Advertisement

قصة الحضارة 14


قصة الحضارة
ول ديورانت






قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> إرلندة جراتان



الفصل الحادي والثلاثون




جيران إنجلترا




1756-1789




1- إرلندة جراتان


شرح رحالة إنجليزي زار إرلندة في 1764 أسباب جنوح الفقراء إلى الإجرام فقال: "أي خوف من العدالة أو العقاب يمكن توقعه من فلاح إرلندي يتردى في حال من التعاسة والفقر المدقع، حال لو أن أول رجل صادفه ضربه على أم رأسه وأراحه إلى الأبد من حياته البائسة الضنكة لحق له أن يحسبه عملاً جديراً بالثناء؛... واحتمال الكثيرين منهم... لحالتهم المزرية بصبر دليل كاف لدي على ما في طبعهم من لطف فطري"(1).
ولك يكن ملاك الأرض-ومعظمهم من البروتستانت-هم الظلمة المباشرين للفلاحين-ومعظمهم من الكاثوليك-ولا أشدهم ضراوة، فالملاك كانوا يعيشون عادة في إنجلترا لا يرون الدم الذي لطخ الإيجارات التي يبتزها الوسطاء الذين يؤجرون لهم أرضهم؛ والوسطاء هم الذين استنزفوا كل درهم استطاعوا ابتزازه من الفلاحين، حتى اضطر هؤلاء إلى أن يكتفوا في غذائهم بالبطاطس وفي لباسهم بالأسمال.
وفي 1758، سمح لإيرلندة خمس سنين بتصدير الماشية إلى بريطانيا لأن المرض كان يفتك بالماشية في إنجلترا. فتحولت أفدنة كثيرة في إيرلندة-بما فيها الأرض المشاع التي كان المزارعون المقيمون يستعملونها من قبل-من الزراعة إلى رعي الأغنام أو الماشية، فازداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً. ثم أضافوا إلى مشكلاتهم بالزواج المبكر-"عند أول ميسرة" كما




صفحة رقم : 14166




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> إرلندة جراتان


قال السر وليم بتي(2)، ولعل الأمل راودهم في أن أطفالهم لن يلبثوا يغطوا نفقاتهم ثم يعيونهم على دفع الإيجار. وهكذا، ورغم ارتفاع نسبة الوفيات، زاد سكان إيرلندة من 3.191.000 عام 1745 إلى 4.753.000 عام 1791(3).
أما صورة الصناعة فأخذت في الإشراق. ذلك أن الكثير من البروتستانت وبعض الكاثوليك قد أخذوا يحترفون إنتاج الأتيال أو الأصواف أو البضائع القطنية أو الحرير أو الزجاج. وفي الربع الأخير من القرن، بعد أن حصل جراتان على تخفيف للقيود البريطانية المفروضة على رجال الصناعة الإيرلنديين وعلى التجارة الإيرلندية، نشأت طبقة وسطى وفرت الركيزة الاقتصادية للسياسة التحريرية والنمو الثقافي. وغدت دبلن من أمهات المراكز في التعليم والموسيقى والدراما والعمارة في الجزر البريطانية. وكانت كلية ترنتي بسبلها إلى أن تصبح جامعة، تملك فعلاً قائمة طويلة من الخريجين الممتازين. ولو أن إيرلندة احتفظت بنجومها الساطعة في أرض الوطن-بيرك، وجولد سمث، وشريدان، وسويفت، وباركلي-لسطعت جنباً إلى جنب مع ألمع الأمم في ذلك العهد. وبعد علم 1761 جعل نائب الملك دبلن مقره الدائم بدلاً من الاكتفاء بزيارات قصيرة مرة كل عام. وقامت الآن الصروح العامة الشامخة والقصورة الأنيقة. ونافست مسارح دبلن مسارح لندن في تفوق إخراجها، وهنا رتلت "مسيا" هندل أول مرة ولقيت أول ترحيب (1742)، وأخرج شريدان التمثيليات الناجحة الكثيرة التي ألفت زوجته بعضها.
وكان الدين بالطبع هو القضية الطاغية في إيرلندة، وقد حرم المنشقون-أعني المشيخيين، والمستقلين البيورتان)، والمعمدانيين-من تقلد الوظائف الحكومية ومن عضوية البرلمان بمقتضى قانون الاختبار، الذي اشترط في الموظف أو عضو البرلمان قبول سر التناول طبقاً للطقس الأنجليكاني. أما قانون التسامح الصادر في 1689 فلم يطبق على إيرلندة. وعبثاً احتج مشيخيو ألتر على هذه القيود، وهاجر الألوف منهم إلى أمريكا، حيث قاتل كثيرون منهم بإخلاص في صفوف جيوش الثوار.




صفحة رقم : 14167




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> إرلندة جراتان


وكان ثمانون في المائة من سكان إيرلندة كاثوليكياً، ولكن لم يكن جائزاً انتخاب أي كاثوليكي لعضوية البرلمان. ولم يملك أرضاً من الكاثوليك إلا قلة. وكان المستأجرون البروتستانت يعطون إيجارات مدى الحياة، أما إيجارات الكاثوليك فلا تمتد أكثر من إحدى وثلاثين سنة؛ وكان عليهم أن يدفعوا ثلثي أرباحهم إيجار(4). ولم يسمح بالمدارس الكاثوليكية، ولكن المسئولين لم يطبقوا القانون الذي حرم على الإيرلنديين التماس التعليم خارج وطنهم. وقبل بعض الطلاب الكاثوليك في كلية ترنتي، ولكنهم لم يستطيعوا نيل درجة علمية. وسمح بالعبادة الكاثوليكية، ولكن لم يكن هناك وسائل شرعية لإعداد القساوسة الكاثوليك؛ على أنه جاز للطلاب أن يلتحقوا بالكليات اللاهوتية في القارة. وقد اكتسب بعض هؤلاء الطلاب ما تحلى به الكهنوت في فرنسا وإيطاليا من دماثة طبع وتحرر آراء، فلما عادوا إلى إيرلندة قسساً لقوا الترحيب على موائد البروتستانت المتعلمين، وأعانوا على التخفيف من حدة التعصب على الجانبين، فلما أن دخل هنري جراثان البرلمان الإيرلندي (1775) كانت حركة التحرير الكاثوليكي قد اكتسبت تأييد الألوف من البروتستانت سواء في إنجلترا أو في إيرلندة.
وفي 1760 كان يحكم إيرلندة نائب عن الملك يعينه ملك إنجلترا وهو مسئول أمامه، وبرلمان يسوده الأساقفة الأنجليكان في مجلس اللوردات ويسوده في مجلس العموم ملاك الأرض وأرباب الرواتب الحكومية من الأنجليكان. وكانت الانتخابات البرلمانية خاضعة لنظام الدوائر "العفنة" أو دوائر "الجيب" ذاته المتبع في إنجلترا. وكانت قلة من كبار الأسر تعرف باسم "المتعهدين" تملك أصوات دوائرها كما تملك بيوتها(5).
وكانت المقاومة الكاثوليكية للحكم الإنجليزي متفرقة عديمة الفاعلية. ففي 1763 راحت عصابات من الكاثوليك سموا "الصبيان البيض"-نسبة للقمصان البيضاء التي كانوا يرتدونها فوق ملابسهم-تجوب أنحاء الريف وتهدم سياجات الأراضي المسورة، وتعجز الماشية، وتهاجم جباة الضرائب أو العشور؛ ولكن قبض على زعمائهم وشنقوا، وفشل التمرد. وكانت حركة التحرير "القومي" أحسن حظاً. ففي 1776 أخذ أكثر الجنود




صفحة رقم : 14168




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> إرلندة جراتان


البريطانيون من إيرلندة ليحاربوا في أمريكا، وفي الوقت ذاته اعترى الاقتصاد أو الغزو من الخارج جند بروتستانت إيرلندة جيشاً سموه "المتطوعين". وازداد هؤلاء عدداً وسطوة حتى باتوا في 1780 قوة رهيبة. وبفضل تأييد هؤلاء المسلحين الذي بلغ عددهم أربعين ألفاً ظفر هنري فلود وهنري جراتان بانتصاراتهما التشريعية.
وكان كلاهما ضابطاً في جيش المتطوعين، وخطيباً مفوهاً من أعظم الخطباء في بلد استطاع أن يبعث ببيرك ورتشارد شريدان إلى إنجلترا ويبقى فيه رغم ذلك معين لا ينضب من البلاغة. ودخل فلود البرلمان الإيرلندي في 1759. وقد تزعم حملة للتخفيف عن الفساد في مجلس كان نصف أعضائه مدينين بالفضل للحكومة. ولكن الرشوة الشاملة هزمته، فاستسلم (1775) بقبول وظيفة نائب المخازن نظير راتب قدره 3.500 جنيه.
في ذلك العام انتخبت دائرة دبلن هنري جراتان لعضوية البرلمان. وسرعان ما تبؤ مكان فلود زعيماً للمعارضة. وقد أذاع برنامجاً طموحاً، قوامه التخفيف عن الكاثوليك الإيرلنديين وتحرير "المنشقين" من ربقة قانون الاختيار، وإنهاء القيود الإنجليزية على التجارة الإيرلندية، وتوطيد استقلال البرلمان الإيرلندي. وقد سعى إلى هذه الأهداف بهمة وإخلاص ونجاح. مما جعله معبود الأمة سواء الكاثوليك والبروتستانت. وفي 1778 حصل على الموافقة على قانون يمكن الكاثوليك من الحصول على إيجارات مدتها تسع وتسعون سنة، ومن وراثة الأرض بالشروط التي يرثها البروتستانت. وبعد عام، وبناء على إلحاحه، ألغي قانون الاختيار، وأمن للمنشقين كامل الحقوق المدنية. وقد أقنع هو وفلود البرلمان الإيرلندي ونائب الملك بأن استمرار المعوقات البريطانية للتجارة الإيرلندية من شأنه أن يؤدي إلى العنف الثوري. وكان اللورد نورث، رئيس الحكومة البريطانية آنئذ، يحبذ إلغاء هذه القيود، ولكن رجال الصناعة الإنجليز انهالوا عليه بوابل من الالتماسات ضد الإلغاء،فأذعن لهم. وبدأ الإيرلنديون يقاطعون البضائع البريطانية، وتجمع "المتطوعون" أمام مبنى البرلمان الإيرلندي وفي أيديهم




صفحة رقم : 14169




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> إرلندة جراتان


السلاح، وعلى مدافعهم عبارة تقول "حرية التجارة أو هذا". وسحب رجال الصناعة الإنجليز معارضتهم بعد أن أضرت بهم المقاطعة، وأصدر قانون حرية التجارة (1779).
ثم ألح جراتان بعد هذا في طلب الاستقلال للبرلمان الإيرلندي. ففي مطالع 1780 اقترح أن يكون لملك إنجلترا وحده، بموافقة برلمان إيرلندة، الحق في التشريع لإيرلندة، وأن بريطانيا العظمى وإيرلندة لا يوحدهما سوى رباط ملكهما المشترك، ولكن اقتراحه هزم. فأعلن المتطوعون الذين اجتمع منهم في دنجانون 25.000 مقاتل (فبراير 1782) أنه لا ولاء لإنجلترا إلا إذا منحت إيرلندة الاستقلال الشرعي. وفي مارس سقطت وزارة اللورد نورث التي شاخت وخلفه في الوزارة روكنجهام وفوكس. وكان المركيز كورنو اليس فقد استسلم أثناء ذلك في يوركنون (1781)، وانضمت فرنسا وأسبانيا إلى أمريكا في الحرب ضد إنجلترا. ولم يكن في وسع بريطانيا أن توجه ثورة إيرلندة في هذا الوقت. وعليه ففي 6 أبريل 1782 أعلن البرلمان الإيرلندي بزعامة جراتان استقلاله التشريعي، وبعد شهر وافقت إنجلترا على هذا التنازل. وقرر البرلمان الإيرلندي منحة لجراتان قدرها 100.000 جنيه، وكان رجلاً فقيراً نسبياً، فقبل نصفها.
كان هذا بالطبع انتصاراً لبروتستانت إيرلندة لا لكاثوليكها. فلما شرع جراتان-بتأييد قوي من الأسقف الأنجليكاني فردريك هرفي-في حملة لإحراز قسط من التحرير للكاثوليك كان قصارى ما استطاعه (فيما يسميه المؤرخون "برلمان جراتان (وهو الحصول على حق التصويت للملاك الكاثوليك (1792)، فحصلت هذه القلة على حق التصويت دون حق انتخابهم لعضوية البرلمان أو تعيينهم في الوظائف البلدية أو القضائية. وذهب جراتان إلى إنجلترا، وحصل على انتخابه عضواً في البرلمان البريطاني، وهناك واصل حملته. ومات عام 1820، قبل أن يجيز البرلمان قانون التخفيف عن الكاثوليك بتسعة أعوام، وهو القانون الذي سمح للكاثوليك بعضوية البرلمان الإيرلندي، حقاً أن العدالة ليست عمياء فقط؛ إنها أيضاً عرجاء.




صفحة رقم : 14170




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> الخلفية الإسكتلندية



2- الخلفية الإسكتلندية


عندما أدمج اتحاد عام 1707 إسكتلندة مع إنجلترا بواسطة برلمان مشترك، رددت لندن على سبيل النكتة أن الحوت قد ابتلع يونان (يونس)؛ وعندما أدخل بيوت (1762 وما بعدها) عشرين من الأسكتلنديين في الحكومة البريطانية تذمر الظرفاء لأن يونان أخذ في ابتلاع الحوت(6). أما من الناحية السياسية فإن الحوت انتصر. فقد ضاع النبلاء الاسكتلنديون الستة عشر ونواب العموم الخمسة والأربعون وسط 108 نبيلاً و513 نائباً إنجليزياً. وأسلمت إسكتلندة سياستها الخارجية، وإلى حد كبير اقتصادها، إلى تشريع يسوده المال الإنجليزي والعقول الإنجليزية. ولم ينس البلدان عدائهما السابق. فالاسكتلنديين يشكون من أسباب التفرقة التجارية بين يونان والحوت، وصموئيل جونسون ينوب عن الحوت في عضة يونان بإصرار شوفيني.
وكانت إسكتلندة تضم في عام 1760 من السكان نحو 1.250.000 نسمة. وكانت نسبة المواليد عالية، ولكن نسبة الوفيات لحقت بهم. وقد كتب آدم سمث حوالي 1770 يقول: "قيل لي أنه ليس من غير المألوف في إقليم المرتفعات الاسكتلندية لأم ولدت عشرين طفلاً ألا يبقى اثنان منهم أحياء"(7). وكان رؤساء القبائل في الإقليم يملكون الأرض كلها تقريباً خارج المدن، ويتركون الزراع فقراء فقراً بدائياً على تربة صخرية تبتلي بوابل من المطر ينهمر صيفاً وبثلوج الشتاء تهطل من سبتمبر إلى مايو. وقد زيدت الإيجارات مراراً-فرفعت في إحدى المزارع من خمسة جنيهات إلى عشرين خلال خمسة وعشرين عاماً(8). وهاجر كثير من الفلاحين إلى أمريكا بعد أن رأوا أن لا مهرب من الفقر في وطنهم، وهكذا "يستطيع زعيم القبيلة الجشع أن يحيل صنيعته برية فقراء" على حد قول جونسون:(9)وكان الملاك يحتجون بهبوط قيمة العملة ذريعة لرفع الإيجار. وكانت الأحوال أسوأ حتى من هذا في مناجم الفحم والملح، حيث كان العمال حتى عام 1775 يربطون بأعمالهم حتى يموتوا(10).




صفحة رقم : 14171




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> الخلفية الإسكتلندية


أما في مدن إقليم المنخفضات فإن الثورة الصناعية جلبت الرخاء لطبقة وسطى متسعة ومغامرة. وانتشرت في جنوب غربي إسكتلندة مصانع النسيج الكثيرة. وبفضل الصناعات والتجارة الخارجية زاد سكان جلاسجو من 12.500 في عام 1707 إلى ثمانين ألفاً في عام 1800؛ وكانت تضم ضواحي غنية، ومباني ذات شقق في أحياء فقيرة مزدحمة، وجامعة. وفي 1768-90 شقت قناة ربطت نهري كلايد وفورث، فأنشأت بذلك طريقاً تجارياً مائياً من أوله لآخره بين الجنوب الغربي الصناعي والجنوب الشرقي السياسي. وكانت إدنبرة-التي ناهز سكانها خمسين ألفاً في 1740-قلب حكومة إسكتلندة وثقافتها وموضاتها. وكانت كل أسرة اسكتلندية ميسورة الحال تتطلع إلى قضاء جزء من السنة على الأقل فيها؛ وإليها أتى بوزويل وبيرنز، وفيها عاش هيوم وروبرنسم وريبورن، وهنا ظهر محامون ذائعو الصيت مثل ايرسكينز، وقامت جامعة ذات مكانة مرموقة، وجمعية إدنبرة الملكية. وهنا كان المقر الرئيسي للمسيحية الاسكتلندية.
وكان الكاثوليك الرومان قلة، ولكن عددهم كان كما رأينا كافياً لإحداث الزعر في بلد ما زال يتجاوب بأصداء دعوة يوحنا فوكس. وكان للكنيسة الأسقفية أتباع كثيرون بين سراة القوم الذين أعجبهم الأساقفة الأنجليكان وطقوس التناول الأنجليكانية. غير أن ولاء السواد الأعظم كان لكنيسة إسكتلندة، "الكيرك البرزبتيريه" (المشيحية) التي رفضت نظام الأساقفة، واختزلت الطقوس إلى أدنى حد، ولم تقبل في الدين والأخلاق حكماً غير حكم مجالس أبرشياتها، وشيوخ أقسامها، ومجامع أقاليمها، وجمعيتها العامة. ولعله لم يوجد بلد آخر في أوربا-باستثناء أسبانيا-تشرب شعبه اللاهوت بمثل هذا العمق. وكان في استطاعة مجلس الكنيسة المؤلف من شيوخها وقسيسها أن يفرض الغرامات ويوقع العقوبات على المنحرفين المهرطقين، وأن يحكم على الزناة بالوقوف واحتمال التوبيخ العلني أثناء الخدمة الدينية، وقد حاق بروبرت بيرنز وجين آرمر مثل هذا العقاب في جلسة للكنيسة في 6 أغسطس 1786. وسيطر الإيمان بالاخرويات الكلفنية على عقول الجماهير فجعلت حرية الفكر خطراً على الحياة والأجساد؛ غير




صفحة رقم : 14172




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> الخلفية الإسكتلندية


أن لفيفاً من القساوسة "المعتدلين" يتزعمهم روبرت ولسن وآدم فرجسون ووليم روبرتسن خففوا من تعصب الشعب تخفيفاً كفى لترك ديفد هيوم يموت موتة طبيعية.
وربما كان الدين الصارم لازماً للتصدي لعربدة شعب تدفعه قسوة البرد إلى الشرب حتى يثمل، ويعاني من قسوة الفقر ما يجعل لذته الوحيدة في الجري وراء الجنس. وسيرة بيرنز دليل على أن الرجال كانوا يسكرون ويفسقون رغم الشيطان والقساوسة، وأن الفتيات الراغبات لم يكن نادرات وقد طرأ على القوم في الربع الأخير من القرن الثامن عشر اضمحلال ملحوظ في الإيمان وفي التمسك بالفضائل التقليدية. ولاحظ وليم كريتش وهو مصور إدنبري، أن يوم الأحد في سنة 1763 كان يوم تعبد ديني، ولكن في 1783 "لقي الحضور إلى الكنيسة إهمالاً شديداً، خصوصاً من الرجال"، وكانت الشوارع في الليل تضج بالشباب المنحل المشاغب "في سنة 1763 هناك خمسة مواخير أو ستة... وفي 1783 ازداد عدد المواخير عشرين ضعفاً، وازداد عدد نسوة المدينة أكثر من مائة ضعف. وابتلى كل حي في المدينة وضواحيها بأعداد غفيرة من الإناث اللاتي استسلمن للرذيلة"(11). وكانت لعبة الجولف تصرف الرجال عن الكنيسة إلى اللقاءات أيام الآحاد، أما في باقي أيام الأسبوع فالرجال والنساء يرقصون (وكان الرقص من قبل يعد خطيئة)، ويذهبون إلى المسارح (وكان الذهاب إليها لا يزال يعد خطيئة)، ويختلفون إلى سباقات الخيل، ويقامرون في الحانات والأندية.
وكانت الكنيسة أهم مصدر للديموقراطية والتعليم. فكان شعبها يختار شيوخها، وكان ينتظر من القسيس (الذي يختاره عادة راع أو نصير) أن يدير مدرسة في كل أبرشية. وكان الجوع للتعليم شديداً. وكانت جامعة سانت أندروز، من بين الجامعات الأربع، قد اضمحلت، ولكنها تزعم أنها تملك خير مكتبة في بريطانيا. وقد وجد جونسون جامعة أبردين مزدهرة في 1773. أما جامعة جلاسجو فضمت بين أساتذتها جوزف بلاك الفيزيائي، وتوماس ريد الفيلسوف، وآدم سمث الاقتصادي، فضلاً عن إيوائها لجيمس وات. وأحدث الجامعات الأربع هي جامعة إدنبرة، ولكنها كانت تضطرب بما أتت به حركة التنوير الاسكتلندية من إثارة.




صفحة رقم : 14173




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> التنوير الإسكتلندي



3- التنوير الإسكتلندي


لا يمكن أن يعلل تفجير العبقرية الذي أضاء إسكتلندة بين مبحث هيوم "في الطبيعة البشرية" (1739) وكتاب بوزيول "حياة جونسون" (1791) ألا بنمو تجارتها مع إنجلترا والعالم وتقدم الصناعة في إقليم السهول. ففي الفلسفة نبغ فرانسيس هتشيسن، وديفي هيوم، وآدم فيرجسن؛ وفي الاقتصاد آدم سمث؛ وفي الأدب جون هيوم(12)، وهنري هيوم (اللورد كيمس)، ووليم روبرتسن، وجيمس مكفرسن، وروبرت بيرنز، وجيمس بوزويل؛ وفي العلوم جوزف بلاك، وجيمس وات، ونيفل ماسكلين، وجيمس هاتن، واللورد مونبودو(13)؛ وفي الطب جون ووليم هنتر:(14)هؤلاء كوكبة تضارع النجوم التي سطعت في إنجلترا حول "الدب الأكبر" (جونسون)! وقد ألف هيوم وروبرتسن وغيرهما في إدنبرة "جمعية من الصفوة" للمناقشات الأسبوعية في الأفكار. واتصل هؤلاء الرجال وأشباههم بالفكر الفرنسي لا الإنجليزي، من جهة لأن فرنسا كانت منذ قرون مرتبطة بإسكتلندة، ومن جهة أخرى لأن الخصومة المستطيلة بين الإنجليز والاسكتلنديين عاقت اندماج الثقافتين. وكان هيوم سيئ الظن بالفكر الإنجليز في جيله، إلى أن صدر كتاب "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" في عام موته فرحب بصدوره شاكراً.
ولقد وفينا من قبل ديننا لهتشسن وهيوم(15). فلنلق الآن نظرة على عدو هيوم الكريم النفس، توماس ريد، الذي كافح ليرد الفلسفة من الميتافيزيقا المثالية إلى قبول واقع موضوعي. وقد ألف وهو يدرس في أبردين وجلاسجو كتابه "بحث في العقل البشري حول مبادئ الفطرة السليمة" (1764). وقبل أن ينشره أرسل المخطوطة إلى هيوم مشفوعة بخطاب مذهب يحتمل تحياته، ويشرح أسفه على اضطراره لمعارضة شكوكية صاحبه الأكبر سناً. ورد عليه هيوم بلطفه المعهود، وطلب إليه أن ينشر الكتاب دون خوف من ملامة(16).
وكان ريد قد سلم من قبل برأي باركلي القائل بأننا نعرف الأفكار فقط،




صفحة رقم : 14174




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> التنوير الإسكتلندي


ولا نعرف الأشياء أبداً. فلما أكد هيوم بمثل هذا الاستدلال أننا نعرف الحالات العقلية فقط، دون أن نعرف مطلقاً "عقلاً" ملحقاً بها، أحس ريد أن مثل هذا التحليل المثقل بالتفاصيل غير هامة يقوض كل تفرقة بين الصدق والكذب، وبين الحق والباطل، وكل لإيمان بالله أو الخلود. وذهب إلى أنه اضطر لتنفيذ آراء هيوم اتقاء هذه الكارثة، ولكي يفند آراء هيوم كان عليه أن يرفض باركلي.
وعليه فقد سخر من الفكرة القائلة بأننا لا نعرف غير أحاسيسنا وأفكارنا، فنحن على العكس من هذا نعرف الأشياء مباشرة وللتو، و "من الإسراف في الرهافة" فقط أن نخلل تجربتنا مع وردة مثلاً، فنردها إلى حزمة من الأحاسيس والأفكار، والحزمة حقيقية، ولكن الوردة أيضاً حقيقية، وهي تحتفظ ببقاء ثابت بعد أن تتوقف احساساتنا بها. والصفات الأولية-كالحجم والشكل والصلابة والنسيج والثقل والحركة والعدد-تنتمي بالطبع إلى العالم الموضوعي، ولا تتغير ذاتياً إلا بفعل الأوهام الذاتية، وحتى الصفات الثانوية لها مصدر موضوعي بقدر ما تنشأ الأحاسيس الذاتية عن الأصول الطبيعية أو الكيميائية في الشيء أو البيئة-الرائحة، أو الطعم أو الدفء، أو اللمعان، أو اللون، أو الصوت(17).
والإدراك الفطري السليم ينبئنا بهذا، غير أن "مبادئ الإدراك الفطري السليم ليست أهواء الجماهير الجاهلة، إنما هي المبادئ الغريزية" التي يرشدنا تكوين طبيعتنا (أي الإدراك الذي نشترك فيه كلنا) إلى الإيمان بها، والتي يتحتم علينا بالضرورة التسليم بها في الشئون المشتركة للحياة(18)، وبالقياس إلى هذا الإحساس العام الذي يختبر كل يوم ويؤكد ألف مرة، تكون استدلالات الميتافيزيقا الخيالية مجرد لعبة يلعبها المرء في وحدته التي يهرب فيها من العالم؛ بل أن هيوم نفسه، باعترافه، كان يلقي عنه هذه اللعبة العقلية إذا غادر حجرة مكتبه(19). ولكن هذا الرجوع إلى الحس المشترك يرد الواقع إلى العقل: فليست الأفكار وحدها هي الموجودة، فهناك كائن حي، وعقل، وذات، لها أفكار. واللغة نفسها شاهد على هذا الاعتقاد العام: فلكل لغة ضمير منفرد للمتكلم، فـ "أنا" هو الذي يشعر، ويتذكر،




صفحة رقم : 14175




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> التنوير الإسكتلندي


ويفكر، ويحب. "لقد بدا أن من الطبيعي جداً التفكير في أن "البحث في الطبيعة البشرية" احتاج إلى مؤلف يكتبه، ومؤلف في غاية الذكاء والبراعة، ولكن يقال لنا الآن أنه ليس إلا مجموعة من الأفكار اجتمعت معاً ورتبت نفسها بارتباطات وانجذابات معينة"(20).
وقرأ هيوم هذا كله بابتهاج وود، ولم يستطع أن يقبل نتائج ريد اللاهوتية، ولكنه احترم مزاجه المسيحي، ولعله أحس بالراحة في دخيلة نفسه حين عرف أن العالم الخارجي موجود على كل حال، برغم باركلي، وأن هيوم موجود برغم هيوم. كذلك استشعر الجمهور القارئ أيضاً الراحة، واشترى ثلاث طبعات من كتاب ريد "البحث" قبل موته. وكان بوزويل من بين سرى عنهم، فهو ينبئنا بأن كتاب ريد "هدأ عقل الذي أنتابه القلق الشديد من طول التفكير العويص بالأسلوب التجريدي الشكوكي"(21).
وأضاف الفن اللون إلى عصر النور الاسكتلندي. فالأخوة "آدم" الأربعة الذين تركوا بصمتهم على العمارة الإنجليزية، كانوا اسكتلنديين. وقد هاجر ألن رمزي (بن الشاعر ألن رمزي) إلى لندن (1752) بعد أن أخفق في نيل التقدير في وطنه إدنبرة، وبعد سنوات من الكدح عير "مصوراً عادياً" للملك، مما أثار حفيظة الفنانين الإنجليز. وقد رسم صورة حسنة لجورج الثالث(22)، وأحسن منها لزوجته(23). غير أن انخلاع ذراعه اليمنى أنهى احترافه للتصوير.
أما السر هنري ريبون فكان رينولز إسكتلندة. وكان بناً لرجل صناعة في ادنبره، علم نفسه التصوير بالزيت، ورسم أرملة وارثة بلغ من رضائها عن صورتها أنها تزوجته ومهرته بثروتها. وبعد أن درس عامين في إيطاليا عاد إلى إدنبرة (1787)، وسرعان ما تكاثر زبائنه فضاق وقته عن رسمها؛ رسم روبرتسن، وجون هيوم، ودوجالد ستيوارت، والتر سكوت، وأفضل صورة، صورة اللورد نيوتن-جسد هائل، ورأس ضخم، وشخصية من حديد امتزج بالبلسان. على النقيض نلحظ الجمال المتواضع الذي وجده ريبون في زوجته(24). وكان أحياناً ينافس رينولدز




صفحة رقم : 14176




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> التنوير الإسكتلندي


في تصوير الأطفال، كما نرى في لوحته "أطفال دراموند" المحفوظة بمتحف المتروبوليتان للفنون. وقد أنعم على ريبون بلقب الفروسية في 1822، ولكنه مات بعد عام بالغاً السابعة والستين.
ثم تفوق التنوير الاسكتلندي في مؤرخيه. فقد شارك آدم فيرجسن في تأسيس دراسة علم الاجتماع والسيكولوجية الاجتماعية بكتابه "مقال تاريخ المجتمع المدني" (1776) الذي طبع سبع مرات في حياته. والتاريخ-في رأيه-لا يعرف الإنسان إلا عائشاً في جماعات، فإن شئنا فهم هذا الإنسان وجب أن نراه مخلوقاً اجتماعياً ولكنه متنافس-مركب من عادات اجتماعية ورغبات فردانية. وتطور الخلق والتنظيم الاجتماعي كلاهما يحدده تفاعل هاتين النزعتين المتعارضتين، وندر أن تتأثر بأفكار الفلاسفة. والمنافسة الاقتصادية، والخصومات السياسية، وألوان التفرقة الاجتماعية، والحرب ذاتها-كل أولئك مركب في طبيعة البشر، وسيظل كذلك أبد، وهو يعمل بوجه عام على تقدم النوع الإنساني.
وكان فيرجسن في زمانه لا يقل شهرة عن آدم سمث، ولكن صديقهما وليم روبرتسن فاقهما شهرة. ونحن يذكر أمنية فيلاند التي تمناها لشيلر مؤرخاً، بأن "يرقى إلى مستر هيوم، وروبرتسن، وجبون"(25). وقد تساءل هوراس ولبول في 1756: "أيمكن أن يخطر لنا أننا نفتقد مؤلفين في التاريخ ما دام مستر هيوم ومستر روبرتسن أحياء؟.. أن كتابة روبرتسن تمتاز بأصفى ما قرأت أسلوباً وأعظمه نزاهة"(26). وكتب جبون في "مذكراته" يقول: "أن إنشاء الدكتور روبرتسن الذي بلغ الكمال، ولغته المشبوبة، ووقفاته المحكمة، أثرت في إلى حد التطلع الطموح إلى تأثر خطواته يوماً ما"(27)، وقال "أن الطرب يهزني كلما وجدت نفسي معدوداً ضمن ثالوث المؤرخين البريطانيين" مع هيوم وربورتسن(28). وقد عد هذين المؤرخين مع جويكارديني ومكيافللي أعظم المؤرخين المحدثين، ثم وصف روبرتسن في تاريخ لاحق بأنه "أول مؤرخي العصر الحاضر"(29).




صفحة رقم : 14177




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> التنوير الإسكتلندي


كان روبرتسن، مثل ريد، قسيساً وابن قسيس. عين راعياً لكنيسة جلادزموير وهو في الثانية والعشرين (1743) ثم أنتخب بعد عامين لعضوية الجمعية العامة للكنيسة الاسكتلندية. وأصبح فيها قائد المعتدلين، وقد حمى المهرطقين أمثال هيوم. وبعد ست سنوات من الجهد الشاق والدرس الدءوب للوثائق والمراجع، أصدر عام 1759 "تاريخاً لإسكتلندة في عهد الملكة ماري وجيمس السادس حتى ارتقائه عرش إنجلترا"، واختتم في تواضع حيث بدأ هيوم كتابه "تاريخ إنجلترا". وقد أبهج الكتاب إسكتلندة لتجنبه عبادة ماري ملكة الاسكتلنديين، وأبهج الإنجليز بأسلوبه-رغم أن جونسن أضحكه أن يجد بعض الألفاظ الثقيلة الجونسونية الطابع. وقد طبع الكتاب تسع طبعات في ثلاثة وخمسين عاماً.
على أن رائعة روبرتسن الكبرى كانت كتابه "تاريخ حكم الإمبراطور شارل الخامس" (1769) ذا المجلدات الثلاثة. وفي وسعنا الحكم على مدى السمعة التي حظي بها من الثمن الذي نقده عليه الناشرون وهو 4.500 جنيه بالقياس إلى 600 جنيه تلقاها عن تأليف تاريخ إسكتلندة. وقد أثنت أوربا على الكتاب الجديد في ترجماته المختلفة. وكانت كاترين الكبرى تحمله معها في رحلاتها الطويلة، وقد قالت "إنني لا أكف عن قراءته أبداً، خصوصاً المجلد الأول منه"(30)، وقد أبهجها كما يبهجنا كلنا ذلك التمهيد الطويل الذي استعرض التطورات الوسيطة التي انتهت بمجيء شارل الخامس. والكتاب تقادم نتيجة الأبحاث اللاحقة، ولكن ما من عرض لاحق للموضوع يمكن أن يباريه بوصفه أثراً أدبياً. ومن دواعي السرور أن نلاحظ أن الثناء الذي ظفر به الكتاب، والذي كان أعظم كثيراً من النفريط الذي ناله "تاريخ" هيوم، ولم يوهن ما كان بين القسيس والزنديق من صداقة وود.
وأشهر من الإثنين جيمس مكفرسن، الذي سوى جوته بينه وبين هومر، ورفعه نابليون فوق هومر(31)ففي 1760 أعلن مكفرسن الذي كان آنئذ في عامه الرابع والعشرين أن ملحمة على شيء من الطول والروعة تحويها مخطوطات غيلية متفرقة سيضطلع بجمعها وترجمتها إن أتيح له مدد من المال. وجمع المال فيرجسن وهيوبلير (وهو قسيس مشيخي مفوه




صفحة رقم : 14178




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> التنوير الإسكتلندي


من إدنبرة). وجاب مكفرسن واثنان من الدارسين الغيليين أرجاء المرتفعات الاسكتلندية وجزر الهيريد، وجمعوا المخطوطات القديمة، وفي 1762 نشر مكفرسن كتابه "فنجال، ملحمة قديمة في ستة أجزاء... ألفها أوسيان، بن فنجال، وترجمت عن اللغة الغيلية". وبعد عام نشر ملحمة أخرى، اسمها "تيمورا" زعم أنها من تأليف أوسيان، وفي 1765 نشر الملحمتين بعنوان "أعمال أوسيان".
أما أوسيان هذا فهو كما تزعم الأسطورة (الإيرلندية والأسكتلندية) الابن الشاعر للمحارب فن ماكومهيل(32)، ويروون أنه عمر ثلاثمائة سنة، وامتد به الأجل حتى أعرب عن معارضته الوثنية للاهوت الجديد المجلوب إلى إيرلندة على يد القديس باتريك. وبعض القصائد المنسوبة له احتفظ بها في ثلاثة مخطوطات من القرن الخامس عشر، خصوصاً في "كتاب لزمور" الذي جمعه جيمس ماكريجور في 1512، وكان مكفرسن يملك هذه المخطوطات(33). وقد روى فنجال كيف دعا المقاتل الشاب، بعد أن هزم غزاة إيرلندة الأسكتلنديين، هؤلاء الغزاة إلى مأدبة ونشيد سلام. والقصة مروية رواية تنبض بالحياة، يدفئها تغزل الاسكتلنديين في الفتيات الإيرلنديات. ويقول أحد المقاتلين لمورنا ابنة الملك كورماك ما أشبهك بالثلج فوق المرج. أن شعرك كضباب كروملا حين يتجعد فوق الربى، حين يتألق لشعاع الغرب! ونهداك صخرتان ناعمتان تريان من "برانو" ذي الجداول، وذراعاك كعمودين ناصعي البياض في أبهاء فنجال العظيم"(34). ثم نلتقي بنهود أخرى، أقل تحجراً: "نهد أبيض" و" نهد نافر" و "نهد ممتلئ"(35)، وهي تلهي القارئ قليلاً، ولكن القصة لا تلبث أن تنصرف عن الحب إلى أحقاد الحرب.
وأثار "أوسيان" مكفرسن ضجة في إسكتلندة، وإنجلترا، وفرنسا، وألمانيا. فرحب به الاسكتلنديين صفحة من ماضيهم الوسيط البطولي، وكانت إنجلترا مهيأة لتقبل رومانس الأسطورة الغيلية وهي التي كانت في 1765 ترحب بكتاب يرسي "مخلفات من الشعر الإنجليزي القديم". أما جوته فقد أرانا في ختما "آلام فرتر" (1774) بطله يقرأ للوتى ست




صفحة رقم : 14179




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> التنوير الإسكتلندي


صفحات من أوسيان. وكانت تحوي قصة دورا العذراء الرقيقة يرويها أبوها أومين: كيف أغرتها "الأرض" الشريرة واقتادتها إلى صخرة في البحر بوعدها بأن حبيبها أرمار سيلقاها هناك، وكيف تركتها الأرض على الصخرة، وما من حبيب أتى. "فرفعت صوتها، ونادت على أخيها وأبيها: ارندال! أرمين!" وجدف ارندال لينقذها، ولكن سهماً أطلقه عدو مختبئ فتك به، وجاء حبيبها أرمار إلى الشاطئ، وحاول أن يسبح إلى دورا، "ولكن ريحاً عاصفة من التل طغت فجأة على الأمواج، فغاص في اليم، ولم يطف بعدها". أما الأب الذي كان أعجز وأضعف من أن يخف لنجدتها فأخذ يصرخ مرتعباً يائساً:
على الصخرة التي يلطمها اليم سمعنا ابنتي تستغيث وهي وحيدة. وكانت صرختها مترددة عالية فما الذي في وسع أبيها أن يفعله؟ لقد وقفت على الشاطئ الليل كله وأبصرتها على ضوء القمر الكليل... وكان للريح ضجيج والمطر ينهمر وابلاً على التل. وقبل أن ينبلج الصبح كان صوتها قد خفت، ثم تلاشى كأنه نسيم المساء بين عشب الصخور. وقد قضت كمداً وحزناً.
"لقد ضاعت قوتي في الحرب، وسقطت كبريائي بين النساء، وحين تهب العاصفة العاتية، وحين ترفع ريح الشمال الموج عالياً أجلس إلى الشاطئ الصاخب وأنظر إلى الصخرة القاتلة. وكثيراً ما أرى أشباح أطفالي على ضوء القمر الغارب... أما يتكلم أحدكم رحمة بي!"(36).
ولم يلبث أن ثار جدل حول الملحمة: فهل "أوسيان" حقاً ترجمة الملاحم الغيلية العتيقة، أم أنه سلسلة من القصائد نظمها مكفرسن ودسها على شاعر ربما لم يعش قط؟ لقد صدق دعوى مكفرسن هردر وجوته في ألمانيا، وديدرو في فرنسا، وهيوبلير ولورد كيمز في إسكتلندة. ولكن في 1775 أعلن صموئيل جونسن في كتابه "رحلة إلى جزائر إسكتلندة الغربية" بعد تحقيقات في الهبريد (1773) رأيه في القصائد الأوسيانية: "أعتقد أنها لم توجد قط في أي صورة إلا الصورة التي رأيناها عليها. فلم




صفحة رقم : 14180




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> التنوير الإسكتلندي


يستطع المحرر، أو المؤلف، إبراز الأصل قط، ولن يستطيع ذلك غيره كائناً من كان"(37). وكتب مكفرسن لجونسن يقول إن شيخوخة الرجل الإنجليزي وحدها هي التي تحميه من تحديه للمبارزة أو من ضربه "عقله". ورد جونسن "أرجو ألا تعوقني أبداً سفالة وشب عن كشف ما أعتقد أنه غش وزيف... لقد كان رأيي في كتابك أنه منقول، وما زال رأيي فيه كذلك.. أما غضبك فإني أتحداه"(38). وشارك هيوم وهوراس ولبول وغيرهما جونسن شكوكه. ولما طلب إلى مكفرسن أن يبرز الأصول التي زعم أنه ترجمها تباطأ، ولكنه ترك عند موته مخطوطات ملاحم غيلية، استعمل بعضها في وضع حبكة قصائده وتقرير طابعها. وقد أخذ عن هذه النصوص الكثير من العبارات والأسماء، ولكن الملحمتين كانتا من إنشائه.
على ان الغش لم يكن بالشدة أو الشناعة اللتين زعمهما جونسن: فلنسمه جوازاً شعرياً على نطاق واسع جداً. والملحمتان الشعريتان النثريتان، إذا أخذناهما في ذاتهما، تبرران بعض ما حظيتا به من إعجاب. فقد أعربتا عن جمال الطبيعة وأهوالها، وعن ضراوة الحقد، وعن لذة الحرب. وكان فيهما نزعة عاطفية مسرفة في الرقة، ولكنهما جمعتا إليها بعض السمو الذي أوحى به السر توماس مالوري قبل ذلك في قصيدته "موت آرثر" (1470). وقد صعدتا إلى قمة الشهرة على الموجة الرومانتيكية التي غمرت حركة التنوير.




صفحة رقم : 14181




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> آدم سمث



4- آدم سمث


كان آدم سمث بعد هيوم أعظم شخصية في التنوير الاسكتلندي. وقد مات أبوه قبل مولده (1723) بشهور، وكان مراقباً للجمارك في كركلدي. وكانت المغامرة الوحيدة تقريباً في حياة رجل الاقتصاد يوم خطفه الغجر وهو طفل في الثالثة ثم تركوه على جانب الطريق بعد أن طوردوا. وبعد أن تلقى آدم بعض التعليم المدرسي في كركلدي، واختلف إلى محاضرات هتشسن في جلاسجو، ذهب إلى أكسفورد (1740) حيث وجد المدرسين كسالى تافهين كما سيصفهم جبون في 1752. وعلم سمث نفسه بالإطلاع، ولكن سلطات الكلية صادرت النسخة التي اقتناها من مبحث هيوم في الطبيعة




صفحة رقم : 14182




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> آدم سمث


البشرية بحجة أن الكتاب لا يصلح إطلاقاً لشاب مسيحي. وكفته سنة واحدة مع أساتذة الكلية؛ وكان أكثر حباً لأمه، فعاد إلى كركلدي، وواصل استغراقه في القراءة. وفي 1748 انتقل إلى إدنبرة، حيث حاضر مستقلاً في الأدب والبيان. وقد أعجبت محاضرته بعض ذوي النفوذ، فعين في كرسي المنطق بجامعة جلاسجو (1751)، وأصبح بعد عام أستاذ الفلسفة الأخلاقية-التي شملت الأخلاق، والقانون، والاقتصاد السياسي. وفي 1759 نشر استنتاجاته الأخلاقية في كتابه "نظرية العواطف الأخلاقية"، الذي حكم الكل بأنه "أهم كتاب كتب في هذا الموضوع الشائق"(40)متجاهلاً في هذا الحكم أرسطو وسبينوزا.
وقد استخلص سمث أحكامنا الأخلاقية من ميلنا التلقائي لتخيل أنفسنا في نوقف الغير؛ فنحن بهذا نردد أصداء عواطفهم، وبهذا التعاطف، أو المشاركة الوجدانية، نحمل على الاستحسان أو الاستهجان(41). والحس الأخلاقي متأصل في غرائزنا الاجتماعية، أو في العادات العقلية التي نتخذها بوصفنا أفراداً في المجتمع، ولكنه لا يتعارض مع محبة الذات. وقمة التطور الأخلاقي للإنسان يبلغها حين يتعلم لأن يحكم على نفسه كما يحكم على الآخرين، "وأن يسوس نفسه طبقاً للمبادئ الموضوعية-مبادئ الإنصاف، والقانون الطبيعي، والحكمة، والعدالة"(42). والدين ليس المصدر ولا الركيزة لعواطفنا الأخلاقية، ولكن هذه العواطف تتأثر تأثراً قوياً بالإيمان بانبعاث الناموس الأخلاقي من إله في يده الثواب والعقاب(43).
وفي 1764 عين سمث-الذي بلغ الآن الحادية والأربعين-معلماً خاصاً ومرشداً يرافق الدوق بكليوتمش البالغ ثمانية عشر ربيعاً في سياحة في أوربا. وقد أتاح له الأجر الذي كان يتقاضاه في هذه المهمة-وهو 300 جنيه في العام-الاطمئنان والفراغ اللذان أعاناه على تأليف رائعته التي بدأ كتابتها خلال إقامته في تولوز ثمانية عشر شهراً. وقد زار فولتير في فرنيه، والتقى في باريس بهلفتيوس ودالمبير وكرتيه وطورجو. فلما عاد إلى إسكتلندة عام 1766 عاش السنوات العشر التالية قانعاً مع أمه في كركلدي عاكفا




صفحة رقم : 14183




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> آدم سمث


على تأليف كتابه. وظهر الكتاب واسمه "بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها" عام 1776. وقد رحب به هيوم في رسالة بعث بها إلى سمث ومات بعدها بقليل.
وكان هيوم نفسه في مقالاته قد أعان على تشكيل آراء سمث الاقتصادية والأخلاقية جميعاً. فقد سخر من "المذهب المركنتلي" الذي حبذ التعريفات الجمركية الحامية، والاحتكارات التجارية، وغيرها من الإجراءات الحكومية التي يراد بها ضمان زيادة الصادرات على الواردات، والاستكثار من المعادن النفيسة باعتبارها الثروة الأساسية للأمة. وقال هيوم أن هذه السياسة أشبه بالجهاد لمنع الماء من بلوغ مستواه الطبيعي، ثم عاد لتحرير الاقتصاد من "المعوقات التي لا يحصى عددها... والرسوم التي فرضها على التجارة جميع أمم أوربا وفاقتها كلها إنجلترا في هذا المضمار"(44). وكان سمث بالطبع على بينة من الحملة التي شنها كرتيه وغيره من الفزيوقراطيين الفرنسيين على اللوائح والأنظمة المعوقة للصناعة والتجارة والتي فرضتها نقابات الطوائف الحرفية والحكومات، ومطالبتها بسياسة من عدم التدخل تترك الطبيعة تجري مجراها، وتجد فيها جميع الأسعار والأجور مستواها في منافسة حرة. وكانت الثورة الوليدة آنئذ في أمريكا على القيود التي فرضتها بريطانيا على تجارة المستعمرات جزءاً من خلفية تفكير سمث. ولو استرشدت الحكومة البريطانية بحرية التجارة التي أشار بها لكان من الجائز ألا يشهد عام صدور كتابة "إعلان الاستقلال" الأمريكي.
وكان لسمث آراء في النزاع بين بريطانيا وأمريكا. فعنده أن الاحتكار الإنجليزي لتجارة المستعمرات "من الذرائع الخبيثة التي يستخدمها النظام المركنتلي"(45). وقد اقترح إعطاء أمريكا استقلالها دون مزيد من النزاع ما دام المستعمرون يرفضون أن تجبى منهم الضرائب لدعم نفقات الإمبراطورية البريطانية "وبهذا الفراق، فراق الأصدقاء المتفاهمين، لن تلبث المودة الطبيعية التي بين المستعمرين ووطنهم الأم. أن تنتعش بسرعة، وقد تحملهم. على إيثارنا في الحرب كما يؤثروننا في التجارة، وبدلاً من أن يكونوا رعايا مزعجين مشاغبين يصبحون أوفى... وأكرم حلفاء لنا"(46). ثم أضاف

"لقد بلغ التقدم السريع الذي أحرزه ذلك البلد هذا المبلغ الكبير من الثروة والسكان والتحسين، بحيث قد لا ينقضي أكثر من قرن إلا قليلاً حتى يزيد ما تغله أمريكا من مال على حصيلة الضرائب البريطانية. وعندها ينقل مقر الإمبراطورية-بالطبع نفسه إلى ذلك الجزء من الإمبراطورية الذي ساهم بأكبر نصيب في الدفاع عن الكل وفي دعمه"(47).
وقد عرف سمث ثروة أمة من الأمم لا بأنها مقدار الذهب أو الفضة الذي تمتلكه، بل الأرض وتحسيناتها وغلاتها، والشعب وجهده وخدماته ومهاراته وسلعه. وكانت نظريته أن أكبر الثروات المادية تكون نتيجة لأكبر الحريات الاقتصادية، وهذا مع بعض الاستثناءات. وحب المنفعة الشخصية أمر عام بين جميع الناس، ولكننا لو سمحنا لهذا الدافع القوي بالعمل بأقصى حرية اقتصادية لحفز من النشاط والجرأة والمنافسة ما يثمر من الثروات أكثر من أي نظام آخر عرفه التاريخ، (وهذه الفكرة هي فحوى قصة مندفيل الخرافية على النحل(48). في شرح تفصيلي) وقد آمن سمث بأن قوانين السوق-خصوصاً قانون العرض والطلب-ستنسق بين حرية المنتج ومصلحة المستهلك؛ ذلك أنه لو حقق المنتج أرباحاً باهظة لدخل غيره الميدان نفسه، ولأبقى التنافس المتبادل بينهما الأسعار والأرباح في نطاق حدود معقولة. ثم أن المستهلك سيتمتع بضرب من الديموقراطية الاقتصادية. ذلك أنه بالشراء أو برفض الشراء سيقرر إلى حد كبير أي السلع تنتج، وأي الخدمات تقدم وبأي مقدار وثمن، بدلاً من أن تملي الحكومة كل هذه الأمور.
واتباعاً للفزيوقراطيين (ولكن مع الحكم بأن نواتج العمل وخدمات التجارة ثروة حقيقية كنتاج الأرض) دعا سمث لإنهاء الرسوم الإقطاعية، والقيود النقابية، واللوائح الاقتصادية الحكومية، والاحتكارات الصناعية أو التجارية، لأنها جميعاً تحد من تلك الحرية التي تتيح التحرك بعجلات الإنتاج والتوزيع، بسماحها للفرد بأن يعمل، وينفق، ويوفر، ويشتري، ويبيع كما يشاء. وعلى الحكومة أن تطلق حرية العمل دون تدخل منها، وأن تترك الطبيعة-أي نوازع الناس الفطرية-تعمل طليقة، وأن تسمح




صفحة رقم : 14184




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> آدم سمث


للفرد بأن يدبر أمره بنفسه، وأن يجد عن طريق التجربة والخطأ العمل الذي يستطيع أداءه، والمكان الذي يستطيع شغله، في الحياة الاقتصادية، وأن تدعه يغرق أو يعوم.
"إننا لو اتبعنا نظام الحرية الطبيعية هذا، لكان على الملك (أو الدولة) ثلاثة واجبات تتطلب الاهتمام بها"... أولها واجب حماية المجتمع من عنف وغزو جماعات مستقلة أخرى؛ وثانيها واجب حماية أسي عضو في المجتمع، جهد الاستطاعة، من ظلم وقهر كل عضو آخر فيه، أي واجب إرساء إدارة صارمة للعدالة؛ وثالثها واجب الإنفاق على الأشغال العامة والمؤسسات العامة التي لا يمكن إطلاقاً أن يكون من مصلحة أي فرد، أو أي نفر قليل من الأفراد، القيام بها أو الإنفاق عليها(49).
هنا نجد صيغة الحكومة الجفرسونية، والهيكل العام لدولة تتيح للرأسمالية الجديدة أن تنمو وتترعرع جداً.
على أن الصيغة كانت تنطوي على ثغرة. فما الرأي إذا كان منع الظلم يتضمن الالتزام بمنع استخدام الماكرين أو الأقوياء للسذج أو الضعفاء استخداماً غير إنساني؟ وقد أجاب سمث: أن ظلماً كهذا لا ينجم إلا عن الاحتكارات المقيدة للمنافسة أو التجارة، وقد وعدت مبادئه لإلغاء الاحتكارات. ويجب أن نعتمد في تنظيم الأجور على تنافس أرباب العمل على العمال، وتنافس العمال على الأعمال؛ وكل المحاولات التي تبذلها الحكومات لتنظيمها تحبطها قوانين السوق إن عاجلاً أو آجلاً. ومع أن العمل (لا الأرض كما أعتقد الفزيوقراطيين) هو المصدر الوحيد للثروة(50)، إلا أنه سلعة، شأنه شأن رأس المال، وهو خاضع لقوانين العرض والطلب. "كلما حاول القانون تنظيم أجور العمال، كان التنظيم دائماً بخفض هذه الأجور لا رفعها"(51)، وذلك لأنه "كلما حاولت الهيئة التشريعية تنظيم الفوارق بين السادة وعمالهم، كان مستشاروها دائماً هم السادة"(52). وهذا الكلام كتب في وقت كان فيه القانون الإنجليزي يجيز لأرباب العمل، ويحرم على العمال، تنظيم أنفسهم حماية لمصالحهم الاقتصادية. وقد ندد سمث بهذا التحيز من جانب القانون،




صفحة رقم : 14185




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> آدم سمث


وتوقع حصول العمال على أجور أفضل لا بالتنظيم الحكومي بل بالتنظيم العمالي(53).
وكان رائد الرأسمالية المزعوم هذا دائم الانحياز إلى العمال ضد أصحاب الأعمال. فحذر من مغبة ترك التجارة ورجال الصناعة يقررون سياسة الحكومة:
"أن مصلحة التجار... في أي فرع من فروع التجارة أو الصناعات هو دائماً مختلف من بعض الوجوه بل متعارض مع مصلحة الجمهور... واقترح أي قانون جديد، أو أي تنظيم للتجارة، يصدر عن هذه الطبقة ينبغي دائماً الاستماع إليه بغاية الحذر... فهو صادر عن طبقة من الناس... لهم بوجه عام مصلحة في أن يخدعوا الجمهور بل أن يبغوا عليه، وهم... في مناسبات كثيرة خدعوه وبغوا عليه أيضاً"(54).
أهذا آدم سمث أم كارل ماركس؟ غير أن سمث دافع عن الملكية الخاصة لأنها حافز لا غنى عنه للجرأة والمغامرة، وآمن بأن عدد الأعمال المتاحة، والأجور المدفوعة، سيتوقف أولاً وقبل كل شيء على تجميع رأس المال واستخدامه(55). ومع ذلك فقد دعا لرفع الأجور باعتبار هذا الرفع مجزياً لصاحب العمل والعامل على السواء(56)، وألح على إلغاء الرق على أساس أن "العمل الذي يؤديه الأحرار هو في النهاية أرخص من ذلك الذي يؤديه العبيد"(57).
وحين ننظر إلى سمث ذاته، في مظهره، وعاداته، وخلقه، نعجب كيف كتب رجل معزول على هذا النحو عن عمليات الزراعة والصناعة والتجارة في هذه الواقعية والبصيرة والجرأة. لقد كان شارد الذهن كنيوتن، قليل الاعتداد بالعرف والتقاليد، ومع أنه كان عادة مهذباً لطيفاً، فقد كان في وسعه أن يقابل جلافة صموئيل جونسن برد سريع من كلمات أربع تتشكك في شرعية نسب "الخان الأكبر". وبعد نشر كتابه "ثروة الأمم" قضى عامين في لندن حيث استمتع بالتعرف إلى جون ورينولدز وبيرك" وفي 1778 عين-رسول حرية التجارة هذا-




صفحة رقم : 14186




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> آدم سمث


رئيساً للجمارك المتحصلة من إسكتلندة. وبعدها عاش في إدنبرة مع أمه، وظل أعزباً إلى النهاية. وقد ماتت أمه في 1784، ولحق بها في 1790 بالغاً السابعة والستين.
وسر إنجازه الكبير ليس في أصالة تفكيره بقدر ما هو في التمكن من بياناته والتنسيق بينها، وفي غنى مادته التوضيحية، وفي التطبيق المنير للنظرية على الأحوال الجارية، وفي أسلوبه البسيط الواضح المقنع، وفي نظرته العريضة التي رفعت الاقتصاد من مرتبة "العلم الكئيب" إلى مستوى الفلسفة. وكان كتابه علامة عصر لأنه محص وفسر-ولم ينتج بالطبع-الحقائق والقوى التي أخذت تحول الإقطاعية والتجارية إلى الرأسمالية والمشروعات الحرة. وحين خفض بت الثاني الضريبة المفروضة على الشاي من 199% إلى 2slash1 12% وحاول عموماً أن يحقق للتجارة حرية أكبر، اعترف بدينه لكتاب "ثروة الأمم". ويخبرنا اللورد روزبري في حديثه عن حفلة عشاء حضرها بت، كيف أن الحاضرين على بكرة أبيهم قاموا وقوفاً حين دخل سمث وقال بت "سنظل واقفين حتى تجلس، لأننا جميعاً تلامذتك"(58). وقد تنبأ السر جيمس مري-بلتني بأن كتاب سمث "سيقنع الجيل الحاضر ويحكم الجيل القادم"(59).




صفحة رقم : 14187




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز



5- روبرت بيرنز


يقول أشعر شعراء إسكتلندة "إن دمي القديم الخسيس قد اندس إلي من أوغاد عاشوا منذ الطوفان"(60)ولكننا لن نتقصى نسبه لأبعد من وليم بيرنز، الذي لم يكن وغداً بل مزارعاً مستأجراً سريع الغضب شديد الاجتهاد. وفي 1757 تزوج آجنس براون، التي أهدته روبرت في 1759. وبعد ست سنوات استأجر وليم مزرعة مساحتها سبعون فداناً في ماونت أوليفانت، وهناك عاشت الأسرة المتكاثرة عيشة التقتير في بيت منعزل. وتلقى روبرت تعليمه في البيت واختلف إلى مدرسة للأبرشية، ولكنه اشتغل في المزرعة منذ بلوغه الثالثة عشرة. فلما ناهز الرابعة عشرة "أدخلتني صبية جميلة، لطيفة مرحة، في عاطفة حارة لذيذة أراها برغم خيبة الأمل المرة، والحكمة




صفحة رقم : 14188




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز


الثقيلة، والفلسفة الغارقة في الدرس، أروع المباهج البشرية"(61). وفي الخامسة عشرة التقى بـ "ملاك" ثان وسهر الليالي المحمومة مفكراً بها.. وقد استحضر أخوه إلى الذهن أن "تعلق روبرت بالنساء اشتد كثيراً، وكان دائماً ضحية حسناء تسترقه"(62).
وفي 1777 وفي نوبة من الشجاعة المستهترة، استأجر وليم بيرنز مزرعة لوخلي، ومساحتها 130 فداناً، وفي تاربولتن، التي تعاقد على أن يدفع فيها 130 جنيهاً في العام. وأصبح روبرت الذي بلغ الآن الثامنة عشرة، والذي كان أكبر أبناء سبعة، العامل الأول في المزرعة لأن وليم شاخ قبل الأوان بعد أن حطمه الكد الذي لا غناء فيه. وقد باعد بين الوالد والولد غلو الأول في البيورتانية، وانفتاح الآخر على ناموس أرحب. وتردد روبرت على مدرسة للرقص رغم منع أبيه له. قال الشاعر ذاكراً تلك الحقبة "ومن مثل التمرد ذاك شعر بضرب من الكراهية لي، وكان هذا في اعتقادي من أسباب ذلك الفسق الذي اتسمت به سنواتي المستقبلة"(63): وحين بلغ روبرت الرابعة والعشرين انضم إلى محفل ماسوني. وفي 1783 صودرت المزرعة للتخلف في دفع الإيجار. وكتل روبرت وأخوه جلبرت مواردهما الضئيلة ليستأجروا مزرعة مساحتها 118 فداناً نظير تسعين جنيهاً في العام، وراحا يكدحان فوقها أربع سنين ولا يصيبان منها غير سبعة جنيهات لكل منهما في العام لنفقاتهما الشخصية؛ وهناك عالا أبويهما وشقيقاتهما وأشقاءهما. ثم مات الأب بالسل في 1784.
وقرأ روبرت في ليالي الشتاء الطويلة الكثير من الكتب، ومنها تواريخ روبرتسن، وفلسفة هيوم، والفردوس المفقود. "أعطني روحاً كروح بطلي المفضل، شيطان ملتن"(64). فلما غاظته رقابة الكنيسة الاسكتلندية على الأخلاق لم يعز عليه أن ينبذ لاهوتها ويكتفي بإيمان غامض بالله والخلود. وقد سخر من أولئك "السنيين، الذين يؤمنون بيوحنا فوكس، "وخامره الظن بأن هؤلاء القساوسة كانوا فيما بين أيام الآحاد يأثمون خفية كما يأثم(65). وقد وصف في قصيدة "المهرجان المقدس" (التي تدور حول اجتماع للإنعاش الديني (سلسلة من الوعاظ يذمون الخطيئة ويهددون




صفحة رقم : 14189




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز


بالجحيم، بينما تنتظر المؤسسات في ثقة خارج الاجتماع زبائنهن من جمهور المصلين.
واشتد بغض بيرنز لرجال الدين حين أوفد أحدهم مندوباً عنه ليوبخه ويغرمه عقاباً على معاشرته لبتي باتن دون أن يكون زوجاً لها. ثم استحال البغض غضباً حين وبخ مجلس الكنيسة موكلين (1785) مالك أرضه اللطيف، جافن هاملتن، على تخلفه المتكرر عن صلوات الكنيسة. وكتب الشاعر الآن أقذع أهاجيه "صلاة القديس ولي" التي سخرت من فضيلة وليم فشر المرائية، وكان من شيوخ كنيسة موكلين. فصوره بيرنز يخاطب الله قائلاً:


إني أبارك وأحمد قدرتك التي لا ضريب لها،




إذ تركت الألوف في الليل،




لتأتي إلى هنا وأنا أمام ناظريك




طالباً عطاياك وأفضالك ناراً ونوراً ساطعاً




لهذا البيت كله...




رباه إنك عليم بأنني كنت البارحة مع مج...




لذلك أطلب عفوك مخلصاً...




أواه! لا تكن هذه الفعلة لطخة دائمة




تلوث شرفي،




ولن أرفع ساقاً خاطئة




فوقها مرة أخرى.




ثم لابد أن أعترف




بأنني كنت مع أبنة ليزي ثلاث مرات،




ولكني كنت يا ربي مخموراً في يوم الجمعة ذاك




حين دنوت منها،






صفحة رقم : 14190




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز




وإلا فما كان عبدك




ليجرؤ على إغوائها قط...




ثم أذكر رباه أن جافن هاملتن يهجر الكنيسة،




ويسكر ويحلف ويلعب الورق




ومع ذلك فقد كثرت حيله المحببة




للناس كبيرهم وصغيرهم،




وهو يسرق قلوب الناس




من القس الذي اصطفاه الله...




رب أدنه في يوم انتقامك،




رب ابتل من استخدموه




ولا تغض عنهم في مراحمك




ولا تستمع إلى صلاتهم!




ولكن لأجل شعبك أهلكهم




ولا تبق منهم أحداً.




ولكن أذكرني يا رب وكل ما أملك




بمراحم أرضية وسماوية،




حتى أضيء بالنعمة والثراء




ولا يبزني في ذلك أحد،




وليكن لك كل المجد




آمين، آمين!


ولم يجرؤ بيرنز على نشر هذه القصيدة فلم تصل إلى المطبعة إلا بعد موته بثلاث سنين.
وكان في غضون هذا يتيح للكنيسة الكثير من المبررات لتقريعه. فقد




صفحة رقم : 14191




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز


لقب نفسه "زانياً محترفاً"(66). وكانت كل عذراء جديدة تثير عواطفه: "كلو الفاتنة تطفو فوق الموجة اللؤلؤية"، وجين آرمر، وماري كامبل الهايلاندية، وبجي تشالمرز، و "كلارندا"، وجني كروكشانك، وجني الدالريه "مقبلة خلال الجاودار" و "الصغيرة الحلوة" دبورا ديفز، وآجنس فلمنج، وجني جافري، وبجي كندي الساكنة "نهير دون الجميل"، وجسي ليوارز، وجين لوريمر (كلوريس)، وماري موريسن، وآنا بارك، وآنا ويلي ستيوارت، وبجبي طومسن-وغيرهن(67). ولم يعوضه عن مشاق الحياة وخطوبها غير عيونهن المشرقة الضاحكة، وأيديهن الناعمة وصدورهن الناصعة مثل "الثلج المتساقط". وقد اعتذر عن تقلبه الجنسي بأن كل الأشياء في الطبيعة تتغير، فلم يكون الإنسان استثناء للقاعدة؟(68)ولكنه حذر النساء من الثقة بوعود الرجل(69). ونحن نعلم أنه أنجب خمسة أطفال من زوجته، وتسعة بغير زواج. وقال "إن لي عبقرية في الأبوة" وخيل إليه أنه لا شفاء له إلا أن يخصى(70). أما عن توبيخات القساوسة وقوانين إسكتلندة:


فلتتضافر الكنيسة والدولة لتنهياني




عن فعل ما لا ينبغي أن أفعل.




فلتذهب الكنيسة والدولة إلى الجحيم




أما أنا فذاهب إلى حبيبتي أنا(70).


فلما ولدت له بتي باتن طفلاً (22 مايو 1785) عرض أن يتزوجها، ولكن أبويها رفضا العرض. فانصرف عنها إلى جين آرمر وأعطاها تعهداً كتابياً بالزواج، ولم تلبث أن حملت. وفي 25 يونيو مثل أمام مجلس الكنيسة وأعترف بمسئوليته؛ ولكن أباها رفض أن يزوجها لفلاح في السابعة عشرة مثقل بطفل غير شرعي. وفي 9 يوليو تلقى بيرنز من مقعده في الكنيسة التوبيخ العلني في إتضاع. وفي 3 أغسطس ولدت جين توأمين. وفي 6 أغسطس قبل هو وجين التوبيخ أمام شعب الكنيسة و "أحلاّ من الفضيحة" وأقسم الأب ليستصدرن أمراً بالقبض على بيرنز؛ فاختبأ الشاعر وخطط أن يركب البحر




صفحة رقم : 14192




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز


إلى جامايكا. ولم ينفذ أمر القبض، وعاد روبرت إلى مزرعته. في ذلك الصيف ذاته وعد بأن يتزوج ماري كامبل وأن يصطحبها إلى أمريكا؛ ولكنها ماتت قبل أن يستطيعا تنفيذ الخطة؛ وقد أحيا بيرنز ذكراها في قصيدتيه "ماري الهايلاندية" و "إلى ماري التي في السماء"(72).
في ذلك العام الحافل بالإنتاج (1786) نشر في كلمارنوك أول دواوين شعره بالاكتتاب. وحذف من الديوان القصائد التي تسيء إلى الكنيسة أو أخلاقيات الشعب، وأبهج قراءه بلهجته الإسكتلندية وأوصافه لمشاهد الطبيعة المألوفة؛ وسرّ الفلاحين برفع دقائق حياتهم إلى مستوى الشعر المفهوم. ولعل شاعراً من الشعراء لم يعبر قط كما عبر عن هذا التعاطف مع الحيوانات التي تشارك في أعباء يوم الفلاح، أو "الخروف الأبله" الحائر وسط الثلج المنهمر، أو الفأر الذي أزاحه عن جحره المحراث القديم.


ولكنك يا جرذي لست الوحيد




الذي يثبت أن بعد النظر قد يكون باطلاً،




فكثيراً ما تخطئ أشد الفئران والناس أحكاماً.


ويكاد يبلغ مبلغ هذه الأبيات في جريها على الألسن مجرى الأمثال تلك التي تختم قصيدته المساه "إلى قملة عند رؤيتها أخرى على قبعة سيدة في الكنيسة":


ألا ليت قوة من القوى تهبنا أن




نرى أنفسنا كما يرانا الغير(73).


ولكي يضمن بيرنز الترحيب بديوانه الصغير توجه بقصيدة سماها "ليلة سبت الفلاح": قصور الفلاح يستريح بعد أسبوع من الكد الشديد؛ وزوجته وأطفاله يلتفون به كل يحكي قصة من قصص نهاره؛ وكبرى بناته تقدم لأبيها الخطيب الخجول في تردد وإحجام؛ ثم المشاركة السعيدة في الطعام البسيط؛ والأب يقرأ الكتاب المقدس على أسرته؛ ثم الصلاة الجماعية، وإلى هذه الصورة السارة أضاف بيرنز مناجاة وطنية لـ "إسكتلندة، أرضي ووطني الحبيب!" وبيع كل مطبوع من النسخ إلا ثلاثاً وعددها 612 في




صفحة رقم : 14193




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز


أربعة أسابيع، وبلغ صافي حصيلة بيرنز منها عشرين جنيهاً.
وكان قد فكر في أن يستخدم هذه الحصيلة ف يدفع أجر الرحلة إلى أمريكا ولكنه عدل وخصصها لفترة يقيمها في إدنبرة. فلما بلغها على الجواد استعار في نوفمبر 1786 اقتسم حجرة وسريراً مع فتى ريفي آخر. وكان يشغل الطابق الذي يعلوها بعض المومسات الصاخبات. وفتح له الأبواب نقاد إدنبرة الأدبيون، فكان معبود المجتمع المهذب طوال الموسم. ووصفه السر ولتر سكوت بهذه العبارات:
" كنت صبياً في الخامسة عشرة عام 1786-87 حين وفد بيرنز أول مرة إلى إدنبرة... ورأيته يوماً في بيت الأستاذ فيرجسون المحترم، حيث التقى نفر من السادة ذوي الشهرة الأدبية.. وكان شخصه قوياً عفياً، فيه جهامة ريفية بغير جلافة، عليه سيماء البساطة والصراحة الوقورين. وجهه ضخم والعين واسعة سوداء اللون... إذا تكلم... وكان في مجلسه من هؤلاء الرجال، وهم صفوة المثقفين في جيلهم ووطنهم، يعبر عن رأيه في قوة بالغة ولكن دون أدنى صلف"(75).
وقد وجد التشجيع على إصدار طبعة مزيدة من قصائده. ولكي يضيف إلى ديوانه الجديد مزيداً من المادة اعتزم أن يضمنه قصيدة من مطولاته اسمها "الشحاذون المرحون" لم يجرؤ من قبل على طبعها في ديوان كلمارنوك وقد وصفت القصيدة تجمعاً للمتشردين؛ والصعاليك، والمجرمين، والشعراء، والعابثين، والبغايا، والعجزة، والجنود المنبوذين، في خمارة نانسي بمدينة موكلين. ثم وضع بيرنز في أفواههم أصرح السير الذاتية وأمعنها في الخطيئة، واختتم هذا الخليط بكورس مخمور:


"ما أتفه الذين يحميهم القانون!




إن الحرية مأدبة فاخرة!




وقصور الملوك لم تبن إلا للجبناء.




وما شيدت الكنائس إلا مسرة لرعاتها(76)"


وهالت الدارس والواعظ هيو بلير فكرة نشر هذا الازدراء للفضائل




صفحة رقم : 14194




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز


فأذعن بيرنز، ونسي بعد ذلك به نظم هذه القصيدة،(77)وقد احتفظ بها أحد أصدقائه ثم رأت النور في 1799.


رقيقة على سبيل الوداع.




قبلة حارة واحدة ثم نفترق،




وداع واحد، ثم لا لقاء بعده!




لو لم نحب هذا الحب الرقيق،




ولو لم نحب هذا الحب الأعمى،




ولو لم نلتق ولو لم نفترق،




لما تحطم قلبانا قط(78).


ولكنها وجدت زوجها يعيش مع ساقية زنجية، فعادت إلى إدنبرة.
أما وقد عجز بيرنز عن إشباع عشقه لها، فقد التمس الصحبة والقصف في ناد محلي يسمى "المدافعون عن كروكلان"-رجال تعاهدوا على الدفاع عن مدينتهم. هناك كان الخمر والنساء هما الآلهة الحارسة"، والفسق السيد المتسلط. وقد جمع بيرنز لأجلهم الأغاني الإسكتلندية القديمة وأضاف إليها من عنده؛ ووجد بعضها طريقه إلى النشر سراً وغفلاً عن اسم الشاعر عام 1800 بعنوان "عرائس شعر كلدونيا المرحات". وقد قضى على ترحيب




صفحة رقم : 14195




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز


مجتمع إدنبرة ببيرنز سريعاً انتماؤه إلى هذا النادي، وازدراؤه السافر للفوارق الطبقية(79)، وإعرابه الصريح عن الآراء المتطرفة في الدين والسياسة.
ثم حاول الحصول على وظيفة جاب للضرائب. فلما صد عنها غير مرة، راض نفسه على المغامرة جديدة في الفلاحة. ففي فبراير سنة 1788 استأجر مزرعة إليسلاند، الواقعة على خمسة أميال من دمفريز، واثنى عشر من كريجنيتوك مدينة كارليل. وأقرض مالك المزرعة الشاعر 300 جنيه ليبني بئراً في المزرعة ويسيج الحقل بعد أن وصف التربة في غير مواربة بأنها "في أسوأ حالات الإنهاك"(80). واتفق على أن يدفع له بيرنز خمسين جنيهاً كل عام على امتداد ثلاث سنين، ثم سبعين. وولدت جين آرمز أثناء ذلك توأمين (3 مارس سنة 1788) لم يلبثا أن ماتا. وتزوجها بيرنز قبل 28 أبريل بقليل، وأقبلت بطفلها الوحيد الذي بقي لها من أطفالها الأربعة الذين ولدتهم له لتخدمه زوجة ومديرة لبيته في اليسلاند. وأنجبت له طفلاً آخر سماه بيرنز "رائعتي في ذلك النوع من الصناعة، لأني أرجو أن يكون "فام أو شانتر" إنجازي القياسي في الميدان السياسي"(81)وفي سنة 1790 توثقت علاقته بآنا بارك، الساقية في حانة دمفريز، وفي مارس سنة 1791 ولدت له طفلاً أخذته جين وربته مع أطفالها.(82)
وكانت الحياة شاقة في اليسلاند، ولكنه واصل قرض الشعر الرائع. وهناك أضاف مقطعين شهيرين لأغنية سكارى قديمة سماها "الأيام الخوالي" وظل بيرنز يكدح حتى انهارت قواه كما انهارت قوى أبيه من قبل. واغتبط جين عين (14 يوليو سنة 1788) مفتش إنتاج، يجوب البلاد ليعاير البراميل، ويفتش على أصحاب المطاعم، والشماعين، ويقدم تقاريره لمجلس إنتاج إدنبرة. ويبدو أنه أرضى المجلس رغم كثرة شجاره مع جون بارليكورن. وفي نوفمبر سنة 1791 باع مزرعته بربح، وانتقل مع جين والأطفال الثالثة إلى بيت في دمفريز.
وقد آذى شعور أهل مدينة الوقورين بتردده على الحانات، وعودته مراراً إلى جين الصابرة وهو ثمل بالخمر.(83)على أنه ظل شاعراً فحلاً،




صفحة رقم : 14196




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز


ففي تلك السنوات الخمس نظم هذه القصائد: يا ضفاف نهر دون الجميل ومروجه" و "إلى الإسكتلنديين الذين أريقت دماؤهم مع ولاس" و "حبيبتي أشبه بوردة حمراء". وقد تبادل الرسائل مع السيدة فرانسيس دنلوب، التي كان يزورها أحياناً وكان في عروقها آثار من دم ولاس، لأنه افتقد في زوجته الرفيق الفكري. وقد جاهدت هذه السيدة لترويض أخلاق بيرنز ولغته، ولم يكن ذلك دائماً لفائدة شعره. وكان أكثر تقديراً لأوراق البنكنوت من فئة الجنيهات الخمسة، التي كانت وافيه بها بين الحين والحين.(84)
وقد عرض وظيفته في تفتيش الإنتاج للخطر بآرائه المتطرفة. فأشار على جورج الثالث في خمسة عشر مقطعاً رائعاً أن يتخلص من وزرائه الفاسدين، ونصح أمير ويلز (ولي العهد) بأن يكف عن فجوره، وعن إسرافه في لعب القمار مع تشارلي (فوكس) "إن شاء أن يرث العرش(85). وفي خطاب أرسله لصحيفة إدنبرة "كورانت" صفق لإعلان الاستقلال الأمريكي. وفي سنة 1789 كان "نصيراً متحمساً للثورة الفرنسية. وفي سنة 1795 فجر لغماً على فوارق المراتب.


أبسبب الفقر الشريف




ينكس الفقير رأسه ويخزى؟




إنا لنمر بالعبد الجبان فلا نعبأ به،




وإنا نجرؤ على أن نكون فقراء رغم هذا كله!.






صفحة رقم : 14197




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز




ورغم أن كونا وكدحنا مجهولان مغموران.




أن المراتب ليست سوى خاتم الجنيه،




أما الإنسان فهو الذنب رغم هذا كله.




إن الرجل الشريف، وأن اشتد فقره




أمير القوم رغم هذا كله.




أترى ذلك الرجل الذي يلقبونه لورداً




والذي يختال في مشيته ويحدق في الناس




إنه ليس إلا غبياً أحمق رغم هذا




وإن انحنى المئات لأمره ونهيه




إذن لنصل ليأتي ذاك اليوم،




وهو آت لا ريب فيه رغم هذا كله،




يوم يحقق العقل والكفاءة الانتصار في كل الأرض قاطبة




إنه آت رغم هذا كله،




يوم يقف الرجل أما الرجل




إخواناً في بقاع الأرض.


وتوالت الشكاوي على مجلس الإنتاج تقول أن رجلاً متطرفاً كهذا ليس بالرجل الذي يصلح للتفتيش على الشماعين ومعايرة براميل الخمر، ولكن أعضاء المجلس صفحوا عنه لحبه لإسكتلندة وإشادته بها. وكانت الجنيهات التسعون التي أتته بها وظيفته لا تكاد تتيح له الخبز والكأس. وواصل تشرده الجنسي، وفي 1793 ولد له طفل من السيدة ماريا ريدل التي اعترفت بـ "قوة جاذبيتي التي لا تقاوم" وأضعف إدمانه الخمر عقله وكبرياءه أخر الأمر. فراح يرسل إلى أصدقائه خطابات الاستجداء على نحو ما كان يفعل موتسارت في هذا العقد ذاته.(86)ورددت الشائعات أنه مصاب بالزهري، وأنه عثر عليه ذات صباح قارس البرد في يناير 1796 ملقى وسط الثلوج وهو سكران.(87)وقد انتقدت هذه الشائعات باعتبارها هرطقة لا سند لها، ويشخص الأطباء الاسكتلنديين مرض بيرنز الأخير بأنه حمى روماتزمية آذت قلبه.(88)وقبل لأن يموت بثلاثة أيام كتب إلى حميه يقول "أرجوك بالله أن ترسل السيدة آرمر إلينا فوراً، فزوجتي تتوقع كل ساعة أن تلزم الفراش. رباه! أي موقف يمكن أن تقفه المرأة المسكينة وهي بغير صديق!.(89)ثم لزم فراشه ومات في 21 يوليو 1796. وبينما كانوا




صفحة رقم : 14198




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> روبرت بيرنز


يوارونه التراب ولدت زوجته ابناً. وجمع أصدقاؤه بعض المال للعناية بها، وقد عمرت إلى عام 1834 لأنها كانت صلبة العود قوية القلب.




صفحة رقم : 14199




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل



6- جيمس بوزويل




أ - الشبل


كان يجري في عروقه الدم الملكي. فأبوه ألكسندر بوزويل، سيد ضيعة أوخنلك في ايرشيز والقاضي بمحكمة إسكتلندة المدنية العليا، سليل لأيرل أران، وهو جد بعيد لجيمس الثاني ملك إسكتلندة. أما أمه فتحدرت من إيرل لفوكس الثالث، وكان جد اللورد دارنلي، الذي كان أبا جيمس السادس. وقد ولد جيمس بوزويل بإدنبرة في 29 أكتوبر 1740. وكان بوصفه أكبر أبناء ثلاثة الوريث لضيعة أوخنلك المتواضعة (وكان ينطقها آفليك)، ولكن بما أن أباه عمر حتى 1782، فقد كان عليه أن يظل غير قانع بما يجريه عليه اللورد من دخل. وأصيب أخوه جون في 1762 بأولى نوبات الجنون العديدة وكان بوزويل نفسه فريسة لنوبات من الوهم التمس الشفاء منها في غيبوبة الشراب ودفء أجساد النساء. وقد علمته أمه العقيدة




صفحة رقم : 14200




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل


الكلفنية المشيخية التي كانت تنبض بدفء تفردت به. وكتب في تاريخ لاحق يقول "لن أنسى ما حييت ساعات الخوف التعسة التي تحملتها في صباي نتيجة الأفكار الضيقة عن الدين، بينما كان عقلي يمزقه رعب جهنمي"(90). وكان طوال حياته كلها يتذبذب بين الإيمان والشك، وبين التقوى والانغماس في لذة الجنس. ولم يحقق قط أكثر من تكامل وقتي أو اطمئنان عابر.
وبعد أن تلقى الدروس في البيت فترة أرسل إلى جامعة إدنبرة، ثم إلى جلاسجو، حيث اختلف إلى محاضرات آدم سمث ودرس القانون. وفي جلاسجو التقى بالممثلين والممثلات وكان بعضهم كاثوليكياً. وبدا له أن مذهبهم أكثر من الكلفنية توافقاً مع الحياة المرحة، وأعجبته بوجه خاص عقيدة المطهر التي تسمح للخاطئ بالخلاص بعد بضع دهور من الحريق. فركب جيمس فجأة وانطلق إلى لندن (مارس 1760) وانضم إلى كنيسة روما.
وأرسل الأب المفزع إلى إيرل أجلنتن يناشده أن يرعى جيمس، وكان الرجل جاراً من جيرانه في إيرشير يسكن لندن. وقال لاليرال للشاب أنه ظل كاثوليكياً فلن يستطيع أبداً أن يمارس المحاماة، أو يدخل البرلمان، أو يرث أوخنلك. فنقل جيمس إلى إسكتلندة وكنيستها، وعاش تحت سقف أبيه وبصره، ولكن لما كان القاضي مشغولاً، فقد أفلح ابنه في أن يلتقط عدوى مرض سري"(91) وكانت أولى إصاباته الكثيرة بالمرض السري. وخاف الأب أن يبدد الفتى الطائش ميراث أوخنلك على اللهو والعربدة حين يرثها، فأقنعه لقاء راتب سنوي قدره مائة جنيه بأن يوقع وثيقة يكل بمقتضاها إدارة التركة مستقبلاً لأوصياء يعينهم بوزويل الأب.
وفي 29 أكتوبر 1761 بلغ جيمس سن الرشد، فضوعف راتبه السنوي. وفي مارس التالي حبلت منه بجي دويج، وفي يوليو جاز امتحان المحاماة. وفي أول نوفمبر 1762 انطلق إلى لندن بعد أن ترك لبجي عشرة جنيهات (وقد ولدت طفلها بعد بضعة أيام، ولكن بوزويل لم يره قط).




صفحة رقم : 14201




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل


واتخذ له في لندن غرفة مريحة في داوننج ستريت. ولم يأت الخامس والعشرون من نوفمبر حتى شعر أنه "تعس حقاً لافتقاره إلى النساء"(92)، ولكنه تذكر مرضه المعدي، ثم إن "أتعاب الجراحين في هذه المدينة باهظة"(93). وعلى ذلك تجلد لحياة العفة "حتى أعثر على فتاة مأمونة، أو تحبني امرأة من نساء المجتمع العصري"(94). وكان انطباعه عن لندن أنها تقدم كل لون من ألوان الغواني، "من السيدة الفخمة التي تتقاضى خمسين جنيهاً في الليلة إلى الحورية اللطيفة.... التي تسلم شخصها الجذاب لشرفك لقاء كوب من النبيذ وشلن واحد"(95). واتصل بـ "ممثلة مليحة" تدعى لويزة، بدا له أن تمنعها الطويل يشهد بنظافتها الصحية. وأخيراً أغراها، وحقق نشوة مخمسة، "وقد صرحت بأنني أعجوبة"(96). وبعد ثمانية أيام اكتشف أنه أصيب بالسيلان. وفي 27 فبراير شعر أنه شفي، وفي 25 مارس التقط مومساً من عرض الطريق و "باشرها وهو مدرع" (بكيس واق). وفي 27 مارس "سمعت صلاة في كنيسة سانت ونستن" وفي 31 مارس "تمشيت في هايديارك وأخذت أول بغي لقيتها"(97)وتسجل "يومية لندن" التي خلفها بوزويل أمثال هذه المغامرات خلال الشهور الأربعة التالية-في جسر وستمنستر، وفي حانة "هد تافرن" التي كان يرتادها شكسبير، وفي هايد بارك، وفي حانة على الستراند، وفي محاكم التمبل، وفي بيت الفتاة.
وهذا بالطبع ليس إلا جانباً واحداً في صورة رجل، وحشد هذه الأحداث المتفرقة في فقرة واحدة يعطي انطباعاً خاطئاً عن حياة بوزويل وخلقه. أما الجانب الأخر فهو "حبه الحار لعظماء الرجال"(98). وأول صيد له في هذا كان جاريك، الذي استطاب مدائح بوزويل وأحبه لتوه. ولكن جيمس كان يتطلع إلى الذرى الشامخة. وكان قد سمع في إدنبرة توماس شريدان يصف لوذعية صموئيل جونسن وحديثه الدسم. فقال لنفسه إن لقاء هذا القمة في حياة لندن الأدبية سيكون "ضرباً من المجد".
وأعانته الصدفة على ما ينشد. ففي 16 مايو 1763 كان بوزويل يشرب




صفحة رقم : 14202




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل


الشاي في مكتبة الكتبي توماس ديفز بشارع رسل، وإذا "رجل ذو مظهر رهيب جداً" يدخل المكتبة. وتبين بوزويل شخصه من لوحة كان قد رسمها رينولدز لجونسن. فرجا ديفز ألا يبوح بأن وطنه إسكتلندة، ولكن ديفز باح بالسر "في خبث" للفور. ولم يفت جونسن لأن يلاحظ أن إسكتلندة بلد طيب يقدم منه الإنسان. وجفل بوزويل. ثم شكا جونسن من أن جاريك ضن عليه بتذكرة مجانية للآنسة وليمز لتحضر تمثيلية معروضة، وتجاسر بوزويل على أن يقول "سيدي، لست أستطيع الاعتقاد بأن مستر جاريك يضن عليك بمثل هذا الشيء التافه." وهنا انقض جونسن عليه بقوله "سيدي، لقد عرفت ديفد جاريك زمناً أطول مما عرفته، ولست أرى لك حقاً في أن تكلمني في هذا الأمر". ولم يكن في هذا الجواب ما يبشر بصحبة مديدة. و "صعق" بوزويل و "أحس بالخزي"، ولكن بعد مزيد من الحديث "اقتنعت بأنه وإن كان في مسلكه خشونة، إلا أنه ليس في طبعه لؤم"(99).
وبعد ثمانية أيام، وبتشجيع من ديفز وبدعم من جرأته الصفيقة، قدم بوزويل نفسه لجونسن في شقته بالأنر تمبل، فاستقبله في تلطف أن لم يكن في ظرف كثير. وفي 25 يونيو تعشى الدب والشيل معاً بحانة الميتر في فليت ستريت "كنت فخوراً جداً بفكرة وجودي معه" وفي 22 يوليو "خصصت لنا-أنا ومستر جونسن-غرفة في مشرب تيركس هد" ثم كتب بوزويل في يوميته "بعد هذا سأكتفي بتسجيل الذكريات الخاصة بمستر جونسن، والجديرة بالتسجيل، كلما طفت في ذاكرتي"(100)وهكذا بدأت هذه السيرة الرائعة.
ولما رحل بوزويل إلى هولندا (6 أغسطس 1763) ليدرس القانون استجابة لإلحاح أبيه، كان انسجام الأستاذ وتلميذه عظيماً حتى لقد رافق جونسن ذو الثالثة والخمسين بوزويل ذا الاثنين والعشرين إلى هاروبتش ليودعه عند رحيله.




صفحة رقم : 14203




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل




ب - بوزويل خارج بريطانيا


واستقر به المقام في أترخت، حيث درس القانون، وتعلم الهولندية والفرنسية، وقرأ كل كتاب فولتير "في الأعراف" (كما يقول). وقد عانى أول الأمر من نوبة اكتئاب قاسية، ووبخ نفسه على كونه زير نساء حقيراً، وفكر في الانتحار. وألقى اللوم في فجوره الأخير على فقده إيمانه الديني. "كنت مرة كافراً"، وسلكت مسلك الكافرين؛ أما الآن فأنا جنتلمان مسيحي"(101). ووضع لنفسه "خطة محكمة" لإصلاح ذاته: فهو عازم على إعداد نفسه للقيام بواجبات اللورد الاسكتلندي" وعلى أن "يكون وفياً لكنيسة إنجلترا"، وأن يلتزم بالقانون الأخلاقي المسيحي "حذار من أن تتحدث عن نفسك" بل "إحترم نفسك... وستكون على العموم شخصية ممتازة"(102).
ثم استعاد اهتمامه بالحياة حين وحد قبولاً في بيوت سراة الهولنديين. فكان في زيه الآن "القرمز والذهب،... والجوارب الحريرية البيضاء، والخفان الجميلان... ومنديل برشلوني، وعلبة أنيقة لخلة الأسنان"(103)وعلق قلبه بإيزابيللا فان تويل، التي كان المعجبون بها يلقبونها "حسناء زويلن" و "زليدة" أيضاً، وقد نوهنا من قبل عنها واحدة من نساء كثيرات لامعات في هولندا ذلك الجيل. ولكنها عزفت عن الزواج، وأقنع بوزويل نفسه بأنه قد رفضها. ثم جرب حظه مع مدام جيلفنك، الأرملة الحسناء، ولكنه ألفاها "لذيذة حصناء"(104). وأخيراً "صممت على القيام برحلة إلى أمستردام واصطياد فتاة". فلما أن بلغها "ذهبت إلى ماخور... وآذى شعوري أن أجدني في مهاوي الفجور الوضيع" وفي الغد "ذهبت إلى كنيسة واستمعت إلى عظة حسنة... ثم تجولت مخترقاً المواخير الحقيرة في أزقة قذرة"(105). واستعاد "كرامة الطبيعة الإنسانية" حين تسلم من صديق خطاب تقديم إلى فولتير.
وكان قد وفى بوعده لأبيه بأنه سيدرس بجد في أوترخت؛ لذلك تلقى منه الإذن والمال للرحلة الكبرى المألوفة التي يتوج بها الجنتلمان الإنجليزي




صفحة رقم : 14204




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل


الشاب تعليمه. فودع زليدة، وبالطبع كان في عينه دموع الحب، وفي 18 يونيو 1764 عبر الحدود إلى ألمانيا. وظل قرابة عامين بعدها يراسلها ويبادلها الثناء والنقد. وكتب من برلين في 9 يوليو يقول:
"بما أننا قد رفعنا الكلفة فيما بيننا تماماً يا زليدة، فيجب علي أن أقول لك أن في قدراً من الغرور... يكفي لتخيلي أنك كنت حقاً تحبينني... وأن في من الأريحية ما يسمح لي بتجنب خديعتك... فلست أود الزواج منك لأكون ملكاً... فلا بد لزوجتي من أن تكون شخصية مناقضة تماماً لعزيزتي زليدة، إلا في الحب، والأمانة، ولطف الطبع"(106).
ولم تجب. فعاود الكتابة في 1 أكتوبر، مؤكداً لها أنها تحبه؛ ولك تجب. فعاود الكتابة مرة أخرى في 25 ديسمبر.
"أيتها الآنسة، أنني رجل متكبر، وسأظل كذلك أبداً. وينبغي أن تفخري بتعلقي بك. ولست أعلم إن كان ينبغي أن أكون فخوراً بالمثل بتعلقك بي. أن الرجال الذين يملكون قلوباً وعقولاً مثلي نادرون. أما المرأة الكثيرة المواهب فليست بهذه الندرة... وقد تستطيعين أن توافيني بتفسير لمسلكك معي"(107).
أما ردها فيستحق أن يفرد له مكان في تاريخ المرأة. قالت:
" تلقيت رسالتك بفرح وقرأتها بشعور العرفان... وكل تعبيرات الصداقة تلك، ولكل تلك الوعود بالود الأبدي وبالذكرى الرقيقة أبداً، والتي خلصت إليها (من كلامها السابق له)، يعترف بها قلبي ويجددها في هذه اللحظة... وقد واصلت تكرار القول... بأنني كنت عاشقة لك... وأنت تصر على أن أعترف بهذا. وقد صممت على أن تسمعني أقوله وأردده. وأنني لأجد هذا نزوة في غاية الغرابة من رجل لا يحبني ويراه لزاماً عليه (بدافع اللياقة) أن يقول لي هذا بأصرح العبارات وأقواها... وقد صدمني وأحزنني أن أجد، في صديق كنت أتصوره رجلاً صغير السن موفور التمييز، والغرور المراهق الذي يتصف به أحمق مأفون.




صفحة رقم : 14205




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل


"يا عزيزي بوزويل، لست مسئولة إطلاقاً عن أنه لم يحدث في أي لحظة أن اضطرم في صدرك حديثي أو لهجتي أو نظرتي. فإذا كان هذا قد حدث، فإنسه... ولكن لا تنسى ذكرى الأحاديث الكثيرة التي تبادلناها حين كان كلانا خلي البال كصاحبه: فكنت أنا مغتبطة جداً بتوهمي في غرور أنك متعلق بي، وكنت أنت سعيد بالمثل بأن تعدني صديقة-وكأن المرأة الكثيرة المواهب شيء نادر.. أقول احتفظ بهذه الذكرى، وثق بأن لك حناني، وتقديري، بل أقول واحترامي، على الدوام"(108).
وقد أدبت بوزويل هذه الرسالة تأديباً عابراً؛ فلزم الصمت عاماً. ثم كتب (16 يناير 1766) من مارس إلى زليدة يطلب يدها "ألا يكون مؤسفاً ألا يتحقق ارتباط سعيد كهذا؟"(109). ورد الوالد بأن زليدة تنظر في عرض آخر. وبعد عام أرسل إليها بوزويل عرضاً مباشراً. فأجابت، قرأت عبارات إعزازك المتأخرة بسرور، وبابتسامة. حسناً، إذن فقد أحببتني مرة"(110)-ثم رفضت عرضه.
وبينما كانت لعبة المراسلة هذه دائرة كان بوزويل قد جرب الكثير من الأقطار والنساء. ففي برلين شهد فردريك على ساحة العرض، ولكنه لم يره أقرب من ذلك. وصحب إلى فراشه بائعة شوكولاته حبلى بدت له مرفأ سليماً. وفي ليبزج التقى بجيلبرت وجوتشيد، وفي درسدن زار "قاعة الصور الفخمة التي قيل لي إنها ارفع مثيلاتها في أوربا"(111). ثم هبط إلى سويسرا بطريق فرانكفورت وماينز وكارلسروهي وستراسبورج. وقد رافقناه من قبل في زيارته لروسو وفولتير. وفي تلك الأيام المجيدة أخمدت هالة العبقرية وحمى الشهرة شهوة الشباب.
وفي أول يناير 1765 غادر جنيف ليعبر الألب. وأنفق تسعة شهور مبهجة في إيطاليا، ورأى كل مدينة كبيرة، وذاق طعم الأنثى في كل وقفه، وفي روما سعى للقاء فنكلمان، ولثم قدم البابا في خفها، وصلى في كاتدرائية القديس بطرس، والتقط عدوى مرضه المعضل من جديد. وارتقى فيزوف مع جون ولكس. وفي البندقية قاسم اللورد مونتستيوارت (بن ايرل بيوت)




صفحة رقم : 14206




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل


محظيته، وجدد إصابته بمرضه القديم. وخلال شهر قضاه في سيينا تودد إلى يورتسيا سانسدوني، خليلة صديقه مونتستيوارت، وحثها على ألا تسمح لأي عاطفة وفاء بأن تعترض كرمها، لأن "سيدي اللورد في فطرته ما لا يجعل الوفاء خلة يقدر على التحلي بها أو يتوقعها منك"(112).
على أن جانبه الأنبل تجلى في مأثرته التالية. فقد استقل مركباً من ليفورنو إلى كورسيكا (11 أكتوبر 1765). وكان باولي قد حرر الجزيرة من سلطان جنوده في 1757 وله ثماني سنوات في حكم الدولة الجديدة. والتقى به بوزويل في سوللاكارو، وقدم إليه رسالة تعريف من روسو. وقد ظن به التجسس أول الأمر "ولكني سمحت لنفسي بأن أطلعه على مذكرة كتبتها في المزايا التي تحققها بريطانيا العظمى من تحالف تبرمه مع كورسيكا"، وبعدها كان يتغذى بانتظام مع الجنرال(113). وقد دون الكثير من الملاحظات التي أفادها بعد ذلك في كتابه "وصف كورسيكا" (1768). وغادر الجزيرة في 20 نوفمبر، وسافر في محاذاة الرفيرا إلى مارسيليا. وهناك وافاه "قواد طويل القامة مهذب" بفتاة "أمينة، مأمونة، نزيهة"(114).
وفي أكس-أن-بروفانس بدأ يوافي "اللندن كرونكل" بفقرات أنباء تنشر في طبعات متلاحقة ابتداء من 7 يناير 1766، أعلمت الجمهور البريطاني بأن جيمس بوزويل يمد إنجلترا بمعلومات مباشرة عن كورسيكا فلما وصل إلى باريس (12 يناير) أتاه نبأ من أبيه بأن أمه ماتت. وقد تكفل بمصاحبة صديقة روسو، تريز لفاسير، إلى لندن؛ وقد أسلمت نفسها له في الطريق أن كان لنا أن نصدق روايته. وتلبث في لندن ثلاثة أسابيع. ورأى جونسن في مناسبات عدة، وأخيراً مثل أمام أبيه في إدنبرة (7 مارس 1766). وكانت فترة السنوات الثلاث والشهور الأربعة التي قضاها في الاستقلال والرحلة قد أعانت على إنضاجه. صحيح أنها لم تضعف من شهوته أو من غروره، ولكنه وسعت معارفه وأفقه، وأعطته اتزاناً وثقة بالنفس جديدين، وأصبح الآن يلقب "بوزويل الكورسيكي"، رجلاً تغدى مع باولي، عاكفاً على تأليف كتاب قد يدفع بإنجلترا إلى مديد العون إلى ذلك المحرر وجعل الجزيرة حصناً بريطانياً في بحر استراتيجي.




صفحة رقم : 14207




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل




جـ - بوزويل في وطنه


في 29 يوليو 1766 رخص له بالاشتغال بالمحاماة في إسكتلندة، وتركزت إقامته طوال السنين العشرين التالية في ادنبرة، وتخلل ذلك غزوات كثيرة للندن، وواحدة لدبلن. وربما أعانه منصب أبيه قاضياً، ولكن أعانته أيضاً سرعة بديهته في النقاش، فكثر زبائنه، و "ربح خمسة وتسعين جنيهاً" في أول شتاء ترافع فيه أمام المحاكم(115). وخالط السخاء المفرط تقديره لنفسه، فكان يدافع عن أفقر المجرمين، ويبدد بلاغته المنمقة على أشخاص إجرامهم واضح، ويخسر معظم قضاياه، وينفق كل أتعابه على الشراب، ذلك بأنه بعد تلك الشهور المشمسة التي قضاها في إيطاليا أحس بشتاء إسكتلندة يفري عظمه، ولم يبد أن هناك دواء لهذا البرد إلا الكحول.
ثم أنه واصل تشرده الجنسي. فاتخذ له خليلة تدعى المسز دورز، وإستكمالاً لخدماتها "كنت أنام الليل كله مع... فتاة من عرض الطريق" وسرعان ما "اكتشفت أني ابتليت بعدوى المرض"(116)وبعد ثلاثة أشهر، وفي دوار الخمر، "ذهبت إلى ماخور، وأنفقت ليلة كاملة بين ذراعي بغي... وكانت فتاة رائعة، قوية، مرحة، بغياً جديرة ببوزويل، إن كان لا بد لبوزويل من بغي"(117)وأصابته عدوى أخرى. وكان واضحاً أن الزواج هو السبيل الأوحد لإنقاذه من التدهور البدني والأخلاقي. فتودد إلى كاترين بلير، ولكنها رفضته. ثم وقع في غرام ماري آن بويد، وكانت صبية إيرلندية لها جسم إغريقي وأب غني. وتبعها إلى دبلن (مارس 1769)، وفقد غرامه في الطريق، وسكر، وألم ببغي إيرلندية، وأصيب مرة أخرى بمرض سري(118).
وفي فبراير 1768 دفع إلى المطبعة بمخطوط "تاريخ لكورسيكا، يوميات رحلة إلى تلك الجزيرة، ومذكرات باسكال باولي"، وأثارت خيال إنجلترا مناشدته بريطانيا لمد يد المعونة لباولي، وأعدت الرأي العام للموافقة على الإجراء الذي اتخذته الحكومة البريطانية بعد ذلك لإرسال السلاح والمؤن سراً إلى الكورسيكيين. وبيع من الكتاب عشرة آلاف نسخة في إنجلترا، وترجم




صفحة رقم : 14208




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل


إلى أربع لغات، وأكسب بوزويل من الصيت الذائع في القارة ما لم يظفر به جونسن. وفي 7 سبتمبر 1769 ظهر المؤلف في مهرجان شكسبير بستراتفورد مرتدياً زي زعيم قبيلة كورسيكي، وعلى قبعته كتبت عبارة "بوزويل الكورسيكي"، وكان هذا لحفلة رقص تنكرية، لذلك لم يكن يستحق تماماً ما لقي من هزء وسخرية.
وكانت ابنة خاله مرجريت مونجومري ثد صحبته إلى إيرلندة، واحتملت في وداعة مغازلاته وعربدته الإيرلندية. وكانت تكبره بسنتين، ولم يكن في مهرها البالغ 1000 جنيه ما يجعلها زوجة كفوءاً لوريث أوخنلك (كما أكد بوزويل الأب)، ولكن حين تأمل محبتها الصابرة لاح له أنها امرأة صالحة ستكون زوجة صالحة، ثم اشتهاره بالفسق والسكر حد مجال اختياره. وكان القاضي نفسه يفكر في الزواج، مما يضع زوجة الأب بين الوالد والولد، وقد يبدد شطراً من التركة. والتمس بوزويل من أبيه ألا يتزوج، ولكن الأب أصر، فتشاجرا، وفكر بوزويل في الذهاب إلى أمريكا، وفي 20 يوليو 1769 كتب إلى "بجي" مونجومري يعرض عليها الزواج والذهاب معه إلى أمريكا والعيش على جنيهاتها المائة في العام وعلى فائدة جنيهاتها الألف. وأنذرها بأنه عرضة لنوبات من الاكتئاب. وردها (22 يوليو) جدير بالتنويه:
"أنعمت التفكير، كما أردت، وأنا... أقبل شروطك... أن ج.ب. بجنيهاته المائة في العام هو في نظري غالي القيمة تماماً كما لو كنت أملك ضيعة أوخنلك... ولما كنت خلواً من الطمع، فإنني أوثر السعادة الحقة على مظهرها الفخم... فثق يا عزيزي جيمي أن لك صديقة على استعداد لبذل كل شيء في سبيلك، صديقة لم تشته قط الثروة إلا لتمنحها للرجل الذي ملك قلبها"(119).
وفي 19 نوفمبر تزوج الأب، وفي 25 نوفمبر تزوج الابن. وأقام الزوجان الشابان بيتاً خاصاً بهما، وفي 1771 استأجرا شقة من ديفيد هيوم. وكافح جيمس للإقلاع عن السكر، وجد في عمله محامياً، وسعد بالأطفال




صفحة رقم : 14209




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل


الذين ولدتهم له زوجته. ويبدو أنها صدت تودده الزوجي خلال الشهور الأخيرة من حملها المتكرر. ففي 27 أكتوبر 1772 ذهب إلى مومس بعد أن "أفرط في شرب النبيذ"(120). وقد التمس لنفسه العذر بحجة أن التسري أجازته التوراة. ثم عاد إلى الشراب، وأضاف إليه القمار. جاء في يومياته بتاريخ 5 أكتوبر 1774 "شربت حتى ثملت" وفي 3 نوفمبر "شرب كثيرون منا من الغداء حتى العاشرة ليلاً" وفي 4 نوفمبر "سكرت جداً... وقعت على الأرض بعد عنف كثير" وفي 8 نوفمبر "سكران مرة أخرى" وفي 9 نوفمبر "كنت مريضاً جداً، ولم أستطع مغادرة الفراش حتى الساعة الثانية تقريباً" وفي 24 نوفمبر: "كنت سكران جداً... مكثت أكثر من ساعة مع مومسين في مسكنها على سلم قذر ضيق في حي بو. ووجدت طريقي إلى بيتي حوالي الثانية عشرة. لقد سقطت"(121). وغفرت له زوجته، وبذلت له العناية في أمراضه.
وكان لشربه الخمر أسباب كثيرة: كثرة قضاياه الخاسرة في المحاماة، والعنت الذي لقيه في علاقته بأبيه، وخزيه من خيانته الزوجية وشعوره بأنه لم يحقق أحلام غروره، واشمئزازه من الحياة في إسكتلندة. وألف أن يهرب إلى لندن كل سنة تقريباً، ومن جهة ليترافع في قضايا له هناك، ومن جهة أخرى ليستمتع بحديث جونسن، ورينولدز، وجاريك، وبيرك. وفي 1773 سمح له بالانضمام إلى "النادي". وفي خريف ذلك العام جاب شوارع إدنبرة في فخر وإلى جواره الدكتور جونسن، توطئة لرحلتهما إلى جزر الهبريد.
وظل في رحلاته اللندنية هذه أول الأمر وفياً لزوجته، وكان يكتب إليها في شغف، ولكن ما وافى عام 1775 حتى كان استأنف إيثاره للعربدة الجنسية. وقد اشتد انشغاله بها حوالي نهاية مارس 1776 يقول "فلما نزلت إلى الشارع ركبتني شهوة الفسق، ففكرت في أن أخصص لها ليلة". ولكن التخصيص امتد عدة ليال. "فكرت في زوجتي الغالية بأعظم احترام وأحر محبة، ولكن ساورتني فكرة مشوشة بأن اتصالي الجسدي بالعاهرات لا يمس حبي لها بسوء"(122). ورده إلى رشده مرض سري جديد.




