الثاني وبايزيد الثاني شيدا في القسطنطينية (1463-1497) مساجد تكاد تنافس عظمة كنيسة أياصوفيا. وقد اقتبس العثمانيون التصميمات البيزنطية والأبواب الفارسية والقباب الأرمينية وأفكار الزخرفة الصينية، ليشكلوا مساجدهم في بروسه ونيقيا ونيقوميديا وقونيه. لقد كان الفن الإسلامي لا يزال في أوجه في هندسة العمارة على الأقل.
وثمة فن واحد فحسب استطاع أن ينهض وبصمد أمام فن العمارة في الإسلام: (كما صمد داود أمام جوليات - التوراة، صموئيل الأول، الإصحاح 17 : 4 ، 49 ). فربما حظي الخطاطون ورسامو المنمنمات الصابرون الذين زخرفوا الكتب بأصغر وأدق زخارف وصور وخطوط رمزية بالفرشاة أو القلم - ربما حظي هؤلاء بنصيب من التكريم والإجلال أكثر مما حظي به بناة المساجد. وقد رسمت صور الأشخاص، ولم يبق منها إلا قليل. وامتثل العثمانيون علانية لتعاليم الكتاب المقدس والقرآن في تحريم نحت الصور الشخصية، ولكن محمد الثاني استقدم جنتيل بلليني من البندقية إلى القسطنطينية (1480) ليرسم صورته، وهي المعلقة الآن في المتحف الوطني في لندن. كما توجد نسخ من صورة زعموا أنها لتيمور. على أن المغول الذين اعتنقوا الإسلام، بصفة عامة، آثروا تقاليد الفن الصيني على المحظورات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية. فأدخلوا من




صفحة رقم : 8861




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفن في آسيا الإسلامية


الصين على الزخرفة الفارسية التنين والعنقاء وأشكال السحاب وهالات القداسة والوجوه الشبيهة بالأقمار، وزاوجوا بينها، بطريقة خلاقة، وبين الأساليب الفارسية في اللون الشفاف والخط الخالص. وكانت الأساليب المختلطة متماثلة إلى حد بعيد، فإن رسامي المنمنمات الصينيين والفرس، على حد سواء، رسموا لطبقة الأرستقراطيين الذين يحتمل أن ذوقهم كان رفيعاً جداً، والأرجح أنهم حاولوا إرضاء الخيال والحواس أكثر من تمثيل الأشكال الموضوعية.
وكانت المراكز العظمى للزخرفة الإسلامية في هذا العصر هي تبريز وشيراز، هراة. ويحتمل أنه قد جاء من تبريز في عهد الأيلخانات، للورقات الخمس والخمسون من كتاب "شاه نامه"، (كتاب الملوك للفردوسي) - وهي من عمل رسامين مختلفين في القرن الرابع عشر. ولكن رسم المنمنمات الفارسية بلغ الذروة في هراة على عهد التيموريين، وقد استخدم شاه رخ طائفة كبيرة من الفنانين، وأسس ابنه بيسنقر ميرزا كلية خاصة بالخط والمنمنمات. ومن مدرسة هراة هذه جاءت الشاهنامة (1429) وهي معجزة اللون البراق والجمال الدافق، وهي الآن محفوظة بعناية في مكتبة قصر جلستان في طهران، وتكاد لا يمسها أحد إلا إجلالاً وتعظيماً. إن رؤيتها لأول مرة أشبه شيء باكتشاف قصائد كيتس (الشاعر الإنجليزي Keats).
وكان كمال الدين بهزاد، هو كيتس الزخرفة الحقيقي أو رافائيل الشرق. لقد عركته تجارب الحياة، وويلات الحرب وتقلباتها، فعكس هذا كله بالفن، ولد بهزاد في هراة حوالي سنة 1440، ودرس في تبريز، ثم عاد إلى هراة ليرسم للسلطان حسين بن بيقرة، ووزيره المتعدد الجوانب (شاعر وموسيقي ومصور) مير على شيرنوائي. وعندما أصبحت هراة مركزاً للأوزبك ولحملات المصورين، قصد بهزاد ثانية إلى تبريز. وكان من بين أوائل المصورين الفرس الذين وقعوا على أعمالهم، ولكن بقايا فنه قليلة فعلاً




صفحة رقم : 8862




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفن في آسيا الإسلامية


ومتباعدة. وثمة منمنمتان في دار الكتب المصرية بالقاهرة تمثلان "بستان سعدي" وتعرضان حلقة لبعض رجال الدين يتدارسون فيها أسراره. وتحمل المخطوطة تاريخ سنة 1489، أما العبارة المكتوبة في نهايتها فتقول "رسمها العبد المذنب بهزاد". ويضم متحف فرير في واشنطن صورة "شاب يرسم"، وهي نسخة منقولة عن جنتيل بلليني وقعها بهزاد، وفيها تكشف الأنامل الرقيقة عن الفنانين الرسام والمرسوم كليهما. وليس من المحقق كثيراً أنه هو الذي رسم المنمنمات الموجودة في المتحف البريطاني؛ وهي نسخة مخطوطة "المنظومات الخمس" للشاعر نظامي، وفي نفس الخزانة توجد مخطوطة "ظفر نامه" أي سجل انتصارات تيمور.
ومن العسير أن تفسير هذه البقايا شهرة بهزاد المنقطعة النظير. إنها تنم على إدراك حسي للأشخاص والأشياء، وعلى حرارة اللون ومداه، وعلى حيوية في التنفيذ تشملها جميعاً دقة رقيقة في التخطيط. ولكنها لا تكاد توازن بالمنمنمات التي رسمت لدوق بري Berry، قبل ذلك بقرن من الزمان تقريباً، ومع ذلك فإن معاصري بهزاد أحسوا بأنه كان قد أحدث انقلاباً في الزخرفة بنماذجه الأصلية في التأليف، ومناظره الطبيعية الزاهية وصور شخوصه المفصلة بعناية والتي تكاد تقفز إلى الحياة. وعنه قال المؤرخ الفارسي خواندمير الذي كان يقارب الخمسين من العمر حين مات بهزاد (حوالي 1523)، ربما بدافع التحيز لصداقته له: "إن براعته في التصوير والتصميم قد طمست ذكرى غيره من مصوري العالم. إن أنامله الموهوبة بمزايا خارقة محت صور سائر الفنانين من بني آدم"(48). وجدير بنا أن يهذب من ثقتنا أن نفكر ملياً في أن هذا قد كتب قبل يرسم ليوناردو دافنسي "العشاء الأخير" ويرسم ميكل أنجيلو "سقف كنيسة سستين"، وقبل أن يرسم رافائيل "غرف الفاتيكان:‎". ومن المحتمل أن خواندمير لم يكن قد سمع بأسمائهم قط.




صفحة رقم : 8863




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفن في آسيا الإسلامية


وانحط فن الخزف في هذه الحقبة عما كان عليه في عهد سلاجقة الري وكاشان. أما مدينة الري فقد تركتها الزلازل وغارات المغول أثراً بعد عين، وأما كاشان فقد خصصت معظم أفرانها لصناعة الطوب. على أن مراكز جديدة للخزف قامت في سلطانية ويزد وتبريز وهراة وأصفهان وشيراز وسمرقند، وكان الخزف المزخرف الفسيفسائي آنذاك هو الإنتاج المفضل: فصنعت بلاطات صغيرة من الخزف، رسمت كل منها بلون معدني واحد، وطليت فأصبحت ذات بريق يتطلب أشد العناية لبقائه. وحين كان حماة الفن في يسر وثراء استخدم البناءون الفرس هذا الخزف المزخرف، لا للمحاريب والزخرفة فحسب، بل استخدموه كذلك في تغطية سطوح كبيرة من أبواب المساجد أو جدرانها، وثمة نموذج أخاذ في محراب مسجد بابا قاسم (حوالي 1354) في متحف متروبوليتان للفن في نيويورك.
واحتفظ صناع المعادن في الإسلام بمهارتهم، فصنعوا الأبواب والثريات البرونزية للمساجد من بخاري إلى المغرب (مراكش)، ولو أن شيئاً منها لم يضارع تماماً "أبواب الجنة" التي صنعها جيبر Ghiberti (1401- 1452) في بيت المعمودية بفلورنسه، وقد صنعوا أحسن أسلحة العصر- الخوذات المخروطية الشكل لكي تجعل الضربات الهاوية تنحرف، والدروع من الحديد البراق مطعمة بالفضة والذهب والسيوف المرصعة بالنقوش الذهبية أو الأزهار المصنوعة من الذهب. كما صنعوا النقود الجميلة، كما صنعوا الرسوم النافرة أو الميداليات الكبيرة مثل تلك التي عليها صورة جانبية لمحمد الفاتح البدين القصير، وشمعدانات برونزية كبيرة حفر عليها الخط الكوفي الفاخر أو الأشكال الزهرية، كما صبر وزينوا المباخر ومحفظة الكتابة والمرايا وعلب الجواهر والمجمرات والقوارير والأباريق والطشوت والصواني، بل حتى المقص والفرجار كانوا يزينونها بالنقوش بطريقة فنية. ومثل هذا التفوق مشهود به للفنانين والصناع المهرة




صفحة رقم : 8864




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> عبقرية الإسلام -> الفن في آسيا الإسلامية


المسلمين الذين اشتغلوا بقطع الجواهر أو المعادن النفيسة، أو الذين حفروا العاج أو الخشب أو رصعوه. والنسيج الباقي للآن عبارة عن قطع أو أجزاء صغيرة. ولكن المنمنمات تصور لنا تشكيلة واسعة من المنتجات الجميلة من الكتان الرفيع في القاهرة إلى الخيام الحريرية في سمرقند. والحق أن الذي أثار بسرعة حسد أوربا، هم أولئك المزخرفون الذين صمموا الأنماط والطرز المعقدة ولكنها مع ذلك منطقية: القماش المقصب (البروكار) والقطيفة والحرائر، للمغول والتيموريين، بل حتى البسط التركية. وفيما يسمونه الفنون الصغرى قاد الإسلام العالم.




صفحة رقم : 8865




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الإسلام في أفريقية



الفصل الحادي والثلاثون




سليمان القانوني




1520-1566




1- الإسلام في أفريقية




1200- 1566


إنه من العسير علينا، نحن المحصورين في العالم المسيحي، أن ندرك أنه منذ القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر، كان الإسلام متفوقاً على أوربا من النواحي الثقافية والسياسية والعسكرية. وحتى في أيام اضمحلاله في القرن السادس عشر، ساد من دلهي وما وراءها حتى كازابلنكا، ومن أدرنه إلى عدن، ومن تونس إلى تمبكتو. ويحدثنا ابن بطوطة الذي زار السودان 1353 أنه وجد هناك حضارة مشرفة تحت راية الإسلام، وكتب بعد ذلك مؤرخ من السود هو عبد الرحمن السعدي (1650)، تاريخاً كشافاً بارعاً، يصف مكتبات خاصة تضم 1600 مجلد في تمبكتو، ويصف المساجد الضخمة التي تشهد أطلالها بمجد غابر.
وحققت أسرة الماريني (1195-1270) الاستقلال لبلاد المغرب ونهضت بفاس ومراكش إلى مصاف المدن الكبرى، وكان في كل منهما مداخل جليلة ومساجد مهيبة ومكتبات عامرة بذخائر العلم والمعرفة، ومدارس قائمة وسط أعمدة ظليلة، وأسواق صاخبة يمكن أن يشتري المرء منها أي شيء بنصف الثمن. وكان يقطن فاس في القرن الثالث عشر نحو 125.000 نسمة، وربما كان هذا أكبر من سكان أية مدينة في أوربا، باستثناء القسطنطينية ورومه وباريس. وفي مسجد القيروان وهو مقر أقدم جامعة في المغرب درس الدين والعلوم جنباً إلى جنب، وقد جذبت هذه الجامعة إليها الطلبة المتعطشين من كل بقاع الإسلام في أفريقية، والمعلمين




صفحة رقم : 8866




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الإسلام في أفريقية


والمحامين ورجال الدين ورجال الحكم ، ليدرسوا مناهج شاقة لمدة تتراوح بين ثلاث سنين واثنتي عشرة سنة. وكان الأمير يعقوب الثاني الذي حكم بين 1269-1286 من فاس أو من مراكش، من أكثر الأمراء استنارة في قرن تقدمي. ونأى حاكماً عادلاً ومحسناً خيراً حكيماً، لطفي الدين بالفلسفة، ونأى بنفسه عن التعصب الأعمى، وشجع الاتصال الودي بالأوربيين. واستقبلت هاتان المدينتان كثيراً من اللاجئين من أسبانيا، وأحضر هؤلاء معهم حوافز جديدة للاستزادة من العلوم والفنون والصناعة. وإن ابن بطوطة الذي كان قد رأى معظم العالم الإسلامي المترامي الأطراف ليسمى مراكش "جنة الدنيا".
ويدهش السائح الحديث في طريقه من فاس إلى وهران، عندما يجد في تلمسان بقايا متواضعة لما كان في القرن الثالث عشر مدينة تضم 125.000 نسمة. وكان بها 64 مسجداً بقي منها ثلاثة فقط: الجامع الكبير (1136)، ومسجد أبى الحسن (1298) ومسجد الحلاوي (1353) وهي من أجمل المساجد في العالم الإسلامي، فيها أعمدة الرخام والفسيفساء المعقدة، والمحاريب الرائعة، الساحات ذوات العقود والخشب المحفور والمآذن السامقة، وهي باقية لتكون شاهداً على العظمة الغابرة التي كادت أن تنسى. وهنا احتفظت أسرة عبد الواحد لمدة ثلاثة قرون (1248-1337، 1359-1553) بحكم كفل للمسيحيين واليهود الحرية الدينية، كما رعت الآداب والفنون، وبعد أن استولى الأتراك على المدينة، فقدت أهميتها كمركز للتجارة، واضمحلت وانزوت في ظلال التاريخ.
وإلى الشرق من المغرب، ازدهرت الجزائر بفضل مزيج من التجارة والقرصنة. وقام ثغر الجزائر الجميل، نصف مختبئ في خليج نصف دائري تحف به الصخور، المؤلف من طبقات بعضها فوق بعض من شقق




صفحة رقم : 8867




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الإسلام في أفريقية


وقصور تمتد من البحر المتوسط إلى كسبه، نقول هيا هذا الثغر القرصان ومراكبهم مخبأ آمناً مفضلاً لديهم، وحتى منذ أيام بومبي كان قرصان هذا الشاطئ يغيرون على المراكب العزل.ومنذ 1492 أصبحت الجزائر ملجأ للمغاربة المسلمين الفارين من أسبانيا. وقد التحق كثير منهم بسفن القراصنة، وانقضوا بسورة الانتقام على أية سفن مسيحية يتربصون لها. وتضاعف عدد القرصان واشتدت جرأتهم، فكونوا أساطيل قوية في مثل قوة الأساطيل الوطنية وأغاروا على الشواطئ الشمالية للبحر المتوسط، وطرابلس (1509-1510).
ودخل الميدان في 1516 قرصان جبار نشيط، أطلق عليه الإيطاليون لقب بربروسه، بسبب لحيته الحمراء، واسمه الحقيقي خير الدين خضر. وكان يونانياً من لسبوس حضر مع أخيه هورش Horash لينخرط في سلك القرصان. وعلى حين وصل بنفسه إلى مرتبة القيادة في الأسطول، قاد هورش جيشاً ضد الجزائر، وطرد الحامية الأسبانية ونصب نفسه حاكماً على المدينة، ومات أثناء القتال (1518)، فاحتل خير الدين مكان أخيه، وأدار شئون الحكم بقوة ومهارة. وقصد خير الدين، رغبة منه في تثبيت مركزه، إلى القسطنطينية حيث عرض على السلطان سليم الأول السيادة على طرابلس وتونس والجزائر في مقابل قوة تركية كافية للاحتفاظ بسلطانه بوصفه حاكماً من قبل السلطان على هذه الأقاليم. ووافق سليم، وأكد سليمان هذه الاتفاقية. وفي 1533 أصبح خير الدين بطل الإسلام في الغرب بأن هيأ لسبعين ألفاً من المغاربة العبور إلى أفريقية من أسبانيا القاسية غير المضيافة. ولما عين بربروسه أول قائد عام للأسطول التركي برمته، أغار بأربع وثمانين سفينة تحت إمرته على المدينة على شواطئ صقلية وإيطاليا، وأسر آلافاً من المسيحيين بيعوا بيع الرقيق. ورسا بربروسه قرب نابلي،




صفحة رقم : 8868




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الإسلام في أفريقية


وكاد ينجح في أسر جيوليا جنزوجا كولونا التي اشتهرت بأنها أجمل سيدة في إيطاليا، إلا أنها فرت شبه عارية ممتطية جواداً، وبمعيتها فارس واحد بوصفه حارساً لها، فلما وصلت إلى المكان المقصود أمرت بإعدامه لأسباب أغفلت ذكرها ويمكن استنتاجها.
ولكن بربروسه كان يهدف إلى غنيمة أبقى على الأيام من سيدة جميلة، فأنزل إلى البر جنوده الانكشارية، وتقدم نحو تونس (1534). وكانت أسرة بني النفيس قد حكمت تلك المدينة حكماً صالحاً منذ 1326، وازدهرت الآداب والفنون تحت رعايتهم، ولكن مولى حسن الذي كان أميراً آنذاك ، كان قد باعد بينه وبين الأهالي بوحشيته وقساوته، وما أن اقترب بربروسه حتى لاذ الأمير بالفرار فسقطت تونس دون إراقة الدماء. وضمت إلى ملك آل عثمان، وأصبح بربروسه سيد البحر المتوسط.
ووقع العالم المسيحي في محنة ثانية، لأن الأسطول التركي كان يستطيع في أية لحظة أن يهيء للإسلام الدخول إلى جنوب إيطاليا. ومن الغريب حقاً أن فرانسوا الأول (ملك فرنسا) كان متحالفاً إذ ذاك مع تركيا، كما كان البابا كليمنت السابع حليفاً لفرنسا. ومن حسن الحظ أن كليمنت قضى نحبه (25 سبتمبر 1534) فخلفه البابا بول الثالث الذي تعهده لشارل الخامس بالمال اللازم لمهاجمة بربروسه، وعرض أندريه دوريا تعاون أسطول جنوده تعاوناً كاملاً في هذه الحملة. وفي ربيع 1535 جمع شارل الخامس في كاجلياري في سردينيا 400 سفينة وقوة قوامها ثلاثون ألف رجل. وعبر البحر المتوسط، وحاصر لاجولتا، وهو حصن يسيطر على خليج تونس، وسقط الحصن بعد قتال دام شهراً، وتقدم الجيش الإمبراطوري نحو تونس. وحاول بربروسه وقف تقدمه، ولكنه هزم ولاذ بالفرار. وحطم الأرقاء المسيحيون في تونس أغلالهم وفتحوا الأبواب ، ودخل شارل المدينة دون مقاومة، وأباح لجنوده السلب




صفحة رقم : 8869




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الإسلام في أفريقية


والنهب لمدة يومين، حتى لا يتمردوا. فلقي آلاف من المسلمين حتفهم. ودمرت حصيلة قرون من الفنون في يوم أو يومين ، وحرر الأرقاء المسيحيون وسط مظاهر الابتهاج، ووقع في براثن العبودية من بقى من السكان المسلمين. وأعاد شارل الأمير مولى حسن كحاكم تابع يؤدي له الجزية، وأبقى حامية في كل من بونا ولاجولتا، وعاد هو إلى أوربا.
فر بربروسه إلى القسطنطينية، وبنى بأموال من سليمان أسطولاً جديداً مكوناً من مائتي سفينة. وفي يولية 1537 ألقت هذه القوات مراسيها في تارنتو، وضرب الحصار على العالم المسيحي ثانية. وتشكلت "العصبة المقدسة" من جديد من البندقية والبابوية والإمبراطورية، وجمعت مائتي سفينة بعيداً عن كورفو، وفي 27 سبتمبر اشتبك الإسطولان المتصارعان في القتال عند مدخل خليج أمبراسيا، في نفس المياه التي التقى فيها أنطونيوس وكيلوباترة مع أكتافيوس في معركة أكتيوم. وكانت الغلبة لبربروسه، وأصبح مرة أخرى سيد البحار، وسار شرقاً واستولى في طريقه على ممتلكات البندقية في بحر إيجة واليونان بعضها إثر بعض، وأرغم البندقية على عقد لصلح منفرد.
وحاول شارل أن يكسب بربروسه للالتحاق بخدمته بما أغدق عليه من هدايا، وبما عرض عليه من أن يكون ملكاً نابعاً له على شمالي أفريقية، ولكن خير الدين آثر جانب الإسلام وإغراءه. وفي أكتوبر 1541 قاد شارل ودوريا حملة ضد الجزائر، ولكن جيش بربروسه أوقع بها الهزيمة في البر كما هبت عليها عاصفة مدمرة في البحر، ورد بربروسه على العدوان بالمثل، بالإغارة على كالابريا والنزول في أوستيا ثغر مدينة رومه، وارتعدت العاصمة الكبيرة في عقر دارها فرقاً، ولكن بول الثالث كان آنذاك على علاقات حسنة مع فرانسوا فعوض بربروسه، ادعاء بمجاملة حليفه عن كل ما أخذه من أوستيا نقداً، ورحل عنها في سلام(1). وابحر إلى طولون،




صفحة رقم : 8870




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الإسلام في أفريقية


حيث لقى أسطوله ترحيباً ممن كانوا في الواقع فرنسيين، وطلب أن تكف أجراس الكنيسة عن القرع طالما كانت "سفن الله" في الميناء لأن أصواتها تقض مضجعة، وكان مطلبه قانوناً. واشترك مع أسطول فرنسي في الاستيلاء على نيس وفيلفرانش من الإمبراطور. وفي سن السابعة والسبعين اعتزل القرصان المنتصر الظافر تحيط به كل مظاهر الإجلال والتكريم، ليقضي نحبه في فراشه 1546، وقد بلغ الثمانين.
وسقطت بونا ولاجولتا ثانية في أيدي المسلمين. ووصلت الإمبراطورية العثمانية من الجزائر إلى بغداد. ولم تجرؤ سوى دولة إسلامية واحدة على تحدي سيطرتها على العالم الإسلامي.




صفحة رقم : 8871




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> فارس تحت حكم الصفويين



2- فارس تحت حكم الصفويين




1502-1576


إن بلاد فارس التي كانت قد نعمت بفترات كثيرة من الخصب الثقافي، كانت الآن تمر بحقبة أخرى من الحيوية السياسية والابداع الفني. وعندما أسس الشاه إسماعيل الأول الأسرة الصفوية (1502-1736) كانت فارس تعاني فوضى التمزق بين ملوك ضعاف، فكان العراق ويزد وسافان وفيروزكة ودياربكر وكاشان وخراسان وقندهار وبلخ وكرمان وأذربيجان، كلها ولايات مستقلة بعضها عن بعض. وفي حملات جبارة لا ترحم، غزا إسماعيل أمير أذربيجان معظم هذه الإمارات واستولى على هرة وبغداد، وجعل ثانية من تبريز عاصمة لمملكة قوية. ورحب الناس بهذه الأسرة من بني جلدتهم، تلك الأسرة التي تألق مجدها فيما أسبغت على البلاد من وحدة وقوة، وعبروا عما يختلج في نفوسهم ببعث جديد للفن الفارسي.
إن لارتقاء إسماعيل إلى الملك قصة لا تصدق، ذلك أنه كان في سن الثالثة عندما مات أبوه (1490)، وفي الثالثة عشرة شرع يكسب لنفسه عرشاً، وفي نفس السن لبس التاج وصار شاه فارس. ويصفه المعاصرون




صفحة رقم : 8872




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> فارس تحت حكم الصفويين


بأنه "شجاع مثل ديك المصارعة الصغير"، "نشيط رشيق مثل الأساطير" (من آلهة الغابات عند الإغريق له ذيل وأذنا فرس)، قوى عريض المنكبين، ذو شوارب رهيبة، وشعر أحمر براق. وكان يستخدم ببراعة سيفاً جباراً بيده اليسرى. وكان في الرمي بالقوس أوديسيوس آخر، يصيب بقوسه سبع تفاحات من عشر مرصوصة على صف واحد(2).ويروي أنه كان "أنيساً لطيفاً كالبنت"، ولكنه قتل أمه (أو زوجة أبيه)، كما أمر بإعدام 300 من المومسات في تبريز، وذبح الآلاف من الأعداء(3). وقال سائح هندي إنه كان محبوباً لدى الشعب حتى "نسى اسم الله"في فارس ولم يذكر إلا إسماعيل وحده(4).
وكمن سر نجاح إسماعيل في الدين والجرأة. وكان المذهب الشيعي هو السائد في فارس، أي "أشياع" علي، صهر محمد أو زوج ابنته، ولم يعترف الشيعة بخلفاء شرعيين غير علي وحلفائه الاثنى عشر وهم "الأئمة"، ولما كان الدين والحكومة غير منفصلين في الإسلام، فإن لمثل هذا الخليفة، طبقاً لهذه النظرية حقاً إلهياً في الجمع بين السلطتين الدينية والزمنية. وكما اعتقد المسيحيون أن المسيح سوف يعود ليؤسس مملكته على الأرض، كذلك اعتقد الشيعة أن الإمام الثاني عشر - محمد بن الحسن - لم يمت قط، وأنه سوف يظهر من جديد في يوم من الأيام ليقيم حكمه المبارك على الأرض. وكما أدان البروتستانت الكاثوليك بأنهم ارتضوا التقاليد جنباً إلى جنب مع الكتاب المقدس كدليل أو مرشد إلى العقيدة الصحيحة، كذلك اتهم الشيعة أهل السنة - وهم الغالبية الذين يعتنقون العقيدة الإسلامية الصحيحة، الذين وجدوا أن الطريق المستقيم ليس في القرآن وحده بل كذلك في كل ما أتى الرسول كما جاء في تقاليد أصحابه وأتباعه. وكما ترك البروتستانت الصلاة على القديسين وأغلقوا الأديرة، لم يشجع الشيعة التصوف وأغلقوا أروقة الدراويش، التي كانت مثل أديار أوربا في بدايتها، مراكز لكرم الضيافة




صفحة رقم : 8873




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> فارس تحت حكم الصفويين


والبر والإحسان. وكما أطلق البروتستانت على مذهبهم اسم "الدين الحق"، اتخذ الشيعة اسم "المؤمنين"(5) (المعتقدون الحقيقيون). ولا يؤاكل المتمسك بمذهبه سنياً أبداً، وإذا وقع ظل مسيحي على طعام شيعي وجب أن ينبذ الطعام على أنه دنس(6) .
وادعى إسماعيل أنه من نسل الإمام السابع "صفي الدين" (نقاء العقيدة)، وباسمه سميت الأسرة الجديدة. وأعلن إسماعيل أن المذهب الشيعي هو المذهب الوطني والرسمي لفارس، وأنه الراية المقدسة التي حارب في ظلها، ومن ثم وحد قومه في إخلاص يتسم بالتقي والورع ضد المسلمين السنيين الذين طوقوا فارس - الأوزبك والأفغان في الشرق، والعرب والأتراك والمصريين في الغرب. ونجحت خطته. وكان شعبه يعبده على أنه قديس (ولي من أولياء الله الصالحين)، وكان رعاياه يثقون في قوته الإلهية لحمايتهم، إلى حد أن بعضهم رفض أن يلبس الدرع في المعركة(7).
وما أن إسماعيل بهذا السند الملتهب حماسة - وهو الشعب - حتى أحس أنه من القوة بحيث يستطيع أن يتحدى جيرانه. وكان الأوزبك الذين حكموا بلاد ما وراء النهر، قد بسطوا سلطانهم حتى خراسان، فانتزع منهم هراة وطردهم من فارس، ولما اطمأن إلى سلامته في الشرق ولى وجهه شطر الغرب ضد العثمانيين. واضطهد كل من الطرفين الآخر آنذاك بقوة مقدسة. وقيل في رواية غير موثوقة إن السلطان سليماً قتل أو سجن، قبل الذهاب إلى القتال (1514)، أربعين ألفاً من الشيعة في نطاق مملكته، وإن إسماعيل شنق بعض السنيين الذين كانوا يشكلون الغالبية في تبريز، وأمر الباقين بأن يرتلوا يومياً أدعية يلعنون فيها الخلفاء الثلاثة الأولين على




صفحة رقم : 8874




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> فارس تحت حكم الصفويين


اعتبار أنهم اغتصبوا حق علي في الخلافة. ومهما يكن من أمر، فإن الفرس وجدوا الشيعة في معركة جالديران عاجزين أمام مدفعية سليم العبوس وجنده الانكشارية. واستولى سلطان العثمانيين على تبريز، وأخضع شمالي أرض الجزيرة (1516)، ولكن جيوشه تمردت، فتقهقر وعاد إسماعيل إلى عاصمة ملكه تحف به كل عظمة ومجد يمكن أن يحاط بهما ملك عسكري. وانحط الأدب أثناء حكمه المضطرب القلق، ولكن الفن ازدهر تحت رعايته، فقد كان يرعى المصور بهزاد، وقدر أنه يساوي نصف فارس(8). ومات إسماعيل في سن الثامنة والثلاثين،بعد أن قضى في الحكم 24 عاماً. وخلف عرشه لابنه البالغ من العمر عشر سنوات 1524.
وكان الشاه طهماسب الأول ضعيف الإيمان جباناً، سوداوي المزاج كئيباً مترفاً منغمساً في اللذات، وقاضياً خشناً، يرعى الفنون ويمارسها، شيعياً تقياً، كما كان معبود شعبه، وربما تحلى ببعض فضائل أخفاها عن عيون التاريخ. إن التوكيد المستمر على الدين أربك الحكومة كما قواها، وذلك أنه من أجل الدين شنت الحرب اثنتي عشرة مرة، وظل العالم الإسلامي في الشرقين الأدنى والأوسط ممزقاً متنابذاً من 1508 إلى 1638، وأفاد العالم المسيحي من هذه الفرقة، حيث انقطع سليمان القانوني عن شن هجماته على الغرب، ووجه حملاته نحو فارس. وفي ذلك كتب سفير فرديناند في القسطنطينية يقول: "إن فارس هي التي تقف حائلاً بيننا وبين الدمار"(9). وفي 1533 قاد الوزير الأكبر إبراهيم باشا جيشاً تركياً نحو أذربيجان، واستولى في طريقه على الحصون الواحد تلو الآخر، بتقديم الرشوة إلى القواد الفرس، وأخيراً استولى على تبريز وبغداد دون أن يضرب ضربة واحدة (1534). وبعد أربع عشرة سنة، وفي أثناء هدنة مع فرديناند، قاد سليمان جيشاً آخر ضد "الرءوس الحمراء الوضيعة" (وهو الاسم الذي أطلقه الأتراك على الفرس)، وانتزع




صفحة رقم : 8875




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> فارس تحت حكم الصفويين


إحدى وثلاثين مدينة، ثم استأنف هجماته على العالم المسيحي. وفيما بين عامي 1525،1545، عاود شارل المفاوضة مع فارس المرة بعد المرة، بافتراض التنسيق بين المسيحيين والفرس للوقوف في وجه سليمان. وابتهج الغرب حين تولت فارس الهجوم وانتزعت أرضروم. ولكن سليمان عاد في 1554 واكتسح مساحات كبيرة من فارس، وأرغم طهماسب على عقد صلح بقيت مقتضاه بغداد والقسم الأدنى من أرض الجزيرة تحت حكم الأتراك.
وثمة شيء أكثر إمتاعاً من الصراعات الكئيبة تلك هي الرحلات الجريئة المغامرة التي قام بها أنطوني جنكنسون إلى بلاد ما وراء النهر وفارس، بحثاً عن طريق بري إلى الهند والصين، وكمان مسلك إيفان الرهيب في هذا الموضوع لطيفاً ودياً، فقد رحب بجنكنسون في موسكو، وبعث به سفيراً له لدى حكام الأوزبك في بخاري، ووافق على السماح بدخول البضائع الإنجليزية إلى روسيا معفاة من الرسوم الجمركية، ومرورها في نهر الفولجا عبر بحر قزوين، وكتبت للرحالة النجاة من عاصفة هوجاء في هذا البحر، واصل بعدها الرحلة إلى فارس ووصل إلى قوزين سنة 1516. وهناك سلم طهماسب رسائل التحية من ملكة بعيدة، بدا للفرس أنها سيدة قليلة الشأن تحكم قوماً من الهمج، وكان الفرس ميالين إلى عقد اتفاقية تجارية، ولكنهم عندما أعلن جنكنسون أنه مسيحي، أمروه بمغادرة البلاد، قائلين: "ليس بنا من حاجة إلى مصادقة الكفار". وبعد أن انصرف من حضرة الشاه، جاء أحد الخدم فغطى بالرمل المطهر آثار أقدام المسيحي التي دنست قصر الشيعة(10).
وبموت طهماسب (1576) انفضت أطول فترة حكم لأي حكم من الحكام المسلمين عدا واحداً. ولكنها فترة من أشد الفترات امتلاء بالنكبات. ولم يتميز هذا العهد بأية آداب يعتز بها الفرس في ذاكرتهم، إذا لم تستثن




صفحة رقم : 8876




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> فارس تحت حكم الصفويين


مذكرات بابر Babur الذي أبعد عن بلده. ولكن الفن على عهد الصفويين، ولو أنه سيبلغ ذروته متأخراً عنهم، بدأ في هذين العهدين (عهد إسماعيل وابنه) ينتج أعمالاً تتسم بالعظمة والتألق والنقاوة التي تميزت بها منتجات فارس الغنية لمدة اثنين وعشرين قرناً. وقد أبرزت مقبرة "هارون الولاية" في أصفهان كل ما أودع في الرسم الكلاسيكي الفارسي من دقة ورقة، وأزهى الألوان، وتقطيع الفسيفساء الخزفية المزخرفة. كما توج بوابة مسجد الجمعة الكبير نصف قبة معقدة. وأسس كذلك في هذا العصر في شيراز "مسجد جامع" آخر، ولكن الزمن لم يبق على شيء منه.
وثمة أمثلة كثيرة دلت على أن أشغال التذهيب الدقيقة والخط صمدت على تعاقب الزمن أكثر مما صمدت آثار العمارة، وبرزت العناية التي بذلها المسلمون في إخراج الكتاب (المخطوطات) حتى كادت تجعل منه معبوداً يحوطه الإجلال والحب. إن العرب الذين كانوا فخورين بكل شيء افتتنوا افتتاناً مستساغاً مغفوراً لهم بحروف الهجاء عندهم، تلك التي وهبت لهم من نفسها سطوراً من جمال حسي. فالفرس، فوق كل شيء جعلوا من الخط فناً لتزيين محاريب مساجدهم وأبوابهم، والمعادن التي يصنعون منها أسلحتهم، والفخار الذين يصنعون منه أعمال الخزف، ونسيج سجاجيدهم، ثم المصاحف ودواوين الشعراء، وكل أولئك تعتز به الأجيال على أنه متعة للعين وبهجة للنفس. أما خط "النستعليق Nastaliq،




صفحة رقم : 8877




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> فارس تحت حكم الصفويين


(أو الخط المائل) الذي كان قد ازدهر في عهد التيموريين في تبريز وهراة وسمرقند، فقد عاد إلى تبريز على عهد الصفويين، وذهب معهم إلى أصفهان. وكما ضم المسجد عديداً من الفنون بعضها إلى بعض، كذلك جمع الكتاب بين الشاعر والخطاط ورسام المنمنمات والمجلد (الذي يقوم بالتجليد) في تعاون يتسم بالتفاني والإخلاص والورع.
وظل فن التذهيب مزدهراً في بخاري وهراة وشيراز وتبريز. ويضم متحف الفنون الجميلة في بوسطن مخطوطة رائعة لشاهنامة الفردوسي، بإمضاء عراجي محمد القوام الشيرازي (1552)، وفي متحف كليفلند نسخة أخرى من عمل مشهدي الكاتب (1538)، ويضم متحف المتروبوليتان للفن نيويورك نموذجاً من أروع نماذج التذهيب والخط في تبريز، وهي صحيفة العنوان في مخطوطة "المنظومات الخمس" لنظامي (1525). وانتقل مركز التذهيب الإسلامي إلى تبريز حين اختارها بهزاد مقراً له (1510). وفي أثناء معركة جالديران خبأ الشاه إسماعيل الصفوي المصور بهزاد والخطاط محمود النيسابوري في كهف، بوصفهما أثمن ما يمكن أن يقتنى(11). ورسم أقاميرك، تلميذ بهزاد، في تبريز واحدة من أروع المنمنمات في هذا العصر، وهي صورة "تتويج خسرو وشيرين" (1539) وهي محفوظة الآن في المتحف البريطاني. وعلم ميرك بدوره الفن لتلميذه "سلطان نور الذي ولد في أسرة غنية، ولكنه تجاهل حقيقة أن لديه من الوسائل ما يستطيع معها أن يكون لاهياً تافهاً، فأصبح




صفحة رقم : 8878




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> فارس تحت حكم الصفويين


"اللؤلؤة التي لا تقدر بثمن" في بلاط شاه طهماسب لأنه فاق كل أهل زمانه في الخط والتذهيب، وفي تصميم أغلفة الكتب والسجاجيد، وفيما بين عامي 1539و1543 نسخ مخطوطة المنظومات الخمس لنظامي ووضحها بالرسوم، وثمة صفحة رائعة في المتحف البريطاني تمثل الملك خسرو ممتطياً صهوة جواد قرنفلي اللون، وهو ينعم النظر وسط نقوش النباتات والزهور ذوات اللون الأخضر والأسمر والذهبي، إلى شيرين وهي نصف عارية تستحم في بركة فضية. وثمة صورة أروع وأزهى ألواناً، للرسول وقد أسرى به في السموات السبع على حصانه المجنح "البراق" (ليزور الجنة والنار، هكذا في النص الإنجليزي) والأشكال عبارة عن جمال مجسم، ولكن المصور تعمد لأسباب دينية، ألا يكون بها تقاطيع مميزة فردية، فقد كان الفنان مهتماً بالزخرفة أكثر منه بالتشخيص، وبالجمال الذي يكون موضع التقدير والاحترام، وهو جمال يمكن الوصول إليه أحياناً إذا كان ذاتياً أو شخصياً، أيسر من الوصول إلى الحقيقة التي تفلت دائماً إذا كانت موضوعية. وقد بلغ التذهيب ذروته في هذه المنمنمات.
وحظيت المنسوجات والسجاجيد بمثل هذه العناية المحببة إلى النفس، ولم يبق شيء من منسوجات هذه العهود، ولكن المنمنمات تصورها. وتفوق مصممو السجاد وعماله المهرة في عهد الصفويين. وبدا أن السجاد عنصر أساسي في حضارة الإسلام. ولم يجلس المسلمون أو يأكلوا على الكراسي، ولكن على الأرض المفروشة بالسجاد. وهناك سجادة خاصة للصلاة عليها في العادة رموز دينية وآيات قرآنية، يسجد عليها المسلمون في صلواتهم. وكانت السجاجيد مفضلة كهدايا للأصدقاء أو الملوك أو المساجد، ولذلك أهدى شاه طهماسب عشرين سجادة كبيرة وكثيراً من السجاجيد الصغيرة من الحرير والذهب إلى السلطان سليم الثاني عند ارتقائه عرش آل عثمان 1566. وثمة معالم مميزة من التصميم حددت سجاد هذا




صفحة رقم : 8879




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> فارس تحت حكم الصفويين


العصر، وكأنها بستان، ففيها رسوم النباتات والأزهار، ومنظر الصيد والزهريات والرسوم المضلعة والمشجرة أو الرسوم النافرة أو البارزة، وحول هذه الأشكال الأساسية توجد الزخرفة العربية المتعرجة، مع أشرطة السحب المستمدة من الفن الصيني، ورموز ذات معان سرية لدى مبتكرها، وحيوانات تمثل نمط الحياة، ونباتات وزهور تعطي أريجاً ممثلاً في خيوط، وطابعاً بهيجاً، وسرى في هذا الكل المعقد منطق فني، أو تناغم طباقي في الخيوط أدق من موسيقى بالسترينا (ملحق موسيقى دينية في إيطاليا في القرن السادس عشر) وأجمل من شعر جوديفا .
ويعود تاريخ بعض القطع الباقية حتى الآن من السجاد الإيراني إلى هذا النصف الأول من القرن السادس عشر. وإحداها ذات رسوم بارزة، وبها ثلاثون مليون عقدة من الصوف على سداة من الحرير (380 عقدة في البوصة المربعة)، ظلت مفروشة لعدة قرون في أحد مساجد أردبيل، وهي الآن موزعة بين متحف فكتوريا وألبرت في لندن ومتحف لوس أنجلوس. وفي أحد أطرافها خرطوشة كتب عليها بيت من شعر حافظ، وتحته عبارة الفخر: "من صنع العبد.... مقصود الكاشاني في سنة 946 هجرية"، أي 1539م(12). كذلك يوجد في متحف لوس أنجلوس "ساط التتويج" الهائل الذي استخدم في تتويج إدوارد السابع 1901، وكان من بين أعظم النفائس في متحف بولدي بتزوللي في ميلان، قبل تدميره في الحرب العالمية الثانية، سجادة بها مناظر صيد من صنع غياث الدين جامي من مدينة يزد، وهو الذي يحتل في رسوم السجاد مكانة بهزاد في المنمنمات.




صفحة رقم : 8880




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> فارس تحت حكم الصفويين


أما سجادة "دوق أنهالت" في مجموعة دوفين فقد حظيت بشهرة عالمية بأرضيتها الذهبية الصفراء: مع زخرفة عربية رائعة ذات الألوان القرمزي والوردي والأزرق الفيروزي. إن السجاد والكتاب من أعظم المميزات التي تميزت بها فارس على عهد الصفويين وهي مميزات لا يستطيع أن يتحداها أو يمارى فيها أحد، وهي تحتل في ذاكرة الجنس البشري مكانة رقيعة.




صفحة رقم : 8881




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> سليمان القانوني والغرب



3- سليمان القانوني والغرب


خلف سليمان القانوني أباه سليم الأول في 1520، وهو إذ ذاك في سن السادسة والعشرين. وقد كسب لنفسه شهرة لشجاعته في القتال وكرمه في صداقته، وقدرته في إدارة الولايات التركية. وهيأت له تقاطيعه المليحة وسلوكه المهذب أن يقابل بالترحيب في القسطنطينية التي شقيت بسليم العبوس، ووصفه إيطالي رآه عقب توليه العرش مباشرة بأنه طويل نحيل قوي، ذو عنق طويل جداً، وأنف متقوس جداً ولحية وشوارب خفيفة، وبشرة شاحبة رقيقة، ووجه صارم هادئ، وبدا وكأنه طالب أكثر منه سلطان(13). ووصفه إيطالي بعد ثماني سنوات بأنه "شاحب إلى حد رهيب ... مكتئب، زير نساء عجول، ومع ذلك فهو في بعض الأحيان وديع مهذب"، أما غسلين دي بوسبك Ghislain de Busbeq سفير آل هبسبرج لدى الباب العالي، فقد وصف بطريقة تكاد تكون ودية رقيقة ألد أعداء آل هبسبرج فقال:


لقد كان له دائماً طابع الرجل الحذر اليقظ




المعتدل. وحتى في بواكير أيامه، حين كانت قواعد




الحكم في تركيا تجيز الصفح عن الخطايا، لم يكن






صفحة رقم : 8882




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> سليمان القانوني والغرب




في حياته ما يعاب عليه، لأنه حتى في أيام شبابه




لم يدمن على الخمر، ولم يقترف أياً من الجرائم




غير الطبيعية أولئك الذين جنحوا إلى تشويه أعماله وتصرفاته




أن يدسوا ضده شيئاً أسوأ من إفراطه في حب




زوجته ... ومن الحقائق المعروفة جيداً أنه منذ




اتخذ منها خليلة شرعية، كان مخلصاً لها كل




الإخلاص، برغم أنه لا يوجد في القوانين ما يمنع




من اتخاذ خليلات كذلك(14)".


إنه وصف جدير بالملاحظة، ولكنه يتسم بالملق الشديد. ولا ريب في أن سليمان كان أعظم وأنبل سلاطين آل عثمان، وأنه كان يضارع أي حاكم في عصره من حيث الكفاية والحكمة والخلق، ولكنا سوف نراه بين الحين والحين موصوماً بالقسوة والحقد والانتقام. ومهما يكن من أمر، فلنبدأ على سبيل التجربة، بالنظر إلى صراعه مع العالم المسيحي.
طال أمد الصراع العسكري بين المسيحية والإسلام آنذاك نحو 900 سنة. فقد بدأ حين انتزع العرب المسلمون سوريا من الإمبراطورية، كما غزا فيها المغاربة المسلمون أسبانيا. وثأر العالم المسيحي لهذا الغزو، وفي الحروب الصليبية التي غطى فيها الطرفان أطماعهما الاقتصادية وجرائمهما السياسية بستار من شعارات دينية وحماس ديني، انتقم المسلمون بالاستيلاء على القسطنطينية والبلقان وطردت أسبانيا المغاربة. ودعا البابوات الواحد تلو الآخر إلى شن حملات صليبية جديدة ضد الأتراك، كما أقسم سليم الأول أن يشيد مسجداً في قلب رومه. واقترح فرانسوا الأول على الدول




صفحة رقم : 8883




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> سليمان القانوني والغرب


الغربية أن تقضي على دولة الأتراك قضاء مبرماً، وتقتسم ممتلكاتها فيما بينها، باعتبارها غنائم من الكفار(15). وأحبط هذه الخطة انقسام ألمانيا في الحروب الدينية، وثورة الكوميونات (الوحدات الإدارية) الأسبانية ضد شارل الخامس، ونكوص فرانسوا الأول نفسه عن اقتراحه وتفكيره من جديد في التماس العون من سليمان ضد شارل. وربما كان لوثر قد أنقذ سليمان، كما كانت اللوثرية مدينة له بفضل كبير.
إن كل حكومة تكافح لتوسيع رقعتها، لتزيد من مواردها ودخولها من جهة، وإيجاد ارض حاجزة حامية بين حدودها وعاصمتها من جهة أخرى. وارتأى سليمان أن أحسن وسيلة الدفاع هي الهجوم، فاستولى على معاقل المجر في ساباكس وبلغراد، ولما شعر بالاطمئنان والأمن في الغرب، وجه قواته ضد رودس حيث احتفظ المسيحيون هناك تحت حكم فرسان القديس يوحنا، بقلعة منيعة تقع مباشرة على الطرق المؤدية من القسطنطينية إلى الإسكندرية وسوريا، وبدا لسليمان أن هذا معقل خطير أجنبي في بحر هو بدون هذا المعقل بحر تركي، والحق أن سفن القرصنة عند الفرسان انقضت على تجارة المسلمين في أحد طرفي البحر المتوسط(16)، كما انقض قراصنة المسلمين على تجارة المسيحيين في الطرف الآخر. وكان مصير المسلمين الذبح إذا أسرهم الفرسان في حملاتهم(17). كما اعترض الفرسان طريق السفن التي تنقل الحجاج إلى مكة، إذا ساورهم الشك في أن لها أغراضاً عدائية. ويقول مؤرخ مسيحي: "على أي الأحوال لم يكن سليمان بحاجة إلى ما يبرر الهجوم على رودس"(18) : ويضيف مؤرخ إنجليزي مشهور إلى هذا قوله: "كان من مصلحة النظام العام أن تضم الجزيرة إلى مملكة الأتراك"(19).
وشن سليمان هجومه ومعه ثلاثمائة سفينة وثلاثمائة ألف رجل. واستمر المدافعون عن الجزيرة بقيادة رئيسهم الأكبر العجوز فيليب دي فيليرز دى ليل- آدم (Phiiuppe de Villers de Lile-Adam)، يقاتلون محاصريهم




صفحة رقم : 8884




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> سليمان القانوني والغرب


لمدة 145 يوماً، وأخيراً استسلموا بشروط مشرفة، منها أن يغادر الفرسان وجنودهم الجزيرة في أمان، كما يكون، في مدى عشرة أيام، للسكان الباقين الحرية الدينية الكاملة, مع إعفائهم من الجزية لمدة خمس سنوات، وفي يوم عيد الميلاد طلب سليمان أن يرى فيليب، فواساه وامتدح دفاعه الباسل ونفحه هدايا ثمينة، كما أبدى السلطان لوزيره إبراهيم: "أنه أسف أشد الأسف لاضطراره إلى إرغام هذا المسيحي على أن يغادر في شيخوخته وطنه وممتلكاته(20). وفي أول يناير 1523 أبحر فرسان القديس يوحنا إلى جزيرة كريت، ثم غادروها بعد ثماني سنين إلى وطن أكثر دواماً في مالطة. ولطخ سليمان انتصاره بإعدام ابن الأمير جم وحفيدة الأطفال لنهم اعتنقوا المسيحية، وقد يستخدمون، كما استخدم جم، في المطالبة بالعرش العثماني.
وفي أوائل سنة 1525، تلقى السلطان سليمان كتاباً من فرانسوا الأول، كما استقبل أسيراً من لدن شارل الخامس، يطلبان منه مهاجمة المجر، والإسراع إلى نجدة ملك فرنسا. فأجاب السلطان: "إن جوادنا مسرج، وسيفنا معلق به"(21). إنه على أية حال كان عازماً على غزو المجر منذ زمن طويل. فسار في أبريل 1526 بجيش قوامه مائة ألف رجل وثلاثمائة مدفع. وحث البابا كليمنت السابع الحكام المسيحيين ليهبوا لمساعدة الدولة المهددة، على حين نصح لوثر الأمراء البروتستانت أن يلزموا أوطانهم. لأن من الواضح أن الأتراك زوار من عند الله، ومقاومتهم هي بمثابة مقاومة الله(22). وبقي شارل الخامس في أسبانيا.وكان من نتيجة ذلك هزيمة أدبية ومادية في وقت معاً، وكان من الممكن استرداد المجر لو تعاون الكاثوليك والبروتستانت، والإمبراطور والبابا في العمل معاً. ولكن الزعماء اللوثريين ابتهجوا بفوز الأتراك. ونهب جيش الإمبراطور رومة.
وفي 1529 عاد سليمان فحاصر فيينا بمائتي ألف رجل. ومن برج




صفحة رقم : 8885




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> سليمان القانوني والغرب


سانت ستيفن استطاع كونت نيقولا فون سالم الذي عهد إليه فرديناند بالدفاع عن المدينة - أن يرى السهول والتلال المحيطة بها مغطاة بخيام العثمانيين وجندهم وأسلحتهم. وفي هذه المرة دعا لوثر أتباعه ليشاركوا في المقاومة، لأن من الواضح أنه إذا سقطت فيينا، ستكون ألمانيا هي الهدف الثاني لهجوم العثمانيين. وذاعت الأنباء في كل أنحاء أوربا أن سليمان أقسم أن يخضع كل أوربا للعقيدة الوحيدة الصحيحة وهي الإسلام. وشق مهندسو الألغام الأتراك الخنادق، الواحد بعد الآخر، على أمل نسف الأسوار أو إحداث الانفجارات داخل المدينة، ولكن المدافعين وضعوا أوعية من الماء في مواطن الخطر(23)، وراقبوا الحركات التي قد تدل على العمليات الخفية تحت الأرض. وأقبل الشتاء وعجز خط مواصلات الأتراك الطويل عن توفير المؤن. وفي 14 أكتوبر أهاب السلطان برجاله أن يبذلوا محاولة أخيرة حاسمة. ووعد بجوائز ومكافآت سخية، ولكن الأرواح والأجسام معاً كانت كارهة غير راغبة، وصد الهجوم مع خسائر فادحة، وأمر سليمان بالتقهقر، وقد ملأه الحزن. وكانت أول هزيمة يلقاها، ولو أنه احتفظ بنصف المجر، وحمل معه إلى القسطنطينية تاج سانت ستيفن، وفسر سليمان لشعبه أنه عاد دون أن ينتصر لأن فرديناند (الذي قبع طيلة الحصار آمناً في براج) كان قد رفض أن يحارب، ووعد السلطان بأنه قريباً جداً سوف يصيد شارل ذاته، الذي تجاسر على أن يسمى نفسه إمبراطوراً، وينتزع منه بالقوة السيادة على الغرب.
ونظر الغرب إلى السلطان ووعيده بعين الجد، وساد الذعر روما. وفرض البابا كليمنت السابع، الذي كان وطيد العزم لأول مرة، الضرائب حتى على الكرادلة، لتوفير المال اللازم لتحصين أنكونا وسائر الثغور التي يمكن أن يدخل منها العثمانيون إلى إيطاليا.
وفي أول أبريل 1532 تقدم سليمان نحو الغرب مرة أخرى. وكانت




صفحة رقم : 8886




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> سليمان القانوني والغرب


مغادرة العاصمة مشهداً أحسن إخراجه، فكان يتقدم المسيرة 120 مدفعاً، يتبعها 8000 من الانكشارية وهم خيرة جنود المملكة، وسار بعد ذلك ألف جمل تحمل المؤن، وألفان من صفوة الخيالة لحراسة الراية المقدسة - نسر الرسول - يتبعهم آلاف من أبناء الأسرى المسيحيين يرتدون ملابس من ذهب، وقبعات حمراء مزودة بالريش، يلوحون مزهوين بالحراب في شجاعة بريئة، أما حاشية الملك وحرسه فكانوا رجالاً أشداء ذوي طلعة بهية، وامتطى السلطان بينهم جواداً كستنائي اللون مرتدياً القطيفة القرمزية الموشاة بالذهب تحت عمامة بيضاء مرصعة بالأحجار الكريمة. وسار وراءه الجيش الذي يبلغ في جملته نحو مائة ألف رجل. ومن ذا الذي يستطيع مقاومة مثل هذه الأبهة والقوة؟ ليس إلا العناصر والزمن!
ولكي يقابل شارل هذا التيار الجارف، تلقى، بعد توسلات كثيرة، منحه من مجلس الديت الإمبراطوري ليجند أربعين ألف رجل ويعد ثمانية آلاف جواد، وقدم هو وفرديناند بالإضافة إلى ذلك، ثلاثين ألف رجل على حسابهما الخاص. وبهذه القوة التي تجمعت في فيينا وعدتها 78.000 رجل، انتظرا الحصار. ولكن السلطان عوق في جونز Guns وهي مدينة صغيرة محصنة تحصيناً شديداً، ولكن حاميتها لم تزد على 700 رجل أحبطوا لمدة ثلاثة أسابيع كل محاولة بذلها الأتراك لاختراق الأسوار التي نقبوها إحدى عشرة مرة، وفي كل مرة كانت الحامية المدافعة تسد الثغرات بالمعادن والجثث والاستماتة في الدفاع. وأخيراً أرسل سليمان جواز مرور وبعض الرهائن إلى القائد - نيقولا جوريشتز Jurischitz - يدعوه إلى عقد مؤتمر، فحضر واستقبله الوزير الأكبر بمظاهر الحفاوة والتكريم، وقد امتدحوا شجاعته وقيادته، مع شيء من الحزن والأسى، وأهداه السلطان رداء الشرف، وضمن له عدم القيام بأي هجوم آخر، وأعاده إلى قلعته برفقة حرس رائع من الضباط الأتراك، وسار إلى فيينا هذا




صفحة رقم : 8887




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> سليمان القانوني والغرب


"السيل الجارف" من الجيش الذي لا يقهر، والذي أوقع به الهزيمة سبعمائة رجل فحسب.
وهناك أيضاً لم يحظ سليمان بفريسته، فإن شارل لم يكن ليخرج للقتال، فقد كان من الحمق والغباء أن يضيع مزايا دفاعاته ليقامر بالقتال في ميدان مكشوف. وقدر سليمان أنه لو كان قد أخفق في الاستيلاء على فينا التي كان يسيطر عليها عشرون ألف جندي ليس لهم إمبراطور أو ملك ظاهر في الميدان، فإنه لا يكاد يحسن صنعاً أمام 78.000 ينفخ فيهم روح الحماسة والحياة ملك كان قد أعلن صراحة وعلى رءوس الأشهاد أنه يرحب بالموت ويستعذبه في هذا الصراع كخاتمة شريفة نبيلة لهذه الحياة الدنيا، وهي خاتمة يصبو إليها كل مسيحي. وانصرف السلطان، وخرب ونهب في طريقه ستيريا والقسم الأدنى من النمسا، وأخذ كثيراً من الأسرى ليشرف بهم تقهقره. وربما كان من المزعج له أن يسمع أنه حين كان يتسكع جيئة وذهاباً دون جدوى عبر أراضي المجر، كان أندريا دوريا قد طارد الأسطول التركي حتى اختفى، واستولى على بتراس وكورون على شاطىء البلوبونيز.
ولما أرسل فرديناند إلى القسطنطينية مبعوثاً يطلب الصلح رحب به سليمان وقال إنه سوف يعقد الصلح "لا لمدة سبع سنوات، ولا لخمس وعشرين سنة، ولا لمائة سنة، ولا لقرنين من الزمان، أو ثلاثة قرون، ولكن في الحق إلى الأبد، إذا لم ينقضه فرديناند نفسه"، وإنه سوف يعامل فرديناند كابن له(24). على أنه طلب ثمناً فادحاً، وهو انه ينبغي على فرديناند أن يرسل غليه مفاتيح مدينة جرو Grau، رمزاً للخضوع والولاء، وكان فرديناند وشارل كلاهما متلهفين على تحرير أسلحتهما ضد المسيحيين، إلى حد أنهما كانا مستعدين لتقديم بعض التنازلات للأتراك. وأرسل فرديناند مفاتيح المدينة




صفحة رقم : 8888




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> سليمان القانوني والغرب


وأطلق على نفسه "ابن سليمان"، واعترف بسيادة سليمان على معظم أراضي المجر (22 يونية 1533). ولم يعقد الصلح مع شارل، واسترد السلطان بتراس وكورون، وراوده حلم بسط سلطانه على فيينا وتبريز.
وفي 1536 استولى على تبريز، ثم عاد إلى الغرب. وطرح الدين جانباً، وارتضى أن يتعاون مع فرانسوا الأول في حملة أخرى ضد شارل. وعرض على الملك أحسن الشروط وهي أنه لا صلح مع شارل إلا عند تسليم جنوده وميلان وفلاندرز إلى فرنسا، ثم السماح للتجار الفرنسيين بالإبحار والبيع والشراء داخل نطاق الإمبراطورية العثمانية، على أن يعامل الأتراك بالمثل، ومنح قناصل فرنسا في الإمبراطورية الولاية القضائية المدنية والجنائية على الرعايا الفرنسيين فيها، كما يتمتع هؤلاء الرعايا بالحرية الدينية الكاملة(25). وهكذا أصبحت "الامتيازات الأجنبية" كما وقعت في هذه الاتفاقية، نموذجاً يحتذى فيما جاء بعد ذلك من معاهدات بين الدول المسيحية ودول الشرق.
ورد شارل على ذلك بتكوين حلف يضم الإمبراطورية والبندقية والبابا وانضم إليه فرديناند وهكذا أصبح قصير الأمد جداً ما كان مقدراً أن يكون أبدياً. وعانت البندقية وطأة الهجوم التركي وفقدت ممتلكاتها في بحر إيجة وشاطئ دلماشيا، ووقعت صلحاً منفرداً (1540). وبعد سنة واحدة توفي دمية سليمان أو تابعه الحاكم في بودا، وجعل سليمان من المجر ولاية عثمانية. وأرسل فرديناند بعثة إلى تركيا تطلب الصلح، وأخرى إلى فارس تحرض الشاه على مهاجمة الأتراك. فتقدم سليمان نحو الغرب (1543) واستولى على جرو وستولوزنبرج، وضم مزيداً من أراضي المجر إلى الباشا (الحاكم التركي) في بودا. وفي 1547، حين كان مشغولاً بالفرس، منح الغرب هدنة لمدة خمس سنوات، ولكن الطرفين نقضاها. حيث توسل البابا بول الرابع إلى الأتراك أن يشنوا الهجوم على فيليب الثاني الذي




صفحة رقم : 8889




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> سليمان القانوني والغرب


كان بابوياً أكثر من البابوات(26). وأطلق موت فرانسوا وشارل يدي فرديناند في الوصول إلى الصلح. وفي صلح براج 1562، اعترف فرديناند بحكم سليمان في المجر وملدافيا، وتعهد بدفع جزية سنوية قدرها ثلاثون ألف دوكات، ووافق على دفع تسعين ألفاً كمتأخرات.
وبعد عامين آخرين لحق بأخيه. وهكذا بقي سليمان على قيد الحياة بعد موت ألد أعدائه، وكم من البابوات لم يعمر هو بعدهم؟ لقد بسط سلطانه على مصر وشمال أفريقية، وآسيا الصغرى وفلسطين وسوريا، والبلقان والمجر. وسيطرت البحرية التركية على البحر المتوسط. وأثبت الجيش التركي شجاعته الفائقة شرقاً وغرباً وأثبتت الحكومة التركية جدارتها وقدرتها في فن الحكم والدبلوماسية، قدر ما كان لمنافسيها. وفقد المسيحيون رودس وبحر إيجة والمجر، وعقدوا صلحاً ذليلاً مهيناً. وبات العثمانيون آنذاك أكبر دولة في أوربا وأفريقية، إن لم يكن في العالم كله.




صفحة رقم : 8890




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية



4- الحضارة العثمانية




أولاً- الحكومة


هل كان العثمانيون متحضرين؟ الحق أن الانطباع بأن العثمانيين كانوا متبربرين همجيين إذا قورنوا بالمسيحيين ليس إلا وهماً قصد به تقربة الذات. فإن أساليبهم في الزراعة وعلومهم كانت على الأقل تضارع ما كان منها لدى الغرب. فالأرض كان يفلحها مستأجرون من الرؤساء الإقطاعيين، الذين كان عليهم في كل جيل أن يستحوذوا على أراضيهم بخدمة السلطان بطريقة مرضية، في الإدارة وفي الحرب. وباستثناء النسيج والخزف، وربما الأسلحة والدروع، لم تكن الصناعة قد أقامت بعد نظام المصانع، كما كان الحال في فلورنسه وفي فلاندرز، ولكن الحرفيين الأتراك كانوا مشهورين بمنتجاتهم الممتازة. ولم يشعر الأغنياء أو الفقراء بالأسى والحزن




صفحة رقم : 8891




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


لانعدام النظام الرأسمالي. ولم يبلغ التجار المسلمون في القرن السادس عشر من النفوذ السياسي أو المركز الاجتماعي، ما بلغه نظراؤهم في أوربا الغربية. وتميزت التجارة بين الأتراك بعضهم البعض بالأمانة النسبية، ولكن بين الأتراك والمسيحيين كان المال مستباحاً. وتركت التجارة الأجنبية في معظمها للأجانب. وسارت قوافل المسلمين، في صبر وجلد، على الطرق البرية التي كانت معروفة في العصور القديمة والوسطى، إلى آسيا وأفريقية، حتى عبر الصحراء، وكانت الأنزال الصحراوية، ومعظمها أسسه سليمان، تقدم للتاجر أو السائح أماكن للاستراحة على الطريق. وسيطرت سفن المسلمين حتى سنة 1500 على الطرق البحرية من القسطنطينية والإسكندرية، عبر البحر الأحمر إلى الهند وجزر الهند الشرقية، حيث كان التبادل يتم مع البضائع التي حملتها السفن الشراعية الصينية. وبعد أن فتحت رحلة فاسكودا جاما وانتصارات البوكرك البحرية- فتحت الهند أمام التجار البرتغاليين، فقد المسلمون سيادتهم على المحيط الهندي، ودخلت مصر وسوريا وفارس والبندقية طور اضمحلال تجاري عام.
وكان التركي رجل بر وبحر معاً. وكان اهتمامه بالدين أقل من اهتمام معظم سائر المسلمين، ولكنه كذلك نظر بعين الإجلال والإكبار إلى الصوفية والدراويش والأولياء، واستمد شريعته من القرآن، وتلقى تعليمه في المسجد، ونبذ في عبادته، مثل اليهود، الصور المنحوتة ونظر إلى المسيحيين على أنهم مشركون وثنيون. وكان الدين والدولة شيئاً واحداً، وكان القرآن والسنة هما القانون الأساسي، وكان العلماء الذين فسروا القرآن هم أنفسهم أيضاً المعلمين والمحامين والقضاة ورجال القانون في المملكة. وأمثال هؤلاء العلماء هم الذين جمعوا في عهد محمد الثاني وسليمان الأول مجموعات القوانين العثمانية النهائية.
وكان المفتي، أو شيخ الإسلام، على رأس جماعة العلماء، وكان أعلى




صفحة رقم : 8892




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


قاض في البلاد بعد السلطان والوزير الأكبر. ولما كان الموت حتماً مقضياً على السلاطين، وكانت جماعة العلماء قائمة دوماً، فإن هؤلاء المشرعين الدينيين هم الذين حكموا الحياة اليومية في الإسلام. ولما كانوا يفسرون الحاضر على أساس من شرائع الماضي، فقد تشبعوا بروح المحافظة وأسهموا في ركود الحضارة الإسلامية بعد وفاة سليمان. وعزز الإيمان بالقضاء والقدر- أو كما يقول قسمة الإنسان أو نصيبه- روح المحافظة هذه : أي أنا حيث أن الله قدر نفس حظها، فإن ضجر الإنسان بما قسم له ضرب من البعد عن الدين والتعمق فيه، فكل شيء في هذه الدنيا، والموت خاصة، هو من أمر الله ويجب الرضا به دون تذمر أو شكوى. وقام بين الحين والحين من ذوى التفكير الحر من يتحدث بصراحة بالغة، ولكن نادراً ما كان يحكم عليه بالإعدام. ومهما يكن من أمر، فإن العلماء عادة أجازوا قدراً كبيراً من حرية الفكر، ولم يكن في تركيا الإسلامية محاكم تفتيش.
وتمتع المسيحيون واليهود في ظل العثمانيين بقدر كبير من الحرية الدينية، وسمح لهم بتطبيق شرائعهم في الأمور التي لا يكون المسلمون طرفاً فيها(27).واحتضن محمد الثاني الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية عمداً، لأن انعدام الثقة المتبادل بين اليونان والروم الكاثوليك أفاد الأتراك في مقاومة الصليبيين. وعلى الرغم من أن المسيحيين انتعشوا تحت حكم السلاطين، فإنهم عانوا ضعفاً شديداً. فقد كانوا في حقيقة الأمر عبيداً أرقاء، ولكن كان في مقدورهم إنهاء الوضع بالدخول في الإسلام، وفعل الملايين منهم ذلك. وأما الذين رفضوا فكانوا مبعدين عن الجيش، لأن الحروب الإسلامية كانت في ظاهرها مقدسة من أجل الكفار إلى الإسلام. وخضع مثل هؤلاء المسيحيين لضريبة خاصة بدلاً من الخدمة العسكرية. وكانوا عادة فلاحين مستأجرين يدفعون عشر إنتاجهم إلى مالك الأرض، وكان




صفحة رقم : 8893


قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


لزاماً عليهم أن يقدموا واحداً من كل عشرة أبناء لهم، حتى ينشأ تنشئة إسلامية في خدمة السلطان.
وكان السلطان والجيش والعلماء هم الدولة. وإذا وجه السلطان النداء، جاء كل رئيس إقطاعي ومعه قواته المجندة ليشكلوا فوق الخيالة الذين بلغ عددهم في عهد سليمان 130.000 رجل. وكان سفير فرديناند ينظر بعين الحسد إلى أبهة تجهيزاتهم: ملابسهم المصنوعة من البروكار (الحرير المقصب) أو الحرير ذي اللون القرمزي أو الأصفر الفاتح أو الأزرق القاتم، وأطقم الخيل التي تتألق بالذهب والفضة والجواهر، فوق أحسن جياد رأتها عينا بوسبك Busbeq وتكونت صفوة المشاة من أبناء الأسرى ودافعي الجزية المسيحيين الذين كانوا ينشئون على خدمة السلطان في قصره، أو في إدارة البلاد، وفوق كل شيء في الجيش، حيث كانوا يسمون الانكشارية أو العسكر الجديد. وكان مراد الأول قد أنشأ هذه الفرقة الفذة (1360)، كوسيلة لتجريد رعاياه المسيحيين من الشباب الذي يحتمل أن يكون مصدر خطر. ولم يكن عددهم كبيراً- نحو عشرين ألفاً في عهد سليمان. وكانوا يتلقون تدريباً عالياً على كل المهارات الحربية، وكان محرماً عليهم الزواج أو الاشتغال بالأعمال الاقتصادية، ويلقنون الروح العسكرية والمجد الحر والعقيدة الإسلامية، وكانوا شجعاناً في الحرب، قدر ما كانوا ساخطين قلقين وقت السلم، وجاء بعد هؤلاء الجنود المتفوقين، الميلشيا (جند الطوارئ)، وكانوا نحو مائة ألف، أشرف السباهي والانكشارية على تدريبهم وتغذيتهم بالروح العسكرية. وكانت الأسلحة المفضلة لا تزال هي القوس والنشاب والرماح، وكانت الأسلحة النارية في بداية استعمالها، وفي الاشتباكات عن قرب كانت القضبان الشائكة والسيوف القصيرة هي المفضلة. وكان الجيش والعلوم العسكرية على عهد سليمان أفضل ما في العالم من نوعهما في ذاك




صفحة رقم : 8894




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


العصر، ولم يضارع أي جيش آخر جيش سليمان في سلاح المدفعية أو في الخنادق والهندسة العسكرية أو النظام والروح المعنوية، أو في العناية بصحة الجنود، أو في تموين الأعداد الهائلة من الجنود على مسافات بعيدة. ومهما يكن من أمر فإن الوسيلة كانت ممتازة لمجرد خدمة غاية معينة، وأصبح الجيش غاية في حد ذاته، حيث كان لزاماً، للحفاظ على نظامه وكبح جماحه، أن يخوض الحروب، وبعد سليمان أصبح الجيش، والانكشارية فوق كل شيء- سادة على السلاطين.
وكان المجندون الذين تحولوا إلى الإسلام من أبناء المسيحيين يشكلون غالبية الهيئة الإدارية في الحكومة التركية المركزية. وكان حقاً علينا أن نتوقع أن يخشى السلطان المسلم أحاطته برجال يحبون "الزعيم الوطني الألباني" اسكندربرج، ويحنون إلى دين آبائهم، والأمر على النقيض من ذلك، فإن سليمان آثر هؤلاء المتحولين عن دينهم، لأن في الإمكان تدريبهم منذ نعومة أظفارهم على مهام محددة في الإدارة. والأرجح أن بيروقراطية الدولة العثمانية كانت أقدر ما وجد من نوعها في النصف الأول من القرن السادس عشر(28)، ولو كانت عرضة للرشوة بشكل يسيء إلى سمعتها، وضم الديوان- وهو بمثابة الوزارة في الحكومات الغربية- كبار رجال الإدارة تحت رئاسة الوزير الأكبر عادة. وكان لهذا الديوان سلطات استشارية أكثر منها تشريعية. وكانت توصياته تصبح عادة قانوناً بمقتضى قانون أو مرسوم من سلطان. وكانت السلطة القضائية يتولاها القضاة والأئمة (كبار القضاة) من العلماء. ولحظ أحد المراقبين الفرنسيين نشاط المحاكم وسرعة البت في المحاكمات وصدور الأحكام(29)؛ كما اعتقد مؤرخ إنجليزي كبير أن "سير القضاء في عهد الحكام العثمانيين الأولين كان في تركيا أفضل منه في أية بقعة في أوربا، وأن رعايا السلطان المسلمين كانوا أدق نظاماً من معظم




صفحة رقم : 8895




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


الجاليات المسيحية، وأن الجرائم كانت أندر"(30). وكان الانكشارية يقومون بوظيفة الشرطة في شوارع القسطنطينية التي يحتمل خلوها من حوادث القتل أكثر من أية عاصمة أوربية أخرى(31). وفضلت الأقاليم التي وقعت تحت الحكم الإسلامي- رودس، اليونان، البلقان- فضلت هذا الحكم على أحوالها السابقة في ظل حكم الفرسان أو البيزنطيين أو البنادقة، حتى بلاد المجر نفسها ارتأت أن الأحوال فيها صارت تحت حكم سليمان إلى أحسن مما كانت عليه أيام آل هبسبرج(32).
وكانت معظم مكاتب الإدارة في الحكومة المركزية مستقرة في "السراي" أي المساكن الإمبراطورية- وهي ليست قصراً، ولكن مجموعة مبان وحدائق وساحات، تضم السلطان وحريمه وخدمه ومعاونيه وثمانين ألفاً من البيروقراطية. وكان لهذا النطاق الذي يبلغ محيطه ثلاثة أميال وباب واحد ذو زخرفة رائعة، أطلق عليه الفرنسيون "الباب العالي"، وهو اصطلاح حدث في شيء من لغو الحديث، أن قصد به الحكومة التركية نفسها. وجاء في المقام الثاني بعد السلطان في هذا التنظيم المركزي الوزير الأكبر. وأصل الكلمة عربية ومعناها حامل الأثقال، والحق أن الوزير نهض بأعباء ثقيلة، فكان على رأس الديوان، والبيروقراطية، والقضاء، والسلك الدبلوماسي، كما أشرف على العلاقات الخارجية، وأجرى التعيينات الكبرى، كما قام بأدق المهام الرسمية في أكثر الحكومات الأوربية ولعاً بالرسميات. وأما أشق التزامات الوزير فهي إرضاء السلطان في كل هذه الأمور. حيث كان الوزير عادة مسيحياً ثم أسلم. وبعبارة أدق، هو عبد، ويمكن أن يلقى حتفه دون محاكمة من سيده، واثبت سليمان نفاذ بصيرته وسداد رأيه باختيار وزرائه الذين أسهموا إسهاماً كبيراً في نجاحه. وكان إبراهيم باشا (إبراهيم الحاكم) يونانياً أسره قراصنة المسلمين وأحضروه إلى سليمان باعتباره عبداً يبشر بحسن المستقبل.




