Advertisement

البداية والنهاية ط هجر 027



الكتاب: البداية والنهاية
المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي
الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة: الأولى، 1418 هـ - 1997 م
سنة النشر: 1424هـ / 2003م
عدد الأجزاء:21 (20 ومجلد فهارس)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَانْتَظَرَ حَتَّى جَاءَ وَقْتُ حَرْثِ الْأَرَاضِي، فَتَصَرَّمَ عَنْهُ النَّاسُ إِلَى أَرَاضِيهِمْ، وَبَقِيَ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَنَاهَضَهُ، فَأَسَرَهُ جَيْشُ الْخَلِيفَةِ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَحَمَلَهُ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ وَهُوَ رَجَاءُ بْنُ أَيُّوبَ حَتَّى قَدِمَ بِهِ عَلَى الْمُعْتَصِمِ، فَلَامَهُ الْمُعْتَصِمُ فِي تَأَخُّرِهِ عَنْ مُنَاجَزَتِهِ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الشَّامَ فَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَلَمْ يَزَلْ يُطَاوِلُهُ حَتَّى أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ. فَشَكَرَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتَهُ مَبْسُوطَةً الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنَ الْكُنَى.

[وَفَاةُ الْمُعْتَصِمِ]
[فُتُوحَاتُ بِلَادِ بَابَكَ عَلَى يَدِ الْمُعْتَصِمِ]
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُعْتَصِمِ
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِسَاعَتَيْنِ مَضَتَا مِنْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَفَاةُ أَبِي إِسْحَاقَ مُحَمَّدٍ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ.
(14/282)

[تَرْجَمَةُ الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَصِمِ]
وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَصِمِ
هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدٌ الْمُعْتَصِمُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ الرَّشِيدِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدٍ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، يُقَالُ لَهُ: الْمُثَمَّنُ. لِوُجُوهٍ؛ مِنْهَا أَنَّهُ ثَامِنُ وَلَدِ الْعَبَّاسِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ ثَامِنُ الْخُلَفَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ فَتَحَ ثَمَانِيَ فُتُوحَاتٍ؛ بِلَادَ بَابَكَ عَلَى يَدِ الْأَفْشِينِ وَعَمُّورِيَةَ بِنَفْسِهِ، وَالزُّطَّ بِعُجَيْفٍ، وَبَحْرَ الْبَصْرَةِ وَقَلْعَةَ الْأَجْرَافِ، وَأَعْرَابَ دِيَارِ رَبِيعَةَ، وَالشَّارَكَ، وَفَتَحَ مِصْرَ بَعْدَ عِصْيَانِهَا، وَقَتَلَ ثَمَانِيَةَ أَعْدَاءٍ: بَابَكَ، وَمَازَايَارَ، وَيَاطَسَ الرُّومِيَّ، وَالْأَفْشِينَ، وَعُجَيْفًا، وَقَارَنَ، وَقَائِدَ الرَّافِضَةِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ أَقَامَ فِي الْخِلَافَةِ ثَمَانِيَ سِنِينَ، وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: وَيَوْمَيْنِ. وَأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ فِي شَعْبَانَ، وَهُوَ الشَّهْرُ الثَّامِنُ، وَأَنَّهُ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنْ
(14/283)

الْعُمُرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَمِنْهَا أَنَّهُ خَلَّفَ ثَمَانِيَةَ بَنِينَ وَثَمَانِيَ بَنَاتٍ، وَمِنْهَا أَنَّهُ دَخَلَ بَغْدَادَ مِنَ الشَّامِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ فِي مُسْتَهَلِّ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَمِائَتَيْنِ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ، بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ الْمَأْمُونِ بِطَرَسُوسَ، كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالُوا: وَكَانَ أُمِّيًّا لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ مَعَهُ إِلَى الْكُتَّابِ غُلَامٌ، فَمَاتَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ الرَّشِيدُ: مَا فَعَلَ غُلَامُكَ؟ قَالَ: مَاتَ وَاسْتَرَاحَ مِنَ الْكُتَّابِ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ الرَّشِيدُ: وَقَدْ بَلَغَ مِنْكَ كَرَاهَةُ الْكُتَّابِ إِلَى أَنْ تَجْعَلَ الْمَوْتَ رَاحَةً مِنْهُ؟ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ لَا تَذْهَبُ إِلَى الْكُتَّابِ بَعْدَهَا. فَتَرَكُوهُ فَكَانَ أُمِّيًّا، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ يَكْتُبُ كِتَابَةً ضَعِيفَةً.
وَقَدْ أَسْنَدَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ آبَائِهِ حَدِيثَيْنِ مُنْكَرَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا فِي ذَمِّ بَنِي أُمَيَّةَ، وَمَدْحِ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَالثَّانِي فِي النَّهْيِ عَنِ الْحِجَامَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ.
وَذَكَرَ بِسَنَدِهِ عَنِ الْمُعْتَصِمِ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يَتَهَدَّدُهُ فِيهِ،
(14/284)

فَقَالَ لِلْكَاتِبِ: اكْتُبْ: قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَسَمِعْتُ خِطَابَكَ، وَالْجَوَابُ مَا تَرَى لَا مَا تَسْمَعُ، " وَسَيَعْلَمُ الْكَافِرُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ".
قَالَ الْخَطِيبُ: غَزَا الْمُعْتَصِمُ بِلَادَ الرُّومِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَأَنْكَى نِكَايَةً عَظِيمَةً فِي الْعَدُوِّ، وَنَصَبَ عَلَى عَمُّورِيَةَ الْمَجَانِيقَ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا حَتَّى فَتَحَهَا وَدَخَلَهَا فَقَتَلَ فِيهَا ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَسَبَى مِثْلَهُمْ، وَكَانَ فِي سَبْيِهِ سِتُّونَ بِطْرِيقًا، وَطَرَحَ النَّارَ فِي عَمُّورِيَةَ مِنْ سَائِرِ نَوَاحِيهَا فَأَحْرَقَهَا وَجَاءَ بِبَابِهَا إِلَى الْعِرَاقِ وَهُوَ بَاقٍ حَتَّى الْآنَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَحَدِ أَبْوَابِ دَارِ الْخِلَافَةِ مِمَّا يَلِي الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ فِي الْقَصْرِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دَاوُدَ الْقَاضِي، أَنَّهُ قَالَ: رُبَّمَا أَخْرَجَ الْمُعْتَصِمُ سَاعِدَهُ إِلَيَّ، وَقَالَ لِي: عَضَّ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بِكُلِّ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَأَقُولُ: إِنَّهُ لَا تَطِيبُ نَفْسِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَضُرُّنِي. فَأَكْدُمُ بِكُلِّ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي يَدِهِ.
قَالَ: وَمَرَّ يَوْمًا فِي خِلَافَةِ أَخِيهِ بِمُخَيَّمِ الْجُنْدِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَقُولُ: ابْنِي ابْنِي.
(14/285)

فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ فَقَالَتْ: ابْنِي أَخَذَهُ صَاحِبُ هَذِهِ الْخَيْمَةِ. فَجَاءَ إِلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ، فَقَالَ لَهُ: أَطْلِقْ هَذَا الصَّبِيَّ. فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ، فَقَبَضَ عَلَى جَسَدِهِ بِيَدِهِ، فَسُمِعَ صَوْتُ عِظَامِهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الصَّبِيِّ إِلَى أُمِّهِ
وَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ كَانَ شَهْمًا فِي أَيَّامِهِ وَلَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَمَهَابَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَانَتْ هِمَّتُهُ فِي الْحَرْبِ، لَا فِي الْبِنَاءِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: تَصَدَّقَ الْمُعْتَصِمُ عَلَى يَدَيَّ، وَوَهَبَ مَا قَيمَتُهُ مِائَةُ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ الْمُعْتَصِمُ إِذَا غَضِبَ لَا يُبَالِي مَنْ قَتَلَ وَلَا مَا فَعَلَ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى الْمُعْتَصِمِ وَعِنْدَهُ قَيْنَةٌ لَهُ تُغَنِّيهِ، فَقَالَ لِي: كَيْفَ تَرَاهَا؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَاهَا تَقْهَرُهُ بِحِذْقٍ، وَتَخْتُلُهُ بِرِفْقٍ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا إِلَى أَحْسَنَ مِنْهُ،
(14/286)

وَفِي صَوْتِهَا قِطَعُ شُذُورٍ أَحْسَنُ مِنْ نَظْمِ الدُّرِّ عَلَى النُّحُورِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَصِفَتُكَ لَهَا أَحْسَنُ مِنْهَا وَمِنْ غِنَائِهَا. ثُمَّ قَالَ لِابْنِهِ هَارُونَ الْوَاثِقِ، وَلِيِّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ: اسْمَعْ هَذَا الْكَلَامَ.
وَقَدِ اسْتَخْدَمَ الْمُعْتَصِمُ مِنَ الْأَتْرَاكِ خَلْقًا عَظِيمًا كَانَ لَهُ مِنَ الْمَمَالِيكِ التُّرْكِ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَتَمَّ لَهُ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالدَّوَابِّ مَا لَمْ يَتَّفِقْ لِغَيْرِهِ. وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَعَلَ يَقُولُ {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ عُمْرِي قَصِيرٌ مَا فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ، وَقَالَ: إِنِّي أُخِذْتُ مِنْ بَيْنِ هَذَا الْخَلْقِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: ذَهَبَتِ الْحِيَلُ، لَيْسَتْ حِيلَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَخَافُكَ مِنْ قِبَلِي، وَلَا أَخَافُكَ مِنْ قِبَلِكَ، وَأَرْجُوكَ مِنْ قِبَلِكَ، وَلَا أَرْجُوكَ مِنْ قِبَلِي.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ضَحًى لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ
(14/287)

مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِعَشَرٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ أَبْيَضَ، أَصْهَبَ اللِّحْيَةِ طَوِيلَهَا، مَرْبُوعًا، وَمُشْرَبَ اللَّوْنِ، أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا مَارِدَةُ وَهُوَ أَحَدُ أَوْلَادٍ سِتَّةٍ مِنْ أَوْلَادِ الرَّشِيدِ، كُلٌّ مِنْهُمُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ؛ وَهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمُ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْأَمِينُ، وَأَبُو عِيسَى، وَأَبُو أَحْمَدَ، وَأَبُو يَعْقُوبَ، وَأَبُو أَيُّوبَ، قَالَهُ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ، وَقَدْ قَامَ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ هَارُونُ الْوَاثِقُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ وَزِيرَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ رَثَاهُ فَقَالَ:
قَدْ قُلْتُ إِذْ غَيَّبُوكَ وَاصْطَفَقَتْ ... عَلَيْكَ أَيْدِي التُّرَابِ وَالطِّينِ
اذْهَبْ فَنِعْمَ الْحَفِيظُ كُنْتَ عَلَى الدُّ ... نْيَا وَنِعْمَ الظَّهِيرُ لِلدِّينِ
لَا جَبَرَ اللَّهُ أُمَّةً فَقَدَتْ ... مِثْلَكَ إِلَّا بِمِثْلِ هَارُونِ
وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي الْجَنُوبِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ:
أَبُو إِسْحَاقَ مَاتَ ضُحًى فَمِتْنَا ... وَأَمْسَيْنَا بِهَارُونَ حَيِينَا
لَئِنْ جَاءَ الْخَمِيسُ بِمَا كَرِهْنَا ... لَقَدْ جَاءَ الْخَمِيسُ بِمَا هَوِينَا
(14/288)

[خِلَافَةُ الْوَاثِقِ هَارُونَ بْنِ الْمُعْتَصِمِ]
بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ قَبْلَ أَنْ مَاتَ أَبُوهُ الْمُعْتَصِمُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، أَعَنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَيُكَنَّى بِأَبِي جَعْفَرٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ رُومِيَّةٌ، يُقَالُ لَهَا: قَرَاطِيسُ. وَقَدْ خَرَجَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَاصِدَةً الْحَجَّ، فَمَاتَتْ بِالْحِيرَةِ، وَدُفِنَتْ بِالْكُوفَةِ فِي دَارِ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى، وَذَلِكَ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ الَّذِي أَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُعْتَصِمِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْمَشَاهِيرِ:
مَلِكُ الرُّومِ تَوْفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ.
وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَمَلَكَتْ بَعْدَهُ امْرَأَتُهُ تُدُورَةُ، وَكَانَ ابْنُهَا مِيخَائِيلُ بْنُ تَوْفِيلَ صَغِيرًا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ:
بِشْرٌ الْحَافِي.
الزَّاهِدُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ هِلَالِ بْنِ مَاهَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ أَبُو نَصْرٍ الزَّاهِدُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَافِي نَزِيلُ بَغْدَادَ.
(14/289)

قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ وَكَانَ اسْمُ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بَعْبُورَ، أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قُلْتُ: وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِبَغْدَادَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَسَمِعَ بِهَا شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ؛ مِنْهُمْ أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَسَرِيٌّ السَّقَطِيُّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: سَمِعَ بِشْرٌ كَثِيرًا، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ، وَاعْتَزَلَ النَّاسَ وَلَمْ يُحَدِّثْ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي عِبَادَتِهِ وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَنُسُكِهِ وَتَقَشُّفِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَوْمَ بَلَغَهُ مَوْتُهُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ إِلَّا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَ لَكَانَ قَدْ تَمَّ أَمْرُهُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ مَا أَخْرَجَتْ بَغْدَادُ أَتَمَّ عَقْلًا، وَلَا أَحْفَظَ لِلِسَانِهِ مِنْهُ، مَا عُرِفَ لَهُ غِيبَةٌ لِمُسْلِمٍ، وَكَانَ فِي كُلِّ شَعْرَةٍ مِنْهُ عَقْلٌ، وَلَوْ قُسِّمَ عَقْلُهُ عَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ لَصَارُوا عُقَلَاءَ، وَمَا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ شَيْءٌ.
(14/290)

وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّ بِشْرًا كَانَ شَاطِرًا فِي بَدْءِ أَمْرِهِ، وَأَنَّ سَبَبَ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ وَجَدَ رُقْعَةً فِيهَا اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَتُونِ حَمَّامٍ فَرَفَعَهَا وَرَفَعَ طَرَفَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: سَيِّدِي اسْمُكَ هَاهُنَا مُلْقًى يُدَاسُ! ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى عَطَّارٍ فَاشْتَرَى بِدِرْهَمٍ غَالِيَةً وَضَمَّخَ تِلْكَ الرُّقْعَةَ مِنْهَا، وَوَضَعَهَا حَيْثُ لَا تُنَالُ فَأَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ، وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ، وَصَارَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ.
وَمِنْ كَلَامِهِ: مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا فَلْيَتَهَيَّأْ لِلذُّلِّ. وَكَانَ بِشْرٌ يَأْكُلُ الْخُبْزَ وَحْدَهُ فَقِيلَ لَهُ: بِمَاذَا تَأْتَدِمُ؟ فَقَالَ: أَذْكُرُ الْعَافِيَةَ فَأَجْعَلُهَا أُدْمًا. وَكَانَ لَا يَلْبَسُ نَعْلًا بَلْ يَمْشِي حَافِيًا، طَرَقَ يَوْمًا بَابًا، فَقِيلَ: مَنْ؟ فَقَالَ بِشْرٌ الْحَافِي فَقَالَتْ جَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ: أَمَا وَجَدَ هَذَا دَانِقَيْنِ يَشْتَرِي بِهِمَا نَعْلًا وَيَسْتَرِيحُ مِنْ هَذَا الِاسْمِ. قَالُوا: وَكَانَ سَبَبُ تَرْكِهِ النَّعْلَ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى حَذَّاءٍ، فَطَلَبَ مِنْهُ شِرَاكًا لِنَعْلِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَكْثَرَ كُلْفَتَكُمْ عَلَى النَّاسِ! فَطَرَحَ النَّعْلَ مِنْ يَدِهِ، وَخَلَعَ الْأُخْرَى مِنْ رِجْلِهِ وَحَلَفَ لَا يَلْبَسُ نَعْلًا أَبَدًا.
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. وَقِيلَ فِي رَمَضَانَ
(14/291)

بِبَغْدَادَ. وَقِيلَ: بِمَرْوَ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحِينَ مَاتَ اجْتَمَعَ فِي جِنَازَتِهِ أَهْلُ بَغْدَادَ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، فَأُخْرِجَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِي قَبْرِهِ إِلَّا بَعْدَ الْعَتَمَةِ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ فِي الْجِنَازَةِ: هَذَا وَاللَّهِ شَرَفُ الدُّنْيَا قَبْلَ شَرَفِ الْآخِرَةِ. وَرُوِيَ أَنَّ الْجِنَّ كَانَتْ تَنُوحُ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُ فِيهِ، وَأَنَّهُ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي، وَلِكُلِّ مَنْ شَهِدَ جِنَازَتِي، وَلِكُلِّ مَنْ أَحَبَّنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَخَوَاتٌ ثَلَاثٌ؛ وَهُنَّ مَخَّةُ، وَمُضْغَةُ، وَزُبْدَةُ، وَكُلُّهُنَّ عَابِدَاتٌ زَاهِدَاتٌ مِثْلَهُ، وَأَشَدُّ وَرَعًا أَيْضًا. ذَهَبَتْ إِحْدَاهُنَّ فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي رُبَّمَا طَفِئَ السِّرَاجُ وَأَنَا أَغْزِلُ، فَإِذَا كَانَ ضَوْءُ الْقَمَرِ غَزَلْتُ فِيهِ فَعَلَيَّ
(14/292)

عِنْدَ الْبَيْعِ أَنْ أُمَيِّزَ هَذَا مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ لَهَا: إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَأَعْلِمِي بِهِ الْمُشْتَرِي، وَقَالَتْ لَهُ مَرَّةً إِحْدَاهُنَّ: رُبَّمَا تَمُرُّ بِنَا مَشَاعِلُ بَنِي طَاهِرٍ فِي اللَّيْلِ وَنَحْنُ نَغْزِلُ فَنَغْزِلُ الطَّاقَ وَالطَّاقَيْنِ وَالطَّاقَاتِ، فَخَلِّصْنِي مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ الْغَزْلِ كُلِّهِ لِمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهَا مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ. وَسَأَلَتْهُ عَنْ أَنِينِ الْمَرِيضِ أَفِيهِ شَكْوَى؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا هُوَ شَكْوَى إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ خَرَجَتْ. فَقَالَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: يَا بُنَيَّ اذْهَبْ خَلْفَهَا فَاعْلَمْ لِي مَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَذَهَبْتُ وَرَاءَهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ دَخَلَتْ دَارَ بِشْرٍ الْحَافِي وَإِذَا هِيَ أُخْتُهُ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَيْضًا عَنْ زُبْدَةَ قَالَتْ: جَاءَ لَيْلَةً أَخِي بِشْرٌ، فَدَخَلَ بِرِجْلِهِ فِي الدَّارِ، وَبَقِيَتِ الْأُخْرَى خَارِجَ الدَّارِ، فَاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ لَيْلَتَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، فَقِيلَ لَهُ: فِيمَ تَفَكَّرْتَ لَيْلَتَكَ؟ قَالَ: تَفَكَّرْتُ فِي بِشْرٍ النَّصْرَانِيِّ، وَبِشْرٍ الْيَهُودِيِّ، وَبِشْرٍ الْمَجُوسِيِّ، وَفِي نَفْسِي وَاسْمِي بِشْرٌ فَقُلْتُ: مَا الَّذِي سَبَقَ مِنْكَ حَتَّى خَصَّكَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ بَيْنِهِمْ؟ فَتَفَكَّرْتُ فِي تَفَضُّلِهِ
(14/293)

عَلَيَّ، وَحَمِدْتُهُ عَلَى أَنْ جَعَلَنِي مِنْ خَاصَّتِهِ، وَأَلْبَسَنِي لِبَاسَ أَحْبَابِهِ.
وَقَدْ تَرْجَمَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فَأَطْنَبَ وَأَطْيَبَ وَأَطَالَ مِنْ غَيْرِ مَلَالٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَشْعَارًا حَسَنَةً، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
تَعَافُ الْقَذَى فِي الْمَاءِ لَا تَسْتَطِيعُهُ ... وَتَكْرَعُ مِنْ حَوْضِ الذُّنُوبِ فَتَشْرَبُ
وَتُؤْثِرُ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ أَلَذَّهُ ... وَلَا تَذْكُرُ الْمُخْتَارَ مِنْ أَيْنَ يَكْسِبُ
وَتَرْقُدُ يَا مِسْكِينُ فَوْقَ نَمَارِقٍ ... وَفِي حَشْوِهَا نَارٌ عَلَيْكَ تَلَهَّبُ
فَحَتَّى مَتَى لَا تَسْتَفِيقُ جَهَالَةً ... وَأَنْتَ ابْنُ سَبْعِينَ بِدِينِكَ تَلْعَبُ
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الْيَرْبُوعِيُّ.
وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ.
وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
صَاحِبُ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِي
(14/294)

مِثْلِهَا إِلَّا الْقَلِيلُ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الدُّولَابِيُّ.
وَلَهُ سُنَنٌ أَيْضًا.
وَأَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ.
وَأَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ الْمُتَكَلِّمُ الْمُعْتَزِلِيُّ.
(14/295)

[سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي رَمَضَانَ مِنْهَا خَلَعَ الْخَلِيفَةُ الْوَاثِقُ عَلَى أَشْنَاسَ الْأَمِيرِ وَتَوَجَّهَ وَأَلْبَسَهُ وِشَاحَيْنِ مِنْ جَوْهَرٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْأَمِيرُ. وَغَلَا السِّعْرُ عَلَى النَّاسِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ جِدًّا، وَأَصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ، وَهُمْ بِعَرَفَةَ ثُمَّ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وَمَطَرٌ عَظِيمٌ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَنَزَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ بِمِنًى مَطَرٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَسَقَطَتْ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَبَلِ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَقَتَلَتْ جَمَاعَةً مِنَ الْحُجَّاجِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ فِي مَنْزِلِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيِّ، وَحَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ الطَّائِيُّ أَبُو تَمَّامٍ الشَّاعِرُ.
قُلْتُ: أُمَّا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ، وَإِمَامُ الْأَخْبَارِيِّينَ فِي زَمَانِهِ، فَتَقَدَّمَ ذِكْرُ وَفَاتِهِ قَبْلَ هَذِهِ السَّنَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ الشَّاعِرُ: صَاحِبُ الْحَمَاسَةِ الَّتِي جَمَعَهَا فِي
(14/296)

فَصْلِ الشِّتَاءِ بِهَمَذَانَ فِي دَارِ وَزِيرِهَا، فَهُوَ حَبِيبُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْأَشَجِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُرَيْنَا بْنِ سَهْمِ بْنِ خِلْجَانَ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ دَفَّافَةَ بْنِ مُرِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ كَاهِلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ طَيِّئٍ، وَهُوَ جُلْهُمَةُ بْنُ أُدَدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ الشَّاعِرُ الْأَدِيبُ الْمَشْهُورُ.
وَنَقَلَ الْخَطِيبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصُّولِيِّ أَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَبُو تَمَّامٍ حَبِيبُ بْنُ تَدْرُسَ النَّصْرَانِيِّ، فَسَمَّاهُ أَبُو تَمَّامٍ أَوْسًا بَدَلَ تَدْرُسَ. قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ وَأَصْلُهُ مِنْ قَرْيَةِ جَاسِمٍ مِنْ عَمَلِ الْجَيْدُورِ بِالْقُرْبِ
(14/297)

مِنْ طَبَرِيَّةَ وَكَانَ بِدِمَشْقَ يَعْمَلُ عِنْدَ حَائِكٍ ثُمَّ سَارَ إِلَى مِصْرَ فِي شَبِيبَتِهِ، وَابْنُ خِلِّكَانَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ " " تَارِيخِ الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ " "، وَقَدْ تَرْجَمَ أَبَا تَمَّامٍ تَرْجَمَةً حَسَنَةً. وَقَالَ الْخَطِيبُ، الْبَغْدَادِيُّ وَهُوَ شَامِيُّ الْأَصْلِ، وَكَانَ بِمِصْرَ فِي حَدَاثَتِهِ يَسْقِي الْمَاءَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ ثُمَّ جَالَسَ الْأُدَبَاءَ فَأَخَذَ عَنْهُمْ وَتَعَلَّمَ مِنْهُمْ، وَكَانَ فَطِنًا فَهْمًا، وَكَانَ يُحِبُّ الشِّعْرَ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَانِيهِ حَتَّى قَالَ الشِّعْرَ فَأَجَادَ، وَشَاعَ ذِكْرُهُ، وَسَارَ شِعْرُهُ وَبَلَغَ الْمُعْتَصِمَ خَبَرُهُ فَحَمَلَهُ إِلَيْهِ وَهُوَ بِسُرَّ مَنْ رَأَى فَعَمِلَ فِيهِ قَصَائِدَ، فَأَجَازَهُ الْمُعْتَصِمُ وَقَدَّمَهُ عَلَى شُعَرَاءِ وَقْتِهِ، فَقَدِمَ بَغْدَادَ فَجَالَسَ الْأُدَبَاءَ، وَعَاشَرَ الْعُلَمَاءَ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالظُّرْفِ وَحُسْنِ الْأَخْلَاقِ وَكَرَمِ النَّفْسِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ وَغَيْرُهُ أَخْبَارًا مُسْنَدَةً.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ: كَانَ يَحْفَظُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ أَلْفَ أُرْجُوزَةٍ لِلْعَرَبِ غَيْرَ الْقَصَائِدِ وَالْمَقَاطِيعِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَكَانَ يُقَالُ: فِي طَيِّئٍ ثَلَاثَةٌ: حَاتِمٌ فِي كَرَمِهِ، وَدَاوُدُ الطَّائِيُّ فِي زُهْدِهِ، وَأَبُو تَمَّامٍ فِي شِعْرِهِ، قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ الشُّعَرَاءُ فِي زَمَانِهِ جَمَاعَةً؛ فَمِنْ مَشَاهِيرِهِمْ أَبُو الشِّيصِ وَدِعْبِلُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ أَبِي قَيْسٍ، وَقَدْ كَانَ أَبُو تَمَّامٍ مِنْ خِيَارِهِمْ دِينًا وَأَدَبًا وَأَخْلَاقًا. وَمِنْ رَقِيقِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
(14/298)

يَا حَلِيفَ النَّدَى وَيَا تَوْءَمَ الْجُو ... دِ وَيَا خَيْرَ مَنْ حَبَوْتُ الْقَرِيضَا
لَيْتَ حُمَّاكَ بِي وَكَانَ لَكَ الْأَجْ ... رُ فَلَا تَشْتَكِي وَكُنْتُ الْمَرِيضَا
وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ أَنَّ أَبَا تَمَّامٍ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَوْصِلِ، وَبُنِيَتْ عَلَى قَبْرِهِ قُبَّةٌ، وَحَكَى الصُّولِيُّ عَنِ الْوَزِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ قَالَ يَرْثِيهِ:
نَبَأٌ أَتَى مِنْ أَعْظَمِ الْأَنْبَاءِ ... لَمَّا أَلَمَّ مُقَلْقَلَ الْأَحْشَاءِ
قَالُوا حَبِيبٌ قَدْ ثَوَى فَأَجَبْتُهُمْ ... نَاشَدْتُكُمْ لَا تَجْعَلُوهُ الطَّائِي
وَقَالَ غَيْرُهُ:
فُجِعَ الْقَرِيضُ بِخَاتَمِ الشُّعَرَاءِ ... وَغَدِيرُ رَوْضَتِهَا حَبِيبٌ الطَّائِي
مَاتَا مَعًا فَتَجَاوَرَا فِي حُفْرَةٍ ... وَكَذَاكَ كَانَا قَبْلُ فِي الْأَحْيَاءِ
(14/299)

وَقَدْ جَمَعَ الصُّولِيُّ شِعْرَ أَبِي تَمَّامٍ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ وَقَدِ امْتَدَحَ أَحْمَدَ بْنَ الْمُعْتَصِمِ - وَيُقَالُ: ابْنَ الْمَأْمُونِ - بِقَصِيدَتِهِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:
إِقْدَامُ عَمْرٍو فِي سَمَاحَةِ حَاتِمٍ ... فِي حِلْمِ أَحْنَفَ فِي ذَكَاءِ إِيَاسِ
فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: أَتَقُولُ هَذَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ أَكْبَرُ قَدْرًا مِنْ هَؤُلَاءِ. فَأَطْرَقَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ:
لَا تُنْكِرُوا ضَرْبِي لَهُ مَنْ دُونَهُ ... مَثَلًا شَرُودًا فِي النَّدَى وَالْبَاسِ
فَاللَّهُ قَدْ ضَرَبَ الْأَقَلَّ لِنُورِهِ ... مَثَلًا مِنَ الْمِشْكَاةِ وَالنِّبْرَاسِ
فَلَمَّا أَخَذُوا مِنْهُ الْقَصِيدَةَ لَمْ يَجِدُوا فِيهَا هَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ، وَإِنَّمَا قَالَهُمَا ارْتِجَالًا. قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَعِيشُ هَذَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا قَلِيلًا. فَكَانَ كَذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ امْتَدَحَ بِهَا بَعْضَ الْخُلَفَاءِ، فَأَقْطَعَهُ الْمَوْصِلَ فَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ، وَلَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ لَهِجَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ كَالزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَشْيَاءَ مُسْتَطْرَفَةً مِنْ شِعْرِهِ الرَّائِقِ وَنَظْمِهِ الْفَائِقِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
(14/300)

وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْزَاقُ تَجْرِي عَلَى الْحِجَا ... هَلَكْنَ إِذًا مِنْ جَهْلِهِنَّ الْبَهَائِمُ
وَلَمْ يَجْتَمِعْ شَرْقٌ وَغَرْبٌ لِقَاصِدٍ ... وَلَا الْمَجْدُ فِي كَفِّ امْرِئٍ وَالدَّرَاهِمُ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
وَمَا أَنَا بِالْغَيْرَانِ مِنْ دُونِ عِرْسِهِ ... إِذَا أَنَا لَمْ أُصْبِحْ غَيُورًا عَلَى الْعِلْمِ
طَبِيبُ فُؤَادِي مُذْ ثَلَاثِينَ حِجَّةً ... وَمُذْهِبُ هَمِّي وَالْمُفَرِّجُ لِلْغَمِّ

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، وَالْعَيْشِيُّ، وَأَبُو الْجَهْمِ، وَمُسَدَّدٌ، وَدَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ.
(14/301)

[سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْوَاثِقُ بِاللَّهِ بِضَرْبِ الدَّوَّاوِينِ، وَاسْتِخْلَاصِ الْأَمْوَالِ مِنْهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ ضُرِبَ أَلْفَ سَوْطٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَدُونَ ذَلِكَ، وَجَاهَرَ الْوَزِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِسَائِرِ وُلَاةِ الشُّرَطِ بِالْعَدَاوَةِ فَكُشِفُوا، وَحُبِسُوا، وَلَقُوا جَهْدًا عَظِيمًا وَجَلَسَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ لِلنَّظَرِ فِي أَمْرِهِمْ، وَأُقِيمُوا لِلنَّاسِ، وَافْتُضِحُوا فَضِيحَةً بَلِيغَةً، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاثِقَ جَلَسَ لَيْلَةً فِي دَارِ الْخِلَافَةِ فَسُمِرَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يَعْرِفُ سَبَبَ عُقُوبَةِ جَدِّي الرَّشِيدِ لِلْبَرَامِكَةِ؟ فَقَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الرَّشِيدَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ، فَأَعْجَبَهُ جَمَالُهَا، فَسَاوَمَ سَيِّدَهَا فِيهَا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أَقْسَمْتُ بِكُلِّ يَمِينٍ أَنْ لَا
(14/302)

أَبِيعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ بِهَا، وَبَعَثَ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْوَزِيرِ لِيَبْعَثَ بِهَا إِلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَاعْتَلَّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ فَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ يُؤَنِّبُهُ، وَيَقُولُ: أَلَيْسَ فِي بَيْتِ مَالِي مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ؟ ! وَأَلَحَّ فِي طَلَبِهَا، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ: أَرْسِلُوهَا إِلَيْهِ دَرَاهِمَ لِيَسْتَكْثِرَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ يَرُدُّ الْجَارِيَةَ. فَبَعَثُوا بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ دَرَاهِمَ، وَوَضَعُوهَا فِي طَرِيقِ الرَّشِيدِ، وَهُوَ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِهَا رَأَى كَوْمًا مِنْ دَرَاهِمَ. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ثَمَنُ الْجَارِيَةِ. فَاسْتَكْثَرَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِخَزْنِهَا عِنْدَ بَعْضِ خَدَمِهِ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ، وَأَعْجَبَهُ جَمْعُ الْمَالِ فِي حَوَاصِلِهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي تَتَبُّعِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَإِذَا الْبَرَامِكَةُ قَدِ اسْتَهْلَكُوهُ، فَجَعَلَ يَهُمُّ بِأَخْذِهِمْ تَارَةً وَيُحْجِمُ أُخْرَى، حَتَّى كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي سَمَرَ عِنْدِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْعُودِ. فَأَطْلَقَ لَهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَذَهَبَ إِلَى الْوَزِيرِ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، فَمَاطَلَهُ بِهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي فِي السَّمَرِ عَرَّضَ أَبُو الْعُودِ فِي ذَلِكَ لِلرَّشِيدِ بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
وَعَدَتْ هِنْدٌ وَمَا كَادَتْ تَعِدْ ... لَيْتَ هِنْدًا أَنْجَزَتْنَا مَا تَعِدْ
وَاسْتَبَدَّتْ مَرَّةً وَاحِدَةً ... إِنَّمَا الْعَاجِزُ مَنْ لَا يَسْتَبِدْ
فَجَعَلَ الرَّشِيدُ يُكَرِّرُ قَوْلَهُ:
إِنَّمَا الْعَاجِزُ مَنْ لَا يَسْتَبِدْ
(14/303)

وَيُعْجِبُهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ دَخَلَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، فَأَنْشَدَهُ الرَّشِيدُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، وَهُوَ يَسْتَحْسِنُهُمَا فَفَهِمَ ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، وَخَافَ، وَسَأَلَ عَنْ مَنْ أَنْشَدَ ذَلِكَ لِلرَّشِيدِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أَبُو الْعُودِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَأَنْجَزَ لَهُ الثَّلَاثِينَ أَلْفًا، وَأَعْطَاهُ مِنْ عِنْدِهِ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَكَذَلِكَ وَلَدَاهُ الْفَضْلُ، وَجَعْفَرٌ، فَمَا كَانَ عَنْ قَرِيبٍ حَتَّى أَخَذَ الرَّشِيدُ الْبَرَامِكَةَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ مَا كَانَ.
فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْوَاثِقُ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يُكَرِّرُ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
إِنَّمَا الْعَاجِزُ مَنْ لَا يَسْتَبِدْ
ثُمَّ بَطَشَ بِالْكُتَّابِ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا عَظِيمَةً جِدًّا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِيجِ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ.
أَحَدُ مَشَاهِيرِ الْقُرَّاءِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ.
(14/304)

وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ.
أَحَدُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْجَهْمِيَّةِ، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْفِتَنِ وَغَيْرِهَا.
وَدِينَارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ النُّسْخَةُ الْمَكْذُوبَةُ عَنْهُ أَوْ مِنْهُ، وَهِيَ عَالِيَةُ الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ.
(14/305)

[سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي جُمَادَى مِنْهَا خَرَجَتْ بَنُو سُلَيْمٍ حَوْلَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَعَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَأَخَافُوا السُّبُلَ، وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَهَزَمُوا أَهْلَهَا، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَتِلْكَ الْمَنَاهِلِ وَالْقُرَى فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْوَاثِقُ بُغَا الْكَبِيرَ أَبَا مُوسَى التُّرْكِيَّ فِي جَيْشٍ، فَقَاتَلَهُمْ فِي شَعْبَانَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَارِسًا، وَأَسَرَ مِثْلَهُمْ، وَانْهَزَمَ بَقِيَّتُهُمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْأَمَانِ، وَأَنْ يَكُونُوا عَلَى حُكْمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَدَخَلَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ وَسَجَنَ رُءُوسَهُمْ فِي دَارِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَخَرَجَ إِلَى الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَشَهِدَ مَعَهُ الْمَوْسِمَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ، نَائِبُ الْعِرَاقِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْمُتَقَدِّمُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ نَائِبُ خُرَاسَانَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْبُلْدَانِ،
(14/306)

وَكَانَ خَرَاجُ مَا تَحْتَ يَدِهِ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَوَلَّى الْخَلِيفَةُ ابْنَهُ طَاهِرًا، وَكَانَتْ وَفَاةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الْأَمِيرِ بَعْدَ مَوْتِ أَشْنَاسَ التُّرْكِيِّ بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ بِمَرْوَ، وَقِيلَ: بِنَيْسَابُورَ. وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ أَوْرَدَ لَهُ مِنْهُ. قَالَ: وَقَدْ وَلِيَ نِيَابَةَ مِصْرَ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَذَكَرَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْمَغْرِبِيِّ أَنَّ الْبِطِّيخَ الْعَبْدَاللَّاوِيَّ الَّذِي بِمِصْرَ مَنْسُوبٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ هَذَا. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ إِمَّا أَنَّهُ كَانَ يَسْتَطِيبُهُ، أَوْ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ زَرَعَهُ هُنَاكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ جَيِّدِ شِعْرِهِ:
اغْتَفِرْ زَلَّتِي لِتُحْرِزَ فَضْلَ الشُّ ... كْرِ مِنِّي وَلَا يَفُوتُكَ أَجْرِي
لَا تَكِلْنِي إِلَى التَّوَسُّلِ بِالْعُذْ ... رِ لَعَلِّي أَنْ لَا أَقُومَ بِعُذْرِي
(14/307)

وَمِنْ شَعْرِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ:
نَحْنُ قَوْمٌ تُلِينُنَا الْحَدَقُ النُّجْ ... لُ عَلَى أَنَّنَا نُلِينُ الْحَدِيدَا
طَوْعَ أَيْدِي الظِّبَاءِ تَقْتَادُنَا الْعِي ... نُ وَنَقْتَادُ بِالطِّعَانِ الْأُسُودَا
نَمْلِكُ الصِّيدَ ثُمَّ تَمْلِكُنَا الْبِي ... ضُ الْمَصُونَاتُ أَعْيُنًا وَخُدُودَا
تَتَّقِي سُخْطَنَا الْأُسُودُ وَنَخْشَى ... سَخَطَ الْخِشْفِ حِينَ يُبْدِي الصُّدُودَا
فَتَرَانَا يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أَحْرَا ... رًا وَفِي السِّلْمِ لِلْغَوَانِي عَبِيدَا
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَكَانَ خُزَاعِيًّا مِنْ مَوَالِي طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ الْخُزَاعِيِّ.
وَقَدْ كَانَ أَبُو تَمَّامٍ يَمْدَحُهُ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ مَرَّةً فَاعْتَاقَهُ الثَّلْجُ بِهَمَذَانَ، فَصَنَّفَ كِتَابَ الْحَمَاسَةِ عِنْدَ بَعْضِ رُؤَسَائِهَا.
(14/308)

وَرَوَى لَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَلَمَّا وَلَّاهُ الْمَأْمُونُ نِيَابَةَ بِلَادِ الشَّامِ وَدِيَارَ مِصْرَ صَارَ إِلَيْهَا، وَقَدْ رَسَمَ لَهُ بِمَا فِي دِيَارِ مِصْرَ مِنَ الْحَوَاصِلِ، فَحَمَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَفَرَّقَهَا كُلَّهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ لَمَّا وَاجَهَ مِصْرَ نَظَرَ إِلَيْهَا فَاحْتَقَرَهَا، وَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ، مَا كَانَ أَخَسَّهُ وَأَضْعَفَ هِمَّتَهُ حِينَ مَلَكَ هَذِهِ الْقَرْيَةَ، وَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا:
عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ الْجَوْهَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ وَلَهُ كِتَابُ " الطَّبَقَاتِ " وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ، وَسَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
(14/309)

[سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا وَقَعَتْ مُفَادَاةٌ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِأَيْدِي الرُّومِ عَلَى يَدَيِ الْأَمِيرِ خَاقَانَ الْخَادِمِ، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ عِدَّةُ الْأُسَارَى الَّذِينَ اسْتُنْقِذُوا مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَثَلَاثَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أَسِيرًا. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الْخُزَاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيُّ وَجَدُّهُ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ مِنْ أَكْبَرِ الدُّعَاةِ فِي النَّاسِ إِلَى دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَتْ لَهُ وَجَاهَةٌ وَرِيَاسَةٌ، وَكَانَ أَبُوهُ نَصْرُ بْنُ مَالِكٍ يَغْشَاهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ بَايَعَهُ الْعَامَّةُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ حِينَ كَثُرَتِ الدُّعَّارُ وَالشُّطَّارُ فِي أَرْجَاءِ بَغْدَادَ فِي زَمَانِ غَيْبَةِ الْمَأْمُونِ عَنْ بَغْدَادَ كَمَا قَدَّمْنَا بَسْطَ ذَلِكَ، وَبِهِ تُعْرَفُ سُوَيْقَةُ نَصْرٍ بِبَغْدَادَ.
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالِاجْتِهَادِ
(14/310)

فِي الْخَيْرِ، وَمِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ السُّنَّةِ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَدْعُو إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَكَانَ هَارُونُ الْوَاثِقُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، يَدْعُو إِلَيْهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا ; اعْتِمَادًا عَلَى مَا كَانَ أَبُوهُ الْمُعْتَصِمُ وَعَمُّهُ الْمَأْمُونُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ، وَلَا حُجَّةٍ وَلَا بَيَانٍ، وَلَا سُنَّةٍ وَلَا قُرْآنٍ، فَقَامَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَالْتَفَّ عَلَيْهِ مِنَ الْأُلُوفِ أَعْدَادٌ، وَانْتَصَبَ لِلدَّعْوَةِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ هَذَا رَجُلَانِ وَهُمَا أَبُو هَارُونَ السَّرَّاجُ يَدْعُو أَهْلَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَطَالِبٌ يَدْعُو أَهْلَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ.
وَلَمَّا كَانَ شَهْرُ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ انْتَظَمَتِ الْبَيْعَةُ لِأَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الْخُزَاعِيِّ فِي السِّرِّ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْخُرُوجِ عَلَى السُّلْطَانِ لِبِدْعَتِهِ، وَدَعْوَتِهِ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. فَتَوَاعَدُوا عَلَى أَنَّهُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ وَهِيَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ يُضْرَبُ طَبْلٌ فِي اللَّيْلِ، فَيَجْتَمِعُ النَّاسُ الَّذِينَ بَايَعُوا فِي مَكَانٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَأَنْفَقَ طَالِبٌ وَأَبُو هَارُونَ فِي أَصْحَابِهِ دِينَارًا دِينَارًا، فَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَعْطَوْهُ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي أَشْرَسَ، وَكَانَا يَتَعَاطَيَانِ الشَّرَابَ فَلَمَّا
(14/311)

كَانَتْ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ شَرِبَا فِي قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِمْ، وَاعْتَقَدَا أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ هِيَ لَيْلَةُ الْوَعْدِ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَهُ بِلَيْلَةٍ، فَقَامَا يَضْرِبَانِ عَلَى طَبْلٍ فِي اللَّيْلِ ; لِيَجْتَمِعَ إِلَيْهِمَا النَّاسُ، فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ وَانْخَرَمَ النِّظَامُ، وَسَمِعَ الْحَرَسُ فِي اللَّيْلِ، فَأَعْلَمُوا نَائِبَ السَّلْطَنَةِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ نَائِبُ أَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ; لِغَيْبَتِهِ عَنْ بَغْدَادَ فَأَصْبَحَ النَّاسُ مُتَخَبِّطِينَ، وَاجْتَهَدَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ عَلَى إِحْضَارِ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ فَأُحْضِرَا فَعَاقَبَهُمَا، فَأَقَرَّا عَلَى أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ فِي الْحَالِ فَطَلَبَهُ، وَأَخَذَ خَادِمًا لَهُ فَاسْتَقَرَّهُ، فَأَقَرَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الرَّجُلَانِ، فَجَمَعَ جَمَاعَةً مِنْ رُءُوسٍ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ بِهِمْ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، وَذَلِكَ آخَرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فَأُحْضِرَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ، وَحَضَرَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ الْمُعْتَزِلِيُّ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ عَتَبٌ، فَلَمَّا أُوقِفَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ الْوَاثِقِ لَمْ يُعَاتِبْهُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَانَ مِنْهُ فِي أَمْرِ مُبَايَعَةِ الْعَامَّةِ لَهُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَأَعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ. قَالَ: أَمَخْلُوقٌ هُوَ؟ قَالَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ قَدِ
(14/312)

اسْتَقْتَلَ، وَحَضَرَ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَتَنَوَّرَ، فَقَالَ لَهُ الْوَاثِقُ: فَمَا تَقُولُ فِي رَبِّكَ، أَتَرَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ وَالْأَخْبَارُ بِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22]
[الْقِيَامَةِ: 22، 23] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» فَنَحْنُ عَلَى الْخَبَرِ. زَادَ الْخَطِيبُ فِي إِيرَادِهِ: قَالَ الْوَاثِقُ: وَيْحَكَ، أَيُرَى كَمَا يُرَى الْمَحْدُودُ الْمُتَجَسِّمُ؟ وَيَحْوِيهِ مَكَانٌ وَيَحْصُرُهُ النَّاظِرُ؟ أَنَا أَكْفُرُ بِرَبٍّ هَذِهِ صِفَتُهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْخَلِيفَةُ الْوَاثِقُ لَا يَرِدُ، وَلَا يَلْزَمُ، وَلَا يُرَدُّ بِهِ مِثْلُ هَذَا الْخَبَرِ الصَّحِيحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْخُزَاعِيُّ لِلْوَاثِقِ: وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ بِحَدِيثٍ يَرْفَعُهُ «إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهُ» وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(14/313)

يَقُولُ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَيْلَكَ، انْظُرْ مَا تَقُولُ. فَقَالَ: أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ. فَأَشْفَقَ إِسْحَاقُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: أَنَا أَمَرْتُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَمَرْتَنِي أَنْ أَنْصَحَ لَهُ. فَقَالَ الْوَاثِقُ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ فَأَكْثَرُوا الْقَوْلَ فِيهِ ; فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فَعُزِلَ وَكَانَ مُوَادًّا لِأَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ قَبْلَ ذَلِكَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هُوَ حَلَالُ الدَّمِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَرْمَنِيُّ صَاحِبُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ: اسْقِنِي دَمَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ الْوَاثِقُ: يَأْتِي عَلَى مَا تُرِيدُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ، لَعَلَّ بِهِ عَاهَةً أَوْ نَقْصَ عَقْلٍ. فَقَالَ الْوَاثِقُ: إِذَا رَأَيْتُمُونِي قُمْتُ إِلَيْهِ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ مَعِي، فَإِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ. ثُمَّ نَهَضَ إِلَيْهِ بِالصَّمْصَامَةِ وَقَدْ كَانَتْ سَيْفًا لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ أُهْدِيَتْ لِمُوسَى الْهَادِي فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ، وَكَانَتْ صَفِيحَةً مَوْصُولَةً فِي أَسْفَلِهَا، مَسْمُورَةً بِثَلَاثَةِ مَسَامِيرَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ ضَرَبَهُ بِهَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ مَرْبُوطٌ بِحَبْلٍ قَدْ أُوقِفَ عَلَى نِطْعٍ ثُمَّ ضَرَبَهُ أُخْرَى عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ طَعَنَهُ بِالصَّمْصَامَةِ فِي بَطْنِهِ فَسَقَطَ رَحِمَهُ اللَّهُ صَرِيعًا عَلَى النِّطْعِ مَيِّتًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
(14/314)

ثُمَّ انْتَضَى سِيمَا الدِّمَشْقِيُّ سَيْفَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَحَزَّ رَأْسَهُ، وَحُمِلَ مُعْتَرِضًا حَتَّى أُتِيَ بِهِ الْحَظِيرَةَ الَّتِي فِيهَا بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ فَصُلِبَ فِيهَا، وَفِي رِجْلَيْهِ زَوْجُ قُيُودٍ، وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُ، وَقَمِيصٌ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى بَغْدَادَ فَنُصِبَ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ أَيَّامًا، وَفِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ أَيَّامًا، وَعِنْدَهُ الْحَرَسُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَفِي أُذُنِهِ رُقْعَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا: هَذَا رَأْسُ الْكَافِرِ الْمُشْرِكِ الضَّالِّ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ، مِمَّنْ قُتِلَ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ اللَّهِ هَارُونَ الْإِمَامِ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أَنْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيِ التَّشْبِيهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ التَّوْبَةَ، وَمَكَّنَهُ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ فَأَبَى إِلَّا الْمُعَانَدَةَ وَالتَّصْرِيحَ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَجَّلَهُ إِلَى نَارِهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ بِالْكُفْرِ، فَاسْتَحَلَّ بِذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ دَمَهُ وَلَعَنَهُ.
ثُمَّ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْوَاثِقُ بِتَتَبُّعِ رُءُوسِ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، فَأُودِعُوا فِي السُّجُونِ وَسُمُّوا الظَّلَمَةَ، وَمُنِعُوا أَنْ يَزُورَهُمْ أَحَدٌ وَقُيِّدُوا بِالْحَدِيدِ، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ الْأَرْزَاقِ الَّتِي كَانَتْ تَجْرِي عَلَى الْمَحْبُوسِينَ، وَهَذَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ. هَذَا مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَمِمَّنْ كَانَ قَائِمًا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَهُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ مُصَنَّفَاتُهُ كُلُّهَا،
(14/315)

وَسَمِعَ مِنَ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَحَادِيثَ جَيِّدَةً، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِكَثِيرٍ مِنْ حَدِيثِهِ.
وَحَدَّثَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَأَخُوهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَذَكَرَهُ يَوْمًا فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، وَقَدْ كَانَ لَا يُحَدِّثُ ; يَقُولُ: لَسْتُ أَهْلَ ذَاكَ. وَأَحْسَنَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ.
وَذِكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَوْمًا فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ، مَا كَانَ أَسَخَاهُ لَقَدْ جَادَ بِنَفْسِهِ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ: بَصُرَ عَيْنَايَ وَإِلَّا فَعَمِيَتَا، وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ وَإِلَّا فَصُمَّتَا أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ الْخُزَاعِيَّ حَيْثُ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، يَقُولُ رَأْسُهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَقَدْ سَمِعَهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَرَأْسُهُ مَصْلُوبٌ يَقْرَأُ عَلَى الْجِذْعِ {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 1]
[الْعَنْكَبُوتِ: 1، 2] قَالَ: فَاقْشَعَرَّ جِلْدِي. وَرَآهُ بَعْضُهُمْ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟
(14/316)

فَقَالَ: مَا كَانَتْ إِلَّا غَفْوَةً حَتَّى لَقِيتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَضَحِكَ إِلَيَّ.
وَرَأَى بَعْضُ النَّاسِ فِي الْمَنَامِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَقَدْ مَرُّوا عَلَى الْجِذْعِ الَّذِي عَلَيْهِ رَأْسُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ، فَلَمَّا حَاذَوْهُ أَعْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ أَعْرَضْتَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ؟ فَقَالَ: اسْتِحْيَاءً مِنْهُ حِينَ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي.
وَلَمْ يَزَلْ رَأْسُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ مَنْصُوبًا بِبَغْدَادَ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ - إِلَى بَعْدِ عِيدِ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَجُمِعَ بَيْنَ رَأْسِهِ وَجُثَّتِهِ وَدُفِنَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَادَ بِالْمَقْبَرَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَالِكِيَّةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَلِكَ بِأَمْرِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ الَّذِي وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ أَخِيهِ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ وَقَدْ دَخَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ " الْحَيْدَةِ " عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْخُلَفَاءِ ; لِأَنَّهُ أَحْسَنَ الصَّنِيعَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، بِخِلَافِ أَخِيهِ الْوَاثِقِ، وَأَبِيهِ الْمُعْتَصِمِ، وَعَمِّهِ الْمَأْمُونِ فَإِنَّهُمْ أَسَاءُوا إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَرَّبُوا
(14/317)

أَهْلَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُنْزِلَ جُثَّةَ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ، وَيَدْفِنَهُ فَفَعَلَ، وَقَدْ كَانَ الْمُتَوَكِّلُ يُكْرِمُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ إِكْرَامًا زَائِدًا جِدًّا، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ الْكِنَانِيَّ قَالَ لِلْمُتَوَكِّلِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رُئِيَ أَعْجَبُ مِنْ أَمْرِ الْوَاثِقِ ; قَتَلَ أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ وَكَانَ لِسَانُهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ إِلَى أَنْ دُفِنَ. فَوَجَدَ الْمُتَوَكِّلُ مِنْ ذَلِكَ، وَسَاءَهُ مَا سَمِعَ فِي أَخِيهِ الْوَاثِقِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَزِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ، قَالَ لَهُ الْمُتَوَكِّلُ: فِي قَلْبِي مِنْ قَتْلِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَحْرَقَنِي اللَّهُ بِالنَّارِ إِنْ قَتَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْوَاثِقُ إِلَّا كَافِرًا. وَدَخَلَ عَلَيْهِ هَرْثَمَةُ فَقَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَطَّعَنِي اللَّهُ إِرْبًا إِرْبًا إِنْ قَتَلَهُ الْوَاثِقُ إِلَّا كَافِرًا. وَدَخَلَ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: ضَرَبَنِي اللَّهُ بِالْفَالِجِ إِنْ قَتَلَهُ الْوَاثِقُ إِلَّا كَافِرًا. قَالَ الْمُتَوَكِّلُ: فَأَمَّا ابْنُ الزَّيَّاتِ فَأَنَا أَحْرَقْتُهُ بِالنَّارِ، وَأَمَّا هَرْثَمَةُ فَإِنَّهُ هَرَبَ وَتَبَدَّى فَاجْتَازَ بِقَبِيلَةِ خُزَاعَةَ فَعَرَفَهُ رَجُلٌ مِنَ الْحَيِّ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ، هَذَا الَّذِي قَتَلَ ابْنَ عَمِّكُمْ أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ فَقَطِّعُوهُ. فَقَطَّعُوهُ إِرْبًا إِرْبًا، وَأَمَّا
(14/318)

ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ فَقَدْ سَجَنَهُ اللَّهُ فِي جِلْدِهِ يَعْنِي بِالْفَالِجِ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَصُودِرَ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ بِمَالٍ جَزِيلٍ جِدًّا، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ " الْمَسَائِلِ " عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ: " «الْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعَ اللَّهِ،» «وَإِنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ مِمَّنْ يَذْكُرُهُ فِي الْأَسْوَاقِ» ". فَقَالَ: ارْوُوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ الْوَاثِقُ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ، وَاسْتَعَدَّ لِذَلِكَ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ الْمَاءَ بِالطَّرِيقِ قَلِيلٌ، فَتَرَكَ الْحَجَّ عَامَئِذٍ.
وَفِيهَا تَوَلَّى جَعْفَرُ بْنُ دِينَارٍ نِيَابَةَ الْيَمَنِ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ.
وَفِيهَا عَدَا قَوْمٌ مِنَ الْعَامَّةِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَأَخَذُوا مِنْهُ شَيْئًا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَأُخِذُوا، وَسُجِنُوا.
وَفِيهَا ظَهَرَ خَارِجِيٌّ بِبِلَادِ رَبِيعَةَ، فَقَاتَلَهُ نَائِبُ الْمَوْصِلِ فَكَسَرَهُ، وَانْهَزَمَ بَقِيَّةُ أَصْحَابِهِ.
(14/319)

وَفِيهَا قَدِمَ وَصِيفٌ الْخَادِمُ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَكْرَادِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِمِائَةٍ فِي الْقُيُودِ، كَانُوا قَدْ أَفْسَدُوا فِي الطُّرُقَاتِ وَقَطَعُوهَا، فَأَطْلَقَ الْخَلِيفَةُ لِوَصِيفٍ الْخَادِمِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً سَنِيَّةً.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ خَاقَانُ الْخَادِمُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَقَدْ تَمَّ الصُّلْحُ وَالْمُفَادَاةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّومِ، وَقَدِمَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ رُءُوسِ أَهْلِ الثُّغُورِ فَأَمَرَ الْوَاثِقُ بِامْتِحَانِهِمْ فِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ، فَأَجَابُوا إِلَّا أَرْبَعَةً، فَأَمَرَ الْوَاثِقُ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ إِنْ لَمْ يُجِيبُوا بِمِثْلِ مَا أَجَابَ بِهِ بَقِيَّتُهُمْ. وَأَمَرَ الْوَاثِقُ أَيْضًا بِامْتِحَانِ الْأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فُودِيَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ، فَمَنْ أَجَابَ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ فُودِيَ، وَإِلَّا تُرِكَ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ، وَهَذِهِ بِدْعَةٌ صَلْعَاءُ شَنْعَاءُ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ لَا مُسْتَنَدَ لَهَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا عَقْلٍ صَحِيحٍ، بَلِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْعَقْلُ الصَّحِيحُ بِخِلَافِهَا، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
وَكَانَ وُقُوعُ الْمُفَادَاةِ عِنْدَ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: اللَّامِسُ. عِنْدَ سَلُوقِيَةَ بِالْقُرْبِ مِنْ طَرَسُوسَ بَدَلُ كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمَةٍ فِي أَيْدِي الرُّومِ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ ذِمِّيَّةٍ كَانَ تَحْتَ عَقْدِ الْمُسْلِمِينَ - أَسِيرٌ مِنَ الرُّومِ كَانَ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ،
(14/320)

فَنَصَبُوا جِسْرَيْنِ عَلَى النَّهْرِ فَإِذَا أَرْسَلَ الرُّومُ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي جِسْرِهِمْ فَانْتَهَى إِلَى الْمُسْلِمِينَ كَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ. وَيُرْسِلُ الْمُسْلِمُونَ أَسِيرًا مِنَ الرُّومِ عَلَى جِسْرِهِمْ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِمْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يُشْبِهُ التَّكْبِيرَ أَيْضًا، وَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، بَدَلُ كُلِّ نَفْسِ نَفْسٌ، ثُمَّ بَقِيَ مَعَ خَاقَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّومِ الْأُسَارَى، فَأَطْلَقَهُمْ لِلرُّومِ ; لِيَكُونَ لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخُو طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ بِطَبَرِسْتَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَفِيهَا مَاتَ الْخَطَّابُ بْنُ وَجْهِ الْفُلْسِ، وَفِيهَا مَاتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ الرَّاوِيَةُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَعْبَانَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَفِيهَا مَاتَتْ أُمُّ أَبِيهَا بِنْتُ مُوسَى أُخْتُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا، وَفِيهَا مَاتَ مُخَارِقٌ الْمُغَنِّي، وَأَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَاتِمٍ رَاوِيَةُ الْأَصْمَعِيِّ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ النَّحْوِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
قُلْتُ: وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ أَيْضًا:
أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْخُزَاعِيُّ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
(14/321)

عَرْعَرَةَ. وَأُمَيَّةُ بْنُ بِسِطَامٍ وَأَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ الشَّاعِرُ فِي قَوْلٍ، وَالْمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ، وَكَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ أَخُو حَجَّاجٍ، وَهَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَالْبُوَيْطِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ مَاتَ فِي السِّجْنِ مُقَيَّدًا حَتَّى يَقُولَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ،
(14/322)

وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، رَاوِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ.
(14/323)

[سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا عَاثَتْ قَبِيلَةٌ يُقَالُ لَهَا: بَنُو نُمَيْرٍ بِالْيَمَامَةِ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، فَكَتَبَ الْوَاثِقُ إِلَى بُغَا الْكَبِيرِ وَهُوَ مُقِيمٌ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَحَارَبَهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَأَسَرَ مِنْهُمْ آخَرِينَ، وَهَزَمَ بَقِيَّتَهُمْ، ثُمَّ الْتَقَى مَعَ بَنِي تَمِيمٍ وَهُوَ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ وَهُمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ طَوِيلَةٌ، ثُمَّ كَانَ الظَّفَرُ لَهُ عَلَيْهِمْ آخِرًا، وَذَلِكَ فِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى بَغْدَادَ وَمَعَهُ مِنْ أَعْيَانِ رُءُوسِ الْعَرَبِ فِي الْأَسْرِ وَالْقُيُودِ، وَقَدْ قَتَلَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فِي الْوَقَائِعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا مَا يُنَيِّفُ عَلَى أَلْفَيْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَنُمَيْرٍ، وَكِلَابٍ، وَمُرَّةَ، وَفَزَارَةَ، وَثَعْلَبَةَ، وَطَيِّئٍ، وَتَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَصَابَ الْحَجِيجَ فِي الرُّجُوعِ عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتَّى بِيعَتِ الشَّرْبَةُ بِالدَّنَانِيرِ الْكَثِيرَةِ، وَمَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَطَشِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
(14/324)

وَفِيهَا أَمَرَ الْوَاثِقُ بِتَرْكِ جِبَايَةِ أَعْشَارِ سُفُنِ الْبَحْرِ.
وَفَاةُ الْخَلِيفَةِ أَبِي جَعْفَرٍ هَارُونَ الْوَاثِقِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُعْتَصِمِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عَبْدِ اللَّهِ ذِي الدَّوَانِيقِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْإِمَامِ بْنِ عَلِيٍّ السَّجَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيِّ الْعَبَّاسِيِّ
كَانَ هَلَاكُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِعِلَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى حُضُورِ الْعِيدِ عَامَئِذٍ فَاسْتَنَابَ فِي الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ قَاضِيَهُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي دُوَادٍ الْإِيَادِيَّ الْمُعْتَزِلِيَّ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَوِيَ بِهِ الِاسْتِسْقَاءُ فَأُقْعِدَ فِي تَنُّورٍ قَدْ أُحْمِيَ لَهُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ إِجْلَاسُهُ فِيهِ ; لِيَسْكُنَ وَجَعُهُ، فَلَانَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ بَعْضَ الشَّيْءِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَمَرَ بِأَنْ يُحْمَى أَكْثَرَ مِنَ الْعَادَةِ فَأُجْلِسَ فِيهِ ثُمَّ أُخْرِجَ فَوُضِعَ فِي مِحَفَّةٍ فَحُمِلَ فِيهَا وَحَوْلَهُ أُمَرَاؤُهُ، وَوُزَرَاؤُهُ وَقَاضِيهِ، فَمَاتَ وَهُوَ مَحْمُولٌ فِيهَا فَمَا شَعَرُوا حَتَّى سَقَطَ جَبِينُهُ عَلَى الْمِحَفَّةِ وَهُوَ مَيِّتٌ فَغَمَّضَ الْقَاضِي عَيْنَيْهِ بَعْدَ
(14/325)

ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي وَلِيَ غَسْلَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ، وَدَفَنَهُ فِي قَصْرِ الْهَادِي، وَكَانَ أَبْيَضَ اللَّوْنِ مُشْرَبًا حُمْرَةً، جَمِيلًا رَبْعَةً حَسَنَ الْجِسْمِ، قَاتِمَ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، فِيهَا نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ بِطْرِيقِ مَكَّةَ فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ خَمْسَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً. وَكَانَ قَدْ جَمَعَ أَصْحَابَ النُّجُومِ فِي زَمَانِهِ حِينَ اشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ ; لِيَنْظُرُوا فِي مَوْلِدِهِ وَمَا تَقْتَضِيهِ صِنَاعَةُ النُّجُومِ كَمْ تَدُومُ أَيَّامُ دَوْلَتِهِ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ رُءُوسِهِمْ جَمَاعَةٌ ; مِنْهُمُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ وَالْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ نَوْبَخْتَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْخُوَارِزْمِيُّ الْمَجُوسِيُّ الْقُطْرُبُّلِيُّ، وَسَنَدٌ صَاحِبُ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْثَمِ، وَعَامَّةُ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي النُّجُومِ، فَنَظَرُوا فِي مَوْلِدِهِ، وَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ أَجْمَعُوا أَنَّهُ يَعِيشُ دَهْرًا طَوِيلًا، وَقَدَرُوا لَهُ خَمْسِينَ سَنَةً مُسْتَقْبَلَةً فَلَمْ يَلْبَثْ
(14/326)

بَعْدَ قَوْلِهِمْ إِلَّا عَشَرَةَ أَيَّامٍ حَتَّى مَاتَ. ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَذَكَرَ الْحُسَيْنُ بْنُ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ شَهِدَ الْوَاثِقَ بَعْدَ أَنْ مَاتَ الْمُعْتَصِمُ بِأَيَّامٍ، وَقَدْ قَعَدَ مَجْلِسًا كَانَ أَوَّلَ مَجْلِسٍ قَعَدَهُ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا غُنِّيَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَنْ تَغَنَّتْ شَارِيَةُ، جَارِيَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ:
مَا دَرَى الْحَامِلُونَ يَوْمَ اسْتَقَلُّوا ... نَعْشَهُ لِلثَّوَاءِ أَمْ لِلِقَاءِ
فَلْيَقُلْ فِيكَ بَاكِيَاتُكَ مَا شِئْ ... نَ صَبَاحًا وَعِنْدَ كُلِّ مَسَاءِ
قَالَ: فَبَكَى وَبَكَيْنَا حَتَّى شَغَلَنَا الْبُكَاءُ عَنْ جَمِيعِ مَا كُنَّا فِيهِ، ثُمَّ انْدَفَعَ بَعْضُهُمْ يُغَنِّي:
وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ ... وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعًا أَيُّهَا الرَّجُلُ
فَازْدَادَ وَاللَّهِ بُكَاؤُهُ، وَقَالَ: مَا سَمِعْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ تَعْزِيَةً بِأَبٍّ وَنَعْيَ
(14/327)

نَفْسٍ. ثُمَّ ارْفَضَّ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ دِعْبَلَ بْنَ عَلِيٍّ الشَّاعِرَ لَمَّا تَوَلَّى الْوَاثِقُ عَمَدَ إِلَى طُومَارٍ، فَكَتَبَ فِيهِ أَبْيَاتَ شِعْرٍ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْحَاجِبِ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: أَقْرِئْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ السَّلَامَ، وَقُلْ: هَذِهِ أَبْيَاتٌ امْتَدَحَكَ بِهَا دِعْبَلٌ. فَلَمَّا فَضَّهَا الْوَاثِقُ إِذَا فِيهَا:
الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا صَبْرٌ وَلَا جَلَدُ ... وَلَا عَزَاءٌ إِذَا أَهْلُ الْهَوَى رَقَدُوا
خَلِيفَةٌ مَاتَ لَمْ يَحْزَنْ لَهُ أَحَدٌ ... وَآخَرُ قَامَ لَمْ يَفْرَحْ بِهِ أَحَدُ
فَمَرَّ هَذَا وَمَرَّ الشُّؤْمُ يَتْبَعُهُ ... وَقَامَ هَذَا فَقَامَ الْوَيْلُ وَالنَّكَدُ
قَالَ: فَتَطَلَّبَهُ الْخَلِيفَةُ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ الْوَاثِقُ. وَرَوَى أَيْضًا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَخْلَفَ الْوَاثِقُ ابْنَ أَبِي دُؤَادٍ عَلَى الصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ قَالَ: كَيْفَ كَانَ عِيدُكُمْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: كُنَّا فِي نَهَارٍ لَا شَمْسَ فِيهِ. فَضَحِكَ وَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنَا مُؤَيَّدٌ بِكَ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَكَانَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى الْوَاثِقِ، وَحَمَلَهُ عَلَى التَّشْدِيدِ فِي الْمِحْنَةِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. قَالَ: وَيُقَالُ: إِنَّ
(14/328)

الْوَاثِقَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ، حَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْمُهْتَدِي أَنَّ الْوَاثِقَ مَاتَ، وَقَدْ تَابَ مِنَ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ.
وَرَوَى أَنَّ الْوَاثِقَ دَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا مُؤَدِّبُهُ فَأَكْرَمَهُ إِكْرَامًا كَثِيرًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ مَنْ فَتَقَ لِسَانِي بِذِكْرِ اللَّهِ، وَأَدْنَانِي مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
جَذَبْتُ دَوَاعِي النَّفْسِ عَنْ طَلَبِ الْغِنَى ... وَقُلْتُ لَهَا عِفِّي عَنِ الطَّلَبِ النَّزْرِ
فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِكَفِّهِ ... مَدَارُ رَحَا الْأَرْزَاقِ دَائِبَةً تَجْرِي
فَوَقَّعَ لَهُ فِي رُقْعَتِهِ: جَذَبَتْكَ نَفْسُكَ عَنِ امْتِهَانِهَا، وَدَعَتْكَ إِلَى صَوْنِهَا، فَخُذْ مَا طَلَبْتَهُ هَنِيئًا. وَأَجْزَلَ لَهُ الْعَطَاءَ.
وَمِنْ شَعْرِهِ قَوْلُهُ:
(14/329)

هِيَ الْمَقَادِيرُ تَجْرِي فِي أَعِنَّتِهَا ... فَاصْبِرْ فَلَيْسَ لَهَا صَبْرٌ عَلَى حَالِ
وَمِنْ شِعْرِ الْوَاثِقِ قَوْلُهُ:
تَنَحَّ عَنِ الْقَبِيحِ وَلَا تُرِدْهُ ... وَمَنْ أَوْلَيْتَهُ حُسْنًا فَزِدْهُ
سَتُكْفَى مِنْ عَدُوِّكَ كُلَّ كَيْدٍ ... إِذَا كَادَ الْعَدُوُّ وَلَمْ تَكِدْهُ
وَقَالَ الْقَاضِي يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ مَا أَحْسَنَ أَحَدٌ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ إِلَى آلِ أَبِي طَالِبٍ مَا أَحْسَنَ إِلَيْهِمُ الْوَاثِقُ، مَا مَاتَ وَفِيهِمْ فَقِيرٌ. وَلَمَّا احْتُضِرَ الْوَاثِقُ جَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ:
الْمَوْتُ فِيهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ مُشْتَرِكٌ ... لَا سُوقَةٌ مِنْهُمْ يَبْقَى وَلَا مَلِكُ
مَا ضَرَّ أَهْلَ قَلِيلٍ فِي تَفَاقُرِهِمْ ... وَلَيْسَ يُغْنِي عَنِ الْأَمْلَاكِ مَا مَلَكُوا
ثُمَّ أَمَرَ بِالْبُسُطِ فَطُوِيَتْ ثُمَّ أَلْصَقَ خَدَّهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا مَنْ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ ارْحَمْ مَنْ قَدْ زَالَ مُلْكُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا احْتُضِرَ الْوَاثِقُ وَنَحْنُ حَوْلُهُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: انْظُرُوا هَلْ قَضَى نَحْبَهُ؟ قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَيْهِ لِأَنْظُرَ هَلْ هَدَأَ نَفَسُهُ، فَأَفَاقَ فَلَحَظَ إِلَيَّ بِعَيْنِهِ فَرَجَعْتُ الْقَهْقَرَى ; خَوْفًا مِنْهُ، فَتَعَلَّقَتْ قَائِمَةُ سَيْفِي بِشَيْءٍ فَكِدْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَمَا كَانَ عَنْ
(14/330)

قَرِيبٍ حَتَّى مَاتَ، وَأُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَبَقِيَ فِيهِ وَحْدَهُ، وَاشْتَغَلُوا عَنْ تَجْهِيزِهِ بِالْبَيْعَةِ لِأَخِيهِ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ وَجَلَسْتُ أَنَا أَحْرُسُ الْبَابَ فَسَمِعْتُ حَرَكَةً مِنْ دَاخِلِ الْبَيْتِ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا جُرَذٌ قَدْ أَكَلَ عَيْنَهُ الَّتِي لَحَظَ إِلَيَّ بِهَا، وَمَا كَانَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ إِلَّا الْيَسِيرُ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى الَّتِي كَانَ يَسْكُنُهَا فِي الْقَصْرِ الْهَارُونِيِّ، فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ خَمْسَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: خَمْسَ سِنِينَ وَشَهْرَيْنِ وَأَحَدٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ جَعْفَرٌ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
خِلَافَةُ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ
بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ أَخِيهِ هَارُونَ الْوَاثِقِ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ وَقْتَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَتِ الْأَتْرَاكُ قَدْ عَزَمُوا
(14/331)

عَلَى تَوْلِيَةِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْوَاثِقِ، فَاسْتَصْغَرُوهُ فَتَرَكُوهُ، وَعَدَلُوا إِلَى جَعْفَرٍ هَذَا، وَكَانَ عُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ الَّذِي أَلْبَسَهُ خِلْعَةَ الْخِلَافَةِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ الْقَاضِي، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، وَبَايَعَهُ الْخَاصَّةُ، ثُمَّ الْعَامَّةُ، وَكَانُوا قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِالْمُنْتَصِرِ بِاللَّهِ إِلَى صَبِيحَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ يُلَقَّبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ. فَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ، وَأَمَرَ بِعَطَاءِ الشَّاكِرِيَّةِ مِنَ الْجُنْدِ ثَمَانِيَةَ شُهُورٍ، وَلِلْمَغَارِبَةِ أَرْبَعَةَ شُهُورٍ، وَلِغَيْرِهِمْ ثَلَاثَةَ شُهُورٍ، وَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِهِ.
وَقَدْ كَانَ الْمُتَوَكِّلُ رَأَى فِي مَنَامِهِ فِي حَيَاةِ أَخِيهِ هَارُونَ الْوَاثِقِ كَأَنَّ شَيْئًا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَكْتُوبٌ فِيهِ: جَعْفَرٌ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ فَعَبَرَهَا فَقِيلَ لَهُ: هِيَ الْخِلَافَةُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَخَاهُ الْوَاثِقَ فَسَجَنَهُ حِينًا، ثُمَّ أَرْسَلَهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ أَمِيرُ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، وَعَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ.
(14/332)

[سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعِ صَفَرٍ مِنْهَا أَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ بِالْقَبْضِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ وَزِيرِ الْوَاثِقِ، وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ يُبْغِضُهُ لِأُمُورٍ ; مِنْهَا أَنَّ أَخَاهُ الْوَاثِقَ تَغَضَّبَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَكَانَ ابْنُ الزَّيَّاتِ يَزِيدُ الْوَاثِقَ غَضَبًا عَلَى أَخِيهِ، فَبَقِيَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ، ثُمَّ كَانَ الَّذِي اسْتَرْضَى الْوَاثِقَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ فَحَظِيَ لِذَلِكَ عِنْدَهُ فِي أَيَّامِ مُلْكِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الزَّيَّاتِ كَانَ قَدْ أَشَارَ بِخِلَافَةِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْوَاثِقِ بَعْدَ أَبِيهِ، وَلَفَّ عَلَيْهِ النَّاسَ، وَجَعْفَرٌ الْمُتَوَكِّلُ فِي جَنْبِ دَارِ الْخِلَافَةِ، فَلَمْ يَتِمَّ الْأَمْرُ إِلَّا لِجَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ ابْنِ الزَّيَّاتِ فَلِهَذَا أَمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ سَرِيعًا فَطَلَبَهُ، فَرَكِبَ بَعْدَ غَدَائِهِ يَظُنُّ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعَثَ إِلَيْهِ، فَأَتَتْ بِهِ الرُّسُلُ إِلَى دَارِ إِيتَاخَ أَمِيرِ الشُّرْطَةِ فَاحْتِيطَ عَلَيْهِ وَقُيِّدَ، وَبَعَثُوا فِي الْحَالِ إِلَى دَارِهِ فَأُخِذَ جَمِيعُ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَاللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْحَوَاصِلِ وَالْجَوَارِي وَالْأَثَاثِ، وَوَجَدُوا فِي مَجْلِسِهِ
(14/333)

الْخَاصِّ بِهِ آلَاتِ الشَّرَابِ، وَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَى حَوَاصِلِهِ وَضِيَاعِهِ بِسَائِرِ الْأَمَاكِنِ، فَاحْتِيطَ عَلَيْهَا، وَأُمِرَ بِهِ أَنْ يُعَذَّبَ ; فَمُنِعَ مِنَ الطَّعَامِ، وَجَعَلُوا يُسَاهِرُونَهُ، كُلَّمَا أَرَادَ الرُّقَادَ نُخِسَ بِالْحَدِيدِ، ثُمَّ وُضِعَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي تَنُّورٍ مِنْ خَشَبٍ فِيهِ مَسَامِيرُ قَائِمَةٌ فِي أَسْفَلِهِ فَأُقِيمَ عَلَيْهَا وَوُكِّلَ بِهِ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنَ الرُّقَادِ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ التَّنُّورِ وَفِيهِ رَمَقٌ فَضُرِبَ عَلَى بَطْنِهِ ثُمَّ عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ تَحْتَ الضَّرْبِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ أُحْرِقَ ثُمَّ دُفِعَتْ جُثَّتُهُ إِلَى أَوْلَادِهِ فَدَفَنُوهُ، فَنَبَشَتْ عَلَيْهِ الْكِلَابُ فَأَكَلَتْ لَحْمَهُ وَجِلْدَهُ، سَامَحَهُ اللَّهُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لِإِحْدَى عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا.
وَكَانَ قِيمَةُ مَا وُجِدَ لَهُ مِنَ الْحَوَاصِلِ نَحْوًا مِنْ تِسْعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ أَخِيهِ الْوَاثِقِ أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ الْخُزَاعِيَّ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَحْرَقَنِي اللَّهُ بِالنَّارِ إِنْ كَانَ الْوَاثِقُ قَتَلَهُ يَوْمَ قَتَلَهُ إِلَّا
(14/334)

