Advertisement

البداية والنهاية ط الفكر 013



الكتاب: البداية والنهاية
المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
الناشر: دار الفكر
عام النشر: 1407 هـ - 1986 م
عدد الأجزاء: 15
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] فَصْلٌ
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ قَصَائِدَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ أَجَلِّ ذَلِكَ وَأَفْصَحِهِ وَأَعْظَمِهِ، مَا رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ يَبْكِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
بَطَيْبَةَ رَسْمٌ لِلرَّسُولِ ومعهد ... منير وقد تعفو الرسوم وتمهد [1]
وَلَا تَمْتَحِي الْآيَاتُ مِنْ دَارِ حُرْمَةٍ ... بِهَا مِنْبَرُ الْهَادِي الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ
وَوَاضِحُ آيَاتٍ وَبَاقِي مَعَالِمٍ ... وَرَبْعٌ لَهُ فِيهِ مُصَلًّى وَمَسْجِدُ
بِهَا حُجُرَاتٌ كَانَ يَنْزِلُ وَسْطَهَا ... مِنَ اللَّهِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ وَيُوقَدُ
مَعَارِفُ لَمْ تُطْمَسْ عَلَى العهد آيها ... أتاها البلا فَالْآيُ مِنْهَا تَجَدَّدُ
عَرَفْتُ بِهَا رَسْمَ الرَّسُولِ وَعَهْدَهُ ... وَقَبْرًا بِهَا وَارَاهُ فِي التُّرْبِ مَلْحَدُ
ظَلِلْتُ بِهَا أَبْكِي الرَّسُولَ فَأَسْعَدَتْ ... عُيُونٌ وَمِثْلَاهَا من الجن تُسْعِدُ
يُذَكِّرْنَ آلَاءَ الرَّسُولِ وَلَا أَرَى ... لَهَا مُحْصِيًا نَفْسِي فَنَفْسِي تَبَلَّدُ
مُفَجَّعَةٌ قَدْ شَفَّهَا فَقْدُ أَحْمَدٍ ... فَظَلَّتْ لِآلَاءِ الرَّسُولِ تَعَدَّدُ
وَمَا بَلَغَتْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ عَشِيرَهُ ... وَلَكِنْ لِنَفْسِي بَعْدُ مَا قَدْ تَوَجَّدُ
أَطَالَتْ وُقُوفًا تَذْرِفُ الْعَيْنُ جُهْدَهَا ... عَلَى طَلَلِ الْقَبْرِ الَّذِي فِيهِ أَحْمَدُ
فَبُورِكْتَ يَا قَبْرَ الرَّسُولِ وَبُورِكَتْ ... بِلَادٌ ثوى فيها الرشيد المسدد [2]
تُهِيلُ عَلَيْهِ التُّرْبَ أَيْدٍ وَأَعْيُنٌ ... عَلَيْهِ- وَقَدْ غَارَتْ بِذَلِكَ- أَسْعُدُ
لَقَدْ غَيَّبُوا حِلْمًا وَعِلْمًا وَرَحْمَةً ... عَشِيَّةَ عَلَّوْهُ الثَّرَى لَا يُوَسَّدُ
وَرَاحُوا بِحُزْنٍ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيُّهُمْ ... وَقَدْ وَهَنَتْ مِنْهُمْ ظهور وأعضد
ويبكون من تبكى السموات يَوْمَهُ ... وَمَنْ قَدْ بَكَتْهُ الْأَرْضُ فَالنَّاسُ أَكْمَدُ
وَهَلْ عَدَلَتْ يَوْمًا رَزِيَّةُ هَالِكٍ ... رَزِيَّةَ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ مُحَمَّدُ
تَقَطَّعَ فِيهِ مُنْزَلُ الْوَحْيِ عَنْهُمُ ... وَقَدْ كَانَ ذَا نُورٍ يَغُورُ وَيُنْجِدُ
يَدَلُّ عَلَى الرَّحْمَنِ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ ... وَيُنْقِذُ مِنْ هَوْلِ الْخَزَايَا وَيُرْشِدُ
إِمَامٌ لَهُمْ يَهْدِيهِمُ الْحَقَّ جَاهِدًا ... مُعَلِّمُ صِدْقٍ إِنْ يُطِيعُوهُ يَسْعَدُوا
__________
[1] وفي رواية ابن هشام: وتهمد.
[2] في ابن هشام والتيمورية بعده:
وبورك لحد منك ضمن طيباه ... عليه بناء من صفيح منضد
(5/280)

عَفُوٌّ عَنِ الزَّلَّاتِ يَقْبَلُ عُذْرَهُمْ ... وَإِنْ يُحْسِنُوا فاللَّه بِالْخَيْرِ أَجْوَدُ
وَإِنْ نَابَ أَمْرٌ لَمْ يَقُومُوا بِحَمْلِهِ ... فَمِنْ عِنْدِهِ تَيْسِيرُ مَا يَتَشَدَّدُ
فبينا هم في نعمة الله وسطهم ... دَلِيلٌ بِهِ نَهْجُ الطَّرِيقَةِ يُقْصَدُ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ أَنْ يَجُورُوا عَنِ الْهُدَى ... حَرِيصٌ عَلَى أَنْ يَسْتَقِيمُوا وَيَهْتَدُوا
عَطُوفٌ عَلَيْهِمْ لَا يُثَنِّي جَنَاحَهُ ... الى كنف يحنو عليهم ويمهد
فبينا هم فِي ذَلِكَ النُّورِ إِذْ غَدَا ... إِلَى نُورِهِمْ سَهْمٌ مِنَ الْمَوْتِ مُقْصِدُ
فَأَصْبَحَ مَحْمُودًا إِلَى الله راجعا ... يبكيه جفن الْمُرْسَلَاتِ وَيَحْمَدُ
وَأَمْسَتْ بِلَادُ الْحُرْمِ وَحْشًا بِقَاعُهَا ... لِغَيْبَةِ مَا كَانَتْ مِنَ الْوَحْيِ تَعْهَدُ
قِفَارًا سِوَى مَعْمُورَةِ اللَّحْدِ ضَافَهَا ... فَقِيدٌ يُبَكِّيهِ بَلَاطٌ وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده ... خلاء له فيها [1] مَقَامٌ وَمَقْعَدُ
وَبِالْجَمْرَةِ الْكُبْرَى لَهُ ثَمَّ أَوْحَشَتْ ... دِيَارٌ وَعَرْصَاتٌ وَرَبْعٌ وَمَوْلِدُ
فَبَكِّي رَسُولَ اللَّهِ يَا عَيْنُ عَبْرَةً ... وَلَا أَعْرِفَنْكِ الدَّهْرَ دَمْعُكِ يَجْمُدُ
وَمَالَكِ لَا تَبْكِينِ ذَا النِّعْمَةِ الَّتِي ... عَلَى النَّاسِ مِنْهَا سَابِغٌ يَتَغَمَّدُ
فَجُودِي عَلَيْهِ بِالدُّمُوعِ وَأَعْوِلِي ... لِفَقْدِ الَّذِي لَا مِثْلُهُ الدَّهْرَ يُوجَدُ
وَمَا فَقَدَ الْمَاضُونَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ ... وَلَا مِثْلُهُ حَتَّى الْقِيَامَةِ يُفْقَدُ
أَعَفَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً بَعْدَ ذِمَّةٍ ... وَأَقْرَبَ مِنْهُ نَائِلًا لَا يُنَكَّدُ
وَأَبْذَلَ مِنْهُ لِلطَّرِيفِ وَتَالِدٍ ... إِذَا ضَنَّ مِعْطَاءٌ بما كان يتلد
وأكرم حيا فِي الْبُيُوتِ إِذَا انْتَمَى ... وَأَكْرَمَ جَدًّا أَبْطَحِيًّا يُسَوَّدُ
وَأَمْنَعَ ذِرْوَاتٍ وَأَثْبَتَ فِي الْعُلَا ... دَعَائِمَ عِزٍّ شَاهِقَاتٍ تُشَيَّدُ
وَأَثْبَتَ فَرْعًا فِي الْفُرُوعِ وَمَنْبِتًا [2] ... وَعُودًا غَذَاهُ الْمُزْنُ فَالْعُودُ أَغْيَدُ
رَبَاهُ وَلِيدًا فَاسْتَتَمَّ تَمَامُهُ ... عَلَى أَكْرَمِ الْخَيْرَاتِ رَبٌّ مُمَجَّدُ
تَنَاهَتْ وَصَاةُ الْمُسْلِمِينَ بِكَفِّهِ ... فَلَا الْعِلْمُ مَحْبُوسٌ وَلَا الرَّأْيُ يُفْنَدُ
أَقُولُ وَلَا يُلْفَى لِمَا قُلْتُ [3] عَائِبٌ ... مِنَ النَّاسِ إِلَّا عَازِبُ القول مبعد
وليس هوائي نَازِعًا عَنْ ثَنَائِهِ ... لَعَلِّي بِهِ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ أَخْلُدُ
مَعَ الْمُصْطَفَى أَرْجُو بِذَاكَ جِوَارَهُ ... وَفِي نَيْلِ ذَاكَ الْيَوْمِ أَسْعَى وَأَجْهَدُ
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ الرَّوْضِ: وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
__________
[1] في ابن هشام: فيه.
[2] في ابن هشام: ومثبتا.
[3] في ابن هشام: يلقى لقولي.
(5/281)

يَبْكِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
أَرِقْتُ فَبَاتَ لَيْلِيَ لَا يَزُولُ ... وَلَيْلُ أَخِي الْمُصِيبَةِ فِيهِ طُولُ
وَأَسْعَدَنِي الْبُكَاءُ وَذَاكَ فِيمَا ... أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ قَلِيلُ
لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنَا وَجَلَّتْ ... عَشِيَّةَ قِيلَ قَدْ قُبِضَ الرَّسُولُ
وَأَضْحَتْ أَرْضُنَا مِمَّا عَرَاهَا ... تَكَادُ بِنَا جَوَانِبُهَا تَمِيلُ
فَقَدْنَا الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ فِينَا ... يَرُوحُ بِهِ وَيَغْدُوُ جِبْرَئِيلُ
وَذَاكَ أَحَقُّ مَا سَالَتْ عَلَيْهِ ... نُفُوسُ النَّاسِ أَوْ كَرَبَتْ [1] تَسِيلُ
نَبِيٌّ كَانَ يَجْلُو الشَّكَّ عَنَّا ... بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ وَمَا يَقُولُ
ويهدينا فلا تخشى ضَلَالًا ... عَلَيْنَا وَالرَّسُولُ لَنَا دَلِيلُ
أَفَاطِمُ إِنْ جَزِعْتِ فَذَاكَ عُذْرٌ ... وَإِنْ لَمْ تَجْزَعِي ذَاكَ السَّبِيلُ
فَقَبْرُ أَبِيكِ سَيِّدُ كُلِّ قَبْرٍ ... وَفِيهِ سَيِّدُ النَّاسِ الرَّسُولُ
بَابُ
بَيَانِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتْرُكْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا وَلَا شَيْئًا يُورَثُ عَنْهُ، بَلْ أَرْضًا جَعَلَهَا كُلَّهَا صَدَقَةً للَّه عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا كَانَتْ أَحْقَرَ عِنْدَهُ- كَمَا هِيَ عِنْدَ اللَّهِ- مِنْ أَنْ يَسْعَى لَهَا أَوْ يَتْرُكَهَا بَعْدَهُ مِيرَاثًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. قَالَ:
مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا لِابْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً. انفرد به البخاري دون مي سلم فَرَوَاهُ فِي أَمَاكِنَ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ وَسُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ وَزُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا به. وقد رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ثَنَا الْأَعْمَشُ وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا وَلَا أوصى بشيء. وهكذا رواه مي سلم مُنْفَرِدًا بِهِ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ متعددة
__________
[1] كذا رواية السهيليّ وفي الأصل: كادت تسيل ولعلها أقرب للمعنى.
(5/282)

عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ حَبِيبَةِ حَبِيبِ اللَّهِ الْمُبَرَّأَةِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سفيان عن عاصم عن ذر بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا أَمَةٍ وَلَا عَبْدًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سفيان عن عاصم عن ذر عَنْ عَائِشَةَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا. قال سفيان: وأكثر عِلْمِي وَأَشُكُّ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ بِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أبى النجود عن ذر عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يعقوب ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ أَنْبَأَنَا مسعر عن عاصم عن ذر. قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ: تَسْأَلُونِي عَنْ مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا وَلِيدَةً، قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ قَالَ وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا. قَالَ وَأَنْبَأَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا وَلِيدَةً وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. وَفِي لَفْظِ لِلْبُخَارِيِّ رَوَاهُ عَنْ قَبِيصَةَ عن الثوري عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قَالَتْ:
تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْهَا. قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. ثُمَّ قَالَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ. ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بن حمويه الْعَسْكَرِيُّ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَلَانِسِيُّ ثَنَا آدَمُ ثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: لَقَدْ دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ [1] . قَالَ أَنَسٌ وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَصْبَحَ عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ وَلَا صَاعُ تَمْرٍ» . وَإِنَّ لَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَ نِسْوَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ وَأَخَذَ مِنْهُ طَعَامًا فَمَا وَجَدَ مَا يَفْتَكُّهَا بِهِ حَتَّى مَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيِّ عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ثَنَا ثَابِتٌ ثَنَا هِلَالٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى أُحُدٍ. فَقَالَ: «والّذي نفسي بيده ما يسرني أحدا لآل محمد ذهبا
__________
[1] السنخة: المتغيرة الرائحة.
(5/283)

أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَمُوتُ يَوْمَ أَمُوتُ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارَانِ إِلَّا أَنْ أُرْصِدَهُمَا لِدَيْنٍ» . قَالَ فَمَاتَ فَمَا تَرَكَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ولا عبدا ولا وليدة، فترك دِرْعَهُ رَهْنًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ وَقَدْ رَوَى آخِرَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيِّ عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ الْعَبْدِيِّ الْكُوفِيِّ بِهِ. وَلِأَوَّلِهِ شَاهَدٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ وَأَبُو سَعِيدٍ وَعَفَّانُ. قَالُوا: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ- هُوَ ابْنُ يَزِيدَ- ثَنَا هِلَالٍ- هُوَ ابْنُ خَبَّابٍ- عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ. فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ فِي الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِصَّةِ الْإِيلَاءِ. وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا شاكله في بيان زهده عليه السلام وَتَرْكِهِ الدُّنْيَا، وَإِعْرَاضِهِ عَنْهَا، وَاطِّرَاحِهِ لَهَا، وَهُوَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ عليه السلام لَمْ تَكُنِ الدُّنْيَا عِنْدَهُ بِبَالٍ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ. قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا مَا بَيْنَ هَذَيْنِ اللَّوْحَيْنِ. قَالَ وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَةَ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى أَأَوْصَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ لَا. فَقُلْتُ كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أَوْ أُمِرُوا بِهَا؟ قَالَ أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ بِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بن مغول.
تنبيه: قد ورد أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ سَنُورِدُهَا قَرِيبًا بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ فِي ذِكْرِ أَشْيَاءَ كَانَ يَخْتَصُّ بِهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ دُورٍ ومساكن لنسائه وَإِمَاءٍ وَعَبِيدٍ وَخُيُولٍ وَإِبِلٍ وَغَنَمٍ وَسِلَاحٍ وَبَغْلَةٍ وَحِمَارٍ وَثِيَابٍ وَأَثَاثٍ وَخَاتَمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سنوضحه بطرقه ودلائله، فلعله عليه السلام تَصَدَّقَ بِكَثِيرٍ مِنْهَا فِي حَيَاتِهِ مُنْجِزًا، وَأَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقَ مِنْ إِمَائِهِ وَعَبِيدِهِ، وَأَرْصَدَ مَا أَرْصَدَهُ مِنْ أَمْتِعَتِهِ، مَعَ مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأَرَضِينَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ وَخَيْبَرَ وَفَدَكَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُخَلِّفْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا يُورَثُ عَنْهُ قَطْعًا لِمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا وباللَّه الْمُسْتَعَانُ.
(5/284)

باب بيان أنه عليه السلام قَالَ لَا نُورَثُ
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ، وَقَالَ مَرَّةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أبى الزناد عبد الله ابن ذَكْوَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ إِلَى أبى بكر ليسألنه مِيرَاثَهُنَّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:
أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟» وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ فَهَذِهِ إِحْدَى النِّسَاءِ الْوَارِثَاتِ- إِنْ لَوْ قُدِّرَ مِيرَاثٌ- قَدِ اعْتَرَفَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ مَا تَرَكَهُ صَدَقَةً لَا مِيرَاثًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَقِيَّةَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَافَقْنَهَا عَلَى مَا رَوَتْ، وَتَذَكَّرْنَ مَا قَالَتْ لَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ عِبَارَتَهَا تُؤْذِنُ بِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُنَّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبان ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بَابُ قَوْلِ رسول الله لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَنَا هِشَامٌ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنْ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكَ وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ. فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ» . قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ لَا أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهِ إِلَّا صَنَعْتُهُ، قَالَ فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَتْ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ مِيرَاثَهَا مِمَّا تَرَكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ وَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ. قَالَ وَعَاشَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ هَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي مِنْ صحيحه عن ابن أبى بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ
(5/285)

عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَزَادَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا عَلِيٌّ لَيْلًا وَلَمْ يُؤْذِنْ أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الْأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ الى أبى بكر ايتنا وَلَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ، وَكَرِهَ أَنْ يَأْتِيَهُ عُمَرُ لِمَا عَلِمَ مِنْ شِدَّةِ عُمَرَ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَى أَنْ يَصْنَعُوا بِي؟ وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُمْ. فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه وَقَالَ إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكُمُ اسْتَبْدَدْتُمْ بِالْأَمْرِ وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبًا، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ يَذْكُرُ حَتَّى بَكَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ:
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الّذي شجر بينكم فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا صَنَعْتُهُ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ بِهِ، وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَسَابِقَتَهُ، وَحَدَّثَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةٌ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ قَامَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَبَايَعَهُ. فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا أَحْسَنْتَ. وَكَانَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ [1] . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنَحْوِهِ. فَهَذِهِ الْبَيْعَةُ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، بَيْعَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلصُّلْحِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ ثَانِيَةٌ لِلْبَيْعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَوَّلًا يَوْمَ السَّقِيفَةِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ مُجَانِبًا لِأَبِي بَكْرٍ هَذِهِ السِّتَّةَ الْأَشْهُرِ، بَلْ كَانَ يُصَلِّي وَرَاءَهُ وَيَحْضُرُ عِنْدَهُ لِلْمَشُورَةِ، وَرَكِبَ مَعَهُ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ كَمَا سَيَأْتِي. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَيَالٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ يَلْعَبُ مَعَ الغلمان، فاحتمله على كاهله وجعل يقول: يَا بِأَبِي شِبْهُ النَّبِيِّ، لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيٍّ. وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ. وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَتْ هَذِهِ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ اعْتَقَدَ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُبَايِعْ قَبْلَهَا فَنَفَى ذَلِكَ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي كَمَا تَقَدَّمَ وَكَمَا تَقَرَّرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا تَغَضُّبُ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ فَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ، فَإِنْ كَانَ لِمَنْعِهِ إِيَّاهَا مَا سَأَلَتْهُ مِنَ الْمِيرَاثِ فَقَدِ اعْتَذَرَ إِلَيْهَا بِعُذْرٍ يَجِبُ قَبُولُهُ وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِيهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» وَهِيَ مِمَّنْ تَنْقَادُ لِنَصِّ الشَّارِعِ الَّذِي خَفِيَ عَلَيْهَا قَبْلَ سُؤَالِهَا الْمِيرَاثَ كَمَا خَفِيَ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
[1] هكذا عبارة الأصل وكذا في التيمورية.
(5/286)

حَتَّى أَخْبَرَتْهُنَّ عَائِشَةُ بِذَلِكَ، وَوَافَقْنَهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يُظَنُّ بِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا اتَّهَمَتِ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا أَخْبَرَهَا بِهِ، حَاشَاهَا وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وعبد الرحمن ابن عَوْفٍ، وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ قَرِيبًا. وَلَوْ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَوَجَبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ قَبُولُ رِوَايَتِهِ وَالِانْقِيَادُ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ غَضَبُهَا لِأَجْلِ مَا سَأَلَتِ الصِّدِّيقَ إِذْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرَاضِي صَدَقَةً لَا مِيرَاثًا أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا يَنْظُرُ فِيهَا، فَقَدِ اعْتَذَرَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ يَرَى أَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا كَانَ يَعْمَلُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَلِي مَا كان يليه رسول الله، وَلِهَذَا قَالَ: وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَعُ أَمْرًا كَانَ يَصْنَعُهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا صَنَعْتُهُ، قَالَ فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَتْ. وَهَذَا الْهِجْرَانُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَتَحَ عَلَى فِرْقَةِ الرَّافِضَةِ شَرًّا عَرِيضًا، وَجَهْلًا طَوِيلًا، وَأَدْخَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَبَبِهِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ وَلَوْ تَفَهَّمُوا الْأُمُورَ عَلَى مَا هِيَ عليه لعرفوا للصديق فضله، وقبلوا عنه عُذْرَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبُولُهُ، وَلَكِنَّهُمْ طَائِفَةٌ مَخْذُولَةٌ، وَفِرْقَةٌ مَرْذُولَةٌ، يَتَمَسَّكُونَ بِالْمُتَشَابِهِ، ويتركون الأمور المحكمة المقدرة عِنْدَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ أَجْمَعِينَ.
بَيَانُ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ لِمَا رَوَاهُ الصِّدِّيقُ وَمُوَافَقَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عَقِيلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرنى مالك ابن أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ فَأَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ؟ قَالَ نَعَمْ! فَأَذِنَ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ نَعَمْ! قَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا، قَالَ أَنْشُدُكُمْ باللَّه الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟» يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ؟ قَالَ الرَّهْطُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا قَدْ قَالَ ذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ قَدْ خَصَّ لِرَسُولِ الله فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غيره، قال (ما أفاء الله على رسوله) الى قوله (قدير) فَكَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا احتازها دونكم، ولا استأثرها عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ هَذَا الْمَالِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ
(5/287)

يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ، فعمل بذلك رسول الله حَيَاتَهُ أَنْشُدُكُمْ باللَّه هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا نَعَمْ! ثُمَّ قَالَ لَعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا باللَّه هل تعلمان ذلك! فتوفى الله نبيه فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَضَهَا فَعَمِلَ بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ وَلِيِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، حتى جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، وَجَاءَنِي هَذَا لِيَسْأَلَنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ، فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قضاء غير ذلك! فو الله الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ صَحِيحِهِ، وَمُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَقَالَ عُمَرُ: فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ وَلِيتُهَا فَعَمِلْتُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ للحق. ثم جئتمانى فدفعتا إِلَيْكُمَا لِتَعْمَلَا فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعَمِلْتُ فِيهَا أَنَا، أَنْشُدُكُمْ باللَّه أَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ قَالُوا نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا. أَنْشُدُكُمَا باللَّه هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا نَعَمْ، قَالَ أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ! لَا وَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ: نَشَدْتُكُمْ باللَّه الَّذِي تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ أَعَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟» قَالُوا نَعَمْ! عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ.
قُلْتُ: وَكَانَ الَّذِي سَأَلَاهُ- بَعْدَ تَفْوِيضِ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ- هُوَ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمَا النَّظَرَ فَيَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَظَرَ مَا كَانَ يستحقه بالأرض لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَانَ وَارِثًا، وَكَأَنَّهُمَا قَدَّمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمَا جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَابْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ شَدِيدَةٌ بِسَبَبِ إِشَاعَةِ النَّظَرِ بينهما، فقالت الصحابة الذين قدموهم بَيْنَ أَيْدِيهِمَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا، أو أرح أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ. فَكَأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَحَرَّجَ مِنْ قِسْمَةِ النَّظَرِ بَيْنَهُمَا بِمَا يُشْبِهُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ وَلَوْ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ مُحَافَظَةً عَلَى امْتِثَالِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» فَامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ وَأَبَى مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْإِبَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا والعباس استمرا على ما كان عَلَيْهِ يَنْظُرَانِ فِيهَا جَمِيعًا إِلَى زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا عَلِيٌّ وَتَرَكَهَا لَهُ الْعَبَّاسُ بِإِشَارَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَيْنَ يَدَيْ عُثْمَانَ، كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ. فَاسْتَمَرَّتْ فِي أَيْدِي الْعَلَوِيِّينَ. وَقَدْ تَقَصَّيْتُ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَلْفَاظَهُ فِي مُسْنَدَيِ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَإِنَّى وللَّه الْحَمْدُ جَمَعْتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُجَلَّدًا ضَخْمًا مِمَّا رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَآهُ
(5/288)

مِنَ الْفِقْهِ النَّافِعِ الصَّحِيحِ، وَرَتَّبْتُهُ عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا الْيَوْمَ. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا احْتَجَّتْ أَوَّلًا بِالْقِيَاسِ وَبِالْعُمُومِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَأَجَابَهَا الصِّدِّيقُ بِالنَّصِّ على الخصوص بالمنع في حق النبي، وَأَنَّهَا سَلَّمَتْ لَهُ مَا قَالَ. وَهَذَا هُوَ المظنون بها رضى الله عنها. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ: مَنْ يَرِثُكَ إِذَا مُتَّ؟ قَالَ وَلَدِي وَأَهْلِي، قَالَتْ فَمَا لَنَا لَا نَرِثُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ النَّبِيَّ لَا يُورَثُ» وَلَكِنِّي أَعُولُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُولُ وَأُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ أبى الوليد الطيالسي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أبى هريرة، فذكره بوصل الحديث. وقال الترمذي حسن صحيح غَرِيبٌ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ. قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَأَنْتَ وَرِثْتَ رسول الله أم أهله؟ فقال: لا بل أهله، فقالت فَأَيْنَ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَةً ثُمَّ قَبَضَهُ جَعَلَهُ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ» فَرَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَتْ فَأَنْتَ وَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ بِهِ. فَفِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَلَعَلَّهُ روى بمعنى ما فهمه بعض الرواة، وفيهم مَنْ فِيهِ تَشَيُّعٌ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ. وَأَحْسَنُ مَا فِيهِ قَوْلُهَا أَنْتَ وَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا هُوَ الصواب والمظنون بِهَا، وَاللَّائِقُ بِأَمْرِهَا وَسِيَادَتِهَا وَعِلْمِهَا وَدِينِهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَكَأَنَّهَا سَأَلَتْهُ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَجْعَلَ زَوْجَهَا نَاظِرًا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ فَلَمْ يُجِبْهَا إِلَى ذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، فَتَعَتَّبَتْ عَلَيْهِ بسبب ذلك وهي امرأة من بنات آدَمَ تَأْسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةِ الْعِصْمَةِ مَعَ وُجُودِ نَصِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُخَالَفَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عنها وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ تَرَضَّى فَاطِمَةَ وَتَلَايَنَهَا قَبْلَ مَوْتِهَا فَرَضِيَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَتَكِيُّ بِنَيْسَابُورَ أَنْبَأَنَا أَبُو حَمْزَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ. قَالَ: لَمَّا مَرِضَتْ فَاطِمَةُ أَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ يَا فَاطِمَةُ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكِ؟
فَقَالَتْ أَتُحِبُّ أَنْ آذَنَ لَهُ؟ قَالَ نَعَمْ! فَأَذِنَتْ لَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَتَرَضَّاهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ الدَّارَ وَالْمَالَ وَالْأَهْلَ وَالْعَشِيرَةَ إِلَّا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ، وَمَرْضَاتِكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، ثُمَّ تَرَضَّاهَا حَتَّى رَضِيَتْ. وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، والظاهر أن عامر الشَّعْبِيَّ سَمِعَهُ مِنْ عَلِيٍّ، أَوْ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ عَلِيٍّ، وَقَدِ اعْتَرَفَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْبَيْتِ بِصِحَّةِ مَا حَكَمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فِي ذلك. قال الحافظ البيهقي أنبأنا محمد
(5/289)

ابن عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ثَنَا ابْنُ دَاوُدَ عَنْ فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ. قَالَ قَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب: أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ مَكَانَ أَبِي بَكْرٍ لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك.
فَصْلٌ
وَقَدْ تَكَلَّمَتِ الرَّافِضَةُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِجَهْلٍ، وَتَكَلَّفُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، وَكَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، وَأَدْخَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ، وَحَاوَلَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَرُدَّ خَبَرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ 27: 16 الآية. وَحَيْثُ قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ زَكَرِيَّا أَنَّهُ قَالَ: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا 19: 5- 6. واستدلالهم بهذا باطل من وجوه، أحدها أن قوله: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ 27: 16 إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ فِي الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ، أَيْ جَعَلْنَاهُ قَائِمًا بَعْدَهُ فِيمَا كَانَ يَلِيهِ مِنَ الْمُلْكِ وَتَدْبِيرِ الرَّعَايَا، وَالْحُكْمِ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وجعلناه نبيا كريما كأبيه وكما جُمِعَ لِأَبِيهِ الْمُلْكُ وَالنُّبُوَّةُ كَذَلِكَ جُعِلَ وَلَدُهُ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا وِرَاثَةَ الْمَالِ لِأَنَّ دَاوُدَ كَمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَانَ له أولاد كثيرون يقال مائة، فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ سُلَيْمَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ وِرَاثَةَ الْمَالِ؟ إِنَّمَا الْمُرَادُ وِرَاثَةُ الْقِيَامِ بَعْدَهُ فِي النُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ 27: 16 وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ 27: 16 وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ كَثِيرًا.
وَأَمَّا قِصَّةُ زَكَرِيَّا فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْكِرَامِ، وَالدُّنْيَا كَانَتْ عِنْدَهُ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ وَلَدًا لِيَرِثَهُ فِي مَالِهِ، كَيْفَ؟ وَإِنَّمَا كَانَ نَجَّارًا يَأْكُلُ مَنْ كَسْبِ يَدِهِ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَدَّخِرَ مِنْهَا فَوْقَ قوته حتى يسأل الله وَلَدًا يَرِثُ عَنْهُ مَالَهُ- إِنْ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ- وَإِنَّمَا سَأَلَ وَلَدًا صَالِحًا يَرِثُهُ فِي النُّبُوَّةِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَحَمْلِهِمْ عَلَى السَّدَادِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا، قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا 19: 1- 6 القصة بتمامها. فقال وليا يرثني ويرث من آل يعقوب، يَعْنِي النُّبُوَّةَ كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «النَّبِيُّ لَا يُورَثُ» وَهَذَا اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ كُلَّ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نورث» .
(5/290)

والوجه الثَّانِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خُصَّ مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ بِأَحْكَامٍ لَا يُشَارِكُونَهُ فِيهَا كَمَا سَنَعْقِدُ لَهُ بَابًا مُفْرَدًا فِي آخِرِ السِّيرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُورَثُونَ- وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ- لَكَانَ مَا رَوَاهُ مَنْ ذكرنا مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ مُبَيِّنًا لِتَخْصِيصِهِ بِهَذَا الحكم دون ما سواه.
والثالث: أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالْحُكْمُ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا حَكَمَ بِهِ الْخُلَفَاءُ، وَاعْتَرَفَ بِصِحَّتِهِ الْعُلَمَاءُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ أَمْ لَا. فَإِنَّهُ قال: «لا نورث ما تركناه صَدَقَةٌ» إِذْ يَحْتَمِلُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ أَنْ يكون قوله عليه السلام «مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ حُكْمِهِ أَوْ حُكْمِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنشاء وصيته كَأَنَّهُ يَقُولُ لَا نُورَثُ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ جَعْلِهِ مَالَهُ كُلَّهُ صَدَقَةً، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَهُوَ الَّذِي سَلَكَهُ الْجُمْهُورُ. وَقَدْ يَقْوَى الْمَعْنَى الثَّانِي بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم قال: «لا تقتسم وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» وَهَذَا اللَّفْظُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ يَرَدُّ تَحْرِيفَ مَنْ قَالَ مِنَ الْجَهَلَةِ مِنْ طَائِفَةِ الشِّيعَةِ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً بِالنَّصْبِ، جَعَلَ- مَا- نَافِيَةً، فَكَيْفَ يَصْنَعُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ لَا نُورَثُ؟! وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ «مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» وَمَا شَأْنُ هَذَا إِلَّا كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى شَيْخٍ مِنْ أهل السنة وَكَلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيماً 4: 164 بِنَصْبِ الْجَلَالَةِ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: وَيْحَكَ كَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ 7: 143 وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى فَإِنَّهُ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ آيَةِ الْمِيرَاثِ، وَمُخْرِجٌ لَهُ عَلَيْهِ السلام مِنْهَا، إِمَّا وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ إِخْوَانِهِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
بَابُ ذِكْرِ زَوْجَاتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَرَضِيَ عنهن وأولاده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ الله كانَ لَطِيفاً خَبِيراً 33: 32- 34 لا خلاف أنه عليه السلام تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ وَهُنَّ، عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ التَّيْمِيَّةُ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الخطاب
(5/291)

الْعَدَوِيَّةُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ صخر بن حرب بن أبى أُمَيَّةَ الْأُمَوِيَّةُ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الْأَسَدِيَّةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيَّةُ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ الْعَامِرِيَّةُ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ الْمُصْطَلِقِيَّةُ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ النَّضْرِيَّةُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ الْهَارُونِيَّةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وَأَرْضَاهُنَّ. وَكَانَتْ لَهُ سريتان وهما، مارية بِنْتُ زَمْعَةَ الْعَامِرِيَّةُ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ الْمُصْطَلِقِيَّةُ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ النَّضْرِيَّةُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ الْهَارُونِيَّةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وَأَرْضَاهُنَّ. وَكَانَتْ لَهُ سُرِّيَّتَانِ وَهُمَا، مَارِيَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ الْقِبْطِيَّةُ الْمِصْرِيَّةُ مِنْ كُورَةِ أَنْصِنَا وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَيْحَانَةُ بِنْتُ [1] شَمْعُونَ الْقُرَظِيَّةُ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَلَحِقَتْ بِأَهْلِهَا. ومن الناس من يزعم أنها احتجبت عندهم وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُفَصَّلًا وَمُرَتَّبًا مِنْ حَيْثُ مَا وَقَعَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا مَجْمُوعًا مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فَنَقُولُ وباللَّه الْمُسْتَعَانُ.
رَوَى الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، دَخَلَ مِنْهُنَّ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ. ثُمَّ ذَكَرَ هَؤُلَاءِ التِّسْعَ اللاتي ذكرناهن رضى الله عنهن. ورواه سيف بن عمر عن سعيد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ [2] . وَرَوَاهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. وَرَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. قَالَتْ فَالْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ لَمَّ يَدْخُلْ بِهِمَا فَهُمَا، عَمْرَةُ بِنْتُ يَزِيدَ الْغِفَارِيَّةُ وَالشَّنْبَاءُ، [3] فَأَمَّا عَمْرَةُ فَإِنَّهُ خَلَا بِهَا وَجَرَّدَهَا فَرَأَى بِهَا وَضَحًا فَرَدَّهَا وَأَوْجَبَ لَهَا الصَّدَاقَ وَحُرِّمَتْ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا الشَّنْبَاءُ فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ لَمْ تَكُنْ يَسِيرَةً فَتَرَكَهَا يَنْتَظِرُ بِهَا الْيُسْرَ [4] فَلَمَّا مَاتَ ابنه إبراهيم على بغتة ذَلِكَ قَالَتْ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتِ ابْنُهُ، فَطَلَّقَهَا وَأَوْجَبَ لَهَا الصَّدَاقَ وَحُرِّمَتْ عَلَى غَيْرِهِ، قَالَتْ فَاللَّاتِي اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ، عَائِشَةُ وَسَوْدَةُ وَحَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ وَجُوَيْرِيَةُ وَصَفِيَّةُ وَمَيْمُونَةُ وَأُمُّ شَرِيكٍ.
قُلْتُ: وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْدَى عِشْرَةَ اللَّاتِي كَانَ يَطُوفُ عَلَيْهِنَّ التِّسْعُ الْمَذْكُورَاتُ وَالْجَارِيَتَانِ مَارِيَةُ وَرَيْحَانَةُ. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سفيان
__________
[1] في هامش الأصل: قوله ريحانة بنت شمعون غلط- أقول سيأتي أنها بنت زيد فليحرر تأمل.
[2] في هامش الأصل. وبالتيمورية ورواه بحير بن كثير عن قتادة عن أنس والأول أصح.
[3] الّذي في ابن هشام: أنهما أسماء بنت النعمان الكندية. وجد بها بياضا فمتعها وأرجعها الى أهلها، وعمرة بنت يزيد الكلابية وهي التي استعاذت منه.
[4] في التيمورية لم تكن متيسرة فتركها ينتظر بها التيسير (يريد أنها حائضة) ولعله الصواب.
(5/292)

الفسورى عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِي مَنِيعٍ عَنْ جَدِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ الرُّصَافِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ- وَقَدْ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْحَجَّاجِ هَذَا- وَأَوْرَدَ لَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ طرفا عَنْهُ أَنَّ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خديجة بنت خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قصي، زَوَّجَهُ إِيَّاهَا أَبُوهَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ عُمُرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، زَمَانَ بنيت الكعبة. وقال الْوَاقِدِيُّ وَزَادَ وَلَهَا خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَانَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ السلام يَوْمَئِذٍ ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. قال: كان عمر رسول الله يَوْمَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَعُمُرُهَا أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ عُمُرُهَا ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. رَوَاهُمَا ابْنُ عَسَاكِرَ. وَقَالَ ابن جريج: كان عليه السلام ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ عُمُرُهَا ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. رَوَاهُمَا ابْنُ عَسَاكِرَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ عليه السلام ابْنَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ الْقَاسِمَ وَبِهِ كَانَ يُكْنَى وَالطَّيِّبَ وَالطَّاهِرَ، وَزَيْنَبَ، وَرُقَيَّةَ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةَ.
قُلْتُ: وَهِيَ أُمُّ أَوْلَادِهِ كُلِّهِمْ سِوَى إِبْرَاهِيمَ فَمِنْ مَارِيَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى كُلِّ بِنْتٍ مِنْ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ تزوجها، وحاصله: أن زينب تزوجها الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ خَدِيجَةَ أُمُّهُ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا اسْمُهُ عَلِيٌّ، وَبِنْتًا اسْمُهَا أُمَامَةُ بِنْتُ زَيْنَبَ، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ وَمَاتَ وَهِيَ عِنْدَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ بِالْمُغِيرَةِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَأَمَّا رُقَيَّةُ فَتَزَوَّجَهَا عثمان ابن عَفَّانَ فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى أَوَّلًا، ثُمَّ اكْتَنَى بِابْنِهِ عَمْرٍو، وَمَاتَتْ رُقَيَّةُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ، وَلَمَّا قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِالْبِشَارَةِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَاوَوُا التُّرَابَ عَلَيْهَا، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ أَقَامَ عِنْدَهَا يُمَرِّضُهَا، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ. ثُمَّ زَوَّجَهُ بِأُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ، وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو النُّورَيْنِ، فَتُوُفِّيَتْ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا فَاطِمَةُ فَتَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَدَخَلَ بِهَا بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ كَمَا قَدَّمْنَا، فَوَلَدَتْ لَهُ حَسَنًا وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَحُسَيْنًا وَهُوَ الْمَقْتُولُ شَهِيدًا بِأَرْضِ الْعِرَاقِ.
قُلْتُ: وَيُقَالُ وَمُحَسِّنًا. قَالَ وَزَيْنَبَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَقَدْ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ هَذِهِ ابْنُ عَمِّهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَلِيًّا وَعَوْنًا وَمَاتَتْ عِنْدَهُ، وَأَمَّا أُمُّ كُلْثُومٍ فَتَزَوَّجَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْدًا وَمَاتَ عَنْهَا، فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ بِبَنِي عَمِّهَا جَعْفَرٍ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، تَزَوَّجَتْ بِعَوْنِ بْنِ جَعْفَرٍ فَمَاتَ عَنْهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا أَخُوهُ مُحَمَّدٌ فَمَاتَ عَنْهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا أَخُوهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَمَاتَتْ عِنْدَهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَقَدْ كَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلَيْنِ، الْأَوَّلُ مِنْهُمَا عَتِيقُ بْنُ عابد [1] بن محزوم فَوَلَدَتْ مِنْهُ جَارِيَةً وَهِيَ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ صيفي، والثاني أبو هالة التميمي
__________
[1] في رواية ابن هشام: عابد كما هنا، وفي الروض الأنف للسهيلى: عائذ، وسمى أبا هالة.
(5/293)

فولدت له هند بن هند وفد سَمَّاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَ ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا بعد هلاك عابد أَبُو هَالَةَ النَّبَّاشُ بْنُ زُرَارَةَ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلًا وَامْرَأَةً ثُمَّ هَلَكَ عَنْهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَلَدَتْ لَهُ بَنَاتِهِ الْأَرْبَعَ، ثُمَّ بَعْدَهُنَّ الْقَاسِمَ وَالطَّيِّبَ وَالطَّاهِرَ، فَذَهَبَ الْغِلْمَةُ جَمِيعًا وَهُمْ يُرْضَعُونَ.
قُلْتُ: وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةَ حَيَاتِهَا امْرَأَةً، كَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا تَزْوِيجَهَا فِي مَوْضِعِهِ وَذَكَرْنَا شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِهَا بِدَلَائِلِهَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ خَدِيجَةَ بِعَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ ابن غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا.
قُلْتُ: وَلَمْ يُولَدْ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، وَقِيلَ بَلْ أَسْقَطَتْ مِنْهُ وَلَدًا سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ، وَلِهَذَا كَانَتْ تُكَنَّى بِأُمِّ عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ إِنَّمَا كَانَتْ تُكَنَّى بِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ مِنَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
قُلْتُ: وقد قيل إنه تَزَوَّجَ سَوْدَةَ قَبْلَ عَائِشَةَ، قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فاللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا صِفَةَ تَزْوِيجِهِ عَلَيْهِ السلام بِهِمَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَتَأَخُّرَ دُخُولِهِ بِعَائِشَةَ إِلَى ما بعد الهجرة، قال وتزوج حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بن حدافة بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، مَاتَ عَنْهَا مُؤْمِنًا. قَالَ وتزوج أُمَّ سَلَمَةَ هِنْدَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مخزوم وكانت قبله تحت ابن عمها أَبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، قال وتزوج سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ بن لؤي وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ السَّكْرَانِ بْنِ عَمْرٍو أَخِي سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ مَاتَ عَنْهَا مُسْلِمًا بَعْدَ رُجُوعِهِ وَإِيَّاهَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى مَكَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ وتزوج أُمَّ حَبِيبَةَ رَمْلَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حرب بن أمية ابن عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَّيٍّ وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ [1] بْنِ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ نَصْرَانِيًّا، بَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ الله عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فحطبها عَلَيْهِ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، كَذَا قال والصواب عثمان بن أبى الْعَاصِ وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ النَّجَاشِيُّ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذلك كله مطولا وللَّه الحمد.
__________
[ () ] هند بن زرارة بن النباش. وقال: وقيل بل أبو هالة هو زرارة. وقال: ولدت له ابنه هند وزينب.
[1] رواية ابن هشام: عبيد الله وهي الأصح.
(5/294)

قال وتزوج [زَيْنَبَ] بِنْتَ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَأُمُّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتِ قَبْلَهُ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ عليه الصلاة والسلام، وهي أول نسائه لحوفا بِهِ، وَأَوَّلُ مَنْ عُمِلَ عَلَيْهَا النَّعْشُ صَنَعَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ عَلَيْهَا كَمَا رَأَتْ ذَلِكَ بأرض الحبشة، قال وتزوج زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ وَهِيَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَيُقَالُ لَهَا أُمُّ الْمَسَاكِينِ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ قُتِلَ يوم أحد فلم تلبث عنده عليه السلام إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى تُوُفِّيَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَقَالَ يُونُسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ كَانَتْ قبله عند الحصين ابن الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَوْ عِنْدَ أَخِيهِ الطُّفَيْلِ بْنِ الْحَارِثِ [1] . قَالَ الزُّهْرِيُّ:
وَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنِ بْنِ بُجَيْرِ بْنِ الْهُزَمِ بْنِ رُوَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ قَالَ وَهِيَ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ أنه خَطَبَهَا وَكَانَ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا أَبُو رَافِعٍ مَوْلَاهُ كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ. وَقَدْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَهُ رَجُلَيْنِ أَوَّلُهُمَا ابْنُ عبد يا ليل، وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ كَانَتْ تَحْتَ عُمَيْرِ بْنِ عَمْرٍو أَحَدِ بَنِي عُقْدَةَ بن ثَقِيفِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مَاتَ عَنْهَا، ثُمَّ خلف عليها أبو رهم ابن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ [2] . قَالَ وَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عامر بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ يَوْمَ الْمُرَيْسِيعِ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَيُقَالُ بَلْ قَدِمَ أَبُوهَا الْحَارِثُ وَكَانَ مَلِكَ خُزَاعَةَ فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا منه، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ ابْنِ عَمِّهَا صَفْوَانَ بْنِ أبى السفر [3] قال قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: وَكَانَ هَذَا الْبَطْنُ مِنْ خُزَاعَةَ حُلَفَاءَ لِأَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِهَذَا يَقُولُ حَسَّانُ:
وَحِلْفُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ ... وَحِلْفُ قُرَيْظَةٍ فِيكُمْ سَوَاءُ
وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
وَكَانَتْ جُوَيْرِيَةُ تَحْتَ ابْنِ عَمِّهَا مَالِكِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ تَوْلَبٍ ذِي الشُّفْرِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ. قَالَ وَسَبَى صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَهِيَ عَرُوسٌ بِكِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَقَدْ زَعَمَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ كِنَانَةَ عِنْدَ سَلَّامِ بْنِ مِشْكَمٍ فاللَّه أَعْلَمُ.
قَالَ فَهَذِهِ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً دَخَلَ بِهِنَّ، قَالَ وَقَدْ قَسَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي خِلَافَتِهِ لِكُلِّ امرأة من
__________
[1] رواية ابن هشام: وكانت قبله عند عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مناف، وكانت قبل عبيدة عند جهم بن عمرو بن الحارث وهو ابن عمها.
[2] ولم يذكر ابن إسحاق غير أبى رهم فقط.
[3] سماه ابن هشام: عبد الله.
(5/295)

أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم اثنا عَشَرَ أَلْفًا، وَأَعْطَى جُوَيْرِيَةَ وَصَفِيَّةَ سِتَّةَ آلَافٍ سِتَّةَ آلَافٍ، بِسَبَبِ أَنَّهُمَا سُبِيَتَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَقَدْ حَجَبَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَسَمَ لَهُمَا.
قُلْتُ: وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فيما تقدم في تزويجه عليه السلام كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ النِّسْوَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ فِي مَوْضِعِهِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَقَدْ تَزَوَّجَ الْعَالِيَةَ بِنْتَ ظَبْيَانَ بْنِ عَمْرِو مِنْ بَنِي بكر بن كلاب ودخل بها وطلقها. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَذَا فِي كِتَابِي وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَطَلَّقَهَا. وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ الْعَالِيَةَ بِنْتَ ظَبْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ دَهْرًا ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَقَدْ رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي مَنِيعٍ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الْكِلَابِيَّ هُوَ الَّذِي دَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَأَنَا أَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي أُخْتِ أُمِّ شَبِيبٍ، وَأُمُّ شَبِيبٍ امْرَأَةُ الضحاك وبه قال الزهري تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ كِلَابٍ فَأُنْبِئَ أَنَّ بِهَا بَيَاضًا فَطَلَّقَهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا.
قُلْتُ. الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الَّتِي قَبْلَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ وَتَزَوَّجَ أُخْتَ بَنِي الْجَوْنِ الْكِنْدِيِّ [1] وَهُمْ حُلَفَاءُ بَنِي فَزَارَةَ فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَقَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ» فَطَلَّقَهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا.
قَالَ وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُرِّيَّةً يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، فَتُوُفِّيَ وَقَدْ مَلَأَ الْمَهْدَ، وَكَانَتْ لَهُ وَلِيدَةٌ يُقَالُ لَهَا رَيْحَانَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ خُنَافَةَ وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ أَعْتَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا قَدِ احْتَجَبَتْ. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ أن رسول الله تَزَوَّجَ خَوْلَةَ بِنْتَ الْهُذَيْلِ بْنِ هُبَيْرَةَ التَّغْلِبِيِّ وَأُمُّهَا خِرْنِقُ بِنْتُ خَلِيفَةَ أُخْتُ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ فَحُمِلَتْ إِلَيْهِ مِنَ الشَّامِ فَمَاتَتْ فِي الطَّرِيقِ، فَتَزَوَّجَ خَالَتَهَا شَرَافَ بِنْتَ فَضَالَةَ بْنِ خَلِيفَةَ فَحُمِلَتْ إِلَيْهِ مِنَ الشَّامِ فَمَاتَتْ فِي الطَّرِيقِ أَيْضًا. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ أَسْمَاءَ بِنْتَ كَعْبٍ الْجَوْنِيَّةَ [1] فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى طَلَّقَهَا، وتزوج عمرة بنت زيد إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي كِلَابٍ ثُمَّ مِنْ بَنِي الْوَحِيدِ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَطَلَّقَهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَهَاتَانِ هُمَا اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا الزُّهْرِيُّ وَلَمْ يُسَمِّهِمَا، إِلَّا أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرِ الْعَالِيَةَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا الْحَاكِمُ أَنْبَأَنَا الْأَصَمُّ أَنْبَأَنَا أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: وَهَبْنَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم نساء أنفسهن
__________
[1] وقد سماها السهيليّ في الروض الأنف: أسماء بنت النعمان بن الجون الكندية وقال اتفقوا على تزويج النبي صلّى الله عليه وسلّم إياها واختلفوا في سبب فراقه لها.
(5/296)

فَدَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ وَأَرْجَى بَعْضَهُنَّ، فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَلَمْ يُنْكَحْنَ بَعْدَهُ، مِنْهُنَّ أُمُّ شَرِيكٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمن ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ 33: 51.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ- يَعْنِي بِنْتَ حَكِيمٍ- مِمَّنْ وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِّينَا في حديث أبى رشيد السَّاعِدِيِّ فِي قِصَّةِ الْجَوْنِيَّةِ الَّتِي اسْتَعَاذَتْ فَأَلْحَقَهَا بِأَهْلِهَا أَنَّ اسْمَهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ، كَذَا قَالَ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَا: مَرَّ بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابٌ لَهُ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اجْلِسُوا» وَدَخَلَ هُوَ وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَوْنِيَّةِ فَعُزِلَتْ فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ وَمَعَهَا دَايَةٌ لَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَبِي لِي نَفْسَكِ، قَالَتْ وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ، وَقَالَتْ إِنِّي أُعَوِّذُ باللَّه مِنْكَ قَالَ لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «يَا أبا أسيد اكسها دراعتين وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا» . وَقَالَ غَيْرُ أَبِي أَحْمَدَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي الْجَوْنِ يُقَالُ لَهَا أُمَيْنَةُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ جَلَسْنَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ «اجلسوا ها هنا» فدخل وقد أتى بالجونية فأنزلت في محل فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: «هَبِي لِي نَفْسَكِ» . قَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نفسها لسوقة؟! قَالَ فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ، فقالت أُعَوِّذُ باللَّه مِنْكَ. قَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ» . ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «يَا أَبَا أُسَيْدٍ أكسها رازقتين وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا» . قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي أُسَيْدٍ. قَالَا: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَكَأَنَّهَا كَرِهَتْ ذَلِكَ. فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُجَهِّزَهَا وَيَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ رازقتين. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ ثنا إبراهيم ابن الوزير ثنا عبد الرحمن بن حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا. انْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ الْكُتُبِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ثَنَا الْوَلِيدُ ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ على رسول الله قَالَتْ: أَعُوذُ باللَّه مِنْكَ، فَقَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكَ» وَقَالَ وَرَوَاهُ حَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عروة أخبره أن عائشة قالت (الحديث) انْفَرَدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَأَيْتُ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ أَنَّ اسْمَ الَّتِي اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ
(5/297)

النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ. وَيُقَالُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا أُمَيْمَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَزَعَمُوا أَنَّ الْكِلَابِيَّةَ اسْمُهَا عَمْرَةُ وَهِيَ الَّتِي وَصَفَهَا أَبُوهَا بِأَنَّهَا لَمْ تَمْرَضْ قَطُّ، فَرَغِبَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ رَوَى محمد ابن سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ: هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَطَلَّقَهَا، فَكَانَتْ تَلْقُطُ الْبَعْرَ وتقول: أنا الشقية. قال وتزوجها فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَمَاتَتْ سَنَةَ سِتِّينَ. وَذَكَرَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِيمَنْ تزوجها عليه السلام وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَسْمَاءَ بِنْتَ كَعْبٍ الْجَوْنَيَّةَ [1] وَعَمْرَةَ بِنْتَ يَزِيدَ الْكِلَابِيَّةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ أَسْمَاءُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ فاللَّه أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا مُغْضَبًا، فَقَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ: لَا يَسُؤْكَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعِنْدِي أَجْمَلُ مِنْهَا، فَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ قُتَيْلَةُ. وَقَالَ غَيْرُهُ كَانَ ذَلِكَ فِي رَبِيعٍ سَنَةَ تِسْعٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَذَكَرَ مِنْهُنَّ أُمَّ شَرِيكٍ الْأَنْصَارِيَّةَ النَّجَّارِيَّةَ. قَالَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ غَيْرَتَهُنَّ» وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا. قَالَ وَتَزَوَّجَ أَسْمَاءَ بِنْتَ الصَّلْتِ مِنْ بَنِي حَرَامٍ ثُمَّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ولم يدخل بها، وخطب حمزة [2] بِنْتَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّةَ. وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المثنى: تزوج رسول الله ثَمَانِيَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَذَكَرَ مِنْهُنَّ قُتَيْلَةَ بِنْتَ قيس أخت الأشعث ابن قَيْسٍ، فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَيْنِ، وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ. قال ولم يكن قدمت عليه ولا رآها ولم يدخل بها. قال وزعم آخرون أنه عليه السلام أَوْصَى أَنْ تُخَيَّرَ قُتَيْلَةُ فَإِنْ شَاءَتْ يَضْرِبُ عَلَيْهَا الْحِجَابَ وَتُحَرَّمُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ شَاءَتْ فَلْتَنْكِحْ مَنْ شَاءَتْ، فَاخْتَارَتِ النِّكَاحَ فَتَزَوَّجَهَا عِكْرِمَةُ بن أبى جهل بحضر موت، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُحَرِّقَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا دَخَلَ بِهَا وَلَا ضَرَبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَزَعَمَ بَعْضِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ فِيهَا بِشَيْءٍ، وَأَنَّهَا ارْتَدَّتْ بَعْدَهُ فَاحْتَجَّ عُمَرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِارْتِدَادِهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَهْ أَنَّ الَّتِي ارْتَدَّتْ هِيَ البرحاء [3] مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجَ قُتَيْلَةَ أُخْتَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُخَيِّرَهَا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ لَمَّا تَزَوَّجَ قُتَيْلَةَ أَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَرَاجَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَإِنَّهَا ارْتَدَّتْ مَعَ أخيها، فبرئت من الله ورسوله. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى كَفَّ عَنْهُ. قَالَ الحاكم
__________
[1] رواية ابن هشام أسماء بنت النعمان بن الجون الكندية.
[2] كذا في الأصلين.
[3] كذا ولم نقف على هذا الاسم.
(5/298)

وَزَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْعَدَدِ فَاطِمَةَ بِنْتَ شريح، وسبأ [1] بِنْتَ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ السُّلَمِيَّةُ. هَكَذَا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَنْدَهْ بِسَنَدِهِ عَنْ قَتَادَةَ فَذَكَرَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَهِيَ سَبَا. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: ويقال سبأ بِنْتُ الصَّلْتِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ حَرَامِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَوْفٍ السلمي. قال ابن سعد: وأخبرنا هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ حَدَّثَنِي الْعَرْزَمِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ فِي نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبأ بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إن رسول الله بَعَثَ أَبَا أُسَيْدٍ يَخْطُبُ عَلَيْهِ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ يُقَالُ لَهَا عَمْرَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ كِلَابٍ، فَتَزَوَّجَهَا فَبَلَغَهُ أَنَّ بِهَا بَيَاضًا فَطَلَّقَهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو مَعْشَرٍ. قَالَ: تَزَوَّجَ رسول الله مُلَيْكَةَ بِنْتِ كَعْبٍ وَكَانَتْ تُذْكَرُ بِجَمَالٍ بَارِعٍ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهَا عَائِشَةُ فَقَالَتْ أَلَا تَسْتَحِينَ أَنْ تَنْكِحِي قَاتِلَ أَبِيكِ؟ فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَطَلَّقَهَا، فَجَاءَ قَوْمُهَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا صَغِيرَةٌ وَلَا رَأْيَ لَهَا، وَإِنَّهَا خُدِعَتْ فَارْتَجِعْهَا، فَأَبَى. فَاسْتَأْذَنُوهُ أَنْ يُزَوِّجُوهَا بِقَرِيبٍ لَهَا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ فَأَذِنَ لَهُمْ، قَالَ وَكَانَ أَبُوهَا قَدْ قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَوْمَ الْفَتْحِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ الْجُنْدَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ عن عطاء ابن يزيد قال: دخل بها رسول الله فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَمَاتَتْ عِنْدَهُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَأَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَاهَانِيُّ أَنْبَأَنَا شُجَاعُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُجَاعٍ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حكيم الْمَرْوَزِيُّ ثَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُوَجِّهِ الْفَزَارِيُّ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ بِمَكَّةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ عَتِيقِ بْنِ عَائِذٍ الْمَخْزُومِيِّ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بِمَكَّةَ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بِالْمَدِينَةِ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، ثُمَّ تَزَوَّجَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ السَّكْرَانِ بْنِ عَمْرٍو أَخِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيِّ أَحَدِ بَنِي خُزَيْمَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ وَكَانَ اسْمُهَا هِنْدَ وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، ثم تزوج زينب بنت خزيمة الهلالية، وتزوج الْعَالِيَةَ بِنْتَ ظَبْيَانَ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ عمرو بن كلاب، وتزوج امْرَأَةً مِنْ بَنِي الْجَوْنِ مِنْ كِنْدَةَ، وَسَبَى جُوَيْرِيَةَ- فِي الْغَزْوَةِ الَّتِي هَدَمَ فِيهَا مَنَاةَ غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ- ابْنَةَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَسَبَى صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ وكانتا مما أفاء الله عليه فقسمهما له، واستسر مارية الْقِبْطِيَّةَ فَوَلَدَتْ لَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَاسْتَسَرَّ رَيْحَانَةَ مِنْ بنى قريظة ثم
__________
[1] رواية السهيليّ: وسنى بنت الصلت أو سنا بنت أسماء بنت الصلت.
(5/299)

أَعْتَقَهَا فَلَحِقَتْ بِأَهْلِهَا وَاحْتَجَبَتْ وَهِيَ عِنْدَ أَهْلِهَا، وَطَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَالِيَةَ بِنْتَ ظَبْيَانَ، وَفَارَقَ أُخْتَ بَنِي عَمْرِو بْنِ كِلَابٍ، وَفَارَقَ أُخْتَ بَنِي الْجَوْنِ الْكِنْدِيَّةَ مِنْ أَجْلِ بَيَاضٍ كَانَ بِهَا، وَتُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ، وَبَلَغَنَا أَنَّ الْعَالِيَةَ بِنْتَ ظَبْيَانَ الَّتِي طُلِّقَتْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ أَنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ النِّسَاءَ، فَنَكَحَتِ ابْنَ عَمٍّ لَهَا مِنْ قَوْمِهَا وَوَلَدَتْ فِيهِمْ. سُقْنَاهُ بِالسَّنَدِ لِغَرَابَةِ مَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِهِ تَزْوِيجَ سَوْدَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ: فَمَاتَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثِ سِنِينَ لَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا امْرَأَةً حَتَّى مَاتَتْ هِيَ وَأَبُو طَالِبٍ فِي سَنَةِ، فَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ خَدِيجَةَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَ سَوْدَةَ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا وَلَمْ يُصِبْ مِنْهَا وَلَدًا حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَ عَائِشَةَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَ حَفْصَةَ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةَ أُمَّ الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا أُمَّ سَلَمَةَ هِنْدَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، قَالَ ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَ جُوَيْرِيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةَ. فَهَذَا التَّرْتِيبُ أَحْسَنُ وَأَقْرَبُ مِمَّا رَتَّبَهُ الزُّهْرِيُّ والله أعلم. وقال يونس ابن بكير عن أبى يحيى عن حميل بْنِ زَيْدٍ الطَّائِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَدَخَلَ بِهَا فَأَمَرَهَا فَنَزَعَتْ ثَوْبَهَا، فَرَأَى بِهَا بَيَاضًا مِنْ بَرَصٍ عِنْدَ ثَدْيَيْهَا، فَانْمَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «خُذِي ثَوْبَكِ» وَأَصْبَحَ فَقَالَ لَهَا «الْحَقِي بِأَهْلِكِ» فَأَكْمَلَ لَهَا صَدَاقَهَا. [1] [وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ حميل بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ مِمَّنْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ غِفَارٍ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: وَمِمَّنْ تَزَوَّجَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أُمُّ شَرِيكٍ الْأَزْدِيَّةُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَالْمُثْبَتُ أَنَّهَا دَوْسِيَّةٌ وَقِيلَ الْأَنْصَارِيَّةُ، وَيُقَالُ عَامِرِيَّةٌ وَأَنَّهَا خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ السُّلَمِيُّ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ اسْمُهَا غَزِيَّةُ بِنْتُ جَابِرِ بْنِ حَكِيمٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ. كَانَ جَمِيعُ مَا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، مِنْهُنَّ أُمُّ شَرِيكٍ الْأَنْصَارِيَّةُ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ: وَتَزَوَّجَ أُمَّ شَرِيكٍ الْأَنْصَارِيَّةَ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ.
وَقَالَ «إني أحب أن أتزوج من الأنصار لكنى أَكْرَهُ غَيْرَتَهُنَّ» وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ إسحاق
__________
[1] من هنا الى آخر الفصل زيادة من التيمورية وكذا كل ما بين المربعين. فزيادة منها.
(5/300)

عَنْ حَكِيمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَزَوَّجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلى بنت الحطيم الْأَنْصَارِيَّةَ وَكَانَتْ غَيُورًا فَخَافَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَاسْتَقَالَتْهُ فأقالها] .
فصل فيمن خطبها عليه السلام وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ فَاخِتَةَ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَهَا فَذَكَرَتْ أَنَّ لَهَا صِبْيَةً صِغَارًا فَتَرَكَهَا، وَقَالَ: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ، صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ طِفْلٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ» [وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَلِي عِيَالٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا عبد الله ابن مُوسَى حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَذَرْتُ إِلَيْهِ فَعَذَرَنِي. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ 33: 50 الْآيَةَ. قَالَتْ فَلَمْ أَكُنْ أَحِلُّ لَهُ لِأَنِّي لَمْ أُهَاجِرْ كُنْتُ مِنَ الطُّلَقَاءِ. ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ السُّدِّيِّ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ لَا تَحِلُّ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ نَقَلَ هَذَا الْمَذْهَبَ مُطْلَقًا الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ 33: 50 أَيْ مِنَ الْقِرَابَاتِ الْمَذْكُورَاتِ. وَقَالَ قَتَادَةُ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ 33: 50 أَيْ أَسْلَمْنَ مَعَكَ فَعَلَى هَذَا لَا يَحْرُمُ عليه إلا الْكُفَّارِ وَتَحِلُّ لَهُ جَمِيعُ الْمُسْلِمَاتِ، فَلَا يُنَافِي تَزْوِيجَهُ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَصْلًا. وَأَمَّا حِكَايَةُ الْمَاوَرْدِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ أَمَّ الْمَسَاكِينِ أَنْصَارِيَّةٌ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ. فَإِنَّهَا هِلَالِيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ] وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: أَقْبَلَتْ لَيْلَى بِنْتُ الحطيم الى رسول الله وَهُوَ مُوَلٍّ ظَهْرَهُ إِلَى الشَّمْسِ، فَضَرَبَتْ مَنْكِبَهُ فقال: «من هذا أكله الأسود» فَقَالَتْ أَنَا بِنْتُ مُطْعِمِ الطَّيْرِ، وَمُبَارِي الرِّيحِ، أنا ليلى بنت الحطيم جِئْتُكَ لِأَعْرِضَ عَلَيْكَ نَفْسِي تَزَوَّجْنِي؟ قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ» فَرَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا فَقَالَتْ: قَدْ تَزَوَّجْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا بِئْسَ مَا صَنَعْتِ أَنْتِ امْرَأَةٌ غَيْرَى وَرَسُولُ اللَّهِ صَاحِبُ نِسَاءٍ تَغَارِينَ عَلَيْهِ، فَيَدْعُو اللَّهَ عَلَيْكِ فَاسْتَقِيلِيهِ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: أَقِلْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَقَالَهَا. فَتَزَوَّجَهَا مَسْعُودُ بْنُ أَوْسِ بْنِ سَوَادِ بْنِ ظَفَرٍ فَوَلَدَتْ لَهُ، فَبَيْنَمَا هِيَ يَوْمًا تَغْتَسِلُ فِي بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ إِذْ وَثَبَ عَلَيْهَا ذِئْبٌ أَسْوَدُ فَأَكَلَ بَعْضَهَا، فَمَاتَتْ. وَبِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ عَامِرِ بْنِ قُرْطٍ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جدعان
(5/301)

فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ هِشَامُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَوَلَدَتْ لَهُ سَلَمَةَ، وَكَانَتِ امْرَأَةً ضَخْمَةً جَمِيلَةً لَهَا شَعْرٌ غَزِيرٌ يُجَلِّلُ جِسْمَهَا، فَخَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ من ابنها سلمة، فقال: حتى استأمرها؟ فَاسْتَأْذَنَهَا فَقَالَتْ يَا بُنَيَّ أَفِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْتَأْذِنُ؟ فَرَجَعَ ابْنُهَا فسكت ولم يرد جوابا، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا قَدْ طَعَنَتْ فِي السِّنِّ، وَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا. وَبِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفِيَّةَ بِنْتَ بشامة بن نضلة العنبري، وكان أصابها سبى فخيرها رسول الله فَقَالَ: «إِنْ شِئْتِ أَنَا وَإِنْ شِئْتِ زَوْجَكِ» فَقَالَتْ: بَلْ زَوْجِي فَأَرْسَلَهَا فَلَعَنَتْهَا بَنُو تَمِيمٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ أَنْبَأَنَا الْوَاقِدِيُّ ثَنَا موسى بن محمد ابن إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ قد وهبت نفسها من رسول الله، فَلَمْ يَقْبَلْهَا فَلَمْ تَتَزَوَّجْ حَتَّى مَاتَتْ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَأَنْبَأَنَا وَكِيعٌ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ أُمَّ شَرِيكٍ الدَّوْسِيَّةَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ:
الثَّبْتُ عِنْدَنَا أَنَّهَا مِنْ دَوْسٍ مِنَ الْأَزْدِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَاسْمُهَا غَزِيَّةُ بِنْتُ جَابِرِ بْنِ حَكِيمٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: عن هشام بن محمد عن أبيه قال متحدث أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ كَانَتْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتِ امْرَأَةً صَالِحَةً [وممن خطبها ولم يعقد عليها حمزة بنت الحارث بن عون بن أبى حارثة المري فَقَالَ أَبُوهَا: إِنَّ بِهَا سُوءًا- وَلَمْ يَكُنْ بِهَا- فَرَجَعَ إِلَيْهَا وَقَدْ تَبَرَّصَتْ وَهِيَ أُمُّ شَبِيبِ بْنِ الْبَرْصَاءِ الشَّاعِرِ هَكَذَا ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: وَخَطَبَ حَبِيبَةَ بِنْتَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَوَجَدَ أباها أخوه مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْهُمَا ثُوَيْبَةُ مَوْلَاةُ أَبِي لَهَبٍ] فَهَؤُلَاءِ نِسَاؤُهُ وَهُنَّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ دَخَلَ بِهِنَّ وَمَاتَ عَنْهُنَّ وَهُنَّ التِّسْعُ الْمُبْدَأُ بِذِكْرِهِنَّ، وَهُنَّ حَرَامٌ عَلَى النَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَيْهِ السلام بِالْإِجْمَاعِ الْمُحَقِّقِ الْمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، وَعِدَّتُهُنَّ بِانْقِضَاءِ أَعْمَارِهِنَّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ الله عَظِيماً 33: 53 وصنف دخل بهن وَطَلَّقَهُنَّ فِي حَيَاتِهِ فَهَلْ يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يتزوجهن بعد انقضاء عدتهن منه عليه السلام؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، أَحَدُهُمَا لَا لِعُمُومِ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَالثَّانِي نَعَمْ بِدَلِيلِ آيَةِ التَّخْيِيرِ وَهِيَ قَوْلُهُ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً 33: 28- 29 قَالُوا فَلَوْلَا أَنَّهَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ فِرَاقِهِ إِيَّاهَا لَمْ يَكُنْ فِي تَخْيِيرِهَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَائِدَةٌ إِذْ لَوْ كَانَ فراقه لها لا يبحها لِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ لَهَا، وَهَذَا قَوِيٌّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّالِثُ وَهِيَ مَنْ تَزَوَّجَهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بها، فهذه تحل لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْقِسْمِ نِزَاعًا. وَأَمَّا مَنْ خَطَبَهَا وَلَمْ يَعْقِدْ عقده عَلَيْهَا فَأَوْلَى لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَأَوْلَى. وَسَيَجِيءُ فَصْلٌ فِي كِتَابِ الْخَصَائِصِ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَقَامِ والله أعلم.
(5/302)

فصل في ذكر سراريه عليه السلام
كانت له عليه السلام سُرِّيَّتَانِ، إِحْدَاهُمَا مَارِيَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ الْقِبْطِيَّةُ أَهْدَاهَا لَهُ صَاحِبُ إِسْكَنْدَرِيَّةَ وَاسْمُهُ جُرَيْجُ بْنُ مِينَا، وأهدى معها أختها شيرين [وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّهُ أَهْدَاهَا فِي أَرْبَعِ جواري وَاللَّهُ أَعْلَمُ] وَغُلَامًا خَصِيًّا اسْمُهُ مَأْبُورٌ، وَبَغْلَةً يُقَالُ لَهَا الدُّلْدُلُ فَقَبِلَ هَدِيَّتِهِ وَاخْتَارَ لِنَفْسِهِ مَارِيَةَ وَكَانَتْ مِنْ قَرْيَةٍ بِبِلَادِ مِصْرَ يُقَالُ لَهَا حَفْنٌ مِنْ كُورَةِ أَنْصِنَا، وَقَدْ وَضَعَ عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْبَلْدَةِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي أَيَّامِ إِمَارَتِهِ الْخَرَاجَ إِكْرَامًا لَهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا حَمَلَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالُوا وَكَانَتْ مَارِيَةُ جَمِيلَةً بَيْضَاءَ أُعْجِبَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأحبها وحضيت عِنْدَهُ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ مَا وَضَعَتْ إِبْرَاهِيمَ ولده. وأما أختها شيرين فَوَهَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانَ، وَأَمَّا الْغُلَامُ الْخَصِيُّ وَهُوَ مابور فقد كان يدخل على مارية وشيرين بِلَا إِذْنٍ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ بِمِصْرَ، فَتَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ وَلَمْ يَشْعُرُوا أَنَّهُ خَصِيٌّ حَتَّى انْكَشَفَ الْحَالُ عَلَى ما سنبينه قريبا إن شاء الله، وأما البغلة فكان عليه السلام بركبها، وَالظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا الَّتِي كَانَ رَاكِبَهَا يوم حنين. وقد تأخرت هذه البغلة فكان عليه السلام بركبها، وَالظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا الَّتِي كَانَ رَاكِبَهَا يوم حنين. وقد تأخرت هذه البلغة وَطَالَتْ مُدَّتُهَا حَتَّى كَانَتْ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي أَيَّامِ إِمَارَتِهِ، وَمَاتَ فَصَارَتْ إِلَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَبِرَتْ حَتَّى كَانَ يُجَشُّ لَهَا الشَّعِيرُ لِتَأْكُلَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بريدة بن الخصيب عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَهْدَى أَمِيرُ الْقِبْطِ إِلَى رسول الله جَارِيَتَيْنِ أُخْتَيْنِ، وَبَغْلَةً فَكَانَ يَرْكَبُ الْبَغْلَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَاتَّخَذَ إِحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ فَوَلَدَتْ لَهُ إِبْرَاهِيمَ ابْنَهُ، وَوَهَبَ الْأُخْرَى. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجَبُ بِمَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ، وَكَانَتْ بَيْضَاءَ جَعْدَةً جَمِيلَةً، فأنزلها وَأُخْتَهَا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الْإِسْلَامَ] فَأَسْلَمَتَا هُنَاكَ، فَوَطِئَ مَارِيَةَ بِالْمِلْكِ، وَحَوَّلَهَا إِلَى مَالٍ لَهُ بِالْعَالِيَةِ كَانَ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ، فَكَانَتْ فِيهِ فِي الصَّيْفِ، وَفِي خُرَافَةِ النَّخْلِ. فَكَانَ يَأْتِيهَا هُنَاكَ، وكانت حسنة الدين، ووهب أختها شيرين لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَوَلَدَتْ مَارِيَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم غلاما سماه إبراهيم، وعق عنه بِشَاةٍ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَحَلَقَ رَأَسَهُ وَتَصَدَّقَ بِزِنَةِ شِعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَأَمَرَ بِشِعْرِهِ فَدُفِنَ فِي الْأَرْضِ، وَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَتْ قَابِلَتُهَا سُلْمَى مُوَلَّاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَتْ إِلَى زَوْجِهَا أَبِي رَافِعٍ فَأَخْبَرَتْهُ بِأَنَّهَا قَدْ وَلَدَتْ غُلَامًا، فَجَاءَ أَبُو رَافِعٍ
(5/303)

الى رسول الله فبشره فوهب له عقدا، وَغَارَ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِنَّ حِينَ رُزِقَ مِنْهَا الْوَلَدَ. وروى الحافظ أبو الحسن الدار قطنى عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَكَرِيَّا المدائني عن ابن أبى سارة عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ مَارِيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أعتقها ولدها» . ثم قال الدار قطنى: تَفَرَّدَ بِهِ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ وَهُوَ ثِقَةٌ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ.
وَرُوِّينَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَقَدْ أَفْرَدَنَا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ بَيْعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مُصَنَّفًا مُفْرَدًا عَلَى حِدَتِهِ، وَحَكَيْنَا فِيهِ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ بِمَا حَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَقْوَالٍ، وَذَكَرْنَا مُسْتَنَدَ كُلِّ قَوْلٍ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: أَكْثَرُوا عَلَى مَارِيَةَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ فِي قِبْطِيٍّ ابْنِ عَمٍّ لَهَا يَزُورُهَا وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَانْطَلِقْ فَإِنْ وَجَدْتَهُ عِنْدَهَا فَاقْتُلْهُ» قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله أكون في أمرك إذا أرسلتنى كالسكة الْمُحَمَّاةِ لَا يُثْنِينِي شَيْءٌ حَتَّى أَمْضِيَ لِمَا أَمَرْتَنِي بِهِ، أَمِ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «بَلِ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ» فَأَقْبَلْتُ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ فَوَجَدْتُهُ عِنْدَهَا، فَاخْتَرَطْتُ السَّيْفَ فَلَمَّا رَآنِي عَرَفَ أَنِّي أُرِيدُهُ، فَأَتَى نَخْلَةً فَرَقِيَ فِيهَا ثُمَّ رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ شَالَ رِجْلَيْهِ فَإِذَا بِهِ أجبّ أمسح ماله مما للرجال لا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «الْحَمْدُ للَّه الَّذِي صَرَفَ عَنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا بَعَثْتَنِي أَكُونُ كَالسِّكَّةِ الْمُحَمَّاةِ أَمِ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ؟ قَالَ «الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ» هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا. وَهُوَ أَصْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ وَإِسْنَادُهُ رِجَالٌ ثِقَاتٌ. [وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَعُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ مَارِيَةُ إِبْرَاهِيمَ كَادَ أَنْ يَقَعَ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْبَاهِلِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْدَى مَلِكٌ مِنْ بَطَارِقَةِ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ الْمُقَوْقِسُ جَارِيَةً قِبْطِيَّةً مِنْ بَنَاتِ الْمُلُوكِ يقال لها مارية وَأَهْدَى مَعَهَا ابْنَ عَمٍّ لَهَا شَابًّا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها ذات يوم يدخل خلوته فأصابها حملت بِإِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَمَّا اسْتَبَانَ حَمْلُهَا جَزِعَتْ مِنْ ذَلِكَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ فَاشْتَرَى لَهَا ضَأْنَةً لَبَوْنًا تُغَذِّي مِنْهَا الصَّبِيَّ، فَصَلُحَ اليه جسمه وحسن لونه، وصفا لونه، فجاءته ذات يوم تحمله على عاتقها فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ كَيْفَ
(5/304)

ترين الشبه؟ «فقلت أنا وغيري: مَا أَرَى شَبَهًا، فَقَالَ «وَلَا اللَّحْمُ؟» فَقُلْتُ لَعَمْرِي مَنْ تَغَذَّى بِأَلْبَانِ الضَّأْنِ لَيَحْسُنُ لَحْمُهُ] . قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَتْ مَارِيَةُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خمس عَشْرَةَ فَصَلَّى عَلَيْهَا عُمَرُ وَدَفَنَهَا فِي الْبَقِيعِ، وَكَذَا قَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ الْغَلَّابِيُّ. وَقَالَ خليفة وأبو عبيدة وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ:
مَاتَتْ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ.
وَمِنْهُنَّ رَيْحَانَةُ بِنْتُ زَيْدٍ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ وَيُقَالُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَتْ رَيْحَانَةُ بِنْتُ زَيْدٍ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ وَيُقَالُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَتْ رَيْحَانَةُ بِنْتُ زَيْدٍ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ وكانت مزوجة فيهم، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ صَفِيًّا، وَكَانَتْ جَمِيلَةً فَعَرَضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُسْلِمَ فَأَبَتْ إِلَّا الْيَهُودِيَّةَ، فَعَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَجَدَ فِي نفسه، فأرسل الى ابن شعبة [1] فذكر له ذلك فقال ابن شعبة فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي هِيَ تُسْلِمُ، فَخَرَجَ حَتَّى جَاءَهَا فَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا: لَا تَتَّبِعِي قَوْمَكِ فَقَدْ رَأَيْتِ مَا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ فَأَسْلِمِي يَصْطَفِيكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ إِذْ سَمِعَ وَقْعَ نَعْلَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ لَنَعْلَا ابْنِ شعبة يبشرني بإسلام ريحانة» فجاء يقول: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَسْلَمَتْ رَيْحَانَةُ، فَسُّرَ بِذَلِكَ. [وَقَالَ مُحَمَّدُ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْظَةَ اصْطَفَى لِنَفْسِهِ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خُنَافَةَ فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى تُوَفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وَكَانَ عَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ وَيَتَزَوَّجُهَا فَأَبَتْ إِلَّا الْيَهُودِيَّةَ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ إِسْلَامِهَا مَا تَقَدَّمَ] قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ الْمُعَاوِيِّ قَالَ: فَأَرْسَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى بَيْتِ سَلْمَى بِنْتِ قَيْسٍ أَمِّ الْمُنْذِرِ، فَكَانَتْ عِنْدَهَا حَتَّى حَاضَتْ حَيْضَةً ثُمَّ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا، فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول الله، فَجَاءَهَا فِي مَنْزِلِ أُمِّ الْمُنْذِرِ فَقَالَ لَهَا «إِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُعْتِقَكِ وَأَتَزَوَّجَكِ فَعَلْتُ، وَإِنْ أحببت أن تكوني في ملكي أطأك بالملك فعلت» فقالت: يا رسول الله إن أَخَفُّ عَلَيْكَ وَعَلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِلْكِكَ، فَكَانَتْ فِي مِلْكِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم يطأها حَتَّى مَاتَتْ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ:
وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. قَالَ سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ رَيْحَانَةَ فَقَالَ: كانت أمة رسول الله فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَكَانَتْ تَحْتَجِبُ فِي أَهْلِهَا وَتَقُولُ: لَا يَرَانِي أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ:
وَهَذَا أَثْبَتُ الحديثين عندنا، وكان زوجها قبله عليه السلام الْحَكَمَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ ثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم ريحانة بنت زيد ابن عَمْرِو بْنِ خُنَافَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ زَوْجٍ لَهَا، وَكَانَ مُحِبًّا لَهَا مُكْرِمًا، فَقَالَتْ لَا أَسْتَخْلِفُ بَعْدَهُ أَحَدًا أَبَدًا، وَكَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ. فَلَمَّا سُبِيَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عُرِضَ السَّبْيُ عَلَى رَسُولِ الله صلّى الله عليه
__________
[1] في الأصل بدون نقط، وفي الاصابة: ثعلبة بن شعبة وفي ابن هشام ابن سعية بالمهملة.
(5/305)

وَسَلَّمَ، قَالَتْ فَكُنْتُ فِيمَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِي فَعُزِلْتُ، وَكَانَ يَكُونُ لَهُ صَفِيٌّ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ فَلَمَّا عُزِلْتُ خَارَ اللَّهَ لِي فَأَرْسَلَ بِي إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ الْمُنْذِرِ بِنْتِ قَيْسٍ أَيَّامًا حَتَّى قَتَلَ الْأَسْرَى وَفَرَّقَ السَّبْيَ فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتجنبت مِنْهُ حَيَاءً، فَدَعَانِي فَأَجْلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ [إِنِ اخْتَرْتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ اخْتَارَكِ رَسُولُ اللَّهِ لِنَفْسِهِ فَقَلْتُ:] إِنِّي أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَمَّا أَسْلَمْتُ أَعْتَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزَوَّجَنِي وَأَصْدَقَنِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا كَمَا كَانَ يُصْدِقُ نِسَاءَهُ، وَأَعْرَسَ بِي فِي بَيْتِ أُمِّ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ يَقْسِمُ [لِي كَمَا يَقْسِمُ] لِنِسَائِهِ، وَضَرَبَ عَلَيَّ الْحِجَابَ. قَالَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْجَبًا بِهَا، وَكَانَتْ لَا تَسْأَلُهُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهَا، فَقِيلَ لَهَا لَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي قُرَيْظَةَ لَأَعْتَقَهُمْ، فكانت تَقُولُ: لَمْ يَخْلُ بِي حَتَّى فَرَّقَ السَّبْيَ، وَلَقَدْ كَانَ يَخْلُو بِهَا وَيَسْتَكْثِرُ مِنْهَا، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَتْ مَرْجِعَهُ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَدَفَنَهَا بِالْبَقِيعِ. وَكَانَ تَزْوِيجُهُ إِيَّاهَا فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ.
وَقَالَ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قال: واستسر رسول الله رَيْحَانَةَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَلَحِقَتْ بِأَهْلِهَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى كَانَتْ رَيْحَانَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ شَمْعُونَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَكَانَتْ تَكُونُ فِي نَخْلٍ مِنْ نَخْلِ الصَّدَقَةِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقِيلُ عِنْدَهَا أَحْيَانًا، وَكَانَ سَبَاهَا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ الْمِقْدَامِ ثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ الله وليدتان، مارية القبطية وريحه أَوْ رَيْحَانَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ بْنِ زَيْدِ بْنِ خُنَافَةَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، كَانَتْ عِنْدَ ابْنِ عَمٍّ لَهَا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْحَكَمِ فِيمَا بَلَغَنِي، وَمَاتَتْ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعُ وَلَائِدَ، مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ، وَرَيْحَانَةُ الْقُرَظِيَّةُ، وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ أُخْرَى جَمِيلَةٌ فَكَادَهَا نِسَاؤُهُ وَخِفْنَ أَنْ تَغْلِبَهُنَّ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ له جارية نفيسة وهبتها له زينب، وَكَانَ هَجَرَهَا فِي شَأْنِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ذا الحجة والمحرم وصفر، فَلَمَّا كَانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ الَّذِي قُبِضَ فيه رَضِيَ عَنْ زَيْنَبَ وَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ مَا أَدْرِي مَا أَجْزِيكَ؟ فَوَهَبَتْهَا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ رَوَى سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ لِمَارِيَةَ وريحانة مرة، ويتركهما مرة. [وقال أبو نعيم: قال أبو محمد بن عمر الواقدي توفيت ريحانة سنة عشرة وصلى عليها عمر بن الخطاب ودفنها بالبقيع وللَّه الحمد] .
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَوْلَادِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ والسلام
لا خلاف أن جميع أولاده من خديجة بنت خويلد سِوَى إِبْرَاهِيمَ فَمِنْ مَارِيَةَ بِنْتِ شَمْعُونَ الْقِبْطِيَّةِ،
(5/306)

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: كَانَ أَكْبَرُ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَاسِمُ، ثُمَّ زَيْنَبُ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ، ثُمَّ أُمَّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ فَاطِمَةَ، ثم رقية، فَمَاتَ الْقَاسِمُ- وَهُوَ أَوَّلُ مَيِّتٍ مِنْ وَلَدِهِ بِمَكَّةَ- ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ: قَدِ انْقَطَعَ نَسْلُهُ فَهُوَ أَبْتَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ 108: 1- 3 قَالَ ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ مَارِيَةُ بِالْمَدِينَةِ إِبْرَاهِيمَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَمَاتَ ابْنَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ ثَنَا عَبْدُ الباقي بن نافع ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا ثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ وَالْفُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ مَيْمُونٍ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَلَدَتْ خَدِيجَةُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ يُكَلِّمُ رَجُلًا وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مَنْ هَذَا؟ قَالَ لَهُ هَذَا الْأَبْتَرُ. وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا ولد للرجل ثُمَّ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ مِنْ بَعْدِهِ قَالُوا هذا الأبتر، فأنزل الله إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ 108: 3 أَيْ مُبْغِضُكَ هُوَ الْأَبْتَرُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ. قَالَ ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ رُقَيَّةَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ الْقَاسِمَ، ثُمَّ وَلَدَتِ الطَّاهِرَ، ثُمَّ وَلَدَتِ الْمُطَهَّرَ، ثُمَّ وَلَدَتِ الطَّيِّبَ، ثُمَّ وَلَدَتِ الْمُطَيَّبَ، ثُمَّ وَلَدَتْ أُمَّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ وَلَدَتْ فَاطِمَةَ. وَكَانَتْ أَصْغَرَهُمْ. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ إِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا دَفَعَتْهُ إِلَى مَنْ يرضعه. فلما ولدت فاطمة لم يرضعها غَيْرُهَا وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَانِ، طَاهِرٌ وَالطَّيِّبُ. وَكَانَ يُسَمِّي أَحَدَهُمَا عَبْدَ شَمْسٍ، وَالْآخَرَ عَبْدَ الْعُزَّى وَهَذَا فِيهِ نَكَارَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ خَدِيجَةَ وَلَدَتِ الْقَاسِمَ وَالطَّيِّبَ والطاهر ومطهر وَزَيْنَبَ وَرُقَيَّةَ وَفَاطِمَةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَخْبَرَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَلَدَتْ خَدِيجَةُ الْقَاسِمَ وَالطَّاهِرَ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الطَّيِّبُ، وَوُلِدَ الطَّاهِرُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَمَاتَ صَغِيرًا وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَفَاطِمَةَ وَزَيْنَبَ ورقية وأم كلثوم. قَالَ الزُّبَيْرُ وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّ خَدِيجَةَ وَلَدَتِ الْقَاسِمَ وَالطَّاهِرَ وَالطَّيِّبَ وَعَبْدَ اللَّهِ وَزَيْنَبَ وَرُقَيَّةَ وَفَاطِمَةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْمَشْيَخَةِ قَالَ: وَلَدَتْ خَدِيجَةُ الْقَاسِمَ وَعَبْدَ اللَّهِ، فَأَمَّا الْقَاسِمُ فَعَاشَ حَتَّى مَشَى، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَمَاتَ وَهُوَ صَغِيرٌ. وَقَالَ الزبير بن بكار كانت خديجة تذكر فِي الْجَاهِلِيَّةِ الطَّاهِرَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وَقَدْ وَلَدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَاسِمَ وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، ثُمَّ زَيْنَبَ، ثُمَّ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الطَّيِّبُ، وَيُقَالُ لَهُ الطَّاهِرُ، وُلِدَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ومات صغيرا. ثم ابنته أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. هَكَذَا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ. ثُمَّ مَاتَ الْقَاسِمُ بِمَكَّةَ- وَهُوَ أَوَّلُ مَيِّتٍ مِنْ وَلَدِهِ- ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ مَارِيَةُ بِنْتُ شمعون إبراهيم وهي القبطية التي أهداها المقوقس صاحب اسكندرية، وأهدى
(5/307)

معها أختها شيرين وخصيا يقال له مابور، فوهب شيرين لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ. وَقَدِ انْقَرَضَ نَسْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وقال أبو بكر بن الرقى: يُقَالُ إِنَّ الطَّاهِرَ هُوَ الطَّيِّبُ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ إِنَّ الطَّيِّبَ وَالْمُطَيَّبَ وُلِدَا فِي بَطْنٍ، وَالطَّاهِرَ وَالْمُطَهَّرَ وُلِدَا فِي بَطْنٍ. وَقَالَ المفضل ابن غسان عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَكَثَ الْقَاسِمُ ابْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ لَيَالٍ ثُمَّ مَاتَ قَالَ الْمُفَضَّلُ وَهَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَاشَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ مُجَاهِدٌ مَاتَ الْقَاسِمُ وَلَهُ سَبْعَةُ أَيَّامٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ. وَقَالَ قَتَادَةُ عَاشَ حَتَّى مَشَى. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَضَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ ذِكْرَ الطَّيِّبِ وَالطَّاهِرِ، فَأَمَّا مَشَايِخُنَا فَقَالُوا عَبْدُ الْعُزَّى وَعَبْدُ مَنَافٍ وَالْقَاسِمُ، وَمِنَ النِّسَاءِ رُقَيَّةُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ وَفَاطِمَةُ. هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَهُوَ مُنْكَرٌ، وَالَّذِي أَنْكَرَهُ هُوَ الْمَعْرُوفُ. وَسَقَطَ ذِكْرُ زَيْنَبَ وَلَا بُدَّ مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا زَيْنَبُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ لِي غَيْرُ وَاحِدٍ كَانَتْ زَيْنَبُ أَكْبَرَ بَنَاتِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتِ فَاطِمَةُ أَصْغَرَهُنَّ وَأَحَبَّهُنَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ فَوَلَدَتْ مِنْهُ عَلِيًّا وَأُمَامَةَ، وَهِيَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُهَا فِي الصَّلَاةِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا. وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهَا سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَقَتَادَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمْ، وَكَأَنَّهَا كَانَتْ طِفْلَةً صَغِيرَةً فاللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ تَزَوَّجَهَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِ فَاطِمَةَ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَانَتْ وَفَاةُ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي سَنَةِ ثَمَانٍ. قَالَهُ قَتَادَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَخَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ. وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهَا لَمَّا هَاجَرَتْ دَفَعَهَا رَجُلٌ فَوَقَعَتْ عَلَى صَخْرَةٍ فَأَسْقَطَتْ حَمْلَهَا، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ وَجِعَةً حَتَّى مَاتَتْ. فَكَانُوا يَرَوْنَهَا مَاتَتْ شَهِيدَةً، وَأَمَّا رُقَيَّةُ فَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا أَوَّلًا ابْنُ عَمِّهَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ كَمَا تَزَوَّجَ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ أَخُوهُ عُتَيْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ، ثُمَّ طَلَّقَاهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهِمَا بِغْضَةً فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ من مَسَدٍ 111: 1- 5 فتزوج عثمان ابن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رُقَيَّةَ، وَهَاجَرَتْ مَعَهُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا. ثُمَّ رَجَعَا إِلَى مَكَّةَ كَمَا قَدَّمْنَا وَهَاجَرَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ فَبَلَغَ سِتَّ سِنِينَ، فَنَقَرَهُ دِيكٌ فِي عَيْنَيْهِ فَمَاتَ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى أَوَّلًا، ثُمَّ اكْتَنَى بِابْنِهِ عَمْرٍو وَتُوُفِّيَتْ وَقَدِ انْتَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ. وَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ بِالنَّصْرِ إِلَى الْمَدِينَةِ- وَهُوَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ- وَجَدَهُمْ قَدْ سَاوَوْا عَلَى قَبْرِهَا التُّرَابَ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ أَقَامَ عَلَيْهَا يُمَرِّضُهَا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وضرب له
(5/308)

بسهمه وأجره، ولما رجع زَوَّجَهُ بِأُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ أَيْضًا وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو النُّورَيْنِ، ثُمَّ مَاتَتْ عِنْدَهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَلَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَوْ كَانَتْ عِنْدِي ثَالِثَةٌ لَزَوَّجَتُهَا عُثْمَانَ» وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَوْ كُنَّ عَشْرًا لَزَوَّجْتُهُنَّ عُثْمَانَ» وَأَمَّا فَاطِمَةُ فَتَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا عَلِيُّ ابن أَبِي طَالِبٍ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، فَوَلَدَتْ له الحسن والحسين، ويقال ومحسن، وولدت له أم كلثوم وزينب. وقد تزوج عمر بن الخطاب فِي أَيَّامِ وِلَايَتِهِ بِأُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ فَاطِمَةَ وَأَكْرَمَهَا إِكْرَامًا زَائِدًا أَصْدَقَهَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِأَجْلِ نَسَبِهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فولدت له زيد ابن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ بْنُ الخطاب تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ ابْنُ عَمِّهَا عَوْنُ بْنُ جَعْفَرٍ فَمَاتَ عَنْهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا أَخُوهُ مُحَمَّدٌ فَمَاتَ عَنْهَا، فَتَزَوَّجَهَا أَخُوهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَمَاتَتْ عِنْدَهُ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جعفر تزوج بأختها زينب بنت على وماتت عنده أيضا وتوفيت فَاطِمَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بستة أشهر على أشهر الأقوال. وهذا الثَّابِتُ عَنْ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحِ، وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ. وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِشَهْرَيْنِ. وَقَالَ أَبُو بُرَيْدَةَ عَاشَتْ بَعْدَهُ سَبْعِينَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مَكَثَتْ بَعْدَهُ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بأربعة أَشْهُرٍ. وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَمِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَانَ مِيلَادُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ. قَالَ: لَمَّا حبل بإبراهيم أتى جبريل فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَهَبَ لَكَ غُلَامًا مِنْ أُمِّ وَلَدِكَ مَارِيَةَ، وَأَمَرَكَ أَنْ تُسَمِّيَهُ إِبْرَاهِيمَ، فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ وَجَعَلَهُ قُرَّةَ عَيْنٍ لَكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُقَيْلٍ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنس قَالَ: لَمَّا وُلِدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ شيء، فأتاه جبريل فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرحمن قال: سألت أنس ابن مالك قلت كم بلغ إبراهيم بن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعُمُرِ؟ قَالَ قَدْ كَانَ مَلَأَ مَهْدَهُ، وَلَوْ بَقِيَ لكان نبيا ولكن لم يكن ليبق لِأَنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثَنَا سُفْيَانُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَوْ عَاشَ إبراهيم بن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ صِدِّيقًا نبيا. وقال أبو عبيد اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْسِيُّ ثَنَا مِنْجَابٌ ثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ ثَنَا سُفْيَانُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: توفى إبراهيم بن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ستة عشر شهرا. فقال رسول الله: «ادفنوه في البقيع فان له مرضعا يتم رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ» وَقَالَ أَبُو يَعْلَى ثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أيوب عن عمرو بن سعيد عن أنس قَالَ:
مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رسول الله، كان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة، وكان ينطلق
(5/309)

وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ إِلَى الْبَيْتِ وَإِنَّهُ لَيَدْخُنُ، وكان ظئره فينا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ. قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا توفى إبراهيم قال رسول الله: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكْمِلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ» وَقَدْ رَوَى جَرِيرٌ وَأَبُو عَوَانَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ أَبِي الضُّحَى عَنِ البراء قال: توفى إبراهيم بن رسول الله وَهُوَ ابْنُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَقَالَ: «ادْفِنُوهُ فِي الْبَقِيعِ فَإِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ» . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ عَنِ الْبَرَاءِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ فِرَاسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ بِمِثْلِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي إسحاق عن البراء وأورد له ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ عَتَّابِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَوْذَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: توفى إبراهيم فقال رسول الله «يَرْضَعُ بَقِيَّةَ رَضَاعِهِ فِي الْجَنَّةِ» . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْوَاسِطِيُّ ثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى- أَوْ سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ- عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: مَاتَ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَلَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيٌّ لَعَاشَ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَافِظِ ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجُعْفِيُّ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَّاءُ ثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ عَاشَ إِبْرَاهِيمُ لَكَانَ نَبِيًّا» وَرَوَى ابن عساكر من حديث محمد ابن إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا تُدْرِجُوهُ فِي أَكْفَانِهِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ» فَجَاءَ فَانْكَبَّ عَلَيْهِ وَبَكَى حَتَّى اضْطَرَبَ لِحْيَاهُ وَجَنْبَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قُلْتُ: أَبُو شَيْبَةَ هَذَا لَا يُتَعَامَلُ بِرِوَايَتِهِ. ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ خالد الزنجي عن ابن خيثم عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَتْ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ مَنْ علم للَّه حقه، فقال «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ مَا يسخط الرب، لولا أَنَّهُ وَعْدٌ صَادِقٌ، وَمَوْعُودٌ جَامِعٌ، وَأَنَّ الْآخِرَ مِنَّا يَتْبَعُ الْأَوَّلَ، لَوَجَدْنَا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ وَجْدًا أَشَدَّ مِمَّا وَجَدْنَا، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ. قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا وَقَالَ: «إِنَّ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مَنْ يُتِمُّ رَضَاعَهُ وَهُوَ صِدِّيقٌ» وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ بن عيينة عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى ثنا القواريري ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنِهِ، وَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا. وَقَدْ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ ركانة قال: مات إبراهيم ابن رسول الله وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ
(5/310)

ابن مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبى جده عن على قال: لما توفى إبراهيم بن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أُمِّهِ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ وَهِيَ فِي مَشْرُبَةٍ، فَحَمَلَهُ عَلِيٌّ فِي سَفَطٍ وَجَعَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الْفَرَسِ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَسَّلَهُ وَكَفَّنَهُ وَخَرَجَ بِهِ وَخَرَجَ النَّاسُ مَعَهُ، فَدَفَنَهُ فِي الزُّقَاقِ الَّذِي يَلِي دَارَ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ فِي قبره حتى سوى عليه وَدَفَنَهُ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَشَّ عَلَى قَبْرِهِ، وَأَدْخَلَ رسول الله يَدَهُ فِي قَبْرِهِ فَقَالَ «أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهُ لِنَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ» وَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَكَى الْمُسْلِمُونَ حَوْلَهُ حَتَّى ارْتَفَعَ الصَّوْتُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُغْضِبُ الرَّبَّ، وَإِنَّا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الثلاثاء لعشر ليال خلون من رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا فِي بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ في دار أم برزة بِنْتِ الْمُنْذِرِ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ.
قُلْتُ: وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ يَوْمَ مَوْتِهِ، فَقَالَ النَّاسُ كسفت لموت إبراهيم. فخطب رسول الله فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَنْكَسِفَانِ لموت أحد ولا لحياته» قاله الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ.
بَابُ ذكر عبيده عليه السلام وَإِمَائِهِ وَذِكْرِ خَدَمِهِ وَكُتَّابِهِ وَأُمَنَائِهِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْحُرُوفِ فِي أَسْمَائِهِمْ. وَذِكْرِ بَعْضِ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنْبَائِهِمْ
وَلْنَذْكُرْ مَا أَوْرَدَهُ مَعَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وباللَّه الْمُسْتَعَانُ.
فَمِنْهُمْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَبُو زَيْدٍ الْكَلْبِيُّ، وَيُقَالُ أَبُو يَزِيدَ وَيُقَالُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنُ مَوْلَاهُ، وَحِبُّهُ وَابْنُ حِبِّهِ، وَأُمُّهُ أُمُّ أَيْمَنَ وَاسْمُهَا بَرَكَةُ كَانَتْ حَاضِنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِغَرِهِ، وَمِمَّنْ آمَنَ بِهِ قَدِيمًا بَعْدَ بِعْثَتِهِ، وَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ أَيَّامِ حَيَاتِهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ أَوْ تسع عشرة، وتوفى وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى جَيْشٍ كَثِيفٍ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَيُقَالُ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَهُوَ ضَعِيفٌ. لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نصبه للامامة، فلما توفى عليه السلام وَجَيْشُ أُسَامَةَ مُخَيَّمٌ بِالْجُرْفِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، اسْتَطْلَقَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أُسَامَةَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي الْإِقَامَةِ عِنْدَهُ لِيَسْتَضِيءَ بِرَأْيِهِ فَأَطْلَقَهُ لَهُ، وَأَنْفَذَ أَبُو بَكْرٍ جَيْشَ أُسَامَةَ بَعْدَ مُرَاجَعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ رَايَةٍ عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا تُخُومَ الْبَلْقَاءِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ حَيْثُ قُتِلَ أَبُوهُ زَيْدٌ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
(5/311)

وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَأَغَارَ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ وَغَنِمَ، وَسَبَى وَكَرَّ رَاجِعًا سَالِمًا مُؤَيَّدًا كَمَا سَيَأْتِي. فَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَلْقَى أُسَامَةَ إِلَّا قَالَ لَهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ.
وَلَمَّا عَقَدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَايَةَ الْإِمْرَةِ طَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ فِيهَا:
«إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ الْخَلْقِ إِلَيَّ بَعْدَهُ» وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُنِي وَالْحَسَنَ فَيَقُولُ «اللَّهمّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا» وروى عن الشعبي عن عَائِشَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» وَلِهَذَا لَمَّا فَرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلنَّاسِ فِي الدِّيوَانِ فَرَضَ لِأُسَامَةَ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ. وَأَعْطَى ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ.
فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكَ، وَأَبُوهُ كان أحب الى رسول الله مِنْ أَبِيكَ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ: أن رسول الله أَرْدَفَهُ خَلْفَهُ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ حِينَ ذَهَبَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ.
قُلْتُ: وَهَكَذَا أَرْدَفَهُ وَرَاءَهُ عَلَى نَاقَتِهِ حِينَ دَفَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ عَلِيٍّ شَيْئًا مِنْ مَشَاهِدِهِ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَقَدْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ «مَنْ لك بلا إله إلا الله يوم القيامة أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» الْحَدِيثَ. وَذِكْرُ فَضَائِلِهِ كَثِيرَةٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَدْ كَانَ أَسْوَدَ كَاللَّيْلِ، أَفْطَسَ حُلْوًا حَسَنًا كَبِيرًا فَصِيحًا عَالِمًا رَبَّانِيًّا، رَضِيَ الله عنه. وكان أَبُوهُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ أَبْيَضَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ، وَلِهَذَا طَعَنَ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْلَمُ فِي نَسَبِهِ مِنْهُ. وَلَمَّا مَرَّ مُجَزِّزٌ الْمُدْلِجِيُّ عَلَيْهِمَا وَهُمَا نَائِمَانِ فِي قَطِيفَةٍ وَقَدْ بَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، أُسَامَةُ بِسَوَادِهِ وَأَبُوهُ زَيْدٌ بِبَيَاضِهِ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ، أُعْجِبَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أسارير وجهه فقال «ألم تر أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حارثة وأسامة ابن زَيْدٍ فَقَالَ إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ» . وَلِهَذَا أَخَذَ فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ حَيْثُ التَّقْرِيرُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِبْشَارُ بِهِ، الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْقَافَةِ فِي اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ وَاشْتِبَاهِهَا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ أربع وخمسين مما صَحَّحَهُ أَبُو عُمَرَ. وَقَالَ غَيْرُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ مَاتَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ فاللَّه أَعْلَمُ. وَرَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمُ السِّتَّةِ.
وَمِنْهُمْ أَسْلَمُ وَقِيلَ إِبْرَاهِيمُ وَقِيلَ ثَابِتٌ وَقِيلَ هُرْمُزُ أَبُو رَافِعٍ الْقِبْطِيُّ أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا لِأَنَّهُ
(5/312)

كَانَ بِمَكَّةَ مَعَ سَادَتِهِ آلِ الْعَبَّاسِ، وَكَانَ يَنْحِتُ الْقِدَاحَ، وَقِصَّتُهُ مَعَ الْخَبِيثِ أَبِي لَهَبٍ حِينَ جَاءَ خَبَرُ وَقْعَةِ بَدْرٍ تَقَدَّمَتْ وللَّه الْحَمْدُ. ثُمَّ هَاجَرَ وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، وَكَانَ كَاتِبًا، وَقَدْ كَتَبَ بَيْنَ يَدَيْ عَلِيِّ ابن أَبِي طَالِبٍ بِالْكُوفَةِ، قَالَهُ الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ الْغَلَّابِيُّ. وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ، وَقَدْ كَانَ أَوَّلًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فوهبه للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعتقه وَزَوَّجَهُ مَوْلَاتَهُ سَلْمَى، فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا وَكَانَ يَكُونُ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَبَهْزٌ قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أن رسول الله بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا، فَقَالَ لَا حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْأَلَهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «الصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ليلى عَنِ الْحَكَمِ بِهِ. وَرَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بَرْدٌ شَدِيدٌ وَهُمْ بخيبر، فقال رسول الله «مَنْ كَانَ لَهُ لِحَافٌ فَلْيُلْحِفْ مَنْ لَا لِحَافَ لَهُ» قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَلَمْ أَجِدْ من يلحفنى معه، فأتيت رسول الله فألقى عليّ لِحَافِهِ، فَنِمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا، فَوَجَدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ حَيَّةً فَقَالَ «يَا أَبَا رَافِعٍ اقْتُلْهَا اقْتُلْهَا» وَرَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ، وَمَاتَ فِي أَيَّامِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَمِنْهُمْ أَنَسَةُ بْنُ زيادة بن مشرح، ويقال أبو مسرح، مِنْ مُوَلَّدِي السَّرَاةِ مُهَاجِرِيٌّ شَهِدَ بَدْرًا فِيمَا ذَكَرَهُ عُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. قَالُوا وَكَانَ مِمَّنْ يَأْذَنُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم إذا جلس، وذكر خليفة بن حياط فِي كِتَابِهِ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عباس قَالَ: اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَسَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا بِثَبْتٍ عِنْدَنَا، وَرَأَيْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يُثْبِتُونَ أَنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا أَيْضًا وَبَقِيَ زَمَانًا وَأَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي حَيَاةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ الله عنه أيام خلافته.
وَمِنْهُمْ أَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ الْحَبَشِيُّ وَنَسَبَهُ ابْنُ مَنْدَهْ إِلَى عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ بَرَكَةُ أَخُو أُسَامَةَ لِأُمِّهِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ عَلَى مَطْهَرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ مِمَّنْ ثَبَتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَيُقَالُ إِنَّ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً 18: 110 قَالَ الشَّافِعِيُّ: قُتِلَ أَيْمَنُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ. قَالَ فَرِوَايَةُ مُجَاهِدٍ عَنْهُ مُنْقَطِعَةٌ- يَعْنِي بِذَلِكَ مَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَيْمَنَ الْحَبَشِيِّ قَالَ:
لَمْ يَقْطَعِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّارِقَ إِلَّا فِي المجن، وكان ثمن المجن يومئذ دينار- وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ عَنْ أَيْمَنَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَأَخُّرَ مَوْتِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ مُدَلَّسًا عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ غَيْرُهُ، وَالْجُمْهُورُ كَابْنِ
(5/313)

إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ ذَكَرُوهُ فِيمَنْ قُتِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ يَوْمَ حُنَيْنٍ فاللَّه أَعْلَمُ. وَلِابْنِهِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَيْمَنَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قِصَّةٌ.
وَمِنْهُمْ بَاذَامُ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي تَرْجَمَةِ طَهْمَانَ.
ومنهم ثوبان بن بحدد وَيُقَالُ ابْنُ جَحْدَرٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَيُقَالُ أَبُو عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَيُقَالُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. أَصْلُهُ مِنْ أَهْلِ السَّرَاةِ مَكَانٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، وَقِيلَ مِنْ حِمْيَرَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وقيل من إلهان، وقيل من حكم بن سعد العشيرة من مذحج أصابه سبى في الجاهلية. فاشتراه رسول الله فَأَعْتَقَهُ وَخَيَّرَهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قومه، وإن شاء يَثْبُتَ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ. فَأَقَامَ عَلَى وَلَاءِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِمَ يُفَارِقْهُ حَضَرًا وَلَا سَفَرًا حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ أَيَّامَ عُمَرَ وَنَزَلَ حِمْصَ بَعْدَ ذَلِكَ وَابْتَنَى بِهَا دَارًا، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ- وَهُوَ خَطَأٌ- وَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ بِمِصْرَ، وَالصَّحِيحُ بِحِمْصَ كَمَا قَدَّمْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ.
وَمِنْهُمْ حُنَيْنٌ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَدُّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، وَرُوِّينَا أَنَّهُ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُوَضِّئُهُ، فَإِذَا فَرَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ بِفَضْلَةِ الْوَضُوءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَبُ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَمَسَّحُ بِهِ، فَاحْتَبَسَهُ حُنَيْنٌ فَخَبَّأَهُ عِنْدَهُ فِي جَرَّةٍ حَتَّى شَكَوْهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ «مَا تَصَنَعُ بِهِ؟» فَقَالَ أَدَّخِرُهُ عِنْدِي أَشْرَبُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فقال عليه السلام «هَلْ رَأَيْتُمْ غُلَامًا أَحْصَى مَا أَحْصَى هَذَا؟» ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَبَهُ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ فَأَعْتَقَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَمِنْهُمْ ذَكْوَانُ يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي تَرْجَمَةِ طَهْمَانَ.
وَمِنْهُمْ رَافِعٌ أَوْ أَبُو رَافِعٍ وَيُقَالُ لَهُ أَبُو الْبَهِيِّ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خيثمة كان لأبى أحيحة سعيد ابن الْعَاصِ الْأَكْبَرِ فَوَرِثَهُ بَنُوهُ وَأَعْتَقَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ أَنْصِبَاءَهُمْ وَشَهِدَ مَعَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقُتِلُوا ثَلَاثَتُهُمْ، ثُمَّ اشْتَرَى أَبُو رَافِعٍ بَقِيَّةَ أَنْصِبَاءِ بَنِي سَعِيدٍ مَوْلَاهُ إِلَّا نَصِيبَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، فَوَهَبَ خَالِدٌ نَصِيبَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَهُ وَأَعْتَقَهُ. فَكَانَ يَقُولُ: أَنَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ كَانَ بَنُوهُ يَقُولُونَ مِنْ بَعْدِهِ.
وَمِنْهُمْ رَبَاحٌ الْأَسْوَدُ، وَكَانَ يَأْذَنُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ الْإِذْنَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْمَشْرُبَةِ يَوْمَ آلَى مِنْ نِسَائِهِ وَاعْتَزَلَهُنَّ فِي تلك المشربة وحده عليه السلام، هَكَذَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِاسْمِهِ فِي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بن عمار عن سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
كَانَ لِلنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم غلام يسمى رباح.
(5/314)

وَمِنْهُمْ رُوَيْفِعٌ مَوْلَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هَكَذَا عَدَّهُ فِي الْمَوَالِي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ قَالَا: وَقَدْ وَفَدَ ابْنُهُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ فَفَرَضَ لَهُ. قَالَا:
وَلَا عَقِبَ لَهُ.
قُلْتُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ شَدِيدَ الِاعْتِنَاءِ بِمَوَالِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُحِبُّ أَنْ يَعْرِفَهُمْ وَيُحْسِنَ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ كَتَبَ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَالَمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَانِهِ: أَنْ يَفْحَصَ لَهُ عَنْ مَوَالِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَخُدَّامِهِ. رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ مُخْتَصَرًا وَقَالَ لَا أَعْلَمُ لَهُ رِوَايَةً، حَكَاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ.
وَمِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْكَلْبِيُّ وَقَدْ قَدَّمْنَا طَرَفًا مِنْ ذِكْرِهِ عِنْدَ ذِكْرِ مَقْتَلِهِ بِغَزْوَةِ مُؤْتَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ قَبْلَ الْفَتْحِ بِأَشْهُرٍ، وَقَدْ كَانَ هُوَ الْأَمِيرُ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ بَعْدَهُ جَعْفَرٌ، ثُمَّ بَعْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي سَرِيَّةٍ إِلَّا أَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ بَقِيَ بَعْدَهُ لَاسْتَخْلَفَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَمِنْهُمْ زَيْدٌ أَبُو يَسَارٍ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ سَكَنَ الْمَدِينَةَ، رَوَى حَدِيثًا وَاحِدًا لَا أَعْلَمُ لَهُ غَيْرَهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُوزَجَانِيُّ ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ- هُوَ التَّبُوذَكِيُّ- ثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الطائي ثنا أبو عُمَرُ بْنُ مُرَّةَ سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ جَدِّي أَنَّهُ سمع رسول الله يَقُولُ: «مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وأخرجه الترمذي عن محمد ابن إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَمِنْهُمْ سَفِينَةُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيُقَالُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ كَانَ اسْمُهُ مِهْرَانَ، وَقِيلَ عَبْسٌ، وَقِيلَ أَحْمَرُ، وَقِيلَ رُومَانُ، فَلَقَّبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَبَبٍ سَنَذْكُرُهُ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مَوْلًى لِأُمِّ سَلَمَةَ فَأَعْتَقَتْهُ وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدُمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ. وَقَالَ لَوْ لَمْ تَشْتَرِطِي عَلَيَّ مَا فَارَقْتُهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي السُّنَنِ. وَهُوَ مِنْ مَوَلَّدِي الْعَرَبِ وَأَصْلُهُ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ وهو سفينة بن مافنة وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا أَبُو النَّضْرِ ثَنَا حَشْرَجُ بْنُ نُبَاتَةَ الْعَبْسِيُّ كُوفِيٌّ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ حَدَّثَنِي سَفِينَةُ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله: «الْخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ مُلْكًا بَعْدَ ذَلِكَ» ثُمَّ قَالَ لِي سَفِينَةُ: أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَخِلَافَةَ عُمَرَ، وَخِلَافَةَ عُثْمَانَ، وَأَمْسِكْ خِلَافَةَ عَلِيٍّ، ثُمَّ قَالَ: فَوَجَدْنَاهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً.
ثُمَّ نَظَرْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْخُلَفَاءِ فَلَمْ أَجِدْهُ يَتَّفِقُ لَهُمْ ثَلَاثُونَ قُلْتُ لِسَعِيدٍ أَيْنَ لَقِيتَ سَفِينَةَ؟ قَالَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ أَسْأَلُهُ عن أحاديث رسول الله. قُلْتُ لَهُ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ
(5/315)

ما أنا بمخبرك، سماني رسول الله سَفِينَةَ. قُلْتُ وَلِمَ سَمَّاكَ سَفِينَةَ؟ قَالَ خَرَجَ رسول الله وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ مَتَاعُهُمْ فَقَالَ لِي «أبسط كساك» فَبَسَطْتُهُ، فَجَعَلُوا فِيهِ مَتَاعَهُمْ ثُمَّ حَمَلُوهُ عَلَيَّ، فقال لي رسول الله «احْمِلْ فَإِنَّمَا أَنْتِ سَفِينَةُ» فَلَوْ حَمَلْتُ يَوْمَئِذٍ وِقْرَ بَعِيرٍ أَوْ بَعِيرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ ما ثقل على، إلا أن يحفوا [1] . وهذا الحديث عن أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ. وَلَفَظُهُ عِنْدَهُمْ «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا» وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا بَهْزٌ ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ عَنْ سَفِينَةَ. قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ، فَكَانَ كُلَّمَا أَعْيَا رَجُلٌ أَلْقَى عَلَيَّ ثِيَابَهُ، تُرْسًا أَوْ سَيْفًا حَتَّى حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنْتَ سَفِينَةُ» هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي تَسْمِيَتِهِ سَفِينَةَ: وَقَدْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ ثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الزَّهْرَانِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرْكَانِيُّ قَالَا: ثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ عَنْ عِمْرَانَ الْبَجَلِيِّ عَنْ مَوْلًى لِأُمِّ سلمة. قال: كنا مع رسول الله فَمَرَرْنَا بِوَادٍ- أَوْ نَهَرٍ- فَكُنْتُ أُعَبِّرُ النَّاسَ، فقال لي رسول الله «مَا كُنْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ إِلَّا سَفِينَةَ» وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ شَرِيكٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَفِينَةَ قَالَ: رَكِبْتُ الْبَحْرَ فِي سَفِينَةٍ فَكُسِرَتْ بِنَا، فَرَكِبْتُ لَوْحًا مِنْهَا فَطَرَحَنِي فِي جَزِيرَةٍ فِيهَا أَسَدٌ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِهِ، فَقُلْتُ يَا أَبَا الْحَارِثِ أَنَا مَوْلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ يَغْمِزُنِي بِمَنْكِبِهِ حَتَّى أَقَامَنِي عَلَى الطَّرِيقِ، ثُمَّ هَمْهَمَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ السَّلَامُ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْهُ. وَرَوَاهُ أيضا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيِّ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ. قَالَ قَالَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَفِينَةَ فَذَكَرَهُ. وَرَوَاهُ أَيْضًا حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنِي أَبُو رَيْحَانَةَ عن سفينة مولى رسول الله قَالَ: لَقِيَنِي الْأَسَدُ فَقُلْتُ أَنَا سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَضَرَبَ بِذَنَبِهِ الْأَرْضَ وَقَعَدَ. وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّهُ كَانَ يَسْكُنُ بَطْنَ نَخْلَةَ، وَأَنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى أَيَّامِ الْحَجَّاجِ.
وَمِنْهُمْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى الْإِسْلَامِ، أَصْلُهُ مِنْ فَارِسَ وَتَنَقَّلَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ إِلَى أَنْ صَارَ لِرَجُلٍ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَسْلَمَ سَلْمَانُ وَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَاتَبَ سَيِّدَهُ الْيَهُودِيَّ، وَأَعَانَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ فَنُسِبَ إِلَيْهِ وَقَالَ «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» . وَقَدْ قَدَّمْنَا صِفَةَ هِجْرَتِهِ مِنْ بَلَدِهِ وَصُحْبَتَهُ لِأُولَئِكَ الرُّهْبَانِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَذِكْرَ صِفَةِ إِسْلَامِهِ رَضِيَ اللَّهُ عنه في أوائل الهجرة
__________
[1] يحفوا، أحفى السؤال ردده وألح عليه وبرح به وأحفيته حملته.
(5/316)

النَّبَوِيَّةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فِي آخِرِ أَيَّامِ عُثْمَانَ- أَوْ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ- وَقِيلَ إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ الْبَحْرَانِيُّ:
وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَاخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ. وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُ الْحُفَّاظِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزِ الْمِائَةَ فاللَّه أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَمِنْهُمْ شُقْرَانُ الْحَبَشِيُّ وَاسْمُهُ صَالِحُ بْنُ عدي، ورثه عليه السلام مِنْ أَبِيهِ. وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ وَلَمْ يَقْسِمْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ مَمْلُوكٌ، فَلِهَذَا لَمْ يُسْهِمْ لَهُ بَلِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الأسرى، فحذاه [1] كُلُّ رَجُلٍ لَهُ أَسِيرٌ شَيْئًا، فَحَصَلَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ نَصِيبٍ كَامِلٍ. قَالَ وَقَدْ كَانَ بِبَدْرٍ ثَلَاثَةُ غِلْمَانٍ غَيْرُهُ، غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَغُلَامٌ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وغلام لسعيد بْنِ مُعَاذٍ، فَرَضَخَ [2] لَهُمْ وَلَمْ يَقْسِمْ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا فِي كِتَابِ الزُّهْرِيِّ، وَلَا فِي كِتَابِ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي سبرة عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَهْمٍ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ شُقْرَانَ مولاه على جميع ما وجد في في رحال الْمُرَيْسِيعِ مِنْ رِثَّةِ [3] الْمَتَاعِ وَالسِّلَاحِ وَالنَّعَمِ وَالشَّاءِ وَجَمْعِ الذُّرِّيَّةِ نَاحِيَةً. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: رَأَيْتُهُ- يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُتَوَجِّهًا إِلَى خَيْبَرَ عَلَى حمار يصلّى عليه، يومى إِيمَاءً. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ شَوَاهِدُ أَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَهِدَ هَذِهِ الْمَشَاهِدَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَخْزَمَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ فَرَقَدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي رَافِعٍ قَالَ سَمِعْتُ شُقْرَانَ يَقُولُ: أَنَا وَاللَّهِ طَرَحْتُ الْقَطِيفَةَ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَبْرِ. وَعَنْ جَعْفَرِ بن محمد عن أبيه قال: الّذي اتخذ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو طلحة، والّذي ألقى القطيفة شُقْرَانُ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ شَهِدَ غُسْلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ، وَأَنَّهُ وضع تحته القطيفة التي كان يُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَلْبَسُهَا أَحَدٌ بَعْدَكَ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ أَنَّهُ انْقَرَضَ نَسْلُهُ فَكَانَ آخِرُهُمْ مَوْتًا بِالْمَدِينَةِ فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ.
وَمِنْهُمْ ضُمَيْرَةُ بن أبى ضميرة الحميري، أصابه سبى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْتَقَهُ، ذَكَرَهُ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: وَكَانَتْ لَهُ دَارٌ بِالْبَقِيعِ، وَوَلَدٌ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن وهب عن ابن
__________
[1] حذاه أعطاه والحذوة العطية والقطعة من اللحم.
[2] أعطاه عطاء غير كثير.
[3] الرثة: متاع البيت الدون بوزن الهرة.
(5/317)

أَبِي ذِئْبٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ضُمَيْرَةَ أن رسول الله مَرَّ بِأُمِّ ضُمَيْرَةَ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ لَهَا: «مَا يُبْكِيكِ؟ أَجَائِعَةٌ أَنْتِ، أَعَارِيَةٌ أَنْتِ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِي، فقال رسول الله «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا» ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى الَّذِي عِنْدَهُ ضُمَيْرَةُ فَدَعَاهُ فَابْتَاعَهُ مِنْهُ بِبَكْرٍ قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ثُمَّ أَقْرَأَنِي كِتَابًا عِنْدَهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِأَبِي ضُمَيْرَةَ وأهل بيته، أن رسول الله أَعْتَقَهُمْ، وَأَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ، إِنْ أحبوا أقاموا عند رسول الله، وَإِنْ أَحَبُّوا رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَلَا يُعْرَضُ لَهُمْ إِلَّا بِحَقٍّ، وَمَنْ لَقِيَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَسْتَوْصِ بِهِمْ خَيْرًا، وَكَتَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
وَمِنْهُمْ طَهْمَانُ، وَيُقَالُ ذَكْوَانُ. وَيُقَالُ مِهْرَانُ، وَيُقَالُ مَيْمُونٌ، وَقِيلَ كَيْسَانُ، وَقِيلَ بَاذَامُ.
رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِي وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِي، وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» رَوَاهُ الْبَغْوِيُّ عَنْ مِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ إِحْدَى بَنَاتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ قَالَتْ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ طَهْمَانُ أَوْ ذكوان. قال قال رسول الله. فَذَكَرَهُ. وَمِنْهُمْ عُبَيْدٌ مَوْلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ شَيْخٍ [1] عَنْ عبيد مولى للنّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قُلْتُ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِصَلَاةٍ سِوَى الْمَكْتُوبَةِ؟ قَالَ صَلَاةٍ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ:
لَا أَعْلَمُ رَوَى غَيْرَهُ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ عبيد مولى رسول الله أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا صَائِمَتَيْنِ، وَكَانَتَا تَغْتَابَانِ النَّاسَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ فَقَالَ لَهُمَا «قِيئَا» فَقَاءَتَا قَيْحًا وَدَمًا وَلَحْمًا عَبِيطًا [2] ثُمَّ قَالَ «إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَنِ الْحَلَالِ وَأَفْطَرَتَا عَلَى الْحَرَامِ» وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَابْنِ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُمْ فِي مَجْلِسِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عُبَيْدٍ مولى رسول الله فَذَكَرَهُ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي عُثْمَانَ فَقَالَ رَجُلٌ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ- أَوْ عُبَيْدٌ- عُثْمَانُ يَشُكُّ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ.
وَمِنْهُمْ فَضَالَةُ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سعيد أنبأنا الواقدي حدثني عتبة بن خيرة الْأَشْهَلِيُّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حزم أن افحص لي عن خدم رسول الله مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَمَوَالِيهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ قَالَ: وكان فضالة مولى له يماني نزل الشام
__________
[1] ورد في الإصابة في ترجمته: مرة عن شيخ عن عبيد، ومرة عن رجل عن عبيد ولم يذكر اسمه.
[2] العبيط الطري غير النضيج.
(5/318)

بَعْدُ، وَكَانَ أَبُو مُوَيْهِبَةَ مُوَلَّدًا مِنْ مُوَلَّدِي مُزَيْنَةَ فَأَعْتَقَهُ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: لَمْ أَجِدْ لِفَضَالَةَ ذِكْرًا فِي الْمَوَالِي إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَمِنْهُمْ قَفِيزٌ أَوَّلُهُ قَافٌ وَآخِرُهُ زَايٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ أَنْبَأَنَا سهل بن السري ثنا احمد ابن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَرَّانِيِّ عَنْ زُهَيْرَ بن محمد عن أبى بكر ابن عبد الله بن أنيس. قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غلاما يُقَالُ لَهُ قَفِيزٌ، تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ.
وَمِنْهُمْ كِرْكِرَةُ، كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ. كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ فَقَالَ «هُوَ فِي النَّارِ» فَنَظَرُوا فَإِذَا عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ غَلَّهَا، أَوْ كِسَاءٌ قَدْ غَلَّهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْ سُفْيَانَ.
قُلْتُ: وَقِصَّتُهُ شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ مِدْعَمٍ الَّذِي أَهْدَاهُ رِفَاعَةُ مِنْ بَنِي النصيب كَمَا سَيَأْتِي.
وَمِنْهُمْ كَيْسَانُ. قَالَ الْبَغْوِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: أَتَيْتُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ فَقَالَتْ حَدَّثَنِي مَوْلًى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ كَيْسَانُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الصَّدَقَةِ «إِنَّا أهل بيت نهانا أَنْ نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَإِنَّ مَوْلَانَا مِنْ أَنْفُسِنَا فلا تأكل الصَّدَقَةَ» . وَمِنْهُمْ مَأْبُورٌ الْقِبْطِيُّ الْخَصِيُّ، أَهْدَاهُ لَهُ صاحب اسكندرية مع مارية وشيرين وَالْبَغْلَةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ خَبَرِهِ فِي تَرْجَمَةِ مَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
وَمِنْهُمْ مِدْعَمٌ، وَكَانَ أَسْوَدَ مِنْ مُوَلَّدِي حِسْمَى [1] أَهْدَاهُ رَفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيُّ، قُتِلَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ مَرْجِعَهُمْ مِنْ خَيْبَرَ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى وَادِي الْقُرَى فَبَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ عَنْ نَاقَةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْلَهَا، إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ [2] فَقَتَلَهُ. فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ- لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ- لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا» فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ- أَوْ شِرَاكَيْنِ- فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أو شرا كان مِنْ نَارٍ» أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَمِنْهُمْ مِهْرَانُ وَيُقَالُ طَهْمَانُ، وَهُوَ الَّذِي رَوَتْ عَنْهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْهُمْ ميمون وهو الّذي قبله.
__________
[1] حسمى بالكسر والسكون أرض ببادية الشام بينها وبين وادي القرى ليلتان تنزلها جذام انتهى عن المعجم.
[2] العائر: الساقط لا يعرف من رماه.
(5/319)

وَمِنْهُمْ نَافِعٌ مَوْلَاهُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ الْمَاهَانِيُّ أَنْبَأَنَا شُجَاعٌ الصُّوفِيُّ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الجنة شيخ زان، ولا مسكين متكبر، وَلَا مَنَّانٌ بِعَمَلِهِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . وَمِنْهُمْ نُفَيْعٌ، وَيُقَالُ مَسْرُوحٌ، وَيُقَالُ نَافِعُ بْنُ مَسْرُوحٍ. وَالصَّحِيحُ نَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ ابن عمرو بن علاج بن سلمة بن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ غِيرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ قيس، وَهُوَ ثَقِيفٌ [1] أَبُو بَكْرَةَ الثَّقَفِيُّ. وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ أُمُّ زِيَادٍ. تَدَلَّى هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعَبِيدِ مِنْ سُورِ الطَّائِفِ، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ نُزُولُهُ فِي بَكْرَةٍ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكرة. قال أبو نعيم: وكان رَجُلًا صَالِحًا آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ.
قُلْتُ: وَهُوَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ بِوَصِيَّتِهِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَبُو بَكَرَةَ وَقْعَةَ الْجَمَلِ، وَلَا أَيَّامَ صِفِّينِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ.
وَمِنْهُمْ وَاقِدٌ، أَوْ أَبُو وَاقِدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الأصبهاني حدثنا أبو عمرو ابن حَمْدَانَ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ثَنَا مُحَمَّدُ بن يحيى بن عبد الكريم حدثنا الحسين بن محمد ثنا الهيثم ابن حَمَّادٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ غَسَّانَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ وَاقِدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ، وَإِنْ قَلَّتْ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ وَتِلَاوَتُهُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ عَصَى اللَّهَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ وَتِلَاوَتُهُ الْقُرْآنَ» . وَمِنْهُمْ هُرْمُزُ أَبُو كَيْسَانُ، وَيُقَالُ هُرْمُزُ أَوْ كَيْسَانُ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ طَهْمَانُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ قَالَ ابن وهب ثنا على بن عباس عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ أَوْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ قَالَتْ: سَمِعْتُ مَوْلًى لَنَا يُقَالُ لَهُ هُرْمُزُ يُكَنَّى أَبَا كَيْسَانَ. قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، وَإِنَّ مَوَالِيَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فَلَا تَأْكُلُوا الصَّدَقَةَ» . وَقَدْ رَوَاهُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى عَنْ وَرْقَاءَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ فَقَالَتْ إِنَّ هُرْمُزَ أَوْ كيسان حدثنا أن رسول الله. قَالَ: «إِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ ثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ ثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْأَبَّارُ عَنِ ابْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: شَهِدَ بَدْرًا عِشْرُونَ
__________
[1] في الخلاصة: نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ علاج بن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ غِيرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ قيس بن ثقيف الثقفي أبو بكرة. وقد ترجمهم جميعا ترجمة طويلة مفصلة صحيحة الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء الّذي يطبع الآن.
(5/320)

مَمْلُوكًا، مِنْهُمْ مَمْلُوكٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ هُرْمُزُ فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْتَقَكَ، وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَلَا تَأْكُلْهَا» . وَمِنْهُمْ هِشَامٌ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّقِّيُّ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ هِشَامٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَدْفَعُ يَدَ لَامِسٍ، قَالَ «طَلِّقْهَا» قَالَ إِنَّهَا تُعْجِبُنِي، قَالَ «فَتَمَتَّعْ بِهَا» قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سُفْيَانَ الثوري عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسَمِّهْ. وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ.
وَمِنْهُمْ يَسَارٌ. وَيُقَالُ إِنَّهُ الَّذِي قَتَلَهُ الْعُرَنِيُّونَ وقد مثلوا بِهِ [1] . وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهُ يَوْمَ قَرْقَرَةِ الْكُدْرِ مَعَ نَعَمِ بَنِي غَطَفَانَ وَسُلَيْمٍ، فَوَهَبَهُ النَّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَهُ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ رَآهُ يُحْسِنُ الصَّلَاةَ فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ قَسَمَ فِي النَّاسِ النَّعَمَ فَأَصَابَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ سَبْعَةُ أَبْعِرَةٍ، وَكَانُوا مِائَتَيْنِ.
وَمِنْهُمْ أَبُو الْحَمْرَاءِ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَادِمُهُ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ إِنَّ اسْمَهُ هِلَالُ بْنُ الحارث، وقيل ابن مظفر، وَقِيلَ هِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ظَفَرٍ السُّلَمِيُّ، أصابه سبى فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ أنبأنا عبد اللَّهِ بْنُ مُوسَى وَالْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْقَاصِّ عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ قَالَ: رَابَطْتُ الْمَدِينَةَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ كَيَوْمٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي بَابَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ كُلَّ غَدَاةٍ فَيَقُولُ: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ وَأَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى وَالْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ عِنْدَهُ طَعَامٌ فِي وِعَاءٍ فَأَدْخَلَهُ يَدَهُ، فَقَالَ: «غَشَشْتَهُ! مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ بِهِ. وَلَيْسَ عِنْدَهُ سِوَاهُ. وَأَبُو دَاوُدَ هَذَا هُوَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَعْمَى أَحَدُ الْمَتْرُوكِينَ الضُّعَفَاءُ. قَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: أَبُو الْحَمْرَاءِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمُهُ هِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ، كَانَ يَكُونُ بِحِمْصَ، وَقَدْ رَأَيْتُ بِهَا غُلَامًا مِنْ وَلَدِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ كَانَ مَنْزِلُهُ خَارِجَ بَابِ حِمْصَ. وَقَالَ أَبُو الْوَازِعِ عَنْ سمرة: كان أبو الحمراء في الْمَوَالِي.
وَمِنْهُمْ أَبُو سَلْمَى رَاعِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُقَالُ أَبُو سَلَّامٍ وَاسْمُهُ حُرَيْثٌ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ ثَنَا كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ ثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ حدثني أبو سلمة رَاعِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وآمن بالبعث والحساب،
__________
[1] وقال ابن هشام: هم نفر من قيس كبة من بجيلة، وكان يرعى إبل الصدقة، وقصتهم مشهورة.
(5/321)

دَخَلَ الْجَنَّةَ» . قُلْنَا أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَنَا سَمِعْتُ هَذَا مِنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا مَرَّتَيْنِ، وَلَا ثَلَاثٍ، وَلَا أَرْبَعٍ. لَمْ يُورِدْ لَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ آخَرَ، وَأَخْرَجَ لَهُ ابْنُ مَاجَهْ ثَالِثًا.
وَمِنْهُمْ أَبُو صَفِيَّةَ مَوْلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ثَنَا مُعْتَمِرٌ ثَنَا أَبُو كَعْبٍ عَنْ جَدِّهِ بَقِيَّةَ عَنْ أَبِي صَفِيَّةَ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُوضَعُ لَهُ نِطْعٌ وَيُجَاءُ بِزَبِيلٍ فِيهِ حَصًى فَيُسَبِّحُ بِهِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ يُرْفَعُ فَإِذَا صَلَّى الْأُولَى سَبَّحَ حَتَّى يُمْسِيَ.
وَمِنْهُمْ أَبُو ضُمَيْرَةَ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِدُ ضُمَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ، وَزَوْجُ أُمِّ ضُمَيْرَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِهِ طَرَفٌ مِنْ ذَكَرِهِمْ وَخَبِرِهِمْ فِي كِتَابِهِمْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: أنبأنا إسماعيل بن عبد الله بن أُوَيْسٍ الْمَدَنِيُّ حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ضُمَيْرَةَ أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي ضُمَيْرَةَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِأَبِي ضُمَيْرَةَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، إِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ، وَكَانُوا ممن أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فَأَعْتَقَهُمْ. ثُمَّ خَيَّرَ أَبَا ضُمَيْرَةَ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَلْحَقَ بِقَوْمِهِ فَقَدْ أَذِنَ لَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْكُثَ مع رسول الله فَيَكُونُوا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَاخْتَارَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَا يَعْرِضْ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَمَنْ لَقِيَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَسْتَوْصِ بِهِمْ خَيْرًا، وَكَتَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: فَهُوَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ أَحَدُ حَمْيَرَ. وَخَرَجَ قَوْمٌ مِنْهُمْ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُمْ هَذَا الْكِتَابُ فَعَرَضَ لَهُمُ اللُّصُوصُ، فَأَخَذُوا مَا معهم فاخرجوا هذا الكتاب اليهم فاعلموهم بما فيه، فقرءوه فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا مِنْهُمْ وَلَمْ يَعْرِضُوا لَهُمْ. قَالَ وَوَفَدَ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ضُمَيْرَةَ إِلَى الْمِهْدِيِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَجَاءَ مَعَهُ بِكِتَابِهِمْ هَذَا، فَأَخَذَهُ الْمَهْدِيُّ فَوَضَعَهُ عَلَى بَصَرِهِ، وَأَعْطَى حُسَيْنًا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ.
وَمِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ ثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ ثَنَا قَتَادَةُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ طَبَخَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِدْرًا فِيهَا لَحْمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَاوَلَنِي ذِرَاعَهَا» فَنَاوَلْتُهُ فَقَالَ: «نَاوَلَنِي ذِرَاعَهَا» فَنَاوَلْتُهُ فَقَالَ ناولني ذراعها» فقلت يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ؟ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ سَكَتَّ لَأَعْطَيْتَنِي ذِرَاعَهَا مَا دَعَوْتُ بِهِ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ الْعَطَّارِ بِهِ. وَمِنْهُمْ أبو عشيب، ومنهم من يقول أبو عسيب، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ شَهِدَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَضَرَ دَفَنَهُ، وَرَوَى قِصَّةَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو نُصَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَسِيبٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ بِالْحُمَّى وَالطَّاعُونِ، فأمسكت
(5/322)

الْحُمَّى بِالْمَدِينَةِ وَأَرْسَلْتُ الطَّاعُونَ إِلَى الشَّامِ، فَالطَّاعُونُ شهادة لا متى وَرَحْمَةٌ لَهُمْ وَرِجْسٌ عَلَى الْكَافِرِ» وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ ثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَنَا حَشْرَجُ بْنُ نُبَاتَةَ حَدَّثَنِي أَبُو نُصَيْرَةَ الْبَصْرِيُّ عَنْ أَبِي عَسِيبٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلا فمر بى فدعاني ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فقال رسول الله لِصَاحِبِ الْحَائِطِ: «أَطْعِمْنَا بُسْرًا» فَجَاءَ بِهِ فَوَضَعَهُ فأكل رسول الله وَأَكَلُوا جَمِيعًا ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا النَّعِيمُ، لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ هَذَا» فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ «نَعَمْ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ، خِرْقَةٍ يَسْتُرُ بِهَا الرَّجُلُ عَوْرَتَهُ. أَوْ كِسْرَةٍ يسد بها جوعته، أو حجر يَدْخُلُ فِيهِ- يَعْنِي مِنَ الْحَرِّ وَالْقَرِّ-» . وَرَوَاهُ الامام احمد عن شريح عَنْ حَشْرَجٍ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطبقات عن موسى بن إسماعيل حدثتنا سلمة بنت أبان الفريعية قَالَتْ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ بِنْتَ أَبِي عَسِيبٍ قَالَتْ:
كَانَ أَبُو عَسِيبٍ يُوَاصِلُ بَيْنَ ثَلَاثٍ فِي الصِّيَامِ، وَكَانَ يُصَلِّي الضُّحَى قَائِمًا فَعَجَزَ، وَكَانَ يصوم أيام الْبِيضَ. قَالَتْ وَكَانَ فِي سَرِيرِهِ جُلْجُلٌ فَيَعْجِزُ صوته حين يُنَادِيَهَا بِهِ، فَإِذَا حَرَّكَهُ جَاءَتْ.
وَمِنْهُمْ أَبُو كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيُّ مِنْ أَنْمَارِ مَذْحِجٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فِي اسْمِهِ أَقْوَالٌ أَشْهَرُهَا أَنَّ اسْمَهُ سُلَيْمٌ، وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ، وَقِيلَ عَكْسُهُ. وَأَصْلُهُ مِنْ مُوَلَّدِي أَرْضِ دَوْسٍ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْبُخَارِيُّ وَالْوَاقِدِيُّ وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ. زَادَ الْوَاقِدِيُّ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ تُوُفِّيَ أَبُو كَبْشَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما مَرَّ فِي ذَهَابِهِ إِلَى تَبُوكَ بِالْحِجْرِ جَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ بُيُوتَهُمْ، فَنُودِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يُدْخِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: نَعْجَبُ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟ رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ» الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَزْهَرَ بْنِ سَعِيدٍ الْحَرَّازِيِّ سَمِعْتُ أَبَا كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ شَيْءٌ؟ قَالَ: «أَجَلْ، مَرَّتْ بِي فُلَانَةُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي شَهْوَةُ النِّسَاءِ فَأَتَيْتُ بَعْضَ أَزْوَاجِي فَأَصَبْتُهَا، فَكَذَلِكَ فَافْعَلُوا، فَإِنَّهُ مِنْ أَمَاثِلِ أَعْمَالِكُمْ إِتْيَانُ الْحَلَالِ» .
(5/323)

وَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأنماري. قال قال رسول الله «مَثَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلُ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ فِي مَالِهِ وَيُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عَلِمَا وَلَمْ يُؤْتَهُ مَالًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مَالِ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ» .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ علما فهو يحبط [1] فِيهِ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مَالِ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ وَكِيعٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنِ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ عَنْ أَبِيهِ. وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي كَبْشَةَ. وَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ثَنَا الزُّبَيْدِيُّ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبى عامر الهورنى عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ أَنَّهُ أَتَاهُ فَقَالَ أَطْرِقْنِي مِنْ فَرَسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَطْرَقَ مسلما فعقب له الفرس كان كأجر سبعين حُمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ سَعِيدٍ أَبِي البختري الطائي حدثني أبو كبشة أنه قال: ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، مَا نقص مال عبد صَدَقَةٍ، وَمَا ظُلِمَ عَبْدٌ بِمَظْلِمَةٍ فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا، وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، الْحَدِيثَ. وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَجِمُ عَلَى هَامَتِهِ وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ- قَالَ سَمِعْتُ أَبَا كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيَّ يَقُولُ: كَانَتْ كِمَامُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُطْحًا [2] .
وَمِنْهُمْ أَبُو مُوَيْهِبَةَ مَوْلَاهُ عليه السلام، كان مِنْ مُوَلَّدِي مُزَيْنَةَ اشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْتَقَهُ، وَلَا يُعْرَفُ اسْمَهُ رضى الله عنه. وقال أبو مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ شَهِدَ أَبُو مُوَيْهِبَةَ الْمُرَيْسِيعَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَقُودُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بَعِيرَهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وبسنده عَنْهُ فِي ذَهَابِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فوقف عليه السلام فَدَعَا لَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ: «لِيَهْنِكُمْ ما أنتم فيه مما
__________
[1] حبط بالحاء المهملة بطل وأحبط الله عمله، أبطله. وحبط بالخاء المعجمة ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، والخبط ما تناثر من ورق الشجر، ولعله المراد.
[2] الكمام: القلنسوة. وبطحا أي لازقة بالرأس غير ذاهبة في الهواء.
(5/324)

فيه بعض النَّاسُ، أَتَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، الْآخِرَةُ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى، فَلْيَهْنِكُمْ أَنْتُمْ فِيهِ» ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي خُيِّرْتُ مَفَاتِيحَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أمتي من بعدي والجنة أو لقاء ربي، فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي» قَالَ فَمَا لَبِثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا سَبْعًا- أَوْ ثَمَانِيًا- حَتَّى قُبِضَ.
فهؤلاء عبيده عليه السلام.
وأما إماؤه عليه السلام
فَمِنْهُنَّ أَمَةُ اللَّهِ بِنْتُ رَزِينَةَ. الصَّحِيحُ أَنَّ الصُّحْبَةَ لِأُمِّهَا رَزِينَةَ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَتْنَا عليلة بنت الكميت العتبكية قالت حدثني أبى عَنْ أَمَةِ اللَّهِ خَادِمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سَبَى صَفِيَّةَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ فَأَعْتَقَهَا وَأَمْهَرَهَا رَزِينَةَ أُمَّ أَمَةِ اللَّهِ. وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
[وَمِنْهُنَّ أُمَيْمَةُ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَهِيَ مُوَلَّاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] . رَوَى حَدِيثَهَا أَهْلُ الشَّامِ. رَوَى عَنْهَا جُبَيْرُ بْنُ نَفِيرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُوَضِّئُ رَسُولَ اللَّهِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ أَوْصِنِي، فَقَالَ «لَا تُشْرِكْ باللَّه شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ أَوْ حُرِّقْتَ بِالنَّارِ، وَلَا تَدَعْ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تركها متعمدا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، وَلَا تَشْرَبَنَّ مُسْكِرًا فَإِنَّهُ رَأَسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَلَا تَعْصِيَنَّ وَالِدَيْكَ وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْتَلِيَ [1] مِنْ أَهْلِكَ وَدُنْيَاكَ» .
وَمِنْهُنَّ بَرَكَةُ أُمُّ أَيْمَنَ وَأُمُّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَهِيَ بَرَكَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُصَيْنِ [2] ابن مَالِكِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ النُّعْمَانِ الْحَبَشِيَّةُ، غَلَبَ عَلَيْهَا كُنْيَتُهَا أُمُّ أَيْمَنَ وَهُوَ ابْنُهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ الْحَبَشِيِّ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَتُعْرَفُ بِأُمِّ الظِّبَاءِ، وَقَدْ هَاجَرَتِ الْهِجْرَتَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَهِيَ حَاضِنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ وَقَدْ كَانَتْ مِمَّنْ وَرِثَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبِيهِ، قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ وَرِثَهَا مِنْ أُمِّهِ، وَقِيلَ بَلْ كَانَتْ لِأُخْتِ خَدِيجَةَ فَوَهَبَتْهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآمَنَتْ قَدِيمًا وَهَاجَرَتْ، وَتَأَخَّرَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَتَقَدَّمَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ زِيَارَةِ أَبِي بَكْرٍ [وَعُمَرَ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِيَّاهَا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهَا بَكَتْ فَقَالَا لَهَا: أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: بَلَى، وَلَكِنْ أَبْكِي لِأَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَبِرَ، فَأَعْتَقَهَا ثُمَّ زَوَّجَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَتُوُفِّيَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم بخمسة أشهر، وقيل ستة أَشْهُرٍ. وَقِيلَ إِنَّهَا بَقِيَتْ بَعْدَ قَتْلِ عُمَرَ بن الخطاب. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةَ كلاهما عن ابن وهب عن
__________
[1] كذا في الأصل: والمحفوظ (ان تخرج) .
[2] في الاصابة حصن بدل حصين.
(5/325)

يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ الْحَبَشِيَّةُ فَذَكَرَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ: تُوُفِّيَتْ أُمُّ أَيْمَنَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عثمان بن عفان. قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَأَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأُمِّ أَيْمَنَ «يَا أُمَّهْ» وَكَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا قَالَ «هَذِهِ بَقِيَّةُ أَهْلِ بَيْتِي» . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أُمُّ أَيْمَنَ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي» . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَصْحَابِهِ الْمَدَنِيِّينَ قَالُوا: نَظَرَتْ أُمُّ أَيْمَنَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يشرب فقالت اسقني، فقالت عائشة أَتَقُولِينَ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! فَقَالَتْ:
مَا خَدَمْتُهُ أَطْوَلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «صَدَقَتْ» فَجَاءَ بِالْمَاءِ فَسَقَاهَا. وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ثَنَا أَبِي قَالَ سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَتْ أُمُّ أَيْمَنَ أَمْسَتْ بِالْمُنْصَرَفِ دُونَ الرَّوْحَاءِ وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَأَصَابَهَا عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتَّى جَهَدَهَا، قَالَ فَدُلِّيَ عَلَيْهَا دَلْوٌ مِنَ السَّمَاءِ بِرِشَاءٍ أَبْيَضَ فِيهِ مَاءٌ، قَالَتْ فَشَرِبْتُ فَمَا أَصَابَنِي عَطَشٌ بَعْدُ، وقد تعرضت العطش بالصوم في الْهَوَاجِرِ فَمَا عَطِشْتُ بَعْدُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ثنا مسلم بن قتيبة عن الحسين بن حرب عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَّارَةٌ يَبُولُ فِيهَا فَكَانَ إِذَا أَصْبَحَ يَقُولُ «يَا أُمَّ أَيْمَنَ صُبِّي مَا فِي الْفَخَّارَةِ» فَقُمْتُ ليلة وأنا عطشى فشربت ما فيها فقال رسول الله «يَا أُمَّ أَيْمَنَ صُبِّي مَا فِي الْفَخَّارَةِ» فقالت يا رسول الله قُمْتُ وَأَنَا عَطْشَى فَشَرِبْتُ مَا فِيهَا فَقَالَ «إِنَّكَ لَنْ تَشْتَكِي بَطْنَكِ بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا أَبَدًا» . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ: وَرَوَى حجاج ابن مُحَمَّدٍ عَنِ [ابْنِ] جُرَيْجٍ عَنْ حَكِيمَةَ بِنْتِ أميمة عن أمها أميمة بنت رقية قَالَتْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدح من عيدان فيبول فِيهِ يَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ اسْمُهَا بَرَكَةُ فَشَرِبَتْهُ، فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقِيلَ شَرِبَتْهُ بَرَكَةُ. فَقَالَ «لَقَدِ احْتَظَرَتْ مِنَ النَّارِ بِحِظَارٍ [1] » قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْأَثِيرِ وَقِيلَ إن التي شربت بوله عليه السلام إِنَّمَا هِيَ بَرَكَةُ الْحَبَشِيَّةُ الَّتِي قَدِمَتْ مَعَ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فاللَّه أَعْلَمُ.
قُلْتُ: فَأَمَّا بَرِيرَةُ فَإِنَّهَا كَانَتْ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ فَكَاتَبُوهَا فَاشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ مِنْهُمْ فَأَعْتَقَتْهَا فَثَبَتَ وَلَاؤُهَا لَهَا كَمَا وَرَدَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَمِنْهُنَّ خَضِرَةُ ذَكَرَهَا ابْنُ مَنْدَهْ فَقَالَ: [روى معاوية عن هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ] : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَادِمٌ يُقَالُ لَهَا خَضِرَةُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ثَنَا فَائِدٌ مولى عبد الله عن عبد اللَّهِ [2] بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ جَدَّتِهِ سَلْمَى قَالَتْ: كَانَ خَدَمَ رَسُولِ اللَّهِ أنا
__________
[1] أي لقد احتميت بحمى عظيم من النار يقيك حرها ويؤمنك دخولها. من النهاية.
[2] في الخلاصة: مولى عبادل وهو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عنه. وسيأتي في ترجمة سلمى.
(5/326)

وَخَضِرَةُ وَرَضْوَى وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، أَعْتَقَهُنَّ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم كلهن.
ومنهن خليسة مولاة حفصة بنت عمر، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ: رَوَتْ حَدِيثَهَا عُلَيْلَةُ بِنْتُ الْكُمَيْتِ عَنْ جَدَّتِهَا عَنْ خُلَيْسَةَ مَوْلَاةِ حَفْصَةَ فِي قِصَّةِ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ مَعَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ وَمَزْحِهِمَا مَعَهَا بِأَنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ. فَاخْتَبَأَتْ فِي بَيْتٍ كَانُوا يُوقِدُونَ فيه واستضحكتا، وجاء رسول الله فَقَالَ:
«مَا شَأْنُكُمَا؟» فَأَخْبَرَتَاهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ سَوْدَةَ، فَذَهَبَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرَجَ الدَّجَّالُ؟
فَقَالَ «لَا، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ» فَخَرَجَتْ وَجَعَلَتْ تَنْفُضُ عَنْهَا بَيْضَ الْعَنْكَبُوتِ. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ خُلَيْسَةُ مَوْلَاةُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وقال: لها ذكر في إسلام سلمان وإعتاقها إياه، وتعويضه عليه السلام لَهَا بِأَنْ غَرَسَ لَهَا ثَلَاثَمِائَةِ فَسِيلَةٍ، ذَكَرْتُهَا تَمْيِيزًا.
وَمِنْهُنَّ خَوْلَةُ خَادِمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ. وَقَدْ رَوَى حَدِيثَهَا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِي تَأَخُّرِ الْوَحْيِ بِسَبَبِ جَرْوِ كَلْبٍ مَاتَ تَحْتَ سَرِيرِهِ عَلَيْهِ السلام وَلَمْ يَشْعُرُوا بِهِ، فَلَمَّا أَخْرَجَهُ جَاءَ الْوَحْيُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى 93: 1- 2 وَهَذَا غَرِيبٌ، وَالْمَشْهُورُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا غَيْرُ ذَلِكَ [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] .
وَمِنْهُنَّ رَزِينَةُ، قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا كَانَتْ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، وَكَانَتْ تَخْدُمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ ابْنَتِهَا أَمَةِ الله أنه عليه السلام أَمْهَرَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ أُمَّهَا رَزِينَةَ، فَعَلَى هذا يكون أصلها له عليه السلام وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْجُشَمِيُّ حَدَّثَتْنَا عُلَيْلَةُ بِنْتُ الْكُمَيْتِ قَالَتْ سَمِعْتُ أُمِّي أُمَيْنَةُ قَالَتْ حَدَّثَتْنِي أَمَةُ اللَّهِ بِنْتُ رَزِينَةَ مُوَلَّاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَى صَفِيَّةَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ حِينَ فتح الله عليه، فجاء يَقُودُهَا سَبِيَّةً، فَلَمَّا رَأَتِ النِّسَاءُ قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَأَرْسَلَهَا وَكَانَ ذِرَاعُهَا فِي يَدِهِ، فَأَعْتَقَهَا ثُمَّ خَطَبَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَأَمْهَرَهَا رَزِينَةَ. هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا السِّيَاقِ، وَهُوَ أَجْوَدُ مِمَّا سَبَقَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ وَلَكِنَّ الْحَقَّ أنه عليه السلام اصْطَفَى صَفِيَّةَ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ، وَأَنَّهُ أَعْتَقَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَمَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَوْمَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ تَخْبِيطٌ فَإِنَّهُمَا يَوْمَانِ، بَيْنَهُمَا سَنَتَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدَانَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ السُّكَّرِيُّ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَتْنَا عُلَيْلَةُ بِنْتُ الْكُمَيْتِ الْعَتَكِيَّةُ عَنْ أُمِّهَا أُمَيْنَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِأَمَةِ اللَّهِ بنت رزينة مولاة رسول الله: يَا أَمَةَ اللَّهِ أَسَمِعْتِ أُمَّكِ تَذْكُرُ أَنَّهَا سمعت رسول الله يَذْكُرُ صَوْمَ عَاشُورَاءَ؟ قَالَتْ نَعَمْ كَانَ يُعَظِّمُهُ وَيَدْعُو بِرُضَعَائِهِ وَرُضَعَاءِ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ فَيَتْفُلُ فِي أفواههم
(5/327)

وَيَقُولُ لِأُمَّهَاتِهِمْ: «لَا تُرْضِعِيهِمْ إِلَى اللَّيْلِ» لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ.
وَمِنْهُنَّ رَضْوَى، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ رَوَى سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ رَضْوَى بِنْتِ كَعْبٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحَائِضِ تخضب، فَقَالَ: «مَا بِذَلِكَ بَأْسٌ» رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ. وَمِنْهُنَّ رَيْحَانَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ الْقُرَظِيَّةُ، وَقِيلَ النضرية، وقد تقدم ذكرها بعد أزواجه رضى الله عنهن.
ومنهن زرينة والصحيح رزينة كما تقدم.
ومنهن سانية مُوَلَّاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَوَتْ عَنْهُ حَدِيثًا فِي اللُّقَطَةِ، وَعَنْهَا طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَى حَدِيثَهَا أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ هَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ.
وَمِنْهُنَّ سَدِيسَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ، وَقِيلَ مَوْلَاةُ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يَلْقَ عُمَرَ مُنْذُ أَسْلَمَ إِلَّا خَرَّ لِوَجْهِهِ» قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْمُوَفَّقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ سَدِيسَةَ، وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنِ الْفَضْلِ. فَقَالَ عَنْ سَدِيسَةَ عَنْ حَفْصَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَهُ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ مَنْدَهْ.
وَمِنْهُنَّ سَلَامَةُ حاضنة إبراهيم بن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَوَتْ عَنْهُ حَدِيثًا فِي فَضْلِ الْحَمْلِ وَالطَّلْقِ وَالرَّضَاعِ وَالسَّهَرِ، فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ مِنْ جِهَةِ إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ نُصَيْرٍ خَطِيبِ دمشق عن أبيه عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنْهَا. ذَكَرَهَا ابْنُ الْأَثِيرِ.
وَمِنْهُنَّ سَلْمَى وَهِيَ أُمُّ رَافِعٍ امْرَأَةُ أَبِي رَافِعٍ كَمَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَخَضِرَةُ وَرَضْوَى وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ سَعْدٍ فَأَعْتَقَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّنَا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ فَائِدٍ مَوْلَى ابْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ جَدَّتِهِ سَلْمَى خَادِمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم قالت: ما سمعت قط أحدا يَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعًا فِي رَأْسِهِ إِلَّا قَالَ «احْتَجِمْ» وفي رِجْلَيْهِ إِلَّا قَالَ «اخْضِبْهُمَا بِالْحِنَّاءِ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الْمَوَالِي وَالتِّرْمِذِيَّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الخباب كِلَاهُمَا عَنْ فَائِدٍ عَنْ مَوْلَاهُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ جَدَّتِهِ سَلْمَى بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ فَائِدٍ. وَقَدْ رَوَتْ عِدَّةَ أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَاسْتِقْصَاؤُهَا. قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَقَدْ شَهِدَتْ سلمى وقعة حنين.
قُلْتُ: وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهَا كَانَتْ تَطْبُخُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَرِيرَةَ [1] فَتُعْجِبُهُ، وَقَدْ تأخرت الى بعد
__________
[1] الحريرة: الحساء المطبوخ من الدقيق والدسم والماء.
(5/328)

موته عليه السلام، وَشَهِدَتْ وَفَاةَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَقَدْ كَانَتْ أَوَّلًا لِصَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّتِهِ عليه السلام، ثُمَّ صَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَانَتْ قَابِلَةَ أَوْلَادِ فَاطِمَةَ وَهِيَ الَّتِي قبلت إبراهيم بن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ شهدت غسل فاطمة وَغَسَّلَتْهَا مَعَ زَوْجِهَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ امْرَأَةِ الصِّدِّيقِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ثَنَا إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَلْمَى قَالَتْ: اشْتَكَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ شَكْوَاهَا الَّذِي قُبِضَتْ فِيهِ، فَكُنْتُ أمرضها، فأصبحت يوما كمثل ما يأتيها في شكواها ذلك، قَالَتْ وَخَرَجَ عَلِيٌّ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَتْ: يَا أُمَّهْ اسْكُبِي لِي غُسْلًا، فَسَكَبْتُ لَهَا غُسْلًا فَاغْتَسَلَتْ كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُهَا تَغْتَسِلُ، ثُمَّ قَالَتْ يا أمه أعطني ثيابي الجدد فَلَبِسَتْهَا، ثُمَّ قَالَتْ يَا أُمَّهْ قَدِّمِي لِي فِرَاشِي وَسْطَ الْبَيْتِ، فَفَعَلْتُ وَاضْطَجَعَتْ فَاسْتَقْبَلَتِ الْقِبْلَةَ وَجَعَلَتْ يَدَهَا تَحْتَ خَدِّهَا ثُمَّ قَالَتْ: يَا أُمَّهْ إِنِّي مَقْبُوضَةٌ الْآنَ وَقَدْ تَطَهَّرْتُ فَلَا يَكْشِفْنِي أَحَدٌ، فَقُبِضَتْ مَكَانَهَا. قَالَتْ فَجَاءَ عَلِيٌّ فأخبرته. وهو غريب جدا ومنهن شيرين، ويقال سيرين [1] أُخْتُ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ خَالَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وقدمنا أَنَّ الْمُقَوْقِسَ صَاحِبَ إِسْكَنْدَرِيَّةَ وَاسْمُهُ جُرَيْجُ بْنُ مِينَا أَهْدَاهُمَا مَعَ غُلَامٍ اسْمُهُ مَأْبُورٌ وَبَغْلَةٍ يُقَالُ لَهَا الدُّلْدُلُ فَوَهَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانَ.
وَمِنْهُنَّ عنقودة أم مليح الْحَبَشِيَّةُ جَارِيَةُ عَائِشَةَ، كَانَ اسْمُهَا عِنَبَةَ فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُنْقُودَةَ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ. وَيُقَالُ اسْمُهَا غُفَيْرَةُ.
فَرْوَةُ ظِئْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْنِي مرضعه- قالت قال لي رسول الله: «إِذَا أَوَيْتِ إِلَى فِرَاشِكِ فَاقْرَئِي قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ» ذَكَرَهَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ فَأَمَّا فِضَّةُ النَّوْبِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْلَاةً لِفَاطِمَةَ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَوْرَدَ بِإِسْنَادٍ مُظْلِمٍ عَنْ مَحْبُوبِ بْنِ حُمَيْدٍ الْبَصَرِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ بَهْرَامَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً 76: 8 ثُمَّ ذَكَرَ مَا مَضْمُونُهُ: أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ مَرِضَا فَعَادَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَادَهُمَا عَامَّةُ الْعَرَبِ، فَقَالُوا لَعَلِيٍّ لَوْ نذرت؟ فقال علي:
إن برءا مِمَّا بِهِمَا صُمْتُ للَّه ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَتْ فَاطِمَةُ كَذَلِكَ، وَقَالَتْ فِضَّةُ كَذَلِكَ، فَأَلْبَسُهُمَا اللَّهُ الْعَافِيَةَ فَصَامُوا. وَذَهَبَ عَلِيٌّ فَاسْتَقْرَضَ مِنْ شَمْعُونَ الْخَيْبَرِيِّ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ شَعِيرٍ فَهَيَّئُوا مِنْهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ صَاعًا فَلَمَّا وَضَعُوهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِلْعَشَاءِ وَقَفَ عَلَى الْبَابِ سَائِلٌ فَقَالَ أَطْعِمُوا الْمِسْكِينَ أَطْعَمَكُمُ اللَّهُ عَلَى مَوَائِدِ الْجَنَّةِ فَأَمَرَهُمْ عَلِيٌّ فَأَعْطَوْهُ ذَلِكَ الطَّعَامَ وَطَوَوْا، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ صَنَعُوا لَهُمُ الصَّاعَ الْآخَرَ فَلَمَّا وَضَعُوهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَقَفَ سَائِلٌ فَقَالَ أَطْعِمُوا الْيَتِيمَ فَأَعْطَوْهُ ذَلِكَ وَطَوَوْا. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثالثة قال: أطعموا
__________
[1] وفي الاصابة: سيرين بالسين المهملة.
(5/329)

