Advertisement

البداية والنهاية ط الفكر 032



الكتاب: البداية والنهاية
المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
الناشر: دار الفكر
عام النشر: 1407 هـ - 1986 م
عدد الأجزاء: 15
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] وَحَضَرَ عِنْدَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ، وَالْأَعْيَانُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة
استهلت بيوم الْأَحَدِ فِي كَانُونَ الْأَصَمِّ، وَالْحُكَّامُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، غَيْرَ أَنَّ وَالِيَ الْبَرِّ بِدِمَشْقَ هُوَ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَانِيُّ، بَاشَرَهَا فِي صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ. وَفِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بَاشَرَ ولاية المدينة الْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ بَرْقٍ عِوَضًا عَنْ صارم الدين الجوكندارى وَفِي صَفَرٍ عُوفِيَ الْقَاضِي كَرِيمُ الدِّينِ وَكِيلُ السُّلْطَانِ مِنْ مَرَضٍ كَانَ قَدْ أَصَابَهُ، فَزُيِّنَتِ الْقَاهِرَةُ وَأُشْعِلَتِ الشُّمُوعُ وَجُمِعَ الْفُقَرَاءُ بِالْمَارَسْتَانِ الْمَنْصُورِيِّ لِيَأْخُذُوا مِنْ صَدَقَتِهِ، فَمَاتَ بَعْضُهُمْ مِنَ الزِّحَامِ في سلخ ربيع الأول، ودرس الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَدِّثُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ بِالْمَنْصُورِيَّةِ بِالْقَاهِرَةِ عِوَضًا عَنِ الْقَاضِي جَمَالِ الدِّينِ الزُّرَعِيِّ، بِمُقْتَضَى انْتِقَالِهِ إِلَى دِمَشْقَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ علاء الدين شيخ الشيوخ القونوي الشافعيّ عِوَضًا عَنِ النَّجْمِ ابْنِ صَصْرَى، فِي يَوْمِ الجمعة رَابِعِ جُمَادَى الْأُولَى، فَنَزَلَ الْعَادِلِيَّةَ وَقَدْ قَدِمَ على القضاة وَمَشْيَخَةِ الشُّيُوخِ وَقَضَاءِ الْعَسَاكِرِ وَتَدْرِيسِ الْعَادِلِيَّةِ وَالْغَزَّالِيَّةِ والأتابكية.
وفي يوم الأحد مسك القاضي كريم الدين بن عبد الكريم بن هبة الله بن الشديد وَكِيلُ السُّلْطَانِ وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْمَنْزِلَةِ وَالْمَكَانَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الْوُزَرَاءِ الْكِبَارِ، وَاحْتِيطَ عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَرُسِمَ عَلَيْهِ عِنْدَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، ثُمَّ رُسِمَ لَهُ أَنْ يَكُونَ بِتُرْبَتِهِ الَّتِي بِالْقَرَافَةِ، ثُمَّ نُفِيَ إِلَى الشَّوْبَكِ وَأُنْعِمَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَالِ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ بِالْإِقَامَةِ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ بِرِبَاطِهِ. وَمُسِكَ ابْنُ أَخِيهِ كَرِيمُ الدِّينِ الصَّغِيرُ نَاظِرُ الدَّوَاوِينِ، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُ وَحُبِسَ فِي البرج، وَفَرِحَ الْعَامَّةُ بِذَلِكَ وَدَعَوْا لِلسُّلْطَانِ بِسَبَبِ مَسْكِهِمَا، ثم أخرج إلى صفت. وَطُلِبَ مِنَ الْقُدْسِ أَمِينُ الْمُلْكِ عَبْدُ اللَّهِ فَوَلِيَ الْوِزَارَةَ بِمِصْرَ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ، وَفَرِحَ الْعَامَّةُ بِذَلِكَ وَأَشْعَلُوا لَهُ الشُّمُوعَ، وطلب الصاحب بدر الدِّينِ غِبْرِيَالُ مِنْ دِمَشْقَ فَرَكِبَ وَمَعَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ خُوِّلَ أَمْوَالَ كَرِيمِ الدِّينِ الْكَبِيرِ، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ مُكَرَّمًا، وَقَدِمَ الْقَاضِي مُعِينُ الدين بن الحشيشى عَلَى نَظَرِ الْجُيُوشِ الشَّامِيَّةِ عِوَضًا عَنِ الْقُطْبِ بن شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ عُزِلَ عَنْهَا، وَرُسِمَ عَلَيْهِ فِي الْعَذْرَاوِيَّةِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي الِانْصِرَافِ إِلَى مَنْزِلِهِ مَصْرُوفًا عَنْهَا.
وَفِي جُمَادَى الْأُولَى عُزِلَ طُرْقُشِيُّ عَنْ شَدِّ الدواوين وتولاها الأمير بكتمر. وفي ثانى جمادى الآخرة باشر ابْنُ جَهْبَلٍ نِيَابَةَ الْحُكْمِ عَنِ الزُّرَعِيِّ، وَكَانَ قَدْ بَاشَرَ قَبْلَهَا بِأَيَّامٍ نَظَرَ الْأَيْتَامِ عِوَضًا عن ابن هلال. وفي شعبان أعيد الطرقشى إِلَى الشَّدِّ وَسَافَرَ بَكْتَمُرُ إِلَى نِيَابَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وكان بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ. وَفِي رَمَضَانَ قَدِمَ جَمَاعَةٌ مِنْ حُجَّاجِ الشَّرْقِ وَفِيهِمْ بِنْتُ الْمَلِكِ أَبْغَا بْنِ هُولَاكُو، وَأُخْتُ أَرْغُونَ وَعَمَّةُ قَازَانَ وَخَرْبَنْدَا، فَأُكْرِمَتْ وَأُنْزِلَتْ بِالْقَصْرِ الْأَبْلَقِ، وَأُجْرِيَتْ عَلَيْهَا الاقامات والنفقات
(14/105)

إِلَى أَوَانِ الْحَجِّ، وَخَرَجَ الرَّكْبُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثامن شوال وأميره قطلجا الأبوبكري، الَّذِي بِالْقَصَّاعِينَ وَقَاضِي الرَّكْبِ شَمْسُ الدِّينِ قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنُ مُسَلَّمٍ الْحَنْبَلِيُّ، وَحَجَّ مَعَهُمْ جَمَالُ الدين المزي، وعماد الدين ابن الشيرجي، وأمين الدين الوافي، وفخر الدين البعلبكي، وجماعة، وَفُوِّضَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ إِلَى شَرَفِ الدِّينِ بن سعد الدين بن نجيح. كذا أخبرنى شِهَابُ الدِّينِ الظَّاهِرِيُّ. وَمِنَ الْمِصْرِيِّينَ قَاضِي الْقُضَاةِ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ وَوَلَدُهُ عِزُّ الدِّينِ وَفَخْرُ الدِّينِ كَاتِبُ الْمَمَالِيكِ، وَشَمْسُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ، وَشِهَابُ الدِّينِ الْأَذْرَعِيُّ، وَعَلَاءُ الدِّينِ الْفَارِسِيُّ.
وَفِي شَوَّالٍ بَاشَرَ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ مَشْيَخَةَ دَارِ الحديث الظاهرية بالقاهرة بعد زَكِيِّ الدِّينِ الْمُنَادِي وَيُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْعَظِيمِ بْنُ الْحَافِظِ شَرَفِ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ، ثُمَّ انْتُزِعَتْ مِنَ السُّبْكِيِّ لِفَتْحِ الدِّينِ بْنِ سَيِّدِ النَّاسِ الْيَعْمُرِيِّ، بَاشَرَهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ مُسْتَهَلِّ ذِي الْحِجَّةِ خُلِعَ عَلَى قُطْبِ الدين بن شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ وَأُعِيدَ إِلَى نَظَرِ الْجَيْشِ مُصَاحِبًا لمعين الدين بن الحشيشى، ثم بعد مدة مُدَيْدَةٍ اسْتَقَلَّ قُطْبُ الدِّينِ بِالنَّظَرِ وَحْدَهُ وَعُزِلَ ابن حشيش.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
الْإِمَامُ الْمُؤَرِّخُ كمال الدين الفوطي
أبو الفضل عبد الرزاق أحمد بن محمد بن أحمد بن الفوطي عُمَرَ بْنِ أَبِي الْمَعَالِي الشَّيْبَانِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْفُوَطِيِّ، وَهُوَ جَدُّهُ لِأُمِّهِ، وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِبَغْدَادَ، وَأُسِرَ فِي وَاقِعَةِ التتار ثُمَّ تَخَلَّصَ مِنَ الْأَسْرِ، فَكَانَ مُشَارِفًا عَلَى الْكُتُبِ بِالْمُسْتَنْصِرِيَّةِ، وَقَدْ صَنَّفَ تَارِيخًا فِي خَمْسٍ وَخَمْسِينَ مُجَلَّدًا، وَآخَرَ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ، وَلَهُ مصنفات كثيرة، وشعر حسن، وقد سمع الحسن مِنْ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، تُوُفِّيَ ثَالِثَ الْمُحَرَّمِ وَدُفِنَ بِالشُّونَيْزِيَّةِ.
قَاضِي الْقُضَاةِ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ صَصْرَى
أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْعَدْلِ عماد الدين بن مُحَمَّدِ بْنِ الْعَدْلِ أَمِينِ الدِّينِ سَالِمِ بْنِ الْحَافِظِ الْمُحَدِّثِ بَهَاءِ الدِّينِ أَبِي الْمَوَاهِبِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَحْفُوظِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَصْرَى التَّغْلِبِيُّ الرَّبَعِيُّ الشَّافِعِيُّ قَاضِي الْقُضَاةِ بِالشَّامِ، وُلِدَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ وَحَصَّلَ وَكَتَبَ عَنِ الْقَاضِي شَمْسِ الدِّينِ بْنِ خَلِّكَانَ وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ، وَسَمِعَهَا عَلَيْهِ، وَتَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ، وَعَلَى أَخِيهِ شَرَفِ الدِّينِ فِي النَّحْوِ، وَكَانَ لَهُ يَدٌ فِي الْإِنْشَاءِ وَحُسْنِ الْعِبَارَةِ، وَدَرَّسَ بِالْعَادِلِيَّةِ الصَّغِيرَةِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَبِالْأَمِينِيَّةِ سَنَةَ تِسْعِينَ، وَبِالْغَزَّالِيَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، وَتَوَلَّى قَضَاءَ الْعَسَاكِرِ فِي دَوْلَةِ الْعَادِلِ كَتْبُغَا، ثُمَّ تَوَلَّى قَضَاءَ الشَّامِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ، بَعْدَ ابْنِ جَمَاعَةَ حِينَ طُلِبَ لِقَضَاءِ مِصْرَ، بَعْدَ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ.
ثُمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ مَشْيَخَةُ الشُّيُوخِ مَعَ تَدْرِيسِ الْعَادِلِيَّةِ وَالْغَزَّالِيَّةِ وَالْأَتَابِكِيَّةِ، وَكُلُّهَا مَنَاصِبُ دُنْيَوِيَّةٌ
(14/106)

انْسَلَخَ مِنْهَا وَانْسَلَخَتْ مِنْهُ، وَمَضَى عَنْهَا وَتَرَكَهَا لِغَيْرِهِ، وَأَكْبَرُ أُمْنِيَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَوَلَّاهَا وَهِيَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارِقٍ، وَقَدْ كَانَ رَئِيسًا مُحْتَشِمًا وَقُورًا كَرِيمًا جَمِيلَ الْأَخْلَاقِ، مُعَظَّمًا عِنْدَ السُّلْطَانِ وَالدَّوْلَةِ، تُوُفِّيَ فَجْأَةً بِبُسْتَانِهِ بِالسَّهْمِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ سَادِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَالْقُضَاةُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْأَعْيَانُ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ حَافِلَةً وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِمْ عِنْدَ الرُّكْنِيَّةِ.
عَلَاءُ الدين على بن محمد
ابن عُثْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْمُنَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَحْلَةَ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَقَرَأَ الْمُحَرَّرَ، وَلَازَمَ الشَّيْخَ زين الدين الفارقيّ ودرس بالدولعية والركنية، وناظر بَيْتِ الْمَالِ، وَابْتَنَى دَارًا حَسَنَةً إِلَى جَانِبِ الرُّكْنِيَّةِ، وَمَاتَ وَتَرَكَهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدَرَّسَ بعده بالدولعية القاضي جمال الدين ابن جملة، وبالركنية القاضي رُكْنُ الدِّينِ الْخُرَاسَانِيُّ.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قُتِلَ.
الشيخ ضياء الدين
عبد الله الزربندى النَّحْوِيُّ، كَانَ قَدِ اضْطَرَبَ عَقْلُهُ فَسَافَرَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى الْقَاهِرَةِ فَأَشَارَ شَيْخُ الشُّيُوخِ الْقُونَوِيُّ فأودع بِالْمَارَسْتَانِ فَلَمْ يُوَافَقْ ثُمَّ دَخَلَ إِلَى الْقَلْعَةِ وَبِيَدِهِ سَيْفٌ مَسْلُولٌ فَقَتَلَ نَصْرَانِيًّا، فَحُمِلَ إِلَى السُّلْطَانِ وَظَنُّوهُ جَاسُوسًا فَأَمَرَ بِشَنْقِهِ فَشُنِقَ، وَكُنْتُ مِمَّنَ اشْتَغَلَ عَلَيْهِ فِي النَّحْوِ.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ المقري الفاضل
شهاب الدين أحمد بن الطبيب ابن عبيد اللَّهِ الْحِلِّيُّ الْعَزِيزِيُّ الْفَوَارِسِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَلَبِيَّةِ، سمع من خطيب مرداو ابن عَبْدِ الدَّائِمِ، وَاشْتَغَلَ وَحَصَّلَ وَأَقْرَأَ النَّاسَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَنْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالسَّفْحِ.
شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ محمد
ابن قطنية الذرعى التَّاجِرُ الْمَشْهُورُ بِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْبَضَائِعِ وَالْمَتَاجِرِ، قِيلَ بَلَغَتْ زَكَاةُ مَالِهِ فِي سَنَةِ قَازَانَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ الَّتِي بِبَابِ بُسْتَانِهِ الْمُسَمَّى بِالْمَرْفَعِ عِنْدَ ثَوْرَا، فِي طَرِيقِ الْقَابُونِ، وَهِيَ تُرْبَةٌ هَائِلَةٌ. وَكَانَتْ لَهُ أَمْلَاكٌ.
الْقَاضِي الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ
أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَابُورِيُّ، قَاضِي بَعْلَبَكَّ، وَأَكْبَرُ أَصْحَابِ الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ، قَدِمَ من بعلبكّ ليلتقى بالقاضي الذرعى فمات بالمدرسة البادرانية لَيْلَةَ السَّبْتِ سَابِعِ جُمَادَى الْأُولَى وَدُفِنَ بَقَاسِيُونَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سَبْعُونَ سَنَةً أَضْغَاثُ حِلْمٍ.
الشَّيْخُ الْمُعَمَّرُ الْمُسِنُّ جَمَالُ الدِّينِ
عُمَرُ بْنُ إِلْيَاسَ بْنِ الرَّشِيدِ الْبَعْلَبَكِّيُّ التَّاجِرُ، وُلِدَ سَنَةَ ثنتين وَسِتِّمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ فِي ثَانِيَ عَشَرَ
(14/107)

جمادى الأولى عن مائة وعشرين سنة، ودفن بمطحا رحمه الله.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُحَدِّثُ اللُّغَوِيُّ الْمُفِيدُ
صَفِيُّ الدِّينِ أَبُو الثَّنَاءِ مَحْمُودُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ محمد الحسنى بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ الْأُرْمَوِيُّ، الصُّوفِيُّ، وُلِدَ سنة ست وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَرَحَلَ وَطَلَبَ وَكَتَبَ الْكَثِيرَ، وَذَيَّلَ عَلَى النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ، وَكَانَ قد قرأ التنبيه واشتغل في اللغة فَحَصَّلَ مِنْهَا طَرَفًا جَيِّدًا، ثُمَّ اضْطَرَبَ عَقْلُهُ في سنة سبع وسبعين وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ السَّوْدَاءُ، وَكَانَ يُفِيقُ مِنْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَيُذَاكِرُ صَحِيحًا ثُمَّ يَعْتَرِضُهُ الْمَرَضُ الْمَذْكُورُ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمَارَسْتَانِ النُّورِيِّ، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ.
الْخَاتُونُ الْمَصُونَةُ
خَاتُونُ بنت الملك الصالح إسماعيل ابن الْعَادِلِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ شادى بِدَارِهَا. وَتُعْرَفُ بِدَارِ كَافُورٍ، كَانَتْ رَئِيسَةً مُحْتَرَمَةً، وَلَمْ تَتَزَوَّجْ قَطُّ، وَلَيْسَ فِي طَبَقَتِهَا مِنْ بَنِي أَيُّوبَ غَيْرُهَا فِي هَذَا الْحِينِ، تُوُفِّيَتَ يَوْمَ الْخَمِيسِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَدُفِنَتْ بتربة أم الصالح رحمهما اللَّهُ.
شَيْخُنَا الْجَلِيلُ الْمُسْنِدُ الْمُعَمَّرُ الرُّحْلَةُ
بَهَاءُ الدين أبو القاسم ابن الشَّيْخِ بَدْرِ الدِّينِ أَبِي غَالِبٍ الْمُظَفَّرِ بْنِ نجم الدين بن أبى الثناء محمود ابن الامام تَاجِ الْأُمَنَاءِ أَبِي الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ الطَّبِيبُ المعمر، ولد سنة تسع وعشرين وستمائة، سمع حُضُورًا وَسَمَاعًا عَلَى الْكَثِيرِ مِنَ الْمَشَايِخِ، وَقَدْ خَرَّجَ لَهُ الْحَافِظُ عَلَمُ الدِّينِ الْبِرْزَالِيُّ مَشْيَخَةً سَمِعْنَاهَا عَلَيْهِ فِي سَنَةِ وَفَاتِهِ، وَكَذَلِكَ خَرَّجَ لَهُ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ عَوَالِيَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَكَتَبَ لَهُ الْمُحَدِّثُ الْمُفِيدُ نَاصِرُ الدِّينِ بن طغربك مَشْيَخَةً فِي سَبْعِ مُجَلَّدَاتٍ تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ وَسَبْعِينَ شَيْخًا، سَمَاعًا وَإِجَازَةً، وَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَسَمِعَهَا الحفاظ وغيرهم. قال البرزالي: وقد قرأت عليه ثلاثا وَعِشْرِينَ مُجَلَّدًا بِحَذْفِ الْمُكَرَّرَاتِ.
وَمِنَ الْأَجْزَاءِ خَمْسَمِائَةٍ وخمسين جزء بِالْمُكَرَّرَاتِ. قَالَ: وَكَانَ قَدِ اشْتَغَلَ بِالطِّبِّ، وَكَانَ يُعَالِجُ النَّاسَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَكَانَ يَحْفَظُ كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْحِكَايَاتِ وَالْأَشْعَارِ، وَلَهُ نَظْمٌ، وَخَدَمَ من عِدَّةِ جِهَاتٍ الْكِتَابَةَ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَلَزِمَ بَيْتَهُ وَإِسْمَاعَ الْحَدِيثِ، وَتَفَرَّدَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَكَانَ سَهْلًا فِي التَّسْمِيعِ، وَوَقَفَ آخِرَ عُمْرِهِ دَارَهُ دَارَ حَدِيثٍ، وَخَصَّ الْحَافِظَ الْبِرْزَالِيَّ وَالْمِزِّيَّ بِشَيْءٍ مِنْ بِرِّهِ، وَكَانَتْ وفاته يوم الاثنين وقت الظهر خامس وعشرين شَعْبَانَ، وَدُفِنَ بَقَاسِيُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْوَزِيرُ ثُمَّ الْأَمِيرُ نَجْمُ الدِّينِ
مُحَمَّدُ بْنُ الشَّيْخِ فَخْرِ الدِّينِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الْبُصْرَاوِيُّ الْحَنَفِيُّ، دَرَّسَ بِبُصْرَى بَعْدَ عَمِّهِ الْقَاضِي صَدْرِ الدِّينِ الْحَنَفِيِّ، ثُمَّ وَلِيَ الْحِسْبَةَ بِدِمَشْقَ وَنَظَرَ الْخِزَانَةِ، ثُمَّ وَلِيَ الْوِزَارَةَ، ثُمَّ سَأَلَ الْإِقَالَةَ
(14/108)

مِنْهَا فَعُوِّضَ بِإِمْرِيَّةِ عَشَرَةٍ عَنْهَا بِإِقْطَاعٍ هَائِلٍ، وَعُومِلَ فِي ذَلِكَ مُعَامَلَةَ الْوُزَرَاءِ فِي حُرْمَتِهِ وَلُبْسَتِهِ، حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ بِبُصْرَى يَوْمَ الْخَمِيسِ ثَامِنِ عِشْرِينَ شَعْبَانَ، وَدُفِنَ هُنَاكَ، وَكَانَ كَرِيمًا ممدحا وهابا نهابا كثير الصدقة والإحسان إلى الناس، ترك أموالا وَأَوْلَادًا ثُمَّ تَفَانَوْا كُلُّهُمْ بَعْدَهُ وَتَفَرَّقَتْ أَمْوَالُهُ، وَنُكِحَتْ نِسَاؤُهُ وَسُكِنَتْ مَنَازِلُهُ.
الْأَمِيرُ صَارِمُ الدِّينِ بْنُ قَرَاسُنْقُرَ الْجُوكَنْدَارُ
مُشِدُّ الْخَاصِّ، ثُمَّ وَلِيَ بدمشق وِلَايَةً ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، تُوُفِّيَ تَاسِعَ رَمَضَانَ وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ الْمُشَرَّفَةِ المبيضة شرقى مسجد التاريخ كَانَ قَدْ أَعَدَّهَا لِنَفْسِهِ.
الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْأَعْقَفُ الْحَرِيرِيُّ
شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ حَامِدِ بْنِ سَعِيدٍ التَّنُوخِيُّ الْحَرِيرِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَاشْتَغَلَ فِي صِبَاهُ عَلَى الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ فِي التَّنْبِيهِ، ثُمَّ صَحِبَ الْحَرِيرِيَّةَ وَخَدَمَهُمْ وَلَزِمَ مُصَاحِبَةَ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ بْنِ إِسْرَائِيلَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَحَجَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَكَانَ مَلِيحَ الشَّكْلِ كَثِيرَ التَّوَدُّدِ إِلَى النَّاسِ، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَحَدِ ثَالِثِ عِشْرِينَ رَمَضَانَ بزاويته بالمزة، ودفن بمقبرة المزة، وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ حَافِلَةً.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَامِنِ عِشْرِينَ رَمَضَانَ صُلِّيَ بِدِمَشْقَ عَلَى غَائِبٍ وَهُوَ الشَّيْخُ هَارُونُ الْمَقْدِسِيُّ تُوُفِّيَ بِبَعْلَبَكَّ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ صَالِحًا مَشْهُورًا عِنْدَ الْفُقَرَاءِ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَالِثِ ذِي الْقَعْدَةِ توفى. الشيخ المقري أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يوسف بن عصر الأنصاري القصري ثم السبتي بالقدس، ودفن بماملى، وَكَانَتْ لَهُ جِنَازَةٌ حَافِلَةٌ حَضَرَهَا كَرِيمُ الدِّينِ وَالنَّاسُ مُشَاةً، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَانَ شَيْخًا مَهِيبًا أَحْمَرَ اللِّحْيَةِ مِنَ الْحِنَّاءِ، اجْتَمَعْتُ بِهِ وَبَحَثْتُ مَعَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حِينَ زُرْتُ الْقُدْسَ الشَّرِيفَ، وَهِيَ أَوَّلُ زِيَارَةٍ زُرْتُهُ، وَكَانَ مَالِكِيَّ الْمَذْهَبِ، قَدْ قَرَأَ الْمُوَطَّأَ في ثمانية أشهر، وأخذ النحو عن أبى الربيع شارح المجمل للزجاجى من طريق شريح.
شيخنا الأصيل المعمر الرحلة
شمس الدين أبو نصر بن مُحَمَّدُ بْنُ عِمَادِ الدِّينِ أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بُنْدَارِ بْنِ مَمِيلٍ الشِّيرَازِيُّ، مَوْلِدُهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَأَسْمَعَ وأفاد في علية شَيْخَنَا الْمِزِّيَّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، قَرَأَ عَلَيْهِ عِدَّةَ أَجْزَاءٍ بِنَفْسِهِ أَثَابَهُ اللَّهُ، وَكَانَ شَيْخًا حَسَنًا خَيِّرًا مُبَارَكًا مُتَوَاضِعًا، يُذَهِّبُ الرَّبَعَاتِ وَالْمَصَاحِفَ، لَهُ فِي ذَلِكَ يَدٌ طُولَى، وَلَمْ يَتَدَنَّسْ بِشَيْءٍ مِنَ الْوِلَايَاتِ، وَلَا تَدَنَّسَ بِشَيْءٍ مِنْ وَظَائِفِ الْمَدَارِسِ وَلَا الشَّهَادَاتِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ
(14/109)

فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بِبُسْتَانِهِ مِنَ الْمِزَّةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِهَا وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهَا رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْعَابِدُ النَّاسِكُ
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ بن سعد الذرعى الْحَنْبَلِيُّ، قَيِّمُ الْجَوْزِيَّةِ، كَانَ رَجُلًا صَالِحًا مُتَعَبِّدًا قَلِيلَ التَّكَلُّفِ، وَكَانَ فَاضِلًا، وَقَدْ سَمِعَ شَيْئًا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنِ الرَّشِيدِيِّ الْعَامِرِيِّ، تُوُفِّيَ فَجْأَةً لَيْلَةَ الْأَحَدِ تَاسِعَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ بِالْمَدْرَسَةِ الْجَوْزِيَّةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الظُّهْرِ بِالْجَامِعِ، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ حَافِلَةً، وَأَثْنَى عَلَيْهِ النَّاسُ خَيْرًا رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ وَالِدُ الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ صَاحِبِ الْمُصَنَّفَاتِ الْكَثِيرَةِ النَّافِعَةِ الْكَافِيَةِ.
الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدين بْنُ شَرَفِ الدِّينِ
مَحْمُودِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ معبد البعلبكي أحد أمراء الطبلخانات، كَانَ وَالِدُهُ تَاجِرَا بِبَعْلَبَكَّ فَنَشَأَ وَلَدُهُ هَذَا وَاتَّصَلَ بِالدَّوْلَةِ، وَعَلَتْ مَنْزِلَتُهُ، حَتَّى أُعْطِيَ طَّبْلَخَانَهْ وباشر ولاية البريد بِدِمَشْقَ مَعَ شَدِّ الْأَوْقَافِ ثُمَّ صُرِفَ إِلَى وِلَايَةِ الْوُلَاةِ بِحَوْرَانَ، فَاعْتَرَضَهُ مَرَضٌ، وَكَانَ سَبْطَ الْبَدَنِ عَبْلَهُ، فَسَأَلَ أَنْ يُقَالَ فَأُجِيبَ فَأَقَامَ بِبُسْتَانِهِ بِالْمِزَّةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي خَامِسِ عِشْرِينَ ذِي الْحِجَّةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ هُنَاكَ، وَدُفِنَ بمقبرة المزة، وكان مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ وَأَحْسَنِهِمْ، مَعَ دِيَانَةٍ وَخَيْرٍ سَامَحَهُ اللَّهُ.
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ تُوُفِّيَ. الْفَقِيهُ الْعَابِدُ النَّاسِكُ
شَرَفُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَحَدِ بن سعد الله بن عبد القاهر ابن عبد الواحد بْنِ عُمَرَ الْحَرَّانِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ النَّجِيحِ، تُوُفِّيَ فِي وَادِي بَنِيَ سَالِمٍ، فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ شرقى قبر عقيل، فغبطه الناس في هذه الْمَوْتَةِ وَهَذَا الْقَبْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ مِمَّنْ غَبَطَهُ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ مُسَلَّمٍ قَاضِي الْحَنَابِلَةِ، فَمَاتَ بَعْدَهُ وَدُفِنَ عِنْدَهُ وَذَلِكَ بَعْدَهُ بِثَلَاثِ سِنِينَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَجَاءَ يَوْمَ حَضَرَ جِنَازَةُ الشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ شَرَفُ الدِّينِ بْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ قَبْلَ ذَلِكَ بِجُمْعَةٍ، مَرْجِعَهُ مِنَ الْحَجِّ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْ مَكَّةَ بِمَرْحَلَتَيْنِ فَغَبَطَ الْمَيِّتَ الْمَذْكُورَ بِتِلْكَ الْمَوْتَةِ فَرُزِقَ مِثْلَهَا بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ كَانَ شَرَفُ الدِّينِ بن نجيح هذا قد صحب شيخنا العلام تقى الدين بن تَيْمِيَّةَ، وَكَانَ مَعَهُ فِي مَوَاطِنَ كِبَارٍ صَعْبَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهَا إِلَّا الْأَبْطَالُ الْخُلَّصُ الخواص، وسجن معه، وكان من أكابر خُدَّامِهِ وَخَوَاصِّ أَصْحَابِهِ، يَنَالُ فِيهِ الْأَذَى وَأُوذِيَ بسببه مرات، وكلما له في ازدياد محبة فيه وصبرا عَلَى أَذَى أَعْدَائِهِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ فِي نَفْسِهِ وَعِنْدَ النَّاسِ جَيِّدًا مَشْكُورَ السِّيرَةِ جَيِّدَ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ، عَظِيمَ الدِّيَانَةِ وَالزُّهْدِ، وَلِهَذَا كَانَتْ عَاقِبَتُهُ هَذِهِ الْمَوْتَةَ عَقِيبَ الْحَجِّ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِرَوْضَةِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَخُتِمَ لَهُ بِصَالِحِ عَمَلِهِ، وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ يَتَمَنَّى أَنْ يَمُوتَ عَقِيبَ
(14/110)

عَمَلٍ صَالِحٍ يَعْمَلُهُ، وَكَانَتْ لَهُ جِنَازَةٌ حَافِلَةٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دخلت سنة أربع وعشرين وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ وَالْحُكَّامُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا: الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَكْفِي باللَّه أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ الْعَبَّاسِيُّ، وَسُلْطَانُ الْبِلَادِ الْمَلِكُ النَّاصِرُ، وَنَائِبُهُ بِمِصْرَ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُوَنُ وَوَزِيرُهُ أَمِينُ الْمُلْكِ، وَقُضَاتُهُ بِمِصْرَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَنَائِبُهُ بِالشَّامِ تَنْكِزُ، وَقُضَاةُ الشام الشافعيّ جمال الدين الذرعى، وَالْحَنَفِيُّ الصَّدْرُ عَلِيٌّ الْبُصْرَاوِيُّ، وَالْمَالِكِيُّ شَرَفُ الدِّينِ الْهَمْدَانِيُّ، وَالْحَنْبَلِيُّ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ مُسَلَّمٍ، وَخَطِيبُ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ جَلَالُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ، وَوَكِيلُ بَيْتِ المال جمال الدين ابن القلانسي، ومحتسب البلد فخر الدين بن شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ، وَنَاظِرُ الدَّوَاوِينِ شَمْسُ الدِّينِ غِبْرِيَالُ وَمُشِدُّ الدَّوَاوِينِ عَلَمُ الدِّينِ طُرْقُشِيُّ، وَنَاظِرُ الْجَيْشِ قطب الدين بن شيخ السلامية، ومعين الدين ابن الخشيش، وَكَاتِبُ السِّرِّ شِهَابُ الدِّينِ مَحْمُودٌ، وَنَقِيبُ الْأَشْرَافِ شَرَفُ الدِّينِ بْنُ عَدْنَانَ، وَنَاظِرُ الْجَامِعِ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْحَدَّادِ، وَنَاظِرُ الْخِزَانَةِ عِزُّ الدِّينِ بن القلانسي، ووالى البر علاء الدين ابن المرواني، ووالى دمشق شهاب الدين بَرْقٍ.
وَفِي خَامِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَاشَرَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ الْقَلَانِسِيِّ الْحِسْبَةَ عِوَضًا عَنْ ابن شيخ السلامية مَعَ نَظَرِ الْخِزَانَةِ، وَفِي هَذَا الشَّهْرِ حُمِلَ كَرِيمُ الدِّينِ وَكِيلُ السُّلْطَانِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَاعْتُقِلَ ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْهُ أَمْوَالٌ وَذَخَائِرُ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ نُفِيَ إِلَى الصَّعِيدِ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ نَفَقَاتٌ سُلْطَانِيَّةٌ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ عَيَالِهِ، وَطُلِبَ كَرِيمُ الدِّينِ الصَّغِيرُ وَصُودِرَ بِأَمْوَالٍ جمة. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ قُرِئَ كِتَابُ السُّلْطَانِ بِالْمَقْصُورَةِ مِنَ الْجَامِعِ الأموي بحضرة نائب السلطنة وَالْقُضَاةِ، يَتَضَمَّنُ إِطْلَاقَ مَكْسِ الْغَلَّةِ بِالشَّامِ الْمَحْرُوسِ جميعه، فكثرت الأدعية للسلطان، وَقَدِمَ الْبَرِيدُ إِلَى نَائِبِ الشَّامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَامِسِ عِشْرِينَ رَبِيعٍ الْآخِرِ بِعَزْلِ قَاضِي الشَّافِعِيَّةِ الذرعى، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَامْتَنَعَ بِنَفْسِهِ مِنَ الْحُكْمِ، وَأَقَامَ بِالْعَادِلِيَّةِ بَعْدَ الْعَزْلِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى الْأَتَابِكِيَّةِ، وَاسْتَمَرَّتْ بِيَدِهِ مَشْيَخَةُ الشيوخ وتدريس الاتابكية، واستدعى نائب السلطان شَيْخَنَا الْإِمَامَ الزَّاهِدَ بُرْهَانَ الدِّينِ الْفَزَارِيَّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ فَامْتَنَعَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ فَأَبَى وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِ الأعيان إلى مدرسته فَدَخَلُوا عَلَيْهِ بِكُلِّ حِيلَةٍ فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ الْوِلَايَةِ، وَصَمَّمَ أَشَدَّ التَّصْمِيمِ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا عن مروءته، فلما كان يوم الجمعة جاء البريد فأخبر بتوليته قَضَاءِ الشَّامِ، وَفِي هَذَا الْيَوْمِ خُلِعَ عَلَى تَقِيِّ الدِّينِ سُلَيْمَانَ بْنِ مَرَاجِلَ بِنَظَرِ الْجَامِعِ عوضا عن بدر الدين ابن الْحَدَّادِ تُوُفِّيَ، وَأُخِذَ مِنِ ابْنِ مَرَاجِلَ نَظَرُ الْمَارَسْتَانِ الصَّغِيرِ لِبَدْرِ الدِّينِ بْنِ الْعَطَّارِ، وَخَسَفَ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِلنِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ بَعْدَ الْعَشَاءِ، فَصَلَّى الْخَطِيبُ صَلَاةَ الْكُسُوفِ بِأَرْبَعِ
(14/111)

سُوَرٍ: ق، وَاقْتَرَبَتْ، وَالْوَاقِعَةِ، وَالْقِيَامَةِ، ثُمَّ صَلَّى العشاء ثم خطب بعدها ثُمَّ أَصْبَحَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ ثُمَّ رَكِبَ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى مِصْرَ فَرُزِقَ مِنَ السُّلْطَانِ فتولاه وَوَلَّاهُ بَعْدَ أَيَّامٍ الْقَضَاءَ ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى الشَّامِ فَدَخَلَ دِمَشْقَ فِي خَامِسِ رَجَبٍ عَلَى الْقَضَاءِ مَعَ الْخَطَابَةِ وَتَدْرِيسِ الْعَادِلِيَّةِ وَالْغَزَّالِيَّةِ، فَبَاشَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ الْأَمِينِيَّةُ فَدَرَّسَ فِيهَا جَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْقَلَانِسِيِّ، مَعَ وَكَالَةِ بَيْتِ الْمَالِ، وَأُضِيفَ إِلَيْهِ قَضَاءُ الْعَسَاكِرِ وَخُوطِبَ بِقَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالِ الدِّينِ الْقَزْوِينِيِّ.
وَفِيهَا قَدِمَ مَلِكُ التَّكْرُورِ إِلَى الْقَاهِرَةِ بِسَبَبِ الْحَجِّ فِي خَامِسِ عِشْرِينَ رَجَبٍ، فَنَزَلَ بِالْقَرَافَةِ وَمَعَهُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَالْخَدَمِ نَحْوٌ مَنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَمَعَهُمْ ذَهَبٌ كَثِيرٌ بِحَيْثُ إِنَّهُ نَزَلَ سِعْرُ الذَّهَبِ درهمين في كل مثقال، وَيُقَالُ لَهُ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مُوسَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ شَابٌّ جَمِيلُ الصُّورَةِ، لَهُ مَمْلَكَةٌ مُتَّسِعَةٌ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَيُذْكَرُ أَنَّ تَحْتَ يَدِهِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ مَلِكًا، كُلُّ مَلِكٍ تَحْتَ يده خلق وعساكر، ولما دخل قَلْعَةِ الْجَبَلِ لِيُسَلِّمَ عَلَى السُّلْطَانِ أُمِرَ بِتَقْبِيلِ الْأَرْضِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَكْرَمَهُ السُّلْطَانُ، وَلَمْ يُمَكَّنْ مِنَ الْجُلُوسِ أَيْضًا حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ السُّلْطَانِ وَأُحْضِرَ لَهُ حِصَانٌ أَشْهَبُ بزنارى أطلس أصفر، وَهُيِّئَتْ لَهُ هُجُنٌ وَآلَاتٌ كَثِيرَةٌ تَلِيقُ بِمِثْلِهِ، وأرسل هو إلى السلطان أيضا بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ مِنْ جُمْلَتِهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَإِلَى النَّائِبِ بِنَحْوِ عَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَتُحَفٌ كَثِيرَةٌ.
وَفِي شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ زَادَ النِّيلُ بِمِصْرَ زِيَادَةً عَظِيمَةً، لَمْ يُرَ مِثْلُهَا مِنْ نَحْوِ مِائَةِ سَنَةٍ أَوْ أَزْيَدَ مِنْهَا وَمَكَثَ عَلَى الْأَرَاضِي نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ، وَغَرَّقَ أَقْصَابًا كثيرة، ولكن كان نفعه أعظم من ضره. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَامِنَ عَشَرَ شَعْبَانَ اسْتَنَابَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ نَائِبَيْنِ فِي الْحُكْمِ، وَهُمَا يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جُمْلَةَ الْمَحَجِّيُّ الصَّالِحِيُّ، وَقَدْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ المصري، وحكما يومئذ، وَمِنَ الْغَدِ جَاءَ الْبَرِيدُ وَمَعَهُ تَقْلِيدُ قَضَاءِ حَلَبَ لِلشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ، فَاسْتَدْعَاهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَفَاوَضَهُ فِي ذَلِكَ فَامْتَنَعَ، فَرَاجَعَهُ النَّائِبُ ثُمَّ رَاجَعَ السُّلْطَانَ فَجَاءَ الْبَرِيدُ فِي ثَانِيَ عَشَرَ رَمَضَانَ بِإِمْضَاءِ الْوِلَايَةِ فَشَرَعَ لِلتَّأَهُّبِ لِبِلَادِ حَلَبَ، وَتَمَادَى فِي ذَلِكَ حَتَّى كَانَ خُرُوجُهُ إِلَيْهَا فِي بُكْرَةِ يَوْمِ الْخَمِيسِ رَابِعَ عشر شوال، ودخل حلب يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ سَادِسِ عِشْرِينَ شَوَّالٍ فَأُكْرِمَ إِكْرَامًا زَائِدًا، وَدَرَّسَ بِهَا وَأَلْقَى عُلُومًا أَكْبَرَ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَحَصَلَ لَهُمُ الشَّرَفُ بِفُنُونِهِ وَفَوَائِدِهِ، وَحَصَلَ لِأَهْلِ الشَّامِ الْأَسَفُ عَلَى دُرُوسِهِ الْأَنِيقَةِ الْفَائِقَةِ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ شمس الدين محمد الحناط فِي قَصِيدَةٍ لَهُ مُطَوَّلَةٍ أَوَّلُهَا قَوْلُهُ:
أَسِفَتْ لِفَقْدِكَ جِلَّقُ الْفَيْحَاءُ ... وَتَبَاشَرَتْ بِقُدُومِكَ الشَّهْبَاءُ
وَفِي ثانى عشر رَمَضَانَ عُزِلَ أَمِينُ الْمُلْكِ عَنْ وِزَارَةِ مِصْرَ وَأُضِيفَتِ الْوِزَارَةُ إِلَى الْأَمِيرِ عَلَاءِ الدِّينِ مُغْلَطَاي الحمالى، أستاذ دار السُّلْطَانِ. وَفِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ طُلِبَ الصَّاحِبُ شَمْسُ الدين غبريال إلى
(14/112)

القاهرة فولى بِهَا نَظَرَ الدَّوَاوِينِ عِوَضًا عَنْ كَرِيمِ الدِّينِ الصَّغِيرِ، وَقَدِمَ كَرِيمُ الدِّينِ الْمَذْكُورُ إِلَى دِمَشْقَ فِي شَوَّالٍ، فَنَزَلَ بِدَارِ الْعَدْلِ مَنَ الْقَصَّاعِينَ. وَوَلِيَ سَيْفُ الدِّينِ قُدَيْدَارُ وِلَايَةَ مِصْرَ، وَهُوَ شَهْمٌ سَفَّاكٌ لِلدِّمَاءِ، فَأَرَاقَ الْخُمُورَ وَأَحْرَقَ الْحَشِيشَةَ وَأَمْسَكَ الشُّطَّارَ، وَاسْتَقَامَتْ بِهِ أَحْوَالُ الْقَاهِرَةِ وَمِصْرَ، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ مُلَازِمًا لِابْنِ تَيْمِيَّةَ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمِصْرَ.
وَفِي رَمَضَانَ قَدِمَ إِلَى مِصْرَ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ الشَّحَّامِ الْمَوْصِلِيُّ مِنْ بِلَادِ السُّلْطَانِ أُزْبَكَ، وَعِنْدَهُ فُنُونٌ مِنْ عِلْمِ الطِّبِّ وَغَيْرِهِ، وَمَعَهُ كِتَابٌ بِالْوَصِيَّةِ بِهِ فَأُعْطِيَ تَدْرِيسَ الظَّاهِرِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ نَزَلَ لَهُ عَنْهَا جَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْقَلَانِسِيِّ، فَبَاشَرَهَا فِي مستهل ذي الحجة، ثم درس بالجاروضية. ثم خرج الركب في تاسع شوال وأميره كوكنجبار الْمُحَمَّدِيُّ، وَقَاضِيهِ شِهَابُ الدِّينِ الظَّاهِرِيُّ. وَمِمَّنْ خَرَجَ إِلَى الْحَجِّ بُرْهَانُ الدِّينِ الْفَزَارِيُّ، وَشِهَابُ الدِّينِ قرطاى الناصري نائب طرابلس، وصاروحا وَشِهْرَى وَغَيْرُهُمْ. وَفِي نِصْفِ شَوَّالٍ زَادَ السُّلْطَانُ فِي عِدَّةِ الْفُقَهَاءِ بِمَدْرَسَتِهِ النَّاصِرِيَّةِ، كَانَ فِيهَا مَنْ كُلِّ مَذْهَبٍ ثَلَاثُونَ ثَلَاثُونَ، فَزَادَهُمْ إِلَى أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ، وَزَادَهُمْ فِي الْجَوَامِكِ أَيْضًا. وَفِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ وُجِدَ كَرِيمُ الدِّينِ الْكَبِيرُ وَكِيلُ السُّلْطَانِ قَدْ شَنَقَ نَفْسَهُ دَاخِلَ خِزَانَةٍ لَهُ قَدْ أَغْلَقَهَا عَلَيْهِ من داخل: ربط حلقه في حبل وكان تَحْتَ رِجْلَيْهِ قَفَصٌ فَدَفَعَ الْقَفَصَ بِرِجْلَيْهِ فَمَاتَ فِي مَدِينَةِ أُسْوَانَ، وَسَتَأْتِي تَرْجَمَتُهُ.
وَفِي سَابِعَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ زُيِّنَتْ دِمَشْقُ بِسَبَبِ عَافِيَةِ السُّلْطَانِ مِنْ مَرَضٍ كَانَ قَدْ أَشْفَى مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ دَرَّسَ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْقَلَانِسِيِّ بِالظَّاهِرِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ عِوَضًا عَنِ ابْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ، سَافَرَ عَلَى قَضَاءِ حَلَبَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقَاضِي الْقَزْوِينِيُّ، وَجَاءَ كِتَابٌ صَادِقٌ مِنْ بغداد إلى المولى شمس بن حسان يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ الْأَمِيرَ جُوبَانَ أَعْطَى الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ حُسَيْنَاهْ قَدَحًا فِيهِ خَمْرٌ لِيَشْرَبَهُ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ وَأَقْسَمَ فَأَبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ، فَقَالَ لَهُ إِنْ لَمْ تشربها وإلا كَلَّفْتُكَ أَنْ تَحْمِلَ ثَلَاثِينَ تُومَانًا، فَقَالَ نَعَمْ أَحْمِلُ وَلَا أَشْرَبُهَا، فَكَتَبَ عَلَيْهِ حُجَّةً بِذَلِكَ، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى أَمِيرٍ آخَرَ يُقَالُ له بكتى، فَاسْتَقْرَضَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَالَ ثَلَاثِينَ تُومَانًا فَأَبَى أَنْ يُقْرِضَهُ إِلَّا بِرِبْحِ عَشَرَةِ تَوَامِينَ، فَاتَّفَقَا على ذلك، فبعث بكتى إِلَى جُوبَانَ يَقُولُ لَهُ: الْمَالُ الَّذِي طَلَبْتَهُ مِنْ حُسَيْنَاهْ عِنْدِي فَإِنْ رَسَمْتَ حَمَلْتُهُ إِلَى الْخِزَانَةِ الشَّرِيفَةِ، وَإِنْ رَسَمْتَ تُفَرِّقُهُ عَلَى الْجَيْشِ. فَأَرْسَلَ جُوبَانُ إِلَى مُحَمَّدِ حُسَيْنَاهْ فَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: تَزِنُ أَرْبَعِينَ تُومَانًا وَلَا تَشْرَبُ قَدَحًا مَنْ خَمْرٍ؟ قَالَ نَعَمْ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ منه ومزق الحجة المكتوبة عَلَيْهِ، وَحَظِيَ عِنْدَهُ وَحَكَّمَهُ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا، وولاه ولايات كتابه، وحصل لجوبان إقلاع وَرُجُوعٌ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ، رَحِمَ اللَّهُ حُسَيْنَاهْ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ فِتْنَةٌ بِأَصْبَهَانَ قُتِلَ بِسَبَبِهَا أُلُوفٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَاسْتَمَرَّتِ الحرب بينهم
(14/113)

شُهُورًا. وَفِيهَا كَانَ غَلَاءٌ مُفْرِطٌ بِدِمَشْقَ، بَلَغَتِ الْغِرَارَةُ مِائَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ. وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَقَامَ لِلنَّاسِ مَنْ يَحْمِلُ لَهُمُ الْغَلَّةَ مِنْ مِصْرَ لَاشْتَدَّ الْغَلَاءُ وَزَادَ أَضْعَافَ ذَلِكَ، فكان مَاتَ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ مُدَّةَ شُهُورٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَإِلَى أَثْنَاءِ سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، حَتَّى قَدِمَتِ الْغَلَّاتُ وَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ وللَّه الحمد والمنة.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
تُوُفِّيَ فِي مستهل المحرم
بدر الدين بْنُ مَمْدُودِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَنَفِيُّ
قَاضِي قَلْعَةِ الرُّومِ بِالْحِجَازِ الشَّرِيفِ، وَقَدْ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا، حَجَّ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، وَرُبَّمَا أَحْرَمَ مِنْ قَلْعَةِ الروم أو حرم بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِدِمَشْقَ صَلَاةَ الْغَائِبِ، وَعَلَى شَرَفِ الدِّينِ بْنِ الْعِزِّ وَعَلَى شَرَفِ الدِّينِ بْنِ نَجِيحٍ تُوُفُّوا فِي أَقَلِّ مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ كُلُّهُمْ بِطَرِيقِ الْحِجَازِ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنَ الْحَجِّ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ غَبَطُوا ابْنَ نَجِيحٍ صَاحِبَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ بِتِلْكَ الْمَوْتَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَرُزِقُوهَا فَمَاتُوا عَقِيبَ عَمَلِهِمُ الصالح بعد الحج.
الحجة الكبيرة خوندا بنت مكية
زوجة الْمَلِكِ النَّاصِرِ، وَقَدْ كَانَتْ زَوْجَةَ أَخِيهِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ ثُمَّ هَجَرَهَا النَّاصِرُ وَأَخْرَجَهَا مِنَ الْقَلْعَةِ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهَا حَافِلَةً، وَدُفِنَتْ بِتُرْبَتِهَا الَّتِي أَنْشَأَتْهَا.
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ فَرْعُوشَ
وَيُقَالُ له اللباد ويعرف بالمؤله، كَانَ يُقْرِئُ النَّاسَ بِالْجَامِعِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ سنة، وقد قرأت عليه شيئا من القراءات، وكان يعلم الصغار عقد الراء والحروف المتقنة كَالرَّاءِ وَنَحْوِهَا، وَكَانَ مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا لَا يَقْتَنِي شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُ بَيْتٌ وَلَا خِزَانَةٌ، إِنَّمَا كَانَ يَأْكُلُ فِي السُّوقِ وَيَنَامُ فِي الْجَامِعِ، تُوُفِّيَ فِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ، وَدُفِنَ فِي بَابِ الْفَرَادِيسِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ تُوُفِّيَ بِمِصْرَ. الشَّيْخُ أَيُّوبُ السُّعُودِيُّ
وَقَدْ قَارَبَ الْمِائَةَ، أَدْرَكَ الشَّيْخَ أَبَا السُّعُودِ وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ مَشْهُودَةً. وَدُفِنَ بِتُرْبَةِ شَيْخِهِ بِالْقَرَافَةِ وَكَتَبَ عَنْهُ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي حَيَاتِهِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّحْبِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ مِثْلَ جِنَازَتِهِ بِالْقَاهِرَةِ مُنْذُ سَكَنَهَا رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ نُورُ الدِّينِ
أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ جِبْرِيلَ الْبَكْرِيُّ الْمِصْرِيُّ الشَّافِعِيُّ، لَهُ تَصَانِيفُ، وَقَرَأَ مُسْنَدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى وَزِيرَةَ بِنْتِ الْمُنَجَّا، ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ بِمِصْرَ، وَقَدْ كَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ يُنْكِرُ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، فَأَرَادَ بَعْضُ الدَّوْلَةِ قَتْلَهُ فَهَرَبَ وَاخْتَفَى عنده كَمَا تَقَدَّمَ لَمَّا كَانَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مُقِيمًا بِمِصْرَ، وَمَا مِثَالُهُ إِلَّا مِثَالُ سَاقِيَةٍ
(14/114)

