Advertisement

البداية والنهاية ط هجر 026



الكتاب: البداية والنهاية
المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي
الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة: الأولى، 1418 هـ - 1997 م
سنة النشر: 1424هـ / 2003م
عدد الأجزاء:21 (20 ومجلد فهارس)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] كَانَ قَدْ أَبْعَدَهَا وَأَقْصَاهَا، وَقَرَّبَ حَظِيَّتَهُ خَالِصَةَ وَأَدْنَاهَا. فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

[وَهَذَا ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ تَرْجَمَةِ الْهَادِي]
هُوَ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْهَادِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ابْنُ الْمَهْدِيِّ ابْنِ الْمَنْصُورِ. وَلِيَ الْخِلَافَةَ - كَمَا ذَكَرْنَا - فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي النِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَوِ الْآخِرِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثٌ - وَقِيلَ أَرْبَعٌ. وَقِيلَ: سِتٌّ - وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ أَحَدٌ قَبْلَهُ فِي سِنِّهِ. وَكَانَ حَسَنًا جَمِيلًا طَوِيلًا أَبْيَضَ، فِي شَفَتِهِ الْعُلْيَا تَقَلُّصٌ، وَكَانَ قَوِيَّ الْبَأْسِ يَثِبُ عَلَى الدَّابَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ، وَكَانَ أَبُوهُ يُسَمِّيهِ رَيْحَانَتِي.
وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ دَأَبٍ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ الْهَادِي، إِذْ جِيءَ بِطَسْتٍ فِيهِ رَأْسَا جَارِيَتَيْنِ، لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهُمَا، وَلَا مِثْلَ شُعُورِهِمَا، وَفِي شُعُورِهِمَا اللَّآلِئُ وَالْجَوَاهِرُ مُنَضَّدَةً، وَلَا مِثْلَ طِيبِ رِيحِهِمَا، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا شَأْنُ هَاتَيْنِ؟ قُلْنَا: لَا. فَقَالَ: إِنَّهُ ذُكِرَ لِي عَنْهُمَا أَنَّهُمَا يَرْتَكِبَانِ الْفَاحِشَةَ، فَأَمَرْتُ الْخَادِمَ، فَرَصَدَهُمَا ثُمَّ جَاءَنِي فَقَالَ: إِنَّهُمَا مُجْتَمِعَتَانِ. فَجِئْتُ فَوَجَدْتُهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ وَهُمَا عَلَى
(13/558)

الْفَاحِشَةِ، فَأَمَرْتُ بِحَزِّ رِقَابِهِمَا. ثُمَّ أَمَرَ بِرَفْعِ رُءُوسِهِمَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَرَجَعَ إِلَى حَدِيثِهِ الْأَوَّلِ، كَأَنْ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا. وَكَانَ شَهْمًا خَبِيرًا بِالْمُلْكِ كَرِيمًا.
وَمِنْ كَلَامِهِ: مَا أُصْلِحَ الْمُلْكُ بِمِثْلِ تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ لِلْجَانِي، وَالْعَفْوِ عَنِ الزَّلَّاتِ الْقَرِيبَةِ، لِيَقِلَّ الطَّمَعُ عَنِ الْمُلْكِ.
وَغَضِبَ يَوْمًا مِنْ رَجُلٍ، فَاسْتُرْضِيَ عَنْهُ فَرَضِيَ، فَشَرَعَ الرَّجُلُ يَعْتَذِرُ، فَقَالَ الْهَادِي: إِنَّ الرِّضَا قَدْ كَفَاكَ مُؤْنَةَ الِاعْتِذَارِ.
وَعَزَّى الْهَادِي رَجُلًا فِي وَلَدٍ لَهُ تُوُفِّيَ: فَقَالَ لَهُ: أَسَرَّكَ وَهُوَ عَدُوٌّ وَفِتْنَةٌ، وَأَحْزَنَكَ وَهُوَ صَلَاةٌ وَرَحْمَةٌ.
وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ أَبِي حَفْصَةَ أَنْشَدَ الْهَادِي قَصِيدَةً لَهُ، مِنْهَا:
تَشَابَهَ يَوْمًا بَأْسُهُ وَنَوَالُهُ ... فَمَا أَحَدٌ يَدْرِي لِأَيِّهِمَا الْفَضْلُ
فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ ثَلَاثُونَ أَلْفًا مُعَجَّلَةً أَوْ مِائَةُ أَلْفٍ تَدُورُ فِي الدَّوَاوِينِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَكُونُ ثَلَاثُونَ أَلْفًا مُعَجَّلَةً وَمِائَةُ أَلْفٍ تَدُورُ بِالدَّوَاوِينِ. فَقَالَ الْهَادِي: أَوْ أَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ; نُعَجِّلُ الْجَمِيعَ لَكَ. فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا مُعَجَّلَةً.
(13/559)

وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: حَدَّثَنِي الْأَزْهَرِيُّ، ثَنَا سَهْلُ بْنُ أَحْمَدَ الدِّيبَاجِيُّ، ثَنَا الصُّولِيُّ، ثَنَا الْغَلَابِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيُّ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ عُكَّاشَةَ الْمُزَنِيُّ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْهَادِي شُهُودًا عَلَى رَجُلٍ مِنَّا شَتَمَ قُرَيْشًا، وَتَخَطَّى إِلَى ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَلَسَ لَنَا مَجْلِسًا أَحْضَرَ فِيهِ فُقَهَاءَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمَنْ كَانَ بِالْحَضْرَةِ عَلَى بَابِهِ، وَأَحْضَرَ الرَّجُلَ وَأَحْضَرَنَا، فَشَهِدْنَا عَلَيْهِ بِمَا سَمِعْنَا مِنْهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الْهَادِي، ثُمَّ نَكَّسَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي الْمَهْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَرَادَ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللَّهُ، وَأَنْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَمْ تَرْضَ بِأَنْ أَرَدْتَ ذَلِكَ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى تَخَطَّيْتَ إِلَى ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! اضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى قُتِلَ.
تُوُفِّيَ الْهَادِي فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ هَارُونُ وَلِيُّ الْعَهْدِ، وَدُفِنَ فِي قَصْرٍ بَنَاهُ وَسَمَّاهُ الْأَبْيَضَ بِعِيسَابَاذَ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَادَ. وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ تِسْعَةٌ; سَبْعَةٌ ذُكُورٌ وَابْنَتَانِ، فَالذُّكُورُ; جَعْفَرٌ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ قَدْ رَشَّحَهُ لِلْخِلَافَةِ - وَعَبَّاسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَإِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ وَسُلَيْمَانُ وَمُوسَى الْأَعْمَى الَّذِي وُلِدَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَسُمِّيَ بِاسْمِ أَبِيهِ، وَالْبِنْتَانِ هُمَا أُمُّ عِيسَى الَّتِي تَزَوَّجَهَا الْمَأْمُونُ، وَالْأُخْرَى أُمُّ
(13/560)

الْعَبَّاسِ تُلَقَّبُ نُوتَةَ.

[خِلَافَةُ هَارُونَ الرَّشِيدِ ابْنِ الْمَهْدِيِّ]
بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ لَيْلَةَ مَاتَ أَخُوهُ الْهَادِي، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ عُمْرُ الرَّشِيدِ يَوْمَئِذٍ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَبَعَثَ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ، وَقَدْ كَانَ الْهَادِي عَزَمَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى قَتْلِهِ وَقَتْلِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَأَخْرَجَهُ الرَّشِيدُ، وَكَانَ ابْنَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَوَلَّاهُ حِينَئِذٍ الْوِزَارَةَ، وَوَلَّى يُوسُفَ بْنَ الْقَاسِمِ بْنِ صُبَيْحٍ كِتَابَةَ الْإِنْشَاءِ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي قَامَ خَطِيبًا بَيْنَ يَدَيْهِ حِينَ أُخِذَتِ الْبَيْعَةُ لَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِعِيسَابَاذَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لِمَا مَاتَ الْهَادِي فِي اللَّيْلِ جَاءَ يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ إِلَى الرَّشِيدِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: كَمْ تُرَوِّعُنِي، وَلَوْ سَمِعَ بِهَذَا الْكَلَامِ هَذَا الرَّجُلُ لَكَانَ ذَلِكَ أَكْبَرَ ذُنُوبِي عِنْدَهُ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: قَدْ مَاتَ الرَّجُلُ. فَجَلَسَ هَارُونُ فَقَالَ: أَشِرْ عَلَيَّ. فَجَعَلَ يَذْكُرُ لَهُ وِلَايَاتِ الْأَقَالِيمِ لِرِجَالٍ يُسَمِّيهِمْ، فَيُوَلِّيهِمُ الرَّشِيدُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ; فَقَدْ وُلِدَ لَكَ السَّاعَةَ غُلَامٌ. فَقَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَهُوَ الْمَأْمُونُ ثُمَّ أَصْبَحَ فَصَلَّى عَلَى أَخِيهِ الْهَادِي، وَدَفَنَهُ بِعِيسَابَاذَ، وَحَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ إِلَّا بِبَغْدَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْجِنَازَةِ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِ أَبِي عِصْمَةَ الْقَائِدِ; لِأَنَّهُ
(13/561)

كَانَ مَعَ جَعْفَرٍ ابْنِ الْهَادِي فَزَاحَمُوا هَارُونَ عَلَى جِسْرٍ، فَقَالَ أَبُو عِصْمَةَ: قِفْ حَتَّى يَجُوزَ وَلِيُّ الْعَهْدِ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلْأَمِيرِ. فَجَازَ جَعْفَرٌ وَوَقَفَ الرَّشِيدُ، فَلَمَّا وَلِيَ أَمَرَ بِقَتْلِ أَبِي عِصْمَةَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى بَغْدَادَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى جِسْرِ بَغْدَادَ اسْتَدْعَى بِالْغَوَّاصِينَ فَقَالَ: إِنِّي سَقَطَ مِنِّي هَاهُنَا خَاتَمٌ، كَانَ وَالِدِي الْمَهْدِيُّ قَدِ اشْتَرَاهُ لِي بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَيَّامٍ بَعَثَ وَرَائِي الْهَادِي يَطْلُبُهُ، فَأَلْقَيْتُهُ إِلَى الرَّسُولِ، فَسَقَطَ هَاهُنَا. فَغَاصُوا وَرَاءَهُ فَوَجَدُوهُ، فَسُرَّ بِهِ الرَّشِيدُ سُرُورًا كَثِيرًا.
وَلَمَّا وَلَّى الرَّشِيدُ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ الْوِزَارَةَ قَالَ لَهُ: قَدْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ أَمْرَ الرَّعِيَّةِ، وَخَلَعْتُ ذَلِكَ مِنْ عُنُقِي، وَجَعَلْتُهُ فِي عُنُقِكَ، فَوَلِّ مَنْ رَأَيْتَ، وَاعْزِلْ مَنْ رَأَيْتَ. فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ سَقِيمَةً ... فَلَمَّا وَلِيَ هَارُونُ أَشْرَقَ نُورُهَا
بِيُمْنِ أَمِينِ اللَّهِ هَارُونَ ذِي النَّدَى ... فَهَارُونُ وَالِيهَا وَيَحْيَى وَزِيرُهَا
وَكَانَتِ الْخَيْزُرَانُ هِيَ الْمُشَاوَرَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، لَا يَقْطَعُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ أَمْرًا حَتَّى يُشَاوِرَهَا فِيمَا يُبْرِمُهُ وَيَحِلُّهُ وَيُمْضِيهِ وَيُحْكُمُهُ.
وَفِيهَا أَمَرَ الرَّشِيدُ بِسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى أَنْ يُقَسَّمَ فِي بَنِي هَاشِمٍ عَلَى السَّوَاءِ.
وَفِيهَا تَتَبَّعَ الرَّشِيدُ خَلْقًا مِنَ الزَّنَادِقَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ طَائِفَةً كَثِيرَةً.
وَفِيهَا خَرَجَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْبَيْتِ.

فِيهَا وُلِدَ الْأَمِينُ مُحَمَّدٌ ابْنُ الرَّشِيدِ مِنْ زُبَيْدَةَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِسِتَّ
(13/562)

عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَوَّالَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِيهَا كَمُلَ بِنَاءُ مَدِينَةِ طَرَسُوسَ عَلَى يَدَيْ فَرَجٍ الْخَادِمِ التُّرْكِيِّ، وَنَزَلَهَا النَّاسُ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ، وَأَعْطَى أَهْلَ الْحَرَمَيْنِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً جِدًّا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ غَزَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ دَاوُدُ بْنُ رَزِينٍ الشَّاعِرُ:
بِهَارُونَ لَاحَ النُّورُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ ... وَقَامَ بِهِ فِي عَدْلِ سِيرَتِهِ النَّهْجُ
إِمَامٌ بِذَاتِ اللَّهِ أَصْبَحَ شُغْلُهُ ... وَأَكْثَرُ مَا يُعْنَى بِهِ الْغَزْوُ وَالْحَجُّ
تَضِيقُ عُيُونُ النَّاسِ عَنْ نُورِ وَجْهِهِ ... إِذَا مَا بَدَا لِلنَّاسِ مَنْظَرُهُ الْبَلْجُ
وَإِنَّ أَمِينَ اللَّهِ هَارُونَ ذَا النَّدَى ... يُنِيلُ الَّذِي يَرْجُوهُ أَضْعَافَ مَا يَرْجُو
وَغَزَا الصَّائِفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ.
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَرَاهِيدِيُّ - وَيُقَالُ الْفُرْهُودِيُّ - الْأَزْدِيُّ الْيَحْمَدِيُّ، شَيْخُ النُّحَاةِ، وَعَنْهُ أَخَذَ سِيبَوَيْهِ وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَكَابِرِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَرَعَ عِلْمَ الْعَرُوضِ، قَسَّمَهُ إِلَى
(13/563)

خَمْسِ دَوَائِرَ، وَفَرَّعَهُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ بَحْرًا، وَزَادَ الْأَخْفَشُ فِيهِ بَحْرًا آخَرَ، وَهُوَ الْخَبَبُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
قَدْ كَانَ شِعْرُ الْوَرَى صَحِيحًا ... مِنْ قَبْلُ أَنْ يُخْلَقَ الْخَلِيلُ
وَقَدْ كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِعِلْمِ النَّغَمِ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ أَيْضًا، وَلَهُ كِتَابُ " الْعَيْنِ " فِي اللُّغَةِ، ابْتَدَأَهُ وَأَكْمَلَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَأَضْرَابُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، كَمُؤَرِّجٍ السَّدُوسِيِّ، وَنَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ. فَلَمْ يُنَاسِبُوا مَا وَضَعَهُ الْخَلِيلُ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَدْ وَضَعَ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ كِتَابًا بَيَّنَ فِيهِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْخَلَلِ، فَأَفَادَ.
وَقَدْ كَانَ الْخَلِيلُ رَجُلًا صَالِحًا عَاقِلًا كَامِلًا حَلِيمًا وَقُورًا، وَكَانَ مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا، صَبُورًا عَلَى الْعَيْشِ الْخَشِنِ الضَّيِّقِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا يُجَاوِزُ هَمِّي مَا وَرَاءَ بَابِي. وَكَانَ ظَرِيفًا حَسَنَ الْخُلُقِ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فِي الْعُرُوضِ، قَالَ: وَكَانَ بَعِيدَ الْفَهْمِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: كَيْفَ تُقَطِّعُ هَذَا الْبَيْتَ؟
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ ... وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ
فَشَرَعَ مَعِي فِي تَقْطِيعِهِ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَهَضَ مِنْ عِنْدِي فَلَمْ يَعُدْ إِلَيَّ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَحْمَدَ سِوَى أَبِيهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(13/564)

وُلِدَ الْخَلِيلُ سَنَةَ مِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ، وَزَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " شُذُورِ الْعُقُودِ " أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ كَامِلٍ الْمُرَادِيُّ مَوْلَاهُمُ، الْمِصْرِيُّ الْمُؤَذِّنُ، رَاوِيَةُ الشَّافِعِيِّ، وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ. وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا تَفَرَّسَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ، وَفِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْمُزَنِيِّ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَمِنْ شِعْرِ الرَّبِيعِ هَذَا:
صَبْرًا جَمِيلًا مَا أَسْرَعَ الْفَرَجَا ... مَنْ صَدَقَ اللَّهَ فِي الْأُمُورِ نَجَا
مَنْ خَشِيَ اللَّهَ لَمْ يَنَلْهُ أَذَى ... وَمَنْ رَجَا اللَّهَ كَانَ حَيْثُ رَجَا
فَأَمَّا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْجِيزِيُّ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا. وَقَدْ مَاتَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
(13/565)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ]
فِيهَا أَضَافَ الرَّشِيدُ الْخَاتَمَ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ مَعَ الْوِزَارَةِ.
وَفِيهَا قَتَلَ الرَّشِيدُ أَبَا هُرَيْرَةَ مُحَمَّدَ بْنَ فَرُّوخٍ نَائِبَ الْجَزِيرَةِ صَبْرًا فِي قَصْرِ الْخُلْدِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَفِيهَا خَرَجَ الْفَضْلُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرُورِيُّ فَقُتِلَ.
وَفِيهَا قَدِمَ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ إِفْرِيقِيَّةَ. وَخَرَجَتْ أُمُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَيْزُرَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَامَتْ بِهَا حَتَّى شَهِدَتِ الْحَجَّ، وَكَانَ الَّذِي حَجَّ بِالنَّاسِ عَمُّ الْخُلَفَاءِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَكْرَمَهُ، وَتَقَبَّلَ مِنْهُ.
(13/566)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ]
فِيهَا وَضَعَ الرَّشِيدُ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ الْعُشْرَ الَّذِي كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَعْدَ النِّصْفِ.
وَفِيهَا خَرَجَ الرَّشِيدُ مِنْ بَغْدَادَ يَرْتَادُ لَهُ مَوْضِعًا يَسْكُنُهُ غَيْرَهَا، فَلَمْ يَبْرَحْ إِلَّا أَنْ تَشَوَّشَ فِيهَا ثُمَّ رَجَعَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ يَعْقُوبُ ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عَمُّ هَارُونَ الرَّشِيدِ.
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ.
(13/567)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ]
فِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بِالْبَصْرَةِ، فَأَمَرَ الرَّشِيدُ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَى حَوَاصِلِهِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْخُلَفَاءِ، فَوَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا، فَقَبَضُوهُ; مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْأَمْتِعَةِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى الْحَرْبِ وَعَلَى تَقَوِّي الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعُدَدِ وَالْبِرَكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ حَسَنٍ بِنْتُ جَعْفَرِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ مِنْ رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ وَشُجْعَانِهِمْ. جَمَعَ لَهُ الْمَنْصُورُ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَزَوَّجَهُ الْمَهْدِيُّ ابْنَتَهُ الْعَبَّاسَةَ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ دَخْلُهُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ. وَكَانَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ.
رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ الْأَكْبَرِ - وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ - حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِي مَسْحِ رَأْسِ الْيَتِيمِ إِلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَمَسْحِ رَأْسِ مَنْ لَهُ أَبٌ إِلَى مُؤَخَّرِهِ.
(13/568)

وَقَدْ وَفَدَ عَلَى الرَّشِيدِ، فَهَنَّأَهُ بِالْخِلَافَةِ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، وَزَادَهُ فِي عَمَلِهِ شَيْئًا كَثِيرًا. وَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ خَرَجَ مَعَهُ الرَّشِيدُ يُشَيِّعُهُ إِلَى كَلْوَاذَى.
تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَقَدْ أَرْسَلَ الرَّشِيدُ مَنِ اصْطَفَى مِنْ مَالِهِ الصَّامِتِ، فَوَجَدَ لَهُ مِنَ الذَّهَبِ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ دِينَارٍ، وَمِنَ الدَّرَاهِمِ سِتِّينَ أَلْفَ أَلْفٍ، خَارِجًا عَنِ الْأَمْلَاكِ وَالْجَوَاهِرِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ وَفَاتَهُ وَوَفَاةَ الْخَيْزُرَانِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
وَقَدْ وَقَفَتْ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيهِ عَلَى قَبْرِهِ، فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ:
أَمْسَى التُّرَابُ لِمَنْ هَوِيتُ مَبِيتَا ... الْقَ التُّرابَ فَقُلْ لَهُ حُيِّيتَا
إِنَّا نُحِبُّكَ يَا تُرَابُ وَمَا بِنَا ... إِلَّا كَرَامَةُ مَنْ عَلَيْهِ حُثِيتَا
وَفِيهَا تُوُفِّيَتِ الْخَيْزُرَانُ جَارِيَةُ الْمَهْدِيِّ وَأُمُّ أَمِيرَيِ الْمُؤْمِنِينَ الْهَادِي وَالرَّشِيدِ، اشْتَرَاهَا الْمَهْدِيُّ وَحَظِيَتْ عِنْدَهُ جَدَّا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَوَلَدَتْ لَهُ خَلِيفَتَيْنِ; مُوسَى الْهَادِي وَالرَّشِيدَ، وَلَمْ يَتَّفِقْ هَذَا لِغَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا لِوَلَّادَةَ بِنْتِ الْعَبَّاسِ الْعَبْسِيَّةِ، زَوْجَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهِيَ أُمُّ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ. وَإِلَّا لِشَاهِفِرِنْدَ
(13/569)

بِنْتِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ، وَلَدَتْ لِمَوْلَاهَا الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمَ، وَكِلَاهُمَا وَلِيَ الْخِلَافَةَ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْخَيْزُرَانِ، عَنْ مَوْلَاهَا الْمَهْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَقَاهُ اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ» .
وَلَمَّا عُرِضَتْ عَلَى الْمَهْدِيِّ لِيَشْتَرِيَهَا أَعْجَبَتْهُ إِلَّا دِقَّةَ سَاقَيْهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا جَارِيَةُ، إِنَّكِ لَعَلَى غَايَةِ الْمُنَى لَوْلَا خُمُوشَةٌ فِي سَاقَيْكَ. فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ أَحْوَجُ مَا تَكُونُ إِلَيْهِمَا لَا تَرَاهُمَا. فَاسْتَحْسَنَ جَوَابَهَا وَاشْتَرَاهَا، وَحَظِيَتْ عِنْدَهُ جِدًّا.
وَقَدْ حَجَّتِ الْخَيْزُرَانُ مَرَّةً فِي حَيَاةِ الْمَهْدِيِّ، فَكَتَبَ إِلَيْهَا وَهِيَ بِمَكَّةَ يَسْتَوْحِشُ لَهَا، وَيَتَشَوَّقُ إِلَيْهَا، يَقُولُ:
نَحْنُ فِي غَايَةِ السُّرُورِ وَلَكِنْ ... لَيْسَ إِلَّا بِكُمْ يَتِمُّ السُّرُورُ
عَيْبُ مَا نَحْنُ فِيهِ يَا أَهْلَ وُدِّي ... أَنَّكُمْ غُيَّبٌ وَنَحْنُ حُضُورُ
فَأَجِدُّوا فِي السَّيْرِ بَلْ إِنْ قَدَرْتُمْ ... أَنْ تَطِيرُوا مَعَ الرِّيَاحِ فَطِيرُوا
فَأَجَابَتْهُ أَوْ قَالَتْ لِمَنْ أَجَابَهُ:
قَدْ أَتَانَا الَّذِي وَصَفْتَ مِنَ الشَّوْ ... قِ فَكَدِنْا وَمَا فَعَلْنَا نَطِيرُ
(13/570)

لَيْتَ أَنَّ الرِّيَاحَ كُنَّ يُؤَدِّي ... نَ إِلَيْكُمْ مَا قَدْ يُجِنُّ الضَّمِيرُ
لَمْ أَزَلْ صَبَّةً فَإِنْ كُنْتَ بَعْدِي ... فِي سُرُورٍ فَدَامَ ذَاكَ السُّرُورُ
وَذَكَرُوا أَنَّهُ أَهْدَى إِلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ نَائِبُ الْبَصْرَةِ مِائَةَ وَصَيْفٍ، مَعَ كُلِّ وَصَيْفٍ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ مَمْلُوءٌ مِسْكًا. فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ: إِنْ كَانَ مَا بَعَثْتَهُ ثَمَنًا عَنْ ظَنِّنَا فِيكَ فَظَنُّنَا فِيكَ أَكْثَرُ مِمَّا بَعَثْتَ، وَقَدْ بَخَسْتَنَا فِي الثَّمَنِ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ زِيَادَةَ الْمَوَدَّةِ فَقَدِ اتَّهَمْتَنِي فِي الْمَوَدَّةِ. وَرَدَّتْهَا عَلَيْهِ.
وَقَدِ اشْتَرَتِ الدَّارَ الْمَشْهُورَةَ بِهَا بِمَكَّةَ الْمَعْرُوفَةَ بِدَارِ الْخَيْزُرَانِ، فَزَادَتْهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَكَانَ مُغَلُّ ضِيَاعِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَ أَلْفٍ وَسِتِّينَ أَلْفًا.
وَاتَّفَقَ مَوْتُهَا بِبَغْدَادَ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَخَرَجَ ابْنُهَا الرَّشِيدُ فِي جِنَازَتِهَا وَهُوَ حَامِلٌ سَرِيرَهَا يَخُبُّ فِي الطِّينِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمَقْبَرَةِ أُتِيَ بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفًّا، وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَنَزَلَ فِي لَحْدِهَا، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْقَبْرِ أُتِيَ بِسَرِيرٍ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَاسْتَدْعَى بِالْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَوَلَّاهُ الْخَاتَمَ وَالنَّفَقَاتِ. وَأَنْشَدَ الرَّشِيدُ قَوْلَ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ حِينَ دَفَنَ أُمَّهُ الْخَيْزُرَانَ:
(13/571)

وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ بُرْهَةً ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَادِرُ جَارِيَةٌ كَانَتْ لِمُوسَى الْهَادِي، وَكَانَ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا جِدًّا، وَكَانَتْ تُحْسِنُ الْغِنَاءَ جَيِّدًا، فَبَيْنَمَا هِيَ يَوْمًا تُغَنِّيهِ إِذْ أَخَذَتْهُ فِكْرَةٌ غَيَّبَتْهُ عَنْهَا، وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَسَأَلَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: مَا هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: أَخَذَتْنِي فِكْرَةٌ; أَنِّي أَمُوتُ، وَأَنَّ أَخِي هَارُونَ يَتَوَلَّى الْخِلَافَةَ بَعْدِي، وَيَتَزَوَّجُ جَارِيَتِي هَذِهِ. فَفَدَاهُ الْحَاضِرُونَ، وَدَعَوْا لَهُ بِطُولِ الْعُمْرِ، فَاسْتَدْعَى أَخَاهُ هَارُونَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا وَقَعَ فِي فِكْرِهِ، فَعَوَّذَهُ الرَّشِيدُ مِنْ ذَلِكَ، فَاسْتَحْلَفَهُ الْهَادِي بِالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ مِنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْحَجِّ مَاشِيًا حَافِيًا أَنْ لَا يَتَزَوَّجَهَا، فَحَلَفَ لَهُ، وَاسْتَحْلَفَ الْجَارِيَةَ بِالْحَجِّ وَالْعَتَاقِ، فَحَلَفَتْ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا أَقَلُّ مِنْ شَهْرٍ حَتَّى مَاتَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعَثَ الرَّشِيدُ إِلَيْهَا يَخْطُبُهَا، فَقَالَتْ: كَيْفَ بِالْأَيْمَانِ الَّتِي حَلَفْتُهَا وَحَلَفْتَهَا؟ فَقَالَ: أَنَا أُكَفِّرُ عَنْكِ وَعَنِّي. وَتَزَوَّجَهَا فَحَظِيَتْ عِنْدَهُ أَيْضًا جِدًّا حَتَّى كَانَتْ تَنَامُ فِي حِجْرِهِ فَلَا يَتَحَرَّكُ خَشْيَةَ أَنْ يُزْعِجَهَا مِنْ مَنَامِهَا، فَبَيْنَمَا هِيَ ذَاتَ لَيْلَةٍ نَائِمَةٌ مَعَهُ إِذِ انْتَبَهَتْ مَذْعُورَةً تَبْكِي، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْتُ الْهَادِي مَوْلَايَ فِي مَنَامِي هَذَا وَهُوَ يَقُولُ:
أَخْلَفْتِ عَهْدِي بَعْدَ مَا ... جَاوَرْتُ سُكَّانَ الْمَقَابِرْ
وَنَسِيتِنِي وَحَنَثْتِ فِي ... أَيْمَانِكَ الْكُذُبِ الْفَوَاجِرْ
وَنَكَحْتِ غَادِرَةً أَخِي ... صَدَقَ الَّذِي سَمَّاكِ غَادِرْ
(13/572)

أَمْسَيْتُ فِي أَهْلِ الْبِلَى ... وَغَدَوْتِ فِي الْحُورِ الْغَرَائِرْ
لَا يَهْنِكِ الْإِلْفُ الْجَدِي ... دُ وَلَا تَدُرْ عَنْكِ الدَّوَائِرْ
وَلَحِقْتِ بِي قَبْلَ الصَّبَا ... حِ وَصِرْتِ حَيْثُ غَدَوْتُ صَائِرْ
فَقَالَ لَهَا الرَّشِيدُ: إِنَّمَا هَذَا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ. فَقَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَكَأَنَّمَا كُتِبَتٍ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَلْبِي. ثُمَّ مَا زَالَتْ تَضْطَرِبُ وَتَرْتَعِدُ حَتَّى مَاتَتْ قَبْلَ الصَّبَاحِ.
هَيْلَانَةُ جَارِيَةُ الرَّشِيدِ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهَا هَيْلَانَةَ لِكَثْرَةِ قَوْلِهَا: هِيَ لَانَةُ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَكَانَ لَهَا مُحِبًّا، وَكَانَتْ قَبْلَهُ لِيَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، فَدَخَلَ الرَّشِيدُ يَوْمًا مَنْزِلَهُ قَبْلَ الْخِلَافَةِ، فَاعْتَرَضَتْهُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَتْ: أَمَا لَنَا مِنْكَ نَصِيبٌ؟ فَقَالَ لَهَا؟ وَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: اسْتَوْهِبْنِي مِنْ هَذَا الشَّيْخِ. فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَوَهَبَهَا لَهُ فَحَظِيَتْ عِنْدَهُ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا وَرَثَاهَا وَاسْتَرْثَاهَا، وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ فِيهَا:
قَدْ قُلْتُ لَمَّا ضَمَّنُوكِ الثَّرَى ... وَجَالَتِ الْحَسْرَةُ فِي صَدْرِي
اذْهَبْ فَلَا وَاللَّهِ لَا سَرَّنِي ... بَعْدَكِ شَيْءٌ آخِرَ الدَّهْرِ
وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ فِي مَوْتِهَا:
(13/573)

يَا مَنْ تَبَاشَرَتِ الْقُبُورُ بِمَوْتِهَا ... قَصَدَ الزَّمَانُ مَسَاءَتِي فَرَمَاكِ
أَبْغِي الْأَنِيسَ فَمَا أَرَى لِي مُؤْنِسًا ... إِلَّا التَّرَدُّدَ حَيْثُ كُنْتُ أَرَاكِ
مَلِكٌ بَكَاكِ وَطَالَ بَعْدَكِ حُزْنُهُ ... لَوْ يَسْتَطِيعُ بِمُلْكِهِ لَفَدَاكِ
تَحْمِي الْفُؤَادَ عِنِ النِّسَاءِ حَفِيظَةٌ ... كَيْلَا يَحِلَّ حِمَى الْفُؤَادِ سِوَاكِ
قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ الرَّشِيدُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا; لِكُلِّ بَيْتٍ عَشَرَةُ آلَافٍ.
(13/574)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ]
فِيهَا وَقَعَتْ عَصَبِيَّةٌ بِالشَّامِ وَتَخْبِيطٌ بَيْنَ أَهْلِهَا.
وَفِيهَا اسْتَقْضَى الرَّشِيدُ يُوسُفَ ابْنَ الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ وَأَبُوهُ حَيٌّ.
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ، فَدَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدُ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ مَكَّةَ بَلَغَهُ أَنَّ بِهَا وَبَاءً، فَلَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ حَتَّى كَانَ وَقْتُ الْوُقُوفِ فَوَقَفَ، ثُمَّ جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ، ثُمَّ مِنًى، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ، فَطَافَ وَسَعَى، وَارْتَحَلَ، وَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا.
(13/575)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ]
فِيهَا أَخَذَ الرَّشِيدُ الْبَيْعَةَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ ابْنِ زُبَيْدَةَ، وَسَمَّاهُ الْأَمِينَ، وَعُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ خَمْسُ سِنِينَ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ سَلْمٌ الْخَاسِرُ:
قَدْ وَفَّقَ اللَّهُ الْخَلِيفَةَ إِذْ بَنَى ... بَيْتَ الْخِلَافَةِ لِلْهِجَانِ الْأَزْهَرِ
فَهُوَ الْخَلِيفَةُ عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ ... شَهِدَا عَلَيْهِ بِمَنْظَرٍ وِبَمَخْبَرِ
قَدْ بَايَعَ الثَّقَلَانِ فِي مَهْدِ الْهُدَى ... لِمُحَمَّدٍ ابْنِ زُبَيْدَةَ ابْنَةِ جَعْفَرِ
وَقَدْ كَانَ الرَّشِيدُ يَتَوَسَّمُ النَّجَابَةَ وَالرَّجَاحَةَ فِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّ فِيهِ حَزْمَ الْمَنْصُورِ، وَنُسُكَ الْمَهْدِيِّ، وَعِزَّةَ نَفْسِ الْهَادِي، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ الرَّابِعَةَ مِنِّي لَقُلْتُ، وَإِنِّي لَأُقَدِّمُ مُحَمَّدًا ابْنَ زُبَيْدَةَ عَلَيْهِ وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ هَوَاهُ، وَلَكِنْ لَا أَسْتَطِيعُ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
لَقَدْ بَانَ وَجْهُ الرَّأْيِ لِي غَيْرَ أَنَّنِي ... غُلِبْتُ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي كَانَ أَحْزَمَا
وَكَيْفَ يُرَدُّ الدَّرُّ فِي الضَّرْعِ بَعْدَمَا ... تَوَزَّعَ حَتَّى صَارَ نَهْبًا مُقَسَّمًا
أَخَافُ الْتَوَاءَ الْأَمْرِ بَعْدَ اسْتِوَائِهِ ... وَأَنْ يُنْقَضَ الْأَمْرُ الَّذِي كَانَ أُبْرِمَا
وَغَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ، فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدُ.
(13/576)

وَفِيهَا سَارَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ إِلَى الدَّيْلَمِ، وَتَحَرَّكَ هُنَالِكَ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
شَعْوَانَةُ الْعَابِدَةُ الزَّاهِدَةُ، كَانَتْ أَمَةً سَوْدَاءَ، كَثِيرَةَ الْعِبَادَةِ، رُوِيَ عَنْهَا كَلِمَاتٌ حَسَّانٌ، وَقَدْ سَأَلَهَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ الدُّعَاءَ، فَقَالَتْ: أَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَا إِنْ دَعَوْتَهُ اسْتَجَابَ لَكَ؟ فَشَهِقَ الْفُضَيْلُ، وَوَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَهْمِيُّ مَوْلَاهُمْ، قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: كَانَ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ رَفَاعَةَ، وَهُوَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُسَافِرٍ الْفَهْمِيُّ، إِمَامُ أَهْلِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وُلِدَ بِقَرْقَشَنْدَةَ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَنَشَأَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: أَصْلُهُ مِنْ قَلْقَلَشَنْدَةَ، وَضَبَطَهُ بِلَامَيْنِ، الثَّانِيَةُ مُتَحَرِّكَةٌ.
(13/577)

وَحَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِمِصْرَ، وَأَنَّهُ وُلِدَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَذَلِكَ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ لَهُ مِنْ مِلْكِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ خَمْسَةُ آلَافِ دِينَارٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ يَدْخُلُ لَهُ مِنَ الْغَلَّةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَمَانُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ.
وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَ اللَّيْثُ أَفْقَهَ مِنْ مَالِكٍ إِلَّا أَنَّهُ ضَيَّعَهُ أَصْحَابُهُ.
وَبَعَثَ إِلَيْهِ مَالِكٌ يَسْتَهْدِيهِ شَيْئًا مِنَ الْعُصْفُرِ لِأَجْلِ جِهَازِ ابْنَتِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ حِمْلًا، فَاسْتَعْمَلَ مِنْهُ مَالِكٌ حَاجَتَهُ، وَبَاعَ مِنْهُ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ بَقِيَّةٌ.
وَحَجَّ مَرَّةً فَأَهْدَى لَهُ مَالِكٌ طَبَقًا فِيهِ رُطَبٌ، فَرَدَّ الطَّبَقَ وَفِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ.
وَكَانَ يَهَبُ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ الْأَلْفَ دِينَارٍ وَمَا يُقَارِبُ ذَلِكَ.
وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي الْبَحْرِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي مَرْكَبٍ، وَمَطْبَخُهُ
(13/578)

فِي مَرْكَبٍ. وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " التَّكْمِيلِ ".
وَحَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّهُ سُمِعَ قَائِلٌ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ اللَّيْثُ:
ذَهَبَ اللَّيْثُ فَلَا لَيْثَ لَكُمْ ... وَمَضَى الْعِلْمُ غَرِيبًا وَقُبِرْ
فَالْتَفَتُوا فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا.
الْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْقُرَشِيُّ، عَرَضَ عَلَيْهِ الْمَهْدِيُّ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ وَيُعْطِيَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ عَاهَدْتُ اللَّهَ أَنْ لَا أَلِيَ شَيْئًا، وَأُعِيذُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ أَنْ أَخِيسَ بِعَهْدِي. فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ. قَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ أَعْفَيْتُكَ.
(13/579)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا كَانَ ظُهُورُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِبِلَادِ الدَّيْلَمِ، وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَارْتَحَلَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْكُوَرِ وَالْأَمْصَارِ، فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ الرَّشِيدُ، وَقَلِقَ مِنْ أَمْرِهِ، فَنَدَبَ إِلَيْهِ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا، وَوَلَّاهُ كُوَرَ الْجَبَلِ وَالرَّيَّ وَجُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ وَقُومَسَ وَالرُّويَانِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَسَارَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَكُتُبُ الرَّشِيدِ تَلْحَقُهُ مَعَ الْبُرُدِ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَأَنْوَاعُ التُّحَفِ وَالْبِرِّ، وَكَاتَبَ الْفَضْلُ صَاحِبَ الدَّيْلَمِ، وَوَعَدَهُ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ إِنْ هُوَ سَهَّلَ خُرُوجَ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَكَتَبَ الْفَضْلُ إِلَى يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَعِدُهُ وَيُمَنِّيهِ وَيُؤَمِّلُهُ وَيُرَجِّيهِ وَيَبْسُطُ أَمَلَهُ، إِنْ هُوَ خَرَجَ إِلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ لَهُ الْعُذْرَ عِنْدَ الرَّشِيدِ، فَامْتَنَعَ يَحْيَى أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَكْتُبَ لَهُ الرَّشِيدُ كِتَابَ أَمَانٍ بِيَدِهِ، فَكَتَبَ الْفَضْلُ إِلَى الرَّشِيدِ بِذَلِكَ، فَفَرِحَ الرَّشِيدُ، وَوَقَعَ مِنْهُ مَوْقِعًا عَظِيمًا، وَكَتَبَ الْأَمَانَ بِيَدِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ وَمَشْيَخَةَ بَنِي هَاشِمٍ، مِنْهُمْ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَبَعَثَ الْأَمَانَ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ جَوَائِزَ وَتُحَفًا كَثِيرَةً جِدًّا، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى الْفَضْلِ بَعَثَهَا بِكَمَالِهَا إِلَى يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَخَرَجَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ بِهِ الْفَضْلُ، فَدَخَلَ بِهِ بَغْدَادَ وَتَلْقَّاهُ الرَّشِيدُ، وَأَكْرَمَهُ وَأَجْزَلَ لَهُ الْعَطَاءَ، وَخَدَمَهُ آلُ بَرْمَكَ خِدْمَةً عَظِيمَةً، بِحَيْثُ إِنَّ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ كَانَ يَتَوَلَّى
(13/580)

خِدْمَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَعَظُمَ الْفَضْلُ عِنْدَ الرَّشِيدِ جَدًّا بِهَذِهِ الْفِعْلَةِ; حَيْثُ سَعَى فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَالْفَاطِمِيِّينَ.
فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ مَرْوَانُ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ يَمْدَحُ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى، وَيَشْكُرُهُ عَلَى سَعْيِهِ هَذَا:
ظَفِرْتَ فَلَا شُلَّتْ يَدٌ بَرْمَكِيَّةٌ ... رَتَقْتَ بِهَا الْفَتْقَ الَّذِي بَيْنَ هَاشِمٍ
عَلَى حِينِ أَعْيَا الرَّاتِقينَ الْتِئَامُهُ ... فَكَفُّوا وَقَالُوا لَيْسَ بِالْمُتَلَائِمِ
فَأَصْبَحَتْ قَدْ فَازَتْ يَدَاكَ بِخُطَّةٍ ... مِنَ الْمَجْدِ بَاقٍ ذِكْرُهَا فِي الْمَوَاسِمِ
وَمَا زَالَ قِدْحُ الْمُلِكِ يَخْرُجُ فَائِزًا ... لَكُمْ كُلَّمَا ضُمَّتْ قِدَاحُ الْمُسَاهِمِ
قَالُوا: ثُمَّ إِنَّ الرَّشِيدَ تَنَكَّرَ لِيَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَتَغَيَّرَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ سَجَنَهُ، ثُمَّ اسْتَحْضَرَهُ الرَّشِيدُ وَعِنْدَهُ الْقَاضِيَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَأَحْضَرَ الْأَمَانَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ، فَسَأَلَ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ هَذَا الْأَمَانِ أَصَحِيحٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَتَغَيَّظَ الرَّشِيدُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: لَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ، فَاحْكُمْ فِيهِ بِمَا شِئْتَ. وَمَزَّقَ الْأَمَانَ، وَبَصَقَ فِيهِ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَأَقْبَلَ الرَّشِيدُ عَلَى يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: هِيهِ هِيهِ. وَهُوَ يَتَبَسَّمُ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، وَقَالَ إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّا سَمَمْنَاكَ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لَنَا قَرَابَةً وَرَحِمًا وَحَقًّا، فَعَلَامَ تُعَذِّبُنِي وَتَحْبِسُنِي؟ فَرَقَّ لَهُ الرَّشِيدُ، فَاعْتَرَضَ بَكَّارُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَا يُغْرُنَّكَ كَلَامُ هَذَا، فَإِنَّهُ عَاصٍ شَاقٌّ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْهُ مَكْرٌ وَخُبْثٌ، وَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيْنَا مَدِينَتَنَا، وَأَظْهَرَ فِيهَا
(13/581)

الْعِصْيَانَ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: وَمَنْ أَنْتُمْ عَافَاكُمُ اللَّهُ؟ وَإِنَّمَا هَاجَرَ أَبُوكَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِآبَائِي، وَآبَاءِ هَذَا. ثُمَّ قَالَ يَحْيَى: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا النَّاسُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ جَاءَ إِلَيَّ هَذَا حِينَ قُتِلَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ قَاتِلَهُ. وَأَنْشَدَنِي فِيهِ مَرْثِيَّةً نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ بَيْتًا، وَقَالَ: إِنْ تَحَرَّكْتَ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُكَ، وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَلْحَقَ بِالْبَصْرَةِ وَأَيْدِينَا مَعَ يَدِكَ؟ قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الزُّبَيْرِيِّ، وَأَنْكَرَ وَشَرَعَ يَحْلِفُ بِالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ: إِنَّهُ لَكَاذِبٌ فِي ذَلِكَ. وَتَنَمَّرَ الرَّشِيدُ، وَقَالَ لِيَحْيَى: أَتَحْفَظُ شَيْئًا مِنَ الْمَرْثِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَأَنْشَدَهُ مِنْهَا جَانِبًا. فَازْدَادَ الزُّبَيْرِيُّ فِي الْإِنْكَارِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَقُلْ: إِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَقَدْ بَرِئْتَ مِنْ حَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، وَوَكَلَنِي اللَّهُ إِلَى حَوْلِي وَقُوَّتِي. فَامْتَنَعَ مِنَ الْحَلِفِ بِذَلِكَ، فَعَزَمَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ، وَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، فَحَلَفَ بِذَلِكَ، فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ الرَّشِيدِ فَرَمَاهُ اللَّهُ بِالْفَالِجِ فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ امْرَأَتَهُ غَمَّتْ وَجْهَهُ بِمِخَدَّةٍ، فَقَتَلَتْهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنَّ الرَّشِيدَ أَطْلَقَ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَأَطْلَقَ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَيُقَالُ: إِنَّمَا حَبَسَهُ بَعْضَ يَوْمٍ. وَكَانَ جُمْلَةُ مَا وَصَلَهُ مِنَ الْمَالِ مِنَ الرَّشِيدِ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ شَهْرًا وَاحِدًا، ثُمَّ مَاتَ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِالشَّامِ بَيْنَ النِّزَارِيَّةِ - وَهُمْ قِيسٌ - وَالْيَمَانِيَّةِ، وَهَذَا كَانَ أَوَّلَ بَدُوِّ أَمْرِ الْعِشْرَيْنِ بِحُورَانَ، وَهُمْ قَيْسٌ وَيَمَنٌ، أَعَادُوا
(13/582)

مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي هَذَا الْأَوَانِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ عَلَى نِيَابَةِ الشَّامِ كُلِّهَا مِنْ جِهَةِ الرَّشِيدِ ابْنُ عَمِّهِ مُوسَى بْنُ عِيسَى، وَقِيلَ: عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ عَلَى نِيَابَةِ دِمَشْقَ بِخُصُوصِهَا سِنْدِيُّ بْنُ شَاهَكَ أَحَدُ مَوَالِي أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَقَدْ هَدَمَ سُورَ دِمَشْقَ حِينَ هَاجَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ; خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا أَبُو الْهَيْذَامِ الْمُرِّيُّ رَأْسُ الْقَيْسِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ سِنْدِيٌّ هَذَا دَمِيمَ الْخَلْقِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَكَانَ لَا يُحَلِّفُ الْمُكَارِي وَلَا الْمَلَّاحَ وَلَا الْحَائِكَ، يَقُولُ: الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ. وَيَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي الْجَمَّالِ وَمُعَلِّمِ الْكُتَّابِ. وَقَدْ تُوُفِّيَ سِنْدِيٌّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ.
فَلَمَّا تَفَاقَمَ الْأَمْرُ بَعَثَ الرَّشِيدُ مِنْ جِهَتِهِ مُوسَى بْنَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَرُءُوسِ الْكُتَّابِ فَأَصْلَحُوا بَيْنَ النَّاسِ، وَهَدَأَتِ الْفِتْنَةُ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ الشَّامِ، وَحَمَلُوا جَمَاعَاتٍ مِنْ رُءُوسِ الْفِتْنَةِ إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ، فَرَدَّ الرَّشِيدُ أَمْرَهُمْ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَعَفَا عَنْهُمْ وَأَطَلْقَهُمْ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
قَدْ هَاجَتِ الشَّامُ هَيْجًا ... يُشِيبُ رَاسَ وَلِيدِهِ
فَصَبَّ مُوسَى عَلَيْهَا ... بِخَيْلِهِ وَجُنُودِهِ
(13/583)

فَدَانَتِ الشَّامُ لَمَّا ... أَتَى نَسِيجُ وَحِيدِهِ
هَذَا الْجَوَادُ الَّذِي بَذَّ ... كُلَّ جُودٍ بِجُودِهِ
أَعْدَاهُ جُودُ أَبِيهِ ... يَحْيَى وَجُودُ جُدُودِهِ
فَجَادَ مُوسَى بْنُ يَحْيَى ... بِطَارِفٍ وَتَلِيدِهِ
وَنَالَ مُوسَى ذُرَى الْمَجْ ... دِ وَهُوَ حَشْوُ مُهُودِهِ
خَصَصْتُهُ بِمَدِيحِي ... مَنْثُورِهِ وَقَصِيدِهِ
مِنَ الْبَرَامِكِ عُودٌ ... لَهُ فَأَكْرِمْ بَعُودِهِ
حَوَوْا عَلَى الشِّعْرِ طُرًّا ... خَفِيفِهِ وَمَدِيدِهِ
وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ الْغِطْرِيفَ بْنَ عَطَاءٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلَّاهَا حَمْزَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيَّ الْمُلَقَّبَ بِالْعَرُوسِ.
وَفِيهَا وَلَّى الرَّشِيدُ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ نِيَابَةَ مِصْرَ، فَاسْتَنَابَ جَعْفَرٌ عَلَيْهَا عُمَرَ بْنَ مِهْرَانَ، وَكَانَ شَنِيعَ الشَّكْلِ، زَرِيَّ الْخَلْقِ، بَيِّنَ الْكِنْبَةِ، أَحْوَلَ، وَمَا كَانَ سَبَبَ وِلَايَةِ الرَّشِيدِ إِيَّاهُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ إِلَّا أَنَّ نَائِبَهَا مُوسَى بْنَ عِيسَى كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى خَلْعِ الرَّشِيدِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَعْزِلَنَّهُ وَلَأُوَلِّيَنَّ عَلَيْهَا أَخَسَّ النَّاسِ. فَاسْتَدْعَى عُمَرَ بْنَ مَهْرَانَ هَذَا، وَوَلَّاهُ عَلَيْهَا نِيَابَةً عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ، فَسَارَ إِلَيْهَا عُمَرُ بْنُ مِهْرَانَ عَلَى بَغْلٍ وَغُلَامُهُ أَبُو دُرَّةَ عَلَى بَغْلٍ آخَرَ، فَدَخَلَهَا كَذَلِكَ، فَانْتَهَى إِلَى مَجْلِسِ نَائِبِهَا مُوسَى بْنِ عِيسَى، فَجَلَسَ فِي
(13/584)

أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَلَمَّا انْفَضَّ النَّاسُ أَقْبَلَ عَلَيْهِ مُوسَى بْنُ عِيسَى وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَنْ هُوَ، فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ يَا شَيْخُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ. ثُمَّ قَامَ بِالْكُتُبِ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَرَأَهَا قَالَ: أَنْتَ عُمَرُ بْنُ مِهْرَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ حِينَ قَالَ: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف: 51] . ثُمَّ سَلَّمَ إِلَيْهِ الْعَمَلَ، وَارْتَحَلَ عَنْهَا، وَأَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ مِهْرَانَ عَلَى عَمَلِهِ، فَكَانَ لَا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنَ الْهَدَايَا إِلَّا مَا كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ قُمَاشًا، وَيَكْتُبُ عَلَى ذَلِكَ اسْمَ مُهْدِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُ طَالَبَ بِالْخَرَاجِ وَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَشَرَعَ بَعْضُهُمْ فِي مُمَاطَلَتِهِ، فَأَقْسَمَ لَا يُمَاطِلُهُ أَحَدٌ فَيَقْبِضَ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَبْعَثُهُ إِلَى بَغْدَادَ وَيَزِنُ خَرَاجَهُ بِهَا، وَيَأْتِي بِوَرَقَةِ الْقَبْضِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ بِبَعْضِ النَّاسِ فَتَأَدَّبَ بَقِيَّتُهُمْ، ثُمَّ جَبَاهُمُ الْقِسْطَ الثَّانِي، فَلَمَّا كَانَ الثَّالِثُ عَجَزَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنِ الْأَدَاءِ، فَجَعَلَ يَسْتَحْضِرُ مَا كَانُوا أَهْدَوْا إِلَيْهِ; فَإِنْ كَانَ نَقْدًا أَدَّاهُ عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ بُرًّا بَاعَهُ وَاعْتَدَّ بِهِ عَنْهُمْ، وَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا ادَّخَرْتُ هَذَا لَكْمْ إِلَى وَقْتِ حَاجَتِكُمْ. ثُمَّ أَكْمَلَ اسْتِخْرَاجَ جَمِيعَ الْخَرَاجِ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَى الرَّشِيدِ أَنَّهُ إِذَا مَهَّدَ الْبِلَادَ وَجَبَى الْخَرَاجَ، فَذَاكَ إِذْنُهُ فِي الِانْصِرَافِ. وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ سِوَى مَوْلَاهُ أَبِي دُرَّةَ وَهُوَ حَاجِبُهُ، وَهُوَ مَنْفِذُ أُمُورِهِ.
وَغَزَا الصَّائِفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَفَتَحَ حِصْنًا.
وَحَجَّتْ زُبَيْدَةُ زَوْجَةُ الْخَلِيفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَمَعَهَا أَخُوهَا. وَكَانَ أَمِيرَ الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سُلَيْمَانُ ابْنَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عَمُّ الرَّشِيدِ.
(13/585)

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، كَانَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ، حَكَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ.
وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرْمَةَ، الشَّاعِرُ، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ هَرْمَةَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفِهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ، شَاعِرٌ مُفَلِّقٌ، وَفَدَ عَلَى الْمَنْصُورِ بَغْدَادَ فِي وَفْدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حِينَ اسْتَوْفَدَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ، فَجَلَسُوا إِلَى سِتْرٍ دُونَ الْمَنْصُورِ، يَرَى النَّاسَ مِنْ وَرَائِهِ وَلَا يَرَوْنَهُ، وَأَبُو الْخَصِيبِ الْحَاجِبُ وَاقِفٌ يَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا فُلَانٌ الْخَطِيبُ. فَيَأْمُرُهُ فَيَخْطُبُ، وَيَقُولُ: هَذَا فُلَانٌ الشَّاعِرُ. فَيَسْتَنْشِدُهُ، حَتَّى كَانَ مِنْ آخِرِهِمْ ابْنُ هَرْمَةَ هَذَا، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، وَلَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَيْنًا. قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذَهَبَتْ وَاللَّهِ نَفْسِي، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَقُلْتُ: يَا نَفْسُ، هَذَا مَوْقِفٌ إِنْ لَمْ تَشْتَدِّي فِيهِ هَلَكْتِ. ثُمَّ اسْتَنْشَدَنِي، فَأَنْشَدْتُهُ قَصِيدَتِي الَّتِي أَقُولُ فِيهَا:
سَرَى ثَوْبَهُ عَنْكَ الصِّبَا الْمُتَخَايِلُ ... وَقَرَّبَ لِلْبَيْنِ الْخَلِيطُ الْمُزَايِلُ
(13/586)

حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِي:
فَأَمَّا الَّذِي أَمَّنْتَهُ يَأْمِنُ الرَّدَى ... وَأَمَّا الَّذِي حَاوَلْتَ بِالثُّكْلِ ثَاكِلُ
قَالَ: فَأَمَرَ بِرَفْعِ الْحِجَابِ، فَإِذَا وَجْهُهُ كَأَنَّهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ، فَاسْتَنْشَدَنِي بَقِيَّةَ الْقَصِيدَةِ، وَأَمَرَنِي بِالْقُرْبِ إِلَيْهِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ! لَوْلَا ذُنُوبٌ بَلَغَتْنِي عَنْكَ لَفَضَّلْتُكَ عَلَى أَصْحَابِكَ، فَأَقِرَّ عَلَيَّ بِذُنُوبِكَ أَعْفُهَا عَنْكَ. فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ فَقِيهٌ عَالِمٌ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَنِي بِحُجَّةٍ تَجِبُ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كُلُّ ذَنْبٍ بَلَغَكَ مِمَّا عَفَوْتَهُ عَنِّي فَأَنَا مُقِرٌّ بِهِ. فَتَنَاوَلَ الْمِخْصَرَةَ، فَضَرَبَنِي بِهَا ضَرْبَتَيْنِ وَأَمَرَ لِي بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَخِلْعَةٍ، وَعَفَا عَنِّي وَأَلْحَقَنِي بِنُظَرَائِي.
وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَنْقِمُهُ الْمَنْصُورُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
وَمَهْمَا أُلَامُ عَلَى حُبِّهِمْ ... فَإِنِّي أُحِبُّ بَنِي فَاطِمَهْ
بَنِي بِنْتِ مَنْ جَاءَ بِالْمُحْكَمَاتِ ... وَبِالدِّينِ وَالسُّنَّةِ الْقَائِمَهْ
فَلَسْتُ أُبَالِي بِحُبِّي لَهُمْ ... سِوَاهُمْ مِنَ النَّعْمِ السَّائِمَهْ
(13/587)

قَالَ الْأَخْفَشُ: قَالَ لَنَا ثَعْلَبٌ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: خُتِمَ الشُّعَرَاءُ بِابْنِ هَرْمَةَ، وَهُوَ آخِرُ الْحُجَجِ.
ذَكَرَ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظِمِ ".
وَالْجَرَّاحُ بْنُ مَلِيحٍ، وَالِدُ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ. وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَمِيلٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ، وَلِيَ قَضَاءَ بَغْدَادَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بِعَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ.
صَالِحُ بْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ
وَصَالِحُ بْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ، أَحَدُ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ، كَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ، وَكَانَ يَعِظُ، فَيَحْضُرُ مَجْلِسَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَيَقُولُ: هَذَا نَذِيرُ قَوْمٍ. وَقَدِ اسْتَدْعَاهُ الْمَهْدِيُّ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ، فَجَاءَ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ، فَدَنَا مِنْ بِسَاطِ الْخَلِيفَةِ، فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ ابْنَيْهِ - وَلِيَّيِ الْعَهْدِ; مُوسَى الْهَادِيَ وَهَارُونَ الرَّشِيدَ - فَابْتَدَرَا إِلَيْهِ لِيُنْزِلَاهُ عَنْ دَابَّتِهِ، فَأَقْبَلَ صَالِحٌ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: لَقَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لِهَذَا الْيَوْمِ. ثُمَّ جَلَسَ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَوَعَظَهُ فَقَالَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(13/588)

خَصَمَ مَنْ خَالَفَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَمَنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصْمَهُ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ، فَأَعِدَّ لِمُخَاصَمَةِ اللَّهِ وَمُخَاصَمَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَجًا تَضْمَنُ لَكَ النَّجَاةَ، وَإِلَّا فَاسْتَسْلِمْ لِلْهَلَكَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَبْطَأَ الصَّرْعَى نَهْضَةً صَرِيعُ هَوًى يَدَّعِي إِلَى اللَّهِ قُرْبَةً، وَأَنَّ أَثْبَتَ النَّاسِ قَدَمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِذُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ، فَبَكَى الْمَهْدِيُّ، وَأَمَرَ بِكِتَابَةِ ذَلِكَ الْكَلَامِ فِي دَوَاوِينِهِ.
وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَدِمَ قَاضِيًا بِالْعِرَاقِ فَمَاتَ فِي هَذَا الْعَامِ.
فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ الْحِمْصِيُّ التَّنُّوخِيُّ، كَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ بِبَغْدَادَ فِي خِلَافَةِ الرَّشِيدِ، فَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ فَمَاتَ وَلَهُ ثَمَانٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً.
وَمِنْ مَنَاقِبِهِ أَنَّ الْمَنْصُورَ دَخَلَ يَوْمًا إِلَى قَصْرِ الذَّهَبِ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَّا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، فَقَالَ لَهُ وَقَدْ غَضِبَ عَلَيْهِ: لِمَ لَمْ تَقُمْ؟! فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَسْأَلَكَ لِمَ رَضِيتَ بِذَلِكَ وَقَدْ كَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: فَبَكَى الْمَنْصُورُ، وَقَرَّبَهُ بِهِ وَقَضَى حَوَائِجَهُ.
(13/589)

الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو أَبُو مُسْلِمٍ الضَّبِّيُّ، كَانَ وَالِيَ الشُّرْطَةِ بِبَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الْمَنْصُورِ وَالْمَهْدِيِّ وَالرَّشِيدِ، وَوَلِيَ خُرَاسَانَ مَرَّةً لِلْمَهْدِيِّ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
الْوَضَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَوَانَةَ الْيَشْكُرِيُّ مَوْلَاهُمْ، كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَشَايِخِ فِي الرِّوَايَةِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.
(13/590)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى الْبَرْمَكِيَّ عَنْ مِصْرَ، وَوَلَّى عَلَيْهَا إِسْحَاقَ بْنَ سُلَيْمَانَ، وَعَزَلَ حَمْزَةَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلَّى عَلَيْهَا الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى الْبَرْمَكِيَّ مُضَافًا إِلَى مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ بِالرَّيِّ وَسِجِسْتَانَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ أَصَابَ النَّاسَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَظُلْمَةٌ فِي أَوَاخِرِ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ صَفَرٍ مِنْهَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ.
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي الْكُوفِيُّ النَّخَعِيُّ، سَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ وَغَيْرَ وَاحِدٍ، وَكَانَ مَشْكُورًا فِي حُكْمِهِ وَتَنْفِيذِهِ وَتَضْمِينِهِ، وَكَانَ لَا يَجْلِسُ لِلْحُكْمِ حَتَّى يَتَغَدَّى، ثُمَّ يُخْرِجُ وَرَقَةً مِنْ قِمْطَرَةٍ فَيَنْظُرُ فِيهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ
(13/591)

بِتَقْدِيمِ الْخُصُومِ إِلَيْهِ، فَحَرَصَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى قِرَاءَةِ مَا فِي تِلْكَ الْوَرَقَةِ، فَإِذَا فِيهَا: يَا شَرِيكُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، اذْكُرِ الصِّرَاطَ وَحِدَّتَهُ، يَا شَرِيكُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، اذْكُرِ الْمَوْقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتَ مُسْتَهَلَّ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا.
وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَمُوسَى بْنُ أَعْيَنَ.
(13/592)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ]
فِيهَا وَثَبَتَ طَائِفَةٌ مِنَ الْحُوفِيَّةِ مِنْ قَيْسٍ وَقُضَاعَةَ بِعَامِلِ مِصْرَ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَقَاتَلُوهُ وَجَرَتْ بِهَا فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، فَبَعَثَ الرَّشِيدُ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ نَائِبَ فِلَسْطِينَ فِي خَلْقٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَدَدًا لِإِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى أَذْعَنُوا بِالطَّاعَةِ، وَأَدَّوْا مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَرَاجِ وَالْوَظَائِفِ، وَاسْتَمَرَّ هَرْثَمَةُ نَائِبًا عَلَى مِصْرَ نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ عِوَضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا، وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ صَالِحٍ.
وَفِيهَا وَثَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَقَتَلُوا الْفَضْلَ بْنَ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَخْرَجُوا مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الرَّشِيدُ هَرْثَمَةَ، فَرَجَعُوا إِلَى الطَّاعَةِ عَلَى يَدَيْهِ.
وَفِيهَا فَوَّضَ الرَّشِيدُ أُمُورَ الْخِلَافَةِ كُلَّهَا إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ.
وَفِيهَا خَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ طَرِيفٍ بِالْجَزِيرَةِ، وَحَكَمَ بِهَا وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ مَضَى مِنْهَا إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَفِيهَا سَارَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ بِهَا، وَبَنَى فِيهَا
(13/593)

الرُّبُطَ وَالْمَسَاجِدَ، وَغَزَا مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَاتَّخَذَ بِهَا جُنْدًا مِنَ الْعَجَمِ سَمَّاهُمُ الْعَبَّاسِيَّةَ، وَجَعَلَ وَلَاءَهُمْ لَهُمْ وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ خَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ، وَبَعَثَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا إِلَى بَغْدَادَ فَكَانُوا يُعْرَفُونَ بِهَا بِالْكُرُنْبِيَّةِ.
وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ:
مَا الْفَضْلُ إِلَّا شِهَابٌ لَا أُفُولَ لَهُ ... عِنْدَ الْحُرُوبِ إِذَا مَا تَأْفُلُ الشُّهُبُ
حَامٍ عَلَى مُلْكِ قَوْمٍ عَزَّ سَهْمُهُمُ ... مِنَ الْوِرَاثَةِ فِي أَيْدِيهِمُ سَبَبُ
أَمْسَتْ يَدٌ لِبَنِي سَاقِي الْحَجِيجِ بِهَا ... كَتَائِبُ مَا لَهَا فِي غَيْرِهِمْ أَرَبُ
كَتَائِبُ لِبَنِي الْعَبَّاسِ قَدْ عَرَفَتْ ... مَا أَلَّفَ الْفَضْلُ مِنْهَا الْعُجْمُ وَالْعَرَبُ
أَثْبَتَّ خَمْسَ مِئِينٍ فِي عِدَادِهِمْ ... مِنَ الْأُلُوفِ الَّتِي أَحْصَتْ لَهَا الْكُتُبُ
يُقَارِعُونَ عَنِ الْقَوْمِ الَّذِينُ هُمُ ... أَوْلَى بِأَحْمَدَ فِي الْفُرْقَانِ إِنْ نُسِبُوا
إِنَّ الْجَوَادَ ابْنَ يَحْيَى الْفَضْلَ لَا وَرِقٌ ... يَبْقَى عَلَى جُودِ كَفَّيْهِ وَلَا ذَهَبُ
مَا مَرَّ يَوْمٌ لَهُ مُذْ شَدَّ مِئْزَرَهُ ... إِلَّا تَمَوَّلَ أَقْوَامٌ بِمَا يَهَبُ
كَمْ غَايَةٍ فِي النَّدَى وَالْبَأْسِ أَحْرَزَهَا ... لِلطَّالِبِينَ مَدَاهَا دُونَهَا تَعَبُ
يُعْطِي اللُّهَى حِينَ لَا يُعْطِي الْجَوَادُ وَلَا ... يَنْبُو إِذَا سُلَّتِ الْهِنْدِيَّةُ الْقُضُبُ
وَلَا الرِّضَا وَالرِّضَا لِلَّهِ غَايَتُهُ ... إِلَى سِوَى الْحَقِّ يَدْعُوهُ وَلَا الْغَضَبُ
قَدْ فَاضَ عَرْفُكَ حَتَّى مَا يُعَادِلُهُ ... غَيْثٌ مُغِيثٌ وَلَا بَحْرٌ لَهُ حَدَبُ
وَكَانَ قَدْ أَنْشَدَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى خُرَاسَانَ:
(13/594)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْجُودَ مِنْ لَدْنِ آدَمَ ... تَحَدَّرَ حَتَّى صَارَ فِي رَاحَةِ الْفَضْلِ
إِذَا مَا أَبُو الْعَبَّاسِ رَاحَتْ سَمَاؤُهُ ... فَيَا لَكَ مِنْ هَطِلٍ وَيَا لَكَ مِنْ وَبْلِ
إِذَا أُمَّ طِفْلٍ رَاعَهَا جُوعُ طِفْلِهَا ... دَعَتْهُ بِإِسْمِ الْفَضْلِ فَاسْتَطْعَمَ الطِّفْلُ
لِيَحْيَى بِكَ الْإِسْلَامُ إِنَّكَ عِزُّهُ ... وَإِنَّكَ مِنْ قَوْمٍ صَغِيرُهُمْ كَهْلُ
قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ سَلْمٌ الْخَاسِرُ فِيهِمْ أَيْضًا:
وَكَيْفَ تَخَافُ مِنْ بُؤْسٍ بِدَارٍ ... تَكَنَّفَهَا الْبَرَامِكَةُ الْبُحُورُ
وَقَوْمٌ مِنْهُمُ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى ... نَفِيرٌ مَا يُوَازِنُهُ نَفِيرُ
لَهُ يَوْمَانِ يَوْمُ نَدًى وَبَأْسٍ ... كَأَنَّ الدَّهْرَ بَيْنَهُمَا أَسِيرُ
إِذَا مَا الْبَرْمَكِيُّ غَدَا ابْنَ عَشْرٍ ... فَهِمَّتُهُ أَمِيرٌ أَوْ وَزِيرُ
وَقَدِ اتَّفَقَ لِلْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ إِلَى خُرَاسَانَ أَشْيَاءُ غَرِيبَةٌ، وَفَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً، مِنْهَا كَابُلُ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَقَهَرَ مَلِكَ التُّرْكِ هُنَاكَ وَكَانَ مُمْتَنِعًا، وَأَطْلَقَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً جِدًّا، ثُمَّ قَفَلَ رَاجِعًا إِلَى بَغْدَادَ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهَا خَرَجَ الرَّشِيدُ وَوُجُوهُ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ الشُّعَرَاءُ وَالْخُطَبَاءُ وَأَكَابِرُ النَّاسِ، فَجَعَلَ يُطْلِقُ الْأَلْفَ أَلْفٍ، وَالْخَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ وَنَحْوَهَا، فَصَرَفَ مِنَ الْأَمْوَالِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا
(13/595)

جِدًّا لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، وَالْبِدَرُ مَوْضُوعَةٌ مَخْتُومَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهِيَ تُفَرَّقُ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ:
كَفَى اللَّهُ بِالْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ ... وَجُودِ يَدَيْهِ بُخْلَ كُلِّ بَخِيلِ
فَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ جَزِيلٍ.
وَغَزَا الصَّائِفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُعَاوِيَةُ بْنُ زُفَرَ بْنِ عَاصِمٍ، وَغَزَا الشَّاتِيَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ نَائِبُ مَكَّةَ، كَرَّمَهَا اللَّهُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْقَاضِي بِبَغْدَادَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الرَّشِيدُ، وَدُفِنَ بِهَا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(13/596)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا كَانَ قُدُومُ الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى مِنْ خُرَاسَانَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ شُرَحْبِيلَ، فَوَلَّى الرَّشِيدُ عَلَيْهَا مَنْصُورَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورٍ الْحِمْيَرِيَّ.
وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ عَنِ الْحَجَبَةِ، وَرَدَّهَا إِلَى الْفَضْلِ بْنِ رَبِيعٍ.
وَفِيهَا خَرَجَ بِخُرَاسَانَ حَمْزَةُ بْنُ أَتْرَكَ السِّجِسْتَانِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا سَيَأْتِي طَرَفٌ مِنْ ذِكْرِهِ.
وَفِيهَا رَجَعَ الْوَلِيدُ بْنُ طَرِيفٍ الشَّارِي إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ يَزِيدَ بْنَ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيَّ، فَرَاوَغَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، فَقَالَتِ الْفَارِعَةُ أُخْتُ الْوَلِيدِ بْنِ طَرِيفٍ تَرِثِيهِ:
أَيَا شَجَرَ الْخَابُورِ مَا لَكَ مُورِقًا ... كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ
فَتًى لَا يُحِبُّ الزَّادَ إِلَّا مِنَ الْتُّقَى ... وَلَا الْمَالَ إِلَّا مِنْ قَنًا وَسُيُوفِ
وَفِيهَا خَرَجَ الرَّشِيدُ مِنْ بَغْدَادَ مُعْتَمِرًا شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا قَضَى عُمْرَتَهُ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَمَشَى مِنْ مَكَّةَ إِلَى مِنًى، ثُمَّ إِلَى
(13/597)

عَرَفَاتٍ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ وَالْمَشَاعِرَ كُلَّهَا مَاشِيًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَغْدَادَ عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ.