صفحة رقم : 14210




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> جيران إنجلترة -> جيمس بوزويل


وقد جرت عليه هذه المغامرات، وتبعيته لجونسن، تعليقات ملؤها الازدراء من رجال كهوراس ولبول، ونقداً لاذعاً (بعد موته) من ماكولي(123)، ولكنها لم تتركه بغير صديق. "إن اتصافي بالكفاءة وكثرة المعارف يجعل الناس مغرمين بكسب مودتي"(124)وكان أكثر اللنديين يوافقون بوزويل على أنه ليس لامرأة الحق في رجل بأكمله. وإذا كان رجال كجونسن ورينولدز قد أحبوه، وإذا كانت بيوت لندنية كثيرة قد فتحت له أبوابها، فلا بد أن كان يملك الكثير من السجايا المحببة. وقد عرف هؤلاء الرجال ذوو البصيرة الثاقبة أنه كان يتنقل من امرأة لأخرى، ومن فكرة لفكرة، تنقل المسافر المستعجل، يخدش سطوحاً كثيرة دون أن ينفذ إلى لباب الأشياء، ودون أن يشعر قط بالروح المرضوضة وراء لحم الضحية. وقد عرف هو أيضاً هذه الحقيقة فقال "أن لي في الحق عقلاً صغيراً مع كل كبريائي، وما أشبه بالوشي على الشاش"(125). "أن في أفكاري كلها نقصاً، وسطحية، ولست أفهم شيئاً بوضوح، وإلى القاع. فأنا ألتقط الشظايا، ولكني لست أملك في ذاكرتي كتلة كاملة ذات كبر أياً كان"(126).
ولكن تلك الشظايا وتلك الذاكرة، هي التي كفرت عنه، فقد عوض عن عيوبه بعبادته لذلك التفوق، الذي لم يستطع تحقيقه لنفسه، في الآخرين؛ بملازمتهم في تواضع، يتذكر كلماتهم وأفعالهم، وأخيراً، وببراعة عظيمة، بوصفها في ترتيب وفي ضوء ألفا صورة لا تباري لرجل ولعصر. وليت القناع لا يمزق عنا أبداً-عن أجسادنا وعقولنا، عن شهواتنا الدفينة وغرورنا الذي لا يني-مثل ما أمعن هذا الرجل، نصف التابع الخانع ونصف العبقري، في الكشف عن نفسه للأجيال القادمة.




صفحة رقم : 14211




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> الصحافة



الفصل الثاني والثلاثون




المسرح الأَدبي




1756-1789




1- الصحافة


كان في الخلفية جرائد، ومجلات، وناشرون، ومكتبات متنقلة، ومسارح، كلها تتكاثر في اندفاع، وتنقل صراعات الأحزاب والمواهب إلى جمهور لا يفتأ يتعاظم. وقد ولدت الآن عدة مجلات: "المجلة الأدبية"، و "مجلة النقد" في 1756، و "الدفتر العام" في 1760. وبدأت صحيفة جونسن "الرامبلر" (الجوال) في 1750، وكانت "مجلة الجنتلمان" التي أطعمت جونسن في سنوات كفاحه قد بدأت في 1731، وقدر لها أن تعمر حتى 1922. وضاعفت جرائد لندن عددها ومجموع توزيعها في هذه الفترة. وبدأت "المونيتر" (المرشد) في 1755، و "النورث بريتن" في 1761، والمورننج كرونكل في 1769، والمورننج هرلد في 1780، والديلي يونفيرسل رجستر في 1785، التي أصبحت التيمز في 1788. ووقعت صحيفة "الببلك أدفرتايزر" على منجم ذهب بنشرها رسائل جونيوس "فارتفع توزيعها من 47.500 إلى 84.000. وكانت معظم الصحف اليومية الأخرى تعيش على عدد ضئيل من القراء؛ من ذلك أن توزيع التيمز في 1795 لم يزد على 4.800. وكانت أكثر تواضعاً في الحجم منها في الكلام. فهي تصدر عادة في أربع صفحات، تفرد إحداها للإعلانات. وقد ظن جونسن في 1759 أن الإعلان في الصحف قد بلغ حده النهائي.




صفحة رقم : 14212




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> الصحافة


"لقد زادت الإعلانات الآن زيادة جعلتها تقرأ بإهمال شديد، فأصبح من الضروري لفت النظر بالوعود البراقة، وبالبلاغة التي تكون أحياناً رائعة وأحياناً مثيرة للشفقة. فتاجر سائل التجميل مثلاً ببيع غسولاً يزعم أنه يمنع البثور، ويزيل النمش، ويطري الجلد، ويربل اللحم... وقد بلغت حرفة الإعلان الآن من الكمال ما لا يسهل معه اقتراح أي تحسين عليها، ولكن بما أن كل فن ينبغي أن يمارس بالخضوع الواجب للصالح العام، فلست أملك إلا أن أطرح الأمر على هؤلاء المتحكمين في مسمع الشعب بوصفه سؤالاً أخلاقياً، وهو: ألا يتلاعبون أحياناً بعواطفنا تلاعباً فيه الكثير من العبث والاستهتار؟(1).
وظل الطباعون والكتابيون والناشرون مختلطين اختلاطاً كبيراً في حرفة واحدة. من ذلك أن روبرت ددسلي كان قد نشر أعمال بوب وتشسترفيلد، فطبع الآن لولبول وجولدسمث. وكان لتوماس ديفز مكتبة يقبل المشترون عليها، ويسمح فيها لهم بالتنقيب على مهل، وقد ألف جونسن وغيره الاختلاف إليها لتصفح الكتب و"البصبصة" لزوجة الرجل الجميلة "وظفر وليم ستراهان بالشهرة بنشره قاموس جونسن، وكتاب آدم سمث "ثروة الأمم"، وكتاب جبون "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها". وقد نشر الكتابان الأخيران في "سنة العجائب" 1776. وأسست أكسفورد مطبعة كلارندن في 1780. وكان الكتابيون ينقدون المؤلفين أجوراً طيبة عن الكتب الجيدة، ولكن كان في استطاعتهم استخدام الكتاب المأجورين لإعداد المقالات والمصنفات لقاء أجور حقيرة. ويقول كتبي في قصة هنري بروك "الأحمق الوجيه" (1766) "في استطاعتي تكليف أحد هؤلاء السادة... الذين أنفق على تعليم الواحد منهم من المال أكثر... مما يعول أسرة كريمة إلى آخر الدهر-أستطيع تكليف أحدهم بالكد كأنه حصان جر من الصباح إلى المساء لقاء أجر أقل مما أستأجر به... حمالاً أو ماسح أحذية ثلاث ساعات"(2). وتكاثر المؤلفون حتى تشبعت بهم السوق، واقتتلوا باستماتة في سبيل أجر ضئيل هزيل، وتهاجموا بأقلام تنفث السم الزعاف. وأضافت النساء إلى المنافسة: المسز آنا باربولد، وسارة




صفحة رقم : 14213




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> الصحافة


فليدجنج، والمسز أميليا أوباي، والمسز إليزابث انتشبولد، والمسز اليزابث مونتجيو، وفاني بيرني، وهانا مور. ودخل قسيس ريفي في المباراة وخرج منها بقصب السبق.




صفحة رقم : 14214




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> لورنس ستيرن



2- لورنس ستيرن


ولم يكن بالقسيس المطبوع، فأبوه جندي، وقد ظل عشر سنين يجر من الوظيفة إلى أخرى، وخلال هذه الفترة وبعدها التقط من العلم بالشئون العسكرية ما مكنه من أن يجعل "العم طوبي" يتكلم على الحصارات والحصون كلام قائد محنك. أما أمه فقد وصفها بعد ذلك بأنها "ابنة بدال فقير يتبع المعسكر في فلندر"(3). على أن جده الأعلى كان رئيس أساقفة يورك، وقد وفقت أسرة ستيرن في الحصول على منحة دراسية للورنس ألحقته بكمبردج. وهناك نال درجته الجامعية في 1737، ولكن نزيفاً رئوياً أصابه في 1736 أنذر بكفاح يخوضه مدى الحياة مع داء السل. ورسم قسيساً أنجليكانياً (1738)، وعين في أبرشية متواضعة في ساثون-ان-ذ فورست، قرب يورك. وفي 1741 تزوج إليزابث لملي، وأخذها لتعيش معه في بيته الخرب. وقد عهدت إليه بإيرادها السنوي البالغ أربعين جنيهاً، فاستثمر بعضه في أرض، ونما الإيراد.
وكانان فيما عدا هذا بائسين. فكلاهما مصاب بالسل، وكلاهما خلق من أعصاب. وسرعان ما خلصت المسز ستيرن إلى أن "أوسع بيت في إنجلترا لا يمكن أن يضمهما معاً لكثرة هياجهما ونزاعهما"(4). وقد وصفتها ابنة عمها المثقفة إليزابث مونتجيو بأنها قنفذ نكد شكس "لا يستطيع المرء أن يتفادى الشجار معها إلا بالابتعاد عنها"(5)ثم رزقا طفلين، مات أحدهما، أما الطفلة الثانية وهي ليديا فقد تعلقت بأمها تعلقاً واضحاً. وزادت تعاستهما حين جاءت إلى يورك أم ستيرن وأخته، وكانتا تعيشان في فقر في إيرلنده، والتمستا منه أن يعينهما بثمانية جنيهات في العام من دخل زوجته. ولم تثر الفكرة أي حماسة. وأعطى ستيرن أمه بعض المال ورجاها أن تعود إلى إيرلنده، ولكنها ظلت في يورك، فلما قبض عليها بتهمة التشرد رفض ستيرن أن يدفع كفالة للإفراج عنها.




صفحة رقم : 14215




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> لورنس ستيرن


وبعد ثمانية عشر عاماً من الزواج المضني أحس القسيس أن أي إنسان مسيحي حقاً سيسمح له بشيء من الزنا. وقد وقع في غرام كاترين فورمانتيل، وأقسم لها قائلاً "أحبك حب الجنون، وسأظل أحبك إلى الأبد"(6). واتهمته زوجته بالخيانة، فأنكر التهمة، وأشرفت هي على الجنون حتى عهد بها وبليديا إلى رعاية "طبيب لمجانين"، وواصل علاقته الغرامية.
وفي غمرة هذه الضجة كتب واحداً من أشهر الكتب في الأدب الإنجليزي. وقد رجاه أصدقاؤه الذي قرأوا طرفاً من مخطوطة الكتاب أن يحذف منه "التوريات النابية التي قد تكون مؤذية بحق، خصوصاً لصدورها من قسيس" فحذف نحو 150 صفحة وهو آسف. ثم أرسل الباقي إلى المطبعة غفلاً من اسمه، ونشر الكتاب في يناير 1760 بهذا العنوان، "حياة السيد تراسترام شاندي وآراؤه". وقد بقي في المجلدين من الفضائح والفكاهة الغريبة الطريفة ما جعلها الحدث الأدبي الهام لذلك العام في لندن. وتردد صدى هذه الضجة في فرنيه النائية، فقال فولتير "كتاب مستهتر جداً، وكتاب أصيل، إنهم مجنونون به في إنجلترا"(7). وقال هيوم "أنه خير ما كتب أي إنجليزي في هذه السنين الثلاثين رغم ما فيه من سوء"(8). وبيع مائتا نسخة من الكتاب في بحر يومين في يورك، حيث كان اسم المؤلف الحقيقي سراً مذاعاً وحيث تبين القراء الكثير من الأشخاص المحليين في شخوص القصة الكبار.
ومن العسير أن نصف الكتاب، إذ ليس له شكل أو موضوع، ولا رأس ولا ذيل. وعنوانه خدعة، لأن "السيد" الذي يروي القصة، والذي أزمعت أن تعرض "حياته وآراءه" لا يولد إلا في صفحة 209 من المجلد الرابع (من الطبعة الأصلية ذات المجلدات التسعة). ومادة القصة هي ما حدث، أو ما قيل، بينما كان يحبل به، وبينما كان ينمو على مهل في بطن أمه. والصفحة الأولى هي خير الصفحات.
"وددت لو أن أبي أو أمي، أو كليهما حقاً، إذ أنهما كانا معاً ملزمين بالأمر الواجب على السواء، أقول وددت لو أنهما فكرا فيما هما فاعلان حين أنجباني، فهل نظرا كما ينبغي أن ينظرا كم من الأمور يتوقف على




صفحة رقم : 14216




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> لورنس ستيرن


ما هما صانعان، وأن المسألة لا تتصل بإنجاب كائن عاقل فحسب، بل ربما اتخذ التكوين السليم لبدنه، ومزاج هذا البدن، ونبوغه وطبيعة ذهنه ذاتها، ربما اتخذت هذه كلها من الأمزجة والميول الغالية عليهما آنذاك،-ولو أنهما وزنا هذا كله وفكرا فيه كما ينبغي، ثم تصرفا طبقاً لهذا، لكنت يقيناً قد انبعثت إلى العالم شخصاً مختلفاً كل الاختلاف. قالت أمي "من فضلك يا عزيزي، ألم تنس أن تملأ المنبه؟"-وصاح أبي... "رباه! أهناك امرأة منذ خلق الله الدنيا تقاطع رجلاً بسؤال غبي كهذا؟".
ومن ذلك الحادث فصاعداً يتألف الكتاب من الاستطرادات. ذلك أن ستيرن لم يكن لديه حكاية يرويها، ومن باب أولى حكاية الغرام التي هي مدار أكثر القصص، إنما رغبته أن يسلي نفسه وقراءه بالحديث الهوائي عن كل شيء، ولكن دون نظام؛ فكان يثب حول مشكلات الحياة جليلها وحقيرها وثب جواد مرح لعوب في حقل. وبعد أن كتب أربعة وستين فصلاً خطر له أنه لم يكتب لكتابه مقدمة، فأدخل المقدمة عند تلك النقطة، وأتاح له هذا أن يسخر من نقاده. ووصف منهجه بأنه "أكثر المناهج تقوى، لأنني أبدأ بكتابة الجملة الأولى، ثم أتكل في مجيء الثانية على الإله القدير"(9)وعلى التداعي الطليق في الباقي. ومن قبله صنع رابليه ما يشبه هذا، وترك سرفانتس روزنانتي يقوده من حادث إلى حادث، وجاب رورث بيرتن العالم قبل تشريحه للاكتئاب، أما ستيرن فقد رفع توافه الأمور إلى مقام المنهج، وحرر جميع الروائيين من الحاجة إلى موضوع أو خطة.
ولقد أبهج طبقات بريطانيا ذات الفراغ أن ترى مقدار الضجة التي يمكن إثارتها حول لا شيء، وكيف أن في الإمكان تأليف كتاب بالإنجليزية الإنجلو-سكسونية في عصر جونسن. أما البريطانيون الأشداء فقد رحبوا بالطرافة المرحة التي وجدوها في قسيس يتحدث عن الجنس وانتفاخ البطن، والشق الذي في سروال العم طوبي. وفي مارس 1760 ذهب ستيرن إلى لندن ليرشف رحيق نجاحه، وأسعده أن يجد أن المجلدين قد نفدا، وأخذ




صفحة رقم : 14217




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> لورنس ستيرن


630 جنيهاً نظيرهما ونظير مجلدين آخرين قادمين. لا بل أن "مواعظ مستر يوريك" التي نشرت بعد "تراسترام" بأربعة أشهر حظيت ببيع سريع حين عرف أن يورك هو ستيرن. وأقبلت الدعوات على المؤلف من تشسترفيلد، ورينولدز، وروكنجهام، لا بل من الأسقف واربرتن، الذي فاجأه بخمسين جنيهاً إنجليزياً، وربما تفادياً من أن يزين الأسقف صفحة لاذعة الهجاء في مجلدات قادمة. واشترى ستيرن عربة وروجين من الخيل، وركبها في انتصار مرح عائداً إلى يورك، حيث وعظ في كنيستها الكبرى. ثم رقي إلى قسوسية أكثر ثراء في كوكسولد، على خمسة عشر ميلاً من يورك، فأخذ زوجته وابنته لتعيشا معه هناك، وهناك كتب المجلدين الثالث والرابع من "ترتسترام" في يسر غير معقول.
وفي ديسمبر من ذلك العام 1760 ذهب إلى لندن ليتابع طبع المجلدين. ووصل ترتسترام الآن إلى رحلة الولادة بالجفت، الأمر الذي شوه أنفه، وعليه انطلق المؤلف في حديث مستفيض عن فلسفة الأنوف بأسلوب أكثر العلماء تفقهاً. فقال أحد الثقات إن أنف الطفل تحدده نعومة الثدي الذي يرضعه أو صلابته: "فالأنف حين يغوص فيه... كما يغوص في قطعة زبد كبيرة يرتاح ويتغذى ويسمن وينتعش ويحيا"(10).
وبعد قضاء نصف عام في لندن عاد ستيرن إلى زوجته التي أخبرته أنها كانت أسعد حالاً بدونه. فأنطوى على مخطوطاته، وكتب المجلدين الخامس والسادس، وفي هذين كاد ترتستام ينسى، وشغل المسرح العم طوبي والجاويش تريم بذكرياتهما عن الحرب وقلاعهما اللعب. وفي نوفمبر 1761 انطلق القسيس مرة أخرى إلى لندن، وفي آخر يوم من العام شهد صدور المجلدين الخامس والسادس. وقد حظيا باستقبال حسن. وراح يغازل المسز إليزابث فيزي، إحدى النساء المثقفات، وأقسم ليضحين بآخر مزقة من قسوسيته لقاء لمسة من يدها الملائكية!(11)ثم أصيب بنزف رئوي، وهرب إلى جنوبي فرنسا. وتلبث في باريس زمناً كفى لحضوره بعض حفلات العشاء في "مجمع الملحدين" الذي تزعمه دولباخ، حيث استهوى ديدرو استهواء لم يفارقه. ولما سمع ستيرن أن زوجته مريضة، وأن ليديا مصابة




صفحة رقم : 14218




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> لورنس ستيرن


بالربو، دعاهما للحاق به في فرنسا. واستقر ثلاثتهما قرب تولوز (يوليو 1762).
وفي مارس 1764 ترك زوجته وابنته بموافقتهما وعاد إلى باريس ولندن وكوكسولد. وكتب الجزئين السابع والثامن من "ترتسترام"، وتسلم مقدماً أتعابهما، وأرسل جزءاً من الحصيلة لمسز ستيرن. وصدر الجزءان الجديدان في يوليو 1765، فلم يظفر إلا بثناء متضائل، ذلك أن النغمة الشانديه-الطوبية أخذت تضعف. وفي أكتوبر بدأ ستيرن رحلة في إيطاليا وفرنسا استغرقت ثمانية أشهر. وفي عودته للشمال انضم إلى أسرته في برجنديه، وطلبت الأسرة البقاء في فرنسا، فدفع نفقاتها وقفل إلى كوكسولد (يوليو 1766). وكتب الجزء التاسع فيما بين نوبات نزيفه، وذهب إلى لندن ليشهد مولده (يناير 1767)، واستمع بالضجة التي أثارها طوافه حول حافة الجنس في وصفه تودد العم طوبي لمسز ودمن. وكتب القراء المروعون إلى الصحف وإلى رئيس أساقفة يورك يطالبون بشلح هذا القسيس الفاجر وطرده، ولكنه رفض أن يفعل. وجمع ستيرن خلال ذلك اكتتابات بلغت جملتها 1.050 جنيهاً في كتاب موعود سماه "رحلة عاطفية" وأرسل مزيداً من المال لزوجته وتودد إلى إليزابث دراير.
وكانت زوجة موظف في شركة الهند الشرقية آنئذ (مارس 1767) معين في الهند. تزوجته وهي في الرابعة عشرة، وهو في الرابعة والثلاثين. وأرسل إليها ستيرن كتبه، واعتزم أن يتبعها بيده وقلبه. وظلا فترة يلتقيان كل يوم، ويتبادلان الرسائل الرقيقة. والرسائل العشر المسماة "رسائل إلى إليز" تفضح عن الغرام الحزين الأخير يضطرب في جوانح رجل يموت بالسل. "صحيح أنني في الخامسة والتسعين بنية"، وأنت لا تتجاوزين الخامسة والعشرين،... ولكن ما أفتقده صبي سأعوضه فكاهة ومرحاً. فما أحب سويفت حبيبته ستيلا، ولا سكارون حبيبته مانتنون، ولا وولر حبيبته ساكاريسا، كما سأحبك وأتغنى بك، يا زوجتي المختارة!"-ذلك أم "زوجتي لا يمكن أن تعيش طويلاً"(12). وبعد عشر دقائق من إرسال هذا الخطاب أصابه نزف شديد، وظل ينزف الدم حتى الرابعة صباحاً.




صفحة رقم : 14219




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> لورنس ستيرن


وفي أبريل 1767 أبحرت المسز دراير إلى الهند استجابة لدعوة زوجها. وظل ستيرن من 13 أبريل إلى 4 أغسطس يدون "يوميز لاليزا" وهي "مذكرات يومية بالمشاعر التعسة التي يحس بها شخص افترق عن سيدة يذوب شوقاً إلى لقائها". "إني أقبلك على أي شروط تعرضينها يا اليزا! سوف أكون... منصفاً جداً، وعطوفاً جداً نحوك، ولن أكون بعد اليوم مستأهلاً للتعاسة"(13). وفي يومية 21 أبريل: "نزفت اثنتي عشرة أوقية من الدم". وأخبره طبب أنه مصاب بالزهري، فاعترض قائلاً أن هذا "محال...، لأنني لم أباشر الجنس أياً كان إطلاقه-حتى مع زوجتي،... طوال هذه السنين الخمس عشرة". "وقال الطبيب: لن نتجادل في الأمر، ولكن لا بد لك من أخذ علاج بالزئبق"(14). وأيد أطباء آخرون هذا التشخيص، وأكد له أحدهم أن "لوثات الدم تظل كامنة عشرين عاماً". فأذعن مؤكداً عفته.
وما وافى شهر يونيو حتى تماثل للشفاء وعاد إلى كوكسولد. وبينما كان يكتب "الرحلة العاطفية" أصيب بمزيد من نوبات النزف، وأدرك أنه لن يمهل في الأجل طويلاً. فذهب إلى لندن، وشهد صدور كتيبه "فبراير 1768)، واستمتع لآخر مرة بمحبة أصدقائه التي لم تفتر. وكما لأن "ترتسترام" ذكر القراء برابليه، فكذلك عكس الكتاب الجديد التأثير المتصاعد لرتشاردسن وروسو. غير أن فضيلة سايرن كانت أقل مناعة من فضيلة رتشردسن، ودموعه أقل حرارة وإخلاصاً من دموع روسو. ولعل هذا الكتاب، وكتاب مكنزي "رجل الوجدان" (1771)، هما اللذان أذاعا كلمتي "عاطفة Sentiment" و "عاطفي Sentimental" في المجتمع الإنجليزي. وقال بايرون أن ستيرن "يؤثر البكاء على حمار ميت على التخفيف عن أم حية"(15).
وبينما كان ستيرن يستمتع بانتصاراته الأخيرة في لندن أصيب بنزلة برد تفاقمت حتى أصبحت التهاباً بليورياً. فكتب إلى سيدة تدعى المسز جيمس رسالة محزنة يطلب إليها أن ترعى ليديا إن توفيت زوجته. ووافته المنية في 18 مارس 1768، في فندق بأولد بوند ستريت دون لأن يكون إلى جواره صديق، غير متجاوز الثانية والأربعين. وكان فيه إثارة من المشعوذ، وقد




صفحة رقم : 14220




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> لورنس ستيرن


جعل من نفسه "مهرجاً للناظرين"، ولكن في استطاعتنا أن نفهم حساسيته للنساء، والتوتر الذي فرضه زواج تعس على رجل أوتي هذه الأحاسيس المرهفة والصنعة الرقيقة. لقد قاسى كثيراً، وأعطى كثيراً، وكتب كتاباً من أغرب الكتب في تاريخ الأدب قاطبة.




صفحة رقم : 14221




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> فاني بيرني



3- فاني بيرني


وقد نافست امرأة النجاح الذي أحرزه ف يميدان القصص منافسة قصيرة الأمد. ولدت في 1752 لأب يدعى تشارلز بيرني أصبح فيما بعد مؤرخاً للموسيقى. وقد ربيت على الموسيقى أكثر من الأدب، فكانت لا تعرف القراءة حتى بلغت الثامنة(16)، وما كان لأحد أن يحلم بأنها ستصبح كاتبة. وماتت أم فرانسس وهي في التاسعة. ولما كان أغلب الموسيقيين الذين يعزفون في لندن يختلفون إلى بيت أبيها ويجتذبون إليه شطراً كبيراً من صفوة المثقفين، فإن فاني اكتسبت تعليمها بالاستماع إلى الكلام والموسيقى. واكتمل نضجها ببطئ، وكانت خجولاً يعوزها الجمال، واستغرقت أربعين سنة لتعثر على زوج؛ وحين نشرت روايتها الشهيرة (يناير 1778) كانت في الخامسة والعشرين، وبلغ من خشيتها أن تغضب الرواية أباها أنها أخفت نسبتها لها. وأحدثت الرواية ضجة، واسمها "إفلينا، أو دخول شابة إلى العالم" وأثار إغفال اسم المؤلف فضول الناس، وأذاعت الشائعات أن كاتبتها فتاة في السابعة عشرة. أما جونسن الذي أثنت عليه المقدمة فقد امتدح الرواية وزكاها للدكتور بيرني. وشكت المسز تريل من فرط قصر الرواية. فلما علمت بالسر ذاع في طول لندن وعرضها، وأصبحت فاني شخصية بارزة في المجتمع، وقرأ الجميع كتابها، وكان "أبي العطوف الصادق المحبة سعيداً جداً بسعادتي"(17).
وسر فنها هذا الوصف-الذي أعانته ذاكرة متلبثة وخيال حي-للصورة التي تراءى بها المجتمع اللندني لفتاة يتيمة في السابعة عشرة رباها قسيس ريفي لا يمت بشبه قريب ولا بعيد للورنس ستيرن. وما من شك في أن فاني هي أيضاً قد انتشت بتمثيل جاريك، وشعرت كما كتبت إفلينا للوصي




صفحة رقم : 14222




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> فاني بيرني


عليها" يا له من أداء طبيعي! وما أشد حيوية أسلوبه! وأرشق حركاته! وما أعجب ما تضطرم به عيناه من نار ومعنى!... وحين رقص، أواه لكم حسدت كلارندا! كدت أتمنى أن أثب إلى خشبة المسرح وأشاركهما الرقص(18). أما لندن التي سئمت رذائلهما فأحست أنها تتطهر بتلك الريح القوية التي تهب عليها من هذه الصفحات الشابة.
وقد ماتت تلك القصة التي حظيت بصيت ذائع يوماً ما، ولكن اليومية التي دونتها فاني ما زالت جزءاً حياً من الأدب والتاريخ الإنجليزيين، لأنها تتيح لنا نظرة عن كثب لمشاهير القوم من جونسن وجورج الثالث إلى هيرشل ونابليون. وقد عينت الملكة شارلوت الآنسة بيرني أمينة على ملابسها (1786)، وكانت فاني تلبس جلالتها وتخلع عنها ملابسها طوال السنوات الخمس التالية. ولكن الحياة المتكلفة الضيقة التي عاشتها المؤلفة كادت تخنقها، وأخيراً أنقدها أصدقاؤها، ففي 1793، بعد أن ذوى شبابها، تزوجت مهاجراً فرنسياً مفلساً هو الجنرال داربليه. وقد عالته بمؤلفاتها ودخلها، وظلت عشر سنين تعيش معه في فرنسا بعيدة عن الأضواء يعزلها عن المجتمع عنف حروب الثورة وحروب نابليون. وفي 1814 سمح لها بأن تعود إلى إنجلترا وتنال بركة أبيها لآخر مرة قبل موته في الثامنة والثمانين. وقد عمرت هي نفسها لهذه السن، حتى أدركت عالماً مختلفاً كل الاختلاف، عالماً لم يدرك أن جين أوستن الذائعة الصيت (التي ماتت 1817) إنما استلهمت الروايات المنسية التي ألفتها سيدة منسية ظلت حية ترزق حتى سنة 1840.




صفحة رقم : 14223




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> هوراس ولبول



4- هوراس ولبول


قال "هذه الدنيا ملهاة لمن يفكرون، ومأساة لمن يشعرون"(19) لذلك تعلم أن يبتسم للحياة، بل أن يداعب نقرسه. وقد أرخ لجيله، ولكنه غسل يديه منه. كان ابناً لرئيس وزارة، ولكن السياسة لم تلذه. وكان يعشق النساء، من فاني بيرني إلى أرقى الغراندوقات، ولكنه أبى أن يكون له زوجة منهن، ولا خليلة (على قدر علمنا). درس الفلسفة ولكن كان رأيه




صفحة رقم : 14224




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> هوراس ولبول


في الفلاسفة أنهم لعنة القرن ومصدر إزعاجه. كاتبة وحيدة فقط أعجب بها إعحاباً بغير تحفظ لسلوكها المهذب وفنها الذي لا تكلف فيه-وتلك هي مدام دسفينييه، وهي وحدها التي حاول محاكاتها؛ وإذا كانت رسائله لم تظفر بفتنتها ورشاقتها ومرحها، فإنها غدت أكثر كثيراً من رسائلها تاريخاً يومياً حياً للعصر الذي كتبت فيه؛ ومع أنه سماها حوليات مستشفى المجاذيب(20)، فإنه كتبها بعناية، أملاً في أن يمنحه بعضها ركناً في ذاكرة الناس؛ ولا غرو، فحتى الفيلسوف الذي راض نفسه على الفناء يشق عليه الرضى بالنسيان.
وكان هوراشيو (وهو اسمه الذي عمد به في 1717) أصغر أبناء خمسة ولدوا للسر روبرت ولبول، رئيس الوزارة الشجاع الذي ضحى بسمعته لأنه آثر السلام على الحرب، ولكنه لم يكد يؤذيها بإيثاره الزنا على الاكتفاء بزوجة واحدة(21). ولعل المتقولين نسبوا هوراس حيناً لأب آخر انتقاماً لزوجته الأولى، وهو كار، لورد هرفي، أخو الرجل المخنث جون، لور هرفي الإكورثي-الذي اتهم السر روبرت بمحاولة إغواء الليدي هرفي(22). وفي هذه المسائل من التعقيد ما لا يسمح بإصدار الحكم عليها في الحاضر، وحسبنا أن نقول أن هوراس نشئ دون أن يرميه أقاربه بنسب منحرف. وقد عامله رئيس الوزراء بما يعامل به الرجل المشغول ولده من عدم المبالاة، أما أمه فقد "دللته" (كما يروى) بـ "ولع شديد"(23)وكان صبياً رائع الحسن، يلبس لباس الأمراء، ولكنه كان هشاً خجولاً، حساساً كأنه بنت. وحين ماتت أمه (1737) خشي كثيرون أن يموت الفتى ذو العشرين ربيعاً حزناً عليها. وسرى عنه السر روبرت بوظائف حكومية شريفة تفي بنفقات ولده على الثياب الفاخرة، والعيش الأنيق، ومجموعة التحف الغالية وأضمر هوراس الخصومة لأبيه إلى آخر حياته، ولكنه كان يدافع عن سياسته دائماً.
وحين بلغ العاشرة أرسل إلى إيتن حيث تعلم اللاتينية والفرنسية وصادق الشاعر جراي. وفي السابعة عشرة التحق بكنجز كولدج بكمبردج، وهناك تعلم الإيطالية وتشرب الربوبية من كونيرز مدلتن. وفي الثانية والعشرين




صفحة رقم : 14225




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> هوراس ولبول


انطلق مع جراي في رحلة يجوبان فيها إيطالية وفرنسا دون ان ينال درجة جامعية. وبعد أن طوفا قليلاً استقر خمسة عشر شهراً في فيلا بفلورنسة ضيفين على القائم بالأعمال البريطاني السر هوراس مان. ولم يلتق ولبول ومان بعدها قط، ولكنهما ظلا يتراسلان طوال الخمس والأربعين السنة التالية (1741-85). وفي ريدجو اميليا تشاجر جراي وولبول، لأن هوراس كان قد دفع كل نفقات إقامتهما، ولم يستطع الشاعر أن يغتفر مظاهر الاحترام الشديد التي كان يختص بها ابن الرجل الذي يحكم إنجلترا. ولام هوراس نفسه على هذا الوضع وهو يستحضر تلك الفترة "كنت صغيراً جداً، شديد الولع بملاهيّ... شديد الانتشاء بالتدليل، والغرور، وغطرسة منصبي.. بحيث تعذر علي الاهتمام والإحساس بمشاعر شخص حسبته أدنى مني مقاماً، شخص يخجلني أن أقول إنني كنت أعرف أنه مدين لي بفضل"(24). وافترقا، وكاد ولبول يموت من الندم أو من التهاب اللوزتين المتقيح، ورتب رحلة العودة لجراي. ثم تصالحا في 1745، وطبعت معظم قصائد جراي في مطبعة ولبول بستروزي هل. وجلس ولبول في هذه الفترة إلى الرسامة روزاليا كاربيرا لتصويره في لوحة جميلة بالباستيل.
وقبل أن يصل ولبون إلى إنجلترا (12 ديسمبر 1741) كان قد أنتخب عضواً في البرلمان. وهناك ألقى خطاباً متواضعاً لم يجد فتيلاً ضد المعارضة التي كانت جادة في إنهاء عهد وزارة أبيه الطويل الرخي. وظل يعاد انتخابه بانتظام حتى 1767 حين انسحب مختاراً من ميدان السياسة النشيطة. وكان بوجه عام يؤيد برنامج الهوجز التحرري: يقاوم توسيع السلطة الملكية، ويوصي بحل وسط مع ولكس، ويندد بالرق (1750) قبل أن يولد ولبرفورس بتسع سنين. وقد عارض في تحرير الكاثوليك الإنجليز سياسياً بحجة أن "البابويين والحرية نقيضان"(25). ورفض حجة الأمريكيين ضد قانون الدمغة(26)، ولكنه دافع عن مطالبة المستعمرات الأمريكية بالحرية، وتنبأ بأن أوج الحضارة القادم سيكون في أمريكا(27). وكتب (1786) يقول "من غير ميكيافللي يستطيع الزعم بأن لنا ظل حق في شبر من الأرض في الهند؟"(28)وقد أبغض الحرب، فلما أفلح الإخوان مونجولفييه في




صفحة رقم : 14226




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> هوراس ولبول


الطيران بالبالون لأول مرة (1783) تنبأ في فزع بانتشار الحرب إلى الجو وكتب يقول "أرجو ألا تكون هذه الشهب الميكانيكية غير لعب للعلماء أو العاطلين، وألا تحول إلى آلات تدمير للنوع الإنساني، كما هي الحال في كثير من الأحيان في تحسينات العلم أو كشوفه"(29).
ثم قرر أن ينفق وقته في الريف حين وجد نفسه في الأغلب الأعم يقف مع الجانب الخاسر. وعليه ففي 1747 استأجر خمسة أفدنة وبيتاً صغيراً قرب تويكنام. وبعد عامين اشترى هذا الملك، وحول البناء إلى الطراز القوطي الحديث-كما رأينا. وفي هذه القلعة التي طبعها بطابع القصر الوسيط جمع شتى التحف المتفردة فناً أو تاريخاً، وما لبث أن استحال بيته متحفاً يحتاج إلى قائمة بمحتوياته. ووضع في حجرة مطبعة، وطبع فيها أربعة وثلاثين كتاباً بما فيها كتبه طباعة أنيقة. وقد طلع على القراء-من ستروبري في أكثر الأحايين-بخطاباته الباقية إلى اليوم وعددها 3.601 وكان له مائة صديق، تشاجر معهم كلهم تقريباً، ثم تصالح، وكان لطيفاً بقدر ما سمح به مزاجه العصبي المرهف. وكان يخرج الخبز واللبن كل يوم للسناجيب التي تتودد إليه. وكان يرعى وظائفه الشرفية ويسعى للمزيد منها، ولكن حين فصل ابن خاله هنري كونواي من وظيفته اقترح ولبول أن يقتسم دخله معه.
وكان فيه ألف عيب، حشدها ماكولي بتفصيل كثير في مقال ذكي جائر. لقد كان ولبول مغروراً، نقياً، كتوماً، هوائياً، فخوراً بأجداده، مشمئزاً من أقاربه. وكانت فكاهته تنحو إلى الهجاء المقذع. وقد حمل إلى قبره، وفي التواريخ التي كتبها، احتقاره لكل الذين شاركوا في خلع أبيه. وكثيراً ما عنف في تحامله، كما نرى في أوصافه لليدي بومفريت(30) أو الليدي ماري ورتلي منتجيو(31). وقد نحا به جسده الهش إلى طبيعة تشبه طبيعة الهاوي السطحي. وإذا كان ديدرو، في عبارة سانت بوف المنيرة، أكثر الفرنسيين جميعاً ألمانية، فإن ولبون كان أكثر الإنجليز جميعاً فرنسية.
وكان صريحاً شجاعاً في الإعراب عن ميوله وآرائه غير المألوفة؛ ففرجل في رأيه مضجر، ومن باب أولى رتشاردسن وستيرن. وقال عن




صفحة رقم : 14227




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> هوراس ولبول


دانتي أنه "مثودي في مستشفى المجاذيب"(32) وتظاهر بأنه يحتقر كل المؤلفين، وأصر كما أصر كنجريف على أنه يكتب كما يكتب جنتلمان لمزاجه، لا كأديب أجير يعتمد على تسويق كلامه. ومن ثم نراه يكتب لهيوم قائلاً: "أنت تعلم أننا في إنجلترا نقرأ كتب المؤلفين ولكن ندر أن نعبأ بهم أو لعلنا لا نعبأ بهم إطلاقاً. ونحن نراهم قد نالوا جزاء كافياً إذا راجت كتبهم، ثم نتركهم بالطبع لكلياتهم وإنغمارهم، وبهذه الطريقة لا يزعجنا غرورهم وسلاطتهم... وأنني، وأن أحد المؤلفين، يجب أن أعترف بأن هذا المسلك كعقول جداً، لأننا في الحق قبيل لا نفع فيه إطلاقاً"(33).
ولكنه هو أيضاً. باعترافه-كان مؤلفاً، مغروراً مفرط الإنتاج. وإذ أحس الضجر في قلعته، فقد راح ينقب في الماضي كأنه يبغي الغوص بجذور عقله في أغنى طبقات تربته. فوضع "كتالوجاً بمؤلفي إنجلترا الملكيين والنبلاء" (1758)-فنبلهم يغتفر لهم اشتغالهم بالتأليف، ورجال من الطراز الأول مثل بيكون وكلارندن يمكن أن يكونوا أهلاً لأن يسلكوا في هذه الطائفة. وطبع ثلاثمائة نسخة وزع معظمها هدايا، وغامر درسلي بطبعة من ألفي نسخة، فبيعت بسرعة، وجاءت لوبول بشهرة لا بد أنها جعلته ينكس رأسه خجلاً. ثم ضاعف خزيه بخمسة مجلدات عن "نوادر عن التصوير في إنجلترا" (1762-71) وهي تصنيف شائق ظفر بتقريظ من جبون.
ثم ألف رواية غرامية تحت للعصر الوسيط كأنه يتخفف من هذه التآليف العلمية المجهدة، واسم الرواية "قلعة أوترانتو" (1764)، وقد أصبحت أما لألف قصة تروي عجائب وأحوالاً خارقة. وقد جمع بين الأسرار الغامضة والتاريخ في "الشكوك التاريخية حول حياة الملك رتشارد الثالث وملكه" فذهب كما ذهب آخرون بعده إلى أن رتشارد قد اخترت عليه الرواية المتواترة وشكسبير؛ وقد وصف هيوم وجبون حججه بأنها غير مقنعة، ولكن ولبول راح يرددها حتى مماته. ثم تحول إلى أحداث عرفها




صفحة رقم : 14228




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> هوراس ولبول


معرفة خبير، فكتب مذكرات عن حكمي جورج الثاني وجورج الثالث، وهي مذكرات منيرة ولكنها متحيزة، نظر فيها إلى جيله بمنظار أسود لأنه كان حبيس تغرضاته: "وزراء غادرون، وأدعياء للوطنية، وبرلمانات مسايرة، وملوك غير معصومين"(34). "أنني أرى وطني يسير إلى الخراب، وما من إنسان فيه من العقل ما يحمله على إنقاذه"(35) وقد كتب هذا الكلام عام 1768، حين كان شاتام قد خلق لتوه الإمبراطورية البريطانية. وبعد أربعة عشر عاماً، حين بدا أن الملك واللورد نورث سيد مرانها، خلص ولبول إلى هذه النتيجة "أننا منحطون انحطاطاً تاماً في كل ناحية، وهذا في ظني حال كل الدول المتهاوية"(36)وبعد جيل هزمت الجزيرة الصغيرة نابليون. وقد بدا النوع الإنساني كله لولبول معرض وحوش "فيه حيوانات قميئة، قصيرة الأجل... مضحكة"(37)ولم يجد في الدين أي عزاء. وقد أيد الكنيسة الرسمية لأنها تساند الحكومة التي تدفع له رواتبه الشرفية ولكنه لم يخف أنه ملحد(38)"بدأت أرى أن الحماقة مادة، ولا يمكن تدميرها. فإذا قضيت على شكلها، اتخذت شكلاً آخر"(39).
وظن في استطاعته العثور على شيء يحفزه في فرنسا (سبتمبر 1765). وفتحت له كل الأبواب، فرحبت به مدام دودفان بديلاً عن دالمبير. وكانت في الثامنة والستين، وولبول في الثامنة والأربعين، ولكن فارق السن اختفى حين التقت روحهما المتقاربتان في تبادل رقيق اليأس. وسرها أن تجد ولبول موافقاً على معظم ما قاله فولتير، ولكنه يود لو أحرق حياً ليمنعه من قوله، لأنه كان يرتعد فرقاً حين يفكر فيما يحيق بحكومات أوربا إذا انهارت المسيحية. وقد انتقص من قدر فولتير، ولكنه سخر من روسو. وهذه الرحلة إلى باريس هي التي كتب فيها الخطاب الذي زعم أن كتابه هو فردريك الأكبر، ويدعو روسو للذهاب إلى برلين والاستمتاع بالمزيد من الاضطهادات. "لقد انتشرت النسخ كأنها الحريق، وهأنذا أصبحت موضة سرت في المجتمع"(40) وقد خلف هيوم شخصية تتهافت عليها الصالونات. وتعلم أن يحب إثارة باريس المرحة القاسية، ولكن كان عزاء له أن يجد "الفرنسيين أحقر منا نحن (الإنجليز) عشر مرات"(41).




صفحة رقم : 14229




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> هوراس ولبول


وبعد أن عاد إلى وطنه (في أبريل 1766) بدأ تراسله الطويل مع مدام دودفان. وسنرى فيما بعد كيف أقلقه الخوف من أن تجعله محبتها له هزءاً، ومع ذلك فأغلب الظن أن رغبته في أن يراها من جديد هي التي حملته على العودة إلى باريس في 1767 و1769 و1771 و1775. وقد أنساه حبها عمره، غير أم موت جراي (30 يوليو 1771) ذكره بفنائه هو. ولكنه أدهش نفسه بأن عمر حتى 1797. ولم تكن له هموم مالية، فدخله في 1784 كان 8.000 جنيه (200.000 دولار؟) في السنة(42)، وفي 1796 ورث لقب اللورد أكسفورد. ولكن النقرس الذي أبتلى به منذ كان في الخامسة والعشرين ظل ينغص عليه عيشه إلى النهاية. ونقرأ أن كتلاً متجمعة من "الطباشير" كانت أحياناً تتفجر من أصابعه(43). وبات هزيلاً معوق الحركة في سنواته الأخيرة، وأقتضت حالته أن يحمله الخدم أحياناً من حجرة إلى حجرة، ولكنه واصل العمل والكتابة، وكان الزوار إذا ألموا به يعجبون لبريق الاهتمام في عينيه، وليقظة مجمالاته، ومرح حديثه، ونشاط ذهنه وصفائه. وكان كبار القوم يلمون به كل يوم تقريباً ليروا بيته المشهور ومجموعة تحفه المتنوعة، ومنهم هانا مور في 1786، والملكة شارلوت في 1795.
ولكن رحيله عن هذه الدنيا لم يكن في ستروبري هل، بل في بيته اللندني بميدان باركلي، وكان ذلك في 2 مارس 1797 في عامه الثمانين. ويبدو أنه كان نادماً على احتواء مذكراته ورسائله لكثير من الفقرات اللاذعة، لذلك أمر بأن تحبس مخطوطاته في صندوق لا يفتح "حتى يطالب بفتحه ايرل ولد جريف الأول عند بلوغه الخامسة والثلاثين"(44) وعليه لا تنشر المذكرات إلا في عام 1822 أو بعده، حين يكون كل الذين قد يتأذون منها قد فارقوا الحياة. وقد نشرت بعض الرسائل في 1778، ومزيد منها في 1818 و1820 و1840 و1857... وفي العالم القارئ للإنجليزية طولاً وعرضاً رجال ونساء قرأوا كل كلمة وردت في تلك الرسائل، وهم يقدرونها فيما يقدرون من أبهج ما خلفه القرن المنير من تراث.




صفحة رقم : 14230




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون



5- إدوارد جبون


كتب ولبول لأحد كبار المؤرخين، وهو روبرتسن، يقول "أن المؤرخين المجيدين أندر الكتاب أجمعين، ولا غرابة في هذا! فالأسلوب الجيد ليس بالأمر الشائع جداً، وأندر منه الإحاطة الدقيقة الشاملة بالحقائق، ولم تتوفر في جبون الشرط الأخير تماماً، ولكن هذا يقال أيضاً عن تاسيتوس، وهو وحده الذي يمكن أن يقف معه على قدم المساواة بين أساطين المؤرخين.


أ- إعداده


كتب جبون، أو بدأ كتابه، ست سير ذاتية، أدمجها منفذ وصيته الأدبي، وهو ايرل شفيلد الأول، وفي "مذكرات. (1796) جيدة الحبك، منقاة دون موجب، وتعرف أحياناً باسم "السيرة الذاتية". كذلك كان جبون يدون يومية، بدأها في 1761 وواصل تدوينها تحت عناوين مختلفة حتى 18 يناير 1763. وقد حكم العارفون على هذه المصادر الأولى لنشأته بأنها صحيحة إلى حد معقول، إلا فيما يتصل بنسبه.
وقد أنفق ثماني صفحات يفصل القول في كرم مجتده، وقد أخذه عنه النسابون القساة(46). فجده إدوارد جبون الأول كان أحد مديري شركة البحار الجنوبية الذين قبض عليهم بتهمة الانحراف بعد أن تفجرت تلك "الفقاعة" (1721). وصودرت كل ثروته التي قدرها بمبلغ 106.543 جنيه، فيما عدا 10.000 جنيه. ويروي لنا المؤرخ أن على هذه البقية الباقية "بنى صرح ثروة جديدة... لا تقل كثيراً عن الأولى"(47)ولم يكن موافقاً على زواج ابنه إدوارد الثاني، ومن ثم أوصى بمعظم ثروته لبنتيه كاترين وهستر وتزوجت بنت كاترين بإدوارد الثالث، الذي اشترى فيما بعد كرسياً في البرلمان لإدوارد جبون الثالث، أما هستر فأصبحت تابعة غنية من أتباع وليم لو(48)، وغاظت ابن أخيها ردحاً طويلاً بموتها البطيء. وقد تعلم إدوارد الثاني على يد لو، وأكمل تعليمه في مدرسة ونشستر وفي كمبردج، وتزوج




صفحة رقم : 14231




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


جوديت بورتن، ورزق منها سبعة أطفال، ولم يجز سن الطفولة منهم غير إدوارد الثالث.
وقد ولد في بتن بإقليم صري في 8 مايو 1737. وماتت أمه في 1747 بسبب حملها السبع، فانتقل الأب إلى ضيعة في الريف ببيتوريتن في هامبشير، على ثمانية وخمسين ميلاً من لندن، تاركاً الصبي في رعاية خاله ببيت جده في بتني. وهناك أكثر دارس المستقبل الانتفاع بالمكتبة الحافلة بالكتب. وقد قطعت أمراضه المتكررة تقدمه في مدرسة ونشستر، ولكنه كان يشغل أيام نقاهته بالقراءة النهمة وأكثرها في التاريخ، خصوصاً تاريخ الشرق الأدنى "ولم يلبث محمد (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون أن استرعوا انتباهي.. وأسلمني كتاب إلى كتاب حتى طفت بكل تاريخ الشرق. وقبل أن أبلغ السادسة عشرة كنت قد أتيت على كل ما كتب بالإنجليزية عن العرب والفرس، والتتار والترك"(49). ومن هنا هذه الفصول الرائعة عن محمد (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين، والاستيلاء على القسطنطينية.
يروي أنه حين أرسل إلى كلية مجدلين بأكسفورد وهو في الخامسة عشرة "وصلت إليها بذخيرة من المعرفة الواسعة قد تحير فقيهاً، وبدرجة من الجهل يندى لها جبين تلميذ" وكان فيه من الهزال ما يمنعه من الانخراط في الألعاب الرياضية، ومن الحياء ما يصده عن الاختلاط الطبيعي بغيره من الطلاب. وكان من الجائز أن يكون تلميذاً نابغة لو قيض له معلم كفء: ولكنه على ما كان به من شغف بالتعليم افتقد الأستاذ الشغوف بالتعليم. وكان أكثر المعلمين يسمحون لتلاميذهم بحضور المحاضرات أو التخلف عنها، بإنفاق نصف وقتهم في "إغراءات باطلة"(50) ومن ثم أغضوا عن "انحرافاته السلوكية، والمعاشرات الرديئة، والسهر، والإنفاق الطائش"، وحتى الرحلات الترفيهية إلى باث أو لندن. على أنه "كان في من الحداثة والحياء ما يمنعني من الاستمتاع بحانات كوفنت جاردن ومواخيرها كما يستمتع بها الكثير من طلاب أكسفورد حين يلمون بلندن"(51).
وكان أساتذة الكلية كلهم من رجال الدين، يعلمون ويسلمون بمواد




صفحة رقم : 14232




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


الكنيسة الأنجليكانية التسع والثلاثين. وكان جبون ذا نزعة قتالية، كثير السؤال لمعلميه. ولاح له أن الكتاب المقدس والتاريخ يبرران الكنيسة الكاثوليكية في دعواها بالأصل الإلهي. وحصل له أحد معارفه على بعض الكتب المقلقة، وأهمها كتاب بوسويه "عرض للعقيدة الكاثوليكية وتاريخ المذاهب البروتستانتية"، هذه "حققت هدايتي، ولا شك أنني وقعت في يد نبيلة"(52). وباندفاع الشباب اعترف على كاهن كاثوليكي، وقبل عضواً في كنيسة روما (8 يونيو 1753).
وأحاط أباه علماً بالأمر، ولم يدهشه أنه دعا للعودة إلى وطنه، لأن أكسفورد لم تكن تقبل الكلاب الكاثوليك، وكان دخول بروتستانتي في المذهب الكاثوليكي الروماني- طبقاً لما يقول بلاكستون يعد "خيانة عظمى". وما أسرع ما نفى الأب المروع الفتى إلى لوزان، ورتب أن يقيم مع راع كلفني. هناك عاش إدوارد أولاً في حالة من العناد المتجهم. ولكن المسيو بافيار كان رجلاً عطوفاً وأن أعوزه التسامح الديني، فاستشعر الصبي المحبة له في بطئ. ثم أن الراعي كان دارساً كلاسيكياً قديراً. وتعلم جبون أن يقرأ الفرنسية ويكتبها بطلاقة الإنجليزية، واكتسب معرفة طيبة باللاتينية. ولم يلبث أن استقبلته الأسر المثقفة التي كانت طباعها وحديثها تعليماً يفضل ما لقنته أكسفورد من قبل.
فلما تحسنت فرنسيته أحس نسائم العقلانية الفرنسية تهب على لوزان. واختلف بابتهاج إلى التمثيليات التي قدمها فولتير في مونريون القريبة منه وهو بعد في العشرين (1757). "وكنت أحياناً أتعشى مع الممثلين"(53). والتقى بفولتير، وبدأ يقرأ فولتير، وقرأ كتاب فولتير الحديث "مقال في التاريخ العام" (مقال في الأعراف). وأكب على كتاب مونسكيو "روح القوانين" (1748) وأصبح كتاب "تأملات في أسباب عظمة الرومان وتدهورهم" (1734) نقطة الانطلاق لكتاب جبون "اضمحلال الدولة الرومانية وسقوطها". أياً كان الأمر، فإن تأثير الفلاسفة الفرنسيين، فضلاً عن قراءته لهيوم والربوبيين الإنجليز، قوضا مسيحية جبون وكاثوليكيته




صفحة رقم : 14233




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


على السواء، وأبطل قبول جبون للتنوير سراً الانتصار الذي أحرزه بافيار للإصلاح البروتستانتي.
ولا بد أن روحه انتشت حين التقى في العام نفسه (1757) بكل من فولتير وسوزان كورشو؛ وكانت في العشرين، شقراء، حسناء، مرحة، تعيش مع أبويها البروتستانتيين في كراسي، على أربعة أميال من لوزان، وكانت الروح القائدة في "جماعة الربيع"- وهي لفيف من خمسة عشرة شابة أو عشرين يلتقين في بيوت بعضهن البعض، ويغنين، ويرقصن، ويمثلن الكوميديات، ويغازلن الشباب في حكمة وتعقل. ويؤكد لنا جبون أن "عفتهن لن تلوثها قط همسة فضيحة أو شبة". ولندعه يروي القصة: "في زيارتها القصيرة لبعض أقربائها في لوزان كان ظرف الآنسة كورسو، جمالها، وسعة علمها، محل إعجاب الجميع. وقد أثار فضولي نبأ هذه العجيبة. فرأيت، وأحببت. ووجدتها مثقفة دون تنطع، مرحة في حديثها، نقية في عاطفتها، وشيقة في طباعها... وكانت ثروتها متواضعة، ولكن أسرتها محترمة... وقد أذنت لي بأن أزورها مرتين أو ثلاثاً في بيت أبيها. وأنفقت أياماً سعيدة هناك... وقد شجع والدها هذه الصلة تشجيعاً كريماً فأشبعت حلمي بالسعادة العظمى"(54).
ويبدو أن خطبتهما عقدت رسمياً في نوفمبر 1757(55)، ولكن موافقة سوزان كانت مشروطة بوعد جبون بالعيش في سويسرا(56). وفي غضون هذا أمر أبوه- الواثق بأن ابنه غدا الآن بروتستانتياً صالحاً- بأن يعود إلى وطنه ويستمع إلى الخطط التي وضعت له. ولم يكن جبون حريصاً على العودة، لأن أباه كان قد اتخذ زوجة ثانية، ولكنه أطاع، ووصل لندن في 5 مايو 1758؟ "وسرعان ما تبينت أن أبي يرفض هذا الزواج الغريب، وأنني سأكون مملقاً عاجزاً إذا أبى الموافقة. وبعد كفاح أليم أذعنت لإرادة أبي: تنهدت كعاشق وأطعت كإبن"(57). ثم نقل تنهده إلى سوزان برسالة كتبها في 24 أغسطس. ورتب له أبوه راتباً سنوياً قدره 300 جنيه. وكسبت زوج أمه عرفانه بصنيعها لأنها لم تنجب، ولم يلبث أن نمت




صفحة رقم : 14234




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


في قلبه محبته. وأنفق شطراً كبيراً من دخله على الكتب، و "كونت بالتدريج مكتبة كبيرة منقاة، وهي ركيزة مؤلفاتي، وخير عزاء لي في الحياة"(58).
وكان قد بدأ مقالاً في لوزان وأتمه في بوريتون (حيث كان ينفق الصيف) وعنوان المقال "في دراسة الأدب":، وقد نشر باندن في 1761 وبجنيف في 1762. وإذ كان مكتوباً بالفرنسية، ويتناول أول ما تناول الأدب والفلسفة الفرنسية، فإنه لم يثر ضجة في إنجلترا، ولكنه استقبل في القارة استقبال إنجاز ممتاز لفتى في الثانية والعشرين. وقد احتوى بعض الأفكار ذات الدلالة في كتابة التاريخ. " أن تاريخ الإمبراطوريات هو تاريخ شقاء الإنسان، وتاريخ المعرفة هو تاريخ عظمته وسعادته... والاعتبارات كثيرة تجعل هذا النوع الثاني من الدراسة غالياً في عيني الفيلسوف"(59). ومن ثم "إذا لم يكن الفلاسفة دائماً مؤرخين، فمن المرغوب فيه على الأقل أن يكون المؤرخون فلاسفة"(60). وقد أضاف جبون في "مذكراته" هذه العبارة "منذ شبابي الباكر تاقت نفسي إلى أن أكون مؤرخاً"(61). وراح يفتش عن موضوع يلائم الفلسفة والأدب كما يلائم التاريخ. أما التاريخ في القرن الثامن عشر فلم يدع أنه علم من العلوم، لا بل أنه تاق إلى أن يكون فناً. أما جبون فأحس بأنه يريد أن يكتب التاريخ بوصفه فيلسوفاً وفناناً: يعالج موضوعات واسعة في منظور واسع، ويسبغ على فوضى المواد دلالة فلسفية وشكلاً فنياً.
غير أنه دعا فجأة من الدراسة إلى العمل. ذلك أن إنجلترا تعرضت غير مرة خلال حرب السنين السبع لخطر الغزو من فرنسا. واستعداداً لهذا الطارئ كون أعيان الإنجليز مليشيا تذود عن البلاد خطر الغزو أو التمرد. ولم يسمح إلا لذوي الأملاك بأن يكونوا ضباطاً. وعين جبون الأب ضابطاً كبيراً والابن ضابطاً صغيراً في يونيو 1759. والتحق إدوارد الثالث بفرقته في يونيو 1760، وبقي معها حتى ديسمبر 1762 فترات منقطعة، يتنقل من معسكر إلى معسكر. ولم يكن بالرجال الصالح للحياة العسكرية، وأصابه "الملل من رفاق لم يؤتوا معرفة الدارسين ولا طباع السادة المهذبين"(62).




صفحة رقم : 14235




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


وفي حياته العسكرية وجد صفنه يتمدد بما فيه من سائل. "اضطررت اليوم (6 سبتمبر 1762) لاستشارة الجراح المستر أندروز في أمر علة أهملتها بعض الوقت، وهي ورم في خصيتي اليسرى يخشى أن تكون خطيرة"(63). ففصد وأعطي مسهلاً، ولم يسفر هذا العلاج إلا عن تخفيف مؤقت. وقد قدر لهذه "العلة" أن تعذبه حتى كانت القاضية عليه.
وفي 25 يناير 1763 انطلق في رحلة إلى القارة. وتوقف برهة في باريس حيث التقى بدلامبير، وديدرو، ورينال، وغيرهم من نجوم حركة التنوير. "كان لي مكان خلال أربعة أيام في الأسبوع... على الموائد المضيافة للسيدتين جوفران وبوكاج، وهلفتوس الذائع الصيت، والبارون دولباخ... ومرقت أربعة عشر أسبوعاً دون أن أحس بها، ولكن لو كنت غنياً غير معتمد على أبي لأطلت المكث في باريس وربما جعلتها مستقري"(64).
وفي مايو 1763 وصل إلى لوزان حيث أقام قرابة عام. ورأى الآنسة كورشو، ولكن حين وجدها موفقة في خطبتها، ولم يحاول أن يجدد صداقته بها. ويعترف في هذه الزورة الثانية لسويسره قائلاً "أن عادات المليشيا وتمثلي بمواطني أفضيا بي إلى شيء من الإفراط الصاخب في الشراب، وقبل أن أرحل كنت قد فقدت عن جدارة رأي الناس الطيب في، وهو الرأي الذي ظفرت به في أيام سلوكي الأفضل"(65). وقد خسر مبالغ كبيرة في القمار، ولكنه واصل دراساته إعداداً لإيطاليا، ومكباً على القديم من الميداليات، والعملات، وأدلة السياح، والخرائط.
وفي أبريل 1764 عبر جبال الألب. وأنفق ثلاثة أشهر في فلورنسة، ثم مضى إلى روما. وأرشده مغترب اسكتلندي بين أطلال العصر الكلاسيكي القديم "في جهد يومي امتد ثمانية عشر أسبوعاً". يقول "في روما، وفي الخامس عشر من أكتوبر 1764، بينما أنا جالس مستغرقاً في تأملاتي وسط خرائب الكابتول، وبينما الرهبان الحفاة يرتلون صلوات العشاء في معبد جوبتر، خطرت لي لأول مرة فكرة الكتابة عن اضمحلال وسقوط المدينة لا الإمبراطورية"(66). وانتهى به التفكير إلى أن يرى في ذلك التفسخ المدمر




صفحة رقم : 14236




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


"أعظم بل ربما أرهب مشهد في تاريخ الإنسان"(67). وبعد أن ألم بنابلي، وبادوا، والبندقية، وفتشنتسا، وفيرنا، عاد إلى لندل بطريق تورين وليون وباريس ("أسبوعان سعيدان آخران") (25 يوليو 1765).
وكان يقضي معظم وقته الآن في بوريتون، لذلك سمح لنفسه بأن يتلهى بالبدء في كتابة تاريخ لسويسرا بالفرنسية. فلما رأى هيوم المخطوطة في لندن، كتب إلى جبون (24 أكتوبر 1767) يرجوه أن يستعمل الإنجليزية ويتنبأ بأن الإنجليزية ستبز عما قريب الفرنسية انتشاراً ونفوذاً، ثم نبه جبون إلى أن استعماله للفرنسية أسلمه "إلى أسلوب فيه من الشاعرية والمجاز والإسراف في التلوين أكثر مما تسمح به لغتنا في المؤلفات التاريخية"(68). وقد اعترف جبون بعد ذلك قائلاً "أن عاداتي القديمة... شجعتني على أن أكتب بالفرنسية لقارة أوربا، ولكنني أنا نفسي كنت شاعراً بأن أسلوبي، الذي كان يعلو على النثر ويدنو عن الشعر، وقد انحدر إلى أسلوب خطابي طنان شديد الأطناب"(69).
وخلف له موت أبيه (10 نوفمبر 1770) ثروة وفيرة. وفي أكتوبر 1772 اتخذ مقامه الدائم في لندن. "وما أن أستقر بي المقام في بيتي ومكتبي حتى اضطلع بتأليف المجلد الأول من تاريخي"(70).
وقد سمح لنفسه بألوان كثيرة من الترفيه- أمسيات في بيت هوايت، واختلاف إلى "نادي" جونسن، ورحلات إلى برايتن، وباث، وباريس. وفي 1774 أنتخب عضواً في البرلمان عن "دائرة جيب" يتحكم فيها قريب له. وقد لزم الصمت وسط المناقشات التي دارت في مجلس العموم. وكتب (25 فبراير 1775) يقول "ما زلت صامتاً. أن الأمر أرهب مما تصورت، فحول الخطابة يملأونني يأساً، وأضعفهم يملأنني رعباً"(71). غير أن "الدورات الست التي قضيتها في البرلمان كانت لي مدرسة علمتني الحكمة المهذبة، وهي أولى فضائل المؤرخ وألزمها"(72)وحين اكتنفه الجدل حول أمريكا، صوت بانتظام في جانب سياسة الحكومة، ووجه للأمة الفرنسية "مذكرات تبريرية" (1779) بسط فيها حجج إنجلترا ضد مستعمراتها




صفحة رقم : 14237




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


الثائرة. وقد أجيز بمقعد في مجلس التجارة والمزارع، أتاه بسبعمائة وخمسين جنيهاً في السنة. واتهمه فوكس بالتكسب من ذلك الفساد السياسي الذي أوضح أنه من أسباب اضمحلال روما(73). وقال الظرفاء أن جورج الثالث اشترى حبون مخافة أن يسجل اضمحلال وسقوط الإمبراطورية البريطانية(74).


ب - الكتاب


كان شغل جبون الشاغل بعد عام 1772 كتابه في التاريخ، وقد وجد من العسير عليه أن يفكر جدياً في أي شيء سواه. "لقد بذلت محاولات كثيرة قبل أن استقر على أسلوب وسط بين سجل الأخبار الممل والعرض الخطابي البليغ. وكتب الفصل الأول ثلاث مرات، والثاني والثالث مرتين، قبل أن أرضى رضاء معقولاً عن وقعها"(75). لقد عقد عزم على أن يجعل كتابه التاريخي أثراً أدبياً.
وفي 1775 عرض جبون مخطوطة الفصول الستة عشر الأول على ناشر رفضها لأنها تكلفه ثمناً غالياً يحول دون النشر. واشترك كتيبان آخران هما توماس كولدويل ووليم ستراهان في مغامرة طبع المجلد الأول من "اضمحلال الإمبراطورية الروماني وسقوطها" (17 فبراير 1776). وبيعت النسخ الألف بحلول 26 مارس رغم أن الكتاب سعر بجنيه إنجليزي (26 دولاراً). ونفدت طبعة ثانية من ألف وخمسمائة نسخة صدرت في 3 يونيو بعد صدورها بثلاثة أيام. "كان كتابي على كل خوان، وعلى كل تسريحة تقريباً"(76). وأجمعت دنيا الأدب على الثناء عليه وهي على ما عهد فيها من تحاسد وتنابذ يمزقها. وبعث وليم روبرتسن إلى المؤلف بعبارات التحية السخية، أما هيوم فقد كتب في هذا العام الذي مات فيه إلى المؤلف رسالة يقول جبون إنها "أجزلت له المكافأة على جهد سنين عشر(77). وصرح هوراس ولبول غداة نشر الكتاب لوليم ميسن: "ها قد صدر للتو والساعة أثر من عيون الأدب حقاً".
وقد استهل الكتاب استهلالاً منطقياً وجريئاً بثلاثة فصول عميقة فصلت




صفحة رقم : 14238




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


الامتداد الجغرافي والتنظيم العسكري والبناء الاجتماعي والتكوين القانوني للإمبراطورية الرومانية عند موت مرقص أوريليوس (180م) وفي رأي جبون أن السنين الأربع والثمانين السابقة لهذا التاريخ قد شهدت الإمبراطورية في أوج كفاية موظفيها ورضى شعوبها.
" لو أن إنساناً إليه أن يحدد فترة في تاريخ العالم كانت فيها حال النوع الإنساني غاية في السعادة والرخاء، لاختار دون تردد الفترة التي امتدت من وفاة دوميشيان (96) إلى تولي كومودس (180). فقد كان ملك الإمبراطورية الرومانية الشاسع محكوماً بسلطة مطلقة، وبهدى من الفضيلة والحكمة. وكانت الجيوش تضبطها يد أربعة أباطرة متعاقبين، جمعت بين الحزم والرفق، وهم حكام فرضت شخصياتهم وسلطتهم الاحترام التلقائي. وصان أشكال الإدارة المدنية في عناية ودقة الأباطرة نيرفا، وتراجان، وهادريان، والانطونيان، هؤلاء الذين كانت صورة الحرية مبعث ابتهاج لهم، وسرهم أن يروا أنفسهم خدام القوانين والمسئولين... ولقيت جهود هؤلاء الملوك خير جزاء في فخر الفضيلة الحق، والبهجة العميقة، يستشعرونها حين يرون السعادة العميقة التي كانوا صناعها"(78).
غير أن جبون أدرك "تزعزع السعادة التي تعتمد بالضرورة على خلق رجل واحد. ولعل اللحظة القاضية كانت وشيكة، حين يسيء فتى إباحي أو طاغية حسود.. استعمال السلطة المطلقة"(79). لقد كان "الأباطرة الصالحون" تنتخبهم ملكية متبنية- فكل حاكم يورث سلطانه لعضو مختار ومدرب من حاشيته. وقد سمح مرقص أوريليزس بأن يرث السلطة الإمبراطورية ابنه الحقير كومودس، وأرخ جبون اضمحلال الإمبراطورية منذ توليه العرش.
ثم ذهب جبون إلى أن ظهور المسيحية أعان على ذلك الاضمحلال. وهنا تخلى عن اتباع رأي مونتسكيو الذي لم يقل شيئاً كهذا في كتابه "عظمة الرومان وانحطاطهم"، إنما اتبع فولتير، وكان موقفه عقلانياً خالصاً، فقد تجرد من أي ميل للنشوة الصوفية أو الإيمان المملوء بالرجاء،





صفحة رقم : 14239




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


وأعرب عن رأيه في فقرة تشم فيها نكهة فولتيرية. قال: "أن شتى أساليب العبادة السائدة في العالم الروماني كانت كلها في نظر الشعب سواء في الصدق وفي نظر الفيلسوف سواء في الكذب، وفي نظر الحاكم سواء في النفع. وهكذا أثمر التسامح انسجاماً دينياً"(80)، وكان جبون يتجنب عادة أي تعبير مباشر بعدائه للمسيحية، فقد كانت لا تزال هناك قوانين في سجلات إنجلترا التشريعية تعد هذا التعبير جريمة خطيرة. مثال ذلك "إذا أنكر شخص نشئ على الديانة المسيحية، كتابة"،... صدق المسيحية، كان عقابه إذا عاد... السجن ثلاث سنوات دون قبول كفالة عنه"(81). ودرءاً لهذا العناء اتخذ الإلماع الخفي والتهكم الشفاف عنصرين من عناصر أسلوبه، ونوه في حرص إلى أنه لن يناقش مصادر المسيحية الأولية وفوق الطبيعة، بل سيكتفي بمناقشة العوامل الثانوية والطبيعية في أصل المسيحية ونموها. وأدرج في هذه العوامل الثانوية "أخلاقيات المسيحيين الطاهرة الصارمة" في القرن المسيحي الأول، ولكنه أضاف عاملاً آخر "غيرة المسيحيين لا مرونة فيها (ولا تسامح إن جاز لنا أن نستعمل هذا التعبير)"(82)ومع أنه امتدح "وحدة الجمهورية المسيحية وانضباطها"، فإنه لاحظ أنها "شيئاً فشيئاً كونت دولة مستقلة متعاظمة في قلب الإمبراطورية الرومانية"(83). وقد رد بوجه عام تقدم المسيحية في أول عهدها إلى العملية الطبيعية لا إلى المعجزة، ونقل الظاهرة من اللاهوت إلى التاريخ.
ولكن كيف أعانت المسيحية على اضمحلال روما؟ أولاً بإضعاف إيمان الشعب بالدين الرسمي، وبذلك قوضت أسا الدولة التي سندها ذلك الدين وقدسها. (وهذا بالطبع كان بالضبط حجة اللاهوتيين على جماعة الفلاسفة). وارتابت الحكومة الرومانية في المسيحيين بحجة أنهم يؤلفون جماعة سرية معادية للخدمة العسكرية، ويصرفون الناس عن الأعمال النافعة إلى التركيز على الخلاص السماوي. (فالرهبان في رأي جبون كانوا رجالاً متبطلين استسهلوا التسول والصلاة على العمل). أما الملل الأخرى فكان في الاستطاعة التسامح معها لأنها كانت متسامحة ولأنها لم تعرض وحدة الأمة للخطر، وكان المسيحيون هم الملة الجديدة الوحيدة التي نددت بسواها




صفحة رقم : 14240




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


من الملل وحكمت عليها بأنها شريرة هالكة، وتنبأت صراحة بسقوط "بابل"- أي روما(84). وقد عزا جبون قدراً كبيراً من هذا التعصب لأصل المسيحية اليهودية، وذهب مذهب تاسيتوس في التنديد باليهود في نقاط شتى في روايته. وحاول أن يفسر اضطهاد نيرون للمسيحيين على أنه في حقيقته اضطهاد لليهود(85)، وليس لهذه النظرية اليوم مؤيد. وكان أكثر توفيقاً في اتباع رأي فولتير في إنقاص عدد المسيحيين الذين استشهدوا على يد الحكومة الرومانية، فلم يزيدوا في تقديره على الألفين على الأكثر، ووافق فولتير على أن "المسيحيين، على مدى خلافاتهم الداخلية (منذ قسطنطين) أوقعوا بعضهم ببعض من أعمال القسوة ما هو أفدح بكثير مما لا قوة من تعصب الكفار"، وأن "كنيسة روما دافعت بعنف عن الإمبراطورية التي اكتسبتها بالحيلة"(86).
وقد أثار هذان الفصلان الختاميان (15- 16) ردوداً كثيرة اتهمت جبون بعدم الدقة، أو التحيف، أو عدم الإخلاص. أما جبون ففي تجاهل مؤقت لنقاده سمح لنفسه بالاستمتاع بإجازة طويلة في باريس (مايو إلى نوفمبر 1777). ودعته سوزان كورشو التي أصبحت زوجة جاك نكير المصرفي ووزير المالية إلى بيتهم. وكانت الآن في وضع مريح جداً بحيث لم يسوءها ما سبق من أنه "تنهد تتنهد العاشق، وأطاع طاعة الابن". أما المسيو نكير، الذي لم تخالجه الغيرة قط، فكثيراً ما كان يترك العاشقين السابقين وحيدين ويمضي إلى عمله أو فراشه. وشكا جبون قائلاً "أيمكن أن يهيناني إهانة أقسى من هذه؟ يا لها من طمأنينة وقحة!" أما جرمين، ابنة سوزان، (وهي التي أصبحت فيما بعد مدام دستال (فقد طابت لها صحبته حتى لقد جربت ألاعيبها المنفتحة عليه (وهي بعد في الحادية عشرة) وعرضت أن تتزوجه حتى تحتفظ به في الأسرة(87). وفي بيت نكير التقى بالإمبراطور يوزف الثاني، وفي فرساي قدم إلى لويس السادس عشر، الذي قيل إنه شارك في ترجمة المجلد الأول إلى الفرنسية. واحتفى به القوم في الصالونات لا سيما صالون المركيزة دودفان، التي وجدته "لطيفاً مؤدباً... أرقى من جميع الأشخاص الذين عاشوا معهم تقريباً"، ولكنها




صفحة رقم : 14241




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


حكمت على أسلوبه بأنه "منمق؛ خطابي"، وأنه "يجري على طريقة أدبائنا المعترف بهم(88). وقد رفض دعوة من بنيامين فرانكلن، ببطاقة ذكر فيها أنه مع احترامه للمبعوث الأمريكي رجلاً فيلسوفاً، إلا أنه لا يستطيع أن يراه أمراً ينسجم مع واجبه قبل مليكه أن يدخل في أي حديث مع رجل مع الرعايا الثائرين. ورد فرانكلن بأنه يكن من الاحترام الشديد للمؤرخ ما يجعله سعيداً- أن خطر لجبون يوماً أن يتخذ من اضمحلال الإمبراطورية البريطانية وسقوطها موضوعاً للتأليف- بأن يزوده ببعض المواد المتصلة بالموضوع"(89).
فلما عاد جبون إلى لندن، أعد رداً على نقاده- " دفاع عن بعض فقرات وردت في الفصلين الخامس عشر والسادس عشر من تاريخ اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" (1779) وقد تناول خصومه اللاهوتيين في إيجاز ورفق، ولكنه قليلاً في رده على هنري ديفز، وهو فتى في الحادية والعشرين كان قد اتهم جبون في كتاب من 284 صفحة بأخطاء سببها عدم الدقة. وقد اعترف المؤرخ ببعض الأخطاء ولكنه أنكر "تعمد التحريف، والأخطاء الجسيمة، والانتحالات الذليلة"(90). واستقبل هذا "الدفاع" عموماً على أنه رد موفق. وبعدها لم يرد جبون على النقد إلا عرضاً في "المذكرات"، ولكنه وجد مكاناً لبعض المديح الذي أسبغه على المسيحية على سبيل المصالحة في أجزاء الكتاب التالية.
وقد ازداد تأليفه سرعة بفقده كرسيه في البرلمان (أول سبتمبر 1780)، فصدر المجلدان الثاني والثالث من "التاريخ" في أول مارس 1781 وقد استقبلا استقبلاً هادئاً. ذلك أن غزوات القبائل الهمجية كانت قصة قديمة، أما المناقشات الطويلة المتخصصة للهرطقات التي أثارت الكنيسة المسيحية في القرنين الرابع والخامس فلم يكن فيها ما يشوق جيلاً من الشكاك الدنيويين. وكان جبون قد أرسل سلفاً نسخة من المجلد الثاني إلى هوراس ولبول، فزار الآن ولبول في ميدان باركلي، وأحزنه أن يقال له "إن في الكتاب إسهاباً كثيراً عن الأريوسيين والأونوميين وأشباه البلاحيين... بحيث أنني أخشى




صفحة رقم : 14242




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


أن القليلين سيصبرون على قراءة القصة رغم أنك كتبتها كأفضل ما يمكن كتابتها". وكتب ولبول يقول "من تلك الساعة إلى الآن لم أره قط، مع أنه اعتاد أن يزورني مرة أو مرتين كل أسبوع"(91). وقد وافق جبون فيما بعد على رأي ولبول(92).
واستعاد المجلد الثاني الحياة حين تصدره قسطنطين. وقد فسر جبون دخوله الشهير في المسيحية على أنه عمل من أعمال الحنكة في فن الحكم. ذلك أن الإمبراطور كان قد أدرك أن تنفيذ أحكم القوانين أمر قاصر وغير مأمون، وأنها قلما تلهم بالفضيلة، وليس في قدرتها دائماً أن تكبح جماح الرذيلة". وفي وسط فوضى الأخلاق والاقتصاد والحكم في الإمبراطورية الممزقة، "قد يلحظ حاكم حصيف في سرور تقدم دين يبث بين الناس نسقاً من المبادئ الخلقية خيراً شاملاً للجميع، مكيفاً لكل واجب وكل ظرف من واجبات الحياة وظروفها، مزكى باعتباره إرادة الإله الأعلى وفكره، منفذاً بتكريس من الثواب أو العقاب الأبديين"(93). أي أن قسطنطين أدرك أن العون المستمد من دين فوق طبيعي هو عون عظيم القيمة للأخلاق والنظام الاجتماعي والحكومة. ثم جرى قلم جبون بمائة وخمسين صفحة بليغة محايدة عن يوليان المرتد.
وقد ختم الفصل الثامن والثلاثين والمجلد الثالث بهامش امتدح ما تحلى به جورج الثالث من "حب خالص كريم للعلم وللبشر". وفي يونيو 1781، وبمساعدة اللور نورث، أعيد انتخاب جبون للبرلمان، حيث استأنف تأييده للوزارة. على أن سقوط اللور نورث (1782) أنهى حياة مجلس التجارة وأطاح بوظيفة جبون فيه؛ "لقد جردت من راتب مريح مقداره 750 جنيهاً في العام"(94). فلما شغل نورث مكاناً في وزارة ائتلاف (1783)، تقدم جبون بطلب وظيفة شرفية أخرى. ولكنه لم ينلها "ما كنت لأستطيع بغير دخل إضافي أن أحتفظ طويلاً أو بحكمة وتدبر بأسلوب الإنفاق الذي ألفته"(95). وقدر أن في استطاعته الاحتفاظ بذلك الأسلوب في لوزان، حيث كان لجنيهاته الإسترلينية ضعف قوتها الشرائية في لندن. وعليه فقد




صفحة رقم : 14243




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


استقال من البرلمان، وباع كل ممتلكاته المنقولة غير الشخصية، فيما خلا مكتبته، وفي 15 سبتمبر 1783 رحل عن لندن "بدخانها وثرائها وضوضائها" قاصداً لوزان. وهناك قاسم صديقه القديم جورج ديفران قصراً مريحاً. وأنا أشرف على منظر مترام يجمع بين الوادي والجبل والماء، وبدلاً من الإطلال على حوش مبلط مساحته اثنا عشر قدماً مربعاً"(96). ووصلته كتبه الألفان بعد أن تأخرت قليلاً، فشرع في تأليف المجلد الرابع.
وكان قد خطط أول الأمر أن ينهي "الاضمحلال والسقوط" بفتح روما عام 476. ولكنه بعد أن نشر المجلد الثالث "بدأت أتوق إلى الواجب اليومي، إلى البحث النشيط الذي يسبغ على كل كتاب قيمة، وعلى كل تحقيق هدفاً"(97). ومن ثم استقر رأيه على أن يفسر عبارة "الإمبراطورية الرومانية: على أنها تنتظم الإمبراطورية الشرقية كما تنتظم الغربية، وأن يواصل قصته حتى يبلغ بها تدمير الحكم البيزنطي بفتح الأتراك للقسطنطينية عام 1453. وهكذا أضاف ألف سنة إلى مجال دراسته، واضطلع بمئات المواضيع الجديدة التي تتطلب البحث الشاق المضني.
وقد احتوى المجلد الرابع على فصول رائعة عن جستنيان وبلساريوس، وفصل عن القانون الروماني ظفر بمديح عظيم من فقهاء القانون، وفصل ممل عن مزيد من الحروب التي استعرت بين اللاهوتيين المسيحيين. وكتب ولبول يقول: "ليت المستر جبون لم يسمع قط بالمونوفيزيين (القائلين بطبيعة المسيح الواحدة) أو النساطرة أو أي من هؤلاء الحمقى!"(98). وقد تحول جبون في المجلد الخامس في تخفيف واضح إلى ظهور محمد (صلى الله عليه وسلم) وفتح العرب للإمبراطورية الرومانية الشرقية، وأغدق على النبي والخلفاء الحربيين كل التفهم المحايد الذي خانه في حديثه عن المسيحية. وأعطته الحروب الصليبية موضوعاً مثيراً آخر في المجلد السادس، وكان استيلاء محمد الفاتح على القسطنطينية الذروة لمؤلفه والتاج الذي كلل عمله.
وقد لخص جهوده في الفصل الأخير في جملة مشهورة: "لقد وصفت




صفحة رقم : 14244




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


انتصار الهمجية والدين"(99). ولم ير في العصور الوسطى غير الفجاجة والخرافة وهو ما رآه فيها فولتير، أستاذه الذي لم يقر بفضله. وقد صور حالة الخراب التي آلت إليها روما في 1430 واستشهد برثاء بودجو لها إذ قال "ليت شعري أي خطب دهي بهاء الدنيا هذا! لشد ما انهار، وتغير، وشاه منظراً!"- رأى خراب الآثار والفن الكلاسيكيين أو تهدمهما، وساحة روما وقد حجبها نمو الحشائش واحتلتها الماشية والخنازير. واختتم جبون في حزن بهذه العبارة "وسط خرائب الكابتول خطر لي لأول مرة خاطر القيام بهذا العمل الذي أبهج ودرب عشرين سنة من حياتي تقريباً، عمل أسلمه في النهاية إلى فضول جمهور القراء وصراحتهم أياً كان قصوره عن أن يدرك مرامي". وقد استحضر في "مذكراته" تلك الساعة، ساعة الخلاص المفعمة بالمشاعر المتناقضة:
"وفي عشية السابع والعشرين من يونيو 1787، بين الحادية والثانية عشرة، كتبت آخر السطور في آخر صفحة، في مظلة صيفية في حديقتي، وبعد أن وضعت قلمي تجولت مرات... في ممشى مغطى من أشجار السنط، يشرف على مشهد يجمع بين الريف، والبحيرة، والجبال... ولست أريد إخفاء مشاعر الفرح التي غمرتني لاستعادتي حريتي، وربما لتوطيد شهرتي. ولكن سرعان ما أذلت كبريائي وأشاعت في عقلي اكتئاباً هادئاً، فكرة فراقي فراق الأبد لرفيق قديم أنيس، وأنه أياً كان مصير كتابي مستقبلاً، فإن حياة المؤرخ لا محالة قصيرة مزعزعة"(100).


جـ- الرجل


وصف المسيو بافيار جبون وهو في السادسة عشرة بأنه "جسد قصير نحيل يعلوه رأس كبير"(101). وإذ كان يكره الرياضة ويحب الطعام(102)، فإنه سرعان ما اكتسب استدارة في الجسم والوجه، وأصبح له كرش محترم يعتمد على ساقين نحيلتين، أضف إلى ذلك شعراً أحمر جعده من الجنب وعقصه من الخلف، وقسمات ملائكية لطيفة، وأنفاً دقيقاً، وخدين منتفختين، وذقناً ملغداً، وأهم من ذلك كله جبين عريض عال يعد بـ "إنجازات




صفحة رقم : 14245




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


عظيمة القدر والخطر" والجلال واتساع المرمى. وكان تقريباً لجونسن في شهيته ولولبول في نقرسه. وقد تضخم صفنه بشكل مؤلم عاماً بعد عام حتى أبرزته سراويله الضيقة بروزاً مزعجاً. ولكنه رغم معايبه كان مغروراً بمظهره ولباسه، وصدر المجلد الثاني من كتابه بصورته التي رسمها له رينولدز. وكان يحمل علبة نشوق في خاصرته، وينقر عليها نقراً خفيفاً إذا احتد أو أراد أن يصغي إليه سامعيه. وكان أـنانياً شأن أي رجل له هدف يستغرقه. ولكنه كان صادقاً "لقد وهبت مزاجاً بشوشاً، وحساسية معتدلة (ولكن دون إسراف في العاطفة) وميلاً فطرياً للاسترخاء"(103).
وفي 1775 أنتخب عضواً في "النادي". وكان كثير التردد عليه نادر الكلام فيه، يبغض فكرة جونسن عن الحديث. وكان جونسن يعلق على "دمامة" جبون على نحو مسموع أكثر مما ينبغي(104)، أما جبون فكان يصف هذا "الدب الأكبر" بأنه "علام حكيم" وأنه "عدولاً يغفر"، و"عقل متعصب تعصباً أعمى وإن كان قوياً، يتلقف أي عذر ليبغض من يخالفون عقيدته ويضطهدهم"(105). وأما بوزويل، الذي لم يكن يشعر بشفقة على غير المؤمنين، فقد وصف المؤرخ بأنه "إنسان دميم مغرور مقزز" ينغص على "منتدانا الأدبي". ومع ذلك فلا بد أن جبون كان له أصدقاء كثيرون، لأنه في لندن كان يتناول العشاء خارج بيته كل ليلة تقريباً.
وقد قدم من لوزان إلى لندن في أغسطس 1787 ليشرف على طبع المجلدات الرابع والخامس والسادس، والتي صدرت في عيد ميلاده الحادي والخمسين في 8 مايو 1788، وأتته بأربعة آلاف من الجنيهات، ويعد هذا من أعلى الأتعاب المدفوعة لمؤلف في القرن الثامن عشر. ويقول "أن خاتمة مؤلفي عمت قراءتها واختلف الحكم عليها... ومع ذلك يبدو على الجملة أن "تاريخ الاضمحلال والسقوط قد أصل جذوره سواء في أرض الوطن أو خارجه، ولعل ذمه سيستمر بعد مائة عام"(106). وكان آدم سمث قد وضعه فعلاً "على رأس معشر الأدباء قاطبة، والموجودين الآن في




صفحة رقم : 14246




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


أوربا"(107). وفي 13 يونيو 1788، خلال محاكمة هيستنجز في وستمنستر هول، طاب لجبون أن يسمع من شرفة الزوار شريدان يشير في خطاب من أروع خطبه إلى "صفحات جبون الوضاءة" (Luminous)(108). وفي رواية غير محتملة التصديق أن شريدان زعم فيما بعد أنه قال (Voluminous) أي غزيرة الإنتاج(109)، ولكنها صفة لا يمكن أن تنعت بها الصفحات، والصفة الأولى هي ولا ريب اللفظ المطابق لمقتضى الحال.
وفي يوليو 1788 قفل جبون إلى لوزان. وبعد عام مات ديفرادن مخلفاً بيته لجبون ما بقي من عمر المؤرخ. هنالك عاش جبون في رغد، يقوم على خدمته عدة خدم ويأتيه دخل قدره 1.200 جنيه في العام، وشرب النبيذ الكثير، وزاد نقرسه ومحيط خصره، "من 9 فبراير إلى أول يوليو 1790 عجزت عن التحرك من بيتي أو مقعدي"(110). إلى هذه الحقبة التي تنتمي الأسطورة التي زعمت أنه جثا عند قدمي مدام كروزاز يبوح لها بحبه، وأنها طلبت إليه أن ينهض، وأنه لم يستطع لثقل جسمه(111). والمصدر الوحيد للقصة هو مدام جفليس التي وصفها سانت- بوف بأنها "امرأة خبيثة اللسان"(112)؛ وقد رفضت ابنتها القصة وقالت أن سببها هو الخلط بين الأشخاص"(113).
ثم قطعت الثورة الفرنسية على جبون هدوءه. وترددت المشاعر الثورية في الأقاليم السويسرية، وجاءت الأنباء بهياج مماثل في إنجلترا. وكان لجبون كل العذر في خوفه من أن تسقط الملكية الفرنسية، لأنه كان يستثمر 1.300 جنيه في قرض للحكومة الفرنسية(114). وكان قد كتب عام 1788، في نبوءة لم يوفق فيها، أن الملكية الفرنسية "تقف، كما يبدو، على أساس من صخر الزمن، والقوة، والرأى، تساندها أرستقراطية ثلاثية من الكنيسة والنبلاء والبرلمانات"(115)، وقد اغتبط حين أصدر بيرك كتابه "تأملات في الثورة في فرنسا" (1790)، وكتب إلى اللورد شفيلد محذراً من أي إصلاح في النظام السياسي البريطاني، "ولو سمحتم بأدنى تغيير وأكثره تمويهاً في نظامنا البرلماني لقضي عليكم"(116). وراح الآن




صفحة رقم : 14247




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


يتحسر على نجاح جماعة الفلاسفة في حربهم التي شنوها على الدين، "لقد خطر لي أحياناً أن أكتب حواراً بين الموتى، يتبادل فيه لوسيان وارزم وفولتير الاعتراف بخطر تعريض خرافة قديمة لاحتقار الجماهير العمياء المتعصبة"(117). وحث بعض زعماء البرتغاليين على ألا يتخلوا عن ديوان التفتيش خلال هذه الأزمة التي هددت كل العروش(118).
ورحل جبون عن لوزان (9 مايو 1793) وأسرع بالعودة إلى إنجلترا، من جهة هرباً من جيش الثورة الفرنسية المقترب من لوزان، ومن جهة أخرى التماساً للجراحة الإنجليزية، ولسبب قريب هو تعزية اللورد شفيلد في وفاة زوجته، فوجد شفيلد في شغل بالسياسة عجل بسلواه. وكتب جبون يقول "شفي المريض قبل وصول الطبيب"(119). وأذعن المؤرخ نفسه الآن لأوامر الأطباء، لأن فيلته كانت قد بلغت من التضخم "حجم طفل صغير تقريباً... إنني أزحف وحفاً بشيء من الجهد وكثير من عدم اللياقة"(120) وقد صرفت إحدى الجراجات جالوناً من "السائل المائي الشفاف" من الخصية المريضة. ولكن السائل تجمع ثانية، وأخرج بزل ثان ثلاثة أرباع الجالون، واستشعر جبون الراحة مؤقتاً، واستأنف الخروج للعشاء. ولكن الفيلة تكونت من جديد، وباتت الآن عفنة. وفي 13 يناير بزلت للمرة الثالثة. وبدا أن جبون يتماثل للشفاء سريعاً، وسمح له الطبيب بأكل اللحم، وأكل جبون بعض الدجاج وشرب ثلاث أكواب من النبيذ. فأصابته آلام معوية شديدة حاول كما حاول فولتير تخفيفها بتعاطي الأفيون. ولكن في 16 يناير مات بالغاً السادسة والخمسين.


د - المؤرخ


لم يكن جبون ملهماً في مرآه ولا في خلقه ولا في سيرته، فعظمته كلها انسكبت في كتابه، في فخامة فكرته وشجاعتها، وفي الصبر على تأليفه والتفنن فيه، وفي الجلال الوضاء الذي كلله كله.
أجل، لقد صدق شريدان فيما قال، فأسلوب جبون وضاء بالقدر الذي يسمح به التهكم، وقد ألقى الضوء أينما اتجه، اللهم إلا حين يحجب الهوى




صفحة رقم : 14248




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


رؤيته. وقد شكلت أسلوبه دراساته اللاتينية والفرنسية، فرأى الألفاظ الأنجلو- سكسونية البسيطة لا تناسب وقار مذهبه في الكتابة.، وكثيراً ما كتب كأنه خطيب يخطب، وما أشبهه في هذا بليفي يشحذه هجاء تاسيتوس، وببيرك تجلوه فكاهة بسكال الذكية. وكان يوازن بين جمله بمهارة المشعوذ وجذله، ولكنه أسرف في تكرار لعبته هذه حتى قاربت الرتابة المملة أحياناً. وإذا كان أسلوبه يبدو فخماً طناناً، فإنه الأسلوب اللائق بترامي موضوعه وبهائه- وهو تفتت أعظم إمبراطورية شهدها العالم على مدى ألف عام. ومآخذ أسلوبه العرضية تتوه وسط زحام الرواية وقوة الأحداث، والصور والأوصاف الكاشفة، والتلخيصات الباتة التي تجمل قرناً بأسره في فقره، وتزاوج بين الفلسفة والتاريخ.
ولقد شعر جبون بعد أن اضطلع بهذا المبحث المترامي أن له الحق في تضييق حدوده ويقول "إن الحروب، وإدارة الأمور العامة، هما موضوعا التاريخ الرئيسيان"(120)، ومن ثم أغفل تاريخ الفن والعلم والأدب، فلم يكن لديه ما يقوله عن الكاتدرائيات القوطية أو المساجد الإسلامية، ولا عن العلم أو الفلسفة العربيين، وقد توج بترارك، ولكنه مر بدانتي مرور الكرام. ولم يكد يلقي بالاً إلى حال الطبقات الدنيا، أو قيام الصناعة في القسطنطينية أو فلورنسة في العصر الوسيط. وفقد اهتمامه بالتاريخ البيزنطي التالي لموت هرقل (641). وفي رأي بيوري "أن جبون أخفق في إبراز حقيقة خطيرة، هي أن الإمبراطورية الرومانية الشرقية كانت حتى القرن الثاني عشر حصن أوربا الحصين في وجه الشرق، كذلك لم يقدر أهميتها في الحفاظ على تراث المدينة الإغريقية"(122)، غير أن جبون في نطاق الحدود التي رسمها لنفسه بلغ العظمة بربطه النتاج بالأسباب الطبيعية، وبتحويله ضخامة مواده إلى ترتيب مفهوم ورؤيته هادية للصورة بأكملها.
لقد كان علمه واسعاً كثير التفاصيل. فحواشيه ذخيرة من المعرفة تلطفها الفكاهة الذكية، وقد درس أعوص جوانب العالم القديم، بما فيه من طرق وعملات وموازين ومقاييس وقوانين؛ ووقع في أخطاء صححها




صفحة رقم : 14249




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


المتخصصون، ولكن بيوري هذا الذي بين مآخذه أضاف: "لو أخذنا في الاعتبار المدى الشاسع لمؤلفه لأدهشتنا دقته"(123)ولم يستطع أن ينقب في المصادر الأصلية غير المنشورة (كما يفعل محترفو المؤرخين ممن يقتصرون على رقعة صغيرة من الموضوع والزمان والمكان)، ولكي يتم عمله اقتصر على المادة المطبوعة، واعتمد بصراحة على مراجع ثانوية مثل كتاب أوكلي "تاريخ المسلمين" أو كتابي تلمون "تاريخ الأباطرة" و "التاريخ الكنسي"؛ وبعض المراجع التي اعتمد عليها مرفوضة الآن لأنها غير موثوق بها(124). وقد أفصح عن مصادره في تفصيل أمين وشكر مؤلفيها؛ من ذلك أنه قال في هامش حين جلوز الفترة التي تناولها تلمون: "هنا عليّ أن أستأذن إلى الأبد من ذلك المرشد الذي لا يبارى"(125).
ترى ما النتائج التي خلص إليها جبون من دراسته للتاريخ؟ إنا نراه أحياناً يتبع جماعة الفلاسفة الفرنسيين في قبول حقيقة التقدم: "يجوز لنا أن نرتضي النتيجة السارة التي تذهب إلى أن كل عصر في العالم زاد وما زال يزيد من ثروة النوع الإنساني الحقيقية، وسعادته، ومعارفه، وربما فضائله"(126)، ولكنه في لحظات أقل إشراقاً- وربما لأنه قد اتخذ الحرب والسياسة (واللاهوت) مادة للتاريخ- حكم على التاريخ بأنه "في الحق لا يعدو كثيراً أن يكون سجلاً لجرائم الإنسان وحماقاته ونكباته" (127) ولم ير في التاريخ قصداً مرسوماً؛ فالأحداث ثمرة أسباب لا موجه لها، فهي متوازي أضلاع من قوى ذات أصل مختلف ونتيجة مركبة. وفي كل هذه المشاكل من الأحداث يبدو أن الطبيعة البشرية تظل دون تغيير. ولقد ابتلى النوع الإنساني دائماً وسيظل دائماً مبتلى، بالقسوة والمعاناة والظلم، لأنها هذه كلها مركبة في طبيعة البشر"، إن الإنسان خليق بأن يخشى من ثورات إخوانه من البشر أكثر كثيراً مما يخشى اضطرابات الطبيعة العنيفة(129).




صفحة رقم : 14250




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


لقد تاقت نفس جبون وهو ربيب التنوير إلى أن يكون فيلسوفاً، أو على الأقل أن يفلسف التاريخ. "أن العصر المستنير يطالب المؤرخ بمسحة من الفلسفة والنقد"(130). وكان يحب أن يقطع روايته بتعليقات فلسفية. ولكنه لم يزعم أنه يرد التاريخ إلى قوانين أو يصيغ "فلسفة التاريخ". على أنه اتخذ له موقفاً في بعض المسائل الأساسية: فقد قصر تأثير المناخ على العصور الأولى من المدنية، ورفض أن يكون العرق عاملاً حاسماً(131)؛ وأقر، في حدود بتأثير الأفذاذ من الرجال. "أن أهم المشاهد في الحياة البشرية تتوقف على أخلاق ممثل فرد. فقد يحتد عرق في رجل واحد فيغير مصير أمم"(132). وحين كان في استطاعة قريش أن تغتال محمداً (صلى الله عليه وسلم) "كان من الجائز أن يغير رمح عربي تاريخ العالم"(133). ولو لم يهزم شارل مارتل المغاربة في تور (732) لاكتسح المسلمون أوربا بأسرها، "ولكان تفسير القرآن يدرس الآن في مدارس أكسفورد، ولكان تلاميذه يفسرون لشعب من المختونين قدسية الوحي الذي نزل على النبي وصدقه"(134). على أنه لا بد للفرد الفذ من أن يرتكز على سند واسع إن أراد أن يحرز أقصى نفوذ على عصره. "أن النتائج التي يحققها الإقدام الشخصي ضئيلة جداً، إلا في الشعر أو الرومانس، بحيث يجب أن... يعتمد النصر على درجة المهارة التي ستعان بها لتجميع عواطف الجماهير المشبوبة وتوجيهها لخدمة رجل فرد"(135).
صفوة القول أن "اضمحلال الدولة الرومانية وسقوطها" يمكن على الجملة أن يعد الكتاب الأعظم للقرن الثامن عشر، وكتاب مونتسكيو "روح القوانين" أقرب منافس له. صحيح أنه لم يكن أكثر الكتب تأثيراً، ولم يكن في تأثيره على التأريخ تقريعاً لكتاب روسو "العقد الاجتماعي" أو لكتاب آدم سمث "ثروة الأمم"، أو لكتاب كانت "نقد العقل الخالص". ولكنا إذا نظرنا إليه بوصفه أثراً أدبياً وجدناه لا يبارى في جيله أو نوعه. فإذا سألنا كيف أتيح لجبون أن ينتج هذه الرائعة أدركنا أن السر كان في




صفحة رقم : 14251




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> إدورد جبون


الارتباط الذي تصادف أن ربط بين الطموح والمال والفراغ والكفاية؛ ولا ندري متى يمكن أن نتوقع تكرار هذا الارتباط ثانية. ولقد قال مؤرخ آخر لروما هو باتولدنيبور "أن كتاب جبون لن يبزه كتاب أبداً"(136).




صفحة رقم : 14252




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> تشارترتن وكوبر



6- تشاترتن وكوبر


من يظن الآن أن أحب الشعراء الإنجليز الأحياء إلى قلوب الناس في عام 1760 هو تشارلز تشرشل؟ كان ابناً لقسيس، وقد رسم هو نفسه قسيساً أنجليكانياً، غير أنه هوى مباهج لندن، وصرف زوجته، وغرق في الديون، ونظم قصيدة حظيت بالشهرة يوماً ما، هي "الروسكياده" (1761) وأتاحت له الوفاء بديونه، وتقرير معاش لزوجته، و"أن يطلع على الناس في زي لا ديني على نحو صارخ كفتى من فتيان لندن العصريين"(137). وقد اتخذ قصيدته اسمها من كوينتس روسكيوس الذي سيطر على المسرح الروماني أيام يوليوس قيصر؛ وهجت القصيدة كبار ممثل لندن، وجعلت جاريك يحفل؛ وذكر عن أحد ضحاياه أنه "كان يجري في شوارع المدينة كأنه ظبي جريح(138). وقد انضم تشرشل إلى ولكس في شعائر "مدمنهام آبي" الفاجرة، وأعانه على تحرير صحيفة "النورث بريتون"، وذهب إلى فرنسا ليقاسم ولكس منفاه، ولكنه مات في بولون (1764) إثر سكرة فاجرة، و بـ "لا مبالاة أبيقورية"(139).
وهناك قسيس آخر يدعى توماس بيرسي عاش حياة تليق بردائه الكهنوتي، وأصبح أسقفاً على درومور في إيرلندة، وترك بصمته على الأدب الأوربي حتى استنقذ مخطوطاً قديماً من يد خادم كانت على وشك إحراقه، وقد أمده المخطوط بأحد المصادر لكتابه "آثار من الشعر القديم" (1765) وراقت هذه القصائد القصصية الشعبية التي تنتمي لبريطانيا في العصر الوسيط المخضرمين من القراء، وشجعت الروح الرومانتيكية-التي طالما كتبتها النزعة العقلية والمزاج الكلاسيكي-على الأعراب عن نفسها شعراً وقصصاً وفناً. وقد أرخ ورد زورث من هذه الآثار ظهور الحركة الرومانتيكية في الأدب الإنجليزي. وكانت أشعار مكفرسن "أوسيان"،




صفحة رقم : 14253




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> تشارترتن وكوبر


وقصائد تشاترتن، وقصائد ولبول "قلعة أوترنتو" و "ستروبري هل"، وقصيدتا بكفورد "فاذك" و "فونتل آبي"-هذه كلها كانت أصواتاً شتى في صيحة تدعو للوجدان والغموض والرومانس، وتملكت العصور الوسطى الروح العصرية برهة.
وقد بدأ توماس تشاترتن محاولته لتشرب العصر الوسيط بإطالة النظر في رقاق عتيقة عثر عليها عمه في كنيسة بيرستل. وقد شب هذا الغلام الحساس الخصب الخيال-الذي ولد ببرستل (1752) عقب موت أبيه-في عالم من صنع خيالاته التاريخية. وقد درس قاموساً للألفاظ الأنجلو-سكسونية، ونظم في لغة خالها لغة القرن الخامس عشر قصائد ادعى أنه عثر عليها في كنيسة سانت ماري راد كليف، ونسبها إلى توماس راولي، وهو راهب وهمي من رهبان القرن الخامس عشر. وفي 1769، حين بلغ السابعة عشرة، أرسل بعض "قصائد راولي" هذه إلى هوراس ولبول-الذي كان هو ذاته قد نشر "أوترانتو" زاعماً أنها من شعر العصر الوسيط الأصيل قبل ذلك بخمس سنوات. وأطرى ولبول القصائد ودعا لإرسال المزيد منها، فأرسل تشاترتن المزيد، وطلب العون على إيجاد ناشر ينشرها، ووظيفة مجزية في لندن. وعرض ولبول القصائد على توماس جراي، ووليم ميسن، فحكم كلاهما عليها بأنها مزيفة. وكتب ولبول إلى تشاترتن أن هذين الأديبين "غير مقتنعين إطلاقاً بصحة مخطوطه المزعوم" ونصحه بأن يطرح الشعر جانباً حتى يستطيع كسب قوته. ثم رحل ولبول إلى باريس ونسي أي يرد القصائد لصاحبها. وكتب تشاترتن في طلبها ثلاث مرات، وانقضت ثلاثة أشهر قبل أن تصله(140).
وذهب الشاعر إلى لندن (إبريل 1770) وسطن علية في شارع بروك بهوبورن. وأرسل إلى دوريات شتى مقالات منحازة لولكس، وبعض قصائد راولي، ولكن حصيلة الأجر الذي تلقاه عنها (ثمانية عشر بنساً للقصيدة) كانت أقل من أن تقيم أوده، فحاول الحصول على وظيفة مساعد جراح على باخرة تجارية أفريقية ولكنه أخفق-وفي 27 أغسطس نظم وداعاً مراً للعالم:




صفحة رقم : 14254




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> تشارترتن وكوبر




وداعاً يا أكوام الآجر القذرة في برستوليا،




يا عشاق المال، وعباد الخديعة والختل!