ضَعِيفَةٍ كَدِرَةٍ لَاطَمَتْ بَحْرًا عَظِيمًا صَافِيًا، أَوْ رَمَلَةٍ أَرَادَتْ زَوَالَ جَبَلٍ، وَقَدْ أَضْحَكَ الْعُقَلَاءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَرَادَ السُّلْطَانُ قَتْلَهُ فَشَفَعَ فِيهِ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ، ثُمَّ أَنْكَرَ مَرَّةً شَيْئًا عَلَى الدَّوْلَةِ فَنُفِيَ مِنَ الْقَاهِرَةِ إِلَى بَلْدَةٍ يُقَالُ لها ديروط، فَكَانَ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَابِعِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ مَشْهُورَةً غَيْرَ مَشْهُودَةٍ، وَكَانَ شَيْخُهُ يُنْكِرُ عَلَيْهِ إِنْكَارَهُ عَلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَيَقُولُ لَهُ أَنْتَ لَا تحسن أن تتكلم.
الشمس مُحَمَّدٌ الْبَاجُرْبَقِيُّ
الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ الْبَاجُرْبَقِيَّةُ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ إِنْكَارُ الصَّانِعِ جَلَّ جَلَالُهُ، وتقدست أسماؤه، وقد كان والده جمال الدين بن عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عُمَرَ الْمَوْصِلِيُّ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَدَرَّسَ فِي أَمَاكِنَ بِدِمَشْقَ، وَنَشَأَ وَلَدُهُ هَذَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَاشْتَغَلَ بَعْضَ شيء ثم أقبل على السلوك ولازم جماعة يعتقدونه ويزورونه ويرزقونه ممن هو على طريقه، وَآخَرُونَ لَا يَفْهَمُونَهُ، ثُمَّ حَكَمَ الْقَاضِي الْمَالِكِيُّ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ فَهَرَبَ إِلَى الشَّرْقِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَثْبَتَ عَدَاوَةً بَيْنِهِ وَبَيْنَ الشُّهُودِ فَحَكَمَ الْحَنْبَلِيُّ بِحَقْنِ دَمِهِ فَأَقَامَ بِالْقَابُونِ مُدَّةَ سِنِينَ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ مَغَارَةِ الدَّمِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ فِي قُبَّةٍ فِي أَعْلَى ذَيْلِ الْجَبَلِ تَحْتَ الْمَغَارَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّونَ سَنَةً.
شَيْخُنَا الْقَاضِي الْمُعَمَّرُ الْفَقِيهُ
مُحْيِي الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ الْفَاضِلِ جَمَالِ الدِّينِ إِسْحَاقَ بْنِ خَلِيلِ بْنِ فَارِسٍ الشَّيْبَانِيُّ الشَّافِعِيُّ اشْتَغَلَ على النواوى ولازم ابن الْمَقْدِسِيَّ، وَوَلِيَ الْحُكْمَ بِزُرَعَ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ قَامَ بِدِمَشْقَ يَشْتَغِلُ فِي الْجَامِعِ، وَدَرَّسَ فِي الصَّارِمِيَّةِ وَأَعَادَ فِي مَدَارِسَ عِدَّةٍ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي سَلْخِ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَدُفِنَ بَقَاسِيُونَ وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَسَمِعَ كَثِيرًا وَخَرَّجَ لَهُ الذَّهَبِيُّ شَيْئًا وَسَمِعْنَا عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيَّ وَغَيْرَهُ.
الْفَقِيهُ الْكَبِيرُ الصَّدْرُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْخَطِيبُ بِالْجَامِعِ
بَدْرُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَدَّادِ الْآمِدِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ وَحَفِظَ الْمُحَرَّرَ في مذهب أَحْمَدَ وَبَرَعَ عَلَى ابْنِ حَمْدَانَ وَشَرَحَهُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ سِنِينَ وَقَدْ كَانَ ابْنُ حَمْدَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ كَثِيرًا وَعَلَى ذِهْنِهِ وَذَكَائِهِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْكِتَابَةِ وَلَزِمَ خِدْمَةَ الْأَمِيرِ قَرَاسُنْقُرَ بِحَلَبَ، فَوَلَّاهُ نَظَرَ الْأَوْقَافِ وَخَطَابَةَ حَلَبَ بِجَامِعِهَا الْأَعْظَمِ، ثم لما صار إلى دمشق ولاه خطابة الأموي فَاسْتَمَرَّ خَطِيبًا فِيهَا اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أُعِيدَ إِلَيْهَا جَلَالُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ، ثُمَّ وَلِيَ نظر المارستان والحسبة وَنَظَرَ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَعُيِّنَ لِقَضَاءِ الْحَنَابِلَةِ فِي وَقْتٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْكَاتِبُ الْمُفِيدُ قُطْبُ الدِّينِ
أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلِ بْنِ فَضْلِ اللَّهِ الْمِصْرِيُّ، أَخُو مُحْيِي الدِّينِ كَاتِبِ تنكز، والد الصَّاحِبِ عَلَمِ الدِّينِ
(14/115)

كَانَ خَبِيرًا بِالْكِتَابَةِ وَقَدْ وَلِيَ اسْتِيفَاءَ الْأَوْقَافِ بَعْدَ أَخِيهِ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ أَخِيهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ صِنَاعَةَ الْكِتَابَةِ وَغَيْرَهَا، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الاثنين ثانى رجب وعمل عزاؤه بالشميساطية، وَكَانَ مُبَاشِرَ أَوْقَافِهَا.
الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ مَلِكُ الْعَرَبِ
مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُهَنَّا أَخُو مُهَنَّا، تُوُفِّيَ بِسَلَمْيَةَ يَوْمَ السَّبْتِ سَابِعِ رَجَبٍ، وَقَدْ جَاوَزَ السِّتِّينَ كَانَ مَلِيحَ الشَّكْلِ حَسَنَ السِّيرَةِ عاملا عارفا رحمه الله.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى دِمَشْقَ بموت. الوزير الكبير عَلِيِّ شَاهْ بْنِ أَبِي بَكْرٍ التِّبْرِيزِيِّ
وَزِيرِ أبى سَعِيدٍ بَعْدَ قَتْلِ سَعْدِ الدِّينِ السَّاوِيِّ، وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلًا فِيهِ دِينٌ وَخَيْرٌ، وَحُمِلَ إِلَى تِبْرِيزَ فَدُفِنَ بِهَا فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بَكْتَمُرُ
وَالِي الْوُلَاةِ صَاحِبُ الْأَوْقَافِ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى: مِنْ ذَلِكَ مدرسة بالصلب، وَلَهُ دَرْسٌ بِمَدْرَسَةِ أَبِي عُمَرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، توفى بالإسكندرية، وهو نائبها خَامِسِ رَمَضَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
شَرَفُ الدِّينِ أَبُو عبد الله
محمد ابن الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ زَيْنِ الدِّينِ بْنِ الْمُنَجَّا بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ الْمُنَجَّا التَّنُوخِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، أَخُو قَاضِي الْقُضَاةِ عَلَاءِ الدِّينِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَدَرَّسَ وَأَفْتَى، وَصَحِبَ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ بن تَيْمِيَّةَ، وَكَانَ فِيهِ دِينٌ وَمَوَدَّةٌ وَكَرَمٌ وَقَضَاءُ حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ رَابِعِ شَوَّالٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، ودفن بتربتهم بالصالحية.
الشيخ حسين الْكُرْدِيُّ الْمُوَلَّهُ
كَانَ يُخَالِطُ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ، وَيَمْشِي حَافِيًا، وَرُبَّمَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْهَذَيَانَاتِ الَّتِي تشبه علم المغيبات، وللناس فيه اعتقاد كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَهْلِ الْعَمَى وَالضَّلَالَاتِ، مَاتَ فِي شَوَّالٍ.
كَرِيمُ الدِّينِ الَّذِي كَانَ وَكِيلَ السُّلْطَانِ
عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْعَلَمِ هِبَةِ اللَّهِ الْمُسْلِمَانِيُّ، حَصَلَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالتَّقَدُّمِ وَالْمَكَانَةِ الْخَطِيرَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ فِي دَوْلَةِ الْأَتْرَاكِ، وَقَدْ وَقَفَ الْجَامِعَيْنِ بدمشق أحدهما جامع القبيبات وَالْحَوْضِ الْكَبِيرِ الَّذِي تُجَاهَ بَابِ الْجَامِعِ، وَاشْتَرَى لَهُ نَهْرَ مَاءٍ بِخَمْسِينَ أَلْفًا، فَانْتَفَعَ بِهِ الناس انتفاعا كثيرا، ووجدوا رفقا. والثاني الجامع الَّذِي بِالْقَابُونِ. وَلَهُ صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ وَعَفَا عَنْهُ، وَقَدْ مُسِكَ فِي آخِرِ عمره ثم صودر ونفى إِلَى الشَّوْبَكِ، ثُمَّ إِلَى الْقُدْسِ، ثُمَّ الصَّعِيدِ فخنق نفسه كما قيل بعمامته بِمَدِينَةِ أُسْوَانَ، وَذَلِكَ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ، وَقَدْ كَانَ حَسَنَ الشَّكْلِ تَامَّ الْقَامَةِ،
(14/116)

وَوُجِدَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ذَخَائِرُ كَثِيرَةٌ سَامَحَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ عَلَاءُ الدِّينِ
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ العطار، شيخ دار الحديث النورية، ومدرس الغوصية بِالْجَامِعِ، وُلِدَ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ عَلَى الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَاوِيِّ وَلَازَمَهُ حَتَّى كَانَ يُقَالُ لَهُ مُخْتَصَرُ النَّوَاوِيِّ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتُ وَفَوَائِدُ وَمَجَامِيعُ وَتَخَارِيجُ، وَبَاشَرَ مَشْيَخَةَ النُّورِيَّةِ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، مُدَّةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْهَا مُسْتَهَلِّ ذِي الْحِجَّةِ فَوَلِيَ بَعْدَهُ النُّورِيَّةَ عَلَمُ الدِّينِ الْبِرْزَالِيُّ، وَتَوَلَّى الغوصية شِهَابُ الدِّينِ بْنُ حِرْزِ اللَّهِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بالجامع ودفن بقاسيون رحمه الله، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ وَحُكَّامُ الْبِلَادِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَأَوَّلُهَا يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ. وَفِي خَامِسِ صَفَرٍ مِنْهَا قَدِمَ إِلَى دِمَشْقَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ مَحْمُودٌ الْأَصْبَهَانِيُّ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنَ الْحَجِّ وَزِيَارَةِ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ وَهُوَ رَجُلٌ فَاضِلٌ لَهُ مصنفات منها شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح الجويد وَغَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ شَرَحَ الْحَاجِبِيَّةَ أَيْضًا وجمع له تَفْسِيرًا بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ إِلَى مِصْرَ، وَلَمَّا قَدِمَ إِلَى دِمَشْقَ أُكْرِمَ وَاشْتَغَلَ عَلَيْهِ الطَّلَبَةُ، وَكَانَ حَظِيًّا عِنْدَ الْقَاضِي جَلَالِ الدِّينِ الْقَزْوِينِيِّ، ثُمَّ إِنَّهُ تَرَكَ الْكُلَّ وَصَارَ يَتَرَدَّدُ إِلَى الشَّيْخِ تقى الدين بن تَيْمِيَّةَ وَسَمِعَ عَلَيْهِ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ وَرَدِّهِ عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ، وَلَازَمَهُ مُدَّةً فَلَمَّا مَاتَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَحَوَّلَ إِلَى مِصْرَ وَجَمَعَ التَّفْسِيرَ.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ جَرَّدَ السُّلْطَانُ تَجْرِيدَةً نَحْوَ خمسة آلاف إلى اليمن لخروج عمه عليه، وصحبتهم خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْحُجَّاجِ، مِنْهُمُ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ النُّوَيْرِيُّ. وَفِيهَا مُنِعَ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ مُرِّيٍّ الْبَعْلَبَكِّيُّ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى النَّاسِ بِمِصْرَ، على طريقة الشيخ تقى الدين بن تيمية، وعزره القاضي المالكي بسبب الِاسْتِغَاثَةِ، وَحَضَرَ الْمَذْكُورُ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطَانِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، ثُمَّ سُفِّرَ إِلَى الشام بأهله فنزل ببلاد الخليل، ثم انتزح إِلَى بِلَادِ الشَّرْقِ وَأَقَامَ بِسِنْجَارَ وَمَارِدِينَ وَمُعَامَلَتِهِمَا يَتَكَلَّمُ وَيَعِظُ النَّاسَ إِلَى أَنْ مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ عَادَ نَائِبُ الشَّامِ مِنْ مِصْرَ وَقَدْ أَكْرَمَهُ السُّلْطَانُ وَالْأُمَرَاءُ. وَفِي جُمَادَى الْأُولَى وَقَعَ بِمِصْرَ مَطَرٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ بِحَيْثُ زَادَ النِّيلُ بِسَبَبِهِ أَرْبَعَ أَصَابِعَ، وَتَغَيَّرَ أَيَّامًا. وَفِيهِ زَادَتْ دِجْلَةُ بِبَغْدَادَ حَتَّى غَرَّقَتْ مَا حَوْلَ بَغْدَادَ وَانْحَصَرَ النَّاسُ بِهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ لَمْ تُفْتَحْ أَبْوَابُهَا، وَبَقِيَتْ مِثْلَ السَّفِينَةِ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ، وَغَرِقَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفَلَّاحِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَتَلِفَ لِلنَّاسِ ما لا يعلمه إلا الله، وَوَدَّعَ أَهْلُ الْبَلَدِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَجَئُوا إِلَى الله تعالى وحملوا المصاحف على رءوسهم في شدة الشوق في أنفسهم
(14/117)

حَتَّى الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَكَانَ وَقْتًا عَجِيبًا، ثُمَّ لَطَفَ اللَّهُ بِهِمْ فَغِيضَ الْمَاءُ وَتَنَاقَصَ، وَتَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمُ الجائرة وَغَيْرِ الْجَائِزَةِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَرِقَ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ نَحْوٌ مِنْ سِتَّةِ آلَافٍ وَسِتِّمِائَةِ بَيْتٍ، وَإِلَى عَشَرَةِ سِنِينَ لَا يَرْجِعُ مَا غَرِقَ.
وَفِي أَوَائِلِ جُمَادَى الْآخِرَةِ فَتَحَ السُّلْطَانُ خَانَقَاهْ سِرْيَاقُوسَ الَّتِي أَنْشَأَهَا وَسَاقَ إِلَيْهَا خَلِيجًا وَبَنَى عندها محلة، وحضر السلطان بِهَا وَمَعَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَالْأُمَرَاءُ وَغَيْرُهُمْ، وَوَلِيَهَا مَجْدُ الدِّينِ الْأَقْصُرَائِيُّ، وَعَمِلَ السُّلْطَانُ بِهَا وَلِيمَةً كبيرة، وَسَمِعَ عَلَى قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنِ جَمَاعَةَ عِشْرِينَ حَدِيثًا بِقِرَاءَةِ وَلَدِهِ عِزِّ الدِّينِ بِحَضْرَةِ الدَّوْلَةِ مِنْهُمْ أَرْغُوَنُ النَّائِبُ، وَشَيْخُ الشُّيُوخِ الْقُونَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَخُلِعَ عَلَى الْقَارِئِ عِزِّ الدِّينِ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ ثَنَاءً زَائِدًا، وَأُجْلِسَ مُكَرَّمًا، وَخُلِعَ أَيْضًا عَلَى وَالِدِهِ ابْنِ جَمَاعَةَ وَعَلَى الْمَالِكِيِّ وَشَيْخِ الشُّيُوخِ، وَعَلَى مَجْدِ الدِّينِ الْأَقْصُرَائِيِّ شَيْخِ الْخَانَقَاهْ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ دَرَّسَ بِقُبَّةِ الْمَنْصُورِيَّةِ فِي الْحَدِيثِ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ الْكَتَّانِيِّ الدِّمَشْقِيُّ، بِإِشَارَةِ نَائِبِ الْكَرَكِ وَأَرْغُوَنَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ النَّاسُ، وَكَانَ فَقِيهًا جَيِّدًا، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ مِنْ فَنِّهِ وَلَا مَنْ شُغْلِهِ.
وَفِي أَوَاخِرِ رَجَبٍ قَدِمَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدين بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُرَحِّلِ مِنْ مِصْرَ عَلَى تَدْرِيسِ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، وَكَانَتْ بِيَدِ ابْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ فَانْتَقَلَ إِلَى قَضَاءِ حَلَبَ، فَدَرَّسَ بِهَا فِي خَامِسِ شَعْبَانَ وَحَضَرَ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ. وَفِي سَلْخِ رَجَبٍ قَدِمَ الْقَاضِي عِزُّ الدِّينِ بْنُ بَدْرِ الدِّينِ بْنِ جَمَاعَةَ مِنْ مِصْرَ وَمَعَهُ وَلَدُهُ، وَفِي صُحْبَتِهِ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الطَّلَبَةِ بِسَبَبِ سَمَاعِ الْحَدِيثِ، فَقَرَأَ بِنَفْسِهِ وَقَرَأَ النَّاسُ لَهُ وَاعْتَنَوْا بِأَمْرِهِ، وَسَمِعْنَا مَعَهُمْ وَبِقِرَاءَتِهِ شَيْئًا كَثِيرًا، نَفْعَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَرَءُوا وَبِمَا سَمِعُوا، وَنَفَعَ بِهِمْ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَانِيَ عَشَرَ شَوَّالٍ دَرَّسَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ، بِالرَّوَاحِيَّةِ بَعْدَ ذَهَابِ ابْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ إِلَى حَلَبَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَكَانَ فِيهِمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَجَرَى يَوْمَئِذٍ بَحْثٌ فِي الْعَامِّ إِذَا خُصَّ، وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ النَّفْيِ وَوَقَعَ انْتِشَارٌ وَطَالَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَتَكَلَّمَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَلَامًا أَبْهَتَ الْحَاضِرِينَ، وَتَأَخَّرَ ثُبُوتُ عِيدِ الْفِطْرِ إِلَى قَرِيبِ الظُّهْرِ يَوْمَ الْعِيدِ، فَلَمَّا ثَبَتَ دَقَّتِ الْبَشَائِرُ وَصَلَّى الْخَطِيبُ الْعِيدَ مِنَ الْغَدِ بِالْجَامِعِ، وَلَمْ يَخْرُجِ النَّاسُ إِلَى الْمُصَلَّى، وتغضب الناس عَلَى الْمُؤَذِّنِينَ وَسَجَنَ بَعْضَهُمْ. وَخَرَجَ الرَّكْبُ فِي عاشره وأميره صلاح الدين ابن أَيْبَكَ الطَّوِيلُ، وَفِي الرَّكْبِ صَلَاحُ الدِّينِ بْنُ أوحد، والمنكورسى، وقاضيه شهاب الدين الظاهر. وَفِي سَابِعَ عَشَرَهُ دَرَّسَ بِالرِّبَاطِ النَّاصِرِيِّ بَقَاسِيُونَ حسام الدين القزويني الَّذِي كَانَ قَاضِيَ طَرَابُلُسَ، قَايَضَهُ بِهَا جَمَالُ الدين بن الشريشنى إِلَى تَدْرِيسِ الْمَسْرُورِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ تَوْقِيعُهُ بِالْعَذْرَاوِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ فَوَقَفَ فِي طَرِيقِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ جمال الدِّينِ وَنَائِبَاهُ ابْنُ جُمْلَةَ
(14/118)

والفخر المصري، وعقد له ولكمال الدين ابن الشِّيرَازِيِّ مَجْلِسًا، وَمَعَهُ تَوْقِيعٌ بِالشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، فَعُطِّلَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا لَمْ يُظْهِرَا اسْتِحْقَاقَهُمَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَصَارَتِ الْمَدْرَسَتَانِ الْعَذْرَاوِيَّةُ وَالشَّامِيَّةُ لِابْنِ المرحل كما ذكرنا، وعظم القزويني بالمسرورية فقايض منها لابن الشريشنى إِلَى الرِّبَاطِ النَّاصِرِيِّ، فَدَرَّسَ بِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ، وَدَرَّسَ بعده ابن الشريشنى بِالْمَسْرُورِيَّةِ وَحَضَرَ عِنْدَهُ النَّاسُ أَيْضًا. وَفِيهِ عَادَتِ التَّجْرِيدَةُ الْيَمَنِيَّةُ وَقَدْ فُقِدَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْغِلْمَانِ وَغَيْرِهِمْ، فَحُبِسَ مُقَدَّمُهُمُ الْكَبِيرُ رُكْنُ الدين بيبرس لسوء سيرته فيهم.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ الصباح
وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنِيرٍ الْبَعْلَبَكِّيُّ، كَانَ مَشْهُورًا بالصلاح مقيما بالمأذنة الشَّرْقِيَّةِ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ مُسْتَهَلِّ الْمُحَرَّمِ وَدُفِنَ بالباب الصغير، وكانت جنازته حافلة، حمله الناس على رءوس الأصابع، وكان ملازما لمجلس الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَّةَ.
إِبْرَاهِيمُ الْمُوَلَّهُ
الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْقَمِينِيُّ لِإِقَامَتِهِ بِالْقَمَامِينَ خَارِجَ بَابِ شَرْقِيٍّ، وَرُبَّمَا كَاشَفَ بعض العوام، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، وقد استنابه الشيخ تقى الدين بن تيمية وضربه على ترك الصلوات وَمُخَالَطَةِ الْقَاذُورَاتِ، وَجَمْعِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ حَوْلَهُ فِي الْأَمَاكِنِ النَّجِسَةِ. تُوُفِّيَ كَهْلًا فِي هَذَا الشَّهْرِ
الشيخ عفيف الدين
مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ الصِّقِلِّيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، إِمَامُ مَسْجِدِ الرَّأْسِ، آخِرُ مِنْ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِبَعْضِ سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ، سَمِعْنَا عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا، تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ النَّاسِكُ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أَحْمَدَ الْجَزَرِيُّ، الَّذِي كان مقيما [1] أَبِي بَكْرٍ مِنْ جَامِعِ دِمَشْقَ، كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْكِبَارِ مُبَارَكًا خَيِّرًا، عَلَيْهِ سَكِينَةٌ وَوَقَارٌ، وَكَانَتْ لَهُ مُطَالَعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ فَهْمٌ جَيِّدٌ وعقل جيد، وَكَانَ مِنَ الْمُلَازِمِينَ لِمَجَالِسِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَكَانَ يَنْقُلُ مِنْ كَلَامِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً وَيَفْهَمُهَا يَعْجِزُ عَنْهَا كِبَارُ الْفُقَهَاءِ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَادِسِ عِشْرِينَ صَفَرٍ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بالجامع ودفن بباب الصغير وكانت جنازته حافلة مَحْمُودَةً.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْكَبِيرُ الْمُعَمَّرُ
الرَّجُلُ الصَّالِحُ تقى الدين ابن الصائغ المقري الْمِصْرِيُّ، الشَّافِعِيُّ، آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْ مَشَايِخِ الْقُرَّاءِ وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَالِمِ بْنِ مَكِّيٍّ، تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ حَافِلَةً، قَارَبَ التِّسْعِينَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْهَا سِوَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ قرأ عليه غير واحد،
__________
[1] بياض بالأصل ولعله «بمحراب» أو «بخلوة» أو نحو هذا.
(14/119)

وَهُوَ مِمَّنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ
الشَّيْخُ الْإِمَامُ صَدْرُ الدِّينِ
أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ تَمَّامِ بْنِ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَبَرَعَ فِي الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ، وَدَرَّسَ بِالسَّيْفِيَّةِ وَبَاشَرَهَا بَعْدَهُ ابْنُ أَخِيهِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ الَّذِي تَوَلَّى قَضَاءَ الشَّامِ فِيمَا بَعْدُ.
الشِّهَابُ مَحْمُودٌ
هُوَ الصَّدْرُ الْكَبِيرُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ صِنَاعَةِ الْإِنْشَاءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الْقَاضِي الْفَاضِلِ مِثْلُهُ فِي صنعة الإنشاء، وله خصائص لَيْسَتْ لِلْفَاضِلِ مِنْ كَثْرَةِ النَّظْمِ وَالْقَصَائِدِ الْمُطَوَّلَةِ الْحَسَنَةِ الْبَلِيغَةِ، فَهُوَ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو الثَّنَاءِ مَحْمُودُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ فَهْدٍ الْحَلَبِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِحَلَبَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَعُنِيَ بِاللُّغَةِ وَالْأَدَبِ وَالشِّعْرِ وَكَانَ كَثِيرَ الْفَضَائِلِ بَارِعًا فِي عِلْمِ الْإِنْشَاءِ نَظْمًا وَنَثْرًا، وَلَهُ فِي ذَلِكَ كُتُبٌ وَمُصَنَّفَاتٌ حَسَنَةٌ فَائِقَةٌ، وَقَدْ مَكَثَ فِي دِيوَانِ الْإِنْشَاءِ نَحْوًا من خمسين سنة، ثم ولى كتابة السر بدمشق نحوا من ثمان سِنِينَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ السَّبْتِ ثَانِي عشرين شعبان في منزله قرب باب النطفانيين وَهِيَ دَارُ الْقَاضِي الْفَاضِلِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ وَدُفِنَ بِتُرْبَةٍ لَهُ أَنْشَأَهَا بِالْقُرْبِ مِنَ الْيَغْمُورِيَّةِ وقد جاوز الثمانين رحمه الله.
شَيْخُنَا الْمُسْنِدُ الْمُعَمَّرُ الرُّحْلَةُ
عَفِيفُ الدِّينِ إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْآمِدِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ الْحَنَفِيُّ شَيْخُ دَارِ الْحَدِيثِ الظَّاهِرِيَّةِ، وُلِدَ فِي حُدُودِ الْأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى جَمَاعَةٍ كَثِيرِينَ، مِنْهُمْ يُوسُفُ بن خليل ومجد الدين بن تَيْمِيَّةَ، وَكَانَ شَيْخًا حَسَنًا بَهِيَّ الْمَنْظَرِ سَهْلَ الْإِسْمَاعِ يُحِبُّ الرِّوَايَةَ وَلَدَيْهِ فَضِيلَةٌ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ ثَانِي عِشْرِينَ رَمَضَانَ، وَدُفِنَ بَقَاسِيُونَ، وَهُوَ وَالِدُ فَخْرِ الدِّينِ نَاظِرِ الْجُيُوشِ وَالْجَامِعِ. وَقَبْلَهُ بِيَوْمٍ تُوُفِّيَ الصَّدْرُ مُعِينُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ زُغَيْبٍ الرَّحْبِيُّ أَحَدُ كِبَارِ التُّجَّارِ الْأُمَنَاءِ
وَفِي رَمَضَانَ تُوُفِّيَ الْبَدْرُ الْعَوَّامُ
وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَابَا الْحَلَبِيُّ، وَكَانَ فَرْدًا فِي الْعَوْمِ، وَطِيبِ الْأَخْلَاقِ، انْتَفَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ التُّجَّارِ فِي بَحْرِ الْيَمَنِ كَانَ مَعَهُمْ فَغَرِقَ بِهِمُ المركب، فلجئوا إلى صخرة في البحر، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ، ثُمَّ إِنَّهُ غَطَسَ فَاسْتَخْرَجَ لَهُمْ أَمْوَالًا مِنْ قَرَارِ الْبَحْرِ بَعْدَ أَنْ أَفْلَسُوا وَكَادُوا أَنْ يَهْلِكُوا، وَكَانَ فِيهِ دِيَانَةٌ وَصِيَانَةٌ، وَقَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَحَجَّ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وعاش ثمانا وَثَمَانِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ يَسْمَعُ الشَّيْخَ تقى الدين بن تَيْمِيَّةَ كَثِيرًا.
وَفِيهِ تُوُفِّيَ. الشِّهَابُ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَمْشَاطِيُّ
الْأَدِيبُ فِي الْأَزْجَالِ وَالْمُوَشَّحَاتِ وَالْمَوَالِيَا وَالدُّوبَيْتِ وَالْبَلَالِيقِ، وَكَانَ أُسْتَاذَ أَهْلِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ مَاتَ فِي عَشْرِ السِّتِّينَ.
الْقَاضِي الْإِمَامُ الْعَالِمُ الزَّاهِدُ
صَدْرُ الدِّينِ سُلَيْمَانُ بْنُ هِلَالِ بْنِ شِبْلِ بْنِ فَلَاحِ بْنِ خَصِيبٍ الْجَعْفَرِيُّ الشَّافِعِيُّ المعروف بخطيب
(14/120)

دَارَيَّا، وُلِدَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، بِقَرْيَةِ بُسْرَا مِنْ عَمَلِ السَّوَادِ، وَقَدِمَ مَعَ وَالِدِهِ فقرأ بالصالحية القرآن عَلَى الشَّيْخِ نَصْرِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ، وَالشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ، وَتَوَلَّى خَطَابَةَ دَارَيَّا وَأَعَادَ بِالنَّاصِرِيَّةِ، وَتَوَلَّى نِيَابَةَ الْقَضَاءِ لِابْنِ صَصْرَى مُدَّةً، وَكَانَ مُتَزَهِّدًا لَا يَتَنَعَّمُ بِحَمَّامٍ وَلَا كَتَّانٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَمْ يُغَيِّرْ مَا اعْتَادَهُ فِي الْبِرِّ، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا، وَهُوَ الَّذِي اسْتَسْقَى بِالنَّاسِ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ فَسُقُوا كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ يَذْكُرُ لَهُ نَسَبًا إِلَى جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ، بينه وبينه عشرة آباء، ثم ولى خطابة العقبية فَتَرَكَ نِيَابَةَ الْحُكْمِ وَقَالَ هَذِهِ تَكْفِي إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ثَامِنِ ذِي الْقَعْدَةِ، ودفن بباب الصغير، وكانت جنازته مشهورة رَحِمَهُ اللَّهُ، وَتَوَلَّى بَعْدَهُ الْخَطَابَةَ وَلَدُهُ شِهَابُ الدين.
أحمد بن صَبِيحٍ الْمُؤَذِّنُ
الرَّئِيسُ بِالْعُرُوسِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ مَعَ البرهان بَدْرُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ صبيح بن عبد الله التفليسي مولاهم المقري الْمُؤَذِّنُ، كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا فِي زَمَانِهِ، وَأَطْيَبِهِمْ نَغْمَةً، وُلِدَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ تَقْرِيبًا، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَمِمَّنْ سَمِعَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَشَايِخِ، وَحَدَّثَ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنًا، أَبُوهُ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ اسْمُهَا شَامَةُ بِنْتُ كَامِلِ الدِّينِ التَّفْلِيسِيِّ، امْرَأَةُ فَخْرِ الدِّينِ الْكَرْخِيِّ، وَبَاشَرَ مُشَارَفَةَ الْجَامِعِ وَقِرَاءَةَ الْمُصْحَفِ، وَأَذَّنَ عِنْدَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ مُدَّةً، وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ بِالطَّوَاوِيسِ، وصلى عليه بجامع العقبية، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الْفَرَادِيسِ.
خَطَّابٌ بَانِي خَانِ خَطَّابٍ
الَّذِي بَيْنَ الْكُسْوَةِ وَغَبَاغِبِ. الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ عز الدين خطاب بن محمود بن رتقش الْعِرَاقِيُّ، كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَهُ ثَرْوَةٌ مِنَ الْمَالِ كَبِيرَةٌ، وَأَمْلَاكٌ وَأَمْوَالٌ، وَلَهُ حَمَّامٌ بِحِكْرِ السِّمَاقِ، وَقَدْ عَمَرَ الْخَانَ الْمَشْهُورَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى نَاحِيَةِ الْكَتِفِ الْمِصْرِيِّ، مِمَّا يَلِي غباغب، وهو برج الصُّفَّرِ، وَقَدْ حَصَلَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُسَافِرِينَ بِهِ رفق، توفى ليلة سبع عشرة رَبِيعٍ الْآخِرِ وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا تُوُفِّيَ رَجُلٌ آخَرُ اسْمُهُ: رُكْنُ الدِّينِ خَطَّابُ بْنُ الصَّاحِبِ كَمَالِ الدِّينِ
أَحْمَدَ ابْنِ أُخْتِ ابْنِ خَطَّابٍ الرُّومِيُّ السِّيوَاسِيُّ، لَهُ خَانَقَاهْ بِبَلَدِهِ بِسِيوَاسَ، عَلَيْهَا أَوْقَافٌ كَثِيرَةٌ وَبِرٌّ وَصَدَقَةٌ، تُوُفِّيَ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى الْحِجَازِ الشَّرِيفِ بِالْكَرَكِ، وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ بِمُؤْتَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ تُوُفِّيَ بَدْرُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
مُحَمَّدُ بْنُ كَمَالِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ أَبِي الوحش أسد بن سلامة بن سليمان بن فتيان
(14/121)

الشَّيْبَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْعَطَّارِ، وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِينَ [وستمائة] ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَكَتَبَ الْخَطَّ الْمَنْسُوبَ وَاشْتَغَلَ بِالتَّنْبِيهِ وَنَظَمَ الشِّعْرَ، وَوَلِيَ كِتَابَةَ الدَّرَجِ، ثُمَّ نَظَرَ الْجَيْشِ وَنَظَرَ الْأَشْرَافِ، وَكَانَتْ لَهُ حُظْوَةٌ فِي أَيَّامِ الْأَفْرَمِ، ثُمَّ حَصَلَ لَهُ خُمُولٌ قَلِيلٌ، وَكَانَ مُتْرَفًا مُنَعَّمًا لَهُ ثَرْوَةٌ وَرِيَاسَةٌ وَتَوَاضُعٌ وَحُسْنُ سِيرَةٍ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ بِتُرْبَتِهِمْ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ
أَبُو مُحَمَّدٍ بن الحسن بن محمد بن عمار بن فتوح الْحَارِثِيُّ، قَاضِي الزَّبَدَانِيِّ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ الْكَرَكِ وَبِهَا مَاتَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ، وَكَانَ حَسَنَ الْأَخْلَاقِ مُتَوَاضِعًا، وَهُوَ وَالِدُ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ بْنِ قَاضِي الزَّبَدَانِيِّ مُدَرِّسِ الظَّاهِرِيَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثم دخلت سنة ست وعشرين وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ وَالْحُكَّامُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قبلها، سوى كاتب سر دمشق شِهَابِ الدِّينِ مَحْمُودٍ فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ، وَوَلِيَ الْمَنْصِبَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ الصَّدْرُ شَمْسُ الدِّينِ. وَفِيهَا تَحَوَّلَ التُّجَّارُ فِي قُمَاشِ النِّسَاءِ الْمَخِيطِ مِنَ الدَّهْشَةِ الَّتِي لِلْجَامِعِ إِلَى دَهْشَةِ سُوقِ عَلِيٍّ. وفي يوم الأربعاء ثَامِنِ الْمُحَرَّمِ بَاشَرَ مَشْيَخَةَ الْحَدِيثِ الظَّاهِرِيَّةَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ جَهْبَلٍ بَعْدَ وَفَاةِ الْعَفِيفِ إِسْحَاقَ وَتَرَكَ تَدْرِيسَ الصَّلَاحِيَّةِ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وَاخْتَارَ دِمَشْقَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ. وَفِي أَوَّلِهَا فُتِحَ الْحَمَّامُ الَّذِي بَنَاهُ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ جوبان بجوار دَارِهِ بِالْقُرْبِ مِنْ دَارِ الْجَالِقِ، وَلَهُ بَابَانِ أحدهما إلى جهة مَسْجِدِ الْوَزِيرِ، وَحَصَلَ بِهِ نَفْعٌ. وَفِي يَوْمِ الاثنين ثانى صَفَرٍ قَدِمَ الصَّاحِبُ غِبْرِيَالُ مِنْ مِصْرَ عَلَى الْبَرِيدِ مُتَوَلِّيًا نَظَرَ الدَّوَاوِينِ بِدِمَشْقَ عَلَى عَادَتِهِ، وَانْفَصَلَ عَنْهَا الْكَرِيمُ الصَّغِيرُ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِهِ. وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ حَادِي عِشْرِينَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بكرة ضربت عنق ناصر بن الشرف أبى الفضل بن إسماعيل بن الهيثى بِسُوقِ الْخَيْلِ عَلَى كُفْرِهِ وَاسْتِهَانَتِهِ وَاسْتِهْتَارِهِ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَصُحْبَتِهِ الزَّنَادِقَةِ كَالنَّجْمِ بْنِ خَلِّكَانَ، وَالشَّمْسِ محمد الباجريقي، وابن المعمار البغدادي، وكل فيهم انْحِلَالٌ وَزَنْدَقَةٌ مَشْهُورٌ بِهَا بَيْنَ النَّاسِ.
قَالَ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ الْبِرْزَالِيُّ: وَرُبَّمَا زَادَ هَذَا الْمَذْكُورُ الْمَضْرُوبُ الْعُنُقِ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالتَّلَاعُبِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَالِاسْتِهَانَةِ بِالنُّبُوَّةِ وَالْقُرْآنِ. قَالَ وَحَضَرَ قَتْلَهُ الْعُلَمَاءُ وَالْأَكَابِرُ وَأَعْيَانُ الدَّوْلَةِ. قَالَ:
وَكَانَ هَذَا الرجل في أول أمره قد حفظ التنبيه، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْخِتَمِ بِصَوْتٍ حَسَنٍ، وَعِنْدَهُ نَبَاهَةٌ وَفَهْمٌ، وَكَانَ مُنَزَّلًا فِي الْمَدَارِسِ وَالتُّرَبِ، ثُمَّ إِنَّهُ انْسَلَخَ مِنْ ذَلِكَ جَمِيعِهِ، وَكَانَ قَتْلُهُ عِزًّا لِلْإِسْلَامِ وَذُلًّا لِلزَّنَادِقَةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ.
قلت: وقد شهدت قتله، وكان شيخنا أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ حَاضِرًا يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ أتاه وقرعه
(14/122)

عَلَى مَا كَانَ يَصْدُرُ مِنْهُ قَبْلَ قَتْلِهِ، ثم ضربت عنقه وأنا شاهد ذلك.
وفي شهر ربيع الأول رسم في إخراج الْكِلَابِ مِنْ مَدِينَةِ دِمَشْقَ فَجُعِلُوا فِي الْخَنْدَقِ من جهة بَابِ الصَّغِيرِ مِنْ نَاحِيَةِ بَابِ شَرْقِيٍّ، الذُّكُورُ عَلَى حِدَةٍ وَالْإِنَاثُ عَلَى حِدَةٍ، وَأُلْزِمَ أَصْحَابُ الدَّكَاكِينِ بِذَلِكَ، وَشَدَّدُوا فِي أَمْرِهِمْ أَيَّامًا. وَفِي ربيع الأول ولى الشيخ علاء الدين المقدسي معيد البادرانية مَشْيَخَةَ الصَّلَاحِيَّةِ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وَسَافَرَ إِلَيْهَا. وَفِي جمادى الآخرة عزل قرطاى عن ولاية طرابلس ووليها طينال وأقر قَرَطَايْ عَلَى خُبْزِ الْقَرَمَانِيِّ بِدِمَشْقَ بِحُكْمِ سَجْنِ الْقَرَمَانِيِّ بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ.
قَالَ الْبِرْزَالِيُّ: وَفِي يَوْمِ الاثنين عند العصر سادس عشر شَعْبَانَ اعْتُقِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ تَقِيُّ الدين بن تَيْمِيَّةَ بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ، حَضَرَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ نائب السلطنة تنكز مشدا الأوقاف وابن الخطيريّ أَحَدُ الْحُجَّابِ بِدِمَشْقَ، وَأَخْبَرَاهُ أَنَّ مَرْسُومَ السُّلْطَانِ ورد بذلك، وأحضرا معهما مركوبا ليركبه، وأظهر السُّرُورَ وَالْفَرَحَ بِذَلِكَ، وَقَالَ أَنَا كُنْتُ مُنْتَظِرًا لِذَلِكَ، وَهَذَا فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَمَصْلَحَةٌ كَبِيرَةٌ، وَرَكِبُوا جَمِيعًا مِنْ دَارِهِ إِلَى بَابِ الْقَلْعَةِ، وَأُخْلِيَتْ لَهُ قَاعَةٌ وَأُجْرِيَ إِلَيْهَا الْمَاءُ وَرُسِمَ لَهُ بِالْإِقَامَةِ فِيهَا، وَأَقَامَ مَعَهُ أَخُوهُ زَيْنُ الدِّينِ يَخْدُمُهُ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ، وَرُسِمَ لَهُ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ. قَالَ الْبِرْزَالِيُّ: وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَاشِرِ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ قُرِئَ بِجَامِعِ دِمَشْقَ الْكِتَابُ السُّلْطَانِيُّ الْوَارِدُ بِاعْتِقَالِهِ وَمَنْعِهِ مِنَ الْفُتْيَا، وَهَذِهِ الواقعة سببها فتيا وجدت بخطه في السَّفَرِ وَإِعْمَالِ الْمَطِيِّ إِلَى زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقُبُورِ الصَّالِحِينَ. قَالَ: وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ مُنْتَصَفِ شَعْبَانَ أَمَرَ قَاضِي الْقُضَاةِ الشافعيّ في حبس جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي سِجْنِ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ بِمَرْسُومِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ وَإِذْنِهِ لَهُ فِيهِ، فِيمَا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ فِي أَمْرِهِمْ، وَعُزِّرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى دَوَابَّ وَنُودِيَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ أُطْلِقُوا، سِوَى شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ قيم الجوزية فإنه حبس بالقلعة، وسكتت الْقَضِيَّةُ. قَالَ وَفِي أَوَّلِ رَمَضَانَ وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ أُجْرِيَتْ عَيْنُ مَاءٍ إِلَى مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهَا انْتِفَاعًا عظيما، وَهَذِهِ الْعَيْنُ تُعْرَفُ قَدِيمًا بِعَيْنِ بَاذَانَ، أَجْرَاهَا جُوبَانُ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ حَتَّى دَخَلَتْ إِلَى نَفْسِ مَكَّةَ، وَوَصَلَتْ إِلَى عِنْدِ الصَّفَا وَبَابِ إِبْرَاهِيمَ، وَاسْتَقَى النَّاسُ مِنْهَا فَقِيرُهُمْ وَغَنِيُّهُمْ وَضَعِيفُهُمْ وَشَرِيفُهُمْ، كُلُّهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ، وَارْتَفَقَ أَهْلُ مَكَّةَ بِذَلِكَ رِفْقًا كَثِيرًا وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَكَانُوا قَدْ شَرَعُوا فِي حَفْرِهَا وَتَجْدِيدِهَا فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى الْعَشْرِ الْأُخِرِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَاتَّفَقَ أَنَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الآبار التي بمكة قَدْ يَبِسَتْ وَقَلَّ مَاؤُهَا، وَقَلَّ مَاءُ زَمْزَمَ أَيْضًا، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَطَفَ بِالنَّاسِ بِإِجْرَاءِ هَذِهِ الْقَنَاةِ لَنَزَحَ عَنْ مَكَّةَ أَهْلُهَا، أو هلك كثير مما يُقِيمُ بِهَا. وَأَمَّا الْحَجِيجُ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ فَحَصَلَ لَهُمْ بِهَا رِفْقٌ عَظِيمٌ زَائِدٌ عَنِ الْوَصْفِ، كَمَا شَاهَدْنَا ذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ عَامَ حَجَجْنَا. وَجَاءَ كِتَابُ السُّلْطَانِ إِلَى نَائِبِهِ بِمَكَّةَ بِإِخْرَاجِ الزَّيْدِيِّينَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ
(14/123)

لَهُمْ فِيهِ إِمَامٌ وَلَا مُجْتَمَعٌ، فَفُعِلَ ذَلِكَ.
وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ رَابِعِ شَعْبَانَ دَرَّسَ بِالشَّامِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ جَهْبَلٍ، وَحَضَرَ عنده القاضي القزويني الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ عِوَضًا عَنِ الشَّيْخِ أَمِينِ الدِّينِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الدُّرِّ إِمَامِ مَسْجِدِ ابْنِ هِشَامٍ تُوُفِّيَ، ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَ تَوْقِيعٌ بِوِلَايَةِ الْقَاضِي الشَّافِعِيِّ فَبَاشَرَهَا فِي عِشْرِينَ رَمَضَانَ. وَفِي عَاشِرِ شَوَّالٍ خَرَجَ الرَّكْبُ الشَّامِيُّ وَأَمِيرُهُ سَيْفُ الدِّينِ جُوبَانُ، وَحَجَّ عَامَئِذٍ الْقَاضِي شَمْسُ الدين بن مسلم قاضى قضاة الْحَنَابِلَةِ، وَبَدْرُ الدِّينِ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالِ الدِّينِ الْقَزْوِينِيِّ، وَمَعَهُ تُحَفٌ وَهَدَايَا وَأُمُورٌ تَتَعَلَّقُ بِالْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ أَرْغُوَنَ نَائِبِ مِصْرَ، فَإِنَّهُ حَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَمَعَهُ أَوْلَادُهُ وَزَوْجَتُهُ بِنْتُ السُّلْطَانِ، وَحَجَّ فَخْرُ الدِّينِ ابْنُ شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ، وَصَدْرُ الدِّينِ الْمَالِكِيُّ، وَفَخْرُ الدِّينِ الْبَعْلَبَكِّيُّ وغيره.
وفي يوم الأربعاء عاشر القعدة درس بالحنبلية برهان الدين أحمد بن هلال الزرعى الحنبلي، بدلا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وكان ابن الخطيريّ الْحَاجِبُ قَدْ دَخَلَ عَلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ قبل هذا اليوم فَاجْتَمَعَ بِهِ وَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ بِأَمْرِ نَائِبِ السلطنة. ثم يوم الخميس دخل الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ بْنُ جُمْلَةَ وَنَاصِرُ الدِّينِ مُشِدُّ الْأَوْقَافِ، وَسَأَلَاهُ عَنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الزِّيَارَةِ، فَكَتَبَ ذَلِكَ فِي دَرَجٍ وَكَتَبَ تَحْتَهُ قَاضِي الشَّافِعِيَّةِ بِدِمَشْقَ: قَابَلْتُ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ الْمَكْتُوبِ عَلَى خَطِّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّمَا الْمَحَزُّ جَعَلُهُ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ مَعْصِيَةً بِالْإِجْمَاعِ مقطوعا [بها] ، فَانْظُرِ الْآنَ هَذَا التَّحْرِيفَ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ جَوَابَهُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ فِيهِ مَنْعُ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِنَّمَا فِيهِ ذكر قولين في شد الرحل وَالسَّفَرِ إِلَى مُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ مِنْ غَيْرِ شَدِّ رَحْلٍ إِلَيْهَا مَسْأَلَةٌ، وَشَدُّ الرَّحْلِ لِمُجَرَّدِ الزِّيَارَةِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، وَالشَّيْخُ لَمْ يَمْنَعِ الزِّيَارَةَ الْخَالِيَةَ عَنْ شَدِّ رَحْلٍ، بَلْ يَسْتَحِبُّهَا وَيَنْدُبُ إِلَيْهَا، وَكُتُبُهُ وَمَنَاسِكُهُ تَشْهَدُ بِذَلِكَ، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة في هذه الْوَجْهِ فِي الْفُتْيَا، وَلَا قَالَ إِنَّهَا مَعْصِيَةٌ، وَلَا حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهَا، وَلَا هو جاهل قول الرسول «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لا يخفى عليه شيء، ولا يخفى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ 26: 227.
وفي يوم الأحد رابع الْقَعْدَةِ فُتِحَتِ الْمَدْرَسَةُ الْحِمْصِيَّةُ تُجَاهَ الشَّامِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ، ودرس بها محيي الدين الطرابلسي قاضى هكار، وتلقب بِأَبِي رَبَاحٍ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ. وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ سَافَرَ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ الزُّرَعِيُّ مِنَ الْأَتَابِكِيَّةِ إِلَى مِصْرَ، وَنَزَلَ عَنْ تَدْرِيسِهَا لِمُحْيِي الدِّينِ بْنِ جَهْبَلٍ.
وَفِي ثَانِيَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ دَرَّسَ بالنَّجِيبِيَّةِ ابْنُ قَاضِي الزَّبَدَانِيِّ عِوَضًا عَنِ الدِّمَشْقِيِّ نَائِبِ الْحُكْمِ مَاتَ بِالْمَدْرَسَةِ المذكورة.
(14/124)

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
ابْنُ الْمُطَهَّرِ الشِّيعِيُّ جَمَالُ الدِّينِ
أَبُو مَنْصُورٍ حَسَنُ بْنُ يوسف بن مطهر الحلبي الْعِرَاقِيُّ الشِّيعِيُّ، شَيْخُ الرَّوَافِضِ بِتِلْكَ النَّوَاحِي، وَلَهُ التَّصَانِيفُ الْكَثِيرَةُ، يُقَالُ تَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مُجَلَّدًا، وَعِدَّتُهَا خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ مُصَنَّفًا، فِي الْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالْأُصُولِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالرَّفْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كبار وصغار، وأشهرها بين الطلبة شرح ابْنِ الْحَاجِبِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلَيْسَ بِذَاكَ الْفَائِقِ، وَرَأَيْتُ لَهُ مُجَلَّدَيْنِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ على طريقة المحصول والأحكام، فلا بَأْسَ بِهَا فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى نَقْلٍ كَثِيرٍ وتوجيه جَيِّدٍ، وَلَهُ كِتَابُ مِنْهَاجِ الِاسْتِقَامَةِ فِي إِثْبَاتِ الْإِمَامَةِ، خَبَطَ فِيهِ فِي الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَتَوَجَّهُ، إِذْ خَرَجَ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ. وقد انتدب في الرد عليه الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مُجَلَّدَاتٍ أَتَى فِيهَا بِمَا يُبْهِرُ الْعُقُولَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَلِيحَةِ الْحَسَنَةِ، وَهُوَ كِتَابٌ حَافِلٌ. وُلِدَ ابْنُ الْمُطَهَّرِ الَّذِي لَمْ تَطْهُرْ خَلَائِقُهُ وَلَمْ يَتَطَهَّرْ مِنْ دنس الرفض لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ سَابِعِ عِشْرِينَ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وأربعين وستمائة، وتوفى ليلة الجمعة عشرين محرم مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ اشْتِغَالُهُ بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا من البلاد، واشتغل على نصير الطُّوسِيِّ، وَعَلَى غَيْرِهِ، وَلَمَّا تَرَفَّضَ الْمَلِكُ خَرْبَنْدَا حَظِيَ عِنْدَهُ ابْنُ الْمُطَهَّرِ وَسَادَ جَدًّا وَأَقْطَعَهُ بِلَادًا كَثِيرَةً.
الشَّمْسُ الْكَاتِبُ
مُحَمَّدُ بْنُ أَسَدٍ الْحَرَّانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالنَّجَّارِ، كَانَ يَجْلِسُ لِيَكْتُبَ النَّاسُ عَلَيْهِ بِالْمَدْرَسَةِ الْقِلِّيجِيَّةِ، تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ.
الْعِزُّ حَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُفَرَ
الْإِرْبِلِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، كَانَ يَعْرِفُ طَرَفًا صَالِحًا مِنَ النَّحْوِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّارِيخِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِدُوَيْرَةِ حَمَدٍ صُوفِيًّا بِهَا، وَكَانَ حَسَنَ الْمُجَالَسَةِ أَثْنَى عَلَيْهِ الْبِرْزَالِيُّ فِي نَقْلِهِ وَحُسْنِ مَعْرِفَتِهِ، مَاتَ بِالْمَارَسْتَانِ الصَّغِيرِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَمِينُ الدِّينِ سَالِمُ بْنُ أَبِي الدُّرِّ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ مُدَرِّسُ الشَّامِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ، أَخَذَهَا مِنِ ابْنِ الْوَكِيلِ قَهْرًا وَهُوَ إِمَامُ مَسْجِدِ ابْنِ هِشَامٍ، وَمُحَدِّثُ الْكُرْسِيِّ بِهِ، كَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ خمس وأربعين وستمائة، اشتغل وَحَصَّلَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَعَادَ وَأَفْتَى وَدَرَّسَ، وَكَانَ خَبِيرًا بِالْمُحَاكَمَاتِ، وَكَانَ فِيهِ مُرُوءَةٌ وَعَصَبِيَّةٌ لِمَنْ يَقْصِدُهُ، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ.
الشَّيْخُ حَمَّادٌ
وَهُوَ الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ حَمَّادٌ الْحَلَبِيُّ الْقَطَّانُ، كَانَ كَثِيرَ التلاوة والصلوات، مواظبا على الاقامة بجامع التوبة بالعقبية بِالزَّاوِيَةِ الْغَرْبِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ، يُقْرِئُ الْقُرْآنَ وَيُكْثِرُ الصِّيَامَ ويتردد الناس
(14/125)