صفحة رقم : 8896




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


ووجد سليمان أنه متعدد القدرات إلى حد أنه وكل إليه الأكثر فالأكثر من الصلاحيات والمهام، وأجرى عليه راتباً سنوياً قدره 60 ألف دوكات (1.500.000 دولار؟) وزوجه من أخت له، وآكله بانتظام، واستمتع بحديثه ومعزوفاته الموسيقية وبمعرفته باللغات، والآداب، وحسن اطلاعه على أمور الدنيا. وعلى الطريقة الشرقية الأنيقة أعلن السلطان سليمان أن "كل ما يقوله إبراهيم ينبغي أن يعتبر كأنه صادر من ذات فيه الذي ينثر اللآلئ(33). تلك كانت واحدة من أعظم صداقات التاريخ، حتى في أساطير اليونان القديمة.
وثمة حكمة واحدة كانت تعوز إبراهيم- تلك هي أن يخفي زهوه الداخلي بتواضع خارجي أو ظاهري. لقد كان لديه كثير من السباب التي تجعله يزهو بنفسه، فهو الذي سما بالحكومة إلى أعلى درجات المقدرة والكفاية، وبفضل دبلوماسيته هو استطاع أن يشيع الفرقة والانقسام بين دول الغرب بتدبير التحالف مع فرنسا، وهو الذي أعاد الهدوء إلى آسيا الصغرى وسوريا ومصر، حين سار سليمان بجيشه إلى المجر، بإصلاح المساوئ ومعاملة الجميع بالعدل والكياسة. وكذلك كان له العذر في أن يكون حذراً متوجساً، فإنه لم يزل عبداً، وكلما ارتفع رأسه، ازداد رقة ودقة ذلك الخيط المعلق منه سيف السلطان المسلط على رقبته. وقد أغضب الجيش حين حرم عليه سلب تبريز وبغداد، وحاول منعه من سلب بودا. واستطاع في هذا السلب أن ينقذ جزءاً من مكتبة ماتياس كورفينوس، وثلاثة تماثيل من البرونز لهرمز وأبوللو وأرتميز، ووضعها أمام قصره في القسطنطينية، وحتى سيده المتحرر اضطرب لهذه الإساءة الموجهة إلى الوصية السامية بتحريم النحت، واتهمته ثرثرة الناس بامتهان القرآن. وأقام في بعض الأحيان حفلات تفوق في نفقتها وبهائها حفلات السلطان، واتهمه أعضاء الديوان بأنه يتحدث وكأنه يقود السلطان كأسد أليف




صفحة رقم : 8897




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


موثوق بالقيود. واغتاظت روكسيلانا محظية الحريم من نفوذ إبراهيم، ويوماً بعد يوم، وبفضل إصرار النساء، ملأت أذن الإمبراطور بالشبهات والشكاوي، حتى اقتنع السلطان أخيراً، وفي 31 مارس 1536، وجد إبراهيم مخنوقاً على فراشه، ويحتمل أن يكون ذلك بأمر ملكي. وهذا عمل ينافس في وحشيته إحراق سرفيتس أو بركوين.
وأكثر وحشية من هذا بكثير، قانون قتل الأخوة الإمبراطوريين. وقد عبر عنه محمد الثاني صراحة في سجل القوانين : "إن غالبية المشرعين أعلنوا أن اللامعين من أبنائي الذين يتولون العرش، يكون لهم الحق إعدام اخوتهم تأميناً في الدنيا، وعليهم أن يعملوا طبقاً لهذا"(34). وبهذا حكم محمد الفاتح، في هدوء، بالإعدام على السلالة الملكية ما عدا الكبار منهم. وثمة سيئة أخرى من سيئات النظام العثماني، وهي أن تؤول ممتلكات المحكوم عليه بالإعدام، إلى السلطان الذي كان لذلك دائماً، تحت تأثير الإغراء بتحسين موارده المالية، يصم أذنيه دون أي نداء أو رجاء ولا بد من أن نضيف أن سليمان قاوم هذا الإغراء. وعلى النقيض من مثل هذه المساوئ في الحكم الفردي المطلق، يمكن أن نعترف بديمقراطية غير مباشرة في الحكومة العثمانية، تلك هي أن الطريق إلى للرفعة والمكانة العالية، فيما عدا السلطنة، كان مفتوحاً أمام جميع المسيحيين الذين تحولوا إلى الإسلام ومهما يكن من شيء، فربما برهن نجاح السلاطين الأوائل على أن قدرة الأرستقراطية وراثية حيث لم يكن هناك أية حكومة معاصرة احتفظت بمثل هذا المستوى العالي من القدرة والكفاية لأمد طويل، كما كان الحال في العرش العثماني.




صفحة رقم : 8898




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية




ثانياً- الأخلاق


إن تباين الطرق والأساليب عند العثمانيين والمسيحيين أوضح بشكل صارخ التنوع الجغرافي والزمني في القوانين الأخلاقية. فقد ساد تعدد الزوجات بهدوء حيثما كانت المسيحية البيزنطية حديثاً جداً قد اقتضت رسمياً أحادية الزواج، واختبأت المرأة في أروقة الحريم أو وراء برقعها أو خمارها، حيثما كانت يوماً قد اعتلت عرش القياصرة. ولبى سليمان في إخلاص وتفان كل حاجيات حريمه دون شيء من وخزات الضمير التي ربما شوشت أو عززت المغامرات الجنسية الطائشة التي كان يقوم بها فرانسوا الأول أو شارل الخامس أو هنري الثامن أو الإسكندر السادس. إن المدنية التركية. مثل المدنية اليونانية، احتفظت بالمرأة بعيداً عن الأنظار والأضواء، وأجازت قدراً كبيراً من حرية الانحراف الجنسي. إن اللواط عند العثمانيين ازدهر حيثما كانت "الصداقة عند اليونان" قد كسبت يوماً المعارك وألهمت الفلاسفة.
أحل القرآن للأتراك الزواج من أربع بالإضافة إلى عدد من الجواري (في النص الإنجليزي خليلات)، ولكن قلة من الناس تحتمل مثل هذا البذخ والتبذير. وكثيراً ما ابتعد العثمانيون المحاربون عن وزوجاتهم اللائي ألفوا معاشرتهن، واتخذوا وزوجات أو خليلات من أرامل وبنات المسيحيين الذين قهروهم أو غزوا بلادهم، ولم تتدخل في سبيل ذلك أية حزازات عنصرية، فكم لقي أحر الترحاب بأذرع مفتوحة نساء يونانيات أو صربيات أو البانيات أو مجريات أو إيطاليات أو روسيات أو مغوليات أو فارسيات أو عربيات، واصبحن أمهات لأطفال كانوا على قدم المساواة يعتبرون أبناء شرعيين عثمانيين. وكاد الزنى أن يكون غير ضروري في مثل هذه الظروف، وإذا حدث كانت عقوبته صارمة،




صفحة رقم : 8899




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


فكانت المرأة الزانية تلزم بشراء حمار تركبه وتطوف به المدينة، وكان الزاني يجلد مائة جلدة، ثم يقبل جلادة ويكافئه. وكان الرجل يستطيع أن يطلق زوجته بمجرد الإعلان أو الإفصاح عن قصده (أو أن يقسم يمين الطلاق)، أما الزوجة فلم تكن تستطيع أن تخلص نفسها إلا برفع دعوى معقدة معوقة.
وظل سليمان أعزب حتى سن الأربعين. فمنذ أسر تيمور زوجة بايزيد الأول- والمزعوم أنه هو وبني عشيرته من التتار آذوها وأساءوا معاملتها- فإن سلاطين آل عثمان، لتفادي أية مهانة أخرى مثل هذه، استنوا قاعدة ألا يتزوجوا، وألا يشاركهم فراشهم إلا الجواري(35). وضم حريم سليمان نحو 300 جارية كلهن مشتريات في السوق أو أسيرات في الحرب وكلهن تقريباً من أصل مسيحي. وإذا توقع النسوة زيارة السلطان ارتدين أجمل ثيابهن ووقفن صفوفاً لتحيته، وكان هو يسلم على أكبر عدد منهن، قدر ما يسمح به وقته، ويضع منديله على كتف من نالت إعجابه منهن بصفة خاصة. حتى إذا قضى وطره وانسحب في ذاك المساء، طلب إلى من تلقت المنديل أن تعيده إليه، وفي صباح اليوم التالي كان يهدي إليها ثوب من قماش من ذهب، وتزداد مخصصاتها. وقد يبقى السلطان في الحريم ليليتين أو ثلاثاً ينثر هباته السخية، ثم يعود إلى قصره ليقضي ليله ونهاره بين الرجال. وقلما ظهر النساء في قصره أو أشتركن في الولائم أو الحفلات الرسمية. ومع ذلك اعتبر الانضمام إلى الحريم شرفاً عظيماً. وإذا بلغت أي من نزيلات الحريم الخامسة والعشرين من عمرها دون أن تحظى يوماً بالمنديل، أعتقت. وكانت في العادة تجد وزجاً ذا مكانة عالية. ولم يؤد هذا النظام في حالة سليمان إلى انحلال جثماني، لأنه كان يتميز في معظم الأمور باعتدال رائع.
ولم يكن اختلاط الجنسين سائداً في الحياة الاجتماعية لدى العثمانيين.




صفحة رقم : 8900




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


ومن ثم كانت تعوزها ما تشيعه فيها فتنة النساء والثرثرة الضاحكة من بهجة. ومع ذلك كان السلوك مهذباً قدر ما كان في المسيحية. وربما كان أكثر تهذيباً من أية بقعة أخرى باستثناء الصين والهند وإيطاليا وفرنسا. وكان عدد الأرقاء المحليين كبيراً، ولكنهم كانوا يعاملون معاملة إنسانية، وكانت ثمة قوانين كثيرة لحمايتهم. وكان إعتاقهم أمراً ميسوراً(36). وعلى الرغم من أن العناية بالصحة العامة كانت قليلة، فإن النظافة الشخصية كانت شائعة. وانتقل إلى تركيا نظام الحمامات العامة الذي يبدو أن الفرس أخذوه عن سوريا الهلينستية. وكانت هذه الحمامات في القسطنطينية وغيرها من المدن الكبرى في الإمبراطورية العثمانية تبنى من الرخام وتزين بزخارف أخاذة. وكان بعض القديسين المسيحيين يفخرون بأنهم تجنبوا استعمال الماء، على حين فرض على المسلمين الوضوء والتطهر قبل الدخول إلى المسجد أو أداء الصلاة. والحق أن النظافة في الإسلام كانت لاحقة للتدين والتقوى. ولم تكن آداب المائدة لديهم أفضل منها في العالم المسيحي، فكان الأكل بالأصابع في أطباق خشبية حيث لم يكن ثمة شوك. ولم تتناول الخمر في المنازل قط،ولكن الكثير منها كان يحتسي في الحانات، ولكن الإدمان عليها كان أقل منه في الغرب(37). واستعمل المسلمون القهوة في القرن الرابع عشر، ولقد سمعنا أول ما سمعنا عنها في الحبشة، ومنها انتقلت إلى شبه الجزيرة العربية، ويقال إن المسلمين استخدموها في الأصل بغية مساعدتهم على دوام اليقظة والتنبه أثناء تعبدهم(38). ولم يرد لها ذكر على لسان أي كاتب أوربي قبل سنة 1592(39).
ومن الناحية الجثمانية كان التركي قوياً متين البنيان، مشهوراً بالجلد وقوة الاحتمال. وكم دهش بوسبك عندما شهد بعض الأتراك يتلقون مائة جلدة على أخمص القدم أو على رسغ القدم، "حتى لتنكسر عليهم أحياناً جملة عصى من خشب القرانيا دون أن تصدر عنهم أية صرخة(40). واحتفظ




صفحة رقم : 8901




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


التركي دوماً بمظهر الوقار، تساعده ملابسة على إخفاء سخافات البدانة الناتجة عن البطنة. وارتدى عامة الشعب الطربوش، ولف المتأنقون حول عمامة، وكان كلا الجنسين يهوى الأزهار. واشتهرت الحدائق التركية بتعدد الألوان فيها، ومن هناك، فيما يبدو، انتقل إلى أوربا الغربية الليلك والتيولب، والسنط، والغار وغيرها. وكان ثمة ناحية جمالية عند الأتراك، كان من العسير أن تكشف عنها حروبهم. وإنا لندهش مما يرويه السياح الأوربيون من أن الأتراك لم يكونوا، فيما عدا زمن الحرب، "قساة بالطبيعة"، ولكن طيعين، وديعين.... مهذبين، أليفين"، و "شفوقين بصفة عامة"(41). وشكا فرانسيس بيكون من أنهم بدوا أشد رفقاً بالحيوان منهم بالإنسان(42). وما كانت القسوة لتنفجر إلا إذا تهددت سلامة العقيدة، وهنا لم يكن التركي يكظم غيظه أو يحد من انفعاله، بل كانت تثور ثائرته.
وكان التشريع التركي صارماً في الحرب بصفة خاصة. فلم يؤخذ أي عدو بأية رحمة أو هوادة، وكانوا يبقون على حياة النساء والأطفال، أما الأعداء القادرون الأشداء فقد يذبحون، ولو لم يكونوا مسلحين أو لم يقاوموا، وحتى دون أن يقترفوا إثماً(43). ومع ذلك فإن كثيراً من المدن التي استولى عليها الأتراك نهضت أكثر مما نهضت المدن التركية التي استولى عليها المسيحيون. من ذلك أن إبراهيم عندما استولى على تبريز وبغداد 1534، حرم على جنوده سلب المدينتين أو إيذاء سكانهما. كذلك، عندما انتزع سليمان تبريز ثانية 1548، حماها من السلب والنهب أو الذبح، ولكن عندما استولى شارل الخامس على تونس 1535 لم يستطع دفع رواتب جنوده إلا بإباحة السلب والنهب.ومهما يكن من شيء فإن القانون التركي نافس القانون المسيحي في العقوبات الوحشية، فقطعت يد السارق حتى تقل قدرته على السرقة(44).




صفحة رقم : 8902




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


وكانت الأخلاق الرسمية بمثل ما كانت عليه في العالم المسيحي. فكان الأتراك يفخرون بوفائهم لكلمتهم وعهودهم، وحافظوا على بنود الامتيازات التي منحوها لأعدائهم، ولكن رقيب الآداب التركي، مثل نظيره- سانت جون كابسترانو مثلاً- كان يرى أنه ليس ثمة وعد أو عهد يلزم المؤمن بشيء يتعارض مع مصلحة أو واجبات دينه، وأن السلطان يمكنه أن يبطل المعاهدات التي عقدها هو أو أسلافه(45). وذكر السياح المسيحيون أن التركي العادي يتسم "بالأمانة وروح العدل....حب الخير والنزاهة والإحسان"(46). ولكن الأتراك أصحاب الناصب كانوا عادة يرتشون بسهولة، ويضيف مؤرخ مسيحي، أن معظم الموظفين الأتراك كانوا مسيحيين من قبـل(47)، ولكن يجدر بنا أن نضيف شيئاً آخر، وهو أنهم ربوا تربية إسلامية. فالباشا التركي في ولايته، مثل البروقنصل (حاكم الإقليم)، الروماني، كان يبادر إلى جمع الثروة، قبل أن تثور وساوس سيده فيستبدل به شخصاً غيره. إنه كان يتقاضى من رعاياه الثمن الذي كان قد دفعه لتعيينه. وكان بيع المناصب شائعاً في القسطنطينية أو القاهرة، قدر شيوعه في باريس أو روما.


ثالثاً- الآداب والفنون


كانت تهيئة السبل لتحصيل العلوم والمعارف أو نقلهما هي أضعف حلقة في الحضارة العثمانية. وكان التعليم الشعبي مهملاً بصفة عامة. وضآلة العلم والمعرفة أمر خطير. وكان التعليم على الأغلب مقصوراً على الطلاب الذين يقصدون إلى دراسة التربية أو القانون أو الإدارة، وكانت مناهجها طويلة قاسية. وقضى محمد الثاني وسليمان وقتاً طويلاً في إعادة تنظيم المدارس وتحسينها. ونافس الوزراء سادتهم السلاطين في إغداق الهبات على هذه الكليات أو المدارس الملحقة بالمساجد. ونعم المدرسون في هذه




صفحة رقم : 8903




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


المعاهد بمراكز اجتماعية ومالية أعلى من نظرائهم في العالم المسيحي اللاتيني. وكانت محاضراتهم تنصب رسمياً على دراسة القرآن، ولكنهم سعوا كذلك إلى دراسة الآداب والرياضيات والفلسفة، ولكن خريجيهم، ولو أنهم كانوا أكثر تحصيلاً في فروع الدين منهم في العلوم، ساروا جنباً إلى جنب مع الغرب في الهندسة وفن الحكم.
وكانت قلة ضئيلة من السكان فقط تعرف القراءة، ولكن هؤلاء تقريباً كانوا ينظمون الشعر، ولا يستثنى من ذلك السلطان سليمان نفسه، وكان الأتراك- مثل اليابانيين- يعقدون مسابقات عامة يتلو فيها الشعراء ما جادت به قرائحهم، وكان السلطان سليمان يطيب له، مجاملة وكياسة منه- أن يرأس مثل هذه المباريات الشعرية. ولقد كرم الأتراك مائة شاعر في هذا العصر، ولكن انغمارنا في عظمتنا ومصطلحاتنا نحن، تركنا جهلة، لا نعلم شيئاً حتى من أمر شاعرهم الغنائي العظيم محمود عبد الباقي الذي شهد أربعة عهود، لأنه وإن كان في سن الأربعين عندما توفي سليمان، فإنه عمر بعده أربعة وثلاثين عاماً. وقد تخلى عن مهنته القديمة، وهي السراجة ليعيش على شعره. وكان من المحقق أن تعضه الحاجة بأنيابها لو لم يسعفه سليمان بوظيفة لا عمل فيها، وجمع سليمان المدح إلى الكسب، فنظم قصيدة يثنى فيها على تفوق شعر عبد الباقي، ورد عبد الباقي الدين فكتب مرثية قوية يندب فيها موت سليمان، وعلى الرغم من أن الترجمة نفقد رواءها بالتماس المحافظة على تعدد القوافي في الأصل، فقد يتكشف فيها بعض الانفعال والروعة:


أمير فوارس الحظ، يا من لفرسه الجرىء المعد للقتال،




حيثما كر أو فر كان مقيداً، كانت له الأرض كلها ساحة نزال!




أنت يا من لبريق سيفه أحنى المجرى رأسه!






صفحة رقم : 8904




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية




أنت يا من يعرف الفرنجة حق المعرفة وميض شارته المخيف!




مثل ورقة الورد الغضة وضع وجهه برفق في التراب،




فتلقته الأرض، الخازن الأمين، وأودعته كالجوهرة في حرز.




الحق أنه كان إشعاعة المكانة الرفيعة والمجد العظيم،




الشاه، الاسكندر وعليه إكليل دولة دارا المسلحة،




وأمام التراب الذي تحت قدميه أحنى الكون رأسه خفيضاً.




وبمثابة مقام العبادة على الأرض كان باب جناحه الملكي.




لقد جعلت أصغر هباته من أحقر متسول أميراً،




فاق في الندى والجود، وفي الرحمة والرأفة أي ملك......




لقد لاقى من هذا الكون الحزين المتقلب نصباً، فلا تحسبه،




وهو بجوار ربه قد تخلى عن مكانته وعن مجده.




أي عجب إذا لم تر أعيننا شيئاً من الحياة أو من الدنيا بعد ذلك!!




إن جماله البارع، مثل الشمس والقمر، قد أفاض على الأرض نوراَ...




فلتبك الآن سحب الدم قطرة قطرة، ولتنحن خفيضة!!




وبهذا الألم المبرح الحزين فلتمطر عيون النجوم دمعاً سخياً مريراً،




ودخان زفرات القلوب يظهر أن السماء الحالكة السواد تحترق...




إن الطائر، أي روحه، قد طار عالياً إلى السموات مثل الهامة،




ولم يخلف وراءه سوى قليل من العظام على الأرض تحته...




وليكن خالداً مجد خسرو في السموات العلى !!




ولتنزل رحمة الله على نفس الملك وروحه- ووداعاً!!(48).


وكان الأتراك في شغل شاغل بغزو الدول القوية إلى حد أنهم لم يجدوا فسحة من الوقت للفنون الدقيقة التي كان الإسلام حتى الآن قد اشتهر وتميز بها. وقد أنتج الأتراك منمنمات تميزت ببساطة التصميم وسعة التفكير في الأسلوب. أما التصوير التشخيصي أو التمثيلي فقد ترك للمسيحيين المفترين




صفحة رقم : 8905




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


الذين ظلوا في هذا العصر يزينون جدران كنائسهم وأديارهم باللوحات الجصية، فنرى مانويل بانسلينوس- الذي ربما استعار بعض الحوافز من الصور الحائطية الإيطالية في عصر النهضة- قد زين بالجص كنيسة بروتاتون على جبل آثوس (1535-1536)، برسوم أكثر انطلاقاً وجرأة ورشاقة من رسوم العصور البيزنطية. واستقدم السلاطين فنانين من الغرب والشرق- جنتيل بالليني من البندقية، وشاه فالى، ووالي جان ، وهما من رسامي المنمنمات في فارس الهرطوقية. وفي التربيعات المطلية لم يكن الأتراك في حاجة إلى مساعدة خارجية، فقد استخدموها إلى درجة تبهر الأبصار، واشتهرت مدينة ازنيق (بآسيا الصغرى) بصناعة الخزف، وتخصصت أشقودرة وبروسة، وهيريك في آسيا الصغرى في المنسوجات، فقد ترك البروكار (المقصبات) والقطيفة- بما فيهما من رسوم الأزهار في اللونين القرمزي والذهبي- التي أخرجتها هذه المدن، أثراً شديداً وانطباعاً قوياً في رسامي البندقية والفلاندرز. وكان السجاد التركي يعوزه البريق الشاعري الذي تميز به السجاد الفارسي، ولكن طرزه الفخمة وألوانه الدافئة أثارت الإعجاب في أوربا. وقد أغرى كلبير ملكيه لويس الرابع عشر بأن يأمر النساجين الفرنسيين بتقليد بعض قطع السجاد في القصر السلطاني في تركيا. ولكن دون جدوى، لأن تفوق المسلمين في هذه الصناعة ظل بعيداً عن متناول المهارة الغربية.
وبلغ الفن التركي ذروته في مساجد القسطنطينية (لم يطلق على المدينة اسم اسطنبول رسمياً إلا في سنة 1930). ففي تاريخ فارس أو التاريخ الإسلامي، لم يضارع عظمة عاصمة سليمان، حتى ولا مدينة مشهد مع فخامة عمائرها المزدحمة، ولا أصفهان في عصر الشاه عباس، ولكن ربما ضارعتها برسوبوليس على عهد كورش. فإن مساجد الآستانة اقتسمت مع الله غنائم العثمانيين في انتصاراتهم، وهي آثار تعبر، في وقت معاً، عن




صفحة رقم : 8906




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


التقوى والزهو وعن تصميم السلاطين على إرهاب شعبهم بالفن قدر إرهابه بالأسلحة. ونافس سليمان جده محمد الفاتح في تشييد سبعة مساجد تتفق مع جلاله وعظمته، وفاق أحدها، وهو الذي حمل اسمه (1556) كنيسة أيا صوفيا في جمالها، حتى في محاكاته إياها في مجموعة القباب الصغرى المحيطة بالقبة الرئيسية الوسطى، على أن المآذن هنا، تلك التي ارتفعت مقصورات الآذان الثلاث فيها إلى ارتفاع رهيب، كانت بمثابة إضافة متألقة تتطابق مع القاعدة الضخمة. أما الداخل فكان كنزاً مربكاً من الزخرفة: نقوش ذهبية على الرخام أو الخزف وأعمدة من الحجر السماقي، وعقود من الرخام الأبيض أو الأسود، ونوافذ من الزجاج الملون في إطار من حجر مشجر، والمنبر المحفور وكأنه وقف على مدى الحياة. وربما كان بذخاً أكثر مما ينبغي إجلاله، وتألقاً أكثر مما ينبغي لمقام الصلاة. إن الذي وضع تصميم هذا المسجد وسبعين مسجداً أخرى ألباني اسمه سنان، وقيل إنه عاش إلى سن العاشرة بعد المائة.


رابعاً- سليمان نفسه


إن الغرب هو الذي أطلق على سليمان لقب "العظيم"، ولكن شعبه هو الذي سماه "القانوني" أي جامع القوانين، بسبب مساهمته في تدوين القانون العثماني. ولم يكن مهيباً أو عظيماً في مظهره، ولكن في حجم تجهيزات جيوشه، وفي مدى اتساع حملاته، وفي زينة عاصمته، وفي تشييد المساجد والقصور، والقناطر المائية المشهورة، عظيماً في روعة كل ما يحيط به وفي حاشيته، ثم عظيماً بطبيعة الحال في قوة حكمه، وفي كل ما وصل إليه أو حققه. ووصلت إمبراطوريته من بغداد إلى مدى تسعين ميلاً من فيينا، و120 ميلاً من البندقية ملكة الأدرياتيك السابقة. وباستثناء فارس وإيطاليا،




صفحة رقم : 8907




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


كانت كل المدن التي زخرت بألوان المعرفة اليهودية والمسيحية أو المعرفة القديمة، داخلة في نطاق ملكه: قرطاجة، ممفيس، صور، نينوى، بابل، تدمر، الإسكندرية، بيت المقدس، أزمير، دمشق، أفسوس، نيقية، أثينا، وطيبة اليونانية. ولم يضم الهلال قط يوماً، مثل هذه البقاع والبحار الكثيرة في منحناه الأجوف.
وهل كان تفوق حكمه يتناسب مع أتساعه؟ يحتمل أن يكون الجواب سلبياً، ولكن ينبغي أن نقرر هذا عن أية مملكة مترامية الأطراف، فيما عدا فارس في عهد الأخمينيين، وروما في عصر الأنطونينيين. إن الرقعة المحكومة كانت شاسعة إلى حد يتعذر معه إدارتها من مركز واحد قبل ظهور وسائل المواصلات والنقل والطرق الحديثة. لقد دب الانحلال والفساد في الحكومة، ومع ذلك قال لوثر: "يقال إنه لم يكن ثمة حكومة زمنية أفضل من حكومة الأتراك"(49). وفي مجال التسامح الديني كان سليمان أجرأ وأكرم من أنداده المسيحيين الذين ذهبوا إلى أن الانسجام الديني أمر ضروري للقوة الوطنية. ولكن سليمان رخص للمسيحيين واليهود في ممارسة ديانتهم في حرية تامة، وقال الكاردينال بول "إن الأتراك لا يلزمون الآخرين باعتناق عقيدتهم، ولهذا الذي لا يهاجم ديانتهم، أن يفصح عن أية عقيدة يعتنقها، وهو آمن"(50). وفي نوفمبر 1561 حين كانت إسكتلنده وإنجلترا وألمانيا اللوثرية تعتبر الكثلكة جريمة، كما كانت إيطاليا وأسبانيا تعتبران البروتستانتية جريمة، أمر سليمان بالإفراج عن سجين مسيحي، "غير راغب في تحويل أي فرد عن دينه بالقوة"(51). لقد جعل من إمبراطورية مأوى آمناً لليهود الفارين من محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال.
لقد اتضحت عيوبه في علاقاته العائلية أكثر منها في حكومته. والجميع متفوقون على أنه- برغم حروبه التي بررها بأنها هجوم من أجل الدفاع- كان رجلاً مهذباً، رحيماً كريماً إنسانياً، عادلاً(52). ولم يعجب به




صفحة رقم : 8908




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


شعبه فحسب، بل أحبه كذلك. وكان إذا ذهب إلى المسجد يوم الجمعة، لزم الناس الصمت التام عند مروره، وانحنى هو تحية لهم جميعاً- أيا كانوا يهوداً أو مسيحيين أو مسلمين- وكان يقضي في المسجد ساعتين. ولم نسمع عنه أنه كان يلازم الحريم إلى الحد الذي يضعف من صحته وقوته، مثل ما حدث لبعض السلاطين من بعده، ولكنا نجده شديد الإحساس سريع التأثر بانفعالات الحب، حتى إنه لينسى ما تقتضيه مكانه من حكمة وحذر وعدل، بل عاطفة الأبوة وحنانها.
وفي أوائل حكمه كانت محظيته الأثيرة لديه جارية شركسية تعرف باسم "وردة الربيع" اتسمت بهذا الجمال الأسمر المليح التقاطيع، الذي تميزت به لعدة قرون نساء الأقاليم الواقعة حول الطرف الشرقي للبحر الأسود. وأنجبت له هذه المرأة طفلاً، وترعرع الطفل مصطفى حتى أصبح شاباً جميلاً قادراً محبوباً. وعهد إليه سليمان بعدة مناصب وتبعات هامة، ودربه ليكون وريثاً للعرش قدر ما يكون جديراً به. ولكن في أثناء هذا الحب، ظهرت في الأفق "خوريم"- "أي الضاحكة"- وهي أسيرة روسية أطلق عليها الغرب "روكسيلانا" كسبت قلب السلطان وانتزعته من محظيته الشركسية. وبقى السلطان ثملاً بجمال خوريم ومرحها وإغوائها وخداعها حتى اكتملت فصول الرواية ووقعت المأساة. وكسر السلطان القاعدة التي استنها الحديثون من أسلافه، واتخذها وزوجة (1534)، وابتهج أيما ابتهاج بما أنجبت له من بنين وبنات. ولكن لما كبرت سن السلطان وبات متوقعاً أن يعتلي مصطفى عرش أبيه، أوجست خوريم خيفة على مصير أبنائها، الذين يمكن أن يلقوا حتفهم، قانوناً، على يد السلطان الجديد. ونجحت في تزويج ابنتها من رستم باشا الذي أصبح الوزير الأكبر في 1544، وكان عن طريق زوجته يشاطر خوريم مخاوفها من سطوة مصطفى في المستقبل.
وكان مصطفى، في نفس الوقت، قد أرسل لتولي حكم ديار بكر،




صفحة رقم : 8909




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


واشتهر ببسالته ولباقته وكرمه، واستخدمت خوريم كل مواهبها وتأثيرها في تحطيمه، وألقت في روع سليمان أن مصطفى يحاول أن يكسب شعبية، تطلعاً منه إلى انتزاع العرش. واتهم رستم باشا الشاب بأنه يتودد سراً إلى الانكشارية ليقفوا إلى جانبه، وساور الشك السلطان المنهوك الذي كان آنذاك في التاسعة والخمسين من عمره، وزاد ارتيابه، ثم تولاه العجب، وأخيراً آمن بصحة ما زعموا، فذهب بنفسه إلى إرجلي Eregli، ودعا مصطفى إلى خيمته، وما أن ظهر حتى عاجله بضربة أودت بحياته (1553). عند ذاك وجدت خوريم ورستم باشا أن من اليسير إغراء السلطان بقتل ابن مصطفى لئلا يحاول الثأر لأبيه، وعين سليم ابن خوريم أميراً ووريثاً للعرش، وماتت خوريم راضية مطمئنة (1558)، ولكن بايزيد، وهو أخو سليم، الذي وجد أن مصيره المحتوم هو الذبح، أعد جيشاً يتحدى به أخاه، واشتعلت نيران الحرب الأهلية، وهزم بايزيد وفر إلى فارس (1559). ولكن الشاه طهماسب، لقاء ثلاثمائة ألف دوكات من سليمان ومائة ألف من سليم، سلم المناضل من أجل العرش، وشنق بايزيد (1561)، كما أعدم أبناؤه الخمسة محافظة على الأمن الاجتماعي. ويروى أن السلطان المتألم توجه إلى الله بالشكر والحمد على موت هذه الذرية المزعجة، وعلى أنه يستطيع الآن أن يعيش في سلام(53).
ولكن السلطان وجد السلام أمراً لا يحتمل، وأطال التفكير فيما ترامى إليه من أنباء تقول بأن فرسان القديس يوحنا الذين اقتلعهم من رودس، عادت إليهم قوتهم في مالطة، وأنهم كانوا ينافسون قراصنة الجزائر في غاراتهم الضارية وفكر السلطان ملياً، وهو آنذاك في سن الحادية والسبعين، هل في الإمكان أن تصبح مالطة جزيرة إسلامية، ومن ثم يكون البحر المتوسط حرماً آمناً للمسلمين. وفي أبريل 1564 أرسل أسطولاً مكوناً من 150 سفينة عليها ألف رجل ليستولوا




صفحة رقم : 8910




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


على الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي. وقاتل الفرسان ببسالتهم المعهودة تحت قيادة الداهية البارع جان دي لافالت، واستطاع الأتراك الاستيلاء على حصن سانت إلمو بتضحية ستة آلاف رجل، ولم يستولوا على شيء بعده، وأرغمهم وصول الجيش الإسباني على رفع الحصار.
وما كان السلطان العجوز المهيب، سليمان القانوني، ليختم حياته بهذه الخاتمة المرة. وكان مكسيمليان الثاني الذي خلف فرديناند على عرش الإمبراطورية قد منع الجزية التي تعهد الوالد بدفعها للسلطان، وهاجم المخافر الأمامية التركية في هنغاريا، وقرر السلطان القيام بحملة أخرى فقط، وصمم على أن يقودها بنفسه (1566). وسار بمائة ألف رجل عبر صوفيا ونيش وبلغراد، وفي ليلة 5-6 سبتمبر، وفي أثناء حصار حصن زيجتفار، أسلم السلطان الروح، وهو منتصب في خيمته. وكان مثل فاسبازيان، مزهواً بنفسه إلى حد لا يرتضي معه أن يموت وهو راقد. وفي 8 سبتمبر سقط الحصن،، ولكن الحصار كلف الأتراك حياة 30 ألفاً من الرجال. وكان الصيف مدبراً، فعقدت الهدنة، وعاد الجيش أدراجه حزيناً مغموماً إلى القسطنطينية لا يحتمل معه النصر بل جثمان الإمبراطور.
هل ينبغي لنا أن نصدر على سليمان حكماً ونضعه في المرتبة التي يستحقها؟ إننا إذا قارناه بنظرائه في الغرب لوجدناه في بعض الأحيان أكثر تمدناً وحضارة، وفي أحيان أخرى أكثر همجية ووحشية. ومن بين الحكام الأربعة الكبار في هذا النصف الأول من القرن السادس عشر، يستوقف نظرنا فرانسوا على أنه أكثرهم تمدناً وحضارة، على الرغم من غروره المتهور واضطهاداته المترددة، على أنه مع ذلك نظر إلى سليمان على اعتباره حاميه وحليفه الذي بدونه كان يمكن أن يحطم، إن سليمان حالفه في صراعه الذي استمر طوال حياته مع الغرب. فالحق أن الإمبراطور مكسيمليان الثاني استأنف دفع الجزية للباب العالي 1568؛ وأن شارل الخامس




صفحة رقم : 8911




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> سليمان القانوني -> الحضارة العثمانية


كان قد أوقف تقدم السلطان عند فيينا، ولكن أي جيش مسيحي جرؤ على الاقتراب من القسطنطينية؟ لقد كان سليمان سيد البحر المتوسط، وبدا لبعض الوقت أن روما ظلت مسيحية لأنه هو وبربروسه سمحا بذلك.أن السلطان حكم إمبراطوريته حكماً صالحاً يتسم بعدم التحيز، ولكن كان نجاحه أكبر بكثير من شارل المسكين الذي كان يناضل ضد تمزيق ألمانيا بين الأمراء، وكان سليمان حاكماً مطلقاً مستبداً، بحكم العرف الذي لا نزاع فيه وبرضا شعبه، فهل حظي استبداد هنري الثامن في إنجلترا أو شارل في إسبانيا بمثل هذا الحب والثقة من الشعب؟ وكان شارل لا يكاد يكون قادراً على إصدار حكم الإعدام على ابنه لمجرد الارتياب في خيانته، ولكن شارل في شيخوخته كان يرسل الصيحات مطالباً بدم الهراطقة، واستطاع هنري أن يبعث بالزوجات وبالكاثوليك وبالبروتستانت إلى المشنقة أو المحرقة، دون أن يتخلف وجبة واحدة عن طعامه. أما التسامح الديني عند سليمان، ولو كان محموداً ، فإنه بالمقارنة، يصم مثل هذا إعدام بوصمة الهمجية والوحشية.
لقد شن سليمان حروباً كثيرة، وذبح نصف ذريته، وأمر بذبح وزير مبدع دون إنذار أو محاكمة، إنه ارتكب الأخطاء التي تلازم السلطة المطلقة غير المحدودة، ولكنه كان أعظم وأقدر حكام عصره دون منازع.




صفحة رقم : 8912




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون



الفصل الثاني والثلاثون




اليهود




1300 - 1564




1- التائهون


روى روجر وندوفر Wendover R.في كتابه Flores Historiarum (1228) أن أحد رؤساء أساقفة أرمينيا كان يزور دير القديس ألبان في أوائل القرن الثالث عشر، فسئل عن القصة التي تقول بأن يهودياً كان قد تحدث إلى السيد المسيح، لا يزال على قيد الحياة في الشرق الأدنى، فأكد رئيس الأساقفة للرهبان أنها صحيحة. وأضاف المرافق أن رئيس الأساقفة كان قد تناول الغداء مع هذا الرجل الخالد قبل مغادرته أرمينيا بوقت قصير، وأن اسم هذا الرجل، على الطريقة اللاتينية "كارتوفيلس". وأنه لما هم السيد المسيح بمغادرة محكمة بلاطس البنطي، ضرب كارتوفيلس السيد المسيح على ظهره وقال له: "أسرع". وأن يسوع قال له : "إني ذاهب، ولكنك سوف تبقى حتى أحضر". وكرر أرمنيون آخرون زاروا دير سانت ألبان في سنة 1252 نفس القصة، وزاد عليها القصص الشعبي، وبدل من اسم التائه، وروى كيف أنه في كل مائة عام أو نحوها، يصاب بمرض عضال، ويروح في سبات عميق يفيق منه شاباً يمتلئ رأسه بذكريات لا تزال حية عن محاكمة المسيح وموته وبعثه. وانقطع ورود القصة على الألسنة فترة، ولكنها ظهرت من جديد في القرن السادس عشر. وادعى أوربيون غلب عليهم التأثر، أنهم رأوا "أحشويروش" - وسمي الآن




صفحة رقم : 8913




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


اليهودي الخالد، أو اليهودي التائه- رأوه في همبرج (1547،1564) وفي فيينا (1599)، وفي لوبك (1601) وفي باريس (1644)، وفي نيوكاسل (1790)، وأخيراً في ولاية يوتا في غرب الولايات المتحدة (1868). وتلقت أوربا، التي كانت تفقد إيمانها، بالترحاب هذه الأسطورة على أنها برهان يؤكد من جديد ألوهية المسيح وبعثه، وضمان جديد لمجيئه ثانية. وعندنا أن الأسطورة رمز كئيب لشعب فقد وطنه في السنة الحادية والسبعين من بداية المسيحية، وبات يتيه في الأرض في قارات أربع، وعانى الاضطهاد والتعذيب المرة بعد المرة، قبل أن يسترد موطنه القديم في خضم زماننا المتقلب المزعزع(1).
ولاقى يهود "الشتات" هؤلاء أقل العناء والشقاء في ظل السلاطين الأتراك والبابوات في فرنسا وإيطاليا، وعاشت الأقليات اليهودية آمنة في القسطنطينية وسالونيك وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين والجزيرة العربية ومصر وشمال أفريقية وأسبانيا تحت حكم العرب. وتسامح البربر معهم كارهين. على أن سيمون ديوران ترأس مستوطنة مزدهرة في الجزائر، وعاشت الجالية اليهودية في الإسكندرية- كما وصفها الحبر أوباديا برتينورو في 1488- حياة طيبة، وشربوا الخمر بكثرة، وتربعوا على البسط كما فعل المسلمون، وخلعوا نعالهم عند دخول المعبد أو بيت أحد الأصدقاء(2). وكتب اليهود الألمان الذين لجئوا إلى تركيا إلى أقربائهم وصفاً خماسياً للحياة الطيبة التي ينعمون بها هناك(3). ورخص الباشا (الوالي) العثماني في فلسطين لليهود هناك في أن يبنوا معبداً على جبل صهيون. وحج بعض اليهود الغربيين إلى فلسطين، واعتقدوا أن من حسن حظهم أن تفيض أرواحهم في الأرض المقدسة، والأفضل منها في أورشليم بالذات.
ومهما يكن من أمر، فإن الذي كان يستأثر بتفكير اليهود ويستهوي قلوبهم في هذا العصر تركز في الغرب الذي لا يغفر ولا يصفح. فقد لاقوا




صفحة رقم : 8914




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


اقل الأحوال شقاء في إيطاليا المستنيرة. وفي نابلي سعدوا بصداقة روبرت ملك أبحو، وازدهروا في أنكونا وفيرارا وبادوا والبندقية وفيرونا ومانتوا وفلورنسه وبيزا وغيرها من خلايا النهضة. قال إرزم 1518 "يوجد في إيطاليا كثير من اليهود، ولكن لا يكاد يوجد في أسبانيا مسيحيون(4)". وكانت إيطاليا تقدر التجارة والموارد المالية تقديراً عظيماً، ومن ثم كان لليهود الذين تولوا هذه المرافق الضرورية فيها شأن كبير، باعتبارهم دعامة حافزة منشطة في الاقتصاد. أما ما كان يطلب من اليهود قديماً من وضع شارة أو ارتداء لباس مميز فقد تجاهله الإيطاليون في شبه الجزيرة بصفة عامة، وارتدى اليهود الموسرون زي الإيطاليون من مثل طبقتهم، والتحق الشباب اليهودي بالجامعات، وتزايد عدد المسيحيين الذين يدرسون العبرية.
وبين آونة وأخرى كان بعض رجال الدين المسيحي الذين يبغضون اليهود، مثل القديس يوحنا أوف كاببسترانو، قد يهيج حفيظة سامعيه، ليطالبوا بالتطبيق الكامل للقوانين الكنسية المتشددة الخاصة بالتجريد ضد اليهود. ولكن على الرغم من أن كابسترانو كان يلقى تأييداً من البابا يوجينيوس الرابع والبابا نيقولا الخامس، فإن تأثير بلاغته كان تأثيراً عابراً في إيطاليا. وهاجم راهب آخر من طائفة الفرنسيسكان هو برناردينو أوف فلتر، اليهود مهاجمة صاخبة عنيفة، إلى حد أن السلطات المدنية في ميلان وفرارا وفلورنسه أمرته بالتزام الصمت أو الرحيل. ولما عثر على طفل في سن الثالثة ميتاً بالقرب من بيت أحد اليهود في ترنت (شمال إيطاليا) في سنة 1475، أعلن برناردينو أن اليهود قتلوه، فألقى الأسقف بكل يهود ترنت في السجن، واعترف بعضهم تحت وطأة التعذيب بأنهم ذبحوه وشربوا من دمه، باعتبار أن هذا من طقوس عيد الفصح عندهم. واحرق كل يهود ترنت حتى الموت، وحفظ جثمان الطفل "سيمون الصغير"، وعرض على أنه "بقايا مقدسة"، وحج آلاف من السذج المؤمنين إلى المزار الجديد،




صفحة رقم : 8915




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


وانتشرت قصة الفظاعة المزعومة عبر جبال الألب إلى ألمانيا فزادت من حدة شعور العداء ضد "السامية" هناك. واتهم سناتو البندقية القصة بأنها كذوبة دينية، وأمر كل السلطات في نطاق الولاية القضائية للبندقية بحماية اليهود. وقدم من بادوا إلى ترنت اثنان من المحامين لفحص الأدلة، ولكن الأهالي هناك مزقوهما تقريباً. واستحثوا البابا سكستس الرابع على ضم سيمون إلى قائمة القديسين ولكنه أبى، وحرم تمجيد سيمون باعتباره قديساً(5). ومهما يكن من شيء، فإن سيمون أعلن قديساً في سنة 1582.
وفي روما نعم اليهود لعدة قرون بظروف مواتية في الحياة، وبالحرية أكثر مما لاقوا في أي مكان آخر في العالم المسيحي، من جهة لأن البابوات كانوا مثقفين، ومن جهة أخرى لأن المدينة كان يحكمها ويتنازعها حزباً أورسيئي وكولانا، وكلتا الجماعتين كانت مشغولة بالقتال بينهما، إلى حد يتعذر معه التفرغ لعداوة الآخرين، وربما كان ثمة سبب آخر هو أن الرومان كانوا أوثق ارتباطاً بالجانب العملي في المسيحية منهم بالتعصب لديانتهم. ولم يوجد آنذاك حي خاص باليهود في رومه، ولكن معظمهم عاش في حي العبرانيين على الضفة اليسرى من نهر التيبر. ولم يكونوا ملزمين بذلك، فقد قامت كنائس المسيحيين(6). ولكن ظل بعض الظلم يقع عليهم، فكانت بعض الضرائب تفرض عليهم من أجل الإنفاق على الألعاب الرياضية، وكانوا يرغمون على إرسال ممثلين عنهم للاشتراك فيها وهم أنصاف عرايا، وهذا أمر يتنافى مع أعراف اليهود وأذواقهم. وظلت العداوة العنصرية باقية، فمثل اليهود في رسوم كاريكاتورية في المسرح الروماني، وفي الروايات الهزلية في الملاهي، ولكن اليهوديات كن يقدمن على أنهن مهذبات جميلات. لاحظ التناقض بين باراباس




صفحة رقم : 8916




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


وأبيجيل في رواية مارلو "يهودي مالطة"، وبين شيلوك وجسيكا في رواية شكسبير "تاجر البندقية".
وعامل البابوات، إجمالاً، اليهود معاملة كريمة بالقدر الذي ينتظر من رجال مجدوا المسيح على أنه المخلص، وأنكروا عقيدة اليهود على انه لم يأت بعد، وعندما أنشئت محاكم التفتيش أعفى البابوات من سلطتها القضائية اليهود الذين لم يتحولوا عن دينهم. وكانت المحكمة تستطيع أن تستدعي أمثال هؤلاء اليهود، بسبب مهاجمتهم للمسيحية، أو محاولتهم رد المسيحي إلى اليهودية فحسب."إن اليهود الذين لم يكفوا قط عن إعلان إيمانهم باليهودية تركوا، إجمالاً، دون إزعاج"(7)من الكنيسة، ولكنهم لقوا الإزعاج من الدولة أو من الأهالي. وأصدر عدة بابوات مراسيم بقصد التخفيف عن حدة العداوة الشعبية. وبذل البابا كليمنت السادس جهداً شاقاً في هذا السبيل، فجعل مدينة أفنيون البابوية ملجأ رحيماً لليهود الفارين من الحكومة الوحشية في فرنسا(8). وفي 1419 أعلن مارتن الخامس إلى العالم الكاثوليكي:


"من حيث أن اليهود خلقوا على صورة الرب،




وان بقية منهم لا بد يوماً أن تخلص. ومن حيث




أنهم توسلوا إلينا لحمايتهم، فإننا سيراً على نهج




أسلافنا، نأمر بألا يزعجهم أحد في معابدهم،




وألا يهاجم أحد قوانينهم وحقوقهم وأعرافهم،




وألا يعمدوا قسراً، وألا يكرهوا على حضور




الأعياد المسيحية أو وضع شارات جديدة، وألا




يعترض سبيلهم في إقامة علاقات العمل بينهم وبين




المسيحيين (9).






صفحة رقم : 8917




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


وأصدر يوجينيوس الرابع، ونيقولا، كما سنرى، تشريعاً مقيداً لليهود، ولكن بالنسبة لسائر البابوات كما يقول جرايتز "من بين سادة إيطاليا كان البابوات أكثرهم وداً وصداقة لليهود"(10) وكثير منهم: الإسكندر السادس، يوليوس الثاني، ليو العاشر- تجاهلوا المراسيم القديمة، وعهدوا بحياتهم إلى أطباء يهود. وشاد كتاب يهود معاصرون، شاكرين، بالأمن الذي تمتع به قومهم في ظل بابوات أسرة مديتشى(11). وكان أحدهم وهو كليمنت السابع، "صديقاً كريماً لإسرائيل(12).
ويقول مؤرخ إسرائيلي عالم :


إن هذا كان ذروة عصر النهضة. واعتبر جماعة




متعاقبة من البابوات المثقفين المهذبين المترفين




المشهود لهم بالحكمة في روما أن تقدم الثقافة جزء هام




من عملهم في تعزيز المصالح الدينية للكنيسة




الكاثوليكية. "ولذلك اتجهوا من أواسط القرن




الخامس عشر، فما بعده، إلى التغاضي عن التفاصيل




المزعجة في القانون الكنسي.... وإلى إظهار التسامح




الكبير مع غير الكاثوليك. وكان رجال المصارف




المقرضون اليهود يشكلون جزءاً لا يتجزأ من الحركة




الاقتصادية في ممتلكاتهم، على حين أن البابوات وهم




رجال دنيا واسعوا الآفاق، قدروا كل التقدير مناقشتهم




مع الأطباء اليهود وغيرهم ممن اتصلوا بهم. ومن ثم




فإن هؤلاء البابوات أهملوا إهمالاً يكاد يكون تاماً كل




التعليمات والقواعد التي كان آباء الكنيسة قد أصدروها،




وصنفها في عداد القوانين مجلساً لاتيران الثالث




والرابع. ولما رأى سائر إيطاليا هذا المثل






صفحة رقم : 8918




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون




الرائع أمام أعينهم- أمراء مديتشى في فلورنسه،




إستنسى في فيرارا، جنزاجو في منتوا، حذوا إلى




حد كبير حذو البابوات. إن اليهود، ولو أنهم قد




أزعجتهم بين الحين والحين فترات من العنف




أو التعصب- مثال ذلك عندما سيطر سافونا رولا




على فلورنسه 1497- امتزجوا بجيرانهم وشاركوهم




حياتهم، بدرجة لا يكاد يكون لها مثيل من قبل.




وقاموا بنصيب ممتاز في جوانب معينة في النهضة...




عكسوها في حياتهم هم أنفسهم وفي أنشطتهم الأدبية




باللغة العبرية، وأسهموا بإضافات هامة في الفلسفة




والموسيقى والمسرح. وكانوا شخصيات حبيبة




في بلاط كثير من المراء الإيطاليين(13).


إن بعضاً من الشخصيات التي كانت يوماً مشهورة لتكشف لنا عن هذه الفترة المشرقة في العلاقات بين المسيحيين واليهود. ولد إمانويل بن سولومون الحارومي (الرومي) وفي نفس السنة التي ولد فيها دانتي (1265) وأصبح صديقاً له، وكان رجلاً من رجال النهضة قدر ما يستطيع يهودي مخلص أن يكونه. وكان يحترف الطب، كما كان واعظاً، وعالماً دينياً، وعالماً من علماء النحو، ومن المشتغلين بالعلوم، ومن أصحاب المال والأعمال، وشاعراً، و "مؤلفاً لأغان ماجنة كثيراً ما جاوزت حدود الحشمة"(14). ولما كان يتقن العبرية كل الإتقان : فإنه أدخل إلى هذه اللغة المقطوعة الشعرية ذات الأربعة عشر بيتاً (Sonnet) وكاد ينافس الإيطاليين في الفصاحة والسلاسة والروح، ولم يظهر أي شاعر يهودي قط قبل "هين" مثل ما أظهر إمانويل من موهبة الهجاء والروعة والذكاء. وربما كان إمانويل قد تشرب بعض مبادئ مذهب ابن رشد في الشك،




صفحة رقم : 8919




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


الذي ساد في ذاك العصر، فإن إحدى قصائده تعبر عن نفوره من السموات بما فيها من أناس أطهار (ذهب إلى أن النساء الدميمات الخلقة هن فقط الفضليات)، وعن إيثاره للجحيم، حيث توقع أن يجد فيها أكثر الجميلات إغراء في كل الأزمان. وألف في شيخوخته قصيدة ضعيفة يقلد فيها دانتي في "السماء والجنة". ولم يكن ثمة في اليهودية مطهر، مثلها في ذلك مثل المذهب البروتستانتي. وكان إمانويل أكرم من دانتي، فأفسح في الجنة مجالاً لكل "الأبرار في العالم بأسره"(15)، متبعاً في ذلك نهج تقاليد أحبار اليهود. على أنه أدخل أرسطو إلى الجحيم لأنه انتهى إلى خلود الكون.
وثمة روح مرح جذل شبيهة بهذا الذي أسلفنا، أضفت سلاسة وحيوية على كتابات كالونيموس بن كالونيموس، وشاهد روبرت ملك نابلى في إحدى زياراته لبرفانس هذا العالم الصغير ذا الاسم الجميل، وأخذه معه إلى إيطاليا. وكان كالونيموس في البداية متفرغاً إلى العلوم والفلسفة، وترجم أرسطو وأرشميدس وبطليموس وجالن والفارابي وابن رشد إلى العبرية، وكتب بروح أخلاقية عالية. ولكنه وجد أنه من اليسير عليه أن يتمثل طباع المرح والبهجة في نابولي ويتشربها. فلما انتقل إلى رومه أصبح هوراس اليهود (شاعر روماني في القرن الأول ق.م) يهجو هجاء لطيفاً أخطاء المسيحيين واليهود وأخطاءه هو نفسه، ونقاط الضعف فيهم وفي شخصه. وندب حظه لأنه ولد رجلاً، فإنه لو كان امرأة، لما كان عليه أن يطيل التنقيب والتفكير في التوراة والتلمود ويحفظ مبادئ القانون البالغ عددها 613. وسخرت روحه المرحة من التلمود. وتوحي الشعبية التي حظي بها هجاؤه لدى اليهود الرومان بأنهم لم يكونوا أنقياء متدينين بالقدر الذي كان عليه أخوانهم الأكثر شقاء في سائر البلاد.
ولم تحي النهضة الدراسات اليونانية فحسب بل العبرية كذلك. ودعا الكاردينال أجديو دي فيتربو العالم اليهودي إيليا لفيتا من ألمانيا إلى رومة




صفحة رقم : 8920




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


(1509)، وبقى العالم اليهودي ثلاثة عشر عاماً ضيفاً مكرماً في قصر الكاردينال يعلمه العبرية ، ويتلقى عنه اليونانية. وبفضل جهود إجديو، ورخلين، وآخرين من التلامذة المسيحيين الذين يتلقون العلم عن المعلمين اليهود، أنشئت كراسى اللغة العبرية، في كثير من الجامعات والأكاديميات في إيطاليا. وحظي إيليا دل مديجو الذي كان يعلم العبرية في بادوا بتقدير عظيم هناك، رغم رفضه التحول عن دينه، إلى حد أنه لما حدث خلاف عنيف بين الطلبة المسيحيين حول بعض الشئون الثقافية، عينت السلطات الجامعية والسناتو في البندقية دل مديجو للتحكيم، فعالج الموضوع بحزم ولباقة، وخرج الجميع راضين. ودعاه بيكو دللا ميراندولا ليعلم العبرية في فلورنسة، وهناك انضم إيليا إلى الحلقة الإنسانية لأسرة مديتشى، ولا زلنا نراه من بين الشخصيات التي رسمها بينوتزو جوتزولى على جدران قصر مديتشى. ولم يشجع هذا العالم فكرة بيكو عن وجود بعض عقائد مسيحية في "القبالة" ، بل على النقيض من ذلك، سخر من سفر الرؤيا على أنه مجموعة من سخافات حمقاء.
وكان اليهود القاطنون في شمال جبال الألب أقل حظاً من اليهود إيطاليا. فقد طردوا من إنجلترا في سنة 1290، ومن فرنسا في سنة 1306، ومن فلاندرز في سنة 1370. ودعوا إلى فرنسا ثانية في 1315 شريطة أن يعطوا الملك ثلثي أي مال يكونون قد جمعوه من فوائد القروض التي عقدوها قبل طردهم(16). وما أن انتهت مكاسب الملك من هذه العمليات حتى نفى اليهود ثانية في سنة 1321. وعادوا في الوقت الناسب ليلقوا التأنيب على "الموت الأسود" ويحملوا مسئوليته، ونفوا مرة أخرى (1349)، وأعيدوا من




صفحة رقم : 8921




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


جديد (1360) ليقدموا قروضاً مالية ويسهموا بمهارتهم، عوناً منهم على افتداء ملك فرنسا الذي أسر في إنجلترا. ولكن في عام 1394 اختفى في ظروف غامضة إسرائيلي ارتد إلى المسيحية. واتهم اليهود بقتله، واعترف بعض اليهود تحت وطأة التعذيب، بأنهم كانوا قد نصحوا هذا المرتد بالعودة إلى اليهودية، وثار الرأي العام، وأمر شارل السادس كارهاً، بنفي الجنس المنهوك ثانية.
وكان في براغ جالية يهودية قوية، ذهبوا إلى هناك ليستمعوا إلى عظات رائد "هس " وهو ميلز Miliez، لأنه أظهر اطلاعاً واسعاً وتقديراً كبيراً للتوراة. ودرس هس العبرية، وقرأ التعليقات العبرية، واقتبس عن راشى وموسى بن ميمون. وأطلق التابوريون الذين مضوا بإصلاحات هس أشواطاً حتى باتت قريبة من الشيوعية- على أنفسهم "الشعب المختار" وأطلقوا أسماء "إدوم، ومؤاب، وعمالق"، على الولايات الجرمانية التي شنوا عليها الحرب. ولم تكن جيوش هس، على أية حال، تستنكف عن قتل اليهود، عندما استولوا على براغ (1421)، ولم يتركوا لهم الخيار: الارتداد أو الجزية، مثل المسلمين، بل إن أيسر خيار كان : الارتداد إلى المسيحية أو الموت(17).
ومن كل الدول المسيحية تأتي بولندة في المحل الثاني بعد إيطاليا في حسن وفادتها لليهود، وفي 1098، 1146، 1196 هاجر يهود كثيرون من ألمانيا إلى بولندة، فراراً من الموت على أيدي الصليبيين، ولقوا ترحيباً وازدهرت أحوالهم هناك، وفي 1207 أصبح بعضهم يمتلك ضياعاً واسعة. وفي 1264 منحهم الملك بوليسلاف التقي صكاً بالحقوق المدنية. وبعد الموت




صفحة رقم : 8922




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


الأسود انتقل عدد أكبر من الألمان إلى بولندة، ورحبت بهم هناك الأرستقراطية الحاكمة، بوصفهم خميرة تقدمية اقتصادية في أمة لازالت تفتقر إلى طبقة وسطى. وثبت كازيمير الثالث الأكبر (1333-1370) حقوق اليهود البولنديين ووسعها، وضمن الدوق الأعظم فيتوفست Vitovst هذه الحقوق ليهود لتوانيا. ولكن في 1407، أبلغ أحد الكهنة شعب الكنيسة في كراكاو أن اليهود قد قتلوا طفلاً مسيحياً، وأخذوا يمتعون أنظارهم بدمه. وحرض هذا الاتهام على وقوع المذابح. وجدد كازيمير الرابع حريات اليهود وزاد فيها (1447)، وقال: "نريد أن يشعر اليهود الذين نرغب في أن نحميهم من أجل مصلحتنا، ومصلحة خزانة الدولة- أن يشعروا بالراحة في ظل حكمنا الخير"(18). واتهم رجال الدين الملك، وأنذره أولسنيكى رئيس الأساقفة بسوء المصير في الجحيم، وألقى يوحنا كابسترانو، الذي جاء إلى بولندة ممثلاً للبابا، خطباً ملتهبة مثيرة في سوق بلدة كراكاو (1453)، ولما هزم الملك في الحرب ارتفعت الصيحات بأن عقاب الله قد نزل به لمساندته الكفار. ومذ كان في حاجة إلى تأييد رجال الدين للدخول في حرب أخرى، فإنه ألغى صك حريات اليهود. ووقعت المذابح المنظمة في 1463، 1494، وربما كان لمنع هذه الهجمات أن طلب إلى يهود كراكاو بعد ذلك أن يقطنوا ضاحية "كازيمييريه".
وفي تلك الضاحية وفي غيرها من المراكز في بولندة ولتوانيا، زاد اليهود عدداً وازدهاراً بعد أن ذللوا كل العقبات، وفي عهد سجسمند الأول أعيدت لهم حرياتهم فيما عدا حرية الإقامة. وظلوا على علاقة طيبة مع سجسمند. وفي 1556 اتهم ثلاثة من اليهود في بلدة سوخاشيف، بطعن "القربان المكرس" حتى أدمى، وأعلنوا براءتهم، ولكنهم أعدموا حرقاً بأمر من أسقف خلم Khelm. واستنكر سجسمند الثاني هذه العملية على أنها "أكذوبة دينية" قصد بها أن يثبت لليهود والبروتستانت أن الخبز المقدس كان قد تحول




صفحة رقم : 8923




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


فعلاً إلى جسد المسيح ودمه، وقال الملك "لقد صعقت لهذه الجريمة البشعة، وإني لا يعوزني حسن الإدراك إلى حد يجعلني أومن بأنه يمكن أن يكون هناك دم في القربان(19)، ولكن بموت هذا الملك المتشكك، انتهت فترة المشاعر الطيبة بين الحكومة واليهود في بولندة.
وعاش اليهود حقبة من الزمن في سلام في ألمانيا في العصور الوسطى. وعملوا بجد ونشاط على طول المنافذ التجارية النهرية الكثيرة، وفي المدن الحرة والثغور، وحتى رؤساء الأساقفة أنفسهم كانوا يطلبون ترخيصاً من الإمبراطور لإيواء اليهود. وبمقتضى المرسوم البابوي (1355) شارك الإمبراطور شارل الرابع الناخبين الإمبراطوريين امتيازهم في الانتفاع باليهود، أي حق الناخبين في استقبال اليهود في دوائرهم، وحمايتهم واستخدامهم، وابتزاز أموالهم. وفي ألمانيا، كما كان الحال في إيطاليا، تلهف الطلاب على تفهم التوراة في نصوصها الأصلية ومن ثم درسوا العبرية. وحفز النزاع بين رخلين وبفركورن إلى هذه الدراسة، كما قوت طباعة التلمود كاملاً لأول مرة (1520) من هذا الحافز.
وبلغ تأثير اليهودية ذروته في الإصلاح الديني. ومن الوجهة الدينية، كان هذا الإصلاح رجوعاً إلى أصل العقيدة البسيطة والأخلاق الصارمة في صدر المسيحية اليهودية. فإن عداء البروتستانتية للصور الدينية والتماثيل، كان عوداً إلى عداء السامية "للصور المنحوتة". واحتفلت بعض الفرق البروتستانتية بيوم السبت (مثل اليهود). وإن إنكار عبادة العذراء، وعبادة القديسين ليقترب كثيراً من التوحيد الصارم عند اليهود. كما أن ارتضاء القساوسة الجدد للزواج والجنس، جعلهم أشبه بأحبار اليهود، منهم بالكهنة الكاثوليك. إن نقاد رجال الإصلاح الديني اتهموهم "بالتهود"، وأسموهم "أشباه اليهود" أو "أنصاف اليهود"(20). وقال كارلستاد نفسه إن ملانكتون (من رجال الإصلاح اللوثري في ألمانيا) أراد أن يرجع إلى موسى




صفحة رقم : 8924




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


وشريعته. وضم كلفن تهمة "التهود" إلى آثام سرفيتس السيئة، وسلم الأسباني بأن دراساته العبرية أثرت عليه في مناقشة لاهوت التثليث. وأعاد حكم كلفن في جنيف إلى الأذهان تسلط الكهنة في إسرائيل القديمة. واتهم زونجلى بأنه متهود لأنه درس العبرية مع اليهود، وبنى كثيراً من عظاته وتعليقاته على النص العبري للتوراة. واعترف بأنه مفتون باللغة العبرية:
لقد ألفيت "اللغة المقدسة" فوق كل ما يعتقده الناس، لغة مهذبة رشيقة جليلة. وعلى الرغم من فقرها في عدد الكلمات، فإن أحداً لا يشعر بهذا النقص، لأنها تستخدم حصيلتها من الألفاظ بأساليب شتى. والحق أنى قد أجرؤ على القول بأن الإنسان إذا أدرك جلالها ورشاقتها، لوجد أنه ليس هناك لغة أخرى تستطيع أن تعبر عن الكثير بمثل هذا العدد القليل من الألفاظ، وبمثل هذه التعابير القوية. وليس ثمة لغة مثلها غنية بأساليب التصوير المتعددة الجوانب الزاخرة بالمعاني. وليس هناك لغة مثلها تبهج القلب وتنفذ إليه بسرعة(21).
ولم يكن لوثر متحمساً إلى مثل هذا الحد. وقال شاكياً:"كيف أبغض قوماً يقحمون على الناس لغات كثيرة كما يفعل زونجلي، فقد تحدث على المنبر باليونانية والعبرية في همبرج"(22). وهاجم لوثر في نزق شيخوخته وخرفه، اليهود وكأنه لم يتعلم منهم شيئاً. وليس ثمة إنسان بطل في رأى دائنه. وفي نشرة عن "اليهود وأكاذيبهم" (1542) أفرغ لوثر وابلاً من الحجج ضد اليهود، على أنهم كانوا قد أبوا أن يرتضوا المسيح إلهاً، وأن ما عانوا طوال حياتهم أثبت غضب الله عليهم، وأنهم دخلاء على أراضي المسيحيين، وأنهم كانوا وقحين في ثرائهم القائم على الربا، وأن التلمود أجاز الخداع والسرقة والسلب وقتل المسيحيين، وانهم سمموا العيون والآبار، وذبحوا




صفحة رقم : 8925




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


أطفال المسيحيين ليستخدموا دماءهم في الطقوس الإسرائيلية. وقد رأينا في دراستنا له في شيخوخته كيف أنه نصح الألمان بإحراق بيوت اليهود، وإغلاق معابدهم ومدارسهم، ومصادرة ثرواتهم، وتجنيد رجالهم ونسائهم في أعمال السخرة، وأن يخير جميع اعتناق المسيحية أو قطع ألسنتهم. وفي عظة ألقاها قبل موته بوقت قصير، أضاف أن الأطباء اليهود كانوا يتعمدون تسميم المسيحيين(23). وساعدت هذه التصريحات على أن تجعل البروتستانتية- وهي المدينة كثيراً لليهودية- أشد عداوة للسامية من الكاثوليكية الرسمية، ولو أنها ليست في هذا المجال أكثر من جماهير الكاثوليك الذين أثروا على الناخبين في سكسونيا وبراندنبرج ليطردوا اليهود من هذه البقاع(24). لقد أشاعوا هذه النغمة في ألمانيا على مدى عدة قرون، وأعدوا شعبها لإبادة الجنس حرقاً.