[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ السَّادَةِ الْأَعْيَانِ]
السَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ الشَّاعِرُ الرَّافِضِيُّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ، أَبُو هَاشِمٍ الْحِمْيَرِيُّ الْمُلَقَّبُ بِالسَّيِّدِ، كَانَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمَشْهُورِينَ، وَالْمُبَرَّزِينَ فِي هَذِهِ الصِّنَاعَةِ الْمُفَوَّهِينَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا خَبِيثًا، وَشِيعِيًّا غَثِيثًا، كَانَ مِمَّنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيَقُولُ بِالرَّجْعَةِ، أَيْ بِالدَّوْرِ.
قَالَ يَوْمًا لِرَجُلٍ: أَقْرِضْنِي دِينَارًا، وَلَكَ عِنْدِي مِائَةُ دِينَارٍ إِذَا عُدْنَا إِلَى الدُّنْيَا. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَعُودَ كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا، فَيَذْهَبُ مَالِي.
وَكَانَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، يَسُبُّ الصَّحَابَةَ فِي شِعْرِهِ وَيَشْتُمُ الْخِيَرَةَ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَدَّمْتُ عَلَيْهِ أَحَدًا فِي طَبَقَتِهِ. وَلَا سِيَّمَا الشَّيْخَيْنِ وَابْنَيْهِمَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَعَنَهُ وَأَسْحَقُهُ وَأَبْعَدَهُ.
(13/598)

وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ فِي ذَلِكَ كَرِهْتُ كِتَابَتَهُ، وَقَدِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَأَصَابَهُ كَرْبٌ شَدِيدٌ جِدًّا. وَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَدْفِنُوهُ; لِسَبِّهِ الصَّحَابَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَشَرَى نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الْإِمَامُ. وَالْهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ صَاحِبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ. وَكُلُّهُمْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي كِتَابِنَا " التَّكْمِيلِ " بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ وَكِفَايَةٌ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِمْ هَاهُنَا، وَلَكِنِ الْإِمَامُ مَالِكٌ هُوَ أَشْهَرُهُمْ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْمُتَّبَعَةِ.
الْإِمَامُ مَالِكٌ
فَهُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ غَيَمَانَ بْنِ خُثَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ ذُو أَصْبَحَ الْحِمْيَرِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
(13/599)

الْمَدَنِيُّ، إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ فِي زَمَانِهِ.
رَوَى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، مِنْهُمُ; السُّفْيَانَانِ، وَشُعْبَةُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ شَيْخُهُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ شَيْخُهُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ: مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَا كَانَ أَشَدَّ انْتِقَادِهِ لِلرِّجَالِ!
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كُلُّ مَنْ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ فَهُوَ ثِقَةٌ، إِلَّا أَبَا أُمَيَّةَ.
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ أَثْبَتُ أَصْحَابِ نَافِعٍ وَالزُّهْرِيِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ.
وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ أَرَادَ الْحَدِيثَ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى مَالِكٍ.
(13/600)

وَمَنَاقِبُهُ وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ يُحْصَرَ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ.
وَكَانَ إِذَا أَرَادَ التَّحْدِيثَ تَنَظَّفَ وَتَطَيَّبَ، وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَكَانَ يَلْبَسُ حَسَنًا. وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: حَسْبِيَ= اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَكَانَ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ يَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَكَانَ مَنْزِلُهُ مَبْسُوطًا بِأَنْوَاعِ الْفُرُشِ. وَمِنْ وَقْتِ خُرُوجِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ لَزِمَ مَالِكٌ بَيْتَهُ، فَلَمْ يَكُنْ يَتَرَدَّدُ إِلَى أَحَدٍ لَا لِعَزَاءٍ وَلَا لِهَنَاءٍ، حَتَّى قِيلَ: وَلَا يَخْرُجُ إِلَى جَمَاعَةٍ وَلَا جُمْعَةٍ. وَيَقُولُ: مَا كَلُّ مَا =يُعْلَمُ يُقَالُ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى الِاعْتِذَارِ. وَلَمَّا احْتُضِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ. ثُمَّ قُبِضَ فِي لَيْلَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ صَفَرٍ، وَقِيلَ: مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: بَلَغَ تِسْعِينَ سَنَةً. وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ
(13/601)

أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةَ: " «يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ» ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ. وَقَدْ تَرْجَمَهُ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ فِي " الْوَفَيَاتِ " فَأَطْنَبَ وَأَتَى بِفَوَائِدَ جَمَّةٍ.
(13/602)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا هَاجَتِ الْفِتْنَةُ بِالشَّامِ بَيْنَ النِّزَارِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ، فَانْزَعَجَ الرَّشِيدُ لِذَلِكَ، فَنَدَبَ جَعْفَرًا الْبَرْمَكِيَّ إِلَى الشَّامِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْجُنُودِ، فَدَخَلَ الشَّامَ، فَانْقَادَ النَّاسُ لَهُ، وَلَمْ يَدَعْ جَعْفَرٌ بِالشَّامِ فَرَسًا وَلَا سَيْفًا وَلَا رُمْحًا إِلَّا اسْتَلَبَهُ مِنَ النَّاسِ. وَأَطْفَأَ اللَّهُ بِهِ نَارَ تِلْكَ الْفِتْنَةِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ:
لَقَدْ أُوقِدَتْ بِالشَّامِ نِيرَانُ فِتْنَةٍ ... فَهَذَا أَوَانُ الشَّامِ تُخْمَدُ نَارُهَا
إِذَا جَاشَ مَوْجُ الْبَحْرِ مِنْ آلِ بَرْمَكَ ... عَلَيْهَا خَبَتْ شُهْبَانُهَا وَشِرَارُهَا
رَمَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِجَعْفَرٍ ... وَفِيهِ تَلَاقَى صَدْعُهَا وَانْجِبَارُهَا
رَمَاهَا بِمَيْمُونِ النَّقِيبَةِ مَاجِدٍ ... تَرَاضَى بِهِ قَحْطَانُهَا وَنِزَارُهَا
ثُمَّ كَرَّ جَعْفَرٌ رَاجِعًا إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَمَا اسْتَخْلَفَ عَلَى الشَّامِ عِيسَى ابْنَ الْعَكِّيِّ، وَلَمَّا قَدِمَ عَلَى الرَّشِيدِ أَكْرَمَهُ وَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ، وَشَرَعَ جَعْفَرٌ يَذْكُرُ كَثْرَةَ وَحْشَتِهِ لَهُ فِي الشَّامِ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي مَنَّ عَلَيْهِ بِرُجُوعِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَرُؤْيَتِهِ وَجْهَهُ.
وَفِيهَا وَلَّى الرَّشِيدُ جَعْفَرًا خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدَ
(13/603)

بْنَ الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ، ثُمَّ عَزَلَ الرَّشِيدُ جَعْفَرًا عَنْ خُرَاسَانَ بَعْدَ عِشْرِينَ لَيْلَةً.
وَفِيهَا هَدَمَ الرَّشِيدُ سُورَ الْمَوْصِلِ ; بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْخَوَارِجِ هُنَاكَ، وَجَعَلَ الرَّشِيدُ جَعْفَرًا عَلَى الْحَرَسِ، وَنَزَلَ الرَّشِيدُ الرَّقَّةَ وَاسْتَوْطَنَهَا، وَاسْتَنَابَ عَلَى بَغْدَادَ ابْنَهُ الْأَمِينَ مُحَمَّدًا، وَوَلَّاهُ الْعِرَاقَيْنِ، وَعَزَلَ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ وَاسْتَدْعَاهُ إِلَى بَغْدَادَ فَاسْتَنَابَهُ جَعْفَرٌ عَلَى الْحَرَسِ.
وَفِيهَا كَانَتْ بِمِصْرَ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ سَقَطَ مِنْهَا رَأْسُ مَنَارَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
وَفِيهَا خَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ خُرَاشَةُ الشَّيْبَانِيُّ، فَقَتَلَهُ مُسْلِمُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيُّ.
وَفِيهَا ظَهَرَتْ طَائِفَةٌ بِجُرْجَانَ يُقَالُ لَهُمُ: الْمُحَمِّرَةُ. لَبِسُوا الْحُمْرَةَ، وَاتَّبَعُوا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَمْرَكِيُّ. وَكَانَ يُنْسَبُ إِلَى الزَّنْدَقَةِ، فَبَعَثَ الرَّشِيدُ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ بِمَرْوَ، وَأَطْفَأَ اللَّهُ نَارَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ مُعَاوِيَةُ بْنُ زُفَرَ بْنِ عَاصِمٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

[وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَعْيَانِ]
إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ،
قَارِئُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ أَقَامَ
(13/604)

مُدَّةً بِبَغْدَادَ يُؤَدِّبُ عَلِيًّا ابْنَ الْمَهْدِيِّ، حَتَّى تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ عَلِيٍّ ابْنِ الْمَهْدِيٍّ، وَقَدْ وَلِيَ إِمْرَةَ الْحَجِّ غَيْرَ مَرَّةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنَ الرَّشِيدِ بِشُهُورٍ.
حَسَّانُ بْنُ سِنَانٍ
حَسَّانُ بْنُ سِنَانِ بْنِ أَوْفَى بْنِ عَوْفٍ التَّنُوخِيُّ الْأَنْبَارِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَرَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَدَعَا لَهُ، فَجَاءَ مِنْ نَسْلِهِ قُضَاةٌ وَوُزَرَاءُ وَصُلَحَاءُ، وَأَدْرَكَ الدَّوْلَتَيْنِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ يَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ، وَكَانَ يُعَرِّبُ الْكُتُبَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِيعَةَ لَمَّا وَلَّاهُ السَّفَّاحُ الْأَنْبَارَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ.
وَعَافِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ، الْقَاضِي لِلْمَهْدِيِّ عَلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَادَ هُوَ وَابْنُ عُلَاثَةَ، وَكَانَا يَحْكُمَانِ بِجَامِعِ الرُّصَافَةِ، وَكَانَ عَافِيَةُ عَابِدًا زَاهِدًا وَرِعًا، دَخَلَ يَوْمًا عَلَى الْمَهْدِيِّ فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْفِنِي. فَقَالَ:
(13/605)

لِمَ؟ أَعْتَرَضَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ خُصُومَةٌ عِنْدِي، فَعَمَدَ أَحَدُهُمَا إِلَى رُطَبِ السُّكَّرِ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَ أَنِّي أُحِبُّهُ، فَأَهْدَى إِلَيَّ مِنْهُ طَبَقًا لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَرَدَدْتُهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَا وَجَلَسَا لِلْحُكُومَةِ، لَمْ يَسْتَوِيَا عِنْدِي فِي قَلْبِي وَلَا نَظَرِي، وَمَالَ قَلْبِي إِلَى الْمُهْدِي مِنْهُمَا، هَذَا وَمَا قَبِلْتُ مِنْهُ، فَكَيْفَ لَوْ قَبِلْتُ مِنْهُ؟! فَأَعْفِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ. فَأَعْفَاهُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ الرَّشِيدِ يَوْمًا وَعِنْدَهُ عَافِيَةُ الْقَاضِي، وَقَدْ أَحْضَرَهُ لِأَنَّ قَوْمًا اسْتَعَدَوْا عَلَيْهِ إِلَى الرَّشِيدِ، فَجَعَلَ الرَّشِيدُ يُوقِفُهُ عَلَى مَا قِيلَ عَنْهُ، وَهُوَ يُجِيبُ الْخَلِيفَةَ عَمَّا يَسْأَلُهُ، وَطَالَ الْمَجْلِسُ، فَعَطَسَ الْخَلِيفَةُ، فَشَمَّتَهُ النَّاسُ وَلَمْ يُشَمِّتْهُ عَافِيَةُ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ لَمْ تُشَمِّتْنِي مَعَ النَّاسِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ. وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: ارْجِعْ إِلَى عَمَلِكَ، فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ لِتَفْعَلَ مَا قِيلَ عَنْكَ، وَأَنْتَ لَمْ تُسَامِحْنِي فِي عَطْسَةٍ. وَرَدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا إِلَى وِلَايَتِهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ سِيبَوَيْهِ إِمَامُ النُّحَاةِ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قَنْبَرٍ أَبُو بِشْرٍ، الْمَعْرُوفُ بِسِيبَوَيْهِ النَّحْوِيِّ، مَوْلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَقِيلَ: مَوْلَى آلِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ سِيبَوَيْهِ; لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تُرَقِّصُهُ وَتَقُولُ لَهُ ذَلِكَ، وَمَعْنَى
(13/607)

سِيبَوَيْهِ: رَائِحَةُ التُّفَّاحِ. وَقَدْ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ يَصْحَبُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءَ، وَكَانَ يَسْتَمْلِي عَلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، فَلَحَنَ يَوْمًا، فَرَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَأَنِفَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَزِمَ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ، فَبَرَعَ فِي النَّحْوِ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ وَنَاظَرَ الْكِسَائِيَّ.
وَكَانَ سِيبَوَيْهِ شَابًّا جَمِيلًا نَظِيفًا، تَعَلَّقَ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ بِسَبَبٍ، وَضَرَبَ فِي كُلِّ أَدَبٍ بِسَهْمٍ، مَعَ حَدَاثَةِ سِنِّهِ وَبَرَاعَتِهِ فِي النَّحْوِ. وَقَدْ صَنَّفَ فِي النَّحْوِ كِتَابًا لَا يُلْحَقُ شَأْوُهُ، وَشَرَحَهُ أَئِمَّةُ النُّحَاةِ بَعْدَهُ، فَانْغَمَرُوا فِي لُجُجِ بَحْرِهِ، وَاسْتَخْرَجُوا مِنْ جَوَاهِرِ حَاصِلِهِ، وَلَمْ يَبْلُغُوا إِلَى قَعْرِهِ. وَقَدْ زَعَمَ ثَعْلَبٌ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِتَصْنِيفِهِ، وَقَدْ تَسَاعَدَ جَمَاعَةٌ فِي تَصْنِيفِهِ نَحْوٌ مَنْ أَرْبَعِينَ نَفَسًا، هُوَ أَحَدُهُمْ. قَالَ: وَهُوَ أَصُولُ الْخَلِيلِ، فَادَّعَاهُ سِيبَوَيْهِ لِنَفْسِهِ، وَقَدِ اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ السِّيرَافِيُّ فِي كِتَابِ " طَبَقَاتِ النُّحَاةِ " قَالَ: وَقَدْ أَخَذَ سِيبَوَيْهِ اللُّغَاتِ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ الْأَخْفَشِ وَغَيْرِهِ، وَكِتَابُهُ الْمَشْهُورُ " بِالْكِتَابِ " لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَا يَلْحَقُهُ فِيهِ أَحَدٌ.
وَكَانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْعَرُوبَةِ، وَالْعَرُوبَةُ يَوْمُ الْجُمْعَةِ. وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: عَرُوبَةُ. فَقَدْ أَخْطَأَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِيُونُسَ فَقَالَ: أَصَابَ، لِلَّهِ دَرُّهُ.
(13/607)

وَقَدِ ارْتَحَلَ إِلَى خُرَاسَانَ لِيَحْظَى عِنْدَ طَلْحَةَ بْنِ طَاهِرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ النَّحْوَ، فَمَرِضَ هُنَاكَ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَتَمَثَلَ عِنْدَ الْمَوْتِ:
يُؤَمِّلُ دُنْيَا لِتَبْقَى لَهُ ... فَمَاتَ الْمُؤَمِّلُ قَبْلَ الْأَمَلْ
حَثِيثًا يَرْوِي أُصُولَ الْفَسِيلِ ... فَعَاشَ الْفَسِيلُ وَمَاتَ الرَّجُلْ
وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا احْتُضِرَ وَضَعَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ أَخِيهِ، فَدَمَعَتْ عَيْنُ أَخِيهِ، فَأَفَاقَ فَرَآهُ يَبْكِي، فَقَالَ:
وَكُنَّا جَمِيعًا فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا ... إِلَى الْأَمَدِ الْأَقْصَى فَمَنْ يَأْمَنُ الدَّهَرَا
قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: وَيُقَالُ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ وَعُمْرُهُ ثِنْتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً.
وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ عُفَيْرَةُ الْعَابِدَةُ، كَانَتْ طَوِيلَةَ الْحُزْنِ كَثِيرَةَ الْبُكَاءِ، قَدِمَ قَرِيبٌ لَهَا مِنْ سَفَرٍ، فَجَعَلَتْ تَبْكِي، فَقِيلَ لَهَا: لَيْسَ هَذَا وَقْتَ بُكَاءٍ! فَقَالَتْ: لَقَدْ ذَكَّرَنِي قُدُومُ هَذَا الْفَتَى يَوْمَ الْقُدُومِ عَلَى اللَّهِ، فَمِنْ مَسْرُورٍ وَمَثْبُورٍ.
وَفِيهَا مَاتَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ شَيْخُ الشَّافِعِيِّ، كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ لِسُوءِ حِفْظِهِ.
(13/608)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا غَزَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ بِلَادَ الرُّومِ، فَافْتَتَحَ حِصْنًا يُقَالُ لَهُ: الصَّفْصَافُ. فَقَالَ فِي ذَلِكَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ:
إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصْطَفَى ... قَدْ تَرَكَ الصَّفْصَافَ قَاعًا صَفْصَفًا
وَفِيهَا غَزَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ بِلَادَ الرُّومِ، فَبَلَغَ أَنْقَرَةَ وَافْتَتَحَ مَطْمُورَةَ.
وَفِيهَا تَغَلَّبَتِ الْمُحَمِّرَةُ عَلَى جُرْجَانَ.
وَفِيهَا أَمَرَ الرَّشِيدُ أَنْ يُكْتَبَ فِي صُدُورِ الرَّسَائِلِ الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ وَتَعَجَّلَ فِي النَّفْرِ، وَسَأَلَهُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ أَنْ يُعْفِيَهُ مِنَ الْوِلَايَةِ، فَأَعْفَاهُ وَأَقَامَ يَحْيَى بِمَكَّةَ.
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ أَحَدُ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَحَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ، وَلِيَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ.
(13/609)

وَخَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ شَيْخُ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيُّ، كَانَ أَبُوهُ تُرْكِيًّا مَوْلًى لِرَجُلٍ مِنَ التُّجَّارِ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ مِنْ أَهْلِ هَمَذَانَ، فَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ إِذَا قَدِمَهَا أَحْسَنَ إِلَى وَلَدِ مَوْلَاهُمْ، وَكَانَتْ أُمُّهُ خَوَارِزْمِيَّةً، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَسَمِعَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَالْأَعْمَشَ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَحُمَيْدًا الطَّوِيلَ، وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ. وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلَائِقُ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالْحِفْظِ وَالْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالزُّهْدِ وَالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ، وَلَهُ التَّصَانِيفُ الْحِسَانُ، وَالشِّعْرُ الْمُتَضَمِّنُ حِكَمًا جَمَّةً، وَكَانَ كَثِيرَ الْغَزْوِ وَالْحَجِّ، وَكَانَ لَهُ رَأْسُ مَالٍ نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ يَدُورُ يَتَّجِرُ بِهِ فِي الْبُلْدَانِ، فَحَيْثُ اجْتَمَعَ بِعَالِمِ بَلْدَةٍ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَرْبُو كَسْبُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ، يُنْفِقُهَا كُلَّهَا فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ، وَرُبَّمَا أَنْفَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: نَظَرْتُ فِي أَمْرِهِ وَأَمْرِ الصَّحَابَةِ، فَمَا رَأَيْتُهُمْ يَفْضُلُونَ عَلَيْهِ إِلَّا بِصُحْبَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ: مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلُهُ، وَمَا أَعْلَمُ خَصْلَةً مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا وَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَلِقَدْ حَدَّثَنِي أَصْحَابِي أَنَّهُمْ صَحِبُوهُ مِنْ
(13/610)

مِصْرَ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُطْعِمُهُمُ الْخَبِيصَ، وَهُوَ الدَّهْرَ صَائِمٌ.
وَقَدِمَ مَرَّةً إِلَى الرَّقَّةِ، وَبِهَا هَارُونُ الرَّشِيدُ، فَلَمَّا دَخَلَهَا انْجَفَلَ النَّاسُ يُهْرَعُونَ إِلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ حَوْلَهُ، فَأَشْرَفَتْ أُمُّ وَلَدٍ لِلرَّشِيدِ مِنْ قَصْرٍ هُنَاكَ فَقَالَتْ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقِيلَ لَهَا: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ خُرَاسَانَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. فَانْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: هَذَا هُوَ الْمُلْكُ، لَا مُلْكَ هَارُونَ الرَّشِيدِ الذى يَجْمَعُ النَّاسَ عَلَيْهِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ.
وَخَرَجَ مَرَّةً إِلَى الْحَجِّ، فَاجْتَازَ بِبَعْضِ الْبِلَادِ، فَمَاتَ طَائِرٌ مَعَهُمْ، فَأَمَرَ بِإِلْقَائِهِ عَلَى مَزْبَلَةٍ، وَسَارَ أَصْحَابُهُ أَمَامَهُ وَتَخَلَّفَ هُوَ وَرَاءَهُمْ، فَلَمَّا مَرَّ بِالْمَزْبَلَةِ إِذَا جَارِيَةٌ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ دَارٍ قَرِيبَةٍ مِنْهَا، فَأَخَذَتْ ذَلِكَ الطَّائِرَ الْمَيِّتَ، فَكَشَفَ عَنْ أَمْرِهَا وَفَحَصَ، حَتَّى سَأَلَهَا، فَقَالَتْ: أَنَا وَأُخْتِي هَاهُنَا، لَيْسَ لَنَا شَيْءٌ إِلَّا هَذَا الْإِزَارَ، وَقَدْ حَلَّتْ لَنَا الْمَيْتَةُ، وَكَانَ أَبُونَا لَهُ مَالٌ= عَظِيمٌ، فَظُلِمَ وَأُخِذَ مَالُهُ وَقُتِلَ. فَأَمَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِرَدِّ الْأَحْمَالِ، وَقَالَ لِوَكِيلِهِ: كَمْ مَعَكَ مِنَ النَّفَقَةِ؟ فَقَالَ: أَلْفُ دِينَارٍ. فَقَالَ: عُدَّ مِنْهَا عِشْرِينَ دِينَارًا تَكْفِينَا إِلَى مَرْوَ، وَأَعْطِهَا الْبَاقِيَ، فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ حَجِّنَا فِي هَذَا الْعَامِ. ثُمَّ رَجَعَ.
وَكَانَ إِذَا عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ عَزَمَ مِنْكُمْ عَلَى
(13/611)

الْحَجِّ؟ فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ نَفَقَاتِهِمْ، وَيَكْتُبُ عَلَى كُلِّ صُرَّةٍ اسْمَ صَاحِبِهَا وَيَجْمَعُهَا فِي صُنْدُوقٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ فِي أَوْسَعِ مَا يَكُونُ مِنَ النَّفَقَاتِ وَالرُّكُوبِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَالتَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا قَضَوْا حَجَّتَهُمْ يَقُولُ لَهُمْ: هَلْ أَوْصَاكُمْ أَهْلُوكُمْ بِهَدِيَّةٍ؟ فَيَشْتَرِي لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا وَصَّاهُ أَهْلُهُ مِنَ الْهَدَايَا الْمَكِّيَّةِ وَالْيَمَنِيَّةِ وَغَيْرِهَا، فَإِذَا جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةَ اشْتَرَى لَهُمْ مِنْهَا الْهَدَايَا الْمَدَنِيَّةَ، فَإِذَا قَفَلُوا بَعَثَ مِنْ أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ إِلَى بُيُوتِهِمْ فَأُصْلِحَتْ وَبُيِّضَتْ أَبْوَابُهَا وَرُمِّمَ شَعَثُهَا، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى أَوْطَانِهِمْ عَمِلَ وَلِيمَةً بَعْدَ قُدُومِهِمْ وَدَعَاهُمْ فَأَكَلُوا وَكَسَاهُمْ، ثُمَّ دَعَا بِذَلِكَ الصُّنْدُوقِ فَفَتَحَهُ وَأَخْرَجَ مِنْهُ تِلْكَ الصُّرَرَ، ثُمَّ يُقْسِمُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ نَفَقَتَهُ الَّتِي عَلَيْهَا اسْمُهُ، فَيَأْخُذُونَهَا وَيَنْصَرِفُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَهُمْ شَاكِرُونَ نَاشِرُونَ لِوَاءَ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ.
وَكَانَتْ سُفْرَتُهُ تُحْمَلُ عَلَى بَعِيرٍ وَحْدَهَا، وَفِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَأْكُولِ مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّجَاجِ وَالْحَلْوَى وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُطْعِمُهُ وَهُوَ صَائِمٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ.
وَسَأَلَهُ مَرَّةً سَائِلٌ، فَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَأْكُلُونَ فِي غَدَائِهِمُ الشِّوَاءَ وَالْفَالَوْذَجَ، وَقَدْ كَانَ يَكْفِيهِ قِطْعَةٌ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَأْكُلُ إِلَّا الْبَقْلَ وَالْخُبْزَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ يَأْكُلُ الشِّوَاءَ وَالْفَالَوْذَجَ فَلَا بُدَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، يَا غُلَامُ: رُدَّهُ وَأَعْطِهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَفَضَائِلُهُ وَمَنَاقِبُهُ وَمَآثِرُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
(13/612)

قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَبُولِهِ وَجَلَالَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَعَدْلِهِ. تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ بِهَيْتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانِهَا عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وَمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، وَلِيَ قَضَاءَ مِصْرَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ دَيِّنًا ثِقَةً، سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُ الْأَمَلَ، فَأَذْهَبَهُ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُهَنِّئُهُ عَيْشٌ وَلَا شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ فَرَدَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى حَالِهِ.
وَيَعْقُوبُ التَّائِبُ الْعَابِدُ الْكُوفِيُّ، قَالَ عَلِيٌّ ابْنُ الْمُوَفَّقِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ: خَرَجْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَأَنَا أَظُنُّ أَنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ، فَإِذَا عَلَيَّ لَيْلٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى بَابٍ صَغِيرٍ، وَإِذَا شَابٌّ يَبْكِي وَهُوَ يَقُولُ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِكَ مُخَالَفَتَكَ، وَلَكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، وَغَلَبَتْنِي شِقْوَتِي، وَغَرَّنِي سِتْرُكَ الْمُرْخَى عَلَيَّ، فَالْآنَ مِنْ عَذَابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُنِي؟ وَبِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِنْ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي؟ وَاسَوْأَتَاهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ أَيَّامِي فِي مَعْصِيَةِ رَبِّي! يَا وَيْلِي كَمْ أَتُوبُ، وَكَمْ أَعُودُ! قَدْ حَانَ لِي أَنْ أَسْتَحْيِيَ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ مَنْصُورٌ: فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] . قَالَ: فَسَمِعْتُ صَوْتًا وَاضْطِرَابًا شَدِيدًا، فَذَهَبْتُ لِحَاجَتِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَجَعْتُ، فَلَمَّا مَرَرْتُ عَلَى ذَلِكَ الْبَابِ، فَإِذَا جِنَازَةٌ، فَسَأَلْتُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ مِنْ سَمَاعِ هَذِهِ الْآيَةِ.
(13/613)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ]
فِيهَا أَخَذَ الرَّشِيدُ لِوَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ الْبَيْعَةَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ابْنِ زُبَيْدَةَ الْأَمِينِ، وَذَلِكَ بِالرَّقَّةِ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنَ الْحَجِّ، وَضَمَّ ابْنَهُ الْمَأْمُونَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى الْبَرْمَكِيِّ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَى بَغْدَادَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّشِيدِ خَدَمَةً لَهُ، وَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا، وَسَمَّاهُ الْمَأْمُونَ.
وَفِيهَا رَجَعَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيُّ مِنْ مُجَاوَرَتِهِ بِمَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ.
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، فَبَلَغَ مَدِينَةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ.
وَفِيهَا سَمَلَتِ الرُّومُ عَيْنَيْ مَلِكِهِمْ قُسْطَنْطِينَ بْنِ أَلْيُونَ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ أُمَّهُ رِينَى، وَتُلَقَّبُ أُغُسْطَةَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ أَحَدُ الْمَشَاهِيرِ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّامِيِّينَ، وَفِيهِ كَلَامٌ.
(13/614)

وَمَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ الْمَشْكُورُ، كَانَ يَمْدَحُ الْخُلَفَاءَ وَالْبَرَامِكَةَ وَمَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ، وَكَانَ قَدْ تَحَصَّلَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَبْخَلِ النَّاسِ، لَا يَكَادُ يَأْكُلُ اللَّحْمَ مِنْ بُخْلِهِ، وَلَا يُشْعِلُ فِي بَيْتِهِ سِرَاجًا، وَلَا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا الْكِرْبَاسَ وَالْفَرْوَ الْغَلِيظَ، وَكَانَ رَفِيقُهُ سَلْمٌ الْخَاسِرُ إِذَا رَكِبَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ يَأْتِي عَلَى بِرْذَوْنٍ، وَبَدْلَةٍ سَنِيَّةٍ تُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ، وَالطِّيبُ يَنْفُحُ مِنْ ثِيَابِهِ، وَيَأْتِي مَرْوَانَ فِي شَرِّ حَالَةٍ وَأَسْوَئِهَا.
وَخَرَجَ يَوْمًا إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ: إِنْ أَطْلَقَ لَكَ الْخَلِيفَةُ شَيْئًا فَاجْعَلْ لِي مِنْهُ شَيْئًا. فَقَالَ: إِنْ أَعْطَانِي مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَكِ دِرْهَمٌ. فَأَعْطَاهُ سِتِّينَ أَلْفًا، فَأَعْطَاهَا أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ. تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ.
وَالْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ حَبْتَةَ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَأَبُوهُ بَحِيرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَسَعْدٌ هَذَا لَهُ صُحْبَةٌ، اسْتُصْغِرَ يَوْمَ
(13/615)

أُحُدٍ، وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي هَذَا كَانَ أَكْبَرَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِيِنٍ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تُوُفِّيَ أَبِي وَأَنَا صَغِيرٌ، فَأَسْلَمَتْنِي أُمِّي إِلَى قَصَّارٍ، فَكُنْتُ أَمُرُّ عَلَى حَلْقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَأَجْلِسُ فِيهَا، فَكَانَتْ أُمِّي تَتْبَعُنِي، فَتَأْخُذُ بِيَدِي مِنَ الْحَلْقَةِ وَتَذْهَبُ بِي إِلَى الْقَصَّارِ، ثُمَّ كُنْتُ أُخَالِفُهَا فِي ذَلِكَ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ قَالَتْ أُمِّي لِأَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ هَذَا صَبِيٌّ يَتِيمٌ، لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا أُطْعِمُهُ مِنْ مِغْزَلِي، وَإِنَّكَ قَدْ أَفْسَدْتَهُ عَلَيَّ. فَقَالَ لَهَا: اسْكُتِي يَا رَعْنَاءُ، هَا هُوَ ذَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ، وَسَيَأْكُلُ الْفَالَوْذَجَ بِدُهْنِ الْفُسْتُقِ. فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّكَ شَيْخٌ قَدْ خَرِفْتَ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَلَمَّا وَلِيتُ الْقَضَاءَ - وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ الْهَادِي، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ لُقِّبَ بِقَاضِي الْقُضَاةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: قَاضِي قُضَاةِ الدُّنْيَا. لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَنِيبُ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ الَّتِي يَحْكُمُ فِيهَا الْخَلِيفَةُ - قَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ الرَّشِيدِ إِذْ أُتِيَ بِفَالَوْذَجَ وَكُنْتُ لَا أَعْرِفُهَا، فَقَالَ لِي: كُلْ مِنْ هَذَا; فَإِنَّهُ لَا يُصْنَعُ لَنَا كُلَّ وَقْتٍ. فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: هَذَا الْفَالَوْذَجُ. قَالَ: فَتَبَسَّمْتُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَتَبَسَّمُ؟ فَقُلْتُ: لَا شَيْءَ، أَبْقَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: لَتُخْبِرَنِّي: فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ مِنْ أَوَّلِهَا، فَقَالَ: إِنَّ الْعِلْمَ يَنْفَعُ وَيَرْفَعُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ، فَلِقَدْ كَانَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ عَقْلِهِ مَا لَا يَرَاهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ.
(13/616)

وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: إِنَّهُ أَعْلَمُ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: كَانَ أَبُو يُوسُفَ أَتْبَعَهُمْ لِلْحَدِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: كَانَ صَدُوقًا. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: كَانَ ثِقَةً. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كَانَ سَلِيمًا مِنَ التَّجَهُّمِ.
وَقَالَ بَشَّارٌ الْخَفَّافُ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. فَحَرَامُ كَلَامُهُ، وَفَرْضٌ مُبَايَنَتُهُ.
وَمِنْ كَلَامِهِ الَّذِي يَنْبَغِي كِتَابَتُهُ بِمَاءِ الذَّهَبِ قَوْلُهُ: مَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ، وَمَنْ تَتَبَّعَ غَرَائِبَ الْحَدِيثِ كَذَبَ، وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ.
وَلَمَّا تَنَاظَرَ هُوَ وَمَالِكٌ بِالْمَدِينَةِ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّاعِ وَزَكَاةِ الْخَضْرَاوَاتِ احْتَجَّ مَالِكٌ بِمَا اسْتَدْعَى بِهِ مِنْ تِلْكَ الصِّيعَانِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ، وَبِأَنَّهُ لَمْ تَكُنِ الْخَضْرَاوَاتُ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. فَقَالَ: لَوْ رَأَى صَاحِبِي مَا رَأَيْتُ لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْتُ. وَهَذَا إِنْصَافٌ.
وَقَدْ كَانَ يَحْضُرُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى طَبَقَاتِهِمْ، حَتَّى إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ شَابًّا، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّاسِ، فَيَتَنَاظَرُونَ وَيَتَبَاحَثُونَ فِيهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَحْكُمُ وَيُصَنِّفُ أَيْضًا.
(13/617)

وَقَالَ: وُلِّيتُ هَذَا الْحُكْمَ، وَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ جَوْرٍ وَلَا مَيْلٍ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا; جَاءَنِي رَجُلٌ فَذَكَرَ أَنَّ لَهُ بُسْتَانًا، وَأَنَّهُ فِي يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَدَخَلْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْلَمْتُهُ، فَقَالَ: الْبُسْتَانُ لِي، اشْتَرَاهُ لِي الْمَهْدِيُّ. فَقُلْتُ: إِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُحْضِرَهُ لِأَسْمَعَ دَعْوَاهُ. فَأَحْضَرَهُ فَادَّعَى بِالْبُسْتَانِ، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: هُوَ بُسْتَانِي. فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: قَدْ سَمِعْتَ مَا أَجَابَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَحْلِفُ. فَقُلْتُ: أَتَحْلِفُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: سَأَعْرِضُ عَلَيْكَ الْيَمِينَ ثَلَاثًا، فَإِنْ حَلَفْتَ وَإِلَّا حَكَمْتُ عَلَيْكَ. فَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَامْتَنَعَ، فَحَكَمْتُ بِالْبُسْتَانِ لِلْمُدَّعِي. قَالَ: فَكُنْتُ فِي أَثْنَاءِ الْخُصُومَةِ أَوَدُّ أَنْ نَنْفَصِلَ، وَلَمْ يُمْكِنِّي أَنْ أُجْلِسَ الرَّجُلَ مَعَ الْخَلِيفَةِ. وَبَعَثَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ فِي تَسْلِيمِ الْبُسْتَانِ إِلَى الرَّجُلِ.
وَرَوَى الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي الْأَزْهَرِ، عَنْ حَمَّادِ ابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ - الْمَوْصِلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ قَدْ نِمْتُ فِي الْفِرَاشِ، إِذَا رَسُولُ الْخَلِيفَةِ يَطْرُقُ الْبَابَ، فَخَرَجْتُ مُنْزَعِجًا فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُوكَ. فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَمَعَهُ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ، فَقَالَ لِي الرَّشِيدُ: إِنَّ هَذَا قَدْ طَلَبْتُ مِنْهُ جَارِيَةً يَهَبُنِيهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، أَوْ يَبِيعُنِيهَا فَلَمْ يَفْعَلْ، وَإِنِّي أُشْهِدُكَ إِنْ لَمْ يُجِبْنِي إِلَى ذَلِكَ قَتَلْتُهُ. فَقُلْتُ لِعِيسَى: لِمَ لَمْ تَفْعَلْ؟ فَقَالَ: إِنِّي حَالِفٌ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَصَدَقَةِ مَالِي كُلِّهِ أَنْ لَا أَبِيعَهَا وَلَا أَهَبَهَا. فَقَالَ لِي الرَّشِيدُ: فَهَلْ لَهُ مِنْ مَخْلَصٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، يَبِيعُكُ نِصْفَهَا، وَيَهَبُكَ نِصْفَهَا. فَوَهَبَهُ النِّصْفَ، وَبَاعَهُ النِّصْفَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَقَبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ،
(13/618)

وَأُحْضِرَتِ الْجَارِيَةُ، فَلَمَّا رَآهَا الرَّشِيدُ قَالَ: هَلْ لِي مِنْ سَبِيلٍ عَلَيْهَا اللَّيْلَةَ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا مَمْلُوكَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنَ اسْتِبْرَائِهَا، إِلَّا أَنْ تُعْتِقَهَا وَتَتَزَوَّجَهَا، فَإِنَّ الْحُرَّةَ لَا تُسْتَبْرَأُ. قَالَ: فَأَعْتَقَهَا وَزَوَّجْتُهَا مِنْهُ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَمَرَ لِي بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ تَخْتًا مِنْ ثِيَابٍ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ الْجَارِيَةُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، فَجَاءَتْهُ هَدِيَّةٌ مِنْ ثِيَابٍ دَبِيقِيٍّ وَطِيبٍ وَتَمَاثِيلَ نِدٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَذَاكَرَنِي رَجُلٌ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ: «مَنْ أُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُ» . فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنَّمَا ذَاكَ فِي الْأَقِطِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَلَمْ تَكُنِ الْهَدَايَا مَا تَرَوْنَ، يَا غُلَامُ، شِلْ إِلَى الْخَزَائِنِ.
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: صَحِبْتُ أَبَا حَنِيفَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ انْصَبَّتْ عَلَيَّ الدُّنْيَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَا أَظُنُّ أَجَلِي إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ. فَمَا كَانَ شُهُورٌ حَتَّى مَاتَ.
وَقَدْ مَاتَ أَبُو يُوسُفَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقَدْ مَكَثَ فِي الْقَضَاءِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ يُوسُفُ.
(13/619)

وَقَدْ كَانَ نَائِبَهُ عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ. وَمَنْ زَعَمَ مِنَ الرُّوَاةِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اجْتَمَعَ بِأَبِي يُوسُفَ كَمَا يَقُولُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ الْكَذَّابُ فِي الرِّحْلَةِ الَّتِي سَاقَهَا الشَّافِعِيُّ، فَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا وَرَدَ بَغْدَادَ فِي أَوَّلِ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا إِلَيْهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ. وَإِنَّمَا اجْتَمَعَ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَنَآنٌ، كَمَا قَدْ يَذْكُرُهُ بَعْضُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِهَذَا الشَّأْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ طَهْمَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيِّ، اسْتَوْزَرَهُ الْمَهْدِيُّ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أَزِمَّةَ الْأُمُورِ، وَحَظِيَ عِنْدَهُ جِدًّا، ثُمَّ لَمَّا أَمَرَهُ بِقَتْلِ ذَلِكَ الْعَلَوِيِّ فَأَرْسَلَهُ، وَنَمَّتْ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ، وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، سَجَنَهُ فِي بِئْرٍ، وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ قُبَّةٌ، وَنَبَتَ عَلَيْهِ شَعْرٌ كَمَا يَنْبُتُ شَعْرُ الْأَنْعَامِ، وَعَمِيَ، وَيُقَالُ: عَشِيَ بَصَرُهُ، وَمَكَثَ نَحْوًا مِنْ خَمْسَ عَشْرَ سَنَةً فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لَا يَرَى شَيْئًا، وَلَا يَسْمَعُ صَوْتًا إِلَّا حِينَ الصَّلَوَاتِ يُعْلَمُ بِهِ، وَيُدَلَّى إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَغِيفٌ وَكُوزُ مَاءٍ، حَتَّى انْقَضَتْ أَيَّامُ الْمَهْدِيِّ وَأَيَّامُ الْهَادِي وَصَدْرٌ مِنْ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ، قَالَ يَعْقُوبُ: فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ:
عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ ... يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
فَيَأَمَنَ خَائِفٌ وَيُفَكُّ عَانٍ ... وَيَأْتِي أَهْلَهُ النَّائِي الْغَرِيبُ
(13/620)

فَلَمَّا أَصْبَحْتُ نُودِيتُ فَظَنَنْتُ أَنِّي أُعْلَمُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ، وَدُلِيَّ إِلَيَّ حَبْلٌ، وَقِيلَ لِي: ارْبُطْ هَذَا الْحَبْلَ فِي وَسَطِكِ. فَأَخْرَجُونِي، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَى الضِّيَاءِ لَمْ أُبْصِرْ شَيْئًا، وَأُوقِفْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ. فَظَنَنْتُهُ الْمَهْدِيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ، فَقَالَ: لَسْتُ بِهِ. قُلْتُ: فَالْهَادِي؟ فَقَالَ: لَسْتُ بِهِ. فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدَ. فَقَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمْ يَشْفَعْ فِيكَ عِنْدِي أَحَدٌ، وَلَكِنِّي الْبَارِحَةَ حَمَلْتُ جَارِيَةً لِي صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِي، فَذَكَرْتُ حَمْلَكَ إِيَّايَ عَلَى عُنُقِكَ، فَرَحِمْتُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الضِّيقِ، فَأَخْرَجْتُكَ. ثُمَّ أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. فَغَارَ مِنْهُ يَحْيِي بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، وَخَشِيَ أَنْ يُعِيدَهُ إِلَى الْمَنْزِلَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ، وَفَهِمَ ذَلِكَ يَعْقُوبُ، فَاسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ فِي الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ بِهَا حَتَّى مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ الْعَيْشِيُّ، كَانَ ثِقَةً عَالِمًا عَابِدًا وَرِعًا، تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَكَانَ وَالِيَ الْبَصْرَةِ، وَتَرَكَ مِنَ الْمَالِ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا يَزِيدُ دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَكَانَ يَعْمَلُ الْخُوصَ، وَيَأْكُلُ مِنْهُ. وَتُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(13/621)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ]
فِيهَا خَرَجَتِ الْخَزَرُ عَلَى النَّاسِ مِنْ ثُلْمَةِ أَرْمِينِيَّةَ، فَعَاثُوا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ فَسَادًا، وَسَبَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ نَحْوًا مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ، وَقَتَلُوا بَشَرًا كَثِيرًا، وَانْهَزَمَ نَائِبُ أَرْمِينِيَّةَ سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، فَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ إِلَيْهِمْ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ وَيَزِيدَ بْنَ مَزْيَدٍ فِي جُيُوشٍ كَثِيفَةٍ، إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ فَأَصْلَحُوا مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى الْهَادِي.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ عَلِيُّ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ وَالْخَوْفِ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ صُبَيْحٍ أَبُو الْعَبَّاسِ، مَوْلَى بَنِي عِجْلٍ، الْمُذَكِّرُ. وَيُعْرَفُ بِابْنِ السَّمَّاكِ. رَوَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ وَالْأَعْمَشِ وَالثَّوْرِيِّ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِمْ.
(13/622)

وَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ لَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مَوْقِفًا، فَانْظُرْ أَيْنَ مُنْصَرَفُكَ; إِلَى الْجَنَّةِ أَمْ إِلَى النَّارِ؟ فَبَكَى الرَّشِيدُ حَتَّى كَادَ يَمُوتُ.
وَمُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ: الْكَاظِمُ. وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالْمُرُوءَةِ، إِذَا بَلَغَهُ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ يُؤْذِيهِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالتُّحَفِ وَالذَّهَبِ، وُلِدَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ أَرْبَعُونَ نَسَمَةً. وَأَهْدَى لَهُ مَرَّةً عَبْدٌ عَصِيدَةً فَاشْتَرَاهُ وَاشْتَرَى الْمَزْرَعَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَأَعْتَقَهُ، وَوَهَبَهَا لَهُ.
وَقَدِ اسْتَدْعَاهُ الْمَهْدِيُّ إِلَى بَغْدَادَ فَحَبَسَهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي رَأَى الْمَهْدِيُّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] . فَاسْتَيْقَظَ مَذْعُورًا، وَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ مِنَ السِّجْنِ لَيْلًا، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ، وَعَانَقَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا مِنْ شَأْنِي. فَقَالَ: صَدَقْتَ. وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَأَمَرَ بِهِ فَرُدَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَزَلْ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى كَانَتْ خِلَافَةُ الرَّشِيدِ فَحَجَّ، فَلَمَّا دَخَلَ لِيُسَلِّمَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا ابْنِ عَمِّ. فَقَالَ مُوسَى: السَّلَامُ عَلَيْكَ
(13/623)

يَا أَبَهْ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: هَذَا هُوَ الْفَخْرُ يَا أَبَا الْحَسَنِ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ حَتَّى اسْتَدْعَاهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ، وَسَجَنَهُ فَأَطَالَ سِجْنَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُوسَى رِسَالَةً يَقُولُ فِيهَا: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ لَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي يَوْمٌ مِنَ الْبَلَاءِ إِلَّا انْقَضَى عَنْكَ يَوْمٌ مِنَ الرَّخَاءِ، حَتَّى يُفْضِيَ بِنَا ذَلِكَ إِلَى يَوْمٍ يَخْسَرُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ. تُوُفِّيَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِبَغْدَادَ، وَقَبْرُهُ هُنَاكَ مَشْهُورٌ.
هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ أَبِي خَازِمٍ الْقَاسِمِ بْنِ دِينَارٍ، أَبُو مُعَاوِيَةَ السُّلَمِيُّ الْوَاسِطِيُّ، كَانَ أَبُوهُ طَبَّاخًا لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَبِيعُ الصَّحْنَاةَ وَالْكَوَامِخَ، وَكَانَ يَمْنَعُ ابْنَهُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ لِيُسَاعِدَهُ عَلَى صِنَاعَتِهِ، فَيَأْبَى إِلَّا أَنْ يَسْمَعَ الْحَدِيثَ. فَاتَّفَقَ أَنَّ هُشَيْمًا مَرِضَ، فَجَاءَهُ أَبُو شَيْبَةَ قَاضِي وَاسِطَ لِيَعُودَهُ، وَمَعَهُ خَلْقٌ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ بَشِيرٌ فَرِحَ بِذَلِكَ وَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، أَبَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ جَاءَ الْقَاضِي إِلَى مَنْزِلِي؟! لَا أَمْنَعُكَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مِنْ طَلَبِ الْحَدِيثِ.
كَانَ مِنْ سَادَاتِ الْعُلَمَاءِ، حَدَّثَ عَنْهُ; مَالِكٌ، وَشُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ، وَكَانَ مِنَ الصُّلَحَاءِ الْعُبَّادِ. مَكَثَ يُصَلِّي
(13/624)

الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعَشَاءِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ عَشْرَ سِنِينَ.
يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَاضِي الْمَدَائِنِ كَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ.
يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، أَحَدُ النُّحَاةِ النُّجَبَاءِ، وَقَدْ أَخَذَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَغَيْرِهِ، وَأَخَذَ عَنْهُ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِالْبَصْرَةِ يَنْتَابُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَالْفُصَحَاءُ مِنَ الْحَاضِرِينَ وَالْعَرَبِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
(13/625)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ]
فِيهَا رَجَعَ الرَّشِيدُ مِنَ الرَّقَّةِ إِلَى بَغْدَادَ، فَأَخَذَ النَّاسَ بِأَدَاءِ بَقَايَا الْخَرَاجِ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَوَلَّى رَجُلًا يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ وَيَحْبِسُ، وَوَلَّى عَلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَعَزَلَ وَقَطَعَ وَوَصَلَ.
وَخَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ أَبُو عَمْرٍو الشَّارِي، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ مَنْ قَتَلَهُ بِشَهْرَزُورَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْعَبَّاسِيُّ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ كَانَ زَاهِدًا عَابِدًا قَدْ تَنَسَّكَ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ، يَعْمَلُ فِي الطِّينِ، وَلَيْسَ يَمْلِكُ إِلَّا مَرًّا وَزِنْبِيلًا - أَيْ مِجْرَفَةً وَقُفَّةً - وَكَانَ أُجْرَتُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِ مِنَ الْجُمْعَةِ إِلَى الْجُمْعَةِ دِرْهَمًا وَدَانِقًا، وَكَانَ لَا يَعْمَلُ إِلَّا فِي يَوْمِ السَّبْتِ فَقَطْ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى الْعِبَادَةِ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْجُمْعَةِ، وَكَانَ مِنْ زُبَيْدَةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنَ امْرَأَةٍ غَيْرِهَا كَانَ الرَّشِيدُ قَدْ أَحَبَّهَا فَتَزَوَّجَهَا سِرًّا، فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِهَذَا الْغُلَامِ ثُمَّ أَحْدَرَهَا إِلَى الْبَصْرَةِ وَأَعْطَاهَا خَاتَمًا مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ، وَأَشْيَاءَ مَعَهَا
(13/626)

نَفِيسَةً، وَأَمَرَهَا إِذَا أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ أَنْ تَأْتِيَهُ. فَلَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ لَمْ تَأْتِهِ وَلَا وَلَدُهَا، وَبَلَغَهُ أَنَّهُمَا مَاتَا، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَكَانَ هَذَا الشَّابُّ يَعْمَلُ بِيَدِهِ، وَيَأْكُلُ مِنْ كَدِّهَا، فَاتَّفَقَ مَرَضُهُ فِي دَارِ مَنْ كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ فِي الطِّينِ، فَمَرَّضَهُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا احْتُضِرَ أَخْرَجَ الْخَاتَمَ، وَقَالَ لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ: اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى الرَّشِيدِ، وَقُلْ لَهُ: صَاحِبُ هَذَا الْخَاتَمِ يَقُولُ لَكَ: إِيَّاكَ أَنْ تَمُوتَ فِي سَكْرَتِكَ هَذِهِ فَتَنْدَمَ فَلَمَّا مَاتَ وَدَفَنَهُ وَطَلَبَ الْحُضُورَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ قُلْتُ: هَذَا الْخَاتَمُ دَفَعَهُ إِلَيَّ رَجُلٌ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ لَكَ كَلَامًا. فَلَمَّا نَظَرَ عَرَفَهُ فَقَالَ: وَيْحَكَ! وَأَيْنَ صَاحِبُ الْخَاتَمِ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: مَاتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ يَقُولُ لَكَ: احْذَرْ أَنْ تَمُوتَ فِي سَكْرَتِكَ فَتَنْدَمَ. قَالَ: فَقَامَ الرَّشِيدُ فَضَرَبَ بِنَفْسِهِ الْبِسَاطَ وَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَصَحْتَنِي يَا بُنَيَّ. ثُمَّ قَالَ: أَتَعْرِفُ قَبْرَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إِذَا كَانَ الْعَشِيُّ فَأْتِنِي. فَأَتَيْتُهُ، فَذَهَبَ إِلَى قَبْرِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي عِنْدَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ أَمَرَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ لَهُ وَلِعِيَالِهِ رِزْقًا.
(13/627)

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ، وَالِدُ بَكَّارٍ. أَلْزَمَهُ الْخَلِيفَةُ الرَّشِيدُ بِوِلَايَةِ الْمَدِينَةِ، فَقَبِلَهَا بِشُرُوطٍ عِدَّةٍ اشْتَرَطَهَا، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَضَافَ إِلَيْهِ نِيَابَةَ الْيَمَنِ، وَكَانَ مِنْ أَعْدَلِ الْوُلَاةِ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ أَدْرَكَ أَبَا طُوَالَةَ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا، وَعَظَ الرَّشِيدَ يَوْمًا فَأَطْنَبَ وَأَطْيَبَ; قَالَ لَهُ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الصَّفَا: انْظُرْ كَمْ حَوْلَهَا مِنَ النَّاسِ؟ فَقَالَ: بَشَرٌ كَثِيرٌ. فَقَالَ: كُلٌّ مِنْهُ يُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَأَنْتَ تُسْأَلُ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ. فَبَكَى الرَّشِيدُ بُكَاءً كَثِيرًا، وَجَعَلُوا يَأْتُونَهُ بِمَنْدِيلٍ بَعْدَ مَنْدِيلٍ لِلدُّمُوعِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا هَارُونُ، إِنَّ الرَّجُلَ لِيُسْرِعُ فِي مَالِهِ فَيَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُسْرِعُ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ؟! ثُمَّ تَرَكَهُ وَانْصَرَفَ وَالرَّشِيدُ يَبْكِي. وَلَهُ مَعَهُ مَوَاقِفُ مَحْمُودَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. تُوُفِّيَ عَنْ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً.
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَعْدَانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبِهَانِيُّ، أَدْرَكَ التَّابِعِينَ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالتَّعَبُّدِ وَالزَّهَادَةِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ يُسَمِّيهِ عَرُوسَ الزُّهَّادِ.
(13/628)

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَكَانَ كَأَنَّهُ قَدْ عَايَنَ.
وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ. قَالُوا: وَكَانَ لَا يَشْتَرِي زَادَهُ مِنْ خَبَّازٍ وَاحِدٍ، وَلَا مِنْ بَقَّالٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا مِمَّنْ لَا يَعْرِفُهُ، يَقُولُ: أَخْشَى أَنْ يُحَابُونِي فَأَكُونَ مِمَّنْ يَعِيشُ بِدِينِهِ. وَكَانَ لَا يَضَعُ جَنْبَهُ لِلنَّوْمِ صَيْفًا وَلَا شِتَاءً. وَمَاتَ وَلَمْ يُجَاوِزِ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ.
(13/629)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا قَتَلَ أَهْلُ طَبَرِسْتَانَ مُتَوَلِّيَهُمْ مَهْرَوَيْهِ الرَّازِيَّ، فَوَلَّى الرَّشِيدُ عَلَيْهِمْ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ الْحَرِشِيَّ.
وَفِيهَا قَتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَبْنَاوِيُّ أَبَانَ بْنَ قَحْطَبَةَ الْخَارِجِيَّ بِمَرَجِ الْقَلْعَةِ.
وَفِيهَا عَاثَ حَمْزَةُ الشَّارِي بِبَاذَغِيسَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَنَهَضَ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى إِلَى عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ جَيْشِ حَمْزَةَ، فَقَتَلَهُمْ، وَسَارَ وَرَاءَ جَيْشِ حَمْزَةَ إِلَى كَابُلَ وَزَابُلِسْتَانَ.
وَفِيهَا خَرَجَ أَبُو الْخَصِيبِ فَتَغَلَّبَ عَلَى أَبِيوَرْدَ وَطُوسَ وَنَيْسَابُورَ، وَحَاصَرَ مَرْوَ وَقَوِيَ أَمْرُهُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ بِبَرْذَعَةَ، فَوَلَّى الرَّشِيدُ مَكَانَهُ ابْنَهُ أَسَدَ بْنَ يَزِيدَ. وَاسْتَأْذَنَ الْوَزِيرُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ الْخَلِيفَةَ فِي أَنْ يَعْتَمِرَ فِي رَمَضَانَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَاعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ رَابَطَ بِجُدَّةَ إِلَى وَقْتِ الْحَجِّ فَحَجَّ مَعَ النَّاسِ، وَكَانَ أَمِيرَ الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ.
(13/630)

[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]
عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، عَمُّ السَّفَّاحِ وَالْمَنْصُورِ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، وَكَانَ ضَخْمَ الْخَلْقِ جَدًّا وَلَمْ يُبَدِّلْ أَسْنَانَهُ، وَكَانَتْ أُصُولُهَا صَفِيحَةً وَاحِدَةً. وَقَدْ قَالَ يَوْمًا لِلرَّشِيدِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا مَجْلِسٌ اجْتَمَعَ فِيهِ عَمُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَمُّ عَمِّهِ، وَعَمُّ عَمِّ عَمِّهِ. وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ عَمُّ الرَّشِيدِ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَمُّ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ عَمُّ الْعَبَّاسِ، وَتَلْخِيصُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الصَّمَدِ عَمُّ عَمِّ عَمِّ الرَّشِيدِ، لِأَنَّهُ عَمُّ جَدِّهِ.
رَوَى عَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْبَرَّ وَالصِّلَةَ لَيُطِيلَانِ الْأَعْمَارَ، وَيُعَمِّرَانِ الدِّيَارَ، وَيُثْرِيَانِ الْأَمْوَالَ، وَلَوْ كَانَ الْقَوْمُ فُجَّارًا» . وَبِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّ الْبَرَّ وَالصِّلَةَ لَيُخَفِّفَانِ سُوءَ الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21] » " [الرَّعْدِ: 21] . وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، الْمَعْرُوفُ
(13/631)

بِالْإِمَامِ، كَانَ يَلِي إِمَارَةَ الْحَاجِّ وَإِقَامَةَ شَعَائِرِ الْحَجِّ فِي خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ عِدَّةَ سِنِينَ. تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فَصَلَّى عَلَيْهِ الْأَمِينُ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِالْعَبَّاسِيَّةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنْ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ ضِمَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَعُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ، وَالْمُعَافَى بْنُ عُمْرَانَ فِي قَوْلٍ، وَيُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، إِمَامُ أَهْلِ الشَّامِ بَعْدَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الْمَغَازِي وَالْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ.
رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ، هِيَ رَابِعَةُ بِنْتُ إِسْمَاعِيلَ الْعَدَوِيَّةُ مَوْلَاةُ آلِ عَتِيكٍ، الْبَصَرِيَّةُ الْعَابِدَةُ الْمَشْهُورَةُ. ذَكَرَهَا الْقُشَيْرِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ " وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْحِلْيَةِ "،
(13/632)

وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " صِفَةِ الصَّفْوَةِ "، وَالشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي " الْمَعَارِفِ " وَأَثْنَى عَلَيْهَا أَكْثَرُ النَّاسِ، وَتَكَلَّمَ فِيهَا أَبُو دُوَادَ السِّجِسْتَانِيُّ، وَاتَّهَمَهَا بِالزَّنْدَقَةِ، فَلَعَلَّهُ بَلَغَهُ عَنْهَا أَمْرٌ. وَأَنْشَدَ لَهَا السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي " الْمَعَارِفِ ":
إِنِّي جَعَلْتُكَ فِي الْفُؤَادِ مُحَدِّثِي ... وَأَبَحْتُ جِسْمِي مَنْ أَرَادَ جُلُوسِي
فَالْجِسْمُ مِنِّى لِلْجَلِيسِ مُؤَانِسٌ ... وَحَبِيبُ قَلْبِي فِي الْفُؤَادِ أَنِيسِي
وَقَدْ ذُكِرَ لَهَا أَحْوَالٌ وَأَعْمَالٌ صَالِحَةٌ، وَقِيَامُ لَيْلٍ وَصِيَامُ نَهَارٍ، وَرُؤِيَتْ لَهَا مَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. وَتُوُفِّيَتْ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وَقَبْرُهَا شَرْقِيُّهُ بِالطُّورِ.
(13/633)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ مِنْ مَرْوَ لِحَرْبِ أَبِي الْخَصِيبِ إِلَى نَسَا، فَقَاتَلَهُ بِهَا، وَسَبَى نِسَاءَهُ وَذَرَارِيَّهُ، وَاسْتَقَامَتْ خُرَاسَانُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ، وَمَعَهُ ابْنَاهُ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَأْمُونُ، فَبَلَغَ جُمْلَةُ مَا أَعْطَى لِأَهْلِ الْحَرَمَيْنِ أَلْفَ أَلْفَ دِينَارٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي، ثُمَّ يَذْهَبُ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى وَلَدِهِ الْأَمِينِ فَيُعْطِي، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إِلَى وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ فَيُعْطِي.
وَكَانَ إِلَى الْأَمِينِ وِلَايَةُ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَإِلَى الْمَأْمُونِ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى بِلَادِ الْمَشْرِقِ. ثُمَّ بَايَعَ الرَّشِيدُ لِوَلَدِهِ الْقَاسِمِ مِنْ بَعْدِ أَخَوَيْهِ، وَلَقَّبَهُ الْمُؤْتَمَنَ، وَوَلَّاهُ الْجَزِيرَةَ وَالثُّغُورَ وَالْعَوَاصِمَ، وَكَانَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ابْنَهُ الْقَاسِمَ هَذَا كَانَ فِي حِجْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، فَلَمَّا بَايَعَ الرَّشِيدُ لِوَلَدَيْهِ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ كَتَبَ إِلَيْهِ:
يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الَّذِي ... لَوْ كَانَ نَجْمًا كَانَ سَعْدَا
اعْقِدْ لِقَاسِمِ بَيْعَةً ... وَاقْدَحْ لَهُ فِي الْمُلْكِ زَنْدَا
اللَّهُ فَرْدٌ وَاحِدٌ ... فَاجَعَلْ وُلَاةَ الْعَهْدِ فَرْدَا
(13/634)

فَفَعَلَ الرَّشِيدُ ذَلِكَ، وَقَدْ حَمِدَهُ قَوْمٌ عَلَى ذَلِكَ، وَذَمَّهُ آخَرُونَ، وَلَمْ يَنْتَظِمْ لِلْقَاسِمِ هَذَا أَمْرٌ، بَلِ اخْتَرَمَتْهُ الْأَقْدَارُ عَنْ بُلُوغِ الْأَوْطَارِ.
وَلَمَّا قَضَى الرَّشِيدُ حَجَّهُ وَمَنَاسِكَهُ أَحْضَرَ مِنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ، وَأَحْضَرَ وَلِيِّيَ الْعَهْدِ; مُحَمَّدًا الْأَمِينَ وَعَبْدَ اللَّهِ الْمَأْمُونَ، وَأَشْهَدَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِأَخِيهِ، وَأَلَّا يُنَازِعَهُ مَا وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَتَبَ بِمَضْمُونِ ذَلِكَ صَحِيفَةً، وَكَتَبَ فِيهَا الْأُمَرَاءُ وَالْوُزَرَاءُ خُطُوطَهُمْ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، وَأَرَادَ الرَّشِيدُ أَنْ يُعَلِّقَهَا فِي الْكَعْبَةِ فَسَقَطَتْ، فَقِيلَ: هَذَا الْأَمْرُ سَرِيعٌ انْتِقَاضُهُ. وَكَذَا وَقَعَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ فِي عَقْدِ هَذِهِ الْبَيْعَةِ فِي الْكَعْبَةِ:
خَيْرُ الْأُمُورِ مَغَبَّةً ... وَأَحَقُّ أَمْرٍ بِالتَّمَامِ
أَمْرٌ قَضَى أَحْكَامَهُ الرَّ ... حْمَنُ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ
وَقَدْ أَطَالَ الْقَوْلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُ جَرِيرٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمُنْتَظَمِ " أَيْضًا.

[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
أَصْبَغُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَبُو زَبَّانَ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا.
وَحَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَاضِي كَرْمَانَ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ.
(13/635)

سَلْمٌ الْخَاسِرُ الشَّاعِرُ، وَهُوَ سَلْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَمَّادِ بْنِ عَطَاءٍ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: الْخَاسِرُ. لِأَنَّهُ بَاعَ مُصْحَفًا وَاشْتَرَى بِهِ دِيوَانَ شِعْرٍ لِامْرِئِ الْقَيْسٍ. وَقِيلَ لِلْأَعْشَى. وَقِيلَ: طُنْبُورًا: وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَنْفَقَ مِائَتَيْ أَلْفٍ فِي صِنَاعَةِ الْأَدَبِ. وَقَدْ كَانَ شَاعِرًا مُطَبِّقًا، لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْإِنْشَاءِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ لِمُوسَى الْهَادِي:
مُوسَى الْمَطَرْ ... غَيْثُ بَكَرْ
ثُمَّ انْهَمَرْ ... كَمِ اعْتَسَرْ
ثُمَّ ايْتَسَرْ ... وَكَمْ قَدَرْ
ثُمَّ غَفَرْ ... عَدْلُ السِّيَرْ
بَاقِي الْأَثَرْ ... خَيْرُ الْبَشَرْ
فَرْعُ مُضَرْ ... بَدْرٌ بَدَرْ
لِمَنْ نَظَرْ ... هُوَ الْوَزَرْ
لِمَنْ حَضَرْ ... وَالْمُفْتَخَرْ
لِمَنْ غَبَرْ ... وَالْمُجْتَبَرْ
لِمَنْ عَثَرْ
وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ غَيْرِ مَرْضِيَّةٍ مِنَ الْمُجُونِ وَالْفِسْقِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ تَلَامِيذِ بَشَّارِ بْنِ بُرْدٍ، وَأَنَّ نَظْمَهُ أَحْسَنُ مِنْ نَظْمِ بِشَّارٍ، فَمِمَّا غَلَبَ
(13/636)

فِيهِ بَشَّارًا قَوْلُ بَشَّارٍ:
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ ... وَفَازَ بِالطَّيِّبَاتِ الْفَاتِكُ اللَّهِجْ
فَقَالَ سَلْمٌ:
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ غَمًّا ... وَفَازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسُورُ
فَغَضِبَ بَشَّارٌ وَقَالَ: أَخَذَ مَعَانِيَّ فَكَسَاهَا أَلْفَاظًا أَخَفَّ مِنْ أَلْفَاظِي.
وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَالْبَرَامِكَةِ نَحْوٌ مَنْ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَلَمَّا مَاتَ تَرَكَ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَوْدَعَهَا عِنْدَ أَبِي السَّمْرَاءِ الْغَسَّانِيِّ، فَغَنَّى إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ الرَّشِيدَ يَوْمًا فَأَطْرَبَهُ، فَقَالَ لَهُ: سَلْ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَسْأَلُكُ شَيْئًا لَا أَرْزُؤُكَ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ فَذَكَرَ لَهُ وَدِيعَةَ سَلْمٍ الْخَاسِرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا، فَأَمَرَ لَهُ بِهَا. وَيُقَالُ: إِنَّهَا كَانَتْ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.
الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ، عَمُّ الرَّشِيدِ، كَانَ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، وَلِيَ إِمَارَةَ الْجَزِيرَةِ فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ، وَقَدْ أَطْلَقَ لَهُ الرَّشِيدُ فِي يَوْمٍ خَمْسَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْعَبَّاسِيَّةُ، وَبِهَا دُفِنَ وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْأَمِينُ.
يَقْطِينُ بْنُ مُوسَى، كَانَ أَحَدَ الدُّعَاةِ إِلَى دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ دَاهِيَةً ذَا رَأْيٍ، وَقَدِ احْتَالَ مَرَّةً حِيلَةً عَظِيمَةً وَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ مَرْوَانُ الْحِمَارُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ
(13/637)

مُحَمَّدٍ بِحَرَّانَ، فَتَحَيَّرَتِ الشِّيعَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ فِيمَنْ يَكُونُ وَلِيَّ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، فَذَهَبَ يَقْطِينُ هَذَا إِلَى مَرْوَانَ، فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي صُورَةِ تَاجِرٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي قَدْ بِعْتُ بِضَاعَةً مِنْ رَجُلٍ وَلَمْ أَقْبِضْ ثَمَنَهَا مِنْهُ حَتَّى أَخَذَتْهُ رُسُلُكَ فَحَبَسُوهُ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لِأُطَالِبَهُ بِمَالِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَيْهِ مَعَ غُلَامٍ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِلَى مَنْ تَرَكْتَ بَعْدَكَ آخُذُ مَالِيَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: إِلَى ابْنِ الْحَارِثِيَّةِ. يَعْنِي أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ السَّفَّاحَ، فَرَجَعَ يَقْطِينُ إِلَى الدُّعَاةِ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ، فَأَعْلَمَهُمْ بِمَا قَالَ، فَبَايَعُوا السَّفَّاحَ، وَكَانَ مَا قَدْ كَانَ.
(13/638)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ٍ مَهْلِكُ الْبَرَامِكَةِ
فِيهَا كَانَ مَقْتَلُ الرَّشِيدِ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيَّ، وَدَمَارُ دِيَارِهِمْ وَانْدِثَارُ آثَارِهِمْ، وَذَهَابُ صِغَارِهِمْ وَكِبَارِهِمْ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ، فَمِمَّا قِيلَ: إِنَّ الرَّشِيدَ كَانَ قَدْ سَلَّمَ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ إِلَى جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ فَسَجَنَهُ عِنْدَهُ، فَمَا زَالَ يَحْيَى يَتَرَقَّقُ لَهُ حَتَّى أَطْلَقَهُ جَعْفَرٌ، فَنَمَّ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ عَلَى جَعْفَرٍ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: وَيْلَكَ لَا تَدْخُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ جَعْفَرٍ فَلَعَلَّهُ أَطْلَقَهُ عَنْ أَمْرِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ. ثُمَّ سَأَلَ الرَّشِيدُ جَعْفَرًا عَنْ ذَلِكَ فَصَدَقَهُ الْحَالَ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ وَحَلَفَ لَيَقْتُلَنَّهُ وَكَرِهَ الْبَرَامِكَةَ وَمَقَتَهُمْ وَقَلَاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، بَعْدَ مَا كَانُوا أَحْظَى النَّاسِ عِنْدَهُ وَأَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ.
وَكَانَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ وَالْفَضْلِ أُمَّهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَحَصَلَ لَهُمْ مِنَ الرِّفْعَةِ فِي الدُّنْيَا وَكَثْرَةِ الْمَالِ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ لَمْ يَحْصُلْ لِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْوُزَرَاءِ وَلَا لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَكَابِرِ وَالرُّؤَسَاءِ، بِحَيْثُ إِنَّ جَعْفَرًا بَنَى دَارًا غَرِمَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا نَقَمَهُ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ. وَيُقَالُ: إِنَّ الرَّشِيدَ
(13/639)

كَانَ لَا يَكَادُ يَمُرُّ بِبَلَدٍ وَلَا إِقْلِيمٍ فَيَسْأَلُ عَنْ قَرْيَةٍ أَوْ مَزْرَعَةٍ أَوْ بُسْتَانٍ إِلَّا قِيلَ: هَذَا لِجَعْفَرٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الْبَرَامِكَةَ كَانُوا يُرِيدُونَ إِبْطَالَ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ وَإِظْهَارَ الزَّنْدَقَةِ. وَقِيلَ: بِسَبَبِ الْعَبَّاسَةِ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ ابْنُ جَرِيرٍ قَدْ ذَكَرَهُ.
رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الرَّشِيدَ سُئِلَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَهْلَكَ الْبَرَامِكَةَ فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ قَمِيصِي يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَحْرَقْتُهُ. وَقَدْ كَانَ جَعْفَرٌ يَدْخُلُ عَلَى الرَّشِيدِ بِغَيْرِ إِذْنٍ حَتَّى كَانَ رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْفِرَاشِ مَعَ حَظَايَاهُ، وَهَذِهِ وَجَاهَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ، وَكَانَ مِنْ أَحْظَى الْعُشَرَاءِ عَلَى الشَّرَابِ - فَإِنَّ الرَّشِيدَ كَانَ يَسْتَعْمِلُ فِي أَوَاخِرِ مُلْكِهِ الْمُسْكِرَ، وَكَأَنَّهُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ - وَكَانَ أَحَبَّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ أُخْتُهُ الْعَبَّاسَةُ بِنْتُ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ يُحْضِرُهَا مَعَهُ، وَجَعْفَرٌ الْبَرْمَكِيُّ حَاضِرٌ أَيْضًا، فَزَوَّجَهُ بِهَا لِيَحِلَّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَأْهَا، فَكَانَ الرَّشِيدُ رُبَّمَا قَامَ وَتَرَكَهُمَا وَهُمَا ثَمِلَانِ مِنَ الشَّرَابِ، فَرُبَّمَا وَاقَعَهَا جَعْفَرٌ فَاتَّفَقَ حَمْلُهَا مِنْهُ فَوَلَدَتْ وَلَدًا، وَبَعْثَتْهُ مَعَ بَعْضِ جَوَارِيهَا إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُرَبَّى بِهَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ فِي " الْوَفَيَاتِ " صِفَةً أُخْرَى فِي مَقْتَلِ جَعْفَرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا زَوَّجَ الرَّشِيدُ جَعْفَرًا مِنَ الْعَبَّاسَةِ أَحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَرَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَامْتَنَعَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ مِنْ خَشْيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاحْتَالَتْ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ
(13/640)

تُهْدِي إِلَيْهِ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمْعَةٍ جَارِيَةً حَسْنَاءَ بِكْرًا فَقَالَتْ لِأُمِّهِ: أَدْخِلِينِي عَلَيْهِ فِي صِفَةِ جَارِيَةٍ مِنْ تِلْكَ الْجَوَارِي فَهَابَتْ مِنْ تِلْكَ، فَتَهَدَّدَتْهَا حَتَّى فَعَلَتْ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يَتَحَقَّقُ وَجْهَهَا مِنْ مَهَابَةِ الرَّشِيدِ، فَوَاقَعَهَا فَقَالَتْ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ خَدِيعَةَ بَنَاتِ الْمُلُوكِ. فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْعَبَّاسَةُ. وَحَمَلَتْ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّهِ فَقَالَ لَهَا. بِعْتِينِي وَاللَّهِ بِرَخِيصٍ. ثُمَّ إِنَّ وَالِدَهُ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ جَعَلَ يُضَيِّقُ عَلَى عِيَالِ الرَّشِيدِ فِي النَّفَقَةِ، حَتَّى شَكَتْهُ إِلَى الرَّشِيدِ زُبَيْدَةُ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَفْشَتْ لَهُ سِرَّ الْعَبَّاسَةِ، فَاسْتَشَاطَ غَضَبًا، وَلَمَّا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ الْوَلَدَ قَدْ أَرْسَلَتْ بِهِ إِلَى مَكَّةَ حَجَّ عَامَهُ ذَلِكَ حَتَّى تَحَقَّقَ الْأَمْرَ. وَيُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ الْجَوَارِي نَمَّتْ عَلَيْهَا إِلَى الرَّشِيدِ، وَأَخْبَرَتْهُ بِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ، وَأَنَّ الْوَلَدَ بِمَكَّةَ، وَعِنْدَهُ جَوَارٍ وَمَعَهُ أَمْوَالٌ وَحُلِيٌّ كَثِيرٌ، فَلَمْ يُصَدِّقْ حَتَّى حَجَّ فِي السَّنَةِ الْحَالِيَّةِ، فَكَشَفَ عَنِ الْحَالِ، فَإِذَا هُوَ كَمَا ذَكَرَتْ تِلْكَ الْجَارِيَةُ.
وَقَدْ حَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ الْوَزِيرُ، وَقَدِ اسْتَشْعَرَ الْغَضَبَ مِنَ الرَّشِيدِ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَعْبَةِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ يُرْضِيكَ عَنِّي سَلْبُ مَالِيَ وَوَلَدِي وَأَهْلِي فَافْعَلْ ذَلِكَ بِي، وَأَبْقِ عَلَيَّ مِنْهُمُ الْفَضْلَ. ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ رَجَعَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ وَالْفَضْلُ مَعَهُمْ، فَإِنِّي رَاضٍ بِرِضَاكَ عَنِّي وَلَا تَسْتَثْنِ مِنْهُمْ أَحَدًا.
فَلَمَّا قَفَلَ الرَّشِيدُ مِنَ الْحَجِّ صَارَ إِلَى الْحِيرَةِ، ثُمَّ رَكِبَ فِي السُّفُنِ إِلَى الْعُمْرِ مِنْ أَرْضِ الْأَنْبَارِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ سَلْخَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ أَرْسَلَ مَسْرُورًا الْخَادِمَ، وَمَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَالِمٍ أَبُو عِصْمَةَ فِي جَمَاعَةٍ
(13/641)

مِنَ الْجُنْدِ فَأَطَافُوا بِجَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى لَيْلًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَسْرُورٌ الْخَادِمُ، وَعِنْدَهُ بُخْتَيَشُوعُ الْمُتَطَبِّبُ، وَأَبُو زَكَّارٍ الْأَعْمَى الْمُغَنِّي الْكَلْوَذَانِيُّ، وَهُوَ فِي أَمْرِهِ، وَأَبُو زَكَّارٍ يُغَنِّيهِ:
فَلَا تَبْعَدْ فَكُلُّ فَتًى سَيَأْتِي ... عَلَيْهِ الْمَوْتُ يَطْرُقُ أَوْ يُغَادِي
فَقَالَ الْخَادِمُ لَهُ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، هَذَا الْمَوْتُ قَدْ طُرَقَكَ، أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَامَ إِلَيْهِ، فَقَبَّلَ قَدَمَيْهِ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ، أَنْ يَدْخُلَ إِلَى أَهْلِهِ، فَيُوصِيَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَمَّا الدُّخُولُ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، فَأَوْصَى جَعْفَرٌ وَأَعْتَقَ جَمَاعَةً مِنْ مَمَالِيكِهِ، وَجَاءَتْ رُسُلُ الرَّشِيدِ تَسْتَحِثُّ الْخَادِمَ، فَأَخْرَجَهُ إِخْرَاجًا عَنِيفًا يَقُودُهُ، حَتَّى أَتَى الْمَنْزِلَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الرَّشِيدُ فَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهُ بِقَيْدِ حِمَارٍ، وَأَعْلَمَ الرَّشِيدَ بِمَا كَانَ فَعَلَ، فَأَمَرَهُ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَجَاءَ إِلَى جَعْفَرٍ فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِرَأْسِكَ، فَقَالَ: يَا أَبَا هَاشِمٍ، لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَكْرَانُ، فَإِذَا صَحَا عَاتَبَكَ عَلَى ذَلِكَ، فَعَاوِدْهُ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَعَلَّكَ مَشْغُولٌ. فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ! ائْتِنِي بِرَأْسِهِ. فَكَرَّرَ عَلَيْهِ جَعْفَرٌ الْمُعَاوَدَةَ، فَقَالَ لَهُ: بَرِئْتُ مِنَ الْمَهْدِيِّ لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِرَأْسِهِ لَأَبْعَثَنَّ مَنْ يَأْتِينِي بِرَأْسِكَ وَرَأْسِهِ. فَرَجَعَ إِلَى جَعْفَرٍ، فَحَزَّ رَأْسَهُ، وَجَاءَ بِهِ إِلَى الرَّشِيدِ، فَأَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ الْبُرُدَ فِي الِاحْتِيَاطِ عَلَى الْبَرَامِكَةِ جَمِيعِهِمْ بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِسَبِيلٍ فَأُخِذُوا كُلُّهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَحَبَسَ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ فِي مَنْزِلِهِ، وَحَبَسَ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى فِي مَنْزِلٍ آخَرَ، وَأَخَذَ جَمِيعَ مَا كَانُوا يَمْلِكُونَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالْمَوَالِي، وَالْحَشَمِ، وَالْخَدَمِ، وَاحْتِيطَ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ، وَبَعَثَ الرَّشِيدُ بِرَأْسِ جَعْفَرٍ وَجُثَّتِهِ، ثُمَّ قُطِعَتْ بِاثْنَيْنِ، فَنُصِبَ الرَّأْسُ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَعْلَى، وَشِقُّ الْجُثَّةِ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَسْفَلِ، وَشِقُّهَا الْآخَرُ عِنْدَ الْجِسْرِ الْآخَرِ، ثُمَّ أُحْرِقَتْ بَعْدَ
(13/642)

ذَلِكَ، وَنُودِيَ فِي بَغْدَادَ أَنْ لَا أَمَانَ لِلْبَرَامِكَةِ وَلَا لِمَنْ آوَاهُمْ، إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَاهُ مِنْ بَيْنِ الْبَرَامِكَةِ لِنُصْحِهِ لِلْخَلِيفَةِ.
وَأَتَى الرَّشِيدُ بِأَنَسِ بْنِ أَبِي شَيْخٍ - وَكَانَ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَكَانَ مُصَاحِبًا لِجَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ - وَذَلِكَ لَيْلَةَ قُتِلَ جَعْفَرٌ، فَدَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كَلَامٌ، فَأَخْرَجَ الرَّشِيدُ سَيْفًا مِنْ تَحْتِ فِرَاشِهِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ بِهِ، وَجَعَلَ يَتَمَثَّلُ بِبَيْتٍ قِيلَ فِي أَنَسٍ قَبْلَ ذَلِكَ:
تَلَمَّظَ السَّيْفُ مِنْ شَوْقٍ إِلَى أَنَسٍ ... فَالسَّيْفُ يَلْحَظُ وَالْأَقْدَارُ تَنْتَظِرُ
فَضُرِبَتْ عُنُقُ أَنَسٍ، فَسَبَقَ السَّيْفُ الدَّمَ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُصْعَبٍ. فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ السَّيْفَ كَانَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ. وَشُحِنَتِ السُّجُونُ بِالْبَرَامِكَةِ، وَاسْتُلِبَتْ أَمْوَالُهُمْ كُلُّهَا.
وَقَدْ كَانَ الرَّشِيدُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَتَلَ فِي آخِرِهِ جَعْفَرًا، هُوَ وَإِيَّاهُ رَاكِبَيْنِ فِي الصَّيْدِ، وَقَدْ خَلَا بِهِ دُونَ وُلَاةِ الْعُهُودِ، وَطَيَّبَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْغَالِيَةِ بِيَدِهِ، وَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَوَدَّعَهُ الرَّشِيدُ، ضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ خَلْوَتِي بِالنِّسَاءِ مَا فَارَقْتُكَ، فَاذْهَبْ إِلَى مَنْزِلِكَ وَاشْرَبْ وَاطْرَبْ لِتَكُونَ عَلَى مِثْلِ حَالِي. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا أَشْتَهِي ذَلِكَ إِلَّا مَعَكَ. فَانْصَرَفَ عَنْهُ جَعْفَرٌ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ بَعْضُهُ حَتَّى أَوْقَعَ بِهِ مِنَ الْبَأْسِ وَالنَّكَالِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ السَّبْتِ آخَرَ لَيْلَةٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مُسْتَهَلُّ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ. وَكَانَ عُمْرُ جَعْفَرٍ إِذْ ذَاكَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَلَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ بِقَتْلِهِ قَالَ: قَتَلَ اللَّهُ ابْنَهُ. وَلَمَّا قِيلَ لَهُ:
(13/643)

قَدْ خُرِّبَتْ دَارُكَ. قَالَ: خَرَّبَ اللَّهُ دَوْرَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا نَظَرَ إِلَى دَارِهِ وَقَدْ هُتِكَتْ سُتُورُهَا، وَاسْتُبِيحَتْ قُصُورُهَا، وَانْتُهِبَ مَا فِيهَا، قَالَ: هَكَذَا تَقُومُ السَّاعَةُ.
وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يُعَزِّيهِ فِيمَا وَقَعَ، فَكَتَبَ جَوَابَ التَّعْزِيَةِ: أَنَا بِقَضَاءِ اللَّهِ رَاضٍ، وَبِالْخِيَارِ عَالِمٌ، وَلَا يُؤَاخِذُ اللَّهُ الْعِبَادَ إِلَّا بِذُنُوبِهِمْ، وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، وَمَا يَغْفِرُ اللَّهُ أَكْثَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مِنَ الْمَرَاثِي فِي الْبَرَامِكَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّقَاشِيِّ - وَيُذْكَرُ أَنَّهَا لِأَبِي نُوَاسٍ -:
أَلَانَ اسْتَرَحْنَا وَاسْتَرَاحَتْ رِكَابُنَا ... وَأَمْسَكَ مَنْ يُجْدِي وَمَنْ كَانَ يَجْتَدِي
فَقُلْ لِلْمَطَايَا قَدْ أَمِنْتِ مِنَ السُّرَى ... وَطَيِّ الْفَيَافِي فَدْفَدًا بَعْدَ فَدْفَدِ
وَقُلْ لِلْمَنَايَا قَدْ ظَفِرْتِ بِجَعْفَرٍ ... وَلَنْ تَظْفَرِي مِنْ بَعْدِهِ بَمُسَوَّدِ
وَقُلْ لِلْعَطَايَا بَعْدْ فَضْلٍ تَعَطَّلِي ... وَقُلْ لِلرَّزَايَا كُلَّ يَوْمٍ تَجَدَّدِي
وَدُونَكِ سَيْفًا بَرْمَكِيًّا مُهَنَّدًا ... أُصِيبَ بِسَيْفٍ هَاشِمِيٍّ مُهَنَّدِ
وَقَالَ الرَّقَاشِيُّ وَقَدْ نَظَرَ إِلَى جَعْفَرٍ وَهُوَ عَلَى جِذْعِهِ مَصْلُوبٌ:
أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا خَوْفُ وَاشٍ ... وَعَيْنٌ لِلْخَلِيفَةِ لَا تَنَامُ
لَطُفْنَا حَوْلِ جِذْعِكَ وَاسْتَلَمْنَا ... كَمَا لِلنَّاسِ بِالْحَجَرِ اسْتِلَامُ
فَمَا أَبْصَرْتُ قُبْلَكَ يَابْنَ يَحْيَى ... حُسَامًا فَلَّهُ السَّيْفُ الْحُسَامُ
عَلَى اللَّذَّاتِ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا ... وَدَوْلَةِ آلِ بَرْمَكٍ السَّلَامُ
(13/644)

قَالَ: فَاسْتَدْعَى بِهِ الرَّشِيدُ وَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! كَمْ كَانَ يُعْطِيكَ جَعْفَرٌ كُلَّ عَامٍ؟ قَالَ: أَلْفُ دِينَارٍ. فَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ.
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَمِّهِ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى وَقَفَتِ امْرَأَةٌ عَلَى حِمَارٍ فَارِهٍ، فَقَالَتْ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ: وَاللَّهِ لَئِنْ صِرْتَ الْيَوْمَ آيَةً فَلَقَدْ كُنْتَ فِي الْمَكَارِمِ غَايَةً. ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
وَلَمَّا رَأَيْتُ السَّيْفَ خَالَطَ جَعْفَرًا ... وَنَادَى مُنَادٍ لِلْخَلِيفَةِ فِي يَحْيَى
بَكَيْتُ عَلَى الدُّنْيَا وَأَيْقَنْتُ أَنَّمَا ... قُصَارَى الْفَتَى يَوْمًا مُفَارَقَةُ الدُّنْيَا
وَمَا هِيَ إِلَّا دَوْلَةٌ بَعْدَ دَوْلَةٍ ... تُخَوِّلُ ذَا نُعْمَى وَتُعْقِبُ ذَا بَلْوَى
إِذَا أَنْزَلَتْ هَذَا مَنَازِلَ رِفْعَةٍ ... مِنَ الْمُلْكِ حَطَّتْ ذَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى
قَالَ ثُمَّ حَرَّكَتْ حِمَارَهَا، فَذَهَبَتْ فَكَأَنَّهَا كَانَتْ رِيحًا لَا أَثَرَ لَهَا، وَلَا يُعْرَفُ أَيْنَ ذَهَبَتْ
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمُنْتَظَمِ " أَنَّ جَعْفَرًا كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: فَنْفَنَةُ. مُغَنِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الدُّنْيَا نَظِيرٌ، كَانَ مُشْتَرَاهَا عَلَيْهِ بِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْجَوَارِي مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَطَلَبَهَا مِنْهُ الرَّشِيدُ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَتَلَهُ الرَّشِيدُ اصْطَفَى تِلْكَ الْجَارِيَةَ، فَأَحْضَرَهَا لَيْلَةً فِي مَجْلِسِ شَرَابِهِ، وَعِنْدَهُ
(13/645)

جَمَاعَةٌ مِنْ جُلَسَائِهِ وَسُمَّارِهِ وَأَحْبَابِهِ، فَأَمَرَ مَنْ مَعَهَا أَنْ يُغَنِّينَ، فَانْدَفَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَغَنِّي، حَتَّى انْتَهَتِ النَّوْبَةُ إِلَى فَنْفَنَةَ، فَأَمَرَهَا بِالْغِنَاءِ، فَأَسْبَلَتْ دَمْعَهَا وَقَالَتْ: أَمَّا بَعْدَ السَّادَةِ فَلَا. فَغَضِبَ الرَّشِيدُ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَأَمَرَ بَعْضَ الْحَاضِرِينَ أَنْ يَأْخُذَهَا إِلَيْهِ فَقَدْ وَهَبَهَا لَهُ، ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَالَ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ: لَا تَطَأْهَا. فَفَهِمُوا أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ كَسْرَهَا. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْضَرَهَا، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهَا وَأَمَرَهَا بِالْغِنَاءِ، فَامْتَنَعَتْ وَأَرْسَلَتْ دُمُوعَهَا وَقَالَتْ: أَمَّا بَعْدَ السَّادَةِ فَلَا. فَغَضِبَ الرَّشِيدُ أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَالَ: النِّطْعُ وَالسَّيْفُ. وَجَاءَ السَّيَّافُ، فَوَقَفَ عَلَى رَأْسِهَا، وَقَالَ لَهُ: إِذَا أَمَرْتُكَ ثَلَاثًا وَعَقَدْتُ أَصَابِعِي ثَلَاثًا فَاضْرِبْ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: غَنِّي. فَبَكَتْ وَقَالَتْ: أَمَّا بَعْدَ السَّادَةِ فَلَا. فَعَقَدَ أُصْبَعَهُ الْخِنْصَرَ، ثُمَّ أَمَرَهَا الثَّانِيَةَ فَامْتَنَعَتْ، فَعَقَدَ اثْنَتَيْنِ، فَارْتَعَدَ الْحَاضِرُونَ، وَأَشْفَقُوا غَايَةَ الْإِشْفَاقِ، وَأَقْبَلُوا عَلَيْهَا يَسْأَلُونَهَا أَنْ لَا تَقْتَلَ نَفْسَهَا، وَأَنْ تُجِيبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا يُرِيدُ مِنْهَا. ثُمَّ أَمَرَهَا الثَّالِثَةَ، فَانْدَفَعَتْ تَغَنِّي:
لَمَّا رَأَيْتُ الدِّيَارَ قَدْ دَرَسَتْ ... أَيْقَنْتُ أَنَّ النَّعِيمَ لَمْ يَعُدْ
قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهَا الرَّشِيدُ، وَأَخَذَ الْعُودَ مِنْ يَدِهَا، وَأَقْبَلَ يَضْرِبُ بِهِ وَجْهَهَا، وَرَأْسَهَا حَتَّى تَكَسَّرَ، وَأَقْبَلَتِ الدِّمَاءُ، وَتَطَايَرْنَا مِنْ حَوْلِهَا، وَحُمِلَتِ الْجَارِيَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَمَاتَتْ بَعْدَ ثَلَاثٍ.
وَرُوِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ يَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَغْرَانِي بِالْبَرَامِكَةِ، فَمَا وَجَدْتُ
(13/646)

بَعْدَهُمْ لَذَّةً وَلَا رَاحَةً وَلَا رَخَاءً، وَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي شُوطِرْتُ نِصْفَ عُمْرِي وَمُلْكِي وَأَنِّي تَرَكْتُهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ.
وَحَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّ جَعْفَرًا اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَالْتَفَتَتْ إِلَى بَائِعِهَا وَقَالَتْ لَهُ: اذْكُرِ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنْ ثَمَنِي شَيْئًا. فَبَكَى سَيِّدُهَا وَقَالَ: اشْهَدُوا أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَأَنِّي قَدْ تَزَوَّجْتُهَا. فَقَالَ جَعْفَرٌ: اشْهَدُوا أَنَّ الثَّمَنَ لَهُ أَيْضًا.
قَالَ: وَكَتَبَ إِلَى نَائِبٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ; فَقَدْ كَثُرَ شَاكُوكَ، وَقَلَّ شَاكِرُوكَ، فَإِمَّا أَنْ تَعْدِلَ وَإِمَّا أَنْ تَعْتَزِلَ.
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنَ التَّلَطُّفِ فِي إِزَالَةِ هَمِّ الرَّشِيدِ وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ مُنَجِّمٌ يَهُودِيٌّ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَمُوتُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَحَمَلَ الرَّشِيدُ هَمًّا عَظِيمًا، فَدَخَلَ جَعْفَرٌ فَسَأَلَ: مَا الْخَبَرُ؟ فَأُخْبِرَ بِقَوْلِ الْيَهُودِيِّ لِلْخَلِيفَةِ: أَنَّهُ سَيَمُوتُ مِنْ عَامِهِ هَذَا، فَاسْتَدْعَى جَعْفَرٌ الْيَهُودِيَّ، فَقَالَ لَهُ: كَمْ وَجَدْتَ بَقِيَ لَكَ مِنَ الْعُمْرِ؟ فَذَكَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَأَقْبَلَ عَلَى الرَّشِيدِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْتُلْهُ حَتَّى تَعْلَمَ كَذِبَهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ مَوْتِكَ، كَمَا عَلِمْتَ كَذِبَهُ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْ عُمْرِهِ. فَأَمَرَ الرَّشِيدُ بِالْيَهُودِيِّ فَقُتِلَ، وَسُرِّيَ عَنِ الرَّشِيدِ هَمُّهُ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَبَعْدَ مَقْتَلِ الْبَرَامِكَةِ قَتَلَ الرَّشِيدُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ نَهِيكٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ
(13/647)

حَزِنَ عَلَى مَقْتَلِ الْبَرَامِكَةِ، وَلَاسِيَّمَا عَلَى جَعْفَرٍ، وَكَانَ يُكْثِرُ الْبُكَاءَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ حَيِّزِ الْبُكَاءِ إِلَى حَيِّزِ الِانْتِصَارِ لَهُمْ وَالْأَخْذِ بِثَأْرِهِمْ، وَكَانَ إِذَا شَرِبَ فِي مَنْزِلِهِ يَقُولُ لِجَارِيَتِهِ: ائْتِينِي بِسَيْفِي. فَيَسُلُّهُ ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ قَاتِلَهُ. فَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَخَشِيَ ابْنُهُ عُثْمَانُ أَنْ يَطَّلِعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَيُهْلِكُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَرَأَى أَنَّ أَبَاهُ لَا يَنْزِعُ عَنْ هَذَا، فَذَهَبَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ فَأَعْلَمَهُ، فَأَخْبَرَ الْفَضْلُ الْخَلِيفَةَ، فَاسْتَدْعَى بِهِ، فَاسْتَخْبَرَهُ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ؟ قَالَ: فَلَانٌ الْخَادِمُ. فَجَاءَ بِهِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: لَا يَحِلُّ لِي قَتْلُ أَمِيرٍ كَبِيرٍ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ غُلَامٍ وَخَصِيٍّ، لَعَلَّهُمَا قَدْ تَوَاصَيَا عَلَى ذَلِكَ. فَأَحْضُرُهُ الرَّشِيدُ مَعَهُ عَلَى الشَّرَابِ، ثُمَّ خَلَا بِهِ فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ، إِنَّ عِنْدِي سِرًّا أُحِبُّ أَنْ أُطْلِعَكَ عَلَيْهِ، قَدْ أَقْلَقَنِي فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ إِنِّي نَدِمْتُ عَلَى قَتْلِ الْبَرَامِكَةِ وَوَدِدْتُ أَنِّي قَدْ خَرَجْتُ مِنْ نِصْفِ مُلْكِي وَنُقِصْتُ نِصْفَ عُمْرِي وَلَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ بِهِمْ مَا فَعَلْتُ، فَإِنِّي لَمْ أَجِدْ بَعْدَهُمْ لَذَّةً وَلَا رَاحَةً، فَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ - يَعْنِي جَعْفَرًا، وَبَكَى - وَاللَّهِ يَا سَيِّدِي، لَقَدْ أَخْطَأْتَ فِي قَتْلِهِ. فَقَالَ لَهُ: قُمْ، لَعَنَكَ اللَّهُ. ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَسَلَّمَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَضِبَ الرَّشِيدُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ بِسَبَبِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخِلَافَةَ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ بِسَبَبِهِ أَيْضًا عَلَى الْبَرَامِكَةِ الَّذِينَ هُمْ فِي الْحُبُوسِ، وَسَجَنَهُ، فَلَمْ يَزَلْ فِي السِّجْنِ حَتَّى تُوُفِّيَ الرَّشِيدُ فَأَخْرَجَهُ الْأَمِينُ، وَعَقَدَ لَهُ عَلَى نِيَابَةِ الشَّامِ.
(13/648)