إلى زيارته، مات وقد جاوز السبعين سَنَةً عَلَى هَذَا الْقَدَمِ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ عِشْرِينَ شَعْبَانَ وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ حَافِلَةً رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ الْيُونِينِيُّ
وَهُوَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ بَقِيَّةُ السَّلَفِ، قُطْبُ الدين أبو الفتح موسى ابن الشَّيْخِ الْفَقِيهِ الْحَافِظِ الْكَبِيرِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَعْلَبَكِّيُّ الْيُونِينِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بدار الفضل بدمشق، وسمع الكثير وأحضره والده الْمَشَايِخِ وَاسْتَجَازَ لَهُ وَبَحَثَ وَاخْتَصَرَ مِرْآةَ الزَّمَانِ لِلسِّبْطِ، وَذَيَّلَ عَلَيْهَا ذَيْلًا حَسَنًا مُرَتَّبًا أَفَادَ فِيهِ وَأَجَادَ بِعِبَارَةٍ حَسَنَةٍ سَهْلَةٍ، بِإِنْصَافٍ وَسَتْرٍ، وَأَتَى فِيهِ بِأَشْيَاءَ حَسَنَةٍ وَأَشْيَاءَ فَائِقَةٍ رَائِقَةٍ، وَكَانَ كَثِيرَ التِّلَاوَةِ حَسَنَ الْهَيْئَةِ مُتَقَلِّلًا فِي مَلْبَسِهِ وَمَأْكَلِهِ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ثَالِثَ عَشَرَ شَوَّالٍ وَدُفِنَ بِبَابِ سَطْحَا عِنْدَ أَخِيهِ الشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنُ مُسَلَّمٍ
شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُسَلَّمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ مَزْرُوعِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّالِحِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ سِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَمَاتَ أَبُوهُ- وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ- سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، فَنَشَأَ يَتِيمًا فَقِيرًا لَا مَالَ لَهُ، ثُمَّ اشْتَغَلَ وَحَصَّلَ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَانْتَصَبَ لِلْإِفَادَةِ وَالِاشْتِغَالِ، فَطَارَ ذِكْرُهُ، فَلَمَّا مَاتَ التَّقِيُّ سُلَيْمَانُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَلِيَ قَضَاءَ الْحَنَابِلَةِ، فَبَاشَرَهُ أَتَمَّ مُبَاشَرَةٍ، وَخُرِّجَتْ لَهُ تَخَارِيجُ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا كانت هذه السنة خرج للحج فمرض فِي الطَّرِيقِ فَوَرَدَ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ عَلَى سَاكِنِهَا رسول الله أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَزَارَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى فِي مَسْجِدِهِ وَكَانَ بِالْأَشْوَاقِ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ تَمَنَّى ذلك لما مات ابن نجيح، فمات في عشية ذلك اليوم يوم الثُّلَاثَاءِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّوْضَةِ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ إلى جانب قبر شرف الدين ابن نَجِيحٍ، الَّذِي كَانَ قَدْ غَبَطَهُ بِمَوْتِهِ هُنَاكَ سَنَةَ حَجَّ هُوَ وَهُوَ قَبْلَ هَذِهِ الْحِجَّةِ شرقى قبر عقيل رحمهم الله، وولى بعده القضاء عِزُّ الدِّينِ بْنُ التَّقِيِّ سُلَيْمَانَ.
الْقَاضِي نَجْمُ الدين
أحمد بن عبد المحسن بن حسن بْنِ مَعَالِي الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وأربعين واشتغل على تَاجِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ وَحَصَّلَ وَبَرَعَ وَوَلِيَ الْإِعَادَةَ ثُمَّ الْحُكْمَ بِالْقُدْسِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ فَدَرَّسَ بالنَّجِيبِيَّةِ، وَنَابَ فِي الْحُكْمِ عَنِ ابْنِ صَصْرَى مُدَّةً، تُوُفِّيَ بالنَّجِيبِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ يَوْمَ الْأَحَدِ ثَامِنِ عِشْرِينَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ الْعَصْرَ بِالْجَامِعِ، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ.
ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ شَيْخُ الطَّلَبَةِ وَمُفِيدُهُمْ كَمَالُ الدين أبو محمد عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ ذُؤَيْبٍ الْأَسَدِيُّ
(14/126)

الشُّهْبِيُّ الشَّافِعِيُّ، وُلِدَ بِحَوْرَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَقَدِمَ دِمَشْقَ وَاشْتَغَلَ عَلَى الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ، وَلَازَمَهُ وَانْتَفَعَ بِهِ، وَأَعَادَ بِحَلْقَتِهِ، وَتَخَرَّجَ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَازَمَ أَخَاهُ الشَّيْخَ شَرَفَ الدِّينِ، وَأَخَذَ عَنْهُ النَّحْوَ وَاللُّغَةَ، وَكَانَ بَارِعًا فِي الْفِقْهِ وَالنَّحْوِ، لَهُ حَلْقَةٌ يَشْتَغِلُ فِيهَا تُجَاهَ مِحْرَابِ الْحَنَابِلَةِ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ جَمِيعَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ قَطُّ، وَكَانَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ وَالشَّيْبَةِ، حَسَنَ الْعَيْشِ وَالْمَلْبَسِ مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا، لَهُ مَعْلُومٌ يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ مِنْ إِعَادَاتٍ وَفِقَاهَاتٍ وَتَصْدِيرٍ بِالْجَامِعِ، وَلَمْ يُدَّرِسْ قَطُّ وَلَا أَفْتَى، مَعَ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ أَنْ يَأْذَنَ فِي الْإِفْتَاءِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَوَرَّعُ عَنْ ذلك، وقد سمع الكثير: سمع المسند للإمام أحمد وغير ذلك، توفى بِالْمَدْرَسَةِ الْمُجَاهِدِيَّةِ- وَبِهَا كَانَتْ إِقَامَتُهُ- لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ حَادِي عِشْرِينَ ذِي الْحِجَّةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ صلاة الظهر، ودفن بمقابر باب الصغير.
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ: الشَّرَفِ يَعْقُوبَ بْنِ فَارِسٍ الْجَعْبَرِيِّ
التَّاجِرِ بِفُرْجَةِ ابْنِ عَمُودٍ، وَكَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَيَؤُمُّ بِمَسْجِدِ الْقَصَبِ، وَيَصْحَبُ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ وَالْقَاضِي نَجْمَ الدِّينِ الدِّمَشْقِيَّ، وَقَدْ حَصَّلَ أَمْوَالًا وَأَمْلَاكًا وَثَرْوَةً، وَهُوَ وَالِدُ صاحبنا الشيخ الفقيه المفضل الْمُحَصَّلِ الزَّكِيِّ بَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ، خَالِ الْوَلَدِ عُمَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ: الْحَاجُّ أَبُو بَكْرِ بْنُ تِيمَرَازَ الصَّيْرَفِيُّ
كَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ وَدَائِرَةٌ وَمَكَارِمٌ وَبِرٌّ وَصَدَقَاتٌ، وَلَكِنَّهُ انكسر في آخر عمره، وَكَادَ أَنْ يَنْكَشِفَ فَجَبَرَهُ اللَّهُ بِالْوَفَاةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
استهلت بيوم الجمعة والحكام الخليفة وَالسُّلْطَانُ وَالنُّوَّابُ وَالْقُضَاةُ وَالْمُبَاشِرُونَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا سِوَى الْحَنْبَلِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي الْعَشْرِ مِنَ الْمُحَرَّمِ دَخَلَ مِصْرَ أَرْغُوَنُ نَائِبُ مصر فمسك في حادي عشر وحبس، ثم أطلق أياما وبعثه السلطان إلى نائب حلب فَاجْتَازَ بِدِمَشْقَ بُكْرَةَ الْجُمُعَةِ ثَانِي عِشْرِينَ الْمُحَرَّمِ، فَأَنْزَلَهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِدَارِهِ الْمُجَاوِرَةِ لِجَامِعِهِ، فَبَاتَ بها ثُمَّ سَافَرَ إِلَى حَلَبَ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ قَدْ سَافَرَ مِنْ دِمَشْقَ أُلْجَايْ الدَّوَادَارُ إلى مصر، وصحبته نَائِبُ حَلَبَ عَلَاءُ الدِّينِ أَلْطُنْبُغَا مَعْزُولًا عَنْهَا إِلَى حُجُوبِيَّةِ الْحُجَّابِ بِمِصْرَ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ التاسع عشر ربيع الأول قرئ تقليد قاضى الْحَنَابِلَةِ عِزِّ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ التَّقِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ حَمْزَةَ الْمَقْدِسِيِّ، عِوَضًا عَنِ ابْنِ مُسَلَّمٍ بِمَقْصُورَةِ الْخَطَابَةِ بِحَضْرَةِ الْقُضَاةِ وَالْأَعْيَانِ، وَحَكَمَ وَقُرِئَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالصَّالِحِيَّةِ. وَفِي أَوَاخِرِ هَذَا الشَّهْرِ وَصَلَ الْبَرِيدُ بِتَوْلِيَةِ ابْنِ النَّقِيبِ الْحَاكِمِ بِحِمْصَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِطَرَابُلُسَ، وَنُقِلَ الَّذِي بِهَا إِلَى حِمْصَ نَائِبًا عَنْ قَاضِي دِمَشْقَ، وَهُوَ نَاصِرُ بن محمود الزرعى.
(14/127)

وفي سادس عشر رَبِيعٍ الْآخِرِ عَادَ تَنْكِزُ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ تَكْرِيمٌ مِنَ السُّلْطَانِ.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ حَصَلَتْ زَلْزَلَةٌ بِالشَّامِ وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْأُولَى بَاشَرَ نِيَابَةَ الْحَنْبَلِيِّ الْقَاضِي بُرْهَانُ الدِّينِ الزُّرَعِيُّ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُضَاةِ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْتَصَفِ جُمَادَى الْآخِرَةِ جَاءَ الْبَرِيدُ بِطَلَبِ الْقَاضِي الْقَزْوِينِيِّ الشَّافِعِيِّ إِلَى مِصْرَ، فَدَخَلَهَا فِي مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ، فَخُلِعَ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ قُضَاةِ مِصْرَ مَعَ تَدْرِيسِ النَّاصِرِيَّةِ وَالصَّالِحِيَّةِ وَدَارِ الْحَدِيثِ الْكَامِلِيَّةِ، عِوَضًا عَنْ بَدْرِ الدِّينِ بْنِ جَمَاعَةَ لِأَجْلِ كِبَرِ سِنِّهِ، وَضَعْفِ نَفْسِهِ، وَضَرَرِ عَيْنَيْهِ، فَجَبَرُوا خَاطِرَهُ فَرُتِّبَ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةُ أَرَادِبَّ قَمْحٍ فِي الشَّهْرِ، مَعَ تَدْرِيسِ زَاوِيَةِ الشافعيّ، وأرسل ولده بدر الدين إِلَى دِمَشْقَ خَطِيبًا بِالْأُمَوِيِّ، وَعَلَى تَدْرِيسِ الشَّامِيَّةِ البرانية، عَلَى قَاعِدَةِ وَالِدِهِ جَلَالِ الدِّينِ الْقَزْوِينِيِّ فِي ذَلِكَ، فَخُلِعَ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ رَجَبٍ ثَامِنِ عشرين وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْأَعْيَانُ.
وَفِي رَجَبٍ كَانَ عُرْسُ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ قَوْصُونَ السَّاقِي النَّاصِرِيِّ، عَلَى بنت السلطان، وكان وَقْتًا مَشْهُودًا، خُلِعَ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْأَكَابِرِ. وَفِي صَبِيحَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ عُقِدَ عَقْدُ الْأَمِيرِ شِهَابِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَمِيرِ بَكْتَمُرَ السَّاقِي، عَلَى بِنْتِ تَنْكِزَ نَائِبِ الشَّامِ، وَكَانَ السُّلْطَانُ وَكِيلَ أَبِيهَا تَنْكِزَ وَالْعَاقِدُ ابْنَ الْحَرِيرِيِّ. وَخُلِعَ عَلَيْهِ وأدخلت فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فِي كُلْفَةٍ كَثِيرَةٍ.
وَفِي رَجَبٍ جَرَتْ فِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ بالإسكندرية فِي سَابِعِ رَجَبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ تَخَاصَمَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنَ الْفِرَنْجِ، عَلَى بَابِ الْبَحْرِ، فَضَرَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِنَعْلٍ، فَرُفِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْوَالِي فَأَمَرَ بِغَلْقِ بَابِ الْبَلَدِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: إِنَّ لنا أموالا وعبيدا ظاهر الْبَلَدِ، وَقَدْ أَغْلَقْتَ الْبَابَ قَبْلَ وَقْتِهِ. فَفَتَحَهُ فَخَرَجَ النَّاسُ فِي زَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوُ عَشَرَةٍ وَنُهِبَتْ عَمَائِمُ وَثِيَابٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ ذَهَبُوا إِلَى دَارِ الْوَالِي فَأَحْرَقُوهَا وَثَلَاثَ دُورٍ لبعض الظلمة، وجرت أحوال صعبة، ونهبت أموال، وَكَسَرَتِ الْعَامَّةُ بَابَ سِجْنِ الْوَالِي فَخَرَجَ مِنْهُ مَنْ فِيهِ، فَبَلَغَ نَائِبَ السَّلْطَنَةِ فَاعْتَقَدَ النَّائِبُ أَنَّهُ السِّجْنُ الَّذِي فِيهِ الْأُمَرَاءُ، فَأَمَرَ بِوَضْعِ السَّيْفِ فِي الْبَلَدِ وَتَخْرِيبِهِ، ثُمَّ إِنَّ الْخَبَرَ بَلَغَ السُّلْطَانَ فَأَرْسَلَ الْوَزِيرَ طَيْبُغَا الْجَمَّالِيَّ سَرِيعًا فَضَرَبَ وَصَادَرَ، وَضَرَبَ الْقَاضِي وَنَائِبَهُ وَعَزَلَهُمْ، وَأَهَانَ خَلْقًا مِنَ الْأَكَابِرِ وَصَادَرَهُمْ بِأَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، وَعُزِلَ الْمُتَوَلِّي ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ تَوَلَّى الْقَضَاءَ بهاء الدين عَلَمُ الدِّينِ الْأَخْنَائِيُّ الشَّافِعِيُّ الَّذِي تَوَلَّى دِمَشْقَ فيما بعد، وعزل قضاة الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ الْمَالِكِيُّ وَنَائِبَاهُ، وَوُضِعَتِ السَّلَاسِلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وأهينوا، وضرب ابن السنى غَيْرَ مَرَّةٍ.
وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ عِشْرِينَ شَعْبَانَ وصل إلى دمشق قاضى قضاة حلب ابن الزَّمْلَكَانِيِّ عَلَى الْبَرِيدِ فَأَقَامَ بِدِمَشْقَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ سَارَ إِلَى مِصْرَ لِيَتَوَلَّى قَضَاءَ قُضَاةِ الشَّامِ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ، فَاتَّفَقَ مَوْتُهُ
(14/128)

قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْقَاهِرَةِ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ 34: 54. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَادِسِ عِشْرِينَ شَعْبَانَ بَاشَرَ صَدْرُ الدِّينِ الْمَالِكِيُّ مَشْيَخَةَ الشُّيُوخِ مُضَافًا إِلَى قَضَاءِ قُضَاةِ الْمَالِكِيَّةِ، وَحَضَرَ النَّاسُ عِنْدَهُ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بِذَلِكَ بَعْدَ انْفِصَالِ الزُّرَعِيِّ عَنْهَا إِلَى مِصْرَ. وَفِي نِصْفِ رَمَضَانَ وَصَلَ قَاضِي الْحَنَفِيَّةِ بدمشق لقضاء القضاة عماد الدين أبى الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الطَّرَسُوسِيُّ، الَّذِي كَانَ نَائِبًا لِقَاضِي الْقُضَاةِ صَدْرِ الدِّينِ عَلِيٍّ الْبُصْرَوِيِّ، فَخَلَفَهُ بَعْدَهُ بِالْمَنْصِبِ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بِالْجَامِعِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ وَبَاشَرَ الْحُكْمَ، وَاسْتَنَابَ الْقَاضِي عِمَادَ الدِّينِ ابْنَ الْعِزِّ، وَدَرَّسَ بِالنُّورِيَّةِ مَعَ الْقَضَاءِ، وَشُكِرَتْ سِيرَتُهُ.
وَفِي رَمَضَانَ قَدِمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُسَارَى مَعَ تُجَّارِ الْفِرَنْجِ فَأُنْزِلُوا بِالْمَدْرَسَةِ الْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ وَاسْتَفَكُّوا مِنْ دِيوَانِ الْأَسْرَى بِنَحْوٍ مَنْ سِتِّينَ أَلْفًا، وَكَثُرَتِ الْأَدْعِيَةُ لِمَنْ كَانَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ. وَفِي ثَامِنِ شَوَّالٍ خَرَجَ الرَّكْبُ الشَّامِيُّ إِلَى الْحِجَازِ وَأَمِيرُهُ سَيْفُ الدين بالبان الْمُحَمَّدِيُّ، وَقَاضِيهِ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ قَاضِي حَرَّانَ. وَفِي شَوَّالٍ وَصَلَ تَقْلِيدُ قَضَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِدِمَشْقَ لِبَدْرِ الدِّينِ ابْنِ قَاضِي الْقُضَاةِ ابن عِزِّ الدِّينِ بْنِ الصَّائِغِ وَالْخِلْعَةُ مَعَهُ، فَامْتَنَعَ من ذَلِكَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وَصَمَّمَ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ الدَّوْلَةُ فَلَمْ يَقْبَلْ وَكَثُرَ بُكَاؤُهُ وَتَغَيَّرَ مِزَاجُهُ وَاغْتَاظَ، فَلَمَّا أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ رَاجَعَ تَنْكِزُ السُّلْطَانَ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ شَهْرُ ذِي الْقَعْدَةِ اشْتَهَرَ تَوْلِيَةُ عَلَاءِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْقُونَوِيِّ قَضَاءَ الشَّامِ، فَسَارَ إِلَيْهَا مِنْ مِصْرَ وزار القدس ودخل دمشق يوم الاثنين سابع عشرين ذي القعدة، فاجتمع بنائب السلطنة ولبس الخلعة وركب مع الْحُجَّابُ وَالدَّوْلَةُ إِلَى الْعَادِلِيَّةِ، فَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بِهَا وَحَكَمَ بِهَا عَلَى الْعَادَةِ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِهِ وَبِحُسْنِ سَمْتِهِ وَطِيبِ لَفْظِهِ وَمَلَاحَةِ شَمَائِلِهِ وَتَوَدُّدِهِ، وولى بعده مشيخة الشيوخ بمصر مَجْدُ الدِّينِ الْأَقْصُرَائِيُّ الصُّوفِيُّ شَيْخُ سِرْيَاقُوسَ.
وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَالِثِ عِشْرِينَ ذِي الْقَعْدَةِ لَبِسَ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ الْخِلْعَةَ بكتابة السر عوضا عن ابن الشِّهَابِ مَحْمُودٍ، وَاسْتَمَرَّ وَلَدُهُ شَرَفُ الدِّينِ فِي كتابة الدست. وفي هذه السنة تَوَلَّى قَضَاءَ حَلَبَ عِوَضًا عَنِ ابْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ القاضي فخر الدين البازرى. وَفِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ كَمَلَ تَرْخِيمُ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ أَعْنِي حَائِطَهُ الشَّمَالِيَّ وَجَاءَ تَنْكِزُ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَشَكَرَ نَاظِرَهُ تَقِيَّ الدِّينِ بْنَ مَرَاجِلَ. وَفِي يَوْمِ الْأَضْحَى جَاءَ سَيْلٌ عَظِيمٌ إِلَى مَدِينَةِ بُلْبَيْسَ فَهَرَبَ أَهْلُهَا مِنْهَا وَتَعَطَّلَتِ الصَّلَاةُ وَالْأَضَاحِي فِيهَا، ولم ير مثله من مدة سنين متطاولة، وخرب شيئا كثيرا من حواضرها وبساتينها ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ.
الْأَمِيرُ أَبُو يَحْيَى
زَكَرِيَّا بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الواحد أبى حفص الهنتانى الجيانى [1] المغربي، أمير بلاد المغرب.
__________
[1] وفي شذرات الذهب «اللحياني» .
(14/129)

ولد بتونس قيل سَنَةِ خَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَقَرَأَ الْفِقْهَ وَالْعَرَبِيَّةَ، وَكَانَ مُلُوكُ تُونُسَ تُعَظِّمُهُ وَتُكْرِمُهُ، لِأَنَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمُلْكِ وَالْإِمْرَةِ وَالْوِزَارَةِ. ثُمَّ بَايَعَهُ أَهْلُ تُونُسَ عَلَى الْمُلْكِ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَكَانَ شُجَاعًا مِقْدَامًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَبْطَلَ ذِكْرَ ابْنِ التُّومَرْتِ مِنَ الْخُطْبَةِ، مَعَ أَنَّ جده أبا حفص الهنتانى كَانَ مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِ ابْنِ التُّومَرْتِ. تُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِمَدِينَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْعَابِدُ النَّاسِكُ
ضِيَاءُ الدين أبو الفداء إسماعيل بْنِ رَضِيِّ الدِّينِ أَبِي الْفَضْلِ الْمُسَلَّمِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ نَصْرٍ الدِّمَشْقِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَمَوِيِّ، كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ مِنَ الْكُتَّابِ الْمَشْهُورِينَ الْمَشْكُورِينَ، وَكَانَ هُوَ كَثِيرَ التِّلَاوَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْبِرِّ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَخَرَّجَ لَهُ الْبِرْزَالِيُّ مَشْيَخَةً سَمِعْنَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ مِنْ صُدُورِ أَهْلِ دِمَشْقَ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ضَحْوَةَ يَوْمِ السَّبْتِ، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ، وَحَجَّ وَجَاوَرَ وَأَقَامَ بالقدس مدة. مات وله ثنتان وسبعون سنة رحمه الله، وقد ذكر والده أنه حِينَ وُلِدَ لَهُ فَتَحَ الْمُصْحَفَ يَتَفَاءَلُ فَإِذَا قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ 14: 39 فَسَمَّاهُ إِسْمَاعِيلَ. ثُمَّ وُلِدَ لَهُ آخَرُ فَسَمَّاهُ إِسْحَاقَ، وَهَذَا مِنَ الِاتِّفَاقِ الْحَسَنِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تعالى.
الشيخ على المحارفى
عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هُوسٍ الْهِلَالِيُّ، أَصْلُ جده من قرية إيل البسوق، وَأَقَامَ وَالِدُهُ بِالْقُدْسِ، وَحَجَّ هُوَ مَرَّةً وَجَاوَرَ بِمَكَّةَ سَنَةً ثُمَّ حَجَّ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا مشهورا، ويعرف بالمحارفى، لأنه كان يحرف الْأَزِقَّةَ وَيُصْلِحُ الرِّصْفَانَ للَّه تَعَالَى، وَكَانَ يُكْثِرُ التَّهْلِيلَ وَالذِّكْرَ جَهْرَةً، وَكَانَ عَلَيْهِ هَيْبَةٌ وَوَقَارٌ، وَيَتَكَلَّمُ كَلَامًا فِيهِ تَخْوِيفٌ وَتَحْذِيرٌ مِنَ النَّارِ، وَعَوَاقِبِ الرَّدَى، وَكَانَ مُلَازِمًا لِمَجَالِسِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثِ عِشْرِينَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ بِتُرْبَةِ الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّينِ بِالسَّفْحِ، وكانت جنازته حافلة جدا رحمه الله.
الْمَلِكُ الْكَامِلُ نَاصِرُ الدِّينِ
أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمَلِكِ السَّعِيدِ فَتْحِ الدِّينِ عَبْدِ الْمَلِكِ بن السلطان الملك الصالح إسماعيل أبى الجيش ابن الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ أَحَدُ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ وَأَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الْبَلَدِ ذَكَاءً وَفِطْنَةً وَحُسْنَ عِشْرَةٍ وَلَطَافَةِ كَلَامٍ، بِحَيْثُ يَسْرُدُ كَثِيرًا مِنَ الْكَلَامِ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْثَالِ مِنْ قُوَّةِ ذِهْنِهِ وَحَذَاقَةِ فَهْمِهِ، وَكَانَ رَئِيسًا مَنْ أَجْوَادِ النَّاسِ، تُوُفِّيَ عَشِيَّةَ الْأَرْبِعَاءِ عِشْرِينَ جُمَادَى الْأُولَى وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ظُهْرَ الْخَمِيسِ بِصَحْنِ الْجَامِعِ تَحْتَ النَّسْرِ، ثُمَّ أَرَادُوا دَفْنَهُ عِنْدَ جَدِّهِ لِأُمِّهِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ فَلَمْ يَتَيَسَّرْ ذَلِكَ فَدُفِنَ بِتُرْبَةِ أُمِّ الصَّالِحِ سَامَحَهُ اللَّهُ، وَكَانَ لَهُ سَمَاعٌ كَثِيرٌ سَمِعْنَا عَلَيْهِ مِنْهُ، وَكَانَ يَحْفَظُ تَارِيخًا جَيِّدًا،
(14/130)

وَقَامَ وَلَدُهُ الْأَمِيرُ صَلَاحُ الدِّينِ مَكَانَهُ فِي إمرة الطبلخانة، وَجُعِلَ أَخُوهُ فِي عَشَرَتِهِ وَلَبِسَا الْخِلَعَ السُّلْطَانِيَّةَ بِذَلِكَ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ
أَحْمَدُ بْنُ محمد بن أبى الحزم القرشي المخزومي التمولى، كَانَ مِنْ أَعْيَانِ الشَّافِعِيَّةِ، وَشَرَحَ الْوَسِيطَ وَشَرَحَ الْحَاجِبِيَّةَ فِي مُجَلَّدَيْنِ، وَدَرَّسَ وَحَكَمَ بِمِصْرَ، وَكَانَ مُحْتَسِبًا بِهَا أَيْضًا، وَكَانَ مَشْكُورَ السِّيرَةِ فِيهَا، وَقَدْ تَوَلَّى بَعْدَهُ الْحُكْمَ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ عقيل، والحسبة ناصر الدين بن قار السبقوق، تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، وَدُفِنَ بالقرافة رحمه الله.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ أَبُو الْقَاسِمِ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ موسى بن خلف الخزامي، أحد مشاهير الصالحين بمصر، توفى بالروضة وَحُمِلَ إِلَى شَاطِئِ النِّيلِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَحُمِلَ عَلَى الرُّءُوسِ وَالْأَصَابِعِ، وَدُفِنَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَمْزَةَ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ، وَكَانَ مِمَّنْ يُقْصَدُ إلى الزيارة رحمه الله.
الْقَاضِي عِزُّ الدِّينِ
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَضِرِ الْهَكَّارِيُّ الشَّافِعِيُّ، قَاضِي الْمَحَلَّةِ، كَانَ مِنْ خِيَارِ الْقُضَاةِ، وَلَهُ تَصْنِيفٌ عَلَى حَدِيثِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ، يُقَالُ إِنَّهُ اسْتَنْبَطَ فِيهِ أَلْفَ حُكْمٍ.
تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ كَانَ حَصَّلَ كتبا جَيِّدَةً مِنْهَا التَّهْذِيبُ لِشَيْخِنَا الْمِزِّيِّ.
الشَّيْخُ كَمَالُ الدين بن الزَّمْلَكَانِيِّ
شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِالشَّامِ وَغَيْرِهَا، انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْمَذْهَبِ تَدْرِيسًا وَإِفْتَاءً وَمُنَاظَرَةً، وَيُقَالُ فِي نَسَبِهِ السِّمَاكِيُّ نِسْبَةً إِلَى أَبِي دُجَانَةَ سِمِاكِ بْنِ خَرَشَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وُلِدَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ ثَامِنِ شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَاشْتَغَلَ عَلَى الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ، وَفِي الْأُصُولِ عَلَى الْقَاضِي بَهَاءِ الدِّينِ بْنِ الزَّكِيِّ، وَفِي النَّحْوِ عَلَى بَدْرِ الدِّينِ بْنِ ملك وَغَيْرِهِمْ، وَبَرَعَ وَحَصَّلَ وَسَادَ أَقْرَانَهُ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ، وَحَازَ قَصَبَ السَّبْقِ عَلَيْهِمْ بِذِهْنِهِ الْوَقَّادِ فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ الَّذِي أَسْهَرَهُ وَمَنْعَهُ الرُّقَادَ وَعِبَارَتِهِ الَّتِي هِيَ أَشْهَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَادٍ، وَخَطِّهِ الَّذِي هُوَ أَنْضَرُ مِنْ أَزَاهِيرِ الوهاد، وقد درس بعدة مدارس بدمشق، وَبَاشَرَ عِدَّةَ جِهَاتٍ كِبَارٍ، كَنَظَرِ الْخِزَانَةِ وَنَظَرِ الْمَارَسْتَانِ النُّورِيِّ وَدِيوَانِ الْمَلِكِ السَّعِيدِ، وَوَكَالَةِ بَيْتِ الْمَالِ. وَلَهُ تَعَالِيقُ مُفِيدَةٌ وَاخْتِيَارَاتٌ حَمِيدَةٌ سَدِيدَةٌ، وَمُنَاظَرَاتٌ سَعِيدَةٌ. وَمِمَّا عَلَّقَهُ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ شرح المنهاج للنووي، ومجلد فِي الرَّدِّ عَلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأَمَّا دُرُوسُهُ فِي الْمَحَافِلِ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنَ الناس درس أحسن منها ولا أحلى مِنْ عِبَارَتِهِ، وَحُسْنِ تَقْرِيرِهِ، وَجَوْدَةِ احْتِرَازَاتِهِ، وَصِحَّةِ ذِهْنِهِ وَقُوَّةِ قَرِيحَتِهِ وَحُسْنِ نَظْمِهِ، وَقَدْ
(14/131)

درس بالشامية البرانية والعذراوية والظاهرية الجوانية وَالرَّوَاحِيَّةِ وَالْمَسْرُورِيَّةِ، فَكَانَ يُعْطِي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَقَّهَا بِحَيْثُ كَانَ يَكَادُ يَنْسَخُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الدُّرُوسِ مَا قَبْلَهُ مَنْ حُسْنِهِ وفصاحته، ولا يهيله تَعْدَادُ الدُّرُوسِ وَكَثْرَةُ الْفُقَهَاءِ وَالْفُضَلَاءِ، بَلْ كُلَّمَا كَانَ الْجَمْعُ أَكْثَرَ وَالْفُضَلَاءُ أَكْبَرَ كَانَ الدَّرْسُ أنضر وأبهر وأحلى وَأَنْصَحَ وَأَفْصَحَ. ثُمَّ لَمَّا انْتَقَلَ إِلَى قَضَاءِ حَلَبَ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْمَدَارِسِ الْعَدِيدَةِ عَامَلَهُ معاملة مثلها، وأوسع بالفضيلة جَمِيعَ أَهْلِهَا، وَسَمِعُوا مِنَ الْعُلُومِ مَا لَمْ يَسْمَعُوا هُمْ وَلَا آبَاؤُهُمْ. ثُمَّ طُلِبَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِيُوَلَّى الشَّامِيَّةَ دَارَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فَعَاجَلَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهَا، فَمَرِضَ وَهُوَ سَائِرٌ عَلَى الْبَرِيدِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَقَبَ المرض بحراق الْحِمَامِ فَقَبَضَهُ هَاذِمُ اللَّذَّاتِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الشَّهَوَاتِ وَالْإِرَادَاتِ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ، وَكَانَ مِنْ نِيَّتِهِ الْخَبِيثَةِ إِذَا رَجَعَ إِلَى الشَّامِ مُتَوَلِّيًا أَنْ يُؤْذِيَ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ فَدَعَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ أَمَلَهُ وَمُرَادَهُ، فَتُوُفِّيَ فِي سَحَرِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسَ عَشَرَ شَهْرِ رَمَضَانَ بِمَدِينَةِ بُلْبَيْسَ، وَحُمِلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ جِوَارَ قُبَّةِ الشَّافِعِيِّ تَغَمَّدَهُمَا اللَّهُ برحمته.
الْمُؤَذِّنُ الْمَشْهُورُ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ
الْحَاجُّ عَلِيُّ بْنُ فرج بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الْكَتَّانِيُّ، كَانَ أَبُوهُ مِنْ خِيَارِ الْمُؤَذِّنِينَ، فِيهِ صَلَاحٌ وَدِينٌ وَلَهُ قَبُولٌ عِنْدَ النَّاسِ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ جَهْوَرَهُ، وَفِيهِ تودد وخدم وكرم، وحج غير مرة وسمع من أَبِي عُمَرَ وَغَيْرِهِ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ ثَالِثِ الْقَعْدَةِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ غُدْوَةً، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ.
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ فَضْلُ ابْنُ الشَّيْخِ الرَّجِيحِيِّ التُّونُسِيُّ
وَأُجْلِسَ أَخُوهُ يُوسُفُ مَكَانَهُ بِالزَّاوِيَةِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا كَانَتْ وَفَاةُ شَيْخِ الإسلام أبى العباس أحمد بن تيمية قدس الله روحه كما ستأتي ترجمة وفاته في الوفيات إن شاء الله تعالى.
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَحُكَّامُ الْبِلَادِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا سِوَى نَائِبِ مِصْرَ وَقَاضِي حَلَبَ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَانِي الْمُحَرَّمِ دَرَّسَ بِحَلْقَةِ صَاحِبِ حِمْصَ الشَّيْخُ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ، نَزَلَ لَهُ عَنْهَا شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْفُقَهَاءُ وَالْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَذَكَرَ دَرْسًا حَسَنًا مُفِيدًا. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ رَابِعِ الْمُحَرَّمِ حَضَرَ قَاضِي الْقُضَاةِ عَلَاءُ الدِّينِ الْقُونَوِيُّ مَشْيَخَةَ الشيوخ بالسمساطية عِوَضًا عَنِ الْقَاضِي الْمَالِكِيِّ شَرَفِ الدِّينِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْفُقَهَاءُ وَالصُّوفِيَّةُ عَلَى الْعَادَةِ. وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ ثَامِنَ عَشَرَ صَفَرٍ دَرَّسَ بِالْمَسْرُورِيَّةِ تَقِيُّ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ عِوَضًا عَنْ جَمَالِ الدِّينِ بْنِ الشريشنى بِحُكْمِ انْتِقَالِهِ إِلَى قَضَاءِ حِمْصَ، وَحَضَرَ النَّاسُ عِنْدَهُ وَتَرَحَّمُوا عَلَى وَالِدِهِ.
(14/132)

وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ خَامِسِ عِشْرِينَ صَفَرٍ وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ صَاحِبُ بِلَادِ الرُّومِ تمرتاش ابن جُوبَانَ، قَاصِدًا إِلَى مِصْرَ، فَخَرَجَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ والجيش إلى تلقيه، وَهُوَ شَابٌّ حَسَنُ الصُّورَةِ تَامُّ الشَّكْلِ مَلِيحُ الْوَجْهِ. وَلَمَّا انْتَهَى إِلَى السُّلْطَانِ بِمِصْرَ أَكْرَمَهُ وَأَعْطَاهُ تَقْدِمَةَ أَلْفٍ، وَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ عَلَى الْأُمَرَاءِ وأكرموا إِكْرَامًا زَائِدًا، وَكَانَ سَبَبَ قُدُومِهِ إِلَى مِصْرَ أن صاحب العراق الملك أبا سعيد كان قد قتل أخاه خواجا رمشتق فِي شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَهَمَّ وَالِدُهُ جوبان بمحاربة السلطان أبى سَعِيدٍ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ جُوبَانُ إِذْ ذَاكَ مُدَبِّرَ الْمَمَالِكِ، فَخَافَ تَمُرْتَاشُ هَذَا عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ السُّلْطَانِ فَفَرَّ هَارِبًا بِدَمِهِ إِلَى السُّلْطَانِ النَّاصِرِ بِمِصْرَ.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تَوَجَّهَ نَائِبُ الشَّامِ سَيْفُ الدِّينِ تَنْكِزُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِزِيَارَةِ السُّلْطَانِ فَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ وَاشْتَرَى فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ دَارَ الْفُلُوسِ الَّتِي بِالْقُرْبِ من البزوريين والجوزية، وهي شرقيها، وَقَدْ كَانَ سُوقُ الْبُزُورِيَّةِ الْيَوْمَ يُسَمَّى سُوقَ الْقَمْحِ، فَاشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ وَعَمَرَهَا دَارًا هَائِلَةً لَيْسَ بِدِمَشْقَ دَارٌ أَحْسَنَ مِنْهَا، وَسَمَّاهَا دَارَ الذَّهَبِ، وَهَدَمَ حَمَّامَ سُوَيْدٍ تِلْقَاءَهَا وَجَعَلَهُ دَارَ قرآن وحديث فِي غَايَةِ الْحُسْنِ أَيْضًا، وَوَقَفَ عَلَيْهَا أَمَاكِنَ وَرَتَّبَ فِيهَا الْمَشَايِخَ وَالطَّلَبَةَ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَاجْتَازَ بِرُجُوعِهِ مِنْ مِصْرَ بِالْقُدْسِ الشريف وزاره وأمر ببناء حمام به، وبناء دار حديث أيضا به، وخانقاه كما يأتى بيانه. وفي آخر ربيع الأول وصلت القناة إلى القدس التي أمر بعمارتها وتجديدها سيف الدين تنكز قُطْلُبَكَّ، فَقَامَ بِعِمَارَتِهَا مَعَ وُلَاةِ تِلْكَ النَّوَاحِي، وفرح المسلمون بها ودخلت حتى إلى شط الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَعُمِلَ بِهِ بِرْكَةٌ هَائِلَةٌ، وَهِيَ مُرَخَّمَةٌ مَا بَيْنَ الصَّخْرَةِ وَالْأَقْصَى، وَكَانَ ابْتِدَاءُ عَمَلِهَا مِنْ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ. وَفِي هذه المدة عمر سقوف شرافات المسجد الحرام وإيوانه، وَعُمِّرَتْ بِمَكَّةَ طَهَّارَةٌ مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي شَيْبَةَ.
قَالَ الْبِرْزَالِيُّ: وَفِي هَذَا الشَّهْرِ كَمَلَتْ عمارة الحمام الّذي بسوق باب توما، وله بابان. وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ نُقِضَ التَّرْخِيمُ الَّذِي بِحَائِطِ جَامِعِ دِمَشْقَ الْقِبْلِيِّ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ مِمَّا يَلِي بَابَ الزِّيَادَةِ، فَوَجَدُوا الْحَائِطَ مُتَجَافِيًا فَخِيفَ مِنْ أَمْرِهِ، وَحَضَرَ تَنْكِزُ بِنَفْسِهِ وَمَعَهُ الْقُضَاةُ وَأَرْبَابُ الْخِبْرَةِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى نَقْضِهِ وَإِصْلَاحِهِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ سَابِعِ عِشْرِينَ ربيع الآخر وكتب نَائِبُ السَّلْطَنَةِ إِلَى السُّلْطَانِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ وَيَسْتَأْذِنُهُ في عمارته، فجاء المرسوم بالاذن بذلك، فَشَرَعَ فِي نَقْضِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَامِسِ عِشْرِينَ جُمَادَى الْأُولَى، وَشَرَعُوا فِي عِمَارَتِهِ يَوْمَ الْأَحَدِ تاسع جمادى الآخرة، وعمل محراب فيما بين الزِّيَادَةِ وَمَقْصُورَةِ الْخَطَابَةِ يُضَاهِي مِحْرَابَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ جَدُّوا وَلَازَمُوا فِي عِمَارَتِهِ، وَتَبَرَّعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِالْعَمَلِ فِيهِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، فَكَانَ يَعْمَلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ أَزْيَدُ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ، حَتَّى كَمَلَتْ عِمَارَةُ الْجِدَارِ وَأُعِيدَتْ طَاقَاتُهُ وَسُقُوفُهُ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ وَذَلِكَ بِهِمَّةِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ مَرَاجِلَ
(14/133)

وَهَذَا مِنَ الْعَجَبِ فَإِنَّهُ نُقِضَ الْجِدَارُ وَمَا يُسَامِتُهُ مِنَ السَّقْفِ، وَأُعِيدَ فِي مُدَّةٍ لَا يَتَخَيَّلُ إِلَى أَحَدٍ أَنَّ عَمَلَهُ يَفْرُغُ فِيمَا يُقَارِبُ هَذِهِ الْمُدَّةِ جَزْمًا، وَسَاعَدَهُمْ عَلَى سُرْعَةِ الْإِعَادَةِ حِجَارَةٌ وَجَدُوهَا فِي أَسَاسِ الصَّوْمَعَةِ الْغَرْبِيَّةِ الَّتِي عِنْدَ الْغَزَّالِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ هَذَا الْمَعْبَدِ صَوْمَعَةٌ كَمَا فِي الغربية والشرقية القبلتين منه فأبيدت الشماليتين قَدِيمًا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمَا مِنْ مُدَّةِ أُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ سِوَى أُسِّ هَذِهِ الْمِئْذَنَةِ الْغَرْبِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ، فَكَانَتْ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى إِعَادَةِ هَذَا الْجِدَارِ سَرِيعًا. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ نَاظِرَ الْجَامِعِ ابْنَ مَرَاجِلَ لَمْ يَنْقُصْ أَحَدًا مِنْ أَرْبَابِ الْمُرَتَّبَاتِ عَلَى الْجَامِعِ شَيْئًا مَعَ هَذِهِ الْعِمَارَةِ.
وَفِي لَيْلَةِ السَّبْتِ خَامِسِ جُمَادَى الْأُولَى وقع حريق عظيم بالقرايين وَاتَّصَلَ بِالرَّمَّاحِينَ، وَاحْتَرَقَتِ الْقَيْسَارِيَّةُ وَالْمَسْجِدُ الَّذِي هُنَاكَ، وهلك للناس شيء كثير من الفرا والجوخ والأقمشة، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156 وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَاشَرِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ صُلِّيَ عَلَى الْقَاضِي شَمْسِ الدِّينِ بْنِ الْحَرِيرِيِّ قَاضِي قُضَاةِ الْحَنَفِيَّةِ بِمِصْرَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْغَائِبِ بِدِمَشْقَ. وَفِي هَذَا الْيَوْمِ قَدِمَ الْبَرِيدُ بِطَلَبِ بُرْهَانِ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ الْحَنَفِيِّ إِلَى مِصْرَ لِيَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا بَعْدَ ابْنِ الْحَرِيرِيِّ، فَخَرَجَ مُسَافِرًا إِلَيْهَا، وَدَخَلَ مَصْرَ فِي خَامِسِ عِشْرِينَ جُمَادَى الْأُولَى، وَاجْتَمَعَ بِالسُّلْطَانِ فَوَلَّاهُ الْقَضَاءَ وَأَكْرَمَهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ بَغْلَةً بِزُنَّارِيٍّ، وَحَكَمَ بِالْمَدْرَسَةِ الصَّالِحِيَّةِ بِحَضْرَةٍ الْقُضَاةِ وَالْحُجَّابِ، وَرُسِمَ لَهُ بِجَمِيعِ جِهَاتِ ابْنِ الْحَرِيرِيِّ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ تَاسِعِ جُمَادَى الْآخِرَةِ أُخْرِجَ مَا كَانَ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بن تَيْمِيَّةَ مِنَ الْكُتُبِ وَالْأَوْرَاقِ وَالدَّوَاةِ وَالْقَلَمِ، وَمُنِعَ مِنَ الْكُتُبِ وَالْمُطَالَعَةِ، وَحُمِلَتْ كُتُبُهُ فِي مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ إِلَى خِزَانَةِ الْكُتُبِ بِالْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ. قَالَ الْبِرْزَالِيُّ: وَكَانَتْ نَحْوَ سِتِّينَ مُجَلَّدًا، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ رَبْطَةَ كَرَارِيسَ، فَنَظَرَ الْقُضَاةُ وَالْفُقَهَاءُ فِيهَا وَتَفَرَّقُوهَا بَيْنَهُمْ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَجَابَ لِمَا كان رد عليه التقى ابن الْأَخْنَائِيِّ الْمَالِكِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الزِّيَارَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَاسْتَجْهَلَهُ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَلِيلُ الْبِضَاعَةِ فِي الْعِلْمِ، فَطَلَعَ الْأَخْنَائِيُّ إِلَى السُّلْطَانِ وَشَكَاهُ، فَرَسَمَ السُّلْطَانُ عِنْدَ ذَلِكَ بِإِخْرَاجِ مَا عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ مَا كَانَ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَفِي أَوَاخِرِهِ رُسِمَ لِعَلَاءِ الدِّينِ بْنِ الْقَلَانِسِيِّ فِي الدَّسْتِ، مَكَانَ أَخِيهِ جَمَالِ الدِّينِ تَوْقِيرًا لِخَاطِرِهِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومُهُ عَلَى قَضَاءِ الْعَسَاكِرِ وَالْوَكَالَةِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ.
وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثِ عِشْرِينَ رَجَبٍ رُسِمَ لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْحَنَفِيِّ وَالْمَالِكِيِّ وَالْحَنْبَلِيِّ بِالصَّلَاةِ فِي الحائط القبلي من الْأُمَوِيِّ، فَعُيِّنَ الْمِحْرَابُ الْجَدِيدُ الَّذِي بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالْمَقْصُورَةِ لِلْإِمَامِ الْحَنَفِيِّ، وَعُيِّنَ مِحْرَابُ الصَّحَابَةِ لِلْمَالِكِيِّ وَعُيِّنَ، مِحْرَابُ مَقْصُورَةِ الْخَضِرِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ الْمَالِكِيُّ لِلْحَنْبَلِيِّ، وَعُوِّضَ إِمَامُ مِحْرَابِ الصَّحَابَةِ بِالْكَلَّاسَةِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْعِمَارَةِ قَدْ بَلَغَ مِحْرَابَ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْمَقْصُورَةِ
(14/134)

الْمَعْرُوفَةِ بِهِمْ، وَمِحْرَابَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ خَلْفِهِمْ فِي الرُّوَاقِ الثَّالِثِ الْغَرْبِيِّ وَكَانَا بَيْنَ الْأَعْمِدَةِ، فَنُقِلَتْ تِلْكَ الْمَحَارِيبُ، وَعُوِّضُوا بِالْمَحَارِيبِ الْمُسْتَقِرَّةِ بِالْحَائِطِ الْقِبْلِيِّ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَفِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ مُسِكَ الْأَمِيرُ تَمُرْتَاشُ بْنُ جُوبَانَ الَّذِي أَتَى هَارِبًا إِلَى السُّلْطَانِ النَّاصِرِ بِمِصْرَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحُبِسُوا بِقَلْعَةِ مِصْرَ، فَلَمَّا كَانَ ثَانِي شَوَّالٍ أُظْهِرَ مَوْتُهُ، يُقَالُ إِنَّهُ قَتَلَهُ السُّلْطَانُ وأرسل رأسه إلى أبى سَعِيدٍ صَاحِبِ الْعِرَاقِ ابْنِ خَرْبَنْدَا مَلِكِ التَّتَارِ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَانِي شَوَّالٍ خَرَجَ الرَّكْبُ الشامي وأميره فخر الدين عثمان بن شَمْسِ الدِّينِ لُؤْلُؤٍ الْحَلَبِيُّ أَحَدُ أُمَرَاءِ دِمَشْقَ، وَقَاضِيهِ قَاضِي قُضَاةِ الْحَنَابِلَةِ عِزُّ الدِّينِ بْنُ التَّقِيِّ سُلَيْمَانَ. وَمِمَّنْ حَجَّ الْأَمِيرُ حُسَامُ الدِّينِ الشبمقدار، وَالْأَمِيرُ قَبْجَقُ وَالْأَمِيرُ حُسَامُ الدِّينِ بْنُ النَّجِيبِيِّ وَتَقِيُّ الدِّينِ بْنُ السَّلْعُوسِ وَبَدْرُ الدِّينِ بْنُ الصَّائِغِ وَابْنَا جَهْبَلٍ وَالْفَخْرُ الْمِصْرِيُّ، وَالشَّيْخُ عَلَمُ الدين البرزالي، وشهاب الدين الطاهري. وَقَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ حَكَمَ الْقَاضِي الْمَنْفَلُوطِيُّ الَّذِي كَانَ حَاكِمًا بِبَعْلَبَكَّ بِدِمَشْقَ نِيَابَةً عَنْ شَيْخِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ عَلَاءِ الدِّينِ الْقُونَوِيِّ، وَكَانَ مَشْكُورَ السِّيرَةِ، تَأَلَّمَ أَهْلُ بَعْلَبَكَّ لِفَقْدِهِ، فَحَكَمَ بِدِمَشْقَ عِوَضًا عَنِ الْقُونَوِيِّ بِسَبَبِ عَزْمِهِ عَلَى الْحَجِّ، ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ الْفَخْرُ مِنَ الْحَجِّ عَادَ إِلَى الْحُكْمِ وَاسْتَمَرَّ الْمَنْفَلُوطِيُّ يَحْكَمُ أَيْضًا، فَصَارُوا ثلاث نُوَّابٍ: ابْنُ جُمْلَةَ وَالْفَخْرُ الْمِصْرِيُّ وَالْمَنْفَلُوطِيُّ. وَسَافَرَ ابن الحشيشى فِي ثَانِي عِشْرِينَ شَوَّالٍ إِلَى الْقَاهِرَةِ لِيَنُوبَ عَنِ الْقَاضِي فَخْرِ الدِّينِ كَاتِبِ الْمَمَالِيكِ إِلَى حِينِ رُجُوعِهِ مِنَ الْحِجَازِ، فَلَمَّا وَصَلَ وَلِيَ حِجَابَةَ دِيوَانِ الْجَيْشِ، وَاسْتَمَرَّ هُنَاكَ، وَاسْتَقَلَّ قُطْبُ الدِّينِ ابْنُ شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ بِنَظَرِ الْجَيْشِ بِدِمَشْقَ عَلَى عَادَتِهِ.
وَفِي شَوَّالٍ خُلِعَ عَلَى أَمِينِ الْمُلْكِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَوُلِّيَ نَظَرَ الدَّوَاوِينِ فَبَاشَرَهُ شهرا ويومين وعزل عنه.
ذكر وفاة شيخ الإسلام أبى العباس تقى الدين أحمد بن تيمية قدس الله روحه
قَالَ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ الْبِرْزَالِيُّ فِي تَارِيخِهِ: وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي العقدة توفى الشيخ الامام العالم العلم العلامة الفقيه الحافظ الزاهد العابد المجاهد الْقُدْوَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ شَيْخِنَا الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ الْمُفْتِي شِهَابِ الدين أبى المحاسن عبد الحليم ابن الشيخ الامام شيخ الإسلام أَبِي الْبَرَكَاتِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي القاسم محمد بن الخضر بن محمد ابن الخضر بن على بن عبد الله بن تَيْمِيَّةَ الْحَرَّانِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ بِالْقَاعَةِ التي كان محبوسا بها، وحضر جمع كثير إلى القلعة، وأذن لَهُمْ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَجَلَسَ جَمَاعَةٌ عِنْدَهُ قَبْلَ الْغُسْلِ وَقَرَءُوا الْقُرْآنَ وَتَبَرَّكُوا بِرُؤْيَتِهِ وَتَقْبِيلِهِ، ثم انصرفوا، ثم حضر جماعة من النساء ففعلن مثل ذلك ثم انصرفن واقتصروا على من يغسله، فلما فرغ من غسله أخرج ثم اجتمع الخلق بالقلعة والطريق إلى الجامع
(14/135)

وامتلأ الجامع أيضا وَصَحْنُهُ وَالْكَلَّاسَةُ وَبَابُ الْبَرِيدِ وَبَابُ السَّاعَاتِ إِلَى باب اللبادين والغوارة، وَحَضَرَتِ الْجِنَازَةُ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ النَّهَارِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَوُضِعَتْ فِي الْجَامِعِ، وَالْجُنْدُ قد احتاطوا بها يَحْفَظُونَهَا مِنَ النَّاسِ مِنْ شِدَّةِ الزِّحَامِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ أَوَّلًا بِالْقَلْعَةِ، تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أولا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ تَمَّامٍ، ثُمَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر، وقد تضاعف اجتماع الناس على ما تقدم ذكره، ثم تزايد الجمع إلى أن ضاقت الرحاب والأزقة والأسواق بأهلها ومن فيها، ثم حمل بعد أن صلى عليه على الرءوس والأصابع، وخرج النعش به من باب البريد واشتد الزحام وعلت الأصوات بالبكاء والنحيب والترحم عليه والثناء والدعاء له، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النعال من أرجل الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، وَصَارَ النَّعْشُ عَلَى الرُّءُوسِ تَارَةً يَتَقَدَّمُ وَتَارَةً يتأخر، وتارة يقف حتى تمر الناس، وَخَرَجَ النَّاسُ مِنَ الْجَامِعِ مِنْ أَبْوَابِهِ كُلِّهَا وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها، لكن كان معظم الزحام مِنَ الْأَبْوَابِ الْأَرْبَعَةِ: بَابِ الْفَرَجِ الَّذِي أُخْرِجَتْ مِنْهُ الْجِنَازَةُ، وَبَابِ الْفَرَادِيسِ، وَبَابِ النَّصْرِ، وَبَابِ الجابية. وعظم الأمر بسوق الخيل وتضاعف الخلق وكثر الناس، ووضعت الجنازة هناك وَتَقَدَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ هُنَاكَ أَخُوهُ زَيْنُ الدِّينِ عبد الرحمن، فلما قضيت الصلاة حمل إِلَى مَقْبَرَةِ الصُّوفِيَّةِ فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَخِيهِ شَرَفِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَكَانَ دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة من يأتى ويصلى عليه من أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم، وأغلق النَّاسُ حَوَانِيتَهُمْ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنِ الْحُضُورِ إِلَّا من هو عاجز عن الحضور، مع الترحم والدعاء له، وأنه لو قدر ما تخلف، وحضر نساء كثيرات بحيث حزرن بخمسة عشر ألف امرأة، غير اللاتي كن على الأسطحة وغيرهن، الجميع يترحمن ويبكين عليه فيما قيل. وأما الرجال فحزروا بستين ألفا إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إِلَى مِائَتَيْ أَلْفٍ وَشَرِبَ جَمَاعَةٌ الْمَاءَ الَّذِي فَضَلَ مِنْ غُسْلِهِ، وَاقْتَسَمَ جَمَاعَةٌ بَقِيَّةَ السِّدْرِ الّذي غسل به، ودفع في الْخَيْطَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الزِّئْبَقُ الَّذِي كَانَ في عنقه بسبب القمل مائة وخمسون درهما، وَقِيلَ إِنَّ الطَّاقِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ دفع فيها خمسمائة درهما. وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير، وتضرع وختمت له ختمات كثيرة بالصالحية وبالبلد، وَتَرَدَّدَ النَّاسُ إِلَى قَبْرِهِ أَيَّامًا كَثِيرَةً لَيْلًا ونهارا يبيتون عنده ويصبحون، ورئيت له منامات صالحة كثيرة، وَرَثَاهُ جَمَاعَةٌ بِقَصَائِدَ جَمَّةٍ.
وَكَانَ مَوْلِدُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ عَاشِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِحَرَّانَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَقَدِمَ مَعَ وَالِدِهِ وَأَهْلِهِ إِلَى دِمَشْقَ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنِ ابْنِ عبد الدائم وابن أبى اليسر وابن عبدان والشيخ شمس الدين الحنبلي، والشيخ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ عَطَاءٍ الْحَنَفِيِّ، وَالشَّيْخِ جَمَالِ الدين بن الصيرفي، ومجد الدين
(14/136)