لقد ازدريتم الفتى الذي أعطاكم الأغاني القديمة،




وأثبتم المعرفة بالمديح الفارغ.




وداعاً أيها الحمقى من الرؤساء السكارى،




الذين هيأتكم الطبيعة مطية للفساد!




وداعاً أمي! وكفى أنت يا روحي المضناة،




ولا تدعي أمواج الحيرة والذهول تطغى علي!




رحماك أيتها السماء إن أنا كففت عن العيش هنا،




واغفري لي هذه الفعلة الآخرية من أفعال الشقاء.


ثم انتحر بشرب الزرنيخ بالغاً من العمر سبعة عشر عاماً وتسعة أشهر. ودفن في قبر من قبور الفقراء المعدمين.
وقصائده تملأ اليوم مجلدين. ولو كان قد وصفها بأنها تقليد لا أصل فلربما اعترف له بأنه شاعر أصيل، لأن بعض قصائد راولي لا تقل جودة عن معظم القصائد الأصلية من هذا النوع ذاته. وكان حين كتب شعراً باسمه يستطيع نظم شعر هجائي يكاد يضارع شعر بوب، كما نرى في قصيدته "المثودي"(141)، أو في سبعة عشر بيتاً-هي أهجى شعره كله-يسوط فيها ولبول متملقاً ذليلاً غليظ القلب(142). فلما أن نشرت مخطوطاته المتخلفة (1777) اتهم المشرف على نشرها ولبول بأن عليه تقع بعض التبعية في موت الشاعر، ودافع ولبول عن نفسه بأنه لم يشعر بأي التزام بمساعدة مزيف مصر على التزييف(143). وأصر بعض ذوي القلوب الرحيمة كجولد سمث على أن القصائد أصلية لا مزيفة، وضحك جونسن من صديقه، ولكنه قال: "هذا أعجب شاب عرفته، غريب كيف كتب الجرو كلاماً كهذا"(144). أما شلي فقد خلد ذكرى الفتى تخليداً موجزاً في قصيدته "أدونيس"(145)، وأما كيتس فقد نظم قصيدته "انديميون" في ذكراه.




صفحة رقم : 14255




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> تشارترتن وكوبر


لقد هرب تشاترتن من واقع برستل ولندن والكئيب عن طريق أساطير العصر الوسيط والزرنيخ. أما وليم كوبر فقد هرب لندن التي عشقها جونسن إلى البساطة الريفية، والإيمان الديني، والجنون الدوري. وقد رأى جده من تهمة القتل وأصبح قاضياً، وكان أبوه قسيساً أنجليكانياً. وأمه تنتسب إلى الأسرة التي أنجبت جون دن. وقد ماتت وهو في السادسة، مخلفة له ذكريات حزينة لحد بها حبها، وحين أرسل له ابن عم له بعد ثلاثة وخمسين عاماً صورة قديمة لأمه استعاد في قصيدة رقيقة(146) تلك الجهود التي كثيراً ما بذلتها المخاوف التي أظلمت ليالي طفولته.
وقد انتقل من هاتين اليدين الرقيقتين في عامه السابع إلى مدرسة داخلية أصبح فيها المسخر الجبان لطالب متنمر أرهقه بكل ثقيل مذل من الواجبات. وأصيب بالتهاب في عينيه، فاضطر أن يظل أعواماً تحت رعايا رمدي. وفي 1741، حين بلغ العاشرة، بعث إلى مدرسة وستمنستر في لندن. وبدأ في السابعة عشرة الاشتغال ثلاثة أعوام كاتباً في مكتب محام بهوبورن. واكتمل الآن نضجه للرومانس، وكانت ابنة عمه تيودورا كوبر تعيش بقربه، فغدت معبودة أحلام يقظته. وحين بلغ الحادية والعشرين اتخذ له مسكناً في "المدل تمبل"، وفي الثالثة والعشرين سمح له بالاشتغال بالمحاماة. وإذ كان كارهاً للقانون، شديد الإحجام أمام المحاكم، فقد ابتلى بحالة من الوهم المرضي، ازدادت عمقاً حين نهى تيودورا أبوها عن أي اتصال بابن عمها. ولم يرها كوبر بعدها قط، ولم ينسها قط، ولم يتزوج قط.
وفي 1763، حين واجه ضرورة المثول أمام مجلس العموم، انهارت أعصابه، واختلط عقله، وحاول الانتحار. وأرسله بعض أصحابه إلى مستشفى للأمراض العقلية في سانت أولبنز. وأفرج عنه بعد ثمانية عشر شهراً، وآثر العيش في هنتنجدن قرب كمبردج معتزلاً الناس تقريباً. وقال إنه الآن "لا يرغب في أي صحبة إلا صحبة الله والمسيح"(147). وقد قبل العقيدة الكلفنية بحذافيرها، وأطال التفكير في الخلاص والهلاك الأبدي. وألقت به الصدفة السعيدة بين يدي أسرة محلية كان إيمانها مجلبة للسلام والرحمة لا للخوف، وأفرادها هم القس مورلي أنوين، وزوجته ماري.





صفحة رقم : 14256




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> تشارترتن وكوبر


وابنه وليم، وابنته سوزانا. وقد شبه كوبر أب هذه الأسرة بالقس أدمز في قصة فيلدنج "جوزف أندروز"، ووجد أماً ثانية له في السيدة أنوين التي كانت تكبره بسبع سنين، وقد عاملته هي وابنتها معاملة الابن والأخ، وأسبغتا عليه من عطف المرأة الرقيق ما كاد يجيب إليه الحياة من جديد. ودعته الأسرة للعيش معها، ففعل (1765) ووجد الشفاء في حياتها البسيطة.
ولكن هذا النعيم زال فجأة حين قتل الأب إثر سقطة من فوق جواده. وانتقلت الأرملة والابنة إلى أولني في بكنجهامشير واصطحبتا معهما كوبر، ليكونوا كلهم قريبين من الواعظ الإنجيلي الشهير جون نيوتن. وقد أقنع كوبر أن ينضم إليه في افتقاد المرضى وتأليف الترانيم. واحتوت إحدى "ترانيم أولني" هذه أبياتاً مشهورة:


إن الله يتحرك بطريقة خفية




ليصنع عجائبه،




أنه يزرع خطاه في البحر




ويركب فوق العاصفة(148).


على أن مواعظ نيوتن المنذرة بنار الجحيم، والتي "هزت توازن الكثيرين من أعضاء كنيسته" لم أهدئ من مخاوف الشاعر اللاهوتية بل زادتها حدة(149). يقول كوبر "إن الله يبدو لي دائماً رهيباً إلا حين أراه تعالى وقد تجرد من شوكته لأنه أغمدها في جسد المسيح"(150) وعرض الزواج على السيدة أنوين، ولكن نوبة ثانية من نوبات الجنون (1773) حالت دون زواجهما، ثم تماثل للشفاء بعد ثلاث سنين من العناية البشرية بالمحبة. وفي 1779 رحل نيوتن عن أولني، واتخذت تقوى كوبر مظهراً أكثر اعتدالاً.
وأعانت نساء أخريات ماري أنوين على إبقاء الشاعر على صلة بالأرضيات. فتركت الليدي أوستن، الأرملة المرحة، بيتها اللندني وقصدت أولني، واتصلت بآل أنوين، وجلبت المرح والحبور إلى بيت طال تركيزه على المآسي العارضة للحياة. وهذه السيدة هي التي روت لكوبر القصة التي




صفحة رقم : 14257




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> تشارترتن وكوبر


أحالها إلى "تاريخ جون جلين المسلي"(151)، ورحلته الوعرة التي أكره عليها. وأرسل صديق للأسرة هذه القصة الشعرية المرحة لإحدى الصحف، وألقاها ممثل كان قد خلف جاريك على مسرح دروري لين هناك؛ فغدت حديث لندن السائر، وذاق كوبر طعم الشهرة لأول مرة. ولم يكن قد أخذ شاعريته من قبل مأخذ الجد، ولكن الليدي أوستن حثته الآن على أن ينظم شعراً ذا قيمة. ولكن في أي موضوع ينظمه؟ أجابت في أي شيء، وأشارت إلى أريكة، ثم فرضت عليه واجب إذاعة شهرتها في شعره. وقد سره أن تأمره امرأة فاتنة، فنظم قصيدة "الواجب". وحين نشرت القصيدة عام 1785 استقبلها الناس بالترحيب بعد أن ملوا الحرب والسياسة وصراع المدينة.
وكتابة أو قراءة ستة "كتب" عن أريكة واجب ثقيل حقاً ما لم يؤت المرء خلق "كريبيون" الابن(152)؛ ولكن كوبر كان لديه من الفطنة ما يكفي لاستخدامها نقطة انطلاق لا أكثر. فبعد أن جعل منها القمة في قصة فكهة عن المقاعد، تسلل إلى موضوعه المفضل الذي يمكن اجماله في بيت القصيد الذي يقول "لقد صنع الله الريف، أما الإنسان فصنع المدينة"(153). وقد اعترف الشاعر بأن الفن والبلاغة مزدهران في لندن، وأثنى على رينولدز وشاتام، وتعجب من العلم الذي "يقيس الذرة ويطوق العالم الآن"(154). ولكنه وبخ "ملكة المدائن على عقابها بالموت بعض السرقات التافهة، على حين تغدق أسباب التشريف على "مختلس المال العام". يقول:


من لي بكوخ في برية شاسعة




يكتنفه ظل مترام لا حدود له،




حيث لا تقرع سمعي بعدها




أنباء الظلم والخداع،




ولا أخبار الحرب الخاسرة أو الظافرة،




إن أذني لتتأذى، ونفسي لتشمئز،




بما يأتي به كل يوم من أنباء






صفحة رقم : 14258




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> تشارترتن وكوبر




العدوان والمظالم التي تمتلئ بها الأرض(155).


وقد روعه الاتجار بالرقيق، وكان صوته أحد الأصوات الإنجليزية الأولى التي نددت بالرجل الذي:


يرى أخاه مذنباً بجريرة جلد




لونه غير لون جلده؛ إذ كان له




من القوة ما يمكنه من إنقاذ الباطل..




فهو يدينه ويتملكه فريسة حلالاً...




فما الإنسان إذن؟ وأي إنسان له مشاعر البشر




يرى هذا ولا يحمر وجهه خجلاً،




ولا ينكس خزياً من مجرد الفكرة بأنه إنسان؟(156)


ومع ذلك يختتم بهذه العبارة "


أنني ما زلت أحبك رغم كل أخطائك يا إنجلترا"(157).


وقد أحس أن هذه الأخطاء تخف إن ثابت إنجلترا إلى الدين وحياة الريف. "كنت ظبياً جريحاً ترك القطيع" أي أنه ترك لندن حيث "تدفعنا العاهرات بالمرافق، ووجد شفاءه في الإيمان والطبيعة. تعال إلى الريف! وتأمل نهر أوز "يحتوي مخترقاً سهلاً مستوياً"، ثم هاتيك الماشية المطمئنة وكوخ الفلاح وساكنيه الأشداء، وبرج القرية يرمز للحزن والرجاء! واستمع إلى رشاش مساقط المياه، وزرقة الطيور في الصباح. إن لكل فصل أفراحه في الريف، فأمطار الربيع بركة، وثلوج الشتاء نقية. وما أبهج السير الثقيل وسط الثلوج ثم التجمع حول نار المدفأة في المساء!".
ولم يكتب كوبر شيئاً ذا بال بعد "الواجب". وفي 1786 انتقل ثانية إلى وستن أند روود القريبة، وهناك كابد نصف عام آخر من الجنون. وفي 1792 أصيبت السيدة أنوين بالفالج، وظلت ثلاث سنين عليلة عاجزة؛ فمرضها كوبر كما مرضته من قبل، وفي آخر شهر في حياتها كتب أبياته التي عنوانها "إلى ماري أنوين":


إن خصلك الفضية التي كانت يوماً ما حمراء مشرقة




ما زالت في ناظري أحب إلي






صفحة رقم : 14259




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> تشارترتن وكوبر




من أشعة الصبح الذهبية




يا عزيزتي ماري!(158)


وفي 1794، حين أثقلته الهموم، وأرهقه جهده في ترجمة غير موفقة لهومر، التالف عقله مرة أخرى، فحاول الانتحار: ثم شفي، وأعفاه من عيشة الضنك معاش حكومي قدره 300 جنيه. ولكن ماري أنوين ماتت في 17 ديسمبر 1796، وشعر كوبر أنه ضائع مهجور رغم أنه وجد صديقة جديدة في أخت تيودورا، وهي الليدي هاريبت كوبر هسكث. لازمته المخاوف الدينية في أيامه الأخيرة، ثم قضى نحبه في 25 أبريل 1800 بالغاً الثامنة والستين.
وكان في عالم الأدب ينتمي إلى الحركة الرومانتيكية وفي عالم الدين إلى الحركة الإنجيلية. وقد اختتم عصر سيادة بوب على الشعر ومهد لورزد زورث، وأدخل في الشعر طبيعة في الشكل وصدقاً في المشاعر أوقف سيل الثنائيات المفتعلة الذي أطلقه "العصر الأوغسطي" على إنجلترا. وكان دينه لعنة عليه لأنه صور له إلهاً منتقماً وجحيماً لا غفران فيه، ومع ذلك فلعل الدين هو الذي دفع أولئك النسوة الرحيمات، كما دفعتهن غرائز. الأمومة، إلى الحدب على هذا "الظبي الجريح" في كل أحزانه وأفكاره السوداء.




صفحة رقم : 14260




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> أولفر جولد سمث



7- أولفر جولدسمث


وكان لـ "بل المسكين" هو أيضاً مآسيه، غير أنها لم تعمقها عقيدة سادية، وخففت منه انتصارات في النثر والشعر وعلى خشبة المسرح.
كان أبوه خورياً أنجليكانياً متواضعاً في قرية إيرلندية، يكسب أربعين جنيهاً في العام بإضافة الفلاحة إلى اللاهوت. فلما أن بلغ أولفر الثانية من عمره (1730) رقي الخوري قسيساً لكيلكيني وست، وانتقلت الأسرة إلى بيت يقع على طريق رئيسي قرب ليسوي، التي غيرت في تاريخ لاحق اسمها في ضمير الشاعر إلى "أوبرن" حين نظم قصيدته "القرية المهجورة".
والتحق جولدسمث بالمدرسة الأولية تلو المدرسة، وكان أنصع ذكريات أيامه المدرسية تلك ذكرى أمين إمدادات سابق في الجيش تحول معلماً، ولم يستطع قط أن ينسى حروبه، ولكنه كان إلى ذلك يروي لتلاميذه القصص الساحرة عن الجان وأرواح المنذرات بالموت والعفاريت. وحين بلغ




صفحة رقم : 14261




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> أولفر جولد سمث


الصبي التاسعة أشرف على الموت من الجدري، وزاد هذا المرض على ذلك تشويهاً ابتلى به وجهه من أقل الوجوه حظاً من الوسامة وهب لروح لطيفة محببة. وفي الخامسة عشرة التحق بكلية ترنتي في دبلن طالباً معاناً، يرتدي ثوباً يميزه، ويؤدي خدمات حقيرة، ويلاحقه معلم مستبد بمضايقاته. فهرب إلى كورك، مزمعاً أن يحاول الرحلة إلى أمريكا، غير أن أخاه الأكبر منه "هنري" أدركه ولاطفه فاقتنع بالعودة إلى الكلية. وتفوق أولفر في الدراسات الكلاسيكية، غير أن دراسة العلوم استعصت عليه، ولكنه على أي حال أفلح في نيل درجة البكالوريوس.
ثم تقدم بطلب لوظيفة كنسية صغيرة، ولكنه أدهش الأسقف بما ارتداه من سراويل قرمزية واشتغل معلماً خاصاً بعد أن رفض طلبه، وتشاجر مع تلميذه، ويمم ثانية شطر كورك وأميركا. فتدخل في الأمر عم له أقرضه خمسين جنيهاً ليذهب إلى لندن، وخسر أولفر المبلغ كله في بيت للقمار. وقد أفزع أقرباءه لما لحظوا فيه من عجز وقلة حيلة، ولكن سحرهم مرحه ونايه وأغانيه. وجمع له بعض المال للإنفاق على دراسته الطب في إدنبرة ثم في ليدن. وقد حقق بعض التقدم، ويقص علينا أنه كان في باريس يختلف إلى محاضرات روويل في الكيمياء. ثم انطلق على مهل (1755) يتجول في أنحاء فرنسا، وألمانيا، وسويسره، وشمالي إيطاليا، يعزف على نايه في المراقص الريفية، ويظفر بوجبات طعام كيفما اتفق له، ويتلقى الصدقات على أبواب الأديرة(159). ثم عاد إلى إنجلترا في يناير 1756 ومارس الطب في لندن، وصحح تجارب الطبع لصموئيل رتشردسن، واشتغل معلماً بمدرسة في صري، ثم استقر في لندن كاتباً مأجوراً يقوم بأشتات من الأعمال الدبية غير المنتظمة ويكتب المقالات للمجلات. وقد كتب في أربعة أسابيع "حياة فولتير". وفي 1759 أقنع ددسلي بأن ينشر كتاباً سطحياً اسمه "تحقيق في أحوال الثقافة الراقية في أوربا". وقد أساءت تعليقات التحقيق حول مديري المسارح إلى جاريك إساءة لم ينسها قط. وزعم هذا التحقيق أن عصور الأدب الخلاق تنحو إلى أن تتلوها عصور نقد، وتستنبط قواعد من أعمال المبدعين، وتنزع إلى تقييد أسلوب الشعراء الجدد وتعويق خيالهم. وقد رأى جولدسمث أن أوربا كانت تمر بهذه الحال في 1759.




صفحة رقم : 14262




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> أولفر جولد سمث


وبعد عام كتب لصحيفة نيوبري "ببلك لدجر" بعض "الرسائل الصينية" التي أعيد نشرها في 1762 بعنوان "مواطن العالم". أما خطتها فقديمة: فهي تصور رحالة شرقياً يروي أساليب عيش الأوربيين في ضحك واشمئزاز شديد، فنرى "لاين تشي ألتانجي" يصف في رسائله إلى صديق له في وطنه، أوربا مسرحاً فوضوياً للجشع والطمع والدسائس. وقد نشر جولدسمث الكتاب غفلاً من اسمه، غير أن أهل فليت ستريت (شارع الصحافة) تبينوا أسلوبه في اللغة البسيطة، والأوصاف النابضة بالحياة، والنبرة اللطيفة المحببة، فلما أحس بشهرته انتقل إلى مسكن أفضل في رقم 6 بشارع واين أوفس كورت. وكان قد أطرى جونسن في "الرسائل الصينية" فجرؤ الآن على دعوة واضع المعجم إلى العشاء (وكان يسكن على جانب الطريق المقابل). وحضر جونسن، وبدأت من يومها صداقتهما المديدة (31 مايو 1761).
وحدث في يوم من أيام أكتوبر 1762 أن تلقى جونسن رسالة عاجلة من جولدسمث يطلب فيها العون. فأرسل إليه جنيهاً، وحضر بعد قليل، فوجد أن جولدسمث يوشك أن يقبض عليه لعدم دفعه أجرة مسكنه: وسأل جونسن صديقه إن كان لديه شيء ذو قيمة يرهنه أو يبيعه. فأعطاه جولدسمث مخطوطاً عنوانه "قسيس ويكفيلد". ويقول جونسن(160). إنه طلب إلى صاحبة الدار أن تنتظر، وقدم القصة إلى الكتبي جون نيوبري، وباعها له بستين جنيهاً. ثم دفع بالنقود إلى جولدسمث، فسدد هذا الإيجار واحتفل بهذه المناسبة بزجاجة من النبيذ. واحتفظ الكتبي بالمخطوط أربع سنين دون أن ينشره.
وفي ديسمبر 1764 طلع جولدسمث بأول قصائده الكبرى "الرحالة أو إطلالة على المجتمع" وقد استعاد فيها جولاته في القارة، ووصف ما في كل قطر من نقائض وفضائل، ولاحظ أن كل بلد يحب نفسه خير بلاد الله. وفاخر بقوة إنجلترا "التي كانت قد انتصرت في حرب السنين السبع). ووصف أعضاء البرلمان بهذين البيتين:


أني أشهد سادة الجنس البشري يمرون




وفي مشيتهم شموخ، وفي عيونهم تحد؛






صفحة رقم : 14263




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> أولفر جولد سمث


ولكنه أنذر بأن الجشع يلوث الحكم البريطاني، وأن الحظائر المسيحية، المنبئة بأنانية الأغنياء، تفقر طبقة الفلاحين وتدفع أبناء إنجلترا الشداد للهجرة إلى أمريكا. وكان قد أطلع جونسن على المخطوط، فأضاف أبياتاً ستة معظمها قرب الخاتمة، استخف فيها بتأثير السياسة على سعادة الفرد، وأطرى المباهج البيتية البسيطة.
وقد أدهش نجاح القصيدة جميع الناس عدا جونسن الذي أعانها بتقريظ أذاعه وقال فيه "أنه لم ينشر قط قصيدة بهذا الجمال منذ أيام بوب"(161)وهو قول تجاهل الشاعر جراي. وجنى الناشر ربحاً طيباً من الطبقات المعادة، ولكنه لم ينقد الشاعر غير عشرين جنيهاً. وانتقل جولدسمث إلى مسكن أفضل في "التمبل"، واشترى ثياباً جديدة ظهر فيها بسراويل أرجوانية، ومعطف قرمزي، وشعر مستعار، وعصا، ثم استأنف في مظهره الوقور هذا مهنة التطبيب. غير أن التجربة لم يحالفها التوفيق، ثم رده نجاح "قسيس ويكفيلد" إلى حظيرة الأدب ثانية.
ذلك أن الكتبي الذي كان قد اشترى المخلوط من جونسن أحس أن شهرة جولدسمث الجديدة ستكون معواناً على تقبل القراء لهذه القصة الغريبة. وقد صدرت في طبعة صغيرة في 27 مارس 1766، فبيعت الطبعة في شهرين، وبيعت طبعة ثانية في ثلاثة أشهر أخرى، ولكن المبيع من القصة لم يغط نفقات الناشر إلا عام 1744. وفي تاريخ مبكر (1770) زكاها هردرلجوته، الذي رأى فيها "قصة من أفضل ماكتي من قصص إلى الآن"(162). وأمن ولتر سكوت على هذا الرأي(163). أما واشنطن ايرفنج فقد تعجب من أن أعزباً حرم الحياة الأسرية منذ طفولته استطاع أن يرسم "ألطف وأحب صورة للفضيلة الأسرية وكل ما يحبب الناس في الحياة الزوجية"(164). ولعل حرمان جولدسمث من الحياة الأسرية هو الذي حداه إلى أن يضفي على البيت هذه الصفات المثالية، ولعل حياة العزوبة التي كان يحياها على مضض هي التي جعلته يتسامى بصفات الشباب من النساء، ولعل غرامياته المجهولة هي التي دفعته إلى الإعلاء من قدر عفة المرأة لأنها أثمن من الحياة. وقد أمدته ذكرياته الحبيبة عن أبيه وأخيه




صفحة رقم : 14264




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> أولفر جولد سمث


بصورة الدكتور برمروز، الذي كان بوصفه "قسيساً، ومزارعاً، ورب أسرة... يجمع في ذاته أعظم ثلاث شخصيات على هذه الأرض"(165). وقد عادت جولاته هو تظهر في شخص الابن جورج، الذي ختم رحلاته كما ختم جولدسمث نفسه كاتباً مأجوراً في لندن. أن القصة بعيدة التصديق، ولكنها ساحرة.
وسرعان ما نفدت حصيلة "الرحالة" و "قسيس ويكفيلد"، ولا غرو فقد كان جولدسمث متلافاً لا يستقر المال في يده لحظة، يعيش دائماً في المستقبل. وقد تطلع بعين الحسد إلى الشهرة والمال اللذين قد تأتي بهما مسرحية ناجحة فرصد قلمه لاقتحام هذا الميدان العسير من ميادين الأدب، وسمى ثمرة جهده "الرجل الطيب" وعرضه على جاريك. وحاول جاريك أن ينسى التعليقات المهنية التي كتبها جولدسمث عنه من قبل، ووافق على أن يخرج المسرحية. ولكنها كانت تسخر من الكوميديات العاطفية، وهذه الكوميديات هي التي درت على جاريك الربح الوفير. فاقترح إدخال بعض التغييرات على المسرحية، ولكن جولدسمث رفضها. ونقد جاريك المؤلف مقدماً أربعين جنيهاً، ولكنه تباطأ تباطؤاً شديداً حمل المؤلف المتهور على عرض المخطوط على منافس لجاريك هو جورج كولمان الذي كان يدير مسرح الكوفنت جاردن. وانتقص ممثلو كولمان من قدر المسرحية، ولكن جونسن أيدها تأييداً قوياً، وحضر بروفتها، وكتب المقدمة التي تلقى قبيل العرض. وعرضت أول مرة في 29 يناير 1768، واستمر عرضها عشر ليال، ثم سحبت باعتبارها ناجحة نجاحاً متوسطاً، ومع ذلك بلغ صافي ما حصله المؤلف منها 500 جنيه.
فلما أن جرى المال في يد جولدسمث عاماً انتقل إلى شقة جميلة في بريك كورت مخالفاً نصيحة جونسن، وأثثها تأثيثاً ممتازاً اضطره إلى العودة للكتابة المأجورة ليغطي نفقاته. وأخرج الآن كتباً شعبية في التاريخ- تاريخ روما، واليونان، وإنجلترا. و "تاريخاً للطبيعة الحية"- وكلها فقير في الدرس أثره النثر الرشيق. وحين سأله بعضهم لم كتب كتاباً كهذه أجاب\




صفحة رقم : 14265




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> أولفر جولد سمث


بأنها أعانته على قوته، بينما أفضى به الشعر إلى التضور جوعاً. ومع ذلك ففي 26 مايو 1770 طلع على القراء برائعته "القرية المهجورة" التي نقد عنها مائة جنيه- وهو ثمن طيب في ذلك العهد لقصيدة لا تجاوز سبع عشرة صفحة طولاً. وقد نفدت منها أربع طبعات في ثلاثة أشهر.
أما موضوعها فهجر الزارع للريف بعد أن أفقدتهم الحظائر المسيجة أرضهم. وقد رسمت صورة لقريته:


أي أوبرن الحلوة! يا أجمل قرى السهل،




حيث يقر الفلاح الكادح علينا بالعافية والخير الوفير


وخلعت القصيدة كل الألوان الوردية التي حلم بها خيال جولدسمث الحضري على رخاء الفلاح الذي زعم أنه سبق هذه الحظائر المسيجة. وصف المناظر الريفية، والأزهار المختلفة، "والكوخ الظليل، والمزرعة المحروثة" ورياضيات القرية ومراقصها، و "العذراء الخجول" والصبي المغمز، والأسر السعيدة التي تسودها التقوى والفضيلة. ثم عاد يرى أباه يعظ كنيسة كيلكيني وست:


كان رجلاً عزيزاً على الناحية كلها




يعيش في رغد بأربعين جنيهاً في العام-




وهو مبلغ كفاه لأن يطعم الشريد،




وينقذ المتلاف، ويؤوي الجندي المحطم،




ويفتقد المرضى، ويواسي المحتضرين.




كانت نظراته في الكنيسة تجمل المكان الوقور




وهو يلقيها في لطف ورقة دون افتعال؛




ويخرج الحق من شفتيه قوياً جباراً،




فيمكث الجهال ليصلوا بعد أن جاءوا ليستهزئوا!.




أما معلم المدرسة الذي أدب الشاعر في طفولته فقد تحول في ذكرياته إلى مدرس "صارم الطلعة".




ومع ذلك كان رحيماً، فإذا عنف في شيء






صفحة رقم : 14266




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> أولفر جولد سمث




فلأن المحبة التي يكنها العلم كانت خاطئة




ثم كان بارعاً في الجدل باعتراف القسيس،




فهو يواصله ولو كان مغلوباً




وكان بألفاظه الطويلة البليغة المرعدة




يبهر الريفيين الملتفين حوله محدقين




وتحديقهم يطول، وعجبهم يشتد، لأن رأساً واحداً صغيراً حوى كل علمه.


وخيل لجولدسمث أن هذا الفردوس دمرته الحظائر المسيجة، فاستحالت مزرعة الفلاح إلى أرض للرعي، وفرت أسر الفلاحين إلى المدن أو المستعمرات، وأخذ يجف ذلك النبع الريفي الذي تنبثق منه الفضيلة الصادقة.


الويل لبلد يتكدس فيه المال ويفسد الرجال،




فهو فريسة لشرور وآفات لن تمهله طويلاً


أما وقد كتب جولدسمث خير قصيدة جاد بها جيله، فقد عاد الآن إلى الدراما. وفي 1771 عرض كولمان كوميديا جديدة سماها "تمسكنت فتمكنت" وتباطأ كولمان كما تباطأ جاريك من قبل، حتى تدخل جونسن في الأمر وأمر المدير تقريباً بإخراج التمثيلية. وكتب جاريك مقدمتها بعد أن تصالح مع جولدسمث. وبعد شدائد وضيقات كادت تحطم روح المؤلف، أخرجت المسرحية في 15 مارس 1773. وحضر جونسن ورينولدز وغيرهما من الأصدقاء حفلة الافتتاح وكانوا أول المصفقين. أما جولدسمث نفسه فكان أثناء ذلك في حديقة سانت جيمس على غير هدى، إلى أن عثر عليه بعضهم وأكد له أن مسرحيته لقيت نجاحاً عظيماً. وقد طال عرضها، وجاءته الحفلات التي خصصت حصيلتها له بعام من الرخاء.
وكان قد ترقى الآن بنفسه إلى مكانة لا يعلو عليه فيها سوى جونسن بين كتاب العصر الإنجليزي، بل لقد حقق الشهرة خارج وطنه. وكان شخصية قائده في "النادي"، وجرؤ على مخالفة جونسن مراراً. وذات مرة والحديث يدور حول قصص الحيوان الخرافية، لاحظ أن من العسير




صفحة رقم : 14267




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> أولفر جولد سمث


جداً أن تجعل السمك يتكلم كالسمك، ثم قال لجونسن "وليس هذا بالأمر اليسير كما تحسبه، لأنك لو شئت أن تجري الكلام على ألسنة السمك الصغير لتكلم كله كما تتكلم الحيتان"(166). وكان "الدب الأكبر" يخمشه ببراثنه أحياناً في قسوة، ولكنه أحبه رغم ذلك، وقد رد جولدسمث المحبة بمثلها رغم حسده جونسن على تفوقه في فنون الحديث. ولم يكن جولدسمث قد نظم معارفه ورتبها قط، ولم يكن في استطاعته الرجوع إليها بسرعة أو ذكاء، قال جاريك "كان يكتب كما يكتب الملاك، ويتحدث كما يتحدث بل المسكين"(167). أما بوزويل فكان ينزع إلى الغض من قدر جولدسمث، ولكن كثيراً من معاصريه- كرينولدز، وبير، وولكس، وبرسي- احتجوا على هذا الغض لما فيه من ظلم(168). وقد لوحظ أن جولدسمث كثيراً ما كان يحسن الحديث في الاجتماعات التي تغيب عنها جونسن(169).
وكانت لهجته في الحديث، وعاداته، ومظهره- كلها تعاكسه. فهو لم ينس قط لهجته الإيرلندية. وكان شديد الإهمال لهندامه، يلهو أحياناً يلبس الملابس الزاهية المتعددة الألوان المتناقضة المظهر. وكان مغروراً مزهواً بما حصل من ألوان الثقافة، ولم يعترف بتفوق جونسن عليه كاتباً. وكان طوله خمسة أقدام وخمس بوصات، وقد غاظه طول جونسن وضخامته. وكانت طبيعته الطيبة تشرق من خلال وجهه القبيح. والصورة التي رسمها له رينولدز لم تخلع عليه جمالاً، فهنا شفتان غليظتان، وجبين متراجع، وأنف ناتئ، وعينان قلقتان. وقد زاد الرسامون الكاريكاتوريون أمثال هنري بنبري فم أولفر اتساعاً وأنفه طولاً، ووصفته صحيفة "اللندن باكت" بأنه أورانجوتان(170)، وسرت في المدينة عشرات القصص عن أخطائه الفاضحة في حديثه وسلوكه، وعن حبه المستور للحسناء ماري هورنك.
أما أصدقاؤه فكانوا عليمين بأن عيوبه سطحية، تخفي روحاً من الود، والمحبة، والكرم الذي كاد يدمر صاحبه، وحتى بوزويل وصفه بأنه "أعظم من وجد من الرجال سماحة قلب، أما وقد أتيح له الآن قدر كبير من الذهب مما غلته مسرحياته الفكاهية، فإن جميع المعوزين يعتمدون عليه"(171). فإذا لم يعد لديه من المال ما يعطيه اقترض ليسد مطالب الفقراء




صفحة رقم : 14268




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> المسرح الأدبي -> أولفر جولد سمث


الذين التمسوا العون منه(172). وقد رجا جاريك (الذي لم يكن قد استرد منه جنيهاتها الأربعين) أن يقرضه ستين جنيهاً على ذمة مسرحية أخرى، فوافاه بالمبلغ. وبلغت ديون جولدسمث عند موته 2000 جنيه. وتساءل جونسن "هل وجد قط فقير أولاه الناس هذه الثقة من قبل؟"(173).
وفي 1774، بينما كان على وشك الذهاب إلى أحد الأندية العديدة التي انتمى إليها، وأصابته الحمى. فأصر على أن يصف لنفسه الدواء، ناسياً نصيحة بوكليرك بأنه ينبغي ألا يصف الدواء إلا لأعدائه، وتناول عقاراً مسجلاً، فساءت حاله. ودعي طبيب لعيادته، ولكن وقت إنقاذه كان قد فات. وقضى نحبه 4 أبريل غير متجاوز الخامسة والأربعين. والتف حول جثمانه حشد من الباكين، وكانوا رجالاً ونساء بسطاء يكادون يعتمدون في قوتهم على صدقاته. ودفن في فناء كنيسة "التمبل" ولكن أصحابه أصروا على أن يقام له نصب تذكاري في وستمنستر آبي. ونحت نولكنز التذكار وكتب جونسن القبرية. وكان خيراً منها السطور التي كتبها الشاعر في مسرحية "الرجل الطيب" إذ يقول "ما أشبه الحياة في أعظم حالاتها وأفضلها بطفل شقي لا بد من ملاطفته ومسايرته قليلاً حتى ينام، ثم ينتهي كل الهم والقلق"(176).




صفحة رقم : 14269




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> النشأة المشوهة



الفصل الثالث والثلاثون




صموئيل جونسن




1709-17




1- النشأة المشوهة




1709-1746


لقد كان نسيج وحده، ومع ذلك كان نموذجياً، فهو يختلف عن أي إنجليزي في زمانه، ومع ذلك فهو خلاصة لجون بول جسداً وروحاً، يبزه معاصروه في جميع الميادين الأدبية (خلا تصنيف المعاجم) ومع ذلك فهو يسود عليهم جيلاً بأسره، ويملك عليهم دون أن يرفع شيئاً إلا صوته.
ولنلم الآن إلمامة سريعة بالضربات التي طرقته لتشكل طابعه الفريد. فلقد كان أول طفل ولد لمايكل جونسن، الكتبي، والطباع، وتاجر الأدوات الكتابية في لتشفيلد، على 118 ميلاً من لندن. أما أمه فترقى أرومتها إلى قوم بهم إثارة من نبالة. كانت تبلغ السابعة والثلاثين حين تزوجت في 1706 مايكل البالغ من العمر خمسين عاماً.
وكان صموئيل غلاماً، بلغ من ضعفه حين ولد أنه عمد للتو مخافة أن يكون مأواه الأبدي-إن مات بغير عماد-في الأعراف، مدخل الجحيم الكئيب. وسرعان ما بدت عليه إمارات "داء الملك" (الخنازيري). فلما أن بلغ ثلاثين شهراً أخذته أمه رغم أنها حامل في ولدها الثاني في الرحلة الطويلة إلى لندن لكي "تلمسه الملكة ليبرأ من الخنازيري" وصنعت الملكة قصارها ولكن المرض كلف جونسن الاكتفاء بعين واحدة وأذن واحدة، وشارك غيره من البلايا في تشويه وجهه(1). على أنه اشتد رغم ذلك عضلاً




صفحة رقم : 14270




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> النشأة المشوهة


وهيكلاً، ودعمت قوته كما دعمت ضخامته تلك النزعة الاستبدادية التي أحالت جمهورية الأدب إلى ملكية كما شكا جولدسمث. وقد ذهب صموئيل إلى أنه ورث عن أبيه "ذلك المزاج السوداوي الكريه الذي جعلني مجنوناً طوال حياتي، أو على الأقل غير متزن"(2). ولعل لوهمه المرضي أساساً دينياً لا بدنياً فقط، كما كان الشأن مع كوبر، فلقد كانت أم جونسن كلفنية راسخة تؤمن بأن الهلاك الأبدي قاب قوسين منها. وقد قاسى صموئيل من رهبة الجحيم إلى يوم مماته.
وعن أبيه أخذ مبادئ المحافظين، والميول الأرستيوارتية، والشغف بالكتب. فكان يقرأ بعضهم في مكتبة أبيه، وقد قال لبوزويل فيما بعد، "كنت في الثامنة عشرة أعرف تقريباً قدر ما أعرفه الآن"(3). وبعد أن نال حظاً من التعليم الأولي انتقل إلى مدرسة لتشفيلد الثانوية، وكان في ناظرها "من الضراوة ما جعل الآباء الذين تعلموا على يديه يأبون إرسال أبنائهم إلى مدرسته"(4). على أنه حين سئل في كبره كيف أتيح له أن يتمكن من اللاتينية على هذا النحو أجاب "كان معلمي يحسن ضربي بالسوط. لولا ذلك يا سيدي لما أفلحت في شيء"(5). وقد أعرب في شيخوخته عن أسفه لإهمال العصا. " في مدارسنا الكبرى اليوم يجلدون التلاميذ أقل مما كانوا يجلدونهم في الماضي، ولكن ما يتعلمونه فيها أقل، فهم يخسرون في طرف ما حصلوه في الطرف الآخر"(6).
وفي 1728 أتيح لأبويه من الموارد ما يسر لهما إرساله إلى أكسفورد، وهناك راح يلتهم الكلاسيكيات اليونانية واللاتينية ويزعج معلميه بعصيانه وتمرده. وفي ديسمبر 1729 عجل بالعودة إلى لتشفيلد، وربما لنفاد مال أبويه، أو لأن وهمه المرضي قد قارب الجنون قرباً أحوجه إلى العلاج الطبي. وعولج في برمنجهام، ثم ساعد أباه في متجره بدلاً من العودة إلى أكسفورد. فلما أن مات الأب (ديسمبر 1731) اشتغل صموئيل مدرساً مساعداً في مدرسة بماركيت بوزوبرث. وسرعان ما مل هذا العمل بعد قليل، فانتقل إلى برمنكجهام، وسكن مع كتبي، وكسب خمسة جنيهات بترجمة كتاب




صفحة رقم : 14271




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> النشأة المشوهة


عن الحبشة، وكان هذا مرجعاً بعيداً لقصته "راسيلاس". وفي 1734 ففل إلى ليتشفيلد حيث كانت أمه وأخوه يواصلان العمل في المتجر. وفي 9 يوليو 1735، قبل أن يتم السادسة والعشرين بشهرين، تزوج إليزابث بورتر، وكانت أرملة في الثامنة والأربعين لها ثلاثة أطفال وتملك 700 جنيه. وبمالها هذا افتتح مدرسة داخلية في إديال القريبة منه. وكان من تلاميذه ديفي جاريك، أحد صبية لتشفيلد، ولكن لم يكن هناك ما يكفي لاستمالته إلى مهنة التعليم، وكان التأليف يختمر في باطنه. فكتب مسرحية سناها "أيريني"، وبعث بكلمة لأدورد كيف محرر "مجلة الجنتلمان" يشرح كيف يمكن تحسين تلك المجلة. وفي 2 مارس 1737 انطلق إلى لندن مع ديفد جاريك وجواد واحد، ليبيع مأساته ويشق لنفسه طريقاً في العالم القاسي.
على ان مظهره يعاكسه. كان نحيلاً طويلاً، ولكن كان له هيكل ناتئ العظام جعله كتلة من الزوايا. وكان وجهه مبقعاً بندوب الداء الخنازيري تهيجه مراراً انقباضة تشنجية، وكان جسمه عرضة لانتفاضات مزعجة، وحديثه تؤكده حركات وإيماءات غريبة. وقد نصحه كتبي طلب عنده عملاً بأن "يحصل على إنشوطة حمال ويحمل الحقائب"(7). والظاهر أنه تلقى بعض التشجيع من كيف، لأنه في يوليو عاد إلى لتشفيلد وأتى بزوجته إلى لندن.
ولم يكن خلواً من المكر. فحين هوجم كيف في الصحف نظم جونسن قصيدة في الدفاع عنه وأرسلها إليه، فنشرها كيف، وكلفه بمهام أدبية، وانضم إلى ددسلي في نشر قصيدة جونسن "لندن" (مايو 1738) التي نقداه عشرة جنيهات ثمناً لها. وقد قلدت القصيدة في غير مواريه "الهجائية الثالثة" لجوفنال، ومن ثم أكدت الجوانب المؤسفة لمدينة لندن التي سرعان ما تعلم الكاتب أن يحبها، كذلك كانت هجوماً على حكومة روبرت ولبول، الذي وصفه جونسن فيما بعد بأنه "خير وزير عرفته البلاد"(8). وكانت القصيدة من بعض نواحيها هجوماً غاضباً لشاب ظل غير واثق من قوت غده بعد أن قضى عاماً في لندن. ومن هنا بيته المشهور "أن الكفاية تصعد ببطئ لأن الفقر يوهنها"(9).




صفحة رقم : 14272




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> النشأة المشوهة


في أيام الكفاح تلك جرب جونسن قلمه في كل لون من ألوان الأدب. كتب "سير العظماء" (1740)، ودبج مقالات شتى لمجلة الجنتلمان، منها تقارير وهمية عن المناقشات البرلمانية. وكان نشر المناقشات البرلمانية محظوراً حتى ذلك التاريخ، فوقع كيف على حيلة ادعى بها أن مجلته إنما تسجل المناقشات في "مجلس شيوخ مجنا للبيوتيا". وفي 1741 اضطلع جونسن بهذه المهمة. ومن المعلومات العامة التي اجتمعت له عن سير النقاش في البرلمان ألف خطباً نسبها إلى شخصيات كانت أسماؤهم تصحيفاً لأسماء كبار المجادلين في مجلس العموم(10). وكان في هذه التقارير من مظهر الصدق ما أوقع في روع الكثير من القراء أنها تقارير حرفية، واضطر جونسن إلى أن ينبه سموليت (الذي كان يكتب تاريخاً لإنجلترا) إلى عدم الاعتماد عليها كتقارير حقيقية. وذات مرة علق جونسن على إطراء سمعه لخطبة نسبها إلى شاتان بقوله "هذه الخطبة كتبتها في علية بأكستر ستريت"(11). فلما أثنى بعضهم على حياد تقاريره اعترف قائلاً "لقد أحسنت إنقاذ المظاهر إلى حد معقول، ولكن حرصت على ألا يكون كلاب الهويجز هم الفائزون"(12).
ترى كم كان اجره على عمله هذا؟ لقد وصف كيف مرة بأنه "صراف بخيل"، ولكنه صرح غير مرة بحبه لذكراه. وقد دفع له كيف تسعة وأربعين جنيهاً بين 2 أغسطس 1738 و12 أبريل 1739، وفي 1744 قدر جونسن أن مبلغ خمسين جنيهاً في العام "يفيض ولا ريب عن حاجات الحياة"(13). غير أن الناس جروا على القول بأن جونسن كان يعيش في تلك السنين في فقر مدقع في لندن. وقد اعتقد بوزويل أن "جونسن وسفدج بلغ بهما الأملاق أحياناً مبلغاً أعجزتهما عن دفع إيجار مسكن، فكانا يجوبان الشوارع ليالي بأكملها"(14)، وزعم ماكولي أن شهور الضنك تلك عودت جونسن قذارة الهندام و "شدة الشره" للطعام(15).
وقد ادعى رتشرد سفيدج أنه ابن لأحد الأيرلات، دون أن تقنع دعواه الناس ولكنه كان قد بات متبطلاً لا يصلح لشيء حين لقيه جونسن في 1737. وقد جابا الشوارع لأنهما أحبا الحانات أكثر مما أحبا مسكنيهما ويذكر بوزويل "بكل ما يمكن من احترام ولياقة.".




صفحة رقم : 14273




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> النشأة المشوهة


أن سلوك جونسن بعد مجيئه إلى لندن، ومعاشرته لسفدج وغيره، لم يكن فيهما شديد الالتزام بالفضيلة، في إحدى النواحي، كما كان هو أصغر سناً. وقد عرف عنه أن ميوله الغرامية كانت قوية عاتية إلى حد غير عادي. واعترف لكثير من أصدقائه أنه اعتاد أن يأخذ نساء المدينة إلى الحانات، ويستمع إليهن وهن يروين سيرتهن. وباختصار يجب ألا نخفي أن جونسن، كغيره من الرجال الطيبين الأتقياء الكثيرين (أكان بوزويل ذاكراً بنفسه وهو يقول هذا؟)... لم يكن خلواً من النوازع التي كانت على الدوام "تشن حرباً على ناموس عقله"-وأنه في معاركه معها كان يهزم أحياناً"(16).
وقد رحل سفدج عن لندن في يوليو 1739 ومات في سجن للمدنيين عام 1743. وبعد ذلك بعام أصدر جونسن "سيرة رتشارد سفدج"، وهو كتاب وصفه فيلدنج بأنه "قطعة من الأدب لا تقل أنصافاً وإجادة عن أي قطعة قرأتها من نوعها"(17). وكانت هذه السيرة إرهاصاً بكتاب جونسن "سير الشعراء" (وقد ضمنت فيه). ونشرت السيرة غفلاً من اسم الكاتب، ولكن سرعان ما اكتشف أدباء لندن أن جونسن كاتبها. وبدأ الكتابيون يرون فيه الرجل المؤهل لتصنيف قاموس للغة الإنجليزية.




صفحة رقم : 14274




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> القاموس



2- القاموس




1746-1755


كتب هيوم قبل ذلك في 1741 يقول "إنا لا نملك قاموساً للغتنا، ولا نكاد نملك أجرومية متوسطة الجودة"(18). وكان في هذا مخطئاً، لأن نثانائيل بيلي كان قد أصدر في 1721 "قاموساً إنجليزياً ايتمولوجياً جامعاً"، وكان لهذا القاموس أسلاف قريبة الشبه بالمعاجم. ويبدو أن اقتراح تصنيف قاموس جديد جاء من روبرت ددسلي في حضور جونسن، الذي قال أعتقد أنني لن أضطلع به"(19). ولكن حين انضم كتابيون آخرون إلى ددسلي وعرضوا 1.575 جنيهاً على جونسن أن التزم المهمة، وقع العقد في 18 يونيو 1746.
وبعد إطالة الفكر وضع في أربع وثلاثين صحيفة "خطة لقاموس للغة




صفحة رقم : 14275




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> القاموس


الإنجليزية" وطبعها. ثم أرسلها إلى عدة أشخاص منهم اللورد تشسترفيلد، الذي كان يومها وزيراً للدولة، ومعها ثناء مشرب بالأمل على نبوغ هذا الأيرل في الإنجليزية وغيرها من ضروب المعرفة. ودعاه تشسترفيلد للحضور، فذهب جونسن، ونفحه الأيرل بعشرة جنيهات وكلمة تشجيع. ثم قصده جونسن ثانية بعد حين، فأبقاه منظراً ساعة، غادر بعدها المكان غاضباً، وطلق فكرة إهداء قاموسه إلى تشسترفيلد.
وشر ع في مهمته على هون، ثم ازداد همة ونشاطاً، لأنه كان ينقد أجره منجماً. وحين وصل إلى كلمة Lexicographer (المعجمي) عرفها بهذه العبارة "كاتب للقواميس، كادح لا يؤذي أحداً" وكان الرجاء يحدوه بإنجاز العمل في ثلاث سنوات، فاستغرق منها تسعاً. وفي 1749 انتقل إلى جف سكوير، المقابل لفليت ستريت، واستأجر خمسة سكرتيرين أو ستة دفع من جيبه أجرهم، وأقامهم بالعمل في غرفة بالطابق الثالث. وقرأ أعلام كتاب القرن الواقع بين عامي 1558 و1660-ابتداء من ارتقاء إليزابث الأولى العرش إلى ارتقاء تشارلز الثاني، فقد كان يعتقد أن اللغة الإنجليزية بلغت في تلك الحقبة أبعد شأو لها، وقصد أن يتخذ لغة الحديث الإليزابيثي-الاستيوارتي معياراً يرسي عليه قواعد الاستعمال الجيد للغة. وكان يضع خطاً تحت كل جملة يريد اقتباسها لإيضاح استعمال كلمة ما، ودون في لهامش الحرف الأول من الكلمة المراد تعريفها. وأصدر تعليماته لمعاونيه بأن ينسخوا كل جملة مخططة على جزازة منفصلة، ويدخلوا هذه في مكانها الأبجدي من قاموس بيلي، الذي استعان به منطلقاً ومرشداً.
وخلال هذه السنين التسع اقتنص اجازات كثيرة من تعاريف قاموسه. وكان أحياناً يستسهل نظم قصيدة عن تعريف لفظ. ففي 9 يناير 1749 نشر قصيدة من اثنتي عشرة صفحة عنوانها "بطلان الرغبات البشرية"، وكانت كسابقتها "لندن" التي نظمها قبل عشر سنين تقليداً لجوفينال من حيث الشكل، ولكنها عبرت بقوة هي قوته هو دون غيره. وقد ظل ساخطاً على فقره وعلى إهمال تشسترفيلد له:


فانظروا أي شرور تعدو على حياة الأديب






صفحة رقم : 14276




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> القاموس




الكدح، والحسد، والفقر، والراعي المتفضل، والسجن.




ثم ما أشد بطلان انتصارات المحارب!




تأمل تشارلز الثاني ملك السويد:




ترك الاسم، الذي كان يصفر لذكره وجه الدنيا،




ليدل الناس على عبرة أو ليجمل قصة(20).


إذن فما أغبى الأمل في طول العمر بينما نرى بطلان الشيخوخة وخديعتها وآلامها: كالعقل يشرد في حكايات مكررة، والحظ يهتز مع أحداث كل يوم، والأبناء يتآمرون على الميراث ويتحسرون على تباطؤ الموت، بينما "تغير أوصاب لا حصر لها على المفاصل، وتضرب نطاقاً على الحياة، وتضيق الخناق على هذا الحصار الرهيب"(21). وما من سبيل للفرار من الآمال الباطلة والفناء المحقق إلا سبيل واحدة: هي الصلاة، والإيمان بإله عنده الخلاص والثواب.
ومع ذلك كان لهذا المتشائم لحظات استمتع فيها بالسعادة. ففي 6 فبراير 1749 أخرج جاريك مسرحيته "أيريني". وكان حدثاً خطيراً في نظر جونسن، فاغتسل، وشد على كرشه بصدرية قرمزية موشاة بمخرمات ذهبية، وازدهى بقبعة لها ذات الحلية، وراح يرقب صديقه وهو يلعب دور محمد الثاني أمام السيدة كيبر التي لعبت دور أيريني، واستمر عرض المأساة تسع ليال، وأتت لجونسن بحصيلة قدرها مائتا جنيه، ولم تبعث بعدها قط، ولكن ددسلي نقده مائة أخرى لقاء حق التأليف. وحقق الآن (1749) من الشهرة والثراء ما أتاح له تأسيس ناد، وليس هو "النادي" (Club) "الذي جاء بعد خمسة عشر عاماً، بل " نادي آيفي لين"، وهو اسم منقول عن الشارع الذي اعتاد فيه جونسن أن يلتقي في حانة كنجز هد بهوكنز وسبعة أصحاب آخرين كل مساء ثلاثاء يأكلون البفتيك ويتبادلون الآراء المتحيزة. ويقول جونسن "إلى هناك كنت أختلف دائماً"(22).
وكان في كل ثلاثاء وجمعة، من 21 مارس 1750 إلى 14 مارس 1752، يكتب مقالاً صغيراً ينشره كيف تحت عنوان "الجوال" (رامبلر)،




صفحة رقم : 14277




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> القاموس


ويتقاضى على ذلك أربعة جنيهات في الأسبوع. وكان المبيع من المقالات يقل عن الخمسمائة نسخة، وخسر كيف في هذه المغامرة، ولكنها حين جمعت في كتاب طبع منه اثنا عشرة طبعة قبل وفاة جونسن. فهل نعترف بأننا لم نجد طرافة إلا في عددين هما 170 و171(23)، وفيهما جعل جونسن مومساً تدل الناس على عبرة وتجمل قصة؟ وقد شكا النقاد من إسراف الأسلوب والألفاظ في الطول على الطريقة اللاتينية، ولكن بوزويل، فيما بين أوزاره، وجد عزاء وراحة في حض جونسن قراءه على التقوى(24).
وكان جونسن يعاني توتراً غير عادي في تلك السنوات، لأن ذهنه أرهقته التعاريف، ومعنويته هبط بها تدهور حال زوجته. ذلك أن "تتي" راحت تهدئ آلام الشيخوخة والوحدة بالخمر والأفيون. وكثيراً ما كانت تقصي جونسن عن فراشها)(25). ونادراً ما كان يصطحبها حين يتناول طعامه خارج الدار. ويقول الدكتور تيلر، كان يعرفهما معرفة وثيقة، إنها "كانت البلاء الذي نكبت به حياة جونسن، وكانت ثملة إلى درجة بشعة، حقيرة من جميع الوجوه، وكان جونسن يشكو مراراً... من وضعه مع زوجة كهذه"(26)، غير أن موتها (28 مارس 1752) أنساه عيوبها، فبات مفتوناً بها بعد موتها فتنة أضحكت أصحابه. وأطرى فضائلها، ورثى لوحدته، ورجا أن تشفع له عند المسيح(27). ويقول بوزويل وهو يستحضر تلك الحقبة "لقد أخبرني أنه كان عادة يخرج من داره في الرابعة مساء، وقل أن يعود إلا في الثانية صباحاً... وكان منجعه هو حانة ميتر بفليت ستريت، حيث كان يحب أن يطيل السهر"(28).
على ان جونسن كان يرهب الوحدة. ومن ثم فقد أتى بآنا وليمز إلى بيته في جف سكوبر (1752)، وكانت شاعرة ولزية تكاد تفقد بصرها. ثم فشلت جراحة أجريت لعلاجها، فطف بصرها تماماً. وقد مكثت مع جونسن حتى وفاتها (1783) باستثناء فترات قصيرة تخللت هذه الفترة، تشرف على إدارة البيت والمطبخ، وتقطع شرائح الشواء-وتحكم على امتلاء الأقداح دون مرشد غير أصابعها. أما احتياجات جونسن الأخص فقد اتخذ لقضائها (1753) خادماً زنجياً يدعى فرانك باربر، ظل يلازمه




صفحة رقم : 14278




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> القاموس


تسعة وعشرين عاماً. وقد أدخله جونسن المدرسة، وجهد ليجعله يتعلم اللاتينية واليونانية، وخلف له تركة لا يستهان بها. واستكمالاً لمقومات هذه المنشأة دعا جونسن طبيباً مهجوراً منبوذاً يدعى روبرت لفيت ليسكن معه (1760). وقد ألف ثلاثتهم بيتاً كثير الشجار، ولكن جونسن كان شاكراً لصحبتهم.
وفي يناير 1755 دفع بآخر فروخ "القاموس" إلى الطابع، الذي حمد الله على قرب خلاصه من هذا العمل وهذا الرجل. ونمى إلى تسشترفيلد نبأ القاموس الوشيك الظهور، وكان يأمل أن يصدره صاحبه بعبارة إهداء له. وحاول أن يكفر عن قصر نظره في الماضي بمقالين كتبهما لإحدى المجلات يرحب فيهما بالأثر الأدبي المرتقب، ويطري جونسن أديباً يسره أن يرتضيه حكماً لا يرد في استعمال الإنجليزية الفصحى. غير أن المؤلف المعتز بكرامته أرسل إلى الأيرل (7 فبراير 1755) رسالة وصفها كارليل بأنها "نفخة بوق الحشر الذائعة الصيت التي أعلنت أن نظام رعاية الأدب يجب ألا تقوم له قائمة":
سيدي اللورد:
أبلغني صاحب مجلة "ورلد" مؤخراً أن فخامتكم كاتب المقالين اللذين زكيا قاموسي لجمهور القراء... وإن تنويهكم بفضلي لشرف لا أدري كيف أستقبله أو بأي عبارات أعرب عن اعترافي به لقلة تعودي على أفضال العظماء.
سيدي اللورد، لقد انقضت اليوم سبع سنوات منذ انتظرت في حجرتك الخارجية أو رددت عن بابك، ورحت خلال هذه الحقبة أدفع عملي خلال مصاعب من العبث أن أشكو منها، حتى بلغت به آخر الأمر حافة النشر، دون أن تسدي إلي يد واحدة، أو كلمة تشجيع واحدة، أو ابتسامة عطف واحدة. ومثل هذه المعاملة لم أتوقعها، لأنه لم يكن لي راع بتاتاً قبل ذلك.
أليس راعي الأدب يا سيدي اللورد ذلك الذي ينظر في غير اكتراث إلى رجل يصارع من أجل الحياة في الماء، حتى إذا بلغ اليابسة أثقله بمساعدته؟




صفحة رقم : 14279




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> القاموس


إن الاهتمام الذي طاب لك أن تبديه نحو جهودي كان كريماً لو أنه جاء مبكراً، ولكنه تأخر حتى أمسيت عديم الاكتراث له، عاجزاً عن الاستمتاع به، وحتى بت وحيداً لا أستطيع إشراك غيري فيه، معروفاً لا حاجة بي إليه. وأرجو ألا يعد من القسوة البالغة السخرية ألا أعترف بأفضال لم أتلق منها نفعاً، أو أن أكره أن يعدني الجمهور مديناً لراع بما مكنتني العناية الإلهية من أن أؤديه لنفسي.
وإنني إذ مضيت بعملي هذا الشوط بقدر ضئيل جداً من الدين لأي راع للأدب، فلن يفت في عضدي أن أنهي العمل بقدر أضأل إن كان هذا القدر متاحاً، ذلك أنني أفقت منذ أمد بعيد من حلم الأمل الذي كنت يوماً ما أعتز به في اغتباط شديد:


وإنني يا سيدي اللورد




خادمكم المتواضع المطيع




صموئيل جونسن(29).


أما تعليق تشسترفيلد الوحيد على الرسالة فهو أنها "كتبت كتابة جيدة جداً"، وهي في الحق آية من آيات نثر القرن الثامن عشر، بريئة تماماً من المشتقات اللاتينية التي كانت أحياناً تعوق أسلوب جونسن وتثقله. ولا بد أن كاتبها كان عميق الإحساس بها والتفكير فيها، لأنه تلاها على مسامع بوزويل من الذاكرة بعد ست وعشرين سنة(30)، ولم تنشر الرسالة في لابد بعد موت جونسن. ولعل غيظه شوه حكمه على "رسائل تشسترفيلد لولده" بأنها-"تعلم أخلاقيات بغي، وعادات معلم رقص"(31).
وذهب جونسن إلى أكسفورد في مطالع 1755، ومن جهة ليرجع إلى المكتبات، ومن جهة أخرى ليقترح على صديقه توماس وارتن أنه مما يعين على رواج القاموس أن يستطيع مؤلفه إضافة درجة جامعية إلى اسمه. ودبر وارتن الأمر، وفي مارس خلعت على جونسن درجة أستاذ آداب فخرية. وهكذا صدر القاموس آخر الأمر، في مجلدين من القطع الكبيرة بلغا قرابة 2.300 صفحة، وحدد له ثمناً أربعة جنيهات وعشرة بنسات. وفي ختام المقدمة أعلن جونسن أن.




صفحة رقم : 14280




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> القاموس


" القاموس الإنجليزي ألف بمساعدة ضئيلة من المثقفين، ودون أي رعاية من العظماء، ولم يؤلف في هدوء العزلة الناعم، ولا تحت الظلال الجامعية الوارفة، بل في غمار العناء والحيرة، وفي جو المرض والحزن، ولعله مما يكبح انتصار أصحاب النقد الخبيث أن يلاحظوا أنه إذا كانت لغتنا الإنجليزية لم تحظ هنا بعرض كامل، فعذري أنني إنما فشلت في محاولة لم تنجزها كمدرات البشر إلى الآن... لقد أطلت عملي حتى طوى القبر أكثر من كنت أبغي إدخال السرور إلى أفئدتهم، وبات النجاح والإخفاق أصواتاً فارغة، ومن ثم فإني أطلقه في هدوء لا يبالي، إذ ليس هناك ما أخشاه أو أرجوه من اللوم أو المديح".
وما كان في الإمكان أن يتوقع من النقاد أن يدركوا أن قاموس جونسن عين قمة، وخطاً فاصلاً في أدب القرن الثامن عشر الإنجليزي، كما عينت موسوعة ديدرود الأمبير (1751-72) قمة ونقطة تحول في أدب فرنسا. ولقد كان هناك ضحك كثير على عيوب عارضة في عمل جونسن. فبين المواد التي بلغت أربعين ألفاً ألفاظ غريبة مثل Gentilitious وSygilates (وهما لفظتان يحتفظ بهما قاموس وبستر باحترام). وحوى القاموس تعريفات غاضبة كتعريف كلمة "معاش" Pension "مكافأة تمنح لإنسان بدو مقابل. والكلمة في إنجلترا تفهم عموماً على أنها تعني راتباً يدفع لأجير للدولة نظير خيانته لوطنه". أو كلمة Excise (ضريب الإنتاج) "ضريبة بغيضة على السلع". ثم هناك نكت شخصية كما في تعريف كلمة Oats (الشوفان) "غلة تطعم بها الخيول في إنجلترا عادة، ولكنها في إسكتلندة يقتات بها الآدميون"-وكان هذا صحيحاً لا غبار عليه. وسأل بوزويل جونسن إن كانت المدنية Civilization كلمة: فقال لا، ولكن Civility (الكياسة)(32). كلمة.. وكثير من "أتمولوجيات" جونسن (تتبع أصول الكلمات وتاريخها) يرفض اليوم، فقد كان يعرف الكثير من اللاتينية، وأقل منه من اليونانية، ولكنه كان ضئيل العلم باللغات الحديثة، وقد اعترف صراحة أن "الأتمولوجيا" نقطة الضعف فيه(33). وقد عرف كلمة Pastern بأنها "ركبة الحصان" (وصحتها جزء من قدم الحصان). وحين سألته سيدة كيف




صفحة رقم : 14281




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> القاموس


حدث أنه وقع في خطأ كهذا. فأجاب "الجهل يا سيدتي، والجهل المطبق"(34)، ولم يكن في استطاعته تجنب العثرات في قاموس بهذه الضخامة كل صفحة فيه تفتح أبواباً كثيرة للزلل.
ولقد لقي إنجاز جونسن العظيم التقدير خارج وطنه. فأهدته الأكاديمية الفرنسية نسخة من قاموسها، وأهدته أكاديمية ديللاكروسكا الفلورنسية قاموسها(35). وراج القاموس رواجاً أرضى الكتابيين، فنقدوا جونسن أجر تجهيز طبعة مختصرة. وظل القاموس المطول قياسياً حتى حل محله "نوح ويستر" في 1828. وقد وضع القاموس جونسن في قمة المؤلفين الإنجليز في عصره؛ والواقع أن جونسن اكتسب سلطان الحكم الذي لا يرد له حكم في الأدب الإنجليزي، إذا استثنينا أدباء أرستقراطيين مثل هوراس ولبول. وهكذا بدأ حكم "خان الأدب الأكبر" .




صفحة رقم : 14282




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الحلقة المسحورة



3- الحلقة المسحورة


على أنه لم يكن فوق الاعتقال بسبب الدين. ذلك أنه أنفق أجره الذي تقاضاه عن القاموس بالسرعة التي أتاه بها. ففي 16 مارس 1756 كتب إلى صموئيل رتشاردسن يقول: "سيدي، أنني مضطر إلى طلب معونتك. فأنا الآن مقبوض علي لأنني مدين بخمسة جنيهات وثمانية عشر شلناً... فإذا تفضل بموافقتي بهذا المبلغ رددته لك شاكراً، مضيفاً إياه إلى كل أفضالك السابقة"(36). وأرسل إليه رتشاردسن ستة جنيهات. وكان يكسب قوته في تلك الحقبة بتحرير المقالات للمجلات، وبتأليف المواعظ بجنيهين للعظة لرجال الدين الذين لم يوهبوا القدرة الكبيرة على البيان، وبجمع الاكتتابات مقدماً عن طبعة من مؤلفات شكسبير وعد بتحقيقها، وبكتابة مقال أسبوعي لليونفرسل كرونكل (15 أبريل 1758 إلى 5 أبريل 1760) باسم "العاطل" وكانت هذه المقالات أخف روحاً من "الرمبلر"، ولكنها مع ذلك أشد جداً وثقلاً مما يحتمله القراء الذين يتحرون الجري في القراءة. وقد ندد مقال




صفحة رقم : 14283




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الحلقة المسحورة


منها بتشريح الحيوان الحي، وشهر آخر بسجون المدينين. ورثى المقال رقم 5 لانفصال الجند عن زوجاتهم، واقترح تأليف فرق من " الفارسات الخفاف" يقمن بأعمال التموين والتمريض، ويرحن أزواجهن فيما عدا هذا.
وفي يناير 1759 بلغه أن أمه ذات التسعين، التي لم يرها منذ اثنين وعشرين عاماً، مشرفة على الموت. فاقترض نقوداً من طابع، وبعث إليها بستة جنيهات في رسالة رقيقة. ووافاها الأجل في 23 يناير. ولكي يغطي نفقات جنازتها وديونها كتب في أمسيات أسبوع واحد (في رواية رينولدز) "تاريخ راسيلاس أمير الحبشة" وأرسله إلى الطابع جزءاً فجزءاً، ونقد عنه مائة جنيه. فلما نشر في أبريل رحب به النقاد أثراً من عيون الأدب، وقارنوا بينه وبين قصة فولتير "كانديد" التي صدرت في الوقت نفسه تقريباً وعالجت المشكلة ذاتها: أيمكن أن تأتي الحياة بالسعادة؟ أما جونسن فلم يؤخر الجواب، "يا من تستمعون وأحلام الأمل تراودكم، وتتوقعون أن تحقق الشيخوخة وعود الشباب، وأن الغد سيعوض عن نقائص اليوم، انتبهوا لتاريخ راسيلاس"(37).
يقول جونسن أنه كان من عادة الملوك الأحباش أن يلزموا وريث العرش وادياً طيباً خصباً يأتي الوقت لاعتلائه العرش. وكان يزود بكل شيء: بقصر، وطعام طيب، وحيوانات مدلله، ورفاق أذكياء. ولكن راسيلاس يزهد في هذه المباهج حين بلغ السادسة والعشرين. فهو لا يفتقد الحرية فحسب بل الكفاح أيضاً. "سأكون سعيداً لو كان أمامي هدف أسعى نحوه". فيطيل الفكر في كيفية الهروب من هذا الوادي المطمئن ليرى كيف يسعى غيره من الرجال إلى السعادة وكيف يجدونها.
ويقترح ميكانيكي حاذق أن يبني آلة طائرة تحلق بهما فوق الجبال المحيط إلى الحرية. ويشرح فكرته هكذا:
"أن الذي يستطيع السباحة يجب ألا ييأس من إمكان الطيران، فالسباحة طيران في سائل أكثف، والطيران سباحة في عنصر أخف. وما علينا إلا أن نحقق التناسب بين قوة مقاومتنا وكثافة المادة المختلفة التي نخترقها. فسيحملك الهواء بالضرورة إذا استطعت تحديد أي دفع يدفعه بأسرع مما




صفحة رقم : 14284




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الحلقة المسحورة


يستطيع الهواء أن يتراجع من الضغط.. وسيكون جهد الارتفاع عن الأرض شديداً.. ولكننا كلما ارتفعنا قلت جاذبية الأرض وثقل الجسم تدريجياً حتى نبلغ منطقة يطفو فيها الإنسان في الهواء دون أي ميل للسقوط".
ويشجع راسيلاس الميكانيكي، فيوافق على صنع طائرة، "ولكن بشرط، وهو ألا يفشي سر هذه الصنعة، وألا تلزمني بأن أصنع أجنحة لسوانا". ويسأله الأمير "ولم تضمن على غيرك بمثل هذه الفائدة الكبرى؟" ويجب الميكانيكي "لو كان الناس كلهم لعلمتهم بغاية الخفة أن يطيروا. ولكن أي ضمان للأخيار إذا كان في استطاعة الأشرار إن شاءوا أن يغزوهم من الجو؟" ثم يصنع طائرة، ويحاول الطيران، فيسقط في بحيرة ينقذه منها الأمير(38).
ويؤثر راسيلاس التحدث إلى الفيلسوف إيملاك، الذي شهد كثيراً من الأقطار والناس. ويجدان كهفاً يفضي إلى ممر يؤدي إلى العالم الخارجي، ويهربان من فردوسهما مع أخت الأمير نكاياه وخادمتها. ثم يزورون القاهرة وقد تزودوا بالحلي عملة عالمية، ويشاركون في ملاهيها ثم يملونها. ويستمعون إلى فيلسوف رواقي يتحدث عن قهر الشهوات، وبعد أيام يعثرون عليه وقد برح به الحزن على موت أبنته. وإذ كانوا قد قرءوا الشعر الرعوي فقد افترضوا أن رعاة الغنم لا بد سعداء، ولكنهم اكتشفوا أن هؤلاء الرجال "تقرحت سخطاً" و "حقداً وضغينة على من هم أعلى منهم مكانة"(39). ثم يقعون على ناسك، فيتبينون أنه يتوق سراً إلى مباهج المدينة. ويستفسرون عن سعادة الحياة البيتية، فيجدون كل بيت قد خيم عليه الظلام الشقاق و "الصدام القاسي بين الرغبات المتعارضة"(40). ويرتادون الأهرام ويحكمون عليها بأنها قمة الحماقة. ويسمعون عن الحياة السعيدة التي يحياها الدارسون والعلماء، فيلتقون بفلكي مشهور، يخبرهم أن "الأمانة بغير المعرفة ضعيفة عديمة الجدوى، والمعرفة بغير الأمانة خطرة رهيبة"(41)، ولكن الفلكي يجن. وينتهون إلى أنه ما من طريق من طرق الحياة على الأرض يقضي إلى السعادة، ثم يعزيهم إيملاك بحديث عن خلود النفس، ويعتزمون




صفحة رقم : 14285




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الحلقة المسحورة


العودة إلى الحبشة والرضى بتقلبات الحياة في هدوء تحدوهم الثقة في قيامة سعيدة.
وهي قصة قديمة تجسدت في صورة من أبدع صورها. ويدهشنا ذلك التدفق الجميل والوضوح الذي يتميز به الأسلوب، الذي بعد كل البعد عن الألفاظ الثقيلة التي نجدها في مقالات جونسن بل حتى في حديثه. وبدا مستحيلاً أن يكون المعجمي المتفقه هو كاتب هذه القصة البسيطة، وانه مما لا يصدق أن يكون قد كتب هذه الصفحات التي بلغت 141 في سبعة أيام.
وكان أثناء ذلك قد انتقل من جف سكوير إلى ستيبل إن (23 مارس 1759)؛ وستراه بعد قليل وقد انتقل إلى جرييز إن، ثم إلى الأنر تمبل لين. والراجح أن هذه التنقلات كان دافعها الاقتصاد في النفقة. ولكن في يوليو 1762 رفع جونسن فجأة إلى حالة من الثراء النسبي بفضل معاش سنوي قدره 300 جنيه نفحه به جورج الثالث بناء على نصيحة اللورد بيوت. أما السبب في أن هذه المنحة كانت من نصيب رجل كان قد عارض الأسرة الهانوفرية في إصرر، وسخر من الإسكتلنديين في كل مناسبة، ووصف المعاش بأنه "أجر يدفع لأجير للدولة نظير خيانته لوطنه"،-هذا السبب دار حوله الكثير من قصص الأسرار. فاتهمه أعداؤه بأنه يؤثر المال على المبدأ، وزعموا أن بيوت كان يبحث عن قلم جبار يرد على ولكس، وتشرشل، وغيرهما ممن كانوا يشوهون سمعته بكتاباتهم. وزعم جونسن أنه قبل المعاش على أساس صريح أكده بيوت مرتين، هو ألا يطلب إليه أن يؤيد الحكومة بقلمه(42). وقد أسر إلى بوزويل بأن "لذة لعن بيت هانوفر، وشرب نخب الملك جيمس، ترجحها المئات الثلاث من الجنيهات في العام رجحاناً كبيراً"(43). على أي حال فقد استحق المعاش أضعافاً مضاعفة، لا عن الكراسات السياسية التي كتبها في السنين اللاحقة، بقدر استحقاقه إياه عن إثرائه الأدب الإنجليزي بالقلم والحديث وبالحكمة والنكتة المطهرة.




صفحة رقم : 14286




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الحلقة المسحورة


وكان له من الأصدقاء عدد يكفي لتشتيت الأعداء. يقول "أن الصداقة هي الشراب المنعش الذي يعين على ابتلاع جرعة الحياة المقززة"(44). وكان في كل محفل تقريباً من المحافل التي يختلف إليها يصبح محور الحديث، لا لأنه شق طريقه بالقوة إليه، بل لسبب أهم هو أنه كان أعظم شخصية متفردة في حلقات لندن الأدبية، وكان في استطاعة سامعيه أن يثقوا بأنه سيقول شيئاً كلما تكلم. ورينولدز هو الذي اقترح تأليف "النادي" الذي سماه بوزويل فيما بعد "النادي الأدبي"، وأيد جونسن الاقتراح، وفي 16 أبريل 1764 بدأت الجماعة الجديدة لقاءاتها في أمسيات الإثنين بحانة "تيركس هد" في شارع جرارد بحي سوهو، أما الأعضاء الأصليون فهم رينولدز، وجونسن، وبيرك، وجولدسمث، وكرستوفر نجنت، وتبهام بوكلرك، وبنيت لانتجن، وانتوني كامين، والسر جون هوكنز. وأضيف إلى هؤلاء فيما بعد آخرون بتصويت الأعضاء: جبون، وجاريك، وشريدان، وفوكس، وآدم سمث، ودكتور بيرني...
ولم يظفر بوزويل بالعضوية إلا في 1773، وقد يكون بعض السبب أنه لم يكن يفد على لندن إلا لماماً. ولم ينفق خلال السنين الإحدى والعشرين. بين التقائه بجونسن ووفاة جونسن، أكثر من عامين وبضعة أسابيع على قرب من معبوده. وكان في حرارة إعجابه التي لم يخفها، وفي علم جونسن بأن بوزويل يخطط لكتابة سيرته، ما جعل أكبر الرجلين يغفر ما أبداه الاسكتلندي من مسلك يقرب من العبادة المتملقة. والمتكلم المجيد للكلام، والمستمع المجيد للاستماع، يؤلفان صاحبين سعيدين. ولم يكن جونسن شديد الاحترام لعقلية بوزويل. فحين قال "بوزي"، كما كان يلقبه، أن النبيذ الذي شربه أثناء حديثهما أصابه بالصداع، وقال جونسن مصححاً: لا يا سيدي، ليس النبيذ هو الذي صدع رأسك، بل المعنى الذي وضعته أنا فيه". وقال بوزويل متعجباً "ماذا يا سيدي! وهل يصدع المعنى الرأس؟" "نعم يا سيدي، إذا لم يكن معتاداً عليه"(45). (وفي "السيرة" فقرات يبدو فيها بوزويل يتكلم كلاماً معقولاً عن كلام جونسن). وفي معرض الثناء على ملحمة بوب عن المغفلين (الدنسياده) لا حظ جونسن أنها خلعت على بعض المغفلين ذكراً خالداً، ثم واصل نكتته: "لقد كانت




صفحة رقم : 14287




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الحلقة المسحورة


الغفلة يومها أمراً جديراً بالاهتمام.. آه، يا سيدي، لو إنك عشت في تلك الأيام!"(46). ولكن الدب الشائخ لم يلبث أن تعلم أن يحب شبله، فقال له في 1763(47) "قليل من الناس من آنس إليه أنسى إليك". وقال بوزويل لم يغادر قط بيتاً دون أن يترك فيه رغبة في عودته"(48). وفي 1775 أعطى بوزويل حجرة في مسكن جونسن لينام فيها حين يمتد بهما الحديث إلى ساعة متأخرة من الليل(49).
وفي 31 مارس 1772 كتب في يوميته: "إني مصمم على كتابة سيرة المستر جونسن. وأنا لم أخبره بنيتي بعد، ولا أدري إن كان من واجبي أن أفعل". ولكن جونسن علم بالأمر في أبريل 1773 إن لم يكن قبله(50). وعلم غيره به. وغاظتهم طريقة بوزويل في إثارة مسائل جدلية بقصد واضح هو جر رجل الأديب العجوز والظفر بدرة جديدة للسيرة. وافتخر الاسكتلندي الفضولي بأن "النبع كان أحياناً يسد حتى أفتح صنبوره"(51)ولعل جونسن الذي نعرفه ونستطيبه ما كان ليتجلى قط لولا أن حفزته إثارة بوزويل المفرطة ومطاردته التي لا يعتريها الكلل. وشتان بين جونسن هذا وجونسن الذي نجده في "السيرة" التي ألفها هوكنز، أو حتى في "النوادر" الرشيقة التي كتبتها مسز ثريل!.
ويناير 1765 هو تاريخ بداية صله جونسن بأسرة ثريل، وهي صلة لعبت في حياته دوراً أكبر من صداقته لبوزويل. وكان هنري ثريل صانع جعة، وإبناً لصانع جعة، أصاب حظاً طيباً من التعليم وجاب الأقطار، ولم يكن يؤمن أن يشرف وضعه الاجتماعي بانتخابه عضواً في البرلمان. وفي 1763 تزوج هستر لنسن سولزبري، وكانت فتاة ولزية لا يتجاوز طولها خمسة أقدام ولكنه مريحة ذكية. واستغرق هنري في عمله وهو يكبرها بأثني عشر عاماً، ولكنه بذل لها من الاهتمام ما كفى لجعلها تحبل كل سنة بين 1764 و1778، ولنقل عدوى مرضه السري إليها(52). وولدت له اثني عشر طفلاً مات منهم ثمانية في طفولتهم وراحت تسري عن نفسها بالأدب، فلما جاء زوجها إلى البيت بصموئيل جونسن الذائع الصيت، سخرت كل فنون الأنثى وملاطفاتها لتربطه بالأسرة. وسرعان ما اعتاد أن




صفحة رقم : 14288




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الحلقة المسحورة


يتعشى مع آل ثريل كل خميس في منزلهما بسوثوراك، وكان منذ 1766 ينفق معهما الصيف عادة في فلتهم الريفية في ستريتهام بمقاطعة صري. وجعلت السيدة ثريل من بيتها صالوناً كان يقطبه جونسن، وراوده رينولدز وجولدسمث وجاريك وبيرك، وآل بيرني، وأخيراً-بوزويل-مدفوعاً بالغيرة لأنه علم أن السيدة ثريل تجمع البيانات عن نظرات بطلها وعاداته وألفاظه. وهكذا قدر لـ "السيرة" أن يكون لها منافس.




صفحة رقم : 14289




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الدب الأكبر



4- الدب الأكبر


كيف كان "الدب الأكبر" يبدو؟ كتب بوزويل عقب لقائهما الأول (1763) يقول: "أن مستر جونسن رجل رهيب المنظر للغاية... رجل كبير الحجم جداً، يشكو التهاب العينين، والشلل الارتجافي (تقلص عصبي لا إرادي) والداء الخنازيري وهو رث الهندام جداً، ويتحدث بصوت غاية في الخشونة"(53). ووصفته السيدة ثريل حين تقدم به العمر فقالت: "كانت قامته فارعة إلى حد ملحوظ، وأطرافه غاية في الكبر.. أما قسماته فمحددة تحديداً قوياً، ووجهه مشرس جداً.. وكان في إبصاره قصر، وفيه غير ذلك قصور، ومع ذلك كانت عيناه شديدتي الجموح، والنفوذ، والضراوة أحياناً، حتى أن الخوف منه كان في اعتقادي أول انفعال يبدو في عيون ناظريه"(54).
وكان جونسن يأسف على الساعات التي يجلس فيها إلى مصور يصوره باعتبارها "وقتاً مضيعاً"، ومع ذلك فعل هذا عشر مرات حين رسمه رينولدز، ومرة حين صنع نولكنز له تمثالاً نصفياً. وفي 1756 أبرزه السر جوشوا بديناً ثقيل الحركة(55)، وفي 1770 رسم له صورة جانبية وجعله يبدو شبيهاً بجولد سمث(56). وفي 1772 أسلمته أشهر صورة للأجيال اللاحقة رجلاً ضخماً صعب المراس، له شعر مستعار هائل، ووجه ممتلئ كبير، وحاجبان هابطان فوق عينين حائرتين، وأنف ضخم وشفتان غليظتان، وذقن ملغد.. وكان شعره المستعار تزيحه غير مرة الحركات التشنجية التي تند عن رأسه وكتفيه ويديه(57). وكان مهمل الهندام.




صفحة رقم : 14290




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الدب الأكبر


وقد قال لبوزويل "إن الملابس الجميلة لا قيمة لها إلا من حيث سدها النقص في غيرها من وسائل جلب الاحترام للابسها"(58). ولم يكن يعبأ كثيراً بالنظافة الشخصية إلى أن نزل ضيفاً على آل ثريل.
وكان يأكل بشراهة ليملأ فراغ جوفه الكبير، وربما لأنه لم ينس سنوات الجوع. وقال بوزويل:
"لم أعرف قط رجلاً أكثر منه تلذذاً بالأكل الطيب. كان إذا جلس إلى المائدة استغرقته مهمة اللحظة استغراقاً تاماً، فبدت نظراته وكأنها سمرت على طبقه. وما كان ليفوه بكلمة واحدة، ولا ليبدي أقل انتباه لما يقوله غيره-إلا أن يكون في صحبة قوم رفيعي المقام جداً-حتى يشبع شهيته التي كانت شديدة الضراوة حتى... لتنتفخ لها عروق جبينه عادة ويتفصد عرقاً غزيراً ملحوظاً للناظرين(59).
وكان يأكل السمك بأصابعه، "لأنني أشكو قصر النظر، وأخشى شوك السمك"(60). ولم يكن يطيق منظر الخضر. وكان في الأيام التي تتعاظم فيها شهيته للطعام "يحب أن ينعش نفسه بالخمر، ولكنه لم يسكر قط غير مرة واحدة"(61). وحين نددت المسز وليمز بالسكر قائلة "إني لأعجب أي لذة يمكن أن يحس بها الرجال في أن يجعلوا من أنفسهم حيوانات؟" أجاب على الفور "إني لأعجب يا سيدتي أنك لا تملكين من نفاذ البصيرة ما ترين به الإغراء القوي لهذا الإفراط في الشراب، ولأن من يجعل نفسه حيواناً يتخلص من الألم الذي يصيبه من كونه إنساناً"(62). ولكن السكر في رأيه "لا يعين على الارتقاء بالحديث مع الناس، فهو يغير العقل حتى ليسر المخمور بأي حديث"(63). ثم تجنب كل ألوان المسكر في أخريات حياته، وقنع بالكاكاو، وعصير الليمون، وأقداح الشاي التي لا حصر لها. ولم يدخن قط، "إنه لأمر رهيب أن ننفث الدخان من أفواهنا في أفواه غيرنا من الناس وفي عيونهم وأنوفهم، وأن يفعل الناس بنا هذا الشيء ذاته". وعلل عادة التدخين بأنها "تحفظ العقل من الخواء التام"(64).
وكانت عادته الفظة من جهة أثراً خلفته الأيام والليالي التي قضاها في قاع المجتمع، ومن جهة نتيجة للمثيرات البدنية والمخاوف العقلية. لقد كان




صفحة رقم : 14291




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الدب الأكبر


قوياً، فخوراً بقوته، استطاع أن يصرع كتيباً دون أن يخشى رده للثأر لنفسه، وأن ينتزع من مكانه رجلاً جرؤ على احتلال كرسي أخلاه جونسن مؤقتاً ويطرحه جانباً؛ وقد امتطى جواداً وصاحب ثريل في رحلة صيد للثعالب عبر الريف امتدت خمسين ميلاً. ولكنه وجد مشقة في حمل بدنه الثقيل. "حين كان يسير في الشوارع، كان يبدو لدوران رأسه المتصل وما رافقه من حركة بدنه كأنه يشق طريقه بتلك الحركة مستقلاً عن قدميه"(65). فإذا ركب "لم يملك زمام جواده ولا توجيهه حيث يشاء، بل كان يحمل وكأنه في بللون"(66).
وبعد 1776 كان يعاني من الربو والنقرس والاستسقاء. ولا بد أن هذه الأمراض وغيرها من أوصاب البدن زادت مزاجه السوداوي حدة، وكان أحياناً يصيبه بغم شديد حتى "أنني لأرضى بأن يبتر مني عضو استرد بعدها مرحي"(67) ولم يكن ليؤمن بأن بين الناس إنساناً سعيداً، ومرة قال عن رجل زعم أنه سعيد "هذا كله هراء، أن الكلب يعرف أنه تعس طوال الوقت"(68).
وبعد أن أخبره طبيب بأن الوهم المرضي يفضي أحياناً إلى الجنون، خاف أن يلتاث عقله يوماً ما(69). وقد أجرى هذه العبارة على لسان إيملاك في قصة "راسيلاس"، "أن أبشع الشكوك وأكثرها إزعاجاً في حالتنا الراهنة هو الشك في احتفاظنا بسلامة عقولنا"(70).
وإذا كان يشكو قصراً في بصره فإنه لم يجد لذة تذكر في تأمل جمال النساء أو الطبيعة أو الفن(71). وكان رأيه في النحت أن الناس غالوا في تقديره، "أن قيمة النحت ترجع إلى صعوبته. فأنت لا تقدر أبدع رأس نحت فوق جزره."(72). وقد حاول أن يتعلم العزف "ولكنني لم أفلح قط في إخراج نغمة". وسأل مرة "قل لي بربك يا سيدي من يكون باخ هذا؟ أزمار هو؟"(73)-مشيراً إلى يوهان كرستيان باخ، وكان يومها (1771) أشهر عازف على البيان في إنجلترا. وأحس أن الموسيقى تفسدها الحركات البهلوانية على الأصابع. ومرة سمع بأن عازف كمان نال ثناء الناس لأن





صفحة رقم : 14292




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الدب الأكبر


القطع التي عزفها عسيرة جداً، فقال مندهشاً "عسيرة-ليتها كانت مستحيلة"(74).
ولابد ان رجلاً أوتى هذه القوة والعافية لقي عنتاً في التعامل مع أحلام الجنس التي تهيج حتى العقل السوي. وحين حضر حفلة الافتتاح لتمثيلية "أيريني" وقاده جاريك إلى "الحجرة الخضراء" التي ينتظر فيها الممثلون بين المشهد والمشهد، ورفض اقتراحاً بأن يكرر هذه الزيارة. "لا يا ديفد، لن أعود للمكان أبداً. لأن ثياب ممثلاتك البيضاء وجواربهن الحريرية تثير أعضائي التناسلية"(75). وقد أدهش بوزويل أن يسمعه يقول يوماً وهو في جزائر الهبريد "كثيراً ما خطر لي أنه لو كنت أقتني حريماً..."(76).
ويمكن القول عموماً أن نقائصه كانت اظهر من فضائله، التي لا تقل عن النقائص وجوداً حقيقياً. وفي وسعنا لأن نعكس ملاحظة هوراس ولبول الذي قال "مع أنه كان طيب الطبع في أعماقه فإنه كان سيئ الطبع جداً في قمته"(77). وقد أعرب جولد سمث عن هذا المعنى ذاته بعبارات ألطف: "إن في سلوك جونسن خشونة، ولكن ليس هناك إنسان حي له قلب أرق. فليس فيه من الدب إلا جلده"(78). فهذا الرجل الذي كان رث الهندام، بليداً مؤمناً بالخرافة، فظاً، مستبد الرأي، متكبراً، كان أيضاً رحيماً، عطوفاً، كريماً، يبادر بطلب الصفح وبالنسيان. وقد قدرت مسز ثريل أن جونسن كان يبذل 200 جنيه من معاشه البالغ 300 جنيه(79)، وأظافت: "كان يرعى مجاميع بأسرها من الناس في بيته... وكان وهو ينفق نصف الأسبوع في بيتنا عادة، يحتفظ بأسرته الكبيرة العدد في فليت ستريت تخصصاً لأفرادها نفقة ثابتة، ولكنه يعود إليهم كل سبت ليقدم لهم ثلاث وجبات طيبة بالإضافة إلى صحبته، قبل أن يعود إلينا في ليلة الإثنين-باذلاً لهم ذات الحفاوة والمجاملة التي كان يبذلها لمثلهم من أفراد المجتمع الراقي أو ربما أكثر منها"(80).
وكان يكتب لغير المقدمات والإهداءات والعظات وحتى الآراء القانونية، مجاناً في حالات كثيرة. وقد جاهد بلسانه وقلمه لينقذ الدكتور وليم دد من حبل المشنقة. وحين رأى مومساً راقدة في الطريق (وكان في




صفحة رقم : 14293




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الدب الأكبر


عامه الخامس والسبعين) وضعها على ظهره، وحملها إلى مسكنه، واعتنى بها حتى استعادت صحتها، ثم "حاول أن يعينها على كسب رزق حلال"(81). وقد قال جورج ستيفنز الذي تعاون معه في التعليق على مسرحيات شكسبير "لو أن الحسنات الكثيرة التي أخفاها عمداً، والأفعال الإنسانية التي أسداها سراً، أعلن عنها بذات التفصيل الدقيق (كزلاته)، لتاهت عيوبه في وهج فضائله فلم يبق أمام الناس غير الفضائل"(82).
ولم يؤلف خلال العوام التسعة عشر الباقية من عمره سوى كتاب هام واحد هو "سيرة الشعراء"، وفيما عدا ذلك أحل لسانه محل قلمه. وقد وصف نفسه بأنه "رجل يحب أن يلف ساقيه ويطلق حديثه"(83). ولو غضضنا النظر عن تلذذه بالطعام، لوجدناه أسعد ما يكون حياة حين يتحدث إلى جماعة ذكية. وكان قد اجتمع له بالملاحظة والقراءة ذخيرة خارقة وتنوع مدهش من المعرفة بشئون البشر، وقد حمل الكثير من هذه المعرفة في مخزن ذاكرته وكان يرحب بفرصة التخفف منها. ومع ذلك فقلما كان البادئ بأي نقاش جاد، وما كان يفصح عن رأيه إلا حين يثير بعضهم موضوعاً أو تحدياً. وكان يجد دائماً إغراء بأن يعارض رأي غيره، وكان على استعداد للدفاع عن أي قضية أو عكسها، يلتذ بالجدل لعلمه بأنه لا يقهر، ويصمم أنه ألذها. وكان على علم بأن هذا لم يكن أرقى ضروب الحديث، ولكنه كان واثقاً أنه ألذها, وكان إذا حمى وطيس المعركة واشتد استمتاعه بها لا يعرف المجاملة. يقول بوزويل "لم يكن يرحم أحداً منا. مرة قال لأحد مجادليه: لقد عثرت لك على حجة، ولكني لست ملزماً بالعثور لك على فهم(85). يقول جولد سمث "لا سبيل للجدل مع جونسن، فهو إن أخطأك رصاص طبنجته صرعك بمقبضها"(86)ويروي بوزويل هذه القصة عنه، "حين ألممت بالدكتور جونسن صبيحة الغد وجدته راضياً كل الرضى عن قدراته الكلامية في البارحة. فقد قال :حسناً، لقد استمتعنا بحديث طيب". بوزوبل "أجل يا سيدي، لقد قذفت بالكثيرين واثخنتهم بالجراح"(87). وقد وصفه توماس شريدان بأنه "بلطجي"(88). وجبون بأنه متعصب تعصباً




صفحة رقم : 14294




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الدب الأكبر


أعمى(89). وقال عنه اللورد مونبودو أنه "أشر وأخبث رجل عرفته في حياتي، لا يثني على كاتب أو كتاب أثنى عليه غيره (ولكنه أثنى على قصة فاني بيرني "أفلينا")... ولا طاقة له على سماع أي شخص غيره يشد انتباه الجماعة، ولو لوقت قصير جداً"(90) أما هوراس ولبول، الآمن في وظائفه الشرفية، فكان يرتعد حين يخطر جونسن بباله، وقد أجمل وصفه على النحو الذي يراه ابن رئيس وزراء من حزب الأحرار.
"كان جونسن بما ملك من سقط الثقافة وبعض الجوانب القوية شخصية كريهة خسيسة. فهو من حيث المبدأ استيوارتي، مزهو، مكتف بذاته، متغطرس... ولقد ابتذل قلمه وسخره للحزبية حتى في معجمه، ثم ناقض تعريفاته بعد ذلك لقاء معاش يتلقاه. وكانت عاداته قذرة متعالية وحشية، وأسلوبه خبيثاً طناناً إلى حد مضحك، وباختصار كان فيه رغم كل حذلقته وتنطعه تلك التفاهة الهائلة التي تجدها في المعلم الريفي.. فليت شعري ماذا يحسبنا الخلف حين يقرءون أي صنم عبدنا؟"(91).
وخير الحديث من الوجهة المثالية بالطبع هو ذلك الذي يجري في جماعة صغيرة مستأنية كل أفرادها مثقفون مهذبون، أو كما أعرب جونسن في فاصل لطيف: "أن خير الحديث ما خلا من المنافسة أو الغرور، وكان تبادلاً هادئاً مطمئناً للعواطف"(92)، ولكن متى كانت له هذه التجربة؟ لقد قال لبوزويل وعيناه على الأرجح تومضان، "إن معاملة خصمك بالاحترام معناها إعطاؤه ميزة لا حق له فيها"(93)، ونحن الذين لم نحس قط ضرباته نغتفر له كل تلك اللطمات والإهانات والأحكام المتحيفة لأن ذكاءه وفكاهته ونظره الثاقب، وإيثاره الواقعية على الإدعاءات الكاذبة، والصراحة على الرياء، وقدرته على حشد الحكمة في عبارة،-كل هذا يجعله شخصية من أشد الشخصيات سيطرة في التاريخ الإنجليزي.




صفحة رقم : 14295




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الفكر المحافظ



5- الفكر المحافظ


أترانا نستمع إليه يتكلم؟ لقد كان لديه الطريف الذي يقوله في كل شيء تقريباً تحت الشمس. لقد رأى الحياة خطباً لا رغبة لإنسان في تكراره،




صفحة رقم : 14296




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الفكر المحافظ


أكثر الناس "يطيقونه بصبر نافد ويرحلون عنه كارهين"(94). وحين سألته الليدي مكليود "أليس هناك إنسان صالح بطبعه؟" أجاب "بلى يا سيدتي، ليس أكثر صلاحاً من الذئب"(95). "واضح أن الناس... فاسدون فساداً لا تكفي معه كل قوانين السماء والأرض لكفهم عن الجرائم...(96)والناس يكرهون بأقوى مما يحبون، وإذا كنت قد قلت شيئاً لأوجع إنساناً مرة، فلن أفسد هذا بقول أشياء كثيرة لأسرة"(97).
وقلما كان يناقش الاقتصاد. وقد ندد باستغلال شعوب المستعمرات(98)، وأدان الرق بشدة؛ ومرة أذهل بعض الأساتذة باقتراحه شرب نخب في صحة "ثورة الزنوج في جزر الهند الغربية"(99). ولكنه ذهب إلى أن "زيادة أجور العمال اليوميين خطأ، لأنها لا تعينهم على عيش أفضل، إنما (في رأي "المتبطل") تجعلهم أكثر كسلاً، والكسل مفسدة للطبيعة البشرية"(100). وكان كبلاكستون يؤمن بقداسة حقوق الملكية، وكنقيضه فولتير يدافع عن الترف لأنه يتيح عملاً للفقراء بدلاً من إفسادهم بالصدقات(101). وقد سبق آدم سمث في الدعوة للمشروعات الحرة(102)، ولكن تكاثر التجار كان يثيره. "أخشى ألا تتيح زيادة التجارة، والصراع المتصل على الثروة الذي تثيره التجارة، أي أمل في نهاية نتوقعها سريعاً للخداع والغش... أن العنف يخلي مكانه للمكر"(103). ولم يتظاهر قط باحتقار المال بعد أن عانى من الفاقة، وقال "إن أحداً من الناس لم يكتب قط إلا طلباً للمال، اللهم إلا إذا كان أحمق"(104)- وفي هذا الرأي بخس لغرور الإنسان.
وقد أحس أننا نغالي في أهمية السياسة (ولنذكر الأبيات التي أضافها لقصيدة جولد سمث "الرحالة") لست أبالي مثقال ذرة أن أعيش في ظل شكل دون آخر من أشكال الحكومة"(105)، وإذن "فمعظم خطط الإصلاح السياسي أشياء مضحكة جداً"(106)، ومع ذلك سخط على "كلاب الهويجز"، واقتضى رضاه عن الهانوفريين منحه معاشاً. ووصف الوطنية بأنها "آخر ملاذ يحتمي به الأوغاد"(107). ولكنه دافع بحرارة الوطنيين الغيورين عن حق بريطانيا في جزر فوكلند (1771). وكان يحس باحتقار للاسكتلنديين والفرنسيين يكاد يكون شوفينياً.




صفحة رقم : 14297




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الفكر المحافظ


وكان السباق، في 1763، في الدفاع عن النزعة المحافظة قبل بيرك "أن التجربة البشرية، التي تناقض النظرية باستمرار، هي المحك الأعظم للحقيقة. وإن نظاماً قام على كشوف عدد كبير من العقول لهو دائماً أقوى مما يتمحض عنه تفكير عقل واحد"(108). وبعد عام 1762 كان قانعاً تماماً بالوضع الراهن، وأثنى على الحكومة البريطانية لأنها "أدنى إلى الكمال من أي شيء عرفناه بالتجربة أو وعاه التاريخ"(109). وأعجب بالأرستقراطية والفوارق والامتيازات الطبقية باعتبارها ضرورية للنظام الاجتماعي والتشريع الحصيف(110). "إنني صديق للطاعة، فهي جد مفضية إلى سعادة المجتمع... والخضوع واجب الجهال، والقناعة فضيلة للفقراء"(111). وأحزنه كما يحزن كل جيل:
"أن الطاعة إنهارت بشكل مؤسف في هذا العصر. فما من رجل له اليوم السلطة التي كانت لأبيه-إلا السجان. وما من سيد يملكها على خدمه؛ وقد تقلصت في كلياتنا، أجل، بل في مدارسنا الثانوية. ولهذا أسباب كثيرة، أهمها في رأيي تكاثر المال تكاثراً شديداً.. فالذهب والفضة يدمران الطاعة الاقتصادية. ولكن هناك إلى هذا تراخ عام في الاحترام. فلم يعد ابن يعتمد على أبيه الآن كما كانت الحال فيما مضى... وأملي أن يتمخض هذا التراخي الشديد عن إحكام الزمام كما تتمخض الفوضى عن الطغيان"(112).
وحكم جونسن من واقع تأمله لجماهير لندن بأن الديموقراطية ستكون وبالاً. وسخر من الحرية والمساواة باعتبارهما شعارات غير عملية(113). "ليس صحيحاً على الإطلاق أن الناس متساوون بالطبيعة، فما من شخصين يجتمعان معاً نصف ساعة إلا اكتسب أحدهما تفوقاً واضحاً على الآخر"(114). وفي 1770 كتب كراسة عنوانها "الإنذار الكاذب"، أدان فيها الراديكالية وبرر إقصاء ولكس عن البرلمان.
وفي كراسة أخرى عنوانها "الوطني" (1774) جدد جونسن هجومه على ولكس، وانتقل إلى ما وصفه بوزويل بأنه "محاولة التسليم غير المشروط على إخواننا الرعايا في أمريكا"(115). وكان جونسن قد




صفحة رقم : 14298




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الفكر المحافظ


تحدث في كتابات سابقة عن المستعمرات الأمريكية بحياد عرضي، فرأى أنها "اختطفت دون استناد إلى مبادئ سياسية عادلة جداً"، وذلك إلى حد كبير راجع إلى أن دولاً أوربية أخرى كانت تختطف المستعمرات بإفراط(116)، ولأن إنجلترا أرادت حماية نفسها من بلدين-فرنسا وأسبانيا-أصبحتا قوتين إلى حد يهدد بالخطر بسبب التهامهما لأمريكا. وكان قد امتدح المستعمرين الفرنسيين على معاملتهم الهنود معاملة رحيمة وعلى التزاوج منهم، وأدان المستعمرين البريطانيين لغشهم للهنود وظلمهم للزنوج(117). ولكن حين راح المستعمرون يتحدثون عن الحرية، والعدالة، والحقوق الطبيعة، احتقر جونسن دعاواهم لأنها رياء خداع، وتساءل "ما بالنا نسمع أعلى نباح عن الحرية بين جلابي العبيد الزنوج؟"(118). ثم بسط الرأي المعارض لتحرير المستعمرات في كراسة قوية عنوانها "فرض الضرائب ليس طغياناً" (1775)، والظاهر أنها كتبت بناء على طلب الوزارة، لأن جونسن اشتكى (فيما يروي بوزويل) من أن معاشه منح له "بوصفه شخصية أدبية"، وها هو الآن "تطلب إليه الحكومة أن يكتب كراسات سياسية"(119).
وكانت حجة جونسن أن المستعمرين بقبولهم حماية بريطانيا العظمى قد أقروا ضمناً بحق الحكومة البريطانية في فرض الضرائب عليهم. وفرض الضرائب، إذا توخينا الإنصاف، لا يقتضي تمثيل الأشخاص المفروضة عليهم تمثيلاً مباشراً في الحكومة؛ ونصف سكان إنجلترا لا ممثلون لهم في البرلمان، ومع ذلك قبلوا فرض الضرائب عليهم مقابلاً عادلاً لما توفره الحكومة من نظام اجتماعي وحماية قانونية. وقد ذهب هوكنز-وهو الذي أمد جونسن بحججه(120)-إلى أن هذه الكراسة "فرض الضرائب ليس طغياناً" "لم تتلق رداً"(121)، أما بوزويل، الذي تذكر كورسيكا، فقد إنحاز إلى وصف الأمريكيين، وأسف على ما في قلم جونسن من "عنف بالغ"، وقال "لست أشك في أن هذه الكراسة كتبت بناء على رغبة أولئك الذين كانوا يومها يتقلدون زمام الحكم، والحق أنه اعتراف لي بأن بعض هؤلاء راجعها واختصرها"(122). وقد تنبأت فقرة حذفتها الوزارة بأن




صفحة رقم : 14299




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الفكر المحافظ


الأمريكان "سوف يمونون بعد قرن وربع أكثر من أنداد لسكان أوربا (الغربية)"(123).
وكان في فلسفته السياسية بعض العناصر اللبرالية. وقد آثر فوكس على بت الثاني، وأقنعه بعضهم بتناول العشاء مع ولكس، الذي تغلب على مبادئ جونسن السياسية بإعطائه قدراً من لحم العجل اللذيذ(124). وداعب المحافظ العجوز الثورة في إحدى فقراته فقال:
"إذا تأملنا بالنظرة المجردة التوزيع غير المتكافئ لمباهج الحياة... وإذا وضح لنا أن الكثيرين تعوزهم ضروريات الطبيعة، وأكثر منهم ما تتيحه الحياة من أسباب الراحة والدعة، ورأينا الكسالى يعيشون في رغد على متاعب الكادحين، والمترفين ينعمون بأطايب لا يذوقها من يوفرونها، وإذا كان السواد الأعظم لا بد مفتقر دائماً إلى ما تستمع به القلة وتبدده دون نفع، بدا لنا من المستحيل أن نتصور أن سلام المجتمع يمكن أن يطول أمده، وأدنى إلى الطبيعة أن نتوقع ألا يدرك إنسان طويلاً وفي حوزته مباهج فائضة عن حاجته بينما يفتقر هؤلاء الكثيرون إلى الضروريات الحقيقية"(125).
على أن نزعته المحافظة كانت ترتد بكل عنفوانها حين يتكلم على الدين. فبعد أن أنفق سنة من التشكك في شبابه(126)، راح يؤيد عقائد الكنيسة الرسمية وامتيازاتها تأييداً متزايد الحرارة؛ وكان أحياناً يميل نحو الكاثوليكية: فقد أعجبته فكرة المطهر، وحين سمع أن قسيساً أنجليكانياً تحول إلى كنيسة روما قال "ليباركه الله"(127). ويقول بوزويل إنه "دافع عن ديوان التفتيش، وذهب إلى أن العقيدة الزائفة يجب أن توقف بمجرد ظهورها، وأن على السلطة الدينية أن تتحد مع الكنيسة في عقاب من يجرءون على مهاجمة الدين المقرر، وأن أمثال هؤلاء دون غيرهم هم الذين كان ديوان التفتيش يعاقبهم"(128). وكان يكره المنشقين على الكنيسة الأنجليكانية، ورحب بطرد المثوديين من أكسفورد(129). وقد رفض أن يتحدث إلى سيدة هجرت الكنيسة الرسمية لتنضم إلى طائفة الكويكر(130). ووبخ بوزويل على صداقته المعتدلة لهيوم "الملحد". وحين أخبره آدم سمث أن هيوم يحيا حياة يضرب بها المثل، صاح به جونسن "أنت تكذب:" ورد




صفحة رقم : 14300




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الفكر المحافظ


عليه سمث فوراً "أنت أبن قحبة"(131). وقد أحس جونسن أن الدين أمر لا غنى عنه للنظام الاجتماعي والأخلاق، وأن الرجاء المنعقد على خلود سعيد هو وحده الذي يستطيع حمل الإنسان على تقبل شدائد الحياة الدنيوية. وقد آمن بالملائكة والشياطين، وذهب إلى "أننا جميعاً كتب لنا أن نسكن في الآخرة أما في مواطن الهول أو السعادة"(132). ثم قبل الوجود الحقيقي للساحرات والعفاريت، وأعتقد أن زوجته المتوفاة قد ظهرت له في المنام(133).
ولم يكن يهتم بالعلم، وقد امتدح سقراط على محاولته نقل البحث من النجوم إلى الإنسان(134). وكان يستفظع تشريح الحيوان الحي. ولم يثر الارتياد الجغرافي اهتماه، فاكتشاف الأراضي المجهولة لن يفضي إلا إلى الغزو واللصوصية"(135). وذهب إلى أن الفلسفة متاهة عقلية تؤدي إما إلى الشك الديني أو إلى الهراء الميتافيزيقي. ومن ثم فند مثالية باركلي برفس حجر، ودافع عن حرية الإرادة بقوله لبوزويل "نحن عليمون بأن إرادتنا حرة، وهذا يكفي لإنهاء المسألة... أن النظرية كلها ضد حرية الإرادة، والتجربة كلها معها"(136).
وقد رفض باشمئزاز فلسفته التنوير الفرنسي بأسرها. وأنكر حق العقل الفرد مهما عظم ذكاؤه في أن ينصب نفسه حكماً على أنظمة أنشأتها شيئاً فشيئاً تجربة المحاولة والخطأ التي خاضها النوع الإنساني حماية للنظام الاجتماعي من دوافع البشر غير الاجتماعية. وأحس أن الكنيسة الكاثوليكية مع كل مآخذها تؤدي وظيفة حيوية في صيانة الحضارة الفرنسية، وحكم بالغفلة والضحل على جماعة الفلاسفة الفرنسيين الذين يوهنون الركائز الدينية للناموس الأخلاقي. وقد بدا له فولتير وروسو نوعين من البلهاء: ففولتير مغفل عقلي، وروسو مغفل عاطفي، غير أن الفرق بينهما من الضآلة بحيث "يعسر تقرير نسبة الإثم فيما بينهما"(137). وقد وبخ بوزويل على تودده لروسو في سويسرا، وأسف لكرم الضيافة الذي بذلته إنجلترا لمؤلف "إميل" (1766). "إن روسو يا سيدي رجل شرير جداً. وإني لن أتردد في أن أوقع على حكم بنفيه بأسرع مما أوقعه على أي جان أدانته




صفحة رقم : 14301




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الفكر المحافظ


محكمة الجنايات على مدى هذه السنين الكثيرة. أجل يا سيدي، أود لو أكره على الشغل في المزارع الكبيرة"(138).
على أن جونسن لم يكن محافظاً في حياته بقدر ما كان في آرائه. فكان يخرج في مرح على عشرات التقاليد في السلوك، والحديث، واللباس. ولم يكن متزمتاً؛ ضحك على البيورتان، وحبذ الرقص؛ ولعب الورق، والمسرح. ولكنه أدان قصة فيلدنج "توم جونسن، وصدمه أن يسمع أن حنه مور المحتشمة قرأتها(139). وكان يخشى النزعة الحسية في الأدب لأنه وجد مشقة في كبت خياله ودوافعه الحسية. وربما كان يخيل للناس من واقع عقائده أنه لم يستمتع بالحياة، ولكن في استطاعتنا أن نرى في بوزويل أنه استمتع بـ "ملء الوجود البشري". لقد حكم على الحياة بأنها مؤلمة حقيرة، ولكنه كمعظمنا طاولها ما استطاع، وواجه سنيه الأخيرة في كره غاضب.