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَتِ الْعَصَبِيَّةُ أَيْضًا بِالشَّامِ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ وَالْيَمَانِيَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ مَنْصُورِ بْنِ زِيَادٍ فَأَصْلَحَ بَيْنِهِمْ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِالْمِصِّيصَةِ، فَانْهَدَمَ بَعْضُ سُورِهَا، وَنَضَبَ مَاؤُهُمْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ.
وَفِيهَا بَعَثَ الرَّشِيدُ وَلَدَهُ الْقَاسِمَ عَلَى الصَّائِفَةِ، وَجَعَلَهُ قُرْبَانًا وَوَسِيلَةً، وَوَلَّاهُ الْعَوَاصِمَ، فَسَارَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى افْتَدَوْا مِنْهُ بِخَلْقٍ مِنَ الْأَسَارَى يُطْلِقُونَهُمْ وَيَرْجِعُ عَنْهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا نَقَضَتِ الرُّومُ الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي كَانَ عَقَدَهُ الرَّشِيدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِينَى مَلِكَةِ الرُّومِ الْمُلَقَّبَةِ أُغُسْطَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّومَ عَزَلُوهَا عَنْهُمْ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمُ النَّقْفُورَ، وَكَانَ شُجَاعًا، يُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ آلِ جَفْنَةَ، وَإِنَّهُ قَبْلَ الْمُلْكِ كَانَ يَلِي دِيوَانَ الْخَرَاجِ، وَمَلَّكُوا نَقْفُورَ هَذَا عَلَيْهِمْ، فَخَلَعُوا رِينَى وَسَمَلُوا عَيْنَيْهَا، فَكَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ: مِنْ نَقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى هَارُونَ مَلِكِ الْعَرَبِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَلِكَةَ الَّتِي كَانَتْ قَبِلُ أَقَامَتْكَ مُقَامِ الرُّخِّ، وَأَقَامَتْ نَفْسَهَا مُقَامِ الْبَيْدَقِ، فَحَمَلَتْ إِلَيْكَ مِنْ أَمْوَالِهَا مَا كُنْتَ حَقِيقًا بِحَمْلِ أَمْثَالِهِ إِلَيْهَا،
(13/649)

وَلَكِنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَعْفِ النِّسَاءِ وَحُمْقِهِنَّ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَارْدُدْ مَا حَصَلَ لَكَ مِنْ أَمْوَالِهَا، وَافْتَدِ نَفْسَكَ، وَإِلَّا فَالسَّيْفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ. فَلَمَّا قَرَأَ الرَّشِيدُ الْكِتَابَ اسْتَفَزَّهُ الْغَضَبُ، حَتَّى لَمْ يُمْكِنْ أَحَدًا أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يُخَاطِبَهُ، وَتَفَرَّقَ جُلَسَاؤُهُ خَوْفًا مِنْهُ، وَاسْتَدْعَى بِدَوَاةٍ وَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ الْكِتَابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نَقْفُورَ كَلْبِ الرُّومِ، قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ يَا ابْنَ الْكَافِرَةِ، وَالْجَوَابُ مَا تَرَاهُ دُونَ مَا تَسْمَعُهُ، وَالسَّلَامُ. ثُمَّ شَخَصَ مِنْ يَوْمِهِ حَتَّى أَقَامَ بِبَابِ هَرْقَلَةَ، فَفَتَحَهَا وَاصْطَفَى ابْنَةَ مَلِكِهَا، وَغَنِمَ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَخَرَّبَ وَأَحْرَقَ، وَاصْطَلَمَ، فَطَلَبَ نَقْفُورُ مِنْهُ الْمُوَادَعَةَ عَلَى خَرَاجٍ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَأَجَابَهُ الرَّشِيدُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَتِهِ وَصَارَ بِالرِّقَّةِ، نَقَضَ الْكَافِرُ الْعَهْدَ، وَخَانَ الْمِيثَاقَ، وَكَانَ الْبَرْدُ قَدِ اشْتَدَّ جِدًّا، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى إِخْبَارِ الرَّشِيدِ بِذَلِكَ; لِخَوْفِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَيْهِ، حَتَّى يَنْفَصِلَ الشِّتَاءُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ.
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ أَبُو الْفَضْلِ الْبَرْمَكِيُّ الْوَزِيرُ ابْنُ
(13/650)

الْوَزِيرِ، وَقَدْ وَلَّاهُ الرَّشِيدُ الشَّامَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ الرَّشِيدَ بَعَثَهُ إِلَى دِمَشْقَ لَمَّا ثَارَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنِ الْعِشْرَيْنِ بَحُورَانَ بَيْنَ قَيْسٍ وَيَمَنٍ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا أَنْشَئُوهُ فِي الْإِسْلَامِ، كَانَ خَامِدًا فَأَثَارُوهُ فِي هَذَا الْأَوَانِ، فَلِمَا قَدِمَ جَعْفَرٌ بِجَيْشِهِ خَمَدَتِ الشُّرُورُ وَظَهَرَ السُّرُورُ، وَقِيلَتْ فِي ذَلِكَ أَشْعَارٌ حِسَانٌ قَدْ ذَكَرَهَا فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ " تَارِيخِهِ " فَمِنْهَا:
لَقَدْ أُوقِدَتْ فِي الشَّامِ نِيرَانُ فِتْنَةٍ ... فَهَذَا أَوَانُ الشَّامِ تُخْمَدُ نَارُهَا
إِذَا جَاشَ مَوْجُ الْبَحْرِ مِنْ آلِ بَرْمَكٍ ... عَلَيْهَا خَبَتْ شُهْبَانُهَا وَشِرَارُهَا
رَمَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِجَعْفَرٍ ... وَفِيهِ تَلَاقَى صَدْعُهَا وَانْجِبَارُهَا
رَمَاهَا بِمَيْمُونِ النَّقِيبَةِ مَاجِدٍ ... تَرَاضَى بِهِ قَحْطَانُهَا وَنِزَارُهَا
هُوَ الْمَلِكُ الْمَأْمُولُ لِلَّبِرِّ وَالتُّقَى ... وَصَوْلَاتُهُ لَا يُسْتَطَاعُ خِطَارُهَا
وَزِيرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَسَيْفُهُ ... وَمُدْيَتُهُ وَالْحَرْبُ تَدْمَى شِفَارُهَا
وَمَنْ تُطْوَ أَسْرَارُ الْخَلِيفَةِ دُونَهُ ... فَعِنْدَكَ مَأْوَاهَا وَأَنْتَ قَرَارُهَا
إِذَا مَا ابْنُ يَحْيَى جَعْفَرٌ قَصَدَتْ لَهُ ... مُلِمَّاتُ خَطْبٍ لَمْ تَرُعْهُ كِبَارُهَا
لَقَدْ نَشَأَتْ بِالشَّامِ مِنْكَ غَمَامَةٌ ... يُؤْمَلُ جَدْوَاهَا وَيُخْشَى دَمَارُهَا
وَهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ، اقْتَصَرْنَا مِنْهَا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، وَكَانَتْ لَهُ فَصَاحَةٌ وَبَلَاغَةٌ وَكَرَمٌ زَائِدٌ، كَانَ أَبُوهُ قَدْ ضَمَّهُ إِلَى الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ، فَتَفَقَّهُ عَلَيْهِ،
(13/651)

وَصَارَ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِالرَّشِيدِ، وَقَدْ وَقَّعَ لَيْلَةً بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ زِيَادَةً عَلَى أَلْفِ تَوْقِيعٍ فَلَمْ يَخْرُجْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عَنْ مُوجَبِ الْفِقْهِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْكَاتِبِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ هِشَامٍ الْكَاتِبِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ كَاتِبِ عُثْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كَاتِبِ الْوَحْيِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا كَتَبْتَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَبَيِّنِ السِّينَ فِيهِ» . رَوَاهُ الْخَطِيبُ وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْقَاسِمِ الْكَعْبِيِّ الْمُتَكَلِّمِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ - وَقَدْ كَانَ كَاتِبًا لِمُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، عَنْ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ رُزَيْقٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ ذِى الرِّيَاسَتَيْنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بِهِ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ الْجَاحِظُ: قَالَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى لِلرَّشِيدِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ لِي أَبِي يَحْيَى: إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ فَأَعْطِ ; فَإِنَّهَا لَا تَفْنَى، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْكَ فَأَعْطِ ; فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى. قَالَ جَعْفَرٌ: وَأَنْشَدَنَا أَبِي:
لَا تَبْخَلَنَّ لِدُنْيَا وَهْيَ مُقْبِلَةٌ ... فَلَيْسَ يَنْقُصُهَا التَّبْذِيرُ وَالسَّرَفُ
فَإِنْ تَوَلَّتْ فَأَحْرَى أَنْ تَجُودَ بِهَا ... فَالْحَمْدُ مِنْهَا إِذَا مَا أَدْبَرَتْ خَلَفُ
(13/652)

قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: وَقَدْ كَانَ جَعْفَرٌ مِنْ عُلُوِّ الْقَدْرِ وَنَفَاذِ الْأَمْرِ وَعِظَمِ الْمَحَلِّ وَجَلَالَةِ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الرَّشِيدِ بِحَالَةٍ انْفَرَدَ بِهَا، وَلَمْ يُشَارَكْ فِيهَا، وَكَانَ سَمْحَ الْأَخْلَاقِ، طَلْقَ الْوَجْهِ، ظَاهِرَ الْبِشْرِ. فَأَمَّا جُودُهُ وَسَخَاؤُهُ وَبَذْلُهُ وَعَطَاؤُهُ فَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ وَأَبْيَنُ مِنْ أَنْ يَظْهَرَ، وَكَانَ أَيْضًا مِنْ ذَوِي الْفَصَاحَةِ الْمَذْكُورِينَ وَالْبَلَاغَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ مُهَذَّبٍ حَاجِبِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، صَاحِبِ قَطِيعَةِ الْعَبَّاسِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ، أَنَّهُ أَصَابَتْهُ ضَائِقَةٌ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْمُطَالِبُونَ، وَعِنْدَهُ سَفَطٌ فِيهِ جَوْهَرٌ شِرَاؤُهُ عَلَيْهِ أَلْفُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَحَمَلَهُ إِلَى جَعْفَرٍ لِيَبِيعَهُ مِنْهُ، فَاشْتَرَاهُ بِثَمَنِهِ وَوَزَنَ لَهُ أَلْفَ أَلْفٍ، وَقَبَضَ مِنْهُ السَّفَطَ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِذَا السَّفَطُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَيْهِ لِيَشْكُرَهُ، فَوَجَدَهُ مَعَ أَخِيهِ الْفَضْلِ عَلَى بَابِ الرَّشِيدِ يَسْتَأْذِنَانِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: إِنِّي قَدْ ذَكَرْتُ أَمْرَكَ لِلْفَضْلِ، وَقَدْ أَمَرَ لَكَ بِأَلْفِ أَلْفٍ، وَمَا أَظُنُّهَا إِلَّا قَدْ سَبَقَتْكَ إِلَى أَهْلِكَ، وَسَأُفَاوِضُ فِيكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا دَخَلَ ذَكَرَ أَمْرَهُ وَمَا لَحِقَهُ مِنَ الدُّيُونِ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَكَانَ جَعْفَرٌ لَيْلَةً فِي سَمَرِهِ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَتِ الْخُنْفُسَاءُ، حَتَّى رَكِبَتْ ثِيَابَ الرَّجُلِ، فَأَلْقَاهَا عَنْهُ جَعْفَرٌ. وَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: إِنَّ مَنْ
(13/653)

قَصَدَتْهُ الْخُنْفُسَاءُ يُبَشَّرُ بِمَالٍ يُصِيبُهُ. فَأَمَرَ لَهُ جَعْفَرٌ بِأَلْفِ دِينَارٍ. ثُمَّ عَادَتِ الْخُنْفُسَاءُ، فَرَجَعَتْ إِلَى الرَّجُلِ، فَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ أُخْرَى.
وَحَجَّ مَرَّةً مَعَ الرَّشِيدِ، فَلَمَّا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: انْظُرْ جَارِيَةً أَشْتَرِيهَا تَكُونُ فَائِقَةً فِي جَمَالِهَا وَغِنَائِهَا وَذَكَائِهَا. فَفَتَّشَ الرَّجُلُ فَوَجَدَ جَارِيَةً عَلَى النَّعْتِ، فَطَلَبَ سَيِّدُهَا فِيهَا مَالًا كَثِيرًا عَلَى أَنْ يَرَاهَا جَعْفَرٌ، فَذَهَبَ جَعْفَرٌ إِلَى مَنْزِلِ سَيِّدِهَا، فَلَمَّا رَآهَا أُعْجِبَ بِهَا، فَلَمَّا غَنَّتْهُ أَعْجَبَتْهُ أَكْثَرَ، فَسَاوَمَ صَاحِبَهَا فِيهَا، وَقَالَ: قَدْ أَحْضَرْنَا مَالًا فَإِنْ أَعْجَبَكَ وَإِلَّا زِدْنَاكَ. فَقَالَ لَهَا سَيِّدُهَا: إِنِّي كُنْتُ فِي نِعْمَةٍ، وَكُنْتِ عِنْدِي فِي غَايَةِ السُّرُورِ وَالسِّعَةِ، وَإِنَّهُ قَدِ انْقَبَضَ عَلَيَّ حَالِي، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَبِيعَكَ لِهَذَا الْمَلِكِ، لِتَكُونِي عِنْدَهُ كَمَا كُنْتِ عِنْدِي. فَقَالَتْ: يَا سَيِّدِي، وَاللَّهِ لَوْ مَلَكْتُ مِنْكَ مَا مَلَكْتَ مِنِّي لَمْ أَبِعْكَ بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَأَيْنَ مَا كُنْتَ عَاهَدْتَنِي أَنْ لَا تَبِيعَنِي، وَلَا تَأْكُلَ ثَمَنِي؟! فَقَالَ سَيِّدُهَا لِجَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّهَا حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنِّي قَدْ تَزَوَّجْتُهَا. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ نَهَضَ جَعْفَرٌ، وَقَامَ أَصْحَابُهُ، وَأَمَرُوا الْحَمَّالَ أَنْ يَحْمِلَ الدَّرَاهِمَ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: وَاللَّهِ لَا تَتْبَعُنِي. وَقَالَ لِلرَّجُلِ: قَدْ مَلَّكْتُكَهَا. فَأَنْفِقْهَا عَلَى أَهْلِكَ. وَذَهَبَ وَتَرَكَهُ.
هَذَا وَقَدْ كَانَ يُبَخَّلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَخِيهِ الْفَضْلِ، إِلَّا أَنَّ الْفَضْلَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ مَالًا.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ بِسَنَدِهِ أَنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ وَجَدُوا لَهُ فِي جَرَّةٍ أَلْفَ دِينَارٍ، زِنَةُ كُلِّ دِينَارٍ مِائَةُ دِينَارٍ، مَكْتُوبٌ عَلَى صَفْحَةِ الدِّينَارِ
(13/654)

الْوَاحِدَةُ جَعْفَرٌ، وَالْأُخْرَى:
وَأَصْفَرَ مِنْ ضَرْبِ دَارِ الْمُلُوكِ ... يَلُوحُ عَلَى وَجْهِهِ جَعْفَرُ
يَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَاحِدًا ... مَتَى تُعْطِهِ مُعْسِرًا يُوسِرُ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الرَّاوِيَةُ: كَتَبَتْ عِنَانُ جَارِيَةُ النَّاطِفِيِّ إِلَى جَعْفَرٍ تَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لِأَبِيهِ يَحْيَى أَنْ يُشِيرَ عَلَى الرَّشِيدِ بِشِرَائِهَا، وَكَتَبَتْ إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ مِنْ شَعْرِهَا فِي جَعْفَرٍ:
يَا لَائِمِي جَهْلًا أَلَا تُقْصِرُ ... مَنْ ذَا عَلَى حَرِّ الْهَوَى يَصْبِرُ
لَا تَلْحَنِي إِذَا شَرِبْتُ الْهَوَى ... صَرْفًا فَمَمْزُوجُ الْهَوَى سُكْرُ
أَحَاطَ بِيَ الْحُبُّ فَخَلْفِي لَهُ ... بَحْرٌ وَقُدَّامِي لَهُ أَبْحُرُ
تُخْفِقُ رَايَاتِ الْهَوَى بِالرَّدَى ... فَوْقِي وَحَوْلِي لِلْهَوَى عَسْكَرُ
سِيَّانَ عِنْدِي فِي الْهَوَى لَائِمٌ ... أَقَلَّ فِيهِ وَالَّذِي يَكْثُرُ
أَنْتَ الْمُصَفَّى مِنْ بَنِي بَرْمَكٍ ... يَا جَعْفَرَ الْخَيْرَاتِ يَا جَعْفَرُ
لَا يَبْلُغُ الْوَاصِفُ فِي وَصْفِهِ ... مَا فِيكَ مِنْ فَضْلٍ وَلَا يَعْشُرُ
مَنْ وَفَّرَ الْمَالَ بِأَعْرَاضِهِ ... فَجَعْفَرٌ أَعْرَاضُهُ أَوْفَرُ
دِيبَاجَةُ الْمُلْكِ عَلَى وَجْهِهِ ... وَفِي يَدَيْهِ الْعَارِضُ الْمُمْطِرُ
سَحَّتْ عَلَيْنَا مِنْهُمَا دِيمَةٌ ... يَنْهَلُّ مِنْهَا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ
لَوْ مَسَحَتْ كَفَّاهُ جُلْمُودَةً ... أَنْضَرَ فِيهَا الْوَرَقُ الْأَخْضَرُ
لَا يَسْتَتِمُّ الْمَجْدُ إِلَّا فَتًى ... يَصْبِرُ لِلْبَذْلِ كَمَا يَصْبِرُ
(13/655)

يَهْتَزُّ تَاجُ الْمُلْكِ مِنْ فَوْقِهِ
فَخْرًا وَيُزْهِي تَحْتَهُ الْمِنْبَرُ ... أَشْبَهَهُ الْبَدْرُ إِذَا مَا بَدَا
أَوْ غُرَّةٌ فِي وَجْهِهِ تُزْهِرُ ... وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَبَدْرُ الدُّجْى
فِي وَجْهِهِ أَمْ وَجْهُهُ أَنْوَرُ ... يَسْتَمْطِرُ الزُّوَّارُ مِنْكَ النَّدَى
وَأَنْتَ بِالزُّوَّارِ تَسْتَبْشِرُ
وَكَتَبَتْ تَحْتَ أَبْيَاتِهَا حَاجَتَهَا، فَرَكِبَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى أَبِيهِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِشِرَائِهَا، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَشْتَرِيهَا وَقَدْ قَالَ فِيهَا الشُّعَرَاءُ فَأَكْثَرُوا، وَاشْتَهَرَ أَمْرُهَا، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا أَبُو نُوَاسٍ:
إِنَّ عِنَانَ النِّطَافَ جَارِيَةٌ ... أَصْبَحَ حِرُّهَا لِلنَّيْكِ مَيْدَانَا
لَا يَشْتَرِيهَا إِلَّا ابْنُ زَانِيَةٍ ... أَوْ قَلْطَبَانٌ يَكُونُ مَنْ كَانَا
وَعَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَشْرَسَ قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً مَعَ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَانْتَبَهَ مِنْ مَنَامِهِ يَبْكِي مَذْعُورًا، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ شَيْخًا جَاءَ فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيْ هَذَا الْبَابِ وَقَالَ:
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
قَالَ فَأَجَبْتُهُ:
(13/656)

بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا ... صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ
قَالَ ثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ: فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الْمُقْبِلَةُ قَتَلَهُ الرَّشِيدُ، وَنَصَبَ رَأَّسَهُ عَلَى الْجِسْرِ، ثُمَّ خَرَجَ الرَّشِيدُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَتَأَمَّلَهُ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
تَقَاضَاكَ دَهْرُكَ مَا أَسْلَفَا ... وَكَدَّرَ عَيْشَكَ بَعْدَ الصَّفَا
فَلَا تَعْجَبَنَّ فَإِنَّ الزَّمَانَ ... رَهِينٌ بِتَفْرِيقِ مَا أَلَّفَا
قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى جَعْفَرٍ، وَقُلْتُ: أَمَا لَئِنْ أَصْبَحْتَ آيَةً، فَلَقَدْ كُنْتُ فِي الْخَيْرِ غَايَةً. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ الرَّشِيدُ كَأَنَّهُ جَمَلٌ صَئُولٌ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
مَا يُعْجِبُ الْعَالَمَ مِنْ جَعْفَرٍ ... مَا عَايَنُوهُ فَبِنَا كَانَا
مَنْ جَعْفَرٌ أَوْ مَنْ أَبُوهُ وَمَنْ ... كَانَتْ بَنُو بَرْمَكٍ لَوْلَانَا
ثُمَّ حَوَّلَ وَجْهَ فَرَسِهِ وَانْصَرَفَ.
وَقَدْ كَانَ مَقْتَلُ جَعْفَرٍ فِي لَيْلَةِ السَّبْتِ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ لَهُمْ فِي الْوِزَارَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَدْ دَخَلَتْ عُبَادَةُ أُمُّ جَعْفَرٍ عَلَى أُنَاسٍ فِي يَوْمِ عِيدِ أَضْحَى تَسْتَمْنِحُ مِنْهُمْ جِلْدَ شَاةٍ تَتَدَفَّأُ بِهِ، وَسَأَلُوهَا عَنْ أَمْرِهِمْ: فَقَالَتْ: أَذْكُرُ أَصْبَحْتُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ وَإِنَّ عَلَى رَأْسِي أَرْبَعَمِائَةِ وَصِيفَةٍ، وَإِنِّي لَأَقُولُ: إِنَّ ابْنِي جَعْفَرًا عَاقٌّ بِي.
(13/657)

وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ الرَّشِيدِ جَعْفَرًا، وَمَا أَحَلَّ بِالْبَرَامِكَةِ مِنَ النِّقْمَةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ جَعْفَرًا كَانَ قَدْ كَفَانِي مَئُونَةَ الدُّنْيَا فَاكْفِهِ مَئُونَةَ الْآخِرَةِ.

[حِكَايَةٌ غَرِيبَةٌ]
ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمُنْتَظَمِ " أَنَّ الْمَأْمُونَ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ إِلَى قُبُورِ الْبَرَامِكَةِ فَيَبْكِي عَلَيْهِمْ وَيَنْدُبُهُمْ، فَبَعَثَ مَنْ جَاءَهُ بِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَدْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! مَا يَحْمِلُكَ عَلَى صَنِيعِكَ هَذَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُمْ أَسْدَوْا إِلَى مَعْرُوفًا وَخَيْرًا كَثِيرًا، وَلِي خَبَرٌ طَوِيلٌ. فَقَالَ: قُلْ. قَالَ: أَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، كُنْتُ فِي نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ، فَزَالَتْ عَنِّي حَتَّى أَفْضَى بِي الْحَالُ إِلَى أَنْ بِعْتُ دَارِي، وَلَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ فَأَشَارَ بَعْضُ أَصْحَابِي عَلَيَّ بِقَصْدِ الْبَرَامِكَةِ فَأَتَيْتُ بَغْدَادَ وَمَعِي نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ امْرَأَةً وَصَبِيًّا، فَأَنْزَلْتُهُنَّ فِي مَسْجِدٍ ثُمَّ قَصَدْتُ مَسْجِدًا أَصْلِيُّ فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ جَمَاعَةٌ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهُمْ، فَجَلَسْتُ
(13/658)

إِلَيْهِمْ، فَجَعَلْتُ أُدِيرُ فِي نَفْسِي كَلَامًا أَطْلُبُ بِهِ مِنْهُمْ قُوتًا لِلْعِيَالِ، فَيَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ ذُلُّ السُّؤَالِ، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا بِخَادِمٍ قَدْ أَقْبَلَ فَاسْتَدْعَاهُمْ، فَقَامُوا كُلُّهُمْ وَقُمْتُ مَعَهُمْ، فَدَخَلُوا دَارًا عَظِيمَةً، فَإِذَا الْوَزِيرُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ فِيهَا، فَجَلَسُوا حَوْلَهُ، فَعَقَدَ عَقْدَ ابْنَتِهِ عَائِشَةَ عَلَى ابْنِ عَمٍّ لَهُ، وَنَثَرُوا عَلَيْنَا سَحِيقَ الْمِسْكِ وَبَنَادِقَ الْعَنْبَرِ، ثُمَّ جَاءَتِ الْخَدَمُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ بِصِينِيَّةٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهَا أَلْفُ دِينَارٍ، وَمَعَهَا فُتَاتُ الْمِسْكِ، فَأَخَذَهَا الْقَوْمُ وَنَهَضُوا، وَبَقِيَتْ بَيْنَ يَدَيَّ الصِّينِيَّةُ الَّتِي وَضَعُوهَا لِي، وَأَنَا أَهَابُ أَنْ آخُذَهَا مِنْ عَظَمَتِهَا عِنْدِي، فَقَالَ لِي بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: أَلَّا تَأْخُذُهَا وَتَقُومُ؟ فَمَدَدْتُ يَدِي، فَأَخَذْتُهَا فَأَفْرَغْتُ ذَهَبَهَا فِي جَيْبِي وَأَخَذْتُ الصِّينِيَّةَ تَحْتَ إِبِطِي وَقُمْتُ وَأَنَا خَائِفٌ أَنْ تُؤْخَذَ مِنِّي، فَجَعَلْتُ أَتَلَفَّتُ وَالْوَزِيرُ يَنْظُرُ إِلَيَّ وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، فَلَمَّا بَلَغْتُ السِّتَارَةَ أَمَرَهُمْ فَرَدُّونِي، فَيَئِسْتُ مِنَ الْمَالِ، فَلَمَّا رَجَعْتُ قَالَ لِي: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ خَبَرِي، فَبَكَى ثُمَّ قَالَ لِأَوْلَادِهِ: خُذُوا هَذَا فَضَمُّوهُ إِلَيْكُمْ. فَجَاءَنِي خَادِمٌ، فَأَخَذَ مِنِّي الذَّهَبَ وَالصِّينِيَّةَ، وَأَقَمْتُ عِنْدَهُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ وَلَدٍ إِلَى وَلَدٍ وَخَاطِرِي كُلُّهُ عِنْدَ عِيَالِي، وَلَا يُمْكِنُنِي الِانْصِرَافُ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الْعَشْرَةُ جَاءَنِي خَادِمٌ فَقَالَ: أَلَا تَذْهَبُ إِلَى أَهْلِكَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ. فَقَامَ يَمْشِي أَمَامِي وَلَمْ يُعْطِنِي الذَّهَبَ، فَقُلْتُ: يَا لَيْتَ هَذَا كَانَ قَبْلَ هَذَا. فَسَارَ يَمْشِي أَمَامِي إِلَى دَارٍ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهَا، فَإِذَا
(13/659)

عِيَالِي يَتَمَرَّغُونَ فِي الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ فِيهَا، وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ، وَكِتَابٌ فِيهِ تَمْلِيكُ الدَّارِ بِمَا فِيهَا، وَبِقَرْيَتَيْنِ جَلِيلَتَيْنِ لَهُمْ، فَكُنْتُ مَعَ الْبَرَامِكَةِ فِي أَطْيَبِ عَيْشٍ، فَلَمَّا أُصِيبُوا أَخَذَ مِنِّي عَمْرُو بْنُ مَسْعَدَةَ الْقَرْيَتَيْنِ، وَأَلْزَمَنِي بِخَرَاجِهِمَا، فَكُلَّمَا لَحِقَتْنِي فَاقَةٌ قَصَدْتُ دَوْرَهُمْ وَقُبُورَهُمْ فَبَكَيْتُ عَلَيْهِمْ. فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِرَدِّ الْقَرْيَتَيْنِ عَلَيْهِ وَخَرَاجِهِمَا. فَبَكَى الشَّيْخُ بُكَاءً شَدِيدًا، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: أَلَمْ أَسْتَأْنِفْ بِكَ جَمِيلًا؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ هُوَ مِنْ بَرَكَةِ الْبَرَامِكَةِ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: امْضِ مُصَاحَبًا فَإِنَّ الْوَفَاءَ مُبَارَكٌ، وَحُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ.

[وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ،
أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْعُبَّادِ، وَعَلَمُ الزُّهَّادِ، وَوَاحِدُ الْعُلَمَاءِ الْأَوْلِيَاءِ، وُلِدَ بِخُرَاسَانَ بِكَوْرَةِ أَبِيوَرْدَ، وَقَدِمَ الْكُوفَةَ وَهُوَ كَبِيرٌ، فَسَمِعَ الْأَعْمَشَ، وَمَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ وَعَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ، وَحُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَغَيْرَهُمْ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَتَعَبَّدَ بِهَا، وَكَانَ حَسَنَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَكَانَ سَيِّدًا كَبِيرَ الشَّأْنِ، ثِقَةً مِنْ أَئِمَّةِ الرِّوَايَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَرَضِيَ عَنْهُ، وَلَهُ مَعَ الرَّشِيدِ قِصَّةُ مَوْعِظَتِهِ لَهُ، وَقَدْ رُوِّينَا ذَلِكَ
(13/660)

مُطَوَّلًا فِي كَيْفِيَّةِ دُخُولِ الرَّشِيدِ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ، وَمَا قَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ، وَعَرْضِ الرَّشِيدِ عَلَيْهِ الْمَالَ، فَأَبَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ فِي هَذَا الْعَامِ، فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهُ.
وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ شَاطِرًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَكَانَ يَتَعَشَّقُ جَارِيَةً، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهَا جِدَارًا إِذْ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16] . فَقَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. وَأَقْلَعَ عَمَّا هُوَ فِيهِ، وَرَجَعَ إِلَى خَرِبَةٍ، فَبَاتَ بِهَا فَسَمِعَ سِفَارًا يَقُولُونَ: إِنَّ فُضَيْلًا أَمَامَكُمْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ. فَأَمَّنَهُمْ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَوْبَتِهِ، حَتَّى كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ مِنَ السِّيَادَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ، ثُمَّ صَارَ عَلَمًا يُقْتَدَى بِهِ وَيُهْتَدَى بِكَلَامِهِ وَفِعَالِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. قَالَ الْفُضَيْلُ: لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا حَلَالٌ لَا أُحَاسَبُ بِهَا، لَكُنْتُ أَتَقَذَّرُهَا كَمَا يَتَقَذَّرُ أَحَدُكُمُ الْجِيفَةَ إِذَا مَرَّ بِهَا أَنْ تُصِيبُ ثَوْبَهُ.
وَقَالَ: الْعَمَلُ لِأَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَتَرْكُ الْعَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْهُمَا.
(13/661)

وَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ يَوْمًا: مَا أَزْهَدَكَ! فَقَالَ: أَنْتَ أَزْهَدُ مِنِّي ; لِأَنِّي زَهِدْتُ فِي الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَأَنْتَ زَهِدْتَ فِي الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ.
وَمِنْ كَلَامِهِ: لَوْ أَنَّ لِي دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً لَدَعَوْتُ بِهَا لِإِمَامِ عَامَّةٍ ; فَإِنَّهُ إِذَا صَلَحَ أَمِنَتِ الْبِلَادُ وَالْعِبَادُ.
وَقَالَ: إِنِّي لَأَعْصِي اللَّهَ فَأَعْرِفُ ذَلِكَ فِي خُلِقِ حِمَارِي وَخَادِمِي.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] . قَالَ: يَعْنِي أَخْلَصَهُ وَأَصْوَبَهُ ;إِنَّ الْعَمَلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ، وَصَوَابًا عَلَى مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
(13/662)

مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الْعَمِّيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْأَمِيرُ بِبِلَادِ الرُّومِ مَعَ الْقَاسِمِ ابْنِ الرَّشِيدِ فِي الصَّائِفَةِ، وَمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَأَبُو شُعَيْبٍ الْبَرَاثِيُّ الزَّاهِدُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَكَنَ بَرَاثَا فِي كُوخٍ لَهُ يَتَعَبَّدُ فِيهِ، فَهَوِيَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ الرُّؤَسَاءِ، فَانْخَلَعَتْ مِمَّا كَانَتْ فِيهِ مِنَ السَّعَادَةِ وَالْحِشْمَةِ، وَتَزَوَّجَتْهُ وَأَقَامَتْ مَعَهُ يَتَعَبَّدَانِ فِي ذَلِكَ الْكُوخِ حَتَّى مَاتَا، رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَيُقَالُ إِنَّ اسْمَهَا جَوْهَرَةُ.
(13/663)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا غَزَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جِبْرِيلَ الصَّائِفَةَ، فَدَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ مِنْ دَرْبِ الصَّفْصَافِ، فَخَرَجَ النَّقْفُورُ لِلِقَائِةِ، فَجُرِحَ النَّقْفُورُ ثَلَاثَ جِرَاحَاتٍ، وَانْهَزَمَ وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَغَنِمُوا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ دَابَّةٍ.
وَفِيهَا رَابَطَ الْقَاسِمُ ابْنُ الرَّشِيدِ بِمَرْجِ دَابِقٍ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ، وَكَانَتْ آخِرَ حَجَّاتِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ حِينَ رَأَى الرَّشِيدَ مُنْصَرِفًا مِنَ الْحَجِّ، وَقَدِ اجْتَازَ بِالْكُوفَةِ: لَا يَحُجُّ الرَّشِيدُ بَعْدَهَا، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَهُ خَلِيفَةٌ أَبَدًا.
وَقَدْ لَقِيَهُ بُهْلُولٌ الْمُوَلَّهُ الْعَاقِلُ فَوَعَظَهُ مَوْعِظَةً حَسَنَةً، فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ الْحَاجِبِ قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ الرَّشِيدِ فَمَرَرْنَا بِالْكُوفَةِ، فَإِذَا بُهْلُولٌ الْمَجْنُونُ يَهْذِي، فَقُلْتُ: اسْكُتْ، فَقَدْ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَسَكَتَ، فَلَمَّا حَاذَاهُ الْهَوْدَجُ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَدَّثَنِي أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، ثَنَا قُدَامَةُ بْنُ
(13/664)

عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنَى عَلَى جَمَلٍ وَتَحْتَهٌ رَحْلٌ رَثٌّ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ طَرْدٌ وَلَا ضَرْبٌ وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ» . فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ بُهْلُولٌ الْمَجْنُونُ. فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُهُ، قُلْ يَا بُهْلُولُ. فَقَالَ:
فَهَبْ أَنْ قَدْ مَلَكْتَ الْأَرْضَ طُرًّا ... وَدَانَ لَكَ الْعِبَادُ فَكَانَ مَاذَا
أَلَيْسَ غَدًا مُصِيرُكَ جَوْفَ قَبْرِ ... وَيَحْثُو عَلَيْكَ التُّرْبَ هَذَا ثُمَّ هَذَا
قَالَ: أَجَدْتَ يَا بُهْلُولُ، أَفَغَيْرُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ جَمَالًا وَمَالًا ; فَعَفَّ فِي جَمَالِهِ، وَوَاسَى فِي مَالِهِ، كُتِبَ فِي دِيوَانِ الْأَبْرَارِ. قَالَ: فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ شَيْئًا، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ أَمَرْنَا بِقَضَاءِ دَيْنِكَ. قَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَقْضِ دَيْنًا بِدَيْنٍ، ارْدُدِ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ، وَاقْضِ دَيْنَ نَفْسِكَ مِنْ نَفْسِكَ. قَالَ: إِنَّا أَمَرْنَا أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْكَ رِزْقٌ. قَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ لَا يُعْطِيكَ وَيَنْسَانِي، وَلَا حَاجَةَ لِي فِي جِرَايَتِكَ.

[وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ
(13/665)

خَارِجَةَ
، إِمَامُ أَهْلِ الشَّامِ فِي الْمَغَازِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَخَذَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: قَبْلَهَا.
وَإِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ، النَّدِيمُ،
وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَاهَانَ بْنِ بَهْمَنَ بْنِ نُسْكَ أَبُو إِسْحَاقَ، أَحَدُ الشُّعَرَاءِ وَالْمُغَنِّينَ وَالنُّدَمَاءِ، أَصْلُهُ مِنَ الْفُرْسِ وَوَلَاؤُهُ لِلْحَنْظَلِيِّينَ، وُلِدَ بِالْكُوفَةِ، وَصَحِبَ شَبَابَهَا وَأَخَذَ عَنْهُمُ الْغِنَاءَ، فَأَجَادَ فِي عِلْمِهِ، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْكُوفَةِ فَقَالُوا لَهُ: الْمَوْصِلِيُّ. وَقَدِ اتَّصَلَ بِالْخُلَفَاءِ ; أَوَّلُهُمُ الْمَهْدِيُّ، وَحَظِيَ عِنْدَ الرَّشِيدِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ سُمَّارِهِ وَنُدَمَائِهِ وَمُغَنِّيهِ، وَقَدْ أَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ جِدًّا، حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّهُ تَرَكَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَكَانَتْ لَهُ طُرَفٌ وَحِكَايَاتٌ غَرِيبَةٌ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِي الْكُوفَةِ، وَنَشَأَ فِي كَفَالَةِ بَنِي تَمِيمٍ، فَتَعَلَّمَ مِنْهُمْ وَنُسِبَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ فَاضِلًا بَارِعًا فِي صِنَاعَةِ الْغِنَاءِ، وَكَانَ مُزَوَّجًا بِأُخْتِ مَنْصُورٍ الْمُلَقَّبِ بِزَلْزَلٍ الَّذِي كَانَ يَضْرِبُ مَعَهُ، فَإِذَا غَنَّى هَذَا وَضَرَبَ هَذَا اهْتَزَّ الْمَجْلِسُ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ فِي " الْوَفَيَاتِ " قَوْلًا أَنَّهُ تُوُفِّيَ هُوَ وَأَبُو الْعَتَاهِيَةِ وَأَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ النَّحْوِيُّ بِبَغْدَادَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ
(13/666)

سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ.
وَمِنْ أَشْعَارِهِ عِنْدَ احْتِضَارِهِ قَوْلُهُ:
مَلَّ وَاللَّهِ طَبِيبِي ... مِنْ مُقَاسَاةِ الَّذِي بِي
سَوْفَ أُنْعَى عَنْ ... قَرِيبٍ لَعَدُوٍّ وَحَبِيبِ
وَفِيهَا مَاتَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَعُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ الْعَابِدُ أَحَدُ مَشَايِخِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ فِي قَوْلٍ.
(13/667)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا رَجَعَ الرَّشِيدُ مِنَ الْحَجِّ، وَسَارَ إِلَى الرَّيِّ، فَوَلَّى وَعَزَلَ وَقَطَعَ وَوَصَلَ، وَرَدَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى إِلَى وِلَايَةِ خُرَاسَانَ، وَجَاءَهُ نُوَّابُ تِلْكَ الْبُلْدَانِ بِالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ مِنْ سَائِرِ الْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ فَأَدْرَكَهُ عِيدُ الْأَضْحَى بِقَصْرِ اللُّصُوصِ، فَضَحَّى عِنْدَهُ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِالْجِسْرِ أَمَرَ بِجُثَّةِ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى الْبَرْمَكِيِّ، فَأُحْرِقَتْ، وَكَانَتْ مَصْلُوبَةً مُنْذُ قَتَلَهُ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ الرَّشِيدُ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الرَّقَّةِ وَهُوَ مُتَأَسِّفٌ عَلَى بَغْدَادَ وَطِيبِهَا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِمُقَامِهِ بِالرَّقَّةِ رَدْعُ الْمُفْسِدِينَ بِهَا، وَقَدْ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ فِي سُرْعَةِ خُرُوجِهِمْ مِنْ بَغْدَادَ مَعَ الرَّشِيدِ:
مَا أَنَخْنَا حَتَّى ارْتَحَلْنَا فَمَا نُ ... فَرِّقُ بَيْنَ الْمُنَاخِ وَالْإِرْتِحَالِ
سَاءَلُونَا عَنْ حَالِنَا إِذْ قَدِمْنَا ... فَقَرَنَّا وَدَاعَهُمْ بِالسُّؤَالِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فَادَى الرَّشِيدُ الْأُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِبِلَادِ الرُّومِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِهَا أَسِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ فِيهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ الْأَلِبَّاءِ:
وَفُكَّتْ بِكَ الْأَسْرَى الَّتِي شُيِّدَتْ ... لَهَا مَحَابِسُ مَا فِيهَا حَمِيمٌ يَزُورُهَا
عَلَى حِينِ أَعْيَا الْمُسْلِمِينَ فِكَاكُهَا ... وَقَالُوا سُجُونُ الْمُشْرِكِينَ قُبُورُهَا
(13/668)

وَفِيهَا رَابَطَ الْقَاسِمُ ابْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ بِمَرْجِ دَابِقٍ مُحَاصِرًا الرُّومَ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمُ، الْكُوفِيُّ
الْمَعْرُوفُ بِالْكِسَائِيِّ ; لِإِحْرَامِهِ فِي كِسَاءٍ، وَقِيلَ: لِاشْتِغَالِهِ عَلَى حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ فِي كِسَاءٍ. النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، أَصْلُهُ مِنَ الْكُوفَةِ، ثُمَّ اسْتَوْطَنَ بَغْدَادَ، فَأَدَّبَ الرَّشِيدَ وَوَلَدَهُ الْأَمِينَ، وَقَدْ قَرَأَ عَلَى حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ الزَّيَّاتِ قِرَاءَتَهُ، وَكَانَ يُقْرِئُ بِهَا، ثُمَّ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ قِرَاءَةً، فَكَانَ يَقْرَأُ بِهَا.
رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي النَّحْوِ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى الْكِسَائِيِّ.
(13/669)

وَقَدْ كَانَ الْكِسَائِيُّ أَخَذَ عَنِ الْخَلِيلِ صِنَاعَةَ النَّحْوِ، فَسَأَلَهُ يَوْمًا: عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ بَوَادِي الْحِجَازِ. فَرَحَلَ الْكِسَائِيُّ إِلَى هُنَاكَ، فَكَتَبَ عَنِ الْعَرَبِ شَيْئًا كَثِيرًا، ثُمَّ عَادَ - وَمِنْ هِمَّتِهِ الْعَوْدُ - إِلَى الْخَلِيلِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، وَتَصَدَّرَ فِي مَوْضِعِهِ يُونُسُ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمَا مُنَاظَرَاتٌ أَقَرَّ لَهُ فِيهَا يُونُسُ وَأَجْلَسَهُ فِي مَوْضِعِهِ.
قَالَ الْكِسَائِيُّ: صَلَّيْتُ يَوْمًا بِالرَّشِيدِ، فَأَعْجَبَتْنِي قِرَاءَتِي، فَغَلِطْتُ غَلْطَةً مَا غَلِطَهَا صَبِيٌّ، أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168] . فَقُلْتُ: لَعَلَّهُمْ يَرجِعِينَ. فَمَا تَجَاسَرَ الرَّشِيدُ أَنْ يَرُدَّهَا، لَكِنْ لَمَّا سَلَّمْتُ قَالَ: أَيُّ لُغَةٍ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ الْجَوَادَ قَدْ يَعْثُرُ. فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقِيتُ الْكِسَائِيَّ فَإِذَا هُوَ مَهْمُومٌ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ قَدْ وَجَّهَ إِلَيَّ يَسْأَلُنِي عَنْ أَشْيَاءَ، فَأَخْشَى مِنَ الْخَطَأِ. فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ مَا شِئْتَ فَأَنْتَ الْكِسَائِيُّ. فَقَالَ: قَطْعُهُ اللَّهُ - يَعْنِي لِسَانَهُ - إِنْ قُلْتُ مَا لَمْ أَعْلَمْ.
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: قُلْتُ يَوْمًا لِنَجَّارٍ: بِكَمْ هَذَانَ الْبَابَانِ؟ فَقَالَ: بَسَلْحَتَانِ يَا مَصْفَعَانِ.
تُوُفِّيَ الْكِسَائِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً. وَكَانَ فِي
(13/670)

صُحْبَةِ الرَّشِيدِ بِبِلَادِ الرَّيِّ، فَمَاتَ بِنَوَاحِيهَا هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَيْضًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ الرَّشِيدُ يَقُولُ: دَفَنْتُ الْفِقْهَ وَالْعَرَبِيَّةَ بِالرَّيِّ.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ: وَقِيلَ: إِنَّ الْكِسَائِيَّ تُوُفِّيَ بِطُوسَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَأَى بَعْضُهُمُ الْكِسَائِيَّ فِي الْمَنَامِ وَوَجْهُهُ كَالْبَدْرِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ رَبُّكَ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِالْقُرْآنِ. فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ حَمْزَةُ؟ قَالَ: ذَاكَ فِي عِلِّيِّينَ، مَا نَرَاهُ إِلَّا كَمَا نَرَى الْكَوْكَبَ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَرْقَدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ مَوْلَاهُمْ، صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ، أَصْلُهُ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ، قَدِمَ أَبُوهُ الْعِرَاقَ، فَوُلِدَ بِوَاسِطَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَنَشَأَ بِالْكُوفَةِ، فَسَمِعَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمِسْعَرٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، وَكَتَبَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَسَكَنَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا، وَكَتَبَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ حِينَ قَدِمَهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَقْرَ بَعِيرٍ، وَوَلَّاهُ الرَّشِيدُ قَضَاءَ الرَّقَّةِ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَخَرَجَ مَعَ الرَّشِيدِ إِلَى الرَّيِّ فَمَاتَ بِهَا.
(13/671)

وَكَانَ يَقُولُ لِأَهْلِهِ: لَا تَسْأَلُونِي حَاجَةً مِنْ حَاجَاتِ الدُّنْيَا فَتَشْغَلُوا قَلْبِي، وَخُذُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ وَكِيلِي، فَإِنَّهُ أَقَلُّ لِهَمِّي وَأَفْرَغُ لِقَلْبِي. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا رَأَيْتُ حَبْرًا سَمِينًا مِثْلَهُ، وَلَا رَأَيْتُ أَخَفَّ رُوحًا مِنْهُ، وَلَا أَفْصَحَ مِنْهُ، كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ كَأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِ.
وَقَالَ أَيْضًا: مَا رَأَيْتُ أَعْقَلَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، كَانَ يَمْلَأُ الْعَيْنَ وَالْقَلْبَ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: كَانَ الشَّافِعِيُّ قَدْ طَلَبَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ كِتَابَ السِّيَرِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى الْإِعَارَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
قُلْ لِلَّذِي لَمْ تَرَ عَيْ ... نَا مَنْ رَآهُ مِثْلَهُ
حَتَّى كَأَنَّ مَنْ رَآهُ ... قَدْ رَأَى مَنْ قَبْلَهْ
الْعِلْمُ يَنْهَى أَهْلَهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ أَهْلَهْ ... لَعَلَّهُ
يَبْذُلُهُ لِأَهْلِهِ لَعَلَّهْ
قَالَ: فَوَجَّهَ بِهِ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ هَدِيَّةً لَا عَارِيَّةً.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ هَذِهِ الْمَسَائِلُ
(13/672)

الدِّقَاقُ مِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ؟ قَالَ: مِنْ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَكَانَتْ وَفَاةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْكِسَائِيِّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: دَفَنْتُ الْيَوْمَ اللُّغَةَ وَالْفِقْهَ جَمِيعًا. وَكَانَ عُمْرُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ثَمَانِيًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
(13/673)

[سَنَةُ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا خَلَعَ رَافِعُ بْنُ لَيْثِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ نَائِبُ سَمَرْقَنْدَ الطَّاعَةَ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَتَابَعَهُ أَهْلُ بَلَدِهِ وَطَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ نَائِبُ خُرَاسَانَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، فَهَزَمَهُ رَافِعٌ وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ بِهِ.
وَفِيهَا سَارَ هَارُونُ الرَّشِيدُ لِغَزْوِ بِلَادِ الرُّومِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَقَدْ لَبِسَ عَلَى رَأْسِهِ قَلَنْسُوَةً، فَقَالَ فِيهَا أَبُو الْمُعَلَّى الْكِلَابِيُّ:
فَمَنْ يَطْلُبْ لِقَاءَكَ أَوْ يُرِدْهُ ... فَبِالْحَرَمَيْنِ أَوْ أَقْصَى الثُّغُورِ
فَفِي أَرْضِ الْعُدُوِّ عَلَى طِمِرٍّ ... وَفِي أَرْضِ التَّرَفُّهِ فَوْقَ كُورِ
ثُمَّ وَصَلَ إِلَى الطُّوَانَةِ، فَعَسْكَرَ بِهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ نَقْفُورُ بِالطَّاعَةِ، وَحَمَلَ الْخَرَاجَ وَالْجِزْيَةَ حَتَّى عَنْ رَأْسِهِ وَرَأْسِ وَلَدِهِ، وَأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ - فِي كُلِّ سَنَةٍ - خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَبَعَثَ يَطْلُبُ مِنَ الرَّشِيدِ جَارِيَةً قَدْ أَسَرُوهَا، كَانَتِ ابْنَةَ مَلِكِ هِرَقْلَةَ، وَكَانَ قَدْ خَطَبَهَا عَلَى وَلَدِهِ، فَبَعَثَ بِهَا الرَّشِيدُ مَعَ هَدَايَا وَتُحَفٍ، وَطِيبٍ بَعَثَ بِطَلَبِهِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ أَنْ يَحْمِلَ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَنْ لَا يُعَمِّرَ هِرَقْلَةَ. ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّشِيدُ رَاجِعًا، وَاسْتَنَابَ عَلَى الْغَزْوِ عَقَبَةَ بْنَ جَعْفَرٍ.
(13/674)

وَنَقَضَ أَهْلُ قُبْرُسَ الْعَهْدَ، فَغَزَاهُمْ مَعْيُوفُ بْنُ يَحْيَى، فَسَبَى أَهْلَهَا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ مَنْ قَتَلَهُ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عِيسَى بْنُ مُوسَى الْهَادِي.

[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ]
أَسَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، أَبُو الْمُنْذِرِ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ،
صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَحَكَمَ بِبَغْدَادَ وَبِوَاسِطَ، فَلَمَّا أَنْكَرَ بَصَرَهُ عَزَلَ نَفْسَهُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَرَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ: كَانَ صَدُوقًا. وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ عَلِيٌّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيُّ.
سَعْدُونُ الْمَجْنُونُ، صَامَ سِتِّينَ سَنَةً، فَخَفَّ دِمَاغُهُ، فَسَمَّاهُ النَّاسُ الْمَجْنُونَ. وَقَفَ يَوْمًا عَلَى حَلْقَةِ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ فَسَمِعَ كَلَامَهُ، فَصَرَخَ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
وَلَا خَيْرَ فِي شَكْوَى إِلَى غَيْرِ مُشْتَكَى ... وَلَا بُدَّ مِنْ شَكْوَى إِذَا لَمْ يَكُنْ صَبْرُ
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَأْسِ شَيْخٍ سَكْرَانَ يَذُبُّ عَنْهُ، فَقُلْتُ: مَا لِي أَرَاكَ عِنْدَ رَأْسِ هَذَا الشَّيْخِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ. فَقُلْتُ:
(13/675)

أَنْتَ الْمَجْنُونُ أَوْ هُوَ؟ قَالَ: لَا، بَلْ هُوَ، لِأَنِّي صَلَّيْتُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمَاعَةً، وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ جَمَاعَةً وَلَا فُرَادَى. قُلْتُ: فَهَلْ قُلْتَ فِي هَذَا شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
تَرَكْتُ النَّبِيذَ لِأَهْلِ النَّبِيذِ ... وَأَصْبَحْتُ أَشْرَبُ مَاءَ قَرَاحًا
لِأَنَّ النَّبِيذَ يُذِلُّ الْعَزِيزَ ... وَيَكْسُو بِذَاكَ الْوُجُوهَ الصِّبَاحَا
فَإِنْ كَانَ ذَا جَائِزًا لِلشَّبَابِ ... فَمَا الْعُذْرُ مِنْهُ إِذَا الشَّيْبُ لَاحَا
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: فَقُلْتُ لَهُ: صَدَقْتَ. وَانْصَرَفْتُ.
عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ صُهَيْبٍ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيُّ الْكُوفِيُّ، مُؤَدِّبُ الْأَمِينِ، رَوَى عَنِ الْأَعْمَشِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ

[يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ]
أَبُو عَلِيٍّ الْوَزِيرُ، وَالِدُ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيُّ، ضَمَّ إِلَيْهِ الْمَهْدِيُّ وَلَدَهُ الرَّشِيدَ، فَرَبَّاهُ وَأَرْضَعَتْهُ امْرَأَتُهُ مَعَ الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى، فَلَمَّا وَلِيَ الرَّشِيدُ عَرَفَ لَهُ حَقَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: قَالَ أَبِي. وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أُمُورَ الْخِلَافَةِ وَأَزِمَّتَهَا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى نُكِبَتِ الْبَرَامِكَةُ، فَقَتَلَ جَعْفَرًا، وَخَلَّدَ أَبَاهُ فِي الْحَبْسِ حَتَّى مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ كَرِيمًا فَصِيحًا، ذَا رَأْيٍ سَدِيدٍ،
(13/676)

وَيَظْهَرُ مِنْ أُمُورِهِ خَيْرٌ وَصَلَاحٌ.
قَالَ يَوْمًا لِوَلَدِهِ: خُذُوا مَنْ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا، فَإِنَّ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ.
وَقَالَ لِأَوْلَادِهِ: اكْتُبُوا أَحْسَنَ مَا تَسْمَعُونَ، وَاحْفَظُوا أَحْسَنَ مَا تَكْتُبُونَ، وَتُحَدَّثُوا بِأَحْسَنِ مَا تَحْفَظُونَ.
وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا فَأَنْفِقُوا مِنْهَا فَإِنَّهَا لَا تَفْنَى، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَأَنْفِقُوا مِنْهَا فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى.
وَكَانَ إِذَا سَأَلَهُ سَائِلٌ فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ رَاكِبٌ أَقَلُّ مَا يَأْمُرُ لَهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَوْمًا:
:
يَا سَمِيَّ الْحَصُورِ يَحْيَى أُتِيحَتْ ... لَكَ مِنْ فَضْلِ رَبِّنَا جَنَّتَانِ
كُلُّ مَنْ مَرَّ فِي الطَّرِيقِ عَلَيْكُمْ ... فَلَهُ مِنْ نَوَالِكُمْ مِائَتَانِ
مِائَتَا دِرْهَمٍ لِمِثْلِي قَلِيلٌ ... هِيَ مِنْكُمْ لِلْقَابِسِ الْعَجْلَانِ
فَقَالَ: صَدَقْتَ. وَأَمَرَ أَنْ يُسْبَقَ بِهِ إِلَى الدَّارِ، فَلَمَّا رَجَعَ سَأَلَ عَنْهُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ تَزَوَّجَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَعْطَاهُ صَدَاقَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَثَمَنَ دَارٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَثَمَنَ الْأَمْتِعَةِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَثَمَنَ الدُّخُولِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ يَسْتَظْهِرُ بِهَا.
(13/677)

وَجَاءَ رَجُلٌ يَوْمًا يَسْأَلُهُ شَيْئًا، فَقَالَ: وَيْحَكْ! لَقَدْ جِئْتَنِي فِي وَقْتٍ لَا أَمْلِكُ فِيهِ مَالًا، وَلَكِنْ قَدْ بَعَثَ إِلَيَّ صَاحِبٌ لِي يَطْلُبُ مِنِّي أَنْ يُهْدِيَ إِلَيَّ مَا أُحِبُّ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَبِيعَ جَارِيَةً لَكَ، وَأَنَّكَ قَدْ أُعْطِيتَ فِيهَا ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَإِنِّي سَأَطْلُبُهَا مِنْهُ، فَلَا تَبِعْهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا جَائَنِي يُسَاوِمُنِي فِيهَا أَلْحَحْتُ أَنْ لَا أَبِيعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَبَلَغَ ثَمَنُهَا عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا سَمِعْتُهَا ضَعُفُ قَلْبِي وَأَجَبْتُ إِلَى بَيْعِهَا، فَلَمَّا اجْتَمَعْتُ بِيَحْيَى، قَالَ: بِكُمْ بِعْتَهَا؟ قُلْتُ: بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. قَالَ: إِنَّكَ لَخَسِيسٌ، خُذْ جَارِيَتَكَ إِلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيَّ نَائِبُ فَارِسَ يَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أَسْتَهْدِيَهُ شَيْئًا، وَإِنِّي سَأَطْلُبُهَا مِنْهُ، فَلَا تَبِعْهَا بِأَقَلِّ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَجَاءُونِي فَوَصَلُوا إِلَى ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَبِعْتُهَا. فَلَمَّا جِئْتُهُ لَامَنِي أَيْضًا، وَرَدَّهَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: أُشْهِدُكَ أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَأَنِّي قَدْ تَزَوَّجْتُهَا.
وَذَكَرَ الْخَطِيبُ أَنَّ الرَّشِيدَ طَلَبَ مِنْ مَنْصُورِ بْنِ زِيَادٍ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْهَا سِوَى أَلْفِ أَلْفٍ، فَضَاقَ ذَرْعًا، وَقَدْ تَوَعَّدَهُ إِنْ لَمْ يَحْمِلْهَا فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ وَإِلَّا قَتَلَهُ، فَدَخَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، وَذَكَرَ لَهُ أَمْرَهُ، فَأَطْلَقَ لَهُ خَمْسَةَ آلَافِ أَلْفٍ، وَاسْتَطْلَقَ لَهُ مِنَ ابْنِهِ الْفَضْلِ أَلْفَيْ أَلْفٍ، وَقَالَ لِابْنِهِ:
(13/678)

يَا بُنَيَّ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَشْتَرِيَ بِهَا ضَيْعَةً، وَهَذِهِ ضَيْعَةٌ تُغِلُّ الشُّكْرَ وَتَبْقَى مَدَى الدَّهْرِ. وَأَخَذَ لَهُ مِنَ ابْنِهِ جَعْفَرٍ أَلْفَ أَلْفٍ، وَأَخَذَ لَهُ مَنْ جَارَيْتِهِ دَنَانِيرَ عُقْدًا مُشَتَرَاهُ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعِشْرُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَالَ لِلْمُتَرَسِّمِ عَلَيْهِ: قَدْ حَسَبْنَاهُ عَلَيْكَ بِأَلْفَيْ أَلْفٍ. فَلَمَّا عُرِضَتِ الْأَمْوَالُ عَلَى الرَّشِيدِ رَدَّ الْعُقْدِ، وَكَانَ قَدْ وَهَبَهُ لِجَارِيَةِ يَحْيَى، فَلْمْ يَعُدْ فِيهِ بَعْدَ أَنْ وَهَبَهُ لَهَا.
وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ بَنِيهِ وَهُمْ فِي السِّجْنِ وَالْقُيُودِ: يَا أَبَتِ، بَعْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالنِّعْمَةِ صِرْنَا إِلَى هَذَا الْحَالِ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، دَعْوَةُ مَظْلُومٍ سَرَتْ بِلَيْلٍ وَنَحْنُ عَنْهَا غَافِلُونَ، وَلَمْ يَغْفُلِ اللَّهُ عَنْهَا. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
رُبَّ قَوْمٍ قَدْ غَدَوْا فِي نِعْمَةٍ ... زَمَنًا وَالدَّهْرُ رَيَّانُ غَدَقْ
سَكَتَ الدَّهْرُ زَمَانًا عَنْهُمُ ... ثُمَّ أَبْكَاهُمْ دَمًا حِينَ نَطَقْ
وَقَدْ كَانَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ يُجْرِي عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كُلَّ شَهْرٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَكَانَ سُفْيَانُ يَدْعُو لَهُ فِي سُجُودِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ كَفَانِي أَمْرَ دُنْيَايَ فَاكْفِهِ أَمْرَ آخِرَتِهِ. فَلَمَّا مَاتَ يَحْيَى رَآهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بِدُعَاءِ سُفْيَانَ.
وَقَدْ كَانَتْ وَفَاةُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فِي الْحَبْسِ بِالرَّافِقَةِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْفَضْلُ، وَدُفِنَ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ. وَقَدْ وُجِدَ فِي جَيْبِهِ رُقْعَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا بِخَطِّهِ: قَدْ تَقَدَّمَ الْخَصْمُ وَالْمُدَّعَى
(13/679)

عَلَيْهِ بِالْأَثَرِ، وَالْحَاكِمُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَجُورُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ. فَحُمِلَتْ إِلَى الرَّشِيدِ، فَلَمَّا قَرَأَهَا مَا زَالَ يَبْكِي يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَبَقِيَ أَيَّامًا يُتَبَيَّنُ الْأَسَى فِي وَجْهِهِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ هَذَا:
سَأَلْتُ النَّدَا هَلْ أَنْتَ حُرٌّ فَقَالَ لَا ... وَلَكِنَّنِي عَبْدٌ لِيَحْيَى بْنِ خَالِدِ
فَقُلْتُ شِرَاءً؟ قَالَ لَا بَلْ وِرَاثَةً ... تَوَارَثَنِي عَنْ وَالِدٍ بَعْدَ وَالِدِ
(13/680)

[سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا خَرَجَ رَجُلٌ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ: ثَرْوَانُ بْنُ سَيْفٍ وَجَعَلَ يَتَنَقَّلُ فِيهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ طَوْقَ بْنَ مَالِكٍ فَهَزَمَهُ، وَجُرِحَ ثَرْوَانُ وَقُتِلَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، وَكُتِبَ بِالْفَتْحِ إِلَى الرَّشِيدِ.
وَفِيهَا خَرَجَ بِالشَّامِ أَبُو النِّدَاءِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ وَاسْتَنَابَهُ عَلَى الشَّامِ.
وَفِيهَا وَقَعَ الثَّلْجُ بِبَغْدَادَ.
وَفِيهَا غَزَا بِلَادَ الرُّومِ يَزِيدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْهُبَيْرِيُّ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَأَخَذَتْ عَلَيْهِ الرُّومُ الْمَضِيقَ فَقَتَلُوهُ فِي خَمْسِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ طَرَسُوسَ فَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وَوَلَّى الرَّشِيدُ غَزْوَ الصَّائِفَةِ لِهَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ، وَضَمَّ إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا فِيهِمْ مَسْرُورٌ الْخَادِمُ، وَإِلَيْهِ النَّفَقَاتُ.
(14/5)

وَخَرَجَ الرَّشِيدُ إِلَى الْحَدَثِ لِيَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُمْ، وَأَمَرَ الرَّشِيدُ بِهَدْمِ الْكَنَائِسِ بِالثُّغُورِ، وَأَلْزَمَ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِتَمْيِيزِ لِبَاسِهِمْ وَهَيْئَاتِهِمْ فِي بَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ.
وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى عَنْ إِمْرَةِ خُرَاسَانَ وَوَلَّاهَا هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ
وَفِيهَا فَتَحَ الرَّشِيدُ هِرَقْلَةَ فِي شَوَّالٍ، وَخَرَّبَهَا وَسَبَى أَهْلَهَا، وَبَثَّ الْجُيُوشَ وَالسَّرَايَا بِأَرْضِ الرُّومِ، وَخَرَجَتِ الرُّومُ إِلَى عَيْنِ زَرْبَى، وَالْكَنِيسَةِ السَّوْدَاءِ. وَكَانَ خَرَاجُ هِرَقْلَةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ مَرْفُوقٍ. وَوَلَّى حُمَيْدَ بْنَ مَعْيُوفٍ سَوَاحِلَ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ، وَدَخَلَ جَزِيرَةَ قُبْرُصَ، فَسَبَى أَهْلَهَا وَحَمَلَهُمْ حَتَّى بَاعَهُمْ بِالرَّافِقَةِ، فَبَلَغَ ثَمَنُ الْأُسْقُفِّ أَلْفَيْ دِينَارٍ، بَاعَهُمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ الْقَاضِي
وَفِيهَا أَسْلَمَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ عَلَى يَدَيِ الْمَأْمُونِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ وَالِيَ مَكَّةَ
(14/6)

وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ صَائِفَةٌ إِلَى سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَبْرَشُ.
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ.
الْفَقِيهُ الرَّاوِي عَنْ مَالِكٍ؛ الَّذِي هُوَ الْعُمْدَةُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ.
وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ.
قَدِمَ عَلَى الرَّشِيدِ فَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ جَزِيلٍ؛ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا، فَلَمْ يَقْبَلْهُ. وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ. وَمَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمِصِّيصِيُّ أَحَدُ
(14/7)

الزُّهَّادِ الثِّقَاتِ، قَالَ: لَمْ أَتَكَلَّمْ بِكَلِمَةٍ أَحْتَاجُ إِلَى الِاعْتِذَارِ مِنْهَا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً. وَمُعَمَّرٌ الرَّقِّيُّ
(14/8)

[سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا دَخَلَ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ إِلَى خُرَاسَانَ نَائِبًا عَلَيْهَا، وَقَبَضَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ، وَأَرْكَبَهُ عَلَى رَاحِلَةٍ، وَنَادَى عَلَيْهِ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ وَكَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ بِذَلِكَ، فَشَكَرَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ سَيَّرَهُ إِلَى الرَّشِيدِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحُبِسَ بِدَارِهِ بِبَغْدَادَ.
وَفِيهَا وَلَّى الرَّشِيدُ ثَابِتَ بْنَ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ نِيَابَةَ الثُّغُورِ فَدَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ، وَفَتَحَ مَطْمُورَةَ.
وَفِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ عَلَى يَدَيْ ثَابِتِ بْنِ نَصْرٍ.
وَفِيهَا خَرَجَتْ الْخُرَّمِيَّةُ بِالْجَبَلِ وَبِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ فَوَجَّهَ الرَّشِيدُ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيَّ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرَ وَسَبَى ذَرَارِيهِمْ، وَقَدِمَ بِهِمْ بَغْدَادَ فَأَمَرَ الرَّشِيدُ بِقَتْلِ الرِّجَالِ مِنْهُمْ، وَبِالذُّرِّيَّةِ فَبِيعُوا بِهَا، وَكَانَ قَدْ غَزَاهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا قَدِمَ الرَّشِيدُ مِنَ الرَّقَّةِ إِلَى بَغْدَادَ فِي السُّفُنِ، وَقَدْ
(14/9)

اسْتَخْلَفَ عَلَى الرَّقَّةِ ابْنَهُ الْقَاسِمَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ وَمِنْ نِيَّةِ الرَّشِيدِ الذَّهَابُ إِلَى خُرَاسَانَ لِغَزْوِ رَافِعِ بْنِ لَيْثٍ؛ الَّذِي كَانَ قَدْ خَلَعَ الطَّاعَةَ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى بِلَادٍ كَثِيرَةٍ مِنْ بِلَادِ سَمَرْقَنْدَ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ خَرَجَ الرَّشِيدُ فِي شَعْبَانَ قَاصِدًا خُرَاسَانَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَغْدَادَ ابْنَهُ مُحَمَّدًا الْأَمِينَ، وَسَأَلَ الْمَأْمُونُ مِنْ أَبِيهِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ خَوْفًا مِنْ غَدْرِ أَخِيهِ الْأَمِينِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَسَارَ مَعَهُ وَقَدْ شَكَا الرَّشِيدُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ إِلَى بَعْضِ أُمَرَائِهِ جَفَاءَ بَنِيهِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ وُلَاةَ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَرَاهُ دَاءً فِي جَسَدِهِ، وَقَالَ: إِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ وَالْقَاسِمِ عِنْدِي عَيْنًا عَلَيَّ، وَهُمْ يَعُدُّونَ أَنْفَاسِي، وَيَتَمَنَّوْنَ انْقِضَاءَ أَيَّامِي وَذَلِكَ شَرٌّ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. فَدَعَا لَهُ ذَلِكَ الْأَمِيرُ، ثُمَّ أَمَرَهُ الرَّشِيدُ بِالِانْصِرَافِ إِلَى عَمَلِهِ وَوَدَّعَهُ، وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ.
وَفِيهَا تَحَرَّكَ ثَرْوَانُ الْحَرُورِيُّ، وَقَتَلَ عَامِلَ السُّلْطَانِ بِطَفِّ الْبَصْرَةِ. وَفِيهَا قَتَلَ الرَّشِيدُ الْهَيْصَمَ الْيَمَانِيَّ. وَمَاتَ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ وَهُوَ يُرِيدُ اللَّحَاقَ بِالرَّشِيدِ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَامِعِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ
(14/10)

أَبُو الْقَاسِمِ، أَحَدُ الْمَشَاهِيرِ بِالْغِنَاءِ، وَمِمَّنْ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِيهِ، فَيُقَالُ: غِنَاءُ بْنُ جَامِعٍ. وَقَدْ كَانَ أَوَّلًا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ ثُمَّ صَارَ إِلَى صِنَاعَةِ الْغِنَاءِ، وَذَكَرَ عَنْهُ أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَصْبَهَانِيُّ صَاحِبُ الْأَغَانِي حِكَايَاتٍ غَرِيبَةً؛ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا مُشْرِفًا فِي غُرْفَةٍ بِحَرَّانَ إِذْ أَقْبَلَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ مَعَهَا قِرْبَةٌ تَسْتَقِي فِيهَا مِنْ مَشْرَعَةٍ فَجَلَسَتْ وَوَضَعَتْ قِرْبَتَهَا وَانْدَفَعَتْ تُغَنِّي.
إِلَى اللَّهِ أَشْكُو بُخْلَهَا وَسَمَاحَتِي ... لَهَا عَسَلٌ مِنِّي وَتَبْذُلُ عَلْقَمَا
فَرُدِّي مُصَابَ الْقَلْبِ أَنْتِ قَتَلْتِهِ ... وَلَا تُبْعِدِي فِيمَا تَجَشَّمْتِ كُلْثُمَا
قَالَ: فَسَمِعْتُ مَا لَا صَبْرَ لِي عَنْهُ، وَرَجَوْتُ أَنْ تُعِيدَهُ، فَقَامَتْ وَانْصَرَفَتْ، فَنَزَلْتُ وَانْطَلَقْتُ وَرَاءَهَا وَسَأَلْتُهَا أَنْ تُعِيدَهُ، فَقَالَتْ: إِنَّ عَلَيَّ خَرَاجًا كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَانِ. فَأَعْطَيْتُهَا دِرْهَمَيْنِ فَأَعَادَتْهُ فَحَفِظْتُهُ وَسَلَكْتُهُ يَوْمِي ذَلِكَ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أُنْسِيتُهُ، فَأَقْبَلَتِ السَّوْدَاءُ فَسَأَلْتُهَا أَنْ تُعِيدَهُ فَلَمْ تَفْعَلْ إِلَّا بِدِرْهَمَيْنِ، ثُمَّ قَالَتْ: كَأَنَّكَ تَسْتَكْثِرُ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ أَخَذْتَ بِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَارٍ. قَالَ ابْنُ جَامِعٍ: فَغَنَّيْتُهُ لَيْلَةً لِلرَّشِيدِ فَأَعْطَانِي أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ
(14/11)

اسْتَعَادَنِيهِ ثَلَاثًا أُخْرَى وَأَعْطَانِي ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَتَبَسَّمْتُ فَقَالَ: مِمَّ تَتَبَسَّمُ؟ فَذَكَرْتُ لَهُ الْقِصَّةَ، فَضَحِكَ وَأَلْقَى إِلَيَّ كِيسًا آخَرَ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَقَالَ: لَا تُكْذِبِ السَّوْدَاءَ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: أَصْبَحْتُ يَوْمًا بِالْمَدِينَةِ وَلَيْسَ مَعِي إِلَّا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، فَإِذَا جَارِيَةٌ عَلَى رَقَبَتِهَا جَرَّةٌ تُرِيدُ الرَّكِيَّ، وَهِيَ تَسْعَى وَتَتَرَنَّمُ بِصَوْتٍ شَجِيٍّ، وَتَقُولُ:
شَكَوْنَا إِلَى أَحْبَابِنَا طُولَ لَيْلِنَا ... فَقَالُوا لَنَا مَا أَقْصَرَ اللَّيْلَ عِنْدَنَا
وَذَاكَ لِأَنَّ النَّوْمَ يَغْشَى عُيُونَهُمْ ... سِرَاعًا وَلَا يَغْشَى لَنَا النَّوْمُ أَعْيُنَا
إِذَا مَا دَنَا اللَّيْلُ الْمُضِرُّ لِذِي الْهَوَى ... جَزِعْنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ إِذَا دَنَا
فَلَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُلَاقُونَ مِثْلَ مَا ... نُلَاقِي لَكَانُوا فِي الْمَضَاجِعِ مِثْلَنَا
قَالَ: فَاسْتَعَدْتُهُ مِنْهَا وَأَعْطَيْتُهَا الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالَتْ: لَتَأْخُذَنَّ بَدَلَهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَلْفَ دِينَارٍ، وَأَلْفَ دِينَارٍ. فَأَعْطَانِي الرَّشِيدُ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ فِي لَيْلَةٍ عَلَى ذَلِكَ الصَّوْتِ.
بَكْرُ بْنُ النَّطَّاحِ أَبُو وَائِلٍ الْحَنَفِيُّ الْبَصْرِيُّ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، نَزَلَ بَغْدَادَ فِي زَمَنِ الرَّشِيدِ، وَكَانَ يُعَاشِرُ أَبَا الْعَتَاهِيَةِ.
(14/12)

قَالَ أَبُو هِفَّانَ: أَشْعَرُ أَهْلِ الْغَزَلِ مِنَ الْمُحْدَثِينَ أَرْبَعَةٌ؛ أَوَّلُهُمْ بَكْرُ بْنُ النَّطَّاحِ.
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ رَجَاءٍ يَقُولُ: اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ وَمَعَهُمْ بَكْرُ بْنُ النَّطَّاحِ يَتَنَاشَدُونَ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ طِوَالِهِمْ أَنْشَدَ بَكْرُ بْنُ النَّطَّاحِ لِنَفْسِهِ:
مَا ضَرَّهَا لَوْ كَتَبَتْ بِالرِّضَا ... فَجَفَّ جَفْنُ الْعَيْنِ أَوْ أُغْمِضَا
شَفَاعَةٌ مَرْدُودَةٌ عِنْدَهَا ... فِي عَاشِقٍ تَنْدَمُ لَوْ قَدْ قَضَى
يَا نَفْسُ صَبْرًا وَاعْلَمِي أَنَّ مَا ... يُأْمَلُ مِنْهَا مِثْلَ مَا قَدْ مَضَى
لَمْ تَمْرَضِ الْأَجْفَانُ مِنْ قَاتِلٍ ... بِلَحْظِهِ إِلَّا لِأَنْ أَمْرَضَا
قَالَ: فَابْتَدَرُوهُ يُقَبِّلُونَ رَأْسَهُ.
وَلَمَّا مَاتَ رَثَاهُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فَقَالَ:
مَاتَ ابْنُ نَطَّاحٍ أَبُو وَائِلٍ ... بَكْرٌ فَأَمْسَى الشِّعْرُ قَدْ بَانَا
بُهْلُولٌ الْمَجْنُونُ كَانَ يَأْوِي إِلَى مَقَابِرِ الْكُوفَةِ وَكَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَاتٍ حَسَنَةٍ، وَقَدْ لَقِيَ الرَّشِيدَ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى الْحَجِّ، فَوَعَظَهُ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(14/13)

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَزْدِيُّ الْكُوفِيُّ، سَمِعَ الْأَعْمَشَ وَابْنَ جُرَيْجٍ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكًا، وَخَلْقًا سِوَاهُمْ.
وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَقَدِ اسْتَدْعَاهُ الرَّشِيدُ لِيُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ، فَقَالَ: لَا أَصْلُحُ. وَامْتَنَعَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وَكَانَ قَدْ سَأَلَ قَبْلَهُ وَكِيعًا، فَامْتَنَعَ أَيْضًا، فَطَلَبَ حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ فَقَبِلَ.
وَأَطْلَقَ لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ؛ عِوَضًا عَنْ كُلْفَةِ السَّفَرِ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَكِيعٌ، وَلَا ابْنُ إِدْرِيسَ، وَقَبِلَ ذَلِكَ حَفْصٌ، فَحَلَفَ ابْنُ إِدْرِيسَ لَا يُكَلِّمُهُ أَبَدًا.
وَحَجَّ الرَّشِيدُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ فَاجْتَازَ بِالْكُوفَةِ وَمَعَهُ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ وَالْأَمِينُ وَالْمَأْمُونُ، فَأَمَرَ الرَّشِيدُ بِجَمْعِ شُيُوخِ الْحَدِيثِ لِيُسْمِعُوا وَلَدَيْهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَّا ابْنَ إِدْرِيسَ هَذَا، وَعِيسَى بْنَ يُونُسَ، فَرَكِبَ الْأَمِينُ وَالْمَأْمُونُ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَمَاعِهِمَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ فَأَسْمَعَهُمَا مِائَةَ حَدِيثٍ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: يَا عَمِّ، إِنْ أَذِنْتَ لِي أَعَدْتُهَا مِنْ حِفْظِي. فَأَذِنَ لَهُ، فَأَعَادَهَا مِنْ حِفْظِهِ كَمَا سَمِعَهَا، فَتَعَجَّبَ لِحِفْظِهِ ابْنُ إِدْرِيسَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ الْمَأْمُونُ بِمَالٍ، فَلَمْ
(14/14)

يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَا إِلَى عِيسَى بْنِ يُونُسَ، فَسَمَّعَا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ الْمَأْمُونُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا، فَظَنَّ أَنَّهُ اسْتَقَلَّهَا فَأَضْعَفَهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ وَلَا إِهْلِيلَجَةَ، لَوْ مَلَأْتَ لِي الْمَسْجِدَ مَالًا إِلَى سَقْفِهِ مَا قَبِلْتُ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلَمَّا احْتُضِرَ ابْنُ إِدْرِيسَ بَكَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: لَا تَبْكِي فَقَدْ خَتَمْتُ الْقُرْآنَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَرْبَعَةَ آلَافِ خَتْمَةٍ.
صَعْصَعَةُ بْنُ سَلَّامٍ وَيُقَالُ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ فَاسْتَوْطَنَهَا فِي زَمَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَابْنِهِ هِشَامٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ عِلْمَ الْحَدِيثِ وَمَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَوَلِيَ الصَّلَاةَ بِقُرْطُبَةَ، وَفِي أَيَّامِهِ غُرِسَتِ الْأَشْجَارُ بِالْمَسْجِدِ الْجَامِعِ هُنَاكَ، كَمَا يَرَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّامِيُّونَ، وَيَكْرَهُهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَدْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ؛ مِنْهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْفَقِيهُ، وَذَكَرَهُ فِي كِتَابِ
(14/15)

" الْفُقَهَاءِ " وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِهِ " " تَارِيخِ مِصْرَ " " وَالْحُمَيْدِيُّ فِي " " تَارِيخِ الْأَنْدَلُسِ " " وَحَرَّرَ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ.
وَحَكَى عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّ صَعْصَعَةَ هَذَا أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ إِلَى الْأَنْدَلُسِ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ عِلْمَ الْحَدِيثِ إِلَيْهَا. وَذَكَرَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ قَرِيبًا مِنْ سَنَةِ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَالَّذِي حَرَّرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَثْبَتُ.
عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ، أَبُو الْحَسَنِ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ، قَاضِي الشَّرْقِيَّةِ مِنْ بَغْدَادَ زَمَنَ الرَّشِيدِ، كَانَ ثِقَةً عَالِمًا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ وَلَّاهُ الرَّشِيدُ قَاضِيَ الْقُضَاةِ، وَكَانَ الرَّشِيدُ يَخْرُجُ مَعَهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، مَاتَ بِقَرْمِيسِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ طَلْحَةَ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ كَانَ مِنْ
(14/16)

عَرَبِ خُرَاسَانَ وَنَشَأَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ لَطِيفًا ظَرِيفًا مَقْبُولًا، حَسَنَ الشَّعْرِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: لَوْ قِيلَ لِي مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ شِعْرًا تَعْرِفُهُ؟ لَقُلْتُ: الْعَبَّاسُ
قَدْ سَحَّبَ النَّاسُ أَذْيَالَ الظُّنُونِ بِنَا ... وَفَرَّقَ النَّاسُ فِينَا قَوْلَهُمْ فِرَقَا
فَكَاذِبٌ قَدْ رَمَى بِالْحُبِّ غَيْرَكُمْ ... وَصَادِقٌ لَيْسَ يَدْرِي أَنَّهُ صَدَقَا
وَقَدْ طَلَبَهُ الرَّشِيدُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ، فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ وَخَافَ نِسَاؤُهُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّشِيدِ قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، إِنَّهُ قَدْ عَنَّ لِي بَيْتٌ فِي جَارِيَةٍ لِي، فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْفَعَهُ بِمِثْلِهِ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا خِفْتُ قَطُّ أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. فَقَالَ: وَلِمَ؟ فَذَكَرَ لَهُ دُخُولَ الْحَرَسِ عَلَيْهِ فِي اللَّيْلِ، ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى سَكَنَ رَوْعُهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا قُلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ:
جِنَانٌ قَدْ رَأَيْنَاهَا ... فَلَمْ نَرَ مِثْلَهَا بَشَرَا
فَقَالَ الْعَبَّاسُ:
يَزِيدُكَ وَجْهُهَا حُسْنًا ... إِذَا مَا زِدْتَهُ نَظَرَا
فَقَالَ الرَّشِيدُ: زِدْ. فَقَالَ:
إِذَا مَا اللَّيْلُ مَالَ عَلَيْ ... كَ بِالْإِظْلَامِ وَاعْتَكَرَا
وَدَجَّ فَلَمْ تَرَ قَمَرًا ... فَأَبْرِزْهَا تَرَى قَمَرَا
(14/17)