وَهُوَ كَافِرٌ. قَالَ الْمُتَوَكِّلُ: فَأَنَا أَحْرَقْتُهُ بِالنَّارِ.
وَفِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا فُلِجَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ الْقَاضِي الْمُعْتَزِلِيُّ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا دَعَا عَلَى نَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ غَضِبَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْكُتَّابِ وَالْعُمَّالِ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً جِدًّا.
وَفِيهَا وَلَّى الْمُتَوَكِّلُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا الْمُنْتَصِرَ الْحِجَازَ وَالْيَمَنَ وَعَقَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا.
وَفِيهَا عَمَدَ مَلِكُ الرُّومِ مِيخَائِيلُ بْنُ تَوْفِيلَ إِلَى أُمِّهِ تَدُورَةَ فَأَقَامَهَا بِالشَّمْسِ وَأَلْزَمَهَا الدَّيْرَ، وَقَتَلَ الرَّجُلَ الَّذِي اتَّهَمَهَا بِهِ، وَكَانَ مُلْكُهَا سِتَّ سِنِينَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ أَمِيرُ مَكَّةَ حَرَسَهَا اللَّهُ وَشَرَّفَهَا.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّامِيُّ. وَحِبَّانُ بْنُ مُوسَى الْمَرْوَزِيُّ، وَسُلَيْمَانُ
(14/335)

بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَمَاعَةَ الْقَاضِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ الدِّمَشْقِيُّ، صَاحِبُ " الْمَغَازِي "، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْمَقَابِرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَأُسْتَاذُ أَهْلِ صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ فِي زَمَانِهِ.
(14/336)

[سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ الْبُعَيْثِ بْنِ الْجَلِيسِ عَنِ الطَّاعَةِ فِي بِلَادِهِ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ وَأَظْهَرَ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ قَدْ مَاتَ، وَالْتَفَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الرَّسَاتِيقِ، وَلَجَأَ إِلَى مَدِينَةِ مَرَنْدَ فَحَصَّنَهَا، وَجَاءَتْهُ الْبُعُوثُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُتَوَكِّلُ جُيُوشًا يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَنَصَبُوا عَلَى بَلَدِهِ الْمَجَانِيقَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَحَاصَرُوهُ مُحَاصِرَةً عَظِيمَةً جِدًّا، وَقَاتَلَهُمْ مُقَاتَلَةً هَائِلَةً، وَصَبَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ صَبْرًا بَلِيغًا، وَقَدِمَ بُغَا الشَّرَابِيُّ لِمُحَاصَرَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَسَرَهُ، وَاسْتَبَاحَ أَمْوَالَهُ وَحَرَمَهُ، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِهِ، وَأَسَرَ سَائِرَهُمْ، وَانْحَسَمَتْ مَادَّةُ ابْنِ الْبُعَيْثِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَفِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا خَرَجَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَى الْمَدَائِنِ.
وَفِيهَا حَجَّ إِيتَاخُ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ، وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمَوْسِمِ، وَدُعِيَ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَقَدْ كَانَ إِيتَاخُ هَذَا غُلَامًا خَزَرِيًّا،
(14/337)

طَبَّاخًا لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: سَلَّامٌ الْأَبْرَشُ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ الْمُعْتَصِمُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، فَرَفَعَ مَنْزِلَتَهُ، وَحَظِيَ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْوَاثِقُ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِ، ضَمَّ إِلَيْهِ أَعْمَالًا كَثِيرَةً، وَكَذَلِكَ عَامَلَهُ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ أَيْضًا وَذَلِكَ لِرُجْلَةِ إِيتَاخَ وَشَهَامَتِهِ وَنَهْضَتِهِ، وَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ شَرِبَ لَيْلَةً مَعَ الْمُتَوَكِّلِ فَعَرْبَدَ عَلَيْهِ الْمُتَوَكِّلُ فَهَمَّ إِيتَاخُ بِقَتْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ اعْتَذَرَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَبِي وَأَنْتَ رَبَّيْتَنِي ثُمَّ دَسَّ إِلَيْهِ مَنْ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَسْتَأْذِنَ لِلْحَجِّ، فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، وَأَمَّرَهُ عَلَى كُلِّ بَلْدَةٍ يَحِلُّ بِهَا، وَخَرَجَ الْقُوَّادُ فِي خِدْمَتِهِ إِلَى طَرِيقِ الْحَجِّ حِينَ خَرَجَ، وَوَلَّى الْمُتَوَكِّلُ الْحِجَابَةَ لِوَصِيفٍ الْخَادِمِ عِوَضًا عَنْ إِيتَاخَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ أَمِيرُ مَكَّةَ وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِيجِ مِنْ سِنِينَ مُتَقَدِّمَةٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الشَّاذَكُونِيُّ، أَحَدُ
(14/338)

الْحُفَّاظِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، وَأَبُو رَبِيعٍ الزَّهْرَانِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدِينِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَالْمُعَافَى الرُّسْعَنِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ رَاوِي الْمُوَطَّأِ لِلْمَغَارِبَةِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
(14/339)

[سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا كَانَ هَلَاكُ إِيتَاخَ فِي السِّجْنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْحَجِّ فَتَلَقَّتْهُ هَدَايَا الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ يُرِيدُ دُخُولَ سَامَرَّاءَ الَّتِي فِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَ إِلَيْهِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَائِبُ بَغْدَادَ عَنْ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهَا ; لِيَتَلَقَّاهُ وُجُوهُ النَّاسِ، وَبَنِي هَاشِمٍ فَدَخَلَهَا فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى ابْنَيْهِ مُظَفَّرٍ وَمَنْصُورٍ وَكَاتِبَيْهِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ وَقُدَامَةَ بْنِ زِيَادٍ النَّصْرَانِيِّ فَأَسْلَمَ تَحْتَ الْعُقُوبَةِ، وَكَانَ هَلَاكُ إِيتَاخَ بِالْعَطَشِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَكَلَ أَكْلًا كَثِيرًا بَعْدَ جُوعٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ اسْتَقَى الْمَاءَ فَلَمْ يُسْقَ حَتَّى مَاتَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا. وَمَكَثَ وَلَدَاهُ فِي السِّجْنِ مُدَّةَ خِلَافَةِ الْمُتَوَكِّلِ، فَلَمَّا وَلِي الْمُنْتَصِرُ وَلَدُ الْمُتَوَكِّلِ أَخْرَجَهُمَا.
وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا قَدِمَ بُغَا سَامَرَّا وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْبُعَيْثِ وَأَخَوَاهُ صَقْرٌ وَخَالِدٌ، وَنَائِبُهُ الْعَلَاءُ، وَمَعَهُمْ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِهِ نَحْوٌ مَنْ مِائَةٍ وَثَمَانِينَ إِنْسَانًا، فَأُدْخِلُوا عَلَى الْجِمَالِ لِيَرَاهُمُ النَّاسُ، فَلَمَّا أُوقِفَ ابْنُ الْبُعَيْثِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُتَوَكِّلِ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَأُحْضِرَ السَّيْفُ وَالنِّطْعُ فَجَاءَ السَّيَّافُونَ فَوَقَفُوا حَوْلَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمُتَوَكِّلُ: وَيْلَكَ، مَا دَعَاكَ إِلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: الشِّقْوَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،
(14/340)

وَأَنْتَ الْحَبْلُ الْمَمْدُودُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَإِنَّ لِي فِيكَ لَظَنَّيْنِ، أَسْبَقُهُمَا إِلَى قَلْبِي أَوْلَاهُمَا بِكَ ; وَهُوَ الْعَفْوُ. ثُمَّ انْدَفَعَ يَقُولُ بَدِيهَةً:
أَبَى النَّاسُ إِلَّا أَنَّكَ الْيَوْمَ قَاتِلِي ... إِمَامَ الْهُدَى وَالصَّفْحُ بِالْمَرْءِ أَجْمَلُ
وَهَلْ أَنَا إِلَّا جُبْلَةٌ مِنْ خَطِيَّةٍ ... وَعَفْوُكَ مِنْ نُورِ النُّبُوَّةِ يُجْبَلُ
فَإِنَّكَ خَيْرُ السَّابِقِينَ إِلَى الْعُلَا ... وَلَا شَكَّ أَنَّ خَيْرَ الْفَعَالَيْنِ تَفْعَلُ
فَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ: إِنَّ مَعَهُ لَأَدَبًا. ثُمَّ عَفَا عَنْهُ، وَيُقَالُ: بَلْ شَفَعَ فِيهِ الْمُعْتَزُّ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ، فَشَفَّعَهُ فِيهِ. وَيُقَالُ: بَلْ أَوْدِعَ فِي السِّجْنِ فِي قُيُودٍ ثَقِيلَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِ حَتَّى هَرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ حِينَ هَرَبَ:
كَمْ قَدْ قَضَيْتُ أُمُورًا كَانَ أَهْمَلَهَا ... غَيْرِي وَقَدْ أَخَذَ الْإِفْلَاسُ بِالْكَظَمِ
لَا تَعْذِلِينِي فِيمَا لَيْسَ يَنْفَعُنِي ... إِلَيْكِ عَنِّي جَرَى الْمِقْدَارُ بِالْقَلَمِ
سَأُتْلِفُ الْمَالَ فِي عُسْرٍ وَفِي يُسْرٍ ... إِنَّ الْجَوَادَ الَّذِي يُعْطِي عَلَى الْعَدَمِ
وَفِيهَا أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ أَهْلَ الذِّمَّةِ أَنْ يَتَمَيَّزُوا عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِمْ وَعَمَائِمِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، وَأَنْ يَتَطَيْلَسُوا بِالْمَصْبُوغِ بِالْعَسَلِيِّ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى غِلْمَانِهِمْ رِقَاعٌ - مُخَالِفَةٌ لِلَوْنِ ثِيَابِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ وَمِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَأَنْ يُلْزَمُوا
(14/341)

بِالزَّنَانِيرِ الْخَاصِرَةِ لِثِيَابِهِمْ كَزَنَانِيرِ الْفَلَّاحِينَ الْيَوْمَ، وَأَنْ يَحْمِلُوا فِي رِقَابِهِمْ كُرَاتٍ مِنْ خَشَبٍ كَثِيرَةً، وَأَنْ لَا يَرْكَبُوا خَيْلًا، وَلْتَكُنْ رُكُبُهُمْ مِنْ خَشَبٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُذِلَّةِ لَهُمُ الْمُهِينَةِ لِنُفُوسِهِمْ، وَأَنْ لَا يُسْتَعْمَلُوا فِي شَيْءٍ مِنَ الدَّوَاوِينِ الَّتِي يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا حُكْمٌ عَلَى مُسْلِمٍ، وَأَمَرَ بِتَخْرِيبِ كَنَائِسِهِمُ الْمُحْدَثَةِ، وَبِتَضْيِيقِ مَنَازِلِهِمُ الْمُتَّسِعَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ، وَأَنْ يَعْمَلُوا مَا كَانَ مُتَّسِعًا كَبِيرًا مَسْجِدًا، وَأَمَرَ بِتَسْوِيَةِ قُبُورِهِمْ بِالْأَرْضِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى سَائِرِ الْأَقَالِيمِ وَالْآفَاقِ، وَإِلَى كُلِّ بَلَدٍ وَرُسْتَاقٍ.
وَفِيهَا خَرَجَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَحْمُودُ بْنُ الْفَرَجِ النَّيْسَابُورِيُّ. وَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى خَشَبَةِ بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ وَهُوَ مَصْلُوبٌ، فَيَقْعُدُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَذَلِكَ بِقُرْبِ دَارِ الْخِلَافَةِ مِنْ سُرَّ مَنْ رَأَى، فَادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ، وَقَدِ اتَّبَعَهُ عَلَى هَذِهِ الضَّلَالَةِ، وَوَافَقَهُ فِي هَذِهِ الْجَهَالَةِ جَمَاعَةٌ قَلِيلُونَ، وَهُمْ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، وَقَدْ نَظَمَ لَهُمْ كَلَامًا فِي مُصْحَفٍ لَهُ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - زَعَمَ لَعَنَهُ اللَّهُ أَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَاءَهُ بِهِ مِنَ اللَّهِ فَأُخِذَ فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالسِّيَاطِ ; فَاعْتَرَفَ بِمَا نُسِبَ إِلَيْهِ، وَمَا هُوَ مُعَوِّلٌ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ مِنْ ذَلِكَ، وَالرُّجُوعَ عَنْهُ فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ أَنْ يَصْفَعَهُ عَشْرَ صَفَعَاتٍ فَفَعَلُوا، فَعَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ لَعْنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، ثُمَّ اتَّفَقَ مَوْتُهُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ
(14/342)

وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ الْمُبَارَكَةِ أَخَذَ الْخَلِيفَةُ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ الْعَهْدَ مِنْ بَعْدِهِ لِأَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ وَهُمْ: مُحَمَّدٌ الْمُنْتَصِرُ، ثُمَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُعْتَزُّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَقِيلَ: الزُّبَيْرُ، ثُمَّ لِإِبْرَاهِيمَ وَسَمَّاهُ الْمُؤَيَّدَ بِاللَّهِ، وَلَمْ يَلِ هَذَا الْخِلَافَةَ. وَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَائِفَةً مِنَ الْبِلَادِ يَكُونُ نَائِبًا عَلَيْهَا وَنُوَّابُهُ فِيهَا، وَيَضْرِبُ لَهُ السَّكَّةُ بِهَا، وَقَدْ عَيَّنَ ابْنُ جَرِيرٍ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنَ الْبُلْدَانِ وَالْأَقَالِيمِ وَالرَّسَاتِيقِ، وَعَقَدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِوَاءَيْنِ، لِوَاءً أَسْوَدَ لِلْعَهْدِ، وَلِوَاءً أَبْيَضَ لِلْعَمَالَةِ، وَكَتَبَ بَيْنَهُمْ كِتَابًا بِالرِّضَا مِنْهُمْ بِمُبَايَعَةِ الْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَفِيهَا فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ هَذَا مِنْهَا تَغَيَّرَ مَاءُ دِجْلَةَ إِلَى الصُّفْرَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ صَارَ فِي لَوْنِ مَاءِ الْمُدُودِ فَفَزِعَ النَّاسُ لِذَلِكَ.
وَفِيهَا أَتَى الْمُتَوَكِّلُ بِيَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ بَعْضِ النَّوَاحِي، وَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنَ الشِّيعَةِ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ فَضُرِبَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ مِقْرَعَةً ثُمَّ حُبِسَ فِي الْمُطْبِقِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.
(14/343)

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ صَاحِبُ الْجِسْرِ يَعْنِي نَائِبَ بَغْدَادَ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَصُيِّرَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ مَكَانَهُ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ خَمْسُ خِلَعٍ، وَقُلِّدَ سَيْفًا.
قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ لَهُ فِي نِيَابَةِ بَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ مِنْ زَمَنِ الْمَأْمُونِ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الدُّعَاةِ تَبَعًا لِسَادَتِهِ وَكُبَرَائِهِ، إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ:
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَاهَانَ الْمَوْصِلِيُّ النَّدِيمُ، الْأَدِيبُ ابْنُ الْأَدِيبِ، النَّادِرُ الشَّكْلُ فِي وَقْتِهِ الْمَجْمُوعُ الْفَضَائِلِ مِنْ كُلِّ فَنٍّ يَعْرِفُهُ أَبْنَاءُ عَصْرِهِ، مِنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالْجَدَلِ وَالْكَلَامِ وَاللُّغَةِ وَالشِّعْرِ، وَإِنَّمَا اشْتُهِرَ بِالْغِنَاءِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الدُّنْيَا نَظِيرٌ فِيهِ.
قَالَ الْمُعْتَصِمُ: إِنَّ إِسْحَاقَ إِذَا غَنَّى يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُ قَدْ زِيدَ فِي مُلْكِي. وَقَالَ الْمَأْمُونُ لَوْلَا اشْتِهَارُهُ بِالْغِنَاءِ لَوَلَّيْتُهُ الْقَضَاءَ ; لِمَا أَعْلَمُهُ مِنْ عِفَّتِهِ وَنَزَاهَتِهِ وَأَمَانَتِهِ.
(14/344)

وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وَدِيوَانٌ كَبِيرٌ. وَكَانَتْ عِنْدَهُ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كُلِّ فَنٍّ.
تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا.
وَقَدْ تَرْجَمَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ تَرْجَمَةً حَافِلَةً، وَذَكَرَ عَنْهُ أَشْيَاءَ حَسَنَةً، وَأَشْعَارًا بَدِيعَةً رَائِقَةً، وَحِكَايَاتٍ مُدْهِشَةً يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهَا. فَمِنْ غَرِيبِ ذَلِكَ أَنَّهُ غَنَّى يَوْمًا لِيَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ فَوَقَّعَ لَهُ بِأَلْفِ أَلْفٍ، وَوَقَّعَ لَهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ بِمِثْلِهَا، وَابْنُهُ الْفَضْلُ بِمِثْلِهَا فِي حِكَايَةٍ طَوِيلَةٍ.
قُلْتُ: وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ:
سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَحَدُ الْأَعْلَامِ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ " الْمُصَنَّفِ " الَّذِي لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ مِثْلَهُ قَطُّ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.
(14/345)

[سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِهَدْمِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: مَنْ وُجِدَ هَاهُنَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ رُفِعَ إِلَى الْمُطْبِقِ. فَلَمْ يَبْقَ هُنَاكَ بَشَرٌ، وَاتَّخَذَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَزْرَعَةً تُحْرَثُ وَتُسْتَغَلُّ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدٌ الْمُنْتَصِرُ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ، سَمَّهُ ابْنُ أَخِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا مِنَ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ الْوَزِيرُ، وَالِدُ بُورَانَ زَوْجَةِ الْمَأْمُونِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَكَانَ مِنْ سَرَاةِ النَّاسِ وَرُؤَسَائِهِمْ. وَيُقَالُ: إِنَّ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(14/346)

وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْمَرْوَزِيُّ فَجْأَةً، فَوَلِيَ ابْنُهُ يُوسُفُ مَكَانَهُ عَلَى نِيَابَةِ أَرْمِينِيَّةَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَيْضًا: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، وَمُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ، وَهُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ الْقَيْسِيُّ، وَأَبُو الصَّلْتِ الْهَرَوِيُّ، أَحَدُ الضُّعَفَاءِ.
(14/347)

[سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا قَبَضَ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ نَائِبُ أَرْمِينِيَّةَ عَلَى الْبِطْرِيقِ الْكَبِيرِ بِهَا وَبَعَثَهُ إِلَى نَائِبِ الْخَلِيفَةِ، وَاتَّفَقَ بَعْدَ بَعْثِهِ إِيَّاهُ أَنْ سَقَطَ ثَلْجٌ عَظِيمٌ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، فَتَحَزَّبَ أَهْلُ ذَلِكَ الْبِطْرِيقِ، وَجَاءُوا فَحَاصَرُوا الْبَلَدَ الَّتِي بِهَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ ; لِيُقَاتِلَهُمْ، فَقَتَلُوهُ وَطَائِفَةً كَبِيرَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَعَهُ، وَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي الثَّلْجِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَلَمَّا بَلَغَ الْمُتَوَكِّلَ مَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْفَظِيعِ ; أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ بُغَا الْكَبِيرَ مِنْ جَيْشٍ كَثِيفٍ جِدًّا، فَقَتَلَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ مِمَّنْ حَاصَرَ الْمَدِينَةَ وَقَتَلَ الْأَمِيرَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا وَأَسَرَ مِنْهُمْ طَائِفَةً كَبِيرَةً، ثُمَّ سَارَ إِلَى بِلَادِ الْبَاقِ مِنْ كُورَةِ الْبَسْفُرْجَانَ، وَسَلَكَ إِلَى مُدُنٍ كَثِيرَةٍ كِبَارٍ، وَمَهَّدَ الْمَمَالِكَ، وَوَطَّدَ الْبِلَادَ وَالنَّوَاحِيَ.
وَفِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ غَضِبَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ الْقَاضِي الْمُعْتَزِلِيِّ، وَكَانَ عَلَى الْمَظَالِمِ فَعَزَلَهُ عَنْهَا، وَاسْتَدْعَى بِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ فَوَلَّاهُ قَضَاءَ
(14/348)

الْقُضَاةِ وَالْمَظَالِمِ أَيْضًا.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَى ضِيَاعِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ، وَأَخَذَ ابْنَهُ أَبَا الْوَلِيدِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ، فَحَبَسَهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَأَمَرَ بِمُصَادَرَتِهِ فَحَمَلَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمِنَ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ مَا يُقَوَّمُ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ صُولِحَ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَكَانَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ قَدْ أَصَابَهُ الْفَالِجُ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ نَفَى أَهْلَهُ مِنْ سَامَرَّا إِلَى بَغْدَادَ مُهَانِينَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:
لَوْ كُنْتَ فِي الرَّأْيِ مَنْسُوبًا إِلَى رَشَدٍ ... وَكَانَ عَزْمُكَ عَزْمًا فِيهِ تَوْفِيقُ
لَكَانَ فِي الْفِقْهِ شُغْلٌ لَوْ قَنِعْتَ بِهِ ... عَنْ أَنْ تَقُولَ كِتَابُ اللَّهِ مَخْلُوقُ
مَاذَا عَلَيْكَ وَأَصْلُ الدِّينِ يَجْمَعُهُمْ ... مَا كَانَ فِي الْفَرْعِ لَوْلَا الْجَهْلُ وَالْمُوْقُ
وَفِي عِيدِ الْفِطْرِ مِنْهَا أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِإِنْزَالِ جُثَّةِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيِّ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ، وَأَنْ يُسَلَّمَ إِلَى أَوْلِيَائِهِ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَاجْتَمَعَ مِنَ الْعَامَّةِ فِي جِنَازَتِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ جِدًّا، وَجَعَلُوا يَتَمَسَّحُونَ بِهَا، وَبِأَعْوَادِ نَعْشِهِ وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، ثُمَّ أَتَوْا إِلَى الْجِذْعِ الَّذِي صُلِبَ عَلَيْهِ فَجَعَلُوا يَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَأَرْهَجَ الْعَامَّةُ فِي ذَلِكَ فَرَحًا وَسُرُورًا،
(14/349)

فَكَتَبَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَى نَائِبِهِ يَأْمُرُهُ بِرَدْعِهِمْ عَنْ تَعَاطِي مِثْلِ ذَلِكَ وَعَنِ الْمُغَالَاةِ فِي الْبَشَرِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْكَلَامِ، فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَالْكَفِّ عَنِ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَأَظْهَرَ إِكْرَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَاسْتَدْعَاهُ مِنْ بَغْدَادَ إِلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ بِهِ فَأَكْرَمَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ سَنِيَّةٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً سَنِيَّةً مِنْ مَلَابِسِهِ، فَاسْتَحْيَا مِنْهُ أَحْمَدُ كَثِيرًا، فَلَبِسَهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ نَازِلًا فِيهِ، ثُمَّ نَزَعَهَا نَزْعًا عَنِيفًا وَهُوَ يَبْكِي، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَجَعَلَ الْمُتَوَكِّلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُرْسِلُ إِلَيْهِ مِنْ طَعَامِهِ الْخَاصِّ يَظُنُّ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَا يَأْكُلُ لَهُمْ طَعَامًا، بَلْ كَانَ صَائِمًا مُوَاصِلًا يَطْوِي تِلْكَ الْأَيَّامَ كُلَّهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ شَيْءٌ يَرْتَضِي أَكْلَهُ، وَلَكِنْ كَانَ ابْنَاهُ صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ يَقْبَلَانِ تِلْكَ الْجَوَائِزَ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ أَسْرَعُوا الْأَوْبَةَ إِلَى بَغْدَادَ لَخُشِيَ عَلَى أَحْمَدَ أَنْ يَمُوتَ جُوعًا.
وَارْتَفَعَ شَأْنُ السُّنَّةِ جِدًّا فِي أَيَّامِ الْمُتَوَكِّلِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ لَا يُوَلِّي أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ مَشُورَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ مَوْضِعَ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ عَنْ مَشُورَتِهِ أَيْضًا، وَقَدْ كَانَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ هَذَا مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَعُلَمَاءِ النَّاسِ، وَمِنَ الْمُعَظِّمِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَاتِّبَاعِ الْأَثَرِ، وَكَانَ قَدْ وَلَّى مِنْ جِهَتِهِ حَيَّانَ بْنَ بِشْرٍ قَضَاءَ الشَّرْقِيَّةِ، وَسَوَّارَ بْنَ
(14/350)

عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيَّ قَضَاءَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَكِلَاهُمَا كَانَ أَعْوَرَ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ:
رَأَيْتُ مِنَ الْكَبَائِرِ قَاضِيَيْنِ ... هُمَا أُحْدُوثَةٌ فِي الْخَافِقَيْنِ
هُمَا اقْتَسَمَا الْعَمَى نِصْفَيْنِ قَدًّا ... كَمَا اقْتَسَمَا قَضَاءَ الْجَانِبَيْنِ
وَتَحْسَبُ مِنْهُمَا مَنْ هَزَّ رَأْسًا ... لِيَنْظُرَ فِي مَوَارِيثٍ وَدَيْنِ
كَأَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ عَلَيْهِ دَنًّا ... فَتَحْتَ بُزَالَهُ مِنْ فَرْدِ عَيْنِ
هُمَا فَأْلُ الزَّمَانِ بِهُلْكِ يَحْيَى ... إِذِ افْتَتَحَ الْقَضَاءَ بِأَعْوَرَيْنِ
وَغَزَا الصَّائِفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْأَرْمِنِيُّ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ جَعْفَرِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، أَمِيرُ الْحِجَازِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
(14/351)

مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْفُضَيْلُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ.
(14/352)

[سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا حَاصَرَ بُغَا مَدِينَةَ تَفْلِيسَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ زَيْرَكُ التُّرْكِيُّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ صَاحِبُ تَفْلِيسَ إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فَقَاتَلَهُ، فَأُسِرَ إِسْحَاقُ، فَأَمَرَ بُغَا بِضَرْبِ عُنُقِهِ وَصَلْبِهِ، وَأَمَرَ بِإِلْقَاءِ النَّارِ فِي النِّفْطِ إِلَى نَحْوِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ أَكْثَرُ بِنَائِهَا مِنْ خَشَبِ الصَّنَوْبَرِ، فَأَحْرَقَ أَكْثَرَهَا، وَأَحْرَقَ مِنْ أَهْلِهَا نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ إِنْسَانٍ، وَطَفِئَتِ النَّارُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ ; لِأَنَّ نَارَ الصَّنَوْبَرِ لَا بَقَاءَ لَهَا، وَدَخَلَ الْجُنْدُ فَأَسَرُوا مَنْ بَقِيَ مَنْ أَهْلِهَا، وَاسْتَلَبُوهُمْ حَتَّى اسْتَلَبُوا الْمَوْتَى. ثُمَّ سَارَ بُغَا إِلَى مُدُنٍ أُخْرَى مِمَّنْ كَانَ يُمَالِئُ أَهْلُهَا مَعَ مَنْ قَتَلَ نَائِبَ أَرْمِينِيَّةَ يُوسُفَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، أَخْذًا بِثَأْرِهِ وَعُقُوبَةً لِمَنْ تَجَرَّأَ عَلَيْهِ.
وَفِيهَا جَاءَتِ الْفِرِنْجُ فِي نَحْوٍ مَنْ ثَلَاثِمِائَةِ مَرْكَبٍ، قَاصِدِينَ دِيَارَ مِصْرَ مِنْ نَاحِيَةِ دِمْيَاطَ فَدَخَلُوهَا فَجْأَةً فَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَحَرَقُوا الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ وَالْمِنْبَرَ، وَأَسَرُوا مِنَ النِّسَاءِ نَحْوًا مِنْ سِتِّمِائَةِ امْرَأَةٍ ; مِنَ الْمُسْلِمَاتِ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَالْبَاقِيَاتُ مِنْ نِسَاءِ الْقِبْطِ، وَأَخَذُوا مِنَ الْأَسْلِحَةِ وَالْأَمْتِعَةِ
(14/353)

وَالْمَغَانِمَ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا، وَفَرَّ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ جِهَةٍ فَكَانَ مَنْ غَرِقَ فِي بُحَيْرَةِ تِنِّيسَ أَكْثَرَ مِمَّنْ أَسَرُوهُ، ثُمَّ رَجَعُوا عَلَى حَمِيَّةٍ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ أَحَدٌ حَتَّى رَجَعُوا بِلَادَهُمْ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُمْ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الصَّائِفَةَ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْأَرْمِنِيُّ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ أَحَدُ الْأَعْلَامِ وَعُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَالْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْأَنَامِ. وَبِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ، الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ، وَطَالُوتُ بْنُ عَبَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ
(14/354)

الْبُرْجُلَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِىِّ الْعَسْقَلَانِيُّ
(14/355)

[سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا زَادَ الْمُتَوَكِّلُ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي التَّمَيُّزِ فِي اللِّبَاسِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَكَّدَ الْأَمْرَ بِتَخْرِيبِ الْكَنَائِسِ الْمُحْدَثَةِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَفِيهَا نَفَى الْمُتَوَكِّلُ عَلِيَّ بْنَ الْجَهْمِ إِلَى خُرَاسَانَ.
وَفِيهَا اتَّفَقَ شَعَانِينُ النَّصَارَى وَيَوْمُ النَّيْرُوزِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ يَوْمُ الْأَحَدِ لِعِشْرِينَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَزَعَمَتِ النَّصَارَى أَنَّ هَذَا لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُهُ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا فِي هَذَا الْعَامِ.
وَغَزَا الصَّائِفَةَ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْمَذْكُورُ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَالِي مَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدٌ ابْنُ الْقَاضِي أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ
(14/356)

الْإِيَادِيُّ الْمُعْتَزِلِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
قُلْتُ: وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ وَصَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ مُؤَذِّنُ أَهْلِ دِمَشْقَ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ أَحَدُ الْمَشَاهِيرِ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ صَاحِبُ " التَّفْسِيرِ "، " وَالْمُسْنَدِ " الْمَشْهُورِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، وَوَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ.
وَأَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، أَبُو عَلِيٍّ الْوَاعِظُ الزَّاهِدُ أَحَدُ
(14/357)

الْعُبَّادِ، لَهُ كَلَامٌ حَسَنٌ فِي الزُّهْدِ وَمُعَامَلَاتِ الْقُلُوبِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: كَانَ مِنْ طَبَقَةِ الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَبِشْرٍ الْحَافِي، وَكَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ يُسَمِّيهُ جَاسُوسَ الْقُلُوبِ ; لِحِدَّةِ فِرَاسَتِهِ.
رَوَى عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ وَطَبَقَتِهِ، وَعَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحِوَارِيِّ، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: مَرَرْتُ بِالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَهُوَ جَالِسٌ وَقْتَ السَّحَرِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مِثْلُكَ يَجْلِسُ فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ ! قَالَ: إِنِّي قَدْ تَوَضَّأْتُ فَأَرَدْتُهَا أَنْ تَقُومَ فَتُصَلِّيَ فَأَبَتْ عَلَيَّ، وَأَرَادَتْنِي عَلَى أَنْ تَنَامَ فَأَبَيْتُ عَلَيْهَا.
وَمِنْ مُسْتَجَادِ كَلَامِهِ ; قَوْلُهُ: إِذَا أَرَدْتَ صَلَاحَ قَلْبِكَ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِحِفْظِ لِسَانِكَ. وَقَالَ: مِنَ الْغَنِيمَةِ الْبَارِدَةِ أَنْ تُصْلِحَ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ فَيُغْفَرَ لَكَ مَا مَضَى مِنْهُ، وَقَالَ: يَسِيرُ الْيَقِينِ يُخْرِجُ الشَّكَّ كُلَّهُ مِنَ الْقَلْبِ، وَيَسِيرُ الشَّكِّ يُخْرِجُ الْيَقِينَ كُلَّهُ مِنْهُ، وَقَالَ: مَنْ كَانَ بِاللَّهِ أَعْرَفَ كَانَ
(14/358)

لَهُ أُخْوَفَ. وَقَالَ: خَيْرُ صَاحِبٍ لَكَ فِي دُنْيَاكَ الْهَمُّ يَقْطَعُكَ عَنِ الدُّنْيَا، وَيُوصِلُكَ إِلَى الْآخِرَةِ، وَمِنْ شِعْرِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
هَمَمْتُ وَلَمْ أَعْزِمْ وَلَوْ كُنْتُ صَادِقًا ... عَزَمْتُ وَلَكِنَّ الْفِطَانَ شَدِيدُ
وَلَوْ كَانَ لِي عَقْلٌ وَإِيقَانُ مُوقِنٍ ... لَمَا كُنْتُ عَنْ قَصْدِ الطَّرِيقِ أَحِيدُ
وَلَا كَانَ فِي شَكِّ الْيَقِينِ مَطَامِعِي ... وَلَكِنْ عَنِ الْأَقْدَارِ كَيْفَ أَحِيدُ
وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا:
دَاعِيَاتُ الْهَوَى تَخِفُّ عَلَيْنَا ... وَخِلَافُ الْهَوَى عَلَيْنَا ثَقِيلُ
فُقِدَ الصِّدْقُ فِي الْأَمَاكِنِ حَتَّى ... وَصْفُهُ الْيَوْمَ مَا عَلِيْهِ دَلِيلُ
لَا نَرَى خَائِفًا فَيَلْزَمَنَا الْخَوْ ... فُ وَلَا صَادِقًا بِمَا قَدْ يَقُولُ
فَبَقِينَا مُذَبْذَبِينَ حَيَارَى ... نَطْلُبُ الصَّدْقَ مَا إِلَيْهِ سَبِيلُ
(14/359)

وَمِنْ شَعْرِهِ أَيْضًا:
هَوِّنْ عَلَيْكَ فَكُلُّ الْأَمْرِ يَنْقَطِعُ ... وَخَلِّ عَنْكَ عِنَانَ الْهَمِّ يَنْدَفِعُ
فَكُلُّ هَمٍّ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ فَرَجٌ ... وَكُلُّ كَرْبٍ إِذَا ضَاقَ يَتَّسِعُ
إِنَّ الْبَلَاءَ وَإِنَّ طَالَ الزَّمَانُ بِهِ ... الْمَوْتُ يَقْطَعُهُ أَوْ سَوْفَ يَنْقَطِعُ
وَقَدْ أَطَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ تَرْجَمَتَهُ، وَلَمْ يُؤَرِّخْ وَفَاتَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ هَاهُنَا تَقْرِيبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(14/360)

[سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا عَدَا أَهْلُ حِمْصَ عَلَى عَامِلِهِمْ أَبِي الْغَيْثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّافِقِيِّ وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْمُتَوَكِّلُ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ، وَقَالَ لِلسَّفِيرِ مَعَهُ: إِنْ قَبِلُوا وَإِلَّا فَأَعْلِمْنِي، فَقَبِلُوهُ، فَعَمِلَ فِيهِمُ الْأَعَاجِيبَ، وَأَهَانَهُمْ غَايَةَ الْإِهَانَةِ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْمُتَوَكِّلُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ الْقَاضِي عَنْ قَضَاءِ الْقُضَاةِ، وَصَادَرَهُ بِمَا مَبْلَغُهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَخَذَ مِنْهُ أَرَاضِيَ كَثِيرَةً فِي أَرْضِ الْبَصْرَةِ وَوَلَّى مَكَانَهُ جَعْفَرَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى قَضَاءِ الْقُضَاةِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ بَعْدَ
(14/361)

ابْنِهِ بِعِشْرِينَ يَوْمًا.
وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ الْقَاضِي
هُوَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ وَاسْمُهُ الْفَرَجُ، وَقِيلَ: دُعْمِيٌّ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ - ابْنُ جَرِيرٍ الْقَاضِي، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْإِيَادِيُّ الْمُعْتَزِلِيُّ.
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ فِي نَسَبِهِ: هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ فَرَجِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ سَلَّامِ بْنِ عَبْدِ هِنْدِ بْنِ عَبْدِ لَخْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قَنَصِ بْنِ مَنَعَةَ بْنِ بُرْجَانَ بْنِ دَوْسِ بْنِ الدُّئِلِ بْنِ أُمَيَّةَ
(14/362)

بْنِ حُذَاقَةَ بْنِ زُهْرِ بْنِ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَلِيَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ قَضَاءَ الْقُضَاةِ لِلْمُعْتَصِمِ، ثُمَّ لِلْوَاثِقِ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالْجُودِ وَالسَّخَاءِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَوُفُورِ الْأَدَبِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَعْلَنَ بِمَذْهَبِ الْجَهْمِيَّةِ، وَحَمَلَ السُّلْطَانَ عَلَى امْتِحَانِ النَّاسِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، قَالَ الصُّولِيُّ: لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الْبَرَامِكَةِ أَكْرَمُ مِنْهُ، وَلَوْلَا مَا وَضَعَ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ مَحَبَّةِ الْمِحْنَةِ لَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَلْسُنُ. قَالُوا: وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ بِعِشْرِينَ سَنَةً.
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ وَأَصْلُهُ مِنْ بِلَادِ قِنِّسرِينَ وَكَانَ أَبُوهُ تَاجِرًا يَفِدُ إِلَى الشَّامِ ثُمَّ أَخَذَ وَلَدَهُ هَذَا مَعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَاشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ، وَصَحِبَ هَيَّاجَ بْنَ الْعَلَاءِ السُّلَمِيَّ، أَحَدَ أَصْحَابِ وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ فَأَخَذَ عَنْهُ الِاعْتِزَالَ، وَذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ يَصْحَبُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ الْقَاضِي، وَيَأْخُذُ عَنْهُ الْعِلْمَ ثُمَّ سَرَدَ لَهُ تَرْجَمَةً طَوِيلَةً فِي كِتَابِ " الْوَفَيَاتِ ".
وَقَدِ امْتَدَحَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، فَقَالَ:
(14/363)

رَسُولُ اللَّهِ وَالْخُلَفَاءُ مِنَّا ... وَمِنَّا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادِ
فَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ:
فَقُلْ لِلْفَاخِرِينَ عَلَى نِزَارٍ ... وَهُمْ فِي الْأَرْضِ سَادَاتُ الْعِبَادِ
رَسُولُ اللَّهِ وَالْخُلَفَاءُ مِنَّا ... وَنَبْرَأُ مِنْ دَعِيِّ بَنِي إِيَادِ
وَمَا مِنَّا إِيَادٌ إِذْ أَقَرَّتْ ... بِدَعْوَةِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادِ
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي دُؤَادٍ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ الْعُقُوبَةَ لَعَاقَبْتُ هَذَا الشَّاعِرَ عُقُوبَةً مَا فَعَلَهَا أَحَدٌ. وَعَفَا عَنْهُ.
قَالَ الْخَطِيبُ: حَدَّثَنِي الْأَزْهَرِيُّ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبِي - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ أَبِي دُؤَادٍ - إِذَا صَلَّى رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَخَاطَبَ رَبَّهُ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
مَا أَنْتَ بِالسَّبَبِ الضَّعِيفِ وَإِنَّمَا ... نُجْحُ الْأُمُورِ بِقُوَّةِ الْأَسْبَابِ
وَالْيَوْمَ حَاجَتُنَا إِلَيْكَ وَإِنَّمَا ... يُدْعَى الطَّبِيبُ لِسَاعَةِ الْأَوْصَابِ
ثُمَّ رَوَى الْخَطِيبُ أَنَّ أَبَا تَمَّامٍ دَخَلَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ:
(14/364)

أَحْسَبُكَ عَاتِبًا. فَقَالَ: إِنَّمَا يُعْتَبُ عَلَى وَاحِدٍ، وَأَنْتَ النَّاسُ جَمِيعًا. فَقَالَ لَهُ: أَنَّى لَكَ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مِنْ قَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ:
وَلَيْسَ لِلَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدِ
وَامْتَدَحَهُ أَبُو تَمَّامٍ يَوْمًا، فَقَالَ:
لَقَدْ أَنْسَتْ مَسَاوِئَ كُلِّ دَهْرٍ ... مَحَاسِنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادِ
وَمَا سَافَرْتُ فِي الْآفَاقِ إِلَّا ... وَمِنْ جَدْوَاكَ رَاحِلَتِي وَزَادِي
يُقِيمُ الظَّنُّ عِنْدَكَ وَالْأَمَانِي ... وَإِنْ قَلِقَتْ رِكَابِي فِي الْبِلَادِ
فَقَالَ لَهُ: هَذَا الْمَعْنَى تَفَرَّدْتَ بِهِ، أَوْ أَخَذْتَهُ مَنْ غَيْرِكَ؟ فَقَالَ: هُوَ لِي غَيْرَ أَنِّي أَلْمَمْتُ بِقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ:
وَإِنْ جَرَتِ الْأَلْفَاظُ يَوْمًا بِمِدْحَةٍ ... لِغَيْرِكَ إِنْسَانًا فَأَنْتَ الَّذِي نَعْنِي
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ: وَمِنْ مُخْتَارِ مَدِيحِ أَبِي تَمَّامٍ لِأَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ قَوْلُهُ:
أَأَحْمَدُ إِنَّ الْحَاسِدِينَ كَثِيرُ ... وَمَا لَكَ إِنْ عُدَّ الْكِرَامُ نَظِيرُ
(14/365)

حَلَلْتَ مَحَلًّا فَاضِلًا مُتَقَدِّمًا ... مِنَ الْمَجْدِ وَالْفَخْرُ الْقَدِيمُ فَخُورُ
فَكُلُّ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ فَإِنَّهُ ... إِلَيْكَ وَإِنْ نَالَ السَّمَاءَ فَقِيرُ
إِلَيْكَ تَنَاهَى الْمَجْدُ مِنْ كُلِّ وِجْهَةٍ ... يَصِيرُ فَمَا يَعْدُوكَ حَيْثُ تَصِيرُ
وَبَدْرُ إِيَادٍ أَنْتَ لَا يُنْكِرُونَهُ ... كَذَاكَ إِيَادٌ لِلَأَنَامِ بُدُورُ
تَجَنَّبْتَ أَنْ تُدَعَى الْأَمِيرَ تَوَاضُعًا ... وَأَنْتَ لِمَنْ يُدْعَى الْأَمِيرَ أَمِيرُ
فَمَا مِنْ نَدًى إِلَّا إِلَيْكَ مَحَلُّهُ ... وَلَا رِفْعَةٍ إِلَّا إِلَيْكَ تَسِيرُ
قُلْتُ: قَدْ أَخْطَأَ الشَّاعِرُ فِي هَذَا خَطَأً كَبِيرًا، وَأَفْحَشَ فِي الْمُبَالَغَةِ كَثِيرًا. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ يَوْمًا لِبَعْضِهِمْ: لِمَ لَا تَسْأَلُنِي؟ فَقَالَ لَهُ: لِأَنِّي لَوْ سَأَلْتُكَ أَعْطَيْتُكَ ثَمَنَ مَا تُعْطِينِي. فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ. وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ أَبِي دُؤَادٍ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى عِيرٍ، فَقَالَ:
(14/366)

يَا غُلَامُ، أَعْطِهِ عِيرًا وَبَغْلًا وَبِرْذَوْنًا وَفَرَسًا وَجَارِيَةً. ثُمَّ قَالَ لَهُ: لَوْ أَعْلَمُ مَرْكُوبًا غَيْرَ هَذَا لَأَعْطَيْتُكَ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْخَطِيبُ بِأَسَانِيدِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ أَخْبَارًا تَدُلُّ عَلَى كَرَمِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَأَدَبِهِ وَحِلْمِهِ وَمُبَادَرَتِهِ إِلَى قَضَاءِ الْحَاجَاتِ، وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ.
وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْمُهْتَدِي ابْنِ الْوَاثِقِ أَنَّ شَيْخًا دَخَلَ يَوْمًا عَلَى الْوَاثِقِ فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْوَاثِقُ، بَلْ قَالَ: لَا سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِئْسَ مَا أَدَّبَكَ مُعَلِّمُكَ ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] فَلَا حَيَّيْتَنِي بِأَحْسَنَ مِنْهَا، وَلَا رَدَدْتَهَا. فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الرَّجُلُ مُتَكَلِّمٌ. فَقَالَ: نَاظِرْهُ. فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: مَا تَقُولُ يَا شَيْخُ فِي الْقُرْآنِ، أَمَخْلُوقٌ هُوَ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: لَمْ تُنْصِفْنِي ; الْمَسْأَلَةُ لِي. فَقَالَ: قُلْ. فَقَالَ: هَذَا الَّذِي تَقُولُهُ، عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعْلَيٌّ أَوْ مَا عَلِمُوهُ؟ فَقَالَ: لَمْ يَعْلَمُوهُ. قَالَ: فَأَنْتَ عَلِمْتَ مَا لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَخَجِلَ وَسَكَتَ. ثُمَّ قَالَ: أَقِلْنِي، بَلْ عَلِمُوهُ. قَالَ: فَلِمَ لَا دَعَوُا النَّاسَ إِلَيْهِ كَمَا دَعَوْتَهُمْ أَنْتَ، أَمَا وَسِعَكَ مَا وَسِعَهُمْ؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ، وَأَمَرَ الْوَاثِقُ لَهُ بِجَائِزَةٍ نَحْوَ أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ. قَالَ الْمُهْتَدِي: فَدَخَلَ أَبِي الْمَنْزِلَ وَاسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ، وَجَعَلَ يُكَرِّرُ قَوْلَ الشَّيْخِ عَلَى نَفْسِهِ،
(14/367)

وَيَقُولُ: أَمَا وَسِعَكَ مَا وَسِعَهُمْ؟ ثُمَّ أَمَرَ بِإِطْلَاقِ الشَّيْخِ وَإِعْطَائِهِ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ وَرَدَّهُ إِلَى بِلَادِهِ، وَسَقَطَ مِنْ عَيْنَيْهِ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ وَلَمْ يَمْتَحِنْ بَعْدَهُ أَحَدًا. رَوَاهَا الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ بَعْضُ مَنْ لَا أَعْرِفُهُ، وَسَاقَهَا مُطَوَّلَةً وَفِيهَا نَكَارَةٌ.
وَقَدْ أَنْشَدَ ثَعْلَبٌ عَنْ أَبِي حَجَّاجٍ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ:
نَكَسْتَ الدِّينَ يَا ابْنَ أَبِي دُؤَادِ ... فَأَصْبَحَ مَنْ أَطَاعَكَ فِي ارْتِدَادِ
زَعَمْتَ كَلَامَ رَبِّكَ كَانَ خَلْقًا ... أَمَا لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ مِنْ مَعَادِ
كَلَامُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ بِعِلْمٍ ... وَأَنْزَلَهُ عَلَى خَيْرِ الْعِبَادِ
وَمَنْ أَمْسَى بِبَابِكَ مُسْتَضِيفًا ... كَمَنْ حَلَّ الْفَلَاةَ بِغَيْرِ زَادِ
لَقَدْ أَطْرَفْتَ يَا ابْنَ أَبِي دُؤَادِ ... بِقَوْلِكَ إِنَّنِي رَجْلٌ إِيَادِي
ثُمَّ قَالَ الْخَطِيبُ: أَنْبَأَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصُّولِيِّ لِبَعْضِهِمْ يَهْجُو ابْنَ أَبِي دُؤَادٍ:
لَوْ كُنْتَ فِي الرَّأْيِ مَنْسُوبًا إِلَى رَشَدٍ ... وَكَانَ عَزْمُكَ عَزْمًا فِيهِ تَوْفِيقُ
(14/368)

لَكَانَ فِي الْفِقْهِ شُغْلٌ لَوْ قَنِعْتَ بِهِ
عَنْ أَنْ تَقُولَ كَتَابُ اللَّهِ مَخْلُوقُ ... مَاذَا عَلَيْكَ وَأَصْلُ الدِّينِ يَجْمَعُهُمْ
مَا كَانَ فِي الْفَرْعِ لَا فِي الْجَهْلِ وَالْمُوقِ
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنْ يَحْيَى الْجَلَّاءِ أَوْ عَلِيٍّ ابْنِ الْمُوَفَّقِ أَنَّهُ قَالَ: نَاظَرَنِي رَجُلٌ مِنَ الْوَاقِفِيَّةِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ فَنَالَنِي مِنْهُ مَا أَكْرَهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَتَيْتُ امْرَأَتِي فَوَضَعَتْ لِيَ الْعَشَاءَ فَلَمْ أَقْدِرْ أَنْ أَنَالَ مِنْهُ شَيْئًا، وَنِمْتُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَهُنَاكَ حَلْقَةٌ فِيهَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابُهُ، وَحَلْقَةٌ فِيهَا ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ وَأَصْحَابُهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} [الأنعام: 89] وَيُشِيرُ إِلَى حَلْقَةِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89] وَيُشِيرُ إِلَى حَلْقَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ لَيْلَةَ مَاتَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: هَلَكَ اللَّيْلَةَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ. فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا سَبَبُ هَلَاكِهِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ أَغْضَبَ
(14/369)

اللَّهَ عَلَيْهِ فَغَضِبَ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَأَنَّ النَّارَ زَفَرَتْ زَفْرَةً عَظِيمَةً، فَخَرَجَ مِنْهَا اللَّهَبُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذِهِ اتُّخِذَتْ لِابْنِ أَبِي دُؤَادٍ
وَقَدْ كَانَ مَوْتُهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْعَبَّاسُ، وَدُفِنَ فِي دَارِهِ بِبَغْدَادَ وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْفَالِجِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ وَبَقِيَ طَرِيحًا فِي فِرَاشِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُحَرِّكَ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهِ.
وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا جِئْتُكَ عَائِدًا وَإِنَّمَا جِئْتُ لِأَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى أَنْ سَجَنَكَ فِي جَسَدِكَ. وَقَدْ صُودِرَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي بِأَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ جِدًّا، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ كَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَةٍ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَسَنَّ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمِنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ خِلِّكَانَ
(14/370)

أَنَّهُ كَانَ سَبَبَ اتِّصَالِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ بِالْخَلِيفَةِ الْمَأْمُونِ فَحَظِيَ عِنْدَهُ، بِحَيْثُ إِنَّهُ أَوْصَى بِهِ إِلَى أَخِيهِ الْمُعْتَصِمِ، فَوَلَّاهُ الْمُعْتَصِمُ الْقَضَاءَ وَعَزَلَ ابْنَ أَكْثَمَ، وَكَانَ لَا يَقْطَعُ أَمْرًا دُونَهُ، فَكَانَ عِنْدَهُ خِصِّيصًا ; وَلَّاهُ الْقَضَاءَ وَالْمَظَالِمَ، وَكَانَ ابْنُ الزَّيَّاتِ الْوَزِيرُ يُبْغِضُهُ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا مُنَافَسَاتٌ وَهَجْوٌ، كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ خِلِّكَانَ فِي تَرْجَمَتِهِ وَمَدْحِهِ، وَذَكَرَ مِنْ مَآثِرِهِ وَمَحَاسِنِهِ فَأَطْنَبَ وَأَكْثَرَ وَمَا أَطْيَبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ مَسَاوِئِهِ، بَلْ ذَكَرَ امْتِحَانَهُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ذِكْرًا مُوجَزًا بِأَطْرَافِ الْأَنَامِلِ، وَهِيَ الْمِحْنَةُ الَّتِي هِيَ أُسُّ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْمِحَنِ، وَالْفِتْنَةُ الَّتِي فَتَحَتْ عَلَى النَّاسِ بَابَ الْفِتَنِ.
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ خِلِّكَانَ مَا ضُرِبَ بِهِ مِنَ الْفَالِجِ، وَمَا صُودِرَ بِهِ مِنَ الْمَالِ الرَّابِحِ، وَأَنَّ ابْنَهُ أَبَا الْوَلِيدِ مُحَمَّدًا صُودِرَ بِأَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَبِيهِ بِشَهْرٍ.
وَأَمَّا الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فَإِنَّهُ بَسَطَ الْقَوْلَ فِي تَرْجَمَتِهِ وَشَرَحَهَا شَرْحًا مَلِيحًا. وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ أَدِيبًا فَصِيحًا كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا، يُؤْثِرُ الْعَطَاءَ عَلَى الْمَنْعِ، وَالتَّفْرِقَةَ عَلَى الْجَمْعِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ جَلَسَ
(14/371)

يَوْمًا مَعَ أَصْحَابِهِ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَ الْوَاثِقِ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: إِنَّهُ لَيُعْجِبُنِي هَذَانَ الْبَيْتَانِ:
وَلِي نَظْرَةٌ لَوْ كَانَ يُحْبِلَ نَاظِرٌ ... بِنَظْرَتِهِ أُنْثَى لَقَدْ حَبِلَتْ مِنِّي
فَإِنْ وَلَدَتْ مَا بَيْنَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ ... إِلَى نَظْرَتِي ابْنًا فَإِنَّ ابْنَهَا مِنِّي

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْكَلْبِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ وَالْمَشَاهِيرِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هُوَ عِنْدَنَا فِي مِسْلَاخِ الثَّوْرِيِّ، وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، أَحَدُ أَئِمَّةِ التَّارِيخِ، وَسُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَدَثَانِيُّ، وَسُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ، وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ
(14/372)

سَعِيدٍ، الْمُلَقَّبُ بِسُحْنُونٍ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ الْمَشْهُورِينَ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ شَيْخُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، وَأَبُو الْعَمَيْثَلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُلَيْدٍ كَاتِبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَشَاعِرُهُ كَانَ عَالِمًا بِاللُّغَةِ وَلَهُ فِيهَا مُصَنَّفَاتٌ عَدِيدَةٌ أَوْرَدَ مِنْهَا الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ جُمْلَةً، وَمِنْ شِعْرِهِ يَمْدَحُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ:
يَا مَنْ يُحَاوِلُ أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ ... كَصِفَاتِ عِبْدِ اللَّهِ أَنْصَتْ وَاسْمَعِ
فَلَأَنْصَحَنَّكَ فِي الْمَشُورَةِ وَالَّذِي ... حَجَّ الْحَجِيجُ إِلَيْهِ فَاسْمَعْ أَوْ دَعِ
اصْدُقْ وَعِفَّ وَبِرَّ وَاصْبِرْ وَاحْتَمَلْ ... وَاصْفَحْ وَكَافِ وَدَارِ وَاحْلُمْ وَاشْجَعِ
وَالْطُفْ وَلِنْ وَتَأَنَّ وَارْفُقْ وَاتَّئِدْ ... وَاحْزِمْ وَجِدَّ وَحَامِ وَاحْمِلْ وَادْفَعِ
(14/373)

فَلَقَدْ مَحَضْتُكَ إِنْ قَبِلْتَ نَصِيحَتِي ... وَهُدِيتَ لِلنَّهْجِ الْأَسَدِّ الْمَهْيَعِ
أَمَّا سُحْنُونٌ الْمَالِكِيُّ صَاحِبُ الْمُدَوَّنَةِ فَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ هِلَالِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ رَبِيعَةَ التَّنُوخِيُّ، أَصْلُهُ مِنْ مَدِينَةِ حِمْصَ فَدَخَلَ بِهِ أَبُوهُ مَعَ جُنْدِهَا بِلَادَ الْمَغْرِبِ، فَأَقَامَ بِهَا، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ هُنَاكَ، وَكَانَ قَدْ تَفَقَّهَ عَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ، وَسَبَبُهُ أَنَّهُ قَدِمَ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ الْمَالِكِيُّ مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ إِلَى بِلَادِ مِصْرَ فَسَأَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ صَاحِبَ مَالِكٍ عَنْ أَسْئِلَةٍ كَثِيرَةٍ، فَأَجَابَهُ عَنْهَا، فَعَقَلَهَا عَنْهُ وَدَخَلَ بِهَا بِلَادَ الْمَغْرِبِ، فَانْتَسَخَهَا مِنْهُ سُحْنُونٌ ثُمَّ قَدِمَ عَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ مِصْرَ، فَأَعَادَ أَسْئِلَتَهُ عَلَيْهِ فَزَادَ فِيهَا وَنَقَصَ، وَرَجَعَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْهَا، فَرَتَّبَهَا سُحْنُونٌ وَرَجَعَ بِهَا إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ.
وَكَتَبَ مَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إِلَى أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ أَنْ يَعْرِضَ نُسْخَتَهُ عَلَى نُسْخَةِ سُحْنُونٍ وَيُصْلِحَهَا بِهَا فَلَمْ يَقْبَلْ، فَدَعَا عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ وَلَا بِكِتَابِهِ، وَصَارَتِ الرِّحْلَةُ إِلَى سُحْنُونٍ وَانْتَشَرَتْ عَنْهُ الْمُدَوَّنَةُ، وَسَادَ أَهْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَتَوَلَّى الْقَضَاءَ بِالْقَيْرَوَانِ إِلَى أَنَّ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ.
(14/374)

[سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ أَهْلُ حِمْصَ أَيْضًا عَلَى عَامِلِهِمْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَوَيْهِ فَأَرَادُوا قَتْلَهُ، وَسَاعَدَهُمْ نَصَارَى أَهْلِهَا أَيْضًا عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِمُنَاهَضَتِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى مُتَوَلِّي دِمَشْقَ أَنْ يَمُدَّهُ بِجَيْشٍ مِنْ عِنْدِهِ ; لِيُسَاعِدَهُ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَضْرِبَ ثَلَاثَةً مِنْهُمْ مَعْرُوفِينَ بِالشَّرِّ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَمُوتُوا، ثُمَّ يَصْلُبَهُمْ عَلَى أَبْوَابِ الْبَلَدِ، وَأَنْ يَضْرِبَ عِشْرِينَ آخَرِينَ مِنْهُمْ ; كُلَّ وَاحِدٍ ثَلَاثَمِائَةٍ ثَلَاثَمِائَةٍ، وَأَنْ يُرْسِلَهُمْ إِلَى سَامَرَّا مُقَيِّدِينَ فِي الْحَدِيدِ، وَأَنْ يُخْرِجَ كُلَّ نَصْرَانِيٍّ بِهَا، وَيَهْدِمَ كَنِيسَتَهَا الْعُظْمَى الَّتِي إِلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَيُضِيفَهَا إِلَيْهِ، وَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلِلْأُمَرَاءِ الَّذِينَ سَاعَدُوهُ بِصِلَاتٍ سَنِيَّةٍ، فَامْتَثَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الْخَلِيفَةُ فِيهِمْ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ بِضَرْبِ رَجُلٍ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِ بَغْدَادَ يُقَالُ لَهُ: عِيسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَاصِمٍ، فَضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا مُبَرِّحًا، يُقَالُ: إِنَّهُ ضُرِبَ أَلْفَ سَوْطٍ حَتَّى مَاتَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِنْدَ
(14/375)

قَاضِي الشَّرْقِيَّةِ أَبِي حَسَّانَ الزِّيَادِيِّ أَنَّهُ يَشْتُمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَجَاءَ كِتَابُ الْخَلِيفَةِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نَائِبِ بَغْدَادَ يَأْمُرُهُ أَنَّ يَضْرِبَ هَذَا الرَّجُلَ بَيْنَ النَّاسِ حَدَّ السَّبِّ، ثُمَّ يُضْرَبَ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَمُوتَ، وَيُلْقَى فِي دِجْلَةَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، لِيَرْتَدِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْإِلْحَادِ وَالْمُعَانَدَةِ. فَفَعَلَ مَعَهُ ذَلِكَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَلَعَنَهُ.
وَمِثْلُ هَذَا يَكْفُرُ إِنْ كَانَ قَدْ قَذَفَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي مَنْ قَذَفَ سِوَاهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ قَوْلَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكْفُرُ أَيْضًا ; لِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَضِيَ عَنْهُنَّ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ انْقَضَّتِ الْكَوَاكِبُ بِبَغْدَادَ وَتَنَاثَرَتْ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ، لِلَّيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ. قَالَ: وَفِيهَا مُطِرَ النَّاسُ فِي آبَ مَطَرًا شَدِيدًا جِدًّا. قَالَ: وَفِيهَا مَاتَ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْبَقَرِ. قَالَ: وَفِيهَا أَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى عَيْنِ زَرْبَةَ، فَأَسَرُوا مَنْ بِهَا مِنَ الزُّطِّ وَأَخَذُوا نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهِمْ وَدَوَابَّهُمْ. قَالَ: وَفِيهَا الْفِدَاءُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ فِي بِلَادِ طَرَسُوسَ بِحَضْرَةِ قَاضِي الْقُضَاةِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ إِذَنِ الْخَلِيفَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَاسْتِنَابَتِهِ ابْنَ أَبِي الشَّوَارِبِ. وَكَانَتْ عِدَّةُ الْأَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَمِنَ النِّسَاءِ مِائَةً وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ امْرَأَةً، وَقَدْ كَانَتْ أَمُّ الْمَلِكَ تَدُورَةُ لَعَنَهَا اللَّهُ عَرَضَتِ النَّصْرَانِيَّةَ عَلَى مَنْ كَانَ فِي يَدِهَا مِنَ الْأُسَارَى وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا فَمَنْ أَجَابَهَا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ
(14/376)

وَإِلَّا قَتَلَتْهُ فَقَتَلَتِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَتَنَصَّرَ بَعْضُهُمْ، وَبَقِيَ مِنْهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فُدُوا، وَهُمْ قَرِيبٌ مِنَ التِّسْعِمِائَةِ ; رِجَالًا وَنِسَاءً.
وَفِيهَا أَغَارَتِ الْبُجَّةُ عَلَى حَرَسٍ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَقَدْ كَانَتِ الْبُجَّةُ لَا يَغْزُونَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ هَذَا ; لِهُدْنَةٍ كَانَتْ لَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَنَقَضُوا الْهُدْنَةَ وَصَرَّحُوا بِالْمُخَالَفَةِ.
وَالْبُجَةُ طَائِفَةٌ مِنْ سُودَانِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَكَذَا النُّوبَةُ وَالْفَرَوِيَّةُ وَبَيْنُوزُ، وَزُعْرُويِنُ، وَيكْسُومُ، وَأُمَمٌ كَثِيرُونَ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُمْ. وَفِي بِلَادِ هَؤُلَاءِ مَعَادِنُ الذَّهَبِ وَالْجَوْهَرِ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حِمْلٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَادِنِ، فَلَمَّا كَانَتْ دَوْلَةُ الْمُتَوَكِّلِ امْتَنَعُوا مِنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ مُتَعَدِّدَةً، فَكَتَبَ نَائِبُ مِصْرَ وَهُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَاذَغِيسِيُّ مَوْلَى الْهَادِي وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِقَوْصَرَةَ - بِذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ، فَغَضِبَ الْمُتَوَكِّلُ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَشَاوَرَ فِي أَمْرِ الْبُجَةِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُمْ قَوْمٌ أَهْلُ إِبِلٍ وَبَادِيَةٍ وَإِنَّ بِلَادَهُمْ بَعِيدَةٌ وَمُعْطِشَةٌ، وَيَحْتَاجُ الْجَيْشُ الذَّاهِبُونَ إِلَيْهَا أَنْ يَتَزَوَّدُوا
(14/377)

لِمُقَامِهِمْ بِهَا طَعَامًا وَمَاءً. فَصَدَّهُ ذَلِكَ عَنِ الْبَعْثِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّهُمْ يُغِيرُونَ عَلَى أَطْرَافِ الصَّعِيدِ، وَخَشِيَ أَهْلُ مِصْرَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهُمْ، فَجَهَّزَ لِحَرْبِهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمُّيَّ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ نِيَابَةَ تِلْكَ الْبِلَادِ كُلِّهَا الْمُتَاخِمَةِ لِأَرْضِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِ مِصْرَ أَنْ يُعِينُوهُ بِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَتَخَلَّصَ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ الَّذِينَ انْضَافُوا إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ حَتَّى دَخَلَ بِلَادَهُمْ فِي عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَحَمَلَ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالْإِدَامَ فِي مَرَاكِبَ سَبْعَةٍ، وَأَمَرَ الَّذِينَ هُمْ بِهَا أَنْ يُلِجِّجُوا بِهَا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يُوَافُوهُ بِهَا إِذَا تَوَسَّطَ بِلَادَ الْبُجَةِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى دَخَلَ بِلَادَهُمْ، وَجَاوَزَ مَعَادِنَهُمْ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ مَلِكُ الْبُجَةِ وَاسْمُهُ: عَلِي بَابَا فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ أَضْعَافِ مَنْ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيِّ، وَهُمْ قَوْمٌ مُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَجَعَلَ الْمَلِكُ يُطَاوِلُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ لَعَلَّهُ تَنْفَدُ أَزْوَادُهُمْ فَيَأْخُذُونَهُمْ بِالْأَيْدِي، فَلَمَّا نَفِدَ مَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَطَمِعَ فِيهِمُ السُّودَانُ يَسَّرَ اللَّهُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِوُصُولِ تِلْكَ الْمَرَاكِبِ وَفِيهَا مِنَ الطَّعَامِ وَالتَّمْرِ وَالزَّيْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا، فَقَسَّمَهُ الْأَمِيرُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِحَسَبِ حَاجَاتِهِمْ، فَيَئِسَ السُّودَانُ مِنْ هَلَاكِ الْمُسْلِمِينَ جُوعًا، فَشَرَعُوا فِي التَّأَهُّبِ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا يَرْكَبُونَ عَلَى إِبِلٍ شَبِيهَةٍ بِالْهُجُنِ زَعِرَةٍ جِدًّا كَثِيرَةِ النِّفَارِ، لَا تَكَادُ تَرَى شَيْئًا، وَلَا تَسْمَعُ شَيْئًا إِلَّا جَفَلَتْ مِنْهُ. فَلَمَّا كَانَ
(14/378)

يَوْمُ الْحَرْبِ عَمَدَ الْأَمِيرُ إِلَى جَمِيعِ الْأَجْرَاسِ الَّتِي مَعَهُمْ فِي الْجَيْشِ فَجَعَلَهَا فِي رِقَابِ الْخَيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْوَقْعَةُ حَمَلَ الْمُسْلِمُونَ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَهَرَبَ السُّودَانُ فِرَارَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَنَفَرَتْ إِبِلُهُمْ مِنْ أَصْوَاتِ تِلْكَ الْأَجْرَاسِ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَتَفَرَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ مَنْ شَاءُوا، لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَلَا يَعْلَمُ عَدَدَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ أَصْبَحُوا وَقَدِ اجْتَمَعُوا رَجَّالَةً، فَكَسَبَهُمُ الْقُمِّيُّ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ فَقَتَلَ عَامَّةَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَأَخَذَ الْمَلِكَ بِالْأَمَانِ، وَأَدَّى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِمْلِ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ أَسِيرًا إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ، فَوَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ عَلَى بِلَادِهِ كَمَا كَانَ، وَجَعَلَ إِلَى ابْنِ الْقُمِّيِّ أَمْرَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَالنَّظَرَ فِي أَمْرِهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِقَوْصَرَةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. قُلْتُ: وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ نَائِبًا عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ جِهَةِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ، وَحَجَّ جَعْفَرُ بْنُ دِينَارٍ فِيهَا وَهُوَ وَالِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَأَحْدَاثِ الْمَوْسِمِ.
(14/379)

وَلَمْ يَتَعَرَّضِ ابْنُ جَرِيرٍ لِوَفَاةِ أَحَدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ فَى سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[تَرْجَمَةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ]
وَقَدْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَجُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّسِ الْحِمَّانِيُّ، وَأَبُو تَوْبَةَ الْحَلَبِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ، سَجَّادَةُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ.
وَلْنَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ أَخْبَارِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ وَمَآثِرِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ
فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ: هُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَسَدِ بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ عَوْفِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ مَازِنِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ قَاسِطِ
(14/380)

بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ أُدِّ بْنِ أُدَدِ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ حَمَلِ بْنِ النَّبْتِ بْنِ قَيْدَارِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ، ثُمَّ الْمَرْوَزِيُّ، ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ هَكَذَا سَاقَ نَسَبَهُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ شَيْخِهِ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ صَاحِبِ " الْمُسْتَدْرَكِ ".
وَرَوِيَ عَنْ صَالِحٍ ابْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ: رَأَى أَبِي هَذَا النَّسَبَ فِي كِتَابٍ لِي، فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهَذَا؟ وَلَمْ يُنْكِرِ النَّسَبَ. قَالُوا: وَقَدِمَ بِهِ أَبُوهُ مِنْ مَرْوَ وَهُوَ حَمْلٌ، فَوَضَعَتْهُ أُمُّهُ فِي بِبَغْدَادَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ أَبُوهُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَكَفَلَتْهُ أُمُّهُ. قَالَ صَالِحٌ، عَنْ أَبِيهِ: فَثَقَبَتْ أُذُنِي وَجَعَلَتْ فِيهِمَا لُؤْلُؤَتَيْنِ فَلَمَّا كَبِرْتُ دَفَعَتْهُمَا إِلَيَّ فَبِعْتُهُمَا بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا.
وَتُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَوْمَ الْجُمِعَةِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ كَانَ فِي حَدَاثَتِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَأَقْبَلَ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ، فَكَانَ أَوَّلُ طَلَبِهِ لِلْحَدِيثِ وَأَوَّلُ سَمَاعِهِ مِنْ
(14/381)

مَشَايِخِهِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَوَّلُ حَجَّةٍ حَجَّهَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِينَ. وَفِيهَا حَجَّ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثُمَّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِينَ، وَجَاوَرَ إِلَى سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، ثُمَّ حَجَّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ، وَجَاوَرَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، سَافَرَ إِلَى عِنْدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِالْيَمَنِ، فَكَتَبَ عَنْهُ هُوَ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَجَجْتُ خَمْسَ حِجَجٍ ; مِنْهَا ثَلَاثٌ رَاجِلًا، أَنْفَقْتُ فِي إِحْدَى هَذِهِ الْحِجَجِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا. قَالَ: وَقَدْ ضَلَلْتُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْحِجَجِ، عَنِ الطَّرِيقِ وَأَنَا مَاشٍ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: يَا عِبَادَ اللَّهِ دَلُّونِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمْ أَزَلْ أَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَى الطَّرِيقِ. قَالَ: وَخَرَجْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فَكُنْتُ فِي بَيْتٍ تَحْتَ رَأْسِي لَبِنَةٌ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي خَمْسُونَ دِرْهَمًا ; كُنْتُ رَحَلْتُ إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ إِلَى الرَّيِّ وَخَرَجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَلَمْ يُمْكِنِّي الْخُرُوجُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي شَيْءٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَرْمَلَةَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ:
(14/382)

وَعَدَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيَّ مِصْرَ فَلَمْ يَقْدَمْ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ خِفَّةُ ذَاتِ الْيَدِ حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَفَاءِ بِالْعِدَةِ.
وَقَدْ طَافَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْبِلَادِ وَالْآفَاقِ، وَسَمِعَ مِنْ مَشَايِخِ الْعَصْرِ، وَكَانُوا يُجِلُّونَهُ وَيَحْتَرِمُونَهُ فِي حَالِ سَمَاعِهِ مِنْهُمْ.
وَقَدْ سَرَدَ شَيْخُنَا فِي " تَهْذِيبِهِ " أَسْمَاءَ شُيُوخِهِ مُرَتَّبِينَ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَكَذَلِكَ الرُّوَاةَ عَنْهُ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ جَمَاعَةً مِنْ شُيُوخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: وَقَدْ أَكْثَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي " الْمُسْنَدِ " وَغَيْرِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَخَذَ عَنْهُ جُمْلَةً مِنْ كَلَامِهِ فِي أَنْسَابِ قُرَيْشٍ، وَأَخَذَ عَنْهُ مِنَ الْفِقْهِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ. وَحِينَ تُوُفِّيَ أَحْمَدُ وَجَدُوا فِي تَرِكَتِهِ رِسَالَتَيِ الشَّافِعِيِّ ; الْقَدِيمَةَ وَالْجَدِيدَةَ.
قُلْتُ: قَدْ أَفْرَدَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيِّ، وَهِيَ أَحَادِيثُ لَا تَبْلُغُ عِشْرِينَ حَدِيثًا ; وَمِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِّينَاهُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ تَعَلَّقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» .
(14/383)

وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَحْمَدَ لَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ فِي الرِّحْلَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَ سَنَةِ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَعُمُرُ أَحْمَدَ إِذْ ذَاكَ نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، قَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِذَا صَحَّ عِنْدَكُمُ الْحَدِيثُ فَأَعْلِمْنِي بِهِ ; أَذْهَبُ إِلَيْهِ حِجَازِيًّا كَانَ أَوْ شَامِيًّا أَوْ عِرَاقِيًّا أَوْ يَمَنِيًّا. يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِقَوْلِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ الَّذِينَ لَا يَقْبَلُونَ إِلَّا رِوَايَةَ الْحِجَازِيِّينَ وَيُنْزِلُونَ أَحَادِيثَ مَنْ سِوَاهُمْ مَنْزِلَةَ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ لَهُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ تَعْظِيمٌ لِأَحْمَدَ وَإِجْلَالٌ لَهُ، وَإِنَّهُ عِنْدَهُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ إِذَا صَحَّحَ أَوْ ضَعَّفَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ، كَمَا سَيَأْتِي ثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ وَاعْتِرَافُهُمْ لَهُ بِعُلُوِّ الْمَكَانَةِ وَارْتِفَاعِ الْمَنْزِلَةِ فِي الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَقَدْ بَعُدَ صِيتُهُ فِي زَمَانِهِ وَاشْتُهِرَ اسْمُهُ فِي شَبِيبَتِهِ فِي الْآفَاقِ.
ثُمَّ حَكَى الْبَيْهَقِيُّ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَكَلَامُهُ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَإِنْكَارُهُ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ لَفْظَهُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ يُرِيدُ بِهِ الْقُرْآنَ. قَالَ: وَفِيمَا حَكَى أَبُو عُمَارَةَ وَأَبُو جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ شَيْخُنَا السَّرَّاجُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: اللَّفْظُ
(14/384)

مُحْدَثٌ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] قَالَ: فَاللَّفْظُ كَلَامُ الْآدَمِيِّينَ. وَرَوَى غَيْرُهُمَا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: الْقُرْآنُ كَيْفَ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَمَّا أَفْعَالُنَا فَهِيَ مَخْلُوقَةٌ.
قُلْتُ: وَقَدْ قَرَّرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي " الصَّحِيحِ "، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ: الْكَلَامُ كَلَامُ الْبَارِئِ، وَالصَّوْتُ صَوْتُ الْقَارِئِ، وَقَدْ قَرَّرَ الْبَيْهَقِيُّ ذَلِكَ أَيْضًا.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مُحْدَثٌ. فَهُوَ كَافِرٌ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَيْمُونِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَجَابَ الْجَهْمِيَّةَ حِينَ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَنْزِيلُهُ إِلَيْنَا هُوَ الْمُحْدَثَ، لَا الذِّكْرُ نَفْسُهُ هُوَ الْمُحْدَثُ.
(14/385)

وَعَنْ حَنْبَلٍ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرًا آخَرَ غَيْرَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ وَعْظُهُ إِيَّاهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ صُهَيْبٍ فِي الرُّؤْيَةِ، وَهِيَ الزِّيَادَةُ، وَكَلَامُهُ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَتَرْكِ الْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ وَالتَّمَسُّكِ بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ السَّمَّاكِ، عَنْ حَنْبَلٍ، أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ تَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22] أَنَّهُ جَاءَ ثَوَابُهُ. ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، ثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْهُ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ سَيِّئٌ. وَقَدْ رَأَى الصَّحَابَةُ جَمِيعًا أَنْ يَسْتَخْلِفُوا أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. قُلْتُ: وَهَذَا الْأَثَرُ فِيهِ حِكَايَةُ إِجْمَاعٍ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي تَقْدِيمِ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حِينَ
(14/386)

اجْتَازَ بِحِمْصَ، وَقَدْ حُمِلَ إِلَى الْمَأْمُونِ فِي زَمَنِ الْمِحْنَةِ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، فَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي الْخِلَافَةِ؟ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ، وَمَنْ قَدَّمَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ فَقَدْ أَزْرَى بِأَصْحَابِ الشُّورَى ; لِأَنَّهُمْ قَدَّمُوا عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
فَصْلٌ فِي وَرَعِهِ وَتَقَشُّفِهِ وَزُهْدِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِلرَّشِيدِ: إِنَّ الْيَمَنَ تَحْتَاجُ إِلَى قَاضٍ، فَقَالَ لَهُ: اخْتَرْ رَجُلًا نُوَلِّهِ إِيَّاهَا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَهُوَ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ فِي جُمْلَةِ مَنْ يَأْخُذُ عَنْهُ: أَلَا تَقْبَلُ قَضَاءَ الْيَمَنِ. فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعًا شَدِيدًا، وَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا أَخْتَلِفُ إِلَيْكَ لِأَجْلِ الْعِلْمِ الْمُزَهِّدِ فِي الدُّنْيَا، أَفَتَأْمُرُنِي أَنْ أَلِيَ الْقَضَاءَ؟ وَلَوْلَا الْعِلْمُ لَمَا أُكَلِّمُكَ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَاسْتَحْيَى الشَّافِعِيُّ مِنْهُ.
وَرَوِيَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي خَلْفَ عَمِّهِ إِسْحَاقَ بْنِ حَنْبَلٍ وَلَا خَلْفَ بَنِيهِ، وَلَا يُكَلِّمُهُمْ أَيْضًا ; لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا جَائِزَةَ السُّلْطَانِ.
(14/387)

وَمَكَثَ مَرَّةً ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَجِدُ مَا يَأْكُلُهُ حَتَّى بَعَثَ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَاسْتَقْرَضَ مِنْهُ دَقِيقًا، فَعَرَفَ أَهْلُهُ حَاجَتَهُ إِلَى الطَّعَامِ فَعَجَّلُوا وَعَجَنُوا وَخَبَزُوا لَهُ سَرِيعًا، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْعَجَلَةُ! كَيْفَ خَبَزْتُمْ سَرِيعًا؟ فَقَالُوا: وَجَدْنَا تَنُّورَ بَيْتِ صَالِحٍ مَسْجُورًا فَخَبَزْنَا لَكَ فِيهِ. فَقَالَ: ارْفَعُوا. وَلَمْ يَأْكُلْ، وَأَمَرَ بِسَدِّ بَابِهِ إِلَى دَارِ صَالِحٍ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لِأَنَّ صَالِحًا أَخَذَ جَائِزَةَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَكَثَ أَبِي بِالْعَسْكَرِ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يَأْكُلْ فِيهَا إِلَّا رُبُعَ مُدٍّ سَوِيقًا، يُفْطِرُ بَعْدَ كُلِّ ثَلَاثِ لَيَالٍ عَلَى سَفَّةٍ مِنْهُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ إِلَّا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَقَدْ رَأَيْتُ مُوقَيْهِ دَخَلَتَا فِي حَدَقَتَيْهِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ كَانَ الْخَلِيفَةُ يَبْعَثُ لِمَائِدَتِهِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَانَ أَحْمَدُ لَا يَتَنَاوَلُ مِنْ طَعَامِهِ شَيْئًا.
وَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ الْمَأْمُونُ مَرَّةً ذَهَبَا ; لِيُقَسَّمَ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَ، إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُ أَبَى.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ الشَّاذَكُونِيُّ: حَضَرْتُ أَحْمَدَ وَقَدْ رَهَنَ سَطْلًا لَهُ عِنْدَ فَامِيٍّ بِالْيَمَنِ، فَلَمَّا جَاءَهُ بِفِكَاكِهِ أَخْرَجَ إِلَيْهِ سَطْلَيْنِ فَقَالَ: خُذْ مَتَاعَكَ. فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ
(14/388)