ابن عساكر والشيخ جمال الدين البغدادي و، النجيب بْنِ الْمِقْدَادِ، وَابْنِ أَبِي الْخَيْرِ، وَابْنِ عَلَّانَ وابن أبى بكر اليهودي وَالْكَمَالِ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَالْفَخْرِ عَلِيٍّ وَابْنِ شَيْبَانَ وَالشَّرَفِ بْنِ الْقَوَّاسِ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ مَكِّيٍّ، وَخَلْقٍ كثير سمع منهم الحديث، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ الْكَثِيرَ وَطَلَبَ الْحَدِيثَ وَكَتَبَ الطِّبَاقَ والإثبات ولازم السماع بنفسه مدة سنين، وقل أن سمع شيئا إلا حفظه، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْعُلُومِ، وَكَانَ ذَكِيًّا كَثِيرَ الْمَحْفُوظِ فَصَارَ إِمَامًا فِي التَّفْسِيرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عارفا بالفقه، فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذين كانوا في زمانه وغيره، وكان عالما باختلاف العلماء، عالما في الأصول والفروع وَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ النَّقْلِيَّةِ والعقلية، وما قطع في مجلس ولا تَكَلَّمَ مَعَهُ فَاضِلٌ فِي فَنٍّ مِنَ الْفُنُونِ إِلَّا ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْفَنَّ فَنُّهُ، وَرَآهُ عَارِفًا بِهِ مُتْقِنًا لَهُ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَكَانَ حامل رايته حافظا له مُمَيِّزًا بَيْنَ صَحِيحِهِ وَسَقِيمِهِ، عَارِفًا بِرِجَالِهِ مُتَضَلِّعًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ وَتَعَالِيقُ مُفِيدَةٌ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، كَمَّلَ مِنْهَا جُمْلَةً وَبُيِّضَتْ وكتبت عنه وقرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يكملها، وجملة كملها ولم تبيض إلى الآن. وأثنى عليه وعلى علومه وفضائله جماعة من علماء عصره، مثل القاضي الخوبى، وابن دقيق العيد، وابن النحاس، والقاضي الحنفي قاضى قضاة مصر ابن الحريري وَابْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَوُجِدَتْ بِخَطِّ ابْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ أنه قال: اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ عَلَى وَجْهِهَا، وَأَنَّ لَهُ الْيَدَ الطُّولَى فِي حُسْنِ التَّصْنِيفِ وَجَوْدَةِ العبارة والترتيب والتقسيم والتدين، وكتب على تصنيف لَهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ:
مَاذَا يَقُولُ الْوَاصِفُونَ لَهُ ... وَصِفَاتُهُ جَلَّتْ عَنِ الْحَصْرِ
هُوَ حُجَّةٌ للَّه قَاهِرَةٌ ... هُوَ بَيْنَنَا أُعْجُوبَةُ الدَّهْرِ
هُوَ آيَةٌ فِي الْخَلْقِ ظَاهِرَةٌ ... أَنْوَارُهَا أَرْبَتْ عَلَى الْفَجْرِ
وهذا الثناء عليه، وكان عمره يومئذ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ وَصُحْبَةٌ مِنَ الصِّغَرِ، وَسَمَاعُ الْحَدِيثِ وَالطَّلَبُ مِنْ نحو سَنَةً، وَلَهُ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ، وَأَسْمَاءُ مُصَنَّفَاتِهِ وَسِيرَتُهُ وَمَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالدَّوْلَةِ وَحَبْسُهُ مَرَّاتٍ وَأَحْوَالُهُ لَا يَحْتَمِلُ ذِكْرَ جَمِيعِهَا هَذَا الموضع، وهذا الْكِتَابِ.
وَلَمَّا مَاتَ كُنْتُ غَائِبًا عَنْ دِمَشْقَ بطريق الحجاز، ثم بلغنا خبر موته بعد وفاته بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ يَوْمًا لَمَّا وَصَلْنَا إِلَى تَبُوكَ، وَحَصَلَ التَّأَسُّفُ لِفَقْدِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. هَذَا لَفْظُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ تَارِيخِهِ.
ثم ذكر الشيخ علم الدين بَعْدَ إِيرَادِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ جِنَازَةَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ وَعِظَمَهَا، وَجِنَازَةَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ببغداد وشهرتها، وقال الامام أبو عثمان الصابوني: سمعت أبا عبد الرحمن السيوفي يقول:
حضرت جنازة أبى الفتح القواس الزاهد مع الشيخ أبى الحسن الدارقطنيّ فلما بلغ إلى ذلك الجمع العظيم أقبل علينا وقال سمعت أبا سهل بن زياد القطان يقول سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبى يقولى: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز، قال ولا شك أن جنازة أحمد بن
(14/137)

حَنْبَلٍ كَانَتْ هَائِلَةً عَظِيمَةً، بِسَبَبِ كَثْرَةِ أَهْلِ بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له، وأن الدولة كانت تحبه، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تُوُفِّيَ بِبَلَدِهِ دِمَشْقَ، وَأَهْلُهَا لَا يَعْشُرُونَ أَهْلَ بغداد حينئذ كَثْرَةً، وَلَكِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا لِجِنَازَتِهِ اجْتِمَاعًا لَوْ جَمَعَهُمْ سُلْطَانٌ قَاهِرٌ، وَدِيوَانٌ حَاصِرٌ لَمَا بَلَغُوا هَذِهِ الكثرة التي اجتمعوها في جنازته، وانتهوا إليها. هذا مع أن الرجل مَاتَ بِالْقَلْعَةِ مَحْبُوسًا مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ، وَكَثِيرٌ من الفقهاء والفقراء يذكرون عنه للناس أشياء كثيرة، مما ينفر منها طباع أهل الأديان، فضلا عن أهل الإسلام. وهذه كانت جنازته.
قال: وقد اتفق موته فِي سَحَرِ لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ الْمَذْكُورِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ مُؤَذِّنُ الْقَلْعَةِ عَلَى الْمَنَارَةِ بِهَا وَتَكَلَّمَ بِهِ الْحُرَّاسُ عَلَى الْأَبْرِجَةِ، فَمَا أَصْبَحَ النَّاسُ إِلَّا وَقَدْ تَسَامَعُوا بِهَذَا الْخَطْبِ الْعَظِيمِ وَالْأَمْرِ الْجَسِيمِ، فَبَادَرَ النَّاسُ عَلَى الْفَوْرِ إِلَى الِاجْتِمَاعِ حَوْلَ الْقَلْعَةِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ أَمْكَنَهُمُ الْمَجِيءُ مِنْهُ، حَتَّى مِنَ الْغُوطَةِ وَالْمَرْجِ، وَلَمْ يَطْبُخْ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ شَيْئًا، وَلَا فَتَحُوا كَثِيرًا مِنَ الدَّكَاكِينِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُفْتَحَ أَوَائِلَ النَّهَارِ على العادة، وكان نائب السلطنة تنكز قد ذهب يتصيد في بعض الأمكنة، فَحَارَتِ الدَّوْلَةُ مَاذَا يَصْنَعُونَ، وَجَاءَ الصَّاحِبُ شَمْسُ الدين غبريال نَائِبِ الْقَلْعَةِ فَعَزَّاهُ فِيهِ، وَجَلَسَ عِنْدَهُ، وَفَتَحَ باب القلعة لِمَنْ يَدْخُلُ مِنَ الْخَوَاصِّ وَالْأَصْحَابِ وَالْأَحْبَابِ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَ الشَّيْخِ فِي قَاعَتِهِ خَلْقٌ مِنْ أَخِصَّاءِ أصحابه من الدولة وغيرهم من أهل البلد والصالحية، فجلسوا عنده يبكون ويثنون على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وكنت فيمن حَضَرَ هُنَاكَ مَعَ شَيْخِنَا الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ، وَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِ الشَّيْخِ ونظرت إليه وقبلته، وعلى رأسه عمامة بعذب مَغْرُوزَةٍ وَقَدْ عَلَاهُ الشَّيْبُ أَكْثَرَ مِمَّا فَارَقْنَاهُ. وَأَخْبَرَ الْحَاضِرِينَ أَخُوهُ زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أنه قرأ هو والشيخ منذ دخل الْقَلْعَةَ ثَمَانِينَ خَتْمَةً وَشَرَعَا فِي الْحَادِيَةِ وَالثَّمَانِينَ، فانتهينا فيها إلى آخر اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ 54: 1 إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ 54: 54- 55 فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان الخيران عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُحِبِّ وَعَبْدُ اللَّهِ الزُّرَعِيُّ الضرير- وكان الشيخ رحمه الله يحب قراءتهما- فابتدءا مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ حَتَّى خَتَمُوا الْقُرْآنَ وَأَنَا حَاضِرٌ أَسْمَعُ وَأَرَى.
ثُمَّ شَرَعُوا فِي غُسْلِ الشَّيْخِ وَخَرَجْتُ إِلَى مَسْجِدٍ هُنَاكَ وَلَمْ يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ الأخيار، أهل العلم والايمان، فما فرغ منه حتى امتلأت الْقَلْعَةِ وَضَجَّ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ وَالثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ، ثُمَّ سَارُوا بِهِ إِلَى الْجَامِعِ فَسَلَكُوا طَرِيقَ العماديّة على العادلية الكبيرة، ثم عطفوا على ثلث الناطفانيين، وذلك أن سُوَيْقَةَ بَابِ الْبَرِيدِ كَانَتْ قَدْ هُدِمَتْ لِتُصْلَحَ، وَدَخَلُوا بِالْجِنَازَةِ إِلَى الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَالْخَلَائِقُ فِيهِ بين يدي الجنازة وخلفها وعن يمينها وشمالها ما لا يحصى عدتهم إلا الله تعالى، فصرخ صارخ وصاح صائح هكذا
(14/138)

تكون جنائز أئمة السنة فتباكى الناس وضجوا عند سماع هذا الصَّارِخِ وَوُضِعَ الشَّيْخُ فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ مِمَّا يلي المقصورة، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف، بل مرصوصين رصا لَا يَتَمَكَّنُ أَحَدٌ مِنَ السُّجُودِ إِلَّا بِكُلْفَةٍ جو الجامع وبري الأزقة والأسواق، وَذَلِكَ قَبْلَ أَذَانِ الظُّهْرِ بِقَلِيلٍ، وَجَاءَ النَّاسُ من كل مكان، ونوى خلق الصيام لأنهم لا يتفرغون في هذا اليوم لأكل ولا لشرب، وكثر الناس كثرة لا تحد ولا توصف، فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على السدة خلاف العادة، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فَصَلَّى عَلَيْهِ إِمَامًا، وَهُوَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْخَرَّاطِ، ثُمَّ خَرَجَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَامِعِ وَالْبَلَدِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَاجْتَمَعُوا بسوق الخيل، ومن الناس من تعجل بعد أن صلى في الجامع إِلَى مَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ، وَالنَّاسُ فِي بُكَاءٍ وَتَهْلِيلٍ في مخافتة كل واحد بنفسه، وفي ثناء وَتَأَسُّفٍ، وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْأَسْطِحَةِ مِنْ هُنَاكَ إِلَى المقبرة يبكين ويدعين ويقلن هذا العالم.
وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ بدمشق إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ حين كان الناس كثيرين، وكانت دار الخلافة، ثُمَّ دُفِنَ عِنْدَ أَخِيهِ قَرِيبًا مِنْ أَذَانِ العصر على التحديد، ولا يمكن أحد حصر من حضر الجنازة، وتقريب ذلك أنه عبارة عمن أمكنه الحضور من أهل البلد وحواضره وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنَ الصغار وَالْمُخَدَّرَاتِ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلا النفر اليسير تخلف عن الحضور في جنازته، وهم ثلاثة أنفس: وهم ابن جملة، والصدر، والقفجارى، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم، بحيث إنهم علموا متى خرجوا قتلوا وأهلكهم الناس، وَتَرَدَّدَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْفَزَارِيُّ إلى قبره في الأيام الثلاثة وكذلك جماعة من علماء الشافعية، وكان برهان الدين الفزاري يأتى راكبا عَلَى حِمَارِهِ وَعَلَيْهِ الْجَلَالَةُ وَالْوَقَارُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَعُمِلَتْ لَهُ خَتَمَاتٌ كَثِيرَةٌ وَرُئِيَتْ لَهُ مَنَامَاتٌ صالحة عجيبة، ورثى بأشعار كثيرة وقصائد مطولة جِدًّا. وَقَدْ أُفْرِدَتْ لَهُ تَرَاجِمُ كَثِيرَةٌ، وَصَنَّفَ في ذلك جماعة من الفضلاء وغيرهم، وسألخص مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ تَرْجَمَةً وَجِيزَةً فِي ذِكْرِ مَنَاقِبِهِ وَفَضَائِلِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَكَرَمِهِ وَنُصْحِهِ وَزَهَادَتِهِ وَعِبَادَتِهِ وعلومه المتنوعة الكثيرة المجودة وصفاته الكبار والصغار، التي احتوت على غالب العلوم ومفرداته في الاختيارات التي نصرها بالكتاب والسنة وأفتى بها.
وبالجملة كان رحمه الله من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي، وخطؤه أيضا مغفور له كما في صحيح الْبُخَارِيِّ: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ
(14/139)

أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» فهو مأجور. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا صَاحِبَ هَذَا القبر.
وفي سادس عشرين ذي القعدة نقل تَنْكِزُ حَوَاصِلَهُ وَأَمْوَالَهُ مِنْ دَارِ الذَّهَبِ دَاخِلَ باب الفراديس إلى الدار التي أنشأها، وتعرف بِدَارِ فُلُوسٍ، فَسُمِّيَتْ دَارَ الذَّهَبِ، وَعَزَلَ خَزِنْدَارَهُ ناصر الدين محمد ابن عيسى، وولى مكانه مملوكه أباجى. وفي ثانى عشرين القعدة جَاءَ إِلَى مَدِينَةِ عَجْلُونَ سَيْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أول النهار إلى وقت الْعَصْرِ، فَهَدَمَ مِنْ جَامِعِهَا وَأَسْوَاقِهَا وَرِبَاعِهَا وَدُورِهَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَغَرِقَ سَبْعَةُ نَفَرٍ، وَهَلَكَ لِلنَّاسِ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْغَلَّاتِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْمَوَاشِي مَا يُقَارِبُ قِيمَتُهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّا للَّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ أَلْزَمَ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْقُونَوِيُّ جَمَاعَةَ الشُّهُودِ بِسَائِرِ الْمَرَاكِزِ أَنْ يُرْسِلُوا فِي عَمَائِمِهِمُ الْعَذَبَاتِ لِيَتَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَنْ عَوَامِّ النَّاسِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ أَيَّامًا ثُمَّ تَضَرَّرُوا مِنْ ذَلِكَ فَأَرْخَصَ لَهُمْ فِي تَرْكِهَا، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ بِهَا. وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ عِشْرِينَ ذِي الْحِجَّةِ أُفْرِجَ عَنِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَلَّامَةِ أَبِي عَبْدِ الله شمس الدين ابن قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، وَكَانَ مُعْتَقَلًا بِالْقَلْعَةِ أَيْضًا، مِنْ بَعْدِ اعْتِقَالِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بِأَيَّامٍ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ إِلَى هَذَا الْحِينِ، وَجَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ السُّلْطَانَ أَفْرَجَ عَنِ الْجَاوِلِيِّ وَالْأَمِيرِ فَرَجِ بْنِ قَرَاسُنْقُرَ، وَلَاجِينَ الْمَنْصُورِيِّ، وَأُحْضِرُوا بَعْدَ الْعِيدِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ. وَفِيهِ وَصَلَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ الْكَبِيرِ جُوبَانَ نَائِبِ السلطان أبى سَعِيدٍ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، وَوَفَاةِ قَرَاسُنْقُرَ الْمَنْصُورِيِّ أَيْضًا كِلَاهُمَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَجُوبَانُ هَذَا هُوَ الَّذِي سَاقَ الْقَنَاةَ الْوَاصِلَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَدْ غَرِمَ عَلَيْهَا أَمْوَالًا جَزِيلَةً كَثِيرَةً، وَلَهُ تُرْبَةٌ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، ومدرسة مَشْهُورَةٌ، وَلَهُ آثَارٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ جَيِّدَ الْإِسْلَامِ لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ وَقَدْ دَبَّرَ الْمَمَالِكَ فِي أيام أبى سَعِيدٍ مُدَّةً طَوِيلَةً عَلَى السَّدَادِ، ثُمَّ أَرَادَ أبو سَعِيدٍ مَسْكَهُ فَتَخَلَّصَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا، ثم إن أبا سعيد قتل ابنه خواجا رمشق فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ فَفَرَّ ابْنُهُ الْآخَرُ تَمُرْتَاشُ هَارِبًا إِلَى سُلْطَانِ مِصْرَ، فَآوَاهُ شَهْرًا ثُمَّ تَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَ الْمَلِكَيْنِ فِي قَتْلِهِ فَقَتَلَهُ صَاحِبُ مِصْرَ فِيمَا قِيلَ وَأَرْسَلَ بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُوهُ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ.
وَأَمَّا قَرَاسُنْقُرُ الْمَنْصُورِيُّ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ كِبَارِ أُمَرَاءِ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قَتَلَ الْأَشْرَفَ خَلِيلَ بْنَ الْمَنْصُورِ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ وَلِيَ نِيَابَةَ مِصْرَ مُدَّةً، ثُمَّ صَارَ إِلَى نِيَابَةِ دِمَشْقَ ثُمَّ إِلَى نِيَابَةِ حلب، ثم فر إلى التتر هو والافرم والزركاشى فَآوَاهُمْ مَلِكُ التَّتَارِ خَرْبَنْدَا وَأَكْرَمَهُمْ وَأَقْطَعَهُمْ بِلَادًا كَثِيرَةً، وَتَزَوَّجَ قَرَاسُنْقُرُ بِنْتَ هُولَاكُو ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَرَاغَةَ بَلَدِهِ الَّتِي كَانَ حَاكِمًا بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ نَحْوُ تِسْعِينَ سَنَةً والله أعلم.
(14/140)

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْعَلَّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْحَوَادِثِ وَسَنُفْرِدُ لَهُ تَرْجَمَةً عَلَى حِدَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّرِيفُ العالم الزاهد المحدث
عز الدين أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ المحسن العلويّ الحسيني العراقي الْإِسْكَنْدَرِيُّ الشَّافِعِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَحَفِظَ الْوَجِيزَ فِي الفقه، والإيضاح فِي النَّحْوِ، وَكَانَ زَاهِدًا مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا وَبَلَغَ تِسْعِينَ سَنَةً وَعَقْلُهُ وَعِلْمُهُ وَذِهْنُهُ ثَابِتٌ مُتَيَقِّظٌ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَامِسِ الْمُحَرَّمِ، وَدُفِنَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بَيْنَ المادين رحمه الله.
الشمس محمد بن عيسى التكريدى
كانت فيه شهامة وحزامة، وَكَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بن تَيْمِيَةَ كَالْمُنَفِّذِ لِمَا يُأْمَرُ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ، ويرسله الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ وفهم بتبليغ رِسَالَتَهُ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ تُوُفِّيَ فِي الْخَامِسِ مِنْ صَفَرٍ بِالْقُبَيْبَاتِ وَدُفِنَ عِنْدَ الْجَامِعِ الْكَرِيمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ
أَبُو بَكْرِ بْنُ شَرَفِ بْنِ مُحْسِنِ بْنِ مَعْنِ بْنِ عمان الصَّالِحِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الكثير صحبة الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَةَ وَالْمِزِّيِّ، وَكَانَ مِمَّنْ يُحِبُّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ، وَكَانَ مَعَهُمَا كَالْخَادِمِ لَهُمَا، وَكَانَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ يَتَنَاوَلُ مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ مَا يَقُومُ بِأَوَدِهِ، وَأَقَامَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ بِحِمْصَ، وَكَانَ فَصِيحًا مُفَوَّهًا، لَهُ تَعَالِيقُ وَتَصَانِيفُ فِي الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ لَهُ عِبَادَةٌ وَفِيهِ خَيْرٌ وَصَلَاحٌ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ حِفْظِهِ، وَقَدِ اجْتَمَعْتُ به مَرَّةٍ صُحْبَةَ شَيْخِنَا الْمِزِّيِّ حِينَ قَدِمَ مِنْ حمص فكان قوى العبارة فصيحها متوسطا بالعلم، لَهُ مَيْلٌ إِلَى التَّصَوُّفِ وَالْكَلَامِ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَالْقُلُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَ الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَةَ.
تُوُفِّيَ بِحِمْصَ فِي الثَّانِيَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ يَحُضُّ النَّاسَ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُعْطِيهِ وَيَرْفِدُهُ.
ابْنُ الدَّوَالِيبِيِّ الْبَغْدَادِيُّ
الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْعَالِمُ الْعَابِدُ الرُّحْلَةُ الْمُسْنِدُ الْمُعَمِّرُ عَفِيفُ الدِّينِ أَبُو عبد الله محمد بن عبد المحسن ابن أبى الحسين بن عبد الغفار البغدادي الأرجي الْحَنْبَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الدَّوَالِيبِيِّ، شَيْخُ دَارِ الْحَدِيثِ الْمُسْتَنْصِرِيَّةِ، وُلِدَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ، وَلَهُ إِجَازَاتٌ عَالِيَةٌ، وَاشْتَغَلَ بِحِفْظِ الْخِرَقِيِّ، وَكَانَ فَاضِلًا فِي النَّحْوِ وَغَيْرِهِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا جَاوَزَ التِّسْعِينَ وَصَارَ رُحْلَةَ الْعِرَاقِ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الخميس رابع جمادى الأولى ودفن بمقبرة الامام أحمد مقابر الشهداء
(14/141)

رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ أَجَازَنِي فِيمَنْ أَجَازَ مِنْ مَشَايِخِ بَغْدَادَ وللَّه الْحَمْدُ.
قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسُ الدين ابن الْحَرِيرِيِّ
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ صَفِيِّ الدِّينِ أَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْأَنْصَارِيُّ الْحَنَفِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ وَقَرَأَ الْهِدَايَةَ، وَكَانَ فَقِيهًا جَيِّدًا، وَدَرَّسَ بِأَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا، ثُمَّ خُطِبَ إِلَى قَضَاءِ الديار المصرية فاستمر بِهَا مُدَّةً طَوِيلَةً مَحْفُوظَ الْعِرْضِ، لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ هَدِيَّةً وَلَا تَأْخُذُهُ فِي الْحُكْمِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَكَانَ يَقُولُ إِنْ لَمْ يَكُنِ ابْنُ تَيْمِيَةَ شَيْخَ الْإِسْلَامِ فَمَنْ؟ وَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: أَتُحِبُّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَحْبَبْتَ شَيْئًا مَلِيحًا. تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَوْمَ السَّبْتِ رَابِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ، وَكَانَ قَدْ عَيَّنَ لِمَنْصِبِهِ الْقَاضِيَ بُرْهَانَ الدِّينِ بْنَ عَبْدِ الْحَقِّ فَنُفِّذَتْ وَصِيَّتُهُ بِذَلِكَ، وَأُرْسِلَ إِلَيْهِ إِلَى دِمَشْقَ فَأُحْضِرَ فَبَاشَرَ الْحُكْمَ بَعْدَهُ وَجَمِيعَ جِهَاتِهِ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ المقري
شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الشَّيْخِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَارَةَ بْنِ عَبْدِ الْوَلِيِّ بْنِ جُبَارَةَ الْمَقْدِسِيُّ الْمَرْدَاوِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، شَارِحُ الشَّاطِبِيَّةِ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَعُنِيَ بِفَنِّ الْقِرَاءَاتِ فَبَرَزَ فِيهِ، وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ، وَقَدْ أَقَامَ بِمِصْرَ مدة واشتغل بها على الفزاري فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَتُوُفِّيَ بِالْقُدْسِ رَابِعَ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَانَ يُعَدُّ مِنَ الصُّلَحَاءِ الْأَخْيَارِ، سمع عن خطيب مردا وَغَيْرِهِ
ابْنُ الْعَاقُولِيِّ الْبَغْدَادِيُّ
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حماد بن تائب الْوَاسِطِيُّ الْعَاقُولِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ الشَّافِعِيُّ، مُدَرِّسُ الْمُسْتَنْصِرِيَّةِ مُدَّةً طَوِيلَةً نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَبَاشَرَ نَظَرَ الْأَوْقَافِ وَعُيِّنَ لِقَضَاءِ الْقُضَاةِ فِي وَقْتٍ. وُلِدَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ عَاشِرَ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَبَرَعَ وَاشْتَغَلَ وَأَفْتَى مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَذَلِكَ مُدَّةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَهَذَا شَيْءٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَكَانَ قَوِيَّ النَّفْسِ لَهُ وَجَاهَةٌ فِي الدَّوْلَةِ، فَكَمْ كَشَفَ كُرْبَةً عَنِ النَّاسِ بِسَعْيِهِ وَقَصْدِهِ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعَ عِشْرِينَ شَوَّالٍ، وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِدَارِهِ، وكان قد وقفها عَلَى شَيْخٍ وَعَشَرَةِ صِبْيَانٍ يُسَمِّعُونَ الْقُرْآنَ وَيَحْفَظُونَهُ، ووقف عَلَيْهَا أَمْلَاكَهُ كُلَّهَا.
تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ وَرَحِمَهُ، وَدَرَّسَ بَعْدَهُ بِالْمُسْتَنْصِرِيَّةِ قَاضِي الْقُضَاةِ قُطْبُ الدِّينِ.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْعَالِمُ الْعَابِدُ التَّاجِرُ الْبَارُّ
شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ساب، السَّلَامِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، أَحَدُ ذَوِي الْيَسَارِ، وَلَهُ بِرٌّ تَامٌّ بِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا سِيَّمَا أَصْحَابِ الشَّيْخِ تقى الدين، وقد وقف كتبا كثيرة، وحج مرات، وتوفى ليلة الأحد رابع عشرين ذِي الْقِعْدَةِ بَعْدَ وَفَاةِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ودفن
(14/142)

بِبَابِ الصَّغِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. وَفِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ تُوُفِّيَتِ الْوَالِدَةُ مَرْيَمُ بِنْتُ فَرَجِ بن على من قرية كان الوالد خطيبها، وهي مجيدل القرية سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وَصُلِّيَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَدُفِنَتْ بِالصُّوفِيَّةِ شَرْقِيَّ قبر الشيخ تقى الدين بن تيمية رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وسبعمائة
اسْتَهَلَّتْ وَالْخَلِيفَةُ وَالْحُكَّامُ هُمُ الْمُبَاشِرُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، غَيْرَ أَنَّ قُطْبَ الدِّينِ ابْنَ شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ اشْتَغَلَ بِنَظَرِ الْجَيْشِ. وَفِي الْمُحَرَّمِ طُلِبَ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ كَاتِبُ سر دمشق وولده شِهَابُ الدِّينِ، وَشَرَفُ الدِّينِ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ الشِّهَابِ مَحْمُودٍ إِلَى مِصْرَ عَلَى الْبَرِيدِ، فَبَاشَرَ الْقَاضِي الصَّدْرُ الْكَبِيرُ مُحْيِي الدِّينِ الْمَذْكُورُ كِتَابَةَ السِّرِّ بِهَا عِوَضًا عَنْ عَلَاءِ الدِّينِ بْنِ الْأَثِيرِ لِمَرَضٍ اعْتَرَاهُ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ وَلَدُهُ شهاب الدين، وأقبل شرف الدين الشِّهَابِ مَحْمُودٍ إِلَى دِمَشْقَ عَلَى كِتَابَةِ السِّرِّ عِوَضًا عَنِ ابْنِ فَضْلِ اللَّهِ. وَفِيهِ ذَهَبَ نَاصِرُ الدِّينِ مُشِدُّ الْأَوْقَافِ نَاظِرًا عَلَى الْقُدْسِ والخليل، فعمر هنالك عِمَارَاتٍ كَثِيرَةً لِمَلِكِ الْأُمَرَاءِ تَنْكِزَ، وَفَتَحَ فِي الْأَقْصَى شُبَّاكَيْنِ عَنْ يَمِينِ الْمِحْرَابِ وَشِمَالِهِ وَجَاءَ الْأَمِيرُ نَجْمُ الدِّينِ دَاوُدُ بْنُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الزَّيْبَقِ مِنْ شَدِّ الدَّوَاوِينِ بِحِمْصَ إِلَى شَدِّهَا بدمشق. وفي الحادي وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ كَمُلَ تَرْخِيمُ الْحَائِطِ الْقِبْلِيِّ مِنْ جَامِعِ دِمَشْقَ وَبُسِطَ الْجَامِعُ جَمِيعُهُ، وَصَلَّى النَّاسُ الْجُمُعَةَ بِهِ مِنَ الْغَدِ، وَفُتِحَ بَابُ الزِّيَادَةِ، وَكَانَ لَهُ أَيَّامًا مُغْلَقًا وَذَلِكَ فِي مباشرة تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ مَرَاجِلَ.
وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ قَدِمَ مِنْ مِصْرَ أَوْلَادُ الْأَمِيرِ شَمْسِ الدِّينِ قَرَاسُنْقُرَ إِلَى دِمَشْقَ فَسَكَنُوا فِي دَارِ أَبِيهِمْ دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ، فِي دِهْلِيزِ الْمُقَدِّمِيَّةِ، وَأُعِيدَتْ عَلَيْهِمْ أَمْلَاكُهُمُ الْمُخَلَّفَةُ عَنْ أَبِيهِمْ، وَكَانَتْ تَحْتَ الْحَوْطَةِ، فَلَمَّا مَاتَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ أُفْرِجَ عَنْهَا أَوْ أَكْثَرِهَا. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ آخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ أُنْزِلَ الْأَمِيرُ جُوبَانُ وَوَلَدُهُ مِنْ قَلْعَةِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَهُمَا مَيِّتَانِ مُصَبَّرَانِ فِي تَوَابِيتِهِمَا، فَصُلِّيَ عَلَيْهِمَا بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ثُمَّ دُفِنَا بِالْبَقِيعِ عَنْ مَرْسُومِ السُّلْطَانِ، وَكَانَ مُرَادُ جُوبَانَ أَنْ يُدْفَنَ فِي مَدْرَسَتِهِ فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ.
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ صُلِّيَ بِالْمَدِينَةِ النبويّة على الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَعَلَى الْقَاضِي نَجْمِ الدِّينِ الْبَالِسِيِّ الْمِصْرِيِّ صَلَاةُ الْغَائِبِ. وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مُنْتَصَفِ جُمَادَى الْآخِرَةِ دَرَّسَ الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ أحمد بن جهبل بالمدرسة البادرانية عِوَضًا عَنْ شَيْخِنَا بُرْهَانِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ تُوُفِّيَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَخَذَ مَشْيَخَةَ دَارِ الحديث منه الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ، وَحَضَرَهَا فِي يَوْمِ الأربعاء سابع عشره، ونزل عن خطابة بطنا لِلشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ الْمِسَلَّاتِيِّ الْمَالِكِيِّ، فَخَطَبَ بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَاسِعَ عَشْرِهِ. وَفِي أَوَاخِرِ هَذَا الشَّهْرِ قَدِمَ نَائِبُ حَلَبَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُوَنُ إِلَى دِمَشْقَ
(14/143)

قَاصِدًا بَابَ السُّلْطَانِ، فَتَلَقَّاهُ نَائِبُ دِمَشْقَ وَأَنْزَلَهُ بِدَارِهِ الَّتِي عِنْدَ جَامِعِهِ، ثُمَّ سَارَ نَحْوَ مِصْرَ فَغَابَ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَادَ رَاجِعًا إِلَى نِيَابَةِ حَلَبَ. وَفِي عَاشِرِ رجب طلب الصاحب تقى الدين ابن عمر بن الْوَزِيرِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ السَّلْعُوسِ إِلَى مِصْرَ فَوَلِيَ نَظَرَ الدَّوَاوِينِ بِهَا حَتَّى مَاتَ عَنْ قَرِيبٍ.
وَخَرَجَ الرَّكْبُ يَوْمَ السَّبْتِ تَاسِعَ شَوَّالٍ وَأَمِيرُهُ سَيْفُ الدِّينِ بُلْطِيٌّ، وَقَاضِيهِ شِهَابُ الدِّينِ الْقَيْمُرِيُّ وَفِي الْحُجَّاجِ زَوْجَةُ مَلِكِ الْأُمَرَاءِ تَنْكِزَ، وفي خدمتها الطواشى شبل الدولة وَصَدْرُ الدِّينِ الْمَالِكِيُّ، وَصَلَاحُ الدِّينِ ابْنُ أَخِي الصَّاحِبِ تَقِيِّ الدِّينِ تَوْبَةَ، وَأَخُوهُ شَرَفُ الدِّينِ، وَالشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمَغْرِبِيُّ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الضَّرِيرُ وجماعة.
وفي بكرة الأربعاء ثالث شَوَّالٍ جَلَسَ الْقَاضِي ضِيَاءُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ لِلْحُكْمِ بِالْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ نِيَابَةً عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ الْقُونَوِيِّ، وَعِوَضًا عَنِ الْفَخْرِ الْمِصْرِيِّ بِحُكْمِ نُزُولِهِ عَنْ ذَلِكَ وَإِعْرَاضِهِ عَنْهُ تَاسِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَادِسِ ذِي الْقِعْدَةِ بَعْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ صَعِدَ إِلَى مِنْبَرِ جَامِعِ الْحَاكِمِ بِمِصْرَ شخص من مماليك الجاولي يقال له أرصى، فَادَّعَى أَنَّهُ الْمُهْدِيُّ وَسَجَعَ سَجَعَاتٍ يَسِيرَةً عَلَى رَأْيِ الْكُهَّانِ، فَأُنْزِلَ فِي شَرِّ خَيْبَةٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ حُضُورِ الْخَطِيبِ بِالْجَامِعِ الْمَذْكُورِ. وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ وَمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَوَاخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ وَأَوَائِلِ الْأُخْرَى وُسِّعَتِ الطُّرُقَاتُ وَالْأَسْوَاقُ دَاخِلَ دِمَشْقَ وَخَارِجَهَا، مِثْلَ سُوقِ السِّلَاحِ وَالرَّصِيفِ وَالسُّوقِ الْكَبِيرِ وَبَابِ الْبَرِيدِ وَمَسْجِدِ الْقَصَبِ إِلَى الزنجبيلية، وخارج باب الجابية إلى مسجد الدبان، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي كَانَتْ تَضِيقُ عَنْ سُلُوكِ النَّاسِ، وَذَلِكَ بِأَمْرِ تَنْكِزَ، وَأَمَرَ بإصلاح القنوات، واستراح الناس من ترتيش الْمَاءِ عَلَيْهِمْ بِالنَّجَاسَاتِ. ثُمَّ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ رُسِمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ فَقُتِلَ مِنْهُمْ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا، ثُمَّ جُمِعُوا خَارِجَ بَابِ الصَّغِيرِ مِمَّا يَلِي بَابَ كَيْسَانَ فِي الْخَنْدَقِ، وَفُرِّقَ بَيْنَ الذُّكُورِ مِنْهُمْ وَالْإِنَاثِ لِيَمُوتُوا سَرِيعًا، وَلَا يَتَوَالَدُوا، وَكَانَتِ الْجِيَفُ وَالْمَيْتَاتُ تُنْقَلُ إِلَيْهِمْ فَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنَ النَّجَاسَةِ مِنَ الْمَاءِ وَالْكِلَابِ، وَتَوَسَّعَتْ لَهُمُ الطُّرُقَاتُ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَانِيَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ حَضَرَ مَشْيَخَةَ الشُّيُوخِ بالسمساطية قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفُ الدِّينِ الْمَالِكِيُّ بَعْدَ وَفَاةِ قاضى القضاة القونوي الشافعيّ، وقرئ تقليده بالسبحة بِهَا وَحَضَرَهُ الْأَعْيَانُ وَأُعِيدَ إِلَى مَا كَانَ عليه.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الزَّاهِدُ مُفْتِي الْمُسْلِمِينَ
نَجْمُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ عَقِيلٍ الْبَالِسِيُّ الشَّافِعِيُّ، شَارِحُ التَّنْبِيهِ، وُلِدَ سَنَةَ سِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ بِالْفِقْهِ وَغَيْرِهِ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ، فَبَرَعَ فِيهَا
(14/144)

ولازم ابن دقيق العبد وناب عنه في الحكم، ودرس بالمغربية وَالطَّيْبَرِسِيَّةِ وَجَامِعِ مِصْرَ، وَكَانَ مَشْهُورًا بِالْفَضِيلَةِ وَالدِّيَانَةِ وَمُلَازَمَةِ الِاشْتِغَالِ. تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ رَابِعَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ، وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً، رَحِمَهُ الله.
الأمير سيف الدين قطلوبك التشنكير الرُّومِيُّ
كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ وَوَلِيَ الْحُجُوبِيَّةَ فِي وَقْتٍ، وَهُوَ الَّذِي عَمَرَ الْقَنَاةَ بِالْقُدْسِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَابِعَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَدُفِنَ بتربته شمال بَابِ الْفَرَادِيسِ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ حَسَنَةٌ، وَحَضَرَ جَنَازَتَهُ بِسُوقِ الْخَيْلِ النَّائِبُ وَالْأُمَرَاءُ.
مُحَدِّثُ الْيَمَنِ
شَرَفُ الدين أحمد بن فقيه زبيد أبى الحسين بْنِ مَنْصُورٍ الشَّمَاخِيُّ الْمَذْحِجِيُّ، رَوَى عَنِ الْمَكِّيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَبَلَغَتْ شُيُوخُهُ خَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَزْيَدَ، وَكَانَ رُحْلَةَ تِلْكَ الْبِلَادِ وَمُفِيدَهَا الْخَيْرَ، وَكَانَ فَاضِلًا فِي صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
نَجْمُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ أبو محمد بن المسلم أَحَدُ رُؤَسَاءِ دِمَشْقَ الْمَشْهُورِينَ، لَهُ بَيْتٌ كَبِيرٌ وَنَسَبٌ عَرِيقٌ، وَرِيَاسَةٌ بَاذِخَةٌ وَكَرَمٌ زَائِدٌ، بَاشَرَ نَظَرَ الْأَيْتَامِ مُدَّةً، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَحَدَّثَ، وَكَانَتْ لديه فَضَائِلُ وَفَوَائِدُ، وَلَهُ الثَّرْوَةُ الْكَثِيرَةُ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ضَحْوَةَ خَامِسِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الظُّهْرِ بالأموي، ودفن بسفح قاسيون بتربة أعدها لنفسه، وقبران عنده، وَكَتَبَ عَلَى قَبْرِهِ قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً 39: 53 الآية، وسمعنا عليه الموطأ وغيره.
الأمير بكتمر الْحَاجِبُ
صَاحِبُ الْحَمَّامِ الْمَشْهُورِ خَارِجَ بَابِ النَّصْرِ فِي طَرِيقِ مَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَيْدَانِ، كَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْقَاهِرَةِ فِي عِشْرِينَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَدُفِنَ بِمَدْرَسَتِهِ الَّتِي أَنْشَاهَا إِلَى جَانِبِ دَارِهِ هُنَاكَ.
الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدِ بن قراجا بْنِ سُلَيْمَانَ
السُّهْرَوَرْدِيُّ الصُّوفِيُّ الْوَاعِظُ، لَهُ شِعْرٌ وَمَعْرِفَةٌ بِالْأَلْحَانِ وَالْأَنْغَامِ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
بُشْرَاكَ يَا سَعْدُ هَذَا الْحَيُّ قَدْ بَانَا ... فَحِلَّهَا سيبطل الإبل والبانا [1]
منازل ما وردنا طيب منزلها ... حتى شربنا كئوس الموت أحيانا
متنا غراما وشوقا في المسير لها ... فمنذ وافى نسيم القرب أحيانا
توفى في ربيع الآخر.
__________
[1] كذا في الأصل. وليحرر.
(14/145)

شيخنا العالم الْعَلَّامَةُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْفَزَارِيُّ
هُوَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْمَذْهَبِ وَعَلَمُهُ وَمُفِيدُ أَهْلِهِ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُفْتِي الْفِرَقِ بَقِيَّةُ السَّلَفِ بُرْهَانُ الدِّينِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ تَاجِ الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الشيخ الامام المقري الْمُفْتِي بُرْهَانِ الدِّينِ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سباع بن ضياء الفزاري المصري الشَّافِعِيُّ، وُلِدَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ عَلَى أَبِيهِ وَأَعَادَ فِي حَلْقَتِهِ وَبَرَعَ وَسَادَ أَقْرَانَهُ، وَسَائِرَ أَهْلِ زمانه من أهل مذهبه فِي دِرَايَةِ الْمَذْهَبِ وَنَقْلِهِ وَتَحْرِيرِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي مَنْصِبِ أَبِيهِ فِي التَّدْرِيسِ بِالْبَادَرَائِيَّةِ، وَأَشْغَلَ الطَّلَبَةَ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ فَانْتَفَعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْمَنَاصِبُ الْكِبَارُ فَأَبَاهَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَاشَرَ الْخَطَابَةَ بَعْدَ عَمِّهِ الْعَلَّامَةِ شَرَفِ الدِّينِ مُدَّةً ثُمَّ تَرَكَهَا وَعَادَ إِلَى الْبَادَرَائِيَّةِ، وعرض عليه قضاء قضاة الشام بعد ابن صصريّ وألح نائب الشام عليه بِنَفْسِهِ وَأَعْوَانِهِ مِنَ الدَّوْلَةِ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَصَمَّمَ وَامْتَنَعَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وَكَانَ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ عَارِفًا بِزَمَانِهِ مُسْتَغْرِقًا أَوْقَاتَهُ فِي الِاشْتِغَالِ وَالْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا، كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ وَإِسْمَاعِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ سَمَّعْنَا عَلَيْهِ صَحِيحَ مُسْلِمٍ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ يُدَرِّسُ بالمدرسة المذكورة، وله تعليق كثير عَلَى التَّنْبِيهِ، فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَا لَيْسَ يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَلَهُ تَعْلِيقٌ عَلَى مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ كِبَارٌ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ أَرَ شافعيا من مشايخنا مثله، وكان حَسَنَ الشَّكْلِ عَلَيْهِ الْبَهَاءُ وَالْجَلَالَةُ وَالْوَقَارُ، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، فِيهِ حِدَّةٌ ثُمَّ يَعُودُ قَرِيبًا، وَكَرَمُهُ زَائِدٌ وَإِحْسَانُهُ إِلَى الطَّلَبَةِ كَثِيرٌ، وَكَانَ لَا يقتنى شيئا ويصرف مُرَتَّبَهُ وَجَامِكِيَّةَ مَدْرَسَتِهِ فِي مَصَالِحِهِ، وَقَدْ دَرَّسَ بالبادرائية من سنة سبعين وَسِتِّمِائَةٍ إِلَى عَامِهِ هَذَا، تُوُفِّيَ بُكْرَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَابِعِ جُمَادَى الْأُولَى بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ عَقِبَ الْجُمُعَةِ بِالْجَامِعِ وَحُمِلَتْ جَنَازَتُهُ عَلَى الرُّءُوسِ وَأَطْرَافِ الْأَنَامِلِ، وَكَانَتْ حَافِلَةً، وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ وَعَمِّهِ وَذَوِيهِ بِبَابِ الصَّغِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الزَّاهِدُ الْوَرِعُ
مَجْدُ الدين إِسْمَاعِيلَ الْحَرَّانِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وستمائة، وقرأ القراءات وَسَمِعَ الْحَدِيثَ فِي دِمَشْقَ حِينَ انْتَقَلَ مَعَ أَهْلِهِ إِلَيْهَا سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ، وَاشْتَغَلَ عَلَى الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ أَبِي عُمَرَ، وَلَازَمَهُ وَانْتَفَعَ بِهِ، وَبَرَعَ فِي الْفِقْهِ وَصِحَّةِ النَّقْلِ وَكَثْرَةِ الصَّمْتِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ، وَلَمْ يَزَلْ مُوَاظِبًا عَلَى جِهَاتِهِ وَوَظَائِفِهِ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا إِلَّا مِنْ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ تَاسِعِ جُمَادَى الْأُولَى وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي هَذَا الْحِينِ تُوُفِّيَ. الصَّاحِبُ شَرَفُ الدِّينِ يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الله
الَّذِي كَانَ نَاظِرَ الدَّوَاوِينِ بِحَلَبَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى نَظَرِهَا بِطَرَابُلُسَ. تُوُفِّيَ بِحَمَاةَ، وَكَانَ مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الْخَيْرِ، وَفِيهِ كَرَمٌ وَإِحْسَانٌ، وَهُوَ وَالِدُ الْقَاضِي نَاصِرِ الدِّينِ كَاتِبِ السِّرِّ بِدِمَشْقَ، وقاضى العساكر
(14/146)

الحلبية ومشيخة الشيوخ بالسمساطية، وَمُدَرِّسُ الْأَسْدِيَةِ بِحَلَبَ، وَالنَّاصِرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ بِدِمَشْقَ.
الْقَاضِي مُعِينُ الدِّينِ
هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عَلَمِ الدِّينِ مَسْعُودِ بْنِ أَبِي الْمَعَالِي عَبْدِ اللَّهِ بن أبى الفضل ابن الخشيشى الْكَاتِبُ وَنَاظِرُ الْجَيْشِ بِمِصْرَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، ثُمَّ بِدِمَشْقَ مُدَّةً طَوِيلَةً مُسْتَقِلًّا وَمُشَارِكًا لِقُطْبِ الدين ابن شيخ السلامية، وكان خبيرا بذلك يَحْفَظُهُ عَلَى ذِهْنِهِ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ جَيِّدَةٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالْأَدَبِ وَالْحِسَابِ، وَلَهُ نَظْمٌ جَيِّدٌ، وَفِيهِ تَوَدُّدٌ وَتَوَاضُعٌ. تُوُفِّيَ بِمِصْرَ فِي نِصْفِ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَدُفِنَ بِتُرْبَةِ الْفَخْرِ كَاتِبِ الْمَمَالِيكِ.
قاضى القضاة وشيخ الشيوخ
علاء الدين القونوي، أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ الْقُونَوِيُّ التِّبْرِيزِيُّ الشَّافِعِيُّ، وُلِدَ بِمَدِينَةِ قُونِيَّةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ تَقْرِيبًا وَاشْتَغَلَ هُنَاكَ، وَقَدِمَ دِمَشْقَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ فَازْدَادَ بِهَا اشْتِغَالًا، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وتصدر للاشتغال بجامها وَدَرَّسَ بِالْإِقْبَالِيَّةِ ثُمَّ سَافَرَ إِلَى مِصْرَ فَدَرَّسَ بِهَا فِي عِدَّةِ مَدَارِسَ كِبَارٍ، وَوَلِيَ مَشْيَخَةَ الشُّيُوخِ بِهَا وَبِدِمَشْقَ، وَلَمْ يَزَلْ يَشْتَغِلُ بِهَا وَيَنْفَعُ الطَّلَبَةَ إِلَى أَنْ قَدِمَ دِمَشْقَ قَاضِيًا عَلَيْهَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ يُحْرِزُ عُلُومًا كَثِيرَةً مِنْهَا النَّحْوُ وَالتَّصْرِيفُ وَالْأَصْلَانِ وَالْفِقْهُ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ جيدة بكشاف الزَّمَخْشَرِيِّ، وَفَهْمِ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ إِنْصَافٌ كَثِيرٌ وَأَوْصَافُ حَسَنَةٌ، وَتَعْظِيمٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَخُرِّجَتْ لَهُ مَشْيَخَةٌ سَمَّعْنَاهَا عَلَيْهِ. وَكَانَ يَتَوَاضَعُ لِشَيْخِنَا الْمِزِّيِّ كَثِيرًا، تُوُفِّيَ بِبُسْتَانِهِ بِالسَّهْمِ يَوْمَ سَبْتٍ بَعْدَ الْعَصْرِ رَابِعَ عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ سَامَحَهُ اللَّهُ.
الْأَمِيرُ حُسَامُ الدِّينِ لَاجِينُ الْمَنْصُورِيُّ الْحُسَامِيُّ
وَيُعْرَفُ بِلَاجِينَ الصَّغِيرِ، وَلِيَ الْبَرَّ بِدِمَشْقَ مُدَّةً، ثُمَّ نِيَابَةَ غَزَّةَ ثُمَّ نِيَابَةَ الْبِيرَةِ، وَبِهَا مَاتَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَدُفِنَ هُنَاكَ، وَكَانَ ابْتَنَى تُرْبَةً لِزَوْجَتِهِ ظَاهِرَ بَابِ شَرْقِيٍّ فَلَمْ يَتَّفِقْ دَفْنُهُ بِهَا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ 31: 34.
الصَّاحِبُ عِزُّ الدِّينِ أَبُو يَعْلَى
حَمْزَةُ بْنُ مُؤَيَّدِ الدِّينِ أَبِي الْمَعَالِي أَسْعَدَ بْنِ عِزِّ الدِّينِ أَبِي غَالِبٍ الْمُظَفَّرِ ابْنِ الْوَزِيرِ مُؤَيَّدِ الدين أبى المعالي بن أسعد بن الْعَمِيدِ أَبِي يَعْلَى بْنِ حَمْزَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ابْنُ الْقَلَانِسِيِّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ دِمَشْقَ الْكِبَارِ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَةٍ، وَرَوَاهُ وَسَمَّعْنَا عَلَيْهِ، وَلَهُ رِيَاسَةٌ بَاذِخَةٌ وَأَصَالَةٌ كَثِيرَةٌ وَأَمْلَاكٌ هَائِلَةٌ كَافِيَةٌ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ صِنَاعَةُ للوظائف إِلَى أَنْ أُلْزِمَ بِوَكَالَةِ بَيْتِ السُّلْطَانِ ثُمَّ بالوزارة في سنة عشرة كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ عُزِلَ، وَقَدْ صُودِرَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَكَانَتْ لَهُ مَكَارِمُ عَلَى الْخَوَاصِّ وَالْكِبَارِ، وَلَهُ إِحْسَانٌ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ. وَلَمْ يَزَلْ مُعَظَّمًا وَجِيهًا عِنْدَ الدَّوْلَةِ مِنَ النُّوَّابِ وَالْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بِبُسْتَانِهِ
(14/147)