فَقَالَ: إِنَّا قَدْ رَأَيْنَاهَا وَقَدْ أَمَرْنَا لَكَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَمِنْ شَعْرِهِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ وَأَثْبَتَهُ فِي سِلْكِ الشُّعَرَاءِ بِسَبَبِهِ قَوْلُهُ:
أَبْكَي الَّذِينَ أَذَاقُونِي مَوَدَّتَهُمْ ... حَتَّى إِذَا أَيْقَظُونِي لِلْهَوَى رَقَدُوا
وَاسْتَنْهَضُونِي فَلَمَّا قُمْتُ مُنْتَصِبًا ... بِثِقْلِ مَا حَمَّلُونِي مِنْهُمْ قَعَدُوا
وَلَهُ أَيْضًا:
وَحَدَّثْتَنِي يَا سَعْدُ عَنْهَا فِزِدْتَنِي ... جُنُونًا فَزِدْنِي مِنْ حَدِيثِكَ يَا سَعْدُ
هَوَاهَا هَوًى لَمْ يَعْرِفِ الْقَلْبُ غَيْرَهُ ... فَلَيْسَ لَهُ قَبْلٌ وَلَيْسَ لَهُ بَعْدُ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ طَرِيحٌ عَلَى فِرَاشِهِ يَجُودُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
يَا بَعِيدَ الدَّارِ عَنْ وَطَنِهِ ... مُفْرَدًا يَبْكِي عَلَى شَجَنِهْ
كُلَّمَا شَدَّ النُّجَاءُ بِهِ ... زَادَتِ الْأَسْقَامُ فِي بَدَنِهْ
ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ انْتَبَهَ بِصَوْتِ طَائِرٍ عَلَى شَجَرَةٍ فَقَالَ:
(14/18)

وَلَقَدْ زَادَ الْفَؤَادَ شَجًى ... هَاتِفٌ يَبْكِي عَلَى فَنَنِهْ
شَاقَهُ مَا شَاقَنِي فَبَكَى ... كُلُّنَا يَبْكِي عَلَى سَكَنِهْ
قَالَ: ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أُخْرَى، فَحَرَّكْتُهُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ.
قَالَ الصُّولِيُّ: كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَحَكَى الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ بَعْدَهَا.
وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ بَقِيَ بَعْدَ الرَّشِيدِ
عِيسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، أَخُو زُبَيْدَةَ، كَانَ نَائِبًا عَلَى الْبَصْرَةِ فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ، فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، أَخُو جَعْفَرٍ وَإِخْوَتِهِ، كَانَ هُوَ وَالرَّشِيدُ يَتَرَاضَعَانِ، أَرْضَعَتِ الْخَيْزُرَانُ فَضْلًا هَذَا وَأَرْضَعَتْ أُمُّ الْفَضْلِ - وَهِيَ زُبَيْدَةُ بِنْتُ سِنِينَ بَرْبَرِيَّةٌ - هَارُونَ الرَّشِيدَ وَكَانَتْ زُبَيْدَةُ هَذِهِ مِنْ
(14/19)

مُوَلَّدَاتِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
كَفَى لَكَ فَضْلًا أَنَّ أَفْضَلَ حُرَّةٍ ... غَذَتْكَ بِثَدِيٍ وَالْخَلِيفَةَ وَاحِدِ
لَقَدْ زِنْتَ يَحْيَى فِي الْمَشَاهِدِ كُلِّهَا ... كَمَا زَانَ يَحْيَى خَالِدًا فِي الْمَشَاهِدِ
قَالُوا: وَكَانَ الْفَضْلُ أَكْرَمَ مِنْ أَخِيهِ جَعْفَرٍ، وَلَكِنْ كَانَ فِيهِ كِبْرٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ عَبُوسًا، وَكَانَ جَعْفَرٌ أَحْسَنَ بِشْرًا مِنْهُ، وَأَطْلَقَ وَجْهًا، وَأَقَلَّ عَطَاءً، وَكَانَ النَّاسُ إِلَيْهِ أَمْيَلَ.
وَقَدْ وَهَبَ الْفَضْلُ لِطَبَّاخِهِ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَعَاتَبَهُ أَبُوهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ، إِنَّ هَذَا كَانَ يَصْحَبُنِي فِي الْعُسْرِ وَالْعَيْشِ الْخَشِنِ، وَاسْتَمَرَّ مَعِي فِي هَذَا الْحَالِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتِي، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنَّ الْكِرَامَ إِذَا مَا أُسْهَلُوا ذَكَرُوا ... مَنْ كَانَ يُؤْنِسُهُمْ فِي الْمَنْزِلِ الْخَشِنِ
وَوَهَبَ يَوْمًا لِبَعْضِ الْأُدَبَاءِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَبَكَى الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ: مِمَّ تَبْكِي، أَسْتَقْلَلْتَهَا؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ؛ وَلَكِنِّي أَبْكِي أَسَفًا أَنَّ الْأَرْضَ تُوَارِي مِثْلَكَ!
(14/20)

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ عَنْ أَبِيهِ: أَصْبَحْتُ يَوْمًا لَا أَمْلِكُ شَيْئًا وَلَا عَلَفَ الدَّابَّةِ، فَقَصَدْتُ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى فَإِذَا هُوَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ فِي مَوْكِبٍ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا رَآنِي رَحَّبَ بِي، وَقَالَ: هَلُمَّ. فَسِرْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ سَمِعَ غُلَامًا يَدْعُو جَارِيَةً مِنْ دَارٍ، وَإِذَا هِيَ بَاسِمِ جَارِيَةٍ لَهُ يُحِبُّهَا، فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ وَشَكَا إِلَيَّ مَا لَقِيَ مِنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَصَابَكَ مَا أَصَابَ أَخَا بَنِي عَامِرٍ حَيْثُ يَقُولُ:
وَدَاعٍ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى ... فَهَيَّجَ أَحْزَانَ الْفُؤَادِ وَلَا يَدْرِي
دَعَا بِاسْمِ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا ... أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِرًا كَانَ فِي صَدْرِي
فَقَالَ: اكْتُبْ لِي هَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ. قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى بَقَّالٍ، فَرَهَنْتُ عِنْدَهُ خَاتِمِي عَلَى ثَمَنِ وَرَقَةٍ، وَكَتَبْتُهُمَا لَهُ فَأَخَذَهُمَا وَقَالَ: انْطَلِقْ رَاشِدًا. فَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَقَالَ لِي غُلَامِي: هَاتِ خَاتِمَكَ حَتَّى نَرْهَنَهُ عَلَى طَعَامٍ لَنَا وَعَلَفٍ لِلدَّابَّةِ. فَقُلْتُ: إِنِّي رَهَنْتُهُ. فَمَا أَمْسَيْنَا حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ الْفَضْلُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَعَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ سَلَفًا لِشَهْرَيْنِ مِنْ رِزْقٍ أَجْرَاهُ عَلَيَّ.
وَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَكَابِرِ، فَأَكْرَمَهُ الْفَضْلُ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ،
(14/21)

فَشَكَا إِلَيْهِ الرَّجُلُ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُكَلِّمَ فِي ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَكَمْ دَيْنُكَ؟ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ مَهْمُومٌ لِضَعْفِ رَدِّهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَالَ إِلَى بَعْضِ إِخْوَانِهِ، فَاسْتَرَاحَ عِنْدَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَإِذَا الْمَالُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ فِيهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
لَكَ الْفَضْلُ يَا فَضْلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ ... وَمَا كُلُّ مَنْ يُدْعَى بِفَضْلٍ لَهُ الْفَضْلُ
رَأَى اللَّهُ فَضْلًا مِنْكَ فِي النَّاسِ وَاسِعًا ... فَسَمَّاكَ فَضْلًا فَالْتَقَى الِاسْمُ وَالْفِعْلُ
وَقَدْ كَانَ الْفَضْلُ أَكْبَرَ رُتْبَةً مِنْ جَعْفَرٍ، وَلَكِنَّ جَعْفَرًا أَحْظَى عِنْدَ الرَّشِيدِ مِنْهُ وَأَخَصُّ. وَقَدْ وَلِيَ الْفَضْلُ أَعْمَالًا كِبَارًا، مِنْهَا نِيَابَةُ خُرَاسَانَ وَغَيْرُهَا.
فَلَمَّا قَتَلَ الرَّشِيدُ جَعْفَرًا وَحَبَسَ الْبَرَامِكَةَ، جَلَدَ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ مِائَةَ سَوْطٍ، وَخَلَّدَهُ فِي السِّجْنِ حَتَّى مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَبْلَ الرَّشِيدِ بِشُهُورٍ خَمْسَةٍ بِالرَّقَّةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ بِالْقَصْرِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ أُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّاسُ، وَدُفِنَ هُنَاكَ وَلَهُ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ ثِقَلٌ أَصَابَهُ فِي لِسَانِهِ اشْتَدَّ بِهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَذَانِ الْغَدَاةِ مِنْ يَوْمِ السَّبْتِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ.
(14/22)

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ ": كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ تَرْجَمَتَهُ، وَذَكَرَ طَرَفًا صَالِحًا مِنْ مَحَاسِنِهِ وَمَكَارِمِهِ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ بَلْخَ حِينَ كَانَ نَائِبًا عَلَى خُرَاسَانَ وَكَانَ بِهَا بَيْتُ النَّارِ الَّتِي كَانَتْ تَعْبُدُهَا الْمَجُوسُ، وَقَدْ كَانَ جَدُّهُ بَرْمَكُ مِنْ خُدَّامِهَا، فَهَدَمَ بَعْضَهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ هَدْمِهِ كُلِّهِ؛ لِقُوَّةِ إِحْكَامِهِ وَبَنَى مَكَانَهُ مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَمَثَّلُ فِي السِّجْنِ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
إِلَى اللَّهِ فِيمَا نَالَنَا نَرْفَعُ الشَّكْوَى ... فَفِي يَدِهِ كَشْفُ الْمَضَرَّةِ وَالْبَلْوَى
خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أَهْلِهَا ... فَلَا نَحْنُ فِي الْأَمْوَاتِ فِيهَا وَلَا الْأَحْيَا
إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ ... عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا
وَمُحَمَّدُ بْنُ أُمَيَّةَ، الشَّاعِرُ الْكَاتِبُ، وَهُوَ مِنْ بَيْتٍ كُلُّهُمْ شُعَرَاءُ، وَقَدِ اخْتَلَطَ أَشْعَارُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ وَلَهُ شِعْرٌ رَائِقٌ، وَمَدِيحٌ فَائِقٌ.
(14/23)

مَنْصُورُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ بْنِ سَلَمَةَ، أَبُو الْفَضْلِ النُّمَيْرِيُّ، الشَّاعِرُ، امْتَدَحَ الرَّشِيدَ. وَأَصْلُهُ مِنَ الْجَزِيرَةِ وَأَقَامَ بِبَغْدَادَ، وَيُقَالُ لِجَدِّهِ: مُطْعِمُ الْكَبْشِ الرَّخَمَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ أَضَافَ قَوْمًا، فَجَعَلَتِ الرَّخَمُ تُحَمْلِقُ حَوْلَهُمْ، فَأَمَرَ بِكَبْشٍ يُذْبَحُ لِلرَّخَمِ حَتَّى لَا يَتَأَذَّى بِهَا أَضْيَافُهُ، فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ:
أَبُوكَ زَعِيمُ بَنِي قَاسِطٍ ... وَخَالُكَ ذُو الْكَبْشِ يَقْرِي الرَّخَمَ
وَلَهُ أَشْعَارٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ يَرْوِي عَنْ كُلْثُومِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ شَيْخَهُ الَّذِي أَخَذَ عَنْهُ الْغِنَاءَ.
يُوسُفُ بْنُ الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، وَيُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَنَظَرَ فِي الرَّأْيِ، وَتَفَقَّهَ، وَوَلِيَ قَضَاءَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بِبَغْدَادَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَمْرِ الرَّشِيدِ. تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ قَاضٍ بِبَغْدَادَ.
(14/24)

[سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا تُوُفِّيَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى، وَقَدْ أَرَّخَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَفَاتَهُ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ، وَتِسْعِينَ، وَمِائَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَعِيدٌ الْجَوْهَرِيُّ. قَالَ: وَفِيهَا وَافَى الرَّشِيدُ جُرْجَانَ وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ خَزَائِنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى تُحْمَلُ عَلَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ بَعِيرٍ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ مِنْهَا، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْهَا إِلَى طُوسَ وَهُوَ عَلِيلٌ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ فِيهَا.
وَفِيهَا تَوَاقَعَ هَرْثَمَةُ نَائِبُ الْعِرَاقِ هُوَ وَرَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ، فَكَسَرَهُ هَرْثَمَةُ، وَافْتَتَحَ بُخَارَى، وَأَسَرَ أَخَاهُ بَشِيرَ بْنَ اللَّيْثِ، فَبَعَثَهُ إِلَى الرَّشِيدِ، وَهُوَ بِطُوسَ مُثْقَلٌ عَنِ السَّيْرِ، فَلَمَّا أُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَرَعَ يَتَرَقَّقُ لَهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، بَلْ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي إِلَّا أَنْ أُحَرِّكَ شَفَتَيْ بِقَتْلِكَ لَقَتَلْتُكَ. ثُمَّ دَعَا بِقَصَّابٍ، فَجَزَّأَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ عُضْوًا، ثُمَّ رَفَعَ الرَّشِيدُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُمَكِّنَهُ
(14/25)

مِنْ رَافِعٍ كَمَا مَكَّنَهُ مِنْ أَخِيهِ بَشِيرٍ

[وَفَاةُ هَارُونَ الرَّشِيدِ]
ذِكْرُ وَفَاةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ
كَانَ قَدْ رَأَى، وَهُوَ بِالرَّقَّةِ رُؤْيَا أَفْزَعَتْهُ، وَغَمَّهُ ذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بْنُ بَخْتَيْشُوعَ، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ كَأَنَّ كَفًّا فِيهَا تُرْبَةٌ حَمْرَاءُ خَرَجَتْ مِنْ تَحْتِ سَرِيرِي هَذَا، وَقَائِلًا يَقُولُ هَذِهِ تُرْبَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَهَوَّنَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ أَمْرَهَا، وَقَالَ: هَذِهِ مِنْ أَضْغَاثِ الْأَحْلَامِ، وَمِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، فَتَنَاسَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا سَارَ يُرِيدُ خُرَاسَانَ وَمَرَّ بِطُوسَ، وَاعْتَقَلَتْهُ الْعِلَّةُ بِهَا، ذَكَرَ رُؤْيَاهُ الَّتِي كَانَ رَأَى؛ فَهَالَهُ ذَلِكَ، وَانْزَعَجَ جِدًّا فَدَخَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِجِبْرِيلَ: وَيْحَكَ؟ أَمَا تَذْكُرُ مَا قَصَصْتُهُ عَلَيْكَ مِنَ الرُّؤْيَا؟ فَقَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَ مَاذَا؟ فَدَعَا مَسْرُورًا الْخَادِمَ، وَقَالَ: ائْتِنِي بِشَيْءٍ مِنْ تُرْبَةِ هَذِهِ الْأَرْضِ. فَجَاءَهُ بِتُرْبَةٍ حَمْرَاءَ فِي يَدِهِ، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: وَاللَّهِ هَذِهِ الْكَفُّ الَّتِي رَأَيْتُ، وَالتُّرْبَةُ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا. قَالَ جِبْرِيلُ: فَوَاللَّهِ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ حَتَّى تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
(14/26)

وَقَدْ أَمَرَ بِحَفْرِ قَبْرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ فِي الدَّارِ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَهِيَ دَارُ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي غَانِمٍ الطَّائِيِّ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى قَبْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ تَصِيرُ إِلَى هَذَا! ثُمَّ أَمَرَ بِقُرَّاءٍ فَقَرَءُوا فِي الْقَبْرِ الْقُرْآنَ حَتَّى خَتَمُوهُ، وَهُوَ فِي مَحَفَّةٍ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ احْتَبَى بِمُلَاءَةٍ وَجَلَسَ يُقَاسِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوِ اضْطَجَعْتَ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْكَ. فَضَحِكَ ضَحِكَ صَحِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وَإِنِّي مِنْ قَوْمٍ كِرَامٍ يَزِيدُهُمْ ... شِمَاسًا، وَصَبْرًا شِدَّةُ الْحَدَثَانِ
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَقِيلَ: لَيْلَةَ الْأَحَدِ. مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، عَنْ خَمْسٍ، وَقِيلَ: سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. فَكَانَ مُلْكُهُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.

[تَرْجَمَةُ هَارُونَ الرَّشِيدِ]
وَهَذِهِ تَرْجَمَتُهُ
هُوَ هَارُونُ الرَّشِيدُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ابْنُ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَنْصُورِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُقَالُ: أَبُو جَعْفَرٍ. وَأُمُّهُ الْخَيْزُرَانُ أُمُّ وَلَدٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ، وَقِيلَ: سَبْعٍ، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ
(14/27)

سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ مُوسَى الْهَادِي فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، بِعَهْدٍ مِنْ أَبِيهِ الْمَهْدِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَحَدَّثَ عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» أَوْرَدَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ. وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ ابْنُهُ، وَسُلَيْمَانُ الْهَاشِمِيُّ، وَالِدُ إِسْحَاقَ، وَنُبَاتَةُ بْنُ عَمْرٍو. وَكَانَ الرَّشِيدُ أَبْيَضَ طَوِيلًا سَمِينًا جَمِيلًا.
وَقَدْ غَزَا الصَّائِفَةَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ مِرَارًا، وَعَقَدَ الْهُدْنَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالرُّومِ بَعْدَ مُحَاصَرَتِهِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَقَدْ لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ جَهْدًا جَهِيدًا، وَخَوْفًا شَدِيدًا، وَكَانَ الصُّلْحُ مَعَ امْرَأَةِ أَلْيُونَ، وَهِيَ الْمُلَقَّبَةُ بِأُغُسْطَةَ عَلَى حَمْلٍ كَثِيرٍ تَبْذُلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَامٍ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي حَدَا أَبَاهُ عَلَى أَنْ بَايَعَ لَهُ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَ أَخِيهِ مُوسَى الْهَادِي، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. ثُمَّ لَمَّا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَخِيهِ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ سِيرَةً، وَأَكْثَرِهِمْ غَزْوًا وَحَجًّا بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِيهِ أَبُو السَّعْلِيِّ:
(14/28)

فَمَنْ يَطْلُبْ لِقَاءَكَ أَوْ يُرِدْهُ ... فَبِالْحَرَمَيْنِ أَوْ أَقْصَى الثُّغُورِ
فَفِي أَرْضِ الْعَدُوِّ عَلَى طِمِرٍّ ... وَفِي أَرْضِ الْبَنِيَّةِ فَوْقَ كُورِ
وَمَا حَازَ الثُّغُورَ سِوَاكَ خَلْقٌ ... مِنَ الْمُسْتَخْلَفِينَ عَلَى الْأُمُورِ
وَكَانَ يَتَصَدَّقُ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَإِذَا حَجَّ أَحَجَّ مَعَهُ مِائَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَبْنَائِهِمْ، وَإِذَا لَمْ يَحُجَّ أَحَجَّ ثَلَاثَمِائَةٍ بِالنَّفَقَةِ السَّابِغَةِ، وَالْكُسْوَةِ التَّامَّةِ، وَكَانَ يُحِبُّ التَّشَبُّهَ بِجَدِّهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ إِلَّا فِي الْعَطَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ سَرِيعَ الْعَطَاءِ جَزِيلَهُ، وَكَانَ يُحِبُّ الْفُقَهَاءَ، وَالشُّعَرَاءَ، وَيُعْطِيهِمْ كَثِيرًا، وَلَا يَضِيعُ لَدَيْهِ بِرٌّ وَلَا مَعْرُوفٌ، وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَكَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا، إِلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا، إِلَّا أَنْ تَعْرِضَ لَهُ عِلَّةٌ.
وَكَانَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمَدَنِيُّ هُوَ الَّذِي يُضْحِكُهُ، وَكَانَ عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ بِأَخْبَارِ الْحِجَازِ، وَغَيْرِهَا، وَكَانَ الرَّشِيدُ قَدْ أَنْزَلَهُ فِي قَصْرِهِ، وَخَلَطَهُ بِأَهْلِهِ. نَبَّهَهُ الرَّشِيدُ يَوْمًا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَدْرَكَ الرَّشِيدَ، وَهُوَ يَقْرَأُ {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} [يس: 22] فَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ. فَضَحِكَ الرَّشِيدُ، وَقَطَعَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَيْحَكَ! اجْتَنِبِ الصَّلَاةَ وَالْقُرْآنَ،
(14/29)

وَلَكَ مَا عَدَا ذَلِكَ.
وَدَخَلَ يَوْمًا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَى الرَّشِيدِ، وَمَعَهُ بَرْنِيَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ فِيهَا غَالِيَةٌ مِنْ أَحْسَنِ الطِّيبِ، فَجَعَلَ يَمْدَحُهَا، وَيَزِيدُ فِي شُكْرِهَا، وَسَأَلَ مِنَ الرَّشِيدِ أَنْ يَقْبَلَهَا مِنْهُ فَقَبِلَهَا، فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ فَوَهَبَهَا لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: وَيَحَكَ! جِئْتُ بِشَيْءٍ مَنَعْتُهُ نَفْسِي، وَآثَرْتُ بِهِ سَيِّدِي فَأَخَذْتَهُ. فَحَلَفَ ابْنُ مَرْيَمَ لَيُطَيِّبَنَّ بِهِ اسْتَهُ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا فَطَلَى بِهِ اسْتَهُ، وَدَهَنَ جَوَارِحَهُ كُلَّهَا مِنْهَا، وَالرَّشِيدُ لَا يَتَمَالَكُ نَفْسَهُ مِنَ الضَّحِكِ. ثُمَّ قَالَ لِخَادِمٍ قَائِمٍ يُقَالُ لَهُ خَاقَانُ: اطْلُبْ لِي غُلَامِي. فَقَالَ الرَّشِيدُ: ادْعُ لَهُ غُلَامَهُ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ هَذِهِ الْغَالِيَةَ، وَاذْهَبْ بِهَا إِلَى سِتِّكَ فَمُرْهَا فَلْتُطَيِّبْ مِنْهَا اسْتَهَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهَا فَأَنِيكَهَا. فَذَهَبَ الضَّحِكُ بِالرَّشِيدِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ: جِئْتَ بِهَذِهِ الْغَالِيَةِ تَمْدَحُهَا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي مَا تُمْطِرُ السَّمَاءُ شَيْئًا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ تَحْتَ تَصَرُّفِهِ، وَفِي يَدِهِ؟ وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنْ قِيلَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: مَا أَمَرَكَ بِهِ هَذَا فَأَنْفِذْهُ. وَأَنْتَ تَمْدَحُ هَذِهِ الْغَالِيَةَ عِنْدَهُ كَأَنَّهُ بَقَّالٌ، أَوْ خَبَّازٌ، أَوْ طَبَّاخٌ، أَوْ تَمَّارٌ. فَكَادَ الرَّشِيدُ يَهْلِكُ مِنْ شِدَّةِ
(14/30)

الضَّحِكِ ثُمَّ أَمَرَ لِابْنِ أَبِي مَرْيَمَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَقَدْ شَرِبَ الرَّشِيدُ يَوْمًا دَوَاءً فَسَأَلَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنْ يَلِيَ الْحِجَابَةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَمَهْمَا حَصَلَ لَهُ فَهُوَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَلَّاهُ الْحِجَابَةَ، فَجَاءَتِ الرُّسُلُ بِالْهَدَايَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْ عِنْدِ زُبَيْدَةَ، وَالْبَرَامِكَةِ، وَكِبَارِ الْأُمَرَاءِ، فَكَانَ حَاصِلُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ سِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَهُ الرَّشِيدُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَمَّا تَحَصَّلَ، فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: فَأَيْنَ نَصِيبِي؟ قَالَ: مَعْزُولٌ. قَالَ: قَدْ صَالَحْتُكَ عَلَيْهِ بِعَشَرَةِ آلَافِ تُفَّاحَةٍ.
وَقَدِ اسْتَدْعَى إِلَيْهِ أَبَا مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ خَازِمٍ لِيَسْمَعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: مَا ذَكَرْتُ عِنْدَهُ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا قَالَ: صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِي. وَإِذَا سَمِعَ حَدِيثًا فِيهِ مَوْعِظَةٌ يَبْكِي حَتَّى يَبُلَّ الثَّرَى. وَأَكَلْتُ عِنْدَهُ يَوْمًا ثُمَّ قُمْتُ لِأَغْسِلَ يَدِي فَصَبَّ الْمَاءَ عَلَيَّ، وَأَنَا لَا أَرَاهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ، أَتَدْرِي مَنْ يَصُبُّ عَلَيْكَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أَنَا. فَدَعَا لَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ تَعْظِيمَ الْعِلْمِ، وَقَدْ حَدَّثَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ يَوْمًا عَنِ
(14/31)

الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ: " " «احْتَجَّ آدَمُ، وَمُوسَى» " " فَقَالَ عَمُّ الرَّشِيدِ: أَيْنَ الْتَقَيَا يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ؟ فَغَضِبَ الرَّشِيدُ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَتَعْتَرِضُ عَلَى الْحَدِيثِ؟ ! عَلَيَّ بِالنَّطْعِ، وَالسَّيْفِ. فَأُحْضِرَ ذَلِكَ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ يَشْفَعُونَ فِيهِ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: هَذِهِ زَنْدَقَةٌ. ثُمَّ أَمَرَ بِسَجْنِهِ، وَقَالَ: لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُخْبِرَنِي مَنْ أَلْقَى إِلَيْهِ هَذَا. فَأَقْسَمَ بِالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ مَا قَالَ لَهُ أَحَدٌ وَإِنَّمَا كَانَتْ بَادِرَةً مِنِّي، فَأَطْلَقَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَخَلْتُ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ مَضْرُوبُ الْعُنُقِ، وَالسَّيَّافُ يَمْسَحُ سَيْفَهُ فِي قَفَا الرَّجُلِ الْمَقْتُولِ، فَقَالَ هَارُونُ: قَتَلْتُهُ لِأَنَّهُ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. فَقَتَلْتُهُ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، انْظُرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَيُقَدِّمُونَهُمَا فَأَكْرِمْهُمْ يَعِزُّ سُلْطَانُكَ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: أَوَلَسْتُ كَذَلِكَ؟ ! أَنَا وَاللَّهِ كَذَلِكَ أُحِبُّهُمَا، وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُمَا، وَأُعَاقِبُ مَنْ يُبْغِضُهُمَا.
وَقَالَ لَهُ ابْنُ السِّمَاكِ أَوْ غَيْرُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ فَوْقَكُ، فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ أَحَدٌ أَطْوَعَ إِلَى اللَّهِ مِنْكَ. فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ فِي الْكَلَامِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ فِي الْمَوْعِظَةِ.
(14/32)

وَدَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ السِّمَاكِ يَوْمًا فَاسْتَسْقَى الرَّشِيدُ فَأُتِيَ بِقُلَّةٍ فِيهَا مَاءٌ مُبَرَّدٌ، فَقَالَ لِابْنِ السِّمَاكِ: عِظْنِي. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِكُمْ كُنْتَ مُشْتَرِيًا هَذِهِ الشَّرْبَةَ لَوْ مُنِعْتَهَا؟ فَقَالَ: بِنِصْفِ مُلْكِي. فَقَالَ: اشْرَبْ هَنِيئًا. فَلَمَّا شَرِبَ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ مُنِعْتَ خُرُوجَهَا مِنْ بَدَنِكَ، بِكَمْ كُنْتَ تَشْتَرِي ذَلِكَ؟ قَالَ: بِمُلْكِي كُلِّهِ. فَقَالَ: إِنَّ مُلْكًا قِيمَتُهُ شَرْبَةُ مَاءٍ لَخَلِيقٌ أَنْ لَا يُتَنَافَسَ فِيهِ. فَبَكَى هَارُونُ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ثِنَا الرِّيَاشِيُّ، سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ، وَهُوَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَخْذُ الْأَظْفَارِ يَوْمَ الْخَمِيسِ مِنَ السُّنَّةِ، وَبَلَغَنِي أَنَّ أَخْذَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَنْفِي الْفَقْرَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوَ تَخْشَى الْفَقْرَ؟ ! فَقَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ، وَهَلْ أَحَدٌ أَخْشَى لِلْفَقْرِ مِنَى؟
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ الرَّشِيدِ فَدَعَا طَبَّاخَهُ، فَقَالَ: أَعِنْدَكَ فِي الطَّعَامِ لَحْمُ جَزُورٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَلْوَانٌ مِنْهُ. فَقَالَ: أَحْضِرْهُ مَعَ الطَّعَامِ، فَلَمَّا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَخَذَ لُقْمَةً مِنْهُ، فَوَضَعَهَا فِي فِيهِ، فَضَحِكَ جَعْفَرٌ الْبَرْمَكِيُّ، فَتَرَكَ الرَّشِيدُ مَضْغَ اللُّقْمَةِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
(14/33)

مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ذَكَرْتُ كَلَامًا دَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ جَارِيَتِي الْبَارِحَةَ. فَقَالَ: بِحَقِّي عَلَيْكَ لَمَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ. قَالَ: حَتَّى تَأْكُلَ هَذِهِ اللُّقْمَةَ، فَأَلْقَاهَا مِنْ فِيهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِكَمْ تَقُولُ إِنَّ هَذَا الطَّعَامَ مِنْ لَحْمِ الْجَزُورِ يُقَوَّمُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ. قَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّكَ طَلَبْتَ مِنْ طَبَّاخِكَ هَذَا لَحْمَ جَزُورٍ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ، فَقُلْتُ: لَا يَخْلُوَنَّ الْمَطْبَخُ مِنْ لَحْمِ جَزُورٍ، فَنَحْنُ نَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ جَزُورًا؛ لِأَنَّا لَا نَشْتَرِي لَحْمَ الْجَزُورِ مِنَ السُّوقِ، فَصُرِفَ فِي لَحْمِ الْجَزُورِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَطْلُبْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَحْمَ الْجَزُورِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ، قَالَ جَعْفَرٌ: فَضَحِكْتُ؛ لِأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا نَالَهُ مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ اللُّقْمَةُ، فَهِيَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ: فَبَكَى الرَّشِيدُ بُكَاءً شَدِيدًا، وَأَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ يُوَبِّخُهَا، وَيَقُولُ: هَلَكْتَ وَاللَّهِ يَا هَارُونُ. وَأَمَرَ بِرَفْعِ السِّمَاطِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى آذَنَهُ الْمُؤَذِّنُونَ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ، فَخَرَجَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ رَجَعَ يَبْكِي، وَقَدْ أَمَرَ بِأَلْفَيْ أَلْفٍ تُصْرَفُ إِلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمَيْنِ، فِي كُلِّ حَرَمٍ أَلْفُ أَلْفٍ صَدَقَةً، وَأَمَرَ بِأَلْفَيْ أَلْفٍ يَتَصَدَّقُ بِهَا فِي جَانِبَيْ بَغْدَادَ؛ الْغَرْبِيِّ، وَالشَّرْقِيِّ، وَبِأَلْفِ أَلْفٍ يُتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى
(14/34)

فَقُرَاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ. ثُمَّ خَرَجَ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ رَجَعَ يَبْكِي حَتَّى صَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَاكِيًا فِي هَذَا الْيَوْمِ؟ فَذَكَرَ أَمْرَهُ، وَمَا صَرَفَ مِنَ الْمَالِ الْجَزِيلِ لِأَجْلِ شَهْوَتِهِ، وَإِنَّمَا نَالَهُ مِنْهَا لُقْمَةٌ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لِجَعْفَرٍ: هَلْ كَانَ مَا يَذْبَحُونَهُ مِنَ الْجَزُورِ يَفْسَدُ، أَوْ يَأْكُلُهُ النَّاسُ؟ قَالَ: بَلْ يَأْكُلُهُ النَّاسُ. فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِثَوَابِ اللَّهِ فِيمَا صَرَفْتَهُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي أَكَلَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ، وَبِمَا يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَبِمَا رَزَقَكَ اللَّهُ مِنْ خَشْيَتِهِ وَخَوْفِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] فَأَمَرَ لَهُ الرَّشِيدُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ اسْتَدْعَى بِطَعَامٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَكَانَ غَدَاؤُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَشَاءً.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ الْجَاحِظُ: اجْتَمَعَ لِلرَّشِيدِ مِنَ الْجِدِّ وَالْهَزْلِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ، كَانَ أَبُو يُوسُفَ قَاضِيَهُ، وَالْبَرَامِكَةُ وُزَرَاءَهُ، وَحَاجِبُهُ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ أَنْبَهُ النَّاسِ، وَأَشَدُّهُمْ تَعَاظُمًا، وَنَدِيمُهُ عَمُّ أَبِيهِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ صَاحِبُ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَشَاعِرُهُ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَمُغَنِّيهِ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ وَاحِدُ
(14/35)

عَصْرِهِ فِي صِنَاعَتِهِ وَضَارِبُهُ زَلْزَلٌ، وَزَامِرُهُ بَرْصُومَا، وَزَوْجَتُهُ أُمُّ جَعْفَرٍ يَعْنِي زُبَيْدَةَ، وَكَانَتْ أَرْغَبَ النَّاسِ فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَأَسْرَعَهُمْ إِلَى كُلِّ بِرٍّ وَمَعْرُوفٍ، أَدْخَلَتِ الْمَاءَ الْحَرَمَ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ، إِلَى أَشْيَاءَ مِنَ الْمَعْرُوفِ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ يَقُولُ: إِنَّا مِنْ قَوْمٍ عَظُمَتْ رَزِيَّتُهُمْ، وَحَسُنَتْ بَقِيَّتُهُمْ، وَرِثْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَقِيَتْ فِينَا خِلَافَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَبَيْنَمَا الرَّشِيدُ يَطُوفُ يَوْمًا بِالْبَيْتِ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُكَلِّمَكَ بِكَلَامٍ فِيهِ غِلْظَةٌ. فَقَالَ: لَا، وَلَا نِعْمَتْ عَيْنٌ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ إِلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي فَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا.
وَعَنْ شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: رَأَيْتُ الرَّشِيدَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَخَوَّفَتْنِي، وَقَالَتْ: إِنَّهُ الْآنَ يَضْرِبُ عُنُقَكَ. فَقُلْتُ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. فَنَادَيْتُهُ: فَقُلْتُ: يَا هَارُونُ، قَدْ أَتْعَبْتَ الْأُمَّةَ، وَالْبَهَائِمَ. فَقَالَ: خُذُوهُ. فَأُدْخِلْتُ عَلَيْهِ، وَفِي يَدِهِ
(14/36)

لَتٌّ مِنْ حَدِيدٍ يَلْعَبُ بِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ، فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الْأَبْنَاءِ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ دَعَوْتَنِي بِاسْمِي؟ قَالَ: فَخَطَرَ بِبَالِي شَيْءٌ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا أَدْعُو اللَّهَ بِاسْمِهِ، يَا اللَّهُ، يَا رَحْمَنُ أَفَلَا أَدْعُوكَ بِاسْمِكَ؟ ! وَهَذَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ دَعَا أَحَبَّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ بِاسْمِهِ: مُحَمَّدًا، وَكَنَّى أَبْغَضَ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، فَقَالَ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] فَقَالَ الرَّشِيدُ: أَخْرِجُوهُ أَخْرِجُوهُ.
وَقَالَ لَهُ ابْنُ السِّمَاكِ يَوْمًا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ تَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُقْبَرُ وَحْدَكَ، فَاحْذَرِ الْمُقَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ، وَالْوُقُوفَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حِينَ يُؤْخَذُ بِالْكَظَمِ، وَتَزِلُّ الْقَدَمُ، وَيَقَعُ النَّدَمُ، فَلَا تَوْبَةَ تُنَالُ، وَلَا عَثْرَةَ تُقَالُ، وَلَا يُقْبَلُ فِدَاءٌ بِمَالٍ. فَجَعَلَ الرَّشِيدُ يَبْكِي حَتَّى عَلَا صَوْتُهُ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ لَهُ: يَا ابْنَ السِّمَاكِ لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّيْلَةَ. فَقَامَ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَهُوَ يَبْكِي.
(14/37)

وَقَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ فِي جُمْلَةِ مَوْعِظَتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ: يَا صَبِيحَ الْوَجْهِ، إِنَّكَ مَسْئُولٌ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166] قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الْوُصَلَاتُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا. فَبَكَى حَتَّى جَعَلَ يَشْهَقُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: اسْتَدْعَانِي الرَّشِيدُ يَوْمًا، وَقَدْ زَخْرَفَ مَنَازِلَهُ، وَأَكْثَرَ الطَّعَامَ، وَالشَّرَابَ، وَاللَّذَّاتِ فِيهَا، ثُمَّ اسْتَدْعَى أَبَا الْعَتَاهِيَةِ، فَقَالَ لَهُ: صِفْ لَنَا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ، وَالنَّعِيمِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
عِشْ مَا بَدَا لَكَ سَالِمًا ... فِي ظِلِّ شَاهِقَةِ الْقُصُورِ
يَسْعَى عَلَيْكَ بِمَا اشْتَهَيْ ... تَ لَدَى الرَّوَاحِ وَفِي الْبُكُورِ
فَإِذَا النُّفُوسُ تَقَعْقَعَتْ ... عَنْ ضِيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدُورِ
فَهُنَاكَ تَعْلَمُ مُوقِنًا ... مَا كُنْتَ إِلَّا فِي غُرُورِ
قَالَ: فَبَكَى الرَّشِيدُ بُكَاءً شَدِيدًا. فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى: دَعَاكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِتَسُرَّهُ فَأَحْزَنْتَهُ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: دَعْهُ؛ فَإِنَّهُ رَآنَا فِي عَمًى فَكَرِهَ أَنْ يَزِيدَنَا عَمًى.
وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الرَّشِيدَ قَالَ لِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ: عِظْنِي بِأَبْيَاتٍ مِنَ الشِّعْرِ
(14/38)

وَأَوْجِزْ. فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
لَا تَأْمَنِ الْمَوْتَ فِي طَرَفٍ وَلَا نَفَسٍ ... وَلَوْ تَمَنَّعْتَ بِالْحُجَّابِ وَالْحَرَسِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ سِهَامَ الْمَوْتِ قَاصِدَةٌ ... لِكُلِّ مُدَّرِعٍ مِنْهَا وَمُتَّرِسِ
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ
قَالَ: فَخَرَّ الرَّشِيدُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
وَقَدْ حَبَسَ الرَّشِيدُ مَرَّةً أَبَا الْعَتَاهِيَةِ، وَأَرْصَدَ عَلَيْهِ مَنْ يَأْتِيهِ بِمَا يَقُولُ، فَكَتَبَ مَرَّةً عَلَى جِدَارِ الْحَبْسِ:
أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ الظُّلْمَ لُومٌ ... وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ
إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي ... وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ
قَالَ: فَاسْتَدْعَاهُ وَاسْتَجْعَلَهُ فِي حِلٍّ، وَوَهَبَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَطْلَقَهُ.
وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ: ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ فَقَالَ: مَا خَبَرُكَ؟ فَقُلْتُ:
بِعَيْنِ اللَّهِ مَا تَخْفَى الْبُيُوتُ ... فَقَدْ طَالَ التَّحَمُّلُ وَالسُّكُوتُ
فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مِائَةُ أَلْفٍ لِابْنِ عُيَيْنَةَ تُغْنِيهِ، وَتُغْنِي عَقِبَهُ، وَلَا تَضُرُّ الرَّشِيدَ شَيْئًا.
(14/39)

وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كُنْتُ مَعَ الرَّشِيدِ فِي الْحَجِّ، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ، فَإِذَا عَلَى شَفِيرِهِ امْرَأَةٌ صَبِيَّةٌ حَسْنَاءُ بَيْنَ يَدَيْهَا قَصْعَةٌ، وَهِيَ تَسْأَلُ فِيهَا، وَتَقُولُ:
طَحْطَحَتْنَا طَحَاطِحُ الْأَعْوَامِ ... وَرَمَتْنَا حَوَادِثُ الْأَيَّامِ
فَأَتَيْنَاكُمْ نَمُدُّ أَكُفًّا ... لِفَضَالَاتِ زَادِكُمْ، وَالطَّعَامِ
فَاطْلُبُوا الْأَجْرَ، وَالْمَثُوبَةَ فِينَا ... أَيُّهَا الزَّائِرُونَ بَيْتَ الْحَرَامِ
مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي، وَرَحْلِي ... فَارْحَمُوا غُرْبَتِي، وَذُلَّ مَقَامِي
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: فَذَهَبْتُ إِلَى الرَّشِيدِ فَأَخْبَرْتُهُ بِأَمْرِهَا، فَجَاءَ بِنَفْسِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهَا، فَسَمِعَهَا فَرَحِمَهَا وَبَكَى، وَأَمَرَ مَسْرُورًا الْخَادِمَ أَنْ يَمْلَأَ قَصْعَتَهَا ذَهَبًا، فَمَلَأَهَا حَتَّى جَعَلَتْ تَفِيضُ يَمِينًا، وَشِمَالًا.
وَسَمِعَ مَرَّةً الرَّشِيدُ أَعْرَابِيًّا يَحْدُو إِبِلَهُ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، وَهُوَ يَقُولُ:
يَا أَيُّهَا الْمُجْمِعُ هَمًّا لَا تُهَمْ ... إِنَّكَ إِنْ تُقْضَى لَكَ الْحُمَّى تُحَمْ
كَيْفَ تَوَقِّيكَ وَقَدْ جَفَّ الْقَلَمْ
(14/40)

وَحَطَّتِ الصِّحَّةُ مِنْكَ وَالسَّقَمْ
فَقَالَ الرَّشِيدُ لِبَعْضِ الْخَدَمِ: مَا مَعَكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ. فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَى هَذَا الْأَعْرَابِيِّ. فَلَمَّا قَبَضَهَا ضَرَبَ رَفِيقُهُ بِيَدِهِ عَلَى كَتِفِهِ، وَقَالَ مُتَمَثِّلًا:
وَكُنْتُ جَلِيسَ قَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو ... وَلَا يَشْقَى بِقَعْقَاعٍ جَلِيسُ
فَأَمَرَ الرَّشِيدُ بَعْضَ الْخَدَمِ أَنْ يُعْطِيَ الْمُتَمَثِّلَ مَا مَعَهُ مِنَ الذَّهَبِ، فَإِذَا مَعَهُ مِائَتَا دِينَارٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَصْلُ هَذَا الْمَثَلِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ؛ جَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَفَرَّقَهَا عَلَى جُلَسَائِهِ، وَإِلَى جَانِبِهِ قَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَإِلَى جَانِبِ الْقَعْقَاعِ أَعْرَابِيٌّ لَمْ يَفْضُلْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، فَأَطْرَقَ الْأَعْرَابِيُّ حَيَاءً، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْقَعْقَاعُ الْجَامَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ، فَنَهَضَ الْأَعْرَابِيُّ، وَهُوَ يَقُولُ:
وَكُنْتُ جَلِيسَ قَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو ... وَلَا يَشْقَى بِقَعْقَاعٍ جَلِيسُ
وَخَرَجَ الرَّشِيدُ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ زُبَيْدَةَ، وَهُوَ يَضْحَكُ فَقِيلَ لَهُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: دَخَلَتْ إِلَيَّ هَذِهِ الْمَرْأَةُ - يَعْنِي زَوْجَتَهُ زُبَيْدَةَ - فَأَكَلْتُ عِنْدَهَا، وَنِمْتُ، فَمَا اسْتَيْقَظْتُ إِلَّا بِصَوْتِ ذَهَبٍ يُصَبُّ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟
(14/41)

قَالُوا: هَذِهِ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ قَدِمَتْ مِنْ مِصْرَ. فَقَالَتْ: هَبْهَا لِي يَابْنَ عَمِّ. فَقُلْتُ: هِيَ لَكِ. ثُمَّ مَا خَرَجْتُ حَتَّى عَرْبَدَتْ عَلَيَّ، وَقَالَتْ: أَيُّ خَيْرٍ رَأَيْتُ مِنْكَ؟
وَقَالَ الرَّشِيدُ مَرَّةً لِلْمُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ: مَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الذِّئْبِ، وَلَكَ هَذَا الْخَاتَمُ، وَشِرَاؤُهُ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ دِينَارٍ؟ فَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
يَنَامُ بِإِحْدَى مُقْلَتَيْهِ وَيَتَّقِي ... بِأُخْرَى الرَّزَايَا فَهُو يَقْظَانُ هَاجِعُ
فَقَالَ: مَا قُلْتَ هَذَا إِلَّا لِتَسْلُبَنَا الْخَاتَمَ. ثُمَّ أَلْقَاهُ إِلَيْهِ، فَبَعَثَتْ زُبَيْدَةُ فَاشْتَرَتْهُ مِنْهُ بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ دِينَارٍ، وَبَعَثَتْ بِهِ إِلَى الرَّشِيدِ، وَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُكَ مُعْجَبًا بِهِ. فَرَدَّهُ إِلَى الْمُفَضَّلِ، وَالدَّنَانِيرَ، وَقَالَ: مَا كُنَّا لِنَهَبَ شَيْئًا، وَنَرْجِعَ فِيهِ.
وَقَالَ الرَّشِيدُ يَوْمًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ: أَيُّ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ أَرَقُّ؟ فَقَالَ: قَوْلُ جَمِيلٍ فِي بُثَيْنَةَ:
أَلَا لَيْتَنِي أَعْمَى أَصَمُّ تَقُودُنِي ... بُثَيْنَةُ لَا يَخْفَى عَلَيَّ كَلَامُهُا
فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: فَقَوْلُكَ أَرَقُّ مِنْ هَذَا حَيْثُ قُلْتَ:
طَافَ الْهَوَى فِي عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمْ ... حَتَّى إِذَا مَرَّ بِي مِنْ بَيْنِهِمْ وَقَفَا
فَقَالَ الْعَبَّاسُ: فَقَوْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَقُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ:
أَمَا يَكْفِيكِ أَنَّكِ تَمْلِكِينِي ... وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَبِيدِي
(14/42)

وَأَنَّكِ لَوْ قَطَعْتِ يَدِي، وَرِجْلِي
لَقُلْتُ مِنَ الْهَوَى أَحْسَنْتِ زِيدِي
قَالَ: فَضَحِكَ الرَّشِيدُ، وَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ.
وَمِنْ شَعْرِ الرَّشِيدِ فِي ثَلَاثِ حَظِيَّاتٍ كُنَّ عِنْدَهُ مِنَ الْخَوَاصِّ:
مَلَكَ الثَّلَاثُ الْآنِسَاتُ عِنَانِي ... وَحَلَلْنَ مِنْ قَلْبِي بِكُلِّ مَكَانِ
مَا لِي تُطَاوِعُنِي الْبَرِيَّةُ كُلُّهَا ... وَأُطِيعُهُنَّ، وَهُنَّ فِي عِصْيَانِي
مَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ سُلْطَانَ الْهَوَى ... وَبِهِ قَوَيْنَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِي
وَمِنْ شَعْرِهِ فِيمَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْعِقْدِ فِي كِتَابِهِ:
تُبْدِي صُدُودًا وَتُخْفِي تَحْتَهُ مِقَّةً ... فَالنَّفْسُ رَاضِيَةٌ وَالطَّرْفُ غَضْبَانُ
يَا مَنْ بَذَلْتُ لَهُ خَدِّي فَزَلَّلَهُ ... وَلَيْسَ فَوْقِي سِوَى الرَّحْمَنِ سُلْطَانُ
وَذَكَرَ أَبُو هِفَّانَ أَنَّهُ كَانَ فِي دَارِ الرَّشِيدِ مِنَ الْجَوَارِي، وَالْحَظَايَا، وَخَدَمِهِنَّ، وَخَدَمِ زَوْجَتِهِ، وَأَخَوَاتِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ جَارِيَةٍ، وَأَنَّهُنَّ حَضَرْنَ كُلُّهُنَّ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَغَنَّتْهُ الْمُطْرِبَاتُ فَطَرِبَ جِدًّا، وَأَمَرَ بِمَالٍ فَنُثِرَ عَلَيْهِنَّ، فَكَانَ
(14/43)

مَبْلَغُهُ سِتَّةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَرَوَى أَنَّهُ اشْتَرَى جَارِيَةً مِنَ الْمَدِينَةِ فَأُعْجِبَ بِهَا جِدًّا، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ مَوَالِيهَا، وَمَنْ يَلُوذُ بِهِمْ لِيَقْضِيَ حَوَائِجَهُمْ، فَقَدِمُوا فِي ثَمَانِينَ نَفْسًا، فَأَمَرَ الْحَاجِبَ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ أَنْ يَتَلَقَّاهُمْ، وَيَكْتُبَ حَوَائِجَهُمْ، فَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ قَدْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَهْوَى تِلْكَ الْجَارِيَةَ، فَقَالَ لَهُ الْحَاجِبُ: مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: حَاجَتِي أَنْ يُجْلِسَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ فُلَانَةٍ فَأَشْرَبَ ثَلَاثَةَ أَرْطَالٍ مِنْ شَرَابٍ، فَتُغَنِّينِي ثَلَاثَةَ أَصْوَاتٍ. فَقَالَ: أَمَجْنُونٌ أَنْتَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اعْرِضْ ذَلِكَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، ذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، وَأَنْ تَجْلِسَ مَعَهُ الْجَارِيَةُ بِحَيْثُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، فَجَلَسَتْ عَلَى كُرْسِيٍّ، وَالْخُدَّامُ بَيْنَ يَدَيْهَا وَجَلَسَ الرَّجُلُ عَلَى كُرْسِيٍّ، فَشَرِبَ رِطْلًا، وَقَالَ لَهَا: غَنِّينِي:
خَلِيلَيَّ عُوجَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا ... وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِنْدُ بِأَرْضِكُمَا قَصْدَا
وَقُولَا لَهَا لَيْسَ الضَّلَالُ أَجَازَنَا ... وَلَكِنَّنَا جُزْنَا لِنَلْقَاكُمْ عَمْدَا
غَدًا يَكْثُرُ الْبَاكُونَ مِنَّا، وَمِنْكُمُ ... وَتَزْدَادُ دَارِي مِنْ دِيَارِكُمْ بُعْدَا
فَغَنَّتْهُ ثُمَّ اسْتَعْجَلَهُ الْخَادِمُ فَشَرِبَ رِطْلًا آخَرَ، وَقَالَ: غَنِّينِي، جُعِلْتُ فِدَاكِ:
(14/44)

تَكَلَّمُ مِنَّا فِي الْوُجُوهِ عُيُونُنَا ... فَنَحْنُ سُكُوتٌ، وَالْهَوَى يَتَكَلَّمُ
وَنَغْضَبُ أَحْيَانًا وَنَرْضَى بِطَرْفِنَا ... وَذَلِكَ فِيمَا بَيْنَنَا لَيْسَ يُعْلَمُ
فَغَنَّتْهُ، ثُمَّ شَرِبَ رِطْلًا ثَالِثًا، وَقَالَ: غَنِّينِي جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكِ:
أَحْسَنُ مَا كُنَّا تَفَرُّقُنَا ... وَخَانَنَا الدَّهْرُ، وَمَا خُنَّا
فَلَيْتَ ذَا الدَّهْرَ لَنَا مَرَّةً ... عَادَ لَنَا يَوْمًا كَمَا كُنَّا
قَالَ: ثُمَّ قَامَ الشَّابُّ إِلَى دَرَجَةٍ هُنَاكَ فَعَلَاهَا، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ أَعْلَاهَا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَمَاتَ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: عَجِلَ الْفَتَى، وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَعْجَلْ لَوَهَبْتُهَا لَهُ.
وَفَضَائِلُهُ، وَمَكَارِمُهُ، وَمَآثِرُهُ، وَأَشْعَارُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، قَدْ أَوْرَدَ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ أُنْمُوذَجًا صَالِحًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَدْ كَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ يَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ أَعَزَّ عَلَيْنَا مِنْ مَوْتِ هَارُونَ الرَّشِيدِ وَإِنِّي لَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَزِيدَ فِي عُمُرِهِ مِنْ عُمُرِي. قَالُوا: فَلَمَّا مَاتَ الرَّشِيدُ، وَظَهَرَتْ تِلْكَ الْفِتَنُ وَالِاخْتِلَافَاتُ، وَالْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، عَرَفْنَا مَا كَانَ يَحْمِلُ الْفُضَيْلَ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَآهُ فِي مَنَامِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ تُرْبَةٌ حَمْرَاءُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: هَذِهِ تُرْبَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَتْ بِطُوسَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ الرَّشِيدَ رَأَى فِي مَنَامِهِ قَائِلًا يَقُولُ:
كَأَنِّي بِهَذَا الْقَصْرِ قَدْ بَادَ أَهْلُهُ ... . . . . . . . . . .
(14/45)

الشِّعْرَ إِلَى آخِرِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ رَآهُ أَخُوهُ مُوسَى الْهَادِي، وَأَبُوهُ مُحَمَّدٌ الْمَهْدِيُّ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ أَمَرَ بِحَفْرِ قَبْرِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَأَمَرَ بِقِرَاءَةِ خَتْمَةٍ فِيهِ، وَأَنَّهُ حُمِلَ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ يَقُولُ: إِلَى هَاهُنَا تَصِيرُ يَابْنَ آدَمَ! وَيَبْكِي، وَأَمَرَ أَنْ يُوَسَّعَ عِنْدَ صَدْرِهِ، وَأَنْ يُمَدَّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 28]
[الْحَاقَّةِ: 28، 29] وَيَبْكِي.
وَيُقَالُ: إِنَّ آخَرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ حِينَ احْتُضِرَ: اللَّهُمَّ انْفَعْنَا بِالْإِحْسَانِ، وَاغْفِرْ لَنَا الْإِسَاءَةَ، يَا مَنْ لَا يَمُوتُ، ارْحَمْ مَنْ يَمُوتُ.
وَكَانَ مَرَضُهُ بِالدَّمِ، وَقِيلَ: بِالسُّلِّ. وَكَانَ جِبْرِيلُ بْنُ بَخْتَيْشُوعَ يَكْتُمُهُ مَا بِهِ مِنَ الْعِلَّةِ، فَأَمَرَ الرَّشِيدُ رَجُلًا أَنْ يَأْخُذَ مَاءَهُ فِي قَارُورَةٍ، وَيَذْهَبَ بِهِ إِلَى جِبْرِيلَ فَيُرِيَهُ إِيَّاهُ، عَلَى أَنَّهُ لِمَرِيضٍ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: هَذَا مِثْلُ مَاءِ ذَلِكَ الرَّجُلِ. فَفَهِمَ صَاحِبُ الْقَارُورَةِ مَنْ عَنَى بِهِ، فَقَالَ لَهُ: بِاللَّهِ عَلَيْكَ أَخْبِرْنِي عَنْ حَالِ صَاحِبِ هَذَا الْمَاءِ؛ فَإِنَّ لِي عَلَيْهِ مَالًا، فَإِنْ كَانَ بِهِ رَجَاءٌ، وَإِلَّا أَخَذْتُهُ مِنْهُ. فَقَالَ: اذْهَبْ فَتَخَلَّصْ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعِيشُ إِلَّا أَيَّامًا. فَلَمَّا جَاءَ، وَأَخْبَرَ الرَّشِيدَ، بَعَثَ إِلَى جِبْرِيلَ فَتَغَيَّبَ حَتَّى مَاتَ الرَّشِيدُ. وَقَدْ قَالَ الرَّشِيدُ فِي هَذِهِ الْحَالِ:
إِنِّي بِطُوسَ مُقِيمٌ مَا لِي ... بِطُوسَ حَمِيمُ أَرْجُو إِلَهِي
لِمَا بِي فَإِنَّهُ بِي رَحِيمُ
(14/46)

لَقَدْ أَتَانِي بِطُوسَ ... قَضَاؤُهُ الْمَحْتُومُ
وَلَيْسَ إِلَّا رِضَائِي ... وَالصَّبْرُ وَالتَّسْلِيمُ
مَاتَ بِطُوسَ يَوْمَ السَّبْتِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى. وَقِيلَ: فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ خَمْسٌ، وَقِيلَ: سِتٌّ، وَقِيلَ: سَبْعٌ، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ لِلْخِلَافَةِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَشَهْرٌ، وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقِيلَ: وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ صَالِحٌ، وَدُفِنَ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى طُوسَ يُقَالُ لَهَا سَنَابَاذُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَسَامَحَهُ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرَأْتُ عَلَى خِيَامِ الرَّشِيدِ بِسَنَابَاذَ، وَالنَّاسُ مُنْصَرِفُونَ مِنْ طُوسَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ:
مَنَازِلُ الْعَسْكَرِ مَعْمُورَةٌ ... وَالْمَنْزِلُ الْأَعْظَمُ مَهْجُورُ
خَلِيفَةُ اللَّهِ بِدَارِ الْبِلَى ... تَسْفِي عَلَى أَجْدَاثِهِ الْمُورُ
أَقْبَلَتِ الْعِيرُ تُبَاهِي بِهِ ... وَانْصَرَفَتْ تَنْدُبُهُ الْعِيرُ
وَقَدْ رَثَاهُ أَبُو الشِّيصِ فَقَالَ:
(14/47)

غَرَبَتْ فِي الشَّرْقِ شَمْسٌ ... فَلَهَا الْعَيْنَانِ تَدْمَعْ
مَا رَأَيْنَا قَطُّ شَمْسًا ... غَرَبَتْ مِنْ حَيْثُ تَطْلُعْ
وَقَدْ رَثَاهُ الشُّعَرَاءُ بِقَصَائِدَ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " " الْمُنْتَظَمِ " ": وَقَدْ خَلَّفَ الرَّشِيدُ مِنَ الْمِيرَاثِ مَا لَمْ يُخَلِّفْهُ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ، مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَالْأَثَاثِ، وَالْأَمْتِعَةِ سِوَى الضِّيَاعِ، وَالدُّورِ مَا قِيمَتُهُ مِائَةُ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَخَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَكَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَصَالِحِ النَّاسِ تِسْعُمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ، وَنَيِّفٍ.
ذِكْرُ زَوْجَاتِهِ، وَبَنِيهِ، وَبَنَاتِهِ
تَزَوَّجَ أُمَّ جَعْفَرٍ زُبَيْدَةَ بِنْتَ عَمِّهِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ الْمَهْدِيِّ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا الْأَمِينَ، وَمَاتَتْ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي. وَتَزَوَّجَ أَمَةَ الْعَزِيزِ أُمَّ وَلَدٍ كَانَتْ لِأَخِيهِ مُوسَى الْهَادِي فَوَلَدَتْ لَهُ عَلِيَّ بْنَ الرَّشِيدِ. وَتَزَوَّجَ أُمَّ مُحَمَّدٍ بِنْتَ صَالِحٍ الْمِسْكِينِ، وَالْعَبَّاسَةَ بِنْتَ عَمِّهِ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ، فَزُفَّتَا إِلَيْهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ سَنَةَ سَبْعٍ
(14/48)

وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ بِالرَّقَّةِ. وَتَزَوَّجَ عَزِيزَةَ بِنْتَ الْغِطْرِيفِ، وَهِيَ بِنْتُ خَالِهِ أَخِي أُمِّهِ الْخَيْزُرَانِ وَتَزَوَّجَ ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْعُثْمَانِيَّةَ، وَيُقَالُ لَهَا: الْجُرَشِيَّةُ. لِأَنَّهَا وُلِدَتْ بِجُرَشَ بِالْيَمَنِ. وَتُوُفِّيَ الرَّشِيدُ عَنْ أَرْبَعِ حَرَائِرَ: زُبَيْدَةَ، وَعَبَّاسَةَ، وَابْنَةِ صَالِحٍ، وَالْعُثْمَانِيَّةِ هَذِهِ. وَأَمَّا الْحَظَايَا مِنَ الْجَوَارِي فَكَثِيرٌ جِدًّا حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ فِي دَارِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ جَارِيَةٍ.
وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الذُّكُورُ فَمُحَمَّدٌ الْأَمِينُ بْنُ زُبَيْدَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَأْمُونُ مِنْ جَارِيَةٍ اسْمُهَا مَرَاجِلُ، وَمُحَمَّدٌ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمُ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ يُقَالُ لَهَا: مَارِدَةُ، وَالْقَاسِمُ الْمُؤْتَمَنُ مِنْ جَارِيَةٍ يُقَالُ لَهَا: قَصْفُ. وَعَلِيٌّ أُمُّهُ أَمَةُ الْعَزِيزِ، وَصَالِحٌ مِنْ جَارِيَةٍ اسْمُهَا رَثْمُ، وَمُحَمَّدٌ أَبُو يَعْقُوبَ، وَمُحَمَّدٌ أَبُو عِيسَى، وَمُحَمَّدٌ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَمُحَمَّدٌ أَبُو عَلِيٍّ، كُلُّ هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ.
وَمِنَ الْإِنَاثِ سَكِينَةُ مِنْ قَصْفَ، وَأُمُّ حَبِيبٍ مِنْ مَارِدَةَ، وَأَرْوَى، وَأُمُّ الْحَسَنِ، وَأُمُّ مُحَمَّدٍ حَمْدُونَةَ، وَفَاطِمَةُ، وَأُمُّهَا غُصَصُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَخَدِيجَةُ، وَأُمُّ الْقَاسِمِ، وَرَمْلَةُ، وَأُمُّ عَلِيٍّ، وَأُمُّ الْغَالِيَةِ، وَرَيْطَةُ، كُلُّهُنَّ مِنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ.
(14/49)

[خِلَافَةُ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ]
[الْبَيْعَةُ مِنَ النَّاسِ إِلَى مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ]
ِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ
لَمَّا تُوُفِّيَ الرَّشِيدُ بِطُوسَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ كَتَبَ صَالِحُ بْنُ الرَّشِيدِ إِلَى أَخِيهِ، وَلِيِّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّشِيدِ الْمُلَقَّبِ بِالْأَمِينِ، وَهُوَ ابْنُ زُبَيْدَةَ، يُعْلِمُهُ بِبَغْدَادَ بِوَفَاةِ أَبِيهِ، وَيُعَزِّيهِ فِيهِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ صُحْبَةَ رَجَاءٍ الْخَادِمِ، وَمَعَهُ الْخَاتَمُ، وَالْقَضِيبُ وَالْبُرْدَةُ يَوْمَ الْخَمِيسِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ فَرَكِبَ الْأَمِينُ مِنْ قَصْرِهِ بِالْخُلْدِ إِلَى قَصْرِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ قَصْرُ الذَّهَبِ عَلَى شَطِّ بَغْدَادَ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ النِّصْفَ مِنْ جُمَادَى، فَصَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَهُمْ، وَعَزَّاهُمْ فِي الرَّشِيدِ، وَبَسَطَ آمَالَ النَّاسِ، وَوَعَدَهُمُ الْخَيْرَ، فَبَايَعَهُ الْخَوَاصُّ مِنْ قَوْمِهِ، وَوُجُوهُ الْأُمَرَاءِ، وَأَمَرَ بِصَرْفِ أُعْطِيَاتِ الْجُنْدِ عَنْ سَنَتَيْنِ، نَزَلَ وَأَمَرَ عَمَّهُ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ أَنْ يَأْخُذَ الْبَيْعَةَ لَهُ مِنْ بَقِيَّةِ النَّاسِ، فَلَمَّا انْتَظَمَ أَمْرُ الْأَمِينِ بِبَغْدَادَ، وَاسْتَقَامَ حَالُهُ فِيهَا حَسَدَهُ أَخُوهُ الْمَأْمُونُ وَوَقَعَ
(14/50)

الْخُلْفُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

[الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ]
اخْتِلَافُ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الرَّشِيدَ لَمَّا كَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَى أَوَّلِ بِلَادِ خُرَاسَانَ وَهَبَ جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْحَوَاصِلِ، وَالدَّوَابِّ، وَالسِّلَاحِ لِوَلَدِهِ الْمَأْمُونِ وَجَدَّدَ لَهُ الْبَيْعَةَ، وَكَانَ الْأَمِينُ قَدْ بَعَثَ بَكْرَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ بِكُتُبٍ فِي خِفْيَةٍ لِيُوَصِّلَهَا إِلَى الْأُمَرَاءِ إِذَا مَاتَ الرَّشِيدُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الرَّشِيدُ نَفَذَتِ الْكُتُبُ إِلَى الْأُمَرَاءِ، وَإِلَى صَالِحِ بْنِ الرَّشِيدِ، وَفِيهَا كِتَابٌ إِلَى الْمَأْمُونِ يَأْمُرُهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَأَخَذَ صَالِحٌ الْبَيْعَةَ مِنَ النَّاسِ لِلْأَمِينِ، وَارْتَحَلَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَاجِبُ بِالْجَيْشِ إِلَى بَغْدَادَ وَقَدْ بَقِيَ فِي نُفُوسِهِمْ تَحَرُّجٌ مِنَ الْبَيْعَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ لِلْمَأْمُونِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمُ الْمَأْمُونُ يَدْعُوهُمْ إِلَى بَيْعَتِهِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَوَقَعَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ، وَلَكِنْ تَحَوَّلَ عَامَّةُ الْجَيْشِ إِلَى الْأَمِينِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى أَخِيهِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ مِنْ هَدَايَا خُرَاسَانَ وَتُحَفِهَا، مِنَ الدَّوَابِّ، وَالْمِسْكِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ نَائِبٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَمَرَ الْأَمِينُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ السَّبْتِ بَعْدَ أَخْذِ الْبَيْعَةِ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِبِنَاءِ مَيْدَانَيْنِ لِلصَّوَالِجَةِ،
(14/51)

فَقَالَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
بَنَى أَمِينُ اللَّهِ مَيْدَانًا ... وَصَيَّرَ السَّاحَةَ بُسْتَانًا
وَكَانَتِ الْغِزْلَانُ فِيهِ بَانَا ... يُهْدَى إِلَيْهِ فِيهِ غِزْلَانَا
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا قَدِمَتْ زُبَيْدَةُ مِنَ الرَّقَّةِ بِالْخَزَائِنِ، وَمَا كَانَ عِنْدَهَا مِنَ التُّحَفِ وَالثِّيَابِ، فَتَلَقَّاهَا ابْنُهَا الْأَمِينُ إِلَى الْأَنْبَارِ وَمَعَهُ وُجُوهُ النَّاسِ.
وَأَقَرَّ الْأَمِينُ أَخَاهُ الْمَأْمُونَ عَلَى مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ خُرَاسَانَ وَالرَّيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَقَرَّ أَخَاهُ الْقَاسِمَ عَلَى الْجَزِيرَةِ وَالثُّغُورِ، وَأَقَرَّ عُمَّالَ أَبِيهِ عَلَى الْبِلَادِ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ.
وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نِقْفُورُ مَلِكُ الرُّومِ، قَتَلَهُ الْبُرْجَانُ، وَكَانَ مُلْكُهُ سَبْعَ سِنِينَ، وَأَقَامَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ إِسْتِبْرَاقُ شَهْرَيْنِ فَمَاتَ، فَمَلَكَهُمْ مِيخَائِيلُ زَوْجُ أُخْتِ نِقْفُورَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ.
وَفِيهَا تَوَاقَعَ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ نَائِبُ خُرَاسَانَ وَرَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ فَاسْتَجَاشَ رَافِعٌ بِالتُّرْكِ، ثُمَّ هَرَبُوا وَبَقِيَ رَافِعٌ وَحْدَهُ فَضَعُفَ أَمْرُهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نَائِبُ الْحِجَازِ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى
(14/52)

بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ
وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ الرُّفَعَاءِ رَوَى عَنْهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَدْ وَلِيَ الْمَظَالِمَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ نَاظِرَ الصَّدَقَاتِ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ ثِقَةً نَبِيلًا جَلِيلًا كَبِيرَ الْقَدْرِ، قَلِيلَ التَّبَسُّمِ، وَكَانَ يَتَّجِرُ فِي الْبَزِّ فَيُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَيَحُجُّ مِنْهُ، وَيَبَرُّ أَصْحَابَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ السُّفْيَانَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ وَلَّاهُ الرَّشِيدُ الْقَضَاءَ، فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ وَلِيَ الْقَضَاءَ بَعَثَ إِلَيْهِ يَعْتِبُ عَلَيْهِ وَيَلُومُهُ نَظْمًا وَنَثْرًا، فَاسْتَعْفَى ابْنُ عُلَيَّةَ الرَّشِيدَ مِنَ الْقَضَاءِ فَأَعْفَاهُ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ.
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ
الْمُلَقَّبُ بِغُنْدَرٍ، رَوَى عَنْ شُعْبَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْ خَلْقٍ. وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ
(14/53)

حَنْبَلٍ. وَكَانَ ثِقَةً جَلِيلًا حَافِظًا مُتْقِنًا فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ حِكَايَاتٌ تَدُلُّ عَلَى تَغْفِيلِهِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا.
وَقَدْ لُقِّبَ بِهَذَا اللَّقَبِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا:
هَارُونُ الرَّشِيدُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ قَرِيبًا.
وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ
أَحَدُ الْأَئِمَّةِ، سَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ، وَالْأَعْمَشَ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ وَجَمَاعَةً.
وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ الثِّقَاتِ، مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. قَالَ فِيهِ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ كَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ إِلَى الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
قَالُوا: وَمَكَثَ سِتِّينَ سَنَةً يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَتْمَةً كَامِلَةً، وَصَامَ
(14/54)

ثَمَانِينَ رَمَضَانًا، وَتُوُفِّيَ وَلَهُ سِتٌّ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَلَمَّا احْتُضِرَ بَكَى عَلَيْهِ ابْنُهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ عَلَامَ تَبْكِي؟ وَاللَّهِ مَا أَتَى أَبُوكَ فَاحِشَةً قَطُّ.
(14/55)

[سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا خَلَعَ أَهْلُ حِمْصَ نَائِبَهُمْ، فَعَزَلَهُ عَنْهُمُ الْأَمِينُ، وَوَلَّى عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ الْحَرَشِيَّ فَقَتَلَ طَائِفَةً مِنْ وُجُوهِهَا، وَحَرَّقَ نَوَاحِيَهَا بِالنَّارِ، فَسَأَلُوهُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، ثُمَّ هَاجُوا، فَضَرَبَ أَعْنَاقَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَيْضًا.
وَفِيهَا عَزَلَ الْأَمِينُ أَخَاهُ الْقَاسِمَ عَنِ الْجَزِيرَةِ وَالثُّغُورِ، وَوَلَّى عَلَى ذَلِكَ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ وَأَمَرَ أَخَاهُ بِالْمُقَامِ عِنْدَهُ بِبَغْدَادَ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْأَمِينُ بِالدُّعَاءِ لِوَلَدِهِ مُوسَى عَلَى الْمَنَابِرِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ، وَبِالْإِمْرَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَسَمَّاهُ النَّاطِقَ بِالْحَقِّ، ثُمَّ يُدْعَى بَعْدَهُ لِلْمَأْمُونِ، ثُمَّ لِلْقَاسِمِ، وَمِنْ نِيَّةِ الْأَمِينِ الْوَفَاءُ لِأَخَوَيْهِ بِمَا شَرَطَ لَهُمَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ حَتَّى غَيَّرَ نِيَّتَهُ فِي أَخَوَيْهِ، وَحَسَّنَ لَهُ خَلْعَ الْمَأْمُونِ وَالْقَاسِمِ، وَصَغَّرَ عِنْدَهُ شَأْنَ الْمَأْمُونِ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ خَوْفُهُ مِنَ الْمَأْمُونِ إِنْ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَيَسْعَى فِي خَلْعِهِ، وَزَوَالِ الْوِلَايَةِ عَنْهُ، فَوَافَقَهُ الْأَمِينُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِالدُّعَاءِ لِوَلَدِهِ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ بِوِلَايَةِ عَهْدِهِ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَأْمُونَ قَطَعَ الْبَرِيدَ عَنْهُ، وَتَرَكَ ضَرْبَ اسْمِهِ عَلَى السِّكَّةِ
(14/56)

وَالطُّرُزِ، وَتَنَكَّرَ لِأَخِيهِ الْأَمِينِ، وَبَعَثَ رَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ إِلَى الْمَأْمُونِ يَسْأَلُ مِنْهُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ بِمَنْ مَعَهُ، فَأَكْرَمَهُ الْمَأْمُونُ وَعَظَّمَهُ، وَجَاءَ هَرْثَمَةُ عَلَى إِثْرِهِ فَتَلَقَّاهُ الْمَأْمُونُ وَوُجُوهُ النَّاسِ، وَوَلَّاهُ الْحَرَسَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْأَمِينَ أَنَّ الْجُنُودَ قَدِ الْتَفَّتَ عَلَى أَخِيهِ الْمَأْمُونِ سَاءَهُ ذَلِكَ وَأَنْكَرَهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ كِتَابًا وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رُسُلًا ثَلَاثَةً مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، يَسْأَلُهُ أَنْ يُجِيبَهُ إِلَى تَقْدِيمِ وَلَدِهِ مُوسَى عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ قَدْ سَمَّاهُ النَّاطِقَ بِالْحَقِّ، فَأَظْهَرَ الْمَأْمُونُ الِامْتِنَاعَ وَشَرَعُوا فِي مُطَايَبَتِهِ، وَمُلَايَنَتِهِ، وَأَنْ يُجِيبَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَأَبَى كُلَّ الْإِبَاءِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى: فَقَدْ خَلَعَ أَبِي نَفْسَهُ فَمَاذَا كَانَ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَبَاكَ كَانَ امْرَأً مُكْرَهًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْمَأْمُونُ يَعِدُ الْعَبَّاسَ وَيُمَنِّيهِ حَتَّى بَايَعَهُ بِالْخِلَافَةِ، ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ كَانَ يُرَاسِلُهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ بِبَغْدَادَ وَيُنَاصِحُهُ، وَلَمَّا رَجَعَ الرُّسُلُ إِلَى الْأَمِينِ أَخْبَرُوهُ بِمَا كَانَ مِنْ جَوَابِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَمَّمَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ عَلَى الْأَمِينِ فِي خَلْعِ الْمَأْمُونِ فَخَلَعَهُ، وَأَمَرَ بِالدُّعَاءِ لِوَلَدِهِ فِي الْعِرَاقِ كُلِّهِ وَبِلَادِ الْحِجَازِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَسَمَّاهُ النَّاطِقَ بِالْحَقِّ، وَجَعَلُوا مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْمَأْمُونِ وَيَذْكُرُ مَسَاوِئَهُ، وَبَعَثُوا إِلَى مَكَّةَ فَأَخَذُوا الْكِتَابَ الَّذِي كَتَبَهُ الرَّشِيدُ، وَأَوْدَعَهُ فِي الْكَعْبَةِ، فَمَزَّقَهُ الْأَمِينُ، وَأَكَّدُوا الْبَيْعَةَ لِلنَّاطِقِ بِالْحَقِّ مُوسَى بْنِ الْأَمِينِ عَلَى مَا يَلِيهِ أَبُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَجَرَتْ بَيْنَ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ مُكَاتَبَاتٌ وَرُسُلٌ يَطُولُ بَسْطُهَا، وَقَدِ اسْتَقْصَاهَا الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي " " تَارِيخِهِ " " ثُمَّ آلَ
(14/57)

الْحَالُ إِلَى أَنِ احْتَفَظَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى بِلَادِهِ وَحَصَّنَهَا وَهَيَّأَ الْجُيُوشَ وَالْجُنُودَ وَتَأَلَّفَ الرَّعَايَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَدَتِ الرُّومُ عَلَى مَلِكِهِمْ مِيخَائِيلَ فَرَامُوا خَلْعَهُ وَقَتْلَهُ فَتَرَكَ الْمُلْكَ وَتَرَهَّبَ، وَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ لِيُونَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا نَائِبُ الْحِجَازِ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى، وَقِيلَ: عَلِيُّ بْنُ الرَّشِيدِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَقَدْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَالثَّوْرِيِّ. وَعَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ. وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا، مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ نَرَ لَهُ فِرَاشًا، وَصَامَهَا كُلَّهَا إِلَّا يَوْمَ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ دَاعِيَةً إِلَى الْإِرْجَاءِ، ضَعِيفَ الْحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَأْسًا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ بَغْدَادَ فَشَنَّعَ عَلَى الرَّشِيدِ، فَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ قَيْدًا، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو مُعَاوِيَةَ يَشْفَعُ فِيهِ حَتَّى تَرَكُوهُ فِي أَرْبَعَةِ قُيُودٍ، ثُمَّ كَانَ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى أَهْلِهِ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ الرَّشِيدُ أَطْلَقَتْهُ زُبَيْدَةُ
(14/58)

فَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَكَانُوا بِمَكَّةَ قَدْ جَاءُوا حُجَّاجًا فَمَرِضَ بِمَكَّةَ.
وَاشْتَهَى يَوْمًا بَرَدًا، فَسَقَطَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بَرَدٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ. وَمَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، كَانَتْ غَلَّتُهُ فِي السَّنَةِ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا يُنْفِقُهَا كُلَّهَا عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ. تُوُفِّيَ عَنْ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
أَبُو النَّصْرِ الْجُهَنِيُّ الْمُصَابُ، كَانَ مُقِيمًا بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ بِالصُّفَّةِ مِنَ الْمَسْجِدِ فِي الْحَائِطِ الشَّمَالِيِّ مِنْهُ، وَكَانَ يُطِيلُ السُّكُوتَ، فَإِذَا سُئِلَ أَجَابَ بِجَوَابٍ حَسَنٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِكَلِمَاتٍ مُفِيدَةٍ تُؤْثَرُ عَنْهُ، وَتُكْتَبُ، وَكَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَيَقِفُ عَلَى مَجَامِعِ النَّاسِ فَيَقُولُ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمان: 33] وَ {يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْ جَمَاعَةٍ إِلَى جَمَاعَةٍ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّيَ فِيهِ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُصَلِّيَ
(14/59)

الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ.
وَقَدْ وَعَظَ مَرَّةً هَارُونَ الرَّشِيدَ بِكَلَامٍ حَسَنٍ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْ أُمَّةِ نَبِيِّهِ، فَأَعِدَّ لِذَلِكَ جَوَابًا، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَوْ مَاتَتْ سَخْلَةٌ بِالْعِرَاقِ ضَيَاعًا لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا. فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَعُمَرَ، وَإِنَّ دَهْرِي لَيْسَ كَدَهْرِهِ. فَقَالَ: مَا هَذَا بِمُغْنٍ عَنْكَ شَيْئًا. فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَمُرْ بِهَا فَلْتُقَسَّمْ عَلَيْهِمْ وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
(14/60)

[سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ
فَفِي صَفَرٍ مِنْهَا أَمَرَ الْأَمِينُ أَنْ لَا يَتَعَامَلُوا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي عَلَيْهَا اسْمُ الْمَأْمُونِ وَنَهَى أَنْ يُدْعَى لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَأَنْ يُقْتَصَرَ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ النَّاطِقِ بِالْحَقِّ.
وَفِيهَا تَسَمَّى الْمَأْمُونُ بِإِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا عَقَدَ الْأَمِينُ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ الْإِمَارَةَ عَلَى الْجَبَلِ، وَهَمَذَانَ، وَأَصْبَهَانَ، وَقُمَّ وَتِلْكَ الْبِلَادِ، وَأَمَرَهُ بِحَرْبِ الْمَأْمُونِ وَجَهَّزَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيرًا، وَأَنْفَقَ فِيهِمْ نَفَقَاتٍ عَظِيمَةً، وَأَعْطَاهُ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَلِوَلَدِهِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَلْفَيْ سَيْفٍ مُحَلًّى، وَسِتَّةَ آلَافِ ثَوْبٍ لِلْخِلَعِ.
وَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ مِنْ بَغْدَادَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَمَعَهُ قَيْدٌ مِنْ فِضَّةٍ؛ لِيَأْتِيَ بِالْمَأْمُونِ فِيهِ. وَخَرَجَ الْأَمِينُ مَعَهُ مُشَيِّعًا، فَسَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الرَّيِّ فَتَلَقَّاهُ الْأَمِيرُ طَاهِرٌ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ أُمُورٌ آلَ الْحَالُ فِيهَا إِلَى أَنِ اقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ وَجُثَّتُهُ إِلَى
(14/61)

الْأَمِيرِ طَاهِرٍ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى وَزِيرِ الْمَأْمُونِ ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ. وَكَانَ الَّذِي قَتَلَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: طَاهِرٌ الصَّغِيرُ فَسُمِّيَ ذَا الْيَمِينَيْنِ لِأَنَّهُ أَخَذَ السَّيْفَ بِيَدَيْهِ الثِّنْتَيْنِ، فَذَبَحَ بِهِ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْمَأْمُونُ وَذَوُوهُ.
وَانْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْأَمِينِ وَهُوَ يَصِيدُ السَّمَكَ مِنْ دِجْلَةَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، دَعْنِي مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ كَوْثَرًا قَدْ صَادَ سَمَكَتَيْنِ، وَلَمْ أَصِدْ بَعْدُ شَيْئًا. وَأَرْجَفَ النَّاسُ بِبَغْدَادَ، وَخَافُوا غَائِلَةَ هَذَا الْأَمْرِ، وَنَدِمَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ نَكْثِ الْعَهْدِ، وَخَلْعِ أَخِيهِ الْمَأْمُونِ وَمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ. وَكَانَ رُجُوعُ الْخَبَرِ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا.
ثُمَّ جَهَّزَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَبَلَةَ الْأَبْنَاوِيَّ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ إِلَى هَمَذَانَ لِيُقَاتِلُوا طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيَّةِ، فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنْهُمْ تَوَاجَهُوا، فَتَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَثُرَتِ الْقَتْلَى بَيْنَهُمْ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبَلَةَ فَلَجَئُوا إِلَى هَمَذَانَ فَحَاصَرَهُمْ بِهَا طَاهِرٌ حَتَّى اضْطَرَّهُمْ إِلَى أَنْ دَعَوْا إِلَى الصُّلْحِ، فَصَالَحَهُمْ وَأَمَّنَهُمْ وَوَفَّى لَهُمْ، وَانْصَرَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبَلَةَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ رَاجِعِينَ، ثُمَّ غَدَرُوا بِأَصْحَابِ طَاهِرٍ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَافِلُونَ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا، وَصَبَرَ لَهُمْ أُولَئِكَ، ثُمَّ نَهَضُوا إِلَيْهِمْ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا أَمِيرَهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ
(14/62)

بْنَ جَبَلَةَ وَفَرَّ أَصْحَابُهُ خَائِبِينَ.
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى بَغْدَادَ وَاضْطَرَبَتِ الْأُمُورُ، وَكَثُرَتِ الْأَرَاجِيفُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَطَرَدَ طَاهِرٌ عُمَّالَ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ عَنْ قَزْوِينَ وَتِلْكَ النَّوَاحِي، وَقَوِيَ أَمْرُ الْمَأْمُونِ جِدًّا بِتِلْكَ الْبِلَادِ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ أَمْرُ السُّفْيَانِيِّ بِالشَّامِ، وَاسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَعَزَلَ نَائِبَهَا، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْأَمِينُ جَيْشًا، فَلَمْ يَقْدَمُوا عَلَيْهِ بَلْ أَقَامُوا بِالرَّقَّةِ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نَائِبُ الْحِجَازِ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَعْيَانِ مِنْهُمْ:
إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ
أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ رَوَى عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ
وَكَانَ نَائِبَ الْمَدِينَةِ لِلرَّشِيدِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَقَدْ أَطْلَقَ الرَّشِيدُ عَلَى يَدَيْهِ لِأَهْلِهَا
(14/63)