أَيُّهُمَا الَّذِي لَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْهُ وَمِنَ الْفِكَاكِ، وَتَرَكَهُ.
وَحَكَى عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ الْوَاثِقِ فِي ضِيقٍ شَدِيدٍ، فَكَتَبَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي: إِنَّ عِنْدِي أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَرِثْتُهَا مِنْ أَبِي وَلَيْسَتْ صَدَقَةً وَلَا زَكَاةً فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَقْبَلَهَا مِنِّي. فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَرَّرَ عَلَيْهِ فَأَبَى، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ حِينِ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ كُنَّا قَبِلْنَاهَا كَانَتْ قَدْ ذَهَبَتْ.
وَعَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ التُّجَّارِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ رِبْحًا مِنْ بِضَاعَةٍ جَعَلَهَا بِاسْمِهِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: نَحْنُ فِي كِفَايَةٍ، وَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ قَصْدِكَ خَيْرًا، وَعَرَضَ عَلَيْهِ تَاجِرٌ آخَرُ ثَلَاثَةً آلَافِ دِينَارٍ فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا وَقَامَ وَتَرَكَهُ.
وَنَفَدَتْ نَفَقَةُ أَحْمَدَ وَهُوَ فِي الْيَمَنِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ شَيْخُهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِلْءَ كَفِّهِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: نَحْنُ فِي كِفَايَةٍ وَلَمْ يَقْبَلْهَا. وَسُرِقَتْ ثِيَابُهُ وَهُوَ بِالْيَمَنِ فَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَافْتَقَدَهُ أَصْحَابُهُ فَجَاءُوا إِلَيْهِ فَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ ذَهَبًا فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ إِلَّا دِينَارًا وَاحِدًا ; لِيَكْتُبَ لَهُمْ بِهِ فَكَتَبَ لَهُمْ بِالْأَجْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَتْ مَجَالِسُ أَحْمَدَ مَجَالِسَ الْآخِرَةِ، لَا يُذْكَرُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَمَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ذَكَرَ الدُّنْيَا قَطُّ.
(14/389)

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنِ التَّوَكُّلِ فَقَالَ: هُوَ قَطْعُ الِاسْتِشْرَافِ بِالْيَأْسِ مِنَ النَّاسِ. فَقِيلَ لَهُ: هَلْ مِنْ حُجَّةٍ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ فِي الْمِنْجَنِيقِ عَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا. قَالَ: فَسَلْ مَنْ لَكَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ. فَقَالَ: أَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ أَحَبُّهُمَا إِلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الصِّفَارِ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، فَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَا نَعْلَمُ أَنَّكَ لَنَا عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا نُحِبُّ فَاجْعَلْنَا عَلَى مَا تُحِبُّ. ثُمَّ سَكَتَ. فَقُلْنَا: زِدْنَا. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي قُلْتَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَرْضَاتِكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ إِلَّا إِلَيْكَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّلِّ إِلَّا لَكَ، اللَّهُمَّ لَا تُكْثِرْ لَنَا فَنَطْغَى، وَلَا تُقِلَّ عَلَيْنَا فَنَنْسَى، وَهَبْ لَنَا مَنْ رَحِمَتِكَ وَسَعَةِ رِزْقِكَ مَا يَكُونُ بَلَاغًا لَنَا فِي دُنْيَانَا، وَغِنًى مِنْ فَضْلِكَ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَفِي حِكَايَةِ أَبِي الْفَضْلِ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَحْمَدَ: وَكَانَ دُعَاؤُهُ فِي السُّجُودِ: اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ فَرُدَّهُ إِلَى الْحَقِّ لِيَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ. وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ قَبِلْتَ مِنْ عُصَاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِدَاءً فَاجْعَلْنِي فِدَاءً لَهُمْ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ: كَانَ أَبِي لَا يَدَعُ
(14/390)

أَحَدًا يَسْتَقِي لَهُ الْمَاءَ لِلْوُضُوءِ، بَلْ كَانَ يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا خَرَجَ الدَّلْوُ مَلْآنَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. فَقُلْتُ: يَا أَبَهْ، مَا الْفَائِدَةُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30] وَالْأَخْبَارُ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَدْ صَنَّفَ فِي الزُّهْدِ كِتَابًا حَافِلًا عَظِيمًا لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ أَحَدٌ فِيهِ. وَالْمَظْنُونُ بَلِ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ ذَلِكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَجَعَلَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ مُنْقَلَبَهُ وَمَأْوَاهُ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي الْحَارِثَ الْمُحَاسِبِيَّ إِذَا جَاءَ مَنْزِلَكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَفَرِحْتُ بِذَلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى الْحَارِثِ فَقُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَ اللَّيْلَةَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَثِيرٌ فَأَحْضِرْ لَهُمُ التَّمْرَ وَالْكُسْبَ. فَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ جَاءُوا، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَدْ سَبَقَهُمْ فَجَلَسَ فِي غُرْفَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهُمْ وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمْ، وَلَا يَرَوْنَهُ فَلَمَّا صَلَّوُا الْعِشَاءَ لَمْ يُصَلُّوا بَعْدَهَا شَيْئًا، حَتَّى جَاءُوا فَجَلَسُوا بَيْنَ يَدَيِ الْحَارِثِ سُكُوتًا كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَشَرَعَ الْحَارِثُ يَتَكَلَّمُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزُّهْدِ وَالْوَعْظِ فَجَعَلَ هَذَا يَبْكِي، وَهَذَا يَئِنُّ، وَهَذَا يَزْعَقُ، قَالَ: فَصَعِدْتُ إِلَى الْغُرْفَةِ، فَإِذَا بِالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ يَبْكِي حَتَّى كَادَ يُغْشَى عَلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى الصَّبَاحِ،
(14/391)

فَلَمَّا أَرَادُوا الِانْصِرَافَ قُلْتُ: كَيْفَ رَأَيْتَ هَؤُلَاءِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَتَكَلَّمُ فِي الزُّهْدِ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ، وَمَعَ هَذَا فَلَا أَرَى لَكَ أَنْ تَجْتَمِعَ بِهِمْ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرِهَ لَهُ صُحْبَتَهُمْ ; لِأَنَّ الْحَارِثَ بْنَ أَسَدٍ وَإِنْ كَانَ زَاهِدًا لَكِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَكْرَهُ ذَلِكَ، أَوْ كَرِهَ لَهُ صُحْبَتَهُمْ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ سُلُوكَ طَرِيقَتِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ. قُلْتُ: بَلْ إِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي كَلَامِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ مِنَ التَّقَشُّفِ الَّذِي لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَالتَّدْقِيقُ وَالتَّنْقِيرُ وَالْمُحَاسَبَةُ الْبَلِيغَةُ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ أَمْرٌ ; وَلِهَذَا لَمَّا وَقَفَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ عَلَى كِتَابِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ الْمُسَمَّى " بِالرِّعَايَةِ " قَالَ: هَذَا بِدْعَةٌ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي جَاءَهُ بِهِ: عَلَيْكَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَدَعْ هَذَا فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يَدُومَ اللَّهُ لَكَ عَلَى مَا تُحِبُّ فَدُمْ لَهُ عَلَى مَا يُحِبُّ. وَكَانَ يَقُولُ: الصَّبْرُ عَلَى الْفَقْرِ مَرْتَبَةٌ لَا يَنَالُهَا إِلَّا الْأَكَابِرُ. وَكَانَ يَقُولُ: الْفَقْرُ أَشْرَفُ مِنَ الْغِنَى، فَإِنَّ الصَّبْرَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مَرَارَةً، وَانْزِعَاجَهُ أَعْظَمُ حَالًا مِنَ الشُّكْرِ. وَقَالَ: لَا أَعْدِلُ بِفَضْلِ الْفَقْرِ شَيْئًا. وَكَانَ يَقُولُ: عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَقْبَلَ الرِّزْقَ بَعْدَ الْيَأْسِ، وَلَا يَقْبَلَهُ إِذَا تَقَدَّمَهُ طَمَعٌ أَوِ اسْتِشْرَافٌ. وَكَانَ يُحِبُّ التَّقَلُّلَ طَلَبًا لِخِفَّةِ الْحِسَابِ.
(14/392)

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ رَجُلٌ لِأَحْمَدَ: هَذَا الْعِلْمُ تَعَلَّمْتَهُ لِلَّهِ؟ فَقَالَ: هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ، وَلَكِنْ حُبِّبَ إِلَيَّ شَيْءٌ فَجَمَعْتُهُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي زَمِنَةٌ مُقْعَدَةٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَدْ بَعَثَتْنِي إِلَيْكَ لِتَدْعُوَ اللَّهَ لَهَا، فَكَأَنَّهُ غَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: نَحْنُ أَحْوَجُ أَنْ تَدْعُوَ هِيَ لَنَا. ثُمَّ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَهَا. فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى أُمِّهِ فَدَقَّ الْبَابَ فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ عَلَى رِجْلَيْهَا، وَقَالَتْ قَدْ وَهَبَنِي اللَّهُ الْعَافِيَةَ.
وَرَوِيَ أَنْ سَائِلًا سَأَلَ فَأَعْطَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قِطْعَةً، فَقَامَ رَجُلٌ إِلَى السَّائِلِ فَقَالَ: هَبْنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ حَتَّى أُعْطِيَكَ عِوَضَهَا، مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا فَأَبَى فَرَقَّاهُ إِلَى خَمْسِينَ وَهُوَ يَأْبَى، فَقَالَ: إِنِّي أَرْجُو مَنْ بَرَكَتِهَا مَا تَرْجُوهُ أَنْتَ مَنْ بَرَكَتِهَا.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:

[مِحْنَةُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ]
بَابُ ذِكْرِ مَا جَاءَ فِي مِحْنَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
فِي أَيَّامِ الْمَأْمُونِ ثُمَّ الْمُعْتَصِمِ، ثُمَّ الْوَاثِقِ بِسَبَبِ الْقُرْآنِ، وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الْحَبْسِ الطَّوِيلِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَالتَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ بِسُوءِ الْعَذَابِ وَأَلِيمِ الْعِقَابِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَصَبْرِهِ عَلَيْهِ، وَتَمَسُّكِهِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
(14/393)

وَكَانَ أَحْمَدُ عَالِمًا بِمَا وَرَدَ بِمِثْلِ حَالِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةِ وَالْآثَارِ الْمَأْثُورَةِ، وَبَلَغَهُ مَا أُوصِيَ بِهِ فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَةِ، فَرَضِيَ وَسَلَّمَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَفَازَ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَنَعِيمِ الْآخِرَةِ، وَهَيَّأَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ مِنْ ذَلِكَ لِبُلُوغِ أَعْلَى مَنَازِلِ أَهْلِ الْبَلَاءِ فِي اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَأَلْحَقَ بِهِ مُحِبِّيهِ فِيمَا نَالَ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى، إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ بَلِيَّةٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1]
[لُقْمَانَ: 17] فِي آيٍ سِوَاهَا فِي مَعْنَى مَا كَتَبْنَا.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْمُمْتَحَنَ فِي مُسْنَدِهِ قَائِلًا فِيهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ فَقَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، ثُمَّ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ رَقِيقَ الدِّينِ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ صُلْبَ الدِّينِ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، وَمَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالرَّجُلِ حَتَّى يَمْشِيَ فِي الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدْ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ; مَنْ
(14/394)

كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ» وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو السَّكْسَكِيُّ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ السَّكُونِيُّ، ثَنَا عَاصِمُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يَقُولُ: إِنَّكُمْ لَمْ تَرَوْا إِلَّا بَلَاءً وَفِتْنَةً، وَلَنْ يَزْدَادَ الْأَمْرُ إِلَّا شَدَّةً، وَلَا الْأَنْفُسُ إِلَّا شُحًّا. وَبِهِ، قَالَ مُعَاذٌ: " لَنْ تَرَوْا مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَّا غِلْظَةً وَلَنْ تَرَوْا أَمْرًا يَهُولُكُمْ وَيَشْتَدُّ عَلَيْكُمْ إِلَّا حَضَرَ بَعْدَهُ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ ". قَالَ الْبَغَوِيُّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَضِينَا. يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ: بَعَثَنِي الشَّافِعِيُّ بِكِتَابٍ مِنْ مِصْرَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَأَتَيْتُهُ وَقَدِ انْفَتَلَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ فَقَالَ: أَقَرَأْتَهُ؟ فَقُلْتُ: لَا. فَأَخَذَهُ فَقَرَأَهُ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَمَا فِيهِ؟ فَقَالَ: يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: " اكْتُبْ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَاقْرَأْ عَلَيْهِ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ سَتُمْتَحَنُ، وَتُدْعَى إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَلَا تُجِبْهُمْ، يَرْفَعُ اللَّهُ لَكَ عَلَمًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ الرَّبِيعُ: فَقُلْتُ: حَلَاوَةُ الْبِشَارَةِ. فَخَلَعَ قَمِيصَةُ الَّذِي يَلِي جِلْدَهُ فَأَعْطَانِيهِ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى الشَّافِعِيِّ أَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ أَفْجَعُكَ فِيهِ، وَلَكِنْ بُلَّهُ بِالْمَاءِ وَأَعْطِنِيهِ حَتَّى أَتَبَرَّكَ بِهِ.
(14/395)

ذِكْرُ مُلَخَّصِ الْفِتْنَةِ وَالْمِحْنَةِ مَجْمُوعًا مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَأَثَابَهُمُ الْجَنَّةَ
قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَأْمُونَ كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ بِهِ وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَأَزَاغُوهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَزَيَّنُوا لَهُ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيِ الصِّفَاتِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ فِي الْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ لَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَلَا مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ خَلِيفَةٌ إِلَّا عَلَى مَنْهَجِ السَّلَفِ، حَتَّى وَلِيَ هُوَ الْخِلَافَةَ، فَاجْتَمَعَ بِهِ هَؤُلَاءِ فَحَمَلُوهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالُوا: وَاتَّفَقَ خُرُوجُهُ إِلَى طَرَسُوسَ لِغَزْوِ بِلَادِ الرُّومِ فَعَنَّ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى نَائِبِ بَغْدَادَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَاتَّفَقَ ذَلِكَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشُهُورٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ كَمَا ذَكَرْنَا اسْتَدْعَى جَمَاعَةً مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَدَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ فَامْتَنَعُوا، فَتَهَدَّدَهُمْ بِالضَّرْبِ، وَقَطْعِ الْأَرْزَاقِ، فَأَجَابَ أَكْثَرُهُمْ مُكْرَهِينَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ
(14/396)

الْجُنْدَيْسَابُورِيُّ، فَحُمِلَا عَلَى بَعِيرٍ، وَسَيَّرَهُمَا إِلَى الْخَلِيفَةِ عَنْ أَمْرِهِ بِذَلِكَ، وَهُمَا مُقَيَّدَانِ مُتَعَادِلَانِ فِي مَحْمَلٍ عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا كَانُوا بِبِلَادِ الرَّحْبَةِ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ عُبَّادِهِمْ يُقَالُ لَهُ: جَابِرُ بْنُ عَامِرٍ. فَسَلَّمَ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، إِنَّكَ وَافِدُ النَّاسِ، فَلَا تَكُنْ مَشْئُومًا عَلَيْهِمْ، وَإِنَّكَ رَأْسُ النَّاسِ الْيَوْمَ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُجِيبَ فَيُجِيبُوا، وَإِنْ كُنْتَ تُحِبُّ اللَّهَ فَاصْبِرْ عَلَى مَا أَنْتَ فِيهِ فَإِنَّ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ تُقْتَلَ، وَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُقْتَلْ تَمُتْ، وَإِنْ عِشْتَ عِشْتَ حَمِيدًا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: فَكَانَ ذَلِكَ مَا قَوَّى عَزْمِي عَلَى مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنْ جَيْشِ الْمَأْمُونِ وَنَزَلُوا دُونَهُ بِمَرْحَلَةٍ جَاءَ خَادِمٌ، وَهُوَ يَمْسَحُ دُمُوعَهُ بِطَرَفِ ثِيَابِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَعِزُّ عَلَيَّ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنُّ الْمَأْمُونُ قَدْ سَلَّ سَيْفًا لَمْ يَسُلَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَبَسَطَ نِطْعًا لَمْ يَبْسُطْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُقْسِمُ بِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَئِنْ لَمْ تُجِبْهُ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ لَيَقْتُلَنَّكَ بِذَلِكَ السَّيْفِ. قَالَ: فَجَثَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَرَمَقَ بِطَرْفِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: سَيِّدِي غَرَّ حِلْمُكَ هَذَا الْفَاجِرَ حَتَّى يَتَجَبَّرَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ يَكُنِ الْقُرْآنُ كَلَامُكَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَاكْفِنَا مُؤْنَتَهُ. قَالَ: فَجَاءَهُمُ الصَّرِيخُ بِمَوْتِ الْمَأْمُونِ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ.
قَالَ أَحْمَدُ: فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْمُعْتَصِمَ قَدْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَقَدِ انْضَمَّ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ، وَأَنَّ الْأَمْرَ شَدِيدٌ، فَرَدُّونَا إِلَى بَغْدَادَ فِي سَفِينَةٍ مَعَ
(14/397)

بَعْضِ الْأُسَارَى، وَنَالَنِي مَعَهُمْ أَذًى كَثِيرٌ، وَكَانَ فِي رِجْلَيْهِ الْقُيُودُ، وَمَاتَ صَاحِبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ فِي الطَّرِيقِ وَصَلَّى عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَلَمَّا رَجَعَ أَحْمَدُ إِلَى بَغْدَادَ دَخَلَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَأُودِعَ السِّجْنَ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا. وَقِيلَ: نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ شَهْرًا. ثُمَّ أُخْرِجَ إِلَى الضَّرْبِ بَيْنَ يَدِيِ الْمُعْتَصِمِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَةُ. وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِأَهْلِ السِّجْنِ وَعَلَيْهِ قُيُودٌ فِي رِجْلَيْهِ.
ذِكْرُ ضَرْبِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَيْنَ يَدِيِ الْمُعْتَصِمِ
لَمَّا أَحْضَرَهُ الْمُعْتَصِمُ مِنَ السِّجْنِ زِيدَ فِي قُيُودِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَمْشِيَ بِهَا فَرَبَطْتُهَا فِي التِّكَّةِ وَحَمَلْتُهَا بِيَدِي، ثُمَّ جَاءُونِي بِدَابَّةٍ فَحُمِلْتُ عَلَيْهَا فَكِدْتُ أَنْ أَسْقُطَ عَلَى وَجْهِي مِنْ ثِقَلِ الْقُيُودِ، وَلَيْسَ مَعِي أَحَدٌ يُمْسِكُنِي، فَسَلَّمَ اللَّهُ حَتَّى جِئْنَا دَارَ الْخِلَافَةِ فَأُدْخِلْتُ فِي بَيْتٍ، وَأُغْلِقَ عَلَيَّ، وَلَيْسَ عِنْدِي سِرَاجٌ فَأَرَدْتُ الْوُضُوءَ فَمَدَدْتُ يَدِي فَإِذَا إِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ فَتَوَضَّأْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قُمْتُ أَصْلِي، وَلَا أَعْرِفُ الْقِبْلَةَ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ إِذَا أَنَا عَلَى الْقِبْلَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
(14/398)

قَالَ: ثُمَّ دُعِيتُ فَأُدْخِلْتُ عَلَى الْمُعْتَصِمِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ، وَعِنْدَهُ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ حَدَثُ السِّنِّ، وَهَذَا شَيْخٌ مُكْتَهِلٌ؟ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ وَسَلَّمْتُ قَالَ لِيَ: ادْنُهْ. فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِينِي حَتَّى قَرُبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: اجْلِسْ. فَجَلَسْتُ وَقَدْ أَثْقَلَنِي الْحَدِيدُ، فَمَكَثْتُ سَاعَةً، ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَامَ دَعَا إِلَيْهِ ابْنُ عَمِّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قُلْتُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: ثُمَّ ذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، ثُمَّ قُلْتُ: فَهَذَا الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ بِكَلَامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، وَذَلِكَ لِأَنِّي لَمْ أَتَفَقَّهْ كَلَامَهُ، ثُمَّ قَالَ الْمُعْتَصِمُ: لَوْلَا أَنَّكَ كُنْتَ فِي يَدِ مَنْ كَانَ قَبْلِي لَمْ أَتَعَرَّضْ إِلَيْكَ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تَرْفَعَ الْمِحْنَةَ؟ قَالَ أَحْمَدُ: فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا فَرَجٌ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ قَالَ: نَاظِرُوهُ، يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَلِّمْهُ. فَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقَالَ الْمُعْتَصِمُ: أَجِبْهُ. فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي الْعِلْمِ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: الْقُرْآنُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ. فَسَكَتَ، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَفَّرَكَ وَكَفَّرَنَا. فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَانَ اللَّهُ وَلَا قُرْآنَ؟ فَقُلْتُ: كَانَ اللَّهُ وَلَا
(14/399)

عِلْمَ؟ فَسَكَتَ. فَجَعَلُوا يَتَكَلَّمُونَ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْطُونِي شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى أَقُولَ بِهِ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: وَأَنْتَ لَا تَقُولُ إِلَّا بِهَذَا وَهَذَا؟ فَقُلْتُ: وَهَلْ يَقُومُ الْإِسْلَامُ إِلَّا بِهِمَا؟
وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا مُنَاظَرَاتٌ طَوِيلَةٌ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] وَعَنْهُ فِي ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ بِحَدَثِ إِنْزَالِهِ، أَوْ ذِكْرٌ غَيْرُ الْقُرْآنِ مُحْدَثٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَرَشَّحَ هَذَا بُقُولِهِ {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1] يَعْنِي بِهِ الْقُرْآنَ بِخِلَافِ الذِّكْرِ فَإِنَّهُ غَيْرُ الْقُرْآنِ. وَبِقَوْلِهِ {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25] فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: هُوَ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ، وَهَؤُلَاءِ قُضَاتُكَ وَالْفُقَهَاءُ فَسَلْهُمْ. فَقَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِيهِ: فَأَجَابُوا بِمِثْلِ مَا قَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ، ثُمَّ أَحْضَرُوهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَنَاظَرُوهُ أَيْضًا، ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَنَاظَرُوهُ أَيْضًا، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَعْلُو صَوْتُهُ عَلَيْهِمْ، وَتَغْلِبُ حُجَّتُهُ حُجَجَهُمْ. قَالَ: فَإِذَا سَكَتُوا فَتَحَ الْكَلَامَ عَلَيْهِمُ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ، وَكَانَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِالْعِلْمِ
(14/400)

وَالْكَلَامِ، وَقَدْ تَنَوَّعَتْ بِهِمُ الْمَسَائِلُ فِي الْمُجَادَلَةِ، وَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِالنَّقْلِ، فَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ الْآثَارَ، وَيَرُدُّونَ الِاحْتِجَاجَ بِهَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ: سَمِعْتُ مِنْهُمْ مَقَالَاتٍ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يَقُولُهَا، وَقَدْ تَكَلَّمَ مَعِي بُرْغُوثٌ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ ذَكَرَ فِيهِ الْجِسْمَ وَغَيْرَهُ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَحَدٌ صَمَدٌ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَسَكَتَ عَنِّي.
وَقَدْ أَوْرَدْتُ لَهُمْ حَدِيثَ الرُّؤْيَةِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فَحَاوَلُوا أَنْ يُضَعِّفُوا إِسْنَادَهُ، وَيُلَفِّقُوا عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ كَلَامًا يَتَسَلَّقُونَ بِهِ إِلَى الطَّعْنِ فِيهِ، وَهَيْهَاتَ {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [سبأ: 52] وَفِي غُبُونِ ذَلِكَ كُلِّهِ يَتَلَطَّفُ بِهِ الْخَلِيفَةُ، وَيَقُولُ: يَا أَحْمَدُ، أَجِبْنِي إِلَى هَذَا حَتَّى أَجْعَلَكَ مِنْ خَاصَّتِي، وَمِمَّنْ يَطَأُ بِسَاطِي. فَأَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يَأْتُونِي بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُجِيبَهُمْ إِلَيْهَا.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِمْ حِينَ أَنْكَرُوا الِاحْتِجَاجَ بِالْآثَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42] وَبُقُولِهِ {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] وَبِقَوْلِهِ:
(14/401)

{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14] ، وَبِقَوْلِهِ: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] وَبِقَوْلِهِ {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ لَهُمْ مَعَهُ حُجَّةٌ عَدَلُوا إِلَى اسْتِعْمَالِ جَاهِ الْخَلِيفَةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا كَافِرٌ ضَالٌّ مُضِلٌّ. وَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَائِبُ بَغْدَادَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ تَدْبِيرِ الْخِلَافَةِ أَنْ تُخَلِّيَ سَبِيلَهُ وَيَغْلِبَ خَلِيفَتَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَمِيَ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَكَانَ أَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ. قَالَ أَحْمَدُ: فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لِي: لَعَنَكَ اللَّهُ، طَمِعْتُ فِيكَ أَنْ تُجِيبَنِي فَلَمْ تَجْبُنِي. ثُمَّ قَالَ: خُذُوهُ وَاخْلَعُوهُ وَاسْحَبُوهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: فَأُخِذْتُ وَسُحِبْتُ وَخُلِعْتُ وَجِيءَ بِالْعُقَابَيْنِ وَالسِّيَاطِ، وَأَنَا أَنْظُرُ، وَكَانَ مَعِي شَعْرٌ مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَصْرُورٌ فِي ثَوْبِي فَجَرَّدُونِي مِنْهُ، وَصِرْتُ بَيْنَ الْعُقَابَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهَ اللَّهَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ. .» وَتَلَوْتُ الْحَدِيثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ»
(14/402)

فَبِمَ تَسْتَحِلُّ دَمِي، وَلَمْ آتِ شَيْئًا مِنْ هَذَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اذْكُرْ وُقُوفَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ كَوُقُوفِي بَيْنَ يَدَيْكَ. فَكَأَنَّهُ أَمْسَكَ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا يَقُولُونَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ ضَالٌّ مُضِلٌّ كَافِرٌ. فَأَمَرَ بِي فَأُقِمْتُ بَيْنَ الْعُقَابَيْنِ، وَجِيءَ بِكُرْسِيٍّ فَأُقِمْتُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَنِي بَعْضُهُمْ أَنْ آخُذَ بِيَدِي بِأَيِّ الْخَشَبَتَيْنِ فَلَمْ أَفْهَمْ، فَتَخَلَّعَتْ يَدَايَ، وَجِيءَ بِالضَّرَّابِينَ، وَمَعَهُمُ السِّيَاطُ فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ يَضْرِبُنِي سَوْطَيْنِ، وَيَقُولُ لَهُ يَعْنِي الْمُعْتَصِمُ: شُدَّ، قَطَّعَ اللَّهُ يَدَكَ! وَيَجِيءُ الْآخَرُ فَيَضْرِبُنِي سَوْطَيْنِ، ثُمَّ الْآخَرُ كَذَلِكَ، فَضَرَبُونِي أَسْوَاطًا فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، وَذَهَبَ عَقْلِي مِرَارًا، فَإِذَا سَكَنَ الضَّرْبُ يَعُودُ إِلَيَّ عَقْلِي، وَقَامَ الْمُعْتَصِمُ إِلَيَّ يَدْعُونِي إِلَى قَوْلِهِمْ فَلَمْ أُجِبْهُ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: وَيْحَكَ، الْخَلِيفَةُ عَلَى رَأْسِكَ. فَلَمْ أَقْبَلْ، فَأَعَادُوا الضَّرْبَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيَّ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَأَعَادُوا الضَّرْبَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ، فَدَعَانِي فَلَمْ أَعْقِلْ مَا قَالَ مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبِ، ثُمَّ أَعَادُوا الضَّرْبَ فَذَهَبَ عَقْلِي فَلَمْ أُحِسَّ بِالضَّرْبِ، وَأَرْعَبَهُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِي، وَأَمَرَ بِي فَأُطْلِقْتُ، وَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَأَنَا فِي حُجْرَةٍ مِنْ بِيْتٍ وَقَدْ أُطْلِقَتِ الْأَقْيَادُ مِنْ رِجْلِي، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِإِطْلَاقِهِ إِلَى أَهْلِهِ، وَكَانَ جُمْلَةُ مَا ضُرِبَ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ سَوْطًا، وَقِيلَ: ثَمَانِينَ سَوْطًا لَكِنْ كَانَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا شَدِيدًا جِدًّا.
وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَجُلًا طُوَالًا رَقِيقًا أَسْمَرَ اللَّوْنِ كَثِيرَ التَّوَاضُعِ، رَحِمَهُ اللَّهُ،
(14/403)

وَرَضِيَ عَنْهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
وَلَمَّا حُمِلَ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ إِلَى دَارِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ صَائِمٌ، أَتَوْهُ بِسَوِيقٍ وَمَاءٍ ; لِيُفْطِرَ مِنَ الضَّعْفِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَتَمَّ صَوْمَهُ، وَحِينَ حَضَرَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ صَلَّى مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَمَاعَةَ الْقَاضِي: صَلَّيْتَ فِي دَمِكَ؟ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: قَدْ صَلَّى عُمَرُ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا. فَسَكَتَ.
وَيُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا أُقِيمَ لِيُضْرَبَ انْقَطَعَتْ تِكَّةُ سَرَاوِيلِهِ فَخَشِيَ أَنْ يَسْقُطَ سَرَاوِيلُهُ فَتُكْشَفَ عَوْرَتَهُ، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِدُعَاءٍ فَعَادَ سَرَاوِيلُهُ كَمَا كَانَ. وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: يَا غَيَّاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ يَا إِلَهَ الْعَالَمِينَ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَائِمٌ لَكَ بِحَقٍّ فَلَا تَهْتِكْ لِي عَوْرَةً.
وَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَهُ الْجَرَّايِحِيُّ فَقَطَعَ لَحْمًا مَيِّتًا مِنْ جَسَدِهِ، وَجَعَلَ يُدَاوِيهِ، وَالنَّائِبُ يَبْعَثُ كَثِيرًا فِي كُلِّ وَقْتٍ يَسْأَلُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَصِمَ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ إِلَى أَحْمَدَ نَدَمًا كَثِيرًا، وَجَعَلَ يَسْأَلُ النَّائِبَ عَنْهُ، وَالنَّائِبُ يَسْتَعْلِمُ خَبَرَهُ، فَلَمَّا عُوفِيَ فَرِحَ الْمُعْتَصِمُ وَالْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، وَلَمَّا شَفَاهُ اللَّهُ بِالْعَافِيَةِ بَقِيَ مُدَّةً وَإِبْهَامَاهُ يُؤْذِيهِمَا الْبَرْدُ، وَجَعَلَ كُلَّ مَنْ سَعَى فِي أَمْرِهِ فِي حِلٍّ إِلَّا
(14/404)

أَهْلَ الْبِدْعَةِ، وَكَانَ يَتْلُو فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] وَيَقُولُ: مَاذَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذَّبَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِكَ؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] وَيُنَادَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: " لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ " فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ» .
وَكَانَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى الْمِحْنَةِ فَلَمْ يُجِيبُوا بِالْكُلِّيَّةِ أَرْبَعَةٌ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَهُوَ رَئِيسُهُمْ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحِ بْنِ مَيْمُونٍ الْجُنْدَيْسَابُورِيُّ، وَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ حِينَ ذَهَبَ هُوَ وَأَحْمَدُ إِلَى الْمَأْمُونِ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ، وَقَدْ مَاتَ فِي السِّجْنِ، وَأَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ، وَقَدْ مَاتَ فِي سِجْنِ الْوَاثِقِ عَلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، لَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَكَانَ مُثْقَلًا بِالْحَدِيدِ، وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِيهَا، وَأَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْخُزَاعِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ قَتْلِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَيَّامِ الْوَاثِقِ.
(14/405)

[ثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الْمُعَظَّمِ]
ذِكْرُ ثَنَاءِ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الْمُعَظِّمِ الْمُبَجَّلِ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَمَّا ضُرِبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كُنَّا بِالْبَصْرَةِ فَسَمِعْتُ أَبَا الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيَّ يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لَكَانَ أُحْدُوثَةً.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ: لَوْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لَكَانَ عَجَبًا.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَوْمَ الْمِحْنَةِ، وَأَبُو بَكْرٍ يَوْمَ الرِّدَّةِ، وَعُمَرُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ، وَعُثْمَانُ يَوْمَ الدَّارِ، وَعَلِيٌّ يَوْمَ صِفِّينَ.
وَقَالَ حَرْمَلَةُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ الْعِرَاقِ فَمَا خَلَّفْتُ بِهَا رَجُلًا أَفْضَلَ وَلَا أَعْلَمَ وَلَا أَوْرَعَ وَلَا أَتْقَى مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
(14/406)

وَقَالَ شَيْخُهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: مَا قَدِمَ عَلَيَّ مِنْ بَغْدَادَ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ قُتَيْبَةُ: مَاتَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَاتَ الْوَرَعُ، وَمَاتَ الشَّافِعِيُّ وَمَاتَتِ السُّنَنُ، وَيَمُوتُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَتَظْهَرُ الْبِدَعُ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ قُتَيْبَةُ: إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَامَ فِي الْأُمَّةِ مَقَامَ النُّبُوَّةِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يَعْنِي فِي صَبْرِهِ عَلَى مَا أَصَابَهُ مِنَ الْأَذَى فِي ذَاتِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ النَّحَّاسِ وَذَكَرَ أَحْمَدَ يَوْمًا فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الدِّينِ مَا كَانَ أَبْصَرَهُ، وَعَنِ الدُّنْيَا مَا كَانَ أَصْبَرَهُ، وَفِي الزُّهْدِ مَا كَانَ أَخْبَرَهُ، وَبِالصَّالِحِينَ مَا كَانَ أَلْحَقَهُ، وَبِالْمَاضِينَ مَا كَانَ أَشْبَهَهُ، عَرَضَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَأَبَاهَا، وَالْبِدَعُ فَنَفَاهَا.
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ الْحَافِي بَعْدَمَا ضُرِبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أُدْخِلَ أَحْمَدُ الْكِيرَ فَخَرَجَ ذَهَبًا أَحْمَرَ.
(14/407)

وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ بَعْدَمَا امْتُحِنَ أَحْمَدُ، وَقَبْلَ أَنْ يُمْتَحَنَ: يَا مَيْمُونِيُّ، مَا قَامَ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَامَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. فَعَجِبْتُ مِنْ هَذَا عَجَبًا شَدِيدًا، وَذَهَبْتُ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، فَحَكَيْتُ لَهُ مَقَالَةَ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، فَقَالَ: صَدَقَ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَجَدَ يَوْمَ الرِّدَّةِ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا وَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْصَارٌ وَلَا أَعْوَانٌ. ثُمَّ أَخَذَ أَبُو عُبَيْدٍ يُطْرِي أَحْمَدَ وَيَقُولُ: لَسْتُ أَعْلَمُ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهُ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حُجَّةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عَبِيدِهِ فِي أَرْضِهِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: إِذَا ابْتُلِيتُ بِشَيْءٍ فَأَفْتَانِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمْ أُبَالِ إِذَا لَقِيتُ رَبِّي كَيْفَ كَانَ. وَقَالَ عَلِيٌّ أَيْضًا: إِنِّي اتَّخَذْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ يَقْوَى عَلَى مَا يَقْوَى عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ؟
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَيْضًا: كَانَ فِي أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ خِصَالٌ مَا رَأَيْتُهَا فِي عَالِمٍ قَطُّ، كَانَ مُحَدِّثًا، وَكَانَ حَافِظًا، وَكَانَ عَالِمًا، وَكَانَ وَرِعًا، وَكَانَ زَاهِدًا، وَكَانَ عَاقِلًا.
(14/408)

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَيْضًا: أَرَادَ النَّاسُ مِنَّا أَنْ نَكُونَ مِثْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَاللَّهِ مَا نَقْوَى أَنْ نَكُونَ مِثْلَ أَحْمَدَ، وَلَا نُطِيقُ سُلُوكَ طَرِيقِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ: اتَّخَذْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيُّ: مَنَّ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَرْبَعَةٍ: بِالشَّافِعِيِّ، فَهِمَ الْأَحَادِيثَ وَفَسَّرَهَا، وَبَيَّنَ الْمُجْمَلَ مِنَ الْمُفَسَّرِ، وَالْخَاصِّ مِنَ الْعَامِّ، وَالنَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ، وَبِأَبِي عُبَيْدٍ عَرَفَ الْغَرِيبَ وَفَسَّرَهُ، وَبِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ نَفَى الْكَذِبَ عَنِ الْأَحَادِيثِ، وَبِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَبَتَ فِي الْمِحْنَةِ، لَوْلَا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ لَهَلَكَ النَّاسُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ حَمَلَ بِيَدِهِ قَلَمًا وَمِحْبَرَةً ; يَعْنِي فِي عَصْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَا رَأَيْتُ مَنْ رَأَى مِثْلَهُ.
(14/409)

وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: مَا أَعْرِفُ فِي أَصْحَابِنَا أَسْوَدَ الرَّأْسِ أَفْقَهَ مِنْهُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُوشَنْجِيُّ فِي أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ:
إِنَّ ابْنَ حَنْبَلٍ إِنْ سَأَلْتَ إَمَامُنَا ... وَبِهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْأَنَامِ تَمَسَّكُوا
خَلَفَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا بَعْدَ الْأُلَى ... كَانُوا الْخَلَائِفَ بَعْدَهُ وَاسْتَهْلَكُوا
حَذْوَ الشِّرَاكِ عَلَى الشِّرَاكِ وَإِنَّمَا ... يَحْذُو الْمِثَالَ مِثَالُهُ الْمُتَمِسِّكُ
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَغَيْرُهُمَا: هُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَالِينِيِّ، عَنِ ابْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مُعَانِ
(14/410)

بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ. ح قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَحَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ، عَنْ مُعَانٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ» وَهَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ ضَعْفٌ، وَالْعَجَبُ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ صَحَّحَهُ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى عَدَالَةِ كُلِّ مَنْ نُسِبَ إِلَى حَمْلِ الْعِلْمِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.

[الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَعْدَ الْمِحْنَةِ]
ذِكْرُ مَا كَانَ مَنْ أَمْرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بَعْدَ الْمِحْنَةِ
حِينَ أُخْرِجَ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ بَعْدَ الضَّرْبِ صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَدُووِيَ حَتَّى
(14/411)

بَرِئَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَلَزِمَ مَنْزِلَهُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى جَمَاعَةٍ وَلَا جُمُعَةٍ، وَامْتَنَعَ مِنَ التَّحْدِيثِ، وَكَانَتْ غَلَّتُهُ مِنْ مِلْكٍ لَهُ ; فِي كُلِّ شَهْرٍ سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا يُنْفِقُهَا عَلَى عِيَالِهِ، وَيَتَقَنَّعُ بِذَلِكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ مُدَّةَ خِلَافَةِ الْمُعْتَصِمِ، وَكَذَلِكَ فِي أَيَّامِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الْوَاثِقِ.
فَلَمَّا وَلِيَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ جَعْفَرُ ابْنُ الْمُعْتَصِمِ اسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِوِلَايَتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ مُحِبًّا لِلسُّنَّةِ وَأَهْلِهَا، وَرَفَعَ الْمِحْنَةَ عَنِ النَّاسِ، وَكَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ فِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ بِبَغْدَادَ وَهُوَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَبْعَثَ بِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِلَيْهِ، فَاسْتَدْعَى إِسْحَاقُ بِالْإِمَامِ أَحْمَدَ إِلَيْهِ فَأَكْرَمَهُ إِسْحَاقُ وَعَظَّمَهُ ; لِمَا يَعْلَمُ مِنْ إِعْظَامِ الْخَلِيفَةِ لَهُ وَإِجْلَالِهِ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَنِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: سُؤَالُ تَعَنُّتٍ أَوِ اسْتِرْشَادٍ؟ فَقَالَ: بَلْ سُؤَالُ اسْتِرْشَادٍ. فَقَالَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ مَنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَسَكَنَ إِلَى قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ جَهَّزَهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، ثُمَّ سَبَقَهُ إِلَيْهِ.
وَبَلَغَهُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ اجْتَازَ بِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَلْمْ يَأْتِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَغَضِبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ ذَلِكَ وَشَكَاهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ: يُرَدُّ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَ بِسَاطِي. فَرَجَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَى بَغْدَادَ وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُتَكَرِّهًا لِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمْ يَهُنْ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ،
(14/412)

وَإِنَّمَا كَانَ رُجُوعُهُ عَنْ قَوْلِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ هُوَ السَّبَبَ فِي ضَرْبِهِ.
ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الثَّلْجِيِّ وَشَى إِلَى الْخَلِيفَةِ شَيْئًا، فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ قَدْ ضَوَى إِلَى مَنْزِلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَهُوَ يُبَايِعُ لَهُ النَّاسَ فِي الْبَاطِنِ. فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ نَائِبَ بَغْدَادَ أَنْ يَكْبِسَ مَنْزِلَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنَ اللَّيْلِ. فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلَّا وَالْمَشَاعِلُ قَدْ أَحَاطَتْ بِالدَّارِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى مِنْ فَوْقِ الْأَسْطِحَةِ فَوَجَدُوا الْإِمَامَ أَحْمَدَ جَالِسًا فِي دَارِهِ مَعَ عِيَالِهِ، فَسَأَلُوهُ عَمَّا ذُكِرَ عَنْهُ، فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمٌ، وَلَيْسَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَلَا هَذَا مِنْ نِيَّتِي، وَإِنِّي لِأَرَى طَاعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَفِي عُسْرِي وَيُسْرِي، وَمَنْشَطِي وَمَكْرَهِي، وَأَثَرَةٍ عَلَيَّ، وَإِنِّي لَأَدْعُو اللَّهَ لَهُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّوْفِيقِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. فِي كَلَامٍ كَثِيرٍ، فَفَتَّشُوا مَنْزِلَهُ حَتَّى مَكَانَ الْكُتُبِ وَبُيُوتَ النِّسَاءِ وَالْأَسْطِحَةَ وَغَيْرَهَا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَلَمَّا بَلَغَ الْمُتَوَكِّلَ ذَلِكَ، وَعَلِمَ بَرَاءَتَهُ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ، عَلِمَ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ كَثِيرًا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَعْقُوبَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفَ بِقَوْصَرَةَ وَهُوَ أَحَدُ الْحَجَبَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَقَالَ: هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: اسْتَنْفَقَ هَذِهِ. فَامْتَنَعَ مَنْ قَبُولِهَا. فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي أَخْشَى مِنْ رَدِّكَ إِيَّاهَا أَنْ يَقَعَ وَحْشَةٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَالْمَصْلَحَةُ لَكَ قَبُولُهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَهُ ثُمَّ ذَهَبَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ اسْتَدْعَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ
(14/413)

أَهْلَهُ وَبَنِي عَمِّهِ وَعِيَالَهُ، وَقَالَ: لَمْ أَنَمْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ مِنْ هَذَا الْمَالِ. فَجَلَسُوا مَعَهُ، وَكَتَبُوا أَسْمَاءَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحْتَاجِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَفَرَّقَهَا فِي النَّاسِ مَا بَيْنَ الْخَمْسِينَ إِلَى الْمِائَةِ وَالْمِائَتَيْنِ وَلَمْ يبْقِ مِنْهَا دِرْهَمًا، وَأَعْطَى مِنْهَا لِأَبِي كُرَيْبٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، وَتَصَدَّقَ بِالْكِيسِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ، وَلَمْ يُعْطِ مِنْهَا لِأَهْلِهِ شَيْئًا، وَهُمْ فِي غَايَةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، وَجَاءَ بُنَيُّ ابْنِهِ فَقَالَ: أَعْطِنِي دِرْهَمًا. فَنَظَرَ أَحْمَدُ إِلَى ابْنِهِ صَالِحٍ، فَتَنَاوَلَ صَالِحٌ قِطْعَةً فَأَعْطَاهَا الصَّبِيَّ، فَسَكَتَ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَبَلَغَ الْخَلِيفَةُ أَنَّهُ قَدْ تَصَدَّقَ بِالْجَائِزَةِ كُلِّهَا حَتَّى لَمْ يُبْقِ مِنْهَا شَيْئًا وَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِكِيسِهَا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ قَدْ قَبِلَهَا مِنْكَ وَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْكَ، وَمَا يَصْنَعُ أَحْمَدُ بِالْمَالِ؟ إِنَّمَا يَكْفِيهِ رَغِيفٌ. فَقَالَ: صَدَقْتَ.
فَلَمَّا مَاتَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُهُ مُحَمَّدٌ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا الْقَرِيبُ، وَتَوَلَّى نِيَابَةَ بَغْدَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ، كَتَبَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِ الْإِمَامَ أَحْمَدَ، فَقَالَ لِأَحْمَدَ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ: إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَضَعِيفٌ، فَرَدَّ الْجَوَابَ عَلَى الْخَلِيفَةِ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ يَعْزِمُ عَلَيْهِ لَتَأْتِيَنِّي، وَكَتَبَ إِلَى أَحْمَدَ يَقُولُ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ آنَسَ بِقُرْبِكَ، وَبِالنَّظَرِ إِلَيْكَ، وَيَحْصُلَ لِي بَرَكَةُ دُعَائِكَ. فَسَارَ إِلَيْهِ
(14/414)

الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَهُوَ عَلِيلٌ فِي بَنِيهِ وَبَعْضِ أَهْلِهِ، فَلَمَّا قَارَبَ الْعَسْكَرَ تَلَقَّاهُ وَصِيفٌ الْخَادِمُ فِي مَوْكِبٍ عَظِيمٍ، فَسَلَّمَ وَصِيفٌ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ وَصِيفٌ: قَدْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنْ عَدُوِّكَ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ جَوَابًا، وَجَعَلَ ابْنُهُ يَدْعُو اللَّهَ لِلْخَلِيفَةِ وَلِوَصِيفٍ فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْعَسْكَرِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، أُنْزِلَ أَحْمَدُ فِي دَارِ إِيتَاخَ فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ ارْتَحَلَ مِنْهَا، وَأَمَرَ أَنْ يُسْتَكْرَى لَهُ دَارٌ غَيْرُهَا.
وَكَانَ رُءُوسُ الْأُمَرَاءِ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَحْضُرُونَ عِنْدَهُ، وَيُبَلِّغُونَهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ السَّلَامَ، وَلَا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْلَعُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الزِّينَةِ وَالسِّلَاحِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ بِالْمَفَارِشِ الْوَطِيئَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْآلَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِتِلْكَ الدَّارِ الْعَظِيمَةِ.
وَأَرَادَ مِنْهُ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُقِيمَ هُنَاكَ لِيُحَدِّثَ النَّاسَ عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُمْ مِنْهُ فِي أَيَّامِ الْمِحْنَةِ وَمَا بَعْدَهَا مِنَ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ الْمُتَطَاوِلَةِ وَهُوَ مَحْجُوبٌ فِي دَارِهِ لَا يَخْرُجُ إِلَى جَمَاعَةٍ وَلَا جُمُعَةٍ أَيْضًا، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ بِأَنَّهُ عَلِيلٌ وَأَسْنَانُهُ تَتَحَرَّكُ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَكَانَ الْخَلِيفَةُ يَبْعَثُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَائِدَةً فِيهَا أَلْوَانُ الْأَطْعِمَةِ وَالْفَاكِهَةِ وَالثَّلْجُ، مِمَّا يُقَاوِمُ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ يَوْمِ، وَالْخَلِيفَةُ يَحْسَبُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ أَحْمَدُ يَطْعَمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ كَانَ صَائِمًا يَطْوِي، فَمَكَثَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَسْتَطْعِمْ بِطَعَامٍ، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ عَلِيلٌ، ثُمَّ أَقْسَمَ
(14/415)

عَلَيْهِ وَلَدُهُ حَتَّى شَرِبَ قَلِيلًا مِنَ السَّوِيقِ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ. وَجَاءَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ بِمَالٍ جَزِيلٍ مِنَ الْخَلِيفَةِ ; جَائِزَةً لَهُ، فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ فَلَمْ يَقْبَلْ، فَأَخَذَهَا الْأَمِيرُ فَفَرَّقَهَا عَلَى بَنِيهِ وَأَهْلِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُرَدَّ عَلَى الْخَلِيفَةِ جَائِزَتُهُ. وَكَتَبَ الْخَلِيفَةُ لِأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَمَانَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا هَذَا إِلَّا لِوَلَدِكَ. فَأَمْسَكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُمَانَعَتِهِ، ثُمَّ أَخَذَ يَلُومُ أَهْلَهُ وَعَمَّهُ وَبَنِي عَمِّهِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا بَقِيَ لَنَا أَيَّامٌ قَلَائِلُ، وَكَأَنَّنَا وَقَدْ نَزَلَ بِنَا الْمَوْتُ فَإِمَّا إِلَى جَنَّةٍ، وَإِمَّا إِلَى نَارٍ، فَنَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا وَبُطُونُنَا قَدْ أَخَذَتْ مِنْ مَالِ هَؤُلَاءِ. فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ يَعِظُهُمْ بِهِ. فَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُسْتَشْرِفٍ فَخُذْهُ» وَبِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ قَبِلَا جَوَائِزَ السُّلْطَانِ. فَقَالَ: مَا هَذَا وَذَاكَ سَوَاءٌ،
(14/416)

وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ أُخِذَ مِنْ حَقِّهِ، وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ وَلَا جَوْرٌ لَمْ أُبَالِ.
وَلَمَّا اسْتَمَرَّ ضَعْفُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعَلَ الْمُتَوَكِّلُ يَبْعَثُ إِلَيْهِ بِابْنِ مَاسَوَيْهِ الْمُتَطَبِّبِ لِيَنْظُرَ فِي مَرَضِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لَيْسَ بِهِ عِلَّةٌ فِي بَدَنِهِ، وَإِنَّمَا عِلَّتُهُ مِنْ قِلَّةِ الطَّعَامِ، وَكَثْرَةِ الصِّيَامِ وَالْعِبَادَةِ. فَسَكَتَ الْمُتَوَكِّلُ، ثُمَّ سَأَلَتْ أَمُّ الْخَلِيفَةِ مِنْهُ أَنْ تَرَى الْإِمَامَ أَحْمَدَ، فَبَعَثَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَجْتَمِعَ بِابْنِهِ الْمُعْتَزِّ وَيَدْعُوَ لَهُ، وَيَكُونَ فِي حِجْرِهِ فَتَمَنَّعَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَجَابَ إِلَيْهِ ; رَجَاءَ أَنْ يُعَجِّلَ بِرُجُوعِهِ إِلَى أَهْلِهِ بِبَغْدَادَ، وَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ بِخِلْعَةٍ سَنِيَّةٍ وَمَرْكُوبٍ مِنْ مَرَاكِيبِهِ، فَامْتَنَعَ مِنْ رُكُوبِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ مِيثَرَةُ نُمُورٍ فَجِيءَ بِبَغْلٍ لِبَعْضِ التُّجَّارِ فَرَكِبَهُ، وَجَاءَ إِلَى مَجْلِسٍ الْمُعْتَزِّ، وَقَدْ جَلَسَ الْخَلِيفَةُ وَأَمُّهُ فِي نَاحِيَةٍ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ رَقِيقٍ. فَلَمَّا جَاءَ أَحْمَدُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. وَجَلَسَ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ، فَقَالَتْ أَمُّ الْخَلِيفَةِ: اللَّهَ اللَّهَ يَا بُنَيَّ فِي هَذَا الرَّجُلِ! تَرُدُّهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّنْ يُرِيدُ مَا أَنْتُمْ فِيهِ، وَحِينَ رَأَى الْمُتَوَكِّلُ أَحْمَدَ قَالَ لِأُمِّهِ: يَا أُمَّهْ، قَدْ أَنَارَتِ الدَّارُ.
وَجَاءَ الْخَادِمُ وَمَعَهُ خِلْعَةٌ سَنِيَّةٌ مُبَطَّنَةٌ وَثَوْبٌ وَقَلَنْسُوَةٌ وَطَيْلَسَانٌ، فَأَلْبَسَهَا الْإِمَامَ أَحْمَدَ بِيَدِهِ، وَأَحْمَدُ لَا يَتَحَرَّكُ بِالْكُلِّيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَمَّا جَلَسْتُ إِلَى
(14/417)

الْمُعْتَزِّ قَالَ مُؤَدِّبُهُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، هَذَا الَّذِي أَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّبَكَ. فَقَالَ: إِنْ عَلَّمَنِي شَيْئًا تَعَلَّمْتُهُ. قَالَ أَحْمَدُ: فَعَجِبْتُ مِنْ ذَكَائِهِ فِي صِغَرِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا جِدًّا. ثُمَّ خَرَجَ أَحْمَدُ عَنْهُمْ وَهُوَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَيَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ مَقْتِهِ، وَغَضَبِهِ.
ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ أَذِنَ لَهُ الْخَلِيفَةُ بِالِانْصِرَافِ، وَهَيَّأَ لَهُ حَرَّاقَةً فَلَمْ يَقْبَلْ أَنْ يَنْحَدِرَ فِيهَا بَلْ رَكِبَ فِي زَوْرَقٍ فَدَخَلَ بَغْدَادَ مُخْتَفِيًا، وَأَمَرَ أَنْ تُبَاعَ تِلْكَ الْخِلْعَةُ، وَأَنْ يُتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. وَجَعَلَ أَيَّامًا يَتَأَلَّمُ مِنَ اجْتِمَاعِهِ بِهِمْ وَيَقُولُ: سَلِمْتُ مِنْهُمْ طُولَ عُمْرِي، ثُمَّ ابْتُلِيتُ بِهِمْ فِي آخِرِهِ، وَكَانَ قَدْ جَاعَ عِنْدَهُمْ جُوعًا عَظِيمًا كَثِيرًا حَتَّى كَادَ يَهْلِكُ مِنَ الْجُوعِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ لِلْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ الْخَلِيفَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لَا يَأْكُلُ لَكَ طَعَامًا، وَلَا يَشْرَبُ لَكَ شَرَابًا، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى فَرْشِكَ، وَيُحَرِّمُ مَا تَشْرَبُهُ. فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَوْ نُشِرَ الْمُعْتَصِمُ، وَكَلَّمَنِي فِي أَحْمَدَ مَا قَبِلْتُ مِنْهُ. وَجَعَلَتْ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ تَفِدُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ; تَسْتَعْلِمُ أَخْبَارَهُ وَكَيْفَ حَالُهُ. وَجَعَلَ يَسْتَفْتِيهِ فِي أَمْوَالِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ فَلَا يُجِيبُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمُتَوَكِّلَ أَخْرَجَ ابْنَ أَبِي دُؤَادٍ مِنْ سُرَّ مَنْ رَأَى إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ نَفْسَهُ بِبَيْعِ
(14/418)

ضِيَاعِهِ وَأَمْلَاكِهِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِ كُلِّهَا.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَحِينَ رَجَعَ أَبِي مَنْ سَامَرَّا إِلَى بَغْدَادَ وَجَدْنَا عَيْنَيْهِ قَدْ دَخَلَتَا فِي مُوقَيْهِ، وَمَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ إِلَّا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَامْتَنَعَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ قَرَابَتِهِ أَوْ يَدْخُلَ بَيْتًا هُمْ فِيهِ، أَوْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ ; لِأَجْلِ قَبُولِهِمْ أَمْوَالَ السُّلْطَانِ.
وَكَانَ مَسِيرُ أَحْمَدَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ مَكَثَ إِلَى سَنَةِ وَفَاتِهِ، قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَرِسَالَةُ الْمُتَوَكِّلِ تَفِدُ إِلَيْهِ فِي أُمُورٍ يُشَاوِرُهُ فِيهَا، وَيَسْتَشِيرُهُ فِي أَشْيَاءَ تَقَعُ لَهُ.
وَلَمَّا قَدِمَ الْمُتَوَكِّلُ بَغْدَادَ بَعَثَ إِلَيْهِ ابْنَ خَاقَانَ وَمَعَهُ أَلْفُ دِينَارٍ لِيُفَرِّقَهَا عَلَى مَنْ يَرَى فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا وَتَفْرِقَتِهَا، وَقَالَ: إِنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَعْفَانِي مِمَّا أَكْرَهُ فَرَدَّهَا.
وَكَتَبَ رَجُلٌ رُقْعَةً إِلَى الْمُتَوَكِّلِ يَقُولُ فِيهَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَشْتُمُ آبَاءَكَ وَيَرْمِيهِمْ بِالزَّنْدَقَةِ. فَكَتَبَ فِيهَا الْمُتَوَكِّلُ: أَمَّا الْمَأْمُونُ فَإِنَّهُ خَلَطَ فَسَلَّطَ النَّاسَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا أَبِي الْمُعْتَصِمُ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلَ حَرْبٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَصَرٌ بِالْكَلَامِ، وَأَمَّا أَخِي الْوَاثِقُ فَإِنَّهُ اسْتَحَقَّ مَا قِيلَ فِيهِ، ثُمَّ أَمَرَ أَنَّ يُضْرَبَ هَذَا
(14/419)

الرَّجُلُ الَّذِي رَفَعَ إِلَيْهِ الرُّقْعَةَ مِائَتَيْ سَوْطٍ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَضَرَبَهُ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ، فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ: لِمَ ضَرَبْتَهُ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ؟ فَقَالَ: مِائَتَيْنِ لِطَاعَتِكَ، وَمِائَتَيْنِ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمِائَةً لِكَوْنِهِ قَذَفَ هَذَا الشَّيْخَ ; الرَّجُلَ الصَّالِحَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ.
وَقَدْ كَتَبَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَسْأَلُهُ عَنِ الْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ ; سُؤَالَ اسْتِرْشَادٍ وَاسْتِفَادَةٍ لَا سُؤَالَ تَعَنُّتٍ وَلَا امْتِحَانٍ وَلَا عِنَادٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ رِسَالَةً حَسَنَةً، فِيهَا آثَارٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ، وَقَدْ أَوْرَدَهَا ابْنُهُ صَالِحٌ فِي الْمِحْنَةِ الَّتِي سَاقَهَا، وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْهُ، وَقَدْ نَقَلَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ.

[وَفَاةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ]
ذِكْرُ وَفَاةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ
قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ: كَانَ مَرَضُهُ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ثَانِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَحْمُومٌ يَتَنَفَّسُ الصُّعَدَاءَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ مَا كَانَ غَدَاؤُكَ؟ فَقَالَ: مَاءُ الْبَاقِلَّا. ثُمَّ ذَكَرَ كَثْرَةَ مَجِيءِ النَّاسِ مِنَ الْأَكَابِرِ وَعُمُومِ النَّاسِ لِعِيَادَتِهِ، وَكَثْرَةَ
(14/420)

جَزَعِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَعَهُ خُرَيْقَةٌ فِيهَا قُطَيْعَاتٌ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا، وَقَدْ أَمَرَ وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُطَالِبَ سُكَّانَ مِلْكِهِ وَأَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ فَأَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ فَاشْتَرَى تَمْرًا وَكَفَّرَ عَنْ أَبِيهِ، وَفَضَلَ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمٍ، وَكَتَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصِيَّتَهُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، أَوْصَى أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. وَأَوْصَى مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فِي الْعَابِدِينَ، وَأَنْ يَحْمَدُوهُ فِي الْحَامِدِينَ، وَأَنْ يَنْصَحُوا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأُوصِي أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَأُوصِي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِفُورَانَ عَلَيَّ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ دِينَارًا، وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا قَالَ فَيُقْضَى مَا لَهُ عَلَيَّ مِنْ غَلَّةِ الدَّارِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِذَا اسْتُوْفِيَ أُعْطِي وَلَدُ صَالِحٍ كُلُّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ.
ثُمَّ اسْتَدْعَى بِالصِّبْيَانِ مَنْ وَرَثَتِهِ فَجَعَلَ يَدْعُو لَهُمْ، وَكَانَ قَدْ وُلِدَ لَهُ صَبِيٌّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا فَسَمَّاهُ سَعِيدًا، وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ آخَرُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ قَدْ مَشَى حِينَ مَرِضَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَدَعَاهُ فَالْتَزَمَهُ وَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أَصْنَعُ بِالْوَلَدِ عَلَى
(14/421)

كِبَرِ السِّنِّ؟ فَقِيلَ لَهُ: ذُرِّيَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ يَدْعُونَ لَكَ. قَالَ: وَذَاكَ. وَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَدْ بَلَغَهُ فِي مَرَضِهِ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ كَرِهَ الْأَنِينَ فِي الْمَرَضِ، فَتَرَكَ الْأَنِينَ فَلَمْ يَئِنَّ حَتَّى كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي تُوُفِّيَ فِي صَبِيحَتِهَا، وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَنَّ حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَيُرْوَى عَنْ صَالِحٍ وَقَدْ يَكُونُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا احْتُضِرَ أَبِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَعَلَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: لَا بَعْدُ، لَا بَعْدُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَا هَذِهِ اللَّفْظَةُ الَّتِي لَهَجْتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ إِبْلِيسَ وَاقِفٌ فِي زَاوِيَةِ الْبَيْتِ، وَهُوَ عَاضٌّ عَلَى أُصْبُعِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: فُتَّنِي يَا أَحْمَدُ؟ فَأَقُولُ: لَا بَعْدُ لَا بَعْدُ. يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَفُوتُهُ حَتَّى تَخْرُجَ رُوحُهُ مِنْ جَسَدِهِ عَلَى التَّوْحِيدِ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، قَالَ إِبْلِيسُ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ مَا أَزَالُ أُغْوِيهِمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ. فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَلَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي.
(14/422)

وَأَحْسَنُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يُوَضِّئُوهُ فَجَعَلُوا يُوَضِّئُونَهُ، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَيْهِمْ أَنْ خَلَّلُوا أَصَابِعِي، وَهُوَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَكْمَلُوا الْوُضُوءَ تُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَضِيَ عَنْهُ.
وَقَدْ كَانَتْ وَفَاةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ حِينَ مَضَى نَحْوٌ مَنْ سَاعَتَيْنِ مِنَ النَّهَارِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الشَّوَارِعِ، وَبَعَثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ حَاجِبَهُ وَمَعَهُ غِلْمَانٌ يَحْمِلُونَ مَنَادِيلَ فِيهَا أَكْفَانٌ، وَأَرْسَلَ يَقُولُ: هَذَا نِيَابَةً عَنِ الْخَلِيفَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَبَعَثَ بِهَذَا. فَأَرْسَلَ أَوْلَادُهُ يَقُولُونَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ قَدْ أَعْفَاهُ فِي حَيَاتِهِ مِمَّا يَكْرَهُ، وَهَذَا مِمَّا يَكْرَهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُكَفِّنُوهُ فِي تِلْكَ الْأَثْوَابِ، وَأَتَوْا بِثَوْبٍ كَانَ قَدْ غَزَلَتْهُ جَارِيَتُهُ، فَكَفَّنُوهُ فِيهِ، وَاشْتَرَوْا مَعَهُ عَوَزَ لِفَافَةٍ وَحَنُوطًا، وَاشْتَرَوْا لَهُ رَاوِيَةَ مَاءٍ، وَامْتَنَعُوا أَنْ يَغْسِلُوهُ بِمَاءٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ هَجَرَ بُيُوتَهُمْ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا وَلَا يَسْتَعِيرُ مَنْ أَمْتِعَتِهِمْ شَيْئًا، وَكَانَ لَا يَزَالُ مُتَغَضِّبًا عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ مَا رُتِّبَ لَهُمْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَانُوا عَالَةً فَقُرَاءَ، وَحَضَرَ غُسْلَهُ نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ مِنْ بَيْتِ الْخِلَافَةِ مَنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَجَعَلُوا يُقَبِّلُونَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَيَدْعُونَ لَهُ، وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِ. وَخَرَجَ النَّاسُ بِنَعْشِهِ وَالْخَلَائِقُ حَوْلَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَا لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَنَائِبُ الْبَلَدِ مُحَمَّدُ بْنُ
(14/423)

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَاقِفٌ فِي النَّاسِ، فَتَقَدَّمَ خُطْوَاتٍ فَعَزَّى أَوْلَادَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِيهِ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَمَّ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَعَادَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِي قَبْرِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَمَرَ بِحَزْرِ النَّاسِ، فَوُجِدُوا أَلْفَ أَلْفٍ وَثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَسَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ سِوَى مَنْ كَانَ فِي السُّفُنِ، وَأَقَلُّ مَا قِيلَ: سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ أَمَرَ أَنْ يُمْسَحَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وَقَفَ النَّاسُ عَلَيْهِ حَيْثُ صُلِّيَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَبَلَغَ مَقَامَ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَخَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ كَامِلٍ الْقَاضِي يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الزِّنْجَانِيَّ، سَمِعَتْ عَبْدَ الْوَهَّابِ
(14/424)

الْوَرَّاقَ يَقُولُ: مَا بَلَغَنَا أَنَّ جَمْعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمْعِ عَلَى جِنَازَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْمَكِّيُّ، سَمِعْتُ الْوَرْكَانِيَّ جَارَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: أَسْلَمَ يَوْمَ مَاتَ أَحْمَدُ عِشْرُونَ أَلْفًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، وَوَقَعَ الْمَأْتَمُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَسْلَمَ عَشَرَةُ آلَافٍ بَدَلَ عِشْرِينَ أَلْفًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا سَهْلِ بْنَ زِيَادٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قُولُوا لِأَهْلِ الْبِدَعِ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْجَنَائِزُ. وَقَدْ
(14/425)

صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَهُ فِي هَذَا فَإِنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ إِمَامَ السُّنَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَعُيُونُ مُخَالِفِيهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ الْقَاضِي لَمْ يَحْتَفِلْ أَحَدٌ بِمَوْتِهِ، وَلَا شَيَّعَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا الْقَلِيلَ، وَكَذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيُّ مَعَ زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَتَنْقِيرِهِ وَمُحَاسَبَتِهِ نَفْسَهُ فِي خِطْرَاتِهِ وَحَرَكَاتِهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَلِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّاعِرِ أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ أُصَلِّ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَرُوِيَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ دُفِنَ أَحْمَدُ: دُفِنَ الْيَوْمَ سَادِسُ خَمْسَةٍ: وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَكَانَ عُمْرُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَوْمَ تُوُفِّيَ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً وَأَيَّامًا أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ.

[الْمَنَامَاتُ الصَّالِحَةُ الَّتِي رَآهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ]
ذِكْرُ مَا رُئِيَ مِنْ الْمَنَامَاتِ الصَّالِحَةِ الَّتِي رَآهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرُئِيَتْ لَهُ.
وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا
(14/426)

الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ - يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ» .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ سَمِعَتْ عَلِيَّ بْنَ حَمْشَاذَ، سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ شَبِيبٍ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَجَاءَهُ شَيْخٌ وَمَعَهُ عُكَّازَةٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَجَلَسَ، فَقَالَ: مَنْ مِنْكُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: أَنَا، مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: ضَرَبْتُ إِلَيْكَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ فَرْسَخٍ، أُرِيتُ الْخَضِرَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي: سِرْ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَسَلْ عَنْهُ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ سَاكِنَ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةَ رَاضُونَ عَنْكَ بِمَا صَبَرْتَ نَفْسَكَ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ. قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ اغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا، فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ مِشْيَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مِشْيَةُ الْخُدَّامِ فِي دَارِ السَّلَامِ. فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي وَتَوَّجَنِي وَأَلْبَسَنِي نَعْلَيْنِ مَنْ ذَهَبٍ، وَقَالَ لِي: يَا أَحْمَدُ، هَذَا بِقَوْلِكَ: الْقُرْآنُ كَلَامِي. ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَحْمَدُ، ادْعُنِي بِتِلْكَ الدَّعَوَاتِ الَّتِي بَلَغَتْكَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَكُنْتَ تَدْعُو بِهِنَّ فِي دَارِ الدُّنْيَا. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَبِّ كُلُّ
(14/427)

شَيْءٍ، بِقُدْرَتِكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، اغْفِرْ لِي كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى لَا تَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ. فَقَالَ لِي: يَا أَحْمَدُ، هَذِهِ الْجَنَّةُ قُمْ فَادْخُلْهَا. فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَلَهُ جَنَاحَانِ أَخْضَرَانِ يَطِيرُ بِهِمَا مِنْ نَخْلَةٍ إِلَى نَخْلَةٍ، وَهُوَ يَقُولُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر: 74] قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ بِشْرٌ الْحَافِي؟ فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ، وَمَنْ مِثْلُ بِشْرٍ؟ تَرَكْتُهُ بَيْنَ يَدَيِ الْجَلِيلِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَائِدَةٌ مِنَ الطَّعَامِ وَالْجَلِيلُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: كُلْ يَا مَنْ لَمْ يَأْكُلْ، وَاشْرَبْ يَا مَنْ لَمْ يَشْرَبْ، وَانْعَمْ يَا مَنْ لَمْ يَنْعَمْ. أَوْ كَمَا قَالَ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو زُرْعَةَ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: قَالَ لِيَ الْجَبَّارُ: أَلْحِقُوهُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ; مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ خُرَّزَادَ الْأَنْطَاكِيُّ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَقَدْ بَرَزَ الرَّبُّ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَكَأَنَّ مُنَادِيًا يُنَادِي مِنْ تَحْتٍ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: أَدْخِلُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَلَكٍ إِلَى جَانِبِي: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ
(14/428)

يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الْمَقْدِسِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ، وَهُوَ نَائِمٌ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ مُغَطَّى، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَذُبَّانِ عَنْهُ. وَتَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ عَنْ يَحْيَى الْجَلَّاءِ أَنَّهُ رَأَى كَأَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي حَلْقَةٍ بِالْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَأَحْمَدَ بْنَ أَبِي دُؤَادٍ فِي حَلْقَةٍ أُخْرَى، وَكَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفٌ بَيْنَ الْحَلْقَتَيْنِ، وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} [الأنعام: 89] وَيُشِيرُ إِلَى حَلْقَةِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ وَأَصْحَابِهِ {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89] وَيُشِيرُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَصْحَابِهِ.
(14/429)

[سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[مَا وَقَعَتْ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا كَانَتْ زَلَازِلُ هَائِلَةٌ فِي الْبِلَادِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ بِمَدِينَةِ قُومِسَ تَهَدَّمَتْ مِنْهَا دُورٌ كَثِيرَةٌ، وَمَاتَ مِنْ أَهْلِهَا نَحْوٌ مَنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَسِتَّةٍ وَتِسْعِينَ نَفْسًا، وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ وَخُرَاسَانَ وَفَارِسَ وَالشَّامِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ زَلَازِلُ مُنْكِرَةٌ.
وَفِيهَا أَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى بِلَادِ الْجَزِيرَةِ فَانْتَبَهُوا شَيْئًا كَثِيرًا وَأَسَرُوا نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الذَّرَارِي فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ نَائِبُ مَكَّةَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، قَاضِي مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ.
وَأَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ، قَاضِي الشَّرْقِيَّةِ. وَاسْمُ أَبِي حَسَّانَ الزِّيَادِيِّ الْحَسَنُ
(14/430)

بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْبَغْدَادِيُّ، سَمِعَ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ، وَوَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَالْوَاقِدِيَّ وَخَلْقًا سِوَاهُمْ. وَعَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَرْغَانِيُّ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِكَغَطَ وَجَمَاعَةٌ. تَرْجَمَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ ". قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ مِنْ سُلَالَةِ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ إِنَّمَا تَزَوَّجَ بَعْضُ أَجْدَادِهِ بِأُمِّ وَلَدٍ لِزِيَادٍ، فَقِيلَ لَهُ: الزِّيَادِيُّ، ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ حَدِيثِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ» الْحَدِيثَ. وَرُوِيَ عَنِ الْخَطِيبِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَفَاضِلِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَلِيَ قَضَاءَ الشَّرْقِيَّةِ فِي خِلَافَةِ الْمُتَوَكِّلِ، وَلَهُ تَارِيخٌ حَسَنٌ، وَلَهُ حَدِيثٌ كَثِيرٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ صَالِحًا دَيِّنًا قَدْ عَمِلَ الْكُتُبَ، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَيَّامِ النَّاسِ، وَلَهُ تَارِيخٌ حَسَنٌ، وَكَانَ كَرِيمًا مِفْضَالًا.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهُ أَشْيَاءَ حَسَنَةً ; مِنْهَا أَنَّهُ أَنْفَذَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَذْكُرُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَتْهُ ضَائِقَةٌ فِي عِيدٍ مِنَ الْأَعْيَادِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُ مِائَةِ دِينَارٍ، فَأَرْسَلَهَا بِصُرَّتِهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ صَاحِبٌ لَهُ أَيْضًا
(14/431)

يَشْكُو مِثْلَ تِلْكَ الْحَالِ، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، وَكَتَبَ أَبُو حَسَّانَ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَخَذَ الْمِائَةَ يَسْتَقْرِضُ مِنْهُ شَيْئًا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِالْأَمْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْمِائَةِ فِي صُرَّتِهَا، فَلِمَا رَآهَا تَعَجَّبَ مِنْ أَمْرِهَا وَرَكِبَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّ فُلَانًا أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ الثَّلَاثَةُ وَاقْتَسَمُوا الْمِائَةَ دِينَارٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَجَزَاهُمْ عَنْ مُرُوءَاتِهِمْ خَيْرًا.
وَأَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ أَحَدُ الْقُرَّاءِ الْمَشَاهِيرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَالْقَاضِي يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ.
(14/432)

[سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[مَا وَقَعَتْ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا تَوَجَّهَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْعِرَاقِ قَاصِدًا مَدِينَةَ دِمَشْقَ ; لِيَجْعَلَهَا لَهُ دَارَ إِقَامَةٍ وَمَحِلَّةَ إِمَامَتِهِ فَأَدْرَكَهُ عِيدُ الْأَضْحَى بِهَا وَهُوَ بِمَدِينَةِ بَلَدَ فَضَحَّى بِهَا، وَتَأَسَّفَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ:
أَظُنُّ الشَّامَ تَشْمَتُ بِالْعِرَاقِ ... إِذَا عَزَمَ الْإِمَامُ عَلَى انْطِلَاقِ
فَإِنْ تَدَعِ الْعِرَاقَ وَسَاكِنِيهَا ... فَقَدْ تُبْلَى الْمَلِيحَةُ بِالطَّلَاقِ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ الصَّمَدِ الْمَذْكُورُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَهُوَ نَائِبُ مَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، فَوَلِيَ دِيوَانَ الضِّيَاعِ الْحَسَنُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ الْجَرَّاحِ خَلِيفَةُ إِبْرَاهِيمَ فِي شَعْبَانَ. قُلْتُ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صُولٍ الصُّولِيُّ، الشَّاعِرُ الْكَاتِبُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ عَمُّ مُحَمَّدِ بْنِ
(14/433)

يَحْيَى الصُّولِيِّ، وَكَانَ جَدُّهُ صُولٌ مَلِكَ جُرْجَانَ وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْهَا ثُمَّ تَمَجَّسَ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ. وَلِإِبْرَاهِيمَ هَذَا دِيوَانُ شِعْرٍ ذَكَرَهُ ابْنُ خِلِّكَانَ وَاسْتَجَادَ مِنْ شِعْرِهِ أَشْيَاءَ ; مِنْهَا قَوْلُهُ:
وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ... ذَرَعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا مَخْرَجُ
ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ
وَمِنْهَا قَوْلُهُ:
كُنْتَ السَّوَادَ لِمُقْلَتِي ... فَبَكَى عَلَيْكَ النَّاظِرُ
مَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ ... فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحَاذِرُ
وَمِنْ ذَلِكَ مَا كَتَبَ بِهِ إِلَى وَزِيرِ الْمُعْتَصِمِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ:
وَكُنْتَ أَخِي بِإِخَاءِ الزَّمَانِ ... فَلَمَّا نَبَا صِرْتَ حَرْبًا عَوَانَا
وَكُنْتُ أَذُمُّ إِلَيْكَ الزَّمَانَ ... فَأَصْبَحْتُ مِنْكَ أَذُمُّ الزَّمَانَا
(14/434)

وَكُنْتُ أَعُدُّكَ لِلنَّائِبَاتِ ... فَهَا أَنَا أَطْلُبُ مِنْكَ الْأَمَانَا
وَلَهُ:
لَا يَمْنَعَنَّكَ خَفْضُ الْعَيْشِ فِي دَعَةٍ ... نُزُوعُ نَفْسٍ إِلَى أَهْلٍ وَأَوْطَانِ
تَلَقَى بِكُلِّ بِلَادٍ إِنْ حَلَلْتَ بِهَا ... أَهْلًا بِأَهْلٍ وَجِيرَانًا بِجِيرَانِ
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمُنْتَصَفِ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ: وَمَاتَ هَاشِمُ بْنُ بَنْجُورٍ فِي ذِي الْحِجَّةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
قُلْتُ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ صَاحِبُ
(14/435)

الشَّافِعِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ.
(14/436)

[سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[مَا وَقَعَتْ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي صِفْرٍ مِنْهَا دَخَلَ الْخَلِيفَةُ الْمُتَوَكِّلُ إِلَى مَدِينَةِ دِمَشْقَ فِي أُبَّهَةِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا وَكَانَ عَازِمًا عَلَى الْإِقَامَةِ بِهَا وَأَمَرَ بِنَقْلِ دَوَاوِينِ الْمُلْكِ إِلَيْهَا، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْقُصُورِ بِهَا فَبُنِيَتْ بِطَرِيقِ دَارَيَّا، فَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَوْخَمَهَا، وَرَأَى أَنَّ هَوَاءَهَا بَارِدٌ نَدِيٌّ، وَمَاءَهَا ثَقِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَوَاءِ الْعِرَاقِ وَمَائِهِ، وَرَأَى الْهَوَاءَ بِهَا يَتَحَرَّكُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ، فَلَا يَزَالُ فِي اشْتِدَادٍ وَغُبَارٍ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ ثُلْثِ اللَّيْلِ، وَرَأَى كَثْرَةَ الْبَرَاغِيثِ بِهَا، وَدَخَلَ عَلَيْهِ فَصْلُ الشِّتَاءِ فَرَأَى مِنْ كَثْرَةِ الْأَمْطَارِ وَالثُّلُوجِ أَمْرًا عَجِيبًا، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ وَهُوَ بِهَا، وَانْقَطَعَتِ الْأَجْلَابُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْأَمْطَارِ وَالثُّلُوجِ، فَضَجِرَ مِنْهَا، فَجَهَّزَ بُغَا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ آخِرِ السَّنَةِ إِلَى سَامَرَّا بَعْدَمَا أَقَامَ بِدِمَشْقَ شَهْرَيْنِ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أُتِيَ الْمُتَوَكِّلُ بِالْحَرْبَةِ الَّتِي كَانَتْ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ
(14/437)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَتْ لِلنَّجَاشِيِّ فَوَهَبَهَا لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَوَهَبَهَا الزُّبَيْرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا صَارَتْ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ فَرِحَ بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَأَمَرَ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ أَنْ يَحْمِلَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا كَانَتْ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفِيهَا غَضِبَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى الطَّبِيبِ بَخْتَيَشُوعَ وَنَفَاهُ وَأَخَذَ مَالَهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ الصَّمَدِ الْمَذْكُورُ قَبْلَهَا.
وَاتَّفَقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ يَوْمُ عِيدِ الْأَضْحَى، وَعِيدُ الْفِطْرِ لِلْيَهُودِ وَشَعَانِينُ للنَّصَارَى، وَهَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ غَرِيبٌ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْخَطْمِيُّ، وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَالْوَزِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
(14/438)

الزَّيَّاتِ، وَيَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ صَاحِبُ إِصْلَاحِ الْمَنْطِقِ.
(14/439)

[سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[مَا وَقَعَتْ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِبِنَاءِ مَدِينَةِ الْمَاحُوزَةِ وَحَفْرِ نَهْرٍ لَهَا، فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى بِنَائِهَا وَبِنَاءِ قَصْرٍ لِلْخِلَافَةِ فِيهَا يُقَالُ لَهُ: اللُّؤْلُؤَةُ. أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ زَلَازِلُ كَثِيرَةٌ فِي بِلَادٍ شَتَّى، فَمِنْ ذَلِكَ بِمَدِينَةِ أَنْطَاكِيَةَ بِحَيْثُ سَقَطَ فِيهَا أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ دَارٍ، وَانْهَدَمَ مِنْ سُورِهَا نَيِّفٌ وَتِسْعُونَ بُرْجًا، وَسُمِعَتْ مَنْ كُوَى دُورِهَا أَصْوَاتٌ مُزْعِجَةٌ جِدًّا، فَخَرَجُوا مِنْ مَنَازِلِهِمْ سِرَاعًا يُهْرَعُونَ، وَسَقَطَ الْجَبَلُ الَّذِي إِلَى جَانِبِهَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْأَقْرَعُ، فَسَاخَ فِي الْبَحْرِ، فَهَاجَ الْبَحْرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَارْتَفَعَ مِنْهُ دُخَانٌ أَسْوَدُ مُظْلِمٌ مُنْتِنٌ، وَغَارَ نَهْرٌ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهَا، فَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ. ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: وَسَمِعَ فِيهَا أَهْلُ تِنِّيسَ ضَجَّةً دَائِمَةً طَوِيلَةً مَاتَ مِنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ. قَالَ: وَزُلْزِلَتْ فِيهَا بَالِسُ وَالرَّقَّةُ وَحَرَّانُ وَرَأْسُ الْعَيْنِ وَحِمْصُ وَدِمَشْقُ وَالرُّهَاُ وَطَرَسُوسُ وَالْمِصِّيصَةُ، وَأَذَنَةُ، وَسَوَاحِلُ الشَّامِ وَرَجَفَتِ اللَّاذِقِيَّةُ فَمَا بَقِيَ
(14/440)

مِنْهَا مَنْزِلٌ إِلَّا انْهَدَمَ، وَلَا بَقِيَ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا الْيَسِيرُ، وَذَهَبَتْ جَبَلَةُ بِأَهْلِهَا.
وَفِيهَا غَارَتْ مُشَاشُ عَيْنٌ بِمَكَّةَ حَتَّى بَلَّغَ ثَمَنُ الْقِرْبَةِ بِمَكَّةَ ثَمَانِينَ دِرْهَمًا. حَتَّى بَعَثَ الْمُتَوَكِّلُ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَفِيهَا مَاتَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، وَهِلَالٌ الرَّازِيُّ، وَفِيهَا هَلَكَ نَجَاحُ بْنُ سَلَمَةَ، كَانَ عَلَى دِيوَانِ التَّوْقِيعِ، وَقَدْ كَانَ حَظِيًّا عِنْدَ الْمُتَوَكِّلِ، ثُمَّ جَرَتْ لَهُ كَائِنَةٌ أَفْضَتْ بِهِ إِلَى أَنْ أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ قِصَّتَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مُطَوَّلَةً.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبَّيُّ.
وَأَبُو الْحَسَنِ الْقَوَّاسُ مُقْرِئُ مَكَّةَ.
وَأَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ.
وَإِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ.
وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى
(14/441)

ابْنُ بِنْتِ السُّدِّيِّ.
وَذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ.
وَسَوَّارٌ الْقَاضِي.
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ.
وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ.
وَأَبُو تُرَابٍ النَّخْشَبِيُّ.
وَابْنُ الرَّاوَنْدِيُّ الزِّنْدِيقُ.
أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الرَّاوَنْدِيِّ.
نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ بِبِلَادَ قَاسَانَ ثُمَّ نَشَأَ بِبَغْدَادَ، كَانَ بِهَا يُصَنِّفُ الْكُتُبَ فِي الزَّنْدَقَةِ، وَكَانَتْ لَدَيْهِ فَضِيلَةٌ، لَكِنَّهُ اسْتَعْمَلَهَا فِيمَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُ تَرْجَمَةً مُطَوَّلَةً حَسَبَ مَا ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَإِنَّمَا
(14/442)

ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ خِلِّكَانَ ذَكَرَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ تَلَبَّسَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجَرِّحْهُ بِشَيْءٍ أَصْلًا، بَلْ مَدَحَهُ فَقَالَ: أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ الرَّاوَنْدِيُّ الْعَالِمُ الْمَشْهُورُ، لَهُ مَقَالَةٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَكَانَ مِنَ الْفُضَلَاءِ فِي عَصْرِهِ، وَلَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ كِتَابًا، مِنْهَا كُتُبُ " فَضِيحَةِ الْمُعْتَزِلَةِ "، وَكِتَابُ " التَّاجِ "، وَكِتَابُ " الزُّمُرُّدَةِ "، وَكِتَابُ " الْقَصَبِ "، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلَهُ مَحَاسِنُ وَمُحَاضَرَاتٌ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ، وَقَدِ انْفَرَدَ بِمَذَاهِبَ نَقَلَهَا عَنْهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي كُتُبِهِمْ.
تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ بِرَحْبَةِ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ التَّغْلِبِيِّ، وَقِيلَ: بِبَغْدَادَ. وَتَقْدِيرُ عُمْرِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَذُكِرَ فِي " الْبُسْتَانِ " أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ، وَإِنَّمَا أَرَّخَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَفَاتَهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَرْجَمَةٌ مُطَوَّلَةٌ.

ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ.
ثَوْبَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَقِيلَ: الْفَيْضُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - أَبُو الْفَيْضِ الْمِصْرِيُّ، أَحَدُ الْمَشَايِخِ الْمَذْكُورِينَ فِي رِسَالَةٍ الْقُشَيْرِيِّ، وَقَدْ تَرْجَمَهُ
(14/443)

الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ فِي الْوَفَيَاتِ، وَذَكَرَ شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِهِ وَأَحْوَالِهِ وَأَرَّخَ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي جُمْلَةِ مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأَ عَنْ مَالِكٍ. وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي " تَارِيخِ مِصْرَ "، وَقَالَ: كَانَ أَبُوهُ نُوبِيًّا. وَقِيلَ: مِنْ أَهْلِ إِخْمِيمَ. وَكَانَ حَكِيمًا فَصِيحًا. وَقِيلَ: وَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ تَوْبَتِهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى قُنْبُرَةً عَمْيَاءَ نَزَلَتْ مِنْ وِكْرِهَا فَانْشَقَّتِ الْأَرْضُ عَنْ سُكُرَّجَتَيْنِ مَنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فِي إِحْدَاهِمَا سِمْسِمٌ، وَفِي الْأُخْرَى مَاءٌ، فَأَكَلَتْ مِنْ هَذِهِ، وَشَرِبَتْ مِنْ هَذِهِ. وَقَدْ شُكِيَ مَرَّةً إِلَى الْمُتَوَكِّلِ فَأَحْضَرَهُ مِنْ مِصْرَ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَعَظَهُ فَأَبْكَاهُ، فَرَدَّهُ مُكَرَّمًا إِلَى بَلَدِهِ. فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ بَكَى عَلَيْهِ.
(14/444)

[سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[مَا وَقَعَتْ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنْهَا دَخَلَ الْمُتَوَكِّلُ الْمَاحُوزَةَ، فَنَزَلَ بِقَصْرِ الْخِلَافَةِ مِنْهَا، وَاسْتَدْعَى بِالْقُرَّاءِ ثُمَّ بِالْمُطْرِبِينَ، وَأَعْطَى وَأَطْلَقَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَفِي صَفَرٍ مِنْهَا وَقَعَ الْفِدَاءُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، فَفُودِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَحْوٌ مَنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ أَسِيرٍ.
وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا مُطِرَتْ بَغْدَادُ مَطَرًا عَظِيمًا اسْتَمَرَّ نَحْوًا مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَوَقَعَ بِأَرْضِ بَلْخَ مَطَرٌ مَاؤُهُ دَمٌ عَبِيطٌ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الزَّيْنَبِيُّ، وَحَجَّ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَوَلِيَ هُوَ أَمْرَ الْمَوْسِمِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ.
وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ.
وَأَبُو عُمَرَ الدُّورِيُّ أَحَدُ الْقُرَّاءِ الْمَشَاهِيرِ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى الْحِمْصِيُّ.
(14/445)

وَدِعْبِلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَزِينِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْخُزَاعِيُّ.
مَوْلَاهُمُ الشَّاعِرُ الْمَاجِنُ الْبَلِيغُ فِي الْمَدْحِ وَفِي الْهِجَاءِ أَكْثَرُ. قَالَ: حَضَرَ يَوْمًا عِنْدَ سَهْلِ بْنِ هَارُونَ الْكَاتِبِ وَكَانَ بَخِيلًا، فَاسْتَدْعَى بِغَدَائِهِ فَإِذَا دِيكٌ فِي قَصْعَةٍ، وَإِذَا هُوَ عَاسٍ لَا يَقْطَعُهُ سِكِّينٌ، وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ ضِرْسٌ فُقِدَ رَأَسُهُ، فَقَالَ لِلطَّبَّاخِ: وَيْلَكَ مَاذَا صَنَعْتَ بِهِ؟ أَيْنَ رَأْسُهُ؟ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّكَ لَا تَأْكُلُهُ فَأَلْقَيْتُهُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعِيبُ عَلَى مَنْ يُلْقِي الرِّجْلَيْنِ فَكَيْفَ بِالرَّأْسِ، وَفِيهِ الْحَوَاسُّ الْأَرْبَعُ، وَمِنْهُ يُصَوِّتُ، وَبِهِ فَضْلٌ، وَعَيْنَاهُ يُضْرَبُ بِهِمَا الْمَثَلُ، وَعُرْفُهُ وَبِهِ يُتَبَرَّكُ، وَعَظْمُهُ أَهَشُّ الْعِظَامِ، فَإِنْ كُنْتَ رَغِبْتَ عَنْ أَكْلِهِ فَأَحْضِرْهُ. فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ. فَقَالَ: بَلْ أَنَا أَدْرِي، هُوَ فِي بَطْنِكَ قَاتَلَكَ اللَّهُ.
أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ.
وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونِ بْنِ
(14/446)

عَبَّاسِ بْنِ الْحَارِثِ أَبُو الْحَسَنِ التَّغْلِبِيُّ الْغَطَفَانِيُّ أَحَدُ الزُّهَّادِ الْمَشْهُورِينَ، وَالْعُبَّادِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْأَبْرَارِ الْمَشْكُورِينَ ذَوِي الْأَحْوَالِ الصَّالِحَةِ، وَالْكَرَامَاتِ الصَّادِقَةِ أَصْلُهُ مِنَ الْكُوفَةِ وَسَكَنَ دِمَشْقَ وَتَتَلْمَذَ لِلشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَوَكِيعٍ، وَأَبِي أُسَامَةَ، وَخَلْقٍ. وَعَنْهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ، ذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ اللَّهُ يَسْقِي أَهْلَ الشَّامِ بِهِ. وَكَانَ الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: هُوَ رَيْحَانَةُ الشَّامِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ عَاهَدَ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ أَلَّا يُغْضِبَهُ وَلَا يُخَالِفَهُ، فَجَاءَهُ يَوْمًا وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، قَدْ سَجَّرُوا التَّنُّورَ فَمَاذَا تَأْمُرُ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَبُو سُلَيْمَانَ ; لِشُغْلِهِ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَعَادَهَا أَحْمَدُ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ: اذْهَبْ فَاقْعُدْ فِيهِ. ثُمَّ اشْتَغَلَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّاسِ ثُمَّ اسْتَفَاقَ فَقَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: إِنِّي قُلْتُ لِأَحْمَدَ: اذْهَبْ فَاقْعُدْ فِي التَّنُّورِ،
(14/447)

وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقُومُوا بِنَا إِلَيْهِ، فَذَهَبُوا فَوَجَدُوهُ جَالِسًا فِي التَّنُّورِ، وَلَمْ يَحْتَرِقْ مِنْهُ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَرَوِيَ أَيْضًا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحَوَارِيِّ أَصْبَحَ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ وَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا يُصْلِحُ بِهِ الْوَلَدَ، فَقَالَ لِخَادِمِهِ: اذْهَبْ فَاسْتَدِنْ لَنَا وَزْنَةً مِنْ دَقِيقٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ، إِنَّهُ قَدْ وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَلَا أَمْلِكُ شَيْئًا. فَرَفَعَ أَحْمَدُ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: يَا مَوْلَايَ، هَكَذَا بِالْعَجَلَةِ! وَقَالَ لِلرَّجُلِ: خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ لَكَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا دِرْهَمًا، وَاسْتَدَانَ لِأَهْلِهِ دَقِيقًا.
وَرَوَى عَنْهُ خَادِمُهُ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الثَّغْرِ لِلرِّبَاطِ، فَمَا زَالَتِ الْهَدَايَا تَفِدُ إِلَيْهِ مِنْ بُكْرَةِ النَّهَارِ إِلَى الزَّوَالِ، ثُمَّ فَرَّقَهَا كُلَّهَا إِلَى وَقْتِ الْغُرُوبِ، ثُمَّ قَالَ لِي: كُنْ هَكَذَا لَا تَرُدَّ عَلَى اللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَدَّخِرْ عَنْهُ شَيْئًا.
وَلَمَّا جَاءَتِ الْمِحْنَةُ زَمَنَ الْمَأْمُونِ إِلَى دِمَشْقَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، عُيِّنَ فِيهَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ، فَكُلُّهُمْ أَجَابُوا إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحَوَارِيِّ، فَحُبِسَ بِدَارِ الْحِجَارَةِ، ثُمَّ
(14/448)

هُدِّدَ فَأَجَابَ تَوْرِيَةً مُكْرَهًا، ثُمَّ أُطْلِقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قَامَ لَيْلَةً بِالثَّغْرِ يُكَرِّرُ هَذِهِ الْآيَةَ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] حَتَّى أَصْبَحَ، وَقَدْ أَلْقَى كُتُبَهُ فِي الْبَحْرِ وَقَالَ: نِعْمَ الدَّلِيلُ كُنْتَ لِي عَلَى اللَّهِ وَإِلَيْهِ، وَلَكِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالدَّلِيلِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ وَالْوُصُولِ إِلَيْهِ مُحَالٌ، وَمِنْ كَلَامِهِ: لَا دَلِيلَ عَلَى اللَّهِ سِوَاهُ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ لِآدَابِ الْخِدْمَةِ. وَقَالَ: مَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا زَهِدَ فِيهَا، وَمَنْ عَرَفَ الْآخِرَةَ رَغِبَ فِيهَا، وَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ آثَرَ رِضَاهُ، وَقَالَ: مَنْ نَظَرَ إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ إِرَادَةٍ وَحُبٍّ لَهَا أَخْرَجَ اللَّهُ نُورَ الْيَقِينِ وَالزُّهْدَ مَنْ قَلْبِهِ، وَقَالَ: قُلْتُ لِأَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِي: أَوْصِنِي. فَقَالَ: أَمُسْتَوْصٍ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَقَالَ: خَالِفْ نَفْسَكَ فِي كُلِّ مُرَادٍ لَهَا ; فَإِنَّهَا الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَحْقِرَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ طَاعَةَ اللَّهِ دِثَارًا، وَالْخَوْفَ مِنْهُ شِعَارًا، وَالْإِخْلَاصَ زَادًا، وَالصِّدْقَ جُنَّةً، وَاقْبَلْ مِنِّي هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ وَلَا تُفَارِقْهَا وَلَا تَغْفَلْ عَنْهَا: إِنَّهُ مَنِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ فِي كُلِّ أَوْقَاتِهِ وَأَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ بَلَّغَهُ إِلَى مَقَامِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ عِبَادِهِ. قَالَ: فَجَعَلْتُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَمَامِي، فَفِي كُلِّ وَقْتٍ أَذْكُرُهَا وَأُطَالِبُ نَفْسِي بِهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(14/449)

[سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[مَقْتَلُ الْخَلِيفَةِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي شَوَّالٍ مِنْهَا كَانَ مَقْتَلُ الْخَلِيفَةِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ عَلَى يَدَيْ وَلَدِهِ الْمُنْتَصِرِ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ الْمُعْتَزَّ الَّذِي هُوَ وَلِيُّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَخْطُبَ بِالنَّاسِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَأَدَّاهَا أَدَاءً عَظِيمًا بَلِيغًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنَ الْمُنْتَصِرِ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَحَنَقَ عَلَى أَبِيهِ وَأَخِيهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَنْ أَحْضَرَهُ أَبُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَهَانَهُ وَأَمَرَ بِضَرْبِهِ فِي رَأْسِهِ وَصَفْعِهِ وَصَرَّحَ بِعَزْلِهِ عَنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ أَخِيهِ، فَاشْتَدَّ أَيْضًا حَنَقُهُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عِيدِ الْفِطْرِ خَطَبَ الْخَلِيفَةُ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ بِالنَّاسِ وَعِنْدَهُ بَعْضُ التَّشَكِّي مِنْ عِلَّةٍ بِهِ، ثُمَّ عَدَلَ إِلَى خِيَامٍ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ ; أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ فِي مِثْلِهَا، فَنَزَلَ هُنَاكَ ثُمَّ اسْتَدْعَى فِي يَوْمِ ثَالِثِ الشَّهْرِ بِنُدَمَائِهِ، وَكَانَ عَلَى عَادَتِهِ فِي سَمَرِهِ وَحَضْرَتِهِ وَشُرْبِهِ ثُمَّ تَمَالَأَ وَلَدُهُ الْمُنْتَصِرُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ عَلَى الْفَتْكِ بِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ - وَيُقَالُ: مِنْ شَعْبَانَ - مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ عَلَى السِّمَاطِ، فَابْتَدَرُوهُ بِالسُّيُوفِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ وَلَّوْا بَعْدَهُ وَلَدَهُ الْمُنْتَصِرَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
(14/450)

وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ
جَعْفَرُ ابْنُ الْمُعْتَصِمِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، أَبُو الْفَضْلِ الْمُتَوَكِّلُ. وَأُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ يُقَالُ لَهَا: شُجَاعُ. وَكَانَتْ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَاءِ سَخَاءً وَحَزْمًا. كَانَ مَوْلِدُهُ بِفَمِ الصُّلْحِ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ أَخِيهِ الْوَاثِقِ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لِسَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حُرِمَ الرِّفْقَ حُرِمَ الْخَيْرَ» ثُمَّ أَنْشَأَ الْمُتَوَكِّلُ يَقُولُ:
الرِّفْقُ يُمْنٌ وَالْأَنَاةُ سَعَادَةٌ ... فَاسْتَأْنَ فِي رِفْقٍ تُلَاقِ نَجَاحَا
لَا خَيْرَ فِي حَزْمٍ بِغَيْرِ رَوِيَّةٍ ... وَالشَّكُ وَهْنٌ إِنْ أَرَدْتَ سَرَاحَا
(14/451)

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ: وَحَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ الْمُعْتَصِمِ، وَيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ الْقَاضِي. وَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ الشَّاعِرُ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَقَدِمَ دِمَشْقَ فِي خِلَافَتِهِ، وَابْتَنَى بِهَا قَصْرًا بِأَرْضِ دَارَيَّا، وَقَالَ يَوْمًا لِبَعْضِهِمْ: إِنَّ الْخُلَفَاءَ كَانَتْ تَتَصَعَّبُ عَلَى الرَّعِيَّةِ لِتُطِيعَهَا، وَإِنِّي أَلِينُ لَهُمْ لِيُحِبُّونِي وَيُطِيعُونِي. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ قَالَ: وَجَّهَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ الْمُعَذَّلِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَجَمَعَهُمْ فِي دَارِهِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلَيْهِ غَيْرَ أَحْمَدَ بْنِ الْمُعَذَّلِ، فَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا لَا يَرَى بَيْعَتَنَا؟ فَقَالَ لَهُ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ فِي بَصَرِهِ سُوءٌ. فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْنِينَ، مَا فِي بَصَرِي سُوءٌ، وَلَكِنْ نَزَّهْتُكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» فَجَاءَ الْمُتَوَكِّلُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْجَهْمِ دَخَلَ عَلَى الْمُتَوَكِّلِ وَفِي يَدِهِ دُرَّتَانِ يُقَلِّبُهُمَا، فَأَنْشُدُهُ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:
(14/452)

وَإِذَا مَرَرْتَ بِبِئْرِ عُرْ ... وَةَ فَاسْقِنِي مِنْ مَائِهَا
فَأَعْطَاهُ الَّتِي فِي يَمِينِهِ وَكَانَتْ تُسَاوِي مِائَةَ أَلْفٍ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ:
بِسُرَّ مَنْ رَأَى أَمِيرُ عَدْلٍ ... تَغْرِفُ مِنْ بَحْرِهِ الْبِحَارُ
يُرْجَى وَيُخْشَى لِكُلِّ خَطْبٍ ... كَأَنَّهُ جَنَّةٌ وَنَارُ
الْمُلْكُ فِيهِ وَفِي بَنِيهِ ... مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ
يَدَاهُ فِي الْجُودِ ضَرَّتَانِ ... عَلَيْهِ كِلْتَاهُمَا تَغَارُ
لَمْ تَأْتِ مِنْهُ الْيَمِينُ شَيْئًا ... إِلَّا أَتَتْ مِثْلَهُ الْيَسَارُ
قَالَ: فَأَعْطَاهُ الَّتِي فِي يَسَارِهِ أَيْضًا. وَقَالَ الْخَطِيبُ: وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَارُونَ لِلْبُحْتُرِيِّ فِي الْمُتَوَكِّلِ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ: وَقَفَتْ قَبِيحَةُ حَظِيَّةُ الْمُتَوَكِّلِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَدْ كَتَبَتْ عَلَى خَدِّهَا بِالْغَالِيَةِ: جَعْفَرٌ. فَتَأَمَّلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
وَكَاتِبَةٍ فِي الْخَدِّ بِالْمِسْكِ جَعْفَرًا ... بِنَفْسِي مَحَطُّ الْمِسْكِ مِنْ حَيْثُ أَثَّرَا
لَئِنْ أَوْدَعَتْ سَطْرًا مِنَ الْمِسْكِ خَدَّهَا ... لَقَدْ أَوْدَعَتْ قَلْبِي مِنَ الْحُبِّ أَسْطُرًا
(14/453)

فَيَا مَنْ مُنَاهَا فِي السَّرِيرَةِ جَعْفَرٌ ... سَقَى اللَّهُ مِنْ سُقْيَا ثَنَايَاكِ جَعْفَرًا
وَيَا مَنْ لِمَمْلُوكٍ لِمِلْكِ يَمِينِهِ ... مُطِيعٍ لَهُ فِيمَا أَسَرَّ وَأَظْهَرَا
قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ عَرِيبًا فَغَنَّتْ بِهِ. وَقَالَ الْفَتْحُ بْنُ خَاقَانَ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى الْمُتَوَكِّلِ فَإِذَا هُوَ مُطْرِقٌ مُفَكِّرٌ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا لَكَ مُفَكِّرًا؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ أَطْيَبُ مِنْكَ عَيْشًا، وَلَا أَنْعَمُ مِنْكَ بَالًا. فَقَالَ: أَطْيَبُ مِنِّي عَيْشًا رَجُلٌ لَهُ دَارٌ وَاسِعَةٌ، وَزَوْجَةٌ صَالِحَةٌ، وَمَعِيشَةٌ حَاضِرَةٌ، لَا يَعْرِفُنَا فَنُؤْذِيهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْنَا فَنَزْدَرِيهِ.
وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ مُحَبَّبًا إِلَى رَعِيَّتِهِ، قَائِمًا بِالسُّنَّةِ فِيهَا، وَقَدْ شَبَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِالصِّدِّيقِ فِي رَدِّهِ عَلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ، حَتَّى رَجَعُوا إِلَى الدِّينِ، وَبِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ رَدَّ مَظَالِمَ بَنِي أُمَيَّةَ. وَهُوَ أَظْهَرَ السُّنَّةَ بَعْدَ الْبِدْعَةِ، وَأَخْمَدَ الْبِدْعَةَ بَعْدَ انْتِشَارِهَا وَاشْتِهَارِهَا، فَرَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي نُورٍ، فَقَالَ:
(14/454)

آلْمُتَوَكِّلُ؟ ! فَقَالَ: الْمُتَوَكِّلُ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي. قُلْتُ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِقَلِيلٍ مِنَ السُّنَّةِ أَحْيَيْتُهَا.
وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ لَيْلَةَ مَاتَ الْمُتَوَكِّلُ كَأَنَّ رَجُلًا يَصْعَدُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَائِلًا يَقُولُ:
مَلِكٌ يُقَادُ إِلَى مَلِيكٍ عَادِلٍ ... مُتَفَضِّلٍ فِي الْعَفْوِ لَيْسَ بِجَائِرِ
وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شَيْبَانَ الْحَلَبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ لَيْلَةَ قُتِلَ الْمُتَوَكِّلُ قَائِلًا يَقُولُ:
يَا نَائِمَ الْعَيْنِ فِي أَقْطَارِ جُثْمَانِ ... أَفِضْ دُمُوعَكَ يَا عَمْرُو بْنَ شَيْبَانِ
أَمَا تَرَى الْفِتْيَةَ الْأَرْجَاسَ مَا فَعَلُوا ... بِالْهَاشِمِيِّ وَبِالْفَتْحِ بْنِ خَاقَانِ
وَافَى إِلَى اللَّهِ مَظْلُومًا فَضَجَّ لَهُ ... أَهْلُ السَّمَاوَاتِ مِنْ مَثْنَى وَوُحْدَانِ
وَسَوْفَ تَأْتِيكُمْ أُخْرَى مُسَوَّمَةٌ ... تَوَقَّعُوهَا لَهَا شَأْنٌ مِنَ الشَّانِ
فَابْكُوا عَلَى جَعْفَرٍ وَارْثُوا خَلِيفَتَكُمْ ... فَقَدْ بَكَاهُ جَمِيعُ الْإِنْسِ وَالْجَانِ
قَالَ: فَأَصْبَحْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّاسَ، فَجَاءَ نَعْيُهُ أَنَّهُ قُتِلَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. قَالَ: ثُمَّ
(14/455)

رَأَيْتُهُ بَعْدَ هَذَا بِشَهْرٍ وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي. قُلْتُ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِقَلِيلٍ مِنَ السُّنَّةِ أَحْيَيْتُهَا. قُلْتُ: فَمَا تَصْنَعُ هَاهُنَا؟ قَالَ: أَنْتَظِرُ ابْنِي مُحَمَّدًا أُخَاصِمُهُ إِلَى اللَّهِ الْحَلِيمِ الْعَظِيمِ الْكَرِيمِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَرِيبًا كَيْفِيَّةَ مَقْتَلِهِ، وَأَنَّ ابْنَهُ مُحَمَّدًا الْمُسْتَنْصِرَ مَالَأَ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ عَلَى قَتْلِهِ فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ، لِأَرْبَعٍ خَلَتْ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْمُتَوَكِّلِيَّةِ، وَهِيَ الْمَاحُوزَةُ. وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَدُفِنَ بِالْجَعْفَرِيَّةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَكَانَ أَسْمَرَ، حَسَنَ الْعَيْنَيْنِ، نَحِيفَ الْجِسْمِ، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، أَقْرَبَ إِلَى الْقِصَرِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[خِلَافَةُ مُحَمَّدٍ الْمُنْتَصِرِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ]
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ تَمَالَأَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ عَلَى قَتْلِ أَبِيهِ، وَحِينَ قُتِلَ الْخَلِيفَةُ الْمُتَوَكِّلُ بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعَ شَوَّالٍ أُخِذَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ مِنَ الْعَامَّةِ، وَبَعَثَ إِلَى أَخِيهِ الْمُعْتَزِّ فَأَحْضَرَهُ إِلَيْهِ فَبَايَعَهُ الْمُعْتَزُّ، وَقَدْ
(14/456)

كَانَ الْمُعْتَزُّ هُوَ وَلِيَّ الْعَهْدِ قَبْلَهُ وَلَكِنَّهُ أَكْرَهَهُ فَسَلَّمَ وَبَايَعَ. فَلَمَّا أُخِذَتِ الْبَيْعَةُ لَهُ كَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنَّهُ اتَّهَمَ الْفَتْحَ بْنَ خَاقَانَ عَلَى قَتْلِ أَبِيهِ، وَقُتِلَ الْفَتْحُ أَيْضًا ثُمَّ بَعَثَ الْبَيْعَةَ لَهُ إِلَى الْآفَاقِ.
وَفِي ثَانِي يَوْمٍ مِنْ خِلَافَتِهِ وَلَّى الْمَظَالِمَ لِأَبِي عَمْرَةَ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، فَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَا ضَيْعَةَ الْإِسْلَامِ لَمَّا وَلِيَ ... مَظَالِمَ النَّاسِ أَبُو عَمْرَهْ
صُيِّرَ مَأْمُونًا عَلَى أُمَّةٍ ... وَلَيْسَ مَأْمُونًا عَلَى بَعْرَهْ
وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ لَهُ بِالْمُتَوَكِّلِيَّةِ وَهِيَ الْمَاحُوزَةُ، فَأَقَامَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَحَوَّلَ هُوَ وَجَمِيعُ قُوَّادِهِ وَحَشَمِهِ مِنْهَا إِلَى سَامَرَّاءَ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَخْرَجَ الْمُنْتَصِرُ عَمَّهُ عَلِيَّ ابْنَ الْمُعْتَصِمِ مِنْ سَامَرَّاءَ إِلَى بَغْدَادَ وَوَكَّلَ بِهِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الزَّيْنَبِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ.
وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ.
وَسَلَمَةُ بْنُ
(14/457)

شَبِيبٍ.
وَأَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ النَّحْوِيُّ.
وَاسْمُهُ: بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ، شَيْخُ النُّحَاةِ فِي زَمَانِهِ. أَخَذَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَأَخَذَ عَنْهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ وَأَكْثَرَ عَنْهُ، وَلِلْمَازِنِيِّ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَكَانَ شَبِيهًا بِالْفُقَهَاءِ، وَرِعًا زَاهِدًا ثِقَةً مَأْمُونًا.
رَوَى عَنْهُ الْمُبَرِّدُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ سِيبَوَيْهِ وَيُعْطِيَهُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَامَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا تَرَكْتُ هَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. فَاتَّفَقَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ جَارِيَةً غَنَّتْ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ:
أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجْلًا ... رَدَّ السَّلَامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ
فَاخْتَلَفَ مَنْ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ فِي إِعْرَابِ هَذَا الْبَيْتِ، وَهَلْ يَكُونُ " رَجُلًا " مَرْفُوعًا أَوْ مَنْصُوبًا، وَبِمَ نُصِبَ؟ أَهْوَ اسْمٌ أَوْ مَاذَا؟ وَأَصَرَّتِ الْجَارِيَةُ عَلَى أَنَّ الْمَازِنِيَّ حَفَّظَهَا هَذَا هَكَذَا. قَالَ: فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ
(14/458)

لَهُ: أَنْتَ الْمَازِنِيُّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مِنْ مَازِنِ تَمِيمٍ، أَمْ مِنْ مَازِنِ رَبِيعَةَ، أَمْ مِنْ مَازِنِ قَيْسٍ؟ فَقُلْتُ: مِنْ مَازِنِ رَبِيعَةَ. فَأَخَذَ يُكَلِّمُنِي بِلُغَتِي، فَقَالَ: بَاسْمُكَ؟ وَهُمْ يَقْلِبُونَ الْبَاءَ مِيمًا وَالْمِيمَ بَاءً، فَكَرِهْتُ أَنْ أَقُولَ: مَكْرٌ. فَقُلْتُ: بَكْرٌ. فَأَعْجَبَهُ إِعْرَاضِي عَنِ الْمَكْرِ إِلَى الْبِكْرِ، وَعَرَفَ مَا أَرَدْتُ. فَقَالَ: عَلَامَ تَنْصِبُ رَجُلًا؟ فَقُلْتُ: لِأَنَّهُ مَعْمُولُ الْمَصْدَرِ ; " مُصَابَكُمْ ". فَأَخَذَ الْيَزِيدِيُّ يُعَارِضُهُ فَعَلَاهُ الْمَازِنِيُّ بِالْحُجَّةِ، فَأَطْلَقَ لَهُ الْخَلِيفَةُ أَلْفَ دِينَارٍ، وَرَدَّهُ إِلَى أَهْلِهِ مُكَرَّمًا. فَعَوَّضَهُ اللَّهُ عَنِ الْمِائَةِ دِينَارٍ لَمَّا تَرَكَهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَمْ يُمَكِّنِ الذِّمِّيَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ; لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ أَلْفَ دِينَارٍ ; عَشْرَةَ أَمْثَالِهَا.
وَرَوَى الْمُبَرِّدُ عَنْهُ قَالَ: أَقَرَأْتُ رَجُلًا كِتَابَ سِيبَوَيْهِ إِلَى آخِرِهِ، فَلَمَّا انْتَهَى قَالَ لِي: أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَأَمَّا أَنَا، فَوَاللَّهِ مَا فَهِمْتُ مِنْهُ حَرْفًا.
تُوُفِّيَ الْمَازِنِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(14/459)

[سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[مَا وَقَعَتْ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فَفِيهَا أَغْزَى الْمُنْتَصِرُ وَصِيفًا التُّرْكِيَّ الصَّائِفَةَ لِقِتَالِ الرُّومِ ; وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ قَصَدَ بِلَادَ الشَّامِ فَعِنْدَ ذَلِكَ جَهَّزَ الْمُنْتَصِرُ وَصِيفًا وَجَهَّزَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيفًا وَرِجَالًا وَعُدَدًا وَأَمَرَ بِنَفَقَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَأَمَرَهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ الرُّومِ أَنْ يُقِيمَ بِالثَّغْرِ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَكَتَبَ لَهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، نَائِبِ الْعِرَاقِ كِتَابًا عَظِيمًا فِيهِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي التَّحْرِيضِ لِلنَّاسِ عَلَى الْقِتَالِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ.
وَفِي لَيْلَةِ السَّبْتِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ الْمُبَارَكَةِ خَلَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْمُعْتَزُّ وَالْمُؤَيَّدُ إِبْرَاهِيمُ أَخَوَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِيَّا الْعَهْدِ أَنْفَسَهُمَا مِنَ الْخِلَافَةِ، وَأَشْهَدَا عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَأَنَّهُمَا عَاجِزَانِ عَنِ الْخِلَافَةِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي حِلٍّ مِنْ بَيْعَتِهِمَا، وَذَلِكَ بَعْدَمَا تَهَدَّدَهُمَا أَخُوهُمَا الْمُنْتَصِرُ، وَتَوَعَّدَهُمَا بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يَفْعَلَا ذَلِكَ، وَمَقْصُودُهُ تَوْلِيَةُ ابْنِهِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بِإِشَارَةِ
(14/460)

أُمَرَاءِ الْأَتْرَاكِ بِذَلِكَ، وَخَطَبَ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بِحَضْرَةِ الْقُوَّادِ، وَالْقُضَاةِ، وَأَعْيَانِ بَنِي هَاشِمٍ وَالنَّاسِ عَامَّةً، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْآفَاقِ وَالْأَقَالِيمِ ; لِيَعْلَمُوا بِذَلِكَ وَيَخْطُبُوا لَهُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَيَتَوَالَى عَلَى مَحَالِّ الْكِتَابَةِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْلُبَهُمَا الْمُلْكَ وَيَجْعَلَهُ فِي عَقِبِهِ، وَالْأَقْدَارُ تُكَذِّبُهُ وَتُخَالِفُهُ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلْ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ سِوَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَفِي أَوَاخِرِ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَرَضَتْ لَهُ عِلَّةٌ، كَانَ فِيهَا حَتْفُهُ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَقَدْ كَانَ الْمُنْتَصِرُ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ يَصْعَدُ سُلَّمًا، فَبَلَغَ إِلَى آخَرِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَقَصَّهَا عَلَى بَعْضِ الْمُعَبِّرِينَ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً تَلِي فِيهَا الْخِلَافَةَ. وَإِذَا هِيَ مُدَّةُ عُمْرِهِ، قَدِ اسْتَكْمَلَهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَخَلْنَا عَلَيْهِ يَوْمًا فَإِذَا هُوَ يَبْكِي وَيَنْتَحِبُ شَدِيدًا، فَسَأَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَنْ بُكَائِهِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ أَبِي الْمُتَوَكِّلَ فِي مَنَامِي هَذَا وَهُوَ يَقُولُ: وَيْلَكَ يَا مُحَمَّدُ قَتَلْتَنِي وَظَلَمْتَنِي وَغَصَبْتَنِي خِلَافَتِي، وَاللَّهِ لَا مُتِّعْتَ بِهَا بَعْدِي إِلَّا أَيَّامًا يَسِيرَةً ثُمَّ مَصِيرُكَ إِلَى النَّارِ. قَالَ: فَمَا أَمْلِكُ عَيْنِي وَلَا جَزَعِي. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مِنَ الْغَرَّارِينَ الَّذِينَ يَغُرُّونَ النَّاسَ وَيَفْتِنُونَهُمْ: هَذِهِ رُؤْيَا وَهِيَ تَصْدُقُ وَتَكْذِبُ،
(14/461)

فَقُمْ بِنَا إِلَى الشَّرَابِ ; لِيَذْهَبَ هَمُّكَ وَحُزْنُكَ. فَأَمَرَ بِالشَّرَابِ فَأُحْضِرَ وَجَاءَ نُدَمَاؤُهُ، فَأَخَذَ فِي الْخَمْرِ وَهُوَ مُنْكَسِرُ الْهِمَّةِ، وَمَا زَالَ كَذَلِكَ مَكْسُورًا حَتَّى مَاتَ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا هَلَاكُهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ أَصَابَهُ دَاءٌ فِي رَأْسِهِ فَقُطِّرَ فِي أُذُنِهِ دُهْنٌ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى دِمَاغِهِ عُوجِلَ بِالْمَوْتِ. وَقِيلَ: بَلْ وَرِمَتْ مَعِدَتُهُ فَانْتَهَى الْوَرَمُ إِلَى قَلْبِهِ فَمَاتَ. وَقِيلَ: بَلْ أَصَابَتْهُ ذَبْحَةٌ فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَمَاتَ. وَقِيلَ: بَلْ فَصَدَهُ الْحَجَّامُ بِمِفْصَدٍ مَسْمُومٍ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ هَذَا الْحَجَّامَ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَهُوَ مَحْمُومٌ، فَدَعَا تِلْمِيذًا لَهُ لِيَفْصِدَهُ فَأَخَذَ مَبَاضِعَ أُسْتَاذِهِ فَاخْتَارَ مِنْهَا أَجْوَدَهَا فَإِذَا بِهِ ذَلِكَ الْمِبْضَعُ الْمَسْمُومُ الَّذِي فَصَدَ بِهِ الْخَلِيفَةَ، فَفَصَدَ أُسْتَاذَهُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَأَنْسَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْحَجَّامَ، فَمَا ذَكَرَ حَتَّى رَآهُ قَدْ فَصَدَهُ بِهِ، وَتَحَكَّمَ فِيهِ السُّمُّ فَأَوْصَى عِنْدَ ذَلِكَ وَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ أُمَّ الْخَلِيفَةِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَتْ لَهُ: كَيْفَ حَالُكَ؟ فَقَالَ: ذَهَبَتْ مِنِّي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ.
(14/462)

وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَنْشَدَ لَمَّا أُحِيطَ بِهِ وَأَيِسَ مِنَ الْحَيَاةِ وَهُوَ فِي السِّيَاقِ:
فَمَا فَرِحَتْ نَفْسِي بِدُنْيَا أَصَبْتُهَا ... وَلَكِنْ إِلَى الرَّبِّ الْكَرِيمِ أَصِيرُ
فَمَاتَ يَوْمَ الْأَحَدِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقْتَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، قِيلَ: وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إِنَّمَا وَلِيَ الْخِلَافَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لَا أَزْيَدَ مِنْهَا.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ، الْعَامَّةَ وَغَيْرَهُمْ حِينَ وَلِيَ الْمُنْتَصِرُ: إِنَّهُ لَا يَمْكُثُ فِي الْخِلَافَةِ سِوَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، كَمَا مَكَثَ شِيرَوَيْهِ بْنُ كِسْرَى حِينَ قَتَلَ أَبَاهُ لِأَجْلِ الْمُلْكِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ سَوَاءً.
وَقَدْ كَانَ الْمُنْتَصِرُ أَعْيَنَ أَقْنَى قَصِيرًا مَهِيبًا جَيِّدَ الْبَدَنِ، وَهُوَ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، وَذَلِكَ بِإِشَارَةِ أُمِّهِ حَبَشِيَّةَ الرُّومِيَّةِ.
وَمِنْ جَيِّدِ كَلَامِهِ قَوْلُهُ: وَاللَّهِ مَا عَزَّ ذُو بَاطِلٍ قَطُّ، وَلَوْ طَلَعَ الْقَمَرُ مِنْ جَبِينِهِ، وَلَا ذَلَّ ذُو حَقٍّ قَطُّ، وَلَوْ أَصْفَقَ الْعَالَمُ عَلَيْهِ.
(14/463)

[خِلَافَةُ الْمُسْتَعِينِ بِاللَّهِ]
وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْمُعْتَصِمِ بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ مَاتَ الْمُنْتَصِرُ، بَايَعَهُ عُمُومُ النَّاسِ، ثُمَّ خَرَجَتْ عَلَيْهِ شِرْذِمَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ يَقُولُونَ: يَا مُعْتَزُّ، يَا مَنْصُورُ. فَالْتَفَّ عَلَيْهِمْ خَلْقٌ، وَقَامَ بِنَصْرِ الْمُسْتَعِينِ جُمْهُورُ الْجَيْشِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَيَّامًا، فَقُتِلَ خَلْقٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَانْتُهِبَتْ أَمَاكِنُ كَثِيرَةٌ مِنْ بَغْدَادَ وَجَرَتْ فِتَنٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِلْمُسْتَعِينِ فَعَزَلَ وَوَلَّى، وَقَطَعَ وَوَصَلَ، وَأَمَرَ وَنَهَى.
وَفِيهَا مَاتَ بُغَا الْكَبِيرُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَوَلَّى الْخَلِيفَةُ مَكَانَهُ وَلَدَهُ مُوسَى بْنَ بُغَا، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَآثَارٌ سَامِيَةٌ، وَغَزَوَاتٌ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مُتَوَالِيَةٌ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ابْتَاعَ الْمُسْتَعِينُ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُعْتَزِّ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْمَتَاعِ وَالْأَثَاثِ وَالضِّيَاعِ بِمَا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعَشْرُ حَبَّاتِ جَوْهَرٍ،
(14/464)

وَمِنْ إِبْرَاهِيمَ بِمَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ وَثَلَاثُ حَبَّاتٍ.
وَفِيهَا عَدَا أَهْلُ حِمْصَ عَلَى عَامِلِهِمْ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْمُسْتَعِينُ فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِائَةَ رَجُلٍ مِنْ سَرَاتِهِمْ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ سُورِهِمْ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الزَّيْنَبِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ،
(14/465)

وَمُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ.
وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، وَاسْمُهُ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ يَزِيدَ الْجُشَمِيُّ، أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ، صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ الْكَثِيرَةِ، وَكَانَ بَارِعًا فِي اللُّغَةِ اشْتَغَلَ فِيهَا عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، وَالْأَصْمَعِيِّ، وَأَكْثَرَ الرِّوَايَةَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَخَذَ عَنْهُ الْمُبَرِّدُ وَابْنُ دُرَيْدٍ، وَغَيْرُهُمَا.
وَكَانَ عَبْدًا صَالِحًا، كَثِيرَ الصَّدَقَةِ وَالتِّلَاوَةِ، يَتَصَدَّقُ كُلَّ يَوْمٍ بِدِينَارٍ، وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ خَتْمَةً، وَلَهُ شِعْرٌ كَثِيرٌ ; مِنْهُ قَوْلُهُ:
أَبْرَزُوا وَجْهَهُ الْجَمِي ... لَ وَلَامُوا مَنِ افْتُتِنْ
(14/466)

لَوْ أَرَادُوا صِيَانَتِي ... سَتَرُوا وَجْهَهُ الْحَسَنْ
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْمُحَرَّمِ. وَقِيلَ: فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
(14/467)

[سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ النِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ مِنْهَا الْتَقَى جَمْعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَخَلْقٌ مِنَ الرُّومِ بِالْقُرْبِ مِنْ مَلَطْيَةَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا، قُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَقْطَعِ، وَقُتِلَ مَعَهُ أَلْفَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ قُتِلَ الْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْأَرْمَنِيُّ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَقَدْ كَانَ هَذَانَ الْأَمِيرَانِ مِنْ أَكْبَرِ أَنْصَارِ الْإِسْلَامِ.
وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِبَغْدَادَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَامَّةَ كَرِهُوا جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ قَدْ تَغَلَّبُوا عَلَى أَمْرِ الْخِلَافَةِ، وَقَتَلُوا الْمُتَوَكِّلَ، وَاسْتَضْعَفُوا الْمُنْتَصِرَ وَالْمُسْتَعِينَ بَعْدَهُ ; فَنَهَضُوا إِلَى السِّجْنِ، فَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهِ، وَجَاءُوا إِلَى الْجِسْرِ فَقَطَعُوهُ وَضَرَبُوا الْآخَرَ بِالنَّارِ، فَأَحْرَقُوهُ، وَنَادَوْا بِالنَّفِيرِ فَاجْتَمَعَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَنَهَبُوا أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةً، وَذَلِكَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَادَ ثُمَّ جَمَعَ أَهْلُ الْيَسَارِ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً ; لِتُصْرَفَ إِلَى مَنْ
(14/468)

يَنْهَضُ إِلَى ثُغُورِ الرُّومِ لِقِتَالِهِمْ عِوَضًا عَنْ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هُنَاكَ، فَأَقْبَلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ نَوَاحِي الْجِبَالِ وَالْأَهْوَازِ وَفَارِسَ وَغَيْرِهَا لِغَزْوِ الرُّومِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ وَالْجَيْشَ تَأَخَّرُوا عَنِ النُّهُوضِ فَغَضِبَتِ الْعَامَّةُ مِنْ ذَلِكَ، وَفَعَلُوا مَا ذَكَرْنَا.
وَلِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ نَهَضَ عَامَّةُ أَهْلِ سَامَرَّا إِلَى السِّجْنِ، فَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهِ، وَجَاءَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْجَيْشِ، يُقَالُ لَهُمُ: الزُّرَافَةُ، فَهَزَمَتْهُمُ الْعَامَّةُ فَرَكِبَ عِنْدَ ذَلِكَ وَصِيفٌ وَبُغَا الصَّغِيرُ وَعَامَّةُ الْأَتْرَاكِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْعَامَّةِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَجَرَتْ فِتَنٌ طَوِيلَةٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ سَكَنَتْ.
وَفِي النِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَعِينَ كَانَ قَدْ فَوَّضَ أَمْرَ الْخِلَافَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ إِلَى ثَلَاثَةٍ ; وَهُمْ أُتَامِشُ التُّرْكِيُّ، وَكَانَ أَخَصَّ مَنْ عِنْدَهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَزِيرِ، وَفِي حِجْرِهِ الْعَبَّاسُ ابْنُ الْمُسْتَعِينِ يُرَبِّيهِ، وَيَعَلِّمُهُ الْفُرُوسِيَّةَ، وَشَاهَكُ الْخَادِمُ، وَأُمُّ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ لَا يَمْنَعُهَا شَيْئًا تُرِيدُهُ، وَكَانَ لَهَا كَاتِبٌ يُقَالُ لَهُ: سَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ
(14/469)

النَّصْرَانِيُّ. فَأَقْبَلَ أُتَامِشُ فَأَسْرَفَ فِي أَخْذِ الْأَمْوَالِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ بِبَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا، فَغَضِبَ الْأَتْرَاكُ مِنْ ذَلِكَ، وَغَارَتْ مِنْهُ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَرَكِبُوا إِلَيْهِ، وَأَحَاطُوا بِقَصْرِ الْخِلَافَةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُسْتَعِينِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَنْعُهُ مِنْهُمْ، وَلَا دَفْعُهُمْ عَنْهُ فَأَنْزَلُوهُ صَاغِرًا فَقَتَلُوهُ، وَانْتَهَبُوا أَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ وَدُورَهُ، وَاسْتَوْزَرَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ أَبَا صَالِحٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَزْدَادَ، وَوَلَّى بُغَا الصَّغِيرَ فِلَسْطِينَ، وَوَلَّى وَصِيفًا الْأَهْوَازَ، وَجَرَى خَبْطٌ كَبِيرٌ، وَوَهْنٌ كَثِيرٌ مِنْ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ.
وَتَحَرَّكَتِ الْمَغَارِبَةُ بِسَامَرَّا فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَكَانُوا يَجْتَمِعُونَ فَيَرْكَبُونَ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَهُوَ الْيَوْمُ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ تَمُّوزَ، مُطِرَ أَهْلُ سَامَرَّا مَطَرًا عَظِيمًا بِرَعْدٍ وَبَرْقٍ، وَالْغَيْمُ مُطْبِقٌ، وَالْمَطَرُ مُسْتَهِلٌّ كَثِيرٌ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ. وَفِي ذِي الْحِجَّةِ أَصَابَ أَهْلَ الرَّيِّ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا، وَرَجْفَةٌ هَائِلَةٌ تَهَدَّمَتْ مِنْهَا الدُّورُ، وَمَاتَ مِنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَخَرَجَ بَقِيَّةُ أَهْلِهَا إِلَى الصَّحْرَاءِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
(14/470)

الْإِمَامُ، وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ.
وَالْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، صَاحِبُ كِتَابِ " السُّنَنِ ".
وَرَجَاءُ بْنُ مُرَجَّى الْحَافِظُ.
وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ صَاحِبُ " الْمُسْنَدِ " وَ " التَّفْسِيرِ " الْحَافِلِ.
وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ.
وَعَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ بْنِ بَدْرِ بْنِ الْجَهْمِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ أَسَدٍ الْقُرَشِيُّ السَّامِيُّ.
مِنْ وَلَدِ سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، الْخُرَاسَانِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ الْمَشْهُورِينَ، وَأَهْلِ الدِّيَانَةِ الْمُعْتَبَرِينَ.
وَلَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ فِيهِ أَشْعَارٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي
(14/471)

طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ بِالْمُتَوَكِّلِ، ثُمَّ غَضِبَ عَلَيْهِ فَنَفَاهُ إِلَى خُرَاسَانَ وَأَمَرَ نَائِبَهُ بِهَا أَنْ يَنْصِبَهُ يَوْمًا، مُجَرَّدًا، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ:
بَلَاءٌ لَيْسَ يَعْدِلُهُ بَلَاءٌ ... عَدَاوَةُ غَيْرِ ذِي حَسَبٍ وَدِينِ
يُبِيحُكَ مِنْهُ عِرْضًا لَمْ يَصُنْهُ ... وَيَرْتَعُ مِنْكَ فِي عِرْضٍ مَصُونِ
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَرْوَانَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ حِينَ هَجَاهُ، فَقَالَ فِي هِجَائِهِ لَهُ:
لَعَمْرُكَ مَا الْجَهْمُ بْنُ بَدْرٍ بِشَاعِرٍ ... وَهَذَا عَلِيٌّ بَعْدَهُ يَدَّعِي الشِّعْرَا
وَلَكِنْ أَبِي قَدْ كَانَ جَارًا لِأُمِّهِ ... فَلَمَّا ادَّعَى الْأَشْعَارَ أَوْهَمَنِي أَمْرَا
كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ قَدْ قَدِمَ الشَّامَ ثُمَّ عَادَ قَاصِدًا الْعِرَاقَ فَلَمَّا جَاوَزَ حَلَبَ ثَارَ عَلَيْهِ أُنَاسٌ مِنْ بَنِي كَلْبٍ، فَقَاتَلَهُمْ فَجُرِحَ جُرْحًا بَلِيغًا فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ فَوُجِدَ بَيْنَ ثِيَابِهِ رُقْعَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا:
يَا رَحْمَتَا لِلْغَرِيبِ فِي الْبَلَدِ النَّا ... زِحِ مَاذَا بِنَفْسِهِ صَنَعَا
(14/472)

فَارَقَ أَحْبَابَهُ فَمَا انْتَفَعُوا ... بِالْعَيْشِ مِنْ بَعْدِهِ وَمَا انْتَفَعَا
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِهَذَا السَّبَبِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
(14/473)

[سَنَةُ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا كَانَ ظُهُورُ أَبِي الْحُسَيْنِ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى بْنِ حُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْكُوفَةِ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْحُسَيْنِ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ شَدِيدَةٌ فَدَخَلَ سَامَرَّا، فَسَأَلَ وَصِيفًا أَنْ يُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقًا، فَأَغْلَظَ لَهُ الْقَوْلَ، فَرَجَعَ إِلَى أَرْضِ الْكُوفَةِ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَنَزَلَ عَلَى الْفَلُّوجَةِ، وَقَدْ كَثُرَ الْجَمْعُ مَعَهُ، فَكَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ نَائِبُ الْعِرَاقِ إِلَى عَامِلِ الْكُوفَةِ وَهُوَ أَيُّوبُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَأْمُرُهُ بِمُقَاتَلَتِهِ. وَدَخَلَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْكُوفَةِ فَاحْتَوَى عَلَى بَيْتِ مَالِهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ سِوَى أَلْفَيْ دِينَارٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَظَهَرَ أَمْرُهُ بِالْكُوفَةِ، وَفَتَحَ
(14/474)

السِّجْنَيْنِ، وَأَطْلَقَ مَنْ فِيهِمَا، وَأَخْرَجَ نُوَّابَ الْخَلِيفَةِ مِنْهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا، وَاسْتَحْكَمَ أَمْرُهُ بِهَا، وَالْتَفَّ عَلَيْهِ خَلْقٌ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى سَوَادِهَا، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَيْهَا، فَتَلَقَّاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْخَطَّابِ الْمُلَقَّبُ وَجْهَ الْفُلْسِ، فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا فَانْهَزَمَ وَجْهُ الْفُلْسِ، وَدَخَلَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ الْكُوفَةَ وَدَعَا إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ جَدًّا، وَصَارَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهَا، وَتَوَلَّاهُ أَهْلُ بَغْدَادَ مِنَ الْعَامَّةِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى التَّشَيُّعِ، وَأَحَبُّوهُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانُوا يُحِبُّونَ أَحَدًا مِنَ الْخَارِجِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَشَرَعَ فِي تَحْصِيلِ السِّلَاحِ، وَإِعْدَادِ آلَاتِ الْحَرْبِ، وَجَمْعِ الرِّجَالِ، وَقَدْ خَرَجَ نَائِبُ الْكُوفَةِ مِنْهَا وَهُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ إِلَى ظَاهِرِهَا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَمْدَادٌ كَثِيرَةٌ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَاسْتَرَاحُوا وَجَمَّتْ خُيُولُهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ أَشَارَ مَنْ أَشَارَ عَلَى يَحْيَى بْنِ عُمَرَ مِمَّنْ لَا رَأْيَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ فَيُنَاجِزَ الْحُسَيْنَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، وَيَكْبِسَ جَيْشَهُ، فَرَكِبَ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ فِيهِ خَلْقٌ مِنَ الْفُرْسَانِ وَالْمُشَاةِ أَيْضًا مِنْ عَامَّةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِغَيْرِ أَسْلِحَةٍ، فَسَارُوا فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ نَهَضُوا إِلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فِي ظُلْمَةِ آخِرِ اللَّيْلِ فَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ إِلَّا وَقَدِ انْكَشَفَ أَصْحَابُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَدَاسَتْهُمُ الْخُيُولُ، وَوَجَدُوا يَحْيَى بْنَ عُمَرَ قَدْ تَقَنْطَرَ بِهِ فَرَسُهُ وَطُعِنَ
(14/475)

فِي ظَهْرِهِ فَحَزُّوا رَأَسَهُ، وَحَمَلُوهُ إِلَى الْأَمِيرِ فَبَعَثَهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنَ الْغَدِ مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْخَطَّابِ فَنُصِبَ بِسَامَرَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَى بَغْدَادَ ; لِيُنْصَبَ عِنْدَ الْجِسْرِ، فَلَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الْعَامَّةِ، فَجُعِلَ فِي خَزَائِنِ السِّلَاحِ. وَلَمَّا جِيءَ بِرَأْسِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ دَخَلَ النَّاسُ يُهَنُّونَهُ بِالْفَتْحِ وَالظَّفَرِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو هَاشِمٍ دَاوُدُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْجَعْفَرِيُّ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّكَ لَتُهَنَّى بِقَتْلِ رَجُلٍ لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيًّا لَعُزِّيَ بِهِ. فَمَا رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيُّ وَهُوَ يَقُولُ:
يَا بَنِي طَاهِرٍ كُلُوُهُ وَبِيَّا ... إِنَّ لَحْمَ النَّبِيِّ غُيْرُ مَرِيِّ
إِنَّ وَتْرًا يَكُونُ طَالِبُهُ اللَّهُ ... لَوَتْرٌ نَجَاحُهُ بِالْحَرِيِّ
وَكَانَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَعِينُ قَدْ وَجَّهَ أَمِيرًا إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ نَائِبِ الْكُوفَةِ فَلَمَّا قُتِلَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ دَخَلُوا الْكُوفَةَ فَأَرَادَ ذَلِكَ الْأَمِيرُ أَنْ يَضَعَ فِي أَهْلِهَا السَّيْفَ، فَمَنَعَهُ الْحُسَيْنُ، وَأَمَّنَ الْأَسْوَدَ وَالْأَبْيَضَ، وَأَطْفَأَ اللَّهُ هَذِهِ الْفِتْنَةَ.
ثُمَّ خَرَجَ آخَرُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَيْضًا
فَلَمَّا كَانَ رَمَضَانُ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
(14/476)

الْحَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِنَاحِيَةِ طَبَرِسْتَانَ وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ أَقْطَعَ الْمُسْتَعِينُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ طَائِفَةً مِنْ أَرْضِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَبَعَثَ كَاتِبًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: جَابِرُ بْنُ هَارُونَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا ; لِيَتَسَلَّمَ تِلْكَ الْأَرَاضِيَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ كَرِهُوا ذَلِكَ جِدًّا، وَرَاسَلُوا الْحَسَنَ بْنَ زَيْدٍ هَذَا، فَجَاءَ إِلَيْهِمْ فَبَايَعُوهُ، وَالْتَفَّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الدَّيْلَمِ، وَجَمَاعَةُ الْأُمَرَاءِ فِي تِلْكَ النَّوَاحِي، فَرَكِبَ فِيهِمْ وَدَخَلَ آمُلَ طَبَرِسْتَانَ وَأَخَذَهَا قَهْرًا، وَجَبَى خَرَاجَهَا، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ جِدًّا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا طَالِبًا لِقِتَالِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ تِلْكَ النَّوَاحِي فَالْتَقَيَا هُنَالِكَ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ ثُمَّ انْهَزَمَ سُلَيْمَانُ هَزِيمَةً مُنْكَرَةٌ، وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَلَمْ يَرْجِعْ دُونَ جُرْجَانَ فَدَخَلَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ سَارِيَةَ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَى مَا بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحَوَاصِلِ، وَسَيَّرَ أَهْلَ سُلَيْمَانَ إِلَيْهِ عَلَى مَرَاكِبَ مُكْرَمِينَ، وَاجْتَمَعَ لِلْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ إِمْرَةُ طَبَرِسْتَانَ بِكَمَالِهَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الرَّيِّ فَأَخَذَهَا أَيْضًا، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الطَّاهِرِيَّةَ، وَصَارَ لَهُ إِلَى حَدِّ هَمَذَانَ وَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ الْمُسْتَعِينَ وَكَانَ مُدَبِّرَ مَلِكِهِ يَوْمَئِذٍ وَصِيفٌ التُّرْكِيُّ اغْتَمَّ لِذَلِكَ جِدًّا، وَاجْتَهَدَ فِي بَعْثِ الْجُيُوشِ وَالْأَمْدَادِ لِقِتَالِ الْحَسَنِ
(14/477)

بْنِ زَيْدٍ هَذَا.
وَفِي يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ بِالرَّيِّ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ حُسَيْنٍ الصَّغِيرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَإِدْرِيسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَ الْعِيدِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى هَذَا، وَدَعَا إِلَى الرِّضَا مَنْ آلِ مُحَمَّدٍ، فَحَارَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَاهِرٍ، فَهَزَمَهُ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ.
وَفِيهَا وَثَبَ أَهْلُ حِمْصَ عَلَى عَامِلِهِمُ الْفَضْلِ بْنِ قَارَنَ أَخِي الْمَازَيَارِ بْنِ قَارَنَ فَقَتَلُوهُ فِي رَجَبٍ، فَوَجَّهَ الْمُسْتَعِينُ إِلَيْهِمْ مُوسَى بْنَ بُغَا الْكَبِيرِ، فَاقْتَتَلُوا بِأَرْضِ الرَّسْتَنِ فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِهَا، وَأَحْرَقَ أَمَاكِنَ كَثِيرَةً مِنْهَا، وَأَسَرَ أَشْرَافَ أَهْلِهَا.
وَفِيهَا وَثَبَتِ الشَّاكِرِيَّةُ وَالْجُنْدُ فِي أَرْضِ فَارِسَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَهَرَبَ مِنْهُمْ فَانْتَهَبُوا دَارَهُ، وَقَتَلُوا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ قَارَنَ، وَفِيهَا غَضِبَ الْخَلِيفَةُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَنَفَاهُ إِلَى الْبَصْرَةِ.
وَفِيهَا أُسْقِطَتْ مَرْتَبَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَوِيِّينَ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا جَعْفَرُ بْنُ الْفَضْلِ أَمِيرُ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
(14/478)

أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ.
وَالْبَزِّيُّ أَحَدُ الْقُرَّاءِ الْمَشَاهِيرِ.
وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ.
وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.
وَعَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الرَّوَاجِنِيُّ.
وَعَمْرُو بْنُ بَحْرٍ الْجَاحِظُ.
صَاحِبُ الْكَلَامِ وَالْمُصَنَّفَاتِ.
وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحِمْصِيُّ.
وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ.
(14/479)

[سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا اجْتَمَعَ رَأْيُ الْمُسْتَعِينِ وَبُغَا الصَّغِيرِ وَوَصِيفٍ عَلَى قَتْلِ بَاغِرَ التُّرْكِيِّ وَكَانَ مِنَ الْقُوَّادِ الْكِبَارِ الَّذِينَ بَاشَرُوا قَتْلَ الْمُتَوَكِّلِ، وَقَدِ اتَّسَعَ إِقْطَاعُهُ، وَكَثُرَتْ أَعْمَالُهُ فَقُتِلَ وَنُهِبَتْ دَارُ كَاتِبِهِ دَلِيلِ بْنِ يَعْقُوبَ النَّصْرَانِيِّ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُ وَحَوَاصِلُهُ، فَرَكِبَ الْخَلِيفَةُ فِي حَرَّاقَةِ مَنْ سَامَرَّا إِلَى بَغْدَادَ ; فَاضْطَرَبَتِ الْأُمُورُ بِسَبَبِ خُرُوجِهِ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ فِي خَامِسِ الْمُحَرَّمِ، فَنَزَلَ الْخَلِيفَةُ دَارَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ شَنْعَاءُ بَيْنَ جُنْدِ بَغْدَادَ وَجُنْدِ سَامَرَّا، وَدَعَا أَهْلُ سَامَرَّا إِلَى بَيْعَةِ الْمُعْتَزِّ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ بَغْدَادَ عَلَى الْمُسْتَعِينِ، وَأُخْرِجَ الْمُعْتَزُّ وَأَخُوهُ الْمُؤَيَّدُ مِنَ السِّجْنِ فَبَايَعَ أَهْلُ سَامَرَّا الْمُعْتَزَّ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى حَوَاصِلَ بَيْتِ الْمَالِ بِهَا ; فَإِذَا بِهَا خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَفِي خِزَانَةِ أَمِّ الْمُسْتَعِينِ أَلْفُ أَلْفُ دِينَارٍ، وَفِي حَوَاصِلِ الْعَبَّاسِ ابْنِ الْمُسْتَعِينِ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ الْمُعْتَزِّ بِسَامَرَّا، وَأَمَرَ الْمُسْتَعِينُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَنْ يُحَصِّنَ بَغْدَادَ وَيَعْمَلَ فِي السُّورَيْنِ وَالْخَنْدَقِ، وَغَرِمَ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَوَكَّلَ بِكُلِّ بَابٍ أَمِيرًا يَحْفَظُهُ، وَنَصَبَ عَلَى السُّورِ خَمْسَةَ مَجَانِيقَ، مِنْهَا وَاحِدٌ كَبِيرٌ جِدًّا
(14/480)

يُقَالُ لَهُ: الْغَضْبَانُ. وَسِتَّ عَرَّادَاتٍ، وَأَعَدُّوا آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْحِصَارِ وَالْعُدَدَ وَقُطِعَتِ الْقَنَاطِرُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ; لِئَلَّا يَصِلَ الْجَيْشُ إِلَيْهِمْ.
وَكَتَبَ الْمُعْتَزُّ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ يَدْعُوهُ إِلَى الدُّخُولِ مَعَهُ فِي أَمْرِهِ، وَيُذَكِّرُهُ مَا كَانَ أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ أَبُوهُ الْمُتَوَكِّلُ مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ أَنْ تَكُونَ الْخِلَافَةُ بَعْدَ الْمُنْتَصِرِ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ بَلْ رَدَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِحُجَجٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
وَكَتَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْتَعِينِ وَالْمُعْتَزِّ إِلَى مُوسَى بْنِ بُغَا الْكَبِيرِ وَهُوَ مُقِيمٌ بِأَطْرَافِ الشَّامِ لِحَرْبِ أَهْلِ حِمْصَ يَدْعُوهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْوِيَةٍ يَعْقِدُهَا لِمَنِ اخْتَارَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُسْتَعِينُ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ إِلَى بَغْدَادَ وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي عَمَلِهِ، فَرَكِبَ مُسْرِعًا فَسَارَ إِلَى سَامَرَّا فَكَانَ مَعَ الْمُعْتَزِّ عَلَى الْمُسْتَعِينِ، وَكَذَلِكَ هَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُغَا الصَّغِيرِ مِنْ عِنْدِ أَبِيهِ، مِنْ بَغْدَادَ إِلَى سَامَرَّا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَتْرَاكِ.
وَعَقَدَ الْمُعْتَزُّ لِأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى حَرْبِ الْمُسْتَعِينِ، وَجَهَّزَ مَعَهُ جَيْشًا لِذَلِكَ، فَسَارَ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ وَغَيْرِهِمْ نَحْوَ بَغْدَادَ وَصَلَّى بِعُكْبَرَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَدَعَا لِأَخِيهِ الْمُعْتَزِّ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَى بَغْدَادَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ فَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ هُنَالِكَ، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ يُقَالُ
(14/481)

لَهُ: بَاذِنْجَانَةُ. كَانَ فِي عَسْكَرِ أَبِي أَحْمَدَ:
يَا بَنِي طَاهِرٍ أَتَتْكُمْ جُنُودُ اللَّهِ ... وَالْمَوْتُ بَيْنَهَا مَنْثُورُ
وَجُيُوشٌ أَمَامَهُنَّ أَبُو أَحْ ... مَدَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ طَوِيلَةٌ وَفِتَنٌ مَهُولَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ جَرِيرٍ مُطَوَّلَةً
ثُمَّ بَعَثَ الْمُعْتَزُّ مَعَ مُوسَى بْنِ أَشْنَاسَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ مَدَدًا لِأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ، فَوَصَلُوا لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَوَقَفُوا فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ عِنْدَ بَابِ قُطْرَبُّلَ، وَأَبُو أَحْمَدَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَالْحَرْبُ مُسْتَعِرَةٌ، وَالْقِتَالُ كَثِيرٌ، وَالْقَتْلُ وَاقِعٌ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَذُكِرَ أَنَّ الْمُعْتَزَّ كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ يَلُومُهُ عَلَى التَّقْصِيرِ فِي قِتَالِ أَهْلِ بَغْدَادَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ:
لِأَمْرِ الْمَنَايَا عَلَيْنَا طَرِيقُ ... وَلِلدَّهْرِ فِينَا اتِّسَاعٌ وَضِيقُ
فَأَيَّامُنَا عِبَرٌ لِلَأَنَامِ ... فَمِنْهَا الْبُكُورُ وَمِنْهَا الطَّرُوقُ
وَمِنْهَا هَنَاتٌ تُشِيبُ الْوَلِيدَ ... وَيَخْذُلُ فِيهَا الصَّدِيقَ الصَّدِيقُ
وَسُورٌ عَرِيضٌ لَهُ ذِرْوَةٌ ... تَفُوتُ الْعُيُونَ وَبَحْرٌ عَمِيقُ
قِتَالٌ مُبِيدٌ وَسَيْفٌ عَتِيدٌ ... وَخَوْفٌ شَدِيدٌ وَحِصْنٌ وَثِيقُ
(14/482)

وَطُولُ صِيَاحٍ لِدَاعِي الصَّبَاحِ ... السِّلَاحَ السِّلَاحَ فَمَا يَسْتَفِيقُ
فَهَذَا طَرِيحٌ وَهَذَا جَرِيحٌ ... وَهَذَا حَرِيقٌ وَهَذَا غَرِيقُ
وَهَذَا قَتِيلٌ وَهَذَا تَلِيلٌ ... وَآخَرُ يَشْدُخُهُ الْمِنْجَنِيقُ
هُنَاكَ اغْتِصَابٌ وَثَمَّ انْتِهَابٌ ... وَدُورٌ خَرَابٌ وَكَانَتْ تَرُوقُ
إِذَا مَا سَمَوْنَا إِلَى مَسْلَكٍ ... وَجَدْنَاهُ قَدْ سُدَّ عَنَّا الطَّرِيقُ
فَبِاللَّهِ نَبْلُغُ مَا نَرْتَجِيهِ ... وَبِاللَّهِ نَدْفَعُ مَا لَا نُطِيقُ
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذَا الشِّعْرُ يُنْشَدُ لِعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ فِي فِتْنَةِ الْمَخْلُوعِ وَالْمَأْمُونِ.
وَقَدِ اسْتَمَرَّتِ الْفِتْنَةُ وَالْقِتَالُ بِبَغْدَادَ بَيْنَ أَبِي أَحْمَدَ أَخِي الْمُعْتَزِّ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ نَائِبِ الْمُسْتَعِينِ، وَالْبَلَدُ مَحْصُورٌ وَأَهْلُهُ فِي ضِيقٍ شَدِيدٍ جِدًّا بَقِيَّةَ شُهُورِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي وَقَعَاتٍ مُتَعَدِّدَاتٍ، وَأَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ; فَتَارَةً يَظْهَرُ أَصْحَابُ أَبِي أَحْمَدَ، وَيَأْخُذُونَ بَعْضَ الْأَبْوَابِ، فَتَحْمِلُ عَلَيْهِمُ الطَّاهِرِيَّةُ فَيُزِيحُونَهُمْ عَنْهَا، وَيَقْتُلُونَ مِنْهُمْ خَلْقًا، ثُمَّ يَتَرَاجَعُونَ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ وَيُصَابِرُونَهُمْ مُصَابَرَةً عَظِيمَةً، لَكِنَّ أَهْلَ بَغْدَادَ كُلُّ مَا لَهُمْ إِلَى ضَعْفٍ بِسَبَبِ قِلَّةِ الْمِيرَةِ وَالْجَلَبِ إِلَى دَاخِلِ الْبَلَدِ.
ثُمَّ شَاعَ بَيْنَ الْعَامَّةِ أَنْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ يُرِيدُ أَنْ يَخْلَعَ الْمُسْتَعِينَ وَيُبَايِعَ لِلْمُعْتَزِّ، وَذَلِكَ فِي أَوَاخِرَ السَّنَةِ، فَتَنَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ، وَاعْتَذَرَ إِلَى
(14/483)

الْخَلِيفَةِ وَإِلَى الْعَامَّةِ، وَحَلَفَ بِالْأَيْمَانِ الْغَلِيظَةِ، فَلَمْ تَبْرَأْ سَاحَتُهُ مِنْ ذَلِكَ حَقَّ الْبَرَاءَةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَاجْتَمَعَتِ الْعَامَّةُ وَالْغَوْغَاءُ إِلَى دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ، وَالْخَلِيفَةُ نَازِلٌ بِهَا، فَسَأَلُوا أَنْ يُبْرِزَ لَهُمُ الْخَلِيفَةَ لِيَرَوْهُ وَيَسْأَلُوهُ عَنِ ابْنِ طَاهِرٍ ; أَهْوَ رَاضٍ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَمَا زَالَتِ الضَّجَّةُ وَالْأَصْوَاتُ مُرْتَفِعَةً حَتَّى بَرَزَ الْخَلِيفَةُ مِنْ فَوْقِ الْمَكَانِ الَّذِي هُمْ فِيهِ، وَعَلَيْهِ السَّوَادُ وَمِنْ فَوْقِهِ الْبُرْدَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَبِيَدِهِ الْقَضِيبُ، وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكُمْ بِحَقٍّ صَاحِبِ هَذِهِ الْبُرْدَةِ وَالْقَضِيبِ لَمَا رَجَعْتُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ، وَرَضِيتُمْ عَنِ ابْنِ طَاهِرٍ ; فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ لَدَيَّ. فَسَكَتَ الْغَوْغَاءُ وَرَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ ثُمَّ انْتَقَلَ الْخَلِيفَةُ مِنْ دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ إِلَى دَارِ رِزْقٍ الْخَادِمِ، وَذَلِكَ فِي أَوَائِلِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَصَلَّى بِهِمُ الْعِيدَ يَوْمَ الْأَضْحَى فِي الْجَزِيرَةِ الَّتِي بِحِذَاءِ دَارَ ابْنِ طَاهِرٍ، وَبَرَزَ الْخَلِيفَةُ يَوْمَئِذٍ لِلنَّاسِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْحَرْبَةُ، وَعَلَيْهِ الْبُرْدَةُ، وَبِيَدِهِ الْقَضِيبُ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا بِبَغْدَادَ عَلَى مَا بِأَهْلِهَا مِنَ الْحِصَارِ، وَغَلَاءِ الْأَسْعَارِ الْمُتَرْجَمَيْنِ عَنْ لِبَاسِ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَلَمَّا تَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ وَضَاقَ الْمَجَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَجَهِدَ الرِّجَالُ شَرَعَ ابْنُ طَاهِرٍ يُظْهِرُ مَا كَانَ كَامِنًا فِي نَفْسِهِ مِنْ خَلْعِ الْمُسْتَعِينِ، فَجَعَلَ يُعَرِّضُ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا يُصَرِّحُ ثُمَّ كَاشَفَهُ بِهِ وَأَظْهَرَهُ لَهُ، وَنَاظَرَهُ فِيهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْمَصْلَحَةَ تَقْتَضِي أَنْ تُصَالِحَ عَنِ الْخِلَافَةِ عَلَى مَالٍ تَأْخُذُهُ سَلَفًا، وَتَعْجِيلًا، وَأَنْ يَكُونَ لَكَ مِنَ الْخَرَاجِ فِي كُلِّ عَامٍ مَا تَخْتَارُهُ وَتَحْتَاجُهُ. وَلَمْ يَزَلْ يَفْتِلُ فِي الذِّرْوَةِ،
(14/484)