صفحة رقم : 14302




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الخريف



6- الخريف


وفي عام 1756 انتقل من الأنر تمبل إلى بيت ذي طوابق ثلاثة في رقم 7 بجونسنز كورت بفليت ستريت، وكان قد أطلق عليه اسم ساكن قبله هناك وجده بوزويل بعد أن عاد من أوربا. وفي يوليو منحته جامعة دبلن درجة الدكتوراه الفخرية في القانون، فأصبح الآن لأول مرة "الدكتور جونسن"، ولكنه لم يلحق هذا اللقب باسمه قط(140).
وفي أكتوبر 1765 أصدر، في مجلدات ثمانية، مسرحيات شكسبير التي تحمل تحقيقاته وتعليقاته، بعد أن انقضت ثمانية أعوام على الموعد الذي وعد به المكتتبين فيها. وقد جرؤ على بيان ما في مسرحيات الشاعر من أخطاء وسخافات وآراء طنانة صبيانية، ولامه لافتقاره إلى الهدف الأخلاقي، وذهب إلى أن شكسبير "ربما لم يخلف مسرحية واحدة لو عرضت الآن على أنها من تأليف معاصر لما استمع إليها جمهور النظارة إلى نهايتها"(141). ولكنه امتدح الشاعر على تحكمه في عنصر الحب المشوق في الدرامات الكبرى، وعلى جعله كبار شخوصه ناساً لا أبطالاً، ودافع في قوة عن إهمال شكسبير لوحدتي الزمان والمكان، وذلك الإهمال الذي أخذه




صفحة رقم : 14303




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الخريف


فولتير على شكسبير(142). وقد تحدى النقاد الكثير من تعليقاته وتصويباته، وحل محل هذه طبعة أصدرها إدموند مالون في 1790؛ ولكن مالون اعترف بأن طبعته مبنية على طبعة جونسن، وغالى في تقدير مقدمة جونسن فقال إنها "ربما كانت أروع التآليف في لغتنا"(143).
وفي 1767، بينما كان جونسن يزور قصر بكنجهام، التقى مصادفة بجورج الثالث، فتبادل الرجلان عبارات المجاملة. ثم أصبحت صداقته ببوزويل أثناء ذلك حميمة، فقبل جونسن في 1773 دعوة الرجل المعجب ليصحبه في رحلة إلى جزر الهبريد. وكانت مغامرة شجاعة لرجل في الرابعة والستين. وبدأت بسفرة طويلة شاقة في مركبة بريد من لندن إلى إدنبرة. وهناك التقى بروبرتسن، ولكنه أبى أن يقابل هيوم.. وفي 18 أغسطس بدأ هو وبوزويل وخادم لهما الرحلة شمالاً في مركبة أجرة على الساحل الشرقي إلى أبردين، ومن هناك شقوا طريقهم عبر إقليم المرتفعات الوعر مخترقين بأنف إلى انفرنس، ثم على ظهور الخيل أكثر الرحلة مروراً بآنوخ إلى جلينيلج على الساحل الغربي. وهناك استقلا قارباً إلى جزيرة سكاي، التي جابا أرجاءها كلها تقريباً من 2 سبتمبر إلى 3 أكتوبر. وقد كابدا مشاق كثيرة تقبلها جونسن في شجاعة صارمة، فنام فوق الريس في الأجران، ودب عنه الهوام، وتسلق فوق الصخور، وركب في وقار قلق أفراساً لا تكاد تفوقه حجماً. وفي إحدى وقفاتهما جلست سيدة من قبيلة مكدونلد على ركبته وقبلته فقال لها "أعيدي، ولنرى من منا يتعب قبل الآخر"(144). وفي 3 أكتوبر ركب كلاهما قارباً مكشوفاً مسافة أربعين ميلاً إلى جزيرة كول، ومنها إلى جزيرة مل. ثم عبرا رجوعاً إلى البر الأم في 22 أكتوبر، ثم سافرا مخترقين أرجلشير بطريق دمبرتن وجلاسجو إلى أوخنلك (2 نوفمبر). هناك التقى جونسن بوالد بوزويل، الذي احتفى به احتفاء كبيراً، وإن أسف لتحامله على الاسكتلنديين، وخاضا في جدل بلغ من العنف حداً رفض معه بوزويل أن يسجله. وبعدها لقب بوزويل الأب جونسن "الدب الأكبر" وهو لقب فسره الابن في لياقة بأنه لا يعني




صفحة رقم : 14304




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الخريف


الدب الأكبر بل "برجاً للعبقرية والعلم"(145). ووصل المسافران إلى إدنبرة في 9 نوفمبر، وبعد أن رحلا عنها بثلاثة وثمانين يوماً. فلما تذاكرا المشاق التي لقياها، "ضحكا من قلبيهما على هذيان أولئك الحالمين السخفاء الذين حاولوا إقناعنا بما تتيحه الحالة الطبيعية من منافع خداعة". "وغادر جونسن إدنبرة في 22 نوفمبر، فبلغ لندن في السادسة والعشرين. وفي 1775 نشر كتاب "رحلة إلى جزر إسكتلندة الغربية"، ولم يكن بالكتاب النابض بالحياة، حتى إذا قورن بالوصف المهذب، الذي أصدره بوزويل في 1785 بعنوان "يوميات جولة في الهيبريد مع صموئيل جونسن"، وذلك لأن الفلسفة أقل إمتاعاً من الترجمة، ولكن في بعض الفقرات(146)جمالاً هادئاً يبدي لنا جونسن مرة أخرى رباً للنثر الإنجليزي.
وفي أبريل 1775 اقتنعت أكسفورد أخيراً بمنح جونسن درجة الدكتوراه الفخرية في القانون المدني. وفي مارس 1776 غير مسكنه لآخر مرة، فانتقل إلى المنزل رقم 8 ببولت كورت مصطحباً معه أسرته المختلطة. ثم كتب إلى كبير أمناء الملك (11 أبريل 1776) في حالة نفسية غريبة من المرح يطلب شقة في قصر هامتن كورت فقال "أرجو ألا يكون الاعتكاف في أحد بيوت جلالته تجاوزاً في غير موضعه أو دون استحقاق لرجل شرف بالدفاع عن حكومة جلالته"(147). ورد كبير الأمناء آسفاً لكثرة عدد الطلاب.
وبقي إنجاز أخير للأديب. ذلك أن أربعين كتيباً لندنياً اشتركوا في إعداد طبعة متعددة الأجزاء موضوعها الشعراء الإنجليز، وطلبوا إلى جونسن أن يقدم لكل شاعر بترجمة له. وتركوا له تحديد شروطه، فطلب مائتي جنيه. قال مالون طلو أنه طلب ألفا أو حتى ألفا وخمسمائة من الجنيهات لما تردد الكتابيون في العطاء وهم العليمون بقيمة أسمه"(148). وكان جونسن قد فكر في كتابه "سير قصيرة"، وفاته أن من أصول الكتبة أن القلم الجاري، كالمادة في قانون نيوتن الأول، يواصل جريانه ما لم تكرهه على تغيير تلك الحالة قوى مفروضة عليه من الخارج. ولقد كتب عن صغار الشعراء بإيجاز




صفحة رقم : 14305




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الخريف


محمود، أما عن ملتن، وأديسن، وبوب، فقد أطلق لقلمه العنان، وأنشأ مقالات-من ستين صفحة واثنتين وأربعين ومائة واثنتين-تعد من اروع نماذج النقد الأدبي في الإنجليزية.
وقد تلون حكمه على ملتن بكراهيته للبيورتان وسياستهم وقتلهم للملك. وقرأ نثر ملتن كما قرأ شعره، ووصفه بأنه "جمهوري قاس فظ"(149). أما مقاله عن بوب (الذي بلغ في الطبعة الأصلية 373 صفحة) فكان آخر، ضربة في الدفاع عن الأسلوب الكلاسيكي في الشعر الإنجليزي يضربها أعظم وريث لذلك الأسلوب في النثر الإنجليزي. لقد رأى، وهو الملك لناصية اليونانية أن ترجمة للألياذة تفضل هومر. وامتدح مرثية جراي، ولكنه رفض قصائده الغنائية لاكتظاظها في غير نظام بالأرباب الأسطوريين. وحين نشرت المجلدات العشر من "حياة الشعراء" (1779-81)، صدمت بعض القراء أحكام جونسن التي كانت غير تقليدية ولكنها متعالية قاطعة، وعدم إحساسه بلطائف الشعر الرهيفة، وميله لتقدير الشعراء أو الحط من أقدارهم تبعاً للاتجاه الأخلاقي الذي تنحو إليه قصائدهم وحياتهم. وقد صرح ولبول بأن "الدكتور جونسن لا يملك ولا ريب من الذوق ولا السمع ولا معيار النقد إلا ميوله المغرضة العجائزية"(150). وسخر من "هذا الهيكل الثقيل القائم على طوالتين"، والذي يبدو أنه قرأ القدامى دون هدف إلا سرقة الألفاظ المتعدد المقاطع(151). فلم إذن فاقت هذه "السير" في ذيوعها وشغف القراء بها أي ثمرة أخرى من ثمرات قلم جونسن؟ ربما السبب تلك الميول المغرضة والصراحة في الإعراب عنها. فلقد جعل النقد الأدبي قوة نابضة بالحياة، وأوشك أن يبعث الموتى من قبورهم بضرباته القاسية.




صفحة رقم : 14306




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الإفراج



7- الإفراج




1781-1784


نحن نحس بالفخر بيننا وبين أنفسنا حين يمتد بنا العمر بعد موت معاصرينا، ولكنا نعاقب بشعور الوحدة، وهكذا كان موت هنري ثريل (4 أبريل 1781) البداية لنهاية جونسن. وقد قام بمهمته بصفته أحد أربعة كانوا منفذين لوصية صانع الجعة. ولكن زياراته لأسرة ثريل قلت بعد ذلك.




صفحة رقم : 14307




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الإفراج


وكانت السيدة ثريل قد بدأت قبل موت زوجها بأمد طويل تضيق بالضغوط التي تفرضها عليها حاجة جونسن للرعاية والآذان الصاغية. وكان ثريل قد أفلح في جعل دبه الأسير يسلك سلوكاً مهذباً إلى حد معقول، ولكن (وهذه شكوى الأرملة) "إذا لم يوجد من يردعه (أي جونسن) عن التمادي في إبداء مكارهه أصبح عسيراً جداً أن تجد إنساناً يستطيع التحدث إليه دون العيش دائماً على شفا الشجار... وقد وقعت أمثال هذه الحوادث مراراً وتكراراً، فاضطررت... إلى الاعتكاف في بات، حيث كنت أعلم أن المستر جونسن لن يتبعني"(152).
وزادت صحيفة المورننج بوست الطين بلة بإعلانها أن معاهدة زواج بين جونسن والمسز ثريل "جاهزة"(153). وكتب بروزويل نشيداً هزلياً (برلسك) عنوانه "نشيد بقلم جونسن إلى مسز ثريل بمناسبة زفافهما القريب المزعوم"(154). ولكن في 1782 كان جونسن في الثالثة والسبعين والمسز ثريل في الحادية والأربعين. ولم تكن قد تزوجت ثريل بإرادتها هي، وكثيراً ما كان يهملها، ولم تتعلم قط أنها تحبه. ومن ثم فقد طالبت الآن بحقها في أن تحب وأن تحب، وفي أن تجد زوجاً في نصف عمرها الأخير، وكانت في تلك السن التي يشتد فيه الشوق المرأة لنوع من الصحبة البدنية المتفهمة. وكانت حتى قبل موت زوجها قد تعلقت بجابرييل بيوتزي الذي كان يعطي بنتها دروساً في الموسيقى. وكان وهو الإيطالي مولداً قد اتخذ إنجلترا له مقاماً في 1776، وناهز الآن الثانية والأربعين. ويوم لقيته أول مرة في حفلة أقامها الدكتور بيرني، راحت نقلد لأزماته تقليداً ساخراً وهو يعزف على البيان. بيد أن سلوكه الأنيق، وطبعه اللطيف، ومهارته الموسيقية، جعلت منه نقيضاً مريحاً للدكتور جونسن. وأرخت الآن العنان لغرامها بعد أن تحررت. واعترفت لبناتها الأربع الباقيات على قيد الحياة برغبتها في الزواج. فهالهن النبأ، ذلك أن هذا الزواج الثاني سيؤثر في مستقبلهن المالي، والزواج من موسيقي-وأسوأ من ذلك كاثوليكي روماني-سينال من مكانتهن في المجتمع. لذلك توسلن إلى أمهن أن تتروى في الأمر، فحاولت ولكنها فشلت. وسلك بيوتزي مسلك الرجل المهذب، فرحل إلى إيطاليا




صفحة رقم : 14308




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الإفراج


(أبريل 1783) وغاب قرابة عام. فلما عاد (مارس 1784) ووجد أن المسز ثريل ما زالت تواقة للزواج منه استسلم للأمر. ورفض البنات الموافقة، وانتقلن إلى برايتن.
وفي 30 يونيو أرسلت مسز ثريل إلى جونسن إعلاناً ينبئه بأنها وبيوتزي قررا الزواج. فأرسل إليها هذا الرد (2 يوليو 1784).
سيدتي:
لو أنني أصبت في تفسير رسالتك لقلت إنك تتزوجين زواجاً شائناً، فإذا كان لم يعقد بعد، فدعينا نقلب الأمور معاً مرة أخرى. ولو كنت قد تخليت عن بناتك وعن دينك، فليغفر الله لك شرك؛ ولو كنت قد خسرت سمعتك ووطنك، فأرجو ألا تأتي حماقتك مزيداً من الشر. وإذا كنت لم تتخذي بعد آخر خطوة، فإنني-أنا الذي أحببتك، وقدرتك، واحترمتك، وخدمتك، أنا الذي طالما رأيتك الأولى بين جنس النساء-أتوسل إليك أن أراك مرة أخرى قبل أن يصبح مصيرك لا رجعة فيه.
لقد كنت، ذات مرة يا سيدتي، المخلص لك جداً
صموئيل جونسن(155)
وساءت المسز ثريل كلمة "شائن" لأنها رأتها وصمة لخطيبها، فردت على جونسن في 4 يوليو تقول: "لنكف عن التحادث حتى تغير رأيك في مستر بيوتزي" ثم تزوجت بيوتزي في 23 يوليو. ووافقت لندن كلها جونسن على إدانتها. وفي 11 نوفمبر قال جونسن لفاني بيرني، "أنني لا أتحدث عنها أبداً، ولا رغبة لي مطلقاً في سماع المزيد عنها"(156).
ولا بد أن هذه الأحداث هدت من حيوية جونسن المتهافتة. فاشتد أرقه، ولجأ إلى الأفيون ليخفف آلامه ويهدئ أعصابه. وفي 16 يناير 1782 مات طبيبه روبرت ليفت. وتساءل جونسن: على من يكون الدور بعده؟ لقد كان يرهب الموت دائماً، ومن ثم أحال هذا الخوف وإيمانه بالجحيم سنيه الأخيرة خليطاً من وجبات العشاء الثقيلة والمخاوف اللاهوتية. وقال للدكتور وليم آدمز عميد كليو بمبورك "أخاف أن أكون واحداً من




صفحة رقم : 14309




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الإفراج


الهالكين". فلما سأله آدمز ماذا يعني بكلمة "الهالكين" صاح "الذين مآلهم إلى النار والعقاب لأبدي يا سيدي"(157). ولم يملك بوزويل إلا المقارنة بين هذه الحال وبين السكينة التي كان هيوم الملحد قد دنا بها من منيته(158).
وفي 17 يونيو 1783 أصيب جونسن بنقطة خفيفة "تشوش وخلط، في رأسي أظنه دام نصف دقيقة.. وقد احتبس لساني. ولم أشعر بألم"(159). وبعد أسبوع تماثل للشفاء تماثلاً أتاح له تناول العشاء في النادي، ولفي يوليو أذهل أخصاءه بالقيام برحلات إلى روتشستر وسلزيري. قال لهوكنز "أي رجل أنا، رجل قهر ثلاثة أمراض-الشلل، والنقرس، والربو-ويستطيع الآن الاستمتاع بحديث الأصدقاء!"(160)ولكن في 6 سبتمبر ماتت مسز وليمز، وباتت وحدته لا تطاق. فلما وجد "النادي" غير كاف-لأن العديد من أعضائه القدامى (جولدسمث، وجاريك، وبوكلارك) ماتوا، ولأن بعض أعضائه الجدد كانونا كريهين في نظره ، أنشأ (ديسمبر 1783)، "نادي المساء" الذي كان يعقد اجتماعاته في مشرب للجعة بشارع أسكس. هناك في وسع أي شخص مهذب، إذا دفع ثلاثة بنسات، أن يدخل ويستمع إليه يتحدث ثلاث ليال كل أسبوع. ودعا رينولدز للانضمام، ولكن السر جوشوا رفض. ورأى هوكنز وغيره في النادي الجديد "تدهوراً في تلك القدرات التي كانت تبهج "أشخاصاً أكثر مهابة"(161).
وفي 3 يونيو 1784 كان في عافية أتاحت له الرحلة مع بوزويل إلى لتشفيلد وأكسفورد. فلما عاد بوزويل إلى لندن أقنع رينولدز وأصدقاء آخرين بأن يطلبوا إلى وزير الخزانة توفير مبلغ من المال يمكن جونسن من القيام برحلة إلى إيطاليا ليسترد صحته، وقال جونسن إنه يفضل مضاعفة معاشه. ولكن وزير الخزانة رفض. وفي 2 يوليو رحل بوزويل إلى إسكتلندة. ولم ير جونسن بعدها قط.
ذلك أن الربو الذي كان قد تغلب عليه عاوده وزاد عليه الاستسقاء. كتب إلى بوزويل في نوفمبر 1784 "إن نفسي قصير جداً، والماء يتزايد




صفحة رقم : 14310




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الإفراج


الآن علي"(162). وتوافد عليه رينولدز، وبيرك، ولانجتن، وفاني بيرني وغيرهم ليلقوا عليه تحية وداع أخيرة. ثم كتب وصيته، وقد خلف 2.000 جنيه، أوصى منها بمبلغ 1.500 لخادمه الزنجي(163). وعالجه عدة أطباء، ورفضوا تقاضي أي أجر. وتوسل إليهم أن يشقوا ساقيه شقاً أعمق، فأبوا، فلما انصرفوا دفع مبضعاً أو مقصاً في عمق ربلتيه أملاً في فراغ مزيد من الماء والتخفيف من الورم المؤلم، وانطلق بعض الماء، ولكن انطلقت معه أيضاً عشر أوقيات من الدم. وفي تلك الليلة، ليلو 13 ديسمبر 1784، قضى نحبه. وبعد أسبوع دفن في كنيسة وستمنستر.
لقد كان أغرب شخصية في تاريخ الأدب، أغرب حتى من سكارون أو بوب. ومن العسير أن نحبه لأول وهلة، فقد ستر رقته خلف ستار من الوحشية، ونافست خشونة عاداته لياقة كتبه. ولم ينل أحد قط مثل هذا الإعجاب الكثير ولا بذل مثل هذا الثناء الضنين. ولكنه كلما تقدم به العمر ازدادت الحكمة في كلامه. وقد أحاط حكمته بالتفاهات، ولكنه رفع هذه التفاهات إلى مستوى جوامع الكلم بقوة حديثه أو تلوينه. ولنا أن نشبهه بسقراط، الذي كان يتكلم أيضاً لأقل إثارة أو استفزاز، والذي يذكره الناس بكلامه المنطوق. وكان كلاهما أشبه بذباب الخيل المنبه، ولكن سقراط كان يلقي أسئلة ولا يعطي جواباً، أما جونسن فلم يلق سؤالاً وقد أجاب عن كل الأسئلة. ولم يكن سقراط على يقين من شيء، أما جونسن فكان على يقين من كل شيء. وقد ناشد كلاهما العلم أن يدع النجوم وشأنها ويدرس الإنسان. وواجه سقراط الموت مواجهة فيلسوف وبابتسامة، أما جونسن فواجهه بإرتجافات دينية تنافس أوجاعه الموهنة.
ولن تجد إنساناً يراه في صورة الكمال. وفي وسعنا أن نعرف لم تجتنبه الطبقة الأرستقراطية الإنجليزية وتجاهلت إماراته-خلا لانجتن وبوكلارك. ونحن ندرك أي "جون بول" كان يمكن لأن يكون لو جال في "متحف خزف" النبلاء، أو وسط تحف قصر "ستروبري هل" النفسية، إنه لم يخلق للحال، ولكنه أدى مهمة، هي تخويف البعض ليكفوا عن الرياء والكذب والنفاق والمبالغة في إظهار العاطفة، وليجعلنا ننظر إلى أنفسنا بأوهام أقل




صفحة رقم : 14311




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> الإفراج


عن طبيعة البشر أو نشوات الحرية. ولا بد إن كان هناك شيء محبب في رجل استطاع رينولدز وبيرك وجولدسمث الاستماع إليه ألف ليلو وليلة، شيء ساحر في إنسان استطاع أن يوحي بكتابة سيرة عظيمة، ويملأ صفحاتها الألف والمائتين بحياة لا يبليها الزمن.




صفحة رقم : 14312




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> بوزويل في أيامه الأخيرة



8- بوزويل في أيامه الأخيرة


لما مات الدب الكبر حام حوله قطيع الأدباء ليلتقطوا من جثمانه بعض قوتهم. أما بوزويل نفسه فلم يتعجل، فقد عكف على "السيرة" سبعة أعوام، ولكنه أصدر في 1785 "يومية جولة في جزر الهبريد مع صموئيل جونسن"، وقد طبعت ثلاث طبعات في سنة واحدة. وكانت هستر ثريل بيوتزي قد جمعت مادة عن أحاديث جونسن وعاداته، فصنفت الآن من هذه "الثريليات" "نوادر عن المرجوم الدكتور صموئيل جونسن، خلال سنيه العشرين الأخيرة" (1786). وقد عرض الكتيب صورة لضيفها أقل إشراقاً مما سجلته في يوميتها يوماً بيوم، ولا ريب في أن رسائل جونسن الأخيرة لها قد خلفت فيها جرحاً لا يندمل.
ويلي ذلك في الحلبة-إذا خلينا أكثر من عشرة أسماء طواها النسيان الآن-"سيرة صموئيل جونسن" التي نشرها في خمسة مجلدات فاخرة السر جون هوكنز عام 1787. وكان هوكنز قد لقي من التوفيق في عمله محامياً عاماً ما برز منحه لقب الفروسية (1772) وحصل من الثقافة ما أتاح له تأليف كتاب جيد في "تاريخ الموسيقى" (1776). وقد شارك جونسن في تنظيم نادي "آيفي لين" (1749)، وكان أحد الأعضاء الأصليين في "النادي". ولكنه تركه عقب جدال مع بيرك فلقبه جونسن بـ "الرجل الذي لا يصلح للأندية"، ولكن جونسن ظل صديقه، وكثيراً ما التمس مشورته، وقد عينه واحداً من منفذي وصيته. وبعد وفاة جونسن بقليل طلب جماعة من الكتبية إلى هوكنز أن يعلق على طبعة تضم آثار الدكتور ويقدم لها بترجمة للأديب. وقد أخذ على هذه الترجمة أنها كشفت عن عيوب جونسن في غير رحمة، وتشكك بوزويل في دقتها فيما بعد، ولكن




صفحة رقم : 14313




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> بوزويل في أيامه الأخيرة


"التهم الموجهة للترجمة لا يمكن إثباتها في تحقيق منصف"(164). ومعظم العيوب التي أخذها هوكنز على جونسن لاحظها غيره من معاصريه.
ثم عادت المسز بيوتزي إلى المأدبة بكتاب عنوانه "رسائل متبادلة مع المغفور له صموئيل جونسن" (1788)، وكلها ساحر، لأن رسائل جونسن (فيما خلا الأخيرة التي كتبها لسيدته الضالة) كانت تفوق حديثه كثيراً في إنسانيتها. وكان بوزويل خلال ذلك عاكفاً بصير فيما بين قضاياه ومجالس خمره على تأليف سيرة عقد العزم على أن يجعلها نسيج وحدها. وكان قد بدد في التسجيل مذكرات بأحاديث جونسن عقب لقائهما الأول (1763)، ثم خطط للسيرة في تاريخ مبكر (1772). غير أن الحبل بهذا الجنين كان غاية في الطول والمشقة. ذلك أنه قلما كان يدون الملاحظات من فوره، ولم يكن يعرف الاختزال، ولكنه اتخذ مبدأ هو أن يدون على عجل وباختصار بمجرد عودته إلى حجرته ما يذكره عما حدث أو قيل. وبدأ كتابة "سيرة صموئيل جونسن" بلندن في 9 يوليو 1786 وتنقل بين أرجاء المدينة باحثاً عن المعلومات يستقيها ممن بقي على قيد الحياة من أصحاب جونسن. وأعانه إدموند مالون، الأديب المتخصص في شكسبير، على فرز وتصنيف ذلك الحشد الضخم المضطرب من المذكرات، وشد أزره ودعم شجاعته حين بدا أنه يوشك أن يستسلم للنساء والشراب بعد أن هده الفجور والحزن وموت زوجته. كتب بوزويل في 1789-"لن تستطيع أن تتصور أي عناء، وأي حيرة، وأي غيظ تحملته في ترتيب عدد هائل من المواد، وفي ملء الفراغات، وفي البحث عن اوراق مدفونة بين أشتات من الأكداس، وكل هذا بالإضافة إلى عناء التأليف والتهذيب. وكثيراً ما فكرت في التخلي عن هذه المهمة"(165). وقد اقتبس من كتاب وليم ميسن "سيرة جراي ورسائله" (1774) فكرة بث رسائل بطله في ثنايا القصة. وقد كدس التفاصيل عمداً، لشعوره بأنها تضيف إلى الصورة الكاملة الحية. ثم نسجت من هذه الأشتات مسلسلة التواريخ وكل متكامل.
فهل كان دقيقاً؟ هذا ما زعمه. "لقد توخيت الدقة البالغة في التسجيل




صفحة رقم : 14314




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> بوزويل في أيامه الأخيرة


بحيث لا بد أن تكون كل صغيرة أو تافهة صادقة"(166). وأينما استطعنا مقارنة روايته عن كلام جونسن بغيره من الروايات بدا أنها صحيحة من حيث الوقائع، وأن لم تكن كذلك من حيث حرفيتها. والمقارنة بين كتابي بوزويل "المذكرات" و "السيرة" تدل على أنه حول تلخيصه لأحاديث جونسن إلى اقتباسات مباشرة، قد يطيلها أحياناً، أو يقصرها، أو يحسنها(167)، أو ينقيها، مع تمديد الألفاظ الصغيرة (الرباعية الحروف) إلى أطوال محترمة، وكان أحياناً يحذف الوقائع التي لا تخدم مصلحته(168). ولم يدع أنه قال كل الحقيقة عن جونسن(169)، ولكن حين توسلت إليه حنه مور "أن يلطف من بعض خشونة جونسن وغلظته"، رد بأنه "لن يقلم أظافر جونسن، أو يحيل البيرقطا ليسر أي إنسان"(170). والواقع أنه كشف عن عيوب أستاذه كاملاً كما فعل غيره، ولكن في منظور أوسع خفف من بروزها. وقد حاول أن يظهر من الرجل في صورته الكاملة ذلك القدر الذي تسمح به المحبة واللياقة. قال "إنني على يقين تام أن النهج الذي انتهجته في كتابة السيرة، والذي لا يكتفي بسرد تاريخ لـ "مسيرة" جونسن في الحياة، ولمؤلفاته، بل يضيف نظرة إلى فكره المتمثل في رسائله وأحاديثه، هذا المنهج هو اكمل منهج يمكن تصوره، وسيكون أقرب إلى تصوير "حياة" جونسن من أي كتاب ظهر إلى الآن"(171).
وأخيراً خرجت السيرة من المطبعة إلى النور في مجلدين كبيرين في مايو 1791 ولم يقدره القراء لتوهم كنزاً فريداً في بابه. وساء كثيرين أن يقص بوزويل وأحاديثهم الخاصة، ولم تكن دائماً مما يستحق الإعجاب، فقد كان في وسع الليدي ديانا بوكلارك مثلاً أن تقرأ كيف نعتها جونسن بأنها عاهر، ورأى رينولدز أين وبخه جونسن على الإفراط في الشراب، وعرف بيرك أن جونسن يتشكك في نزاهته السياسية ويرى أنه لا يتورع عن التقاط مومس من عرض الطريق، وجفلت المسز بيوتزي والمسز اليزابث مونتجيو مما قرأتا. وكتب هوراس ولبول يقول "أن الدكتور بلاجدن يقول بحق إن هذا ضرب جديد من القذف، تستطيع به أن تسب أي إنسان




صفحة رقم : 14315




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> بوزويل في أيامه الأخيرة


بقولك أن ميتاً ما قال كذا وكذا عن شخص حي"(172). ووجد آخرون أن التفاصيل مسرفة، وأن كثيراً من الرسائل تافهة، وأن بعض الصفحات مملة. ولم تدرك إنجلترا إلا شيئاً فشيئاً أن بوزويل قد أبدع رائعة من الروائع، وأنه أسبغ على حياته شيئاً من النبل والسمو.
وكان أبوه قد مات في 1782 مخلفاً إياه سيداً على أوخنلك بدخل بلغ 1.600 جنيه في العام وقد أثبت أنه سيد عطوف رقيق الفؤاد، ولكنه كان قد ألف حياة الحضر إلفاً إطالته المكث في أوخنلك. وفي 1786 صرح له باحتراف المحاماة في إنجلترا، وبعدها أنفق معظم وقته في لندن. وقد صوره رينولدز في ذلك العام-رجلاً واثقاً من نفسه، متغطرساً، له أنف كفيل بأن يستل أي سر من صاحبه. وكانت زوجته تصحبه أحياناً إلى لندن، ولكنها كانت تقيم في أوخنلك عادة. وفيها ماتت عام 1789 بالغة الحادية والخمسين، بعد أن أضنتها العناية التي بذلها لبوزويل وأبنائه. وقد عمر بعدها ست سنين-كانت سني انحلال متعاظم. فلقد حاول مراراً وتكراراً أن يقهر حاجته إلى الشراب ولكنه أخفق. ومات بلندن في 19 مايو 1795، بالغاً السادسة والخمسين، ونقل جثمانه إلى أوخنلك ليدفن فيها. وأوزاره ماثلة اليوم في أذهان جماهير الناس. ولكننا سننساها حين نقرأ مرة أخرى السيرة التي هي أعظم السير طراً.
هذا لول رجعنا البصر إلى هذا القرن الثامن عشر في الأدب الإنجليزي، لأدركنا أنه قبل كل شيء قرن النثر، من أديسن، وسويفت، وديفو، إلى ستيرن، وجبون، وجونسن، تماماً كما كان القرن السابع عشر قرن الشعر، من "هاملت" ودن إلى درادين والفردوس المفقود. وكان صعود العلم والفلسفة، وهبوط الذين والغيبيات، وإحياء الوحدات والقيود الكلاسيكية، كل هذا برد من حرارة الخيال والآمال، وعطل من تدفقهما، وكان انتصار العقل هزيمة للشعر، في فرنسا وفي إنجلترا على حد سواء. بيد أن ما اتسم به أدب إنجلترا النثري في القرن الثامن عشر من حيوية وتنوع عوض تعويضاً وافياً عن الشكلية الجامدة التي سادت شعره. وبفضل




صفحة رقم : 14316




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> إنجلترة جونسن -> صموئيل جونسن -> بوزويل في أيامه الأخيرة


رتشاردسن وفيلدنج أصبحت الرواية، التي كانت قبلهما سلسلة إبيزودية من مغامرات المتشردين والشطار، وصفاً للحياة ونقداً لها، ودراسة للعادات، والأخلاق، والشخصيات، هي أكثر إثارة من سجلات المؤرخين، الذين تاه منهم الناس وسط الدولة. ثم أي تأثير أدبي يمكن أن يضارع في ذلك الأثر تأثير رتشاردسن على بريفو، وروسو، وديدرو، وجوته؟
وإذا كان أدب إنجلترا في القرن الثامن عشر لم يستطع مطاولة أدب القرن السابع عشر، أو منافسة الخيال الأليزابيثي المحلق، فإن حياة إنجلترا بجملتها استعادت حركتها صعداً بعد إخفاق الشجاعة والسياسة القوميتيين في عهد عودة الملكية. فلم تشعر إنجلترا منذ هزيمة الأرمادا بمثل هذا التدفق في المغامرة السياسية، وقد شهدت الأعوام الواقعة بين صعود شاتام ومت ابنه الثورة الصناعية تحل إنجلترا مكاناً أسبق كثيراً من منافسيها في روح الابتكار والقوة الاقتصاديين، وشهدت البرلمان الإنجليزي يغزو القارات وهو يكبح أثناء ذلك جماح ملوكه. فالآن بنيت الإمبراطورية البريطانية المترامية، والآن تجاوبت قاعات مجلس العموم بالخطب البليغة التي لم تسمعها أوربا منذ أيام شيشرون. وبينها كانت فرنسا تنزح خزائنها لتحرر أمريكا، وتضرب عنقها لتحقق أحلامها، وشحذت إنجلترا كل مواردها من فكر وإرادة لتتطور دون ثورة، ولتلج أبواب القرن التاسع عشر في الاقتصاد والحكم مكللة بالنصر متبوئة أسمى مكان.




صفحة رقم : 14317




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> ورثة العرش








الكتاب السابع




انهيار فرنسا الإقطاعية




1774-1789




الفصل الرابع والثلاثون




البهاء الأخير




1774-1783




1- ورثة العرش




1754-1774


كان لويس السادس عشر الابن الثالث للدوفن لوي دفرانس، الذي كان الإبن الشرعي الوحيد للويس الخامس عرش. وقد لقب الدوفن بلويس البدين لأنه كان أكولاً. وقد حاول التغلب على سمنته بلبصيد، والسباحة، وقطع الأشجار، ونشر الخشب، واشتغال بالحرف اليدوية(1). واحتفظ طول حياته باحترامه للكنيسة ، وكان أعز أصدقائه هم القساوسة، وكان شديد الخجل من فسق أبيه. وقد أدمن القراءة، وقرأ فيما قرأ مونتسكيو وروسو، وآمن بالرأي القائل "إن الملك ليس إلا الوكيل على موارد الدولة"(2). وضن على نفسه برحلة خلال فرنسا، لأن "شخص بجملته لا يساوي ما تكلفه الرحلة للشعب الفقير"(3). ومما يجدر بالملاحظة أن الكثير من خلقه وعاداته وأفكاره تنحدر إلى ولده لويس السادس عشر.
أما زوجته، ماري-جوزيف السكسونية، المرأة الفاضل الخلق، القوية البدن، فقد ولدت ثمانية أطفال، ومنهم لوي-جوزيف، ودوق برجنديه، الذي قتل في حادث عام 1761، ولوي-أوجست، ودوق بيري، المولود في 23 أغسطس 1754، والذي سيصبح لويس السادس عشر، ولوي-ستانسلاس، كونت بورفانوس، المولود في 1755، والذي سيصبح لويس الثامن عشر، ثم شارل-فيليب، كونت دارتوا، والمولود في 1757، والذي سيصبح شارل العاشر. فلما مات أبوهم عام 1765 أصبح لوي-أوجست، البالغ أحد عشر عاماً، وارثاً للعرش.




صفحة رقم : 14318




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> ورثة العرش







وكان غلاماً عليلاً، جباناً خجولاً، ولكنه اكتسب الصحة والعافية بفضل سنوات الحياة الريفية والطعام البسيط. وكان كأبيه فيه من الطيبة أكثر مما فيه من الذكاء. وكان يحسد أخوته على ذكائهم المتفوق، وكانوا يتجاهلون تماماً كبر سنه. وإذ كان فيه من الحياء ما يمنعه من الرد على الهجوم فقد أغرق نفسه في الرياضة والحرف. فتعلم الرماية بمنتهى الدقة، ومنافسة الصناع في استعمال يديه وأدواته. وقد أعجب بمهارات الصناع الذين يخدمون القصر، وأحب التحدث إليهم والعمل معهم، واتخذ شيئاً من طباعهم وحديثهم. ولكنه أحب الكتب أيضاً. واستهواه فنليون بنوع خاص؛ وحين بلغ الثانية عشرة ركب مطبعة في قصر فرساي، وبمساعدة أخويه (وكانا في التاسعة والحادية عشرة) جمع حروف مجلد صغير نشره في 1766 بعنوان "حكم أخلاقية وسياسية مستقاه من تليماك" ولم يحب جده لويس الخامس عشر هذه الحكم وقال "انظر إلى ذلك الولد الكبير، سوف يكون القاضي على فرنسا وعلى نفسه، ولكني على أية حال لن أعيش حتى أرى ذلك"(4).
فكيف السبيل إلى تحويل هذا الأمير الصانع ملكاً؟ أيمكن العثور على زوجة منبهة له تهبه الشجاعة والأباء، وتلد له ملوكاً من البوربون للمستقبل؟ وأما الحاكم الحالي فكان في شغل عن هذا بمدام دوباري، ولكن شوازيل وزير الخارجية تذكر أيامه التي قضاها قفي بلاط فيينا، وتذكر أرشيدوقة مرحة تدعى ماريا أنطونيا يوزيفا، كانت آنئذ (1758) في الثالثة من عمرها، فلعل زواجها من لوي-أوجست ينفخ روحاً جديدة في ذلك الحلف النمساوي الذي أضعفه الصلح المفرد بين فرنسا وإنجلترا (1762)، وكان الأمير فون مانتور قد أسر بمثل هذه الأفكار للكونت فلوريموند مرسي دارجنتو، وهو نبيل من لييج ذو ثراء عريض وقلب طيب، وكان سفيراً للنمسا في فرساي. واستمع لويس الخامس عشر للنصيحة التي أجمعا عليها، وأرسل (1769) رسمياً إلى ماريا تريزا يطلب يد ماريا أنطونيا للوي-أوجست وأسعد الإمبراطور أن تبارك اتحاداً كانت هي نفسها قد خططت له منذ أمد بعيد. وأما الدوفن الذي لم يؤخذ رأيه في الأمر، فقد




صفحة رقم : 14319




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> ورثة العرش







قبل طائعاً هذا الاختيار الذي رتب له. وحين أنبئ بأن خطيبته أميرة حسناء، قال في هدوء "ليتها حسنة الخلال"(5).
ولدت بفيينا في 2 نوفمبر 1755. ولم تكن بالطفلة الوسيمة. فجبينها مفرط الارتفاع، وأنفها مسرف في الطول والتدبب، وأسنانها غير منتظمة، وشفتها السفلى غليظة. ولكن سرعان ما عرفت أن دمها أزرق، فتعلمت أن تمشي مشية من ولدت لكي تكون ملكة، وأعادت الطبيعة بأكسير الشباب العجيب حين أدركت سن البلوغ لف جسمها لفاً ساحراً، حتى غدت بشعرها الأشقر الحريري، وبشرتها الزنبقية الوردية، وعينيها الزرقاوين العابثتين المتألقتين، و "عنقها الإغريقي" على الأقل لقمة لذيذة لولي العهد، إن لم تكن طبقاً شهياً للملك. وكان ثلاث من شقيقاتها الخمس اللاتي يكبرنها قد هيأت لهن الإمبراطورة بدهائها زيجات لينة: فماريا كرستينا تزوجت الأمير ألبرت السكسوني، الذي أصبح دوق ساكسي-تيشن، وتزوجت ماريا أماليا فرديناند دوق بارما، وأصبحت ماريا كارولينا ملكة على نابلي. أما أخوهن يوزف فكان شريكاً في حكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكان أخوهن ليوبولد غراندوقاً لتسكانيا. فلم يبق لماريا أنطونيا غير أن تصبح ملكة على فرنسا.
ولقد أهملت بعض الشيء بوصفها أصغر أطفال ماريا تريزا الأحياء، فلما بلغت الثالثة عشرة تعلمت بعض الإيطالية، ولكنها لم تكن تحسن كتابة الألمانية ولا الفرنسية. أما التاريخ فلم تعرف منه شيئاً تقريباً، ولم تحرز في الموسيقى غير تقدم متواضع مع أن جلوك كان معلمها. وحين قرر لويس الخامس عشر قبولها زوجة لحفيده أصر على أن تطعم ضد الجدري، وبعث بالأب فرمون ليعجل لتعليمها. وكان تقرير فرمون عنها أن "خلقها وقلبها ممتازان" وأنها "أذكى مما كان يظن عموماً" ولكنها "على شيء من الكسل، طائشة للغاية، عسيرة التعليم... فهي لا ترغب في التعليم إلا إذا سليت"(7)ولكنها أحبت الرقص، والعدو مع كلابها في الغابات.




صفحة رقم : 14320




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> ورثة العرش







وكانت الإمبراطورة التي أضنتها الهموم عليمة بأنها تكل مصير الحلف لأيد أوهن من أن تضطلع بتبعة كهذه. وظلت طوال شهرين قبل إبرام الزواج المرتقب تأتي بماريا أنطونيا لتنام معها في حجرتها، حتى تبث في ابنتها في جو أمسياتهما الحميم شيئاً من حكمة الحياة وفن الملك. وقد وضعت لها قائمة قواعد لتهدئ سلوكها في الأخلاق والسياسة. وكتبت للويس الخامس عشر ترجوه أن يغضى عن مآخذ العروس العزيزة التي ستبعث بها لحفيده، أما ولي العهد فقد وجهت إليه رسالة تفيض باهتمام الأم المفرط ومخاوفها:
"أن لآمل أن تكون مبعث سعادة لك كما كانت مبعث بهجة لي. لقد نشأتها لهذا، لأنني توقعت منذ أمد بعيد أنها ستشاركك حظك في الحياة. لقد بثثت فيها حباً لواجباتها نحوك.. ومودة رقيقة، وقدرة على أن تعرف وتمارس وسائل إدخال السرور على قلبك. إن ابنتي ستحبك، وأنا واثقة من هذا، لأنني أعرفها.. وداعاً يا دوفيني العزيز، كن سعيداً، وأسعدها... أن الدموع تفيض مني... أمك الحنون"(8).
وفي 19 ابريل 1770، في كنيسة الأوغسطينيين بفيينا، عقد بالوكالة قران الفتاة المتألقة الحسن، الخلية البال، البالغة أربعة عشر عاماً، على لوي-أوجست ولي عهد فرنسا، واتخذ أخوها فرديناند مكان الدوفن.
وبعد يومين قادت قافلة من سبع وخمسين مركبة و366 جواداً ولية العهد مروراً بقصر شونبرون، وودعتها الإمبراطورة الوداع الأخير، هامسة لها أن "تكوني كريمة جداً مع الفرنسيين حتى يستطيعوا القول بأنني أرسلت لهم ملاكاً"(9). وضم الموكب 132 شخصاً-وصيفات ومصصفات للشعر، وخياطات. وأتباعاً، وكهنة للقصر، وجراحين، وصيادلة، وطباخين، وخدماً، وخمسة وثلاثين رجلاً ليعنوا بالخيل التي كانت تبدل أربع مرات أو خمساً في اليوم خلال الرحلة الطويلة إلى فرنسا. وبعد ستة عشر يوماً وصل الموكب إلى كيل على الرين قبالة ستراسبورج. وعلى جزيرة في النهر استبدلت ماريا بثيابها النمساوية ثياباً فرنسية، وتركها أتباعها النمساويين قافلين إلى فيينا، وحل محلهم حاشية من السيدات والخدم الفرنسيين، وأصبحت ماريا




صفحة رقم : 14321




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> ورثة العرش







أنطونيا منذ الآن ماري أنطوانيت. وبعد الكثير من المراسم أدخلت ختراسبورج بين قصف المدافع ورنين أجراس الكنائس وهتاف الشعب وبكت وابتسمت واحتملت المراسم الطويلة في صبر، فلما بدأ العمدة خطاباً بالألمانية قاطعته قائلة: "لا تتكلموا بالألمانية أيها السادة، فمنذ الآن لا أفهم لغة غير الفرنسية" وبعد أن سمح لها الموكب بالراحة يوماً بدأ رحلته عبر فرنسا.
وكان الترتيب أن يذهب الملك وولي العهد مع كثير من الحاشية إلى كومبين على اثنين وخمسين ميلاً شمال شارقي باريس ليقابلوا موكب ولية العهد. ووصل الموكب في 14 مايو. وقفزت العروس من مركبتها، وجرت نحو لويس الخامس عشر، وانحنت إلى الأرض، وظلت كذلك حتى أقامها الملك وهدأها وطمأنها بعبارة كريمة "لقد أصبحت عضواً في الأسرة يا سيدتي، لأن لوالدتك روح لويس الرابع عشر"(10). وبعد أن قبلها على وجنتيها قدمها إلى ولي العهد، الذي قبلها بالمثل ولكن ربما بلذة أقل. وفي 15 مايو بدأ الموكبان المجتمعان الرحلة إلى فرساي، وهناك، في 16 مايو، أكد زفاف رسمي ذلك الزفاف بالوكالة الذي عقد قبل شهر. في تلك الليلة أقيمت مأدبة عظيمة في دار الأوبرا الجديدة، ونبه الملك ولي العهد إلى أنه يفرط في الأكل. فأجاب "إنني دائماً يحسن نومي بعد عشاء طيب". وهذا ما حدث إذ أنه استغرق في النوم بمجرد دخوله فراش الزوجية.
وقد نام بهذه السرعة في ليال متعاقبة، وفي أصباح متعاقبة كان يستيقظ مبكراً لينطلق إلى صيده. وألمع مرسي دارجنتو إلى النمو السريع الحديث الذي طرأ على لوي-أوجست قد أخر تطوره الجنسي، وأنه لا حيلة في الأمر إلا الانتظار. وكتبت ماريا تريزا إلى ابنتها بعد أن أنبئت بالموقف تقول "كلاكما صغيرا جداً! أما أثر هذا على صحتكما فكله يعمل للخير. وسيكسبكما مزيداً مكن القوة"(11). وزاد بعض أطباء ولي العهد الطين بلة بأنباءه بأن الرياضة والطعام الطيب سيحفزان نموه الجنسي، ولكن حدث العكس، فقد جعلاه أكثر بدانة وميلاً للنعاس. وأخيراً، وفي أواخر عام




صفحة رقم : 14322




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> ورثة العرش







1770، حاول ولي العهد أن يحقق اكتمال الزواج بالدخول على زوجته. ولكنه فشل، وكانت النتيجة الوحيدة للمحاولة ألماً مخيباً للآمال. وأبلغ كونت أراندا، السفير الأسباني، ملكه بالآتي "يقولون إن عائقاً تحت القلفة يجعل محاولة الجماع مؤلمة جداً" أو "أن القلفة سميكة جداً بحيث لا تستطيع التمدد بمرونة اللازمة للانتصاب"(12). واقترح الجراحون إزالة العائق بجراحة شبيهة بالختان، ولكن ولي العهد رفض(13)وكرر محاولاته، دون أن يبلغ من ورائها إلا الإثارة والإذلال له ولزوجته. وظل الموقف على هذا الحال. وعمق إحساس ولي العهد بقصوره الزوجي شعوره بالنقص، ولعل هذا الشعور شارك في جعله ملكاً كثير التردد عديم الثقة بنفسه.
وأغلب الظن أن سني الإحباط الزوجي السبع هذه أثرت في خلق ماري أنطوانيت وسلوكها. وذلك أنها كانت عليمة بأن رجال البلاط ونساءه يسخرون من سوء طالعها، وأن أكثر فرنسا ترميها بالعقم وهي تجهل السبب. ومن ثم فقد آست بزيارات للأوبرا أو المسرح في باريس، وأسرفت في لبس الثياب الفاخرة الغالية، وتمردت على الاختلاط الكثير بالبلاط بكل مراسمه وبروتوكوله، وآثرت الصداقات الحميمة مع نفوس متعاطفة مثل الأميرال لامبال. وظلت طويلاً تأبى الحديث إلى مدام دباري، إما لاشمئزازها من أخلاقها وإما بدافع الحسد لأن امرأة أخرى تظفر بالحب هذا الظفر الكبير ويكون لها هذا النفوذ القوي على الملك.
وفي 10 مايو 1774 مات لويس الخامس عشر. واندفعت الحاشية إلى مسكن ولي العهد. فوجدوه هو وولية العهد راكعين وهما يبكيان ويصليان. وقال الفتى ذو التسعة عشر ربيعاً وهو يبكي "اللهم احمنا! فنحن أصغر من أن نحكم!" وقال لصديق، "يا له من عبء! إنني لم أتعلم شيئاً، وإني لأشعر كأن الكون سيسقط فوقي"(14). وفي جميع أرجاء فرساي وباريس، ثم إلى أبعد ما سرى النبأ في فرنسا، هتف الرجال والنساء "مات الملك، يحيى الملك!" وكتب باريسي متفائل على تمثال لهنري الرابع هذه الكلمة "قام"(15)، لقد قام الملك العظيم من بين الأموات لينقذ فرنسا مرة أخرى من الفوضى والفساد والإفلاس والهزيمة.




صفحة رقم : 14323




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الحكومة








2- الحكومة


ترى ماذا كان خطب الحكومة؟ إنها لم تبلغ في استبدادها ما بلغته حكومة بروسيا، ولا في فسادها ما بلغته حكومة إنجلترا، وكان جهازها البيروقراطي وإدارتها الإقليمية يضمان نفراً من الرجال الأفاضل وكثيراً من الرجال الأكفاء. ومع ذلك أخفقت ملكية البوربون في أن تلاحق تطور الشعب الاقتصادي والفكري. ونشبت الثورة الفرنسية بأسرع مما نشبت في غيرها لأن الطبقات الوسطى كانت قد بلغت شأناً من الذكاء أبعد مما بلغته في أي أمة معاصرة أخرى، وفرض فكر مواطنيها اليقظ المتنبه مطالب على الدولة أكثر حدة مما كان على أي حكومة في ذلك العصر أن تلبيه.
وكان فردريك الثاني ويوزف الثاني، وكلاهما نصير متحمس للفلسفة والملكية المطلقة، قد أدخلا في الإدارة السياسية لبروسيا والنمسا قدراً من النظام والكفاية لم يكن وقتها متوافراً في بلد كفرنسا يحب الاسترخاء واليسر اللاتينيين. "واستشرى الاضطراب والفوضى في كل مكان"(16)، ففي فرساي تنازع مجلس الملك في اختصاصه مع الوزراء، الذين تنازعوا فيما بينهم لأن وظائفهم تداخلت ولأنهم تنافسوا على الأموال العامة ذاتها، ولأنه لم تفرض عليهم من فوق سلطة توفق بين سياستهم. وانقسمت الأمة في ناحية إلى دوائر Bailllages أو Senechaussees في مجال القضاء، وفي أخرى إلى أقسام مالية (Geanéralités) في المالية، وفي ناحية ثالثة إلى إدارات (Gouvernements) في الجيش، وفي رابعة إلى أبرشيات Paroisses وأقاليم Provinces في الكنيسة. وفي كل قسم مالي كان الناظر الملكي يصطدم بالحاكم و "البرلمان" الإقليمي. وفي جميع أرجاء فرنسا اصطدمت مصالح المنتجين الريفيين مع مصالح المستهلكين الحضريين والأغنياء مع الفقراء، والنبلاء مع البرجوازيين، والبرلمانت مع الملك، ومست الحاجة إلى قضية موحدة للصفوف وإرادة آمرة، ولم تتوفر القضية إلا في 1792، ولا الإرادة إلا في 1799.




صفحة رقم : 14324




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الحكومة







وكان القانون من أسوأ مظاهر الحياة الفرنسية، ومع ذلك كان القضاة من أفضلها. واتبع جنوب فرنسا القانون الروماني، وشملها القانون العام والإقطاعي. يقول دتوكفيل "إن العدالة كانت معقدة، مكلفة، بطيئة"(18)-رغم أن هذه شكوى عامة في جميع البلاد. وكانت السجون قذرة، والعقوبات وحشية، والتعذيب القضائي ظل مسموحاً به في 1774. وكان القضاة غير قابلين للعزل، منصفين غير قابلين للرشوة عادة. وقد ذهب السر هنري مين إلى أن رجال القضاء في فرنسا "من حيث جميع الصفات المطلوبة في المحامي، والقاضي، والمشرع، يبزون كثيراً نظراءهم في طول أوربا وعرضها"(19). وكانوا يشغلون مناصبهم مدى الحياة، ومن حقهم توريثها لأحد الأبناء. ووجد أكفأهم طريقه إلى البرلمانات الإقليمية، واختبر أغناهم وأعظمهم نفوذاً أعضاء في برلمان باريس. وما وافى عام 1774 حتى كانت طبقة "نبلاء الرداء القضائي"-أي القضاة الوارثيون قد انتهت إلى اعتبار نفسها مساوية إلا أقل قليلاً لطبقة "نبلاء السيف" في الكرامة والاستحقاق. ولم تسمح بعضوية البرلمانات إلا لمن ولدوا في إحدى الطبقتين الأرستقراطيتين.
كان من رأي مونتسكيو أن "الهيئات الوسيطة" بين الملك والشعب هي كوابح مفيدة على السلطة الأوتقراطية، وحدد قوتين من هذه الهيئات هما النبلاء ملاك الأراضي والقضاة ولكي تقوم البرلمانات بهذه الوظيفة الكابحة طالبت بسلطة التصديق (أو التسجيل) على أي مرسوم ملكي، أو رفضه حسبما يتفق في رأيها أو يتعارض مع القوانين والحقوق الراسخة. وأعربت عدة برلمانات إقليمية، خصوصاً برلمانات جرينوبل، وروان، وربن، عن مبادئ شبه ديموقراطية، أحياناً بعبارات مقتبسة من روسو عن "الإرادة العامة" و "الموافقة الحرة للأمة"، من ذلك أن برلمان رين أعلن في 1788 "أن الإنسان ولد حراً، وأن الناس في الأصل متساوون؛ و "أن هذه الحقائق ليست في حاجة إلى إثبات"(20)، على أن البرلمانات كانت بوجه عام المدافع القوي عن فوارق الطبقات وامتيازاتها. وقد شاركت نزاعاتها مع السلطة الملكية في الإعداد للثورة، ولكن حين اقتربت الثورة انحازت إلى النظام القديم، وسقطت بسقوطه.




صفحة رقم : 14325




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الحكومة







وكانت السلطة الملكية من الناحية النظرية مطلقة. فالملك وفقاً للتقليد البوربوني هو المشرع الأوحد، وهو السلطة التنفيذية الرئيسية، وهو المحكمة العليا، وفي استطاعته أن يأمر بالقبض على أي شخص في فرنسا وحبسه إلى أجل غير مسمى دون إبداء السبب أو السماح بمحاكمته، وحتى لويس السادس عشر الرقيق القلب كان يرسل من قصره أوامر الاعتقال المختومة هذه. وكان الملك قد ورث مؤسسة غالية التكلفة، تعد نفسها هيئة لا غنى عنها إدارة الحكومة وهيبتها. ففي 1774 كان بلاط فرساي يضم الأسرة المالكة و886 نبيلاً، هم ونساؤهم وأبناؤهم، يضاف إليهم 295 طاهياً، و56 صياداً، و47 موسيقياً وثمانية معماريين، وأشتات من السكرتيرين، وكهنة القصر، والأطباء والسعاة والحراس...، يبلغون في مجموعتهم ستة آلاف شخص، مع عشرة آلاف جندي يرابطون عن كثب. وكان لكل عضو في الأسرة المالكة بلاطه أو بلاطها الخاص، وكذلك كان لبعض النبلاء الممتازين، أمثال أمير كونديه وأمير كونتي ودوق أورليان ودوق بوربون. واحتفظ الملك بعدة قصور-في فرساي، ومارلي، ولامويت، ومودون، وشوازي، وسان-أوبير، وسان-جرمان، وفونتبلو، وكومبيين، ورامبوييه. وكان من المألوف أن ينتقل من قصر إلى آخر، بعض الحاشية الذين يحتاجون إلى المسكن والطعام، وفي 1780 بلغت نفقات مائدة الملك 3.660.491 جنيهاً(21).
وكانت رواتب موظفي البلاط معتدلة، ولكن المنح والعلاوات كانت مطاطة؛ من ذلك أن المسيو أوجار-وكان سكرتيراً في إحدى الوزارات-لم يجاوز راتبه تسعمائة جنيه في العام، ولكنه اعترف بأن الوظيفة غلت له كل عام 200.000 جنيه خالصة. وغلت عشرات الوظائف الشرفية المال لأعضاء الحاشية بينما كان العمل يؤديه مرءوسوهم، مثال ذلك أن مسيو ماشو كان يقبض ثمانية عشر ألف جنيه نظير التوقيع بإسمه مرتين في العام(22). وأجريت عشرات المعاشات التي بلغت جملتها 28.000.000 جنيه كل عام على النبلاء ذوي النفوذ أو محاسبيهم(23). وكانت عشرات الدسائس تدبر لتقرير المحظوظ الذي سيظفر بكرم الملك وسخائه الطائش. وكان يتوقع منه




صفحة رقم : 14326




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الحكومة







أن يعين الأسر النبيلة القديمة التي أعسرت، وأن يقدم المهور لبنات النبلاء عند زواجهن. وكان كل من أبناء لويس الخامس عشر الأحياء يتلقى ما يقرب من 150.000 جنيه في العام. وكان راتب كل وزير دولة يرقى إلى 150.000 جنيه في العام، إذ كان المفروض فيه أن يفتح باب الضيافة على مصراعيه. كل هذا السفه في الإنفاق، وكل هذه المعاشات، والهبات، والواتب، والمناصب الشرفية، كانت تدفع من إيرادات تؤخذ من حياة الأمة الاقتصادية. وقد كلف البلاط فرنسا مبلغاً جملته خمسون مليون جنيه في العام-وهو عشر مجموع إيراد الحكومة(24).




صفحة رقم : 14327




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملكة العذراء








3- الملكة العذراء


وكانت ماري أنطوانيت أكثر أعضاء البلاط إسرافاً. ذلك أنها وقد ارتبطت بزوج عنين، وحرمت الرومانس، ولم تشغلها علاقات غرامية، راحت تتسلى حتى عام 1778 بالغالي من الثياب، والجواهر، والقصور، والأوبرات، والمسرحيات، والمراقص. وكانت تخسر الثروات في القمار، وتهب الثروات للمحاسيب في كرم متهور. وقد أنفقت 252.000 جنيه على ثيابها في عام واحد (1783)(25)، وأتاها مصممو الأزياء بالغريب الطريف من الأثواب المسماة "المباهج الطائشة" أو "العلامات المكبوتة" أو "الرغبات المقنعة"(26). وكان مصففات الشعر يعكفن الساعات فوق رأسها يصعدن شعرها حتى يبلغ ارتفاعات يبدو ذقنها فيها وقد توسط قامتها، وقد قررت هذه "التسريحة العالية"، كما قررت معظم الأشياء التي ابتدعتها، زي نبيلات البلاط، فزي باريس، فزي عواصم الأقاليم.
أما شغفها بالحلي والمجوهرات فقد أوشك أن يكون هوساً. ففي 1774 ابتاعت من بومر، وهو الجواهري الرسمي للتاج، أحجاراً كريمة قيمتها 360.000 جنيه(27). وأهداها لويس السادس عشر طقماً من العقيق، والماس والأساور، وثمنه 200.000 جنيه(28). وفي 1776 كتب مرسي دارجنتو إلى ماريا تريزا يقول: "مع أن الملك أعطى الملكة في شتى المناسبات ما يساوي أكثر من 100.000 "أيكو" من الماس، ومع أن جلالتها تملك




صفحة رقم : 14328




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملكة العذراء







الآن مجموعة هائلة، إلا أنها مصممة على شراء حلق على شكل الثريا من بومر. ولم أخف عن جلالتها أنه كان أحكم في الظروف الاقتصادية الراهنة لو تجنبت هذا لإنفاق الباهظ، ولكنها لم تستطع مقاومة رغبتها-وإن أجرت الصفقة في حذر مخفية أمرها عن الملك"(29).
وبعث ماريا تريزا إلى ابنتها بتوبيخ صارم، واكتفت الملكة بالتزين بحليها في المناسبات الرسمية فقط، ولكن الشعب لم يغتفر لها قط هذا التبذير المفرط في ضرائبه، وبعد حين سيصدق أنها وافقت على شراء القلادة الماسية الشهيرة.
أما الملك فقد أغضى عن مواطن الضعف في زوجته لأنه كان يعجب بها ويحبها، ولأنه كان شاكراً لها صبرها على عجزه الجنسي. فدفع لها ديون القمار التي استدانتها من جيبه الخاص وشجع زياراتها لأوبرا باريس، وإن علم أن مرحها المعلن على الملأ يزعج شعباً ألف في ملوكه الوقار والحشمة. ودفعت الحكومة نفقات ثلاث حفلات مسرحية، وحفلتي رقص، وعشائين رسميين في البلاط مرتين كل أسبوع تقريباً، يضاف إلى هذا أن الملكة كانت تحضر المراقص المقنعة في باريس أو في البيوت الخاصة. لقد كانت هذه السنوات 1774-77 فترة تبديد وإسراف على حد قول أمها بصراحة. وإذ كانت الملكة لا تجني من وراء مغازلات زوجها في الليل سوى الرغبة توقظ دون إشباع، فقد شجعته على النوم مبكراً (مقدمة ساعة الحائط أحياناً لتعجيل ذهابه للفراش) حتى تستطيع مشاركة الأصحاب ألعاباً قد تمتد الليل بطوله. وكانت زاهدة في الأدب، واهتمامها بالفن قليل، وأكثر منه اهتمامها بالدراما والموسيقى، وكانت تجيد الغناء والتمثيل وتعزف على الهارب، وتؤدي بعض صوناتات موتسارت على الكلافيكورد(30).
وبين هذه العيوب جميعها كان واحد فقط عيباً جوهرياً-ذلك هو التبذير نتيجة للسأم والإحباط، ولطفولة وصبى ألفا الترف وجهلا الفقر. وقد زعم الأمير لين (الذي ربما كان فيه من صفات الجنتلمان أكثر




صفحة رقم : 14329




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملكة العذراء







مما فيه من صفات المؤرخ) أنها ما لبثت أن تخلصت من شغفها بالثياب الغالية، وأن خسائرها في القمار بولغ فيها، وأن ديونها ترجع إلى سخائها غير الحكيم بقدر ما ترجع إلى إنفاقها الطائش(31). وناصبها البلاط والصالونات العداء لأنها نمساوية، ولم يكن الحلف مع النمسا من قبل محبوباً على الإطلاق. وكانت ماري أنطوانيت، التي لقبت بـ "النمساوية" تجسيداً لذلك الحلف، وقد اشتبه الفرنسيون، ولهم بعض الحق، في أنها تخدم المصالح النمساوية، على حساب فرنسا أحياناً. ولكن حتى مع هذا، فإن حيويتها الشابة، ومرحها ورقة قلبها، كلها كسبت قلوباً كثيرة. حدث مرة أن جاءت مدام فيجيه-لبرون، الحبلى منذ شهور كثيرة، لتصورها (1779)، وبينما كانت المصورة عاكفة على رسمها أسقطت بعض أنابيب الألوان، وللتو قالت لها الملكة لا تنحني، "لأنك بعيدة جداً عنها" ثم التقطت بنفسها الأنابيب(32). وكانت أنطوانيت ترعى مشاعر غيرها عادة. ولكنها أحياناً، في مرحها الطائش كانت تضحك من لأزمات غيرها أو عيوبهم. وكانت تستجيب بغاية السرعة لكل رجاء، "أنها لم تعرف بعد خطر الاستسلام لكل دافع كريم"(33).
مثل هذه المخلوقة المفعمة بالحيوية، والتي كانت الحياة والحركة عندها مرادفين، لم تخلق لخطو مراسم البلاط، ذلك الخطو البطيء والحذر. وسرعان ما تمردت عليه، والتمست البساطة واليسر في البتي تريانون وحوله، وكان على ميل من قصر فرساي. وفي 1778 أهدى لويس السادس عشر الملكة هذا الملتقى ملكاً خالصاً لها، تستطيع أن تخلو فيه مع أخصائها، ووعد لويس أنه لن يتطفل عليهم إلا إذا دعي. ولما لم يكن في المبنى غير غرف ثمان، فقد أمرت الملكة ببناء بعض الأكواخ بقربه لأصحابها وخططت لها الحدائق المحيطة به على النمط "الطبيعي"-بممرات ملتفة، وأشجار منوعة، ومخابئ، وجداول حمل إليه الماء في أنابيب من مارلي بتكلفة غالية. ولاستكمال حلم روسو في العودة إلى الطبيعة أمرت بإقامة ثماني مزارع صغيرة في الحديقة الملاصقة، ولكل منها كوخها الريفي، وأسرتها الفلاحة، وكوم سباخها، وأبقارها. هناك كانت تقلد راعيات الغنم فتلبس عباءة بيضاء،




صفحة رقم : 14330




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملكة العذراء







ومنديلاً لن الشاش، وقبعة من الخوص، وكانت تحب أن ترى اللبن يحلب بالملاطفة من خير الضروع في آنية من برسلان سيفر. وكانت هي وأصدقاؤها يعزفون أو يلعبون ألعاباً داخل البيتي ترينون، وعلى الخمائل يولمون الولائم للملك أو لكبار الزوار. وهناك وفي القصر الملكي أيضاً. وكانت الملكة تخرج المسرحيات التي تلعب أدواراً هامة في بعضها-كدور سوزان في "زواج فيجارو"، ودور كوليت في "عراف القرية" فتبهج الملك بتنوع مواهبها وجاذبيتها.
فلما خشيت تقول المتقولين إن هي أسرفت في حرية الاختلاط بالرجال، كونت مع بعض النساء صداقات حميمة بلغت من الوثاقة ما وجه النميمة وجهة أخرى. فجاءت أولاً ماري-تريز وسافوا-كارنيان، أميرة لامبال، الرقيقة، الحزينة، الهشة. وكان قد انقضى عليها سنتان في ترملها مع أنها لم تجاوز الحادية والعشرين. وكان زوجها-وهو ابن دوق بنتييفر حفيد لويس الرابع عشر-يعاشر الخليلات ويختلف إلى المومسات بعد زواجه بقليل، فأصيب بالزهري ومات به بعد أن اعترف بآثامه لزوجته في تفصيل مقزز. ولم تفق قط من المحنة الطويلة التي ابتلاها بها ذلك الزواج، وظلت تعاني من التقلصات العصبية ونوبات الإغماء حتى مزقها إرباً جمهور من غوغاء الثورة في 1792-وانعطفت ماري أنطوانيت نحوها بدافع الشفقة أول الأمر، ثم تعلمت أن تحبها حباً حاراً، فتلقاكما كل يوم، وتكتب لها رسائل الإعزاز مرتين في اليوم أحياناً. وفي أكتوبر 1775 عينت الأميرة مشرفة على بيت الملكة، وأقنعت الملك رغم اعتراضات طورجو بأن يقرر لها راتباً سنوياً قدره 150.000 جنيه. ثم كان للأميرة أقرباء وأصدقاء، التمسوا منها أن تستخدم نفوذها لدى الملكة، وعن طريقها لدى الملك، لنيل المناصب أو الهبات. وبعد عام تركت أنطوانيت محبتها لها تذبل واتخذت صديقة أخرى.
وكانت هذه الصديقة الجديدة، واسمها يولند دبولا سترون زوجة الكونت جول دبوليناك، عريقة المنبت رقيقة الحال؛ كانت خلوة، صغيرة الجسم، طبيعية، وما كان أحد ليخامره الظن إذا رآها بأن فيها هذا الشره




صفحة رقم : 14331




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملكة العذراء







للمال الذي أيأس طورجو من موازنة الميزانية ما دامت الملكة تجد متعة في صحبتها الظريفة. فلما قاربت الكونتيسة موعد الوضع أقنعتها الملكة بأن تنتقل إلى لاموييت، وهي فيللا ملكية بقرب قصر فرساي، وهناك كانت تزورها كل يوم حاملة إليها الهدايا دائماً تقريباً. فلما أصبحت الكونتيسة أماً لم تضن عليها الملكة بشيء،: 400.000 جنيه لتسوية ديونها، ومهر لابنتها قدره 800.000 جنيه، وسفارة لأبيها، ومال، وحلي، وفراء، وتحف فنية لشخصها، وأخيراً (1780) دوقية وضيعة بيتش، لأن الكونت كان تواقاً لأن يصبح دوقاً. وقال مرسي دارجنتو للملكة آخر الأمر أنها تستغل، وأن الدوقة الجديدة لا تبادلها محبتها، واقترح على الملكة، التي وافقت على اقتراحه، أن تطلب إلى مدام دبولنياك على سبيل الامتحان أن تطرد من بطانتها الكونت دفودروي الذي كانت أنطوانيت تمقته، فأبت المدام، وانصرفت أنطوانيت عنها إلى صداقات أخرى. وهكذا انضم آل بولنياك إلى صفوف أعدائها، واصبحوا مصدراً للافتراءات التي لوثت بها الحاشية وكتاب الكراريس اسم الملكة.
وكان كل شيء تقريباً تأتيه يخلق لها الأعداء. فأفرد الحاشية يتحسرون على الهبات التي تغدقها على محاسبيها، لأن هذا معناه أن يقل عطاؤهم، وشكوا من أنها أكثرت الغياب عن مهامها في البلاط حتى فقدت هذه المهام بهاءها وقل الإقبال على حضورها. ولامها الآن كثيرون ممن عابوا من قبل غرامهما القديم بالثياب الغالية، لأنها قررت زياً جديداً تميز ببساطة الملبس. وقالوا أن هذا نذير بإفلاس نجار الحرير في ليون وخياطي باريس(34). وكانت قد أقنعت الملك بإقالة الدوق ديجيون (1775) الذي تزعم أنصار مدام دوباري، وكان للدوق متعاطفون كثيرون، كونوا نواة أخرى من الأعداء. وبعد عام 1776 شن كتاب الكراريس الباريسيون على الملكة حملة قدح قاس لا هوادة فيه(35)-وكان كثير منهم يتلقون المعلومات والمال من بعض الحاشية(36)، فوصفها بعض الكتاب بأنها الخليلة، وفي وقت أو آخر، لكل ذكر موجود في فرساي(37). وقد تساءلت كراسة عنوانها "تأنيب للملكة". كم مرة تركت فراش الزوجية وقبلات زوجك لتسلمي نفسك للباخوسيات أو السواطير ولتندمجي معهم في متعتهم الوحشية؟"(38).




صفحة رقم : 14332




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملكة العذراء







وصورت كراسة أخرى تبذيرها بوصف الحائط في البتي تريانون زعمته مكسواً بالماس(39). واتهمتها الشائعات بأنها قالت خلال حوادث الشغب التي وقعت بسبب شح الخبز عام 1788 "إذا لم يكن لديهم خبز فليأكلوا كعكاً"، ويجمع المؤرخون على أنها لم تذنب قط بقول تلك الملاحظة القاسية(40)، فهي على العكس أسهمت بسخاء من جيبها الخاص في التخفيف عن الشعب. وأشد وأنكى حتى من هذا كله ما شاع وذاع بين الجماهير من أنها عاقر. تقول مدام كمبان الوصيفة الأولى لمخدع الملكة:
"حين ولد ابن للكونت دارتوا عام 1777، تبع نساء السوق وبائعات السمك الملكة حتى باب مسكنها ذاته، مؤكدات حقهن في الدخول إلى القصر الملكي في مناسبات الولادات الملكية، وطفقن يصحن بأشد العبارات غلظة وسوقية قائلات أن من واجبها هي، لا سلفتها، أن تأتي بورثة للتاج الفرنسي. وعجلت الملكة بإغلاق بابها دون هؤلاء العجائز الشكسات الوقحات. واعتكفت في حجرتها معي تندب حظها التعس"(41).
فأنى لها أن تشرح للشعب أن الملك عنين؟
وانتظرت فرنسا إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة ليأتي ويزيل هذه العقدة. وفي أبريل 1777 وصل يوزف الثاني فرساي متخفياً تحت اسم الكونت فون فالكنشتين. ووقع في غرام الملكة، وقال لها "لو لم تكوني أختي لما ترددت في أن أتزوج ثانية ليكون لي رفيق ساحر مثلك"(42). ثم كتب لشقيقتهما ليوبولد يقول:
"لقد أنفقت معها الساعة تلو الساعة، دون أن الحظ مرور الزمن... أنها امرأة ساحرة نبيلة، ما زالت صغيرة بعض الشيء، طائشة قليلاً، ولكنه في صميمها كيسة فاضلة.. كذلك فيها جرأة ورهافة أدهشتاني، واستجابتها الأولى صائبة دائماً، ولو أنها أطاعتها... واهتمت اهتماماً أقل بالقيل والقال... لبلغت مرتبة الكمال. ولها رغبة قوية في متع الحياة، ولما كانت ميولها معروفة، فإن ضعفها يستغل..
"ولكنها لا تفكر إلا في متعتها، ولا تحب الملك، وقد ثملت بإسراف




صفحة رقم : 14333




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملكة العذراء







هذا البلد... وهي تسوق الملك بالقوة لأشياء لا يريد فعلها... فهي باختصار لا تؤدي واجبات الزوجة أو الملكة"(43).
وقد أضحت السبب في أنها والملك ينامان في حجرتين منفصلتين، فهو يحب النوم مبكراً، وقد وجد كلاهما من الحكمة تجنب الإثارة الجنسية. وزار يوزف الملك وأحبه كثيراً. وكتب لليوبولد يقول "هذا الرجل فيه ضعف ولكنه ليس أبله. فله أفكار وحكم سديد، ولكن عقله وجسمه ضعف فاتران. وهو يتحدث بشكل معقول، ولكن ليس به رغبة في التعليم ولا حب للاستطلاع. والواقع أن لحظة "انطلاق النور" لم تأت بعد، والأمر لا زال مفتقراً إلى الشكل"(44). وتحدث الإمبراطور إلى لويس حديثاً لم يجرؤ أحد من قبل على مصارحته به، فأشار إلى أن العائق في قلفة الملك يمكن إزالته بجراحة بسيطة وإن كانت مؤلمة، وأن على الملك لوطنه ديناً هو أن ينجب أبناء، ووعد لويس بأن يستسلم لمبضع الجراح.
وقبل أن يغادر يوزف فرساي كتب ورقة "تعليمات" للملكة. وهي وثيقة جديرة بالتنويه.
"إنك تكبرين، ولم يعد لك عذر من صغر السن. فما مصيرك إذا أخرت (صلاح أمرك) أكثر من هذا؟.. فحين يعانقك الملك، وحين يتحدث إليك، ألا تبدين الضيق، بل حتى النفور؟ هل خطر ببالك يوماً أي أثر لا بد أن تخلفه في الشعب... علاقاتك الحميمة وصداقاتك؟... هل وزنت النتائج الرهيب لألعاب الحظ، وما تجمع من أصحاب وما يضربونه من مثل؟...".
وقال عن ولعها بالمراقص التنكرية في باريس:
لم الاختلاط بحشد من الفاسقين، والمومسات، والأغراب، تستمعين إلى ملاحظاتهم، وربما تبدين مثلها؟ يا له من تبذل؟... إنك تتركين الملك وحيداً الليل كله في فرساي بينما تندمجين في المجتمع وتخالطين أوشاب الباريسيين؟ إنني في الحق أرتعد خوفاً على سعادتك، لأن هذا لا يمكن أن




صفحة رقم : 14334




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملكة العذراء







يؤول إلى خيرك المدى الطويل، وستنشب ثورة قاسية ما لم تتخذي الخطوات لتجنبها"(45).
وتأثرت الملكة من لومه. فكتبت إلى أمها بعد رحيله: "لقد ترك رحيل الإمبراطور فراغاً لا أستطيع ملأه، ولقد كنت سعيدة جداً خلال تلك الفترة القصيرة حتى ليبدو الأمر كله وكأنه حلم من الأحلام. ولكن الشيء الذي لن يكون حلماً عندي هو كل النصيحة الحكيمة... التي بذلها لي، والتي نقشت على صفحة قلبي إلى الأبد"(46). على أن الذي أصلحها حقاً لم تكن النصيحة بل الأمومة. ذلك أن لويس استسلم في ذلك الصيف من عام 1777، دون مخدر من أي نوع فيما يبدو، لجراحة نجحت نجاحاً تاماً. واحتفل بعيد ميلاده الثالث والعشرين (23 أغسطس 1777) باستكمال علاقته الزوجية في النهاية. وكان فخوراً سعيداً. وأسر لعمة عذراء قائلاً "أنني أستمع كثيراً بهذه اللذة ويؤسفني حرماني منها هذا الزمن الطويل"(47). على أن الملكة لم تحبل إلا في أبريل 1778. وأنهت النبأ إلى الملك بطريقتها المرحة: "مولاي، لقد جئت أشكو إليك أحد رعاياك الذي بلغت به الجرأة أن يرفسني في بطني"(48). فلما أدرك لويس المعنى الذي ترمي إليه ضمها بين ذراعيه. وراح الآن أكثر من أي وقت مضى يستجيب لنزواتها ويمنحها كل سؤال لها. وكان يزور مسكنها عشر مرات في اليوم ليطلع على آخر بلاغ عن سير الوريث المرتقب. وقالت ماري أنطوانيت للملك وقد طرأ عليها تحول جسدي ونفسي غامض "منذ الآن أريد أن أعيش حياة غير التي عشتها من قبل. أريد أن أحيا حياة أم، وأرضع طفلي، وأكرس نفسي لتربيته"(49).
وبعد معاناة شديدة، زادتها شدة قابلة تفتقر إلى المهارة، وضعت الملكة في 19 ديسمبر 1778 وأسف الوالدان على أن الولي بنت، ولكن أسعد الملك أن مغاليق الحياة فتحت، وكان على ثقة من أن الابن قادم في الوقت المناسب. أما الأم الشابة فقد اغتبطت لأنها حققت ذاتها في نهاية المطاف. وكتبت لماريا تريزا في 1779 (وكانت الأم في بداية عامها الأخير) تقول: "لماما العزيزة أن ترضى كل الرضى عن سلوكي. وإذا




صفحة رقم : 14335




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملكة العذراء







كنت ملومة في الماضي، فالسبب أنني كنت غرة طائشة. أما الآن فإنني أكثر تعقلاً، وأنا شديدة الوعي بواجبي"(50). ولم يصدق البلاط ولا الشعب، ولكن-كما كتب الكونت سيجور "من الحقائق المسلم بها أنها بعد مولد طفلها الأول بدأت شيئاً فشيئاً تعيش حياة أكثر انتظاماً، وتشغل نفسها على نحو جاد. وهي أشد حرصاً على تجنب أي شيء من شأنه أن يثير القيل والقال... وحفلاتها المرحة أقل عدداً، وأقل صخباً... والإسراف يخلي مكانه للبساطة، والأرواب الفاخرة تحل محلها الفساتين التيلية الصغيرة"(51). ولقد كان جزءاً من العقاب الطويل الذي عوقبت به ماري أنطوانيت أن شعب فرنسا أبى أن يدرك أن الفتاة المدللة المستهترة قد غدت أماً حنوناً حية الضمير. فلا شيء يضيع هباء، ولكن كل شيء لا بد أن يدفع ثمنه.
وكانت عليمة بأن القانون الفرنسي يحرم النساء من العرش. لذلك رحبت بالحمل الثاني، وتمنت على الله ولداً. ولكنها عانت من سقط بلغ من شدته أنه أفقدها معظم شعرها(52). ولكنها كررت المحاولة، وفي 22 أكتوبر 1781 ولدت غلاماً سمي لوي- جوزف- زافير. وتشكك الساخرون في نسب الطفل، ولكن الملك السعيد شرب عنهم صفحاً وصاح "ولدي الدوفن! ولدي!".




صفحة رقم : 14336




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملك الطيب








4- الملك الطيب


كان لويس النقيض لزوجته في كل شيء إلا السن. وكانت رشيقة، سريعة الخاطر، خفيفة الحركة، لعوباً، مندفعة، جياشة، طائشة، مسرفة، مؤكدة لذاتها، متكبرة، ملكة دائماً؛ وكان بطئ الحركة، بليداً، متردداً، رزيناً، هادئاً، كادحاً، مقتصداً، متواضعاً، عديم الثقة بنفسه، كل ما فيه ينطق بأنه ليس ملكاً. كان يحب النهار، وعمله، وصيده، وكانت تهوى الليل، ومائدة القنار، والمرقص. ومع ذلك لم يكن زواجهما بالزواج التعس بعد سنوات التجربة الأولى تلك، فقد كانت الملكة وفية لزوجها، والملك شغوفاً بزوجته، وحين جاء الحزن أحكم الجمع بينهما في شخص واحد.




صفحة رقم : 14337




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملك الطيب







كانت قسماته سوية، ولعله كان يكتسب الوسامة لو حد من وزنه. وكان طويل القامة، خليقاً بأن يكون له سمات الملوك لولا أن شاب مشيته كتفان متأرجحتان وخطوة ثقيلة. وكان يشكو ضعفاً في بصره زاده ارتباكاً وثقل الحركة، وندر أن كان شعره منتظماً. ذكرت مدام كمبان أن "شخصه كان مهملاً جداً"(54) وكان مفتول العضل قوي البدن، وقد رفع مرة أحد أتباعه بذراع واحدة. وكان نهماً، معتدلاً في شرابه، ولكنه كان أحياناً يثمل بالطعام، فيقتضي الأمر إعانته على الذهاب إلى فراشه(55). وكان له هوايات قليلة، ونشوات طرب قليلة، وساعات ألم مفرط قليلة.

ولم يكن شعوره شعور الراحة واليسر مع الفرنسيين المحيطين به، الذين دربوا على يقظة الذهن وسرعة البديهة في الحديث؛ على أنه في أحاديثه الخاصة وقع موقعاً طيباً من رجال كيزوف الثاني بفضل سعة معرفته وسداد حكمه. استمع إلى الأمير هنري البروسي، شقيق فردريك الأكبر يقول:
"إن الملك أدهشني... فلقد أنبئت أن تعليمه قد أهمل، وأنه لا يعرف شيئاً، وأنه قليل الذكاء. ولكني ذهلت أن أرى وأنا أتحدث معه أنه يعرف الجغرافيا معرفة جيدة جداً، وأن له أفكاراً صائبة في السياسة، وأن سعادة شعبه كانت دائماً ماثلة في فكره، وأنه يفيض بالإدراك السليم الذي هو في الملك أعظم قيمة من الذكاء اللامع، ولكنه كان مسرفاً في عدم الثقة بنفسه"(56).
وكان لويس يقتني مكتبة حسنة أفاد منها، فقرأ وترجم جزءاً من كتاب جبون "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها"(57)، ولكنه نحاه عنه حين تبين نزعته المعارضة للمسيحية. وقرأ وأعاد قراءة كتاب كلارندون "تاريخ التمرد" كأنه يحس في دخيلة نفسه بأنه سيكرر مصير تشارلز الأول. قال "لو كنت في مكانه لما امتشقت الحسام قط في وجه شعبي"(58). ولكي يرشد رحلة بيروز الباسفيكية (1785) كتب تعليمات مفصلة نسبها وزراؤه إلى علماء أكاديمية العلوم(59). وكان على صلة وثيقة بمختلف وزرائه




صفحة رقم : 14338




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملك الطيب







لا سيما في الشئون الخارجية. وأعجب واشنطن وفرانكلين بسداد حكمه(60). وكانت نواحي ضعفه في الإرادة في الفكر، ولعلها ارتبطت بثقل غذائه ووزنه. ومن أهم صفاته عجزه عن مقاومة الإلحاح أو الخلوص من التفكير إلى التنفيذ. وكان هو نفسه يمارس الاقتصاد، ولكن كان فيه من اللطف ما منعه من فرضه على الآخرين، وكان يوقع بالموافقة على صرف مئات اللوف من الفرنكات استجابة لأمر زوجته.
على أن الفضائل لم تعوزه. فهو لن يتخذ خليلة، وكان فيه وفاء لأصدقائه ربما باستثناء طورجو "أغلب الظن أنه لم يفقه غير طورجو من رجال جيله في حب الشعب أعظم حب"(61). ففي يوم اعتلائه العرش أمر المراقب العام للمالية بتوزيع 200.000 فرنك على الفقراء، وأضاف "إن وجدت هذا أكثر مما تسمح به حاجات الدولة فخذه من راتبي"(62). وقد منع جمع "ضريبة التتويج" التي كانت تجعل من استهلال حكم الملك عبئاً جديداً على الأمة. وفي 1784 حين كانت باريس تعاني من الفيضانات والأوبئة، خصص ثلاثة ملايين من الفرنكات لإعانة الشعب. وخلال شتاء قارس البرد للفقراء يوماً بعد يوم بأن يغيروا على مطبخه ويصيبوا منه طعاماً. وكان مسيحياً لقباً، وواقعاً، والتزاماً بالشعائر، فكان يتبع كل الطقوس الكنسية وقواعدها بحذافيرها، ويصوم الصيام الكبير كله رغم ولعه بالطعام. وكان متديناً دون التعصب أو إعلان عن النفس، فهو الذي منح الحقوق المدنية لبروتستانت فرنسا رغم سنيته وتدينه. وقد حاول التوفيق بين المسيحية والحكم، وذلك أمر ليس في الدنيا أصعب منه.
وكان عليه أن يعيش عيشة الملك مظهراً رغم حبه البساطة، فيجوز مراسم استيقاظ الملك Levée ويدع الاتباع والحاشية يلبسونه ثيابه، ويتلو صلوات الصباح في حضرتهم، ويستقبل الناس، ويرأس المجلس الملكي، ويصدر المراسم، ويحضر حفلات الغداء أو العشاء، والاستقبال، والرقص-مع أنه لم يكن يرقص. ولكنه عاش كأي مواطن صالح على قدر ما سمح به منصبه وشهيته. وقد وافق روسو على أن من واجب كل إنسان أن يتعلم حرفة يدوية، فتعلم عدة حرف، من صناعة الأقفال إلى البناء. وتخبرنا




صفحة رقم : 14339




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> الملك الطيب







مدام كمبان أنه "سمح لصانع أقفال من عامة الشعب بدخول مسكنه الخاص، وكان يصنع معه المفاتيح والأقفال، وكثيراً ما كانت يداه اللتان اسودتا من هذا الضرب من العمل مثار لوم بل توبيخ حاد من الملكة في حضرتي"(63). وكان يستهويه كل شيء يتصل بالبناء، فيعين عمال القصر على نقل المواد، والعوارض، وبلاط الرصف. وكان يحب أن يقوم بترميم ما يحتاج إلى ترميم في مسكنه بيديه هو، وكان زوجاً صالحاً كأزواج أوساط الناس. وقد احتوت إحدى حجراته على أدوات الجغرافيا، والكرات الأرضية، والخرائط الجغرافية-التي رسم بعضها بنفسه؛ واحتوت حجرة أخرى أدوات للشغل في الخشب، وجهزت ثالثة بكير وسندان، وأشتات كثيرة من الأدوات الحديدية. وقد عكف شهوراً على صنع ساعة حائط ضخمة تسجل الشهور واوجه القمر والفصول والسنين. وشغلت مكتبته عدة حجرات.
وقد أحبته فرنسا، حتى إلى موته وبعد موته، لأن الذي أعدمه بالجليوتين في 1793 لم تكن فرنسا بل باريس. وفي تلك السنين الأولى كان الترحيب به عاماً تقريباً. كتب فردريك الأكبر لدالامبير "أن لديكم ملكاً طيباً جداً، وأنا أهنئكم عليه من كل قلبي. فالملك الحكيم الفاضل خليق بأن يخشاه منافسوه أكثر من ملك لا يملك من الفضائل غير الشجاعة". وأجاب دالمبير "أنه يحب طيبة القلب، والإنصاف، والاقتصاد، والسلام... أنه بالضبط ما كان ينبغي أن نصبوا إليه في ملكنا لو لم يمنحنا إياه قدر كريم"(64). ووافق فولتير على هذا الرأي: "كل ما صنعه لويس منذ توليه العرش حببه لفرنسا"(65). وقد استعاد جوته في شيخويخه ذكر هذا الاستهلال الميمون: "في فرنسا أبدى ملك جديد خيرّ أحسن النوايا. لتكريس نفسه للقضاء على مفاسد كثيرة، ولتحقيق أنبل الأهداف، وهي إدخال أسلوب في الاقتصاد السياسي من تظن وكفء، والاستغناء عن كل سلطة تعسفية، والحكم بالقانون والعدالة وحدهما. وقد عمت الدنيا أبهج الآمال، ووعد الشباب الواثق نفسه والنوع الإنساني كله بمستقبل زاهر مشرق"(66).




صفحة رقم : 14340




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو








5- وزارة طورجو




1774 - 1776


كان اول هم للويس السادس عشر أن يعثر على وزراء أكفاء أمناء يصلحون الفوضى التي استشرت في الإدارة والملية. وكان الشعب يطالب في إلحاح بعودة "البرلمانات" التي أقصبت، فأعادها، وأقال موبيو الذي حاول من قبل لأن يحل محلها هيئة أخرى، ورد إلى فرساي لرآسة وزارته جان- فردريك فلبو، كونت موريبا، الذي كان وزيراً للدولة من 1738 إلى 1749، وأقيل لأنه عرض في أهجوة ساخرة بمدام دبومبادور، فعاد الآن إلى السلطة بعد أن بلغ الثالثة والسبعين. وكان اختياراً كريماً ولكنه غير موفق، لأن موريبا بعد أن عاش عقداً على وضعيته الريفية، كان قد فقد صلته بتطور فرنسا في اقتصادها وفكرها، وكان فيه من الظرف أكثر مما فيه من الحكمة. أما للشئون الخارجية فقد اختار الملك ذو العشرين شارل جرافييه، كونت ديفرجين، ولوزارة الحربية الكون كلود- لوي دسان- جرمان، ولوزارة البحرية آن- روبير- جاك طورجو، بارون دلولن.
وقد رأيناه في صفحات سابقة لاهوتياً، ومحاضراً في المسيحية والتقدم، وصديقاً للفزيوقراطيين وجماعة الفلاسفة الفرنسيين، وناظراً ملكياً مقداماً خيراً في ليموج. وقد حذر أتقياء القصر لويس من استخدام طورجو لأنه كافر سبق أن شارك في "الموسوعة" بمقالاته(67)، ومع ذلك ففي 24 أغسطس 1774 رفعه الملك إلى أدق مناصب الحكومة- وهو منصب المراقب العام للمالية وحل محل طورجو في البحرية جابرييل دسارتين، الذي أنفق في خفة على بناء أساطيل ستساعد على تحرير أمريكا، والذي أعتمد على طورجو في تدبير المال اللازم لبنائها.
وكان طورجو رجلاً فرنسياً من معدن شبيه بالذي وجده لويس الرابع عشر في كولبير، كرس نفسه لخدمة وطنه، واتسم ببعد النظر، والعكوف على العمل بغير ملل، ونقاء اليد وطهارتها. وكان فارع الطول حسن الصورة، ولكن اعوزته رقة آداب الرجال الذين صقلتهم الصالونات- وإن رحبت




صفحة رقم : 14341




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو







به الآنسة لسبيناس ترحيباً حاراً. وكان قد ضحى بصحته في سبيل عمله، وفي كثير من الوقت الذي كان عاكفاً فيه على إعادة صنع اقتصاد فرنسا كان يلزم مسكنه بسبب النقرس.. وقد حاول أن يضغط ربع قرن من الإصلاحات في وزارة واحدة قصيرة الأجل لأنه أحس بأن أستزاره قلق مزعزع. وكان في السابعة والأربعين حين تقلد وزارته، وفي التاسعة والأربعين حين فقدها، وفي الرابعة والخمسين حين ودع الحياة.
وقد آمن مع الفزيوقراطيين بتحرير الصناعة والتجارة ما أمكن من التنظيم الحكومي أو النقابي، وبأن الأرض مصدر الثروة الوحيد، وبأن ضريبة واحدة على الأرض هي أعدل الطرق وأكثرها عملية لجمع إيراد الدولة، وبأنه ينبغي إلغاء جميع الضرائب غير المباشرة. ثم أنه أخذ عن جماعة الفلاسفة تشككهم الديني وتسامحهم، وثقتهم في العقل والتقدم، وأملهم في إصلاح الأمور عن طريق ملك متنور. فإذا كان الملك صاحب ذكاء وإرادة صالحة، يقبل الفلسفة مرشداً وهادياً له، كان هذا ثورة سلمية، تفضل كثيراً الثورة العنيفة الفوضوية التي لا تكتفي بالقضاء على المفاسد بل تطيح بالنظام الاجتماعي ذاته، فالآن إذن حان وقت وضع نظرية فولتير، "النظرية الملكية" هذه موضع الاختبار. ومن ثم نرى جماعة الفلاسفة يشاركون الفزوقراطيين ابتهاجهم بتقلد طورجو زمام الأمور.
وذهب طورجو إلى كومبيين في 24 أغسطس 1774 ليشكر لويس السادس عشر على تعيينه وزيراً للمالية. وقال له "إنني لا أبذل نفسي للملك بل للرجل الأمين". وأجاب لويس وهو يأخذ يدي طورجو في يديه "لن يخيب ظنك"(68). وفي مساء ذلك اليوم بعث الوزير إلى الملك رسالة بينت النقاط الأساسية في برنامجه قال:


"لا إفلاس، معلناً كان أو مقنعاً.




لا زيادة في الضرائب، والسبب حالة شعبك...






صفحة رقم : 14342




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو









لا قروض،... لأن كل قرض يقتضي في نهاية أجل مسمى إما




الإفلاس وإما زيادة الضرائب..."


ولتلبية هذه النقاط الثلاث لا يوجد غير سبيل واحد وهو خفض الإنفاق عن الإيراد، وخفضه بقدر يكفي ضمان وفر في كل عام مقداره عشرون مليوناً تخصص لاستهلاك الديون القديمة. وبغير هذا ستدفع أول طلقة نار بالدولة إلى هاوية الإفلاس(69).
(وقد التجأ نكير فيما بعد إلى القروض، وأفضت حرب 1778 بفرنسا إلى الإفلاس).
وبعد أن تبين طورجو أن إيرادات الحكومة السنوية 213.500.000 فرنك، ومصروفاتها 235.000.000 فرنك، أمر بشتى ضروب الوفر، وأصدر تعليمات بألا يصرف مبلغ من الخزانة لأي غرض دون علمه أو موافقته، وكان هدفه تنشيط الاقتصاد بإرساء دعائم حرية المشروعات، والإنتاج، والتجارة، خطوة خطوة. وبدأ بمحاولة لإصلاح الزراعة. وكانت الحكومة قد أشرفت على التجارة في الغلال تجنباً لتذمر أهل المدن، فنظمت بيعها من المزارع لتاجر الجملة، ومن تاجر الجملة لتاجر التجزئة، وحددت سعر الخبز. ولكن انخفاض الأسعار التي دفعت للفلاح ثبطت همته عن زرع المزيد من الغلال، وثنت غيره عن الاشتغال بالزراعة، فظلت مناطق شاسعة من أرض فرنسا صالحة للزراعة دون زرع، وعطلت ثروة الأمم الممكنة عند منبعها. وبدأ إصلاح الزراعة في نظر طورجو أول خطوة في إحياء فرنسا. ذلك أن إطلاق يد المزارع في بيع غلته بأي سعر يستطيع الحصول عليه سيرفع من دخله ويحسن وضعه الاجتماعي، ويزيد قوته الشرائية، وينهض به من الحياة البدائية الوحشية التي وصفها من قبل لابرويير في عصر لويس الرابع عشر الذهبي(70).
ومن ثم ففي 13 سبتمبر 1774 استصدر طورجو من المجلس الملكي مرسوماً أطلق تجارة الغلال في كل مكان عدا باريس حيث قدر أن رد فعل أهل المدينة سيكون محرجاً. وكان ديون دنمور قد قدم للمرسوم بديباجة




صفحة رقم : 14343




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو







تشرح الهدف منه، وهو "تنشيط وتوسيع زراعة الأرض، التي تعد غلتها أكثر ثروات الدولة حقيقة وضماناً، والاحتفاظ بوفرة في الغلال عن طريق مخازنها واستيراد الغلال ممن الخارج... والقضاء على الاحتكار... وإيثاراً للمنافسة الحرة" وهذه المقدمة التفسيرية كانت هي ذاتها تجديداً يعكس ظهور الرأي العام كقوة سياسية. ورحب فولتير بالمرسوم فاتحة لعصر اقتصادي جديد، وتنبأ بأنه سيزيد بعد قليل من رخاء الأمة(71). ثم أرسل مذكرة إلى طورجو قال فيها: "أن عليل فرنيه العجوز يشكر الطبيعة لأنها مدت في أجله حتى يرى مرسوم 13 سبتمبر 1774. وهو يقدم احترامه لواضعه، ويرجو له التوفيق"(72).
على ان هذا الترحيب خرج عليه رأي معارض ينذر بالسوء. ففي ربيع 1775 جاء مصرفي سويسري يعيش في باريس ويدعى جاك نكير إلى طورجو يحمل مخطوطاً "عن قانون الغلال وتجاراتها"، وسأل إن كان من الممكن نشره دون إضرار بالحكومة. وقد زعم نكير في كراسته أن قدراً من الإشراف الحكومي على الاقتصاد لا بد من أن أريد ألا يفضي حذق القلة الفائق إلى تركيز الثروة في طرف وتكثيف الفقر في الطرف الآخر، واقترح أن تستأنف الحكومة الإشراف والتنظيم إذا رفعت حرية التجارة من سعر الخبز فوق رقم معين. أما طورجو، الواثق من نظرياته، والمحبذ لحرية النشر، فقد أخبر نكير بأن ينشر المخطوط ويدع الشعب يحكم(73). فنشره نكير.
ولم تقرأه جماهير المدن ولكنها اتفقت نعه في الرأي. فحين ارتفع سعر الخبز في ربيع 1775 اندلعت حوادث الشغب في عدة مدن. ففي الأقاليم المحيطة بباريس، والتي تتحكم في انسياب الغلال إلى العاصمة، راح بعض الرجال يتنقلون بين المدن ويحرضون الناس على التمرد. وأحرقت العصابات المسلحة مزارع المزارعين والتجار وقذفت بالمخزون من الغلال في نهر السين، ثم حاولت منع الغلال المستوردة من إكمال طريقها من هافر إلى باريس، وفي 2 مايو قادت جمعاً محتشداً إلى أبواب القصر في فرساي.