أَلْفَ أَلْفَ دِينَارٍ وَمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ شَرِيفًا جَوَادًا مُعَظَّمًا مُمَدَّحًا.
وَأَبُو نُوَاسٍ الشَّاعِرُ
وَاسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئِ بْنِ عَبْدِ الْأَوَّلِ بْنِ صَبَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ وُهَيْبِ بْنِ ذَوَّةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَلِيمِ بْنِ حَكَمِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْثِ بْنِ طَيِّئِ بْنِ أُدَدِ بْنِ شَبِيبِ بْنِ سَبِيعِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَوْفِ بْنِ زَيْدِ بْنِ هَمَيْسَعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَشْجُبَ بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانِ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالَخِ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، كَذَا نَسَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ الْوَرَّاقُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَكَمِيُّ نِسْبَةً إِلَى وَلَاءِ الْجَرَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيِّ.
وَيُقَالُ لَهُ: أَبُو نُوَاسٍ الْبَصْرِيُّ. كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ مِنْ جُنْدِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا جُلْبَانُ. فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا نُوَاسٍ هَذَا، وَابْنًا آخَرَ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مُعَاذٍ. ثُمَّ صَارَ أَبُو نُوَاسٍ إِلَى الْبَصْرَةِ فَتَأَدَّبَ بِهَا عَلَى أَبِي زَيْدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَرَأَ كِتَابَ سِيبَوَيْهِ وَلَزِمَ خَلَفًا الْأَحْمَرَ، وَصَحِبَ
(14/64)

يُونُسَ بْنَ حَبِيبٍ الضَّبِّيَّ النَّحْوِيَّ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ: وَقَدْ صَحِبَ أَبَا أُسَامَةَ وَالِبَةَ بْنَ الْحُبَابِ الْكُوفِيَّ، فَتَأَدَّبَ بِهِ.
وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَزْهَرَ بْنِ سَعْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، وَمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ، وَعَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الصَّيْرَفِيُّ، حَكَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالْجَاحِظُ، وَغُنْدَرٌ. وَمِنْ مَشَاهِيرِ حَدِيثِهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الصَّيْرَفِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ ثَمَنُ الْجَنَّةِ» .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: دَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، أَنْتَ الْيَوْمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ
(14/65)

أَيَّامِ الْآخِرَةِ، وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ هَنَاتٌ، فَتُبْ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ عَمَلِكَ. فَقَالَ: إِيَّاىَ تُخَوِّفُ بِاللَّهِ؟ ! فَقَالَ: أَسْنِدُونِي. فَأَسْنَدُوهُ. فَقَالَ: حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ شَفَاعَةً، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ثُمَّ قَالَ: أَفَتُرَانِي لَا أَكُونُ مِنْهُمْ؟
وَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ: مَا قُلْتُ الشِّعْرَ حَتَّى رَوَيْتُ لِسِتِّينَ امْرَأَةً؛ مِنْهُنَّ خَنْسَاءُ، وَلَيْلَى، فَمَا ظَنُّكَ بِالرِّجَالِ؟ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ: إِذَا رَوَيْتَ الشِّعْرَ عَنِ امْرِئِ الْقَيْسِ وَالْأَعْشَى مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمِنَ الْإِسْلَامِيِّينَ لِجَرِيرٍ وَالْفَرَزْدَقِ، وَمِنَ الْمُحْدَثِينَ عَنْ أَبِي نُوَاسٍ فَحَسْبُكَ. وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ مِنْهُمُ الْأَصْمَعِيُّ، وَالْجَاحِظُ، وَالنَّظَّامُ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: لَوْلَا أَنَّ أَبَا نُوَاسٍ أَفْسَدَ شِعْرَهُ بِهَذِهِ الْأَقْذَارِ لَاحْتَجَجْنَا بِهِ فِي كُتُبِنَا. يَعْنِي شِعْرَهُ فِي الْخَمْرِيَّاتِ، وَالْأَحْدَاثِ.
وَقَدِ اجْتَمَعَ طَائِفَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ عِنْدَ الْمَأْمُونِ فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ:
(14/66)

فَلَمَّا تَحَسَّاهَا وَقَفْنَا كَأَنَّنَا ... نَرَى قَمَرًا فِي الْأَرْضِ يَبْلَعُ كَوْكَبًا
قَالُوا: أَبُو نُوَاسٍ قَالَ: فَأَيُّكُمُ الْقَائِلُ:
إِذَا نَزَلَتْ دُونَ اللَّهَاةِ مِنَ الْفَتَى ... دَعَا هَمُّهُ عَنْ صَدْرِهِ بِرَحِيلِ
قَالُوا: أَبُو نُوَاسٍ قَالَ: فَأَيُّكُمُ الْقَائِلُ:
فَتَمَشَّتْ فِي مَفَاصِلِهِمْ ... كَتَمَشِّي الْبُرْءِ فِي السَّقَمِ
قَالُوا: أَبُو نُوَاسٍ قَالَ: فَهُوَ أَشْعَرُكُمْ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِابْنِ مُنَاذِرٍ: مَا أَشْعَرَ ظَرِيفُكُمْ أَبَا نُوَاسٍ فِي قَوْلِهِ:
يَا قَمَرًا أَبْصَرْتُ فِي مَأْتَمٍ ... يَنْدُبُ شَجْوًا بَيْنَ أَتْرَابِ
أَبْرَزَهُ الْمَأْتَمُ لِي كَارِهًا ... بِرَغْمِ ذِي بَابٍ وَحُجَّابِ
يَبْكِي فَيُذْرِي الدُّرَّ مِنْ نَرْجِسٍ ... وَيَلْطِمُ الْوَرْدَ بِعُنَّابِ
(14/67)

لَا زَالَ مَوْتًا دَأْبُ أَحْبَابِهِ
وَلَا تَزَلْ رُؤْيَتُهُ دَابِي
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَشْعَرُ النَّاسِ أَبُو نُوَاسٍ فِي قَوْلِهِ:
تَغَطَّيْتُ مِنْ دَهْرِي بِظِلِّ جَنَاحِهِ ... فَعَيْنِي تَرَى دَهْرِي، وَلَيْسَ يَرَانِي
فَلَوْ تَسْأَلُ الْأَيَّامُ مَا اسْمِي لَمَا دَرَتْ ... وَأَيْنَ مَكَانِي مَا عَرَفْنَ مَكَانِي
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: قُلْتُ فِي الزُّهْدِ عِشْرِينَ أَلْفَ بَيْتٍ، وَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مَكَانَهَا الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي قَالَهَا أَبُو نُوَاسٍ، وَهِيَ هَذِهِ وَكَانَتْ مَكْتُوبَةً عَلَى قَبْرِهِ:
يَا نُوَاسِيُّ تَوَقَّرْ ... وَتَعَزَّ وَتَصَبَّرْ
إِنْ يَكُنْ سَاءَكَ دَهْرٌ ... فَلَمَا سَرَّكَ أَكْثَرْ
يَا كَبِيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللَّ ... هِ مِنْ ذَنْبِكَ أَكْبَرْ
وَمِنْ شَعْرِ أَبِي نُوَاسٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَمْدَحُ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ:
أَوْجَدَهُ اللَّهُ فَمَا مِثْلُهُ ... لِطَالِبِ ذَاكَ وَلَا نَاشِدِ
(14/68)

وَلَيْسَ لِلَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ
أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدِ
وَأَنْشَدُوا لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَوْلَ أَبِي نُوَاسٍ:
مَا هَوًى إِلَّا لَهُ سَبَبُ ... يَبْتَدِي مِنْهُ وَيَنْشَعِبُ
فَتَنَتْ قَلْبِي مُحَجَّبَةٌ ... وَجْهُهُا بِالْحُسْنِ مُنْتَقِبُ
خَلِيَتْ وَالْحُسْنُ تَأْخُذُهُ ... تَنْتَقِي مِنْهُ وَتَنْتَخِبُ
فَاكْتَسَتْ مِنْهُ طَرَائِفُهُ ... وَاسْتَزَادَتْ بَعْضَ مَا تَهَبُ
فَهِيَ لَوْ صَيَّرْتَ فِيهِ لَهَا ... عَوْدَةً لَمْ يُثْنِهَا أَرَبُ
صَارَ جِدًّا مَا مَزَحْتَ بِهِ ... رُبَّ جِدٍّ جَرَّهُ اللَّعِبُ
فَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَهَا.
وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَوْلَا أَنَّ الْعَامَّةَ بَذَلَتْ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ لَكَتَبْتُهُمَا بِمَاءِ الذَّهَبِ وَهُمَا لِأَبِي نُوَاسٍ:
وَلَوْ أَنِّي اسْتَزَدْتُكَ فَوْقَ مَا بِي ... مِنَ الْبَلْوَى لَأَعْوَزَكَ الْمَزِيدُ
وَلَوْ عُرِضَتْ عَلَى الْمَوْتَى حَيَاتِي ... بِعَيْشٍ مِثْلَ عَيْشِي لَمْ يُرِيدُوا
(14/69)

وَقَدْ سَمِعَ أَبُو نُوَاسٍ حَدِيثَ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْقُلُوبُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» فَنَظَمَ ذَلِكَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ يَقُولُ فِيهَا:
إِنَّ الْقُلُوبَ لَأَجْنَادٌ مُجَنَّدَةٌ ... لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ بِالْأَهْوَاءِ تَعْتَرِفُ
فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا فَهُوَ مُؤْتَلِفٌ ... وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا فَهُوَ مُخْتَلِفُ
وَدَخَلَ أَبُو نُوَاسٍ يَوْمًا مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الْوَاحِدِ: لِيَخْتَرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ أُحَدِّثُهُ بِهَا. فَاخْتَارَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةً، إِلَّا أَبَا نُوَاسٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ لَا تَخْتَارُ كَمَا اخْتَارُوا؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
وَلَقَدْ كُنَّا رَوَيْنَا ... عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَهْ
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّ ... بِ ثُمَّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَهْ
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ وَالشَّعْ ... بِيُّ شَيْخٌ ذُو جَلَادَهْ
وَعَنِ الْأَخْيَارِ نَحْكِي ... هِ وَعَنْ أَهْلِ الْإِفَادَهْ
أَنَّ مَنْ مَاتَ مُحِبًّا ... فَلَهُ أَجْرُ شَهَادَهْ
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ: قُمْ يَا مَاجِنُ لَا حَدَّثْتُكَ وَلَا حَدَّثْتُ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَجْلِكَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي يَحْيَى، فَقَالَا: كَانَ يَنْبَغِي
(14/70)

أَنْ يُحَدِّثَهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي أَنْشَدَهُ أَبُو نُوَاسٍ فِي شِعْرِهِ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " " كَامِلِهِ " " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَمَرْفُوعًا «مَنْ عَشِقَ فَعَفَّ فَكَتَمَ فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا» وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ مَنِ ابْتُلِيَ بِالْعِشْقِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ فَصَبَرَ وَعَفَّ عَنِ الْفَاحِشَةِ وَلَمْ يُفْشِ ذَلِكَ فَمَاتَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَصَلَ لَهُ أَجْرٌ كَبِيرٌ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ نَوْعُ شَهَادَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ أَيْضًا أَنَّ شُعْبَةَ لَقِيَ أَبَا نُوَاسٍ فَقَالَ لَهُ: حَدِّثْنَا مِنْ طُرَفِكَ، فَقَالَ مُرْتَجِلًا:
حَدَّثَنَا الْخَفَّافُ عَنْ وَائِلٍ ... وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ جَابِرِ
وَمِسْعَرٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ... يَرْفَعُهُ الشَّيْخُ إِلَى عَامِرِ
قَالُوا جَمِيعًا أَيُّمَا طِفْلَةٍ ... عُلِّقَهَا ذُو خُلُقٍ طَاهِرِ
فَوَاصَلَتْهُ ثُمَّ دَامَتْ لَهُ ... عَلَى وِصَالِ الْحَافِظِ الذَّاكِرِ
كَانَتْ لَهُ الْجَنَّةُ مَفْتُوحَةً ... يَرْتَعُ فِي مَرْتَعِهَا الزَّاهِرِ
وَأَيُّ مَعْشُوقٍ جَفَا عَاشِقًا ... بَعْدَ وِصَالٍ دَائِمٍ نَاضِرِ
فَفِي عَذَابِ اللَّهِ بُعْدًا لَهُ ... نَعَمْ وَسُحْقٍ دَائِمٍ دَاحِرِ
فَقَالَ لَهُ شُعْبَةُ: إِنَّكَ لَجَمِيلُ الْأَخْلَاقِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَكَ.
(14/71)

وَأَنْشَدَ أَبُو نُوَاسٍ أَيْضًا:
يَا سَاحِرَ الْمُقْلَتَيْنِ وَالْجِيدِ ... وَقَاتِلِي مِنْكَ بِالْمَوَاعِيدِ
تُوعِدُنِي الْوَصْلَ ثُمْ تُخْلِفُنِي ... فَوَابَلَائِي مِنْ خُلْفِ مَوْعُودِي
حَدَّثَنِي الْأَزْرَقُ الْمُحَدِّثُ عَنْ ... شَمْرٍ وَعَوْفٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودِ
مَا يُخْلِفُ الْوَعْدَ غَيْرُ كَافِرَةٍ ... وَكَافِرٍ فِي الْجَحِيمِ مَصْفُودِ
فَبَلَغَ ذَلِكَ إِسْحَاقَ بْنَ يُوسُفَ الْأَزْرَقَ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ عَلَيَّ، وَعَلَى التَّابِعِينِ، وَعَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا نُوَاسٍ فِي مَجْلِسِ أَبِي يَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا فَقُلْتُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُعَذِّبَكَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا الْبُكَاءِ أَبَدًا. فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
لَمْ أَبْكِ فِي مَجْلِسِ مَنْصُورِ ... شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْحُورِ
وَلَا مِنَ الْقَبْرِ وَأَهْوَالِهِ ... وَلَا مِنَ النَّفْخَةِ فِي الصُّورِ
وَلَا مِنَ النَّارِ وَأَغْلَالِهَا ... وَلَا مِنَ الْخُذْلَانِ وَالْجُورِ
لَكِنْ بُكَائِي لِبُكَا شَادِنٍ ... تَقِيهِ نَفْسِي كُلَّ مَحْذُورِ
ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا بَكَيْتُ لِبُكَاءِ هَذَا الْأَمْرَدِ الَّذِي إِلَى جَانِبِ أَبِيكَ، وَكَانَ صَبِيًّا حَسَنَ الصُّورَةِ، يَسْمَعُ الْوَعْظَ فَيَبْكِي خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
(14/72)

قَالَ أَبُو نُوَاسٍ: دَعَانِي يَوْمًا بَعْضُ الْحَاكَةِ، وَأَلَحَّ عَلِيَّ لِيُضِيفَنِي فِي مَنْزِلِهِ، وَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَجَبْتُهُ، فَسَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَسِرْتُ مَعَهُ، فَإِذَا مَنْزِلٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدِ احْتَفَلَ الْحَائِكُ فَلَمْ يُقَصِّرْ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَالَ: يَا سَيِّدِي، أَشْتَهِي أَنْ تَقُولَ فِي جَارِيَتِي شَيْئًا مِنَ الشِّعْرِ وَكَانَ مُغْرَمًا بِجَارِيَةٍ لَهُ. قَالَ أَبُو نُوَاسٍ فَقُلْتُ: أَرِنِيهَا حَتَّى أَنْظِمَ عَلَى شَكْلِهَا، وَحُسْنِهَا. فَكَشَفَ عَنْهَا الْحِجَابَ، فَإِذَا هِيَ مِنْ أَسْمَجِ خَلْقِ اللَّهِ وَأَوْحَشِهِمْ، سَوْدَاءُ شَمْطَاءُ دِنْدَانِيَةٌ يَسِيلُ لُعَابُهَا عَلَى صَدْرِهَا، فَقُلْتُ لِسَيِّدِهَا: مَا اسْمُهَا؟ فَقَالَ: تَسْنِيمُ. فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ:
أَسْهَرَ لَيْلِي حُبُّ تَسْنِيمِ ... جَارِيَةٍ فِي الْحُسْنِ كَالْبُومِ
كَأَنَّمَا نَكْهَتُهَا كَامِخٌ ... أَوْ حُزْمَةٌ مِنْ حُزَمِ الثُّومِ
ضَرَطْتُ مِنْ حُبِّي لَهَا ضَرْطَةً ... أَفْزَعْتُ مِنْهَا مَلِكَ الرُّومِ
قَالَ: فَقَامَ الْحَائِكُ يَرْقُصُ وَيُصَفِّقُ سَائِرَ يَوْمِهِ، وَيَفْرَحُ وَيَقُولُ: شَبَّهَهَا وَاللَّهِ بِمَلِكِ الرُّومِ.
وَمِنْ شَعْرِ أَبِي نُوَاسٍ:
أَبْرَمَنِي النَّاسُ يَقُولُونَ تُبْ ... بِزَعْمِهِمْ كَثْرَةُ أَوْزَارِيَهْ
إِنْ كُنْتُ فِي النَّارِ وَفِي جَنَّةٍ ... مَاذَا عَلَيْكُمْ يَا بَنِي الزَّانِيَهْ
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ ذَكَرُوا عَنْهُ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَأَشْعَارًا مُنْكَرَةً، وَمُجُونًا كَثِيرَةً،
(14/73)

وَلَهُ فِي الْخَمْرِيَّاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَالتَّشَبُّبِ بِالْمُرْدَانِ وَالنِّسْوَانِ أَشْيَاءُ بَشِعَةٌ شَنِيعَةٌ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُفَسِّقُهُ وَيَرْمِيهِ بِالْفَاحِشَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْمِيهِ بِالزَّنْدَقَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ يُخَرِّبُ عَلَى نَفْسِهِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِمَا فِي أَشْعَارِهِ، فَأَمَّا الزَّنْدَقَةُ فَبَعِيدَةٌ عَنْهُ، وَلَكِنْ كَانَ فِيهِ مُجُونٌ وَخَلَاعَةٌ كَثِيرَةٌ. وَقَدْ عَزَوْا إِلَيْهِ فِي صِغَرِهِ وَكِبَرِهِ أَشْيَاءَ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا. وَالْعَامَّةُ تَنْقُلُ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَا حَقِيقَةَ لَهَا. وَفِي صَحْنِ جَامِعِ دِمَشْقَ قُبَّةٌ يَفُورُ الْمَاءُ مِنْ وَسَطِهَا، يَقُولُ الدَّمَاشِقَةُ: قُبَّةُ أَبِي نُوَاسٍ. وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَزْيَدَ مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَمَا أَدْرِي لِمَاذَا تُسَمَّى بِهَذَا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ: سَمِعْتُ أَبَا نُوَاسٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا فَتَحْتُ سَرَاوِيلِي بِحَرَامٍ قَطُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ لِأَبِي نُوَاسٍ: أَنْتَ زِنْدِيقٌ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ وَأَنَا أَقُولُ:
أُصَلِّي الصَّلَاةَ الْخَمْسَ فِي حِينِ وَقْتِهَا ... وَأَشْهَدُ بِالتَّوْحِيدِ للَّهِ خَاضِعَا
وَأُحْسِنُ غُسْلًا إِنْ رَكِبْتُ جَنَابَةً ... وَإِنْ جَاءَنِي الْمِسْكِينُ لَمْ أَكُ مَانِعَا
وَإِنِّي وَإِنْ حَانَتْ مِنَ الْكَأْسِ دَعْوَةٌ ... إِلَى بَيْعَةِ السَّاقِي أُجِيبُ مُسَارِعَا
(14/74)

وَأَشْرَبُهَا صِرْفًا عَلَى جَنْبِ مَاعِزٍ
وَجَدْيٍ كَثِيرِ الشَّحْمِ أَصْبَحَ رَاضِعَا ... وَجُوذَابَ حُوَّارَى وَجُوزٍ وَسُكَّرٍ
وَمَا زَالَ لِلْمَخْمُورِ ذَلِكَ نَافِعَا ... وَأَجْعَلُ تَخْلِيطَ الرَّوَافِضِ كُلِّهِمْ
لِفَقْحَةِ بَخْتَيْشُوعَ فِي النَّارِ طَابِعَا
فَقَالَ لَهُ الْأَمِينُ: وَيْحَكَ، وَمَا الَّذِي أَلْجَأَكَ إِلَى فَقْحَةِ بَخْتَيْشُوعَ؟ فَقَالَ: بِهَا تَمَّتِ الْقَافِيَةُ فَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ.
وَقَالَ الْجَاحِظُ: لَا أَعْرِفُ فِي كَلَامِ الشُّعَرَاءِ أَرْفَعَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ:
أَيَّةُ نارٍ قَدَحَ الْقَادِحُ ... وَأَيُّ جِدٍّ بَلَغَ الْمَازِحُ
لِلَّهِ دَرُّ الشَيبِ مِنْ واعِظٍ ... وَناصِحٍ لَو خُطِئَ الناصِحُ
يَأَبْى الْفَتَى إِلَّا اتِّبَاعَ الْهَوَى ... وَمَنْهَجُ الْحَقِّ لَهُ واضِحُ
فَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلى نِسْوَةٍ ... مُهُورُهُنَّ الْعَمَلُ الصَّالِحُ
(14/75)

لَا يَجْتَلِي الْحَوْرَاءَ مِنَ خِدْرِهَا
إِلَّا امْرُؤٌ مِيْزَانُهُ رَاجِحُ ... مَنِ اتَّقى اللَّهَ فَذَاكَ الَّذِي
سِيقَ إِلَيهِ الْمَتْجَرُ الرَّابِحُ ... فَاغْدُ فَمَا فِي الدِّينِ أُغْلُوطَةٌ
وَرُحْ لِمَا أَنْتَ لَهُ رَائِحُ
وَقَدِ اسْتَنْشَدَهُ أَبُو هِفَّانَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا:
لَا تَنْسَ لَيْلَى وَلَا تَطْرَبْ إِلَى هِنْدٍ
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا سَجَدَ لَهُ أَبُو هِفَّانَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو نُوَاسٍ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ مُدَّةً. قَالَ: فَغَمَّنِي ذَلِكَ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الِانْصِرَافَ قَالَ: مَتَى أَرَاكَ؟ فَقُلْتُ: أَلَمْ تُقْسِمْ؟ فَقَالَ: الدَّهْرُ أَقْصَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَجْرٌ.
وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
أَيَا رُبَّ وَجْهٍ فِي التُّرَابِ عَتِيقِ ... وَيا رُبَّ حُسْنٍ فِي التُّرَابِ رَقِيقِ
وَيَا رُبَّ حَزْمٍ فِي التُّرَابِ وَنَجْدَةٍ ... وَيَا رُبَّ رَأيٍ فِي التُّرَابِ وَثِيقِ
أَرَى كُلَّ حَيٍّ هَالِكاً وَابْنَ هَالِكٍ ... وَذَا حَسَبٍ فِي الْهَالِكِينَ عَرِيقِ
فَقُلْ لِقَرِيبِ الدَّارِ إِنَّكَ ظَاعِنٌ ... إِلَى سَفَرٍ نَائِي الْمَحَلِّ سَحِيقِ
(14/76)

إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ لَهُ
عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيقِ
وَقَوْلُهُ:
لَا تَشْرَهَنَّ فَإِنَّ الذُّلَّ فِي الشَّرَهِ ... وَالْعِزُّ فِي الْحِلْمِ لَا فِي الطَّيْشِ وَالسَّفَهِ
وَقُلْ لِمُغْتَبِطٍ فِي التِّيْهِ مِنْ حُمَقٍ ... لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي التِّيهِ لَمْ تَتُهِ
التِّيهُ مَفْسَدَةٌ لِلدِّينِ مَنْقَصَةٌ ... لِلْعَقْلِ مَهْلَكَةٌ لِلْعِرْضِ فَانْتَبِهِ
وَجَلَسَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْقَاسِمِ فِي دُكَّانِ وَرَّاقٍ، فَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ دَفْتَرٍ:
أَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَ ... هُ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
ثُمَّ جَاءَ أَبُو نُوَاسٍ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنَ، قَاتَلَهُ اللَّهُ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا لِي بِجَمِيعِ شَيْءٍ قُلْتُهُ، لِمَنْ هَذِهِ؟ قِيلَ: لِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ. فَأَخَذَ الدَّفْتَرَ، فَكَتَبَ إِلَى جَانِبِهَا:
سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلْ قَ مِنْ ضَعِيفٍ ... مَهِينِ يَسوقُهُ مِنْ قَرَارٍ إِلى قَرارٍ مَكِينِ
يَحورُ شَيئًا فَشَيئًا فِي الْحُجُبِ دُونَ الْعُيُونِ
(14/77)

حَتَّى بَدَتْ حَرَكَاتٌ مَخْلُوقَةٌ مِنْ سُكُونِ
وَمِنْ شِعْرِ أَبِي نُوَاسٍ الْمُسْتَجَادِ قَوْلُهُ:
انْقَضَتْ شِرَّتِي فَعِفْتُ الْمَلَاهِي ... إِذْ رَمَى الشَّيْبُ مَفْرِقِي بِالدَّوَاهِي
وَنَهَتْنِي النُّهَى فَمِلْتُ إِلَى الْعَدْ ... لِ وَأَشْفَقْتُ مِنْ مَقَالَةِ نَاهِ
أَيُّهَا الْغَافِلُ الْمُقِيمُ عَلَى السَّهْ ... وِ وَلَا عُذْرَ فِي الْمُقَامِ لِسَاهِ
لَا بِأَعْمَالِنَا نُطِيقُ خَلَاصًا ... يَوْمَ تَبْدُو السِّمَاتُ فَوْقَ الْجِبَاهِ
غَيْرَ أَنَّا عَلَى الْإِسَاءَةِ وَالتَّفْ ... رِيطِ نَرْجُو مِنْ حُسْنِ عَفْوِ الْإِلَهِ
وَقَوْلُهُ:
نَمُوتُ وَنَبْلَى غَيْرَ أَنَّ ذُنُوبَنَا ... إِذَا نَحْنُ مِتْنَا لَا تَمُوتُ وَلَا تَبْلَى
أَلَا رُبَّ ذِي عَيْنَيْنِ لَا تَنْفَعَانِهِ ... وَهَلْ تَنْفَعُ الْعَيْنَانِ مَنْ قَلْبُهُ أَعْمَى
وَقَوْلُهُ:
لَوْ أَنَّ عَيْنًا وَهَّمَتْهَا نَفْسُهَا ... يَوْمَ الْحِسَابِ مُمَثَّلًا لَمْ تَطْرَفِ
(14/78)

سُبْحَانَ ذِي الْمَلَكُوتِ أَيَّةَ لَيْلَةٍ ... مَخِضَتْ صَبِيحَتُهَا بِيَوْمِ الْمَوْقِفِ
كَتَبَ الْفَنَاءَ عَلَى الْبَرِيَّةِ رَبُّهَا ... فَالنَّاسُ بَيْنَ مُقَدَّمٍ وَمُخَلَّفِ
وَذَكَرُوا أَنَّ أَبَا نُوَاسٍ لَمَّا أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَالَ:
إِلَهَنَا مَا أَعْدَلَكْ ... مَلِيكَ كُلِّ مَنْ مَلَكْ
لَبَّيْكَ قَدْ لَبَّيْتُ لَكْ ... لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ
وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكْ ... مَا خَابَ عَبْدٌ سَأَلَكْ
لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ ... وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ
أَنْتَ لَهُ حَيْثُ سَلَكَ ... لَوْلَاكَ يَا رَبِّي هَلَكْ
لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ ... وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ
وَاللَّيْلُ لَمَّا أَنْ حَلَكْ ... وَالسَّابِحَاتُ فِي الْفَلَكْ
عَلَى مَجَارِي الْمُنْسَلَكْ ... كُلُّ نَبِيٍّ وَمَلَكْ
وَكُلُّ مَنْ أَهَلَّ لَكْ ... سَبَّحَ أَوْ صَلَّى فَلَكْ
لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ ... وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكْ
(14/79)

يَا مُخْطِئًا مَا أَغْفَلَكْ ... عَجِّلْ وَبَادِرْ أَمَلَكْ
وَاخْتِمْ بِخَيْرٍ عَمَلَكْ ... لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ
وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكْ
وَقَالَ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ: ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى ثَعْلَبًا يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا تُهِمُّهُ نَفْسُهُ، لَا يُحِبُّ أَنْ يُكْثَرَ عَلَيْهِ، كَأَنَّ النِّيرَانَ قَدْ سُعِّرَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا زِلْتُ أَتَرَفَّقُ بِهِ، وَتَوَسَّلْتُ إِلَيْهِ بِأَنِّي مِنْ مَوَالِي شَيْبَانَ، حَتَّى قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ نَظَرْتَ؟ فَقُلْتُ: فِي عِلْمِ اللُّغَةِ وَالشِّعْرِ. قَالَ: مَرَرْتُ بِالْبَصْرَةِ وَجَمَاعَةٌ يَكْتُبُونَ عَنْ رَجُلٍ الشِّعْرَ، وَقِيلَ لِي: هَذَا أَبُو نُوَاسٍ فَتَخَلَّلْتُ النَّاسَ وَرَائِي، فَلَمَّا جَلَسْتُ أَمْلَى عَلَيْنَا:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفَلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ
لَهَوْنَا لَعَمْرُ اللَّهِ حَتَّى تَتَابَعَتْ ... ذُنُوبٌ عَلَى آثَارِهِنَّ ذُنُوبُ
(14/80)

فَيَا لَيْتَ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ مَا مَضَى ... وَيَأْذَنُ فِي تَوْبَاتِنَا فَنَتُوبُ
وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي نُوَاسٍ بَعْدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
أَقُولُ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَذَاهِبِي ... وَحَلَّ بِقَلْبِي لِلْهُمُومِ نُدُوبُ
لِطُولِ جِنَايَاتِي وَعِظَمِ خَطِيئَتِي ... هَلَكْتُ وَمَا لِي فِي الْمَتَابِ نَصِيبُ
وَأَغْرَقُ فِي بَحْرِ الْمَخَافَةِ آيِسًا ... وَتَرْجِعُ نَفْسِي تَارَةً فَتَتُوبُ
وَيُذْكَرُ عَفْوٌ لِلْكَرِيمِ عَنِ الْوَرَى ... فَأَحْيَا وَأَرْجُو عَفْوَهُ فَأُنِيبُ
فَأَخْضَعُ فِي قَوْلِي وَأَرْغَبُ سَائِلًا ... عَسَى كَاشِفُ الْبَلْوَى عَلَيَّ يَتُوبُ
قَالَ ابْنُ طَرَارَا الْجَرِيرِيُّ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ: لِمَنْ؟ قِيلَ: لِأَبِي نُوَاسٍ، وَهِيَ فِي زُهْدِيَّاتِهِ. وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهَا النُّحَاةُ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا.
وَقَالَ حَسَنُ ابْنُ الدَّايَةِ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي نُوَاسٍ وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: عِظْنِي. فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
(14/81)

تَكَثَّرْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الْخَطَايَا ... فَإِنَّكَ لَاقِي رَبًّا غَفُورَا
سَتُبْصِرُ إِذْ وَرَدْتَ عَلَيْهِ عَفْوَا ... وَتَلْقَى سَيِّدًا مَلِكًا قَدِيرَا
تَعَضُّ نَدَامَةً كَفَّيْكَ مِمَّا ... تَرَكْتَ مَخَافَةَ النَّارِ السُّرُورَا
فَقُلْتُ: وَيْلَكَ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ تَعِظُنِي بِهَذِهِ الْمَوْعِظَةِ؟ فَقَالَ: اسْكُتْ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ادَّخَرْتُ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ بِهَذَا السَّنَدِ «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ»
وَقَالَ الرَّبِيعُ وَغَيْرُهُ، عَنِ الشَّافِعِيِّ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي نُوَاسٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقُلْنَا: مَا أَعْدَدْتَ لِهَذَا الْيَوْمِ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ ... بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ ... تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا
وَلَوْلَاكَ لَمْ يَصْمُدْ لِإِبْلِيسَ عَابِدٌ ... فَكَيْفَ وَقَدْ أَغْوَى صَفِيَّكَ آدَمَا
(14/82)

رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا عِنْدَ رَأْسِهِ رُقْعَةً مَكْتُوبًا فِيهَا بِخَطِّهِ:
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً ... فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ ... فَمَنِ الَّذِي يَدْعُو وَيَرْجُو الْمُجْرِمُ
أَدْعُوكَ رَبِّ كَمَا أَمَرْتَ تَضَرُّعًا ... فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمَنْ ذَا يَرْحَمُ
مَا لِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلَّا الرَّجَا ... وَجَمِيلُ عَفْوِكَ ثُمَّ أَنَّي مُسْلِمُ
وَقَالَ يُوسُفُ ابْنُ الدَّايَةِ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي السِّيَاقِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ:
دَبَّ فِيَّ الْفَنَاءُ سُفْلًا وَعُلْوًا ... وَأُرَانِي أَمُوتُ عُضْوًا فَعُضْوَا
لَيْسَ تَأْتِي مِنْ سَاعَةٍ بِيَ إِلَّا ... نَقَصَتْنِي بِمُرِّهَا فِيَّ جَزْوَا
ذَهَبَتْ جِدَّتِي بِلَذَّةِ عَيْشِي ... وَتَذَكَّرْتُ طَاعَةَ اللَّهِ نِضْوَا
(14/83)

قَدْ أَسْأْنَا كُلَّ الْإِسَاءَةِ فَاللَّهُمَّ ... صَفْحًا عَنَّا وَغَفْرًا وَعَفْوَا
ثُمَّ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، سَامَحَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ كَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا. فَأَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِي فَمِهِ إِذَا غَسَّلُوهُ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ.
وَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَجِدُوا لَهُ مِنَ الْمَالِ سِوَى ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَثِيَابِهِ وَأَثَاثِهِ. وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِبَغْدَادَ وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ الشُّونِيزِيَّةِ فِي تَلِّ الْيَهُودِ، وَلَهُ خَمْسُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً. وَقِيلَ: تِسْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً. وَقَدْ رَآهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِأَبْيَاتٍ قُلْتُهَا فِي النَّرْجِسِ:
تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ وَانْظُرْ ... إِلَى آثَارِ مَا فَعَلَ الْمَلِيكُ
عُيُونٌ مِنْ لُجَيْنٍ فَاخِرَاتٌ ... بِأَحْدَاقٍ هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيكُ
عَلَى قَصَبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ ... بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: غَفَرَ لِي بِأَبْيَاتٍ قُلْتُهَا، وَهِيَ تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَاءُوا فَوَجَدُوهَا فِي رُقْعَةٍ بِخَطِّهِ وَهِيَ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ:
(14/84)

يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً ... فَلَقْدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
الْأَبْيَاتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَسَاكِرَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ وَنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي. قُلْتُ: بِمَاذَا؟ وَقَدْ كُنْتَ مُخَلِّطًا عَلَى نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: جَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ رَجُلٌ صَالِحٌ إِلَى الْمَقَابِرِ، فَبَسَطَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قَرَأَ فِيهِمَا أَلْفَيْ مَرَّةٍ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ثُمَّ أَهْدَى ثَوَابَ ذَلِكَ لِأَهْلِ تِلْكَ الْمَقَابِرِ، فَدَخَلْتُ أَنَا فِي جُمْلَتِهِمْ فَغَفَرَ اللَّهُ لِي.
وَقَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ لَمَّا صَحِبَ أَبَا أُسَامَةَ وَالِبَةَ بْنَ الْحُبَابِ قَدِمَ بِهِ بَغْدَادَ فَكَانَ أَوَّلَ شِعْرٍ قَالَهُ أَبُو نُوَاسٍ:
حَامِلُ الْهَوَى تَعِبُ ... يَسْتَخِفُّهُ الطَّرَبُ
إِنْ بَكَى يَحِقُّ لَهُ ... لَيْسَ مَا بِهِ لَعِبُ
تَضْحَكِينَ لَاهِيَةً ... وَالْمُحِبُّ يَنْتَحِبُ
تَعْجَبِينَ مِنْ سَقَمِي ... صِحَّتِي هِيَ الْعَجَبُ
(14/85)

وَقَالَ الْمَأْمُونُ: مَا أَحْسَنَ قَوْلَهُ:
وَمَا النَّاسُ إِلَّا هَالِكٌ وَابْنُ هَالِكٍ ... وَذُو نَسَبٍ فِي الْهَالِكِينَ عَرِيقُ
إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ لَهُ ... عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيقِ
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَمَا أَشَدَّ رَجَاءَهُ بِرَبِّهِ حَيْثُ يَقُولُ:
تَكَثَّرْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الْخَطَايَا ... فَإِنَّكَ لَاقِي رَبًّا غَفُورَا
سَتُبْصِرُ إِذْ وَرَدْتَ عَلَيْهِ عَفْوًا ... وَتَلْقَى سَيِّدًا مَلِكًا قَدِيرًا
تَعَضُّ نَدَامَةً كَفَّيْكَ مِمَّا ... تَرَكْتَ مَخَافَةَ النَّارِ السُّرُورَا
وَفِيهَا تُوُفِّيَ:
أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ
أَحَدُ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ الثِّقَاتِ الْمَشْهُورِينَ.
وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيُّ
تِلْمِيذُ الْأَوْزَاعِيِّ.
(14/86)

[سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا حَبَسَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ أَسَدَ بْنَ يَزِيدَ؛ لِأَجْلِ أَنَّهُ نَقَمَ عَلَى الْأَمِينِ لَعِبَهُ وَتَهَاوُنَهُ فِي أَمْرِ الرَّعِيَّةِ، وَارْتِكَابَهُ اللَّعِبَ وَالصَّيْدَ فِي هَذَا الْوَقْتِ.
وَوَجَّهَ الْأَمِينُ أَحْمَدَ بْنَ مَزْيَدَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرُونَ أَلْفًا إِلَى حُلْوَانَ لِقِتَالِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ أَمِيرِ الْحَرْبِ مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُونِ فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى قَرِيبٍ مِنْ حُلْوَانَ خَنْدَقَ طَاهِرٌ عَلَى جَيْشِهِ خَنْدَقًا، وَجَعَلَ يَعْمَلُ الْحِيلَةَ فِي إِيقَاعِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْأَمِيرَيْنِ، فَاخْتَلَفَا فَرَجَعَا وَلَمْ يُقَاتِلَاهُ، وَدَخَلَ طَاهِرٌ إِلَى حُلْوَانَ وَجَاءَهُ كِتَابُ الْمَأْمُونِ بِتَسْلِيمِ مَا تَحْتَ يَدِهِ إِلَى هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ، وَأَنْ يَتَوَجَّهَ هُوَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا رَفَعَ الْمَأْمُونُ مَنْزِلَةَ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ وَلَّاهُ أَعْمَالًا كِبَارًا، وَسَمَّاهُ ذَا الرِّيَاسَتَيْنِ.
وَفِيهَا وَلَّى الْأَمِينُ نِيَابَةَ الشَّامِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَدْ كَانَ أَخْرَجَهُ مِنْ سِجْنِ الرَّشِيدِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْعَثَ لَهُ رِجَالًا وَجُنُودًا لِقِتَالِ طَاهِرٍ وهَرْثَمَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ إِلَى الرَّقَّةِ أَقَامَ بِهَا، وَكَتَبَ إِلَى رُؤَسَاءِ الشَّامِ
(14/87)

يَتَأَلَّفُهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ وَقَعَتْ حُرُوبٌ كَانَ مَبْدَؤُهَا مِنْ أَهْلِ حِمْصَ وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ وَطَالَ الْقِتَالُ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ هُنَالِكَ، فَرَجَعَ الْجَيْشُ إِلَى بَغْدَادَ صُحْبَةَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، فَتَلَقَّاهُ أَهْلُ بَغْدَادَ بِالْإِكْرَامِ وَالِاحْتِرَامِ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا جَاءَهُ رَسُولُ الْأَمِينِ يَطْلُبُهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِمُسَامِرٍ وَلَا مُضْحِكٍ، وَلَا وَلِيتُ لَهُ عَمَلًا وَلَا جَاءَ لَهُ عَلَى يَدَيَّ مَالٌ، فَلِأَيِّ شَيْءٍ يُرِيدُنِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟

[سَبَبُ خَلْعِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ]
ذِكْرُ سَبَبِ خَلْعِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ وَكَيْفَ أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى أَخِيهِ الْمَأْمُونِ
لَمَّا أَصْبَحَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى الْأَمِينِ لَمَّا طَلَبَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَقْدَمِهِ بِالْجَيْشِ مِنْ الرَّقَّةِ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا وَأَلَّبَهُمْ عَلَى الْأَمِينِ، وَذَكَرَ لَعِبَهُ وَمَا يَتَعَاطَاهُ مِنَ اللَّهْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَنَّهُ لَا تَصْلُحُ الْخِلَافَةُ لِمَنْ هَذَا حَالُهُ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُوقِعَ الْبَأْسَ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الْقِيَامِ عَلَيْهِ وَالنُّهُوضِ إِلَيْهِ، وَنَدَبَهُمْ لِذَلِكَ، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَبَعَثَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ إِلَيْهِ خَيْلًا، فَاقْتَتَلُوا مَلِيًّا مِنَ النَّهَارِ، فَأَمَرَ الْحُسَيْنُ
(14/88)

أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَرَجَّلُوا إِلَى الْأَرْضِ وَأَنْ يُقَاتِلُوا بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ، فَانْهَزَمَ جَيْشُ الْأَمِينِ، وَخَلَعَ مُحَمَّدًا الْأَمِينَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ مِنَ الْغَدِ لِعَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ نَقَلَ الْأَمِينَ مِنْ قَصْرِهِ إِلَى قَصْرِ أَبِي جَعْفَرٍ وَسَطَ بَغْدَادَ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ وَقَيَّدَهُ وَاضْطَهَدَهُ، وَأَمَرَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى أُمَّهُ زُبَيْدَةَ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى هُنَالِكَ فَامْتَنَعَتْ فَقَنَّعَهَا بِالسَّوْطِ، وَقَهَرَهَا عَلَى الِانْتِقَالِ، فَانْتَقَلَتْ مَعَ أَوْلَادِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ طَلَبُوا مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أُعْطِيَاتِهِمْ وَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، وَصَارَ أَهْلُ بَغْدَادَ فِرْقَتَيْنِ؛ فِرْقَةً مَعَ الْخَلِيفَةِ وَفِرْقَةً عَلَيْهِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَغَلَبَ حِزْبُ الْخَلِيفَةِ أُولَئِكَ، وَأَسَرُوا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ وَقَيَّدُوهُ، وَدَخَلُوا بِهِ عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَفَكُّوا عَنْهُ قُيُودَهُ، وَأَجْلَسُوهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ مِنَ الْعَامَّةِ أَنْ يُعْطَى سِلَاحًا مِنَ الْخَزَائِنِ، فَانْتَهَبَ النَّاسُ خَزَائِنَ السِّلَاحِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَأُتِيَ الْأَمِينُ بِالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، فَلَامَهُ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ بِأَنَّ عَفْوَ الْخَلِيفَةِ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَعَفَا عَنْهُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَاسْتَوْزَرَهُ، وَأَعْطَاهُ الْخَاتَمَ، وَوَلَّاهُ مَا وَرَاءَ بَابِهِ، وَوَلَّاهُ الْحَرْبَ وَسَيَّرَهُ إِلَى حُلْوَانَ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْجِسْرِ هَرَبَ فِي خَدَمِهِ وَحَاشِيَتِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْأَمِينُ مَنْ يَرُدُّهُ، فَرَكِبَتِ الْخُيُولُ وَرَاءَهُ فَأَدْرَكُوهُ، فَقَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ،
(14/89)

فَقَتَلُوهُ لِمُنْتَصَفِ رَجَبٍ، وَجَاءُوا بِرَأْسِهِ إِلَى الْأَمِينِ، وَجَدَّدَ النَّاسُ بَيْعَةَ الْأَمِينِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى هَرَبَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَاجِبُ، وَاسْتَحْوَذَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ نَائِبُ الْمَأْمُونِ عَلَى أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَاسْتَنَابَ بِهَا النُّوَّابَ، مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُونِ وَخَلَعَتْ أَكْثَرُ الْأَقَالِيمِ الْأَمِينَ، وَبَايَعُوا الْمَأْمُونَ وَتَدَنَّى طَاهِرٌ إِلَى الْمَدَائِنِ فَأَخَذَهَا مَعَ وَاسِطٍ وَأَعْمَالِهَا، وَاسْتَنَابَ مِنْ جِهَتِهِ عَلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ الْأَمِينِ مِنَ الْبِلَادِ إِلَّا الْقَلِيلُ.
وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا عَقَدَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ أَرْبَعَمِائَةِ لِوَاءٍ، مَعَ كُلِّ لِوَاءٍ أَمِيرٌ، وَبَعَثَهُمْ لِقِتَالِ هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ فَالْتَقَوْا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَكَسَرَهُمْ هَرْثَمَةُ، وَأَسَرَ مُقَدَّمَهُمْ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ وَهَرَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ جُنْدِ طَاهِرٍ، نَحْوٌ مِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ، فَسَارُوا إِلَى الْأَمِينِ بِبَغْدَادَ فَأَعْطَاهُمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَأَكْرَمَهُمْ وَغَلَّفَ لِحَاهُمْ بِالْغَالِيَةِ، فَسُمُّوا جَيْشَ الْغَالِيَةِ. ثُمَّ نَدَبَهُمُ الْأَمِينُ وَأَرْسَلَ مَعَهُمْ جَيْشًا كَثِيفًا لِقِتَالِ طَاهِرٍ فَهَزَمَهُمْ، وَفَرَّقَ شَمْلَهُمْ، وَأَخَذَ مَا كَانَ مَعَهُمْ. وَاقْتَرَبَ مِنْ بَغْدَادَ فَحَاصَرَهَا، وَبَعَثَ الْقُصَّادَ وَالْجَوَاسِيسَ يُلْقُونَ الْفِتْنَةَ بَيْنَ الْجُنْدِ حَتَّى تَفَرَّقُوا شِيَعًا، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ الْجَيْشِ، وَسَعَتِ الْأَصَاغِرُ عَلَى الْأَكَابِرِ،
(14/90)

وَاخْتَلَفُوا عَلَى الْأَمِينِ فِي سَادِسِ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ بَعْضُ الْبَغَادِدَةِ:
قُلْ لِأَمِينِ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ ... مَا شَتَّتَ الْجُنْدَ سِوَى الْغَالِيهْ
وَطَاهِرٌ نَفْسِي تَقِي طَاهِرًا ... بِرُسْلِهِ وَالْعُدَّةِ الْكَافِيهْ
أَضْحَى زِمَامُ الْمُلْكِ فِي كَفِّهِ ... مُقَاتِلًا لِلْفِئَةِ الْبَاغِيهْ
يَا نَاكِثًا أَسْلَمَهُ نَكْثُهُ ... عُيُوبُهُ فِي جَيْشِهِ فَاشِيهْ
قَدْ جَاءَكَ اللَّيْثُ بِشَدَّاتِهِ ... مُسْتَكْلِبًا فِي أُسُدٍ ضَارِيَهْ
فَاهْرَبْ وَلَا مَهْرَبَ مِنْ مِثْلِهِ ... إِلَّا إِلَى النَّارِ أَوِ الْهَاوِيَهْ
فَتَفَرَّقَ عَلَى الْأَمِينِ شَمْلُهُ، وَحَارَ فِي أَمْرِهِ، وَجَاءَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بِجُيُوشِهِ، فَنَزَلَ عَلَى بَابِ الْأَنْبَارِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَأَخَذَتِ الدُّعَّارُ وَالشُّطَّارُ أَهْلَ الصَّلَاحِ، وَخُرِّبَتِ الدِّيَارُ، وَثَارَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى قَاتَلَ الْأَخُ أَخَاهُ، وَالِابْنُ أَبَاهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ، مِنْ قِبَلِ طَاهِرٍ، وَدَعَا لِلْمَأْمُونِ بِالْخِلَافَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ
(14/91)

النَّبَوِيَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَوْسِمٍ دُعِيَ فِيهِ لِلْمَأْمُونِ بِالْخِلَافَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ:
بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحِمْصِيُّ، إِمَامُ أَهْلِ حِمْصَ وَفَقِيهُهَا وَمُحَدِّثُهَا.
وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ الْقَاضِي، عَاشَ فَوْقَ التِّسْعِينَ، وَلَمَّا احْتُضِرَ بَكَى بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَبْكِ، وَاللَّهِ مَا حَلَلْتُ سَرَاوِيلِي عَلَى حَرَامٍ قَطُّ، وَلَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيَّ خَصْمَانِ فَبَالَيْتُ عَلَى مَنْ وَقَعَ الْحُكْمُ مِنْهُمَا.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْزُوقٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، كَانَ وَزِيرًا لِلرَّشِيدِ فَتَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَتَزَهَّدَ، وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُطْرَحَ قَبْلَ مَوْتِهِ عَلَى مَزْبَلَةٍ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْحَمَهُ.
أَبُو شِيصٍ الشَّاعِرُ مُحَمَّدُ بْنُ رَزِينِ بْنِ سُلَيْمَانَ، كَانَ إِنْشَادُ الشِّعْرِ وَإِنْشَاؤُهُ،
(14/92)

وَنَظْمُهُ أَسْهَلَ عَلَيْهِ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ، وَكَانَ هُوَ وَمُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمُلَقَّبُ صَرِيعَ الْغَوَانِي وَأَبُو نُوَاسٍ، وَدِعْبِلٌ يَجْتَمِعُونَ وَيَتَنَاشَدُونَ. وَقَدْ عَمِيَ أَبُو الشِّيصِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ.
وَمِنْ جَيِّدِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
وَقَفَ الْهَوَى بِي حَيْثُ أَنْتِ ... فَلَيْسَ لِي مُتَأَخَّرٌ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدَّمُ
أَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيذَةً ... حُبًّا لِذِكْرِكِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ
أَشْبَهْتِ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ ... إِذْ كَانَ حَظِّي مِنْكِ حَظِّي مِنْهُمُ
وأَهَنْتِنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي صَاغِرًا ... مَا مَنْ يَهُونُ عَلَيْكِ مِمَّنْ يُكْرَمُ
(14/93)

[سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ وَقَدْ أَلَحَّ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ وَهَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ، وَمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْجُنُودِ فِي حِصَارِ بَغْدَادَ وَالتَّضْيِيقِ عَلَى مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ وَهَرَبَ الْقَاسِمُ بْنُ الرَّشِيدِ، وَعَمُّهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ إِلَى الْمَأْمُونِ فَأَكْرَمَهُمَا، وَوَلَّى أَخَاهُ الْقَاسِمَ جُرْجَانَ وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ بِبَغْدَادَ وَنُصِبَتْ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقُ وَالْعَرَّادَاتُ وَضَاقَ الْأَمِينُ بِهِمْ ذَرْعًا، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَا يُنْفِقُ فِي الْجُنْدِ، فَاضْطَرَّ إِلَى ضَرْبِ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ، وَهَرَبَ كَثِيرٌ مِنْ جُنْدِهِ إِلَى طَاهِرٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأُخِذَتْ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التُّجَّارِ، وَبَعَثَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ إِلَى قُصُورٍ كَثِيرَةٍ، وَدُورٍ شَهِيرَةٍ، وَأَمَاكِنَ وَمَحَالَّ كَثِيرَةٍ فَحَرَّقَهَا لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَعَلَ كُلَّ هَذَا فِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ، وَلِتَدُومَ الْخِلَافَةُ لَهُ فَلَمْ تَدُمْ، وَقُتِلَ، وَخُرِّبَتْ دِيَارُهُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا وَفَعَلَ طَاهِرٌ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْأَمِينُ، حَتَّى كَادَتْ بَغْدَادُ تَخْرَبُ بِكَمَالِهَا، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ:
مَنْ ذَا أَصَابَكِ يَا بَغْدَادُ بِالْعَيْنِ ... أَلَمْ تَكُونِي زَمَاناً قُرَّةَ الْعَيْنِ
أَلَمْ يَكُنْ فِيكِ قَوْمٌ كَانَ مَسْكَنُهُمْ ... وَكَانَ قُرْبُهُمْ زَيْنًا مِنَ الزَّيْنِ
(14/94)

صَاحَ الْغُرَابُ بِهِمْ بِالْبَيْنِ
فَافْتَرَقُوا مَاذَا لَقِيتِ بِهِمْ مِنْ لَوْعَةِ الْبَيْنِ ... أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ قَوْماً مَا ذَكَرْتُهُمْ
إِلَّا تَحَدَّرَ مَاءُ الْعَيْنِ مِنْ عَيْنِي ... كَانُوا فَمَزَّقَهُمْ دَهْرٌ وَصَدَّعَهُمْ
وَالدَّهْرُ يَصْدَعُ مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ
وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا صَالِحًا، وَأَوْرَدَ فِي ذَلِكَ قَصِيدَةً طَوِيلَةً جِدًّا لِبَعْضِ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، فِيهَا بَسْطُ مَا وَقَعَ، وَهِيَ هَوْلٌ مِنَ الْأَهْوَالِ اخْتَصَرْنَاهَا بِالْكُلِّيَّةِ.
وَاسْتَحْوَذَ طَاهِرٌ عَلَى مَا كَانَ فِي الضِّيَاعِ مِنَ الْغَلَّاتِ وَالْحَوَاصِلِ لِلْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْأَمَانِ، وَخَلْعِ الْأَمِينِ، وَالْبَيْعَةِ لِلْمَأْمُونِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ جَمَاعَةٌ؛ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ، وَيَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَاهَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ الطُّوسِيُّ، وَكَاتَبَهُ خَلْقٌ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ وَالْأُمَرَاءِ، وَصَارَتْ قُلُوبُهُمْ مَعَهُ.
وَاتَّفَقَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَنْ ظَفِرَ أَصْحَابُ الْأَمِينِ بِبَعْضِ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ طَائِفَةً عِنْدَ قَصْرِ صَالِحٍ، فَلَمَّا جَرَى ذَلِكَ بَطَرَ الْأَمِينُ، وَأَقْبَلَ عَلَى اللَّهْوِ وَالشُّرْبِ وَاللَّعِبِ، وَوَكَّلَ الْأُمُورَ، وَتَدْبِيرَهَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، ثُمَّ قَوِيَتْ شَوْكَةُ أَصْحَابِ طَاهِرٍ وَضَعُفَ جَانِبُ الْأَمِينِ جِدًّا، وَانْحَازَ النَّاسُ إِلَى جَيْشِ طَاهِرٍ، وَكَانَ جَانِبُهُ آمِنًا جِدًّا، لَا يَخَافُ أَحَدٌ فِيهِ مِنْ سَرِقَةٍ وَلَا نَهْبٍ، وَلَا
(14/95)

غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدِ احْتَازَ طَاهِرٌ أَكْثَرَ مَحَالِّ بَغْدَادَ وَأَرْبَاضِهَا، وَمَنَعَ الْمَلَّاحِينَ أَنْ يَحْمِلُوا طَعَامًا إِلَى مَنْ خَالَفَهُ، لِيُضَيِّقَ عَلَيْهِمْ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ عِنْدَهُمْ جِدًّا، وَنَدِمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمُنِعَتِ التُّجَّارُ مِنَ الْقُدُومِ إِلَى بَغْدَادَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَضَائِعِ أَوِ الدَّقِيقِ، وَصُرِفَتِ السُّفُنُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ جَرَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ؛ فَمِنْ ذَلِكَ وَقْعَةُ دَرْبِ الْحِجَارَةِ، كَانَتْ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، كَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعَيَّارِينَ وَالْحَرَافِشَةُ مِنَ الْبَغَادِدَةِ يَأْتِي عُرْيَانًا، وَمَعَهُ بَارِيَّةٌ مُقَيَّرَةٌ، وَتَحْتَ كَتِفِهِ مِخْلَاةٌ فِيهَا حِجَارَةٌ، فَإِذَا ضَرَبَهُ الْفَارِسُ مِنْ بَعِيدٍ بِالسَّهْمِ اتَّقَاهُ بِبَارِيَّتِهِ فَلَا يُؤْذِيهِ، وَإِذَا اقْتَرَبَ مِنْهُ رَمَاهُ بِحَجَرٍ فِي الْمِقْلَاعِ فَأَصَابَهُ، فَهَزَمُوهُمْ بِذَلِكَ.
وَوَقْعَةُ الشَّمَّاسِيَّةِ أُسِرَ فِيهَا هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى طَاهِرٍ، وَأَمَرَ بِعَقْدِ جِسْرٍ عَلَى دِجْلَةَ فَوْقَ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَعَبَرَ بِنَفْسِهِ، وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَقَاتَلَهُمْ بِنَفْسِهِ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى أَزَالَهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ، وَاسْتَرَدَّ مِنْهُمْ هَرْثَمَةَ، وَجَمَاعَةً مِمَّنْ كَانُوا أَسَرُوهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ وَقَالَ فِي ذَلِكَ:
(14/96)

مُنِيتُ بِأَشْجَعِ الثَّقَلَيْنِ قَلْبًا ... إِذَا مَا طَالَ لَيْسَ كَمَا يَطُولُ
لَهُ مَعَ كُلِّ ذِي بَدَنٍ رَقِيبٌ ... يُشَاهِدُهُ وَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ
فَلَيْسَ بِمُغْفِلٍ أَمْرًا عِنَادًا ... إِذَا مَا الْأَمْرُ ضَيَّعَهُ الْغُفُولُ
وَضَعُفَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ ابْنِ زُبَيْدَةَ جِدًّا، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ مَالٌ يُنْفِقُهُ عَلَى جُنْدِهِ، وَلَا عَلَى نَفْسِهِ، وَتَفَرَّقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، وَبَقِيَ مُضْطَهَدًا ذَلِيلًا. وَانْقَضَتْ هَذِهِ السَّنَةُ بِكَمَالِهَا وَالنَّاسُ فِي بَغْدَادَ فِي قَلَاقِلَ وَزَلَازِلَ وَهَيْشَاتٍ وَقِتَالٍ وَحِصَارٍ وَحَرْقٍ وَغَرَقٍ وَسَرَقٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْهَاشِمِيُّ، وَدَعَا لِلْمَأْمُونِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ السَّادَةِ الْأَعْيَانِ:
شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ، أَحَدُ الزُّهَّادِ.
(14/97)

وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، إِمَامُ أَهْلِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ.
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْهِرٍ، قَاضِي جَبُّلٍ، أَخُو عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ.
وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو سَعِيدٍ، الْمُلَقَّبُ بِوَرْشٍ، أَحَدُ الْقُرَّاءِ الْمَشْهُورِينَ الرُّوَاةُ عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ.
وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ الرُّؤَاسِيُّ، أَحَدُ أَعْلَامِ الْمُحَدِّثِينَ، مَاتَ عَنْ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً.
(14/98)

[سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا خَامَرَ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ عَلَى مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ وَأَخَذَ الْأَمَانَ مِنْ طَاهِرٍ. وَدَخَلَ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ، وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَثَبَ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى عَلَى جِسْرِ بَغْدَادَ فَقَطَعَاهُ وَنَصَبَا رَايَتَهُمَا عَلَيْهِ، وَدَعَوْا إِلَى بَيْعَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ وَخَلْعِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ وَدَخَلَ طَاهِرٌ يَوْمَ الْخَمِيسِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَبَاشَرَ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَنَادَى بِالْأَمَانِ لِمَنْ لَزِمَ مَنْزِلَهُ، وَجَرَتْ عِنْدَ دَارِ الرَّقِيقِ وَالْكَرْخِ وَغَيْرِهِمَا وَقَعَاتٌ، وَأَحَاطَ بِمَدِينَةِ أَبِي جَعْفَرٍ وَالْخُلْدِ وَقَصْرِ زُبَيْدَةَ، وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ حَوْلَ السُّورِ، وَحِذَاءَ قَصْرِ زُبَيْدَةَ، وَرَمَاهُ بِالْمَنْجَنِيقِ، فَخَرَجَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ بِأُمِّهِ وَوَلَدِهِ إِلَى مَدِينَةِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ فِي الطُّرُقِ، لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. وَدَخَلَ الْأَمِينُ قَصْرَ أَبِي جَعْفَرٍ وَانْتَقَلَ مِنَ الْخُلْدِ لِكَثْرَةِ مَا يَأْتِيهِ فِيهِ مِنْ رَمْيِ الْمَنْجَنِيقِ، وَأَمَرَ بِتَحْرِيقِ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْأَثَاثِ وَالْبُسُطِ وَالْأَمْتِعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَحُصِرَ فِيهِ حَصْرًا شَدِيدًا. وَمَعَ هَذِهِ الشِّدَّةِ وَالضِّيقِ وَإِشْرَافِهِ عَلَى الْهَلَاكِ، خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ إِلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، وَاسْتَدْعَى بِنَبِيذٍ وَجَارِيَةٍ فَغَنَّتْهُ، فَلَمْ يَنْطَلِقْ لِسَانُهَا إِلَّا بِالْفُرَاقِيَّاتِ وَذِكْرِ الْمَوْتِ، وَهُوَ يَقُولُ لَهَا: غَيِّرِي هَذَا.
(14/99)

فَتَذْكُرُ نَظِيرَهُ، حَتَّى غَنَّتْهُ آخِرَ مَا غَنَّتْهُ أَنْ قَالَتْ:
أَمَا وَرَبِّ السُّكُونِ وَالْحَرَكِ ... إِنَّ الْمَنَايَا كَثِيرَةُ الشَّرَكِ
مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا ... دَارَتْ نُجُومُ السَّمَاءِ فِي الْفَلَكِ
إِلَّا لِنَقْلِ السُّلْطَانِ مِنْ مَلِكٍ ... غَاوٍ يُحِبُّ الدُّنْيَا إِلَى مَلِكِ
وَمُلْكُ ذِي الْعَرْشِ دَائِمٌ أَبَدًا ... لَيْسَ بِفَانٍ وَلَا بِمُشْتَرَكِ
قَالَ: فَسَبَّهَا وَأَقَامَهَا مِنْ حَضْرَتِهِ، فَعَثَرَتْ فِي قَدَحٍ كَانَ لَهُ مِنْ بَلُّورٍ فَكَسَرَتْهُ، فَتَطَيَّرَ بِذَلِكَ. وَلَمَّا ذَهَبَتِ الْجَارِيَةُ سَمِعَ صَارِخًا يَقُولُ {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41] فَقَالَ لِجَلِيسِهِ: وَيْحَكَ، أَلَا تَسْمَعُ؟ فَتَسَمَّعَ فَلَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا، ثُمَّ عَادَ الصَّوْتُ بِذَلِكَ، فَمَا كَانَ إِلَّا لَيْلَةٌ أَوْ لَيْلَتَانِ حَتَّى قُتِلَ فِي رَابِعِ صَفَرٍ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَقَدْ جَهِدَ فِي حَصْرِهِ ذَلِكَ، بِحَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ؛ فَجَاعَ لَيْلَةً فَمَا أُتِيَ بِرَغِيفٍ وَدَجَاجَةٍ إِلَّا بَعْدَ كُلْفَةٍ كَبِيرَةٍ، ثُمَّ طَلَبَ مَاءً فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ، فَبَاتَ عَطْشَانًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قُتِلَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ.
ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ مَقْتَلِهِ
لَمَّا اشْتَدَّ بِهِ الْأَمْرُ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْخَدَمِ وَالْجُنْدِ، فَشَاوَرَهُمْ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَذْهَبُ بِمَنْ بَقِيَ مَعَكَ إِلَى الْجَزِيرَةِ أَوِ الشَّامِ
(14/100)

فَتَتَقَوَّى بِالْأَمْوَالِ، وَتَسْتَخْدِمَ الرِّجَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَخْرُجُ إِلَى طَاهِرٍ وَتَأْخُذُ مِنْهُ أَمَانًا، وَتُبَايِعُ لِأَخِيكَ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَإِنَّ أَخَاكَ سَيَأْمُرُ لَكَ بِمَا يَكْفِيكَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَغَايَةُ مُرَادِكَ الدَّعَةُ وَالرَّاحَةُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ لَكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هَرْثَمَةُ أَوْلَى بِأَنْ يَأْخُذَ لَكَ الْأَمَانَ؛ فَإِنَّهُ مَوْلَاكُمْ أَحَنَى عَلَيْكُمْ. فَمَالَ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْأَحَدِ الرَّابِعِ مِنْ صَفَرٍ بَعْدَ عِشَاءِ الْآخِرَةِ وَاعَدَ هَرْثَمَةَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَ الْخِلَافَةِ، وَطَيْلَسَانًا، وَاسْتَدْعَى بِوَلَدَيْهِ فَشَمَّهُمَا وَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: أَسْتُوْدِعُكُمَا اللَّهَ، وَمَسَحَ دُمُوعَهُ بِطَرَفِ كُمِّهِ، ثُمَّ رَكِبَ عَلَى فَرَسٍ سَوْدَاءَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَمْعَةٌ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى هَرْثَمَةَ أَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، وَرَكِبَا فِي حَرَّاقَةٍ فِي دِجْلَةَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ طَاهِرًا، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: أَنَا الَّذِي فَعَلْتُ هَذَا كُلَّهُ وَيَذْهَبُ إِلَى غَيْرِي، وَيُنْسَبُ هَذَا كُلُّهُ إِلَى هَرْثَمَةَ! فَلَحِقَهُمَا وَهُمَا فِي الْحَرَّاقَةِ، فَأَمَالَهَا أَصْحَابُهُ فَغَرِقَتْ فِي الْمَاءِ، فَغَرِقَ مَنْ فِيهَا، غَيْرَ أَنَّ مُحَمَّدًا الْأَمِينَ سَبَحَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ وَأَسَرَهُ بَعْضُ الْجُنْدِ، وَجَاءَ فَأَعْلَمَ طَاهِرًا بِذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ جُنْدًا مِنَ الْعَجَمِ، فَجَاءُوا إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي قَدْ أَوَى إِلَيْهِ، وَعِنْدَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: ادْنُ مِنِّي فَإِنِّي أَجِدُ وَحْشَةً شَدِيدَةً. وَجَعَلَ يَلْتَفُّ فِي ثِيَابِهِ شَدِيدًا، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ خَفَقَانًا عَظِيمًا، كَادَ يَخْرُجُ مِنْ صَدْرِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ثُمَّ دَنَا مِنْهُ أَحَدُهُمْ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: وَيْحَكُمُ، أَنَا ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَا ابْنُ هَارُونَ، أَنَا أَخُو الْمَأْمُونِ اللَّهَ اللَّهَ فِي دَمِي! فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ تَكَاثَرُوا عَلَيْهِ وَذَبَحُوهُ مِنْ قَفَاهُ، وَذَهَبُوا بِرَأْسِهِ إِلَى طَاهِرٍ وَتَرَكُوا جُثَّتَهُ، ثُمَّ جَاءُوا
(14/101)

مِنْ بَاكِرٍ إِلَيْهَا، فَلَفُّوهَا فِي جُلِّ فَرَسٍ، وَذَهَبُوا بِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ.
وَهَذَا شَيْءٌ مِنْ تَرْجَمَةِ الْأَمِينِ
هُوَ مُحَمَّدٌ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْأَمِينُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَيُقَالُ: أَبُو مُوسَى الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، وَأُمُّهُ أُمُّ جَعْفَرٍ زُبَيْدَةُ بِنْتُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ.
كَانَ مَوْلِدُهُ بِالرُّصَافَةِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ. وَأَتَتْهُ الْخِلَافَةُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَقُتِلَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، يَعْنِي سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، قَتَلَهُ قُرَيْشٌ الدَّنْدَانِيُّ، وَحُمِلُ رَأْسُهُ إِلَى طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ فَنَصَبَهُ عَلَى رُمْحٍ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26] الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 26] . وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ طَوِيلًا سَمِينًا أَبْيَضَ، أَقْنَى الْأَنْفِ، صَغِيرَ الْعَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الْكَرَادِيسِ، بَعِيدًا مَا بَيْنَ
(14/102)

الْمَنْكِبَيْنِ، وَقَدْ رَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِكَثْرَةِ اللَّعِبِ وَالشُّرْبِ، وَقِلَّةِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ طَرَفًا مِنْ سِيرَتِهِ فِي إِكْثَارِهِ مِنِ اقْتِنَاءِ السُّودَانِ وَالْخِصْيَانِ، وَإِعْطَائِهِمُ الْأَمْوَالَ وَالْجَوَاهِرَ، وَأَمْرِهِ بِإِحْضَارِ الْمَلَاهِي وَالْمُغَنِّينَ مِنْ سَائِرِ الْبُلْدَانِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِعَمَلِ خَمْسِ حَرَّاقَاتٍ عَلَى صُورَةِ الْفِيلِ، وَالْأَسَدِ، وَالْعُقَابِ، وَالْحَيَّةِ، وَالْفَرَسِ، وَأَنْفَقَ عَلَى ذَلِكَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً جِدًّا، وَقَدِ امْتَدَحَهُ أَبُو نُوَاسٍ بِشِعْرٍ أَقْبَحَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ صَنِيعِ الْأَمِينِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِهِ:
سَخَّرَ اللَّهُ لِلْأَمِينِ مَطَايَا ... لَمْ تُسَخَّرْ لِصَاحِبِ الْمِحْرَابِ
فَإِذَا مَا رِكَابُهُ سِرْنَ بَرًّا ... سَارَ فِي الْمَاءِ رَاكِبًا لَيْثَ غَابِ
ثُمَّ وَصَفَ كُلًّا مِنْ تِلْكَ الْحَرَّاقَاتِ.
وَاعْتَنَى الْأَمِينُ بِبِنَايَاتٍ هَائِلَةٍ لِلنُّزْهَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْفَقَ فِي ذَلِكَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً جِدًّا، فَكَثُرَ النَّكِيرُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ جَلَسَ يَوْمًا فِي مَجْلِسٍ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مَالًا جَزِيلًا فِي الْخُلْدِ، وَقَدْ فُرِشَ لَهُ بِأَنْوَاعِ الْحَرِيرِ، وَنُضِّدَ بِآنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَحْضَرَ نُدَمَاءَهُ، وَأَمَرَ الْقَهْرَمَانَةَ أَنْ تُهَيِّئَ لَهُ مِائَةَ جَارِيَةٍ حَسْنَاءَ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَبْعَثَهُنَّ إِلَيْهِ عَشْرًا بَعْدَ عَشْرٍ يُغَنِّينَهُ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْعَشْرُ الْأُوَلُ انْدَفَعْنَ يُغَنِّينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ:
(14/103)

هُمْ قَتَلُوهُ كَيْ يَكُونُوا مَكَانَهُ ... كَمَا غَدَرَتْ يَوْمًا بِكِسْرَى مَرَازِبُهُ
فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَبَرَّمَ وَضَرَبَ رَأْسَهَا بِالْكَأْسِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى إِلَى الْأَسَدِ، فَأَكَلَهَا، ثُمَّ اسْتَدْعَى بِعَشْرٍ فَانْدَفَعْنَ يُغَنِّينَ:
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
يَجِدِ النِّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ ... يَلْطِمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الْأَسْحَارِ
فَطَرَدَهُنَّ، وَاسْتَدْعَى بِعَشْرٍ غَيْرِهِنَّ، فَلَمَّا حَضَرْنَ انْدَفَعْنَ يُغَنِّينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ:
كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كَانَ أَكْثَرَ نَاصِرًا ... وَأَيْسَرَ ذَنْبًا مِنْكَ ضُرِّجَ بِالدَّمِ
فَطَرَدَهُنَّ وَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ، وَأَمَرَ بِتَخْرِيبِ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَتَحْرِيقِ مَا فِيهِ.
وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْأَدَبِ، فَصِيحًا، يَقُولُ الشِّعْرَ وَيُحِبُّهُ وَيُعْطِي عَلَيْهِ الْجَوَائِزَ الْكَثِيرَةَ، وَكَانَ شَاعِرُهُ أَبَا نُوَاسٍ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو نُوَاسٍ مَدَائِحَ حِسَانًا جِدًّا، وَقَدْ وَجَدَهُ مَسْجُونًا فِي حَبْسِ الرَّشِيدِ مَعَ الزَّنَادِقَةِ، فَأَحْضَرَهُ، وَأَطْلَقُهُ، وَأَطْلَقَ لَهُ مَالًا، وَجَعَلَهُ مِنْ نُدَمَائِهِ، ثُمَّ حَبَسَهُ مَرَّةً أُخْرَى فِي شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَطَالَ حَبْسَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يَشْرَبَ الْخَمْرَ، وَلَا يَأْتِي الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، فَامْتَثَلَ ذَلِكَ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَعْدَمَا اسْتَتَابَهُ الْأَمِينُ، وَقَدْ تَأَدَّبَ عَلَى الْكِسَائِيِّ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ.
(14/104)

وَرَوَى الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِهِ حَدِيثًا أَوْرَدَهُ عَنْهُ لَمَّا عُزِّيَ فِي غُلَامٍ لَهُ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ مُحْرِمًا حُشِرَ مُلَبِّيًا»
وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ حَتَّى أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى خَلْعِهِ وَعَزْلِهِ، ثُمَّ إِلَى التَّضْيِيقِ عَلَيْهِ وَقَتْلِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَسَامَحَهُ، وَأَنَّهُ حُصِرَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى مُصَانَعَةِ هَرْثَمَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ لِيَجْتَمِعَ بِهِ، فَأُلْقِيَ مِنَ الْحَرَّاقَةِ، فَسَبَحَ إِلَى الشَّطِّ الْآخَرِ مِنْ دِجْلَةَ فَدَخَلَ دَارًا لِبَعْضِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْخَوْفِ وَالدَّهَشِ وَالْجُوعِ وَالْعُرْيِ وَالْقَلَقِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُلَقِّنُهُ الصَّبْرَ وَالِاسْتِغْفَارَ فَاشْتَغَلَ بِذَلِكَ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ الطَّلَبُ وَرَاءَهُ مِنْ جِهَةِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ الْبَابُ ضَيِّقًا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ يَتَدَافَعُونَ، وَقَامَ إِلَيْهِمْ فَجَعَلَ يُدَافِعُهُمْ عَنْ نَفْسِهِ بِمِخَدَّةٍ فِي يَدِهِ، فَمَا وَصَلُوا إِلَيْهِ حَتَّى عَرْقَبُوهُ وَضَرَبُوا رَأْسَهُ وَخَاصِرَتَهُ بِالسُّيُوفِ، ثُمَّ ذَبَحُوهُ، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ وَجُثَّتَهُ فَأَتَوْا بِهِمَا طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ فَفَرِحَ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَأَمَرَ بِنَصْبِ الرَّأْسِ فَوْقَ رُمْحٍ هُنَاكَ، حَتَّى أَصْبَحَ النَّاسُ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَوْقَ الرُّمْحِ عِنْدَ بَابِ الْأَنْبَارِ وَكَثُرَ عَدَدُ النَّاسِ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ طَاهِرٌ بِرَأْسِ الْأَمِينِ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِالْبُرْدَةِ وَالْقَضِيبِ وَالْمُصَلَّى وَكَانَ مِنْ خُوصٍ مُبَطَّنٍ
(14/105)

فَسَلَّمَهُ إِلَى ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ، فَدَخَلَ بِهِ عَلَى الْمَأْمُونِ عَلَى تُرْسٍ، فَلَمَّا رَآهُ سَجَدَ وَأَمَرَ لِمَنْ جَاءَ بِهِ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَقَدْ قَالَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ حِينَ قَدِمَ الرَّأْسُ، يُؤَلِّبُ عَلَى طَاهِرٍ: أَمَرْنَاهُ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِ أَسِيرًا، فَأَرْسَلَ بِهِ عَقِيرًا. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: قَدْ مَضَى مَا مَضَى. وَكَتَبَ طَاهِرٌ إِلَى الْمَأْمُونِ كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ صُورَةَ مَا وَقَعَ مِنَ الْقِتَالِ حَتَّى آلَ الْحَالُ إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ.
وَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِينُ هَدَأَتِ الْفِتَنُ، وَخَمَدَتِ الشُّرُورُ، وَأَمِنَ النَّاسُ، وَطَابَتِ النُّفُوسُ، وَدَخَلَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ إِلَى بَغْدَادَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ وَخَطَبَهُمْ خُطْبَةً بَلِيغَةً، ذَكَرَ فِيهَا آيَاتٍ كَثِيرَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَأَمَرَهُمْ فِيهَا بِالْجَمَاعَةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ فَأَقَامَ بِهِ، وَأَمَرَ بِتَحْوِيلِ زُبَيْدَةَ مِنْ قَصْرِ أَبِي جَعْفَرٍ إِلَى قَصْرِ الْخُلْدِ، فَخَرَجَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَبَعَثَ بِمُوسَى وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيِ الْأَمِينِ إِلَى عَمِّهِمَا الْمَأْمُونِ بِخُرَاسَانَ، وَكَانَ ذَلِكَ رَأْيًا سَدِيدًا.
وَقَدْ وَثَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْجُنْدِ بِطَاهِرٍ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ مِنْ مَقْتَلِ الْأَمِينِ وَطَلَبُوا مِنْهُ أَرْزَاقَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِذْ ذَاكَ مَالٌ، فَتَحَزَّبُوا وَاجْتَمَعُوا، وَنَهَبُوا بَعْضَ مَتَاعِهِ وَنَادَوْا: يَا مُوسَى، يَا مَنْصُورُ. وَاعْتَقَدُوا أَنَّ مُوسَى بْنَ الْأَمِينِ الْمُلَقَّبَ بِالنَّاطِقِ بِالْحَقِّ هُنَاكَ، وَإِذَا هُوَ قَدْ سَيَّرَهُ طَاهِرٌ إِلَى عَمِّهِ الْمَأْمُونِ وَانْحَازَ طَاهِرٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ نَاحِيَةً، وَعَزَمَ عَلَى قِتَالِهِمْ وَمُنَاجَزَتِهِمْ بِمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْهِ، وَاعْتَذَرُوا، وَنَدِمُوا عَلَى مَا كَانُوا فَعَلُوا، فَأَمَرَ لَهُمْ بِرِزْقِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ
(14/106)

اقْتَرَضَهَا مِنْ بَعْضِ النَّاسِ، فَطَابَتِ الْخَوَاطِرُ، وَاتَّسَقَ الْحَالُ وَصَلَحَ أَمْرُ بَغْدَادَ.
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ قَدْ أَسِفَ عَلَى قَتْلِ مُحَمَّدِ ابْنِ زُبَيْدَةَ، وَرَثَاهُ بِأَبْيَاتٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَأْمُونَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ يُعَنِّفُهُ وَيَلُومُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مَرَاثِيَ كَثِيرَةً لِلنَّاسِ فِي الْأَمِينِ، وَذَكَرَ مِنْ أَشْعَارِ الَّذِينَ هَجَوْهُ طَرَفًا، وَذَكَرَ مِنْ شِعْرِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ حِينَ قَتَلَهُ قَوْلَهُ:
مَلَكْتَ النَّاسَ قَسْرًا وَاقْتِدَارًا ... وَقَتَلْتَ الْجَبَابِرَةَ الْكِبَارَا
وَوَجَّهْتَ الْخِلَافَةَ نَحْوَ مَرْوَ ... إِلَى الْمَأْمُونِ تَبْتَدِرُ ابْتِدَارَا

[خِلَافَةُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ]
لَمَّا قُتِلَ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ بِبَغْدَادَ فِي رَابِعِ صَفَرٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي آخِرِ الْمُحَرَّمِ اسْتَوْسَقَتِ الْبَيْعَةُ شَرْقًا وَغَرْبًا لِلْمَأْمُونِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّشِيدِ، فَوَلَّى الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ نِيَابَةَ الْعِرَاقِ وَفَارِسَ وَالْأَهْوَازِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ، وَبَعَثَ نُوَّابَهُ إِلَى هَذِهِ الْأَقَالِيمِ، وَكَتَبَ إِلَى طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَهُوَ بِبَغْدَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى الرَّقَّةِ لِحَرْبِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ وَوَلَّاهُ نِيَابَةَ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ وَالْمَوْصِلِ وَالْمَغْرِبِ. وَكَتَبَ إِلَى هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ بِنِيَابَةِ خُرَاسَانَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى
(14/107)

الْهَاشِمِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ. فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ سَادَةُ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَانِهِمْ فِي الْحَدِيثِ وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ.
(14/108)

[سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا قَدِمَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ بَغْدَادَ نَائِبًا عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُونِ وَوَجَّهَ نُوَّابَهُ إِلَى بَقِيَّةِ أَعْمَالِهِ، وَتَوَجَّهَ طَاهِرٌ إِلَى نِيَابَةِ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَسَارَ هَرْثَمَةُ إِلَى نِيَابَةِ خُرَاسَانَ.
وَكَانَ قَدْ خَرَجَ فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا الْحَسَنُ الْهِرْشُ يَدْعُو إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَبَى الْأَمْوَالَ، وَانْتَهَبَ الْأَنْعَامَ، وَعَاثَ فِي الْبِلَادِ فَسَادًا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ جَيْشًا، فَقَتَلُوهُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ بِالْكُوفَةِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يَوْمَ الْخَمِيسِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، يَدْعُو إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَالْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ابْنُ طَبَاطَبَا. وَكَانَ الْقَائِمُ بِأَمْرِهِ وَتَدْبِيرِ الْحَرْبِ بَيْنَ يَدَيْهِ أَبُو السَّرَايَا السَّرِيُّ بْنُ مَنْصُورٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَقَدْ أَصْفَقَ أَهْلُ الْكُوفَةِ عَلَى وِفَاقِهِ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وَوَفَدَتْ إِلَيْهِ الْأَعْرَابُ مِنْ ضَوَاحِي الْكُوفَةِ وَكَانَ النَّائِبُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، فَبَعَثَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ إِلَى سُلَيْمَانَ يَلُومُهُ وَيُؤَنِّبُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِعَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ
(14/109)