وَالْغَارِبِ حَتَّى أَجَابَ إِلَى ذَلِكَ وَأَنَابَ. فَكَتَبَ بِمَا اشْتَرَطَهُ الْمُسْتَعِينُ فِي خَلْعِهِ نَفْسَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ كِتَابًا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ لِعَشَرٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ رَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ إِلَى الرُّصَافَةِ، وَجَمَعَ الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ، وَأَدْخَلَهُمْ عَلَى الْمُسْتَعِينِ فَوْجًا فَوْجًا يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ صَيَّرَ أَمْرَهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَكَذَلِكَ جَمَاعَةُ الْحُجَّابِ وَالْخَدَمِ ثُمَّ تَسَلَّمَ مِنْهُ جَوْهَرَ الْخِلَافَةِ، وَأَقَامَ عِنْدَ الْمُسْتَعِينِ إِلَى هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ، وَيَتَنَوَّعُونَ فِيمَا يَقُولُونَ مِنَ الْأَرَاجِيفِ، وَأَمَّا ابْنُ طَاهِرٍ، فَإِنَّهُ أَرْسَلَ بِالْكِتَابِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى الْمُعْتَزِّ بِسَامَرَّا فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَكْرَمَهُمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَأَجَازَهُمْ فَأَسْنَى جَوَائِزَهُمْ، وَسَيَأْتِي مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَوَّلَ السَّنَةِ الدَّاخِلَةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا كَانَ ظُهُورُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَيْضًا بِأَرْضِ قَزْوِينَ وَزَنْجَانَ ; وَهُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَرْقَطِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَيُعْرَفُ بِالْكَوْكَبِيِّ، وَسَيَأْتِي مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ هُنَاكَ.
وَفِيهَا خَرَجَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُوسُفَ الْعَلَوِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ. وَسَيَأْتِي مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَيْضًا.
(14/485)

وَفِيهَا خَرَجَ بِالْكُوفَةِ أَيْضًا رَجُلٌ مِنَ الطَّالِبِيِّينَ، وَهُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمُسْتَعِينُ مُزَاحِمَ بْنَ خَاقَانَ فَاقْتَتَلَا فَهُزِمَ الْعَلَوِيُّ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَلَمَّا دَخَلَ مُزَاحِمٌ الْكُوفَةَ حَرَّقَ بِهَا أَلْفَ دَارٍ، وَنَهَبَ أَمْوَالَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ، وَبَاعَ بَعْضَ جِوَارِي الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ هَذَا وَكَانَتْ مُعْتَقَةً عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ.
وَفِيهَا ظَهَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِمَكَّةَ، فَهَرَبَ مِنْهُ نَائِبُهَا جَعْفَرُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى، فَانْتَهَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُوسُفَ مَنْزِلَهُ، وَمَنَازِلَ أَصْحَابِهِ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْجُنْدِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَخَذَ مَا فِي الْكَعْبَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالطِّيبِ وَكُسْوَةَ الْكَعْبَةِ، وَأَخَذَ مِنَ النَّاسِ نَحَوًا مِنْ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَهَرَبَ مِنْهُ عَامِلُهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ثُمَّ رَجَعَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُوسُفَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَجَبٍ فَحَصَرَ أَهْلَهَا حَتَّى هَلَكُوا جُوعًا وَعَطَشًا فَبِيعَ الْخُبْزُ ثَلَاثُ أَوَاقٍ بِدِرْهَمٍ وَاللَّحْمُ الرِّطْلُ بِأَرْبَعَةٍ، وَشَرْبَةُ الْمَاءِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَلَقِيَ مِنْهُ أَهْلُ مَكَّةَ كُلَّ بَلَاءٍ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُمْ إِلَى جُدَّةَ بَعْدَ مُقَامِ سَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا فَانْتَهَبَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ هُنَالِكَ، وَأَخَذَ
(14/486)

الْمَرَاكِبَ، وَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ حَتَّى جُلِبَتْ إِلَيْهَا مِنَ الْيَمَنِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ لَمْ يُمَكِّنِ النَّاسَ مِنَ الْوُقُوفِ نَهَارًا وَلَا لَيْلًا، وَقَتَلَ مِنَ الْحَجِيجِ أَلْفًا وَمِائَةً، وَسَلَبَهُمْ أَمْوَالَهُمْ، وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ عَامَئِذٍ سِوَاهُ، وَمِنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، لَا تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ.
وَحُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ.
وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ.
وَأَبُو النَّقِيِّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْيَزَنِيُّ.
(14/487)

[سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[خِلَافَةُ الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ بَعْدَ خَلْعِ الْمُسْتَعِينِ نَفْسَهُ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَقَدِ اسْتَقَرَّتِ الْخِلَافَةُ بِاسْمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُعْتَزِّ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُعْتَصِمِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَقِيلَ: إِنَّ اسْمَ الْمُعْتَزِّ أَحْمَدُ. وَقِيلَ: الزُّبَيْرُ. وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَتَرْجَمَهُ فِي " تَارِيخِهِ ". فَلَمَّا خَلَعَ الْمُسْتَعِينُ - أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعْتَصِمِ - نَفْسَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ وَبَايَعَ لِلْمُعْتَزِّ، دَعَا الْخُطَبَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَابِعَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِجَوَامِعِ بَغْدَادَ عَلَى الْمَنَابِرِ لِلْخَلِيفَةِ الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ. وَانْتَقَلَ الْمُسْتَعِينُ مِنَ الرُّصَافَةِ إِلَى قَصْرِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ هُوَ وَعِيَالُهُ وَوَلَدُهُ وَجَوَارِيهِ، وَوَكَّلَ بِهِمْ سَعِيدَ بْنَ رَجَاءٍ فِي جَمَاعَةٍ مَعَهُ، وَأَخَذَ مِنَ الْمُسْتَعِينِ الْبُرْدَةَ وَالْقَضِيبَ وَالْخَاتَمَ، وَبَعَثَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُعْتَزِّ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُعْتَزُّ يَطْلُبُ مِنْهُ خَاتَمَيْنِ مِنْ جَوْهَرٍ ثَمِينٍ بَقِيَا عِنْدَهُ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: بُرْجٌ. وَلِلْآخَرِ: جَبَلٌ. فَأَرْسَلَهُمَا. وَطَلَبَ
(14/488)

الْمُسْتَعِينُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ فَلَمْ يُمَكَّنْ، فَطَلَبَ الْبَصْرَةَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا وَبِيئَةٌ. فَقَالَ: إِنَّ تَرْكَ الْخِلَافَةِ أَوْبَأُ مِنْهَا. ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي الْمَسِيرِ إِلَى وَاسِطَ فَخَرَجَ وَمَعَهُ حَرَسٌ يُوَصِّلُونَهُ إِلَيْهَا نَحْوٌ مَنْ أَرْبَعِمِائَةٍ.
وَاسْتَوْزَرَ الْمُعْتَزُّ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَلْبَسَهُ تَاجًا عَلَى رَأْسِهِ. وَلَمَّا تَمَهَّدَ أَمْرُ بَغْدَادَ وَاسْتَقَرَّتِ الْبَيْعَةُ لِلْمُعْتَزِّ بِهَا، وَدَانَ لَهُ أَهْلُهَا وَاجْتَمَعَ شَمْلُهَا، وَقَدِمَتْهَا الْمِيرَةُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَاتَّسَعَ النَّاسُ فِي الْأَرْزَاقِ وَالْأَطْعِمَةِ، رَكِبَ أَبُو أَحْمَدَ مِنْهَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنَ الْمُحَرَّمِ إِلَى سَامَرَّا، وَشَيَّعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فِي وُجُوهِ الْقُوَّادِ، فَخَلَعَ أَبُو أَحْمَدَ عَلَى ابْنِ طَاهِرٍ خَمْسَ خِلَعٍ وَسَيْفًا، وَرَدَّهُ مِنَ الرُّوذَبَارِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مَدَائِحَ الشُّعَرَاءِ فِي الْمُعْتَزِّ وَتَشَفِّيَهُمْ بِخَلْعِ الْمُسْتَعِينِ، فَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ جِدًّا. فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ أَبِي الْجَنُوبِ بْنِ مَرْوَانَ فِي مَدْحِ الْمُعْتَزِّ وَذَمِّ الْمُسْتَعِينِ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الشُّعَرَاءِ:
إِنَّ الْأُمُورَ إِلَى الْمُعْتَزِّ قَدْ رَجَعَتْ ... وَالْمُسْتَعِينُ إِلَى حَالَاتِهِ رَجَعَا
وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُلْكَ لَيْسَ لَهُ ... وَأَنَّهُ لَكَ لَكِنْ نَفْسَهُ خَدَعَا
وَمَالِكُ الْمُلْكِ مُؤْتِيهِ وَنَازِعُهُ ... آتَاكَ مُلْكًا وَمِنْهُ الْمُلْكَ قَدْ نَزَعَا
إِنَّ الْخِلَافَةَ كَانَتْ لَا تُلَائِمُهُ ... كَانَتْ كَذَاتِ حَلِيلٍ زُوِّجَتْ مُتَعَا
(14/489)

مَا كَانَ أَقْبَحَ عِنْدَ النَّاسِ بَيْعَتَهُ ... وَكَانَ أَحْسَنَ قَوْلَ النَّاسِ قَدْ خُلِعَا
لَيْتَ السَّفِينَ إِلَى قَافٍ دَفَعْنَ بِهِ ... نَفْسِي الْفِدَاءُ لِمَلَّاحٍ بِهِ دَفَعَا
كَمْ سَاسَ قَبْلَكَ أَمْرَ النَّاسِ مِنْ مَلِكٍ ... لَوْ كَانَ حُمِّلَ مَا حُمِّلْتَهُ ظَلَعَا
أَمَسَى بِكَ النَّاسُ بَعْدَ الضِّيقِ فِي سِعَةٍ ... وَاللَّهُ يَجْعَلُ بَعْدَ الضِّيقِ مُتَّسَعَا
وَاللَّهُ يَدْفَعُ عَنْكَ السُّوءَ مِنْ مَلِكٍ ... فَإِنَّهُ بِكَ عَنَّا السُّوءَ قَدْ دَفَعَا
وَكَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُعْتَزُّ مِنْ سَامَرَّا إِلَى نَائِبِ بَغْدَادَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَنْ يُسْقِطَ اسْمَ وَصِيِفٍ وَبُغَا وَمَنْ كَانَ فِي رَسْمِهِمَا فِي الدَّوَاوِينِ، وَعَزَمَ عَلَى قَتْلِهِمَا، ثُمَّ اسْتُرْضِيَ عَنْهُمَا، فَرَضِيَ عَنْهُمَا.
وَفِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ الْمُعْتَزُّ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبَ بِالْمُؤَيَّدِ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ وَحَبَسَهُ، وَأَخَاهُ أَبَا أَحْمَدَ، بَعْدَمَا ضَرَبَ الْمُؤَيَّدَ أَرْبَعِينَ مَقْرَعَةً. وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ سَابِعُهُ خَطَبَ بِخَلْعِهِ، وَأَمْرَهُ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَقِيلَ: إِنَّهُ أُدْرِجَ فِي لِحَافِ سَمُّورٍ وَأُمْسِكَ طَرَفَاهُ حَتَّى مَاتَ غَمًّا. وَقِيلَ: بَلْ ضُرِبَ بِحِجَارَةٍ مِنْ ثَلْجٍ حَتَّى مَاتَ بَرْدًا. وَبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ أُخْرِجَ مِنَ السِّجْنِ وَلَا أَثَرَ بِهِ، فَأُحْضِرَ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ فَأُشْهِدُوا عَلَى مَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَلَيْسَ بِهِ أَثَرٌ، ثُمَّ حُمِلَ عَلَى حِمَارٍ وَمَعَهُ
(14/490)

كَفَنُهُ، فَأُرْسِلَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ فَدَفَنَتْهُ.

[ذِكْرُ مَقْتَلِ الْمُسْتَعِينِ]
فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ الْمُعْتَزُّ إِلَى نَائِبِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ يَأْمُرُهُ بِتَجْهِيزِ جَيْشٍ نَحْوَ الْمُسْتَعِينِ، فَجَهَّزَ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ التُّرْكِيَّ فَوَافَاهُ، فَأَخْرَجَهُ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدِمَ بِهِ الْقَاطُولَ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ شَوَّالٍ ثُمَّ قُتِلَ ; فَقِيلَ: ضُرِبَ حَتَّى مَاتَ، وَقِيلَ: بَلْ غُرِّقَ فِي دُجَيْلٍ وَقِيلَ: بَلْ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُسْتَعِينَ سَأَلَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ صَالِحٍ التُّرْكِيِّ حِينَ أَرَادَ قَتْلَهُ أَنْ يُمْهِلَهُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، فَأَمْهَلَهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ قَتَلَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَدَفَنَ جُثَّتَهُ فِي مَكَانِ صِلَاتِهِ، وَعَفَّا أَثَرَهُ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى الْمُعْتَزِّ فَدَخَلَ بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ، فَقِيلَ: هَذَا رَأْسُ الْمَخْلُوعِ. فَقَالَ:
(14/491)

ضَعُوهُ حَتَّى أَفْرُغَ مِنَ الدَّسْتِ. فَلَمَّا فَرَغَ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِ، ثُمَّ أَطْلَقَ لِسَعِيدِ بْنِ صَالِحٍ الَّذِي قَتَلَهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَوَلَّاهُ مَعُونَةَ الْبَصْرَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُوسُفَ الْعَلَوِيُّ الَّذِي فَعَلَ بِمَكَّةَ مَا فَعَلَ، وَأَلْحَدَ فِي الْحَرَمِ مَا أَلْحَدَ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَأَهْلَكَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَاجِلًا وَلَمْ يُنْظِرْهُ. وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعْتَصِمِ، وَهُوَ الْمُسْتَعِينُ بِاللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِسْحَاقُ بْنُ بُهْلُولٍ، وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، بُنْدَارٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الزَّمِنُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ.
(14/492)

[سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي رَجَبٍ مِنْهَا عَقَدَ الْمُعْتَزُّ لِمُوسَى بْنِ بُغَا الْكَبِيرِ عَلَى جَيْشٍ قَرِيبٍ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ ; لِيَذْهَبُوا إِلَى قِتَالِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفٍ بِنَاحِيَةِ هَمَذَانَ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَهُوَ فِي نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَهَزَمُوا عَبْدَ الْعَزِيزِ فِي أَوَاخِرِ هَذَا الشَّهْرِ هَزِيمَةً فَظِيعَةً. ثُمَّ كَانَتْ بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ أُخْرَى فِي رَمَضَانَ عِنْدَ الْكَرَجِ فَهُزِمَ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَيْضًا، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَأَسَرُوا ذَرَارِيَّ كَثِيرَةً حَتَّى أَسَرُوا أَمَّ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبَعَثُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ سَبْعِينَ حِمْلًا مِنَ الرُّءُوسِ وَأَعْلَامًا كَثِيرَةً، وَأُخِذَ مِنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا كَانَ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ مِنْ بِلَادِ الْخَلِيفَةِ.
وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا خَلَعَ الْمُعْتَزُّ عَلَى بُغَا الشَّرَابِيِّ وَأَلْبَسَهُ التَّاجَ وَالْوِشَاحَيْنِ.
وَفِي يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ كَانَتْ وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ عِنْدَ الْبَوَازِيجِ ; وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: مُسَاوِرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَكَمَ فِيهَا وَالْتَفَّ عَلَيْهِ نَحْوٌ مَنْ سَبْعِمِائَةٍ مِنَ
(14/493)

الْخَوَارِجِ، فَقَصَدَ لَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: بُنْدَارٌ الطَّبَرِيُّ. فِي نَحْوِ ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَالْتَقَوْا فِي هَذَا الْيَوْمِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ مِنَ الْخَوَارِجِ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ بُنْدَارٍ مِائَتَانِ، وَقِيلَ: وَخَمْسُونَ رَجُلًا. وَقُتِلَ بُنْدَارٌ فِي مَنْ قُتِلَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ صَمَدَ مُسَاوِرٌ إِلَى حُلْوَانَ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، وَأَعَانَهُمْ حُجَّاجُ أَهْلِ خُرْسَانَ، فَقَتَلَ مُسَاوِرٌ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ إِنْسَانٍ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ أَيْضًا. وَلِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ قُتِلَ وَصِيفٌ التُّرْكِيُّ وَأَرَادَتِ الْعَامَّةُ أَنْ تَنْهَبَ دَارَهُ بِسَامَرَّا وَدُورَ أَوْلَادِهِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَزُّ مَا كَانَ إِلَيْهِ إِلَى بُغَا الشَّرَابِيِّ.
وَفِي لَيْلَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ خَسَفَ الْقَمَرُ حَتَّى غَابَ أَكْثَرُهُ وَغَرِقَ نُورُهُ، وَعِنْدَ انْتِهَاءِ خُسُوفِهِ مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ نَائِبُ الْعِرَاقِ بِبَغْدَادَ. وَكَانَتْ عِلَّتُهُ قُرُوحًا فِي رَأْسِهِ وَحَلْقِهِ فَذَبَحَتْهُ، وَلَمَّا أُتِيَ بِهِ لِيُصَلَّى عَلَيْهِ اخْتَلَفَ أَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَابْنُهُ طَاهِرٌ، أَيُّهُمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَتَنَازَعَا حَتَّى جُذِبَتِ السُّيُوفُ وَتَرَامَى النَّاسُ بِالْحِجَارَةِ، وَصَاحَتِ الْغَوْغَاءُ: يَا طَاهِرُ، يَا مَنْصُورُ. فَمَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الشَّرْقِيَّةِ وَمَعَهُ الْقُوَّادُ وَأَكَابِرُ النَّاسِ، فَدَخَلَ دَارَهُ وَكَانَ أَخُوهُ قَدْ أَوْصَى إِلَيْهِ. وَحِينَ بَلَغَ الْمُعْتَزَّ مَا وَقَعَ بَعَثَ بِالْخِلَعِ وَالْوِلَايَةِ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَأَطْلَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِلَّذِي قَدِمَ بِالْخِلَعِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَفِيهَا نَفَى الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَزُّ أَخَاهُ أَبَا أَحْمَدَ مِنْ سُرَّ مَنْ رَأَى إِلَى وَاسِطَ ثُمَّ إِلَى
(14/494)

الْبَصْرَةِ ثُمَّ رُدَّ إِلَى بَغْدَادَ فَأُنْزِلَ فِي الشَّرْقِيَّةِ فِي قَصْرِ دِينَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَفِيهَا نَفُيِ عَلِيُّ ابْنُ الْمُعْتَصِمِ إِلَى وَاسِطَ ثُمَّ رُدَّ إِلَى بَغْدَادَ أَيْضًا.
وَفِي يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ سَلْخَ ذِي الْقَعْدَةِ الْتَقَى مُوسَى بْنُ بُغَا الْكَبِيرِ هُوَ وَالْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَوْكَبِيُّ الطَّالِبِيُّ الَّذِي خَرَجَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ عِنْدَ قَزْوِينَ فَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ هُزِمَ الْكَوْكَبِيُّ وَأَخَذَ مُوسَى بْنُ بُغَا قَزْوِينَ وَهَرَبَ الْكَوْكَبِيُّ إِلَى الدَّيْلَمِ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ حَضَرَ هَذِهِ الْوَقْعَةَ أَنَّ الْكَوْكَبِيَّ حِينَ الْتَقَى أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَتَرَّسُوا بِالْحَجَفِ، وَكَانَتِ السِّهَامُ لَا تَعْمَلُ فِيهِمْ، فَأَمَرَ مُوسَى بْنُ بُغَا أَصْحَابَهُ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَطْرَحُوا مَا مَعَهُمْ مِنَ النِّفْطِ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ جَاوَلُوهُمْ وَأَرَوْهُمْ أَنَّهُمْ قَدِ انْهَزَمُوا مِنْهُمْ، فَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ الْكَوْكَبِيِّ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا النِّفْطُ أَمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِإِلْقَاءِ النَّارِ فِيهِ، فَجَعَلَتِ النَّارُ تَحْرِقُ أَصْحَابَ الْكَوْكَبِيِّ، فَفَرُّوا سِرَاعًا هَارِبِينَ، وَكَرَّ عَلَيْهِمْ مُوسَى وَأَصْحَابُهُ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَهَرَبَ الْكَوْكَبِيُّ إِلَى الدَّيْلَمِ، وَتَسَلَّمَ مُوسَى بْنُ بُغَا قَزْوِينَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الزَّيْنَبِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو الْأَشْعَثِ. وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ.
(14/495)

وَسَرِيٌّ السَّقَطِيُّ.
أَحَدُ كِبَارِ مَشَايِخِ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ، وَهُوَ السَّرِيُّ بْنُ الْمُغَلِّسِ أَبُو الْحَسَنِ السَّقَطِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، تِلْمِيذُ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ حَدَّثَ عَنْ هُشَيْمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَعَلِيِّ بْنِ غُرَابٍ، وَيَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ ابْنُ أُخْتِهِ الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو الْحَسَنِ النُّورِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَابِرٍ السَّقَطِيُّ، وَجَمَاعَةٌ.
وَكَانَتْ لَهُ دُكَّانٌ يَتَّجِرُ فِيهَا، فَمَرَّتْ بِهِ جَارِيَةٌ قَدِ انْكَسَرَ إِنَاءٌ كَانَ مَعَهَا تَشْتَرِي فِيهِ شَيْئًا لِسَادَتِهَا، فَجَعَلَتْ تَبْكِي، فَأَعْطَاهَا سَرِيٌّ شَيْئًا تَشْتَرِي بِهِ بَدَلَهُ، فَنَظَرَ مَعْرُوفٌ إِلَيْهِ وَمَا صَنَعَ بِتِلْكَ الْجَارِيَةِ، فَقَالَ لَهُ: بَغَّضَ اللَّهُ إِلَيْكَ الدُّنْيَا.
وَقَالَ سَرِيٌّ: مَرَرْتُ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَإِذَا مَعْرُوفٌ وَمَعَهُ صَبِيٌّ صَغِيرٌ شَعِثُ الْحَالِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا كَانَ وَاقِفًا وَالصِّبْيَانُ يَلْعَبُونَ وَهُوَ مُنْكَسِرٌ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا لَكَ لَا تَلْعَبُ؟ فَقَالَ: أَنَا يَتِيمٌ وَلَا شَيْءَ مَعِي أَشْتَرِي بِهِ جَوْزًا أَلْعَبُ بِهِ. فَأَخَذْتُهُ لِأَجْمَعَ لَهُ نَوًى يَشْتَرِي بِهِ جَوْزًا يَفْرَحُ بِهِ، فَقُلْتُ: أَلَا أَكْسُوهُ وَأُعْطِيهِ شَيْئًا يَشْتَرِي بِهِ جَوْزًا؟ فَقَالَ: أَوَتَفْعَلُ؟ فَقُلْتُ:
(14/496)

نَعَمْ. فَقَالَ: خُذْهُ، أَغْنَى اللَّهُ قَلْبَكَ. قَالَ: فَسَوِيَتِ الدُّنْيَا عِنْدِي أَقَلَّ شَيْءٍ.
وَكَانَ عِنْدَهُ مَرَّةً لَوْزٌ، فَسَاوَمَهُ رَجُلٌ عَلَى الْكُرِّ بِثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ دِينَارًا، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَإِذَا اللَّوْزُ يُسَاوِي الْكُرُّ مِنْهُ تِسْعِينَ دِينَارًا، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَشْتَرِي مِنْكَ الْكُرَّ بِتِسْعِينَ دِينَارًا. فَقَالَ: إِنِّي سَاوَمْتُكُ بِثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ، وَإِنِّي لَا أَبِيعُهُ إِلَّا بِذَلِكَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَنَا أَشْتَرِي مِنْكَ بِتِسْعِينَ. فَقَالَ: لَا أَبِيعُهُ إِلَّا بِمَا سَاوَمْتُكَ عَلَيْهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّ مِنَ النُّصْحِ أَنْ لَا أَشْتَرِيَ مِنْكَ إِلَّا بِتِسْعِينَ دِينَارًا. وَذَهَبَ فَلَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ.
وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ يَوْمًا إِلَى سَرِيٍّ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنِي قَدْ أَخَذَهُ الْحَرَسُ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَبْعَثَ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ لِئَلَّا يُضْرَبَ. فَقَامَ فَكَبَّرَ وَطَوَّلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَلَعَتِ الْمَرْأَةُ تَحْتَرِقُ فِي نَفْسِهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَتِ الْمَرْأَةُ: اللَّهَ اللَّهَ فِي وَلَدِي. فَقَالَ: هَاأَنَذَا فِي حَاجَتِكِ. فَمَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقَالَتْ: أَبْشِرِي، فَقَدْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّي وَلَدَكِ. فَانْصَرَفَتْ إِلَيْهِ. وَقَالَ سَرِيٌّ: أَشْتَهِي أَنْ آكُلَ أَكْلَةً لَيْسَ لِلَّهِ عَلَيَّ فِيهَا تَبِعَةٌ، وَلَا
(14/497)

لِأَحَدٍ عَلَيَّ فِيهَا مِنَّةٌ، فَمَا أَجِدُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: إِنِّي لَأَشْتَهِي الْبَقْلَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَعَنِ السَّرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: احْتَرَقَ سُوقُنَا، فَقَصَدْتُ الْمَكَانَ الَّذِي فِيهِ دُكَّانِي، فَتَلَقَّانِي رَجُلٌ فَقَالَ: أَبْشِرْ ; فَإِنَّ دُكَّانَكَ قَدْ سَلِمَتْ. فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. ثُمَّ تَذَكَّرْتُ ذَلِكَ التَّحْمِيدَ، فَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً. رَوَاهَا الْخَطِيبُ.
وَقَالَ السَّرِيُّ: صَلَّيْتُ وِرْدِي ذَاتَ لَيْلَةٍ ثُمَّ مَدَدْتُ رِجْلِي فِي الْمِحْرَابِ، فَنُودِيتُ: يَا سَرِيُّ، كَذَا تُجَالِسُ الْمُلُوكَ؟ قَالَ: فَضَمَمْتُ رِجْلِي ثُمَّ قُلْتُ: وَعِزَّتِكَ لَا مَدَدْتُ رِجْلِي أَبَدًا. وَقَالَ الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: مَا رَأَيْتُ أَعْبَدَ لِلَّهِ مِنَ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ ; أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانٍ وَتِسْعُونَ سَنَةً مَا رُئِيَ مُضْطَجِعًا إِلَّا فِي عِلَّةِ الْمَوْتِ. وَقَالَ الْخَطِيبُ: عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ جَعْفَرٍ الْخُلْدِيِّ، عَنِ الْجُنَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ أَعُودُهُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ أَشْكُو إِلَى طَبِيبِي مَا بِي، وَالَّذِي قَدْ أَصَابَنِي مِنْ طَبِيبِي.
قَالَ: فَأَخَذْتُ الْمِرْوَحَةَ أَرَوِّحُهُ، فَقَالَ لِي: كَيْفَ يَجِدُ رَوْحَ الْمِرْوَحَةِ مَنْ جَوْفُهُ يَحْتَرِقُ مِنْ دَاخِلٍ؟ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
(14/498)

الْقَلْبُ مُحْتَرِقٌ وَالدَّمْعُ مُسْتَبِقٌ ... وَالْكَرْبُ مُجْتَمِعٌ وَالصَّبْرُ مُفْتَرِقُ
كَيْفَ الْقَرَارُ عَلَى مَنْ لَا قَرَارَ لَهُ ... مِمَّا جَنَاهُ الْهَوَى وَالشَّوْقُ وَالْقَلَقُ
يَا رَبِّ إِنْ كَانَ شَيْءٌ فِيهِ لِي فَرَجٌ ... فَامْنُنْ عَلَيَّ بِهِ مَا دَامَ بِي رَمَقُ
قَالَ: وَقُلْتُ لَهُ: أَوْصِنِي. قَالَ: لَا تَصْحَبِ الْأَشْرَارَ، وَلَا تَشْتَغِلْ عَنِ اللَّهِ بِمُجَالَسَةِ الْأَخْيَارِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ وَفَاتَهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ بَعْدَ أَذَانِ الْفَجْرِ، وَدُفِنَ بَعْدَ الْعَصْرِ. قَالَ: وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الشُّونِيزِيَّةِ، وَقَبْرُهُ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ، وَإِلَى جَنْبِهِ قَبْرُ الْجُنَيْدِ. وَرُوِيَ عَنِ الْقَاضِي، عَنْ أَبِي عَبُيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْهِ قَالَ: رَأَيْتُ سَرِيًّا فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي وَلِكُلِّ مَنْ شَهِدَ جِنَازَتِي. قُلْتُ: فَإِنِّي مِمَّنْ حَضَرَ جِنَازَتَكَ وَصَلَّى عَلَيْكَ. قَالَ: فَأَخْرَجَ دُرْجًا فَنَظَرَ فِيهِ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ اسْمِي، فَقُلْتُ: بَلَى، قَدْ حَضَرْتُ، فَإِذَا اسْمِي فِي الْحَاشِيَةِ.
وَحَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ قَوْلًا ; أَنَّ سَرِيًّا تُوَفِّي سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَمِمَّا كَانَ يُنْشِدُهُ السَّرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
(14/499)

إِذَا مَا شَكَوْتُ الْحُبَّ قَالَتْ كَذَبْتَنِي ... فَمَا لِي أَرَى الْأَعْضَاءَ مِنْكَ كَوَاسِيَا
فَلَا حُبَّ حَتَى يَلْصَقَ الْجِلْدُ بِالْحَشَا ... وَتَذْهَلَ حَتَى لَا تُجِيبَ الْمُنَادِيَا
(14/500)

[سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا أَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَزُّ بِقَتْلِ بُغَا الشَّرَابِيِّ وَنَصَبَ رَأْسَهُ بِسَامَرَّا ثُمَّ بِبَغْدَادَ وَحُرِّقَتْ جُثَّتُهُ وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُ وَحَوَاصِلُهُ.
وَفِيهَا وَلِيَ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ وَهُوَ بَانِي الْجَامِعِ الْمَشْهُورِ بِهَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِىُّ. وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ بِبَغْدَادَ. وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ الْمُتَوَكِّلُ فِي الشَّارِعِ الْمَنْسُوبِ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ وَدُفِنَ بِدَارِهِ بِبَغْدَادَ. وَمُحَمَّدُ بْنُ
(14/501)

عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيُّ. وَمُؤَمِّلُ بْنُ إِهَابٍ.
وَأَمَّا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ الْهَادِي.
فَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوَادِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا بْنِ مُوسَى الْكَاظِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَهُوَ وَالِدُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيِّ الْمُنْتَظَرِ عِنْدَ الْفِرْقَةِ الضَّالَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ الْكَاذِبَةِ الْخَاطِئَةِ.
وَقَدْ كَانَ عَابِدًا زَاهِدًا، نَقَلَهُ الْمُتَوَكِّلُ إِلَى سَامَرَّا فَأَقَامَ بِهَا أَزْيَدَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً بِأَشْهُرٍ، وَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَقَدْ ذُكِرَ لِلْمُتَوَكِّلِ أَنَّ بِمَنْزِلِهِ سِلَاحًا وَكُتُبًا كَثِيرَةً مِنَ النَّاسِ فَأَرْسَلَ فَكَبَسَهُ فَوَجَدُوهُ جَالِسًا مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ، وَعَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ وَهُوَ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ لَيْسَ دُونَهَا حَائِلٌ فَأَخَذُوهُ كَذَلِكَ فَحَمَلُوهُ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ وَهُوَ عَلَى شَرَابِهِ، فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَجَلَّهُ وَعَظَّمَهُ وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ وَنَاوَلَهُ الْكَأْسَ الَّذِي فِي يَدِهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ لَمْ يُخَالِطْ لَحْمِي وَدَمِي قَطُّ، فَأَعْفِنِي مِنْهُ. فَأَعْفَاهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْشِدْنِي شِعْرًا. فَأَنْشَدَهُ:
بَاتُوا عَلَى قُلَلِ الْأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ ... غُلْبُ الرِّجَالِ فَمَا أَغْنَتْهُمُ الْقُلَلُ
وَاسْتُنْزِلُوا بَعْدَ عِزٍّ عَنْ مَعَاقِلِهِمْ ... فَأُودِعُوا حُفَرًا يَا بِئْسَ مَا نَزَلُوا
نَادَاهُمْ صَارِخٌ مِنْ بَعْدِ مَا قُبِرُوا ... أَيْنَ الْأَسِرَّةُ وَالتِّيجَانُ وَالْحُلَلُ
(14/502)

أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُنَعَّمَةً ... مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الْأَسْتَارُ وَالْكِلَلُ
فَأَفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَاءَلَهُمْ ... تَلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُّودُ يَقْتَتِلُ
قَدْ طَالَ مَا أَكَلُوا دَهْرًا وَمَا شَرِبُوا ... فَأَصْبَحُوا بَعْدَ طُولِ الْأَكْلِ قَدْ أُكِلُوا
قَالَ: فَبَكَى الْمُتَوَكِّلُ حَتَّى بَلَّ الثَّرَى وَبَكَى مَنْ حَوْلَهُ بِحَضْرَتِهِ وَأَمَرَ بِرَفْعِ الشَّرَابِ وَأَمَرَ لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ وَرَدَّهُ إِلَى مَنْزِلِهِ مُكَرَّمًا رَحِمَهُ اللَّهُ.
(14/503)

[سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ مُفْلِحٍ وَبَيْنَ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الطَّالِبِيِّ فَهَزَمَهُ مُفْلِحٌ وَدَخَلَ آمُلَ طَبَرِسْتَانَ وَحَرَقَ مَنَازِلَ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، ثُمَّ سَارَ وَرَاءَهُ إِلَى الدَّيْلَمِ.
وَفِيهَا كَانَتْ مُحَارَبَةٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ وَبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشِ بْنِ شِبْلٍ فَبَعَثَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ رَجُلًا مِنْ جِهَتِهِ يُقَالُ لَهُ: طَوْقُ بْنُ الْمُغَلِّسِ فَصَابَرَهُ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ، ثُمَّ ظَفِرَ يَعْقُوبُ بِطَوْقٍ فَأَسَرَهُ وَأَسَرَ وُجُوهَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ هَذَا فَأَسَرَهُ أَيْضًا، وَأَخَذَ بِلَادَهُ - وَهِيَ كَرْمَانُ - فَأَضَافَهَا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ مَمْلَكَةِ سِجِسْتَانَ ثُمَّ بَعَثَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ بِهَدِيَّةٍ سَنِيَّةٍ إِلَى الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ ; دَوَابًّ وَبُزَاةٍ وَثِيَابٍ فَاخِرَةٍ.
وَفِيهَا وَلَّى الْخَلِيفَةُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ نِيَابَةَ بَغْدَادَ وَالسَّوَادِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا.
وَفِيهَا أَخَذَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ أَحْمَدَ بْنَ إِسْرَائِيلَ كَاتِبَ الْمُعْتَزِّ وَالْحَسَنَ بْنَ مَخْلَدٍ كَاتِبَ قَبِيحَةَ أَمِّ الْمُعْتَزِّ، وَأَبَا نُوحٍ عِيسَى بْنَ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانُوا قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانُوا دَوَّاوِينَ وَغَيْرَهُمْ فَضَرَبَهُمْ وَأَخَذَ
(14/504)

خُطُوطَهُمْ بِأَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ يَحْمِلُونَهَا، وَذَلِكَ بِغَيْرِ رِضًا مِنَ الْمُعْتَزِّ فِي الْبَاطِنِ، وَاحْتِيطَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَحَوَاصِلِهِمْ وَضِيَاعِهِمْ، وَسُمُّوا الْكُتَّابَ الْخَوَنَةَ وَوَلَّى الْخَلِيفَةُ عَنْ قَهْرٍ غَيْرَهُمْ.
وَفِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْحَسَنِيَّانِ بِالْكُوفَةِ، وَقَتَلَا بِهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُمَا بِهَا.

مَقْتَلُ الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ
وَلِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ خُلِعَ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَزُّ بِاللَّهِ وَلِلَيْلَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ شَعْبَانَ أُظْهِرَ مَوْتُهُ. وَكَانَ سَبَبَ خَلْعِهِ أَنَّ الْجُنْدَ اجْتَمَعُوا فَطَلَبُوا مِنْهُ أَرْزَاقَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِيهِمْ فَسَأَلَ مِنْ أُمِّهِ أَنْ تُقْرِضَهُ مَالًا يَدْفَعُهُمْ عَنْهُ بِهِ فَلَمْ تُعْطِهِ وَأَظْهَرَتْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَهَا فَاجْتَمَعَ الْأَتْرَاكُ عَلَى خَلْعِهِ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ ; لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ قَدْ شَرِبَ دَوَاءً وَأَنَّ عِنْدَهُ ضَعْفًا، وَلَكِنْ لِيَدْخُلْ إِلَيَّ بَعْضُكُمْ. فَدَخَلَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ فَتَنَاوَلُوهُ بِالدَّبَابِيسِ يَضْرِبُونَهُ وَجَرُّوا بِرِجْلِهِ وَأَخْرَجُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مُخَرَّقٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ فَأَقَامُوهُ فِي وَسَطِ دَارِ الْخِلَافَةِ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى جَعَلَ يُرَاوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَلْطِمُهُ وَهُوَ يَبْكِي، وَيَقُولُ لَهُ الضَّارِبُ: اخْلَعْهَا وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ. ثُمَّ
(14/505)

أَدْخَلُوهُ حُجْرَةً مُضَيَّقًا عَلَيْهِ فِيهَا.
وَمَا زَالُوا عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ حَتَّى خَلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ وَوَلِيَ بَعْدَهُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ، كَمَا سَيَأْتِي، ثُمَّ سَلَّمُوهُ إِلَى مَنْ يَسُومُهُ سُوءَ الْعَذَابِ بِأَنْوَاعِ الْمَثُلَاتِ وَمُنِعَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى جَعَلَ يَطْلَبُ شَرْبَةً مِنْ مَاءِ الْبِئْرِ فَلَمْ يُسْقَ ثُمَّ أَدْخَلُوهُ سِرْبًا فِيهِ جَصُّ جِيرٍ فَدَسُّوهُ فِيهِ فَأَصْبَحَ مَيِّتًا فَاسْتَلُّوهُ مِنَ الْجَصِّ سَلِيمَ الْجَسَدِ فَأَشْهَدُوا عَلَيْهِ جَمَاعَةً مِنَ الْأَعْيَانِ أَنَّهُ مَاتَ وَلَيْسَ بِهِ أَثَرٌ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَكَانَ يَوْمَ السَّبْتِ وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ وَدُفِنَ مَعَ أَخِيهِ الْمُنْتَصِرِ إِلَى جَانِبِ قَصْرِ الصَّوَامِعِ، عَنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَكَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا وَسِيمًا أَقْنَى الْأَنْفِ مُدَوَّرَ الْوَجْهِ حَسَنَ الضَّحِكِ أَبْيَضَ، أَسْوَدَ الشَّعْرِ جَعْدَهُ كَثِيفَهُ كَثِيفَ اللِّحْيَةِ حَسَنَ الْعَيْنَيْنِ وَالْوَجْهِ ضَيِّقَ الْجَبِينِ أَحْمَرَ الْوَجْنَتَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ أَثْنَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى جَوْدَةِ ذِهْنِهِ وَحُسْنِ فَهْمِهِ وَأَدَبِهِ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ الْمُتَوَكِّلِ بِسَامَرَّا، كَمَا قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ فَمَا رَأَيْتُ خَلِيفَةً أَحْسَنَ وَجْهًا مِنْهُ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَجَدْتُ فَقَالَ: يَا شَيْخُ تَسْجُدُ لِأَحَدٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ النَّبِيلُ،
(14/506)

ثَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى مَا يَفْرَحُ بِهِ، أَوْ بُشِّرَ بِمَا يَسُرُّهُ، سَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» .
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: صِرْتُ إِلَى الْمُعْتَزِّ وَهُوَ أَمِيرٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِقُدُومِي خَرَجَ مُسْتَعْجِلًا إِلَيَّ فَعَثَرَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
يَمُوتُ الْفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِ ... وَلَيْسَ يَمُوتُ الْمَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ
فَعَثْرَتُهُ مِنْ فِيهِ تَرْمِي بِرَأْسِهِ ... وَعَثْرَتُهُ فِي الرِّجْلِ تَبْرَأُ عَلَى مَهْلِ
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: أَنَّ الْمُعْتَزَّ لَمَّا حَذَقَ الْقُرْآنَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ الْمُتَوَكِّلِ اهْتَمَّ أَبُوهُ لِذَلِكَ وَاجْتَمَعَتِ الْأُمَرَاءُ الْكُبَرَاءُ وَالرُّؤَسَاءُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، وَاخْتَلَفُوا لِذَلِكَ أَيَّامًا عَدِيدَةً وَجَرَتْ أَحْوَالٌ عَظِيمَةٌ. وَلَمَّا جَلَسَ وَهُوَ صَبِيٌّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِيهِ بِالْخِلَافَةِ، وَخَطَبَ النَّاسَ نُثِرَتِ الْجَوَاهِرُ فِي الصَّوَانِيِ، وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ عَلَى الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، فَكَانَ قِيمَةُ مَا نُثِرَ مِنَ الْجَوَاهِرِ مَا يُسَاوِي مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِثْلَهَا ذَهَبًا، وَأَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، غَيْرَ مَا كَانَ مِنْ خِلَعٍ وَأَسْمِطَةٍ وَأَقْمِشَةٍ مِمَّا يَفُوتُ الْحَصْرَ وَكَانَ وَقْتًا مَشْهُودًا لَمْ يَكُنْ سُرُورٌ بِدَارِ الْخِلَافَةِ أَبْهَجَ مِنْهُ وَلَا أَحْسَنَ وَخَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ الْمُعْتَزِّ - وَهِيَ قَبِيحَةُ - خِلَعًا سَنِيَّةً وَأَعْطَاهَا وَأَجْزَلَ لَهَا الْعَطَاءَ، وَكَذَلِكَ خَلَعَ عَلَى مُؤَدَّبِ الْمُعْتَزِّ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ - مِنَ الْجَوْهَرِ وَالذَّهَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(14/507)

خِلَافَةُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَاثِقِ هَارُونَ بْنِ الْمُعْتَصِمِ
وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَّيْلَةِ بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ خَلْعِ الْمُعْتَزِّ نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِشْهَادِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْخِلَافَةِ، وَأَنَّهُ قَدْ رَغِبَ إِلَى مَنْ يَقُومُ بِأَعْبَائِهَا مُحَمَّدِ بْنِ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ. ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَبَايَعَهُ قَبْلَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، ثُمَّ بَايَعَهُ الْخَاصَّةُ ثُمَّ كَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ وَكُتِبَ عَلَى الْمُعْتَزِّ كِتَابٌ أُشْهِدَ عَلَيْهِ فِيهِ بِالْخَلْعِ وَالْعَجْزِ وَالْمُبَايَعَةِ لِلْمُهْتَدِي.
وَفِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ هَذَا وَقَعَتْ بِبَغْدَادَ فِتْنَةٌ هَائِلَةٌ وَثَبَتَ فِيهَا الْعَامَّةُ عَلَى نَائِبِهَا سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَدَعَوْا إِلَى بَيْعَةِ أَبِي أَحْمَدَ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ أَخِي الْمُعْتَزِّ ; وَذَلِكَ لِعَدَمِ عِلْمِ أَهْلِ بَغْدَادَ بِمَا وَقَعَ بِسَامَرَّا مِنْ بَيْعَةِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ ابْنِ الْوَاثِقِ، وَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَغَرِقَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ بَيْعَةَ الْعَامَّةِ لِلْمُهْتَدِي بِاللَّهِ فِي سَابِعِ شَعْبَانَ، وَبَلَغَ أَهْلَ بَغْدَادَ ذَلِكَ، سَكَنُوا وَاسْتَقَرَّتِ الْأُمُورُ وَاسْتَقَلَّ الْمُهْتَدِي بِالْخِلَافَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ عِنْدَ قَبِيحَةَ أُمِّ الْمُعْتَزِّ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ، وَجَوَاهِرُ نَفِيسَةٌ ; كَانَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ مَا يُقَارِبُ أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ وَمِنَ الزُّمُرُّدِ الَّذِي لَمْ يُرَ مِثْلُهُ مِقْدَارُ مَكُّوكٍ، وَمِنَ الْحَبِّ الْكِبَارِ مَكُّوكٌ وَكَيْلَجَةُ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ مِمَّا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ أَيْضًا. وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مُخْتَفِيَةً عِنْدَ صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ
(14/508)

ثُمَّ نَزَحَتْ عَنْهُ، فَكَانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ ; تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَخْزِ صَالِحَ بْنَ وَصِيفٍ كَمَا هَتَكَ سِتْرِي، وَقَتَلَ وَلَدِي وَبَدَّدَ شَمْلِي وَأَخَذَ مَالِي وَغَرَّبَنِي عَنْ بَلَدِي، وَرَكِبَ الْفَاحِشَةَ مِنِّي. هَذَا وَقَدْ كَانَ الْأَتْرَاكُ قَدْ طَلَبُوا مِنَ ابْنِهَا الْمُعْتَزِّ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ تُصْرَفُ فِي أَرْزَاقِهِمْ وَضَمِنُوا لَهُ أَنْ يَقْتُلُوا صَالِحَ بْنَ وَصِيفٍ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَطَلَبَ مِنْ أُمِّهِ قَبِيحَةَ - قَبَّحَهَا اللَّهُ - أَنْ تُقْرِضَهُ ذَلِكَ، فَأَظْهَرَتْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَهَا. ثُمَّ لَمَّا قُتِلَ ابْنُهَا - وَكَانَ مَا كَانَ - ظَهَرَ عِنْدَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ كَانَ لَهَا مِنَ الْغَلَّاتِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَا يَعْدِلُ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَاسْتَقَرَّتِ الْخِلَافَةُ لِلْمُهْتَدِي بِاللَّهِ وَكَانَ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - خَلِيفَةً صَالِحًا. قَالَ يَوْمًا لِلْأُمَرَاءِ: إِنِّي لَيْسَتْ لِي أُمٌّ لَهَا مِنَ الْغَلَّاتِ مَا يُقَاوِمُ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَلَسْتُ أُرِيدُ إِلَّا الْقُوتَ فَقَطْ، وَلَا أُرِيدُ فَضْلًا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا لِإِخْوَتِي فَإِنَّهُمْ قَدْ مَسَّتْهُمُ الْحَاجَةُ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ أَمَرَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ بِضَرْبِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي كَانَ وَزِيرًا، وَأَبِي نُوحٍ عِيسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ كَاتِبَ قَبِيحَةَ فَضُرِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ بَعْدَ اسْتِخْلَاصِ أَمْوَالِهِمَا، ثُمَّ طِيفَ بِهِمَا عَلَى بَغْلَيْنِ مُنَكَّسَيْنِ فَمَاتَا، وَهُمَا كَذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ رِضَا الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ، وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى
(14/509)

الْإِنْكَارِ عَلَى صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ فِي بَادِئِ الْأَمْرِ.
وَفِي رَمَضَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِبَغْدَادَ أَيْضًا بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَوْسٍ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الشَّاكِرِيَّةِ وَالْجُنْدِ وَغَيْرِهِمْ وَبَيْنَ الْعَامَّةِ وَالرَّعَاعِ فَاجْتَمَعَ مِنَ الْعَامَّةِ نَحْوٌ مَنْ مِائَةِ أَلْفٍ، وَكَانَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ بِالنِّبَالِ وَالرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ، وَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ انْهَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ أَوْسٍ وَأَصْحَابُهُ فَنَهَبَتِ الْعَامَّةُ مَا وَجَدُوا مِنْ أَمْوَالِهِ، وَكَانَ مِنْهُ شَيْءٌ يُعَادِلُ أَلْفَيْ أَلْفٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى إِخْرَاجِ مُحَمَّدِ بْنِ أَوْسٍ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى أَيْنَمَا أَرَادَ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا طَرِيدًا ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ النَّاسِ مَرْضِيَّ السِّيرَةِ بَلْ كَانَ جَبَّارًا عَنِيدًا، وَشَيْطَانًا مَرِيدًا وَفَاسِقًا شَدِيدًا وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ بِأَنْ يُنْفَى الْقِيَانُ وَالْمُغَنِّيُونَ مَنْ سَامَرَّا، وَأَمَرَ بِقَتْلِ السِّبَاعِ وَالنُّمُورِ الَّتِي فِي دَارِ السُّلْطَانِ، وَالْكِلَابِ الْمُعَدَّةِ لِلصَّيْدِ أَيْضًا، وَإِبْطَالِ الْمَلَاهِي وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَأَنْ يُؤْمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَجَلَسَ لِلْعَامَّةِ.
وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ وَالدُّنْيَا كُلُّهَا مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَغَيْرِهَا مُفْتَرِقَةٌ، ثُمَّ اسْتَدْعَى الْخَلِيفَةُ الْمُهْتَدِي مُوسَى بْنَ بُغَا الْكَبِيرِ إِلَى حَضْرَتِهِ ; لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْأَتْرَاكِ ; لِتَجْتَمِعَ كَلِمَةُ الْخِلَافَةِ وَاعْتَذَرَ مِنَ اسْتِدْعَائِهِ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْجِهَادِ بِتِلْكَ الْبِلَادِ.
(14/510)

ذِكْرُ خَارِجِيٍّ آخَرَ ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ظَهَرَ بِالْبَصْرَةِ
وَفِي النِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ رَجُلٌ بِظَاهِرِ الْبَصْرَةِ زَعَمَ أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَلَمْ يَكُنْ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ هَذَا النَّسَبَ، وَإِنَّمَا كَانَ عَبْقَسِيًّا - مَنْ عَبْدِ الْقَيْسِ - وَاسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَأُمُّهُ قُرَّةُ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ رَحِيبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الرَّيِّ. قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ أَيْضًا فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْبَحْرَيْنِ فَادَّعَى أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَدَعَا النَّاسَ بِهَجَرَ إِلَى طَاعَتِهِ فَاتَّبَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهَا، فَوَقَعَ بِسَبَبِهِ قِتَالٌ كَثِيرٌ وَفِتَنٌ كِبَارٌ وَحُرُوبٌ كَثِيرَةٌ وَمُنْتَشِرَةٌ.
(14/511)

وَلَمَّا خَرَجَ خَرْجَتَهُ هَذِهِ الثَّانِيَةَ بِظَاهِرِ الْبَصْرَةِ الْتَفَّ عَلَيْهِ خَلْقٌ مِنَ الزَّنْجِ الَّذِينَ كَانُوا يَكْسَحُونَ السِّبَاخَ فَعَبَرَ بِهِمْ دِجْلَةَ فَنَزَلَ الدِّينَارِيَّ، وَكَانَ يَزْعُمُ لِبَعْضِ الْجَهَلَةِ مِنْ أَتْبَاعِهِ أَنَّهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَقْتُولُ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ وَكَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ حَفِظَ سُوَرًا مِنَ الْقُرْآنِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ جَرَى بِهَا لِسَانُهُ لَا يَحْفَظُهَا غَيْرُهُ فِي مُدَّةٍ ; وَهُنَّ " سُبْحَانَ " وَالْكَهْفُ " وَص " وَأَنَّهُ فَكَّرَ يَوْمًا وَهُوَ فِي الْبَادِيَةِ إِلَى أَيِّ الْبِلَادِ يَصِيرُ، فَخُوطِبَ مِنْ سَحَابَةٍ أَنْ يَقْصِدَ الْبَصْرَةَ فَقَصَدَهَا، وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهَا وَجَدَ أَهْلَهَا مُفْتَرِقِينَ عَلَى شُعْبَتَيْنِ ; سَعْدِيَّةٍ وَبِلَالِيَّةٍ فَطَمِعَ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْأُخْرَى فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَارْتَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ فَأَقَامَ بِهَا سَنَةً وَانْتَسَبَ بِهَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ يَزْعُمُ بِهَا أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي ضَمَائِرِ أَصْحَابِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ فَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَهَلَةٌ مِنَ الطَّغَامِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ رَعَاعِ النَّاسِ الْعَوَامِّ.
ثُمَّ عَادَ إِلَى أَرْضِ الْبَصْرَةِ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فَاجْتَمَعَ مَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ عُدَدٌ يُقَاتِلُونَ بِهَا فَأَتَاهُمْ جَيْشٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَصْرَةِ فَاقْتَتَلُوا جَمِيعًا، فَلَمْ يَكُنْ فِي جَيْشِ هَذَا الْخَارِجِيِّ سِوَى ثَلَاثَةِ أَسْيَافٍ وَأُولَئِكَ الْجَيْشُ مَعَهُمْ عُدَدٌ وَعَدَدٌ وَلَبُوسٌ وَمَعَ هَذَا هَزَمَ أَصْحَابُ هَذَا الْخَارِجِيِّ ذَلِكَ الْجَيْشَ وَكَانُوا فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ ثُمَّ مَضَى نَحْوَ الْبَصْرَةِ بِمَنْ
(14/512)

مَعَهُ فَأَهْدَى لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ جُبَّا فَرَسًا، فَلَمْ يَجِدْ لَهَا سَرْجًا وَلَا لِجَامًا، فَأَلْقَى عَلَيْهَا حَبْلًا وَرَكِبَهَا، وَشَنَقَ حَنَكَهَا بِلِيفٍ، ثُمَّ صَادَرَ رَجُلًا فَتَهَدَّدَهُ بِالْقَتْلِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِينَارًا وَأَلْفَ دِرْهَمٍ فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ مَالٍ غَنِمَهُ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ، وَأَخَذَ مِنْ آخَرَ ثَلَاثَةَ بَرَاذِينَ، وَأَخَذَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ شَيْئًا مِنَ الْأَسْلِحَةِ وَالْأَمْتِعَةِ، فَسَارَ فِي جَيْشِهِ قَلِيلُ سِلَاحٍ وَخُيُولٍ، ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُيُوشٍ مِنْ جِهَةِ نَائِبِ الْبَصْرَةِ وَقْعَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ يَهْزِمُهُمْ فِيهَا وَكُلُّ مَا لِأَمْرِهِ يَقْوَى وَيَتَزَايَدُ أَصْحَابُهُ وَيَعْظُمُ جَيْشُهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَتَعَرَّضُ لِأَمْوَالِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَخْذَ أَمْوَالِ السُّلْطَانِ.
وَقَدِ انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْحُرُوبِ هَزِيمَةً فَظِيعَةً ثُمَّ تَرَاجَعُوا إِلَيْهِ وَاجْتَمَعُوا حَوْلَهُ، ثُمَّ كَرُّوا إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا وَأَسَرُوا آخَرِينَ، فَكَانَ لَا يُؤْتَى بِأَحَدٍ مِنَ الْأَسْرَى إِلَّا قَتَلَهُ، ثُمَّ قَوِيَ أَمْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَخَافَهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهَا مَدَدًا يَكُونُونَ لَهُمْ عَلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ - هَذَا الْخَارِجِيِّ قَبَّحَهُ اللَّهُ - ثُمَّ أَشَارَ عَلَيْهِ رُءُوسُ أَصْحَابِهِ أَنْ يَهْجُمَ بِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَيَدْخُلُونَهَا عَنْوَةً، فَهَجَّنَ آرَاءَهُمْ، وَقَالَ: بَلْ نَكُونُ مِنْهَا قَرِيبًا حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَطْلُبُونَنَا إِلَيْهَا، وَيَخْطُبُونَنَا عَلَيْهَا. وَسَيَأْتِي مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ،
(14/513)

وَأَمْرِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فِي السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْجَاحِظُ الْمُتَكَلِّمُ الْمُعْتَزِلِيُّ.
وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْفِرْقَةُ الْجَاحِظِيَّةُ مِنْهُمْ، وَهُوَ أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ بَحْرِ بْنِ مَحْبُوبٍ الْكِنَانِيُّ اللَّيْثِيُّ الْبَصْرِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْجَاحِظِ ; لِجُحُوظِ عَيْنَيْهِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْحَدَقِيُّ. وَكَانَ شَنِيعَ الْمَنْظَرِ سَيِّئَ الْمَخْبَرِ رَدِيءَ الِاعْتِقَادِ يُنْسَبُ إِلَى الْبِدْعَةِ، وَرُبَّمَا جَاوَزَ بِهِ بَعْضُهُمْ إِلَى الِانْحِلَالِ حَتَّى يُقَالَ فِي الْمَثَلِ: يَا وَيْحَ مَنْ كَفَّرَهُ الْجَاحِظُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ. وَكَانَ بَارِعًا فَاضِلًا، قَدْ أَتْقَنَ عُلُومًا كَثِيرَةً، وَصَنَّفَ كُتُبًا جَمَّةً تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ ذِهْنِهِ وَجَوْدَةِ تَصَرُّفِهِ. وَمِنْ أَجَلِّ كُتُبِهِ كِتَابُ " الْحَيَوَانِ "، وَكِتَابُ " الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ ".
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَهُمَا أَحْسَنُ مُصَنَّفَاتِهِ وَأَمْتَعُهَا، وَقَدْ أَطَالَ تَرْجَمَتَهُ بِحِكَايَاتٍ ذَكَرَهَا عَنْهُ. وَذَكَرَ: أَنَّهُ أَصَابَهُ الْفَالِجُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا مِنْ جَانِبِي الْأَيْسَرِ مَفْلُوجٌ، لَوْ قُرِضَ بِالْمَقَارِيضِ مَا عَلِمْتُ وَجَانِبِي
(14/514)

الْأَيْمَنُ مُنْقَرَسٌ فَلَوْ مَرَّتْ بِهِ ذُبَابَةٌ لَأَلِمْتُ، وَبِي حَصَاةٌ وَأَشَدُّ مَا عَلَيَّ سِتٌّ وَتِسْعُونَ سَنَةً. وَكَانَ يُنْشِدُ:
أَتَرْجُو أَنْ تَكُونَ وَأَنْتَ شَيْخٌ ... كَمَا قَدْ كُنْتَ أَيَّامَ الشَّبَابِ
لَقَدْ كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ لَيْسَ ثَوْبٌ ... دَرِيسٌ كَالْجَدِيدِ مِنَ الثِّيَابِ
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ، صَاحِبُ الْمُسْنَدِ الْمَشْهُورِ، وَقَدْ سَمِعْنَاهُ بِعُلُوٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الطُّوسِيُّ. وَالْخَلِيفَةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْمُعْتَزُّ بِاللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ فِي رَجَبٍ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمُلَقَّبُ صَاعِقَةَ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامٍ.
الْمُتَكَلِّمُ الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْفِرْقَةُ الْكَرَّامِيَّةُ. وَقَدْ نُسِبَ إِلَيْهِمْ جَوَازُ وَضْعِ الْأَحَادِيثِ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ ; وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامٍ - بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، عَلَى وَزْنِ جَمَّالٍ - بْنِ
(14/515)

عِرَاقِ بْنِ حُزَابَةَ بْنِ الْبَرَاءِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السِّجِسْتَانِيُّ الْعَابِدُ، يُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ بَنِي نِزَارٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ كِرَامٍ - بِكَسْرِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ - جَمْعُ كَرِيمٍ. وَفَرَّقَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْنَهُمَا، فَجَعَلَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْكَرَّامِيَّةُ - بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ - وَهُوَ الَّذِي سَكَنَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا، وَجَعَلَ الْآخَرَ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ نَيْسَابُورَ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ، وَالْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ ابْنِ عَسَاكِرَ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ كَرَّامٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ وَعَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ السَّمَرْقَنْدِيِّ، سَمِعَ مِنْهُ التَّفْسِيرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنِ الْكَلْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ الْمَاكِيَانِيِّ وَمَالِكِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْهَرَوِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ وَعَتِيقِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُرَشِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ الْأَزْهَرِ النَّيْسَابُورِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَيْبَارِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ الْفَارَيَانِيِّ - وَكَانَا كَذَّابَيْنِ وَضَّاعَيْنِ - وَغَيْرِهِمْ.
(14/516)

وَعَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنُ سُفْيَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقِيرَاطِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ: أَنَّهُ حُبِسَ فِي حَبْسِ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا أَطْلَقَهُ ذَهَبَ إِلَى ثُغُورِ الشَّامِ ثُمَّ عَادَ إِلَى نَيْسَابُورَ فَحَبَسَهُ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَطَالَ حَبْسُهُ وَكَانَ يَتَأَهَّبُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَيَأْتِي إِلَى السَّجَّانِ فَيَقُولُ: دَعْنِي أَخْرُجْ إِلَى الْجُمُعَةِ. فَيَمْنَعُهُ السَّجَّانُ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ غَيْرِي. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَقَامَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَكَانَ يَجْلِسُ لِلْوَعْظِ عِنْدَ الْعَمُودِ الَّذِي عِنْدَ مَشْهَدِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ. فَتَرَكَهُ أَهْلُهَا وَنَفَاهُ مُتَوَلِّيهَا إِلَى غَوْرِ زُغَرَ فَمَاتَ بِهَا، وَنُقِلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَقَالَ الْحَاكِمُ: تُوُفِّيَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلًا وَدُفِنَ بِبَابِ أَرِيحَا عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَلَهُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنَ الْأَصْحَابِ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(14/517)

[سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ قَدِمَ مُوسَى بْنُ بُغَا الْكَبِيرِ إِلَى سَامَرَّا فَدَخَلَهَا فِي جَيْشٍ هَائِلٍ قَدْ عَبَّاهُ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَقَلْبًا وَجَنَاحَيْنِ فَقَصَدَ دَارَ الْخِلَافَةِ الَّتِي فِيهَا الْمُهْتَدِي جَالِسٌ لِلْعَامَّةِ لِكَشْفِ الْمَظَالِمِ وَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ فَتَمَادَى الْإِذْنُ سَاعَةً وَتَأَخَّرَ عَنْهُمْ فَظَنُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ إِنَّمَا طَلَبَهُمْ خَدِيعَةً مِنْهُ لِيُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ صَالِحَ بْنَ وَصِيفٍ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ هَجْمًا فَجَعَلُوا يُرَاطِنُونَهُمْ بِالتُّرْكِيِّ ثُمَّ عَزَمُوا فَأَقَامُوهُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَانْتَهَبُوا مَا كَانَ فِيهِ ثُمَّ أَخَذُوهُ مُهَانًا إِلَى دَارٍ أُخْرَى فَجَعَلَ يَقُولُ لِمُوسَى بْنِ بُغَا: مَا لَكَ وَيْحَكَ؟! إِنَّى إِنَّمَا أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِأَتَقَوَّى بِكَ عَلَى صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ احْلِفْ لِي أَنَّكَ لَا تُرِيدُ بِي خِلَافَ مَا أَظْهَرْتَ، فَحَلَفَ لَهُ الْخَلِيفَةُ فَطَابَتْ أَنْفُسُهُمْ وَبَايَعُوهُ بَيْعَةً ثَانِيَةً مُشَافَهَةً وَأَخَذُوا عَلَيْهِ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ لَا يُمَالِئَ صَالِحًا عَلَيْهِمْ وَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ بَعَثُوا إِلَى صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ لِيَحْضُرَهُمْ لِلْمُنَاظَرَةِ فِي أَمْرِ الْمُعْتَزِّ، وَمَنْ قَتَلَهُ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ مِنَ الْكُتَّابِ وَغَيْرِهِمْ، فَوَعَدَهُمْ أَنْ يَأْتِيَهُمْ ثُمَّ اجْتَمَعَ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَخَذَ يَتَأَهَّبُ لِجَمْعِ الْجُيُوشِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ اخْتَفَى مِنْ لَيْلَتِهِ لَا يَدْرِي أَحَدٌ أَيْنَ ذَهَبَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَبَعَثُوا الْمُنَادِيَةَ تُنَادِي عَلَيْهِ فِي أَرْجَاءِ الْبَلَدِ وَتُهَدِّدُ مَنْ أَخْفَاهُ فَلَمْ يَزَلْ فِي خَفَاءٍ إِلَى أَوَاخِرَ صَفَرٍ عَلَى مَا
(14/518)

سَنَذْكُرُ. وَرُدَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ إِلَى نِيَابَةِ بَغْدَادَ وَسُلِّمَ الْوَزِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزْدَادَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ مَخْلَدٍ الَّذِي كَانَ أَرَادَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ قَتْلَهُ مَعَ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ فَبَقِيَ فِي السِّجْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْوِزَارَةِ.
وَلَمَّا أَبْطَأَ خَبَرُ صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ عَلَى مُوسَى بْنِ بُغَا وَأَصْحَابِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اخْلَعُوا هَذَا الرَّجُلَ. يَعْنِي الْخَلِيفَةَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا صَوَّامًا قَوَّامًا لَا يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَلَا يَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَلَا يُطَاوِعُكُمُ النَّاسُ عَلَيْهِ وَبَلَغَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ فَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفًا فَجَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ وَاسْتَدْعَى بِمُوسَى بْنِ بُغَا وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنِي مَا تَمَالَأْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ إِلَّا وَأَنَا مُتَحَنِّطٌ وَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى أَخِي بِوَلَدِي وَهَذَا سَيْفِي وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ بِهِ مَا اسْتَمْسَكَ قَائِمُهُ بِيَدِي، وَاللَّهِ لَئِنْ سَقَطَ مِنْ شِعْرِي شَعْرَةٌ لَيَهْلِكَنَّ أَوْ لِيَذْهَبَنَّ بِهَا أَكْثَرُكُمْ أَمَا دِينٌ أَمَا حَيَاءٌ أَمَا رِعَةٌ؟! كَمْ يَكُونُ هَذَا الْخِلَافُ عَلَى الْخُلَفَاءِ وَالْإِقْدَامُ وَالْجُرْأَةُ عَلَى اللَّهِ؟! سَوَاءٌ عِنْدَكُمْ مَنْ قَصَدَ الْإِبْقَاءَ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ كَانَ إِذَا بَلَغَهُ هَذَا عَنْكُمْ دَعَا بِأَرْطَالِ الشَّرَابِ فَشَرِبَهَا ; سُرُورًا بِمَكْرُوهِكُمْ، وَاذْهَبُوا فَانْظُرُوا فِي مَنْزِلِي وَفِي مَنَازِلِ إِخْوَتِي وَمَنْ يَتَّصِلُ بِي هَلْ فِيهَا مِنْ آلَاتِ الْخِلَافَةِ أَوْ فُرُشِهَا شَيْءٌ غَيْرَ مَا يَكُونُ فِي بُيُوتِ آحَادِ النَّاسِ، وَيَقُولُونَ: إِنِّي أَعْلَمُ عِلْمَ صَالِحٍ وَهَلْ هُوَ إِلَّا كَوَاحِدٍ مِنْكُمْ؟ فَاذْهَبُوا فَاعْلَمُوا عِلْمَهُ فَابْلُغُوا شِفَاءَ نُفُوسِكُمْ فِيهِ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَعْلَمُ عِلْمَهُ. قَالُوا: فَاحْلِفْ لَنَا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: أَمَّا الْيَمِينُ فَإِنِّي أَبْذُلُهَا لَكُمْ،
(14/519)

وَلَكِنِّي أُؤَخِّرُهَا لَكُمْ حَتَّى تَكُونَ بِحَضْرَةِ الْهَاشِمِيِّينَ وَالْقُضَاةِ وَالْمُعَدَّلِينَ وَأَصْحَابِ الْمَرَاتِبِ فِي غَدٍ إِذَا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ. قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ لَانُوا لِذَلِكَ قَلِيلًا.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ ظَفِرُوا بِصَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ فَقُتِلَ وَجِيءَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ وَقَدِ انْفَتَلَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ قَالَ وَارُوهُ، ثُمَّ أَخَذَ فِي تَسْبِيحِهِ وَذِكْرِهِ، وَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ مِنْ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ رُفِعَ الرَّأْسُ عَلَى رُمْحٍ وَنُودِيَ عَلَيْهِ فِي أَرْجَاءِ الْبَلَدِ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ قَتَلَ مَوْلَاهُ. وَمَا زَالَ الْأَمْرُ مُضْطَرِبًا حَتَّى تَفَاقَمَ الْأَمْرُ وَعَظُمَ الْخَطْبُ.

ذِكْرُ خَلْعِ الْمُهْتَدِي وَوِلَايَةِ الْمُعْتَمِدِ أَحْمَدَ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ وَإِيرَادُ شَيْءٍ مِنْ فَضَائِلِ الْمُهْتَدِي
لَمَّا بَلَغَ مُوسَى بْنَ بُغَا أَنَّ مُسَاوِرًا الشَّارِيَّ قَدْ عَاثَ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ رَكِبَ إِلَيْهِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ وَمَعَهُ مُفْلِحٌ وَبَايَكْبَاكُ التُّرْكِيُّ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَمَسَاوِرٌ الْخَارِجِيُّ، فَلَمْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ يُعْجِبُهُمْ، وَهَرَبَ مِنْهُمْ وَأَعْجَزَهُمْ، وَكَانَ قَدْ فَعَلَ قَبْلَ مَجِيئِهِمُ الْأَفَاعِيلَ الْمُنْكَرَةَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْمُهْتَدِيَ بِاللَّهِ أَرَادَ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ كَلِمَةِ الْأَتْرَاكِ، فَكَتَبَ إِلَى بَايَكْبَاكَ أَنْ يَتَسَلَّمَ الْجَيْشَ مِنْ مُوسَى بْنِ بُغَا، وَيَكُونَ هُوَ الْأَمِيرَ عَلَى النَّاسِ، وَأَنْ يُقْبِلَ بِهِمْ إِلَى سَامَرَّا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ الْكِتَابُ
(14/520)

أَقْرَأَهُ مُوسَى بْنَ بُغَا، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى الْمُهْتَدِي، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ وَقَصَدَا إِلَيْهِ بَلَدَ سَامَرَّا، وَتَرَكَا مَا كَانَا فِيهِ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُهْتَدِي اسْتَخْدَمَ مِنْ فَوْرِهِ جُنْدًا مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَالْفَرَاغِنَةِ وَالْأَشْرُوسَنِيَّةِ وَالْأَزْكَشِيَّةِ وَالْأَتْرَاكِ أَيْضًا، وَرَكِبَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِهِ رَجَعَ مُوسَى بْنُ بُغَا إِلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ وَأَظْهَرَ بَايَكْبَاكُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، فَدَخَلَ فِي ثَانِيَ عَشَرَ رَجَبٍ إِلَى الْخَلِيفَةِ سَامِعًا مُطِيعًا، فَلَمَّا أُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَحَوْلَهُ الْأُمَرَاءُ وَالسَّادَةُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، شَاوَرَهُمْ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ فِي الشَّجَاعَةِ وَالْإِقْدَامِ مَا بَلَغْتَ، وَقَدْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ شَرًّا مِنْ هَذَا وَأَكْثَرَ جُنْدًا، وَلَمَّا قَتَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ سَكَنَتِ الْفِتْنَةُ وَخَمَدَ صَوْتُ أَصْحَابِهِ. فَأَمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ بِضَرْبِ عُنُقِ بَايَكْبَاكَ، ثُمَّ أَلْقَى رَأْسَهُ إِلَى الْأَتْرَاكِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَعْظَمُوهُ وَأَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ مُجْتَمِعِينَ عَلَى أَخِيهِ طُغُوتْيَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْخَلِيفَةُ فِيمَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا الْتَقَوْا خَامَرَتِ الْأَتْرَاكُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ الْخَلِيفَةِ إِلَى أَصْحَابِهِمْ، وَصَارُوا أَلْبًا وَاحِدًا عَلَى الْخَلِيفَةِ وَأَصْحَابِهِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ وَانْهَزَمَ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ وَبِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا، وَهُوَ يُنَادِي: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، انْصُرُوا خَلِيفَتَكُمْ. فَدَخَلَ دَارَ أَحْمَدَ بْنِ جَمِيلٍ صَاحِبِ الْمَعُونَةِ، فَوَضَعَ فِيهَا سِلَاحَهُ وَلَبِسَ الْبَيَاضَ، وَأَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ
(14/521)

فَيَخْتَفِيَ، فَعَاجَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ خَاقَانَ فِيهَا فَأَخَذَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ، وَرُمِيَ بِسَهْمٍ، وَطُعِنَ فِي خَاصِرَتِهِ، وَحُمِلَ عَلَى دَابَّةٍ وَخِلْفَهُ سَائِسُ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ حَتَّى حَصَلَ فِي دَارِ أَحْمَدَ بْنِ خَاقَانَ، فَجَعَلَ مَنْ هُنَاكَ يَصْفَعُونَهُ وَيَبْزُقُونَ فِي وَجْهِهِ، وَأَخَذُوا خَطَّهُ بِسِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَسَلَّمُوهُ إِلَى رَجُلٍ فَلَمْ يَزَلْ يَطَأُ خُصْيَتَيْهِ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَوُلِدَ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَصَلَّى عَلَيْهِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْمُنْتَصِرِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَ أَسْمَرَ رَقِيقًا، أَجْلَى، حَسَنَ اللِّحْيَةِ، أَشْهَبَ، حَسَنَ الْعَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الْبَطْنِ، عَرِيضَ الْمَنْكِبَيْنِ، قَصِيرًا، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ الْخُلَفَاءِ مَذْهَبًا، وَأَجْمَلِهِمْ طَرِيقَةً، وَأَظْهَرِهِمْ وَرَعًا، وَأَكْثَرِهِمْ عِبَادَةً، وَإِنَّمَا رَوَى حَدِيثًا وَاحِدًا، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي هَاشِمِ بْنِ طِبْرَاخَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَقِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
(14/522)

قَالَ الْعَبَّاسُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: " لِي النُّبُوَّةُ، وَلَكُمُ الْخِلَافَةُ، بِكُمْ يُفْتَحُ هَذَا الْأَمْرُ، وَبِكُمْ يُخْتَمُ» ". وَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: " «مَنْ أَحَبَّكَ نَالَتْهُ شَفَاعَتِي، وَمَنْ أَبْغَضَكَ لَا نَالَتْهُ شَفَاعَتِي» ".
وَرَوَى الْخَطِيبُ أَنَّ رَجُلًا اسْتَعْدَى الْمُهْتَدِي عَلَى خَصْمِهِ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ، فَأَنْشَأَ الرَّجُلُ يَقُولُ:
حَكَّمْتُمُوهُ فَقَضَى بَيْنَكُمْ ... أَبْلَجُ مِثْلُ الْقَمَرِ الزَّاهِرِ
لَا يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ فِي حُكْمِهِ ... وَلَا يُبَالِي غَبَنَ الْخَاسِرِ
فَقَالَ لَهُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ: أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَأَحْسَنَ اللَّهُ مَقَالَتَكَ، وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي مَا جَلَسْتُ حَتَّى قَرَأْتُ: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] قَالَ: فَبَكَى النَّاسُ حَوْلَهُ. فَمَا رُئِيَ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَرَدَ الْمُهْتَدِي الصَّوْمَ مُنْذُ وَلِيَ إِلَى أَنْ قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَكَانَ يُحِبُّ الِاقْتِدَاءَ بِمَا سَلَكَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأُمَوِيُّ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ مِنَ الْوَرَعِ وَالتَّقَشُّفِ وَكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَشِدَّةِ الِاحْتِيَاطِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ: كُنَّا جُلُوسًا بِمَكَّةَ وَعِنْدِي جَمَاعَةٌ وَنَحْنُ نَبْحَثُ فِي النَّحْوِ وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ، إِذْ وَقَفَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مَجْنُونٌ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
(14/523)

أَمَا تَسْتَحُونَ اللَّهَ يَا مَعْدِنَ الْجَهْلِ ... شُغِلْتُمْ بِذَا وَالنَّاسُ فِي أَعْظَمِ الشُّغْلِ
إِمَامُكُمْ أَضْحَى قَتِيلًا مُجَدَّلًا ... وَقَدْ أَصْبَحَ الْإِسْلَامُ مُفْتَرِقَ الشَّمْلِ
وَأَنْتُمْ عَلَى الْأَشْعَارِ وَالنَّحْوِ عُكَّفٌ ... تَضِجُّونَ بِالْأَصْوَاتِ فِي قِلَّةِ الْعَقْلِ
قَالَ: فَنَظَرْنَا وَأَرَّخْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَإِذَا الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ قَدْ قُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَكَانَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ.