صفحة رقم : 8926




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود



2- على السفود


لماذا كان المسيحيون واليهود يمقتون بعضهم بعضاً؟ لا ريب أنه كان هناك سبب يسود بينهم باستمرار، ذلك هو الصراع الحاد بين العقائد الدينية، حيث كان اليهود يشكلون تحدياً ثابتاً معمراً للمعتقدات المسيحية الأساسية.
وأدى العداء الديني إلى فصل عنصري جاء في أول الأمر طوعاً، ثم بات قسراً فيما بعد، حيث انبثق في إنشاء أول حي يهودي في سنة 1516. وأبرز هذا الفصل العنصري الاختلافات في اللباس وطرق الحياة والملامح والصلاة والكلام. وشجع هذا التباين على عدم الثقة والخوف المتبادلين بين الطرفين. وولد هذا الخوف كراهية. وحول اليهود ما ألفوا من منع زواجهم من المسيحيين مفخرة لهم. وتمخض اعتزازهم بجنسهم عن تباهيهم بأنهم سلالة ملوك قد حكموا إسرائيل ألف سنة قبل ظهور المسيح. واحتقروا المسيحيين بوصفهم مشركين يؤمنون بالخرافات، وأنهم يتصفون بشيء من




صفحة رقم : 8927




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود


بطئ الفهم، ولكنهم يتشدقون بعبارات ملؤها الرياء المهذب على حين يأتون بأعمال وحشية لا يستشعرون فيها الرحمة، ويعبدون "أمير سلام" على حين يشن الأخوة الحرب تلو الحرب ضد أخوتهم. كما احتقر المسيحيون اليهود على أنهم كفرة غرباء لا يؤلفون. ويروي توماس مور قصة سيدة تقية صعقت عندما علمت أن السيدة العذراء كانت أصلاً يهودية، فاعترفت بأنها لن تستطيع بعد ذلك أن تكن "لأم الإله" ما كانت تكنه لها من حب من قبل(25).
وأصبحت قصة القربان المقدس مأساة لليهود. فقد طلب إلى المسيحيون أن يؤمنوا بأن الكاهن كان يحول رقائق الخبز غير المخمر إلى جسد المسيح ودمه، وقد ارتاب في هذا بعض المسيحيين، مثل "طائفة المتمتمين "، وربما أمكن أن يقوى من هذا الاعتقاد ما روى من قصص عن بعض رقائق الخبز المكرس التي تقطر دماً عند أية وخزة من سكين أو دبوس. ولكن من ذا الذي يقدم على هذه الفعلة الشنيعة غير اليهود؟ وفي القرون الخيرة من العصور الوسطى كانت مثل هذه الأساطير التي تروي عن القربان الذي يقطر دماً كثيرة جداً. وفي حالات عديدة: في نيوبرج (بالقرب من باسو) 1338، وفي بروكسل 1369، أدت هذه المزاعم إلى ذبح اليهود وإحراق بيوتهم. وأقيم في كاتدرائية سانت جود ول في بروكسل مصلى خاص لتخليد ذكرى القربان الذي أدمى 1369، واحتفل بهذه المعجزة سنوياً في عيد يطلق عليه Flemish Kermess،(26). واعترف أحد الكهنة في نيوبرج بأنه كان قد غمس قرباناً غير مكرس في الدم وخبأه في إحدى الكنائس ثم اتهم




صفحة رقم : 8928




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود


اليهود بطعنه(27). وينبغي أن نضيف إلى هذا أن رجال الكنيسة المستنيرين مثل نيقولا أوف كوزا دمغ أساطير هجمات اليهود على القربان بأنها ضروب من القسوة مخزية.
واستترت المنافسات الاقتصادية وراء العداء الديني. فعلى حين امتثل المسيحيون لأمر البابا بتحريم الفوائد الربوية، حصل اليهود على ما كاد يكون احتكاراً لإقراض النقود في العالم المسيحي. ولما تجاهل بعض أصحاب المصارف المسيحيين هذا التحريم، هبت شركات مثل Strozzi, Pitti, Bordi في فلورنسه، وولزرز Fuggers, Hochstetters, Welsers في أوجزبرج، هبت تتحدى هذا الاحتكار، ومن ثم تركزت هنا إثارة جديدة للخواطر، وتقاضى الطرفان, المسيحيون واليهود، كلاهما نسبة عالية من فوائد القروض، مما يعكس المغامرة بإقراض النقود في اقتصاد غير مستقر، زاد من زعزعته ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة العملة. وغامر المقرضون اليهود أكثر مما فعل منافسوهم. وباتت ديون اليهود على المسيحيين غير محققة وغير مأمونة تكتنفها مخاطرة كبيرة، فقد تعلن السلطات الكنسية تأجيل الدفع، كما حدث في الحروب الصليبية، وربما فرض الملوك، وقد فرضوا بالفعل، على اليهود ضرائب يصادرون بها أموالهم، أو ابتزوا القروض منهم قسراً وإلا طردوهم وأحلوا مدينيهم من ديونهم أو تقاضوا نصيباً من المسموح بجمعه من الأموال. وفي شمال الألب ظلت كل الطبقات تقريباً، فيما عدا رجال الأعمال، تعتبر الفائدة رباً، ودمغوا بالإجرام أصحاب المصارف اليهود، وخاصة من يقترضون منهم. ومذ كان اليهود بصفة عامة أكثر رجال المال خبرة وتجربة، فقد استخدمهم الملوك في كثير من الأقطار لإدارة الشئون المالية في الدولة. وكانت رؤية اليهود الأثرياء يتقلدون مناصب مريحة ويجمعون الضرائب من الناس تثير استياء الشعب وسخطه.




صفحة رقم : 8929




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود


ومع هذا كله، رحبت بعض المجتمعات المسيحية بأصحاب المصارف من اليهود: وقدمت لهم فرانكفورت امتيازات خاصة شريطة تقاضيهم نسبة32% فقط، على حين تقاضوا من آخرين 43%(28)، وقد نرى في هذا ما يثير نفورنا الشديد، ولكنا نسمع عن مقرضي نقود مسيحيين بلغ ما تقاضوه 266%، وتقاضى آل هولز هورز في نورمبرج 220% في 1304، وتقاضى المقرضون المسيحيون في برنديزي 240%(29). كما نسمع عن مدن طالبت بعودة أصحاب المصارف اليهود باعتبارهم أكثر تساهلاً ورفقاً من نظرائهم المسيحيين. واشترطت رافنا، في معاهدة مع البندقية، وجوب إرسال ماليين يهود إليها لفتح حسابات مصرفية للنهوض بالزراعة والصناعة(30).
وأضافت الروح القومية نغمة جديدة إلى أنشودة البغض والكراهية. وذهبت كل أمة إلى أنها بحاجة إلى وحدة عرقية ودينية. وطالبت بامتصاص اليهود فيها أو تحولهم عن دينهم. وكانت عدة مجالس كنسية، كما كان بعض البابوات يكرهون اليهود بشكل يتسم بالعدوان. وحرم مجلس فيينا (1311) أي تعامل بين المسيحيين واليهود. واستن مجلس زمورا (1313) قاعدة بأن يبقوا في حالة خضوع وعبودية صارمة. وجدد مجلس بال (1431-1433) القوانين الكنسية التي تحرم على المسيحيين معاشرة اليهود، أو خدمتهم، أو استخدامهم كأطباء، وأصدرت التعليمات إلى السلطات المدنية بعزل اليهود في أحياء مستقلة، وإلزامهم بوضع شارة مميزة، والتحق من حضورهم عظات تهدف إلى تحويلهم عن دينهم(31). ولم يطق البابا يوجينيوس الرابع، الذي كان في نزاع مرير مع مجلس بال، أن يتفوق عليه هذا المجلس في إزعاج اليهود، فأكد التجريد من الحقوق الذي وضعه هذا المجلس، وأضاف أنه يجب ألا يكون اليهود مؤهلين لأية وظيفة عامة، وألا يرثوا أية ممتلكات مسيحية، وألا يشيدوا مزيداً من المعابد، وأن يقبعوا في دورهم خلف الأبواب والنوافذ المغلقة




صفحة رقم : 8930




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود


في أسبوع الآلام، (احتياط حكيم ضد عنف المسيحيين)، أضف إلى ذلك أنه لا يعتد قانوناً بشهادة اليهود ضد المسيحي. وشكا يوجينيوس من أن بعض اليهود افتروا على يسوع ومريم في أحاديثهم. ويحتمل أن هذا كان صحيحاً(32). فإن الكراهية تولد الكراهية. وأصدر يوجينيوس بعد ذلك موسوماً آخر يقضي بأنه وجد يهودي يقرأ التلمود، فلابد من مصادرة أملاكه. وفوض البابا نيقولا الخامس القديس يوحنا كابسترانوا (1447) ليراقب أن كل مادة في هذا التشريع المذل توضع يده على ممتلكات أي يهودي تولى علاج فرد مسيحي(33).
وعلى الرغم من كل هذه المراسيم كان سلوك جمهور المسيحيين مع اليهود يتسم بتلك الروح الطيبة التي تسيطر على كل الناس تقريباً، رجالاً ونساء. بل وعلى الحيوانات، إذا لم يعترض سبيلهم أو يمس مصالحهم شيء. ولكن من الجائز أن يوجد في معظم الجماعات أقلية لا تتورع عن ممارسة أعمال القسوة إذا أمكن القيام بها مع الإفلات من العقوبة بصفة جماعية. ومن هذا القبيل جماعة "الباستير"، وقد نشئوا كرعاة مرتبطين بالأرض المقدسة، وجذبوا أنظار الدهماء من الناس لدى مرورهم بفرنسا (1320)، فقد عقدوا العزم على قتل كل من يصادفهم من اليهود الذين رفضوا التعميد. وفي تولوز اعتصم نحو 500 من اليهود بأحد الأبراج، فحاصرهم حشد هائج من الغوغاء، وخيروهم بين التعميد أو الموت، وحاول محافظ المدينة عبثاً إنقاذهم. ولما أدرك اللاجئون أن المقاومة ضرب من المحال، أمروا نفراً من الأقوياء فيهم بأن يذبحوهم. وقيل إنهم جميعاً بهذه الطريقة لقوا حتفهم فيما عدا واحداً، عرض الإبقاء على حياته، مع الإذعان للتعميد، ولكن الحشد الثائر مزقه إرباً. وبمثل هذه الطريقة استأصل نحو 120 جالية يهودية في جنوب فرنسا وشمال أسبانيا ولم يخلفوا وراءهم إلا بقية معدمة(34). وفي 1321 أحرق في شينون




صفحة رقم : 8931




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود


120 يهودياً بتهمة تسميم الآبار(35)، وفي 1336 أعلن أحد المتعصيين الألمان أنه تلقى الوحي من عند الله يأمره بقتل اليهود ثأراً لموت المسيح، فجمع حوله نحو خمسة آلاف من الفلاحين، أطلقوا على أنفسهم اسم Armleder نسبة لشريط من الجلد ربطوه حول أذرعهم، وجلسوا خلال الألزاس وأراضي الراين، وقتلوا كل يهودي عثروا عليه. واجتاحت حمى القتل بافاريا وبوهيميا ومورافيا والنمسا (1337) وحاول البابا بندكت الثاني عشر وقفها دون جدوى، ولكن في راتسبون وفيينا فقط أمكن حماية اليهود بطريقة فعالة، أما في الأماكن الأخرى فقد عذب الآلاف من اليهود وقتلوا(36).
وكان الموت السود كارثة خاصة حلت باليهود في العالم المسيحي. لقد أودى الطاعون نفسه بحياة المغول والمسلمين في آسيا،وهناك لم يفكر أحد في إلقاء اللوم على اليهود، ولكن في أوربا الغربية حيث جن جنون الأهالي لهول الوباء وما أحدثه من دمار، اتهم اليهود بتسميم الآبار في محاولة لاستئصال المسيحيين. ونسج الخيال المسعور كثيراً من التفاصيل. فقيل بأن يهود طليطلة أرسلوا رسلهم بصناديق ملآى بالسم الذي صنعوه من السحالي والعظاءات (نوع من الزواحف) وقلوب المسيحيين، إلى جميع الجاليات اليهودية في أوربا، مع توجيهات بإلقاء هذه السموم المركزة في الآبار والعيون.ودمغ الإمبراطور شارل الرابع هذا الاتهام بالسخف الذي لا يعقل، وكذلك فعل البابا كليمنت السادس(37)، وأيد كثيرون من عمد المدن والمجالس البلدية هذا الرأي، ولكن ذلك كله لم يأت بنتيجة تذكر، وساد بين المسيحيين اعتقاد باطل بأن الطاعون لم يكن يمس اليهود بسوء. وربما كانت الحمى في بعض المدن أقل فتكاً باليهود منها بالمسيحيين. تبعاً لاختلاف القوانين الصحية والرعاية الطبية(38), ولكن في بعض الأماكن مثل فيينا، راتسبون، أفنيون، روما، عانى اليهود من الطاعون ما عانى




صفحة رقم : 8932




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود


المسيحيون(39)، ومع ذلك عذب اليهود حتى اعترفوا بتوزيع السم(40). وأغلق المسيحيون آبارهم وعيونهم، وشربوا ماء المطر أو الثلج المذاب، وانتشرت المذابح الرهيبة في فرنسا وأسبانيا وألمانيا. وفي إحدى المدن في جنوب فرنسا ألقيت الجالية اليهودية بأسرها في النار. وأحرق كل اليهود في سافوي، وحول بحيرة ليمان وفي برن وفريبورج وبروكسل. ومرة أخرى استنكر كليمنت السادس هذا الإرهاب وهذه التهمة, وأعلن براءة اليهود، وأشار إلى أن الطاعون كان شديداً حيث لا يوجد يهود، قدر شدته في أي مكان آخر، وحث رجال الدين على أن يكبحوا جماح الناس في أبرشياتهم، وحرم من الكنيسة كل من قتل اليهود أو اتهمهم ظلماً وافتراء، ولكن في ستراسبورج، على أية حال، شارك الأسقف في توجيه الاتهام، وحرض المجلس البلدي، على كره من المجلس، على أن ينفى كل اليهود. ورأى الجمهور أن هذا الإجراء معتدل، فطرد المجلس وعين مجلساً غيره، أمر بالقبض على كل اليهود في المدينة، وهرب بعض هؤلاء إلى الريف ولكنهم لقوا حتفهم بأيدي الفلاحين. وبقى ألفان من اليهود في المدينة فأودعوا السجون، وفرض عليهم التعميد، فأذعن نصفهم، ورفض الباقون فأحرقوا (14فبراير 1439). وبلغ مجموع من أبيدوا نحو 510 جاليات يهودية في أوربا المسيحية نتيجة هذه المذابح(41). وهلك عدد أكبر من ذلك، ففي سرقسطة على سبيل المثال، عاش واحد من بين كل خمسة من اليهود بعد الموت الأسود وما صحبه من اضطهادات(42). وقدر لي Lea أن 3000 من اليهود قتلوا في أرفورت، 12000 في بافاريا(43). وفي فيينا بناء على نصيحة الحبر جونة Jonah تجمع كل اليهود في المعبد وقتلوا أنفسهم بأيديهم، وحدث مثل هذا الانتحار الجماعي في ورمز، أوبنهايم، كرمز Krems، فرانكفورت(44). وحمل الذعر آلافاً من اليهود على الفرار من أوربا الغربية إلى بولندة أو تركيا. وقد يكون من




صفحة رقم : 8933




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود


العسير أن نعثر، قبل زماننا أو في سجلات للوحشية، على أية أعمال أشد وحشية من قتل اليهود بالجملة في الموت الأسود.
وزحف اليهود الذين عمروا بعد الموت الأسود، وئيداً إلى المدن التي كانت قد سلبتهم، وأعادوا بناء معابدهم، ولكن اشتد شعور الكراهية نحوهم، حيث نسب الخطأ إليهم. وفي 1385 أودع السجون كل اليهود في مدن "العصبة السوابية" وعددها36 مدينة، ثم أطلقوا سراحهم على شريطة إلغاء كل الديون التي لليهود، ونال هذا الإجراء كل الرضا في نورمبرج بصفة خاصة لأنها كانت قد اقترضت منهم ما يعادل نحو 700.000 دولار(45). وفي 1389 ذبح عدد من اليهود بتهمة أنهم كانوا قد انتهكوا قدسية قربان مكرس. وبنفس التهمة أحرق 14 يهودياً في بوتزن (1399)(46). ولأسباب مختلفة طرد اليهود من كولون (1424)، ومن سيبير Speyer (1435)، ومن ستراسبورج وأوجزبرج (1439)، ومن ورزبرج (1498)، ومن أولم (1499). وأقر مكسيمليان الأول طردهم من نورمبرج على أساس أنهم "قد كثر عددهم وأنهم بفضل معاملاتهم الربوية وضعوا أيديهم على ممتلكات كثير من أفاضل المواطنين، وجروهم إلى مهاوي البؤس والعار"(47). وفي 1446 أودع كل اليهود في نطاق براندنبرج السجون وصودرت بضائعهم باتهامات دمغها ستيفن أسقف المدينة بأنها تخفي وراءها الجشع والطمع، "لقد تصرف تصرفا جائراً أولئك الأمراء الذين دفعهم جشعهم المفرط إلى القبض تصرفاً جائراً أولئك في غياهب السجون دون مبرر عادل. وهم يرفضون أن يعوضوهم عما ابتزوا منهم"(48). وفي 1451 فرض نيقولا كاردينال كوزا, وهو من أكثر الرجال استنارة في القرن الخامس عشر، على اليهود المقيمين في حدود ولايته وضع الشارة. وبعد ذلك بعامين بدأ يوحنا كابسترانو بوصفه ممثلاً للبابا نيقولا الخامس،




صفحة رقم : 8934




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود


مهمته في ألمانيا وبوهيميا ومورافيا وسيلزيا وبولندة. واتهم في عظاته الملتهبة اليهود بقتل الأطفال وتدنيس القربان، وهي اتهامات كان قد دمغها البابوات بأنها خرافات قتالة. وأخرج أدواق بافاريا كل العبرانيين من دوقيتهم بعد أن ألهبهم "سوط اليهود". هذا. أما جودفري أسقف ورزبرج الذي كان قد منح اليهود امتيازاتهم كاملة في فرانكونيا، فإنه عاد الآن فنفاهم، وفي المدينة تلو المدينة قبض عليهم وألغيت كل الديون التي كانت لهم. وفي برسلار سجن عدد من اليهود بناء على طلب كابسترانو, وأشرف هو بنفسه على التعذيب الذي انتزع من بعضهم أي اعتراف أمر كابسترانو بالإدلاء به، وعلى أساس هذا الاعتراف أعدم أربعون منهم حرقاً (2 يونية 1453). ونفى اليهود الباقون، ولكن أطفالهم انتزعوا منهم وعمدوا بالقوة(49). وضم كابسترانو إلى القديسين 1690.
وإن محنة اليهود في راتسبون لتوضح حقيقة هذا العصر. فقد زعم هانز فوجل، وهو يهودي تنصر أن أحد الأحبار واسمه إسرائيل برونا، في الخامسة والسبعين من العمر كان قد ابتاع منه طفلاً مسيحياً وقتله، ليستخدم دمه في أحد الطقوس اليهودية. وآمن الناس بصحة الاتهام، وتعالت صيحاتهم مطالبين بعقوبة الموت للحبر العجوز. وألقى الإمبراطور فريدريك الثالث بالإفراج عنه. ولم يجرؤ المجلس على الامتثال للأمر، ولكنه قبض على فوجل، وأبلغه أنه لا مناص عن موته، وطلب إليه أن يعترف بخطاياه. فأقر أن برونا بريء، وأفرج عن الحبر. ولكن ترامت الأنباء إلى راتسبون عن اعتراف بعض اليهود تحت وطأة التعذيب بقتل طفل مسيحي في ترنت. وهنا نشا من جديد الاعتقاد بصحة اتهام فوجل، فأمر المجلس باعتقال كل يهود راتسبون ومصادرة بضائعهم، وتدخل فرديك، وفرض على المدينة غرامة قدرها ثمانية آلاف جيلدر، ووافق المجلس على إطلاق سراح اليهود




صفحة رقم : 8935




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود


إذا دفعوا هذه الغرامة، وفوقها مبلغ 10 آلاف جيلدر بصفة كفالة (250.000 دولار؟). فأجاب اليهود بأن هذا المبلغ (18.000 جيلدر) يزيد على كل ما تبقى لهم من ممتلكات، ومن ثم يتعذر عليهم دفعه. وقضوا في السجن عامين آخرين. ثم أطلق سراحهم بعد أن أقسموا اليمين بألا يغادروا راتسبون وألا يحاولوا الانتقام. على أن رجال الدين أهاجوا الشعور لطردهم وهددوا بالحرمان من الكنيسة كل تاجر يبيع اليهود شيئاً. ولم يبق في سنة 1500 سوى 24 أسرة يهودية، وطرد هؤلاء في 1519(50).
ووصف طرد اليهود من أسبانيا، فيما أسلفنا من قبل، بأنه عملية مهمة بالنسبة لتاريخ تلك البلاد. وتجدد في البرتغال اضطهادهم عندما سمح البابا كليمنت السابع، بتحريض من شارل الخامس، للأساقفة البرتغاليين بإنشاء محكمة التفتيش (1531) بقصد فرض الشعائر المسيحية على "المسيحيين الجدد"، ومعظمهم من اليهود الذين كانوا قد عمدوا رغم إرادتهم. وطبق قانون توركيمادا الصارم، وبثت العيون والأرصاد لملاحظة ارتداد أي من المتنصرين إلى شيء من الطقوس الدينية اليهودية، وسجن الألوف من اليهود، وحرمت عليهم الهجرة، لأن مهامهم الاقتصادية كانت لا تزال ضرورية للاقتصاد البرتغالي. وحرم على المسيحيين شراء شيء من أملاك اليهود منعاً لهم من الهرب، وأرسل مئات من هؤلاء إلى المحرقة لمحاولتهم مغادرة البلاد، وصعق كليمنت لهذه الإجراءات، وربما أثرت فيه هدايا اليهود، فأبطل سلطة محكمة التفتيش البرتغالية، وأمر بإطلاق سراح كل من أمرت بسجنهم، وإعادة بضائعهم المصادرة. ونص مرسومه الصادر في 17 أكتوبر 1532 على بعض مبادئ إنسانية للتعامل مع المرتدين عن المسيحية.


لما كانوا قد سيقوا إلى التعميد قسراً، فلا يجوز أن يعتبروا أعضاء




في الكنيسة. وإن في معاقبتهم على الهرطقة والانتكاس




إلى شعائرهم الأولى، خرقاً لمبادئ الإنصاف والمساواة،






صفحة رقم : 8936




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود




والأمر يختلف فيما يتعلق بأبناء وبنات الموارنة الأولين فإنهم




يتبعون الكنيسة كأعضاء مختارين غير مكرهين. وبما انهم




نشأوا في أحضان أقرباء لهم من اليهود، وشاهدوا هذا




النموذج ماثلاً دوماً تحت بصرهم، فإنه من القسوة أن




نعاقبهم بمقتضى قانون الكنيسة، بتهمة التردي في أساليب




اليهود ومعتقداتهم. إنهم يجب أن يظلوا في أحضان




الكنيسة بالمعاملة الحسنة(51).


ويتبين أن كليمنت كان مخلصاً من رسالة بها عند ما شعر بدنو أجله، إلى القاصد الرسولي في البرتغال في 26 يوليو 1534، يأمره بالإسراع بإطلاق سراح المسجونين المرتدين(52).
وتابع البابا الثالث بذل الجهد لمعاونة اليهود البرتغاليين، وأطلق سراح 1800 من المسجونين، ولكن عندما عاد شارل من حملته التي كانت في ظاهرها ناجحة ضد تونس، طالب، مكافأة له، بإعادة محكمة التفتيش في البرتغال، ووافق بول على كره منه (1536)، ولكن بشروط بدا للملك جون الثالث أنها تنسخ موافقته - منها ضرورة مواجهة المتهم بمن اتهمه. وإثبات حق المحكوم عليه في استئناف الحكم أمام البابا. وساعد مرتد متعصب المحققين بأن علق على جدران كاتدرائية لشبونة إعلاناً جريئاً جاء فيه: "أن المسيح المخلص لم يظهر بعد، وأن يسوع ليس هو المخلص، وأن المسيحية محض افتراء"(53). ولما كان من الواضح أن مثل هذه العبارات قصد بها إيذاء اليهود، فإن لنا أن نرتاب بحق في أحد العملاء المحرضين. وعين بول لجنة من الكاردينالات لفحص إجراءات محكمة التفتيش البرتغالية. وقد جاء في تقريرها:


إذا اتهم مسيحي زائف - وغالباً ما يكون ذلك عن طريق




شهود مفترين - ساقه المحققون إلى منعزل موحش لا يرى






صفحة رقم : 8937




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود




فيه أرضاً ولا سماء، وأقل ما يقال إنه لا يخاطب فيه




صديقاً يواسيه أو يسعفه. ويتهمونه بمقتضى شهادة غامضة




ولا ينبئونه بالزمان أو المكان الذي اقترف فيه الجريمة التي




يحاكم من أجلها. ويسمح له فيما بعد باختيار محام عنه




غالباً ما يقوده إلى طريق المحرقة، بدلاً من الوقوف إلى




جانبه والدفاع عن قضيته.دع مخلوقاً منكود الحظ يقر




بأنه مسيحي مؤمن حقاً، وينكر إنكاراً قاطعاً الخطايا التي




سيقت لاتهامه، فإنهم يسلمونه إلى النار، ويصادرون




بضاعته. أو دعه يدفع بأنه مذنب في كذا وكذا من




الأعمال، ولو أنها ارتكبت عن غير قصد، فإنهم يعاملونه




بالطريقة نفسها، مدعين بأنه ينكر عناداً نياته ومقاصده




السيئة. أو دعه يعترف اعترافاً كاملاً صريحاً بصحة ما




اتهم به، فإنهم يسومونه أشد ضروب الحرمان، ويحكمون




عليه بالبقاء في زنزانة كئيبة مظلمة لا يرى فيها النور، ويسمون




هذا "معاملة المتهم بالرحمة والرأفة والبر المسيحي" وحتى




الذين يفلحون في إثبات براءتهم يحكم عليهم بدفع غرامة، حتى




لا يقال إنه قبض عليهم بلا سبب. أما المتهمون المودعون في السجون




فإنهم يعذبون بكل آلات التعذيب حتى يقروا بما وجه إليهم




من اتهامات. وكثيرون يقضون نحبهم في السجن. أما




الذين يطلق سراحهم. فإنهم هم وذوي قراهم يدمغون




العار الأبدي(54).


لقد أرهقت التطورات السياسية البابا بول، وأقض مضجعه خطر فقدان أسبانيا والبرتغال، كما كان البابا قد فقد ألمانيا، والبابا كليمنت إنجلترا، ولكن بول على الرغم من ذلك بذل قصارى جهده للتخفيف من حدة محاكم




صفحة رقم : 8938




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> على السفود


التفتيش، ولكن الإرهاب كان يستشرى يوماً بعد يوم، حتى وجد يهود البرتغال، بكل وسيلة يائسة، مهرباً من مضيفيهم، وانضموا إلى إخوانهم في أسبانيا سعياً وراء ركن يقبعون فيه بالعالم المسيحي أو أرض الإسلام، ويمكن أن يحتفظوا فيه بشريعتهم مع الإبقاء على حياتهم.




صفحة رقم : 8939




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الشتات الثاني



3- الشتات الثاني


إلى أين يذهب اليهود؟ إن جزيرتي سردينيا وصقلية اللتين كانوا قد قطنوا فيهما لمدة ألف سنة من قبل، قد شملهما، بالإضافة إلى أسبانيا، المرسوم الذي أصدره فريناند بطردهم. وما جاءت 1493 حتى كان آخر يهودي قد غادر بالرمو. وفي نابولي استقبل فرانت الأول والإخوان الدومينيكان والجالية اليهودية المحلية، آلاف اللاجئين بالترحاب. ولكن شارل الخامس أصدر في سنة 1540 مرسوماً بطرد اليهود من نابولي.
وكان في جنوة لزمن طويل قانون يحدد دخول أعداد إضافية من اليهود. ولما وصل المرتدون من أسبانيا 1492، لم يسمح لهم بالبقاء لأكثر من بضعة أيام قليلة. ولقد وصفهم مؤرخ جنوي بأنهم أشباح بالغة الهزال والشحوب والنحول، عيونهم غائرة، ولا يفرقهم عن الموتى سوى قدرتهم على الحركة"(55). ومات الكثير منهم جوعاً، وحملت الأمهات أطفالاً موتى، وباع بعض الآباء أبناءهم ليدفعوا أجر الانتقال من جنوى. واستقبل نفر قليل من المنفيين في فيرارا، ولكن طلب إليهم أن يضعوا شارات صفراء(56) وربما كان هذا بمثابة احتياط ضد انتشار المرض.
وكانت البندقية لعهد طويل مأوى لليهود. وكم من محاولات كانت قد بذلت لإخراجهم منها (1395-1487) ولكن السناتو تولى حمايتهم لأنهم كانوا يسهمون إسهاماً هاماً في الاقتصاد والمال، ويتولون الجزء الأكبر من تجارة الصادرات في البندقية، وكانوا نشيطين في استيراد الصوف




صفحة رقم : 8940




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الشتات الثاني


والحرير من أسبانيا، والتوابل واللؤلؤ من الهند(57). ولفترة طويلة كانوا يقطنون، بمحض اختياراهم الحي الذي سمي باسمهم (حي اليهود). وفي 1516 وبعد تشاور مع زعماء اليهود، قضى السناتو بأن يقطن كل اليهود، فيما عدا نفر قليل مرخص لهم بصفة خاصة، في قطاع من المدينة عرف باسم Ghetto أي حي خاص، والظاهر أن هذا اللفظ مأخوذ عن كلمة getto، أو مسبك كان هناك(58). وأمر السناتو كل اليهود المرتدين بمغادرة البندقية، وقد شجع المسيحيون المنافسون هذا الإجراء. على أن بعض التجار المسيحيين عارضوه لأنه يهدد بفقدان أسواق معينة، وخاصة في العالم الإسلامي، ولكن شارل الخامس استخدم كل نفوذه في الموضوع، ونفذ مرسوم الطرد(59). على أنه لم يمض وقت طويل حتى زحف التجار اليهود إلى البندقية ثانية، وحل المنفيون من البرتغال محل اليهود المتنصرين الذين طردوا، وأصبحت اللغة البرتغالية لبعض الوقت هي لغة اليهود البنادقة.
واستقبل البابا الإسكندر استقبالاً كريماً في رومه كثيراً من المنفيين من شبه جزيرة إيبيريا، وازدهرت أحوالهم في عهد جوليوس الثاني، وليو العاشر، وكليمنت السابع، وبول الثالث. وأباح كليمنت للمرتدين ممارسة الطقوس اليهودية في حرية تامة، مؤمناً بأنهم غير ملزمين بأي تعميد إجباري(60). وفي أنكونا، ثغر الولايات البابوية على الأدرياتيك، حيث كان اليهود عنصراً نشيطاً في التجارة الدولية، أنشأ كليمنت مأوى لليهود الذين أعلنوا عن ديانتهم وضمن لهم عدم التحرش بهم. أما بالنسبة للبابا بول الثالث فيقول الكاردينال سادوليتو: "لم يغدق أي من البابوات على المسيحيين من التكريم والحفاوة والامتيازات والمنح مثل ما أغدق بول الثالث على اليهود. إنهم لم يحظوا بالمساعدة فقط بل إنهم تزودوا كذلك عملياً بالمنافع والامتيازات(61)". وشكا




صفحة رقم : 8941




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الشتات الثاني


أحد الأساقفة من أن اليهود المرتدين عند دخولهم إلى إيطاليا أسرعوا بالعودة إلى ممارسة الطقوس اليهودية وختان أطفالهم المعمدين، تحت بصر البابا والأهالي، في الغالب. وتحت ضغط هذه الانتقادات أعاد بول محاكم التفتيش في رومه (1542)، ولكنه، وقف إلى جانب المرتدين طوال حياته(62).
وتحول خلفاؤه - وقد ضيقت عليهم الخناق انتكاسة عن أساليب الرفق واللين التي سادت عصر النهضة - تحولوا إلى سياسة إزعاج اليهود وإقلاق بالهم. وطبقت المراسيم البابوية القديمة. وفرض بول الرابع (1555-1559) على كل معبد أن يسهم بعشرة دوكات (250دولار؟) في إقامة دار للمتنصرين ليتلقى فيها اليهود تعاليم المسيحية. وحرم عل اليهود استخدام خدم أو مرضعات مسيحيات أو علاج مرضى مسيحيين، أو أن يبيعوا المسيحيين شيئاً غير الملابس القديمة، أو أن يقيموا مع المسيحيين أية معاملات أو علاقات ممنوعة. وما كان لهم أن يستعملوا إلا التقويم المسيحي. وهدمت كل معابد اليهود في رومه إلا واحداً، وحرم على اليهودي أن يمتلك عقاراً، وإذا كان لأحد منهم أي عقار فعليه أن يبيعه في بحر ستة شهور، وبهذه الطريقة استطاع المسيحيون أن يشتروا بما يعادل 500.000 كراون (12.500.000 دولار) من أملاك اليهود بخمس قيمته الفعلية(63). وانحصر كل اليهود الذين بقوا آنذاك في رومه (1555) في حي منعزل عاش فيه عشرة آلاف شخص في كيلومتر مربع فقط، وشغلت عدة أسرات حجرة واحدة. وتعرض الحي، بسبب انخفاض مستواه، للفيضان الدوري لنهر التيبر، حتى جعل من هذه البقعة مستنقعاً ملوثاً بالطاعون(64). وأحيط الحي بأسوار كئيبة تغلق أبوابها في منتصف الليل وتفتح عند الفجر، فيما عدا أيام الأحد والعطلات المسيحية فإنها تظل مغلقة طوال اليوم. وألزم اليهود بأن يلبسوا خارج هذا المعزل زياً مميزاً - للرجال




صفحة رقم : 8942




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الشتات الثاني


قبعة صفراء، للنسوة خمار أو شارة صفراء - وأقيمت أحياء منعزلة مثل هذا في فلورنسا وسيينا؛ وبمرسوم من البابا في أنكونا وبولونيا، وكانت تسمى هناك Enferno(65) (الجحيم). واصدر بول الرابع أمراً سرياً بوضع كل المرتدين في انكونا في سجون محكمة التفتيش وبمصادرة بضائعهم. وأحرق هناك أربعة وعشرون رجلاً وامرأة واحدة أحياء بتهمة أنهم هراطقة مرتدون (1556)(66) وأرسل سبعة وعشرون يهودياً للتجديف على السفن الشراعية إلى الأبد(67). وكان هذا بالنسبة ليهود إيطاليا انتقالاً من عصر ذهبي إلى شفق شاحب.
وتسللت حفنة من اللاجئين اليهود إلى فرنسا وإنجلترا على الرغم من القوانين التي تنص على إبعادهم. وكانت ألمانيا كلها تقريباً مغلقة في وجوههم. وقصد كثيرون إلى أنتورب، ولكن سمح لنفر قليل منهم فقط بالإقامة لمدة تزيد على شهر. وأسس ديوجومنديس - وهو برتغالي مرتد - في أنتورب فرعاً للبنك الذي كانت أسرته قد أسسته في لشبونة. وفي 1532 لاقى من النجاح ما حدا مجلس أنتورب على القبض عليه مع خمسة عشر آخرين بتهمة ممارسة اليهودية. وتدخل هنري الثامن الذي استخدم منديس وكيلاً مالياً، وأطلق سراح ثلاثة عشر، بعد دفع غرامة فادحة، وهذا هو "الغرض الأسمى" من كل حالات القبض. وانتقل اليهود الآخرون إلى أمستردام حيث كان من الممكن أن تنتعش أحوالهم بعد تحرر هولندة من نير أسبانيا سنة 1589.
أما هؤلاء اللاجئون الذين التمسوا مأوى في الأراضي الإسلامية التي لا تخضع مباشرة لسيطرة سلطان تركيا، فقد صاروا إلى حالة أحسن بقليل منها في العالم المسيحي. وأطلق المغاربة النار على اليهود الذين حاولوا أن يحطوا رحالهم في أوران والجزائر وبوجيا، ولقي عدد وفير منهم حتفهم. ولما منعوا من الدخول إلى المدن أقاموا معزلاً مرتجلاً من الأكواخ من خشب الأشجار، وشبت النيران في أحد الأكواخ، فالتهمت المستوطنة عن آخرها




صفحة رقم : 8943




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الشتات الثاني


مع كثير من اليهود، أما الذين قصدوا إلى فاس فقد وجدوا الأبواب موصدة دونهم، فاحتلوا بعض الحقول وعاشوا على الأعشاب وجذور الشجر، وقتل الأمهات أطفالهن خيراً من أن يرينهم يموتون جوعاً. وباع الآباء أبناءهم في مقابل قطعة من الخبز. وأنى الطاعون على مئات من الأطفال والشبان. وهاجم القراصنة وسرقوا الأطفال ليبيعوهم بيع الرقيق(68). ومزق القتلة أجسام اليهود عساهم يعثرون على مجوهرات اعتقدوا أن اليهود قد ابتلعوها(69). وبعد كل هذه المصائب والكوارث، أنشأ الذين عمروا بعدها، في شجاعة لا تصدق، في ظل ألوان من الضعف والعجز لا نهاية لها، جاليات يهودية جديدة في المغرب العربي. وفي الجزائر، خاطر سيمون ديوران الثاني بحياته المرة بعد المرة، لحماية المنفيين، وتنظيمهم بشكل يوفر شيئاً من الأمن. وفي فاس أصبح يعقوب بيراب أشهر علماء التلمود في زمانه.
ولقي المنفيون من أسبانيا، استقبالاً إنسانياً في القاهرة تحت حكم سلاطين المماليك والعثمانيين، وسرعان ما سموا إلى زعامة الجالية اليهودية. وألغى سليم الأول وظيفة Nagid "الأمير" وفيها كان يتولى أحد الأحبار تعيين سائر الأحبار، ويشرف على شئون كل اليهود في مصر، وبعد ذلك أصبح لكل جالية يهودية أن تختار حبراً لها وان تتولى شئونها الداخلية بنفسها، وأنهى حبر القاهرة الجديد وهو داود بن أبي زمرة وهو مهاجر أسباني - استخدام التقويم البابلي القائم على تقسيم الزمن إلى فترات - الذي كان يهود أسيا وأفريقية يستعملونه - وحثهم على اقتباس تقويم آخر (كما فعل يهود أوربا في القرن الحادي عشر) وهو تقويم قائم على حساب السنين منذ بدء الخليقة الذي حدد مؤقتاً بعام 3761 قبل الميلاد.
وحيثما ذهب يهود أيبيريا (Sephardic) حظوا بالزعامة الثقافية، والسياسية




صفحة رقم : 8944




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الشتات الثاني


في الغالب، على اليهود المحليين. ففي سالونيك أصبحوا، وظلوا حتى 1918، غالبية عددية بين السكان، حتى أن اليهود غير الأسبان الذين جاءوا ليعيشوا في هذه المدينة، كان لزاماً عليهم أن يتعلموا اللغة الإسبانية. وفي ظل هذه السيطرة اليهودية، كانت سالونيك لفترة من الزمن أكثر المراكز التجارية ازدهاراً في شرق البحر المتوسط.
ورحب السلطان بايزيد الثاني في تركيا باليهود المنفيين، لأنهم أحضروا معهم، على وجه الدقة، تلك المهارات اللازمة للحرف والصناعات اليدوية والتجارة والطب. مما لم تكن تركيا قد توسعت فيه وطورته إلا في أقل الحدود. وقال بايزيد عن فرديناند الكاثوليكي: "إنكم تقولون إن فرديناد ملك حكيم عاقل ذلك الذي أفقر بلاده وأغنى بلادنا"(70). وخضع اليهود، شأنهم شأن غير المسلمين في أرض الإسلام، لضريبة الرأس، ولكن هذه الضريبة أعفتهم من الخدمة العسكرية. وبقي معظم يهود تركيا فقراء، ولكن كثيراً منهم أثرى وسما إلى مراكز النفوذ. وسرعان ما أصبح كل أطباء القسطنطينية تقريباً من اليهود. وكان طبيب سليمان من ذوي الحظوة لديه، إلى درجة أنه أعفاه وأعفى أسرته من كل الضرائب وبرز اليهود في الناصب الدبلوماسية في عهد سليمان، حتى أن السفراء المسيحيين كان لزاماً عليهم أن يتوددوا إليهم تقرباً إلى السلطان. وكان لأنباء اضطهاد اليهود في أنكونا على يد بول الرابع وقع شديد في نفس سليمان، واحتج عليها لدى البابا (9 مارس 1556) وطلب الإفراج عن رعايا تركيا من اليهود في أنكونا، وفعلاً أطلق سراحهم(71). وآوى جراسيا منديزيا، وهو أحد أفراد أسرة منديس الذين اشتغلوا بالأعمال المصرفية، إلى اسطنبول ليجد فيها أخيراً الأمن والطمأنينة، بعد أن أتى كثيراً من أعمال البر




صفحة رقم : 8945




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الشتات الثاني


والخير في أنتورب وفيرارا والبندقية، ولقي جزاء سنمار من الإساءة والأذى.
وفي عهد الأتراك استقبلت الأرض المقدسة مرة أخرى، القوم الذين كانوا قد أضفوا عليها القداسة أول الأمر. ولما كانت القدس مقدسة لدى المسيحيين والمسلمين، قدر ما هي مقدسة لدى اليهود، فإنه لم يسمح بالإقامة فيها إلا لعدد محدود من العبرانيين. أما في صفد في الجليل الأعلى، فقد ازداد عدد اليهود وارتفعت مكانتهم الثقافية بسرعة، حتى أن يعقوب بيراب حاول أن ينشئ هناك جمعية Sonhedrin ، تكون بمثابة هيئة عليا تتولى الحكم بين جميع اليهود. وكانت تلك فكرة جريئة. ولكن اليهود كانوا موزعين في شتى البلاد متباينين في اللغة وطرق الحياة، إلى حد لا يسمح بتوحيد الحكم. وعلى الرغم من ذلك فإن اليهود في أرض الإسلام وفي العالم المسيحي، كانوا في صلواتهم يتضرعون إلى الرب "ليجمع شتاتهم ويلم شملهم من أركان الأرض الأربعة". وفي يوم الكفارة Yom Kippur، وفي يوم الفصح يجتمع اليهود في كل مكان في العالم حول الأمل الذي تشبثوا به فأبقى عليهم وسط المحن، ويرددون: "سنكون في العام القادم في فلسطين"(72).




صفحة رقم : 8946




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> فن البقاء



4- فن البقاء


إن قدرة اليهود على الإقامة من كبوتهم وتخطى المحن التي حلت بهم، لهي إحدى عجائب التاريخ التي تترك في النفس انطباعاً، وهي جزء من المرونة البطولية التي أظهرها البشر عامة بعد كوارث الحياة.




صفحة رقم : 8947




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> فن البقاء


ولم يكن التمييز العنصري أسوأ إهانة لحقتهم، فقد كانوا أكثر أمناً وسعادة فيما بينهم، منهم وسط الجمهور الذي يضمر لهم العداء، والفقر أمكنهم أن يتحملوه لأنهم كانوا ألفوه لعدة قرون، ولم يكن خاصاً بهم، والحق أن فخرهم بالثراء العارض كان أقرب احتمالاً من شعورهم بالفقر الذي عانوه منذ أزمان سحيقة. أما أنكى الجراح، مهما كان الباعث عليه، فهي الشارة أو الزي المميز الذي دمغهم بأنهم محتقرون منبوذون بين الناس. وكتب مؤرخ اليهود العظيم في مرارة يقول:
إن شارة اليهودي كانت بمثابة إغراء للصبية المتشردين بإهانة حامليها وقذفهم بالأوحال، وإيحاء لجموع الرعاع الحمقى بالانقضاض عليهم وإساءة معاملتهم، بل حتى قتلهم، كما هيأت للطبقة العليا فرصة نبذ اليهود ونهبهم أو نفيهم. وأسوأ من هذا العار الخارجي، أثر الشارة في اليهود أنفسهم. فقد اعتادوا أكثر فأكثر على مركزهم الحقير المذل، وفقدوا كل إحساس باحترام الذات. فأهملوا مظهرهم الخارجي... وأصبحوا أكثر فأكثر لا يعنون بحديثهم لأنهم لم يسمح لهم بارتياد دوائر الثقافة، أما فيما بينهم فكانوا يفهمون بعضهم بعضاً برطانة غامضة" وفقدوا كل تذوق للجمال وإحساس به. وأصبحوا إلى حد ما حقراء كما أرادهم أعداؤهم أن يكونوا(73).
إن هذا وصف يتسم بالمبالغة والتعميم أكثر مما ينبغي، فكم من اليهود احتفظوا بكبريائهم وتألقوا في ملابسهم الفاخرة، وإنا لنسمع المرة بعد المرة عن بنات يهوديات اشتهرن بجمالهن، وعن Judisch التي تطورت في القرن السادس عشر إلى لغة ألمانية فيها اقتباسات عبرية وسلافية. كانت تنتج أدباً قوياً متنوعاً حينما كتب جرايتز كتابه "تاريخ اليهود". وعلى




صفحة رقم : 8948




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> فن البقاء


أية حال، فإن أكبر جريمة ارتكبت في تلك القرون هي الحط عمداً من قدر شعب بأسره، وقتل النفس بلا شفقة أو رحمة.
وكان الجزء الذي لا يتجزأ من هذه الجريمة وأساسها، استبعاد اليهود من كل الأعمال والأشغال تقريباً، فيما عدا التجارة والشئون المالية. ولأسباب سبق إيجازها(74)، ولأن الكنيسة كانت تطالب بعشر غلة الأرض المنزرعة، تراجع اليهود أكثر فأكثر عن زراعة الأرض، وأخيراً حرم عليهم امتلاك الأراضي(75). ولما كان محرماً عليهم الانضمام إلى النقابات (التي كانت رسمياً منظمات مسيحية دينية) فإنهم لم يتمكنوا من الدخول إلى عالم الصناعة، وطوقت الاحتكارات المسيحية عملياتهم التجارية. وعلى الجملة وجدوا أنفسهم، في معاملاتهم مع المسيحيين، محدودين بنطاق ضيق من الصناعة والتجارة وتسليف النقود. وفي بعض البقاع كان محرماً عليهم أن يبيعوا للمسيحيين شيئاً سوى البضائع القديمة المستعملة، وفقدوا، بعد القرن الثالث عشر، تفوقهم السابق في عالم المال، ذلك التفوق الذي كان يثير حقد الآخرين وحسدهم، ولكن رأسمالهم السائل، ومعرفتهم بلغات العالم، واتصالاتهم الدولية عن طريق أقربائهم المنتشرين في كل مكان، كل أولئك مكنهم من تحقيق مركز عال في التجارة الأجنبية للدول المسيحية. وكان دور اليهود في هذا المجال هائلاً إلى حد أن الدول التي طردتهم، خسرت الكثير من حجم تجارتها الدولية. أما تلك التي رحبت بهم فكسبت هذا المجال. وهذا سبب واحد، وليس السبب الرئيسي، في أن أسبانيا والبرتغال اضمحلتا، على حين انتعشت هولندة، وفي أن أنتورب أسلمت زعامتها التجارية إلى أمستردام.
وكان لليهود عزاء وإنقاذ في أن تحكمهم، في شئونهم الداخلية، قوانينهم وأعرافهم وأحبارهم ومجالسهم الدينية. ففي اليهودية، كما هو الحال في




صفحة رقم : 8949




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> فن البقاء


الإسلام، نجد الدين والقانون والأخلاقيات شيئاً واحداً لا يتجزأ. فقد اعتقدوا أن الدين يتمشى مع الحياة على طول الخط. وفي 1310 صاغ الحبر يعقوب بن أشر القانون والطقوس والأخلاقيات اليهودية في "أربعة لوائح"، حلت محل "تعاليم الأحبار" التي وضعها ابن ميمون (1170)، مع سجل وضعت فيه كل تشريعات التلمود وأحكام الجيونيم Geonim، واصبحت كلها ملزمة لجميع اليهود في كل مكان. وأصبح كتاب "الجداول الأربعة" المرشد المتفق عليه أية قوانين حبرية أو أحكام حتى 1565،.
وقوضت مصائب القرنين الرابع عشر والخامس عشر أركان التنظيم الاجتماعي لدى اليهود، ومات من الأحبار، كما مات من القساوسة، عدد كبير جداً، في الموت الأسود، ووضعت عمليات الاضطهاد والطرد وحياة اللاجئين، خاتمة للقانون اليهودي. ووجد يهود أيبريا من العسير عليهم أن يتقبلوا لغات وأعراف الجاليات اليهودية التي عرضت انضمامها إليهم، فأقاموا معابد خاصة بهم واحتفظوا بلغتهم الإسبانية أو البرتغالية. ووجدت في كثير من المدن تجمعات منفصلة من اليهود الإسبانيين أو البرتغاليين أو الإيطاليين أو اليونانيين أو الألمان، ولكل طائفة حبرها وعادتها وصدقاتها وأحقادها(76).وفي وسط هذه الأزمة أنقذت الأسرة اليهودية شعب اليهود، فإن الإخلاص المتبادل بين الآباء والأبناء، وبين الأخوة والأخوات هيأ جواً من الاستقرار والأمن. وانتهت قرون الفوضى في الأعراف والعادات اليهودية عندما أصدر الحبر يوسف كارو من صفد كتاب "تنسيق الشريعة Shulchan Aruch" (البندقية 1564-1565)، سجل فيه الدين والقانون والأعراف اليهودية مرة أخرى، ولكن مذ بنى كارو تشريعه على اليهودية الإسبانية أساساً، فإن يهود ألمانيا وبولندة أحسوا بأنه لم بول إلا عناية يسيرة لتقاليدهم وتفسيراتهم للقانون. وأضاف الحبر موسى إسرل Esserles من كراكاو إلى "تنسيق الشريعة" "تنسيق التنسيق" (1571) صاغ فيه




صفحة رقم : 8950




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> فن البقاء


خلافات الأشكنازي مع قانون كارو الذي كان في معظمه أسبانيا. وبهذا التنقيح بقي كتاب "تنسيق الشريعة" حتى وقتنا هذا مرجع اليهود ذوي العقيدة الصحيحة، وكأنه "جستنيان أو بلاكستون" إذا قلت عن اليهودي إنه امتثل لكل التعاليم التي وردت في "تنسيق الشريعة" فهذا ذروة المديح والثناء.
ولما كانت صياغة جرت للقانون اليهودي مبنية على التلمود، فيمكن - أو هل يمكن؟- أن نتصور الذعر الذي تابع به اليهود تقلبات كتابهم المقدس الثاني. وفي القسم الأدبي من التلمود، وهو قسم أقل وثوقاً، ويسمى "هجادة Haggada"، توجد بعض أجزاء تهزأ ببعض معتقدات مسيحية معينة، وقد مهد اليهود المتحولون إلى المسيحية طريقهم إليها بسخريتهم من هذه الأجزاء. ووقف العمل بالتلمود بأسره. وعلى الرغم من هذه الحركات التي بلغت ذروتها في حملة بفركورن على رخلين، شجع ليو الثالث طبع التلمود لأول مرة (الندقية1520)، ولكن جوليوس الثالث دلل على انتهاء عصر النهضة بأن أمر محكمة التفتيش بإحراق نسخ التلمود الموجودة في إيطاليا (1553)، واقتحمت بيوت اليهود، وأخذت آلاف من النسخ، واشتعلت النيران في الهواء الطلق في الكتب اليهودية في رومه وبولونيا ورافنا وفيرارا وبادوا والبندقية ومانتوا. على أن ميلان رفضت الإذعان لمرسوم الإحراق(77). وناشدت الجمعيات اليهودية البابا أن يلغى مرسومه، وظل هو يماطل والكتب تحرق. ولكن بيوس الرابع بأنه يمكن طبع التلمود بعد إخضاعه للرقابة. وبعد ذلك راقب اليهود المنشورات والمطبوعات الخاصة بهم(78).
وبقى "الزهار Zahar" وهو نص "القبالة" اليهودية. سليمان لم يمس بسوء لأن بعض العلماء الكاثوليك ذهبوا إلى أنهم وجدوا فيه أدلة على ألوهية المسيح. وكان الزهار قد كتب 1295 بقليل، بوصفه حلقة من سلسلة




صفحة رقم : 8951




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> فن البقاء


من المؤلفات التي تنقل القبالة أي "التقاليد السرية" لليهود الذين وجدوا أن أماناً من الفقر والاضطهاد والاضطراب العقلي في التأمل في الرموز الخفية الدينية للأرقام والحروف والقراءة العكسية للألفاظ والاسم الذي يفوق الوصف للرب، وهكذا. وتجمع اليهود المحزونون في حلقات خاصة يلتمسون، بالصوم والبكاء وبالتقشف الصارم وبتفسير القبالة، أن ينزل عليهم وحي جديد، فيما يتعلق، فوق كل شيء، بمجيء "المخلص" الذي قد يخلص إسرائيل من كل أحزانها.
إن الذين حاولوا أن يستشعروا العمق الذي لم يسبق له مثيل للآلام التي عاناها اليهود في القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، يمكنهم أن يدركوا مثل هذا اللجوء - الذي يمكن أن يغتفر، إلى التصوف الذي يجدون فيه السلوى والعزاء، وخداع النفس المتكرر الذي يلجأ إليه هؤلاء اليهود البائسون، باعتقادهم أن "المخلص" كان قد جاء بالفعل. وفي 1524 امتطى شاب يهودي عربي وسيم أطلق على نفسه اسم داود روبيني، جواداً أبيض عبر شوارع رومه إلى الفاتيكان، وقدم نفسه إلى البابا كليمنت السابع على أنه شقيق ورسول ملك يهودي قال إنه يحكم في بلاد العرب قبيلة يهودية قديمة تدعى قبيلة روبين. وقال داود إن مليكه لديه 300.000 جندي غير كاملي العتاد، وإذا أمدهم البابا وأمراء أوربا بالسلاح، فإن القبيلة تستطيع عندئذ أن تطرد المسلمين من فلسطين. واهتم كليمنت بالأمر وعامل بالحفاوة التي تليق بمقامه بوصفه سفيراً. وسر يهود روما أن يروا يهودياً يلقى مثل هذا التكريم. وأمدوه بكل ما يحافظ به على صفته الدبلوماسية السامية. ولما تلقى دعوة من جون الثالث ملك البرتغال أبحر مع حاشية كبيرة على سفينة تحمل العلم اليهودي.
وسحر جون بمقترحات داود إلى حد أنه أوقف اضطهاد المنتصرين وجن من الفرح جنون يهود البرتغال الذين عمد معظمهم ضد إرادتهم،




صفحة رقم : 8952




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> فن البقاء


وأعلن كثيرون منهم عن اعتقادهم بأن داود كان هو "المخلص"، وأجرى ديوجو بيرز - وكان قد تنصر وأصبح سكرتيراً للملك، أجرى لنفسه عملية الختان، ليثبت يهوديته، وغير اسمه إلى سليمان مولخو، وأخذ طريقه إلى تركيا وأعلن أن داود هو البشير "المخلص" الذي سوف يصل هو بشخصه في سنة 1540. ولم يكن روبيني قد ادعى أنه المخلص أو البشير بمجيئه، وإنما كان دجالاً حالماً، أراد مالاً وسفناً وأسلحة. وأثار هرب بيرز (مولخو) شكوك الملك جون، فأمر روبيني بمغادرة البلاد، ورحل داود، وأوقف على شاطئ أسبانيا وقبضت عليه محكمة التفتيش. وأمر شارل الخامس، بإطلاق سراح روبيني، مرضاة للبابا كليمنت على ما يبدو. وقصد روبيني إلى البندقية (1530)، واقترح على السناتو وجوب تسليح أوربا، للقيام بهجوم ضد الأتراك.
وفي الوقت نفسه جاء إلى أنكونا، وحصل على جواز مرور من البابا، وتجول في إيطاليا، وبشر باليهودية بحرارة وحماس في روما. ولما سعت محكمة التفتيش إلى القبض عليه، بوصفه منتصراً مرتداً، أنقذه كليمنت وأخرجه سالماً من المدينة. وعلى الرغم من أن ملخو كان قد فقد آنذاك إيمانه بداود روبيني، فإنه انضم إليه في مهمة طائشة إلى راتسبون، حيث توسلا إلى شارل الخامس أن يمد المتنصرين بالسلاح ليحاربوا المسلمين. ولكن شارل قبض عليهما وأحضرهما معه إلى مانتوا. وهناك حكم على ملخو بالإعدام حرقاً. وفي اللحظة الأخيرة صدر عنه عفو إمبراطوري شريطة عودته إلى المسيحية، فأبى ورحب بالاستشهاد (1532). وأرسل روبيني إلى أسبانيا وهناك ألقت به محكمة التفتيش في غيابه السجن، ومات حوالي 1536، والظاهر أنه مات مسموماً، وزحف يهود أوربا كسيري القلوب إلى معازلهم وتصوفهم ويأسهم.




صفحة رقم : 8953




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الفكر اليهودي



5- الفكر اليهودي


ما كان لنا أن نتوقع من عهد "الشتات الثاني" أن ينتج أية ثقافة رفيعة بين اليهود. فقد استنزفت طاقتهم المهمة الوحشية التي واجهوها، مهمة البقاء على قيد الحياة. وتعطل التعليم الذي كانوا قد برزوا فيه وأتقنوه نتيجة للتنقل وانعدام الأمن في الحياة. وعلى حين شقت أوربا المسيحية طريقها إلى النهضة فرحة منتعشة، انصرف يهود أوربا إلى المعزل و"القبالة" وحرمت عليهم "الوصية الثانية" الإسهام في حركة إحياء الفنون. وكان بين اليهود عدد كبير من العلماء، ولكنهم انهمكوا في التلمود. وكان منهم النحويون مثل بروفيات دوران وأبراهام دي بالم. والمترجمون مثل أسحق بن بولكار، الذي نقل مؤلفات الغزالي إلى العبرية، ويعقوب مارتن الذي ترجم ابن سيناء وابن رشد وابن ميمون وليفي بن جرسون إلى اللاتينية. وأزعج إيليا لفيتا اليهود المتدينين بإقناعهم بشكل حاسم (1538) بأن التوراة المزودة بالملاحظات وعلامات الحركة وإشارات الوقف (المازورة Masoretic)، لم تكن أقدم من القرن الخامس الميلادي.
وتوضح ملحمة آل أبرابانل Abrobanels تقلبات الفكر اليهودي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وقد ولد دون أسحق أبرابانل في لشبونة 1437، واستخدمه ألفرنسو الخامس ملك البرتغال وزيراً للمالية. ولكنه جمع بين مشاغله الرسمية والدراسات الدينية والتاريخية، وجعل من داره الرحيبة صالوناً للعلماء ورجال العلم ورجال الأعمال.ولما توفي ألفونسو فقد أبرابانل الحظوة الملكية، وهرب إلى أسبانيا




صفحة رقم : 8954




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الفكر اليهودي


(1484)، وهناك تفرغ إلى كتابة تعليقات على ما دون عن تاريخ الكتاب المقدس، حتى دعاه فرديناند الكاثوليكي ليتولى منصباً. وقضى أسحق ثماني سنوات في تدبير الشئون المالية في قشتالة. وكافح لدرء الكارثة التي حلت باليهود في سنة 1492، فلما أخفق في ذلك، انضم إليهم في خروجهم المحزن. وفي نابلي استخدمته الحكومة. ولكن الغزاة الفرنسيين (1495) نهبوا داره، ودمروا مكتبته الحافلة بنفائس الكتب المنتقاة، وأجبروه على الفرار إلى كورفو. وهناك كتب، ما كان لا بد لأي يهودي أن يكتب في هذه السنوات: "إن زوجتي وأولادي وكتبي بعيدة عني، ولقد تركت وحيداً غريباً في بلد غريب"(79). واتخذ طريقه إلى البندقية، وهناك عين في منصب دبلوماسي (1503). وفي غمرة تقلبات الحظ هذه، وجد فسحة من الوقت ليؤلف بعض أعمال فلسفية ولاهوتية، ليس لها الآن قيمة تذكر. ولكنه وضع المبدأ الذي يقول بأن الأحداث والأفكار التي وردت ي الكتب المقدسة يجب تفسيرها على ضوء الحياة الاجتماعية والسياسية في عصرها. وسمح له بأن يقضي السنوات الست الأخيرة من عمره في أمن وسلام غير مألوفين.
وكان أبناؤه زينة لحياته. فتألق صمويل أبرابانل في سالونيك وعين وزيراً للمالية في نابولي، وحظي بحب قومه لكثرة ما أتى من أعمال البر والخير. أما يهوذا ليون أبرابانل- ليو العبري- فقد زها وسما قدره كطبيب في جنوه ونابلي حتى أصبح مشهوراً مثل شهرة "ليون مديجو". ودرس علوماً كثيرة، وكتب الشعر، وغامر بدراسة ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا). وعين في 1505 طبيباً لجنزالو أمير قرطبة، ولكن بعد ذلك بعامين اختلف "الكابتن الأعظم" مع فرديناند، ولحق ليون بأبيه في البندقية. ولقي كتابه "حوار الحب" (كتب 1502، ونشر في 1535) جمهوراً كبيراً من القراء بين الإيطاليين في عصر النهضة، الذين كان التحليل الفلسفي للحب عندهم




صفحة رقم : 8955




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الفكر اليهودي


بمثابة مقدمة أو لحن مصاحب لانتصارات الحب. إن الجمال الفكري: جمال النظام والتخطيط والاتساق، بسمو على الجمال المادي أو جمال الجسم، هذا ما حاول "الحوار" أن يدلل عليه. إن أسمى الجمال هو النظام والتخطيط والاتساق في الكون،وهذا هو المظهر الخارجي للجمال الإلهي. وينشأ الحب على مراحل: من الإعجاب والسعي وراء الجمال المادي فالجمال الفكري فالجمال الإلهي، ويبلغ ذروته في حب الله فكراً وعقلاً، أي فهم النظام الكوني وتقديره حق قدره، والرغبة في الاتحاد مع الله، وربما كانت مخطوطة هذا الكتاب معروفة لدى كاستليانو الذي أجرى على لسان "بمبو Bembo" حديثاً يهدف إلى مثل هذه الغابة، في "البلاط Cortigiono" (1528) أما الكتاب المطبوع فربما وجد سبيله عبر قرن من الزمان إلى يدي سبينوزا ليتأثر بفكرته عن "الحب العقلي لله"(80).
وفضل يهود البرتغال المشتتون على هذا الحب السماوي، الشعر المنثور المشبوب العاطفة باللغة البرتغالية، في قصيدة أوسك Usque: "عزاء لأحزان إسرائيل" (فيرارا 1553). فقد صور تعاقب الانتصارات والكوارث على الشعب اليهودي، وواساه بأنه لا يزال "شعب الله المختار". فقد عاقبهم الله آثامهم، ولكن آلامهم طهرتهم، ومهما أوتى الإنسان من قوة رهيبة وحشية،فلن يستطيع أحد أن يخدعهم ويصرفهم عن مصيرهم الإلهي إلى السعادة والمجد.
وتراخى اليهود عن الإسهام في حركة العلوم تراخياً لم يكن منه مناص، بسبب الأحداث والتقلبات التي عاناها الشعب، والتي طال أمدها. ولم يكن التعرض للخطر والفقر وعدم الاستقرار، هي وحدها التي عوقت الجهود العلمية، ولكن واحداً من أجل الأحبار وأعظمهم نفوذاً، هو سليمان بن إبراهام بن أدربت، في برشلونه، كان في بداية هذه الفترة، قد حرم - تحت طائلة "الحرم، أو الحرمان الديني"- تدريس العلوم أو الفلسفة لأي




صفحة رقم : 8956




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الفكر اليهودي


يهودي دون الخامسة والعشرين من العمر، على أساس أن مثل هذا التعليم يفسد العقيدة الدينية. وعلى الرغم من ذلك لخص أسحق إسرائيلي الصغر، من طليطلة، علم الفلك في عصره (1320)، ووضح التقويم اليهودي والتسلسل الزمني لتواريخ الأحداث. ووضع عمانويل بونفيس من تاراسكون، جداول فلكية قيمة، واستبق التفاضل والتكامل الأسى والعشري. كذلك فإن إبراهام كرسكاس، من ميورقه، وهو "رئيس الخرائط والبوصلات لحكومة أراجون"، وضع في 1377 خريطة للعالم، إلى حد أن أراجون أرسلتها هدية ثمينة إلى شارل السادس ملك فرنسا، وهي الآن من أثمن ما تقتنيه المكتبة الوطنية هناك. وكان يهوذا كرسكاس، وهو ابن إبراهام سالف الذكر، أول مدير لمرصد هنري الملاح البحري في سجر Sagres، وساعد في رسم خريطة لمكتشفاته. ومهد كتاب بدرو نونز "رسالة عن الكرة الأرضية" الطريق أمام العالم الجغرافي مركيتور Mercator وفن رسم الخرائط الحديث. وحدد كتاب جراسيا دي أورتا عن "العقاقير الطبية" مرحلة متميزة في علم النبات، وأسس طب المناطق الحارة.
وكان أبراهام زاكوتو شخصية عظيمة فذة في مجال العلم عند اليهود في القرن الخامس عشر. وجمع عندما كان يقوم بالتدريس في سلمنقة (1473- 1478) كتابه "التقويم الدائم" وقد استعملت جداوله الفلكية، كدليل للملاحة في رحلات فاسكودا جاما وكابرال وألبوكيرك ثم في رحلات كولمبس بعد 1496. وكان زاكوتو من بين اللاجئين من أسبانيا (1492)، ووجد ملجأ مؤقتاً في البرتغال، وقد استشاره البلاط في الإعداد لرحلة فاسكودا جاما إلى الهند، وكانت السفن مزودة بالإسطرلاب الذي أدخل عليه هو تحسينات. ولكن في سنة 1497 لم يمهله الاضطهاد وقذف به خارج البرتغال كذلك. وأخذ يضرب في الأرض فقيراً معدماً لعدة سنوات حتى




صفحة رقم : 8957




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الفكر اليهودي


انتهى به المطاف في تونس، وهناك تعزى في أخريات حياته بكتابة تاريخ قومه. أما تلميذه يوسف فسنهو Vecinho، طبيب جون الثاني ملك البرتغال، فقد أرسل ليرسم خطوط العرض وانحراف الشمس على ساحل غينيا. وأثبتت الخرائط التي أعدت أنها ذات قيمة كبيرة لفاسكو دا جاما. وكان فسنهو عضواً في اللجنة التي أحال إليها جون الثاني مقترحات كولمبس للبحث عن طريق من الغرب إلى جزر الهند (1484) وشارك في قرار الرفض(81).
وظل الأطباء اليهود أفضل من يجد الناس في البحث عنهم ويلتمسون عندهم البرء في كل أوربا. وعلى الرغم من إزعاجهم بالإدانات والاتهامات الدينية والقيود الرسمية والمخاطرة بحياتهم في معالجة ذوي الشأن من المسيحيين، كانوا ذوي حظوة لدى البابوات والملوك. ولم تكن إضافاتهم آنذاك إلى علم الطب بارزة، باستثناء إضافات دي أورتا إلى طب المناطق الحارة، ولكن أماتوس لوسيتانوس ضرب مثلاً لتقاليد مهنته وتقاليد قومه. وأخرجته محكمة التفتيش من البرتغال التي كان قد أخذ منها اسمه اللاتيني، فعاش متنقلاً من أنتورب إلى فيرارا إلى روما، ثم استقر به المقام في أنكونا (1594) حيث كان كثيراً ما يستدعي لعلاج نفس البابا جوليوس الثالث الذي ناضل من أجل تحطيم التلمود. وكان، حتى آخر حياته، يستطيع أن يقسم أنه لم يكن يهتم قط بالمكافأة ولم يقبل قط أية هدية قيمة، وأنه كان يخدم الفقراء بلا أجر، وأنه لم يكن يفرق في ممارسة مهنته بين مسيحي أو يهودي أو تركي، وأن أية صعاب، مثل بعد المكان أو عدم ملاءمة الوقت، لم تكن لتثنيه عن تلبية أي نداء. وكشفت سجلات عمله (1563) عن سبعمائة حالة كان قد عالجها، وكان الأطباء في كل أوربا يدرسون هذه المذكرات ويقتنونها، ودعا ملك بولندة أماتوس ليكون طبيباً خاصاً له، ولكنه آثر أن يبقى في أنكونا. ولكنه أرغم في 1556 على استئناف تجواله، عندما طالب بول الرابع كل يهود إيطاليا بالتحول إلى المسيحية أو الإلقاء في السجون.