ليلة السبت سادس الْحِجَّةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، وَلَهُ فِي الصَّالِحِيَّةِ رِبَاطٌ حَسَنٌ بمأذنة، وَفِيهِ دَارُ حَدِيثٍ وَبِرٌّ وَصَدَقَةٌ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثم دخلت سنة ثلاثين وسبعمائة
اسْتَهَلَّتْ بِالْأَرْبِعَاءِ وَالْحُكَّامُ بِالْبِلَادِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ بِالَّتِي قَبْلَهَا سِوَى الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ وَوَلِيَ مَكَانَهُ فِي رَابِعِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا عَلَمُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عِيسَى بْنِ بَدْرَانَ السبكى الْأَخْنَائِيُّ الشَّافِعِيُّ وَقَدِمَ دِمَشْقَ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ صُحْبَةَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ تَنْكِزَ، وَقَدْ زَارَ الْقُدْسَ وَحَضَرَ مَعَهُ تَدْرِيسَ التَّنْكِزِيَّةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا بها. وَلَمَّا قَدِمَ دِمَشْقَ نَزَلَ بِالْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ عَلَى الْعَادَةِ، وَدَرَّسَ بِهَا وَبِالْغَزَّالِيَّةِ، وَاسْتَمَرَّ بِنِيَابَةِ الْمَنْفَلُوطِيِّ، ثُمَّ اسْتَنَابَ زَيْنَ الدِّينِ بْنَ الْمُرَحِّلِ، وَفِي صفر باشر شرف الدين محمود بن الخطيريّ شَدَّ الْأَوْقَافِ وَانْفَصَلَ عَنْهَا نَجْمُ الدِّينِ بْنُ الزيبق إلى ولاية نابلس. وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ شَرَعَ بِتَرْخِيمِ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ من الأموي نسبة الْجَانِبَ الْغَرْبِيِّ، وَشَاوَرَ ابْنُ مَرَاجِلٍ النَّائِبَ وَالْقَاضِيَ عَلَى جَمْعِ الْفُصُوصِ مِنْ سَائِرِ الْجَامِعِ فِي الْحَائِطِ الْقِبْلِيِّ، فَرَسَمَا لَهُ بِذَلِكَ. وَفِي يَوْمِ الجمعة أَقُيِمَتِ الْجُمُعَةُ فِي إِيوَانِ الشَّافِعِيَّةِ بِالْمَدْرَسَةِ الصَّالِحِيَّةِ بِمِصْرَ، وَكَانَ الَّذِي أَنْشَأَ ذَلِكَ الْأَمِيرُ جَمَالُ الدِّينِ نَائِبُ الْكَرَكِ، بَعْدَ أَنِ اسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فِي ذَلِكَ. وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ تَوَلَّى الْقَضَاءَ بِحَلَبَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ النَّقِيبِ عِوَضًا عَنْ فخر الدين بن البازرى، توفى، وولى شمس الدين بن مجد الْبَعْلَبَكِّيُّ قَضَاءَ طَرَابُلُسَ عِوَضًا عَنِ ابْنِ النَّقِيبِ. وَفِي آخِرِ جُمَادَى الْأُولَى بَاشَرَ نِيَابَةَ الْحُكْمِ عن الاخنائى محيي الدين بن جميل عِوَضًا عَنِ الْمَنْفَلُوطِيِّ تُوُفِّيَ.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ وَقَفَ الْأَمِيرُ الْوَزِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ مُغْلَطَايْ النَّاصِرِيُّ مَدْرَسَةً عَلَى الْحَنَفِيَّةِ وَفِيهَا صُوفِيَّةٌ أَيْضًا، وَدَرَّسَ بِهَا الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ التُّرْكُمَانِيِّ، وَسَكَنَهَا الْفُقَهَاءُ. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ زُيِّنَتِ الْبِلَادُ الْمِصْرِيَّةُ وَالشَّامِيَّةُ وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ بِسَبَبِ عَافِيَةِ السُّلْطَانِ مِنْ وَقْعَةٍ انْصَدَعَتْ مِنْهَا يَدُهُ، وَخَلَعَ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْأَطِبَّاءِ بِمِصْرَ، وَأُطْلِقَتِ الْحُبُوسُ. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ قَدِمَ عَلَى السُّلْطَانِ رُسُلٌ مِنَ الْفِرِنْجِ يَطْلُبُونَ منه بعض البلاد الساحلية فَقَالَ لَهُمْ: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمْ، ثُمَّ سَيَّرَهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ خَاسِئِينَ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ سَادِسِ رَجَبٍ حَضَرَ الدَّرْسَ الَّذِي أَنْشَأَهُ الْقَاضِي فَخْرُ الدِّينِ كَاتِبُ الْمَمَالِيكِ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ بِمِحْرَابِهِمْ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَدَرَّسَ بِهِ الشَّيْخُ شهاب الدين ابن قاضى الحصين، أَخُو قَاضِي الْقُضَاةِ بُرْهَانِ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَانْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِهِ إِلَى عِنْدِ ابْنِ أَخِيهِ صلاح الدين بالجوهرية، درس بها عوضا عن حموه شَمْسِ الدِّينِ ابْنِ الزَّكِيِّ نَزَلَ لَهُ عَنْهَا. وَفِي آخِرِ رَجَبٍ خُطِبَ بِالْجَامِعِ الَّذِي أَنْشَأَهُ الأمير سيف الدين الماشي الْحَاجِبُ ظَاهِرَ الْقَاهِرَةِ
(14/148)

بالشارع، وخطب بالجامع الّذي أنشأه قُوصُونُ بَيْنَ جَامِعِ طُولُونَ وَالصَّالِحِيَّةِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَادِيَ عَشَرَ رَمَضَانَ وَحَضَرَ السُّلْطَانُ وَأَعْيَانُ الْأُمَرَاءِ الخطبة، خطب به يَوْمَئِذٍ قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ الشَّافِعِيُّ، وخلع عليه خلعة سنية، واستقل في خطابته بدر الدين بن شكري.
وَخَرَجَ الرَّكْبُ الشَّامِيُّ يَوْمَ السَّبْتِ حَادِيَ عَشَرَ شوال وأميره سيف الدين المرساوى صهر بلبان البيري، وقاضيه شهاب الدين ابن الْمَجْدِ عَبْدِ اللَّهِ مُدَرِّسُ الْإِقْبَالِيَّةِ، ثُمَّ تَوَلَّى قَضَاءَ الْقُضَاةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَمِمَّنْ حَجَّ فِي هذه السنة رضى الدين بن المنطيقى، والشمس الأردبيلي شيخ الجاروضية وصفى الدين ابن الحريري، وشمس الدين ابن خطيب بيروذ، وَالشَّيْخُ مُحَمَّدٌ النَّيْرَبَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، فَلَمَّا قَضَوْا مَنَاسِكَهُمْ رَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ، فَبَيْنَمَا هُمْ في سَمَاعِ الْخُطْبَةِ إِذْ سَمِعُوا جَلَبَةَ الْخَيْلِ مِنْ بنى حسن وعبيدهم، قد حطموا على الناس فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَثَارَ إِلَى قِتَالِهِمُ الْأَتْرَاكُ فاقتتلوا فقتل أمير من الطبلخانات بمصر، يقال له سيف الدين جخدار وابنه خليل، ومملوك له، وأمير عشيرة يقال له الباجي، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَنُهِبَتْ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، ووقعت خبطة عظيمة في المسجد، وتهارب الناس إِلَى مَنَازِلِهِمْ بِأَبْيَارِ الزَّاهِرِ، وَمَا كَادُوا يَصِلُونَ إِلَيْهَا وَمَا أُكْمِلَتِ الْجُمُعَةُ إِلَّا بَعْدَ جَهْدٍ، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156 وَاجْتَمَعَتِ الْأُمَرَاءُ كُلُّهُمْ عَلَى الرَّجْعَةِ إِلَى مَكَّةَ لِلْأَخْذِ بِالثَّأْرِ مِنْهُمْ، ثُمَّ كَرُّوا رَاجِعِينَ وَتَبِعَهُمُ الْعَبِيدُ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى مُخَيَّمِ الْحَجِيجِ، وَكَادُوا يَنْهَبُونَ النَّاسَ عَامَّةً جَهْرَةً، وَصَارَ أَهْلُ الْبَيْتِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَبَنُو الْأَتْرَاكِ هُمُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ وَيَكُفُّونَ الْأَذِيَّةَ عَنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ 8: 34
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ.
عَلَاءُ الدِّينِ ابن الْأَثِيرِ
كَاتِبُ السِّرِّ بِمِصْرَ، عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ الْأَصْلِ، ثُمَّ الْمِصْرِيُّ، كَانَتْ لَهُ حُرْمَةٌ وَوَجَاهَةٌ وَأَمْوَالٌ وَثَرْوَةٌ وَمَكَانَةٌ عِنْدَ السُّلْطَانِ، حَتَّى ضَرَبَهُ الْفَالِجُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فَانْعَزَلَ عَنِ الْوَظِيفَةِ وباشرها ابن فضل الله في حياته.
الْوَزِيرُ الْعَالِمُ أَبُو الْقَاسِمِ
مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَزْدِيُّ الغرناطي الأندلسى، من بيت الرئاسة وَالْحِشْمَةِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ، قَدِمَ عَلَيْنَا إِلَى دِمَشْقَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَهُوَ بعزم الحج، فسمعت بِقِرَاءَتِهِ صَحِيحَ مُسْلِمٍ فِي تِسْعَةِ مَجَالِسَ عَلَى الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ بْنِ الْعَسْقَلَانِيِّ. قِرَاءَةً صَحِيحَةً، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْقَاهِرَةِ فِي ثَانِي عِشْرِينَ الْمُحَرَّمِ، وَكَانَتْ لَهُ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ فِي الْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالتَّارِيخِ وَالْأُصُولِ، وَكَانَ عَالِيَ الْهِمَّةِ شَرِيفَ النَّفْسِ مُحْتَرَمًا بِبِلَادِهِ جِدًّا، بِحَيْثُ إِنَّهُ يولى الملوك ويعزلهم، ولم يل هو مباشرة شيء وَلَا أَهْلُ بَيْتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُلَقَّبُ بِالْوَزِيرِ مجازا.
(14/149)

شَيْخُنَا الصَّالِحُ الْعَابِدُ النَّاسِكُ الْخَاشِعُ
شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الشَّيْخِ الصَّالِحِ الْعَابِدِ شَرَفِ الدِّينِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ غَيْلَانَ الْبَعْلَبَكِّيُّ الْحَنْبَلِيُّ، إِمَامُ مَسْجِدِ السَّلَالِينِ بِدَارِ الْبِطِّيخِ الْعَتِيقَةِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَأَسْمَعَهُ، وَكَانَ يُقْرِئُ الْقُرْآنَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَعَلَيْهِ خَتَمْتُ الْقُرْآنَ في سنة أحد عشر وَسَبْعِمِائَةٍ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْكِبَارِ، وَالْعُبَّادِ الْأَخْيَارِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ سَادِسِ صَفَرٍ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بالجامع ودفن بباب الصغير، وكانت جنازته حافلة.
وفي هذا الشهر- أعنى صفر- كانت وفاة والى القاهرة القديدار وله آثار غريبة ومشهورة.
بها درآص الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ
رَأْسُ مَيْمَنَةِ الشَّامِ، سَيْفُ الدِّينِ بها درآص الْمَنْصُورِيُّ أَكْبَرُ أُمَرَاءِ دِمَشْقَ، وَمِمَّنْ طَالَ عُمُرُهُ فِي الْحِشْمَةِ وَالثَّرْوَةِ، وَهُوَ مِمَّنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ 3: 14 الآية، وَقَدْ كَانَ مُحَبَّبًا إِلَى الْعَامَّةِ، وَلَهُ بِرٌّ وصدقة وإحسان، توفى ليلة الثلاثاء وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ خَارِجَ بَابِ الْجَابِيَةِ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ أَيْضًا.
الْحَجَّارُ ابْنُ الشِّحْنَةِ
الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الْمُسْنِدُ الْمُعَمَّرُ الرُّحْلَةُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ نِعْمَةَ بْنِ حَسَنِ ابن على بن بيان الدير مقرنى ثُمَّ الصَّالِحِيُّ الْحَجَّارُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الشِّحْنَةِ، سَمَّعَ الْبُخَارِيَّ عَلَى الزُّبَيْدِيِّ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِقَاسِيُونَ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ سَمَاعُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِمِائَةٍ فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْمُحَدِّثُونَ وَأَكْثَرُوا السَّمَاعَ عَلَيْهِ، فَقُرِئَ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهِ نَحْوًا مِنْ سِتِّينَ مَرَّةً وَغَيْرَهُ، وَسَمَّعْنَا عَلَيْهِ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ فِي أَيَّامِ الشِّتْوِيَّاتِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِمِائَةِ جُزْءٍ بِالْإِجَازَاتِ وَالسَّمَاعِ، وَسَمَاعُهُ مِنَ الزُّبَيْدِيِّ وَابْنِ اللَّتِّيِّ، وَلَهُ إِجَازَةٌ مِنْ بَغْدَادَ فِيهَا مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ شَيْخًا مِنَ الْعَوَالِي الْمُسْنِدِينِ، وَقَدْ مَكَثَ مُدَّةً مُقَدَّمَ الْحَجَّارِينَ نَحْوًا مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ كَانَ يخيط فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ جَامَكِيَّتُهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِإِسْمَاعِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ سَمَّعَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَأَلْبَسَهُ الْخِلْعَةَ بِيَدِهِ، وَسَمَّعَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ أُمَمٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَكَانَ شَيْخًا حَسَنًا بَهِيَّ الْمَنْظَرِ سَلِيمَ الصَّدْرِ مُمَتَّعًا بِحَوَاسِّهِ وَقُوَاهُ، فَإِنَّهُ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ مُحَقِّقًا، وَزَادَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ سَمِعَ الْبُخَارِيَّ مِنَ الزُّبَيْدِيِّ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَأَسْمَعَهُ هُوَ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فِي تَاسِعِ صَفَرٍ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَسَمَّعْنَا عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ وللَّه الْحَمْدُ، وَيُقَالُ إِنَّهُ أَدْرَكَ مَوْتَ الْمُعَظَّمِ عِيسَى بْنِ الْعَادِلِ لَمَّا تُوُفِّيَ، وَالنَّاسُ يَسْمَعُهُمْ يَقُولُونَ مَاتَ الْمُعَظَّمُ، وَقَدْ كَانَتْ وَفَاةُ الْمُعَظَّمِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ الْحَجَّارُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ خَامِسَ عِشْرِينَ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصُلِّيَ عليه بالمظفرى يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ بِتُرْبَةٍ لَهُ عِنْدَ زَاوِيَةِ الدومى، بِجِوَارِ جَامِعِ الْأَفْرَمِ. وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً رَحِمَهُ الله.
(14/150)

الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عبد الرحمن
أبى نصر المحصل الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الشَّحَّامِ، اشْتَغَلَ بِبَلَدِهِ ثُمَّ سَافَرَ وأقام بمدينة سراى من مملكة إربل، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ فدرس بالظاهرية البرانية ثم بالجاروضية، وَأُضِيفَ إِلَيْهِ مَشْيَخَةُ رِبَاطِ الْقَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ لِزَوْجِ ابْنَتِهِ نُورِ الدِّينِ الْأَرْدُبِيلِيِّ، تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَكَانَ يَعْرِفُ طَرَفًا مِنَ الْفِقْهِ وَالطِّبِّ.
الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ الْهُدْمَةُ
أَصْلُهُ كُرْدِيٌّ مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ، فَقَدِمَ الشَّامَ، وَأَقَامَ بَيْنَ الْقُدْسِ وَالْخَلِيلِ، فِي أَرْضٍ كَانَتْ مَوَاتًا فَأَحْيَاهَا وَغَرَسَهَا وَزَرَعَ فِيهَا أَنْوَاعًا، وَكَانَ يُقْصَدُ لِلزِّيَارَةِ، وَيَحْكِي النَّاسُ عَنْهُ كَرَامَاتٍ صَالِحَةٍ، وَقَدْ بَلَغَ مِائَةَ سَنَةٍ، وَتَزَوَّجَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَرُزِقَ أَوْلَادًا صَالِحِينَ، تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
السِّتُّ صَاحِبَةُ التُّرْبَةِ بِبَابِ الْخَوَّاصِينَ الْخُونْدَةُ الْمُعَظَّمَةُ الْمُحَجَّبَةُ الْمُحْتَرَمَةُ: سُتَيْتَةُ بِنْتُ الْأَمِيرِ سيف الدين
كركاى المنصوري، زوجة نائب الشام تنكر، تُوُفِّيَتْ بِدَارِ الذَّهَبِ وَصُلِّيَ عَلَيْهَا بِالْجَامِعِ ثَالِثَ رجب، ودفنت بالتربة التي أمرت بإنشائها بباب الْخَوَّاصِينَ، وَفِيهَا مَسْجِدٌ وَإِلَى جَانِبِهَا رِبَاطٌ لِلنِّسَاءِ وَمَكْتَبٌ لِلْأَيْتَامِ. وَفِيهَا صَدَقَاتٌ وَبِرٌّ وَصِلَاتٌ، وَقُرَّاءٌ عَلَيْهَا، كُلُّ ذَلِكَ أَمَرَتْ بِهِ، وَكَانَتْ قَدْ حَجَّتْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي رَحِمَهَا اللَّهُ.
قَاضِي قُضَاةِ طَرَابُلُسَ
شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَحْمُودٍ الْبَعْلَبَكِّيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمَجْدِ الشَّافِعِيِّ، اشْتَغَلَ بِبَلَدِهِ وَبَرَعَ فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ، وَأَقَامَ بدمشق مدة يدرس بالقوصية وبالجامع، وَيَؤُمُّ بِمَدْرَسَةِ أُمِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى قَضَاءِ طَرَابُلُسَ فَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَ فِي سَادِسِ رَمَضَانَ وَتَوَلَّاهَا بَعْدَهُ وَلَدُهُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهُوَ أَحَدُ الْفُضَلَاءِ الْمَشْهُورِينَ، وَلَمْ تطل مدته حَتَّى عُزِلَ عَنْهَا وَأُخْرِجَ مِنْهَا.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ يُوسُفَ بن أبى القاسم الحوراني، شيخ طائفتهم وإليه مرجع زاويتهم بحوران، كان عنده تفقه بعض شيء، وَزَهَادَةٌ وَيُزَارُ، وَلَهُ أَصْحَابٌ يَخْدِمُونَهُ، وَبَلَغَ السَّبْعِينَ سَنَةً، وَخَرَجَ لِتَوْدِيعِ بَعْضِ أَهْلِهِ إِلَى نَاحِيَةِ الْكَرَكِ مِنْ نَاحِيَةِ الْحِجَازِ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ هُنَاكَ، فَمَاتَ فِي أَوَّلِ ذِي الْقِعْدَةِ.
الشَّيْخُ حَسَنُ بن على
ابن أَحْمَدَ الْأَنْصَارِيُّ الضَّرِيرُ كَانَ بِفَرْدِ عَيْنٍ أَوَّلًا، ثُمَّ عَمِيَ جُمْلَةً، وَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُكْثِرُ التِّلَاوَةَ ثُمَّ انْقَطَعَ إِلَى الْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ، وَكَانَ يَحْضُرُ السَّمَاعَاتِ وَيَسْتَمِعُ وَيَتَوَاجَدُ، وَلِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فيه اعتقاد على ذلك، ولمجاورته فِي الْجَامِعِ وَكَثْرَةِ تِلَاوَتِهِ وَصَلَاتِهِ وَاللَّهُ يُسَامِحُهُ، تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ فِي الْعَشْرِ
(14/151)

الأول من ذي الحجة بالمأذنة الشَّرْقِيَّةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ.
مُحْيِي الدِّينِ أَبُو الثَّنَاءِ مَحْمُودُ
ابْنُ الصَّدْرِ شرف الدين الْقَلَانِسِيُّ، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ بِبُسْتَانِهِ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِمْ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ وَهُوَ جَدُّ الصَّدْرِ جَلَالِ الدين بن القلانسي، وأخيه علاء، وَهُمْ ثَلَاثَتُهُمْ رُؤَسَاءُ.
الشَّابُّ الرَّئِيسُ
صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ الْقَاضِي قُطْبِ الدِّينِ مُوسَى ابْنِ شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ، نَاظِرُ الْجَيْشِ أَبُوهُ، نَشَأَ هَذَا الشَّابُّ فِي نِعْمَةٍ وَحِشْمَةٍ وَتَرَفُّهٍ وَعِشْرَةٍ وَاجْتِمَاعٍ بِالْأَصْحَابِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ تَاسِعَ عِشْرِينَ ذِي الْحِجَّةِ فَاسْتَرَاحَ مِنْ حِشْمَتِهِ وَعِشْرَتِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ وَبَالًا عَلَيْهِ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِمْ تُجَاهَ النَّاصِرِيَّةِ بِالسَّفْحِ، وَتَأَسَّفَ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ وَمَعَارِفُهُ وَأَصْحَابُهُ سَامَحَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ وَالْحُكَّامُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنْ عَبِيدِ مَكَّةَ إِلَى الْحُجَّاجِ، وَأَنَّهُ قُتِلَ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ أَمِيرَانِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ السُّلْطَانَ عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَامْتَنَعَ مِنَ الْأَكْلِ عَلَى السِّمَاطِ فِيمَا يُقَالُ أَيَّامًا، ثُمَّ جَرَّدَ سِتَّمِائَةِ فَارِسٍ وَقِيلَ أَلْفًا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّامِ أَنْ يُجَرَّدَ مقدما آخر، فجرد الأمير سيف الدين الجى بغا الْعَادِلِيُّ. وَخَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ يَوْمَ دَخَلَهَا الرَّكْبُ فِي سَادِسِ عِشْرِينَ الْمُحَرَّمِ، وَأُمِرَ أَنْ يَسِيرَ إِلَى أَيْلَةَ لِيَجْتَمِعَ مَعَ الْمِصْرِيِّينَ، وَأَنْ يَسِيرُوا جَمِيعًا إِلَى الْحِجَازِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ تَاسِعِ صَفَرٍ وَصَلَ نَهْرُ السَّاجُورِ إِلَى مَدِينَةِ حَلَبَ، وَخَرَجَ نَائِبُ حَلَبَ أَرْغُونُ وَمَعَهُ الْأُمَرَاءُ مُشَاةً إليه في تهليل وتكبير وتحميد، يتلقون هذا النهر، ولم يكن أحد من المعالي وَلَا غَيْرِهِمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفَرِحَ النَّاسُ بِوُصُولِهِ إِلَيْهِمْ فَرَحًا شَدِيدًا، وكانوا قد وسعوا في تحصيله مِنْ أَمَاكِنَ بَعِيدَةٍ احْتَاجُوا فِيهَا إِلَى نَقْبِ الجبال، وفيها صخور ضخام وَعَقَدُوا لَهُ قَنَاطِرَ عَلَى الْأَوْدِيَةِ، وَمَا وَصَلَ إِلَّا بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ، وَأَمْرٍ شَدِيدٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَحِينَ رَجَعَ نَائِبُ حَلَبَ أَرْغُونُ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا وَمَاتَ رحمه الله.
وفي سابع صَفَرٍ وَسَّعَ تَنْكِزُ الطُّرُقَاتِ بِالشَّامِ ظَاهِرَ بَابِ الْجَابِيَةِ، وَخَرَّبَ كُلَّ مَا يُضَيِّقُ الطُّرُقَاتِ.
وَفِي ثانى ربيع الأول لبس علاء الدين القلانسي خلعة سنية لمباشرة نظر الدواوين دِيوَانِ مَلِكِ الْأُمَرَاءِ، وَدِيوَانِ نَظَرِ الْمَارَسْتَانِ، عِوَضًا عن ابن العادل، ورجع ابن العادل إلى حجابة الديوان الكبير. وفي يوم ثانى ربيع الأول لبس عماد الدين ابن الشِّيرَازِيِّ خِلْعَةَ نَظَرِ الْأُمَوِيِّ عِوَضًا عَنِ ابْنِ مراجل عزل عنه لا إلى بدل عنه، وباشر جمال الدين بن القويرة نَظَرَ الْأَسْرَى بَدَلًا عَنِ ابْنِ الشِّيرَازِيِّ. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ آخِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لَبِسَ الْقَاضِي شرف الدين بن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَرَفِ الدِّينِ
(14/152)

حَسَنٍ ابْنِ الْحَافِظِ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ خِلْعَةَ قَضَاءِ الْحَنَابِلَةِ عِوَضًا عَنْ عِزِّ الدِّينِ بْنِ التَّقِيِّ سُلَيْمَانَ، تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَرَكِبَ مِنْ دَارِ السَّعَادَةِ إِلَى الْجَامِعِ، فَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ تَحْتَ النَّسْرِ بِحَضْرَةِ الْقُضَاةِ وَالْأَعْيَانِ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْجَوْزِيَّةِ فَحَكَمَ بِهَا، ثُمَّ إِلَى الصَّالِحِيَّةِ وَهُوَ لَابِسٌ الخلعة، واستناب يومئذ ابن أخيه النقي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شِهَابِ الدِّينِ أَحْمَدَ. وَفِي سَلْخِ رَبِيعٍ الْآخِرِ اجْتَازَ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ أُلْطُنْبُغَا بِدِمَشْقَ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى بِلَادِ حَلَبَ نَائِبًا عَلَيْهَا، عِوَضًا عَنْ أَرْغُونَ تُوُفِّيَ إِلَى رحمة الله، وقد تلقاه النائب وَالْجَيْشُ. وَفِي مُسْتَهَلٍّ جُمَادَى الْأُولَى حَضَرَ الْأَمِيرُ الشَّرِيفُ رُمَيْثَةُ بْنُ أَبِي نُمِيٍّ إِلَى مَكَّةَ، فَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بِإِمْرَةِ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ، صُحْبَةَ التَّجْرِيدَةِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ وَبَايَعَهُ الْأُمَرَاءُ الْمُجَرَّدُونَ مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ كَانَ وَصُولُ التَّجَارِيدِ إِلَى مَكَّةَ فِي سَابِعِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَأَقَامُوا بِبَابِ الْمُعَلَّى، وَحَصَلَ لَهُمْ خَيْرٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ، وَكَانَتِ الْأَسْعَارُ رَخِيصَةً معهم.
وفي يوم السبت سابع ربيع الآخر خلع على الْقَاضِي عِزُّ الدِّينِ بْنُ بَدْرِ الدِّينِ بْنِ جَمَاعَةَ بِوِكَالَةِ السُّلْطَانِ وَنَظَرِ جَامِعِ طُولُونَ وَنَظَرِ الناصرية، وهنأه الناس عوضا عن التاج ابن إِسْحَاقَ عَبْدِ الْوَهَّابِ، تُوُفِّيَ وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ تَوَلَّى عِمَادُ الدِّينِ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ الْأَخْنَائِيُّ تَدْرِيسَ الصَّارِمِيَّةِ وَهُوَ صَغِيرٌ بَعْدَ وَفَاةِ النَّجْمِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَعْلَبَكِّيِّ الشَّافِعِيِّ، وَحَضَرَهَا فِي رَجَبٍ وَحَضَرَ عِنْدَهُ النَّاسُ خِدْمَةً لِأَبِيهِ، وَفِي حَادِي عِشْرِينَ جُمَادَى الْآخِرَةِ رَجَعَتِ التَّجْرِيدَةِ مِنَ الْحِجَازِ صُحْبَةَ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدين الحي بغا، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُمْ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ شَهْرًا وَاحِدًا وَيَوْمًا وَاحِدًا وَحَصَلَ لِلْعَرَبِ مِنْهُمْ رُعْبٌ شَدِيدٌ، وَخَوْفٌ أَكِيدٌ، وَعَزَلُوا عَنْ مَكَّةَ عطية وَوَلَّوْا أَخَاهُ رُمَيْثَةَ وَصَلَّوْا وَطَافُوا وَاعْتَمَرُوا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَامَ هُنَاكَ لِيَحُجَّ. وَفِي ثَانِي رَجَبٍ خُلِعَ عَلَى ابْنِ أَبِي الطَّيِّبِ بِنَظَرِ دِيوَانِ بيت المال عوضا عن ابن الصاين تُوُفِّيَ.
وَفِي أَوَائِلِ شَعْبَانَ حَصَلَ بِدِمَشْقَ هَوَاءٌ شَدِيدٌ مُزْعِجٌ كَسَرَ كَثِيرًا مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْأَغْصَانِ، وألقى بعض الحيطان والجدران، وَسَكَنَ بَعْدَ سَاعَةٍ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ تَاسِعِهِ سَقَطَ بَرَدٌ كِبَارٌ مِقْدَارَ بَيْضِ الْحَمَامِ، وَكَسَرَ بَعْضَ جَامَاتِ الْحَمَامِ. وَفِي شَهْرِ شَعْبَانَ هَذَا خُطِبَ بِالْمَدْرَسَةِ الْمُعِزِّيَةِ عَلَى شَاطِئِ النيل أنشأها الأمير سيف الدين طغزدمر، أمير مجلس الناصري، وكان الخطيب عِزَّ الدِّينِ عَبْدَ الرَّحِيمِ بْنَ الْفُرَاتِ الْحَنَفِيَّ. وَفِي نِصْفِ رَمَضَانَ قَدِمَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ عمر بن على بن سالم الملحى ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ الْمَالِكِيُّ، نَزَلَ عِنْدَ الْقَاضِي الشَّافِعِيِّ، وَسَمَّعَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ، وَخَرَجَ إِلَى الْحَجِّ عَامَئِذٍ مَعَ الشَّامِيِّينَ، وَزَارَ الْقُدْسَ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى دِمَشْقَ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ وُطِّئَ سوق الخيل وركبت فيه حصبات كَثِيرَةٌ، وَعَمِلَ فِيهِ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ نَفْسٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ حَتَّى سَاوَوْهُ وَأَصْلَحُوهُ، وَقَدْ كان
(14/153)

قَبْلَ ذَلِكَ يَكُونُ فِيهِ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ، وَمُلْقَاتٌ. وفيه أصلح سوق الدقيق داخل بَابِ الْجَابِيَةِ إِلَى الثَّابِتِيَّةِ وَسُقِفَ عَلَيْهِ السُّقُوفُ.
وَخَرَجَ الرَّكْبُ الشَّامِيُّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَامِنَ شَوَّالٍ وَأَمِيرُهُ عِزُّ الدِّينِ أَيْبَكُ، أَمِيرُ عَلَمَ، وَقَاضِيهِ شِهَابُ الدِّينِ الظَّاهِرِيُّ. وَمِمَّنْ حَجَّ فِيهِ شِهَابُ الدين بن جهبل وأبو النسر وَابْنُ جُمْلَةَ وَالْفَخْرُ الْمِصْرِيُّ وَالصَّدْرُ الْمَالِكِيُّ وَشَرَفُ الدين الكفوي الحنفي، والبهاء ابن إِمَامِ الْمَشْهَدِ وَجَلَالُ الدِّينِ الْأَعْيَالِيُّ نَاظِرُ الْأَيْتَامِ، وَشَمْسُ الدِّينِ الْكُرْدِيُّ، وَفَخْرُ الدِّينِ الْبَعْلَبَكِّيُّ، وَمَجْدُ الدين ابن أبى المجد، وشمس الدين ابن قيم الجوزية، وشمس الدين ابن خطيب بيرة، وشرف الدين قاسم العجلونى، وتاج الدين ابن الفاكهاني والشيخ عمر السلاوى، وكاتبه إسماعيل ابن كَثِيرٍ، وَآخَرُونَ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ، حَتَّى كَانَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ يَقُولُ: اجْتَمَعَ فِي رَكْبِنَا هَذَا أَرْبَعُمِائَةِ فَقِيهٍ وَأَرْبَعُ مَدَارِسَ وَخَانِقَاهْ، وَدَارُ حَدِيثٍ، وَقَدْ كَانَ مَعَنَا مِنَ الْمُفْتِينَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا، وَكَانَ فِي الْمِصْرِيِّينَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ قَاضِي الْمَالِكِيَّةِ تَقِيُّ الدِّينِ الْأَخْنَائِيُّ، وفخر الدين النويرى، وشمس الدين ابن الحارثي، ومجد الدين الأقصرائي، وشيخ الشيوخ الشيخ محمد المرشدي. وفي ركب العراق الشيخ أحمد السروجي أشد وَكَانَ مِنَ الْمَشَاهِيرِ. وَفِي الشَّامِيِّينَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الواسطي صحبة ابن المرجاني، وَأَمِيرُ الْمِصْرِيِّينَ مُغْلَطَايْ الْجَمَّالِيُّ الَّذِي كَانَ وَزِيرًا فِي وَقْتٍ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مَرِيضًا، وَمَرَرْنَا بِعَيْنِ تَبُوكَ وَقَدْ أُصْلِحَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَصِينَتْ مِنْ دَوْسِ الْجِمَالِ وَالْجَمَّالِينَ، وَصَارَ مَاؤُهَا في غاية الحسن والصفاء والطيب، وكانت وقفة الْجُمُعَةِ وَمُطِرْنَا بِالطَّوَافِ، وَكَانَتْ سَنَةً مُرْخَصَةً آمِنَةً.
وَفِي نِصْفِ ذِي الْحِجَّةِ رَجَعَ تَنْكِزُ مِنْ نَاحِيَةِ قَلْعَةِ جَعْبَرٍ، وَكَانَ فِي خِدْمَتِهِ أَكْثَرُ الجيش الشامي، وَأَظْهَرَ أُبَّهَةً عَظِيمَةً فِي تِلْكَ النَّوَاحِي. وَفِي سادس عشر ذِي الْحِجَّةِ وَصَلَ تَوْقِيعُ الْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ بْنِ الْقَلَانِسِيِّ بِجَمِيعِ جِهَاتِ أَخِيهِ جَمَالِ الدِّينِ بِحُكْمِ وَفَاتِهِ مُضَافًا إِلَى جِهَاتِهِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْمَنَاصِبِ الْكِبَارِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ مِنَ الرُّؤَسَاءِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، فَمِنْ ذَلِكَ: وَكَالَةُ بَيْتِ الْمَالِ، وَقَضَاءُ الْعَسْكَرِ وَكِتَابَةُ الدَّسْتِ، ووكالة ملك الأمراء، ونظر البيمارستان، وَنَظَرُ الْحَرَمَيْنِ، وَنَظَرُ دِيوَانِ السَّعِيدِ، وَتَدْرِيسُ الْأَمِينِيَّةِ والظاهرية والعصرونية وغير ذلك انتهى.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
قَاضِي الْقُضَاةِ
عز الدين أبو عبد الله بن محمد بن قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ عَلَى وَالِدِهِ وَاسْتَنَابَهُ فِي أَيَّامِ وِلَايَتِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ ابْنُ مُسَلَّمٍ لَزِمَ بَيْتَهُ يَحْضُرُ دَرْسَ الْجَوْزِيَّةِ وَدَارَ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةَ بِالْجَبَلِ وَيَأْوِي إِلَى بَيْتِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ ابْنُ مُسَلَّمٍ وَلِيَ قَضَاءَ الْحَنَابِلَةِ بَعْدَهُ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَكَانَ فِيهِ
(14/154)

تَوَاضُعٌ وَتَوَدُّدٌ وَقَضَاءٌ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ تَاسِعَ صَفَرٍ، وَكَانَ يَوْمًا مَطِيرًا، وَمَعَ هَذَا شَهِدَ النَّاسُ جَنَازَتَهُ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ نَائِبُهُ شَرَفُ الدين ابن الْحَافِظِ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ.
وَفِي نِصْفِ صَفَرٍ توفى. الأمير سيف الدين قجليس
سيف النعمة، وَقَدْ كَانَ سَمَّعَ عَلَى الْحَجَّارِ وَوَزِيرَةَ بِالْقُدْسِ الشريف.
وفي منتصف صفر توفى الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أُرْغُونُ
بْنُ عَبْدِ الله الدويدار النَّاصِرِيُّ، وَقَدْ عَمِلَ [عَلَى] نِيَابَةِ مِصْرَ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ غَضِبَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ فَأَرْسَلَهُ إِلَى نِيَابَةِ حَلَبَ، فَمَكَثَ بِهَا مُدَّةً ثُمَّ تُوُفِّيَ بِهَا فِي سَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ بِتُرْبَةٍ اشْتَرَاهَا بِحَلَبَ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَهُ فَهْمٌ وَفِقْهٌ، وَفِيهِ دِيَانَةٌ وَاتِّبَاعٌ لِلشَّرِيعَةِ، وَقَدْ سَمَّعَ البخاري على الحجاز وَكَتَبَهُ جَمِيعَهُ بِخَطِّهِ، وَأَذِنَ لَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْإِفْتَاءِ، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَةَ وَهُوَ بِمِصْرَ، تُوُفِّيَ وَلَمْ يُكْمِلِ الْخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَكْرَهُ اللَّهْوَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَلَمَّا خَرَجَ يَلْتَقِي نَهْرَ السَّاجُورِ خَرَجَ فِي ذُلٍّ وَمَسْكَنَةٍ، وَخَرَجَ مَعَهُ الْأُمَرَاءُ كَذَلِكَ مُشَاةً فِي تَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَتَحْمِيدٍ، وَمَنَعَ الْمَغَانِيَ ومن اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ فِي ذَلِكَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْقَاضِي ضِيَاءُ الدِّينِ
أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سَلِيمِ بن ربيع بن سليمان الأزرعى الشَّافِعِيُّ، تَنَقَّلَ فِي وِلَايَةِ الْأَقْضِيَةِ بِمَدَارِسَ كَثِيرَةٍ، مدة ستين سنة، وحكم بطرابلس وعجلون وَزُرَعَ وَغَيْرِهَا، وَحَكَمَ بِدِمَشْقَ نِيَابَةً عَنِ الْقُونَوِيِّ نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ، وَكَانَ عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ وَلَهُ نظم كثير. نظم التنبيه في نحو ست عشرة ألف بيت، وتصحيحها فِي أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ بَيْتٍ، وَلَهُ مَدَائِحُ وَمُوَالِيَا وَأَزْجَالٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِالرَّمْلَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثَالِثَ عِشْرِينَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ، وَلَهُ عِدَّةُ أَوْلَادٍ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَحَدُ الْفُضَلَاءِ، وَهُوَ مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ عِلْمَيِ الشَّرِيعَةِ وَالطَّبِيعَةِ.
أَبُو دَبُّوسٍ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَغْرِبِيُّ
تَمَلَّكَ فِي وَقْتٍ بِلَادَ قَابِسَ ثُمَّ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَانْتَزَعُوهَا مِنْهُ فَقَصَدَ مِصْرَ فَأَقَامَ بِهَا وَأُقْطِعَ إِقْطَاعًا، وَكَانَ يَرْكَبُ مَعَ الْجُنْدِ فِي زِيِّ الْمَغَارِبَةِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، وَكَانَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ يُوَاظِبُ عَلَى الْخِدْمَةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى.
الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ضِيَاءُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ
أَحْمَدُ بْنُ قُطْبِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ السُّنْبَاطِيُّ الشَّافِعِيُّ، مُدَرِّسُ الْحُسَامِيَّةِ وَنَائِبُ الْحُكْمِ بِمِصْرَ، وَأَعَادَ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ، وَتَفَقَّهَ عَلَى وَالِدِهِ، تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ وَتَوَلَّى الْحُسَامِيَّةَ بَعْدَهُ نَاصِرُ الدِّينِ التَّبْرِيزِيُّ.
(14/155)

الصَّدْرُ الْكَبِيرُ تَاجُ الدِّينِ الْكَارِمِيُّ
الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الرهائلي، كان أكبر تجار دمشق الكارمية وبمصر، تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، يُقَالُ إِنَّهُ خَلَفَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ غَيْرَ الْبَضَائِعِ وَالْأَثَاثِ وَالْأَمْلَاكِ.
الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ فَخْرُ الدِّينِ
عُثْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن مصطفى بن سليمان بن المارداني التُّرْكُمَانِيُّ الْحَنَفِيُّ شَرَحَ فَخْرُ الدِّينِ هَذَا الْجَامِعَ وَأَلْقَاهُ دُرُوسًا فِي مِائَةِ كَرَّاسٍ، تُوُفِّيَ فِي رجب وله إحدى وسبعون سنة، كان شجاعا عالما فاضلا، وقورا فَصِيحًا حَسَنَ الْمُفَاكَهَةِ، وَلَهُ نَظْمٌ حَسَنٌ. وَوَلِيَ بَعْدَهُ الْمَنْصُورِيَّةَ وَلَدُهُ تَاجُ الدِّينِ.
تَقِيُّ الدِّينِ عمر ابن الوزير شمس الدين
محمد بن عثمان بن السَّلْعُوسِ، كَانَ صَغِيرًا لَمَّا مَاتَ أَبُوهُ تَحْتَ الْعُقُوبَةِ، ثُمَّ نَشَأَ فِي الْخَدَمِ ثُمَّ طَلَبَهُ السُّلْطَانُ فِي آخِرِ وَقْتٍ فَوَلَّاهُ نَظَرَ الدَّوَاوِينِ بِمِصْرَ، فَبَاشَرَهُ يَوْمًا وَاحِدًا وَحَضَرَ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطَانِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدِ اضْطَرَبَ حَالُهُ فَمَا وَصَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِلَّا فِي مِحَفَّةٍ، وَمَاتَ بُكْرَةَ يَوْمِ السَّبْتِ سَادِسِ عِشْرِينَ ذِي الْقِعْدَةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَدُفِنَ عِنْدَ وَالِدِهِ بِالْقَرَافَةِ وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً.
جَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ
أَحْمَدُ بْنُ شَرَفِ الدِّينِ بْنِ جَمَالِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ نَصْرِ اللَّهِ بْنِ أَسَدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ابْنُ الْقَلَانِسِيِّ، قَاضِي الْعَسَاكِرِ وَوَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ وَمُدَرِّسُ الْأَمِينِيَّةِ وَغَيْرِهَا حَفِظَ التَّنْبِيهَ ثُمَّ الْمُحَرَّرَ لِلرَّافِعِيِّ، وَكَانَ يَسْتَحْضِرُهُ، وَاشْتَغَلَ عَلَى الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ، وَتَقَدَّمَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَالرِّئَاسَةِ، وَبَاشَرَ جِهَاتٍ كِبَارًا، وَدَرَّسَ بأماكن وتفرد في وقته بالرياسة والبيت وَالْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَكَانَ فِيهِ تَوَاضُعٌ وَحُسْنُ سَمْتٍ وَتَوَدُّدٌ وَإِحْسَانٌ وَبِرٌّ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفُقَرَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهُوَ مِمَّنْ أُذِنَ لَهُ فِي الْإِفْتَاءِ وَكَتَبَ إِنْشَاءَ ذَلِكَ وَأَنَا حَاضِرٌ عَلَى الْبَدِيهَةِ فَأَفَادَ وَأَجَادَ، وَأَحْسَنَ التَّعْبِيرَ وَعَظُمَ فِي عَيْنِي. تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَامِنَ عِشْرِينَ ذِي الْقِعْدَةِ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِمْ بِالسَّفْحِ، وَقَدْ سَمَّعَ الْحَدِيثَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ وَخَرَّجَ لَهُ فَخْرُ الدِّينِ الْبَعْلَبَكِّيُّ مَشْيَخَةً سَمَّعْنَاهَا عَلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ دخلت سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة
اسْتَهَلَّتْ وَحُكَّامُ الْبِلَادِ هُمْ هُمْ، وَفِي أَوَّلِهَا فتحت القيسارية التي كانت مسبك الفولاذ جواباب الصَّغِيرِ حَوَّلَهَا تَنْكِزُ قَيْسَارِيَّةً بِبِرْكَةٍ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ذَكَرَ الدَّرْسَ بِالْأَمِينِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ الْقَلَانِسِيِّ عِوَضًا عَنْ أَخِيهِ جَمَالِ الدِّينِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَخِيهِ أَمِينُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ جمال الدين الدرس في العصرونية، تَرَكَهَا لَهُ عَمُّهُ، وَحَضَرَ عِنْدَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ. وَفِي تَاسِعِ الْمُحَرَّمِ جَاءَ إِلَى حِمْصَ سَيْلٌ عَظِيمٌ غَرِقَ بِسَبَبِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَهَلَكَ لِلنَّاسِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ. وَمِمَّنْ مَاتَ فِيهِ نَحْوُ مِائَتَيِ
(14/156)

امْرَأَةٍ بِحَمَّامِ النَّائِبِ، كُنْ مُجْتَمِعَاتٍ عَلَى عَرُوسٍ أَوْ عَرُوسَيْنِ فَهَلَكْنَ جَمِيعًا.
وَفِي صَفَرٍ أَمَرَ تَنْكِزُ بِبَيَاضِ الْجُدْرَانِ الْمُقَابِلَةِ لِسُوقِ الْخَيْلِ إِلَى بَابِ الْفَرَادِيسِ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ خَانِ الظَّاهِرِ، فَغَرِمَ عَلَيْهِ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ وَصَلَ تَابُوتُ لَاجِينَ الصَّغِيرِ مِنَ الْبِيرَةِ فَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ خَارِجَ بَابِ شَرْقِيٍّ. وَفِي تَاسِعِ رَبِيعٍ الْآخِرِ حَضَرَ الدَّرْسَ بِالْقَيْمَازِيَّةِ عِمَادُ الدِّينِ الطَّرَسُوسِيُّ الْحَنَفِيُّ عِوَضًا عَنِ الشَّيْخِ رَضِيِّ الدِّينِ الْمَنْطِيقِيِّ، تُوُفِّيَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ. وَفِي أَوَّلِ رَبِيعٍ الْآخِرِ خُلِعَ عَلَى الْمَلِكِ الْأَفْضَلِ على بن الْمَلِكِ الْمُؤَيِّدِ صَاحِبِ حَمَاةَ وَوَلَّاهُ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ مَكَانَ أَبِيهِ بِحُكْمِ وَفَاتِهِ، وَرَكِبَ بِمِصْرَ بالعصائب والسبابة والفاشية أَمَامَهُ. وَفِي نِصْفِ هَذَا الشَّهْرِ سَافَرَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمُخْتَصَرِ وَمُدَرِّسُ الرَّوَاحِيَّةِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى خَيْلِ الْبَرِيدِ وَفَارَقَ دِمَشْقَ وَأَهْلَهَا وَاسْتَوْطَنَ الْقَاهِرَةَ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ تاسع جمادى الآخرة خطب بالجامع الذي أنشأه الأمير سيف الدين آل ملك وَاسْتَقَرَّ فِيهِ خَطِيبًا نُورُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ شَبِيبٍ الْحَنْبَلِيُّ. وَفِيهِ أَرْسَلَ السُّلْطَانُ جَمَاعَةً مِنَ الأمراء إلى الصعيد فأحاطوا على سِتِّمِائَةِ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فَأُتْلِفُ بَعْضُهُمْ. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ تَوَلَّى شَدَّ الدَّوَاوِينِ بدمشق نور الدين ابن الْخَشَّابِ عِوَضًا عَنِ الطَّرْقَشِيِّ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ حَادِيَ عَشَرَ رَجَبٍ خُلِعَ عَلَى قَاضِي الْقُضَاةِ علاء الدين بن الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ بْنِ الْمُنَجَّا بِقَضَاءِ الْحَنَابِلَةِ عِوَضًا عَنْ شَرَفِ الدِّينِ بْنِ الْحَافِظِ، وَقُرِئَ تقليده بالجامع، وحضر الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ. وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي اسْتَنَابَ بُرْهَانَ الدِّينِ الزُّرَعِيَّ. وَفِي رَجَبٍ بَاشَرَ شَمْسُ الدِّينِ موسى بن التاج إِسْحَاقَ نَظَرَ الْجُيُوشِ بِمِصْرَ عِوَضًا عَنْ فَخْرِ الدِّينِ كَاتِبِ الْمَمَالِيكِ تُوُفِّيَ، وَبَاشَرَ النَّشْوَ مَكَانَهُ فِي نَظَرِ الْخَاصِّ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ بِطَرْحَةٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي شَعْبَانَ عُزِلَ هُوَ وَأَخُوهُ الْعَلَمُ ناظر الدواوين وصودروا وضربوا ضربا عظيما، وَتَوَلَّى نَظَرَ الْجَيْشِ الْمَكِينُ بْنُ قَرَوِينَةَ، وَنَظَرَ الدَّوَاوِينِ أَخُوهُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ قَرَوِينَةَ.
وَفِي شعبان كان عرس أنوك، ويقال كان اسمه محمد بن السُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ، عَلَى بِنْتِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ بَكْتَمُرَ السَّاقِيِّ، وَكَانَ جِهَازُهَا بِأَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَذُبِحَ فِي هَذَا الْعُرْسِ مِنَ الْأَغْنَامِ والدجاج والإوز والخيل والبقر نحو من عشرين ألفا، وحملت حَلْوَى بِنَحْوِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفِ قِنْطَارٍ، وَحُمِلَ لَهُ مِنَ الشَّمْعِ ثَلَاثَةُ آلَافِ قِنْطَارٍ، قَالَهُ الشيخ أبو بكر، وَكَانَ هَذَا الْعُرْسُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ حَادِيَ عَشَرَ شَعْبَانَ وَفِي شَعْبَانَ هَذَا حُوِّلَ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ مِنْ كِتَابَةِ السِّرِّ بِمِصْرَ إِلَى كِتَابَةِ السِّرِّ بِالشَّامِ، وَنُقِلَ شَرَفُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ الشِّهَابِ مَحْمُودٍ إِلَى كِتَابَةِ السِّرِّ بِمِصْرَ، وَأُقِيمَتِ الْجُمُعَةُ بِالشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ في خامس عشر شَعْبَانَ، وَحَضَرَهَا الْقُضَاةُ وَالْأُمَرَاءُ، وَخَطَبَ بِهَا الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ النُّورِ الْمَغْرِبِيُّ وَذَلِكَ بِإِشَارَةِ الأمير حسام الدين اليشمقدار الْحَاجِبُ بِالشَّامِ، ثُمَّ خَطَبَ عَنْهُ كَمَالُ الدَّيْنِ بْنُ الزَّكِيِّ، وَفِيهِ
(14/157)

أَمَرَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِتَبْيِيضِ الْبُيُوتِ مِنْ سُوقِ الْخَيْلِ إِلَى مَيْدَانِ الْحَصَا، فَفُعِلَ ذَلِكَ. وَفِيهِ زَادَتِ الْفُرَاتُ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَاسْتَمَرَّتْ نَحْوًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا فَأَتْلَفَتْ بِالرُّحْبَةِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَكَسَرَتِ الْجِسْرَ الَّذِي عِنْدَ دير بسر، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ هُنَاكَ فَشَرَعُوا فِي إِصْلَاحِ الْجِسْرِ، ثم انكسر مرة ثانية.
وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ تَاسِعِ شَوَّالٍ خَرَجَ الرَّكْبُ الشامي وأميره سيف الدين أوزان، وقاضيه جمال الدين ابن الشَّرِيشِيِّ، وَهُوَ قَاضِي حِمْصَ الْآنَ، وَحَجَّ السُّلْطَانُ في هذه السنة وصحبته قَاضِي الْقُضَاةِ الْقَزْوِينِيُّ وَعِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ، وَمُوَفَّقِ الدِّينِ الْحَنْبَلِيُّ، وَسَبْعُونَ أَمِيرًا. وَفِي لَيْلَةِ الْخَمِيسِ حَادِي عِشْرِينَ شَوَّالٍ رُسِمَ عَلَى الصَّاحِبِ عز الدِّينِ غِبْرِيَالَ بِالْمَدْرَسَةِ النَّجِيبِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ، وَصُودِرَ وَأُخِذَتْ مِنْهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَأُفْرِجَ عَنْهُ فِي الْمُحَرَّمِ من السنة الآتية.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الشَّيْخُ عَبْدُ الرحمن بن أبى محمد بن محمد
ابن سلطان القرامذى، أَحَدُ الْمَشَاهِيرِ بِالْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ وَمُلَازِمَةِ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَكَثْرَةِ التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ، وَلَهُ أَصْحَابٌ يَجْلِسُونَ إِلَيْهِ، وَلَهُ مَعَ هَذَا ثَرْوَةٌ وَأَمْلَاكٌ، تُوُفِّيَ فِي مُسْتَهَلِّ الْمُحَرَّمِ عَنْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَاشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ إِلَى أَنْ مَاتَ.
الْمَلِكُ الْمُؤَيَّدُ صَاحِبُ حماة
عماد الدين إسماعيل بن الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ نُورُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرُ تَقِيُّ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ ناصر الدين مُحَمَّدُ بْنُ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ شَاهِنْشَاهِ بْنِ أَيُّوبَ، كَانَتْ لَهُ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ فِي عُلُومٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْفِقْهِ وَالْهَيْئَةِ وَالطِّبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ عديدة، منها تاريخ حافل في مجلدين كبيرين، وَلَهُ نَظْمُ الْحَاوِي وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ يُحِبُّ العلماء وَيُشَارِكُهُمْ فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ بنى أيوب، ولى مُلْكَ حَمَاةَ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ إِلَى هَذَا الْحِينِ، وَكَانَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ يُكْرِمُهُ وَيُعَظِّمُهُ، وولى بعده ولده الأفضل على، توفى في سَحَرَ يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَامِنِ عِشْرِينَ الْمُحَرَّمِ، وَدُفِنَ ضَحْوَةً عِنْدَ وَالِدَيْهِ بِظَاهِرِ حَمَاةَ.
الْقَاضِي الْإِمَامُ العالم المحدث
تَاجُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَافِي بْنِ عَوَضِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَخَرَّجَ لِنَفْسِهِ مُعْجَمًا فِي ثَلَاثِ مُجَلَّدَاتٍ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ الْكَثِيرَ، وَكَتَبَ الْخَطَّ الْجَيِّدَ، وكان متقنا عارفا بهذا الفن، يُقَالُ إِنَّهُ كَتَبَ بِخَطِّهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِمِائَةِ مُجَلَّدٍ، وَقَدْ كَانَ شَافِعِيًّا مُفْتِيًا، وَمَعَ هَذَا نَابَ فِي وَقْتٍ عَنِ الْقَاضِي الْحَنْبَلِيِّ، وَوَلِيَ مَشْيَخَةَ الْحَدِيثِ بِالْمَدْرَسَةِ الصَّاحِبِيَّةِ، وَتُوُفِّيَ
(14/158)