الْأَسِيرَ فَأَعْطَوْهُ وَطَوَوْا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَالٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ 76: 1 إِلَى قَوْلِهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً 76: 9 وَهَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ، وَمِنَ الْأَئِمَّةِ مَنْ يَجْعَلُهُ مَوْضُوعًا وَيُسْنِدُ ذَلِكَ إِلَى رِكَّةِ أَلْفَاظِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إِنَّمَا وُلِدَا بِالْمَدِينَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لَيْلَى مَوْلَاةُ عَائِشَةَ، قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَأَدْخُلُ فِي أَثَرِكَ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا إِلَّا أَنِّي أَجِدُ رِيحَ الْمِسْكِ؟ فَقَالَ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنْبُتُ أَجْسَادُنَا عَلَى أَرْوَاحِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمَا خَرَجَ مِنَّا مِنْ نَتْنٍ ابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ» . رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ- وَهُوَ أَحَدُ الْمَجَاهِيلِ- عَنْهَا. مَارِيَةُ القبطية أم إبراهيم تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مَعَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ فَرَّقَ ابْنُ الْأَثِيرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَارِيَةَ أُمِّ الرَّبَابِ، قَالَ وَهِيَ جَارِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا. حَدِيثُهَا عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَوَاهُ عبد الله بن حبيب عن أم سلمى عَنْ أُمِّهَا عَنْ جَدَّتِهَا مَارِيَةَ قَالَتْ: تَطَأْطَأْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ حَائِطًا لَيْلَةَ فَرَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. ثُمَّ قَالَ: وَمَارِيَةُ خَادِمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. روى أبو بكر عن ابن عباس عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ صَالِحٍ عَنْ جَدَّتِهِ مَارِيَةَ- وَكَانَتْ خَادِمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهَا قَالَتْ: مَا مَسِسْتُ بِيَدِي شَيْئًا قَطُّ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبِرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ: لَا أَدْرِي أَهِيَ الَّتِي قَبْلَهَا أَمْ لَا.
وَمِنْهُنَّ مَيْمُونَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، قال الامام احمد حدثنا عليّ بن محمد بن محرز ثَنَا عِيسَى- هُوَ ابْنُ يُونُسَ- ثَنَا ثَوْرٌ- هُوَ ابْنُ يَزِيدَ- عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ عَنْ أَخِيهِ أَنَّ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ قَالَ: «أَرْضُ الْمَنْشَرِ وَالْمَحْشَرِ، ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاةً فيه كألف صلاة» قَالَتْ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يُطِقْ أَنْ يَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ أَوْ يَأْتِيَهُ؟ قَالَ: «فَلْيُهْدِ إِلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ، فَإِنَّهُ مَنْ أَهْدَى لَهُ كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقِّيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ ثَوْرٍ عَنِ زِيَادٍ عَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ عَنْ ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد رواه أبو داود عن الفضل بن مِسْكِينِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العزيز عن ثور عَنْ زِيَادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ لَمْ يَذْكُرْ أَخَاهُ فاللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالَا: ثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الضَّبِّيِّ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَلَدِ الزِّنَا قَالَ: «لَا خَيْرَ فِيهِ، نَعْلَانِ أُجَاهِدُ بِهِمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ الزِّنَا» . وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ بِهِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مَيْمُونَةَ- وَكَانَتْ تَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَتْ قَالَ رَسُولُ الله: «الرَّافِلَةُ فِي الزِّينَةِ فِي غَيْرِ أَهْلِهَا، كَالظُّلْمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا نُورَ لَهَا» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ وَقَالَ لَا نعرفه إلا من حديثه وهو يضعفه فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ فَلَمْ يرفعه.
(5/330)

ومنهن ميمونة بنت أبى عسيبة أو عنبسة، قاله أبو عمرو بن مَنْدَهْ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَالصَّوَابُ مَيْمُونَةُ بِنْتُ أَبِي عَسِيبٍ، كَذَلِكَ رَوَى حَدِيثَهَا المشجع بْنُ مُصْعَبٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بِنْتِ يَزِيدَ وَكَانَتْ تَنْزِلُ فِي بَنِي قُرَيْعٍ عَنْ مُنَبِّهٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ أَبِي عَسِيبٍ، وَقِيلَ بِنْتُ أَبِي عَنْبَسَةَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ حريش أتت النبي صلّى الله عليه وسلّم فنادت يَا عَائِشَةُ أَغِيثِينِي بِدَعْوَةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ تُسَكِّنِينِي بِهَا وَتُطَمِّنِينِي بِهَا، وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا «ضَعِي يَدَكِ الْيُمْنَى عَلَى فُؤَادِكِ فَامْسَحِيهِ، وَقُولِي بِسْمِ اللَّهِ اللَّهمّ دَاوِنِي بِدَوَائِكِ، وَاشْفِنِي بِشِفَائِكِ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكِ عَمَّنْ سِوَاكَ» قَالَتْ رَبِيعَةُ فَدَعَوْتُ بِهِ فَوَجَدْتُهُ جَيِّدًا.
وَمِنْهُنَّ أُمُّ ضُمَيْرَةَ زَوْجُ أَبِي ضُمَيْرَةَ، قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ رَضِيَ الله عنهم.
ومنهن أم عياش بَعَثَهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ ابْنَتِهِ تَخْدُمُهَا حِينَ زَوَّجَهَا بِعُثْمَانَ بْنِ عفان. قال أبو القاسم البغوي حدثنا عكرمة ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ صَفْوَانَ حَدَّثَنِي أَبِي صَفْوَانُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عَيَّاشٍ- وَكَانَتْ خَادِمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعث بها مع ابنته الى عثمان، قَالَتْ كُنْتُ أَمْغَثُ [1] لِعُثْمَانَ التَّمْرَ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، وَأَنْبِذُهُ عَشِيَّةً فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً، فَسَأَلَنِي ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ تَخْلِطِينَ فِيهِ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ أَجَلْ، قَالَ فَلَا تَعُودِي. فَهَؤُلَاءِ إِمَاؤُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا القاسم ابن الْفَضْلِ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ حَزْنٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيذِ فَقَالَتْ: هَذِهِ خَادِمُ رَسُولِ الله فَسَلْهَا، لِجَارِيَةٍ حَبَشِيَّةٍ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِقَاءٍ عَشَاءً فَأُوكِيهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ بِهِ. هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ فِي مُسْنَدِ عَائِشَةَ، وَالْأَلْيَقُ ذِكْرُهُ فِي مُسْنَدِ جَارِيَةٍ حَبَشِيَّةٍ كانت تخدم النبي، وَهِيَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً مِمَّنْ قَدَّمَنَا ذِكْرُهُنَّ، أَوْ زَائِدَةً عَلَيْهِنَّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فصل وأما خدامه عليه السلام ورضى الله عنهم الذين خدموه من الصحابة من غير مواليه فمنهم، أنس بن مالك
أَنَسُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ ضَمْضَمَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ عاصم بن غنم بن عدي ابن النَّجَّارِ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ أَبُو حَمْزَةَ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ الْبَصْرَةِ. خَدَمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا عَاتَبَهُ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلَهُ لِمَ فَعَلْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ يَفْعَلْهُ أَلَا فَعَلْتَهُ. وَأُمُّهُ أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ بْنِ خَالِدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ هِيَ الَّتِي أَعْطَتْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ، وسألته أن
__________
[1] المغث: المرث والدلك.
(5/331)

يَدْعُوَ لَهُ فَقَالَ: «اللَّهمّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ» . قَالَ أَنَسٌ: فَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَتَيْنِ وَأَنَا أَنْتَظِرُ الثَّالِثَةَ، وَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لِكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوٍ مَنْ مِائَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ وَإِنَّ كَرْمِي لَيُحْمَلُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ وَلَدِي لِصُلْبِي مِائَةٌ وَسِتَّةُ أَوْلَادٍ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا وَقَدْ رَوَى الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ثُمَامَةَ قَالَ قِيلَ لِأَنَسٍ أَشَهِدْتَ بَدْرًا؟ فَقَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْ بَدْرٍ لَا أُمَّ لَكَ! وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا لِصِغَرِهِ، وَلَمْ يَشْهَدْ أُحُدًا أَيْضًا لِذَلِكَ. وَشَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَالْفَتْحَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ ابْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ- يَعْنِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ-. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ صَلَاةً فِي سَفَرِهِ وَحَضَرِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ آخِرُ مَنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ فِيهَا مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعِينَ، وَقِيلَ إحدى وقيل اثنتين وقيل ثلاث وَتِسْعِينَ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. وَأَمَّا عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّ أَنَسًا عَمَّرَ مِائَةَ سَنَةٍ غَيْرَ سَنَةٍ، وَأَقَلُّ مَا قِيلَ سِتٌّ وَتِسْعُونَ، وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ مِائَةٌ وَسَبْعُ سِنِينَ، وَقِيلَ سِتٌّ، وَقِيلَ مِائَةٌ وَثَلَاثُ سِنِينَ فاللَّه أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْأَسْلَعُ بْنُ شَرِيكِ بْنِ عَوْفٍ الْأَعْرَجِيُّ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ اسْمُهُ مَيْمُونَ بْنَ سِنْبَاذَ، قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ الْأَعْرَجِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الْأَسْلَعِ قَالَ: كُنْتُ أَخْدِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم وأرحل معه، فَقَالَ ذَاتَ لَيْلَةٍ «يَا أَسْلَعُ قُمْ فَارْحَلْ» قَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فسكت ساعة وأتاه جبريل بآية الصعيد، [فقال قم يا أسلع فتيمم] قال فتيممت وَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى الْمَاءِ قَالَ: «يَا أسلع قم فاغتسل» قال فأرانى التيمم فضرب رسول الله يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ بهما وجهه، ثم ضرب بيديه الْأَرْضَ ثُمَّ نَفَضَهُمَا فَمَسَحَ بِهِمَا ذِرَاعَيْهِ. بِالْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَبِالْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى، ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا. قال الجميع: وَأَرَانِي أَبِي، كَمَا أَرَاهُ أَبُوهُ، كَمَا أَرَاهُ الأسلع، كما أراه رسول الله. قَالَ الرَّبِيعُ فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَوْفَ بْنَ أَبِي جَمِيلَةَ فَقَالَ:
هَكَذَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ الْحَسَنَ يَصْنَعُ. رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ وَالْبَغَوِيُّ فِي كِتَابَيْهِمَا مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ بَدْرٍ هَذَا، قَالَ الْبَغَوِيُّ وَلَا أَعْلَمُهُ رَوَى غَيْرَهُ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ وَقَدْ رَوَى- يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ- الْهَيْثَمُ بْنُ رُزَيْقٍ الْمَالِكِيُّ الْمُدْلِجِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَسْلَعِ بْنِ شَرِيكٍ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ الله عنهم أسماء بن حارثة بن سعد بن عبد الله بن عباد بن سعد بن عمرو بن عامر ابن ثعلبة بن مالك بن أقصى الْأَسْلَمِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ. وَهُوَ أَخُو هِنْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَكَانَا يَخْدِمَانِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ ثَنَا وُهَيْبٌ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ هِنْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَكَانَ هِنْدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ أَخُوهُ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ الله يأمر
(5/332)

قَوْمَهُ بِالصِّيَامِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ أَسْمَاءُ بْنُ حَارِثَةَ. فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ هِنْدٍ عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثه فقال «مرقومك بِصِيَامِ هَذَا الْيَوْمِ» . قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتُهُمْ قَدْ طَعِمُوا؟ قَالَ «فَلْيُتِمُّوا آخِرَ يَوْمِهِمْ» . وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ هِنْدِ بْنِ أَسْمَاءَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ هِنْدٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله الى قوم من أسلّم فقال «مرقومك فَلْيَصُومُوا هَذَا الْيَوْمَ، وَمَنْ وَجَدْتَ مِنْهُمْ أَكَلَ في أول يومه فليصم آخره» . قال مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هِنْدًا وَأَسْمَاءَ ابْنَيْ حَارِثَةَ إِلَّا مَمْلُوكَيْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ كَانَا يَخْدِمَانِهِ لَا يَبْرَحَانِ بَابَهُ هُمَا وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَقَدْ تُوُفِّيَ أَسْمَاءُ بْنُ حَارِثَةَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ بِالْبَصْرَةِ عَنْ ثَمَانِينَ سنة.
ومنهم بُكَيْرُ بْنُ الشَّدَّاخِ اللَّيْثِيُّ ذَكَرَ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى اللَّيْثِيِّ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ شَدَّاخٍ اللَّيْثِيَّ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاحْتَلَمَ فَأَعْلَمَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَى أَهْلِكَ وَقَدِ احْتَلَمْتُ الْآنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ «اللَّهمّ صَدِّقْ قَوْلَهُ، وَلَقِّهِ الظَّفَرَ» فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَانِ عُمْرَ قُتِلَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَامَ عُمْرُ خَطِيبًا فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ؟ فَقَامَ بُكَيْرٌ فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمْرُ بُؤْتَ بِدَمِهِ فَأَيْنَ الْمَخْرَجُ؟ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْغُزَاةِ اسْتَخْلَفَنِي عَلَى أَهْلِهِ، فَجِئْتُ فَإِذَا هَذَا الْيَهُودِيُّ عِنْدَ امْرَأَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
وَأَشْعَثَ غَرَّهُ الْإِسْلَامُ مِنِّي ... خَلَوْتُ بِعُرْسِهِ لَيْلَ التَّمَامِ
أَبِيتُ عَلَى تَرَائِبِهَا وَيُمْسِي ... عَلَى جرد الْأَعِنَّةِ وَالْحِزَامِ
كَأَنَّ مَجَامِعَ الرَّبَلَاتِ مِنْهَا ... فِئَامٌ يَنْهَضُونَ إِلَى فِئَامِ
قَالَ فَصَدَّقَ عُمْرُ قَوْلَهُ وَأَبْطَلَ دَمَ الْيَهُودِيِّ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبُكَيْرٍ بِمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ الْحَبَشِيُّ. وُلِدَ بِمَكَّةَ وَكَانَ مَوْلًى لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فاشتراه أبو بكر منه بمال جزيل لأن كَانَ أُمَيَّةُ يُعَذِّبُهُ عَذَابًا شَدِيدًا لِيَرْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَيَأْبَى إِلَّا الْإِسْلَامَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمَّا اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَعْتَقَهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَهَاجَرَ حِينَ هَاجَرَ النَّاسُ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَمَا بَعْدَهُمَا مِنَ الْمَشَاهِدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَكَانَ يُعْرَفُ بِبِلَالِ بْنِ حَمَامَةَ وَهِيَ أُمُّهُ، وَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ النَّاسِ لَا كَمَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ سِينَهُ كَانَتْ شِينًا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَرْوِي حَدِيثًا فِي ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنه قال: إن سين بلال شينا. وَهُوَ أَحَدُ الْمُؤَذِّنِينَ الْأَرْبَعَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ كَمَا قَدَّمْنَا. وَكَانَ يَلِي أَمْرَ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، وَمَعَهُ حَاصِلُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَالِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِيمَنْ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ لِلْغَزْوِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ أَقَامَ يُؤَذِّنُ لأبى بكر أيام خلافته،
(5/333)

والأول أصح وأشهر. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَلَهُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. وَقَالَ الْفَلَّاسُ قَبْرُهُ بِدِمَشْقَ، وَيُقَالُ بِدَارَيَّا، وَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ بِحَلَبَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي مَاتَ بِحَلَبَ أَخُوهُ خَالِدٌ.
قَالَ مكحول حدثني من رأى بلال قَالَ كَانَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ نَحِيفًا أَجْنَأَ [1] لَهُ شَعْرٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ لَا يُغَيِّرُ شَيْبَهُ رَضِيَ الله عنه.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَبَّةُ وَسَوَاءُ ابْنَا خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ وَثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَلَّامِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ حَبَّةَ وسواء ابنا خَالِدٍ قَالَا: دَخَلْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصْلِحُ شَيْئًا فَأَعَنَّاهُ، فَقَالَ «لا ينسأ مِنَ الرِّزْقِ مَا تَهَزْهَزَتْ رُءُوسِكُمَا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ تلده أمه أحيمر لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ، ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» . وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ذُو مِخْمَرٍ، ويقال ذو محبر، وَهُوَ ابْنُ أَخِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَيُقَالُ ابْنُ أُخْتِهِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. كَانَ بَعَثَهُ لِيَخْدِمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِيَابَةً عَنْهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ثَنَا جرير عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُلَيْحٍ عَنْ ذِي مِخْمَرٍ- وَكَانَ رَجُلًا مَنَ الْحَبَشَةِ يَخْدِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: كُنَّا مَعَهُ فِي سَفَرٍ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى انْصَرَفَ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الزَّادِ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ يَا رسول الله قد انقطع الناس، قال فجلس وَحُبِسَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى تَكَامَلُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ «هَلْ لَكَمَ أَنْ نَهْجَعَ هَجْعَةً؟» [أَوْ قال له قائل] فنزل ونزلوا فقالوا مَنْ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ؟ فَقُلْتُ أَنَا جَعَلَنِي اللَّهُ فداك، فَأَعْطَانِي خِطَامَ نَاقَتِهِ فَقَالَ «هَاكَ لَا تَكُونَنَّ لُكَعًا» قَالَ فَأَخَذْتُ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَخِطَامِ نَاقَتِي، فَتَنَحَّيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُمَا ترعيان، فانى كذلك انظر اليهما إذ أَخَذَنِي النَّوْمُ، فَلَمْ أَشْعُرْ بِشَيْءٍ حَتَّى وَجَدْتُ حَرَّ الشَّمْسِ عَلَى وَجْهِي، فَاسْتَيْقَظْتُ فَنَظَرْتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا أَنَا بِالرَّاحِلَتَيْنِ مِنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، فَأَخَذْتُ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِخِطَامِ نَاقَتِي، فَأَتَيْتُ أَدْنَى الْقَوْمِ فَأَيْقَظْتُهُ فَقُلْتُ أَصَلَّيْتَ؟ قَالَ لَا، فَأَيْقَظَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ «يَا بِلَالُ هَلْ فِي الْمِيضَأَةِ مَاءٌ» يَعْنِي الْإِدَاوَةَ، فَقَالَ نَعَمْ جعلني الله فداك، فأتاه بوضوء لَمْ يُلَتَّ مِنْهُ التُّرَابُ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَهُوَ غَيْرُ عَجِلٍ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى وَهُوَ غَيْرُ عَجَلٍ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أفرطنا، قال «لا، قبض الله أَرْوَاحنَا وَرَدَّهَا إِلَيْنَا، وَقَدْ صَلَّيْنَا» . وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ أَبُو فِرَاسٍ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَآتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَكَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَقُولُ «سُبْحَانَ رَبِّي وبحمده الهوىّ، سبحان رب العالمين الهوىّ»
__________
[1] جنا على الشيء إذا أكب عليه ومال يريد أنه منحن.
(5/334)

فقال رسول الله «هَلْ لَكَ حَاجَةٌ؟» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرَافَقَتُكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثَنَا أَبِي ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عن نعيم بن محمد عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ أَخْدِمُ رسول الله نهاري أجمع، حتى يصلّى عشاء الْآخِرَةَ فَأَجْلِسُ بِبَابِهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهْ أَقُولُ لعلها أن تحدث لرسول الله حَاجَةٌ، فَمَا أَزَالُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» حَتَّى أَمَلَّ فَأَرْجِعَ، أَوْ تغلبني عيناي فأرقد، فقال لي يوما- لما يرى من حقي لَهُ وَخِدْمَتِي إِيَّاهُ- «يَا رَبِيعَةُ بْنَ كَعْبٍ سَلْنِي أُعْطِكَ» قَالَ فَقُلْتُ أَنْظُرُ فِي أَمْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ أُعْلِمُكَ ذَلِكَ، قَالَ فَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي فَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ وَزَائِلَةٌ وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقًا سَيَكْفِينِي وَيَأْتِينِي، قال فقلت أسأل رسول الله لآخرتي فإنه من الله بِالْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ بِهِ، قَالَ فَجِئْتُهُ فَقَالَ «مَا فَعَلْتَ يَا رَبِيعَةُ؟» قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُكَ أَنْ تَشْفَعَ لِي إِلَى رَبِّكَ فَيُعْتِقَنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ «فَقَالَ مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا يَا رَبِيعَةَ؟» قَالَ فَقُلْتُ لا والّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ أُحُدٌ، وَلَكِنَّكَ لَمَّا قُلْتَ سَلْنِي أُعْطِكَ وَكُنْتَ مِنَ اللَّهِ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ نَظَرْتُ فِي أَمْرِي فَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ وَزَائِلَةٌ، وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقًا سَيَأْتِينِي، فَقُلْتُ أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ لِآخِرَتِي. قَالَ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ لِي «إِنِّي فَاعِلٌ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ الْأَسْلَمِيِّ- وَكَانَ يَخْدِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ «يَا رَبِيعَةَ ألا تزوج؟ قال قلت يا رسول مَا أُحِبُّ أَنْ يَشْغَلَنِي عَنْ خِدْمَتِكَ شَيْءٌ، وَمَا عِنْدِي مَا أُعْطِي الْمَرْأَةَ. قَالَ فَقُلْتُ بعد ذلك رسول الله أعلم بما عندي منى يَدْعُوَنِي إِلَى التَّزْوِيجِ، لَئِنْ دَعَانِي هَذِهِ الْمَرَّةَ لِأُجِيبَنَّهُ. قَالَ فَقَالَ لِي «يَا رَبِيعَةُ أَلَّا تَزَوَّجُ؟» فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يُزَوِّجُنِي؟ ما عندي ما أعطى المرأة. فَقَالَ لِي انْطَلِقْ إِلَى بَنِي فُلَانٍ فَقُلْ لَهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي فَتَاتَكُمْ فُلَانَةً، قَالَ فَأَتَيْتُهُمْ فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ الله أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ لِتُزَوِّجُونِي فَتَاتَكُمْ فُلَانَةً، قَالُوا فُلَانَةً؟ قال نعم، قالوا مرحبا برسول الله ومرحبا برسوله، فزوجوني فأتيت رسول الله فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْتُكَ مَنْ خَيْرِ أَهْلِ بَيْتٍ صَدَّقُونِي وَزَوَّجُونِي، فَمِنْ أَيْنَ لِي ما أعطى صداقي؟ فقال رسول الله لِبُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ «اجْمَعُوا لِرَبِيعَةَ فِي صَدَاقِهِ فِي وزن نواة من ذهب» فَجَمَعُوهَا فَأَعْطَوْنِي فَأَتَيْتُهُمْ فَقَبِلُوهَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَبِلُوا فَمِنْ أين لي ما أو لم؟
قال فقال رسول الله لِبُرَيْدَةَ «اجْمَعُوا لِرَبِيعَةَ فِي ثَمَنِ كَبْشٍ» قَالَ فَجَمَعُوا وَقَالَ لِي «انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ فَقُلْ لَهَا فَلْتَدْفَعْ إِلَيْكَ مَا عِنْدَهَا مِنَ الشَّعِيرِ» قَالَ فَأَتَيْتُهَا فَدَفَعَتْ إِلَيَّ، فَانْطَلَقْتُ بِالْكَبْشِ وَالشَّعِيرِ فَقَالُوا أَمَّا الشَّعِيرُ فَنَحْنُ نَكْفِيكَ، وَأَمَّا الْكَبْشُ فَمُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَذْبَحُوهُ، وَعَمِلُوا الشَّعِيرَ فَأَصْبَحَ وَاللَّهِ عِنْدَنَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَقْطَعَ أَبَا بَكْرٍ أَرْضًا لَهُ فَاخْتَلَفْنَا فِي عِذْقٍ، فَقُلْتُ هُوَ فِي أَرْضِي.
(5/335)

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ فِي أَرْضِي، فَتَنَازَعْنَا فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ كَلِمَةً كَرِهْتُهَا، فَنَدِمَ فأحضرنى فقال لي قل لي كما قلت، قَالَ فَقُلْتُ لَا وَاللَّهِ لَا أَقُولُ لَكَ كَمَا قُلْتَ لِي، قَالَ إِذًا آتِي رَسُولَ الله. قال فأتى رسول الله وَتَبِعْتُهُ فَجَاءَنِي قَوْمِي يَتْبَعُونَنِي فَقَالُوا هُوَ الَّذِي قال لك وهو يأتى رسول الله فَيَشْكُو؟ قَالَ فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِمْ فَقُلْتُ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا، هَذَا الصِّدِّيقُ وَذُو شَيْبَةِ الْمُسْلِمِينَ، ارْجِعُوا لَا يَلْتَفِتْ فَيَرَاكُمْ فَيَظُنَّ أَنَّكُمْ إِنَّمَا جِئْتُمْ لتعينوني عليه فيغضب، فيأتى رسول الله فَيُخْبِرْهُ فَيَهْلِكْ رَبِيعَةُ. قَالَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ فقال إني قلت لربيعة كلمة كرهتها فَقُلْتُ لَهُ يَقُولُ لِي مِثْلَ مَا قُلْتُ لَهُ فَأَبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَا ربيعة ومالك وللصديق؟» قال فقلت يا رسول الله وَاللَّهِ لَا أَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَ لِي، فقال رسول الله «لَا تَقُلْ لَهُ كَمَا قَالَ لَكَ، وَلَكِنْ قُلْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ» . وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ سَعْدٌ مَوْلَى أَبِي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَيُقَالُ مَوْلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ- وَكَانَ سَعْدٌ مَمْلُوكًا لِأَبِي بكر، وكان رسول الله يعجبه خِدْمَتُهُ- «أَعْتِقْ سَعْدًا» فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ما لنا خادم ها هنا غَيْرُهُ، فَقَالَ «أَعْتِقْ سَعْدًا أَتَتْكَ الرِّجَالُ أَتَتْكَ الرِّجَالُ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَرَّبْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمْرًا، فَجَعَلُوا يَقْرِنُونَ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْقِرَانِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ بِهِ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ. دَخَلَ يَوْمَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُودُ بِنَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ... الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ... ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ
وَيُشْغِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ بِطُولِهِ. وَقَدْ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَعْدَ هَذَا بِأَشْهُرٍ فِي يَوْمِ مُؤْتَةَ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ غَافِلِ بْنِ حبيب بن شمح أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهُذَلِيُّ.
أُحُدُ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، كَانَ يَلِي حَمْلَ نَعْلَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَلِي طَهُورَهُ، وَيُرَحِّلُ دَابَّتَهُ إِذَا أَرَادَ الرُّكُوبَ، وَكَانَتْ لَهُ الْيَدُ الطُّولَى فِي تَفْسِيرِ كلام الله، وَلَهُ الْعِلْمُ الْجَمُّ وَالْفَضْلُ وَالْحِلْمُ وَفِي الْحَدِيثِ أن رسول الله قَالَ لِأَصْحَابِهِ- وَقَدْ جَعَلُوا يَعْجَبُونَ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ- فَقَالَ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ» . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخطاب في ابن مسعود: هو كنيف مليء عِلْمًا. وَذَكَرُوا أَنَّهُ نَحِيفُ الْخَلْقِ حَسَنُ الْخُلُقِ، يقال إنه كان إذا مشى يسامت الجلوس
(5/336)

وَكَانَ يُشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَدْيِهِ وَدَلِّهِ وَسَمْتِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ يُشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَكَلَامِهِ وَيَتَشَبَّهُ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ عَبَّادَتِهِ تُوُفِّيَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ سنة اثنتين- أَوْ ثَلَاثٍ- وَثَلَاثِينَ بِالْمَدِينَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ إِنَّهُ تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثَنَا ابْنُ جَابِرٍ عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: بينما أَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَقْبٍ مِنْ تِلْكَ النِّقَابِ، إِذْ قَالَ لي «يا عقبة أَلَا تَرْكَبُ؟» قَالَ فَأَشْفَقْتُ أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةٌ، قال فنزل رسول الله وَرَكِبْتُ هُنَيْهَةً، ثُمَّ رَكِبَ ثُمَّ قَالَ «يَا عقب أَلَا أُعْلِّمُكَ سُورَتَيْنِ مَنْ خَيْرِ سُورَتَيْنِ قَرَأَ بِهِمَا النَّاسُ؟» قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْرَأَنِي قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ بِهِمَا. ثم مر بى فقال «اقْرَأْ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَكُلَّمَا قُمْتَ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُقْبَةَ بِهِ. وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الْأَمِيرِ، وَقَدْ كَانَ قَيْسٌ هَذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَطْوَلِ الرِّجَالِ، وَكَانَ كَوْسَجًا وَيُقَالُ إِنَّ سَرَاوِيلَهُ كَانَ يَضَعُهُ عَلَى أَنْفِهِ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَطْوَلِ الرِّجَالِ فَتَصِلُ رِجْلَاهُ الأرض، وقد بعث سراويله معاوية إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَقُولُ لَهُ:
هَلْ عِنْدَكُمْ رجل يجيء هذه السراويل على طوله؟ فتعجب صاحب الرُّومِ مِنْ ذَلِكَ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ كَرِيمًا مُمَدَّحًا ذَا رَأْيٍ وَدَهَاءٍ، وَكَانَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَيَّامَ صِفِّينِ. وَقَالَ مِسْعَرٌ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ لَا يَزَالُ رَافِعًا أُصْبُعَهُ الْمِسْبَحَةَ يَدْعُو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَغَيْرُهُمَا: تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخِرِ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ ثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السِّجِسْتَانِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بن يزيد الحنفي ثنا سعيد بْنُ الصَّلْتِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عِشْرُونَ شَابًّا مِنَ الْأَنْصَارِ يَلْزَمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَوَائِجِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَمْرًا بَعْثَهُمْ فِيهِ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. كَانَ بِمَنْزِلَةِ السِّلَحْدَارِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا كَانَ رَافِعًا السَّيْفَ فِي يَدِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَيْمَةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: فَجَعَلَ كُلَّمَا أَهْوَى عَمُّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ حِينَ قَدِمَ فِي الرَّسِيلَةِ إِلَى لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي مُخَاطَبَاتِهَا- يَقْرَعُ يَدَهُ بِقَائِمَةِ السَّيْفِ وَيَقُولُ: أَخِّرْ
(5/337)

يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إِلَيْكَ. الْحَدِيثَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ:
شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَلَّاهُ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ الْإِمْرَةَ حِينَ ذَهَبَا فَخَرَّبَا طَاغُوتَ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَهِيَ الْمَدْعُوَّةُ بِالرَّبَّةِ، وَهِيَ اللَّاتُ، وَكَانَ دَاهِيَةً مِنْ دُهَاةِ الْعَرَبِ قَالَ الشَّعْبِيُّ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا غَلَبَنِي أُحُدٌ قَطُّ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ سَمِعْتُ قَبِيصَةَ بْنَ جَابِرٍ يَقُولُ: صَحِبْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَلَوْ أَنَّ مَدِينَةً لَهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ لَا يُخْرَجُ مِنْ بَابٍ مِنْهَا إِلَّا بِمَكْرٍ لَخَرَجَ مِنْ أَبْوَابِهَا. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: الْقُضَاةُ أربعة، أبو بكر وَعُمْرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى، وَالدُّهَاةُ أَرْبَعَةٌ، مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُغِيرَةُ وَزِيَادٌ.
وَقَالَ الْزُّهْرِيُّ: الدُّهَاةُ خَمْسَةٌ، مُعَاوِيَةُ وَعَمْرٌو وَالْمُغِيرَةُ وَاثْنَانِ مَعَ عَلِيٍّ وَهُمَا قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رَجُلًا نَكَّاحًا لِلنِّسَاءِ، وَكَانَ يَقُولُ صَاحِبُ الْوَاحِدَةِ إِنْ حَاضَتْ حَاضَ مَعَهَا، وَإِنْ مَرِضَتْ مَرِضَ معها، وصاحب الثنتين بين نارين يشتعلان قال فكان ينكح أربعا وَيُطَلِّقُهُنَّ جَمِيعًا. وَقَالَ غَيْرُهُ تَزَوَّجَ ثَمَانِينَ امْرَأَةً، وقيل ثلاث مائة امرأة، وقيل أحصن بألف امْرَأَةٍ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ عَلَى أَقْوَالٍ أَشْهَرُهَا وَأَصَحُّهَا وَهُوَ الَّذِي حَكَى عَلَيْهِ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ الْإِجْمَاعَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَبُو مَعْبَدٍ الْكِنْدِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ المدينة أنا وصاحبان فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد، فأتينا الى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا لَهُ، فذهب بنا الى منزله وعنده أربعة أَعْنُزٍ، فَقَالَ «احْلُبْهُنَّ يَا مِقْدَادُ، وَجَزِّئْهِنَّ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَعْطِ كُلَّ إِنْسَانٍ جُزْءًا» فَكُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ فَرَفَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَاحْتَبَسَ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي فَقَالَتْ لِي نَفْسِي إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَتَى أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَوْ قُمْتَ فَشَرِبْتَ هَذِهِ الشَّرْبَةَ فَلَمْ تَزَلْ بِي حَتَّى قُمْتُ فَشَرِبْتُ جُزْأَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ في بطني ومعائى أَخَذَنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدَثَ، فَقُلْتُ يَجِيءُ الْآنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَائِعًا ظمآنا فَلَا يَرَى فِي الْقَدَحِ شَيْئًا، فَسَجَيَّتُ ثَوْبًا عَلَى وَجْهِي. وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم فسلّم تسليمة تسمع اليقظان ولا توقظ النَّائِمَ، فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ «اللَّهمّ اسْقِ مَنْ سَقَانِي، وَأَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي» فَاغْتَنَمْتُ دَعْوَتَهُ وَقُمْتُ فَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَدَنَوْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ فَجَعَلْتُ أَجِسُّهُنَّ أَيَّتُهُنَّ أَسْمَنُ لِأَذْبَحَهَا، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى ضَرْعِ إِحْدَاهُنَّ فَإِذَا هِيَ حَافِلٌ، وَنَظَرْتُ إِلَى الْأُخْرَى فإذا هي حافل، فنظرت فاذاهن كُلُّهُنَّ حَفْلٌ، فَحَلَبْتُ فِي الْإِنَاءِ فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَقُلْتُ اشْرَبْ، فَقَالَ «مَا الْخَبَرُ يَا مِقْدَادُ؟» فقلت اشرب ثم الخبر، فقال «بعض سوءاتك يَا مِقْدَادُ» فَشَرِبَ ثُمَّ قَالَ «اشْرَبْ» فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ ثُمَّ أَخَذْتُهُ فَشَرِبْتُهُ، ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «هِيهِ» فَقُلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «هَذِهِ بَرَكَةٌ مُنَزَّلَةٌ مِنَ
(5/338)

السَّمَاءِ أَفَلَا أَخْبَرْتَنِي حَتَّى أَسْقِيَ صَاحِبَيْكَ؟» فَقُلْتُ إِذَا شَرِبْتُ الْبَرَكَةَ أَنَا وَأَنْتَ فَلَا أُبَالِي مَنْ أَخْطَأَتْ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عبد الرحمن ابن أَبِي لَيْلَى عَنِ الْمِقْدَادِ فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ أَنَّهُ حَلَبَ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي كَانُوا لا يطيقون أَنْ يَحْلِبُوا فِيهِ، فَحَلَبَ حَتَّى عَلَتْهُ الرَّغْوَةُ. وَلَمَّا جَاءَ بِهِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ «أَمَا شَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ يَا مِقْدَادُ؟» فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي فَأَخَذْتُ مَا بَقِيَ ثُمَّ شَرِبْتُ. فَلَمَّا عرفت أن رسول الله قَدْ رَوَى فَأَصَابَتْنِي دَعْوَتُهُ ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ الى الأرض، فقال رسول الله «إحدى سوءاتك يَا مِقْدَادُ» فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ من أمرى كذا، صنعت كذا. فقال «مَا كَانَتْ هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةَ اللَّهِ، أَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي تُوقِظُ صَاحِبَيْكَ هَذَيْنِ فَيُصِيبَانِ مِنْهَا؟» قَالَ قُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ. وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُهَاجِرٌ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ ثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ بُكَيْرًا يقول سمعت مهاجرا مولى أم سلمة قَالَ خَدَمَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنِينَ فَلَمْ يَقُلْ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ أَوْ خَمْسَ سنة.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَبُو السَّمْحِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ ثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنِي مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ قَالَ: كُنْتُ أخدم رسول الله، قَالَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ ناولني أداوتى، قال فأناوله وأستتره، فَأُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ، فَجِئْتُ لِأَغْسِلَهُ فَقَالَ «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى. وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، تَوَلَّى خِدْمَتَهُ بِنَفْسِهِ فِي سَفْرَةِ الْهِجْرَةِ لَا سِيَّمَا فِي الْغَارِ وَبَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْهُ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مبسوطا وللَّه الحمد والمنة.
فصل وأما كُتَّابُ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَرَضِيَ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ
فَمِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَسَيَأْتِي تَرْجَمَةُ
(5/339)

كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ إِنْ شاء الله وَبِهِ الثِّقَةُ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْأُمَوِيُّ. أَسْلَمَ بَعْدَ أَخَوَيْهِ خَالِدٍ وَعَمْرٍو، وَكَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَجَارَ عُثْمَانَ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وقيل خيبر لأن له ذكر فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِسْمَةِ غَنَائِمِ خَيْبَرَ، وَكَانَ سَبَبُ إِسْلَامِهِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِرَاهِبٍ وَهُوَ فِي تِجَارَةٍ بِالشَّامِ فَذَكَرَ لَهُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ مَا اسْمُهُ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ، قَالَ فَأَنَا أَنْعَتُهُ لَكَ، فَوَصَفَهُ بِصِفَتِهِ سَوَاءً وَقَالَ إِذَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ. فَأَسْلَمَ بَعْدَ مَرْجِعِهِ وَهُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ الَّذِي قَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ الْوَحْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَإِذَا لَمْ يَحْضُرْ كَتَبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَتَبَ لَهُ عُثْمَانُ وَخَالِدُ بن سعيد وأبان ابن سعيد. هكذا قال- يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ- وَإِلَّا فَالسُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ لَمْ يَكُنْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ حَالَ نُزُولِهَا، وَقَدْ كَتَبَهَا الصَّحَابَةُ بِمَكَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَفَاةِ أَبَانِ بْنِ سَعِيدٍ هَذَا فَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَمُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّسَبِ قُتِلَ يَوْمَ أَجْنَادِينَ، يَعْنِي فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ قُتِلَ يَوْمَ مَرَجِ الصُّفَّرِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قُتِلَ هُوَ وَأَخُوهُ عَمْرٌو يَوْمَ [الْيَرْمُوكِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ إنه تأخر إلى أيام عثمان وكان يملى المصحف] الامام عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ سَنَةَ تسع وعشرين فاللَّه أعلم.
ومنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدٍ الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْصَارِيُّ. أَبُو الْمُنْذِرِ، وَيُقَالُ أَبُو الطُّفَيْلِ، سَيِّدُ الْقُرَّاءِ شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ وَبَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا. وَكَانَ رَبْعَةً نَحِيفًا أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ لَا يُغَيِّرُ شَيْبَهُ. قَالَ أَنَسٌ: جَمَعَ الْقُرْآنَ أَرْبَعَةٌ- يَعْنِي مِنَ الْأَنْصَارِ- أُبَيُّ بْنُ كَعْبٌ، ومعاذ بن جبل، وزيد ابن ثَابِتٍ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو يزيد أَخْرَجَاهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأبي «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ» قَالَ وَسَمَّانِي لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «نَعَمْ» قَالَ فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ. وَمَعْنَى أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ قِرَاءَةَ إِبْلَاغٍ وَإِسْمَاعٍ لَا قِرَاءَةَ تَعَلُّمٍ مِنْهُ، هَذَا لَا يَفْهَمُهُ أُحُدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى هَذَا لِئَلَّا يُعْتَقَدَ خِلَافُهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ سَبَبَ القراءة عليه وأنه قَرَأَ عَلَيْهِ سُورَةَ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ من الله يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ 98: 1- 3 وَذَلِكَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى رَجُلٍ قِرَاءَةَ سُورَةٍ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ يَقْرَأُ أُبَيٌّ، فَرَفَعَهُ أُبَيٌّ إِلَى رسول الله فَقَالَ: «اقْرَأْ يَا أُبَيُّ» فَقَرَأَ فَقَالَ:
«هَكَذَا أُنْزِلَتْ» ثُمَّ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ «اقْرَأْ» فَقَرَأَ فَقَالَ «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» قَالَ أُبَيٌّ: فَأَخَذَنِي مِنَ الشَّكِّ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ فضرب رسول الله في صدري ففضضت عَرَقًا وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى
(5/340)

اللَّهِ فَرَقًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ تَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ الله هَذِهِ السُّورَةَ كَالتَّثْبِيتِ لَهُ وَالْبَيَانِ لَهُ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَإِنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى أَحْرُفٍ كَثِيرَةٍ رَحْمَةً وَلُطْفًا بِالْعَبَّادِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ الْوَحْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بِجُمْعَةٍ فاللَّه أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ أسد بن جندب بن عبد الله ابن عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْمَخْزُومِيُّ. أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهُوَ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْفِيًا فِي دَارِهِ عِنْدَ الصَّفَا وَتُعْرَفُ تِلْكَ الدَّارُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْخَيْزُرَانِ. وَهَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَقَدْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ أَقْطَاعَ عُظَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيِّ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَخٍّ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ عَتِيقِ بْنِ يَعْقُوبَ الزُّبَيْرِيِّ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حزم عن أبيه عن جده عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ. وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَقِيلَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَلَهُ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَهُ حَدِيثَيْنِ، الْأَوَّلَ قَالَ أَحْمَدُ وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ- وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ عَنْ هشام بن زياد عن عمار ابن سَعْدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ عَنْ أَبِيهِ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ الَّذِي يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةَ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ كَالْجَارِّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ» وَالثَّانِيَ قَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ ثَنَا الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ ثَنَا يَحْيَى بْنُ عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَرْقَمِ عَنْ جَدِّهِ الْأَرْقَمِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ؟» قَالَ أردت يا رسول الله ها هنا وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى حَيِّزِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: «مَا يُخْرِجُكَ إِلَيْهِ أَتِجَارَةٌ؟» قَالَ لَا وَلَكِنْ أردت الصلاة فيه، قال «الصلاة ها هنا» وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى مَكَّةَ «خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ» وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ. تَفَرَّدَ بِهِمَا أَحْمَدُ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيُقَالُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ، وَيُقَالُ لَهُ خَطِيبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ المدائني بِأَسَانِيدِهِ عَنْ شُيُوخِهِ فِي وُفُودِ الْعَرَبِ عَلَى رسول الله، قالوا قدم عبد الله بن عبس اليماني ومسلمة بن هاران الحدانى على رسول الله فِي رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِمَا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوا عَلَى قَوْمِهِمْ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بِمَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي أَمْوَالِهِمْ، كَتَبَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَشَهِدَ فِيهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَهَذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ. نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجِرَاحِ، نعم الرجل
(5/341)

أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ» . وَقَدْ قُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَهِيدًا يَوْمَ الْيَمَامَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ في أيام أبى بكر الصديق، وله قصة سنوردها إن شاء الله إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ وَعَوْنِهِ وَمَعُونَتِهِ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَنْظَلَةُ بن الربيع بن صيفي بن رياح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية ابن شُرَيْفِ بْنِ جِرْوَةَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ التَّمِيمِيُّ الْأُسَيْدِيُّ الْكَاتِبُ، وَأَخُوهُ رَبَاحٌ صَحَابِيٌّ أَيْضًا، وَعَمُّهُ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ كَانَ حَكِيمَ الْعَرَبِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَتَبَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا. وَقَالَ غَيْرُهُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أهل الطوائف فِي الصُّلْحِ، وَشَهِدَ مَعَ خَالِدٍ حُرُوبَهُ بِالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ أَدْرَكَ أَيَّامَ عَلَيٍّ وَتَخَلَّفَ عَنِ الْقِتَالِ مَعَهُ فِي الْجَمَلِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ عَنِ الْكُوفَةِ لَمَّا شُتِمَ بِهَا عُثْمَانُ، وَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامِ عَلَيٍّ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ، أَنَّ امْرَأَتَهُ لَمَّا مَاتَ جَزِعَتْ عَلَيْهِ فَلَامَهَا جَارَاتُهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ:
تَعَجَّبَتْ دَعْدٌ لِمَحْزُونَةٍ ... تَبْكِي عَلَى ذِي شَيْبةٍ شَاحِبِ
إِنْ تَسْأَلِينِي الْيَوْمَ مَا شَفَّنِي ... أُخْبِرْكِ قَوْلًا لَيْسَ بِالْكَاذِبِ
إِنَّ سَوَادَ الْعَيْنِ أَوْدَى بِهِ ... حُزْنٌ عَلَى حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عبد الله بن الرقى. كَانَ مُعْتَزِلًا لِلْفِتْنَةِ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ عَلِيٍّ، جَاءَ عَنْهُ حَدِيثَانِ.
قُلْتُ: بَلْ ثَلَاثَةٌ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ وَعَفَّانُ قَالَا: ثَنَا هَمَّامُ ثَنَا قَتَادَةُ عَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بركوعهن وَسُجُودِهِنَّ وَوُضُوئِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ وَعَلِمَ أَنَّهُنَّ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» أَوْ قَالَ «وَجَبَتْ له» تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ قَتَادَةَ وَحَنْظَلَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ «لَوْ تَدُومُونَ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي مَجَالِسِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَعَلَى فُرُشِكُمْ، وَلَكِنْ سَاعَةً وَسَاعَةً» وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ دَاوُدَ الْقَطَّانِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ حَنْظَلَةَ. وَالثَّالِثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْمُرَقِّعِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ جَدِّهِ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ فِي الْحَرْبِ. لَكِنْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابن جريج قال أُخْبِرْتُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُرَقِّعِ بْنِ صيفي بن رياح بْنِ رَبِيعٍ [عَنْ جَدِّهِ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ] أَخِي حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ فَذَكَرَهُ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أبى العباس كلاهما [1]
__________
[1] في التيمورية: عن أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ منصور إلخ.
(5/342)

عن المغيرة بن عبد الرحمن عَنْ أَبِيهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي عامر العقدي كلاهما عن المغيرة ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُرَقِّعٍ عَنْ جَدِّهِ رَبَاحٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ كَذَلِكَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ مُرَقِّعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَبَاحِ فَذَكَرَهُ. فَالْحَدِيثُ عَنْ رَبَاحٍ لَا عَنْ حَنْظَلَةَ وَلِذَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يُخْطِئُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
قُلْتُ: وَصَحَّ قَوْلُ ابن الرقى أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ سِوَى حَدِيثَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَبُو سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ. أَسْلَمَ قَدِيمًا يُقَالُ بَعْدَ الصِّدِّيقِ بِثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ خَمْسَةٌ. وَذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَ إسلامه أنه رأى في النوم كأنه واقفا عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَذَكَرَ مِنْ سِعَتِهَا مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. قَالَ وَكَأَنَّ أَبَاهُ يَدْفَعُهُ فِيهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بيده ليمنعه من الوقوع، فَقَصَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أُرِيدَ بِكَ خَيْرٌ، هَذَا رسول الله فَاتَّبِعْهُ تَنْجُ مِمَّا خِفْتَهُ. فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ فَأَسْلَمَ، فَلَمَّا بَلَغَ أَبَاهُ إِسْلَامُهُ غَضِبَ عَلَيْهِ وضربه بعصاه فِي يَدِهِ حَتَّى كَسَرَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَمَنَعَهُ الْقُوتَ، وَنَهَى بَقِيَّةَ إِخْوَتِهِ أَنْ يُكَلِّمُوهُ، فَلَزِمَ خَالِدٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا وَنَهَارًا، ثُمَّ أَسْلَمَ أَخُوهُ عَمْرٌو، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّاسُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ هَاجَرَا مَعَهُمْ ثُمَّ كَانَ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الْعَقْدَ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنْ رسول الله كَمَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ هَاجَرَا مِنْ أَرْضَ الْحَبَشَةِ صحبة جعفر فقدما على رسول الله بِخَيْبَرَ وَقَدِ افْتَتَحَهَا، فَأَسْهَمَ لَهُمَا عَنْ مَشُورَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَاءَ أَخُوهُمَا أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ فَشَهِدَ فَتْحَ خَيْبَرَ كَمَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ كَانَ رَسُولُ الله يُوَلِّيهِمُ الْأَعْمَالَ. فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ الصِّدِّيقِ خَرَجُوا إِلَى الشَّامِ لِلْغَزْوِ فَقُتِلَ خَالِدٌ بِأَجْنَادِينَ، وَيُقَالُ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ عَتِيقُ بْنُ يعقوب حدثني عبد الملك بن أبي بكر عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، يَعْنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ كَتَبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَعْطَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ رَاشِدَ بْنَ عَبْدِ رب السلمي أعطاه علوتين وعلوة [1] بحجر برهاط، فمن خافه فَلَا حَقَّ لَهُ وَحَقُّهُ حَقٌّ. وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: أَقَامَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الحبشة بالمدينة، وكان يكتب لرسول الله، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ كِتَابَ أَهْلِ الطَّائِفِ لِوَفْدِ ثَقِيفٍ وَسَعَى فِي الصُّلْحِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ الله عنهم خالد بن الوليد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ [أَبُو سُلَيْمَانَ] الْمَخْزُومِيُّ وَهُوَ أَمِيرُ الْجُيُوشِ الْمَنْصُورَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالْعَسَاكِرِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَالْمَوَاقِفِ الْمَشْهُودَةِ، وَالْأَيَّامِ الْمَحْمُودَةِ.
__________
[1] كذا ولعلها بالغين المعجمة.
(5/343)

ذُو الرَّأْيِ السَّدِيدِ، وَالْبَأْسِ الشَّدِيدِ، وَالطَّرِيقِ الْحَمِيدِ. أبو سليمان خالد بن الوليد. وَيُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي جَيْشٍ فَكُسِرَ لَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كَانَتْ إِلَيْهِ فِي قُرَيْشٍ الْقُبَّةُ وَأَعِنَّةُ الْخَيْلِ، أَسْلَمَ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقِيلَ خَيْبَرَ، وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُهُ فِيمَا يَبْعَثُهُ أميرا. ثم كان القدم على العساكر كلها في أيام الصديق، فلما ولى عمر بن الخطاب عزله وولى أبو عُبَيْدَةَ أَمِينَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ رَأْيِ أَبِي سُلَيْمَانَ. ثُمَّ مَاتَ خَالِدٌ فِي أَيَّامِ عُمَرَ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ- وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ- بِقَرْيَةٍ عَلَى مِيلٍ مِنْ حِمْصَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ لِي دَثَرَتْ. وَقَالَ دُحَيْمٌ: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَدْ رَوَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةً يَطُولُ ذِكْرُهَا قَالَ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عن جده عن عمرو بن حزم أن هَذِهِ قَطَايِعُ أَقْطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الى المؤمنين أن صيدوح وصيده لا يعضد صيده ولا يُقْتَلُ، فَمَنْ وُجِدَ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فإنه يجلد وينزع ثِيَابُهُ، وَإِنْ تَعَدَّى ذَلِكَ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ فَيُبْلَغُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ هَذَا مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَكَتَبَ خَالِدُ بن الوليد بأمر رسول الله فَلَا يَتَعَدَّاهُ أَحَدٌ فَيَظْلِمَ نَفْسَهُ فِيمَا أَمَرَهُ به محمد.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَصَّيٍّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ أَحَدُ الْعَشْرَةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ [وَحَوَارِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنُ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ وَزَوْجِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] رَوَى عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ بسنده المتقدم أن الزبير بن العوام هُوَ الَّذِي كَتَبَ لِبَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ جَرْوَلٍ الْكِتَابَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ يكتبه لهم. وروى ابن عساكر باسناد عن عتيق به.
أسلّم الزبير قديما رضى الله عنه وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَيُقَالُ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَشَهِدَ الْمُشَاهِدَ كُلَّهَا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَّ سَيْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدْ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ وَكَانَ أَفْضَلَ مَنْ شَهِدَهَا، وَاخْتَرَقَ يَوْمَئِذٍ صُفُوفَ الرُّومِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ مَرَّتَيْنِ وَيَخْرُجُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ سَالِمًا، لَكِنْ جُرِحَ فِي قَفَاهِ بِضَرْبَتَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عنه. وَقَدْ جَمَعَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَبَوَيْهِ [1] وَقَالَ «إِنَّ لكل نبي حواريا وحواري الزبير» وَلَهُ فَضَائِلُ وَمَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَرَّ رَاجِعًا عَنِ الْقِتَالِ فَلَحِقَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ وَفَضَالَةُ بْنُ حَابِسٍ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ يُقَالُ لَهُ نُفَيْعٌ التَّمِيمِيُّونَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي السِّبَاعِ، فَبَدَرَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ يَوْمئَذٍ سبع وستون سنة، وقد خلف رضى
__________
[1] أي قال له صلّى الله عليه وسلّم: «فداك أبى وأمى» .
(5/344)

اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَهُ تَرِكَةً عَظِيمَةً فَأَوْصَى مِنْ ذَلِكَ بِالثُّلْثِ بَعْدَ إِخْرَاجِ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ ألف دينا، فَلَمَّا قُضِيَ دَيْنُهُ وَأُخْرِجَ ثُلُثُ مَالِهِ قُسِمَ الْبَاقِي عَلَى وَرَثَتِهِ فَنَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ نسائه- وكن أربعا- ألف ألف ومائتا أَلْفٍ، فَمَجْمُوعُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا تَرَكَهُ رَضِيَ الله عنه تسعة وخمسين أَلْفَ أَلْفٍ وَثَمَانُ مِائَةِ أَلْفٍ [1] وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ وُجُوهِ حِلٍّ نَالَهَا فِي حَيَاتِهِ مِمَّا كَانَ يُصِيبُهُ مِنَ الْفَيْءِ وَالْمَغَانِمِ، وَوُجُوهِ مَتَاجِرِ الحلال وذلك كله بعد إخراج الزكاة في أوقاتها، والصّلاة الْبَارِعَةِ الْكَثِيرَةِ لِأَرْبَابِهَا فِي أَوْقَاتِ حَاجَاتِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ مَثْوَاهُ- وَقَدْ فَعَلَ- فَإِنَّهُ قَدْ شَهِدَ لَهُ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ وَرَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالْجَنَّةِ، وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الْخَرَاجَ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَالَ فِيهِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَمْدَحُهُ وَيُفَضِّلُهُ بِذَلِكَ:
أَقَامَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَهَدْيِهِ ... حَوَارِيُّهُ وَالْقَوْلُ بالفضل يُعْدَلُ
أَقَامَ عَلَى مِنْهَاجِهِ وَطَرِيقِهِ ... يُوَالِي وَلِيَّ الْحَقِّ وَالْحَقُّ أَعْدَلُ
هُوَ الْفَارِسُ الْمَشْهُورُ وَالْبَطَلُ الَّذِي ... يَصُولُ إِذَا مَا كَانَ يَوْمٌ مُحَجَّلُ
وَإِنَّ امْرَأً كَانَتْ صَفِيَّةُ أُمُّهُ ... وَمِنْ أَسَدٍ في بيته لمرسل
لَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ قُرْبَى قَرِيبَةٌ ... وَمِنْ نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ مَجْدٌ مُؤَثَّلُ
فَكَمْ كُرْبَةٍ ذَبَّ الزُّبَيْرُ بِسَيْفِهِ ... عَنِ الْمُصْطَفَى وَاللَّهُ يُعْطِي وَيُجْزِلُ
إِذَا كَشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا الْحَرْبُ حَشَّهَا ... بِأَبْيَضَ [سياف] الى الموت يرفل
فَمَا مِثْلُهُ فِيهِمْ وَلَا كَانَ قَبْلَهُ ... وَلَيْسَ يكون الدهر ما دام يذبل
قد تَقَدَّمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ التَّمِيمِيُّ بِوَادِي السِّبَاعِ وَهُوَ نَائِمٌ، وَيُقَالُ بَلْ قَامَ مِنْ آثَارِ النَّوْمِ وَهُوَ دَهِشٌ فَرَكِبَ وَبَارَزَهُ ابْنُ جُرْمُوزٍ، فَلَمَّا صَمَّمَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ أَنْجَدَهُ صاحباه فضالة والنعر فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذَ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ رَأْسَهُ وَسَيْفَهُ. فَلَمَّا دَخَلَ بِهِمَا عَلَى عَلِيٍّ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا رَأَى سَيْفَ الزُّبَيْرِ: إِنَّ هَذَا السَّيْفَ طَالَمَا فَرَّجَ الْكَرْبَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ عَلِيٌّ فِيمَا قَالَ: بَشِّرْ قَاتَلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ. فَيُقَالُ إِنَّ عَمْرَو بْنَ جُرْمُوزٍ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ قَتَلَ نَفْسَهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عُمِّرَ بَعْدَ عَلِيٍّ حَتَّى كَانَتْ أَيَّامُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَاسْتَنَابَ أَخَاهُ مُصْعَبًا عَلَى الْعِرَاقِ، فَاخْتَفَى عمرو بن جوموز خَوْفًا مِنْ سَطْوَتِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ. فَقَالَ مُصْعَبٌ: أَبْلِغُوهُ أَنَّهُ آمِنٌ، أَيَحْسَبُ أَنِّي أَقْتُلُهُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ؟ كَلَّا وَاللَّهِ لَيْسَا سَوَاءٌ، وهذا من حلم مصعب وعقله وَرِيَاسَتِهِ. وَقَدْ رَوَى الزُّبَيْرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحاديث
__________
[1] في التيمورية تسعة وخمسين ألف ألف ومائتا ألف. وقد ذكر ابن سعد في الطبقات أنه ترك 000/ 200/ 35 درهم وان دينه بلغ 000/ 200/ 2 درهم وأن نساءه الأربع ورثت كل واحدة منهن 000/ 100/ 1 درهم وذلك بخلاف الأراضي والعقارات!!.
(5/345)

كَثِيرَةً يَطُولُ ذِكْرُهَا وَلَمَّا قُتِلَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بِوَادِي السِّبَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَتِ امْرَأَتُهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ تَرْثِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَنْهُ:
غَدَرَ ابْنُ جُرْمُوزٍ بِفَارِسِ بُهْمَةٍ ... يَوْمَ اللِّقَاءِ وَكَانَ غَيْرَ مُعَرِّدِ
يَا عَمْرُو لَوْ نَبَّهْتَهُ لَوَجَدْتَهْ ... لَا طَائِشًا رَعِشَ الْجَنَانِ وَلَا الْيَدِ
كَمْ غَمْرَةٍ قَدْ خَاضَهَا لَمْ يَثْنِهِ ... عَنْهَا طراد يَا ابْنَ فَقْعِ الْقَرْدَدِ
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِنْ ظفرت بمثله ... فيمن مضى فيمن يَرَوْحُ وَيَغْتَدِي
وَاللَّهِ رَبِّكَ إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ... حَلَّتْ عَلَيْكَ عُقُوبَةُ الْمُتَعَمِّدِ
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ زيد بن لوذان بن عمرو بن عبيد بْنِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، أَبُو سَعِيدٍ وَيُقَالُ أَبُو خَارِجَةَ وَيُقَالُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيُّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً فَلِهَذَا لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا لِصِغَرِهِ، قِيلَ وَلَا أُحُدًا وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، ثُمَّ شَهِدَ مَا بَعْدَهَا. وَكَانَ حَافِظًا لَبِيبًا عَالِمًا عَاقِلًا، ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ لِيَقْرَأَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، فَتَعَلَّمَهُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ زَيْدًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ قَالَ زَيْدٌ: ذَهَبَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُعْجِبَ بِي، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَعَهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَةً، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ «يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي» . قال زيد: فتعلمت لهم كتابهم ما مرت خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ، وَكُنْتُ أَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ إذا كتب. ثم رواه احمد عن شريح بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَارِجَةَ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَدْ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ خَارِجَةَ ابن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ فَقَالَ وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ فَذَكَرَهُ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَارِجَةَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا ذَكَاءٌ مُفْرِطٌ جِدًّا. وَقَدْ كَانَ مِمَّنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقُرَّاءِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ رسول الله أَنَّهُ قَالَ «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» وَمِنَ الْحُفَّاظِ مَنْ يَجْعَلُهُ مُرْسَلًا إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَبِي عُبَيْدَةَ. فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ كَتَبَ الْوَحْيَ
(5/346)

بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ، وَمِنْ أَوْضَحِ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:
لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 4: 95 ... وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ 4: 95 الْآيَةُ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ «اكْتُبْ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلَ يَشْكُوَ ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَثَقُلَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي حَتَّى كَادَتْ تَرُضُّهَا، فنزل غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ 4: 95 فَأَمَرَنِي فَأَلْحَقْتُهَا، فَقَالَ زَيْدٌ: فَإِنِّي لَأَعْرِفُ مَوْضِعَ مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعٍ فِي ذَلِكَ اللَّوْحِ- يَعْنِي مِنْ عِظَامٍ- الْحَدِيثَ. وَقَدْ شَهِدَ زَيْدٌ الْيَمَامَةَ وَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَلَمْ يَضُرُّهُ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَهُ الصِّدِّيقُ بَعْدَ هَذَا بِأَنْ يَتَتَبَّعَ الْقُرْآنَ فَيَجْمَعَهُ، وَقَالَ لَهُ إِنَّكَ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الصِّدِّيقُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدِ اسْتَنَابَهُ عُمْرُ مَرَّتَيْنِ فِي حَجَّتَيْنِ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَنَابَهُ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، وَكَذَلِكَ كَانَ عُثْمَانُ يَسْتَنِيبُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ أَيْضًا، وَكَانَ عَلِيٌّ يُحِبُّهُ، وَكَانَ يُعَظِّمُ عَلِيًّا وَيَعْرِفُ لَهُ قَدْرَهُ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ حُرُوبِهِ. وَتَأَخَّرَ بَعْدَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ إِحْدَى وَقِيلَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، وَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ الْأَئِمَّةَ الَّتِي نَفَذَ بِهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى سَائِرِ الْآفَاقِ اللَّائِي وَقَعَ عَلَى التِّلَاوَةِ طِبْقَ رَسْمِهِنَّ الْإِجْمَاعُ وَالِاتِّفَاقُ كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ الَّذِي كَتَبْنَاهُ مُقَدِّمَةً فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ وللَّه الحمد والمنة.
ومنهم السِّجِلُّ، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- إِنْ صَحَّ- وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السِّجِلُّ كَاتِبٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بِهِ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِي هَذِهِ الآية يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ 21: 104 [السجل الرجل.
هذا لفظه ورواه أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قوله تَعَالَى يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ 21: 104] عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ. وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. وَأَمَّا شيخه يزيد بن كعب العوفيّ الْبَصْرِيُّ فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى نُوحِ بْنِ قَيْسٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَعَ ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ. وَقَدْ عَرَضْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى شَيْخِنَا الْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ فَأَنْكَرَهُ جِدًّا، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ أَبَا الْعَبَّاسِ ابْنَ تَيْمِيَةَ كَانَ يَقُولُ: هُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وَإِنْ كَانَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ. فَقَالَ شَيْخُنَا الْمِزِّيُّ: وَأَنَا أَقُولُهُ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي كَامِلِهِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُلَقَّبِ بِبُومَةَ عَنْ يَحْيَى ابن عمرو عن مَالِكٍ النُّكْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِبٌ يُقَالُ لَهُ السِّجِلُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ [تَعَالَى] يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ 21: 104 قال كما
(5/347)

يطوى السجل للكتاب كذلك تطوى السَّمَاءَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي نَصْرِ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الرَّفَّاءِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ بِهِ. وَيَحْيَى هَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا فَلَا يَصْلُحُ لِلْمُتَابَعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْبَغْدَادِيِّ المعروف بحمدان عن بهز عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِبٌ يُقَالُ لَهُ سَجِلٌّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ 21: 104 قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ حَمْدَانُ. وَقَالَ الْبَرْقَانِيُّ قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ نُمَيْرٍ- إِنْ صَحَّ-.
قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا مُنْكَرٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا هُوَ مُنْكَرٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ خِلَافُ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى الْوَالِبِيُّ وَالْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلَى الْكِتَابِ. وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ السِّجِلَّ هُوَ الصَّحِيفَةُ، قَالَ وَلَا يُعْرَفُ فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ يَمَانٍ ثَنَا أبو ألوفا الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قوله يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ 21: 104 قَالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ فَإِذَا صَعِدَ بِالِاسْتِغْفَارِ قَالَ اللَّهُ اكْتُبْهَا نُورًا. وَحَدَّثَنَا بُنْدَارٌ عَنْ مُؤَمَّلٍ عَنْ سُفْيَانَ سَمِعْتُ السُّدِّيَّ يَقُولُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ فِيمَا رَوَاهُ أبو كريب عن المبارك عن معروف بن خربوه عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ: السِّجِلُّ الْمَلَكُ، وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ كَوْنِ السِّجِلِّ اسْمَ صَحَابِيٍّ أَوْ مَلَكٍ قَوِيٍّ جِدًّا، وَالْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ مُنْكَرٌ جِدًّا. وَمَنْ ذَكَرَهُ فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ كَابْنٍ مَنْدَهْ وَأَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ وَابْنِ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ إِنَّمَا ذَكَرَهُ إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ تَعْلِيقًا عَلَى صحته والله أعلم.
ومنهم سَعْدُ بْنُ أَبِي سَرْحٍ. فِيمَا قَالَهُ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَقَدْ وَهِمَ إِنَّمَا هُوَ ابْنُهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمِنْهُمْ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قال قال الزهري أخبرنى عبد الملك بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلَجِيُّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ يَقُولُ، فَذَكَرَ خَبَرَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فِيهِ: فَقُلْتُ لَهُ إِنْ قَوْمَكَ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرَتْهُمْ مِنْ أَخْبَارِ سَفَرِهِمْ وَمَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ فلم يرزؤنى مِنْهُ شَيْئًا وَلَمْ يَسْأَلُونِي إِلَّا أَنْ أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ مُوَادَعَةٍ آمَنُ بِهِ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ من أدم، ثُمَّ مَضَى.
قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي الْهِجْرَةِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الَّذِي كَتَبَ لِسُرَاقَةَ هَذَا
(5/348)

الْكِتَابَ فاللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ- وَيُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو- مِنْ مُوَلَّدِي الْأَزْدِ أَسْوَدَ اللَّوْنِ، وَكَانَ أَوَّلًا مَوْلًى لِلطُّفَيْلِ بْنِ الْحَارِثِ أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا أُمِّ رُومَانَ، فَأَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَارَ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ الَّتِي عِنْدَ الصَّفَا مُسْتَخْفِيًا، فَكَانَ عَامِرٌ يُعَذَّبُ مَعَ جُمْلَةِ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ لِيَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ فَيَأْبَى، فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَأَعْتَقَهُ، فَكَانَ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا بِظَاهِرِ مَكَّةَ. وَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ كَانَ مَعَهُمَا رَدِيفًا لِأَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُمُ الدَّلِيلُ الدُّئَلِيُّ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا، وَلَمَّا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَامِرُ [بْنُ فُهَيْرَةَ] عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ عُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فاللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ عُرْوَةُ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ عَامِرًا قَتَلَهُ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جَبَّارُ بْنُ سُلْمَى مِنْ بَنِي كِلَابٍ، فَلَمَّا طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ قَالَ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَرُفِعَ عَامِرٌ حَتَّى غَابَ عَنِ الْأَبْصَارِ حَتَّى قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: لَقَدْ رفع حتى رأيت السماء دونه، وسئل عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ عَنْهُ فَقَالَ: كَانَ مَنْ أَفْضَلِنَا وَمِنْ أَوَّلِ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ جَبَّارٌ: فَسَأَلْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ سُفْيَانَ عَمَّا قَالَ مَا يَعْنِي بِهِ؟ فَقَالَ يَعْنِي الْجَنَّةَ. وَدَعَانِي الضَّحَّاكُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمْتُ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ قَتْلِ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ، فَكَتَبَ الضَّحَّاكُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ يُخْبِرُهُ بِإِسْلَامِي وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ عَامِرٍ، فَقَالَ «وَارَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَأُنْزِلَ عِلِّيِّينَ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ:
قَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا أَنْ بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عنا وأرضانا. وقد تقدم ذلك وبيانه فِي مَوْضِعِهِ عِنْدَ غَزْوَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ كَانَ يَقُولُ: مَنْ رَجُلٌ مِنْكُمْ لَمَّا قُتِلَ رَأَيْتُهُ رُفِعَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى رَأَيْتُ السَّمَاءَ دُونَهُ؟ قَالُوا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْزُّهْرِيِّ عن عروة عن عائشة قال: رُفِعَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ إِلَى السَّمَاءِ فَلَمْ تُوجَدْ جُثَّتُهُ، يَرَوْنَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَارَتْهُ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ الْمَخْزُومِيُّ. أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ وَكَتَبَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: وَكَانَ يُنَفِّذُ مَا يَفْعَلُهُ وَيَشْكُرُهُ وَيَسْتَجِيدُهُ. وَقَالَ سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ابن يَسَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَكْتَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَرْقَمِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَكَانَ يُجِيبُ عَنْهُ الْمُلُوكَ، وَبَلَغَ مِنْ أَمَانَتِهِ أَنَّهُ [كَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ] يَكْتُبَ إِلَى بعض الملوك فيكتب، ويختم على ما يقرأه لِأَمَانَتِهِ عِنْدَهُ. وَكَتَبَ لِأَبِي بَكْرٍ وَجَعَلَ إِلَيْهِ بَيْتَ الْمَالِ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ عَزَلَهُ عَنْهُمَا.
قُلْتُ: وَذَلِكَ بَعْدَ مَا اسْتَعْفَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ، وَيُقَالُ إِنَّ عُثْمَانَ عَرَضَ عَلَيْهِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ عَنْ أُجْرَةِ عِمَالَتِهِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَقَالَ: إِنَّمَا عَمِلْتُ للَّه فَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ عز وجل.
(5/349)

قال ابن إسحاق: وكتب لرسول الله زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَإِذَا لَمْ يَحْضُرِ ابْنُ الْأَرْقَمِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ كَتَبَ مَنْ حَضَرَ مِنَ النَّاسِ وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ وَعَلِيُّ وَزَيْدٌ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَمُعَاوِيَةُ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ ابن الْعَاصِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ سُمِّيَ مِنَ الْعَرَبِ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: قُلْتُ لِشَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ مَنْ كَانَ كَاتِبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ، وَقَدْ جَاءَنَا كِتَابُ عُمْرَ بِالْقَادِسِيَّةِ وَفِي أَسْفَلِهِ، وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابُ رَجُلٍ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ «أَجِبْ عَنِّي» فَكَتَبَ جَوَابَهُ ثُمَّ قَرَأَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ «أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ، اللَّهمّ وَفِّقْهُ» قَالَ فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ كَانَ يُشَاوِرُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَخْشَى للَّه مِنْهُ- يَعْنِي فِي الْعُمَّالِ- أُضِرَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، صَاحِبُ الْأَذَانِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا فَشَهِدَ عَقَبَةَ السَّبْعِينَ، وَحَضَرَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَمِنْ أَكْبَرِ مَنَاقِبِهِ رُؤْيَتُهُ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ فِي النَّوْمِ، وعرضه ذلك على رسول الله وَتَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ لَهُ «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ فَأَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتَا مِنْكَ» وَقَدْ قَدَّمْنَا الْحَدِيثَ بِذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ بِأَسَانِيدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَتَبَ كِتَابًا لِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ جُرَشَ فِيهِ، الْأَمْرُ لَهُمْ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَإِعْطَاءِ خُمُسِ الْمَغْنَمِ. وَقَدْ تُوُفِّيَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ عَنْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وصلى عليه عثمان ابن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، القرشي العامري، أخو عثمان لأمه من الرضاعة. أرضعته أم عُثْمَانَ. وَكَتَبَ الْوَحْيَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا فَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَانَ قَدْ أَهْدَرَ دَمَهُ فِيمَنْ أَهْدَرَ مِنَ الدِّمَاءِ- فَجَاءَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ، فَأَمَّنَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَدَّمْنَا فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَسُنَ إِسْلَامُ عَبْدِ الله بن سعد جدا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ سَعْدِ] بْنِ أَبِي سَرْحٍ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فَلَحِقَ بالكفار، فأمر به رسول الله أَنْ يُقْتَلَ، فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَجَارَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بن وقد بِهِ.
قُلْتُ: وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ افْتَتَحَ عَمْرٌو مِصْرَ سَنَةَ عِشْرِينَ فِي الدَّوْلَةِ الْعُمَرِيَّةِ فَاسْتَنَابَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَمْرًا عَلَيْهَا، فَلَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى عُثْمَانَ عَزَلَ عَنْهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَوَلَّى
(5/350)

عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَرَهُ بِغَزْوِ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ فَغَزَاهَا فَفَتَحَهَا، وَحَصَلَ لِلْجَيْشِ مِنْهَا مَالٌ عَظِيمٌ كَانَ قِسْمُ الْغَنِيمَةِ لِكُلِّ فَارِسٍ مِنَ الْجَيْشِ ثَلَاثَةَ آلَافِ مِثْقَالٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَلِلرَّاجِلِ أَلْفَ مِثْقَالٍ. وَكَانَ مَعَهُ فِي جَيْشِهِ هَذَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْعَبَادِلَةِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، ثُمَّ غَزَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بَعْدَ إِفْرِيقِيَّةَ الْأَسَاوِدَ مِنْ أَرْضِ النُّوبَةِ فَهَادَنَهُمْ فَهِيَ إِلَى الْيَوْمِ، وَذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ. ثُمَّ غَزَا غَزْوَةَ الصَّوَارِي فِي الْبَحْرِ إِلَى الرُّومِ وَهِيَ غَزْوَةٌ عَظِيمَةٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شاء الله فَلَمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ وَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا لِيَذْهَبَ إِلَى عُثْمَانَ لِيَنْصُرَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانِ أَقَامَ بِعَسْقَلَانَ- وَقِيلَ بِالرَّمْلَةِ- وَدَعَا اللَّهَ أَنْ يَقْبِضَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَصَلَّى يَوْمًا الْفَجْرَ وَقَرَأَ فِي الْأُولَى مِنْهَا بِفَاتِحَةِ الكتاب والعاديات، وَفِي الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ سَلَّمَ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ الثَّانِيَةَ فَمَاتَ بَيْنَهُمَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
قُلْتُ: وَلَمْ يَقَعْ لَهُ رِوَايَةٌ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَلَا فِي الْمُسْنَدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْوَعْدُ بِأَنَّ تَرْجَمَتَهُ سَتَأْتِي فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَبِهِ الثِّقَةُ. وَقَدْ جَمَعْتُ مُجَلَّدًا فِي سِيرَتِهِ وَمَا رَوَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَمَا رَوَى عَنْهُ مِنَ الْآثَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى كِتَابَتِهِ مَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الْزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرحمن ابن مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ حِينَ اتَّبَعَ رَسُولَ الله حِينَ خَرَجَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الْغَارِ فَمَرُّوا عَلَى أَرْضِهِمْ، فَلَمَّا غَشِيَهُمْ- وَكَانَ مِنْ أَمْرِ فَرَسِهِ مَا كَانَ- سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابَ أَمَانٍ، فَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا ثُمَّ أَلْقَاهُ إِلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الْزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ كَتَبَهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ بَعْضَهُ ثُمَّ أَمَرَ مَوْلَاهُ عَامِرًا فَكَتَبَ بَاقِيَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَتَأْتِي تَرْجَمَتُهُ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ وَكِتَابَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عليه السلام مَشْهُورَةٌ. وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ نَهْشَلَ بْنَ مَالِكٍ الْوَائِلِيَّ لَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَتَأْتِي تَرْجَمَتُهُ فِي خِلَافَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَتَبَ الصُّلْحَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَأْمَنَ النَّاسُ، وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ، وَعَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ. وَقَدْ كَتَبَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْكُتُبِ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا مَا يَدَّعِيهِ طَائِفَةٌ مِنْ يَهُودَ خَيْبَرَ أَنَّ بأيديهم كِتَابٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضْعِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ وَفِي آخِرِهِ
(5/351)

وَكَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَفِيهِ شَهَادَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ومعاوية بن أبى سفيان فهو كذب وَبُهْتَانٌ مُخْتَلَقٌ مَوْضُوعٌ مَصْنُوعٌ، وَقَدْ بَيَّنَ جَمَاعَةٌ من العلماء بطلانه، واغتر بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَقَالُوا بِوَضْعِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا. وَقَدْ جَمَعْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءًا مُفْرَدًا بَيَّنْتُ فِيهِ بُطْلَانَهُ وَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ، اختلقوه وصنعوه وهم أهل لذلك، وبينته وجمعت مفرق كلام الأئمة فيه وللَّه الحمد والمنة.
ومن الكتاب بين يديه صلّى الله عليه وسلّم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وَسَتَأْتِي تَرْجَمَتُهُ فِي مَوْضِعِهَا. وَقَدْ أَفْرَدْتُ لَهُ مُجَلَّدًا عَلَى حِدَةٍ، وَمُجَلَّدًا ضَخْمًا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآثَارِ وَالْأَحْكَامِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ كِتَابَتِهِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَاسْمُ الْحَضْرَمِيِّ عَبَّادٌ، وَيُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّادِ بْنِ أكبر بن ربيعة بن عريقة بْنِ مَالِكِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ إِيَادِ بْنِ الصدق بن زيد بن مقنع بن حضر موت ابن قَحْطَانَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ وَهُوَ مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ كتابته في ترجمة أبان ابن سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْإِخْوَةِ عِشَرَةٌ غَيْرُهُ فَمِنْهُمْ، عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَوَّلُ قَتِيلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَهِيَ أَوَّلُ سَرِيَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهُمْ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ الَّذِي أَمَرَهُ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَكَشَفَ عَنْ عورته وناداه وا عمراه حِينَ اصْطَفَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ فَهَاجَتِ الْحَرْبُ وَقَامَتْ عَلَى سَاقٍ وَكَانَ مَا كَانَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ مَبْسُوطًا فِي مَوْضِعِهِ.
وَمِنْهُمْ شُرَيْحُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ. قَالَ فيه رسول الله «ذَاكَ رَجُلٌ لَا يَتَوَسَّدُ الْقُرْآنَ» يَعْنِي لَا يَنَامُ وَيَتْرُكُهُ، بَلْ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَهُمْ كُلُّهُمْ أُخْتٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الصَّعْبَةُ بِنْتُ الْحَضْرَمِيِّ أُمُّ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. وقد بعث النبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ، ثُمَّ وَلَّاهُ عَلَيْهَا أَمِيرًا حِينَ افْتَتَحَهَا، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا الصِّدِّيقُ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى عَزَلَهُ عَنْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَوَلَّاهُ الْبَصْرَةَ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ تُوُفِّيَ وَذَلِكَ فِي سنة احدى وعشرين، وقد روى البيهقي عنه وغيره كَرَامَاتٍ كَثِيرَةً مِنْهَا أَنَّهُ سَارَ بِجَيْشِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَحْرِ مَا يَصِلُ إِلَى رُكَبِ خُيُولِهِمْ، وَقِيلَ إِنَّهُ مَا بَلَّ أَسَافِلَ نِعَالِ خُيُولِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ كُلَّهُمْ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ يَا حَلِيمُ يَا عَظِيمُ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي جَيْشِهِ فَاحْتَاجُوا إِلَى مَاءٍ فَدَعَا اللَّهَ فَأَمْطَرَهُمْ قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ، وَأَنَّهُ لَمَّا دُفِنَ لَمْ يُرَ لَهُ أَثَرٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَانَ قَدْ سَأَلَ اللَّهَ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ الله عز وجل. وله عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ الْأَوَّلُ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: «يمكث
(5/352)

الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا» وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ حَدِيثِهِ. وَالثَّانِي قَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ثَنَا مَنْصُورٌ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَالْحَدِيثُ الثَّالِثِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ حِبَّانَ الْأَعْرَجِ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فِي الْحَائِطِ- يَعْنِي الْبُسْتَانَ- يَكُونُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ فَيُسْلِمُ أُحُدُهُمْ؟ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعُشْرَ مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَالْخَرَاجَ- يَعْنِي مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ-.
وَمِنْهُمُ الْعَلَاءُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَانَ كَاتِبًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا ذَكَرَهُ إِلَّا فِيمَا أَخْبَرَنَا. ثُمَّ ذَكَرَ إِسْنَادَهُ إِلَى عَتِيقِ بْنِ يَعْقُوبَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عن جده عن عمرو بن حزم أن هَذِهِ قَطَائِعُ أَقْطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَذَكَرَهَا، وَذَكَرَ فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَعْطَى النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيَّ أَعْطَاهُ مدمورا [1] فمن خافه فِيهَا فَلَا حَقَّ لَهُ، وَحَقُّهُ حَقٌّ، وَكَتَبَ الْعَلَاءُ بْنُ عُقْبَةَ وَشَهِدَ. ثُمَّ قَالَ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَعْطَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَوْسَجَةَ بْنَ حَرْمَلَةَ الْجُهَنِيَّ، مِنْ ذِي الْمَرْوَةِ وَمَا بَيْنَ بِلْكَثَةَ إِلَى الظَّبْيَةِ الى الجعلات الى جبل القبلية [2] فمن خافه فَلَا حَقَّ لَهُ وَحَقُّهُ حَقٌّ، وَكَتَبَهُ الْعَلَاءُ بْنُ عُقْبَةَ. وَرَوَى الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ لِبَنِي سيح مِنْ جُهَيْنَةَ وَكَتَبَ كِتَابَهُمْ بِذَلِكَ الْعَلَاءُ بْنُ عُقْبَةَ، وَشَهِدَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ هَذَا الرَّجُلَ مُخْتَصَرًا فَقَالَ:
الْعَلَاءُ بْنُ عُقْبَةَ كَتَبَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، ذَكَرَهُ جَعْفَرٌ أَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى- يَعْنِي الْمَدِينِيَّ- فِي كِتَابِهِ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ مسلمة بن جريس [3] بْنِ خَالِدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَيُقَالُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيُقَالُ أَبُو سَعِيدٍ الْمَدَنِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ. أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَقِيلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسِيدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وآخى رسول الله حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بن الجراح، وشهد بدرا والمشاهد
__________
[1] كذا في الأصل (مهملة من النقط) وفي إعلام السائلين مذمورا (بالذال المعجمة) .
[2] في الأصل: الى بلنكثة الى الطيبة الى الجعلاب الى جبل القبلة والتصحيح عن المعجم ونصه: هذا ما أعطى محمد النبي الى عَوْسَجَةَ بْنَ حَرْمَلَةَ الْجُهَنِيَّ مِنْ ذِي الْمَرْوَةِ الى ظبية الى الجعلات الى جبل القبلية لا يحاقه فيه أحد فمن حاقه فلا حق له ولا حقه حق وكتب العلاء بن عقبة.
[3] كذا في التيمورية وفي الأصل ابن حريش (بالحاء المهملة) وفي الاصابة: ابن سلمة ولم يذكر جريس ولا حريش في نسبه.
(5/353)

بعدها، واستخلفه رسول الله عَلَى الْمَدِينَةِ عَامَ تَبُوكَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ: كَانَ شَدِيدَ السُّمْرَةِ طَوِيلًا أصلع ذا جشة [1] وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ اعْتَزَلَ الْفِتْنَةَ وَاتَّخَذَ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ. وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ.
وَقَدْ رَوَى حَدِيثًا كَثِيرًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ المدائني بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ هُوَ الَّذِي كتب لوفد مرة كِتَابًا عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيُّ وَسَتَأْتِي تَرْجَمَتُهُ فِي أَيَّامِ إِمَارَتِهِ إن شاء الله. وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي كِتَابِهِ عليه السلام. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهُنَّ؟ قَالَ «نَعَمْ؟» قَالَ تُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ «نَعَمْ؟» قَالَ وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ «نَعَمْ؟» الْحَدِيثَ. وَقَدْ أَفْرَدْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ جُزْءًا عَلَى حِدَةٍ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ طَلَبِهِ تَزْوِيجَ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ فِيهِ مِنَ الْمَحْفُوظِ تَأْمِيرُ أَبِي سُفْيَانَ وَتَوْلِيَتُهُ مُعَاوِيَةَ مَنْصِبَ الْكِتَابَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ قَاطِبَةً، فأما الحديث قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ فِي تَرْجَمَةِ مُعَاوِيَةَ هَا هُنَا أَخْبَرَنَا أَبُو غَالِبِ بن البناء أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَطَشِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُورَانِيُّ ثَنَا السَّرِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ زياد عن القاسم ابن بَهْرَامَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فِي اسْتِكْتَابِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ:
اسْتَكْتِبْهُ فَإِنَّهُ أَمِينٍ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ بَلْ مُنْكَرٌ. وَالسَّرِيُّ بْنُ عَاصِمٍ هَذَا هُوَ أَبُو عَاصِمٍ الْهَمَذَانِيُّ وَكَانَ يُؤَدِّبُ الْمُعْتَزَّ باللَّه، كَذَّبَهُ فِي الْحَدِيثِ ابْنُ خِرَاشٍ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ عَدِيٍّ: كَانَ يَسْرِقُ الْحَدِيثَ. زَادَ ابْنُ حِبَّانَ وَيَرْفَعُ الموقوفات لا يحل الاحتجاج به. وقال الدار قطنى كَانَ ضَعِيفَ الْحَدِيثِ.
وَشَيْخُهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ- إِنْ كَانَ اللُّؤْلُؤِيَّ- فَقَدْ تَرَكَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَصَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِكَذِبِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهَ فَهُوَ مَجْهُولُ الْعَيْنِ وَالْحَالِ. وَأَمَّا الْقَاسِمُ بْنُ بَهْرَامَ فَاثْنَانِ، أُحُدُهُمَا يُقَالُ لَهُ القاسم ابن بَهْرَامَ الْأَسَدِيُّ الْوَاسِطِيُّ الْأَعْرَجُ أَصْلُهُ مِنْ أَصْبَهَانَ، رَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حديث القنوت بِطُولِهِ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ. وَالثَّانِي الْقَاسِمُ بْنُ بهرام أبو حمدان قَاضِي هِيتَ. قَالَ ابْنُ مَعِينٍ كَانَ كَذَّابًا. وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ بثابت ولا يغتربه، وَالْعَجَبُ مِنَ الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ مَعَ جَلَالَةِ قدره واطلاعه على صناعة
__________
[1] ذا جشة: كذا في التيمورية من جشه إذا ضربه وفي الأصل ذا جنة. وفي الاستيعاب المطبوع ذا جثة بالثاء.
(5/354)

الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَبْنَاءِ عَصْرِهِ- بَلْ وَمَنْ تَقَدَّمَهُ بِدَهْرٍ- كَيْفَ يُورِدُ فِي تَارِيخِهِ هَذَا وَأَحَادِيثَ كَثِيرَةً مِنْ هَذَا النَّمَطِ ثُمَّ لَا يُبَيِّنُ حَالَهَا، وَلَا يُشِيرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِشَارَةً لَا ظَاهِرَةً وَلَا خَفِيَّةً، وَمِثْلُ هَذَا الصَّنِيعِ فِيهِ نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْمُغِيرَةُ بْنُ شعبة الثقفي، وقد قدمت ترجمته فيمن كان يخدمه عليه السلام من بين أَصْحَابِهِ مِنْ غَيْرِ مَوَالِيهِ، وَأَنَّهُ كَانَ سَيَّافًا عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ عَنْ عَتِيقِ بْنِ يَعْقُوبَ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ هُوَ الَّذِي كَتَبَ إِقْطَاعَ حَصِينِ بْنِ نَضْلَةَ الْأَسَدِيِّ الَّذِي أَقْطَعُهُ إِيَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ، فَهَؤُلَاءِ كُتَّابُهُ الَّذِينَ كَانُوا يَكْتُبُونَ بِأَمْرِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ أُمَنَائِهِ أَبَا عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ الْقُرَشِيَّ الْفِهْرِيَّ أَحَدَ الْعَشَرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعبد الرحمن بن عوف الزهري. أَمَّا أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ ابن الجراح» وفي لفظ أن رسول الله قال لوفد عبد القيس نَجْرَانَ «لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ» فَبَعَثَ مَعَهُمْ أَبَا عُبَيْدَةَ. قَالَ وَمِنْهُمْ مُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ مَوْلَى بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، كان على خاتمه، ويقال كان خادمه، وَقَالَ غَيْرُهُ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ في الناس، ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَكَانَ عَلَى الْخَاتَمِ. وَاسْتَعْمَلَهُ الشَّيْخَانِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، قَالُوا وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ الْجُذَامُ فَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَدُووِيَ بِالْحَنْظَلِ فَتَوَقَّفَ الْمَرَضُ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ فاللَّه أَعْلَمُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يحيى بن أبى بكير [1] عن أبى سلمة حدثني معيقيب أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شَيْبَانَ النَّحْوِيِّ، زاد مسلم وهشام، الدستوائى. زاده التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْأَوْزَاعِيُّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا خَلَفُ بن الوليد ثنا أيوب عن عُتْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سلمة عن معيقيب قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم. «ويل للأعقاب من النار» وتفرد بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَتَّابٍ سَهْلِ بْنِ حَمَّادٍ الدَّلَّالِ عَنْ أَبِي مَكِينٍ نُوحِ بْنِ ربيعة
__________
[1] كذا مكرر في الأصل ولعل الصواب ابن أبى كثير كما سيأتي.
(5/355)

عن اياس بن الحارث بن المعيقيب عَنْ جَدِّهِ- وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ، قَالَ فَرُبَّمَا كَانَ فِي يَدِي.
قُلْتُ: أَمَّا خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ قَبْلَهُ خَاتَمَ ذَهَبٍ فَلَبِسَهُ حِينًا ثُمَّ رَمَى بِهِ وَقَالَ «وَاللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ» ثُمَّ اتخذ هذا الخاتم من مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ وَنَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، فكان في يده عليه السلام ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بعده ثم في يد عمر تم كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ فَلَبِثَ فِي يَدِهِ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ سَقَطَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ فَاجْتَهَدَ فِي تَحْصِيلِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو دَاوُدَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ كِتَابًا مُسْتَقِلًّا فِي سُنَنِهِ فِي الْخَاتَمِ وَحْدَهُ، وَسَنُورِدُ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا مَا نحتاج اليه وباللَّه المستعان. واما لبس معيقيب لِهَذَا الْخَاتَمِ فَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا نُقِلَ أَنَّهُ أَصَابَهُ الْجُذَامُ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، لَكِنَّهُ مَشْهُورٌ فَلَعَلَّهُ أَصَابَهُ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ كَانَ بِهِ وَكَانَ مِمَّا لَا يُعْدَى مِنْهُ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقُوَّةِ تَوَكُّلِهُ كَمَا قَالَ لِذَلِكَ الْمَجْذُومِ- وَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ- «كُلْ ثِقَةً باللَّه، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وأما أمراؤه عليه السلام فَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ عِنْدَ بَعْثِ السَّرَايَا مَنْصُوصًا عَلَى أَسْمَائِهِمْ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَأَمَّا جُمْلَةُ الصَّحَابَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عِدَّتِهِمْ، فَنُقِلَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَبْلُغُونَ مِائَةَ أَلْفٍ وعشرين ألف، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ ممن سمع منه ورآه زهاء عن ستين ألف، وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُرْوَى الْحَدِيثُ عَنْ قَرِيبٍ مِنْ خَمْسَةِ آلَافِ صَحَابِيٍّ.
قُلْتُ: وَالَّذِي رَوَى عَنْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَعَ كَثْرَةِ روايته واطلاعه واتساع رحلته وإمامته فمن الصحابة تسعمائة وسبعة وثمانون نفسا [ووضع فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنَ الزِّيَادَاتِ عَلَى ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ صَحَابِيٍّ أَيْضًا] وَقَدِ اعْتَنَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِضَبْطِ أَسْمَائِهِمْ وَذِكْرِ أَيَّامِهِمْ وَوَفَيَاتِهِمْ، مِنْ أَجَلِّهِمُ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الاستيعاب، وأبو عبد الله محمد ابن إِسْحَاقَ بْنِ مَنْدَهْ، وَأَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ، ثُمَّ نَظَمَ جَمِيعَ ذَلِكَ الْحَافِظُ عِزُّ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الجزري المعروف بابن الصحابية، صَنَّفَ كِتَابَهُ [1] الْغَابَةَ فِي ذَلِكَ فَأَجَادَ وَأَفَادَ، وَجَمَعَ وَحَصَّلَ، وَنَالَ مَا رَامَ وَأَمَّلَ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَأَثَابَهُ وَجَمَعَهُ وَالصَّحَابَةَ آمِينَ يَا رَبَّ العالمين.
تم الجزء الخامس من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء السادس وأوله بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ آثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كَانَ يَخْتَصُّ بِهَا في حياته من ثياب وسلاح إلخ
__________
[1] اسمه (أسد الغابة) وهو مطبوع في خمس مجلدات.
(5/356)

[المجلد السادس]
[تتمة سنة احدى عشر من الهجرة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم
بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ آثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كَانَ يَخْتَصُّ بِهَا في حياته مِنْ ثِيَابٍ وَسِلَاحٍ وَمَرَاكِبَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يجرى مَجْرَاهُ وَيَنْتَظِمُ فِي مَعْنَاهُ
ذِكْرُ الْخَاتَمِ الَّذِي كان يلبسه عليه السلام وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ مِنَ الْأَجْسَامِ
وَقَدْ أَفْرَدَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ السُّنَنِ كِتَابًا عَلَى حِدَةٍ، وَلْنَذْكُرْ عُيُونَ مَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ مَعَ مَا نُضِيفُهُ إِلَيْهِ، وَالْمُعَوَّلَ فِي أَصْلِ مَا نَذْكُرُهُ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ الرُّؤَاسِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنْ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى بعض الأعاجم فقيل له: إنهم لا يقرءون كِتَابًا إِلَّا بِخَاتَمٍ، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ زَادَ فَكَانَ فِي يَدِهِ حَتَّى قُبِضَ، وَفِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، وَفِي يَدِ عُمَرَ حَتَّى قُبِضَ، وَفِي يَدِ عُثْمَانَ. فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ بِئْرٍ إِذْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ فَأَمَرَ بِهَا فَنُزِحَتْ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَا: أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
(6/2)

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ حَدَّثَنِي أَنَسٌ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرِقٍ فَصُّهُ حَبَشِيٌّ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حديث ابن وهب، وطلحة عن يَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، زَادَ النَّسَائِيُّ وابن ماجة وعثمان عن عُمَرَ خَمْسَتُهُمْ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، ثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: كان خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِضَّةٍ كُلُّهِ فَصُّهُ مِنْهُ، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيِّ أَبِي خَيْثَمَةَ الْكُوفِيِّ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، ثَنَا عبد العزيز ابن صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: اصْطَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا، فَقَالَ: إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا فَلَا يَنْقُشُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، قَالَ: فَإِنِّي أَرَى بَرِيقَهُ فِي خِنْصَرِهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا نُصَيْرُ بْنُ الْفَرَجِ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِمَ الذَّهَبِ فَلَمَّا رَآهُمْ قَدِ اتَّخَذُوهَا رَمَى بِهِ وَقَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ لَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ لَبِسَهُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ، ثُمَّ لَبِسَهُ بَعْدَهُ عُثْمَانُ حَتَّى وَقَعَ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ: لَا يَنْقُشُ أَحَدٌ عَلَى خَاتَمِي هَذَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ نَحْوَهُ، ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ابن فَارِسٍ، ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَاتَّخَذَ عُثْمَانُ خَاتَمًا وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ أَوْ يَتَخَتَّمُ بِهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ النَّبِيلِ بِهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ:
بَابٌ فِي تَرْكِ الْخَاتَمِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ، عَنْ ابْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنه رأى فِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يوما واحدا، فصنع الناس فلسبوا، وَطَرَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَرَحَ النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ عَنِ الْزُّهْرِيِّ زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَشُعَيْبٌ وَابْنُ مُسَافِرٍ كُلُّهُمْ قَالَ مِنْ وَرِقٍ، قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مالك
(6/3)

أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الْخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ وَلَبِسُوهَا، فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمَهُ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ، ثُمَّ عَلَّقَهُ البخاري عن إبراهيم ابن سَعْدٍ الْزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ وَشُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَزِيَادِ بْنِ سَعْدٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِهِ، وَانْفَرَدَ أَبُو دَاوُدَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ كُلُّهُمْ عَنِ الْزُّهْرِيِّ كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ: خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي لَبِسَهُ يَوْمًا وَاحِدًا ثُمَّ رَمَى بِهِ، إِنَّمَا هُوَ خَاتَمُ الذَّهَبِ، لَا خَاتَمَ الْوَرِقِ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قال: كان رسول الله يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَنَبَذَهُ وَقَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ، وَقَدْ كَانَ خَاتَمُ الْفِضَّةِ يَلْبَسُهُ كَثِيرًا، وَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فَصُّهُ مِنْهُ يَعْنِي لَيْسَ فِيهِ فَصٌّ يَنْفَصِلُ عَنْهُ، وَمَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ فِيهِ صُورَةُ شَخْصٍ فَقَدْ أَبْعَدَ وَأَخْطَأَ، بَلْ كَانَ فِضَّةً كُلُّهُ وَفَصُّهُ مِنْهُ، وَنَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثَةُ أَسْطُرٍ:
مُحَمَّدٌ سَطْرٌ. رَسُولُ سَطْرٌ. اللَّهِ سَطْرٌ، وَكَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَانَ مَنْقُوشًا وَكِتَابَتُهُ مَقْلُوبَةٌ لِيَطْبَعَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهَذَا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ كِتَابَتَهُ كَانَتْ مُسْتَقِيمَةً، وَتُطْبَعُ كَذَلِكَ، وَفِي صِحَّةِ هَذَا نَظَرٌ، وَلَسْتُ أَعْرِفُ لِذَلِكَ إِسْنَادًا لَا صَحِيحًا وَلَا ضَعِيفًا، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السلام كَانَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ، تَرُدُّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي سُنَنَيْ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ من طريق أبى عتاب سهل ابن حَمَّادٍ الدَّلَّالِ عَنْ أَبِي مَكِينٍ نُوحِ بْنِ ربيعة عن إياس بن الحارث بن معيقيب بْنِ أَبِي فَاطِمَةَ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ، وَمِمَّا يَزِيدُهُ ضَعْفًا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طِيبَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ السُّلَمِيِّ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليه خاتم من شبه فقال: ما لي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الْأَصْنَامِ؟
فَطَرَحَهُ، ثُمَّ جَاءَ وعليه خاتم من حديد، فقال: ما لي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ؟ فَطَرَحَهُ، ثُمَّ قَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَالَ: اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ، وَلَا تُتِمَّهُ مثقالا، وقد كان عليه السلام يَلْبَسُهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٌ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القاضي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حسن، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عن رسول الله. قَالَ شَرِيكٌ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رسول الله كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ، وَرَوَى فِي الْيُسْرَى، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ، وَكَانَ فَصُّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ نَافِعٍ فِي يَمِينِهِ، وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمَهُ فِي يَدِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى الصَّلْتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ خَاتَمًا فِي خِنْصَرِهِ
(6/4)

الْيُمْنَى، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عباس يلبس خاتمه هكذا وجعل نصه عَلَى ظَهْرِهَا، قَالَ: وَلَا يُخَالُ ابْنَ عَبَّاسٍ إِلَّا قَدْ كَانَ يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمَهُ كَذَلِكَ، وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ: حَدِيثُ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الصَّلْتِ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ جَابِرٍ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي الْيَمِينِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، ثَنَا أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا اسْتُخْلِفَ كَتَبَ لَهُ وَكَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ:
محمد سطر. ورسول سطر. والله سطر، قال أبو عبد الله: وزاد أبو أَحْمَدُ ثَنَا الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي ثَنَا، ثُمَامَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ، وَفِي يَدِ أبى بكر، وَفِي يَدِ عُمَرَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ، فأخذ الْخَاتَمَ فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ فَنَزَحَ الْبِئْرَ فَلَمْ يجده، فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي يسر عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ وَلَا يَلْبَسُهُ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وَفِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الْزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ.
ذِكْرُ سيفه عليه السلام
قال الامام أحمد: ثنا شريح، ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الْأَعْمَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ الَّذِي رأى الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي سَيْفِي ذا الْفَقَارِ فَلًّا فَأَوَّلْتُهُ فَلًّا يَكُونُ فِيكُمْ، وَرَأَيْتُ أَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا، فَأَوَّلْتُهُ كَبْشَ الْكَتِيبَةِ، وَرَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، فَبَقَرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَبَقَرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَكَانَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ بِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ السُّنَنِ أَنَّهُ سُمِعَ قَائِلٌ يَقُولُ: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ، وَلَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ هُودِ بْنِ عَبْدِ الله بن سعيد، عَنْ جَدِّهِ مَزِيدَةَ بْنِ جَابِرٍ الْعَبْدِيِّ الْعَصْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، ثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِضَّةٍ، وَرَوَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: صَنَعْتُ سَيْفِي عَلَى سَيْفِ سَمُرَةَ، وَزَعَمَ سَمُرَةُ أَنَّهُ صَنَعَ سَيْفَهُ عَلَى سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ حَنَفِيًّا وَقَدْ صَارَ إِلَى آلِ عَلِيٍّ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِكَرْبَلَاءَ عِنْدَ الطَّفِّ كَانَ
(6/5)

معه فأخذه على بن الحسين بن زَيْنُ الْعَابِدِينَ فَقَدِمَ مَعَهُ دِمَشْقَ حِينَ دَخَلَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ تَلَقَّاهُ إِلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ أَحَدٌ حَتَّى يَبْلُغَ نَفْسِي.
وَقَدْ ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ السِّلَاحِ، مِنْ ذَلِكَ الدُّرُوعُ كَمَا رَوَى غَيْرُ واحد منهم السائب ابن يَزِيدَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل يوم الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ قِيلَ لَهُ: هَذَا ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَقَالَ وَكِيعٌ عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ دَسْمَاءُ، ذَكَرَهُمَا التِّرْمِذِيُّ فِي الشمائل، وله من حديث الدراوَرْديّ، عن عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ:
حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُخَوَّلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ عُصَيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَاتَ فَدُفِنَتْ مَعَهُ بَيْنَ جَنْبِهِ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ، ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إِلَّا مُخَوَّلُ بْنُ رَاشِدٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ فِيهِ شِيعِيَّةٌ. وَاحْتُمِلَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ رِوَايَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُخَوَّلٍ هَذَا قَالَ: وَهُوَ مِنَ الشِّيعَةِ يَأْتِي بِأَفْرَادٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ لَا يَأْتِي بِهَا غَيْرُهُ، وَالضَّعْفُ عَلَى رِوَايَاتِهِ بَيِّنٌ ظَاهِرٌ
ذِكْرُ نَعْلِهِ الَّتِي كَانَ يمشى فيها عليه السلام
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَلْبَسُ النِّعَالَ السَّبْتِيَّةَ، وَهِيَ الَّتِي لَا شَعْرَ عَلَيْهَا، وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ، أَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ، قال: خرج إلينا أنس بن مالك بنعلين لَهُمَا قِبَالَانِ، فَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: هَذِهِ نَعْلُ النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رواه فِي كِتَابِ الْخُمُسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَهْمَانَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسٌ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ لَهُمَا قِبَالَانِ، فَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ بَعْدُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمَا نَعْلَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَالَانِ مُثَنًّى شِرَاكُهُمَا، وَقَالَ أَيْضًا: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي
(6/6)

هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَالَانِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَالَانِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَوَّلُ مَنْ عقد عقدا واحدا عثمان. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قِبَالُ النَّعْلِ بِالْكَسْرِ الزِّمَامُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا. قُلْتُ: وَاشْتُهِرَ فِي حُدُودِ سَنَةِ سِتِّمِائَةٍ وَمَا بَعْدَهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ التُّجَّارِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَبِي الْحَدْرَدِ، نَعْلٌ مُفْرَدَةٌ ذَكَرَ أَنَّهَا نَعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَامَهَا الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مُوسَى بْنُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ مِنْهُ بِمَالٍ جَزِيلٍ فَأَبَى أَنْ يَبِيعَهَا، فَاتَّفَقَ مَوْتُهُ بَعْدَ حِينٍ، فَصَارَتْ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ الْمَذْكُورِ، فَأَخَذَهَا إِلَيْهِ وَعَظَّمَهَا، ثُمَّ لَمَّا بَنَى دَارَ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةَ إِلَى جَانِبِ الْقَلْعَةِ، جَعَلَهَا فِي خِزَانَةٍ مِنْهَا، وَجَعَلَ لَهَا خَادِمًا، وَقَرَّرَ لَهُ مِنَ الْمَعْلُومِ كُلَّ شَهْرٍ أربعون دِرْهَمًا، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ إِلَى الْآنَ فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا:
ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سلة يَتَطَيَّبُ مِنْهَا.
صِفَةُ قَدَحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ عِنْدَ أَنَسٍ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ضَبَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أخبرنى أحمد ابن مُحَمَّدٍ النَّسَوِيُّ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ شَاكِرٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ هُوَ الْبُخَارِيُّ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ أَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَدِ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ، قَالَ: وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ، قَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ: لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَرَكَهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، ثَنَا حَجَّاجُ بْنُ حَسَّانٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَنَسٍ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ ثَلَاثُ ضَبَّاتِ حَدِيدٍ وَحَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأُخْرِجَ مِنْ غِلَافٍ أَسْوَدَ وَهُوَ دُونَ الرُّبُعِ وَفَوْقَ نِصْفِ الرُّبُعِ، وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَجُعِلَ لَنَا فِيهِ مَاءٌ فَأُتِينَا بِهِ فَشَرِبْنَا وَصَبَبْنَا عَلَى رُءُوسِنَا وَوُجُوهِنَا وَصَلَّيْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ
ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي الْمُكْحُلَةِ الَّتِي كَانَ عليه السلام يَكْتَحِلُ مِنْهَا
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا يَزِيدُ، أنا عبد الله بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا عِنْدَ النَّوْمِ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: قُلْتُ لِعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ:
(6/7)

سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عِكْرِمَةَ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِيهِ ابْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْهُ، قُلْتُ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مَزَارًا فِيهِ أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ مِنْ آثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَنَى بِجَمْعِهَا بَعْضُ الوزراء المتأخرين، فمن ذلك مكحلة وقيل وَمُشْطٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ فاللَّه أَعْلَمُ
الْبُرْدَةُ
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَمَّا الْبُرْدُ الَّذِي عِنْدَ الْخُلَفَاءِ فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي قِصَّةِ تَبُوكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَعْطَى أَهْلَ أَيْلَةَ بُرْدَهُ مَعَ كِتَابِهِ الَّذِي كَتَبَ لَهُمْ أَمَانًا لَهُمْ، فَاشْتَرَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ- يَعْنِي بِذَلِكَ أَوَّلَ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَهُوَ السَّفَّاحُ رَحِمَهُ اللَّهُ- وَقَدْ تَوَارَثَ بَنُو الْعَبَّاسِ هَذِهِ الْبُرْدَةَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ كَانَ الْخَلِيفَةُ يَلْبَسُهَا يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى كَتِفَيْهِ، وَيَأْخُذُ الْقَضِيبَ الْمَنْسُوبَ إِلَيْهِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ) فِي إِحْدَى يَدَيْهِ، فَيَخْرُجُ وَعَلَيْهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ مَا يَصْدَعُ بِهِ الْقُلُوبَ، وَيَبْهَرُ بِهِ الْأَبْصَارَ، وَيَلْبَسُونَ السَّوَادَ فِي أَيَّامِ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، وَذَلِكَ اقْتِدَاءً مِنْهُمْ بِسَيِّدِ أَهْلِ البدو والحضر، ممن يسكن الْوَبَرَ وَالْمَدَرَ، لِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ إِمَامَا أهل الأثر، من حديث عن مالك الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، وَفِي رِوَايَةٍ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَفِي رِوَايَةٍ قَدْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا مسدد، ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن محمد عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً وَإِزَارًا غَلِيظًا فَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَيْنِ، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَاذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، قُلْتُ: وهذه الأبواب الثَّلَاثَةُ لَا يُدْرَى مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا بعد هذا، وقد تقدم أنه عليه السلام طُرِحَتْ تَحْتَهُ فِي قَبْرِهِ الْكَرِيمِ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا، وَلَوْ تَقَصَّيْنَا مَا كَانَ يَلْبَسُهُ فِي أَيَّامِ حَيَاتِهِ لَطَالَ الْفَصْلُ وَمَوْضِعُهُ كِتَابُ اللِّبَاسِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ الْكَبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ
ذِكْرُ أَفَرَاسِهِ وَمَرَاكِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
قَالَ ابْنُ إسحاق عن يزيد بن حبيب، عن مرثد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن رزين، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ الْمُرْتَجِزُ، وَحِمَارٌ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، وَبَغْلَةٌ يُقَالُ لَهَا دُلْدُلُ، وَسَيْفُهُ ذُو الْفَقَارِ، وَدِرْعُهُ ذُو الْفُضُولِ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَيْنَا فِي كِتَابِ السُّنَنِ أَسْمَاءَ أَفَرَاسِهِ الَّتِي كَانَتْ عند الساعديين، لزاز وَاللُّحَيْفَ وَقِيلَ اللُّخَيْفُ وَالظَّرِبَ، وَالَّذِي رَكِبَهُ لِأَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ، وَنَاقَتُهُ الْقَصْوَاءُ وَالْعَضْبَاءُ والجدعاء،
(6/8)