خِلَافَةُ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ أَحْمَدَ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ وَيُعْرَفُ بِابْنِ فِتْيَانَ
بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي دَارِ الْأَمِيرِ يَارْجُوخَ، وَذَلِكَ قَبْلَ خَلْعِ الْمُهْتَدِي بِأَيَّامٍ، ثُمَّ كَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ.
وَلِعَشَرٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ دَخَلَ مُوسَى بْنُ بُغَا، وَمُفْلِحٌ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى، فَنَزَلَ مُوسَى فِي دَارِهِ وَسَكَنَ النَّاسُ، وَخَمَدَتِ الْفِتْنَةُ هُنَالِكَ.
وَأَمَّا صَاحِبُ الزَّنْجِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ عَلَوِيٌّ فَهُوَ مُحَاصِرٌ لِلْبَصْرَةِ، وَالْجُيُوشُ الْخَلِيفِيَّةُ فِي وَجْهِهِ دُونَهَا، وَهُوَ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَقْهَرُهَا، وَيَغْنَمُ مَا يَفِدُ إِلَيْهِمْ فِي الْمَرَاكِبِ مِنَ
(14/524)

الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا، وَاسْتَحْوَذَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْأُبُلَّةِ وَعَبَّادَانَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبِلَادِ، وَخَافَ مِنْهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ خَوْفًا شَدِيدًا، وَكُلُّ مَا لِأَمْرِهِ يَقْوَى، وَلِجُيُوشِهِ تَكْثُرُ، وَلِعَدَدِهِ يَتَزَايَدُ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُ إِلَى انْسِلَاخِهَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ رَجُلٌ آخَرُ بِالْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُ: عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ الطَّالِبِيُّ، وَجَاءَهُ جَيْشٌ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ فَكَسَرَهُ الطَّالِبِيُّ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ بِالْكُوفَةِ وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَتَفَاقَمَ أَمْرُهُ.
وَفِيهَا وَثَبَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاصِلٍ التَّمِيمِيُّ عَلَى نَائِبِ فَارِسَ الْحَارِثِ بْنِ سِيمَا الشَّرَابِيِّ، فَقَتَلَهُ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى بِلَادِ فَارِسَ.
وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا تَغَلَّبَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الطَّالِبِيُّ عَلَى بِلَادِ الرَّيِّ فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ مُوسَى بْنُ بُغَا فِي شَوَّالٍ مِنْ عِنْدِ الْمُعْتَمَدِ، وَخَرَجَ الْخَلِيفَةُ لِتَوْدِيعِهِ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى بَابِ دِمَشْقَ بَيْنَ أَمَاجُورَ نَائِبِ دِمَشْقَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ وَبَيْنَ ابْنٍ لِعِيسَى ابْنِ الشَّيْخِ، وَهُوَ فِي قَرِيبٍ مَنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَهَزَمَهُ أَمَاجُورُ. وَجَاءَتْ مِنَ الْخَلِيفَةِ وِلَايَةٌ لِابْنِ الشَّيْخِ ; بِلَادَ أَرْمِينِيَّةَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ أَهْلَ الشَّامِ فَقَبِلَ ذَلِكَ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْحُجَّاجِ أَبُو أَحْمَدَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ، فَتَعَجَّلَ وَعَجَّلَ السَّيْرَ إِلَى سَامَرَّا،
(14/525)

فَدَخَلَهَا لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْخَلِيفَةُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ فِي رَجَبٍ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، الْقُرَشِيُّ الزُّبَيْرِيُّ، قَاضِي مَكَّةَ قَدِمَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا، وَلَهُ كِتَابُ " أَنْسَابِ قُرَيْشٍ "، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِذَلِكَ، وَكِتَابُهُ فِي ذَلِكَ حَافِلٌ جِدًّا. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ وَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَعَلَى كِتَابِهِ. وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ عَنْ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِمَكَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْبُخَارِيُّ صَاحِبُ " الصَّحِيحِ ".
وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُ تَرْجَمَةً حَافِلَةً فِي أَوَّلِ شَرْحِنَا " لِصَحِيحِهِ "، وَلْنَذْكُرْ هَاهُنَا نُبْذَةً يَسِيرَةً مِنْ ذَلِكَ، فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ بَرْدِزَبَهَ، وَيُقَالُ: بَذْدِزَبَهَ، الْجُعْفِيُّ مَوْلَاهُمْ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ الْحَافِظُ، إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ
(14/526)

فِي زَمَانِهِ، وَالْمُقْتَدَى بِهِ فِي أَوَانِهِ، وَالْمُقَدَّمُ عَلَى سَائِرِ أَضْرَابِهِ وَأَقْرَانِهِ، وَكِتَابُهُ " الصَّحِيحُ " يُسْتَسْقَى بِقِرَاءَتِهِ الْغَمَامُ، وَأَجْمَعَ عَلَى قَبُولِهِ وَصِحَّةِ مَا فِيهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ.
وُلِدَ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَنَشَأَ فِي حِجْرِ أُمِّهِ، فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ حِفْظَ الْحَدِيثِ وَهُوَ فِي الْمَكْتَبِ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ الْمَشْهُورَةَ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ وَهُوَ صَبِيٌّ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ سَرْدًا. وَحَجَّ وَعَمُرُهُ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ يَطْلُبُ بِهَا الْحَدِيثَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سَائِرِ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي أَمْكَنَهُ الرِّحْلَةُ إِلَيْهَا، وَكَتَبَ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ شَيْخٍ، وَرَوَى عَنْهُ خَلَائِقُ وَأُمَمٌ.
وَقَدْ رَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنِ الْفِرَبْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَ " الصَّحِيحَ " مِنَ الْبُخَارِيِّ مَعِي نَحْوٌ مَنْ تِسْعِينَ أَلْفًا، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرِي.
وَقَدْ رُوِيَ " الْبُخَارِيُّ " مِنْ طَرِيقِ الْفِرَبْرِيِّ - كَمَا هِيَ رِوَايَةُ النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ طَرِيقِهِ - وَحَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْقِلٍ، وَطَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ، وَآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو طَلْحَةَ مَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَزْدَوِيُّ النَّسَفِيُّ،
(14/527)

وَقَدْ تُوُفِّيَ النَّسَفِيُّ هَذَا فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَوَثَّقَهُ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَاكُولَا. وَمِمَّنْ رَوَى عَنِ الْبُخَارِيِّ مُسْلِمٌ فِي غَيْرِ " الصَّحِيحِ "، وَكَانَ مُسْلِمٌ يُتَلْمِذُ لَهُ وَيُعَظِّمُهُ، وَرَوَى عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ فِي " جَامِعِهِ "، وَالنَّسَائِيُّ فِي " سُنَنِهِ " فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ.
وَقَدْ دَخَلَ بَغْدَادَ ثَمَانِ مَرَّاتٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا يَجْتَمِعُ بِالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَيَحُثُّهُ أَحْمَدُ عَلَى الْمُقَامِ بِبَغْدَادَ، وَيَلُومُهُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِخُرَاسَانَ.
وَقَدْ كَانَ الْبُخَارِيُّ يَسْتَيْقِظُ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ نَوْمِهِ فَيُورِي السِّرَاجَ، وَيَكْتُبُ الْفَائِدَةَ تَمُرُّ بِخَاطِرِهِ ثُمَّ يُطْفِئُ سِرَاجَهُ، ثُمَّ يَقُومُ مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى كَانَ يَتَعَدَّدُ ذَلِكَ مِنْهُ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً.
وَقَدْ كَانَ أُصِيبَ بَصَرُهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَرَأَتْ أُمُّهُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالَ: يَا هَذِهِ، قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَى وَلَدِكِ بَصَرَهُ بِكَثْرَةِ دُعَائِكِ، أَوْ قَالَ: بُكَائِكِ. فَأَصْبَحَ وَهُوَ بَصِيرٌ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فَكَّرْتُ الْبَارِحَةَ فَإِذَا أَنَا قَدْ كَتَبْتُ فِي مُصَنَّفَاتِي نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ مُسْنَدَةً. وَكَانَ يَحْفَظُهَا كُلَّهَا.
وَدَخَلَ مَرَّةً إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَاجْتَمَعَ بِهِ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ بِهَا، فَرَكَّبُوا
(14/528)

لَهُ أَسَانِيدَ وَأَدْخَلُوا إِسْنَادَ الشَّامِ فِي إِسْنَادِ الْعِرَاقِ، وَخَلَطُوا الرِّجَالَ فِي الْأَسَانِيدِ، وَجَعَلُوا مُتُونَ الْأَحَادِيثِ عَلَى غَيْرِ أَسَانِيدِهَا، ثُمَّ قَرَءُوهَا عَلَى الْبُخَارِيِّ، فَرَدَّ كُلَّ حَدِيثٍ إِلَى إِسْنَادِهِ، وَقَوَّمَ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ وَالْأَسَانِيدَ كُلَّهَا، وَمَا تَعَلَّقُوا عَلَيْهِ بِسَقْطَةٍ فِي إِسْنَادٍ وَلَا فِي مَتْنٍ. وَكَذَلِكَ صَنَعَ بِمِائَةِ مُحَدِّثٍ فِي أَهْلِ بَغْدَادَ.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَحْفَظُ مَا فِيهِ مِنْ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْأَخْبَارُ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ عُلَمَاءُ زَمَانِهِ مِنْ شُيُوخِهِ وَأَقْرَانِهِ ; فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَا أَخْرَجَتْ خُرَاسَانُ مِثْلَهُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: لَمْ يَرَ الْبُخَارِيُّ مِثْلَ نَفْسِهِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: لَوْ كَانَ فِي زَمَنِ الْحَسَنِ لَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالْحَدِيثِ وَفِقْهِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ: لَا أَعْلَمَ مِثْلَهُ. وَقَالَ مَحْمُودُ بْنُ النَّضْرِ أَبُو سَهْلٍ الشَّافِعِيُّ: دَخَلْتُ الْبَصْرَةَ وَالشَّامَ وَالْحِجَازَ وَالْكُوفَةَ، وَرَأَيْتُ عُلَمَاءَهَا كُلَّمَا جَرَى ذِكْرُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ فَضَّلُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيُّ: كَتَبَ أَهْلُ بَغْدَادَ إِلَى الْبُخَارِيِّ:
(14/529)

الْمُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ مَا حَيِيتَ لَهُمْ ... وَلَيْسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ
وَقَالَ الْفَلَّاسُ: كُلُّ حَدِيثٍ لَا يَعْرِفُهُ الْبُخَارِيُّ فَلَيْسَ بِحَدِيثٍ. وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: هُوَ فَقِيهُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَكَذَا قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَهُ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ.
وَقَالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: رُحِلَ إِلَيَّ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا، فَمَا رَحَلَ إِلَيَّ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ رَجَاءُ بْنُ مُرَجَّى: فَضْلُ الْبُخَارِيِّ عَلَى الْعُلَمَاءِ - يَعْنِي فِي زَمَانِهِ - كَفَضْلِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ. وَقَالَ: هُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّرَامِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ أَفْقَهُنَا وَأَعْلَمُنَا وَأَغْوَصُنَا وَأَكْثَرُنَا طَلَبًا.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: هُوَ أَبْصَرُ مِنِّي. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَعْلَمُ مَنْ دَخَلَ الْعِرَاقَ. وَقَالَ عُبَيْدٌ الْعِجْلِيُّ: رَأَيْتَ
(14/530)

أَبَا حَاتِمٍ وَأَبَا زُرْعَةَ يَجْلِسَانِ إِلَيْهِ يَسْتَمِعَانِ مَا يَقُولُ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْلِمٌ يَبْلُغُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ بِكَذَا وَكَذَا، وَكَانَ دَيِّنًا فَاضِلًا يُحْسِنُ كُلَّ شَيْءٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الذُّهْلِيَّ يَسْأَلُ الْبُخَارِيَّ عَنِ الْأَسَامِي وَالْكُنَى وَالْعِلَلِ، وَهُوَ يَمُرُّ فِيهِ كَالسَّهْمِ، كَأَنَّهُ يَقْرَأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَمْدُونَ الْقَصَّارُ: رَأَيْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ جَاءَ إِلَى الْبُخَارِيِّ فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أُقَبِّلَ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَطَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ. ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثِ كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ، فَذَكَرَ لَهُ عِلَّتَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ مُسْلِمٌ: لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا حَاسِدٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُكَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ أَرَ بِالْعِرَاقِ وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي مَعْنَى الْعِلَلِ وَالتَّارِيخِ وَمَعْرِفَةِ الْأَسَانِيدِ أَعْلَمَ مِنَ الْبُخَارِيِّ. وَكُنَّا يَوْمًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيرٍ، فَقَالَ لِلْبُخَارِيِّ: جَعَلَكَ اللَّهُ زَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: فَاسْتُجِيبَ لَهُ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: مَا رَأَيْتُ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْفَظَ لَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ. وَلَوْ ذَهَبْنَا نُسَطِّرُ مَا أَثْنَى عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي حِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ وَعِلْمِهِ وَفِقْهِهِ وَوَرَعِهِ وَزُهْدِهِ وَتَبَحُّرِهِ لَطَالَ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ عَلَى عَجَلٍ مِنْ أَجْلِ الْحَوَادِثِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي أَوَّلِ شَرْحِ " الصَّحِيحِ "، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُسْتَعَانُ.
(14/531)

وَقَدْ كَانَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي غَايَةِ الْحَيَاءِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَالْوَرَعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا دَارِ الْفَنَاءِ، وَالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ دَارِ الْبَقَاءِ. قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُطَالِبُنِي أَنِّي اغْتَبْتُهُ. فَذُكِرَ لَهُ " التَّارِيخُ " وَمَا ذَكَرَ فِيهِ مِنَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ هَذَا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ائْذَنُوا لَهُ، فَلَبِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» وَنَحْنُ إِنَّمَا رَوَيْنَا ذَلِكَ رِوَايَةً، وَلَمْ نَقُلْهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا.
وَقَدْ كَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُصَلِّي فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ خَتْمَةً، وَكَانَتْ لَهُ جِدَةٌ وَمَالٌ جَيِّدٌ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا، وَكَانَ يُكْثِرُ الصَّدَقَةَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَكَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، مُسَدَّدَ الرَّمْيَةِ، شَرِيفَ النَّفْسِ ; بَعَثَ إِلَيْهِ بَعْضُ السَّلَاطِينِ لِيَأْتِيَهُ حَتَّى يَسْمَعَ أَوْلَادُهُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ، إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ ذَلِكَ فَهَلُمُّوا إِلَيَّ، وَأَبَى أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِمْ - وَهُوَ خَالِدُ بْنُ أَحْمَدَ الذُّهْلِيُّ، نَائِبُ الظَّاهِرِيَّةِ بِبُخَارَى - فَبَقِيَ فِي نَفْسِ الْأَمِيرِ مِنْ ذَلِكَ ; فَاتَّفَقَ أَنْ جَاءَهُ كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ مِنْ نَيْسَابُورَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ بِأَنَّ لَفْظَهُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ - وَكَانَ وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ وَبَيْنَ الْبُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ، وَصَنَّفَ الْبُخَارِيُّ فِي ذَلِكَ كِتَابَ " خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ " - فَأَرَادَ أَنْ يَصْرِفَ النَّاسَ عَنِ السَّمَاعِ مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ كَانَ النَّاسُ يُعَظِّمُونَهُ جِدًّا، وَحِينَ رَجَعَ إِلَيْهِمْ نَثَرُوا عَلَى رَأْسِهِ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ يَوْمَ دَخَلَ بُخَارَى عَائِدًا إِلَى أَهْلِهِ، وَكَانَ
(14/532)

لَهُ مَجْلِسُ الْإِمْلَاءِ بِجَامِعِهَا، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنَ الْأَمِيرِ، فَأَمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِنَفْيِهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَخَرَجَ مِنْهَا وَدَعَا عَلَى خَالِدِ بْنِ أَحْمَدَ، فِلَمْ يَمْضِ شَهْرٌ حَتَّى أَمَرَ ابْنُ طَاهِرٍ بِأَنْ يُنَادَى عَلَى خَالِدِ بْنِ أَحْمَدَ عَلَى أَتَانٍ، وَزَالَ مُلْكُهُ وَسُجِنَ فِي بَغْدَادَ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَاعِدَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ شَدِيدٍ. فَنَزَحَ الْبُخَارِيُّ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى بَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا: خَرْتَنْكُ. عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ سَمَرْقَنْدَ فَنَزَلَ عِنْدَ أَقَارِبَ لَهُ بِهَا، وَجَعَلَ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَقْبِضَهُ إِلَيْهِ حِينَ رَأَى الْفِتَنَ ; كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنَا إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ» .
ثُمَّ اتَّفَقَ مَرَضُهُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ السَّبْتِ، عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْعِيدِ بَعْدَ الظُّهْرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ - وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَفْقَ مَا أَوْصَى بِهِ، وَحِينَ دُفِنَ فَاحَتْ مِنْ قَبْرِهِ رَائِحَةُ غَالِيَةٍ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، فَدَامَ ذَلِكَ أَيَّامًا، ثُمَّ عَلَتْ سَوَارٍ بَيْضٌ مُسْتَطِيلَةٌ بِحِذَاءِ قَبْرِهِ. وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وَقَدْ تَرَكَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَهُ عِلْمًا نَافِعًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَمَلُهُ فِيهِ لَمْ يَنْقَطِعْ بَلْ هُوَ مَوْصُولٌ بِمَا أَسْدَاهُ مِنَ الصَّالِحَاتِ فِي الْحَيَاةِ ; وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ، مِنْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ» الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(14/533)

وَشَرْطُهُ فِي " صَحِيحِهِ " هَذَا أَعَزُّ مِنْ شَرْطِ كُلِّ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي " الصَّحِيحِ "، لَا يُوَازِيهِ فِيهِ غَيْرُهُ، لَا " صَحِيحُ مُسْلِمٍ " وَلَا غَيْرُهُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ الْفُصَحَاءِ مِنَ الشُّعَرَاءِ:
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ لَوْ أَنْصَفُوهُ ... لَمَا خُطَّ إِلَّا بِمَاءِ الذَّهَبْ
هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْهُدَى وَالْعَمَى ... هُوَ السَّدُ بَيْنَ الْفَتَى وَالْعَطَبْ
أَسَانِيدُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ ... أَمَامَ مُتُونٍ كَمِثْلِ الشُّهُبْ
بِهَا قَامَ مِيزَانُ دِينِ الرَّسُولِ ... وَدَانَ بِهِ الْعُجْمُ بَعْدَ الْعَرَبْ
حِجَابٌ مِنَ النَّارِ لَا شَكَّ فِيهِ ... تَمَيَّزَ بَيْنَ الرِّضَا وَالْغَضَبْ
وَسِتْرٌ رَقِيقٌ إِلَى الْمُصْطَفَى ... وَنَصٌّ مُبِينٌ لِكَشْفِ الرِّيَبْ
فَيَا عَالِمًا أَجْمَعَ الْعَالِمُونَ ... عَلَى فَضْلِ رُتْبَتِهِ فِي الرُّتَبْ
سَبَقْتَ الْأَئِمَّةَ فِي مَا جَمَعْتَ ... وَفُزْتَ عَلَى زَعْمِهِمْ بِالْقَصَبْ
نَفَيْتَ الضَّعِيفَ مِنَ النَّاقِلِينَ ... وَمَنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِالْكَذِبْ
وَأَبْرَزْتَ فِي حُسْنِ تَرْتِيبِهِ ... وَتَبْوِيبِهِ عَجَبًا لِلْعَجَبْ
فَأَعْطَاكَ مَوْلَاكَ مَا تَشْتَهِيهِ ... وَأَجْزَلَ حَظَّكَ فِيمَا وَهَبْ
(14/534)

[سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا وَلَّى الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ لِيَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ بَلْخَ وَطَخَارِسْتَانَ وَمَا يَلِي ذَلِكَ مِنْ كَرْمَانَ وَسَجِسْتَانَ وَالسِّنْدِ وَغَيْرِهَا.
وَفِي صَفَرٍ مِنْهَا عَقَدَ الْمُعْتَمِدُ لِأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ عَلَى الْكُوفَةِ وَطَرِيقِ مَكَّةَ وَالْحَرَمَيْنِ وَالْيَمَنِ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ فِي رَمَضَانَ نِيَابَةَ بَغْدَادَ وَالسَّوَادِ وَوَاسِطَ وَكُوَرِ دِجْلَةَ وَالْبَصْرَةِ وَالْأَهْوَازِ وَفَارِسَ، وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَفِيهَا تَوَاقَعَ سَعِيدٌ الْحَاجِبُ وَصَاحِبُ الزَّنْجِ فِي أَرَاضِي الْبَصْرَةِ فَهَزَمَهُ سَعِيدٌ الْحَاجِبُ وَاسْتَنْقَذَ مِنْ يَدِهِ خَلْقًا مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَاسْتَرْجَعَ مِنْهُ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَأَذَلَّ الزِّنْجَ غَايَةَ الْإِهَانَةِ وَالْمَذَلَّةِ. ثُمَّ إِنَّ الزِّنْجَ بَيَّتُوا سَعِيدًا وَجَيْشَهُ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَيُقَالُ: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ صَالِحٍ قُتِلَ أَيْضًا. ثُمَّ الْتَقَى مَعَ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ الْخَيَّاطِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَهَزَمَهُمْ هَذَا الْخَارِجِيُّ صَاحِبُ الزَّنْجِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ طَالِبِيٌّ، وَهُوَ كَاذِبٌ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِيهَا ظُفِرَ بِبَغْدَادَ - بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: بِرْكَةُ زَلْزَلٍ - بِرَجُلٍ خَنَّاقٍ قَدْ قَتَلَ خَلْقًا مِنَ النِّسَاءِ، فَحُمِلَ إِلَى الْمُعْتَمِدِ فَضُرِبَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأَلْفَيْ سَوْطٍ
(14/535)

وَأَرْبَعِمِائَةِ أَرْزَنَ فَلَمْ يَمُتْ حَتَّى ضَرَبَ الْجَلَّادُونَ عَلَى أُنْثَيَيْهِ بِخَشَبِ الْعُقَابَيْنِ فَمَاتَ، وَرُدَّ إِلَى بَغْدَادَ وَصُلِبَ هُنَاكَ، ثُمَّ أُحْرِقَتْ جُثَّتَهُ.
وَفِي لَيْلَةِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ كَسَفَ الْقَمَرُ وَغَابَ أَكْثَرُهُ، وَفِي صَبِيحَةِ هَذَا الْيَوْمِ دَخَلَ جَيْشُ الْخَبِيثِ إِلَى الْبَصْرَةِ قَهْرًا، فَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا كَثِيرًا وَهَرَبَ نَائِبُهَا بُغْرَاجُ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَحْرَقَتِ الزِّنْجُ جَامِعَ الْبَصْرَةِ وَدُورًا كَثِيرَةً وَانْتَهَبُوهَا، ثُمَّ نَادَى فِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى الْمُهْلَّبِيُّ أَحَدُ أَصْحَابِ الْخَارِجِيِّ: مَنْ أَرَادَ الْأَمَانَ فَلْيَحْضُرْ. فَاجْتَمَعَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، فَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ فُرْصَةً فَغَدَرَ بِهِمْ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّاذُّ، كَانَتِ الزِّنْجُ تُحِيطُ بِالْجَمَاعَةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: كِيلُوا - وَهِيَ الْإِشَارَةُ بَيْنَهُمْ إِذَا أَرَادُوا قَتْلَ أَحَدٍ - فَيَحْمِلُونَ عَلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا تَشَهُّدَ أُولَئِكَ وَضَجِيجَهُمْ عِنْدَ الْقَتْلِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَهَكَذَا كُلُّ مَحَلَّةٍ مِنْ مَحَالِّ الْبَصْرَةِ فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ، وَهَرَبَ النَّاسُ مِنْهُمْ كُلَّ مَهْرَبٍ، وَحَرَقُوا الْكَلَأَ مِنَ الْجَبَلِ إِلَى الْجَبَلِ، فَحَرَقَتِ النَّارُ مَا وَجَدَتْ مِنْ شَيْءٍ ; مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ أَوْ أَثَاثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَحْرَقُوا الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ أَيْضًا، وَقَدْ قُتِلَ فِي هَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأُدَبَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْعُلَمَاءِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَكَانَ هَذَا الْخَبِيثُ قَدْ أَوْقَعَ بِأَهْلِ فَارِسَ وَقْعَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْمِيرَةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ وَقَدِ اتَّسَعُوا بَعْدَ الضِّيقِ فَحَسَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مَنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَعَوْتُ اللَّهَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَخُوطِبْتُ فَقِيلَ
(14/536)

لِي: إِنَّمَا أَهْلُ الْبَصْرَةِ خُبْزَةٌ تَأْكُلُهَا مِنْ جَوَانِبِهَا، فَإِذَا انْكَسَرَ نِصْفُ الرَّغِيفِ خَرِبَتِ الْبَصْرَةُ. فَأَوَّلْتُ ذَلِكَ بِانْكِسَافِ الْقَمَرِ. وَقَدْ كَانَ هَذَا شَائِعًا فِي أَصْحَابِهِ حَتَّى وَقَعَ الْأَمْرُ طِبْقَ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا كَانَ مَعَهُ شَيْطَانٌ يُخَاطِبُهُ، كَمَا كَانَ يَأْتِي شَيْطَانُ مُسَيْلِمَةَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا أَوْقَعَ أَصْحَابُهُ مِنَ الزَّنْجِ وَغَيْرِهِمْ مَا أَوْقَعُوا بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ: إِنِّي صَبِيحَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ دَعَوْتُ اللَّهَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَرُفِعَتْ لِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَرَأَيْتُ أَهْلَهَا يُقَتَّلُونَ، وَرَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُقَاتِلُ مَعَ أَصْحَابِي، وَإِنِّي لَمَنْصُورٌ عَلَى النَّاسِ، وَالْمَلَائِكَةُ تُقَاتِلُ مَعِي، وَتُثَبِّتُ جُيُوشِي، وَتُؤَيِّدُنِي فِي حُرُوبِي.
وَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ الْعَلَوِيَّةُ الَّذِينَ كَانُوا بِالْبَصْرَةِ انْتَسَبَ حِينَئِذٍ إِلَى يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ زَيْدٍ لَمْ يُعْقِبْ إِلَّا بِنْتًا مَاتَتْ، وَهِيَ تَرْضَعُ، فَقَبَّحَ اللَّهُ هَذَا اللَّعِينَ، مَا أَكْذَبَهُ وَأَفْجَرَهُ وَأَغْدَرَهُ!
وَفِي مُسْتَهَلِّ ذِي الْقَعْدَةِ وَجَّهَ الْخَلِيفَةُ مِنْ سَامَرَّا جَيْشًا كَثِيفًا مَعَ الْأَمِيرِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِالْمُوَلَّدِ لِقِتَالِ صَاحِبِ الزَّنْجِ فَقَبَضَ فِي طَرِيقِهِ عَلَى سَعِيدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَاهِلِيِّ الَّذِي كَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى أَرْضِ الْبَطَائِحِ وَأَخَافَ السُّبُلَ.
وَفِيهَا خَالَفَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاصِلٍ السُّلْطَانَ بِأَرْضِ فَارِسَ وَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا.
وَفِيهَا وَثَبَ رَجُلٌ مِنَ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ: بَسِيلُ الصَّقْلَبِيُّ. عَلَى مَلِكِ الرُّومِ مِيخَائِيلَ بْنِ تَوْفِيلَ، فَقَتَلَهُ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى مَمْلَكَةِ الرُّومِ، وَقَدْ كَانَ لِمِيخَائِيلَ فِي
(14/537)

مُلْكِ الرُّومِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَبَّاسِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ بْنِ يَزِيدَ.
صَاحِبُ الْجُزْءِ الْمَشْهُورِ الْمَرْوِيِّ، وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَقِيلَ: بِسَبْعٍ. وَكَانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ سَمَّاهُمْ بِأَسْمَاءِ الْعَشَرَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ مِائَةٍ وَسَبْعِ سِنِينَ.
زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ. وَالرُّؤَاسِيُّ، ذَبَحَهُمَا الزِّنْجُ فِي جُمْلَةِ مَنْ قَتَلُوا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَمَا قَدَّمْنَا قِصَّتَهُمْ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - وَمَا قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَحِمَهُمُ
(14/538)

اللَّهُ. وَعَلِيُّ بْنُ خُشْرَمٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ; أَحَدُ مَشَايِخِ مُسْلِمٍ الَّذِينَ يُكْثِرُ عَنْهُمْ.
وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ أَبُو الْفَضْلِ الرِّيَاشِيُّ، النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ، كَانَ عَالِمًا بِأَيَّامِ الْعَرَبِ وَالسِّيَرِ، وَكَانَ كَثِيرَ الِاطِّلَاعِ، ثِقَةً عَالِمًا، رَوَى عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَغَيْرُهُمَا. قُتِلَ الرِّيَاشِيُّ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَتَلَهُ الزَّنْجُ فِيمَنْ قَتَلُوا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي " الْوَفَيَاتِ "، وَحَكَى عَنْهُ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ بِنَا أَعْرَابِيٌّ يَنْشُدُ ابْنَهُ، فَقُلْنَا لَهُ: صِفْهُ لَنَا. فَقَالَ: كَأَنَّهُ دُنَيْنِيرٌ. فَقُلْنَا: لَمْ نَرَهُ. فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ أَسَيِّدًا كَأَنَّهُ جُعَلٌ. فَقُلْنَا: لَوْ سَأَلْتَنَا عَنْ هَذَا لَأَرْشَدْنَاكَ، إِنَّهُ مُنْذُ الْيَوْمِ يَلْعَبُ هَاهُنَا مَعَ الْغِلْمَانِ. ثُمَّ أَنْشَدَ الْأَصْمَعِيُّ:
نِعْمَ ضَجِيعُ الْفَتَى إِذَا بَرَدَ الْ ... لَيْلُ سُحَيْرًا وَقَرْقَفَ الصَّرِدُ
زَيَّنَهَا اللَّهُ فِي الْفُؤَادِ كَمَا ... زُيِّنَ فِي عَيْنِ وَالِدٍ وَلَدُ
(14/539)

[سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[مَا وَقَعَتْ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَقَدَ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ لِأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ عَلَى دِيَارِ مُضَرَ وَقِنِّسْرِينَ وَالْعَوَاصِمِ وَجَلَسَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُسْتَهَلَّ رَبِيعٍ الْآخَرِ، فَخَلَعَ عَلَى أَخِيهِ وَعَلَى مُفْلِحٍ، وَرَكِبَا نَحْوَ الْبَصْرَةِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ فِي عَدَدٍ وَعُدَدٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ مُفْلِحٌ لِلنِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، أَصَابَهُ سَهْمٌ بِلَا نَصْلٍ فِي صَدْرِهِ، فَأَصْبَحَ مَيِّتًا، وَحُمِلَتْ جُثَّتُهُ إِلَى سَامَرَّا وَدُفِنَ بِهَا.
وَفِيهَا أُسِرَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَحْرَانِيُّ ; أَحَدُ أُمَرَاءِ صَاحِبِ الزَّنْجِ الْكِبَارِ، وَحُمِلَ إِلَى سَامَرَّا، فَضُرِبَ بَيْنَ يَدِيِ الْمُعْتَمِدِ مِائَتَيْ سَوْطٍ، ثُمَّ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ مِنْ خِلَافٍ، ثُمَّ خُبِطَ بِالسُّيُوفِ ثُمَّ ذُبِحَ ثُمَّ أُحْرِقَ، وَكَانَ الَّذِينَ أَسَرُوهُ جَيْشَ أَبِي أَحْمَدَ فِي وَقْعَةٍ هَائِلَةٍ مَعَ الزَّنْجِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ. وَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ صَاحِبَ الزَّنْجِ أَسِفَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ خُوطِبْتُ فِيهِ، فَقِيلَ لِي: قَتْلُهُ كَانَ خَيْرًا لَكَ ; لِأَنَّهُ كَانَ شَرِهًا يُخْفِي مِنَ الْمَغَانِمِ خِيَارَهَا. وَقَدْ كَانَ هَذَا اللَّعِينُ - أَعْنِي صَاحِبَ الزَّنْجِ الْمُدَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ النُّبُوَّةُ فَخِفْتُ أَنْ لَا أَقُومَ بِأَعْبَائِهَا، فَلَمْ أَقْبَلْهَا.
(14/540)

وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْهَا وَصَلَ سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَاهِلِيُّ إِلَى بَابِ السُّلْطَانِ، فَضُرِبَ سَبْعَمِائَةِ سَوْطٍ حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ صُلِبَ.
وَفِيهَا قُتِلَ قَاضٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ صَاحِبِ الزَّنْجِ عِنْدَ بَابِ الْعَامَّةِ بِسَامَرَّا.
وَفِيهَا رَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاصِلٍ إِلَى طَاعَةِ السُّلْطَانِ، وَحَمَلِ خَرَاجَ فَارِسَ وَتَمَهَّدَتِ الْأُمُورُ هُنَاكَ، وَاسْتَقَلَّتْ عَلَى السَّدَادِ.
وَفِي أَوَاخِرِ رَجَبٍ كَانْتْ بَيْنَ أَبِي أَحْمَدَ وَبَيْنَ الزَّنْجِ وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ، قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ اسْتَوْخَمَ أَبُو أَحْمَدَ مَنْزِلَهُ، فَتَحَيَّزَ إِلَى وَاسِطَ فَنَزَلهَا فِي أَوَائِلِ شَعْبَانَ، فَوَقَعَتْ هُنَاكَ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ وَهَدَّةٌ عَظِيمَةٌ، تَهَدَّمَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ دُورٌ كَثِيرَةٌ، وَمَاتَ مِنَ النَّاسِ نَحْوٌ مَنْ عِشْرِينَ أَلْفًا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ فِي النَّاسِ وَبَاءٌ شَدِيدٌ بِبَغْدَادَ وَسَامَرَّا وَوَاسِطَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ. وَحَصَلَ لِلنَّاسِ بِبَغْدَادَ دَاءٌ يُقَالُ لَهُ: الْقِفَاعُ. فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، أُخِذَ رَجُلٌ مِنْ بَابِ الْعَامَّةِ بِسَامَرَّا ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ يَسُبُّ السَّلَفَ، فَضُرِبَ أَلْفَ سَوْطٍ حَتَّى مَاتَ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَامِنِهِ تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ يَارْجُوخُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُو الْخَلِيفَةِ أَبُو عِيسَى وَحَضَرَهُ جَعْفَرُ بْنُ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ بَيْنَ مُوسَى بْنِ بُغَا وَبَيْنَ أَصْحَابِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ
(14/541)

بِبِلَادِ خُرَاسَانَ فَهَزَمَهُمْ مُوسَى بْنُ بُغَا هَزِيمَةً فَظِيعَةً.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ مَسْرُورٍ الْبَلْخِيِّ وَبَيْنَ مَسَاوِرٍ الْخَارِجِيِّ، فَأَسَرَ مَسْرُورٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُتَقَدِّمُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ بُدَيْلٍ.
وَأَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ.
وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَطَّانُ.
وَأَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ.
وَحَمِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرَ، صَاحِبُ الْمُسْنَدِ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ.
وَيَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ.
(14/542)

[سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ رَجَعَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ مِنْ وَاسِطَ إِلَى سَامَرَّا، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى حَرْبِ الْخَبِيثِ صَاحِبِ الزَّنْجِ مُحَمَّدًا الْمُلَقَّبَ بِالْمَوْلَّدِ، وَكَانَ شُجَاعًا شَهْمًا.
وَفِيهَا بَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَى كَنْجُورَ نَائِبِ الْكُوفَةِ جَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ فَذَبَحُوهُ، وَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمَالِ، فَإِذَا هُوَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَفِيهَا تَغَلَّبَ رِجْلٌ جَمَّالٌ يُقَالُ لَهُ: شَرْكَبُ. عَلَى مَدِينَةِ مَرْوَ فَانْتَهَبَهَا مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَتَفَاقَمَ أَمْرُهُ هُنَاكَ.
وَلِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ تَوَجَّهَ مُوسَى بْنُ بُغَا الْكَبِيرُ مِنْ سَامَرَّا لِحَرْبِ الْخَبِيثِ، وَخَرَجَ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ لِتَوْدِيعِهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ عِنْدَ مُفَارَقَتِهِ لَهُ. وَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُفْلِحٍ إِلَى بِلَادِ الْأَهْوَازِ نَائِبًا عَلَيْهَا ; وَلِيَكُونَ عَوْنًا لِمُوسَى بْنِ بُغَا عَلَى حَرْبِ صَاحِبِ الزَّنْجِ الْخَبِيثِ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فَهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُفْلِحٍ جَيْشًا لِلْخَبِيثِ، وَقَتَلَ مِنَ الزَّنْجِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرَ طَائِفَةً كَثِيرَةً مِنْهُمْ، وَأَرْعَبَهُمْ إِرْعَابًا بَلِيغًا بِحَيْثُ لَمْ يَتَجَاسَرُوا عَلَى مُوَافَقَتِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَقَدْ حَرَّضَهُمُ الْخَبِيثُ كُلَّ التَّحْرِيضِ فَلَمْ يَنْجَعْ ذَلِكَ فِيهِمْ.
(14/543)

ثُمَّ تَوَاقَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُفْلِحٍ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ الْمُهَلَّبِيُّ، وَهُوَ مُقَدَّمُ جُيُوشِ صَاحِبِ الزَّنْجِ فَجَرَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ يَطُولُ شَرْحُهَا، ثُمَّ كَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى الزَّنْجِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، فَرَجَعَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ إِلَى الْخَبِيثِ مَفْلُولًا مَقْهُورًا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَبَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُفْلِحٍ بِالْأُسَارَى إِلَى سَامَرَّا، فَبَادَرَ إِلَيْهِمُ الْعَامَّةُ فَقَتَلُوا أَكْثَرَهُمْ، وَسَلَبُوهُمْ.
وَفِيهَا تَدَنَّى مَلِكُ الرُّومِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - إِلَى بِلَادِ سُمَيْسَاطَ ثُمَّ إِلَى مَلَطْيَةَ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا فَهَزَمُوهُ، وَقَتَلُوا بِطْرِيقَ الْبَطَارِقَةِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ، وَرَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ.
وَفِيهَا دَخَلَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ إِلَى نَيْسَابُورَ فَظَفِرَ بِالْخَارِجِيِّ الَّذِي كَانَ بِهَرَاةَ يَنْتَحِلُ الْخِلَافَةَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَقَتَلَهُ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ عَلَى رُمْحٍ، وَطِيفَ بِهِ فِي الْآفَاقِ وَالْأَقَالِيمِ، وَمَعَهُ رُقْعَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا ذَلِكَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، خَطِيبُ
(14/544)

دِمَشْقَ وَإِمَامُهَا وَعَالِمُهَا، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْمَشْهُورَةُ الْمُفِيدَةُ، مِنْهَا الْمُتَرْجَمُ فِيهِ عُلُومٌ غَزِيرَةٌ وَفَوَائِدُ كَثِيرَةٌ. وَأَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيُّ. وَحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الشَّاعِرُ. وَمَحْمُودُ بْنُ آدَمَ.
(14/545)

[سَنَةُ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ
فِيهَا وَقَعَ غَلَاءٌ عَظِيمٌ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا حَتَّى أَجْلَى أَكْثَرَ أَهْلِ الْبُلْدَانِ مِنْهَا يَنْتَجِعُونَ غَيْرَهَا، وَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنَ الْمُجَاوِرِينَ وَمَنْ يُشْبِهُهُمْ، حَتَّى ارْتَحَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَخَرَجَ نَائِبُ مَكَّةَ مِنْهَا، وَبَلَغَ كُرُّ الشَّعِيرِ بِبَغْدَادَ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ شُهُورًا.
وَفِيهَا قَتَلَ صَاحِبُ الزَّنْجِ الْمُسْتَحْوِذُ عَلَى الْبَصْرَةِ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ صَاحِبَ الْكُوفَةِ.
وَفِيهَا أَخَذَتِ الرُّومُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِصْنَ لُؤْلُؤَةَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهَا.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ. وَمَالِكُ بْنُ
(14/546)

طَوْقٍ، الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ رَحْبَةُ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ.
وَحُنَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْعَبَّادِيُّ، الطَّبِيبُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَرَّبَ كِتَابَ إِقْلِيدِسَ، وَحَرَّرَهُ بَعْدَهُ ثَابِتُ بْنُ قُرَّةَ وَعَرَّبَ حُنَيْنٌ كِتَابَ " الْمَجَسْطِيِّ " أَيْضًا، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ الطِّبِّ مِنْ لُغَةِ الْيُونَانِ إِلَى لُغَةِ الْعَرَبِ، وَكَانَ الْمَأْمُونُ شَدِيدَ الِاعْتِنَاءِ بِذَلِكَ جَدًّا، وَكَذَلِكَ جَعْفَرٌ الْبَرْمَكِيُّ قَبْلَهُ، وَلَحُنَيْنٍ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الطِّبِّ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ مَسَائِلُ حُنَيْنٍ وَكَانَ بَارِعًا فِي فَنِّهِ جِدًّا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ.
(14/547)

[سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا انْصَرَفَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ مِنْ بِلَادِ الدَّيْلَمِ إِلَى طَبَرِسْتَانَ وَأَحْرَقَ مَدِينَةَ شَالُوسَ ; لِمُمَالَأَتِهِمْ يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ عَلَيْهِ.
وَفِيهَا قَتَلَ مَسَاوِرٌ الْخَارِجِيُّ يَحْيَى بْنَ حَفْصٍ الَّذِي كَانَ يَلِي طَرِيقَ خُرَاسَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَشَخَصَ إِلَيْهِ مَسْرُورٌ الْبَلْخِيُّ، ثُمَّ تَبِعَهُ أَبُو أَحْمَدَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ، فَتَنَحَّى مَسَاوِرٌ فَلَمْ يُلْحَقْ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ ابْنِ وَاصِلٍ الَّذِي تَغَلَّبَ عَلَى فَارِسَ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُفْلِحٍ، فَكَسَرَهُ ابْنُ وَاصِلٍ وَأَسَرَهُ، وَقَتَلَ طَاشْتُمُرَ، وَاصْطَلَمَ الْجَيْشَ الَّذِي كَانَ مَعَهُمَا، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْيَسِيرُ، ثُمَّ سَارَ ابْنُ وَاصِلٍ إِلَى وَاسِطَ يُرِيدُ حَرْبَ مُوسَى بْنِ بُغَا، فَرَجَعَ مُوسَى بْنُ بُغَا إِلَى بَابِ السُّلْطَانِ، وَسَأَلَ أَنْ يُعْفَى مِنْ نِيَابَةِ بِلَادِ الْمَشْرِقِ لِمَا رَأَى مِنْ كَثْرَةِ الْمُتَغَلِّبِينَ بِهَا، فَعُزِلَ عَنْهَا، وَوَلِيَ ذَلِكَ أَبُو أَحْمَدَ أَخُو الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَمِدِ.
(14/548)

وَفِيهَا سَارَ أَبُو السَّاجِ لِحَرْبِ الزَّنْجِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَسَرَتْهُمُ الزَّنْجُ وَدَخَلُوا الْأَهْوَازَ، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا وَحَرَّقُوا مَنَازِلَهُمْ، ثُمَّ صُرِفَ أَبُو السَّاجِ عَنْ نِيَابَةِ الْأَهْوَازِ وَحَرْبِ الزَّنْجِ، وَوَلِيَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سِيمَا.
وَفِيهَا تَجَهَّزَ مَسْرُورٌ الْبَلْخِيُّ فِي جَيْشٍ لِقِتَالِ الزَّنْجِ أَيْضًا.
وَفِيهَا وَلَّى الْخَلِيفَةُ نَصْرَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدٍ السَّامَانِيَّ مَا وَرَاءَ نَهْرِ بَلْخَ وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْهَا.
وَفِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ إِلَى ابْنِ وَاصِلٍ، فَالْتَقَيَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَهَزَمَهُ يَعْقُوبُ، وَفَلَّ عَسْكَرَهُ، وَأَسَرَ خَالَهُ، وَطَائِفَةً مِنْ حَرَمِهِ، وَأَخَذَ مِنْ أَمْوَالِهِ مَا قِيمَتُهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ يُمَالِئُهُ وَيَنْصُرُهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ، وأَطَّدَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.
وَلِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ وَلَدَهُ جَعْفَرًا الْعَهْدَ مِنْ بَعْدِهِ، وَسَمَّاهُ الْمُفَوِّضَ إِلَى اللَّهِ، وَوَلَّاهُ الْمَغْرِبَ وَضَمَّ إِلَيْهِ مُوسَى بْنَ بُغَا، وَوَلَّاهُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَمِصْرَ، وَالشَّامَ، وَالْجَزِيرَةَ، وَالْمَوْصِلَ وَأَرْمِينِيَّةَ، وَطَرِيقَ خُرَاسَانَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ جَعْفَرٍ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ، وَلَقَّبَهُ الْمُوَفَّقَ بِاللَّهِ، وَوَلَّاهُ الْمَشْرِقَ وَضَمَّ إِلَيْهِ مَسْرُورًا الْبَلْخِيَّ، وَوَلَّاهُ بَغْدَادَ وَالسَّوَادَ، وَالْكُوفَةَ، وَطَرِيقَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وَالْيَمَنَ، وَكَسْكَرَ، وَكُوَرَ دِجْلَةَ، وَالْأَهْوَازَ، وَفَارِسَ، وَأَصْبَهَانَ، وَقُمَّ، وَالْكَرْخَ، وَالدِّينَوَرَ، وَالرِّيَّ، وَزَنْجَانَ، وَالسِّنْدَ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ مُكَاتَبَاتٍ وَقُرِئَتْ فِي الْآفَاقِ، وَعُلِّقَتْ مِنْهَا نُسْخَةٌ بِالْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ.
(14/549)

وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّهَاوِيُّ.
وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ.
وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ بِمَكَّةَ.
وَدَاودُ بْنُ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيُّ.
وَشُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَاثِقِ، أَخُو الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ.
وَأَبُو شُعَيْبٍ السُّوسِيُّ.
وَأَبُو يَزِيدَ الْبِسْطَامِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ.
وَعَلِيُّ بْنُ إِشْكَابَ. وَأَخُوهُ
(14/550)

مُحَمَّدٌ.
وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ.
صَاحِبُ " الصَّحِيحِ "، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهَذَا ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ
هُوَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَبُو الْحُسَيْنِ الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ، صَاحِبُ " الصَّحِيحِ " الَّذِي هُوَ تِلْوَ " الصَّحِيحِ " لِلْبُخَارِيِّ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَذَهَبَ الْمَغَارِبَةُ، وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ شَيْخُ الْحَاكِمِ النَّيْسَابُورِيِّ مِنَ الْمَشَارِقَةِ إِلَى تَفْضِيلٍ " صَحِيحِ " مُسْلِمٍ عَلَى " صَحِيحِ " الْبُخَارِيِّ، فَإِنْ أَرَادُوا تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ التَّعْلِيقَاتِ إِلَّا الْقَلِيلَ، وَأَنَّهُ يَسُوقُ الْأَحَادِيثَ بِتَمَامِهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَقْطَعُهَا كَتَقْطِيعِ الْبُخَارِيِّ لَهَا فِي الْأَبْوَابِ، فَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُوَازِي قُوَّةَ أَسَانِيدِ الْبُخَارِيِّ، وَاخْتِيَارَهُ فِي تَصْحِيحِ مَا أَوْرَدَهُ فِي " جَامِعِهِ " مُعَاصَرَةَ الرَّاوِي لِشَيْخِهِ وَسَمَاعَهُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّ مُسْلِمًا لَا يَشْتَرِطُ فِي كِتَابِهِ الشَّرْطَ الثَّانِيَ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي أَوَّلِ شَرْحِ " الْبُخَارِيِّ "، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
(14/551)

وَالْمَقْصُودُ الْآنَ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ إِلَى الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ، وَسَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرِينَ قَدْ أَوْرَدَهُمْ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي " تَهْذِيبِهِ " مُرَتَّبَيْنَ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ.
وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ ; مِنْهُمُ التِّرْمِذِيُّ فِي " جَامِعِهِ " حَدِيثًا وَاحِدًا ; وَهُوَ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ» وَصَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَزَرَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ صَاعِدٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَأَبَا حَاتِمٍ يُقَدِّمَانِ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ عَلَى مَشَايِخِ عَصْرِهِمَا.
وَأَخْبَرَنِي ابْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ، سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمَاسَرْجَسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ يَقُولُ: صَنَّفْتُ هَذَا " الْمُسْنَدَ الصَّحِيحَ " مِنْ ثَلَاثمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ مَسْمُوعَةٍ.
(14/552)

وَرَوَى الْخَطِيبُ قَائِلًا: حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ السَّوْذَرْجَانِيُّ بِأَصْبَهَانَ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْدَهْ، سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيَّ يَقُولُ: مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ.
وَقَدْ ذُكِرَ مُسْلِمٌ عِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، فَقَالَ بِالْعَجَمِيَّةِ مَا مَعْنَاهُ: أَيُّ رَجُلٍ كَانَ هَذَا؟
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ لِمُسْلِمٍ: لَنْ نَعْدَمَ الْخَيْرَ مَا أَبْقَاكَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَخْرَمُ: قَلَّ مَا يَفُوتُ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا مِمَّا يَثْبُتُ فِي الْحَدِيثِ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ الْحِيرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ عُقْدَةَ الْحَافِظَ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، أَيُّهُمَا أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: كَانَ الْبُخَارِيُّ عَالِمًا وَمُسْلِمٌ عَالِمًا. فَكَرَّرْتُ ذَلِكَ
(14/553)

عَلَيْهِ مِرَارًا، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَيَّ هَذَا الْجَوَابَ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَبَا عَمْرٍو، قَدْ يَقَعُ لِلْبُخَارِيِّ الْغَلَطُ فِي أَهْلِ الشَّامِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخَذَ كُتُبَهُمْ فَنَظَرَ فِيهَا، فَرُبَّمَا ذَكَرَ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ بِكُنْيَتِهِ، وَيَذُكُرُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِاسْمِهِ، وَيُتَوَهَّمُ أَنَّهُمَا اثْنَانِ، فَأَمَّا مُسْلِمٌ فَقَلَّ مَا يَقَعُ لَهُ الْغَلَطُ لِأَنَّهُ كَتَبَ الْمَسَانِيدَ وَلَمْ يَكْتُبِ الْمَقَاطِيعَ وَالْمَرَاسِيلَ.
قَالَ الْخَطِيبُ: إِنَّمَا قَفَا مُسْلِمٌ طَرِيقَ الْبُخَارِيِّ، وَنَظَرَ فِي عِلْمِهِ، وَحَذَا حَذْوَهُ، وَلَمَّا وَرَدَ الْبُخَارِيُّ نَيْسَابُورَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ لَازَمَهُ مُسْلِمٌ، وَأَدَامَ الِاخْتِلَافَ إِلَيْهِ. وَقَدْ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيَّ يَقُولُ: لَوْلَا الْبُخَارِيُّ لَمَا ذَهَبَ مُسْلِمٌ وَلَا جَاءَ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْمُنْكَدِرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي أَبُو نَصْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، سَمِعْتُ أَبَا حَامِدٍ أَحْمَدَ بْنَ حَمْدَانَ الْقَصَّارَ، سَمِعْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ، وَجَاءَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أُقَبِّلَ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَطَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ، حَدَّثَكَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانَيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ، فَمَا عِلَّتُهُ؟ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مَلِيحٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِي الدُّنْيَا فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرَ هَذَا
(14/554)

الْحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ ; ثَنَا بِهِ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَوْلَهُ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَهَذَا أَوْلَى ; فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِمُوسَى بْنِ عَقَبَةَ سَمَاعٌ مَنْ سُهَيْلٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ أَفْرَدْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ جُزْءًا عَلَى حِدَةٍ، وَأَوْرَدْتُ فِيهِ طُرُقَهُ وَأَلْفَاظَهُ وَمَتْنَهُ وَعِلَلَهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَقَدْ كَانَ مُسْلِمٌ يُنَاضِلُ عَنِ الْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا كَانَ وَقَعَ بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ فِي مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ فِي نَيْسَابُورَ وَكَيْفَ نُودِيَ عَلَى الْبُخَارِيِّ بِسَبَبِ ذَلِكَ بِنَيْسَابُورَ، وَأَنَ الذُّهْلِيَّ قَالَ يَوْمًا لِأَهْلِ مَجْلِسِهِ، وَفِيهِمْ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: أَلَا مَنْ كَانَ يَقُولُ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ فِي مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ فَلْيَعْتَزِلْ مَجْلِسَنَا. فَنَهَضَ مُسْلِمٌ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَجَمَعَ مَا كَانَ سَمِعَهُ مِنَ الذُّهْلِيِّ جَمِيعَهُ، وَأَرْسَلَ بِهِ إِلَيْهِ، وَتَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنِ الذُّهْلِيِّ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ شَيْئًا لَا فِي " صَحِيحِهِ "، وَلَا فِي غَيْرِهِ وَاسْتَحْكَمَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَهُمَا. هَذَا وَلَمْ يَتْرُكِ الْبُخَارِيُّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الذُّهْلِيَّ، بَلْ رَوَى عَنْهُ فِي " صَحِيحِهِ " وَغَيْرِهِ وَعَذَرَهُ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ سَبَبَ مَوْتِ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ عُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ لِلْمُذَاكَرَةِ، فَسُئِلَ يَوْمًا عَنْ حَدِيثٍ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَوْقَدَ السِّرَاجَ، وَقَالَ لِأَهْلِهِ: لَا يَدْخُلْ أَحَدٌ اللَّيْلَةَ عَلَيَّ. وَقَدْ أُهْدِيَتْ لَهُ سَلَّةٌ مِنْ تَمْرٍ فَهِيَ عِنْدُهُ ; يَأْكُلُ مِنْهَا تَمْرَةً وَيَكْشِفُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَأْكُلُ أُخْرَى، وَيَكْشِفُ آخَرَ، وَلَمَ
(14/555)

يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى أَصْبَحَ وَقَدْ أَكَلَ تِلْكَ السَّلَّةَ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَحَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ثِقَلٌ، وَمَرِضَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ عَشِيَّةَ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَدُفِنَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بِنَيْسَابُورَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا الشَّافِعِيُّ ; وَهِيَ سَنَةُ أَرْبَعِ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً. رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
أَبُو يَزِيدِ الْبِسْطَامِيُّ:
اسْمُهُ طَيْفُورُ بْنُ عِيسَى بْنِ آدَمَ بْنِ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، أَحَدُ مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ، وَكَانَ جَدُّهُ مَجُوسِيًّا فَأَسْلَمَ، وَكَانَ لِأَبِي يَزِيدَ أَخَوَانِ صَالِحَانِ عَابِدَانِ وَهُوَ أَجَلُّ مِنْهُمَا، وَقِيلَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ وَصَلْتَ إِلَى هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ؟ فَقَالَ: بِبَطْنٍ جَائِعٍ وَبَدَنٍ عَارٍ. وَكَانَ يَقُولُ: دَعَوْتُ نَفْسِي إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَلَمْ تَجِبْنِي، فَمَنَعْتُهَا الْمَاءَ سَنَةً. وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا نَظَرْتُمْ إِلَى الرَّجُلِ أُعْطِي مِنَ الْكَرَامَاتِ حَتَّى يَرْتَفِعَ فِي الْهَوَاءِ، فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ حَتَّى تَنْظُرُوا كَيْفَ تَجِدُونَهُ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَحِفْظِ الْحُدُودِ وَأَدَاءِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ: وَلَهُ مَقَامَاتٌ كَثِيرَةٌ وَمُجَاهَدَاتٌ مَشْهُورَةٌ وَكَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ. قُلْتُ: قَدْ حُكِيَ عَنْهُ كَلِمَاتٌ فِيهَا شَطْحٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ وَالْفُقَهَاءِ عَلَيْهَا ;
(14/556)

فَمِنْ مُتَأَوِّلٍ عَلَى الْمَحَامِلِ الْبَعِيدَةِ، أَوْ قَائِلٍ: إِنَّ هَذَا قَالَهُ فِي حَالِ الِاصْطِلَامِ وَالسُّكْرِ، وَمِنْ مُبَدِّعٍ وَمُخْطِّئٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(14/557)

[سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا قَدِمَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ فِي جَحَافِلَ فَدَخَلَ وَاسِطَ قَهْرًا، فَخَرَجَ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ بِنَفْسِهِ مِنْ سَامَرَّا لِقِتَالِهِ، فَتَوَسَّطَ بَيْنَ بَغْدَادَ وَوَاسِطَ، فَانْتَدَبَ لَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ بِاللَّهِ أَخُو الْخَلِيفَةِ، فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ مُوسَى بْنُ بُغَا، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ مَسْرُورٌ الْبَلْخِيُّ، فَاقْتَتَلُوا فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَيَّامًا قِتَالًا عَظِيمًا هَائِلًا، ثُمَّ كَانَتِ الْغَلَبَةُ عَلَى يَعْقُوبَ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ يَوْمَ عِيدِ الشَّعَانِينَ. فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرُونَ، وَغَنِمَ مِنْهُمْ أَبُو أَحْمَدَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمِسْكِ وَالدَّوَابِّ. وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ وَجَدُوا فِي جَيْشِ يَعْقُوبَ هَذَا رَايَاتٍ عَلَيْهَا صُلْبَانٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ الْمُعْتَمِدُ إِلَى الْمَدَائِنِ وَرَدَّ مُحَمَّدَ بْنَ طَاهِرٍ إِلَى نِيَابَةِ بَغْدَادَ وَأَمْرِ لَهُ بِخَمْسمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَفِيهَا غُلِبَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ عَلَى بِلَادِ فَارِسَ وَهَرَبَ ابْنُ وَاصِلٍ مِنْهَا.
وَفِيهَا كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَجَيْشِ الْخَلِيفَةِ.
وَفِيهَا وَلِيَ الْقَضَاءَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ.
وَفِيهَا جُمِعَ لِلْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ قَضَاءُ جَانِبَيْ بَغْدَادَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْعَبَّاسِيُّ.
(14/558)

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ الْحَنَّاطِينَ وَالْجَزَّارِينَ بِمَكَّةَ، فَاقْتَتَلُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَوْ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ نَفَسًا، وَخَافَ النَّاسُ أَنْ يَفُوتَهُمُ الْحَجُّ بِسَبَبِهِمْ، ثُمَّ تَوَادَعُوا إِلَى مَا بَعْدَ الْحَجِّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَنْصُورِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْهَا. وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ النَّمِيرِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَاصِمٍ. وَيَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ، صَاحِبُ " الْمُسْنَدِ " الْحَافِلِ الْمَشْهُورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(14/559)

[سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا جَرَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى ; فَمِنْ ذَلِكَ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الزَّنْجِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، حَصَرَهُمْ فِي بَعْضِ الْمَوَاقِفِ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ فَقَتَلَ الْمَوْجُودِينَ عِنْدَهُ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا سَلَّمَتِ الصَّقَالِبَةُ حِصْنَ لُؤْلُؤَةَ إِلَى طَاغِيَةِ الرُّومِ لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَفِيهَا تَغَلَّبَ أَخُو شَرْكَبَ الْجَمَّالِ عَلَى نَيْسَابُورَ وَأَخْرَجَ مِنْهَا عَامِلَهَا الْحُسَيْنَ بْنَ طَاهِرٍ، وَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهَا ثُلُثَ أَمْوَالِهِمْ مُصَادَرَةً، قَبَّحَهُ اللَّهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْعَبَّاسِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
مَسَاوِرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الشَّارِي الْخَارِجِيُّ، وَقَدْ كَانَ مِنَ الْأَبْطَالِ الْمَذْكُورِينَ وَالشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَالْتَفَّ عَلَيْهِ خَلْقٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَطَالَتْ مُدَّتُهُ حَتَّى قَصَمَهُ اللَّهُ.
وَوَزِيرُ الْخِلَافَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ، صَدَمَهُ فِي الْمَيْدَانِ خَادِمٌ
(14/560)

يُقَالُ لَهُ: رَشِيقٌ. فَسَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَخَرَجَ دِمَاغُهُ مِنْ أُذُنَيْهِ وَأَنْفِهِ، فَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ وَمَشَى فِي جِنَازَتِهِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَاسْتَوْزَرَ مِنَ الْغَدِ الْحَسَنَ بْنَ مَخْلَدٍ فَلَمَّا قَدِمَ مُوسَى بْنُ بُغَا سَامَرَّا عَزَلَهُ وَاسْتَوْزَرَ مَكَانَهُ سُلَيْمَانَ بْنَ وَهْبٍ وَسُلِّمَتْ دَارُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ إِلَى الْأَمِيرِ الْمَعْرُوفِ بِكَيْغَلَغَ.
وَأَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ. وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ. وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشْعَرِيُّ.
(14/561)

[سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا عَسْكَرَ أَبُو أَحْمَدَ وَمُوسَى بْنُ بُغَا بِسَامِرَّا، وَخَرَجَا مِنْهَا لِلَيْلَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ صَفَرٍ، وَخَرَجَ الْمُعْتَمِدُ لِتَوْدِيعِهِمَا، وَسَارَا فَلَمَّا وَصَلَا إِلَى بَغْدَادَ تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ مُوسَى بْنُ بُغَا بِهَا، وَحُمِلَ إِلَى سَامَرَّا وَدُفِنَ بِهَا.
وَفِيهَا وَلِيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُوَلَّدِ وَاسِطَ فَحَارَبَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ نَائِبُهَا مِنْ جِهَةِ الْخَبِيثِ صَاحِبِ الزَّنْجِ فَهَزَمَهُ ابْنُ الْمُوَلَّدِ بَعْدَ حُرُوبٍ طَوِيلَةٍ بَيْنَهُمَا.
وَفِيهَا سَارَ ابْنُ الدِّيرَانِيِّ إِلَى مَدِينَةِ الدِّينَوَرِ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ دُلَفُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفٍ، وَابْنُ عِيَاضٍ، فَهَزَمَاهُ وَنَهَبَا أَمْوَالَهُ وَرَجَعَ مَغْلُولًا.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ مُوسَى بْنُ بُغَا عَزَلَ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ الْوَزِيرَ الَّذِي كَانَ مِنْ جِهَتِهِ ; وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ وَهْبٍ وَحَبَسَهُ مُقَيَّدًا وَأَمَرَ بِنَهْبِ دُورِهِ وَدُورِ أَقْرِبَائِهِ، وَرَدَّ الْحَسَنَ بْنَ مَخْلَدٍ إِلَى الْوِزَارَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا أَحْمَدَ وَهُوَ بِبَغْدَادَ، فَسَارَ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى سَامَرَّا ; فَتَحَصَّنَ مِنْهُ أَخُوهُ الْمُعْتَمِدُ بِجَانِبِهَا الْغَرْبِيِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ عَبَرَ جَيْشُ أَبِي أَحْمَدَ إِلَى الْجَانِبِ الَّذِي فِيهِ الْمُعْتَمِدُ، فِلْمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ بَلِ اصْطَلَحُوا عَلَى رَدِّ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ إِلَى الْوِزَارَةِ، وَهَرَبَ الْحَسَنُ بْنُ مَخْلَدٍ فَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُ
(14/562)

وَحَوَاصِلُهُ وَاخْتَفَى أَبُو عِيسَى ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ ثُمَّ ظَهَرَ، وَهَرَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى الْمَوْصِلِ ; خَوْفًا مِنْ أَبِي أَحْمَدَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْهَاشِمِيُّ الْكُوفِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ. وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ، أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ عَنِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَقَدْ تَرْجَمْنَاهُ فِي " طَبَقَاتِ الشَّافِعِيِّينَ ". وَتَرْجَمَهُ ابْنُ خِلِّكَانَ فِي الْوَفَيَاتِ أَيْضًا فَأَحْسَنَ وَأَطْنَبَ وَأَطْيَبَ.
وَأَبُو زُرْعَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الرَّازِيُّ.
أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْمَشْهُورِينَ، قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ. وَكَانَ فَقِيهًا وَرِعًا زَاهِدًا عَابِدًا خَاشِعًا مُتَوَاضِعًا، أَثْنَى عَلَيْهِ أَهْلُ زَمَانِهِ بِالْحِفْظِ وَالدِّيَانَةِ، وَشَهِدُوا لَهُ بِالتَّقَدُّمِ عَلَى أَقْرَانِهِ، وَكَانَ فِي حَالٍ شَبِيبَتِهِ إِذَا اجْتَمَعَ بِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لِلْمُذَاكَرَةِ يَقْتَصِرُ أَحْمَدُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، وَلَا يَفْعَلُ الْمَنْدُوبَاتِ اكْتِفَاءً بِالْمُذَاكَرَةِ عَنْ ذَلِكَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَلْخَ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ
(14/563)

مِائَتَيْنِ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ مَبْسُوطَةً فِي " التَّكْمِيلِ ".
وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ قَاضِي دِمَشْقَ.
وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ الْمِصْرِيُّ، مِمَّنْ رَوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " التَّكْمِيلِ "، وَفِي " الطَّبَقَاتِ ".
وَقَبِيحَةُ أَمُّ الْمُعْتَزِّ، إِحْدَى حَظَايَا الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ، جَمَعَتْ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَاللَّآلِئِ وَالذَّهَبِ وَالْمَصَاغِ مَا لَمْ يُعْهَدْ لِمِثْلِهَا، ثُمَّ سُلِبَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَقُتِلَ وَلَدُهَا الْمُعْتَزُّ لِأَجْلِ نَفَقَاتِ الْجُنْدِ، وَشَحَّتْ عَلَيْهِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ تُدَارِئُ بِهَا عَنْهُ. وَكَانَتْ وَفَاتُهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
(14/564)

[سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ ابْنِ لَيْثَوَيْهِ عَامِلِ أَبِي أَحْمَدَ عَلَى جُنْبُلَاءَ وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ، ظَفِرَ فِيهَا ابْنُ لَيْثَوَيْهِ بِابْنِ جَامِعٍ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْخَبِيثِ صَاحِبِ الزَّنْجِ فَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَصَابَ مِنْهُمْ سَبْعَةً وَأَرْبَعِينَ أَسِيرًا، وَحَرَّقَ لَهُ مَرَاكِبَ كَثِيرَةً، وَغَنِمَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ حَاصَرَ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ نَائِبُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مَدِينَةَ أَنْطَاكِيَةَ وَفِيهَا سِيمَا الطَّوِيلُ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى فَتَحَهَا بَعْدَ حُرُوبٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَقُتِلَ سِيمَا الْمَذْكُورُ. وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى جَاءَتْهُ هَدَايَا مَلَكِ الرُّومِ وَفِي جُمْلَتِهَا أُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ كُلِّ أَسِيرٍ مُصْحَفٌ، وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَشِيدِ بْنِ كَاوِسَ الَّذِي كَانَ عَامِلَ الثُّغُورِ فَاجْتَمَعَ لِأَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ مُلْكُ الشَّامِ بِكَمَالِهِ مَعَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ نَائِبُ دِمَشْقَ أَمَاجُورُ، رَكِبَ ابْنُ طُولُونَ مِنْ مِصْرَ، فَتَلَقَّاهُ ابْنُ أَمَاجُورَ إِلَى الرَّمْلَةِ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا، وَسَارَ إِلَى دِمَشْقَ فَدَخَلَهَا، ثُمَّ إِلَى حِمْصَ فَتَسَلَّمَهَا، ثُمَّ إِلَى حَلَبَ فَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا تَقَدَّمَ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قُدُومُ أَبِيهِ عَلَيْهِ مَنَ الشَّامِ أَخَذَ مَا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ
(14/565)

مِنَ الْحَوَاصِلِ، وَوَازَرَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَسَارُوا إِلَى بَرْقَةَ خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ أَبِيهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مَنْ أَخَذَهُ ذَلِيلًا حَقِيرًا، وَرَدُّوهُ إِلَى مِصْرَ فَحَبَسَهُ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَفِيهَا خَرَجَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْقَاسِمُ بْنُ مَهَارَةَ عَلَى دُلَفِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفٍ الْعِجْلِيِّ، فَقَتَلَهُ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى أَصْبَهَانَ فَانْتَصَرَ أَصْحَابُ دُلَفٍ لَهُ فَقَتَلُوا الْقَاسِمَ هَذَا وَرَأَّسُوا عَلَيْهِمْ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَفِيهَا لِحَقَ مُحَمَّدٌ الْمُوَلَّدُ بِيَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ فَسَارَ إِلَيْهِ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِنَهْبِ حَوَاصِلِهِ وَأَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ وَضِيَاعِهِ.
وَفِيهَا دَخَلَ صَاحِبُ الزَّنْجِ إِلَى النُّعْمَانِيَّةِ فَقَتَلَ وَحَرَّقَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى جَرْجَرَايَا فَانْزَعَجَ النَّاسُ، وَدَخَلَ أَهْلُ السَّوَادِ إِلَى بَغْدَادَ فَلَجَئُوا إِلَيْهَا مَحْصُورِينَ.
وَفِيهَا وَلِيَ أَبُو أَحْمَدَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ خُرَاسَانَ وَفَارِسَ وَأَصْبَهَانَ وَسِجِسْتَانَ وَكَرْمَانَ وَالسِّنْدَ، وَوَجَّهَهُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ وَبِالْخِلَعِ وَالتُّحَفِ.
وَفِيهَا حَاصَرَتِ الزَّنْجُ تُسْتَرَ حَتَّى كَادُوا يَفْتَحُونَهَا، فَوَافَاهُمْ تِكِينُ الْبُخَارِيُّ، فَلَمْ يَضَعْ ثِيَابَ سَفَرِهِ حَتَّى نَاجَزَ الزَّنْجَ فَهَزَمَهُمْ هَزِيمَةً فَظِيعَةً مُنْكَرَةً جِدًّا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَهَرَبَ أَمِيرُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ الْمُهَلَّبِيُّ
(14/566)

مَغْلُولًا مَدْحُورًا مَخْذُولًا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذِهِ وَقْعَةُ بَابِ كُودَكَ الْمَشْهُورَةُ. ثُمَّ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ الْمُهَلَّبِيَّ أَخَذَ فِي مُكَاتَبَةِ تِكِينَ وَاسْتِمَالَتِهِ إِلَيْهِ وَإِلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ فَشَرَعَ تِكِينُ فِي الْإِجَابَةِ إِلَى ذَلِكَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ مَسْرُورًا الْبَلْخِيَّ، فَسَارَ نَحْوَهُ وَأَظْهَرَ لَهُ الْأَمَانَ حَتَّى أَخَذَهُ وَقَيَّدَهُ وَتَفَرَّقَ جَيْشُهُ عَنْهُ ; فَفِرْقَةٌ صَارَتْ إِلَى الزَّنْجِ، وَفِرْقَةٌ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْكُرْدِيِّ، وَفِرْقَةٌ انْضَافَتْ إِلَى مَسْرُورٍ الْبَلْخِيِّ بَعْدَ إِعْطَائِهِ إِيَّاهُمُ الْأَمَانَ، وَوَلَّى مَكَانَهُ عَلَى عِمَالَتِهِ أَمِيرًا آخَرَ يُقَالُ لَهُ: أَغَرْتِمْشُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، رَاوِيَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَدْ صَحِبَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ، وَكَانَ يُعَدُّ مِنَ الْأَبْدَالِ، تُوُفِّيَ عَنْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
وَسَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُخَرِّمِيُّ. وَعَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ
(14/567)

الطَّائِيُّ الْمَوْصِلِيُّ. وَأَبُو حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيُّ عَلِيُّ بْنُ مُوَفَّقٍ الزَّاهِدُ. وَمُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " كَامِلِهِ ": وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيُّ - صَاحِبُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيِّ - قَتَلَهُ الزَّنْجُ بِالْبَصْرَةِ.
وَيَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ الصِّفَّارُ.
أَحَدُ الْمُلُوكِ الْعُقَلَاءِ الْأَبْطَالِ، فَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً ; مِنْ ذَلِكَ بَلَدُ الرُّخَّجِ الَّتِي كَانَ بِهَا مَلِكٌ يُحْمَلُ فِي سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ عَلَى رُءُوسِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانَ لَهُ بَيْتٌ فِي رَأْسِ جَبَلٍ عَالٍ سَمَّاهُ مَكَّةَ فَمَا زَالَ حَتَّى قَتَلَهُ وَأَخَذَ بَلَدَهُ وَأَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَلَكِنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْخَلِيفَةِ وَقَاتَلَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَمَّا مَاتَ وَلَّوْا أَخَاهُ عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ مَا كَانَ يَلِيهِ أَخُوهُ يَعْقُوبُ مَعَ شُرْطَةِ بَغْدَادَ وَسَامَرَّا، كَمَا سَيَأْتِي.
(14/568)

[سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي صَفَرٍ مِنْهَا تَغَلَّبَ أَسَاتِكِينُ عَلَى بَلَدِ الرِّيِّ وَأَخْرَجَ عَامِلَهَا مِنْهَا، ثُمَّ مَضَى إِلَى قَزْوِينَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا فَدَخَلَهَا وَأَخَذَ مِنْهَا أَمْوَالًا جَزِيلَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى الرِّيِّ فَمَانَعَهُ أَهْلُهَا عَنِ الدُّخُولِ إِلَيْهَا فَقَاتَلَهُمْ وَدَخَلَهَا قَهْرًا.
وَفِيهَا أَغَارَتْ سَرِيَّةٌ مِنَ الرُّومِ عَلَى نَاحِيَةِ دِيَارِ رَبِيعَةَ فَقَتَلُوا وَسَبَوْا وَمَثَّلُوا وَأَخَذُوا نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ أَسِيرًا، فَنَفَرَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ نَصِيبِينِ وَأَهْلُ الْمَوْصِلِ فَهَرَبَتْ مِنْهُمُ الرُّومُ وَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ.
وَفِيهَا وَلِيَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ شُرْطَةَ بَغْدَادَ وَسَامَرَّا لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ بِالْخِلْعَةِ وَخَلَعَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ أَيْضًا، وَأَهْدَى إِلَيْهِ عَمُودَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، وَذَلِكَ مُضَافًا إِلَى مَا كَانَ يَلِيهِ أَخُوهُ مِنَ الْبُلْدَانِ.
وَفِيهَا سَارَ أَغْرِتْمِشُ لِقِتَالِ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ الْمُهَلَّبِيِّ بِتُسْتَرَ، فَأَخَذَ مَنْ كَانَ فِي السِّجْنِ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ الْمُهَلَّبِيِّ مِنَ الْأُمَرَاءِ فَقَتَلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ فَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا فِي مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ، وَكَانَ آخِرُهَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ الْمُهَلَّبِيِّ، قَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ أَغْرِتْمِشَ وَأَسَرَ بَعْضَهُمْ فَقَتَلَهُمْ، وَبَعَثَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْخَبِيثِ صَاحِبِ الزَّنْجِ فَنَصَبَ رُءُوسَهُمْ عَلَى سُورِ مَدِينَتِهِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ.
(14/569)

وَفِيهَا وَثَبَ أَهْلُ حِمْصَ عَلَى عَامِلِهِمْ عِيسَى الْكَرْخِيِّ فَقَتَلُوهُ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا.
وَفِيهَا دَعَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنٍ الْأَصْغَرُ الْعُقَيْقِيُّ أَهْلَ طَبَرِسْتَانَ إِلَى نَفْسِهِ وَأَظْهَرَ لَهُمْ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ زَيْدٍ قَدْ أُسِرَ وَلَمْ يَبْقَ مَنْ يَقُومُ بِهَذَا الْأَمْرِ غَيْرُهُ فَبَايَعُوهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ بْنَ زَيْدٍ، قَصْدَهُ فَقَاتَلَهُ فَقَتَلَهُ وَنَهَبَ أَمْوَالَ مَنِ اتَّبَعَهُ وَحَرَّقَ دُورَهُمْ.
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَنَوَاحِيهَا بَيْنَ الْجَعْفَرِيَّةِ وَالْعَلَوِيَّةِ، وَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ سُلَالَةِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي تَغَلَّبَ عَلَى طَبَرِسْتَانَ وَجَرَتْ شُرُورٌ كَثِيرَةٌ هُنَالِكَ بِسَبَبِ قَتْلِ الْجَعْفَرِيَّةِ وَالْعَلَوِيَّةِ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
وَفِيهَا وَثَبَتِ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَى كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فَانْتَهَبُوهَا، وَصَارَ بَعْضُهَا إِلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ وَأَصَابَ الْحَجِيجَ مِنْهُمْ شِدَّةٌ عَظِيمَةٌ وَبَلَاءٌ شَدِيدٌ.
وَفِيهَا أَغَارَتِ الرُّومُ أَيْضًا عَلَى دِيَارِ رَبِيعَةَ.
وَفِيهَا دَخَلَ أَصْحَابُ صَاحِبِ الزَّنْجِ إِلَى رَامَهُرْمُزَ فَافْتَتَحُوهَا بَعْدَ قِتَالٍ طَوِيلٍ.
وَفِيهَا دَخَلَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ مَكَّةَ فَقَاتَلَهُ الْمَخْزُومِيُّ فَقَهَرَهُ ابْنُ أَبِي السَّاجِ وَحَرَّقَ دَارَهُ وَاسْتَبَاحَ مَالَهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَعَلَ إِلَى ابْنِ أَبِي السَّاجِ إِمْرَةَ الْحَرَمَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ قَبْلَهَا.
(14/570)

وَفِيهَا عَمِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلُ - خَلِيفَةُ الْأَنْدَلُسِ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ - مَرَاكِبَ فِي نَهْرِ قُرْطُبَةَ لِيَدْخُلَ بِهَا إِلَى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ ; لِتَسِيرَ الْجُيُوشُ فِي أَطْرَافِهِ إِلَى بَعْضِ الْبُلْدَانِ لِيُقَاتِلُوهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْمَرَاكِبُ الْبَحْرَ الْمُحِيطَ تَكَسَّرَتْ وَتَقَطَّعَتْ وَلَمْ يَنْجُ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا الْيَسِيرُ وَغَرِقَ أَكْثَرُهُمْ.
وَفِيهَا التَّقَى أُسْطُولُ الْمُسْلِمِينَ وَأُسْطُولُ الرُّومِ بِبِلَادِ صِقِلِّيَّةَ فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا حَارَبَ لُؤْلُؤٌ غُلَامُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ لِمُوسَى بْنِ أَتَامِشَ فَكسَرَ جَيْشَهُ وَأَسَرَهُ لُؤْلُؤٌ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى مَوْلَاهُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ نَائِبِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَإِفْرِيقِيَةَ مِنْ جِهَةِ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ اقْتَتَلَ لُؤْلُؤٌ هَذَا وَطَائِفَةٌ مِنَ الرُّومِ، فَقَتَلَ مِنَ الْعَدُوِّ خَلْقًا كَثِيرًا.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَفِيهَا اشْتَدَّ الْحَالُ وَضَاقَ النَّاسُ ذَرْعًا بِكَثْرَةِ الْهَيْجِ، وَتَغَلُّبِ الْقُوَّادِ وَالْأَجْنَادِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ بِسَبَبِ ضَعْفِ الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَمِدِ، وَاشْتِغَالِ أَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ بِقِتَالِ الزَّنْجِ.
وَفِيهَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فِي تِشْرِينَ الثَّانِي جِدًّا، ثُمَّ قَوِيَ بِهِ الْبَرْدُ حَتَّى جَمَدَ الْمَاءُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ أُورَمَةَ.
وَصَالِحٌ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَاضِي
(14/571)