صفحة رقم : 8958




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الفكر اليهودي


وكان للقرار الذي أصدره الحبر ابن أدريت بتأجيل تدريس العلوم والفلسفة لليهود إلى سن الخامسة والعشرين، أثر أقل على الفلسفة منه على العلم، وفي فرنسا أقل منه في أسبانيا. وكان أثر ابن ميمون لا يزال قوياً على اليهود الذين احتالوا على البقاء في جنوب فرنسا وتجاسر يوسف كاسي على كتابة رسائل في المنطق وعلم الأخلاق لتوجيه ابنه، ودافع عن التقليد الفلسفي المتحرر الذي كان ابن ميمون قد عرضه لأول مرة في مؤلفه "دلالة الحائرين" وقد أنجب هذا الضرب من التقليد المتحرر مفكراً يهودياً عظيماً هو ليفي بن جرسون Ben Gerson الذي يعرف عند المسيحيين باسم جرسونيدس، الذي عاش، كما عاش معظم الفلاسفة اليهود، على "الطبابة" أي مهنة الطب، وحقق المثل الأعلى الذي قصده أبقراط في الطبيب الفيلسوف. ولد ابن جرسون في باجنول 1288، في أسرة من العلماء، وعاش معظم سنى حياته في أراجون وبربينان وأفنيون، وانصرف إلى عمله آمناً مطمئناً في ظل حماية البابوات، ولا يكاد يوجد علم من العلوم لم يعالجه أو مسألة فلسفية لم يعرض لها. وكان على علم واسع بالتلمود، وأسهم في رياضيات الموسيقى، ونظم الشعر.
وكان ابن جرسون من علماء عصره اللامعين في الرياضيات والفلك، وفي 1321 استبق الطريقة التي اتبعها فيما بعد موروليكو (1575) وباسكال (1654) في إيجاد عدد التباديل البسيطة لعديد من الأشياء بالاستنتاج الرياضي، ومهدت رسالته في حساب "المثلثات" الطريق أمام رجيومونتانوس، ولقيت تقديراً واسعاً إلى حد البابا كليمنت السادس أصدر تكليفاً بترجمتها إلى اللاتينية، مثل Chordis,de Sinibus و Arcubus (1342). وقد اخترع، أو في الواقع أدخل تحسيناً على العصا التصالبية لقياس ارتفاع النجوم، وبقى هذا طوال قرنين من الزمان نعمة كبرى للملاحة. وقد أجرى ملاحظاته الفلكية الخاصة به، وأظهر




صفحة رقم : 8959




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الفكر اليهودي


مقدرة كبيرة في نقده لطريقة بطليموس. وبحث، ولكنه رفض، الفرضية القائلة بأن الشمس هي مركز الكون بطريقة توحي بأن قلة قليلة من الناس كانت تشايعه في عصره. وهذب آلة التصوير القاتمة واستخدمها مع العصا التصالبية ليحدد، بشكل أدق، الاختلافات في القطر الظاهر للشمس والقمر.
وكما أن علوم بن جرسون نبعت عن الرياضيين والفلكيين العرب، كذلك كانت فلسفته مبنية على دراسة نقدية للتعليقات التي وضعها ابن رشد في شروحه لفلسفة أرسطو. ودون ليفي فيما بين عامي 1319-1321 تعليقاته ابن رشد، استوعب فيها رسائل أرسطو في المنطق والفيزياء والفلك والأرصاد الجوية وعلم النبات وعلم الحيوان وعلم النفس والميتافيزيقا، وأضاف إلى هذه الدراسات بطبيعة الحال قراءاته العديدة المتكررة لابن ميمون. وجمعت فلسفته ومعظم دراساته في العلوم في مؤلف بالعبرية وضع عنوانه بأسلوب عصره "معارك الله"Battles of the Lord (1317-1329)، وهو يأتي في المحل الثاني بعد كتاب ابن ميمون "دلالة الحائرين" في الفلسفة اليهودية في العصور الوسطى، ويتابع محاولة ابن ميمون في التوفيق بين الفكر اليوناني والعقيدة اليهودية. فإذا تدبرنا الجهود المشابهة التي قام بها ابن رشد وتوماس الأكويني للتوفيق بين الإسلام والمسيحية وبين أرسطو، لكدنا نقول بأن أثر أرسطو على لاهوتيات العصور الوسطى كان فاتحة انحلالها وتفسخها، وبداية الانتقال من عصر الإيمان إلى عصر العقل. وسعى جرسونيدس إلى التخفيف من امتعاض المتدينين بالإعلان عن استعداده للتخلي عن أفكاره وآرائه إذا ثبت أنها مناقضة للكتاب المقدس- وتلك حيلة أو مراوغة يلجأ إليها العلماء. على أنه استخدم العقل إلى مدى بعيد، في أبحاثه عن الله والكون وأبدية العالم وخلود النفس، ولما تعارضت نتائجه مع الكتاب




صفحة رقم : 8960




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الفكر اليهودي


المقدس، فسره بعنف أدى بنقاده إلى تغيير اسم مؤلفه إلى "معارك ضد الله"(82). وقال ليفي إنه يجدر بنا ألا نأخذ بالمعنى الحرفي قصصاً مثل قصة يوشع الذي أوقف الشمس، فهذه القصة وأشباهها من "المعجزات"، ربما كانت أحداثاً طبيعية نسيت أو لم تعرف أسبابها(83). وأخيراً أفصح عن مذهبه العقلاني دون قناع، "إن التوراة لا يمكن أن تمنعنا من أن نعتبر حقاً ما يلح علينا عقلنا في الإيمان به"(84).
واشتق جرسونيدس وجود الله مما قد يسميه هولباخ الملحد "نظام الطبيعة" فإن قانون الكون ونظامه يكشفان عن "عقل كوني" ويضيف هو إلى هذا، الحجة الغائية: وهي أن معظم الأشياء في الطبيعة الحية تبدو مخصصة كوسيلة إلى غاية. وتزود العناية الإلهية كل كائن حي بوسائل حماية الذات والتطور والتكاثر. والعالم بوصفه كوناً أو نظاماً، خلق في الوقت المناسب، ولكن ليس من العدم. فقد سبق أن وجدت منذ الأزل كتلة جامدة هامدة لا شكل لها، وزودها الكون بالحياة وبالشكل.وهناك بين الله وبين الأشكال المخلوقة قوة وسيطة سماها جرسونيدس، وهو في هذا يحذو حذو أرسطو، "عقلاً نشيطاً أو خلاقاً". ويوجه انبثاق الذكاء الإلهي كل الأشياء، ويصبح النفس التي يحملها الإنسان بين جنبيه. ولما كانت النفس تعتمد على أحاسيس الإنسان فهي فانية. وبما أنها أي النفس، تفهم الكليات وتعي نظام العالم ووحدته فإنها تصبح قصداً جزءاً من "العقل" النشيط الذي هو خالد.
ورفض اليهود فلسفة جرسونيدس على أساس أنها في جوهرها شكل من فلسفة ابن رشد، عقلانية قد تؤدي في النهاية بالعقيدة الدينية. ودرس المفكرون المسيحيون فلسفته، وتأثر بها اسبينوزا. ولكن قلوب المفكرين اليهود وعقولهم، عبر عنها في إخلاص أكبر، حسداي بن أبراهام كرسكاس




صفحة رقم : 8961




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الفكر اليهودي


الذي كان قد تغذى بلبان "المحافظة" عند سليمان بن أدريت، وقد ولد كرسكاس 1340 في برشلونه، وعاش في فترة اتسمت بالعداء الشديد للسامية، وقبض عليه بتهمة تدنيس القربان، وما لبث أن أطلق سراحه، ولكن ابنه قتل، وهو على وشك الزواج في مذابح 1391. وقوى الاضطهاد من عقيدة حسداي، لأنه بفضلي الإيمان بإله عادل وسماء تعوض عن كل أذى وشر، استطاع أن يحتمل ممتلئة بالجور والآلام. وبعد انقضاء سبع سنوات على استشهاد ابنه، نشر بالأسبانية رسالة حاول فيها أن يفسر للمسيحيين لماذا ينبغي ألا يطلب إلى يهودي أن يتقبل المسيحية. وحاول في كياسة واعتدال أن يدلل على أن مبادئ المسيحية في الخطيئة والتثليث والحبل بلا دنس والتجسد والكفارة وتحول دم القربان إلى دم المسيح ولحمه، تنطوي على تناقضات لا يمكن تجاوزها واستحالات سخيفة مضحكة. ومع ذلك فإنه حين كتب مؤله العظيم "نور الرب" (1410) اتخذ فيه موقفاً كان يمكن أن يدافع المسيحيون من خلاله عن هذه النظريات: ذلك أنه أنكر العقل وألح في إخضاعه للإيمان حسداي حبراً رسمياً ولكنه شارك الأحبار رأيهم بأن الاضطهادات المتكررة كانت عقاباً إلهياً لتعريض الديانة التي جاءت عن طريق الوحي لخلخة عقلانية. وإذا كان قد كتب في الفلسفة، فلم يكن ذلك إعجاباً منه بها، بل لإثبات ضعف الفلسفة والعقل، وتوكيد الحاجة إلى الإيمان والعقيدة. وأنكر محاولات ابن ميمون وجرسون في التوفيق بين اليهودية وأرسطو، وتساءل: من هو ذلك الإغريقي الذي كان على الرب أن يتفق معه؟ واعترض على فكرة أرسطو بأن أسمى صفات الله هي المعرفة، بل هي الحب على الأرجح، لأن الله هو الخير المطلق. وسلم كرسكاس بأن العقل لا يستطيع أن يوفق بين سابق علم الله وحرية الإنسان، ومن ثم يجب ألا نرفض الحرية




صفحة رقم : 8962




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الفكر اليهودي


بل نرفض العقل. وينبغي أن نؤمن بالله، وبالإرادة الحرة والخلود، من أجل طمأنينة نفوسنا وهدوء بالنا وسلامة معنوياتنا، وليس بنا من حاجة إلى الادعاء بإثبات هذه المعتقدات عن طريق العقل. ويجب أن نختار بين عقلنا الفخور الضعيف الذي يزعزع الإيمان ويورث اليأس، وبين إيماننا المتواضع بكلمة الله، التي يمكن عن طريقها وحدها أن نحتمل ألوان المهانة والظلم في الحياة.
وكان كرسكاس آخر هذه الصفوة اللامعة من فلاسفة اليهود في العصور الوسطى، ولم يقدره قومه حق قدره بين عشية أو ضحاها، لأن تلميذه يوسف ألبو أنظار قراء الفلسفة بكتابه الأكثر إمتاعاً "المبادئ الأساسية"، الذي جمع بين ابن ميمون وكرسكاس عن طريق الانتقاء، مما جعله أكثر انسجاماً من أي من الرجلين، مع اليهودية الصحيحة التي لم تكن مستعدة للتسليم بعدم عقلانية الإيمان. وبعد موت ألبو اعتزل اليهود الفلسفة، والتاريخ تقريباً، حتى جاء سبيبوزا. إن المذابح، والاضطرابات، والفقر المدقع، وقيود الإقامة والمناصب، كانت قد حطمت روحهم وأنقصت عددهم إلى أدنى مستوى منذ سقوط أورشليم سنة 70م(85). ووجد الشعب المحتقر المنبوذ له ملجأ في الأغاني الحزينة، وفي رفاق المعبد المواسين، يراودهم الأمل في مغفرة من عند الله، وفي معذرة من أهل الأرض، وفي الجنة التي في السماء. وعكف العلماء بكليتهم على التلمود، وحصروا تفكيرهم في شرح قانون الخلاص، على حين اتبع بعضهم تعاليم "القبالة" فانصرفوا إلى التصوف الذي سما بالبؤس إلى




صفحة رقم : 8963




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الفكر اليهودي


حد التوهم بأنهم يرقون به إلى السماء. وأحجم الشعر اليهودي عن الغناء، ورفعت إثارة منه رأسها بين الحين والحين تتحدى العاصفة، أو تلطف من سخرية القدر، بالمرح الموسوم بالمرارة واللهفة والذكاء المشوب بالالتواء. وما كان لليهود أن يصحوا من سباتهم الطويل الناجع، ويستعيدوا مكانهم في ذهن عالم لا يحده زمان، ولا مكان فيه للعنصرية، حتى يهودي أمستردام المتواضع أن يوحد بين اليهودية والسكولاستية (الفلسفة المدرسية) والديكارتية في إدماج رفيع للدين والعلم.




صفحة رقم : 8964




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد



الكتاب الرابع




ما وراء الستار




الفصل الثالث والثلاثون




حياة الناس




1517-1564




1- الاقتصاد


إن مسرحية الصراع الديني والسياسي الحربي الذي ملأ جبهة القرن السادس عشر، كانت من بعض النواحي سطحية. ذلك أنها لم تظهر إلا انطلاقاً من مسرحية أعمق، مثلت خلف مشاهد التاريخ أو تحت المسرح الفخم- أعنى معركة الإنسان اليومية الأبدية مع التربة والعناصر (الماء والهواء والتراب والنار) والفقر والموت. وماذا كانت، فوق كل شيء هبات ومراسيم البابوات والبروتستانت، والسخافات المتزاحمة في الأساطير القتالة، وزهو الملوك والأباطرة وتعاقبهم، وما كان ينتابهم من أمراض مثل النقرس والزهري، إذا قورن كل أولئك بالكفاح المرير من أجل الغذاء والمأوى والكساء والصحة والزوجة والولد والحياة؟
إن قرى أوربا في تلك الحقبة، كان لا بد لها ليلاً ونهاراً أن تحذر وتحترس من الذئاب والخنازير البرية، أو أي خطر يتهدد قطعانهم




صفحة رقم : 8965




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد


ومساكنهم. لقد عمرت مرحلة الصيد داخل عصر الزراعة، وكان لزاماً على الإنسان أن يقتل أو يُقتل، ويسرت أسلحة الدفاع طريقة (روتين) الكدح والعمل. وكانت آلاف الحشرات ووحوش الغابة وطيور السماء تنافس الفلاح في ثمار غرسه وكده ونصبه، والأمراض الخفية تهلك القسم الأكبر من ماشيته. وربما أصبحت الأمطار سيولاً جارفة أو فيضانات غامرة، وربما انقطعت حتى تذبل الحياة كلها. وكان الجوع دائماً يتربص بالناس، ولم يفارق الخوف من الحريق مخيلتهم قط. وكثيراً ما انتابتهم الأمراض، والأطباء على مسافات بعيدة منهم. وفي كل عشر سنين تقريباً ربما اختطف الطاعون من الأسرة فرداً عزيزاً أو له قيمته عند تعرض الأرض للخطر. وكان يموت في سن الطفولة طفلان من بين كل خمسة أطفال، ويموت ثالث قبل بلوغ(1)، ومرة واحدة على الأقل في كل جيل كان ضابط التجنيد يأخذ أحد الأبناء للجيش، وكانت الجيوش تحرق القرى وتنهب الحقول، وكان عشر المحصول بعد الحصاد يذهب إلى مالك الأرض، وعشر ثان إلى الكنيسة. وكانت الحياة على الأرض تصبح جحيماً لا يحتمله الجسم أو الروح، لولا أن شيئاً من السعادة يتخلل ابتهاج الأطفال وألعاب المساء في البيت، وإطلاق الأغاني ولعب الخمر بالرءوس في الحانات، والأمل نصف المصدق ونصف المشكوك فيه حياة أخرى أكثر رحمة وشفقة. هكذا كان إنتاج الغذاء الذي أطعم البارونات في الحصون والملوك في قصورهم والكهنة في محاريبهم، والتجار والصناع في المدن، والأطباء والمعلمين والفنانين والشعراء ورجال العلم والفلاسفة، وأخيراً، وأقلهم شأناً، رقيق الأرض أنفسهم. فالمدنية عالة على الإنسان الذي يحمل آلة العزق.
وكان علم الزراعة من خصائص هذا الزمان. ونشأ تقدم الإنتاجية أساساً من استبدال الملكية الكبيرة بالملكية الصغيرة. وأدخل مالكو الأرض




صفحة رقم : 8966




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد


الجدد من التجار والرأسماليين إلى البقاع الريفية الراكدة لهفة شديدة على الربح الذي زاد الإنتاج والبؤس كليهما معاً. وأدخل المستوردون المغامرون إلى أوربا مخصباً أو سماداً جديداً غنياً بالفوسفات والنتروجين - وهو روث الطيور الذي يجتمع على شواطئ بيرو. وتأقلمت في تربة أوربا نباتات وشجيرات من آسيا أو أمريكا، مثل البطاطس وشجرة المغنولية (نبات جميل الزهر)، والأغاف الأمريكي، والفلفل والدهلية (زهر جميل)، والكبوسين (أبو خنجر)... وأحضر التبغ من المكسيك إلى أسبانيا 1558. وبعد ذلك بسنة واحدة أرسل جان نيكوت السفير الفرنسي في لشبونة بعض بذوره إلى كاترين دي مديتشي، وقد جزى التاريخ هذا السفير خير الجزاء فأطلق اسمه على أحد السموم.
ونمت صناعة صيد السمك بازدياد السكان، ولكن الإصلاح الديني سدد ضربة قاضية إلى تجار السردين بإباحة اللحوم يوم الجمعة، وتقدم التعدين بالتنظيم الرأسمالي. وكانت نيوكاسل تصدر الفحم في 1549، وضاعف أصحاب المناجم إنتاجها بحث العمال على بذل جهود أعظم وأكثر نظاماً، وتحسين وسائل تنقية المعدن الخام. وفي هذه السطور ينقلنا جورج أجريكولا إلى منجم في القرن السادس عشر:
إن أهم أنواع العمال هم المعدنون، الجرافون، الرافعون، الحمالون، الفرازون، الغسالون، الصاهرون... وكانت ساعات الليل والنهار الأربع والعشرين، تنقسم إلى ثلاث نوبات كل منها سبع ساعات، والساعات الثلاث الباقية تتوسط النوبات، ليدخل العمال في أثنائها إلى المنجم أو يغادروه. وتبدأ النوبة الأولى الساعة الرابعة صباحاً، وتنتهي في الحادية عشرة. وتبدأ الثانية في الساعة الرابعة صباحاً، وتنتهي في الحادية عشرة. وتبدأ الثانية في الساعة الثانية عشرة وتنتهي في السابعة مساء. وهاتان نوبتان نهاريتان في الصباح وبعد الظهر. أما الثالثة، وهي النوبة الليلية، فتبدأ في




صفحة رقم : 8967




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد


الثامنة مساء وتنتهي في الثالثة صباحاً. ولا تفرض هذه النوبة الثالثة على العمال إلا إذا دعت الضرورة إليها. وفي هذه الحالة.. كانوا يسهرون على ضوء المصابيح الليلية، وحتى لا يغلبهم النعاس في هذه الساعات المتأخرة، أو لشدة التعب، كانوا يخففون من وطأة هذا العمل الطويل الشاق بالغناء الذي كانوا مدربين عليه، أو لم يكن غير سار لهم كلية. ولم يكن يباح في بعض المناجم لأي من العمال العمل نوبتين متعاقبتين، لأنه كان كثيراً ما يغلب عليه النعاس في المنجم من شدة الإجهاد من كثرة العمل إلى حد مفرط. وكان يباح ذلك في أماكن أخرى لأن العامل لا يستطيع العيش على أجر نوبة واحدة، وخاصة إذا ارتفع ثمن الحاجيات.
ولا يشتغل العمال أيام السبت، لأنهم يبتاعون فيها كل ما يلزمهم من ضرورات الحياة، كذلك لا يعملون أيام الآحاد والأعياد السنوية. ولكنهم في هذه المناسبات يخصصون ساعات النوبة للأغراض الدينية. ومهما يكن من أمر فإن العمال لا يستريحون... إذا اقتضت الظروف أن يعملوا، فقد يجبرهم عليه أحياناً اندفاع الماء أو انهيار وشيك الوقوع. وفي مثل هذه الحالات لا يعتبر العمل في أيام العطلة أمراً لا يتفق مع الدين. وفوق ذلك، فإن العمال من هذه الفئة أقوياء أشداء ألفوا هذا الكدح والمشقة منذ ولادتهم(2).
وفي 1527 عين جورج أجريكولا طبيباً لمدينة جوتشمستال Goochimsthal. وفي مدينة التعدين انصرف جورج بين الحين والحين إلى التعدين، وهناك، وفي أماكن أخرى تحمس جورج وافتتن بدراسة تاريخ التعدين وعملياته وعلم المعادن، وعكف على البحث عشرين عاماً، أكمل بعدها (1550) "رسالته عن المعادن" وهي رسالة ممتازة في موضوعها بالنسبة لعصرها، لها من القيمة




صفحة رقم : 8968




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد


مثل ما لروائع كوبرنيكس وفيساليوس التي ظهرت في نفس العقدين من السنين، ولقد وصف في تفصيل دقيق آلات التعدين والصهر وتقنياتها وعملياتها، واستخدم الفنانين في توضيحها بالرسوم. وهو أول من جزم بأن البزموت و لأنتيمون معدنان أوليان حقيقيان، وميز نحو عشرين صنفاً من المعادن لم تكن معروفة من قبل. وكان أول من شرح تركيب عروق الخام في طبقات الصخور من رواسب معدنية خلفتها مجاري المياه التي تنساب في الأرض وتحت الأرض (3).
وحظي التعدين وعلم المعادن والمنسوجات بأكبر نصيب من التحسينات الآلية (الميكانيكية) التي ينسب الفضل فيها لهذا العصر. وإن أول سكك حديدية لهي تلك التي كانت تجر أو تدفع عليها العربات التي تحمل الخام. وفي عام 1533 أضاف جوهان جورحن إلى عجلة الغزل- التي كانت تدار حتى ذلك العهد باليد- ذراعاً (دواسة) تدار بواسطة القدم، ومن ثم تكون يد الغزال طليقة، وسرعان ما ضوعف الإنتاج بهذه الطريقة. وازداد الوثوق بدقة الساعات وصغر حجمها، وزينت بالحفر والنقوش والجواهر وطليت بالمينا. واقتنى هنرى الثامن ساعة دقيقة الحجم، تملأ مرة واحدة كل أسبوع. على أن أحسن ساعات العصر كان معدل الخطأ فيها نحو 15 دقيقة في كل يوم(4).
وتعثرت المواصلات والنقل خلف التجارة والصناعة. وتوسعت الخدمات البريدية إلى حد نقل المراسلات الخاصة خلال القرن السادس عشر، وحث الانقلاب التجاري على بناء السفن، وصارت السفن أرفع وأعمق، فساعد




صفحة رقم : 8969




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد


ذلك على ثباتها وازدياد سرعتها. وزاد عدد الصواري من واحد إلى ثلاثة، والأشرعة إلى خمسة أو ستة(5). ولم يقتصر السباق بين فرنسوا الأول وهنرى الثامن، على الحرب والحب واللباس، بل تعداه إلى ابتناء السفن، وكان لكل منهما مركب فخم بني بناء على طلبه لإشباع نزواته، به دور علوي، يرفرف عليه في زهو واعتزاز علم البطولة الذي أرضى غرور كل منهما. وكانت سفينة أوائل القرن السادس عشر تستطيع أن تقطع في البحر المتوسط عشرة أميال في الساعة في الطقس المعتدل، ولكن السفن الثقيلة المصممة للمحيط الأطلسي كانت أسعد حظاً، حيث كانت تقطع 125 ميلاً في اليوم. وكانت أسرع رحلة برية هي رحلة حامل البريد، الذي كان يركب لمسافة خمسة وثمانين ميلاً في اليوم. ومع فأن الأنباء الهامة كانت عادة تصل من البندقية إلى باريس أو مدريد في عشرة أيام أو أحد عشر يوماً. ولعل أحداً لم يقدر آنذاك أية راحة ينعم بها نتيجة لوصول الأنباء متأخرة إلى حد يتعذر معه اتخاذ أي إجراء بشأنها. وكان معظم السفر بالبر على ظهور الخيل، ومن هنا جاءت الحلقة الحديدية الثقيلة المثبتة في باب مدخل كل بيت، يشد إليها حبل تقيد به الدابة. وتضاعف عدد العربات، ولكن الطرق بلغت من الرخاوة حداً لا يصلح كثيراً لمرور العجلات، ومن ثم كان لزاماً تزويد العربات بستة من الجياد أو أكثر لتجرها في الأوحال التي يتعذر تفاديها، وما كان يتوقع من العربات أن تقطع أكثر من عشرين ميلاً في اليوم. وظلت المحفات التي يحملها الخدم تستعملها السيدات ذوات اليسار في تنقلهن، أما عامة الشعب فكانوا يسيرون على الأقدام عبر القارة.
وكان السفر مألوفاً رغم الطرق والخانات. وذهب إرزم إلى أن خانات فرنسا كانت مقبولة محتملة، وعلى الأخص لأن النادلات الصغيرات "يقهقهن ويقمن بحيل وألعاب مرحة، وإذا غادرت المكان كن يحيينك بالعناق"،




صفحة رقم : 8970




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد


"كل ذلك مقابل أجر زهيد" ولكنه رمى أصحاب الخانات الألمان بالفظاظة وغلظة الطباع والبطء والقذارة:
إذا فرغت من تدبير أمر جوادك تدخل إلى غرفة المدفأة، بالحذاء العالي الساقين، والأمتعة والأوحال وغيرها، لأن هذه حجرة عامة لجميع القادمين. وفي غرفة المدفأة تخلع حذاءك، وتلبس نعليك وتبدل قميصك إذا شئت. وهناك ترى رجلاً يمشط رأسه وآخر...يتجشأ الثوم... وإنك لتسمع من فوضى اللغات واللهجات كما لو كنت في مبنى برج بابل... وفي رأيي أنه ليس ثمة شيء أخطر من التنفس في مثل هذا الجو الخانق، وخاصة إذا كانت أجسام الناس مفتحة بفعل الحرارة ... وثمة شيء لا أرى ذكره.... ثم النساء والأنفاس الكريهة المنتنة .... ولا ريب أن كثيرين مصابون بالجدري أو الزهري الأسباني، أو كما يسيمونه الفرنسي. ولو أنها أمراض منتشرة في كل بلد(6).
إذا جرت الأمور على هذا النحو، حقاً، في بعض الخانات، فيمكن أن نغتفر خطأ أو اثنين للتجار المتجولين الذين يحطون رحالهم في هذه الخانات ويحتملون متاعبها في عملية ربط القرية بالقرية، والأمة بالأمة، في نسيج اقتصادي دائم الاتساع والانتشار. فقد فتح في كل عقد من السنين طريق جديد، براً كما فعل تشانسلر في روسيا، وبحراً كما تم في آلاف الرحلات البحرية المغامرة. وقد اتجر (شيلوك شكسبير) أي اليهود مع إنجلترا ولشبونة وطرابلس ومصر والهند والمكسيك(7). وكان لجنوى مستعمرات تجارية في البحر الأسود وأرمينية وسورية وفلسطين وأسبانيا. فلقد عقدت الصلح مع الباب العالي، وباعت الأسلحة إلى تركيا التي كانت في حرب ضد العالم المسيحي. والتقطت فرنسا هذه الفكرة، وعقدت اتفاقات خاصة بها مع




صفحة رقم : 8971




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد


سلاطين تركيا. وبعد 1560 سيطرت على تجارة البحر المتوسط، وكانت أنتورب تتلقى البضائع في كل لحظة، وتنقلها بالسفن إلى كل مكان في العالم.
ولمواجهة متطلبات هذا الاقتصاد المتوسع، حسن رجال المصارف من خدماتهم وأساليبهم. ولما ارتفعت نفقات الحرب بالانتقال من فرق الإقطاع المجندة الذين أحضروا معهم أقواسهم وسهامهم ورماحهم وسيوفهم، إلى جيوش وطنية أو جنود مرتزقة مزودين بالأسلحة النارية والمدافع، وتدفع الدولة رواتبهم وأجورهم- اقترضت الحكومات مبالغ لم يسبق لها مثيل من أصحاب المصارف. وكانت الفائدة التي تدفعها الحكومات أو تعجز عن دفعها، تقيم مؤسسة مالية، أو تقوض أركان أخرى. وكان أصحاب المصارف يقترضون مدخرات الشعب نظير فائدة، ليمولوا بها الصفقات الضخمة في التجارة والصناعة. وكانت صكوك التبادل تحل محل الشحنات الثقيلة المرهقة من العملة المتداولة أو البضائع. واختلفت معدلات فوائد القروض ولم يكن هذا الاختلاف نتيجة لجشع المقرضين، بقدر ما هو نتيجة للثقة في المقرضين. ومن ثم كانت المدن الحرة الألمانية التي سيطر عليها تجار يتميزون بالدفع الفوري العاجل، تستطيع أن تقترض بفائدة قدرها5%، على حين أن فرنسوا الأول اقترض بفائدة قدرها 10%، وشارل الخامس بفائدة قدرها 20%. وانخفض سعر الفائدة تبعاً للاستقرار الاقتصادي.
وسكت مقادير وفيرة من العملة السائلة من معدني الذهب والفضة اللذين استخرجا من مناجم ألمانيا والمجر وأسبانيا والمكسيك وبيرو، وجاء المدد الجديد من المعادن النفيسة في الوقت الناسب، لأن البضائع كانت قد تزايدت أسرع مما تزايدت العملة. وكان جزء من ثمن واردات آسيا يدفع في صورة صادرات، والجزء الباقي نقداً من الذهب أو الفضة، ومن ثم هبطت




صفحة رقم : 8972




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد


الأسعار في غضون السنين التي سبقت قيام كولمبس برحلاته، إلى حد تعويق المغامرات والتجارة. وبعد تطوير المناجم في أوربا واستيراد الذهب والفضة من أفريقية وأمريكا، فاقت كميات المعادن النفيسة إنتاج السلع، فارتفعت الأسعار، وانتعشت الأعمال وابتهج أصحابها، وزحزح الاقتصاد الجديد القائم على النقود المتحركة الاقتصاد القديم الذي تركز في امتلاك الأرض أو سيطرة النقابات على الصناعة، واحتل مكانه.
وكانت النقابات في دور الانحلال. وكانت قد نشأت وقويت في عهد تحكم المجلس البلدية وحماية الإنتاج المحلي، ولم تكن على درجة من التنظيم تسمح لها بتقديم رأس المال. أو بالشراء بالجملة من الموارد النائية، أو باستخدام أساليب المصانع وتقسيم العمل، أو الوصول بمنتجاتها إلى الأسواق البعيدة. وكانت منذ القرن الثالث عشر وما بعده قد ضربت حولها نطاقاً من العزلة الأرستقراطية وسوأت ظروف العمل، حتى بات من اليسير سوق العمال المهرة إلى أحضان رب العمل صاحب رأس المال، وكان عامل الربح هو الذي يحركه ويزوده بالحيوية والنشاط، ولكنه عرف كيف يجمع المدخرات إلى رأس المال، وكيف ومن أين يشتري الآلات والمواد الخام ويدير المناجم، ويؤسس المصانع، ويجند لها العمال، ويقسم العمل، ويخصص العمال لكل فرع منه، وبفتح الأسواق الأجنبية ويصل إليها، ويمول الانتخابات ويسيطر على الحكومات. وكانت الإمدادات الجديدة من الذهب والفضة تدعو بصوت عال إلى استثمارات تدر الربح الوفير. وبات الذهب الأمريكي رأس مال أوربا. وخلقت الرأسمالية "سحر المنافسة"، وحفزت إلى المغامرة، وأنتجت السعي المحموم وراء المزيد من الطرق الاقتصادية للإنتاج والتوزيع، ولم يكن ثمة مفر من أن تخلف وراءها القناعة الذاتية التي اتسم بها رجال النقابات. وتتركهم يتهادون في أساليبهم النمطية الرئيسية القديمة. ولقد فاق النظام




صفحة رقم : 8973




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد


الجديد في إنتاجه النظام كماً لا كيفاً، لأن التجار كانوا ينادون بإنتاج كميات كبيرة ليسددوا بصادراتهم الصناعية ثمن الواردات من الشرق.
وكانت الثروة الجديدة محصورة إلى حد كبير، في أيدي التجار وأصحاب رءوس الأموال وأصحاب المصانع، وحلفائهم في الحكومة، وظل بعض النبلاء يجمعون الثروة عن طريق الضياع الواسعة التي يستأجرها مئات المستأجرين، أو الحظائر التي تمد صناعة النسيج بالصوف. على أن الغالبية من ملاك الأرض الأرستقراطيين وجدوا أنفسهم محصورين بين شقي الرحى: الملوك من جهة، والمدن التي سيطر عليها رجال الأعمال من جهة أخرى، وانحطت قوتهم السياسية. وكان عليهم أن يقنعوا بكرم المحتد وشرف الأرومة. وشاركت الطبقة الكادحة النبلاء مصائب التضخم، فمن سنة 1500 إلى سنة 1600 ارتفع ثمن القمح الذي صنع منه الفقراء رغيف الخبز إلى 150% في إنجلترا، و 200% في فرنسا، 300% في ألمانيا. وفي سنة 1300 كان سعر البيض في إنجلترا 4 بنسات لكل 120 بيضة، وارتفع ثمن المقدار نفسه إلى بنسات في سنة 1400، وإلى 7 بنسات في سنة 1500، وإلى 42 بنساً في سنة 1570(8). وارتفعت الأجور، ولكن في بطئ أكثر، لأن الحكومات كانت تتولى تنظيمها. وحدد قانون 1563 في إنجلترا الأجر السنوي للفلاح المستأجر بمبلغ قدره 12 دولار، ولعامل المزرعة 9.50، وللخادم الرجل 7.25، علماً بأن القوة الشرائية لهذه المبالغ في سنة 1563 تفوق مثيلتها في 1954 خمساً وعشرين مرة، فوصلت الأجور إلى نحو 180 دولاراً سنوياً. على أننا يجب أن نلاحظ أن الطعام والإقامة كانتا تضافان إلى هذه الأجور، وجملة القول أن التغييرات الاقتصادية في القرن السادس عشر تركت الطبقات العاملة أفقر نسبياً




صفحة رقم : 8974




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد


وأضعف سياسياً، من ذي قبل. فقد أنتج العمال السلع التي كانت تصدر ثمناً للكماليات المستوردة التي جعلت حياة نفر قليل من الناس مشرقة باسمة ناعمة.
واتسم الصراع بين الطبقات بمرارة، قل أن عرف لها مثيل منذ عهد سبارتاكوس (زعيم ثورة العبيد 71 ق.م.) وخير شاهد على ذلك ثورة الأهالي في أسبانيا، وحرب الفلاحين في ألمانيا، وثورة كت Ket في إنجلترا. وكثرت الإضرابات، ولكنها كانت تخمد بائتلاف أرباب العمل مع الحكومة. وفي 1558 قررت نقابة عمال النسيج التي كان يسيطر عليها السادة أن أي عامل يرفض العمل بمقتضى الشروط التي يضعها رب العمل يسجن لأول مخالفة، ثم يضرب بالسياط ويوصم بالعار في الثانية. وكانت قوانين التشرد في عهد هنري الثامن وإدوارد السادس من القسوة والوحشية إلى حد أن قلة قليلة من العمال تجاسروا على أن يوجدوا متعطلين بلا عمل. ونص قانون 1547 على أن أي عامل قادر من الناحية الجسمانية يترك عمله ليتسكع في البلاد كالمتشردين، يجب أن يدمغ صدره بحرف "V" (الحرف الأول من Vagabond متشرد)، ويدفع به بوصفه عبداً رقيقاً إلى أحد المواطنين في الجهات المجاورة، لمدة عامين، ليعيش على "الخبز والماء وقليل من الشراب وحثالة اللحم"، فإذا لم يرتدع وتكرر منه التشرد، دمغ على خده أو جبهته بحرف "S" (Slave عبد) وحكم عليه بالاسترقاق طيلة حياته(9). وبفضل الشعب الإنجليزي، وكان فخراً وشرفاً له، أنه لم يمكن تطبيق هذه الإجراءات وسرعان ما أبطلت، ولكنها تكشف عن طباع حكومات القرن السادس عشر.وأصدر جورج دوق سكسونيا قراراً بالا ترفع أجور عمال المناجم في منطقته، وألا يسمح لعامل بترك عمله للبحث عن عمل في مكان آخر، وألا يستخدم رب العمل عاملاً كان قد أثار الاستياء في منجم




صفحة رقم : 8975




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الاقتصاد


آخر، وأجاز القانون صراحة أو ضمنا تشغيل الأطفال. وقام الأطفال في فلاندرز بصناعة المخرمات برمتها، وحرم القانون اشتغال البنات فوق سن الثانية عشرة في هذه المهنة(10). أما قوانين الاحتكارات والمضاربات والربا فكان مصيرها أو المراوغة في التنفيذ.
وتصادف ظهور الإصلاح الديني مع قيام الاقتصاد الجديد. وكانت الكنيسة الكاثوليكية تناهض "الأعمال والمشروعات والتجارة" في حساسية بالغة. فلم يتفق كل هذا مع مزاج الكنيسة. وكانت قد أدانت فوائد القروض، وأجازت من الناحية الدينية قيام النقابات، وقدست الفقر وانتقدت الثراء، وأعفت العمال من العمل أيام الآحاد والعطلات التي كانت كثيرة، إلى حد أنه في 1550 بلغ عدد الأيام التي لا عمل فيها 115 يوماً في السنة في الأقطار الكاثوليكية(11). وربما كان لهذا أثره في الإبطاء بالتصنيع والإثراء في هذه البلاد. ودافع رجال اللاهوت، بموافقة الكنيسة، عن فكرة تحديد "أسعار عادلة" لضرورات الحياة بمقتضى القانون، وكان توماس الأكويني قد وصم السعي إلى المال، بعد الوفاء بحاجيات الإنسان، بأنه "جشع آثم"، وحكم بأن أية مقتنيات أو مدخرات فائضة عن الحاجة، "تخصص بمقتضى القانون الطبيعي لإغاثة الفقراء وإسعافهم"(12). وشارك لوثر في هذه الآراء، ولكن التطور العام للبروتستانتية تعاون، دون وعي، مع الانقلاب الرأسمالي. وألغيت عطلات القديسين، وكان من نتيجة ذلك زيادة العمل ورأس المال معاً. ولقي المذهب الديني الجديد تأييداً ودعماً من رجال الأعمال، وجزاء مجاملة مثلها، فنظر البروتستانت إلى الثروة بعين الإجلال والإكبار، وأثنوا على التدبير والاقتصاد، وشجعوا العمل على أنه فضيلة، وارتضوا الفائدة على أنها مكافأة مشروعة لمخاطرة المرء بمدخراته.




صفحة رقم : 8976




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> القانون



2- القانون


لقد كان عصراً قاسياً رهيباً، انسجمت قوانينه مع اقتصاد لا يرحم، وإملاق مخزٍ وفن كئيب، ولاهوت تخلى ربه عن المسيح وتبرأ منه.
وكانت الجريمة أمراً طبيعياً، بين سكان كتب على معظمهم الفقر والفاقة في الدنيا، واللعنة في الآخرة. وكان القتل منتشراً بكثرة في كل الطبقات. وتدلى الخنجر من حزام أي رجل ذي وزن، أما الضعفاء فقد اعتمدوا على القانون في إصلاح أخطائهم. وكانت جرائم الهوى والانفعال كثيرة جداً قدر كثرتها في روايات شكسبير. فلم يكن في زمرة الرجال أي "عطيل" أخفق في ذبح زوجته التي اشتبه في سلوكها. واعتبر المسافرون قطع الطرق أمراً مفروغاً منه أو قضية مسلماً بها، فساروا في جماعات. وكان عدد اللصوص في المدن التي لم تزل غير مضاءة ليلاً، وفيراً قدر وفرة العاهرات. وكان لزاماً أن يكون بيت الرجل حصناً منيعاً. وفي أوج عظمة فرنسوا الأول، أعملت السلب والنهب في باريس في وضح النهار عصابة من اللصوص أطلق عليها اسم "الأولاد الأشرار". ويروي لنا برانتوم، رواية غير موثوقة كما تعودنا منه، كيف أن شار التاسع رغب في أن يعرف كيف ينفذ النشالون أفانينهم، "فأمر شرطته بدعوة بعضهم إلى حفلة راقصة ملكية، وطلب بعد انتهاء الحفل أن يرى غنائمهم، فوجد أن ما جمعوه من نقود وحلى وملابس بلغ دون تباه أو تفاخر، في هذا المساء، ما قيمته عدة آلاف من الدولارات، مما ظن معه أن الملك سيموت من كثرة الضحك". ورخص لهم في الاحتفاظ بحصيلة فنهم ودراستهم، ولكنه ضمهم إلى الجيش لأن مماتهم خير من بقائهم على قيد الحياة(13). فإذا صنفنا، باعتبارها جرائم، الغش في السلع، والمغالطة التي تتسم بها حيل رجال الأعمال، وتفشى الرشوة في المحاكم، والاستيلاء على أملاك الكنيسة، وتوسيع الحدود بالغزو




صفحة رقم : 8977




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> القانون


والفتح، نقول إذا صنفنا هذه كلها في عداد الجرائم، لوجدنا أن واحداً من بين كل اثنين في أوربا لص، وقد نضفي على بعضهم الحصانة الأكليريكية، وقد نسلم بوجود حرفي أمين هنا أو هناك. فإذا أضفنا إلى ذلك شيئاً من إحراق المباني عمداً، وبعضاً من حوادث اغتصاب الفتيات، وقليلاً من الخيانة، لبدأنا ندرك المشاكل التي تواجهها قوات النظام وحماة القانون.
وقد نظمت قوات النظام والقانون هذه، لتوقيع العقاب، أكثر منها لمنع الجرائم، وكان رجال الشرطة في بعض المدن الكبرى، مثل باريس، هم حفظه الأمن، وكان لكل قسم في المدينة مراقبوه وحراسه، ولكل أبرشية شرطتها. ولكن ضبط الأمن والنظام كان في المدن سيئاً إجمالاً. وأجهد رجال الحكم أنفسهم في مكافحة الطبيعة البشرية، وأخيراً قدروا أنه من الأفضل والأقل تكلفة، الحد من الجرائم بفرض عقوبات بالغة الشدة وتنفيذها علناً أمام أعين الناس... وكان هناك عشرات من الجرائم الرئيسية: القتل، الخيانة، الهرطقة، تدنيس المقدسات والمعابد، السحر، السلب، التزوير، التزييف، التهريب، الإحراق عمداً، الحنث بالقسم، الزنى، اغتصاب الفتيات (إذا لم يسو بالزواج)، اللوط، "الانغماس في الشهوات البهيمية"، غش الموازين والمقاييس، إفساد الطعام، تخريب الممتلكات ليلاً، الهروب من السجن، الإخفاق في محاولة الانتحار، وقد تكون العقوبة ضرب العنق بدون ألم أو تعذيب نسبياً، وهذا امتياز اختص به عادة السيدات وأفاضل الرجال، أما من هم أقل مكانة فكانوا يشنقون. أما الهراطقة وقتلة الأزواج فكانوا يحرقون. أما السفاحون البارزون فكانوا يشدون أطراف الواحد منهم (يديه ورجليه) إلى أربعة خيول يجري كل منها في اتجاه مضاد حتى يتمزق جسم المجرم. واصدر هنري الثامن في 1531 قانوناً يعاقب من يدس السم، بالغلي حياً(14)، كما نفعل نحن الأكثر وداعة ورقة بالمحار أو السمك.




صفحة رقم : 8978




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> القانون


ونص قانون محلي في سالزبرج بان يحرق المزور أو يغلى حتى الموت. وأن يقطع لسان الحانث في اليمين من رقبته. أما الخادم الذي يضاجع زوجة سيده أو ابنته أو شقيقته فيضرب عنقه أو يشنق(15). وأحرقت جولين رابو في آنجرز (1531) لأنها كانت قد قتلت طفلها أثر ولادة مؤلمة(16). وهناك أيضاً، إذا صدقنا ما رواه بودن، عدة أفراد أحرقوا أحياء لتناولهم اللحم يوم الجمعة، ورفضهم الندم على ما فعلوا، أما الذين أظهروا الندم فكانت عقوبتهم مجرد الشنق(17). وكانت العادة أن تترك جثة المشنوق معلقة حتى تنهش الغربان لحمها، ليكون عظة وعبرة للأحياء، وفي الجرائم الصغرى كان يجلد الرجل أو المرأة أو تقطع إحدى يديه أو قدميه أو أذنيه، أو انفه، أو تفقأ إحدى عينيه أو كلتاهما، أو يكوى بالحديد المحمى. وهناك جنح أخف كان عقابها السجن الذي تختلف فيه ظروف المعاملة بين المجاملة والخشونة، أو تعذيب المذنب بآلة خشبية ذات ثقوب تقيد فيها رجلاه ويداه، أو إدخال أيدي المذنب ورأسه في آلة خشبية تسمى "المشهرة"، أو الجلد، أو التعذيب على كرسي التغطيس. وكان السجن وفاء للدين معروفاً شائعاً في جميع أنحاء أوربا. وبصفة عامة كان قانون العقوبات في القرن السادس عشر أشد قساوة منه في العصور الوسطى، ولقد عكس الفوضى الأخلاقية في ذاك العصر.
ولم يكن الناس يستاءون من هذه العقوبات الصارمة، بل لقد أحسوا ببعض السرور والابتهاج في مشاهدة تنفيذها وساعدوا في بعض الأحيان في التنفيذ. ولما اعترف مونتكوكولى تحت وطأة التعذيب، بأنه كان قد سمم، أو حاول أن يسمم، فرانسيس، الابن العزيز المحبوب لفرانسوا الأول، مزقت أوصاله حياً، بربط أطرافه إلى أربعة خيول جرت في أربعة اتجاهات، (ليون 1536) وقيل إن الجمهور مزق بقايا جسمه إلى قطع




صفحة رقم : 8979




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> القانون


صغيرة، وفتت أنفه، واقتلع عينيه، وحطم فكيه، ومرغ رأسه في الوحل، وجعله يموت ألف مرة قبل أن يفارق الحياة(18).
وهناك إلى جانب القوانين التي شرعت للجرائم، وضعت "القوانين الزرقاء أو قوانين المتطهرين" ضد اللهو والتسلية التي يظن أنها تجافي التقي والورع، أو البدع التي تنافي العرف بشكل حاد، فقد اقتضى القانون العرفي في العالم الكاثوليكي أكل السمك في أيام الجمعة، كما اقتضته قوانين الدولة في إنجلترا البروتستانتية في عهد إدوارد السادس دعماً لصناعة صيد الأسماك، وتدريباً للرجال على ركوب البحر من أجل الأسطول(19).وكان الميسر دائماً غير مشروع، ودائماً شائعاً مرغوباً فيه. وأمر فرانسوا، الذي عرف أساليب اللهو والتسلية، بالقبض على من يلعبون الورق أو النرد في الحانات أو نوادي الألعاب (1526) ولكنه أباح إقامة "يانصيب" عام (1539). وقلما كان القانون يعاقب على إدمان الخمر، على حين اعتبر البطالة والخمول جريمة رئيسية تقريباً. أما قوانين التبذير أو الإنفاق بسخاء- وهي التي وضعت لضبط الأغنياء الجدد الذين ينفقون إنفاقاً مريباً يدعو إلى الاشتباه، والمحافظة على فوارق الطبقات، فقد حددت هذه القوانين، الأزياء والزينة والأثاث ووجبات الطعام وواجبات الضيافة. ويقول لوثر "عندما كنت صبياً كانت الألعاب محرمة، حتى أن صانعي أوراق اللعب، والعازفين على المزمار والممثلين لم يكن يسمح لهم بشهود الأسرار المقدسة. أما من كانوا قد اشتركوا في الألعاب، أو حضروا حفلات الألعاب أو الروايات، فكانوا يجعلون هذا موضوع اعتراف أمام القسيس"(20). وعاشت هذه المحرمات بعد الإصلاح الديني. وبلغت ذروتها في أخريات القرن السادس عشر.
وثمة بعض العزاء في أن التطبيق قل أن كان على قدر صرامة القانون،




صفحة رقم : 8980




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> القانون


وكان التهرب أمراً ميسوراً. وكم من قاض أو محلف، بدافع الشفقة أو التخويف أو بفضل الرشوة- أطلق سراح كثير من الأوغاد مقابل عقوبة يسيرة أو غرامة.وكانت قوانين اللجوء إلى الكنيسة لا يزال معمولاً بها في عهد هنري الثامن. وكانت المرونة في التطبيق، على أية حال، تتوازن مع استعمال التعذيب لانتزاع الاعترافات أو البيانات. وهناك كانت قوانين هنري الثامن، على الرغم من كونها أقسى القوانين في تاريخ إنجلترا- نقول كنت متقدمة عن زمانها(21)، لأنها حرمت التعذيب إلا إذا رؤى أن للجريمة علاقة بالأمن القومي(32)، ويمكن أن يكون الإبطاء في محاكمة المتهم تعذيباً أيضاً. فقد شكا كورتيز الأسباني إلى شارل الخامس من أن المتهمين، حتى بأخطاء يسيرة، طال بقاؤهم في السجن عشر سنين أو نحوها، قبل أن يحاكموا، وأن المحاكمات قد تتلكأ لمدة عشرين عاماً(23).
وترعرع المحامون وتضاعف عددهم مع اضمحلال جماعة الكهنة، وملئوا مناصب السلطة القضائية والبيروقراطية العالية، ومثلوا الطبقات الوسطى في الجمعيات الوطنية والبرلمانات الإقليمية، وحتى الطبقة الأرستقراطية ورجال الدين اعتمدوا على المحامين في القضايا المدنية، وتكونت منهم في فرنسا طبقة جديدة: "نبلاء الرداء- الروب"، أو على حد قول رابليه الهجاء الفرنسي "القطط ذوات الفراء".واختفى القانون الكنسي في الأقطار البروتستانتية. وحلت فلسفة التشريع محل اللاهوت "كأداة للمقاومة" في الجامعات. وعاد القانون الروماني إلى الحياة في الأقطار اللاتينية، وسيطر على ألمانيا في القرن السادس عشر، وعاش القانون المحلي معه جنباً إلى جنب في فرنسا. أما في إنجلترا فقد فضلوا عملية "القانون العرفي". ولكن كان لقوانين جستنيان بعض الأثر في تشكيل وتدعيم الحكم المطلق الذي أقامه هنري الثامن. على أنه في




صفحة رقم : 8981




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> القانون


بلاط هنري الثامن نفسه، ألف قسيسه الخاص توماس ستاركي (1537) "حواراً" كانت الفكرة الأساسية فيه أن القوانين يجب أن تفرض إرادة الملك، وأن الملوك يجب أن يخضعوا للانتخاب والعزل.


لا يمكن أن يطول حكم هذه البلاد حكماً صالحاً،




أو الاحتفاظ فيها بسياسة حكيمة، طالما أنها تحكم بإرادة




فرد لم يتم اختياره بطريق الانتخاب، بل أنى إلى العرش بالتعاقب




الطبيعي. فقلما شهدنا أن الذين يأتون إلى العرش أو الممالك




عن طريق هذا التعاقب، كانوا جديرين بتولي هذه المناصب




السامية والسلطات العالية.... وأي شيء أبغض إلى الطبيعة من




أن تحكم أمة بأسرها وفق إرادة أمير؟؟ وأي شيء أكثر تنافياً




مع العقل من أن شعباً برمته يحكمه من يعوزه العقل عموماً؟؟..




وليس ثمة إنسان يستطيع أن يخلق أميراً حكيماً عاقلاً ممن ينقصه




الذكاء والحصافة بالطبيعة... ولكن في مقدور الإنسان أن




ينتخب ويختار من يتوفر فيه العقل والعدالة معاً، فينصبه




أميراً، ومن ثم يخلع الطاغية المستبد(24).


وكان موضع العجب والغرابة أن يموت ستاركي موتاً طبيعياً بعد عام واحد من كتابه "حواره" الذي لم يطبع إلا بعد 334 سنة من تدوينه.




صفحة رقم : 8982




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق



3- الأخلاق


كيف كان سلوك الناس في العالم المسيحي اللاتيني؟ إنه لجدير بنا ألا يضللنا جهرهم بالإيمان بالدين، حيث لم يكن ذلك في الغالب إلا ولعاً بالشقاق والمشاكسة، أكثر منه ورعاً وتقوى. فإن نفس الشخص العنيد الذي يستطيع أن يتشدد في إيمانه يستطيع أن يكون عنيفاً كذلك في تجديفه، وإن البنات اللائى ينحنين متظاهرات بالرزانة والاحتشام أمام تماثيل العذراء،




صفحة رقم : 8983




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق


أيام الأحد، ليصبغن وجناتهن بالحمرة ويتجملن طيلة الأسبوع يحدوهن الأمل، وكثيرات منهن انزلقن تحت تأثير الإغراء والغواية، لمجرد عرض فكرة الزواج. وما كان من الميسور حماية العذارى وعذرتهن وبتولتهن إلا بالتمسك بكل أهداب العرف والأخلاق والقانون والدين وسلطة الوالدين والتعليم، و "حدود للشرف". ولكن ما كان أكثر الاحتيال على الانزلاق. إن الجنود الذين عادوا من الحملات التي كان الخمر والنساء فيها عزاءهم وتسليتهم الأساسية، وجدوا من المؤلم لهم ومن العسير عليهم أن يروضوا أنفسهم على العفة والامتناع عن شرب الخمر. وانغمس الطلبة في الفسق والفجور، واحتجوا بأن الزنى خطيئة عرضية تغتفر"(25)، ويمكن أن يتجاوز عنها المشرعون المستنيرون. ولقد أعلن روبرت جرين أنه في كمبردج كان قد "أفنى زهرة شبابه بين أوغاد فاجرين لا يقلون عنه دعارة"(26). وكثيراً ما ظهر الراقصات على المسرح، او في أي مكان آخر، "عاريات تماماً"(27). ومن الواضح أن هذه بدعة من أقدم البدع في الدنيا- ولقد نظر الفنانون بازدراء إلى قواعد السلوك الجنسي ونظمه(28)، واتفق اللوردات والسيدات مع الفنانين في ذلك. وكتب برانتوم: "إن الطبقات العليا استخفت بقواعد السلوك عند العذارى وما يحوم حولهن من شكوك، وكم من آنسات أعرفهن في دنيا العظماء، لم يأخذن معهن بكارتهن إلى فراش الزوجية"(29). ولقد لحظنا نوع القصة التي بدا أن مرجريت نافار الجميلة سمعتها دون أن تحمر وجنتاها خجلاً. وكم زخرت المكتبات بكتب الأدب الخليع المكشوف، التي تدفع فيها أثمان عالية في نهم شديد(20). وكان لأرتينو (هجاء لاذع في إيطاليا في القرن الخامس عشر) في باريس شعبية قدر شعبيته في رومه"، ولم يحس رابليه، الكاهن بأنه من الجائز أن ينقص المبيع من ملحمته "جارجنتوان Gargantuan" بحشوها بكلام جعل أرتينو يسارع لإخفائه. ووجد




صفحة رقم : 8984




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق


الفنانون سوقاً رائجة للصور الجنسية، بل حتى للانحرافات المصورة(31)، وكان الباعة المتجولون في الشوارع، وحماة البريد واللاعبون الجوالون يبيعون روائع الصور للتي من هذا القبيل، حتى في المعارض والأسواق الخيرية الكبرى(32). لقد وجدت كل ألوان الابتذال والانحراف لها مكاناً فسيحاً في تلك الحقبة(33). مثلما وجدته في الصفحات التي دونها برانتوم والتي تتسم بالأرستقراطية(34).
وزاد الدخل من البغاء وارتفع شأنه. وحدث في هذا العصر أن أطلق على من يمارسه "سيدات البلاط"- (في مقابل رجال البلاط). وقدم بعض القواد البغايا إلى جيوشهم، حرصاً منهم على حماية سيدات البلاد التي يحتلونها(35). ولكن نسبة الأمراض السرية ارتفعت إلى حد الوباء تقريباً. وكم أصدرت الحكومة تلو الحكومة من تشريعات ضد "بنات الهوى"التعيسات. وعلى حين أكد لوثر أن الرغبة الجنسية أمر طبيعي، نراه قد كافح للإقلال من البغاء، وبتحريض منه حرمته كثير من مدن ألمانيا اللوثرية(36). وفي 1560 جدد ميشيل دى لوبيتال مستشار فرنسا قوانين لويس التاسع ضد هذه الرذيلة، والظاهر أن أوامره نفذت.
وفي الوقت نفسه نجد أن الشهوة الحمقاء للجسد من أجل الجسد، أورثت ظمأ النفس إلى النفس، وإلى كل ما كان يزدان به التودد والحب الرومانتيكي من رقة وكياسة، وتدفقت الدماء التي تغلي في العروق في النظرات المختلسة والرسائل الغرامية والقصائد الغنائية والمقطوعات الشعرية والأناشيد والقطع الغزلية والهدايا المشجعة واللقاءات السرية. ورحبت بعض الشخصيات المهذبة أو السيدات اللعوبات من إيطاليا وكاستليوني، بالتسلي بحب أفلاطوني تكون فيه السيدة والرفيق المتودد إليها صديقين حميمين، ولكن محافظين على الطهارة والعفة، ولكن مثل هذا اللون من كبح جماح النفس لم يكن من شيمة هذا العصر، فقد كان الرجال شهوانيين بطريقة مكشوفة، وأحب النساء هذه




صفحة رقم : 8985




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق


الحلة فيهم، وكثر شعر الغرام، ولكنه كان مقدمة لأفتناص النساء.
وبالنسبة للزواج، بقي الآباء واقعيين إلى حد عدم السماح للمحب باختيار رفيقة الحياة، فقد كان الزواج في شريعتهم زفافاً إلى الضيعة أو الثروة أو المكانة الاجتماعية (زواج المصلحة)، ونصح إرزم الذي كان شديد الإحساس بمفاتن المرأة، لا بالزواج، نصح الصغار بالزواج ممن يختاره الكبار، على أن يتركوا الحب ينمو بالمزاملة والمرافقة أفضل من أن يذبل ويذوي بإشباع الشهوة(37)، واتفق رابليه معه في هذا الرأي(38). وعلى الرغم من هؤلاء الثقاة، ثار عدد متزايد من الشباب، مثل جان د ألبرت، على الزيجات المبنية على الثروات والعقارات الثابتة. ونعي روجر أسكام معلم الملكة اليصابات: "أن عهدنا بعيد جداً عن النظام والامتثال القديمين، حتى أن الشبان، بل والبنات أنفسهن- اصبح الجميع يجرءون على الزواج رغم أنف الأب والأم والنظام السليم وكل شيء(39). وفزع لوثر حين علم بأن ابن ميلانكتون خطب لنفسه عروساً دون استشارة أبيه، وأن أحد صغار القضاة في وتنبرج أعلن صحة هذه الخطبة، ورأى المصلح الديني (لوثر) أن هذا سيسيء حتماً إلى سمعة وتنبرج. وفي 22 يناير 1544 كتب في الجامعة:


إن لدينا عدداً وفيراً من الشبان من مختلف البلاد، وان سباق




البنات ليشتد، وأنهن ليجرين وراء الرفاق في حجراتهم وقاعاتهم




وحيثما استطعن إليهم سبيلاً، ليعرضن عليهم حبهن الطليق. ولقد




سمعت أن كثيراً من الآباء أمروا أبنائهم... بالعودة إلى بيوتهم...




قائلين إننا نعلق الزوجات حول رقاب أبنائهم... وفي يوم الأحد




التالي ألقيت عظة قوية أدعو الرجال إلى اتباع السبيل القويم والقاعدة




اللتين وجدتا منذ بدء الخليقة... أعني أن يزوج الآباء أبنائهم




بعضهم من بعض بروية وحسن نية، دون أن يرتبط الأبناء بارتباط






صفحة رقم : 8986




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق




تمهيدي.. فإن مثل هذه الارتباطات من ابتداع البابا الممقوت،




أوحى بها إليه الشيطان ليحطم ويمزق سلطة الآباء التي منحها الله




إياهم وأوصى بها لهم بصفة جدية(40).