بِمِصْرَ فِي مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ رَضِيُّ الدِّينِ بن سليمان
المنطقي الْحَنَفِيُّ، أَصْلُهُ مِنْ آبْ كَرْمٍ، مِنْ بِلَادِ قُونِيَةَ، وَأَقَامَ بِحَمَاةَ ثُمَّ بِدِمَشْقَ، وَدَرَّسَ بِالْقَيْمَازِيَّةِ، وَكَانَ فَاضِلًا فِي الْمَنْطِقِ وَالْجَدَلِ، وَاشْتَغَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فِي ذَلِكَ، وَبَلَغَ مِنَ الْعُمُرِ سِتًّا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَحَجَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ سَادِسَ عِشْرِينَ رَبِيعٍ الْأَوَّلٍ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَدُفِنَ بِالصُّوفِيَّةِ
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ توفى: الأمير عَلَاءُ الدِّينِ طَيْبُغَا
وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ بِالصَّالِحِيَّةِ. وَكَذَلِكَ الأمير سيف الدين زولاق، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ أَيْضًا.
قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ
عَبْدُ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ الحنبلي، ولد سنة ست وأربعين وستمائة، وَبَاشَرَ نِيَابَةَ ابْنِ مُسَلَّمٍ مُدَّةً، ثُمَّ وَلِيَ الْقَضَاءَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فَجْأَةً فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْأُولَى لَيْلَةَ الْخَمِيسِ، وَدُفِنَ مِنَ الْغَدِ بِتُرْبَةِ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ.
الشَّيْخُ يَاقُوتٌ الْحَبَشِيُّ
الشَّاذِلِيُّ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ، بَلَغَ الثَّمَانِينَ، وَكَانَ لَهُ أَتْبَاعٌ، وَأَصْحَابٌ مِنْهُمْ شَمْسُ الدِّينِ ابن اللَّبَّانِ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ يُعَظِّمُهُ وَيُطْرِيهِ وَيَنْسُبُ إِلَيْهِ مُبَالَغَاتٍ اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا وَكَذِبِهَا، تُوُفِّيَ في جماد وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً جِدًّا.
النَّقِيبُ نَاصِحُ الدِّينِ
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ قَاسِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الدِّمَشْقِيُّ، نَقِيبُ الْمُتَعَمِّمِينَ، تَتَلْمَذَ أَوَّلًا لِلشِّهَابِ المقري ثم كان بعده في المحافل العزاء وَالْهَنَاءِ، وَكَانَ يَعْرِفُ هَذَا الْفَنَّ جَيِّدًا، وَكَانَ كَثِيرَ الطَّلَبِ مِنَ النَّاسِ، وَيَطْلُبُهُ النَّاسُ لِذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ كَثِيرَةٌ، تُوُفِّيَ فِي أَوَاخِرِ رَجَبٍ.
الْقَاضِي فَخْرُ الدِّينِ كَاتِبُ الْمَمَالِيكِ
وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ نَاظِرُ الْجُيُوشِ بِمِصْرَ، أَصْلُهُ قِبْطِيٌّ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَتْ لَهُ أَوْقَافٌ كَثِيرَةٌ، وَبِرٌّ وَإِحْسَانٌ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَ صَدْرًا مُعَظَّمًا، حَصَلَ لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ حَظٌّ وَافِرٌ، وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْفَخْرِيَّةُ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، تُوُفِّيَ فِي نِصْفِ رَجَبٍ وَاحْتِيطَ عَلَى أَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أُلْجَايُ الدويدار الْمَلَكِيُّ النَّاصِرِيُّ
كَانَ فَقِيهًا حَنَفِيًّا فَاضِلًا، كَتَبَ بِخَطِّهِ رَبْعَةً وَحَصَّلَ كُتُبًا كَثِيرَةً مُعْتَبَرَةً، وَكَانَ كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، تُوُفِّيَ فِي سَلْخِ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
(14/159)

الطَّبِيبُ الْمَاهِرُ الْحَاذِقُ الْفَاضِلُ
أَمِينُ الدِّينِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، كَانَ رَئِيسَ الْأَطِبَّاءِ بِدِمَشْقَ وَمُدَرِّسَهُمْ مُدَّةً، ثُمَّ عُزِلَ بِجَمَالِ الدِّينِ بْنِ الشِّهَابِ الْكَحَّالِ مُدَّةً قَبْلِ مَوْتِهِ لِأَمْرٍ تعصب عَلَيْهِ فِيهِ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ سَادِسِ عِشْرِينَ شَوَّالٍ وَدُفِنَ بِالْقُبَيْبَاتِ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ العالم المقري شَيْخُ الْقُرَّاءِ
بُرْهَانُ الدِّينِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَلِيلٍ الْجَعْبَرِيُّ، ثُمَّ الْخَلِيلِيُّ الشَّافِعِيُّ، صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ الْكَثِيرَةِ فِي الْقِرَاءَاتِ وَغَيْرِهَا، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِقَلْعَةِ جَعْبَرٍ، وَاشْتَغَلَ بِبَغْدَادَ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ وَأَقَامَ ببلد الخليل نحو أَرْبَعِينَ سَنَةً يُقْرِئُ النَّاسَ، وَشَرَحَ الشَّاطِبِيَّةَ وَسَمَّعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَتْ لَهُ إِجَازَةٌ مِنْ يُوسُفَ بْنِ خليل الحافظ، وصنف بالعربية وَالْعَرُوضِ وَالْقِرَاءَاتِ نَظْمًا وَنَثْرًا، وَكَانَ مِنَ الْمَشَايِخِ المشهورين بالفضائل والرئاسة وَالْخَيْرِ وَالدِّيَانَةِ وَالْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَحَدِ خَامِسِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَدُفِنَ بِبَلَدِ الْخَلِيلِ تَحْتَ الزَّيْتُونَةِ، وَلَهُ ثِنْتَانِ وَتِسْعُونَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَاضِي الْقُضَاةِ عَلَمُ الدِّينِ
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ محمد بن الْقَاضِي شَمْسِ الدِّينِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عِيسَى بْنِ بَدْرَانَ بْنِ رَحْمَةَ الْأَخْنَائِيُّ السَّعْدِيُّ الْمِصْرِيُّ الشَّافِعِيُّ الْحَاكِمُ بِدِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا، كَانَ عَفِيفًا نَزِهًا ذكيا سار الْعِبَارَةِ مُحِبًّا لِلْفَضَائِلِ، مُعَظِّمًا لِأَهْلِهَا كَثِيرًا لِإِسْمَاعِ الْحَدِيثِ فِي الْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثَالِثَ عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ تُجَاهَ تُرْبَةِ الْعَادِلِ كَتْبُغَا مِنْ ناحية الجبل.
قطب الدين موسى
ابن أحمد بن الحسين بن شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ نَاظِرُ الْجُيُوشِ الشَّامِيَّةِ، كَانَتْ لَهُ ثروة وأموال كثيرة، وله فضائل وَإِفْضَالٌ وَكَرَمٌ وَإِحْسَانٌ إِلَى أَهْلِ الْخَيْرِ، وَكَانَ مَقْصِدًا فِي الْمُهِمَّاتِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَانِيَ الْحِجَّةِ وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ تُجَاهَ النَّاصِرِيَّةِ بِقَاسِيُونَ، وَهُوَ وَالِدُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ عِزِّ الدِّينِ حَمْزَةَ مُدَرِّسِ الْحَنْبَلِيَّةِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة
استهلت يوم الْأَرْبِعَاءِ وَالْحُكَّامُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وليس للشافعية قَاضٍ، وَقَاضِي الْحَنَفِيَّةِ عِمَادُ الدِّينِ الطَّرَسُوسِيُّ، وَقَاضِي الْمَالِكِيَّةِ شَرَفُ الدِّينِ الْهَمْدَانِيُّ، وَقَاضِي الْحَنَابِلَةِ عَلَاءُ الدين ابن الْمُنَجَّا، وَكَاتِبُ السِّرِّ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ، وَنَاظِرُ الْجَامِعِ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ الشِّيرَازِيِّ.
وفي ثانى الْمُحَرَّمِ قَدِمَ الْبَشِيرُ بِسَلَامَةِ السُّلْطَانِ مِنَ الْحِجَازِ وباقتراب وُصُولِهِ إِلَى الْبِلَادِ، فَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ وَزُيِّنَتِ الْبَلَدُ. وَأَخْبَرَ الْبَشِيرُ بِوَفَاةِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ بَكْتَمُرَ السَّاقِي وَوَلَدِهِ شِهَابِ الدِّينِ
(14/160)

أَحْمَدَ وَهُمَا رَاجِعَانِ فِي الطَّرِيقِ، بَعْدَ أَنْ حجا قريبا من مصر: الوالد أَوَّلًا، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ أَبُوهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِعُيُونِ الْقَصَبِ، ثُمَّ نُقِلَا إِلَى تُرْبَتِهِمَا بِالْقَرَافَةِ، ووجد لبكتمر من الأموال والجواهر واللآلي وَالْقُمَاشِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْحَوَاصِلِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، لَا يَكَادُ يَنْحَصِرُ وَلَا يَنْضَبِطُ، وَأُفْرِجُ عَنِ الصَّاحِبِ شَمْسِ الدِّينِ غِبْرِيَالَ فِي الْمُحَرَّمِ، وَطُلِبَ فِي صَفَرٍ إِلَى مِصْرَ فَتَوَجَّهَ عَلَى خَيْلِ الْبَرِيدِ، وَاحْتِيطَ عَلَى أَهْلِهِ بَعْدَ مَسِيرِهِ وَأُخِذَتْ مِنْهُمْ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَفِي أَوَاخِرِ صَفَرٍ قَدِمَ الصَّاحِبُ أَمِينُ الْمَلِكِ عَلَى نَظَرِ الدَّوَاوِينِ بِدِمَشْقَ عِوَضًا عَنْ غِبْرِيَالَ، وَبَعْدَهُ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قَدِمَ الْقَاضِي فَخْرُ الدِّينِ بْنُ الْحِلِّيِّ عَلَى نَظَرِ الْجَيْشِ بَعْدَ وَفَاةِ قُطْبِ الدِّينِ ابْنِ شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ.
وَفِي نِصْفِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لَبِسَ ابْنُ جُمْلَةَ خِلْعَةَ الْقَضَاءِ لِلشَّافِعِيَّةِ بِدِمَشْقَ بِدَارِ السَّعَادَةِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْجَامِعِ وَهِيَ عَلَيْهِ، وَذَهَبَ إِلَى الْعَادِلِيَّةِ وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بِهَا بِحَضْرَةِ الْأَعْيَانِ، وَدَرَّسَ بِالْعَادِلِيَّةِ وَالْغَزَّالِيَّةِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ثَانِيَ عَشَرَ الشهر المذكور. وفي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ رَابِعَ عِشْرِينِهِ حَضَرَ ابْنُ أَخِيهِ جَمَالُ الدِّينِ مَحْمُودٌ إِعَادَةَ الْقَيْمَرِيَّةِ نَزَلَ لَهُ عَنْهَا، ثُمَّ اسْتَنَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ، وَخَرَجَ إِلَى الْعَادِلِيَّةِ فَحَكَمَ بِهَا، ثُمَّ لَمْ يستمر بعد ذلك، عُزِلَ عَنِ النِّيَابَةِ بِيَوْمِهِ، وَاسْتَنَابَ بَعْدَهُ جَمَالَ الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْحُسْبَانِيَّ، وَلَهُ هِمَّةٌ وَعِنْدَهُ نَزَاهَةٌ وَخِبْرَةٌ بالأحكام.
وفي ربيع الأول ولى شهاب قرطاى نيابة طرابلس وعزل عنها طبلان إلى نيابة غزة وتولى نائب غزة حمص، وحصل للذي جاء بتقاليدهم مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْهُمْ، وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ أُعِيدَ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ وَوَلَدُهُ إِلَى كِتَابَةِ سِرِّ مِصْرَ، وَرَجَعَ شَرَفُ الدين ابن الشِّهَابِ مَحْمُودٍ إِلَى كِتَابَةِ سِرِّ الشَّامِ كَمَا كَانَ. وَفِي مُنْتَصَفِ هَذَا الشَّهْرِ وَلِيَ نِقَابَةَ الْأَشْرَافِ عِمَادُ الدِّينِ مُوسَى الْحُسَيْنِيُّ عِوَضًا عَنْ أَخِيهِ شَرَفِ الدِّينِ عَدْنَانَ تُوُفِّيَ فِي الشَّهْرِ الماضي ودفن بتربتهم عند مسجد الدبان. وَفِيهِ دَرَّسَ الْفَخْرُ الْمِصْرِيُّ بِالدَّوْلَعِيَّةِ عِوَضًا عَنِ ابْنِ جُمْلَةَ بِحُكْمِ وِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ. وَفِي خَامِسِ عِشْرِينَ رَجَبٍ دَرَّسَ بِالْبَادَرَائِيَّةِ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ شَرِيفٍ وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْوَحِيدِ، عِوَضًا عَنِ ابْنِ جَهْبَلٍ تُوُفِّيَ فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ بالقدس أنا والشيخ شمس الدين ابن عَبْدِ الْهَادِي وَآخَرُونَ، وَفِيهِ رَسَمَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ بِالْمَنْعِ مِنْ رَمْيِ الْبُنْدُقِ، وَأَنْ لَا تباع قسيها وَلَا تُعْمَلَ، وَذَلِكَ لِإِفْسَادِ رُمَاةِ الْبُنْدُقِ أَوْلَادَ النَّاسِ، وَأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَنْ تَعَانَاهُ اللِّوَاطُ وَالْفِسْقُ وَقِلَّةُ الدِّينِ، وَنُودِيَ بِذَلِكَ فِي الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ.
قَالَ الْبِرْزَالِيُّ: وَفِي نِصْفِ شَعْبَانَ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِتَسْلِيمِ الْمُنَجِّمِينَ إِلَى وَالِي الْقَاهِرَةِ فضربوا وحبسوا لِإِفْسَادِهِمْ حَالَ النِّسَاءِ، فَمَاتَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ تَحْتَ العقوبة، ثلاثة من المسلمين ونصراني، وكتب إلى بذلك الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّحْبِيُّ. وَفِي أَوَّلِ رَمَضَانَ وصل البريد بتولية الأمير فخر الدين ابن
(14/161)

الشَّمْسِ لُؤْلُؤٍ وِلَايَةَ الْبَرِّ بِدِمَشْقَ بَعْدَ وَفَاةِ شِهَابِ الدِّينِ بْنِ الْمَرْوَانِيِّ، وَوَصَلَ كِتَابٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى دِمَشْقَ فِي رَمَضَانَ يَذْكُرُ فِيهِ أنها وَقَعَتْ صَوَاعِقُ بِبِلَادِ الْحِجَازِ فَقَتَلَتْ جَمَاعَةً مُتَفَرِّقِينَ فِي أَمَاكِنَ شَتَّى، وَأَمْطَارٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَجَاءَ الْبَرِيدُ فِي رَابِعِ رَمَضَانَ بِتَوْلِيَةِ الْقَاضِي مُحْيِي الدين بن جميل قَضَاءَ طَرَابُلُسَ فَذَهَبَ إِلَيْهَا، وَدَرَّسَ ابْنُ الْمَجْدِ عَبْدُ اللَّهِ بِالرَّوَاحِيَّةِ عِوَضًا عَنِ الْأَصْبِهَانِيِّ بِحُكْمِ إِقَامَتِهِ بِمِصْرَ. وَفِي آخِرِ رَمَضَانَ أُفْرِجَ عَنِ الصاحب علاء الدين وأخيه شمس الدين موسى بن التاج إِسْحَاقَ بَعْدَ سَجْنِهِمَا سَنَةً وَنِصْفًا.
وَخَرَجَ الرَّكْبُ الشَّامِيُّ يَوْمَ الْخَمِيسِ عَاشِرَ شَوَّالٍ وَأَمِيرُهُ بَدْرُ الدين بن معبد وقاضيه علاء الدين ابن مَنْصُورٍ مُدَرِّسُ الْحَنَفِيَّةِ بِالْقُدْسِ بِمَدْرَسَةِ تَنْكِزَ، وَفِي الْحُجَّاجِ صَدْرُ الدِّينِ الْمَالِكِيُّ، وَشِهَابُ الدِّينِ الظَّهِيرِيُّ، ومحيي الدين ابن الْأَعْقَفِ وَآخَرُونَ وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ ثَالِثَ عَشْرَهُ دَرَّسَ بِالْأَتَابِكِيَّةِ ابْنُ جُمْلَةَ عِوَضًا عَنِ ابْنِ جَمِيلٍ تَوَلَّى قَضَاءَ طَرَابُلُسَ، وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ عِشْرِينِهِ حَكَمَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ كَامِلٍ التَّدْمُرِيُّ، الَّذِي كَانَ فِي خَطَابَةِ الْخَلِيلِ بِدِمَشْقَ نِيَابَةً عَنِ ابْنِ جُمْلَةَ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِدِينِهِ وَفَضِيلَتِهِ.
وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ مَسَكَ تَنْكِزُ دواداره ناصر الدين محمد، وَكَانَ عِنْدَهُ بِمَكَانَةٍ عَظِيمَةٍ جِدًّا، وَضَرَبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، وَاسْتَخْلَصَ مِنْهُ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، ثُمَّ حَبَسَهُ بِالْقَلْعَةِ ثُمَّ نَفَاهُ إِلَى الْقُدْسِ، وَضَرَبَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ مُقَلَّدٍ حَاجِبُ الْعَرَبِ، وَقَطَعَ لِسَانَهُ مَرَّتَيْنِ، وَمَاتَ وَتَغَيَّرَتِ الدَّوْلَةُ وَجَاءَتْ دَوْلَةٌ أُخْرَى مُقَدَّمُهَا عِنْدَهُ حَمْزَةُ الَّذِي كَانَ سِمِيرَهُ وَعَشِيرَهُ فِي هذه المدة الأخيرة، وانزاحت النعمة عن الدوادار نَاصِرِ الدِّينِ وَذَوِيهِ وَمَنْ يَلِيهِ.
وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ ثَامِنِ عِشْرِينَ ذِي الْقِعْدَةِ رُكِّبَ عَلَى الكعبة باب حديد أرسله السلطان مرصعا من السبط الْأَحْمَرِ كَأَنَّهُ آبِنُوسٌ، مُرَكَّبٌ عَلَيْهِ صَفَائِحُ مِنْ فِضَّةٍ زِنَتُهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُمِائَةٍ وَكَسْرٍ، وقلع الباب العتيق، وهو من خشب الساج، وَعَلَيْهِ صَفَائِحُ تَسَلَّمَهَا بَنُو شَيْبَةَ، وَكَانَ زِنَتُهَا سِتِّينَ رَطْلًا فَبَاعُوهَا كُلُّ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ. وَهَذَا خَطَأٌ وَهُوَ رِبًا- وَكَانَ يَنْبَغِي أن يبيعوها بالذهب لئلا يحصل ربا بذلك- وَتُرِكَ خَشَبُ الْبَابِ الْعَتِيقِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، وَعَلَيْهِ اسْمُ صَاحِبِ الْيَمَنِ فِي الْفَرْدَتَيْنِ، وَاحِدَةٌ عَلَيْهَا: اللَّهمّ يَا وَلِيُّ يَا عَلِيُّ اغْفِرْ لِيُوسُفَ بن عمر بن على.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الشَّيْخُ الْعَالِمُ تقى الدين محمود على
ابن مَحْمُودِ بْنِ مُقْبِلٍ الدَّقُوقِيُّ أَبُو الثَّنَاءِ الْبَغْدَادِيُّ مُحَدِّثُ بَغْدَادَ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً، يَقْرَأُ لَهُمُ الحديث وقد ولى مشيخة الحديث بالمستنصرية، وَكَانَ ضَابِطًا مُحَصِّلًا بَارِعًا، وَكَانَ يَعِظُ وَيَتَكَلَّمُ في الأعزية
(14/162)

وَالْأَهْنِيَةِ، وَكَانَ فَرْدًا فِي زَمَانِهِ وَبِلَادِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، تُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ وَلَهُ قَرِيبُ السَّبْعِينَ سَنَةً، وَشَهِدَ جَنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَدُفِنَ بِتُرْبَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلَمْ يُخَلِّفْ دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَلَهُ قَصِيدَتَانِ رَثَى بِهِمَا الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ تَيْمِيَةَ كَتَبَ بِهِمَا إِلَى الشَّيْخِ الْحَافِظِ الْبِرْزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ عِزُّ الْقُضَاةِ
فَخْرُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنِيرِ الْمَالِكِيُّ الْإِسْكَنْدَرِيُّ، أَحَدُ الْفُضَلَاءِ الْمَشْهُورِينَ، لَهُ تَفْسِيرٌ فِي سِتِّ مُجَلَّدَاتٍ، وَقَصَائِدُ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَنَةٌ، وَلَهُ فِي كَانَ وَكَانَ، وَقَدْ سَمِعَ الْكَثِيرَ وَرَوَى، تُوُفِّيَ فِي جماد الْأُولَى عَنْ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ابْنُ جَمَاعَةَ قَاضِي الْقُضَاةِ
الْعَالِمُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَدْرُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ محمد بن الشيخ الامام الزاهد أبى إسحاق إبراهيم ابن سعد الله ابن جَمَاعَةَ بْنِ حَازِمِ بْنِ صَخْرٍ الْكِنَانِيُّ الْحَمَوِيُّ الْأَصْلِ، وُلِدَ لَيْلَةَ السَّبْتِ رَابِعَ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِحَمَاةَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ واشتغل بالعلم، وحصل علوما مُتَعَدِّدَةً، وَتَقَدَّمَ وَسَادَ أَقْرَانَهُ، وَبَاشَرَ تَدْرِيسَ الْقَيْمَرِيَّةِ، ثُمَّ وَلِيَ الْحُكْمَ وَالْخَطَابَةَ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، ثُمَّ نُقِلَ مِنْهُ إِلَى قَضَاءِ مِصْرَ فِي الْأَيَّامِ الأشرفية، ثم باشر تَدَارِيسَ كَبَارٍ بِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ الشَّامِ وَجُمِعَ لَهُ مَعَهُ الْخَطَابَةُ وَمَشْيَخَةُ الشُّيُوخِ وَتَدْرِيسُ الْعَادِلِيَّةِ وَغَيْرُهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، كل هذا مع الرئاسة وَالدِّيَانَةِ وَالصِّيَانَةِ وَالْوَرَعِ، وَكَفِّ الْأَذَى، وَلَهُ التَّصَانِيفُ الفائقة النافعة، وجمع له خطبا كان يخطب بها في طيب صَوْتٍ فِيهَا وَفِي قِرَاءَتِهِ فِي الْمِحْرَابِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى قَضَاءِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بَعْدَ وَفَاةِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، فَلَمْ يَزَلْ حَاكِمًا بِهَا إِلَى أَنْ أَضَرَّ وَكَبِرَ وَضَعُفَتْ أَحْوَالُهُ، فَاسْتَقَالَ فَأُقِيلَ وَتَوَلَّى مَكَانَهُ الْقَزْوِينِيُّ، وَبَقِيَتْ مَعَهُ بَعْضُ الْجِهَاتِ وَرُتِّبَتْ لَهُ الرَّوَاتِبُ الْكَثِيرَةُ الدَّارَّةُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ عَشَاءِ الْآخِرَةِ حَادِيَ عِشْرِينَ جُمَادَى الْأُولَى، وَقَدْ أَكْمَلَ أَرْبَعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً وَشَهْرًا وَأَيَّامًا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ قَبْلَ الظُّهْرِ بِالْجَامِعِ النَّاصِرِيِّ بِمِصْرَ، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ، وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً هَائِلَةً رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ مُفْتِي الْمُسْلِمِينَ
شِهَابُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحْيِي الدِّينِ يَحْيَى بْنِ تَاجِ الدِّينِ بن إِسْمَاعِيلَ بْنِ طَاهِرِ بْنِ نَصْرِ اللَّهِ بْنِ جَهْبَلٍ الْحَلَبِيُّ الْأَصْلِ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ، كَانَ مِنْ أَعْيَانِ الْفُقَهَاءِ، وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَاشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ وَلَزِمَ الْمَشَايِخَ وَلَازَمَ الشَّيْخَ الصَّدْرَ بْنَ الْوَكِيلِ، وَدَرَّسَ بِالصَّلَاحِيَّةِ بِالْقُدْسِ، ثُمَّ تَرَكَهَا وَتَحَوَّلَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَاشَرَ مَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ الظَّاهِرِيَّةِ مُدَّةً، ثُمَّ وَلِيَ مَشْيَخَةَ الْبَادَرَائِيَّةِ فَتَرَكَ الظاهرية وأقام بتدريس الْبَادَرَائِيَّةِ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَعْلُومًا مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ بَعْدَ الْعَصْرِ تَاسِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَدُفِنَ بِالصُّوفِيَّةِ، وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً.
(14/163)

تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَيُّوبَ
مُغَسِّلُ الْمَوْتَى فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، يُقَالُ إِنَّهُ غَسَّلَ سِتِّينَ أَلْفِ مَيِّتٍ، وَتُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.
الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العظيم ابن السَّقَطِيِّ الشَّافِعِيُّ، كَانَ مُبَاشِرًا شَهَادَةَ الْخِزَانَةِ، وَنَابَ في الحكم عند باب النصر وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ
الْإِمَامُ الْفَاضِلُ مَجْمُوعُ الْفَضَائِلِ
شِهَابُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبِكْرِيُّ، نِسْبَةً إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ الله عنه، كان لطيف المعاني ناسخا مطيقا يَكْتُبُ فِي الْيَوْمِ ثَلَاثَ كَرَارِيسَ، وَكَتَبَ الْبُخَارِيَّ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ وَيُقَابِلُهُ وَيُجَلِّدُهُ وَيَبِيعُ النُّسْخَةَ مِنْ ذَلِكَ بِأَلْفٍ وَنَحْوِهُ، وَقَدْ جَمَعَ تَارِيخًا فِي ثَلَاثِينَ مُجَلَّدًا، وَكَانَ يَنْسَخُهُ وَيَبِيعُهُ أَيْضًا بِأَزْيَدَ مِنْ أَلْفٍ، وَذُكِرَ أَنَّ لَهُ كِتَابًا سَمَّاهُ مُنْتَهَى الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ فِي ثَلَاثِينَ مُجَلَّدًا أَيْضًا، وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ نَادِرًا فِي وَقْتِهِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِشْرِينَ رَمَضَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ النَّاسِكُ
الْكَثِيرُ الْحَجِّ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاسِطِيُّ الْمَشْهُورُ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَالتِّلَاوَةِ وَالْحَجِّ، يُقَالُ إِنَّهُ حَجَّ أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعِينَ حِجَّةً، وَكَانَتْ عَلَيْهِ مَهَابَةٌ وَلَدَيْهِ فَضِيلَةٌ، تُوُفِّيَ وَهُوَ مُحْرِمٌ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَامِنَ عِشْرِينَ ذِي الْقِعْدَةِ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ إبراهيم بن عبد الرحمن
ابن أحمد ابن الْقَوَّاسِ، كَانَ مُبَاشِرًا الشَّدَّ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ السلطانية، وله دار حسنة بالعقبية الصَّغِيرَةِ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ تُجْعَلَ مَدْرَسَةً، وَوَقَفَ عَلَيْهَا أَوْقَافًا، وَجَعَلَ تَدْرِيسَهَا لِلشَّيْخِ عِمَادِ الدِّينِ الْكُرْدِيِّ الشَّافِعِيِّ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ عشرين الْحِجَّةِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ بِيَوْمِ الْأَحَدِ وَحُكَّامُ الْبِلَادِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَانِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أُقِيمَتِ الْجُمْعَةُ بِالْخَاتُونِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، وَخَطَبَ بِهَا شَمْسُ الدِّينِ النَّجَّارُ الْمُؤَذِّنُ الْمُؤَقَّتُ بِالْأُمَوِيِّ، وَتَرَكَ خَطَابَةَ جَامِعِ الْقَابُونِ. وَفِي مُسْتَهَلِّ هَذَا الشَّهْرِ سَافَرَ الْأَمِيرُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ التَّدْمُرِيُّ إِلَى الْقُدْسِ حَاكِمًا بِهِ، وَعُزِلَ عَنْ نِيَابَةِ الْحُكْمِ بِدِمَشْقَ. وَفِي ثَالِثِهِ قَدِمَ مِنْ مِصْرَ زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ بدر الدين ابن جَمَاعَةَ بِخَطَابَةِ الْقُدْسِ، فَخُلِعَ عَلَيْهِ مِنْ دِمَشْقَ ثُمَّ سَافَرَ إِلَيْهَا. وَفِي آخِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَاشَرَ الْأَمِيرُ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ بُكْتَاشَ الْحُسَامِيُّ شَدَّ الْأَوْقَافِ عِوَضًا عَنْ شَرَفِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ الْخَطِيرِيِّ، سَافَرَ بِأَهْلِهِ إِلَى مِصْرَ أَمِيرًا نيابة بها عن أَخِيهِ بَدْرِ الدِّينِ مَسْعُودٍ، وَعُزِلَ الْقَاضِي عَلَاءُ الدين ابن الْقَلَانِسِيِّ، وَسَائِرُ الدَّوَاوِينِ وَالْمُبَاشِرِينَ الَّذِينَ فِي بَابِ مَلِكِ الْأُمَرَاءِ تَنْكِزَ وَصُودِرُوا بِمِائَتَيْ أَلْفِ
(14/164)

دِرْهَمٍ، وَاسْتُدْعِيَ مِنْ غَزَّةَ نَاظِرُهَا جَمَالُ الدِّينِ يُوسُفُ صِهْرُ السُّنِّيِّ الْمُسْتَوْفِي، فَبَاشَرَ نَظَرَ دِيوَانِ النَّائِبِ وَنَظَرَ الْمَارَسْتَانِ النُّورِيِّ أَيْضًا عَلَى الْعَادَةِ.
وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَمَرَ تَنْكِزُ بِإِصْلَاحِ بَابِ تُومَا فَشُرِعَ فِيهِ فَرُفِعَ بَابُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَجُدِّدَتْ حِجَارَتُهُ وَحَدِيدُهُ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ حَصَلَ بِدِمَشْقَ سَيْلٌ خَرَّبَ بَعْضَ الْجُدْرَانِ ثُمَّ تَنَاقَصَ، وَفِي أَوَائِلِ رَبِيعٍ الْآخِرِ قَدِمَ مِنْ مِصْرَ جَمَالُ الدِّينِ آقُّوشُ نائب الكرك مجتازا إلى طرابلس نائبها عوضا عن قرطا، توفى. وَفِي جُمَادَى الْأُولَى طُلِبَ الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ ابن الْمَجْدِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ فَوَلِيَ وِكَالَةَ بَيْتِ الْمَالِ عِوَضًا عَنِ ابْنِ الْقَلَانِسِيِّ، وَوَصَلَ تَقْلِيدُهُ مِنْ مِصْرَ بِذَلِكَ، وَهَنَّأَهُ النَّاسُ. وفيه طلب الأمير نجم الدين ابن الزَّيْبَقِ مِنْ وِلَايَةِ نَابُلُسَ فَوَلِيَ شَدَّ الدَّوَاوِينِ بِدِمَشْقَ، وَقَدْ شَغَرَ مَنْصِبُهُ شُهُورًا بَعْدَ ابْنِ الْخَشَّابِ. وَفِي رَمَضَانَ خَطَبَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ أبو اليسر ابن الصائغ بالقدس عوضا عن زين الدين ابن جَمَاعَةَ لِإِعْرَاضِهِ عَنْهَا وَاخْتِيَارِهِ الْعَوْدَ إِلَى بَلَدِهِ.
قَضِيَّةُ الْقَاضِي ابْنِ جُمْلَةَ
لَمَّا كَانَ فِي العشر الأخير مِنْ رَمَضَانَ وَقَعَ بَيْنَ الْقَاضِي ابْنِ جُمْلَةَ وَبَيْنَ الشَّيْخِ الظَّهِيرِ شَيْخِ مَلَكِ الْأُمَرَاءِ- وَكَانَ هُوَ السَّفِيرُ فِي تَوْلِيَةِ ابْنِ جُمْلَةَ الْقَضَاءَ- فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا مُنَافَسَةٌ وَمُحَاقَقَةٌ فِي أُمُورٍ كَانَتْ بينه وبين الدوادار الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ نَاصِرِ الدِّينِ، فَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما على خلاف ما حلف به الْآخَرُ عَلَيْهِ، وَتَفَاصَلَا مِنْ دَارِ السَّعَادَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا رَجَعَ الْقَاضِي إِلَى مَنْزِلِهِ بِالْعَادِلِيَّةِ أرسل إليه الشَّيْخِ الظَّهِيرِ لِيَحْكُمَ فِيهِ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، وَذَلِكَ عَنْ مَرْسُومِ النَّائِبِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ خَدِيعَةً فِي الْبَاطِنِ وَإِظْهَارًا لِنُصْرَةِ الْقَاضِي عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، فَبَدَرَ بِهِ الْقَاضِي بَادِيَ الرَّأْيِ فَعَزَّرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَتَسَلَّمَهُ أَعْوَانُ ابْنِ جُمْلَةَ فَطَافُوا بِهِ الْبَلَدَ عَلَى حِمَارٍ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ عِشْرِينَ رَمَضَانَ، وَضَرَبُوهُ ضَرْبًا عَنِيفًا، وَنَادَوْا عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَكْذِبُ وَيَفْتَاتُ عَلَى الشَّرْعِ، فَتَأَلَّمَ النَّاسُ لَهُ لِكَوْنِهِ فِي الصِّيَامِ. وَفِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رمضان، ويوم سبع وَعِشْرِينَ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ صَائِمٌ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ ضُرِبَ يَوْمَئِذٍ أَلْفَيْنِ وَمِائَةً وَإِحْدَى وَسَبْعِينَ دِرَّةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَمَا أَمْسَى حَتَّى اسْتُفْتِيَ عَلَى الْقَاضِي الْمَذْكُورِ وَدَارُوا عَلَى الْمَشَايِخِ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ مَرْسُومِ النَّائِبِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ تَاسِعِ عِشْرِينَ رَمَضَانَ عَقَدَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ بِدَارِ السَّعَادَةِ مَجْلِسًا حَافِلًا بِالْقُضَاةِ وَأَعْيَانِ الْمُفْتِينَ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ، وَأُحْضِرَ ابْنُ جُمْلَةَ قَاضِي الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَجْلِسُ قَدِ احْتَفَلَ بِأَهْلِهِ، وَلَمْ يَأْذَنُوا لِابْنِ جُمْلَةَ فِي الْجُلُوسِ، بَلْ قَامَ قَائِمًا ثم أجلس بعد ساعة جيدة فِي طَرَفِ الْحَلَقَةِ، إِلَى جَانِبِ الْمِحَفَّةِ الَّتِي فِيهَا الشَّيْخُ الظَّهِيرُ، وَادَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ بَقِيَّةِ الْقُضَاةِ أَنَّهُ حَكَمَ فِيهِ لِنَفْسِهِ، وَاعْتَدَى عَلَيْهِ فِي الْعُقُوبَةِ، وَأَفَاضَ الْحَاضِرُونَ فِي ذَلِكَ، وَانْتَشَرَ الْكَلَامُ وَفَهِمُوا مِنْ نَفْسِ النَّائِبِ الْحَطَّ عَلَى ابْنِ جُمْلَةَ، وَالْمِيلَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ إِلَيْهِ، فَمَا انْفَصَلَ الْمَجْلِسُ حَتَّى حَكَمَ الْقَاضِي
(14/165)

شَرَفُ الدِّينِ الْمَالِكِيُّ بِفِسْقِهِ وَعَزْلِهِ وَسَجْنِهِ، فَانْفَضَّ الْمَجْلِسُ عَلَى ذَلِكَ، وَرُسِمَ عَلَى ابْنِ جُمْلَةَ بِالْعَذْرَاوِيَّةِ ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الْقَلْعَةِ جَزَاءً وِفَاقًا وَالْحَمْدُ للَّه وَحْدَهُ، وَكَانَ لَهُ فِي الْقَضَاءِ سَنَةٌ وَنِصْفٌ إِلَّا أَيَّامًا، وَكَانَ يُبَاشِرُ الْأَحْكَامَ جَيِّدًا، وَكَذَا الْأَوْقَافَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ، وَفِيهِ نَزَاهَةٌ وَتَمْيِيزُ الْأَوْقَافِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَفِيهِ صَرَامَةٌ وَشَهَامَةٌ وَإِقْدَامٌ، لَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، وَتَعَدَّى فِيهَا فَآلَ أَمْرُهُ إِلَى هَذَا.
وَخَرَجَ الركب يوم الاثنين عاشر شوال وأميره الجى بغا وقاضيه مجد الدين ابن حيان المصري وفي يوم الاثنين رابع عشرينه دَرَّسَ بِالْإِقْبَالِيَّةِ الْحَنَفِيَّةِ نَجْمُ الدِّينِ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ عِمَادِ الدِّينِ الطَّرَسُوسِيُّ الْحَنَفِيِّ عِوَضًا عَنْ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأصبهاني ابن الْعَجَمِيِّ الْحَبَطِيِّ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْحَنْبَلِيِّ، وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا مُتَقَشِّفًا كَثِيرَ الْوَسْوَسَةِ فِي الْمَاءِ جِدًّا، وَأَمَّا الْمُدَرِّسُ مَكَانَهُ وَهُوَ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ الْحَنَفِيِّ فَإِنَّهُ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ فِي النَّبَاهَةِ وَالْفَهْمِ، وَحُسْنِ الِاشْتِغَالِ وَالشَّكْلِ وَالْوَقَارِ، بِحَيْثُ غَبَطَ الْحَاضِرُونَ كُلُّهُمْ أَبَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا آلَ أَمْرُهُ أَنْ تَوَلَّى قَضَاءَ الْقُضَاةِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، نَزَلَ لَهُ عَنْهُ وَحُمِدَتْ سِيرَتُهُ وَأَحْكَامُهُ.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ أُثْبِتَ مَحْضَرٌ فِي حَقِّ الصَّاحِبِ شَمْسِ الدِّينِ غِبْرِيَالَ الْمُتَوَفَّى هَذِهِ السَّنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِي أَمْلَاكًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيُوقِفُهَا وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ لِنَفْسِهِ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ كَمَالُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ أَخِيهِ عِمَادُ الدِّينِ وَعَلَاءُ الدِّينِ الْقَلَانِسِيُّ وَابْنُ خاله عماد الدين القلانسي، وعز الدين ابن المنجا، وتقى الدين ابن مراجل، وكمال الدين بن الغويرة، وَأُثْبِتَ عَلَى الْقَاضِي بُرْهَانِ الدِّينِ الزُّرَعِيِّ الْحَنْبَلِيِّ وَنَفَّذَهُ بَقِيَّةُ الْقُضَاةِ، وَامْتَنَعَ الْمُحْتَسِبُ عِزُّ الدِّينِ ابن الْقَلَانِسِيِّ مِنَ الشَّهَادَةِ فَرُسِمَ عَلَيْهِ بِالْعَذْرَاوِيَّةِ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، ثُمَّ أُفْرِجَ عَنْهُ وَعُزِلَ عَنِ الْحِسْبَةِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى نَظَرِ الْخِزَانَةِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ ثَامِنِ عِشْرِينَ ذِي الْقِعْدَةِ حُمِلَتْ خِلْعَةُ القضاء إلى الشيخ شهاب الدين ابن الْمَجْدِ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ يَوْمَئِذٍ، فَلَبِسَهَا وَرَكِبَ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بِحَضْرَةِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ وَالْقُضَاةِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَدْرَسَتِهِ الْإِقْبَالِيَّةِ فَقُرِئَ بِهَا أَيْضًا وَحَكَمَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ، وَكَتَبَ على أوراق السائلين، ودرس بالعادلية والغزالية والاتابكيتين مع تدريس الاقبالية عِوَضًا عَنِ ابْنِ جُمْلَةَ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ حَضَرَ الْأَمِيرُ حُسَامُ الدِّينِ مُهَنَّا بْنُ عِيسَى وفي صحبته صاحب حماة الأفضل، فَتَلَقَّاهُمَا تَنْكِزُ وَأَكْرَمَهُمَا، وَصَلَّيَا الْجُمُعَةَ عِنْدَ النَّائِبِ ثُمَّ تَوَجَّهَا إِلَى مِصْرَ، فَتَلَقَّاهُمَا أَعْيَانُ الْأُمَرَاءِ وَأَكْرَمَ السُّلْطَانُ مُهَنَّا بْنَ عِيسَى وَأَطْلَقَ لَهُ أَمْوَالًا جَزِيلَةً كَثِيرَةً، مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْقُمَاشِ، وَأَقْطَعُهُ عِدَّةَ قُرَى وَرَسَمَ لَهُ بِالْعَوْدِ إِلَى أَهْلِهِ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ، قَالُوا وَكَانَ جَمِيعُ ما أنعم به عليه السلطان قِيمَةَ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ وَعَلَى أصحابه مائة وسبعين خِلْعَةً.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ سَادِسِ الْحِجَّةِ حَضَرَ دَرْسَ الرَّوَاحِيَّةِ الْفَخْرُ الْمِصْرِيُّ عِوَضًا عَنْ قَاضِي القضاة
(14/166)

ابْنِ الْمَجْدِ وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ الْأَرْبَعَةُ وَأَعْيَانُ الْفُضَلَاءِ. وَفِي يَوْمِ عَرَفَةَ خُلِعَ عَلَى نَجْمِ الدِّينِ بْنِ أَبِي الطَّيِّبِ بِوَكَالَةِ بَيْتِ الْمَالِ، عوضا عن ابن المجد، وعلى عماد الدين ابن الشيرازي بالحسبة عوضا عن عز الدين ابن الْقَلَانِسِيِّ وَخَرَجَ الثَّلَاثَةُ مِنْ دَارِ السَّعَادَةِ بِالطَّرَحَاتِ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
الشَّيْخُ الْأَجَلُّ التَّاجِرُ الصَّدُوقُ
بَدْرُ الدِّينِ لُؤْلُؤُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَتِيقُ النَّقِيبِ شُجَاعِ الدِّينِ إِدْرِيسَ، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنًا يَتَّجِرُ فِي الْجَوْخِ، مَاتَ فَجْأَةً عصر يوم الخميس خامس محرم، وَخَلَّفَ أَوْلَادًا وَثَرْوَةً، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ، وَلَهُ بِرٌّ وَصَدَقَةٌ وَمَعْرُوفٌ، وَسَبَّعَ بِمَسْجِدِ ابْنِ هِشَامٍ.
الصَّدْرُ أَمِينُ الدِّينِ
مُحَمَّدُ بْنُ فَخْرِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ محمد بن يوسف ابن أَبِي الْعَيْشِ الْأَنْصَارِيُّ الدِّمَشْقِيُّ بَانِي الْمَسْجِدِ الْمَشْهُورِ بِالرَّبْوَةِ، عَلَى حَافَّةِ بَرَدَى، وَالطَّهَارَةِ الْحِجَارَةِ إِلَى جَانِبِهِ، وَالسُّوقِ الَّذِي هُنَاكَ، وَلَهُ بِجَامِعِ النَّيْرَبِ مِيعَادٌ. وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْبُخَارِيَّ وَحَدَّثَ بِهِ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ التُّجَّارِ ذَوِي الْيَسَارِ، تُوُفِّيَ بُكْرَةَ الْجُمُعَةِ سَادِسَ الْمُحَرَّمِ وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ بِقَاسِيُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْخَطِيبُ الْإِمَامُ العالم
عماد الدين أبو حفص عمر الْخَطِيبِ، ظَهِيِرُ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ يَحْيَى بن إبراهيم بن على بن جعفر ابن عبد اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْقُرَشِيُّ الزُهْرِيُّ النَّابُلُسِيُّ، خَطِيبُ الْقُدْسِ، وَقَاضِي نَابُلُسَ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ جُمِعَ لَهُ بَيْنَ خَطَابَةِ الْقُدْسِ وَقَضَائِهَا، وَلَهُ اشْتِغَالٌ وَفِيهِ فَضِيلَةٌ، وَشَرَحَ صَحِيحَ مُسْلِمٍ فِي مُجَلَّدَاتٍ، وَكَانَ سَرِيعَ الْحِفْظِ سَرِيعَ الْكِتَابَةِ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ وَدُفِنَ بِمَامِلَّا رَحِمَهُ اللَّهُ.
الصَّدْرُ شَمْسُ الدِّينِ
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادٍ التَّاجِرُ بِقَيْسَارِيَّةَ الشُّرْبِ، كَتَبَ الْمَنْسُوبَ وَانْتَفَعَ به الناس، وولى التُّجَّارِ لِأَمَانَتِهِ وَدِيَانَتِهِ، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ وَمُطَالَعَةٌ فِي الْكُتُبِ، تُوُفِّيَ تَاسِعَ صَفَرٍ عَنْ نَحْوِ سِتِّينَ سَنَةً.
وَدُفِنَ بِقَاسِيُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
جَمَالُ الدِّينِ قَاضِي الْقُضَاةِ الزُّرَعِيُّ
هُوَ أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ ابْنُ الْخَطِيبِ مَجْدِ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ سَالِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ الْأَذْرَعِيُّ الشَّافِعِيُّ وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِأَذْرِعَاتٍ، وَاشْتَغَلَ بِدِمَشْقَ فَحَصَّلَ، وَنَابَ فِي الْحُكْمِ بِزُرَعَ مُدَّةً فَعُرِفَ بِالزُّرَعِيِّ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَذْرِعَاتٍ وَأَصْلُهُ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ نَابَ بِدِمَشْقَ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مِصْرَ فَنَابَ فِي الْحُكْمِ بِهَا، ثُمَّ اسْتَقَلَّ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ بِهَا نَحْوًا من سنة، وَلِيَ قَضَاءَ الشَّامِ مُدَّةً مَعَ مَشْيَخَةِ الشُّيُوخِ نحوا من سنة، ثم عزل وبقي على مشيخة الشيوخ نحوا من سنة مع تدريس الاتابكية، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى مِصْرَ فَوَلِيَ بِهَا التَّدْرِيسَ وَقَضَاءَ الْعَسْكَرِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ بِهَا يَوْمَ الْأَحَدِ سادس صفر وقد قارب
(14/167)

السبعين رحمه الله، وقد خرج له الْبِرْزَالِيُّ مَشْيَخَةً سَمَّعْنَاهَا عَلَيْهِ وَهُوَ بِدِمَشْقَ عَنِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ شَيْخًا.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الزَّاهِدُ
زَيْنُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ عُبَيْدَانَ الْبَعْلَبَكِّيُّ الْحَنْبَلِيُّ، أَحَدُ فُضَلَاءِ الْحَنَابِلَةِ، وَمَنْ صَنَّفَ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ وَأَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَانَ فَاضِلًا لَهُ أَعْمَالٌ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ وَقَعَتْ لَهُ كَائِنَةٌ فِي أَيَّامِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ أُصِيبَ فِي عَقْلِهِ أَوْ زَوَالِ فِكْرِهِ، أَوْ قَدْ عَمِلَ عَلَى الرِّيَاضَةِ فَاحْتَرَقَ بَاطِنُهُ مِنَ الْجُوعِ، فَرَأَى خَيَالَاتٍ لَا حَقِيقَةَ لَهَا فَاعْتَقَدَ أَنَّهَا أَمْرٌ خَارِجِيٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ خَيَالٌ فِكْرِيٌّ فَاسِدٌ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي نِصْفِ صَفَرٍ بِبَعْلَبَكَّ، وَدُفِنَ بِبَابِ سَطْحَا وَلَمْ يُكْمِلِ السِّتِّينَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِدِمَشْقَ صَلَاةُ الْغَائِبِ، وَعَلَى الْقَاضِي الزُّرَعِيِّ مَعًا.
الْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ
نَائِبُ طَرَابُلُسَ لَهُ أَوْقَافٌ وَصَدَقَاتٌ، وَبِرٌّ وَصِلَاتٌ، تُوُفِّيَ بِطَرَابُلُسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثَامِنَ عَشَرَ صَفَرٍ وَدُفِنَ هُنَاكَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بن يوسف بن أبى بكر الاسعردى الموقت
كَانَ فَاضِلًا فِي صِنَاعَةِ الْمِيقَاتِ وَعِلْمِ الْأَصْطُرْلَابِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ، بَارِعًا فِي ذَلِكَ، غَيْرَ أنه لا ينفع بِهِ لِسُوءِ أَخْلَاقِهِ وَشَرَاسَتِهَا، ثُمَّ إِنَّهُ ضَعُفَ بصره فسقط من قيسارية بحسي عَشِيَّةَ السَّبْتِ عَاشِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ بِبَابِ الصغير.
الأمير سيف الدين بلبان
طرفا بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِرِيِّ، كَانَ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ بِدِمَشْقَ، وَجَرَتْ لَهُ فُصُولٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ بِدَارِهِ عِنْدَ مِئْذَنَةِ فَيْرُوزٍ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ حَادِيَ عِشْرِينَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ بِتُرْبَةٍ اتَّخَذَهَا إلى جانب داره، ووقف عليها مقرئين، وبنى عِنْدَهَا مَسْجِدًا بِإِمَامٍ وَمُؤَذِّنٍ.
شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بن يحيى بن محمد ابن قَاضِي حَرَّانَ
نَاظِرُ الْأَوْقَافِ بِدِمَشْقَ، مَاتَ اللَّيْلَةَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا الَّذِي قَبْلَهُ، وَدُفِنَ بِقَاسِيُونَ، وَتَوَلَّى مَكَانَهُ عِمَادُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ ذُو الْفُنُونِ
تَاجُ الدِّينِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيُّ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ بِالْفِقْهِ على مذهب مالك، وبرع وتقدم بمعرفة النَّحْوِ وَغَيْرِهِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي أَشْيَاءَ مُتَفَرِّقَةٍ، قَدِمَ دِمَشْقَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ في أيام الاخنائى، فأنزله في دار السعادة وَسَمَّعْنَا عَلَيْهِ وَمَعَهُ، وَحَجَّ مِنْ دِمَشْقَ عَامَئِذٍ وَسُمِّعَ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ، وَرَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ سَابِعَ جُمَادَى الْأُولَى، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِدِمَشْقَ حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُ مَوْتِهِ.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْعَابِدُ النَّاسِكُ
أَمِينُ الدِّينِ أَيْمَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّ اسْمَهُ مُحَمَّدُ بْنُ محمد إلى سبع عَشَرَ نَفَسًا كُلُّهُمُ اسْمُهُ
(14/168)

مُحَمَّدٌ، وَقَدْ جَاوَرَ بِالْمَدِينَةِ مُدَّةَ سِنِينَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ثَامِنَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِدِمَشْقَ صَلَاةُ الْغَائِبِ.
الشيخ نجم الدين القباني الْحَمَوِيُّ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى اللخمي القباني، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى أُشْمُونِ الرُّمَّانِ، أَقَامَ بِحَمَاةَ في زاوية يزار ويلتمس دعاؤه، وكان عابدا ورعا زاهدا آمرا بالمعروف وناهيا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَسَنَ الطَّرِيقَةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بِهَا آخِرَ نَهَارِ الِاثْنَيْنِ رَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ، عَنْ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً هائلة جدا، ودفن شمالي حماة، وكان عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ، وَاشْتَغَلَ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَهُ كَلَامٌ حَسَنٌ يُؤْثَرُ عَنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ فَتْحُ الدِّينِ بْنُ سَيِّدِ الناس
الحافظ العلامة البارع، فتح الدين بن أبى الفتح محمد بن الامام أبى عمرو محمد بن الْإِمَامِ الْحَافِظِ الْخَطِيبِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يحيى بن سَيِّدِ النَّاسِ الرَّبَعِيُّ الْيَعْمُرِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ الْإِشْبِيلِيُّ ثُمَّ الْمِصْرِيُّ، وُلِدَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الحجة سنة إحدى وسبعين وستمائة، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَأَجَازَ لَهُ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ جَمَاعَاتٌ من المشايخ، ودخل دمشق سنة تسعين فسمع من الكندي وغيره، وَاشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ فَبَرَعَ وَسَادَ أَقْرَانَهُ فِي عُلُومٍ شَتَّى مِنَ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، وَعِلْمِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفُنُونِ، وَقَدْ جَمَعَ سِيرَةً حَسَنَةً فِي مُجَلَّدَيْنِ، وَشَرَحَ قطعة حسنة مِنْ أَوَّلِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، رَأَيْتُ مِنْهَا مُجَلَّدًا بِخَطِّهِ الْحَسَنِ، وَقَدْ حُرِّرَ وَحُبِّرَ وَأَفَادَ وَأَجَادَ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ بَعْضِ الِانْتِقَادِ، وَلَهُ الشِّعْرُ الرَّائِقُ الْفَائِقُ، وَالنَّثْرُ الْمُوَافِقُ، وَالْبَلَاغَةُ التَّامَّةُ، وَحُسْنُ التَّرْصِيفِ وَالتَّصْنِيفِ، وَجَوْدَةُ الْبَدِيهَةِ، وَحُسْنُ الطَّوِيَّةِ، وَلَهُ الْعَقِيدَةُ السَّلَفِيَّةُ الْمَوْضُوعَةُ عَلَى الْآيِ وَالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ وَالِاقْتِفَاءِ بِالْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ، وَيُذْكَرُ عَنْهُ سُوءُ أَدَبٍ في أشياء أخر [1] سامحه الله فِيهَا، وَلَهُ مَدَائِحُ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِسَانٌ، وَكَانَ شَيْخَ الْحَدِيثِ بالظاهرية بمصر، وخطب بجامع الخندق، ولم يكن في مصر فِي مَجْمُوعِهِ مِثْلُهُ فِي حِفْظِ الْأَسَانِيدِ وَالْمُتُونِ وَالْعِلَلِ وَالْفِقْهِ وَالْمُلَحِ وَالْأَشْعَارِ وَالْحِكَايَاتِ، تُوُفِّيَ فَجْأَةً يَوْمَ السَّبْتِ حَادِيَ عَشَرَ شَعْبَانَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ، وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً، وَدُفِنَ عِنْدَ ابن أبى جمرة رحمه الله.
القاضي مجد الدين بن حرمي
ابن قَاسِمِ بْنِ يُوسُفَ الْعَامِرِيُّ الْفَاقُوسِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ، وَمُدَرِّسُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، كَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ وَنَهْضَةٌ، وَعَلَتْ سِنُّهُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يحفظ ويشغل وَيَشْتَغِلُ، وَيُلْقِي الدُّرُوسَ مِنْ حِفْظِهِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ ثَانِيَ ذِي الْحِجَّةِ، وَوَلِيَ تَدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ بعده شمس الدين ابن القماح، والقطبية بهاء الدين ابن عقيل، والوكالة نَجْمُ الدِّينِ الْإِسْعِرْدِيُّ الْمُحْتَسِبُ، وَهُوَ كَانَ وَكِيلَ بَيْتِ الظَّاهِرِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ وَحُكَّامُ الْبِلَادِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي التي قبلها، وناظر الجامع عز الدين ابن المنجا، والمحتسب
__________
[1] في الشذرات «ويذكر عنه شئون أخر» .
(14/169)