أَصْبَهَانَ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثَّلْجِيُّ، أَحَدُ عُبَّادِ الْجَهْمِيَّةِ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ.
(14/572)

[سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا وَجَّهَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ وَلَدَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ فِي نَحْوٍ مَنْ عَشْرَةِ آلَافِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ فِي أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، وَأَكْمَلِ تَجَمُّلٍ لِقِتَالِ الزَّنْجِ، فَسَارُوا نَحْوَهُمْ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْقِتَالِ وَالنِّزَالِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَاتٍ وَوَقَعَاتٍ مَشْهُورَاتٍ مَا يَطُولُ بَسْطُهُ، وَقَدِ اسْتَقْصَاهُ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي " تَارِيخِهِ " مَبْسُوطًا.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ آلَ الْحَالُ، وَانْتَهَى الْحَرْبُ وَالْجِلَادُ وَالْجِدَالُ وَالنِّزَالُ إِلَى أَنِ اسْتَحْوَذَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُوَفَّقِ عَلَى مَا كَانَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الزَّنْجُ بِبِلَادِ وَاسِطَ وَأَرَاضِي دِجْلَةَ، هَذَا وَهُوَ شَابٌّ حَدَثٌ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْحَرْبِ، وَلَكِنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ وَغَنَّمَهُ، وَأَعْلَى كَلِمَتِهِ، وَسَدَّدَ رَمْيَتَهُ، وَأَجَابَ دَعْوَتَهُ، وَفَتَحَ عَلَى يَدَيْهِ، وَأَسْبَغَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الشَّابُّ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ عَمِّهِ الْمُعْتَمِدُ، وَلُقِّبَ بِالْمُعْتَضِدِ كَمَا سَيَأْتِي.
ثُمَّ رَكِبَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ نَاصِرُ دِينِ اللَّهِ مِنْ بَغْدَادَ فِي صِفْرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُيُوشٍ كَثِيفَةٍ، فَدَخَلَ وَاسِطَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا، فَتَلَقَّاهُ ابْنُهُ وَأَخْبَرَهُ عَنِ
(14/573)

الْجُيُوشِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَمَا تَحَمَّلُوا مِنْ أَعْبَاءِ الْجِهَادِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأُمَرَاءِ كُلِّهِمْ خِلَعًا سَنِيَّةً، ثُمَّ سَارَ بِجَمِيعِ الْجُيُوشِ إِلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا، وَسَمَّاهَا الْمَنِيعَةَ، فَقَاتَلُوا دُونَهَا قِتَالًا عَظِيمًا فَقَهَرَهُمْ، وَدَخَلَهَا عَنْوَةً وَهَرَبُوا مِنْهَا، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ جَيْشًا فَلَحِقُوهُمْ إِلَى الْبَطَائِحِ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، وَغَنِمَ أَبُو أَحْمَدَ مِنَ الْمَنِيعَةِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَاسْتَنْقَذَ مِنَ النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ خَمْسَةَ آلَافِ امْرَأَةٍ، وَأَمَرَ بِإِرْسَالِهِنَّ إِلَى أَهَالِيهِنَّ بِوَاسِطَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَدْمِ سُورِ الْبَلَدِ وَطَمِّ خَنْدَقِهَا وَجَعَلَهَا بَلْقَعًا بَعْدَمَا كَانَتْ لِلْبَشَرِ مَجْمَعًا، وَعَادَتْ يَبَابًا بَعْدَ كَوْنِهَا لِلْخَبِيثِ جَنَابًا.
ثُمَّ سَارَ الْمُوَفَّقُ إِلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: الْمَنْصُورَةُ. مِنْ إِنْشَاءِ الزَّنْجِ أَيْضًا وَبِهَا سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، فَحَاصَرَهَا وَقَاتَلُوهُ دُونَهَا فَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَرَمَى أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُوَفَّقِ أَحْمَدَ بْنَ مَهْدِيٍّ بِسَهْمٍ فَأَصَابَهُ فِي دِمَاغِهِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ صَاحِبِ الزَّنْجِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ جِدًّا، وَأَصْبَحَ النَّاسُ مُحَاصِرِينَ مَدِينَةَ الزَّنْجِ، وَذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ وَالْجُيُوشُ الْمُوَفَّقِيَّةُ مُرَتَّبَةٌ أَحْسَنَ تَرْتِيبٍ، فَتَقَدَّمَ الْمُوَفَّقُ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَابْتَهَلَ إِلَى اللَّهِ فِي الدُّعَاءِ، وَاجْتَهَدَ فِي حِصَارِهَا، فَهَزَمَ اللَّهُ مُقَاتِلَتَهَا، وَانْتَهَى إِلَى
(14/574)

خَنْدَقِهَا ; فَإِذَا هُوَ قَدْ حُصِّنَ غَايَةَ التَّحْصِينِ، وَإِذَا هُمْ قَدْ جَعَلُوا حَوْلَ الْبَلَدِ خَمْسَةَ خَنَادِقَ وَخَمْسَةَ أَسْوَارٍ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاوَزَ سُورًا قَاتَلُوهُ دُونَ الْآخَرِ فَيَقْهَرُهُمْ وَيَجُوزُهُ إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَلَدِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَهَرَبَ بَقِيَّتُهُمْ وَأَسَرَ مِنْ نِسَاءِ الزَّنْجِ وَمِنْ حَلَائِلِ سُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ وَذَوِيهِ نِسَاءً كَثِيرَةً وَصِبْيَانًا، وَاسْتَنْقَذَ مِنْ أَيْدِيهِمْ مِنَ النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَوَاسِطَ نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ نَسَمَةٍ فَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَهَالِيهِمْ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. ثُمَّ أَمَرَ بِهَدْمِ خَنَادِقِهَا وَأَسْوَارِهَا وَرَدْمِ خَنَادِقِهَا وَأَنْهَارِهَا، وَأَقَامَ بِهَا سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَبَعَثَ فِي آثَارِ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الزَّنْجِ، فَكَانَ لَا يُؤْتَى بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا اسْتَمَالَهُ إِلَى الْخَيْرِ بِرِفْقٍ وَلِينٍ وَصَفْحٍ، وَأَضَافَهُ إِلَى بَعْضِ الْأُمَرَاءِ، وَكَانَ مَقْصُودُهُ رُجُوعَهُمْ إِلَى الْحَقِّ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْأَهْوَازِ فَأَجْلَاهُمْ عَنْهَا، وَطَرَدَهُمْ مِنْهَا، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ ; مِنْهُمْ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ رَئِيسًا فِيهِمْ مُطَاعًا، وَغَنِمَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَكَتَبَ الْمُوَفَّقُ إِلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ مِمَّا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْمَآثِمِ وَالْمَظَالِمِ وَالْمَحَارِمِ وَدَعْوَى النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَخَرَابِ الْبُلْدَانِ وَاسْتِحْلَالِ الْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ، يَبْذُلُ لَهُ الْأَمَانَ إِنْ هُوَ رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الزَّنْجِ جَوَابًا.
(14/575)

ذِكْرُ مَسِيرِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ إِلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي فِيهَا صَاحِبُ الزَّنْجِ، وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ ; لِيُحَاصِرَهَا
لَمَّا كَتَبَ أَبُو أَحْمَدَ إِلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ يَدْعُوهُ إِلَى الْحَقِّ فَلَمْ يُجِبْهُ، اسْتِهَانَةً بِهِ، رَكِبَ فِي جُيُوشٍ عَظِيمَةٍ قَرِيبٍ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ قَاصِدًا إِلَى مَدِينَتِهِ الَّتِي أَنْشَأَهَا وَسَمَّاهَا الْمُخْتَارَةَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا وَجَدَهَا فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ، وَقَدْ حَوَّطَ عَلَيْهَا مِنْ آلَاتِ الْحِصَارِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَقَدِ الْتَفَّ عَلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ بِسَيْفٍ وَرُمْحٍ وَمِقْلَاعٍ، وَمَنْ يَكْثُرُ سَوَادُهُمْ، فَقَدَّمَ الْمُوَفَّقُ وَلَدَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَقَدَّمَ حَتَّى وَقَفَ تَحْتَ قَصْرِ الْمَلِكِ فَحَاصَرَهُ مُحَاصَرَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَتَعَجَّبَ الزَّنْجُ مِنْ إِقْدَامِهِ وَجُرْأَتِهِ، مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ، وَحَدَاثَةِ عُمُرِهِ فَتَرَاكَمَتِ الزُّنُوجُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَهَزَمَهُمْ، وَأَثْبَتَ بَهْبُوذَ أَكْبَرَ أُمَرَائِهِ بِالسِّهَامِ وَالْحِجَارَةِ، ثُمَّ خَامَرَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَأَجْنَادِهِ إِلَى الْمُوَفَّقِ، فَأَكْرَمَهُمْ وَأَعْطَاهُمْ خِلَعًا سَنِيَّةً، فَرَغِبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ فَصَارُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ فِي يَوْمِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَنَادَى فِي النَّاسِ كُلِّهِمْ بِالْأَمَانِ إِلَّا صَاحِبَ الزَّنْجِ فَتَحَوَّلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ جَيْشِهِ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَابْتَنَى الْمُوَفَّقُ تِجَاهَ مَدِينَةِ صَاحِبِ الزَّنْجِ مَدِينَةً سَمَّاهَا الْمُوَفَّقِيَّةَ، وَأَمَرَ بِحَمْلِ الْأَمْتِعَةِ وَالتِّجَارَاتِ إِلَيْهَا، فَاجْتَمَعَ بِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْيَاءِ وَصُنُوفِهَا مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي
(14/576)

بَلَدٍ قَبْلَهَا، وَعَظُمَ شَأْنُهَا، وَامْتَلَأَتْ مِنَ الْمَعَايِشِ وَالْأَرْزَاقِ وَصُنُوفِ التِّجَارَاتِ وَالسُّكَّانِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا بَنَاهَا لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى قِتَالِ صَاحِبِ الزَّنْجِ ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ عَظِيمَةٌ، وَمَا زَالَتِ الْحَرْبُ نَاشِبَةً بَيْنَهُمْ حَتَّى انْسَلَخَتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَهُمْ مُحَاصِرُونَ الْبَلَدَ الْخَبِيثَ وَمَنْ فِيهِ، وَقَدْ تَحَوَّلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَصَارُوا عَلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَعَهُ، فَبَلَغَ عَدَدُهُمْ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ الْأُمَرَاءِ الْخَوَاصِّ وَالْأَجْنَادِ، وَالْمُوَفَّقُ وَأَصْحَابُهُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - كُلُّ مَا لَهُمْ فِي زِيَادَةٍ وَقُوَّةٍ وَنَصْرٍ وَظَفَرٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْهَاشِمِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِسْمَاعِيلُ سَمُّوَيْهِ. وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ شَاذَانُ. وَبَحْرُ بْنُ نَصْرٍ الْخَوْلَانِيُّ. وَعَبَّاسٌ التَّرَقُفِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ بَكْرِ بْنِ حَمَّادٍ أَبُو بَكْرٍ
(14/577)

الْمُقْرِئُ صَاحِبُ خَلَفِ بْنِ هِشَامٍ الْبَزَّارِ، بِبَغْدَادَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُزَيْزٍ الْأَيْلِيُّ. وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ حَيْكَانُ، وَيُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ رَاوِي " مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ " عَنْهُ.
(14/578)

[سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا اسْتَأْمَنَ جَعْفَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِالسَّجَّانِ - وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَثِقَاتِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ - الْمُوَفَّقَ فَأَمَّنَهُ وَفَرِحَ بِهِ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَرَكِبَ فِي سُمْرَتِهِ فَوَقَفَ تُجَاهَ قَصْرِ الْمَلِكِ، فَنَادَى فِي النَّاسِ وَأَعْلَمَهُمْ بِكَذِبِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَفُجُورِهِ، وَأَنَّهُ فِي غُرُورٍ هُوَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، فَاسْتَأْمَنَ بِسَبَبِ ذَلِكَ بِشْرٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَبَرَدَ قِتَالُ الزَّنْجِ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى رَبِيعٍ الْآخَرِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ الْمُوَفَّقُ أَصْحَابَهُ بِمُحَاصَرَةِ السُّورِ، وَأَمَرَهُمْ إِذَا نَقَبُوا السُّورَ أَنْ لَا يَدْخُلُوا الْبَلَدَ حَتَّى يَأْمُرَهُمْ، فَنَقَبُوا السُّورَ حَتَّى انْثَلَمَ ثُمَّ عَجَّلُوا الدُّخُولَ فَدَخَلُوا، فَقَاتَلَهُمُ الزَّنْجُ فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَتَقَدَّمُوا إِلَى وَسَطِ الْمَدِينَةِ فَجَاءَتْهُمُ الزَّنْجُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَخَرَجَتْ عَلَيْهِمُ الْكَمَائِنُ مِنْ أَمَاكِنَ لَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهَا، فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَلْقًا كَثِيرًا وَاسْتَلَبُوهُمْ، وَفَرَّ الْبَاقُونَ، فَلَامَهُمْ أَبُو أَحْمَدَ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنَ الْعَجَلَةِ، وَأَجْرَى الْأَرْزَاقَ عَلَى ذُرِّيَّةِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، فَحَسُنَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ جِدًّا، وَظَفِرَ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ الْمُوَفَّقِ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَعْرَابِ وَغَيْرِهِمْ، كَانُوا يَجْلِبُونَ الطَّعَامَ إِلَى الزَّنْجِ فَقَتَلَهُمْ، وَظَفِرَ بِبَهْبُوذَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْفَتْحِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْظَمِ الرَّزَايَا عِنْدَ الزَّنْجِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَبَعْثَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسِينَ مَنًّا مِنْ مِسْكٍ، وَخَمْسِينَ مَنًّا مِنْ عَنْبَرٍ، وَمِائَتَيْ مَنٍّ مِنْ عُودٍ، وَفِضَّةً بِقِيمَةِ مِائَةِ
(14/579)

أَلْفٍ، وَثِيَابًا مِنْ وَشْيٍ وَغِلْمَانًا كَثِيرَةً جِدًّا.
وَفِيهَا خَرَجَ مَلِكُ الرُّومِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصَّقْلَبِيَّةِ فَحَاصَرَ أَهْلَ مَلَطْيَةَ فَأَعَانَهُمْ أَهْلُ مَرْعَشَ فَفَرَّ الْخَبِيثُ خَاسِئًا.
وَغَزَا الصَّائِفَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الثُّغُورِ عَامِلُ ابْنِ طُولُونَ فَقَتَلَ مِنَ الرُّومِ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ الْمُتَقَدِّمُ.
وَفِيهَا قُتِلَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُجُسْتَانِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ. وَأَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ. وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّيُّ، وَعِيسَى بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ، وَقَدْ صَحِبَ الشَّافِعِيَّ وَرَوَى عَنْهُ.
(14/580)

[سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَهَدَ الْمُوَفَّقُ - وَفَّقَهُ اللَّهُ - فِي تَخْرِيبِ سُورِ مَدِينَةِ صَاحِبِ الزَّنْجِ فَخَرَّبَ مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا، وَتَمَكَّنَ الْجُيُوشُ مِنَ الْعُبُورِ إِلَى الْبَلَدِ، وَلَكِنْ جَاءَهُ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْحَالَةِ سَهْمٌ فِي صَدْرِهِ مِنْ يَدِ رَجُلٍ رُومِيٍّ يُقَالُ لَهُ: قِرْطَاسٌ. فَكَادَ يَقْتُلُهُ، فَاضْطَرَبَ الْحَالُ لِذَلِكَ وَهُوَ يَتَجَلَّدُ وَيَحُضُّ عَلَى الْقِتَالِ مَعَ ذَلِكَ. وَأَقَامَ بِبَلَدِهِ الْمُوَفَّقِيَّةِ أَيَّامًا يَتَدَاوَى، وَاضْطَرَبَتِ الْأَحْوَالُ، وَخَافَ النَّاسُ جِدًّا مِنْ صَاحِبِ الزَّنْجِ، وَأَشَارُوا عَلَى الْمُوَفَّقِ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَغْدَادَ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَقَوِيَتْ عِلَّتُهُ ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْعَافِيَةِ فِي شَعْبَانَ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، فَنَهَضَ مُسْرِعًا إِلَى الْحِصَارِ، فَوَجَدَ الْخَبِيثَ قَدْ رَمَّمَ كَثِيرًا مِمَّا كَانَ الْمُوَفَّقُ قَدْ خَرَّبَهُ وَهَدَمَهُ، فَأَمَرَ بِتَخْرِيبِهِ وَمَا حَوْلَهُ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، ثُمَّ لَازَمَ الْحِصَارَ وَمَا انْفَكَّ حَتَّى فَتَحَ الْمَدِينَةَ الْغَرْبِيَّةَ، وَخَرَّبَ قُصُورَ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَدُورَ أُمَرَائِهِ، وَاسْتَلَبَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَغَنِمَ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ كَثْرَةً، وَأَسَرَ خَلْقًا مِنْ نِسَاءِ الزَّنْجِ، وَاسْتَنْقَذَ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ خَلْقًا كَثِيرًا، فَأَمَرَ بِرَدِّهِمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ مُكَرَّمِينَ، وَقَدْ تَحَوَّلَ صَاحِبُ الزَّنْجِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَعَمِلَ الْجُسُورَ وَالْقَنَاطِرَ الْحَائِلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَصُولِ السُّمَيْرِيَّاتِ إِلَيْهِ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بِتَخْرِيبِهَا وَقَطْعِ الْجُسُورِ، وَاسْتَمَرَّ الْحِصَارُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَمَا بَرِحَ حَتَّى تَسَلَّمَ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ أَيْضًا وَاسْتَحْوَذَ
(14/581)

عَلَى حَوَاصِلِهِ وَأَمْوَالِهِ، وَفَرَّ الْخَبِيثُ ذَاهِبًا وَكَرَّ هَارِبًا وَتَرَكَ حَلَائِلَهُ وَأَوْلَادَهُ وَحَوَاصِلَهُ، فَأَخَذَهَا الْمُوَفَّقُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَشَرْحُ ذَلِكَ كُلِّهِ يَطُولُ جِدًّا. وَقَدْ حَرَّرَهُ مَبْسُوطًا ابْنُ جَرِيرٍ وَلَخَّصَهُ مَبْسُوطًا ابْنُ الْأَثِيرِ، وَاخْتَصَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
وَلَمَّا رَأَى الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ أَنَّ أَخَاهُ أَبَا أَحْمَدَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى أُمُورِ الْخِلَافَةِ وَصَارَ هُوَ الْحَاكِمَ الْآمِرَ النَّاهِيَ الَّذِي إِلَيْهِ تُجْلَبُ الْأَمْوَالُ وَيُحْمَلُ الْخَرَاجُ، وهُوَ الَّذِي يُوَلِّي وَيَعْزِلُ، كَتَبَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ يَشْكُو إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ طُولُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى عِنْدِهِ بِبِلَادِ مِصْرَ وَوَعَدَهُ النَّصْرَ وَالْقِيَامَ مَعَهُ، فَاسْتَغْنَمَ غَيْبَةَ أَخِيهِ الْمُوَفَّقِ وَرَكِبَ فِي جُمَادَى الْأُولَى وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، وَقَدْ أَرْصَدَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ جَيْشًا بِالرَّقَّةِ يَتَلَقَّوْنَهُ، فَلَمَّا اجْتَازَ الْخَلِيفَةُ بِإِسْحَاقَ بْنِ كِنْدَاجٍ نَائِبِ الْمَوْصِلِ وَعَامَّةِ الْجَزِيرَةِ اعْتَقَلَهُ عِنْدَهُ عَنِ الْمَسِيرِ إِلَى ابْنِ طُولُونَ، وَقَيَّدَ أَعْيَانَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَعَاتَبَ الْخَلِيفَةَ وَلَامَهُ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ أَشَدَّ اللَّوْمِ، ثُمَّ أَلْزَمَهُ الْعَوْدَ إِلَى سَامَرَّا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَيْهَا فِي غَايَةِ الذُّلِّ وَالْإِهَانَةِ.
وَلَمَّا بَلَغَ الْمُوَفَّقَ ذَلِكَ شَكَرَ سَعْيَ إِسْحَاقَ وَوَلَّاهُ جَمِيعَ أَعْمَالِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ إِلَى أَقْصَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ أَنْ يَلْعَنَ ابْنَ طُولُونَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ، فَلَمْ يُمْكِنِ الْمُعْتَمِدَ إِلَّا إِجَابَتُهُ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ كَارِهٌ، وَكَانَ ابْنُ طُولُونَ قَدْ قَطَعَ ذِكْرَ الْمُوَفَّقِ فِي الْخُطَبِ وَأَسْقَطَ اسْمَهُ عَنِ الطِّرَازَاتِ.
(14/582)

وَفِيهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِمَكَّةَ بَيْنَ أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ وَأَصْحَابِ ابْنِ طُولُونَ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ طُولُونَ مِائَتَانِ وَهَرَبَ بَقِيَّتُهُمْ، واسْتَلَبَهُمْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَفِيهَا قَطَعَتِ الْأَعْرَابُ عَلَى الْحَجِيجِ الطَّرِيقَ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ خَمْسَةَ آلَافِ بَعِيرٍ بِأَحْمَالِهَا.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْقِذٍ الْخَوْلَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُخَالِدٍ مَوْلَى الْمُعْتَصِمِ، وَكَانَ مِنْ دُعَاةِ الْمُعْتَزِلَةِ، أَخَذَ الْكَلَامَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ الْمُعْتَزِلِيِّ. وَسُلَيْمَانُ بْنِ حَفْصٍ الْمُعْتَزِلِيُّ صَاحِبُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَأَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ. وَعِيسَى ابْنُ الشَّيْخِ ابْنِ السَّلِيلِ الشَّيْبَانِيُّ نَائِبُ أَرْمِينِيَّةَ وَدِيَارِ بَكْرٍ. وَأَبُو فَرْوَةَ يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرًّهَاوِيُّ، أَحَدُ الضُّعَفَاءِ.
(14/583)

[سَنَةُ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
فِيهَا كَانَ مَقْتَلُ صَاحِبِ الزَّنْجِ قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُوَفَّقَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ شَأْنِ مَدِينَةِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ وَاحْتَازَ مَا كَانَ بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَسَبَى مَنْ وَجَدَ فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، وَقَدْ هَرَبَ صَاحِبُ الزَّنْجِ عَنْ حَوْمَةِ الْجِلَادِ وَالنِّزَالِ، وَسَارَ إِلَى بَعْضِ الْبِلَادِ طَرِيدًا شَرِيدًا بِشَرِّ حَالٍ، عَادَ الْمُوَفَّقُ - وَفَّقَهُ اللَّهُ - إِلَى مَدِينَتِهِ الْمُوَفَّقِيَّةِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا، وَقَدِمَ عَلَيْهِ لُؤْلُؤَةُ غُلَامُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ مُنَابِذًا لِسَيِّدِهِ سَمِيعًا مُطِيعًا لِلْمُوَفَّقِ، فَكَانَ وُرُودُهُ عَلَيْهِ فِي ثَالِثِ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَأَعْطَاهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَبَعَثَهُ طَلِيعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ لِقِتَالِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَرَكِبَ الْمُوَفَّقُ فِي الْجُيُوشِ الْكَثِيفَةِ الْهَائِلَةِ وَرَاءَهُ، فَقَصَدُوا الْخَبِيثَ وَقَدْ تَحَصَّنَ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى، فَلَمْ يَزَلْ مُحَاصِرًا لَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْهَا ذَلِيلًا وَهُوَ صَاغِرٌ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى مَا كَانَ بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْمَغَانِمِ، ثُمَّ بَعَثَ السَّرَايَا وَالْجُيُوشَ وَرَاءَهُ، فَأَسَرُوا عَامَّةَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَحُمَاتِهِ ; مِنْهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، فَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِأَسْرِهِ وَكَبَّرُوا فَرَحًا بِالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ، وَحَمَلَ الْمُوَفَّقُ بِمَنِّ مَعَهُ حَمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى أَصْحَابِ الْخَبِيثِ فَاسْتَحَرَّ فِيهِمُ الْقَتْلُ، وَمَا انْجَلَتِ الْحَرْبُ حَتَّى جَاءَ الْبَشِيرُ بِقَتْلِ
(14/584)

الْخَبِيثِ صَاحِبِ الزَّنْجِ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَأَتَى بِرَأْسِهِ مَعَ غُلَامِ لُؤْلُؤَةَ فَتَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْمُوَفَّقُ أَنَّهُ رَأَسُهُ بَعْدَ شَهَادَةِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ، خَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ثُمَّ انْكَفَأَ رَاجِعًا إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ، وَرَأْسُ الْخَبِيثِ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسُلَيْمَانَ مَعَهُ أَسِيرٌ، فَدَخَلَ الْبَلَدَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَنْكَلَايَ وَلَدِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَأَبَانِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُهَلَّبِيِّ، مُسَعَّرِ حَرْبِهِمْ، مَأْسُورَيْنِ، وَمَعَهُمَا قَرِيبٌ مِنْ خَمْسَةِ آلَافِ أَسِيرٍ، فَتَمَّ السُّرُورُ، وَهَرَبَ قِرْطَاسٌ الَّذِي رَمَى الْمُوَفَّقَ فِي صَدْرِهِ بِذَلِكَ السَّهْمِ إِلَى رَامَهُرْمُزَ فَأُخِذَ وَبُعِثَ بِهِ إِلَى الْمُوَفَّقِ فَقَتَلَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ وَلَدُ الْمُوَفَّقِ. وَاسْتَأْمَنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ جُيُوشِ الزَّنْجِ فَأَمَّنَهُمُ الْمُوَفَّقُ، وَنَادَى فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ، وَأَنْ يَرْجِعَ كُلُّ مَنْ كَانَ أُخْرِجَ مِنْ دِيَارِهِ بِسَبَبِ فِتْنَةِ الزَّنْجِ إِلَى أَوْطَانِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ، ثُمَّ قَدَّمَ وَلَدَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى بَغْدَادَ وَمَعَهُ رَأْسُ الْخَبِيثِ يُحْمَلُ لِيَرَاهُ أَهْلُ بَغْدَادَ فَدَخَلَهَا لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا بِبَغْدَادَ، وَانْتَهَتْ أَيَّامُ صَاحِبِ الزَّنْجِ الْمُدَّعِي الْكَذَّابِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ كَانَ ظُهُورُهُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقُتِلَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَكَانَتْ دَوْلَتُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
(14/585)

وَقَدْ قِيلَ فِي انْقِضَاءِ دَوْلَةِ الزَّنْجِ وَمَا كَانَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ ; مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيِّ:
أَقُولُ وَقَدْ جَاءَ الْبَشِيرُ بِوَقْعِةٍ ... أَعَزَّتْ مِنَ الْإِسْلَامِ مَا كَانَ وَاهِيًا
جَزَى اللَّهُ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ بَعْدَمَا ... أُبِيحَ حِمَاهُمْ خَيْرَ مَا كَانَ جَازِيَا
تَفَرَّدَ - إِذْ لَمْ يَنْصُرِ اللَّهُ نَاصِرٌ ... بِتَجْدِيدِ دِينٍ كَانَ أَصْبَحَ بَالِيَا
وَتَجْدِيدِ مُلْكٍ قَدْ وَهَى بَعْدَ عِزِّهِ ... وَأَخْذٍ بِثَارَاتٍ تُبِيرُ الْأَعَادِيَا
وَرَدِّ عِمَارَاتٍ أُزِيلَتْ وَأُخْرِبَتْ ... لِيَرْجِعَ فَيْءٌ قَدْ تَخَرَّمَ وَافِيَا
وَتَرْجِعَ أَمْصَارٌ أُبِيحَتْ وَأُحْرِقَتْ ... مِرَارًا فَقَدْ أَمْسَتْ قَوَاءً عَوَافِيَا
وَيَشْفِي صُدُورَ الْمُسْلِمِينَ بِوَقْعَةٍ ... يُقِرُّ بِهَا مِنَّا الْعُيُونَ الْبَوَاكِيَا
وَيُتْلَى كِتَابُ اللَّهِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ... وَيُلْقَى دُعَاءُ الطَّالِبِيِّينَ خَاسِيَا
فَأَعْرَضَ عَنْ أَحْبَابِهِ وَنَعِيمِهِ ... وَعَنْ لَذَّةِ الدُّنْيَا وَأَصْبَحَ عَارِيَا
وَهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ، هَذَا طَرَفٌ مِنْهَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَقْبَلَتِ الرُّومُ فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ طَرَسُوسَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ فَبَيَّتُوهُمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى الصَّبَاحِ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقُتِلَ الْمُقَدَّمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ وَهُوَ بِطْرِيقُ الْبَطَارِقَةِ، وَجُرِحَ أَكْثَرُ الْبَاقِينَ، وَغَنِمَ
(14/586)

الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ غَنِيمَةً عَظِيمَةً ; مِنْ ذَلِكَ سَبْعُ صُلْبَانٍ مَنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَصَلِيبُهُمُ الْأَعْظَمُ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ مٍنْ ذَهَبٍ صَامِتٍ مُكَلَّلٍ بِالْجَوَاهِرِ، وَأَرْبَعَةُ كَرَاسٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِائَتَا كُرْسِيٍّ مِنْ فِضَّةٍ، وَآنِيَةٌ كَثِيرَةٌ، وَعَشَرَةُ آلَافِ عَلَمٍ مِنْ دِيبَاجٍ، وَغَنِمُوا حَرِيرًا كَثِيرًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دَابَّةٍ وَسُرُوجًا وَسِلَاحًا وَسُيُوفًا مُحَلَّاةً، وَشَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ أَوَّلًا وَآخِرًا.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ.
أَبُو الْعَبَّاسِ أَمِيرُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَبَانِي الْجَامِعِ بِهَا، الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ، وَقَدْ مَلَكَ دِمَشْقَ وَالْعَوَاصِمَ وَالثُّغُورَ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ طُولُونَ مِنَ الْأَتْرَاكِ الَّذِينَ أَهْدَاهُمْ نُوحُ بْنُ أَسَدِ بْنِ سَامَانَ السَّامَانِيُّ، عَامِلُ بُخَارَى إِلَى الْمَأْمُونِ فِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ، وَيُقَالُ: إِلَى الرَّشِيدِ فِي سَنَةِ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ.
وُلِدَ أَحْمَدُ هَذَا فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ.
(14/587)

وَمَاتَ أَبُوهُ طُولُونَ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَحَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ وَإِنَّمَا تَبَنَّاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهُ مِنْ جَارِيَةٍ تُرْكِيَّةٍ اسْمُهَا هَاشِمُ.
وَنَشَأَ أَحْمَدُ هَذَا فِي صِيَانَةٍ وَعَفَافٍ وَدِرَاسَةٍ لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، مَعَ حُسْنِ الصَّوْتِ، وَكَانَ يَعِيبُ عَلَى أَوْلَادِ التُّرْكِ مَا يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُنْكَرَاتِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ جَارِيَةً اسْمُهَا هَاشِمُ.
وَحَكَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ " عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِ مِصْرَ أَنَّ طُولُونَ لَمْ يَكُنْ أَبَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ تَبَنَّاهُ، وَأَنَّهُ كَانَ ظَاهِرَ النَّجَابَةِ مِنْ صِغَرِهِ، وَأَنَّهُ اتَّفَقَ أَنْ بَعَثَهُ طُولُونَ فِي حَاجَةٍ لِيَأْتِيَهُ بِهَا مِنْ قَصْرِ الْإِمَارَةِ، فَذَهَبَ، فَإِذَا حَظِيَّةٌ مِنْ حَظَايَا أَبِيهِ مَعَ بَعْضِ الْخَدَمِ فِي فَاحِشَةٍ، فَأَخَذَ حَاجَتَهُ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا، وَكَرَّ رَاجِعًا إِلَيْهِ سَرِيعًا، وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِشَيْءٍ مِمَّا رَأَى مِنْ ذَلِكَ، فَتَوَهَّمَتِ الْحَظِيَّةُ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدُ قَدْ أَخْبَرَ طُولُونَ بِمَا رَأَى، فَجَاءَتْ إِلَى طُولُونَ فَقَالَتْ: إِنَّ أَحْمَدَ
(14/588)

جَاءَنِي الْآنَ إِلَى الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ وَرَاوَدَنِي عَنْ نَفْسِي، وَانْصَرَفَتْ إِلَى قَصْرِهَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهَا، فَاسْتَدْعَى أَحْمَدَ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، وَخَتَمَهُ إِلَى بَعْضِ الْأُمَرَاءِ: أَنْ إِذَا وَصَلَ إِلَيْكَ حَامِلُ هَذَا الْكِتَابِ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَابْعَثْ بِرَأْسِهِ سَرِيعًا إِلَيَّ. فَذَهَبَ أَحْمَدُ وَهُوَ لَا يَدْرِي مَا فِي الْكِتَابِ، فَاجْتَازَ فِي طَرِيقِهِ بِقَصْرِ تِلْكَ الْحَظِيَّةِ، فَاسْتَدْعَتْهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: إِنِّي مَشْغُولٌ بِهَذَا الْكِتَابِ لِأُوَصِّلَهُ إِلَى فُلَانٍ. فَقَالَتْ: هَلُمَّ، فَلِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ - وَأَرَادَتْ أَنْ تَحْبِسَهُ عِنْدَهَا ; لِيَكْتُبَ لَهَا كِتَابًا، لِتُحَقِّقَ فِي ذِهْنِ الْمَلِكِ مَا ذَكَرَتْهُ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَرْسَلَتْ بِذَلِكَ الْكِتَابِ مَعَ الْخَادِمِ الَّذِي كَانَتْ هِيَ وَإِيَّاهُ عَلَى الْفَاحِشَةِ وَجَلَسَ أَحْمَدُ يَكْتُبُ لَهَا الْكِتَابَ، وَذَهَبَ ذَلِكَ الْخَادِمُ إِلَى ذَلِكَ الْأَمِيرِ بِالْكِتَابِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، وَأَرْسَلَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَلِكِ طُولُونَ، فَتَعَجَّبَ الْمَلِكُ وَقَالَ: أَيْنَ أَحْمَدُ؟ فَطُلَبَ لَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، أَخْبِرْنِي كَيْفَ صَنَعْتَ مُنْذُ خَرَجْتَ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ؟ فَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى مِنَ الْأَمْرِ، وَلَمَّا سَمِعَتْ تِلْكَ الْحَظِيَّةُ بِأَنَّ رَأْسَ الْخَادِمِ قَدْ أُتِيَ بِهِ إِلَى الْمَلِكِ سَقَطَ فِي يَدَيْهَا، وَتَوَهَّمَتْ أَنَّ الْمَلِكَ قَدْ تَحَقَّقَ الْحَالَ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ
(14/589)

تَعْتَذِرُ وَتَسْتَغْفِرُ مِمَّا وَقَعَ مِنْهَا مَعَ الْخَادِمِ، وَاعْتَرَفَتْ بِالْحِقِّ وَبَرَّأَتْ سَاحَةَ أَحْمَدَ، فَحَظِيَ عِنْدَهُ، وَأَوْصَى لَهُ بِالْمُلْكِ مِنْ بَعْدِهِ.
ثُمَّ وَلِيَ نِيَابَةَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِلْمُعْتَزِّ، فَدَخَلَهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا إِحْسَانًا كَثِيرًا، وَأَنْفَقَ فِيهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ صَدَقَاتِهِ، وَاسْتَغَلَّ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَبَنَى بِهَا الْجَامِعَ، وَغَرِمَ عَلَيْهِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ فَرَاغُهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ. وَكَانَتْ لَهُ مَائِدَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَحْضُرُهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَكَانَ يَتَصَدَّقُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ. وَقَالَ لَهُ وَكِيلُهُ يَوْمًا: إِنَّهُ تَأْتِينِي الْمَرْأَةُ وَعَلَيْهَا الْإِزَارُ وَبِذْلَةٌ وَهَيْئَةٌ فَتَسْأَلُنِي أَفَأُعْطِيَهَا؟ فَقَالَ: مَنْ مَدَّ يَدَهُ إِلَيْكَ فَأَعْطِهِ.
وَكَانَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ لِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَمِنْ أَطْيَبِهِمْ صَوْتًا بِهِ.
وَقَدْ قِيلَ - فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ خَلِّكَانَ: إِنَّهُ قَتَلَ صَبْرًا نَحْوًا مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ نَفْسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَنَى الْبِيمَارِسْتَانَ، فَغَرِمَ عَلَيْهِ سِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى الْمَيْدَانِ مِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفًا، وَكَانَ لَهُ صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَإِحْسَانٌ زَائِدٌ، ثُمَّ مَلَكَ دِمَشْقَ بَعْدَ أَمِيرِهَا أَمَاجُورَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا.
(14/590)

وَاتَّفَقَ أَنَّهُ وَقَعَ بِهَا حَرِيقٌ عِنْدَ كَنِيسَةِ مَرْيَمَ، فَنَهَضَ بِنَفْسِهِ إِلَيْهِ وَمَعَهُ أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْحَافِظُ الدِّمَشْقِيُّ، وَكَاتِبُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، ثُمَّ أَمَرَ كَاتِبَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِ الْأَمِيرِ سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ تُصْرَفُ إِلَى أَهْلِ الدُّورِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي أُحْرِقَتْ، فَصَرَفَ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ قِيمَةِ مَا ذَكَرُوهُ، وَبَقِيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُوَزَّعَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَالٍ عَظِيمٍ يُفَرَّقُ عَلَى فُقَرَاءِ دِمَشْقَ وَغُوطَتِهَا، فَأَقَلُّ مَا حَصَلَ لِلْفَقِيرِ دِينَارٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ فَحَاصَرَ بِهَا صَاحِبَهَا سِيمَا حَتَّى قَتَلَهُ، وَتَسَلَّمَ الْبَلَدَ - كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ - ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ فِي أَوَائِلِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ عِلَّةٍ أَصَابَتْهُ مِنْ أَكْلِ لَبَنِ الْجَوَامِيسِ، فَأَصَابَهُ ذَرَبٌ، فَدَاوَاهُ الْأَطِبَّاءُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، فَكَانَ يَأْكُلُ مِنْهُ فِي الْخُفْيَةِ، فَمَاتَ. رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ تَرَكَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَثَاثِ وَالدَّوَابِّ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا ; مِنْ ذَلِكَ عَشَرَةُ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَلَدًا ; مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا، فَقَامَ
(14/591)

بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ خُمَارَوَيْهِ، وَسَيَأْتِي مَا كَانَ مَنْ أَمْرِهِ.
وَكَانَ لَهُ مِنَ الْغِلْمَانِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ غُلَامٍ، وَمِنَ الْمُوَالَى سَبْعَةُ آلَافِ مَوْلًى، وَمِنَ الْبِغَالِ وَالْخَيْلِ وَالْجِمَالِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَإِنَّمَا تَغَلَّبَ عَلَى الْبِلَادِ لِاشْتِغَالِ الْمُوَفَّقِ طَلْحَةَ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْهُ بِحَرْبِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَقَدْ كَانَ الْمُوَفَّقُ نَائِبَ أَخِيهِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ - وَهُوَ وَالِدُ الْمُعْتَضِدِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ سَهْلٍ الْكَاتِبُ.
صَاحِبُ كِتَابِ " الْخَرَاجِ "، قَالَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ.
وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَرْقِيِّ.
وَأُسِيدُ بْنُ عَاصِمٍ الْجَمَّالُ.
وَبَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْمِصْرِيُّ.
فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
(14/592)

وَالْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْعَلَوِيُّ.
صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا يَعْرِفُ الْفِقْهَ وَالْعَرَبِيَّةَ، قَالَ لَهُ شَاعِرٌ فِي جُمْلَةِ قَصِيدَةٍ مَدَحَهُ بِهَا:
اللَّهُ فَرْدٌ وَابْنُ زَيْدٍ فَرْدُ
فَقَالَ: وَيْلَكَ، لَا تَقُلْ، هَلَّا قُلْتَ:
اللَّهُ فَرْدٌ وَابْنُ زَيْدٍ عَبْدُ
ثُمَّ نَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ، وَخَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَأَلْصَقَ خَدَّهُ بِالتُّرَابِ، وَلَمْ يُعْطِ ذَلِكَ الشَّاعِرَ شَيْئًا.
وَامْتَدَحَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ فِي أَوَّلِ قَصِيدَتِهِ:
لَا تَقُلْ بُشْرَى وَلَكِنْ بُشْرَيَانِ ... عِزَّةُ الدَّاعِي وَيَوْمُ الْمِهْرَجَانِ
فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ: لَوِ ابْتَدَأَتْ بِالْمِصْرَاعِ الثَّانِي لَكَانَ أَحْسَنَ، وَأَبْعَدَ لَكَ أَنْ تَبْتَدِئَ شِعْرَكَ بِحَرْفِ " لَا ". فَقَالَ لَهُ الشَّاعِرُ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا كَلِمَةٌ أَجْلَّ مَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ: أَصَبْتَ. وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ سَنِيَّةٍ.
(14/593)

وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ.
وَدَاودُ بْنُ عَلِيٍّ.
الْأَصْبَهَانِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ الْفَقِيهُ الظَّاهِرِيُّ، إِمَامُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، رَوَى عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ، وَمُسَدَّدِ بْنِ مُسَرْهَدٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ، وَزَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ.
قَالَ الْخَطِيبُ: كَانَ فَقِيهًا زَاهِدًا وَفِي كُتُبِهِ حَدِيثٌ كَثِيرٌ، وَالرِّوَايَةُ عَنْهُ عَزِيزَةٌ جِدًّا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي " طَبَقَاتِهِ " أَنَّ أَصْلَهُ مِنْ أَصْبَهَانَ وَوُلِدَ بِالْكُوفَةِ، وَنَشَأَ بِبَغْدَادَ وَأَنَّهُ انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْعِلْمِ بِهَا، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ أَرْبَعُمِائَةِ صَاحِبِ
(14/594)

طَيْلَسَانٍ أَخْضَرَ، وَكَانَ مِنَ الْمُتَعَصِّبِينَ لِلشَّافِعِيِّ، وَصَنَّفَ مَنَاقِبَهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ حَسَنَ الصَّلَاةِ وَالتَّوَاضُعِ.
وَقَدْ قَالَ الْأَزْدِيُّ: تُرِكَ حَدِيثُهُ. وَلَمْ يُتَابَعِ الْأَزْدِيُّ عَلَى ذَلِكَ.
لَكِنْ رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهِ بِسَبَبِ كَلَامِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَأَنَّ لَفْظَهُ بِهِ مَخْلُوقٌ، كَمَا نُسِبَ إِلَى الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ، وَلَكِنْ حَصَرَ نَفْسَهُ بِنَفْيِهِ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ، فَضَاقَ بِذَلِكَ ذَرْعُهُ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْفِقْهِ، فَلَزِمَهُ الْقَوْلُ بِأَشْيَاءَ قَطْعِيَّةٍ صَارَ إِلَيْهَا بِسَبَبِ اتِّبَاعِهِ الظَّاهِرَ الْمُجَرَّدَ مِنْ غَيْرِ تَفَهُّمٍ لِمَعْنَى النَّصِّ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ الْقِيَاسِيُّونَ بَعْدَهُ فِي الِاعْتِدَادِ بِخِلَافِهِ، وَأَنَّهُ هَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ مَعَ خِلَافِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى أَقْوَالٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا:
الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ.
صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ تَرْجَمْنَاهُ فِي " طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ "
وَالْقَاضِي بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ.
الْحَاكِمُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ
(14/595)

وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ مَسْجُونًا فِي حَبْسِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ ; لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْلَعِ الْمُوَفَّقَ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ، وَكَانَ عَالِمًا عَابِدًا زَاهِدًا كَثِيرَ التِّلَاوَةِ وَالْمُحَاسَبَةِ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ شَغَرَ مَنْصِبُ الْقَضَاءِ بَعْدَهُ بِمِصْرَ ثَلَاثَ سِنِينَ وَقَدْ بَسَطَ ابْنُ خَلِّكَانَ تَرْجَمَتَهُ فِي الْوَفَيَاتِ.
ابْنُ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ قَاضِيهَا، النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ الْبَدِيعَةِ الْمُفِيدَةِ الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى عُلُومٍ جَمَّةٍ نَافِعَةٍ، اشْتَغَلَ بِبَغْدَادَ، وَسَمِعَ بِهَا الْحَدِيثَ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَطَبَقَتِهِ، وَأَخَذَ اللُّغَةَ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ وَذَوِيهِ، وَصَنَّفَ وَجَمَعَ وَأَلَّفَ الْكُتُبَ الْكَثِيرَةَ ; فَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ " الْمَعَارِفِ " " وَأَدَبُ الْكَاتِبِ " الَّذِي شَرَحَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّيِّدِ الْبَطْلَيُوسِيُّ، وَكِتَابُ " مُشْكِلِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ "، " وَغَرِيبُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ "، " وَعُيُونُ الْأَخْبَارِ "، " وَإِصْلَاحُ الْغَلَطِ "، وَكِتَابُ " الْخَيْلِ "، وَكِتَابُ " الْأَنْوَاءِ "، وَكِتَابُ " الْمَسَائِلِ وَالْجَوَابَاتِ "، وَكِتَابُ " الْمَيْسِرِ وَالْقِدَاحِ "، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا. وَمَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَمْ يُجَاوِزِ السِّتِّينَ، وَرَوَى عَنْهُ وَلَدُهُ أَحْمَدُ جَمِيعَ
(14/596)

مُصَنَّفَاتِهِ. وَقَدْ وَلِيَ وَلَدُهُ أَحْمَدُ قَضَاءَ مِصْرَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَتُوُفِّيَ بِهَا بَعْدَ سَنَةٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّاغَانِيُّ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ.
وَمُصَعَبُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ.
وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِ الْجُنَيْدِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَلِكُ الرُّومِ ابْنُ الصَّقْلَبِيَّةِ، لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَفِيهَا ابْتَدَأَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى بِبِنَاءِ مَدِينَةِ لَارِدَةَ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ.
(14/597)

[سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا عَزَلَ الْخَلِيفَةُ عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ عَنْ وِلَايَةِ خُرَاسَانَ وَأَمَرَ بِلَعْنِهِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَفَوَّضَ أَمْرَ خُرَاسَانَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، وَبَعَثَ جَيْشًا إِلَى عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ فَهُزِمَ عَمْرٌو.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدِ ابْنِ الْمُوَفَّقِ أَبِي أَحْمَدَ وَبَيْنَ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ ; وَذَلِكَ أَنَّ خُمَارَوَيْهِ لَمَّا مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ بِلَادَ مِصْرَ وَالشَّامِ جَاءَهُ جَيْشٌ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ، عَلَيْهِمْ إِسْحَاقُ بْنُ كِنْدَاجَ نَائِبُ الْجَزِيرَةِ وَابْنُ أَبِي السَّاجِ فَقَاتَلُوهُ بِأَرْضِ شَيْرَزَ، فَامْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ الشَّامِ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَنْجَدُوا بِأَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ الْمُوَفَّقِ، فَقَدِمَ إِلَيْهِمْ فَكَسَرَ جَيْشَ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ، وَتَسَلَّمَ دِمَشْقَ وَاحْتَازَهَا، ثُمَّ سَارَ نَحْوَ خُمَارَوَيْهِ إِلَى بِلَادِ الرَّمْلَةِ عِنْدَ مَاءٍ عَلَيْهِ طَوَاحِينُ، فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ، فَبِذَلِكَ تُسَمَّى هَذِهِ وَقْعَةَ الطَّوَاحِينِ، ثُمَّ كَانَتِ النَّوْبَةُ أَوَّلًا لِأَبِي الْعَبَّاسِ عَلَى خُمَارَوَيْهِ، فَهَزَمَهُ حَتَّى هَرَبَ خُمَارَوَيْهِ، لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى دَخَلَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَأَقْبَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَأَصْحَابُهُ عَلَى نَهْبِ مُعَسْكَرِهِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ كَمِينٌ لِجَيْشِ خُمَارَوَيْهِ وَهُمْ مَشْغُولُونَ بِالْغَنِيمَةِ فَوَضَعَتِ الْمِصْرِيُّونَ فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْهَزَمَ
(14/598)

الْجَيْشُ، وَهَرَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدُ، فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ فَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ أَهْلُهَا بَابَهَا، فَانْصَرَفَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى طَرَسُوسَ وَبَقِيَ الْجَيْشَانِ الْمِصْرِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ يَقْتَتِلَانِ، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمِيرٌ. ثُمَّ كَانَ الظَّفَرُ لِلْمِصْرِيِّينَ ; لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا أَبَا الْعَشَائِرِ أَخَا خُمَارَوَيْهِ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَغَلَبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّتْ أَيْدِيهِمْ عَلَى دِمَشْقَ وَسَائِرِ الشَّامِ وَهَذِهِ مِنْ أَعْجَبِ الْوَقَعَاتِ.
وَفِيهَا جَرَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بِأَرْضِ الْأَنْدَلُسِ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ.
وَفِيهَا دَخَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ ابْنَا الْحُسَيْنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَتَلَا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا، وَأَخَذَا أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَتَعَطَّلَتِ الصَّلَوَاتُ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَرْبَعَ جُمَعٍ لَمْ يَحْضُرِ النَّاسُ فِيهَا جُمْعَةً وَلَا جَمَاعَةً، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَجَرَتْ بِمَكَّةَ فِتْنَةٌ أُخْرَى وَاقْتَتَلَ النَّاسُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيْضًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَبَّاسِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ.
تِلْمِيذُ ابْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ
(14/599)

وَالتَّعْدِيلِ
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْبَصْرِيُّ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الطَّهْرَانِيُّ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ.
وَيُوسُفُ بْنُ مُسْلِمٍ.
وَبُورَانُ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ.
زَوْجَةُ الْمَأْمُونِ وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَهَا خَدِيجَةُ، وَبُورَانُ لَقَبٌ لَهَا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. عَقَدَ عَلَيْهَا الْمَأْمُونُ بِفَمِ الصِّلْحِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهَا عَشْرُ سِنِينَ، فَنَثَرَ أَبُوهَا عَلَى النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَنَادِقَ الْمِسْكِ، مَكْتُوبٌ فِي وَرَقَةٍ وَسَطَ كُلِّ بُنْدُقَةٍ اسْمَ قَرْيَةٍ، أَوْ مِلْكٍ، أَوْ جَارِيَةٍ، أَوْ غُلَامٍ، أَوْ فَرَسٍ، فَمَنِ الْتَقَطَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَلَكَهَ، وَنَثَرَ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ الدَّنَانِيرَ وَنَوَافِجَ
(14/600)

الْمِسْكِ وَبِيصَ الْعَنْبَرِ، وَأَنْفَقَ عَلَى الْمَأْمُونِ وَعَسْكَرِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ تِلْكَ الْأَيَّامَ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَلَمَّا تَرَحَّلَ الْمَأْمُونُ عَنْهُ أَطْلَقَ لَهُ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَقْطَعُهُ فَمَ الصِّلْحِ وَبَنَى بِهَا فِي سَنَةِ عَشْرٍ. فَلَمَّا جَلَسَ الْمَأْمُونُ فَرَشُوا لَهُ حَصِيرًا مَنْ ذَهَبٍ، وَنَثَرُوا عَلَى قَدَمَيْهِ أَلْفَ حَبَّةِ جَوْهَرٍ، وَهُنَاكَ تَوْرٌ مَنْ ذَهَبٍ فِيهِ شَمْعَةٌ مِنْ عَنْبَرٍ زِنَةُ أَرْبَعِينَ مَنًّا مِنْ عَنْبَرٍ، فَقَالَ: هَذَا سَرَفٌ. وَنَظَرَ إِلَى ذَلِكَ الْحَبِّ عَلَى الْحَصِيرِ فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ أَبَا نُوَاسٍ حَيْثُ يَقُولُ فِي صِفَةِ الْخَمْرِ:
كَأَنَّ صُغْرَى وَكُبْرَى مِنْ فَوَاقِعِهَا ... حَصْبَاءُ دُرٍّ عَلَى أَرْضٍ مِنَ الذَّهَبِ
ثُمَّ أَمَرَ بِالدُّرِّ فَجُمِعَ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهَا وَقَالَ: هَذَا نِحْلَةٌ مِنِّي لَكَ، وَسَلِي حَاجَتَكِ. فَقَالَتْ لَهَا جَدَّتُهَا: سَلِي سَيِّدَكِ فَقَدِ اسْتَنْطَقَكِ. فَقَالَتْ: أَسْأَلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَرْضَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ فَرَضِيَ عَنْهُ، ثُمَّ أَرَادَ الِاجْتِمَاعَ بِهَا فَإِذَا هِيَ حَائِضٌ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ الْمَأْمُونُ فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَتَأَخَّرَتْ هِيَ بَعْدَهُ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهَا ثَمَانُونَ سَنَةً.
(14/601)

[سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا سَارَ نَائِبُ قَزْوِينَ وَهُوَ أَذْكُوتِكِينُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ طَبَرِسْتَانَ بَعْدَ أَخِيهِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ بِالرِّيِّ، فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ مِنَ الدَّيْلَمِ وَغَيْرِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَهَزَمَهُ أَذْكُوتِكِينُ وَغَنِمَ مَا فِي مُعَسْكَرِهِ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ سِتَّةَ آلَافٍ، وَدَخَلَ الرَّىَّ فَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهَا مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَفَرَّقَ عُمَّالَهُ فِي نُوَاحِي الرَّىِّ.
وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُوَفَّقِ وَبَيْنَ صَاحِبِ ثَغْرِ طَرَسُوسَ - وَهُوَ يَازْمَانُ الْخَادِمُ - فَثَارَ أَهْلُ طَرَسُوسَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ فَأَخْرَجُوهُ عَنْهُمْ، فَرَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ.
وَفِيهَا دَخَلَ حَمْدَانُ بْنُ حَمْدُونَ وَهَارُونُ الشَّارِي مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ وَصَلَّى بِهِمُ الشَّارِي فِي جَامِعِهَا الْأَعْظَمِ.
وَفِيهَا عَاثَتْ بَنُو شَيْبَانَ فِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا.
وَفِيهَا تَحَرَّكَتْ بَقِيَّةُ الزَّنْجِ فِي أَرْضِ الْبَصْرَةِ وَنَادَوْا: يَا أَنْكِلَايُ، يَا مَنْصُورُ.
(14/602)

وَكَانَ أَنْكِلَايُ ابْنُ صَاحِبِ الزَّنْجِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، وَأَبَانُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُهَلَّبِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ وُجُوهِ أُمَرَائِهِمْ فِي حَبْسِ الْمُوَفَّقِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَقُتِلُوا وَحُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَيْهِ وَصُلِبَتْ أَبْدَانُهُمْ بِبَغْدَادَ، وَسَكَنَتِ الشُّرُورُ.
وَفِيهَا صَلُحَ أَمْرُ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَتَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَيْهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا جَرَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بِبِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَتَسَلَّمَتِ الرُّومُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَلَدَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا قَدِمَ صَاعِدُ بْنُ مُخَلَّدٍ الْكَاتِبُ مِنْ فَارِسَ إِلَى وَاسِطَ فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ الْقُوَّادَ أَنْ يَتَلَقَّوْهُ، فَدَخَلَ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَكِنْ ظَهَرَ مِنْهُ تِيهٌ وَعُجْبٌ شَدِيدٌ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ عَمَّا قَرِيبٍ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَهْلِهِ وَأَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَاسْتَكْتَبَ مَكَانَهُ أَبَا الصَّقْرِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ بُلْبُلٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَبَّاسِيُّ، أَمِيرُ الْحَجِّ مُنْذُ دَهْرٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْجَشَّاشُ. وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُطَارِدٍ الْعُطَارِدِيُّ التَّمِيمِيُّ، رَاوِي السِّيرَةِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ
(14/603)

بْنِ يَسَارٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَبُو عُتْبَةَ الْحِجَازِيُّ. وَسُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ. وَسُلَيْمَانُ بْنُ وَهْبٍ الْوَزِيرُ، فِي حَبْسِ الْمُوَفَّقِ. وَشُعَيْبُ بْنُ بَكَّارٍ، يَرْوِي عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْمَاطِيُّ، وَيُلَقَّبُ بِكِيلَجَةَ، وَهُوَ مِنْ تَلَامِيذِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْفَرَّاءُ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ.
وَأَبُو مَعْشَرٍ الْمُنَجِّمُ.
وَاسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ، أُسْتَاذُ عَصْرِهِ فِي صِنَاعَةِ التَّنْجِيمِ، وَلَهُ فِيهِ التَّصَانِيفُ الْمَشْهُورَةُ، كَ " الْمَدْخَلِ "، وَ " الزِّيجِ "، وَ " الْأُلُوفِ " وَغَيْرِهَا، وَتَكَلَّمَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّسْيِيرِ وَكَذَلِكَ بِالْأَحْكَامِ.
(14/604)

قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ وَلَهُ إِصَابَاتٌ عَجِيبَةٌ. ثُمَّ حَكَى أَنَّ بَعْضَ الْمُلُوكِ تَطَلَّبَ رَجُلًا، فَذَهَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَاخْتَفَى وَخَافَ مِنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْمُنَجِّمِ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْمَلِكَ بِصَنْعَتِهِ، فَعَمَدَ إِلَى طَسْتٍ فَمَلَأَهُ دِمَاءً، وَوَضَعَ أَسْفَلَهُ هَاوَنًا وَجَلَسَ عَلَى ذَلِكَ الْهَاوَنِ، فَاسْتَدْعَى الْمَلِكُ أَبَا مَعْشَرٍ، فَضَرَبَ رَمْلَهُ وَحَرَّرَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا عَجِيبٌ! أَجِدُ هَذَا الرَّجُلَ جَالِسًا عَلَى جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ فِي وَسَطِ بَحْرٍ مِنْ دَمٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا فِي الدُّنْيَا. ثُمَّ أَعَادَ الضَّرْبَ فَوَجَدَهُ كَذَلِكَ، فَتَعَجَّبَ الْمَلِكُ أَيْضًا، وَنَادَى فِي الْبَلَدِ بِأَمَانِ الْمَذْكُورِ، فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ سَأَلَهُ أَيْنَ اخْتَفَى؟ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنِ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ مِنْ عِلْمِ الرَّجَزِ، وَالطُّرَفِ، وَاخْتِلَاجِ الْأَعْضَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ هَذَا، وَلَيْسَ بِالصَّادِقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(14/605)

[سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ إِسْحَاقَ بْنِ كِنْدَاجَ نَائِبِ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ نَائِبِ قِنَّسْرِينَ وَغَيْرِهَا بَعْدَمَا كَانَا مُتَّفِقَيْنِ، وَكَاتَبَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ خُمَارَوَيْهِ صَاحِبَ مِصْرَ، وَخَطَبَ لَهُ بِبِلَادِهِ، وَقَدِمَ خُمَارَوَيْهِ إِلَى الشَّامِ فَاجْتَمَعَ بِهِ ابْنُ أَبِي السَّاجِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ كِنْدَاجَ فَتَوَاقَعَا، فَانْهَزَمَ ابْنُ كِنْدَاجَ، وَهَرَبَ إِلَى قَلْعَةِ مَارْدِينَ فَحَاصَرَهُ بِهَا، ثُمَّ ظَهَرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَبِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَخَطَبَ بِهَا لِخُمَارَوَيْهِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ جِدًّا.
وَفِيهَا قَبَضَ الْمُوَفَّقُ عَلَى لُؤْلُؤٍ غُلَامِ ابْنِ طُولُونَ، وَصَادَرَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَسَجَنَهُ، فَكَانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِي ذَنْبٌ إِلَّا كَثْرَةُ مَالِي. ثُمَّ أُخْرِجَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ السِّجْنِ وَهُوَ فَقِيرٌ ذَلِيلٌ، فَعَادَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي أَيَّامِ هَارُونَ بْنِ خُمَارَوَيْهِ، وَمَعَهُ غُلَامٌ وَاحِدٌ. وَهَذَا جَزَاءُ كُفْرِ نِعْمَةِ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ.
وَفِيهَا عَدَا أَوْلَادُ مَلِكِ الرُّومِ عَلَى أَبِيهِمْ فَقَتَلُوهُ، وَتَمَلَّكَ بَعْدَهُ أَحَدُ أَوْلَادِهِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ:
(14/606)

مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ الْأُمَوِيِّ.
صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ عَنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ، رَبْعَةً أَوْقَصَ، يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَكَانَ عَاقِلًا لَبِيبًا، وَكَانَ يُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ الْمُشْتَبِهَةَ، وَخَلَّفَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ذَكَرًا، وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْمُنْذِرُ، فَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ فَأَحَبُّوهُ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ:
خَالِدِ بْنِ أَحْمَدَ أَبِي الْهَيْثَمِ الذُّهْلِيِّ.
الَّذِي كَانَ أَمِيرَ خُرَاسَانَ فِي حَبْسِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الْبُخَارِيَّ مِنْ بُخَارَى، فَدَعَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُفْلِحْ بَعْدَهَا، وَلَمْ يَبْقَ فِي الْإِمْرَةِ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ حَتَّى احْتِيطَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَأُرْكِبَ حِمَارًا وَنُودِيَ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ، ثُمَّ سُجِنَ، فَمَاتَ فِيهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهَذَا جَزَاءُ مَنْ تَعَرَّضَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا - أَيْضًا - مِنَ الْأَعْيَانِ: إِسْحَاقُ بْنُ سَيَّارٍ. وَحَنْبَلُ بْنُ
(14/607)

إِسْحَاقَ، ابْنُ عَمِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَحَدُ الرُّوَاةِ الْمَشْهُورِينَ عَنْهُ، عَلَى أَنَّهُ قَدِ اتُّهِمَ فِي بَعْضِ مَا يَرْوِيهِ وَيَحْكِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَبُو أُمَيَّةَ الطَّرَسُوسِيُّ. وَالْفَتْحُ بْنُ شُخْرُفٍ، أَحَدُ مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ ذَوِي الْأَحْوَالِ وَالْكَرَامَاتِ وَالْمَقَامَاتِ وَالْكَلِمَاتِ النَّافِعَاتِ، وَوَهِمَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي قَوْلِهِ فِي " كَامِلِهِ ": إِنَّ أَبَا دَاوُدَ صَاحِبَ " السُّنَنِ " تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، بَلْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، كَمَا سَيَأْتِي.
ابْنُ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ.
صَاحِبُ " السُّنَنِ "، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، ابْنُ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ مَوْلَى رَبِيعَةَ، صَاحِبُ كِتَابِ " السُّنَنِ " الْمَشْهُورَةِ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى عَمَلِهِ وَعِلْمِهِ وَتَبَحُّرِهِ وَاطِّلَاعِهِ وَاتِّبَاعِهِ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ كِتَابًا، وَأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ بَابٍ، وَيَحْتَوِي عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ حَدِيثٍ، كُلُّهَا جِيَادٌ سِوَى الْيَسِيرِ.
(14/608)

وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ أَنَّهُ انْتَقَدَ مِنْهَا بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، رُبَّمَا يُقَالُ: إِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ، أَوْ مُنْكَرَةٌ جِدًّا. وَلَهُ تَفْسِيرٌ حَافِلٌ وَتَارِيخٌ كَامِلٌ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ إِلَى عَصْرِهِ.
قَالَ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلِيلِيُّ الْقَزْوِينِيُّ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ وَيَعْرِفُ يَزِيدُ بِمَاجَهْ مَوْلَى رَبِيعَةَ، عَالِمٌ بِهَذَا الشَّأْنِ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ فِي التَّارِيخِ، وَالسُّنَنِ، ارْتَحَلَ إِلَى الْعِرَاقَيْنِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ. ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ مَشَايِخِهِ، وَقَدْ تَرْجَمْنَاهُمْ فِي كِتَابِنَا " التَّكْمِيلِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
قَالَ: وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْكِبَارُ الْقُدَمَاءُ ; ابْنُ سِيبَوَيْهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الصَّفَّارُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ الْقَطَّانُ، وَجَدِّي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ أَبُو بَكْرٍ، وَتَوَلَّى دَفْنَهُ مَعَ أَخِيهِ الْآخَرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
(14/609)

[سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا نَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ بِفَارِسَ، فَقَصَدَهُ أَبُو أَحْمَدَ، فَهَرَبَ مِنْهُ عَمْرٌو مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَيَتْبَعُهُ، ثُمَّ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ وَلَا مُوَاجَهَةٌ، وَقَدْ تَحَيَّزَ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ مُقَدَّمُ جَيْشِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ، وَهُوَ أَبُو طَلْحَةَ شَرْكَبٌ الْجَمَّالُ، ثُمَّ أَرَادَ الْعَوْدَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ، وَأَبَاحَ مَالَهُ لِوَلَدِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدِ، وَذَلِكَ بِالْقُرْبِ مِنْ شِيرَازَ.
وَفِيهَا غَزَا يَازْمَانُ الْخَادِمُ - نَائِبُ طَرَسُوسَ - بِلَادَ الرُّومِ، فَأَوْغَلَ فِيهَا فَقَتَلَ وَغَنِمَ وَسَلِمَ.
وَفِيهَا دَخَلَ صِدِّيقٌ الْفَرْغَانِيُّ سَامَرَّا، فَنَهَبَ دُورَ التُّجَّارِ بِهَا، وَكَرَّ رَاجِعًا، وَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ يَحْرُسُ الطُّرُقَاتِ، فَتَرَكَ ذَلِكَ وَأَقْبَلَ يَقْطَعُهَا وَضَعُفَ الْجُنْدُ بِسَامَرَّا عَنْ مُقَاوَمَتِهِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّا تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْأَصَمِّ، أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظِمِ ": كَانَ حَافِظًا فَاضِلًا، رَوَى عَنْ حَرْمَلَةَ وَغَيْرِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى
(14/610)

الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زِيَادٍ، أَبُو يَعْقُوبَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَ عَنْ هُدْبَةَ، وَعَنْهُ ابْنُ مَخْلَدٍ. تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا.
أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الصُّغْدِيُّ، يَرْوِي عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، وَأَبِي الْيَمَانِ، وَعَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، وَعَنْهُ ابْنُ صَاعِدٍ وَابْنُ السَّمَاكِ، وَكَانَ ثِقَةً، تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا.
الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ عَلِيٍّ الْبَزَّارُ، سَمِعَ عَفَّانَ، وَأَبَا النَّضْرِ، وَيَزِيدَ بْنَ هَارُونَ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَابْنُ مَخْلَدٍ النَّجَّادُ، وَكَانَ ثِقَةً. تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، أَبُو الْحُسَيْنِ الْوَاسِطِيُّ، الْمُلَقَّبُ بِكُرْدُوسٍ، رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَابْنُ مَخْلَدٍ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
(14/611)

صَدُوقٌ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ثِقَةٌ. تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى الثَّمَانِينَ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِعَبْدُوسٍ، رَوَى عَنْ شَبَابَةَ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَعَنْهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَابْنُ السَّمَّاكِ، وَأَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ مِنَ الثِّقَاتِ. تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، أَصْلُهُ مِنْ بِلْخَ وَسَكَنَ بَغْدَادَ رَوَى عَنْ سُرَيْجِ بْنِ يُونُسَ، وَعَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَغَوِيُّ، وَالْمَحَامِلِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً صَاحِبَ أَخْبَارٍ وَآدَابٍ وَمُلَحٍ، تُوُفِّيَ بِوَاسِطَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا عَنْ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زِيَادٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ الدُّولَابِيُّ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، وَأَبَا الْيَمَانِ، وَأَبَا مُسْهِرٍ، وَعَنْهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَابْنُ السَّمَّاكِ، وَكَانَ ثِقَةً.
(14/612)

[سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ أَبِي السَّاجِ وَبَيْنَ خُمَارَوَيْهِ، فَاقْتَتَلَا عِنْدَ ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ فَغُلِبَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ وَانْهَزَمَ، وَكَانَتْ حَوَاصِلُهُ بِحِمْصَ، فَبَعَثَ خُمَارَوَيْهِ مَنْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا، فَأَخَذَهَا وَمَنَعَ مِنْهُ حِمْصَ فَذَهَبَ إِلَى حَلَبٍ فَمَنَعَهُ خُمَارَوَيْهِ، فَسَارَ إِلَى الرَّقَّةِ فَاتَّبَعَهُ، فَذَهَبَ إِلَى الْمَوْصِلِ ثُمَّ انْهَزَمَ مِنْهَا خَوْفًا مِنْ خُمَارَوَيْهِ وَوَصَلَ خُمَارَوَيْهِ إِلَى الْبَلَدِ، وَاتَّخَذَ لَهُ بِهَا سَرِيرًا طَوِيلَ الْقَوَائِمِ، وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ فِي الْفُرَاتِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَمِعَ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ كِنْدَاجَ فَسَارَ وَرَاءَهُ ; لِيَظْفَرَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَقْدِرْ، وَقَدِ الْتَقَيَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَصَبَرَ لَهُ ابْنُ أَبِي السَّاجِ صَبْرًا عَظِيمًا، فَسَلِمَ وَانْصَرَفَ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ بِبَغْدَادَ، فَأَكْرَمَهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَاسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ إِلَى الْجَبَلِ، وَرَجَعَ إِسْحَاقُ بْنُ كِنْدَاجَ إِلَى دِيَارِ بِكْرٍ وَمُضَرَ مِنَ الْجَزِيرَةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا سَجَنَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدَ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَسِيرَ إِلَّا إِلَى الشَّامِ الَّتِي كَانَ عَمُّهُ الْمُعْتَمِدُ وَلَّاهُ إِيَّاهَا، فَغَضِبَ عَلَيْهِ وَأَمَرَ بِسَجْنِهِ، فَثَارَتِ الْأُمَرَاءُ وَاخْتَبَطَتْ بَغْدَادُ وَرَكِبَ الْمُوَفَّقُ إِلَى بَغْدَادَ وَقَالَ
(14/613)

لِلنَّاسِ: أَتَظُنُّونَ أَنَّكُمْ أَشْفَقُ عَلَى وَلَدِي مِنِّي؟ فَسَكَنَ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ وَتَرَاجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، ثُمَّ أَفْرَجَ عَنْهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ رَافِعٌ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَخِي الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ، فَأَخَذَ مِنْهُ مَدِينَةَ جُرْجَانَ فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى أَسْتَرَابَاذَ فَحَصَرَهُ بِهَا سَنَتَيْنِ، فَغَلَا بِهَا السِّعْرُ حَتَّى بِيعَ الْمِلْحُ بِهَا وَزْنُ الدِّرْهَمِ بِدِرْهَمَيْنِ، فَهَرَبَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ مِنْهَا لَيْلًا إِلَى سَارِيَةَ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ رَافِعٌ بِلَادًا كَثِيرَةً بَعْدَ ذَلِكَ فِي مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ.
وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا - أَوْ فِي صِفْرٍ - كَانَتْ وَفَاةُ الْمُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُقْوِيِّ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ عَنْ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ أَسْمَرَ طَوِيلًا، بِوَجْهِهِ أَثَرُ جُدَرِيٍّ، جَوَادًا مُمَدَّحًا، يُحِبُّ الشُّعَرَاءَ وَيَصِلُهُمْ بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَخَلَّفَ مِنَ الْأَوْلَادِ سِتَّةَ ذُكُورٍ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَامْتَلَأَتْ بِلَادُ الْأَنْدَلُسِ فِي أَيَّامِهِ فِتَنًا وَشُرُورًا حَتَّى هَلَكَ، كَمَا سَيَأْتِي.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَجَّاجُ الْمَرُّوذِيُّ صَاحِبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، كَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَذْكِيَاءِ، وَكَانَ أَحْمَدُ يُقَدِّمُهُ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ وَيَأْنَسُ بِهِ
(14/614)

وَيَبْعَثُهُ فِي الْحَاجَةِ وَيَقُولُ: قُلْ مَا شِئْتَ. وَهُوَ الَّذِي أَغْمَضَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَكَانَ فِيمَنْ غَسَّلَهُ أَيْضًا، وَقَدْ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ مَسَائِلَ كَثِيرَةً، وَحَصَلَتْ لَهُ رِفْعَةٌ عَظِيمَةٌ، شَيَّعَهُ إِلَى سَامَرَّا حِينَ أَرَادَ الْغَزْوَ خَمْسُونَ أَلْفًا.
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيُّ الْبَصْرِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِغُلَامِ خَلِيلٍ، سَكَنَ بَغْدَادَ وَرَوَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الشَّاذَكُونِيِّ، وَشَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، وَقُرَّةَ بْنِ حَبِيبٍ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ ابْنُ السَّمَّاكِ وَابْنُ مَخْلَدٍ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ أَحَادِيثَ رَوَاهَا مُنْكَرَةً عَنْ شُيُوخٍ مَجْهُولِينَ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَفْتَعِلُ الْحَدِيثَ، كَانَ رَجُلًا صَالِحًا. وَكَذَّبَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ لِيُرَقِّقَ بِهِ قُلُوبَ النَّاسِ. وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا يَقْتَاتُ الْبَاقِلَاءَ الصِّرْفَ، وَحِينَ مَاتَ أُغْلِقَتْ أَسْوَاقُ بَغْدَادَ وَحَضَرَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ حُمِلَ فِي زَوْرَقٍ إِلَى الْبَصْرَةِ فَدُفِنَ بِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَأَحْمَدُ بْنُ مُلَاعِبٍ، رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ثِقَةً دَيِّنًا عَالِمًا فَاضِلًا، انْتَشَرَ بِهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ مِنَ الْحَدِيثِ.
(14/615)

وَأَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّكَّرِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ.
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ، أَبُو يَعْقُوبَ النَّيْسَابُورِيُّ، كَانَ مِنْ أَخِصَّاءِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعِنْدَهُ اخْتَفَى فِي زَمَنِ الْمِحْنَةِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ التَّمِيمِيُّ الْعَطَّارُ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ مُعَدَّلًا عِنْدَ الْحُكَّامِ. وَيَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ:
صَاحِبُ " السُّنَنِ "، وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْرَانَ، أَبُو دَاوُدَ الْأَزْدِيُّ السِّجِسْتَانِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الرَّحَّالِينَ الْجَوَّالِينَ فِي الْآفَاقِ وَالْأَقَالِيمِ، جَمَعَ وَصَنَّفَ وَخَرَّجَ وَأَلَّفَ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ‍ عَنْ مَشَايِخِ الْبُلْدَانِ فِي الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَهُ " السُّنَنُ " الْمَشْهُورَةُ الْمُتَدَاوَلَةُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، الَّتِي قَالَ فِيهَا أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ: يَكْفِي الْمُجْتَهِدَ مَعْرِفَتُهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ. وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ ; مِنْهُمُ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ
(14/616)

سَلْمَانَ النَّجَّادُ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ فِي الدُّنْيَا. سَكَنَ أَبُو دَاوُدَ الْبَصْرَةَ وَقَدِمَ بَغْدَادَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَحَدَّثَ بِكِتَابِهِ " السُّنَنِ " بِهَا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ صَنَّفَهُ بِهَا، وَعَرَضَهُ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَاسْتَجَادَهُ وَاسْتَحْسَنَهُ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَارِيُّ الدِّينَوَرِيُّ، بِلَفْظِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْضِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ دَاسَهْ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ: كَتَبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، انْتَخَبْتُ مِنْهَا مَا ضَمَّنْتُهُ هَذَا الْكِتَابَ - يَعْنِي كِتَابَ " السُّنَنِ " - جَمَعْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَثَمَانِمِائَةِ حَدِيثٍ ; ذَكَرْتُ الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَيَكْفِي الْإِنْسَانَ لِدِينِهِ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ ; أَحَدُهَا: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَالثَّانِي: قَوْلُهُ «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَرْضَى لِأَخِيهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ» وَالرَّابِعُ: قَوْلُهُ «الْحَلَّالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» وَحُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْخَلَّالَ قَالَ: أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ
(14/617)

الْإِمَامُ الْمُقَدَّمُ فِي زَمَانِهِ رَجُلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ تَخْرِيجَ الْعُلُومِ وَبَصَرِهِ بِمَوَاضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ، رَجُلٌ وَرِعٌ مُقَدَّمٌ، قَدْ سَمِعَ مِنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثًا وَاحِدًا كَانَ أَبُو دَاوُدَ يَذْكُرُهُ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ الْأَصْبَهَانِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ صَدَقَةَ يَرْفَعُونَ مِنْ قَدْرِهِ وَيَذْكُرُونَهُ بِمَا لَا يَذْكُرُونَ أَحَدًا فِي زَمَانِهِ مِثْلَهُ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ الَّذِي كَتَبَهُ عَنْهُ وَسَمِعَهُ مِنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هُوَ مَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْعُشَرَاءِ الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الْعَتِيرَةِ، فَحَسَّنَهَا ".
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَغَيْرُهُ: أُلِينَ لِأَبِي دَاوُدَ الْحَدِيثُ كَمَا أُلِينَ لِدَاودَ الْحَدِيدُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَحَدَ حُفَّاظِ الْإِسْلَامِ لِلْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ وَسَنَدِهِ، فِي أَعْلَى دَرَجَةِ النُّسُكِ وَالْعَفَافِ وَالصَّلَاحِ وَالْوَرَعِ، مِنْ فُرْسَانِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فِي هَدْيِهِ وَدَلِّهِ وَسَمْتِهِ، وَكَانَ عَلْقَمَةُ يُشْبِهُهُ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يُشْبِهُ عَلْقَمَةَ، وَكَانَ مَنْصُورٌ يُشْبِهُ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ سُفْيَانُ يُشْبِهُ مَنْصُورًا، وَكَانَ وَكِيعٌ يُشْبِهُ سُفْيَانَ، وَكَانَ أَحْمَدُ يُشْبِهُ وَكِيعًا، وَكَانَ أَبُو دَاوُدَ يُشْبِهُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ.
(14/618)