وكان يمكن تنظيم عقود الزواج للأولاد والبنات ابتداء من سن الثالثة، ولكن كان من الميسور فسخها إذا لم تتحقق. وكانت السن الشرعية للزواج الرابعة عشرة للولد والثانية عشرة للبنت. وكان من المستطاع التجاوز عن العلاقات الجنسية بعد الخطبة وقبل الزفاف، وحتى قبل الخطبة، في السويد وفي ويلز، كما كان في بعض المستعمرات الأمريكية فيما بعد، وكان يسمح للحبيبين بالاشتراك في فراش واحد دون أن يخلعا ملابسهما، ولكنهما كانا يذكران بالاحتفاظ بملاءة بينهما حتى لا يلتصق جسماهما(41). ولم يعد الزواج في البلاد البروتستانتية سراً مقدساً، وما حل عام 1580 حتى بات الزواج المدني يزاحم الزواج على يدي الكاهن. وارتأى لوثر وهنري الثامن وإرزم والبابا كليمنت السابع أن الزواج من امرأتين يمكن أن يرخص فيه تحت شروط معينة، وخاصة إذا كان بديلاً للطلاق. واتجه رجال الدين من البروتستانت شيئاً فشيئاً إلى إباحة الطلاق، وكان ذلك في أول الأمر بسبب الزنى فحسب، وكانت هذه الجريمة أكثر شيوعاً في فرنسا، على الرغم من عادة قتل الزوجة الزانية هناك. وكان الحب غير المشروع جزءاً من الحياة العادية للسيدات الفرنسيات ذوات المركز الاجتماعي المرموق(42). وكان البيت الذي يضم زوجاً وزوجتين أمراً مألوفاً كثيراً في فرنسا، مثال ذلك البيت الذي كان يضم هنري الثالث وكاترين دى مدينتشي وديان دى بواتييه، وكانت الزوجة الشرعية (المعقود عليها) ترتضي هذا الوضع في كياسة مرة ساخرة، كما يحدث أحياناً في فرنسا اليوم.
وباستثناء الطبقة الأرستقراطية، كانت المرأة قبل الزواج معبودة




صفحة رقم : 8987




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق


وألهه، وبعده خادمه. وكانت الزوجة تقوم بواجبات الأمومة خير قيام أدون صعوبة أو تردد، وتبتهج وتفاخر بكثرة الأولاد، وتحتال على أن تسوس رب البيت. وكان النساء قويات معتادات على العمل الشاق من طلوع الشمس إلى مغربها، ويقمن بحياكة معظم الملابس اللازمة لأسراتهن. وكن في بعض الأحيان يعملن مع المقاولين الرأسماليين. وكان النول جزءاً أساسياً من البيت. وفي إنجلترا كان معظم النساء غير المتزوجات غزالات، أما سيدات البلاط الفرنسي فكن شيئاً آخر، ولقد شجعهن فرانسوا الأول على تجميل أجسامهن وملابسهن. واستطعن في بعض الأحيان تحويل السياسة الوطنية بفعل "القذائف الموجهة" التي تطلقها مفاتنهن. وورد من إيطاليا على فرنسا، حركة نسائية، ولكنها لم تلبث أن خمدت، لأن النساء أدركن أن قوتهن وشهرتهن شيء مستقل عن السياسة والقانون. وكان كثير من نساء الطبقة العليا على درجة عالية من الثقافة. وفي باريس، وفي غيرها، بدأ الصالون الفرنسي آنذاك يتشكل، حيث جعلت السيدات المثقفات ذوات اليسار من بيوتهن ملتقى رجال الدولة والشعراء والفنانين والعلماء والأساقفة والفلاسفة، وثمة مجموعة أخرى من السيدات الفرنسيات بقين متمسكات بأهداب الفضيلة، في هدوء، وسط العاصفة الهوجاء- عاصفة الجنس- مثل آن أوف فرانس، وآن أوف برتياني، وكلود، ورينيه. وبصفة عامة، فإن الإصلاح الديني الذي نبت في تربة تيوتونية (ألمانيا وشمال أوربا) عمل على تدعيم فكرة المجتمع الأبوي وسلطان الأب على المرأة والأسرة. كما وضع الإصلاح حداً لتمجيد المرأة في عصر النهضة، بوصفها نموذجاً للجمال وعاملة على تمدين الرجل، كما أدان الكنيسة بالتساهل في الانحرافات الجنسية، ومهد الطريق بعد موت لوثر لجفاء المتطهرين (الحركة البيوريتانية).
وتدهورت الأخلاق الاجتماعية بنشوء الروح التجارية وشدة الاهتمام بالربح، والإحجام المؤقت عن أعمال البر والإحسان والصدقات. ووجد




صفحة رقم : 8988




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق


الخداع والتضليل والخيانة- وهي أمور طبيعية في الإنسان- أساليب وفرصاً جديدة، منذ حلت اقتصاديات المال محل النظام الإقطاعي، ومنذ تملك الأغنياء الجدد السندات المالية أكثر مما تملكوا الأرض، وكانوا قليلاً ما يرون الأفراد الذين أفادوا من كدهم وعرقهم، فأن هؤلاء الأغنياء لم يكن لديهم من تقاليد المسئولية والكرم ما كان قد ذهب وولى مع الثروة القائمة على امتلاك الأرض(43). وكانت التجارة والصناعة في العصور الوسطى قد ارتضتا الضوابط الأخلاقية المتمثلة في توجيهات النقابات والمجالس المحلية والكنيسة، ولكن الرأسمالية الجديدة رفضت كل هذه القيود، وجرت الناس إلى منافسة عنيفة طوحت بالقوانين القديمة عرض الحائط(44). وحلت الحيل التجارية محل الموسومة بالتقي والورع. وضجت نشرات الإعلان في ذاك الزمان بالتحذيرات من غش الأطعمة وسائر المنتجات بالجملة. وشكا مجلس الديت في انسبروك 1518، من أن المستوردين "يضيفون الآجر المسحوق إلى الزنجبيل، ويخلطون الفلفل بمواد غير صحية"(45).ولحظ لوثر أن التجار "عرفوا كيف يحتالون على زيادة وزن التوابل- مثل الفلفل والزنجبيل والزعفران- بوضعها في أقبية رطبة، وأنه ليس ثمة سلعة واحدة لا يستطيعون أن يجنوا من ورائها أرباحاً طائلة بالغش في الكيل أو العد أو الوزن أو استحداث ألوان مصطنعة... وليس ثمة نهاية لحيلهم"(46). ووصم سناتو البندقية حمولة سفينة من الأصواف الإنجليزية بأنها مغشوشة من حيث الوزن والصنع والحجم(47).
وكان الناس في الأقطار اللاتينية لا يزالون يقبلون على أعمال البر والإحسان والصدقات بصدور منشرحة، كما كان الحال في العصور الوسطى، وأنفقت الأسرات النبيلة جزءاً كبيراً من دخولها في الهبات والصدقات(48). وورثت ليون عن القرن الخامس عشر منظمة ضخمة للصدقات المحلية أمدها المواطنون بالأموال بسخاء عن طيب خاطر(49). أما




صفحة رقم : 8989




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق


في ألمانيا وإنجلترا فلم تكن الأيدي مبسوطة إلى هذا الحد. وبذل لوثر كل ما في وسعه ليعيد نظام الصدقات الذي كان قد اختل بمصادرة الأمراء لأملاك الأديرة، ولكنه اعترف بأن جهوده لم تكلل بالنجاح. ورثى "لأن الناس في عهد البابوية كانوا محسنين وتصدقوا عن طيب خاطر(50)، ولكنهم في ظل شريعة الإنجيل لم يعودوا يعطون شيئاً، وبات كل فرد يسلب الآخر... ولن يتصدق أحد بفلس واحد"(51). ونقل إلينا لاتيمر (من رجال الإصلاح الديني البروتستانتي في إنجلترا في القرن السادس عشر) رواية مشابهة: " لم يقس قلب لندن قط كما هو حالها الآن، فإذا مات أحد الأغنياء في الأزمنة الغابرة، كان ذووه يرصدون مبالغ كبيرة من المال لإغاثة الفقراء... أما الآن فقد تجمدت المروءة وانقضى عهدها(52). وأبلغ الكاردينال بول لندن، أن مدينتين في إيطاليا تصدقتا بأكثر مما تصدقت به إنجلترا بأسرها(53). وانتهى فرود إلى أنه "لما انتشر الصدق، تقلص البر والعدل في إنجلترا"(54). ويحتمل أنها ليست البروتستانتية، ولكنها الروح التجارية والكفر هما اللذان انقضا الصدقات والإحسان.
واشتد الفقر حتى أصبح يشكل أزمة اجتماعية، فإن المستأجرون المطرودين والعمال المهرة العاطلين والجنود المسرحين هاموا على وجوههم في الطرقات أو الأكواخ المصنوعة من القش يسألون الناس أو يسلبونهم ليعيشوا. وقدر عدد المعوزين في أوجزبرج بسدس السكان وفي همبرج بخمسهم، وفي لندن بربعهم(55). وصاح المصلح الديني توماس لفر يوما "يا رب يا رحيم، ما هذا العدد الضخم من الفقراء والضعفاء والعرج والعمى والمقعدين والمرضى... والذين يرقدون أو يزحفون في الشوارع الموحلة"(56) وكان لوثر الذي امتلأ قلبه بالرحمة قدر ما اتسم لسانه بالقسوة، من أول من أدركوا أن الدولة يجب أن تتولى عن الكنيسة رعاية المعوزين وإنقاذهم. وفي حديثه "إلى أشراف المسيحية في الأمة الألمانية" (1520) اقترح




صفحة رقم : 8990




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق


أن تتكفل كل مدينة بالمعوزين فيها. وفي أثناء تغيبه في ورتبرج، نظم أتباعه المتطرفون في وتنبرج- صندوقاً جماعياً لرعاية الأيتام، ودفع مهور البنات الفقيرات، وترتيب منح دراسية للطلبة المحتاجين، وإقراض الأموال للأسرات التي أخنى عليها الدهر، وفي سنة 1525 اصدر لوثر توجيهاً بإنشاء صندوق عام. حث فيه المواطنين ورجال الدين في كل قسم على أن يفرضوا على أنفسهم ضريبة يسهمون بها في تكوين رصيد يقدمون منه قروضاً بدون فائدة للمحتاجين أو غير القادرين على العمل(57). وفي 1522 عينت أوجزبرج ستة "حماة الفقراء" ليشرفوا على توزيع المساعدات عليهم، وتبعتها نورمبرج في الحال، ثم ستراسبورج ويرسلاو (1523)، وراتسبون ومجدبرج (1524).
وفي تلك السنة كتب أسباني من دعاة الحركة الإنسانية، جوان لويس فيفز لمجلس مدينة بروجز نشرة عنوانها:"إعانة الفقراء". وقد لحظ انتشار الفقر وسط نمو الثروة، وأنذر بأن الإفراط في عدم المساواة في الملكية قد يولد ثورة مدمرة. وكتب يقول: "كما أنه من الخزي والعار على رب الأسرة في بيته الهانئ أن يسمح لفرد فيه أن يعاني مهانة العري أو الرأسمال البالية، فإنه كذلك ليس من اللائق بولاة الأمور في المدينة أن يحتملوا حالة مواطنين يتضورون جوعاً وبؤساً"(58).ووافق فيفز على أن يجبر على العمل كل قادر عليه، وألا يسمح لأحد بالتسول، ولكن ما دام كثيرون غير قادرين على العمل فعلاً، فيجب أن يدبر لهم مأوى في الملاجئ أو المستشفيات أو المدارس التي تنفق عليها البلد "على أن يقدم لهم الطعام والرعاية الطبية والتعليم الابتدائي مجاناً، ويجب أن تتخذ تدابير خاصة للمتخلفين عقلياً. وجمع ايبر Ypres بين أفكار فيفز والسوابق الألمانية في هذا المجال، ونظم في 1525 صندوقاً جماعياً وحد أموال




صفحة رقم : 8991




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق


الصدقات في رصيد واحد ووكل توزيعها إلى رياسة واحدة. وطلب شارل الخامس (1531) نسخة من خطة ايبر. وأرسل هنري الثامن توجيهاً مماثلاً إلى أبرشبات إنجلترا (1536). واحتفظت الكنيسة في البلاد الكاثوليكية بإرادة أموال الصدقات.
وبقي الخلق السياسي مطبوعاً بالمكيافيلية. واعتبر نظام الجاسوسية أمراً مسلماً به. وكان من المتوقع أن يبلغ جواسيس هنري الثامن في روما عن أخطر محادثات الفاتيكان وأكثرها سرية(59).وكانت الرشوة عملية تقليدية، وتدفقت في سخاء أكثر بعد تدفق الذهب من أمريكا. وتسابقت الحكومات على نقض المعاهدات. ونافست الأساطيل المسيحية والتركية بعضها بعضاً في أعمال القرصنة. وبعد تدهور نظام الفروسية انحطت أخلاقيات الحرب إلى ما يشبه الهمجية ونهبت أو أحرقت المدن التي كانت قد أخفقت في مقاومة الحصار، وذبح الجنود المستسلمون أو استبعدوا حتى تدفع عنهم الفدية. أما القوانين والمجاملات الدولية التي كانت سائدة في حالة خضوع الملوك أحياناً لتحكيم البابوات، فقد اختفت في فوضى التوسع القومي والعداء الديني. واعترف المسيحيون ببعض الضوابط الخلقية تجاه غير المسيحيين، وبادلهم الأتراك نفس المعاملة. واسر البرتغاليون زنوج أفريقية واستعبدوهم. ونهب الغزاة الأسبان المواطنين الأمريكيين واستعبدوهم وقتلوهم، دون أن يخفوا عزمهم الأكيد على تحويل الدنيا الجديدة إلى المسيحية، وكانت حياة الهنود الحمر في أمريكا في ظل الحكم الأسباني مريرة تعيسة إلى حد انتحار الآلاف منهم(60)، بل حتى في العالم المسيحي نفسه في ذاك العصر كثرت حوادث الانتحار إلى درجة مروعة(61). واغتفر بعض دعاة الحركة الإسبانية إهلاك النفس. ولكن الكنيسة حكمت بأنه يؤدي إلى الجحيم مباشرة، ومن ثم يكون المنتحر كالمستجير من الرمضاء بالنار.
إن كل ما في الإصلاح الديني، ولو أنه في نهاية الأمر أصلح من




صفحة رقم : 8992




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق


الأخلاق في أوربا- دمر الفضائل العلمانية. ولقد نعي بيركهيمر وهانز ساكس- وكلاهما متعاطف مع لوثر- أن فوضى السلوك العشوائي غير المنظم قد سادت بعد انهيار السلطة الدينية(62). وكان لوثر كعادته، صريحاً جداً في هذه النقطة:
كلما تقدمنا إلى الأمام، ازداد العالم سوءاً.... فمن الواضح جداً كيف أن الناس أصبحوا نهمين قساة بذيئين وقحين شريرين أكثر بكثير مما كانوا عليه في ظل البابوية(63).. فنحن الألمان اليوم موضع سخرية كل الأقوام والشعوب ووصمة عار لهم، ونحن نعتبر قطيعاً مخزياً كئيباً من الخنازير.... نحن نكذب ونسرق، ونفرط في الطعام والشراب، وننغمس في كل رذيلة(64)... وإن الشكوى عامة من أن شبان اليوم منحلون فوضويون تماماً، وأنهم لا يستبيحون لأنفسهم أن يزدادوا علماً ومعرفة. ويروح نساء وتنبرج وبناتها ويجئن في كل مكان عاريات، وليس هناك من يعاقبهن أو يصحح أخطاءهن، ساخرات من "كلمة الرب" هازئات بها(65).
ووصف واعظ لوثري، أندريا مسكولوس، عصره (1560) بأنه فاسق غير أخلاقي، إذا قورن بالألمان في القرن الخامس عشر(66). واتفق معه في ذلك كثير من زعماء البروتستانت(67). وتأوه كلفن قائلاً "إن المستقبل يفزعني، ولست أجرؤ على التفكير فيه. أن الهمجية سوف تجرفنا إلا إذا هبط الرب من السماء(68). وأنا لنسمع من هذا القبيل عن اسكتلندة وإنجلترا(69). ولخص فرود، وهو النصير المتحمس لهنري الثامن، الموضوع باعتدال وإنصاف، فقال:


إن الحركة التي بدأها هنري الثامن، بالحكم عليها بنتائجها الحالية






صفحة رقم : 8993




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق




(1550) أسلمت البلاد آخر الأمر إلى مجرد مغامرين. إن الناس




استبدلوا بخرافة من أكبر مساوئها أنها فرضت ظلاً من الاحترام




والطاعة، خرافة أخرى، مزجت الطاعة بإيمان متسم بطابع




المضاربة. وتحت هذا التأثير المميت، بدأت تختفي، لا أسمى فضائل




التضحية بالنفس فحسب، بل أبسط واجبات الاستقامة والأمانة




والفضيلة والأخلاق. وأصيبت الحياة الخاصة بدنس بدا لخلاعة




رجال الدين الكاثوليك أنه البراءة والطهر... ومن بين الفئة




الصالحة التي لم يمسها الدنس، لا يزال من الممكن العثور على




أفاضلهم في جانب الإصلاح(70).


وقد لا يكون من اليسير أن تنسب هذا الانحطاط الخلقي في ألمانيا وإنجلترا، إلى فك لوثر لقيود الجنس، وازدرائه "للأعمال الصالحة"، أو إلى المثل السيئ الذي ضربه هنري الثامن بانغماسه في المغامرات الجنسية وقسوته البالغة، فقد ساد فسوق مشابه- ومن بعض النواحي أكثر انطلاقاً- في إيطاليا البابوية في ظل البابوات في عصر النهضة، وفي فرنسا الكاثوليكية تحت حكم فرانسوا الأول. وربما كان السبب الرئيسي في انحلال الخلق في أوربا الغربية هو نمو الثروة. وثمة سبب أصيل يدعم هذا، هو تزعزع الإيمان، لا في المبادئ الكاثوليكية فحسب، بل في أساسيات وأصول العقيدة المسيحية كذلك. فقد رثى أندريا مسكولوس "أنه ليس هناك من يعبأ بالجنة أو الجحيم، ولا يفكر أحد في الله أو في الشيطان"(71). وينبغي في مثل هذه التصريحات الصادرة عن الزعماء الدينيين، أن تتجاوز عن مبالغات المصلحين اليائسين من ضآلة التحسينات التي أدخلتها إصلاحاتهم الدينية على الحياة الأخلاقية. وإذا كان لنا أن نصدق الوعاظ، فإن الناس لم يكونوا أفضل بكثير فيما مضى، وقد لا يكونون أفضل بكثير في القرون التالية. ففي مقدورنا أن نتبين في عصرنا هذا كل خطايا القرن السادس عشر وآثامه،




صفحة رقم : 8994




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> الأخلاق


وأن نتبين خطايانا وآثامنا في كل ما اقترفه الناس في ذاك القرن، طبقاً لما تيسر لديهم من وسائل وأساليب.
وأنا لنجد في نفس الوقت أن الكاثوليكية والبروتستانتية كلتيهما، كانتا قد أقامتا ودعمتا أساسين لانبعاث الروح المعنوية والأخلاقية: تهذيب سلوك رجال الإكليروس بالزواج أو بالزهد والتعفف، والتوكيد على أن البيت هو الملاذ الأخير للإيمان والحشمة واللياقة. وقد يأتي اليوم حين يرجع الرجال والنساء بأبصارهم إلى الوراء، في حسد خفي، إلى القرن السادس عشر، حيث كان أسلافهم أشراراً وأحراراً إلى الحد الذي كانوا عليه يومذاك.




صفحة رقم : 8995


قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> آداب السلوك



4- آداب السلوك


كان الحكم على الناس آنذاك، مثل ما هو حادث اليوم، بعادتهم أكثر منه بأخلاقهم. لقد تجاوز الناس، بقدر أكبر من طيب النفس، عن الخطايا التي ارتكبت بأقل قدر من الوحشية. وأعظم قدر من الكياسة. وفي هذا المجال كانت إيطاليا هي الرائدة، شأنها في كل شيء باستثناء المدفعية واللاهوت. وكان الناس شمال جبال الألب، فيما عدا القشرة الرقيقة الخارجية في سكان فرنسا وإنجلترا، أفظاظاً غلاظاً، إذا قورنوا بالإيطاليين في هذا، كثير من الفرنسيين الذين سحرت ألبابهم فتوحاتهم في إيطاليا في ميادين الحرب وآداب السلوك، ولكن المتبربرين الهمجيين كانوا يتوقون إلى التمدن وارتقاء سلم الحضارة. وحذا رجال البلاط وسيداته والشعراء والمفسدون في الأرض من الفرنسيين حذو الإيطاليين ونهجوا نهجهم. وسار الإنجليز الهوينا خلفهم. وترجم كتاب كاستليونى " رجل البلاط" (1528) إلى الفرنسية في 1537، وإلى الإنجليزية في 1561، واختلفت الدوائر الأدبية




صفحة رقم : 8996




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> آداب السلوك


على تعريف الرجل المهذب. ولقيت كتيبات آداب السلوك رواجاً كبيراً. ولقد ألف إرزم واحداً منها. وأصبح الحديث فناً في فرنسا، كما كان فيما بعد في حانة مرميد في لندن (كان يجتمع فيها بن جونسون وشكسبير وغيرهما من الكتب. في عصر اليزابيث). وعبرت مباريات الأجوبة البارعة السريعة جبال الألب من إيطاليا حول الوقت الذي انتقل فيه كذلك فن المبارزة بالسيف. وكان الحديث أكثر صقلاً وتهذيباً في فرنسا عنه في ألمانيا. وكان الألمان يسحقون الرجل بالفكاهة، أما الفرنسيون فكانوا يخزونه في ذكاء وفطنة. وكانت حرية الكلام وسيطاً أساسياً في ذاك العصر.
ومنذ كان تحسين المظهر الخارجي أيسر من تهذيب النفس، فإن الطبقات الصاعدة في المدنيات الناشئة في الشمال أولت ملابسها قسطاً أكبر من العناية. وارتدى عامة الناس ملابس بسيطة للغاية - كما نرى في جماهير بروجل (مصور فلمنكي): قبعات على شكل الفنجان، وبلوزات فضفاضة ذوات أكمام منتفخة، وسراويل (بنطلونات) ضيقة تصل إلى الأحذية المريحة، ويتركز هذا التشكيل البشع على حقيبة قبيحة، مزدانة بزخارف براقة، تتدلى أمام انفراج ساقي الرجل. أما الرجال الموسرون في ألمانيا فقد غلفوا أجسامهم الجبارة في طيات كثيرة فضفاضة من القماش، تعلوها قبعات عريضة تبدو فوق الرأس وكأنها فطيرة ذات مصاطب أو طبقات. أما نساء ألمانيا، فالظاهر أنه كان محرماً عليهن أن يلبسن إلا زي مديرات المنزل أو الطباخات. وفي إنجلترا أيضاً ملابس الرجال أجمل وأكثر بهجة من ملابس النساء، حتى جاءت الملكة اليزابيث فبزتهم بما ارتدته من أزياء لا يحصها العد. وجرى هنري الثامن شوطاً بعيداً في الإسراف في ملابسه، وكان يجملها وزينها بالألوان والحلي والأنسجة الثمينة. ويقول هولنشد إن دوق بكنجهام كان يرتدي- في زواج الأمير آثر من كاترين أوف أراجون- عباءة




صفحة رقم : 8997




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> آداب السلوك


من شغل الإبرة، مغطاة بفراء النمور، قدرت بنحو 1500 جنيه (150.000 دولار؟)، وحرمت القوانين على أي رجل دون رتبة فارس، أن يقلد فخامة الملابس التي يرتديها من هم أعلى منه مكانة. وغطت الإنجليزيات أجسامهن بالملابس الضيقة من العنق إلى أخمص القدم، ذات أكمام تصل إلى المعصم، مع زركشة بالفراء على حروف الثياب، وأحزمة مثبتة بحلي معدنية، وقلادة أو مسبحة، وكانت النساء بصفة عامة تلبس من المجوهرات أقل مما يلبس الرجال.
وفي عهد فرانسوا الأول الذي كان يقدر الشيء حق قدره، فتحت النساء الفرنسيات الجزء الأعلى من ثيابهن وكشفن عن صدورهن المنتفخة، وشققن أرديتهن إلى آخر فقرة من ظهورهن. وإذا لم ينتفخ الصدر الطبيعي إلى حد كاف، وضعن عليه مشداً يجعله عالياً منتفخاً(72)، وضيقت الملبس وأحكمت فيما تحت الثديين، وضغطت على الخصر(73)، مع أكمام منتفخة، وانتشرت من التنورة أسلاك من الخلف وعلى الحافة. واضطرتهن الأحذية العالية الكعوب إلى المشية المتبخترة الرشيقة. وكان يباح للمرأة ذات المكانة العالية - وليس لغيرها- أن يكون لثوبها ذيل، وكلما ارتفع قدرها زاد طول الذيل. وقد يطول الذيل، إذا سمحت مرتبة الشرف، إلى سبع ياردات، وكان يمشيٍ وراء السيدة وصيفة أو خادم ليمسك به ويرفعه عن الأرض. وفي طراز آخر الأزياء قد تغطي السيدة رقبتها بطوق أحكم شده بأسلاك. وعذب الرجال أنفسهم بشيء غريب مماثل في المناسبات الرسمية، وفي 1535 لحظ سرفيتس "أنه لنساء أسبانيا عادة قد يظن في فرنسا أنها همجية، تلك هي أنهن كن يثقبن آذانهن ويعلقن فيها أقراطاً ذهبية غالباً ما تكون مرصعة بالأحجار الكريمة"(74). وما جاءت سنة 1550 حتى كانت نساء تلبس الأقراط، بل حتى الرجال كذلك(75). واستمرت الجواهر والحلي




صفحة رقم : 8998




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> آداب السلوك


محتفظة سلطانها منذ زمن سحيق. وارتدى الرجال في فرنسا قمصاناً من الحرير مع صادرات من القطيفة، وحشوا أكتافهم، وكسوا أرجلهم بسراويل قصيرة ضيقة، وحافظوا على رجولتهم بحقيبة منضدة بالأشرطة أو الجواهر أحيانا. وعلى النقيض من عادات القرن الخامس عشر قصروا شعر الرأس وأرخوا لحاهم. أما النساء فقد احتفظن بشعرهن في تصفيفات متنوعة لا تشجع على وصفها. فكان مضفراً معقوصاً ملفوفاً في شباك، مليئاً بالضفائر العارية، مزداناً بالأزهار، براقاً بالجواهر، متضمخا بالزيوت العطرية، مصبوغاً ليتمشى مع الأناقة وأسلوب العصر، ومرفوعاً على شكل أبراج أو أهرام فوق الرأس. وكان من غير الممكن أن تستغني السيدة الأنيقة عن الحلاق في هذا الزمان، فإن تقدم العمر بدا آنذاك قدراً محتوماً أسوأ من الموت.
وإلى أي حد كانت الأجسام نظيفة تحت هذه اللفائف والزخارف؟ لقد تحدث كتاب من القرن السادس عشر عنوانه "مقدمة للسيدات الشابات" عن "نساء لم يعنين قط بنظافة أجسامهن، اللهم إلا الأجزاء التي يمكن أن تقع عليها العين... أما ما تحت قمصانهن الكتانية فقد بقي قذراً(76). وثمة مثل ساخر يقول بأن العاهرات هن الوحيدات اللائى غسلن أكثر من وجوههن وأيديهن(77). وربما ازدادت النظافة بازدياد الفسق والفجور. فقد كشفت النساء من أجسامهن عن أجزاء أكثر من ذي قبل، وجعلنها نهباً لأنظار الكثير من الناس. ومن ثم اتسع نطاق النظافة. وأصبحت آنذاك كثرة الاستحمام، مع تفضيل الماء المعطر، وخاصة في فرنسا، جزءاً من العادات الطيبة. وقل عدد الحمامات العامة يتضاعف عدد الحمامات الخاصة، ولم تكن هذه عادة مزودة بالمياه الجارية، بل اعتمد فيها على السلطانية (الكوز) والحوض. وظلت شائعة مستحبة في القرن




صفحة رقم : 8999




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> آداب السلوك


السادس عشر ، حمامات البخار التي كانت قد جاءت إلى أوربا الغربية بعودة الصليبيين إليها في القرون الثالث عشر.
وفي البلاد البروتستانتية حل البيت تقريباً محل الكنيسة، كمركز للعبادة والصلوات. وأدى الوالد مهمة الكاهن في الصلوات اليومية وتلاوة الإنجيل والترانيم، وعلمت الأم أبناءها مبادئ العقيدة الدينية. وفي الطبقات المتوسطة سارت الرفاهية جنباً إلى جنب مع التقوى والتدين. فهذا هو العصر الذي تطورت فيه المنضدة ذات الحوامل والألواح الخشبية الملتحمة بعضها ببعض إلى وحدة ذات أرجل متينة، وتطور المقعد الخشبي والوسائد إلى كرسي مريح "منجد" وسرير منقوش ذي أربعة قوائم، فوقه مظلة - وأصبح كل أولئك رمزاً للاستقرار الأدبي واليسار المالي. وصنع الأثاث والأطباق المعدنية محل الأطباق الخشبية، كما حلت الملاعق المصنوعة من القصدير أو الفضة محل تلك المصنوعة من الخشب. وكانت البيوت واسعة فسيحة لأن الأسرات كانت كبيرة، لأن النساء كن يلدن في كل عام تقريباً، ولكن دون جدوى، لأن نسبة الوفيات بين الأطفال كانت عالية. وكان جون كولت أكبر اثنين وعشرين طفلاً. وحين بلغ سن الثانية والثلاثين، كان كل أخوته قد ماتوا. وكان لأنطون كوبرجر صاحب المطبعة في نورمبرج - خمسة وعشرون طفلاً، وقد عمر هو بعد موت اثني عشر منهم، وكان ديرر واحداً من ثمانية عشر طفلاً، يبدو أن ثلاثة منهم فقط بلغوا سن الرشد(78). واستكمالاً للأسرة كانت هناك حيوانات منزلية مدللة كثيرة قدر كثرة عدد الأولاد تقريباً.وكانت الببغاوات قد جاءت من جزر أليفة أثيرة في البيت(79). وكان هناك كثير من الكتب التي تعلم النساء والأطفال طرق العناية بالكلاب والطيور وتربيتها.




صفحة رقم : 9000




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> آداب السلوك


وكانت وجبات الطعام هائلة. ولم تكن الخضراوات مستساغة، بل كان الناس يزدرونها، ثم أقبلوا عليها شيئاً فشيئاً. وشاع آنذاك أكل الكرنب والجزر والراوند والبطاطس والفول والفريز. وكانت الأكلة الرئيسية في الساعة الحادية عشرة صباحاً وتأخر العشاء إلى السابعة مساء، وكلما سمت الطبقة تأخرت ساعة تتناول العشاء. وكانت الجعة والنبيذ هما المشروبان الرئيسيان في كل وجبات الطعام حتى الإفطار. وكان من طرق توماس مور إلى الشهرة أنه تناول الماء بديلاً عنهما. وحوالي 1550 استحضر الأسبان الشكولاته (الكاكاو) من المكسيك، ولم يكن البن قد تقاطر بعد من بلاد العرب إلى أوربا الغربية. وفي 1512 حددت أسرة دوق نور ثمبرلاند ربع جالون من الجعة لكل فرد فيها في كل وجبة طعام حتى للأولاد في سن الثامنة. وكان استهلاك الجعة في كوفنتري في القرن السادس عشر ربع جالون يومياً لكل رجل وامرأة وولد(80). وقد اشتهرت مصانع الجعة في ميونيخ منذ القرن الرابع عشر(81). وكان شرب الخمر شائعاً في إنجلترا حتى جاءت "ماري اللعينة" (ماري تيودور 1516-1558) فاستهجنته. ولكنه ظل مألوفاً في الدنيا، وتناول الفرنسيون الخمر في اتزان اكثر، لأن الجو عندهم لم يكن بارداً إلى هذا الحد.
وعلى الرغم من الفقر والظلم، استمر الناس يتمتعون بكثير من نعم الحياة، وحتى الفقراء أنفسهم كان لهم حدائق، وأصبحت زهرة التيوليب هواية وطنية في هولندة، وكان قد أحضرها لأول مرة حوالي 1550 بوسبك سفير الإمبراطور في القسطنطينية. وكانت البيوت الريفية نمطاً ساراً في إنجلترا وفرنسا. وظل القرويون يحتفلون بأعيادهم الموسمية في عيد الربيع (أول مايو)، عيد الحصاد، عيد كل القديسين، وغيرها كثير، واحتفل الملوك بعيد الربيع وتوجوا أنفسهم بأكاليل




صفحة رقم : 9001




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> آداب السلوك


الزهور، وكان فيما يتسلى به سراة القوم أحياناً مهرجانات مثيرة للفقراء، من ذلك عندما دخل هنري الثامن ليون في احتفال مهيب في 1548، وربما كان جمهور الشعب يشهد على مسافة معقولة، اللوردات في مباريات السيوف - وقد بطلت هذه الرياضة بعد موت هنري الثاني. وأصبحت المواكب الدينية أكثر وثنية، عند اقتراب عهد هنري الثامن من عصر إليزابث. وفي القارة أباحت الأخلاقيات المتساهلة للنساء العرايا أن يمثلن بعض الشخصيات التاريخية أو الأسطورية، واعترف ديرر بأنه هو نفسه افتتن بمثل هذا العرض في أنتورب 1521(82).
وكانت هناك الألعاب. وقد أفرد رابليه فصلاً لتسجيلها، فعلية أو خيالية، وصور بروجل نحو مائة منها في إحدى لوحاته. وكان في تعذيب الدببة ومصارعة الثيران الديكة تسلية للجمهور، وروضت كرة القدم ولعبة الكرات الخشبية والملاكمة والمصارعة شباب العامة، وطردت عنهم الأرواح الشريرة، وكان في باريس وحدها، للطبقة الأرستقراطية، فيها 1502 من الملاعب للتنس، في القرن السادس عشر(83). ومارست كل الطبقات الصيد، ولعبت الميسر ولعبت بعض السيدات النرد. ولعب بعض الأساقفة الورق بنقود(84). وتجول الممثلون المهرجون والبهلوانات واللاعبون في الريف، وعرضوا أفانينهم وألعابهم على اللوردات نظير جعل يتقاضونه. وفي داخل البيوت لعب الناس الورق والشطرنج والنرد وعشرات من الألعاب غيرها، وكان الرقص أحب أنواع التسلية. ويقول رابليه "وذهب الجميع بعد العشاء إلى الأبكة، الممتلئة بالصفصاف، يلاحق بعضهم بعضاً، وهناك على العشب الأخضر، على الأنغام الشجية من المزمار وموسيقى القرب رقص الجميع برشاقة، فكانت رياضة لطيفة سماوية يلذ للإنسان مشاهدتها(85).وفي يوم عيد الربيع في إنجلترا كان أهل القرية يتجمعون حول "عمود مايو"




صفحة رقم : 9002




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> حياة الناس -> آداب السلوك


المزين بالأزهار والأشرطة بشكل بهيج، ورقصوا رقصاتهم الساذجة الممتلئة حيوية، ويبدو أنهم بعد ذلك راحوا يقبلون ويعانقون بعضهم بعضاً مما يذكر بعيد فلورا إلهة الزهور عند الرومان. وكانت ألعاب عيد مايو في عهد هنري الثامن تشمل "الرقص العربي" الذي كان قد جاء من عرب أسبانيا عن طريق الرقصة الإسبانية "فندنجو" بالصنوج. ورقص الطلبة في أكسفورد وكمبردج في مرج بالغ الصخب، إلى درجة أنه كان لا بد من أن يحرم وليم ويكهام هذا العبث بالقرب من تماثيل الكنيسة. وأقر لوثر الرقص، واستساغ بنوع خاص "الرقصة التربيعية"، مع الانحناءات الودية والعناق والتمايل الرقيق، بين المشتركين في الحلبة"(86) ورقص ملانكنون الوقور . وفي ليزج في القرن السادس عشر أقام الآباء في المدينة بانتظام حفلات راقصة حتى يتمكن الطلبة من التعرف على "أشرف وأجمل بنات ذوي المكانة وأعضاء السناتو والمواطنين"(87). وكثيراً ما ترأس شارل السادس حفلة الرقص في البلاط الفرنسي. واستقدمت كاترين دي مديتشي إلى فرنسا راقصات إيطاليات، وهناك في أخريات أيام الملكة الأم التعسة ظهرت رقصات أرستقراطية جديدة. وقال جان تابور، في كتاب من أقدم الكتب عن فن من أقدم الفنون: "إن الناس كانوا يمارسون الرقص ليروا هل يتمتع الحبيبان بصحة جيدة، وهل يتناسب كل منهما الآخر، وفي نهاية الرقص كان يسمح للشاب أن يقبل خطيبته ليستوثق من أن رائحة أنفاسها طيبة... وبهذه الطريقة يصبح الرقص ضرورياً لبساس المجتمع سياسة حسنة(88). وتطورت الموسيقى بفضل مصاحبة الرقص، من الأشكال الصوتية وجوقة المنشدين إلى استخدام الآلات وتأليف الألحان، مما جعلها فناً بارزاً ذا شأن في عصرنا.




صفحة رقم : 9003




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> الآلات



الفصل الرابع والثلاثون




الموسيقى




1300-1564




1- الآلات


إن شعبية الموسيقى في تلك القرون لتصحح وتلطف من النغمة الكئيبة الحزينة التي يميل التاريخ إلى أن يضفيها على تلك الحقبة ويقرنها بها. وأنا لنسمع الناس، من آن لآن، يغنون في غمرة الثورة الدينية وما اتسمت به من إثارة ومرارة. وكتب صاحب المطبعة العاطفي آتيين دولية "إني لا أعبأ بشيء من ملذات الطعام والألعاب، والحب، ولكن الموسيقى وحدها... تأسرني وتأخذ بمجامع قلبي، وتذيبني في نشوتها"(1). ومن النغمات الصافية المنبعثة من صوت إحدى الآنسات أو مزمار جيد، إلى فن مزج الألحان المتعددة الأصوات عند دبريه Depres أو بالسترينا، عوضت كل الأمم وكل الطبقات بالموسيقى عن الروح التجارية وعن اللاهوت في ذاك العصر. ولم يغن كل فرد فحسب، ولكن فرانسيسكو لاندينو شكا من أن كل فرد لحن وألف(2). وبين الأغاني الشعبية البهيجة أو الحزينة في القرية إلى القداسات الكبيرة المهيبة في الكنيسة، ظهرت مئات الأشكال الموسيقية التي استخدمت إيقاعاتها في الرقص والحفلات والولائم والمغازلات والبلاط والمواكب والمهرجانات والصلوات. لقد غنى العالم بأسره.
وكان يواكب تجار أنتورب كل يوم إلى السوق المالية فرقة موسيقية. ودرس الملوك الموسيقي، لا باعتبارها امتيازاً لطيفاً أو ميكانيكياً، بل لأنها




صفحة رقم : 9004




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> الآلات


سمة المدنية ومنبع من منابعها. وتحمس ألفونسو العاشر ملك أسبانيا وثابر على جمع الأغاني للسيدة العذراء، وتودد جيمس الرابع ملك اسكتلنده إلى مارجريت تيودور بموترة المفاتيح (آلة موسيقية تعتبر الأصل الذي نطور عنه البيانو Clavichord) والمزهر (العود). واصطحب شارل الثامن ملك فرنسا معه فرقة المنشدين الملكية في حملاته على إيطاليا. وغنى شارل الثاني عشر بأعلى صوته مع فرقة المنشدين في البلاط. وألف ليو العاشر بعض الأغاني الفرنسية(3). أما هنري الثامن وفرانسوا الأول فقد تودد كل منهما إلى الآخر وتحداه باستخدام فرق المنشدين المتنافسة في ساحة Cloth of Gold .ووصف لويس ميلان البرتغال في 1540 بأنها "بحر حقيقي من الموسيقى"(4). وكان لبلاط ماتياس كورفينوس في بودا فرقة منشدين قدروا أنها تعادل فرقة البابا، وكان في كراكاو على عهد سجسمند الثاني مدرسة عظيمة للموسيقى، وكانت ألمانيا تعج بالغناء عندما كان لوثر شاباً. كتب الإسكندر أجريكولا 1484 يقول: "إن عندنا هنا في هيدلبرج مغنيين يرأسهم رجل يستطيع أن يلحن لثمانية أصوات أو أثنى عشر صوتاً"(5). وفي ماينز ونورمبرج وأجزبورج وغيرها من المدن ظل " راعي الشعر والموسيقى" يزين الأغاني الشعبية والقطع الإنجليزية بأبهة المتحذلقين وزخارف فن مزج الألحان، وربما كانت الأغاني الشعبية الألمانية أفضل مثيلاتها في أوربا. وكانت الموسيقى في كل مكان مهما التقى وشرك الحب.
وعلى الرغم من أن كل الموسيقى تقريباً كانت في هذا العصر صوتيه، فإن الآلات المصاحبة كانت متنوعة قدر تنوعها في الفرق الموسيقية الحديثة. وكانت هناك آلات وترية مثل الشنطير (آلة موسيقية قديمة تشبه القانون)، والقيثار، والقانون، والشوم (آلة موسيقية خشبية قديمة)، والعود، والفيول (وهو نوع من الكمان). ثم آلات النفخ مثل الناي، والمزمار،




صفحة رقم : 9005




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> الآلات


والزمخر (مزمار ذو أنبوبة خشبية مزدوجة وفم معدني ملتو)، والبوق، والمترددة (الترومبون) والبوق (شكل قديم آخر) ومزمار القرب، ثم آلات النقر مثل الطبل والجرس، والمصفقة والمخشخشة والصنوج بأنواعها، ثم الآلات ذات المفاتيح مثل الأرغن، وموترة المفاتيح، والبيان القيثاري، والسبينت (تشبه البيان)، والعذراوية (شبيهه ببيان صغير ليس له قوائم)، وكانت هناك أنواع أخرى كثيرة، وكان للعديد منها متنوعات فاتنة شتى اختلفت باختلاف الزمان والمكان، وكان في كل بيت مثقف واحدة أو أكثر من الآلات الموسيقية. وكان في بعض البيوت خزائن خاصة لحفظها. وكثيراً ما كانت هذه الآلات تحفاً فنية منقوشة نقشاً محبباً يرضى الخيال والذوق، تتوارثها الأسرات جيلاً بعد جيل بوصفها ذخائر وتذكارات ثمينة. وكانت بعض الأراغين مصنوعة بشكل بارع محكم، قدر البراعة والإحكام في واجهات الكاتدرائيات القوطية. وخلد ذكر الرجال الذين صنعوا الأراغين لبعض الأسرات الحاكمة الألمانية في نورمبرج لمدة قرن من الزمان. وكان الأرغن هو الآلة الموسيقية الرئيسية المستخدمة في الكنيسة، وإن لم تكن الوحيدة، بل كان هناك أيضاً المزمار، وموسيقى القرب والطبول والمترددة (الترومبون)، بل حتى الطبلة النقارية، وكلها تدعو بأصواتها المتنافرة إلى الصلاة والعبادة.
وكان العود هو الآلة المفضلة لمصاحبة مغن واحد، وهو من أصل آسيوي، شأنه في ذلك شأن كل الآلات الوترية، جاء مع المغاربة إلى أسبانيا، وهناك، مثل الفهيولا، (نوع من الكمان) ارتفع شأنه حتى صار الآلة الوحيدة المستعملة، التي ألفت من أجلها أقدم موسيقى آلية خالصة معروفة. وصنع جسمه عادة من الخشب والعاج، على شكل الكمثرى، وزود تجويفه بثقوب على شكل وردة، وكان له ستة،




صفحة رقم : 9006




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> الآلات


وفي بعض الأحيان اثنا عشر زوجاً من الأوتار تنفر بواسطة الأصابع، وكان عنقه مقسماً بعتبات من النحاس إلى سلم مدرج، وملواه منحرف إلى الخلف من العنق. وإذا أمسكت غادة حسناء بالعود في حضنها وداعبت أوتاره بأناملها وأضافت صوتها إلى أنغامه لاستطاع كيوبيد أن يوفر سهماً. ومهما يكن من أمر فقد كان من العسير الاحتفاظ في العود بدرجة النغم الصحيحة لأن استمرار شد الأوتار يسبب التواءها وتشويهها. وقال أحد الظرفاء إن عازف عود بلغ من العمل ثمانين عاماً، قضى منها ستين عاماً في ضبط النغم في عوده(6).
واختلف الكمان (الفيول) عن العود في امتداد أوتاره على مشط، وأن العزف عليه بواسطة قوس، ولكن القاعدة الأساسية واحدة فيهما- ذلك أن ذبذبات الشد ترتطم بالأوتار فوق صندوق ذي ثقوب لتعميق الصوت. وصنعت الفيول على ثلاثة أحجام: الكبير وهو باس فيولا داجامبا"، وكانوا يمسكون به بين الأرجل مثل البديل الحديث له - الفيولونسيل Violoncello ، والصغير وهو الفيول العالي النغم (فيولا دابراكسيو)، ويمسكون به على الذراع. وأخيراً الفيول المثلث، وفي القرن السادس عشر تطور النوع الثاني (فيولا دابراكسيو) إلى الكمان. وفي القرن الثامن عشر بطل استعمال الفيولا.
وكان الاختراع الأوربي الوحيد في الآلات الموسيقية هو لوحة المفاتيح التي تطرق بواسطتها الأوتار بطريق غير مباشر، بدلا من نقرها أو حنيها مباشرة، وأقدم الأشكال المعروفة، وهي موترة المفاتيح Clavichord ظهرت لأول مرة في القرن الثاني عشر، وقد عمرت حتى عدلها جوهان سباستيان باخ. وأقدم نموذج باق لها (1537) محفوظ في متحف المتروبوليتان في نيويورك، وصنع في القرن الخامس عشر نوع أقوى هو




صفحة رقم : 9007




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> الآلات


البيان القيثاري harpsichord، وقد مكن من تعديل الأنغام باختلافات الضغط، وأضيف في بعض الأحيان لوحة ثانية للمفاتيح، لتوسيع سلم النغم، وساعدت الوقفات والتفرقات على إبداع معجزات الصوت، وكان الأسبينت Spinet والعذراوية Virginal - والأول إيطالي والثانية شبه إنجليزية - شكلين مختلفين من البيان القيثاري، وكانت الآلات ذات المفاتيح مثل الفيول والعود، تحظى بأعظم التقدير لجمالها ونغماتها معاً. وكانت تشكل عنصراً جميلاً من عناصر البهجة والزينة في بيوت الأغنياء.
ولما تقدمت الآلات من حيث مدى النغم ونوعيته، ومن حيث تعقد عملها، تطلب النجاح في العزف عليها المزيد من المران والمهارة، وازداد عدد الجمهور في الحفلات التي يكون العزف فيها على آلة واحدة أو أكثر، دون أن يكون فيها غناء، وبرز عازفون على الأرغن والعود. وارتحل كونرادبومان Paumann (المتوفى 1473) عازف الأرغن الضرير في نورمبرج من بلاط إلى بلاط، وأقام حفلات موسيقية، استحق لبراعته وامتيازه فيها لقب فارس. وشجعت أمثال هذه التطورات على تأليف الموسيقى من أجل الآلات وحدها. ومن الواضح حتى القرن الخامس عشر، أن كل الموسيقى الآلية تقريباً كان قد قصد بها أن تصاحب الغناء أو الرقص، ولكن هناك في هذا القرن عدة لوحات تعرض بعض الموسيقيين يعزفون دون أن يرى فيها أثر لغناء أو رقص، وأقدم ما بقي من الموسيقى للآلات وحدها هي "جاميسانى Gamisandi" (1452)، وهي لكنراد بومان، وقد ألفت في الأصل لتوجيه العزف على الأرغن، ولكنها شملت أيضاً عدداً من القطع للعزف المنفرد، وأنقض تطبيق أتافيانو دي بتروسكي للحروف المعدنية المتحركة في طبع الموسيقى (1501) تكاليف نشر تأليف الموسيقى الآلية وغيرها، واقتصرت الموسيقى الموضوعة للرقص على عروض مستقلة، ومن ثم كان تأثير أشكال الرقصات على الموسيقى الآلية. وأدت ألحان "الحركات"




صفحة رقم : 9008




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> الآلات


المؤلفة لسلسة متعاقبة من الرقصات إلى ظهور السيمفونية والموسيقى الرباعية، التي احتفظت أجزاؤها أحياناً بأسماء الرقصات، وفضل العود والفيول والأرغن والبيان القيثاري للعزف المنفرد أو عزف الأوركسترا، وتمتع ألبرتو داريبا في بلاط فرنسوا الأول وهنري الثاني بشهرة عظيمة كعازف على العود، إلى حد عندما توفي أنشد شعراء فرنسا الترانيم الحزينة على قبره.




صفحة رقم : 9009




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> سيطرة الموسيقى الفلمنكية



2- سيطرة الموسيقى الفلمنكية




1430-1590


كانت الأغاني والرقصات الشعبية هي المعين الذي لا ينضب الذي اشتقت منه أشكال الموسيقى غير الكنسية أصولها وصيغها وموضوعاتها الرئيسية حتى القداسات، ربما اشتقت منها بعض الأغاني القصيرة مثل "وداعاً يا أحبائي"، وتنوعت الأغاني الفرنسية من الأغاني التوقيعية للمغنين في الشوارع، وأغاني الشعراء الغنائيين البسيطة (التروبادو) إلى أغاني غليوم دي ماشو وجوسكوين دبريه المعقدة المتعددة الأصوات.
وكان ماشو (1300-1377)سيد ذلك" الفن الجديد "الذي كان قد بسطه وشرحه فيليب دي فيتدي في 1325- وهو عبارة عن موسيقى استخدمت الإيقاع الثنائي بالإضافة إلى الإيقاع الثلاثي، وهو ما أقره "الفن القديم" والكنيسة. وكان ماشو شاعراً وعالماً وموسيقياً وكاهناً في كاتدرائية ريمس، وربما كان كذلك رجلاً مملوءاً حماسة وغيرة، لأنه كتب بعض قصائد الحب الغنائية التي لم تهدأ حرارتها بعد. وبرع في أثنى عشر شكلاً موسيقياً من الأغاني الراقصة والعاطفية، والقصائد الغنائية ذات اللازمة المتكررة والقصائد الغزلية، والقصائد الدينية، وموسيقى القداس، ويعزى إليه أقدم قداس متعدد الأصوات - لحنه رجل واحد. ولو أنه من




صفحة رقم : 9010




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> سيطرة الموسيقى الفلمنكية


رجال الكنيسة، في حركة صبغ الموسيقى المتعددة الأصوات بالصبغة العلمانية وإخراجها من حيز إيقاع القصائد الدينية والقداس إلى الإيقاع الأكثر انطلاقاً ومرونة في موسيقى الأغاني العلمانية.
وفي تلك القرون كان الإنجليز موسيقيين، ولكنهم لم ينافسوا الإيطاليين في اتساق الأصوات في اللحن (ومن ذا الذي ينافسهم؟)، ولا الفلمنكيين في تعدد الأصوات، ولكن أغانيهم، بين الحين والحين، بلغت من العذرية والرقة حداً لا يضارعهم فيه إلا أعمق الأغاني الفرنسية. وقوبل المغنون الإنجليز في مجلس كنستانس بالتهليل والهتاف، وفي هذا الجيل ألف هنري الخامس بطل أجنكورت، قداساً لا يزال يحتفظ بعظمته وقداسته. وكانت المقطوعات التي ألفها جون دنستابل (1370-1453) تعزف في كل البقاع من اسكتلنده إلى روما. ولعبت دوراً في تشكيل أسلوب المدرسة الفلمنكية.
وكما كانت الفلانذر قد استهلت فن التصوير في القرن الخامس عشر، كذلك شهدت الموسيقى فيها عصراً من أبهى وأعظم عصورها، في وسط النبلاء والمواطنين الأثرياء المحبين للفنون. وكتب جوهانس فوير Johannes Verwere حوالي 1490 يقول: "عندنا اليوم - إلى جانب العدد الكبير من مشاهير المغنيين، يظهر إلى الوجود، عدد لا حصر له تقريباً، من الملحنين الذين تتميز أعمالهم بعذوبة الصوت، وما سمعت أو نظرت إلى تأليفهم إلا ابتهج قلبي(7)". وربما وضع المعاصرون دوفاي وأوكيجم ودبريه في مرتبة سواء من سلم العبقرية والخير، مع جان فان إيك وكلو سلوتر وروجيبر فاندرويدن، وهنا في تعدد الأصوات في المدرسة الفلمنكية، عاشت أوربا الغربية آخر طور من أطوار الروح القوطية في الفن: الورع الديني الذي لطفه المرح الدنيوي والأشكال المتينة في قاعدتها وتركيبها،




صفحة رقم : 9011




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> سيطرة الموسيقى الفلمنكية


الغضة الرقيقة في تطويرها وزخرفتها. وحتى إيطاليا التي كانت معادية للفن القوطي، انضمت إلى أوربا الغربية في الاعتراف بتفوق الموسيقي الفلمنكية وسموها، وفي الاسترشاد بالفلاندرز في تحسين موسيقى فرق المرتلين الأسقفية، وفرق بلاط الأمراء. والف الإمبراطور مكسيمليان الأول، وقد سحرته موسيقى بروكسل، فرقة للمرتلين في فيينا، على نسق الفرق الفلمنكية، وأخذ شارل الخامس موسيقيين فلمنكيين إلى أسبانيا، وأخذ الأرشيدوق فرديناند نفراً منهم إلى النمسا، وأخذ كريستيان الثاني مجموعة أخرى منهم إلى الدنمرك. وقال كافللو البندقي "إن منبع الموسيقى في الأراضي المنخفضة"(8). وبهذه السيطرة الفلمنكية اجتازت الموسيقى الاحترافية الحدود الضيقة التي وضعتها القومية في ذاك العصر.
وقاد الطريق غليوم دوفاي، الذي ولد في هينوت Hainaut (1399) وتدرب كتلميذ منشد في كاتدرائية كمبراي، وسما بفرقتها إلى مراتب الشهرة العالمية. وكانت القداسات التي أنشدها هناك، تنشدها كل الأوساط الموسيقية في جميع أنحاء العالم المسيحي اللاتيني. وقد تبدو الألحان الباقية منها ثقيلة بطيئة في الآذان المرهفة الإحساس بخفة الحياة الحديثة وسرعتها، ولكنها ربما كانت صالحة في الكاتدرائيات الضخمة وفرق المنشدين البابوية المهيبة. وهناك أغنية أكثر التئاماً مع ذوقنا، وهي أغنية متعددة الأصوات تنساب أنغامها الحزينة انسياباً رقيقاً "ولى النهار" The Day is going to sleep وقد نتخيل فرقة بملابسها الرسمية تغني مثل هذه الأغنية في الأروقة القوطية في كمبراي، أو إيبر أو بروكسل أو بروجز أو غنت أو ديجون، ونحس أن العمارة والتصوير والملابس والموسيقى وآداب السلوك في ذاك العصر الحماسي الزاهي النابض بالحياة، شكلت جميعها كلاً متراكباً فنياً متسقاً، على حين أنها جميعها متنوعات تنتشر فيها فكرة رئيسية واحدة.




صفحة رقم : 9012




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> سيطرة الموسيقى الفلمنكية


وتطورت أساليب درفاي وأذاعها في كل أنحاء أوربا أعظم معلمي الموسيقى أثراً، ربما في أي عصر من العصور، جوهانس أوكيجيم، الذي ولد في فلاندرز (1430)، وقضى معظم سني حياته يقدم الموسيقى ويعلمها في بلاط فرنسا. وكان يهيم شغفاً بمقطوعة اسمها "canon" وهي شكل من أشكال الفوجة، يشكل فيه الصوت (المغني) الأول الكلمات واللحن، ويتلوه بعض الفواصل، ثم يكرره الصوت الثاني، ويتلوه فاصل، ثم الصوت الثالث وهكذا، في طباق منساب، تحدي تعقيده المجهد المغنين، وسحر الملحنين، وقد هرع إليه هؤلاء وأولئك من كل أقطار العالم الكاثوليكي لينهلوا من فيض مهارته الفنية وينقلوها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وكتب مؤرخ قديم: "لقد نقل عن طريق تلاميذه إلى جميع الأقطار فن تعدد الأصوات الطباقي وشكل الفوجة سالف الذكر canon وينبغي أن يعتبر أوكيجم- لأن ذلك يمكن إثباته بالتسلسل "الأسلوبي"- يعتبر مؤسس كل المدارس ابتداء من مدرسته إلى مدارس العصر الحالي (9). ولكن مذ كتب هذا في 1833، فإن أوكيجم لا يعتبر مسئولاً عن موسيقى القرن العشرين، وعند وفاته 1495 ألف موسيقيو أوربا مقطوعات حزينة تخليداً لذكراه، وكتب له إرزم مرثية. إن الأسماء، حتى أسماء الخالدين، مكتوبة على الماء.

وأصبح تلاميذ أوكيجم زعماء الموسيقى في الجيل التالي، وقد قدم جوسكين دبريه من هينوت إلى باريس، وتتلمذ لعدة سنوات على أوكيجم، ثم اشتغل "رئيس فرقة الكنيسة" في فلورنسه وميلان وفيرارا، وكتب للدوق أركول الأول مقطوعة اسمها Miserere سرعان ما دوى صيتها في كل أوربا الغربية، وبعد سنوات ست قضاها في فرقة كنيسة سستين عاد إلى باريس (1494) ليعمل رئيساً لفرقة لويس الثاني عشر. ومن أنبل أعماله "الحزن على جوهانس أوكيجم" وهي رثاء لأستاذه المتوفى، وقد حذا




صفحة رقم : 9013




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> سيطرة الموسيقى الفلمنكية


حذوه لبعض الوقت في تلحين القداسات والقصائد الدينية في شكل الفوجة التي أسلفنا ذكرها، وهو يجمع الصوت على الصوت، فيما يشبه المسائل الرياضية من حيث التتابع والاتساق. فلما اكتملت مهارته. واستتبت له السيادة في "فن الموسيقى" بلا منازع، ترك التقنية، وكتب قصائد وتراتيل دينية وأغنيات علمانية في طراز من الألحان أكثر بساطة، أعقبت فيه الموسيقى الكلمات وزينتها، بدلا من إرهاقها، في فوجة سريعة التغير، أو بدلاً من مد المقطع إلى أغنية، ولما قضى المعلم وتلميذه نحبهما، اصبح من العادة أن يسمى أوكيجم "دوناتللو"، وأن يسمى دبريه "ميكل أنجيلو" الفن الموسيقي.
ورعى البلاط الفرنسي الموسيقى وشجعها باعتبارها زهرة الثروة والقوة، ولقد صورت سجادة قديمة يرجع تاريخها إلى حوالي سنة 1500، وهي الآن محفوظة في متحف جوبلين في باريس، أربعا من السيدات وثلاثة من الشبان وراهباً أصلع، مجتمعين في بستان حول نافورة، وكان أحد الصبية يعزف على العود، وإحدى البنات على القيثار، وكانت سيدة وقورة تعزف على أرغن سهل الحمل، ولقد قصد الشعراء الفرنسيون أن تكون قصائدهم صالحة للغناء. وخصصت "أكاديمية القصر" لإحكام الاتحاد بين الموسيقى والشعر، وحتى في عصرنا هذا، لا يبدو الواحد منهما كاملاً بدون الآخر، وتفوق كليمنت جانكين- وهو أحد تلاميذ دبريه - في الأغاني الوصفية. ولا تزال أغنيته "أغنية القبرة" (1521) تصدح فوق عدة قارات.
وعكست الموسيقى الأسبانية تقوى الشعب وبسالته، لقد تراوح هذا الفن- بعد تهجينه وإخصابه بما دخل عليه مؤثرات عربية وإيطالية وبروفانسية وفرنسية وفلمنكية - تراوح بين القصائد الأندلسية الحزينة التي ينشدها صوت واحد (المونودية)، وللقداسات العظيمة المتعددة الأصوات بالأسلوب الفلمنكي. وسما واحد من أعظم ملحني القرن السادس عشر،




صفحة رقم : 9014




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> سيطرة الموسيقى الفلمنكية


هو كريستوبال مورال بفن تعدد الأصوات إلى درجة عالية، ونقل فنه إلى تلميذه الأكثر شهرة توماس لويس دي فكتوريا. وسار كل في اتجاه مضاد، فأنتج التراث العربي الألحان الصالحة للعود، ولحن لويس دي ميلان ومجول دي فونللانا Miguel de Fuenllana للكمان، وعزف عليها أغنيات زاحمت الأغاني الألمانية في مداها وقوتها.
واستمر الموسيقيون الفلمنكيون يقتحمون إيطاليا حتى ظهر بالسترينا. واستقدم لورنزو دي مديتشي إلى فلورنسه هنريخ إيزاك بعد أن استوعب فن الطباق الموسيقي في الفلاندرز، ليعلم أبناء العظماء، ومكث هناك أربع سنوات، وألف موسيقى لأغاني لورنزو. ولما اقض مضجعه الغزو الفرنسي لإيطاليا، انتقل إلى خدمة مكسيمليان الأول في أنسبروك، حيث ساهم في تشكيل الأغنية الألمانية، وعاد إلى إيطاليا في عام 1502، وخصص له الإمبراطور ليو العاشر تلميذه السابق معاشاً، ووضعت قداساته وقصائده الدينية وأغانيه في مرتبة أعظم موسيقى العصر، وعلى الأخص ثمان وخمسين مقطوعة ذات أربعة أجزاء، لاحتفالات القداس طوال السنة الدينية.
وسما أورلاندو دي لاسو بالمدرسة الفلمنكية إلى الذروة، وضرب بتوفيقه في مهنته وحياته أروع الأمثال، لاتساع مجال الموسيقيين في عصر النهضة وارتفاع مستواهم الاجتماعي. وعندما كان تلميذاً في فرقة المنشدين في موطنه هينوت سحر سامعيه، إلى حد أن خطفه مرتين أولئك الذين تمنوا أن يستفيدوا من صوته، وأخيراً، وهو في سن الخامسة عشرة (1545؟)، سمح أبواه لفرديناند جونزاجا أن يصحبه معه إلى إيطاليا. وفي سن الرابعة والعشرين أصبح رئيس فرقة المنشدين في كنيسة سانت جون لاتيران في روما. وفي 1555 استقر به المقام في أنتورب، ونشر "أول كتاب في القصائد الغزلية الإيطالية"، وهي قصائد غنائية علمانية أضفى عليها كل




صفحة رقم : 9015




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> سيطرة الموسيقى الفلمنكية


زخارف فن مزج الألحان الفلمنكي. وفي نفس العام أصدر مجموعة من أغان من أصل نابوليتاني (من مدينة نابلي) ومن الأغاني الفرنسية، وأربع قصائد دينية قصيرة، ولقد عكست هذه المجموعة التقلب المتسم بالحكمة في حياة دى لاسو، بين المتعة الدنيوية والقوة الشجية، وأنا لنجد لمحة عن بيئته في أنتورب في إهدابه إحدى قصائده إلى الكاردينال بول، وأخرى إلى الكاردينال جرانفيل هو الذي هيأ للملحن الشاب العمل في إدارة فرقة المنشدين للدوق في ميونخ (1556). وأحب أورلاندو بافاريا قدر حبه إيطاليا، واتخذ له زوجة من أحد البلدين، كما اتخذ اسمه من البلد الآخر، وعمل لدى أدواق بافاريا حتى الممات.
وضاعف أورلاندو السعيد، موزار القرن السادس عشر، الألحان الستمائة والستة والعشرين التي ألفها نظيره. ودرس سلم النغم في كل الأشكال الموسيقية السائدة، وأحرز في كل منها شهرة فائقة في كل أنحاء أوربا. وبدا أنه على نفس القدر من المعرفة والبراعة في غزليات الحب النقي، وأغاني الحب الطائش، وقداسات الورع الصوفي. وعين في 1563 رئيس فرقة المنشدين في الكنيسة، وألف آنذاك لألبرت الخامس لحناً موسيقياً لمزامير التوبة السبعة، وأعجب الدوق بهذه الموسيقى حتى أنه كلف الفنانين بتسجيلها على الورق "البرشمان" وزخرفتها بالمنمنمات، وتجليدها بجلد الماعز الأحمر الفاخر في مجلدين من القطع الكبير، محفوظين الآن ضمن أثمن مقتنيات مكتبة الدولة في مدينة ميونيخ المحبة للفنون.
واجتذبت أوربا كلها النجم الجديد. وعندما زار دي لاسو باريس (1571) عرض عليه شارل التاسع 1200 جنيه سنوياً (30.000 دولار؟) سنوياً، ليبقى عنده، فرفض، ولكنه أهدى شارل وكاترين دي مديتشي




صفحة رقم : 9016




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> سيطرة الموسيقى الفلمنكية


كتاباً في الأغاني الفرنسية، يقول عنه برانتوم إنه من أعذب ما سمعت باريس، وقد روت إحدى الأغنيات مناقب العاصمة الفرنسية في حبها للعدالة والسلام- وكان هذا قبل مذبحة سانت برثلميو بعام واحد. ولما عاد دي لاسو إلى ميونيخ أهدى آل "uggers" مجموعة من القصائد اللاتينية القصيرة والغزليات الإيطالية والأغاني الألمانية والأغاني الفرنسية، إن هذا الملحن لم يكن صعلوكاً رومانتيكياً، بل كان خبيراً بأساليب الحياة في الدنيا. وفي عام 1574 سافر إلى رومه على نفقة الدوق البرت، وأهدى جريجوري الثالث عشر مجلداً من القداسات، وتسلم منه "وسام المهماز الذهبي" بل إن الله خص أعمال دي لاسو بأعظم التقدير، ذلك أنه في يوم عيد الجسد (1584) هبت عاصفة هوجاء هددت بإلغاء الموكب الديني الذي اعتاد اجتياز شوارع ميونيخ، وعندما عزمت فرقة المنشدين مقطوعة أورلاندو "تأمل وانظر كيف أن الله كريم"، انقطع المطر وأشرقت الشمس. وفي مثل هذا اليوم، فيما بعد، كانت تلك المقطوعة تعزف، لنضمن سماحة السموات.
وفي 1585 عندما كبرت سن دي لاسو، وثاب إلى التوبة، نشر "كتابه الخامس في الغزليات" الذي طبق فيه الشكل على الموضوعات الروحية، وهي من أعظم ألحانه إثارة للمشاعر. وبعد ذلك بخمس سنوات، التاث عقله وغاب عنه وعيه، فلم يعد بعرف زوجته. وكاد لا يتحدث في شيء إلا الموت، ويوم الحساب الأخير، وزيادة الراتب. وحظي بهذه الزيادة، ومات (1594) فائزاً ظافراً مخبولاً.




صفحة رقم : 9017




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> الموسيقى والإصلاح الديني



3- الموسيقى والإصلاح الديني


كان الإصلاح الديني ثورة في الموسيقى، قدر ما كان ثورة في اللاهوت والطقوس وعلم الأخلاق والفن. لقد كانت الطقوس الكاثوليكية




صفحة رقم : 9018




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> الموسيقى والإصلاح الديني


أرستقراطية، أو شعائر فخمة متأصلة في تقاليد منيعة لا تنتهك حرمتها، متعالية تعالياً صريحاً عن الشعب، في اللغة والملابس والرموز والموسيقى. وبهذه الروح، عرف رجال الدين أنفسهم بأنهم الكنيسة، وذهبوا إلى أن الناس قطيع يساق إلى حسن الخلق والخلاص بالخرافات والأساطير والعظات والمسرحيات وكل الفنون. وبهذه الروح كان القداس سراً خفياً مقصوراً فهمه على فئة قليلة، واتصالاً خارقاً بين الكاهن والرب.وكان الكاهن يرتل القداس، ومعه فرقة المنشدين من الذكور، منعزلة عن المصلين. ولكن في الإصلاح الديني فرضت الطبقات الوسطى وجودها وحقوقها، واصبح الشعب هو الكنيسة، ورجال الدين ممثليه، والقداس باللغة الوطنية، وكان لا بد أن تكون الموسيقى واضحة مفهومة، يمكن أن تقوم فيها جماعة المصلين بدور فعال، أصبح في آخر الأمر قيادياً.
وأحب لوثر الموسيقى، وقدر فن تعدد الأصوات والطباق الموسيقي، وفي 1538 كتب متحمساً يقول:


"إذا شحذ الفن الموسيقى الطبيعية وصقلها يبدأ الإنسان يدرك




في عجب ودهشة حكمة الله العظيمة البالغة حد الكمال، في




موسيقاه الرائعة، حيث يقوم صوت واحد بدور بسيط، ويغني




حوله ثلاثة أو أربعة أو خمسة أصوات أخرى، تثب وتنطلق هنا




وهناك، تزين الدور البسيط، وكأنها رقصة تربيعية في السماء.




إن هذا الذي لا يجد في هذا معجزة تفوق الوصف من عند الله،




ليس إلا غبياً حقيراً لا يستحق أن يعتبر إنساناً"(10).


وكان لوثر في نفس الوقت تواقاً إلى موسيقى دينية يمكن أن تحرك مشاعر الناس، بالتحام الإيمان بالغناء عن طريق الموسيقى. وفي 1524 تعاون مع جوهان والتر، رئيس فرقة المنشدين في الكنيسة لدى الأمير




صفحة رقم : 9019




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> الموسيقى والإصلاح الديني


فردريك الحكيم لإنتاج أولى التراتيل البروتستانتية التي وسعت وأدخل عليها تحسينات كثيرة في الطبعات المتعددة. وكان جزء من كلماتها مأخوذاً من الترانيم الكاثوليكية، وجزء آخر مقتبساً من أغاني رئيس فرقة المنشدين، وجزء ثالث مكتوباً بقلم لوثر الشاعري تقريباً، وجزء آخر مأخوذاً من الأغاني الشعبية بعد نقلها إلى موضوعات دينية. ويقول لوثر "ليس للشيطان حق في كل الألحان الجيدة(11). وألف لوثر بعض الموسيقى، وألف والتر جزءاً آخر، واقتبس قسم ثالث من المقطوعات الكاثوليكية المعروفة آنذاك. واستمرت الكنائس اللوثرية لمدة قرن تقريباً، تدخل القداسات المتعددة الأصوات في طقوسها، ولكن حلت اللغة الوطنية محل اللاتينية شيئاً فشيئاً، ونقص دور القداس، وزاد غناء المصلين، وانتقلت أغاني فرقة المنشدين من الطباق إلى شكل إيقاعي متناسق ايسر، سعت فيه الموسيقى إلى متابعة الكلمات وتفسيرها، ومن موسيقى فرقة المنشدين التي ألفها لوثر ومعاونوه لمصاحبة تلاوة قصص الإنجيل، جاءت الموسيقى العظيمة في الكنيسة البروتستانتية في القرن الثامن عشر، وبلغت الذروة في موشحات هاندل وقداساته وموشحات جوهان سباستيان باخ وتراتيله.
ولم يكن كل مؤسسي البروتستانتية يحبون الموسيقى مثلما أحبها لوثر، فإن زونجلي، ولو أنه نفسه موسيقار، استبعد الموسيقى كلية من الصلوات الدينية، وحرم كلفن كل الموسيقى الكنسية، فيما عدا غناء المصلين المتساوي النغمات. ولكنه أباح الغناء الطباقي المتعدد الأصوات في البيت، فاستمد أتباعه الهيجونوت في فرنسا جزءاً من قوتهم وشجاعتهم من إنشاد المزامير والترانيم على أنغام الموسيقى بأصوات متعددة. ولما ترجم كليمنت مارو المزامير إلى اللغة الفرنسية شعراً، أعجب بها كلفن إلى حد أنه تجاوز عن المقطوعات الطباقية التي وضعها كلود جوديمل، وقد أضفت حقيقة أن هذا الملحن البروتستانتي لقي حتفه في مذبحة سانت برثلميو،




صفحة رقم : 9020




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> الموسيقى والإصلاح الديني


مزيداً من القدسية على كتاب مزاميره المقدس. وبعد مارو بعام، لم يخف أسقف كاثوليكي حسده للدور الذي كانت قد لعبته هذه الترجمات والمقطوعات في الإصلاح الديني الفرنسي. "وكان حفظ المزامير عن ظهر قلب، لدى الهيجونوت سمة الطائفة التي ينتمون إليها، وفي المدن التي يكثر عددهم فيها، يمكن أن تسمع النغمات المنبعثة من أفواه للعمال، ومن القرى من أفواه الكادحين الذين يفلحون الأرض(12)".لقد ميزت الصبغة الديمقراطية التي صبغت بها الموسيقى الدينية البلاد التي عم فيها الإصلاح الديني حيث سترت هذه الصبغة الديموقراطية قيام العقيدة ببهجة الموسيقى التي تسري عن النفس.




صفحة رقم : 9021




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> بالتسرينا



4- بالتسرينا




1526- 1594


ظلت الكنيسة الكاثوليكية الراعي الرئيسي للموسيقى مثل غيرها من الفنون، وتقدمت الموسيقى الكاثوليكية، شمال جبال الألب، على الأسس التي وضعتها المدرسة الفلمنكية، وثبت هذا التقليد إيزاك في النمسا ودى لاسو في بارفايا. ووجه لوثر في 1550 خطاباً من أكرم خطاباته إلى لودفيج سنفل يحييه فيه ويطري موسيقاه التي كان يؤلفها في ميونيخ، ويثني على الأدواق الكاثوليك هناك لأنهم "يرعون الموسيقى ويجلونها"(13).
وكان فريق المنشدين كنيسة سستين هو النموذج الذي احتذاه الملوك والأمراء في تأسيس كنائسهم طوال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وحتى بين البروتستانت كان أروع شكل للتأليف الموسيقي هو القداس. وكانت فرقة المنشدين البابوية هي التي تقوم بالقداس في أروع أشكاله. وكان أعظم ما يطمع فيه أي مغن هو أن يلتحق بهذه الفرقة،التي كانت لذلك قادرة على أن تضم إليها أحسن أصوات الذكور في أوربا الغربية.