صفحة رقم : 14344




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو







وأعتقد طورجو أن هذه العصابات يستخدمها الموظفون البلديون أو الأقليميون الذين نقدوا وظائفهم بانتهاء الإشراف الحكومي والذين كان هدفهم أن يخلقوا في باريس أزمة غلال ترفع سعر الخبز وتكره الحكومة على العودة إلى التجارة الخاضعة لهيمنتها(74). وظهر الملك على شرفة من شرفات القصر وحاول الكلام، ولكن ضجة الجمع طغت على كلامه. على أنه منع جنوده من إطلاق النار على الشعب، وأمر بخفض سعر الخبز.
ولكن طورجو أكد أن هذا التدخل في قوانين العرض والطلب سيفسد محاولة اختبارها؛ وكان واثقاً من أنه إذا تركت لها حرية العمل فإن المنافسة بين التجار وأصحاب المخابز ستهبط بأسعار الخبز عما قليل. وألغى الملك أمره بخفض السعر. وفي 3 مايو تجمعت حشود غاضبة في باريس وبدأت تنهب المخابز. وأمر طورجو مليشيا باريس بحماية المخابز ومخازن الغلال، وبإطلاق النار على أي شخص يحاول القيام بأعمال عنف. ثم حرص في الوقت نفسه على وصول الغلال الأجنبية إلى باريس والأسواق. وأكرهت هذه المنافسة المستوردة المحتكرين الذين حبسوا غلالهم توقعاً لارتفاع الأسعار على الإفراج عن مخزونهم، فانخفض سعر الخبز، وهدأ النمر. وقبض على نفر من زعمائه، وشنق اثنان منهم بأمر البوليس. وخرج طورجو ظافراً من "حرب الدقيق" هذه. ولكن إيمان الملك بمبدأ عدم التدخل اهتز، وأحزنه شنق هذين الشخصين في ميدان جريف.
ولكن سرته الإصلاحات التي يجريها طورجو في ماليو الحكومة. فلم يمض يوم على مرسوم الغلال بدأ الوزير العجول إصدار الأوامر للوفر في مصروفات الدولة، ولتحصيل الضرائب تحصيلاً أكثر كفاءة، وللإشراف إشرافاً أدق على الملتزمين العموميين، ثم ينقل الاحتكارات الأهلية في المركبات العامة، ومركبات البريد، وصنع البارود، إلى الدولة. واقترح، ولكن لم يتح له الوقت لإنشاء "بنك للخصم" وهو مصرف لخصم الأوراق التجارية، وتلقي الودائع، وإعطاء القروض، وإصدار البنكنوت الذي تدفع قيمته عند إبرازه، وقد اتخذ هذا البنك نموذجاً لبنك فرنست الذي نظمه نابليون في 1800. فلم تحل نهاية عام 1775




صفحة رقم : 14345




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو







حتى كان طورجو قد خفض المصروفات 66.000.000 جنيه، وأنقص الفائدة على الدين الأهلي من 8.700.000 إلى 3.000.000 جنيه. واستعيدت الثقة بالحكومة حتى استطاع أن يقرض 60.000.000 جنيه من الماليين الهولنديين بفائدة أربعة في المائة، ويسدد بهذه الطريقة ديوناً كانت الحظانة تدفع عنها فائدة من سبعة إلى اثنتي عشرة في المائة. وأوشك أن يوازن الميزانية، ولكنه لم يفعل هذا بزيادة الضرائب بل بالحد من الفساد، والإسراف، وعدم الكفاءة، وكثرة الفاقد.
وفي هذه الإصلاحات وغيرها لم يلق طورجو كبير عون من موربيا، ولكنه لقي العون الكثير من كرتيان وماليرب، الذي التقينا به من قبل حامياً للموسوعة ولروسو. فقد أرسل، بوصفه الآن رئيساً لمحكمة المعونات (التي تختص بالضرائب غير المباشرة)، إلى لويس السادس عشر (6 مايو 1775)، مذكرة تشرح المظالم التي ينطوي عليها جمع الضرائب بواسطة الملتزمين العموميين، وتحذر الملك من الكراهية التي يولدها استخدامهم. وأشار بتبسيط القوانين وتوضيحها، وقال "ليس هناك قوانين حسنة غير القوانين البسيطة" وتعلق قلب الملك بماليرب، فعينه وزيراً لبيت الملك (يوليو 1775) وحث هذا اللبرالي المسن لويس على تأييد طورجو، ولكنه نصح طورجو بألا يحاول الإسراف في إصلاحاته في وقت واحد، لأن كل إصلاح سيخلق له أعداء جدداً. وأجاب مراقب المالية العام. وماذا تريدني أن أفعل؟ أن حاجات الشعب هائلة، ونحن في أسرتي نموت بالنقرس في الخمسين"(75).
وفي يناير 1776 فاجأ طورجو فرنسا بستة مراسيم صدرت باسم الملك، قرر إحداها أن تشمل حرية التجارة في الغلال باريس، وألغى العدو الكبير من المناصب المتصلة بتلك التجارة، وانضم الموظفون المطرودون على هذا النحو إلى صفوف أعدائه. وألغى مرسومان أو عدلا الضرائب المفروضة على الماشية والشحوم، فاغتبط الفلاحون. وألغى الرابع السخرة- وهي أيام اثنا عشر أو خمسة عشر يفرض فيها الشغل المجاني على الفلاحين كل عام




صفحة رقم : 14346




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو







لصيانة الكباري، والقنوات، والطرق؛ وتقرر أن يتقاضى الفلاحون منذ الآن أجراً عن هذا العمل من حصيلة ضريبة تفرض على جميع الأملاك غير الكنسية؛ واغتبط الفلاحون، وشكا النبلاء. وأثار طورجو المزيد من الاستياء بالديباجة التي وضعها في فم الملك.
"إننا لو استثنينا عدداً قليلاً من الأقاليم... لوجدنا أن كل طرق المملكة تقريباً شقت بتسخير أفقر شطر من رعايانا. فالعبء كله وقع إذن على أولئك الذين لا يملكون غير أيديهم ولا تهمهم هذه الطرق إلا بدرجة ثانوية جداً. أما الذين يهتمون بها حقاً فهم ملاك الأرض، وكلهم تقريباً أشخاص يتمتعون بامتيازات، وأملاكهم تزداد قيمتها بشق الطرق. فإذا أكره الفقير دون سواه على صيانة هذه الطرق، وإذا أكره على بذل وقته وجهده دون أجر، كان ذلك معناه أن عدته الوحيدة ضد الفقر والجوع انتزعت منه لإلزامه بالعمل لمنفعة الأغنياء"(76).
فلما أوضح برلمان باريس أنه سيرفض تسجيل هذا المرسوم، كاد طورجو يعلن الحرب الطبقية".
"إنني رغم عدائي للاستبدادية الآن كما كنت دائماً، فإني لن أني عن أن أقول للملك، وللبرلمان، وللأمة بأسرها إن لزم الأمر، أن هذا أمر من تلك الأمور التي يجب أن تقررها إرادة الملك المطلقة، ولهذا السبب: وهو أن هذه القضية هي في صميمها قضية بين الأغنياء والفقراء. والآن ممن يتألف البرلمان؟ من رجال أغنياء إذا قورنوا بالسواد الأعظم من الشعب، وكلهم نبلاء لأن مناصبهم تحمل النبالة. ثم البلاط، الذي يشتد في احتجاجه- ممن يتألف؟ من كبار النبلاء، الذين يملك أغلبهم ضياعاً ستخضع للضريبة... ونتيجة لذلك فلا اعتراض البرلمان... ولا حتى تذمر الحاشية يجب أن ينال من القضية على أي وجه... وما دام الشعب لا صوت له في البرلمانات، فإنه لا بد أن يرى الملك في القضية رأيه هو بعد الاستماع إلى هذه البرلمانات، ولا بد أن يحكم لصالح الشعب، لأن هذه الطبقة أتعس طبقاته"(77).
أما آخر المراسيم الستة فقد ألغى الطوائف الحرفية. وكانت قد أصبحت




صفحة رقم : 14347




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو







أرستقراطية عمالة، لأنها أشرفت على جميع الحرف تقريباً، وحدت من الدخول في عضويتها بإشتراطها رسوم التحاق عالية، ثم قيدت فوق ذلك الصلاحية لاختيار معلمي الحرف. وقد عطلت الاختراع، وعرقلت التجارة بالمكوس أو بحظر المنتجات المتنافسة التي تدخل في نطاقها. وقد نددت طبقة المتعهدين أو المقاولين الصاعدة- وهم رجال يوفرون المبادأة، ورأس المال، والتنظيم، ولكنهم يطالبون بحرية استئجار أي عامل، سواء من المنتمين للوظائف الحرفية أو غيرهم، وبيع سلعهم في أي سوق في متناولهم- هذه الطبقة نددت بالطوائف الحرفية لأنها احتكارات تقيد التجارة. أما طورجو، التواق إلى دعم التنمية الصناعية بإطلاق حرية الاختراع، والمشروعات، والتجارة، فقد شعر أن الاقتصاد القومي سيفيد من إلغاء الطوائف المالية. وقد جاء في ديباجة هذا المرسوم:
"كانت ممارسة الحرف والصنائع في جميع المدن تقريباً مركزة في أيدي عدد قليل من المعلمين المتحدين في نقابات، والذين كان لهم وحدهم حرية صنع وبيع سلع الصناعة الخاصة التي ينفردون دون غيرهم بامتيازهم. فالذي كرس نفسه لأي صناعة أو حرفة لم يكن في استطاعته ممارستها بحرية إلا بعد وصوله إلى مرتبة معلم الحرفة، التي لا سبيل له إليها إلا بعد الخضوع لواجبات طويلة مملة لا حاجة إليها، وبعد أداء إبتزازات متكاثرة تحرمه من جزء من رأس المال الضروري لإنشاء تجارة أو تجهيز ورشة. أما العاجزون عن توفير هذه النفقات فمصيرهم العيش القلق تحت سلطان المعلمين، ولا خيار أمامهم إلا الحياة في ضنك... أو نقل صناعة قد تكون ذات نفع لوطنهم إلى بلد أجنبي"(78).
وكان لهذه التهم الموجهة إلى النقابات الحرفية ما يبررها على قدر علمنا ولكن طورجو استرسل في إجراءاته فحظر على جميع معلمي الحرف وعمال المياومة والتلاميذ الصناعيين تكوين أي اتحاد أو جمعية(79). لقد آمن إيماناً مطلقاً بحرية المشروعات والتجارة، ولم يتوقع أن يكون حق التنظيم هو الوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها الصناع أن يجمعوا ضعفهم كأفراد في قوة جماعية للمساومة مع أصحاب العمل المنظمين. وقد أحس أن كل الطبقات




صفحة رقم : 14348




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو







ستفيد في المدى الطويل بتحرير رجال الأعمال من القيود الإقطاعية والنقابية والحكومية المفروضة على المشروعات. وأعلن أن جميع الأشخاص في فرنسا- حتى الأجانب- أحراراً في الاشتغال بأي صناعة أو تجارة.
وفي 9 فبراير 1776 رفعت المراسيم الستة إلى برلمان باريس. فلم يوافق إلا على واحد منها ألغى المناصب الصغيرة، ورفض الموافقة على تسجيل الباقي، وخص بمعارضته إنهاء السخرة باعتباره افتئاتاً على الحقوق الإقطاعية(80). وبهذا القرار الذي اتخذ بالتصويت جهر البرلمان بأنه حليف طبقة النبلاء والصوت المعبر عنهم، وهو الذي زعم من قبل أنه حامي الشعب من الملك. ودخل فولتير المعمعة بكراسة هاجمت السخرة والبرلمان وأيدت طورجو، فأمر البرلمان بمصادرة الكراسة. ودافع بعض وزراء الملك عن البرلمان، فوبخهم لويس في لحظة ثبات وجلد قائلاً "أرى جيداً أنه ليس هنا من يحب الشعب غيري وغير مسيو طورجو"(81). وفي 12 مارس دعا البرلمان إلى "سرير عدالة" (وهو المجلس القضائي العالي) في فرساي، وأمره بتسجيل المراسيم. واحتفلت مواكب من العمال بانتصار طورجو.
وأبطأ المراقب العام خطو ثورته بعد أن أرهقته الأزمات المتكررة. فلما طبق حرية التجارة الداخلية على صناعة النبيذ (أبريل 1776) لم يشك غير المحتكرين. ثم حث الملك على إرساء دعائم الحرية الدينية. وأصدر تعليماته إلى ديون دنيمور بأن يضع خطة لتكوين مجالس انتخابية في كل أبرشية، يختارها كل من ملك أرضاً قيمتها ستمائة جنيه أو يزيد، وهذه المجالس المحلية تنتخب ممثلين في مجلس كنتوني، تنتخب ممثلين في مجلس إفليمي، ينتخب نواباً في مجلس الأمة. وكان طورجو مؤمناً بأن فرنسا ليست على استعداد للديموقراطية، فاقترح ألا تعطى هذه المجالس إلا وظائف عن طريق هذه المجالس يحاط الملك علماً بحال المملكة وحاجاتها. كذلك قدم طورجو للملك تخطيطاً للتعليم العام بصفته المدخل الذي لا بد منه للمواطنة المستنيرة. وقال: "مولاي، إنني أجرؤ على التأكيد بأنه لن تمضي سنتان حتى تتبدل أمتك فلا تتعرف عليها الأمم، وبفضل التنوير والأخلاق الطيبة...




صفحة رقم : 14349




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو







ستسمو فوق جميع الدول الأخرى"(82) ولكن الوزير أعوزه الوقت. والملك أعوزه المال، لإخراج هذه الأفكار إلى حيز الوجود.
وكانت مراسيم طورجو- وديباجتها- قد ألهبت غضب جميع الطبقات ذات النفوذ عليه خلا التجار ورجال الصناعة، الذين زكوا في ظل الحرية الجديدة. والواقع أنه كان يحاول أن يحدث بطريق سلمي تحرير رجال الأعمال، وهو النتيجة الاقتصادية الأساسية التي أسفرت عنها الثورة الفرنسية. ومع ذلك عارضه بعض التجار سراً لأنه تدخل في احتكاراتهم. وعارضه الأشراف لأنه أراد أن يفرض كل الضرائب على الأرض، ولأنه يستعدي الفقراء على الأغنياء. وأبغضه البرلمان لأنه أقنع الملك بإبطال قرارات نقضه. ولم يثق به رجال الدين زاعمينه كافراً يندر أن يختلف عن القداس، ويدافع عن الحرية الدينية. وحاربه الملتزمون العموميون لأنه حاول أن يحل محلهم موظفون حكوميين في جمع الضرائب غير المباشرة. وساء الماليين حصوله على القروض من الخارج بفائدة 4%. وكرهته بطانة الملك لأنه سخط على إسرافهم، ومعاشاتهم، ووظائفهم الفخرية. أما موريبا، وهو الأعلى منه منصباً في الوزارة، فلم يغتبط بسلطان المراقب العام للمالية واستقلاله المتزايدين. وكتب السفير السويدي يقول "إن طورجو يجد نفسه الهدف لحلف رهيب جداً"(83).
أما ماري أنطوانيت فقد رضيت عن طورجو أول الأمر، وحاولت أن توفق بين نفقاتها واقتصادياته. ولكن سرعان ما استأنفت (حتى 1777) إسرافها في الثياب والعطايا. ولم يخف طورجو فزعه من مطالبهم من الخزنة، وكانت الملكة إرضاء لآن بولنياك قد حصلت على تعيين صديقهم الكونت دجين سفيراً لفرنسا في لندن؛ وهناك دخل في معاملات مالية مشبوهة. وانضم طورجو إلى فرجين في الإشارة على الملك باستدعائه؛ وأقسمت الملكة لتنتقمن منه.
وكان للويس السادس عشر أسبابه الخاصة لفقد الثقة في الوزير الثوري. ذلك أن الملك كان يحترم الكنيسة، وطبقة النبلاء، وحتى البرلمانات،




صفحة رقم : 14350




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو







وكانت هذه المؤسسات قد رسخت في التقاليد وتقدست بمرور الزمن، فإقلاقها معناه خلخلة ركائز الدولة؛ ولكن طورجو كان قد أقصاها كلها. فهل تراه على حق وكل هؤلاء على ضلال؟ وشكا لويس سراً من وزيره: "إن أصدقاء فقط هم الأكفاء، وأفكارهم فقط هي الصائبة"(84). وفي كل يوم تقريباً كانت الملكة أو أحد أفراد الحاشية يحاول إثارته على المراقب العام. فلما رجاه طورجو أن يقاوم هذه الضغوط ولم يجب لويس، عاد إلى منزله وكتب إلى الملك (30 أبريل 1776) رسالة كانت الفاصلة في مصيره:
"مولاي: لن أخفي عنكم أن قلبي مجروح جرحاً عميقاً بسبب صمت جلالتكم يوم الأحد الماشي... ذلك أنني ما كنت لاستصعب أمراً من الأمور ما دمت أؤمل الاحتفاظ بتقدير جلالتكم لصواب ما أفعل. واليوم أي جزاء ألقى؟ أن جلالتكم ترون كم يستحيل علي المضي في طريقي قدماً ضد من يؤذونني بالشر الذي يصنعونه بي، وبالخير الذي يمنعونني من فعله بتعطيل جميع إجراءاتي، ومع ذلك فإن جلالتكم لا تمنحوني عوناً ولا عزاء. وأنا أجرؤ يا مولاي على القول بأنني لا أستحق هذا الجزاء...
"إن جلالتكم... قد دفعتم بافتقاركم إلى الخبرة. وأنا عليم بأنكم وأنتم في الثانية والعشرين، وفي منصبكم هذا، لا تملكون المرانة على الحكم على الرجال، وهي مرانة يحصل عليها الأفراد العاديون بفضل الاختلاط المعتاد مع نظائرهم؛ ولكن هل سيتاح لكم مزيد من الخبرة بعد أسبوع، بعد شهر؟ وألا يمكن أن تتخذوا القرار الحاسم حتى تتوافر لكم هذه الخبرة البطيئة؟.
"مولاي، إنني مدين لمسيو موريبا الذي قلدتموني إياه، ولن أنسى له هذه اليد ما حييت، ولن أقصر أبداً في الاحترام الواجب له. ولكن أتعلمون يا مولاي مبلغ ضعف شخصية المسيو دموريبا؟- وكم تسيطر عليه أفكار من يلتفون حوله. إن الناس كلهم يعرفون أن مدام دموريبا، بتفكيرها الأضعف كثيراً من شخصيتها، توحي إليه دائماً




صفحة رقم : 14351




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة طورجو







بإرادتها... وهذا الضعف هو الذي يدفعه إلى الموافقة دون تردد على سخط الحاشية علي، والذي يجردني من كل سلطة تقريباً في إدارتي...
"مولاي، لا تنس أن الضعف هو الذي أطاح برأس تشارلز الأول على المقصلة... والذي جعل من لويس الثالث عشر عبداً متوجاً،... والذي جر على الحكم السالف كل ويلاته.. مولاي، إنهم يعدونك ضعيفاً، وقد أتى وقت خشيت فيه أن يكون في خلقك هذا العيب، ومع ذلك رأيتك في مناسبات أكثر من هذه عسيراً تبدي شجاعة أصيلة... أن جلالتكم لن تستطيع الاستسلام إرضاء لمسيو دموريب دون لأن تكون غير صادق مع نفسك..."(85).
ولم يرد الملك على هذه الرسالة. فقد أحس أن عليه الآن أن يختار بين موريبا وطورجو، وأن طورجو يطلب خضوع الحكومة التام تقريباً لإرادته. وعليه ففي 12 مايو 1776 أرسل إلى طورجو أمراً بأن يستقبل. وفي اليوم ذاته، وخضوعاً لإرادة الملكة وآل بوليناك، رفع الكونت دجين إلى مرتبة الدوقية. فلما سمع ماليرب بإقالة طورجو قدم استقالته. وقال له لويس "إنك رجل محظوظ. ليتني أنا أيضاً أستطيع ترك منصبي"(86). وما لبث معظم من عينهم طورجو أن طردوا من مناصبهم. وصعقت ماريا تريزا لهذه التطورات، ووافقت فردريك وفولتير على أن سقوط طورجو نذير بانهيار فرنسا(87)، وقد أحزنها الدور الذي لعبته ابنتها في الأمر، وأبت أن تصدق تنصل الملكة من التبعية، وكتب فولتير إلى لاهارب يقول: "لم يبق لي إلا أن أموت بعد أن ذهب مسيو طورجو"(88).
أما طورجو فقد عاش بعد إقالته عيشة هادئة في باريس، يدرس الرياضة، والفيزياء، والكيمياء، والتشريح. وكان يلتقي كثيراً بفرانكلين، وقد كتب له "مذكرة في الرسوم" ثم اشتدت عليه وطأة النقرس حتى أكرهه بعد 1778 على الاستعانة بعكازين في شميه. ومات في 18 مارس 1781 بعد سنوات حفلت بالألم وخيبة الأمل. ولم يدر بخلده أن القرن التاسع عشر سيقبل معظم أفكاره ويطبقها. وقد أجمل ماليرب وصفه في حب فقال: "كان له رأس فرانسيس بيكن، وقلب لوبيتال"(89).




صفحة رقم : 14352




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة نكير الأولى








6- وزارة نكير الأولى




1776-1781


خلف طورجو في رقابة مالية كلوني دنوي، الذي رد السخرة والكثير من النقابات الحرفية، ولم ينفذ مراسيم الغلال.. وألغى المصرفيون الهولنديون موافقتهم على إقراض فرنسا ستين مليوناً من الجنيهات بسعر أربعة في المائة، ولم يكشف الوزير الجديد طريقة لاجتذاب المال إلى خزانة الدولة خيراً من إنشاء يانصيب قومي (30 يونيو 1776). فلما مات كلوني (أكتوبر)، أقنع مصرفيو باريس الملك بأن يستدعي إلى خدمته الرجل الذي كان أكفاء نقاد طورجو.
كان جاك نكير بروتستانتياً، ولد في جنيف عام 1732 وأرسله أبوه-وكان أستاذاً للقانون في أكاديمية جنيف-إلى باريس ليعمل كاتباً في مصرف اسحاق فرنيه. فلما تقاعد فرنيه أقرض نكير المال ليفتتح مصرفاً خاصاً به. وضم نكير ماله إلى مال رجل سويسري آخر، فأصابا نجاحاً بتقديم القروض للحكومة والمضاربة في الغلال. وحين ناهز نكير الثلاثين كان غنياً، محترماً، أعزباً. ولم يتمن الآن مزيداً من الثراء بل منصباً رفيعاً، وفرصة للخدمة الممتازة والشهرة القومية، وهذا يقتضيه زوجة وبيناً يكون نقطة ارتكاز، أو قاعدة عمليات. ومن ثم تودد إلى المركيزة فرمنو الأرملة، فرفضته، ولكنا جاءت من جنيف بسوزان كورشوا الجميلة الموهوبة التي كانت قبيل ذلك قد أفلتت من الزواج بأدوارد جبون. ووقع نكير في غرام سوزان، وتزوجها في 1764. ويعد وفاؤهما المتبادل طوال الحياة حافلة بالأحداث من ألمع الأضواء في مشكال ذلك العصر المضطرب. وأقاما بيتاً فوق مصرفه، وهناك افتتحت صالوناً (1765) ودعت إليه الكتاب ورجال العمال، أملاً في أن تعبد هذه الصداقات طريق زوجها وتنيره.
وكان نكير نفسه يتحرق شوقاً للتأليف، فبدأ بكتابة "مديح لكولبير" الذي توجته الأكاديمية الفرنسية. واعتزل الآن عمله ودخل المعترك السياسي بذلك المقال "في قانون الغلال" الذي عارض سياسة طورجو في




صفحة رقم : 14353




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة نكير الأولى







عدم التدخل الحكومي. وظفر الكتيب بثناء ديدرو، الذي لعله استمتع بفقرة تكلم فيها المؤلف كما يتكلم الاشتراكيون، وكانت قد قرأ رويو. وقد هاجم نكير:
"قوة الطبقة المالكة التي تمكنها من أن تدفع نظير جهد العامل أبخس أجر لا يكاد يكفي لغير الحاجات الماسة... إن كل المؤسسات المدنية تقريباً أقامها الملاك. ولنا أن نقول إن قلة من الناس-بعد أن قسموا الأرض فيما بينهم-شرعوا القوانين تكتلاً وضماناً لهم ضد الكثرة... ولهؤلاء أن يتساءلوا. "أي معنى تعنيه لها قوانين الملكية التي شرعتموها؟-فنحن لا نملك أملاكاً؛ أو قوانينكم في العدالة؟-فنحن لا نملك شيئاً ندافع عنه. أو قوانينكم في الحرية؟-فإننا سنموت جوعاً إن لن نعمل غداً"(90).
وفي 22 أكتوبر 1776 عين لويس السادس عشر نكير "مديراً للخزانة الملكية" بناء على تزكية موريبا. وكان تعييناً يشوبه الاعتذار. فقد احتج بعض الأساقفة على السماح لبروتستانتي سويسري بأن يتحكم في مال الأمة، فأجاب موريبا، "في وسع رجال الدين أن يشاركوا في اختيار الوزراء إذا هم دفعوا ديون الدولة"(91). وستراً لهذا الواقع عين كاثوليكي فرنسي يدعى تابور دريو مراقباً عاماً للمالية له الرآسة الاسمية على نكير. وتضاءلت معارضة الأكليروس حين جعل نكير تدينه واضحاً جلياً. وفي 29 يونيو 1777 استقال تابور، وعين نكير مديراً عاماً للمالية. وقد رفض أن يتقاضى راتباً، بل أقرض مليوني جنيه من ماله الخاص(92). ولكنه ظل محروماً من لقب الوزير، ولم يسمح له بعضوية المجلس الملكي.
وقد وفق في حدود خلقه وسلطته. ذلك أنه درب على علاج مشكلات الصيرفة لا مشكلات الدولة، وكان في قدرته تكثير المال بنجاح أكثر من سياسة الرجال. وقد أرسى في الإدارة المالية نظاماً وحسابات ووفراً أفضل، وألغى أكثر من خمسمائة وظيفة شرفية ومنصب زائد عن الحاجة. وإذ كان حائزاً على ثقة المجتمع المالي، فقد استطاع طرح أسهم بقروض أكسبت




صفحة رقم : 14354




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة نكير الأولى







الخزانة 148.000.000 جنيه خلال عام واحد. ثم دعم بعض الإصلاحات الصغيرة، فخفف من المظالم في فرض الضرائب، وحسن المستشفيات، ونظم بنوك الرهونات لتقرض الفقراء المال بفائدة منخفضة، وواصل جهود طورجو للحد من نفقات البلاط، والبيت الملكي، والملكة. ورد إلى الملتزمين العموميين جميع الضرائب غير المباشرة (1780)، غير أنه اختزل عددهم وأخضعهم لفحص ورقابة أدق. وقد أقنع لويس السادس عشر بأن يسمح بإنشاء المجالس الإقليمية في بري، وجرينوبل، ومونتوبان، ووضع سابقة هامة إذ اتخذ التدابير لجعل ممثلي الطبقة الثالثة (التي تنتظم الطبقتين الوسطى والدنيا) في هذه المجالس مساوين لمثلى النبلاء والأكليروس مجتمعين. على أن الملك كان يختار أعضاء هذه المجالس، ولم يسمح بأي سلطة تشريعية. وقد ظفر نكير بنصر هام حين أقنع الملك بأن يعتق من بقي من الأقنان على الأراضي الملكية، وأن يهيب بجميع السادة الإقطاعيين أن يحذو حذوه. فلما رفضوا أشار نكير عليه بغلاء القنية كلها في فرنسا، مع دفع التعويضات للسادة، ولكن الملك الذي كان حبيس تقاليده أجاب بأن حقوق الملكية نظام بلغ من الرسخ مبلغاً يعسر معه إلغاءه بمرسوم(93). وفي 1780، وتحت إلحاح نكير أيضاً، أمر الملك بإنهاء التعذيب القضائي، وإلغاء السجون السلفية، وفصل السجناء الذين جرموا فعلاً عن أولئك الذين لم يحاكموا بعد، وفصل كلتا الفئتين عن الأشخاص المقبوض عليهم بسبب الدين. هذه وغيرها من إنجازات وزارة نكير الأولى تستحق عرفاناً أكثر مما ناله عموماً. فإذا سألنا لم لم يعمل مبضعه بأعمق وأسرع مما أعمله، وجب أن نتذكر أن طورجو قد لقي اللوم على تعجله والاستكثار من الأعداء في وقت واحد. وقد انتقد نكير على طرحه القروض بدلاً من جمع الضرائب، ولكنه أحس بأن الشعب قد فرض عليه من الضرائب ما يكفي.
وقد أحسنت مدام كمبان تلخيص موقف الملك من وزرائه، وهي اللصيقة دائماً بهذه الدراما المتطورة "لقد حكم طورجو، ماليرب، ونكير، بأن هذا الملك المتواضع البسيط في عاداته، لن يتردد في التضحية بحقه الملكي في سبيل عظمة شعبه الحقيقية؛ لقد كان قلبه ينعطف به نحو




صفحة رقم : 14355




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> وزارة نكير الأولى







الإصلاح، ولكن تحيزاته ومخاوفه، ومطالب الأشخاص الأتقياء وأصحاب الامتيازات الملحة جعلته جباناً، وأكرهته على التخلي عن خطط أوحى بها إليه حبه للشعب"(94). ومع ذلك فقد جرؤ على أن يقول في إعلان عام (1780) لعل نكير كان قد أعده له، إن "الضرائب المفروضة على أفقر شطر من رعايانا.. وقد زادت بنسبة تفوق كثيراً سائر الرعايا الباقين. "وأعرب عن آماله ألا يحسب الأغنياء أنفسهم مظلومين إذا وجب عليهم، بعد أن يردوا إلى المستوى العام (الضرائب)، أن يؤدوا الفروض التي كان لا بد أن يشاركوا فيها غيرهم منذ زمان بقدر أكبر من المساواة"(95). وكان يرتعد إذا خطر بباله فولتير، ولكن روحه التحررية شكلها على غير وعي منه ذلك العمل الذي قام به فولتير، وروسو، وجماعة الفلاسفة بوجه عام لفضح المفاسد القديمة ولبعث الحياة الجديدة في المشاعر الإنسانية التي ارتبطت من قبل بالمسيحية. ففي هذا النصف الأول من حكمه بدأ لويس السادس عشر إصلاحات كان خليقاً بها لو اتصلت واتسعت شيئاً فشيئاً أن تتفادى الثورة. ثم إنه في عهد هذا الملك الضعيف نرى فرنسا التي سلبتها إنجلترا ممتلكاتها وأذلتها في عهد أسلافه-تكيل الضربات بجرأة وبنجاح لبريطانيا الفخور، وتعين بعملها هذا على تحرير أمريكا.




صفحة رقم : 14356




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> فرنسا وأمريكا








7- فرنسا وأمريكا


اتفقت الفلسفة هذه المرة مع الدبلوماسية. فمؤلفات فولتير، وروسو، وديدرو، ورينال، وعشرات غيرهم أعدت الذهن الفرنسي لمناصرة تحرير المستعمرات كما ناصر التحرير الفكري، وكان الكثيرون من الزعماء الأمريكيين-كواشنطن، وفرانكلين، وجفرسن-أبناء للتنوير الفرنسي. ومن ثم فحين قدم سيلاس دين إلى فرنسا (مارس 1776) ملتمساً قرضاً للمستعمرات الثائرة، كان الرأي العام الفرنسي شديد التعاطف معه، وراح بومارشيه في تحمسه يرسل المذكرة تلو المذكرة إلى فرجين يحثه فيها على مد يد المعونة لأمريكا.
وكان فرجين نبيلاً يؤمن بالملكية والأرستقراطية، وليس بينه وبين




صفحة رقم : 14357




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> فرنسا وأمريكا







الجمهوريات أو الثورات ود، ولكنه كان تواقاً للثأر من إنجلترا لفرنسا. غير أنه لم يرض بالموافقة على أي معونة سافرة لأمريكا، لأن البحرية البريطانية كانت لا تزال أقوى من الفرنسية رغم ما أنفقته عليها سارتين، وكان في مقدورها تدمير السفن الفرنسية إذا كانت الحرب سافرة إلا أنه أشار الملم بالإذن ببعض المعونة السرية، وحجته لها في أمريكا أو قربها أسطول قادر على الاستيلاء متى شاء على الممتلكات الفرنسية والأسبانية في البحر الكاريبي. أما إذا أمكن المطاولة في الثورة، فإن فرنسا ستقوى، وإنجلترا تضعف، وتستطيع البحرية الفرنسية استكمال تجديدها. أما لويس فكان يرتعد فرقاً لفكرة تقديم المعونة لثورة ما، وحذر فرجين من أي عمل سافر قد يفضي إلى حرب مع إنجلترا(96).
وفي أبريل كتب فرجين إلى بومارشيه يقول:
"سنعطيك سراً مليوناً من الجنيهات، وسنحاول الحصول على مبلغ مماثل من أسبانيا. (وقد حصلوا على هذا المبلغ) وبهذين المليونين عليك أن تؤلف شركة تجارية، وتزود الأمريكيين على مسؤوليتك بالسلاح والذخيرة والأجهزة، وسائر الأشياء التي يحتاجون إليها لمواصلة الحرب. وستسلمك ترسانتنا السلاح والذخيرة، ولكنك ستعوضها أو تدفع ثمنها. وإياك أن تطلب مالاً من الأمريكيين، لأنهم لا يملكون المال، ولكن أطلب مقابلاً غلات أرضهم، التي سنساعدك على بيعها في هذا البلد"(97).
وبهذا المال اشترى بومارشيه المدافع والبنادق والبارود والثياب والأجهزة اللازمة لخمسة وعشرين ألف رجل، ثم أرسل هذه البضائع إلى ميناء كان دين قد جمع فيه عدة قراصنة أمريكيين وأعاد تجهيزهم. وقد شجع وصول هذه المعونة أو الوعد الوثيق بها المستعمرين على إصدار إعلان الاستقلال (4 يوليو 1776). فلما ترجم الإعلان إلى الفرنسية، وتداوله الناس بموافقة الحكومة الفرنسية الضمنية، استقبلته جماعة الفلاسفة بحماسة وفرح، وكذلك تلاميذ روسو الذين تبينوا فيه أصداء من "العقد الاجتماعي".




صفحة رقم : 14358




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> فرنسا وأمريكا







وفي سبتمبر عين الكونجرس الأمريكي. بنيامين فرانكلين وآرثر لي-ليمضيا إلى فرنسا مندوبين، وينضما إلى دين، ويلتمسا لا المزيد من الإمداد فحسب، بل التحالف السافر إن أمكن.
ولم تكن هذه أول مرة ظهر فيها فرانكلين في أوربا. ذلك أنه في 1774 ذهب إلى إنجلترا ولم يكن قد بلغ التاسعة عشرة، وقد اشتغل طباعاً، ونشر دفاعاً عن الإلحاد(98)، وعاد إلى فيلادلفيا والربوبية، وتزوج، وانضم إلى جماعة الماسون، وظفر بشهرة دولية بوصفه مخترعاً وعالماً. وفي 1757 أوفد إلى إنجلترا ممثلاً لمجلس بنسلفانيا في نزاع ضرائبي. ومكث في إنجلترا خمس سنين، والتقى بجونسن وغيره من وجوه القوم، وزار إسكتلندة، والتقى بهيوم وروبرتسن، ونال درجة عالية من جامعة سانت أندروز، وأصبح منذ الآن الدكتور فرانكلين. ثم عاد إلى إنجلترا من 1766 إلى 1776، وخطب في مجلس العموم معارضاً ضريبة الدمغة، وحاول المصالحة، ثم عاد إلى أمريكا حين رأى أن الحرب واقعة. وقد شارك في صياغة إعلان الاستقلال.
وصل فرانكلين إلى فرنسا في ديسمبر 1776 ومعه حفيدان له، وكان الآن في السبعين، ويبدو وكأنه الحكمة ذاتها مجسمة، والعالم كله يعرف ذلك الرأس الضخم والشعر المشتعل الخفيف، والوجه الشبيه بالبدر عند بزوغه المشرق. وأهال عليه العلماء أسباب التكريم، وادعى الفلاسفة والفزيوقراطيين أنه واحد منهم، ورأى المعجبون بروما القديمة فيه سنسناتوس، وسكيبو الأفريقي، والكاتوين، وقد بعثوا من مراقدهم، وصففت نبيلات باريس شعورهن في لمة مجعدة تقليداً لقبعته المصنوعة من فرو القندس؛ ولا ريب أنهن سمعن بغرامياته الكثيرة. وأذهلت الحاشية بساطة عاداته، ولباسه، وحديثه، ولكن بدلاً من أن يبدو مضحكاً في زيه القريب من زي الريفيين، كان اختيالهم في المخمل والحرير والمخرم هو الذي تبدى الآن كأنه محاولة فاشلة لإخفاء الواقع وراء مظهر كاذب. ومع ذلك قبلوه هم أيضاً، لأنه لم يستعرض أحلاماً لحكومات مثالية، بل تكلم بتعقل وإدراك سليم، وأظهر




صفحة رقم : 14359




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> فرنسا وأمريكا







الوعي الكامل بالمصاعب والحقائق, كان يدرك أنه بروتستانتي، ربوبي، جمهوري، يطلب العون من بلد كاثوليكي وملك تقي.
وقد باشر مهمته في حذر وحيطة. فلم يغضب أحداً، وأبهج كل إنسان. وقدم فروض الاحترام لا لفرجين فقط بل لميرباو الأب ولمدام دودفان، ولمع رأسه الأصلع في الصالونات وفي أكاديمية العلوم. وشرف نبيلاً شاباً هو الدوق دلاروشفوكو أن يكون سكرتيره. وكانت الجموع تجري وراءه حين يظهر في الشوارع. ولقيت كتبه ترحيباً واسعاً حين ترجمت ونشرت "أعمالاً كاملة" وطبع من كتاب واحد "تقويم وتشرد المسكين" ثماني طبعات في ثلاثة أعوام. واختلف فرانكلين إلى محفل "النوف سير" الماسوني ومنح العضوية الفخرية، وإعانة الرجال الذين التقى بهم هناك على كسب فرنسا في حلف مع أميركا. ولكنه لم يستطع أن يطلب للتو المعونة السافرة من الحكومة. وكان جيش واشنطن يتقهقر أمام السر وليم هاو، وبدا أن معنوية الجيش تحطمت. وبينما كان فرانكلين ينتظر أحداثاً أكثر يمناً أقام في باسي، وهي إحدى ضواحي باريس اللطيفة، وراح يدرسslash ويفاوض، ويكتب نشرات الدعاية تحت أسماء مستعارة، ويستضيف طورجو، ولافوازييه، وموريلليه، وكاباني، ويغازل مدام دودتو في سانوا ومدام هلفتيوس في أوتوى، ولا عجب فقد كان في هاتين المرأتين فتنة جعلتهما جذابتين بغض النظر عن تقدمهما في العمر.
وكان بومارشيه وغيره أثناء ذلك يرسلون الإمداد إلى المستعمرات، وضباط الجيش الفرنسيون يتطوعون للقتال تحت إمرة واشنطن. كتب سيلاس دين في 1776 "تتكاثر علي تكاثراً رهيباً طلبات الضباط الراغبين في الذهاب إلى أمريكا... ولو كان لدي عشر سفن هنا لملأتها كلها بركاب لأمريكا"(99). والعالم كله يعرف كيف ترك المركيز لافاييت، البالغ من العمر تسعة عشر عاماً، زوجة مخلصة حبلى ليرحل (ابريل 1777) ويقاتل بلا راتب جيش المستعمرات. وقد اعترف لواشنطن قائلاً "إن الشيء الوحيد الذي أتعطش إليه هو المجد"(100)، وفي سبيل المجد أقتحم كثيراً من المخاطر وألوانا من الهوان، وجرح في براند يواين، وشارك في أهوال فالي فورج، وظفر بالمحبة الحارة من واشنطن رغم تحفظه المعهود.




صفحة رقم : 14360




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> فرنسا وأمريكا







وفي 17 أكتوبر 1777 هزم جيش للمستعمرين عدته عشرون ألف مقاتل قوة مؤلفة من خمسة آلاف جندي بريطاني وثلاثة آلاف مرتزق ألماني قادمين من كندا في ساراتوجا وأكرهها على الاستسلام. فلما بلغ نبأ هذا الانتصار الأمريكي فرنسا وجدت مطالبة فرانكلين، ودين، ولي، بإبرام حلف قبولاً بين مشيري الملك. غير أن نكير عارض إذ كره أن يرى ميزانيته التي قاربت التوازن تقلبها نفقات الحرب رأساً على عقب. إلا أن فرجين وموريبا ظفرا بموافقة لويس السادس عشر التي بذلها على مضض حين حذراه من أن إنجلترا-التي كانت عليمة منذ زمن طويل بالعون الفرنسي لأمريكا ومستاءة منه-قد تبرم صلحاً مع مستعمراتها وتوجه كامل قوتها الحربية ضد فرنسا. وعليه ففي 6 فبراير 1778 وقعت الحكومة الفرنسية معاهدتين مع "ولايات أمريكا المتحدة" أرست إحداهما علاقات التجارة، والمعونة، واشترطت الأخرى سراً أن ينضم الموقعان في الدفاع عن فرنسا إذا أعلنت عليها إنجلترا الحرب، ولا يبرم طرف صلحاً دون موافقة الآخر، ويواصل كلاهما قتال إنجلترا حتى يتحقق استقلال أمريكا.
وفي 20 مارس استقبل لويس المبعوثين الأمريكيين، ولبس فرانكلين جوارب حريرية طويلة لهذه المناسبة. وفي أبريل وصل جون آدمز ليحل محل دين ، وأقام مع فرانكلين في باسي، ولكنه وجد الفيلسوف العجوز في شغل بالنساء عن مهامه الرسمية. فتشاجر معه، وحاول العمل على استدعائه لأمريكا، ففشل، وعاد إلى أمريكا. وعين فرانكلين وزيراً مفوضاً لدى فرنسا (سبتمبر 1779). وفي 1780، حين كان يبلغ الرابعة والسبعين، عرض الزواج دون جدوى على مدام هلفتيوس البالغة إحدى وستين سنة.
وأحب الفرنسيون كلهم تقريباً هذه الحرب عدا نكير. فقد كان عليه أن يجمع الأموال الطائلة التي أقرضتها فرنسا لأمريكا: مليون جنيه في 1776، وثلاثة ملايين أخرى في 1778، ومليوناً آخر في 1779، وأربعة في 1780، وأربعة في 1781، وستة في 1782(101). وبدأ مفاوضات




صفحة رقم : 14361




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> فرنسا وأمريكا







سرية مع اللورد نورث (أول ديسمبر 1779) أملاً في العثور على صيغة للصلح(102). وكان عليه بالإضافة إلى هذه القروض أن يجمع المال لتمويل حكومة فرنسا وجيشها، وبحريتها، وبلاطها. وبلغت جملة ما اقترضه من المصرفيين والشعب 530.000.000 جنيه(103). وقد لاطف الأكليروس حين أقرضوه أربعة عشر مليوناً، ترد أقساطاً قيمتها مليون جنيه كل عام. وظل يرفض فرض الضرائب، مع أن ثراء الطبقات العليا كان يمكن أن يجعل هذا الإجراء غير مؤلم نسبياً، وسيشكو من خلفوه في منصبه من أنه ألقى على عاتقهم هذه الضرورة التي لا محيص عنها. وقد حاباه الماليون لأنه منحهم على قروضهم معدلات الفائدة العالية التي طالبوا بها بحجة أنهم إنما يغامرون بأخطار متزايدة، أخطار عدم استرداد قروضهم على الإطلاق. ورغبة في تنمية الثقة في المجتمع المالي، نشر نكير بموافقة الملك في يناير 1781 "تقريراً مقدماً للملك" هدفه إطلاع الملك والأمة على إيرادات الحكومة ومصروفاتها، وقد أضفى على الصورة إشراقاً بإسقاطه النفقات الحربية وغيرها من المصروفات "غير العادية"، وإغفاله الدين القومي. وأقبل الجمهور على شراء "التقرير" بمعدل ثلاثين ألف نسخة في اثني عشر شهراً. وحيا الناس نكير ساحراً للمالية أنقذ الحكومة من الإفلاس. وطلبت كاترين الكبرى من جريم أن يؤكد لنكير "إعجابها الذي لا حد له بكتابه وبمواهبه"(104). غير أن البلاط غضب لأن "التقرير المقدم للملك" فضح الكثير جداً من مفاسد الماضي المالية، وكشف عن الكثير جداً من المعاشات التي تدفعها الخزانة. وهاجم بعضهم الوثيقة زاعماً أنها ليست إلا مديحاً للوزير بقلمه، وغار موريبا من نكير غيرته من طورجو من قبل وانضم إلى غيره في التوصية بإقالته. أما الملكة فدافعت عنه وإن ساءتها إجراءات الوفر التي اتخذها، ولكن فرجين سماه ثائراً(105). واشترك النظار الملكيون في اتهام نكير ومحاولة إسقاطه مخافة أن يحفظ التقويض سلطتهم بإنشاء المزيد من المجالس الإقليمية. وعمل نكير ذاته على سقوطه بأنه سيستقيل ما لم يمنح لقب الوزير وسلطته كاملين مع كرسي في المجلس الملكي، وقال موريبا للملك أنه لو أجيب نكير إلى طلبه هذا




صفحة رقم : 14362




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> فرنسا وأمريكا







لتخلى جميع الوزراء الآخرين عن مناصبهم. واستسلم لويس، وأخلى سبيل نكير (19 مايو 1781) وحزنت باريس كلها لسقوطه إلا البلاط. وبعث يوزف الثاني بعزائه، ودعته كاترين الثانية للحضور وإدارة مالية روسيا(106).
وفي 12 أكتوبر 1779 انضمت أسبانيا إلى فرنسا ضد إنجلترا. وأوشك الأسطولان الفرنسي والأسباني المجتمعان، ببوارج مجموعها 140، أن يعدلا بوارج البحرية البريطانية وعددها 150(107)، وقطعا على بريطانيا سطوتها على البحار. وقد أثر هذا التغيير في ميزان القوة البحرية تأثيراً حيوياً في الحرب الأمريكية. ذلك أن الجيش البريطاني الرئيسي في امريكا، وعدته سبعة آلاف مقاتل يقودهم اللورد كورنواليس، احتل موقعاً حصيناً في يوركتون على نهر يورك قرب خليج تشيزابيك. وكان لافاييت برجاله الخمسة آلاف وواشنطن برجاله الأحد عشر ألفاً (بما فيهم ثلاثة آلاف فرنسي تحت إمرة الكونت روشامبو) قد التقيا عند يوركتون واستوليا على كل المداخل البرية الميسورة. وفي 5 سبتمبر 1781 هزم أسطول فرنسي بقيادة الكونت دجراس أسطولاً إنجليزياً صغيراً في الخليج، ثم أغلق كل مهرب مائي على قوة كورنواليس الأقل عدداً. فلما استنفد كورنواليس ذخيرته استسلم هو وجميع رجاله (19 أكتوبر 1781). واستطاعت فرنسا أن تزعم أن دجراس، لافاييت، ورشاميو قد لعبوا أدواراً كبرى في ذلك الحدث الذي تبين أنه الفاصل في الحرب.
وطلبت إنجلترا الصلح. وأوفد شلبيرن بعثتين منفصلتين إلى الحكومة الفرنسية والمبعوثين الأمريكان ي فرنسا، آملاً أن يثير أحد الحليفين على الآخر. وكان فرجين (1781) قد فكر من قبل في الصلح مع إنجلترا على أساس اقتسام معظم أمريكا الشمالية بين إنجلترا وفرنسا وأسبانيا(108)، وبدأ تفاهماً مع أسبانيا ليبقي وادي المسسبي تحت السيطرة الأوربية(109). وفي نوفمبر 1782 اقترح تأييد الإنجليز في سعيهم لإقصاء الولايات الأمريكية من مصايد الأسماك النيوفوندلندية(110). كانت هذه المفاوضات متفقة تماماً مع السوابق الدبلوماسية، ولكن المبعوثين الأمريكيين أحسوا حين




صفحة رقم : 14363




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> فرنسا وأمريكا







علموا بها أن الوضع يبرر عملهم بمثل هذه السرية. واتفق فرجين وفرانكلين على أن لكل حلف أن يتعامل مع إنجلترا مستقلاً عن الآخر، على أن يوقع طرف أي معاهدة صلح دون موافقة الطرف الآخر(111).
أما المفاوضون الأمريكان-خصوصاً جون جاي وفرانكلين-فقد لعبوا اللعبة الدبلوماسية بمهارة فائقة، فلم يكسبا للولايات المتحدة الاستقلال فحسب، بل حق استعمال المصايد النيوفوندلندية، ونصف البحيرات العظمى، وكل المنطقة الشاسعة الغنية الواقعة بين جبال الليجاني والمسسبي، وكانت هذه الشروط أفضل كثيراً مما توقع الكونجرس الأمريكي الحصول عليه. وفي 30 نوفمبر 1782 وقع جاي، وفرانكلين، وآدمز، معاهدة تمهيدية مع إنجلترا، كانت من الناحية الرسمية انتهاكاً للاتفاق المبرم مع فرجين، ولكنها اشترطت ألا يكون لها صلاحية حتى تبرم إنجلترا الصلح مع فرنسا. وشكا فرجين، ثم قبل الوضع. وفي 3 سبتمبر 1783 وقعت المعاهدة النهائية "باسم الثالوث الأقدس غير المنقسم"(112)-بين إنجلترا وأمريكا في باريس، وبين إنجلترا وفرنسا وأسبانيا في فرساي. وبقي فرانكلين في فرنسا سفيراً للولايات المتحدة حتى 1785. فلما قضى نحبه في فيلادفيا (17 أبريل 1790) لبست الجمعية التأسيسية الفرنسية الحداد عليه ثلاثة أيام.
وقد أفلست الحكومة الفرنسية نتيجة للحرب وأفضى ذلك الإفلاس إلى الثورة. فقد بلغ مجموع ما أنفقته فرنسا على الصراع بليوناً من الجنيهات، وكانت الفائدة على الدين القومي تجر الخزانة يوماً فيوماً إلى هاوية العجز عن السداد. على أن ذلك الدين كان مشكلة ببين الحكومة والأغنياء لا تكاد تؤثر في الشعب، الذي أثرى كثير من أفراده بفضل تنشيط الصناعة وقد أوذيت الملكية-لا الأمة-أذى بليغاً، وإلا فكيف يستطيع التاريخ تعليل النجاح الذي ثبت به اقتصاد فرنسا الثائرة وجيوشها لنصف أوربا من 1792 إلى 1815؟
لا ريب في أن روح فرنسا قد رفعت. فقد رأى رجال الدولة في صلح




صفحة رقم : 14364




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> البهاء الأخير -> فرنسا وأمريكا







1783 بعثاً ظافراً أقامها من كبوتها عام 1763. أما جماعة الفلاسفة فقد هللوا للنتيجة ورأوها انتصاراً لآرائهم، والحق، كما قال توكفيل "أن الأمريكيين بدوا كأنهم نفذوا ما حلم به كتابنا"(113).و رأى الكثير من الفرنسيين في الإنجاز الذي حققته المستعمرات إرهاصاً يبشر بانتشار الديموقراطية في أوربا كلها. وسرت الأفكار الديموقراطية حتى إلى الطبقة الأرستوقراطية والبرلمانات. وأصبح إعلان الحقوق الذي أصدره مؤتمر فرجينيا الدستوري في 12 يونيو 1776، وقانون الحقوق الذي ألحق بالدستور الأمريكي، من بعض الوجوه نموذجين حذا حذوهما إعلان حقوق الإنسان الذي أعلنته الجمعية التأسيسية الفرنسية في 26 أغسطس 1789.
ولقد كان البهاء الأخير لفرنسا الإقطاعي، وأوج فروسيتها، أن تموت وهي تعين على إرساء دعائم الديموقراطية في أمريكا. صحيح أن معظم رجال الدولة الفرنسيين كانوا يفكرون بلغة بعث قوة فرنسا وحيويتها. غير أن حماسة النبلاء من أمثال لافاييت وروكامبو كانت الحقيقة لأمراء فيها. فلقد خاطروا بحياتهم غير مرة في سبيل الدولة الوليدة. كتب الكونت سيجور الشاب يقول "لم أكن قط الوحيد الذي خفق قلبه لصوت استيقاظ الحرية وهي تكافح للتخلص من السلطة الاستبدادية"(114). ونزل النبلاء الشهير عن حقوقهم الإقطاعية في الجمعية التأسيسية (4 أغسطس 1789) صور ومهد له هنا سلفاً. لقد كان ضرباً باسلاً من الهارا-كيري، بذلت فيه فرنسا المال والدم لأمريكا، ونالت لقاء ذلك دفعة جديدة قوية للحرية.




صفحة رقم : 14365




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير








الفصل الخامس والثلاثون




الموت والفلاسفة




1774 - 1807




1- نهاية فولتير




أ - الشفق في فرنيه


كان يناهز الثمانين في 1774، وكانت تغشاه نوبات إغماء في هذه السنين ونحن نسميها حالات بسيطة من النقطة، وقد سماها هو إنذارات صغيرة ولم يعبأ بها، لأنه وطن نفسه على الموت منذ أمد بعيد، ولكنه عمر واستمتع بإعجاب الملوك والملكات. فقد وصفته كاترين الكبرى بأنه "أشهر رجال عصرنا"(1). وكتب فردريك الأكبر في 1775 "أن الناس يتزاحمون ويتجاذبون على شراء تماثيل فولتير النصفية بمصنع البرسلان" في برلين "حيث لا ينتجون التماثيل بسرعة تكفي لتلبية الطلب عليها"(2). وكانت فرنيه قد أصبحت منذ زمان كعبة يحج إليها المثقفون الأوربيين، أما الآن فكانت مزاراً دينياً تقريباً. فاستمع إلى مدام سوار عقب زيارتها لها في 1775 تقول: "لقد رأيت مسيو فولتير، أن نشوات القديسة تريزا لم تفق قط تلك التي استشعرها وأنا أرى هذا الرجال العظيم. فقد بدا أنني في حضرة إله، إله محبوب معبود، استطعت في خاتمة المطاف أن أعرب له عن كل عرفني وكل احترامي"(3). وحين مر بجنيف عام 1776 كاد يخنقه المتحمس الذي التف حوله(4).
وقد واصل اهتمامه بالسياسة والأدب حتى في ثمانيناته. فحيا ارتقاء




صفحة رقم : 14366




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







لويس السادس العرش بمديح تاريخي للعقل، اقترح فيه بأسلوب التنبؤ-بعض الإصلاحات التي تحبب الأجيال القادمة في الحاكم الجديد:
"سوف توحد القوانين... وستلغي الوظائف المتعددة (التي يجمع بينها كنسي واحد) والإنفاق الذي لا حاجة إليه... وسيعطي للفقراء الكادحين تلك الثروة الضخمة التي يمتلكها فريق من الكسالى كانوا قد نذروا حياة الفقر من قبل. ولن تعد الزيجات التي تبرمها مائة ألف من الأسر (البروتستانتية) النافعة للدولة نوعاً من التسري، ولا أطفالها أبناء غير شرعيين.. ولن تعاقب الذنوب الصغيرة على أنها جرائم جسيمة.. ولن يستخدم التعذيب... ولن يكون هناك بعد سلطتان (الدولة والكنيسة)، لأنه لا يمكن أن يكون غير واحدة-وهي سلطة قانون الملك في الملكية، وسلطة الأمة في الجمهورية... وأخيراً، سنجرؤ على أن نفوذه بكلمة التسامح"(5).
وقد أنجز لويس الكثير من هذه الإصلاحات، فيما عدا الكنيسة منها. وكان لتقواه الصادقة، ولاقتناعه بأن ولاء الكنيسة سند لا غنى عنه اعرشه، يأسف على تأثير فولتير. ففي يوليو 1774 أصدر حكومته تعليماتها لناظر برجنديه الملكي بمراقبة المهرطق العجوز مراقبة يقظة، ومصادرة أوراقه جميعها فور وفاته، وكانت ماري أنطوانيت تتعاطف مع فولتير، وقد بكت حين شهدت تمثيل مسرحية "تانكريد"، وقالت أنها تود أن "تعانق مؤلفها"(6)، فأرسل لها أبياتاً لطيفة.
وقد غمرته نوبة من التفاؤل يوم عين صديقه طورجو مراقباً عاماً للمالية، ولكن حين أقيل طورجو أصابه تشاؤم بسكالي قاتم حول أحوال البشر. ثم استعاد السعادة بتبنيه ابنة، وهي رين فليبرت دفاريكور التي قدمها إليه في 1775 على أنها فتاة تنوي أسرتها إدخالها أحد الأديرة لأنها تشكو فقراً يمنعها من تدبير مهر لها. وقد أدفأ جمالها البريء عظام الشيخ، فأخذها في بيته، وسماها "جميلة وطيبة" ووجد لها زوجاً-هو المركيز دفليت الشاب الموسر. وتزوجا في 1777، وقضيا شهر العسل في فرنيه. كتب




صفحة رقم : 14367




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







يقول "أن العاشقين الشابين بهجة للناظرين، وهما يعكفان على العمل ليل نهار ليصنعا فيلسوفاً صغيراً لي"(7)، ذلك أن الثمانين الأبتر اغتبط لفكرة الأبوة ولو بالأنابة.
وكتب أثناء ذلك آخر دراماته "ايرين" ودفعها إلى الكوميدي-فرانسيز. وقد أحدث قبولها (يناير 1778) مشكلة. ذلك أن الفرقة درجت على أن تقدم كل مسرحية حسب تاريخ قبولها، وكانت الفرقة قد تلقت مسرحيتين أخريين ووافقت عليهما قبل مسرحية فولتير-أحداهما بقلم جان فونسوا دلاهارب، والأخرى بقلم نيقولا بارت. وتنازل المؤلفان كلاهما للتو عن حقيهما المقدمين في التمثيل. وكتب بارت إلى الفرقة يقول:
"لقد قرأت عليكم تمثيلية جديدة بقام مسيو فولتير وكنتم على وشك النظر في تمثيل مسرحيتي "الرجل ذاته". "وليس أمامكم الآن غير شيء واحد، هو ألا تفكروا في مسرحيتي أكثر من ذلك. وأنا عليم بالإجراء المتبع في هذه الأحوال، ولكن أي كاتب يجرؤ على المطالبة بالتزام القاعدة في حالة كهذه؟ أن مسيو فولتير يقف فوق القانون كأنه ملك. وإذا لم يكن في الإمكان أن أتشرف بتقديم إسهامي في إمتاع الجمهور، فلا أقل من التنحي عن طريق إبهاج الجمهور بمسرحية جديدة من القلم الذي أنشأ "زائير" و "ميروب". أني لأرجو أن تعرضوا هذه المسرحية بأسرع ما تستطيعون وأتمنى لو واصل مؤلفها، مثل سوفوكليس، تأليف التراجيديات حتى يبلغ المائة سناً، ثم يموت كما تحيون أيها السادة-مكللاً بفيض غامر من التصفيق"(8).
فلما بلغ النبأ فولتير داعب في حب الذهاب إلى باريس ليشرف على إخراج مسرحيته. ذلك أنه لم يكن هناك على أية حال حظر رسمي أو صريح على دخوله باريس. وأي بأس في أن يهاجمه رجال الدين من فوق منابرهم؟ أنه ألف ذلك. وماذا لو أقنعوا الملك بزجه في الباستيل؟ حسناً، أنه ألف ذلك أيضاً. فيالها من فرحة أن يرى المدينة الكبرى مرة أخرى بعد أن غدت قصبة التنوير! لكم تغيرت طبعاً منذ فراره الأخير منها قبل




صفحة رقم : 14368




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







ثمانية وعشرين عاماً! التي ملت فرنيه منذ زمن طويل، كثيراً ما توسلت إليه أن يعود بها إلى باريس. وعرض المركيز دفيليت أن يهيئ له أسباب الإقامة المريحة في قصره في شارع بون. وأقبلت الرسائل تترى من باريس صائحة: تعال!
فقرر أن يذهب. فإذا أجهزت عليه الرحلة فإنها لن تفعل أكثر من تقديم نهاية لا مفر منها زماناً يسيراً، فالآن حان وقت الموت. واعترض على الكفرة وحزن خدام بيته، ومشرفو مزرعته، وفلاحو أرضه، والعمال في مستعمرته الصناعية، فوعدهم بأن يعود بعد سبعة أسابيع، ولكنهم كانوا واثقين في حزن أنهم لن يروه بعدها أبداً، وأي خلف له سيعطف عليهم عطفه؟ فلما غادرت القافلة فرنيه (5 فبراير 1778) التف اتباعه من حوله، وبكى الكثير منهم، ولم يستطع هو ذاته أن يملك دموعه. وبعد خمسة أيام، ورحلة ثلاثمائة ميل، وقع بصره على باريس.


ب - تمجيد فولتير


حين بلغت المركبة أبواب باريس فتشها الموظفون بحثاً عن الممنوعات. وقال لهم فولتير مؤكداً "وديني أيها السادة أنني أعتقد أن ليس هنا من ممنوع غير شخصي"(9). ويؤكد لنا سكرتيره فانيير أن سيده "تمتع طوال الرحلة بصحبة سابغة. فلم أره قط أروق مزاجاً، وكان مرحه مبهجاً"(10) للناظرين.
وأعد له جناح في بيت مسيو دفليت في زاوية شارع بون والكي دي تياتر على الضفة اليسرى لنهر تاسين. وفور ترجله من مركبته سار على الرصيف قاصداً بيت صديقه دارجنتال القريب، وكان قد ناهز الثامنة والسبعين. ولم يكن الكونت في بيته، ولكن سرعان ما ظهر في قصر فيليت. وقال فولتير "توقفت عن الموت لآتي واراك". وبعثت إليه صديقة قديمة أخرى بكلمات ترحيب، فرد عليها بتأنقه المألوف في نعي نفسه "لقد وصلت ميتاً، ولا أريد أن أبعث حياً إلا لأرتمي تحت قدمي المركيزة دودفان"(11). وأبلغه المركيز جوكور أن لويس السادس عشر ثائر لمجيئه إلى باريس، ولكن




صفحة رقم : 14369




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







مدام دبولنياك جاءت لتؤكد له أن ماري أنطوانيت ستحميه(12). ورغب الأكليروس في طرده، ولكن لم يوجد في السجلات أي حظر رسمي يحرم زيارة فولتير لباريس، واكتفى لويس برفض رجاء الملكة السماح للكاتب الذي أطبقت شهرته الآفاق بالمثول في البلاط(13).
وحين ذاع في باريس نبأ خروج الرجل الذي حدد الطابع الفكري للقرن الثامن عشر من منفاه الطويل الأمد، تحولت قاعة الأوتيل فيليت إلى بلاط وعرض حقيقيين. وقد قيل أنه في 11 فبراير زاره ثلاثمائة شخص، منهم جلوك، وبلتيني، وطورجو، وتاليران، ومارمونتيل، والسيدات نكير، ودوباري، ودودفان. وأتى فرانكلين في صحبة حفيد له في السابعة عشرة، طالباً بركوة الشيخ الجليل عليه، ورفع فولتير يديه فوق رأس الصبي، وقال بالإنجليزية "يا بني، الله والحرية، تذكر هاتين الكلمتين"(14). فلما استمر سيل الزوار يتدفق يوماً بعد يوم كتب الدكتور ترونشان إلى المركيز دقيليت يقول: "أن فولتير يعيش الآن على رأسماله لا على الفائدة، ولن تلبث عافيته أن تتبدد من جراء أسلوب عيشه هذا. ونشرت هذه الرسالة القصيرة في "الجورنال دباري" في 19 فبراير، لمنع الفضوليين فيما يبدو من الزيارة"(15). أما فولتير نفسه فكان قد تنبأ في فرنيه بما سيكلفه انتصاره: "سأموت بعد أربعة أيام إن كان علي أن أحيا حياة أهل الدنيا"(16).
وخطر لبعض رجال الدين أنهم قد يحققون نصراً كبيراً لو اصلحوا بينه وبين الكنيسة الكاثوليكية. وكان نصف راغب في هذا الصلح، لأنه كان عليماً بأن الذين ماتوا في أحضان الكنيسة هم وحدهم الذين يمكن دفنهم في أرض مقدسة، وكل المقابر في فرنسا كانت أرضها مقدسة. ومن ثم فقد رحب بخطاب ورد له في 20 فبراير من الأبيه جولتييه يطلب مقابلته. وجاء الأبيه في اليوم الواحد والعشرين، وتحدثا برهة، دون نتيجة لاهوتية معروفة. ثم رجت مدام دني الأبيه أن ينصرف، وقال له فولتير أن له أن يحضر ثانية. وفي اليوم الخامس والعشرين أصيب فولتير بنزيف شديد،




صفحة رقم : 14370




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







فنفث الدم من فمه وأنفه حين سعل. وأمر سكرتيرته بأن يستدعي جولتييه. ويقول فاجنيير معترفاً: "لقد أمسكت رسالتي لأنني كرهت أن يقال أن مسيو فولتير قد تخاذل، فأكدت له أن الأبيه لم يمكن العثور عليه"(17). وكان فاجنير عليماً بأن الشكاك في باريس يعللون أنفسهم بأن فولتير لن يستسلم للكنيسة في اللحظة الأخيرة، ولعله سمع بنبوءة فردريك الأكبر، "أنه سيخزينا جميعاً"(18).
وعاده ترونشان وأوقف النزيف، ولكن فولتير ظل يبصق الدم في الأيام الاثنين والعشرين التالية. وفي اليوم السادس عشر كتب إلى جولتييه يقول: "أرجو أن توافيني بأسرع ما تستطيع"(19). وجاء جولتييه في صباح الغد فوجد فولتير نائماً، فانصرف. وفي اليوم الثامن والعشرين سلم فولتير فاجنيير اعترافاً بالإيمان نصه: "إني أموت وأنا أعبد الله، وأحب أصدقائي، ولا أبغض أعدائي، وأكره الاضطهاد"(20). وعاد جولتييه في 2 مارس، وطلب فولتير الاعتراف على يديه، وأجاب الأبيه بأن جان دترساك كاهن سان-سولبيس اشترط عليه أن يحصل على عدول عن آرائه قبل أن يستمع إلى الاعتراف. واعترض فاجنيير. وطلب فولتير قلماً وورقاً، وكتب بخطه:
"أنا الموقع أدناه، نظراً إلى إصابتي في الشهور الأربعة الماضية بتقيؤ الدم، ولما كنت عاجزاً وأنا في الرابعة والثمانين عن جر نفسي إلى الكنيسة، ولما كان كاهن سان سولبيس يريد أن يضيف إلى حسناته حسنة بإيفاد الأبيه جولتييه إلي، فقد اعترفت على يديه، (وأعلن) أنه إذا قبضني الله إليه، فإني أموت على الدين الكاثوليكي الذي ولدت، مؤملاً في رحمة الله أن تغفر لي كل أخطائي، وإذا كنت قد صدمت الكنيسة في يوم ما، فإني أطلب المغفرة من الله ومنها. التوقيع، فولتير، في الثاني من مارس 1778، في بيت المركيز فيليت(21).
ووقع المسيو فييليفل والأبيه منيو (ابن أخت فولتير) الإقرار بوصفهما شاهدين. وحمله جولتييه إلى رئيس الأساقفة في ضاحية كونفلانس وإلى




صفحة رقم : 14371




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







كاهن سان-سولبيس، فأعلن كلاهما أنه غير كاف(22). ومع ذلك استعد جولتييه لمناولة القربان لفولتير، ولكن فولتير اقترح تأجيل المناولة قائلاً "أنني أبصق الدم في سعالي باستمرار، ويجب أن نحذر من اختلاط دمي بدم الإله الصالح"(23). ولسنا ندري بأي روح قال هذه الكلمات-أبروح التقوى الصادقة أم بروح النزوة العارضة.
وفي 3 مارس حضر ديدرو، ودالامبير، ومامرونتيل، ليعودوا المريض. فلما جاءه جولتييه في ذلك اليوم يحمل تعليمات من رئيسه بأن يحصل على اعتراف "أقل لبساً وأكثر تفصيلاً" قيل له أن فولتير ليس في حال تسمح له باستقباله. وعاد جولتييه عدة مرات، ولكنه في كل مرة كان يصرفه الحارس السويسري الواقف بالباب. وفي 4 مارس كتب فولتير إلى كاهن سان-سولبيس يعتذر لتعامله مع مرءوس له. وفي 13 مارس استقبل الكاهن، ولكن يبدو ان الزيارة لم تسفر إلا عن تبادل المجاملات(24). ثم توقفت نوبات النزيف أثناء ذلك.. فشعر فولتير بأنه يستعيد عافيته، وفترت تقواه.
وفي 16 مارس مثلت "ايرين" على مسرح التياتر-فرانسيه. وحضر الحفلة كل البلاط تقريباً بما فيهم الملكة. ولم تكن المسرحية مما يرقى إلى مستوى فولتير العادي، ولكنها ظفرت مع ذلك بالثناء باعتبارها إنتاجاً رائعاً لرجل في الرابعة والثمانين. أما فولتير الذي حالت شدة المرض بينه وبين حضور الحفلة فقد كان يحاط علماً باستجابة النظارة فصلاً فصلاً، وفي اليوم السابع عشر جاءه وفد من الأكاديمية الفرنسية يحمل إليه تهنئتها. وفي 21 مارس شعر بأن فيه من العافية ما يسمح له بالخروج راكباً عربته، فزار سوزان دلفري، مركيزة جوفرتيه، التي كانت خليلته. قبل ثلاثة وستين عاماً. وفي الثامن والعشرين زار طورجو.
وكان يوم 30 مارس يومه الأغر. فقد ذهب بعد ظهره إلى اللوفر ليحضر اجتماعاً للأكاديمية. قال دني فون فيزن، وهو كاتب روسي كان يومها في باريس "حين خرج راكباً عربته من بيته رافقها حتى الأكاديمية




صفحة رقم : 14372




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







حشد لا آخر له من الناس الذين لم يكفوا عن التصفيق. وخرج جميع الأكاديميين للقائه"(25). ورحب دالامبير بمقدمة بخطاب اغرورقت له عينا الشيخ. وأجلس فولتير في كرسي الرياسة، وانتخب وسط التصفيق رئيساً لدورة أبريل الربيعية. فلما انتهت الجلسة ودعوه حتى مركبته، التي سارت من هناك بمشقة إلى التياتر-فرانسيه مخترقة حشداً ضخماً يردد الهتاف "يحيى فولتير".
فلما دخل المسرح قام النظارة والممثلون جميعاً لتحياه. وشق طريقه إلى المقصورة التي كانت تنتظره فيها مدام دني والمركيزة دفيليت. فجلس خلفها، ورجاه النظارة أن ييسر لهم رؤيته، فاتخذ مقعداً بين السيدتين. وجاء ممثل إلى المقصورة ووضع إكليلاً من الغار على هامة فولتير، فرفعه ووضعه على رأس المركيزة، ولكنها أصرت على أن يقبله. وارتفعت أصوات بين النظارة تهتف "مرحباً بفولتير!" "مرحباً بسوفوكليس!" "الإجلال للفيلسوف الذي يعلم الناس أن يفكروا!" "المجد للمدافع عن كالاس!"(26) قال جريم، وكان شاهد عيان، "استمرت هذه الحماسة، هذا الهذيان الشامل، أكثر من عشرين دقيقة"(27). ثم عرضت "أيرين" للمرة السادسة. وفي ختام الحفلة طالب النظارة بكلمة من المؤلف، فاستجاب فولتير. ورفع الستارة ثانية، وكان الممثلون قد أخذوا تمثالاً نصفياً لفولتير من البهو ووضعوه على خشبة المسرح، فكلله الآن بالغار، وقرأت مدام فستريس التي لعبت دور أيرين على فولتير أبياتاً في مديحه:


أمام عيون باريس المفتونة بك




تقبل اليوم تحية إجلال




سوف تؤكدها الأجيال الصارمة




من عصر إلى عصر.




كلا، فما من حاجة بك




إلى بلوغ الشاطئ المظلم






صفحة رقم : 14373




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير









لتحظى بشرف الخلود.




فتقبل يا فولتير التاج




الذي قدم إليك،




فما أجمل أن تكون جديراً به




حين تكون فرنسا هي التي تقدمه(28).


وطلب النظارة إعادة الأبيات، فأعيدت. وخلال التصفيق غادر فولتير كرسيه، وأفسح له الجمع الطريق، وقاده إلى مركبته وسط جمهور يفيض حماسة. وجئ بالمشاعل، وأقنعوا السائق بأن يبطئ السير بالمركبة، وصاحبها جمع حتى الأوتيل دفيليت(29). أن تاريخ الأدب الفرنسي بأسره لم يحو قط فيما نعلم مشهداً كهذا.
كتبت مدام فيجيه-لبرون التي شهدت هذا كله تقول: "كان الشيخ الذائع قد شف وهزل حتى لقد خشيت أن تؤذيه هذه العواطف الجياشة أذى مميتاً"(30).
ونصحه ترونشان بالعودة إلى فرنيه بأسرع ما يستطيع، ولكن مدام دني رجت خالها أن يجعل في باريس مقامه الدائم. فوافقها بعد أن أسكرته حرارة استقباله. وامتدح شعب باريس لأنهم أكثر شعوب الأرض مرحاً، وأدباً، واستنارة، وتسامحاً، ولأن لهم أرفع الأذواق، والملاهي، والفنون(31)، ونسي "الرعاع" لحظة، وراح يجوب باريس في مركبته باحثاً عن بيت يسكنه، وفي 27 أبريل اشترى بيتاً. واستشاط ترونشان غيظاً وقال "لقد رأيت حمقى كثيرين في حياتي، ولكن لم أر قط أكثر منه جنوناً. فهو يحسب سيعمر مائة عام"(32).
وفي 7 أبريل أخذ فولتير إلى محفل "الأخوات التسع" الماسوني فقبل عضواً دون أن يلزم باجتياز المراحل التمهيدية المألوفة. وكلل رأسه بأكليل من الغار، وألقى رئيس المحفل خطاباً قال فيه: "إننا نقسم بأن نساعد اخوتنا، ولكنك كنت المؤسس لمستعمرة كاملة تعبدك وتفيض باحساناتك... لقد




صفحة رقم : 14374




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







كنت أيها الأخ المحبوب جداً ماسونياً قبل أن تنال الرتبة، وقد حققت التزامات عضو الماسونية قبل أن تتعهد بالوفاء بها"(33). وفي اليوم الحادي عشر رد زيارة مدام دودفان فذهب ليراها في شقتها بدير سان-جوزيف، وتحسست وجهه بيديها المبصرتين. فلم تجد غير العظام، ولكنها كتبت في اليوم الثاني عشر إلى هوراس ولبول تقول: "أنه يفيض حيوية كالعهد به دائماً. وهو في الرابعة والثمانين، والحق أنني أحسبه لن يموت أبداً. وهو يستمع بجميع حواسه، ولم تضعف منها واحدة. أنه مخلوق فذ، وأسمى في الحقيقة بكثير من سائر الخلق"(34). فلما سمع الراهبات بزيارته نددن بالمركيزة لتدنيسها ديرهن بحضور رجل أدانت الكنيسة والدولة جميعاً(35).
وفي 27 أبريل ذهب إلى الأكاديمية مرة اخرى. ودارت المناقشة حول ترجمة الأبيه دليل لكتاب بوب "رسالة إلى الدكتور أريثنوت"، وكان فولتير قد قرأ الأصل، فهنأ الأبيه على ترجمته، واغتنم الفرصة ليقترح مراجعة "قاموس" الأكاديمية إثراء للغة المعتمدة بمئات الألفاظ الجديدة التي شقت طريقها إلى الاستعمال المهذب. وفي 7 مايو عاد إلى الأكاديمية بخطة للقاموس الجديد. وتطوع بأن يضطلع بجميع الألفاظ المبتدئة بالحرف أ، واقترح أن يتكفل كل عضو بحرف، وعند رفع الجلسة شطرهم "باسم الأبجدية"، ورد المركيز رشاستللوكس "ونحن نشكرك باسم الآداب"(36). وفي ذلك المساء حضر متنكراً حفلة تمثيل لمسرحيته "الزير". وفي ختام الفصل الرابع صفق النظارة للممثل لاريف، وشارك فولتير في الأعراب عن استحسانه "آه ما أروع هذا الأداء!" وتعرف عليه الجمهور، فتجددت مظاهر الحماسة العارمة التي شهدها 30 مارس مرة أخرى.
ولعله خيراً فعل بالاستمتاع يتلك الأسابيع الأخيرة من حياته على حساب صحته، بدلاً من الانزواء في عقر داره وحيداً ليضيف إلى عمره بضعة أيام مؤلمة. وقد عكف بهمة عظيمة على خطته التي اقترحها لوضع قاموس جديد، وأسرف في تعاطي القهوة-فقد بلغ ما شربه من أقداحها في اليوم أحياناً خمسة وعشرين-حتى لقد جفاه النوم ليلاً. وساء حصره أثناء ذلك، وبات التبول أشد إيلاماً وقصوراً، وسرت إلى دمه العناصر السامة التي




صفحة رقم : 14375




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







كان يجب التخلص منها، فأحدثت بولينا في الدم. وأرسل له الدوق رشليو محلولاً من الأفيون أوصى به مسكناً ولكن فولتير أساء فهم الإرشادات فشرب قنينة كاملة منه مرة واحدة (11 مايو)، فأصابه هذيان دام ثماني وأربعين ساعة، وشوه الألم وجهه. واستدعي ترونشان، فأعطاه ما خفف عنه بعض الشيء، ولكن فولتير ظل عدة أيام لا ينطق بكلمة ولا يمسك طعاماً. والتمس أن يعيدوه إلى فرنيه، ولكن أوان ذلك كان قد فات.
وفي 30 مايو قدم الأبيه جولتييه وكاهن سان-سولبيس، مستعدين لمناولته سر الكنيسة المقدس إذا أضاف لاعترافه السابق بالإيمان إيمانه باللاهوت المسيح. وزعمت قصة لم يؤيدها مصدر آخر، وقد رواها كوندورسيه(37)، أن فولتير صاح "بالله لا تكلمني عن ذلك الإنسان!".
أما لاهارب فروى أن جواب فولتير كان "دعوني أموت في سلام". أما دنواريستير فقد قبل الرواية العادية: هي أن الكاهنين وجدا فولتير محموماً يهذي، فانصرفا دون أن يناولاه القربان(38). وزعم ترونشان أن ساعات احتضار الفيلسوف اتسمت بالعذاب الشديد وبصيحات الغضب الشديد(39). ثم هدأت نأمته أخيراً في الحادية عشرة من تلك الليلة.
ووضع الأبيه منيو جثمان خاله قائماً في مركبة، وكان قد توقع أن دفنه في مقبرة باريسية سيرفض، وانطلق بها 110 ميلاً إلى دير سكلير في قرية روميي-على-السين هناك قام كاهن محلي بمراسيم الصلاة التقليدية على الجثمان ورتل قداساً مطولاً فوقه، وسمح بدفنه في قبو الكنيسة.
وحظر أمر من لويس السادس عشر على الصحف نشر نبأ موت فولتير(40)، وطلبت الأكاديمية الفرنسية إلى الرهبان الفرنسسكان إقامة قداس على روح الميت، ولكن لم يمكن الحصول على إذن بذلك. ورتب فردريك الأكبر، تحية من شاك إلى شاك، أن يقام قداس على روح فولتير في كنيسة كاثوليكية ببرلين، ونظم تأبيناً حاراً لصديقه وعدوه، قرئ على أكاديمية برلين في 26 نوفمبر 1778. وكتبت كاترين الكبرى لجريم تقول:




صفحة رقم : 14376




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







"فقدت رجلين لم أرهما قط، أحباني، وبجملتهما-فولتير واللورد شاتام. وسيظل القوم زمناً طويلاً جداً، وربما إلى الأبد، يفتقدون من يعدلانهما، ولن يجدوا أبداً من يفوقانهما-خصوصاً أول الرجلين. منذ أسابيع كرم فولتير علانية، والآن لا يجرؤن على دفنه. يا له من رجل! أعظم رجل في أمته، لم لم تأخذ جثمانه باسمى؟ كان ينبغي أن ترسله إلى محنطاً... وكان سيحظى بأفخم مثوى... اشترى مكتبته وأوراقه بما فيها رسائله إن أمكن. وسأدفع لورثته ثمناً مجزياً"(41).
وتلقت مدام دني 135.000 جنيه نظير المكتبة التي نقلت إلى أرميتاج سانت بطرسبرج.
وفي يوليو 1791، وبأمر الجمعية التأسيسية للثورة، نقل رفات فولتير من دير سكليبر إلى باريس، وطافوا به المدينة في موكب نصر، ثم ووري في كنيسة سانت جنفييف (التي ستسمى بعد قليل بالبانتيون). في ذلك العام أطلق على الكي دي تياتان رسمياً أسم جديد هو الكي د فولتير. وفي مايو 1814 خلال عودة الملكة البوربونية، نقلت جماعة من الغيلان الأتقياء رفات فولتير وروسو من الباتنيون خفية، وأودعته غرارة ودفنته في مقلب بأطراف باريس. ولم يعثر للرفات بعد ذلك على أثر.


جـ - تأثير فولتير


أنه يبدأ بلحظات العداء للأكليروس في "أوديب" (1718)، وهو تأثير فعال اليوم على نطاق عالمي تقريباً. وقد رأينا هذا التأثير يحرك الملوك: فردريك الثاني، وكاترين الثانية، ويوزف الثاني، وجويتاف الثالث، وبدرجة أقل شارل الثالث ملك أسبانيا من خلال أراندا، وجوزف الثاني ملك البرتغال من خلال بومبال. ولم يعد له في العالم الفكري في المائتي السنة الأخيرة غير تأثير روسو وداروين.
وبينا كان تأثير روسو الأخلاقي ينحو إلى الحنان، والعاطفة، وإعادة الحياة الأسرية والوفاء الزوجي، وكان تأثير فولتير الأخلاقي ينحو إلى




صفحة رقم : 14377




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







الإنسانية والعدالة، وإلى تطهير القانون والعادات الفرنسية من المفاسد القانونية وألوان القسوة البربرية، فلقد حفز فولتير أكثر من أي فرد آخر تلك الحركة الإنسانية التي أصبحت من مفاخر القرن التاسع عشر. ولا حاجة بنا أن أردنا الإحساس بتأثير فولتير في الأدب إلا لتذكر فيلاند، وكلجرين، وجوته، وبايرون، وشلي، وهيني، وجوتييه، ورينان، وأناطول فرانس. ولولا فولتير لاستحال ظهور جبون؛ ويعترف المؤرخون بقيادته وإلهامه في التقليل من التركيز على جرائم الناس والحكومات وزيادة الاهتمام بتنميته المعرفة، والأخلاق، والسلوك، والأدب، والفن.
وقد شارك فولتير في إنداب الثورة الفرنسية بإضعاف احترام الطبقات المثقفة للكنيسة وإيمان الطبق الأرستقراطية بحقوقها الإقطاعية. ولكن تأثير فوليتر السياسي بعد عام 1789 طغى عليه تأثير روسو. فقد بدا فولتير شديد المحافظة، شديد الازدراء لجماهير الشعب، شديد الاتسام بطابع السادة الإقطاعيين؛ وقد رفضه روبسير. أما بونابرت فأحس التأثيرين في تعاقبهما العادي. قال متذكراً تلك الحقبة "كنت حتى عامي السادس عشر على استعداد لمقاتلة أصدقاء فولتير دفاعاً عن روسو، أما اليوم فقد انعكس موقفي.. فكلما أمعنت في قراءة فولتير ازددت شغفاً به. فهو رجل معقول دائماً، لا بالمهرج ولا بالمتعصب أبداً"(42). وبعد عودة ملوك البوربون أصبحت مؤلفات فولتير أداة للفكر البورجوازي ضد النبلاء والأكليروس المنبعثين من جديد. وقد صدرت بين عامي 1718 و1829 أثنتا عشرة طبعة من مجموعة أعماله. في تلك السنوات الإثنتي عشرة بيع من كتب فولتير نيف وثلاثة ملايين مجلد(43). ثم أسلمت الحرب الشيوعية التي تزعمها ماركس وإنجلترا القيادة مرة أخرى لروسو. ويمكن القول بوجه عام أن الحركات الثورية منذ 1848 تبعت روسو أكثر من فولتير في السياسة، وتبعت فولتير أكثر من روسو في الدين.
وكان عمق تأثير لفولتير وأبقاه على الزمن تأثيره على الإيمان الديني. فبفضله وبفضل شركائه تجنبت فرنسا حركة الإصلاح الديني البروتستانتي،




صفحة رقم : 14378




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







وانتقل رأساً من النهضة إلى التنوير، وربما كان هذا أحد أسباب العنف الشديد التي رافق التغيير، إذ لم يكن هناك فترة توقف عند البروتستانتية. وقد شعر بعض المتحمسين أن حركة التنوير في جملتها كانت إصلاحاً أعمق من ذلك الذي أحدثه لوثر وكلفن، لأنها لم تكتف بتحدي مغالاة الكهانة والخرافة فقط، بل تحدت صميم أسس المسيحية، لا بل كل العقائد فوق الطبيعية. وقد جمع فولتير في صوت واحد كل ضروب الفكر المناهض للكاثوليكية، وأضفى عليها مزيداً من القوة بفضل الوضوح والتكرار وخفة الروح، حتى لقد بدا حينا كأنه قد هدم الهيكل الذي ربي فيه. وقد حركت جماعة الفلاسفة الطبقات المفكرة في العالم المسيحي كله صوب ربوبية مهذبة أو إلحاد مستتر. وتأثير جيل جوته من الشباب في ألمانيا بفولتير تأثراً عميقاً وذهب جوته إلى أن "فولتير سيعد دائماً أعظم رجل في أدب العصور الجديدة، بل ربما جميع العصور"(44). وفي إنجلترا أحست أقلية لامعة بتأثير فولتير-جودوين، وبين، وماري وولستونكرافت، وبنتام، وباريون، وشلي؛ ولكن يمكن القول عموماً إن الربوبية الإنجليزية سبقته فقللت من حدة تأثيره، ثم أن السادة الإنجليز شعروا بأنه ليس هناك عقل مثقف يرضى بالهجوم على دين يهب مثل هذا العزاء المهدئ للطبقات الأضعف والجنس الأضعف. أما في أمريكا فإن الآباء المؤسسين كانوا كلهم تقريباً تلاميذ لفولتير. وهناك وفي إنجلترا غطى تأثير داروين والبيولوجيا الحديثة على تأثير فولتير في إضعاف الإيمان الديني، وفي عصرنا هذا يعاني اللاهوت المسيحي أكثر ما يعاني من وحشية حروبنا التي لا نظير لها، واقتحامات العلوم الظافرة التي تغزو تلك السماوات التي كانت يوماً ما مسكن الآلهة والقديسين.
ونحن مدينون لفولتير أكثر من أي إنسان آخر بذلك التسامح الديني الذي يسود الآن أوربا وأمريكا الشمالية سيادة فلقة. ولقد رأى فيه أهل باريس لا مؤلف الكتب الفاصلة بين جيلين، بل المدافع عن كالاس وسرفان, ولم تجرؤ محكمة في أوربا بعده على تحطيم جسد رجل على دولاب التعذيب لتهم وأدلة كتلك التي أدانت جان كالاس. صحيح أن كتباً مثل




صفحة رقم : 14379




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير







"أميل" ظلت تحظر وتحرق، ولكن رمادها أعان على بث أفكارها. وتقلصا الرقابة الدينية حتى انتهى بها الأمر إلى الإقارا بالهزيمة في صمت. وإذا اضطر أبناؤنا يوماً إلى خوض معركة تحرير الفكر من جديد، وهو أمر يبدو جائزاً، فليلتمسوا الإلهام والتشجيع في كتب فولتير التسعة والتسعين. ولن يجدوا فيها صفحة واحدة تبعث على الملل.




صفحة رقم : 14380




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو








2- خاتمة روسو




1767 - 1778




أ - روح المعذب


حين وصل روسو إلى فرنسا في 22 مايو 1767 بعد مقامه التعس في إنجلترا، وبعد أن أشرف على الجنون، وجد بعض العزاء في الترحيب الذي لقيه من المدن التي اجتاز بها هو وتريز. ومع أنه سافر متخفياً تحت اسم جان- جوزف رينو، وكان لا يزال من الناحية القانونية خاضعاً للحظر الذي صدر ضده في 1762، إلا أن القوم تبينوه وكرموه، واستقبله أميان استقبال الظافرين، وأرسلت له مدن أخرى "نبيذ المدينة".
وعرض عليه كثير من الفرنسيين- وكلهم من النبلاء- بيتاً يقيم فيه. أولهم ميرابو الأب، الذي خيره بين عشرين ضيعة، فاختار روسو فلوري- سو- مودون، القريبة من باريس. ولكن المركيز ألح عليه إلحاحاً مزعجاً ليقرأ كتبه، فهرب روسو، ولجأ إلى لوي- فرانسوا البوربوني، أمير كونتي، في ترييه- لو- شاتو، القريبة من جيزور (21 يونيو 1767). ووضع الأمير القلعة بأسرها تحت تصرف جان- جاك، بل إنه أوفد الموسيقيين ليشنفوا أذنيه بالموسيقى الهادئة؛ وفسر روسو هذا بأنه اتهام له بالجنون، وخامره الظن بأن شوازيل والكونتيسة بوفليه (خليلة الأمير) انضما إلى فولتير، وديدرو، وجريم، في التآمر عليه؛ والواقع أن فولتير كان قد اتهمه بإشعال النار في المسرح بجنيف، الذي احترق وأصبح أنقاضاً في 29 يناير 1768(45). واعتقد روسو أن كل من في جيزور ينظر إليه كأنه مجرم. وتاق إلى العودة لجنيف، وكتب إلى شوازيل يرجوه إقناع مجلس جنيف بأن يكفر لروسو عن الإساءات الماضية التي ألحقها به(46).




صفحة رقم : 14381




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







وأرسل إليه شوازيل تصريحاً رسمياً بالسفر إلى أي بقعة يريدها في فرنسا، وبأن يبرحها ويعود إليها متى شاء(47). وخطر لروسو الآن أن يعود إلى إنجلترا، فكتب إلى ديفنبورت يسأله أن كان يسمح له بأن يشغل ثانية بيت ووتن، وأجاب ديفنبورت بأنه يسمح بكل تأكيد.
ثم هرب روسو من تري في يونيو 1768 خوفاً على حياته فيها، وترك تريز في القصر الريفي ضماناً لسلامتها. واستقل مركبة عامة إلى ليون، وأقام حيناً مع أقرباء دانيل روجن الذي كان قد وفر له الملجأ في 1762 في سويسرة. على أنه ما لبث أن اعتزل في فندق الجولدن فونتن في بورجوان- أن- دوفينه. وعلى باب حجرته كتب قائمة بالأشخاص الذين يعتقد أنهم يأتمرون به. ثم أرسل في طلب تريز، واستقبلها بالفرح والدموع، وقرر آخر الأمر أن يتزوجها. وقد تم هذا القران في حفل مدني بالفندق في 30 أغسطس 1768.
وفي يناير 1769 انتقلا إلى بيت بمزرعة في موكان، قرب جربنوتل. وهناك كتب آخر صفحات، "الاعترافات"، وهي صفحات نصف مجنونة، وراح يهدئ أعصابه بدراسة علم النبات. ووجدت تريز أن طبعه يزداد حدة، وكانت هي ذاتها تعاني من الروماتزم والأوصاب الغامضة التي تصاحب أحياناً "تغيير المعيشة". وتشاجر الزوجان الحديثان مشاجرة بلغ من شدتها أن حملت روسو على الرحيل في رحلة طويلة لجمع النبات ودراسته بعد أن ترك لها خطاباً ينصحها بدخول الدير (12 أغسطس 1769)(48). فلما عاد ووجدها تنتظره تجدد حبهما. وندم الآن على انه تخلص من أطفالها. وأحس "أن الرجل الذي يستطيع تربية أولاده تحت بصره رجل سعيد جداً(49). وكتب إلى أم شابة يقول: إن أجمل أسلوب في الحياة يمكن أن يوجد هو أسلوب الأسرة.. فما من شيء يندمج معنا بأشد وأثبت من أسرتنا وأبنائنا... ولكن أنا الذي يتكلم على الأسرة والأبناء- ... سيدتي، أرثي لأولئك الذين يحرمهم قدرهم القاسي من هذه السعادة، أرثي لهم إن كانوا عاثري الحظ فقط، ومزيداً من الرثاء لهم إن كانوا مذنبين!"(50).




صفحة رقم : 14382




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







وكان الشتاء الذي قضته الأسرة في موكان شاقاً في بيت ريفي يقع في مهب الرياح كلها. والتمست تريز منه الرحيل إلى باريس. وهكذا استأنف الزوجان أسفارهما الطويلة في 10 أبريل 1770 وأنفقنا شهراً لطيفاً في ليون، حيث مثلت أوبريت روسو عراف القرية، جزءاً من احتفال أقيم تكريماً له. ثم سافرا في مراحل بطيئة مخترقين ديجون، ومونبار، وأوجزيز ثم بلغا باريس في خاتمة المطاف في 24 يونيو 1770. وأقاما في الطابق الرابع من نزله القديم في الأوتيل سانت اسبري، بشارع بلاتريير- واسمه الآن شارع جان- جاك روسو في حي من أشد أحياء المدينة ضجيجاً.
وعاش عيشة متواضعة هادئة، يتكسب بنسخ الموسيقى ويدرس النبات، وكتب الآن (21 سبتمبر 1771) إلى لينايوس رسالة يعرب فيها عن إجلاله(51). فلما ذاع أنه يقيم في باريس خف لزيارته قدامى الأصدقاء ومريدوه الجدد: الأمير لين (الذي عرض عليه بيتاً في ضيعته قرب بروكسل)، وجريتري، وجلوك (الذي حاء ليناقش الموسيقى معه). والمسرح جولدوني، والمغنية صوفي أرنو، وجوستاف ولي عهد السويد، وشباب المؤلفين من أمثال جان- جوزف دوزو، وجاك- هنري برناردان دسان- بيير. وفي 1777 نال ما اشتهاه فولتير ولم ينله- وهو زيارة من الإمبراطور يوزف الثاني(52). ورد إليه تصريح الدخول إلى دار الأوبرا مجاناً، فكان يختلف إليها من حين لحين، ليسمع جلوك على الأخص. ووصفه برناردان دسان- بيير في هذه الحقبة (وكان الآن في الستين)بأنه رقيق البدن، متناسب الأعضاء، وله "جبين عال، وعينان متقدمتان. وفي غضون الجبين حزن عميق، ومرح حاد بل كاو"(53).
وقد استفزه للعودة إلى القلم- رغم وعده عام 1762 بالكف عن التأليف - اتصال هجوم أعدائه عليه. وكان في سبيل الرد عليهم، وعلى كل ما دار حوله من شائعات معادية في باريس وجنيف، وقد اضطلع بكتابه "الاعترافات" (1765) ومن ثم أتم الكتاب الآن (نوفمبر 1770)، ومع أن روسو كان حتى ذلك الحين عازفاً عن نشره كاملاً، إلا أنه صمم على أن تطلع باريس على أجزائه المتصلة لهذه الهجمات. وهكذا قرأ في




صفحة رقم : 14383




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







ديسمبر على مسامع دوزو وغيره، وفي حجرته، فقرات طويلة من أعظم كتاب ألفه، واستمرت القراءة سبع عشرة ساعة قطعتها وجبتان خفيفتان عاجلتان(54). وفي مايو 1771 قام بتلاوة أخرى أمام الكونت والكونتيسة أجمون، والأمير بيناتللي أجمون، والمركيزة دميم، والمركيز جوينيه، واختتم بتحد من نار:
"لقد كتبت الحقيقة. فإذا سمع أي شخص أشياء مناقضة لما قررته الآن، حتى إذا أثبتت ألف مرة، فهو لم يسمع سوى تشهير وافتراء، وإذا رفض بتاتاً أن يمحصها ويراجعها معي وانا حي فهو ليس صديقاً للعدالة أو الحق. أما عن نفسي فإني أعلنها صريحة دون أدنى خوف أن كل من دقق النظر في بعينيه- طبعي، وخلقي، وسلوكي، وميولي، ولذاتي، وعاداتي- حتى بغير قراءة كتبي، ثم حكم علي بأنني رجل غير شريف إنما يستحق أن يشنق"(55).
والذين استمعوا إليه استنتجوا من شدة انفعاله أن عقله يوشك أن يختلط. وقال دوزو أن شكوك روسو واتهاماته لا تليق "بجان جاك الرجل السمح الفاضل"، فكان هذا النقد نهاية صداقتهما(56). وحمل غيره من المستمعين أصداء هذه القراءات إلى صالونات باريس، وأحس بعض ذوي النفوس الحساسة أن روسو قد افترى عليهم. وكتبت مدام ديبنيه إلى مفتش عام الشرطة تقول:
"يجب أن أحيطك علماً مرة أخرى بأن الشخص الذي حدثتك عنه صباح أمس قد قرأ كتابه على السادة دورا، وييزيه، ودوز. ومدام يستخدم هؤلاء الرجال ليأتمنهم على القذف والتشهير فإن لك الحق في أن تحيطه برأيك في هذا الأمر. ويخيل إلي أنه ينبغي أن تكلمه بما يكفي من التلطف حتى لا يشكو، ولكن بحزم يثنيه عن العودة إلى خطئه. فإذا حصلت على كلمة شرف منه فإني أعتقد أنه لن يحنث بها. معذرة ألف مرة، ولكن سلامي النفسي كان في خطر"(57).
وطلبت الشرطة إلى روسو أن يكف عن قراءات، فوافق، وخلص إلى أنه لم يستطع قط أن يظفر بالاستماع المنصف إليه في حياته، وأعان




صفحة رقم : 14384




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







شعور الإحباط هذا على اختلاط عقله. وبعد عام 1772 أغلق بابه دون الزوار كافة تقريباً عدا برناردان دسان- بيير. وكان في جولاته منفرداً يخامره الظن بأن كل من يمر به تقريباً عدو له. وفيما عدا أشباح العداء هذه فإنه احتفظ بطبيعته الطيبة الأصلية. فاكتتب رغم مقاومة فولتير في المال المجموع لإقامة تمثال له. وحين أرسل إليه أحد الآباء الروحيين كراسة تندد بفولتير وبخ الكاتب قائلاً: "لا ريب في أن فولتير رجل رديء وليس في نيتي أن أثني عليه، ولكنه قال وفعل أشياء طيبة كثيرة جداً بحيث ينبغي أن نرخي الستار على أخطائه"(58).
وحين كان ينصرف فكره عن "المؤامرة" التي يتخيلها من حوله، كان في استطاعته أن يكتب بوضوح كالعهد به من قبل، وبروح مدهشة من المحافظة والواقعية وقد رأينا كيف التمس المؤتمر البولندي المنعقد عام 1769 اقتراحاته بشأن دستور جديد. وقد بدأ كتابه "آراء حول حكومة بولندة" وفي أكتوبر 1771، انتهى منه في أبريل 1772. وأول انطباعاتنا عنه أنه يخرق جميع المبادئ التي دافع عنها من قبل دفاعاً مشبوباً. فإذا أعدنا قراءته في شيخوختنا كان عزاء لنا أن نرى أن روسو (وقد بلغ الستين) يمكن أن يشيخ هو أيضاً، وأن ينضج- كما يحب الشيوخ أن يقولوا. فالرجل الذي صرخ قائلاً "ولد الإنسان حراً، وهو في كل مكان يرسف في الأغلال" هذا الرجل بعينه نبه الآن البولنديين، الذين حكم عليهم "حق النقض المطلق" بالفوضى، إلى أن الحرية امتحان عسير كما أنها عطية إلهية، وأنها تحتاج إلى مجاهدة للنفس أشق كثيراً من طاعة الأوامر الخارجية. قال:
"إن الحرية طعام قوي، ولكنه طعام يحتاج إلى هضم متين.. إنني أضحك من تلك الشعوب المنحطة التي تثور لمجرد كلمة من متآمر دساس، والتي تجرؤ على التحدث عن الحرية وهي تجهل كل الجهل ما تعنيه، والتي تتصور أنه لكي يتحرر الإنسان يكفي أن يكون ثائراً متمرداً. أيتها الحرية المقدسة السامية! ليت هؤلاء المساكين يعرفونك حق المعرفة، ليتهم يتعلمون أي




صفحة رقم : 14385




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







ثمن يبذل للظفر بك ولصيانتك، وليت في الإمكان تعليمهم أن قوانينك أشد صرامة من نير الطغاة الثقيل!"(59).
لقد علمت الحياة ومونتسكيو روسو أن مناقشات مثل "عقده الاجتماعي" إنما هي أحلام تعوم في الفراغ ونظريات مجردة لا ترتكز على الواقع. لذلك سلم الآن بأن جميع الدول تضرب جذورها في التاريخ والظروف، وأن مصيرها الفناء أن هي قطعت جذورها دون تمييز. ومن ثم فقد نصح البولنديين بألا يدخلوا تغييرات فجائية على دستورهم، وبأن يحتفظوا بملكهم المنتخب على ان يقيدوا حق النقض المطلق، وبالكاثوليكية ديناً رسمياً للدولة مع تطوير نظام تعليمي يستقل عن الكنيسة(60). وقد بدت له بولندة بحال مواصلاتها ووسائل نقلها الراهنة أوسع من أن تحكم من مركز واحد، فمن الخير إذن تقسيمها إلى ثلاث دول تتحد فقط في الاتصالات المشتركة والشئون الخارجية. ومن عجب أن الرجل الذي ندد من قبل بالملكية الخاصة أصلاً للكل الشرور، كرس الآن الإقطاعية البولندية، واقترح فرض الضرائب على جميع الأراضي، على أن تترك حقوق الملكية الراهنة دون مساس بها، ثم أعرب عن أمله في أن تلغى القنية يوماً ما، ولكنه لم يدع إلى إنهائها في وقت قريب، فهذا في رأيه يجب أن يؤجل إلى أن يتاح للقن مزيد من التعليم. وقد أكد أن كل شيء رهن بنشر التعليم، وتعزيز الحرية بأسرع من تعزيز الذكاء والأخلاق معناه فتح الباب على مصراعيه للفوضى وتقسيم البلاد.
غير أن التقسيم تم قبل أن يتمكن روسو من إنهاء مقاله، فالسياسة العملية تجاهلت تشريعه الفلسفي في بولندة كما تجاهلته في كورسيكا. وقد شارك هذا الإحباط المزدوج في تكدير سنيه الأخيرة، وزاد من حدة احتقاره لجماعة الفلاسفة الذين أثنوا من قبل على أولئك الحكام- فردريك الثاني، وكاترين الثانية، ويوزف الثاني- الذين يقطعون الآن أوصال بولندة، وامتدحهم باعتبارهم حكاماً مستبدين مستنيرين وملوكاً فلاسفة.
وفي 1772 بدأ محاولة أخرى للرد على خصومه وسمي الكتاب "حوارات:




صفحة رقم : 14386




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







روسو يحاكم جان جاك". وقد عكف على هذا الكتاب الذي بلغت صفحاته 450 فترات متقطعة على مدى سنين أربع، وكان الظلام يغشى عقله أكثر فأكثر كلما مضى فيه. وقد رجت المقدمة القارئ أن يقرأ الحوارات الثالثة قراءة دقيقة شاملة، "انظر إلى هذا التفضل الذي يطلبه منك قلب أثقله الحزن على أنه دين إنصاف تفرضه السماء عليك"(61). وقد اعترف بما يشوب الكتاب من "إسهاب مفرط وتكرار، وحشو، وفوضى"(62)، غير أن مؤامرة اتصلت خمسة عشر عاماً- فيما زعم- للنيل من سمعته، ولا بد أن يبرئ نفسه قبل أن يموت. وقد نفى وجود أي تضارب بين الفردية "الأحاديث وجماعية العقد الاجتماعي"، وذكر قراءه أن لم يرغب قط في أن يقضي على العلوم والفنون ويرتد إلى الهمجية. ووصف مؤلفاته- لا يما "جولي" و "أميل"- بأنها غنية في الفضيلة والحنان، وتساءل كيف يمكن أن يؤلف مثل هذه الكتب فاسق أنهكه المرض كما صوره المنتقصون من قدره(63). واتهم أعداءه بأنهم أحرقوا دمية تصوره، وبأنهم ألفوا السرينادات عنه للهزء به(64)وشكا من أنهم، حتى الآن، يراقبون كل زواره ويحرضون جيرانه على إهانته(65). ثم كرر قصة ميلاده، وأسراه، وصباه، ووصف رقة خلقه ونزاهته، ولكنه اعترف بما فيه من كسل، و "ميل إلى أحلام اليقظة"(66)، ونزوع إلى أن يخلق في جولاته منفرداً عالماً وهمياً يستطيع أن يسعد فيه ولو للحظة. وعزى نفسه بهذه النبوءة "أنا واثق من أنه سيأتي يوم يبارك فيه الناس الطيبون الشرفاء ذكراي ويبكون على مصيري"(67).
ثم أضاف إلى الحوار الأخير فصلاً عنوانه "تاريخ هذا الكتاب" ذكر فيه كيف أنه لكي يلفت نظر باريس وفرساي لكتابه اعتزم أن يودع نسخة من المخطوط، موجهة إلى العناية الإلهية، على المذبح الأعلى في كاتدرائية نوتردام. وقد حاول هذا في 24 فبراير 1776، فلما وجد المذبح مسدوداً بدرابزين، حاول الدخول إليه من جانبيه، فلما وجدهما مقفلين أصابه دوار، وخرج عدواً من الكنيسة، وراح يضرب على غير هدى ساعات




صفحة رقم : 14387




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







في الشوارع في شبه هذيان قبل أن يبلغ مسكنه"(68). ثم كتب نداء للشعب الفرنسي عنوانه "إلى جميع الفرنسيين الذين مازالوا يعشقون العدل والحق" ونسخ صوراً منه على إعلانات وزعها على المارة في الشوارع. وقد رفضها العديد منهم قائلين أنه ليس موجهاً إليهم(69). فأقلع عن محاولاته. واستسلم للهزيمة.
وهدأت الآن ثائرته بعد أن راض نفسه على الإذعان. وكتب في هذه الفترة (1777- 78) أجمل كتبه "أحلام جواب منفرد" فروى كيف أن أهل موتييه رفضوه وحصبوا بيته، وكيف اعتكف في الأيل دسان تبيير في بحيرة بيين. وهناك وجد السعادة، ثم راح- بعد أن استرجع ذكرى تلك الخلوة- يصور المياه الهادئة، والجداول المتدفقة، والجزيرة تغطيها الخضرة، والسماء الكثيرة الصور والأشكال. وقد عزف على نغمة رومانسية جديدة بإلماعه إلى أن الروح المتألمة قد تجد دائماً في الطبيعة شيئاً يستجيب لمزاجها. ونحن نسأل أنفسنا حين نقرأ تلك الصفحات، أيستطيع رجل نصف مجنون أن يكتب بهذا الإتقان، وبهذا الوضوح، وأحياناً بهذا الهدوء والصفاء. ولكن الشكاوي القديمة تعود إلى الظهور، وينوح روسو من جديد لأنه نبذ أطفاله، وأنه لم يؤت الشجاعة البسيطة التي تمكنه من تربية أبنائه. وقد رأى طفلاً يلعب، فعاد إلى حجرته و"بكى وكفر عن ذنبه"(70).
وفي تلك السنين الأخيرة التي قضاها في باريس كان ينظر بعين الحسد إلى ذلك الإيمان الديني الذي سماه بحياة العامة من الناس المحيطين به إلى مسرحية من الموت والبعث. وكان أحياناً يختلف إلى خدمات الصلاة الكاثوليكية. وقد زار ديراً مع برناردان دسان- بيير، وسمع الرهبان يتلون ابتهالاً فقال "آه؛ ما أسعد الإنسان الذي يستطيع أن يؤمن"(71). إنه لم يستطع أن يؤمن(72)، ولكنه حاول أن يسلك كمسيحي، ويتصدق، ويفتقد المرضى ويواسيهم(73). وقد قرأ وكتب حواشي على كتاب توماس أكمبيس "الاقتداء بالمسيح".
ثم خف إحساسه بالمرارة في نفسه بدنو أجله. وحين وصل فولتير




صفحة رقم : 14388




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







إلى باريس فانهالت عليه أسباب التكريم، شعر روسو بالغيرة منه ولكنه تكلم بخير عن عدوه القديم. ووبخ أحد معارفه الذي سخر من تتويج فولتير في التياتر- فرانسيه فقال: "كيف تجرؤ على السخرية من التكريم الذي بذل لفولتير في الهيكل الذي هو ربه، وبيد الكهان الذين ظلوا خمسين سنة يعيشون على روائعه؟"(74). ولما سمع بأن فولتير يحتضر قال متنبئاً "كانت حياتانا مرتبطتين الواحدة بالأخرى، ولن يطول عمري بعده"(75).
وحين بدأ ربيع 1778 يزهر طلب بيتاً في الريف، فدعاه المركيز رينيه دجيراردان ليسكن كوخاً على مقربة من قصره الريفي في ارمينونفيل، على نحو ثلاثين ميلاً من باريس. وذهب إليه جان- جاك وتريز في 20 مايو، وهناك راح يجمع العينات النباتية ويعلم النبات لابن المركيز البالغ من العمر عشر سنين. وفي أول يوليو تعشى بشهية مع أسرة مضيفة. وفي صباح الغد أصيب بالنقطة ووقع على الأرض. فرفعته تريز إلى فراشه، ولكنه وقع منه، واصطدم بالأرض المبلطة صدمة حادة أحدثت قطعاً في رأسه تدفق منه الدم، وصرخت تريز مستغيثة، فحضر المركيز، ووجد أن روسو قد فاضت روحه.
ولاحقته الافتراءات إلى النهاية. فأذاع جريم وغيره القصة التي زعمت أن روسو انتحر. وأضافت مدام دستال فيما بعد أنه قتل نفسه حزناً حين اكتشف خيانة تريز. وفاقت هذه القصة غيرها قسوة، لأن تعقيب تريز عقب موته بقليل كشف عن حبها له. قالت "إن لم يكن زوجي قديساً فمن يستطيع أن يكون؟" ووصف غير ذلك من الشائعات روسو بأنه مات مجنوناً، ولكن كل الذين كانوا معه في أيامه الأخيرة تلك وصفوه بالهدوء والصفاء.
وفي 4 يوليو 1778 ووري الثرى في جزيرة الحور في بركة صغيرة على ضيعة جيراردان. وظلت جزيرة الحور هذه طويلاً كعبة يحج إليها الأتقياء، فأمها المجتمع العصري كله- حتى الملكة- للصلاة على قبر روسو. وفي 11 أكتوبر 1794 نقل رفاته إلى البانتيون حيث ثوى إلى جوار رفات فولتير.