عماد الدين الشِّيرَازِيِّ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي مُسْتَهَلِّ الْمُحَرَّمِ يَوْمَ الْخَمِيسِ درس بأم الصالح الشيخ خطيب تبرور عوضا عن قاضى القضاة شهاب الدين ابن الْمَجْدِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ. وَفِي سَادِسِ الْمُحَرَّمِ رَجَعَ مُهَنَّا بْنُ عِيسَى مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ فَتَلَقَّاهُ النَّائِبُ وَالْجَيْشُ، وَعَادَ إِلَى أَهْلِهِ فِي عِزٍّ وَعَافِيَةٍ. وَفِيهِ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِعِمَارَةِ جَامِعِ الْقَلْعَةِ وَتَوْسِيعِهِ، وَعِمَارَةِ جَامِعِ مِصْرَ الْعَتِيقِ. وقدم إلى دمشق القاضي جمال الدين محمد بن عماد الدين ابن الأثير كاتب سربها عوضا عن ابن الشِّهَابِ مَحْمُودٍ. وَوَقَعَ فِي هَذَا الشَّهْرِ وَالَّذِي بَعْدَهُ مَوْتٌ كَثِيرٌ فِي النَّاسِ بِالْخَانُوقِ.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مُسِكَ الْأَمِيرُ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ الزَّيْبَقِ مُشِدُّ الدَّوَاوِينِ، وَصُودِرَ وَبِيعَتْ خُيُولُهُ وَحَوَاصِلُهُ، وتولاه بعده سيف الدين ثمر مَمْلُوكُ بَكْتَمُرَ الْحَاجِبِ، وَهُوَ مُشِدُّ الزَّكَاةِ. وَفِيهِ كَمَلَتْ عِمَارَةُ حَمَّامِ الْأَمِيرِ شَمْسِ الدِّينِ حَمْزَةَ الّذي تَمَكَّنَ عِنْدَ تَنْكِزَ بَعْدَ نَاصِرِ الدِّينِ الدَّوَادَارِ، ثُمَّ وَقَعَتِ الشَّنَاعَةُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِ فِي عِمَارَةِ هَذَا الْحَمَّامِ فَقَابَلَهُ النَّائِبُ عَلَى ذَلِكَ وانتصف للناس منه، وضربه بين يديه وضربه بِالْبُنْدُقِ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ، وَسَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ أَوْدَعَهُ الْقَلْعَةَ ثُمَّ نَقَلَهُ إِلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَغَرَّقَهُ فِيهَا، وَعُزِلَ الْأَمِيرُ جَمَالُ الدِّينِ نَائِبُ الْكَرَكِ عَنْ نِيَابَةِ طَرَابُلُسَ حَسَبَ سُؤَالِهِ فِي ذلك، وراح إليها طيغال وَقَدِمَ نَائِبُ الْكَرَكِ إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ رُسِمَ له بالإقامة في سلخد، فلما تلقاه نائب السلطنة والجيش نزل في دار السَّعَادَةِ وَأَخَذَ سَيْفَهُ بِهَا وَنُقِلَ إِلَى الْقَلْعَةِ، ثم نقل إلى صفت ثُمَّ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، ثُمَّ كَانَ آخِرُ الْعَهْدِ بِهِ.
وَفِي جُمَادَى الْأُولَى احْتِيطَ عَلَى دَارِ الْأَمِيرِ بَكْتَمُرَ الْحَاجِبِ الْحُسَامِيِّ بِالْقَاهِرَةِ، وَنُبِشَتْ وَأُخِذَ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا، وَكَانَ جَدُّ أَوْلَادِهِ نَائِبَ الْكَرَكِ الْمَذْكُورَ. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ تَاسِعِ جُمَادَى الْآخِرَةِ بَاشَرَ حُسَامُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ ابن الأمير عز الدين أيبك التجيبي شَدَّ الْأَوْقَافِ عِوَضًا عَنِ ابْنِ بَكْتَاشَ، اعْتُقِلَ، وَخُلِعَ عَلَى الْمُتَوَلِّي وَهَنَّأَهُ النَّاسُ. وَفِي مُنْتَصَفِ هَذَا الشَّهْرِ عُلِّقَ السِّتْرُ الْجَدِيدُ عَلَى خِزَانَةِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، وَهُوَ مِنْ خَزٍّ طُولُهُ ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ وَعَرْضُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ، غُرِمَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَعُمِلَ فِي مُدَّةِ سَنَةٍ وَنِصْفٍ.
وَخَرَجَ الرَّكْبُ الشَّامِيُّ يَوْمَ الْخَمِيسِ تَاسِعَ شَوَّالٍ وَأَمِيرُهُ عَلَاءُ الدِّينِ الْمُرْسِيُّ، وَقَاضِيهِ شِهَابُ الدين الظاهري. وفيه رَجَعَ جَيْشُ حَلَبَ إِلَيْهَا وَكَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ سِوَى مَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ التُّرْكُمَانِ، وَكَانُوا فِي بِلَادِ أَذَنَةَ وَطَرَسُوسَ وَآيَاسَ، وَقَدْ خَرَّبُوا وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَلَمْ يُعْدَمْ مِنْهُمْ سِوَى رَجُلٍ واحد غرق بنهر جاهان، ولكن كان قَتَلَ الْكُفَّارُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نحوا من ألف رجل، يوم عيد الفطر ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156 وَفِيهِ وَقَعَ حَرِيقٌ عظيم بحماة فاحترق مِنْهُ أَسْوَاقٌ كَثِيرَةٌ، وَأَمْلَاكٌ وَأَوْقَافٌ، وَهَلَكَتْ أَمْوَالٌ لَا تُحْصَرُ، وَكَذَلِكَ احْتَرَقَ أَكْثَرُ مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَّةَ، فَتَأَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ. وَفِي ذِي الْحِجَّةِ خُرِّبَ المسجد
(14/170)

الّذي كان في الطريق بين باب النصر وبين باب الْجَابِيَةِ، عَنْ حُكْمِ الْقُضَاةِ بِأَمْرِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، وبنى غربيه مسجد حسن أحسن وأنفع من الأول.
وتوفى فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْمُعَمَّرُ رَئِيسُ الْمُؤَذِّنِينَ بِجَامِعِ دِمَشْقَ
بُرْهَانُ الدِّينِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَانِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَرَوَى، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ وَالشَّكْلِ، مُحَبَّبًا إِلَى الْعَوَامِّ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ سَادِسَ صَفَرٍ وَدُفِنَ بِبَابِ الصغير، وقام من بعده في الرئاسة وَلَدُهُ أَمِينُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ الْوَانِيُّ الْمُحَدِّثُ الْمُفِيدُ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَهُ بِبِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
الْكَاتِبُ الْمُطْبِقُ الْمُجَوِّدُ الْمُحَرِّرُ
بَهَاءُ الدِّينِ مَحْمُودُ ابن خَطِيبِ بَعْلَبَكَّ مُحْيِي الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ السُّلَمِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَاعْتَنَى بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ فَبَرَعَ فِيهَا، وَتَقَدَّمَ عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ قَاطِبَةً فِي النَّسْخِ وَبَقِيَّةِ الْأَقْلَامِ، وَكَانَ حَسَنَ الشَّكْلِ طَيِّبَ الْأَخْلَاقِ، طَيِّبَ الصَّوْتِ حَسَنَ التَّوَدُّدِ، تُوُفِّيَ فِي سَلْخِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَدُفِنَ بِتُرْبَةِ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
عَلَاءُ الدِّينِ السِّنْجَارِيُّ
وَاقِفُ دار القرآن عند باب الناطقانيين شَمَالِيَّ الْأُمَوِيِّ بِدِمَشْقَ، عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَحْمُودٍ كَانَ أَحَدَ التُّجَّارِ الصُّدُقِ الْأَخْيَارِ، ذَوِي الْيَسَارِ الْمُسَارِعِينَ إِلَى الْخَيْرَاتِ، تُوُفِّيَ بِالْقَاهِرَةِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ الْقَاضِي شَمْسِ الدِّينِ بْنِ الْحَرِيرِيِّ.
الْعَدْلُ نَجْمُ الدِّينِ التَّاجِرُ
عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّحْبِيُّ بَانِي التُّرْبَةِ الْمَشْهُورَةِ بالمزة، وقد جعل لها مسجدا ووقف عَلَيْهَا أَوْقَافًا دَارَّةً، وَصَدَقَاتٍ هُنَاكَ، وَكَانَ مِنْ أخيار أَبْنَاءِ جِنْسِهِ، عَدْلٌ مَرْضِيٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْحُكَّامِ، وَتَرَكَ أَوْلَادًا وَأَمْوَالًا جَمَّةً، وَدَارًا هَائِلَةً، وَبَسَاتِينَ بِالْمِزَّةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ عِشْرِينَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ الْمَذْكُورَةِ بِالْمِزَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ قُطْبُ الدِّينِ
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ عَبْدِ النُّورِ بْنِ مُنِيرِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ النُّورِ الْحَلَبِيُّ الْأَصْلِ ثُمَّ الْمِصْرِيُّ، أَحَدُ مَشَاهِيرِ الْمُحَدِّثِينَ بِهَا، وَالْقَائِمِينَ بِحِفْظِ الْحَدِيثِ وَرِوَايَتِهِ وَتَدْوِينِهِ وَشَرْحِهِ وَالْكَلَامِ عَلَيْهِ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِحَلَبَ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وقرأ الشاطبية والألفية، وَبَرَعَ فِي فَنِّ الْحَدِيثِ، وَكَانَ حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ وَكَتَبَ كَثِيرًا وَصَنَّفَ شَرْحًا لِأَكْثَرِ الْبُخَارِيِّ، وَجَمَعَ تَارِيخًا لِمِصْرَ وَلَمْ يُكْمِلْهُمَا، وَتَكَلَّمَ عَلَى السِّيرَةِ
(14/171)

الَّتِي جَمَعَهَا الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ وَخَرَّجَ لِنَفْسِهِ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا مُتَبَايِنَةَ الْإِسْنَادِ، وَكَانَ حَسَنَ الْأَخْلَاقِ مُطَّرِحًا لِلْكُلْفَةِ طَاهِرَ اللِّسَانِ كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ وَالِاشْتِغَالَ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَحَدِ سَلْخَ رَجَبٍ، وَدُفِنَ مِنَ الْغَدِ مُسْتَهَلِّ شَعْبَانَ عِنْدَ خَالِهِ نَصْرٍ الْمَنْبِجِيِّ، وَخَلَّفَ تِسْعَةَ أَوْلَادٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْقَاضِي الْإِمَامُ زَيْنُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ
عَبْدُ الْكَافِي بْنُ عَلِيِّ بْنِ تَمَّامِ بْنِ يُوسُفَ السبكى، قاضى المحلة، ووالده الْعَلَّامَةِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ الشَّافِعِيِّ، سَمِعَ مِنِ ابْنِ الْأَنْمَاطِيِّ وَابْنِ خَطِيبِ الْمِزَّةِ، وحدث وتوفى تَاسِعِ شَعْبَانَ، وَتَبِعَتْهُ زَوْجَتُهُ نَاصِرِيَّةُ بِنْتُ الْقَاضِي جَمَالِ الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ السُّبْكِيِّ، وَدُفِنَتْ بِالْقَرَافَةِ، وَقَدْ سَمِعَتْ مِنِ ابْنِ الصَّابُونِيِّ شَيْئًا مِنْ سُنَنِ النَّسَائِيِّ، وَكَذَلِكَ ابْنَتُهَا مُحَمَّدِيَّةُ، وَقَدْ تُوُفِّيَتْ قَبْلَهَا.
تَاجُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
ابن عبد الكريم المصري، ويعرف بكاتب قطلبك، وهو والد العلامة فخر الدين شيخ الشَّافِعِيَّةِ وَمُدَرِّسِهِمْ فِي عِدَّةِ مَدَارِسَ، وَوَالِدُهُ هَذَا لَمْ يَزَلْ فِي الْخِدْمَةِ وَالْكِتَابَةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ عِنْدَهُ بِالْعَادِلِيَّةِ الصَّغِيرَةِ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثَ عشر شَعْبَانَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ بِالْجَامِعِ، وَدُفِنَ بباب الصغير.
الشيخ الصالح عبد الكافي
ويعرف بعبيد ابن أَبِي الرِّجَالِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ سُلْطَانَ بْنِ خَلِيفَةَ الْمَنِينِيِّ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي الْأَزْرَقِ، مَوْلِدُهُ في سنة أربع وأربعين وستمائة بقريته مِنْ بِلَادِ بِعْلَبَكَّ، ثُمَّ أَقَامَ بِقَرْيَةِ مَنِينَ، وَكَانَ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ وَقُرِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَدِيثِ وَجَاوَزَ التِّسْعِينَ.
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الحق
ابن شعبان بن على الأنصاري، المعروف بالسياح، لَهُ زَاوِيَةٌ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ بِالْوَادِي الشَّمَالِيِّ مَشْهُورَةٌ بِهِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ التِّسْعِينَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وأسمعه، وكانت لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْأُمُورِ وَعِنْدَهُ بَعْضُ مُكَاشَفَةٍ، وَهُوَ رَجُلٌ حَسَنٌ، تُوُفِّيَ أَوَاخِرَ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْأَمِيرُ سُلْطَانُ الْعَرَبِ
حُسَامُ الدِّينِ مُهَنَّا بْنُ عِيسَى بْنِ مُهَنَّا، أَمِيرُ الْعَرَبِ بِالشَّامِ، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ، مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَلَدِ الَّذِي جَاءَ مِنَ الْعَبَّاسَةِ أُخْتِ الرَّشِيدِ فاللَّه أَعْلَمُ.
وَقَدْ كَانَ كَبِيرَ الْقَدْرِ مُحْتَرَمًا عِنْدَ الْمُلُوكِ كُلِّهِمْ، بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ، وَكَانَ دَيِّنًا خيرا متحيزا لِلْحَقِّ، وَخَلَّفَ أَوْلَادًا وَوَرَثَةً وَأَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَقَدْ بَلَغَ سِنًّا عَالِيَةً، وَكَانَ يُحِبُّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدين بن تَيْمِيَةَ حُبًّا زَائِدًا، هُوَ وَذُرِّيَّتُهُ وَعَرَبُهُ، وَلَهُ عِنْدَهُمْ مَنْزِلَةٌ وَحُرْمَةٌ وَإِكْرَامٌ، يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ وَيَمْتَثِلُونَهُ، وَهُوَ الَّذِي نَهَاهُمْ أَنْ يُغِيرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَعَرَّفَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَلَهُ فِي ذلك مصنف جليل،
(14/172)

وكانت وَفَاةُ مُهَنَّا هَذَا بِبِلَادِ سَلَمِيَّةَ فِي ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ، وَدُفِنَ هُنَاكَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشيخ الزَّاهِدُ
فَضْلُ بْنُ عِيسَى بْنِ قِنْدِيلٍ الْعَجْلُونِيُّ الحنبلي المقيم بالمسمارية، أصله من بلاد حبراحى، كَانَ مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا يَلْبَسُ ثِيَابًا طِوَالًا وَعِمَامَةً هَائِلَةً، وَهِيَ بِأَرْخَصِ الْأَثْمَانِ، وَكَانَ يَعْرِفُ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا وَيُقْصَدُ لِذَلِكَ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ وَظَائِفُ بجوامك كثيرة فلم يقبلها، بل رضى بالرغيد الهنى من العيش الخشن إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَلَهُ نَحْوُ تِسْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ قَبْرِ الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً جِدًّا.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وسبعمائة
استهلت بيوم الجمعة وَالْحُكَّامُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهَا رَكِبَ تَنْكِزُ إِلَى قَلْعَةِ جعبر ومعه الجيش والمناجنيق فغابوا شهرا وخمسة أيام وعادوا سَالِمِينَ. وَفِي ثَامِنِ صَفَرٍ فُتِحَتِ الْخَانَقَاهْ الَّتِي أَنْشَأَهَا سَيْفُ الدِّينِ قُوصُونُ النَّاصِرِيُّ خَارِجَ بَابِ الْقَرَافَةِ، وَتَوَلَّى مَشْيَخَتَهَا الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْأَصْبِهَانِيُّ الْمُتَكَلِّمُ. وَفِي عَاشِرِ صَفَرٍ خَرَجَ ابْنُ جُمْلَةَ مِنَ السِّجْنِ بِالْقَلْعَةِ وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِمَوْتِ مَلِكِ التتار أبى سَعِيدِ بْنِ خَرْبَنْدَا بْنِ أَرْغُونَ بْنِ أَبْغَا بْنِ هُولَاكُو بْنِ تُولَى بْنِ جَنْكِزْخَانَ، فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ بِدَارِ السلطنة بقراباغ، وهي مَنْزِلُهُمْ فِي الشِّتَاءِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى تُرْبَتِهِ بمدينته التي أنشأها قريبا من السلطانية مدينة أبيه، وَقَدْ كَانَ مِنْ خِيَارِ مُلُوكِ التَّتَارِ وَأَحْسَنِهِمْ طَرِيقَةً وَأَثْبَتِهِمْ عَلَى السُّنَّةِ وَأُقَوَمِهِمْ بِهَا، وَقَدْ عز أهل السنة بزمانه وَذَلَّتِ الرَّافِضَةُ، بِخِلَافِ دَوْلَةِ أَبِيهِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لَمْ يَقُمْ لِلتَّتَارِ قَائِمَةٌ، بَلِ اخْتَلَفُوا فَتَفَرَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَكَانَ القائم من بعده بالأمر ارتكاوون مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبْغَا، وَلَمْ يَسْتَمِرَّ لَهُ الْأَمْرُ إِلَّا قَلِيلًا.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ عَاشِرِ جُمَادَى الأولى درس بالناصرية الجوانية بدر الدين الأردبيلي عوضا عن كمال الدين ابن الشِّيرَازِيِّ تُوُفِّيَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ. وَفِيهِ دَرَّسَ بالظاهرية البرانية الشيخ الامام المقري سَيْفُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ الْحَرِيرِيُّ عِوَضًا عَنْ بدر الدِّينِ الْأَرْدُبِيلِيِّ، تَرَكَهَا لَمَّا حَصَلَتْ لَهُ النَّاصِرِيَّةُ الْجَوَّانِيَّةُ، وَبَعْدَهُ بِيَوْمٍ دَرَّسَ بِالنَّجِيبِيَّةِ كَاتِبُهُ إِسْمَاعِيلُ ابن كَثِيرٍ عِوَضًا عَنِ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ ابْنِ قَاضِي الزَّبَدَانِيِّ تَرَكَهَا حِينَ تَعَيَّنَ لَهُ تَدْرِيسُ الظَّاهِرِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَكَانَ دَرْسًا حَافِلًا أَثْنَى عَلَيْهِ الْحَاضِرُونَ وَتَعَجَّبُوا مِنْ جَمْعِهِ وَتَرْتِيبِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ 35: 28 وَانْسَاقَ الْكَلَامُ إِلَى مَسْأَلَةِ رِبَا الْفَضْلِ. وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ رَابِعَ عَشَرَهُ ذَكَرَ الدَّرْسَ بِالظَّاهِرِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ ابْنُ قَاضِي الزَّبَدَانِيُّ عِوَضًا عَنْ عَلَاءِ الدين ابن الْقَلَانِسِيِّ تُوُفِّيَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَكَانَ يوما مطيرا.
(14/173)

وَفِي أَوَّلِ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَقَعَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بديار مصر واشتد ذلك إلى شهر رمضان، وَتَوَجَّهَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي رَجَبٍ إِلَى مَكَّةَ نَحْوًا مِنْ أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ، مِنْهُمْ عِزُّ الدِّينِ ابن جماعة، وفخر الدين النويرى وحسن السلامي، وأبو الفتح السلامي، وخلق. وَفِي رَجَبٍ كَمَلَتْ عِمَارَةُ جِسْرِ بَابِ الْفَرَجِ وعمل عليه باسورة وَرُسِمَ بِاسْتِمْرَارِ فَتْحِهِ إِلَى بَعْدِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ كبقية سائر الْأَبْوَابِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُغْلَقُ مِنَ الْمَغْرِبِ. وَفِي سَلْخِ رَجَبٍ أُقُيِمَتِ الْجُمُعَةُ بِالْجَامِعِ الَّذِي أنشأه نجم الدين ابن خَيْلَخَانَ تُجَاهَ بَابِ كَيْسَانَ مِنَ الْقِبْلَةِ، وَخَطَبَ فيه الشيخ الامام العلامة شمس الدين ابن قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ. وَفِي ثَانِي شَعْبَانَ بَاشَرَ كِتَابَةَ السِّرِّ بِدِمَشْقَ الْقَاضِي عَلَمُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قُطْبِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ مُفَضَّلٍ، عِوَضًا عَنْ كمال الدين ابن الْأَثِيرِ، عُزِلَ وَرَاحَ إِلَى مِصْرَ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعِ رَمَضَانَ ذَكَرَ الدَّرْسَ بِالْأَمِينِيَّةِ الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ ابْنُ إِمَامِ الْمَشْهَدِ عِوَضًا عَنْ عَلَاءِ الدِّينِ بْنِ الْقَلَانِسِيِّ. وَفِي الْعِشْرِينَ مِنْهُ خُلِعَ عَلَى الصَّدْرِ نَجْمِ الدِّينِ بْنِ أَبِي الطَّيِّبِ بِنَظَرِ الْخِزَانَةِ مُضَافًا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ وِكَالَةِ بَيْتِ الْمَالِ، بَعْدَ وَفَاةِ ابْنِ الْقَلَانِسِيِّ بِشُهُورٍ.
وَخَرَجَ الرَّكْبُ الشَّامِيُّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَامِنَ شَوَّالٍ وَأَمِيرُهُ قَطْلُودَمُرُ الْخَلِيلِيُّ. وَمِمَّنْ حَجَّ فِيهِ قَاضِي طَرَابُلُسَ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ جَهْبَلٍ، وَالْفَخْرُ الْمِصْرِيُّ، وَابْنُ قَاضِي الزَّبَدَانِيُّ، وَابْنُ الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ، وَابْنُ غَانِمٍ وَالسَّخَاوِيُّ وَابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، وناصر الدين بن البربوه الْحَنَفِيُّ، وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِوَقْعَةٍ جَرَتْ بَيْنَ التَّتَارِ قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَانْتَصَرَ عَلِيُّ بَاشَا وَسُلْطَانُهُ الَّذِي كَانَ قَدْ أَقَامَهُ، وَهُوَ موسى كاوون على اربا كاوون وَأَصْحَابُهُ، فَقُتِلَ هُوَ وَوَزِيرُهُ ابْنُ رَشِيدِ الدَّوْلَةِ، وجرت خطوب كثيرة طويلة، وضربت البشائر بدمشق.
وفي ذِي الْقِعْدَةِ خُلِعَ عَلَى نَاظِرِ الْجَامِعِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ الْمُنَجَّا بِسَبَبِ إِكْمَالِهِ الْبَطَائِنَ فِي الرِّوَاقِ الشَّمَالِيِّ وَالْغَرْبِيِّ وَالشَّرْقِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ لَهُ بَطَائِنُ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سابع الْحِجَّةِ ذَكَرَ الدَّرْسَ بِالشِّبْلِيَّةِ الْقَاضِي نَجْمُ الدِّينِ ابن قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي، وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَحَضَرَ عِنْدَهُ القضاة والأعيان، وشكروا من فضله ونباهته، وفرحوا لأبيه فيه. وَفِيهَا عُزِلَ ابْنُ النَّقِيبِ عَنْ قَضَاءِ حَلَبَ ووليها ابن خطيب جسرين، وَوَلِيَ الْحِسْبَةَ بِالْقَاهِرَةِ ضِيَاءُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أبى بكر بن محمد خطيب بيت الأبار، خلع عَلَيْهِ السُّلْطَانُ. وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ رَسَمَ السُّلْطَانُ باعتقال الخليفة المستكفي وَأَهْلِهِ، وَأَنْ يُمْنَعُوا مِنَ الِاجْتِمَاعِ، فَآلَ أَمْرُهُمْ كما كان أيام الظاهر والمنصور.
وممن توفى فيها من الأعيان.
السلطان أبو سعيد ابن خَرْبَنْدَا
وَكَانَ آخِرَ مَنِ اجْتَمَعَ شَمْلُ التَّتَارِ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِهِ.
الشَّيْخُ الْمُعَمَّرُ الرحلة
شَمْسُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَمْدُودِ بْنِ عِيسَى الْبَنْدَنِيجِيُّ الصُّوفِيُّ، قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ بغداد شيخا
(14/174)

كبيرا راويا لأشياء كثيرة، فيها صحيح مسلم والترمذي وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُ فَوَائِدُ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَانَ وَالِدُهُ مُحَدِّثًا فَأَسْمَعَهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً عَلَى مَشَايِخَ عِدَّةٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِدِمَشْقَ رابع الْمُحَرَّمِ.
قَاضِي قُضَاةِ بَغْدَادَ
قُطْبُ الدِّينِ أَبُو الْفَضَائِلِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْفَضْلِ التِّبْرِيزِيُّ الشافعيّ المعروف بالأحوص، سَمِعَ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ وَاشْتَغَلَ بِالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَالْمَنْطِقِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ، وَكَانَ بَارِعًا فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ وَدَرَّسَ بِالْمُسْتَنْصِرِيَّةِ بَعْدَ الْعَاقُولِيِّ. وَفِي مدارس كبار، وكان حسن الخلق كثير الخير عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ، مُتَوَاضِعًا يَكْتُبُ حَسَنًا أَيْضًا، توفى في آخر الْمُحَرَّمِ وَدُفِنَ بِتُرْبَةٍ لَهُ عِنْدَ دَارِهِ بِبَغْدَادَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْأَمِيرُ صَارِمُ الدِّينِ
إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي الزَّهْرِ، المعروف بالمغزال، كَانَتْ لَهُ مُطَالَعَةٌ وَعِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّارِيخِ، وَيُحَاضِرُ جَيِّدًا، وَلَمَّا تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقْتَ الصَّلَاةِ السَّادِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ دُفِنَ بِتُرْبَةٍ لَهُ عِنْدَ حَمَّامِ الْعَدِيمِ.
الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ مُغْلَطَايْ الْخَازِنُ
نَائِبُ الْقَلْعَةِ وَصَاحِبُ التُّرْبَةِ تُجَاهَ الْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ مِنَ الْغَرْبِ، كَانَ رَجُلًا جَيِّدًا، لَهُ أَوْقَافٌ وَبِرٌّ وَصَدَقَاتٌ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بُكْرَةَ عَاشِرِ صَفَرٍ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ الْمَذْكُورَةِ.
الْقَاضِي كَمَالُ الدِّينِ
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الشِّيرَازِيِّ الدِّمَشْقِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِينَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ، وَالشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ الْفَارِقِيِّ، وَحَفِظَ مُخْتَصَرَ الْمُزَنِيِّ وَدَرَّسَ فِي وَقْتٍ بِالْبَادَرَائِيَّةِ، وفي وقت بِالشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، ثُمَّ وَلِيَ تَدْرِيسَ النَّاصِرِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ مُدَّةَ سِنِينَ إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ، وَكَانَ صَدْرًا كَبِيرًا، ذُكِرَ لِقَضَاءِ قُضَاةِ دِمَشْقَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَكَانَ حَسَنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالشَّكْلِ، تُوُفِّيَ فِي ثَالِثِ صَفَرٍ وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِمْ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الأمير ناصر الدين
محمد بن الملك المسعود جلال الدين عبد الله بن الْمَلِكِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَادِلِ، كَانَ شَيْخًا مسنا قد اعتنى بصحيح الْبُخَارِيِّ يَخْتَصِرُهُ، وَلَهُ فَهْمٌ جَيِّدٌ وَلَدَيْهِ فَضِيلَةٌ، وَكَانَ يَسْكُنُ الْمِزَّةَ وَبِهَا تُوُفِّيَ لَيْلَةَ السَّبْتِ خَامِسَ عِشْرِينَ صَفَرٍ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِمْ بِالْمِزَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
عَلَاءُ الدِّينِ
على بن شرف الدين مُحَمَّدِ بْنِ الْقَلَانِسِيِّ قَاضِي الْعَسْكَرِ وَوَكِيلُ بَيْتِ المال، وموقع الدست، ومدرس الأمينية والظاهرية وغير ذَلِكَ مِنَ الْمَنَاصِبِ، ثُمَّ سُلِبَهَا كُلَّهَا سِوَى التدريسين، وبقي معزولا إلى حين أن توفى بكرة السبت خامس وعشرين صفر، ودفن بتربتهم.
(14/175)

عز الدين أحمد بن الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ
مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمُودٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْقَلَانِسِيِّ، مُحْتَسِبُ دِمَشْقَ وَنَاظِرُ الْخِزَانَةِ، كَانَ مَحْمُودَ الْمُبَاشَرَةِ، ثُمَّ عُزِلَ عَنِ الْحِسْبَةِ وَاسْتَمَرَّ بِالْخِزَانَةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ تَاسِعَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى وَدُفِنَ بِقَاسِيُونَ.
الشَّيْخُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْمَجْدِ بْنِ شرف بن أحمد الحمصي
ثم الدمشقيّ مؤذن البربوة خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ وَتَعَالِيقُ وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مِمَّا يُنْكَرُ أَمْرُهَا، وَكَانَ مَحْلُولًا فِي دِينِهِ، تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى أَيْضًا.
الْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ بَرْقٍ
مُتَوَلِّي دِمَشْقَ، شهد جنازته خلق كثير، توفى ثَانِي شَعْبَانَ وَدُفِنَ بِالصَّالِحِيَّةِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ النَّاسُ.
الأمير فخر الدين ابن الشَّمْسِ لُؤْلُؤٍ
مُتَوَلِّي الْبَرِّ، كَانَ مَشْكُورًا أَيْضًا، توفى رابع شعبان، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، تُوُفِّيَ بِبُسْتَانِهِ بِبَيْتِ لَهْيَا وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ هُنَاكَ وَتَرَكَ ذَرِّيَّةً كَثِيرَةً رَحِمَهُ الله.
عماد الدين إسماعيل
ابن شرف الدين محمد بن الْوَزِيرِ فَتْحِ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خالد بْنِ صَغِيرِ بْنِ الْقَيْسَرَانِيِّ، أَحَدُ كُتَّابِ الدَّسْتِ، وكان من خيار الناس، محببا إلى الفقراء وَالصَّالِحِينَ، وَفِيهِ مُرُوءَةٌ كَثِيرَةٌ، وَكَتَبَ بِمِصْرَ ثُمَّ صَارَ إِلَى حَلَبَ كَاتِبَ سِرِّهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى دمشق فأقام بها إلى أن مات ليلة الأحد ثالث عشر الْقِعْدَةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَدُفِنَ بِالصُّوفِيَّةِ عَنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقَدْ سَمِعَ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى الْأَبَرْقُوهِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ تُوُفِّيَ شِهَابُ الدِّينِ ابْنُ الْقِدِّيسَةِ الْمُحَدِّثُ بِطَرِيقِ الْحِجَازِ الشَّرِيفِ. وَفِي ذِي الْحِجَّةِ تُوُفِّيَ الشَّمْسُ مُحَمَّدٌ الْمُؤَذِّنُ الْمَعْرُوفُ بِالنَّجَّارِ وَيُعْرَفُ بِالْبَتِّيِّ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ وَيُنْشِدُ فِي الْمَحَافِلِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وثلاثين وسبعمائة
اسْتَهَلَّتْ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالْخَلِيفَةُ الْمُسْتَكْفِي باللَّه قَدِ اعْتَقَلَهُ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ، وَمَنَعَهُ مِنَ الِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ، وَنَائِبُ الشَّامِ تَنْكِزُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِرِيُّ، وَالْقُضَاةُ وَالْمُبَاشِرُونَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، سِوَى كَاتِبِ السِّرِّ فَإِنَّهُ عَلَمُ الدِّينِ بْنُ الْقُطْبِ، وَوَالِي الْبَرِّ الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ بن قطلوبك ابن شنشنكير، ووالى المدينة حسام الدين طرقطاى الْجُوكَنْدَارِيُّ.
وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهَا يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ عَلِيَّ بَاشَا كُسِرَ جَيْشُهُ، وَقِيلَ إِنَّهُ قُتِلَ، وَوَصَلَتْ كُتُبُ الْحُجَّاجِ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ تَصِفُ مَشَقَّةً كَثِيرَةً حَصَلَتْ لِلْحُجَّاجِ مِنْ
(14/176)

مَوْتِ الْجِمَالِ وَإِلْقَاءِ الْأَحْمَالِ وَمَشْيِ كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، فَإِنَّا للَّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، والحمد للَّه على كل حال.
وفي آخر الْمُحَرَّمِ قَدِمَ إِلَى دِمَشْقَ الْقَاضِي حُسَامُ الدِّينِ حسن بن محمد الغورى قاضى بغداد، وكان وَالْوَزِيرُ نَجْمُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شِرْوَانَ الْكُرْدِيُّ، وَشَرَفُ الدِّينِ عُثْمَانُ بْنُ حَسَنٍ الْبَلَدِيُّ فَأَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَوَجَّهُوا إِلَى مِصْرَ فَحَصَلَ لَهُمْ قَبُولٌ تَامٌّ مِنَ السُّلْطَانِ، فَاسْتَقْضَى الْأَوَّلَ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَاسْتَوْزَرَ الثَّانِيَ وَأَمَّرَ الثَّالِثَ. وَفِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ أُحْضِرَ شمس الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين بْنِ اللَّبَّانِ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ الْجَلَالِيِّ، وَحَضَرَ مَعَهُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ فَضْلِ الله مجد الدين الأقصرائي شيخ الشيوخ، وشهاب الدِّينِ الْأَصْبِهَانِيُّ، فَادُّعِيَ عَلَيْهِ بِأَشْيَاءَ مُنْكَرَةٍ مِنَ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَالْغُلُوِّ فِي الْقَرْمَطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فأقر ببعضها فحكم عليه بِحَقْنِ دَمِهِ ثُمَّ تُوُسِّطَ فِي أَمْرِهِ وَأُبْقِيَتْ عَلَيْهِ جِهَاتُهُ، وَمُنِعَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى النَّاسِ، وَقَامَ فِي صَفِّهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَعْيَانِ.
وَفِي صَفَرٍ احْتَرَقَ بِقَصْرِ حَجَّاجٍ حَرِيقٌ عَظِيمٌ أَتْلَفَ دُورًا وَدَكَاكِينَ عَدِيدَةً.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وُلِدَ لِلسُّلْطَانِ وَلَدٌ فَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ وَزُيِّنَتِ الْبَلَدُ أَيَّامًا. وَفِي مُنْتَصَفِ رَبِيعٍ الْآخِرِ أُمِّرَ الْأَمِيرُ صَارِمُ الدِّينِ إِبْرَاهِيمُ الْحَاجِبُ السَّاكِنُ تُجَاهَ جَامِعِ كَرِيمِ الدِّينِ طَبْلَخَانَاهْ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الشيخ تقى الدين رَحِمَهُ اللَّهُ، وَلَهُ مَقَاصِدُ حَسَنَةٌ صَالِحَةٌ، وَهُوَ في نفسه رجل جيد. وفيه أفرج عن الخليفة المستكفي وَأُطْلِقَ مِنَ الْبُرْجِ فِي حَادِي عِشْرِينَ رَبِيعٍ الآخر وَلَزِمَ بَيْتَهُ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عِشْرِينَ جُمَادَى الْآخِرَةِ أُقِيمَتِ الْجُمُعَةُ فِي جَامِعَيْنِ بِمِصْرَ، أَحَدِهِمَا أَنْشَأَهُ الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ أَيْدَمُرُ بْنُ عَبْدِ الله الخطيريّ، ومات بَعْدَ ذَلِكَ بِاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا رَحِمَهُ اللَّهُ، والثاني أَنْشَأَتْهُ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا السِّتُّ حَدَقُ دَادَةُ السُّلْطَانِ النَّاصِرِ عِنْدَ قَنْطَرَةِ السِّبَاعِ. وَفِي شَعْبَانَ سَافَرَ الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ شَرَفِ بْنِ مَنْصُورٍ النَّائِبُ فِي الْحُكْمِ بِدِمَشْقَ إِلَى قَضَاءِ طَرَابُلُسَ، وَنَابَ بَعْدَهُ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ النَّقِيبِ الْبَعْلَبَكِّيُّ. وَفِيهِ خُلِعَ عَلَى عِزِّ الدِّينِ بْنِ جَمَاعَةَ بِوِكَالَةِ بَيْتِ الْمَالِ بِمِصْرَ، وَعَلَى ضِيَاءِ الدِّينِ ابْنِ خَطِيبِ بَيْتِ الْآبَارِ بِالْحِسْبَةِ بِالْقَاهِرَةِ، مَعَ مَا بِيَدِهِ مِنْ نظر الأوقاف وغيره. وفيه أمر الأمير نَاظِرُ الْقُدْسِ بِطَبْلَخَانَاهْ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقُدْسِ.
وَفِي عَاشِرِ رَمَضَانَ قَدِمَتْ مِنْ مِصْرَ مُقَدَّمَتَانِ ألفان إلى دمشق سائرة إِلَى بِلَادِ سِيسٍ، وَفِيهِمْ عَلَاءُ الدِّينِ، فَاجْتَمَعَ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَهُوَ مِنْ أَفَاضِلِ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ.
وَخَرَجَ الرَّكْبُ الشَّامِيُّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ عَاشِرَ شَوَّالٍ وَأَمِيرُهُ بِهَادِرُ قَبْجَقُ، وَقَاضِيهِ مُحْيِي الدِّينِ الطَّرَابُلُسِيُّ مُدَرِّسُ الْحِمْصِيَّةِ، وَفِي الرَّكْبِ تَقِيُّ الدِّينِ شَيْخُ الشُّيُوخِ وَعِمَادُ الدين ابن الشِّيرَازِيِّ، وَنَجْمُ الدِّينِ الطَّرَسُوسِيُّ، وَجَمَالُ الدِّينِ الْمَرْدَاوِيُّ، وصاحبه شمس الدين ابن مفلح، والصدر المالكي
(14/177)

والشرف ابن الْقَيْسَرَانِيِّ، وَالشَّيْخُ خَالِدٌ الْمُقِيمُ عِنْدَ دَارِ الطُّعْمِ، وَجَمَالُ الدِّينِ بْنُ الشِّهَابِ مَحْمُودٍ وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ الْجَيْشَ تَسَلَّمُوا مِنْ بِلَادِ سِيسٍ سَبْعَ قِلَاعٍ، وَحَصَلَ لَهُمْ خَيْرٌ كَثِيرٌ وللَّه الْحَمْدُ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ. وَفِيهِ كَانَتْ وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ بَيْنَ التَّتَارِ انْتَصَرَ فِيهَا الشيخ وذووه. وفيها نَفَى السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ مُحَمَّدُ بْنُ قَلَاوُونَ الْخَلِيفَةَ وَأَهْلَهُ وَذَوِيهِ، وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ نَفْسٍ إِلَى بِلَادِ قُوصَ، وَرَتَّبَ لَهُمْ هُنَاكَ ما يقوم بمصالحهم، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ.
الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ غَانِمٍ
أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَمَائِلَ بْنِ عَلِيٍّ المقدسي [1] أحد الكبار الْمَشْهُورِينَ بِالْفَضَائِلِ وَحُسْنِ التَّرَسُّلِ، وَكَثْرَةِ الْأَدَبِ وَالْأَشْعَارِ وَالْمُرُوءَةِ التَّامَّةِ، مَوْلِدُهُ سِنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وسمع الحديث الكثير، وحفظ القرآن والتنبيه، وَبَاشَرَ الْجِهَاتِ، وَقَصَدَهُ النَّاسُ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّاتِ وَكَانَ كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ. تُوُفِّيَ مرجعه من الْحَجِّ فِي مَنْزِلَةِ تَبُوكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثَالِثَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ، وَدُفِنَ هُنَاكَ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَبِعَهُ أَخُوهُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ سِنًّا بِسَنَةٍ، وَكَانَ فاضلا أيضا بارعا كثير الدعابة.
الشَّرَفُ مَحْمُودٌ الْحَرِيرِيُّ
الْمُؤَذِّنُ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، بَنَى حماما بالنيرب، ومات في آخر المحرم.
الشيخ الصالح العابد
ناصر الدين بن الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِعْضَادِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ مَاجِدِ بْنِ مَالِكٍ الْجَعْبَرِيُّ ثُمَّ الْمِصْرِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِقَلْعَةِ جَعْبَرَ، وَسَمِعَ صَحِيحَ مُسْلِمٍ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ وَيَعِظُهُمْ ويستحضر أشياء كثيرة من التفسير وغيره، وكان فِيهِ صَلَاحٌ وَعِبَادَةٌ، تُوُفِّيَ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَدُفِنَ بِزَاوِيَتِهِمْ عِنْدَ وَالِدِهِ خَارِجَ باب النصر.
الشيخ شهاب الدين عَبْدِ الْحَقِّ الْحَنَفِيُّ
أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ بْنِ قَاضِي الحنفيين وَيُعْرَفُ بِابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ الْحَنَفِيِّ، شَيْخُ الْمَذْهَبِ وَمُدَرِّسُ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ بَارِعًا فَاضِلًا دَيِّنًا، تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ
إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ نِعْمَةَ الْمَقْدِسِيُّ النَّابُلُسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ الامام العالم العابد شيخ الحنابلة بها وفقيههم مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَابِدُ النَّاسِكُ
مُحِبُّ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُحِبِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إبراهيم بن أحمد بن
__________
[1] في شذرات الذهب. «المنشى» .
(14/178)

عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَنْصُورٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ، وَكَتَبَ الطِّبَاقَ وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ، وَكَانَتْ لَهُ مَجَالِسُ وَعْظٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَهُ صَوْتٌ طَيِّبٌ بِالْقِرَاءَةِ جِدًّا، وَعَلَيْهِ رُوحٌ وَسَكِينَةٌ وَوَقَارٌ، وَكَانَتْ مَوَاعِيدُهُ مُفِيدَةً يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ، وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ يُحِبُّهُ وَيُحِبُّ قِرَاءَتَهُ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَابِعَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً، وَدُفِنَ بقاسيون وشهد الناس له بخير، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَلَغَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
الْمُحَدِّثُ الْبَارِعُ الْمُحَصِّلُ الْمُفِيدُ الْمُخَرِّجُ الْمَجِيدُ
نَاصِرُ الدين محمد بن طغربل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْرَفِيُّ أَبُوهُ، الْخَوَارِزْمِيُّ الْأَصْلِ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ، وقرأ الْكُتُبَ الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ، وَجَمَعَ وَخَرَّجَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَانَ بَارِعًا فِي هَذَا الشَّأْنِ، رَحَلَ فَأَدْرَكَتْهُ منيته بحماة يوم السبت ثانى رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ مِنَ الْغَدِ بِمَقَابِرِ طَيْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَابِدُ
شَمْسُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَفِيفِ محمد بن الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ نِعْمَةَ الْمَقْدِسِيُّ النَّابُلُسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، إِمَامُ مَسْجِدِ الحنابلة بها، وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ حَسَنَ الصَّوْتِ، عَلَيْهِ الْبَهَاءُ وَالْوَقَارُ وَحُسْنُ الشَّكْلِ وَالسَّمْتِ، قَرَأْتُ عَلَيْهِ عَامَ ثلاث وثلاثين وسبعمائة مرجعنا من القدس كَثِيرًا مِنَ الْأَجْزَاءِ وَالْفَوَائِدِ، وَهُوَ وَالِدُ صَاحِبِنَا الشيخ جمال الدين يوسف أحد مفتية الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَالْمَشْهُورِينَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثَانِيَ عِشْرِينَ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَدُفِنَ هُنَاكَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَجْدِ
إِبْرَاهِيمَ الْمُرْشِدِيُّ الْمُقِيمُ بِمُنْيَةِ مُرْشِدٍ، يَقْصِدُهُ النَّاسُ لِلزِّيَارَةِ، وَيُضِيفُ النَّاسَ عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ وَيُنْفِقُ نَفَقَاتٍ كَثِيرَةً جِدًّا، وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَرْيَةِ دُهْرُوطَ، وَأَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ مُدَّةً وَاشْتَغَلَ بِهَا، وَيُقَالُ إِنَّهُ قَرَأَ التَّنْبِيهَ فِي الْفِقْهِ، ثُمَّ انْقَطَعَ بِمُنْيَةِ مُرْشِدٍ وَاشْتَهَرَ أَمْرُهُ فِي النَّاسِ وَحَجَّ مَرَّاتٍ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ الْقَاهِرَةَ يَزْدَحِمُ عَلَيْهِ النَّاسُ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثَامِنَ رَمَضَانَ ودفن بزاويته، وصلى عليه بالقاهرة ودمشق وغيرها.
الْأَمِيرُ أَسَدُ الدِّينِ
عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ الْمُغِيثِ عبد العزيز بن الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ عِيسَى بْنِ الْعَادِلِ، وُلِدَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَأَسْمَعَ، وَكَانَ يَأْتِي كُلَّ سَنَةٍ مِنْ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ وَيُكْرِمُ أَهْلَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَعْدِهِ من بنى أيوب أعلا سَنًّا مِنْهُ، تُوُفِّيَ بِالرَّمْلَةِ فِي سَلْخِ رَمَضَانَ رحمه الله.
الشيخ الصالح الفاضل
حسن بن إبراهيم بن حسن الحاكي الْحِكْرِيُّ إِمَامُ مَسْجِدٍ هُنَاكَ، وَمُذَكِّرُ النَّاسِ فِي كل جمعة،
(14/179)

وَلَدَيْهِ فَضَائِلُ، وَفِي كَلَامِهِ نَفْعٌ كَثِيرٌ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ، وَلَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَ جَنَازَتِهِ بِدِيَارِ مِصْرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وسبعمائة
اسْتَهَلَّتْ بِيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ وَالْخَلِيفَةُ الْمُسْتَكْفِي مَنْفِيٌّ بِبِلَادِ قُوصَ، وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَذَوُوهُ، وَمَنْ يَلُوذُ بِهِ، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ، وَلَا نَائِبَ بِدِيَارِ مِصْرَ وَلَا وَزِيرَ، وَنَائِبُهُ بِدِمَشْقَ تَنْكِزُ، وَقُضَاةُ الْبِلَادِ وَنُوَّابُهَا وَمُبَاشِرُوهَا هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَفِي ثَالِثِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ رَسَمَ السُّلْطَانُ بِتَسْفِيرِ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْعَاضِدِ آخَرِ خُلَفَاءِ الْفَاطِمِيِّينَ إِلَى الْفَيُّومِ يُقِيمُونَ بِهِ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ عُزِلَ الْقَاضِي عَلَمُ الدِّينِ بْنُ القطب عن كِتَابَةِ السِّرِّ وَضُرِبَ وَصُودِرَ، وَنُكِبَ بِسَبَبِهِ الْقَاضِي فَخْرُ الدِّينِ الْمِصْرِيُّ، وَعُزِلَ عَنْ مَدْرَسَتِهِ الدَّوْلَعِيَّةِ وأخذها ابن جملة، والعادلية الصغيرة باشرها ابْنُ النَّقِيبِ، وَرُسِمَ عَلَيْهِ بِالْعَذْرَاوِيَّةِ مِائَةُ يَوْمٍ، وَأُخِذَ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ.
وَفِي لَيْلَةِ الْأَحَدِ ثَالِثِ عِشْرِينَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ بِمِصْرَ وَأَعْقَبَهَا رَعْدٌ وَبَرْقٌ وَبَرَدٌ بِقَدْرِ الْجَوْزِ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُشَاهِدُوا مِثْلَهُ مِنْ أَعْصَارٍ مُتَطَاوِلَةٍ بِتِلْكَ الْبِلَادِ. وَفِي عَاشِرِ جُمَادَى الْأُولَى اسْتَهَلَّ الْغَيْثُ بِمَكَّةَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جَاءَ سَيْلٌ عَظِيمٌ هَائِلٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ مِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ، فَخَرَّبَ دُورًا كَثِيرَةً نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَكْثَرَ، وَغَرَّقَ جَمَاعَةً وَكَسَرَ أَبْوَابَ الْمَسْجِدِ، وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ وَارْتَفَعَ فِيهَا نَحْوًا مِنْ ذِرَاعٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَجَرَى أَمْرٌ عَظِيمٌ حَكَاهُ الشَّيْخُ عَفِيفُ الدين الطبري. وَفِي سَابِعِ عِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى عُزِلَ القاضي جلال الدين عَنْ قَضَاءِ مِصْرَ، وَاتَّفَقَ وَصُولُ خَبَرِ مَوْتِ قَاضِي الشَّامِ ابْنِ الْمَجْدِ بَعْدَ أَنْ عُزِلَ بِيَسِيرٍ، فَوَلَّاهُ السُّلْطَانُ قَضَاءَ الشَّامِ فَسَارَ إِلَيْهَا رَاجِعًا عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ، ثُمَّ عَزَلَ السُّلْطَانُ بُرْهَانَ الدِّينِ بْنَ عَبْدِ الْحَقِّ قَاضِيَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَزَلَ قَاضِيَ الْحَنَابِلَةِ تَقِيَّ الدِّينِ، وَرَسَمَ عَلَى وَلَدِهِ صَدْرِ الدِّينِ بِأَدَاءِ دُيُونِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ، وَكَانَتْ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ تَاسِعَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ بَعْدَ سَفَرِ جَلَالِ الدِّينِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ طَلَبَ السُّلْطَانُ أعيان الفقهاء إلى بين يديه فسألهم عن من يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ بِمِصْرَ فَوَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الْقَاضِي عز الدين ابن جَمَاعَةَ، فَوَلَّاهُ فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ، وَوَلَّى قَضَاءَ الْحَنَفِيَّةِ لِحُسَامِ الدِّينِ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغُورِيِّ قَاضِي بَغْدَادَ، وَخَرَجَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إِلَى الْمَدْرَسَةِ الصَّالِحِيَّةِ، وَعَلَيْهِمَا الْخُلَعُ، وَنَزَلَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ عَنْ دَارِ الْحَدِيثِ الْكَامِلِيَّةِ لِصَاحِبِهِ الشَّيْخِ عِمَادِ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيِّ، فَدَرَّسَ فِيهَا وَأَوْرَدَ حَدِيثَ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . بِسَنَدِهِ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ. وعزل أكثر نواب الحكم واستمر بعضهم، واستمر بالمنادي الَّذِي أَشَارَ بِتَوْلِيَتِهِ. وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَامِسِ عِشْرِينَ مِنْهُ وَلِيَ قَضَاءَ الْحَنَابِلَةِ الْإِمَامُ الْعَالِمُ مُوَفَّقُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَقْدِسِيُّ عِوَضًا عَنِ الْمَعْزُولِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْقُضَاةِ سِوَى الْأَخْنَائِيِّ المالكي.
(14/180)