صفحة رقم : 9022




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> بالتسرينا


وكان الكاستراتي، الذين كانوا يسمون آنذاك "الخصيان"- أول من أدخلوا إلى فرقة سستين، حوالي 1550، وسرعان ما أظهر بعد ذلك غيرهم في البلاط البافاري، وكانوا يخصون الأولاد بموافقتهم، وكانوا يغرونهم بأن أصواتهم العذبة الندية ستكون أكبر نعمة وتعويض لهم عن الإنجاب والإخصاب- تلك ميزة وحشية كانت في متناول كل من يطلبها بصفة عامة.
وكانت الكنيسة- مثل أي نظام قديم معقد، لا بد أن يخسر كثيراً بأية بدعة غير موفقة- كانت تتسم بروح المحافظة في الطقوس والشعائر، حتى أكثر منها فيما يتعلق بالعقيدة. أما المؤلفون فكانوا على النقيض من ذلك، يضيقون ذرعاً بالأساليب القديمة، كما كانوا كذلك في كل العصور، وكان التجريب في نظرهم هو حياة فنهم. وكافحت الكنيسة في كل هذه القرون، لمنع التكلف في الفنون الجديدة، ورقة الطباق الفلمنكي، من أن يضعفا وقار القداس الكبير وعظمته. وفي سنة 1322 أصدر البابا جون الثاني والعشرين قراراً صارماً ضد البدع الموسيقية والزخرفة، وأمر بأن تلتزم موسيقى القداس بالأغنية البسيطة الوحيدة، أي الأغنية الجريجورية، كأساس لها، ولا تبيح إلا التناغم الذي يمكن أن يكون مفهوماً للمصلين، وبعمق التقوى في نفوسهم أكثر مما يلهيهم عنا. وظل الأمر مطاعاً لمدة قرن من الزمان، ثم جاءت المراوغة في تنفيذه من أن بعض المنشدين الجهير (الصوت العميق الخفيض) أعلى من المكتوب بجواب واحد. واصبح هذا الجهير الزائف هو الخدعة المفضلة في فرنسا. وظهرت التعقيدات من جديد في موسيقى القداس، وبدأ إنشاد خمسة أو ستة أو ثمانية أجزاء بالفوجة والطباق، جرت فيها كلمات الطقوس الدينية الواحدة عقب الأخرى في فوضى احترافية، أو غرقت في زخارف موسيقية وضعها المغنون وفق أهوائهم. وأدى تكييف أنغام شعبية للقداس، حتى إلى إقحام كلمات بذيئة على النص المقدس. واتفق أن عرفت بعض القداسات بمصادرها العلمانية مثل قداس




صفحة رقم : 9023




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> بالتسرينا


"وداعاً يا أحبائي" أو قداس "في ظل الشجرة"(14). واستاء إرزم المتحرر نفسه من زيف "فن القداس" حتى أنه احتج على ذلك في ملاحظة دونها في طبعته التي نشرها "للعهد الجديد":
إن الموسيقى الكنسية الحديثة ألفت بحيث لا يستطيع أحد من جماعة المصلين أن يتبين كلمة واحدة متميزة. إن المنشدين أنفسهم لا يفهمون ما ينشدون... لم يكن ثمة موسيقى (كنسية) أيام القديس بولص، حيث كانت الكلمات تنطق بوضوح. إن الكلمات اليوم لا تعني شيئاً. إن الناس يذرون أعمالهم ويقصدون إلى الكنيسة ليستمعوا إلى جلبة وضجيج لم يكن لهم بهما عهد في المسارح اليونانية والرومانية. ينبغي أن تسك النقود لشراء الأراغين وتدريب الأولاد على إطلاق الصيحات والصرخات(15).
واتفقت جماعة الإصلاح في الكنيسة مع إرزم في هذه المسألة. فمنع جيبرتي أسقف فيرونا استعمال أغاني الحب أو الألحان الشعبية في أبرشيته، كما حرم مورون أسقف مودينا كل الموسيقى "المصورة" أي المزخرفة بكل تفاصيل الإثارات والأفكار الرئيسية. وحث المصلحون الكاثوليك في مجلس ترنت على استبعاد كل الموسيقى المتعددة الأصوات من كل حفلات الكنيسة، وعلى العودة إلى الإنشاد الجريجوري ذي الصوت الواحد، ولكن ربما كان من الممكن أن يساعد ميل البابا بيوس الرابع إلى قداسات بالسترينا، على إنقاذ "تعدد الأصوات" في الكنيسة الكاثوليكية.
لقد اشتق جيوفني لويجي بالسترينا اسمه من اسم مدينة صغيرة في الريف الروماني كانت قد دخلت التاريخ في العصور القديمة تحت اسم "براينستي". وإنا لنجده في 1537، وهو إذ ذاك في الحادية عشرة من عمره، بين تلاميذ فرقة المنشدين في سانتا ماربا مجيوري في روما، ولم يكن قد بلغ




صفحة رقم : 9024




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> بالتسرينا


الحادية والعشرين حين عين رئيساً للفرقة في كاتدرائية مسقط رأسه. فلما توطد مركزه على هذا النحو، تزوج من لوكريشيا دي جوريس، وكانت على شيء من اليسار، وعندما تقلد أسقف بالسترينا منصب البابوية تحت اسم جوليوس الثالث، اصطحب معه رئيس فرقته إلى رومه، وعينه رئيس معبد جوليا في كنسية القديس بطرس، الذي كان يتدرب فيه المنشدون لكنيسة سستين.وأهدى الملحن الشاب إلى البابا الجديد أول كتاب له في "القداسات" (1554) عرض أحدها معزوفة ثلاثية الألحان بمصاحبة منشد واحد لأغنية بسيطة، وأحب البابا هذه القداسات إلى حد أنه منح بالسترينا عضوية فرقة المنشدين في كنيسة سستين.وبدا موقف جيوفني شاذاً، بوصفه رجلاً متزوجاً، وسط هذه الجماعة التي كان أفرادها مترهبين عادة، مما أثار بعض المعارضة. وكان بالسترينا على وشك أن يهدي البابا كتاباً في الغزليات، لولا أن جوليوس عاجله الموت (1555).
ولم يعمر مارسلس الثاني أكثر من ثلاثة أسابيع بعد ارتقائه عرش البابوية. وأهدى الملحن إلى ذكراه (1555) مقطوعته الشهيرة "قداس البابا مارسلس" التي لم تنشر، أو هكذا كانت تسمى حتى 1567. وطرد البابا بول الرابع ذو المبادئ البيوريتانية الجامدة الأعضاء المتزوجين في فرقة منشدي سستين، وخصص لكل منهم معاشاً ضئيلاً. وما لبث بالسترينا أن عين رئيساً لفرقة المنشدين في كنيسة سان جون لاتيران، ولكن هذه الوظيفة، ولو أنها سدت رمقه، لم توفر له نفقات نشر تآليفه الموسيقية. وعاد العطف البابوي يضلله بارتقاء بيوس الرابع عرش البابوية (1559). وتأثر بيوس أيما بمقطوعة lmproperia التي أعدها بالسترينا لاحتفال "الجمعة الحزينة"، ومنذ ذلك الوقت أصبحت هذه المقطوعة جزءاً لا يتجزأ من الطقوس في كنيسة سستين، وظل زواج




صفحة رقم : 9025




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> بالتسرينا


بالسترينا يحول بينه وبين فرقة سستين، ولكن ارتفع شأنه بتعيينه (1561) رئيساً لفرقة سانتا ماريا مجيوري.
وبعد ذلك بعام واحد بحث مجلس ترنت الذي انعقد ثانية، مشكلة تنظيم الموسيقى الكنسية، لتتسق مع روح الإصلاح الجديدة، ورفض الاقتراح القائل بمنع "تعدد الأصوات" منعاً باتاً. وأقر حل وسط يحث السلطات الدينية "على أن تستبعد من الكنائس كل موسيقى... تقدم شيئاً من الدنس أو الفجور، حتى يظل بيت الله مشهوداً له بأنه بيت التعبد والصلاة ، وعين بيوس الرابع لجنة قوامها ثمانية من الكاردينالات لتنفيذ هذا القرار في أبرشية رومه. وتروي قصة لطيفة أن اللجنة كانت على وشك تحريم الموسيقى المتعددة الأصوات، حين توسل أحد الأعضاء وهو الكاردينال شارل بوروميو، إلى بالسترينا أن يؤلف قداساً يمكن أن يظهر الانسجام الكامل بين تعدد الأصوات والتقي والتدين، واستجاب بالسترينا وألف، وأنشدت الفرقة ثلاثة قداسات أمام اللجنة، أحدها "قداس البابا مرسلس". ولم ينفذ "تعدد الأصوات" من الحكم عليه بالفناء إلا الاتحاد الوثيق بين السمو الديني والبراعة الفنية المهذبة في الموسيقى في هذه القداسات. على أن قداس البابا مرسلس كان قد مضى على تأليفه آنذاك عشر سنوات. ومهما يكن من أمر فإن العلاقة الوحيدة المعروفة بين بالسترينا وهذه اللجنة، هي أنها زادت من راتبه(16). على أننا مع ذلك قد نؤمن بأن الموسيقى التي كان بالسترينا قد قدمها في فرق روما، بفضل إخلاصها للكلمات، وتجنبها للمثيرات الدنيوية وإخضاعها الفن الموسيقي للمقاصد الدينية، قد لعبت دوراً كبيراً في توجيه اللجنة إلى إجازة الموسيقى المتعددة الأصوات(17). وثمة حجة أخرى تضاف تأييداً "لتعدد الأصوات" تلك هي أن تأليف بالسترينا الدينية استغنت، بشكل طبيعي،




صفحة رقم : 9026




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> بالتسرينا


عن "زخارف الآلات"، وكانت مكتوبة دائماً تقريباً بالأسلوب الكنسي، أي للأصوات فقط.
وفي 1571 أعيد تعيين بالسترينا رئيساً لفرقة كنيسة جوليا، وبقي في هذا المركز حتى موته. وفي نفس الوقت كان إنتاجه غزيراً بلا حدود بلغ في جملته 93 قداساً، و426 ترنيمة تجاوبية، وتقدمه للذبيحة الإلهية، وأغنية دينية ومزموراً وعدداً كبيراً من الغزليات. وكان بعض هذه مبنياً على موضوعات علمانية. ولكن بالسترينا لما تقدمت به السنون، حول حتى هذا الشكل إلى أغراض دينية. وتضمن "كتابه الأول في الغزليات الروحية" (1581) بعضاً من أجمل مقطوعاته. وربما لونت المآسي الشخصية موسيقاه أو شوهتا، فقد توفي ابنه أنجلو في 1576، تاركاً في رعايته حفيدين عزيزين، ماتا بعد ذلك بسنوات قليلة. وتوفي ابن آخر له حوالي 1579. ولكن موت زوجته في 1580 دفعه إلى التفكير في أن يترهب. على أنه تزوج ثانية في بحر سنة واحدة
إن وفرة إنتاج بالسترينا ونوعيته المذهلتين رفعتاه إلى مرتبة الزعامة على الموسيقى الإيطالية، إن لم تكن الأوربية بأسرها. إن وضعه نشيد الإنشاد Song of Solomon في تسع وعشرين قصيدة دينية (1584)، و "مراثي أرمياء" 1588، و Stabat Mater and Magificat 1590، ثبتت شهرته وقوته الصامدة. وفي 1592 اشترك منافسوه الإيطاليون في إهدائه "مجموعة من مزامير المساء". وكرموه بأنه "الأب المشترك لكل الموسيقيين". وفي أول يناير 1594 أهدى كريستينا دوقة تسكانيا العظيمة "الكتاب الثاني من الغزليات الروحية" التي جمع فيها ثانية بين الإخلاص الديني والبراعة الموسيقية. وبعد ذلك بشهر واحد قضى نحبه وهو في التاسعة والستين من العمر، ونقش على قبره تحت اسمه "أمير الموسيقى". وينبغي ألا نتوقع أن نقدر بالسترينا اليوم حق قدرهن إلا إذا كانت




صفحة رقم : 9027




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الموسيقى -> بالتسرينا


نفوسنا نحن متشبعة بالروح الدينية. وإننا لنسمع اليوم موسيقاه في وضعها السليم بوصفها جزءاً من طقوس مهيبة، وحتى في هذه الطقوس قد تتركنا جوانبنا الفنية مشدوهين أكثر منا متأثرين. وبالمعنى الحرفي، أي في واقع الأمر، إن الوضع الصحيح لا يمكن أن يعود أبداً، لأن موسيقى بالسترينا كانت موسيقى الإصلاح الكاثوليكي، فهي النغمة الكئيبة للنكسة الصارمة ضد الابتهاج الحسي في النهضة الوثنية، أو قل هي ميكل أنجيلو باقياً على قيد الحياة بعد رافائيل، أو بول الرابع يحل محل ليو العاشر، أو ليولا يحل مكان بمبو، أو كلفن يخلف لوثر. إن ترشيحاتنا المعاصرة ليست إلا معياراً عابراً غير معصوم من الخطأ، وذوق الفرد- وخاصة إذا أعوزته القدرة الفنية والتصرف والإحساس بالخطيئة- إنما هو أساس واه نقيم عليه مقياساً للحكم في الموسيقى واللاهوت. ولكن نستطيع أن نتفق جميعاً على أن بالسترينا، بلغ بفن "تعدد الأصوات" الديني درجة الكمال، في عصره. وأنه، مثل معظم كبار الفنانين، وقف على قمة حد من التطور في الإحساس والتقنية، وتسلم تقليداً فأتمه وأكمله، لقد ارتضى النظام، وعن طريقه وزد موسيقاه بتركيب وبنية، أو رسوخاً معمارياً في وجه أعاصير التغيير الهوجاء. ومن يدري، فربما جاء عصر ليس ببعيد، أرهقته أصوات الأوركسترا العالية الطنانة ورومانسيات الأوبرا- ليجد في موسيقى مثل موسيقى بالسترينا عمقاً في الإحساس، وانسياباً عميقاً هادئاً في الألحان، يصلحان بطريقة أفضل للتعبير عن النفس الإنسانية المتطهرة من غرور العقل والقوة، رابضة مرة ثانية، في تواضع وخشوع وخشية، أمام الوجود الأبدي الذي يطبق عليها.




صفحة رقم : 9028




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> في صناعة الكتب



الفصل الخامس والثلاثون




الأدب في عصر رابليه




1517-1564




1- في صناعة الكتب


اتخذ حافز الإعلان عن النفس صورة جديدة بعد جوتنبرج، هي رغبة الكتاب الملحة في طبع مؤلفاتهم. على أن هذا الحافز كان غالي الثمن، لأن حتى التأليف الوحيد المعروف آنئذ كان "الامتياز الخاص" الذي تمنحه السلطات المدنية أو الكنسية لطبع كتاب بعينه، وهو منحة استثنائية، بدونها كان في استطاعة الناشرين المتنافسين، حتى في البلد الواحد، أن يسطوا على أثر حين يشاءون، وكان الناشر عادة-إذا راج الكتاب الذي ينشره-ينقد المؤلف أتعاباً، ولكن المطبوعات الوحيدة تقريباً التي غلت من الربح ما يكفي لحصول المؤلف على أتعابه هي الروايات الشعبية، وقصص السحر أو المعجزات، والنشرات الجدلية التي كان شرط رواجها أن تحشي بالمطاعن. أما الكتب العلمية والثقافية فكانت محظوظة إن غطت نفقاتها. وكان الناشرون يشجعون المؤلفين على إهداء هذه الآثار إلى كبار رجال الدولة أو الكنيسة أو إلى أثرياء الأعيان والأشراف بأمل الحصول على منحة لقاء هذا الزلفى.
واجتمعت الطباعة والنشر عادة في بيت واحد. وكان الرجل أو الأسرة المشتغلان بهما عنصراً حيوياً في مدينتهما وجيلهما. أما الشهرة عن طريق الطباعة وحدها فقط فكانت نادرة، وقد أفلح كلود جرامون الباريسي




صفحة رقم : 9029




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> في صناعة الكتب


في إحرازها بنبذة حرف الطباعة "القوطي" الذي اتخذه الطباعون الألمان نقلاً عن حروف المخطوطات، وبتصميمه حروف طباعة "رومانيا" (حوالي 1540) مبنياً على خط الكتابة الكارولنجي الصغير المنتشر في القرن التاسع كما طوره الإنسانيون الإيطاليون والمطبعة الألدية. واختار الطباعون الفرنسيون والإنجليز هذا الحرف الروماني، أما الألمان فقد تمسكوا بالحرف القوطي حتى القرن التاسع عشر. وما زالت أنماط من حروف الطبع تحمل اسم جرامون.
وتزعمت ألمانيا العالم في ميدان النشر. فقامت بيوت نشر نشيطة في بازل وستراسبورج وأوجزبورج ونورمبرج وفتنبرج وكولونيا وليبزج وفرانكفورت ومجدبورج. وكان الناشرون وتجار الكتب يلتقون مرتين كل عام في سوق فرانكفورت، فيشترون الكتب ويبيعونها ويتبادلون الأفكار. وأصدر طباع فرانكفورتي أول جريدة (1548)-وكانت ورقة توزع في السوق وتروي آخر الأحداث. وأصبحت أنتورب مركزاً للنشر حين عمد كرستوفر بلانتن إلى دكان التجليد الذي يملكه فحوله إلى مطبعة (1555)، وبعد عامين أرسل 1200 مجلد إلى سوق فرانكفورت. أما في فرنسا فكانت ليون مركزاً لصناعة الكتاب، وأتاحت لها مائتان من مؤسسات الطباعة أن تتحدى باريس بوصفها العاصمة الفكرية للبلاد.
وكان إتيين دولية الطباع والأديب الإنساني شعلة ليون المتأججة بالثورة. ولد في أورليان، وتلقى علومه في باريس، ثم أولع بشيشرون. "إنني لا أستحسن سوى المسيح وتللي". ولما سمع بأن كفر يحظى بحرية غير عادية في بادوا سارع إليها، وهناك تبادل الشعر الساخر البذيء مع الشكاكين من المتأثرين بفلسفة ابن رشد. وفي تولوز أصبح الروح المحركة لجماعة حرة التفكير تهزأ البابويين واللوثريين على حد سواء، فلما نفي




صفحة رقم : 9030




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> في صناعة الكتب


قصد ليون فيها واكتسب سمعة بكتابات الأشعار والمقالات، ولكنه قتل طباعاً أثناء احتدام الجدل بينهما، ففر إلى باريس حيث حصلت له مارجريت النافارية على عفو الملك. وهناك صادق مارو ورابليه، ثم تشاجر معهما. ولما عاد إلى ليون أنشأ مطبعة وتخصص في نشر الكتب المهرطقة، واستدعته محكمة التفتيش، وحاكمته وسجنته، فهرب من السجن، ولكنه قبض عليه أثناء زيارته ابنه خفية، وفي 3 أغسطس 1546 أحرق حياً.
أما أبرز الناشرين الفرنسيين فكانوا آل إتيين، وهم أسرة ثابرت على الطباعة مثابرة آل فوجير على التمويل. بدأ هنري إتيين مطبعته في باريس حوالي 1500، وواصل العمل من بعده أبناؤه فرانسوا وروبير وشارل، وإلى هؤلاء الأربعة تدين فرنسا بأفخر طبعاتها للآداب اليونانية واللاتينية. وصنف روبير قاموساً للغة اللاتينية (1532) أصبح سنداً أساسياً لجميع القوامس اللاتينية الفرنسية التالية له. وغدت اللاتينية لغة ثانية لآل إتيين يتكلمونها بانتظام داخل الأسرة. وامتدح فرانسوا الأول عملهم وأيد مارجريت في الدفاع عنهم ضد السوربون، وحضر في إحدى المناسبات اجتماعاً للفيف من الأدباء التقوا في حانوت روبير. وفي رواية مشهورة أن الملك ظل ينتظر في صبر ريثما يفرغ روبير من تصحيح تجربة طباعة عاجلة. وقدم فرانسوا المال الذي أتاح لروبير تكليف جرامون بتصميم وصب طقم طباعة جديداً للحروف اليونانية فيه من الجمال ما جعله نموذجاً لمعظم الطباعة اليونانية التالية. واستنكرت السوربون تلهي الملك بالثقافة الهيلينية، وقال أحد أساتذتها يحذر "البرلمان" (1539) "إن نشر المعرفة اليونانية والعبرية سيعمل على تدمير الدين كله". أما العبرية فكان رأي أحد الرهبان فيها "أنه من المعلوم جيداً أن كل من تعلموا العبرية أصبحوا من فورهم يهوداً"(1). ولما لاحقت السوربون روبير وأرهقته طوال ثلاثين عاماً نقل مطبعته إلى




صفحة رقم : 9031




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> في صناعة الكتب


جنيف (1552) وهناك أمام اللثام سنة وفاته (1559) عن ميوله البروتستنتية بنشره طبعة من "مبادئ كالفن". واحتفظ ابنه هنري إتيين الثاني بسمعة الأسرة إذ أصدر في باريس طبعات جميلة من الآداب القديمة، وصنف معجماً للغة اليونانية (1572) في خمسة مجلدات لا تزال إلى يومنا أكمل المعاجم اليونانية قاطبة. غير أنه أثار حقد السوربون عليه بنشره كتاباً سماه "دفاع عن هيردوت" (1566) أشار فيه إلى النظائر من المعجزات المسيحية والعجائب الغريبة التي رواها المؤرخ اليوناني ولجأ هو الآخر إلى جنيف، ولكنه وجد نظام الحكم الكالفني لا يقل تعصباً عن السوربون.
وكثير من مطبوعات هذا النصر نماذج تحتذي في الطبع والحفر والتجليد، فقد حل محل الأغلفة نصف المعدنية، الثقيلة، الشائعة في القرن الخامس عشر، أغلفة خف وزناً وأرخص ثمناً مصنوعة من الجلد أو الورق المتين أو الرق. ومن أمثلة هذا التقدم أن جان جرولييه دسيرفيير، وزير مالية فرنسا في 1534، كلف المجلدين بتجليد كتبه البالغ عددها 3.000 بجلد الماعز المشرقي تجليداً بلغ من الأناقة حداً يضعها في صف أجمل الكتب إطلاقاً. وغدت المكتبات الخاصة الآن لا حصر لها، وفتحت المكتبات العامة في كثير من المدن-مثل كركاو (1517)، وهامبورج (1529)، ونورمبرج (1538)، وفي عهد فرانسوا الأول نقلت المكتبة الملكية القديمة التي جمعها شارل الثامن من اللوفر إلى فونتنبلو، وأثرتها مجموعات جديدة من الكتب وأغلفة فاخرة، وأصبحت هذه "المكتبة الملكية" بعد الثورة الفرنسية "المكتبة الأهلية". وقد دمر كثير من المكتبات الديرية في حركة الإصلاح البروتستنتي، ولكن الكثير منها انتقل إلى أيدي الأفراد ووجد كل ثمين فيها طريقه إلى دور الكتب العامة. لقد ضاع في التاريخ الكثير، ولكن احتفظ بالكثير جداً مما له قيمته وليس في استطاعة فرد ولو أوتي مائة عمر أن يستوعبه.




صفحة رقم : 9032




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> المدارس



2- المدارس


كان من الطبيعي أن تعمد الثورة الفرنسية حيناً إلى تمزيق نظام غربي أوربا التعليمي لأنه جلّه كان خدمة تابعة للكنيسة، ولم يكن في الإمكان تحدي نفوذ رجال الدين التقليديين بنجاح ما لم تحطم هيمنتهم على التعليم. وقد أنحى لوثر باللوم على مدارس ذلك العهد الثانوية التي تركز على تعليم اللغات القديمة، وقال إنها تعلم الطالب "من اللاتينية الرديئة ما يكفي لإعداده قسيساً وتمكينه من تلاوة القداس... ومع ذلك يظل طوال حياته جهولاً مسكيناً لا يلح لشيء"(2). أما الجامعات فبدت له مغامرات للقتلة، وهياكل للإله ملخ، ومجامع للفساد "لم يظهر على الأرض"... ولن يظهر... ما هو شر منها." وخلص من هذا إلى أنها "لا تصلح إلا لهدمها وتسويتها بالتراب"(3). واتفق ملانكتون مع لوثر في الرأي، لأن الجامعات تحول طلابها إلى الوثنية(4). وتقبل الآباء الذين يضنون بنفقات تعليم أبنائهم، رأي كارلشتات، و "أنبياء" زفيكالو، والقائلين بتجديد المعمودية، في غير تردد-وهو أن التعليم زخرف لا غناء فيه، وخطر على الأخلاق، ومعوق للخلاص. وكانت حجة بعض الآباء أنه ما دام التعليم الثانوي موجهاً إلى حد كبير لإعداد الطلاب ليكونوا قساوسة، وما دامت هذه المهنة قد بارت سوقها، إذن فليس من المنطق أن يبعثوا بأبنائهم إلى الجامعات.
كان دعاة الإصلاح البروتستنتي يتوقعون أن يفرد جانب من دخل الأملاك الكنسية التي استولت عليها الدولة لإنشاء مدارس جديدة تحل محل تلك الآخذة في الزوال عقب إغلاق الأديار. ولكن "الأمراء والأشراف" على حد قول لوثر "شغلوا بشئون عالية وهامة- شئون كهف الخمور والمطبخ والمخدع- فلم يعد لديهم متسع من الوقت" لمد يد المعونة إلى التعليم. وكتب يقول في 1524 "إن المدارس في الولايات الألمانية ترك الآن في كل مكان لتصبح خراباً يباباً"(5). وما وافى عام 1530




صفحة رقم : 9033




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> المدارس


حتى كان هو وملانكتون يرثيان ما أصاب الجامعات الألمانية من تدهور وانحلال(6). ففي إرفورت هبط عدد الملتحقين بالجامعة من 311 في عام 1520 إلى 120 في عام 1521، وإلى 34 في عام 1524، وفي روستوك هبط العدد من 300 في عام 1517 إلى 15 في عام 1525، وفي هيلدبرج كان في ذلك العام من الأساتذة عدد أكثر ممن كان فيها من الطلاب. وفي 1526 لم يلتحق بجامعة بال سوى خمسة طلاب(7).
وجاهد لوثر وملانكتون لإصلاح ما فسد. فناشر لوثر في "رسالته إلى العمد" (1524) السلطات الزمنية أن تنشئ المدارس. وفي عام 1530 تخطى زمانه بكثير فاقترح أن يقرر التعليم الأولي إجبارياً وأن يوفر للأطفال على حساب الدولة(8). أما الجامعات التي أعيد تأسيسها تدريجياً تحت الرعاية البروتستنتية فقد أوصي ببرنامج دراسة لها يتركز حول الكتاب المقدس، ولكنه يحوي أيضاً تعليم اللاتينية واليونانية والعبرية والألمانية والقانون والطب والتاريخ و "الشعراء والخطباء... الوثنيين منهم أو المسيحيين(9)". أما ملانكتون فقد جعل من إحياء التعليم مهمته الأولى، ففتح الكثير من المدارس تحت قيادته وبتشجيعه. وما وافت نهاية القرن السادس عشر حتى أصبح في ألمانيا 300 مدرسة. ثم وضع "خطة مدرسية" (1527) لتنظيم المدارس والجامعات، وألف كتباً مدرسية في النحو اللاتيني واليوناني، وفي البيان والمنطق وعلم النفس والأخلاق واللاهوت. ودرب آلاف الطلاب على الاضطلاع بالتعليم في المعاهد الجديدة. وقد لقبه وطنه بمعلم ألمانيا اعترافاً بجميله. وانتقلت جامعات شمالي ألمانيا الواحدة تلو الأخرى إلى أيد بروتستنتية: فتنبرج (1522)، وماربورج (1527)، وتوبنجن (1535)، وليبزج (1539) وكونجزبرج (1558). وطرد الأساتذة أو الطلاب المعارضون "للعقيدة الإنجيلية الصادقة الصحيحة" كما قال أولريش دوق فورتمبرج. ومنع الكالفنيون من دخول الكليات اللوثرية، والبروتستنت من دخول الجامعات التي لم تزل في أيدي الكاثوليك. ويمكن القول بصفة




صفحة رقم : 9034




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> المدارس


عامة إنه بعد صلح أوجزيورج (1555) حرم على الطلبة الألمان أن يختلفوا إلى المدارس التابعة لمذهب آخر غير الذي يدين به أمير المقاطعة(10).
هذا وقد أتيح للتعليم الجديد أن يحرز تقدماً هائلاً على يد يوهان شتروم حين أنشأ مدرسة ثانوية "جمنازيوم" في ستراسبورج (1538)، ونشر في ذلك العام نبذة كان لها نفوذ كبير عنوانها "في فتح مدارس الآداب بالطريقة الصحيحة". وكان ككثيرين غيره من زعماء الفكر في وسط أوربا قد تلقى علومه على يد "إخوان الحياة المشتركة". ثم قصد لوفان وباريس حيث التقى برابليه. ولعل رسالة جارجانتوا الشهيرة في التعليم صدى لتأثير الرجلين المتبادل. ومع أن شتروم في "التقوى المقترنة بالحكمة" الهدف الأول للتعليم، فإنه أكد تأكيداً متزايداً أهمية دراسة اليونانية واللاتينية وآدابهما، وقد انتقلت هذه العناية والدقة في تعليم الآداب القديمة إلى مدارس ألمانيا الثانوية التالية، فربت جيش العلماء والأدباء الذي غزا العالم القديم وقتله بحثاً وتنقيباً في القرن التاسع عشر.
أما مدارس إنجلترا قد قاست أكثر حتى من مدارس ألمانيا نتيجة للثورة الدينية. وذابت مدارس الكاتدرائيات والأديار والنقابات والأوقاف في لهيب الهجوم على رذائل الكنيسة وتراثها. وكان أكثر طلاب الجامعات يفدون إليها من هذه المدارس، فلما توقف هذا السيل لم تخرج أكسفورد سوى 173 من حملة بكالوريوس الآداب، وكمبردج سوى 191 في عام 1548، وفي عامي 1547 و1550 لم تخرج أكسفورد منهم أحداً.(11) وأحس هنري الثامن بالمشكلة، ولكن حاجاته إلى المال للحرب أو لزيجاته العديدة حددت من قدرته، فاكتفى بإنشاء كلية ترنتي بكمبردج (1546) وبتمويل كراس بمنح ملكية في اللاهوت، والعبرية واليونانية، والطب، والقانون. وفي هذه الفترات قامت الهيئات الخاصة الخيرية بإنشاء كلية كوربس كرستي، وكلية كرايست تشيرس، وكلية سانت جون، وكلية ترنتي




صفحة رقم : 9035




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> المدارس


بأكسفورد، وكلية ماجدلين بكمبردج. وقامت اللجنة الملكية التي أوفدها كرومويل إلى أكسفورد وكمبردج (1535) لتستولي الملك على براءاتهما وأوقافهما بإخضاع الكلية والمنهج للإشراف الحكومي. وهكذا قضى بضربة عاجلة على سلطان الفلسفة الكلامية في إنجلترا، وذرت في الريح-حقيقية لا مجازاً-أعمال دنزسكوتس(12)، ونحن القانون الكنسي جانباً، وشجعت الدراسات اليونانية واللاتينية، وصبغ المنهج بالصبغة العلمانية إلى حد كبير-ولكن الدجماطيقية لم تمت. فقد اشترط قانون صدر في 1553 على جميع طلاب الدرجات الجامعية أن يتعهدوا كتابة بقبول "مواد الدين الانجليكانية".
أما في فرنسا وفلاندر الكاثوليكيتين فقد تدهورت الجامعات لا من حيث أوقافها وعدد طلابها، بل من حيث قوة الحياة الفكرية وحريتها. وفتحت جامعات جديدة في رامس ودواي وليل وبيزانسون. ونافست جامعة لوفان جامعة باريس في عدد الطلاب (5000)، وفي الدفاع عن لون من الكاثوليكية التقليدية بداً متطرفاً حتى في نظر البابوات. وكان طلاب جامعة باريس كثيرين (6000)، ولكنها لم تعد تجتذب أي عدد مذكور من الطلاب الأجانب أو تتسامح كما كانت تفعل إبان عنفوانها في القرن الثالث عشر مع خميرة الأفكار الجديدة المنشطة. أما كلياتها فسيطرت عليها كلية اللاهوت-السوربون-حتى كاد يصبح هذا الاسم مرادفاً لاسم الجامعة. ورأى مونتيني في منهج اللاهوت والآداب القديمة المنقاة نمطاً سطحياً من الاستذكار والامتثال. أما رابليه فلم يتعب من ذم الشكليات المدرسية والتدريبات المنطقية السائدة في السوربون، وضياع سني الدراسة في مناظرات أبعدت في حرص عن الاهتمام الفعلي بالحياة الإنسانية. وأما كليمان مارو فقد صرح بقوله "إنني على استعداد للتضحية عن طيب خاطر بنصيبي في الجنة لو أن هؤلاء الوحوش الكبار (أي




صفحة رقم : 9036




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> المدارس


الأساتذة) لم يدمروا شبابي"(13). ووجهت قوة الجامعة وسلطانها كله، لا لمقاومة البرتستنت الفرنسيين فحسب، بل الإنسانيين الفرنسيين أيضاً.
وبذل فرانسوا الأول ما وسعه لحماية الثقافة الفرنسية من مثبطات المحافظين المنبعثة من السوربون. وكان قد شرب من خمر إيطاليا والتقى ببعض رجال الكنيسة ممن تعمقوا أدب اليونان والرومان. وبحض من جيوم بوديه، والكردينال جان دبليه، ومارجريت المثابرة في غير كلل-قدم المال لإنشاء مدرسة مستقلة عن الجامعة (1529)، متفرغة بوجه خاص للدراسات الإنسانية. وبدئ بتعيين أربعة من "الأساتذة الملكيين" اثنان منهم لليونانية واثنان للعبرية، وسرعان ما أضيفت كراس للاتينية والرياضات والطب والفلسفة. وكان التعليم فيها مجاناً(14). وأصبحت هذه "الكلية الملكية" التي عدل اسمها فيما بعد إلى "كلية فرنسا" باعثة النشاط في الدراسات الإنسانية الفرنسية، وملاذ العقل الفرنسي الذي يجمع بين الحرية والنظام.
أما أسبانيا فقد قيض لها جامعات ممتازة برغم تحمس الدولة الكاثوليكية التقليدية، فكان عددها أربع عشرة عام 1553، شملت ما أسس منها حديثاً في طليطلة وسنتياجو وغرناطة. أما جامعة سلامنكا التي ضمت سبعين أستاذاً و6778 في عام 1584 فتثبت للمقارنة بأية جامعة أخرى من جامعات ذلك العهد. وأما جامعات إيطاليا فقد واصلت ازدهارها، فكان بجامعة بولونيا في 1543 سبعة وخمسون أستاذاً بكلية الآداب، وسبعة وثلاثون بكلية الحقوق، وخمسة عشر بكلية الطب. وكانت بادوا مقصد الطلاب المغامرين الوافدين من شمال الألب. وقدمت بولندة الدليل على عصرها الذهبي بقولها 15.338 طالباً دفعة واحدة في جامعة كركاو(15)، وفي بوزنان خصص "اللوبرانسكياموم" الذي أنشأه الأسقف يوحنا لوبرانسكي (1519) للأبحاث والدراسات الإنسانية.




صفحة رقم : 9037




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> المدارس


ويمكن القول على الجملة أن الجامعات في البلاد الكاثوليكية أوفر حظاً منها في البلاد البروتستنتية في هذا القرن العنيف.
على أن المعلم لم يلق ما هو خليق به من تقدير، وكان مغموط الأجر إلى حد أليم. كان الأستاذ في "الكلية الملكية" بفرنسا يتقاضى 200 كراون في العام (5000 دولار؟)، ولكن هذا كان استثناء نادراً. وكان الأساتذة في جامعة سلامنكا يختارهم الطلاب بعد فترة اختبار يعرض فيها الأساتذة المتنافسون عينات من محاضراتهم. وكان أكثر التعليم بالمحاضرات، وأحياناً تضفي عليها الحياة بالمناظرات. وكان أخذ المذكرات يحل عند كثير من الطلبة محل الكتب الدراسية، أما القواميس فنادرة، وأما المعامل فمجهولة علمياً إلا للمشتغلين بالكيمياء القديمة. وكان الطلاب يسكنون حجرات رخيصة سيئة التدفئة ويقعون فريسة للمرض بسبب قذارة الطعام ونقصه. وكان كثير منهم يشتغلون لتغطية نفقات الكلية. وتبدأ الفصول في السادسة صباحاً وتنتهي في الخامسة بعد الظهر. وكان النظام صارماً، يجوز بمقتضاه جلد الطلبة حتى من قارب منهم التخرج. وكان الطلاب يلتمسون الدفء في مشاجرات الشوارع وفي كئوس النبيذ وأحضان البغايا إذا تيسر لهم المال. وهكذا كانوا بطريقة أو بأخرى يحصلون قسطاً محدوداً من التعليم.
أما فتيات الطبقات الدنيا فظللن أميات، وكان كثيرات من بنات الطبقات الوسطى يظفرن بتعليم مدرسي متواضع في أديار الراهبات، أما الفتيات الغنيات فلهن مربون خصوصيون. وقد فاخرت هولندة بعدة سيدات يمكن مغازلتهن باللاتينية، وربما يستطعن تصريف الأفعال خيراً من تصريف الأسماء والضمائر والصفات. واشتهرت في ألمانيا زوجة يوتنجر وشقيقات بركهيمر وبناته بثقافتهن. وفي فرنسا كانت النساء المحيطات بالملك فرانسوا يجملن عبارات الغزل بمحسنات يقتبسنها من الآداب القديمة.




صفحة رقم : 9038




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> المدارس


وفي إنجلترا كانت بعض النساء المثقفات-كبنات مور، وجين جراي، و "ماري الدموية"، وإليزابيث-مضرب المثل في سعة المعرفة والإطلاع.
وينتمي إلى هذا العصر معلمان شهيران. أما أقلهما شأناً فهو السير توماس إليوت، الذي وضع في كتابه "الحاكم" (1513) خطة تعليم تيسر إعداد الطلاب العريقي النسب للاشتغال بشئون الحكم. وقد بدأ كتابه بنقد الفجاجة الثقافية التي يتردى فيها نبلاء الإنجليز، وقارنهما بما روي عن ثقافة رجال الأعمال عند اليونان والرومان، ونقل ما روي عن الفيلسوف الكلبي ديوجين "حين رأى رجلاً جاهلاً جالساً على حجر فقال: انظر كيف يجلس حجر على حجر"(16).
وفي رأي إليوت أن الصبي متى بلغ السابعة يجب أن يعهد به إلى مرب يختار بعناية، فيعلمه مبادئ الموسيقى والتصوير والنحت، حتى إذا ناهز الرابعة عشرة تعلم وصف الكون والمنطق والتاريخ، ودرب على المصارعة والصيد والرمي بالقوس الطويل والسباحة والتنس، دون كرة القدم لأنها لعبة سوقية "ليس فيها غير الثورة الوحشية والعنف الظاهر". ويجب أن يعلم الصبي الآداب القديمة في كل مرحلة من مراحل تعليمه-فيبدأ بالشعراء، ثم المؤرخين، ثم القواد، ثم الفلاسفة، ويضيف إليوت إلى هذا الكتاب المقدس، وتكاد الإضافة تبدو فكرة لاحقة، وهو بهذا يعكس الخطة التعليمية التي وضعها لوثر. ويفضل إليوت الآداب القديمة على الكتاب المقدس برغم توكيداته. فهو يقول "رباه، يا لها من حلاوة لا نظير لها في كلمات كتب أفلاطون وشيشرون، وفي مادة هذه الكتب التي جمعت بين الرزانة والعذوبة، واقترنت فيها الحكمة الرائعة بالبلاغة الإلهية، والفضيلة المطلقة باللذة التي لا تصدق"، وهكذا "فإن هذه الكتب تكاد تكفي في ذاتها لإعداد الحاكم الكامل الممتاز(17)".
أما ثاني المعلمين وهو جوان فيف، أكثر الأدباء الإنسانيين إنسانية،




صفحة رقم : 9039




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> المدارس


فقد اختط هدفاً أوسع وترسم طريقاً أرحب. ولد في بلنسية في 1492 ورحل عن أسبانيا وهو في السابعة عشرة، ولم يرها بعد ذلك قط. وقد درس في باريس فترة أتاحت له حب الفلسفة واحتقار الفلسفة الكلامية، وحين بلغ السادسة والعشرين ألف أول تاريخ حديث للفلسفة. وفي السنة ذاتها تحدى الجامعات بهجوم على الطرائق السكولاستية في تعليم الفلسفة. فقد شعر بأن خطة النهوض بالفكر بالطريق المناظرة لا تشجع إلا الشجار العقيم حول مسائل لا وزن لها. ورحب إرزمس بالكتاب وأوصى مور بأن يقرأه، وقال في أدب إنه يخشى أن "يحجب.. فيف.. إرزمس.(18)" وعين فيف أستاذاً للدراسات الإنسانية في لوفان (1519) ربما بنفوذ إرزمس. ثم نشر بتشجيع إرزمس طبعة من كتاب أوغسطين "مدينة الله" عليها شروح ضافية وأهداها إلى هنري الثامن، وتلقى منه رداً رأى فيه من الود ما حمله على الانتقال إلى إنجلترا (1523). ورحب به مور والملكة كاترين التي تنتمي إلى وطنه (أسبانيا). وعينه هنري واحداً من أساتذة الأميرة ماري الخصوصيين. وربما ألف كتابه "في تربية الأطفال" لإرشادها (1523). وسارت الأمور على ما يرام إلى أن أعرب عن استنكاره لطلب هنري فسخ زواجه. فأوقف هذا راتبه واعتقله في بيته ستة أسابيع. ولما أطلق سراحه عاد إلى بروج (1528) وهناك أنفق سني حياته الباقية.
وإذا ظل مثالياً وهو في السابعة والثلاثين فقد وجه إلى شارل الخامس نداءً إرزمياً يدعوه فيه إلى إنشاء محكمة دولية للتحكيم بديلاً عن الحرب (1529) وبعد عامين أصدر أكبر كتبه، وهو أكثر رسائل النهضة الأوربية التعليمية تقدماً، وفيه دعا إلى تعليم موجه إلى "ضروريات الحياة، وإلى شيء من النهوض سواء بالجسد أو العقل، وإلى تربية الاحترام وزيادته(19)" وقال




صفحة رقم : 9040




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> المدارس


إن على التلميذ أن يدخل المدرسة "كأنه يدخل هيكلاً مقدساً" ولكن دراسته فيها يجب أن تعده ليكون مواطناً كريماً نافعاً، وأن تغطي هذه الدراسات الحياة بأسرها مع مراعاة اتصالها بعضها ببعض كما تؤدي وظائفها في الحياة. ويجب أن تدرس الطبيعة كما تدرس الكتب، فالأشياء تعلم الطالب أكثر مما تعلمه النظريات، فليلاحظ إذن العروق والأعصاب والعظام وسائر أعضاء الجسم في تشريحها وفي أداء وظائفها. وليسأل المزارعين والصيادين والرعاة والبستانيين، وليفد من خبراتهم، فإن هذه المعلومات التي يلتقطها ستكون أنفع له من "الثرثرة السكولاستية التي أفسدت كل فروع المعرفة باسم المنطق"(20). وينبغي أن تظل الدراسات القديمة المنقاة خصيصاً للشباب جزاءاً حيوياً من المنهج، ولكن يجب أن يدرس أيضاً التاريخ الحديث والجغرافيا. كذلك يجب أن تدرس اللغات القومية كما تدرس اللاتينية، وكل هذه بالطريقة المباشرة المستعملة في الحياة اليومية.
لقد كان فيف متقدماً جد على جيله، فلم يفطن إليه ذلك الجيل، وتركه يموت فقيراً، وقد ظل كاثوليكياً إلى النهاية.




صفحة رقم : 9041




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> العلماء



3- العلماء


كانت المهمة المميزة للجامعات والأكاديميات والعلماء الإنسانيين في عصر النهضة هي جمع تراث العالم القديم، عالم اليونان والرومان، وترجمته ونقله إلى جيل الشباب في أوربا الحديثة. وقد أنجزت هذه المهمة على وجه رائع، وكان الكشف عن وحي العالم القديم كاملاً.
بقي رجلان يجب أن يخلد ذكرهما كاهنين لهذا الوحي، وأول الرجلين هو جيوم بوديه، الذي بلغ الثانية والستين وهو يعطل النفس بأن يجعل باريس وارثة للدراسات الإنسانية الإيطالية، ثم رأى هذا الأمل يتحقق




صفحة رقم : 9042




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> العلماء


حين أنشأ فرانسوا الكلية الملكية. وقد بدأ بوديه دراساته في كبره بدرس القانون، فظل زهاء عشر سنوات يدفن نفسه في "قوانين جستنيان". ورغبة في تفهم هذه النصوص تفهماً أفضل، وهي لاتينية اللغة بيزنطية المعاني، راح يدرس اليونانية على يوحنا لاسكارس، ويدرسها في إخلاص وتفان حملا مدرسه عند رحيله أن يوصي له بمكتبته الثمينة العامرة بالكتب اليونانية. فلما نشر وهو في الحادية والأربعين كتابه (1508) Annotationes in xxlv libros Pandectarum توفرت للمرة الأولى في فقه النهضة، دراسة لخلاصة جستنيان تستهدف هذه الخلاصة ذاتها وبيئتها، بدلاً من أن تنحيها هوامش الشراع لعباراتها. وبعد ست سنوات أصدر أثراً جليلاً آخر من آثار البحث العميق (De asse et Partibus) وهو في ظاهرة نقاش للعملات والمقاييس القديمة، ولكنه في حقيقته درس شامل للأدب القديم فيما يتصل بالحياة الاقتصادية. وأوقع من هذا "تعليقاته على اللغة اليونانية" (1529)، وهو كتاب مفكك الترتيب، ولكنه بالمعلومات والإرشادات المعجمية، بحيث وضع بوديه على رأس جميع الهيلنستيين الأوربيين. وأرسل له رابليه خطاباً أعرب فيه عن احترامه وتقديره. أما إرزمس فكانت تحيته له أنه غار منه. لقد كان إرزمس رجل دنيا ولم يكن الدرس إلا جزءاً من الحياة عنده، أما بوديه فكان الدرس والحياة عنده شيئاً واحداً. كتب يقول "إن فقه اللغة هو الذي ظل طويلاً رفيقاً وشريكاً لي، بل كان لي الخليلة التي ارتبطت بي بكل مواثيق الحب... ولكنني اضطررت إلى إرخاء ربط هذا الحب الذي ينهشني... حتى يكاد يدمر صحتي(21)". وكان يحزنه أن يضطر إلى اقتناص بعض الوقت من دراساته ليأكل وينام. وفي لحظات لهوه تزوج وأنجب أحد عشر طفلاً. وفي الصورة التي رسمها له جان كلويه (المحفوظة بمتحف الفن المتروبولتاني في نيويورك) تبدو عليه مسحة من تشاؤم.




صفحة رقم : 9043




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> العلماء


ولكن فرانسوا الأول لا بد قد وجد فيه شيئاً من الحيوية لأنه عينه أميناً لمكتبة فونتنبلو، وكان يحب أن يكون هذا العالم العجوز قريباً منه حتى في رحلاته. وفي إحدى هذه الرحلات مرض بودي بالحمى، وقد ترك تعليمات دقيقة بألا يصحب جنازته أي احتفال. وفارق هذه الدنيا في هدوء (1540). أما الأثر الذي خلده فهو كلية فرنسا.
ولم تكن باربس إبان حياته قد استوعبت بعد الحياة الثقافية لفرنسا. كان للدراسات الإنسانية اثنا عشر وطناً فرنسياً: منها بورج وبوردو ومونبلييه، وأهم من هذه كلها ليون، التي امتزج فيها الحب والدراسات الإنسانية، ونساء الطبقة الراقية والأدب، امتزاجاً ساراً مبهجاً. وفي آجن، التي ما كان أحد ليبحث فيها عن إمبراطور، هيمن يوليوس قيصر سكاليجر على مسرح فقه اللغة بعد موت بوديه هيمنة الإمبراطور المستبد. ولعل بادوا مسقط رأسه (1484). وقد وفد على آجن وهو في الحادية والأربعين، وفيها عاش حتى مات (1558). وكان كل العلماء يخشون بأسه لشدة تمكنه من لغة القدح اللاتينية، وقد اكتسب شهرة حين هاجم إرزمس لغضه من شأن "الشيشرونيين" أي المتمسكين بلاتينية شيرون دون غيرها. وانتقد رابليه، ثم انتقد دوليه لانتقاده رابليه. وفي مجلد من كتابه Exercitationes فحص كتاب جيروم كاردان De subtilitate وأخذ على عاتقه أن يثبت أن كل ما أكده الكتاب زائف، وكل ما أنكره صحيح. وكان كتابه في النحو اللاتيني أول أجرومية لاتينية مبنية على مبادئ علمية. أما تعليقاته على أبقراط وأرسطو فممتازة، سواء من حيث أسلوبها أو من حيث إسهامها في العلم. وكان ليوليوس خمسة عشر طفلاً أصبح أحدهم أعظم علماء الجيل التالي. وقد أسهم كتاب يوليوس Poetice الذي نشر بعد موته بأربع سنوات، وما قام به ولده من دراسات، وما أثر به الإيطاليون الذين




صفحة رقم : 9044




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> العلماء


تبعوا كاترين مديتشي إلى فرنسا-كل هذا أسهم في تحويل تيار الدراسات الإنسانية الفرنسية وردها من الدراسات اليونانية إلى اللاتينية.
وقد أهدت حركة إحياء الدراسات اليونانية للثقافة عطاءً ممتازاً هو ترجمة أميو لكتاب بلوتارخ "التراجم". كان أميو أحد الرجال الكثيرين الذين حظوا برعاية مارجريت. وقد عين بنفوذها أستاذاً لكرسي اليونانية واللاتينية في بورج. وكوفئ على ترجماته لدافنيس خلوا وغيرها من قصص الحب اليونانية، على طريقة ذلك العصر العجيبة السخية، بمنحه رئاسة دير غني. وإذ كفل له الرزق على هذا النحو تنقل كثيراً بين أرجاء إيطاليا إرضاء لميوله الأثرية واللغوية. ولما نشر كتابه "التراجم" (1559) قدم له بدعوة بليغة لدراسة التاريخ بوصفه "خزانة البشرية"، والمتحف الذي يحتفظ بمئات الأمثلة للفضيلة والرذيلة، وللحكم الصالح والطالح، ليسترشد بها بنو البشر؛ وكان كنابليون يرى كتاب بلوتارخ في التاريخ معلماً للفلسفة خيراً من الفلسفة ذاتها. ومع هذا فقد اضطلع بعد هذا بترجمة كتاب بلوتاريخ Moralia أيضاً، وقد رقي إلى أسقفية أوجزير، ومات هناك معمراً في الثمانين (1539). أما لترجمته لكتاب بلوتارخ "التراجم" فلم تكن صحيحة دقيقة في كل جزء منها، ولكنها كانت أثراً أدبياً في ذاته، تميز بأسلوب طبيعي فردي لا يقل عن أسلوب الأصل. أما تأثيره فكان هائلاً. وقد استمتع به مونتيني أيما استمتاع، وانصرف عن فرنسا القديس بارتلميو إلى هذا الأثر القديم الذي أضفت عليه الترجمة روعة وسموا. واختار شكسبير ثلاث تمثيليات من ترجمة نورث القوية المنقولة عن ترجمة أميو، وأصبح المثال الذي رسمه بلوتارخ للبطل نموذجاً حاكاه عشرات الثوار وكتاب المسرحيات. وأعطى هذا الكتاب Vies des hommes illustres للأمة مجمعاً من الأبطال المشهورين خليقاً بأن يحرك ما تنطوي عليه الروح الفرنسية من الفضائل الأكثر رجولة وأشد قوة.




صفحة رقم : 9045




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> النهضة الفرنسية



4- النهضة الفرنسية




(الميلاد الجديد)


من الأشياء المألوفة والمغتفرة أن تطلق عبارة "الميلاد الجديد"، وهي عبارة حافلة بالمعاني الإضافية، على الفترة الممتدة بين ارتقاء فرانسوا الأول العرش (1515) واغتيال هنري الرابع (1610). كان هذا الازدهار البهي للشعر والنثر والعادات الاجتماعية والفنون والملابس الفرنسية في جوهره نضجاً أكثر منه ميلاداً جديداً. فقد استطاع الاقتصاد الفرنسي والروح الفرنسية أن يفيقا من حرب المائة عام بفضل ما أتيح للناس من مرونة صابرة وما استجد من نمو التربة التي ألقيت فيها البذار حديثاً. وكان لويس الحادي عشر قد منح فرنسا حكومة منظمة ممركزة قوية، ومنحها لويس الثاني عشر عقداً مثمراً من السلام. وظلت إبداعية العصر القوطي الحرة، الطليقة، الغريبة الأطوار، حية متوازنة غالبة على رابليه، الذي بلغ إعجابه بالآداب القديمة مبلغاً جعله يقتبس منها كلها تقريباً. ولكن اليقظة الكبرى كانت كذلك ميلاداً جديداً. فقد تأثر الأدب والفن الفرنسيان تأثراً لا ريب فيه بما أتيح لها من علم أوثق بالثقافة القديمة والأشكال الكلاسيكية. واستمرت هذه الأشكال وهذا المزاج الكلاسيكي- الذي يغلب الفكر المنظم على العاطفة المشبوبة- في الدراما والشعر والتصوير والنحت والمعمار الفرنسي زهاء ثلاثة قرون. أما العوامل المخصبة في هذا الميلاد الجديد فهي الكشف والغزو الفرنسيان لإيطاليا، والدراسة الفرنسية لآثار والفقه والآداب الرومانية وللآداب والفنون الإيطالية، وتدفق الفنانين والشعراء الإيطاليين على فرنسا. وأسهمت عوامل كثيرة أخرى في بلوغ هذه النهاية السعيدة: كالطباعة ونشر النصوص القديمة وترجمتها، والرعاية التي حظي بها العلماء والشعراء والفنانون من الملوك الفرنسيين ومن عشيقاتهم ومن مارجريت النافارية ومن رجال الكنيسة والأشراف، ومن إلهام النساء القادرات




صفحة رقم : 9046




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> النهضة الفرنسية


على تذوق ألوان أخرى من الجمال غير جمالهن. كل هذه العناصر تضافرت للعمل على ازدهار فرنسا.
كان لفرانسوا الأول- الوريث لهذا التراث كله- تابع هو الشاعر الذي أدى مهمة الانتقال من القوطي إلى الكلاسيكي ومن فيون إلى النهضة. دخل هذا الشاعر- واسمه كليمان مارو- التاريخ صبياً مرحاً في الثالثة عشرة يروح عن الملك بالقصص الظريفة والردود الذكية البارعة. وبعد سنوات هش فرانسوا لأنباء مغامرات الفتى ومشاجراته مع "جميع سيدات باريس"، فقد وافقه على أنهن في الحق فاتنات جداً:


"إن المرأة الفرنسية كاملة لا عيب فيها




فالسرور رائدها، وهي لا تعبأ المال،




والفرنسيات- مهما قلت فيهن أو سخرت منهن-




هن أروع أعمال الطبيعة"(22).


كان مارو يثرثر بالشعر كأنه النبع الفوار، وقلّما اتصف شعره بالعمق، ولكنه كان في الكثير الغالب مشوباً بالعاطفة الرقيقة. كان شعر مناسبات، وحديثاً في أبيات قصيرة، أو أغنيات شعبية، أو قصائد غزلية صغيرة، أو أغنيات ذوات لوازم متكررة، أو هجائيات ورسائل تذكرك بهوراس أو مارتيال، وقد لاحظ في شيء من الغيظ أن النساء (برغم اعتراضه على هذا السلوك) يسهل إغراؤهن بالماس أكثر من القصائد العاطفية:
"حين تجد الغواني عشيقاً ثرياً يلوح بماسة أمام عيونهن الضاحكة الخضراء فإن رءوسهن تدور. أتضحك مما أقول؟ ملعون من يخطئ هنا. فالفضيلة العظمى لهذا الحجر الكريم هي التي تنشر الضباب أمام عيونهن. وإن عطايا وهدايا كهذه لأفضل من الجمال والحكمة والتوسلات. إنها تنوم الوصيفات، وتفتح الأبواب الموصدة كأنها السحر، وتعمي




صفحة رقم : 9047




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> النهضة الفرنسية


عيون المبصرين، وتسكت نباح الكلاب. والآن أما زلت تكذبني؟".
وفي 1519 أصبح مارو وصيفاً خاصاً لمارجريت ووقع في غرامها ممتثلاً، وذكرت الأقاويل أنها بثته شكوى بشكوى، وأكبر الظن أنه لم ينل منها غير مذهبها. فقد عود نفسه الآن على التعاطف المعتدل مع قضية البروتستنت في فترات غرامياته. وتبع فرانسوا إلى إيطاليا، وحارب في بافيا وأبلى فيها بلاء الأبطال، ونال شرف الأسر مع مليكه، ثم أطلق سراحه- ولا عجب، فإن أحداً لا يتوقع أن يفتدي شاعر بالمال. ولما عاد إلى فرنسا جهر بأفكاره البروتستنتية في صراحة حملت أسقف شارتر على أن يستدعيه ويعتقله اعتقالاً كريماً في القصر الأسقفي. ثم أطلق سراحه بشفاعة مارجريت، ولكن سرعان ما قبض عليه لمساعدته المسجونين على الفرار من البوليس. وأطلق فرانسوا سراحه بكفالة وأخذه إلى بايون ليتغنى بمفاتن عروسه الجديدة إليانور البرتغالية. وبعد أن قضى في السجن فترة أخرى لأكله لحم الخنزير في الصوم الكبير تبع مارجريت إلى كاؤر ونيراك.
وسرعان ما تجددت الحملة على البروتستنت الفرنسيين نتيجة لحركة الملصقات. ونمى إلى مارو أن مسكنه في باريس فتش، وأن أمراً صدر بالقبض عليه (1535). وخاف ألا يجد مخبأ يكفي لإخفائه ولو كان مخدع مارجريت. ففر إلى إيطاليا لاجئاً إلى الدوقة رينيه في فررا. ورحبت به الدوقة، كأن فرجيلاً جديداً قد وصل من مانتوا، ولعلها كانت تعلم أنه يحب أن يربط اسمه باسم بوبليوس فرجيليوس مارو، ولكنه كان أكثر شبهاً بأوفيد العاشق المرح، أو بشاعره المفضل فيون، الذي أشرف على نشر قصائده، وترسم خطاه في حياته. ولما أذاع الدوق إركولي الثاني أنه اكتظ بالبروتستنت، انتقل كليمان إلى البندقية. وهناك بلغ فرانسوا عرض العفو عن المهرطقين المرتدين




صفحة رقم : 9048




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> النهضة الفرنسية


عن ضلالهم. فأعلن مارو ارتداده، لأنه رأى أن نساء باريس جديرات بتضحية العقيدة،. ومنحه الملك بيتاً وحديقة، وحاول كليمان أن يعيش عيشة السادة البرجوازيين.
ثم طلب إليه فرانسوا فاتابل الذي كان يدرس العبرية في الكلية الملكية أن يترجم المزامير شعراً فرنسياً، وشرحها له كلمة كلمة. فترجمها شعراً رخيماً ونشرها مشفوعة بإهداء جميع العبارة إلى الملك. وأعجب بها فرانسوا إعجاباً حمله على أن يهدي نسخة خاصة منها إلى شارل الخامس، الذي كان صديقاً له في تلك الفترة. وبعث شارل إلى الشاعر بمائتي كراون (5000 دولار؟). وترجم مارو مزيداً من المزامير ونشرها في 1543 مع إهداء إلى غرامه الأول "سيدات فرنسا". ووضع لها جوديميل موسيقي كما رأينا، وبدأ نصف فرنسا ينشدها. ولكن إعجاب لوثر وكالفن أيضاً بها شكك السوربون، فشمت فيها رائحة البروتستنتية، أو لعل مارو عاد إلى التمتمة بهرطقاته في محنة نجاحه. وتجددت الحملة عليه، ففر إلى جنيف، ولكنه وجد المناخ اللاهوتي فيها أشد صرامة مما تحتمله صحته، فتسلل إلى إيطاليا ومات في تورين (1544) في التاسعة والأربعين، تاركاً ابنة غير شرعية لرعاية ملكة نافار.




صفحة رقم : 9049




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه



5- رابليه




أ- رابليه الإنسان


أن مؤلف "أمتع وأنفع ما روي من قصص"(23) هذا المؤلف الفذ، الواسع الحيلة، الشكاك، المرح، المثقف، البذيء- رأت عيناه النور في 1495، ابناً لموثق غني في شينون. وأدخل في سن مبكرة جداً ديراً فرانسسكانيا. وقد شكا بعد ذلك من أن النساء "يحملن الأطفال تسعة شهور تحت قلوبهن... ولكنهن لا يطقن تربيتهم تسع سنوات...




صفحة رقم : 9050




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


ويكفي أن يضفن ذراعاً من القماش إلى ثيابهم ويحلقن شعرات لا أدري كم عددها من قمة رءوسهم ليحولنهم طيوراً بضع كلمات". وهو يعني جز شعورهم وتحويلهم رهباناً. وقد ارتضى الغلام حظه هذا لميله إلى الدرس، ولعله كإرزمس اجتذبته مكتبة الدير إلى الكتب. وهناك التقى براهبين أو ثلاثة آخر راغيين في دراسة اليونانية، وقد شدهم هذا العالم القديم الفسيح الذي فتح لهم الدرس والبحث مغاليقه. وأحرز فرانسوا من التقدم ما جعل بوديه نفسه يبعث إليه بخطاب ثناء. وبدا أن الأمور تسير على ما يشتهي. وفي عام 1520 رسم شكاك المستقبل قسيساً، ولكن نفراً من كبار الرهبان شموا الهرطقة في فقه اللغة، فاتهموا الهلنستيين الشبان بشراء الكتب بالأتعاب التي يتلقونها نظير الوعظ بدلاً من تسليمها للخزانة العامة. وحبس رابليه وراهب آخر حبساً انفرادياً، وحرما الكتب وهي لهما نصف الحياة. ونمى إلى بوديه هذا الاتجاه الرجعي فلجأ إلى فرانسسوا الأول، وأمر الملك بإطلاق سراح الأديبين ورد امتيازاتهما. وبفضل شفاعة أخرى صدر مرسوم بابوي أذن لرابليه بتغيير تبعيته وإقامته الديرتين. فترك الفرنسسكان، ودخل بيتاً بندكتياً في ماييزيه (1524)، وهناك أعجب به الأسقف جوفروا دستيساك إعجاباً حمله على أن يتفق مع رئيس الدير على السماح لرابليه بالذهاب حيث شاء للدرس؛ ذهب رابليه، ونسي أن يعود.
وبعد أن جرب عدة جامعات دخل مدرسة الطب في مونبليه (1530). ولا بد أنه كان قد حصل تعليماً سابقاً في الطب، لأنه نال درجة البكالوريوس في الطب عام 1531. على أنه لأسباب لا نعلمها لم يواصل دراسته لنيل الدكتوراه، بل عاد إلى تجواله حتى استقربه النوى في ليون في 1532، وجمع بين ممارسة الطب ودراساته الأدبية، شأنه في ذلك شأن سرفيتوس، ثم اشتغل مساعد تحرير للطباع سباستبان جريفيوس ونشر عدة نصوص




صفحة رقم : 9051




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


يونانية وترجم حكم أبقراط إلى اللاتينية. وانزلق برضاه إلى تيار الدراسات الإنسانية الذي كان يومها في عنفوان تدفقه في ليون. وفي 30 نوفمبر 1532 بعث بنسخة من "يوسيفوس" إلى إرزمس بخطاب زلفى يستغرب من رجل في السابعة والثلاثين، ولكنك تشم في رائحة ذلك العصر الجياش بالحماسة:
"بعث إلى جورج دارمناك مؤخراً... بتاريخ فلافيوس يوسيفوس... وطلب إلى... أن أرسله إليك. وقد تحينت هذه الفرصة مشتاقاً، يا أكثر الآباء إنسانية، لأدلل لك بالتقدير الشاكر على احترامي العميق لك وعلى ولائي البنوي. أقول هل دعوتك بأبي؟ أجدر بي أن أدعوك بأمي لو اتسع لذلك صدرك. فكل ما نعرف عن الأمهات، اللائي يغذين ثمرة بطونهن قبل أن يرينها وقبل أن يعرفن حتى ما ستكون عليه، واللائي يرعينها ويحمينها من قسوة الجو، كل هذا صنعته أنت بي، أنا الذي لم يكن وجهي معروفاً لك ولا كان اسمي المغمور ليستطيع أن يستهويك. لقد ربيتني وغذوتني من ذلك الصدر الطاهر، صدر معرفتك المقدسة. وكل ما أنا عليه، وكل ما أساويه، إنما أنا أدين به لك وحدك. ولو لم أجهر بهذه الحقيقة لكنت أشد الناس عقوقاً. تحية مرة أخرى أيها الأب المحبوب، يا شرف وطنك، ويا عماد الأدب، ويا نصير الحقيقة الذي لا يقهر"(24).
وفي نوفمبر من ذلك العام (1532) نجد رابليه طبيباً في الأوتيل- ديو، وهو مستشفى مدينة ليون، يتقاضى راتباً قدره أربعون جنيهاً (1000 دولار؟) في العام. ولكن يجب ألا نحسبه عالماً أو طبيباً مثالياً. صحيح أن ثقافته كانت منوعة وهائلة. فيبدو أنه كان كشكسبير له معرفة مهنية في ميادين شتى- كالقانون والطب والأدب واللاهوت والطهو والتاريخ والنبات والفلك والميثولوجيا. وهو يشير إلى مئات الأساطير القديمة، ويقتبس من عشرات المؤلفين القدامى، ونراه أحياناً




صفحة رقم : 9052




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


يعرض علمه الواسع عرض الهواة. ولكنه شغل بالحياة شغلاً لم يتح له وقتاً لبلوغ الدقة الشديدة في دراسته، ولم تكن الطبعات التي نشرها نماذج تحتذي في دقة التفاصيل. لم يكن في طبعه أن يكون أديباً إنسانياً متفانياً كإرزمس أو بوديه، فلقد كان يحب الحياة أكثر من الكتب. والصورة التي تركت لنا عنه صورة رجل تروع الناظر طلعته، فارع القامة حلو الوجه، ينبوع للثقافة ومحدث يشع نوراً وناراً(25). ولم يكن سكيراً كما استنتجت خطأ رواية قديمة متواترة من تحياته للسكارى ومن خمرياته. بل إنه على العكس عاش عيشة مهذبة غلى حد معقول، هذا إذا استثنينا طفلاً غير شرعي أنجبه،(26) ولم يعش سوى فترة قصيرة بحيث يمكن اعتباره خطيئة بسيطة. وقد كرمته أسمى عقول جيله، بما فيهم نفر عديد من أحبار الكنيسة. وكان في الوقت نفسه يتصف بكثير من صفات الفلاح الفرنسي، فيجد لذة في أنماط الفلاحين الصرحاء المرحين الذين يلقاهم في الحقول وال شوارع ويستمتع بفكاهاتهم وضحكهم وبقصصهم الطويلة وعباراتهم البذيئة المتفاخرة. وقد طغت شهرته دون عمد منه على شهرة إرزمس لأنه جمع هذه القصص، وربط بينها، وحسنها، ووسعها، وأضفى عليها الكرامة بالعلم الكلاسيكي ورفعها إلى مقام الهجاء البناء، وضمنها في حرص ما حوته من فحش وبذاءة.
ومن هذه القصص قصة كانت آنئذ ذائعة في كثير من أنحاء الريف، روت أخبار مارد لطيف يدعى جارجانتوا، وتحدثت عن شهيته الوحشية، وعن غرامياته ومظاهر قوته العظيمة، وكانت تنتشر هنا وهناك تلال وصخور ذكرت الروايات المحلية أنها تساقطت من سلة جارجانتوا أثناء مروره. وكانت هذه الأساطير لا تزال تروى في عام 1860 في الكفور الفرنسية التي لم تسمع قط برابليه. وقد دون كاتب مجهول- ربما كان رابليه نفسه- على سبيل التفكه بعض هذه الخرافات وطبعها




صفحة رقم : 9053




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


في ليون في كتاب سماه "الأخبار العظيمة الثمينة للمارد الكبير الهائل جارجانتوا" (1532). وراج الكتاب بسرعة حملت رابليه على التفكير في كتاب ملحق له عن ابن جارجانتوا. وهكذا ظهر في سوق ليون المنعقدة في أكتوبر 1532، غفلاً عن اسم المؤلف، كتاب عنوانه "الأعمال المرعبة المخيفة وأفعال البسالة التي قام بها بنتاجرويل الأشهر". وكان هذا الاسم قد استعمل من قبل في بعض الدرامات الشعبية، ولكن رابليه أضفى على صاحبه مستوى وعمقاً جديدين. ونددت السوربون والرهبان بالكتاب لبذاءته، وراج رواجاً حسناً. واستمتع به فرانسوا الأول، ووجد بعض رجال الدين لذة في قراءته. على أن رابليه لم يعترف بأنه مؤلف إلا بعد مرور أربعة عشر عاماً، فقد خشي أن يعرض للخطر سمعته كأديب، إن لم يعرض حياته.
وكان لا يزال شديد التعلق بالدرس، حتى أهمل واجباته في المستشفى فطرد. ولعله كان ملاقياً عنتياً في كسب قوته لولا أن جان دبلليه أسقف باريس والمشارك في تأسيس كلية فرنسا أخذ رابليه معه طبيباً في بعثة إلى إيطاليا (يناير 1534). ولما عاد رابليه إلى ليون في إبريل نشر في أكتوبر "قصة جارجانتاو الكبير، أبي بنتاجرويل، وحياته المرعبة جداً". وقد حوى هذا المجلد الثاني، الذي أصبح بعد ذلك الجزء الأول من الكتاب كله، هجاءً لرجال الدين حمل السوربون على التنديد به مرة أخرى. وسرعان ما راجت القصتان المنشورتان معاً رواجاً بز كل كتاب في فرنسا باستثناء الكتاب المقدس و "محاكاة المسيح"(27). وقد قيل أن الملك فرانسوا ضحك وصفق استحساناً في هذه المناسبة أيضاً.
ولكن لصق الإعلانات البروتستنتية المهينة في ليلة 17- 18 أكتوبر 1534 على مباني باريس وعلى باب قصر الملك نفسه بدل الملك من حامي الأدباء الإنسانيين إلى مضطهد المهرطقين. وكان رابليه قد




صفحة رقم : 9054




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


أخفى مرة ثانية أنه مؤلف الكتاب، ولكن الشكوك الكثيرة حامت حوله، وحق له أن يخشى أن تطالب السوربون برأس الكتاب البذيء بعد أن حملت الملك في ركابها. وهنا بادر جان دبلليه مرة أخرى إلى إنقاذه، واختطف الكنسي الطيب الذي أصبح الآن كردينالاً ذلك الأديب الطبيب، والكاتب البذيء، من مخبئه في ليون وأخذه إلى روما (1525). وكان من حظ رابليه أن يجد على كرسي البابوية رجلاً مستنيراً. فاغتفر له بولس الثالث إهماله واجباته الديرية والكهنوتية وأذن له بممارسة الطب. وعكف رابليه- على سبيل التعويض والتفكير- على تنقية الطبعات التالية من كتابه، "المؤيد يومئذ تأييداً مضاعفاً"، من الفقرات التي تسيء إساءة شديدة إلى الذوق التقليدي. ولما احتال عليه إتيين دوليه فنشر دون إذنه طبعة غير منقاة، شطب اسمه من قائمة أصدقائه. ثم عاد إلى الدرس في مونبلييه برعاية الكردينال، ونال الدكتوراه في الطب، وحاضر الجماهير الكبيرة هناك، ثم عاد إلى ليون ليستأنف حياته طبيباً وأديباً. وفي يونيو 1537 ذكر دوليه أنه في درس تشريح شرح أمام جماعة من الطلاب جثة مجرم نفذ فيه حكم الإعدام.
بعد هذا لا نعرف عن حياته المتقبلة غير نتف من هنا وهناك. كان في حاشية الملك خلال الاجتماع التاريخي بين فرانسوا الأول وشارل الخامس في إيجمورت (يوليو 1538). وبعد عامين نجده في تورين طبيباً لجيوم دبلييه، شقيق الكردينال، بعد أن أصبح سفيراً لفرنسا في سافوا.وحوالي هذه الفترة وجد الجواسيس في رسائل رابليه فقرات أحدثت ضجة في باريس فسارع إلى العاصمة وواجه الموقف بشجاعة. ثم برأه الملك (1541)، وعلى الرغم من تنديد السوربون من جديد بجارجانتوا وبنتاجرويل عين فرانسوا المؤلف المطارد في وظيفة حكومية صغيرة هي وظيفة مأمور العرائض، ومنحه إذنا رسمياً بنشر




صفحة رقم : 9055




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


الجزء الثاني من بنتاجرويل الذي أهداه رابليه شاكراً إلى مارجريت النافارية. وقد أثار هذا الجزء من الاضطراب في أوساط اللاهوتيين ما رأى معه رابليه أن من الحكمة أن يلتجئ إلى متز، وكانت يومها جزءاً من الإمبراطورية. وهناك قضى عاماً يشتغل طبيباً بمستشفى المدينة (1546- 47). وفي 1548 رأى أن لا خطر عليه في الرجوع إلى ليون، وفي 1549 عاد إلى باريس. وأخيراً حصل له جماعته من رجال الكنيسة على وظيفة قسيس لأبرشية مودون الواقعة إلى الجنوب الغربي من العاصمة مباشرة، وهكذا عاد هذا الكهل المزعج، المطارد، إلى ثيابه الكهنوتية. ويبدو أنه وكل إلى مرءوسيه أداء واجبات وظيفته الدينية واكتفى بالانتفاع بإيرادها(28). وكان على قدر علمنا لا يزال قسيس مودون حين نشر ما هو الآن الجزء الرابع من كتابه (1552)، وفي هذا الموقف شيء من الشذوذ. وقد أهداه إلى أوديه كردينال شاتيون، بإذن منه على الأرجح، وواضح أنه كان في فرنسا إذ ذاك بين رجال الكنيسة نفر أوتوا ثقافة كرادلة النهضة الإيطالية وتسامحهم. على أن السوربون نددت بالكتاب، وحظر "البرلمان" بيعه. وكان فرانسوا الأول ومارجريت قد ماتا، ولم يجد رابليه حظوة لدى هنري الثاني المكتئب المزاج. فغاب عن باريس حيناً ثم عاد إليها سريعاً. وهناك مات بعد مرض طويل. وتروي قصة قديمة أنه حين سئل عن فراش الموت إلى أين يتوقع أن يمضي أجاب "أما ماض لأبحث عن "ربما" كبيرة"(29) إنها أسطورة، ويا للأسف.