صُحْبَةَ زُهَيْرِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَتَقَاتَلُوا خَارِجَ الْكُوفَةِ فَهَزَمُوا زُهَيْرًا وَاسْتَبَاحُوا جَيْشَهُ وَنَهَبُوا مَا كَانَ مَعَهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ سَلْخَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنَ الْوَقْعَةِ تُوُفِّيَ ابْنُ طَبَاطَبَا أَمِيرُ الشِّيعَةِ فَجْأَةً يُقَالُ: إِنَّ أَبَا السَّرَايَا سَمَّهُ، وَأَقَامَ مَكَانَهُ غُلَامًا أَمْرَدَ يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَانْعَزَلَ زُهَيْرٌ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَأَرْسَلَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ مَعَ عُبْدُوسِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَارِسٍ مَدَدًا لِزُهَيْرٍ فَاتَّقَعُوا وَأَبُو السَّرَايَا، فَهَزَمَهُمْ أَبُو السَّرَايَا وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْ أَصْحَابِ عُبْدُوسٍ أَحَدٌ وَانْتَشَرَ الطَّالِبِيُّونَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ وَضَرَبَ أَبُو السَّرَايَا الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِي الْكُوفَةِ وَنَقَشَ عَلَيْهَا {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] الْآيَةَ [الصَّفِّ: 4] ، ثُمَّ بَعَثَ أَبُو السَّرَايَا جُيُوشَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَوَاسِطٍ وَالْمَدَائِنِ، فَهَزَمُوا مَنْ فِيهَا وَدَخَلُوهَا قَهْرًا، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ فَاهْتَمَّ لِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ وَكَتَبَ إِلَى هَرْثَمَةَ مِنْ خُرَاسَانَ يَسْتَدْعِيهِ لِحَرْبِ أَبِي السَّرَايَا، فَتَمَنَّعَ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ إِلَى أَبِي السَّرَايَا، فَهَزَمَ أَبَا السَّرَايَا غَيْرَ مَرَّةٍ وَطَرَدَهُ حَتَّى رَدَّهُ إِلَى الْكُوفَةِ وَوَثَبَ الطَّالِبِيُّونَ عَلَى دَورِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِالْكُوفَةِ فَنَهَبُوهَا، وَخَرَّبُوا ضِيَاعَهُمْ، وَفَعَلُوا فِعَالًا قَبِيحَةً وَبَعَثَ أَبُو السَّرَايَا إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَبَعَثَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ حُسَيْنَ بْنَ حَسَنٍ الْأَفْطَسِ
(14/110)

بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، لِيُقِيمَ لَهُمُ الْمَوْسِمَ، فَتَهَيَّبَ أَنْ يَدْخُلَهَا جَهْرَةً، وَلَمَّا سَمِعَ نَائِبُ مَكَّةَ وَهُوَ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِقُدُومِهِ هَرَبَ مِنْ مَكَّةَ طَالِبًا أَرْضَ الْعِرَاقِ، وَبَقِيَ النَّاسُ بِلَا إِمَامٍ، فَسُئِلَ مُؤَذِّنُهَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ فَأَبَى، فَقِيلَ لِقَاضِيهَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ فَامْتَنَعَ، وَقَالَ: لِمَنْ أَدْعُو وَقَدْ هَرَبَ نُوَّابُ الْبِلَادِ. فَقَدَّمَ النَّاسُ رَجُلًا مِنْ عُرْضِهِمْ، فَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى حُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَفْطَسِ، فَدَخَلَ مَكَّةَ فِي عَشَرَةِ رَهْطٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا وَصَلَّى بِالنَّاسِ الْفَجْرَ بِمُزْدَلِفَةَ وَدَفَعَ بِهِمْ، وَأَقَامَ بَقِيَّةَ الْمَنَاسِكِ فِي أَيَّامِ مِنًى لِلنَّاسِ، فَدَفَعَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَةَ بِغَيْرِ إِمَامٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَابْنُ شَابُورَ، وَعَمْرٌو
(14/111)

الْعَنْقَزِيُّ، وَأَبُو مُطِيعٍ الْبَلْخِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ.
(14/112)

[سَنَةُ مِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ مِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ
فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ جَلَسَ حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ الْأَفْطَسُ عَلَى طِنْفِسَةٍ مُثَلَّثَةٍ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَأَمَرَ بِتَجْرِيدِ الْكَعْبَةِ مِمَّا عَلَيْهَا مِنْ كَسَاوِي بَنِي الْعَبَّاسِ، وَقَالَ: نُطَهِّرُهَا مِنْ كَسَاوِيهِمْ. وَكَسَاهَا مُلَاءَتَيْنِ صَفْرَاوَيْنِ عَلَيْهِمَا اسْمُ أَبِي السَّرَايَا، ثُمَّ أَخَذَ مَا فِي كَنْزِ الْكَعْبَةِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَتَتَبَّعَ وَدَائِعَ بَنِي الْعَبَّاسِ فَأَخَذَهَا، حَتَّى إِنَّهُ لَيَأْخُذُ مَالَ ذِي الْمَالِ، وَيُلْزِمُهُ بِإِقْرَارٍ لِلْمُسَوِّدَةِ فَيَأْخُذُهُ.
وَهَرَبَ مِنْهُ النَّاسُ إِلَى الْجِبَالِ وَحَكَّ مَا عَلَى رُءُوسِ الْأَسَاطِينِ مِنَ الذَّهَبِ، فَكَانَ يَنْزِلُ مِنَ السَّارِيَةِ مِقْدَارٌ يَسِيرٌ بَعْدَ جُهْدٍ جَهِيدٍ، وَقَلَعُوا مَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ الشَّبَابِيكِ، وَبَاعُوهَا بِالْأَثْمَانِ الْبَخْسَةِ، وَأَسَاءُوا السِّيرَةَ جِدًّا. فَلَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ أَبِي السَّرَايَا كَتَمَ ذَلِكَ، وَأَمَّرَ رَجُلًا مِنَ الطَّالِبِيِّينَ شَيْخًا كَبِيرًا، وَاسْتَمَرَّ عَلَى سُوءِ السِّيرَةِ.
وَفِي سَادِسَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا، قَهَرَ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ أَبَا السَّرَايَا وَهَزَمَ جَيْشَهُ،
(14/113)

وَأَخْرَجَهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الطَّالِبِيِّينَ مِنَ الْكُوفَةِ وَدَخَلَهَا هَرْثَمَةُ، وَمَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ فَأَمَّنُوا أَهْلَهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِأَحَدٍ، وَسَارَ أَبُو السَّرَايَا بِمَنْ مَعَهُ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ ثُمَّ سَارَ مِنْهَا فَاعْتَرَضَهُمْ بَعْضُ جُيُوشِ الْمَأْمُونِ فَهَزَمُوهُمْ أَيْضًا، وَجُرِحَ أَبُو السَّرَايَا جِرَاحَةً مُنْكَرَةً جِدًّا، وَهَرَبُوا يُرِيدُونَ الْجَزِيرَةَ إِلَى مَنْزِلِ أَبِي السَّرَايَا بِرَأْسِ الْعَيْنِ، فَاعْتَرَضَهُمْ بَعْضُ الْجُيُوشِ أَيْضًا فَأَسَرُوهُمْ، وَأَتَوْا بِهِمُ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ وَهُوَ بِالنَّهْرَوَانِ حِينَ طَرَدَتْهُ الْحَرْبِيَّةُ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِ أَبِي السَّرَايَا، فَجَزِعَ مِنْ ذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا جِدًّا، وَطِيفَ بِرَأْسِهِ، وَأَمَرَ بِجَسَدِهِ أَنْ يُقَطَّعَ بِاثْنَيْنِ، فَيُنْصَبَ عَلَى جِسْرِ بَغْدَادَ فَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِهِ وَقَتْلِهِ عَشَرَةُ أَشْهُرٍ، فَبَعَثَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدٍ إِلَى الْمَأْمُونِ مَعَ رَأْسِ أَبِي السَّرَايَا. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
أَلَمْ تَرَ ضَرْبَةَ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ ... بِسَيْفِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَا
أَدَارَتْ مَرْوَ رَأْسَ أَبِي السَّرَايَا ... وَأَبْقَتْ عِبْرَةً لِلْعَابِرِينَا
وَكَانَ الَّذِي فِي يَدِهِ الْبَصْرَةُ مِنَ الطَّالِبِيِّينَ زَيْدُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَيُقَالُ لَهُ: زَيْدُ النَّارِ. لِكَثْرَةِ مَا حَرَّقَ مِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي لِلْمُسَوِّدَةِ، فَأَسَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَمَّنَهُ، وَبَعَثَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ إِلَى الْيَمَنِ، لِقِتَالِ مَنْ هُنَاكَ مِنْ الطَّالِبِيِّينَ الَّذِينَ قَدْ خَرَجُوا بِهَا.
(14/114)

وَفِيهَا خَرَجَ بِالْيَمَنِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَيُقَالُ لَهُ: الْجَزَّارُ. لِكَثْرَةِ مَنْ قَتَلَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَخَذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَقَدْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ أَبِي السَّرَايَا، وَظُهُورُهُ بِأَرْضِ الْكُوفَةِ طَمِعَ فَسَافَرَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، فَلَمَّا بَلَغَ نَائِبَهَا قُدُومُهُ تَرَكَ لَهُ الْيَمَنَ وَسَارَ إِلَى خُرَاسَانَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْتَازَ بِمَكَّةَ، وَأَخَذَ أَمَّهُ مِنْهَا، وَاسْتَحْوَذَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى عَلَى بِلَادِ الْيَمَنِ، وَجَرَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ وَخُطُوبٌ كَبِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَرَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ الَّذِي ادَّعَى الْخِلَافَةَ بِمَكَّةَ عَمَّا كَانَ يَزْعُمُهُ، وَقَالَ: كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْمَأْمُونَ قَدْ مَاتَ كَمَا سَمِعَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ حَيَاتُهُ، وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ مِمَّا كُنْتُ ادَّعَيْتُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى بَيْعَتِهِ، وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَزَمَ أَبُو السَّرَايَا وَأَصْحَابُهُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الَّذِي تَأَمَّرَ بِالْكُوفَةِ وَادَّعَى الْخِلَافَةَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُمَا عَلَى يَدِ هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ فَوَشَى بَعْضُ النَّاسِ إِلَى الْمَأْمُونِ أَنَّ هَرْثَمَةَ لَوْ شَاءَ مَا ظَهَرَ أَبُو السَّرَايَا وَأَصْحَابُهُ، فَاسْتَدْعَى بِهِ إِلَى مَرْوَ فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَوُطِئَ بَطْنُهُ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى الْحَبْسِ، ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، وَانْطَوَى خَبَرُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُ قَتْلِهِ إِلَى بَغْدَادَ سَعَتِ الْعَامَّةُ وَالْحَرْبِيَّةُ بِالْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ نَائِبِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِهِ، وَلَا بِعُمَّالِهِ بِبِلَادِنَا.
وَأَقَامُوا إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى بْنِ الْمَهْدِيِّ نَائِبًا، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْجَانِبَيْنِ عَلَى ذَلِكَ،
(14/115)

وَالْتَفَّتْ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَالْأَجْنَادِ، وَرَاسَلَ مَنْ وَافَقَ الْعَامَّةَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْقُوَّادِ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ شَيْئًا مِنْ أَرْزَاقِهِمْ يُنْفِقُونَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَا زَالَ يَمْطُلُهُمْ إِلَى ذِي الْقَعْدَةِ حَتَّى يُدْرِكَ الزَّرْعَ، فَخَرَجَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ زَيْدُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: زَيْدُ النَّارِ، وَقَدْ كَانَ خُرُوجُهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِنَاحِيَةِ الْأَنْبَارِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ نَائِبُ بَغْدَادَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ وَالْحَسَنُ بِالْمَدَائِنِ إِذْ ذَاكَ فَأُخِذَ وَأُتِيَ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ، وَأَطْفَأَ اللَّهُ نَائِرَتَهُ.
وَبَعَثَ الْمَأْمُونُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ يَطْلُبُ جَمَاعَةً مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَأَحْصَى كَمِ الْعَبَّاسِيُّونَ؟ فَبَلَغُوا ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، مَا بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى.
وَفِيهَا قَتَلَتِ الرُّومُ مَلِكَهُمْ إِلْيُونَ، وَقَدْ مَلَكَهُمْ سَبْعَ سِنِينَ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ مِيخَائِيلَ نَائِبَهُ. وَفِيهَا قَتَلَ الْمَأْمُونُ يَحْيَى بْنَ عَامِرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ لِلْمَأْمُونِ: يَا أَمِيرَ الْكَافِرِينَ فَقُتِلَ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدٌ الْمُعْتَصِمُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
(14/116)

أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ وَسَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، وَمُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ، وَمُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ.
(14/117)

[سَنَةُ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا رَاوَدَ أَهْلُ بَغْدَادَ مَنْصُورَ بْنَ الْمَهْدِيِّ عَلَى الْخِلَافَةِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَرَاوَدُوهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ نَائِبًا لِلْمَأْمُونِ، يَدْعُو لَهُ فِي الْخُطْبَةِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ بَعْدَ إِخْرَاجِ أَهْلِ بَغْدَادَ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ نَائِبَ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ بَعْدَ أَنْ جَرَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَفِيهَا عَمَّ الْبَلَاءُ بِالْعَيَّارِينَ وَالشُّطَّارِ وَالْفُسَّاقِ بِبَغْدَادَ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى، كَانُوا يَأْتُونَ الرَّجُلَ يَسْأَلُونَهُ مَالًا يُقْرِضُهُمْ أَوْ يَصِلُهُمْ بِهِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ فَيَأْخُذُونَ جَمِيعَ مَا فِي مَنْزِلِهِ، وَرُبَّمَا تَعَرَّضُوا لِلْغِلْمَانِ وَالنِّسْوَانِ، وَيَأْتُونَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ فَيَسْتَاقُونَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَنْعَامِ، وَيَأْخُذُونَ مَا شَاءُوا مِنَ الْغِلْمَانِ وَالنِّسْوَانِ وَنَهَبُوا أَهْلَ قُطْرَبُّلَ وَلَمْ يَدَعُوا لَهُمْ شَيْئًا أَصْلًا، فَانْتَدَبَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: خَالِدٌ الدَّرْيُوشُ. وَآخَرُ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ سَلَامَةَ أَبُو حَاتِمٍ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ أَهْلِ
(14/118)

خُرَاسَانَ وَالْتَفَّ عَلَيْهِمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَامَّةِ، فَرَدُّوا شَرَّهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ، وَقَوُوا عَلَيْهِمْ، وَمَنَعُوهُمْ مِنَ الْعَيْثِ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَاسْتَقَرَّتِ الْأُمُورُ كَمَا كَانَتْ، وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا رَجَعَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ إِلَى بَغْدَادَ وَصَالَحَ الْجُنْدَ، وَانْفَصَلَ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ وَمَنِ الْتَفَّ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ.
وَفِيهَا بَايَعَ الْمَأْمُونُ لَعَلِيٍّ الرِّضَا بْنِ مُوسَى الْكَاظِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنْ يَكُونَ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ، وَسَمَّاهُ الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَرَحَ لُبْسَ السَّوَادِ وَلَبِسَ الْخُضْرَةِ، وَأَلْزَمَ جُنْدَهُ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْآفَاقِ وَالْأَقَالِيمِ. وَكَانَتْ مُبَايَعَتُهُ لَهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُونَ رَأَى أَنَّ عَلِيًّا الرِّضَا خَيْرُ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَلَيْسَ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ مِثْلُهُ فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ، فَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
(14/119)

[بَيْعَةُ أَهْلِ بَغْدَادَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ]
ذِكْرُ بَيْعَةِ أَهْلِ بَغْدَادَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ
لَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَادَ أَنَّ الْمَأْمُونَ بَايَعَ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ، اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ فَمِنْ مُجِيبٍ مُبَايِعٍ، وَمِنْ آبٍ مَانِعٍ، وَجُمْهُورُ الْعَبَّاسِيِّينَ عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَكَانَ الْبَاعِثَ لَهُمْ وَالْقَائِمَ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ وَمَنْصُورٌ ابْنَا الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَظْهَرَ الْعَبَّاسِيُّونَ الْبَيْعَةَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَلَقَّبُوهُ الْمُبَارَكَ وَكَانَ أَسْوَدَ اللَّوْنِ وَمِنْ بَعْدِهِ لِابْنِ أَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمَهْدِيِّ، وَخَلَعُوا الْمَأْمُونَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَرَادُوا أَنْ يَدْعُوا لِلْمَأْمُونِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَتِ الْعَامَّةُ: لَا نَرْضَى إِلَّا بِإِبْرَاهِيمَ فَقَطْ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ وَاضْطَرَبُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ وَصَلَّى النَّاسُ فُرَادَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ افْتَتَحَ نَائِبُ طَبَرَسْتَانَ جِبَالَهَا وَبِلَادَ اللَّارِزِ وَالشَّيْزَرِ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ سَلْمًا الْخَاسِرَ قَالَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ
(14/120)

الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ أَنَّ سَلْمًا تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَصَابَ أَهْلَ خُرَاسَانَ وَالرَّيَّ وَأَصْبَهَانَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، وَعَزَّ الطَّعَامُ جِدًّا. وَفِيهَا تَحَرَّكَ بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ وَاتَّبَعَهُ طَوَائِفُ مِنَ السِّفْلَةِ وَالْجَهَلَةِ، وَكَانَ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَسَيَأْتِي مَا آلَ أَمْرُهُ إِلَيْهِ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو أُسَامَةَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، وَحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، صَاحِبُ أَبِي السَّرَايَا الَّذِي كَانَ قَدْ بَايَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ بَعْدَ ابْنِ طَبَاطَبَا.
(14/121)

[سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ
فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهَا بُويِعَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ بِالْخِلَافَةِ بِبَغْدَادَ، وَخَلْعِ الْمَأْمُونِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ خَامِسُ الْمُحَرَّمِ صَعِدَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ الْمِنْبَرَ فَبَايَعَهُ النَّاسُ وَلُقِّبَ بِالْمُبَارَكِ، وَغَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ وَأَرْضِ السَّوَادِ وَطَلَبَ مِنْهُ الْجُنْدُ أَرْزَاقَهُمْ فَمَاطَلَهُمْ ثُمَّ أَعْطَاهُمْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ، وَكَتَبَ لَهُمْ بِتَعْوِيضٍ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ فَخَرَجُوا لَا يَمُرُّونَ بِشَيْءٍ إِلَّا انْتَهَبُوهُ، وَأَخَذُوا حَاصِلَ الْفَلَّاحِ وَالسُّلْطَانِ، وَاسْتَنَابَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ الْعَبَّاسَ بْنَ مُوسَى الْهَادِي، وَعَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الْهَادِي.
وَفِيهَا خَرَجَ خَارِجِيٌّ يُقَالُ لَهُ مَهْدِيُّ بْنُ عُلْوَانَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ جَيْشًا عَلَيْهِمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمُ بْنُ الرَّشِيدِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ فَكَسَرَهُ وَرَدَّ كَيْدَهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ أَخُو أَبِي السَّرَايَا بِالْكُوفَةِ فَبَيَّضَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ مَنْ قَاتَلَهُ، فَقُتِلَ أَخُو أَبِي السَّرَايَا وَأُرْسِلَ بِرَأْسِهِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ. وَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ظَهَرَتْ فِي السَّمَاءِ حُمْرَةٌ،
(14/122)

ثُمَّ ذَهَبَتْ وَبَقِيَ بَعْدَهَا عَمُودَانِ أَحْمَرَانِ فِي السَّمَاءِ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ. وَجَرَتْ بِالْكُوفَةِ حُرُوبٌ بَيْنَ أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ الْمَأْمُونِ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَعَلَى أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ السَّوَادُ وَعَلَى أَصْحَابِ الْمَأْمُونِ الْخُضْرَةُ وَاسْتَمَرَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ إِلَى أَوَاخِرِ رَجَبٍ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفِرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ بِسَهْلِ بْنِ سَلَامَةَ الْمُطَّوِّعِيِّ فَسَجَنَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ الْتَفَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ يَقُومُونَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَكِنْ كَانُوا قَدْ جَاوَزُوا الْحَدَّ وَأَنْكَرُوا عَلَى السُّلْطَانِ، وَدَعَوْا إِلَى الْقِيَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَصَارَ بَابُ دَارِهِ كَأَنَّهُ بَابُ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ السِّلَاحُ وَالرِّجَالُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أُبَّهَةِ الْمُلْكِ، فَقَاتَلَهُ الْجُنْدُ فَكَسَرُوا أَصْحَابَهُ، فَأَلْقَى السِّلَاحَ وَصَارَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالنَّظَّارَةِ، ثُمَّ اخْتَفَى فِي بَعْضِ الدُّرُوبِ فَأُخِذَ وَجِيءَ بِهِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَسَجَنَهُ سَنَةً كَامِلَةً.
وَفِيهَا أَقْبَلَ الْمَأْمُونُ مِنْ خُرَاسَانَ قَاصِدًا الْعِرَاقَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيَّ أَخْبَرَ الْمَأْمُونَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْفِتَنِ وَالِاخْتِلَافِ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، وَبِأَنَّ الْهَاشِمِيِّينَ قَدْ أَنْهَوْا إِلَى النَّاسِ بِأَنَّ الْمَأْمُونَ مَسْحُورٌ وَمَجْنُونٌ، وَأَنَّهُمْ قَدْ يَنْقِمُونَ عَلَيْكَ بِبَيْعَتِكَ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَأَنَّ الْحَرْبَ قَائِمَةٌ بَيْنَ الْحَسَنِ بْنِ
(14/123)

سَهْلٍ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ فَاسْتَدْعَى الْمَأْمُونُ بِجَمَاعَةٍ مِنْ أُمَرَائِهِ، وَأَقْرِبَائِهِ، فَسَأَلَهُمْ عَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ عَلَيٌّ الرِّضَا فَصَدَقُوهُ الْأَمْرَ، بَعْدَ أَخْذِهِمُ الْأَمَانَ مِنْهُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ حَسَّنَ لَكَ قَتْلَ هَرْثَمَةَ، وَقَدْ كَانَ نَاصِحًا لَكَ، فَعَاجَلَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ مَهَّدَ لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى قَادَ لَكَ الْخِلَافَةَ بِزِمَامِهَا فَطَرَدْتَهُ إِلَى الرَّقَّةِ فَقَعَدَ لَا عَمَلَ لَهُ وَلَا تَسْتَنْهِضُهُ فِي أَمْرٍ، وَإِنَّ الْأَرْضَ تَفَتَّقَتْ بِالشُّرُورِ وَالْفِتَنِ مِنْ أَقْطَارِهَا. فَلَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ الْمَأْمُونُ أَمَرَ بِالرَّحِيلِ إِلَى بَغْدَادَ وَقَدْ فَطِنَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ بِمَا تَمَالَأَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ النَّاصِحُونَ لِلْمَأْمُونِ، فَضَرَبَ قَوْمًا وَنَتَفَ لِحَى بَعْضِهِمْ.
وَسَارَ الْمَأْمُونُ فَلَمَّا كَانَ بِسَرْخَسَ عَدَا قَوْمٌ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ وَزِيرِ الْمَأْمُونِ وَهُوَ فِي الْحَمَّامِ فَقَتَلُوهُ بِالسُّيُوفِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ، وَلَهُ سِتُّونَ سَنَةً. فَبَعَثَ الْمَأْمُونُ فِي آثَارِهِمْ فَجِيءَ بِهِمْ؛ وَهُمْ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَمَالِيكِ فَقَتَلَهُمْ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ يُعَزِّيهِ فِيهِ، وَوَلَّاهُ الْوَزَارَةَ مَكَانَهُ. وَارْتَحَلَ الْمَأْمُونُ مِنْ سَرْخَسَ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ نَحْوَ الْعِرَاقِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ بِالْمَدَائِنِ، وَفِي مُقَابَلَتِهِ جَيْشٌ يُقَاتِلُونَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُونِ.
(14/124)

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَزَوَّجَ الْمَأْمُونُ بُورَانَ بِنْتَ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَزَوَّجَ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا بِابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبٍ، وَزَوَّجَ ابْنَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ بِابْنَتِهِ الْأُخْرَى أُمِّ الْفَضْلِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ أَخُو عَلِيٍّ الرِّضَا وَدَعَا لِأَخِيهِ بَعْدَ الْمَأْمُونِ ثُمَّ انْصَرَفَ بَعْدَ الْحَجِّ إِلَى الْيَمَنِ، وَقَدْ كَانَ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا حَمْدَوَيْهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ مَاهَانَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، وَضَمْرَةُ، وَعُمَرُ بْنُ حَبِيبٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْوَزِيرُ، وَأَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ.
(14/125)

[سَنَةُ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا وَصَلَ الْمَأْمُونُ فِي سَيْرِهِ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الْعِرَاقِ إِلَى مَدِينَةِ طُوسَ فَنَزَلَ بِهَا وَأَقَامَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ أَيَّامًا مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ أَكَلَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا عِنَبًا فَمَاتَ فَجْأَةً، فَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَأْمُونُ وَدَفَنَهُ إِلَى جَانِبِ أَبِيهِ الرَّشِيدِ، وَأَسِفَ عَلَيْهِ أَسَفًا كَثِيرًا فِيمَا ظَهَرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ يُعَزِّيهِ فِي عَلِيٍّ الرِّضَا وَيُخْبِرُهُ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْحُزْنِ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ بِبَغْدَادَ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّكُمْ إِنَّمَا نَقِمْتُمْ عَلَيَّ بِسَبَبِ تَوْلِيَتِي الْعَهْدَ مِنْ بَعْدِي لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا وَهَاهُوَ قَدْ مَاتَ فَارْجِعُوا إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. فَأَجَابُوهُ بِأَغْلَظِ جَوَابٍ كُتِبَ بِهِ إِلَى أَحَدٍ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَلَبَتِ السَّوْدَاءُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ حَتَّى قُيِّدَ فِي الْحَدِيدِ وَأُودِعَ فِي بَيْتٍ، فَكَتَبَ الْأُمَرَاءُ بِذَلِكَ إِلَى الْمَأْمُونِ فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنِّي وَاصِلٌ عَلَى إِثْرِ كِتَابِي هَذَا، ثُمَّ جَرَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِ بَغْدَادَ وَتَنَكَّرُوا عَلَيْهِ وَأَبْغَضُوهُ. وَظَهَرَتِ الْفِتَنُ وَالشُّطَّارُ وَالْفُسَّاقُ بِبَغْدَادَ وَتَفَاقَمَ الْحَالُ وَصَلَّوْا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا، أَمَّهُمُ الْمُؤَذِّنُ مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ؛ صَلَّوْا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ،
(14/126)

وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالْمَأْمُونِ، ثُمَّ غَلَبَتِ الْمَأْمُونِيَّةُ عَلَيْهِمْ.

[خَلْعُ أَهْلِ بَغْدَادَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمُهْدِيِّ]
ذِكْرُ خَلْعِ أَهْلِ بَغْدَادَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَدُعَائِهِمْ لِلْمَأْمُونِ
لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ دَعَا النَّاسُ لِلْمَأْمُونِ وَخَلَعُوا إِبْرَاهِيمَ، وَأَقْبَلَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ فِي جَيْشٍ مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُونِ فَحَاصَرَ بَغْدَادَ وَطَمِعَ جُنْدُهَا فِي الْعَطَاءِ، فَطَاوَعُوهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْمَأْمُونِ. وَقَدْ قَاتَلَ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ جِهَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ ثُمَّ احْتَالَ عِيسَى حَتَّى صَارَ فِي أَيْدِي الْمَأْمُونِيَّةَ أَسِيرًا، ثُمَّ آلَ الْحَالُ إِلَى أَنِ اخْتَفَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ فِي آخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَتْ أَيَّامُهُ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا. وَقَدْ وَصَلَ الْمَأْمُونُ فِي هَذَا الْوَقْتِ إِلَى هَمَذَانَ وَجُيُوشُهُ قَدِ اسْتَعَادُوا بَغْدَادَ إِلَى طَاعَتِهِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ.
(14/127)

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ الْعَلَوِيُّ، الْمُلَقَّبُ بِالرِّضَا، كَانَ الْمَأْمُونُ قَدْ هَمَّ أَنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ الْخِلَافَةِ فَأَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَجَعَلَهُ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ فَتُوُفِّيَّ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِطُوسَ. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمَأْمُونُ وَأَبُو الصَّلْتِ الْهَرَوِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ النَّحْوِيُّ، وَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ الْعِبَادَ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَهُمْ أَعْجَزُ مِنْ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يُرِيدُونَ. وَمِنْ شِعْرِهِ:
كُلُّنَا يَأْمَلُ مَدًّا فِي الْأَجَلْ ... وَالْمَنَايَا هُنَّ آفَاتُ الْأَمَلْ
لَا تَغُرَّنَكَ أَبَاطِيلُ الْمُنَى ... وَالْزَمِ الْقَصْدَ وَدَعْ عَنْكَ الْعِلَلْ
إِنَّمَا الدُّنْيَا كَظِلٍّ زَائِلٍ ... حَلَّ فِيهِ رَاكِبٌ ثُمَّ ارْتَحَلْ
(14/128)

[سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا كَانَ قُدُومُ الْمَأْمُونِ أَرْضَ الْعِرَاقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِجُرْجَانَ فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا، وَكَانَ يَنْزِلُ فِي الْمَنْزِلِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّهْرَوانِ فَأَقَامَ بِهَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَقَدْ كَانَ كَتَبَ إِلَى طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَهُوَ بِالرَّقَّةِ أَنْ يُوَافِيَهُ إِلَى النَّهْرَوانِ فَوَافَاهُ بِهَا وَتَلَقَّاهُ رُءُوسُ أَهْلِ بَيْتِهِ وَالْقُوَّادُ، وَجُمْهُورُ الْجَيْشِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ الْآخَرِ دَخَلَ بَغْدَادَ ارْتِفَاعَ النَّهَارِ، لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ، فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ وَجَيْشٍ عَظِيمٍ، وَعَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ وَقُبَابِهِمْ وَجَمِيعِ لِبَاسِهِمُ الْخُضْرَةَ فَلَبِسَ أَهْلُ بَغْدَادَ وَبَنُو هَاشِمٍ أَجْمَعُونَ الْخُضْرَةَ، وَنَزَلَ الْمَأْمُونُ بِالرُّصَافَةِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى قَصْرِهِ عَلَى دِجْلَةَ، وَجَعَلَ الْأُمَرَاءُ، وَوُجُوهُ الدَّوْلَةِ يَتَرَدَّدُونَ إِلَى دَارِهِ عَلَى الْعَادَةِ، وَقَدْ تَحَوَّلَ لِبَاسُ الْبَغَادِدَةِ إِلَى الْخُضْرَةِ، وَجَعَلُوا يَحْرِقُونَ كُلَّ مَا يَجِدُونَهُ مِنَ السَّوَادِ فَمَكَثُوا بِذَلِكَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ. ثُمَّ اسْتَعْرَضَ حَوَائِجَ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ فَكَانَ أَوَّلَ حَاجَةٍ سَأَلَهَا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى لِبَاسِ السَّوَادِ فَإِنَّهُ لِبَاسُ آبَائِهِ مِنْ دَوْلَةِ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ. فَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ
(14/129)

الْآخَرُ وَهُوَ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونُ مِنْ صَفَرٍ جَلَسَ الْمَأْمُونُ لِلنَّاسِ وَعَلَيْهِ الْخُضْرَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِخِلْعَةٍ سَوْدَاءَ، فَأَلْبَسَهَا طَاهِرًا، ثُمَّ أَلْبَسَ بَعْدَهُ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ السَّوَادَ فَلَبِسَ النَّاسُ السَّوَادَ وَعَادُوا إِلَى ذَلِكَ، بَعْدَ مَا عَلِمَ مِنْهُمُ الطَّاعَةَ وَالْمُوَافَقَةَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَأْمُونَ مَكَثَ يَلْبَسُ الْخُضْرَةَ بَعْدَ قُدُومِهِ بَغْدَادَ سَبْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ عَمُّهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ بَعْدَ اخْتِفَائِهِ سِتَّ سِنِينَ وَشُهُورًا، قَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: أَنْتَ الْخَلِيفَةُ الْأَسْوَدُ. فَأَخَذَ فِي الِاعْتِذَارِ وَالِاسْتِغْفَارِ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَأْمُونِ: أَنَا الَّذِي مَنَنْتَ عَلَيْهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَفْوِ. وَأَنْشَدَ الْمَأْمُونَ عِنْدَ ذَلِكَ:
لَيْسَ يُزْرِي السَّوَادُ بِالرَّجُلِ الشَّهْ ... مِ وَلَا بِالْفَتَى الْأَدِيبِ الْأَرِيبِ
إِنْ يَكُنْ لِلسَّوَادِ مِنْكَ نَصِيبُ ... فَبَيَاضُ الْأَخْلَاقِ مِنْكَ نَصِيبِي
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ: وَقَدْ نَظَمَ هَذَا الْمَعْنَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ قَلَاقِسَ الْإِسْكَنْدَرِيُّ فَقَالَ:
رُبَّ سَوْدَاءَ وَهِيَ بَيْضَاءُ فِعْلِ ... حَسَدَ الْمِسْكَ عِنْدَهَا الْكَافُورُ
مِثْلُ حَبِّ الْعُيُونِ يَحْسَبُهُ النَّا ... سُ سَوَادًا وَإِنَّمَا هُوَ نُورُ
(14/130)

وَكَانَ الْمَأْمُونُ قَدْ شَاوَرَ فِي قَتْلِ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَزِيرُ الْأَحْوَلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ قَتَلْتَهُ فَلَكَ نُظَرَاءُ، وَإِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ فَمَا لَكَ نَظِيرٌ. ثُمَّ شَرَعَ الْمَأْمُونُ فِي بِنَاءِ قُصُورٍ عَلَى دِجْلَةَ إِلَى جَانِبِ قَصْرِهِ بِهَا، وَسَكَنَتِ الْفِتَنُ وَانْزَاحَتِ الشُّرُورُ، وَأَمَرَ بِمُقَاسَمَةِ أَهْلِ السَّوَادِ عَلَى الْخُمْسَيْنِ، وَكَانُوا يُقَاسِمُونَ عَلَى النِّصْفِ، وَاتَّخَذَ الْقَفِيزَ الْمُلْجَمَ وَهُوَ عَشْرَةُ مَكَاكِيَّ بِالْمَكُّوكِ الْهَارُونِيِّ، وَوَضَعَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ خَرَاجَاتِ بِلَادٍ شَتَّى، وَرَفَقَ بِالنَّاسِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
وَوَلَّى أَخَاهُ أَبَا عِيسَى بْنَ الرَّشِيدِ الْكُوفَةَ وَوَلَّى أَخَاهُ صَالِحًا الْبَصْرَةَ وَوَلَّى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نِيَابَةَ الْحَرَمَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَفِيهَا وَاقَعَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ بَابَكَ الْخُرَّمِيَّ فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ:
(14/131)

أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ
وَقَدْ أَفْرَدْنَا لَهُ تَرْجَمَةً مُطَوَّلَةً فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا " " طَبَقَاتِ الشَّافِعِيِّينَ " "، وَلْنَذْكُرْ هَاهُنَا مُلَخَّصًا مِنْ ذَلِكَ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
هُوَ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَّيٍّ، الْقُرَشِيُّ الْمُطَّلِبيُّ، وَالسَّائِبُ بْنُ عُبَيْدٍ أَسْلَمَ يَوْمَ بَدْرٍ وَابْنُهُ شَافِعُ بْنُ السَّائِبِ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَأُمُّهُ أَزْدِيَّةٌ. وَقَدْ رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ كَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا حَتَّى انْقَضَّ بِمِصْرَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنْهُ شَظِيَّةٌ. وَقَدْ وُلِدَ الشَّافِعِيُّ بِغَزَّةَ، وَقِيلَ: بِعَسْقَلَانَ. وَقِيلَ: بِالْيَمَنِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَحَمَلَتْهُ أُمُّهُ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ، لِئَلَّا يَضِيعَ نَسَبُهُ، فَنَشَأَ بِهَا، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ ابْنُ سبْعِ سِنِينَ، وَحَفِظَ " " الْمُوَطَّأَ " " وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ، وَأَفْتَى وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: ابْنُ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً. أَذِنَ لَهُ شَيْخُهُ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ. وَعُنِيَ بِاللُّغَةِ وَالشِّعْرِ، وَأَقَامَ فِي هُذَيْلٍ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَقِيلَ: عِشْرِينَ سَنَةً، فَتَعَلَّمَ مِنْهُمْ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَفَصَاحَتَهَا، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ وَالْأَئِمَّةِ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ " " الْمُوَطَّأَ " " عَلَى مَالِكٍ مِنْ حِفْظِهِ فَأَعْجَبَتْهُ قِرَاءَتُهُ وَهِمَّتُهُ، وَأُخِذَ عَنْهُ عِلْمُ الْحِجَازِيِّينَ بَعْدَ أَخْذِهِ، عَنْ مُسْلِمِ
(14/132)

بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ.
وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ قَدْ ذَكَرْنَا أَسْمَاءَهُمْ مُرَتَّبِينَ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ. وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ جِبْرِيلَ، عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ الْفِقْهَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَغَيْرُهُمْ، كُلُّهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَفَقَّهَ أَيْضًا عَلَى مَالِكٍ عَنْ مَشَايِخِهِ، وَتَفَقَّهَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى زَمَانِنَا فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ الدُّولَابِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ وَرَّاقٍ الْحُمَيْدِيِّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ وَلِيَ الْحُكْمَ بِنَجْرَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، ثُمَّ تَعَصَّبُوا عَلَيْهِ وَوَشَوْا بِهِ إِلَى الرَّشِيدِ هَارُونَ أَنَّهُ يَرُومُ الْخِلَافَةَ، فَحُمِلَ عَلَى بَغْلٍ فِي قَيْدٍ إِلَى بَغْدَادَ فَدَخَلَهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَعُمُرُهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً فَاجْتَمَعَ بِالرَّشِيدِ فَتَنَاظَرَ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَحْسَنَ الْقَوْلَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَتَبَيَّنَ لِلرَّشِيدِ بَرَاءَتَهُ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ، وَأَنْزَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عِنْدَهُ.
وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ وَقِيلَ: بِسَنَتَيْنِ وَأَكْرَمَهُ
(14/133)

مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَكَتَبَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ وَقْرَ بَعِيرٍ. ثُمَّ أَطْلَقَ لَهُ الرَّشِيدُ أَلْفَيْ دِينَارٍ وَقِيلَ: خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَعَادَ الشَّافِعِيُّ إِلَى مَكَّةَ فَفَرَّقَ عَامَّةَ مَا حَصَلَ لَهُ فِي أَهْلِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، ثُمَّ عَادَ الشَّافِعِيُّ إِلَى بَغْدَادَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَاجْتَمَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ هَذِهِ الْمَرَّةَ؛ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ، وَالْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ النَّقَّالُ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيُّ، وَالزَّعْفَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ.
وَرَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ أَيْضًا سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى مِصْرَ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ؛ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، كَمَا سَيَأْتِي. وَصَنَّفَ بِهَا كِتَابَهُ " " الْأُمَّ " "، وَهُوَ مِنْ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ مِصْرِيٌّ. وَقَدْ زَعَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا مِنَ الْقَدِيمِ. وَهَذَا بَعِيدٌ وَعَجِيبٌ مِنْ مِثْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَثْنَى عَلَى الشَّافِعِيِّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا فِي الْأُصُولِ فَكَتَبَ لَهُ " " الرِّسَالَةَ " "، وَكَانَ يَدْعُو لَهُ فِي الصَّلَاةِ دَائِمًا، وَشَيْخُهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَقَالَ: هُوَ إِمَامٌ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَكَانَ يَدْعُو لَهُ أَيْضًا فِي صَلَاتِهِ. وَأَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَفْصَحَ وَلَا أَعْقَلَ وَلَا أَوْرَعَ مِنَ الشَّافِعِيِّ،
(14/134)

وَيَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ الْقَاضِي، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ وَشَرْحُ أَقْوَالِهِمْ.
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَدْعُو لَهُ فِي صَلَاتِهِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» قَالَ: فَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُولَى، وَالشَّافِعِيُّ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ مَعْبَدٍ الْكِنْدِيِّ أَوِ الْعَبْدِيِّ، عَنِ الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا قُرَيْشًا فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا، اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَذَقْتَ أَوَّلَهَا عَذَابًا - أَوْ وَبَالًا - فَأَذِقْ آخِرَهَا نَوَالًا» .
وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي " " مُسْتَدْرَكِهِ " "، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: لَا يَنْطَبِقُ هَذَا إِلَّا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ. حَكَاهُ
(14/135)

الْخَطِيبُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ: هُوَ صَدُوقٌ لَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ مَرَّةً: لَوْ كَانَ الْكَذِبُ لَهُ مُطْلَقًا لَكَانَتْ مُرُوءَتُهُ تَمْنَعُهُ أَنْ يَكْذِبَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: الشَّافِعِيُّ فَقِيهُ الْبَدَنِ، صَدُوقُ اللِّسَانِ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَدِيثٌ غَلِطَ فِيهِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ سُنَّةٌ لَمْ تَبْلُغِ الشَّافِعِيَّ؟ فَقَالَ: لَا. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهَا تَارَةً تَبْلُغُهُ بِسَنَدِهَا، وَتَارَةً مُرْسَلَةً، وَتَارَةً مُنْقَطِعَةً، كَمَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي كُتُبِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ حَرْمَلَةُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: سُمِّيتُ بِبَغْدَادَ نَاصِرُ السُّنَّةِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ الشَّافِعِيِّ، وَلَا رَأَى هُوَ مِثْلَ نَفْسِهِ. وَكَذَا قَالَ الزَّعْفَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ فِي كِتَابٍ جَمَعَهُ فِي فَضَائِلِ الشَّافِعِيِّ: لِلشَّافِعِيِّ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ؛ مِنْ شَرَفِ نَسَبِهِ، وَصِحَّةِ دِينِهِ،
(14/136)

وَمُعْتَقَدِهِ، وَسَخَاوَةِ نَفْسِهِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَسَقَمِهِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَحِفْظِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَسِيرَةَ الْخُلَفَاءِ، وَحُسْنِ التَّصْنِيفِ، وَجَوْدَةِ الْأَصْحَابِ وَالتَّلَامِذَةِ، مِثْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ، وَإِقَامَتِهِ عَلَى السُّنَّةِ. ثُمَّ سَرَدَ أَعْيَانَ أَصْحَابِهِ مِنَ الْبَغَادِدَةِ وَالْمِصْرِيِّينَ. وَكَذَا عَدَّ أَبُو دَاوُدَ مِنْ جُمْلَةِ تَلَامِيذِهِ فِي الْفِقْهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ.
وَقَدْ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَشَدِّ النَّاسِ انْتِزَاعًا لِلدَّلَائِلِ مِنْهُمَا، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ قَصْدًا وَإِخْلَاصًا، كَانَ يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ تَعَلَّمُوا هَذَا الْعِلْمَ، وَلَا يُنْسَبُ إِلَيَّ شَيْءٌ مِنْهُ أَبَدًا، فَأُؤْجَرُ عَلَيْهِ وَلَا يَحْمَدُونِي. وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْهُ: إِذَا صَحَّ عِنْدَكُمُ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُولُوا بِهِ وَدَعُوا قَوْلِي فَإِنِّي أَقُولُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوهُ مِنِّي. وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا تُقَلِّدُونِي. وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى قَوْلِي. وَفِي رِوَايَةٍ: فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عُرْضَ الْحَائِطِ، فَلَا قَوْلَ لِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ: لِأَنْ يَلْقَى اللَّهَ الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ بِاللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ
(14/137)

الْأَهْوَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ: خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِعِلْمِ الْكَلَامِ. وَقَالَ: لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ مِنَ الْأَهْوَاءِ لَفَرُّوا مِنْهُ كَمَا يَفِرُّونَ مِنَ الْأَسَدِ. وَقَالَ أَيْضًا: حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْقَبَائِلِ وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى عِلْمِ الْكَلَامِ.
وَقَالَ الْبُوَيْطِيُّ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ صَوَابًا.
وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَكَأَنَّمَا رَأَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَزَاهُمُ اللَّهُ خَيْرًا، حَفِظُوا لَنَا الْأَصْلَ، فَلَهُمْ عَلَيْنَا الْفَضْلُ. وَمِنْ شِعْرِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ:
كُلُّ الْعُلُومِ سِوَى الْقُرْآنِ مَشْغَلَةٌ ... إِلَّا الْحَدِيثَ وَإِلَّا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ
الْعِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا ... وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ
وَكَانَ يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ، فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الرَّبِيعُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ
(14/138)

يَمُرُّ بِآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَحْرِيفٍ، عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: أَنْشَدَنِي الْمُزَنِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا الشَّافِعِيُّ لِنَفْسِهِ:
مَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ ... وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ
خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ ... فَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنْ
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ ... وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ وَمِنْهُمْ حَسَنْ
عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ ... وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ
وَقَالَ الرَّبِيعُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ.
وَعَنِ الرَّبِيعِ قَالَ: أَنْشَدَنِي الشَّافِعِيُّ:
قَدْ عَوِجَ النَّاسُ حَتَّى أَحْدَثُوا بِدَعًا ... فِي الدِّينِ بِالرَّأْيِ لَمْ تُبْعَثْ بِهَا الرُّسُلُ
حَتَّى اسْتَخَفَّ بِحَقِّ اللَّهِ أَكْثَرُهُمْ ... وَفِي الَّذِي حُمِّلُوا مِنْ حَقِّهِ شُغُلُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ شِعْرِهِ فِي السُّنَّةِ، وَكَلَامِهِ فِيهَا، وَفِي الْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ طَرَفًا
(14/139)

صَالِحًا فِي الَّذِي كَتَبْنَاهُ فِي أَوَّلِ " طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ ".
وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، عَنْ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَكَانَ أَبْيَضَ جَمِيلًا طَوِيلًا مَهِيبًا، يُخَضِّبُ بِالْحِنَّاءِ مُخَالَفَةً لِلشِّيعَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا أَيْضًا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِسْحَاقُ بْنُ الْفُرَاتِ. وَأَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمِصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ الْكُوفِيُّ الْحَنَفِيُّ. وَأَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ. صَاحِبُ الْمُسْنَدِ وَأَحَدُ الْحُفَّاظِ. وَأَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ. وَأَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ عَبْدُ الْكَبِيرِ. وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ. وَالنَّضْرُ بْنُ
(14/140)

شُمَيْلٍ، أَحَدُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ. وَهِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، أَحَدُ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ.
(14/141)

[سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا وَلَّى الْمَأْمُونُ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ نِيَابَةَ بَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ إِلَى أَقْصَى عَمَلِ الْمَشْرِقِ، وَرَضِيَ عَنْهُ وَرَفَعَ مَنْزِلَتَهُ جِدًّا، وَذَلِكَ لِمَرَضِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ بِالسَّوَادِ. وَوَلَّى الْمَأْمُونُ مَكَانَ طَاهِرٍ عَلَى الرَّقَّةِ وَالْجَزِيرَةِ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ وَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ إِلَى بَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الرَّقَّةِ وَأَمَرَهُ بِمُقَاتَلَةِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ وَوَلَّى الْمَأْمُونُ عِيسَى بْنَ يَزِيدَ الْجُلُودِيَّ مُقَاتَلَةَ الزُّطِّ. وَوَلَّى عِيسَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ أَذْرَبِيجَانَ وَإِرْمِينِيَةَ، وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَةِ بَابَكَ الْخُرَّمِيَّ وَمَاتَ نَائِبُ مِصْرَ السَّرِيُّ بْنُ الْحَكَمِ بِهَا. وَنَائِبُ السَّنَدِ دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ، فَوَلَّى مَكَانَهُ بِشْرَ بْنَ
(14/142)

دَاوُدَ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ نَائِبُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ. وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ الدِّمَشْقِيُّ. وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ. وَيَعْقُوبُ الْحَضْرَمِيُّ. وَأَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَطِيَّةَ. وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
(14/143)

عَطِيَّةَ. وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَسْكَرٍ، أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ. أَصْلُهُ مِنْ وَاسِطٍ وَسَكَنَ قَرْيَةً غَرْبِيَّ دِمَشْقَ يُقَالُ لَهَا: دَارَيَّا.
وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَرَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ وَجَمَاعَةٌ. وَأَسْنَدَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّاهِدِ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنُ عَجْلَانَ يَذْكُرُ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ» وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ: حُكِيَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ قَالَ: اخْتَلَفْتُ إِلَى مَجْلِسِ قَاصٍّ فَأَثَّرَ كَلَامُهُ فِي قَلْبِي، فَلَمَّا قُمْتُ لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِي شَيْءٌ، فَعُدْتُ ثَانِيَةً فَأَثَّرَ كَلَامُهُ فِي قَلْبِي بَعْدَ مَا قُمْتُ وَفِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ عُدْتُ ثَالِثَةً فَبَقِيَ أَثَرُ كَلَامِهِ فِي قَلْبِي حَتَّى رَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي، وَكَسَرْتُ آلَاتِ الْمُخَالَفَاتِ وَلَزِمْتُ الطَّرِيقَ. فَحَكَيْتُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ لِيَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ، فَقَالَ: عُصْفُورٌ اصْطَادَ كُرْكِيًّا. يَعْنِي بِالْعُصْفُورِ الْقَاصَّ، وَبِالْكُرْكِيِّ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِمَنْ أُلْهِمَ
(14/144)

شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ حَتَّى يَسْمَعَهُ مِنَ الْأَثَرِ فَإِذَا سَمِعَهُ مِنَ الْأَثَرِ عَمِلَ بِهِ، وَحَمِدَ اللَّهَ حِينَ وَافَقَ مَا فِي قَلْبِهِ.
وَقَالَ الْجُنَيْدُ: قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: رُبَّمَا يَقَعُ فِي قَلْبِي النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ أَيَّامًا فَلَا أَقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ؛ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ خِلَافُ هَوَى النَّفْسِ. وَقَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ عَلَمٌ وَعَلَمُ الْخِذْلَانِ تَرْكُ الْبُكَاءِ. وَقَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ صَدَأٌ وَصَدَأُ نُورِ الْقَلْبِ شِبَعُ الْبَطْنِ. وَقَالَ: كُلُّ مَا شَغَلَكَ عَنِ اللَّهِ؛ مِنْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ؛ فَهُوَ عَلَيْكَ مَشْئُومٌ. وَقَالَ: كُنْتُ لَيْلَةً فِي الْمِحْرَابِ أَدْعُو وَيَدَايَ مَمْدُودَتَانِ فَغَلَبَنِي الْبَرْدُ فَضَمَمْتُ إِحْدَاهُمَا وَبَقِيَتِ الْأُخْرَى مَبْسُوطَةً أَدْعُو بِهَا، وَغَلَبْتَنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، قَدْ وَضَعْنَا فِي هَذِهِ مَا أَصَابَهَا، وَلَوْ كَانَتِ الْأُخْرَى لَوَضَعْنَا فِيهَا. قَالَ: فَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَلَّا أَدْعُوَ إِلَّا وَيَدَايَ
(14/145)

خَارِجَتَانِ، حَرًّا كَانَ أَوْ بَرْدًا. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: نِمْتُ لَيْلَةً عَنْ وِرْدِي فَإِذَا أَنَا بِحَوْرَاءَ تَقُولُ لِي: تَنَامُ وَأَنَا أُرَبَّى لَكَ فِي الْخُدُورِ مُنْذُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ؟
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ يَقُولُ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ أَنْهَارًا عَلَى شَاطِئِهَا خِيَامٌ فِيهِنَّ الْحُورُ، يُنْشِئُ اللَّهُ خَلْقَ إِحْدَاهُنَّ إِنْشَاءً فَإِذَا تَكَامَلَ خَلْقُهَا ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِنَّ الْخِيَامَ، جَالِسَةً عَلَى كُرْسِيٍّ مِيلٍ فِي مِيلٍ، قَدْ خَرَجَ عَجِيزَتُهَا مِنْ جَانِبِ الْكُرْسِيِّ، فَيَجِيءُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ قُصُورِهِمْ يَتَنَزَّهُونَ مَا شَاءُوا ثُمَّ يَخْلُو كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: كَيْفَ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا حَالُ مَنْ يُرِيدُ يَفْتَضُّ الْأَبْكَارَ عَلَى شَاطِئِ الْأَنْهَارِ فِي الْجَنَّةِ؟
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ يَقُولُ: رُبَّمَا مَكَثْتُ خَمْسَ لَيَالٍ لَا أَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ إِلَّا بِآيَةٍ وَاحِدَةٍ أَتَفَكَّرُ فِي مَعَانِيهَا، وَلَرُبَّمَا جَاءَتِ الْآيَةُ مِنَ الْقُرْآنِ فَيَطِيرُ الْعَقْلُ، فَسُبْحَانَ مَنْ يَرُدُّهُ بَعْدُ! وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِفْتَاحُ الدُّنْيَا الشِّبَعُ، وَمِفْتَاحُ الْآخِرَةِ الْجُوعُ. وَقَالَ لِي يَوْمًا:
(14/146)

يَا أَحْمَدُ، جَوِّعْ قَلْبَكَ، وَذِلَّ قَلْبَكَ، وَعَرِّ قَلْبَكَ، وَفَقِّرْ قَلْبَكَ، وَصَبِّرْ قَلْبَكَ، وَقَدِ انْقَضَتْ عَنْكَ أَيَّامُ الدُّنْيَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ: اشْتَهَى أَبُو سُلَيْمَانَ يَوْمًا رَغِيفًا حَارًّا بِمِلْحٍ، قَالَ: فَجِئْتُهُ بِهِ، فَعَضَّ مِنْهُ عَضَّةً ثُمَّ طَرَحَهُ، وَأَقْبَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا رَبِّ عَجَّلْتَ لِي شَهْوَتِي، لَقَدْ أَطَلْتَ جَهْدِي وَشِقْوَتِي وَأَنَا تَائِبٌ فَاقْبَلْ تَوْبَتِي. فَلَمْ يَذُقِ الْمِلْحَ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا رَضِيتُ عَنْ نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضَعُونِي كَاتِّضَاعِي عِنْدَ نَفْسِي مَا أَحْسَنُوا. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ رَأَى لِنَفْسِهِ قِيمَةً لَمْ يَذُقْ حَلَاوَةَ الْخِدْمَةِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِذَا تَكَلَّفَ الْمُتَعَبِّدُونَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمُوا إِلَّا بِالْإِعْرَابِ، ذَهَبَ الْخُشُوعُ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ حَسُنَ ظَنُّهُ بِاللَّهِ، ثُمَّ لَا يَخَافُ فَهُوَ
(14/147)

مَخْدُوعٌ. وَقَالَ: يَنْبَغِي لِلْخَوْفِ أَنْ يَكُونَ أَغْلَبَ مِنَ الرَّجَاءِ، فَإِذَا غَلَبَ الرَّجَاءُ عَلَى الْخَوْفِ فَسَدَ الْقَلْبُ. وَقَالَ لِي يَوْمًا: هَلْ فَوْقَ الصَّبْرِ مَنْزِلَةٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. يَعْنِي الرِّضَا. قَالَ: فَصَرَخَ صَرْخَةً غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: إِذَا كَانَ الصَّابِرُونَ يُوفَّوْنَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْآخَرِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ رَضِيَ عَنْهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ يَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي الدُّنْيَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا أُنْفِقُهُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَأَنِّي أَغْفُلُ عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: قَالَ زَاهِدٌ لِزَاهِدٍ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: لَا يَرَاكَ اللَّهُ حَيْثُ نَهَاكَ وَلَا يَفْقِدُكَ حَيْثُ أَمَرَكَ. فَقَالَ: زِدْنِي. فَقَالَ: مَا عِنْدِي زِيَادَةٌ. وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ أَحْسَنَ فِي نَهَارِهِ كُوفِئَ فِي لَيْلِهِ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِي لَيْلِهِ كُوفِئَ فِي نَهَارِهِ، وَمَنْ صَدَقَ فِي تَرْكِ شَهْوَةٍ ذَهَبَ اللَّهُ بِهَا مِنْ قَلْبِهِ، وَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَ قَلْبًا بِشَهْوَةٍ
(14/148)

تُرِكَتْ لَهُ. وَقَالَ: إِذَا سَكَنَتِ الدُّنْيَا الْقَلْبَ تَرَحَّلَتْ مِنْهُ الْآخِرَةُ. وَقَالَ: إِذَا كَانَتِ الْآخِرَةُ فِي الْقَلْبِ جَاءَتِ الدُّنْيَا تَزْحَمُهَا، وَإِذَا كَانَتِ الدُّنْيَا فِي الْقَلْبِ لَمْ تَزْحَمْهَا الْآخِرَةُ؛ إِنَّ الْآخِرَةَ كَرِيمَةٌ وَالدُّنْيَا لَئِيمَةٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ أَبِي سُلَيْمَانَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَئِنْ طَالَبْتَنِي بِذُنُوبِي لَأُطَالِبَنَّكَ بِعَفْوِكَ وَلَئِنْ طَالَبْتَنِي بِبُخْلِي لَأُطَالِبَنَّكَ بِسَخَائِكَ، وَلَئِنْ أَمَرْتَ بِي إِلَى النَّارِ لَأُخْبِرَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَنِّي أُحِبُّكَ. وَكَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ يَقُولُ: لَوْ شَكَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي الْحَقِّ مَا شَكَكْتُ فِيهِ وَحْدِي. وَكَانَ يَقُولُ: مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِبْلِيسَ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَتَعَوَّذَ مِنْهُ مَا تَعَوَّذْتُ مِنْهُ أَبَدًا، وَلَوْ بَدَا لِي مَا لَطَمْتُ
(14/149)

إِلَّا صَفْحَةَ وَجْهِهِ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللِّصَّ لَا يَجِيءُ إِلَى خَرِبَةٍ يَنْقُبُ حِيطَانَهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الدُّخُولِ إِلَيْهَا مِنْ أَيِّ مَكَانٍ شَاءَ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ إِلَى بَيْتٍ مَعْمُورٍ، كَذَلِكَ إِبْلِيسُ لَا يَجِيءُ إِلَّا إِلَى كُلِّ قَلْبٍ عَامِرٍ لِيَسْتَنْزِلَهُ عَنْ شَيْءٍ.
وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا أَخْلَصَ الْعَبْدُ انْقَطَعَ عَنْهُ كَثْرَةُ الْوَسْوَاسِ وَالرِّيَاءِ وَالرُّؤْيَا. وَقَالَ: مَكَثْتُ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ أَحْتَلِمْ، فَدَخَلْتُ مَكَّةَ فَفَاتَتْنِي صَلَاةُ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ فَاحْتَلَمْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَقَالَ: إِنَّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ قَوْمًا لَا يَشْغَلُهُمُ الْجِنَانُ وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ عَنْهُ، فَكَيْفَ تَشْتَغِلُونَ بِالدُّنْيَا؟ وَقَالَ: الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ أَقَلُّ مِنْ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ، فَمَا الزُّهْدُ فِيهَا؟ وَإِنَّمَا الزُّهْدُ فِي الْجِنَانِ وَالْحُورِ الْعِينِ، حَتَّى لَا يَرَى اللَّهُ فِي قَلْبِكَ غَيْرَهُ.
وَقَالَ الْجُنَيْدُ: شَيْءٌ يُرْوَى عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَا اسْتَحْسَنْتُهُ كَثِيرًا؛ قَوْلُهُ: مَنِ
(14/150)

اشْتَغَلَ بِنَفْسِهِ شُغِلَ عَنِ النَّاسِ، وَمَنِ اشْتَغَلَ بِرَبِّهِ شُغِلَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ النَّاسِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ يَقُولُ: خَيْرُ السَّخَاءِ مَا وَافَقَ الْحَاجَةَ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا وَاسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَاسْتِغْنَاءً عَنِ النَّاسِ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا، مُفَاخِرًا وَمُكَاثِرًا لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مَرْفُوعًا.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: إِنَّ قَوْمًا طَلَبُوا الْغِنَى فَحَسِبُوا أَنَّهُ فِي جَمْعِ الْمَالِ، أَلَا وَإِنَّمَا الْغِنَى فِي الْقَنَاعَةِ، وَطَلَبُوا الرَّاحَةَ فِي الْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا الرَّاحَةُ فِي الْقِلَّةِ، وَطَلَبُوا الْكَرَامَةَ مِنَ الْخَلْقِ، أَلَا وَهِيَ فِي التَّقْوَى، وَطَلَبُوا النِّعْمَةَ فِي اللِّبَاسِ الرَّقِيقِ اللَّيِّنِ، وَفِي طَعَامٍ طَيِّبٍ، وَالنِّعْمَةُ فِي
(14/151)

الْإِسْلَامِ وَالسَّتْرِ وَالْعَافِيَةِ. وَكَانَ يَقُولُ: لَوْلَا قِيَامُ اللَّيْلِ مَا أَحْبَبْتُ الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا، وَمَا أُحِبُّ الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا لِتَشْقِيقِ الْأَنْهَارِ وَلَا لِغَرْسِ الْأَشْجَارِ.
وَقَالَ: أَهْلُ الطَّاعَةِ فِي لَيْلِهِمْ أَلَذُّ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ فِي لَهْوِهِمْ. وَقَالَ: رُبَّمَا اسْتَقْبَلَنِي الْفَرَحُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا رَأَيْتُ الْقَلْبَ يَضْحَكُ ضَحِكًا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا سَاجِدٌ، إِذْ ذَهَبَ بِيَ النَّوْمُ، فَإِذَا أَنَا بِهَا - يَعْنِي الْحَوْرَاءَ - قَدْ رَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا، فَقَالَتْ: حَبِيبِي، أَتَرْقُدُ عَيْنَاكَ وَالْمَلِكُ يَقْظَانُ يَنْظُرُ إِلَى الْمُتَهَجِّدِينَ فِي
(14/152)

تَهَجُّدِهِمْ؟ بُؤْسًا لَعِينٍ آثَرَتْ لَذَّةَ نَوْمَةٍ عَلَى لَذَّةِ مُنَاجَاةِ الْعَزِيزِ، قُمْ فَقَدْ دَنَا الْفَرَاغُ وَلَقِيَ الْمُحِبُّونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَمَا هَذَا الرُّقَادُ؟ حَبِيبِي وَقُرَّةَ عَيْنِي، أَتَرْقُدُ عَيْنَاكَ وَأَنَا أُرَبَّى لَكَ فِي الْخُدُورِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا؟ فَوَثَبْتُ فَزِعًا وَقَدْ عَرِقْتُ اسْتِحْيَاءً مِنْ تَوْبِيخِهَا إِيَّايَ، وَإِنَّ حَلَاوَةَ مَنْطِقِهَا لَفِي سَمْعِي وَقَلْبِي.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ فَإِذَا هُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: زُجِرْتُ الْبَارِحَةَ فِي مَنَامِي. قُلْتُ: مَا الَّذِي حَلَّ بِكَ؟ قَالَ: بَيْنَا أَنَا قَدْ غَفَوْتُ فِي مِحْرَابِي إِذْ وَقَفَتْ عَلَيَّ جَارِيَةٌ تَفُوقُ الدُّنْيَا حُسْنًا، وَبِيَدِهَا وَرَقَةٌ وَهِيَ تَقُولُ: أَتَنَامُ يَا شَيْخُ؟ فَقُلْتُ: مَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ نَامَ. فَقَالَتْ: كَلَّا إِنَّ طَالِبَ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُ. ثُمَّ قَالَتْ: أَتَقْرَأُ؟ فَأَخَذْتُ الْوَرَقَةَ مِنْ يَدِهَا، فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ:
لَهَتْ بِكَ لَذَّةٌ عَنْ حُسْنِ عَيْشٍ ... مَعَ الْخَيْرَاتِ فِي غُرَفِ الْجِنَانِ
تَعِيشُ مُخَلَّدًا لَا مَوْتَ فِيهَا ... وَتَنْعَمُ فِي الْجِنَانِ مَعَ الْحِسَانِ
تَيَقَّظْ مِنْ مَنَامِكَ إِنَّ خَيْرًا ... مِنَ النَّوْمِ التَّهَجُّدُ بِالْقُرَانِ
(14/153)

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: أَمَا يَسْتَحِي أَحَدُهُمْ أَنْ يَلْبَسَ عَبَاءَةً بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَفِي قَلْبِهِ شَهْوَةٌ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ؟ وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُظْهِرَ لِلنَّاسِ الزُّهْدَ وَالشَّهَوَاتُ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، جَازَ أَنْ يُظْهِرَ لِلنَّاسِ الزُّهْدَ بِلُبْسِ الْعَبَاءِ، فَإِنَّهَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ الزُّهَّادِ، وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ لِيَسْتُرَ بِهِمَا أَبْصَارَ النَّاسِ عَنْهُ كَانَ أَسْلَمَ لِزُهْدِهِ. وَكَانَ يَقُولُ أَيْضًا: إِذَا رَأَيْتَ الصُّوفِيَّ يَتَنَوَّقُ فِي لُبْسِ الصُّوفِ، فَلَيْسَ بِصُوفِيٍّ، وَخِيَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَصْحَابُ الْقُطْنِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَأَصْحَابُهُ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: إِنَّمَا الْأَخُ الَّذِي يَعِظُكَ بِرُؤْيَتِهِ قَبْلَ كَلَامِهِ، وَقَدْ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْأَخِ مِنْ أَصْحَابِي بِالْعِرَاقِ فَأَنْتَفِعُ بِرُؤْيَتِهِ شَهْرًا. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " عَبْدِي، إِنَّكَ مَا اسْتَحْيَيْتَ مِنِّي أَنْسَيْتُ النَّاسَ عُيُوبَكَ، وَأَنْسَيْتُ بِقَاعَ الْأَرْضِ ذُنُوبَكَ، وَمَحَوْتُ زَلَّاتِكَ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ، وَلَا أُنَاقِشُكَ فِي الْحِسَابِ
(14/154)

يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَأَلْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ عَنِ الصَّبْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي الَّذِي تُحِبُّ، فَكَيْفَ فِيمَا تَكْرَهُ؟ قَالَ أَحْمَدُ: تَنَهَّدْتُ عِنْدَهُ يَوْمًا، فَقَالَ: إِنَّكَ مَسْئُولٌ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ذَنْبٍ سَلَفَ فَطُوبَى لَكَ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الدُّنْيَا فَوَيْلٌ لَكَ. وَقَالَ: إِنَّمَا رَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ قَبْلَ الْوُصُولِ، وَلَوْ وَصَلُوا إِلَى اللَّهِ مَا رَجَعُوا. وَقَالَ: إِنَّمَا عَصَى اللَّهَ مَنْ عَصَاهُ لِهَوَانِهِمْ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَرُمُوا عَلَيْهِ لَحَجَزَهُمْ عَنْ مَعَاصِيهِ. وَقَالَ: جُلَسَاءُ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ جَعَلَ فِيهِمْ خِصَالًا: الْكَرَمَ وَالْحِلْمَ، وَالْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ، وَالرِّقَّةَ، وَالرَّحْمَةَ، وَالْفَضْلَ، وَالصَّفْحَ، وَالْإِحْسَانَ وَالْبِرَّ، وَالْعَفْوَ وَاللُّطْفَ.
وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي كِتَابِ " " مِحَنِ الْمَشَايِخِ " "، أَنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ أُخْرِجَ مِنْ دِمَشْقَ وَقَالُوا: إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَرَى الْمَلَائِكَةَ
(14/155)

وَيُكَلِّمُونَهُ. فَخَرَجَ إِلَى بَعْضِ الثُّغُورِ فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ دِمَشْقَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ هَلَكُوا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ وَتَشَفَّعُوا إِلَيْهِ، حَتَّى رَدُّوهُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ عَلَى أَقْوَالٍ؛ فَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ. وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ. وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ مَرْوَانُ الطَّاطَرِيُّ يَوْمَ مَاتَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَقَدْ أُصِيبَ بِهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ كُلُّهِمْ.
قُلْتُ: وَقَدْ دُفِنَ فِي قَرْيَةِ دَارَيَّا، وَقَبْرُهُ بِهَا مَشْهُورٌ وَعَلَيْهِ بِنَاءٌ، وَقِبْلَتُهُ مَسْجِدٌ بَنَاهُ الْأَمِيرُ نَاهِضُ الدِّينِ عُمَرُ الْمِهْرَانِيُّ، وَوَقَفَ عَلَى الْمُقِيمِينَ عِنْدَهُ وَقْفًا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ غَلَّةٌ، وَقَدْ جَدَّدَ مَزَارَهُ فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَلَمْ أَرَ الْحَافِظَ ابْنَ عَسَاكِرَ تَعَرَّضَ لِمَوْضِعِ دَفْنِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا عَجَبٌ مِنْهُ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَرَى أَبَا سُلَيْمَانَ فِي الْمَنَامِ فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ سَنَةٍ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ يَا مُعَلِّمُ؟ فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ، دَخَلْتُ يَوْمًا مِنْ بَابِ الصَّغِيرِ فَرَأَيْتُ حِمْلَ شِيحٍ، فَأَخَذْتُ مِنْهُ عُودًا، فَمَا أَدْرِي تَخَلَّلْتُ بِهِ أَوْ رَمَيْتُهُ، فَأَنَا فِي
(14/156)

حِسَابِهِ إِلَى الْآنِ.
وَقَدْ تُوُفِّيَ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ بَعْدَهُ بِنَحْوٍ مِنْ سَنَتَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
(14/157)

[سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا وَلَّى الْمَأْمُونُ دَاوُدَ بْنَ مَاسَجُورَ بِلَادَ الْبَصْرَةِ وَكُورَ دِجْلَةَ وَالْيَمَامَةَ وَالْبَحْرَيْنِ، وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَةِ الزُّطِّ. وَفِيهَا جَاءَ مَدٌّ كَثِيرٌ فَغَرَّقَ بِلَادَ أَرْضِ السَّوَادِ وَأَهْلَكَ لِلنَّاسِ شَيْئًا كَثِيرًا. وَفِيهَا وَلَّى الْمَأْمُونُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ الرَّقَّةَ وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَةِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ وَذَلِكَ أَنَّ نَائِبَهَا يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ مَاتَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ مَكَانَهُ ابْنَهُ أَحْمَدَ، فَلَمْ يُمْضِ ذَلِكَ الْمَأْمُونُ وَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ؛ لِشَهَامَتِهِ وَبَصَرِهِ بِالْأُمُورِ، وَحَثِّهِ عَلَى قِتَالِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُوهُ مِنْ خُرَاسَانَ بِكِتَابٍ فِيهِ الْأَمْرُ لَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاتِّبَاعُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِطُولِهِ وَقَدْ تَدَاوَلَهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ وَاسْتَحْسَنُوهُ وَتُهَادَوْهُ بَيْنَهُمْ حَتَّى بَلَغَ أَمْرُهُ إِلَى الْمَأْمُونِ فَأَمَرَ فَقُرِئَ
(14/158)

بَيْنَ يَدَيْهِ فَاسْتَجَادَهُ جِدًّا، وَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ بِهِ نُسَخٌ إِلَى سَائِرِ الْعُمَّالِ فِي الْأَقَالِيمِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ نَائِبُ الْحَرَمَيْنِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ الْكَاهِلِيُّ أَبُو حُذَيْفَةَ، صَاحِبُ كِتَابِ " " الْمُبْتَدَأِ " ". وَحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ. وَدَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، الَّذِي وَضَعَ كِتَابَ " " الْعَقْلِ " ". وَشَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ. وَمُحَاضِرُ بْنُ الْمُوَرِّعِ.
(14/159)

وَقُطْرُبٌ صَاحِبُ " " الْمُثَلَّثِ فِي اللُّغَةِ " ". وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، شَيْخُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
(14/160)

[سَنَةُ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا خَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِبِلَادِ عَكٍّ فِي الْيَمَنِ، يَدْعُو إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعُمَّالَ بِالْيَمَنِ أَسَاءُوا السِّيرَةَ إِلَى الرَّعَايَا، فَلَمَّا ظَهَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا بَايَعَهُ النَّاسُ، فَلَمَّا بَلَغَ أَمْرُهُ إِلَى الْمَأْمُونِ بَعَثَ إِلَيْهِ دِينَارَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ وَمَعَهُ كِتَابُ أَمَانٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا، إِنْ هُوَ سَمِعَ وَأَطَاعَ، فَحَضَرُوا الْمَوْسِمَ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بَعَثَ دِينَارٌ بِكِتَابِ الْأَمَانِ فَقَبِلَهُ وَسَمِعَ وَأَطَاعَ، وَجَاءَ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِ دِينَارٍ، فَسَارَ مَعَهُ إِلَى بَغْدَادَ وَلَبِسَ السَّوَادَ فِيهَا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ؛ نَائِبُ الْعِرَاقِ بِكَمَالِهَا،
(14/161)

وَخُرَاسَانَ بِكَمَالِهَا، وُجِدَ فِي فِرَاشِهِ مَيِّتًا بَعْدَ مَا صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَالْتَفَّ فِي الْفِرَاشِ، فَاسْتَبْطَأَ أَهْلُهُ خُرُوجَهُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَخُوهُ وَعَمُّهُ فَوَجَدَاهُ مَيِّتًا، فَلَمَّا بَلَغَ مَوْتُهُ الْمَأْمُونَ قَالَ: لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَدَّمَهُ وَأَخَّرَنَا. وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمًا وَلَمْ يَدْعُ لَهُ فَوْقَ الْمِنْبَرِ، وَمَعَ هَذَا وَلَّى وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ مَكَانَهُ، مَعَ إِضَافَةِ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ إِلَى نِيَابَتِهِ، فَاسْتَخْلَفَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى خُرَاسَانَ أَخَاهُ طَلْحَةَ بْنَ طَاهِرٍ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ طَلْحَةُ فَاسْتَقَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بِجَمِيعِ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَكَانَ نَائِبُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى بَغْدَادَ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ. وَقَدْ كَانَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ هُوَ الَّذِي انْتَزَعَ بَغْدَادَ وَأَرْضَ الْعِرَاقِ بِكَمَالِهَا مِنْ يَدِ الْأَمِينِ بْنِ الرَّشِيدِ وَقَتَلَهُ أَيْضًا وَاسْتَوْسَقَ الْأَمْرُ لِلْمَأْمُونِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَقَدْ دَخَلَ طَاهِرٌ هَذَا يَوْمًا عَلَى الْمَأْمُونِ فَسَأَلَهُ حَاجَةً فَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ وَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ طَاهِرٌ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَلَمْ يُخْبِرْهُ، فَأَعْطَى طَاهِرٌ حُسَيْنًا الْخَادِمَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ حَتَّى اسْتَعْلَمَ لَهُ مَا كَانَ خَبَرُ بُكَائِهِ، فَقَالَ لَهُ: لَا تُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا، أَقْتُلُكَ، ذَكَرْتُ مَقْتَلَ أَخِي، وَمَا نَالَهُ مِنَ الْإِهَانَةِ عَلَى يَدَيْ
(14/162)

طَاهِرٍ، وَوَاللَّهِ لَا تَفُوتُهُ مِنِّي. فَلَمَّا تَحَقَّقَ طَاهِرٌ ذَلِكَ سَعَى فِي النُّقْلَةِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى وَلَّاهُ خُرَاسَانَ وَأَطْلَقَ لَهُ خَادِمًا مِنْ خُدَّامِهِ، وَعَهِدَ إِلَى الْخَادِمِ إِنْ رَأَى مِنْهُ مَا يُرِيبُهُ أَنْ يَسُمَّهُ، فَلَمَّا خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ طَاهِرٌ، وَلَمْ يَدْعُ لِلْمَأْمُونِ، سَمَّهُ الْخَادِمُ فِي كَامَخٍ، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ.
وَقَدْ كَانَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ هَذَا يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَمِينَيْنِ. وَكَانَ بِفَرْدِ عَيْنٍ، فَقَالَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ بَانَةَ:
يَا ذَا الْيَمِينَيْنِ وَعَيْنٍ وَاحِدَهْ ... نُقْصَانُ عَيْنٍ وَيَمِينٌ زَائِدَهْ
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى كَوْنِهِ ذَا الْيَمِينَيْنِ، فَقِيلَ: لِأَنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا بِشِمَالِهِ فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وَلِيَ الْعِرَاقَ وَخُرَاسَانَ.
وَقَدْ كَانَ كَرِيمًا مُمَدَّحًا يُحِبُّ الشِّعْرَ وَيَجْزِي عَلَيْهِ الْجَزِيلَ. رَكِبَ يَوْمًا فِي حَرَّاقَةٍ فَقَالَ فِيهِ شَاعِرٌ:
(14/163)

عَجِبْتُ لِحَرَّاقَةِ ابْنِ الْحُسَيْ ... نِ لَا غَرِقَتْ كَيْفَ لَا تَغْرَقُ
وَبَحْرَانِ مِنْ فَوْقِهَا وَاحِدٌ ... وَآخَرُ مِنْ تَحْتِهَا مُطْبِقُ
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَاكَ أَعْوَادُهُا ... وَقَدْ مَسَّهَا كَيْفَ لَا تُورِقُ
فَأَجَازَهُ بِثَلَاثَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالَ: إِنْ زِدْتَنَا زِدْنَاكَ.
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي بَعْضِ الرُّؤَسَاءِ وَقَدْ رَكِبَ الْبَحْرَ:
وَلَمَّا امْتَطَى الْبَحْرَ ابْتَهَلْتُ تَضَرُّعًا ... إِلَى اللَّهِ يَا مُجْرِيَ الرِّيَاحِ بِلُطْفِهِ
جَعَلْتَ النَّدَى مِنْ كَفِّهِ ... مِثْلَ مَوْجِهِ فَسَلِّمْهُ وَاجْعَلْ مَوْجَهُ مِثْلَ كَفِّهِ
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ: مَاتَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ هَذَا يَوْمَ السَّبْتِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَ الَّذِي سَارَ إِلَى وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَهُوَ بِأَرْضِ الرَّقَّةِ يُعَزِّيهِ فِي أَبِيهِ وَيُهَنِّيهِ بِوِلَايَةِ تِلْكَ الْبِلَادِ، الْقَاضِي يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ عَنْ أَمْرِ الْمَأْمُونِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَلَا السِّعْرُ بِبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، حَتَّى بَلَغَ سِعْرُ الْقَفِيزِ مِنَ
(14/164)

الْحِنْطَةِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ الرَّشِيدِ، أَخُو الْمَأْمُونِ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَقُرَادٌ أَبُو نُوحٍ، وَكَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، قَاضِي بَغْدَادَ وَصَاحِبُ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي، وَأَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَالْهَيْثَمُ بْنُ
(14/165)

عَدِيٍّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ.
وَيَحْيَى بْنُ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْظُورٍ أَبُو زَكَرِيَّا، الْكُوفِيُّ، نَزِيلُ بَغْدَادَ مَوْلَى بَنِي سَعْدٍ، الْمَشْهُورُ بِالْفَرَّاءِ، شَيْخُ النُّحَاةِ وَاللُّغَوِيِّينَ وَالْقُرَّاءِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّحْوِ. وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ خَازِمِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] بِالْأَلِفِ» . رَوَاهُ الْخَطِيبُ، قَالَ: وَكَانَ ثِقَةً إِمَامًا.
وَذُكِرَ أَنَّ الْمَأْمُونَ أَمَرَهُ بِوَضْعِ كِتَابٍ فِي النَّحْوِ فَأَمْلَاهُ، وَكَتَبَهُ النَّاسُ عَنْهُ، وَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِكَتْبِهِ فِي الْخَزَائِنِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّبُ وَلَدَيْهِ وَلِيَّيِ الْعَهْدِ، فَقَامَ يَوْمًا، فَابْتَدَرَاهُ أَيُّهُمَا يُقَدِّمُ نَعْلَيْهِ، فَتَنَازَعَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يُقَدِّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَعْلًا، فَأَطْلَقَ لَهُمَا أَبُوهُمَا عِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَلِلْفَرَّاءِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ لَهُ: لَا أَعَزَّ مِنْكَ إِذْ يُقَدِّمُ نَعْلَيْكَ وَلِيَّا الْعَهْدِ.
(14/166)

وَرُوِيَ أَنَّ بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ أَوْ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ سَأَلَ الْفَرَّاءَ عَنْ رَجُلٍ سَهَا فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: الْمُصَغَّرُ لَا يُصَغَّرُ. فَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ امْرَأَةً تَلِدُ مِثْلَكَ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنَ خَالَةِ الْفَرَّاءِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ: تُوُفِّيَ الْفَرَّاءُ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ.
قَالَ الْخَطِيبُ: كَانَتْ وَفَاتُهُ بِبَغْدَادَ. وَقِيلَ: بِطَرِيقِ مَكَّةَ. وَقَدِ امْتَدَحُوهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ فِي مُصَنَّفَاتِهِ.
(14/167)

[سَنَةُ ثَمَانٍ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا ذَهَبَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ أَخُو طَاهِرٍ فَارًّا مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى كَرْمَانَ فَعَصَى بِهَا، فَسَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ فَحَاصَرَهُ حَتَّى نَزَلَ قَهْرًا، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ فَعَفَا عَنْهُ فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَفِيهَا اسْتَعْفَى مُحَمَّدُ بْنُ سَمَاعَةَ مِنَ الْقَضَاءِ، فَأَعْفَاهُ الْمَأْمُونُ وَوَلَّى مَكَانَهُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِيهَا وَلَّى الْمَأْمُونُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيَّ الْقَضَاءَ بِعَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ فِي شَهْرِ الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْ قَرِيبٍ وَوَلَّى مَكَانَهُ بِشْرَ بْنَ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيَّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا. فَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ فِي ذَلِكَ:
يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُوَحِّدُ رَبَّهُ ... قَاضِيكَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ حِمَارُ
يَنْفِي شَهَادَةَ مَنْ يَدِينُ بِمَا بِهِ ... نَطَقَ الْكِتَابُ وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ
وَيَعُدُّ عَدْلًا مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ ... شَيْخٌ يُحِيطُ بِجِسْمِهِ الْأَقْطَارُ
(14/168)

وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ صَالِحُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ عَنْ أَمْرِ أَخِيهِ الْمَأْمُونِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ.
وَسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ.
أَحَدُ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ.
وَالْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَاجِبُ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ.
وَمُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ.
الَّذِي كَانَ قَدْ وَلَّاهُ الْعَهْدَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَقَّبَهُ بِالنَّاطِقِ بِالْحَقِّ، فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ أَمْرُهُ حَتَّى قُتِلَ أَبُوهُ وَكَانَ مَا كَانَ.
وَيَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ.
وَيَحْيَى بْنُ حَسَّانَ.
وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
(14/169)

الزُّهْرِيُّ.
وَيُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ.
وَفَاةُ السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ
وَهِيَ نَفِيسَةُ بِنْتُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْقُرَشِيَّةُ الْهَاشِمِيَّةُ كَانَ أَبُوهَا نَائِبًا لِلْمَنْصُورِ عَلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ غَضِبَ عَلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ فَعَزَلَهُ عَنْهَا، وَأَخَذَ مِنْهُ كُلَّ مَا كَانَ جَمَعَهُ مِنْهَا، وَأَوْدَعَهُ السِّجْنَ بِبَغْدَادَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ، فَأَطْلَقَهُ الْمَهْدِيُّ وَأَطْلَقَ لَهُ كُلَّ مَا كَانَ أُخِذَ مِنْهُ، وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْحَجِّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، فَلَمَّا كَانَ بِالْحَاجِرِ تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقَدْ رَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ حَدِيثَهُ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ عَدِيٍّ، وَوَثَّقَهُ
(14/170)

ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي رِيَاسَتِهِ وَشَهَامَتِهِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ ابْنَتَهُ نَفِيسَةَ دَخَلَتِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ مَعَ زَوْجِهَا الْمُؤْتَمَنِ، إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، فَأَقَامَتْ بِهَا، وَكَانَتْ ذَاتَ مَالٍ وَإِحْسَانٍ إِلَى النَّاسِ وَالْجَذْمَى وَالزَّمْنَى وَالْمَرْضَى وَعُمُومِ النَّاسِ، وَكَانَتْ عَابِدَةً زَاهِدَةً كَثِيرَةَ الْخَيْرِ، وَلَمَّا وَرَدَ الشَّافِعِيُّ مِصْرَ أَحْسَنَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَ رُبَّمَا صَلَّى بِهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحِينَ مَاتَ أَمَرَتْ بِجِنَازَتِهِ فَأُدْخِلَتْ إِلَيْهَا الْمَنْزِلَ فَصَلَّتْ عَلَيْهِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَتْ عَزَمَ زَوْجُهَا إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَمَنَعَهُ أَهْلُ مِصْرَ مِنْ ذَلِكَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَتْرُكَهَا عِنْدَهُمْ، فَدُفِنَتْ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ بِمَحِلَّةٍ كَانَتْ تُعْرَفُ قَدِيمًا بِدَرْبِ السِّبَاعِ بَيْنَ مِصْرَ وَالْقَاهِرَةِ الْيَوْمَ، وَقَدْ بَادَتْ تِلْكَ الْمَحِلَّةُ فَلَمْ يَبْقَ سِوَى قَبْرِهَا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ خَلِّكَانَ فِي " " وَفِيَّاتِ الْأَعْيَانِ " "، قَالَ: وَلِأَهْلِ مِصْرَ فِيهَا اعْتِقَادٌ. قُلْتُ: وَإِلَى الْآنِ، وَقَدْ بَالَغَ الْعَامَّةُ فِي أَمْرِهَا كَثِيرًا جِدًّا، وَيُطْلِقُونَ فِيهَا عِبَارَاتٍ بَشِعَةً فِيهَا مُجَازَفَةٌ تُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَأَلْفَاظًا كَثِيرَةً يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفُوا بِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِطْلَاقُهَا فِي مِثْلِ أَمْرِهَا، وَرُبَّمَا
(14/171)

نَسَبَهَا بَعْضُهُمْ إِلَى زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَلَيْسَتْ مِنْ سُلَالَتِهِ، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهَا مِنَ الصَّلَاحِ مَا يَلِيقُ بِأَمْثَالِهَا مِنَ النِّسَاءِ الصَّالِحَاتِ، وَأَصْلُ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ مِنَ الْمُغَالَاةِ فِي الْقُبُورِ وَأَصْحَابِهِا، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ وَطَمْسِهَا. وَالْمُغَالَاةُ فِي الْبَشَرِ حَرَامٌ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا تَفُكُّ مِنَ الْخَشَبِ، أَوْ أَنَّهَا تَنْفَعُ أَوْ تَضُرُّ بِغَيْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ. رَحِمَهَا اللَّهُ وَأَكْرَمَهَا وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَنْزِلَهَا.
الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ كَيْسَانَ.
مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الَّذِي كَانَ زَوَالُ دَوْلَةِ الْبَرَامِكَةِ عَلَى يَدَيْهِ، وَقَدْ وَزَرَ مَرَّةً لِلرَّشِيدِ، وَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الرَّشِيدِ، وَكَانَ شَدِيدَ التَّشَبُّهِ بِالْبَرَامِكَةِ، وَكَانُوا يَسْتَهِينُونَ بِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَعْمَلُ جُهْدَهُ فِيهِمْ حَتَّى هَلَكُوا كَمَا تَقَدَّمَ. وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّ الْفَضْلَ هَذَا دَخَلَ يَوْمًا عَلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، وَابْنُهُ جَعْفَرٌ، يُوَقِّعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَعَ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ عَشْرُ قِصَصٍ، فَلَمْ يَقْضِ لَهُ مِنْهَا وَاحِدَةً بَلْ يَتَعَلَّلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، فَجَمَعَهُنَّ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ وَقَالَ: ارْجِعْنَ خَائِبَاتٍ خَاسِئَاتٍ. ثُمَّ نَهَضَ وَهُوَ يَقُولُ:
عَسَى وَعَسَى يَثْنِي الزَّمَانُ عِنَانَهُ ... بِتَصْرِيفِ حَالٍ وَالزَّمَانُ عَثُورُ
فَتُقْضَى لُبَانَاتٌ وَتُشْفَى حَسَائِفُ ... وَتَحْدُثُ مِنْ بَعْدِ الْأُمُورِ أُمُورُ
(14/172)

فَسَمِعَهُ الْوَزِيرُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا رَجَعْتَ. فَأَخَذَ مِنْ يَدِهِ الْقِصَصَ فَوَقَّعَ عَلَيْهَا. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحْفِرُ خَلْفَهُمْ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْهُمْ، وَتَوَلَّى الْوَزَارَةَ بَعْدَهُمْ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو نُوَاسٍ:
مَا رَعَى الدَّهْرُ آلَ بَرْمَكَ لَمَّا ... أَنْ رَمَى مُلْكَهُمْ بِأَمْرٍ فَظِيعِ
إِنَّ دَهْرَاً لَمْ يَرْعَ عَهْدًا لِيَحْيَى ... غَيْرُ رَاعٍ ذِمَامَ آلِ الرَّبِيعِ
ثُمَّ وَزَرَ مِنْ بَعْدِ الرَّشِيدِ لِابْنِهِ الْأَمِينِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَأْمُونُ بَغْدَادَ اخْتَفَى، فَأَرْسَلَ لَهُ الْمَأْمُونُ أَمَانًا فَخَرَجَ، وَلَمْ يَزَلْ خَامِلًا حَتَّى مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ ثَمَانٍ وَسِتُّونَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ.
(14/173)

[سَنَةُ تِسْعٍ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا حَصَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ نَصْرَ بْنَ شَبَثٍ بَعْدَ مَا حَارَبَهُ خَمْسَ سِنِينَ، فَلَمَّا حَصَرَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ جِدًّا حَتَّى أَلْجَأَهُ إِلَى أَنْ طَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ، فَكَتَبَ ابْنُ طَاهِرٍ إِلَى الْمَأْمُونِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ يَأْمُرُهُ بِكِتَابَةِ أَمَانٍ لِنَصْرِ بْنِ شَبَثٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَتَبَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ كِتَابَ أَمَانٍ، فَنَزَلَ فَأَمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بِتَخْرِيبِ الْمَدِينَةِ الَّتِي كَانَ مُتَحَصِّنًا بِهَا، وَذَهَبَ شَرُّهُ.
وَفِيهَا جَرَتْ حُرُوبٌ مَعَ بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ فَأَسَرَ بَابَكُ بَعْضَ أُمَرَاءِ الْإِسْلَامِ وَأَحَدَ مُقَدَّمِي الْعَسَاكِرِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ صَالِحُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَلِكُ الرُّومِ مِيخَائِيلُ بْنُ جُورْجِسَ، وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ تِسْعَ سِنِينَ، فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمُ ابْنَهُ تَوْفِيلَ بْنَ مِيخَائِيلَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنْ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ:
(14/174)

الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، وَحَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَاضِي نَيْسَابُورَ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ.
(14/175)

[سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ
فِي صَفَرٍ مِنْهَا دَخَلَ نَصْرُ بْنُ شَبَثٍ إِلَى بَغْدَادَ حِينَ بَعَثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ مِنَ الرَّقَّةِ فَدَخَلَهَا وَلَمْ يَتَلَقَّهُ أَحَدٌ مِنَ الْجُنْدِ بَلْ دَخَلَهَا وَحْدَهُ فَأُنْزِلَ فِي مَدِينَةِ أَبِي جَعْفَرٍ، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، وَفِي هَذَا الشَّهْرِ ظَفِرَ الْمَأْمُونُ بِجَمَاعَةٍ مِنْ كُبَرَاءِ مَنْ كَانَ بَايَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ فَعَاقَبَهُمْ وَحَبَسَهُمْ فِي الْمُطْبِقِ.

[ظُهُورُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ بَعْدَ اخْتِفَائِهِ]
وَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْأَحَدِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا اجْتَازَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ وَكَانَ مُخْتَفِيًا مُدَّةَ سِتِّ سِنِينَ وَشُهُورٍ مُنْتَقِبًا فِي زِيِّ امْرَأَةٍ وَمَعَهُ امْرَأَتَانِ فِي بَعْضِ دُرُوبِ بَغْدَادَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ، فَقَامَ الْحَارِسُ فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ وَمِنْ أَيْنَ؟ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُمْسِكَهُنَّ، فَأَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ خَاتَمًا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ يَاقُوتٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَارِسُ اسْتَرَابَ وَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا خَاتَمُ رَجُلٍ كَبِيرِ الشَّأْنِ. فَذَهَبَ بِهِنَّ إِلَى مُتَوَلِّي اللَّيْلِ، فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يُسْفِرْنَ عَنْ وُجُوهِهِنَّ، فَتَمَنَّعَ
(14/176)

إِبْرَاهِيمُ فَكَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ فَإِذَا هُوَ هُوَ، فَعَرَفَهُ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى صَاحِبِ الْحَرَسِ فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، فَرَفَعَهُ الْآخَرُ إِلَى بَابِ الْمَأْمُونِ فَأَصْبَحَ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ وَنِقَابُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَالْمِلْحَفَةُ فِي صَدْرِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيَعْلَمُوا كَيْفَ أُخِذَ. فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِالِاحْتِفَاظِ بِهِ وَالِاحْتِرَاسِ عَلَيْهِ مُدَّةً، ثُمَّ أَطْلَقَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. هَذَا وَقَدْ صَلَبَ جَمَاعَةً مِمَّنْ كَانَ سَجَنَهُمْ بِسَبَبِهِ لِكَوْنِهِمْ أَرَادُوا الْفَتْكَ بِالْمُوَكَّلِينَ بِالسِّجْنِ، فَصَلَبَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةً.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ لَمَّا أُوقِفَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ شَرَعَ فِي تَأْنِيبِهِ، فَتَرَقَّقَ لَهُ عَمُّهُ إِبْرَاهِيمُ كَثِيرًا، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ تُعَاقِبْ فَبِحَقِّكَ، وَإِنْ تَعْفُ فَبِفَضْلِكَ. فَقَالَ: بَلْ أَعْفُو يَا إِبْرَاهِيمُ، إِنَّ الْقُدْرَةَ تُذْهِبُ الْحَفِيظَةَ، وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَبَيْنَهُمَا عَفْوُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِمَّا تَسْأَلُهُ. فَكَبَّرَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَدِ امْتَدَحَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ ابْنَ أَخِيهِ الْمَأْمُونَ بِقَصِيدَةٍ بَالَغَ فِيهَا، فَلَمَّا سَمِعَهَا الْمَأْمُونُ قَالَ: أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا عَفَا عَنْ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ أَمَرَهُ أَنْ يُغَنِّيَهُ شَيْئًا، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُهُ. فَأَمَرَهُ فَأَخَذَ الْعُودَ فِي حِجْرِهِ، وَقَالَ:
هَذَا مَقَامُ مُسَوَّدٍ ... خَرِبَتْ مَنَازِلُهُ وَدُورُهْ
(14/177)

نَمَّتْ عَلَيْهِ عِدَاتُهُ
كَذِبًا فَعَاقَبَهُ أَمِيرُهْ
ثُمَّ عَادَ فَقَالَ:
ذَهَبْتُ مِنَ الدُّنْيَا وَقَدْ ذَهَبَتْ مِنِّى ... لَوَى الدَّهْرُ بِي عَنْهَا وَوَلَّى بِهَا عَنِّي
فِإِنْ أَبْكِ نَفْسِي أَبْكِ نَفْسًا عَزِيزَةً ... وَإِنْ أَحْتَقِرْهَا أَحْتَقِرْهَا عَلَى ضَنِّ
وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ الْمُسِيءَ بِعَيْنِهِ ... بِرَبِّي تَعَالَى جَدُّهُ حَسَنُ الظَّنِّ
عَدَوْتُ عَلَى نَفْسِي فَعَادَ بِعَفْوِهِ ... عَلَيَّ فَعَادَ الْعَفْوُ مَنًّا عَلَى مَنِّ
فَقَالَ الْمَأْمُونُ: أَحْسَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا. فَرَمَى بِالْعُودِ مِنْ حِجْرِهِ، وَوَثَبَ قَائِمًا فَزِعًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: اقْعُدْ وَاسْكُنْ، مَرْحَبًا بِكَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِشَيْءٍ تَتَوَهَّمُهُ، وَوَاللَّهِ لَا رَأَيْتَ طُولَ أَيَّامِي شَيْئًا تَكْرَهُهُ، وَتَغْتَمُّ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِرَدِّ جَمِيعِ مَا كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالضِّيَاعِ وَالدُّورِ، فَرُدَّتْ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مُكْرَمًا مُعَظَّمًا.
(14/178)

[عُرْسُ بُورَانَ بِنْتِ الْحَسَنِ]
عُرْسُ بُورَانَ
وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا بَنَى الْمَأْمُونُ بِبُورَانَ بِنْتِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ فِي رَمَضَانَ إِلَى مُعَسْكَرِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ بِفَمِ الصِّلْحِ، وَكَانَ الْحَسَنُ قَدْ عُوفِيَ مِنْ مَرَضِهِ فَنَزَلَ الْمَأْمُونُ عِنْدَهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ وُجُوهِ الْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَأَكَابِرِ بَنِي هَاشِمٍ، فَدَخَلَ بِبُورَانَ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فِي لَيْلَةٍ عَظِيمَةٍ، وَقَدْ أُشْعِلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ شُمُوعُ الْعَنْبَرِ، وَنُثِرَ عَلَى رَأْسِهِ الدُّرُّ وَالْجَوْهَرُ، فَوْقَ حُصْرٍ مَنْسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ. وَكَانَ عَدَدُ الْجَوْهَرِ مِنْهُ أَلْفَ دُرَّةٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُمِعَ فِي صِينِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ كَانَ الْجَوْهَرُ فِيهَا، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا نَثَرْنَاهُ لِتَتَلَقَّطَهُ الْجَوَارِي. فَقَالَ: لَا، أَنَا أُعَوِّضُهُنَّ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ. فَجَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْعَرُوسُ وَمَعَهَا جَدَّتُهَا وَزُبَيْدَةُ أُمُّ أَخِيهِ الْأَمِينِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ جَاءَ مَعَهَا فَأُجْلِسَتْ إِلَى جَانِبِهِ فَصَبَّ فِي حِجْرِهَا ذَلِكَ
(14/179)

الْجَوْهَرَ، وَقَالَ لَهَا: هَذَا نِحْلَةٌ مِنِّي لَكِ، وَسَلِي حَاجَتِكَ. فَأَطْرَقَتْ حَيَاءً، فَقَالَتْ جَدَّتُهَا: كَلِّمِي سَيِّدَكِ وَسَلِيهِ حَاجَتَكِ فَقَدْ أَمَرَكِ. فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَرْضَى عَنْ عَمِّكَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَأَنْ تَرُدَّهُ إِلَى مَنْزِلَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: وَأُمُّ جَعْفَرٍ تَعْنِي زُبَيْدَةَ تَأْذَنُ لَهَا فِي الْحَجِّ. قَالَ: نَعَمْ. فَخَلَعَتْ عَلَيْهَا زُبَيْدَةُ بِذْلَتَهَا الْأُمَوِيَّةَ، وَأَطْلَقَتْ لَهَا قَرْيَةً مُقَوَّرَةً. وَأَمَّا وَالِدُ الْعَرُوسِ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ فَإِنَّهُ كَتَبَ أَسْمَاءَ قُرَاهُ وَضِيَاعَهُ وَأَمْلَاكَهُ فِي رِقَاعٍ وَنَثَرَهَا عَلَى الْأُمَرَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ، فَمَنْ وَقَعَتْ فِي يَدِهِ مِنْهَا رُقْعَةٌ، بَعَثَ إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي فِيهَا نُوَّابُهُ فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ مِلْكًا خَالِصًا. وَأَنْفَقَ عَلَى الْمَأْمُونِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ عِنْدَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا يُعَادِلُ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَلَمَّا أَرَادَ الْمَأْمُونُ الِانْصِرَافَ مِنْ عِنْدِهِ، أَطْلَقَ لَهُ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَقْطَعَهُ الْبَلْدَةَ الَّتِي هُوَ نَازِلٌ بِهَا، وَهُوَ إِقْلِيمُ فَمِ الصِّلْحِ مُضَافًا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْإِقْطَاعَاتِ. وَرَجَعَ الْمَأْمُونُ إِلَى بَغْدَادَ فِي أَوَاخِرِ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ رَكِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ إِلَى مِصْرَ فَاسْتَنْقَذَهَا بِأَمْرِ الْمَأْمُونِ مِنْ يَدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ السَّرِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، الْمُتَغَلِّبِ عَلَيْهَا، وَاسْتَعَادَهَا مِنْهُ بَعْدَ
(14/180)

حُرُوبٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ اللُّغَوِيُّ.
وَاسْمُهُ إِسْحَاقُ بْنُ مِرَارٍ.
وَمَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّاطَرِيُّ.
وَيَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(14/181)

[سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو الْجَوَّابِ. وَطَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ، صَاحِبُ " الْمُصَنَّفِ "، وَ " الْمُسْنَدِ "، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْعِجْلِيُّ، وَأَبُو الْعَتَاهِيَةِ الشَّاعِرُ الْمُفْلِقُ الْمَشْهُورُ، وَاسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ كَيْسَانَ، أَصْلُهُ مِنَ الْحِجَازِ، وَسَكَنَ بَغْدَادَ وَكَانَ يَبِيعُ الْجِرَارَ أَوَّلًا، ثُمَّ حَظِيَ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ لَا سِيَّمَا الْمَهْدِيُّ، وَقَدْ كَانَ يَعْشَقُ جَارِيَةً لِلْمَهْدِيِّ اسْمُهُا عُتْبَةُ وَقَدْ
(14/182)

طَلَبَهَا مِنَ الْخَلِيفَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَإِذَا سَمَحَ لَهُ بِهَا لَا تُرِيدُهُ الْجَارِيَةُ، وَتَقُولُ لِلْخَلِيفَةِ: أَتُعْطِينِي لِرَجُلٍ دَمِيمِ الْخَلْقِ كَانَ يَبِيعُ الْجِرَارَ؟ فَكَانَ يُكْثِرُ التَّغَزُّلَ فِيهَا، وَشَاعَ أَمْرُهُ وَاشْتُهِرَ بِهَا، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ يَفْهَمُ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَقَدِ اتَّفَقَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْمَهْدِيَّ اسْتَدْعَى الشُّعَرَاءَ إِلَى مَجْلِسِهِ فَاجْتَمَعُوا، وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ وَبَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ الْأَعْمَى، فَسَمِعَ صَوْتَ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ، فَقَالَ بَشَّارٌ لِجَلِيسِهِ: أَثَمَّ هَاهُنَا أَبُو الْعَتَاهِيَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَوَجِمَ لَهَا بَشَّارٌ، ثُمَّ اسْتَنْشَدَ الْمَهْدِيُّ أَبَا الْعَتَاهِيَةِ. فَانْطَلَقَ يُنْشِدُهُ قَصِيدَتَهُ فِيهَا، الَّتِي أَوَّلُهَا:
أَلَا مَا لِسَيِّدَتِي مَا لَهَا ... أَدَلَّتْ فَأَحْمِلَ إِدْلَالَاهَا
فَقَالَ بَشَّارٌ لِجَلِيسِهِ: مَا رَأَيْتُ أَجْسَرَ مِنْ هَذَا. حَتَّى انْتَهَى أَبُو الْعَتَاهِيَةِ إِلَى قَوْلِهِ:
أَتَتْهُ الْخِلَافَةُ مُنْقَادَةً ... إِلَيهِ تُجَرِّرُ أَذْيَالَهَا
فَلَمْ تَكُ تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ ... وَلَمْ يَكُ يَصْلُحُ إِلَّا لَهَا
وَلَوْ رَامَهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ ... لَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
(14/183)

وَلَوْ لَمْ تُطِعْهُ بَنَاتُ الْقُلُوبِ لَمَا قَبِلَ اللُّهُ أَعْمَالَهَا
فَقَالَ بَشَّارٌ لِجَلِيسِهِ: انْظُرْ وَيْحَكَ، أَطَارَ الْخَلِيفَةُ عَنْ فِرَاشِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ يَوْمَئِذٍ بِجَائِزَةٍ غَيْرَهُ.
وَقَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: اجْتَمَعَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ بِأَبِي نُوَاسٍ وَكَانَ فِي طَبَقَتِهِ وَطَبَقَةِ بَشَّارٍ، فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ لِأَبِي نُوَاسٍ: كَمْ تَعْمَلُ فِي الْيَوْمِ مِنَ الشِّعْرِ؟ قَالَ: بَيْتًا أَوْ بَيْتَيْنِ. فَقَالَ: لَكِنِّي أَعْمَلُ الْمِائَةَ وَالْمِائَتَيْنِ. فَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ: لِأَنَّكَ تَعْمَلُ مِثْلَ قَوْلِكَ:
يَا عُتْبَ مَا لِي وَلَكِ ... يَا لَيْتَنِي لَمْ أَرَكِ
وَلَوْ أَرَدْتُ مِثْلَ هَذَا الْأَلْفَ وَالْأَلْفَيْنِ، لَقَدَرْتُ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَعْمَلُ مِثْلَ قَوْلِي:
مِنْ كَفِّ ذَاتِ حِرٍّ فِي زِيِّ ذِي ذَكَرٍ ... لَهَا مُحِبَّانِ لُوطِيٌّ وَزَنَّاءُ
وَلَوْ أَرَدْتَ مِثْلَ هَذَا لَأَعْجَزَكَ الدَّهْرَ.
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَمِنْ لَطِيفِ شِعْرِ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ:
وَلَقَدْ صَبَوْتُ إِلَيْكِ حَتَّ ... ى صَارَ مِنْ فَرْطِ التَّصَابِي
(14/184)

يَجِدُ الْجَلِيسُ إِذَا دَنَا
رِيحَ التَّصَابِي فِي ثِيَابِي
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَأَشْعَارُهُ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَقِيلَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَأَوْصَى أَنْ يَكْتُبَ عَلَى قَبْرِهِ بِبَغْدَادَ:
إِنَّ عَيْشًا يَكُونُ آخِرَهُ الْمَوْتُ لَعَيْشٌ مُعَجَّلُ التَّنْغِيصِ
(14/185)

[سَنَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا وَجَّهَ الْمَأْمُونُ مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ الطُّوسِيَّ عَلَى طَرِيقِ الْمَوْصِلِ لِمُحَارَبَةِ بَابَكَ الْخُرَّمِيَّ فِي أَرْضِ أَذْرَبِيجَانَ فَأَخَذَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُتَغَلِّبِينَ فِيهَا، فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الْمَأْمُونِ أُسَرَاءَ إِلَى بَغْدَادَ وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَظْهَرَ الْمَأْمُونُ فِي النَّاسِ بِدْعَتَيْنِ فَظِيعَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا أَطَمُّ مِنَ الْأُخْرَى، وَهِيَ الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَالْأُخْرَى تَفْضِيلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ خَطَأً كَبِيرًا فَاحِشًا، وَأَثِمَ إِثْمًا عَظِيمًا، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُكَفِّرُ مَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ الْعَبَّاسِيُّ.
(14/186)

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: أَسَدُ بْنُ مُوسَى، الَّذِي يُقَالُ لَهُ: أَسَدُ السُّنَّةِ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، وَاسْمُهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَأَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ الشَّامِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، شَيْخُ الْبُخَارِيِّ.
(14/187)

[سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا ثَارَ رَجُلَانِ بِمِصْرَ، وَهُمَا عَبْدُ السَّلَامِ وَابْنُ جَلِيسٍ، فَخَلَعَا الْمَأْمُونَ وَاسْتَحْوَذَا عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَبَايَعَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْقَيْسِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ، فَوَلَّى الْمَأْمُونُ أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاقَ نِيَابَةَ الشَّامِ وَمِصْرَ، وَوَلَّى ابْنَهُ الْعَبَّاسَ نِيَابَةَ الْجَزِيرَةِ وَالثُّغُورِ وَالْعَوَاصِمِ، وَأَطْلَقَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَخَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمْ يُرَ يَوْمًا أَكْثَرَ إِطْلَاقًا مِنْهُ، أَطْلَقَ فِيهِ لِهَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءِ الثَّلَاثَةِ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَفِيهَا وَلَّى الْمَأْمُونُ السِّنْدَ غَسَّانَ بْنَ عَبَّادٍ وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا أَمِيرُ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(14/188)

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيُّ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ الْبَصْرِيُّ.
وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ.
وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَحَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ فِي " " الْوَفِيَّاتِ " " عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَاهَانَ الْمَوْصِلِيُّ النَّدِيمُ، وَأَبُو الْعَتَاهِيَةِ، وَأَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ النَّحْوِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِبَغْدَادَ، وَلَكِنَّهُ صَحَّحَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ النَّدِيمَ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ رَاوِي السِّيرَةِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَكَاهُ ابْنُ خِلِّكَانَ عَنْهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثَمَانِي
(14/189)

عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ فِي " " تَارِيخِ مِصْرَ " ".
الْعَكَوَّكُ الشَّاعِرُ
أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ الْمُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ، وَيُلَقَّبُ بِالْعَكَوَّكِ لِقِصَرِهِ وَسِمَنِهِ، وَكَانَ مِنَ الْمَوَالِي، وَوُلِدَ أَعْمَى، وَقِيلَ: بَلْ أَصَابَهُ جُدَرِيٌّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ فَعَمِيَ، وَكَانَ أَسْوَدَ أَبْرَصَ، وَكَانَ شَاعِرًا مُطْبِقًا فَصِيحًا بَلِيغًا، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ فِي شِعْرِهِ الْجَاحِظُ فَمَنْ بَعْدَهُ، قَالَ الْجَاحِظُ: مَا رَأَيْتُ بَدَوِيًّا وَلَا حَضَرِيًّا أَحْسَنَ إِنْشَادًا مِنْهُ. فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
بِأَبِي مَنْ زَارَنِي مُكْتَتِمًا ... خَائِفًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ جَزِعًا
زَائِرًا نَمَّ عَلَيْهِ حُسْنُهُ ... كَيْفَ يُخْفِي اللَّيْلُ بَدْرًا طَلَعَا
رَصَدَ الْغَفْلَةَ حَتَّى أَمْكَنَتْ ... وَرَعَى السَّامِرَ حَتَّى هَجَعَا
رَكِبَ الْأَهْوَالَ فِي زَوْرَتِهِ ... ثُمَّ مَا سَلَّمَ حَتَّى وَدَّعَا
وَهُوَ الْقَائِلُ فِي أَبِي دُلْفٍ الْقَاسِمِ بْنِ عِيسَى الْعِجْلِيِّ يَمْتَدِحُهُ:
إِنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دُلَفٍ بَيْنَ مَغْزَاهُ وَمُحْتَضَرِهْ ... فَإِذَا وَلَّى أَبُو دُلَفٍ وَلَّتِ الدُّنْيَا عَلَى أَثَرِهْ
كُلُّ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ عَرَبٍ بَيْنَ بَادِيهِ إِلَى حَضَرِهْ ... مُسْتَعِيرٌ مِنْكَ مَكْرُمَةً يَكْتَسِيهَا يَوْمَ مُفْتَخَرِهْ
وَلَمَّا بَلَغَ الْمَأْمُونَ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ وَهِيَ فِي قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ عَارَضَ فِيهَا أَبَا نُوَاسٍ الْحَسَنَ بْنَ هَانِئٍ تَطَلَّبَهُ الْمَأْمُونُ فَهَرَبَ مِنْهُ كُلَّ مَهْرَبٍ، ثُمَّ أُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! فَضَّلْتَ الْقَاسِمَ بْنَ عِيسَى عَلَيْنَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ
(14/190)

الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتُمْ أَهْلُ بَيْتٍ اصْطَفَاكُمُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِ عِبَادِهِ، وَآتَاكُمْ مُلْكًا عَظِيمًا، وَإِنَّمَا فَضَّلْتُهُ عَلَى أَشْكَالِهِ وَأَقْرَانِهِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبْقَيْتَ أَحَدًا، وَلَقَدْ أَدْخَلْتَنَا فِي الْكُلِّ حَيْثُ تَقُولُ:
كُلُّ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ عَرَبٍ
الْبَيْتَيْنِ. وَمَعَ هَذَا فَلَا أَسْتَحِلُّ قَتْلَكَ بِهَذَا، وَلَكِنْ بِكُفْرِكَ وَبِشِرْكِكَ، حَيْثُ تَقُولُ فِي عَبْدٍ ذَلِيلٍ:
أَنْتَ الَّذِي تُنْزِلُ الْأَيَّامَ مَنْزِلَهَا ... وَتَنْقُلُ الدَّهْرَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالِ
وَمَا مَدَدْتَ مَدَى طَرَفٍ إِلَى أَحَدٍ ... إِلَّا قَضَيْتَ بِأَرْزَاقٍ وَآجَالِ
ذَاكَ اللَّهُ يَفْعَلُهُ، أَخْرِجُوا لِسَانَهُ مِنْ قَفَاهُ. فَأَخْرَجُوا لِسَانَهُ مِنْ قَفَاهُ فَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، سَامَحَهُ اللَّهُ.
وَقَدِ امْتَدَحَ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ الطُّوسِيَّ:
إِنَّمَا الدُّنْيَا حُمَيْدٌ ... وَأَيَادِيهِ الْجِسَامُ
فَإِذَا وَلَّى حُمَيْدٌ ... فَعَلَى الدُّنْيَا السَّلَامُ
وَقَوْلُهُ:
تَكَفَّلَ سَاكِنِي الدُّنْيَا حُمَيْدٌ ... فَقَدْ أَضْحَوْا لَهُ فِيهَا عِيَالَا
كَأَنَّ أَبَاهُ آدَمَ كَانَ أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يَعُولَهُمْ فَعَالَا
(14/192)

وَلَمَّا مَاتَ حُمَيْدٌ هَذَا فِي سَنَةِ عَشْرٍ مَعَ الْمَأْمُونِ بِفَمِ الصِّلْحِ، قَالَ الْعَكَوَّكُ يَرْثِيهِ قَصِيدَةً، مِنْهَا قَوْلُهُ:
فَأَدَّبَنَا مَا أَدَّبَ النَّاسَ قَبْلَنَا ... وَلَكِنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلصَّبْرِ مَوْضِعُ
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ يَرْثِي حُمَيْدًا هَذَا:
أَبَا غَانِمٍ أَمَّا ذَرَاكَ فَوَاسِعٌ ... وَقَبْرُكَ مَعْمُورُ الْجَوَانِبِ مُحْكَمُ
وَمَا يَنْفَعُ الْمَقْبُورَ عُمْرَانُ قَبْرِهِ ... إِذَا كَانَ فِيهِ جِسْمُهُ يَتَهَدَّمُ
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ خِلِّكَانَ لِعَكَوَّكٍ هَذَا أَشْعَارًا جَيِّدَةً تَرَكْنَاهَا اخْتِصَارًا
(14/193)

[سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
فِي يَوْمِ السَّبْتِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا الْتَقَى مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَبَابَكُ الْخُرَّمِيُّ، لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَتَلَ الْخُرَّمِيُّ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ جَيْشِهِ وَقَتَلَهُ أَيْضًا، وَانْهَزَمَ بَقِيَّةُ أَصْحَابِ ابْنِ حُمَيْدٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَبَعَثَ الْمَأْمُونُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ يُخَيِّرَانِهِ بَيْنَ خُرَاسَانَ وَنِيَابَةِ الْجِبَالِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَةَ، لِمُحَارَبَةِ بَابَكَ فَاخْتَارَ الْمُقَامَ بِخُرَاسَانَ، لِكَثْرَةِ احْتِيَاجِهَا إِلَى الضَّبْطِ، وَلِلْخَوْفِ مِنْ ظُهُورِ الْخَوَارِجِ بِهَا.
وَفِيهَا دَخَلَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ الرَّشِيدِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَافْتَتَحَهَا وَاسْتَعَادَهَا إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَظَفِرَ بِعَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ جَلِيسٍ وَقَتَلَهُمَا. وَفِيهَا خَرَجَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: بِلَالٌ الضَّبَابِيُّ الشَّارِيُّ فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَقَتَلُوا بِلَالًا وَعَادُوا سَالِمِينَ. وَفِيهَا وَلَّى الْمَأْمُونُ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ
(14/194)

الْجَبَلَ وَقُمَّ وَأَصْبَهَانَ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ إِسْحَاقُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ.
وَحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ.
شَيْخُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ.
وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو.
وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ صُبَيْحٍ أَبُو جَعْفَرٍ الْكَاتِبُ.
وَلِيَ دِيوَانَ الرَّسَائِلِ لِلْمَأْمُونِ. تَرْجَمَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِهِ قَوْلَهُ:
قَدْ يُرْزَقُ الْمَرْءُ لَا مِنْ حُسْنِ حِيلَتِهِ ... وَيُصْرَفُ الرِّزْقُ عَنْ ذِي الْحِيلَةِ الدَّاهِي
مَا مَسَّنِي مِنْ غِنًى يَوْمًا وَلَا عَدَمٍ ... إِلَّا وَقَوْلِي عَلَيْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
(14/195)

وَلَهُ أَيْضًا:
إِذَا قُلْتَ فِي شَيْءٍ نَعَمْ فَأَتِمَّهُ ... فَإِنَّ نَعَمْ دَيْنٌ عَلَى الْحُرِّ وَاجِبُ
وَإِلَّا فَقُلْ لَا تَسْتَرِحْ وُترِحْ بِهَا ... لِئَلَّا يَقُولَ النَّاسُ إِنَّكَ كَاذِبُ
وَلَهُ:
إِذَا الْمَرْءُ أَفْشَى سِرَّهُ بِلِسَانِهِ ... فَلَامَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَهُوَ أَحْمَقُ
إِذَا ضَاقَ صَدْرُ الْمَرْءِ عَنْ سِرِّ نَفْسِهِ ... فَصَدْرُ الَّذِي اسْتَوْدَعْتَهُ السِّرَّ أَضْيَقُ
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَعْيَنَ بْنِ لَيْثِ بْنِ رَافِعٍ الْمِصْرِيُّ، أَحَدُ مَنْ قَرَأَ " " الْمُوَطَّأَ " " عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَتَفَقَّهَ بِمَذْهَبِهِ، وَكَانَ مُعَظَّمًا بِبِلَادِ مِصْرَ، وَلَهُ بِهَا ثَرْوَةٌ وَأَمْوَالٌ وَافِرَةٌ. وَحِينَ قَدِمَ الشَّافِعِيُّ مِصْرَ أَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ، وَجَمَعَ لَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَلْفَيْ دِينَارٍ أُخْرَى.
وَهُوَ وَالِدُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الَّذِي صَحِبَ الشَّافِعِيَّ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ الشَّافِعِيِّ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ دُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَبِيهِ مِنَ الْقِبْلَةِ. قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْبُرٍ، الشَّافِعِيُّ شَامِيُّهَا، وَهُمَا قِبْلَتُهُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
(14/196)

[سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
فِي أَوَاخِرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا رَكِبَ الْمَأْمُونُ فِي الْعَسَاكِرِ مِنْ بَغْدَادَ قَاصِدًا بِلَادَ الرُّومِ لِغَزْوِهِمْ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَغْدَادَ وَأَعْمَالِهَا إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ، فَلَمَّا كَانَ بِتَكْرِيتَ تَلَقَّاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَأَذِنَ لَهُ الْمَأْمُونُ فِي الدُّخُولِ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْمَأْمُونِ وَكَانَ مَعْقُودَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ فَدَخَلَ بِهَا، وَأَخَذَهَا مَعَهُ إِلَى بِلَادِ الْحِجَازِ، وَتَلَقَّاهُ أَخُوهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ الرَّشِيدِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ وَسَارَ الْمَأْمُونُ فِي جَحَافِلَ كَثِيرَةٍ إِلَى بِلَادِ طَرَسُوسَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا، وَفَتَحَ حِصْنًا هُنَاكَ عَنْوَةً وَأَمَرَ بِهَدْمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ الْمَأْمُونُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ إِلَى دِمَشْقَ فَنَزَلَهَا وَعَمَرَ دَيْرَ مُرَّانَ بِسَفْحِ قَاسْيُونَ، وَأَقَامَ بِدِمَشْقَ مُدَّةً.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ.
(14/197)

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ، وَقَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، وَمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ.
فَأَمَّا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ؛ فَهُوَ سَعِيدُ بْنُ أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ الْبَصْرِيُّ اللُّغَوِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَرَى الْقَدَرَ. قَالَ أَبُو عُثْمَانَ
(14/198)

الْمَازِنِيُّ: رَأَيْتُ الْأَصْمَعِيَّ جَاءَ إِلَى أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: أَنْتَ رَئِيسُنَا وَسَيِّدُنَا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ؛ مِنْهَا " خَلْقُ الْإِنْسَانِ " وَ " كِتَابُ الْإِبِلِ " وَ " كِتَابُ الْمِيَاهِ " وَ " كِتَابُ الْقَوْسِ وَالتُّرْسِ " وَغَيْرُ ذَلِكَ.
تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبْلَهَا أَوِ الَّتِي بَعْدَهَا. وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ قَارَبَ الْمِائَةَ.
(14/199)

[سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا عَدَا مَلِكُ الرُّومِ وَهُوَ تَوْفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ فَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ طَرَسُوسَ؛ نَحْوًا مِنْ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ إِنْسَانٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَيْضًا كَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ فَلَمَّا قَرَأَ الْمَأْمُونُ كِتَابَهُ نَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ، فَرَكِبَ فِي الْجُيُوشِ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ، وَصُحْبَتُهُ أَخُوهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ الرَّشِيدِ نَائِبُ الشَّامِ وَمِصْرَ، فَافْتَتَحَ بُلْدَانًا كَثِيرَةً صُلْحًا وَعَنْوَةً، وَافْتَتَحَ أَخُوهُ ثَلَاثِينَ حِصْنًا، وَبَعَثَ الْمَأْمُونُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى طُوَانَةَ فَافْتَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً، وَأَسَرَ خَلْقًا مِنَ الذَّرَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ الرُّومِ، وَحَرَقَ حُصُونًا عِدَّةً، ثُمَّ عَادَ سَالِمًا مُؤَيَّدًا إِلَى الْعَسْكَرِ. وَأَقَامَ الْمَأْمُونُ بِبِلَادِ الرُّومِ مِنْ نِصْفِ جُمَادَى الْآخِرَةِ إِلَى نِصْفِ شَعْبَانَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ وَثَبَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عُبْدُوسٌ الْفِهْرِيُّ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِبِلَادِ مِصْرَ، فَتَغَلَّبَ عَلَى نُوَّابِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ الرَّشِيدِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَرَكِبَ الْمَأْمُونُ مِنْ دِمَشْقَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ.
(14/200)

وَفِيهَا كَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نَائِبِ بَغْدَادَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْبِلَادِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالتَّكْبِيرِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَكَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ فِي جَامِعِ الْمَدِينَةِ وَالرُّصَافَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، أَنَّهُمْ لَمَّا قَضَوُا الصَّلَاةَ قَامَ النَّاسُ قِيَامًا فَكَبَّرُوا ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ اسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَهَذِهِ بِدْعَةٌ أَحْدَثَهَا الْمَأْمُونُ بِلَا مُسْتَنَدٍ وَلَا دَلِيلٍ وَلَا مُعْتَمَدٍ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ قَبْلَهُ أَحَدٌ وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي " " الصَّحِيحِ " " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ. وَقَدِ اسْتَحَبَّ هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الذِّكْرَ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ مَشْرُوعٌ، فَلَمَّا عُلِمَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِلْجَهْرِ مَعْنًى. وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِالْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(14/201)

وَأَمَّا هَذِهِ الْبِدْعَةُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْمَأْمُونُ؛ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ.
وَفِيهَا وَقَعَ بَرْدٌ شَدِيدٌ جِدًّا. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الَّذِي حَجَّ بِهِمْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، وَقِيلَ: غَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ.
وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُرَيْبٍ الْأَصْمَعِيُّ.
صَاحِبُ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَالشِّعْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ.
وَهَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ.
زُبَيْدَةُ امْرَأَةُ هَارُونَ الرَّشِيدِ وَابْنَةُ عَمِّهِ
وَهِيَ ابْنَةُ جَعْفَرٍ، أَمَةُ الْعَزِيزِ الْمُلَقَّبَةُ بِزُبَيْدَةَ بِنْتُ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ
(14/202)

الْقُرَشِيَّةُ الْهَاشِمِيَّةُ الْعَبَّاسِيَّةُ، امْرَأَةُ هَارُونَ الرَّشِيدِ وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ فِي زَمَانِهَا، مَعَ مَا كَانَ مَعَهَا مِنَ الْحَظَايَا وَالزَّوْجَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَإِنَّمَا لُقِّبَتْ زُبَيْدَةَ؛ لِأَنَّ جَدَّهَا أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ كَانَ يُلَاعِبُهَا وَيُرَقِّصُهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَنْتِ زُبَيْدَةُ. لِبَيَاضِهَا، فَغَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَلَا تُعْرَفُ إِلَّا بِهِ، وَأَصْلُ اسْمِهَا أَمَةُ الْعَزِيزِ، كَانَتْ مِنَ الْجِمَالِ وَالْمَالِ وَالْخَيْرِ وَالدِّيَانَةِ عَلَى جَانِبٍ، وَلَهَا مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالْأَوْقَافِ وَوُجُوهِ الْقُرُبَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَرَوَى الْخَطِيبُ أَنَّهَا حَجَّتْ، فَبَلَغَتْ نَفَقَتُهَا فِي سِتِّينَ يَوْمًا أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَنَّهَا لَمَّا هَنَّأَتِ الْمَأْمُونَ بِالْخِلَافَةِ حِينَ دَخَلَ بَغْدَادَ قَالَتْ لَهُ: لَقَدْ هَنَّأْتُ نَفْسِي بِهَا عَنْكَ قَبْلَ أَنْ أَرَاكَ، وَلَئِنْ كُنْتُ فَقَدْتُ ابْنَا خَلِيفَةٍ لَقَدْ عُوِّضْتُ ابْنًا خَلِيفَةً لَمْ أَلِدْهُ، وَمَا خَسِرَ مَنِ اعْتَاضَ مِثْلَكَ، وَلَا ثَكِلَتْ أُمٌّ مَلَأَتْ يَدَهَا مِنْكَ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَجْرًا عَلَى مَا أَخَذَ، وَإِمْتَاعًا بِمَا عَوَّضَ. وَذَكَرَ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ بِبَغْدَادَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.
(14/203)

ثُمَّ قَالَ الْخَطِيبُ: حَدَّثَنِى الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ لَفْظًا قَالَ: وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي الْفَتْحِ الْقَوَّاسِ: ثنا صَدَقَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْمَوْصِلِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ الزَّمِنُ: رَأَيْتُ زُبَيْدَةَ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكِ؟ فَقَالَتْ: غَفَرَ لِي فِي أَوَّلِ مِعْوَلٍ ضُرِبَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ. قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الصُّفْرَةُ فِي وَجْهِكِ؟ قَالَتْ: دُفِنَ بَيْنَ ظَهْرَانِينَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ زَفَرَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ زَفْرَةً فَاقْشَعَرَّ لَهَا جَسَدِي، فَهَذِهِ الصُّفْرَةُ مِنْ تِلْكَ الزَّفْرَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّهُ كَانَ لَهَا مِائَةُ جَارِيَةٍ كُلُّهُنَّ يَحْفَظْنَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَوِرْدُ كُلِّ وَاحِدَةٍ عُشْرُ الْقُرْآنِ، وَكَانَ يُسْمَعُ لَهُنَّ فِي الْقَصْرِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ.
(14/204)

[سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا دَخَلَ الْمَأْمُونُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، وَظَفِرَ بِعُبْدُوسٍ الْفِهْرِيِّ، فَأَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى الشَّامِ. وَفِيهَا رَكِبَ الْمَأْمُونُ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ أَيْضًا، فَحَاصَرَ لُؤْلُؤَةَ مِائَةَ يَوْمٍ، ثُمَّ ارْتَحَلَ عَنْهَا وَاسْتَخْلَفَ عَلَى حِصَارِهَا عُجَيْفًا، فَخَدَعَتْهُ الرُّومُ فَأَسَرُوهُ، فَأَقَامَ فِي أَيْدِيهِمْ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ انْفَلَتَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَاسْتَمَرَّ مُحَاصِرًا لَهُمْ، فَجَاءَ مَلِكُ الرُّومِ بِنَفْسِهِ فَأَحَاطَ بِجَيْشِهِ مِنْ وَرَائِهِ، فَبَلَغَ الْمَأْمُونَ فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَحَسَّ تَوْفِيلُ بِقُدُومِهِ انْصَرَفَ هَارِبًا مِنْ وَجْهِهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْوَزِيرَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الصَّنْغَلُ. فَسَأَلَهُ الْأَمَانَ وَالْمُصَالَحَةَ وَالْمُهَادَنَةَ، لَكِنَّهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ فَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَأْمُونُ كِتَابًا بَلِيغًا مَضْمُونُهُ التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ، وَإِنِّي إِنَّمَا أَقْبَلُ مِنْكَ الدُّخُولَ فِي الْحَنِيفِيَّةِ وَإِلَّا فَالسَّيْفُ وَالْقَتْلُ، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ.
(14/205)

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، وَسُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَمُوسَى بْنُ دَاوُدَ الضَّبِّيُّ.
(14/206)

[سَنَةُ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ جُمَادَى مِنْهَا وَجَّهَ الْمَأْمُونُ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ لِبِنَاءِ الطُّوَانَةِ، وَتَجْدِيدِ عِمَارَتِهَا، وَبَعَثَ إِلَى سَائِرِ الْأَقَالِيمِ وَالْآفَاقِ فِي تَجْهِيزِ الْفَعَلَةِ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ إِلَيْهَا؛ مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا مِيلًا فِي مِيلٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ سُورَهَا ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهَا ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ حِصْنٌ.

[مِحْنَةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ]
ذِكْرُ أَوَّلِ الْمِحْنَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى نَائِبِهِ بِبَغْدَادَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَمْتَحِنَ الْقُضَاةَ وَالْمُحَدِّثِينَ بِالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَأَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ جَمَاعَةً مِنْهُمْ إِلَى الرَّقَّةِ وَنُسْخَةَ كِتَابِ الْمَأْمُونِ إِلَى نَائِبِهِ مُطَوَّلَةٌ، قَدْ سَرَدَهَا ابْنُ
(14/207)

جَرِيرٍ وَمَضْمُونُهُا الِاحْتِجَاجُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ وَلَيْسَ بِقَدِيمٍ، وَعِنْدَهُ أَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَلَا الْمُحَدِّثِينَ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَقُومُ بِهِ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ لَا يَقُولُونَ بِأَنَّ فِعْلَهُ تَعَالَى الْقَائِمَ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ - بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ - مَخْلُوقٌ، بَلْ يَقُولُونَ: هُوَ مُحْدَثٌ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ. بَلْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَائِمُ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمَا كَانَ قَائِمًا بِذَاتِهِ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: 11] فَالْأَمْرُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ صَدَرَ مِنْهُ تَعَالَى بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ، فَالْكَلَامُ الْقَائِمُ بِالذَّاتِ لَيْسَ مَخْلُوقًا، وَهَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَقَدْ صَنَّفَ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كِتَابًا فِي هَذَا الْمَعْنَى سَمَّاهُ " " خَلْقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ " ".
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ كِتَابَ الْمَأْمُونِ لَمَّا وَرَدَ بَغْدَادَ قُرِئَ عَلَى النَّاسِ، وَقَدْ عَيَّنَ الْمَأْمُونُ جَمَاعَةً مِنَ الْمُحَدِّثِينَ لِيُحْضِرَهُمْ إِلَيْهِ، وَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ، وَأَبُو مُسْلِمٍ مُسْتَمْلِي يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ دَاوُدَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
(14/208)

الدَّوْرَقِيُّ. فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الْمَأْمُونِ إِلَى الرَّقَّةِ فَامْتَحَنَهُمْ بِالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَظْهَرُوا مُوَافَقَتَهُ، وَهُمْ كَارِهُونَ، فَرَدَّهُمْ إِلَى بَغْدَادَ وَأَمَرَ بِإِشْهَارِ أَمْرِهِمْ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَفَعَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ذَلِكَ، وَأَحْضَرَ خَلْقًا مِنْ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ، وَالْقُضَاةِ وَأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهِمْ، فَدَعَاهُمُ الى ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ الْمَأْمُونِ وَذَكَرَ لَهُمْ مُوَافَقَةَ أُولَئِكَ الْمُحَدِّثِينَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَجَابُوا بِمِثْلِ جَوَابِ أُولَئِكَ مُوَافَقَةً لَهُمْ، وَوَقَعَتْ بَيْنَ النَّاسِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
ثُمَّ كَتَبَ الْمَأْمُونُ كِتَابًا ثَانِيًا إِلَى إِسْحَاقَ يَسْتَدِلُّ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ بِشُبَهٍ مِنَ الدَّلَائِلِ لَا تَحْقِيقَ تَحْتَهَا، وَلَا حَاصِلَ لَهَا بَلْ هِيَ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَأَوْرَدَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَاتٍ هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِطُولِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، وَأَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ وَإِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَأَحْضَرَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمَاعَةً مِنَ الْأَئِمَّةِ؛ وَهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقُتَيْبَةُ، وَأَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي مُقَاتِلٍ، وَسَعْدَوَيْهِ الْوَاسِطِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَابْنُ الْهَرْشِ، وَابْنُ عُلَيَّةَ الْأَكْبَرُ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْعُمَرِيُّ، وَشَيْخٌ آخَرُ مِنْ سُلَالَةِ عُمَرَ
(14/209)

كَانَ قَاضِيًا عَلَى الرَّقَّةِ وَأَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، وَأَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ الْجُنْدَيْسَابُورِيُّ الْمَضْرُوبُ، وَابْنُ الْفَرُّخَانِ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَابْنُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، وَأَبُو الْعَوَّامِ الْبَزَّازُ، وَأَبُو شُجَاعٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ الْمَأْمُونِ فَلَمَّا فَهِمُوهُ قَالَ لِبِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ. قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، وَإِنَّمَا أَسْأَلُكَ أَهُوَ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ. قَالَ: وَلَا عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ. فَقَالَ: مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا. وَصَمَّمَ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَحَدًا فَرْدًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ وَلَا بَعْدَهُ شَيْءٌ وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي وَلَا وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لِلْكَاتِبِ: اكْتُبْ بِمَا قَالَ. فَكَتَبَ، ثُمَّ امْتَحَنَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا، فَأَكْثَرُهُمُ امْتَنَعَ مِنَ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَكَانَ إِذَا امْتَنَعَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَمْتَحِنُهُ بِمَا فِي الرُّقْعَةِ الَّتِي وَافَقَ عَلَيْهَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ، مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي وَلَا وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَيَقُولُ: نَعَمْ. كَمَا قَالَ بِشْرٌ.
(14/210)

وَلَمَّا انْتَهَتِ النَّوْبَةُ إِلَى امْتِحَانِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ لَهُ: أَتَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا. فَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذِهِ الرُّقْعَةِ؟ فَقَالَ: أَقُولُ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ: إِنَّهُ يَقُولُ سَمِيعٌ بِأُذُنٍ بَصِيرٌ بِعَيْنٍ. فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: مَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ مِنْهَا مَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَهُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. فَكَتَبَ جَوَابَاتِ الْقَوْمِ رَجُلًا رَجُلًا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْمَأْمُونِ.
فَصْلٌ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ نَائِبَ بَغْدَادَ لَمَّا امْتَحَنَ الْجَمَاعَةَ فِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفَى التَّشْبِيهَ، فَأَجَابُوا كُلُّهُمْ إِلَى نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا كُلُّهُمْ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: وَلَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا حَرْفًا أَبَدًا وَقَرَأَ فِي نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ قَوْلَهُ تَعَالَى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] فَقَالُوا: مَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ مِنْهَا مَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَكَانَ مِنَ الْحَاضِرِينَ مَنْ أَجَابَ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ مُصَانَعَةً مُكْرَهًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْزِلُونَ مَنْ لَا يُجِيبُ عَنْ وَظَائِفِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رِزْقٌ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ قُطِعَ، وَإِنْ كَانَ مُفْتِيًا مُنِعَ مِنَ الْإِفْتَاءِ، وَإِنْ كَانَ شَيْخَ حَدِيثٍ رُدِعَ عَنِ الْإِسْمَاعِ وَالْأَدَاءِ، وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ وَمِحْنَةٌ شَنْعَاءُ وَدَاهِيَةٌ دَهْيَاءُ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
(14/211)

فَصْلٌ
وَأَمَرَ النَّائِبُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَاتِبَ، فَكَتَبَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَوَابَهُ بِعَيْنِهِ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ فَجَاءَ الْجَوَابُ بِمَدْحِ النَّائِبِ عَلَى مَا فَعَلَ، وَالرَّدِّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، فَرَدَّ مَا قَالَ فِي كِتَابٍ أَرْسَلَهُ، وَأَمَرَ نَائِبَهُ أَنْ يَمْتَحِنَهُمْ أَيْضًا، فَمَنْ أَجَابَ مِنْهُمْ شُهِرَ أَمْرُهُ فِي النَّاسِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ مِنْهُمْ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَابْعَثْ بِهِ إِلَى عَسْكَرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُقَيَّدًا، مُحْتَفَظًا بِهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. فَعَقَدَ الْأَمِيرُ بِبَغْدَادَ مَجْلِسًا آخَرَ، وَأَحْضَرَ أُولَئِكَ وَفِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ وَكَانَ صَاحِبًا لِبِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيِّ، وَقَدْ نَصَّ الْمَأْمُونُ عَلَى قَتْلِهِمَا إِنْ لَمْ يُجِيبَا عَلَى الْفَوْرِ، فَلَمَّا امْتَحَنَهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيًا بَعْدَ قِرَاءَةِ كِتَابِ الْخَلِيفَةِ أَجَابُوا كُلُّهُمْ مُكْرَهِينَ مُتَأَوِّلِينَ قَوْلَهُ تَعَالَى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] إِلَّا أَرْبَعَةً؛ وَهُمْ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. فَقَيَّدَهُمْ وَأَرْصَدَهُمْ لِيَبْعَثَ بِهِمْ إِلَى الْمَأْمُونِ ثُمَّ اسْتَدْعَى بِهِمْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَامْتَحَنَهُمْ، فَأَجَابَ سَجَّادَةُ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ وَأَطْلَقَهُ، ثُمَّ امْتَحَنَهُمْ فِي
(14/212)

الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَأَجَابَ الْقَوَارِيرِيُّ إِلَى ذَلِكَ، فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ أَيْضًا وَأَطْلَقَهُ، وَأَصَرَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ الْجُنْدَيْسَابُورِيُّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ فَأَكَّدَ قُيُودَهُمَا وَجَمَعَهُمَا فِي الْحَدِيدِ، وَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى الْخَلِيفَةِ وَهُوَ بِطَرَسُوسَ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا كِتَابًا بِإِرْسَالِهِمَا إِلَيْهِ، فَسَارَا مُقَيَّدَيْنِ فِي مَحَارَةٍ عَلَى جَمَلٍ مُتَعَادِلِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَجَعَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَأْمُونِ وَأَنْ لَا يَرَيَاهُ وَلَا يَرَاهُمَا.
وَجَاءَ كِتَابُ الْمَأْمُونِ إِلَى نَائِبِهِ؛ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا أَجَابُوا مُكْرَهِينَ، مُتَأَوِّلِينَ قَوْلَهُ تَعَالَى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] وَقَدْ أَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ خَطَأً كَبِيرًا فَأَرْسِلْهُمْ كُلَّهُمْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَاسْتَدْعَاهُمْ إِسْحَاقُ وَأَلْزَمَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى طَرَسُوسَ فَسَارُوا إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بَلَغَهُمْ مَوْتُ الْمَأْمُونِ فَرُدُّوا إِلَى الرَّقَّةِ ثُمَّ أُذِنَ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَى بَغْدَادَ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ نُوحٍ قَدْ سَبَقَا النَّاسَ، وَلَكِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا بِهِ حَتَّى مَاتَ، وَاسْتَجَابَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دُعَاءَ عَبْدِهِ وَوَلِيِّهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَلَمْ يَجْتَمِعُوا بِالْمَأْمُونِ، وَرُدُّوا إِلَى بَغْدَادَ وَسَيَأْتِي تَمَامُ مَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ فِي أَوَّلِ وِلَايَةِ الْمُعْتَصِمِ بْنِ الرَّشِيدِ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
(14/213)

[تَرْجَمَةُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ]
وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ الْمَأْمُونِ
هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَأْمُونُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ، أَبُو جَعْفَرٍ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا مَرَاجِلُ الْبَاذَغِيسِيَّةُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ لَيْلَةَ تُوُفِّيَ عَمُّهُ الْهَادِي، وَوَلِيَ أَبُوهُ هَارُونُ الرَّشِيدُ وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرٍ: رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُشَيْمِ بْنِ بِشْرٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ، وَيُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ، وَعَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، وَحَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ.
(14/214)

وَرَوَى عَنْهُ أَبُو حُذَيْفَةَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ وَهُوَ أَسَنُّ مِنْهُ وَيَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ الْقَاضِي، وَابْنُهُ الْفَضْلُ بْنُ الْمَأْمُونِ، وَمَعْمَرُ بْنُ شَبِيبٍ، وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ الطَّيَالِسِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ الشِّيعِيُّ، وَالْيَزِيدِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ مَسْعَدَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السُّلَمِيُّ، وَدِعْبِلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُزَاعِيُّ.
قَالَ: وَقَدِمَ دِمَشْقَ دُفَعَاتٍ، وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً.
ثُمَّ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْمَأْمُونَ فِي الشَّمَّاسِيَّةِ، وَقَدْ أَجْرَى الْحَلْبَةَ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى كَثْرَةِ النَّاسِ، فَقَالَ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ: أَمَا تَرَى كَثْرَةَ النَّاسِ؟ ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ فَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ»
(14/215)

وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الْمَيَانَجِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَالِكِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ الْقَاضِي، عَنِ الْمَأْمُونِ عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ» .
وَمِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الطَّيَالِسِيِّ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ خَلْفَ الْمَأْمُونِ بِالرُّصَافَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ كَبَّرَ النَّاسُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: لَا يَا غَوْغَاءُ، لَا يَا غَوْغَاءُ، عَدَا سُنَّةِ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: أَنْبَأَ هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، ثنا ابْنُ شُبْرُمَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ فَقَدْ أَصَابَ السُّنَّةَ» اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، اللَّهُمَّ أَصْلِحْنِي، وَاسْتَصْلِحْنِي، وَأَصْلِحْ عَلَى يَدَيَّ.
(14/216)

تَوَلَّى الْمَأْمُونُ الْخِلَافَةَ فِي الْمُحَرَّمِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْهُ بَعْدَ مَقْتَلِ أَخِيهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَاسْتَمَرَّ فِي الْخِلَافَةِ عِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ. وَقَدْ كَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ وَاعْتِزَالٌ، وَجَهْلٌ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ بَايَعَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ لَعَلِيٍّ الرِّضَا بْنِ مُوسَى الْكَاظِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَخَلَعَ السَّوَادَ وَلَبِسَ الْخُضْرَةَ كَمَا قَدَّمْنَا، فَأَعْظَمَ ذَلِكَ الْعَبَّاسِيُّونَ مِنَ الْبَغَادِدَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَخَلَعُوا الْمَأْمُونُ وَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ ظَفِرَ الْمَأْمُونُ بِهِمْ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ فِي الْخِلَافَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ الرِّضَا بِطُوسَ، وَعَفَا عَنْ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
أَمَّا كَوْنُهُ عَلَى مَذْهَبِ الِاعْتِزَالِ؛ فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ بِجَمَاعَةٍ؛ مِنْهُمْ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيُّ، فَأَخَذَ عَنْهُمْ هَذَا الْمَذْهَبَ الْبَاطِلَ، وَكَانَ يُحِبُّ الْعِلْمَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَصِيرَةٌ نَافِذَةٌ فِيهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الدَّاخِلُ، وَرَاجَ عِنْدَهُ
(14/217)

الْبَاطِلُ، وَدَعَا إِلَيْهِ وَحَمَلَ النَّاسَ قَهْرًا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ وَانْقِضَاءِ دَوْلَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: كَانَ الْمَأْمُونُ أَبْيَضَ رَبْعَةً حَسَنَ الْوَجْهِ، قَدْ وَخَطَهُ الشَّيْبُ تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ، أَعْيَنَ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ رَقِيقَهَا، ضَيِّقَ الْجَبِينِ، عَلَى خَدِّهِ خَالٌ. أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ يُقَالُ لَهَا: مَرَاجِلُ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: لَمْ يَحْفَظِ الْقُرْآنَ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ غَيْرُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَالْمَأْمُونِ.
وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. قَالُوا: كَانَ يَتْلُو فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ خَتْمَةً.
وَجَلَسَ يَوْمًا لِإِمْلَاءِ الْحَدِيثِ، فَاجْتَمَعَ حَوْلَهُ الْقَاضِي يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ وَجَمَاعَةٌ، فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ حِفْظِهِ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا، وَكَانَتْ لَهُ بَصِيرَةٌ بِعُلُومٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ مِنْ فِقْهٍ، وَطِبٍّ، وَشِعْرٍ، وَفَرَائِضَ، وَكَلَامٍ، وَنَحْوٍ، وَعَرَبِيَّةٍ،
(14/218)

وَغَرِيبٍ، وَعِلْمِ النُّجُومِ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الزِّيجُ الْمَأْمُونِيُّ، وَقَدِ اخْتَبَرَ مِقْدَارَ الدَّرَجَةِ فِي وَطْأَةِ سِنْجَارَ فَاخْتَلَفَ عَمَلُهُ وَعَمَلُ الْأَوَائِلِ مِنَ الْقُدَمَاءِ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ الْمَأْمُونَ جَلَسَ يَوْمًا لِلنَّاسِ، وَفِي مَجْلِسِهِ الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ تَتَظَلَّمُ إِلَيْهِ، فَذَكَرَتْ أَنَّ أَخَاهَا تُوُفِّيَ، وَتَرَكَ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهَا سِوَى دِينَارٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ لَهَا عَلَى الْبَدِيهَةِ: قَدْ وَصَلَ إِلَيْكِ حَقُّكِ، كَأَنَّ أَخَاكِ قَدْ تَرَكَ بِنْتَيْنِ، وَأُمَّا، وَزَوْجَةً، وَاثْنَيْ عَشَرَ أَخًا، وَأُخْتًا وَهِيَ أَنْتِ. قَالَتْ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ مِائَةُ دِينَارٍ، وَلِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِينَارًا، يَبْقَى خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا؛ لِكُلِّ أَخٍ دِينَارَانِ، وَلَكِ دِينَارٌ. فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ فِطْنَتِهِ وَسُرْعَةِ جَوَابِهِ. وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَدَخَلَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ عَلَى الْمَأْمُونِ وَقَدْ قَالَ فِيهِ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ يَرَاهُ
(14/219)

عَظِيمًا، فَلَمَّا أَنْشَدَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هَذَا الْبَيْتُ مَوْقِعًا طَائِلًا، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَهُ شَاعِرٌ آخَرُ، فَقَالَ: أَلَا أُعَجَّبُكَ؟ أَنْشَدْتُ الْمَأْمُونَ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا. فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: قُلْتُ فِيهِ:
أَضْحَى إِمَامُ الْهُدَى الْمَأْمُونُ مُشْتَغِلًا ... بِالدِّينِ وَالنَّاسُ بِالدُّنْيَا مَشَاغِيلُ
فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الشَّاعِرُ الْآخَرُ: مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ جَعَلْتَهُ عَجُوزًا فِي مِحْرَابِهَا، فَهَلَّا قُلْتَ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ فِي عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْوَلِيدِ:
فَلَا هُوَ فِي الدُّنْيَا مُضَيِّعٌ نَصِيبَهُ ... وَلَا عَرَضُ الدُّنْيَا عَنِ الدِّينِ شَاغِلُهُ
وَقَالَ الْمَأْمُونُ يَوْمًا لِبَعْضِ جُلَسَائِهِ: بَيْتَانِ لِاثْنَيْنِ مَا لَحِقَهُمَا أَحَدٌ؛ قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ:
إِذَا اخْتَبَرَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ ... لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي لِبَاسِ صَدِيقِ
وَقَوْلُ شُرَيْحٍ
تَهُونُ عَلَى الدُّنْيَا الْمَلَامَةُ إِنَّهُ ... حَرِيصٌ عَلَى اسْتِصْلَاحِهَا مَنْ يَلُومُهَا
قَالَ الْمَأْمُونُ: وَقَدْ أَلْجَأَنِي الزِّحَامُ يَوْمًا وَأَنَا فِي الْمَوْكِبِ حَتَّى خَالَطْتُ
(14/220)

السُّوقَةَ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا فِي دُكَّانٍ عَلَيْهِ أَثْوَابٌ خَلِقَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيَّ نَظَرَ مَنْ يَرْحَمُنِي أَوْ يَتَعَجَّبُ مِنْ أَمْرِي، فَقَالَ:
أَرَى كُلَّ مَغْرُورٍ تُمَنِّيهِ نَفْسُهُ ... إِذَا مَا مَضَى عَامٌ سَلَامَةَ قَابِلِ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ سَمِعْتُ الْمَأْمُونَ يَوْمَ عِيدٍ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: عِبَادَ اللَّهِ، عَظُمَ أَمْرُ الدَّارَيْنِ، وَارْتَفَعَ جَزَاءُ الْعَامِلِينَ، وَطَالَتْ مُدَّةُ الْفَرِيقَيْنِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَلْجِدُّ لَا اللَّعِبُ، وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ لَا الْكَذِبُ، وَمَا هُوَ إِلَّا الْمَوْتُ، وَالْبَعْثُ وَالْحِسَابُ، وَالْفَصْلُ وَالصِّرَاطُ، ثُمَّ الْعِقَابُ وَالثَّوَابُ، فَمَنْ نَجَا يَوْمَئِذٍ فَقَدْ فَازَ، وَمَنْ هَوَى يَوْمَئِذٍ فَقَدْ خَابَ، الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي النَّارِ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَأْمُونِ فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا نَضْرُ؟ قُلْتُ: بِخَيْرٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: مَا الْإِرْجَاءُ؟ فَقُلْتُ: دِينٌ يُوَافِقُ الْمُلُوكَ، يُصِيبُونَ بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، وَيَنْقُصُونَ مِنْ دِينِهِمْ. قَالَ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قَالَ: يَا نَضْرُ، أَتَدْرِي مَا قُلْتُ فِي صَبِيحَةِ هَذَا الْيَوْمِ؟ قُلْتُ:
(14/221)

أَنَّى لِي بِعِلْمِ الْغَيْبِ؟ فَقَالَ: قُلْتُ:
أَصْبَحَ دِينِي الَّذِي أَدِينُ بِهِ ... وَلَسْتُ مِنْهُ الْغَدَاةَ مُعْتَذِرَا
حُبُّ عَلِيٍّ بَعْدَ النَّبِيِّ وَلَا ... أَشْتِمُ صِدِّيقًا وَلَا عُمَرَا
ثُمَّ ابْنُ عَفَّانَ فِي الْجِنَانِ مَعَ الْ ... أَبْرَارِ ذَلِكَ الْقَتِيلُ مُصْطَبِرَا
لَا وَلَا أَشْتِمُ الزُّبَيْرَ وَلَا ... طَلْحَةَ إِنْ قَالَ قَائِلٌ غَدَرَا
وَعَائِشَ الْأُمُّ لَسْتُ أَشْتِمُهَا ... مَنْ يَفْتَرِيهَا فَنَحْنُ مِنْهُ بَرَا
وَهَذَا الْمَذْهَبُ ثَانِي مَرَاتِبِ التَّشَيُّعِ، وَفِيهِ تَفْضِيلُ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ: مَنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، يَعْنِي فِي اجْتِهَادِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ بَعْدَ مَقْتَلِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَبَعْدَ ذَلِكَ سِتَّ عَشْرَةَ مَرْتَبَةً فِي التَّشَيُّعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ كِتَابِ " " الْبَلَاغِ الْأَكْبَرِ وَالنَّامُوسِ الْأَعْظَمِ " " تَنْتَهِي إِلَى أَكْفَرِ الْكُفْرِ.
وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:
(14/222)

لَا أُوتَى بِأَحَدٍ فَضَّلَنِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا جَلَدْتُهُ جَلْدَ الْمُفْتَرِي. وَتَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عَثْمَانُ.
فَقَدْ خَالَفَ الْمَأْمُونُ بْنُ الرَّشِيدِ فِي مَذْهَبِهِ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ، حَتَّى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَدْ أَضَافَ الْمَأْمُونُ إِلَى بِدْعَتِهِ هَذِهِ الَّتِي أَزْرَى فِيهَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ، الْبِدْعَةَ الْأُخْرَى، وَالطَّامَّةَ الْعُظْمَى، وَهِيَ الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الِانْهِمَاكِ عَلَى تَعَاطِي الْمُسْكِرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَعَدَّدَ فِيهَا الْمُنْكَرُ، وَلَكِنْ كَانَ فِيهِ شَهَامَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقُوَّةٌ جَسِيمَةٌ وَلَهُ هِمَّةٌ فِي الْقِتَالِ، وَحِصَارِ الْأَعْدَاءِ، وَمُصَابَرَةِ الرُّومِ، وَحَصْرِهِمْ فِي بُلْدَانِهِمْ، وَقَتْلِ فُرْسَانِهِمْ، وَأَسْرِ ذَرَارِيهِمْ وَوِلْدَانِهِمْ. وَكَانَ يَقُولُ: كَانَ مُعَاوِيَةُ بِعَمْرِهِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بِحَجَّاجِهِ، وَأَنَا بِنَفْسِي.
وَكَانَ يَقْصِدُ الْعَدْلَ، وَيَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ وَالْفَصْلَ؛ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ فَتَظَلَّمَتْ عَلَى ابْنِهِ الْعَبَّاسِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَمَرَ الْحَاجِبَ
(14/223)

فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ مَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخَذَ ضَيْعَةً لَهَا وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا، فَتَنَاظَرَا سَاعَةً فَجَعَلَ صَوْتُهُا يَعْلُو عَلَى صَوْتِهِ فَزَجَرَهَا بَعْضُ الْحَاضِرِينَ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: اسْكُتْ فَإِنَّ الْحَقَّ أَنْطَقَهَا، وَالْبَاطِلَ أَسْكَتَهُ. ثُمَّ حَكَمَ لَهَا بِحَقِّهَا وَأَغْرَمَ لَهَا وَلَدَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ إِلَى بَعْضِ الْأُمَرَاءِ: لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ يَكُونَ آنِيَتُكَ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَغَرِيمُكَ عَارٍ، وَجَارُكَ طَاوٍ.
وَوَقَفَ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَأَنَّ عَلَيَّ فَإِنَّ الرِّفْقَ نِصْفُ الْعَفْوِ. فَقَالَ: وَيْلَكَ وَيْحَكَ! قَدْ حَلَفْتُ لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ تَلْقَ اللَّهَ حَانِثًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ قَاتِلًا. فَعَفَا عَنْهُ. وَكَانَ يَقُولُ: لَيْتَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ يَعْرِفُونَ أَنَّ مَذْهَبِي الْعَفْوُ، حَتَّى يَذْهَبَ الْخَوْفُ عَنْهُمْ وَيَدْخُلَ السُّرُورُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَرَكِبَ يَوْمًا فِي حَرَّاقَةٍ فَسَمِعَ مَلَّاحًا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: تَرَوْنَ هَذَا الْمَأْمُونُ يَنْبُلُ فِي عَيْنِي، وَقَدْ قَتَلَ أَخَاهُ الْأَمِينَ؟ يَقُولُ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِمَكَانِ الْمَأْمُونِ فَجَعَلَ الْمَأْمُونُ يَتَبَسَّمُ وَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَوْنَ الْحِيلَةَ حَتَّى أَنْبُلَ فِي عَيْنِ هَذَا الرَّجُلِ الْجَلِيلِ؟
وَحَضَرَ عِنْدَ الْمَأْمُونِ هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ لِيَتَغَدَّى عِنْدَهُ، فَلَمَّا رُفِعَتِ الْمَائِدَةُ جَعَلَ هُدْبَةُ يَلْتَقِطُ مَا تَنَاثَرَ مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: أَمَا شَبِعْتَ يَا شَيْخُ؟ فَقَالَ بَلَى،
(14/224)

وَلَكِنْ حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مَا تَحْتَ مَائِدَتِهِ أَمِنَ مِنَ الْفَقْرِ» قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ الْمَأْمُونُ بِأَلْفِ دِينَارٍ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ الْمَأْمُونَ قَالَ يَوْمًا لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُهَلَّبِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَأَلْفَ أَلْفٍ، وَأَلْفَ أَلْفٍ، وَأَنَّ عَلَيْكَ دَيْنًا. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مَنْعَ الْمَوْجُودِ سُوءُ ظَنٍّ بِالْمَعْبُودِ. فَقَالَ: أَحْسَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَعْطُوهُ أَلْفَ أَلْفٍ وَأَلْفَ أَلْفٍ.
وَلَمَّا أَرَادَ الْمَأْمُونُ أَنْ يَدْخُلَ بِبُورَانَ بِنْتِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، جَعَلَ النَّاسُ يُهْدُونَ لِأَبِيهَا الْأَشْيَاءَ النَّفِيسَةَ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَعْتَزُّ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْأُدَبَاءِ، فَأَهْدَى إِلَيْهِ مِزْوَدًا فِيهِ مِلْحٌ طَيِّبٌ، وَمِزْوَدًا فِيهِ أُشْنَانٌ جَيِّدٌ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ تُطْوَى صَحِيفَةُ أَهْلِ الْبِرِّ وَلَا أُذْكَرُ فِيهَا فَوَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِالْمُبْتَدَأِ بِهِ، لِيُمْنِهِ، وَبَرَكَتِهِ، وَبِالْمَخْتُومِ بِهِ، لِطِيبِهِ وَنَظَافَتِهِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ:
بِضَاعَتِي تَقْصُرُ عَنْ هِمَّتِي ... وَهِمَّتِي تَقْصُرُ عَنْ مَالِي
فَالْمِلْحُ وَالْأُشْنَانُ يَا سَيِّدِي ... أَحْسَنُ مَا يُهْدِيهِ أَمْثَالِي
(14/225)

قَالَ: فَدَخَلَ بِهِمَا الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ عَلَى الْمَأْمُونِ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِالْمُزْوَدَيْنِ فَفُرِّغَا، وَمُلِئَا دَنَانِيرَ، وَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى ذَلِكَ الْأَدِيبِ.
وَوُلِدَ لِلْمَأْمُونِ ابْنُهُ جَعْفَرٌ فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ بِصُنُوفِ التَّهَانِي، وَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، فَقَالَ لَهُ يُهَنِّئُهُ بِوَلَدِهِ:
مَدَّ لَكَ اللَّهُ الْحَيَاةَ مَدًّا ... حَتَّى تَرَى ابْنَكَ هَذَا جَدَّا
ثُمَّ يُفَدِّي مِثْلَ مَا تَفَدَّى ... كَأَنَّهُ أَنْتَ إِذَا تَبَدَّى
أَشْبَهُ مِنْكَ قَامَةً وَقَدًّا ... مُؤْزَرًا بِمَجْدِهِ مُرَدَّا
قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِدِمَشْقَ مَالٌ جَزِيلٌ بَعْدَ مَا كَانَ قَدْ أَفْلَسَ وَشَكَى إِلَى أَخِيهِ الْمُعْتَصِمِ ذَلِكَ، فَوَرَدَتْ عَلَيْهِ خَزَائِنُ مِنْ خُرَاسَانَ وَبِهَا ثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَخَرَجَ يَسْتَعْرِضُهَا وَقَدْ زُيِّنَتِ الْجِمَالُ وَالْأَحْمَالُ وَمَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ الْقَاضِي، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْبَلَدَ، قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ نَحُوزَ نَحْنُ هَذَا كُلَّهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ فَرَّقَ مِنْهُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَرِجْلُهُ فِي الرِّكَابِ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ فَرَسِهِ.
وَمِنْ لَطِيفِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
لِسَانِي كَتُومٌ لِأَسْرَارِكُمْ ... وَدَمْعِي نَمُومٌ لِسِرِّي مُذِيعْ
(14/226)

فَلَوْلَا دُمُوعِي كَتَمْتُ الْهَوَى
وَلَوْلَا الْهَوَى لَمْ تَكُنْ لِي دُمُوعْ
وَقَدْ بَعَثَ خَادِمًا لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي لِيَأْتِيَهُ بِجَارِيَةٍ، فَأَطَالَ الْخَادِمُ عِنْدَهَا الْمُكْثَ، وَتَمَنَّعَتِ الْجَارِيَةُ مِنَ الْمَجِيءِ إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ إِلَيْهَا الْمَأْمُونُ بِنَفْسِهِ، فَأَنْشَأَ الْمَأْمُونُ يَقُولُ:
بَعَثْتُكَ مُشْتَاقًا فَفُزْتُ بِنَظْرَةٍ ... وَأَغْفَلْتَنِي حَتَّى أَسَأْتُ بِكَ الظَّنَّا
وَنَاجَيْتُ مَنْ أَهْوَى وَكُنْتُ مُقَرَّبًا ... فَيَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْ دُنُوِّكَ مَا أَغْنَى
وَرَدَّدْتَ طَرْفًا فِي مَحَاسِنِ وَجْهِهَا ... وَمَتَّعْتَ بِاسْتِسْمَاعِ نَغَمَتِهَا أُذُنَا
أَرَى أَثَرًا فِي صَحْنِ خَدِّكَ لَمْ يَكُنْ ... لَقَدْ سَرَقَتْ عَيْنَاكَ مِنْ حُسْنِهَا حُسْنَا
وَلَمَّا ابْتَدَعَ الْمَأْمُونُ مَا ابْتَدَعَ مِنَ التَّشَيُّعِ وَالِاعْتِزَالِ، فَرِحَ بِذَلِكَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَكَانَ بِشْرٌ هَذَا شَيْخَ الْمَأْمُونِ فَأَنْشَأَ الْمَرِيسِيُّ يَقُولُ:
قَدْ قَالَ مَأْمُونُنُا وَسَيِّدُنَا ... قَوْلًا لَهُ فِي الْكِتَابِ تَصْدِيقُ
إِنَّ عَلِيًّا أَعْنِي أَبَا حَسَنٍ ... أَفْضَلُ مَنْ أَرْقَلَتْ بِهِ النُّوقُ
(14/227)

بَعْدَ نَبِيِّ الْهُدَى وَإِنَّ لَنَا
أَعْمَالَنَا وَالْقُرْآنُ مَخْلُوقُ
فَأَجَابَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَقَالَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا قَوْلٌ وَلَا عَمَلُ ... لِمَنْ يَقُولُ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقُ
مَا قَالَ ذَاكَ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ ... وَلَا النَّبِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ صِدِّيقُ
وَلَمْ يَقُلْ ذَاكَ إِلَّا كُلُّ مُبْتَدِعٍ ... عَلَى الْإِلَهِ وَعِنْدَ اللَّهِ زِنْدِيقُ
عَمْدًا أَرَادَ بِهِ إِمْحَاقَ دِينِكُمْ ... لِأَنَّ دِينَهُمْ وَاللَّهِ مَمْحُوقُ
أَصَحُّ يَا قَوْمُ عَقْلًا مِنْ خَلِيفَتِكُمْ ... يُمْسِي وَيُصْبُحُ فِي الْأَغْلَالِ مَوْثُوقُ
وَقَدْ سَأَلَ بِشْرٌ مِنَ الْمَأْمُونِ أَنْ يَطْلُبَ قَائِلَ هَذَا فَيُؤَدِّبَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! لَوْ كَانَ فَقِيهًا لَأَدَّبْتُهُ وَلَكِنَّهُ شَاعِرٌ فَلَسْتُ أَعْرِضُ لَهُ.
وَلَمَّا تَجَهَّزَ الْمَأْمُونُ لِلْغَزْوِ فِي آخِرِ سَفْرَةٍ سَافَرَهَا إِلَى طَرَسُوسَ اسْتَدْعَى بِجَارِيَةٍ كَانَ يُحِبُّهَا، وَقَدِ اشْتَرَاهَا فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَبَكَتِ الْجَارِيَةُ وَقَالَتْ: قَتَلْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِسَفَرِكَ هَذَا، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
سَأَدْعُو دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ رَبًّا ... يُثِيبُ عَلَى الدُّعَاءِ وَيَسْتَجِيبُ
(14/228)

لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَكَ حَرْبًا
وَيَجْمَعَنَا كَمَا تَهْوَى الْقُلُوبُ
فَضَمَّهَا إِلَيْهِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ مُتَمَثِّلًا:
فَيَا حُسْنَهَا إِذْ يَغْسِلُ الدَّمْعُ كُحْلَهَا ... وَإِذْ هِيَ تَذْرِي الدَّمْعَ مِنْهَا الْأَنَامِلُ
صَبِيحَةَ قَالَتْ فِي الْعِتَابِ قَتَلْتَنِي ... وَقَتْلِي بِمَا قَالَتْ هُنَاكَ تُحَاوِلُ
ثُمَّ أَمَرَ مَسْرُورًا الْخَادِمَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا وَالِاحْتِفَاظِ عَلَيْهَا حَتَّى يَرْجِعَ، ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ:
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ ... دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ
ثُمَّ وَدَّعَهَا وَسَارَ فَمَرِضَتِ الْجَارِيَةُ فِي غَيْبَتِهِ هَذِهِ، وَمَاتَ الْمَأْمُونُ أَيْضًا، فَلَمَّا جَاءَ نَعْيُهُ إِلَيْهَا تَنَفَّسَتِ الصُّعَدَاءَ وَحَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ، وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ وَهِيَ فِي السِّيَاقِ:
إِنَّ الزَّمَانَ سَقَانَا مِنْ مَرَارَتِهِ ... بَعْدَ الْحَلَاوَةِ أَنْفَاسًا فَأَرْوَانَا
أَبْدَى لَنَا تَارَةً مِنْهُ فَأَضْحَكَنَا ... ثُمَّ انْثَنَى تَارَةً أُخْرَى فَأَبْكَانَا
إِنَّا إِلَى اللَّهِ فِيمَا لَا يَزَالُ بِنَا ... مِنَ الْقَضَاءِ وَمِنْ تَلْوِينِ دُنْيَانَا
دُنْيَا تَرَاهَا تُرِينَا مِنْ تَصَرُّفِهَا ... مَا لَا يَدُومُ مُصَافَاةً وَأَحْزَانَا
وَنَحْنُ فِيهَا كَأَنَّا لَا يُزَايِلُنَا ... لِلْعَيْشِ أَحْيَاؤُنَا يَبْكُونَ مَوْتَانَا
(14/229)