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: كَانَ لِأَبِي دَاوُدَ كُمٌّ وَاسِعٌ وَكُمٌّ ضَيَّقٌ، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: هَذَا الْوَاسِعُ لِلْكُتُبِ، وَالْآخَرُ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَقَدْ كَانَ مَوْلِدُ أَبِي دَاوُدَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ; عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي كتَابِنَا " التَّكْمِيلِ "، وَذَكَرْنَا ثَنَاءَ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ.
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الْعَنْبَسِ الصَّيْمَرِيُّ الشَّاعِرُ، كَانَ مُجِيدًا فِي شِعْرِهِ، أَدِيبًا، كَثِيرَ الْمُلَحِ، وَكَانَ هَجَّاءً، وَمِنْ جَيِّدِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
كَمْ مَرِيضٌ قَدْ عَاشَ مِنْ بَعْدِ يَأْسٍ ... بَعْدَ مَوْتِ الطَّبِيبِ وَالْعُوَّادِ
قَدْ يُصَادُ الْقَطَا فَيَنْجُو سَلِيمًا ... وَيَحُلُّ الْقَضَاءُ بِالصَّيَّادِ
(14/619)

[سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا أُعِيدَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ إِلَى شُرْطَةِ بَغْدَادَ وَكُتِبَ اسْمُهُ عَلَى الْفُرُشِ وَالْمَقَاعِدِ وَالسُّتُورِ، ثُمَّ أُسْقِطَ اسْمُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا، وَعُزِلَ عَنْ ذَلِكَ وَوَلِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ.
وَفِيهَا وَلَّى الْمُوَفَّقُ ابْنَ أَبِي السَّاجِ نِيَابَةَ أَذْرَبِيجَانَ. وَفِيهَا قَصَدَ هَارُونُ الشَّارِي الْخَارِجِيُّ مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ فَنَزَلَ شَرْقِيَّ دِجْلَتِهَا، فَحَاصَرَهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُ أَهْلِهَا فَاسْتَأْمَنُوهُ فَأَمَّنَهُمْ، وَرَجَعَ عَنْهُمْ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبَّاسِيُّ أَمِيرُ الْحَرَمَيْنِ وَالطَّائِفِ، وَلَمَّا رَجَعَ حُجَّاجُ الْيَمَنِ نَزَلُوا فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ، فَجَاءَهُمْ سَيْلٌ فَلَمْ يَشْعُرُوا بِهِ حَتَّى غَرَّقَهُمْ كُلَّهُمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " مُنْتَظَمِهِ " وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي " كَامِلِهِ "، أَنَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْفَرَجَ تَلٌّ فِي أَرْضِ الْبَصْرَةِ يُعْرَفُ بِتَلِّ بَنِيَ شَقِيقٍ عَنْ سَبْعَةِ أَقْبُرٍ فِي مِثْلِ الْحَوْضِ، وَفِيهِ سَبْعَةٌ، أَبْدَانُهُمْ صَحِيحَةٌ وَأَكْفَانُهُمْ، يَفُوحُ مِنْهُمْ رِيحُ الْمِسْكِ،
(14/620)

أَحَدُهُمْ شَابٌّ لَهُ جُمَّةٌ وَعَلَى شَفَتَيْهِ بَلَلٌ كَأَنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَاءً، وَكَأَنَّ عَيْنَيْهِ مُكَحَّلَتَانِ، وَبِهِ ضَرْبَةٌ فِي خَاصِرَتِهِ، وَأَرَادَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا فَإِذَا هُوَ قَوِيٌ كَشَعْرِ الْحَيِّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرْزَةَ، الْحَافِظُ صَاحِبُ " الْمُسْنَدِ " الْمَشْهُورِ، لَهُ حَدِيثٌ كَثِيرٌ وَرِوَايَةٌ عَالِيَةٌ.
وَبَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ.
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيُّ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، صَاحِبُ " الْمُسْنَدِ " الْمُبَوَّبِ عَلَى الْفِقْهِ، رَوَى فِيهِ عَنْ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ صَحَابِيٍّ، وَقَدْ فَضَّلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى " مُسْنَدِ " الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعِنْدِي فِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ " مُسْنَدَ أَحْمَدَ " أَجْوَدُ مِنْهُ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ هُوَ بِبِلَادِهِمْ، وَلَا وَقَعَ لَهُمْ رِوَايَتُهُ، وَلَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَوَقَفَ عَلَى مَا فِيهِ لِمَا فَضَّلَ عَلَيْهِ مُسْنَدًا مِنَ الْمُسْنَدَاتِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَقِيٌّ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَحْمَدَ جَمِيعَ " الْمُسْنَدِ "، وَزَادَ عَلَيْهِ، كَمَا قَدْ يَسَّرَ اللَّهُ مِنَ الزِّيَادَاتِ الَّتِي أَلْحَقْنَاهَا بِ " مُسْنَدِ " الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ رَحَلَ بَقِيٌّ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَمِعَ مِنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِالْعِرَاقِ
(14/621)

وَغَيْرِهَا، يَزِيدُونَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ بِأَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ شَيْخًا، وَلَهُ تَصَانِيفُ أُخَرُ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا عَابِدًا، زَاهِدًا، مُجَابَ الدَّعْوَةِ ; ذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ، فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنِي قَدْ أَسَرَتْهُ الْإِفْرِنْجُ، وَإِنِّي لَا أَنَامُ اللَّيْلَ مِنْ شَوْقِي إِلَيْهِ، وَلِي دُوَيْرَةٌ أُرِيدُ أَنْ أَبِيعَهَا لِأَسْتَفِكَّهُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَسِيرَ إِلَى أَحَدٍ يَأْخُذُهَا لِأَسْعَى فِي فِكَاكِهِ، فَلَيْسَ لِي لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ، وَلَا صَبْرٌ وَلَا قَرَارٌ. فَقَالَ: نَعَمْ، انْصَرِفِي حَتَّى نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَطْرَقَ الشَّيْخُ وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لِوَلَدِهَا بِالْخَلَاصِ، فَذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ، فَمَا كَانَ إِلَّا عَنْ قَلِيلٍ حَتَّى جَاءَتْ وَابْنُهَا مَعَهَا، فَقَالَتِ: اسْمَعْ خَبَرَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ أَمْرُكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ فِيمَنْ يَخْدُمُ الْمَلِكَ، وَنَحْنُ فِي الْقُيُودِ، فَبَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ أَمْشِي إِذْ سَقَطَ الْقَيْدُ مِنْ رِجْلِي، فَأَقْبَلَ الْمُوَكِّلُ بِنَا فَشَتَمَنِي، وَقَالَ: فَكَكْتَ الْقَيْدَ مِنْ رِجْلَيْكَ؟ فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ وَلَكِنَّهُ سَقَطَ وَلَمْ أَشْعُرْ. فَجَاءُوا بِالْحَدَّادِ فَأَعَادَهُ وَشَدَّ مِسْمَارَهُ وَأَيَّدَهُ، ثُمَّ قُمْتُ فَسَقَطَ أَيْضًا، فَأَعَادُوهُ وَأَكَّدُوهُ، فَسَقَطَ أَيْضًا، فَسَأَلُوا رُهْبَانَهُمْ فَقَالُوا: لَهُ وَالِدَةٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالُوا: إِنَّهُ قَدِ اسْتُجِيبَ دُعَاؤُهَا، أَطْلِقُوهُ. فَأَطْلَقُونِي وَخَفَرُونِي حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ. فَسَأَلَهُ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ عَنِ السَّاعَةِ الَّتِي سَقَطَ فِيهَا الْقَيْدُ مِنْ رِجْلَيْهِ، فَإِذَا هِيَ السَّاعَةُ الَّتِي دَعَا فِيهَا اللَّهَ لَهُ.
صَاعِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْكَاتِبُ، كَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ
(14/622)

أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " مُنْتَظَمِهِ "، وَتَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " كَامِلِهِ "، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ تِيهٌ وَحُمْقٌ، وَقَدْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ.
ابْنُ قُتَيْبَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ، أَحَدُ الْعُلَمَاءِ وَالْأُدَبَاءِ وَالْحُفَّاظِ الْأَذْكِيَاءِ رَوَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَلَهُ التَّصَانِيفُ الْمُفِيدَةُ الْمَشْهُورَةُ الْأَنِيقَةُ ; كَ: " غَرِيبِ الْقُرْآنِ " وَ " مُشْكِلِهِ " وَ " الْمَعَارِفِ "، وَ " أَدَبِ الْكَاتِبِ "، وَ " عُيُونِ الْأَخْبَارِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ ثِقَةً نَبِيلًا جَلِيلًا مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَتَّهِمُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَنْزِلِهِ شَيْءٌ مِنْ تَصَانِيفِهِ، وَكَانَ سَبَبَ وَفَاتِهِ أَنَّهُ أَكَلَ لُقْمَةً مِنْ هَرِيسَةٍ فَإِذَا هِيَ حَارَّةٌ، فَصَاحَ صَيْحَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ، ثُمَّ أَفَاقَ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَتَشَهَّدُ إِلَى أَنْ مَاتَ وَقْتَ السَّحَرِ، أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ، أَحَدُ الْحُفَّاظِ، وَكَانَ يُكَنَّى بِأَبِي مُحَمَّدٍ، وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ لَقَبُ: أَبُو قِلَابَةَ. سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ وَرَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ، وَأَبَا دَاوُدَ الطَّيَالِسِيَّ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْهُ ابْنُ صَاعِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَانَ صَدُوقًا عَابِدًا، يُصَلِّي فِي
(14/623)

كُلِّ يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةِ رَكْعَةٍ، وَرَوَى مِنْ حِفْظِهِ سِتِّينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، غَلَطَ فِي بَعْضِهَا لَا عَلَى سَبِيلِ الْعَمْدِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَأَبُو الرَّدَّادِ الْمُؤَذِّنُ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّدَّادِ، الْمُؤَذِّنُ صَاحِبُ الْمِقْيَاسِ بِمِصْرَ، الَّذِي هُوَ مُسَلَّمٌ إِلَيْهِ وَإِلَى ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. قَالَهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي " الْوَفَيَاتِ ".
(14/624)

[سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا خَطَبَ يَازْمَانُ نَائِبُ طَرَسُوسَ لِخُمَارَوَيْهِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ هَادَاهُ بِذَهَبٍ كَثِيرٍ وَتُحَفٍ هَائِلَةٍ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِيهَا قَدِمَ قَائِدٌ عَظِيمٌ مِنْ أَصْحَابِ خُمَارَوَيْهِ إِلَى بَغْدَادَ.
وَفِيهَا وَلِيَ الْمَظَالِمَ بِبَغْدَادَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ وَلَوْ عِنْدَ الْأَمِيرِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ، أَوْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فَلْيَحْضُرْ.
وَسَارَ فِي النَّاسِ سِيرَةً حَسَنَةً، وَأَظْهَرَ صَرَامَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْعَنْبَسِ أَبُو إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ قَاضِي بَغْدَادَ بَعْدَ ابْنِ سَمَاعَةَ سَمِعَ يَعْلَى بْنَ عُبَيْدٍ وَغَيْرَهُ، وَحَدَّثَ عَنْهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَغَيْرُهُ. تُوُفِّيَ عَنْ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ ثِقَةً فَاضِلًا دَيِّنًا صَالِحًا.
(14/624)

أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى.
أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ أَحَدُ مَشَاهِيرِ الصُّوفِيَّةِ بِالْعِبَادَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ وَالْوَرَعِ وَالْمُرَاقَبَةِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي ذَلِكَ، وَلَهُ كَرَامَاتٌ وَأَحْوَالٌ وَصَبْرٌ عَلَى الشَّدَائِدِ وَضِيقِ الْحَالِ. وَرَوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَشَّارٍ صَاحِبِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
وَمِنْ جَيِّدِ كَلَامِهِ قَوْلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إِذَا بَكَتْ أَعْيُنُ الْخَائِفِينَ، فَقَدْ كَاتَبُوا اللَّهَ بِدُمُوعِهِمْ. وَقَوْلُهُ: الْعَافِيَةُ تَسْتُرُ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، فَإِذَا جَاءَتِ الْبَلْوَى تَبَيَّنَ عِنْدَهَا الرِّجَالُ. وَقَولُهُ: كُلُّ بَاطِنٍ يُخَالِفُهُ ظَاهِرٌ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَقَوْلُهُ: الِاشْتِغَالُ بِوَقْتٍ مَاضٍ تَضْيِيعُ وَقْتٍ حَاضِرٍ. وَقَوْلُهُ: ذُنُوبُ الْمُقَرَّبِينَ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ. وَقَالَ: الرِّضَا قَبْلَ الْقَضَاءِ تَفْوِيضٌ، وَالرِّضَا مَعَ الْقَضَاءِ تَسْلِيمٌ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا» . فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَنْ لَمْ يَرَ مُحْسِنًا غَيْرَ اللَّهِ، كَيْفَ لَا يَمِيلُ إِلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ؟ ! قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَكِنَّ كَلَامَهُ عَلَيْهِ أَحْسَنُ.
(14/626)

وَقَالَ ابْنُهُ سَعِيدٌ: طَلَبْتُ مِنْ أَبِي دَانِقَ فِضَّةٍ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، اصْبِرْ فَلَوْ أَحَبَّ أَبُوكَ أَنْ يَرْكَبَ الْمُلُوكُ إِلَى بَابِهِ مَا تَأْبَّوْا عَلَيْهِ.
وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهُ قَالَ: أَصَابَنِي مَرَّةً جُوعٌ شَدِيدٌ فَهَمَمْتُ أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ طَعَامًا، فَقُلْتُ: هَذَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ صَبْرًا، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ يَقُولُ:
وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مِنَّا قَرِيبٌ ... وَأَنَّا لَا نُضَيِّعُ مَنْ أَتَانَا
وَيَسْأَلُنَا الْقِرَى جَهْدًا وَصَبْرًا ... كَأَنَّا لَا نَرَاهُ وَلَا يَرَانَا
قَالَ: فَقُمْتُ وَمَشَيْتُ فَرَاسِخَ بِلَا زَادٍ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ: الْمُحِبُّ يَتَعَلَّلُ إِلَى مَحْبُوبِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَتَسَلَّى عَنْهُ بِشَيْءٍ، يَتَّبِعُ آثَارَهُ، وَلَا يَدَعُ اسْتِخْبَارَهُ، ثُمَّ أَنْشَدَ:
أُسَائِلُكُمْ عَنْهَا فَهَلْ مِنْ مُخْبِرٍ ... فَمَا لِي بِنُعْمَى بَعْدَ مَكَّتِنَا عِلْمُ
فَلَوْ كُنْتُ أَدْرِي أَيْنَ خَيَّمَ أَهْلُهَا ... وَأَيُّ بِلَادِ اللَّهِ إِذْ ظَعَنُوا أَمُّوا
إِذًا لَسَلَكْنَا مَسْلَكَ الرِّيحِ خَلْفَهَا ... وَلَوْ أَصْبَحَتْ نُعْمَى وَمِنْ دُونِهَا النَّجْمُ
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(14/627)

عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانِ بْنِ دَلَّوَيْهِ بْنِ مُوسَى الطَّيَالِسِيُّ الْحَافِظُ، يُلَقَّبُ: زَغَاثَ، سَمِعَ عَفَّانَ وَأَبَا نُعَيْمٍ، وَعَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَوَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
أَبُو حَاتِمِ الرَّازِيُّ.
مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مِهْرَانَ أَبُو حَاتِمٍ الّحَنْظَلِيُّ الرَّازِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ الْعَارِفِينَ بِعِلَلِ الْحَدِيثِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَهُوَ قَرِينُ أَبِي زَرْعَةَ، الرَّازِيِّ، تَغَمَّدَهُمَا اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَطَافَ الْأَقْطَارَ وَالْأَمْصَارَ، وَرَوَى عَنْ خَلْقٍ مِنَ الْكِبَارِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَهَمَا أَكْبَرُ مِنْهُ، وَقِدَمَ بَغْدَادَ فَحَدَّثَ بِهَا، وَرَوَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِهَا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ لِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يَا بُنَيَّ، مَشِيتُ عَلَى قَدَمَيَّ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ فَرْسَخٍ. وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَأَنَّهُ مَكَثَ ثَلَاثًا لَا يَأْكُلُ شَيْئًا حَتَّى اسْتَقْرَضَ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ نِصْفَ دِينَارٍ. وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ.
(14/628)

وَكَانَ يَتَحَدَّى مَنْ حَضَرَ عِنْدَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ وَغَيْرِهِمْ، وَيَقُولُ: مَنْ أَغْرَبَ عَلَيَّ بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ صَحِيحٍ فَلَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ أَتَصَدَّقُ بِهِ. قَالَ: وَمُرَادِي أَنْ أَسْمَعَ مَا لَيْسَ عِنْدِي، فَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ.
كَانَتْ وَفَاةُ أَبِي حَاتِمٍ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْحَسَنِ أَبُو جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ الْخَزَّازُ الْمَعْرُوفُ بِالْحُنَيْنِيِّ، لَهُ مُسْنَدٌ كَبِيرٌ، رَوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَالْقَعْنَبِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ ابْنُ صَاعِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ السَّمَّاكِ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا.
مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَزَّازُ، سَمِعَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِائَةِ شَيْخٍ، وَلَكِنْ لَمْ يُحَدِّثْ إِلَّا بِالْيَسِيرِ، وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَثَمَّ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ الْبَزَّازُ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ النَّحْوِيُّ مَشْهُورٌ. تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
(14/629)

قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " كَامِلِهِ ": وَتُوُفِّيَ فِيهَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ جُوَانَ الْإِمَامُ الْفَسَوِيُّ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ. وَيَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَعْقِلٍ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ، وَالِدُ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ الْأَصَمِّ. عُرَيْبُ الْمُغَنِّيَةُ الْمَأْمُونِيَّةُ، قِيلَ: إِنَّهَا ابْنَةُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى الْبَرْمَكِيِّ. فَأَمَّا
يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ جُوَانَ.
فَهُوَ أَبُو يُوسُفَ بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْفَارِسِيُّ الْفَسَوِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَرَوَى عَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ شَيْخٍ مِنَ الثِّقَاتِ ; مِنْهُمْ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَدُحَيْمٌ، وَأَبُو الْجُمَاهِرِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّونَ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو عَاصِمٍ، وَمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، وَالْقَعْنَبِيُّ. وَرَوَى عَنْهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، وَابْنُ خِرَاشٍ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ، وَصَنَّفَ كِتَابَ " التَّارِيخِ وَالْمَعْرِفَةِ "، وَغَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُفِيدَةِ النَّافِعَةِ، وَقَدْ رَحَلَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ إِلَى الْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ، وَتَغَرَّبَ عَنْ وَطَنِهِ فِي ذَلِكَ نَحْوَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ فِي اللَّيْلِ عَلَى ضَوْءِ السِّرَاجِ فِي زَمَنِ الرِّحْلَةِ، فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ وَقَعَ شَيْءٌ عَلَى بَصَرِي فَلَمْ أُبْصِرْ مَعَهُ السِّرَاجَ، فَجَعَلْتُ أَبْكِي
(14/630)

عَلَى مَا فَاتَنِي مِنْ ذَهَابِ بَصَرِي، وَمَا يَفُوتُنِي بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ كِتَابَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْغُرْبَةِ، ثُمَّ غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ. فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْغُرْبَةِ، وَمَا فَاتَنِي مِنْ كِتَابَةِ السُّنَّةِ. فَقَالَ: " ادْنُ مِنِّي " فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى عَيْنِي، وَجَعَلَ كَأَنَّهُ يَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ فَأَبْصَرْتُ وَجَلَسْتُ أُسَبِّحُ اللَّهَ.
وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ وَقَالَ: هُوَ إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِفَارِسَ، وَقَدِمَ نَيْسَابُورَ وَسَمِعَ مِنْهُ مَشَايِخُنَا، وَقَدْ نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى التَّشَيُّعِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ اللَّيْثِ صَاحِبَ فَارِسَ بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، فَقَالَ لَهُ وَزِيرُهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ فِي شَيْخِنَا عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ السِّجْزِيِّ، إِنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الصَّحَابِيِّ. فَقَالَ: دَعُوهُ مَا لِي وَلِلصَّحَابَةِ، إِنِّي إِنَّمَا حَسِبْتُهُ يَتَكَلَّمُ فِي شَيْخِنَا عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ السِّجْزِيِّ.
قُلْتُ: وَمَا أَظُنُّ هَذَا صَحِيحًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، فَإِنَّهُ إِمَامٌ مُحَدِّثٌ كَبِيرُ الْقَدْرِ، وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ قَبْلَ أَبِي حَاتِمٍ بِشَهْرٍ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِالْبَصْرَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي
(14/631)

وَأَمَرَنِي أَنَّ أُمْلِيَ الْحَدِيثَ فِي السَّمَاءِ كَمَا كُنْتُ أُمْلِيهِ فِي الْأَرْضِ، فَجَلَسْتُ لِلْإِمْلَاءِ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَجَلَسَ حَوْلِي جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ; مِنْهُمْ جِبْرِيلُ يَكْتُبُونَ مَا أُمْلِيهِ مِنَ الْحَدِيثِ بِأَقْلَامِ الذَّهَبِ.
وَأَمَّا عُرَيْبُ الْمَأْمُونِيَّةُ.
فَقَدْ تَرْجَمَهَا الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ " وَحَكَى قَوْلًا لِبَعْضِهِمْ أَنَّهَا ابْنَةُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ، سُرِقَتْ وَهِيَ صَغِيرَةٌ عِنْدَ ذَهَابِ دَوْلَةِ الْبَرَامِكَةِ، وَبِيعَتْ فَاشْتَرَاهَا الْمَأْمُونُ ابْنُ الرَّشِيدِ، ثُمَّ رَوَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً قَطُّ أَحْسَنَ وَجْهًا، وَأَدَبًا وَغِنَاءً وَضَرْبًا وَشِعْرًا وَلَعِبًا بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ مِنْهَا، وَمَا تَشَاءُ أَنْ تَجِدَ خَصْلَةً حَسَنَةً طَرِيفَةً بَارِعَةً فِي امْرَأَةٍ إِلَّا وَجَدْتَهَا فِيهَا. وَقَدْ كَانَتْ شَاعِرَةً مُطَبِّقَةً فَصِيحَةً بَلِيغَةً، وَكَانَ الْمَأْمُونُ يَتَعَشَّقُهَا، ثُمَّ أَحَبَّهَا بَعْدَهُ الْمُعْتَصِمُ، وَكَانَتْ هِيَ تَتَعَشَّقُ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَتْهُ إِلَيْهَا فِي دَارِ الْخِلَافَةِ، قَبَّحَهَا اللَّهُ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهَا فِي " تَارِيخِهِ "، ثُمَّ تَعَشَّقَتْ صَالِحًا الْمُنْذِرِيَّ، وَتَزَوَّجَتْهُ سِرًّا، وَكَانَتْ تَقُولُ فِيهِ الشِّعْرَ، وَرُبَّمَا غَنَّتْهُ بَيْنَ يَدِيِ الْمُتَوَكِّلِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ فَيَمَنْ هُوَ، فَتَضْحَكُ جَوَارِيهِ مِنْ ذَلِكَ فَتَقُولُ: يَا سَحَّاقَاتُ، هَذَا خَيْرٌ مِنْ عَمَلِكُنَّ. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ عَسَاكِرَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ شِعْرِهَا، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهَا لَمَّا
(14/632)

دَخَلَتْ عَلَى الْمُتَوَكِّلِ تَعُودُهُ مِنْ حُمَّى أَصَابَتْهُ فَقَالَتْ:
أَتَوْنِي فَقَالُوا بِالْخَلِيفَةِ عِلَّةٌ ... فَقُلْتُ وَنَارُ الشَّوْقِ تُوقَدُ فِي صَدْرِي
أَلَا لَيْتَ بِي حُمَّى الْخَلِيفَةِ جَعْفَرٍ ... فَكَانَتْ بِيَ الْحُمَّى وَكَانَ لَهُ أَجْرِي
كَفَى حُزْنًا إِنْ قِيلَ حُمَّ فَلَمْ أَمُتْ ... مِنَ الْحُزْنِ إِنِّي بَعْدَ هَذَا لَذُو صَبْرٍ
جُعِلْتُ فِدَاءً لِلْخَلِيفَةِ جَعْفَرٍ ... وَذَاكَ قَلِيلٌ لِلْخَلِيفَةِ مِنْ شُكْرِ
وَلَمَّا عُوفِيَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَغَنَّتْهُ مِنْ قِيلِهَا:
شُكْرًا لِأَنْعُمِ مَنْ عَافَاكَ مِنْ سَقَمِ ... دُمْتَ الْمُعَافَى مِنَ الْآلَامِ وَالسَّقَمِ
عَادَتْ بِنُورِكَ لِلْأَيَّامِ بَهْجَتُهَا ... وَاهْتَزَّ نَبْتُ رِيَاضِ الْجُودِ وَالْكَرَمِ
مَا قَامَ للدِّينِ بَعْدَ الْمُصْطَفَى مَلِكٌ ... أَعَفُّ مِنْكَ وَلَا أَرْعَى عَلَى الذِّمَمِ
فَعَمَّرَ اللَّهُ فِينَا جَعْفَرًا وَنَفَى ... بِنُورِ سُنَّتِهِ عَنَّا دُجَى الظُّلَمِ
وَلَهَا فِي عَافِيَتِهِ أَيْضًا:
حَمِدْنَا الَّذِي عَافَى الْخَلِيفَةَ جَعْفَرًا ... عَلَى رُغْمِ أَشْيَاخِ الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ
وَمَا كَانَ إِلَّا مِثْلَ بَدْرٍ أَصَابَهُ ... كُسُوفٌ قَلِيلٌ ثُمَّ أَجْلَى عَنِ الْبَدْرِ
(14/633)

سَلَامَتُهُ لِلدِّينِ عِزٌّ وَقُوَّةٌ ... وَعِلَّتُهُ لِلدِّينِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ
مَرِضْتَ فَأَمْرَضْتَ الْبَرِيَّةَ كُلَّهَا ... وَأَظْلَمَتِ الْأَمْصَارُ مِنْ شِدَّةِ النَّعْرِ
فَلَمَّا اسْتَبَانَ النَّاسُ مِنْكَ إِفَاقَةً ... أَفَاقُوا وَكَانُوا كَالنِّيَامِ عَلَى الْجَمْرِ
سَلَامَةُ دُنْيَانَا سَلَامَةُ جَعْفَرٍ ... فَدَامَ مُعَافًى سَالِمًا آخِرَ الدَّهْرِ
إِمَامٌ يَعُمُّ النَّاسَ بِالْفَضْلِ وَالْتُّقَى ... قَرِيبًا مِنَ التَّقْوَى بَعِيدًا مِنَ الْوِزْرِ
وَلَهَا مِنَ الْأَشْعَارِ الرَّائِقَةِ الْفَائِقَةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَوْلِدَهَا فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، وَلَهَا سِتٌّ وَتِسْعُونَ سَنَةً.
(14/634)

[سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ طَلَعَ نَجْمٌ ذُو جُمَّةٍ، ثُمَّ صَارَتِ الْجُمَّةُ ذُؤَابَةً. قَالَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَارَ مَاءُ النِّيلِ وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ وَلَا بَلَغَنَا فِي الْأَخْبَارِ السَّالِفَةِ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِمِصْرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ جِدًّا. قَالَ: وَفِيهَا خُلِعَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ بِالْوِزَارَةِ. وَقَالَ: فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا قَدِمَ الْمُوَفَّقُ أَبُو أَحْمَدَ مِنَ الْغَزْوِ فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ إِلَى النَّهْرَوَانِ فَدَخَلَ بَغْدَادَ وَهُوَ مَرِيضٌ بِالنِّقْرِسِ، فَاسْتَمَرَّ فِي دَارِهِ فِي أَوَائِلِ صَفَرٍ، وَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ كَمَا سَتَأْتِي تَرْجَمَتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَحَرَّكَتِ الْقَرَامِطَةُ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، وَهُمْ فِرْقَةٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ الْمَلَاحِدَةِ أَتْبَاعِ الْفَلَاسِفَةِ مِنَ الْفُرْسِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ نُبُوَّةَ زَرَادِشْتَ وَمَزْدَكَ، وَكَانَا يُبِيحَانِ الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ إِلَى بَاطِلٍ، وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُونَ مِنْ جِهَةِ الرَّافِضَةِ، لِأَنَّهُمْ أَقَلُّ النَّاسِ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ عُقُولًا، وَيُقَالُ لَهُمُ: الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ ; لِانْتِسَابِهِمْ إِلَى إِسْمَاعِيلَ الْأَعْرَجِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ. وَيُقَالُ لَهُمُ: الْقَرَامِطَةُ، قِيلَ: نِسْبَةً إِلَى قِرْمِطِ بْنِ الْأَشْعَثِ الْبَقَّارِ. وَقِيلَ: إِنَّ رَئِيسَهُمْ كَانَ فِي أَوَّلِ دَعْوَتِهِ يَأْمُرُ مَنِ اتَّبَعَهُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِيَشْغَلَهُمْ بِذَلِكَ عَمَّا يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ مِنَ الْمَكِيدَةِ. ثُمَّ اتَّخَذَ نُقَبَاءَ اثْنَيْ عَشَرَ، وَأَسَّسَ لِأَتْبَاعِهِ دَعْوَةً وَمَسْلَكًا، وَدَعَا إِلَى إِمَامٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ.
(14/635)

وَيُقَالُ لَهُمُ: الْبَاطِنِيَّةُ ; لِأَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ الرَّفْضَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ الْمَحْضَ. وَالْخُرَّمِيَّةُ وَالْبَابَكِيَّةُ، نِسْبَةً إِلَى بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ الَّذِي ظَهَرَ فِي أَيَّامِ الْمُعْتَصِمِ فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ خَلْفَهُ الْجُيُوشَ حَتَّى جِيءَ بِهِ أَسِيرًا فَقَتَلَهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ. وَيُقَالُ لَهُمُ: الْمُحَمِّرَةُ ; نِسْبَةً إِلَى صَبْغِ الْحُمْرَةِ شِعَارًا، مُضَاهَاةً لِسَوَادِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَيُقَالُ لَهُمُ: التَّعْلِيمِيَّةُ ; نِسْبَةً إِلَى التَّعَلُّمِ مِنَ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ، وَتَرْكِ الرَّأْيِ وَمُقْتَضَى الْعَقْلِ. وَيُقَالُ لَهُمُ: السَّبْعِيَّةُ ; نِسْبَةً إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ الْمُتَحَيِّزَةَ السَّيَّارَةَ مُدَبِّرَةٌ لِهَذَا الْعَالَمِ فِيمَا يَزْعُمُونَ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَهِيَ الْقَمَرُ فِي الْأُولَى، وَعُطَارِدُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالزُّهْرَةُ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّمْسُ فِي الرَّابِعَةِ، وَالْمِرِّيخُ فِي الْخَامِسَةِ، وَالْمُشْتَرِي فِي السَّادِسَةِ، وَزُحَلُ فِي السَّابِعَةِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْبَابَكِيَّةِ جَمَاعَةٌ يُقَالُ: إِنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ لَيْلَةً هُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، ثُمَّ يُطْفِئُونَ الْمِصْبَاحَ وَيَنْتَهِبُونَ النِّسَاءَ، فَمَنْ وَقَعَ فِي يَدِهِ امْرَأَةٌ حَلَّتْ لَهُ. وَيَقُولُونَ: هَذَا اصْطِيَادٌ مُبَاحٌ. لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَقَدْ بَسَطَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ تَارِيخِهِ الْمُسَمَّى بِالْمُنْتَظَمِ تَفْصِيلَ قَوْلِهِمْ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ الْمُتَكَلِّمُ الْمَشْهُورُ فِي كِتَابِهِ " هَتْكُ الْأَسْتَارِ وَكَشْفُ الْأَسْرَارِ " فِي الرَّدِّ عَلَى الْبَاطِنِيَّةِ، وَرَدَّ عَلَى كِتَابِهِمُ الَّذِي جَمَعَهُ بَعْضُ قُضَاتِهِمْ بِدِيَارِ مِصْرَ فِي أَيَّامِ الْفَاطِمِيِّينَ الَّذِي سَمَّاهُ " الْبَلَاغَ الْأَعْظَمَ وَالنَّامُوسَ الْأَكْبَرَ " جَعَلَهُ سِتَّ عَشْرَةَ دَرَجَةً، أَوَّلُ دَرَجَةٍ أَنْ يَدْعُوَ مَنْ يَجْتَمِعُ بِهِ أَوَّلًا - إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ - إِلَى الْقَوْلِ بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ،
(14/636)

ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِذَا وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى تَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، ثُمَّ يَتَرَقَّى بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سَبِّهِمَا لِأَنَّهُمَا ظَلَمَا عَلِيًّا وَأَهْلَ الْبَيْتِ، ثُمَّ يَتَرَقَّى بِهِ إِلَى تَجْهِيلِ الْأُمَّةِ وَتَخْطِئَتِهَا فِي مُوَافَقَةِ أَكْثَرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي الْقَدْحِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مِنْ حَيْثُ هُوَ. وَقَدْ ذَكَرَ لِمُخَاطَبَتِهِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِذَلِكَ شُبَهًا وَضَلَالَاتٍ، لَا تَرُوجُ إِلَّا عَلَى كُلِّ غَبِيٍّ جَاهِلٍ شَقِيٍّ. كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 7]
[الْأَنْعَامِ: 112 - 113] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَمَضْمُونُهَا أَنَّ الْجَهْلَ وَالضَّلَالَ لَا يَنْقَادُ لَهَا إِلَّا شِرَارُ النَّاسِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
إِنْ هُوَ مُسْتِحْوِذًا عَلَى أَحَدٍ ... إِلَّا عَلَى أَضْعَفِ الْمَجَانِينِ
ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ لَهُمْ مَقَامَاتٌ فِي الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ وَالسَّخَافَةِ وَالرُّعُونَةِ مَا لَا يَنْبَغِي لِضَعِيفِ عَقْلٍ أَوْ دِينٍ أَوْ تَصَوُّرٍ سَمَاعُهُ، مِمَّا فَتَحَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ مِنَ الْأَبْوَابِ وَأَنْوَاعِ الْجَهَالَاتِ، وَرُبَّمَا أَفَادَ بَعْضُهُمْ إِبْلِيسَ أَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
(14/637)

وَكُنْتُ امْرَأً مِنْ جُنْدِ إِبْلِيسَ بُرْهَةً ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى صَارَ إِبْلِيسُ مِنْ جُنْدِي
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ تَحَرَّكَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُمْ وَتَفَاقَمَ الْحَالُ بِهِمْ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، حَتَّى آلَ الْحَالُ إِلَى أَنْ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَسَفَكُوا فِيهِ دِمَاءَ الْحَجِيجِ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ الْمُكَرَّمَةِ وَكَسَرُوا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَاقْتَلَعُوهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى بِلَادِهِمْ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُمْ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَمَكَثَ غَائِبًا عَنْ مَوْضِعِهِ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَاتَّفَقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ شَيْئَانِ ; أَحَدُهُمَا ظُهُورُ هَؤُلَاءِ، وَالثَّانِي مَوْتُ حُسَامِ الْإِسْلَامِ وَنَاصِرِ الدِّينِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَأَسْكَنَهُ بُحْبُوحَةَ جَنَّتِهِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، لَكِنْ أَبْقَى اللَّهَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ وَلَدَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ ابْنَ الْمُوَفَّقَ الْمُلَقَّبَ بِالْمُعْتَضِدِ. وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا فَاتِكًا كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا.
وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ رَحِمَهُ اللَّهُ
هُوَ الْأَمِيرُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ الْمُوَفَّقُ بِاللَّهِ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدٌ - طَلْحَةُ - بْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُعْتَصِمِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، كَانَ مُوَلِدُهُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ أَخُوهُ الْمُعْتَمِدُ حِينَ صَارَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ قَدْ عَهِدَ إِلَيْهِ بِالْوِلَايَةِ بَعْدَ أَخِيهِ جَعْفَرٍ، وَلَقَّبَهُ الْمُوَفَّقَ بِاللَّهِ، ثُمَّ لَمَّا قَتَلَ صَاحِبَ الزَّنْجِ وَكَسَرَ جَيْشَهُ تَلَقَّبَ بِنَاصِرِ دِينِ اللَّهِ، وَصَارَ إِلَيْهِ الْعَقْدُ
(14/638)

وَالْحَلُّ وَالْوِلَايَةُ وَالْعَزْلُ، وَإِلَيْهِ يُجْبَى الْخَرَاجُ. وَكَانَ يُخْطَبُ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ، فَيُقَالُ: اللَّهُمَّ أَصْلِحِ الْأَمِيرَ النَّاصِرَ لِدِينِ اللَّهِ أَبَا أَحْمَدَ الْمُوَفَّقَ بِاللَّهِ وَلِيَّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ أَخَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ اتَّفَقَ مَوْتُهُ قَبْلَ أَخِيهِ الْمُعْتَمِدِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَكَانَ غَزِيرَ الْعَقْلِ حَسَنَ التَّدْبِيرِ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا شُجَاعًا مِقْدَامًا رَئِيسًا، حَسَنَ الْمُحَادَثَةِ وَالْمُجَالَسَةِ عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ، يَجْلِسُ لِلْمَظَالِمِ وَعِنْدَهُ الْقُضَاةُ فَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأَدَبِ وَالنَّسَبِ وَالْفِقْهِ وَسِيَاسَةِ الْمُلْكِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَهُ مَحَاسِنُ وَمَآثِرُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَصَابَهُ مَرَضُ النِّقْرِسِ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ قَدِمَ إِلَى بَغْدَادَ وَهُوَ عَلِيلٌ فَاسْتَقَرَّ فِي دَارِهِ فِي أَوَائِلِ صَفَرٍ، وَقَدْ تَزَايَدَ بِهِ الْمَرَضُ وَتَوَرَّمَتْ رِجْلُهُ حَتَّى عَظُمَتْ جَدًّا، وَكَانَ يُوضَعُ عَلَيْهَا الْأَشْيَاءُ الْمُبَرِّدَةُ كَالثَّلْجِ وَنَحْوِهِ، وَكَانَ يَحْمِلُ سَرِيرَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا بِالنَّوْبَةِ، عِشْرُونَ عِشْرُونَ. فَقَالَ لَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ: مَا أَظُنُّكُمْ إِلَّا قَدْ مَلِلْتُمْ مِنِّي فَيَا لَيْتَنِي كَوَاحِدٍ مِنْكُمْ آكُلُ كَمَا تَأْكُلُونَ، وَأَشْرَبُ كَمَا تَشْرَبُونَ وَأَرْقُدُ كَمَا تَرْقُدُونَ، فِي عَافِيَةٍ. وَقَالَ أَيْضًا: فِي دِيوَانِي مِائَةُ أَلْفِ مُرْتَزِقٍ لَيْسَ فِيهِمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنِّي. ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْقَصْرِ الْحُسَيْنِيِّ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَهُ سَبْعٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً تَنْقُصُ شَهْرًا وَأَيَّامًا.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ، اجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ عَلَى أَخْذِ الْبَيْعَةِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ، فَبَايَعَ لَهُ الْمُعْتَمِدُ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَ ابْنِهِ
(14/639)

الْمُفَوَّضِ وَخُطِبَ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ بَعْدَ الْمُفَوَّضِ. وَجَعَلَ إِلَيْهِ مَا كَانَ إِلَى أَبِيهِ مِنَ الْوِلَايَةِ وَالْعَزْلِ وَالْقَطْعِ وَالْوَصْلِ وَالْعَقْدِ وَالْحَلِّ، وَلُقِّبَ الْمُعْتَضِدَ بِاللَّهِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا أَيْضًا:
إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمٍ الْفَقْعَسِيُّ الْمَوْصِلِيُّ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ وَالصَّلَاحِ. وَإِسْحَاقُ بْنُ كِنْدَاجَ نَائِبُ الْجَزِيرَةِ وَكَانَ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَقَامَ بِمَا كَانَ إِلَيْهِ وَلَدُهُ مُحَمَّدٌ. وَيَازَامَانُ نَائِبُ طَرَسُوسَ جَاءَهُ حَجَرُ مَنْجَنِيقٍ مِنْ بَلْدَةٍ كَانَ يُحَاصِرُهَا بِبِلَادِ الرُّومِ، فَمَاتَ مِنْهُ، وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِطَرَسُوسَ، فَوَلِيَ نِيَابَةَ الثَّغْرِ بَعْدَهُ أَحْمَدُ الْعُجَيْفِيُّ بِأَمْرِ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْ قَرِيبٍ بِابْنِ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ طُولُونَ. وَعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَبَّحَهُ اللَّهُ. ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ " أَنَّ هَذَا الشَّقِيَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ كَثِيرًا فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ وَالْمُسْلِمُونَ مُحَاصِرُونَ لِبَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، إِذْ نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ فِي
(14/640)

ذَلِكَ الْحِصْنِ فَهَوِيَهَا، فَرَاسَلَهَا: وَمَا السَّبِيلُ إِلَيْكِ. فَقَالَتْ: أَنْ تَتَنَصَّرَ وَتَصْعَدَ إِلَيَّ، فَأَجَابَهَا إِلَى ذَلِكَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، فَمَا رَاعَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَهُوَ عِنْدَهَا، فَاغْتَمَّ الْمُسْلِمُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ غَمًّا شَدِيدًا، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةً عَظِيمَةً، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ مَرُّوا عَلَيْهِ وَهُوَ مَعَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ الْحِصْنِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا فُلَانُ مَا فَعَلَ قِرَاءَتُكَ؟ مَا فَعَلَ عِلْمُكَ؟ مَا فَعَلَ صِيَامُكَ وَصَلَاتُكَ؟ فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنِّي أُنْسِيتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ إِلَّا قَوْلَهُ {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 2]
[الْحِجْرِ: 2، 3] .
(14/641)

[سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي أَوَاخِرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا خُلِعَ جَعْفَرٌ الْمُفَوَّضُ مِنَ الْعَهْدِ، وَاسْتَقَلَّ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ الْمُعْتَمِدُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ الْمُوَفَّقِ، وَلُقِّبَ بِالْمُعْتَضِدِ، وَجُعِلَ إِلَيْهِ السَّلْطَنَةُ كَمَا كَانَ أَبُوهُ، وَخَطْبَ بِذَلِكَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ يُهَنِّئُ الْمُعْتَضِدَ:
لِيَهْنِكَ عَقْدٌ أَنْتَ فِيهِ الْمُقَدَّمُ ... حَبَاكَ بِهِ رَبٌّ بِفَضْلِكَ أَعْلَمُ
فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَصْبَحَتْ وَالِيَ عَهْدِنَا ... فَأَنْتَ غَدًا فِينَا الْإِمَامُ الْمُعَظَّمُ
وَلَا زَالَ مَنْ وَالَاكَ فِينِا مُبَلَّغًا ... مُنَاهُ وَمَنْ عَادَاكَ يَشْجَى وَيَنْدَمُ
وَكَانَ عَمُودُ الدِّينِ فِيهِ تَأَوُّدٌ ... فَعَادَ بِهَذَا الْعَهْدِ وَهْوَ مُقَوَّمُ
وَأَصْبَحَ وَجْهُ الْمُلْكِ جَذْلَانَ ضَاحِكًا ... يُضِيءُ لَنَا مِنْهُ الَّذِي كَانَ يُظْلِمُ
فَدُونَكَ فَاشْدُدْ عَقْدَ مَا قَدْ حَوَيْتَهُ ... فَإِنَّكَ دُونَ النَّاسِ فِيهِ الْمُحَكَّمُ
وَفِيهَا نُودِيَ بِبَغْدَادَ أَنْ لَا يُمَكَّنَ أَحَدٌ مِنَ الْقُصَّاصِ وَالطُّرُقِيَّةِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا فِي الطُّرُقَاتِ وَأَنْ لَا تُبَاعَ كُتُبُ الْكَلَامِ
(14/642)

وَالْفَلْسَفَةِ وَالْجَدَلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَذَلِكَ بِهِمَّةِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدِ سُلْطَانِ الْإِسْلَامِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ حُرُوبٌ بَيْنَ هَارُونَ الشَّارِي وَبَيْنَ بَنِي شَيْبَانَ فِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ وَقَدْ بَسَطَ ذَلِكَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كَامِلِهِ.
وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ لَيْلَةَ الْإِثْنَيْنِ لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ وَهَذِهِ تَرْجَمَتُهُ.
هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ بْنِ الرَّشِيدِ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ اسْتَمَرَّتْ أَيَّامُهُ فِي الْخِلَافَةِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَيَّامٍ وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ خَمْسِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ أَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَتَأَخَّرَ بَعْدَهُ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ وَلَمْ يَكُنْ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا كَانَ الْأَمْرُ كُلُّهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَدْبِيرِ الْخِلَافَةِ إِلَى الْمُوَفَّقِ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَنَّ الْمُعْتَمِدَ طَلَبَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ:
أَلَيْسَ مِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّ مِثْلِي ... يَرَى مَا قَلَّ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ
وَتُؤْخَذُ بِاسْمِهِ الدُّنْيَا جَمِيعًا ... وَمَا مِنْ ذَاكَ شَيْءٌ فِي يَدَيْهِ
(14/643)

إِلَيْهِ تُحْمَلُ الْأَمْوَالُ طُرًّا ... وَيُمْنَعُ بَعْضَ مَا يُجْبَى إِلَيْهِ
وَكَانَ أَوَّلَ خَلِيفَةٍ انْتَقَلَ مِنْ سَامَرَّا إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَ مَا بُنِيَتْ سَامَرَّا، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ، بَلْ جَعَلُوا دَارَ إِقَامَتِهِمْ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ سَبَبَ هَلَاكِهِ فِي مَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ، أَنَّهُ شَرِبَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ شَرَابًا كَثِيرًا وَتَعَشَّى عَشَاءً كَثِيرًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْقَصْرِ الْحَسَنِيِّ مِنْ بَغْدَادَ وَحِينَ مَاتَ أَحْضَرَ الْمُعْتَضِدُ الْقُضَاةَ وَالْأَعْيَانَ وَأَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، ثُمَّ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ثُمَّ حُمِلَ فَدُفِنَ بِسَامَرَّا، وَفِي صَبِيحَةِ الْعَزَاءِ بُويِعَ لِلْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ.
خِلَافَةُ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ
أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَرِجَالِهِمْ، وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ لَهُ صَبِيحَةَ مَوْتِ الْمُعْتَمِدِ، وَذَلِكَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ - وَقَدْ كَانَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ دَاثِرًا فَأَحْيَاهُ اللَّهُ بِهِمَّتِهِ وَعَدْلِهِ وَشَهَامَتِهِ وَصَرَامَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَاسْتَوْزَرَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ وَوَلَّى مَوْلَاهُ بَدْرًا الشُّرْطَةَ فِي بَغْدَادَ وَجَاءَتْهُ هَدَايَا عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ، وَسَأَلَ مِنْهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْخِلَعِ وَاللِّوَاءِ، فَنَصَبَهُ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ فِي دَارِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَرَحًا وَسُرُورًا بِذَلِكَ، وَعَزَلَ رَافِعَ بْنَ هَرْثَمَةَ عَنْ إِمْرَةِ خُرَاسَانَ.
وَدَخَلَهَا عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ فَلَمْ يَزَلْ يَتَّبِعُ رَافِعًا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى قَتَلَهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ كَمَا سَيَأْتِي وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْمُعْتَضِدِ وَصَفَتْ إِمْرَةُ خُرَاسَانَ لِعَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ.
(14/644)

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْجَصَّاصِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِهَدَايَا عَظِيمَةٍ مِنْ خُمَارَوَيْهِ صَاحِبِ مِصْرَ إِلَى الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ، فَتَزَوَّجَ الْمُعْتَضِدُ بِابْنَةِ خُمَارَوَيْهِ فَجَهَّزَهَا أَبُوهَا بِجِهَازٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْهَوَاوِينِ الذَّهَبِ مِائَةُ هَاوُنَ، فَحُمِلَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى بَغْدَادَ صُحْبَةَ الْعَرُوسِ وَكَانَ وَقْتًا مَشْهُودًا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَمَلَّكَ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الشَّيْخِ قَلْعَةَ مَارْدِينَ وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لِإِسْحَاقَ بْنِ كِنْدَاجَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبَّاسِيُّ وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بِالنَّاسِ، وَكَانَ يَحُجُّ بِالنَّاسِ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُعْتَمِدُ، كَمَا تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ قَرِيبًا.
وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ خَيْثَمَةَ صَاحِبُ التَّارِيخِ وَغَيْرِهِ، سَمِعَ أَبَا نُعَيْمٍ وَعَفَّانَ وَأَخَذَ عِلْمَ الْحَدِيثِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَعِلْمَ النَّسَبِ عَنْ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ وَأَيَّامَ النَّاسِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيِّ، وَأَخَذَ الْأَدَبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ الْجُمَحِيِّ، وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا ضَابِطًا مَشْهُورًا، وَفِي تَارِيخِهِ هَذَا فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ وَفَرَائِدُ غَزِيرَةٌ.
(14/645)

رَوَى عَنْهُ الْبَغَوِيُّ وَابْنُ صَاعِدٍ وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ وَابْنُ الْمُنَادِي، وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَخَاقَانُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيُّ كَانَتْ لَهُ أَحْوَالٌ وَكَرَامَاتٌ.
وَنَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَامَانَ، السَّامَانِيُّ أَحَدُ مُلُوكِهِمُ الْأَكَابِرِ، وَقَدْ كَانُوا مِنْ سُلَالَةِ الْأَكَاسِرَةِ كَانَ جَدُّهُمْ سَامَانُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَأَصْلُهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ بَهْرَامَ بْنِ أَزْدَشِيرَ بْنِ سَابُورَ ثُمَّ كَانَ ابْنُهُ أَسَدٌ مِنْ عُقَلَاءَ الرِّجَالِ وَخَلَّفَ نُوحًا وَأَحْمَدَ وَيَحْيَى وَإِلْيَاسَ وَقَدْ وَلِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مَمْلَكَةَ نَاحِيَةٍ مِنَ النَّوَاحِي وَهُمُ السَّامَانِيَّةُ.
الْبَلَاذُرِيُّ الْمُؤَرِّخُ.
أَحَدُ الْمَشَاهِيرِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَابِرِ بْنِ دَاوُدَ أَبُو الْحَسَنِ، وَيُقَالُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَيُقَالُ أَبُو بَكْرٍ - الْبَغْدَادِيُّ الْبَلَاذُرِيُّ صَاحِبُ التَّارِيخِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ. سَمِعَ هِشَامَ بْنَ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ وَأَبَا الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيَّ وَجَمَاعَةً وَعَنْهُ يَحْيَى بْنُ النَّدِيمِ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمَّارٍ وَأَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ قَرْقَارَةَ الْأَزْدِيُّ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَانَ أَدِيبًا رَاوِيَةً، لَهُ كُتُبٌ جِيَادٌ، وَمَدَحَ الْمَأْمُونَ بِمَدَائِحَ، وَجَالَسَ الْمُتَوَكِّلَ، وَتُوُفِّيَ أَيَّامَ الْمُعْتَمِدِ وَوُسْوِسَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ.
(14/646)

وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْبَلَاذُرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ: قُلْ مِنَ الشِّعْرِ مَا يَبْقَى لَكَ ذِكْرُهُ، وَيَزُولُ عَنْكَ إِثْمُهُ. فَقُلْتُ:
اسْتَعْدِّي يَا نَفْسُ لِلْمَوْتِ وَاسْعَيْ ... لِنَجَاةٍ فَالْحَازِمُ الْمُسْتَعِدُّ
قَدْ تَبَيَّنْتِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَيِّ ... خُلُودٌ وَلَا مِنَ الْمَوْتِ بُدُّ
إِنَّمَا أَنْتِ مُسْتَعِيرَةٌ مَا سَوْ ... فَ تَرُدِّينَ وَالْعَوَارِي تُرَدُّ
أَنْتِ تَسْهَيْنَ وَالْحَوَادِثُ لَا تَسْ ... هُو وَتَلْهِينَ وَالْمَنَايَا تَجِدُّ
أَيُّ مُلْكٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ أَيُّ حَظٍّ ... لِامْرِئٍ حَظُّهُ مِنَ الْأَرْضِ لَحْدُ
لَا تُرَجِّي الْبَقَاءَ فِي مَعْدِنِ الْمَوُ ... تِ وَدَارٍ حُتُوفُهَا لَكِ وِرْدُ
كَيْفَ يَهْوَى امْرُؤٌ لَذَاذَةَ أَيَّا ... مٍ عَلَيْهِ الْأَنْفَاسُ فِيْهَا تُعَدُّ
التِّرْمِذِيُّ.
وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ الضَّحَّاكِ. وَقِيلَ: مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ يَزِيدَ بْنِ سَوْرَةَ بْنِ السَّكَنِ. وَيُقَالُ: مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ بْنِ شَدَّادٍ أَبُو عِيسَى السُّلَمِيُّ التِّرْمِذِيُّ الضَّرِيرُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُلِدَ أَكْمَهَ. وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ فِي زَمَانِهِ، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْمَشْهُورَةُ، مِنْهَا " الْجَامِعُ " وَ " الشَّمَائِلُ " وَ " أَسْمَاءُ الصَّحَابَةِ " وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكِتَابُ " الْجَامِعِ " أَحَدُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا الْعُلَمَاءُ فِي سَائِرِ الْآفَاقِ، وَجَهَالَةُ ابْنِ حَزْمٍ لِأَبِي عِيسَى
(14/647)

حَيْثُ قَالَ فِي " مُحَلَّاهُ ": وَمَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ؟ - لَا تَضُرُّهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَلَا تَضَعُ مِنْ قَدْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ تَحُطُّ مِنْ مَنْزِلَةِ ابْنِ حَزْمٍ عِنْدَ الْحُفَّاظِ.
وَكَيْفَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ ... إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَشَايِخَهُ فِي كِتَابِنَا " التَّكْمِيلِ ". وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ " الصَّحِيحِ "، وَالْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِيُّ صَاحِبُ " الْمُسْنَدِ "، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ الْمَحْبُوبِيُّ رَاوِي " الْجَامِعِ " عَنْهُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ شَكَّرُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلِيلِيُّ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ " عُلُومِ الْحَدِيثِ ": مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ بْنِ شَدَّادٍ الْحَافِظُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَهُ كِتَابٌ فِي السُّنَنِ وَكَلَامٌ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ. رَوَى عَنْهُ ابْنُ مَحْبُوبٍ وَالْأَجِلَّاءُ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالْأَمَانَةِ وَالْعِلْمِ، مَاتَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ. كَذَا قَالَ فِي تَارِيخِ وَفَاتِهِ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْغُنْجَارُ فِي " تَارِيخِ بُخَارَى ": مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ الضَّحَّاكِ السُّلَمِيُّ التِّرْمِذِيُّ الْحَافِظُ دَخَلَ بُخَارَى وَحَدَّثَ بِهَا وَهُوَ صَاحِبُ " الْجَامِعِ " وَ " التَّارِيخِ " تُوُفِّيَ بِالتِّرْمِذِ لَيْلَةَ الْإِثْنَيْنِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو حَاتِمِ
(14/648)

بْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، فَقَالَ: كَانَ مِمَّنْ جَمَعَ وَصَنَّفَ وَحَفِظَ وَذَاكَرَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كَتَبَ عَنِّي الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ» وَرَوَى ابْنُ نُقْطَةَ فِي تَقْيِيدِهِ عَنِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَنَّفْتُ هَذَا الْمُسْنَدَ الصَّحِيحَ فَعَرَضْتُهُ عَلَى عُلَمَاءِ الْحِجَازِ فَرَضُوا بِهِ وَعَرَضْتُهُ عَلَى عُلَمَاءِ الْعِرَاقِ فَرَضُوا بِهِ وَعَرَضْتُهُ عَلَى عُلَمَاءِ خُرَاسَانَ فَرَضُوا بِهِ وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ هَذَا الْكِتَابُ فَكَأَنَّمَا فِي بَيْتِهِ نَبِيٌّ يَتَكَلَّمُ. قَالُوا: وَجُمْلَةُ " الْجَامِعِ " مِائَةٌ وَإِحْدَى وَخَمْسُونَ كِتَابًا وَكِتَابُ " الْعِلَلِ " صَنَّفَهُ بِسَمَرْقَنْدَ وَكَانَ فَرَاغُهُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عِيدِ الْأَضْحَى مِنْ سَنَةِ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيَّ سَمِعْتُ أَبَا إِسْمَاعِيلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: كِتَابُ التِّرْمِذِيِّ عِنْدِي أَفْيَدُ مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْفَائِدَةِ مِنْهُمَا إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ، وَهَذَا كِتَابٌ قَدْ شَرَحَ أَحَادِيثَهُ وَبَيَّنَهَا، فَيَصِلُ إِلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمَا، قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا طَرَأَ عَلَيْهِ الْعَمَى بَعْدَ أَنْ رَحَلَ وَسَمِعَ وَكَتَبَ وَذَاكَرَ وَنَاظَرَ وَصَنَّفَ، ثُمَّ اتَّفَقَ مَوْتُهُ فِي بَلَدِهِ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(14/649)

[سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا قَتَلَ الْمُعْتَضِدُ رَجُلًا مِنْ أُمَرَاءِ الزَّنْجِ كَانَ قَدْ لَجَأَ إِلَيْهِ بِالْأَمَانِ وَيُعْرَفُ بِشَيْلَمَةَ ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو إِلَى رَجُلٍ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ وَقَدْ أَفْسَدَ جَمَاعَةً فَاسْتَدْعَى بِهِ فَقَرَّرَهُ فَلَمْ يُقِرَّ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَا أَقْرَرْتُ بِهِ. فَأَمَرَ بِهِ فَشُدَّ عَلَى عَمُودِ خَيْمَةٍ ثُمَّ لَوَّحَهُ عَلَى النَّارِ حَتَّى تَسَاقَطَ جِلْدُهُ عَنْ عِظَامِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ وَصَلْبِهِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ. وَفِي أَوَّلِ صَفَرٍ رَكِبَ الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُوَفَّقِ مِنْ بَغْدَادَ قَاصِدًا بَنِي شَيْبَانَ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ فَأَوْقَعَ بِهِمْ بَأْسًا شَدِيدًا عِنْدَ جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ تَوْبَاذُ. وَكَانَ مَعَ الْمُعْتَضِدِ حَادٍ جَيِّدُ الْحُدَاءِ فَقَالَ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي يَحْدُو لِلْمُعْتَضِدِ:
فَأَجْهَشْتُ لَلتَّوْبَاذِ حِينَ رَأَيْتُهُ ... وَهَلَّلْتُ لِلّرَّحْمَنِ حِينَ رَآنِي
وَقُلْتُ لَهُ أَيْنَ الَّذِينَ عَهِدْتَهُمْ ... بِظِلِّكَ فِي أَمْنٍ وَلِينِ زَمَانِي
فَقَالَ مَضَوْا وَاسْتَخْلَفُونِي مَكَانَهُمْ ... وَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْقَى عَلَى الْحَدَثَانِ
قَالَ: فَتَغَرْغَرَتْ عَيْنَا الْمُعْتَضِدِ، وَقَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَبْقَى عَلَى الْحَدَثَانِ.
(14/650)

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِتَسْهِيلِ عَقَبَةِ حُلْوَانَ فَغَرِمَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَكَانَ النَّاسُ يَلْقَوْنَ مِنْهَا شِدَّةً عَظِيمَةً، وَفِيهَا ‍وَسَّعَ الْمُعْتَضِدُ جَامِعَ الْمَنْصُورِ بِإِضَافَةِ دَارِ الْمَنْصُورِ إِلَيْهِ، وَغَرِمَ عَلَيْهِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَتِ الدَّارُ قِبْلِيَّةً فَبَنَاهَا مَسْجِدًا عَلَى حِدَةٍ وَفَتَحَ بَيْنَهُمَا سَبْعَةَ عَشَرَ بَابًا وَحَوَّلَ الْمِنْبَرَ وَالْمِحْرَابِ إِلَى الْمَسْجِدِ لِيَكُونَ فِي قِبْلَةِ الْجَامِعِ عَلَى عَادَتِهِ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَزَادَ بَدْرٌ مَوْلَى الْمُعْتَضِدِ الْمُسْقِطَاتِ مِنْ قَصْرِ الْمَنْصُورِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْبَدْرِيَّةِ، فِي هَذَا الْوَقْتِ.

[بِنَاءَ دَارِ الْخِلَافَةِ بِبَغْدَادَ]
ذِكْرُ بِنَاءِ دَارِ الْخِلَافَةِ بِبَغْدَادَ
أَوَّلُ مَنْ بَنَاهَا الْمُعْتَضِدُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَكَنَهَا مِنَ الْخُلَفَاءِ إِلَى آخَرِ دَوْلَتِهِمْ وَكَانَتْ أَوَّلًا دَارًا لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ تُعْرَفُ بِالْقَصْرِ الْحَسَنِيِّ ثُمَّ صَارَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِابْنَتِهِ بُورَانَ الَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا الْمَأْمُونُ فَعَمَّرَتْ فِيهَا حَتَّى اسْتَنْزَلَهَا الْمُعْتَضِدُ عَنْهَا فَأَجَابَتْهُ إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ أَصْلَحَتْ مَا وَهَى مِنْهَا وَرَمَّمَتْ مَا كَانَ قَدْ شَعِثَ فِيهَا وَفَرَشَتْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا مَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْمَفَارِشِ، وَأَسْكَنَتْ فِيهِ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْجَوَارِي وَالْخَدَمِ وَأَعَدَّتْ بِهَا الْمَآكِلَ الشَّهِيَّةَ وَمَا يَحْسُنُ ادِّخَارُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ثُمَّ أَرْسَلَتْ بِمَفَاتِيحِهَا إِلَى الْمُعْتَضِدِ، فَلَمَّا دَخَلَهَا أَذْهَلَهُ مَا رَأَى فِيهَا مِنَ الْخَيْرَاتِ ثُمَّ وَسَّعَهَا وَزَادَ فِيهَا وَجَعَلَ لَهَا سُورًا حَوْلَهَا وَكَانَتْ قَدْرَ مَدِينَةِ
(14/651)

شِيرَازَ وَبَنَى الْمَيْدَانَ ثُمَّ بَنَى قَصْرًا مُشْرِفًا عَلَى دِجْلَةَ، ثُمَّ بَنَى الْمُكْتَفِي التَّاجَ، ثُمَّ كَانَتْ أَيَّامُ الْمُقْتَدِرِ فَزَادَ فِيهَا زِيَادَاتٍ عَظِيمَةً جِدًّا، وَتَأَخَّرَتْ آثَارُهَا إِلَى أَيَّامِ التَّتَارِ الَّذِينَ خَرَّبُوا بَغْدَادَ وَسَبَوْا مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْحَرَائِرِ الْآمِنَاتِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَالَّذِي يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ بُوَرَانُ سَلَّمَتْ دَارَ الْخِلَافَةِ إِلَى الْمُعْتَمِدِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَعِشْ إِلَى أَيَّامِ الْمُعْتَضِدِ.
وَفِيهَا زُلْزِلَتْ أَرْدَبِيلُ سِتَّ مَرَّاتٍ فَتَهَدَّمَتْ دُورُهَا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا مِائَةُ دَارٍ وَمَاتَ تَحْتَ الرَّدْمِ مِائَةُ أَلْفٍ وَخَمْسُونَ أَلْفًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا غَارَتِ الْمِيَاهُ بِبِلَادِ الرَّيِّ وَطَبَرِسْتَانَ حَتَّى بِيعَ الْمَاءُ كُلُّ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ هُنَالِكَ جَدَّا.
وَفِيهَا غَزَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّامَانِيُّ بِلَادَ التُّرْكِ فَفَتَحَ مَدِينَةَ مَلِكِهِمْ وَأَسَرَ امْرَأَتَهُ الْخَاتُونَ وَأَبَاهُ وَنَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ أَسِيرٍ وَغَنِمَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا، أَصَابَ الْفَارِسُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَبَّاسِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارِ بْنِ أَيُّوبَ.
الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْمَشْهُورُ بِالْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ.
(14/652)

وَأَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ مُوسَى بْنِ عِيسَى أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ.
كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْحَنَفِيَّةِ، تَفَقَّهَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ وَهُوَ أُسْتَاذُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ وَكَانَ ضَرِيرًا، سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ وَغَيْرِهِ وَقَدِمَ مِصْرَ فَحَدَّثَ بِهَا مِنْ حَفِظِهِ وَتُوُفِّيَ بِهَا فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي " تَارِيخِ مِصْرَ ".
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ الْأَزْهَرِ.
أَبُو الْعَبَّاسِ الْبِرْتِيُّ الْقَاضِي بِوَاسِطَ صَاحِبُ " الْمُسْنَدِ " رَوَى عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَأَبِي سَلَمَةَ التَّبُوذَكِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ وَأَبِي الْوَلِيدِ وَخَلْقٍ وَكَانَ ثِقَةً ثَبَتًا تَفَقَّهَ بِأَبِي سُلَيْمَانَ الْجَوْزَجَانِيِّ صَاحِبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَقَدْ حَكَمَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الْمُعْتَزِّ فَلَمَّا كَانَ أَيَّامُ الْمُوَفَّقِ طَلَبَ مِنْهُ وَمِنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي أَنْ يُعْطِيَاهُ مَا بِأَيْدِيِهِمَا مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى الْمَوْقُوفَةِ فَبَادَرَ إِلَى ذَلِكَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَاسْتَنْظَرَهُ إِلَى ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْبِرْتِيُّ هَذَا ثُمَّ بَادَرَ إِلَى كُلِّ مَنْ أَنِسَ مِنْهُ رُشْدًا مِنَ الْيَتَامَى فَدَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ فَلَمَّا طُولِبَ بِهِ قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ دَفَعْتُهُ إِلَى أَهْلِهِ. فَعُزِلَ عَنِ الْقَضَاءِ وَلَزِمَ بَيْتَهُ وَتَعَبَّدَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا وَقَدْ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ وَقَدْ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ إِلَيْهِ وَصَافَحَهُ وَقَبَّلَ بَيْنِ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: مَرْحَبًا بِمَنْ عَمِلَ بِسُنَّتِي وَأَثَرِي.
(14/653)

وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَعْفَرُ بْنُ الْمُعْتَمِدِ وَكَانَ يُسَامِرُ أَبَاهُ وَرَاشِدٌ مَوْلَى الْمُوَفَّقِ بِمَدِينَةِ الدِّينَوَرِ فَحُمِلَ إِلَى بَغْدَادَ وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ مُصَنِّفُ الرَّدِّ عَلَى بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ فِيمَا ابْتَدَعَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ لِمَذْهَبِ الْجَهْمِيَّةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ ". وَمَسْرُورٌ الْخَادِمُ وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْحَسَنَةِ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَشَيْخُنَا الذَّهَبِيُّ. وَهِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الْمُحَدِّثُ الْمَشْهُورُ وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مِنْ حَدِيثِهِ طَرَفٌ.
(14/654)

[سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَ الرُّومِ فَغَنِمُوا وَسَلِمُوا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَفِيهَا تَكَامَلَ غَوْرُ الْمِيَاهِ بِبِلَادِ الرَّيِّ وَطَبَرِسْتَانَ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ جِدًّا وَجَهَدَ النَّاسُ وَقَحَطُوا حَتَّى أَكَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ ابْنَهُ وَابْنَتَهُ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا حَاصَرَ الْمُعْتَضِدُ قَلْعَةَ مَارْدِينَ وَكَانَتْ بِيَدِ حَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ فَفَتَحَهَا
(14/655)

قَسْرًا وَأَخَذَ مَا كَانَ فِيهَا ثُمَّ أَمَرَ بِتَخْرِيبِهَا فَهُدِّمَتْ، وَفِيهَا وَصَلَتْ قَطْرُ النَّدَى بِنْتُ خُمَارَوَيْهِ نَائِبِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى بَغْدَادَ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ وَمَعَهَا مِنَ الْجِهَازِ شَيْءٌ عَظِيمٌ حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ كَانَ فِي الْجِهَازِ مِائَةُ هَاوُنٍ مِنْ ذَهَبٍ غَيْرَ الْفِضَّةِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الْقُمَاشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى ثُمَّ بَعْدَ كُلِّ حِسَابٍ مَعَهَا مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ لِتَشْتَرِيَ بِهَا مِنَ الْعِرَاقِ مَا قَدْ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَتَهَيَّأُ مِثْلُهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ.
وَفِيهَا خَرَجَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى بِلَادِ الْجَبَلِ وَوَلَّى وَلَدَهُ عَلِيًّا الْمُكْتَفِيَ نِيَابَةَ الرِّىِّ وَقَزْوِينَ وَزَنْجَانَ وَقُمَّ وَهَمَذَانَ وَالدِّينَوَرِ وَجَعَلَ عَلَى كِتَابَتِهِ أَحْمَدَ بْنَ الْأَصْبَغِ وَوَلَّى عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفٍ نِيَابَةَ أَصْبَهَانَ وَنَهَاوَنْدَ وَالْكَرْخِ ثُمَّ عَادَ رَاجِعًا إِلَى بَغْدَادَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ إِسْحَاقَ، وَأَصَابَ الْحُجَّاجَ فِي الْأَجْفُرِ مَطَرٌ عَظِيمٌ فَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، كَانَ الرَّجُلُ يَغْرَقُ فِي الرَّمْلِ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى خَلَاصِهِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ الْحَافِظُ صَاحِبُ كِتَابِ الْمُصَنَّفَاتِ، مِنْهَا فِي صِفِّينَ مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ.
وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّائِيُّ بِالْكُوفَةِ فِي جُمَادَى مِنْهَا
(14/656)

وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ.
الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْجَبَلِيِّ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَ يُفْتِي النَّاسَ بِالْحَدِيثِ وَكَانَ يُوصَفُ بِالْفَهْمِ وَالْحِفْظِ.
ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا الْقُرَشِيُّ.
مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ قَيْسٍ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا الْحَافِظُ الْمُصَنِّفُ الْمَشْهُورُ، لَهُ التَّصَانِيفُ النَّافِعَةُ الشَّائِعَةُ الذَّائِعَةُ فِي الرَّقَائِقِ وَغَيْرِهَا، تَزِيدُ عَلَى مِائَةِ مُصَنَّفٍ. سَمِعَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيَّ وَخَالِدَ بْنَ خِرَاشٍ وَعَلِيَّ بْنَ الْجَعْدِ وَخَلْقًا، وَكَانَ مُؤَدِّبًا لِلْمُعْتَضِدِ وَابْنِهِ عَلِيِّ ابْنِ الْمُعْتَضِدِ الْمُلَقَّبِ بِالْمُكْتَفِي، وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا حَافِظًا ذَا مُرُوءَةٍ، لَكِنْ قَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَزَرَةُ: إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَرْوِي عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَلْخِيُّ، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَذَّابًا يَضَعُ لِلْكَلَامِ إِسْنَادًا،
(14/657)

وَيَرْوِي أَحَادِيثَ مُنْكَرَةً، وَمِنْ شِعْرِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّهُ جَلَسَ أَصْحَابٌ لَهُ يَنْتَظِرُونَهُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَجَاءَ الْمَطَرُ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رُقْعَةً فِيهَا:
أَنَا مُشْتَاقٌ إِلَى رُؤْيَتِكُمْ ... يَا أَخِلَّائِي وَسَمْعِي وَالْبَصَرْ
كَيْفَ أَنْسَاكُمْ وَقَلْبِي عِنْدَكُمْ ... حَالَ فِيمَا بَيْنَنَا هَذَا الْمَطَرْ
تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً وَصَلَّى عَلَيْهِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي وَدُفِنَ بِالشُّونِيزِيَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ الشَّهِيرُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ، لَهُ اخْتِيَارَاتٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، فَمِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ
(14/658)

[سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي خَامِسِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ دَخَلَ الْمُعْتَضِدُ بِزَوْجَتِهِ ابْنَةِ خُمَارَوَيْهِ وَكَانَ قُدُومُهَا بَغْدَادَ صُحْبَةَ عَمِّهَا وَصُحْبَةَ ابْنِ الْجَصَّاصِ وَكَانَ الْخَلِيفَةُ غَائِبًا وَكَانَ دُخُولُهَا إِلَيْهِ يَوْمًا مَشْهُودًا امْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الْمُرُورِ فِي الطُّرُقَاتِ.
وَفِيهَا نَهَى الْمُعْتَضِدُ النَّاسَ أَنْ يَعْمَلُوا فِي يَوْمِ النَّيرُوزِ مَا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ إِيقَادِ النِّيرَانِ وَصَبِّ الْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُشَابِهَةِ لِأَفْعَالِ الْمَجُوسِ وَمَنَعَ مِنْ حَمْلِ هَدَايَا الْفَلَّاحِينَ إِلَى الْمُقْطَعِينِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَأَمَرَ بِتَأْخِيرِ ذَلِكَ إِلَى الْحَادِي عَشَرَ مِنْ حَزِيرَانَ، وَسُمِّيَ النَّيرُوزَ الْمُعْتَضِدِيَّ وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْآفَاقِ وَسَائِرِ الْعُمَّالِ.
فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَاذَرَائِيُّ مِنْ دِمَشْقَ عَلَى الْبَرِيدِ فَأَخْبَرَ الْمُعْتَضِدَ بِاللَّهِ بِأَنَّ خُمَارَوَيْهِ ذَبَحَهُ بَعْضُ خُدَّامِهِ عَلَى فِرَاشِهِ وَوَلَّوْا بَعْدَهُ وَلَدَهُ جِيشًا ثُمَّ قَتَلُوهُ وَنَهَبُوا دَارَهُ ثُمَّ وَلَّوْا هَارُونَ بْنَ خُمَارَوَيْهِ وَقَدِ الْتَزَمَ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ تُحْمَلُ إِلَى بَابِ الْخَلِيفَةِ فَأَقَرَّهُ الْمُعْتَضِدُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْمُكْتَفِي عَزَلَهُ وَوَلَّى مَكَانَهُ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْوَاثِقِيَّ فَاصْطَفَى أَمْوَالَ آلِ طُولُونَ وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِمْ.
(14/659)

وَفِيهَا أُطْلِقَ لُؤْلُؤَةُ غُلَامُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ مِنَ السِّجْنِ فَعَادَ إِلَى مِصْرَ فِي أَذَلِّ حَالٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْأَمِيرُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ اللُّغَوِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ " النَّبَاتِ ".
إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ أَبُو إِسْحَاقَ الْأَزْدِيُّ الْقَاضِي أَصْلُهُ مِنَ الْبَصْرَةِ وَنَشَأَ بِبَغْدَادَ وَسَمِعَ مُسْلِمَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ وَالْقَعْنَبِيَّ وَعَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَكَانَ حَافِظًا فَقِيهًا مَالِكِيًّا جَمَعَ وَصَنَّفَ وَشَرَحَ فِي الْمَذْهَبِ عِدَّةَ مُصَنَّفَاتٍ فِي التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فِي أَيَّامِ الْمُتَوَكِّلِ بَعْدَ سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِبَغْدَادَ، ثُمَّ عُزِلَ ثُمَّ وَلِيَ وَصَارَ مُقَدَّمَ الْقُضَاةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فُجَاءَةً لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ الْمَشْهُورِ.
خُمَارَوَيْهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ صَاحِبُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، بُويِعَ
(14/660)

لَهُ بِمُلْكِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بَعْدَ أَبِيهِ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فَقَصَدَهُ الْمُعْتَضِدُ بْنُ الْمُوَفَّقِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فِي أَرْضِ الرَّمْلَةِ وَقِيلَ فِي أَرْضِ الصَّعِيدِ، فَانْهَزَمَ خُمَارَوَيْهِ هَارِبًا عَلَى حِمَارٍ، وَكَرَّ جَيْشُهُ عَلَى الْمُعْتَضِدِ، فَهَرَبَ كَمَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ وَتَصَافَيَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَدَا الْخَدَمُ مِنَ الْخِصْيَانِ عَلَى خُمَارَوَيْهِ فَذَبَحُوهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُمْ بِجَوَارِيهِ، فَمَاتَ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً فَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ هَارُونُ بْنُ خُمَارَوَيْهِ وَهُوَ آخِرُ الطُّولُونِيَّةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِيمَنْ تُوَفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ أَبَا سَعِيدٍ الدَّارِمِيَّ الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ، أَخَذَ الْفِقْهَ عَنِ الْبُوَيْطِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ.
الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ مُوسَى بْنِ زُهَيْرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ بْنِ بَاذَانَ مَلِكِ الْيَمَنِ. وَقَدْ أَسْلَمَ بَاذَانُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ الْأَدِيبُ الْفَقِيهُ الْعَابِدُ الْحَافِظُ الرَّحَّالُ تَلْمَذَ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ رَوَى عَنْهُ الْفَوَائِدَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَخَذَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَقَرَأَ عَلَى خَلَفِ بْنِ هِشَامٍ الْبَزَّارِ وَتَعَلَّمَ اللُّغَةَ مِنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَكَانَ ثِقَةً كَبِيرَ الْقَدْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
(14/661)

مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلِّادٍ أَبُو الْعَيْنَاءِ الْبَصْرِيُّ الضَّرِيرُ الشَّاعِرُ الْأَدِيبُ الْبَلِيغُ اللُّغَوِيُّ تِلْمِيذُ الْأَصْمَعِيِّ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَإِنَّمَا لُقِّبَ بِأَبِي الْعَيْنَاءِ لِأَنَّهُ قَالَ لِأَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ: كَيْفَ تُصَغِّرُ عَيْنًا؟ فَقَالَ: عُيَيْنًا يَا أَبَا الْعَيْنَاءِ. فَبَقِيَ لَهُ. وَلَهُ مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِالْأَدَبِ وَالْحِكَايَاتِ وَالْمُلَحِ، فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ.
(14/662)