ب- جارجانتوا


تنبئ مقدمة الجزء الأول من هذا الكتاب (أو الجزء الثاني في الأصل) للتو بمذاق الكتاب كله ورائحته:
"يا أشرف السكارى وأذيعهم صيتاً، وأنتم يا أغلى الفتيان المرحين،




صفحة رقم : 9056




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


المفترى عليهم، (لأنه إليكم أنتم دون سواكم أهدي كتاباتي)... لو أنكم تأملتم شكل سقراط وقدرتموه حسب مظهره الخارجي لما ساوى في نظركم قشرة بصلة... إنكم يا تلاميذي الطيبين وغيركم من الحمقى المرحين، المؤثرين الراحة والدعة، إذ تقرءون العناوين السارة لبعض الكتب التي نخترعها... تتسرعون في الحكم بأنه ليس فيه سوى النكات والدعابات الساخرة والحديث الفاجر والأكاذيب المروحة عن النفس... ولكن... حين تطلعون على هذا المقال ستجدون... تعليماً ذا تفكير أعمق وأكثر تجرداً... سواء فيما يتصل بديننا أو شئون الحكم العام والحياة الاقتصادية... وقد يتكلم أحمق مغرور مشوش العقل بشر عن كتبي، فلا تعبأوا به، وامرحوا الآن يا أبنائي، واشرحوا صدوركم، واقرأوا بابتهاج... هيا إلى آخر كلمة".
وهذا الكلام منقول عن ترجمة أوركهارت الشهيرة، التي تتجاوز الأصل أحياناً، ولكنها هنا تلتزمه بدقة، حتى لتذكر الكلمات العنيفة التي لم يعد مسموحاً بها في حديث المثقفين. وفي هاتين الفقرتين تطالعنا روح رابليه وهدفه: الهجاء الجاد مغلفاً في تهريج يخفف من عنفه، وملطخاً أحياناً بسناج خالص. ونحن نمضي في هذه المغامرة على ما فيها من خطر، شاكرين لأن الكلمة المطبوعة لا تنبعث منها رائحة خبيثة، آملين أن نعثر وسط هذا الكوم من القمامة على بعض الأحجار الكريمة.
ويبدأ جارجانتوا بسلسلة نسب فريدة تحاكي أنساب التوراة شكلاً. أما أبو المارد فهو جرانجوزييه ملك يوتوبيا، وأما أمه فهي جارجاميل، حملته أحد عشر شهراً، ولما بدأت آلام مخاضها اجتمع أصدقاء الأسرة ليسمروا وهم يحتسون النبيذ، زاعمين أن الطبيعة تكره الفراغ. ويقول الأب الفخور لزوجته بلهجة من لا يعرف الألم "أمضى بشجاعة النعجة؛ وأخرجي لنا هذا الغلام بسرعة، وسنعكف بعدها على العمل فوراً...




صفحة رقم : 9057




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


لنصنع غيره". وتتمنى الزوجة لحظة أن يلقى حظ أبيلار؛ ويقترح هو أن ينجز ما تتمناه للتو، ولكنها تعود فتعدل. أما جارجانتوا الجنين فإذ وجد المنفذ العادي للوليد مسدوداً بقابض أخذ في غير أوانه، فقد "دخل وريد جارجاميل الأجوف" وتسلق حجابها الحاجز وعنقها، ثم "انبثق من الأذن اليسرى". وما أن ولد حتى راح يصيح، ويصيح بصوت علا حتى أسمع إقليمين: "الشراب! الشراب! الشراب!" وخصص لطعامه 17.913 صفيحة من اللبن، ولكنه منذ البدء أبدى إيثاره للنبيذ.
ولما آن أوان تعليم المارد الصغير وتهيئته لارتقاء العرش، عين له مرب خاص هو الأستاذ جوبلان الذي أحله فتى غبياً، لأنه حشا ذاكرته بالحقائق الميتة وأربك عقله بحجج الكلاميين. واضطر جارجانتوا إلى سلوك سبيل يائس، فنقل الغلام ووضعه في رعاية الأديب الإنساني بونوكراتيس. وانطلق الأستاذ وتلميذه إلى باريس لتحصيل أحدث تعليم فيها. وكان جارجانتوا يركب فرساً ضخمة قطع ذيلها الهفاف الغابات الفسيحة أثناء مرورها، وهكذا أصبح جزء من فرنسا سهلاً. ولما بلغا باريس التقى جارجانتوا برجاً من أبراج نوتردام واستهوته أجراس الكاتدرائية فسرقها ليعلقها حول عنق فرسه. وبدأ بونوكراتيس من جديد تعليم المارد الذي أفسد تعليمه، وذلك بإعطائه مسهلاً هائلاً ليطهر أمعاءه ومخه جميعاً، ولا غرو فكلاهما وثيق الصلة بالآخر. فلما تنقى جارجانتوا على هذا النحو أولع بالتعليم وبدأ بحماسة يدرب جسده وعقله وخلقه في وقت معاً. فدرس الكتاب المقدس والآداب القديمة والفنون؛ وتعلم أن يعزف على العود والبيان وأن يستمتع بالموسيقى. وكان يجري ويقفز ويصارع ويتسلق ويسبح، ومارس الركوب والدفع بمنكبيه والمهارات التي يحتاج إليها المقاتل في الحرب، والصيد ليربي شجاعته،




صفحة رقم : 9058




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


ولكي ينمي رئتيه كان يصيح حتى سمعته باريس كلها. وزار صناع المعادن وقاطعي الأحجار والصياغ والكيميائيين والنساجين وصانعي الساعات والطباعين والصباغين ودرس حرفهم "بإعطائهم شيئاً يشربونه" وكان في كل يوم يشارك في عمل بدني نافع، ويذهب أحياناً لحضور محاضرة أو مشاهدة تجربة أو الاستماع إلى "مواعظ الوعاظ الإنجيليين" (وتلك غمزة بروتستنتية).
وفجأة استدعى جارجانتوا وهو يتلقى هذا التعليم كله إلى مملكة أبيه لأن ملكاً آخر يدعى بكروشول أعلن الحرب على جرنجوزييه. لماذا؟ إن رابليه يسرق هنا قصة من كتاب بلوتارخ "حياة بيروس" ويروي أن قواد بكروشول راحوا يفاخرون بما يستطيعون فتحه من بلاد تحت قيادته: فرنسا وأسبانيا والبرتغال والجزائر وإيطاليا وصقلية وكريت وقبرص ورودس واليونان وأورشليم... ويغتبط بكروشول وتنتفخ أوداجه. غير أن فيلسوفاً عجوزاً يسأله: " وما نهاية كل هذه المتاعب والأسفار؟" ويجيب بكروشول: "حين نعود سنجلس ونستريح ونبتهج". ويقترح عليه الفيلسوف هذا الرأي "ولكن هبك لم تعد إلى وطنك قط لطول الرحلة وخطرها، أفلا يحسن بنا أن نستريح من الآن؟" وصاح بكروشول "كفى. امضوا بنا قدماً. إنني لا أخشى شيئاً... وليتبعني من يحبني" (1- 33). وتكاد فرس جارجانتوا تنهي الحرب مع بكروشول بالفوز عليه لأنها أغرقت آلافاً من رجال العدو بدفقة بسيطة واحدة من بولها.
ولكن بطل الحرب الحقيقي هو الأخ يوحنا، وهو راهب أحب القتال أكثر من الصلاة، وسمح لتطلعه الفلسفي أن يغامر في مسالك أكثر خطراً. فهو يتساءل مثلاً "ما السبب في أن فخذي السيدة النبيلة تبدوان دائماً غضتين ربطتين؟"- ومع أنه لا يجد في كتب أرسطو أو بلوتارخ ما ينيره في هذه المشكلة الجذابة، فإنه هو نفسه يجيب إجابات




صفحة رقم : 9059




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


غنية في العلم بفنون الأفخاذ. وقد أحبه كل رجال الملك، وهم يقدمون له من الطعام والنبيذ ما يشتهي، ويدعونه لخلع رداء الرهبنة حتى يستطيع ابتلاع المزيد من الطعام، ولكنه يخشى أن لا تتوفر له الشهية الطيبة لو خلعه. ويذم المؤلف جميع النقائص التي يرمي بها المصلحون البروتستنت جماعة الرهبان، عن طريق هذا العضو المرح من أعضاء هذه القبيلة: كالكسل والشره والإسراف في الشرب والتمتمة بالصلوات والعداء للدرس والأفكار كلها، اللهم إلا رقعة متضائلة منها. يقول الأخ يوحنا: "في ديرنا لا نعكف على الدرس أبداً مخافة أن نصاب بالتهاب الغدة النكفية". (1- 39).
واقترح جارجانتوا أن يكافئ الراهب على حسن بلائه في الحرب بتعيينه رئيساً على دير قائم. ولكن يوحنا رجا بدل هذا أن يوفر له المال لتشييد دير جديد له قوانين "تناقض قوانين الأديار كلها" فيجيب أولاً ألا تقام حوله أي أسوار تحصره، وأن يكون نزلاؤه أحراراً في تركه حين يشاءون. ثانياً: يجب ألا تمنع النساء من دخول الدير، ولكن لا يدخله منهن سوى "الجميلات الحسنات الصورة الدمثات الخلق" ممن تتراوح أعمارهن بين العاشرة والخامسة عشرة. ثالثاً: لا يقبل من الذكور سوى ما كان بين الثانية عشرة والثامنة عشرة، على أن يكونوا وسيمي الوجوه كريمي المولد والطباع، ولا يسمح للسكيرين أو المتعصبين بالدخول، ولا للمتسولين أو المحامين أو القضاة أو الكتبة أو المرابين أو الجشعين النهابين أو المنافقين المتزلفين بدخول الدير. رابعاً: لا يسمح بنذور للعفة أو الفقر أو الطاعة؛ فللأعضاء أن يتزوجوا وأن يستمتعوا بالمال وأن يكونوا أحراراً في جميع شئونهم. ويطلق على الدير اسم تليمي أي "ماشئت"، أما قانونه الوحيد فهو "افعل ما تريد" لأن "الناس الأحرار الطيبي العنصر الحسني التربية الكريمي المعشر أتوا بالطبع




صفحة رقم : 9060




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


غريزة وحافزاً يدفعانهم للفعال الفاضلة ويبعدانهم عن الرذيلة، وهذه الغريزة اسمها الشرف" (1- 57). وقد قدم جاجارنتوا المال اللازم لإقامة هذه الفوضى الأرستقراطية، وارتفع بناء الدير حسب المواصفات التي وضعها رابليه في تفصيل أغرى المعماريين برسم رسوم له. وقد زوده بمكتبة ومسرح وحمام سباحة وملعب للتنس وآخر لكرة القدم وكنيسة صغيرة وحديقة وأرض للصيد وبساتين فاكهة واسطبلات و9332 حجرة. لقد كان فندقاً أمريكياً مقاماً في بلد للنزهة. على أن رابليه نسي أن يزود الدير بمطبخ أو أن يدلنا على من يقوم بالأعمال الوضيعة في هذا الفردوس.


جـ- بنتاجرويل


بعد أن خلف جارجانتوا أباه على العرش جاء دوره في الإنجاب والتربية. فحين بلغ من العمر أربعمائة وثمانين وأربعة وأربعين عاماً أنجب بنتاجرويل من زوجته باديبيك التي ماتت وهي تلد الغلام فبكى عليها جارجانتوا "كما تبكي البقرة" و "ضحك كما يضحك العجل" حين رأى ولده القوي البدن. وشب بنتاجرويل حتى استفحل حجمه. وفي إحدى وجباته ابتلع رجلاً عن غير قصد، ولم يكن بد من إخراجه بعملية تعدين في قناة المارد الصغيرة الهضمية، ولما ذهب بنتاجرويل إلى باريس ليتلقى تعليمه العالي أرسل له جارجانتوا رسالة تشم فيها عبير النهضة الأوربية:-
ولدي الأعز:
.... مع أن المرحوم أبي الطيب الذكر جرانجوزييه بذل ما وسعه من جهد لييسر لي الإفادة من جميع نواحي العلم والمعرفة السياسية، ومع أن جهدي وعكوفي على الدرس قابلاً رغبته هذه بل جاوزاها، فإن




صفحة رقم : 9061




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


الزمن كما تعلم جيداً لم يكن يومها مواتياً كما هو الآن للتعلم... لقد كان زمناً مظلماً تحجب سماؤه غيوم الجهالة وينبعث فيه شيء من نحس القوط ونكبتهم، القوط الذين دمروا كل الأدب الطيب حيثما استقرت أقدامهم، ذلك الأدب الذي رد بفضل الله في عصري إلى سابق إشراقه وكرامته بحيث لا يكاد يسمح لي الآن بدخول الصف الأول في مدرسة ثانوية للصبيان....
أما اليوم فقد زودت عقول الناس بشتى العلوم، وأحييت العلوم القديمة التي ظلت منقرضة أجيالاً كثيرة، وأعيدت لغات الثقافة إلى نقائها القديم- وأعني اليونانية (التي يخجل الإنسان بدونها من أن يعد نفسه أديباً أو عالماً)، والعبرية، والعربية، والكلدية، واللاتينية. كذلك شاع استعمالها الطباعة، أنيقة دقيقة بحيث لا يمكن تصور ما هو أرقى منها...
وفي نيتي... أن تتعلم اللغات تعليماً كاملاً... أما التاريخ فلا يفتك حفظ أي جزء منه... وأما الفنون الحرة كالهندسة والحساب والموسيقى فقد أتحت لك تذوقها حين كنت بعد صبياً... فامض فيها قدماً... وأما الفلك فادرس كل أصوله، ولكنك دعك من التنجيم... لأنه ليس سوى غش وغرور خالصين... وأما القانون المدني فإني أريدك أن تحفظ نصوصه عن ظهر قلب ثم تبحثها مسترشداً بالفلسفة... وأما أعمال الطبيعة فإني أود أن تدرسها بدقة... ولا يفتك أن تطلع بعناية على كتب الأطباء اليونان والعرب واللاتين، ولا تحتقر التلموديين، والقبلانيين، واستكثر من التشريح لتلم إلماماً تاماً بذلك العالم الصغير، أعني الإنسان. كذلك أعكف في بعض ساعات النهار على درس الكتاب المقدس: أولاً العهد الجديد باليونانية، ثم العهد القديم بالعبرية...




صفحة رقم : 9062




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


ولكن بما أن الحكمة كما قال سليمان الحكيم لا تدخل عقلاً شريراً، والعلم بدون ضمير ليس إلا مجلبة لخراب النفس، فإن من واجبك أن تخدم الله وتحبه وتخشاه... كن خدوماً لكل جيرانك وأحبهم كما تحب نفسك، واحترم معلمك وتجنب حديث من لا ترغب في التشبه بهم، ولا تضيع المواهب التي منحك الله إياها. فإذا رأيت أنك حصلت كل ما يجب تحصيله من العلم في تلك الناحية، فعد إليَّ لكي أراك وأمنحك بركتي قبل أن أموت...
أبوك
جارجنتوا(30)
وعكف بنتاجرويل على الدرس في حماسة، وتعلم لغات كثيرة، وكان من الممكن أن يكرس وقته كله للقراءة والدرس لولا أنه التقى ببانورج. وهنا أيضاً يبرز التابع أكثر من السيد، بأوضح حتى من بروز الراهب يوحنا، كما يحجب سانشو بانزا أحياناً شخصية سيده دون كخوته. فرابليه لا يجد في جارجانتاو ولا في بنتاجرويل المجال الطليق لدعاباته البذيئة وألفاظه الصاخبة، إنما هو في حاجة إلى هذا المخلوق- الذي فيه أثر من الوغد، ومن المحامي، ومن الشاعر فيون، ومن الفيلسوف- ليستخدمه أداة للهجو. وهو يصف بانورج (ومعنى الاسم: مستعد لعمل أي شيء) بأنه نحيل كالقط الجائع، يسير في حذر شديد "كأنه يمشي على قشر بيض" وأنه إنسان شهم وإن شابه بعض الفجور، وأنه "عرضة لضرب من المرض... يسمى الإعسار"، وأنه نشال، "ومتشرد فاسق، ومحتال، وسكير... ورجل داعر جداً، ولكنه فيما عدا ذلك خير الناس في هذه الدنيا وأكثرهم فضيلة" (2- 14، 16). وعلى فم بانورج يسوق رابليه أشد نكاته فحشاً... كان بانورج يمقت على الأخص ما درجت عليه نساء باريس من تزرير




صفحة رقم : 9063




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


أقمصتهن في أعلى ظهورهن، فقاضى النساء في المحكمة، ولعله كان خاسراً دعواه، ولكنه هدد بأن يبدأ عادة مماثلة في سراويل الرجال، وهنا أمرت المحكمة بأن يترك النساء فتحة متواضعة ولكنها سالكة من الأمام (2- 17). وحدث أن غضب بانورج من امرأة احتقرته، فرش ثوبها وهي راكعة للصلاة في الكنيسة بسائل حيوان مدلل شديد الشهوة، فلما قامت تبعها جميع كلاب باريس الذكور- وعددها 600.014 في ولاء إجماعي لا يعرف الكلل (2- 21، 22). ويولع بنتاجرويل بهذا الوغد تخفقاً من الفلسفة، برغم أنه أمير بلغ غاية التهذيب، فيدعوه لمصاحبته في كل رحلاته.

وبينما تمض القصة في جذل إلى الجزء الثالث يناقش بانورج موضوع زواجه بين وبين نفسه وبينه وبين غيره. فيعدد ما للمشروع وما عليه خلال مائة صفحة فيها المشرق، والكثير فيها ممل، ولكننا في هذه الصفحات نلتقي بالرجل الذي تزوج امرأة خرساء، والفقيه الشهير بريدلجوس الذي ينتهي إلى أكثر أحكامه سلامة برمي الزهر، وتستوحي مقدمة الجزء الرابع لوكيان فتصف "مجمعاً للآلهة" في السماء، وجوبيتر يشكو من الفوضى اللا أرضية، التي تسود الأرض، والثلاثين حرباً المستعرة في وقت واحد، والكراهية المتبادلة بين الشعوب، وانقسامات اللاهوتيين، وأقيسة الفلاسفة "فماذا نحن فاعلون بهذه الحرب حرب راموس وجالان- هذين اللذين يحرشان باريس كلها بعضها ببعض؟"- ويشير عليه الإله بريابوس بأن يحول هذين البطرسين Pierres إلى صخرتين (Pierres)، وهنا نرى رابليه يسطو على تورية من الكتاب المقدس.
ثم يعود إلى الأرض فيسجل في الجزئين الرابع والخامس رحلات




صفحة رقم : 9064




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


طويلة أشبه برحلات جلفر، خرج فيها بنتاجرويل وبانورج والأخ يوحنا وأسطول يوتوبي ملكي ليبحثوا عن "معبد القارورة المقدسة"، وليسألوا هل يحسن بيانورج أن يتزوج. وبعد عشرات المغامرات، وبعد التنديد بأصوام "الصوم الكبير"، وبكارهي البابا من البروتستنت، وبعباد البابا من المتعصبين، وبالرهبان، وبتجار الآثار المزيفة، وبالمحامين (القطط ذات الفراء)، وبالفلاسفة الكلاميين، وبالمؤرخين، تنتهي الرحلة إلى المعبد. وعلى بوابته كتابة يونانية تقول: "إن في النبيذ لحقاً". وفي نبع قريب قارورة غمرت في النبيذ إلى نصفها ينبعث منها صوت يقرقر قائلاً "ترنك"، وتقول الكاهنة باكبوك: إن النبيذ خير الفلسفات، وإن "ما يميز الإنسان ليس الضحك بلا شرب.... النبيذ الرطب اللذيذ". ويسعد بانورج أن تؤيد الكاهنة ما كان يعرفه طوال الوقت، فيصمم على أن يأكل ويشرب ويتزوج ويتحمل العواقب كما يخلق الرجال، وهو ينشد أغنية عرسية بذيئة، ثم تصرف باكبوك الجماعة بعد أن تمنحها هذه البركة "ليحفظكم ذلك المحيط الفكري الذي يوجد مركزه في كل مكان، ولا يوجد له نهاية في أي مكان، والذي تدعوه الله، في رعايته القوية القادرة". (5- 47). وهكذا تختتم القصة العظيمة بمزيج مثالي من البذاءة والفلسفة.


د- مضحك الملك


أي معنى يتوارى خلف هذا الثراء، وهل من حكمة في هذا السيل الدافق من المرح الفاليرني- البريابي؟ يقول رابليه وهو يجري الكلام على لسان أحد حمقاه "نحن مهرجي الريف فينا شيء من الجلافة، نميل إلى تحطيم الألفاظ وتفكيك أوصالها". (5- 18). إنه يحب الألفاظ، وعنده منها معين لا ينضب، وهو يخترع مئات من الكلمات الجديدة




صفحة رقم : 9065




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


ويشتقها كشكسبير من كل حرفة ومهنة، ومن كل ميدان في الفلسفة أو اللاهوت أو القانون. وهو يضع قوائم بالنعوت أو الأسماء أو الأفعال، وكأنما يلذه تأملها (3- 38)، ثم يستكثر من المترادفات في النشوة من الإطناب، ولقد هذا الحشو من قبل حيلة قديمة في المسرح الفرنسي(32). وهو جزء من فكاهة رابليه التي لا حد لها ولا ضابط، وفيض تتضاءل أمامه حتى فكاهة أرستوفان أو موليير. أما بذاءته فوجه من وجوه هذا الفيض الذي لا يمكن التحكم فيه. ولعل بعضها رد فعل للنسك الديري، وبعضها لا مبالاة تشريحية لا تستغرب من طبيب، وبعضها تحد جرئ للحذقلة، وكثير منها يساير أسلوب العصر، وما من شك في أن رابليه قد غلا في فحشه غلوا شديداً، حتى أننا بعد أن نقرأ عشر صفحات أو نحوها من التفاصيل الملوثة بالتبول والتناسل والإفراز والغازات نمل القراءة وننصرف عنها. ولم يكن بد من مجيء جيل جديد من التأثر الكلاسيكي ليروض هذا الفروان البركاني ويخضعه للنظام.
على أننا نغتفر هذه العيوب لأن أسلوب رابليه ينطلق معنا في يسر كما انطلق معه؛ إنه أسلوب خال من التكلف والصنعة الأدبية، أسلوب طبيعي سهل متدفق، وهو بالضبط الأداة لسرد قصة طويلة. والسر في حيوية رابليه هو الخيال مضافاً إليه النشاط مضافاً إليهما الوضوح، وهو يرى مئات الأشياء التي لا يراها معظمنا، ويلحظ دقائق لا حصر لها في اللباس والسلوك والحديث، ثم يجمع بينها بطريقة خيالية غريبة، ويطلق هذه الأخلاط يطارد بعضها البعض فوق صفحاته الضاحكة.
ثم تراه يستعير يمنة ويسرة جرياً على عادة جيله، معتذراً عن هذا بما اعتذر به شكسبير من أنه يجود كل شيء يسرقه. فهو يتناول مئات من نتف الأمثال الواردة في كتاب إرزمس "أداجيا"(33)، ويحكى




صفحة رقم : 9066




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


الكثير مما سبقه في "مدح الحماقة" أو "الأحاديث"، وهو يتمثل خمسين موضوعاً من بلوتارخ، وذلك قبل سنوات من ترجمة آميو التي فتحت سجل العظماء هذا لأي لص من لصوص الأدب. وهو ينتحل من كتاب لوكيان "الحديث السماوي" وقصة فولنجو عن الخروف الذي أغرق ذاته، ويجد في كوميديات عصره قصة الرجل الذي ندم على أنه شفي زوجته من الخرس، ويستعمل عشرات الأفكار التي توحي بها الخرافات والقصص الصغيرة التي انحدرت من فرنسا الوسيطة. وحين يصف رحلات بنتاجرويل نراه يعتمد على الحكايات التي نشرها رواد الدنيا الجديدة والشرق الأقصى. ومع ذلك، فعلى الرغم من هذه الاستعارات كلها، ليس هناك مؤلف أكثر منه أصالة، ولسنا نجد في غير شكسبير وسرفانتيس مخلوقات واسعة الخيال، مفعمة بالقوة والحياة، كالراهب يوحنا، أو كبانورج. على أن رابليه نفسه هو أهم خلق خلقه الكتاب، إنه مزيج من بنتاجرويل، والراهب يوحنا، وبانورج، وإرزمس، وفيزاليوس، ويوناثان سويت؛ مزيج ثرثار، فوار، محطم للأصنام، عاشق للحياة.
وتعشقه للحياة هو الذي جعله يسلخ جلود أولئك الذين جعلوها أقل فتنة وإغراء. ولعله قسا بعض الشيء على الرهبان الذين لم يستطيعوا مشاركته ميوله أدبياً وإنسانياً، ولا بد أن محامياً أو محامين قد أنشبا براثنهما فيه، لأنه يمزق فراء المحامين في غل شديد. يقول محذراً قراءه "أنصتوا إلي، إن عشتم ست دورات أولمبية فقط مضافاً إليهما عمر كلبين، فسترون قطط القانون هؤلاء سادة على أوربا بأسرها". ولكنه يسوط أيضاً القضاة، والمدرسين، واللاهوتيين، والمؤرخين، والرحالة، وباعة صكوك الغفران، والنساء. ولا تكاد تعثر في الكتاب كله على كلمة طيبة عن النساء، وتلك هي أشد نقط رابليه عمىً، ولعلها الثمن الذي




صفحة رقم : 9067




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


دفعه راهباً وقسيساً وأعزب لافتقاره طول حياته إلى الحنان.
وقد اختلف المتشيعون له في أمره، أهو كاثوليكي أم بروتستنتي أم حر التفكير أن ملحد. فهو في رأي كالفن ملحد. أما عاشقه أناطول فرانس فينتهي إلى هذا الحكم "في اعتقادي أنه لم يصدق في أي شيء"(34). وكان أحياناً يكتب كأشد ما يكون الكلبيون سخرية من الناس واحتقاراً لهم، كما ترى في لغة الغنام في حديثه عن أمثل الطرق لإخصاب الحقول (4- 7). كان يتهكم بالصوم، وبصكوك الغفران، وبرجال محاكم التفتيش، وبالمراسيم البابوية، ويلذه شرح الشروط التشريحية المطلوبة في المرشح للبابوية (4- 48). ويبدو أنه لم يؤمن بالجحيم (2- 30). وتراه يردد حجج البروتستنت الذي قالوا إن البابوية تنزح أموال الشعب (4- 53)، وأن كرادلة روما يحيون حياة البطنة والنفاق (4- 58- 60). وكان يتعاطف مع المهرطقين من الفرنسيين، وقد قال إن بنتاجرويل لم يطل مكثه في تولوز لأن القوم هناك "يحرقون حكامهم أحياء كما تشوي الرنجة الحمراء".- مشيراً بذلك إلى إعدام أستاذ قانون مهرطق (2- 5) ولكن يبدو أن ميوله البروتستنتية اقتصرت على الإنسانيين من البروتستنت دون غيرهم. ولقد تبع إرزمس في إعجاب، ولكنه لم يمل إلى لوثر إلا في اعتدال، وقد صدف في اشمئزاز عن جزمية كالفن وغلوه. كان يتسلح في كل شيء إلا عدم التسامح، وكان كجميع الإنسانيين إذا أكرهوا على الاختيار يؤثر الكاثوليكية بأساطيرها وعدم تسامحها وفنونها، على البروتستنتية بقدريتها وعدم تسامحها ونقائها. وكثيراً ما أكد إيمانه بالعقائد الأساسية في المسيحية، ولكن لعل هذا كان من قبيل الحصانة في رجل كان على استعداد في سبيل الدفاع عن آرائه لأن يلقى عقاب الحرق دون سواه. وقد أحب تعريفاً لله حباً جعله (أو جعل من أكمل كتابه)، يعيده غير مرة (3- 13، 5- 147). ويبدو أنه آمن بخلود النفس




صفحة رقم : 9068




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


(2- 8، 4- 27)، ولكنه آثر بوجه عام حديث الموضوعات الداعرة على حديث الأخرويات. ولقد اتهمه فاريل بالارتداد لأنه قبل وظيفة كاهن مودون(35). ولكن هذا القبول كما فهمه واهب الوظيفة ومتلقيها على حد سواء لم يكن سوى سبيل إلى الرزق.
أما إيمانه الحقيقي فكان بالطبيعة، ولعله في هذه الناحية كان لا يقل عن جيرانه المحافظين إيماناً وسذاجة. لقد آمن بأن قوى الطبيعة تعمل للخير في النهاية، ولم يقدر حيادها نحو الناس والحشرات على السواء حق قدره. وكان كروسو، وعلى النقيض من لوثر وكالفن، ويؤمن بطبيعة الإنسان الخيرة، أو يثق كغيره من الإنسانيين بأن التعليم الجيد والبيئة الطيبة كفيلان بجعل الإنسان خيراً. وقد نصح الناس كما نصحهم مونتيني بأن يتعبوا الطبيعة، ولعله كان ينظر بعد اهتمام خبيث بما قد يحدث عندها للمجتمع والحضارة. وقد يبدو في وصفه لدير تيليمي مبشراً بالفوضى الفلسفية، ولكن الأمر لم يكن كذلك؛ فهو لا يسمح بدخول الدير إلا لمن يؤهله حسن تربيته وتعليمه وإحساسه بالشرف لامتحانات الحرية.
لقد كانت "البنتاجرويليه" فلسفته النهائية. وعلينا ألا نخلط بين هذه الكلمة وبين كلمة بنتاجرويليون، التي تعني عشباً مفيداً ليس في حقيقته غير القنب، وفائدته النهائية أنه يصلح لصنع أربطة رقبة مناسبة للمجرمين. أما البنتاجرويلية فهي العيش على طريقة بنتاجرويل في عشرة لطيفة متسامحة مع الناس والطبيعة، وفي استمتاع شاكر بكل طيبات الحياة، وفي تقبل بشوش لما يصيبنا من تقلبات ومن نهاية لا مفر منها. وقد عرف رابليه هذه البنتاجرويلية مرة بأنها "ضرب من فرح الروح كامن في احتقار أحداث الحياة" (4- المقدمة). وهي تجمع بين فلسفات الرواقي زينون، والكلبي ديوجين، والفيلسوف أبيقور:




صفحة رقم : 9069




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


وخلاصتها تحمل كل الأحداث الطبيعية برباطة جأش، والنظر دون تضرر إلى جميع الحوافز والعمليات الطبيعية، والاستمتاع بكل لذة سليمة دون كبت ديني متزمت أو تبكيت لاهوتي للضمير. لقد كان بنتاجرويل "يتقبل كل شيء برضى، ويفسر كل فعل بأحسن نية، لا يناكد نفسه ولا يزعجها... لأن كل ما تحويه الأرض من متاع... لا يساوي أن تضطرب من أجله عواطفنا أو تختل، وأن نفكر أو نحير بسببه حواسنا أو أرواحنا" (3- 2). ويجب ألا نبالغ فيما تحويه هذه الفلسفة من عنصر أبيقوري، فخمريات رابليه لفظية أكثر منها كحولية، وهي لا تنسجم تماماً مع ما وصفه به أحد معاصريه من أنه رجل "طلق المحيا لطيف الوجه هادئة"(36). أما الخمر الذي احتفى به فهو خمر الحياة. إن هذا الأمير المزعوم لمدمني الخمر يضع على فم جارجانتوا عبارة تصوغ في بضع كلمات تحدي العصر الذي نعيش فيه "إن العلم بغير ضمير ليس إلا مجلبة لخراب النفس". (2- 8).
ولقد اعتزت فرنسا برابليه أكثر من اعتزازها بأي من عمالقة القلم فيها باستثناء مونتيني ومولير وفولتير. ووصفه إتيين باسكييه الذي عاش في قرنه بأنه أعظم كتاب العصر. وحين تصلبت عادات المجتمع الفرنسي في القرن السابع عشر تحت المخرمات والباروكات، وطغت الأشكال الكلاسيكية، فقد رابليه بعض مكانته في ذاكرة الأمة، ولكن حتى في تلك الفترة اعترف موليير وراسين ولافونتين بتأثرهم به، وأحبه فونتينيل، ولابرويير، ومدام دسفنيه، وانتحل باسكال تعريفه لله. أما فولتير فقد بدأ باحتقار جلافته، وانتهى بالولاء له. وحين تغيرت اللغة الفرنسية استعصى فهم رابليه على القراء الفرنسيين في القرن التاسع عشر، ولعله اليوم أكثر شعبية في البلاد الناطقة بالإنجليزية منه في فرنسا. ذلك أن السر تومس أوركهارت نشر في 1653




صفحة رقم : 9070




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رابليه


و1693 ترجمة للجزأين الأول والثالث صاغها في إنجليزية قوية لا تقل حيوية وتدفقاً عن الأصل الفرنسي. ثم أكمل بيتر دمويته الترجمة في 1708، وبفضل جهود هذين الرجلين أصبح جارجانتوا وبنتاجرويل من عيون الأدب الإنجليزي. ولقد سرق منه سويفت كأنما يستند إلى حق انتمائه إلى الأكليروس، ولا بد أن ستيرن وجد في الكتاب خميرة لسخريته اللاذعة. إنه أحد الكتب التي لا تنتمي إلى أدب بلد بعينه بل إلى الأدب العالمي..




صفحة رقم : 9071




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رونسار وجماعة البليارد



6- رونسار وجماعة البليارد




(النجوم السبعة) Pl(iade


كان فيض غامر من الشعر يتدفق خلال هذه الفترة على فرنسا. وقد وصل إلى علمنا أسماء نحو 200 شاعر فرنسي لمعوا إبان حكم فرانسوا الأول وأبنائه، ولم يكن هؤلاء الشعراء أصواتاً جوفاء تصرخ في برية لا تعبأ بهم، بل مقاتلين يخوضون معركة أدبية-معركة الشكل ضد المضمون، ورونسار ضد رابليه-قررت طبيعة الأدب الفرنسي حتى عصر الثورة.
ولقد ألهمتهم حماسة معقدة، فهم من ناحية يتوقون إلى مباراة اليونان والرومان في نقاء الأسلوب وكمال الشكل، ومنافسة كتاب السونيتات الإيطاليين في رشاقة الكلام وجمال الأخيلة، ولكنهم من ناحية أخرى مصممون على ألا يكتبوا باللاتينية كالأدباء الذين علموهم وأثاروا حماستهم، بل بلغتهم القومية وهي الفرنسية، وهم في الوقت ذاته يريدون أن يلينوا ويهذبوا هذه اللغة التي ما زالت خشنة، وذلك بتعليمها الألفاظ والعبارات والتراكيب والأفكار التي سرقوها بحكمة من الآداب الكلاسيكية. وافتقار رواية رابليه إلى الشكل المحدد، بما يتخللها من أحداث عرضية، جعلها في نظرهم إناءً خشناً من الطين شكل باليد على عجل ثم أعوزه




صفحة رقم : 9072




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رونسار وجماعة البليارد


الطلاء والصقل. لذلك اعتزموا أن يضيفوا إلى حيوية رابليه "الأرضية" ضبطاً للشكل الصمم للغاية، وللشعور الخاضع لحكم العقل.
وبدأت الحملة الكلاسيكية في ليون إبان حياة رابليه نفسه. فقد أنفق موريس سيف جانباً من حياته فيما خاله تحديداً لموقع قبر لورا حبيبة بترارك، ثم كتب 446 مقطعاً شعرياً لحبيبته ديلي، ومعهد الطريق أمام رونسار بفضل ما تميز به شعره من رقة حزينة. وكان أقدر منافسيه في ليون امرأة تدعى "لويز لابيه" راحت وهي مدججة بسلاحها الكامل تقاتل كأنها جان دارك أخرى في برببنيان، ثم هدأت ثائرتها بزواجها من صانع حبال أغضى-على طريقة الفرنسيين اللطيفة-عن غرامياتها الجانبية. كانت تقرأ اليونانية واللاتينية والإيطالية والأسبانية، وتعزف على العود عزفاً ساحراً، وتحتفظ بصالون لمنافسيها وعشاقها، وقد كتبت بضع قصائد من أسبق وأروع ما كتب من سونيتات في اللغة الفرنسية. وحسبنا للحكم على شهرتها أن نستشهد بجنازتها (1566) التي قال مؤرخ إخباري أنها "كانت انتصاراً. فقد حمل نعشها مخترقاً المدينة ووجهها مكشوف ورأسها مكلل بتاج من الزهور. لقد عجز الموت عن أن يشوهها، وجلل أهل ليون قبرها بالزهور والدموع".(37) وعن طريق شعراء ليون هؤلاء انتقل الأسلوب والمزاج البتراركيان إلى باريس ودخل إلى جماعة البلياد.
وكانت البلياد ذاتها صدى يردد الكلاسيكية. ذلك أن إسكندرية القرن الثالث قبل الميلاد كان فيها كوكبة من شعراء سبعة أطلق عليهم هذا الاسم مأخوذاً من الثريا التي خلدت ذكر بنات أطلس وبليوني الاسطوريات. على أن رونسار، ألمع نجوم البلياد الفرنسي، قل أن استعمل هذا اللقب، وكانت نماذجه التي حاكاها هي أناكريون وهوراس




صفحة رقم : 9073




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رونسار وجماعة البليارد


لا ثيوقريطس أو كليماخوس الإسكندريان. وفي 1548 التقى في فندق صغير بتروين ييواكيم دبلليه Du Bellay، وائتمر معه على توجيه الشعر الفرنسي صوب الكلاسيكية وضما إلى مشروعهما أربعة شعراء شبان آخرين هم : أنطوان دباييف، وريمي بيللو، وإتيين جوديل، وبونتيس دتيار، ثم انضم إليهم أيضاً الأديب جان دورا الذي كان لمحاضراته عن الأدب اليوناني في كلية فرنسا وكلية كوكيريه الفضل في تأجيج حماستهم للشعراء اليونان الغنائيين. وأطلقوا على أنفسهم لقب البريجارد (اللواء) وأقسموا أن ينقذوا ربة الشعر الفرنسي من أيدي جان دمونج ورابليه الخشنة، ومن بحور فيون ومارو المفككة. وكانوا يشمئزون من لغة جارجانتوا وبنتاجرويل الصاخبة وحكمتها المستترة، ولم يروا أي ضابط كلاسيكي في تلك الأفعال والنعوت المختلطة ولا في تلك التدفقات البذيئة، ولم يجدوا فيها أي شعور بجمال شكل المرأة أو الطبيعة أو الفن. ولاحظ أحد أعدائهم من النقاد أنهم سبعة شعراء، فأطلق عليهم لقب "البلياد". ولكن انتصارهم جعل من هذا اللقب ناراً على علم.
في 1549 أذاع الشاعر دبلليه البرنامج اللغوي لهذه الجماعة في كتابه "دفاع عن اللغة الفرنسية وجلاء لها". فأما الدفاع فقد قصد به أن في الاستطاعة تمكين الفرنسية من التعبير عن كل ما عبرت عنه اللغات القديمة، وأما الجلاء فقصد به أن في استطاعة الفرنسية أن تكتسب بريقاً جديداً، وأن تصقل ذاتها وتجلو نفسها بنبذ الكلام الخشن الذي يسود النثر الفرنسي، والأغاني الشعبية، والقصائد القصيرة المتكررة الأزمات، والألوان القديمة من الشعر الفرنسي، وأن تجدد وتثري ذاتها باقتباس العبارات ودراسة الأشكال الكلاسيكية، كما توجد في أناكريون وثيوقراطيس وفرجيل وهوراس وبترارك. ولا غرو فقد أصبح بترارك في نظر جماعة الشعراء السبعة كاتباً كلاسيكياً، وغدت السونيت أكمل الأنماط الأدبية قاطبة.




صفحة رقم : 9074




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رونسار وجماعة البليارد


أما "بيير رونسار" فقد حقق في شعره تلك المثل التي أعرب عنها دبلليه في نثره الرائع. وهو سليل أسرة خلعت عليها النبالة مؤخراً، فقد كان أبوه رئيس خدم فرانسوا الأول، وعاش بيير حقبة من حياته في البلاط الملكي الفخم. وكان تابعاً للدوفن فرانسوا، ثم لمادلين التي تزوجت جيمس الخامس ملك إسكتلندة، ثم مرافقاً للأمير الذي أصبح فيما بعد الملك هنري الثاني. وكان يصبو إلى المشاركة في المغامرات الحربية، ولكنه ابتلي بالصمم وهو بعد في السادسة عشرة. ومن ثم فقد أغمد سيفه وجرد عوضاً عنه قلمه. والتقى بشعر فرجيل صدفة، فرأى فيه كمالاً في الشكل واللفظ لا لهد فرنسا به. وأخذ دوريه بيده فانتقل به من اللاتينية إلى اليونانية، وعلمه قراءة أناكريون واسخيلوس وبندار وارستوفان. وصاح به الفتى "سيدي! لم أخفيت عني هذه الكنوز طوال هذا الزمن؟"(38) وحين بلغ الرابعة والعشرين التقى بالثائر دبلليه. ومن ذلك التاريخ وزع وقته بإخلاص بين الأغاني والنساء والخمر.
وقد أكملت "قصائده الغنائية Odes" (1550) هذه الثورية الغنائية. وكانت تقليداً صريحاً لهوراس، ولكنها أدخلت هذا اللون في الشعر الفرنسي، ووقفت القصائد على قدميها سواء في نقاء اللغة أو جمال العبارة أو إحكام الشكل. وبعد عامين اتخذ بترارك نموذجاً له في 183 قصيدة من السونيتات التي نشرها في ديوانه "غراميات" وبلغ فيها من الرشاقة والصقل ما لم ييزه أحد قط في الشعر الفرنسي. وكان يكتب ليتغنى الناس بشعره، وقد لحنت له قصائد كثيرة في حياته، بعضها لحنه كبار الموسيقيين أمثال جانكان وجوديميل. وكان في قصائده يغري النساء اللاتي يتغزل فيهن بتلك الدعوة القديمة، دعوة الاستمتاع بالحياة ما دام حسنهن مضيئاً، ولكنه حتى في هذا الموضوع القديم راح يعزف نغمة أصيلة، كتنبيه فتاة حذرة إلى أنها ستندم يوماً ما لأنها فوتت فرصة الغواية من




صفحة رقم : 9075




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رونسار وجماعة البليارد


شاعر شهير مثله. يقول: "حين يتقدم بك العمر كثيراً، إذ تجلسين في المساء إلى المدفأة تتحدثين وتخيطين على ضوء شمعة، ستنشدين قصائدي وتقولين في عجب: لقد أذاع رونسار اسمي يوم كنت جميلة. عندها لن يكون من بين خدمك الذين يسمعون بنبأ كهذا-حتى ولو بعث طنين المناسج النوم إلى أجفانهم-من لا يفيق وهو يسمع اسمي، ليباركك على ما حظيت به من مديح خالد. عندها سأكون راقداً تحت الثرى، شبحاً بلا عظم، ثاوياً تحت الآس. وستكونين يومها عجوزاً قد احدودب ظهرها وهي جالسة إلى المدفأة، وستأسفين على حبي وعلى ازدرائك الفخور. فاستمعي إليَّ وعيشي الآن دون انتظار لغد، واقطفي منذ اليوم ورود الحياة".
وكانت عظمة الأسلوب تليق ببلاط كاترين دمديتشي التي جلبت معها إلى فرنسا حاشية إيطالية حملت بترارك فيما حملت من كتب. وما لبث الشاعر الجديد-بمشيته المختالة برغم ما مسه من صمم، وبقوامه العسكري وشعر رأسه ولحيته الذهبي، ووجهه الشبيه بوجه هرمز كما وصفه براكسيتيليس-أن أصبح أثيراً لدى كاترين، وهنري الثاني، وماري ستيوارت، بل وإليزابث ملكة إنجلترا التي أهدته خاتماً من الماس بوصفها ابنة خاله السابعة عشرة. ووجدت أسطورة البلياد اليونانية الرومانية ترحيباً، وحين تحدث الشعراء عن أوليمبوس قدر البلاط لهم هذه التحية.(39) فهنري هو النظير لجوبيتر، وكاترين هي المقابل لجونو، أما ديان فهي ديانا، وأكدت هذا التشابه التماثيل التي نحتها المثال جوجون.
وبعد موت هنري واصل شارل التاسع مصادقة رونسار، دون أن تسفر هذه الصداقة عن نتيجة طيبة. ذلك أن الملك الشاب كان يبغي أن ينظم له الشاعر ملحمة عن فرنسا تطاول ملحمة الأنيادة. وكتب الملك المغفل يقول: "أستطيع أن أعطي الموت، أما أنت فتستطيع أن تعطي




صفحة رقم : 9076




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> رونسار وجماعة البليارد


الخلود(40)." وبدأ رونسار نظم "الفرنسيادة" المنشودة، ولكنه ألفى ربة شعره أقصر نفساً من أن تجري هذا الشوط الطويل، وما لبث أن أقلع عن المحاولة المزعومة، وعاد إلى غنائياته وحبه. وقضى أيامه في دعة وسلام حتى أدركته الشيخوخة وهو في مأمن من ضجيج الدنيا، محافظاً في السياسة والدين دون ما خطر، مكرماً من شباب الشعراء، محترماً من الجميع إلا من الموت. وقد وافته منيته في 1585 ودفن في تور، ولكن باريس منحته جنازة أولمبية مشى فيها كل أعيان العاصمة ليسمعوا أسقفاً يرتل "قصيدة جنائزية".
أما الشعراء الذين خلعوا عليه لقب الإمارة فقد أصدروا كثيراً من دواوين الشعر، ولكن شعر ميت برغم رقته. وكان أكثرهم كسيدهم وثنيين يعلنون كثلكتهم المحافظة حين يروقهم إعلانها، ويحتقرون الهيجونوت المتزمتين، وكانوا أرستقراطيين كبرياء، ودماً أحياناً، وإن خوت جيوبهم، يكتبون لدائرة من القراء أتيح لها من الفراغ ما يكفي للاستمتاع بالشكل. ورد رابليه على خصومتهم بالسخرية من حذلقتهم، ومن تقليدهم الوضيع للبحور والعبارات والنعوت اليونانية والرومانية، ومن ترديدهم التافه للموضوعات القديمة وللأخيلة والمراثي البتراركية. وفي هذا الصراع بين المذهبين الطبيعي والكلاسيكي تقرر مصير الأدب الفرنسي. فأما شعراء فرنسا وكتاب مآسيها المسرحية فآثروا الطريق المستقيم الضيق، طريق البناء الكامل والجمال المنحوت الدقيق؛ وأما كتاب النثر فقد استهدفوا إمتاع القراء بقوة مادتهم دون سواها. ومن ثم بات الشعر الفرنسي قبل عصر الثورة عصياً على الترجمة، فأنت لا تستطيع تحطيم إناء الشكل ثم إعادة صبه في قالب أجنبي، على أن هذين النهرين التقيا في فرنسا القرن التاسع عشر، وامتزج نصفا الحقيقة، واقترن المضمون بالشكل، وعقد اللواء للنثر الفرنسي.




صفحة رقم : 9077




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> وايات وصرى



7- وايات وصري


مر التأثير الإيطالي بفرنسا وبلغ إنجلترا، لا فيضاً دافقاً بل نهراً ينطلق إلى البحر بمخارج كثيرة. فالعلم والدرس اللذان شغلا جيلاً ألهما الأدب في الجيل التالي، وأصبح وحي اليونان والرومان المقدس إنجيل النهضة. ففي عام 1486 مثلت مسرحيات بلوتوس في إيطاليا، ثم انتقلت سريعاً إلى بلاطي فرانسوا الأول وهنري الثامن والمتنافسين. وفي عام 1508 افتتحت مسرحية كالاندرا للكاتب ببينا عهد الملهاة الكلاسيكية المكتوبة باللغة الوطنية في إيطاليا. وفي عام 1552 بدأت المأساة الكلاسيكية المكتوبة بالفرنسية في فرنسا بمسرحية جوديل "كليوبطره أسيرة"، وفي عام 1553 أخرج نيكولاس أو دال أول ملهاة إنجليزية ذات شكل كلاسيكي، قال ناقد عنها "إن مسرحية رالف رويستر دويستر تشم فيها رائحة بلوتس"(41). وهذا حق، ولكنك تشم فيها أيضاً رائحة إنجلترا، ورائحة هذه الفكاهة القوية التي كان شكسبير مزعماً أن يقدمها للدهماء من رواد المسارح الإليزابيثية.
وتجلى التأثير الإيطالي في أروع صورة في الشعر إبان حكم أسرة تيودور. كان أسلوب العهد الوسيط لا يزال حياً في بعض القصائد الشعبية الجميلة مثل "العذراء غير السمراء" (1521)، ولكن حين انصرف الشعراء الذين أظلهم الملك الشاب هنري الثامن برعايته إلى قرض الشعر اتخذوا بترارك وأشعاره الغنائية "الكانزونييري" مثلاً يحتذونه. وقبل ارتقاء إليزابيث العرش بسنة واحدة نشر رتشرد توتل، أحد الطباعين اللنديين، كتاباً سماه "منوعات" كشفت فيه قصائد رجلين من رجال البلاط البارزين عن انتصار بترارك على تشوسر، وانتصار الشكل الكلاسيكي على فيض حماسة العهد الوسيط. أما أول الرجلين، وهو السر توماس وايات Wyatt فقد قام برحلات كثيرة إلى فرنسا وإيطاليا بوصفه دبلوماسياً




صفحة رقم : 9078




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> وايات وصرى


في خدمة الملك، وجلب معه بعض الإيطاليين ليعاونوه في تهذيب أصحابه وتمدينهم. ولقد أحرق أصابعه بنار الحب كما يخلق برجل بلاط أصيل يعيش في عصر النهضة. وفي رواية أنه كان واحداً من عشاق آن بولين الأوائل، وأنه سجن فترة قصيرة حين أرسلت إلى برج لتدن(42). وقد ترجم أثناء ذلك سونيتات بترارك، وكان أول من ضغط الشعر الإنجليزي في تلك الصورة المحكمة.
فلما مات وايات بالحمى وهو يعد في التاسعة والثلاثين (1542) تلقى القيثارة من يده شاعر رومانسي آخر من بلاط هنري يدعى هنرد هوارد (إيرل أف صري Surrey). وتغنى صري في شعره بمفاتن الربيع، وأنحى باللوم على الصبايا العازفات بحبه، وأقسم ليكونن وفياً إلى الأبد لكل منهن بدورها. وقد ولع بالمغامرات الليلية في لندن، وقضى في السجن فترة عقاباً له على تحديه غريماً في مبارزة، وقدم للمحاكمة جزاء أكله اللحم في الصوم الكبير، وحطم بعض النوافذ بقوسه العابثة. وقبض عليه ثانية، ثم أفرج عنه، وأبلي في الحرب على أرض فرنسا بلاءً حسناً دفاعاً عن وطنه إنجلترا. ولما عاد راح يداعب فكرة ارتقاء العرش الإنجليزي على مسمع من الناس، فحكم عليه بالشنق وانتزع أحشائه وتقطيعه أرباعاً، واكتفى من ذلك كله بضرب عنقه (1547).
كان الشعر ترفاً عارضاً وسط حياة صري العنيفة. وقد ترجم بعض أجزاء من الإنيادة، وأدخل الشعر المرسل في الأدب الإنجليزي. وخلع على السونيت الشكل الذي استخدمه شكسبير فيما بعد. وقد وجه إلى أحد شعراء الرومان أنشودة رعوية حزينة تتغنى بحياة الريف الرتيبة ومما يشيع فيها من سلام وطمأنينة، ربما حين توقع أن مسالك المجد الذي لا حق لصاحبه فيه قد تورده موارد الحتوف. "أي مارتيال، إليك الأشياء التي ألفيتها مفضية إلى الحياة السعيدة: الزهد في المال الذي لا يكسب بالعرق،




صفحة رقم : 9079




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> وايات وصرى


والأرض المثمرة، والفكر الهادئ، والصديق الكفؤ لصديقه، لا بغضاء ولا شحناء، لا تغيير في السلطة ولا في الحكومة، حياة سليمة خلت من المرض، وأسرة متصلة الأجيال، وطعام بسيط لا ترف فيه، وحكمة صادقة مقرونة بالبساطة، وليل خلا من كل هم، لا تستبد فيه الخمر بالعقل، وزوجة وفية لا تلج في النقاش، ونوم يزجي الليل، ورضى بما ملكت يداك، لا تخشى الموت ولا تخاف صولته".




صفحة رقم : 9080




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> هانز زاكس



8- هانز زاكس


في القرن الذي تلا مقالات لوثر تاه العقل الألماني في جدل المائة عام الذي مهد لحرب الثلاثين عاماً. وبعد عام 1530 توقف نشر الكتب الكلاسيكية القديمة إلى حد كبير، وقل عموماً عدد الكتب المنشورة، وحل محلها سيل من الرسائل الجدلية. فراح راهب فرنسسكاني اسمه توماس مورنز ذو قلم حاد يسوط الناس يمنة ويسرة بسلسة كتيبات عن الأوغاد أو الحمقى (طائفة الأوغاد، مجمع الحمقى)... وكلها منقول بتوسع من كتاب برانت Narrenschiff سفينة الحمقى . وكثير من الحمق الذين هاجمهم مورنز كانوا من رجال الكنيسة، وفي البداية ظنه الناس لوثرياً، ولكنه أعلن أن لوثر "كلب صيد متوحش، ومارق مجنون، غبي، مجدف"(43). فوصله هنري الثامن بمائة جنية.
أما سبستيان فرانك فكان أنبل من صاحبه وأصفى معدناً. وكان كاهناً في أوجزبورج حين أقبلت حركة الإصلاح البروتستنتي، فرحب بها ثورة جريئة تمس إليها الحاجة، وأصبح بعد ذلك قساً لوثرياً




صفحة رقم : 9081




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> هانز زاكس


(1525). وبعد ثلاث سنوات تزوج من أوتيلي ببهام، وكان أخوتها من القائلين بتجديد العماد، فعطف على هذه الطائفة المضطهدة، وندد بالتعصب اللوثري، فطرد من استراسبورج، واحترف صناعة الصابون في أولم ليكسب قوته. وسخر من تحكم النبلاء الألمان في سلامة العقيدة، فقال: "إذا مات أمير فأدخل خليفته مذهباً آخر، أصبح هذا المذهب للتو كلمة الله"(44). "تتسلط على جميع الناس اليوم غيرة مجنونة تزعم أننا يجب أن نؤمن... أن الله إلهنا وحدنا، وأنه لا جنة ولا إيمان ولا روح ولا مسيح إلا في مذهبنا". أما إيمانه فكان الألوهية الكونية التي لا توصد باباً. "إن قلبي ليس غريباً عن أي إنسان. فلي أخوة بين الترك والبابويين واليهود وجميع الشعوب(45)". وكان يتوق إلى "مسيحية... حرة لا مذهبية... لا يقيدها أي شيء خارجي" حتى ولا الكتاب المقدس(46). وأقصته أولم هي الأخرى إذ صدمتها هذه المشاعر التي لا تليق بجيله، فعمل طباعاً في بال، وهناك مات شريفاً برغم فقره (1542).
ثم انغمس الشعر والدراما الألمانيان في اللاهوت انغماساً أفقدهما صفة الفن وأحالهما بعض أسلحة القتال. وفي هذه الحرب استحل الكتاب كل جعجعة وجلافة وفحش في القول. ولو أنك استثنيت الأغاني الشعبية والتراتيل لما وجدت للشعر أثراً إلا في وابل من طلقات القوافي المسمومة. ولم تعد الجماهير تتذوق مسرحيات القرن الخامس عشر الدينية التي ينفق على إخراجها بسخاء، فحلت محلها مهازل شعبية تتهكم بلوثر أو البابوات.
على أن ألمانيا لم تعدم بين الحين والحين رجلاً يطفو فوق هذا الحقد والعنف ليرى الحياة كاملاً متكاملاً. ولو أن هانز زاكس استمع إلى قضاة نورمبرج لظل صانع أحذية كما كان؛ ذلك أنه حين نشر تاريخاً منظوماً لبرج بابل دون أن يحصل على الإذن المدني بطبعه، صادروا الكتاب




صفحة رقم : 9082




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> هانز زاكس


وأكدوا لصاحبه أن الشعر ليس ميدانه ما في ذلك ريب، وأمروه أن يلتزم قوالب أحذيته(47). ولكن هانز كان يتمتع ببعض الحقوق التي نالها بفضل مروره بالمراحل العادية التي أهلته لأن يصبح رئيس فرقة المغنين. ولعل المفارقة التي تبدو لنا في كونه حذاء وشاعراً تنتفي إذا لاحظنا أن نقابة الغزالين والحذائين التي انتمى إليها كانت تمارس بانتظام الغناء الكورالي، وتعزف في حفلات موسيقية عامة ثلاث مرات في السنة. ولهذه النقابة، وفي أية مناسبة أخرى، كان زاكس يكتب الأغاني والتمثيليات في مثابرة وجد وكأنه يلوك في فمه مسامير أحذيته.
وعلينا ألا نحسبه شاعراً عظيماً، فما هو إلا صوت عاقل مبتهج يعلو وسط قرون من الكراهية. وكان شغله الشاغل هم البسطاء من الناس لا العباقرة، وتمثيلياته كلها تقريباً تدور حول هؤلاء. بل إن الله نفسه يبدو في هذه التمثيليات أحد العامة الخيرين ويتكلم كما يتكلم قسيس الناحية. وبينما راح معظم الكتاب يتبلون صحائفهم بالمرارة أو التبذل أو فحش القول، كان هانز يصور ويمجد فضائل المحبة والواجب والتقوى والوفاء الزوجي والحب الأبوي والبنوي. وقد بدأ بنشر قصائد (1516). تستهدف "زيادة الثناء على الله والتحدث بمجده" و "مساعدة إخوانه على أن يحبوا حياة التوبة"(48). وظلت هذه الروح الدينية تبعث الدفء في كتاباته إلى النهاية. وقد نظم نصف الكتاب المقدس، مستخدماً نص الترجمة التي قام بها لوثر، وحياة هانز ولقبه بـ "بلبل فتنبرج" الذي سينقي الدين ويرود الفضيلة. "استيقظوا؛ استيقظوا؛ فقد بزغ الفجر، وهأنذا أسمع في الغابات أنشودة تتردد. إنه البلبل العظيم تصدح موسيقاه فوق السهل والجبل. هاهو الليل يتلاشى في الغرب، والصبح يطلع من الشرق، والفجر يقبل فيطرد غيوم الليل المنصرم"(49).
وأصبح زاكس الآن شاعراً ملحمياً لحركة الإصلاح البروتستنتي،




صفحة رقم : 9083




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> هانز زاكس


وراح يندد بأخطاء الكاثوليك في إصرار ساخر. فكتب التمثيليات عن الأوغاد من الرهبان، وأرجع قبيلتهم إلى الشيطان، ونشر مسرحيات كاريكاتورية ساخرة وهزليات تعرض على سبيل المثال كاهناً يغوي فتاة أو يتلو القداس وهو مخمور. وفي 1558 نشر "تاريخاً منظوماً للبابة جوانا"-وهي قصة خرافية تقبلها معظم الوعاظ البروتستنت على أنها تاريخ. ولكن هانز ندد باللوثريين أيضاً، ورماهم بالتناقض الفاضح بين حياتهم وعقيدتهم. "إنكم معشر اللوثريين جلبتم على الإنجيل أشد الاحتقار بسبب نهمكم للحم، وضجيجكم الصاخب، وذمكم للكهنة، وشجاركم وسخريتكم وسبابكم وغير ذلك من مظاهر سلوككم الشائن(50)." وشارك الكثيرين في الحزن على ما شاب الجيل من جري وراء الكسب وفساد في الخلق.
ونحن إذا استثنينا فكرة فاجنر المثالية، وجدنا على الجملة أن هانز زاكس ربما كان الممثل للرجل الألماني الطيب برغم ما يشوبه من فجاجة وجلافة، والذي لا بد كان أغلبية في الجنوب على الأقل. ونحن نراه سعيداً في بيته، مترنماً بشعره طوال أربعين عاماً. ولما ماتت زوجته الأولى (1560) تزوج وهو في الثامنة والستين من حسناء في ربيعها السابع والعشرين، وظل ينعم بالحياة برغم هذه المحنة. ولا بد لنا من إنصاف عصر ومدينة مكنا حذاء من أن يصبح في ظلهما أديباً إنسانياً، وشاعراً، وموسيقياً، وأن يقتني مكتبة كبيرة ويستعملها، وأن يتعلم الأدب اليوناني والفلسفة اليونانية، وأن ينظم 6000 قصيدة، وأن يعيش متمتعاً بقسط لا بأس به من الصحة والسعادة حتى وافته المنية وقد بلغ الثانية والثمانين.