وَكَانَتْ وَفَاةُ الْمَأْمُونِ بِطَرَسُوسَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَقْتَ الظُّهْرِ وَقِيلَ: بَعْدَ الْعَصْرِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ الْمُعْتَصِمُ؛ وَهُوَ وَلِيُّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ، وَدُفِنَ بِطَرَسُوسَ فِي دَارِ خَاقَانَ الْخَادِمِ. وَقِيلَ: كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ. وَقِيلَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ خَارِجَ طَرَسُوسَ بِأَرْبَعِ مَرَاحِلَ، فَحُمِلَ إِلَيْهَا فَدُفِنَ بِهَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ نُقِلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَذَنَةَ فِي رَمَضَانَ فَدُفِنَ بِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْمَخْزُومِيُّ:
مَا رَأَيْتُ النُّجُومَ أَغْنَتْ عَنِ الْمَأْ ... مُونِ فِي عِزِّ مُلْكِهِ الْمَأْسُوسِ
خَلَّفُوهُ بِعَرْصَتَيْ طَرَسُوسَ ... مِثْلَ مَا خَلَّفُوا أَبَاهُ بِطُوسِ
(14/230)

وَقَدْ كَانَ أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمِ، وَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِحَضْرَةِ ابْنِهِ الْعَبَّاسِ، وَجَمَاعَةِ الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْكُتَّابِ، وَفِيهَا الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أَدْرَكَهُ أَجَلُهُ وَانْقَضَى عَمَلُهُ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ، وَأَوْصَى أَنْ يُكَبِّرَ عَلَيْهِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ خَمْسًا، وَأَوْصَى أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَأَنْ يَعْتَقِدَ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ أَخُوهُ الْمَأْمُونُ فِي الْقُرْآنِ، وَأَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَوْصَاهُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَحْمَدَ بْنِ أَبِي دَاوُدَ الْقَاضِي، وَقَالَ: شَاوِرْهُ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا وَلَا تُفَارِقْهُ، وَحَذَّرَهُ مِنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ وَنَهَاهُ عَنْهُ وَذَمَّهُ، وَقَالَ: خَانَنِي وَنَفَّرَ النَّاسَ عَنِّي، فَفَارَقْتُهُ غَيْرَ رَاضٍ عَنْهُ، ثُمَّ أَوْصَاهُ بِالْعَلَوِيِّينَ خَيْرًا؛ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأَنْ يُوَاصِلَهُمْ بِصِلَاتِهِمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْمَأْمُونِ تَرْجَمَةً حَافِلَةً، أَوْرَدَ فِيهَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَمْ يَذْكُرْهَا الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مَعَ كَثْرَةِ مَا يُورِدُهُ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
(14/231)

[خِلَافَةُ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ]
خِلَافَةُ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ أَبِي إِسْحَاقَ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ
بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ مَاتَ أَخُوهُ الْمَأْمُونُ بِطَرَسُوسَ يَوْمَ الْخَمِيسِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مَرِيضًا، وَهُوَ الَّذِي صَلَّى عَلَى أَخِيهِ الْمَأْمُونِ وَقَدْ شَغَبَ بَعْضُ الْجُنْدِ فَأَرَادُوا أَنْ يُوَلُّوا الْعَبَّاسَ بْنَ الْمَأْمُونِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا الْحُبُّ الْبَارِدُ؟ أَنَا قَدْ بَايَعْتُ عَمِّي الْمُعْتَصِمَ. فَسَكَنَ النَّاسُ وَخَمَدَتِ الْفِتْنَةُ، وَرَكِبَ الْبُرُدُ بِالْبَيْعَةِ لِلْمُعْتَصِمِ إِلَى الْآفَاقِ، وَبِالتَّعْزِيَةِ بِالْمَأْمُونِ. فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِهَدْمِ مَا كَانَ بَنَاهُ الْمَأْمُونُ فِي مَدِينَةِ طَوَانَةَ وَأَمَرَ بِإِبْطَالِ ذَلِكَ، وَنَقْلِ مَا كَانَ حَوَّلَ إِلَيْهَا مِنَ السِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَذِنَ لِلْفَعَلَةِ بِالِانْصِرَافِ إِلَى بُلْدَانِهِمْ وَأَقَالِيمِهِمْ، ثُمَّ رَكِبَ الْمُعْتَصِمُ فِي الْجُنُودِ قَاصِدًا بَغْدَادَ وَصُحْبَتُهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمَأْمُونِ فَدَخَلَهَا يَوْمَ السَّبْتِ مُسْتَهَلَّ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ وَتَجَمُّلٍ تَامٍّ.
(14/232)

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ هَمَذَانَ وَأَصْبَهَانَ وَمَاسَبَذَانَ، وَمِهْرَجَانَ فِي دِينِ الْخُرَّمِيَّةِ، فَتَجَمَّعَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ فَجَهَّزَ إِلَيْهِمِ الْمُعْتَصِمُ جُيُوشًا كَثِيرَةً، آخِرُ مَنْ جَهَّزَ إِلَيْهِمْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ، وَعَقَدَ لَهُ عَلَى الْجِبَالِ فَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَقُرِئَ كِتَابُهُ بِالْفَتْحِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَأَنَّهُ قَهَرَ الْخُرَّمِيَّةَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَهَرَبَ بَقِيَّتُهُمْ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَعَلَى يَدَيْهِ جَرَتْ فِتْنَةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَضُرِبَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ صَالِحُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَضَحَّى أَهْلُ مَكَّةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَهْلُ بَغْدَادَ ضَحَّوْا يَوْمَ السَّبْتِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْمَشَاهِيرِ وَالْأَعْيَانِ:
بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ.
وَهُوَ بِشْرُ بْنُ غِيَاثِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرِيسِيُّ
(14/233)

الْمُتَكَلِّمُ شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَحَدُ مَنْ أَضَلَّ الْمَأْمُونَ وَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَنْظُرُ أَوَّلًا فِي شَيْءٍ مِنَ الْفِقْهِ، وَأَخَذَ عَنِ الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْهُ، وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ عِلْمُ الْكَلَامِ، وَقَدْ نَهَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ تَعَلُّمِهِ وَتَعَاطِيهِ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا عَدَا الشِّرْكَ بِاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِعِلْمِ الْكَلَامِ. وَقَدِ اجْتَمَعَ بِشْرٌ بِالشَّافِعِيِّ عِنْدَمَا قَدِمَ الشَّافِعِيُّ بَغْدَادَ.
وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ: جَرَّدَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَقْوَالٌ شَنِيعَةٌ، وَكَانَ مُرْجِئِيًّا، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْمَرِيسِيَّةُ مِنَ الْمُرْجِئَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ السُّجُودَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَامَةُ الْكُفْرِ، وَكَانَ يُنَاظِرُ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ، وَكَانَ لَا يُحْسِنُ النَّحْوَ، وَكَانَ يَلْحَنُ لَحْنًا فَاحِشًا، وَيُقَالُ: إِنَّ أَبَاهُ كَانَ يَهُودِيًّا صَبَّاغًا بِالْكُوفَةِ. وَكَانَ يَسْكُنُ دَرْبَ الْمَرِيسِ بِبَغْدَادَ، وَالْمَرِيسُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْخُبْزُ الرُّقَاقُ يُمْرَسُ بِالسَّمْنِ وَالتَّمْرِ. قَالَ: وَمَرِيسُ نَاحِيَةٌ بِبِلَادِ النُّوبَةِ تَهُبُّ عَلَيْهَا فِي الشِّتَاءِ رِيحٌ بَارِدَةٌ. قُلْتُ: ثُمَّ رَاجَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ عِنْدَ الْمَأْمُونِ وَحَظِيَ
(14/234)

عِنْدَهُ، وَقُدِّمَ فِي حَضْرَتِهِ، وَنَفَقَ سُوقُهُ الْكَاسِدُ، وَاسْتُجِيدَ ذِهْنُهُ الْبَارِدُ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذَا الْعَامِ أَوِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي قَوْلٍ - صَلَّى عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ يُقَالُ لَهُ: عُبَيْدٌ الشُّونِيزِيُّ. فَلَامَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تَسْمَعُونَ كَيْفَ دَعَوْتُ لَهُ فِي صَلَاتِي؟ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّ عَبْدَكَ هَذَا كَانَ يُنْكِرُ عَذَابَ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ فَأَذِقْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَكَانَ يُنْكِرُ شَفَاعَةَ نَبِيِّكَ فَلَا تَجْعَلْهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَكَانَ يُنْكِرُ رُؤْيَتَكَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فَاحْجُبْ وَجْهَكَ الْكَرِيمَ عَنْهُ. فَقَالُوا لَهُ: أَصَبْتَ. وَهَذَا الَّذِي نَطَقَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ حَيْثُ قَالُوا: مَنْ كَذَّبَ بِكَرَامَةٍ لَمْ يَنَلْهَا.
وَفِي هَذَا الْعَامِ تُوُفِّيَ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ.
وَأَبُو مُسْهِرٍ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ الدِّمَشْقِيُّ.
وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَابْلُتِّيُّ.
وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامِ بْنِ أَيُّوبَ الْحِمْيَرِيُّ الْمَعَافِرِيُّ.
رَاوِي
(14/235)

السِّيرَةِ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مُصَنِّفِهَا، وَإِنَّمَا تُنْسَبُ إِلَيْهِ فَيُقَالُ: سِيرَةُ ابْنِ هِشَامٍ لِأَنَّهُ هَذَّبَهَا وَزَادَ فِيهَا وَنَقَصَ مِنْهَا، وَحَرَّرَ أَمَاكِنَ، وَاسْتَدْرَكَ أَشْيَاءَ.
وَكَانَ إِمَامًا فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِمِصْرَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ بِهِ الشَّافِعِيُّ حِينَ وَرَدَهَا، وَتَنَاشَدَا مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي " " تَارِيخِ مِصْرَ " ". وَزَعَمَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(14/236)

[سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا ظَهَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالطَّالَقَانِ مِنْ خُرَاسَانَ يَدْعُو إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَاتَلَهُ قُوَّادُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً، ثُمَّ ظَهَرُوا عَلَيْهِ وَهَرَبَ فَأُخِذَ ثُمَّ بُعِثَ بِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَصَفِ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَمَرَ بِهِ فَحُبِسَ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ طُولُهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فِي ذِرَاعَيْنِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى أَوْسَعَ مِنْهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُ مَنْ يَخْدُمُهُ، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا هُنَالِكَ إِلَى لَيْلَةِ عِيدِ الْفِطْرِ، فَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِالْعِيدِ فَدُلِّيَ لَهُ حَبْلٌ مِنْ كُوَّةٍ كَانَ يَأْتِيهِ الضَّوْءُ مِنْهَا فَذَهَبَ فَلَمْ يُدْرَ كَيْفَ ذَهَبَ، وَإِلَى أَيْنَ صَارَ مِنَ الْأَرْضِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى دَخَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى بَغْدَادَ رَاجِعًا مِنْ قِتَالِ الْخُرَّمِيَّةِ، وَمَعَهُ الْأَسْرَى مِنْهُمْ، وَقَدْ قَتَلَ فِي حَرْبِهِ هَذَا مِنْ الْخُرَّمِيَّةِ مِائَةَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ مِنْهُمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا بَعَثَ الْمُعْتَصِمُ عُجَيْفًا فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ لِقِتَالِ الزُّطِّ الَّذِينَ عَاثُوا فِي بِلَادِ
(14/237)

الْبَصْرَةِ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ وَنَهَبُوا الْغَلَّاتِ، فَمَكَثَ فِي قِتَالِهِمْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَقَهَرَهُمْ وَقَمَعَ شَرَّهُمْ، وَأَبَادَ خَضْرَاءَهُمْ، وَكَانَ الْقَائِمَ بِأَمْرِهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَمَعَهُ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: سَمْلَقٌ، وَهُوَ دَاهِيَتُهُمْ، وَشَيْطَانُهُمْ، فَأَرَاحَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ وَمِنْ شَرِّهِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ، شَيْخُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ.
صَاحِبُ " " الْمُسْنَدِ " "، وَتِلْمِيذُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ.
وَعَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ.
وَأَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ.
شَيْخُ الْبُخَارِيِّ.
وَأَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ.
(14/238)

[سَنَةُ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ
فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ دَخَلَ عُجَيْفٌ فِي السُّفُنِ إِلَى بَغْدَادَ وَمَعَهُ مِنْ الزُّطِّ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا قَدْ جَاءُوا بِالْأَمَانِ إِلَى الْخَلِيفَةِ فَأُنْزِلُوا فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ ثُمَّ نَفَاهُمُ الْخَلِيفَةُ إِلَى عَيْنِ زُرْبَةَ فَأَغَارَتْ الرُّومُ عَلَيْهِمْ فَاجْتَاحُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِمْ.
وَفِيهَا عَقَدَ الْمُعْتَصِمُ لِلْأَفْشِينِ وَاسْمُهُ حَيْدَرُ بْنُ كَاوَسَ عَلَى جَيْشٍ عَظِيمٍ لِقِتَالِ بَابَكَ الْخُرَّمِيَّ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ جِدًّا، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ جِدًّا، وَانْتَشَرَتْ أَتْبَاعُهُ فِي بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ وَمَا وَالَاهَا، وَكَانَ أَوَّلُ ظُهُورِهِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ زِنْدِيقًا كَبِيرًا وَشَيْطَانًا رَجِيمًا، فَسَارَ الْأَفْشِينُ وَقَدْ أَحْكَمَ صِنَاعَةَ الْحَرْبِ فِي الْأَرْصَادِ وَعِمَارَةِ الْحُصُونِ وَإِيصَالِ الْمَدَدِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ بِاللَّهِ
(14/239)

مَعَ بُغَا الْكَبِيرِ أَمْوَالًا جَزِيلَةً نَفَقَةً لِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَالْأَتْبَاعِ وَقَدِ اتَّقَعَ، فَالْتَقَى هُوَ وَبَابَكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَاقْتَتَلَا قِتَالًا عَظِيمًا، فَقَتَلَ الْأَفْشِينُ مِنْ أَصْحَابِ بَابَكَ خَلْقًا كَثِيرًا أَزْيَدَ مِنْ أَلْفٍ وَهَرَبَ هُوَ إِلَى مَدِينَتِهِ فَأَوَى إِلَيْهَا مَكْسُورًا وَكَانَ هَذَا أَوَّلَ مَا تَضَعْضَعَ مِنْ أَمْرِ بَابَكَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَقَدِ اسْتَقْصَاهَا الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْمُعْتَصِمُ مِنْ بَغْدَادَ فَنَزَلَ الْقَاطُولَ فَأَقَامَ بِهَا.
وَفِيهَا غَضِبَ الْمُعْتَصِمُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ مَرْوَانَ بَعْدَ الْمَكَانَةِ الْعَظِيمَةِ وَعَزَلَهُ عَنِ الْوَزَرَاةِ وَحَبَسَهُ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ أَمِيرُ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ.
وَعَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ.
(14/240)

وَقَالُونُ.
أَحَدُ مَشَاهِيرِ الْقُرَّاءِ.
وَأَبُو حُذَيْفَةَ النَّهْدِيُّ.
(14/241)

[سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ بَيْنَ بُغَا الْكَبِيرِ وَبَابَكَ الْخُرَّمِيِّ، فَهَزَمَ بَابَكُ بُغَا وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ثُمَّ اقْتَتَلَ الْأَفْشِينُ وَبَابَكَ، فَهَزَمَهُ أَفْشِينُ وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَ حُرُوبٍ طَوِيلَةٍ، قَدِ اسْتَقْصَاهَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَارِيخِهِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا نَائِبُ مَكَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ
(14/242)

الْقَعْنَبِيُّ.
وَعَبْدَانُ، وَهِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ.
(14/243)

[سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا وَجَّهَ الْمُعْتَصِمُ جَيْشًا كَثِيفًا مَدَدًا لِلْأَفْشِينِ عَلَى مُحَارَبَةِ الْخُرَّمِيَّةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ نَفَقَةً لِلْجُنْدِ وَالْأَتْبَاعِ. وَفِيهَا اقْتَتَلَ الْأَفْشِينُ والْخُرَّمِيَّةُ قِتَالًا عَظِيمًا، وَافْتَتَحَ الْأَفْشِينُ الْبَذَّ مَدِينَةَ بَابَكَ وَاسْتَبَاحَ مَا فِيهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ بَعْدَ مُحَاصَرَةٍ وَحُرُوبٍ هَائِلَةٍ وَقِتَالٍ شَدِيدٍ وَجُهْدٍ جَهِيدٍ، وَقَدْ أَطَالَ أَبُو جَعْفَرٍ بَسْطَهُ جِدًّا. وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّهُ افْتَتَحَ الْبَلَدَ وَأَخَذَ جَمِيعَ مَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْوَالِ مِمَّا قَدَرَ عَلَيْهِ.
(14/244)

[قَتْلُ وَمَسْكُ بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ]
ذِكْرُ مَسْكِ بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ وَأَسْرِهِ وَقَتْلِهِ
لَمَّا احْتَوَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَلَدِهِ الْمُسَمَّى بِالْبَذِّ، وَهِيَ دَارُ مُلْكِهِ وَمَقَرُّ سُلْطَانِهِ، هَرَبَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَعَهُ أُمُّهُ وَامْرَأَتُهُ، فَانْفَرَدَ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ خَدَمِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ طَعَامٌ، فَاجْتَازَ بِحَرَّاثٍ فَبَعَثَ غُلَامَهُ إِلَيْهِ وَمَعَهُ ذَهَبٌ فَقَالَ: أَعْطِهِ الذَّهَبَ وَخُذْ مَا مَعَهُ مِنَ الْخُبْزِ. فَنَظَرَ شَرِيكٌ الْحَرَّاثِ إِلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ وَهُوَ يَأْخُذُ مِنْهُ الْخُبْزَ، فَظَنَّ أَنَّهُ قَدِ اغْتَصَبَهُ مِنْهُ، فَذَهَبَ إِلَى حِصْنٍ هُنَاكَ فِيهِ نَائِبٌ لِلْخَلِيفَةِ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ سُنْبَاطٍ لِيَسْتَعْدِيَ عَلَى ذَلِكَ الْغُلَامِ، فَرَكِبَ بِنَفْسِهِ وَجَاءَ فَوَجَدَ الْغُلَامَ فَقَالَ: مَا خَبَرُكَ؟ فَقَالَ: لَا شَيْءَ وَإِنَّمَا أَعْطَيْتُهُ دَنَانِيرَ، وَأَخَذْتُ مِنْهُ هَذَا الْخُبْزَ. فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَأَرَادَ أَنْ يُعَمِّيَ عَلَيْهِ الْخَبَرَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مِنْ غِلْمَانِ بَابَكَ. فَقَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ فَقَالَ: هَاهُوَ ذَا جَالِسٌ يُرِيدُ الْغَدَاءَ، فَسَارَ إِلَيْهِ سَهْلُ بْنُ سُنْبَاطٍ، فَلَمَّا رَآهُ تَرَجَّلَ وَجَاءَهُ فَقَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ: يَا سَيِّدِي أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَدْخُلَ بِلَادَ الرُّومِ، فَقَالَ: إِلَى عِنْدِ مَنْ تَذْهَبُ أَحْرَزُ مِنْ حِصْنِي وَأَنَا غُلَامُكَ وَفِي خِدْمَتِكَ؟ وَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى خَدَعَهُ وَأَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى الْحِصْنِ، فَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ النَّفَقَاتِ الْكَثِيرَةَ وَالتُّحَفَ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَى الْأَفْشِينِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرَيْنِ لِقَبْضِهِ فَنَزَلَا قَرِيبًا مِنَ الْحِصْنِ وَكَتَبَا إِلَى ابْنِ سُنْبَاطٍ فَقَالَ: أَقِيمَا مَكَانَكُمَا حَتَّى يَأْتِيَكُمَا أَمْرِي. ثُمَّ قَالَ لِبَابَكَ: إِنَّكَ قَدْ
(14/245)

حَصَلَ لَكَ غَمٌّ وَضِيقٌ مِنْ هَذَا الْحِصْنِ وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى الْخُرُوجِ الْيَوْمَ إِلَى الصَّيْدِ وَمَعَنَا بُزَاةٌ وَكِلَابٌ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَخْرُجَ مَعَنَا لِتَنْشَرِحَ. قَالَ: نَعَمْ. فَخَرَجُوا وَبَعَثَ ابْنُ سُنْبَاطٍ إِلَى الْأَمِيرَيْنِ أَنْ كُونَا بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا وَفِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّهَارِ، فَلَمَّا كَانُوا بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَقْبَلَ الْأَمِيرَانِ بِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْجُنُودِ فَأَحَاطُوا بِبَابَكَ وَبِابْنِ سُنْبَاطٍ، فَلَمَّا رَأَوْهُ جَاءُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: تَرَجَّلْ عَنْ دَابَّتِكَ. فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتُمَا؟ فَذَكَرَا أَنَّهُمَا مِنْ عِنْدِ الْأَفْشِينِ فَتَرَجَّلَ حِينَئِذٍ عَنْ دَابَّتِهِ وَعَلَيْهِ دُرَّاعَةٌ بَيْضَاءُ وَعِمَامَةٌ بَيْضَاءُ وَخُفٌّ قَصِيرٌ وَفِي يَدِهِ بَازٌ فَنَظَرَ إِلَى ابْنِ سُنْبَاطٍ، فَقَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ، فَهَلَّا طَلَبْتَ مِنِّي مِنَ الْمَالِ مَا شِئْتَ، فَكُنْتُ أَعْطَيْتُكَ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطِيكَ هَؤُلَاءِ. ثُمَّ أَرْكَبُوهُ وَأَخَذُوهُ مَعَهُمَا إِلَى الْأَفْشِينِ فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنْ بِلَادِ الْأَفْشِينِ خَرَجَ فَتَلَقَّاهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَصْطَفُّوا صَفَّيْنِ وَأَنْ يَتَرَجَّلَ بَابَكَ فَيَدْخُلَ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ مَاشٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا جِدًّا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. ثُمَّ احْتَفَظَ بِهِ وَهُوَ فِي السِّجْنِ عِنْدَهُ ثُمَّ كَتَبَ الْأَفْشِينُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ يُخْبِرُهُ بِأَنَّ بَابَكَ فِي أَسْرِهِ وَقَدِ اسْتَحْضَرَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ أَيْضًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ يَأْمُرُهُ أَنْ يَقْدَمَ بِهِمَا عَلَيْهِ إِلَى بَغْدَادَ
(14/246)

فَتَجَهَّزَ بِهِمَا إِلَى بَغْدَادَ فِي تَمَامِ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ:
أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ.
وَعُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ.
وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ.
وَيَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ.
(14/247)

[سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَالِثِ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ الْأَفْشِينُ عَلَى الْمُعْتَصِمِ سَامَرَّاءَ وَمَعَهُ بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ، وَقَدْ أَمَرَ الْمُعْتَصِمُ ابْنَهُ هَارُونَ الْوَاثِقَ أَنْ يَتَلَقَّى الْأَفْشِينَ وَكَانَتْ أَخْبَارُهُ تَفِدُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شِدَّةِ اعْتِنَاءِ الْمُعْتَصِمِ بِأَمْرِ بَابَكَ، وَقَدْ رَكِبَ الْمُعْتَصِمُ قَبْلَ وُصُولِ بَابَكَ بِيَوْمَيْنِ عَلَى الْبَرِيدِ حَتَّى دَخَلَ إِلَى بَابَكَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ دُخُولِهِ عَلَيْهِ تَأَهَّبَ الْمُعْتَصِمُ وَاصْطَفَّ النَّاسُ سِمَاطَيْنِ، وَأَمَرَ بَابَكَ أَنْ يَرْكَبَ عَلَى فِيلٍ لِيَشْتَهِرَ أَمْرُهُ وَيَعْرِفُوهُ، وَعَلَيْهِ قَبَاءُ دِيبَاجٍ وَقَلَنْسُوَةُ سَمُّورٍ مُدَوَّرَةٌ، وَقَدْ هُيِّئَ الْفِيلُ، وَخُضِّبَتْ أَطْرَافُهُ، وَأُلْبِسَ مِنَ الْحَرِيرِ وَالْأَمْتِعَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ كَثِيرًا، وَقَدْ قَالَ فِيهِ بَعْضُهُمْ:
(14/248)

قَدْ خُضِّبَ الْفِيلُ كَعَادَاتِهِ ... يَحْمِلُ شَيْطَانَ خُرَاسَانَ
وَالْفِيلُ لَا تُخَضَّبُ أَعْضَاؤُهُ ... إِلَّا لِذِي شَأْنٍ مِنَ الشَّانِ
وَلَمَّا أُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعْتَصِمِ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَحَزِّ رَأْسِهِ، وَشِقِّ بَطْنِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِحَمْلِ رَأْسِهِ إِلَى خُرَاسَانَ وَصَلْبِ جُثَّتِهِ عَلَى خَشَبَةٍ بِسَامَرَّا، وَكَانَ بَابَكُ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي لَيْلَةٍ أَسْفَرَ صَبَاحُهَا عَنْ قَتْلِهِ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ هَذَا الْمَلْعُونُ قَدْ قَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُدَّةِ ظُهُورِهِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَهِيَ عِشْرُونَ سَنَةً مِائَتَيْ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَخَمْسِينَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ إِنْسَانٍ قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَسَرَ خَلْقًا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنِ اسْتَنْقَذَهُ الْأَفْشِينُ مِنْ أَسْرِهِ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةِ آلَافٍ وَسِتِّمِائَةِ إِنْسَانٍ، وَأَسَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَمِنْ حَلَائِلِهِ وَحَلَائِلِ أَوْلَادِهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ امْرَأَةً مِنَ الْخَوَاتِينِ، وَقَدْ كَانَ أَصْلُ بَابَكَ ابْنَ جَارِيَةٍ زَرِيَّةِ الشَّكْلِ جِدًّا، فَآلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى مَا آلَ بِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَرَاحَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِ بَعْدَمَا افْتَتَنَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ الطَّغَامِ
وَلَمَّا قَتَلَهُ الْمُعْتَصِمُ تَوَّجَ الْأَفْشِينَ وَقَلَّدَهُ وِشَاحَيْنِ مِنْ جَوْهَرٍ، وَأَطْلَقَ لَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ لَهُ بِوِلَايَةِ السِّنْدِ وَأَمَرَ الشُّعَرَاءَ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ فَيَمْدَحُوهُ
(14/249)

عَلَى مَا فَعَلَ مِنَ الْخَيْرِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى تَخْرِيبِهِ بَلَدَ بَابَكَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْبَذُّ وَتَرْكِهِ إِيَّاهَا يَبَابًا خَرَابًا، فَقَالُوا فِي ذَلِكَ فَأَحْسَنُوا، وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ أَبُو تَمَامٍ الطَّائِيُّ، وَقَدْ أَوْرَدَ قَصِيدَتَهُ بِتَمَامِهَا الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي " " تَارِيخِهِ " "، وَهِيَ قَوْلُهُ:
بَذَّ الْجِلَادُ فَهُوَ دَفِينُ ... مَا إِنْ بِهِ إِلَّا الْوُحُوشَ قَطِينُ
لَمْ يُقْرَ هَذَا السَّيْفُ هَذَا الصَّبْرَ فِي ... هَيْجَاءَ إِلَّا عَزَّ هَذَا الدِّينُ
قَدْ كَانَ عُذْرَةَ سُؤْدَدٍ فَافْتَضَّهَا بِالسَّيْفِ فَحْلُ الْمَشرِقِ الْأَفْشِينُ ... فَأَعَادَهَا تَعْوِي الثَّعَالِبُ وَسْطَهَا
وَلَقَدْ تُرَى بِالْأَمْسِ وَهِيَ عَرِينُ ... هَطَلَتْ عَلَيْهَا مِنْ جَمَاجِمِ أَهْلِهَا
دِيَمٌ أَمَارَتْهَا طُلًى وَشُئُونُ ... كَانَتْ مِنَ الْمُهْجَاتِ قَبْلَ ذَاكَ مَفَازَةً
عَسِرًا فَأَمْسَتْ وَهِيَ مِنْهُ مَعِينُ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ أَوْقَعَ مَلِكُ الرُّومِ تَوْفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ لَعَنَهُ اللَّهُ بِأَهْلِ مَلَطْيَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا وَالَاهَا مَلْحَمَةً عَظِيمَةً قَتَلَ فِيهَا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَسَرَ مَا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَكَانَ مِنْ
(14/250)

جُمْلَةِ مَنْ أَسَرَ أَلْفَ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ، وَمَثَّلَ بِمَنْ وَقَعَ فِي أَسْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَطَّعَ آذَانَهُمْ وَآنَافَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ بَابَكَ لَعَنَهُ اللَّهُ لَمَّا أُحِيطَ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي مَدِينَتِهِ الْبَذِّ وَاسْتَوْسَقَتِ الْجُنُودُ حَوْلَهُ، كَتَبَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ مِلْكَ الْعَرَبِ قَدْ جَهَّزَ إِلَيَّ جُمْهُورَ جَيْشِهِ وَلَمْ يُبْقِ فِي أَطْرَافِ بِلَادِهِ مَنْ يَحْفَظُهَا، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْغَنِيمَةَ فَانْهَضْ سَرِيعًا إِلَى مَا حَوْلَكَ مِنْ بِلَادِهِ فَخُذْهَا، فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ أَحَدًا يُمَانِعُكَ عَنْهَا، فَرَكِبَ تَوْفِيلُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فِي مِائَةِ أَلْفٍ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ الْمُحَمِّرَةُ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا فِي الْجِبَالِ وَقَاتَلَهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ، وَتَحَصَّنُوا بِتِلْكَ الْجِبَالِ فَلَمَّا قَدِمَ مَلِكُ الرُّومِ صَارُوا مَعَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَوَصَلُوا إِلَى زِبَطْرَةَ فَقَتَلُوا مِنْ رِجَالِهَا خَلْقًا كَثِيرًا وَأَسَرُوا مِنْ حَرِيمِهَا أُمَّةً كَثِيرَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُعْتَصِمَ فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ جِدًّا، وَصَرَخَ فِي قَصْرِهِ بِالنَّفِيرِ، وَنَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ، فَأَمَرَ بِتَعْبِئَةِ الْجُيُوشِ، وَاسْتَدْعَى بِالْقَاضِي، وَالْعُدُولِ، فَأَشْهَدَهُمْ أَنَّ مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الضِّيَاعِ ثُلُثُهُ صَدَقَةٌ، وَثُلُثُهُ لِوَلَدِهِ، وَثُلُثُهُ لِمَوَالِيهِ.
(14/251)

وَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ فَعَسْكَرَ غَرْبَيْ دِجْلَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَوَجَّهَ بَيْنَ يَدَيْهِ عُجَيْفًا، وَطَائِفَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ وَمَعَهُمْ خَلْقٌ مِنَ الْجَيْشِ إِعَانَةً لِأَهْلِ زِبَطْرَةَ فَأَسْرَعُوا السَّيْرَ، فَوَجَدُوا مَلِكَ الرُّومِ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ وَانْشَمَرَ إِلَى بِلَادِهِ رَاجِعًا، وَتَفَارَطَ الْحَالُ وَلَمْ يُمْكِنِ الِاسْتِدْرَاكُ فِيهِ، وَرَجَعُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ لِإِعْلَامِهِ بِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ، فَقَالَ لِلْأُمَرَاءِ: أَيُّ بِلَادِ الرُّومِ أَمْنَعُ؟ قَالُوا: عَمُّورِيَةُ لَمْ يَعْرِضْ لَهَا أَحَدٌ مُنْذُ كَانَ الْإِسْلَامُ، وَهِيَ أَشْرَفُ عِنْدَهُمْ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.

[فَتْحُ عَمُّورِيَةَ عَلَى يَدَيِ الْمُعْتَصِمِ]
ذِكْرُ فَتْحِ عَمُّورِيَةَ عَلَى يَدِ الْمُعْتَصِمِ
لَمَّا تَفَرَّغَ الْمُعْتَصِمُ مِنْ شَأْنِ بَابَكَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَتَلَهُ وَأَخَذَ بِلَادَهُ، اسْتَدْعَى بِالْجُيُوشِ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ، وَتُجَهَّزَ جِهَازًا لَمْ يَتَجَهَّزْهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَأَخَذَ مَعَهُ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْأَحْمَالِ وَالْجِمَالِ وَالْقِرَبِ وَالدَّوَابِّ وَالنِّفْطِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ شَيْئًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَسَارَ إِلَيْهَا، فِي جَحَافِلَ كَالْجِبَالِ، وَبَعَثَ الْأَفْشِينُ خَيْذَرَ بْنَ كَاوَسَ مِنْ نَاحِيَةِ سَرُوجَ وَعَبَّأَ الْخَلِيفَةُ جَيْشَهُ تَعْبِئَةً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأُمَرَاءَ الْمَعْرُوفِينَ بِالْحَرْبِ، فَانْتَهَى فِي سَيْرِهِ إِلَى نَهْرِ اللَّمِسِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ طَرَسُوسَ وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ
(14/252)

الْمُبَارَكَةِ.
وَقَدْ رَكِبَ مَلِكُ الرُّومِ فِي جَيْشِهِ، فَقَصَدَ نَحْوَ الْمُعْتَصِمِ، فَتَقَارَبَا حَتَّى كَانَ بَيْنَ الْجَيْشَيْنِ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ، وَدَخَلَ الْأَفْشِينُ بِلَادَ الرُّومِ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَجَاءَ مِنْ وَرَاءِ مَلِكِ الرُّومِ، فَحَارَ فِي أَمْرِهِ وَضَاقَ ذَرْعُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ إِنْ هُوَ نَاجَزَ الْخَلِيفَةَ جَاءَهُ الْأَفْشِينُ مِنْ خَلْفِهِ، فَالْتَقَيَا عَلَيْهِ فَيَهْلَكُ، وَإِنْ سَارَ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَتَرَكَ الْآخَرَ أَخَذَهُ مِنْ وَرَائِهِ، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنْهُ الْأَفْشِينُ فَسَارَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ فِي شِرْذِمَةٍ مِنَ الْجَيْشِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَقِيَّتِهِ قَرِيبًا لَهُ، فَالْتَقَى هُوَ وَالْأَفْشِينُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَثَبَتَ الْأَفْشِينُ فِي ثَانِي الْحَالِ، وَقَتَلَ مِنَ الرُّومِ خَلْقًا، وَجُرِحَ آخَرِينَ، وَتَفَلَّتَ فِئَةُ مَلِكِ الرُّومِ، وَبَلَغَهُ أَنَّ بَقِيَّةَ الْجَيْشِ قَدْ شَرَدُوا عَنْ قَرَابَتِهِ وَذَهَبُوا عَنْهُ وَتَفَرَّقُوا عَلَيْهِ، فَأَسْرَعَ الْأَوْبَةَ، فَإِذَا نِظَامُ الْجَيْشِ قَدِ انْحَلَّ، فَغَضِبَ عَلَى قَرَابَتِهِ وَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ جِدًّا، فَرَكِبَ مِنْ
(14/253)

فَوْرِهِ وَجَاءَ إِلَى أَنْقِرَةَ وَوَافَاهُ الْأَفْشِينُ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى هُنَالِكَ، فَوَجَدُوا أَهْلَهَا قَدْ هَرَبُوا مِنْهَا وَتَفَرَّقُوا عَنْهَا فَتَقْوَّوْا مِنْهَا بِطَعَامٍ وَعُلُوفَةٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ فَرَّقَ الْمُعْتَصِمُ جَيْشَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ؛ فَالْمَيْمَنَةُ عَلَيْهَا الْأَفْشِينُ وَالْمَيْسَرَةُ عَلَيْهَا أَشْنَاسُ وَالْمُعْتَصِمُ فِي الْقَلْبِ، وَبَيْنَ كُلِّ عَسْكَرَيْنِ فَرْسَخَانِ، وَأَمَرَ كُلَّ أَمِيرٍ مِنَ الْأَفْشِينِ وَأَشْنَاسَ أَنْ يَجْعَلَ لِجَيْشِهِ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَقَلْبًا وَمُقَدِّمَةً وَسَاقَةً، وَأَنَّهُمْ مَهْمَا مَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الْقُرَى حَرَّقُوا، وَخَرَّبُوا، وَأَسَرُوا، وَغَنِمُوا، وَسَارَ بِهِمْ كَذَلِكَ قَاصِدًا إِلَى عَمُّورِيَةَ وَكَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْقِرَةَ سَبْعُ مَرَاحِلَ، فَأَوَّلُ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهَا مِنَ الْجُيُوشِ أَشْنَاسُ أَمِيرُ الْمَيْسَرَةِ ضَحْوَةَ يَوْمِ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَدَارَ حَوْلَهَا دَوْرَةً، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْهَا، ثُمَّ قَدِمَ الْمُعْتَصِمُ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَهُ، فَدَارَ حَوْلَهَا دَوْرَةً، ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْهَا، ثُمَّ قَدِمَ الْأَفْشِينُ يَوْمَ السَّبْتِ فَدَارَ حَوْلَهَا دَوْرَةً ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْهَا وَقَدْ تَحَصَّنَ أَهْلُهَا، وَمَلَئُوا أَبْرَاجَهَا بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ، وَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا ذَاتُ سُورٍ مَنِيعٍ، وَأَبْرَاجٍ عَالِيَةٍ كَبِيرَةٍ، وَقَسَّمَ الْمُعْتَصِمُ الْأَبْرَاجَ عَلَى الْأُمَرَاءِ، فَنَزَلَ كُلُّ أَمِيرٍ تُجَاهَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَقْطَعُهُ، وَعَيَّنَهُ لَهُ، وَنَزَلَ الْمُعْتَصِمُ قُبَالَهُ بِمَكَانٍ هُنَاكَ قَدْ أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأُسَرَاءِ، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ عِنْدَهُمْ، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
(14/254)

وَالْمُسْلِمِينَ مَعَهُ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَخَرَجَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَأَسْلَمَ وَأَعْلَمَهُ بِمَكَانٍ فِي السُّورِ كَانَ قَدْ هَدَمَهُ السَّيْلُ وَبُنِيَ بِنَاءً فَاسِدًا بِلَا أَسَاسٍ، فَنَصبَ الْمُعْتَصِمُ الْمَجَانِيقَ حَوْلَ عَمُّورِيَةَ فَكَانَ أَوَّلُ مَوْضِعٍ انْهَدَمَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي نَصَحَ فِيهِ ذَلِكَ الْأَسِيرُ، فَبَادَرَ أَهْلُ الْبَلَدِ، فَسَدُّوهُ بِالْخَشَبِ الْكِبَارِ الْمُتَلَاصِقَةِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهَا الْمَنْجَنِيقُ فَكَسَرَهَا فَجَعَلُوا فَوْقَهَا الْبَرَادِعُ؛ لِيَرُدُّوا حِدَّةَ الْحَجَرِ، فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهَا الْمَنْجَنِيقُ لَمْ تُغْنِ شَيْئًا، وَانْهَدَمَ السُّورُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَتَفَسَّخَ، فَكَتَبَ نَائِبُ الْبَلَدِ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَبَعَثَ ذَلِكَ مَعَ غُلَامَيْنِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَلَمَّا اجْتَازُوا بِالْجَيْشِ فِي طَرِيقِهِمْ أَنْكَرُوا أَمْرَهُمَا، فَسَأَلُوهُمَا مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَا: مِنْ أَصْحَابِ فُلَانٍ، لِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَحُمِلَا إِلَى الْمُعْتَصِمِ فَقَرَّرَهُمَا، فَإِذَا مَعَهُمَا كِتَابُ يَاطَسَ نَائِبِ عَمُّورِيَةَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يُعْلِمُهُ بِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْحِصَارِ، وَأَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَبْوَابِ الْبَلَدِ بِمَنْ مَعَهُ بَغْتَةً فَيُنَاجِزُ الْمُسْلِمِينَ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا
(14/255)

كَانَ. فَلَمَّا وَقَفَ الْمُعْتَصِمُ عَلَى ذَلِكَ أَمَرَ بِالْغُلَامَيْنِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمَا، وَأَنْ يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدُرَّةٍ، فَأَسْلَمَا مِنْ فَوْرِهِمَا، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُطَافَ بِهِمَا حَوْلَ الْبَلَدِ، وَعَلَيْهِمَا الْخُلَعُ، وَأَنْ يُوقَفَا تَحْتَ الْحِصْنِ الَّذِي فِيهِ يَاطَسُ، فَيُنْثَرَ عَلَيْهِمَا الدَّرَاهِمُ وَالْخُلَعُ، وَمَعَهُمَا الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبَ بِهِ يَاطَسُ مَعَهُمَا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، فَجَعَلَتْ الرُّومُ تَلْعَنُهُمَا وَتَسُبُّهُمَا. ثُمَّ أَمَرَ الْمُعْتَصِمُ عِنْدَ ذَلِكَ بِتَجْدِيدِ الْحَرَسِ وَالِاحْتِفَاظِ فِيهِ مِنْ خُرُوجِ الرُّومِ بَغْتَةً، فَضَاقَتْ الرُّومُ ذَرْعًا بِذَلِكَ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْحِصَارِ، وَقَدْ أَعَدَّ الْمُعْتَصِمُ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ الْكَثِيرَةَ وَالدَّبَّابَاتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ. وَلَمَّا رَأَى الْمُعْتَصِمُ عُمْقَ خَنْدَقِهَا، وَارْتِفَاعَ سُورِهَا عَمِلَ الْمَجَانِيقَ فِي مُقَاوَمَةِ سُورِهَا، وَكَانَ قَدْ غَنِمَ فِي الطَّرِيقِ غَنَمًا كَثِيرًا جِدًّا فَفَرَّقَهَا فِي النَّاسِ، وَقَالَ: لِيَأْكُلِ الرَّجُلُ الرَّأْسَ، وَلْيَجِىءْ بِمِلْءِ جِلْدِهِ تُرَابًا فَيَطْرَحُهُ فِي الْخَنْدَقِ. فَفَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَتَسَاوَى الْخَنْدَقُ بِوَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ كَثْرَةِ مَا طُرِحَ فِيهِ مِنَ الْأَغْنَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالتُّرَابِ، فَوُضِعَ فَوْقَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ طَرِيقًا مُمَهَّدًا، وَأَمَرَ بِالدَّبَّابَاتِ أَنْ تُوضَعَ فَوْقَهُ، فَلَمْ يُحْوِجِ اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ، وَبَيْنَمَا النَّاسُ فِي الْحَرَسِ إِذْ هَدَمَ الْمَنْجَنِيقُ ذَلِكَ
(14/256)

الْمَوْضِعَ الْمَعِيبَ مِنَ السُّورِ، فَلَمَّا سَقَطَ مَا بَيْنَ الْبُرْجَيْنِ سَمِعَ النَّاسُ هَدَّةً عَظِيمَةً، فَظَنَّهَا مَنْ لَمْ يَرَهَا أَنَّ الرُّومَ قَدْ خَرَجُوا عَلَى النَّاسِ بَغْتَةً، فَبَعَثَ الْمُعْتَصِمُ مَنْ يُنَادِي فِي النَّاسِ: إِنَّمَا ذَلِكَ سُقُوطُ السُّورِ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَّسِعُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْهُ الْجَيْشُ لِضِيقِهِ عَنْهُمْ، فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِالْمَجَانِيقِ الْمُتَفَرِّقَةِ فَجُمِعَتْ هُنَالِكَ وَنُصِبَتْ حَوْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي سَقَطَ، لِيُضْرَبَ بِهَا مَا حَوْلَهُ لِيَتَّسِعَ لِدُخُولِ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ. وَقَوِيَ الْحِصَارُ هُنَالِكَ جِدًّا، وَقَدْ وَكَّلَتِ الرُّومُ لِكُلِّ بُرْجٍ مِنْ أَبْرَاجِ السُّورِ أَمِيرًا يَحْفَظُهُ، وَاتَّفَقَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمِيرَ الَّذِي انْهَدَمَ مَا عِنْدَهُ مِنَ السُّورِ ضَعُفَ عَنْ مُقَاوَمَةِ مَا يَلْقَاهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَذَهَبَ إِلَى يَاطَسَ، فَسَأَلَهُ النَّجْدَةَ، فَامْتَنَعَ أَحَدٌ مِنَ الرُّومِ أَنْ يُنْجِدَهُ، وَقَالُوا: لَا نَتْرُكُ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ حِفْظِ أَمَاكِنِنَا الَّتِي عُيِّنَتْ لَنَا.
فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ خَرَجَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ لِيَجْتَمِعَ بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَمَرَ الْمُعْتَصِمُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْخُلُوا الْبَلَدَ مِنْ تِلْكَ الثَّغْرَةِ الَّتِي قَدِ انْهَدَمَتْ وَخَلَتْ مِنْ
(14/257)

الْمُقَاتِلَةِ، فَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ نَحْوَهَا، فَجَعَلَتِ الرُّومُ يُشِيرُونَ إِلَيْهِمْ لَا تَحْيَوْا، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى دِفَاعِهِمْ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ تَكَاثَرُوا عَلَيْهِمْ وَدَخَلُوا الْبَلَدَ قَهْرًا وَتَتَابَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا يُكَبِّرُونَ، وَتَفَرَّقَتِ الرُّومُ عَنْ أَمَاكِنِهَا، فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ حَيْثُ وَجَدُوهُمْ وَأَيْنَ ثَقِفُوهُمْ، وَقَدْ حَصَرُوهُمْ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ هَائِلَةٍ، فَفَتَحُوهَا قَسْرًا وَقَتَلُوا مَنْ فِيهَا قَهْرًا، وَأَحْرَقُوا عَلَيْهِمْ بَابَ الْكَنِيسَةِ فَأُحْرِقُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مَوْضِعٌ مُحَصَّنٌ سِوَى الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ النَّائِبُ وَهُوَ يَاطَسُ، فِي حِصْنٍ مَنِيعٍ، فَرَكِبَ الْمُعْتَصِمُ فَرَسَهُ وَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ بِحِذَاءِ الْحِصْنِ الَّذِي فِيهِ يَاطَسُ، فَنَادَاهُ الْمُنَادِي: وَيْحَكَ يَا يَاطَسُ، هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَاقِفٌ تُجَاهَكَ. فَقَالَ: لَيْسَ يَاطَسُ هَاهُنَا. مَرَّتَيْنِ. فَغَضِبَ الْمُعْتَصِمُ مِنْ ذَلِكَ وَوَلَّى، فَنَادَى يَاطَسُ: هَذَا يَاطَسُ، هَذَا يَاطَسُ. فَرَجَعَ الْخَلِيفَةُ وَنَصَبَ السَّلَالِمَ عَلَى الْحِصْنِ، وَطَلَعَتِ الرُّسُلُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ، انْزِلْ عَلَى حُكْمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَتَمَنَّعَ، ثُمَّ نَزَلَ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، فَوَضَعَ السَّيْفَ مِنْ
(14/258)

عُنُقِهِ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ حَتَّى أُوْقِفَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعْتَصِمِ، فَضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى مَضْرِبِ الْخَلِيفَةِ، فَمَشَى مُهَانًا إِلَى الْوِطَاقِ الَّذِي فِيهِ الْخَلِيفَةُ نَازِلٌ، فَأُوثِقَ هُنَاكَ، وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَمُّورِيَةَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً وَغَنَائِمَ لَا تُحَدُّ وَلَا تُوَصَفُ، فَحَمَلُوا مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ، وَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِإِحْرَاقِ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ، وَبِإِحْرَاقِ مَا هُنَالِكَ مِنَ الْمَجَانِيقِ وَالدَّبَّابَاتِ وَآلَاتِ الْحَرْبِ؛ لِئَلَّا يَتَقَوَّى بِهَا الرُّومُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، وَانْصَرَفَ رَاجِعًا عَنْهَا إِلَى نَاحِيَةِ طَرَسُوسَ فِي أَوَاخِرِ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتْ إِقَامَتُهُ عَلَى عَمُّورِيَةَ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا.

[مَقْتَلُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ]
ذِكْرُ مَقْتَلِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ
كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمَأْمُونِ مَعَ عَمِّهِ الْمُعْتَصِمِ فِي غَزَاةِ عَمُّورِيَةَ وَكَانَ عُجَيْفُ بْنُ عَنْبَسَةَ قَدْ نَدَّمَهُ إِذْ لَمْ يَأْخُذِ الْخِلَافَةَ بَعْدَ أَبِيهِ الْمَأْمُونِ حِينَ مَاتَ بِطَرَسُوسَ، وَلَامَهُ عَلَى مُبَايَعَتِهِ عَمَّهُ الْمُعْتَصِمَ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَجَابَهُ إِلَى الْفَتْكِ بِعَمِّهِ الْمُعْتَصِمِ، وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ مِنَ الْأُمَرَاءِ لَهُ، وَجَهَّزَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَكَانَ نَدِيمًا لِلْعَبَّاسِ، فَأَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ فِي الْبَاطِنِ، وَاسْتَوْثَقَ مِنْهُمْ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ يَلِي مَتَى مَا فَتَكَ بِعَمِّهِ، فَلْيَقْتُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِ الْمُعْتَصِمِ؛ كَالْأَفْشِينِ وَأَشْنَاسَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكِبَارِ، فَلَمَّا كَانُوا بِدَرْبِ الرُّومِ وَهُمْ قَاصِدُونَ إِلَى أَنْقِرَةَ وَمِنْهَا إِلَى عَمُّورِيَةَ أَشَارَ عُجَيْفٌ
(14/259)

عَلَى الْعَبَّاسِ أَنْ يَقْتُلَ عَمَّهُ فِي هَذَا الْمَضِيقِ، وَيَأْخُذَ لَهُ الْبَيْعَةَ، وَيَرْجِعَ إِلَى بَغْدَادَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُعَطِّلَ عَلَى النَّاسِ هَذِهِ الْغَزْوَةَ. فَلَمَّا فَتَحُوا عَمُّورِيَةَ وَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِالْمَغَانِمِ أَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتِكَ، فَوَعَدَهُ مَضِيقَ الدَّرْبِ إِذَا رَجَعُوا، فَلَمَّا رَجَعُوا فَطِنَ الْمُعْتَصِمُ بِالْخَبَرِ، فَأَمَرَ بِالِاحْتِفَاظِ وَقُوَّةِ الْحَرَسِ، وَأَخَذَ بِالْحَزْمِ وَاجْتَهَدَ فِي الْعَزْمِ، وَاسْتَدْعَى بِالْحَارِثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، فَاسْتَقَرَّهُ فَأَقَرَّ لَهُ بِجَلِيَّةِ الْأَمْرِ، وَأَنَّهُ أَخَذَ الْبَيْعَةَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ أَسْمَاهُمْ لَهُ، فَاسْتَكْثَرَهُمُ الْمُعْتَصِمُ، وَاسْتَدْعَى بِابْنِ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ فَقَيَّدَهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَأَهَانَهُ، ثُمَّ أَظْهَرَ لَهُ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ وَعَفَا عَنْهُ، فَأَرْسَلَهُ مِنَ الْقَيْدِ وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ اسْتَدْعَاهُ إِلَى حَضْرَتِهِ فِي مَجْلِسِ شَرَابِهِ، وَاسْتَخْلَاهُ حَتَّى سَقَاهُ وَاسْتَحْكَاهُ عَنِ الَّذِي كَانَ قَدْ دَبَّرَهُ مِنَ الْأَمْرِ، فَشَرَحَ لَهُ الْقَضِيَّةَ وَأَنْهَى لَهُ الْقِصَّةَ، فَإِذَا الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَ الْحَارِثُ السَّمَرْقَنْدِيُّ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اسْتَدْعَى بِالْحَارِثِ، فَأَخْلَاهُ وَسَأَلَهُ عَنِ الْقَضِيَّةِ ثَانِيًا، فَذَكَرَهَا لَهُ كَمَا ذَكَرَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، إِنِّي كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ أَجِدْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا بِصِدْقِكَ إِيَّايَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ. ثُمَّ أَمَرَ الْمُعْتَصِمُ حِينَئِذٍ بِابْنِ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ، فَقُيِّدَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْأَفْشِينِ وَأَمَرَ بِعُجَيْفٍ وَبَقِيَّةِ مَنْ ذَكَرَ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَاحْتِيطَ عَلَيْهِمْ وَأُحِيطَ بِهِمْ، ثُمَّ أَخَذَ فِي أَنْوَاعِ النِّقْمَاتِ يَقْتَرِحُهَا لَهُمْ، فَقَتَلَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِنَوْعٍ مِنَ الْقِتْلَاتِ، وَمَاتَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمَأْمُونِ بِمَنْبِجَ فَدُفِنَ هُنَاكَ، وَكَانَ سَبَبَ
(14/260)

مَوْتِهِ أَنَّهُ جَاعَ جُوعًا شَدِيدًا، ثُمَّ جِيءَ بِأَكْلٍ كَثِيرٍ، فَأَكَلَ وَطَلَبَ الْمَاءَ، فَمُنِعَ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ، وَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِلَعْنِهِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَسَمَّاهُ اللَّعِينَ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ وَلَدِ الْمَأْمُونِ أَيْضًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، وَفُتِحَتْ فِيهَا عَمُّورِيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَتُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ قُتِلَ وَصُلِبَ كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا. وَخَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، كَاتِبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْعَوَقِيُّ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ.
(14/261)

[سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ آمُلِ طَبَرِسْتَانَ يُقَالُ لَهُ: مَازَيَارُ بْنُ قَارَنَ بْنِ وِنْدَاهُرْمُزَ، وَكَانَ لَا يَرْضَى أَنْ يَدْفَعَ الْخَرَاجَ إِلَى نَائِبِ خُرَاسَانَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، بَلْ يَبْعَثُهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ لِيَقْبِضَهُ مِنْهُ، فَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ مَنْ يَتَلَقَّى الْحِمْلَ إِلَى بَعْضِ الْبِلَادِ فَيَقْبِضُهُ مِنْهُ ثُمَّ يَدْفَعُهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ ثُمَّ تَوَثَّبَ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، وَأَظْهَرَ الْمُخَالَفَةَ لِلْمُعْتَصِمِ. وَقَدْ كَانَ الْمَازَيَارُ هَذَا مِمَّنْ يُكَاتِبُ بَابَكَ الْخُرَّمِيَّ وَيَعِدُهُ بِالنَّصْرِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الَّذِي قَوَّى رَأْسَ الْمَازَيَارِ هُوَ الْأَفْشِينُ؛ لِيُعْجِزَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ فَيُوَلِّيهِ الْمُعْتَصِمُ بِلَادَ خُرَاسَانَ مَكَانَهُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ أَخَا إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ طَوِيلَةٌ اسْتَقْصَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ أَنْ أُسِرَ الْمَازَيَارُ وَحُمِلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فَاسْتَقَرَّهُ عَنِ الْكُتُبِ الَّتِي بَعَثَهَا
(14/262)

إِلَيْهِ الْأَفْشِينُ فَأَقَرَّ بِهَا، فَأَرْسَلَهُ نَحْوَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَعَهُ مِنْ أَمْوَالِهِ الَّتِي اصْطُفِيَتْ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ وَالثِّيَابِ، فَلَمَّا أُوْقِفَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ سَأَلَهُ عَنْ كُتُبِ الْأَفْشِينِ إِلَيْهِ فَأَنْكَرَهَا فَأَمَرَ بِهِ، فَضُرِبَ بِالسِّيَاطِ حَتَّى مَاتَ وَصُلِبَ إِلَى جَانِبِ بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ عَلَى جِسْرِ بَغْدَادَ وَقُتِلَ عُيُونُ أَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَزَوَّجَ الْحَسَنُ بْنُ الْأَفْشِينِ بِأُتْرُجَّةَ بِنْتِ أَشْنَاسَ، وَدَخَلَ بِهَا فِي قَصْرِ الْمُعْتَصِمِ بِسَامَرَّا فِي جُمَادَى، وَكَانَ عُرْسًا عَظِيمًا، وَلِيَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُعْتَصِمُ بِنَفْسِهِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُخَضِّبُونَ لِحَى الْعَامَّةِ بِالْغَالِيَةِ.
وَفِيهَا خَرَجَ مَنْكَجُورُ الْأُشْرُوسَنِيُّ قُرَابَةَ الْأَفْشِينِ بِأَرْضِ أَذْرَبِيجَانَ وَخَلَعَ الطَّاعَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَفْشِينَ كَانَ قَدِ اسْتَنَابَهُ عَلَى بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ حِينَ فَرَغَ مِنْ أَمْرِ بَابَكَ، فَظَفِرَ مَنْكَجُورُ بِمَالٍ عَظِيمٍ مَخْزُونٍ لِبَابَكَ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، فَاحْتَجَبَهُ لِنَفْسِهِ وَأَخْفَاهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ وَظَهَرَ عَلَى ذَلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَكَاتَبَ الْخَلِيفَةَ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ مَنْكَجُورُ
(14/263)

يُكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ، وَهَمَّ بِهِ لِيَقْتُلَهُ فَامْتَنَعَ مِنْهُ بِأَهْلِ أَرْدَبِيلَ فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْخَلِيفَةُ كَذِبَ مَنْكَجُورَ بَعَثَ إِلَيْهِ بُغَا الْكَبِيرَ فَحَارَبَهُ وَأَخَذَهُ بِالْأَمَانِ، وَجَاءَ بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ يَاطَسُ الرُّومِيُّ الَّذِي كَانَ نَائِبًا عَلَى عَمُّورِيَةَ حِينَ فَتَحَهَا الْمُعْتَصِمُ وَنَزَلَ مِنْ حِصْنِهِ عَلَى حُكْمِ الْمُعْتَصِمِ، فَأَخَذَهُ مَعَهُ أَسِيرًا، فَاعْتَقَلَهُ بِسَامَرَّا حَتَّى تُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ.
وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ، عَمُّ الْمُعْتَصِمِ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ شَكْلَةَ، وَقَدْ كَانَ أَسْوَدَ اللَّوْنِ، ضَخْمًا فَصِيحًا فَاضِلًا، قَالَ ابْنُ مَاكُولَا: وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: التِّنِّينُ يَعْنِي لِسَوَادِهِ وَقَدْ تَرْجَمَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ تَرْجَمَةً حَافِلَةً، وَذَكَرَ أَنَّهُ وَلِيَ إِمْرَةَ دِمَشْقَ نِيَابَةً عَنْ أَخِيهِ الرَّشِيدِ مُدَّةَ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا، ثُمَّ أُعِيدَ إِلَيْهَا الثَّانِيَةَ، وَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعَ سِنِينَ، وَذَكَرَ مِنْ عَدْلِهِ وَصَرَامَتِهِ أَشْيَاءَ حَسَنَةً، وَأَنَّهُ أَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ وَكَانَ قَدْ بَايَعَهُ أَهْلُ بَغْدَادَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ الْمَأْمُونِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ
(14/264)

وَمِائَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ قَاتَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ نَائِبُ بَغْدَادَ فَهَزَمَهُ إِبْرَاهِيمُ فَقَصَدَهُ حُمَيْدٌ الطُّوسِيُّ فَهَزَمَ إِبْرَاهِيمَ، وَاخْتَفَى إِبْرَاهِيمُ بِبَغْدَادَ حِينَ قَدِمَهَا الْمَأْمُونُ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الْمَأْمُونُ سَنَةَ عَشْرٍ، فَعَفَا عَنْهُ وَأَكْرَمَهُ وَاسْتَمَرَّ بِهِ فِي مَنْزِلَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ عَلَى بَغْدَادَ وَمُعَامَلَتِهَا سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ بَدْءُ اخْتِفَائِهِ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ اخْتِفَائِهِ سِتَّ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَكَانَ الظَّفَرُ بِهِ فِي ثَالِثَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ، وَقَدْ جَرَتْ لَهُ فِي اخْتِفَائِهِ هَذَا أُمُورٌ عَجِيبَةٌ يَطُولُ بَسْطُهَا.
قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ وَافِرَ الْفَضْلِ، غَزِيرَ الْأَدَبِ، وَاسِعَ النَّفْسِ، سَخِيَّ الْكَفِّ، وَكَانَ مَعْرُوفَا بِصِنْعَةِ الْغِنَاءِ، حَاذِقًا بِهَا، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ أَنَّهُ قَلَّ الْمَالُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ بِبَغْدَادَ فَأَلَحَّ الْأَعْرَابُ عَلَيْهِ فِي أُعْطِيَاتِهِمْ، فَجَعَلَ يُسَوِّفُ بِهِمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُهُ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا مَالَ عِنْدَهُ الْيَوْمَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلْيَخْرُجِ الْخَلِيفَةُ إِلَيْنَا، فَلْيُغَنِّ لِأَهْلِ هَذَا الْجَانِبِ ثَلَاثَةَ أَصْوَاتٍ، وَلِلْجَانِبِ الْآخَرِ ثَلَاثَةَ أَصْوَاتٍ. فَقَالَ فِي ذَلِكَ دِعْبِلُ بْنُ عَلِيٍّ شَاعِرُ الْمَأْمُونِ يَذُمُّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ فِي ذَلِكَ:
(14/265)

يَا مَعْشَرَ الْأَعْرَابِ لَا تَقْنَطُوا ... خُذُوا عَطَايَاكُمْ وَلَا تَسْخَطُوا
فَسَوْفَ يُعْطِيكُمْ حُنَيْنِيَّةً ... لَا تَدْخُلُ الْكِيسَ وَلَا تُرْبَطُ
وَالْمَعْبَدِيَّاتُ لِقُوَّادِكُمْ ... وَمَا بِهَذَا أَحَدٌ يُغْبَطُ
فَهَكَذَا يَرْزُقُ أَصْحَابَهُ ... خَلِيفَةٌ مُصْحَفُهُ الْبَرْبَطُ
وَكَتَبَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ الْمَأْمُونِ حِينَ طَالَ عَلَيْهِ الِاخْتِفَاءُ: وَلِيُّ الثَّأْرِ مُحَكَّمٌ فِي الْقِصَاصِ، وَالْعَفْوُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عَفْوٍ، كَمَا جَعَلَ كُلَّ ذِي ذَنْبٍ دُونَهُ فَإِنْ عَفَا فَبِفَضْلِهِ، وَإِنْ عَاقَبَ فَبِحَقِّهِ.
فَوَقَّعَ الْمَأْمُونُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ: الْقُدْرَةُ تُذْهِبُ الْحَفِيظَةَ، وَكَفَى بِالنَّدَمِ إِنَابَةً، وَعَفْوُ اللَّهِ أَوْسَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَلَمَّا دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ أَنْشَأَ يَقُولُ:
إِنْ أَكُنْ مُذْنِبًا فَحَظِّيَ أَخْطَأْ ... تُ فَدَعْ عَنْكَ كَثْرَةَ التَّأْنِيبْ
قُلْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِبَنِي يعَ ... قُوبَ لَمَّا أَتَوْهُ لَا تَثْرِيبْ
فَقَالَ الْمَأْمُونُ: لَا تَثْرِيبَ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ لَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ
(14/266)

شَرَعَ يُؤَنِّبُهُ عَلَى مَا فَعَلَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَضَرْتَ أَبِي وَهُوَ جَدُّكَ وَقَدْ أُتِيَ بِرَجُلٍ ذَنْبُهُ أَعْظَمُ مِنْ ذَنْبِي، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤَخِّرَ قَتْلَ هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى أُحَدِّثَكَ حَدِيثًا. فَقَالَ: قُلْ. فَقَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: أَلَا لِيَقُمِ الْعَافُونَ مِنَ الْخُلَفَاءِ إِلَى أَكْرَمِ الْجَزَاءِ، فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا» فَقَالَ الْمَأْمُونُ: قَدْ قَبِلْتُ هَذَا الْحَدِيثَ بِقَبُولِهِ، وَعَفَوْتُ عَنْكَ يَا عَمِّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ زِيَادَةً عَلَى هَذَا. وَقَدْ كَانَتْ أَشْعَارُهُ جَيِّدَةً بَلِيغَةً، سَامَحَهُ اللَّهُ، وَقَدْ سَاقَ مِنْ ذَلِكَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ " أَشْيَاءَ حَسَنَةً كَثِيرَةً.
كَانَ مَوْلِدُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ هَذَا فِي مُسْتَهَلِّ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ أَيْضًا: سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمِصْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو مَعْمَرٍ الْمُقْعَدُ.
(14/267)

وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ الْأَخْبَارِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ فِي زَمَانِهِ، وَعَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ تَزَوَّجَ هَذَا الرَّجُلَ أَلْفَ امْرَأَةٍ.
وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْمَشْهُورَةُ الْمُنْتَشِرَةُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ كَتَبَ كِتَابَهُ فِي الْغَرِيبِ بِيَدِهِ. وَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ رَتَّبَ لَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَجْرَاهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّ ابْنَ طَاهِرٍ اسْتَحْسَنَهُ، وَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لِعَقْلٍ بَعَثَ صَاحِبَهُ عَلَى تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يُحْوَجَ صَاحِبُهُ إِلَى طَلَبِ الْمَعَاشِ. وَأَجْرَى لَهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ الْمِسْعَرِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ يَقُولُ: مَكَثْتُ فِي تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقَالَ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيُّ: مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ؛
(14/268)

بِالشَّافِعِيِّ تَفَقَّهَ فِي الْحَدِيثِ، وَبِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَبَتَ فِي الْمِحْنَةِ، وَبِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ نَفَى الْكَذِبَ عَنِ الْحَدِيثِ، وَبِأَبِي عُبَيْدٍ، فَسَّرَ غَرِيبَ الْحَدِيثِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاقْتَحَمَ النَّاسُ فِي الْخَطَأِ.
وَذَكَرَ ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِطَرَسُوسَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَذَكَرَ لَهُ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَقَدْ رَوَى الْعَرَبِيَّةَ عَلَى أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَالْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، وَالْفَرَّاءِ، وَالْكِسَائِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: نَحْنُ نَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْنَا.
وَقَدِمَ بَغْدَادَ وَسَمِعَ النَّاسُ مِنْهُ مِنْ تَصَانِيفِهِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: كَانَ كَأَنَّهُ جَبَلٌ نُفِخَ فِيهِ رُوحٌ يُحْسِنُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي: كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ فَاضِلًا دَيِّنًا رَبَّانِيًّا عَالِمًا
(14/269)

مُتَفَنِّنًا فِي أَصْنَافِ عُلُومِ الْإِسْلَامِ؛ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَخْبَارِ، حَسَنَ الرِّوَايَةِ، صَحِيحَ النَّقْلِ، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا طَعَنَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ وَكُتُبِهِ.
وَلَهُ كِتَابُ " الْأَمْوَالِ "، وَكِتَابُ " فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ " وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا، رَحِمَهُ اللَّهُ.
تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبْلَهَا بِمَكَّةَ، وَقِيلَ: بِالْمَدِينَةِ، وَلَهُ سَبْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقِيلَ: جَاوَزَ السَّبْعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو الْجَمَاهِرِ الدِّمَشْقِيُّ الْكَفْرَسُوسِيُّ، أَحَدُ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ أَبُو النُّعْمَانِ السَّدُوسِيُّ، الْمُلَقَّبُ بِعَارِمٍ، شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الْجُرْجُسِيُّ
(14/270)

الْحِمْصِيُّ، شَيْخُهَا فِي زَمَانِهِ.
(14/271)

[سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا دَخَلَ بُغَا الْكَبِيرُ وَمَعَهُ مَنْكَجُورُ، قَدْ أَعْطَى الطَّاعَةَ بِالْأَمَانِ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْمُعْتَصِمُ جَعْفَرَ بْنَ دِينَارٍ عَنْ نِيَابَةِ الْيَمَنِ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ، وَوَلَّى الْيَمَنَ إِيتَاخَ.
وَفِيهَا وَجَّهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ بِالْمَازَيَارِ، فَدَخَلَ بَغْدَادَ عَلَى بَغْلٍ بِإِكَافٍ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، فَضَرَبَهُ الْمُعْتَصِمُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَرْبَعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَوْطًا ثُمَّ سُقِيَ الْمَاءَ حَتَّى مَاتَ، وَأَمَرَ بِصَلْبِهِ إِلَى جَنْبِ بَابَكَ الْخُرَّمِيَّ وَأَقَرَّ فِي ضَرْبِهِ أَنَّ الْأَفْشِينَ كَانَ يُكَاتِبُهُ وَيُحَسِّنُ لَهُ خَلْعَ الطَّاعَةِ، فَغَضِبَ الْمُعْتَصِمُ عَلَى الْأَفْشِينِ وَأَمَرَ بِسَجْنِهِ، فَبُنِيَ لَهُ مَكَانٌ كَالْمَنَارَةِ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ يُسَمَّى الْكَوَّةَ، إِنَّمَا يَسَعُهُ فَقَطْ، وَذَلِكَ حِينَ تَحَقَّقَ الْخَلِيفَةُ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مُخَالَفَتَهُ وَالْخُرُوجَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَعْزِمُ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى بِلَادِ الْخَزَرِ لِيَسْتَجِيشَ بِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَعَاجَلَهُ الْخَلِيفَةُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَقَدَ لَهُ الْمُعْتَصِمُ مَجْلِسًا فِيهِ قَاضِيهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُوَادَ الْمُعْتَزِلِيُّ، وَوَزِيرُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ،
(14/272)

وَنَائِبُهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ، فَاتُّهِمَ الْأَفْشِينُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ بِأَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى دِينِ أَجْدَادِهِ مِنَ الْفُرْسِ؛ مِنْهَا أَنَّهُ غَيْرُ مُخْتَتِنٍ، فَاعْتَذَرَ أَنَّهُ يَخَافُ أَلَمَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُنَاظِرُهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ: فَأَنْتَ تُطَاعِنُ بِالرِّمَاحِ فِي الْحُرُوبِ وَلَا تَخَافُ مِنْ طَعْنِهَا، وَتَخَافُ مِنْ قَطْعِ قُلْفَةٍ بِبَدَنِكَ؟ ! وَمِنْهَا أَنَّهُ ضَرَبَ رَجُلَيْنِ إِمَامًا وَمُؤَذِّنًا، كُلَّ وَاحِدٍ أَلْفَ سَوْطٍ؛ لِأَنَّهُمَا هَدَمَا بَيْتَ أَصْنَامٍ فَاتَّخَذَاهُ مَسْجِدًا، وَأَنَّهُ عِنْدَهُ كِتَابُ " كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ " وَفِيهِ الْكُفْرُ، وَهُوَ مُحَلَّى بِالْجَوَاهِرِ، وَالذَّهَبِ، فَاعْتَذَرَ أَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ آبَائِهِ، وَاتُّهِمَ بِأَنَّ الْأَعَاجِمَ يُكَاتِبُونَهُ فَتَقُولُ: إِلَى إِلَهِ الْآلِهَةِ مِنْ عَبِيدِهِ، وَأَنَّهُ يُقِرُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ بِأَنَّهُ أَجْرَاهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يُكَاتِبُونَ بِهِ آبَاءَهُ وَأَجْدَادَهُ وَخَافَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِتَرْكِ ذَلِكَ فَيَتَّضِعَ عِنْدَهُمْ. فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ: وَيْحَكَ، فَمَاذَا أَبْقَيْتَ لِفِرْعَوْنَ حِينَ قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى؟ وَأَنَّهُ كَانَ يُكَاتِبُ الْمَازَيَارَ بِأَنْ يَخْرُجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَأَنَّهُ فِي ضِيقٍ حَتَّى يَنْصُرَ دِينَ الْمَجُوسِ الَّذِي كَانَ قَدِيمًا، وَيُظْهِرَهُ عَلَى دِينِ الْعَرَبِ وَالْمَغَارِبَةِ وَالْأَتْرَاكِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَطِيبُ الْمُنْخَنِقَةَ عَلَى الْمَذْبُوحَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي كُلِّ يَوْمِ أَرْبِعَاءَ يَسْتَدْعِي بِشَاةٍ سَوْدَاءَ، فَيَضْرِبُهَا بِالسَّيْفِ نِصْفَيْنِ، وَيَمْشِي بَيْنَهُمَا ثُمَّ يَأْكُلُهُمَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بُغَا الْكَبِيرَ أَنْ يَسْجُنَهُ مُهَانًا ذَلِيلًا، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ أَتَوَقَّعُ مِنْكُمْ ذَلِكَ.
(14/273)

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْحَسَنَ بْنَ الْأَفْشِينِ وَزَوْجَتَهُ أُتْرُجَّةَ بِنْتَ أَشْنَاسَ إِلَى سَامَرَّا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ.
وَسَعْدَوَيْهِ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ الْبِيكَنْدِيُّ، شَيْخُ الْبُخَارِيِّ.
وَأَبُو عُمَرَ الْجَرْمِيُّ.
وَأَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ.
وَأَبُو دُلَفٍ الْعِجْلِيُّ التَّمِيمِيُّ الْأَمِيرُ.
أَحَدُ الْأَجْوَادِ.
وَسَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ الْأَوْسَطُ الْبَلْخِيُّ ثُمَّ الْبَصْرِيُّ
(14/274)

النَّحْوِيُّ.
أَخَذَ النَّحْوَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وَصَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً؛ مِنْهَا كِتَابٌ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَكِتَابُ " الْأَوْسَطِ " فِي النَّحْوِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَهُ كِتَابٌ فِي الْعَرُوضِ زَادَ فِيهِ بَحْرَ الْخَبَبِ عَلَى الْخَلِيلِ.
وَسُمِّيَ الْأَخْفَشُ لِصِغَرِ عَيْنَيْهِ وَضَعْفِ بَصَرِهِ، وَكَانَ أَيْضًا أَجْلَعَ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَنْضَمُّ شَفَتَاهُ عَلَى أَسْنَانِهِ، كَانَ أَوَّلًا يُقَالُ لَهُ: الْأَخْفَشُ الصَّغِيرُ. بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَخْفَشِ الْكَبِيرِ أَبِي الْخَطَّابِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْهَجَرِيِّ، شَيْخِ سِيبَوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، فَلَمَّا ظَهَرَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ وَلُقِّبَ بِالْأَخْفَشِ أَيْضًا صَارَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ هُوَ الْأَوْسَطُ، وَالْهَجَرِيُّ الْأَكْبَرُ، وَعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَصْغَرُ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ.
الْجَرْمِيُّ النَّحْوِيُّ
وَهُوَ صَالِحُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَنَاظَرَ بِهَا الْفَرَّاءَ وَكَانَ قَدْ أَخَذَ
(14/275)

النَّحْوَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَبِي زَيْدٍ، وَالْأَصْمَعِيِّ، وَصَنَّفَ كُتُبًا مِنْهَا: " الْفَرْخُ " يَعْنِي فَرْخَ " كِتَابِ سِيبَوَيْهِ " " وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا نَحْوِيًّا بَارِعًا عَالِمًا بِاللُّغَةِ حَافِظًا لَهَا، دَيِّنًا وَرِعًا، حَسَنَ الْمَذْهَبِ، صَحِيحَ الِاعْتِقَادِ، وَرَوَى الْحَدِيثَ. قَالَهُ كُلَّهُ ابْنُ خِلِّكَانَ، وَرَوَى عَنْهُ الْمُبَرِّدُ وَذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " " تَارِيخِ أَصْبَهَانَ " ".
(14/276)

[سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي شَعْبَانَ مِنْهَا تُوُفِّيَ الْأَفْشِينُ فِي الْحَبْسِ، فَأَمَرَ بِهِ الْمُعْتَصِمُ، فَصُلِبَ، ثُمَّ أُحْرِقَ، وَذُرِّيَ رَمَادُهُ فِي دِجْلَةَ، وَاحْتِيطَ عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، فَوَجَدُوا فِيهَا أَصْنَامًا مُكَلَّلَةً بِذَهَبٍ وَجَوَاهِرَ، وَكُتُبًا فِي فَضْلِ دِينِ الْمَجُوسِ، وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً كَانَ يُتَّهَمُ بِهَا، تَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِ وَزَنْدَقَتِهِ، وَيَتَحَقَّقُ بِسَبَبِهَا مَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنَ الِانْتِمَاءِ إِلَى دِينِ آبَائِهِ الْمَجُوسِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنْ سَادَاتِ الْمُحَدِّثِينَ:
إِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ،
(14/277)

وَسُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ، وَغَسَّانُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، شَيْخُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ.
وَأَبُو دُلَفٍ الْعِجْلِيُّ الْقَاسِمُ بْنُ عِيسَى بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ شَيْخِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خُزَاعِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ دُلَفِ بْنِ جُشَمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عِجْلِ بْنِ لُجَيْمٍ، الْأَمِيرُ أَبُو دُلَفٍ الْعِجْلِيُّ أَحَدُ قُوَّادِ الْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَصِمِ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَاكُولَا صَاحِبُ كِتَابِ " الْإِكْمَالِ ".
وَكَانَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ خَطِيبُ دِمَشْقَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ سُلَالَتِهِ، وَيَذْكُرُ نَسَبَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو دُلَفٍ هَذَا كِرِيمًا جَوَادًا مِعْطَاءً مُمَدَّحًا، قَدْ قَصَدَهُ الشُّعَرَاءُ مَنْ كُلِّ أَوْبٍ، وَكَانَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَغْشَاهُ وَيَسْتَمْنِحُ نَدَاهُ، وَكَانَتْ لَدَيْهِ فَضِيلَةٌ فِي الْأَدَبِ وَالْغِنَاءِ، وَصَنَّفَ كُتُبًا؛ مِنْهَا
(14/278)

" سِيَاسَةُ الْمُلُوكِ "، وَمِنْهَا فِي " الصَّيْدِ وَالْبُزَاةِ "، وَفِي " السِّلَاحِ "، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ فِيهِ بَكْرُ بْنُ النَّطَّاحِ الشَّاعِرُ:
يَا طَالَبًا لِلْكِيمْيَاءِ وَعِلْمِهِ ... مَدْحُ ابْنُ عِيسَى الْكِيمْيَاءُ الْأَعْظَمُ
لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا دِرْهَمٌ ... وَمَدَحْتَهُ لَأَتَاكَ ذَاكَ الدِّرْهَمُ
فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَعْطَاهُ عَلَى ذَلِكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ. وَكَانَ شُجَاعًا فَاتِكًا، وَمِعْطَاءً لَا يَمَلُّ مِنَ الْعَطَاءِ، وَكَانَ يَسْتَدِينُ عَلَى ذِمَّتِهِ وَيُعْطِي، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ شَرَعَ فِي بِنَاءِ مَدِينَةِ الْكَرَجِ، فَمَاتَ وَلَمْ يُتِمَّهَا، فَأَتَمَّهَا أَبُو دُلَفٍ هَذَا، وَكَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مُغَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ، فَهُوَ وَلَدُ زِنَا. فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ دُلَفٌ: لَسْتُ عَلَى مَذْهَبِكُ يَا أَبَهْ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ وَطِئْتُ أُمَّكَ قَبْلَ أَنْ أَسْتَبْرِئَهَا، فَهَذَا مِنْ ذَاكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّ وَلَدَهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ أَنَّ آتِيًا أَتَاهُ، فَقَالَ: أَجِبِ الْأَمِيرَ. قَالَ: فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَدْخَلَنِي دَارًا وَحْشَةً وَعْرَةً سَوْدَاءَ الْحِيطَانِ مُقَلَّعَةَ السُّقُوفِ، وَالْأَبْوَابِ، وَأَصْعَدَنِي فِي دَرَجٍ مِنْهَا ثُمَّ أَدْخَلَنِي غُرْفَةً فِي حِيطَانِهَا أَثَرُ النِّيرَانِ، وَفِي أَرْضِهَا أَثَرُ الرَّمَادِ، وَإِذَا بِأَبِي فِيهَا وَهُوَ عُرْيَانٌ وَاضِعٌ رَأْسَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ لِي كَالْمُسْتَفْهِمِ: دُلَفٌ؟ فَقُلْتُ: دُلَفٌ. فَأَنْشَأَ
(14/279)

يَقُولُ:
أَبْلِغَنْ أَهْلَنَا وَلَا تُخْفِ عَنْهُمْ ... مَا لَقِينَا فِي الْبَرْزَخِ الْخَنَّاقِ
قَدْ سُئِلْنَا عَنْ كُلِّ مَا قَدْ فَعَلْنَا ... فَارْحَمُوا وَحْشَتِي وَمَا قَدْ أُلَاقِي
ثُمَّ قَالَ: أَفَهِمْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. ثُمَّ:
فَلَوْ أَنَّا إِذَا مِتْنَا تُرِكْنَا ... لَكَانَ الْمَوْتُ رَاحَةَ كُلِّ حَيِّ
وَلَكِنَّا إِذَا مِتْنَا بُعِثْنَا ... وَنُسْأَلُ بَعْدَهُ عَنْ كُلِّ شَيِّ
ثُمَّ قَالَ: أَفَهِمْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. وَانْتَبَهْتُ.
(14/280)

[سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْغَوْرِ بِالشَّامِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو حَرْبٍ الْمُبَرْقَعُ الْيَمَانِيُّ. فَخَلَعَ الطَّاعَةَ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ سَبَبَ خُرُوجِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْجُنْدِ أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ فِي مَنْزِلِهِ وَذَلِكَ فِي غَيْبَةِ أَبِي حَرْبٍ، فَمَانَعَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَضَرَبَهَا الْجُنْدِيُّ فِي يَدِهَا فَأَثَّرَتِ الضَّرْبَةُ فِي مِعْصَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ بَعْلُهَا أَبُو حَرْبٍ أَخْبَرَتْهُ، فَذَهَبَ إِلَى الْجُنْدِيِّ وَهُوَ غَافِلٌ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ تَحَصَّنَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ وَهُوَ مُبَرْقَعٌ، فَإِذَا جَاءَهُ أَحَدٌ دَعَاهُ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَذُمُّ مِنَ السُّلْطَانِ، فَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْحَرَّاثِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالُوا: هَذَا هُوَ السُّفْيَانِيُّ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الشَّامَ. وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ جِدًّا، وَاتَّبَعَهُ نَحْوٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَنَفَّذَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَصِمُ وَهُوَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ جَيْشًا نَحْوًا مِنْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ الْأَمِيرُ وَجَدَ أُمَّةً كَثِيرَةً قَدِ اجْتَمَعُوا حَوْلَهُ فَخَشِيَ أَنْ يُنَاجِزَهُ،
(14/281)