وَبَغْلَتُهُ الشَّهْبَاءُ، وَالْبَيْضَاءُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ مَاتَ عَنْهُنَّ إِلَّا مَا رَوَيْنَا فِي بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَسِلَاحِهِ وَأَرْضٍ جعلها صدقة، ومن ثيابه، وبغلته، وخاتمه ما رَوَيْنَا فِي هَذَا الْبَابِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُ جُبَّةُ صُوفٍ فِي الْحِيَاكَةِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حدثنا مجاهد، عن مُوسَى، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، ثَنَا غَالِبٌ الْجَزَرِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لِقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهُ لَيُنْسَجُ لَهُ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ، وَهَذَا شَاهِدٌ لِمَا تقدم وَقَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ: حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نصير، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كثير، عن حُسَيْنٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ وَلَهُ بُرْدَانِ فِي الْجُفِّ يُعْمَلَانِ، وَهَذَا مُرْسَلٌ. وَقَالَ أبو القاسم الطبراني: ثنا الحسن بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرحمن بن على ابن عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفٌ قَائِمَتُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَقَبِيعَتُهُ، وكان يسميه ذَا الْفَقَارِ، وَكَانَ لَهُ قَوْسٌ تُسَمَّى السَّدَادَ وَكَانَتْ لَهُ كِنَانَةٌ تُسَمَّى الْجَمْعَ وَكَانَتْ لَهُ دِرْعٌ مُوَشَّحَةٌ بِالنُّحَاسِ تُسَمَّى ذَاتَ الْفُضُولِ، وَكَانَتْ له حربة تسمى السغاء، وَكَانَ لَهُ مِجَنٌّ يُسَمَّى الذَّقَنَ، وَكَانَ لَهُ تُرْسٌ أَبْيَضُ يُسَمَّى الْمُوجِزَ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ أَدْهَمُ يُسَمَّى السَّكْبَ وَكَانَ لَهُ سَرْجٌ يُسَمَّى الدَّاجَ، وَكَانَ لَهُ بَغْلَةٌ شَهْبَاءُ يُقَالُ لَهَا دُلْدُلُ، وَكَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ تُسَمَّى الْقَصْوَاءَ، وَكَانَ لَهُ حِمَارٌ يُقَالُ لَهُ: يَعْفُورٌ، وَكَانَ لَهُ بساط يسمى الكر، وكان له نمرة تُسَمَّى النَّمِرَ، وَكَانَتْ لَهُ رَكْوَةٌ تُسَمَّى الصَّادِرَ، وَكَانَتْ لَهُ مِرْآةٌ تُسَمَّى الْمِرْآةَ، وَكَانَ لَهُ مقراض يسمى الجاح، وكان له قضيب شوحط يسمى المشوق، قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتْرُكْ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً سِوَى بَغْلَةٍ وَأَرْضٍ [1] جَعَلَهَا صدقة، وهذا يقتضي أنه عليه السلام نَجَزَ الْعِتْقَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْعَبِيدِ، وَالْإِمَاءِ، وَالصَّدَقَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنَ السِّلَاحِ، وَالْحَيَوَانَاتِ، وَالْأَثَاثِ، وَالْمَتَاعِ مِمَّا أَوْرَدْنَاهُ وما لم نورده، وأما بَغْلَتُهُ فَهِيَ الشَّهْبَاءُ، وَهِيَ الْبَيْضَاءُ أَيْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهِيَ الَّتِي أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ، صَاحِبُ الاسكندرية واسمه، جريج بن ميناء فِيمَا أَهْدَى مِنَ التُّحَفِ، وَهِيَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ يُنَوِّهُ بِاسْمِهِ الْكَرِيمِ شَجَاعَةً وَتَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا عُمِّرَتْ بَعْدَهُ حَتَّى كَانَتْ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ وَتَأَخَّرَتْ أَيَّامُهَا حَتَّى كَانَتْ بَعْدَ عَلِيٍّ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَكَانَ يَجُشُّ لَهَا الشَّعِيرَ حَتَّى تَأْكُلَهُ مِنْ ضَعْفِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا حِمَارُهُ يَعْفُورٌ، وَيُصَغَّرُ فَيُقَالُ له عفير، فقد كان عليه السلام يَرْكَبُهُ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي
__________
[1] نسخة وأرضا.
(6/9)

حبيب، عن يزيد بن عبد الله العوفيّ، عن عبد الله بن رزين، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ حِمَارًا يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ ورد في أحاديث عدة أنه عليه السلام ركب الحمار، وفي الصحيحين أنه عليه السلام مَرَّ وَهُوَ رَاكِبٌ حِمَارًا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ الله بن أبى بن سَلُولَ وَأَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، فَنَزَلَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى عِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: لَا أُحْسِنُ مِمَّا تَقُولُ أَيُّهَا الْمَرْءُ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تَغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الْإِسْلَامُ، وَيُقَالَ إِنَّهُ خَمَّرَ أَنْفَهُ لَمَّا غَشِيَتْهُمْ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ وَقَالَ: لَا تُؤْذِنَا بِنَتْنِ حِمَارِكَ، فَقَالَ له عبد الله ابن رَوَاحَةَ: وَاللَّهِ لَرِيحِ حِمَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِكَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ اغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُ ذَلِكَ، فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ وَهَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا فَسَكَّنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَشَكَى إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ. فَقَالَ: ارْفُقْ به يا رسول الله، فو الّذي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ بَعَثَكَ اللَّهُ بِالْحَقِّ، وَإِنَّا لننظم له الخدر لنملكه علينا، فلما جاء الله بالحق شَرَقَ بِرِيقِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ رَكِبَ الْحِمَارَ فِي بَعْضِ أَيَّامِ خَيْبَرَ، وَجَاءَ أَنَّهُ أَرْدَفَ مُعَاذًا عَلَى حِمَارٍ، وَلَوْ أَوْرَدْنَاهَا بِأَلْفَاظِهَا وَأَسَانِيدِهَا لَطَالَ الْفَصْلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضُ بْنُ مُوسَى السَّبْتِيُّ فِي كِتَابِهِ الشِّفَا، وَذَكَرَهُ قَبِلُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارٌ يُسَمَّى زِيَادَ بْنَ شِهَابٍ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُهُ لِيَطْلُبَ لَهُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَيَجِيءُ إِلَى بَابِ أَحَدِهِمْ فَيُقَعْقِعَهُ فَيَعْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْلُبُهُ، وَأَنَّهُ ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُلَالَةُ سَبْعِينَ حِمَارًا كُلٌّ مِنْهَا رَكِبَهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذهب فَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَمَاتَ، فَهُوَ حَدِيثٌ لَا يُعَرَفُ لَهُ إِسْنَادٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُوهُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا الْحَافِظَ أَبَا الْحَجَّاجِ الْمِزِّيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُنْكِرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ إِنْكَارًا شَدِيدًا، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْعَنْبَرِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، ثَنَا إبراهيم ابن سويد الجذوعى، حدثني عبد الله بن أذين الطَّائِيُّ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِخَيْبَرَ حِمَارٌ أَسْوَدُ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ فَلَانٍ كُنَّا سَبْعَةَ إِخْوَةٍ كُلُّنَا رَكِبَنَا الْأَنْبِيَاءُ وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ، وَكُنْتُ لَكَ فَمَلَكَنِي رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَكُنْتُ إِذَا ذَكَرْتُكَ كَبَوْتُ بِهِ فَيُوجِعُنِي ضَرْبًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَنْتَ يَعْفُورٌ، هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
(6/10)

فَصْلٌ
وَهَذَا أَوَانُ إِيرَادِ مَا بَقِيَ عَلَيْنَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ السِّيرَةِ الشَّرِيفَةِ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ كُتُبٍ: الأول في الشمائل. الثاني في الدلائل. الثالث في الفضائل. الرابع فِي الْخَصَائِصِ، وباللَّه الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّه الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
كِتَابُ الشَّمَائِلِ
شَمَائِلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَانُ خَلْقِهِ الظَّاهِرِ وَخُلُقِهِ الطَّاهِرِ
قَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي هَذَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، كُتُبًا كَثِيرَةً مُفْرَدَةً وَغَيْرَ مُفْرَدَةٍ، وَمِنْ أَحْسَنِ مَنْ جَمَعَ فِي ذَلِكَ فَأَجَادَ وَأَفَادَ الْإِمَامُ (أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ، أَفْرَدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى كِتَابَهُ الْمَشْهُورَ بِالشَّمَائِلِ، وَلَنَا بِهِ سَمَاعٌ مُتَّصِلٌ إِلَيْهِ، وَنَحْنُ نُورِدُ عُيُونَ مَا أَوْرَدَهُ فِيهِ، وَنَزِيدُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ مُهِمَّةً لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْمُحَدِّثُ وَالْفَقِيهُ، وَلْنَذْكُرْ أَوَّلًا بَيَانَ حُسْنِهِ الْبَاهِرِ الْجَمِيلِ، ثُمَّ نَشْرَعُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي إِيرَادِ الجمل والتفاصيل، فنقول والله حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
بَابُ مَا وَرَدَ فِي حسنة الباهر بعد ما تقدم من بيان حَسَبِهِ الطَّاهِرِ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُمْ خَلْقًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، وقال البخاري: حدثنا جعفر بْنُ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن البراء ابن عَازِبٍ. قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ. قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ: عَنْ أَبِيهِ إِلَى مَنْكِبَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لَمَّةٍ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ بِعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ بِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ جُمَّتَهُ لَتَضْرِبُ إِلَى مَنْكِبَيْهِ، قَالَ ابْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، لَتَضْرِبُ قَرِيبًا مِنْ
(6/11)

منكبيه. قال- يعنى ابن إِسْحَاقَ- وَقَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ بِهِ مِرَارًا مَا حَدَّثَ بِهِ قَطُّ إِلَّا ضَحِكَ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّبَاسِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الزِّينَةِ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ بِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سُئِلَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: لَا بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيِّ الْكُوفِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ بِهِ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ: أخبرنا أبو الحسن بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتَوَيْهِ، ثَنَا أَبُو يُوسُفَ يعقوب بن سفيان، ثنا أبو نعيم وعبد اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟
قَالَ: لَا، بَلْ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مُسْتَدِيرًا، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُطَوَّلًا فَقَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَإِذَا ادَّهَنَ وَمَشَّطَهُنَّ لَمْ يَتَبَيَّنْ، وَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ وَاللِّحْيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ قَالَ:
لَا، بَلْ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مُسْتَدِيرًا، قَالَ: وَرَأَيْتُ خَاتَمَهُ عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ، ثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ إِضْحِيَانٍ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ فَجَعَلْتُ انظر إليه وإلى القمر فلهو عندي أحسن من القمر، هكذا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ هَنَّادِ بْنِ السري عن عيثر بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، قَالَ النَّسَائِيُّ:
وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَخْطَأَ وَالصَّوَابُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ- يَعْنِي الْبُخَارِيَّ- قُلْتُ: حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ أَصَحُّ أَمْ حَدِيثُهُ عَنْ جَابِرٍ؟ فَرَأَى كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحًا، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ التَّوْبَةِ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سر استنار وجها كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي يَعْفُورٍ الْعَبْدِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ هَمْدَانَ سَمَّاهَا. قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُهُ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِيَدِهِ مِحْجَنٌ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَحْمَرَانِ يَكَادُ يمن مَنْكِبَهُ، إِذَا مَرَّ بِالْحَجَرِ اسْتَلَمَهُ بِالْمِحْجَنِ ثُمَّ يَرْفَعُهُ إِلَيْهِ فَيُقَبِّلُهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: فَقُلْتُ لها: شبهته؟ قَالَتْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى التَّيْمِيُّ، ثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ
(6/12)

مُعَوِّذٍ: صِفِي لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: يَا بُنَيَّ لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى التَّيْمِيِّ بِسَنَدِهِ فَقَالَتْ: لَوْ رَأَيْتَهُ لَقُلْتَ الشَّمْسُ طَالِعَةٌ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسرورا تبرق أسارير وجهه. الحديث
صِفَةُ لَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، عن سعيد- يعنى ابن هِلَالٍ- عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَصِفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ وَلَا بِآدَمَ، لَيْسَ بِجَعْدِ قَطَطٍ وَلَا سَبْطٍ رَجِلٍ، أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ ينزل عليه وبالمدينة عشر سنين وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ، قَالَ رَبِيعَةُ: فَرَأَيْتُ شَعْرًا مِنْ شَعْرِهِ فَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ، فَسَأَلْتُ فَقِيلَ: احْمَرَّ مِنَ الطِّيبِ، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرْنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ وَلَا بِالْآدَمِ، وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبْطِ، بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، فَتَوَفَّاهُ اللَّهُ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ رَبِيعَةَ بِهِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ: كَانَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، قَالَ: وَرَوَاهُ حُمَيْدٌ كَمَا أَخْبَرْنَا، ثُمَّ سَاقَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَرَ اللَّوْنِ، وَهَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الحافظ أبو بكر البزار عن عَلِيٍّ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَكَانَ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ وَكَانَ أَسْمَرَ اللَّوْنِ، ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ حُمَيْدٍ إِلَّا خَالِدٌ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بن بشران، أنا أبو جعفر البزار، ثنا يحيى ابن جَعْفَرٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، ثَنَا حُمَيْدٌ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ أَبْيَضَ بَيَاضُهُ إِلَى السُّمْرَةِ، قُلْتُ: وهذا السياق أحسن مِنَ الَّذِي قَبِلَهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ
(6/13)

السمرة التي كانت تعلو وجهه عليه السلام مِنْ كَثْرَةِ أَسْفَارِهِ وَبُرُوزِهِ لِلشَّمْسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فقد قال يعقوب ابن سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: ثَنَا خَالِدُ بْنُ عبد الله بن الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ رَآهُ غَيْرِي، فَقُلْنَا لَهُ: صِفْ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحَ الْوَجْهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيِّ. عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيِّ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَضَ مَلِيحًا، إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ فِي صَبُوبٍ، لَفَظُ أَبِي دَاوُدَ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حدثنا زيد بن هارون الْجُرَيْرِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ مَعَ أَبِي الطُّفَيْلِ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرِي. قُلْتُ: وَرَأَيْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كَانَتْ صِفَتُهُ؟ قَالَ: كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مَقْصِدًا، وَقَدْ رَوَاهُ الترمذي عن سفيان بن وكيع ومحمد بن بشار كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ بِهِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَوْ أَبُو الْفَضْلِ محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد ابن سَلَمَةَ، ثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَسَدِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبيض قَدْ شَابَ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ، ثُمَّ قَالَ:
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ كَمَا ذُكِرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَكِنْ بِلَفْظٍ آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، جَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى سَاقِهِ كَأَنَّهَا جُمَّارَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَاللَّهِ لِكَأَنِي أَنْظُرُ إِلَى سَاقِهِ فِي غَرْزِهِ كَأَنَّهَا جُمَّارَةٌ، قُلْتُ: يَعْنِي مِنْ شِدَّةِ بَيَاضِهَا كَأَنَّهَا جُمَّارَةُ طَلْعِ النَّخْلِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مَوْلًى لَهُمْ- مُزَاحِمُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ يُقَالُ لَهُ: مُحَرِّشٌ أَوْ مُخَرِّشٌ، لَمْ يَكُنْ سُفْيَانُ يَقِفُ عَلَى اسْمِهِ، وَرُبَّمَا قَالَ مُحَرِّشٌ وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا فَاعْتَمَرَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَصْبَحَ بِهَا كَبَائِتٍ فَنَظَرْتُ إِلَى ظَهْرِهِ كأنها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَهَكَذَا رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَصِفُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كان شديد البياض، وهذا إسناد حَسَنٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا حَسَنٌ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، ثَنَا أَبُو يُونُسَ سُلَيْمُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى أَبِي هريرة أنه سمع أبا هريرة يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي جَبْهَتِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ
(6/14)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنَجْهَدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ بِهِ وَقَالَ: كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ الْمِصْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هريرة، وقال: كأنما الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ حَرْمَلَةَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ وَقَالَ: كَأَنَّمَا الشَّمْسُ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا حَجَّاجٌ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ- يَعْنِي ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ- عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هرمز، عن نافع بن جبير، عن علي بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْرَبًا وَجْهُهُ حُمْرَةً، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: وَصَفَ لَنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبَ الْحُمْرَةِ، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مسلم عن هُرْمُزَ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ هَكَذَا عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، قُلْتُ: رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ على، قال البيهقي: ويقال: إن المشرب فيه حُمْرَةً مَا ضَحَا لِلشَّمْسِ وَالرِّيَاحِ، وَمَا تَحْتَ الثِّيَابِ فَهُوَ الْأَبْيَضُ الْأَزْهَرُ.
صِفَةُ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِ مِنْ فَرْقِهِ وَجَبِينِهِ وَحَاجِبَيْهِ وَعَيْنَيْهِ وَأَنْفِهِ وَفَمِهِ وَثَنَايَاهُ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ طَلْعَتِهِ وَمُحَيَّاهُ
قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَبِي الطُّفَيْلِ كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحَ الْوَجْهِ، وَقَوْلُ أَنَسٍ كَانَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، وَقَوْلُ الْبَرَاءِ وَقَدْ قِيلَ لَهُ: أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ السَّيْفِ؟ - يَعْنِي فِي صِقَالِهِ- فَقَالَ: لَا، بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ، وَقَوْلُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَقَدْ قِيلَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا، بَلْ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مُسْتَدِيرًا، وَقَوْلُ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ: لَوْ رَأَيْتَهُ لَقُلْتَ الشَّمْسُ طَالِعَةٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَرَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ هَمْدَانَ حَجَّتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: كَانَ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي جَبْهَتِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ وَحَسَنُ بْنُ مُوسَى قَالَا: ثَنَا حَمَّادٌ وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَخْمَ الرَّأْسِ عَظِيمَ الْعَيْنَيْنِ أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ مُشْرَبَ الْعَيْنَيْنِ بِحُمْرَةٍ كَثَّ اللِّحْيَةِ أَزْهَرَ اللَّوْنِ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صُعُدٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حدثنا زكريا
(6/15)

ويحيى الْوَاسِطِيُّ، ثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، ثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنْ سَالِمٍ الْمَكِّيِّ، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كَانَ لَا قَصِيرًا وَلَا طَوِيلًا، حَسَنَ الشَّعْرِ رَجِلَهُ مُشْرَبًا وَجْهُهُ حمرة، ضخم الكراديس، شثن الكعبين وَالْقَدَمَيْنِ، عَظِيمَ الرَّأْسِ، طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ كَأَنَّمَا يَنْزِلُ مِنْ صَبَبٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد ابن عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ فَإِنِّي لَأَخْطُبُ يَوْمًا عَلَى النَّاسِ وَحَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ وَاقِفٌ فِي يَدِهِ سِفْرٌ يَنْظُرُ فِيهِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: صِفْ لَنَا أبا القاسم، فقال على: رسول الله لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ، هُوَ رَجِلُ الشَّعْرِ أَسْوَدُهُ، ضخم الرأس، مشربا لَوْنُهُ حُمْرَةً، عَظِيمُ الْكَرَادِيسِ، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، طَوِيلُ الْمَسْرُبَةِ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي يَكُونُ مِنَ النَّحْرِ إِلَى السُّرَّةِ، أَهْدَبُ الْأَشْفَارِ، مَقْرُونُ الْحَاجِبَيْنِ، صَلْتُ الْجَبِينِ، بِعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ كَأَنَّمَا يَنْزِلُ مِنْ صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، قَالَ عَلِيٌّ: ثُمَّ سَكَتَ فَقَالَ لِيَ الْحَبْرُ: وَمَاذَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا مَا يَحْضُرُنِي، قَالَ الْحَبْرُ فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، حَسَنُ اللِّحْيَةِ، حَسَنُ الْفَمِ تَامُّ الْأُذُنَيْنِ، يُقْبِلُ جَمِيعًا وَيُدْبِرُ جَمِيعًا، فَقَالَ على: والله هذه صفته، قال الحبر: [وماذا؟] قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ الْحَبْرُ وَفِيهِ جناء [1] ، قَالَ عَلِيٌّ: هُوَ الَّذِي قُلْتُ لَكَ كَأَنَّمَا يَنْزِلُ مِنْ صَبَبٍ قَالَ الْحَبْرُ: فَإِنِّي أَجِدُ هذه الصفة في سفر إياي [2] وَنَجِدُهُ يُبْعَثُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَأَمْنِهِ وَمَوْضِعِ بَيْتِهِ ثُمَّ يُهَاجِرُ إِلَى حَرَمٍ يُحَرِّمُهُ هُوَ وَيَكُونُ لَهُ حُرْمَةٌ كَحُرْمَةِ الْحَرَمِ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَنَجِدُ أَنْصَارَهُ الَّذِينَ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ قَوْمًا من ولد عمر بْنِ عَامِرٍ أَهْلَ نَخْلٍ وَأَهْلَ الْأَرْضِ قِبَلَهُمْ يَهُودَ، قَالَ عَلِيٌّ: هُوَ هُوَ، وَهُوَ رَسُولُ الله، قَالَ الْحَبْرُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً فَعَلَى ذَلِكَ أَحْيَا وَعَلَيْهِ أَمُوتُ وَعَلَيْهِ أُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: فَكَانَ يَأْتِي عَلِيًّا فَيُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ وَيُخْبِرُهُ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلِيٌّ وَالْحَبْرُ مِنْ هُنَالِكَ حَتَّى مَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقٌ بِهِ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ قَدْ وَرَدَتْ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن محمد ابن عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سُئِلَ أَوْ قِيلَ لعلى انعت لنا رسول الله، فَقَالَ: كَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بَيَاضُهُ حُمْرَةً وَكَانَ أَسْوَدَ الْحَدَقَةِ أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ، قَالَ يَعْقُوبُ: وَحَدَّثَنَا عبد الله ابن سلمة وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى عفرة، عن إبراهيم ابن محمد عن وَلَدِ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ إِذَا نَعَتَ رسول الله قَالَ: كَانَ فِي الْوَجْهِ تَدْوِيرٌ أَبْيَضَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الدَّعَجُ شِدَّةُ سواد العينين مع سعتها، وقال أبو داود الطيالسي: ثنا
__________
[1] كذا
[2] كذا بالأصول التي بأيدينا. ولعله (آبائي)
(6/16)

شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سِمَاكٌ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْهَلَ الْعَيْنَيْنِ مَنْهُوسَ الْعَقِبِ ضَلِيعَ الْفَمِ. هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ أَشَهَلَ الْعَيْنَيْنِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالشُّهْلَةُ حُمْرَةٌ فِي سَوَادِ الْعَيْنِ، وَالشُّكْلَةُ حُمْرَةٌ فِي بَيَاضِ الْعَيْنِ، قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَبُنْدَارٍ كلاهما عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ عَنْ أَبِي قَطَنٍ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ. وَقَالَ أَشْكَلَ الْعَيْنَيْنِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَفْسِيرُ الشُّكْلَةِ بِطُولِ أَشْفَارِ الْعَيْنَيْنِ، وَهُوَ مِنْ بَعْضِ الرواة، وقول أبى عبيد: حُمْرَةٌ فِي بَيَاضِ الْعَيْنِ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبراهيم حدثني عمرو بن الحرث حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ حَدَّثَنِي الْزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سمع أبا هريرة يصف رسول الله فَقَالَ: كَانَ مُفَاضَ الْجَبِينِ أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا أَبُو غَسَّانَ ثَنَا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي حَدَّثَنِي رَجُلٌ بِمَكَّةَ عَنِ ابْنٍ لِأَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ خَالِهِ قال: كان رسول الله وَاسِعَ الْجَبِينِ أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ سَوَابِغَ فِي غَيْرِ قَرَنٍ بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ، أَقْنَى الْعِرْنِينِ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ سَهْلَ الْخَدَّيْنِ ضَلِيعَ الْفَمِ أَشْنَبَ مُفَلَّجَ الْأَسْنَانِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ الْزُّهْرِيُّ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَفَلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ وَكَانَ إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ بَيْنَ ثَنَايَاهُ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ بِهِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا عَبَّادُ بْنُ حجاج عن سماك عن جابر عن سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلْتُ: أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ، وَكَانَ فِي سَاقَيْ رَسُولِ الله حُمُوشَةٌ وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنِي مُجَمِّعُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ وَالْمَسْعُودِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الله عن هرمز عن نافع بن جبير عن علي قال: كان رسول الله لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ ضَخْمَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالْكَرَادِيسِ مُشْرَبًا وَجْهُهُ حُمْرَةً طويل المسربة إذا مشى تكفأ كأنما يقلع مِنْ صَخْرٍ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ:
وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيُّ عَنْ مُجَمِّعٍ فَأَدْخَلَ بَيْنَ ابْنِ عِمْرَانَ وَبَيْنَ عَلِيٍّ رَجُلًا غَيْرَ مُسَمًّى ثُمَّ أَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ ثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ عَنْ عَبْدِ الله ابن عِمْرَانَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ مُحْتَبٍ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ عَنْ نَعْتِ رَسُولِ الله فَقَالَ كَانَ أَبْيَضَ اللَّوْنِ مُشْرَبًا حُمْرَةً أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ سَبْطَ الشَّعْرِ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ سَهْلَ الْخَدِّ كَثَّ اللِّحْيَةِ ذَا وَفْرَةٍ كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فضة له شعر مِنْ لَبَّتِهِ إِلَى سُرَّتِهِ كَالْقَضِيبِ لَيْسَ فِي بَطْنِهِ وَلَا صَدْرِهِ شَعْرٌ غَيْرُهُ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ والقدم إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ وَإِذَا مشى
(6/17)

كَأَنَّمَا يَتَقَلَّعُ مِنْ صَخْرٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ وَلَا الْعَاجِزِ وَلَا اللَّأْمِ [1] كَأَنَّ عَرَقَهُ فِي وَجْهِهِ اللُّؤْلُؤُ وَلَرِيحُ عَرَقِهِ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: ثَنَا نوح بن قيس الحراني، ثنا خالد بن خالد الميمى عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَازِنٍ الْمَازِنِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَعَلِيٍّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْعَتْ لَنَا رسول الله، قَالَ: كَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا حُمْرَةً ضَخْمَ الْهَامَةِ أَغَرَّ أَبْلَجَ أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ ابْنِ عُمَيْرٍ قَالَ شَرِيكٌ: قُلْتُ لَهُ عَمَّنْ يَا أَبَا عُمَيْرٍ (عَمَّنْ حَدَّثَهُ) قَالَ: عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ قال: كان رسول الله ضَخْمَ الْهَامَةِ مُشْرَبًا حُمْرَةً شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ ضَخْمَ اللِّحْيَةِ طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ يَمْشِي فِي صَبَبٍ يَتَكَفَّأُ فِي الْمِشْيَةِ لَا قَصِيرٌ وَلَا طَوِيلٌ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، وَقَدْ رُوِيَ لِهَذَا شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ عَنْ عَلِيٍّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ نَحْوُهُ وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: ثنا بكير بن مسمار عن زياد بن سَعْدٍ قَالَ:
سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ هل خضب رسول الله؟ قَالَ: لَا وَلَا هَمَّ بِهِ، كَانَ شَيْبُهُ فِي عَنْفَقَتِهِ وَنَاصِيَتِهِ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَعُدَّهَا لَعَدَدْتُهَا قُلْتُ: فَمَا صِفَتُهُ؟ قَالَ كَانَ رَجُلًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَا بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ، وَلَا بِالْآدَمِ وَلَا بِالسَّبْطِ وَلَا بِالْقَطَطِ، وَكَانْتُ لِحْيَتُهُ حَسَنَةً وَجَبِينُهُ صَلْتًا، مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ، شَثْنَ الْأَصَابِعِ، شَدِيدَ سَوَادِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الله ابن جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ، ثَنَا يَحْيَى بن حاتم العسكري، ثنا بسر بن مهران، ثنا شريك عن عثمان ابن الْمُغِيرَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ علمته من رسول الله قَدِمْتُ مَكَّةَ فِي عُمُومَةٍ لِي فَأَرْشَدُونَا إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى زَمْزَمَ، فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَابِ الصَّفَا أَبْيَضُ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ لَهُ وَفْرَةٌ جَعْدَةٌ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ أَقْنَى الْأَنْفِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ كَثُّ اللِّحْيَةِ دَقِيقُ الْمَسْرُبَةِ شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ كَأَنَّهُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ البدر. وذكر تمام الحديث وطوافه عليه السلام بِالْبَيْتِ وَصَلَاتَهُ عِنْدَهُ هُوَ وَخَدِيجَةُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّهُمْ سَأَلُوا الْعَبَّاسَ عَنْهُ فَقَالَ: هَذَا هُوَ ابْنُ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَى الناس وقال الامام أحمد: ثنا جَعْفَرٍ، ثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله فِي النَّوْمِ فِي زَمَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَكَانَ يَزِيدُ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ، قَالَ:
فَقُلْتُ لِابْنِ عباس: إني رأيت رسول الله فِي النَّوْمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ:
«إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي، فمن رآني فقد رآني» هل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي رَأَيْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَجُلًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ جِسْمُهُ وَلَحْمُهُ أَسْمَرُ إِلَى الْبَيَاضِ، حَسَنَ
__________
[1] اللأم الشديد من كل شيء. كما في مستدرك تاج العروس ناسبا لابن سيده. فيكون المعنى:
ليس بالعاجز ولا الشديد. انتهى عن فضيلة الشيخ حبيب الله الشنقيطى.
(6/18)

الضحك، أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، جَمِيلَ دَوَائِرِ الْوَجْهِ، قَدْ مَلَأَتْ لِحْيَتُهُ مِنْ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ، حَتَّى كَادَتْ تَمْلَأُ نَحْرَهُ قَالَ عَوْفٌ: لَا أَدْرِي مَا كَانَ مَعَ هَذَا مِنَ النَّعْتِ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ رَأَيْتَهُ فِي الْيَقَظَةِ مَا استطعت أن تنعته فوق هذا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الْزُّهْرِيِّ قَالَ: سُئِلَ أبو هريرة عن صفة رسول الله فَقَالَ: أَحْسَنُ الصِّفَةِ وَأَجْمَلُهَا كَانَ رَبْعَةً إِلَى الطول مَا هُوَ بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ أَسِيلَ الْخَدَّيْنِ، شَدِيدَ سَوَادِ الشَّعْرِ، أَكْحَلَ الْعَيْنِ، أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ، إِذَا وَطِئَ بِقَدَمِهِ وَطِئَ بِكُلِّهَا، لَيْسَ لَهَا أَخْمَصٌ إِذَا وَضَعَ رِدَاءَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَكَأَنَّهُ سَبِيكَةُ فِضَّةٍ، وَإِذَا ضَحِكَ كَادَ يَتَلَأْلَأُ فِي الْجُدُرِ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى مِنْ وجه آخر متصل فقال: ثنا إسحاق ابن إِبْرَاهِيمَ- يَعْنِي الزُّبَيْدِيَّ- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَرَوَاهُ الذُّهَلِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنِ النَّضْرِ بن شميل عن صالح عن أَبِي الْأَخْضَرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ كَأَنَّمَا صِيغَ مِنْ فِضَّةٍ، رَجِلَ الشَّعْرِ، مُفَاضَ الْبَطْنِ، عَظِيمَ مُشَاشِ الْمَنْكِبَيْنِ، يَطَأُ بِقَدَمِهِ جَمِيعًا، إِذَا أَقْبَلَ أَقْبَلَ جَمِيعًا، وَإِذَا أَدْبَرَ أَدْبَرَ جَمِيعًا وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ شَثْنَ الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ ضَخْمَ السَّاقَيْنِ عَظِيمَ السَّاعِدَيْنِ ضَخْمَ الْعَضُدَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ بَعِيدَ مَا بَيْنَهُمَا، رَحْبَ الصَّدْرِ، رَجِلَ الرَّأْسِ، أَهْدَبَ الْعَيْنَيْنِ، حَسَنَ الْفَمِ، حَسَنَ اللِّحْيَةِ، تَامَّ الْأُذُنَيْنِ، رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، لا طويل ولا قصير، أَحْسَنَ النَّاسِ لَوْنًا، يُقْبِلُ مَعًا وَيُدْبِرُ مَعًا، لَمْ أَرَ مِثْلَهُ وَلَمْ أَسْمَعَ بِمِثْلِهِ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمَحْمُودِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا حَرْبُ بْنُ سُرَيْجٍ، صَاحِبُ الحلواني، حدثني رجل؟ بلعدرنه؟ [1] حدثني جدي قال انطلقت إلى المدينة أذكر الحديث في رؤية رسول الله قَالَ: فَإِذَا رَجُلٌ حَسَنُ الْجِسْمِ عَظِيمُ الْجُمَّةِ دَقِيقُ الْأَنْفِ دَقِيقُ الْحَاجِبَيْنِ وَإِذَا مِنْ لَدُنْ نحره إلى سرته كالخيط الممدود شعره ورأسه من طِمْرَيْنِ فَدَنَا مِنِّي وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ.
ذِكْرُ شعره عليه السلام
قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ وكان المشركون يفرقون رءوسهم فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا حماد ابن خَالِدٍ، ثَنَا مَالِكٌ، ثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سدل ناصيته
__________
[1] كذا
(6/19)

مَا شَاءَ أَنْ يَسْدِلَ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ، تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَنَا فرقت لرسول الله رَأْسَهُ صَدَعْتُ فَرْقَهُ عَنْ يَافُوخِهِ وَأَرْسَلْتُ نَاصِيَتَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ فَقِيهًا مُسْلِمًا: مَا هِيَ إِلَّا سِيمَا مِنْ سِيمَا النصارى تمسكت بها النصارى من النَّاسِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ رسول الله كَانَ يَضْرِبُ شَعْرُهُ إِلَى مَنْكِبَيْهِ، وَجَاءَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ، فَإِنَّ الشَّعْرَ تَارَةً يُطَوَّلُ وَتَارَةً يُقَصَّرُ مِنْهُ فَكَلٌّ حَكَى بِحَسَبِ مَا رَأَى، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا ابْنُ نفيل ثنا ابن الرواد عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْقَ الْوَفْرَةِ وَدُونَ الْجُمَّةِ وقد ثبت أنه عليه السلام حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَدْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَحَدٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مسلم وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَا: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَدْمَةً وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ- تعنى ضفائر- وروى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالسَّبْطِ وَلَا بِالْقَطَطِ قَالَ: وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قال: قلت لأنس أخضب رسول الله؟
قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَرَ مِنَ الشَّيْبِ إِلَّا قَلِيلًا وَكَذَا رَوَى هُوَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ قِيلَ لأنس: هل كان شاب رسول الله؟ فَقَالَ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِالشَّيْبِ مَا كَانَ فِي رَأْسِهِ إِلَّا سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ شَعْرَةً وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَخْتَضِبْ إِنَّمَا كَانَ شَمَطٌ عِنْدَ الْعَنْفَقَةِ يَسِيرًا، وَفِي الصُّدْغَيْنِ يَسِيرًا، وَفِي الرَّأْسِ يَسِيرًا وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا هَلْ خَضَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ فِي صُدْغَيْهِ وَرَوَى البخاري عن عصام بن خالد عن جرير بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بسر السلمي رأيت رسول الله أَكَانَ شَيْخًا؟ قَالَ: كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ وَتَقَدَّمَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مِثْلُهُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أبى جحيفة قال:
رأيت رسول الله هَذِهِ مِنْهُ بَيْضَاءُ- يَعْنِي عَنْفَقَتَهُ- وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ السُّكَّرِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا مِنْ شَعْرِ رسول الله فَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ مَصْبُوغٌ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ رَوَاهُ البخاري عن إسماعيل بن موسى عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِهِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، ثَنَا يحيى بن بُكَيْرٍ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ
(6/20)

عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ جُلْجُلٌ مِنْ فِضَّةٍ ضَخْمٌ فِيهِ من شعر رسول الله فَكَانَ إِذَا أَصَابَ إِنْسَانًا الْحُمَّى بَعَثَ إِلَيْهَا فحضحضته فِيهِ ثُمَّ يَنْضَحُهُ الرَّجُلُ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ: فَبَعَثَنِي أَهْلِي إِلَيْهَا فَأَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا هُوَ هَكَذَا- وَأَشَارَ إِسْرَائِيلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ- وَكَانَ فِيهِ خَمْسُ شَعَرَاتٍ حُمْرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ إسماعيل عن إسرائيل وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ثنا عبيد الله ابن إِيَادٍ، حَدَّثَنِي إِيَادٌ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ لَا قَالَ: إِنَّ هذا رسول الله، فَاقْشَعْرَرْتُ حِينَ قَالَ ذَلِكَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ لَا يُشْبِهُ النَّاسَ، فَإِذَا هُوَ بَشَرٌ ذُو وَفْرَةٍ بِهَا رَدْعٌ مِنْ حِنَّاءٍ، وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ وَاسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ حَيَّانَ، وَيُقَالُ رَفَاعَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لا نعرفه إلا من حديث إِيَادٍ كَذَا قَالَ وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ بِهِ بِبَعْضِهِ، وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيِّ عَنْ أَبِي سفيان الحميري عن الضحاك بن حمزة بن غَيْلَانَ بْنِ جَامِعٍ عَنْ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ بن أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَكَانَ شَعْرُهُ يَبْلُغُ كَتِفَيْهِ أَوْ مَنْكِبَيْهِ وَقَالَ أَبُو داود: ثنا عبد الرحيم بن مطرف بن سُفْيَانَ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةِ وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَرْوَزِيِّ عن عمرو بن محمد المنقري بِهِ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ: ثَنَا أَبُو الْفَضْلِ محمد بن إبراهيم، ثنا الحسن بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْوَلِيدِ الكندي الكوفي، ثنا يحيى ابن آدَمَ، ثَنَا شَرِيكٌ عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ شَيْبُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ شَعْرَةً، وَفِي رِوَايَةِ إسحاق رأيت شيب رسول الله نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ فِي مُقَدَّمِهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْفَقِيهُ، ثَنَا هِلَالُ بن العلاء الرقى، ثنا حسين بن عباس الرَّقِّيُّ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ قَالَ: قَدِمَ أنس ابن مَالِكٍ الْمَدِينَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالٍ عَلَيْهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَقَالَ لِلرَّسُولِ: سَلْهُ هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنِّي رَأَيْتُ شَعْرًا مَنْ شَعْرِهِ قَدْ لُوِّنَ، فَقَالَ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد منع بِالسَّوَادِ وَلَوْ عَدَدْتُ مَا أَقْبَلَ عَلِيَّ مِنْ شيبة في رأسه ولحيته ما كنت أزيد على إحدى عشرة شيبة وإنما هو الَّذِي لُوِّنَ مِنَ الطِّيبِ الَّذِي كَانَ يُطَيَّبُ بِهِ شَعْرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي غَيَّرَ لَوْنَهُ. قُلْتُ: وَنَفْيُ
(6/21)

أَنَسٍ لِلْخِضَابِ مَعَارِضٌ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ إِثْبَاتِهِ، وَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ أَنَّ الْإِثْبَاتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ ليست عند النافي وهكذا إثبات غيره لزيادة ما ذكر من السبب مُقَدَّمٌ لَا سِيَّمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي الْمَظْنُونُ أَنَّهُ تَلَقَّى ذَلِكَ عَنْ أُخْتِهِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ، فَإِنَّ اطِّلَاعَهَا أَتَمُّ مِنَ اطِّلَاعِ أَنَسٍ لِأَنَّهَا رُبَّمَا أَنَّهَا فَلَّتْ رَأْسَهُ الْكَرِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي مَنْكِبَيْهِ وَسَاعِدَيْهِ وَإِبِطَيْهِ وَقَدَمَيْهِ وَكَعْبَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَدْ تَقَدَّمَ مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مربوعا بعيدا مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَخْمَ الرَّأْسِ وَالْقَدَمَيْنِ سَبْطَ الْكَفَّيْنِ، وَتَقَدَّمَ مِنْ غير وجه أنه عليه السلام كَانَ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ، ضَخْمَ الكفين والقدمين، وقال يعقوب ابن سُفْيَانَ: ثَنَا آدَمُ وَعَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا: ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، ثَنَا صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَنْعَتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَ شَبْحَ الذِّرَاعَيْنِ بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، أَهْدَبَ أَشْفَارِ الْعَيْنَيْنِ وَفِي حَدِيثِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ طَوِيلِ الْمَسْرُبَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حَجَّاجٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ فِي سَاقَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمُوشَةٌ أَيْ لَمْ يَكُونَا ضَخْمَيْنِ، وَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: فَنَظَرْتُ إِلَى سَاقَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَدَمَيْهِ فِي الْغَرْزِ- يَعْنِي الرِّكَابَ- كَأَنَّهُمَا جُمَّارَةٌ أَيْ جُمَّارَةُ النَّخْلِ مِنْ بَيَاضِهِمَا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ كَانَ ضَلِيعَ الْفَمِ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ عَظِيمُ الْفَمِ، أَشْكَلَ الْعَيْنَيْنِ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنَيْنِ مَنْهُوسَ الْعَقِبِ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ قَلِيلُ لَحْمِ الْعَقِبِ، وَهَذَا أَنْسَبُ وَأَحْسَنُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ، ثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَذَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ بِيَدِي مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَنَسٌ غُلَامٌ كَاتِبٌ يَخْدِمُكَ، قَالَ: فَخَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُ: أَسَأْتَ، وَلَا بِئْسَ مَا صَنَعْتَ، وَلَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ خَزًّا وَلَا حريرا ألين من كف رسول الله، وَلَا شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ مِسْكًا وَلَا عَنْبَرًا أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَكَذَا رَوَاهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَعَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أنس في لين كفه عليه السلام، وَطِيبِ رَائِحَتِهِ صَلَاةُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن رسول الله كَانَ يَطَأُ بِقَدَمِهِ كُلِّهَا لَيْسَ لَهَا أَخْمَصٌ، وَقَدْ جَاءَ خِلَافُ هَذَا كَمَا سَيَأْتِي وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مِقْسَمٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَمَّتِي سَارَةُ بِنْتُ مِقْسَمٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ كَرْدَمٍ قَالَتْ: رأيت رسول الله بمكة وهو على ناقة وأنا مع أبى وبيد رسول الله دِرَّةٌ كَدِرَّةِ الْكُتَّابِ فَدَنَا مِنْهُ أَبِي فَأَخَذَ بِقَدَمِهِ فَأَقَرَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: فَمَا نَسِيتُ
(6/22)

طُولَ أُصْبُعِ قَدَمِهِ السَّبَّابَةِ عَلَى سَائِرِ أَصَابِعِهِ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ مُطَوَّلًا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ بِبَعْضِهِ وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ إبراهيم بن ميسرة عن خالته عنها، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو بَكْرٍ، ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ حَفْصٍ السَّعْدِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَتْ إصبع لرسول الله خنصره من رجله مُتَظَاهِرَةً وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
صِفَةُ قَوَامِهِ عَلَيْهِ السلام وَطِيبِ رَائِحَتِهِ
فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُمْ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ خالد بن عبد الله ابن مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ وَهُوَ إِلَى الطُّولِ أَقْرَبُ، وَكَانَ عَرَقُهُ كَاللُّؤْلُؤِ، الْحَدِيثَ وَقَالَ سعيد عن روح بْنِ قَيْسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ خَالِدِ التَّمِيمِيِّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَازِنٍ الرَّاسِبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قال: كان رسول الله ليس بالذاهب طولا وفوق الربعة إذا جامع الْقَوْمِ غَمَرَهُمْ وَكَانَ عَرَقُهُ فِي وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُؤِ، الْحَدِيثَ وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ رَبْعَةً وَهُوَ إِلَى الطُّولِ أَقْرَبُ، وَكَانَ يُقْبِلُ جَمِيعًا وَيُدْبِرُ جَمِيعًا، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا مَسِسْتُ بِيَدِي دِيبَاجًا وَلَا حَرِيرًا وَلَا شَيْئًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَا شَمَمْتُ رَائِحَةً أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ بِهِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سلمة وسليمان بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كان رسول الله أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَمَا مَسِسْتُ حَرِيرًا وَلَا دِيبَاجًا أَلْيَنَ من كف رسول الله، وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا وَلَا عَنْبَرًا أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، ثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ خَزًّا وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا شَمَمْتُ رَائِحَةً أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، والاسناد ثُلَاثِيٌّ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ حماد بن طلحة الفناد، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ حَازِمِ بن أبى عروة عَنْهُ، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْأُولَى ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ
(6/23)

مَعَهُ فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا قَالَ: وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّي فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا وَرِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جونة عَطَّارٍ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَمَّادٍ به نحوه وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ وَحَجَّاجٌ، أَخْبَرَنِي شُعْبَةُ عَنِ الْحِكَمِ سمعت أبا جحيفة قَالَ:
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، زَادَ فِيهِ عَوْنٌ عَنْ أَبِيهِ يَمُرُّ مِنْ ورائها الخمار وَالْمَرْأَةُ، قَالَ حَجَّاجٌ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَهُ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، قَالَ: فَأَخَذْتُ يَدَهُ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي، فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ عَنْ شُعْبَةَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً. وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ وَشُعْبَةُ وَشَرِيكٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ- يَعْنِي يَزِيدَ بْنَ الْأَسْوَدِ- قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بِمِنًى، فَانْحَرَفَ فَرَأَى رَجُلَيْنِ مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، فدعا بهما فجيئا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَ النَّاسِ؟ قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي الرِّحَالِ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلَا إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّهَا مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ، قَالَ: فَقَالَ أُحُدُهُمَا اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، قَالَ: وَنَهَضَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَهَضْتُ مَعَهُمْ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَشَبُّ الرِّجَالِ وَأَجْلَدُهُ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَزْحَمُ النَّاسَ حَتَّى وصلت إلى رسول الله فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا إِمَّا عَلَى وَجْهِي أَوْ صَدْرِي، قَالَ: فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَطْيَبَ وَلَا أَبْرَدَ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ ثُمَّ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ وَأَبِي النَّضْرِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: ثُمَّ ثَارَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ بِيَدِهِ يَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، قَالَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَمَسَحْتُ بِهَا وَجْهِي، فَوَجَدْتُهَا أَبْرَدَ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبَ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ عَنْ يَعْلَى بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَهْلِي عَنْ أَبِي قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ مَجَّ فِي الدَّلْوِ ثُمَّ صَبَّ فِي الْبِئْرِ، أَوْ شَرِبَ مِنَ الدَّلْوِ ثُمَّ مَجَّ فِي البئر، ففاح منها ريح المسك، وهذا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا هَاشِمٌ، ثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الغداة جاء خدم الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءٍ إلا غمس يده فيها فربما جاءوه في الغداة الباردة فيمس يَدَهُ فِيهَا وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ بِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي ابْنَ أَبِي سَلَمَةَ
(6/24)

الْمَاجِشُونَ- عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا وَلَيْسَتْ فِيهِ قَالَ فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا فأتت فقيل لها:
هذا رسول الله نَائِمٌ فِي بَيْتِكِ عَلَى فِرَاشِكِ، قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرَقَ وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ على الفراش ففتحت عبيرتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتصره فِي قَوَارِيرِهَا فَفَزِعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا، قَالَ: أَصَبْتِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ حُجَيْنٍ بِهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عِنْدَنَا فَعَرِقَ وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ فَجَعَلَتْ تَسْلُتُ الْعَرَقَ فِيهَا، فاستيقظ رسول الله فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا الَّذِي تصنعين؟ قالت: عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ بِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ:
ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ- يَعْنِي السَّلُولِيَّ- ثَنَا عُمَارَةُ، - يَعْنِي ابْنَ زَاذَانَ- عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقِيلُ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ عَرَقًا فَاتَّخَذَتْ لَهُ نِطْعًا وَكَانَ يُقِيلُ عليه وحطت بين رجليه حطا وَكَانَتْ تُنَشِّفُ الْعَرَقَ فَتَأْخُذُهُ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ قَالَتْ: عَرَقُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْعَلُهُ فِي طِيبِي، قَالَ: فَدَعَا لَهَا بِدُعَاءٍ حَسَنٍ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نام ذا عرق، فَتَأْخُذُ عَرَقَهُ بِقُطْنَةٍ فِي قَارُورَةٍ، فَتَجْعَلُهُ فِي مِسْكِهَا، وَهَذَا إِسْنَادٌ ثُلَاثِيٌّ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْهُمَا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عمرو المغربي، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ ابن أَبِي شَيْبَةَ، وَقَالَ مُسْلِمٌ: ثَنَا أَبُو بَكْرِ بن شَيْبَةَ، ثَنَا عَفَّانَ، ثَنَا وُهَيْبٌ ثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِيهَا فَيُقِيلُ عِنْدَهَا فَتَبْسُطُ لَهُ نِطْعًا فَيُقِيلُ عَلَيْهِ وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلُهُ فِي الطِّيبِ وَالْقَوَارِيرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا؟
فَقَالَتْ: عَرَقُكَ أَدُوفُ بِهِ طِيبِي، لَفْظُ مُسْلِمٍ وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الموصلى في مسندة: ثنا بسر، ثنا حليس ابن غَالِبٍ، ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رجل إلى رسول الله، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَوَّجْتُ ابْنَتِي، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تُعِينَنِي بِشَيْءٍ، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ وَلَكِنْ إِذَا كَانَ غَدٌ فَأْتِنِي بِقَارُورَةٍ وَاسِعَةِ الرَّأْسِ وَعُودِ شَجَرَةٍ وَآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَنْ تَدُقَّ نَاحِيَةَ الْبَابِ، قَالَ فَأَتَاهُ بِقَارُورَةٍ وَاسِعَةِ الرَّأْسِ وَعُودِ شَجَرَةٍ. قَالَ: فَجَعَلَ يَسْلُتُ الْعَرَقَ مِنْ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى امْتَلَأَتِ الْقَارُورَةُ، قَالَ: فَخُذْهَا، وَمُرِ ابْنَتَكِ أَنْ تَغْمِسَ هَذَا الْعُودَ فِي الْقَارُورَةِ وَتَطَّيَّبَ بِهِ، قَالَ فَكَانَتْ إِذَا تَطَيَّبَتْ بِهِ شَمَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ رَائِحَةَ الطيب فسموا بيوت المطيبين، هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: ثَنَا مُحَمَّدُ بن هشام، ثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدٍ
(6/25)

عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَجَدُوا مِنْهُ رائحة الطيب، وقالوا: مر رسول الله فِي هَذَا الطَّرِيقِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَيْضًا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْرَفُ بِرِيحِ الطيب [1] . كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَيِّبًا وَرِيحُهُ طَيِّبٌ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يُحِبُّ الطِّيبَ أَيْضًا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ سَلَّامٍ أَبِي الْمُنْذِرِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، ثَنَا سَلَّامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ القاري عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِهَذَا اللفظ عن الحسين بن عيسى القرشي عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلَّامِ بْنِ سليمان أبى المنذر القاري الْبَصْرِيِّ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَهُ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ: الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ بِهَذَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هِيَ مَنْ أَهَمِّ شُئُونِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
صِفَةُ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبيد الله، ثنا حاتم عن الجعد قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ:
ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابن أختى وجع، فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ وَتَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إلى خاتم بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ كِلَاهُمَا عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِهِ ثُمَّ قَالَ البخاري: الحجلة من حجلة الْفَرَسِ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حمزة: رز الْحَجَلَةِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرِّزُّ الرَّاءُ قَبْلَ الزَّايِ [2] وَقَالَ مُسْلِمٌ: ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إسرائيل عن سماك أنه سمع جابر ابن سَمُرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ قَالَ: لَا بَلْ كان المثل الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَكَانَ مُسْتَدِيرًا، وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ حَدَّثَنَا محمد بن المثنى ثنا محمد بن حزم، ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ خَاتَمًا فِي ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ بَيْضَةُ حَمَامٍ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، ثَنَا حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ
__________
[1] بياض بالأصل.
[2] في رواية زر الحجلة أراد بالحجلة البيت كالقبة يستر بالثياب وتكون له أزرار كبار. وفي رواية رز الحجلة أراد بالحجلة القبجة ترزّ كالجرادة أي تكبس ذنبها في الأرض لتبيض.
(6/26)

قَالَ: تَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخَ- يَعْنِي نَفْسَهُ- كَلَّمْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكَلْتُ مَعَهُ وَرَأَيْتُ الْعَلَامَةَ الَّتِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَهِيَ فِي طَرَفِ نُغْضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى كَأَنَّهُ جُمْعٌ (بمعنى الْكَفَّ الْمُجْتَمِعَ، وَقَالَ بِيَدِهِ فَقَبَضَهَا) عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَهَيْئَةِ الثَّآلِيلِ وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ وَأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَا: ثَنَا شَرِيكٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسلمت عليه وأكلت معه وَشَرِبْتُ مِنْ شَرَابِهِ وَرَأَيْتُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ، قَالَ هَاشِمٌ: فِي نُغْضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى كَأَنَّهُ جُمْعٌ فِيهِ خِيلَانٌ سُودٌ كَأَنَّهَا الثَّآلِيلُ. وَرَوَاهُ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَشَكَّ شُعْبَةُ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ فِي نُغْضِ الْكَتِفِ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيد وعلى ابن مُسْهِرٍ وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا أَوْ قَالَ ثَرِيدًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، قال: ولك، فقلت:
أستغفر لك رسول الله؟ قَالَ نَعَمْ وَلَكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ «واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات» قَالَ ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَمْثَالٍ الثَّآلِيلِ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: ثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرِنِي الْخَاتَمَ، فَقَالَ: أَدْخِلْ يَدَكَ، فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي جُرُبَّانِهِ فَجَعَلْتُ أَلْمِسُ أُنَظُرُ إِلَى الْخَاتَمِ فَإِذَا هُوَ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ مِثْلُ الْبَيْضَةِ فَمَا مَنَعَهُ ذَاكَ أَنْ جَعَلَ يَدْعُو لِي وَإِنَّ يَدِي لَفِي جُرُبَّانِهِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ بِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ السَّدُوسَيِّ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُ بِرَأْسِهِ رَدْعَ حِنَّاءٍ وَرَأَيْتُ عَلَى كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ فَقَالَ أَبِي: إِنِّي طَبِيبٌ أفلا أطبها لَكَ، قَالَ: طَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا، قَالَ: وَقَالَ لِأَبِي هَذَا ابْنُكَ؟
قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا عبيد الله بن زياد، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ أَوْ رِمْثَةَ، قَالَ انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ إِلَى مِثْلِ السِّلْعَةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كَأَطَبِّ الرِّجَالِ أَفَأُعَالِجُهَا لَكَ؟ قَالَ: لَا، طَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَإِذَا خلف كتفيه مِثْلُ التُّفَّاحَةِ، وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ: فَإِذَا فِي نُغْضِ كَتِفِهِ مِثْلُ بَعْرَةِ الْبَعِيرِ أَوْ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ سَلَامَةَ الْعِجْلِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رسول الله فَأَلْقَى رِدَاءَهُ وَقَالَ: يَا سَلْمَانُ انْظُرِ إِلَى مَا أُمِرْتَ بِهِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ عن أبى خيثم عن سعيد ابن أَبِي رَاشِدٍ، عَنِ التَّنُوخِيِّ الَّذِي بَعَثَهُ هِرَقْلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِتَبُوكَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا
(6/27)

قَدَّمْنَاهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِلَى أَنْ قَالَ: فحل حبوته عن ظهره ثم قال: هاهنا امض لما أمرت به، قال: فَجُلْتُ فِي ظَهْرِهِ فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِي موضع غضروف الكتف مثل الحجمة الضَّخْمَةِ [1] وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْسَرَةَ، ثَنَا عَتَّابٌ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: الْخَاتَمُ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم لحمة نابتة وقال الامام أحمد: حدثنا شريح، ثَنَا أَبُو لَيْلَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْ غِيَاثٍ الْبِكْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُجَالِسُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ هَكَذَا لَحْمٌ نَاشِزٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ الْمِصْرِيُّ فِي كِتَابِهِ- التَّنْوِيرِ فِي مَوْلِدِ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ- عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بِشْرٍ الْمَعْرُوفِ بِالْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْخَاتَمُ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ بَيْضَةُ حَمَامَةٍ مَكْتُوبٌ فِي بَاطِنِهَا اللَّهُ وَحْدَهُ، وَفِي ظَاهِرِهَا تَوَجَّهْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّكَ مَنْصُورٌ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا غَرِيبٌ وَاسْتَنْكَرَهُ قَالَ: وَقِيلَ كَانَ مِنْ نُورٍ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مَالِكِ بْنِ عَائِذٍ فِي كِتَابِهِ تَنَقُّلِ الْأَنْوَارِ، وَحَكَى أَقْوَالًا غَرِيبَةً غَيْرَ ذَلِكَ وَمِنْ أَحْسَنِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ دِحْيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَبْلَهُ فِي الْحِكْمَةِ فِي كَوْنِ الْخَاتَمِ كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَكَ يَأْتِي مِنْ وَرَائِكَ. قَالَ: وَقِيلَ كَانَ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ منه إلى الإنسان، فكان هذا عصمة له عليه السلام مِنَ الشَّيْطَانِ قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ على أنه لا نبي بعده عليه السلام وَلَا رَسُولَ، عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: «مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً» 33: 40.
بَابٌ جَامِعٌ لِأَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ وَرَدَتْ فِي صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بن سفيان: حدثنا عبد الله بن مسلم الْقَعْنَبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى عفرة، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ وَلَدِ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ إِذَا نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْمُمَّغِطِ وَلَا الْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ، وَكَانَ رَبْعَةً من القوم، ولم يكن بالجعد
__________
[1] تقدم في الجزء الخامس صفحة 16 برسم (الحمحمة) في النسختين الحلبية والمصرية، وبرسم (العجمة) في التيمورية. وبمراجعة مسند الامام أحمد وجدناها كما هنا (الحجمة) الضخمة وهي في النسخة المصرية أيضا كذلك وفي رواية عند الامام أيضا (مثل الحجم الضخم) .
(6/28)

الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبْطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلًا وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ وَلَا الْمُكَلْثَمِ، وَكَانَ فِي الْوَجْهِ تَدْوِيرٌ أَبْيَضَ مُشْرَبًا أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ جليل المشاش والكتد، أجرد ذو مَسْرُبَةٍ، شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، أَجْوَدَ النَّاسِ كَفًّا وَأَرْحَبَ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً، وأو في النَّاسِ ذِمَّةً، وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً، وَأَلْزَمَهُمْ عِشْرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ فِي كِتَابِ الْغَرِيبِ ثُمَّ رَوَى عَنِ الْكِسَائِيِّ وَالْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عَمْرٍو تَفْسِيرَ غَرِيبِهِ، وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ مِمَّا فِيهِ غَرَابَةٌ: أَنَّ الْمُطَهَّمَ هُوَ الْمُمْتَلِئُ الْجِسْمِ، وَالْمُكَلْثَمَ شَدِيدُ تَدْوِيرِ الْوَجْهِ. يَعْنِي لَمْ يَكُنْ بِالسَّمِينِ النَّاهِضِ، وَلَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا بَلْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ وَجْهُهُ فِي غَايَةِ التَّدْوِيرِ بَلْ فِيهِ سُهُولَةٌ، وَهِيَ أَحْلَى عِنْدَ الْعَرَبِ وَمَنْ يَعْرِفُ، وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا حُمْرَةً وَهِيَ أَحْسَنُ اللَّوْنِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَمْهَقَ اللَّوْنِ، وَالْأَدْعَجَ هُوَ شَدِيدُ سَوَادِ الْحَدَقَةِ، وَجَلِيلَ الْمُشَاشِ هو عظيم رءوس الْعِظَامِ مِثْلِ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ، وَالْكَتَدَ الْكَاهِلُ وَمَا يَلِيهِ مِنَ الْجَسَدِ وَقَوْلُهُ: شَثْنَ الْكَفَّيْنِ أَيْ: غَلِيظَهُمَا، وَتَقَلَّعَ فِي مِشْيَتِهِ، أَيْ شَدِيدَ الْمِشْيَةِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الشُّكْلَةِ والشُّهلة وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَالْأَهْدَبَ طَوِيلُ أَشْفَارِ الْعَيْنِ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ كَانَ شَبْحَ الذِّرَاعَيْنِ، يَعْنِي غَلِيظَهُمَا والله تعالى أعلم.
حديث أم معبد فِي ذَلِكَ
قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حِينَ وَرَدَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَمَوْلَاهُ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَدَلِيلُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطَ الدِّيلِيُّ، فَسَأَلُوهَا: هَلْ عِنْدَهَا لَبَنٌ أَوْ لَحْمٌ يَشْتَرُونَهُ مِنْهَا؟ فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهَا شَيْئًا، وَقَالَتْ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَا أَعْوَزَكُمُ الْقِرَى، وَكَانُوا مُمْحِلِينَ فَنَظَرَ إِلَى شَاةٌ فِي كَسْرِ خَيْمَتِهَا فَقَالَ: مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ فَقَالَتْ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ، فَقَالَ: أَتَأْذَنِينَ أَنْ أَحْلِبَهَا؟ فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ بِهَا حَلَبٌ فَاحْلِبْهَا، فَدَعَا بِالشَّاةِ فَمَسَحَهَا وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي حَلْبِهِ مِنْهَا مَا كَفَاهُمْ أَجْمَعِينَ ثُمَّ حَلَبَهَا وَتَرَكَ عِنْدَهَا إِنَاءَهَا مَلْأَى وَكَانَ يُرْبِضُ الرَّهْطَ، فَلِمَا جَاءَ بَعْلُهَا اسْتَنْكَرَ اللَّبَنَ وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا يَا أُمَّ مَعْبَدٍ وَلَا حَلُوبَةَ فِي الْبَيْتِ وَالشَّاءُ عَازِبٌ؟ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ إِنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ، فقال: صفيه لي فو الله إِنِّي لَأَرَاهُ صَاحِبَ قُرَيْشٍ الَّذِي تَطْلُبُ فَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ حَسَنَ الْخُلُقِ، مَلِيحَ الْوَجْهِ، لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ، وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ، قَسِيمٌ وَسِيمٌ، فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ، أَحْوَرُ، أَكْحَلُ، أَزَجُّ، أَقْرَنُ، فِي عُنُقِهِ سَطَعٌ، وَفِي لِحْيَتِهِ كثاثة، إِذَا صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ، حُلْوُ الْمَنْطِقِ، فَصْلٌ لَا نَزْرٌ وَلَا هَذَرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَنْحَدِرْنَ، أَبْهَى النَّاسِ وَأَجْمَلُهُ مِنْ بَعِيدٍ،
(6/29)

وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ، رَبْعَةٌ لَا تَشْنَؤُهُ عَيْنٌ مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مَنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ قَدًّا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ، لَا عَابِسٌ وَلَا مُفَنَّدٌ فَقَالَ بَعْلَهَا: هَذَا وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي تَطْلُبُ، وَلَوْ صَادَفْتُهُ لَالْتَمَسْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلَأَجْهَدَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا قَالَ:
وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكَّةَ عَالٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَسْمَعُونَهُ وَلَا يَرَوْنَ مَنْ يَقُولُهُ وَهُوَ يَقُولُ:
جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَا بِالْبِرِّ وَارْتَحَلَا بِهِ ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ
فَيَالَ قُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ ... بِهِ من فعال لا تجازى وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فانكمو إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ
دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ ... لَهُ بِصَرِيحٍ ضَرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ
فَغَادَرَهُ رَهْنًا لَدَيْهَا لِحَالِبٍ ... يَدُرُّ لَهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ
وَقَدْ قَدَّمْنَا جَوَابَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ لِهَذَا الشِّعْرِ الْمُبَارَكِ بِمِثْلِهِ فِي الْحُسْنِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحَافِظَ الْبَيْهَقِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَهْبٍ الْمَذْحِجِيِّ قال: ثنا الحسن بن الصباح عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ بِأَلْفَاظِهِ وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِهِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّ أُمَّ مَعْبَدٍ هَاجَرَتْ وَأَسْلَمَتْ، ثُمَّ إِنَّ الْحَافِظَ الْبَيْهَقِيَّ أَتْبَعَ هَذَا الْحَدِيثَ بِذِكْرِ غَرِيبِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَوَاشِي فِيمَا سَبَقَ وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَاهُنَا نُكَتًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَوْلُهَا: ظَاهِرَ الْوَضَّاءَةِ، أَيْ ظَاهِرَ الْجَمَالِ، أَبْلَجَ الْوَجْهِ، أَيْ مَشْرِقَ الْوَجْهِ مُضِيئَهُ لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ كِبَرُ الْبَطْنِ وَقَالَ غَيْرُهُ كِبَرُ الرأس، ورد أبو عبيدة رِوَايَةَ مَنْ رَوَى لَمْ تَعِبْهُ نُحْلَةٌ يَعْنِي مِنَ النُّحُولِ وَهُوَ الضَّعْفُ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ الْحَدِيثَ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّهُ كِبَرُ الرَّأْسِ لَكَانَ قَوِيًّا، وَذَلِكَ لِقَوْلِهَا بَعْدَهُ: وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ وَهُوَ صِغَرُ الرَّأْسِ بِلَا خِلَافٍ وَمِنْهُ يُقَالُ لِوَلَدِ النَّعَامَةِ: صَعْلٌ، لِصِغَرِ رَأْسِهِ، وَيُقَالُ لَهُ: الظَّلِيمُ، وَأَمَّا الْبَيْهَقِيُّ فَرَوَاهُ لَمْ تَعِبْهُ نُحْلَةٌ يَعْنِي مِنَ الضَّعْفِ كَمَا فَسَّرَهُ، ولم تزر به صعلة وهو الحاصرة [1] ، يريد أنه ضرب من الرجال ليس بمشفح [1] وَلَا نَاحِلٍ، قَالَ: وَيُرْوَى لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ وَهُوَ كِبَرُ الْبَطْنِ وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ وَهُوَ صِغَرُ الرَّأْسِ، وَأَمَّا الْوَسِيمُ فَهُوَ حَسَنُ الْخَلْقِ وَكَذَلِكَ الْقَسِيمُ أَيْضًا، وَالدَّعَجُ شِدَّةُ سَوَادِ الْحَدَقَةِ، وَالْوَطَفُ طُولُ أَشْفَارِ الْعَيْنَيْنِ، وَرَوَاهُ الْقُتَيْبِيُّ فِي أَشْفَارِهِ عَطَفٌ وَتَبِعَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ذَلِكَ. قال: ابن قتيبة ولا أعرف
__________
[1] كذا في النسختين الحلبية والمصرية: وفي التيمورية قال: وهو الخاصرة ويريد أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ لَيْسَ بِمُنْتَفِخٍ وَلَا ناحل.
(6/30)

ما هذا لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ غَلَطٌ فَحَارَ فِي تَفْسِيرِهِ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ وَهُوَ بُحَّةٌ يَسِيرَةٌ وَهِيَ أَحْلَى فِي الصَّوْتِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَادًّا، قَالَ أبو عبيد: وبالصحل يوصف الظِّبَاءُ، قَالَ: وَمَنْ رَوَى فِي صَوْتِهِ صَهَلٌ فَقَدْ غَلِطَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْخَيْلِ وَلَا يَكُونُ فِي الْإِنْسَانِ، قُلْتُ:
وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ. قَالَ وَيُرْوَى صَحَلٌ، وَالصَّوَابُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا قَوْلُهَا:
أَحْوَرُ فَمُسْتَغْرَبٌ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم وهو قبل في العين يزينها لا يَشِينُهَا كَالْحَوَلِ، وَقَوْلُهَا: أَكْحَلُ، قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ شَاهِدٌ، وَقَوْلُهَا: أَزُجُّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ الْمُتَقَوِّسُ الْحَاجِبَيْنِ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهَا: أَقْرَنُ فَهُوَ الْتِقَاءُ الْحَاجِبَيْنِ بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ قَالَ: وَلَا يُعْرَفُ هَذَا فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ في صفته عليه السلام أَنَّهُ أَبْلَجُ الْحَاجِبَيْنِ، فِي عُنُقِهِ سَطَعٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَيْ طُولٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: نُورٌ قُلْتُ: وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ بَلْ مُتَعَيِّنٌ، وَقَوْلُهَا إِذَا صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، أَيِ الْهَيْبَةُ عَلَيْهِ فِي حَالِ صَمْتِهِ وَسُكُوتِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ سَمَا أَيْ عَلَا عَلَى النَّاسِ وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ أَيْ فِي حَالِ كَلَامِهِ حُلْوُ الْمَنْطِقِ فَصْلٌ أَيْ فَصِيحٌ بَلِيغٌ يَفْصِلُ الْكَلَامَ وَيُبَيِّنُهُ، لَا نَزْرٌ وَلَا هَذْرٌ، أَيْ لَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، كَأَنَّ منطقه خرزات نظم، يعنى الّذي مِنْ حُسْنِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَبَيَانِهِ وَحَلَاوَةِ لِسَانِهِ، أَبْهَى النَّاسِ وَأَجْمَلُهُ مِنْ بَعِيدٍ وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ، أَيْ هُوَ مَلِيحٌ مِنْ بَعِيدٍ وَمِنْ قَرِيبٍ، وَذَكَرَتْ أَنَّهُ لَا طَوِيلَ وَلَا قَصِيرَ بَلْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا وَمِنْ هذا، وذكرت أن أصحابه يعظمونه ويخدمونه ويبادرون إلى طاعته وما ذلك إِلَّا لِجَلَالَتِهِ عِنْدَهُمْ وَعَظْمَتِهِ فِي نُفُوسِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ لَهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِعَابِسٍ أَيْ لَيْسَ يَعْبِسُ، وَلَا يُفَنِّدُ أَحَدًا أَيْ يُهَجِّنُهُ وَيَسْتَقِلُّ عَقْلَهُ بَلْ جَمِيلُ الْمُعَاشَرَةِ حَسَنُ الصُّحْبَةِ صَاحِبُهُ كَرِيمٌ عَلَيْهِ وَهُوَ حَبِيبٌ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
حديث هند بن أبى هالة فِي ذَلِكَ
وَهِنْدٌ هَذَا هُوَ رَبِيبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمُّهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَأَبُوهُ أَبُو هَالَةَ كَمَا قَدَّمْنَا بيانه. قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ الْحَافِظُ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَمَّادٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمِصْرِيُّ وأبو غسان مالك ابن إسماعيل الهندي قَالَا: ثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ بِمَكَّةَ عَنِ ابْنٍ لِأَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ خَالِيَ هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ- وَكَانَ وَصَّافًا- عَنْ حِلْيَةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ- فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحما مُفَخَّمًا يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ أَطْوَلَ مِنَ الْمَرْبُوعِ وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ عَظِيمَ الْهَامَةِ رَجِلَ الشَّعْرِ إِذَا تَفَرَّقَتْ عَقِيصَتُهُ فَرَقَ والا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، ذا وَفَّرَهُ أَزْهَرَ اللَّوْنِ وَاسِعَ الْجَبِينِ أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ سَوَابِغَ فِي غَيْرِ قَرَنٍ بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ أَقْنَى الْعِرْنِينِ لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ كَثَّ اللِّحْيَةِ أَدْعَجَ سهل الخدين ضليع الفم أشنب مفلج الأسنان دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صفاء- يعنى الفضة- معتدل الخلق بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ سَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ عَرِيضُ الصَّدْرِ بَعِيدُ مَا بَيْنَ
(6/31)

الْمَنْكِبَيْنِ ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ أَنْوَرُ الْمُتَجَرَّدِ مَوْصُولُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ عَارِي الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ أَشَعَرُ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ طَوِيلُ الزَّنْدَيْنِ رَحْبُ الرَّاحَةِ سبط الغضب شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ سَابِلُ الْأَطْرَافِ خَمْصَانُ الْأَخَمَصَيْنِ مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ إِذَا زَالَ زَالَ قَلْعًا يَخْطُو تَكَفِّيًا وَيَمْشِيَ هَوْنًا ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا خَافِضُ الطَّرْفِ نَظَرُهُ إِلَى الْأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلَاحَظَةُ يَسُوقُ أَصْحَابَهُ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ قُلْتُ: صِفْ لِي مَنْطِقَهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ دَائِمَ الْفِكْرَةِ لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَّةٍ طَوِيلَ السُّكُوتِ يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه يتكلم بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَصْلٌ لَا فُضُولٌ وَلَا تَقْصِيرٌ دَمِثٌ لَيْسَ بِالْجَافِي وَلَا الْمُهِينِ يُعَظِّمُ النِّعْمَةَ وَإِنْ دَقَّتْ لَا يَذُمُّ مِنْهَا شَيْئًا وَلَا يَمْدَحُهُ وَلَا يَقُومُ لِغَضَبِهِ إِذَا تَعَرَّضَ لِلْحَقِّ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ:
لَا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَهَا فَإِذَا تَعَرَّضَ لِلْحَقِّ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ لَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَنْتَصِرُ لَهَا إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا، وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا وَإِذَا تَحَدَّثَ يَصِلُ بِهَا يَضْرِبُ بِرَاحَتِهِ الْيُمْنَى بَاطِنَ إِبْهَامِهِ الْيُسْرَى، وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، وَإِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ وَيَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حب الغمام قال الحسن فكتمتها الحسن بْنَ عَلِيٍّ زَمَانًا ثُمَّ حَدَّثْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَوَجَدْتُهُ قَدْ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَمَجْلِسِهِ وشكله فلم يدع منه شيئا قال الحسن: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كَانَ دُخُولُهُ لِنَفْسِهِ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ وَكَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءًا للَّه وَجُزْءًا لِأَهْلِهِ، وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ جَزَّأَ جزأه بين النَّاسِ فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ لَا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا، وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الْأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِأَدَبِهِ وَقَسْمِهِ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ، فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ وَيُشْغِلُهُمْ فِيمَا أَصْلَحَهُمْ وَالْأُمَّةَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَنْهُمْ وَإِخْبَارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي وَيَقُولُ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغِي حَاجَتَهُ، فَإِنَّهُ مَنْ بَلَّغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا إِيَّاهُ ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلَّا ذَلِكَ وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ يَدْخُلُونَ عليه زوارا ولا يَفْتَرِقُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ وَفِي رِوَايَةٍ وَلَا يَتَفَرَّقُونَ إِلَّا عَنْ ذَوْقٍ، وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً يَعْنِي فُقَهَاءَ. قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلَّا بِمَا يَعْنِيهِمْ وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلَا يُنَفِّرُهُمْ، وَيُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ، وَيَحْذَرُ النَّاسَ، وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بشره ولا خاتمه، يَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ، وَيُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَيُقَوِّيهِ، وَيُقَبِّحُ الْقَبِيحَ وَيُوَهِّيهِ، مُعْتَدِلَ الْأَمْرِ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ لَا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا أَوْ يَمِيلُوا لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٌ لَا يَقْصُرُ عَنِ الْحَقِّ وَلَا يَجُوزُهُ، الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ، أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ
(6/32)

نَصِيحَةً، وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وَمُؤَازَرَةً. قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ كَيْفَ كَانَ فَقَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجْلِسُ وَلَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى ذِكْرٍ، وَلَا يُوطِنُ الْأَمَاكِنَ وَيَنْهَى عَنْ إِيطَانِهَا وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ، وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ، يُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ لَا يَحْسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ، مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ فِي حَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ، وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ، قَدْ وَسِعَ النَّاسَ مِنْهُ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ فَصَارَ لَهُمْ أَبًا وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً، مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِكَمٍ وَحَيَاءٍ وَصَبْرٍ وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤمن فِيهِ الْحُرَمُ، وَلَا تُنْثَى فَلَتَاتُهُ، مُتَعَادِلِينَ يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى، مُتَوَاضِعِينَ يُوَقِّرُونَ فِيهِ الْكَبِيرَ وَيَرْحَمُونَ الصَّغِيرَ يُؤْثِرُونَ ذَا الْحَاجَةِ، وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ. قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ سِيرَتِهِ فِي جُلَسَائِهِ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمَ الْبِشْرِ سَهْلَ الْخُلُقِ لَيِّنَ الْجَانِبِ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ وَلَا فَحَاشٍ وَلَا عَيَّابٍ وَلَا مَزَّاحٍ يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِي وَلَا يُؤْيِسُ مِنْهُ [رَاجِيَهُ] [1] وَلَا يُخَيِّبُ فِيهِ قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ: الْمِرَاءِ، وَالْإِكْثَارِ وَمَا لَا يَعْنِيهِ وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلَاثٍ: كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا، وَلَا يُعَيِّرُهُ، وَلَا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا يَرْجُو ثَوَابَهُ، إِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رءوسهم الطَّيْرُ، فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا وَلَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ، يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ ومسألته حتى ان كان أصحابه يستحلونه [2] فِي الْمَنْطِقِ وَيَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ فَارْفِدُوهُ، وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِانْتِهَاءٍ أَوْ قِيَامٍ. قَالَ فَسَأَلْتُهُ كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ؟ قَالَ: كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعٍ: الْحِلْمِ وَالْحَذَرِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّفَكُّرِ. فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَفِي تَسْوِيَتِهِ النَّظَرُ وَالِاسْتِمَاعُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَمَّا تَذَكُّرُهُ أَوْ قَالَ تَفَكُّرُهُ فَفِيمَا يَبْقَى وَيَفْنَى، وَجُمِعَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِلْمُ وَالصَّبْرُ فَكَانَ لَا يُغْضِبُهُ شَيْءٌ وَلَا يَسْتَفِزُّهُ، وَجُمِعَ لَهُ الْحَذَرُ فِي أَرْبَعٍ: أَخْذِهِ بِالْحُسْنَى، وَالْقِيَامِ لهم فيما جمع لهم الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ شَمَائِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العجلي حدثني رجل مَنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سَمَّاهُ غَيْرُهُ يَزِيدَ بْنَ عُمَرَ عَنِ ابْنٍ لِأَبِي هَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي فَذَكَرَهُ وَفِيهِ حَدِيثُهُ عَنْ أَخِيهِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ النَّيْسَابُورِيِّ لَفْظًا وَقِرَاءَةً عَلَيْهِ: أَنَا أبو محمد الحسن [3] مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ القعنبي صَاحِبُ كِتَابِ النَّسَبِ بِبَغْدَادَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ بالمدينة سنة ست وستين ومائتين، حدثني على
__________
[1] هذه الزيادة من الشمائل.
[2] في التيمورية «يستحلونه» .
[3] كذا.
(6/33)

ابن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جعفر عن جعفر بن محمد عن عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ محمد بن عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ سَأَلْتُ خالي هند بن أبى هالة فذكره قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْأَطْرَافِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ: وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ مسلم بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ صَالِحٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ يَعْقُوبَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِهِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ- وكان وصافا لرسول الله-: صِفْ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ صُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَرْغَانِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثًا مُطَوَّلًا فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرِيبًا مِنْ حَدِيثِ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ. وَسَرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِتَمَامِهِ وَفِي أَثْنَائِهِ تَفْسِيرُ مَا فِيهِ مِنَ الْغَرِيبِ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ غُنْيَةٌ عَنْهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الضَّحَّاكِ عن عمر بن سعيد بن أحمد بن حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الْعَصْرَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَيَالٍ فَخَرَجَ هُوَ وَعَلِيٌّ يَمْشِيَانِ، فَإِذَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ فَاحْتَمَلَهُ أبو بكر على كاهله وجعل يقول: يا باى، شِبْهُ النَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيٍّ وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ مِنْهُمَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ شَوْذَبٍ الْوَاسِطِيِّ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَيُّوبَ الصَّرِيفِينِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ هَانِئٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: الْحَسَنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ.
بَابُ ذِكْرِ أَخْلَاقِهِ وَشَمَائِلِهِ الطَّاهِرَةِ صلّى الله عليه وسلم
قَدْ قَدَّمْنَا طِيبَ أَصْلِهِ وَمَحْتِدِهِ، وَطَهَارَةَ نَسَبِهِ وَمَوْلِدِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» 6: 124. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا بعد قرن حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» 68: 1- 4 قال العوفيّ عن ابن عباس: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى- وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ-
(6/34)

يعنى- وَإِنَّكَ لَعَلَى دِينٍ عَظِيمٍ- وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ مَالِكٍ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَالَ عَطِيَّةُ: لَعَلَى أَدَبٍ عَظِيمٍ وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ عائشة أم المؤمنين فَقُلْتُ: أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى، فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قال: وسئلت عائشة عن خلق رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ وَرَوَى الامام أحمد عن عبد الرحمن ابن مَهْدِيٍّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِهِ، وَابْنِ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلْتُهَا عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ وَمَعْنَى هَذَا أنه عليه السلام مَهْمَا أَمَرَهُ بِهِ الْقُرْآنُ امْتَثَلَهُ، وَمَهْمَا نَهَاهُ عنه تركه. هذا مَا جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْجِبِلِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ البشر ولا يكون على أجمل مِنْهَا، وَشَرَعَ لَهُ الدِّينَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْهُ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ خَاتَمُ النبيين فلا رسول بعده ولا نبي صلّى الله عليه وسلم، فَكَانَ فِيهِ مِنَ الْحَيَاءِ وَالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْحِلْمِ وَالصَّفْحِ وَالرَّحْمَةِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الْكَامِلَةِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سفيان: ثنا سليمان، ثنا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا زيد بن واقد عَنْ بِشْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خلق رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ يَرْضَى لِرِضَاهُ وَيَسْخَطُ لِسُخْطِهِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْفَقِيهُ بِبُخَارَى، أَنَا قَيْسُ بْنُ أُنَيْفٍ، ثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عمران عن زيد بْنِ؟ بَابَنُوسَ [1] قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [2] ثُمَّ قالت أتقرأ سورة المؤمنون اقرأ قد أفلح المؤمنون إِلَى الْعَشْرِ قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُقُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» 7: 199. قَالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَرَائِطِيُّ فِي كِتَابِهِ فقال:
وإنما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَتَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَ الناس خلقا وقال مالك عن الزهري
__________
[1] كذا
[2] كذا وفيه سقط لعله كلمة «القرآن» .
(6/35)

عن عروة عن عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ للَّه بِهَا وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ لَا عَبْدًا وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا نِيلَ مِنْهُ شيء فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ للَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ خَادِمًا لَهُ قَطُّ وَلَا امْرَأَةً، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قَطُّ إِلَّا كَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ أَيْسَرُهُمَا، حَتَّى يَكُونَ إِثْمًا، فَإِذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ الْإِثْمِ، وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَكُونُ هُوَ يَنْتَقِمُ للَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيَّ يَقُولُ: سمعت عائشة وَسَأَلْتُهَا عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَلَا سَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يعفو ويصفح، أو قال يَعْفُو وَيَغْفِرُ. شَكَّ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا آدَمُ وَعَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا: ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، ثَنَا صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ينعت رسول الله قَالَ: كَانَ يُقْبِلُ جَمِيعًا وَيُدْبِرُ جَمِيعًا بِأَبِي وَأُمِّي لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا سَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ زَادَ آدَمُ وَلَمْ أَرَ مثله قبله ولم أر مثله بَعْدَهُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ:
إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ بِهِ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمرو أنه قال: إن رسول الله مَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِمَا هُوَ مَوْصُوفٌ فِي الْقُرْآنِ، «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً 33: 45 وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يعفو ويصفح ولن يقبضه حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله ويفتح أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ثَنَا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ مِثْلَهُ وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو عَامِرٍ، ثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(6/36)

سَبَّابًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا فَاحِشًا، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمُعَاتَبَةِ: مَا لَهُ تَرِبَتْ جَبِينُهُ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ فُلَيْحٍ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ الله رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا، قَالَ: وَجَدْنَاهُ بَحْرًا، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ، قَالَ وَكَانَ فرسا يبطأ ثم قال مسلم: ثنا بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ فَرَكِبَهُ فَقَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ وإن وجدناه لبحرا، قال: كُنَّا إِذَا اشْتَدَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السبيى عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اتَّقَيْنَا الْمُشْرِكِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ بَأْسًا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ هَوَازِنَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السلام لَمَّا فَرَّ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ ثَبَتَ وَهُوَ رَاكِبٌ بَغْلَتَهُ وَهُوَ يُنَوِّهُ بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْكُضُهَا إِلَى نُحُورِ الْأَعْدَاءِ. وَهَذَا فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنْ الشجاعة العظيمة والتوكل التام صلوات الله عَلَيْهِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ ابن عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لما قدم رسول الله المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بنا إلى رسول الله فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ قَالَ: فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَنَسٍ قال: خدمت رسول الله تِسْعَ سِنِينَ فَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ لِي قَطُّ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ وَلَا عَابَ عَلَيَّ شَيْئًا قَطُّ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ إِسْحَاقَ قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ- وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ: يَا أُنَيْسُ ذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا وقال الامام أحمد: ثنا كثير، ثنا هِشَامٍ، ثَنَا جَعْفَرٌ، ثَنَا عِمْرَانُ الْقَصِيرُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ فَتَوَانَيْتُ عَنْهُ أَوْ ضَيَّعْتُهُ فَلَامَنِي، وَإِنْ لَامَنِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ إِلَّا قَالَ:
دَعُوهُ فَلَوْ قُدِّرَ- أَوْ قَالَ قَضَى- أَنْ يَكُونَ كَانَ ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ جَعْفَرٍ هُوَ ابْنُ بُرْقَانَ عَنْ عِمْرَانَ الْبَصَرِيِّ وَهُوَ الْقَصِيرُ عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَهُ، تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا
(6/37)

عَبْدُ الصَّمَدِ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا أَبُو الْتَّيَّاحِ، ثَنَا أَنَسٌ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ، قَالَ: أَحْسَبُهُ قَالَ فَطِيمًا، قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ قَالَ: أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ، قَالَ نُغَرٌ كَانَ يُلْعَبُ بِهِ، قَالَ: فَرُبَّمَا تَحْضُرُ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ ثُمَّ يُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقُومُ خَلْفَهُ يُصَلِّي بِنَا، قَالَ: وَكَانَ بِسَاطُهُمْ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ وَقَدْ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ يَزِيدَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثَنَا سَلْمٌ الْعَلَوِيُّ، سَمِعْتُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى على رجل صُفْرَةٍ فَكَرِهَهَا قَالَ فَلَمَّا قَامَ قَالَ: لَوْ أَمَرْتُمْ هَذَا أَنْ يَغْسِلَ عَنْهُ هَذِهِ الصُّفْرَةَ. قال: وكان لا يكاد يواجه أحدا بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَلْمِ بْنِ قَيْسٍ الْعَلَوِيِّ الْبَصْرِيِّ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ يُبْصِرُ فِي النُّجُومِ، وَقَدْ شَهِدَ عِنْدَ عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَلَمْ يُجِزْ شهادته وقال أبو داود: ثنا عثمان ابن أبى شيبة، ثنا يحيى بن عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ رَجُلٍ شَيْءٌ لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ وَلَكِنْ يَقُولُ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مع النبي صلّى الله عليه وسلم وعليه برد غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذًا شَدِيدًا حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا زَيْدُ بْنُ الحباب، أخبرنى محمد ابن هِلَالٍ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمَّا قَامَ قُمْنَا مَعَهُ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَعْطِنِي يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فَجَذَبَهُ بِحُجْزَتِهِ فَخَدَشَهُ، قَالَ: فَهَمُّوا بِهِ فَقَالَ: دَعُوهُ قَالَ ثم أعطاه، قال: فكانت يَمِينُهُ: لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَقَدْ رَوَى أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أبى هلال مَوْلَى بَنِي كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عن ثمامة بن عتبة عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَدْخُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأْتَمِنُهُ وَأَنَّهُ عَقَدَ
(6/38)

له عقدا وألقاه فِي بِئْرٍ فَصَرَعَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتاه ملكان يعود انه فَأَخْبَرَاهُ أَنَّ فُلَانًا عَقَدَ لَهُ عُقَدًا وَهِيَ في بئر فُلَانٍ، وَلَقَدِ اصْفَرَّ الْمَاءُ مِنْ شِدَّةِ عُقَدِهِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَخْرَجَ الْعُقَدَ، فَوَجَدَ الْمَاءَ قَدِ اصْفَرَّ فَحَلَّ الْعُقَدَ وَنَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا رَأَيْتُهُ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مات قُلْتُ وَالْمَشْهُورُ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيَّ هُوَ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مشط ومشاقة في جف طلعة ذكر تحت بئر ذروان، وأن الحال استمر نحو سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ سُورَتَيِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَيُقَالُ: إِنَّ آيَاتِهِمَا إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً وَإِنَّ عُقَدَ ذَلِكَ الَّذِي سُحِرَ فِيهِ كَانَ إِحْدَى عَشْرَةَ عُقْدَةً، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا عِمْرَانُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو يَحْيَى الْمُلَائِيُّ، ثَنَا زيد العمى عن أنس ابن مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَافَحَ أَوْ صَافَحَهُ الرَّجُلُ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْزِعُ يَدَهُ، وَإِنِ اسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهٍ لَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْصَرِفُ عَنْهُ، ولا يرى مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ زيد الثعلبي أَبِي يَحْيَى الطَّوِيلِ الْكُوفِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحِوَارِيِّ الْعَمِّيِّ عَنْ أَنَسٍ بِهِ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، ثَنَا أَبُو قَطَنٍ ثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فُضَالَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ الْتَقَمَ أُذُنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُنَحِّي رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأْسَهُ، وَمَا رَأَيْتُ رسول الله آخذا بِيَدِهِ رَجُلٌ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو داود قال الامام أحمد: وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: سَمِعْتُ على بن يزيد قَالَ قَالَ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ إِنْ كَانَتْ الْوَلِيدَةُ مِنْ وَلَائِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا حَتَّى تَذْهَبَ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا هُشَيْمٌ، ثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ فِي حَاجَتِهَا وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنْ صَحِيحِهِ مُعَلَّقًا فَقَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى هُوَ ابْنُ الطَّبَّاعِ: ثَنَا هُشَيْمٌ فَذَكَرَهُ وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَابْلُتِّيُّ، ثَنَا أَيُّوبُ بْنُ نُهَيْكٍ، سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى صَاحِبَ بَزٍّ فَاشْتَرَى مِنْهُ قَمِيصًا بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فَخَرَجَ وَهُوَ عَلَيْهِ فَإِذَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْسُنِي قَمِيصًا كَسَاكَ اللَّهُ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ فَنَزَعَ الْقَمِيصَ فَكَسَاهُ إِيَّاهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى صَاحِبِ الْحَانُوتِ فَاشْتَرَى مِنْهُ قَمِيصًا بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ وَبَقِيَ مَعَهُ دِرْهَمَانِ، فَإِذَا هُوَ بِجَارِيَةٍ فِي الطَّرِيقِ تَبْكِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَفَعَ إِلَيَّ أَهْلِي دِرْهَمَيْنِ أَشْتَرِيَ بِهِمَا دَقِيقًا فَهَلَكَا، فدفع إليها رسول الله الدرهمين الباقيين ثم انقلب وَهِيَ تَبْكِي فَدَعَاهَا فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ وَقَدْ أَخَذْتِ الدِّرْهَمَيْنِ؟ فَقَالَتْ: أَخَافَ أَنْ
(6/39)

يَضْرِبُونِي، فَمَشَى مَعَهَا إِلَى أَهْلِهَا فَسَلَّمَ فَعَرَفُوا صَوْتَهُ ثُمَّ عَادَ فَسَلَّمَ ثُمَّ عَادَ فَسَلَّمَ ثُمَّ عَادَ فَثَلَّثَ فَرَدُّوا، فَقَالَ:
أَسَمِعْتُمْ أَوَّلَ السَّلَامِ؟ قَالُوا: نَعَمْ وَلَكِنْ أَحْبَبْنَا أَنْ تَزِيدَنَا مِنَ السَّلَامِ فَمَا أَشْخَصَكَ بِأَبِينَا وَأُمِّنَا، فَقَالَ:
أَشْفَقَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ أَنْ تَضْرِبُوهَا، فَقَالَ صَاحِبُهَا: هي حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ لِمَمْشَاكَ مَعَهَا، فَبَشَّرَهُمْ رَسُولُ الله بِالْخَيْرِ وَالْجَنَّةِ. ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ فِي الْعَشَرَةِ: كَسَا اللَّهُ نَبِيَّهُ قَمِيصًا وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَمِيصًا وَأَعْتَقَ اللَّهُ مِنْهَا رَقَبَةً وَأَحْمَدُ اللَّهَ هُوَ الَّذِي رَزَقَنَا هَذَا بِقُدْرَتِهِ هَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيُّوبُ بْنُ نَهِيكَ الْحَلَبِيُّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْأَزْدِيُّ مَتْرُوكٌ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي حَاجَةً، فَقَالَ: يَا أَمَّ فَلَانٍ انْظُرِي أَيَّ الطُّرُقِ شِئْتِ فَقَامَ مَعَهَا يُنَاجِيهَا حَتَّى قَضَتْ حَاجَتَهَا، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنِ الأسود بن قيس عن شيخ العوفيّ [1] عن جابر قال: أتانا رسول الله فِي مَنْزِلِنَا فَذَبَحْنَا لَهُ شَاةً فَقَالَ: كَأَنَّهُمْ علموا أنا نحب اللحم الْحَدِيثَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَعْقُوبَ ابن عُتْبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ كَثِيرًا مَا يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنْ سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهِ وَقَالَ أَبُو داود: حدثنا سلمة بن شعيب، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا جَلَسَ احْتَبَى بِيَدِهِ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ وَلَفْظِهِ: كَانَ إِذَا جَلَسَ نَصَبَ رُكْبَتَيْهِ وَاحْتَبَى بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُوسَى بْنُ إسماعيل قالا: ثنا عبد الرحمن بن حسان العنبري، حدثني جَدَّتَايَ صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ ابْنَتَا عُلَيْبَةَ قَالَ مُوسَى ابْنَةُ حَرْمَلَةَ وَكَانَتَا رَبِيبَتَيْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ وَكَانَتْ جَدَّةَ أَبِيهِمَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُمَا أَنَّهَا رَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ قَالَتْ:
فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ الْمُتَخَشِّعَ فِي الْجَلْسَةِ أُرْعِدْتُ مِنَ الْفَرَقِ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَفِي الْجَامِعِ عَنْ عَبْدِ بن حميد عن عفان بن مسلم بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَّانَ بِهِ. وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَدْ سَاقَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِتَمَامِهِ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، ثَنَا سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:
__________
[1] لعله شقيق الكوفي، وهو شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي أحد سادة التابعين، وقد أخذ عنه الأسود بن قيس.
(6/40)

أَلَا أَعْجَبَكَ أَبُو فُلَانٍ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْمِعُنِي ذَلِكَ وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ، وَمُسْلِمٍ عَنْ حَرْمَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ بِهِ، وَفِي رِوَايَتِهِمْ: أَلَا أعجبك من أبى هريرة فذكرت نَحْوَهُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ لم يكن يسرد سَرْدًا وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ- أَوِ ابْنَ عُمَرَ- يَقُولُ: كَانَ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْتِيلٌ أَوْ تَرْسِيلٌ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن المثنى عن ثمامة عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ رَدَّدَهَا ثَلَاثًا وإذا أتى قوما يسلم عَلَيْهِمْ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ بن أبى مريم، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى، سَمِعْتُ ثُمَامَةَ بْنَ أَنَسٍ يَذْكُرُ أَنَّ أَنَسًا كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ ثَلَاثًا وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ ثَلَاثًا، وَكَانَ يَسْتَأْذِنُ ثَلَاثًا وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الّذي رواه الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا تكلم يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُعْقَلَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قال: أوتيت جوامع الكلم وأختصر الْحِكَمُ اخْتِصَارًا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُوتِيتُ جوامع الكلم، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَتُلَّتْ فِي يَدِي، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابن وهب عن عمرو بن الحرث، حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثَنَا قتيبة، ثنا ابن لهيعة عن عبد اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحرث بْنِ جَزْءٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ
(6/41)

رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ عبد الله بن الحرث بْنِ جَزْءٍ قَالَ: مَا كَانَ ضَحِكُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تَبَسُّمَا، ثُمَّ قَالَ صَحِيحٌ وَقَالَ مُسْلِمٌ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشمس قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: ثَنَا شَرِيكٌ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ كان قليل الصَّمْتِ، قَلِيلَ الضَّحِكِ فَكَانَ أَصْحَابُهُ رُبَّمَا يَتَنَاشَدُونَ الشعر عنده وربما قال الشيء من أمورهم فيضحكون وربما يتبسم وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَا أَبُو عبد الرحمن المقري، ثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ خَارِجَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ- يَعْنِي ابْنَ ثَابِتٍ- أَنَّ نَفَرًا دَخَلُوا عَلَى أَبِيهِ فَقَالُوا:
حَدِّثْنَا عَنْ بَعْضِ أَخْلَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: كُنْتُ جَارَهُ فَكَانَ إِذَا نَزَلَ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ فَآتِيهِ فَأَكْتُبُ الْوَحْيَ وَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الْآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا فَكُلُّ هَذَا نُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن يزيد المقري به نحوه
ذكر كرمه عليه السلام
تَقَدَّمَ مَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، وَهَذَا التَّشْبِيهُ فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْبَلَاغَةِ فِي تَشْبِيهِهِ الْكَرَمَ بِالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ فِي عُمُومِهَا وَتَوَاتُرِهَا وَعَدَمِ انْقِطَاعِهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حميد عن موسى بن أنيس عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُسْأَلْ شَيْئًا عَلَى الْإِسْلَامِ إلا أعطاه، قال فأتاه رجل فَأَمَرَ لَهُ بِشَاءٍ كَثِيرٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنْ شَاءِ الصَّدَقَةِ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً مَا يَخْشَى الْفَاقَةَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ النَّضْرِ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حميد وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا حَمَّادٌ، ثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جبلين فأتى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يعطى عطاء ما يَخَافُ الْفَاقَةَ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَجِيءُ إِلَى رسول الله مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُمْسِي حَتَّى يكون دينه أحب إليه وأعز عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ.
(6/42)

وَهَذَا الْعَطَاءُ لِيُؤَلِّفَ بِهِ قُلُوبَ ضَعِيفِي الْقُلُوبِ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَتَأَلَّفَ آخَرِينَ لِيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَمَا فَعَلَ يَوْمَ حَنِينٍ حِينَ قَسَّمَ تِلْكَ الْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ مِنَ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ في المؤلفة، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ وَجُمْهُورَ الْمُهَاجِرِينَ شَيْئًا، بَلْ أَنْفَقَ فِيمَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَتَأَلَّفَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَتَرَكَ أُولَئِكَ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، وَقَالَ مُسَلِّيًا لِمَنْ سَأَلَ عَنْ وَجْهِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ لِمَنْ عَتَبَ مِنْ جَمَاعَةِ الْأَنْصَارِ: أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ تَحُوزُونَهُ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ قَالُوا: رَضِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَكَذَا أَعْطَى عَمَّهُ العباس بعد ما أَسْلَمَ حِينَ جَاءَهُ ذَلِكَ الْمَالُ مِنِ الْبَحْرَيْنِ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَجَاءَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي فَقَدَ فَادَيْتُ نَفْسِي يَوْمَ بَدْرٍ وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، فَقَالَ: خُذْ، فَنَزَعَ ثَوْبَهُ عَنْهُ وَجَعَلَ يَضَعُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ ثُمَّ قَامَ لِيُقِلَّهُ فَلَمْ يَقْدِرْ فقال لرسول الله: ارْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَقَالَ: مُرْ بَعْضَهُمْ لِيَرْفَعَهُ عَلَيَّ، فَقَالَ: لَا، فَوَضَعَ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ عَادَ فَلَمْ يَقْدِرْ فَسَأَلَهُ أَنْ يرفعه أو أن يأمر بعضهم برفعه فَلَمْ يَفْعَلْ فَوَضَعَ مِنْهُ ثُمَّ احْتَمَلَ الْبَاقِيَ وَخَرَجَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا شَدِيدًا طَوِيلًا نَبِيلًا، فَأَقَلُّ مَا احْتَمَلَ شَيْءٌ يُقَارِبُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي مَوَاضِعَ مُعَلِّقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ وَهَذَا يُورَدُ فِي مَنَاقِبِ الْعَبَّاسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ» 8: 70 وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَادِمِهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، الْحَدِيثَ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَجْبُولُ عَلَى أَكْمَلِ الصِّفَاتِ، الْوَاثِقُ بِمَا فِي يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجل، الّذي أنزل الله عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ:
«وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» 57: 10 الآية وَقَالَ تَعَالَى: «وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» 34: 39 وهو عليه السلام الْقَائِلُ لِمُؤَذِّنِهِ بِلَالٍ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ فِي الوعد والمقال: «أَنْفِقْ بِلَالُ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إقلالا» وهو القائل عليه السلام «ما من يوم تصبح الْعَبَّادُ فِيهِ إِلَّا وَمَلَكَانِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهمّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ:
اللَّهمّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوكِي فَيُوكِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ عليه السلام قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أنفق عليك» فكيف لا يكون أَكْرَمَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَهُوَ الْمُتَوَكِّلُ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ فِي تَوَكُّلِهِ، الْوَاثِقُ بِرِزْقِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ، الْمُسْتَعِينُ بِرَبِّهِ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ؟ ثُمَّ قَدْ كَانَ قَبْلَ بِعْثَتِهِ وَبَعْدَهَا وَقَبْلَ هِجْرَتِهِ، مَلْجَأَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَرَامِلِ، وَالْأَيْتَامِ وَالضُّعَفَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، كَمَا قَالَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقَصِيدَةِ الْمَشْهُورَةِ
(6/43)

وَمَا تَرْكُ قَوْمٍ لَا أَبَا لَكَ سَيِّدًا ... يحوط الذمار غير ذرب موكل
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالَ الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلْأَرَامِلِ
يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... فهم عنده في نعمة وفواضل
ومن تواضعه مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ زَادَ النَّسَائِيُّ- وَحُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ- أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سيدنا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشيطان، أنا محمد بن عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَا رَفَعَنِيَ اللَّهُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ فَصَلَّى وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ آدَمَ عَنْ شُعْبَةَ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، ثَنَا هِشَامُ بن عروة عن رجل قال: سئلت عَائِشَةَ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يرقع الثوب ويخصف النعل ونحو هَذَا، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الْزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَائِشَةَ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بيته؟
قالت: نعم، كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فَاتَّصَلَ الْإِسْنَادُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عمرو بن البحتري- إِمْلَاءً- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا ابن صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، يُفَلِّي ثَوْبَهُ وَيَحْلِبُ شَاتَهُ، وَيَخْدِمُ نَفْسَهُ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عن يحيى بن سعيد عَنْ عَمْرَةَ قَالَتْ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ الْحَدِيثَ وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَلْيَنَ النَّاسِ، وَأَكْرَمَ النَّاسِ، وَكَانَ ضَحَّاكًا بَسَّامًا وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: ثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي مُسْلِمٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرُ، سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيَلْبَسُ الصُّوفَ، وَيُجِيبُ دعوة المملوك، ولو رَأَيْتُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ عَلَى حِمَارٍ خِطَامُهُ مِنْ ليف
(6/44)

وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ كَيْسَانَ الْمُلَائِيِّ عَنْ أَنَسٍ بَعْضُ ذَلِكَ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ:
أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ- إِمْلَاءً- ثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الآدمي القاري بِبَغْدَادَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إبراهيم الدرورى، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ الْخُزَاعِيُّ، ثنا على بن الحسين ابن وَاقَدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ عُقَيْلٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْعَبْدِ، وَلَا مَعَ الْأَرْمَلَةِ، حَتَّى يَفْرُغَ لَهُمْ مِنْ حَاجَاتِهِمْ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بن عبد العزيز عن أبى زرعة عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ الْخُزَاعِيِّ الْبَصْرِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى بِنَحْوِهِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْفَقِيهُ بِالرَّيِّ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الْأَزْرَقُ، ثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيَلْبَسُ الصُّوفَ، وَيَعْتَقِلُ الشَّاةَ، وَيَأْتِي مُرَاعَاةَ الضَّيْفِ [1] ، وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سعد، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ يعقوب الربعي عن سهل مولى عتبة، أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا مِنْ أَهْلِ مَرِيسٍ، وَأَنَّهُ كان في حجر عمه، وأنه قَالَ: قَرَأْتُ يَوْمًا فِي مُصْحَفٍ [2] لِعَمِّي، فَإِذَا فِيهِ وَرَقَةٌ بِغَيْرِ الْخَطِّ وَإِذَا فِيهَا نَعْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا قَصِيرٌ وَلَا طَوِيلٌ أَبْيَضُ ذُو ضَفِيرَتَيْنِ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمٌ، يُكْثِرُ الِاحْتِبَاءَ، وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ وَالْبَعِيرَ، وَيَحْتَلِبُ الشَّاةَ، وَيَلْبَسُ قَمِيصًا مَرْقُوعًا، ومن فعل ذلك فقد بريء من الكبر، وهو من درية إِسْمَاعِيلَ اسْمُهُ أَحْمَدُ. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ عَمِّي ورآني قد قرأتها ضربني وقال: مالك وَفَتْحَ هَذِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ فِيهَا نَعْتَ أَحْمَدَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَمْرِو عن سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ: ثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، [قَالَ] سَمِعْتُ عَمَّتِي تُحَدِّثُ عَنْ عَمِّهَا قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِالْمَدِينَةِ إِذَا إِنْسَانٌ خَلْفِي يَقُولُ: ارْفَعْ إزارك فإنه أنقى وأبقى، [فنظرت] فإذا هو رسول الله، فقلت:
يا رسول إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، قَالَ: أَمَا لَكَ فىّ أسوة؟ فَإِذَا إِزَارُهُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
كَانَ عثمان بن عفان متزرا إلى أنصاف ساقيه قال: هَكَذَا كَانَتْ إِزْرَةُ صَاحِبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وقال أيضا:
__________
[1] كذا في النسخ التي بأيدينا.
[2] كذا في التيمورية، وفي نسخة دار الكتب المصرية. «في مصرف» .
(6/45)

ثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ الْقِنَاعَ، كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ، وَهَذَا فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يسار أَبِي الْحَكَمِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ يَلْعَبُونَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ.
ذِكْرُ مِزَاحِهِ عليه السلام
وقال ابْنُ لَهِيعَةَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طلحة عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَفْكَهِ النَّاسِ مَعَ صَبِيٍّ وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي مُلَاعَبَتِهِ أَخَاهُ أَبَا عُمَيْرٍ، وَقَوْلُهُ أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ، يُذَكِّرُهُ بِمَوْتِ نُغَرٍ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ لِيُخْرِجَهُ [1] بِذَلِكَ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ مِنَ الْمُدَاعَبَةِ مَعَ الْأَطْفَالِ الصِّغَارِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَحْمَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ نَاقَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ؟ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيِّ الطَّحَّانِ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْبَابِ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، ثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْعَيْزَارِ بن حرب، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِيًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَلَمَّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا وَقَالَ: أَلَا أَرَاكِ ترفعين صوتك على رسول الله!، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْجِزُهُ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ حين خرج أبو بكر: كيف رأيتينى أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ؟
فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا ثم استأذن على رسول الله فَوَجَدَهُمَا قَدِ اصْطَلَحَا فَقَالَ لَهُمَا: أَدْخِلَانِي فِي سِلْمِكُمَا كَمَا أَدْخَلْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ فَعَلْنَا قد فعلنا وقال أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العلاء عَنْ بِشْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رسول الله فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مَنْ أَدَمٍ فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ وَقَالَ: ادْخُلْ، فَقُلْتُ: أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: كُلُّكَ، فَدَخَلْتُ وَحَدَّثَنَا صفوان بن صالح، ثنا الوليد ابن عثمان بن أبى العاملة إِنَّمَا قَالَ أَدْخُلُ كُلِّي مِنْ صِغَرِ الْقُبَّةِ ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا شَرِيكٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسمه زاهرا وكان يهدى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَدِيَّةَ مِنَ الْبَادِيَةِ، فَيُجَهِّزُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أراد أن يخرج،
__________
[1] كذا بالتيمورية ونسخة دار الكتب. ولعلها: ليمازحه.
(6/46)