صفحة رقم : 9084




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> ربة الشعر الأيبيرية



9- ربه الشعر الإيبيرية




1515-55


كانت هذه فترة مفعمة بالنشاط والحيوية في أدب البرتغال. ذلك أن حافز الاكتشاف المثير، والثروة المنتشرة بفضل التوسع في التجارة، والتأثير الإيطالي، والأدباء الإنسانيين في كويمبرا ولشبونة، والرعاية التي بسطها بلاط مثقف-كل هذا تضافر لإحداث ازدهار سيبلغ ذروته في "لوزيادات" كاموينز (1572). ونشبت معركة مرحة بين "المدرسة القديمة"-مدرسة جل فيتشنتي الذي تعلق بالموضوعات والقوالب القومية، ومدرسة أبناء القرن الخامس عشر (ويقابله عندنا السادس عشر) الذين اتبعوا صادي مراندا في تحمسه للنماذج والأساليب الإيطالية والكلاسيكية. قد ظل فيتشنتي-وهو "شكسبير البرتغالي"- طوال أربعة وثلاثين عاماً مهيمناً على المسرح بفصوله التمثيلية البسيطة... ورضى البلاط عنه، وتوقع منه إحياء كل حدث ملكي بمسرحية، وحين دب الشقاق بين الملك والبابا، سمح لجل بأن يهجو البابوية في غير تحرج حتى قال الياندر بعد أن شاهد إحدى هذه التمثيليات في بروكسل "ظنتني في قلب سكسونيا استمع إلى لوثر"(51). وكان هذا الكاتب المسرحي الخصب يكتب تارة بالإسبانية، وتارة بالبرتغالية، وتارة بكلتيهما، متخللاً كتاباته بنتف من الإيطالية والفرنسية واللاتينية الكنسية والعامية الريفية. وكثيراً ما كان يقطع حركة المسرحية- كشكسبير- بأشعار غنائية تتسلل إلى قلوب الشعب. وكان جل كشكسبير ممثلاً كما كان كاتب تمثيليات ومديراً للمسرح ومشرفاً على تنظيم مكان وزمان المشاهد المسرحية، وكان إلى ذلك من خيرة صاغة الذهب في جيله.
وفي 1524 عاد فرانشسكو صادي مراندا من إيطاليا بعد أن قضى فيها ست سنوات وجلب معه الحمى الكلاسيكية التي أتت بها النهضة. وكما




صفحة رقم : 9085




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> ربة الشعر الأيبيرية


فعل رونسار وجماعة البلياد في فرنسا، وسبنسر وسدني في إنجلترا، رأى مراندا أن يضفي الكرامة والوقار على الأدب القومي بصوغ موضوعاته وبحوره وأسلوبه على غرار القوالب الكلاسيكية. وقد سلك بترارك في عداد الكلاسيكيين- شأنه في ذلك شأن يواكيم دبلليه- وقدم السونيت لمواطنيه. وكما فعل جوديل، كتب مراندا أول مأساة كلاسيكية بلغته القومية (1550)، وكان من قبل (1527) قد ألف أول ملهاة نثرية برتغالية ذات شكل كلاسيكي. أما صديقه برنارديم ربيرو فنظم شعراً ريفياً بأسلوب فرجيل، وعاش مأساة على طريقة تاسو، فقد أثار بغرامه بإحدى نساء البلاط ضجيجاً عالياً انتهى بنفيه من وطنه، ثم عفا عنه ورضى عنه مليكه، وأخيراً مات مجنوناً (1552).
وقد سجلت مدرسة من المؤرخين تنبض كتبهم بالحياة الانتصارات التي أحرزها المستكشفون. ومن هؤلاء المؤرخين كاسبار كوريا الذي ارتحل إلى الهند وارتقى في السلم الوظيفي حتى أصبح أحد سكرتيري ألبوكيرك، وندد بفساد الموظفين الحكوميين، ثم قتل في ملقا في 1565. وقد ألف إبان هذه الحياة النشيطة، في خمسة مجلدات، كتاباً سماه "خلاصة موجزة" للفتح البرتغالي للهند، مفعماً بالأوصاف البهية التي اتسم بها عصر التوسع هذا. أما فرناو لوبيس دي كاستانهيدا فقد قضى نصف حياته في الشرق، وأنفق جهداً امتد عشرين عاماً في كتابة "تاريخ لكشف البرتغال وفتحها للهند". أما جواو دي باروس فقد شغل عدة وظائف إدارية في "بيت الهند" بلشبونة على مدى أربعين عاماً، وأخجل سلفه بزهده في جمع المال. وكانت المحفوظات والسجلات جميعها في متناوله، فألف بينها في تاريخ اكتفى بتسميته "آسيا" ولكن الكتاب اكتسب اسماً آخر هو "العقود" لأن ثلاثة من مجلداته الأربعة الضخمة تناول كل منها فترة عشر سنوات تقريباً، والكتاب في ترتيبه ودقته




صفحة رقم : 9086




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> ربة الشعر الأيبيرية


ووضوحه بثبت للمقارنة بأي مؤلف تاريخي معاصر له باستثناء أعمال مكيافللي وجويتشارديني. ولو أخذ رأي أمته الفخورة لأنكرت هذين الاستثنائيين، فقد خلعت على باروس لقب "ليفي البرتغالي".
كانت اللغة القشتالية قد أصبحت اللغة الأدبية لأسبانيا. وعاشت اللهجات الجليقية والبلنسية والكتلونية والأندلسية في الحديث الدارج، وأصبحت اللهجة الجليقية اللغة البرتغالية، ولكن استخدام القشتالية لغة للدولة والكنيسة أيام فرديناند وإييزابيللا وكسيمينيس ارتفع بهذه اللهجة إلى مقام لا يضارع، ومنذ ذلك العهد إلى يومنا هذا كان رنينها القوى الأداة المعبرة عن أدب أسبانيا. وقد أبدى بعض كتاب هذا العصر ولعاً باللغة. فضرب أنطونيو دي جيفارا المثل في البحوث اللغوية والمحسنات البلاغية. وقد أعانت ترجمة اللورد بيرنرز لكتاب جيفارا "مزولة الأمراء" (1529) على صياغة ذلك التأنق اللفظي الذي يتسم به كتاب جون لابلي Euphues واللعب السخيف بالألفاظ الذي نلحظه في كوميديات شكسبير الأولى.
وتغنى الأدب الأسباني بالدين والحب والحرب. وبلغ الولع بروايات الفروسية مبلغاً حمل مجلس النواب الأسباني في 1555 على أن يوصي بحظرها قانوناً، وقد صدر هذا المرسوم فعلاً في أمريكا الإسبانية، ولو أنه نفذ في أسبانيا لكان من الجائز أن نحرم من دون كخوته". ومن بين الروايات التي أبقى عليها الكاهن أثناء تنقيته لمكتبة "الفارس" رواية ألفها جورجي دي مونتيمايور تدعى Diana enamorata (1542)، وهي تقليد لرواية "أركاديا" التي كتبها الشاعر الأسباني الإيطالي ساناتزارو (1504)، وقد قلدها هي الأخرى السر فليب سدني في قصة أركاديا (1590). ورواية موننيمايور النثرية الشعرية مثال من مئات الأمثلة على تغلغل النفوذ الإيطالي في الأدب الأسباني، وهنا أيضاً نرى المغلوب




صفحة رقم : 9087




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> ربة الشعر الأيبيرية


وقد غلب غالبيه. وترجم جوان بوسكان "Cortigiano" لكاستليوني نثراً لا يقل روعة عن الأصل، ووافق على اقتراح الشاعر البندقي نافاجيرو بتعميم شكل السونيت في أسبانيا.
وللتو تقريباً التقى صديقه جاركيلازو دي لافيجا بالسونيت إلى مرتبة الكمال في اللغة القشتالية. وكان ككثيرين من كتاب هذه الفترة الأسبان سليل أسرة عريقة، إذ أن أباه كان سفيراً لفرديناند وإيزابللا في روما. وقد ولد جاركيلازو بطليطلة عام 1503، ونذر للجندية مثل صباه. وفي 1532 أبلى أحسن البلاء في رد الترك عن فينا، وفي 1535 جرح مرتين جراحاً خطيرة في حصار تونس، وبعد ذلك بشهور شارك في حملة شارل الخامس الفاشلة على بروفانس. وفي فريجي تطوع بأن يقود هجوماً على قلعة تعرقل تقدم الجيش، وكان أول المتسلقين لسور القلعة، فتلقى ضربة على رأسه قضت عليه بعد أيام وهو في الثالثة والثلاثين. وفي إحدى قصائده السبعة والثلاثين التي تركها لصديقه بوسكان تسمع نغمة تتردد في كل الحروب: يقول "والآن أصابت اللعنة أشد ما أصابت جيلنا هذا، وكل ما مضى يتغير من سيئ إلى أسوأ، وأحس كل منا وطأة الحرب-حرب تتلوها حرب، ونفي وأخطار ورعب-وكلنا سئم في صميم نفسه من رؤية دمه مراقاً على رمح وهو حي لأن الرمح لم يصب هدفه. وقد فقد بعض القوم بضاعتهم وكل متاعهم، وذهب كل شيء، حتى اسم المنزل والأسرة والزوجة والذكرى. وما جدوى هذا كله؟ أبعض الشهرة؟ أم شكران الأمة؟ أم مكان في التاريخ؟ سيكتبون يوماً كتاباً، وعندها سنرى"(52).
ولم يعش ليره، ولكن مئات الكتب خلدت ذكراه في إعزاز كبير. وسجل المؤرخون موته باعتباره أحد أحداث عصره الكبرى. وطبعت أشعاره في مجلدات سهلة التداول حملها الجنود الأسبان في جيوبهم




صفحة رقم : 9088




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> ربة الشعر الأيبيرية


إلى عديد من الأقطار. ولحن الموسيقيون الأسبان شعره قصائد غنائية، وأحال كتاب المسرحيات حوار قصائده الرعوية تمثيليات.
أما المسرحية الأسبانية فتوقفت عن الحركة، ولم تدر أنها عما قليل ستكون قريعاً للمسرحية الإليزابيثية. وكانت الملهاة ذات الفصل الواحد، والهزليات الناقدة، والفصول المأخوذة من الروايات الشعبية، يمثلها الممثلون الجوالون في الميادين العامة أو في أفنية الفنادق الصغيرة، وأحياناً في مقر أمير أو بلاط ملك. وقد حقق لوبي دي رويدا، الذي خلف جل فيتشنتي باعتباره أهم مورد للفصول التمثيلية لهذه الفرق، لنفسه الشهرة، وأعطانا لفظاً جديداً، بمهرجيه (البوبو).
وكثر عدد المؤرخون. وعين شارل الخامس جونزالو فرنانديز دي أوفيدو مؤخراً رسمياً للدنيا الجديدة، وأنجز عملاً متوسط الجودة هو تأليف كتاب ضخم سيئ الترتيب سماه "التاريخ العام والطبيعي لجزر الهند الغربية" (1535)، وقد أثرى خلال الأعوام الأربعين التي قضاها في أمريكا اللاتينية بفضل التنقيب عن الذهب، وساءه كتاب "قصة خراب جزر الهند" (1539 وما بعدها) الذي فضح فيه بارتلمي دلاس كازاس الاستغلال القاسي للعمال الوطنيين المستعبدين في المناجم الأمريكية. وكان لاس كازاس قد أبحر مع كولمبوس في 1502، وأصبح أسقفاً لكيابا بالمكسيك، وكرس حياته كلها تقريباً للدفاع عن قضية الهنود الحمر. وقد وصف في "مذكراته" التي وجهها للحكومة الإسبانية السرعة التي يموت بها الوطنيون في ظروف العمل الشاقة التي فرضها عليهم المستعمرون. فقال إن الهنود لم يألفوا غير العمل الخفيف بسبب حرارة مناخهم وبساطة طعامهم، ولم يستخرجوا الذهب من مناجمهم بل قنعوا بأخذه من سطح الأرض أو من قيعان




صفحة رقم : 9089




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> ربة الشعر الأيبيرية


الجداول الضحلة، ولم يستعملوه إلا حيلة. وقد قدر لاس كازاس أن السكان الوطنيين لجزر الهند تناقصوا من 12.000.000 (وهو رقم مغالي فيه ولا ريب) إلى 14.000 في ثمانية وثلاثين عاماً(53). وانضم المرسلون الدومنيكان والجزويت إلى لاس كازاس في الاحتجاج على هذا الرق الهندي(54)، وكانت إيزابللا لا تفتأ تندد به(55). ووضع فريداند وكسيمينيس شروطاً رحيمة بعض الشيء لتجنيد العمال الهنود(56)، ولكن تعليمات هؤلاء السادة بشأن معاملة الوطنيين كانت تلقي الإهمال في أغلب الأحيان أثناء استغراقهم الشديد في شئون السياسة الأوربية.
وقام جدل صغير حول فتح المكسيك. ذلك أن فرانشسكو لوييز دجومارا كتب يروي قصة هذا السطو الظالم في انحياز شديد لكورتيز. واحتج برنال دياز ديل كاستيللو على الرواية بأن ألف في 1568 "التاريخ الحقيقي لفتح إسبانيا الجديدة" وفيه دان كورتيز على اختصاصه نفسه بكل مفاخر الفتح ومكاسبه دون أن يترك إلا أقل القليل للجنود البواسل من أمثال برنال، هذا مع ثنائه على كورتيز مما يستحقه. والكتاب يستهوي القارئ لأنه يزخر بشهوة الحركة وبهجة الانتصار والدهشة البريئة مما كانت ترفل فيه مكسيك الأزاتكة من ثراء وترف. يقول "حين شاهدت ما أحاط بي من مناظر قلت لنفسي هذه جنة الدنيا" ثم يضيف "وهذا كله دمر"(57).
وقد نسبت أنضج المؤلفات في تاريخ إسبانيا، وأشهر رواية إسبانية كتبت في هذه الفترة، إلى كاتب واحد، اسمه ديجو أورتادو دي مندوزا ولد بغرناطة بعد أن فتحها فرديناند بنحو أحد عشر عاماً. وكان أبوه قد ظفر بالمجد لحسن بلائه في حصارها، فعين حاكماً للمدينة بعد سقوطها. وتلقى الفتى علومه في سلمنقة، وبولونيا، وبادوا، فحصل ثقافة عريضة في اللاتينية واليونانية والعربية، وفي الفلسفة والقانون، وراح




صفحة رقم : 9090




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> ربة الشعر الأيبيرية


يجمع النصوص الكلاسيكية بحماسة أمير من أمراء النهضة، وحين أراده سليمان القانوني أن يحدد المكافأة التي يختارها جزاء خدمات معينة أداها للباب العالي، لم يطلب سوى بعض المخطوطات اليونانية. وقد حظي بمكانة مرموقة خلال خدمته الدبلوماسية لشارل الخامس في البندقية وروما ومجمع ترنت، ولما وبخه البابا بولس الثالث على حملة رسالة جافة من شارل إلى البابا، أجاب بكل كبرياء النبيل الأسباني: "إنني فارس، وكان أبي فارساً قبلي، وبهذا الوصف أرى أن واجبي يقتضيني أن أصدع بأوامر سيدي الملك، دون أن يساورني أي خوف من قداستكم، ما دمت أراعي واجب التبجيل لنائب المسيح. إنني خادم لملك أسبانيا.. وما دمت ممثلاً له فأنا في مأمن حتى من سخط قداستكم"(58).
وتتشكك الأبحاث الحديثة في صحة نسبة أول رواية بطلها متشرد (Picaresque) في الأدب الأوربي لمندوزا، واسم الرواية "حياة ومغامرات لازاريللو دي تورميس". ومع أنها لم تطيع إلا عام 1553 فالراجح أنها كتبت قبل ذلك بأعوام كثيرة. ومما يثير الغرابة أن سليلاً لأسرة لا تفوقها في النبالة إلا الأسرة المالكة يختار لصاً ليكون بطلاً للقصة، وأشد غرابة أن رجلاً ربي في صباه ليكون قسيساً يهجو رجال الدين هجواً لاذعاً خمل محكمة التفتيش على حظر أي طبعات جديدة من الكتاب قبل تنقيته من جميع الشوائب المؤذية(59). ولازاريللو هذا صبي متشرد يتعلم حيل السرقات الصغيرة أثناء اشتغاله قائداً لمتسول مكفوف، ثم يرتقي إلى جرائم أكبر حين يعمل خادماً لكاهن، ثم لراهب، ثم لقسيس كنيسة خاصة، ثم لناظر زراعة، ثم لبائع متجول لصكوك




صفحة رقم : 9091




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> ربة الشعر الأيبيرية


الغفران. ولكن حتى هذا اللص الشاب، المتمرس بشئون هذه الدنيا، تروعه بعض الغرائب التي لجأ إليها بائع صكوك الغفران المتجول ترويجاً لبضاعته. يقول "يجب أن أعترف أنني-ككثيرين غيري-كنت مخدوعاً وقتها فحسبت سيدي آية في القداسة"(60). وقد أدخلت هذه الرواية المرحة "أسلوب المتشرد" gusto picaresco في القصص، وابتعثت عدداً لا يحصى من الروايات المقلدة لها، والتي بلغت الذروة في أشهر قصص التشرد، وهي جيل بلا (1715-35) لمؤلفها ألان لساج Lesage.
واعتكف مندوزا في غرناطة بعد أن نفي من بلاط فيليب الثاني لأنه جرد سيفه في جدل بينه وبين غريم، وهناك نظم أشعاراً خفيفة فيها من التحرر ما حال دون طبعها وهو حي، ثم روى قصة ثورة المغاربة في 1568-70 في "تاريخ حرب غرناطة" في نزاهة وإنصاف للمغاربة حبسا هذا الكتاب أيضاً عن النشر، فلم يتيسر طبعه إلا في 1610، ولم يطبع منه وقتها غير جزء واحد، واتخذ مندوزا من صالوست مثلاً يحتذيه ولكنه تفوق عليه، وسرق من تاسيتوس موضوعاً أو اثنين، ولكن يمكن القول على الجملة أن كتابه كان أول مؤلف أسباني تجاوز مجرد السرد الإخباري أو الدعاية إلى التاريخ الواقعي المفسر بإدراك فلسفي، والمعروض بمهارة أدبية. ومات مندوزا عام 1575 وهو في الثانية والسبعين، وكان من أكثر الشخصيات تكاملاً في عصر حفل بالرجال المتكاملين.
في هذه الصفحات العجلى يدخل الضمير دائماً في سباق مع الزمن، وينبه القلم المستعجل إلى أنه، كالمسافر المسرع، إنما يمس السطح فقط. فكم من ناشرين ومعلمين وعلماء وأدباء ورعاة للعلم وشعراء وروائيين وثوار متهورين جاهدوا نصف قرن لينتجوا هذا الأدب الذي ضغطناه




صفحة رقم : 9092




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الأدب في عصر رابليه -> ربة الشعر الأيبيرية


في هذه الصفحات. كم من روائع أغفلنا اسمها، وأمم ضربنا صفحاً عن ذكرها، وأشخاص كانوا يوماً في عداد العباقرة الخالدين أهملناهم إلا من كلمات معدودات! ولكن لا حيلة لنا في هذا. فالمداد ينضب، ويجب قبل نضوبه أن نقنع بما يسفر عنه رشاشة وخطوطه من صورة غائمة لرجال ونساء يتخففون برهة من عناء اللاهوت والحرب، ويحبون أشكال الجمال كما يحبون سراب الحقيقة والقوة، يبنون الألفاظ وينحتونها ويصورونها-إلى أن يجد الفكر فناً يكسوه، وتمتزج الحكمة بالموسيقى، وينهض الأدب ليتيح لأمة أن تتكلم، ولعصر أن يصب روحه في قالب شكل في شغف كبير ليصونه الزمن نفسه وينقله خلال مئات الكوارث تراثاً للبشرية.




صفحة رقم : 9093




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفن والإصلاح البروتستنتي والنهضة



الفصل السادس والثلاثون




الفن في عصر هولبين




1517 - 1564




1- الفن، والإصلاح البروتستنتي، والنهضة


لقد فرض على الفن أن يقاسي من جراء حركة الإصلاح البروتستنتي، ولو لمجرد إيمان البروتستنتية بالوصايا العشر. ألم يقل الرب الإله، "لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض" (خروج 20-4) فأنى للفن التصويري أن يعيش بعد هذا التحريم الشامل؟ فأما اليهود فقد صدعوا بالأمر وأغفلوا الفن. وأما المسلمون فكادوا يغفلونه، واكتفوا بجعل فنهم فناً زخرفياً، تجريدياً إلى حد كبير، يمثل في أغلبه الأشياء، وقل أن يمثل الأشخاص، ولا يمثل الله أبداً. واتبعت البروتستنتية هذا الخط السامي بعد أن كشف العهد القديم من جديد، وأما الكاثوليكية التي طغى تراثها اليوناني الروماني على أصلها اليهودي فقد تجاهلت هذا التحريم المرة بعد المرة. وشكل النحت القوطي القديسين والآلهة من الحجر، وصور الرسم الإيطالي قصة الكتاب المقدس، ونسيت النهضة كل النسيان هذه الوصية الثانية وسط ازدهار الفن التصويري ازدهاراً رائعاً. فلعل هذا الخطر القديم قصد به تحريم التصوير لأغراض السحر؛ وكان لرعاة الفن في إيطالية النهضة من الفطنة وسلامة الإدراك ما جعلهم يضربون صفحاً عن تحريم بدائي لم يعد له الآن معنى.




صفحة رقم : 9094




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفن والإصلاح البروتستنتي والنهضة


وكانت الكنيسة، وهي أعظم رعاة الفن قاطبة، قد استخدمت الفنون لتنشئ غير المتعلمين على عقائد الإيمان وأساطيره. وبدا ذا الاستخدام أمراً معقولاً في نظر رجل الدولة الكنسي، الذي شعر بأن الأساطير ضرورة لا غنى عنها للأخلاق. ولكن حين احتالت الكنيسة بأساطير- كأسطورة المطهر- لتجمع المال الذي تنفقه في مختلف وجوه الإسراف والفساد، تمرد المصلحون- ولهم العذر- على التصوير والنحت اللذين يثبتان الأساطير في عقول الناس. وفي هذا الأمر كان لوثر معتدلاً، حتى إذا اضطره الأمر لمراجعة الوصايا. "أنا لا أزعم أن على الإنجيل أن يدمر كل الفنون كما يعتقد بعض المؤمنين بالخرافات. فأنا على العكس أتمنى أن أرى جميع الفنون.... تخدمه تعالى وهو الذي خلقها ووهبنا إياها. إن ناموس موسى لم يحرم سوى تمثال الله"(1). وفي عام 1526 دعا أتباعه إلى "مهاجمة... الوثنيين الذين يعبدون عدو المسيح (بابا روما) بالتصوير"(2). وحتى كالفن، الذي كان أتباعه أشد محطمي الأصنام حماسة، وافق على التماثيل موافقة محدودة فقال: "لست شديد التزمت بحيث أحكم بتحريم كل التماثيل... ولكن بما أن فن التصوير والنحت... آت من الخالق، فإني أريد أن تصان ممارسة الفن نقية مشروعة. لذلك يجب ألا يرسم أو ينحت شيء إلا ما يرى بالعين(3)". ولكن المصلحين الأقل إنسانية من لوثر، والأقل حذراً من كالفن، آثروا تحريم الصور والنحت الدينيين بتاتاً، وتجريد كنائسهم من الزخارف إطلاقاً. وأقصى "الصدق" الجمال لأنه كافر. أما في إنجلترا وإسكتلندة وسويسرة وشمالي ألمانيا فكان التدمير بالجملة وبلا تمييز. وأما في فرنسا فقد صهر الهيجونوت أوعية الذخائر والنفائس الدينية وغيرها من الآنية التي عثروا عليها في الكنائس التي وقعت في أيديهم. وعلينا أن نتصور غيرة رجال خاطروا بحياتهم ليصلحوا الدين قبل أن نستطيع فهم سورة




صفحة رقم : 9095




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفن والإصلاح البروتستنتي والنهضة


الغضب التي دمرت في لحظات الانتصار تلك التماثيل التي عاونت على إخضاعهم. لقد كان التخريب وحشياً وهمجياً، ولكن الذنب فيه يجب أن يلقي على تلك المؤسسة التي ظلت قروناً تضع العقبات في طريق إصلاح ذاتها.
وانتهت حياة الفن القوطي في هذه الفترة، ولكن حركة الإصلاح البروتستنتي لم تكن سوى سبب واحد من أسباب موته. صحيح أن الانتقاض على الكنيسة الوسيطة رافقه زهد في طرز العمارة والزخرفة التي طالما اقترنت بهذه الكنيسة. بيد أن الفن القوطي كان يحتضر حتى قبل أن يتكلم لوثر. كان يشكو في فرنسا الكاثوليكية شكواه في ألمانيا وإنجلترا المتمردتين؛ لقد احترق في وهج ناره، وكانت النهضة كما كانت حركة الإصلاح البروتستنتي كارثة عليه. ذلك أن النهضة أقبلت من إيطاليا التي لم تحب القوطي قط، والتي سخرت منه حتى وهي تقتبسه، وقد انتشرت النهضة أكثر ما انتشرت بين المتعلمين الذين لم يستطع تشككهم المهذب أن يتفهم ذلك الإيمان المشبوب، إيمان الحروب الصليبية وعهد القوط، وإذ تقدمت حركة الإصلاح البروتستنتي، أصاب الكنيسة ذاتها، التي وجدت في العمارة القوطية التعبير الفني الأسمى لها، فقر شديد من جراء فقدها بريطانيا وألمانيا وإسكندناوة، ومن جراء الغارات التي شنها الملوك الكاثوليك على دخلها بحيث لم تقو على تمويل الفن بالسخاء الذي مولته به من قبل، أو على تقرير الذوق والطراز الفني. وراحت النهضة- تلك الحركة ذات التأثير الدنيوي والوثني-تؤكد يوماً بعد يوم ميولها ونزعاتها الكلاسيكية التي تغلبت على التقاليد المقدسة، تقاليد الإيمان والشكل الوسيطين. وتخطى الناس-في غير تقوى-قروناً من التقوى والخوف ليستعيدوا من جديد مشاعر العصر القديم الشبوبة، مشاعر حب العالم وحب اللذة. وأعلنت الحرب على الفن القوطي بوصفه




صفحة رقم : 9096




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفن والإصلاح البروتستنتي والنهضة


فن الهمج الذين دمروا الإمبراطورية، وعاد إلى الحياة الرومان المغلوبون، فبنوا معابدهم من جديد، وأخرجوا من ظلام الإهمال تماثيل آلهتهم، وأمروا إيطاليا أولاً، ثم فرنسا وإنجلترا، أن تستأنف ذلك الفن الذي تجسد فيه مجد اليونان وعظمة الرومان. وهكذا هزمت النهضة الفن القوطي، أما في فرنسا فقد هزمت الإصلاح البروتستنتي.




صفحة رقم : 9097




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء



(2) فن النهضة الفرنسية




1- مرض البناء


خاض الفن القوطي معركة في المعمار الكنسي الفرنسي ليمد في أجله حيناً، ونجح في معركته. فأضافت بعض الكاتدرائيات القديمة عناصر جديدة كانت بالضرورة قوطية، وهكذا أكملت كنيسة القديس بطرس بمدينة كان خورسها الشهير، وبنت كنيسة بوفيه جناحها الجنوبي، وبذل الفن القوطي جهد المحتضر تقريباً حين شيد جان فاست فوق معبد هذا الجناح برجاً ارتفع 500 قدم (1553). فلما انهارت هذه الجرأة الشامخة في عيد الصعود عام 1573 وسقط البرج فوق الخورس المتهدم، كانت الكارثة رمزاً لخاتمة أنبل الطرز في تاريخ العمارة.
وارتفعت في هذه الفترة مفاخر قوطية أقل من هذه شأناً في بونتواز وكوتانس وأكثر من عشر مدن فرنسية أخرى. وفي باريس التي تكشف كل نظرة إليها عن معجزة من معجزات ماض مؤمن، بنيت كنيستان قوطيتان جميلتان: سانت إتيين دمون (1492- 1626)، وسانت أوستاش (1532- 1654). غير أن ملامح النهضة تسللت إليهما: كالحجاب الحجري الفخم الذي يستدير فوق الخورس في كنيسة سانت إتيين، والعمد المركبة والتيجان شبه الكورنثية في سانت أوستاش.
كان حلول عمارة النهضة اللادينية محل العمارة القوطية الكنسية انعكاساً




صفحة رقم : 9098




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء


لذوق فرانسوا الأول، ولإتكاء النزعة الإنسانية على اللذة الدنيوية دون الرجاء السماوي. وانصرفت الآن كل ثمرات الازدهار الاقتصادي، والرعاية الأرستقراطية، ونزعة اللذة الوثنية- هذه كلها التي غذت من قبل نيران الفن في إيطالية النهضة، انصرفت إلى تغذية الجهود المخلصة التي بذلها المعماريون والرسامون والنحاتون والخزافون والصائغون في فرنسا. واستقدم الفنانون الإيطاليون إلى فرنسا ليمزجوا بين مهاراتهم وعناصرهم الزخرفية وبين ما تخلف من الأشكال القوطية. وتضافرت روعة التصميم الإيطالي، وواقعية التصوير الفلمنكي، وذوق الأرستقراطية الفرنسية وجمالها الخنثوي، لتنتج في فرنسز فناً تحدى تفوق الفن الإيطالي وورث هذا التفوق. ولم يقتصر هذا الفن على باريس وحدها، بل جاوزها إلى فونتنبلو، ومولان، وتور، وبورج، وأنجيه، وليون، وديجون، وأفنيون، وإكس أن بروفانس.
وكان على رأس الحركة ملك أحب الفن حب المتيم المتحمس ولكن في فهم وتمييز. وتركت روح فرانسوا الأول الخلية المشرقة طابعها على المعمار خلال حكمه. وكان يقول لفنانيه الجرأة الجرأة!"(4) ويتركهم ليجربوا بطريقة لم تسمح بها حتى إيطاليا من قبل. وقد تبين براعة الفنانين الفلمنك في تصوير الأشخاص، فاحتفظ بجان كلويه رساماً لبلاطه، وطلب إلى جوس فان كليف أن يرسم صوراً له ولحاشيته. ولكن إيطاليا كانت ملهمته في جميع فنون الصقل والزخرفة. فقد زار ميلان وبافيا وبولونيا وغيرها من المدن الإيطالية عقب انتصاره في مارنيانو (1515)، وراح يدرس في حسد عمارة هذه المدن ورسومها وفنونها الصغيرة. وقد نقل تشلليني عنه قوله: "أذكر جيداً أنني فحصت خيرة الأعمال الفنية التي أبدعها عظم الفنانين في إيطاليا كلها"(5). ولعل هذه المبالغة أن تكون من صنع تشلليني المتحمس. على أن




صفحة رقم : 9099




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء


فازاري يلاحظ في مواضع كثيرة شراء فرانسوا الأول للآثار الفنية الإيطالية بوساطة عملاء له في روما وفلورنسة والبندقية وميلان. وبفضل هذه الجهود استطاعت "موناليزا" ليوناردو، و "ليدا" ميكل أنجيلو، و "فينوس برونزينو وكيوبيده"، و "مجدلية" تيشان (تزيانو)، ومئات الزهريات والمداليات والرسوم الصغيرة والصور الزيتية وقطع النسيج المرسومة- استطاعت هذه كلها أن تعبر جبال الألب لتستقر آخر المطاف في اللوفر.
ولو كان الأمر بيد هذا الملك المتحمس لاستقدم نوابغ الفنانين الإيطاليين جميعاً. وكان هذا يقضي إغراءهم بإغداق المال عليهم. قال لتشلليني واعداً "سأتخمك ذهباً" وجاءه بنفينوتو ومكث فترات متقطعة (1541- 45)، كانت كافية لإرساء قدم الصياغة الفرنسية في تقليد من التصميمات البديعة والأساليب الفنية الرائعة. وكان دومنيكو برنابي "بوكادورو" قد وفد على فرنسا أيام شارل الثامن، فوكل إليه فرانسوا الأول رسم "أوتيل دفيل" جديد لباريس (1532). وقد استغرق إنجازه قرابة قرن، وأحرقه كومون 1817، فبني من جديد وفق التصميم الذي وضعه بوكادورو. وأقبل ليوناردو في شيخوخته (1516)، وقدمت إليه دنيا الفن والنبالة الفرنسية فروض العبادة، ولكنا لا نعرف له أثراً أبدعته يداه في فرنسا. وجاء أندريا ديل سارتو (1518)، ولكنه سرعان ما هرب. وأغرق جوفاني باتيستا "إلروسو" بالرحيل عن فلورنسة (1530) فأقام بفرنسا حتى مات منتحراً. وتلقى جيولو رومانو دعوات عاجلة، ولكن مانتوا كانت تفتنه بسحرها؛ على أنه أوفد مساعده النابغة فرانشسكو بريماتيتشيو (1532)، وجاء فرانشسكو بللجرينو، وكذلك جاكومو دا فنيولا، ونيكولو دللاباتي، وسبستيانو سرليو، وربما كثيرون غيرهم. وشجع الفنانون الفرنسيون في الوقت ذاته على الذهاب إلى إيطاليا ودراسة قصور فلورنسة وفراراً وميلان وكنيسة القديس




صفحة رقم : 9100




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء


بطرس الجاري تشييدها في روما. ولم يحدث مثل هذا النقل الفني للدم الثقافي منذ أن غزا الفن والفكر اليونانيان روما القديمة.
وساء الفنانين الوطنيين والفلمنلكيين هذا الإغواء الإيطالي، وسجل تاريخ العمارة الفرنسية احتدام معركة ملكية طوال نصف قرن (1498- 1545) بين طراز قوطي تأصلت جذوره في التربة الفرنسية وسط حب الناس له وتعلقهم به، وبين البدع الإيطالية المتسللة إلى فرنسا في أذيال الفاتحين المغلوبين. وتجلى الصراع في الحجر في قصور اللوار، ففيها ظل الفن القوطي صاحب الكلمة العليا، وسيطر مهرة البنائين الغالبين على تصميم البناء: قلعة إقطاعية يحيط بها خندق يحميها، وأبراج أشبه بالحصون تعلو في الأركان في سمت عمودي جليل، ونوافذ فسيحة ذات عمد لتغري الشمس بالدخول، وأسطح مائلة تنزلق من فوقها الثلوج، ورواشن ناتئة من السقوف كأنها المونوكلات. على أنه سمح للغزاة الإيطاليين بخفض الباكية المدببة لتعود إلى شكلها المستدير القديم، وبتنظيم الواجهات في صفوف من النوافذ المستطيلة المدعمة بالعمد والمتوجة بالقواصر، وزخرفة الداخل بزخارف كلاسيكية من الأعمدة والتيجان والأفاريز والقوالب والحليات المدورة والنقوش العربية والحليات القرنية المنحوتة الممثلة للنبات والزهر والفاكهة والحيوان وصدور الأباطرة والآلهة الأسطورية. كان الطرازان القوطي والكلاسيكي من الناحية النظرية متناقضين، ولكنه مزج الفرنسيين بينهما في هذا الجمال المتسق بفضل التمييز والذوق الفرنسيين أعان على جعل فرنسا يونان العالم الحديث.
وتسلطت على فرنسا، أو قل على فرانسوا "حمى البناء" كما سماها قائد أخذ منه العجب كل مأخذ(6). فأضاف إلى قصر بلوا القديم (1515- 19) للمملكة كلود جناحاً شمالياً كان مهندسه المعماري فرنسياً يدعى جاك سوردو، ولكن الطراز الذي بناه به كان طراز النهضة




صفحة رقم : 9101




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء


بعينه. وإذ رأى سوردو من غير المناسب أن يبني سلماً داخل الجناح المضاف فقد صمم رائعة من روائع العصر المعمارية- وهي بيت للسلم حلزوني خارجي يرقى في برج مثمن، بثلاثة طوابق، إلى بهو معمد أنيق يبرز من السطح، وكل طابق يحليه زخرف فاخر من شرفة منحوتة.
وبعد أن ماتت مليكته المرهقة، وجه فرانسوا شغفه بالمعمار إلى شامبور، وتقع على ثلاثة أميال جنوبي اللوار وعشرة أميال شمال شرقي بلوا. وكان أمراء أورليان قد بنوا هناك استراحة للصيد، فبنى فرانسوا عوضاً عنها قصراً غلب عليه الطراز القوطي، وبلغ اتساعه حداً احتاج معه إلى جهد 1.800 عامل على مدى اثني عشر عاماً، ولا غرو فقد احتوى على 440 حجرة، ومرابط لخيل يصل عددها إلى 1.200. وأبدع مصمموه الفرنسيون رسم واجهته الشمالية ولكنها اختلطت بمتاهة من الأبراج، و "الفوانيس"، والقمم، والزخارف المنحوتة. وميزوا داخل القصر ببيت للسلم حلزوني فخم جداً، فريد بممره المزدوج الذي يفصل المصعد عن المهبط. وكان فرانسوا يؤثر شامبور ويراها مكاناً ممتعاً للصيد، وفيها أحبت حاشيته أن تحتشد في كل زينتها، وفيها قضى سني عمره الأخيرة. وقد دمر الثوار في 1793 معظم الزخرف الداخلي للقصر بدافع الانتقام المتأخر من إسراف الملوك الفرنسيين، وهناك قصر آخر شيد على عهد فرانسوا- وهو قصر مدريد في غابة بولون- وقد حلاه جيرولامو ديللا روبيا بواجهة من الخزف الإيطالي (الميوليك)، ولكنه دمر تدميراً تاماً أيام الثورة.
على أن الإسراف لم يقتصر على الملك وحده. ذلك أن كثيراً من مساعديه شادوا لأنفسهم قصوراً ما زالت تبدو وكأنها مجلوبة من أرض الجان. ومن أروعها آزيه- لو- ريدو، على جزيرة في الآندر، أما صاحبه




صفحة رقم : 9102




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء


جيل برتيلو، الذي بناه في 1521، فلم يكن خازناً لفرنسا عبثاً، وبنى توما بوييه كبير مأموري الضرائب في نورماندية قصر شينونسو (1513 وما بعدها)، وأعاد جان كوتو وزير المالية بناء قصر مانتنون ، وشيد جيوم دمونمورنسي في شانتبي (1530) قصراً فخماً كان ضحية أخرى من ضحايا الثورة. وبنى ابنه آن دمونمورنسي، أحد كبار موظفي الأمن في فرنسا، قصر إيكوان (1531- 40) على مقربة من سان دنيس. ورمم جان ليبرتون، وزير الدولة، قصر فيللاندريه، وأكمل شارل دسبيني قصر أوسيه. أضف إلى هذه كلها "أوتيلات" أو قصور فالنسي، وسمبلانسي في تور، واسكوفيل في كان، وبرنوي في تولوز، ولالمون في بورج، وبور- ترولد في روان، وعشرات غيرها، وكلها من نتاج هذا العهد المسرف، وفي وسعنا أن نحكم الآن على مدى ثراء النبلاء وفقر الشعب في تلك الفترة.
وأحس فرانسوا أن قصر فونتنبلو الذي يسكنه لا يفي بأغراضه، فقرر أن يعيد بناء ما بناه لويس السابع ولويس التاسع من قبل، لأن فونتنبلو كانت كما قال تشلليني "أحب بقاع المملكة إلى الملك". لذلك رمم البرج المحصن والكنيسة. أما باقي القصر فهدم، وأقام جيل دبريتون وبيير شامبيج مكانه، بطراز النهضة، مجموعة من القصور ربط بينها "بهو فرانسوا الأول" الرشيق. أما مظهر القصر فلم يكن جذاباً، ولعل الملك رأى- كما رأى أقطاب التجارة بفلورنسة- أن واجهة ضخمة لقصر قريب جداً من المدينة قد تثير حسد الجماهير. فاحتفظ بميوله الجمالية ليشبعها بزخرفة الداخل، واعتمد في هذه المهمة على فنانين إيطاليين نشئوا على التقاليد الزخرفية التي أرساها رفائيل وجوليو رومانو.
وظل إل روسو- الذي اشتق لقبه هذا من تورد وجهه- عشر سنوات (1531- 41) عاكفاً على زخرفة بهو فرانسوا الأول. ويصف فازاري




صفحة رقم : 9103




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء


هذا الفنان الذي كان يومها في عامه السابع والثلاثين بأنه رجل "ذو طلعة مشرقة، وحديث رزين لطيف، موسيقار كفء، وفيلسوف ضليع" و "معماري ممتاز"، وهو إلى ذلك نحات ومصور(7). وكذلك كان الرجال المتكاملون من أهل عصر التوسع الذي نحن بصدده. وقسم روسو الجدران إلى خمسة عشر حشوة، كلها محلي بطراز النهضة المسرف: قاعدة من السنديان الجوزي المنقوش والمطعم، ولوحة جصية جدارية ذات مناظر من الأساطير الكلاسيكية أو التاريخ، ومحيط غني من الزخارف الجصية في التماثيل، والودع، والسلاح، والمداليات، وأشكال الحيوان أو الإنسان، وأكاليل الزهر أو الفاكهة، ثم سقف من الخشب العميق الحفر يكمل تأثير اللون الدافئ، والجمال الحسي، والبهجة العابثة. وكان هذا كله ينسجم غاية الانسجام مع ذوق الملك، فأنعم على روسو ببيت في باريس، وبمعاش قدره 1.400 جنيه (35.000 دولار؟) في العام. يقول قازاي "وعاش الفنان في بذخ النبلاء، يحف به من خدمه وخيوله، ويولم الولائم لأصدقائه"(8). وقد جند لخدمته من المصورين والنحاتين ستة من الإيطاليين، وعدة فرنسيين، وهم الأصل والنواة ل "مدرسة فونتنبلو". وفي قمة نجاحه وعظمته قضى طبعه الإيطالي الحاد على نشاطه. ذلك أنه اتهم أحد مساعديه المدعو فرانشسكو بللجرينو بالسرقة. ولكن براءة بللجرينو تكشفت بعد أن عذب عذاباً شديداً. وشعر روسو بالخزي وتأنيب الضمير، فتجرع السم ومات معذباً، ولما يجاوز السادسة والأربعين (1541).
وحزن عليه فرانسوا، ولكنه كان قد وجد في بريماتتشيو فناناً قادراً على مواصلة عمل روسو بالأسلوب ذاته، أسلوب الخيال الشهواني. كان بريماتتشيو فني وسيماً في السابعة والعشرين يوم وطئ أرض في فرنسا عام 1532. وسرعان ما تبين الملك كفاياته المتعددة معمارياً ومثالاً ومصوراً.




صفحة رقم : 9104




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء


فعين له عدد من المساعدين، وراتباً طيباً، ثم اختصه بعد ذلك بموارد أحد الأديار، وهكذا حولت عطايا المؤمنين إلى فن لعله كان يصدم مشاعر الرهبان لو شهدوه. وصمم بريماتتشيو رسوماً للمصنع الملكي لنسيج المرسوم، وحفر رفاً رائعاً لمدفأة حجرة الملكة إليونورا بقصر فونتنبلو، ورد على رعاية الدوقة ديتامب وحمايتها إياه بتزيين حجرتها في القصر بصور وتماثيل جصية. وقد ماتت الصور مرات تحت ترميماتها العديدة، ولكن التماثيل محتفظة بروعتها، وبينها تمثال من الجص لسيدة ترفع يديها إلى طنف، وهو من أبدع التماثيل في الفن الفرنسي. ترى كيف يسع ملكاً تعشق مثل هذا العري المتظاهر بالاحتشام أن يرتضي الكالفنية بديلاً عن كنيسة تبتسم في تسامح لتصوير هؤلاء العاريات الفاتنات؟.
ولم تهتز مكانة بريماتتشيو ولا هذب أسلوبه بعد موت هذا الملك "الساطير" وارتقاء هنري الثاني للعرش، فقد عكف الآن (1551- 56) بمساعدة فيليبير ديلورم ونيكولو ديللاباتي على تصميم بهو هنري الثاني في فونتنبلو وتصويره ونقشه وتزيينه بشتى الزخارف. وقد دمرت اللوحات هي الأخرى، ولكن جمال التماثيل الأنثوية ما زال يخلب الألباب، وفي الجدار النهائي من العناصر الكلاسيكية ما يجعله الروعة مجسمة والجلال متجسداً. وفاق بهو أوليس في روعته حتى بهو هنري الثاني على ما روي (لأن البهو دمر في 1738)، وقد زينه بريماتتشيو ورفاقه بمواضيع مختارة من الأوديسا بلغ عددها 161.
ويعين قصر فونتنبلو انتصار الطراز الكلاسيكي في فرنسا. وقد ملأ فرانسوا قاعاته بتماثيل وتحف اشتريت له في إيطاليا فدعمت روعتها رسالة الفن الكلاسيكي. وفي هذه الأثناء نشر سباستيانو سيرليو، الذي عمل فترة في قصر فونتنبلو، كتابه Opere di arehitettura، (1548)، وفيه بشر بالكلاسيكية الفتروفية التي دان بها أستاذه بالداسار




صفحة رقم : 9105




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء


بتروتزي، وقد قام بترجمته إلى الفرنسية لتوه جان مارتان، الذي ترجم أيضاً فتروفيوس (1547). وراح الفنانون الفرنسيون الذين دربهم روسو أو بريماتتشيو ببثون من مدرسة فونتنبلو القواعد والمثل الكلاسيكية في أرجاء فرنسا، فظلت مسيطرة عليها قروناً هي وما يقابلها من أشكال الأدب الكلاسيكية التي بدأتها جماعة البلياد. وذهب الفنانون الفرنسيون أمثال جاك أ. دسرسو، وجان بوللان، وديلورم، إلى إيطاليا منفعلين بسرليو وفتروفيوس، لكي يدرسوا آثار العمارة الرومانية، ونشروا بعد عودتهم أبحاثاً صاغوا فيها الأفكار الكلاسيكية. ونددوا كما ندد رونسار ودبلليه بالطرز الوسيطة لما فيها من همجية، وصمموا على تهذيب المضمون وإحالته شكلاً. وبفضل هؤلاء الرجال وكتبهم انبعث المعماري فناناً متميزاً عن البناء الماهر، ذا مكان مرموق في السلم الاجتماعي. ولم تعد بذلك حاجة إلى الفنانين الإيطاليين في حركة البناء الفرنسية، لأن فرنسا تخطت الآن إيطاليا إلى روما القديمة ذاتها تستوحيها فنون المعمار، وجمعت جمعاً رائعاً بين الأساليب الكلاسيكية وتقاليد فرنسا ومناخها.
في هذا الجو- جو الفكر والفن- ارتفع أنبل بناء مدني في فرنسا. والمتأمل للوفر اليوم من شاطئ السين الأيسر، والمتجول يوماً بعد يوم خلال متحف العالم هذا الحافل بالكنوز، يتضاءل خشوعاً ورهبة أمام ضخامة هذا الأثر. ولو خيرنا أي بناء فرد نرى الإبقاء عليه في كارثة عالمية مدمرة لاخترقنا اللوفر. كان فليب أغسطس قد بدأ تشييده حوالي عام 1191 قلعة محصنة تقي باريس شر الغزو على طول نهر السين. ثم أضاف شارل الخامس جناحين جديدين (1537) وبيتاً للسلم من خارج ريما كان الموحى بتحفة قصر بلوا. ولما وجد فرانسوا أن هذا البناء الوسيط، نصف القصر ونصف السجن، غير صالح لسكناه ولهوه،




صفحة رقم : 9106




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء


أمر بهدمه وعهد إلى ببير ليسكو (1556) أن يقيم في مكانه قصراً يليق بملك يتربع على عرش فرنسا النهضة. ولما مات فرانسوا بعد عام أمر هنري الثاني بالمضي في المشروع.
كان ليسكو نبيلاً وقسيساً، فهو سيد كلاني الإقطاعي، ورئيس دير كليرمون، وكاهن نوتردام، ومصور ونحات معماري. وهو الذي صمم علية الصليب في كنيسة سان جرمان لوكسروا (التي دمرت في 1745) والقصر الذي أصبح الآن "أوتيل كارنافاليه". وقد استعان في هذين العملين بصديقه جان جوجون ليقوم بالنحت الزخرفي، وحين تقدم العمل في اللوفر الجديد دعا جوجون ليزينه. وفي 1548 شيد ليسكو الجناح الغربي للقصور التي تضم اليوم فناء اللوفر المربع (الكوركاريه). أما الواجهة فهي من الأرض إلى السطح من إملاء طراز النهضة الإيطالية، على وجه الحصر (كما كان رابليه يقول لو رآها): ثلاثة صفوف من النوافذ المستطيلة، وتفصل بين الصفوف كرانيش من الرخام، أما النوافذ فتفصل بينها عدة أعمدة كلاسيكية، ثم ثلاثة أروقة تعتمد على عمد كلاسيكية أنيقة، ولم يكن فرنسياً غير السقف المائل، ولكن الحلبات المعمارية كانت هنا أيضاً ذات جمال كلاسيكي. ولولا أن جوجون أدخل تماثيل في كوي الأروقة وحفر نقوشاً بديعة في القواصر وتحت الكرانيش، وتوج النتوء الأوسط بشعار هنري وديانا- لولا هذا لكان المنظر العام شديد الصرامة. وفي داخل جناح ليسكو هذا بني جوجون قاعة تسمى Salle des Cariatides- أربع إناث رائعات يسندن شرفة للموسيقيين؛ وجوجون أيضاً هو الذي زخرف قبو السلم الكبير المؤدي إلى الحجرة الملكية التي نام فيها ملوك فرنسا ابتداء من هنري الرابع إلى لويس الرابع عشر. واستمر العمل في بناء اللوفر وزخرفته أيام شارل التاسع وهنري الرابع ولويس الثالث عشر ولويس الرابع عشر




صفحة رقم : 9107




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء


ونابليون الأول ونابليون الثالث، ملتزماً على الدوام الطراز الذي حدده ليسكو وجوجون بحيث أصبح هذا الصرح الفسيح هو العصارة المركزة لثلاثة قرون ونصف من حضارة طحنت كد الشعب لتخرج منه هذه الروائع الفنية. ترى، أكان ممكناً بناء اللوفر لو أنصفت الأرستقراطية الشعب؟.
وأبدع فيليبير ديلورم لهنري الثاني وديان دبواتييه آيات في العمارة كأنها في سحرها جنات عدن. وقد درس فيليير في شبابه آثار روما القديمة وقومها، فأحبها، ولكنه أعلن عقب عودته إلى فرنسا أن العمارة الفرنسية يجب منذ الآن أن تكون فرنسية. وكانت روحه- روح الوثنية الكلاسيكية والوطنية الفرنسية- هي بالضبط برنامج جماعة البلياد. وقد صمم سلم "الكورد يزادييه" Cour des Adieux بفونتنبلو على شكل حدوة حصان، والمدفأة والسقف الغائر النقوش في بهو هنري الثاني. وشيد لديان في آنيه (1548- 53) مدينة حقيقية من القصور والحدائق الرسمية، وهناك وضع تشلليني تمثاله "حورية فونتنبلو" في قوصرة، وبز جوجون المثال الفلورنسي بمجموعته التي تمثل ديانا وأيلها. ومعظم هذا الفردوس النفيس حل به الدمار، ولم يبق منه سوى بوابة لا تثير إعجاباً بذكر في فناء مدرسة الفنون الجميلة بباريس. ولأجل هذه الخليلة المنتصرة نفسها أكمل قصر شنوسو- هدية صغيرة من مليكها المتيم، وفيليب هو الذي فكر في مد القصر عبر الشير. ولما أخذت كاترين مديتشي القصر من ديان، واصل ديلورم جهوده الشاقة فيه حتى اكتملت هذه الآية الفنية. على أن أسلوبه الرياضي المسرف لم ينل الرضا حيناً، فاعتكف ليؤلف بحثاً موسوعياً في العمارة. ثم دعته كاترين ثانية في شيخوخته ليستأنف العمل، فصمم لها قصراً جديداً هو التويلري (1564- 70) الذي دمره كومون




صفحة رقم : 9108




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> فن النهضة الفرنسية ومرض البناء


1871. وقد تلقى الفنان من جميع رعاة فنه مكافآت سخية. فأصبح قسيساً، شغل عدة وظائف كنسية مجزية. ثم مات في 1570 كاهناً لنوتردام، بعد أن دبر في وصيته مستقبل طفليه غير الشرعيين(9).
كان جان بولان الثالث المعماريين النوابغ الذين زينوا فرنسا في عهود زوج كاترين وأبنائها. وقد اكتسب شهرته في ثلاثيناته بمدينة أكوان إذ صمم قصراً ريفياً لآن دمونمورنسي بلغ الكمال في خطوطه الكلاسيكية. وفي ستيناته خلف ديلورم في بناء التويلري وواصل العمل إلى أن مات- "من يوم إلى يوم، أموت وأنا أتعلم" على حد قوله.
لقد درج الناس على أن يأسفوا لاستيراد العمارة الفرنسية للطرز الإيطالية، وعلى أن يقولوا إن الفن القوطي الوطني لو ترك دون أن يحرفه هذا التأثير لتطور إلى عمارة مدنية أنسب للرشاقة الفرنسية من الخطوط الصارمة نسبياً التي اتسمت بها الطرز الكلاسيكية. ولكن الفن القوطي كان في طريقه إلى الموت من الشيخوخة، ربما من الإسراف الهرم والزوقة العتيقة؛ لقد جرى شوطه وانتهى. وكان اتكاء الفن اليوناني على ضبط النفس والاستقرار والخطوط البنائية الواضحة خير ما يصلح للتخفيف من الاندفاع الفرنسي والسير به إلى نضج مهذب. وقد ضحى في هذا السبيل ببعض طرافة العصر الوسيط، ولكن هذه أيضاً عاشت أيامها وانقضت، وهي لا تبدو جذابة إلا لأنها ماتت. ولما طور معمار النهضة الفرنسية طابعه القومي الخاص، مازجاً الرواشن والسطوح المائلة بالأعمدة والتيجان والقواصر، منح فرنسا طوال ثلاثة قرون طرازاً في البناء كان مثار حسد أوربا الغربية. ونحن نحس الآن أن هذا الطراز كان جميلاً لأنه هو الآخر في طريقه إلى الزوال.




صفحة رقم : 9109




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفنون الملحقة



2- الفنون الملحقة


قام مئات من الصناع الفنانين بتزيين الحياة الفرنسية في هذا العصر المرح، عصر فرانسوا الأول وهنري الثاني. ونقش النجارون مقاعد المرتلين في كنائس بوفيه، وآميان، وأوخ، وبرو، وتجرءوا على زخرفة المباني القوطية بمناظر حية من النهضة تمثل آلهة الحقوق، والعرافات. وأتباع باخوس والسواتير، بل تمثل بين الحين والحين فينوس أو كيوبيد، أو جانيميد. أو قد تراهم- لكي نلاحقهم ملاحقة محمومة- يصنعون الموائد، والكراسي، والإطارات، والمراكع، والأسرة، والخزائن، وينقشونها بزخارف ربما كانت مسرفة، أو يكتفونها بالمعادن أو يطعمونها بالعاج أو الأحجار الكريمة. أما صناع الأشغال المعدنية الذين بلغوا الآن ذروة الإتقان فقد خلعوا الجمال الرائع على الأواني والأسلحة بزخرفتها بالنقوش الدمشقية أو بحفرها، ورسموا النوافذ ذات المصبعات- بقصائد من الشعر في زخرف حديدي من الشجر- للكنائس والهياكل والحدائق والمقابر، أو صنعوا مفصلات كتلك التي نراها على أبواب نوتردام الغربية، وفيها من الجمال ما جعل الأتقياء ينسبون صنعها إلى أيدي الملائكة. وقد اعترف تشلليني، وهو الذي لم يبق لغيره مديحاً يذكر بعد أن أشيع حاجاته منه، بأن الصباغ الفرنسيين قد بلغوا في صنعهم آنية الكنائس- أو آنية المنازل كتلك التي حفرها جان دوريه لهنري الثاني- "درجة من الإتقان والكمال لا تجدها في أي بلد آخر"(10). أما الزجاج الملون (المعشق) في كنيسة مرجريت النمساوية في برو، أو في كنيسة سانت إتيين في بوفيه، أو في كنيسة سانت إتيين دمون في باريس، فقد كشف عن عظمة لم تكن فارقت فرنسا بعد. وقد أنشأ فرانسوا في فونتنبلو مصنعاً تنسج فيه قطع النسيج




صفحة رقم : 9110




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفنون الملحقة


المرسومة قطعة واحدة بدلاً من صنعها أجزاء منفصلة تخاط معاً كما كانت الحال من قبل، وخلطت الخيوط الذهبية والفضية في سخاء بالحرير والصوف المصبوغين. وبعد عام 1530 لم تعد نماذج قطع النسيج الفرنسي المرسوم ومواضيعه قوطية وفروسية، بل اتبعت تصميمات النهضة وموضوعاتها المجلوبة من إيطاليا.
وغلبت رسوم النهضة الزخرفية على الحراريات في خزف ليون (المايوليك)، وفي قاشاني جنوبي فرنسا، وفي صناعة المينا بليموج. ورسم ليونار ليموزان وغيره بألوان المينا المصهورة البراقة أشكالاً أنيقة من النبات والحيوان والآلهة والبشر على الأواني النحاسية كالأحواض والزهريات والأباريق والكئوس والأطباق وغيرها من الأواني المتواضعة التي سموا بها إلى مرتبة التحف الفنية. وهنا أيضاً كان لفرانسوا فضل المشاركة، فقد وضع ليونار على رأس مصنع المينا ملكي بليموج، وخلع عليه لقب "الوصيف الخاص للملك". وتخصص ليونار في رسم صور الأشخاص بالمينا على الأطباق النحاسية، وفي متحف المتروبوليتان بنيويورك نموذج رائع منها يصور فرانسوا نفسه، وغير هذا كثير في قاعة أبوللو باللوفر مما يشهد في هدوء لهذا العهد الذهبي.
كان تصوير الأشخاص فناً مكتمل النضج في فرنسا قبل قدوم الإيطاليين. فمن الفنانين الإيطاليين في فرنسا كان بوسعه أن يرسم أروع من صورة جيوم دمونمورنسي التي رسمها فنان كبير لم يذكر عليها اسمه حوالي عام 1520، والمحفوظة اليوم بمتحف ليون؟- Voila un homme! "هاكم رجل"- إنها ليست تحية مصورة، إنها رجل. لقد جلب روسو وبريماتتشيو وديللاباتي وغيرهم من مدرسة فونتنبلو إلى فرنسا ما تعلموه من رفائيل أو برينو ديلفاجاً أو جوفاني دا أوديني أو جوليو رومانو عن زخرفة العمد والكرانيش والأسقف...




صفحة رقم : 9111




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفنون الملحقة


بال "جروتسك" أو الأشكال العابثة- أشكال الملائكة (الكاروبيم) والأطفال واللوالب والزخارف العربية والنبات. وقد رسم عضو مجهول من أعضاء هذه المدرسة لوحة "ديان دبواتييه" المحفوظة الآن بمتحف ورستر بولاية ماساشوستس- جالسة إلى أخوان زينتها وعلى رأسها تاج. وبعد عام 1545 قدم إلى فرنسا كثير من المصورين الفلمنك، فيهم بروجل الأب، ليدرسوا الأعمال الفنية في فونتنبلو. ولكن أسلوبهم كان أعمق جذوراً من أن يستسلم للتأثير الإيطالي. وتغلبت القوة الواقعية التي اتسم بها فنهم على الجمال الأنثوي الذي تجلى في فن ورثة رفائيل.
وكادت أسرة فلمنكية واحدة في فرنسا أن تؤلف مدرسة قائمة بذاتها. كان يوحنا كلويه Clouet ملحقاً ببلاط فرانسوا في تور وباريس، وكل الناس يعرفون الصورة التي رسمها للملك حوالي 1525 والمحفوظة الآن باللوفر، وجسم فيها الملكية المستكبرة المغرورة السعيدة قبيل كبوة من كبواتها. وخلف فرانسوا كلويه أباه يوحنا مصوراً للبلاط، وسجل بالطباشير أو الزيت صور كبار القوم خلال حكم أربعة من ملوك فرنسا. واللوحة التي رسم فيها هنري الثاني أروع من تلك الصور التي صور فيها أبوه فرانسوا الأول. ويدهشنا أن نرى في اللوحة تلك الهوة بين العاشق المرح والابن المكتئب المزاج، وفي وسعنا أن نفهم منها كيف استطاع هذا الرجل أن يصدق على تشكيل "الغرفة الغيور" لاضطهاد المهرطقين، وإن لم نلمح في الوجه- الذي يكاد يكون بورجياً- أي إلماع لوفائه المقيم لديان. ووجدت أسرة كلويه من تحداها بعض الوقت في شخص كورني الليوني الذي نافسها بمرسم خاص به، وظهر هذا التحدي في صور كصورة المرشال بونيفيه، عشيق مرجريت. ولكن أحداً من المعاصرين في فرنسا لم يستطع مجاراة فرانسوا




صفحة رقم : 9112




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفنون الملحقة


كلويه في ذلك الحشد من الصور التي رسمها لكاترين مدتشي، وفرانسوا الثاني، وماري ملكة إسكتلندة، وإليزابيث فالوا، وفيليب الثاني، ومرجريت زوجة هنري الرابع المقبلة، وشارل التاسع في شبابه- وقد بدا ألطف من أن نتبين فيه ملك "المذبحة" المرتاع. في هذه الصور نرى الواقعية والصدق الفلمنكيين وقد خففت من حدتهما الرقة والدقة والحيوية الفرنسية، فالنبرة خافتة، والخط دقيق مطمئن، وعناصر الشخصية المعقدة مقتنصة وموحدة. مثل هذا المؤرخ النابض بالحياة لن تستمتع بفنه غير إنجلترا هوليين.
كان النحت خادماً للعمارة، ومع ذلك فهو صاحب الفضل في تألقها. والواقع أن النحت الفرنسي راح يخرج سيلاً متدفقاً من الروائع التي لم ينفقها إلا تلك التي كان ميكل أنجيلو وغيره ينحتونها من كارارا، مثال ذلك المقابر الفخمة، كمقبرة لويس الثاني عشر ومقبرة آن البريتانية اللتين نحتهما جوفاني دي جيوستوبتي (في سان دنيس)، وكمقبرتي اثنتين من كرادلة آمبواز نحتهما رولان لرو وجان جوجون (في روان)، وكمقبرة لوي دبريزيه، زوج ديان، في الكاتدرائية ذاتها، التي نحتها مثال غير معروف على التحقيق. وتبدو مقبرتا روان أوفر زينة مما يليق بجلال الموت، ولكن الكردينالين يكادان يبعثان من جديد على صورة حكام أقوياء لا يحاول المثالان خلع الكمال عليهما، إنما الدين عندهما أمر عارض وسط مهام الحكم. وقد دفن فرانسوا الأول، وزوجته كلود، وابنته شارلوت، بسان دنيس في مقبرة من طراز النهضة صممها ديلورم، تزينها منحوتات فخمة نحتها بيير بونتم. وعلى مقبرة منها رائعة صغيرة من صنع بونتم- هي وعاء جنائزي لقلب الملك. وهكذا لم يعد المثالون الفرنسيون في حاجة إلى الوصاية الإيطالية ليرثوا فن روما الكلاسيكي.




صفحة رقم : 9113




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفنون الملحقة


ولقد ورث جان جوجون الجمال الكلاسيكي على الأقل. ونحن نسمع به لأول مرة في سنة 1540، وقد ورد في القائمة أنه "حجار وبناء" في روان. وفي روان قطع الأعمدة التي يرتكز عليها الأرغن في كنيسة سان ماكلو، ونحت تماثيل لمقبرتي الكردينالين، وربما لمقبرة بريزيه. وقد زين حجاب الصليب في كنيسة سان جرمان لوكسروا بمنحوتات محفوظ بعضها في اللوفر. وهي تذكرنا بالنقوش الهلنستية البارزة في الأناقة المتناغمة التي اتسمت بها خطوطها. وقد قاربت الكمال تلك الموهبة المميزة لفن جوجون، وهي تجسيد الجمال الأنثوي، في تمثال "الحوريات"، الذي شارك به في "نافورة الأبرياء" التي صممها ليسكو (1547)، وفي رأي برنيني أن هذه التماثيل أجمل آثار الفن في باريس. وقد ذكرنا من قيل تمثال جوجون "ديانا والأيل" في آنيه، ومنحوتاته في اللوفر. وتماثيله للآلهة الوثنية، ولجسد المرأة الممثل في صورة كاملة، توحي بأن فرنسا قد انتصرت فيها النهضة على حركة الإصلاح البروتستنتي، والأفكار الكلاسيكية على الأفكار القوطية، والمرأة على منتقصي قدرها في العهد الوسيط. ومع ذلك وصف الرواة جوجون بأنه هيجونوتي. وعقاباً له على حضوره عظة لوثرية، حكم عليه حوالي عام 1542 بأن يسير في شوارع باريس بقميصه وبأن يشهد حرق واعظ بروتستنتي(11)، وحوالي عام 1562 رحل عن فرنسا قاصداً إيطاليا. ومات في بولونيا قبل عام 1568، مغموراً مهملاً إهمالاً لا يستحقه رجل ارتقى بفن النهضة إلى ذروته في فرنسا.




صفحة رقم : 9114




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> بيتر بروجل



3- بييتر بروجل




1520 - 1569


كان هذا العصر مقفراً في فن الأراضي المنخفضة إذا استثنينا بروجل والنسيج المرسوم. وتذبذب فن التصوير بين تقليد الإيطاليين- في




صفحة رقم : 9115




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> بيتر بروجل


الأسلوب المهذب والألوان الغنية والأساطير الكلاسيكية والنساء العاريات والخلفيات المعمارية الرومانية- وبين الميل المتأصل إلى التصوير الواقعي لكبار الشخصيات وللأشياء العادية. ولم يحظ الفنانون بالرعاية من البلاط والكنيسة والنبلاء فحسب، بل نالوها باطراد من أغنياء التجار الذين عرضوا أجسادهم البدنية وألغادهم المتهدلة ليعجب بها الخلف، وأحبوا أن يروا في الصور المناظر المألوفة والمشاهد الطبيعية لحياتهم الفعلية. وحلت روح الفكاهة، وحب "الجروتسك" أحياناً، محل الإحساس بالتسامي في فن كبار الفنانين الإيطاليين. وقد أنتقد ميكل أنجيلو ما رآه افتقاراً إلى التمييز والسمو في الفن الفلمنكي فقال: "إنهم لا يرسمون في فلاندر إلا ليخدعوا العين الظاهرة، أشياء تبهجك... حشائش الحقول، وظلال الأشجار، والكباري والأنهار... وأشياء صغيرة هنا وهناك... دون عناية بالاختيار أو الرفض"(12). ولا غرو فالفن عند ميكل أنجيلو هو الاختيار ذو الدلالة لإبراز السمو، لا التمثيل غير المميز للواقع، وكانت طبيعته الوقور، المحبوسة في حذائه الذي لا ينزع وعزلته الكارهة للناس، محصنة ضد التأثر بجلال الحقول الخضراء وحرارة الحب العائلي.
أما نحن فإننا ننحني إنحناءة العرفان ليواكيم باتينير، ولو لما صورته لوحته "القديس جيروم" من منظر طبيعي يذكرنا بأسلوب ليورنادو دافنشي، ولجوس فان كليف على لوحته الجميلة التي رسم فيها اليانور البرتغالية، ولبرنيرت فان أورلي اللوحة "العائلة المقدسة" في البرادو، ولتصميماته للنسيج المرسوم، ولزجاجه المعشق في كنيسة سانت جودول ببروكسل؛ وللوكاس فإن ليدن لما حفلت به سنوه التسعة والثلاثون من حشد النقوش والكلشيهات الخشبية، ولجان فإن سكوريل على صورة المجدلية وهي تعتز بقارورة الطيب التي غسلت منها أرجل المسيح،




صفحة رقم : 9116




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> بيتر بروجل


ولأنطونيس مور على صوره القوية لدوق ألفا، وللكردينال جرانفيل، ولفيليب الثاني، ولماري تيودور، ولصورة ليست أقل شأناً من كل أولئك، وهي صورته هو.
وليلاحظ القارئ كيف تركز فن التصوير بالأراضي المنخفضة في الأسر. من ذلك أن جوس فان كليف ورث بعض مهارته لابنه كورنيليس، الذي رسم صوراً ممتازة قبل أن يصاب بالجنون. كذلك نرى جان ماسيس الذي ورث مرسم أبيه كوينتين يؤثر رسم العاريات أمثال "يهوديت"، و "سوسنة والشيوخ"، وواصل ابنه كوينتين ماسيس الثاني هذه الحرفة، في حين خمل أخوه كورنيليس فنه إلى إنجلترا ورسم لوحة لهنري الثامن في شيخوخته وقد بدا منتفخ البدن بشع المنظر. ورسم بييتر بوربوس وابنه فرانس لوحات للأشخاص وصوراً دينية في بروج، ورسم فرانس بوربوس الثاني، وهو ابن فرانس، لوحات في باريس ومانتوا. وكان هناك إلى هؤلاء بييتر بروجل "المضحك" وزوجته المصورة، وحماته المصورة، وأبناه بييتر بروجل "الجحيم" وجان بروجل "المخمل"، وحفدته المصورون، وأبناء حفدته المصورون...
أما بييتر بروجل الأب، الذي أصبحت شهرته من موضات عصرنا التي لا مهرب منها، فلعل اشتق اسمه من إحدى قريتين في برابانت اسمهما بروجل، وكانت إحداهما قريبة من هرتوجنبوش مسقط رأس هيرونيموس بوش. وربما رأى بييتر في كنائس هذه القرية عدة رسوم بريشة الرجل الذي أثر في فنه تأثيراً لم يفقه غير تأثير الطبيعة ذاتها. وحين ناهز الخامسة والعشرين (حوالي عام 1545) هاجر إلى أنتورب وتتلمذ لبييتر كوك، وربما أعانت محفورات كوك الخشبية للمناظر الطبيعية على تكوين ميل المصور الشاب إلى الحقول والغابات والمياه




صفحة رقم : 9117




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> بيتر بروجل


والسماء. وكان بييتر كوك هذا قد أنجب فتاة تدعى ماريا، كان بييتر يهدهدها بين ذراعيه وهي طفلة، وقد أصبحت فيما بعد زوجاً له. وفي عام 1552 اتبع التقليد الذي جرى عليه المصورون، ورحل إلى إيطاليا ليدرس التصوير، ثم عاد إلى أنتورب بكراسة تضخمت برسوم المناظر الإيطالية، ولكن لم يبد على أسلوبه الفني تأثير إيطالي واضح. وقد ظل إلى النهاية يهمل من الناحية العلمية تلك الدقة في التشكيل، وفي توزيع الضوء والظل (الكياروسكيورو)، وفي التزويق (الكولورا تورا) التي أخذ بها الفنانون الجنوبيون. ولما عاد إلى أنتورب عاش مع امرأة كانت خليلة ومدبرة لبيته. وقد وعدها بأن يتزوجها إذا أمسكت عن الكذب. وكان يسجل أكاذيبها بثلمات يحدثها في عصا. وإذ لم يكن محتفظاً بعصا لذنوبه هو، فقد هجرها حين فاضت العصا بالثلمات. وفي أواسط أربعيناته (1560) تزوج ماريا كوك وقد بلغت السابعة عشرة، واستمع إلى دعوتها إياه للرحيل إلى بروكسل، ولم يكن باقياً له من العمر سوى ست سنوات.
ومع أن رسومه حملت الناس على تلقيبه بـ "بروجل الفلاح" فإنه كان إنساناً مثقفاً قرأ هومر وفرجل وهوراس وأوفيد ورابليه، وفي الغالب إرزمس.(13) وقد وصفه كاريل ماندر (فازاري هولندة) بأنه "هادئ، منظم، قليل الكلام، ولكنه ممتع الحديث إذا كان في صحبة، يبتهج بإفزاع سامعيه.... بقصص الأشباح والأرواح المنذرة(14). وربما كان هذا علة لقبه الثاني "بروجل المضحك". وكانت فكاهته تميل إلى الهجاء ولكنه خفف بالعطف، و