صفحة رقم : 14389




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







ومن ذلك المرفأ الذي نعما فيه بسلام الجوار نهضت روحاهما لتجددا حربهما في سبيل الثورة، وفرنسا، والإنسان الغربي.


ب - تأثير روسو


وهكذا ننتهي كما بدأنا بالتأمل المعزز بالدليل الآن، في ذلك الأثر الذي لا يصدق، والذي خلفه روسو في أدب القرن الذي بدأ بموته، وفي بيداجوجيته وفلسفته، ودينه، وأخلاقه، وعاداته، وفنه، وسياسته. والكثير مما كتب يبدو اليوم أن فيه غلواً، أو إسرافاً في العاطفة، أو سخفاً، و "الاعترافات" و "أحلام اليقظة" فقط هما اللذان يحركان مشاعرنا، ولكن حتى الأمس كانت كل كلمة من كلماته تسمع في ميدان أو آخر من ميادين الفكر الأوربي أو الأمريكي. إن روسو كما قالت مدام دستال "لم يخترع شيئاً، ولكنه أشعل النار في كل شيء"(76).
فأول شيء بالطبع هو أنه كان بمكانة الأم من الحركة الرومانتيكية. وقد رأينا غيره كثيرين يبذرون بذرتها. "طومسون، وكولنز، وجراي، ورتشردسن، وبريفو، والمسيحية ذاتها، التي يعد لاهوتها وفنها أعجب ضروب الرومانسية قاطبة. ولكن روسو أنضج البذار في مستنبت عواطفه الدافئ، وأسلم لنا الثمرة مكتملة النمو خصبة منذ مولدها، وفي "الأحاديث" و "العقد الاجتماعي" و "أميل" و "الاعترافات".
ولكن ما الذي سننيه بالحركة الرومانتيكية؟ تمرد الزجدان على الفكر، والغريزة على العقل، والعاطفة على الحكم، والذات على الموضوع، والنزعة الذاتية على الموضوعية، والوحدة على التجمع، والخيال على الواقع، والخرافة والأسطورة على التاريخ، والدين على العلم، والتصوف على الشعائر، والشعر والنثر الشعري على النثر والشعر النثري، والفن القوطي المحدث على الكلاسيكي المحدث، والأنثوي على الرجولي، والحب الرومانسي على زواج المصلحة، و "الطبيعة" و "الطبيعي" على المدنية والتكلف، والتعبير العاطفي على الضوابط العرفية، والحرية الفردية على النظام الاجتماعي، وتمرد الشباب على السلطة، والديموقراطية على الأرستقراطية، والإنسان في




صفحة رقم : 14390




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







مواجهة الدولة- وباختصار، تمرد القرن التاسع عشر على الثامن عشر، أو بعبارة أكثر تحديداً، الفترة 1760- 1859 على 1648- 1760: هذه كلها أمواج للمد الرومانتيكي العظيم الذي اكتسح أوربا فيما بين روسو وداروين.
ولقد وجد كل من هذه العناصر تقريباً في روسو تعبيراً وتأييداً، ووجد بعض الدعم في حاجات العصر وروحه. ذلك أن فرنسا كانت قد ملت الفكر الكلاسيكي والانضباط الأرستقراطي. فأتاح تمجيد روسو للوجدان تحرراً للغرائز المكبوتة، والعاطفة المكظومة، والأفراد والطبقات المظلومة. وأصبحت "الاعترافات" كتاب الوجدان المقدس كما كانت "الموسوعة" العهد الجديد لعصر العقل. ولا يعني هذا أن روسو رفض العقل، فهو على العكس وصفه بأنه عطية إلهية، وقبله حكماً نهائياً(77)، ولكنه أحس أن نوره البارد في حاجة إلى دفء القلب ليلهم العمل والعظمة والفضيلة. وأصبحت "الحساسية" شعار النساء والرجال.. وتعلم النساء الإغماء، والرجال البكاء، بأسرع من ذي قبل، وتذبذبوا بين الفرح والحزن، ومزجوا الاثنين في دموعهم.
وقد بدأت الثورة "الروسوية" على صدور الأمهات، هاتيك الصدور التي آن الآن أوان تحريرها من عقال المشدات؛ على أن هذا الجانب من الثورة كان أصعب جوانبها، ولم يعقد له النصر إلا بعد أكثر من قرن تراوح فيه الحبس والإفراج. وبعد نشر "أميل" أرضعت الأمهات الفرنسيات أطفالهن، حتى في دار الأوبرا، وفيما بين الألحان(78). وأطلق الطفل من سجن أقمطته، وقام أبواه على تربيته بأنفسهم. فإذا التحق بالمدرسة حظي بالتعليم "على طريقة روسو" في سويسرا أكثر منه في فرنسا، ولما كانت النظرة للإنسان الآن تعده خيراً بطبيعته، فإن التلميذ وجب أن ينظر إليه لا على أنه عفريت صغير مشاكس بل ملاك رغباته هي صوت الله. ولم تعد حواسه تدان لأنها أدوات الشيطان، بل تعد أبواباً للخبرات المنيرة ولمئات المباهج البريئة. ووفقاً للنظرة الجديدة لا تعود حجرات الدرس سجوناً. أما التعليم فيجب أن يجعل طبيعياً وساراً بتفتيح حب الاستطلاع




صفحة رقم : 14391




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







والقوى الفطرية وتشجيعها. واما حشو الذاكرة بالحقائق، وخنق الفكر بالعقائد القطعية، فيجب أن يحل محلها التدريب على فنون الإدراك الحسي، والحساب، والتفكير. ويجب أن يتعلم الأطفال من الأشياء لا من الكتب كلما أمكن- من النبات في الحقل، والصخور في التربة، والغيوم والنجوم في السماء. وقد حفز التحمس لأفكار روسو التربوية بستلوتزي ولافاتير في سويسرا، وبازدوف في ألمانيا، وماريا مونتسوري في إيطاليا، وجون ديوي في أمريكا؛ و "التربية التقدمية" هي جزء من تراث روسو، وقد نشأ فريدرش فروبل نظام رياض الأطفال في ألمانيا، ومنها انتشر في العالم الغربي طولاً وعرضاً.
ثم أدركت الفن نفحة من الإلهام الروسوي. فقد أثر تمجيد الطفولة في جروز ومدام فيجيه- لبرون، وعكست لوحات الفنانين من المدرسة السابقة- للرفائيلين في إنجلترا تمجيد العاطفة والغموض. وأعمق من هذا أثر روسو في الأخلاق والسلوك. فطرأ المزيد من دفء الصداقة ووفائها، ومن التضحيات والاهتمامات المتبادلة. واقتنص الحب الرومانسي الأدب وشق طريقه إلى الحياة. واستطاع الأزواج الآن أن يحبوا زوجاتهم دون هزء بالتقاليد؛ واستطاع الآباء أن يحبوا أبناءهم، وأصلح ما فسد من الأسرة، "كان الناس يغضون عن الخيانة الزوجية، أما روسو فقد جرؤ على اعتبارها جريمة"(79). صحيح أنها استمرت، ولكنها لم تعد أمراً لا غنى عنه. وحل محل الإعجاب الأعمى بالمحظيات الشفقة على المومسات. وقاوم احتقار العرف طغيان الأتيكيت. وارتفعت سمعة الفضائل البورجوازية، كالاجتهاد، والاقتصاد، وبساطة العادات واللباس. وعما قليل ستطيل فرنسا "الكيلوت" (السراويل القصيرة) إلى سراويل طويلة وتصبح "صان- كيلوت" (متطرفة) في زيها كما هي في سياستها. وقد ساهم روسو مع البستنة الإنجليزية في تغيير الحدائق الفرنسية من رتابة طراز النهضة إلى المنحنيات الرومانتيكية والأركان الفجائية، وأحياناً إلى فوضى برية و "طبيعية". وانطلق الرجال والنساء من المدينة إلى الريف، وزاوجوا




صفحة رقم : 14392




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







بين حالات الطبيعة وحالاتهم النفسية وتسلق الرجال الجبال، والتمس الرجال منهم الوحدة ودلل "أنا".
واستسلم الأدب بجملته تقريباً لروسو والموجة الرومانتيكية، فغمر جوته بطله "فوتر" فيفيض من الحب، والطبيعة، والعبرات (1774)، وجعل بطله فاوست يختزل نصف روسو في كلمات ثلاث "الوجدان هو الكل". قال قي 1787 مسترجعاً ذكرياته "كان لكتاب أميل وما حوى من عواطف تأثير شامل على العقل المثقف"(80) وأكد شيلر التمرد على القانون في "اللصوص" (1781)، وحيا روسو محرراً وشهيداً، وقارن بينه وبين سقراط(81) "تعالى يا روسو وكن لي مرشداً"(82). وأعانت بلاغة روسو على تحرير الشعر والمسرحية الفرنسيين من قواعد بوالو، وتقليد كورنيي وراسين، وقيود الأسلوب الكلاسيكي الصارمة. وقد أبدع برناردان دسان- بيير، وهو تلميذ متحمس لروسو، رائعة رومانسية في "بول وفرجيني" (1784). وانتصر تأثير جان- جاك الأدبي بعد الفاصل النابليوني في أشخاص شاتوبريان، ولامارتين، وموسيه، وفيني، وهوجر، وجوتييه، وميشليه، وجورج صاند. وقد أنجب هذا التأثير جيلاً من الاعترافات، وأحلام اليقظة، وقصص العاطفة أو الغرام، وحبذا تصور العبقرية على أنها فطرية لا تعرف قانوناً، وأنها القاهرة لتقليد والتقييد، فحرك في إيطاليا ليوباردي، وفي روسيا بوشكن وتولستوي، وفي إنجلترا وردزورث، وصذي، وكولردج، وبايرن، وشلي، وكيتس، وفي أمريكا هوثورن وثورو.
ونصف فلسفة القرن المحصورين "هوليز الجديدة" (1761) وكتاب داروين "أصل الأنواع" (1859) يلونه تمرد روسو على عقلانية حركة التنوير. والواقع أن روسو كان قد أعرب من قبل في رسالة وجهها عام 1751 إلى بورد عن احتقاره للفلسفة(83)، وأقام احتقاره هذا على عجز العقل في زعمه عن تعليم الفضيلة للناس. فالعقل يبدو أنه بغير حس أخلاقي، وهو يناضل للدفاع عن أي رغبة مهما كانت فاسدة إذن فالحاجة إلى شيء




صفحة رقم : 14393




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







آخر- إلى وعي فطري بالصواب والخطأ، حتى هذا الوعي لا بد من أن يدفئه الوجدان إن أريد منه أن يولد الفضيلة، وأن ينجب رجلاً فاضلاً لا آلة حسابية ماهرة.
وهذا بالطبع كلام قاله بسكال من قبل، ولكن بسكال كان قد رفضه فولتير، وفي ألمانيا كانت "عقلانية" فولف في صعود في الجامعات. وحين أصبح إيمانويل كانت أستاذاً في كونجزبرج كان قد اقتنع بما قاله هيوم وجماعة الفلاسفة الفرنسيين من أن العقل وحده لا يمكنه أن يقدم الدفاع الكافي حتى عن أساسيات اللاهوت المسيحي. ولكنه وجد في روسو سبيلاً لإنقاذ تلك الأساسيات: وهي أن تنكر مفعول العقل في العالم فوق الحسي، وتؤكد استقلال الفكر، وأولية الإرادة، والقوة المطلقة للضمير الفطري؛ وتستنبط حرية الإرادة، وخلود النفس، ووجود الله، من شعور الإنسان بالتزام غير مشروط بالقانون الأخلاقي. وقد أقر كانت بيدنه لروسو، وعلق صورته على جدار مكتبه، ونادى به "نيوتنا" للعالم الأخلاقي(84). وشعر ألمان آخرون بروح روسو تتقمصهم: ياكوبي في فلسفة الوجدان، وشلايئر ماخر في تصوفه الدقيق النسيج، وشوبنهاور في تمجيده للإرادة. وتاريخ الفلسفة منذ كانت صراع بين روسو وفولتير.
أما الدين فقد بدأ بتحريم روسو، ثم انتقل إلى استخدامه منقذاً له. وأجمع القادة البروتستانت والكاثوليك على تكفيره، ووضع على صعيد واحد مع فولتير وبيل بوصفهم رجالاً "يبثون سموم الضلالة والفسوق"(85). ومع ذلك فحتى في حياة روسو وجد نفر من رجال الدين والعلمانيين راحة وعزاء حين سمعوا أن قسيس سافوا قد قبل بتحمس العقائد الجوهرية للمسيحية، وأنه نصح الشكاك بأن يثوبوا إلى إيمانهم الأصيل. وحين فر روسو من سويسرا عام 1765 رحب به أسقف ستراسبورج، وبعد أن عاد من إنجلترا وجد بعض الكاثوليك الفرنسيين يستشهدون بأقواله شاكرين في ردهم على غير المؤمنين، وتراودهم الآمال في هدايته الظافرة.
وقد حاول منظرو الثورة الفرنسية إقامة أخلاقية مستقلة عن العقائد




صفحة رقم : 14394




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







الدينية؛ على أن روبسبيير في إقتدائه بروسو أقلع عن هذه المحاولة لفشلها، والتمس قوة تأييد المعتقدات الدينية في صيانة النظام الأخلاقي والمضمون الاجتماعي. وأدان جماعة الفلاسفة لأنهم رفضوا الله وأبقوا على الملوك؛ أما روسو (في رأي روبسبيير) فقد ارتفع فوق هامات هؤلاء الجبناء، وهاجم جميع الملوك بشجاعة وجاهر بالدفاع عن الله والخلود(86).
وفي 1793 بلغ تراثا فوليتر وروسو المتنافسان مرحلة الحسم في الصراع بين جان- رينيه إيبير ومكمسليان روبسبيير. فأما إيبير، أحد قادة كومون باريس، فقد اتبع العقلانية الفولتيرية، وشجع انتهاك حرمات الكنائس، وأقام العبادة العلنية لآلاهة العقل (1793). وأما روبسبيير فكان قد رأى روسو أثناء مقام هذا الفيلسوف آخر مرة في باريس. وقال مناجياً جان- جاك "إيه أيها القديس!.. لقد تطلعت إلى محياك المهيب... وفهمت كل أحزان حياة نبيلة كرست نفسها لعبادة الحق"(87). وحين تقلد روبسبيير زمام السلطة أقنع المؤتمر الوطني بتبني "إعلان الإيمان" الذي دان به قسيس سافوا ديناً رسمياً للأمة الفرنسية، وفي مايو 1794 افتتح مهرجان الكائن الأعظم إحياء لذكرى روسو. وحين أرسل إيبير وغيره إلى الجيلوتين بتهمة الإلحاد، شعر بأنه يتبع نصائح روسو بحذافيرها. ووافق نابليون اللاأدري روبسبيير على الحاجة إلى الدين، وأعاد وضع الحكومة الفرنسية في جانب الله (1802). ثم أعيدت الكنيسة الكاثوليكية إعادة كاملة بعودة الملكية البوربونية الفرنسية (1814) وكسبت أقلام شاتوبريان، ودميتر، ولامارتين، ولامنية القوية، ولكن الإيمان القديم اتكأ الآن أكثر فأكثر على حقوق الوجدان لا على جح اللاهوت، فحارب فولتير وديدرو ببسكال وروسو. وازدهرت من جديد تلك المسيحية التي بدت محتضرة في 1760- في إنجلترا الفكتورية وفرنسا في عهد عودة الملكية.
ونحن الآن فقط- من الناحية السياسية- نخرج من عصر روسو، وأول علامة على تأثيره السياسي كانت في موجة التعاطف العام الذي أيد المعونة الفرنسية الفعالة للثورة الفرنسية. وقد اقتبس جفرسن إعلان الاستقلال من روسو كما اقتبسه من لوك ومونتسكيو، واستوعب الكثير من كل من





صفحة رقم : 14395




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







فولتير وروسو حين كان سفيراً لدى فرنسا (1785- 89)، وردد صدى جان- جاك في افتراضه أن هنود أمريكا الشمالية "يتمتعون في جملتهم بقدر من السعادة يفوق بمراحل أولئك الذين يعيشون في ظل الحكومات الأوربية"(88). وقد رفع نجاح الثورة الأمريكية مكانة فلسفة روسو السياسية.
وتزعم مدام دستال أن نابليون عزا الثورة الفرنسية إلى روسو أكثر من أي كاتب آخر(89). وقد ذهب إدمند بيرك إلى أن في الجمعية التأسيسية للثورة الفرنسية (1789- 91) خلافاً كبيراً بين زعمائهم على أيهم أقرب شبهاً بروسو. والحق أنهم جميعاً يشبهونه... فإياه يدرسون، وإياه يتأملون، وإليه يرجعون في كل الوقت الذي يستطيعون اقتناصه من شرورهم المجهدة نهاراً أو فجورهم وعربدتهم ليلاً. فروسو هو كاهن كتابهم المقدس... وله يقيمون أول تماثيلهم(90).
وفي 1799 استعاد ماليه دويان إلى الأذهان أن "روسو كان له قراء من الطبقتين الوسطى والدنيا أكثر مائة مرة مما لفولتير. فهو وحده الذي لقح الفرنسيين بعقيدة سيادة الشعب... ومن الصعب ذكر ثوري واحد لم ينتشي بهذه النظريات الفوضوية ولم يشتعل بغيرة تحقيقها... وقد سمعت مارا في 1788 يقرأ "العقد الاجتماعي" ويعلق عليه في الشوارع العامة، فيقابله السامعون المتحمسون بالتصفيق"...(91).
واستشهد الخطباء في طول فرنسا وعرضها بأقوال روسو في التبشير بسيادة الشعب؛ وبعض الفضل في استطاعة الثورة أن تعيش عقداً من الزمان رغم خصومها وشططها راجع إلى الترحيب العارم الذي لقيته هذه العقيدة.
وقد اتصل تأثير روسو في السياسة طوال تقلبات الثورات والرجعية. وبسبب تناقضاته، وبسبب القوة والحماسة اللتين بشر بهذه التناقضات بهما، وجد فيه الفوضويون والاشتراكيون على السواء نبياً وقديساً؛ ذلك لأن كلتا




صفحة رقم : 14396




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتمة روسو







الدعوتين المتعارضتين وجدتا غذاء في إدانته الأغنياء وعطفه على الفقراء. وقد ألهمت النزعة الفردية التي اتسمت بها أول "الأحاديث" ورفضته "المدينة" الثوار من بين، وجودوين، وشلي، إلى تولستوي وكرويوتكين وإدوارد كاربنتر. قال تولستوي "كنا أنا في الخامسة عشرة أحيط عنقي بميدالية عليها صورة روسو بدلاً من الصليب المعتاد"(92). وقد وفرت عقيدة المساواة، التي بشر بها ثاني "الأحاديث" موضوعاً أساسياً لضروب متنوعة من النظرية الاشتراكية، من "جراكوس" بابوف وشارل فورييه وكارل ماركس إلى نيقولاي لينين. ويقول جوستاف لانسون "كان كل تقدم أحرز طوال قرن من الزمان في الديمقراطية، والمساواة، وحق التصويت للجميع، وكل دعاوى الأحزاب المتطرفة التي قد نكون موجة المستقبل، والحرب على الثراء والملكية، وكل الحركات المحرضة للجماهير الكادحة المعانية، كل أولئك كان، من بعض النواحي، من عمل روسو"(93) أنه لم يخاطب المثقفين والكبار بالمنطق والحجة، بل تكلم إلى الشعب كله بشعور وحماسة في لغة يستطيعون فهمها، وكانت حرارة بيانه، في السياسة كما في الأدب، أقوى من سلطان قلم فولتير.




صفحة رقم : 14397




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> لحن سير جنائزي








3- لحن سير جنائزي


بعد أن رأى ديدرو عام 1778 سأل صديقاً "لم يتحتم أن يموت؟"(94). ولقد بدا لحن السير الجنائزي الذي شيعت به جماعة الفلاسفة، من موت هلفتيوس في 1771 إلى موت موريللية في 1819، كأنه تعليق ساخر على الغرور والخيلاء، ولكن قد نتساءل أيضاً لم طال عمر بعض هؤلاء الرجال طولاً جر معه كل آلام الشيخوخة وهوانها.
وقد مات المحظوظون منهم قبل الثورة، تعزيهم مائة أمارة على أن أفكارهم وشيكة الانتصار فقضى كوندياك في 1789، وطورجو في 1781. أما دالامبير فقد مد في أجله على كره منه بعد موت الآنسة دلسبيناس. وكانت قد أودعته أوراقها، ووضح منها أنها في السنين الإثنتي عشرة الأخيرة من حياتها منحت حبها لمورا أوجيبير، ولم تترك له غير




صفحة رقم : 14398




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> لحن سير جنائزي







صداقة يشوبها الضيق أحياناً. قال كوندورسيه لطورجو "أن دالامبير مطعون طعنه نجلاء، وكل ما أرجوه له الآن أن تكون حياته محتملة"(95). وقد عاد إلى دراساته، ولكنه لم يكتب بعدها شيئاً ذا بال. وكان يختلف إلى بعض الصالونات ولكن الحياة انطفأت من حديثه الذي كان يوماً ما ألمعياً، وقد رفض الاستجابة لدعوة فردريك إلى بوتسدام، ودعوة كاترين إلى سانت بطرسبورج. وكتب إلى فردريك يقول: "أنني أشعر كأنني رجل تنبسط أمامه صحراء شاسعة تنتهي بهاوية الموت، ولا أمل له في لقاء إنسان واحد إن رآه يسقط فيها، أو يفكر فيه مرة أخرى بعد أن يختفي"(96).
وكان في هذا مخطئاً، فقد اهتم به الكثيرون، ولو أولئك الذين كان يمدهم ببعض دخله المنتظم. ذلك أن هيوم أوصى لدالامبر بمائتي جنيه(97) وهو واثق أنه سيوزع هذا المبلغ. ومع أنه كان يتقاضى مختلف المعاشات، فقد عاش عيشة بسيطة إلى النهاية، و1783 أصيب هو وديدرو بأمراض خطيرة-فأصيب ديدرو بذات الجنب، ودالامبير باضطراب في المثانة. وشفي ديدرو، أما دالامبير فقضى نحبه (29 أكتوبر 1783) بالغاً من العمر سبعة وستين عاماً.
وكان ديدرو قد عاد من مغامراته الروسية في أكتوبر 1774. وقد أضناه طول السفر في مركبة حبست حركته، ولكنه تنبأ صادقاً بأن "القدر يخبئ له عشر سنين أخر في جرابه"(98). ثم عكف على "خطة لإنشاء جامعة لحكومة روسيا" (لن تنشر حتى 1803)، وقد دعا للاهتمام الأشد بالعلم والتكنولوجيا، ووضع اليونانية واللاتينية والأدب في نهاية القائمة تقريباً، وبين الطائفتين الفلسفة فسبق بذلك التطورات التربوية بمائة وخمسين عاماً. وفي 1778 بدأ "مقالاً عن عهدي كلوكيوس ونيرون، وعن حياة سنكا ومؤلفاته". واستطرد في هذا المقال ليرجو الأمريكيين المنتصرين في جمهوريتهم الجديدة أن "يمنعوا الزيادة الهائلة والتوزيع غير المتكافئ للثروة والترف، والتبطل وفساد الأخلاق"(99). وفي القسم المخصص لسنكا




صفحة رقم : 14399




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> لحن سير جنائزي







أفسح مكاناً للدفاع الحار عن جريم ومدام دبينيه وعن نفسه ضد التهم التي رماهم بها روسو في قراءاته العلنية لاعترافاته، قال:
"إذا صدر يوماً ما، نتيجة جنوح المؤلف دائماً للأغراب والشذوذ، كتاب يمزق فيه الشرفاء إرباً بالقلم وغد خبيث... فانظروا إلى الأمام واسألوا أنفسكم هل... يجدر بنا لأن نصدق رجلاً وقحاً... اعترف بألف فعل شرير. فماذا يكلف الافتراء رجلاً كهذا-وماذا تضيف جريمة كثيراً أو قليلاً من الفساد الخلقي المستتر لمياه تتخفى طوال أكثر من خمسين عاماً وراء أصفق أقنعة الرياء؟... فسحقاً للعاق الذي يذم من أحسنوا إليه؛ سحقاً للرجل الأثيم الذي لا يحجم عن تشويه سمعة أصدقائه القدامى؛ وسحقاً للجبان الذي يخلف فوق قبره كشف الأسرار التي أؤتمن عليها.. أما عن شخصي، فأقسم أن عيني لن تتلوثا أبداً بقراءة كتابه، وأني أؤكد أني أوثر أن يسبني عن أن يمدحني(100).
وفي 1783 ماتت مدام دبينيه. وأحس ديدرو بهذه الخسارة إحساساً عميقاً، لأنه كان يستمع بصداقتها وندوتها. وكان جريم ودولباخ على قيد الحياة، ولكن علاقاته بهما كانت فاترة، وكان الثالثة ينحدرون إلى الأنانية الضيقة التي تصحب الشيخوخة، وكل ما كان في استطاعتهم تبادله من حديث كان آلامهم. أما تشكيلة الأمراض التي شكا منها ديدرو فكان منها التهاب الكلية والتهاب المعدة، وحصى المرارة، والتهاب الرئتين؛ ولم يعد في قدرته صعود السلم من مسكنه في الطابق الرابع إلى مكتبته في الطابق الخامس، وشعر الآن أنه محظوظ لأن له زوجة، وكان قد اختزل خياناته الزوجية إلى ذكريات حزينة، وأبلت هي حصيلتها من الكلام، وهكذا عاشا في سلام الإعياء المشترك.
وفي 1784 مرض مرضاً خطيراً. وحاول كاهن سان-سولبيس الذي فشل من قبل مع فولتير أن يكفر عن تقصيره برد ديدرو إلى حظيرة الإيمان، فزاره، وتوسل إليه أن يرجع إلى الكنيسة، وأنذره بأنه ما لم يتناول الأسرار المقدسة فإنه لن يحظى بدفنه في جبانة عامة. فأجاب ديدرو،




صفحة رقم : 14400




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> لحن سير جنائزي







"إني أفهمك يا سيدي الكاهن. فلقد رفضتم دفن فولتير لأنه لم يؤمن بلاهوت الإبن. حسناً، إنهم يستطيعون دفني حين أموت في أي مكان يشاءون، ولكني أعلن أنني لا أومن لا بالآب ولا بالروح القدس ولا بأي واحد في الأسرة"(101).
وحين سمعت الإمبراطورة كاترين بأوصابه، وفرت للي ولزوجته جناحاً فاخراً في شارع ريشليو. وانتقلا إليه حوالي 18 يوليو. وابتسم حين رأى الأثاث الجديد يحمل إليه، وقال إن في استطاعته أن يستعمله بضعة أيام لا أكثر. وقد استعمله أقل من أسبوعين. وفي 31 يوليو 1784 تناول وجبه شهية، فأصابته جلطة تاجية، ومات وهو على المائدة بالغاً الحادية والسبعين. وأقنعت زوجته وصهره كاهناً محلياً بالصلاة في الكنيسة على جثمانه رغم إلحاده المشهور. ودفن غي كنيسة سان-روش، ثم اختفى منها على نحو غامض في تاريخ غير معروف.
وواصل الموكب سيرته. فمات مابليه في 1785، وبوفون في 1788، ودولباخ في 1789 أما رينال فقد عمر إلى ما بعد الثورة كما رأينا، وأدان جرائمها الوحشية، وفاجأ نفسه بالموت ميتة طبيعية (1796). وأما جريم فقد قابل كل لطمات الحظ بصبر تيوتوني. ففي 1775 رقاه يوزف الثاني باروناً من بارونات الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وفي 1776 عينه دوق ساكسي-جوتا سفيراً لدى فرنسا. وأكثر "الرسائل الأدبية" كان يقوم بتحريرها بعد 1772 سكرتيرته ياكوب مايستر، ولكن جريم شارك بمقالات لاذعة في الأدب، والفن، والدين، والأخلاق، والسياسة، والفلسفة. وكان الشاك الوحيد الممعن في شكوكيته بين جماعة الفلاسفة، لأنه تشكك أيضاً في الفلسفة والعقل والتقدم. وبينا كان ديدرو ونفر من فريق المؤمنين يتطلعون إلى الأجيال القادمة بأحلام الطوبى تنعكس في أعينهم، قال جريم أن هذا سراب قديم العهد جداً، "وهم تحدر من جيل إلى جيل"، وقد لاحظنا نبوءته عام 1757 بنشوب "ثورة قاضية"(102)وشيكاً فلما جاءت الثورة وكانت سفاكة للدماء، عاد إلى وطنه الأصلي ألمانيا وأقام في جوتا




صفحة رقم : 14401




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> لحن سير جنائزي







(1793) وخففت كاترين من فقره وعينته سفيراً لها في همبورج (1796) فلما ماتت ولية نعمته الإمبراطورة ذهب مع أملي بلزونس، حفيدة حبيبته مدام دبينيه. وعمر حتى 1807، وعاش هذه الحقبة أولاً على ذكريات تلك الأيام المثيرة التي كان فيها فكر فرنسا يقود أوربا إلى حافة شاهقة هي حافة الحرية.




صفحة رقم : 14402




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتم الفلاسفة الفرنسيين








4- خاتم الفلاسفة الفرنسيين


ولد جان-أنطوان-نيقولا كاريتا، مركيز كوندورسيه، حفيد أسرة عريقة في دوفينيه، في بيكاردي (1743)، وتلقى تعليمه على اليسوعيين في رامس وباريس، وظل سنين طويلة لا يفكر إلا في أن يكون رياضياً كبيراً. وحين بلغ السادسة والعشرين أنتخب عضواً في أكاديمية العلوم. وحين أصبح فيما بعد سكرتيراً دائماً لها، كتب التأبينات للأعضاء الراحلين، كما فعل فونتنينيل للأكاديمية الفرنسية، وقد أحب فولتير هذه التأبينات التذكارية كثيراً حتى أنه قال لكوندورسيه: "إن الجمهور يتمنى أن يموت أكاديمي كل أسبوع أو نحوه حتى تتاح لك فرصة الكتابة عنه"(103). وقد زار فولتير في فرنيه (1770)، وعلق على طبعة تنظم أعمال فولتير نشرها بومارشيه، وكتب لها مقدمة حارة بعنوان "حياة فولتير" وأقنعه دالامبير بأن يكتب مقالات للموسوعة، وقدمه لجولي دلسبيناس، التي أصبح في حفلات استقبالها قطباً من الأقطاب رغم خجله. لا بل أنه كان في نظر جولي لا يفضله غير دالامبير من حيث سعة عقله، وربما كان يفوقه في حرارة حبه للخير. وكان أحد الرعيل الأول ممن انضموا للحملة التي شنت على تجارة الرقيق (1781). وقد أعانت جولي على تحريره من ربقة عشقه اليائس للآنسة دوسي، وهي فتاة لعوب استغلت حبه لها دون أن تبادله أياه. وقد عزى نفسه بصداقة جان-باتست سيوار ومدام سيوار، وعاش معهم في شركة ثلاثية قانعة.
وفي 1785 أصدر "مقالاً في تطبيق التحليل على الاحتمالات" وفيه سبق نظرية مالثوس إذ قال إن نمو السكان ينحو إلى تجاوز إنتاج الطعام، ولكنه لم يدع إلى العفة الجنسية علاجاً، بل أقترح تحديد النسل(104).




صفحة رقم : 14403




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتم الفلاسفة الفرنسيين







وقد رحب بالثورة فاتحة لمستقبل التعليم الجامعي، والعدالة، والرخاء. وفي 1790 اختير للمجلس البلدي الذي كان قد تسلم إدارة باريس. ثم أنتخب عضواً في الجمعية التشريعية التي حكمت فرنسا من أول أكتوبر 1791 إلى 20 سبتمبر 1792، ووضع بوصفه رئيساً للجنة التعليم العام تقريراً يدعو إلى نظام قومي للتعليم الابتدائي والثانوي، العام، المجاني، الشامل للجنسين على السواء، والبعيد عن النفوذ الكنسي، ويخطط التقرير لهذا التعليم تخطيطاً عاماً(105)، وقد وضع مبدأ "دولة الرفاهية" قال: "يجب أن يكون هدف جميع المؤسسات الاجتماعية تحسين الأحوال البدنية والفكرية والأخلاقية لأكثر طبقات السكان عدداً وأشدها فقراً"(106). وقدم التقرير إلى الجمعية في 21 أبريل 1792، ثم عطلت حروب الثورة اتخاذ إجراءات تنفيذه، ولكن وطد نابليون سلطته جعل تقرير كوندورسيه الأساس الذي أرسى فوقه تنظيمه للتعليم من جديد في فرسنا تنظيماً بدأ به عهداً حاسماً.
ولم يتح لكوندورسيه مثل هذه المكانة المرموقة في المؤتمر القومي الذي حل محل الجمعية التشريعية، لأن الجيرونديين المحافظين تشككوا فيه بوصفه جمهورياً، وارتاب اليعاقبة المتطرفون في نواياه بوصفه أرستقراطياً يحاول أن يخضع الثورة لسيطرة الطبقة الوسطى(107). وقد صوت في صف الذين أدانوا لويس السادس مذنباً بالخيانة، ولكنه صوت ضد إعدامه. فلما عين مع ثمانية آخرين أعضاء في لجنة وكل إليها صياغة دستور جديد، قدم مشروعاً رفض بدعوى إسرافه في محاباة البورجوازية-فلما تبنى المؤتمر الذي سيطر عليه اليعاقبة دستوراً أكثر تطرفاً، كتب كوندورسيه نشرة غفلاً من التوقيع ينصح فيها المواطنين أن يرفضوه. وفي 8 يوليو 1793 أمر المؤتمر بالقبض عليه.
وظل تسعة أشهر مختبئاً في منزل لأرملة المصور كلود-جوزف فرنيه. ولكي يصرف ذهنه عن خوف القبض عليه ألف كتيباً يصلح تلخيصاً لحركة التنوير، و "كتاباً أزرق" (أي مخططاً) للمجتمع المثالي القادم. وعنوان المخطوط "نشرة تمهيدية لجدول تاريخي بمراحل تقدم العقل البشري"(108).




صفحة رقم : 14404




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتم الفلاسفة الفرنسيين







كذلك سماه Esquisse أي تخطيط، ويبدو أنه كان يؤمل أن يكتب يوماً ما عرضاً أكثر تفصيلاً لفلسفته.
وقد استوحى مخطوطه من المحاضرة التي أجمل فيها طورجو، يوم كان لاهوتياً، (11 ديسمبر 1750) "المراحل المتعاقبة لتقدم الفكر البشري"(109) وقسم كوندورسيه التاريخ إلى عشر مراحل: (1) اتحاد الأسر في قبائل. (2) الرعي والزراعة؛ (3) اختراع الكتابة؛ (4) ازدهار الثقافة اليونانية حتى عهد الاسكندر؛ (5) تطور المعرفة خلال صعود روما واضمحلالها؛ (6) العصور المظلمة، من 476م. إلى الحروب الصليبية؛ (7) نمو العلم بين الحروب الصليبية واختراع الطباعة؛ (8) من جوتنبرج إلى بيكن، وجاليليو، وديكارت، "الذين خلعوا نير السلطة؛ (9) من ديكارت حتى تأسيس الجمهوريتين الأمريكية والفرنسية؛ (10) عصر الفكر المحرر(110).
وكان كوندورسيه لا يعترف للعصور الوسطى بقدر، شأنه في ذلك شأن فولتير، فقد تمثل فيها تسلط الكنيسة على الفكر الأوربي، وتخدر الشعب بسحر القداس، وانبعاث الشرك نتيجة لعبادة القديسين(111). ومع أنه احتفظ-كفولتير أيضاً-بإيمان ربوبي بالله، فإنه اعتمد على تقدم المعرفة وانتشارها لتقويض سلطان الكنيسة، وتوسيع الديموقراطية، بل والارتقاء بالأخلاق، فقد شعر بأن الخطيئة والجريمة هما إلى حد كبير نتيجة للجهل(112). "سيأتي الوقت الذي تشرق الشمس فقط على أحرار الرجال الذين لا يعرفون لهم سيداً غير عقلهم"(113). وقد اثنى على فولتير لإطلاقه الفكر من عقاله، وعلى روسو لإهماله الناس بأن يقيموا نظاماً اجتماعياً عادلاً. وصور الخير العميم الذي سيفيض بهما القرنان التاسع عشر والعشرين بفضل جهود القرن الثامن عشر: التعليم العام، وحرية الفكر والتعبير، وتحرير المستعمرات، والمساواة أما القانون. وإعادة توزيع الثروة. وقد تذبذب بعض الشيء في أمر حق التصويت للجميع: فهو يريد بصفة عامة أن يقصر التصويت على أصحاب الأملاك أو الثروة مهما قلت(114)، وكان أحياناً يخشى أن تمكن سذاجة الجماهير قلة غنية من أن تلقنهم آراءهم متى




صفحة رقم : 14405




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتم الفلاسفة الفرنسيين







شاءت، وهكذا تخلق أولجركية بورجوازية، مستترة وراء واجهة ديموقراطية(115)، ولكن هروب لويس السادس وماري أنطوانيت إلى فارين، والخوف من أن تحاول الدول إعادة الملكية الديموقراطية في فرنسا، ودعاه إلى الدعوة لحق التصويت للجميع بما فيهم النساء(116).
وقد تطلع في الخيال من عزلته المطاردة إلى مستقبل ملؤه جلائل الأعمال. فتنبأ بصعود الصحافة ضابطاً لطغيان الحكومة؛ وبتطور دولة الرفاهية بفضل التأمين والمعاشات الاجتماعية؛ وبحفز الثقافة نتيجة لتحرير المرأة؛ وبإطالة عمر الإنسان بفضل تقدم الطب؛ وبانتشار النظام الاتحادي بين الدول؛ وبانقلاب الاستعمارية إلى معونة أجنبية تقدمها البلاد المتقدمة للمتخلفة؛ وبخفة التعصب القومي نتيجة لانتشار المعرفة؛ وبتطبيق البحوث الإحصائية على إنارة السياسات وصياغتها؛ وبازدياد ارتباط العلم بالحكومة(117). وإذ رأى كل عصر مضيفاً أهدافاً جديدة لإنجازاته، فلا يمكن إذن أن تكون هناك نهاية متطورة للتقدم. ولا يعني هذا أن الإنسان سيغدو كاملاً في أي وقت، بل أنه سيسعى أبداً إلى الكمال. "أن الطبيعة لم تحدد زماناً لكمال الملكات البشرية، وقابلية الإنسان للكمال لا حدود لها، وتقدم هذه القابلية-التي ستكون منذ الآن مستقلة عن أي قوة قد تبغي تعطيلها-لا حد له غير عمر هذا الكوكب الذي ألقتنا الطبيعة على سطحه(118)".
وقرب الختام هذا التخطيط تصدى كوندورسيه للمشكلة التي سيعرضها بعد أربع سنين في "مقال عن مبدأ السكان" (1798):
"ألا يجوز أن تأتي لحظة... يترتب فيها على زيادة سكان العالم عن أسباب العيش تناقص مستمر لسعادتهم،... أو على أفضل تقدير تذبذب بين النفع والضرر؟ وألا يدل ذلك على أن العالم قد وصل إلى نقطة يستحيل تحقيق المزيد من التحسين بعدها-وأن قبول النوع الإنساني للكمال قد بلغ بعد سنين طويلة مرحلة يعجز عن تجاوزها؟
ومنذا الذي يستطيع التنبؤ بالحالة التي يمكن أن يوصل إليها فن تسخير عناصر الطبيعة لحيز الإنسان في الوقت المناسب؟... وحتى لو اتفقنا على




صفحة رقم : 14406




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتم الفلاسفة الفرنسيين







أننا سنصل يوماً ما إلى ذلك الحد... فإنه قبل أن يقع هذا كله سيكون تقدم العقل قد واكب تقدم العلوم، وتعصب الخرافة السخيف قد كف عن إفساد القانون الأخلاقي والحط منه بتعاليمه المنكرة... ولنا أن نفترض أنه إذا جاء ذلك الوقت فإن الناس سيعرفون أن عليهم واجباً قبل أولئك الذين لم يولدوا بعد، هو واجب تيسير السعادة لهم، لا مجرد العيش وكفى"(119).
ولم يكن تفاؤل كوندورسيه تفاؤلاً أعمى تماماً. "ما زلنا نرى قوى التنوير لا تملك أكثر من جزء صغير جداً من العالم، والمتنورين حقاً وصدقاً تطغى عليهم كثرة جماهير الناس الذين مازالت تسيطر عليهم الجهالة والتعصب. ومازلنا نرى مناطق شاسعة يرزح فيها البشر تحت نير العبودية"(120). ولكن "صديق الإنسانية" يجب ألا يفقد الأمل أمام هذه المصاعب، فانظر إلى الكثير من الأشياء النبيلة التي أنجزت فعلاً، أنظر إلى التطور الهائل للمعرفة وحب المغامرة، فأي شيء يستعصي على هذه الإنجازات إذا اتصلت وانتشرت؟ وهكذا أختتم كوندورسيه كتابه برؤيا كانت سنداً له في الشدة، وبديلاً له ولآلاف غيره عن إيمان فوق طبيعي. وإلى القارئ الكلمة الأخيرة والمتوجة لحركة التنوير:
"كم تعزى الفيلسوف الذي يرثى للأخطاء والجرائم والمظالم التي ما زالت تلوث الأرض، والتي كثيراً ما يكون هو نفسه ضحيتها-لكم تعزيه هذه النظرة للنوع الإنساني، وقد تحرر من أغلاله،... يسير قدماً بخطى ثابتة مطمئنة على طريق الحق، والفضيلة، والسعادة. أن تأمل هذا المشهد هو الذي يجزيه عن الجميع ما بذل من جهود في إعانة تقدم العقل والدفاع عن الحرية.. وهذا التأمل ملاذ له لا تستطيع ذكرى مضطهديه أن تتبعه إليه. فهناك يحيا بالفكر مع الإنسان وقد رد له حقه وكرامته الطبيعيتان، وينسى الإنسان الذي عذبه وأفسده الجشع، أو الخوف، أو الحسد؛ هناك يحيا مع أترابه في جنة خلقها العقل، وجملتها أطهر اللذات التي عرفها حب البشر"(121).
ولقد أوشك اعتراف الإيمان هذا أن يكون صرخة رجل شاعر بأن




صفحة رقم : 14407




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> خاتم الفلاسفة الفرنسيين







الموت يبحث عنه. فلما خشي كوندورسيه أن يلحق الضرر بمدام فرنيه إذا اكتشفت أنها تؤويه، أودعها مخطوطة وغادر بيتها متنكراً رغم اعتراضاتها. وبعد أن تشرد أياماً على أطراف باريس طلب طعاماً في فندق. وأثار الشبهة مظهره وعدم وجود أوراق تعرف بهويته. وسرعان ما تبينه القوم أرستقراطياً. وقبض عليه، وزج في سجن بمدينة بور-لا-رين (7 أبريل 1794). وفي صبيحة الغد وجد ميتاً في زنزانته. وقد ذهب أول كاتب لسيرته إلى أنه حمل السم في خاتم، وابتلع هذا السم، غير أن تقرير الطبيب الذي فحص الجثة عزا موته إلى جلطة في أحد عروقه(122). أما المؤتمر فقد أمر بعد حصوله على تخطيطه وقراءته بأن تطبع الدولة ثلاثة آلاف نسخة منه وتوزعها في جميع أنحاء فرنسا.




صفحة رقم : 14408




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> الفلاسفة والثورة








5- الفلاسفة والثورة


اتفق بيرك، وتوكفيل(123)، وتين(124)، على أن فلاسفة فرنسا، من بيل إلى مابلي، كانوا عاملاً كبيراً في أحداث الثورة. فهل نستطيع قبول النتيجة التي خلص إليها جهابذة المحافظين أولئك؟
لقد كان جميع الفلاسفة المرموقين معارضين للثورة على حكومات أوربا القائمة آنذاك، لا بل إن منهم من وضعوا إيمانهم في الملوك لأنهم أكثر أدوات الإصلاح عملية؛ واحتفظ فولتير، وديدرو، وجريم بعلاقات صداقة، إن لم يكن إعجاب شديد، بواحد أو آخر من أشد الحكام المعاصرين استبداداً-فردريك الثاني، كاترين الثانية، جستاف الثالث؛ وأسعد روسو أن يستقبل يوزف الثاني إمبراطور النمسا. أما ديدرو، وهلفتيوس، ودولباخ، فقد وجهوا النقد العنيف للملوك بصفة عامة، ولكنهم لم يدعوا قط في كتبهم التي بين أيدينا إلى الإطاحة بالملكية الفرنسية(125). وعارض مارمونتيل وموريلليه الثورة في غير مواربة(126)، وجهر مابلي، الإشتراكي بأنه ملكي(127)، أما طورجو معبود جماعة الفلاسفة، فقد جاهد لإنقاذ لويس السادس عشر لا للقضاء عليه. ودعم روسو الأقطار الجمهورية، ولكن لصغار الدول فقط، وقبلت الثورة نظرياته وأغفلت تحذيره. وحين




صفحة رقم : 14409




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> الفلاسفة والثورة







أقام الثوار نظاماً جمهورياً في فرسنا لم يقيموه على طريقة الفلاسفة الفرنسيين بل أبطال بلوتارخ من اليونان والرومان. ولم تكن قبلتهم فرنيه، بل إسبارطة وروما الجمهورية.
أن الفلاسفة وفروا الإعداد الأيدولوجي للثورة. وكانت أسبابها اقتصادية أو سياسية، وعباراتها فلسفية، وقد تيسر للأسباب الأساسية للثورة أن تفعل فعلها بفضل عمل الهدم الذي قام به الفلاسفة لإزالة العقبات القائمة في طريق التغيير، مثل الإيمان بالامتيازات الإقطاعية والسلطة الكنسية، وحق الملوك الإلهي. فقد كانت كل الدول الأوربية حتى عام 1789 تعتمد على معونة الدين في غرس قدسية الحكومات في النفوس، وحكمة التقاليد، وعادات الطاعة، ومبادئ الأخلاق؛ وكانت بعض جذور السلطة الأرضية مغروسة في السماء، واعتبرت الدولة الله رئيس شرطتها السرية. كتب شامفور والثورة تدور رحاها يقول إن "الكهانة كانت أول معقل للسلطة المطلقة، وقد أطاح به فولتير"(128). وذهب توكفيل في 1856 إلى أن "سوء السمعة العام الذي انحدر إليه الإيمان الديني كله في نهاية القرن الثامن عشر كان له ولا ريب أعظم الأثر في سير الثورة برمته"(129).
ثم انتقلت الشكوكية التي مزقت اللاهوت القديم شيئاً فشيئاً إلى نقد المؤسسات والشئون العلمانية. وقد ندد الفلاسفة بالفقر والقنية كما نددوا بالتعصب والخرافة، وكافحوا ليقلصوا سلطان أمراء الإقطاع على طبقة الفلاحين. واعترف بعض النبلاء بقوة الانتقادات اللاذعة التي وجهت إليهم، وفقد الكثير منهم الثقة في تفوقهم الطبيعي وحقوقهم المتوارثة. استمع إلى الكونت لوي-فيليب د سيجور":
"كنا نقاداً شديدي الاحتقار للعادات القديمة، ولكبرياء آبائنا الإقطاعية ومراسمهم المتزمتة... وشعرنا بالميل إلى أن نتبع في تحمس العقائد الفلسفية التي يجهر بها الكتاب الأذكياء الجسورون. واجتذب فولتير انتباهنا، ومس روسو قلوبنا... ولذنا خفية أن نراهم يهاجمون النظام القديم... فاستمتعنا في وقت واحد بمزايا طبقة النبلاء ومتع الفلسفة الشعبية"(130).




صفحة رقم : 14410




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> الفلاسفة والثورة







وكان من هؤلاء الأشراف الذين وخزهم ضميرهم أشخاص ذوو نفوذ كميرابو الأب والإبن، ولاروشغوكو-لينانكور، ولافاييت، والفيكونت لوي-ماري دنواي، و "فيليب إيجليته" (مساواة)، والدوق أورليان؛ ثم لنذكر المعونة والمساواة اللتين قدمهما لروسو المرشال لكسبورج ولوي فرانسوا البوربوني أمير كونتي. وقد قادت الأقلية اللبرالاية التي حفزتها غارات الفلاحين على الملكة الإقطاعية لقاء تعويضات (4 أغسطس 1789). لا بل إن الأسرة المالكة تأثرت بالأفكار شبه الجمهورية التي أعان الفلاسفة على نشرها. وكان أبو لويس السادس عشر يحفظ عن ظهر قلب فقرات كثيرة من كتاب مونتسكيو "روح القوانين"، وقد قرأ كتاب روسو "العقد الاجتماعي" وحكم بأنه "سليم إلى حد كبير" فيما خلا نقده للمسيحية. وعلم أبناءه (الذين أصبح ثلاثة منهم ملوكاً) أن "أسباب الامتياز التي تحظون بها لم تعطكم إياها الطبيعة، التي خلقت الناس كلهم سواسية"(131). واعترف لويس السادس عشر في مواسيمه بـ "القانون الطبيعي" و "حقوق الإنسان"(132). المترتبة على طبيعة الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً.
وأضافت الثورة الأمريكية مزيداً من المكانة والقدر للأفكار الجمهورية. ولقد استمدت تلك الثورة هي أيضاً قوتها من وقائع الحال الاقتصادية كنظام الضرائب والتجارة، وكان "إعلان استقلالها" مديناً للمفكرين الإنجليز دينه للمفكرين الفرنسيين، ولكن لوحظ أن واشنطن، وفرانكلين وجفرسن، قد تهيأوا لقبول الفكر الحر بفضل جماعة الفلاسفة الفرنسيين. وعن طريق أولئك الأبناء الأمريكيين للتنوير الفرنسي، تدرجت النظريات الجمهورية حتى تمثلت حكومة ظافرة في السلاح، يعترف بها ملك فرنسي، وتمضي في إرساء يدين ببعض الفضل لمونتسكيو.
ولقد مرت الثورة الفرنسية بثلاث مراحل. ففي الأولى حاول النبلاء عن طريق البرلمانات، أن يستردوا من الملكية ذلك السلطان الذي انتزعه منهم لويس الرابع عشر، وهؤلاء النبلاء لم يستلهموا جماعة الفلاسفة. وفي




صفحة رقم : 14411




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> الفلاسفة والثورة







المرحلة الثانية ظفرت الطبقات الوسطى بالتحكم في الثورة، وكانت عميقة التشرب بأفكار الفلاسفة، ولكن المعنى الذي فهمته من "المساواة" كان مساواة البورجوازي بالأرستقراطي. وفي المرحلة الثالثة انتزع الرياسة زعماء غوغاء المدينة. وظلت جماهير الشعب متمسكة بالدين، ولكن زعماءهم كانوا قد فقدوا احترامهم للقساوسة والملوك؛ وأحبت الجماهير لويس السادس عشر إلى النهاية، ولكن زعماءهم ضربوا عنقه. وبعد 6 أكتوبر 1789، سيطر اليعاقبة على باريس، وكان روسو إلاههم. وفي 10 نوفمبر 1793 احتفل المتطرفون الظافرون بعيد العقل في كاتدرائية نوتردام. وفي تور أحل الثوار تماثيل جديدة تسمى مابليه، وروسو، وفولتير محل تماثيل القديسين. وفي شارتر عام 1795، في الكاتدرائية الشهيرة، افتتح عيد العقل بدراما أظهر فيها فولتير وروسو متحدين في حملة على التعصب(133).
لا سبيل إلى الشك إذن في أن الفلاسفة أثروا تأثيراً عميقاً في أيديولوجية الثورة ودرامتها السياسية. أنهم لم يقصدوا إلى العنف، أو التقتيل، أو الجيلوتين؛ ولو قد شهدوا هذه المناظر الدموية لاقشعروا رعباً، ولربما قالوا بحق إنه قد أسئ فهمهم على نحو قاس، ولكنهم كانوا مسئولين بقدر ما استخفوا بأثر الدين والتقاليد في ضبط الغرائز الحيوانية للبشر. وكانت الثورة الحقيقية أثناء ذلك ماضية في طريقها في ظل تلك الآراء الأخاذة والأحداث المرئية، إذ انتزعت الطبقات الوسطى من الأرستقراطية والملك التسلط على الاقتصاد والدولة، متذرعة بالفلسفة أداة من مائة أداة أخرى في بلوغ غايتها تلك.




صفحة رقم : 14412




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الدين والثورة








الفصل السادس والثلاثون




عشية الثورة




1774-1789




1- الدين والثورة


كانت الكنيسة الكاثوليكية من الناحية المالية أسلم مؤسسة في البلاد، تملك نحو 6% من الأرض، وأملاكاً أخرى تقدر قيمتها في مجموعها بمبلغ يتفاوت بين بليوني جنيه وأربعة بلايين، وتغل دخلاً سنوياً قدره 120.000.000 جنيه(1). يضاف إلى هذا 123.000.000 جنيه من العشور التي تجبى على غلات الأرض وماشيتها(2). وكانت هذه الدخول في نظر الكنيسة لازمة لأداء مختلف وظائفها-وهي دعم الحياة الأسرية، وتنظيم التعليم (قبل 1762)، وتربية الأخلاق، وتأييد النظام الاجتماعي، وتوزيع الصدقات، ورعاية المرضى، وتوفير الأديرة




صفحة رقم : 14413




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الدين والثورة







ملاذاً للنفوس النزاعة للتامل أو العازفة عن السياسة يحميها من الفوضى الزحام واستبداد الدولة، وغرس مزيج حكيم من الخوف، والرجاء، والتسليم، في نفوس ضرب عليها الفقر أو المشقة أو الحزن نتيجة لعد المساواة الطبيعية بين البشر.
كل أولئك زعمت أنها تفعله بواسطة أكليروسها الذي كان قوامه نحو نصف في المائة من السكان. وكان عدد رجاله قد تقلص منذ عام 1779(3)، وأصاب الأديرة اضمحلال خطير. ويروون إن "رهبان كثيرون كانوا يحبذون الأفكار الجديدة، ويقرأون مؤلفات الفلاسفة"(4). وهجر مئات الرهبان حياة الرهبنة ولم يحل محلها جدد، وتقلص عددهم في فرنسا بين 1766 و1789 من 26.000 إلى 17.000، وفي أحد الأديرة من ثمانين إلى تسعة عشر، وفي آخر من خمسين إلى أربعة(5). وقد أغلق مرسوم ملكي صادر عام 1766 جميع الأديرة التي تضم أقل من تسعة نزلاء، ورفع السن المسموح بها لنذر الرهبنة من ست عشرة سنة إلى إحدى وعشرين سنة للرجال، وإلى ثماني عشرة للنساء. وكانت أخلاق الرهبان منحلة. كتب رئيس أساقفة تور في 1778: "أن الأخوة الرماديين (الفرنسسكان) في حالة انحطاط في هذا الإقليم، ويشكو الأساقفة من خلاعتهم وما في حياتهم من فوضى"(6). أما أديرة الراهبات فكانت في حالة طيبة. وكان هناك 37.000 راهبة يضمهن 1.500 دير في فرنسا عام 1774(7)، وكانت أخلاقهن فاضلة، وقد نشطن لمهامهن في تعليم الفتيات، والخدمة في المستشفيات، وتقديم المأوى للأرامل، والعوانس، والنساء اللائي تحطمن في معركة الحياة.
وحسن حال الأكليروس من غير الرهبان مادياً في مقار الأسقفيات وساء في الأبرشيات. وقد كان هناك الكثير من الأساقفة المخلصين المجتهدين، وبعض الكسالى المتشبثين بمتع الحياة الدنيا. وقد وجد بيرك أثناء زيارته لفرنسا عام 1773 بعض الأساقفة ممن يعيبهم الجشع، ولكن السواد الأعظم منهم وقعوا من نفسه خير الموقع بعلمهم ونزاهتهم(8). وقد خلص مؤرخ ألم بكتب الفصائح إلى هذا الحكم "يمكن القول بصفة عامة أن الرذائل التي استشرت في جسم الأكليروس كله خلال القرن السادس عشر قد اختفت في القرن الثامن عشر. وكان قساوسة الريف عادة رجالاً ذوي أخلاق كريمة، متقشفين، فضلاء(9)رغم قانون التبتل"، وقد شكا كهنة الأبرشيات هؤلاء من الكبرياء الطبقية في الأساقفة، كانوا كلهم نبلاء، ومن إلزامهم بتحويل الجزء الأكبر من العشور إلى الأسقف، وما ترتب على ذلك من فقر ألجأ القساوسة إلى أن يفلحوا الأرض كما يخدمون الكنيسة. وقد تأثر لويس السادس عشر من احتجاجاتهم، وأمر برفع رواتبهم من خمسمائة جنيه في العام إلى سبعمائة. فلما أقبلت الثورة أيد كثيرون من صغار الكهنة الطبقة الثالثة. كذلك ظاهر بعض الأساقفة الإصلاح السياسي والاقتصادي، ولكن أكثرهم ظل صلباً لا يلين في عدائه لأي تغييرات في الكنيسة أو الدولة(10).




صفحة رقم : 14414




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الدين والثورة







وحين أشرفت خزانة فرنسا على الإفلاس ظهر ثراء الكنيسة مناقضاً لفقر الدولة تناقضاً مغرياً بالعدوان عليه، وبدأ أصحاب الصكوك الذين تشككوا في قدرة الحكومة على دفع فائدة قروضهم أو أصولها يرون في نزاع أكلاك الكنيسة السبيل الأوحد لإصلاح مالية البلاد. والتقى رفض العقيدة المسيحية المنتشر مع هذا الدافع الاقتصادية.
وزكا الإيمان الديني في القرى، وخبا في المدن؛ وفي المدن احتفظت نساء الطبقتين الوسطى والدنيا بتدينهن التقليدي. قالت مدام فيجيه-ليرون مسترجعة ذكرى ماضيها "كانت أمي تقية جداً. وكنت أنا أيضاً تقية في قرارة نفسي. وقد ألفنا دائماً أن نستمع إلى القداس المطول ونختلف إلى خدمات الكنيسة"(11). وكانت الكنائس تكتظ بالمصلين في الآحاد والأعياد الدينية(12). ولكن عدم الإيمان بين الرجال كان قد تسلط على نصف العقول القائدة. وفي أوساط النبلاء أصبحت الشكوكية المرحة زياً راج حتى بين النساء. كتب مرسييه في كتابه "صورة باريس" في 1783 يقول: "ولم يحضر أفراد المجتمع العصري القداس طوال السنوات العشر الماضية، فإذا حضروا فلكيلا يصدموا شعور أتباعهم الذين يعرفون أنهم يفعلون هذا إرضاء لهم"(13)، وحذا القطاع الأعلى من الطبقة الوسطى حذو الأرستقراطيين. أما في المدارس "فإن مدرسين كثيرين سرت إليهم عدوى الإلحاد بعد عام 1771"(14)، وأهمل كثير من الطلاب حضور القداس وقرأوا كتب الفلاسفة. وفي 1789 صرح الأب بونفاكس بأن "أخطر فضيحة، والفضيحة التي ستجر أوخم العواقب، هي الهجر التام تقريباً للتعليم الديني في المدارس العامة"(15). وقد قيل عن إحدى الكليات أن "ثلاثة من البلهاء فقط" هم الذين يؤمنون بالله(16).
أما بين الأكليروس فقد اختلف الإيمان عكسياً باختلاف الدخول. فالأساقفة "قبلوا المبادئ النفعية التي قال بها جماعة الفلاسفة، واحتفظوا بالمسيح واجهة ساترة فقط"(17). وكان مئات من رؤساء الأديرة مثل مابليه،




صفحة رقم : 14415




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الدين والثورة







وكوندياك، وموريلليه، ورينال، هم أنفسهم "فلاسفة"، أو معتنقين للشكوك السارية. ثم أساقفة كتاليران لم يتظاهروا بالإيمان المسيحي إلا قليلاً؛ ورؤساء أساقفة مثل لومنيه دبريين، شكا لويس السادس عشر من عدم أيمانهم بالله(18). وقد رفض لويس أن يكلف قسيساً بتعليم ولده مخافة أن يفقد الغلام إيمانه الديني(19).
وواصلت الكنيسة مطالبتها بالرقابة على المطبوعات. ففي عام 1770 أرسل الأساقفة إلى الملك مذكرة تناولت "العواقب الخطيرة لحرية التفكير والنشر"(20). وكانت الحكومة في عهد لويس الخامس عشر قد تساهلت في تطبيق القوانين التي منعت دخول البروتستانتي إلى فرنسا، فكان منهم الآن مئات في المملكة، يحيون في ظل قيود سياسية، وفي زيجات لا تعترف بها لدولة، وفي خوف كل يوم من أن تطبق عليهم في أي لحظة قوانين لويس الرابع عشر القديمة. وفي يوليو 1775 التمس مؤتمر من رجال الدين الكاثوليك من الملك أن يحظر اجتماعات البروتستانت، وزيجاتهم، وتعليمهم، وأن يحرم البروتستانت من جميع المناصب العامة؛ كذلك طلب خفض السن التي يسمح فيها بنذر الرهبنة إلى السادسة عشرة(21). وناشد طورجو لويس السادس عشر أن يغفل هذه المقترحات، وأن يخفف إن البروتستانت قيودهم، فشارك الكهنة في الحملة لإقصائه. وفي 1781 أحرقت الطبعة الثانية من كتاب رينال "التاريخ الفلسفي لجزر الهند الشرقية والغربية" بأمر من برلمان باريس، ونفي المؤلف من فرنسا. وهاجمت السوربون بوفون لأنه وصف تطوراً طبيعياً للحياة. وفي 1785 طالب الأكليروس بالحكم بالسجن المؤبد على الأشخاص الذين يدانون ثلاث مرات بالإلحاد(22).
غير أن الكنيسة التي أوهن بأسها قرن من الهجمات لم تعد قادرة على الهيمنة على الرأي العام، ولا على الاعتماد على "الذراع العلمانية" في تنفيذ أوامرها. فبعد أن ظل لويس السادس عشر شديد القلق بسبب يمين التتويج التي اقسمها لمحق الهرطقة، أذعن لضغط الأفكار اللبرالية وأصدر في 1787 مرسوماً للتسامح أعده ماليرب: "أن عدالتنا لا تسمح لنا بأن نحرم بعد اليوم




صفحة رقم : 14416




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الدين والثورة







من حقوق الدولة المتحضرة رعايانا الذين لا يعترفون بالكاثوليكية"(23). وقد أبقى المرسوم على حرمان غير الكاثوليك من المناصب العامة، ولكنه أعطاهم جميع الحقوق المهنية الأخرى، وسمح لهم بالمهن الحرة، وأضفى الشرعية على زيجاتهم الماضية والمستقبلية، وأباح لهم الاحتفال بخدماتهم الدينية في لمنازل الخاصة. ويجب أن نضيف أن أسقفاً كاثوليكياً هو لالوزرن أيد بقوة تحرير البروتستانت وإطلاق الحرية الكاملة للعبادة الدينية"(24).
ولم تكن هناك طبقة في مدن فرنسا أبغض إلى أقلية الذكور المتعلمة من الأكليروس الكاثوليك. يقول توكفيل أن الكنيسة كانت مكروهة "لا لأن القساوسة زعموا أنهم ينظمون شئون العالم الآخر، لا لأنهم كانوا ملاكاً للأرض، وأصحاب ضياع وعشور وحكاماً في هذا العالم"(25)وكتب فلاح إلى نكير في 1788 يقول: "إن الفقراء يقاسون البرد والجوع بينما يرتع كهنة الكاتدرائيات في رغد من العيش ولا يفكرون إلا في تسمين أنفسهم كأنهم خنازير ستذبح للفصح"(26). وغاظ الطبقات الوسطى إعفاء ثروة الكنيسة من الضرائب.
ولقد كانت معظم الثورات السابقة ثورات أما على الدولة وإما على الكنيسة، وندر أن نشبت ضدهما معاً في وقت واحد. فالقبائل الهمجية أطاحت بروما، ولكنها قبلت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. والسوفسطائيون في اليونان القديمة ودعاة الإصلاح البروتستانتي في أوربا القرن السادس عشر، رفضوا الدين السائد، ولكنهم قبلوا الحكومة القائمة. أما الثورة الفرنسية فإنها هاجمت الملكية والكنيسة جميعاً، واضطلعت بمهمة ومخاطرة مزدوجة، هي مهمة الإطاحة بالركيزتين الدينية والدنيوية للنظام الاجتماعي القائم. فهل من عجب أن يركب فرنسا الجنون عقداً من الزمان؟




صفحة رقم : 14417




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الحياة على شفا الثورة








2- الحياة على شفا الثورة


أدرك الفلاسفة أنهم قد رفضوا الأسس اللاهوتية للأخلاق ملتزمون أدبياً بالعثور على أساس آخر، على نسق آخر يحمل الناس على السلوك الكريم بوصفهم مواطنين، وأزواجاً، وآباء، وأبناء(27). ولكنهم لم




صفحة رقم : 14418




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الحياة على شفا الثورة







يكونوا إطلاقاً واثقين من إمكان السيطرة على هذا الحيوان البشري دون ناموس أخلاقي مكرس تكريساً فوق طبيعي. وانتهى فولتير وروسو إلى الاعتراف بالضرورة للأخلاق لإيمان ديني شعبي. وكتب مابليه إلى جون آدمز في 1783 في "ملاحظات على حكومة... الولايات المتحدة الأمريكية" عام 1783 منبهاً إلى أن عدم المبالاة بأمور الدين، مهما كان غير ضار بالأفراد المتتورين العقلانيين، إلا أنه وبيل على أخلاق الجماهير. ورأى أن على الحكومة أن تضبط وتوجه فكر هؤلاء "الأطفال" كما يفعل الآباء مع أبنائهم الصغار(28). أما ديدرو ففي النصف الثاني من حياته فكر ملياً في وضع أخلاقيات طبيعية، ثم اعترف بفشله: "بل أنني لم أجرؤ على أن أخط أول سطر.. ولست أخالني كفئاً لهذا العمل الجليل"(29).
ولنسأل الآن أي ضرب من الأخلاق ساد فرنسا بعد أربعين عاماً حفلت بالهجمات على المعتقدات فوق الطبيعية؟ وفي جوابنا على هذا السؤال يجب ألا نصور النصف الأول من القرن الثامن عشر في صورة مثالية. ولقد قال فونتنيل قبيل موته في 1757 إنه يتمنى لو مد في أجله ستون سنة أخرى "لأرى النهاية التي تنتهي إليه الخيانة الزوجية المستشرية والخلاعة وتحلل جميع الروابط"(30). فإذا كانت تلك العبارة (التي لعلها لم تنصف الطبقتين الوسطى والدنيا) تعطي صورة صادقة لأخلاق الطبقة العليا في فرنسا قبل "الموسوعة" (1751)، فلن نكون محقين إذا عزونا إلى جماعة الفلاسفة العيوب التي شابت الأخلاق في النصف الثاني من القرن. ذلك أن عوامل أخرى غير اضمحلال الإيمان الديني كانت توهن قوة الناموس الأخلاقي القديم. فتكاثر الثروة مكن الناموس من الإنفاق على آثام كانت من قبل غالية التكاليف. وقد صور لنا رستيف دلابربتون بورجوازياً فاضلاً يتحسر على تدهور الخلق الفرنسي بانتقال السكان من القرى والمزارع إلى المدن(31)؛ وكان الشبان يهربون من النظام المفروض عليهم في الأسرة، والمزرعة، والناحية، إلى حياة المدن بما فيها من اتصالات وفرص مؤذية، واختفاء للشخصية بين حشود المدينة. وفي كتابه "ليالي باريس" وصف رستيف باريس الثمانينات كأنها درجور هائل عنيف يعج بالأحداث المنحرفين، وصغار اللصوص،




صفحة رقم : 14419




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الحياة على شفا الثورة







ومحترفي الإجرام، والبغايا إناثاً وذكوراً. وذهب تين إلى أن فرنسا في 1756-88 ابتليت "بالمتشردين" والمتسولين، وبكل ضروب النفوس العنيدة... الكريهة، القذرة، الشرسة، المتوحشة، التي ولدها النظام؛ وقد تجمعت كالحشرات على كل قرحة اجتماعية"(32). وكانت حثالة الكائن الاجتماعي هذه نتائج الطبيعة البشرية وحكم البوربون، ولا يمكن أن تعزى إلى الفلسفة أو انطفاء شعلة الإيمان.
وربما كان بعض القمار الذي ازدهر في باريس (كما في لندن) مرتبطاً بعد الإيمان، ولكن الجميع شاركوا فيه، أتقياء وعصاة على حد سواء. وفي 1776 ألغيت جميع ألوان اليانصيب الخاص لتدمج في "اليانصيب الملكي". ومع ذلك يجوز أن نعزو إلى حد معقول شطراً من الفوضى الجنسية في الطبقات العليا إلى الإلحاد. ففي كتاب شودرلو دلاكلو "العلاقات الغرامية الخطرة" (1782) نجد أشرافاً وهميين يتبادلون الملاحظات في فن الإغواء، ويضعون الخطط لفض بكارة فتاة في الخامسة عشرة بمجرد تركها الدير، ويعتنقون فلسفة العدمية الأخلاقية. وحجة البطل، الفيكونت فالمون، أن جميع الناس أشرار في رغباتهم على السواء، ولكن أكثرهم يخفقون في تحقيقها لأنهم يسمحون للتقاليد الأخلاقية أن تخوفهم. ويقول فالمون أن الرجل العاقل يسعى إلى اشباع أي أحاسيس تعده بأعظم لذة، ويحتقره كل النواهي الأخلاقية(33). ويحضرنا في هذا المقام أن بعض السوفسطائيين اليونان توصلوا إلى مثل هذه النتائج بعد أن نبذوا آلهتهم(34).
وفلسفة انعدام الحس الأخلاقي هذه، كما يعرف العالم كله الآن غلا فيها غلواً مقززاً الكونت دساد-الذي يسمى خطأ عادة بالمركيز دساد. وقد لود في باريس عام 1740، وخدم في الجيش اثنتي عشرة سنة، وقبض عليه وحكم عليه بالإعدام بتهم اللواط (1772)، ثم فر، وقبض عليه، وفر ثانية، وقبض عليه من جديد، ثم حكم عليه بالسجن في الباستيل. وهناك ألف عدة قصص وتمثيليات، فيها من الفحش والبذاءة ما أتسع خياله: وأهمها "جوستين" (1791)، و"قصة جولييت، أو أزدهار




صفحة رقم : 14420




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الحياة على شفا الثورة







الرذيلة" (1792). وهو يزعم أنه ما دام أفله غير موجود، فإن العاقل من سعى إلى إشباع كل رغبة ما استطاع دون أن يجر عليه عقوبة أرضية. وكل الرغبات خيرة على السواء، وكل الفوارق الأخلاقية أوهام؛ والعلاقات الجنسية الشاذة مشروعة؛ وهي ليست في حقيقتها شاذة؛ والجريمة ممتعة لو تجنبت افتضاح أمرك؛ وقل أن تجد شيئاً ألذ من ضربك فتاة جميلة. ولم يصدم القراء بانعدام الحس الأخلاقي عند دساد كما صدموا بإلماعه إلى أن القضاء المبرم على النوع الإنساني لن يصيب الكون بأي أذى يذكر حتى أنه "لن يقف مسيره أكثر مما لو باد نوع الأرانب البرية أو البيئية كله"(35). وفي 1789 نقل دساد إلى مستشفى للأمراض العقلية في شارنتون، ثم أفرج عنه في 1790، وحكم عليه بالعودة في 1803 لاستعصاء شفائه، ومات في 1814.
وقد يدفع الفلاسفة بأن هذا الانعدام للحس الأخلاقي هو استنتاج خلقي لنقدهم اللاهوت المسيحي، وأن العقل السليم يقر الالتزامات لأدبية سواء دان أو لم يدن بالإيمان الديني، وقد أقرها كثيرون. وكان بين سكان فرنسا-بل سكان باريس-الأسوياء في تلك السنين عناصر كثيرة للتجدد الأخلاقي: ازدياد رقة العاطفة والحنان، وانتصارات الحب الرومانسي على زيجات المصلحة، والأم الشابة ترضع طفلها بفخر، والزوج يتودد إلى زوجته، والأسرة ترد إلى سابق وحدتها باعتبارها أسلم منبع للنظام الاجتماعي. وكثيراً ما كانت هذه التطورات ممتزجة ببقايا من العقيدة المسيحية، أو بفلسفة روسو نصف المسيحية، ولكن ديدرو الملحد أيدها تأييداً حماسياً.
وقد أعقب موت لويس الخامس عشر انتقاض على إباحيته الجنسية. وضرب لويس السادس عشر المثل الطيب ببساطة لباسه وحياته، وبوفائه لزوجته، وبإدانته للقمار. وشاركت الملكة ذاتها في زي البساطة، وقادت حركة إحياء الحساسية ورقة العواطف. وجرت الأكاديمية الفرنسية على منح جائزة كل سنة للفضيلة البارزة(36). وكان أكثر الأدب مذهباً، ونحيت قصص كريبيون الابن جانباً، وقررت قصة برناردان دسن-بيير "بول وفرجيني" طابع الطهارة الخلقية في الحب. وعكس الفن الأخلاق الجديدة، ومجد جروز ومدام فيجيه-لبرون الأطفال والأمومة.




صفحة رقم : 14421




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الحياة على شفا الثورة







وغذت المسيحية والفلسفة معاً نزعة إنسانية بثت المئات من أعمال البر والخير. وفي شتاء 1784 القارس خصص لويس السادس عشر ثلاثة ملايين من الجنيهات لإغاثة الفقراء؛ وشاركت ماري أنطوانيت بمائتي ألف من جيبها الخاص، وحذا الكثيرون حذوها. وساعد الملك والملكة على تمويل مدرسة الصم والبكم التي أسسها الأبيه دليبيه في 1788 لتعليم أبجديته الجديدة التي ابتكرها للصم والبكم، ومدرسة الأطفال المكفوفين التي افتتحها فالنتان هاوي في 1784. وأسست مدام نكير (1778) ملجأ ومستشفى للفقراء، ظلت تشرف عليهما بشخصها عشرة أعوام. ووزعت الكنائس، وأديرة الرهبان والراهبات، الطعام والدواء. وفي هذا العهد تشكلت حملة لإلغاء الرق.
كذلك كانت آداب السلوك كالأخلاق انعكاساً لعصر روسو. فهي لم تبلغ قط في عهد ملوك البوربون هذا المبلغ من الديموقراطية. صحيح أن الفوارق الطبقية ظلت قائمة، ولكن خفف منها لطف أعظم ومجاملة أوسع. وكان الموهوبون من الرجال، الذين لا يحملون ألقاب شرف، يلقون الترحيب في أعرق البيوت محتداً. ومرة قفزت الملكة من مركبتها لتعين حوذياً جريحاً، ورفع الملك وأخوه الكونت دارتوا بكتفيهما العجلة ليساعدا عاملاً على تخليص عربته من الوحل. وأصبح اللباس أبسط: فاختفت البواريك، وتخلى السادة، إلا في البلاط، من مطرزاتهم، ومخرماتهم، وسيوفهم، بحيث كان من العسير في عام 1789 أن ينبئ المرء عن طبقة رجل من زيه. وحين استهوى فرانكلين فرنسا استسلم له حتى الخياطون؛ وظهر الناس في الشوارع "يلبسون على الطريقة الفرانكلينية قماشاً خشناً، وحذاء سميكاً"(37).
أما سيدات الطبقة البورجوازية فتزين في لباسهن تزين سيدات البلاط. وبعد 1780 نبذت النساء الطوق الحديدي الثقيل، ولكنهن حصن قوامهن بتنانير قاسية يلبسنها متراكبة كالأحجية الصينية المعقدة. وقصرت الصدارات من أمام، ولكن الصدر كان عادة يغطى بمنديل مثلث يسمونه (رباط)،




صفحة رقم : 14422




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الحياة على شفا الثورة







وفي الإمكان تكثيف هذه المناديل لستر النهود الصغيرة، ومن ثم سماها الفرنسيون المناديل "الغشاشة" أو "الكاذبة"(38). وظلت تسريحات الشعر عالية، ولكن حين فقدت ماري أنطوانيت معظم شعرها أثناء حمل لها أحلت العقاص محل تسريحة "البرج"، وانتشرت هذه الموضة الجديدة من البلاط إلى باريس. وكان هناك مائتا طراز لقبعات النساء؛ وكان بعضها هياكل ضعيفة من السلك، والريش، والأشرطة، والأزهار، والخضر الاصطناعية، ولكن النساء اتبعن في أوقاتهن الأكثر دعة واسترخاء الطراز الذي ابتدعته الملكة في البتي اريانون، والذي يغطي الرأس بوشاح بسيط. وفي أعظم الثورات قاطبة لبس بعض النساء الأحذية الواطئة أو الإخفاف المريحة(39).
ورافق هذا التغيير إلى لباس أروح وأيسر أسلوب في العيش أصح. وأقبلت قلة متزايدة على "العيشة الطبيعية": فلا مشدات، ولا خدم، ومزيد من الحياة في الهواء الطلق، وهروب من المدن إلى الريف كلما أمكن. كتب آرثر ينج يقول "كل من يملك بيتاً في الريف يهرع إليه، ومن لا يملك يزور من يملك. والثورة التي قلبت آداب السلوك الفرنسية هي ولا ريب من أفضل الملامح التي أخذوها عن إنجلترا. وقد زاد ادخالها يسراً سحر مؤلفات روسو"(40). غير أن الكثير من هذا "الرجوع إلى الطبيعة" كان كلاماً أو عاطفة أكثر منه عملاً أو واقعاً، وظلت الحياة في باريس تجري في سباق مجنون مع الحفلات الموسيقية، والأوبرات، والتمثيليات، وسباقات الخيل، ورياضات الماء، وألعاب الورق، والرقص، والحفلات الراقصة، والدردشة، والصالونات.




صفحة رقم : 14423




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الصالونات








3- الصالونات




Salonniéres


جملت النساء الفرنسيات اضمحلال الإقطاعية لا بمفاتن أشخاصهن وأزيائهن فحسب، بل بقدرتهن التي لا تبارى على جعل المجتمع الفرنسي جزءاً حيوياً من الحياة الفكرية للأمة، لا مجرد اجتماعات للثرثرة والقيل والقال. كتب جبون بعد أن وصل في 1777 ما انقطع بينه وبين صالونات باريس يقول:




صفحة رقم : 14424




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الصالونات







"لو أتيح ليوليانوس الآن أن يلم من جديد بعاصمة فرنسا (حيث ولد عام 331م). لاستطاع أن يتبادل الحديث مع علماء وعباقرة قادرين على فهم تلميذ من تلاميذ اليونان وعلى تعليمه، ولعله مغتفر تلك الحماقات اللطيفة التي تند عن أمة يوهن روحها الحربية قط حبها للترف، وهو لا بد مصفق لكمال ذلك الفن الرفيع الذي يرقق ويهذب ويجمل علاقات الحياة الاجتماعية"(41).
ثم أضاف في إحدى رسائله "لقد بدا لي دائماً أن النساء في لوزان، كما في باريس، أرقى كثيراً من الرجال"(42).
وكانت قدامى الصالونيات يخيلن المسرح على كره. فمدام جوفران ماتت عام 1777 كما سبق القول. أما مدام دودفان فقد أوشكت أن تتم عبور القرن من أوله لآخره، فقد دخلت التاريخ بوصفها إحدى خليلات الوصي على العرش(43). وافتتحت صالوناً اتصل نشاطه من 1739 إلى 1780، وكانت قد خسرت معظم سباع الأدب، إذ ظفرت بهم جولي دلسبيناس والصالونات الجديدة، وقد وجد هوراس ولبول-الذي قدم إليها لأول مرة في 1765-تشكيلتها من الشيوخ الأرستقراطيين مملة لا تثير اهتمامه. "إنني أتناول عشائي هناك مرتين كل أسبوع، وأحتمل عشراءها المملين كلهم لأجل خاطر الوصي على العرش"(44)، وهو يعني ذكرياتها المرحة لفترة الوصاية الرائعة تلك التي قررت طابع المجتمع الفرنسي والأخلاق الفرنسية طوال الستين عاماً التالية. أما هي ذاتها (في عبارة هوراس) "فلذيذة (في الثامنة والستين)، تواقة لمعرفة ما يجري كل يوم توقي لما جرى في القرن الماضي".
وقد أعجب بفكرها إعجاباً مفرطاً-لأنه لم يلتق قط بمثل هذا الذكاء اللامع في نساء إنجلترا مازلن مقهورات مكبوتات-حتى لقد ألف أن يلم بها كل يوم، وقدم لها من التحية والإطراء ما بدا معيداً شبابها الذهبي. وأفردت هي له مقعداً خاصاً يحجز له دائماً، ووفرت له التدليل بكل لون من ألوان اهتمام المرأة ورعايتها. وإذ كان في طبيعتها بعض الذكورة، فإن




صفحة رقم : 14425




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الصالونات







رقته الأنوثية تقريباً لم تسوءها. واستطاعت وهي عاجزة عن رؤيته أن تشكل صورتها عنه كما يشتهيها قلبها ثم أحبت تلك الصورة. أما هو فلم يستطع قط وهو المبصر أن ينسى شيخوختها وعجزها البدني. وحين عاد إلى إنجلترا راحت تدبج له رسائل فيها من حرارة الحب ما يقرب مما في رسائل جولي دلسبيناس إلى جيبير، مكتوبة بأروع ما أبداه ذلك العصر من نثر. وقد حاولت ردوده على رسائلهاأن تكبح فرحتها، وكان يقشعر فرقاً إذا خطر له ما قد يفعله كتاب إنجلترا الهجاءون (مثل سلوين) بمثل هذه الأكلة المثيرة لشهية الهجاء. واحتملت لومه، وأكدت حبها من جديد، ووافقت على أن تسميه صداقة، ولكنها أكدت له ان الصداقة في فرنسا كثيراً ما تكون أعمق وأقوى من الحب. "أنني ملكك أكثر مني ملك نفسي... وددت لو استطعت أن أبعث إليك بروحي بدلاً من رسالة. وأني لأبذل السنين من عمري عن طيب خاطر لأضمن وجودي على قيد الحياة حين تعود إلى باريس "وقد شبهته بمونتيني "وهذا أسمى مديح في وسعي أن أخصك به، لأني لا أجد فكراً يعدل فكره إنصافاً ونصوعاً"(45).
ثم عاد إلى باريس في أغسطس 1767. وانتظرته في انفعال العذارى "أخيراً، أخيراً، لم يعد يفرقنا بحر. لا أستطيع أن أحمل نفسي على أن أصدق أن رجلاً له شأنك في الحياة، ويداه على عجلة حكومة عظمى، وإذن على عجلة أوربا، وفي وسعه.. أن يترك كل شيء ليحضر ويرى عرافة عجوزاً في ركن دير. أنه حقاً لأمر بالغ السخف، ولكنني مسحورة... فتعال يا معلمي! ليس هذا حلماً-فأنا أعلم ـإنني صاحية-سأراك اليوم!" وأرسلت مركبتها ليستقلها، فوافاها على الفور. وظل ستة أسابيع يطربها بحضوره ويحزنها بتحذيراته. فلما عاد إلى إنجلترا لم تستطع أن تفكر إلا في رجوعه إلى باريس، "ستجعل غروبي أجمل وأسعد كثيراً من ظهيرتي أو فجري. أن تلميذتك، المطيعة طاعة طفل، لا أمنية لها إلا أن تراك"(46).
وفي 30 مارس 1773 طلب إليها أن تكف عن الكتابة(47). ثم لانت قناته واستؤنفت الرسائل بينهما. وفي فبراير 1775 طلب إليها أن ترد إليه جميع رسائله، فامتثلت، مع إلماعة رقيقة إلى رغبتها في أن يرد إليها رسائلها




صفحة رقم : 14426




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الصالونات







"سيكون لديك ما يكفي لإنارة أحاسيسك الحارة مدى طويلاً أن أضفت إلى رسائلك كل الرسائل التي تلقيتها مني وسيكون هذا إنصافاً ولا ريب، ولكني أترك هذا الأمر لحكمتك"(48). ولم يبق من رسائله الثمانمائة إليها غير تسع عشرة، أما رسائلها فقد احتفظ بها كلها، ونشرت بعد موت ولبول. وحين سمع أن معاشها توقف عرض أن يعوضه من إيراده الخاص، ولكنها لم تر ضرورة لهذا.
وقد زاد انهيار غرامها من قتامة ذلك التشاؤم الطبيعي لامرأة فقدت ألوان الحياة ولكنها عرفت أموالها الضحلة والعميقة. فقد استطاعت حتى في عامها، أن أتنفذ ببصيرتها خلال الظاهر الأنيق لتصل إلى أنانية البشر التي لا يدركها التعب. وقد سألت ولبول "يا معلمي المسكين، ألم تلق غير الوحوش، والتماسيح، والضباع؟ أما أنا فلا أرى غير الحمقى، والبله، والكذابين، والقوم الحاسدين، والغادرين أحياناً.. أن كل من أراه هنا يذبل روحي. فلست أجد في أحد فضيلة، ولا إخلاصاً، ولا بساطة"(49). ولم يبق لها غير إثارة من إيمان ديني يعزيها. ومع ذلك فقد واصلت حفلات عشائها، مرتين في الأسبوع عادة، وكثيراً ما كانت تتغذى خارج مسكنها، ولو هروباً من سأم أيام مظلمة كالليالي.
وأخيراً كفت عن التشبث بالحياة بعد أن تعلمت أن تكرهها، وراضت نفسها على تقبل الموت. وكانت الأمراض التي تبتلي بها الشيخوخة قد تفاقمت واصطلحت عليها، فشعرت وهي في الثالثة والثمانين بأنها أضعف من أن تقاومها. واستدعت كاهناً وأسلمت نفسها للأمل دون كبير إيمان. وفي أغسطس 1780 بعثت بآخر رسالة إلى ولبول تقول:
"إنني اليوم أسوأ حالاً... ولست أخال لهذه الحال معنى إلا النهاية. وليس في من القوة ما يكفي للإحساس بالخوف، وبما أنه قدر على ألا أراك مرة أخرى فليس لدي ما أسف عليه... فسل نفسك يا صديقي ما استطعت. ولا تبتئس لحالتي... وسوف تأسف علي، لأن المرء يطيب له أن يعرف أنه محبوب"(50).




صفحة رقم : 14427




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الصالونات







وماتت في 23 سبتمبر تاركة لولبول أوراقها وكلبها.
وواصلت الكثيرات غيرها من الصالونيات هذا التقليد الجليل: السيدات دودتو، ودبينيه، ودني، ودجنليس، ولكسمبور، وكوندورسيه وبوفليه، وشوازيل، وجرامون، وبوهارنيه (زوجة عم لجوزفين)، يضاف إليهن جمعاً آخر صالونات ما قبل الثورة، وهو صالون مداد نكير العظيم. وقد بدأت حوالي 1770 حفلات استقبالها في الجمعة من كل أسبوع، ثم أضافت الثلاثاء بعد ذلك وفيه كانت الموسيقى هي الغالبة على الندوة؛ وهناك قسمت المدعوين للعشاء حرب جلوك-بلتثيني حزين، ثم وحدت بينهم الآنسة كليرون بتلاوتها فقرات من أحب أدوارها التمثيلية إليها. وفي الجمع كان رواد الصالون يلتقون بديدرو، ومارمونتيل، وموريليه، ودالامبير (بعد موت جولي)، وسان-لامبير، وجريم (بعد موت مدام دبينيه)، وجبون، وزينال، وبوفون، وجويبير، وجالياني، وببجال، وأنطوان توما صديق سوزان الأديب الأثير لديها. وفي أحد هذه الاجتماعات (أبريل 1770) طرقت فكرة إقامة تمثال لفولتير. هناك كان ديدرويكتت هرطقاته، وهناك كاد يصبح رجلاً مهذباً مصقولاً. وكتب إلى مدام نكير يقول "مما يؤسفني أن الحظ لم يواتني بمعرفتك في وقت أسبق، وإلا لكنت بلا ريب بعثت في إحساساً بالنقاء والرقة يسري من نفسي إلى كتبي"(51). ولم يبد غيره رأيهم فيها بمثل هذا الثناء. فمارمونتيل مثلاً، وهو الذي ظل صديقاً لها خمسة وعشرين عاماً، وصف سوزان في مذكراته بهذه العبارات: "لم تؤت شيئاً من مفاتن الشابات الفرنسيات لجهلها بآداب باريس وعادتها.. فلا ذوق في لباسها، ولا يسر في حركاتها، ولا سحر في أدبها، وكان ذهنها، كما كان تعبير وجهها، ثابتين ثباتاً مفرطاً بحيث أفتقد الخفة والرشاقة. وكان أكثر صفاتها جاذبية هي المجاملة، والإخلاص، ورقة الفؤاد"(52). ولم تحبها نساء الطبقة الأرستقراطية. مثال ذلك أن البارونة دوبركيرش التي زارت آل نكير مع الغراندوق بول في 1782 لم تر فيها "ببساطة أكثر من مربية"(53)، أما المركيزة دكريكي فقد مزقتها إرباً في صفحات مشحونة بالغل الظريف(54)، ولا بد أن مدام نكير أوتيت الكثير من الخصال




صفحة رقم : 14428




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الصالونات







الطيبة حتى ظفرت بحب جبون الدائم، ولكنها لم تتغلب تماماً على تراثها الكلفني إطلاقاً، فظلت متزمتة صارمة التدين رغم ثرائها، ولم تكتسب قط ذلك المرح الراقي الذي توقعه الرجال الفرنسيون من النساء.
وفي 1766 أنجبت الفتاة التي أصبحت فيما بعد مدام دستال. وقد غدت هذه الفتاة جرمين تكير-التي شبت وترعرعت بين الفلاسفة والحكام-عالمة وهي في العاشرة. وجعلها نبوغها المبكر مفخرة لأبويها إلى أن أرهق مزاجها العنيد العصبي أعصاب أمها. وقد أخضعت سوزان ابنتها لنظام صارم لأن الأم كانت تزداد غلواً في المحافظة كل يوم، فتمردت الفتاة، وأصبح الشقاق في هذا البيت الأنيق منافساً للفوضى الضاربة في مالية الدولة. وأضافت إلى تعاسة الأم تلك المصاعب التي لقيها نكير في محاولته تفادي إفلاس الحكومة رغم الحرب الأمريكية، وكرهها لكل نقد توجهه إليه الصحافة، حتى بدأت سوزان تحن إلى الحياة الهادئة التي كانت تحياها في سويسرا.
وفي 1786 تزوجت جرمين، واضطلعت ببعض واجبات المضيفة في صالون أمها. غير أن الصالون الفرنسي كان آخذاً في الاضمحلال فالنقاش الأدبي كان يخلي مكانه للسياسة المتحمسة المتحزبة. كتبت سوزان إلى صديقة في 1786 تقول "ليس عندي أنباء أدبية أسوقها إليك، فحديث الأدب لم يعد الآن موضة العصر، والأزمة بالغة الشدة، والناس لا يهتمون بلعب الشطرنج وهم على شفا جرف هار"(56). وفي 1790 انتقلت الأسرة إلى كوبيه، وهو قصر ريفي اشتراه نكير على سواحل بحيرة جنيف الشمالية. وهناك ملكت مدام دستال، وعانت مدام نكير سنوات من مرض عصبي أليم على حياتها في 1794.




صفحة رقم : 14429




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الموسيقى








4- الموسيقى


كتب موتسارت من باريس في أول مايو 1778: "من حيث الموسيقى أراني محاطاً بوحوش ضارية لا أكثر... سل أي شخص شئت-شريطة ألا يكون فرنسي المولد-فإذا كان له أي علم بالموضوع أجاب بهذا الجواب بالضبط.. سأكون شاكراً الإله القدير إذا هربت دون أن يفسد ذوقي"(56).




صفحة رقم : 14430




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الموسيقى







وهذا الحكم صارم ولكن جريم وجولدوني وافقا عليه(57). إلا أن هؤلاء النقاد الثالثة كانوا كلهم أجانب. وقد عكس الذوق الموسيقي للباريسيين من علية القوم آدابهم، فمال إلى القصد في التعبير والرتابة في الشكل، وظل يردد أصداء عصر لويس الرابع عشر. ومع ذلك ففي هذه السنوات الأولى للحكم الجديد بالضبط فقد نصف الباريس قصدهم، وربما آدابهم، في وطيس المعركة الدائرة حول بكيني وجلوك. تأمل رسالة جولي ليسبيناس المؤرخة 22 سبتمبر 1774، "أنني أشاهد باستمرار "أورفي وأوريديتشي" وأنا تواقة إلى الاستماع مراراً وتكراراً في اليوم لذلك اللحن الذي يمزق نياط قلبي "لقد فقدت حبيبتي أوريديتشي"(58). أن باريس لم تكن صماء لا تستطيب الموسيقى، وإن زاد ما استوردته منها على ما أنتجته.
وفي 1751 قدم فرانسوا-جوزف جوسيك، البالغ سبعة عشر ربيعاً، من موطنه هاينو إلى باريس يحمل خطاب تقديم إلى رامو. وحصل له الفنان العجوز على وظيفة قائد للأوركسترا الخاص الذي يديره الكسندر-جوزف دلابويلنيير. وألف جوسيك لهذه "الفرقة" (1754 وما بعدها) سمفونيات سبقت سمفونية هيدن الأولى بخمس سنوات، وفي 1754 نشر رباعيات سبقت رباعية هيدن بسنة. وفي 1760 قدم في كنيسة سان روش "قداس الموتى" الذي استحدث فكرة العزف على آلات نفخ "التوبا" خارج الكنيسة. ولم يكن لإقدام جوسيك وتعدد مواهبه نهاية. ففي 1784 أسس "مدرسة الغناء الملكية"، التي أصبحت نواة كونسرفتوار باريس الموسيقي الذائع الصيت. وقد حقق نجاحاً متواضعاً في الأوبرا، الهازلة منها والجادة. ثم تكيف مع الثورة، وألف بعضاً من أشهر أغانيها، ومنها "ترنيمة للكائن الأعلى" لاحتفال روبسبيير (8 يونيو 1794). وعمر بعد انحسار جميع الموجات السياسية، ومات في 1829 بالغاً من العمر خمسة وثمانين عاماً.
أما أبرز شخصية في أوبرا ذلك العهد الفرنسية فهو أندريه جريتري. وكان أجنبياً ككثيرين غيره من أقطاب الموسيقى الفرنسية في القرن الثامن




صفحة رقم : 14431




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الموسيقى







عشر، فقد ولد في لبيج عام 1741 لعازف كمان. ويروى أنه في ألو مرة تناول القربان طلب إلى الله أن يدعه يموت لتوه ما لم يكتب له أن يكون رجلاً صالحاً وموسيقياً عظيماً. في ذلك اليوم سقطت عارضة خشبية على رأسه وجرحته جرحاً خطيراً، ثم تماثل للشفاء، واستنتج أن السماء تعده بمستقبل سام(59). وكان منذ عامه السادس عشر يعاني دورياً من نزيف داخلي، يتقيأ فيه ستة أقداح من الدم في اليوم، وكان عرضة للإصابة بالحمى وبالهذيان ينتابه بين الحين والحين، وكاد أحياناً يجن لعجزه عن وقف نغمة موسيقية من التردد في رأسه دون توقف. ولعلنا نغتفر حتى الموسيقى الرديئة لرجل لقي كل هذا العذاب واحتفظ رغم ذلك بابتهاجه طوال اثنتين وسبعين سنة.
وحين كان في السابعة عشرة ألف ست سموفنيات كانت من الجودة بحيث حصلت له من كاهن إحدى الكاتدرائيات على المال اللازم لسفره إلى روما. وقطع الطريق كله على قدميه فيما روته "المذكرات" الجذابة التي نشرها عام 1797(60)، وخلال الأعوام الثمانية التي أقام فيها بروما حمله نجاح برجوليزي على تأليف الأوبرات الهازلة. فلما جاء باريس (1767) لقي التشجيع من ديدرو، وجريم وروسو. ودرس فن الآنسة كليرون المسرحي، واكتسب مهارة غير عادية في مواءمة موسيقاه لنبرات الحديث الدرامي وتغيراته، وحقق في أوبراته رقة ونعومة غنائيين كأنهما انعكاس لروح روسو، وللعودة إلى البساطة ورقة العاطفة في الحياة الفرنسية. وظل محتفظاً بشعبيته طوال الثورة، التي أمرت بنشر مؤلفاته على نفقة الحكومة، وكانت الجموع الثورية تتغنى بألحان من أوبراته. وقد منحه نابليون معاشاً. وقد أحبه الجميع لأن حظه من وصمات العبقرية كان ضئيلاً؛ فهو رقيق القلب، ودود، أنيس، متواضع، يذكر منافسيه بالخير، ويؤدي ديونه. وقد أحب روسو مع أن روسو أساء إليه، واشترى الإرميتاج في شيخوخته، وهو الكوخ الذي أقام فيه روسو من قبل. في ذلك الكوخ، في 24 سبتمبر 1813، بينما كان نابليون يحارب أوربا كلها، مات جريتري.