فقال رسول الله: إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ، وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه ولا يبصره الرجل، فقال: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟
فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ لَا يَأْلُو مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عَرَفَهُ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَنْ وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ أَوْ قَالَ: لَكِنَّ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ وَهَذَا إِسْنَادٌ رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَرَوَاهُ ابن حبان في صحيحه عن [1] ومن هذا القبيل ما رواه البخاري من صَحِيحِهِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الله- ويلقب حِمَارًا- وَكَانَ يُضْحِكُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ يُؤْتَى بِهِ فِي الشَّرَابِ، فَجِيءَ بِهِ يَوْمًا فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُ اللَّهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَمِنْ هَذَا مَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنِي شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي مَسِيرٍ وَكَانَ حَادٍ يَحْدُو بِنِسَائِهِ أَوْ سَائِقٌ، قَالَ: فَكَانَ نِسَاؤُهُ يَتَقَدَّمْنَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَنْجَشَةُ وَيْحَكَ، ارْفُقْ بِالْقَوَارِيرِ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَادٍ يَحْدُو بِنِسَائِهِ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ، فَحَدَا فَأَعْنَقَتِ الْإِبِلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ ارْفُقْ بِالْقَوَارِيرِ، وَمَعْنَى الْقَوَارِيرِ النِّسَاءُ وَهِيَ كَلِمَةُ دُعَابَةٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَمِنْ مَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ ودعابته وحسن خلقه استماعه عليه السلام حَدِيثَ أُمِّ زَرْعٍ مِنْ عَائِشَةَ بِطُولِهِ، وَوَقَعَ في بعض الروايات أنه عليه السلام هُوَ الَّذِي قَصَّهُ عَلَى عَائِشَةَ وَمِنْ هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
ثَنَا أَبُو النَّضْرِ، ثَنَا أَبُو عَقِيلٍ- يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عقيل الثقفي- به، حَدَّثَنَا مَجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَدِيثًا، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ الْحَدِيثُ حَدِيثَ خُرَافَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَدْرِينَ مَا خُرَافَةُ؟ إِنَّ خُرَافَةَ كَانَ رَجُلًا مِنْ عُذْرَةَ أَسَرْتُهُ الْجِنُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَكَثَ فِيهِمْ دَهْرًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الْإِنْسِ، فَكَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَى فِيهِمْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ، فَقَالَ النَّاسُ: حَدِيثُ خُرَافَةَ وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ بِهِ قُلْتُ: وَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ الْأَحَادِيثِ وَفِيهِ نَكَارَةٌ وَمَجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ فاللَّه أَعْلَمُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ في باب خراج النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كِتَابِهِ الشَّمَائِلِ: ثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، ثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فُضَالَةَ عَنِ الحسن
__________
[1] بياض بنسخة دار الكتب المصرية، وفي التيمورية إلى قوله «ورواه ابن حبان في صحيحه» وليس فيها بياض.
(6/47)

قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله ادع لي أن يدخلني الله الجنة، قال: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، فَوَلَّتِ الْعَجُوزُ تَبْكِي، فَقَالَ أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تدخلها وهي عجوز فان اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ «إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً» 56: 35- 36 وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثنا عباس ابن مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا، قَالَ: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا. تُدَاعِبُنَا- يَعْنِي تُمَازِحُنَا- وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فِي بَابِ الْبِرِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ثم قال: وهذا حديث مرسل حسن
باب زهده عليه السلام وَإِعْرَاضِهِ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ وَإِقْبَالِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَعَمَلِهِ لِدَارِ الْقَرَارِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى» 20: 131 وَقَالَ تَعَالَى: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» 18: 28 وَقَالَ تَعَالَى: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ من الْعِلْمِ» 53: 29- 30 وقال: «وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً من الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ» 15: 87- 88 وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ، فَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، أَنَا بَقِيَّةُ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الْزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ أَنَّ الله أرسل إلى نبيه مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ الْمَلَكُ لرسوله: «إِنَّ اللَّهَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَلَكًا نَبِيًّا» فَالْتَفَتَ رسول الله إِلَى جِبْرِيلَ كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَأَشَارَ جِبْرِيلُ إِلَى رسول الله أَنْ تَوَاضَعْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَكُونُ عَبْدًا نَبِيًّا، قَالَ: فَمَا أَكَلَ بَعْدَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ طَعَامًا مُتَّكِئًا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ بِهِ، وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ- وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- قَالَ: جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا نَزَلَ مُنْذُ يَوْمِ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ، فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ: أَفَمَلَكًا نَبِيًّا يَجْعَلُكَ أَوْ عَبْدًا رَسُولًا هَكَذَا وَجَدْتُهُ بِالنُّسْخَةِ الَّتِي عِنْدِي بِالْمُسْنَدِ مُقْتَصِرًا وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي حَدِيثِ إِيلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَزْوَاجِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا وَاعْتَزَلَ عَنْهُنَّ فِي عُلِّيَّةٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فِي تِلْكَ الْعُلِّيَّةِ فَإِذَا
(6/48)

لَيْسَ فِيهَا سِوَى صُبْرَةٍ مِنْ قَرَظٍ، وَآهِبَةٍ مُعَلَّقَةٍ، وَصُبْرَةٍ مِنْ شَعِيرٍ، وَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رُمَالِ حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فهملت عينا عمر، فقال: مالك، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ، وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ فِيمَا هَمَا فِيهِ، فجلس محمرا وجهه فقال: أو في شك أنت يا ابن الْخَطَّابِ؟ ثُمَّ قَالَ:
أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَاحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ لَمَّا انْقَضَى الشَّهْرُ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ الله أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً» 33: 28- 29. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا مَبْسُوطًا فِي كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ وَأَنَّهُ بَدَأَ بِعَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، وَتَلَا عَلَيْهَا هَذِهِ الْآيَةَ، قَالَتْ:
فَقُلْتُ أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَكَذَلِكَ قَالَ سائر أزواجه عليه السلام ورضى عَنْهُنَّ وَقَالَ مُبَارَكُ بْنُ فُضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وهو على سرير مزمول بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مَنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا ليف، ودخل عليه عمرو ناس من الصحابة فانحرف رسول الله انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟
قَالَ: وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعِيشَانِ فِيمَا يَعِيشَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّذِي أَرَى، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ. هَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: [حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ] ثَنَا مُبَارَكٌ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وهو على سرير مضطجع مزمل بِشَرِيطٍ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَدَخَلَ عمر فانحرف رسول الله انْحِرَافَةً فَلَمْ يَرَ عُمَرُ بَيْنَ جَنْبِهِ وَبَيْنَ الشَّرِيطِ ثَوْبًا وَقَدْ أَثَّرَ الشَّرِيطُ بِجَنْبِ رَسُولِ الله، فَبَكَى عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبْكِي إِلَّا أَكُونُ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَهُمَا يَعِيشَانِ فِي الدُّنْيَا فِيمَا يَعِيشَانِ فِيهِ وَأَنْتَ يَا رَسُولُ اللَّهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أرى، فقال رسول الله: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَمْرِو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة بن مسعود قال: اضطجع رسول الله عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ الْحَصِيرُ بِجِلْدِهِ، فَجَعَلْتُ أَمْسَحُهُ وأقول بأبي أنت وأمى أَلَا آذَنْتَنَا فَنَبْسُطَ لَكَ شَيْئًا يَقِيكَ مِنْهُ تَنَامُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ به. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ كِلَاهُمَا عَنِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فقال:
(6/49)

حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ وَأَبُو سَعِيدٍ وَعَفَّانُ قَالُوا: ثَنَا ثَابِتٌ، ثَنَا هِلَالٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا، فَقَالَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبد الله ابن عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ أَحَدٍ ذَهَبًا مَا سَرَّنِي أَنْ تَأْتِيَ عَلِيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: اللَّهمّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ يزيد بن سنان عن ابن الْمُبَارَكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: اللَّهمّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ إِسْنَادِهِ لِأَنَّ فِيهِ يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ أَبَا فَرْوَةَ الرُّهَاوِيَّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ الْكُوفِيُّ، ثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَابِدُ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ النُّعْمَانِ اللَّيْثِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اللَّهمّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا يَا عَائِشَةُ لَا تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ. يَا عَائِشَةُ حِبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ قُلْتُ: وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَفِي مَتْنِهِ نَكَارَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصمد، [قال: حد] ثنا أبو عبد الرحمن- يعنى- عبد الله ابن دينار عن أبى حازم عن سعيد بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ رَأَى النَّقِيَّ بِعَيْنِهِ- يَعْنِي الْحُوَّارَى- فَقَالَ لَهُ مَا رأى رسول الله النَّقِيَّ بِعَيْنِهِ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَنَاخِلُ عَلَى عهد رسول الله؟ فَقَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ، فَقِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ؟ قَالَ: نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ [مِنْهُ] مَا طَارَ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ به وزاد ثم نذريه وَنَعْجِنُهُ، ثُمَّ قَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ محمد بن مطرف بن غَسَّانَ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ بِهِ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَالْنَّسَائِيُّ عن شيبة عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِّيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، ثَنَا جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: مَا كَانَ يَفْضُلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزُ الشَّعِيرِ، ثُمَّ قَالَ:
حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ مِرَارًا: وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ مَا شَبِعَ نَبِيُّ الله وأهله ثلاثة
(6/50)

أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ بُرٍّ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طلحة عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ثَلَاثًا مِنْ خُبْزِ بُرٍّ حَتَّى قُبِضَ وَمَا رُفِعَ مِنْ مَائِدَتِهِ كِسْرَةٌ قَطُّ حَتَّى قُبِضَ وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثَنَا مُطِيعٌ الْغَزَّالُ عَنْ كُرْدُوسٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدْ مَضَى رَسُولُ الله لِسَبِيلِهِ وَمَا شَبِعَ أَهْلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ طعام بر وقال الامام أحمد: ثنا حسن، ثنا زويد عَنْ أَبِي سَهْلٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ رُومَانَ- مَوْلَى عُرْوَةَ- عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا رَأَى مُنْخُلًا وَلَا أَكَلَ خَبْزًا مَنْخُولًا مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] إِلَى أَنَّ قُبِضَ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ؟ قَالَتْ: كُنَّا نَقُولُ أُفُّ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كُنَّا لَنُخْرِجُ الْكُرَاعَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَنَأْكُلُهُ، قُلْتُ: وَلِمَ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ فَضَحِكَتْ وَقَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم من خبز مأدوم حَتَّى لَحِقَ باللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى، ثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ يَأْتِي عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ الشَّهْرُ مَا يُوقِدُونَ فِيهِ نَارًا لَيْسَ إِلَّا التمر والماء إلا أن يؤتى بِاللَّحْمِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَيَمُرُّ بِنَا الْهِلَالُ مَا نُوقِدُ نَارًا إِنَّمَا هُوَ الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ حَوْلَنَا أَهْلُ دُورٍ من الأنصار يبعثون إلى رسول الله بِلَبَنِ مَنَائِحِهِمْ فَيَشْرَبُ وَيَسْقِينَا مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ ورواه أحمد عن بريدة عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عنها بِنَحْوِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حدثني أبى، ثنا حسين ثنا مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عروة بن الزبير أنه سمع عائشة تقول كان يمر بنا هِلَالٌ وَهِلَالٌ مَا يُوقَدُ فِي بَيْتٍ مِنْ بيوت رسول الله صلّى الله عليه وسلم نَارٌ، قَالَ قُلْتُ: يَا خَالَةُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعِيشُونَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عبد الرحمن ابن يَزِيدَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عبد الله، حدثني أبى، ثنا بهز، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قال: قالت عائشة: أرسل إِلَيْنَا آلُ أَبِي بَكْرٍ بِقَائِمَةِ شَاةٍ لَيْلًا فأمسكت وقطع رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قالت: أمسك رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَطَعْتُ قالت- تقول للذي تحدثه- هذا على غير مصباح وفي رواية لو كان عندنا مصباح لاتدمنا به، قال قالت عائشة إنه ليأتى على آل محمد الشَّهْرُ مَا يَخْتَبِزُونَ خُبْزًا وَلَا يَطْبُخُونَ قِدْرًا، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
(6/51)

الْمُغِيرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ شَهْرَيْنِ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا خَلَفٌ، ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدٍ- هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يَمُرُّ بِآلِ رسول الله هِلَالٌ ثُمَّ هِلَالٌ لَا يُوقِدُونَ فِي بُيُوتِهِمُ النار لا بخبز ولا بطبخ، قَالُوا: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانُوا يَعِيشُونَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، وَكَانَ لَهُمْ جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ جَزَاهُمُ اللَّهُ خَيْرًا لَهُمْ مَنَائِحُ يُرْسِلُونَ إِلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ لَبَنٍ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَجَبِّي عَنْ أُمِّهِ عن عائشة قالت: توفى رسول الله وَقَدْ شَبِعَ النَّاسُ مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ وَالْمَاءِ وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بِطَعَامٍ سُخْنٍ فَأَكَلَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: (الْحَمْدُ للَّه) مَا دَخَلَ بَطْنِي طَعَامٌ سُخْنٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، ثَنَا [عَمَّارٌ] أَبُو هَاشِمٍ صَاحِبُ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ فَاطِمَةَ نَاوَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِسْرَةً من خبز الشعير فَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ طَعَامٍ أَكَلَهُ أَبُوكِ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَفَّانَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنْ ثابت ابن يَزِيدَ عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ الْعَبْدِيِّ الْكُوفِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبِيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ عَامَّةَ خُبْزِهِمْ خُبْزُ الشَّعِيرِ، وَهَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيِّ عَنْ يَزِيدَ عن أبى أمية الأعور عن أبى يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: رأيت رسول الله أخذ كسرة من [خبزا ال] شعير فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً، وَقَالَ: هَذِهِ إِدَامُ هَذِهِ وأكل وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَى رَسُولِ الله الحلو البارد وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ باللَّه، وَلَا شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهُ أَيْضًا: مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِوَانٍ وَلَا فِي سُكُرُّجَةٍ وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ، فَقُلْتُ لِأَنَسٍ: فَعَلَى مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ؟
قَالَ: على [هذه] السُّفَرِ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ أَيْضًا عَنْ أنس أنه مشى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعَهُ من يَهُودِيٍّ فَأَخَذَ لِأَهْلِهِ شَعِيرًا، وَلِقَدٍّ سَمِعْتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ يَقُولُ: مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ تَمْرٍ وَلَا صَاعُ حَبٍّ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ غَدَاءٌ وَلَا عَشَاءٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ عَنْ عَفَّانَ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ فَذَكَرَ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: لقد
(6/52)

رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْتَوِي مِنَ الْجُوعِ مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَفِي قِصَّةِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ خَرَجَا مِنَ الْجُوعِ فَبَيْنَمَا هُمَا كذلك إذ خرج رسول الله، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا؟ فَقَالَا: الْجُوعُ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، فَذَهَبُوا إلى حديقة الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ فَأَطْعَمَهُمْ رُطَبًا وَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا الْمَاءَ الْبَارِدَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، ثَنَا سَيَّارٌ، ثنا يزيد بْنُ أَسْلَمَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوعَ وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [عَنِ بطنه] عَنْ حَجَرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ غَرِيبٌ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: كَانَ مَنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: ثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ من الأنصار فرأت فراش رسول الله عَبَاءَةً مَثْنِيَّةً، فَانْطَلَقَتْ فَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِفِرَاشٍ حَشْوُهُ الصوف، فدخل على رسول الله فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ قَالَتْ:
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فُلَانَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيَّ فَرَأَتْ فِرَاشَكَ فَذَهَبَتْ فَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِهَذَا فَقَالَ: رُدِّيهِ قَالَتْ: فَلَمْ أَرُدَّهُ وَأَعْجَبَنِي أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِي حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قالت: فقال رديه يا عائشة فو الله لَوْ شِئْتُ لَأَجْرَى اللَّهُ مَعِي جِبَالَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الله بن مهدي، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَتْ عَائِشَةُ مَا كَانَ فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِكِ؟ قَالَتْ: مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ، وَسُئِلَتْ حَفْصَةُ مَا كَانَ فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: مِسْحًا نَثْنِيهِ ثِنْيَتَيْنِ فَيَنَامُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ قُلْتُ: لَوْ ثَنَيْتُهُ بِأَرْبَعِ ثِنْيَاتٍ كَانَ أَوْطَأَ لَهُ، فَثَنَيْنَاهُ لَهُ بأربع ثنيات، فلما أصبح قال «ما فرشتم لي اللَّيْلَةَ؟ قَالَتْ: قُلْنَا هُوَ فِرَاشُكَ إِلَّا أَنَّا ثَنَيْنَاهُ بِأَرْبَعِ ثِنْيَاتٍ قُلْنَا هُوَ أَوْطَأُ لَكَ، قَالَ: رَدُّوهُ لِحَالَتِهِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ مَنَعَتْنِي وَطْأَتُهُ صَلَاتِيَ اللَّيْلَةَ [وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ الْأَصْبِهَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الْيَمَنِ فَابْتَعْتُ حُلَّةَ ذِي يَزَنَ فَأَهْدَيْتُهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَرَدَّهَا، فَبِعْتُهَا فَاشْتَرَاهَا فَلَبِسَهَا ثُمَّ خَرَجَ عَلَى أصحابه وهي عليه فما رأيت شيئا أحسن منه فيها، فما ملكت نفسي أن قلت:
ما ينظر الحكام بالفضل بعد ما ... بَدَا وَاضِحٌ مِنْ غُرَّةٍ وَحُجُولِ
(6/53)

إذا قايسوه الجدّ أربى عليهم ... بمستفرع ما الذّباب سحيل
فَسَمِعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ يَتَبَسَّمُ ثُمَّ دَخَلَ فَكَسَاهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ] [1] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي [حُسَيْنُ بْنُ] عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ [قال: حدثني] ربعي بن خراش عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاهِمُ الْوَجْهِ، قَالَتْ: فَحَسِبْتُ ذَلِكَ مِنْ وَجَعٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَاكَ سَاهِمَ الْوَجْهِ، أَفَمِنْ وَجَعٍ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الدَّنَانِيرَ السَّبْعَةَ الَّتِي أُتِينَا بِهَا [أَمْسِ أَمْسَيْنَا] وَلَمْ نُنْفِقْهَا نُسِّيتُهَا فِي خُصْمِ الْفِرَاشِ» . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، [قَالَ: أَنَا بَكْرُ] بْنُ مُضَرٍ، ثَنَا مُوسَى بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: دَخَلْتُ أنا وعروة ابن الزُّبَيْرِ يَوْمًا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: لَوْ رَأَيْتُمَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَرَضٍ مَرِضَهُ؟ قَالَتْ: وَكَانَ لَهُ عِنْدِي سِتَّةُ دَنَانِيرَ، قَالَ مُوسَى أَوْ سَبْعَةٌ، قَالَتْ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُفَرِّقَهَا، قَالَتْ: فَشَغَلَنِي وَجَعُ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَتْ: ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْهَا فَقَالَ: مَا فَعَلَتِ السِّتَّةُ؟ قَالَ: أَوِ السَّبْعَةُ، قلت: لا والله لقد شَغَلَنِي عَنْهَا وَجَعُكَ، قَالَتْ: فَدَعَا بِهَا ثُمَّ صَفَّهَا فِي كَفِّهِ، فَقَالَ: مَا ظَنُّ نَبِيِّ اللَّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وَهَذِهِ عِنْدَهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَقَالَ قُتَيْبَةُ: ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يدخر شيئا لغد وهذا الحديث في الصحيحين، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَالْأَطْعِمَةِ وَنَحْوِهَا لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ على رسوله مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ فَكَانَ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَّرْنَاهُ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، [قَالَ: أَخْبَرَنِي] هِلَالُ بْنُ سُوَيْدٍ أَبُو مُعَلَّى [قَالَ] :
سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ يَقُولُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةُ طَوَائِرَ فَأَطْعَمَ خَادِمَهُ طَائِرًا فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ بِهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ أَنْهَكِ أَنْ تَرْفَعِي شَيْئًا لِغَدٍ، فَإِنَّ اللَّهَ [عَزَّ وَجَلَّ] يَأْتِي بِرِزْقِ كُلِّ غَدٍ.
حَدِيثُ بِلَالٍ فِي ذَلِكَ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنَا أَبُو محمد بن جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، ثَنَا بَكَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا عبد الله بن عون عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رسول الله دَخَلَ عَلَى بِلَالٍ فَوَجَدَ عِنْدَهُ صُبَرًا مِنْ تَمْرٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا بِلَالُ؟ قَالَ: تَمْرٌ أَدَّخِرُهُ، قَالَ وَيْحَكَ يَا بِلَالُ أَوَ ما تخاف أن تكون له بحار [2] فِي النَّارِ! أَنْفِقْ بِلَالُ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذي العرش إقلالا. قال البيهقي
__________
[1] من قوله» وقال الطبراني» الى هنا زيادة بالنسخة التيمورية ولم تكن بالتي بدار الكتب المصرية.
[2] كذا. وليراجع البيهقي.
(6/54)

بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ وَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي تَوْبَةَ الرَّبِيعِ بْنِ نافع، حدثني معاوية ابن سَلَامٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَامٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الله الهورينى قَالَ: لَقِيتُ بِلَالًا مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَلَبَ، فَقُلْتُ: يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا كَانَ لَهُ شيء إِلَّا أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَلِي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَكَانَ إذا أتاه الإنسان المسلم فرآه عائلا، يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي الْبُرْدَةَ وَالشَّيْءَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ، حَتَّى اعْتَرَضَنِي رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: يَا بِلَالُ، إِنَّ عِنْدِي سِعَةً فَلَا تَسْتَقْرِضْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا مِنِّي، فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ تَوَضَّأْتُ ثُمَّ قُمْتُ لِأُؤَذِّنَ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا الْمُشْرِكُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ التُّجَّارِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: يَا حَبَشِيُّ، قَالَ: قُلْتُ يَا لَبَّيْهُ، فَتَجَهَّمَنِي، وَقَالَ قَوْلًا عَظِيمًا أَوْ غَلِيظًا، وَقَالَ: أَتَدْرِي كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ؟ قُلْتُ: قَرِيبٌ، قَالَ إِنَّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعُ لَيَالٍ فَآخُذُكَ بِالَّذِي لِي عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَمْ أُعْطِكَ الّذي أعطتك مِنْ كَرَامَتِكَ وَلَا مِنْ كَرَامَةِ صَاحِبِكَ، وَإِنَّمَا أعطيتك لتصير لي عبدا فأذرك ترعى في الغنم كما كنت قبل ذلك، قال: فأخذني فِي نَفْسِي مَا يَأْخُذُ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ، فانطلقت فناديت بِالصَّلَاةِ حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنَّ الْمُشْرِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ أَنِّي كُنْتُ أَتَدَيَّنُ [1] مِنْهُ قَدْ قَالَ كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ عِنْدَكَ مَا يَقْضِي عَنِّي، وَلَا عِنْدِي، وَهُوَ فَاضِحِي، فَأْذَنْ لِي أن آتى إلى بَعْضَ هَؤُلَاءِ الْأَحْيَاءِ الَّذِينَ قَدْ أَسْلَمُوا حَتَّى يَرْزُقَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَقْضِي عَنِّي، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ مَنْزِلِي فجعلت سيفي وحرابى وَرُمْحِي وَنَعْلِي عِنْدَ رَأْسِي، فَاسْتَقْبَلْتُ بِوَجْهِيَ الْأُفُقَ فَكُلَّمَا نِمْتُ انْتَبَهْتُ فَإِذَا رَأَيْتُ عَلَيَّ لَيْلًا نِمْتُ حَتَّى انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الْأَوَّلِ فَأَرَدْتُ أن أنطلق فإذا إنسان يَدْعُو: يَا بِلَالُ أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فانطلقت حتى آتيه، فإذا أربع ركائب عليهنّ أحمالهن فأتيت رسول الله فاستأذنت، فقال لي رسول الله: أَبْشِرْ فَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِقَضَاءِ دَيْنِكَ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَقَالَ: أَلَمْ تَمُرَّ عَلَى الرَّكَائِبِ الْمُنَاخَاتِ الْأَرْبَعِ؟ قَالَ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ:
فَإِنَّ لَكَ رِقَابَهُنَّ وَمَا عَلَيْهِنَّ- فَإِذَا عَلَيْهِنَّ كِسْوَةٌ وَطَعَامٌ أَهْدَاهُنَّ لَهُ عَظِيمُ فَدَكَ-، فَاقْبِضْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اقْضِ دَيْنَكَ، قَالَ: فَفَعَلْتُ فَحَطَطْتُ عَنْهُنَّ أَحْمَالَهُنَّ ثم علفتهن ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى تَأْذِينِ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجْتُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَجَعَلْتُ أُصْبُعِي فِي أذنى فَقُلْتُ: مَنْ كَانَ يَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنًا فَلْيَحْضُرْ، فَمَا زلت أبيع وأقضى وأعرض حَتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنٌ فِي الْأَرْضِ حَتَّى فَضَلَ عِنْدِي أُوقِيَّتَانِ أَوْ أُوقِيَّةٌ وَنِصْفٌ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ ذَهَبَ عَامَّةُ النَّهَارِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ؟
قُلْتُ: قَدْ قَضَى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَبْقَ شيء، قال: فضل شيء؟ قلت: نعم
__________
[1] كذا. ولعله: أستدين أو أتداين.
(6/55)

دِينَارَانِ، قَالَ: انْظُرْ أَنْ تُرِيحَنِي مِنْهُمَا فَلَسْتُ بِدَاخِلٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِي حَتَّى تُرِيحَنِي منهما، فَلَمْ يَأْتِنَا أَحَدٌ، فَبَاتَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أَصْبَحَ وَظَلَّ فِي الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ الثَّانِيَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّهَارِ جَاءَ رَاكِبَانِ فَانْطَلَقْتُ بِهِمَا فَكَسَوْتُهُمَا وَأَطْعَمْتُهُمَا، حَتَّى إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ دَعَانِي فَقَالَ: مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَكَ؟ قُلْتُ:
قَدْ أَرَاحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ شَفَقًا مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَاءَ أَزْوَاجَهُ فَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ امْرَأَةٍ حَتَّى أَتَى مَبِيتَهُ، فَهَذَا الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ:
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ الْمَدِينِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله أَنْ يُعْطِيَهُ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ، ولكن ابتع عليّ شيئا فَإِذَا جَاءَنِي شَيْءٌ قَضَيْتُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَعْطَيْتَهُ، فَمَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ عُمَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفِقْ وَلَا تَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ التَّبَسُّمُ فِي وَجْهِهِ لِقَوْلِ الْأَنْصَارِيِّ وَقَالَ: بِهَذَا أُمِرْتُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَلَا إِنَّهُمْ لَيَسْأَلُونِي وَيَأْبَى اللَّهُ عليّ الْبُخْلَ وَقَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ سَأَلُوهُ قَسْمَ الْغَنَائِمِ: وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ عِنْدِي عَدَدَ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهَا فِيكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بخيلا ولا ضانا وَلَا كَذَّابًا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، ثَنَا شَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عن الربيع بنت معوذ بن عمر قالت: أتيت رسول الله بقناع من رطب، وأجرز عنب، فَأَعْطَانِي مِلْءَ كَفِّهِ حُلِيًّا أَوْ ذَهَبًا وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ الْتَقَمَ صَاحِبُ الْقَرْنِ الْقَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ وَأَصْغَى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ، قَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ وَمِنْ حَدِيثِ خَالِدِ بن طهمان كلاهما عن عطية وأبى سعيد العوفيّ البجلي، وأبو الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ قُلْتُ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخر عنه ومن حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ.
وَمِنْ تَوَاضُعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، ثَنَا عمرو بن محمد، ثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ- وَكَانَ قَارِئَ الْأَزْدِ- عَنْ أَبِي الْكَنُودِ عَنْ خَبَّابٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) 6: 52 إِلَى قَوْلِهِ (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) 6: 52 قَالَ: جَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ صُهَيْبٍ وَبِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَخَبَّابٍ قَاعِدًا فِي نَاسٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ مِنَ المؤمنين، فلما رأوهم حول رسول الله حقروهم، فأتوا فخلوا به فقالوا: نُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنَا بِهِ الْعَرَبُ فَضْلَنَا، فَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَبُ مَعَ هَذِهِ الأعبد، فإذا
(6/56)

نَحْنُ جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنْكَ، فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْتَ. قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَاكْتُبْ لَنَا عَلَيْكَ كِتَابًا، قَالَ: فَدَعَا بِصَحِيفَةٍ وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُبَ وَنَحْنُ قُعُودٌ فِي نَاحِيَةٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ:
(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ من الظَّالِمِينَ) 6: 52 ثُمَّ ذَكَرَ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ فَقَالَ: «وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ» 6: 53 ثُمَّ قَالَ: «وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» 6: 54 قَالَ:
فَدَنَوْنَا مِنْهُ حَتَّى وَضَعْنَا رُكَبَنَا عَلَى ركبته، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ مَعَنَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ وَتَرَكَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ» 18: 28 ولا تجالس الأشراف «وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا» 18: 28 يَعْنِي عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعَ «وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» 18: 28 قَالَ: هَلَاكًا، قَالَ [1] أَمْرُ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الرَّجُلَيْنِ وَمَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، قَالَ خَبَّابٌ: فَكُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا بَلَغْنَا السَّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَقُومَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ ثَنَا أَبُو دَاوُدَ، ثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا سِتَّةٍ، فِيَّ وَفِي ابْنِ مَسْعُودٍ وَصْهَيْبٍ وَعَمَّارٍ وَالْمِقْدَادِ وَبِلَالٍ. قَالَ قَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَرْضَى أَنْ نَكُونَ أَتْبَاعًا لَهُمْ فَاطْرُدْهُمْ عَنْكَ، قَالَ: فَدَخَلَ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْخُلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» 6: 52 الْآيَةَ وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْفَهَانِيُّ، أَنَا أَبُو سعيد بن الأعرابي، ثنا أبو الحسن خلف ابن محمد الواسطي الدوسيّ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، ثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ- يَعْنِي عن العلاء بن بشير المازني [عَنْ] أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ جَالِسًا مَعَهُمْ وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنَ الْعُرْيِ، وَقَارِئٌ لَنَا يَقْرَأُ عَلَيْنَا، فَكُنَّا نَسْمَعُ إِلَى كِتَابِ الله فقال رسول الله: الْحَمْدُ للَّه الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أمرت أن أصبر معهم نفسي، قَالَ فَاسْتَدَارَتِ الْحَلْقَةُ وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ، قَالَ: فَمَا عرف رسول الله أحدا منهم غيري، فقال رسول الله: أبشروا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور يوم القيامة، تدخلون قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لما يعلمون من كراهيته لذلك.
__________
[1] كذا ولعله ذكر.
(6/57)

فصل في عبادته عليه السلام واجتهاده في ذلك
قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا تَشَاءُ تَرَاهُ نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، قَالَتْ: وَمَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم في رمضان وفي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ. قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ السُّورَةَ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا، قَالَتْ: وَلَقَدْ كَانَ يَقُومُ حَتَّى أَرْثِيَ لَهُ مِنْ شِدَّةِ قِيَامِهِ وَذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى مَعَهُ لَيْلَةً فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى بِالْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَآلِ عِمْرَانَ ثُمَّ رَكَعَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَرَفَعَ نَحْوَهُ وَسَجَدَ نَحْوَهُ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» 5: 118 رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكُلُّ هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصِّحَاحِ، وَمَوْضِعُ بَسْطِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ الْكَبِيرِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ:
أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: حُبِّبَ إِلَيَّ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا حَمَّادٌ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ حُبِّبَ إِلَيْكَ الصَّلَاةُ فَخُذْ مِنْهَا مَا شِئْتَ» وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعبد الله ابن رَوَاحَةَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ عَنْ إبراهيم عن علقمة قال: سألت عَائِشَةَ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الْأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً. وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَطِيعُ؟ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وعبد الله بن عمرو أبى هريرة وعائشة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوَاصِلُ وَنَهَى أَصْحَابَهُ عَنِ الْوِصَالِ وَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ، إِنِّي أَبَيْتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْإِطْعَامَ وَالسُّقْيَا مَعْنَوِيَّانِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عاصم عن أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ وَمَا أَحْسَنَ مَا قال بعضهم:
لها أحاديث من ذكراك يشغلها عن الشراب ويليها عن الزاد
(6/58)

وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْفِرْيَابِيِّ عن الثوري عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: اقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، قَالَ: فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» 4: 41 قَالَ: حَسْبُكَ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ وَثَبَتَ في الصحيح: أنه عليه السلام كَانَ يَجِدُ التَّمْرَةَ عَلَى فِرَاشِهِ فَيَقُولُ: لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ تَحْتَ جَنْبِهِ تَمْرَةً مِنَ اللَّيْلِ، فَأَكَلَهَا فَلَمْ يَنَمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ بَعْضُ نِسَائِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرِقْتَ اللَّيْلَةَ، قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ تَحْتَ جَنْبِي تَمْرَةً فَأَكَلْتُهَا، وَكَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وأسامة بن زيد هُوَ اللَّيْثِيُّ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ. وَالَّذِي نَعْتَقِدُ أَنَّ هَذِهِ التَّمْرَةَ لَمْ تَكُنْ مِنْ تَمْرِ الصدقة لعصمته عليه السلام ولكن من كمال ورعه عليه السلام أَرِقَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: [وَاللَّهِ إِنِّي] لَأَتْقَاكُمْ للَّه وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ قَالَ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كأزيز الرحا مِنَ الْبُكَاءِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي كُرَيْبٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيِّ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَاكَ شِبْتَ، فَقَالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أبى كريب عن معاوية عن هِشَامٍ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ، فَقَالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا: الْوَاقِعَةُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ.
فَصْلٌ فِي شَجَاعَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[ذَكَرْتُ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ بعض من السَّلَفِ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: «فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ» 4: 84 أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَأْمُورًا أَنْ لَا يَفِرَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا وَاجَهُوهُ وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ «لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ» 4: 84 وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَشْجَعِ النَّاسِ وَأَصْبَرِ النَّاسِ وَأَجْلِدِهِمْ، مَا فَرَّ قَطُّ مِنْ مَصَافَّ وَلَوْ تَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ. قال بعض أصحابه: كنا إذا اشتد الحرب وحمى الناس، نَتَّقِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِي يَوْمِ بَدْرٍ رَمَى أَلْفَ مُشْرِكٍ بِقَبْضَةٍ من حصا فَنَالَتْهُمْ أَجْمَعِينَ حِينَ قَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، وَكَذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفَرَّ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ فِي ثَانِي الْحَالِ
(6/59)

يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي مُقَامِهِ لَمْ يَبْرَحْ مِنْهُ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ وَبَقِيَ الْخَمْسَةُ. وَفِي هَذَا الْوَقْتِ قُتِلَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَعَجَّلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّارِ. وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ولى الناس كلهم وكانوا يومئذ اثنا عَشَرَ أَلْفًا وَثَبَتَ هُوَ فِي نَحْوٍ مِنْ مائة من الصحابة وَهُوَ رَاكِبٌ يَوْمَئِذٍ بَغْلَتَهُ وَهُوَ يَرْكُضُ بِهَا الى نحو العدو، وهو ينوه باسمه وَيُعْلِنُ بِذَلِكَ قَائِلًا: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ. حَتَّى جَعَلَ الْعَبَّاسُ وعلى وأبو سفيان يتعلقون في تلك البغلة ليبطئوا سَيْرَهَا خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَصِلَ أَحَدٌ مِنَ الْأَعْدَاءِ إِلَيْهِ. وَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى نَصَرَهُ اللَّهُ وَأَيَّدَهُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ وَمَا تراجع الناس الا والأشلاء مجندلة بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُضِّلْتُ عَلَى النَّاسِ بِشِدَّةِ الْبَطْشِ] [1] .
فَصْلٌ فِيمَا يُذْكَرُ مِنْ صِفَاتِهِ عليه السلام فِي الْكُتُبِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ
قَدْ أَسْلَفْنَا طَرَفًا صَالِحًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْبِشَارَاتِ قبل مولده، ونحن نذكر هنا غُرَرًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ في الفرقان: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً 33: 45 وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ أَنْ يَقُولُوا: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَأَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ثُمَّ لَقِيتُ كَعْبًا الْحَبْرَ فَسَأَلْتُهُ فَمَا اخْتَلَفَا فِي حَرْفٍ إلا أن كعبا قال أعينا وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، قِيلَ:
هُوَ ابْنُ رَجَاءٍ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ بِهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ هِلَالٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ كَذَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ- هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كاتب اللَّيْثُ- حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هلال عن أسامة عن عطاء بن يسار عن
__________
[1] هذا الفصل من النسخة التيمورية.
(6/60)

ابْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّا لَنَجِدُ صِفَةَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً. 33: 45 أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُهُ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الأسواق ولا يجزى بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويتجاوز، وليس أقبضه حتى يقيم الملة العوجاء: بأن تشهد (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) يَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا. قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ يَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَ ابْنُ سَلَامٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حدثنا زيد بن أخرم الطائي البصري، ثنا أبو قتيبة- مسلم بْنُ قُتَيْبَةَ-، حَدَّثَنِي أَبُو مَوْدُودٍ الْمَدَنِيُّ، ثَنَا عثمان الضحاك عن محمد ابن يوسف عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده قال: مكتوب في التوراة «مُحَمَّدٍ وَعِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ» فَقَالَ أبو مودود: قد بَقِيَ فِي الْبَيْتِ مَوْضِعُ قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ الترمذي: هذا حديث حسن هكذا قال الضَّحَّاكِ وَالْمَعْرُوفُ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ الْمَدَنِيُّ، وَهَكَذَا حَكَى شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَطْرَافِ عَنِ ابْنِ عَسَاكِرَ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَ قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ شَيْخٌ آخَرُ أَقْدَمُ مِنَ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ فِيمَنِ اسْمُهُ عُثْمَانُ، فَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّنْ آمَنَ وعبد اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَقَدْ كَانَ لَهُ اطِّلَاعٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ زَامِلَتَيْنِ كَانَ أَصَابَهُمَا يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَكَانَ يُحَدِّثُ مِنْهُمَا عن أهل الكتاب، وعن كعب الأحبار، وَكَانَ بَصِيرًا بِأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ خَلْطٍ وَغَلَطٍ، وَتَحْرِيفٍ وَتَبْدِيلٍ، فَكَانَ يَقُولُهَا بِمَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ نَقْدٍ، وَرُبَّمَا أَحْسَنَ بَعْضُ السَّلَفِ بِهَا الظَّنَّ فَنَقَلَهَا عَنْهُ مُسَلَّمَةً، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِبَعْضِ مَا بِأَيْدِينَا مِنَ الْحَقِّ جُمْلَةٌ كَثِيرَةٌ، لَكِنْ لَا يَتَفَطَّنُ لَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ لْيُعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّلَفِ يُطْلِقُونَ التَّوْرَاةَ عَلَى كُتُبِ أهل الكتاب المتلوة عِنْدَهُمْ، أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ لفظ القرآن يطلق على كتابنا خصوصا وَيُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ: خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فتسرح فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِقْدَارَ مَا يَفْرُغُ، وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: قُلْتُ لِكَعْبٍ الْحَبْرِ: كَيْفَ تَجِدُونَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: نَجِدُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، اسْمُهُ الْمُتَوَكِّلُ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، وأعطى المفاتيح ليبصّر الله به أعينا عميا، وَيُسْمِعَ بِهِ آذَانًا وُقْرًا، وَيُقِيمُ بِهِ أَلْسُنًا مُعْوَجَّةً حَتَّى تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) يُعِينُ الْمَظْلُومَ وَيَمْنَعُهُ وَبِهِ عَنْ يونس بن بكير عن يونس ابن عمرو عن العيزار بن خريب عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكتوب في الإنجيل لافظ، وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا، بَلْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَقَالَ يعقوب بن سفيان: ثنا قيس الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: أَوْحَى
(6/61)

اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ. جِدَّ فِي أَمْرِي وَلَا تَهْزُلْ، وَاسْمَعْ وَأَطِعْ يا ابن الطاهر البتول، إني خلقتك من غير فحل، وجعلتك آيَةً لِلْعَالَمِينَ، فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ، وَعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ، فَبَيِّنْ لأهل سوران أَنِّي أَنَا الْحَقُّ الْقَائِمُ الَّذِي لَا أَزُولُ، صدقوا بالنبيّ الْعَرَبِيِّ، صَاحِبِ الْجَمَلِ وَالْمِدْرَعَةِ وَالْعِمَامَةِ وَالنَّعْلَيْنِ وَالْهِرَاوَةِ، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الْأَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ، الْأَقْنَى الْأَنْفِ الْوَاضِحُ الْخَدَّيْنِ الْكَثُّ اللِّحْيَةِ، عَرَقُهُ فِي وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُؤِ، رِيحُهُ الْمِسْكُ يَنْفَحُ مِنْهُ، كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، وَكَأَنَّ الذَّهَبَ يَجْرِي فِي تَرَاقِيهِ، لَهُ شَعَرَاتٌ مِنْ لَبَّتِهِ إِلَى سُرَّتِهِ تَجْرِي كَالْقَضِيبِ لَيْسَ على صدره ولا بطنه شعر غيره، شئن الكفين والقدم، إذا جامع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما ينقلع مِنَ الصَّخْرِ وَيَنْحَدِرُ فِي صَبَبٍ ذُو النَّسْلِ الْقَلِيلِ وَرَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ وَهْبِ بن منبه اليمامي قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا قَرَّبَ مُوسَى نَجِيًّا، قَالَ: رَبِّ إِنِّي أُجِدُّ فِي التَّوْرَاةِ أُمَّةً خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُؤْمِنُونَ باللَّه، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: رَبِّ إني أجد في التوراة أمة هم خير الأمم الْآخِرُونَ مِنَ الْأُمَمِ، السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: يا رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أُمَّةً أَنَاجِيلُهُمْ في صدورهم يقرءونها، وكان من قبلهم يقرءون كُتُبَهُمْ نَظَرًا وَلَا يَحْفَظُونَهَا، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أُمَّةً يُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ ويقاتلون رءوس الضَّلَالَةِ حَتَّى يُقَاتِلُوا الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أُمَّةً يَأْكُلُونَ صَدَقَاتِهِمْ فِي بُطُونِهِمْ وَكَانَ مَنْ قَبْلَهُمْ إِذَا أَخْرَجَ صَدَقَتَهُ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا نَارًا فَأَكَلَتْهَا فَإِنْ لَمْ تقبل لا تَقْرَبْهَا النَّارُ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أُمَّةً إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ له حسنة، فان عملها كتب لَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أُمَّةً هُمُ الْمُسْتَجِيبُونَ وَالْمُسْتَجَابُ لَهُمْ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ قَالَ وَذَكَرُ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الزَّبُورِ: يَا دَاوُدُ: إِنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِكَ نَبِيٌّ اسْمُهُ أَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ، صَادِقًا سَيِّدًا، لَا أَغْضَبُ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَا يُغْضِبُنِي أَبَدًا، وَقَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْصِيَنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ، أعطيهم مِنَ النَّوَافِلِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُ الْأَنْبِيَاءَ، وَافْتَرَضْتُ عَلَيْهُمُ الْفَرَائِضَ الَّتِي افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، حَتَّى يَأْتُونِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنُورُهُمْ مِثْلُ نُورِ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ أَنِّي افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَطَهَّرُوا إلى كل صَلَاةٍ، كَمَا افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ كَمَا أَمَرْتُ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالْحَجِّ كَمَا أَمَرْتُ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالْجِهَادِ كَمَا أَمَرْتُ الرُّسُلَ قَبْلَهُمْ. يَا دَاوُدُ إِنِّي فَضَّلْتُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتَهُ عَلَى الْأُمَمِ كُلِّهَا، أَعْطَيْتُهُمْ سِتَّ خِصَالٍ
(6/62)

لم أعطها غيرهم من الأمم: لا آخذهم بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَكُلُّ ذَنْبٍ رَكِبُوهُ عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ إِنِ اسْتَغْفَرُونِي مِنْهُ غَفَرْتُهُ لَهُمْ، [وَمَا قَدَّمُوا لِآخِرَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ طَيِّبَةً بِهِ أَنْفُسُهُمْ جعلته لهم أضعافا مضاعفة] [1] ولهم في المدخر عِنْدِي أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَعْطَيْتُهُمْ عَلَى الْمَصَائِبِ فِي الْبَلَايَا إِذَا صَبَرُوا وَقَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، 2: 156 الصَّلَاةَ وَالرَّحْمَةَ وَالْهُدَى إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ، فَإِنْ دَعَوْنِي اسْتَجَبْتُ لَهُمْ فَإِمَّا أَنْ يَرَوْهُ عَاجِلًا، وَإِمَّا أَنْ أَصْرِفَ عَنْهُمْ سُوءًا، وَإِمَّا أَنْ أَدَّخِرَهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، يَا دَاوُدُ مَنْ لَقِيَنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريك له صَادِقًا بِهَا، فَهُوَ مَعِي فِي جَنَّتِي وَكَرَامَتِي، ومن لقيني وقد كذب محمدا أو كذب بِمَا جَاءَ بِهِ، وَاسْتَهْزَأَ بِكِتَابِي صَبَبْتُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ الْعَذَابَ صَبًّا، وَضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ وَدُبُرَهُ عِنْدَ مَنْشَرِهِ مِنْ قَبْرِهِ، ثُمَّ أُدْخِلُهُ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْفَتْحِ الْعُمَرِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ الْهَرَوِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، ثَنَا عَبْدُ الله بن شبيب أبو سعيد، حدثني محمد بن عمر بن سعيد- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ- قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ عُثْمَانَ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ محمد ابن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهَا عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ يَقُولُ: لما بعث الله اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَظَهَرَ أَمْرُهُ بِمَكَّةَ، خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا كُنْتُ بِبَصْرَى أَتَتْنِي جَمَاعَةٌ مِنَ النَّصَارَى فَقَالُوا لِي:
أَمِنَ الْحَرَمِ أَنْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالُوا: فَتَعْرِفُ هَذَا الَّذِي تَنَبَّأَ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَخَذُوا بِيَدِي فَأَدْخَلُونِي دَيْرًا لَهُمْ فِيهِ تَمَاثِيلُ وَصُوَرٌ، فَقَالُوا لِي: انْظُرْ هَلْ تَرَى صُورَةَ هَذَا النَّبِيِّ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ صُورَتَهُ، قُلْتُ: لَا أَرَى صُورَتَهُ، فَأَدْخَلُونِي دَيْرًا أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْرِ، فَإِذَا فِيهِ تَمَاثِيلُ وَصُوَرٌ أَكْثَرَ مِمَّا فِي ذَلِكَ الدَّيْرِ، فَقَالُوا لِي: انْظُرْ هَلْ تَرَى صُورَتَهُ؟ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصُورَتِهِ، وَإِذَا أَنَا بِصِفَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصُورَتِهِ وَهُوَ آخِذٌ بِعَقِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا لِي: هَلْ ترى صفته؟ قلت: نعم، قالوا: هو هَذَا؟ - وَأَشَارُوا إِلَى صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْتُ:
(اللَّهمّ) نَعَمْ، أَشْهَدُ أنه هو، قالوا: أتعرف هذا الّذي آخِذٌ بِعَقِبِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا صَاحَبُكُمْ وَأَنَّ هَذَا الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ عَنْ مُحَمَّدٍ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ هَذَا بِإِسْنَادِهِ فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَعِنْدَهُ فَقَالُوا: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا بَعْدَهُ نَبِيٌّ إِلَّا هَذَا النَّبِيُّ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ» 7: 157 الآية ذَكَرْنَا مَا أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيِّ قَالَ: بُعِثْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى هِرَقْلَ صَاحِبِ الرُّومِ نَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فذكر اجتماعهم به وأن عرفته
__________
[1] هذه الزيادة من التيمورية.
(6/63)

تنغصت حِينَ ذَكَرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَهُمْ فِي دَارِ ضِيَافَتِهِ ثُمَّ اسْتَدْعَاهُمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَدَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الرَّبْعَةِ الْعَظِيمَةِ فِيهَا بُيُوتٌ صِغَارٌ عَلَيْهَا أَبْوَابٌ، وَإِذَا فِيهَا صُوَرُ الْأَنْبِيَاءِ مُمَثَّلَةً فِي قِطَعٍ مِنْ حَرِيرٍ مِنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَجَعَلَ يُخْرِجُ لَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا وَيُخْبِرُهُمْ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ لَهُمْ صُورَةَ آدَمَ ثُمَّ نُوحٍ ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ تَعَجَّلَ إِخْرَاجَ صُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَإِذَا وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَتَعْرِفُونَ هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله، قَالَ: وَبَكَيْنَا قَالَ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَامَ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَهُوَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ إِنَّهُ لَهُوَ كَمَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَأَمْسَكَ سَاعَةً يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ آخِرَ الْبُيُوتِ وَلَكِنِّي عَجَّلْتُهُ لَكُمْ لِأَنْظُرَ مَا عِنْدَكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ في إخراجه بَقِيَّةِ صُوَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَعْرِيفِهِ إِيَّاهُمَا بِهِمْ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ قُلْنَا لَهُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هذه الصور؟
لأنا نعلم أنها ما على صوّرت عليه الأنبياء عليهم السلام، لأنا رأينا صورة نبينا عليه السلام مِثْلَهُ، فَقَالَ: إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ وَلَدِهِ، فَأَنْزَلَ عليه صورهم فكانت فِي خِزَانَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَاسْتَخْرَجَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَدَفَعَهَا إِلَى دَانْيَالَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ نَفْسِي طَابَتْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مُلْكِي وَإِنِّي كُنْتُ عَبْدًا لِأَشَرِّكُمْ مَلَكَةً حَتَّى أَمُوتَ، قَالَ: ثُمَّ أَجَازَنَا فَأَحْسَنَ جَائِزَتَنَا وَسَرَّحَنَا، فَلَمَّا أَتَيْنَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثْنَاهُ بِمَا رَأَيْنَا وَمَا قَالَ لَنَا وَمَا أَجَازَنَا، قال: فبكى أبو بكر فقال: مِسْكِينٌ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ وَالْيَهُودَ يَجِدُونَ نَعْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُمْ.
[وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حدثني على بن عيسى الحكيمي عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَقُولُ: أَنَا أَنْتَظِرُ نَبِيًّا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَا أَرَانِي أُدْرِكُهُ وأنا أومن به وأصدقه وأشهد برسالته، فَإِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ فَرَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَسَأُخْبِرُكَ مَا نَعْتُهُ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْكَ. قُلْتُ: هَلُمَّ، قَالَ: هُوَ رَجُلٌ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَا بِكَثِيرِ الشَّعَرِ وَلَا بِقَلِيلِهِ، وَلَيْسَتْ تُفَارِقُ عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا الْبَلَدُ مَوْلِدُهُ ومبعثه ثم يخرجه قوم مِنْهَا وَيَكْرَهُونَ مَا جَاءَ بِهِ حَتَّى يُهَاجِرَ إِلَى يَثْرِبَ فَيَظْهَرُ أَمْرُهُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُخْدَعَ عَنْهُ فَإِنِّي طُفْتُ الْبِلَادَ كُلَّهَا أَطْلُبُ دِينَ إبراهيم فكل من سأل مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ يَقُولُونَ: هَذَا الدِّينُ وذاك، وَيَنْعَتُونَهُ مِثْلَ مَا نَعَتُّهُ لَكَ، وَيَقُولُونَ لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ غَيْرُهُ قَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ أَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَوْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ واقرائه مِنْهُ السَّلَامَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْجَنَّةِ يَسْحَبُ ذُيُولًا.
(6/64)

كتاب دلائل النبوّة
وَهِيَ مَعْنَوِيَّةٌ وَحِسِّيَّةٌ: فَمِنَ الْمَعْنَوِيَّةِ إِنْزَالُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَبْهَرُ الْآيَاتِ، وَأَبْيَنُ الْحُجَجِ الْوَاضِحَاتِ، لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّرْكِيبِ الْمُعْجِزِ الَّذِي تَحَدَّى بِهِ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ، مَعَ تَوَافُرِ دَوَاعِي أَعْدَائِهِ عَلَى مُعَارَضَتِهِ، وَفَصَاحَتِهِمْ وَبَلَاغَتِهِمْ، ثُمَّ تحداهم بعشر سور منه فَعَجَزُوا، ثُمَّ تَنَازَلَ إِلَى التَّحَدِّي بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، فَعَجَزُوا عَنْهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ عَجْزَهُمْ وَتَقْصِيرَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ هَذَا مَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَيْهِ أَبَدًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» 17: 88 وَهَذِهِ الْآيَةُ مَكِّيَّةٌ وَقَالَ فِي سُورَةِ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: «أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» 52: 33- 34 أي إن كنتم صادقين في أنه قاله من عنده فهو بشر مثلكم فأتوا بمثل ما جاء به فإنكم مثله وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ- معيدا للتحدى-: «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» . 2: 23- 24 وَقَالَ تَعَالَى: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ من دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَّا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» 11: 13- 14. وقال تعالى: «وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى من دُونِ الله وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ من رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ من قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ» 10: 37- 39 فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْخَلْقَ عَاجِزُونَ عَنْ مُعَارَضَةِ هَذَا الْقُرْآنِ، بَلْ عَنْ عَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، بَلْ عَنْ سُورَةٍ مِنْهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ أَبَدًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا» 2: 24 أَيْ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فِي الْمَاضِي وَلَنْ تستطيعوا ذلك في المستقبل، وهذا تحدّثان وهو أنه لا يمكن معارضتهم له لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ وَمِثْلُ هَذَا التَّحَدِّي إِنَّمَا يَصْدُرُ عَنْ وَاثِقٍ بِأَنَّ ما جاء به لا يمكن للبشر مُعَارَضَتُهُ وَلَا الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ مُتَقَوِّلٍ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لَخَافَ أَنْ يُعَارَضَ، فَيَفْتَضِحَ وَيَعُودَ عَلَيْهِ نَقِيضُ مَا قَصَدَهُ مِنْ مُتَابَعَةِ النَّاسِ لَهُ، وَمَعْلُومٌ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَعْقَلِ خَلْقِ اللَّهِ بَلْ أَعْقَلُهُمْ وَأَكْمَلُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَمَا كَانَ لِيُقْدِمَ على هذا الأمر إِلَّا وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ، وهكذا وقع، فإنه مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ بِنَظِيرِهِ وَلَا نَظِيرِ سُورَةٍ مِنْهُ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ أَبَدًا، فَإِنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا في
(6/65)