صفحة رقم : 14432




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الفن في عصر لويس السادس عشر








5- الفن في عصر لويس السادس عشر


واصل "طراز لويس السادس عشر"، الذي بدأ تقريباً مع مولد لويس السادس عشر (1754)، انتقاضه على شذوذات الباروك المعقدة ورقائق الروكوك الأنثوية، وتحرك صوب الخطوط الرجولية والنسب السمترية لفن كلاسيكي محدث ألهمته حفائر هركولانيوم وحماسة فنكلمان للفن اليوناني-الروماني. وأشهر مثال على الطراز الجديد في العمارة هوا لبتي تريانو، ومن الطريف المسلي أن تتفق مدام دوباري وماري أنطوانيت، على ما بينهما من عزوف عن المخالطة، في الاستمتاع بهذا التقدير المتواضع للنظام والبساطة الكلاسيكيتين. ومثال جميل آخر هو "قصر اللجيون دونور" الحالي، والذي بناه باسم "الأوتيل سالم" (1782) بيير روسو على ضفة السين اليسرى. وهناك نتاج أضخم لهذا الطراز هو "قصر العدالة" الذي أعيد بناؤه في 1776؛ بمصبعاته الفاخرة من الحديد المشغول في واجهة "الكوردمية". أما "مسرح الأوديون القومي" (1779) فقد اتخذ نمطاً دورياً قاتماً؛ وألطف منه المسرح الذي شاده في أميان (1778) جاك روسو بطراز جمع بين الطراز الكلاسيكي وطراز النهضة. وقد بنى فكتور لوي في بوردو (1775) على النمط الكلاسيكي مسرحاً ضخماً وصفه آرثر ينج بأنه "إلى حد كبير أفخم مسرح في فرنسا، ولم أر مسرحاً يدانيه"(61).
أما الزخرف الداخلي فقط احتفظ بالأناقة الفرنسية. وكان زي النسيج المزدان بالرسوم في طريقه إلى الزوال إلا لتغطية الكراسي ذات الذراعين والأرائك؛ وكان ورق الجدران المرسوم يصل من الصين، ولكنه استعمل أساساً في المخادع، وقسمت جدران الصالونات عادة إلى حشوات من الخشب المشغول، والمنقوش أو المزين بأشكال أو زخارف نباتية عربية تضارع خير نظائرها في إيطاليا. وأبدع الأثاث المصنوع في فرنسا في عهد لويس السادس عشر صممه ونفذه ألمانيان هما جان-هنري رينزنر ودافيد رونتجن؛ وتحوي مجموعة ولسن نماذج رائعة صنعت لماري أنطوانيت والبتي تريانون.
وازدهر فن النحت، وامتد العمر ببيجال، وفالكونيه، وجان-




صفحة رقم : 14433




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الفن في عصر لويس السادس عشر







جاك كافييري من أيام لويس الخامس. أما أوجستن باجو، الذي كان قد بدأ العمل في ذلك العهد، فقد نال الآن ما يستجقه من تقدير. وقام بتكليف من لويس السادس عشر بنقش الزخارف للباليه-رويال. وللباليه-بوربون. وفي تمثاله "هجران بسيخي"(62)حاول التوفيق بين عنصرين في العهد الجديد-العاطفة الرقيقة والشكل الكلاسيكي. ثم نقل فنه-وزوج ابنته-لكلوديون، واسمه الحقيقي كلود ميشيل. وقد شق كلوديون طريقاً إلى الثراء بمجموعات من التيرا-كوتا (الطين التضيح) فيه شائبة من الشهوانية، وبلغ أوجه بتمثال لمونتسكيو(63). وكل نشوة الجسد تغني في تمثاله "الحورية والساطير" المحفوظ بمتحف المتروبولتان للفنون في نيويورك.
على أن أعظم نحاتي العصر هو جان-أنطوان أودون. وكان أبوه بواباً، ولكن في مدرسة للفن. وإذا كانت فرساي مسقط رأس جان، فقد تنفس النحت من التماثيل التي بثها لويس الرابع عشر في حدائق لنوتر. وبعد أن درس على بيجال فاز بجائزة روما وهو في العشرين، فانطلق إلى إيطاليا (1760). وقد اغتبط البا كلمنت الرابع عشر بتمثال "القديس برونو" الذي نحته في روما اغتباطاً شديداً فعلق عليه بقوله "إن القديس يود أن ينطق لولا أن قواعد رهبنته تفرض الصمت"(64). وفي باريس نحت أو صب سلسلة متعاقبة من تماثيل ديانا. وتمثال برونزي منها في مجموعة هنتنجتن يعد آية في القسمات الكلاسيكية والرشاقة الفرنسية. وأشهر منه تمثال "ديانا العارية" "البرونزي المحفوظ الآن باللوفر، وقد ضن عليه بمكان في "صالون" 1785، ربما (كما قال ناقد) "لأنها كانت أكثر جمالاً وعرياً من أن تعرض على الجماهير"(65)، وأرجح من هذا السبب أن التمثال انتهك الفكرة التقليدية عن ديانا التي تصفها بالعفة.
وقد وجد أودون ككثيرين غيره من فناني القرن الثامن عشر في تصوير معاصريه ربحاً يفوق تصوير الربات اللائي لا تنتهك حرماتهن. على أنه قرر أن يكون منصفاً للحقائق وأن يظهر الشخصية لا الوجه. وكان ينفق ساعات كثيرة في حجرات التشريح بمدارس الطب لدراسة التشريح، وكان يقيس




صفحة رقم : 14434




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الفن في عصر لويس السادس عشر







رأس من يصوره بعناية كلما استطاع، ثم ينحت تمثاله أو يصبه وفق هذه المقاييس، وحين أثير سؤال عن جثة نبشت في باريس وهل هي حقيقة جثة جون بول جونز كما قيل، قورن شكل الجمجمة ومقاييسها بشكل الصورة التي صبها أودون في 1781 ومقاييسها، وبلغ من توافق الشكلين أن عد التطابق مؤكداً(66). وقد نحت من رخام التمثال الذي صنعه لميرابو كل غارات الجدري، وأبرز كل الظلال والتجاعيد، بل توقد العينين وعمقها، والشفتين تنفرجان استعداداً للكلام.
وسرعان ما أسعد الجبابرة الثورة أن يجلسوا إليه ليصنع تماثيلهم، فنقلهم إلينا بأمانة أحالت الرخام والبرونز إلى لحم التاريخ وروحه. وهكذا نستطيع الآن أن نرى فولتير، وروسو، وديدرو، ودالامبير، وبوفون، وطورجو، ولويس السادس عشر، وكاترين الثانية، وكاليوسترو، ولافاييت، ونابليون، وناي. وحين قدم فولتير إلى باريس عام 1778 صنع له أودون عدة تماثيل تصوره: منها تمثال نصفي برونزي محفوظ الآن في اللوفر، ويبدو فيه الإرهاق والكلال، وتمثال نصفي شبيه به في متحف فكتوريا وألبرت، وآخر في مجموعة ولس، ثم رأس مبتسم مهذب مثالي الشكل طلبه فردريك الأكبر، وأشهر الكل ذلك التمثال الذي قدمته مدام دني إلى الكوميدي-فرانسيز: تمثال فولتير جالساً في روب فضفاض، أصابع نحيلة تمسك بذراعي المقعد، وشفاه رقيقة، وفم أهتم، وفي العينين الحزينتين ما زالت آثاره من مرح-أنه واحد من التماثيل العظيمة في تاريخ الفن. وفي ذلك العام، حين سمع أودون بوفاة روسو، هرع إلى أرمنون-فيل وصب قناعاً لغريم فولتير الميت، ومنه صنع التمثال النصفي المحفوظ الآن باللوفر، وهو أيضاً آية من آيات الفن.
وكان هناك أبطال أمريكيون أيضاً، وقد صنع أودون رءوساً تمثلهم نابضة بالحياة حتى أن قطع العملة المسكوكة في الولايات المتحدة ما زالت تحمل صورة لواشنطن، وفرانكلين، وجفرسن. وحين عاد فرانكلين إلى أمريكا عام 1785 ذهب أودون معه؛ وأسرع إلى مونت فرنون وأقنع




صفحة رقم : 14435




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الفن في عصر لويس السادس عشر







واشنطن، الرجل المشغول النافذ الصبر، بأن يجلس إليه في فترات متقطعة على مدى أسبوعين، وهكذا صنع التمثال الذي يزدان به مبنى برلمان الدولة في رتشموند بفرجينيا-رجل من الجرانيت، تجلله انتصارات غالية وأعباء باقية. هنا أيضاً نجد ذلك الاتحاد بين الجسد والروح الذي هو علامة فن أودون وخاتمه.
مثل هذا النحت كان من الجائز أن يجعل التصوير بالقياس إليه ترفاً صغيراً لولا أو حروز وفراجونار واصلا العمل هذا العهد وخلال الثورة، لولا أن المصور جاك-لوي دافيد صعد إلى مقام الدكتاتورية على جميع الفنون في فرنسا في انطلاقة نيزكيه كانطلاقة نابليون. وقد تعلم تقنيته من عمه البعيد فرانسوا بوشيه، وأصبح رساماً من الطراز الأول، وأستاذاً أتقن الخط والتأليف أكثر من إتقانه اللون. وقد أدرك بوشيه أن تغير الأخلاق من بومبادور ودوباري إلى ماري أنطوانيت كان يقلص الطلب على الصور التي تبرز النهود والأرداف، ف نصح دافيد بأن يذهب ويلتقط الأسلوب الكلاسيكي المحدث البسيط في مرسم جوزف فيان، الذي كان يرسم الجند الرومان والنساء الأبطال. وفي 1775 وافق دافيد فيان إلى روما. وهناك أحس بتأثير فنكلمان ومنجز، والمنحوتات القديمة في متحف الفاتيكان، والأطلال التي كشف عنها في هركولانبوم وبومبي. وقد قبل مبادئ الكلاسيكية المحدثة، واتخذ النحت اليوناني نموذجاً يحتذيه في تصويره.
فلما قفل إلى باريس عرض سلسلة من الموضوعات الكلاسيكية المرسومة بصرامة: أندروماك تبكي على جثمان هكتور (1783)، وقسم الهوارتيين (1785)، وموت سقراط (1787)، وبروتس عائداً من الحكم بالموت على أنبائه (1789)(67). (وتقول الأسطورة التي رواها ليفي أن لوشياس جونيوس بروتس، حين كان بريتوراً لجمهورية روما الفتية (509 ق.م)، حكم على أبنائه بالإعدام لتآمرهم على إعادة الملوك إلى عرش روما)، وكان دافيد قد رسم هذه الصرة الأخيرة في روما، فلما عرضها على الأكاديمية في باريس حظر عرضها، ولكن جمهور الفن احتج،




صفحة رقم : 14436




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الفن في عصر لويس السادس عشر







وأخيراً عرضت اللوحة، فزادت من حمى العصر الثورية. ورأت باريس في هذه الرسوم، وفي الأخلاقيات الصارمة التي عبرت عنها، ثورة مزدوجة-على الروكوك الأرستقراطية والطغيان الملكي. وأصبح دافيد البطل الراديكالي لأستوديوهات باريس.
وقد أنتخب أثناء الثورة عضواً في المؤتمر، وفي يناير 1793 صوت بالموافق على إعدام الملك. ثم قتل أحد المتشيعين للملكية عضواً آخر من نواب المؤتمر صوت بالموافقة مثل دافيد (20 يناير 1793)، فعرض جثمانه على الجماهير شهيداً جمهورياً، ورسم دافيد "آخر لحظات لبوليتييه". وعلق المؤتمر اللوحة في قاعته. وحين قتلت شارلوت كورداي مارا (13 يوليو 1793) صور جافيد الميت راقداً في حمامه نصف مغمور في الماء، وندر أن كان التصوير ممعناً في تصويره للواقع إلى هذا الحد، أو في تعمده إثارة المشاعر. وقد أرست اللوحتان سجل شهداء الثورة. وعمل دافيد بحماسة لدانتون وروبسبير، ومكافأة له عين مديراً لجميع ضروب الفن في باريس.
فلما أن تقلد نابليون زمام السلطة بلقب "القنصل" الروماني، رسم دافيد له بالذات الحماسة التي رسم بها لزعماء الإرهاب. فرأى في بونابرت ابن الثورة، الذي يقاتل ليمنع ملوك أوربا من رد ملك نظيرهم إلى عرش فرنسا. وحين نصب نابليون نفس إمبراطوراً (1804) لم يفتر إعجاب دافيد به، وعينه نابليون مصوراً للبلاط الإمبراطوري فرسم له المصور عدة صور مشهورة: نابليون يعبر الألب؛ نابليون يتوج جوزفين؛ وتوزيع النسور؛ وقد علقت هذه اللوحات الضخمة بعد ذلك على جدران حجرات قصر فرساي. وأظهر دافيد أثناء ذلك تعدد مواهبه بلوحتين رائعتين رسم فيهما مدام ريكامييه والبابا بيوس السادس(68). فلما رد آل بوربون نفي دافيد باعتباره من قتلة الملك، فاعتكف في بروكسل، حيث وافته زوجته لتشاركه منفاه (وكانت قد هجرته في 1791 لتحمسه للثورة). وعاد الآن إلى المواضيع الكلاسيكية، وإلى أسلوب التصوير النحتي الذي حبذه منجز.




صفحة رقم : 14437




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الفن في عصر لويس السادس عشر







وفي 1825 أختتم وهو في السابعة والسبعين حياة من أروع ما عرف تاريخ الفن.
ومن لوحاته لوحة تصور مدام فيجيه-لبرون، التي رفضت الثورة وآثرت الملوك والملكات. وقد نشرت وهو تدنو من عامها السابع والثمانين (1755-1842) مذكرات تروي وصفاً لطيفاً لشبابها، وتذكر قصة محزنة لزواجها، ويوميات برحلتها الفنية الطويلة، وصورة لامرأة فاضلة يصدمها عنف التاريخ. وقد مات أبوها وهي في الثالثة عشرة، وكان مصور أشخاص، ولم يترك لها مالاً، ولكن إليزابث كانت تلميذة شديدة الذكاء، فاستطاعت وهي بعد في السادسة عشرة أن تكسب دخلاً طيباً من صورها. وفي 1776 تزوجت مصوراً آخر اسمه بيير البرون، وكان ابن أخ بعيد لشارل لبرون الذي كان مدير الفنون للويس الرابع عشر. وبدد زوجها ثروتها وثروته (كما تقول) "بشغفه الجامح بالنساء السيئات الخلق، وبولعه بالقمار"(69). وقد ولدت له ابنة، ثم هجرته بعد ذلك بقليل.
وفي 1779 رسمت صورة لماري أنطوانيت، التي بلغ إعجابها بها أن جلست لها لترسمها في عشرين لوحة. وتوثقت الصداقة بين المرأتين فكانتا تشتركان في غناء الألحان الرقيقة التي كان جريتري يستدر بها العبرات من عيون باريس. وقد فتح كل الأبواب أمام المصورة الجذابة هذا العطف الملكي وما تميز بها عملها من أناقة مهذبة، وما لبثت كل سيدة ثرية أن اشتاقت للجلوس إليها لتصويرها. وكانت تتقاضى أتعاباً يسر لها ارتفاعها الاحتفاظ بشقة غالية وصالون يختلف إليه خيرة موسيقيي باريس.
وقد ذهبت ثلاث مرات لتصور مدام دوباري في لوفسيين رغم صداقتهما للملكة. وفي المرة الثالثة (14 يوليو 1789) سمعت قصف المدافع في باريس. فعادت إلى المدينة لتجد أن الباستيل سقط، وأن جماهير الغوغاء الظافرة تحمل الرءوس النبيلة على أسنة الرماح الملطخة بالدماء. وفي 5 أكتوبر بينما كان حشد آخر من الغوغاء يسير صوب فرساي ليأسر الملك والملكة، جمعت




صفحة رقم : 14438




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الفن في عصر لويس السادس عشر







ما استطاعت جمعه من متاعها وبدأت ثلاثة عشر عاماً من النفي الاختياري. وقد رسمت في روما لوحتها المعروفة التي تصورها وتصور ابنتها(70). وفي نابلي رسمت الليدي هاملتن في صورة باخوسية(71). ورسمت في فيينا، وبرلين، وسانت بطرسبرج، وحين أنهت الثورة شوطها قفلت إلى فرنسا (1802). وهناك عمرت أربعين سنة أخرى بعد أن انتصرت على غير الدهر كلها، وأحسنت صنعاً بموتها قبل أن تندلع الثورة من جديد.




صفحة رقم : 14439




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الأدب








6- الأدب


أنجب الأدب الفرنسي في الحقبة القصيرة الواقعة بين 1774، 1789 بعض الآثار المذكورة التي مازالت تجد القراء وتحرك العقول: منها "الحكم" لشامفور، وبول وفرجيني لبرناردان دسان-بيير، والعلاقات الغرامية الخطرة لشودرلو دلاكلو (التي تكلمنا عنها بما فيه الكفاية)، ومجلدات رستيف دلابريتون الكاشفة على مل فيها من فوضى.
تلك كانت جزراً انبعثت من بحر أدبي يموج بالمدارس والمكتبات، ومجموعات القراء، والمحاضرات، والصحف، والمجلات، والنشرات، والكتب، فيض من المداد فيه الزبد وفيه الخمير لم يعرف العالم له نظيراً من قبل. ولم يكن يلم بالقراءة من الشعب الفرنسي غير قلة قليلة(72)، ومع ذلك كان الملايين منهم متعطشين للمعرفة جياشين بالأفكار. واتسع الطلب على الموسوعات، وخلاصات العلم الوافية، وملخصات المعرفة، وكان جماعة الفلاسفة والمصلحون يعلقون الآمال العراض على نشر التعليم.
وكان أكثر التعليم لا يزال في أيدي رجال الدين رغم إقصاء اليسوعيين وإشراف الدولة على المدارس. أما الجامعات المتصلة في تقاليدها الدينية والسياسية فكانت قد تبلدت وساءت سمعتها، وكانت في نهاية القرن بادئة لتوها في الالتفاف إلى العلوم. غير أن المحاضرات العامة في العلم كانت تجد رواداً حريصين عليها، وكانت المدارس التقنية في ازدياد. وكان كل تلاميذ الكليات تقريباً من الطبقة الوسطى، أما شباب النبلاء فآثروا إحدى




صفحة رقم : 14440




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الأدب







الأكاديميات الحربية الأثنتي عشرة التي أنشأها سان-جرمان عام 1776 أو بعده (وفي واحدة منها-بمدينة بريين-كان نابليون بونابرت يتلقى دروسه). ويروون أن طلبة الكليات "كثيراً ما ألفوا التنظيمات لتأييد المظاهرات السياسية"(73)، ولما كان عدد خريجي الكليات في تلك الفترة يجاوز طاقة الاقتصاد الفرنسي على استخدامهم، فقد بات الخريجون العاطلون مصدراً للسخط والتذمر، وألف هؤلاء الرجال نشرات أججت نيران الثورة.
وكان للأغنياء مكتبات خاصة في مقار تحسد عليها، تضم كتباً تجلد تجليداً فاخراً وتقرأ أحياناً. أما أفراد الطبقتين الوسطى والدنيا فكانوا ينتفعون بالمكتبات المتنقلة، او يشترون كتبهم-وكلها تقريباً ورقية الغلاف-من الأكشاك أو الحوانيت. وفي 1774 قدر المبيع من الكتب في باريس بأربعة أمثال المبيع في لندن الآهلة بعدد أكثر كثيراً من السكان(74)، وذكر رستيف دلابريتون أن القراءة قد جعلت عمال باريس "عنيدين"(75).
أما الصحف فكانت تنمو عدداً وحجماً وتأثيراً. وكانت صحيفة "الجازيت دفرانس" القديمة، التي أنشئت في 1631، لا تزال الأداة الرسمية-وغير الموثوق بها-في نقل الأنباء السياسية. وكانت صحيفة "المركيز دفرانس" التي بدأت في 1672 باسم "المركيز جالان" توزع في 1790 ثلاثة عشر ألف نسخة، وهو توزيع كان يعد ممتازاً؛ وقد وصفها ميرابو بأنها أكفأ الصحف الفرنسية(76). وفي 1777 صدرت "الجورنال دباري"-وهي أول الصحف اليومية الفرنسية، أما صحيفة "المونيتور" الأوسع شهرة فلم تصدر إلا في 24 نوفمبر 1789. وكان هناك الكثير من الصحف الإقليمية، مثل "الكوربيه دبروفانس" التي كان يحررها ميرابو الابن.
وكانت النشرات أو الكراريس فيضاناً غامراً اكتسح في النهاية كل شيء أمامه. ففي الشهور الأخيرة من عام 1788 صدر منها نحو 2.500 في فرنسا(77).




صفحة رقم : 14441




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الأدب







وكان لبعضها تأثير تاريخي، مثل كراسة الأبيه سبيس "ما الطبقة الثالثة" أو كراسة كامي دمولان "فرنسا الحرة". حتى إذا جاء يوليو من عام 1789 وجدنا الصحافة أعظم قوة في فرنسا. وقد وصفها نكير في 1784 بأنها "قوة غير مرئية تملي أوامرها على المدن والمحاكم على السواء، وحتى في قصور الملوك، رغم أنها بلا مال، وبلا سلاح، وبلا جيش"(78). ولعبت الأغاني دوراً في الدعوة والتحريض، وقد وصف شامفور الحكومة بأنها ملكية مقيدة بالأغاني الشعبية(79).
وطوى تيار الثورة شامفور نفسه فانتقل من كونه "شخصاً مرضياً عنه" في البلاط إلى المشاركة في اقتحام الباستيل. وقد ولد لبدال ريفي (1741)، وقدم إلى باريس وكسب قوته بالحيلة والظرف. وكانت النساء يسكنه ويطعمنه لا لشيء إلا للاستمتاع بإثارة حديثه، وقد كتب عدة مسرحيات، أبهجت إحداها ماري أنطوانيت كثيراً فأقنعت الملك بأن يمنحه معاشاً قدره ألف ومائتا جنيه. وعين سكرتيراً لأخت للويس السادس عشر، وتلقى راتباً إضافياً قدره ألفا جنيه في العام. وبدا أن كل شيء يربطه بالقضية الملكية، ولكن في 1783 التقى بميرابو، فما لبث أن انقلب لاذعاً للحكومة. وهو الذي اقترح على سبيس العنوان اللافت الذي وضعه على كراسته الشهيرة.
وفي هذه الأثناء، وبوحي من لارشفكوكو، وفوفنارج، وفولتير، دون بإيجاز وعلى عجلة "حكماً" أفصحت عن نظرته الساخرة إلى العالم. وقد قالت مدام هلفتيوس التي ظلت تستضيفه في بيتها بسيفر طوال سنين أربع "كلما جرى حديث بيني وبين شامفور في الصباح، كان الحزن يغمرني بقية اليوم"(80). وقد رأى الحياة خدمة ينخدع بها الأمل "أن الأمل دجال لا يفتأ، يحتال علينا، أما أنا فإن سعادتي لم تبدأ إلا يوم طلقت الأمل"(81). "لو أن الحقائق القاسية، والاكتشافات المحزنة، وأسرار المجتمع-التي تتألف منها معرفة رجل الدنيا الذي بلغ الأربعين-عرفها هذا الإنسان نفسه وهو في العشرين، لأصابه اليأس، أو لبات إنساناً فاسداً عن عمد"(82).




صفحة رقم : 14442




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الأدب







وقد سخر شامفور من العقل، وهو الذي جاء في ختام عصر العقل، ورأى فيه سيداً على العاطفة أقل منه أداة للشر. "أن الإنسان في حالة المجتمع الراهنة يبدو أكثر فساداً بسبب عقله منه بسبب عواطفه المشبوبة"(83). أما عن النساء "فمهما بلغ سوء أي رأي الرجل فيهن، فما من امرأة لا يسوء رأيها فيهن على رأيه"(84). والزواج فخ، "أن الزواج والعزوبة كليهما مجلبة للعناء: وينبغي أن نفضل منهما ما ليست متاعبه بغير دواء"(85). "أن النساء لا يمنحن للصداقة إلا ما يقترضنه من الحب"(86). و "الحب الذي يوجد في المجتمع ليس إلا تبادل أوهام واحتكاك بشرتين"(87).
فلما خرج شامفور من القصور والبيوت الفاخرة إلى شوارع باريس اشتد تشاؤمه. "باريس، مدينة اللهو واللذة، حيث يموت أربعة أخماس الناس حزناً... المكان الذي تفوح نتنه وليس فيه إنسان ينبض قلبه بالحب"(88).
والعلاج الوحيد لهذه الأحياء الفقيرة هو العقم. "من سوء حظ النوع الإنساني، وحسن حظ الطغاة، أن الفقراء والتعساء لا يملكون غريزة الكبرياء التي يملكها الفيل، فهو لا يتوالد وهو أسير"...(89).
وكان أحياناً يسترسل في الحلم بمثل أعلى "من الضروري الجمع بين النقائض: حب الفضيلة دون اكتراث للرأي العام، والميل للعمل دون اكتراث للشهرة، وحب المرء لصحته دون اكتراث للحياة"(90). وقد خطر له في بضع سنين أن يضفي على الحياة معنى بتكريس نفسه للثورة، ولكن خمس سنين من التعامل مع ميرابو، ودانتون، ومارا، وروبسبيير، أحيت يأسه من جديد وبدا له يومها أن شعار الثورة "الحرية، والمساواة، والإخاء" أصبح معناه "كن أخي وإلا قتلتك"(91). واختار الانضمام إلى صفوف الجبروند، وراح يسوط الزعماء الأكثر تطرفاً بدعابته المتهورة. فقبض عليه، ثم أفرج عنه بعد قليل. فلما رأى نفسه مهدداً بالقبض عليه ثانية، ضرب نفسه بالرصاص وطعن نفسه. ومد في أجله حتى 13 أبريل 1794 ثم مات بعد أن قال لسييس، "أني منطلق في النهاية من هذا العالم الذي لا بد فيه للقلب أما أن ينكسر أو يتقسى".




صفحة رقم : 14443




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الأدب







وإذا كان تأثير فولتير هو الغالب عند شامفور، فإن تأثير روسو كان كاملاً وسافراً في جاك-هنري برناردان دسان-بيير. ففي الحادية والثلاثين (1768) كلف بوصفه مهندساً بمهمة حكومية في الأيل دفرانس، المسماة الآن موريتبوس. وفي تلك الجزيرة الجبيلة، المطيرة، الكثيرة الثمر، وجد ما خاله "حالة طبيعية" التي تخيلها روسو-رحالاً ونساء يعيشون ملتصقين بالأرض لم تلوثهم رذائل المدينة. فلما عاد إلى فرنسا (1771) أسبح صديقاً مخلصاً لجان-جاك، وتعلم أن يحتمل غضباته، وأن يرى فيه مخلصاً ثانياً للبشرية. وفي كتابه "رحلة إلى الأيل دفرانس" (1773) وصف حياة سكان الجزيرة البسيطة وإيمانهم الديني الذي يشددهم. وقد رأى أسقف أكس في هذا الكتاب انتقاضاً سليماً على فولتير، وحصل للمؤلف على معاش ملكي قدره ألف جنيه. واستجاب برناردان بكتاب عنوانه "دراسات للطبيعة" (1784)، وآخر عنوانه "توافقات الطبيعة" (1796)، وصف فيهما عجائب حياة النبات والحيوان، وزعم أن الأمثلة الكثيرة للتوفيق، والهدف، والخطة، تثبت وجود عقل أعلى. وفاق روسو في تمجيده للوجدان فوق العقل. "كما تقدم العقل أتانا بالدليل على تفاهتنا، وبدلاً من أن يهدئ أحزاننا بأبحاثه، فهو كثيراً ما يزيدها بنوره.. أما الوجدان... فيعطينا دافعاً سامياً، وهو إذ يخضع عقولنا يصبح أنبل الغرائز وأكثرها إشباعاً في حياة البشر"(93).
وقد ألحق برناردان بالطبعة الثانية من "الدراسات" (1788) رواية سماها "بول وفرجيني" ظلت واحدة من عيون الأدب الفرنسي خلال التقلبات الكثيرة التي اعترت الذوق الأدبي، وخلاصتها أن امرأتين فرنسيتين حبليين تنزلان موريتيوس، إحداهما مات زوجها، والأخرى هجرها حبيبها. وتلد الواحدة بول والأخرى فرجيني. ويشب الطفلان ويترعرعان في واد في الجبل، وسط مناظر رائعة ينتشر فيها أريح الأزهار الطبيعية. ويشكل أخلاقهما حب الأم وتعاليم الدين. حتى إذا بلغا الحلم أحب أحدهما الآخر-




صفحة رقم : 14444




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الأدب







إذ ليس حولهما أحد غيرهما. وتبعث فرجيني إلى فرنسا لتتسلم إرثاً، وهو أمر لا يحدث كثيراً في الحالة الطبيعية. فيعرض عليها هناك الزواج والثراء العريض إن أقامت في فرنسا، ولكنها ترفضهما لتعود إلى موريتيوس وبول. ويعدو بلو هابطاً إلى الشاطئ ليرى سفينتهما وهي تدنو من البر، وتغمره الفرحة بخواطر الحب والسعادة، ولكن السفينة تجنح إلى مياه ضحلة فترتطم بالقاع وتحطمها عاصفة. وتغرق فرجيني وهي تحاول الوصول إلى البر، ويموت بول حزناً عليها.
والكتيب قصيدة منثورة، رواها المؤلف ببساطة في الأسلوب، ونقاء وموسيقى في اللغة لا يفوقها كتاب في الأدب الفرنسي. ووافقت تقواه ورقة عاطفته مزاج الجبل، ولم يزعج أحداً أن لهاتين المرأتين الفاضلتين ولطفليهما عبيداً(94). وهلل القوم لبرناردان خلفاً أصيلاً لروسو، وكتبت إليه النساء بنغمة الإعجاب الحار التي طيبت من قبل خاطر مؤلف "أميل". وحذا برناردان حذو روسو فلم يستغل شهرته، بل تجنب مخالطة المجتمع، وعاش عيشة هادئة بين الفقراء. وتركته الثورة دون أن تمسه بسوء. وفي إبان عنفها تزوج وهو في الخامسة والخمسين من فيليستيه ديدو، البالغة اثنتين وعشرين ربيعاً، فولدت له طفلين سميا بول وفرجيني. وبعد أن ماتت فيليستيه تزوج ثانية وهو في الثالثة والستين من شابة تدعى ديزيريه وبيلبو، رعته في حب حتى مات في 1714. وقبل رحيله شهد بزوغ نجم شاتوبريان الذي تلقى من يديه مشعل الرومانسية والتقوى الفرنسيتين وحمله إلى القرن التاسع عشر.
هذت وقد ظهرت في هذا العصر كتب أقل شأناً لم يعد الناس يقرءونها اليوم، ولكنها شاركت في إعطاء الجيل صوته ولونه. ومن ذلك أن الأبيه جان-جاك بارتلمي أصدر وهو في الثانية والسبعين (1788) كتاباً سماه "رحلة الفتى أناخارسس في اليونان" بعد أن عكف على تأليفه ثلاثين عاماً، وقد زعم الكتاب أنه وصف لطبيعة اليونان وآثارها ومؤسساتها وعاداتها وعملاتها في القرن الرابع قبل المسيح، كما رآها رحالة سكوذي. وقد صعد الكتاب إلى قمة الموجة الكلاسيكية، وكان من أبرز الكتب الكلاسيكية الناجحة في ذلك العصر، وكاد يرسي أصول علم العملات في فرنسا.




صفحة رقم : 14445




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الأدب







ونافس شعبيته كتاب آخر هو "الأطلال، أو تأملات في ثورات الإمبراطوريات" الذي أصدره الكونت كونستانتان دفولني في 1791 بعد أن قضى أربع سنوات من الرحلة في مصر والشام. وحين رأى حطام الحضارات القديمة تساءل "من يستطيع أن يؤكد لنا أن مثل هذا الخراب لن يكون يوماً ما مصير بلادنا؟" وقد نتردد الآن في إعطاء جواب متفائل عن هذا السؤال، ولكن فولني الذي جاء في ختام عصر العقل، والذي ورث كما ورث كوندوريسيه كل آماله البشرية، أخبر قراءه أن سقوط تلك الإمبراطوريات القديمة مرده جهل شعوبها الذي نجم عن صعوبة نقل المعرفة من إنسان إلى آخر ومن جيل إلى جيل. أما الآن فقد ذللت هذه الصعوبات باختراع الطباعة. فكل ما يلزم منذ الآن لتفادي تدمير الحضارة هو بث المعرفة على نطاق واسع، الأمر الذي يفضي بالناس والدول إلى المواءمة بين دوافعهم غير الاجتماعية والصالح العام. وفي هذا التوازن بين القوى ستخلي الحرب مكانها للتحكيم، "وسيصبح النوع الإنساني بأسره مجتمعاً عظيماً واحداً، أسرة واحدة تحكمها روح وقوانين عامة، وتتمتع بكل السعادة التي في مقدور الطبيعة البشرية"(95).
والآن نصل إلى سيرة عجيبة هي سيرة نيقولا-إدمون رستيف دلابريتون، الذي لقبه بعض معاصريه "روسو البالوعات" و "فولتير خادمات المخادع"، وهو مؤلف نحو مائتي كتاب، طبع الكثير منها بيديه وبمطبعته، وبعضها فيه فحش متعمد، وكلها يؤلف صورة تفصيلية لأخلاق وعادات الطبقات الدنيا في عهد لويس السادس عشر.
ففي كتاب "حياة أبي" (1779) أعطانا وصفاً صور فيه أباه إدمون في صورة مثالية مشربة بالحنان، هذا الأب تذكر أن له "طلعة هرقول ورقة صبية"(96). أما الإبن فقد سجل حياته هو في ستة عشر كتاباً مستفيضة عنوانها "مسيو نيقولا" (1794-97)، اختلطت فيها الحقيقة بالخيال عن تقلبات حياته وغرامياته وأفكاره. وقد ولد في بيت بمزرعة (1737) في ساسيه "التي سمى قسم منها لابريتون)، على عشرين ميلاً من أوكسير، ويروى أنه حين بلغ الحادية عشرة أصبح أباً لأول مرة(97). وفي الرابعة




صفحة رقم : 14446




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الأدب







عشرة أحب جانيت روسو، وكان في السابع عشرة، وبدأ إعجابه الذي امتد طوال حياته بأقدام الأنثى "مان شعوري نحوها رقيقاً كما كان حاداً.. وكانت قدمها الجميلة شيئاً لا أستطيع مقاومته"(98). ولعل الرغبة في تخليصه من شراك كهذه هي التي أوحت بإيفاده إلى أوكسير (1751) ليعمل تلميذاً لطابع. وسرعان ما أغوى زوجة معلمه، ولكن لا سند لنا لهذه الواقعة غيره. ثم يقول إنه في الخامسة عشرة كان له خمس عشرة "خليلة". وبعد أربع سنين من هذه الرواية انتقل إلى باريس، وهناك استخدم طابعاً باليومية يكسب فرنكلين ونصفاً في اليوم، وهو أجر مكنه من الحصول على طعامه ودفع أجر مومس بين الحين والحين، وكان إذا قلت موارده نام مع الخادمات(99). وفي 1760 حين كان في السادسة والعشرين تزوج امرأة تكاد تقاربه خبرة، واسمها أجنيس لوبيك، ثم تبين أن كليهما غير وفي لصاحبه. وتم طلاقهما في 1784، لا بسبب هذه الزلات، بل لأن كليهما وقع في شرك التأليف، وكانا يتنافسان على الورق والمداد والشهرة.
وكان نيقولا قد بدأ حياته كاتباً في 1767 بقصته "قدم فانشيت" التي كانت قدم الصبية هي "أبرز ملامحها Piéce De Résistance" وكان أول عمل أدبي ناجح له هو "الفلاح المنحرف" (1775) وهو يقص بالرسائل كيف انحرف الفلاح إدمون بعد انتقاله إلى باريس متأثراً بحياة المدينة وفسوقها. فليعلمه ملحد يدعى جودي داراس أن الله أسطورة وأن الأخلاق أكذوبة، وأن كل اللذات مشروعة، وأن الفضيلة عبء ثقيل لا مبرر له على الحقوق الطبيعية لرغباتنا، وأن أول واجباتنا أن نعيش ملء حياتنا ما استطعنا العيش(100). وقبض على أراس، فيقول له إدمون "يوجد إله"، ويشنق أراس غير نادم ولا تائب. وقد سمى أحد معاصري المؤلف هذا الكتاب "علاقات الناس الغرامية الخطرة"(101)، وذهب رستيف إلى أنه سيعيش ما عاشت اللغة الفرنسية(102)وفي كتاب مرافق سماه "الفلاحة المنحرفة" (1784) واصل الهجوم على انعدام المسئولية الأخلاقية ومفاسد حياة المدينة. وقد استعمل حصيلته من كتبه ليرفع مقامه درجة أو اثنتين على السلم الاجتماعي الفاسق.




صفحة رقم : 14447




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الأدب







أما أهم أعمال رستيف فهو "المعاصرات" الذي طال حتى بلغ خمسة وستين مجلداً (1780-91). وكان لهذه القصص القصيرة عنوان فرعي جذاب هو "مغامرات أجمل نساء عصرنا"-وفيه وصف لحياة وغراميات وآداب بائعات الزهر، وبائعات القسطل، وبائعات الفحم، والخياطات، والحلاقات، بلغ من الواقعية والدقة مبلغاً أتاح للنساء الحقيقيات أن يتبين أنفسهن فيه ويلعن المؤلف حين يلقينه في الشوارع(103). ومثل هذا المشهد العريض من الحياة البشرية لم يقدمه كاتب في الأدب الفرنسي حتى جاء بلزاك. وقد أدان النقاد إدمان رستيف على "الموضوعات المنحطة"، ولكن سياستيان مرسييه، الذي كان كتابه "لوحة باريس". (1781-90) يعرض مسحاً للمدينة أفضل ترتيباً، حكم بأنه "أعظم قصاصينا غير منازع"(104).
وقبيل نشوب الثورة بدأ رستيف يسجل في "ليالي باريس" (1788-94) الأحداث التي شهدها (أو تخيلها) في جولاته الليلية. وهنا أيضاً كان أهم ما لاحظه الأعماق السفلى لباريس-الشحاذين، والحمالين، والنشالين، والمهربين، والمقامرين، والسكارى، وخاطفي الأطفال، واللصوص، والمنحرفين، والبغايا، والقوادين، والمنتحرين. وقد زعم أن حظه من السعادة كان ضئيلاً، ومن الشقاء موفوراً، وصور نفسه بطلاً منقذاً في حالات كثيرة. وقد ألم بالمقاهي القريبة من الباليه-رويال، ورأى الثورة تتشكل، وسمع كامي ديمولان يدعو الناس دعوته المشهورة إلى حمل السلاح، ورأى الدهماء الظافرين يجوبون المدينة عرضين رأس دلوني مأمور سجن الباستيل المفصول عن جسده، ورأى النساء يزحفن على فرساي لأسر الملك(105). ثم لم يلبث أن مل العنف والإرهاب وعدم الأمان. وتعرض غير مرة لخطر القبض عليه، ولكنه نجا بإعلانه الولاء للثورة. أما في مجالسه الخاصة فكان يندد بهذا كله ويتمنى لو أمكن "رد لويس السادس عشر الطيب إلى مكان السلطة"(106). وقد عنف في لوم روسو لأنه أطلق العنان لانفعالات الشباب والجهال والعاطفيين، "أن كتابه أميل هو الذي




صفحة رقم : 14448




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> الأدب







رمانا بهذا الجيل المغرور، العنيد، الوقح، المتصلب، الذي يعلو صوته على من هم أكبر منه سناً فيسكتهم"(107).
وهكذا تقدم به العمر وندم على أفكار شبابه لا على خطاياه. وفي 1794 عاد فقيراً كما كان، غنياً في ذكرياته وحفدته فقط؛ وقد وضع في المجلد الثامن من "المسيو نيقولا" "تقويماً" بالرجال والنساء الذين عرفهم في حياته ومنهم عدة مئات من العشيقات، وأكد من جديد إيمانه بالله. وفي 1800 أخبرت الكونتيسة بوهارنيه نابليون بأن رستيف يعاني شظف العيش وأن حجرته ليس بها نار تدفئها، فبعث إليه نقوداً وخادماً وحارساً، ثم عينه (1805) في وظيفة بوزارة الشرطة. وفي 8 فبراير 1806 مات رستيف وقد بلغ الثانية والسبعين. واشتركت الكونتيسة وعدة أعضاء من المجمع الفرنسي (الذي كان قد رفض انضمامه إليه) مع جمع العامة البالغين ألفا وثمانمائة في تشييعه إلى مثواه الأخير.




صفحة رقم : 14449




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> بومارشيه








7- بومارشيه


كتب أرثر ينج في 1788 يقول "كلما خبرت المسرح الفرنسي وجدتني مضطراً إلى الاعتراف بتفوقه على مسرحنا، سواء في عدد ممثليه الأكفاء، أو في نوعية الراقصين والمغنين والأشخاص الذين تعتمد عليهم صناعة المسرح، وكلهم راسخ القدم على نحو رائع"(108). وكانت الحفلات التمثيلية تحيا كل ليلة، بما فيها ليالي الأحد، في التياتر-فرانسيه الذي أعيد بناؤه في 1782، وفي كثير من المسارح الإقليمية. وجاءت الآن فترة خلت فيها خشبة المسرح من فحول الممثلين فقد مات لوكان، وتقاعدت صوفي أرنو في 1778؛ ثم استهل تالما الذي سيصبح أثير نابليون حياته المسرحية مع الكوميدي-فرانسيز في 1787، وحقق أول انتصار له في مسرحية ماري-جوزف شنييه "شارل التاسع" في 1789. وكان أحب كتاب العصر المسرحيين إلى الشعب ميشيل جان سيدين الذي ألف كوميديات عاطفية استأثرت بالمسرح الفرنسي طوال قرن من الزمان. ونحن نحييه وننتقل إلى الرجل الذي نفخ الحياة في "فيجارو" بمساعدة موتسارت وروسيني، وأعطى الحرية لأمريكا (في زعمه).




صفحة رقم : 14450




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> بومارشيه







وقد عاش هذا الرجل، وهو بيير-أوجستن كارون، كما عاش فولتير، أربعة وعشرين عاماً دون أن يعرف أسمه التاريخي. وكان أبوه صانع ساعات في ضاحية سان-ديني الباريسية. وبعد أن تمرد قليلاً راض نفسه على احتراف حرفة أبيه. فلما بلغ الحادية والعشرين اخترع ضرباً جديداً من الهروب مكنه من أن يصنع "ساعات ممتازة بلغت غاية ما يناسب من الصغر والتسطح"(109). وقد أبهج لويس الخامس عشر بعينة منها، وصنع لمدام بومبادور ساعة كانت من الصغر بحيث أمكن إدخالها في خاتمها، وزعم أن هذه أصغر ما صنعه الصانعون من الساعات إطلاقاً. وفي 1755 اشترى من مسيو فرانكيه المسن وظيفته التي كان يشغلها بوصفه أحد المشرفين على المائدة الملكية الذين كانوا يقومون على خدمة الملك خلال تناوله الطعام؛ ولم تكن بالوظيفة المرموقة، ولكنها أتاحت لبيير مدخلاً إلى البلاط. وبعد عام مات فرانكيه، فتزوج بيير أرملته (1756) وكانت تكبره بخمس سنين. وإذ كانت تلك تملك لإقطاعية صغيرة، فقد أضاف بيير اسم الإقطاعة إلى اسمه، فأصبح بومارشيه، فلما ماتت زوجته (1757) ورث أملاكها.
ولم يكن قد حظي بأي تعليم ثانوي على الإطلاق، ولكن الجميع-حتى الأرستقراطيين الذين ساءهم تسلقه السريع-أقروا بتيقظ ذهنه وسرعة خاطره. والتقى في الصالونات والمقاهي بديدرو، ودالامبير، وغيرهما من جماعة الفلاسفة، فنهل من التنوير. وقد استرعى انتباه بنات لويس الخامس عشر العوانس تحسين أدخله في نظام دواسة الهارب، وفي 1759 بدأ يعطيهن دروساً في الهارب. وطلب المصرفي جوزف بآري-دوفرينه إلى بومارشيه أن يستعين بالآنسات الملكيات في الحصول على تأييد لويس الخامس عشر للمدرسة الحربية التي كان رجل المال يديرها، وأفلح بيير في الأمر، فأعطاه باري-دوفرنيخ أسهماً قيمتها ستون ألف فرنك. يقول بومارشيه "لقد أطلعني على أسرار عالم المال... وبدأت أجمع ثروتي بإرشاده، وعملاً بنصيحته دخلت في مضاربات عديدة، أعانني في بعضها بماله أو باسمه"(110). وهكذا أصبح بومارشيه فيلسوفاً من أصحاب الملايين، مقتدياً في هذا وفي كثير غيره بالسوابق التي وضعها فولتير. فما وافى عام




صفحة رقم : 14451




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> بومارشيه







1771 حتى بلغ من الثراء ما أتاح له شراء وظيفة سكرتارية شرفية لدى الملك، جاءته بلقب النبالة. وسكن منزلاً رائعاً في شارع كونديه أنزل فيه أباه وأخوته الفخورين.
وكان له أختان أخريان تعيشان في مدريد-إحداهما متزوجة والأخرى-واسمها ليزيت-مخطوبة لخوزيه كالافيجو أي فخاردو المحرر المؤلف الذي ظل ست سنوات يؤجل الزواج غير مرة. وفي مايو 1764 خرج بومارشيه في رحلة طويلة راكباً عربة البريد نهاراً وليلاً إلى العاصمة الأسبانية. فعثر على كلافيجو، ووعده هذا بأنه سيتزوج ليزيت عما قليل، ولكنه زاغ متنقلاً من مكان إلى مكان. وأخيراً أدركه بيير، وطالبه بالتوقيع على عقد الزواج، فاعتذر خوزيه بحجة أنه تناول لتوه مسهلاً، وكان القانون الأسباني يعتبر أي عقد يوقع في ظرف كهذا باطلاً. فهدده بومارشيه، فاستعدى عليه كلافجيو قوى الحكومة، وهزم الفرنسي الذكي بسلاح التسويف والمماطلة. فلما أقلع عن المطاردة، حول جهوده إلى ميدان التجارة وكون عدة شركات، إحداهما لإمداد المستعمرات الأسبانية بالعبيد الزنوج. (ونسي أنه قبل سنة واحدة فقط كتب قصة ذم فيها الرق)"(111). وتحطمت هذه الخطط جميعها على صخرة الموهبة الأسبانية، موهبة التسويف والتأجيل. على أن بيير استمتع أثناء ذلك بالصحبة الطيبة وبخليلة تحم لقب النبالة، وخبر من العادات الأسبانية ما أعانه على تأليف تمثيلياته عن حلاق أشبيلي. أما ليزيت فقد وجدت حبيباً آخر، وقفل بومارشيه إلى فرنسا خاوي الوفاض إلا من الخبرة. وقد كتب مذكرات رائعة عن رحلته، وألف منها جوته مسرحيته "كلافيجو" كما أسلفنا.
وفي 1770 مات باري-دوفرنيه تاركاً وصية أقر فيها بأنه مدين لبومارشيه بخمسة عشر ألف فرنك. ونازع أهم الورثة وهو الكونت دلابلاش على صحة هذه الفقرة مدعياً أنها مزورة. وأحيل النزاع على برلمان باريس، فعين المستشار لوي-فالنتن جوزمان ليبدي رأيه فيه. في هذا الظرف الحرج كان بومارشيه نزيل السجن نتيجة شجار عنيف مع الدوق دشولن على خليلة. فلما أفرج عنه مؤقتاً، أرسل "هدية" من مائة جنيه ذهبي (لوي




صفحة رقم : 14452




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> بومارشيه







دور)، وساعة مرصعة بالماس، إلى السيدة جوزمان أغراء لها على أن تمهد السبيل لاستماع زوجها إليه، فطلبت خمسة عشر جنيهاً ذهبياً أخرى أجر "سكرتير"، فأرسلها. وظفر بالمقابلة، ولكن المستشار اتخذ قراراً ضده، فأعادت السيدة جوزمان كل شيء إلا الخمسة عشر جنيهاً ذهبياً، وأصر بومارشيه على ردها هذا المبلغ أيضاً، واتهمه جوزمان بتقديم الرشوة. فعرض بيير الأمر على الشعب في سلسلة من "المذكرات" فيها من الحيوية والظرف ما أكسبه ثناء عريضاً باعتباره مجادلاً بارعاً إن لم يكن رجلاً أميناً كل الأمانة. وقد قال فولتير عنها: لم أر قط شيئاً أقوى ولا أجرأ ولا أفكه ولا أطرف ولا أشد إذلالاً لخصومه. فهو يحارب "دستة" منهم في وقت واحد ويحصدهم حصداً"(112). وأصدر البرلمان حكماً برفض دعواه في حقه في الميراث (6 أبريل 1773)، واتهمه في الواقع بالتزوير، وحكم عليه بدفع 56.300 جنيه نظير التعويض والديون.
فلما أفرج عن بومارشيه (8 مايو 1773) استخدمه لويس الخامس عشر جاسوساً في بعثة إلى إنجلترا ليمنع تداول نشرة فاضحة في حق مدام دوباري. فنجح في مهمته، وواصل اشتغاله عميلاً في عهد لويس السادس عشر الذي كلفه بأن يعود إلى لندن ويرشو جوليلمو انجيلوتشي كي يمتنع عن إصدار نشرة في حق ماري أنطوانيت. وسلم انجليلوتشي المخطوطة نظير 35.000 فرنك ورحل إلى نورمبرج؛ واشتبه بومارشيه في حيازته نسخة ثانية، فتبعه عبر ألمانيا، وأدركه قرب نويشتات، وأكرهه على تسليمه النسخة، ثم هاجمه قاطعاً الطريق، فدفعهما عنه، ولكنه جرح، وشق طريقه إلى فيينا، حيث قبض عليه بوصف جاسوساً، وقضى في السجن شهراً، ثم أطلق سراحه، فركب قافلاً إلى فرنسا.
ولكن مغامرته الجريئة التالية أحق بمكان في التاريخ. ذلك أن فرجين أوفده في 1775 إلى لندن ليستطلع له حقيقة الأزمة المتصاعدة بين إنجلترا وأمريكا. وفي سبتمبر بعث بومارشيه إلى لويس السادس عشر بتقرير تنبأ بنجاح الثورة الأمريكية، وأكد وجود أقلية مناصرة للأمريكيين في إنجلترا.




صفحة رقم : 14453




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> بومارشيه







وفي 29 فبراير 1776 وجه إلى الملك رسالة أخرى، أوصى فيها بإرسال المعونة الفرنسية سراً إلى أمريكا، بحجة أنه لا سبيل أمام فرنسا لحماية نفسها من التبعية إلا بإضعاف شوكة إنجلترا(113). ووافق فرجين على هذا الرأي، ورتب كما رأينا أن يمول بومارشيه لتزويد المستعمرات الإنجليزية بالعتاد الحربي. وفرغ بومارشيه بحملته لهذه المغامرة. فنظم شركة "روددريج هورتاليه وشركائه". وراح يتنقل بين الثغور الفرنسية ويشتري السفن ويجهزها ويشحنها بالمؤونة والعتاد، ويجند الضباط الفرنسيين المدربين للجيش الأمريكي، وينفق (في زعمه) عدة ملايين من الجنيهات من ماله الخاص فوق المليونين اللذين أمدته بهما الحكومتان الفرنسية والأسبانية. وقد أبلغ سايلاس دين الكونجرس الأمريكي (29 نوفمبر 1776) "أنني ما كنت لأستطيع إنجاز مهمتي لولا جهود مسيو بومارشيه الذكية السخية التي يعتريها الكلل، هذا الرجل الذي تدين له الولايات المتحدة من جميع الوجوه، أكثر من دينها لأي رجل آخر على هذا الجانب من المحيط"(114). وفي نهاية الحرب قدر سايلاس أن أمريكا تدين لبومارشيه بمبلغ 3.600.000 فرنك. أما الكونجرس الذي افترض أن كل العتاد كان منحة من الحلفاء، فقد رفض الطلب، ولكنه في 1835 دفع 800.000 جنيه لورثة بومارشيه.
ثم وجد أنه خلال هذا النشاط المحموم وقتاً لكتابة المزيد من المذكرات الموجهة إلى الشعب والتي يحتج فيها على مرسوم البرلمان الصادر في 6 أبريل 1773. وفي 6 سبتمبر 1776 ألغى ذلك المرسوم، وردت إلى بومارشيه كل حقوقه المدنية. وفي يوليو 1778 أصدرت محكمة في اكس-أن-بروفانس حكماً لصالحه في النزاع على وصية باري-دوفرنيه، واستطاع بومارشيه أن يحس أنه في النهاية برأ أسمه.
ولم تكفه كل هذه المغامرات في الحب، والحرب، والتجارة، والقضاء، فقد بقي عالم لم يغزه بعد، هو عالم الكلام، والأفكار، والطباعة، وعليه ففي 1767 قدم للكوميدي-فرانسيز أولى تمثيلياته "أوجني"، وقد عرضت في 29 يناير 1769، واستقبلها النظارة استقبلاً حسناً، ولكن




صفحة رقم : 14454




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> بومارشيه







النقاد رفضوها. ثم سقطت تمثيلية أخرى هي "الصديقان" (13 يناير 1770) رغم الأعداد المألوف، "لقد ملأت الصالة بأفضل العمال، بأيد كالمجاديف، ولكن جهود العصبة المتآمرة" غلبته(115). ذلك أن جمعية الأدباء التي يتزعمها فريرون قاومته باعتباره دخيلاً، ومجرماً مزمناً انقلب كاتباً مسرحياً، تماماً كما ناصبه بلاط فرساي العداء لأنه صانع ساعات انقلب نبيلاً. ومن ثم نراه في مسرحيته التالية يجعل فيجارو يصف "جمهورية الأدب" بأنها "جمهورية الذئاب، الذين لا يفتأ بعضهم ينشب مخالبه في رقاب البعض الآخر... كل الحشرات، والبعوض الصغير والكبير، والنقاد، وكل الحاسدين من الصحفيين، والكتابيين، والرقباء"(116).
ولقي بومارشيه في المسرح كما لقي في الحياة جيشاً من الأعداء فهزمهم جميعاً. وفي أروع لحظات الإبداع التي جادت بها عبقريته المتعددة المناحي تصور شخصية فيجارو الحلاق، والجراح، والفيلسوف، اللابس صدرية من الستان وسراويل ركوب، وقيثارته المعلق على كتفه، وذهنه المتوقد على استعداد لتذليل أي صعوبة، وذكاؤه يخترق حجب النفاق والأكاذيب والمظالم التي تلوث عصره. ويمكن القول أن فيجارو من ناحية لم يكن خلقاً جديداً، إنما هو أسم وشكل جديدان لشخصية مألوفة هي شخصية الخادم الذكي في الكوميديا اليونانية والرومانية، وفي الكوميديا ديلارتي الإيطالية، وفي شخصية موليير "سجاناريل" ولكنه كله كما عرفناه من صنع بومارشيه إلا الموسيقى، لا بل حتى الموسيقى كانت أصلاً من صنعه. فقد ألف أول الأمر "حلاق أشبيليه" أوبرا هازلة عرضها على الكوميدي-ايتاليين في 1772 فرفضت، ولكن موتسارت تعرف إلى هذه الموسيقى حين كان في باريس(117). وعدل بومارشيه الأوبرا إلى كوميديا، فقبلها الكوميدي-فرانسيز وحدد تاريخاً لإخراجها ولكن سجن المؤلف (24 فبراير 1773) اضطر الفرقة لتأجيل عرضها. فلما أفرج عنه إستؤنف إعدادها للعرض ولكنها أجلت لأن مؤلفها وجهت إليه التهمة من البرلمان. غير أن النجاح الذي لقيه دفاع بومارشيه عن نفسه في "مذكراته" حدا بالمسرح مرة أخرى إلى ترتيب إخراجها، فأعلن أنها ستعرض في 12 فبراير 1774. ويقول




صفحة رقم : 14455




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> بومارشيه







جريم "نفدت كل المقاصير حتى الحفلة الخامسة"(118). ولكن حظرت التمثيلية في اللحظة الأخيرة بحجة أنها قد تحث تأثيراً ضاراً بالقضية المعلقة في البرلمان.
ومضت سنة أخرى، وجاء ملك جديد خدمه بومارشيه ببسالة معرضاً حياته للخطر غير مرة، فأعطى الإذن، وفي 23 فبراير 1775 وصلت "حلاق أشبيليه" آخر الأمر إلى خشبة المسرح. غير أن الحظ لم يحالفها، فقد كانت مفرطة الطول، وكانت الإثارة التي مهدت لها قد جعلت جمهور النظارة يتوقع منها فوق ما ينبغي. وعليه ففي يوم واحد راجعها بومارشيه واختصرها في عملية جراحية رائعة، فنقيت الكوميديا من التعقيدات المشوشة، وأخليت الفكاهة من الإسهاب في الحديث، وأزال بومارشيه العجلة الخامسة من العربة على حد قوله-وحققت التمثيلية انتصاراً في المساء الثاني ووصفتها مدام دودفان التي كانت تحضر الحفل بأنها "نجحت نجاحاً مفرطاً.. ولقيت من الاستحسان والتصفيق ما جاوز كل الحدود"(119).
ثم تحداه الأمير كونتي أن يكتب تتمة للمسرحية يبدو فيها فيجارو شخصية أكثر تطوراً ونضجاً. وكان المؤلف مستغرقاً الآن في دور المنقذ لأمريكا، فلما أنجز تلك المهمة عاد إلى المسرح وأخرج كوميديا خلقت تاريخاً أكثر درامية حتى من "طرطوف" مولبير. ففي هذه الكوميديا-زواج فيجارو-نرى الكونت المافيفا وروزينا، وهما شخصيتا حلاق أشبيلية-يقضيان عدة سنين في حياتهما الزوجية، وكان قد مل المفاتن التي سحرته خلال الكثير من المواقف المعقدة، وانصرف الآن إلى مغامرة هي إغواء سوزان، خادمة الكونتيسة وخطيبة فيجارو الذي أصبح كبير خدم الكونت وقهرمان القصر الريف. ويقوم تابع في الثالثة عشرة يدعى شيروبان بدور أشبه باللحن الرشيق المصاحب للموضوع الرئيسي وذلك بعشقه الغرير للكونتيسة التي يبلغ عمرها ضعف عمره. أما فيجارو فقد تحول فيلسوفاً، ويصفه بومارشيه بأنه "العقل موشحاً بالمرح والملح"(120). ويكاد هذا أن يكون تعريفاً للروح الغالية ولحركة التنوير.




صفحة رقم : 14456




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> بومارشيه







يقول لسوزان "ولدت لأكون رجل بلاط"، فإذا رأت في هذه الوظيفة "حرفة عسيرة" أجابها "مطلقاً. الاستقبال، والأخذ، والطلب-هذا هو السر في كلمات ثلاث"(121). وفي المناجاة التي جعلها روسيني تدوي في جنبات العالم كله يخاطب نبلاء أسبانيا (وفرنسا) باحتقار يوشك أن يكون ثورياً، "ما الذي صنعتموه لتناولا هذا الحظ الوفير؟ لقد كلفتم أنفسكم مشقة أن تولدوا، لا أكثر، وفيما عدا ذلك فأنتم قوم عاديون تماماً، في حين أنني أنا، التائه وسط الجماهير، كما علي في سبيل تحصيل قوتي فقط أن أستعين بقدر من العلم والحساب يفوق ما أنفق في حكم أسبانيا كلها هذه السنين المائة المنقضية"(122). وهو يهزأ بالجنود الذين "يقتلون ويقتلون في سبيل مصالح يجهلونها تماماً. "أما أنا فأريد أن أعرف لماذا يشتد غضبي"(123)، وحتى النوع الإنساني ينال ما يستحقه من قصاص: "أن يشرب وهو غير عطشان، وأن يمارس الحب في جميع المواسم-هذا وحده ما يميزنا عن سائر الحيوان"(124). ثم يكيل شتى الضربات لبيع الوظائف العامة، وسلطة الوزراء التعسفية، واخفاقات العدالة، وحالة السجون، والرقابة على الفكر واضطهاده "مسموح لي أن أنشر ما أشاء، شريطة ألا أذكر في كتاباتي لا الحكام، ولا دين الدولة، ولا السياسة، ولا الأخلاق، ولا الموظفين، ولا المالية، ولا الأوبرا، ولا... أي شخص ذي خطر، على أن أخضع لتفتيش رقيبين أو ثلاثة"(125). واتهمت فقرة جنس الذكور بأنهم مسئولون عن البغاة-وهي فقرة حذفها الممثلون، وربما لأنها اقتربت قرباً شديداً من أسباب ترفيههم-: أن الرجال يخلقون العرض بطلباتهم، ثم يعاقبون بقوانينهم النساء اللائي يلبين هذا الطلب"(126). أما حبكة التمثيلية فلم تكتف بإظهار الخادم أذكى من سيده-فهذا تقليد مألوف جداً بحيث لا يسيء لأحد-بل أنها فضحت الكونت النبيل فأظهرته رجلاً زانياً بكل ما في الكلمة من معنى.
وقبل الكوميدي-فرانسيز "زواج فيجارو" في 1781، ولكن لم يتيسر إخراجها حتى 1784. ذلك أنها حين تليت على مسامع لويس السادس




صفحة رقم : 14457




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> بومارشيه







عشر احتمل بروح الفكاهة المتسامحة ما تخللها من هجاء عارض، ولكن حين سمع المناجاة وما اشتملت عليه من هزء بطبقة النبلاء وبالرقابة، أحس أنه لا يسعه السماح بأن تهان هذه المؤسسات الأساسية علانية، فصاح قائلاً "هذا شيء بغيض، ويجب ألا يمثل أبداً. أن السماح بعرضه ليعدل تدمير الباستيل. فهذا الرجل يسخر من كل شيء يحب احترامه في أي حكومة"(127). ثم حظر تمثيل المسرحية.
وقرأ بومارشيه أجزاء منها في بيوت خاصة، فأثار هذا فضول القوم, ورتب بعض الحاشية أن تمثل أما البلاط، ولكن هذا أيضاً حظر في اللحظة الأخيرة. وأخيراً أذعن الملك للاحتجاجات والالتماسات، ووافق على اعتماد تمثيلها علناً بعد أن ينقي الرقباء النص بعناية. وكانت حفلة العرض الأولى (27 أبريل 1784) حدثاً تاريخياً. وبدت باريس كلها مصممة على حضور هذه الحفلة الأولى. واقتتل الأشراف والعامة على دخول المسرح، وحطمت البوابات الحديدة، وهشمت الأبواب، واختنق ثلاثة أشخاص. وكان بومارشيه موجوداً، وقد سعد بهذا الشجار. وبلغ من نجاح المسرحية أنها مثلت ستين مرة دون انقطاع، وكان المسرح يغض بالنظارة في كل حفلة تقريباً. أما الحصيلة فلم يسبق لها نظير، وتصدق بومارشيه بنصيبه كله-البالغ 41.999 جنيهاً(128).
ولقد رأى التاريخ في "زواج فيجارو" إرهاصاً بالثورة، ووصفها نابليون بأنها "الثورة وقد أخذت تفعل فعلها"(129). ودخلت بعض عباراتها في خميرة العصر. وقد أنكر بومارشيه في المقدمة التي صدت بها بعد ذلك المسرحية المنشورة أي قصد ثوري، واستشهد بفقرات من كتاباته دافع فيها عن الملكية والأرستقراطية. فهو لم يطلب هدم المؤسسات القائمة بل القضاء على المظالم المتصلة بها، وتوفير العدالة المتكافئة لجميع الطبقات، ومزيداً من حرية الفكر والنشر، وحماية الفرد من أوامر القبض المختومة




صفحة رقم : 14458




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> بومارشيه







وغيرهما من ضروب شطط السلطة الملكية. وقد رفض الثورة كما رفضها معبوده فولتير لأنها دعوة إلى الفوضى وطغيان الرعاع.
وواصل دراسة أعمال فولتير طوال شتى الاضطرابات العارمة التي اكتنفته. وأدرك أزجه الشبه بينه وبين الشيخ-ولكن لعله لم يدرك البعد-: ذلك المركب الذي يجمع بين النشاط الذهني المحموم والدراية البارعة بأمور المال، وذلك الاحتقار للشكوك والوساوس الخلقية، وتلك الشجاعة في محاربة الظلم والمحن والشدائد. واعتزم أن يحفظ أعمال فولتير وينشرها طبعة جامعة كاملة. وكان على يقين من أن هذا غير ميسور في فرنسا حيث حظر الكثير من مؤلفات فولتير. لذلك ذهب إلى موريا وأخبره أن كاترين الثانية مزمعة إصدار طبعة فرنسية في سانت بطرسبيرج. وقال إن هذا سيكون وصمة عار على فرنسا، وأدرك الوزير المعنى المراد، ووعد بالإذن بتداول طبعة كاملة. وكان كتبي باريسي يدعى شارل-جوزف بانكوك قد حصل على حقوق طبع مخطوطات فولتير التي لم تنشر، فاشتراها بومارشيه بمبلغ 160.000 فرنك. ثم جمع كل ما وجده من مؤلفات فولتير المنشورة، واستورد حروف باسكرفيل الطباعية من إنجلترا، واشترى مصانع للورق من الفوج. وظفر بكوندورسيه معلقاً ومترجماً لفولتير. واستأجر حصناً قديماً في كيل، عبر الرين من ستراسبورج، وركب المطابع، وأخرج طبعتين رغم مئات المحن والشدائد، إحداهما في سبعين مجلداً من قطع الثمن، والأخرى في اثنين وتسعين مجلداً من القطع الإثني عشري (1783-90). وهذا أضخم مشروع طباعي حاوله إنسان حتى ذلك التاريخ في أوربا، بما في ذلك "الموسوعة". وطبع بومارشيه خمسة عشر ألف مجموعة وهو يتوقع بيعاً عاجلاً لها، فلم يبع منها غير ألفين، ومن جهة بسبب الحملات التي شنها البرلمان والأكليروس على المشروع(130)، ومن جهة ثانية بسبب الاضطرابات السياسية في 1788-90، ومن جهة ثالثة لأن قلقة مركز الناس المالي منعتهم من شراء المجموعة الغالية الثمن-وزعم بومارشيه أنه خسر في هذه المغامرة مليوناً من الجنيهات. على أنه أخرج أيضاً طبعة من أعمال روسو.




صفحة رقم : 14459




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> عشية الثورة -> بومارشيه







أما الثورة التي أعان على الإعداد لها فكانت نكبة عليه. ذلك أنه في 1789 بنى لنفسه ولزوجته الثالثة قصراً غالي التكلفة تجاه الباستيل، ملأه بالبديع من الأثاث والرياش وأحاطه بفدانين من الأرض. ونظر الرعاع الذين أثاروا الشغب مراراً في المنطقة شزراً إلى هذا الترف، فأغاروا على بيته مرتين، وأصبح بومارشيه الذي اكتمل الآن صممه وشاخ قبل الأوان مهدداً باعتباره أرستقراطياً. لذلك بعث بملتمس إلى كومون باريس يعلن فيه إيمانه بالثورة، غير أنه قبض عليه رغم ذلك (23 أغسطس 1792) ثم افرج عنه بعد قليل. إلا أنه عاش في خوف من الاغتيال لا يفتأ يؤرقه. ثم دارت عجلة الخطر فكلفته حكومة الثورة (1792) بالسفر إلى هولندا وشراء المدافع للجمهورية. على أن المفاوضات أخفقت وصودرت أملاكه في غيابه، وقبض على زوجته وابنته (5 يوليو 1794)، فهرع قافلاً إلى باريس، وحصل على الإفراج عنهما، وسمح له باسترداد أملاكه. وعاش بعد ذلك ثلاث سنين محطم الجسد لا الروح، ورحب بصعود نجم نابليون. ثم مات في 18 مايو 1799 بالنقطة وقد بلغ السادسة والسبعين. وندر حتى في تاريخ فرنسا أن عاش رجل الحياة بمثل هذا الملء والتنوع والمغامرة.




صفحة رقم : 14460




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> مقدمة








الفصل السابع والثلاثون




تشريح الثورة




1774-1789


لقد فحصنا فكر فرنسا عشية الثورة-فحصنا فلسفتها، ودينها، وأخلاقها، وسلوكها، وأدبها، وفنها. ولكن هذه كانت أزهاراً هشة نبتت من أرض اقتصادية، ولا قدرة لنا على فهمها إن لم نلم بجذورها، لا لب إننا لن نفهم حقيقة ذلك الزلزال الأساسي الذي أطاح بـ "النظام القديم" دون ان نفحص كل جهاز كم أجهزة الاقتصاد الفرنسي، كل بدوره ولو في إيجاز، ونرى كيف عاونت حالته على مجيء هذه القارعة الكبرى.
وعلينا ونحن نعود مرة أخرى إلى تناول الزراعة والصناعة والمالية أن نتذكر أنها ليست لوحات تجريدية قابضة للصدر بل كائنات بشرية حية حساسة. نبلاء وفلاحون ينظمون إنتاج الطعام؛ وميرون وعمال يصنعون السلع؛ ومخترعون وعلماء يصوغون طرائق وأدوات جديدة؛ ومدن تشغى بالمتاجر والمصانع، وربات بيوت مهمومات وجماهير رعاع متمردة؛ وثغور ومراكب تزخر بالتجار، والملاحين، والبحارة، والرجال المغمرين؛ ومصرفيون يغامرون بالمال ويكسبونه ويخسرونه مثل نكير، وبالحياة مثل لافوازييه؛ ثم تدفق الأفكار والسخط الثوريين وضغطهما خلال هذا الكل الهائج المضطرب، أنها لصورة معقدة رهيبة.




صفحة رقم : 14461




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> مقدمة











صفحة رقم : 14462




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> النبلاء والثورة








1- النبلاء والثورة


كان عدد الفرنسيين 24.670.000 رجل وامرأة وطفل، وهكذا قدر نكير عدد السكان في 1784(1). فقد تصاعد عددهم من17.000.000




صفحة رقم : 14463




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> النبلاء والثورة







في 1715 بفضل زيادة إنتاج الطعام وتحسين وسائل حفظ الصحة وانعدام الغزو الأجنبي والحرب الهلية، وحظيت الأمة في مجمعها بازدياد الرخاء خلال القرن الثامن عشر، ولكن أكثر الثراء الطارئ انحصر في الطبقة الوسطى(2).
وكان الفرنسيين ريفيين فيما عدا مليونين من الأنفس، والحياة الزراعية يديرها النظار الملكيون، والمديرون الأقليميون، وكهنة الأبرشيات، والسادة-أي أمراء الإقطاع-الذين قدر عددهم في 1789 بنحو 26.000. هؤلاء وأبناؤهم خدموا وطنهم في الحرب بأسلوبهم الأنيق العتيق (وقد أصبحت السيوف الآن حلية أكثر منها سلاحاً). ولم تبق إلا قلة من النبلاء في البلاط، أما السواد الأعظم فعاشوا في ضياعهم. وزعموا أنهم يكسبون دخلولهم بتوفير الإدارة الزراعية، والرقابة البوليسية، والمحاكم، والمدارس، والمستشفيات، والإحسانات. على أن معظم هذه المهام كانت قد تتلقاها عمال للحكومة المركزية، وكان الملاك من الفلاحين يطورون نظمهم الهادفة إلى الإدارة المحلية، وهكذا باتت طبقة النبلاء عضواً أثيراً، يأخذ الدم الكثير من الكائن الاجتماعي، ولا يعطيه لقاء ذلك إلا القليل بخلاف الخدمة العسكرية. وحتى هذه الخدمة أثارت شكوى عامة، لأن النبلاء أقنعوا لويس السادس عشر (1781) بأن يحرم من جميع المناصب الكبرى في الجيش والبحرية والحكومة كل من لا يظاهره أربعة أجيال من الأرستقراطية.
ثم رمى النبلاء فوق هذا بأنهم تركوا مساحات شاسعة من ضياعهم بوراً في الوقت الذي يجوع فيه للخبز الآلاف من سكان المدن. ويصدق على الكثير من بقاع فرنسا هذا الوصف الذي كتبه آرثر ينج عن قطاعي اللوار ونهر شير: "أن الحقول مسرح للإدارة المهلهلة، كما أن البيوت شاهد على الفقر المدقع. ومع ذلك فإن هذه البلاد كلها قابلة جداً للتحسين لو عرفوا ما ينبغي أن يصنعوه بها"(3) وكان عدد غير قليل من النبلاء فقراء،




صفحة رقم : 14464




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> النبلاء والثورة







بعضهم لتقص كفايتهم، وبعضهم لسوء طالعهم، وبعضهم لإرهاق أرضهم. وقد التمس كثير من هؤلاء المعونة من الملك، وتلقى العديد منهم منحاً من خزانة الدولة.
أما القنية بمعنى ارتباط الشخص قانوناً بقطعة الأرض وخضوعه بصفة دائمة لمالكها في أداء الرسم والخدمات، فكانت قد اختفت من فرنسا إلى حد كبير في 1789، وبقي نحو مليون من الأقنان أكثرهم على الأملاك الديرية. فلما حرر لويس السادس عشر الأقنان العاملين على الأراضي الملكية (1779)، سوف برلمان فرانسن-كونتيه (في شرقي فرنسا) تسعة أشهر حتى سجل مرسومه. ورفض الاقتداء بالملك كنيسة لوكسوي ودير فونتين، ومجموع ما لديهما أحد عشر ألف قن، ودير سان-كلود في مديرية الجورا الخالية، وكان لديه عشرون ألف قن، وذلك رغم عدة نداءات انضم فيها إلى فولتير عدد من الكنيسيين(5). على أن هؤلاء الأقنان اشتروا حريتهم شيئاً فشيئاً، أو نالوها بالهروب ثم ألغى لويس السادس عشر في 1779 حق المالك في مطاردة الأقنان الآبقين خارج أملاكهم.
ومع أن 95% من الفلاحين كانوا أحراراً في 1789، إلا أن السواد الأعظم منهم ظلوا خاضعين لحق أو أكثر من الحقوق الإقطاعية التي تختلف في الدرجة من إقليم لآخر. وكانت تشمل إيجاراً سنوياً (ضوعف في القرن الثامن عشر)، ورسماً نظير حق التوريث، وأجراً عن استعمال مطحن السيد وأقرانه ومعاصره وبرك سمكه-التي كانت كلها حكراً له. وقد احتفظ بحق مطاردة طرائده حتى داخل محاصيل الفلاح، وسيج مساحات متزايدة من الأرض المشاع التي كان الفلاح يحتطب منها ويطلق فيها ماشيته لترعى. أما السخرة فقد خففت في معظم أرجاء فرنسا إلى ضريبة تدفع نقداً، ولكن ظل الفلاح في أوقرن، وشمبانيا، وأرتوا، واللورين، مطالباً بأن يبذل للإقطاعي المحلي كل سنة ثلاثة أيام أو أربعة من العمل الذي لا يتقاضى عنه أجراً، وذلك لصيانة الطرق البرية والجسور والطرق المائية(6). ويمكن القول أن الحقوق الإقطاعية الباقية اقتطعت في جملتها ومتوسطها




صفحة رقم : 14465


قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> النبلاء والثورة







عشرة في المائة من إنتاج الفلاح أو دخله، ثم اقتطعت ضريبة العشور الكنسية نسبة أخرى تتفاوت بين ثمانية وعشرة في المائة. فإذا أضيف إلى هذا الضرائب المدفوعة للدولة، وضرائب السوق والبيع، والرسوم المدفوعة لكاهن الأبرشية نظير مراسم العماد والزواج والدفن، ولم يبق للفلاح إلا نحو نصف ثمرات كده.
ولما كانت قيمة المبالغ النقدية التي يتسلمها السادة الإقطاعيون تتناقص بهبوط قيمة العملة، فقد حاولوا حماية دخلهم بزيادة الرسوم، وإحياء رسوم عفا عليها الدهر، وتسييج المزيد من الأرض المشاع. وكانت جباية الرسوم تعهد عادة إلى ملتزمين محترفين كثيراً مالا يعرفون الرحمة في أداء عملهم. فإذا تشكك الفلاح في حق السيد في رسوم معينة قيل له أنها مدرجة في قوائم الضياع أو سجلاتها. فإذا تحدى صحة هذه القوائم رفع الأمر إلى محكمة الإقطاعية أو إلى البرلمان الإقليمي الذي كان سادة الإقطاع يهيمنون عليهم(7). وحين نشر بونسير، بتشجيع طور جو سرا، (1776) كراسة عنوانها "مساوئ الحقوق الإقطاعية" أوصى فيها باختزال هذه الحقوق، لامه برلمان باريس. وانبرى فولتير لخوض المعركة من جديد وقد بلغ الثانية والثمانين. فكتب يقول: إن اقتراح إلغاء الحقوق الإقطاعية يعدل مهاجمة أملاك السادة أعضاء البرلمان أنفسهم، الذين يمتلك معظمهم إقطاعات... أنها قضية الكنيسة، والنبلاء، وأعضاء البرلمان... متضافرين ضد العدو المشتري-أي الشعب"(8).
على ان هناك ما أمكن أن يقال دفاعاً عن الحقوق الإقطاعية فهي من وجهة نظر النبيل رهن عقاري قبله الفلاح بمحض حريته كجزء من الثمن الذي اشترى به قطعة أرض من مالكها الشرعي-الذي كان في كثير من الحالات قد اشتراها بحسن نية مالكها السابق. وكان بعض النبلاء الفقراء يعتمدون في قوتهم على هذه الرسوم. وكان الفلاح يعاني من شر الضرائب، والعشور، ومطالب الحرب وغاراتها أكثر كثيراً مما يعاني من الرسوم الإقطاعية. استمع إلى أعظم وأشرف الاشتراكيين الفرنسيين وهو جان-




صفحة رقم : 14466




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> النبلاء والثورة







جوريه يقول "لو لم يكن في المجتمع الفرنسي في القرن الثامن عشر مساوئ غير تلك البقايا التافهة لذلك النظام (الإقطاعي)، لما دعت الحاجة لثورة تشفي هذا الجرح المتقرح، ولكان اختزال الحقوق الإقطاعية تدريجياً وتحرير الفلاحين كفيلاً بإحداث التغيير بطريقة سلمية(9).
وكان أبرز ملامح طبقة النبلاء الفرنسيين اعترافها بالذنب، إذ لم يقتصر الأمر على انضمام الكثير من النبلاء إلى جماعة الفلاسفة في رفض اللاهوت القديم، بل أن بعضهم كما رأينا سخر من امتيازات طبقتهم التي عفا عليها الزمن(10). وقبل الثورة بسنة عرض ثلاثون نبيلاً أن يتنازلوا عن امتيازاتهم الإقطاعية المالية(11). وكلنا يعرف مثالية الشاب لافاييت الذي لم يكتف بالقتال دفاعاً عن أمريكا بل حال عودته إلى فرنسا خاض بقوة ذلك الكفاح في سبيل الإصلاح السلمي. وقد ندد بالرق، ورصد جانباً من ثروته ليعتق العبيد في جيانا الفرنسية(12). وفشا الجهر بالمبادئ اللبرالية، والدفاع عن الإصلاح، في شطر من الأرستقراطيين لا سيما حاملات الألقاب مثل النبيلات لا مارك، ودبوفليه، ودبريين، ودلكسمبور. ولعب مئات من الأشراف والأساقفة دوراً نشيطاً في الحملات التي شنت لتحقيق المساواة في الضرائب، والحد من الإسراف الحكومي، وتنظيم أعمال البر، وإنهاء السخرة(13). وبذل بعض الأشراف، كدوقة بوربون، معظم ثروتهم للفقراء(14).
على ان هذا كله لم يكن إلا حيلة لطيفة فوق الواقع الواضح للعيان، وه وأن طبقة النبلاء الفرنسيين لم تعد تستأهل قوتها. صحيح أن كثيرين منهم حاولوا الاضطلاع بمسئولياتهم التقليدية، غير أن المفارقة بين التبطل المترف الذي يرتع فيه الإقطاعيون الأثرياء وبين شظف العيش الذي تعانيه الجماهير أشرفت غير مرة على المجاعة، أثارت العداء والاحتقار. وقبل ذلك بزمن مديد أصدر رجل، كان هو نفسه نبيلاً عظيماً، حكم الإعدام على طبقته، فلنستمع إلى رينيه-لوي دفواييه، مركيز دارجنسون، وزير الدولة (1744-47) يكتب حوالي 1752:




صفحة رقم : 14467




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> النبلاء والثورة







"لا بد من القضاء على سلالة السادة العظام قضاء مبرماً. وأعني بالعظام أصحاب الألقاب والأملاك والعشور والمناصب والوظائف، الذين يتبوأون المقام الرفيع رغم أنهم بلا كفايات وأنهم ليسوا بالضرورة راشدين، فهم لذلك عديمو القيمة في كثير من الأحايين... وإني ألاحظ أن الناس يحافظون على سلالة من كلاب الصيد الأصيلة، ولكن متى تدهورت السلالة قضوا عليها"(15).
هؤلاء السادة بعينهم، والأغنياء، والمتكبرون، الذين لا وظيفة لهم في الغالب، هم بدأوا الثورة. ذلك أنهم كانوا ينظرون بحسرة إلى العهد الذي سبق ريشليو، يوم كان طبقتهم هي السلطة الحاكمة في فرسنا. وحين أكدت البرلمانات حقها في إبطال المراسم الملكية، انضم نبلاء الدم والسيف إلى نبلاء الرداء-وهم القضاة الوراثيون-في محاولة لإخضاع الملك. وهللوا لخطباء البرلمان الذي رددوا صيحة "الحرية" وشجعوا الشعب وكتاب الكراريس على التنديد بسلطة لويس السادس عشر المطلقة. وليس في وسعنا أن نلومهم على هذا، غير أنهم بإضعافهم سلطة الملك مكنوا 1789 الجمعية التشريعية التي تهيمن عليها الطبقة البرجوازية من أن تستحوذ على السادة في فرسنا. وهكذا دق النبلاء أول مسمار في نعشهم.




صفحة رقم : 14468




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> الفلاحون والثورة








2- الفلاحون والثورة


كان اكثر العمل الزراعي المؤدي على الخمسة والخمسين في المائة من أرض فرنسا الذي يمتلكه النبلاء ورجال الدين والملك، يؤديه محصصون يأخذون المواشي والأدوات والبزاز من المالك ويدفعون له نصف المحصول عادة. وكان هؤلاء المحاصصون بوجه عام فقراء معدمين حتى لقد حكم آرثر ينج على هذا النظام بأنه "لعنة البلاد بأسرها وخرابها"(16)، ومرد ذلك ضعف الحوافز أكثر من قسوة الملاك.
أما أغلبية الملاك الفلاحين الذين زرعوا خمسة وأربعين في المائة من الأرض فقد قضي عليهم بالفقر صغر مساحة أراضيهم، الأمر الذي حد




صفحة رقم : 14469




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> الفلاحون والثورة







من استعمال الآلات الزراعية استعمالاً رابحاً. وتخلفت التكنولوجيا الزراعية في فرنسا عن نظيرتها في إنجلترا. صحيح كان هناك مدارس زراعية ومزارع نموذجية، ولكن لم يفد منها غير قلة من المزارعين. ولعل ستين في المائة من الملاك الفلاحين كانوا يملكون أقل من الهكتارات الخمسة (نحو ثلاثة عشر فداناً) اللازمة لإعاشة الأسرة، واضطر الرجال للعمل فعلة أجراء على المزارع الكبيرة. وقد ارتفعت أجور فعلة المزارع اثني عشر في المائة بين 1771 و1789، ولكن الأسعار ارتفعت في الفترة ذاتها خمسة وستين في المائة أو أكثر(17). ومع أن الإنتاج الزراعي ارتفع خلال حكم لويس السادس عشر، فإن الأجراء من الفلاحين ازدادوا فقراً، وألفوا برولتارياً ريفية كان في فترات العمالة الراكدة بمثابة معمل تفريخ ينتج حشوداً من المتسولين والمتشردين. وقد ذهب شامفور إلى أنه "لا جدال في أن بفرنسا سبعة ملايين رجل يتسولون، واثني عشر يعجزون عن التصدق"(18).
ولعل فقر الفلاحين قد بالغ الرحالة في وصفه لأن أول ما استرعى ملاحظتهم كان الأحوال الظاهرة؛ فهم لم يروا العملة والسلع المخبأة هرباً من عين مقدر الضريبة. وتتضارب التقديرات المعاصرة لهذه الفترة. فقد وجد آرثر ينج مناطق يعمها الفقر والتوحش والقذارة كما في بريتاني، ومناطق فيها الثراء والكبرياء كما في بيارن(19). ويمكن القول عموماً أن الفقر في ريف فرنسا عام 1789 لم يكن مدقعاً كما كان في إيرلندة، ولا أسوأ منه في أوربا الشرقية أو في بعض الأحيان الفقيرة المزدحمة في المدن "الغنية" في وقتنا الحاضر، ولكنه كان أسوأ منه في إنجلترا أو في وادي بو المعطاء أبداً. وتشير أحدث الدراسات إلى أنه "كان هناك أزمة زراعية في نهاية النظام القديم"(20). فإذا جاء القحط والمجاعة، كما حدث في 1788-89 بلغت معاناة الفلاحين لا سيما في جنوبي فرنسا مبلغاً لم ينج فيه نصف السكان من التضور جوعاً إلا بفضل الصداقات التي وزعتها الحكومة والكهنة.
وكان على الفلاح أن يدفع ما يفرض عليه أداؤه للدولة والكنيسة والنبلاء. ووقعت ضريبة التاي-أي ضريبة الأرض-كلها تقريباً على كاهله. وكان يقدم كل الرجال اللازمين لمشاة الجيش أو جلهم. وقد تحمل عبء




صفحة رقم : 14470




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> الفلاحون والثورة







احتكار الحكومة للملح. وكان الفضل لجهده في صيانة الطرق والجسور والقنوات. ولعله كان مؤدياً العشور برضى أكثر-فهو رجل "يخاف الله" والعشور تجبى جباية رحيمة، وندر أن اقتضته عشر دخله بالضبط(21)، ولكنه رأى أكثرها يترك الأبرشية ليعول أسقفاً في بلد ناء، أو كنسياً عاطلاً في البلاط، بل حتى علمانياً اشترى حصة في العشور المستقبلة. وقد خفف لويس السادس عشر عبء الضريبة المباشرة على الفلاح، ولكن الضرائب غير المباشرة زيدت في كثير من الأقاليم(22).
فهل كان فقر الفلاح سبب الثورة؟ لقد كان فقره عاملاً درامياً في مركب من أسباب عدة. كان أفقر الفقراء أعجز من أن يثوروا؛ في استطاعتهم أن يرفعوا أصواتهم طلباً للغوث، ولكنهم لا يملكون الوسيلة ولا الهمة لتنظيم الثورة، إلى أن استنفرهم المزارعون الأكثر ثراء وعملاء الطبقة الوسطى، وانتفاضات رعاع باريس. على انه حين وهنت قوى الدولة نتيجة تطور الشعب الفكري، وحين سرت عدوى الأفكار الراديكالية إلى الجيش سرياناً خطراً، وحين لم تعد السلطات المحلية قادرة على الاعتماد على التأييد الحربي يأتيها من فرساي-عندها أصبح الفلاحون قوة ثورية، فتجمعوا، وتبادلوا الشكاوي والعهود، وتسلحوا، وهاجموا القصور الريفية، وأحرقوا بيوت الإقطاعيين المتغطرسين، ودمروا السجلات الإقطاعية التي استشهدوا بها على صحة الحقوق الإقطاعية، هذا العمل المباشر، الذي هدد بتدمير شامل لأملاك الإقطاعيين، هو الذي روع النبلاء فنزلوا عن امتيازاتهم الإقطاعية (4 أغسطس 1789). ووضعوا بذلك نهاية شرعية للنظام القديم.




صفحة رقم : 14471




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> الصناعة والثورة








3- الصناعة والثورة


في موضوع الصناعة على الأخص تغيم الصورة السابقة للثورة وتتعقد(1). فالصناعة لبيئية-صناعة الرجال والنساء والأبناء في البيت-كانت تخدم التجار الذين يوفرون المادة ويشترون الناتج(2)، والطوائف الحرفية-المعلمون، وعمال اليومية، والصبية-كانت تنتج السلع اليدوية لتلبية الاحتياجات المحلية بنوع خاص. وقد عمرت هذه الطوائف حتى الثورة، ولكن في




صفحة رقم : 14472




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> الصناعة والثورة







1789 كان قد أوهنها غايو الوهن نمو(3) المشروعات الحرة الرأسمالية-وهي شركات كان لها لأن تجمع رأس المال من أي مصدر، وأن تستأجر أي إنسان. وأن تبتكر وتطبق أساليب جديدة في الإنتاج والتوزيع، وأن تتنافس مع أي إنسان، وأن تبيع في أي مكان. وكانت هذه المؤسسات عادة صغيرة ولكنها أخذت تتكاثر، فكان في مرسيليا وحدها عام 1789 ثمانية وثلاثون مصنعاً للصابون، وثمانية وأربعون للقبعات، وثمانية للزجاج، واثنا عشر لتكرير السكر وعشر مدابغ(23). أما في المنسوجات، والبناء، والتعدين، وتصنيع المعادن، فقد اتسعت الرأسمالية وغدت مشروعات واسعة النطاق، وكان كل هذا عادة بفضل شركات المحاصة.
وكانت فرنسا بطيئة في الأخذ بآلات النسيج التي كانت آنئذ تفتتح الثورة الصناعية في إنجلترا، ولكن مصانع نسيج كبيرة كانت تدور دواليبها في آبفيل، وأميان، ورامس، وباريس، ولوفييه، وأورليان، وازدهرت صناعة الحرير في ليون. وكانت صناعات المعمار تقيم تلك العمائر الضخمة ذات الشقق، التي ما زالت تضفي على المدن الفرنسية ملامحها المميزة. وكانت صناعة السفن تشغل آلاف العمال في نانت، وبدرو، ومرسيليا، أما التعدين فكان أكثر الصناعات الفرنسية تقدماً. وقد احتفظت الدولة بجميع الحقوق في التربة السفلية، وأجرت المناجم لأصحاب الامتياز، وفرضت قانون أمن للمعدنين(24)، وحفرت الشركات مداخل للمناجم وصل عمقها إلى ثلاثمائة قدم، وركبت أجهزة غالية للتهوية، والصرف، والنقل، وخلقت أصحاب الملايين. وكان لشركة انزان (1790) أربعة آلاف عامل، وستمائة حصان، واثنتا عشرة آلة بخاري، وكانت تستخرج 310.000 طن من الفحم في العام. وقد وفر استخراج الحديد وغيره من المعادن المادة لصناعة معدنية متسعة. وفي 1787 جمعت شركة كرزور المساهمة رأسمال قدره عشرة ملايين جنيه لاستخدام أحدث الآلات في إنتاج المصنوعات الحديدية، وكانت الآلات البخارية تشغل المنافيخ، والمطارق، والمثاقب، ومكنت السكك الحديدية الجواد الواحد من أن يجر ما كان يحتاج جره من قبل إلى خمسة جياد.




صفحة رقم : 14473




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> الصناعة والثورة







وقد ابتكر الفرنسيون بعض الاختراعات المذهلة في هذه السنين. ففي 1776 رفه المركيز جوفروا عن الجماهير المحتشدة على نهر دوب بمنظر قارب تحركه آلة بخارية، وذلك قبل أن يبحر زورق فولتن "كليرمونت" التجارية في نهر هدسن ذهاباً وإياباً. بل أدهش من هذا كانت الخطوات الولى في غزو الفضاء. ففي 1766 أثبت هنري كافندش أن للهيدروجين كثافة أقل من الهواء، واستنتج جوزف بلاك أن كيساً يملأ بالهيدروجين يستطيع الصعود إلى الجو. وعكف جوزف وإتيين مونجولفييه على تجاربهما على هدى المبدأ القائل بأن الهواء تقل كثافته إذا سخن؛ وفي 5 يونيو 1783، في انونيه قرب ليون، ملأ بالوناً بالهواء المسخن، فارتفع إلى علو ألف وستمائة قدم، ثم هبط بعد عشر دقائق حين برد هواؤه. وصعد بالون مملوء بالهيدروجين صممه جاك-الكسندر شارل من باريس في 27 أغسطس 1783 على مشهد من 300.000 متفرج يهتفون له، فلما هبط على بعد خمسة عشر ميلاً مزقه حشد من القرويين إرباً زاعمين أنه عدو مغير من الجو(25). وفي 15 أكتوبر قام جان-فرانسوا بيلاتر دروزييه بأول طيران مدون للإنسان، مستخدماً بالوناً كبالون مونجولفييه به هواء مسخن، واستمر صعوده أربع دقائق. وفي 7 يناير 1785 طار الفرنسي فرانسوا بلانشار، والفيزيائي الأمريكي جون جفريز، في بالون من إنجلترا إلى فرنسا. وبدأ الناس يتحدثون عن الطيران إلى أمريكا(26).
وزكت مدن فرنسا خلال هذا العهد الحاسم بعد أن غذتها الصناعة والتجارة. فكانت ليون تشغى بالحوانيت والمصانع والمشروعات. وذهل آرثر ينج لفخامة بوردو. وأصبحت باريس الآن مركزاً تجارياً أكثر منه سياسياً، فكانت بمثابة القلب لمجمع اقتصادي يهيمن على نصف عاصمة فرنسا، ومن ثم على نصف اقتصادها. وكان يسكنها عام 1789 نحو 600.000 نسمة(27). ولم تكن وقتها مدينة ذات جمال رائع، وقد وصف فولتير الكثير منها بأنه جدير بالقوط والفندال(28). وقال بريستلي الذي زارها في 1774: "لا أستطيع الزعم بأنه قد راعني شيء منها غير اتساع




صفحة رقم : 14474




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> الصناعة والثورة







العمائر العامة وبهائها، وفي مقابل هذا ساءني كثيراً ضيق أكثر الشوارع وقذارتها ونتنها"(29). ومثل هذا الوصف كتبه ينج:
أن تسعة أعشار الشوارع قذر، وكلها خلو من أرصفة المشاة. والمشي-الذي تجده في لندن غاية في الإمتاع والنظافة بحيث تمارسه السيدات يومياً-هو هنا كد وعناء للرجل، وضرب من المحال على المرأة الأنيقة الثياب.. وعربات الركوب كثيرة، وأسوأ من ذلك كثيراً ذلك العدد الهائل من "الكبريلات" التي يجرها حصان واحد ويسوقها الفتيان العصريون ومقلدوهم. بسرعة فائقة... تجعل الشوارع بالغة الخطر... وقد لطخني أنا نفسي رشاش الوحل غير مرة"(30).
وأخذت طبقة من العمال الكادحين "برولتاريا: تتشكل في المدن كبيرها وصغيرها، رجال ونساء، وأطفال لقاء أجر بأدوات ومواد ليست ملكاً لهم. ولا يتوافر لدينا إحصاء عنهم، ولكن قدر عددهم في باريس عام 1789 بـ 75.000 أسرة، أو 300.000 فرد(31). وكان هناك أعداد كبيرة بهذه النسبة في آبفيل، وليون، ومرسيليا. وكانت ساعات العمل طويلة والأجور ضئيلة، لأن حكماً أصدره برلمان باريس (12 نوفمبر 1778) حظر على العمال تنظيم أنفسهم. وقد ارتفعت الأجور ما بين عامي 1741 و1789 اثنين وعشرين في المائة، وارتفعت الأسعار خمسة وستين في المائة(32)، ويبدو أن حال العمال تدهور في عهد لويس السادس عشر(33)، فلما قل الطلب، أو اشتدت المنافسة الأجنبية (كما حدث في 1786)، طردت أعداد كبيرة من العمال فأصبحوا كلا على البر والإحسان. وكادت آلاف الأسر تموت جوعاً عندما ارتفع ثمن الخبز، الذي كان قوام نصف طعام الجماهير الباريسية(34). وكان ثلاثون ألف شخص يتلقون الإغاثة العامة في ليون عام 1787، واشتد فقر ثلثي سكان رامس في 1788 عقب أحد الفيضانات، وفي باريس عام 1791 قيدت مائة ألف أسرة على أنها معوزة(35). وكتب مرسييه حوالي 1785 يقول "أن عامة الشعب في باريس ضعاف الأبدان صفر الوجوه صغار الأجسام معوق النمو وكأنهم طبقة تفردت عن سائر الطبقات في الدولة(36).




صفحة رقم : 14475




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> الصناعة والثورة







وألف العمال الاتحادات وأضربوا في تحد لأوامر الحظر ففي 1774 توقفوا عن العمل لارتفاع تكاليف المعيشة بأسرع من الأجور. ودفع الإحباط الكثير من العمال إلى الرحيل عن ليون قاصدين مدناً أخرى، بل مهاجرين إلى سويسرا أو إيطاليا، ولكنهم أوقفوا على الحدود وأعيدوا إلى موطنهم قسراً. وثار العمال، واستولوا على مكاتب البلدية، وأقاموا دكتاتورية قصيرة الأجل من البرولتاريا على الكومون. فاستدعت الحومة الجيش الذي أخمد التمرد، ثم شنق اثنان من زعماء العمال، وعاد المضربون وأرباب العمل على السواء(37).
وفي 1786 عادوا إلى الإضراب، مؤكدين أنهم عاجزون عن إعالة أسرهم حتى بمواصلة العمل ثماني عشرة ساعة في اليوم، شاكين من أنهم يعاملون "بأقسى مما تعامل به الحيوانات المنزلية، فحتى هذه تعطى من الطعام ما يكفي لحفظها سليمة قوية"(38). ووافقت سلطات المدينة على منحهم علاوة، ولكنها حظرت أي اجتماع يضم أكثر من أربعة أشخاص. واضطلعت كتيبة مدفعية يتنفيذ هذا الخطر، وأطلق الجند الرصاص على المضربين فقتلوا عدة أشخاص، وعاد المضربون إلى العمل وسحبت العلاوة منهم بعد ذلك(39).
وقد نشبت حوادث الشغب احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة، متفرقة طوال النصف الثاني من القرن الثامن عشر. فوقعت منها ستة في نورمنديه بين عامي 1752، و1768؛ وفي 1768 سيطر القائمون بالشغب مماثلة على روان، ونهبوا مخازن الغلال الحكومية، وسلبوا المتاجر، ووقعت أحداث مماثلة في رامس عام 1770، وفي بواتيه عام 1772، وفي ديجون وفرساي وباريس ويونتوار عام 1775، وفي اكس-أن-بروفانس عام 1785، ثم في باريس عامي 1788، 1789(40).




صفحة رقم : 14476




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> الصناعة والثورة







فأي دور إذن لعبه فقر البرولتاريا، أو فقر المدن عموماً، في إحداث الثورة؟ لقد كان في ظاهر سبباً مباشراً، فالعجز في الخبز وما ترتب عليه من شغب في باريس في 1788-89 رفع حمى الشعب إلى درجة كان فيها أفراده على استعداد للمغامرة بحياتهم في تحدي الجيش والهجوم على الباستيل على أن الجوع والغضب يستطيعان إعطاء القوة المحركة، ولكنهما لا يعطيان القيادة، ومن المحتمل أن جوادث الشغب كان يمكن تهدئتها بخفض سعر الخبز لو لك توجه القيادة من الطبقات الأعلى المتمردين للاستيلاء على الباستيل والزحف على فرساي. ثم أن الجماهير لم يكن لديها إلى ذلك الحين أي فكرة عن قلب الحكومة، أو خلع الملك، أو إقامة جمهورية. وكانت طبقة البرولتاريا تتحدث عن المساواة الطبيعية حديثاً يملؤه الأمل، ولكنها لم تحلم بالاستيلاء على الدولة. لقد طالبت بتنظيم الدولة للاقتصاد-بينما عارضته البورجوازية-أو على الأقل بتحديد سعر الخبز، ولكن هذا كان عودة للنظام القديم، لا تقدماً نحو اقتصاد تهيمن عليه الطبقة العاملة. صحيح. أنه حين جد الجد كان رعاع باريس المدافعون بالجوع والمحرضون من الخطباء والعملاء هم الذين استولوا على الباستيل ومنعوا بذلك الملك من استخدام الجيش ضد الجمعية الوطنية، ولكن حين أعادت الجمعية تنظيم فرنسا كان ذلك بإرشاد البورجوازيين وتحقيقاً لأهدافهم.




صفحة رقم : 14477




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> البرجوازية والثورة








4- البورجوازية والثورة


كان الملمح البارز للحياة الاقتصادية الفرنسية في القرن الثامن عشر هو صعود طبقة التجار ورجال الأعمال. وكانت قد بدأت تزكو أيام لويس الرابع عشر وكولبير، وأفادت أعظم فائدة من الطرق والقنوات الممتازة التي يسرت التجارة، وأثرت على الاتجار مع المستعمرات، وارتفعت إلى مكان مرموق في الوظائف الإدارية (حتى 1781)، وهيمنت على مالية الدولة.
ولكن أزعجتها إلى حد التمرد تلك المكوس التي فرضت لصالح




صفحة رقم : 14478




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> البرجوازية والثورة







الإقطاعيين أو الحكومة على الطرق والترع، وذلك الفحص المضيع للوقت للشحنات عند كل محطة للمكوس وكان هناك ثلاثون إلى أربعين من هذه المكوس يجب أن يدفعها المركب الذي يحمل بضاعة من جنوبي فرنسا إلى باريس(41). وطالب رجال الأعمال بحرية التجارة داخل الحدود، ولكنهم لم يكونوا واثقين من رغبته في هذه الحرية بين الأمم.
ومع ذلك دعم خفض التعريفات التجارة الخارجية وملأ خزائن طبقة التجار. وتضاعفت التجارة تقريباً بين عامي 1763 و1787، ونيفت على بليون فرنك في 1780(42). واكتظت مدن الثغور الفرنسية بالتجار، والشاحنين، والملاحين، والمتاجر، ومعامل التحرير، ومصانع التقطير، وفي تلك المدن كانت طبقة التجار ورجال الأعمال هي الغالبة قبل أن تكرس الثورة تفوقها القومي بزمان.
وجاء شطر من الثروة التجارية من قنص العبيد الأفارقة أو شرائهم ونقلهم إلى أمريكا وبيعهم هناك ليعملوا على المزارع الكبيرة، وهو ما كانت عليه الحال في إنجلترا. ففي 1788 شحن تجار الرقيق الفرنسيون 29.506 زنجياً إلى سان-دومنج (هايتي) وحدها"(43). وكان المستثمرون الفرنسيون يمتلكون معظم الأرض والصناعات هناك وفي جواد لوب والمارتنيك. وفي سان-دومنج كان ثلاثون ألفاً من البيض يستخدمون 480.000 عبد(44).وفي 1789 صرحت غرفة بوردو التجارية بالآتي: "أن فرنسا تحتاج إلى مستعمراتها




صفحة رقم : 14479




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> البرجوازية والثورة







لصيانة تجارتها، ومن ثم تحتاج إلى عبيد حتى تصبح التجارة مجزية في هذا الجزء من العالم، على الأقل إلى أن يعثر على وسيلة أخرى"(45).
واحتاجت المشروعات الصناعية والاستعمارية وغيرها إلى رأس المال، وولدت سلالة متكاثرة من المصرفيين، وعرضت شركات المحاصة السندات، وطرحت الحكومة أسهم القروض، وتطورت المضاربة في بيع وشراء السندات المالية، واستأجر المضاربون صحفيين لبث الشائعات المقصود بها رفع أسعار الأسهم أو خفضها(46). وحظي بعض المصرفيون بثقة شخصية تفوق الثقة في الحكومة، ومن ثم استطاعوا أن يقترضوا بفائدة منخفضة، ويقوضوا الحكومة بفائدة اعلى، ويزيدوا ثروتهم بإمساك دفاترهم لا أكثر-ما دام حكمهم صائباً وما دامت الدولة تدفع ديونها.
وتعاظم ثراء الملتزمين العامين (وهم الماليون الذين كانوا يشترون حق جباية الضرائب غير المباشرة بتقديمهم قرضاً للحكومة) واشتد كره الناس لهم، وذلك لأن الضرائب غير المباشرة، كضرائب البيوع عموماً، كانت أفدح ما تكون على من يضطرون لإنفاق الكثير من دخلهم على ضروريات الحياة اليومية. وكان بعض هؤلاء الملتزمين مثل هلفتيوس ولا فوازييه، رجالاً ذوي نزاهة نسبية وروح وطنية، أسخياء في مساهمتهم في البر والآداب والفنون(47). وتبينت الحكومة مساوئ نظام الالتزام هذا، وخفضت عدد الملتزمين من ستين إلى أربعين في 1780، ولكن عداء الشعب لهم استمر. وقد ألغت الثورة النظام، وكان رأس لافوازييه أحد الرءوس التي تهاوت في هذه العملية.
ولما كان نظام الضرائب قد لعب دوراً قيادياً بين أسباب الثورة، فلا بد لنا من أن نذكر القارئ مرة أخرى الضرائب التي كان الفرنسيون يدفعونها. (1) كانت التاي ضريبة على الأرض والأملاك الشخصية. وقد




صفحة رقم : 14480




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> البرجوازية والثورة







أعفى الأشراف منها لما يؤدونه من خدمة حربية، وأعفى الأكليروس لأنهم يحفظون النظام الاجتماعي ويصلون من اجل الدولة، وأعفى القضاة وكبار الإداريين، وموظفو الجامعات، ووقع كل الضريبة تقريباً على كاهل ملاك الأرض من الطبقة الثالثة-ومن ثم على الفلاحين في المقام الأول. (2)ضريبة الرءوس وكانت تفرض على كل رأس في الأسرة، ولم يعف منها غير الأكليروس (3)الضريبة العشرينية وكانت ضريبة على الملكية كلها عقارية أة شخصية، ولكن النبلاء تهربوا من شطر كبير منها ومن ضريبة الرءوس باستخدام النفوذ الخاص، أو استخدام المحامين ليعثروا على ثغرات في القانون، وتفادى الأكليروس الضريبة العشرينية بعطاء اختياري دوري للدولة (4)كانت كل مدينة تدفع ضريبة للحكومة وتفرضها على مواطنيها. (5)فرضت الضرائب غير المباشرة بهذه الوسائل: (أ) مكوس النقل. (ب) مكوس الاستيراد والتصدير. (جـ) رسوم الإنتاج على الأنبذة والمسكرات والصابون والجلد والحديد وورق اللعب الخ. (د) الاحتكارات الحكومية لبيع التبغ والملح، فكان على كل فرد أن يشتري كل عام حداً أدنى مقرراً من الملح من الحكومة بالسعر الذي تحدده، وكان دائماً أعلى من سعر السوق. وكانت ضريبة الملح (الجابل) هذه من أكبر أسباب شقاء الفلاح (6)كان الفلاح يدفع ضريبة لينجو من السخرة. وبلغت جملة ما يدفعه الفرد من الطبقة الثالثة في المتوسط من الضرائب اثنين وأربعين إلى ثلاثة وأربعين في المائة من دخله(48).
فإذا أخذنا التجار وأصحاب المصانع ورجال المال والمخترعين والمهندسين والعلماء وصغار البيروقراطين والكتبة وأصحاب الحوانيت والكيميائيين والفنانين والكتبية والمعلمين والمؤلفين والفيزيائيين والمحامين والقضاء من غير ذوي الألقاب-إذ أخذنا هؤلاء جملة باعتبارهم المؤلفين للطبقة البورجوازية، أمكننا أن نفهم كيف أنها في 1789 كانت قد أصبحت أغنى وأنشط شطر من الأمة. ولعلها كانت تملك من الأرض الريفية قدر ما تهملك طبقة النبلاء(49)، وكان في استطاعتها اكتساب النبالة بمجرد شراء إقطاعة نبيلة




صفحة رقم : 14481




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> البرجوازية والثورة







أو وظيفة من وظائف "السكرتيرين" الكثيرة للملك. وبينا خسرت الطبقة النبيلة النفر والمال بفعل البطالة والإسراف والتحلل البيولوجي، وخسر الأكليروس والأرض الصلبة بصعود العلم والفلسفة، والحياة والناموس الأبيقوريين الحضريين، ازدادت الطبقات الوسطى مالاً وقوة بفضل تطور الصناعة والتكنولوجيا والتجارة والمالية، فملأت بغلاتها أو وارداتها الحوانيت (البوتيكات) التي أدهش بهاؤها الزوار الأجانب الذين ألموا بباريس أولون أورامس أو بوردو(50). وبينما كانت الحروب تفقر الحكومة كانت تغني الطبقة البورجوازية التي قدمت النقل والمواد. وقد انحصرت أكثر الثروة المتعاظمة في المدن؛ وهربت من الفلاحين والعمال وظهرت أوضح ما تكون في التجار والماليين. فكان أربعون تاجراً فرنسياً يملكون في 1789 ثروة جملتها ستون مليون جنيه(51)، وجمع مصرفي واحد هو باري-مونمارتل مائه مليون(52).
أما السبب الأساسي في الثورة فهو تلك المفارقة بين الواقع الاقتصادي والنظم السياسية، وبين أهمية الطبقة البورجوازية في إنتاج الثروة وتملكها وبين إقصائها عن القوة السياسية. وكانت الطبقة الوسطى الراقية على وعي بقدراتها وحساسة للاستخفاف بها. وأحفظها انغلاق طبقة النبلاء الاجتماعي ووقاحتها-كما حدث لامرأة ألمعية هي مدام رولان حين دعيت للمكث حتى تتناول العشاء في بيت أرستقراطي، ثم وجدت الطعام يقدم لها في جناح الخدم(53).
ولم يكن بالطبقات الوسطى رغبة في الإطاحة بالملكية، ولكنها تطلعت إلى الهيمنة عليها. ولم يكن بها رغبة قط في الديموقراطية، ولكنها أرادت




صفحة رقم : 14482




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> البرجوازية والثورة







حكومة دستورية، يمكن أن يحشد فيه ذكاء جميع الطبقات للتأثير في التشريع والإدارة والسياسة. وقد طالبت بالتحرر من هيمنة الدولة أو الطوائف النقابية على الصناعة أو التجارة، ولكنها لم تكره الإعانات المالية الحكومية، أو التأييد من الفلاحين وجماهير المدن لتحقيق أهدافها. وكان لب الثورة الفرنسية هو إطاحة البورجوازية بالنبلاء والأكليروس، وهي بورجوازية استخدمت سخط الفلاحين للقضاء على الإقطاعية، وسخط جماهير المدن لشل جيوش الملك. فلما عقد اللواء للجمعية التأسيسية بعد عامين من الثورة، ألغت نظام الإقطاع، وصادرت أملاك الكنيسة، وأجازت تنظيم التجار، ولكنها حظرت جميع تنظيمات العمال أو تجمعاتهم (14 يونيو 1791)(54).




صفحة رقم : 14483




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> احتشاد القوى








5- احتشاد القوى


كانت هذه القوى الثورية كلها خاضعة لتأثير الأفكار، وقد استخدمتها قناعاً للرغبات ومؤججاً لها. وكان يوجد بالإضافة إلى الدعوة لتي نشرها الفلاسفة الفزيوقراطيين شيوعيون مبعثرون واصلوا ووسعوا الاشتراكية التي فصلها في الجيل الماضي موريللي، ومابلي، ولنجيه(56). فسبق بريسو دفارفيل بكتابه "مباحث فلسفية حول حق الملكية" (1780) كتاب بيير برودون "ليست الملكية إلا لصوصية"، إذ زعم أن الملكية الخاصة إنما هي سرقة للممتلكات العامة، فليس هناك "حق مقدس... يبيح أكل طعام عشرين رجلاً بينما يكون نصيب الرجل الواحد غير كاف "والقوانين" مؤامرة الأقوياء على الضعفاء، والأغنياء على الفقراء"(57). وقد اعتذر بريسو فيما بعد عن كتبه الأولى باعتبارها فورات طالب، وأصبح من زعماء الجيروند، وأعدم بالجليوتين لاعتداله (1793).
وفي 1789 قبيل الاستيلاء عنوة على الباستيل، أصدر فرانسوا بواسيل "كتاب "تعليم النوع الإنساني بالسؤال والجواب"، قطع الشوط كله إلى الشيوعية، فزعم أن كل الشرور مردها الطبقة المرتزقة، القاتلة للبشر، والمعادية للمجتمع، التي ظلت إلى الآن تحكم الناس وتذلهم وتدمرهم"(58). ولقد استرق الأقوياء الضعفاء، ووضعوا القوانين ليحكموا. واخترعت




صفحة رقم : 14484




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> احتشاد القوى







الملكية، والزواج، والدين، لإضفاء الشرعية على الغصب، والعنف والخداع، وكانت النتيجة أن قلة قليلة هي التي تملك الأرض، بينما تكابد الأغلبية الجوع والبرد. وما الزواج إلا ملكية خاصة في النساء، وليس لإنسان حق في أكثر مما يحتاج إليه، وكل ما زاد على ذلك يجب أن يوزع على كل إنسان حسب حاجته. وعلى العاطلين الأغنياء أن يعملوا أو يجوعوا. ويجب أن تحول الأديرة إلى مدارس(59).
أما أطراف هؤلاء الراديكاليين وأبعدهم أثراً فهم فرانسوا-أميل ببايف. فبعد أن أعان النبلاء والأكليروس في تأكيدهم للحقوق الإقطاعية ضد الفلاحين(60)، أرسل إلى أكاديمية آراس (21 مارس 1787) اقتراحاً بأن تقدم جائزة لأفضل مقال يكتب في هذا الموضوع "إذا أخذنا في الاعتبار مجموع المعرفة التي حصلناها الآن، فماذا يكون حال شعب بلغت غرائزهم الاجتماعية حالة تستوجب أن تسود بينهم المساواة الكاملة... التي يكون فيها كل شيء مشتركاً بينهم"(61). غير أن الأكاديمية لم تستجب لاقتراحه، فبين جراكوس بابيف (كما سمى نفسه فيما بعد) في رسالة بتاريخ 8 يوليو 1787 أم كل الناس متساوون بالطبيعة، وأن كل الأشياء مشتركة في الحالة الطبيعية، أما كل التاريخ التالي لهذه الحالة فهو انحطاط وخداع. وقد جمع خلال الثورة أتباعاً كثيرين، وكان على وشك تزعم تمرد على حكومة الإدارة، ولكن عملاءها قبضوا عليه فحكم عليه بالإعدام (1797).
ثم هل كان البناءون الأحرار (الماسون) عاملاً في الثورة؟ لقد سبق ذكر صعود هذه الجمعية السرية في إنجلترا (1717) وأول ظهورها في فرنسا (1734)، وقد انتشرت سريعاً في أوربا البروتستانتية، وأيدها




صفحة رقم : 14485




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> احتشاد القوى







فردريك الثاني في ألمانيا، وجوستاف الثالث في السويد. وحظر البابا كلمنت الثاني عشر (1738) على السلطات الكنسية أو العلمانية الانضمام إلى الماسون أو مساعدتهم، ولكن برلمان باريس رفض تسجيل هذا الأمر البابوي، فجرده بذلك من مفعوله القانوني في فرنسا. وفي 1789 كان هناك 629 محفلاً ماسونياً في باريس، كل منها يضم عادة خمسين عضواً إلى مائة(62)، وبين هؤلاء كثير من النبلاء، وبعض الكهنة، وأخوة لويس السادس عشر، وأكثر زعماء حركة التنوير(63)، وفي 1760 أسس هلفتيوس محفل العلوم، وفي 1770 وسعة الفلكي لالاند إلى "محفل الأخوات التسع" (ربات الفنون). هنا التقى برتولييه، وفرانكلين، وكوندروسيه، وشامفور، وجروز، وأدمون، ثم سييس، وبريسو، وديمولان، ودانتون(64).
وكان الماسون من الناحية النظرية يستبعدون من عضويتهم كل "فاسق كافر" وكل "ملحد غبي"(65)، وكان على كل عضو أن يعلن إيمانه بـ "مهندس الكون الأعظم" ولم تشترط في العضو عقيدة دينية غير هذه، وبذلك قصر الماسون بوجه عام لاهوتهم على الربوبية. ويبدو أنهم كانوا أصحاب نفوذ في الحركة التي قامت لطرد اليسوعيين من فرنسا(66). وكان هدفهم المعلن أن ينشئوا جماعة إخوان دولية سرية يترابطون فيها بالاجتماع والطقوس ويتعهدون بتبادل العون وبالتسامح الديني والإصلاح السياسي. وفي عهد لويس السادس عشر دخلوا ميدان السياسة بنشاط، وأصبح عدد من الأعضاء الأرستقراطيين زعماء متحررين في الجمعية الوطنية-لافاييت، وميرابو الأب والإبن، والفيكونت دنواي، ودوق لارشفوكو-ليانكور ودوق أورليان(67).
وأخيراً جاءت الأندية ذات الطابع السياسي الواضح. وقد نظمت أول الأمر على غرار الأندية الإنجليزية-لتناول الطعام، والسمر، والقراءة-ثم أصبحت حوالي عام 1784 مراكز للدعوة شبه الثورة. قال معاصر إنهم في هذه الأندية "يبدون آراءهم بصوت عال ودون قيد في حقوق الإنسان، ومزايا الحرية، والشرور الكبرى الناجمة عن عدم المساواة في ظروف الحياة"(68). وبعد تجمع مجلس الطبقات كون المندوبون عن




صفحة رقم : 14486




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> احتشاد القوى







إقليم برنتي "نادي برتن"، ولم يلبث النادي أن وسع عضويته فشملت غير البرنتيين كميرابو الإبن، وسييس، وبروبسبير. وفي أكتوبر 1789 نقل مقره إلى باريس، وأصبح "جمعية اليعاقبة".
وهكذا تضافرت عشرات القوى المتنوعة لأحداث الثورة الفرنسية، وهو ما يحدث في معظم الأحداث البالغة الأهمية في التاريخ. وكان من العوامل الأساسية نمو الطبقات الوسطى عدداً وتعليماً وطموحاً وثراء وسلطاناً اقتصادياً، ومطالبتها بوضع سياسي واجتماعي يتناسب وإسهامها في حياة الأمة ومالية الدولة، وخشيتها من أن تجعل الخزانة سنداتها الحكومية عديمة القيمة بإعلانها الإفلاس. ومما لحق بهذا العامل واستخدامه مساعداً ومهدداً فقر ملايين الفلاحين الذين يستصرخون طلباً للتخفيف من الرسوم والشرائب والعشور، ورخاء عدة ملايين من الفلاحين لهم من القوة ما يكفي لتحدي الإقطاعيين وجباة الضرائب والأساقفة وأفواج الجند، والسخط المنظم الذي استشعرته جماهير المدن التي عانت من التلاعب في إمدادات الخبز، ومن تخلف الأجور عن الأسعار في التصاعد التاريخي للتضخم.
أضف إلى هذا أشتاتاً متشابكة من العوامل المساعدة: إسراف البلاط المكلف، وعجز الحكومة وفسادها، وإضعاف الملكية نتيجة لصراعها الطويل مع البرلمانات وطبقة النبلاء، وانعدام المؤسسات السياسية التي يمكن عن طريقها التعبير عن المظالم على نحو قانوني وبناء، ومستويات الإدارة الرفيعة التي يتوقعها مواطنون شحذت عقولهم المدارس والكتب والصالونات والعلم والفلسفة وحركة التنوير أكثر من أي شعب من الشعوب المعاصرة. هذا فضلاً عن انهيار الرقابة على المطبوعات أيام لويس السادس عشر، وبث أفكار الإصلاح أو الأفكار الثورية على يد فولتير، وروسو، وديدرو، ودالامبير، ودولباخ وهلفتيوس، وموريلليه، وموريللي، ومابلي، ولنجيه، ميرابو الأب، وطورجو، وكوندورسيه، وبومارشيه، وميرابو الإبن، ومئات غير هؤلاء من الكتاب الذين لم يكن لهم قط نظير من قبل عدداً وألمعية وقوة، والذين تغلغلت دعوتهم في كل طبقة باستثناء




صفحة رقم : 14487




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> تشريح الثورة -> احتشاد القوى







طبقة الفلاحين-في ثكنات الجيش، وصوامع الرهبان، وقصور الأشراف، وحجرات الانتظار الملكية. يضاف إلى هذا كله ذلك التقلص المدمر الذي أصاب الإيمان في صدق كنيسة كانت قد ساندت الأوضاع الراهنة وحق الملوك الإلهي، وبشرت بفضائل الطاعة والاستسلام، وكدست قدراً هائلاً من الثروة المحسودة في الوقت الذي لا تستطيع الحكومة أن تعثر فيه على وسيلة لتمويل واجباتها المتسعة. ثن انتشار الإيمان بـ "قانون طبيعي" يتطلب عدالة إنسانية لكل عاقل دون نظر للمولد أو اللون أو العقيدة أو الطبقة، و بـ "حالة طبيعية" معطاءة كل الناس فيها متساوون، فضلاء أحرار، سقطوا منها نتيجة لنمو الملكية الخاصة، والحرب، والقانون الذي يزجه لخدمة الطبقة المميزة، أضف إلى هذا ظهور وتكاثر المحامين والخطباء المستعدين للدفاع عن الوضع الراهن أو مهاجمته، ولإثارة مشاعر الشعب وتنظيمها، وتكاثر كتاب النشرات وضراوتهم، والنشاط السري للأندية السياسية، وطموح الدوق أورليان إلى التربع على عرش فرنسا مكان ابن عمه.
ثم أجمع هذه العوامل كلها معاً في حكم ملك لطيف خير ضعيف متردد حيره تشابك الصراعات من حوله، والدوافع المتضاربة في داخله، واتركها تفعل فعلها في شعب أشد وعياً بمظالمه، وأحر عاطفة وأقبل للإثارة وأخصب خيالاً من أي شعب آخر تقريباً وعاه التاريخ، ثم لا يلزم لضم هذه القوى وتأجيجها لتحدث انفجاراً ممزقاً إلا حادث يمس الجماهير، ويتغلغل تغلغلاً أعمق من الفكر في أقوى غرائز البشر. وربما كانت هذه هي وظيفة قحط عام 1788 ومجاعته، وشتاء 1788-89 القاسي. لقد تنبأ المركيز دجيريدان في 1781 بأن "الجوع وحده سيولد هذه الثورة الكبرى"(69). وقد وصل الجوع إلى الريف، وإلى لندن، وإلى باريس، وأنشب في الجماهير أظافره في ضراوة تكفي للتغلب على التقاليد، والاحترام، والخوف، ولتوفير مطية لتحقيق أهداف وأفكار رجال ينعمون بالغذاء الطيب. وهكذا تحطمت سدود القانون والعرف والتدين، واندلع لهيب الثورة.




صفحة رقم : 14488




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> القلادة الماسية








الفصل الثامن والثلاثون




الانهيار السياسي




1783- 1789




1- القلادة الماسية




1785


في يونيو 1783 عاد أكسيل فون فرسن إلى فرنسيا بعد أن أبلى بلاء حسناً في الدفاع عن أمريكا وكسب الفخار في يوركتون، فوجد ماري أنطوانيت في روعة حسنها الذي تركها عليه قبل ثلاث سنين. وحتى في 1787، حين كانت في الثانية والثلاثين، وجدها آرثر ينج "أجمل امرأة" رآها في البلاط ذلك اليوم(1). ولم تتردد في تأييد طلب جوستاف الثالث إلى لويس السادس عشر أن يعين فرسن الوسيم كولونيلاً للفوج السويدي الملكي في الجيش الفرنسي- مما سيتيح له قضاء وقت غير قصير في فرساي. واعترف أكسيل لأخته صوفي بأنه يحب الملكة، وأنه يتعقد أن حبه يلقى استجابة منها. وما من شك في أنها كانت تحس الود الحار نحوه، وقد تبادلا الرسائل الرقيقة بعد ثمانية أعوام عقب المحاولة الباسلة التي بذلها لتهريبها هي والملك من فرنسا، غير لأن دعوتها لصوفي أن تأتي وتعيش بقربه توحي بعزمها على أن تحتفظ بشعورها نحوه في نطاق الحدود اللائقة(2). ولم يكد يؤمن ببراءتها أحد في البلاط غير زوجها. وأكدت علاقتها الآثمة أغنية ذاعت بين عامة الشعب تقول:


إن شئت أن تعرف


ديوثاً، وابن زنا، وامرأة فاجرة،


فانظر إلى الملك، والملكة.




والأمير ولي العهد(3).






صفحة رقم : 14489




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> القلادة الماسية







ولقد لخص لوي- فيلب د سيجور الأمر في هذه العبارة: "لقد فقدت سمعتها ولكنها صانت فضيلتها"(4).
وفي 25 مارس 1785 ولدت ماري أنطوانيت ابناً ثانياً سمي لوي- شارل. وسر الملك سروراً عظيماً فوهبها قصر سان- كلو الذي كان قد اشتراه من الدوق أورليان بستة ملايين من الجنيهات. وأدان البلاط غلو تقديره للملكة، ولقبتها باريس على سبيل التهكم (السيدة العجز)(5). وقد استخدمت نفوذها على زوجها لتوجيه تعيينه للوزراء والسفراء وغيرهم من كبار القوم وحاولت دون جدوى أن تغير من كراهيته للتحالف مع النمسا، وزادت جهودها هذه من كره الشعب لها.
وفي هذا الجو من عداء الشعب لـ "النمساوية" L, Autrichienne كما كانوا يلقبونها نستطيع أن نفهم تصديق الناس لقصة القلادة الماسية. وكانت هذه القلادة ذاتها أمراً لا يصدق، فهي خيط من 647 ماسة قيل أنها تزن 2.800 قيراط(6) وكان اثنان من جواهرية البلاط هما شارل بومر وبول باسانج- قد اشتريا ماساً من نصف العالم ليصنعا قلادة لمدام دوباري، واثقين من أن لويس الخامس عشر سيبتاعها لها. ولكن لويس الخامس عشر مات، فمن تراه يشتري الآن حلية باهظة الثمن كهذه؟ وعرضها الجوهريان على ماري أنطوانيت لقاء 1.600.000 جنيه، فرفضتها لغلوها الشديد(7) وهنا تصدر الصورة الكاردينال برنس لوي- ريينه- إدوارد دروهان.
وكان الكاردينال ثمر ناضجة لأسرة من أعرق الأسر الفرنسية وأغناها، قيل أن دخله بلغ 1.200.000 جنيه في لعام. رسم قسيساً في 1760، وعين مساعداً لعمه رئيس أساقفة ستراسبورج، وبصفته هذه رحب رسمياً بماري أنطوانيت أول مرة دخلت فيها فرنسا (1770). فلما وجد ستراسبورج ميداناً يضيق به الطموح، عاش أكثر وقته في باريس، حيث أنضم إلى




صفحة رقم : 14490




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> القلادة الماسية







الحزب المناوئ للنمسا والملكة. وفي 1771أوفده لويس السادس عشر إلى فيينا مبعوثاً خاصاً لاستطلاع المناورات النمساوية لتقسيم بولندا. واغتاظت ماريا تريزا ممن الولائم الباذخة التي كان يولمها ومن بثه الشائعات الفاضحة عن ولي العهد الجديد. واستدعاه لويس السادس عشر إلى باريس، ولكن الأقارب الأقوياء أقنعوا الملك بأن يعينه كبير المتصرفين في المبرات الملكي (1777). وبعد عام رقي القس المرح الوسيم إلى رتبة الكاردينالية، وفي 1779 أصبح رئيساً لأساقفة ستراسبورج وهناك التقى بكاليوسترو فوقع تحت تأثير سحر المشعوذ وانطلت عليه دعاواه. وإذ كان روهان قد ارتفع إلى هذا المقام العالي بهذه السرعة الكبيرة، فقد خيل إليه أن في وسعه الطموح إلى تقلد منصب كبير وزراء لويس السادس عشر، شريطة أن يكفر عن سنوات معارضته للملكة.
وكان من أسباب لهوه في باريس مدام دلاموت- قالوا، المرأة الجذابة الذكية. وكانت جان دسان- ريمي دفالوا هذه تدعي أنها تحدرت من هنري الثامن ملك فرنسا وإحدى خليلاته. ولكن أسرتها فقدت ثروتها، فاضطرت جان إلى الاستجداء في الشوارع. وفي 1775 أكدت الحكومة نسبها الملكي، ومنحتها معاشاً قدره ثمانمائة فرنك. وفي 1780 تزوجت أنطوان دلاموت، وكان ضابطاً في الجيش يهوى الدس والتآمر، خدعها في أمر دخله، فكان زواجهما على حد قولها رباطاً بين القحط والمجاعة(8). وقد انتحل لقب كونت، فأصبحت جان مونتيسة دلاموت، وبهذه الصفة راحت ترف حول باريس وفراساي، وتغزو قلوب الرجال بما سمته "مظهر العافية والشباب (الذي سميه الرجال التألق)، وبشخصية غاية في الحيوية والمرح"(9). فلما أصبحت خليلة للكاردينال (1784)(10)، ادعت أن لها صلات وثيقة جداً في البلاط، وعرضت أن تنال له موافقة الملكة على أهدافه. فكلفت ريتو دفيليت تقليد خط جلالته، وجاءت الكردينال برسائل حب زعمت أنها من ماري أنطوانيت، وأخيراً وعدت بأن ترتب له لقاء مع الملكة. ثم دربت مومساً تدعى "البارونة" أوليفيا على انتحال شخصية الملكة، وفي "بستان فينوس"




صفحة رقم : 14491




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> القلادة الماسية







بفرساي، في جوف الليل البهيم، التقى الكاردينال فترة قصيرة بهذه المرأة، وحسبها أنطوانيت، ولثم قدمها، وتلقى منها وردة عربوناً للتصالح (أغسطس 1784)، أو هكذا تروي "الكونتيسة"(11).
ثم غامرت مدام دلاموت الآن بخطة أكثر جرأة لو نجحت لوضعت حداً لفقرها. ذلك أنها زورت خطاباً من الملكة يخول لروهان شراء القلادة باسمها، وقدم الكردينال الخطاب إلى بومر، فسلمه هذا الجوهر (14 يناير 1785) بعد تعهد كتابي منه بدفع 1.600.000 فرنك منجمة. وأخذ روهان الماسات إلى الكونتيسة، وبناء على طلبها إلى ممثل مزعوم للملكة. أما تاريخ الماسات بعد ذلك فغير مؤكد، ويبدو أن الكونت دلاموت أخذها إلى إنجلترا وباعها قطعة قطعة(12).
أوارسل بومر فاتورة بالقلادة إلى الملكة فردت بأنها لم تطلبها قط وأنها لم تكتب قط الخطاب الذي يحمل اسمها. فلما وافى القسط الأول (30 يوليو 1785) ولم يعرض روهان غير ثلاثين ألف فرنك من المبلغ المستحق وقدره 400.000 عرض بومر الأمر على البارون دبروتوي وزير البيت الملكي. فأنبأ بروتوي به الملك. فاستدعى لويس الكردينال ودعاه لتفسير تصرفاته، فأراه روهان بعض خطابات زعم أنها من الملكة. وفطن الملك للتو إلى أنها مزورة وقال "ليس هذا خط الملكة، والتوقيع ليس له حتى الشكل المميز"(13)، واشتبه في أن روهان وغيره من الحزب المناوئ لزوجته قد بيتوا هذه المؤامرة لتشويه سمعتها. فأمر بزج الكردينال في الباستيل (15 أغسطس) وطلب إلى الشرطة البحث عن مدام دلاموت وكانت قد هربت إلى المخبأ تلو المخبأ، ولكن أمكن القبض عليها، فزجت هي أيضاً في الباستيل. كذلك قبض على "البارونة" أوليفيا، وريتو دفيليت، وكاليوسترو، الذي اشتبه خطأ في أنه مدبر المؤامرة، مع أنه في الواقع فعل قصاراه ليثبطها(14).
وأعتقد لويس أنه لا بد من محاكمة علنية لإقناع الشعب ببراءة الملكة، فعرض القضية على أعدائه، وهم برلمان باريس. وكانت المحاكمة أشد قضايا




صفحة رقم : 14492




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> القلادة الماسية







القرن في فرسنا إثارة لاهتمام الرأي العام، كما أصبحت قضية وارن هيستنجز في إنجلترا بعدها بثلاث سنين. وصدر حكم البرلمان في 31 مايو 1786. فأعلنت براءة الكردينال روهان، باعتباره مخدوعاً أكثر منه خادعاً، ولكن الملك حرمه مناصبه الرسمية ونفاه إلى دير لاشيز- ديو. وحكم على اثنين من الشركاء في الجريمة بالسجن، وبرئت ساحة كاليوسترو. أما مدام دلاموت فقد جردت من ملابسها علانية وضربت بالسوط في "الكوردمي" أمام قصر العدالة، ورسمت بحرف V (اختصاراً لكلمة Voleur أي اللصة) وحكم عليها بالسجن مدى الحياة في سجن سالبتريير، وهو سجن النساء سيئي السمعة. وبعد أن قضت عاماً في هذا المحبس الذي يورث الجنون فرت، ولحقت بزوجها في لندن، وكتبت ترجمة لحياتها شرحت فيها كل شيء، ثم ماتت في 1791.
واغتبط النبلاء وجماهير الباريسيين بتبرئة ساحة الكردينال وانتقدوا الملكة لإيصالها الأمر إلى محاكمة علنية، وكان الشعور العام أن شرهها المعروف للجواهر هو عذر الكردينال في تصديق الرسائل المزورة. وغالت الشائعات والأقاويل إلى حد اتهماها بمخللة روهان(15)، مع أنها لم تكن رأته خلال السنوات العشر السابقة للقبض عليه. ومرة أخرى صانت الملكة عرضها ولحق الأذى بسمعتها. قال نابليون "إن موت الملكة يجب أن يؤرخ من محاكمة القلادة الماسية"(16).




صفحة رقم : 14493




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> كالون








2- كالون




1783-1787


في 10 نوفمبر 1783 عين الملك شارل-ألكسندر دكالون مراقباً عاماً للمالية. وكان كالون قد أصاب نجاحاً في منصب الناظر الملكي بمتز وليل، واشتهر بآدابه الساحرة، وروحه المرحة، وبراعته في أمور المال-رغم أنه هو ذات كان غارقاً في الدين شأنه شأن الحكومة التي دعي لإنقاذها(17). ولم يجد غير 360.000 فرنك في الخزانة، مع دين قصير الأجل قدره 646.000.000، يزيد خمسين مليوناً من الفرنكات كل سنة. وقد رفض كما رفض نكير من قبل فرض المزيد من الضرائب مخافة أن يثير الأمر التمرد




صفحة رقم : 14494




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> كالون







ويضعف الاقتصاد، وبدلاً من الضرائب قرر عمل يانصيب بعد المفاوضة، جاء بمائة مليون من الجنيهات. ثم لجأ إلى الأكليروس وظفر منهم بمنحة قدرها ثمانية عشر مليوناً من الجنيهات بعد أن تعهد بمصادرة الطبعة التي أصدرها بومارشيه من أعمال فولتير. ثم أعاد سك العملة الذهبية فربح للخزانة بذلك خمسين مليوناً. واقترض 125.000.000 من المصرفيين. وحداه الأمل في حفز التجارة إلى تخصيص مبالغ كبيرة للمشروعات الصحية العامة في المدن ولتحسين الطرق والترع والثغور، واستفادت موانئ الهافر ودنكرك ودييب ولاووشيل، وبدأت الأرصفة الكبرى في شربورج. وعملاً بالنظرية التي تزعم أنه لا بد للحكومة من أن تتخذ لها دائماً واجهة من الثراء، وخصص الاعتمادات دون تردد للحاشية، ولم تسأل أسئلة حول نفقات أخوة الملك أو الملكة. أما الملك نفسه، فإنه برغم نواياه الطيبة سمح بزيادة نفقات بيته من 4.600.000 جنيه في 1775 إلى 6.300.000 في 1787(18).
وكان كالون كلما يقترض كلما زاد إنفاقه، وكلما اقترض ازدادت الفائدة التي يتعين دفعها على الدين. وفي أغسطس 1786 اعترف للملك المذهول أن كل الوسائل قد استفدت، وأن الدين القومي والعجز السنوي زادا زيادة لن يسبق لها نظير، وانه لا نجاة للحكومة من الخراب المالي إلا بتوسيع الضرائب لتشمل النبلاء الأكليروس. وكان كالون عليماً بأن برلمان باريس الذي كان آنئذ مرتبطاً بنبلاء السيف في حلف سافر سيقاوم هذا الاقتراح، ومن ثم اقترح أن يدعى لفيف من الرجال البارزين يختارهم بمعرفته من الطبقات الثلاث كلها في جميع أنحاء فرنسا إلى فرساي للتشاور إنقاذاً لمالية الدول، فوافق الملك.
والتأم شمل "مجلس الأعيان" وفي 22 فبراير 1787، وكان يضم 46 نبيلاً، و11 كنسياً، و12 عضواً من مجلس الملك، و38 قاضياً، و12 نائباً من "أقطار الدولة" (وهي أقاليم تتمتع بامتيازات خاصة)، و25 موظفاً بلدياً، وجملتهم 144. ووجه كالون إليهم الخطاب بصراحة تنطوي على الشجاعة، وأفاض في الحديث عن المساوئ التي لا بد من القضاء عليها




صفحة رقم : 14495




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> كالون







أياً كان رسوخها في الزمن والميول المغرضة، لأنها "ثقيلة الوطأة على أكثر الطبقات إنتاجاً وكداً". وأدان عدم المساواة العام في منح الإعانات المالية، و" عدم التناسب الهائل في النصيب الذي تسهم به مختلف الأقاليم والرعايا الذين يدينون ي بالتبعية لملك واحد"(19). ثم عرض اقتراحات أكثر راديكالية من اقتراحات طورجو، وقدمها على أن الملك قد وافق عليها، ولو أنها نفذت لربما تفادت الثورة، وقبل الأعيان بعضها مما تحدر من عهد طورجو كخفض ضريبة الملح، وإلغاء المكوس على التجارة الداخلية، وإعادة حرية الاتجار في الغلال وإنشاء المجالس الإقليمية، وإنهاء السخرة، أما طلبه فرفض ضريبة جديدة وعامة على الأرض فقد رفض، وكانت حجة الأعضاء الأشراف والأكليروس لأن "إعانة الأرض" تقتضي مسحاً لجميع الأرض، وإحصاء لكل ملاك الأرض، في فرنسا؛ وهذا يستغرق سنة، ولن يكون له أثر في الأزمة الراهنة.
ولجأ كالون إلى الشعب بنشر خطبه، ولم يستطب النبلاء ولا الأكليروس هذا الالتجاء للرأي العام. ورد المجلس بأن طالب كالون بتقديم حساب كامل عن الإيرادات والمصروفات أثناء وزارته. فرفض الامتثال للطلب، لأنه عرف أن الكشف عن وسائله ونفقاته سيكون فيه القضاء عليه. وأصر المجلس على أن الحاجة إلى القصد في النفقات أمس منها إلى تعديل هيكل الضرائب، ثم تشكك في سلطته في وضع نظام جديد للضرائب، فمثل هذه السلطة لا يملكها إلا مجلس طبقات الأمة (Etats Généraux وهو مؤتمر قومي من نواب تختارهم الطبقات الثلاث états) ولم يدع مجلس كهذا منذ عام 1714.
ووافق أحد الأعيان، وهو لافاييت، على معظم مقترحات كالون، ولكنه كان عديم الثقة بالرجل-فاتهمه ببيع بعض الأراضي الملكية دون علم الملك، وتحداه كالون أن يثبت التهمة، فأثبتها(20). وكان لويس السادس عشر قد ساءه التجاء كالون للشعب متخطياً بذلك رجال الحكومة، فأدرك




صفحة رقم : 14496




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> كالون







الآن بعد أن تكشفت له الأمور تباعاً أن كالون قد غشه في حالة الخزينة، ووضح له أنه لن يستطيع الحصول على أي تعاون ما دام كالون مراقباً للمالية. فلما طلب كالون إقالة ناقدة البارون دبرتوي الذي كان صديقاً شخصياً لماري أنطوانيت، أشارت على الملك بأن يقبل كالون بدلاً منه. فاتبع النصيحة بعد أن أرهقته هذه الضجة الشديدة (8 أبريل 1787). أما كالون فقد هرب سراً إلى إنجلترا بعد أن علم بأن برلمان باريس يخطط للتحقيق في إدانته وفحص شئونه الخاصة.وفي 23 أبريل حاول لويس تهدئة الأعيان بالوعد بالوفر الحكومي ونشر مالية الدولة. وفي أول مايو، وبناء على نصيحة الملكة أيضاً، عين أحد الأعيان رئيساً لمجلس فرنسا.




صفحة رقم : 14497




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> لوميني دبريين








3- لوميني دبريين




1787-1788


كان رئيساً لأساقفة تولوز، ولكنه كان حر الفكر حرية اشتهر بها حتى أن جماعة الفلاسفة رحبوا بتقلده السلطة. وقبل ست سنوات، حين زكى ليخلف كرستوف دبومون رئيساً لأساقفة العاصمة، اعترض لويس السادس عشر قائلاً "يجب على الأقل أن يكون لنا رئيس أساقفة لباريس مؤمن بالله"(21). وكان من أعظم ضرباته الموفقة وهو وزير للمالية أنه حصل على نقله لرآسة أساقفة سانس، وهو منصب أغنى كثيراً من منصب رئيس أساقفة تولوز. وقد أقنع الأعيان بالموافقة على خطته الرامية إلى جمع ثمانين مليوناً من الفرنكات، ولكن حين طلب إليهم الموافقة على ضريبة الأرض الجديدة عادوا يعتذرون بأنهم لا يملكون سلطة هذه الموافقة. فلما رأى لويس أن الأعيان لن يزيدوا على ذلك أقاله في لطف (25 مايو 1787).
وقد حاول بريين تحقيق الوفور بطلبه الخفض في نفقات كل مصلحة حكومية، فقاومه رؤساء المصالح، ولم يؤيد الملك وزيره. وخفض لويس نفقات بيته بمليون فرنك، وارتضت الملكة خفضاً كهذا (11 أغسطس) وقد أوتي بريين من الشجاعة ما جعله يرفض المطالب التي طالب بها البلاط، وأصدقاء الملكة، وأخ الملك. ومما يشرفه أنه استصدر من




صفحة رقم : 14498




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> لوميني دبريين







البرلمان الكاره (يناير 1788) وفي وجه مقاومة معظم زملائه الأساقفة المرسوم الملكي الذي بسط مظلة الحقوق المدنية على البروتستانت.
وكان من السوء طالعه أنه تقلد السلطة في فترة انتشر فيها انكماش اقتصادي استمر حتى الثورة، نتيجة لنقصان المحاصيل مراراً ولمنافسة الواردات البريطانية. وفي أغسطس 1787 تصايحت جماهير المشاغبين الجائعة في باريس بالنداءات الثورية وأحرقت الدمى التي مثلت بعض الوزراء. وكتب آرثر ينج في 13 أكتوبر يقول "يبدو أن الناس جميعاً يشعرون بأن الأساقفة لن يقوى على تخليص الدولة من عبء موقفها الراهن،... وأن شيئاً خارقاً للعادة سيقع، وأن إشهار الدولة لإفلاسها فكرة ليست بعيدة الذيوع إطلاقا"(2)ثم أضاف في اليوم السابع عشر "إن رأياً واحداً غلب على الجماعة كلها،وهو أنهم على شفا ثورة عظيمة في الحكومة... وغليان شديد في جميع صفوف الناس، الذين يتوقون إلى تغيير ما،... وخميرة قوية من الحرية، تكبر كل ساعة منذ الثورة الأمريكية"(23).
وكانت الإصلاحات التي دعا كالون وبريين، وقبلها الملك، تنتظر تسجيل البرلمانات لها وإقرارها قانوناً للدولة، أبا برلمان باريس فقد وافق على إطلاق حرية تجارة الغلال وتحويل السخرة إلى مبلغ نقدي، ولكنه رفض التصديق على ضريبة دمغة. وفي 19 يوليو 1787 أرسل إلى لويس السادس عشر تصريحاً بأن "الأمة، ممثلة في مجلس الطبقات، هي وحدها صاحبة الحق في أن تمنح الملك الموارد التي قد تبين أنه لا غنى عنها"(24). ووافقت جماهير باريس على هذا الحكم، وفاتها أن مجلس الطبقات،كما هو معلوم إلى ذلك الحين في التاريخ الفرنسي، ليس إلا مؤسسة إقطاعية شديدة الانحياز إلى الطبقات المميزة. أما نبلاء السيف، الذين لم تغيب عنهم هذه الحقيقة، فقد وافقوا على التصريح، ومنذ ذلك الحين انضموا إلى البرلمان ونبلاء الرداء في هذا "التمرد النبيل" الذي مهد للثورة. وأما لويس فقد تردد في دعوة مجلس الطبقات أن ينهي المجلس استبدادية الملكية البوربونية بتأكيده للسلطات التشريعية.




صفحة رقم : 14499




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> لوميني دبريين







وفي أغسطس 1787 قدم البرلمان مرسوماً بضريبة على جميع الأراضي في جميع الطبقات. فرفض البرلمان تسجيلها. فدعا لويس الأعضاء إلى مجلس قضائي أعلى "سرير عدالة" في فرساي، وأمرهم بالتسجيل، فلما عاد الأعضاء إلى باريس أعلنوا أن التسجيل باطل، وعادوا يطالبون بعقد مجلس الطبقات. فنفاهم الملك إلى ترويه (14 أغسطس) وثارت البرلمانات الإقليمية احتجاجاً، واندلعت حوادث الشغب في باريس، وأذعن بريين والملك، فاستدعى البرلمان (24 سبتمبر) وسط مظاهر ابتهاج الشعب.
ثم جدد الصراع حين رفض البرلمان التصديق على اقتراح بريين جمع قرض قدره 120.000.000 جنيه.ودعا الملك لعقد "جلسة ملكية" للبرلمان (11 نوفمبر 1787) قدم فيها وزراءه الحجج المؤيدة لتسجيل القانون. ولكن البرلمان أصر على الرفض، وصاح الدوق ورليان "مولاي، هذا غير قانوني!" وأجاب لويس في نوبة غضب طائشة على غير العادة "هذا لا يغير من الأمر شيئاً! أنه قانوني لأنني أريده"-وهكذا أكد مبدأ الحكم الاستبدادي في غير مواربة. ثم أمر بتسجيل المرسوم، فسجل، ولكنه ما أن غادر القاعة حتى ألغى البرلمان التسجيل. فلما سمع لويس بهذا نفى الدوق أورليان إلى فيلليه كوتريه، وزج باثنين من أعضاء البرلمان في الباستيل (20 نوفمبر). واحتجاجاً على هذين الأمرين وغيرهما من أوامر القبض دون محاكمة، بعث البرلمان إلى الملك (1 مارس 1788) "اعتراضات" اشتملت كلاماً سر النبلاء والعامة على السواء: "أن القوانين التعسفية تنتهك الحقوق التي لا يمكن انتزاعها... أن الملوك يحكمون إما بالقهر أو بالقانون... ولأمة تطلب من جلالته أعظم خير يمكن لأي ملك أن يعطيه لرعاياه-وهو الحرية"(25).
ورأت الوزارة أن تهدئ ثائرة البرلمان بالإذعان لما طالب بع من نشر بيان بإيرادات الحكومة ومصروفاتها. فزاد هذا النشر الطين بله لأنه كشف عن عجز مقداره 160.000.000 جنيه. ورفض المصرفيون أن يقرضوا الدولة مزيداً من المال ما لم يصدق البرلمان على القرض، وأقسم البرلمان أنه




صفحة رقم : 14500




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> لوميني دبريين







لن يفعل. وفي 3 مايو 1788 أصدر "إعلاناً للحقوق" ذكر لويس السادس عشر وزراءه بأن فرنسا "ملكية يحكمها ملك، طبقاً للقوانين"، وأن على البرلمان ألا يتخطى عن حقه القديم في تسجيل المراسيم الملكية قبل أن تصبح قوانين. ثم عاود المطالبة بعقد مجلس الطبقات. وأمر الوزراء باعتقال عضوين من زعماء البرلمان هما دبمرنيل وجوابلار (4 مايو)، وتم هذا وسط فوضى واضطراب في القاعة واحتجاجات غاضبة في الشوارع. وفي 8 مايو أعلن بريين عزم الحكومة على إنشاء محاكم جديدة، ترأسها "محكمة مطلقة السلطة" يكون لها وحدها منذ الآن سلطة تسجيل المراسيم الملكية، أما البرلمانات فتقصر سلطتها على أداء الوظائف القضائية البحتة، ثم يصلح هيكل القانون الفرنسي بجملته. ومنح برلمان باريس أثناء ذلك "أجازة"-أي أنه من الناحية الفعلية أوقف عمله.
وعليه لجأ البرلمان إلى النبلاء، والأكليروس، والبرلمانات الإقليمية، فخف الجميع لتأييده.وأرسل الأدواق والأشراف إلى الملك احتجاجات على إلغاء حقوق البرلمان التقليدية. وأدان مؤتمر للاكليروس (15 يونيو) "المحكمة المطلقة السلطة" الجديدة، وخفض "منحته" من أثني عشر مليون جنيه في المتوسط إلى 1.800.000، ورفض أي معونة أخرى حتى يعاد البرلمان(26). ثم شقت البرلمانات الواحد تلو الآخر عصا الطاعة على الملك. وأعلن برلمان بو (عاصمة بيارن) أنه لن يسجل مراسيم رفضها برلمان باريس؛ وحين هددت الحكومة أعضاءه باستعمال القوة تسلح الشعب ليحميهم. أما برلمان روان (عاصمة نورمندية) فقد شهر بوزراء الملك باعتبارهم خونة، وحرم من حماية القانون كل الأشخاص الذين يستخدمون المحاكم الجديدة. وأصدر برلمان رين (عاصمة برنتي) قوانين مماثلة، فلما أرسلت الحكومة الجند لفضه تصدى لهم موظفو النبلاء المحليون المسلحون(27). وحين أذاع الحاكم العسكري في جرينويل (عاصمة الدوفنيه) مرسوماً ملكياً بحل البرلمان المحلي، هبت جماهير المدينة التي عززها الفلاحون الذين دعاهم ناقوس الخطر،فقذفت الجند الكارهين لمهمتهم ببلاط من الأسطح،




صفحة رقم : 14501




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> لوميني دبريين







وأكرهت المحاكم على سحب مرسوم الملك (7 يونيو 1787، "يوم البلاط") وإلا شنقوه على ثريا ردهته. ولكن القضاة امتثلوا لأمر ملكي بنفيهم.
ولقد صنع مجتمع جرينوبل التاريخ بإنتقاضه هذا. وصمم النبلاء الأكليروس والعامة على إعادة مجلس الطبقات الدوفينية ليلتئم في 21 يوليو ولما كانت الطبقة الثالثة قد قادت النصر في "يوم البلاط" فقد منحت تمثيلاً مكافئاً لتمثيل الطبقتين الأخيرين مجتمعتين، واتفق على أن يكون التصويت في المجلس الجديد بالأفراد لا بالطبقات، وقد وضعت هذه الاتفاقات سوابق لعبت دوراً في تنظيم مجلس الطبقات القومي. فلما حظر على المجلس طبقات الدوفنيه أن يجتمع في جرنوبل، اجتمع في فيزيل على بضعة أميال، وهناك، بقيادة محام شاب يدعى جان-جوزيف مونييه، وخطيب شاب يدهى أنطوان بارناف، وضع النواب الخمسمائة قرارات (أغسطس 1788) أيدت حقوق البرلمانات في التسجيل، وطالبت بإلغاء أوامر القبض الملكية، ودعت إلى عقد مجلس لطبقات الأمة، وتعهدت بعدم الموافقة إطلاقاً على ضرائب جديدة ما لم يصدق عليها مجلس الطبقات. هنا كانت إحدى بدايات الثورة الفرنسية: فإن إقليماً بأسره تحدى الملك، وطالب في واقع الأمر بملكية دستورية.
واستسلم الملك بعد أن قهره هذا التمرد الذي شمل الأمة كلها تقريباً على السلطة الملكية، فقرر أن يدعو مجلس الطبقات، ولما كان آخر اجتماع لهذه الهيئة قد انقضى عليه 174 عاماً، ولما كان نمو الطبقة الثالثة قد استحال معه إتباع الإجراءات القديمة، فقد أصدر لويس السادس عشر (5 يوليو 1788) نداء غير عادي على أنه أمر من أوامر مجلس الملك:
"سيحاول جلالته العمل بما يقرب من الإجراءات القديمة، ولكن إذا لم يتيسر التحقق من هذه الإجراءات فإنه يريد أن يسد الثغرة بالتأكد من مشيئة رعاياه... وعليه فقد قرر الملك أن يأمر بإجراء كل البحوث الممكنة الخاصة بالأمور سالفة الذكر في جميع محفوظات كل إقليم، وأن تبلغ نتائج هذه البحوث إلى مجالس الطبقات الإقليمية ومؤتمراتها،... التي بدورها




صفحة رقم : 14502




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> لوميني دبريين







تبلغ جلالته برغباتها... ويدعو جلالته جميع الدارسين والأشخاص المتعلمين في مملكته.. أن يوافوا حامل الأختام بجميع المعلومات والمذكرات المتصلة بالشئون التي يتضمنها هذا المرسوم"(28).
وفي 8 أغسطس دعا لويس طبقات فرنسا الثلاث أن توفد مندوبين إلى دورة لمجلس الطبقات تجتمع بفرساي في أول مايو 1789. ثم عطل في اليوم ذاته "المحكمة المطلقة السلطة" التي ما طواها التاريخ في زوايا النسيان. وفي 16 أغسطس اعترفت الحكومة بإفلاسها في الواقع، إذ أعلنت أن التزامات الدولة ابتداء من 31 ديسمبر 1789 لن تدفع كلها عملة بل يدفع بعضها ورقاً على المواطنين جميعاً أن يقبلوه عملة قانونية. وفي 25 أغسطس استقال بريين محمل بالرضا والثراء في الوقت الذي أحرقت فيه جماهير باريس دمية تصوره. ثم اعتكف في سانس، وهناك انتحر في 1794.




صفحة رقم : 14503




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> عودة نكير








4- عودة نكير




1788-1789


وطلب الملك إلى نكير على مضض أن يعود إلى الحكومة (25 أغسطس) ومنحه الآن لقب وزير ومقعداً في المجلس الملكي. وهلل الجميع لهذا التعيين من الملكة والأكليروس إلى المصرفيين وعامة الشعب. وتجمع حشد في فناء قصر فرساي ليرحبوا به، فخرج إليهم وقال لهم "نعم يا أبنائي، أنا باق، فاطمئنوا" ووقع بعضهم على ركبهم وقبلوا يديه(29) فبكى على طريقة ذلك العصر.
على أن الذي استشرى في الإدارة، وفي الشوارع، وفي الفكر الحكومي والشعبي، وكان قد قارب جداً حالة التحلل السياسي بحيث كان قصارى ما استطاعه نكير هو الاحتفاظ بالاستقرار حتى يجتمع مجلس الطبقات. ثم بلفتة كريمة منه لاستعادة الثقة بالحكومة وضع ملوني فرنك من ماله في الخزانة، وارثهن ثروته الخاصة ضماناً جزئياً لالتزامات الدولة(30). ثم ألغى الأمر الذي صدر في 16 أغسطس بإلزام حملة السندات بقبول




صفحة رقم : 14504




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> عودة نكير







البنكنوت بدلاً من النقود، وارتفعت أسعار السندات الحكومية ثلاثين في المائة في السوق، وقدم المصرفيون من المال للخزانة ما يكفي لتجاوز الأزمة عاماً.
وعملاً بنصيحة نكير دعا الملك البرلمان ثانية (23 سبتمبر). واقترف البرلمان في نشوة انتصاره خطأ التصريح بأن مجلس الطبقات القادم ينبغي أن يعمل كما عمل سابقه في 1714-أي منعقداً بطبقات منفصلة ومصوتاً في وحدات طبقية، وهذا كفيل بأن يصيب الطبقة الثالثة أوتوماتيكياً بالعجز السياسي. أما جماهير العامة التي كانت قد صدقت دعوى البرلمان بأنه يدافع عن الحرية ضد الطغيان، فقد أدركت أن الحرية المقصودة هي حرية الطبقتين المميزتين في التسيد على الملك. وهكذا حرم البرلمان نفسه، بانضمامه على هذا النحو إلى وصف النظام الإقطاعي، من تأييد الطبقة الوسطى القوية، ولم بعد منذ الآن عاملاً مؤثراً في تشكيل الأحداث. وبلغ "التمرد النبيل" وبهذا حدوده وأنهى شوطه، ثم أخلى الآن مكانه للثورة البورجوازية.
وقد زاد مهمة نكير عسراً ما حل بالبلاد عام 1788 من قحط انتهى بعواصف ثلجية أتلفت المحاصيل الهزيلة. وكان شتاء 1788-89 من أقسى ما غفره تاريخ فرنسا، ففي باريس هبط الترمومتر إلى 18o تحت الصفر الفارنهيتي، وتجمد السين تماماً من باريس إلى الهافر. وارتفع سعر الخبز من تسعة سنتات في أغسطس 1788 إلى أربعة عشر في فبراير 1789. وبذلت الطبقات العليا قصارى جهدها للتخفيف عن الشعب، وأنفق بعض النبلاء، كالدوق أورليان، مئات الألوف من الجنيهات في إطعام الفقراء وتدفئتهم، وتبرع رئيس الأساقفة بأربعمائة ألف جنيه، وظل دير للرهبان يطعم ألفاً ومائتي يومياً على مدى ستة أسابيع(32). وحظر نكير تصدير الغلال، واستورد منها ما قيمته سبعون مليون جنيه، فأمكن تفادي المجاعة، ولكنه ترك لخلفائه أو لمجلس الطبقات مهمة سداد القروض التي اقترضها.




صفحة رقم : 14505




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> عودة نكير







ثم اقنع الملك أثناء ذلك (27ديسمبر 1788) بأنه يجب في مجلس الطبقات القادم أن يكون نواب الطبقة الثالثة مساوين في العدد لنواب الطبقتين الأخيرتين مجتمعتين، وذلك رغم النصيحة المضادة التي أشار بها النبلاء الأقوياء. وفي 24 يونيو 1789 أذاع على جميع فرنسي في الطبقة الثالثة يزيد عمره على أربعة وعشرين عاماً ويدفع أي ضريبة، ومن حقه-بل أنه مأمور-بأن يدلي بصوته، وكذلك جميع المهنيين، ورجال الأعمال، وأعضاء الطوائف الحرفية، أي أن جميع العامة-باستثناء المعدمين وأفقر العمال-كان عليهم أن يدلوا بأصواتهم(32). واجتمع المرشحون الناجحون على هيئة لجنة انتخابية اختارت نائباً عن القسم. أما في الطبقة الأولى (الأكليروس) فكان كل كاهن أو خوري، وكل دير للرهبان أو الراهبات، يدلي بصوته لاختيار ممثل في الجمعية الانتخابية للقسم، وكان رؤساء الأساقفة، والأساقفة، ورؤساء الأديرة، أعضاء في تلك الجمعية بحكم وظائفهم، واختارت الجمعية مندوباً في مجلس الطبقات. أما في الطبقة الثانية (الأشراف) فقد كان كل نبيل فوق الرابعة والعشرين تلقائياً عضواً في الجمعية الانتخابية التي اختارت مندوباً يمثل نبلاء قسمه. وفي باريس وحدها قصر حق التصويت على من يدفعون فرضة رؤوس قدرها جنيهات أو أكثر، وقد أسقط بذلك معظم أفراد الطبقة العاملة(33).
ودعت الحكومة كل جمعية انتخابية في كل طبقة لوضع "كراسة بالشكاوى والمظالم" لإرشاد ممثلها. ولخصت كراسات الأقسام لكل طبقة في كراسات إقليمية، ثم قدمت هذه للملك، كاملة أو مختصرة، وأجمعت الكراسات كلها على إدانة الحكم المطلق، والمطالبة بملكية دستورية تتقيد فيه سلطات الملك ووزرائه بالقانون وبمجلس منتخب على نطاق قومي يجتمع دورياً وله وحده حق تقرير الضرائب الجديدة واعتماد القوانين الجديدة. وطلب إلى جميع النواب تقريباً عدم الموافقة على اعتماد أموال للحكومة حتى تحصل في شئون المال، والمظالم المقترنة بالضرائب غير




صفحة رقم : 14506




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> عودة نكير







المباشرة، وشطط السلطة الملكية كما يتمثل في أوامر القبض الملكية. وطالب الجميع بالمحاكمة وفق نظام المحلفين، وبسرية الرسائل، وبإصلاح القانون. ودعا الجميع للحرية، ولكن على طريقتهم الخاصة: فالنبلاء لاستعادة السلطات التي كانت لهم قبل حكم ريشليو، والأكليرس والبرجوازيون للتحرر من كل تدخل للدولة،والفلاحون لتحرر من الضرائب الظالمة والرسوم الإقطاعية. وقبل الجميع من حيث المبدأ المساواة في الضرائب على جميع أنواع الملكية. وأعرب الجميع عن الولاء للملك، ولكن أحداً لم يذكر "الحق الإلهي" في الحكم(34)، فقد كان هذا الحق بإجماع الآراء في عداد الموتى.
واشترطت كراسات النبلاء أن تجتمع كل طبقة من الطبقات الثلاث في مجلس الطبقات منفصلة وتصوت بوصفها طبقة متحدة. أما كراسات الأكليروس فقد رفضت التسامح الديني، وطلبت إلغاء الحقوق المدنية الممنوحة للبروتستانت مؤخراً. وطالبت بعض الكراسات بترك شطر أكبر من ضريبة العشور للأبرشية، وبفتح المناصب في السلم الكهنوتي أمام جميع القساوسة على السواء. وأسلفت معظم الكراسات الكنسية على ما شاب العصر من فساد أخلاقي في الفن والأدب والمسرح، وعزت هذا التدهور إلى حرية النشر المفرطة، وطالبت بقصر الأشراف على التعليم على الأكليروس الكاثوليكي دون سواه.
أما كراسات الطبقة الثالثة فأعربت أكثر ما أعربت عن آراء الطبقة الوسطى والفلاحين الملاك. فطالبت بإلغاء الحقوق الإقطاعية ومكوس النقل، وبفتح الطريق للمواهب لجميع الطبقات ولجميع المناصب. ونددت بثراء الكنيسة وتبطل الرهبان الغالي التكلفة. واقترحت إحدى الكراسات على الملك إن أراد تغطية العجز أن يبيع أراضي الأكليروس وايجاراتهم، واقترحت كراسة أخرى مصادرة جميع الأملاك الديرية(35). وشكت كراسات كثيرة من العبث المنكر الذي تحدثه بالمزارع حيوانات النبلاء ومطاردتها لصيدهم. وطلبت التعليم المجاني للجميع، وإصلاح المستشفيات والسجون، والقضاء المبرم على القنية وتجارة الرقيق.وأكدت كراسة




صفحة رقم : 14507




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> عودة نكير







نموذجية للفلاحين "أننا ركيزة العرش الرئيسية، وسند الجيوش الصادق... إننا مصدر الثراء للآخرين، بينما نظل فقراء"(36).
لقد كان انتخاب مجلس الطبقات هذا،وفي جملته، لحظة نبيلة باعثة على الفخر في تاريخ فرنسا. وكادت فرنسا البوربونية، ولو للحظة، أن تصبح ديموقراطية، على الأرجح بنسبة من السكان تدلي بأصواتها تفوق نسبة من يدلون لأصواتهم في انتخاب أمريكي يجري اليوم. وكان انتخاباً عادلاً، لا يشوبه الخلل الذي قد يتوقع في عملية بهذه الجدة، وواضح أنه كان أقل فساداً من معظم الانتخابات التي أجريت في ديموقراطيات أوربا اللاحقة(37). ولم يحدث قط من قبل، على قدر علمنا، أن أصدرت حكومة من الحومات دعة عريضة كهذه لشعبها لتحيطه علماً بالإجراءات، ولتتعرف إلى شكاوى الشعب ورغباته، وقد أتاحت هذه الكراسات في جملتها للحكومة نظرة للأحوال في فرنسا أشمل من أي نظرة أتيحت لها في أي عهد قبل ذلك. فالآن امتلكت فرنسا، إن كانت قد امتلكت في أي عهد، لمواد المؤهلة لفن الحكم، والآن اختارت خيرة رجالها بمحض حريتها من كل طبقة،ليلتقوا بملك كان قد قام فعلاً بمقدمات شجاعة للتغيير. وملأ الأمل فرنسا كلها حين اتخذ هؤلاء الرجال القادمون من كل فج الدولة سمتهم إلى باريس وفرساي.




صفحة رقم : 14508




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> يدخل ميرابو








5- يدخل ميرابو


وكان أحدهم نبيلاً انتخبه العامة عن إكس-أن-برفانس ومرسيليا. وقد أصبح هذا الرجل، أنوريه-جابرييل-فكتور ركيتي، كونت ميرابو-الدميم الوجه الساحر الشخصية، والذي تفرد بهذا الشرف الشاذ المزدوج، علماً مسيطراً من أعلام الثورة منذ وصوله إلى باريس "أبريل 1789) حتى موته السابق لأوانه (1791).
ولقد نوهنا من قبل بأبيه-فكتور ركيتي، مركيز ميرابو-فزيوقراطياً و "صديقاً للإنسان"، أي لكل إنسان عدا زوجته وأبنائه، وقد وصف




صفحة رقم : 14509




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> يدخل ميرابو







فوفانج "صديق الإنسان" هذا بأنه "ذو طبع ناري مكتئب، أشد عتواً وتقلباً... من البحر، يتسلط عليه نهم دائم للذة والمعرفة والمجد"(38). وقد اعترف المركيز بهذا كله، وأضاف إليه أن "الفساد الخلقي طبيعة ثانية فيه". وحين بلغ الثامنة والعشرين صمم على أن يكتشف إن كان ممكناً أن يكتفي بامرأة واحدة، فطلب يد ماري دفيسان، التي لم يرها قط، ولكنها كانت الوريثة غير المنازعة لثروة كبيرة. وبعد أن تزوجها وجد أنها امرأة سليطة رثة عاجزة، ولكنها أنجبت له في إحدى عشرة سنة أحد عشر طفلاً، تخطى الطفولة منهم خمسة. وفي 1760 زج المركيز في "الشاتو دفانسين" بتهمة الكتابات المهيجة، ولكن أفرج عنه بعد أسبوع. وفي 1762 هجرته وعادت إلى أهلها.
وشب ابنه البكر، أونوريه-جابرييل- وسط هذه الدراما العائلية. وقد ماتت إحدى جدتيه مجنونة، وتعرضت إحدى شقيقاته وأحد إخوته للجنون بين الحين والحين، ومن المعجزات أن ينجو جابرييل نفسه من الجنون وهو يصارع الكارثة تلو الكارثة. وقد ولد وله سنان، وكأنهما تحذير للعالم. وحين بلغ الثالثة أصيب بالجدري الذي خلف في وجهه ندوباً ونقراً كأنه ساحة قتال. وكان غلاماً شديد الحيوية، مشاكساً، عنيداً، وكان أبوه، الشديد الحيوية، المشاكس، العنيد، يكثر من ضربه، فربى فيه كراهية أبيه، وسر المركيز أن يتخلص منه بإرساله حين بلغ الخامسة عشرة (1764) إلى أكاديمية حربية في باريس. وهناك تعلم جابرييل الرياضيات والألمانية والإنجليزية، وقرأ بنهم إذ تسلطت علية رغبة عارمة في الإتيان بجلائل الأعمال. وقرأ فولتير ففقد دينه، وقرأ روسو فتعلم أن يتعاطف مع عامة الشعب وفي الجيش سرق خليلة قائده، واشتبك في مبارزة، وشارك في الغزو الفرنسي لكورسيكا، وظفر بقدر من الثناء على بسالته أشعر أباه بحبه ولو لحظة.
وحين بلغ الثالثة والعشرين تزوج ابتغاء المال بصراحة من إميلي مارنياك، وكانت تتوقع أن ترث 500.000 فرنك. فولدت لجابرييل ولداً، ثم اتخذت عشيقاً، وأخفى خيانته، ثم غفر لها. وتشاجر




صفحة رقم : 14510




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> يدخل ميرابو







مع رجل يدعى فللنيف، وحطم شمسية فوق ظهره، فاتهم بتعمد القتل. ورغبة في تفادي القبض عليه حصل أبوه على أمر ملكي مختوم زج بمقتضاه جابرييل في الشاتوديف، القائم على جزيرة حيال مرسيليا، وطلب إلى زوجته أن تلحق به، ولكنها رفضت، وتبادلا رسائل فيها حنق متصاعد، انتهت بأن أقرأها "الوداع إلى الأبد" (14 ديسمبر 1774). واستدفأ أثناء ذلك بمضاجعة زوجة مأمور السجن بين الحين والحين.
وفي مايو 1775 نقل بمسعى أبيه إلى سجن أرخى في الشاتودجو، قرب بونتارلييه والحدود السويسرية. ودعاه سجانه المسيو دسان-موري إلى حفلة التقى فيها بصوفي دروفيه، الزوجة ذات التسعة عشر ربيعاً للماركيز ديمونييه السبعيني. وقد وجدت ميرابو أكثر إشباعاً من زوجها؛ صحيح أن وجهه كان منفراً، وشعره صوفي القوام، وأنفه ضخماً، ولكن عينيه كانتا متقدتين، وطبعه كان "نارياً" وكان في استطاعته أن يغوي بحديثه أي امرأة. واستسلمت له صوفي كلية. وفر من بونتارلييه، ثم هرب إلى تونون في إقليم سافوا، وهناك أغوى ابنة عم له. وفي أغسطس 1776 لحقت به صوفي في فريير بسويسرا بأن العيش بعيداً عنه كما قالت معناه "الموت ألف مرة كل يوم"(39). وأقسمت الآن "أما جابرييل أو الموت!" واقترحت أن تشتغل، بأن جابرييل كان مفلساً.
فصحبها إلى أمستردام حيث استخدمه مارك ريه ناشر كتب روسو، مترجماً، وعملت صوفي سكرتيرة له، واشتغلت بتدريس الإيطالية. وقد كتب عدة كتب صغيرة تحدث في أحدها عن أبيه فقال "أنه يعظ بالفضيلة، والبر، والقصد، في حين أنه أسوأ الأزواج، وأقسى الأباء وأكثرهم إسرافاً"(40). ورأى ميرابو الأب في هذا خروجاً على أصول اللياقة. فاتفق مع والدي صوفي على تدبير إعادة الزوجين من هولندا، فقبض عليهما (14 مايو 1777) وجئ بهما إلى باريس. وبعد أن فشلت صوفي في محاولة الانتحار، أرسلت إلى إصلاحية، أما جبراييل الساخط فقد زج في الشاتو دفانسين، مقتضياً في ذلك خطى أبيه وديدرو. وهناك ظل




صفحة رقم : 14511




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> يدخل ميرابو







يضني في السجن اثنين وأربعين شهراً. وبعد أن قضى فيه عامين سمح له بالكتب والورق والقلم والمداد، فراح يبعث لصوفي برسائل ملؤها الإخلاص المشبوب. وفي 7 يناير 1778 ولدت بنتاً لعلها كانت ابنته. وفي شهر يونيو نقلت الأم وطفلتها إلى دير في جيان قرب أورليان.
والتمس ميرابو من أبيه أن يصفح عنه ويعمل على إطلاق سراحه. وقال متوسلاً "دعني" أرى الشمس، دعني أتنسم هواء أكثر حرية، دعني أرى وجه أخواني البشر!؟ أنني لا أبصر غير الجدران المظلمة. وأبتاه سأموت من آلام التهاب الكلي!" ولكي يخفف من شقائه ويكسب بعض المال لصوفي، ويتقي الجنون، ألف عدة كتب، بعضها جنسي. وكان أهمها هو "الأوامر الملكية المختومة" الذي وصف مظالم القبض دون إذن والسجون دون محاكمة، وطلب بإصلاح السجون والقانون فلما نشر هذا الكتيب في 1782 بلغ تأثر لويس السادس عشر به مبلغاً حمله على أن يأمر في 1784 بالإفراج عن جميع السجناء المعتقلين في فانسين(42).
وقد ترافق سجانو ميرابو به، ويعد 1779 سمح له بالتمشي في حدائق الشاتو ولقاء الزوار، ووجد في بعض زائريه منصرفات لطاقته الجنسية العارمة(43). ووافق أبوه على أن يعمل على الإفراج عنه إذا اعتذر لزوجته واستأنف معاشرتها، لأن المركيز العجوز كان تواقاً لحفيد يواصل بقاء الأسرة. فكتب جابرييل إلى زوجته يطلب الصفح. وفي 13 ديسمبر 1780 أطلق سراحه بكفالة أبيه، الذي دعاه إلى قصر الأسرة في لوبنيون. وكانت له بعض العلاقات الغرامية في باريس، وزار صوفي في ديرها، والظاهر أنه أخبرها أنه ينوي العودة إلى زوجته. ثم مضى إلى لوبنيون، وأبهج قلب أبيه. وتلقت صوفي مالاً من زوجها، وانتقلت إلى بيت قريب من الدير، وانهمكت في أعمال البر، ووافقت على الزواج من كبتن سابق في الخيالة. ولكنه مات قبل أن يزف إليها، فأقام في الغد(9 سبتمبر 1789)(44). أما زوجة ميرابو فقد رفضت لقاءه، فأقام عليها دعوى اتهمها فيها بهجرها ل، وخسر دعواه، ولكنه أدهش الأصدقاء والأعداء




صفحة رقم : 14512




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> يدخل ميرابو







ببلاغته مرافعته التي استغرقت خمس ساعات دفاعاً عن قضية يستحيل الدفاع عنها. وتبرأ منه أبوه، فقاضاه، وحصل منه على راتب قدره ثلاثة آلاف فرنك في السنة، وراح يقترض المال ويحيا حياة مترفة. وفي 1784 اتخذ خليلة جديدة تدعى هنرييت نيرا. واصطحبها في رحلة إلى إنجلترا وألمانيا (1785-87). وفي الطريق كانت له مغامرات غرامية عارضة، غفرتها له هنرييت لأنه-كما قالت-" ما أن تتودد إليه امرأة أقل تودد حتى يلتهب لفوره"(45). والتقى بفردريك مرتين،وعرف عن بروسيا ما يكفي لتأليف كتابه "في الملكية البروسية" (1788) (من مادة زوده بها ضابط بروسي)، وقد أهدى الكتاب لأبيه، الذي وصفه بأنه "مصنف ضخم لعامل هائج. "وكلفه كالون برسائل سرية عن الشئون الألمانية، فأرسل منها سبعين أدهشت الوزير بإدراكها المرهف وأسلوبها القوي.
فما عاد إلى باريس رأى أن سخط الشعب قارب الحماسة الثورة. وفي رسالة إلى الوزير مونوران حذر من نشوب الثورة ما لم يجتمع مجلس طبقات الأمة قبيل عام 1786 "أني أسأل هل حسبتم حساب قوة الجوع المزلزلة إذا تفاعلت مع روح اليأس. أنني أسأل من سيجرؤ على أن يكون مسئولاً عن سلامة جميع من يلتفون حول العرش، أجل، بل سلامة الملك نفسه؟(46). وقد طواه خضم هذا الهياج فاندفع فيه ووفق في مصالحة هشة مع أبيه (الذي مات في 1789). ثم رشح نفسه في اكس-أن-بروفانس لمجلس طبقات الأمة ودعا نبلاء القسم لاختياره، فرفضوا، فاتجه إلى الطبقة الثالثة، التي رحبت به.وانبعث الآن من شرنقتين المحافظة واتخذ له أجنحة بوصفه ديموقراطياً "أن حق السيادة كامن في الشعب وحده، والملك لا يمكن أن يكون أكثر من القاضي الأول للشعب"(47). وقد أراد الاحتفاظ بالملكية، إنما حماية للشعب من الأرستقراطية، ثم دعا بإلحاح أثناء ذلك إلى إعطاء حق التصويت لجميع الذكور البالغين(48). وفي خطاب موجه لمجلس طبقات إقليم بروفانس هدد الطبقات المميزة بإضراب كل شيء، وهذا الشعب الذي لا يحتاج إلا لفرض الجمود عليه حتى يصبح رهيباً جباراً"(49).




صفحة رقم : 14513




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> يدخل ميرابو







ثم اندلع شغب بسبب الخبز في مرسيليا (مارس 1789)،وأرسل أولوا الأمر في طلب ميرابو ليهدئ ثائرة الشعب لأنهم كانوا على بينة من شعبيته، وتجمعت الجماهير في حشد من 120.000 للهتاف له(50). فنظم دورية لمنع حوادث العنف. وفي "بيان لشعب مرسيليا" نصح العامة الصبر حتى يتاح لمجلس طبقات الأمة الوقت للموازنة بين المنتجين الذين يريدون أسعاراً عالية والمستهلكين الذين يريدون أسعاراً منخفضة. وأطاعه القائمون بالشغب. وبقوة الإقناع ذاتها هدأ تمرداً في إكس. وانتخبه إكس ومرسيليا نائباً عنهما، فشكر الناخبين،وقرر أن يمثل إكس. وفي إبريل 1789 اتخذ سمته إلى باريس ومجلس الطبقات.




صفحة رقم : 14514




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> التجربة الأخيرة للدراما








6- التجربة الأخيرة للدراما




1789


واخترق بلداً يواجه المجاعة ويجرب الثورة. ففي ربيع عام 1789 نشبت في أقسام عديدة تمرد على الضرائب وغلاء الخبز. وفي ذلك أن الجماهير في ليون أغاروا على مكاتب جابي الضرائب وأتلفوا سجلاته. وفي آجده، قرب مونبلييه، هدد الشعب بعمليات سلب ونهب شاملة ما لم تخفض أسعار السلع,. ومنعت القرى التي خشيت عجز الغلال عنوة تصديرها من الأقسام. وتحدث بعض الفلاحين عن إحراق جميع القصور الريفية وقتل أمراء الإقطاع (مايو 1789)(51). وفي مونليري قادت النساء حشداً من الغوغاء في حملة على مخازن الغلال والمخابز حين نمى إليهن أن سعر الخبز قد زيد، واستولين على كل ما وصلت إليه لأيديهن من الخبز والدقيق. ومثل هذا حدث في بريه- سير- سين" وبانول،وأميان، وفي كل مكان بفرنسا تقريباً. وفي المدينة تلو المدينة أثار الخطباء الشعب بأبنائهم بأن الملك أجل دفع الضرائب كلها(52). وسرى خلال إقليم بروفانس في شهري مارس وإبريل نبأ يقول أن "خير الملوك يريد المساواة في الضرائب، وألا يكون بعد اليوم أساقفة، ولا إقطاعيون، ولا عشور، ولا مكوس، ولا ألقاب، ولا امتيازات"(53). وبعد أول إبريل 1789كف الناس دفع الرسوم الإقطاعية،وهكذا لم يكن نزول النبلاء "التطوعي" عن




صفحة رقم : 14515




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> التجربة الأخيرة للدراما







حقوقهم الإقطاعية في 4 أغسطس عملاً من أعمال التضحية، بل إقراراً بالأمر الواقع.
وازداد الانفعال والإثارة في باريس كل يوم تقريباً باقتراب موعد انعقاد مجلس طبقات الأمة. فتدفقت النشرات مع المطابع ورفع الخطباء عقائرهم في المقاهي والأندية وصدرت أشهر وأقوى نشرة في التاريخ بأسره في يناير 1789، وبقلم رجل من أحرار الفكر هو الأبيه إيمانويل- جوزف سييس، الوكيل العام لأسقفية شارتر. وكان شامفور قد كتب متسائلاً "ما الطبقة الثالثة؟- إنها كل شيء. وماذا تملك؟ لا شيء". فصاغ سييس هذا "الأبجرام" المتفجر عنواناً جذاباً وحوله إلى ثلاثة أسئلة سرعان ما رددتها نصف فرنسا:


"ما الطبقة الثالثة؟ كل شيء




ماذا كانت إلى اليوم في النظام السياسي؟ لا شيء.




ماذا تطلب؟ أن تصبح شيئاً(54).


وذكر سييس أنه من بين سكان فرنسا البالغين 26.000.000 نسمة، ينتمي إلى الطبقة الثالثة - العلمانية المجردة من الألقاب- على الأقل 25.000.000 وهذا معناه في الحقيقة الأمر أن الطبقة الثالثة هي الأمة. فإذا أبت الطبقتان الأخريان الجلوس معها في مجلس الطبقات، كان لها العذر في أن تؤلف بنفسها "الجمعية الوطنية". وقد حفظ التاريخ تلك العبارة فيما حفظ.
على أن الجوع كان أبلغ حتى من الكلام. فتقاطر الشحاذون والمجرون على مراكز الإغاثة كلما أقامتها في باريس الحكومة والكهنة والأغنياء، وافدين من دخل البلاد ليأكلوا ويغامروا بفقرهم في أفعال يائسة. وكانت الجماهير هنا وهناك تنفد إرادتها بنفسها دون إعداد بالقانون، فهددت بشنق أي تاجر يخفي الغلال أو يغالي في سعرها على أقرب عمود نور، وكثيراً




صفحة رقم : 14516




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> التجربة الأخيرة للدراما







ما اعترضت قوافل الغلال ,نهبتها قبل أن تستطيع هذه القوافل الوصول إلى السوق؛ وكانت أحياناً تطبق على الأسواق بالغوغاء وتستولي عنوة ودون دفع الثمن على الغلة التي أتى بها الفلاحون ليبيعوها(55). وفي 23 إبريل استصدر نكير من المجلس الملكي مرسوماً يخول للقضاة والشرطة جرد مخازن الغلال الخاصة وإلزامها حيثما عز الخبز بإرسال غلالها للسوق، ولكن هذا الأمر نفذ ي تراخ. كذلك كانت صورة باريس في ربيع ذلك العام.
وفي هذه الجماهير الغاضبة من الدهماء تبين الدوق أورليان أداة قد تحقق له مآربه. وكان الحفيد البعيد لفليب أورليان الذي كان وصياً على عرش فرنسا (1751- 23). وقد ولد في 1747، ولقب بدوق شارتر في الخامسة من عمره، ثم تزوج في الثانية والعشرين بلويز- ماري دبوربون بنتييفر، التي جعلته ثروتها أغنى رجل في فرنسا(56). وفي 1785 ورث لقب دوق أورليان، وبعد 1789، وبفضل دفاعه عن القضايا الشعبية، وعرف بفليب إيجالتيه (المساواة). وقد رأيناه يتحدى الملك إلى البرلمان وينفي إلى فيلليه- كوربه. فلما عاد بعد قليل إلى باريس صمم على أن يجعل من نفسه معبود الشعب، مؤملاً أن يختار خلفاً لابن عمه لويس السادس عشر أن اعتزل أو خلع هذا الملك الذي أزعجته الخطوب, فسخا في عطائه للشعب، وأوصى بتأمين أملاك الكنيسة(57)، وفتح للجماهير حديقة البالية- رويال وبعض حجراته في قلب باريس، وكذلك له شمائل الأرستقراطي الجواد وأخلاق سلفه الوصي على العرش. وقامت مربية أبنائه مدام جنليس، همزة وصل بينه وبين ميرابو، وكوندورسيه،ولافاييت،وتاليران،ولافوازييه، وفولني، وسييس، وديمولان. وقد بذل له زملاؤه من الماسون الأحرار التأييد الكبير(58). وقام الروائي شوديرلو دلاكلو، وكان سكرتيره يدور العميل له في تنظيم المظاهرات والانتفاضات الشعبية. وفي الحدائق والمقاهي. وبيوت القمار، والمواخير القريبة من قصره كان كتاب النشرات يتبادلون الأفكار ويضعون الخط، هنا شارك آلاف الناس من جميع الطبقات في اضطرابات لساعة وانفعالاتها، وأصبح الباليه- رويال، بوصفه اسماً على هذا المركب كله، قلب الثورة النابض.




صفحة رقم : 14517




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> التجربة الأخيرة للدراما







ويزعمون، وهو زعم محتمل ولكنه ليس مؤكداً، أن مال الدوق، ونشاط شودرلو دلاكلو، لعباً دوراً في تنظيم لهجوم على مصنع ريفيون في شارع سانت- أنطوان. أما ريفيون هذا فكان يتزعم ثورته الخاصة: يحل محل الرسوم والنسيجات الجدارية ورقاً رقيقاً رسمه فنانون بتقنية طورها بنفسه، وينتج ما وصفه حجة إنجليزي بأنه "أجمل ما صنع على الإطلاق من ورق الحائط بغير جدال"(59). وقد استخدم مصنعه ثلاثمائة عامل، كان الحد الأدنى لأجر العامل منهم خمسة وعشرين سواً (1.56 دولار؟) في اليوم.وفي اجتماع لجمعية الناخبين في حي سانت- مارجريت نشب نزاع بين ناخبي الطبقة الوسطى والعمال،وخيف أو تخفض الأجور(61). وسرى نبأ كاذب بأن ريفيون قال "أن العامل الذي له زوجة وأولاد في استطاعته أن يعيش على خمسة عشر سواً في اليوم". وفي 27 إبريل احتشد جمع أمام منزل صاحب المصنع، فلما لم يجدوه أحرقوا دمية تمثله. وفي اليوم الثامن والعشرين، أغار الغوغاء بعد أن عززوا قوتهم وتسلحوا على بيته، ونهبوه، وأشعلوا النار في أثاثه، وشربوا الخمر من مخزن خموره، واستولوا على النقود والآنية الفضية, ثم انتقل القائمون بالشغب إلى المصنع ونهبوه. وجرد الجنود لقتالهم، فدافعوا عن أنفسهم في معركة اتصلت عدة ساعات، لقي فيها اثنا عشر جندياً ونيف ومائتا مشاغب مصرعهم. وأغلق ريفيون مصنعه وشد رحاله إلى إنجلترا.
كذلك كان مزاج باريس حين وصل النواب النواب ومناوبوهم لحضور مجلس طبقات الأمة في فرساي.




صفحة رقم : 14518




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> مجلس طبقات الأمة








7- مجلس طبقات الأمة




1789


في 4 مايو تحرك النواب في موكب مهيب للاستماع إلى القداس في كنيسة القديس لويس: يتقدمهم كهنة فرساي، ويليهم ممثلو الطبقة الثالثة في ثياب سوداء، ثم نواب الأشراف في ثيابهم الواهية وقبعاتهم المزينة بالريش، ثم النواب الكنسيون، ثم الملك والملكة يحيط بهما أفراد الأسرة الملكة. وازدحم أهل المدينة في الشوارع والشرفات وأسطح المنازل،وصفقوا




صفحة رقم : 14519




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> مجلس طبقات الأمة







لممثلي العامة، وللملك ولدوق أورليان، واستقبلوا بالصمت النبلاء، ورجال الأكليروس، والملكة، وكان كل إنسان (عدا الملكة) سعيداً ذلك اليوم، لأن الأمل الذي تطلع إليه الكثيرون قد تحقق. وبكى الكثيرون، من بين النبلاء، ولمرأى الأمة المنقسمة وقد بدت متحدة.
وفي 5 مايو اجتمع النواب في "قاعة الملاهي الصغير الضخمة، الواقعة على نحو أربعمائة ياردة من القصر الملكي. وبلغ عددهم 621 من العامة، و308 من الأكليروس، و285 من النبلاء (وفيهم عشرون من نبلاء الرداء. أما النواب الكنسيون فكان نحو ثلثيهم من أصل شعبي، وقد اختار كثيرون من هؤلاء الوقوف في صفة العامة. وكان نص النواب الطبقة الثالثة تقريباً من المحامين، وخمسة في المائة من أرباب المهن،وثلاثة عشر في المائة من رجال العمال، وثمانية في المائة يمثلون الفلاحين(63). ومن رجال الأكليروس أسقف أوتان، شارل-موريس دتاليران-بيريجو، الذي وصفه ميرابو وصفاً سبق بعبارة نابليون "الوحل في جوارب حريرية" فقال عنه "رجل خسيس، جشع، سافل، دساس، لا يشتهي غير الوحل والمال، يبيع روحه في سبيل المال، وهو إن فعل كان على حق، لأنه عندها سيأخذ الذهب بدل كومة من الروث"(64)، ولم يكن في هذا الوصف إنصاف لذكاء تاليران الطيع. وكان بين النبلاء عدة رجال دعوا إلى الإصلاحات الجوهرية: لافاييت، وكوندرسيه، ولاللي-ولندال، وفيكونت نواي، وأدواق أورليان، وايجيون، ولاروشفوكو-ليانكور. وقد انضم معظمهم إلى سييس، وميرابو، وغيرهم من نواب لطبقة الثالثة في جمعية الثلاثين" التي قامت بدور الجماعة المنظمة للإجراءات اللبرالية" ومن أبرز نواب الطبقة الثالثة ميرابو، وسييس، ومنييه، وبارناف، والفلكي جان بابي، ومكسمليان روبسبيير. وكان هذا الجمع في مجموعه أبرز تجمع سياسي في التاريخ الفرنسي، وربما في التاريخ الحديث بأسره. وتطلعت النفوس الكريم في طول أوربا وعرضها لهذا الحشد عساه أن يرفع لواء ينضوي تحته المظلومون في كل أمة.




صفحة رقم : 14520




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> مجلس طبقات الأمة







وافتتح الملك الجلسة الأولى بخطاب موجز اعترف فيه صراحة بما تعانيه حكومته من كرب مالي نسبه إلى "حرب غالية التكلفة ولكنها شريفة" وطلب "زيادة في الضرائب" وأبدى الأسف على "الرغبة المغالية في التجديد". ثم تبعه نكير بخطاب استغرق ثلاث ساعات واعترف فيه بعجز بلغ 65.150.000 جنيه (حقيقة الأمر أنه بلغ 150.000.000) وطلب الموافقة على قرض قدره 80.000.000 جنيه. وتململ النواب من الإحصاءات المرهقة للذهن، وكان أكثرهم يتوقع من الوزير اللبرالي أن يبسط برنامجاً للإصلاح.
ثم بدأ صراع الطبقات في الغد، حين انفرد كل من طبقة النبلاء والأكليروس بقاعة منفصلة وشق جمهور الشعب الآن طريقه عنوة إلى قاعة الملاهي الصغيرة، وسرعان ما أخذ يؤثر في أصوات النواب بإعرابه القوي-المنظم عادة-عن الاستحسان أو الاعتراض. ورفضت الطبقة الثالثة أن تعترف بنفسها هيئة منفصلة، وانتظرت في تصميم أن تنضم إليها الطبقتان الأخريان ويتم التصويت بالطبقات-أي بصوت لكل طبقة-جزء من الدستور الملكي لا يمكن تغييره "ذلك أن إدماج الطبقات الثلاث في طبقة واحدة والسماح بالتصويت الفردي، في جمعية تؤلف الطبقة الثالثة الآن نصف مجمعها وفي استطاعتها دون عناء أن تكسب التأييد من صغار الأكليروس هذا كله معناه تسليم عقل فرنسا وخلقها لمجرد الكثرة العددية والإرادة البرجوازية. أما مندوبو الأكليروس المنقسمون بين محافظين وأحرار، فلم يتخذوا موقفاً من الطرفين، منتظرين أن تهديهم الأحداث إلى أفضل. ومضى شهر على هذه الحال.
وكان سعر الخبز أثناء ذلك يواصل ارتفاعه برغم محاولات نكير لضبطه،وخطر العنف الجماهيري يتزايد. وتدفق فيض من النشرات، فكتب آرثر ينج في 9 يونيو يقول: "أن الحركة التجارية المتزايدة الآن في حوانيت باريس التي تبيع النشرات لا تصدق. ولقد ذهبت إلى الباليه رويال لأرى




صفحة رقم : 14521




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> مجلس طبقات الأمة







ما جد نشره ولأحصل على قائمة بكل ما نشر ووجدت أن كل ساعة تلد جديداً. فقد صدر من النشرات اليوم ثلاث عشرة، وأمس ست عشرة، وفي الأسبوع الماضي اثنتان وتسعون.. وتسع عشرة من عشرين من هذه النشرات يناصر الحرية، ويناوئ الأكليروس والنبلاء عادة... ولا يصدر أي رد عليه"(65).
وفي 10 يونيو أوفد نواب الطبقة الثالثة لجنة إلى النبلاء والأكليروس تكرر دعوتهم إلى اجتماع موحد،وتصرح بأنه إذا واصلت الطبقتان لاجتماع منفصلتين فإن الطبقة الثالثة ستأخذ في تشريع للأمة بدونهم.ووقع التصدع في صراع الإرادات الجماعية في 14 يونيو، حين انضم تسعة من كهنة الأبرشيات إلى نواب العامة. وفي ذلك اليوم انتخبت الطبقة الثالثة، بأي رئيساً لها، ووضعت لنفسها نظاماً للمناقشة والتشريع. وفي اليوم الخامس عشر اقترح سييس أن يطلق النواب المجتمعون في قاعة الملاهي الصغير-الذين يمثلون ستة وتسعين في المائة من الأمة-على أنفسهم اسم "جمعية نواب الأمة الفرنسية المعترف بهم ولثابتة صحة عضويتهم. ورأى ميرابو أن العبارة فضفاضة ولا بد أن الملك سيرفضها. وبدلاً من أن يتراجع سييس، بسط الاسم المقترح فجعله "الجمعية الوطنية"، وكذلك تمت الموافقة على الاسم الجديد بأغلبية 491 مقابل 89 صوتاً(66). وقد غير هذا الإعلان الملكية المطلقة تلقائياً إلى ملكية مقيدة،وأنهى السلطات التي امتيازاتها الطبقات العليا، وشكل-من الناحية السياسية-بداية الثورة.
ولكن هل يقبل الملك هذا الغض من سلطته؟ ولكي تعطفه الجمعية الوطنية للقبول قررت أن جميع الضرائب القائمة ينبغي دفعها كالسابق إلى أن تحل الجمعية، وبعدها لا تدفع ضرائب إلا ما أذنت به الجمعية؛ وأن الجمعية ستنظر بأسرع ما تستطيع في أسباب عجز الخبز وعلاجه؛ وأنها بعد قبول دستور جديد ستتكفل بديون الدولة وتوافق على سدادها، وقد استهدف أحد هذه القرارات تهدئة القائمين بالشغب، وسعى آخر
إلى




صفحة رقم : 14522




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> مجلس طبقات الأمة







كسب تأييد حاملي السندات الحكومية، وقد وضعت كلها بمهارة لتقلل من مقاومة الملك.
واستشار لويس مجلسه. فحذره نكير من أن مجلس الطبقات سينهار ما لم تذعن الطبقتان المميزتان، وأن الضرائب لن تدفع، وأن الحكومة ستصبح مفلسة لا حول لها ولا قوة. واعترض وزراء آخرون بأن التصويت الفردي سيكون معناه دكتاتورية الطبقة الثالثة وإصابة طبقة النبلاء بالعجز السياسي. وقرر لويس أن يقاوم الجمعية الوطنية لأنه شعر أن عرشه يعتمد على النبلاء والأكليروس. وقدم نكير استقالته بعد أن هزم. ولكن الملك أقنعه بالبقاء لعلمه بأن الشعب سيقاوم خطوة كهذه.
واقتضت "الجلسة الملكية" المقررة تجهيز قاعة الملاهي الصغيرة بترتيبات مادية جديدة فأرسلت الأوامر بإجراء هذه الترتيبات إلى مهرة صناع القصر دون إشعار الجمعية. فلما حاول نواب الطبقة الثالثة دخول القاعة في 20 يونيو وجدوا أبوابها مغلقة مشغولاً بالصناع. واعتقد النواب أن الملك يخطط لطردهم. فانتقلوا إلى ملعب للتنس مجاور (وصلة ملعب التنس وأقسموا يمينا صنعت التاريخ.
"حيث أن الجمعية الوطنية دعيت لوضع دستور المملكة، ولإحداث التجديد في النظام العام، ولصيانة المبادئ الصحيحة للنظام الملكي، وحيث أنه ما من شيء يقوى على منعها من مواصلة مداولاتها في أي مكان تضطر إلى الاجتماع فيه؛ وأخيراً، بما أنه حيثما اجتمع أعضاؤها فهناك تكون الجمعية الوطنية، لذلك تقرر الجمعية أن يقسم جميع أعضائها يميناً مغلظة بألا يتفرقوا، وأن يعاودوا الاجتماع كلما دعت الظروف، حتى يستقر حال المملكة، ويرسى على أسس مكيفة،وانه بعد حلف اليمين المذكورة سيصدق جميع الأعضاء، وكل منهم بمفرده، على هذا القرار الثابت بالتوقيع عليه"(67).
وقد وقع جميع النواب الحاضرين وعددهم 557 نائباً وعشرون مناباً إلا اثنين، ثم وقع في تاريخ لاحق خمسة وخمسون أخر وخمسة قساوسة. فلما




صفحة رقم : 14523




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> مجلس طبقات الأمة







أن ترامى نبأ هذه الأحداث إلى باريس احتشد جمع غاضب حول الباليه-رويال وأقسموا على الدفاع عن الجمعية لوطنية أياً كان الثمن. وفي فرساي بات من الخطر على أي شريف أو أسقف أن يظهر في الشوارع، وقد لقي عدد منهم معاملة خشنة، ولم ينج رئيس أساقفة باريس بجلده إلا حين وعد بأن ينضم إلى الجمعية. وفي 22 يونيو اجتمع النواب الذي أقسموا اليمين في كنيسة سان لوي، وهنا انضم إليهم بعض النبلاء و149 من النواب الكنسيين البالغ عددهم 308.
وفي 23 يونيو اجتمع نواب الطبقات الثلاث في قاعة الملاهي الصغيرة ليستمعوا إلى الملك.وطوق الجنود القاعة. وتخلف نكير عن الحضور مع الحاشية الملكية على النحو واضح. وتكلم لويس فأوجز، ثم أناب وزيراً في قراءة قراره. وقد رفض القرار دعوى النواب الذين أعلنوا أنفسهم جمعية وطنية باعتبارها غير قانونية وباطلة. وسمح باجتماع موحد للطبقات الثلاث، وبالتصويت الفردي على المسائل التي لا تؤثر في هيكل فرنسا الطبقي، ولكن يحظر أي عمل يمس "الحقوق القديمة والدستورية... للملكية، أو الامتيازات التشريفية... للطبقتين الأوليين"، أما الأمور المتصلة بالدين أو لكنيسة فلا بد من أن يوافق عليها الأكليروس. وسمح الملك لمجلس الطبقات بحق الاعتراض على الضرائب والقروض الجديدة، ووعد بالمساواة في فرض الضرائب إذا وافقت عليها الطبقتان المميزتان، وعرض أن تلقي توصيات بالإصلاح. وينشئ مجالس إقليمية يكون التصويت فيها فردياً. ووافق على إنهاء السخرة، والأوامر الملكية المختومة، والمكوس على التجارة الداخلية، وكل آثار القنية في فرنسا. ثم ختم الجلسة بمظهر وجيز للسلطة؛:
"لو أنكم تركتموني وحدي في هذه المغامرة الكبرى فسأعمل وحيداً لرفاهية شعبي... وسوف أعد نفسي دون سواي الممثل الحقيقي لهم... ولن تصبح خطة من خططكم أو إجراء من إجراءاتكم قانوناً ما لم أوافق عليه صراحة... وأني آمركم بالتفوق فوراً، وبمضي كل نائب إلى قاعة طبقته صباح غد لتستأنفوا مناقشاتكم"(68).




صفحة رقم : 14524




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> مجلس طبقات الأمة







فلما انصرف الملك رحل معظم النبلاء وقلة من الأكليروس. وأعلن المركيز بريزيه، كبير التشريفات، على النواب الذين بقوا أن الملك يريد الجميع أن يبرحوا القاعة. ورد ميرابو رداً مشهوراً: "سيدي... ليس لك هنا مكان ولا صوت ولا حق في الكلام... فإذا كنت قد كلفت بإرغامنا على مبارحة هذه القاعة، فلا بد لك من طلب الأوامر باستعمال القوة،... لأننا لن نبرح أماكننا إلا على أسنة الرماح"(69). وظاهرت هذا التصريح صيحة هتف بها الجميع "هذه إرادة الجمعية" فانسحب بريزيه. وصدرت الأوامر للجند المحليين بإخلاء القاعة، ولكن بعض النبلاء الأحرار أقنعوهم بالا يتخذوا أي إجراء. فلما أنبئ الملك بالموقف قال "تباً لهم، فليمكثوا إذن"(70).
وفي 24 يونيو كتب ينج في يوميته: "أن الغليان في باريس لا يمكن تصوره، فقد كان عشرة آلاف شخص طوال اليوم في الباليه رويال... والاجتماعات المستمرة هناك تتصل وتبلغ من التهور.وسورة الحرية درجة لا تكاد تصده"(71). وعجزت السلطات البلدية عن حفظ النظام، لأنها لم تستطع الاعتماد على "الحرس الفرنسيين" المحليين؛ ذلك أن كثيرين من هؤلاء كان لهم أقرباء شرحوا لهم قضية الشعب، وتآخى بعض هؤلاء الجند مع الحشد المحيط بالباليه-رويال؛ وفي فوج في باريس كانت هناك جمعية سرية أقسمت ألا تطيع أوامر مناوئة للجمعية الوطنية.وفي 25 يونيو اجتمع الرجال الذين انتخبوا من قبل نواب الطبقة الثالثة عن باريس،وعدد هؤلاء الرجال 407-وأحلوا أنفسهم محل الحكومة الملكية للعاصمة، فاختاروا مجلساً بلدياً جديداً، وكله تقريباً من الطبقة الوسطى، وترك لهم المجلس القديم مهمة حماية الحياة وأملاك.وفي ذلك اليوم نفسه انتقل سبعة وأربعون نبيلاً يتقدمهم دون أورليان إلى قاعة الملاهي الصغرى. وبدا أن انتصار الجمعية أصبح الآن أكيداً، وأن القوة وحدها هي التي تستطيع زعزعته.
وفي 26 يونيو، بالرغم معارضة نكير، أخبر الأعضاء المحافظون في الوزارة الملك أن الجنود المحليين في فرساي وباريس لا يمكن بعد الآن الركون




صفحة رقم : 14525




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> مجلس طبقات الأمة







إلى طاعتهم للأوامر، وأقنعوا بأن يرسل في طلب ستة أفواج من الأقاليم. وفي السابع والعشرين، وتحولا إلى نصيحة نكير، أمر لويس وفود النبلاء والأكليروس بالانضمام إلى باقي النواب. ففعلوا، ولكن النبلاء أبو المشاركة في التصويت بحجة أن تفويضهم عن دوائرهم الانتخابية يمنعهم من التصويت الفردي في مجلس الطبقات. وخلال الأيام الثلاثين التالية عاد أكثرهم إلى ضياعهم.
وفي أول يوليو استدعى الملك إلى باريس عشرة أفواج، معظمهم من الألمان والسويسريين. وفي الأسابيع الأولى من يوليو احتل آلاف جندي بقيادة المشال برولي فرساي، واتخذ عشرة آلاف أخر بقيادة البارون بزينفال مواقعه حول باريس،ولا سيما في الشان دمارس. واعتقدت الجمعية والشعب أن الملك يخط لتفريقهم أو تخويفهم. وبلغ الخوف من القبض ببعض النواب مبلغاً جعلهم يبيتون في قاعة لملاهي الصغرى بدلاً من العودة إلى بيوتهم ليلاً(72).
في جو الإرهاب هذا عينت الجمعية لجنة لوضع مخططات لدستور جديد. وقدمت اللجنة للجمعية تقريراً تمهيدياً 9 يوليو، ومن ذلك اليوم أطلق النواب على أنفسهم اسم "الجمعية التأسيسية الوطنية". وكان الميل السائد بين الأعضاء في جانب الملكية الدستورية. وكان من رأي ميرابو المطالبة بـ "حكومة شبيهة بحكومة إنجلترا بوجه عام" تكون فيها الجمعية الهيئة التشريعية، ولكنه واصل في السنتين اللتين أفسحتا له في أجله الإلحاح على الاحتفاظ بملك لفرنسا. وأثني على لويس السادس عشر لما أتصف به من طيبة قلب وسماحة مقصد يشوش عليهما أحياناً مشيروه قصار النظر، ثم تساءل:
"هل درس هؤلاء الرجال، في تاريخ أي شعب من الشعوب، كيف تبدأ الثورات وكيف تنفذ؟ وهل لاحظوا بأي سلسلة رهيبة من الظروف يكره أعقل الرجال على إتيان أفعال تتجاوز كثيراً حدود الاعتدال، وبأي دوافع مخيفة يقذف بشعب غاضب إلى ألوان من الشطط لو فكروا فيها بمجرد تفكير لارتعدت فرائصهم فرقاً؟"(73).




صفحة رقم : 14526




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> مجلس طبقات الأمة







وخامرا الجمعية الشك في أن ميرابو مأجور من الملك أو الملكة ليدافع عن الملكية، ولكنها أساساً اتبعت نصيحته. وأحس النواب، الذين كان العنصر السائد فيهم الآن رجالاً من الطبقة الوسطى، أن جماهير الشعب أخذت تصبح عسيرة القياد إلى حد خطر، وأن السبيل الوحيد للحيلولة دون التحلل الشامل للنظام الاجتماعي هو الإبقاء فترة على الهيكل التنفيذي الراهن للدولة.
على انهم لم يشعروا بمثل هذا الانعطاف نحو الملكة. فقد علم أنها شاركت إيجاباً في تأييد الحزب المحافظ في مجلس الملك، وأنها تمارس سلطة سياسية تفوق كفايتها كثيراً. وكانت خلال هذه الأشهر الحرجة قد تجلدت لثكل ربما نال من أي قدرة أوتيتها على الحكم الهادئ المتعقل. ذلك أن ابنها البكر، ولي عهد لويس، كان شديد المعاناة من الكساح واعوجاج العمود الفقري إلى درجة أعجزته عن المشي بغير معونة(74). وفي 4 يونيو مات. ولم تعد ماري أنطوانيت التي حطمها الحزن والخوف تلك المرأة الفاتنة التي كانت تمرح طوال سني الحكم الأولى.وباتت وجنتاها شاحبتين نحيلتين، وأخذ الشيب يتسلل إلى شعرها، وشاب الحزن بسماتها وهي تذكر أياماً أسعد، ثم أرق مضجعها وعيها بحشود الدهماء تلعن اسمها في باريس وتحمي الجمعية في فرساي وترهبها.
وفي 8 يوليو وافقت الجمعية إلى اقتراح لميرابو يطلب إلى الملك أن ينقل فرساي جنود الإقليميين الذين جعلوا من حدائق لنوتر معسكراً مسلحاً. ورد لويس بأنه ليس هناك أذى مقصود بالجمعية، ولكن في 11 يوليو أفصح عن سطوته بإقالته نكير وأمره بمغادرة باريس فوراً. تقول مدام دستال مستحضرة ذلك الحدث "وتقاطرت باريس كلها لتزوره في الساعات الأربع والعشرين التي سمح له بها للاستعداد لرحلته... وأحال الرأي العام عاره انتصاراً"(75). ثم رحل هو وأسرته في هدوء إلى الأراضي المنخفضة. أما الذين أيدوه في الوزارة فأقيلوا معه. وفي 12 يوليو، وفي استسلام كامل لدعاة استخدام القوة، عين لويس صديق الملكة، البارون دبروتوي، خلفاً لنكير، وعين دبرولي وزيراً لحربية. وبدا أن الجمعية وثروتها الوليدة مقضي عليهما قضاء مبرماً.




صفحة رقم : 14527




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> مجلس طبقات الأمة







ولكن الإنقاذ جاءهما من شعب باريس.




صفحة رقم : 14528




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> إلى الباستيل








8- إلى الباستيل


كانت عوامل كثيرة تحمل الجماهير على الانتقال من الغليان إلى مرحلة العمل. فقد كان سعر الخبز قضية مثيرة لحفيظة ربات البيوت، وانتشرت الشبهة في أن بعض تجار لجملة يحبسون الغلال عن السوق طمعاً في أسعار أعلى حتى مما وصلت إليه(76). وأرسلت السلطات البلدية الجديدة الجند لحماية المخابز مخافة أن يفضي الجوع إلى النهب العشوائي. وكانت القضية التي تؤرق الباريسيين علمهم بأن الأفواج التي في خارج المدينة، والتي لم يتسن بعد كسب تأييدها لقضية الشعب، تهدد الجمعية والثورة. وقد بلغ غضب الجماهير وخوفهم أثر سقوط نكير المفاجئ-وهو الرجل الوحيد في الحكومة الذي كان الشعب قد وثق به-نقطة كفت عندها كلمة واحدة لتثير رداً عنيفاً. ففي 12 يوليو وثب كامي ديمولان، وكان أحد خريجي مدارس اليسوعيين ولكنه أصبح الآن محامياً متطرفاً في التاسعة والعشرين من عمره، فوق مائدة خارج "الكافية دافوا" على مقربة من الباليه-رويال وندد بإقالة نكير باعتبارها خذلاناً للشعب، وصاح "إن الألمان (الجند) في الشان دمارس سيدخلون باريس الليلة ليذبحوا سكانها!" ثم لوح بطبنجة وسيف وهتف "إلى السلاح!"(77). وللتو تبعه فريق من السامعين إلى ميدان فاندوم يحملون تماثيل نصفية لنكير والدوق أورليان، وهناك أكرههم بعض الجند على الفرار، ثم تجمع في المساء حشد في حدائق التويلري، فهاجمهم فوج من الجند الألمان، فقاوموهم بالقوارير والحجارة، فأطلق الجنود النار عليهم وجرحوا كثيرين، وبعد أن تفرقوا عادوا إلى التجمع في الأوتيل وانضم الشحاذون والمجرمون إلى القائمين بالشغب، ثم انقض الجميع على عدة بيوت ونهبوها.
وفي 13 يوليو تجمع الحشد مرة أخرى، ودخلوا دير سان-لازار، واستولوا على مخزونه من الغلال وحملوه إلى السوق في لي هال، وفتح




صفحة رقم : 14529




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> إلى الباستيل







حشد آخر سجن لافورس وأطلق سراح السجناء وكان أكثرهم من المدنيين وراح أفراد الشعب يفتشون عن البنادق في كل مكان، فلما لم يجدوا منها إلا القليل، صنعوا خمسين ألف حربة(78). وخافت الطبقات الوسطى في باريس على بيوتها وممتلكاتها، فألفت مليشيا خاصة بها وسلحتها، وفي الوقت نفسه واصل الأغنياء تشجيع الجماهير الثائرة وتمويلها وتسليحها لعل هذا أن يثني الملك عن استعمال القوة مع الجمعية(79).
وفي صباح 14 يوليو الباكر أغار حشد من ثمانية آلاف رجل على الأوتيل ديزنفاليد، واستولوا على 23.000 بندقية، وبعض البارود، واثنتي عشرة قطعة من المدفعية. وفجأة صاح لأحدهم "إلى الباستيل". ولكن لم الباستيل بالذات؟ لا لإطلاق سراح سجنائه، الذين لم يتعدوا السبعة، فضلاً عن أنه كان بوجه عام منذ 1715 يستعمل مكاناً لحبس راق لسراة القوم. غير أن هذه القلعة الضخمة التي بلغ ارتفاعها مائة قدم وسمك أسوارها ثلاثين قدماً والتي أحاط بها خندق عرضه خمسة وسبعون قدماً ظلت أمداً طويلاً رمزاً للاستبداد. وكانت ترمز في ضمير الشعب إلى مئات السجون والزنزانات الخفية، وكان بعض الكراسات قد طالب بتدميرها. ولعل ما أثار الجمع علمهم بأن الباستيل قد صوب بعض المدافع إلى شارع وضاحية سانت-أنطوان، وهي حي يغلي بالمشاعر الثورية. وربما كان أهم من هذا كله ما قيل من أن الباستيل احتوى مخزناً ضخماً من السلاح والذخيرة، لا سيما البارود، ولم يملك الثوار منه إلا القليل. وكان في القلعة حامية قوامها اثنان وثمانون جندياً فرنسياً واثنان وثلاثون من الحرس السويسري، بقيادة المركيز دلوني، وكان رجلاً لين الطبع(80). ولكن ذاع عنه بين الجماهير أنه وحش غليظ القلب(81).
وبينما كان الجمع الذي أكثره من الباعة والصناع يتجه صوب الباستيل استقبل دلوني وفداً من المجلس البلدي، طلب إليه سحب المدافع المهددة من مواقعها، وألا يتخذ أي إجراء عدائي نحو الشعب،ووعد نظير ذلك باستخدام نفوذه لثني الجمع عن مهاجمة الحصن. ووافق القائد،واستضاف الوفد لتناول طعام الغداء، وتلقت لجنة أخرى أوفدها المحاصرون




صفحة رقم : 14530




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الانهيار السياسي -> إلى الباستيل







أنفسهم تعهداً من دلوني بألا يطلق جنوده النار على الشعب ما لم تكن هناك محاولة الحصن عنوة. ولكن هذا لم يرض الجمع الهائج، فقد كان مصمماً إلى الاستيلاء على الذخيرة التي لا تستطيع بنادقه بدونها أن تقاوم الزحف المنتظر من جنود بيزنفال الأجانب على المدينة. على أن بيزنفال لم يكن حريصاً على الزحف إلى داخل باريس إذ خامره الظن بأن جنوده سيرفضون إطلاق النار على شعب. لذلك انتظر الأوامر من دبرولي، ولكن شيئاً منها لم يصله.
وحوالي الواحدة بعد الظهر تسلق ثمانية عشر من الثوار سور بناء مجاور، ووثبوا إلى داخل الفناء الأمامي للباستيل، وأنزلوا كوبريين متحركين، فعبر المئات فوق الخندق، وأنزل كوبريان آخران، وسرعان ما امتلأ الفناء بجمع متحفز واثق من نفسه. فأمرهم دلوني بالانسحاب، فأبوا، وعليه فقد أصدره أمره لجنوده بإطلاق النار عليهم. ورد المهاجمون على النار وأشعلوا النيران في بعض الأبنية الخ