وَفِي رَمَضَانَ فُتِحَتِ الصَّبَّابِيَّةُ الَّتِي أَنْشَأَهَا شَمْسُ الدين بن تقى الدين ابن الصَّبَّابِ التَّاجِرُ دَارَ قُرْآنٍ وَدَارَ حَدِيثٍ، وَقَدْ كَانَتْ خَرِبَةً شَنِيعَةً قَبْلَ ذَلِكَ. وَفِي رَمَضَانَ بَاشَرَ عَلَاءُ الدِّينِ عَلِيٌّ ابْنُ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنِ فَضْلِ اللَّهِ كِتَابَةَ السِّرِّ بِمِصْرَ بعد وفاة أبيه كما سيأتي تَرْجَمَتُهُ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَخِيهِ بَدْرِ الدِّينِ، وَرُسِمَ لَهُمَا أَنْ يَحْضُرَا مَجْلِسَ السُّلْطَانِ، وَذَهَبَ أَخُوهُ شِهَابُ الدِّينِ إِلَى الْحَجِّ.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ سَقَطَ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ مِصْرَ بَرَدٌ كَالْبَيْضِ وَكَالرُّمَّانِ، فَأَتْلَفَ شَيْئًا كَثِيرًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الْبِرْزَالِيُّ وَنَقَلَهُ مِنْ كِتَابِ الشِّهَابِ الدِّمْيَاطِيِّ. وَفِي ثَالِثِ عِشْرِينَ رَمَضَانَ دَرَّسَ بِالْقُبَّةِ الْمَنْصُورِيَّةِ بِمَشْيَخَةِ الْحَدِيثِ شِهَابُ الدِّينِ الْعَسْجَدِيُّ عِوَضًا عَنْ زَيْنِ الدين الكناني تُوُفِّيَ، فَأَوْرَدَ حَدِيثًا مِنْ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ بِرِوَايَتِهِ عن الجاولي بسنده، ثم صرف عنها بالحجة بِالشَّيْخِ أَثِيرِ الدِّينِ أَبِي حَيَّانَ، فَسَاقَ حَدِيثًا عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَدَعَا لِلسُّلْطَانِ وَحَضَرَ عنده الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَكَانَ مَجْلِسًا حَافِلًا. وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ حَضَرَ تَدْرِيسَ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ قَاضِي الْقُضَاةِ شمس الدين ابن النقيب عوضا عن القاضي جمال الدين ابن جملة توفى، وحضر خلق كثير من الفقهاء والأعيان، وكان مجلسا حافلا. وَفِي ثَانِي ذِي الْحِجَّةِ دَرَّسَ بِالْعَادِلِيَّةِ الصَّغِيرَةِ تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ جلال الدين القزويني عوضا عن الشيخ شمس الدين بن النَّقِيبِ بِحُكْمِ وِلَايَتِهِ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ القضاة والأعيان. وفي هذا الشهر درس القاضي صدر الدين بن القاضي جلال الدين بالاتابكية، وأخوه الْخَطِيبُ بَدْرُ الدِّينِ بِالْغَزَّالِيَّةِ وَالْعَادِلِيَّةِ نِيَابَةً عَنْ أبيه. انتهى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ فَخْرِ الدِّينِ عِيسَى ابن التركماني
بَانِي جَامِعِ الْمِقْيَاسِ بِدِيَارِ مِصْرَ فِي أَيَّامِ وزارته بها، ثم عزل أَمِيرًا إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِصْرَ إلى أن توفى بها في خامس ربيع الآخر، وتوفى بالحسينية، وكان مشكورا رحمه الله، انتهى.
قَاضِي الْقُضَاةِ شِهَابُ الدِّينِ
مُحَمَّدُ بْنُ الْمَجْدِ بن عبد الله بن الحسين بن على الرازيّ الإربلي الأصل، ثم الدمشقيّ الشافعيّ، قاضى الشَّافِعِيَّةِ بِدِمَشْقَ، وُلِدَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَاشْتَغَلَ وَبَرَعَ وَحَصَّلَ وَأَفْتَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَدَرَّسَ بِالْإِقْبَالِيَّةِ ثُمَّ الرَّوَاحِيَّةِ وَتُرْبَةِ أُمِّ الصَّالِحِ، وَوَلِيَ وِكَالَةَ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ صَارَ قَاضِيَ قضاة الشام إلى أن توفى بمستهل جُمَادَى الْأُولَى بِالْمَدْرَسَةِ الْعَادِلِيَّةِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ
زَيْنُ الدين محمد بن عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ مَكِّيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُرَحَّلِ مُدَرِّسُ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ وَالْعَذْرَاوِيَّةِ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَشْهَدِ الْحُسَيْنِ، وَكَانَ فَاضِلًا بَارِعًا فَقِيهًا
(14/181)

أصوليا مناظرا، حسن الشكل طيب الأخلاق، دينا صينا، وناب في وقت بدمشق عن علم الدين الأخنائي فحمدت سيرته، وكانت وفاته لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ تَاسِعَ عَشَرَ رَجَبٍ، وَدُفِنَ مِنَ الغد عند مسجد الديان في تربة لهم هناك، وحضر جنازته القاضي جلال الدين، وكان قد قدم من الديار المصرية له يومان فقط، وقدم بعده القاضي برهان الدين عَبْدِ الْحَقِّ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ، هُوَ وَأَهْلُهُ وَأَوْلَادُهُ أيضا، وباشر بعده تدريس الشامية البرانية قاضى القضاة جمال الدين ابن جملة، ثم كانت وفاته بَعْدَهُ بِشُهُورٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ رَابِعَ عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ. وَهَذِهِ تَرْجَمَتُهُ فِي تَارِيخِ الشَّيْخِ علم الدين البرزالي:
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ قَاضِي الْقُضَاةِ
جَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْمَحَاسِنِ يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جُمْلَةَ بن مسلم بن همام بْنِ حُسَيْنِ بْنِ يُوسُفَ الصَّالِحِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمَحَجِّيُّ والده، بالمدرسة السرورية وَصُلِّيَ عَلَيْهِ عُقَيْبَ الظُّهْرِ يَوْمَ الْخَمِيسِ رَابِعَ عشر ذي الحجة، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، وَمَوْلِدُهُ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَحَدَّثَ وَكَانَ رَجُلًا فَاضِلًا فِي فُنُونٍ، اشْتَغَلَ وَحَصَّلَ وَأَفْتَى وَأَعَادَ وَدَرَّسَ، وَلَهُ فَضَائِلُ جَمَّةٌ وَمَبَاحِثُ وَفَوَائِدُ وَهِمَّةٌ عَالِيَةٌ وَحُرْمَةٌ وَافِرَةٌ، وَفِيهِ تَوَدُّدٌ وَإِحْسَانٌ وَقَضَاءٌ لِلْحُقُوقِ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِدِمَشْقَ نِيَابَةً وَاسْتِقْلَالًا، وَدَرَّسَ بِمَدَارِسَ كِبَارٍ، وَمَاتَ وَهُوَ مُدَرِّسُ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، وَحَضَرَ جَنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْيَانِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ العلامة شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَاضِي الْقُضَاةِ
شَرَفُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ نَجْمِ الدين عبد الرحيم بن الْقَاضِي شَمْسِ الدِّينِ أَبِي الطَّاهِرِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هبة الله بن مسلم بن هبة الله الجهينى الْحَمَوِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَارِزِيِّ قَاضِي الْقُضَاةِ بِحَمَاةَ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْكَثِيرَةِ الْمُفِيدَةِ فِي الْفُنُونِ الْعَدِيدَةِ، وُلِدَ فِي خَامِسِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَحَصَّلَ فُنُونًا كَثِيرَةً، وَصَنَّفَ كتبا جما كثيرة، وكان حسن الأخلاق كثير الْمُحَاضَرَةِ حَسَنَ الِاعْتِقَادِ فِي الصَّالِحِينَ، وَكَانَ مُعَظَّمًا عند الناس، وأذن لجماعة من البلد فِي الْإِفْتَاءِ، وَعَمِيَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَهُوَ بحكم مَعَ ذَلِكَ مُدَّةً، ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْمَنْصِبِ لِحَفِيدِهِ نَجْمِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وهو في ذلك لا يقطع نظره عن المنصب، وكانت وفاته لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْعَشَاءَ وَالْوَتْرَ، فَلَمْ تَفُتْهُ فَرِيضَةٌ وَلَا نَافِلَةٌ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ وَدُفِنَ بعقبة نقيرين، وله من العمر ثلاث وتسعون سنة.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ
شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ الْبُرْهَانِ شَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ بِحَلَبَ، شَارِحُ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا مُنْقَطِعًا عَنِ النَّاسِ، وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الثَّامِنِ والعشرين من رجب، وكانت
(14/182)

له معرفة بالعربية والقراءات، ومشاركات في علوم أخر رحمه الله، والله أعلم.
الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ كَاتِبُ السِّرِّ
هُوَ أَبُو الْمَعَالِي يَحْيَى بْنُ فَضْلِ الله بن المحلى بْنِ دَعْجَانَ بْنِ خَلَفٍ الْعَدَوِيُّ الْعُمَرِيُّ، وُلِدَ فِي حَادِيَ عَشَرَ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِالْكَرَكَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَأَسْمَعَهُ، وَكَانَ صَدْرًا كَبِيرًا مُعَظَّمًا فِي الدَّوْلَةِ فِي حَيَاةِ أَخِيهِ شرف الدين وبعده، وكتب السر بالشام وبالديار المصرية، وكانت وفاته ليلة الأربعاء تاسع رمضان بديار مصر، وَدُفِنَ مِنَ الْغَدِ بِالْقَرَافَةِ وَتَوَلَّى الْمَنْصِبَ بَعْدَهُ ولده عَلَاءُ الدِّينِ، وَهُوَ أَصْغَرُ أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ الْمُعَيَّنِينَ لهذا المنصب.
الشيخ الامام العلامة
زين الدين ابن الكتاني، شيخ الشافعية بديار مصر، وهو أبو حفص عمر بن أبى الحزم بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُونُسَ الدِّمَشْقِيُّ الْأَصْلِ، ولد بالقاهرة في حدود سنة ثلاث خمسين وَسِتِّمِائَةٍ، وَاشْتَغَلَ بِدِمَشْقَ ثُمَّ رَحَلَ إِلَى مِصْرَ وَاسْتَوْطَنَهَا وَتَوَلَّى بِهَا بَعْضَ الْأَقْضِيَةِ بِالْحُكْرِ، ثُمَّ نَابَ عَنِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ العيد فحمدت سيرته، ودرس بمدارس كبار، ولى مشيخة دار الحديث بِالْقُبَّةِ الْمَنْصُورِيَّةِ، وَكَانَ بَارِعًا فَاضِلًا، عِنْدَهُ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ مُنْقَبِضًا عَنِ النَّاسِ، لَمْ يَتَزَوَّجْ قَطُّ، وَكَانَ حَسَنَ الشَّكْلِ بَهِيَّ الْمَنْظَرِ، يَأْكُلُ الطَّيِّبَاتِ وَيَلْبَسُ اللين من الثياب، وله فوائد وفرائد وَزَوَائِدُ عَلَى الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ فِيهِ اسْتِهْتَارٌ لبعض العلماء فاللَّه يسامحه، وكانت وفاته يوم الثلاثاء المنتصف من رمضان، ودفن بالقرافة رحمه الله انتهى.
الشيخ الامام العلامة
ركن الدين بن القويع، أبو عبد الله مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عبد الرحمن بن عبد الجليل الوسى الهاشمي الجعفري التونسي المالكي، المعروف بابن القويع، كان من أعيان الفضلاء وسادة الأذكياء، ممن جمع الفنون الكثيرة والعلوم الأخروية الدينية الشرعية الطيبة، وكان مدرسا بالمنكود مرية، وَلَهُ وَظِيفَةٌ فِي الْمَارَسْتَانِ الْمَنْصُورِيِّ، وَبِهَا تُوُفِّيَ فِي بُكْرَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ،
وترك مالا وأثاثا ورثه بيت المال
وهذا آخِرُ مَا أَرَّخَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ عَلَمُ الدِّينِ الْبِرْزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي ذَيَّلَ بِهِ عَلَى تاريخ الشيخ شهاب الدين أبى شامة المقدسي، وقد ذيلت على تاريخه إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَكَانَ فَرَاغِي مِنَ الِانْتِقَاءِ مِنْ تَارِيخِهِ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، أحسن الله خاتمتها آمين. وإلى هنا انتهى ما كتبته من لدن خلق آدم إلى زماننا هذا وللَّه الحمد والمنة. وما أحسن ما قال الحريري!
(14/183)

وإن تجد عيبا فسد الخللا ... فجل من لا عيب فيه وعلا
كتبه إسماعيل بن كثير بن صنو القرشي الشافعيّ عفا الله تعالى عنه آمِينَ. [1]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ وَسُلْطَانُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَا وَالَاهَا وَالدِّيَارِ الشَّامِيَّةِ وَمَا وَالَاهَا وَالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ، وَلَا نَائِبَ لَهُ وَلَا وَزِيرَ أَيْضًا بِمِصْرَ، وَقُضَاةُ مِصْرَ، أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَاضِي الْقُضَاةِ عِزُّ الدين ابن قاضى القضاة صدر الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَمَاعَةَ، وَأَمَّا الْحَنَفِيُّ فَقَاضِي الْقُضَاةِ حُسَامُ الدِّينِ الْغُورِيُّ، حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا الْمَالِكِيُّ فَتَقِيُّ الدِّينِ الْأَخْنَائِيُّ، وَأَمَّا الْحَنْبَلِيُّ فَمُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ نَجَا الْمَقْدِسِيُّ، وَنَائِبُ الشَّامِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ تَنْكِزُ وَقُضَاتُهُ جَلَالُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمَعْزُولُ عَنِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَالْحَنَفِيُّ عِمَادُ الدِّينِ الطَّرَسُوسِيُّ، وَالْمَالِكِيُّ شَرَفُ الدِّينِ الْهَمْدَانِيُّ، وَالْحَنْبَلِيُّ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ الْمُنَجَّا التَّنُوخِيُّ.
وَمِمَّا حَدَثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِكْمَالُ دَارِ الْحَدِيثِ السُّكَّرِيَّةِ وَبَاشَرَ مَشْيَخَةَ الْحَدِيثِ بِهَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ مُؤَرِّخُ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدُ بْنُ شمس الدين مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الذَّهَبِيُّ، وَقَرَّرَ فِيهَا ثَلَاثُونَ مُحَدِّثًا لِكُلٍّ مِنْهُمْ جِرَايَةٌ وَجَامَكِيَّةٌ كُلُّ شَهْرٍ سَبْعَةُ دَرَاهِمَ وَنِصْفُ رَطْلِ خُبْزٍ، وَقُرِّرَ لِلشَّيْخِ ثَلَاثُونَ وَرَطْلُ خُبْزٍ، وَقُرِّرَ فِيهَا ثَلَاثُونَ نَفَرًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ شَيْخٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقُرَّاءِ نَظِيرُ مَا لِلْمُحَدِّثِينَ، وَرُتِّبَ لَهَا إِمَامٌ وَقَارِئُ حَدِيثٍ وَنُوَّابٌ، وَلِقَارِئِ الْحَدِيثِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا وَثَمَانِ أَوَاقٍ خُبْزٍ، وَجَاءَتْ فِي غَايَةِ الحسن في شكالاتها وَبِنَائِهَا، وَهِيَ تُجَاهَ دَارِ الذَّهَبِ الَّتِي أَنْشَأَهَا الْوَاقِفُ الْأَمِيرُ تَنْكِزُ، وَوَقَفَ عَلَيْهَا عِدَّةَ أَمَاكِنَ: منها سوق القشاشيين بِبَابِ الْفَرَجِ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِرَاعًا شَرْقًا وَغَرْبًا، سماه في كتاب الوقف، وبندر زيدين، وَحَمَّامٌ بِحِمْصَ وَهُوَ الْحَمَّامُ الْقَدِيمُ، وَوَقَفَ عَلَيْهَا حِصَصًا فِي قَرَايَا أُخَرَ، وَلَكِنَّهُ تَغَلَّبَ عَلَى ما عدا القشاشيين، وبندر زيدين، وَحَمَّامَ حِمْصَ.
وَفِيهَا قَدِمَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ حَاكِمًا عَلَى دِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا، وَفَرِحَ النَّاسُ بِهِ، وَدَخَلَ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ لِعِلْمِهِ وَدِيَانَتِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَنَزَلَ بِالْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ عَلَى عَادَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ، وَدَرَّسَ بِالْغَزَّالِيَّةِ وَالْأَتَابَكِيَّةِ، وَاسْتَنَابَ ابْنَ عمه القاضي بهاء الدين أبو الْبَقَاءِ، ثُمَّ اسْتَنَابَ ابْنَ عَمِّهِ أَبَا الْفَتْحِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ الشَّامَ بَعْدَ وَفَاةِ قَاضِي الْقُضَاةِ جلال الدين محمد بن عبد الرحيم الْقَزْوِينِيِّ الشَّافِعِيِّ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الوفيات من هذه السنة.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
الْعَلَّامَةُ قَاضِي الْقُضَاةِ فَخْرُ الدِّينِ
عُثْمَانُ بْنُ الزَّيْنِ عَلِيِّ بْنِ عثمان الحلبي، ابن خطيب جسرين الشافعيّ، ولى قضاء حلب وكان
__________
[1] كذا بسائر الأصول.
(14/184)

إماما صَنَّفَ شَرْحَ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الْفِقْهِ، وشرح الْبَدِيعِ لِابْنِ السَّاعَاتِيِّ، وَلَهُ فَوَائِدُ غَزِيرَةٌ وَمُصَنَّفَاتٌ جَلِيلَةٌ، تَوَلَّى حَلَبَ بَعْدَ عَزْلِ الشَّيْخِ ابْنِ النَّقِيبِ، ثُمَّ طَلَبَهُ السُّلْطَانُ فَمَاتَ هُوَ وَوَلَدُهُ الْكَمَالُ وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْقَزْوِينِيُّ الشَّافِعِيُّ، قَدِمَ هُوَ وَأَخُوهُ أَيَّامَ التَّتَرِ مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَى دِمَشْقَ، وَهُمَا فَاضِلَانِ، بَعْدَ التِّسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فَدَّرَسَ إِمَامُ الدِّينِ فِي تُرْبَةِ أُمِّ الصَّالِحِ وَأَعَادَ جَلَالَ الدِّينِ بِالْبَادَرَائِيَّةِ عِنْدَ الشَّيْخِ بُرْهَانِ الدِّينِ ابْنِ الشَّيْخِ تاج الدين شيخ الشافعية، ثم تقلبت بهم الْأَحْوَالُ إِلَى أَنْ وَلِيَ إِمَامُ الدِّينِ قَضَاءَ الشَّافِعِيَّةِ بِدِمَشْقَ، انْتُزِعَ لَهُ مِنْ يَدِ الْقَاضِي بدر الدين ابن جَمَاعَةَ، ثُمَّ هَرَبَ سَنَةَ قَازَانَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مَعَ النَّاسِ فَمَاتَ هُنَالِكَ، وَأُعِيدَ ابْنُ جَمَاعَةَ إِلَى الْقَضَاءِ، وَخَلَتْ خَطَابَةُ الْبَلَدِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِمِائَةٍ، فَوَلِيَهَا جَلَالُ الدِّينِ الْمَذْكُورُ، ثُمَّ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مَعَ الْخَطَابَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ بَعْدَ أَنَّ عَجَزَ قَاضِي الْقُضَاةِ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ بِسَبَبِ الضَّرَرِ فِي عَيْنَيْهِ فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ تعصب عَلَيْهِ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ بِسَبَبِ أُمُورٍ يَطُولُ شَرْحُهَا، وَنَفَاهُ إِلَى الشَّامِ، وَاتَّفَقَ مَوْتُ قَاضِي الْقُضَاةِ شِهَابِ الدِّينِ بْنِ الْمَجْدِ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَوَلَّاهُ السُّلْطَانُ قَضَاءَ الشَّامِ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ، فَاسْتَنَابَ وَلَدَهُ بَدْرَ الدِّينِ عَلَى نيابة القضاء الّذي هو خطيب دمشق، كانت وفاته في أواخر هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِالصُّوفِيَّةِ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ، وَيُفْتِي كَثِيرًا، وَلَهُ مصنفات في المعاني مصنف مشهور [اسمه للتلخيص] اخْتَصَرَ فِيهِ الْمِفْتَاحَ لِلسَّكَّاكِيِّ، وَكَانَ مَجْمُوعَ الْفَضَائِلِ، مَاتَ وَكَانَ عُمُرُهُ قَرِيبًا مِنَ السَّبْعِينَ أَوْ جَاوَزَهَا.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا رَابِعَ الْحِجَّةِ يَوْمَ الْأَحَدِ: الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْحَافِظُ
عَلَمُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْبِرْزَالِيِّ مُؤَرِّخُ الشَّامِ الشَّافِعِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ وَفَاةِ الشَّيْخِ ابن أَبِي شَامَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَقَدْ كَتَبَ تَارِيخًا ذَيَّلَ بِهِ عَلَى الشَّيْخِ شِهَابِ الدِّينِ، مِنْ حِينِ وَفَاتِهِ وَمَوْلِدِ الْبِرْزَالِيِّ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فغسل وكفن ولم يستر رأسه، وحمله الناس على نعشه وهم يبكون حوله، وكان يوما مشهودا، وسمع الكثير أَزِيدَ مِنْ أَلْفِ شَيْخٍ، وَخَرَّجَ لَهُ الْمُحَدِّثُ شمس الدين ابن سَعْدٍ مَشْيَخَةً لَمْ يُكْمِلْهَا، وَقَرَأَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَسْمَعَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَانَ لَهُ خَطٌّ حَسَنٌ، وخلق حسن، وهو مشكور عند القضاة ومشايخه أَهْلِ الْعِلْمِ، سَمِعْتُ الْعَلَّامَةَ ابْنَ تَيْمِيَةَ يَقُولُ: نَقْلُ الْبِرْزَالِيِّ نَقْرٌ فِي حَجَرٍ. وَكَانَ أَصْحَابُهُ مِنْ كُلِّ الطَّوَائِفِ يُحِبُّونَهُ وَيُكْرِمُونَهُ، وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ مَاتُوا قَبْلَهُ، وَكَتَبَتِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ الْبُخَارِيَّ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا فَقَابَلَهُ لَهَا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهِ عَلَى الْحَافِظِ الْمِزِّيِّ تَحْتَ الْقُبَّةِ، حَتَّى صَارَتْ نُسْخَتُهَا أَصْلًا مُعْتَمَدًا يَكْتُبُ مِنْهَا النَّاسُ، وَكَانَ شَيْخَ حَدِيثٍ بِالنُّورِيَّةِ
(14/185)

وفيها وقف كتبه بدار الحديث السنية، وبدار الحديث القوصية وفي الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى كَرَاسِيِّ الْحَدِيثِ، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا مُحَبَّبًا إِلَى النَّاسِ، مُتَوَدِّدًا إِلَيْهِمْ، تُوُفِّيَ عَنْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْمُؤَرِّخُ شَمْسُ الدين
محمد بن إبراهيم الجوزي، جَمَعَ تَارِيخًا حَافِلًا، كَتَبَ فِيهِ أَشْيَاءَ يَسْتَفِيدُ مِنْهَا الْحَافِظُ كَالْمِزِّيِّ وَالذَّهَبِيِّ وَالْبِرْزَالِيِّ يَكْتُبُونَ عَنْهُ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَى نَقْلِهِ، وَكَانَ شَيْخًا قَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، وَثَقُلَ سَمْعُهُ وَضَعُفَ خَطُّهُ، وَهُوَ وَالِدُ الشَّيْخِ نَاصِرِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ وَأَخُوهُ مَجْدُ الدِّينِ.
ثم دخلت سنة أربعين وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَسُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ، وَوُلَاتُهُ وَقُضَاتُهُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا إِلَّا الشَّافِعِيَّ بِالشَّامِ فَتُوُفِّيَ الْقَزْوِينِيُّ وَتَوَلَّى الْعَلَّامَةُ السُّبْكِيُّ. وَمِمَّا وَقَعَ مِنَ الْحَوَادِثِ الْعَظِيمَةِ الْهَائِلَةِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ رُءُوسِ النَّصَارَى اجْتَمَعُوا فِي كَنِيسَتِهِمْ وَجَمَعُوا مِنْ بَيْنِهِمْ مَالًا جَزِيلًا فَدَفَعُوهُ إِلَى رَاهِبَيْنِ قَدِمَا عَلَيْهَا مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، يحسنان صنعة النفط، اسم أحدهما ملانى والآخر عازر، فعملا كحطا مِنْ نِفْطٍ، وَتَلَطَّفَا حَتَّى عَمِلَاهُ لَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُهُ إِلَّا بَعْدَ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَوَضَعَا فِي شُقُوقِ دَكَاكِينِ التُّجَّارِ فِي سُوقِ الرِّجَالِ عِنْدَ الدَّهْشَةِ فِي عِدَّةِ دَكَاكِينٍ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ، بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ أَحَدٌ بِهِمَا، وَهُمَا فِي زِيِّ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ لَمْ يَشْعُرِ النَّاسُ إِلَّا وَالنَّارُ قَدْ عَمِلَتْ فِي تِلْكَ الدَّكَاكِينِ حَتَّى تَعَلَّقَتْ فِي دَرَابْزِينَاتِ الْمِئْذَنَةِ الشَّرْقِيَّةِ الْمُتَّجِهَةِ لِلسُّوقِ المذكور، وأحرقت الدَّرَابْزِينَاتُ، وَجَاءَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ تَنْكِزُ وَالْأُمَرَاءُ أُمَرَاءُ الألوف، وصعدوا المنارة وهي تشعل نَارًا، وَاحْتَرَسُوا عَنِ الْجَامِعِ فَلَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِيقِ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَأَمَّا الْمِئْذَنَةُ فإنها تفجرت أحجارها واحترقت السقالات التي تدل السَّلَالِمِ فَهُدِّمَتْ وَأُعِيدَ بِنَاؤُهَا بِحِجَارَةٍ جُدُدٍ، وَهِيَ الْمَنَارَةُ الشَّرْقِيَّةُ الَّتِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ينزل عليها عيسى ابن مَرْيَمَ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي نُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْبَلَدُ مُحَاصَرٌ بِالدَّجَّالِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّصَارَى بَعْدَ لَيَالٍ عَمَدُوا إِلَى نَاحِيَةِ الجامع من المغرب إلى الْقَيْسَارِيَّةُ بِكَمَالِهَا، وَبِمَا فِيهَا مِنَ الْأَقْوَاسِ وَالْعُدَدِ، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156، وَتَطَايَرَ شَرَرُ النَّارِ إِلَى مَا حَوْلَ الْقَيْسَارِيَّةِ مِنَ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَدَارِسِ، وَاحْتَرَقَ جَانِبٌ مِنَ الْمَدْرَسَةِ الْأَمِينِيَّةِ إِلَى جَانِبِ الْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا كَانَ مَقْصُودُهُمْ إِلَّا وَصُولَ النَّارِ إِلَى مَعْبَدِ الْمُسْلِمِينَ، فَحَالَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَرُومُونَ، وَجَاءَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَالْأُمَرَاءُ وَحَالُوا بَيْنَ الْحَرِيقِ وَالْمَسْجِدِ، جَزَاهُمُ اللَّهُ خَيْرًا. وَلِمَا تَحَقَّقَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِهِمْ أَمَرَ بِمَسْكِ رُءُوسِ النَّصَارَى فَأَمْسَكَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ سِتِّينَ رَجُلًا، فَأُخَذُوا بِالْمُصَادَرَاتِ وَالضَّرْبِ وَالْعُقُوبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمَثُلَاتِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ صَلَبَ مِنْهُمْ أَزِيدَ مِنْ عَشَرَةٍ عَلَى الْجِمَالِ، وَطَافَ بِهِمْ فِي أَرْجَاءِ الْبِلَادِ وَجَعَلُوا يَتَمَاوَتُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، ثُمَّ أُحْرِقُوا بِالنَّارِ حَتَّى صاروا رمادا لعنهم الله، انتهى
(14/186)

والله أعلم.
سَبَبُ مَسْكِ تَنْكِزَ
لَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ الرَّابِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ جَاءَ الْأَمِيرُ طشتمر من صغد مُسْرِعًا وَرَكِبَ جَيْشَ دِمَشْقَ مُلَبَّسًا، وَدَخَلَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ مِنْ قَصْرِهِ مُسْرِعًا إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ، وَجَاءَ الْجَيْشُ فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ النَّصْرِ، وَكَانَ أراد أن يلبس ويقابل فعذلوه في ذلك، وقالوا: المصلحة الْخُرُوجِ إِلَى السُّلْطَانِ سَامِعًا مُطِيعًا، فَخَرَجَ بِلَا سِلَاحٍ، فَلَمَّا بَرَزَ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ الْفَخْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَخَذُوهُ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى نَاحِيَةِ الْكُسْوَةِ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ قُبَّةِ يَلْبُغَا نزلوا وقيدوه وخصاياه مِنْ قَصْرِهِ، ثُمَّ رَكِبَ الْبَرِيدَ وَهُوَ مُقَيَّدٌ وَسَارُوا بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ، فَلَمَّا وَصَلَ أَمَرَ بِمَسِيرِهِ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَسَأَلُوا عَنْ وَدَائِعِهِ فَأَقَرَّ بِبَعْضٍ، ثُمَّ عُوقِبَ حَتَّى أَقَرَّ بِالْبَاقِي، ثُمَّ قَتَلُوهُ وَدَفَنُوهُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، ثُمَّ نَقَلُوهُ إِلَى تُرْبَتِهِ بِدِمَشْقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ جَاوَزَ السِّتِّينَ، وَكَانَ عَادِلًا مَهِيبًا عَفِيفَ الْفَرْجِ وَالْيَدِ، وَالنَّاسُ فِي أَيَّامِهِ فِي غَايَةِ الرُّخْصِ وَالْأَمْنِ وَالصِّيَانَةِ فَرَحِمَهُ اللَّهُ، وَبَلَّ بِالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ.
وَلَهُ أَوْقَافٌ كَثِيرَةٌ من ذلك مرستان بصغد، وَجَامِعٌ بِنَابُلُسَ وَعَجْلُونَ، وَجَامِعٌ بِدِمَشْقَ، وَدَارُ حَدِيثٍ بِالْقُدْسِ وَدِمَشْقَ، وَمَدْرَسَةٌ وَخَانَقَاهْ بِالْقُدْسِ، وَرِبَاطٌ وَسُوقٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَفَتَحَ شُبَّاكًا فِي المسجد. انتهى والله تعالى أعلم.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَكْفِي باللَّه
أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَاكِمِ بأمر الله بن الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ أبى بكر بن عَلِيٍّ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَرْشِدِ باللَّه الْهَاشِمِيُّ العباسي، البغدادي الأصل والمولد، مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ أَوْ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَقَرَأَ وَاشْتَغَلَ قَلِيلًا، وَعَهِدَ إِلَيْهِ أَبُوهُ بِالْأَمْرِ وَخُطِبَ لَهُ عِنْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِمِائَةٍ، وَفَوَّضَ جَمِيعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ إِلَى السُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ، وَسَارَ إِلَى غَزْوِ التَّتَرِ فَشَهِدَ مَصَافَّ شَقْحَبَ، وَدَخَلَ دِمَشْقَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ وَهُوَ رَاكِبٌ مَعَ السُّلْطَانِ، وَجَمِيعُ كُبَرَاءِ الْجَيْشِ مُشَاةٌ، وَلَمَّا أَعْرَضَ السُّلْطَانُ عَنِ الْأَمْرِ وَانْعَزَلَ بِالْكَرَكِ الْتَمَسَ الْأُمَرَاءُ مِنَ الْمُسْتَكْفِي أَنْ يُسَلْطِنَ مَنْ يَنْهَضُ بِالْمُلْكِ، فَقَلَّدَ الْمَلِكَ الْمُظَفَّرَ رُكْنَ الدِّينِ بِيبَرْسَ الْجَاشْنَكِيرَ وَعَقَدَ لَهُ اللِّوَاءَ وَأَلْبَسُهُ خِلْعَةَ السَّلْطَنَةِ، ثُمَّ عَادَ النَّاصِرُ إِلَى مصر وعذر الْخَلِيفَةَ فِي فِعْلِهِ، ثُمَّ غَضِبَ عَلَيْهِ وَسَيَّرَهُ إلى قوص فتوفى في هذه السنة في قوص فِي مُسْتَهَلِّ شَعْبَانَ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وأربعين وسبعمائة
استهلت يوم الأربعاء وسلطان المسلمين الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ، وقضاته بمصر هم المذكورون في التي قبلها، وَلَيْسَ فِي دِمَشْقَ نَائِبُ سَلْطَنَةٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَسُدُّ الْأُمُورَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ طَشْتَمُرُ الْمُلَقَّبُ بِالْحِمَّصِ الْأَخْضَرِ، الَّذِي جَاءَ بِالْقَبْضِ عَلَى الْأَمِيرِ سيف الدين تنكز،
(14/187)

ثم جاء المرسوم بالرجوع إلى صغد فَرَكِبَ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ وَتَوَجَّهَ إِلَى بَلَدِهِ، وحواصل الأمير تَنْكِزَ تَحْتَ الْحَوْطَةِ كَمَا هِيَ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ السَّبْتِ رَابِعِ الْمُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ قَدِمَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ خَمْسَةُ أُمَرَاءٍ الْأَمِيرُ سيف الدين بشتك الناصري ومعه برصبغا الحاجب، وطاشار الدويدار وبنعراوبطا، فنزل بشتاك بِالْقَصْرِ الْأَبْلَقِ وَالْمَيَادِينِ، وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْ مَمَالِيكِهِ إلا القليل، وإنما جاء لتجديد البيعة إلى السلطان لَمَّا تَوَهَّمُوا مِنْ مُمَالَأَةِ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ لِنَائِبِ الشَّامِ الْمُنْفَصِلِ، وَلِلْحَوْطَةِ عَلَى حَوَاصِلِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ تَنْكِزَ الْمُنْفَصِلِ عَنْ نِيَابَةِ الشَّامِ وَتَجْهِيزِهَا لِلدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ. وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَادِسِهِ دَخَلَ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ أُلْطُنْبُغَا إِلَى دِمَشْقَ نائبا، وتلقاه النَّاسُ وَبَشْتَكُ وَالْأُمَرَاءُ الْمِصْرِيُّونَ، وَنَزَلُوا إِلَى عَتَبَتِهِ فَقَبَّلُوا الْعَتَبَةَ الشَّرِيفَةَ، وَرَجَعُوا مَعَهُ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ. وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَالِثَ عَشَرَهُ مُسِكَ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْمُقَدَّمَيْنِ أَمِيرَانِ كَبِيرَانِ الجى بغا العادلى، وطنبغا الحجى، وَرُفِعَا إِلَى الْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ وَاحْتِيطَ عَلَى حَوَاصِلِهِمَا. وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ تَحَمَّلُوا بَيْتَ مَلِكِ الْأُمَرَاءِ سَيْفِ الدِّينِ تَنْكِزَ وَأَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ إِلَى الدِّيَارِ المصرية. وفي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ خَامِسَ عَشَرَهُ رَكِبَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ الأمير علاء الدين طنبغا ومعه الأمير سيف الدين بشتك الناصري والحاجة رقطية وَسَيْفُ الدِّينِ قُطْلُوبُغَا الْفَخْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْمُقَدَّمِينَ وَاجْتَمَعُوا بِسُوقِ الْخَيْلِ وَاسْتَدْعَوْا بِمَمْلُوكَيِ الْأَمِيرِ سيف الدين تنكز وهما جغاى وَطَغَايُ. فَأُمِرَ بِتَوْسِيطِهِمَا فَوُسِّطَا وَعُلِّقَا عَلَى الْخَشَبِ ونودي عليهما: هذا جزاء من تجاسر عَلَى السُّلْطَانِ النَّاصِرِ.
وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ كَانَتْ وَفَاةُ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ تَنْكِزَ نَائِبِ الشَّامِ بِقَلْعَةِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ، قِيلَ مَخْنُوقًا وَقِيلَ مَسْمُومًا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَطَالَ حُزْنُهُمْ عَلَيْهِ، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ يَتَذَكَّرُونَ مَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْهَيْبَةِ وَالصِّيَانَةِ وَالْغَيْرَةِ عَلَى حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ وَمَحَارِمِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ إِقَامَتِهِ عَلَى ذوى الحاجات وَغَيْرِهِمْ، وَيَشْتَدُّ تَأَسُّفُهُمْ عَلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَدْ أخبر القاضي أمين الدين ابن الْقَلَانِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ شَيْخَنَا الْحَافِظَ الْعَلَّامَةَ عِمَادَ الدين ابن كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدِّينِ تَنْكِزَ مُسِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَدَخَلَ مِصْرَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَدَخَلَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَدُفِنَ بِمَقْبَرَتِهَا فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ بِالْقُرْبِ مِنْ قَبْرِ الْقَبَّارِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ جَنَازَةٌ جَيِّدَةٌ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ سَابِعِ شَهْرِ صَفَرٍ قَدِمَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ طَشْتَمُرُ الَّذِي مَسَكَ تَنْكِزَ إِلَى دِمَشْقَ فَنَزَلَ بِوَطْأَةِ بُرْزَةَ بِجَيْشِهِ وَمَنْ مَعَهُ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى حَلَبَ الْمَحْرُوسَةِ نَائِبًا بِهَا عِوَضًا عَنْ أُلْطُنْبُغَا الْمُنْفَصِلِ عَنْهَا وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَالِثَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ نُودِيَ فِي الْبَلَدِ بِجِنَازَةِ الشَّيْخِ الصَّالِحِ الْعَابِدِ
(14/188)

النَّاسِكِ الْقُدْوَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ تَمَّامٍ تُوُفِّيَ بِالصَّالِحِيَّةِ، فَذَهَبَ النَّاسُ إِلَى جَنَازَتِهِ إِلَى الْجَامِعِ المظفري، واجتمع الناس على صلاة الظُّهْرِ فَضَاقَ الْجَامِعُ الْمَذْكُورُ عَنْ أَنْ يَسَعَهُمْ، وَصَلَّى النَّاسُ فِي الطُّرُقَاتِ وَأَرْجَاءِ الصَّالِحِيَّةِ، وَكَانَ الْجَمْعُ كَثِيرًا جِدًّا لَمْ يَشْهَدِ النَّاسُ جِنَازَةً بعد جنازة الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَةَ مِثْلَهَا، لِكَثْرَةِ مَنْ حَضَرَهَا مِنَ النَّاسِ رِجَالًا وَنِسَاءً، وَفِيهِمُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَالْأُمَرَاءُ وَجُمْهُورُ النَّاسِ يُقَارِبُونَ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَانْتَظَرَ النَّاسُ نَائِبَ السَّلْطَنَةِ فَاشْتَغَلَ بِكِتَابٍ وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّيَارِ المصرية، فصلى عليه الشَّيْخِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِالْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ، وَدُفِنَ عِنْدَ أَخِيهِ فِي تُرْبَةٍ بَيْنَ تُرْبَةِ الْمُوَفَّقِ وَبَيْنَ تُرْبَةِ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَإِيَّانَا.
وَفِي أَوَّلِ شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى تُوُفِّيَتِ الشَّيْخَةُ الْعَابِدَةُ الصَّالِحَةُ الْعَالِمَةُ قَارِئَةُ الْقُرْآنِ أُمُّ فَاطِمَةَ عَائِشَةُ بِنْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صِدِّيقٍ زَوْجَةُ شَيْخِنَا الْحَافِظِ جَمَالِ الدِّينِ الْمِزِّيِّ عَشِيَّةَ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ مُسْتَهَلِّ هَذَا الشَّهْرِ وَصُلِّيَ عَلَيْهَا بِالْجَامِعِ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ وَدُفِنَتْ بِمَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ غَرْبِيِّ قبر الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. كَانَتْ عَدِيمَةَ النَّظِيرِ فِي نِسَاءِ زَمَانِهَا لِكَثْرَةِ عِبَادَتِهَا وَتِلَاوَتِهَا وَإِقْرَائِهَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ بِفَصَاحَةٍ وَبَلَاغَةٍ وَأَدَاءٍ صَحِيحٍ، يَعْجِزُ كَثِيرٌ مِنَ الرِّجَالِ عَنْ تَجْوِيدِهِ، وَخَتَّمَتْ نِسَاءً كَثِيرًا، وَقَرَأَ عَلَيْهَا مِنَ النِّسَاءِ خَلْقٌ وَانْتَفَعْنَ بِهَا وَبِصَلَاحِهَا وَدِينِهَا وَزُهْدِهَا فِي الدُّنْيَا، وَتُقَلُّلِهَا مِنْهَا، مَعَ طُولِ الْعُمُرِ بَلَغَتْ ثَمَانِينَ سَنَةً أَنْفَقَتْهَا في طاعة الله صَلَاةً وَتِلَاوَةً، وَكَانَ الشَّيْخُ مُحْسِنًا إِلَيْهَا مُطِيعًا، لَا يَكَادُ يُخَالِفُهَا لِحُبِّهِ لَهَا طَبْعًا وَشَرْعًا فَرَحِمَهَا اللَّهُ وَقَدَّسَ رُوحَهَا، وَنَوَّرَ مَضْجَعَهَا بِالرَّحْمَةِ آمِينَ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ دَرَّسَ بِمَدْرَسَةِ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْهَادِي الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، فِي التَّدْرِيسِ الْبَكْتَمُرِيِّ عِوَضًا عَنِ الْقَاضِي بُرْهَانِ الدِّينِ الزُّرَعِيِّ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْمَقَادِسَةُ وَكِبَارُ الْحَنَابِلَةِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ الْحُضُورِ لِكَثْرَةِ الْمَطَرِ وَالْوَحْلِ يومئذ. وتكامل عمارة المنارة الشرقية في الجامع الْأُمَوِيِّ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاسْتَحْسَنَ النَّاسُ بِنَاءَهَا وَإِتْقَانَهَا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُبْنَ فِي الْإِسْلَامِ مَنَارَةٌ مِثْلَهَا وللَّه الْحَمْدُ. وَوَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي غَالِبِ ظُنُونِهِمْ أَنَّهَا الْمَنَارَةُ الْبَيْضَاءُ الشَّرْقِيَّةُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ فِي نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ فِي شَرْقِيِّ دِمَشْقَ، فَلَعَلَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ انْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى الْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ، وَهَذِهِ الْمَنَارَةُ مَشْهُورَةٌ بِالشَّرْقِيَّةِ لِمُقَابَلَتِهَا أُخْتَهَا الْغَرْبِيَّةَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سَلْخَ شَهْرِ شَوَّالٍ عُقِدَ مَجْلِسٌ فِي دَارِ الْعَدْلِ بِدَارِ السَّعَادَةِ وَحَضَرْتُهُ يَوْمَئِذٍ وَاجْتَمَعَ الْقُضَاةُ والأعيان على العادة وأحضر يومئذ عثمان الدكاكى قَبَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَادُّعِيَ عَلَيْهِ بِعَظَائِمَ مِنَ الْقَوْلِ لَمْ يُؤْثَرْ مِثْلُهَا عَنِ الْحَلَّاجِ وَلَا عن ابن أبى الغدافر السلقمانى، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِدَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ
(14/189)

لَعَنَهُ اللَّهُ، وَأَشْيَاءَ أُخَرَ مِنَ التَّنْقِيصِ بِالْأَنْبِيَاءِ ومخالطته أرباب الريب من الباجريقية وَغَيْرِهِمْ مِنَ الِاتِّحَادِيَّةِ عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ، وَوَقَعَ مِنْهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ إِسَاءَةِ الْأَدَبِ عَلَى الْقَاضِي الْحَنْبَلِيِّ وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَكْفِيرُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، فَادَّعَى أَنَّ لَهُ دَوَافِعَ وَقَوَادِحَ فِي بَعْضِ الشُّهُودِ، فَرُدَّ إِلَى السِّجْنِ مُقَيَّدًا مَغْلُولًا مَقْبُوحًا، أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِقُوَّتِهِ وَتَأْيِيدِهِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ الْحَادِيَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذي القعدة أحضر عثمان الدكاكى المذكور إلى دار السعادة وأقيم إلى بين يدي الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ وَسُئِلَ عَنِ الْقَوَادِحِ فِي الشُّهُودِ فَعَجَزَ فَلَمْ يَقْدِرْ، وَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، فَسُئِلَ الْقَاضِي الْمَالِكِيُّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى رَسُولِهِ ثُمَّ حَكَمَ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ وَإِنْ تَابَ، فَأُخِذَ الْمَذْكُورُ فَضُرِبَتْ رَقَبَتُهُ بِدِمَشْقَ بِسُوقِ الْخَيْلِ، وَنُودِيَ عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَكُونُ عَلَى مَذْهَبِ الِاتِّحَادِيَّةِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا بِدَارِ السَّعَادَةِ، حَضَرَ خَلْقٌ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَايِخِ، وَحَضَرَ شَيْخُنَا جَمَالُ الدِّينِ الْمِزِّيُّ الْحَافِظُ، وَشَيْخُنَا الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ، وَتَكَلَّمَا وَحَرَّضَا فِي الْقَضِيَّةِ جِدًّا، وَشَهِدَا بِزَنْدَقَةِ الْمَذْكُورِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَكَذَا الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ أَخُو الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَةَ، وَخَرَجَ الْقُضَاةُ الثَّلَاثَةُ الْمَالِكِيُّ وَالْحَنَفِيُّ وَالْحَنْبَلِيُّ، وَهُمْ نَفَّذُوا حكمه في المجلس فحضروا قَتْلَ الْمَذْكُورِ وَكُنْتُ مُبَاشِرًا لِجَمِيعِ ذَلِكَ مِنْ أوله إلى آخره.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي القعدة أفرج عن الأميرين العقيلين بالقلعة وهما طنبغا حجا والجى بغا، وَكَذَلِكَ أُفْرِجَ عَنْ خَزَانْدَارِيَّةِ تَنْكِزَ الَّذِينَ تَأَخَّرُوا بالقلعة، وفرح الناس بذلك.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمْدِ بْنِ قَلَاوُونَ
فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ قَدِمَ إِلَى دِمَشْقَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ قُطْلُوبُغَا الْفَخْرِيُّ فَخَرَجَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَعَامَّةُ الْأُمَرَاءِ لِتَلَقِّيهِ، وَكَانَ قُدُومُهُ عَلَى خَيْلِ الْبَرِيدِ، فَأَخْبَرَ بِوَفَاةِ السُّلْطَانِ الْمَلَكِ النَّاصِرِ، كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ آخِرَهُ. وَأَنَّهُ صُلِّيَ عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَدُفِنَ مَعَ أَبِيهِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ عَلَى وَلَدِهِ آنُوكَ، وَكَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ أَخَذَ الْعَهْدَ لِابْنِهِ سَيْفِ الدِّينِ أَبِي بَكْرٍ وَلَقَّبَهُ بِالْمَلِكِ الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا دُفِنَ السُّلْطَانُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ حَضَرَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ قَلِيلٌ، وَكَانَ قَدْ وُلِّيَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ عَلَمُ الدِّينِ الْجَاوِلِيُّ، وَرَجُلٌ آخَرُ مَنْسُوبٌ إِلَى الصَّلَاحِ يُقَالُ لَهُ الشَّيْخُ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَعْبَرِيُّ، وَشَخْصٌ آخَرُ مِنَ الْجَبَابِرِيَّةِ، وَدُفِنَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَمْ يَحْضُرْ وَلَدُهُ وَلِيُّ عَهْدِهِ دَفْنَهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْقَلْعَةِ لَيْلَتَئِذٍ عَنْ مَشُورَةِ الْأُمَرَاءِ لِئَلَّا يَتَخَبَّطَ النَّاسُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْقَاضِي عِزُّ الدِّينِ بن جماعة إماما، والجاولي وايدغمش وأمير آخر والقاضي بهاء الدين بن حامد بن قَاضِي دِمَشْقَ السُّبْكِيِّ، وَجَلَسَ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ سَيْفُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ أَبُو الْمَعَالِي أَبُو بَكْرٍ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْخَمِيسِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وسبعمائة، بايعه
(14/190)

الْجَيْشُ الْمِصْرِيُّ، وَقَدِمَ الْفَخْرِيُّ لِأَخْذِ الْبَيْعَةِ مِنَ الشَّامِيِّينَ، وَنَزَلَ بِالْقَصْرِ الْأَبْلَقِ وَبَايَعَ النَّاسُ لِلْمَلِكِ المنصور بن الناصر بن المنصور، ودفت الْبَشَائِرُ بِالْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ بِدِمَشْقَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْخَمِيسِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِالْمَلِكِ الْجَدِيدِ، وَتَرَحَّمُوا عَلَى الْمَلِكِ وَدَعَوْا لَهُ وَتَأَسَّفُوا عَلَيْهِ رحمه الله.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة
اسْتَهَلَّتْ بِيَوْمِ الْأَحَدِ وَسُلْطَانُ الْإِسْلَامِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَمَا وَالَاهَا الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ سَيْفُ الدين أبو بكر بن الملك السلطان الناصر ناصر الدين محمد بن السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ سَيْفِ الدِّينِ قَلَاوُونَ الصَّالِحِيُّ، ونائب الشام الأمير علاء الدين طنبغا وقضاة الشام ومصرهم الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَكَذَا الْمُبَاشِرُونَ سِوَى الْوُلَاةِ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ
وِلَايَةُ الْخَلِيفَةِ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُسْتَكْفِي باللَّه أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ الْعَبَّاسِيُّ وَلَبِسَ السَّوَادَ وَجَلَسَ مَعَ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ، وَأَلْبَسُهُ خِلْعَةً سَوْدَاءَ أَيْضًا، فَجَلَسَا وَعَلَيْهِمَا السَّوَادُ، وَخَطَبَ الْخَلِيفَةُ يَوْمَئِذٍ خُطْبَةً بَلِيغَةً فَصِيحَةً مُشْتَمِلَةً عَلَى أَشْيَاءَ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَخَلَعَ يَوْمَئِذٍ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَعْيَانِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ هَذَا قَدْ عَهِدَ إِلَيْهِ أَبُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يُمَكِّنْهُ النَّاصِرُ مِنْ ذَلِكَ، وَوَلَّى أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ أَخِي أَبِي الرَّبِيعِ، وَلَقَّبَهُ الْوَاثِقَ باللَّه، وَخُطِبَ لَهُ بِالْقَاهِرَةِ جُمْعَةً وَاحِدَةً فَعَزَلَهُ الْمَنْصُورُ وَقَرَّرَ أَبَا الْقَاسِمِ هَذَا، وَأَمْضَى الْعَهْدَ وَلَقَّبَهُ الْمُسْتَنْصِرَ باللَّه كَمَا ذَكَرْنَا.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ ثَامِنِ الْمُحَرَّمِ مُسِكَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بَشْتَكُ النَّاصِرِيُّ آخِرَ النَّهَارِ، وَكَانَ قَدْ كُتِبَ تَقْلِيدُهُ بِنِيَابَةِ الشَّامِ وَخُلِعَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَبَرَزَ ثَقَلُهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ لِيُوَدِّعَهُ فَرَحَّبَ بِهِ وَأَجْلَسَهُ وَأَحْضَرَ طَعَامًا وأكلا، وتأسف الملك عَلَى فِرَاقِهِ، وَقَالَ: تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنِي وَحْدِي، ثُمَّ قَامَ لِتَوْدِيعِهِ وَذَهَبَ بَشْتَكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ثَمَانِيَ خُطُوَاتٍ أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ ثلاثة نفر فقطع أحدهم سيفه من وسطه بِسِكِّينٍ، وَوَضَعَ الْآخَرُ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ وَكَتَّفَهُ الْآخَرُ، وَقَيَّدُوهُ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ، ثُمَّ غيب ولم يَدْرِ أَحَدٌ إِلَى أَيْنَ صَارَ، ثُمَّ قَالُوا لِمَمَالِيكِهِ: اذْهَبُوا أَنْتُمْ فَائْتُوا بِمَرْكُوبِ الْأَمِيرِ غَدًا، فَهُوَ بَائِتٌ عِنْدَ السُّلْطَانِ. وَأَصْبَحَ السُّلْطَانُ وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ وَأَمَرَ بِمَسْكِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَتِسْعَةٍ مِنَ الْكِبَارِ، وَاحْتَاطُوا عَلَى حَوَاصِلِهِ وَأَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ، فَيُقَالُ إِنَّهُ وُجِدَ عِنْدَهُ مِنَ الذَّهَبِ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَسَبْعُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَفَاةُ شَيْخِنَا الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ
تَمَرَّضَ أَيَّامًا يَسِيرَةً مَرَضًا لَا يَشْغَلُهُ عَنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ، وَحُضُورِ الدُّرُوسِ، وَإِسْمَاعِ الْحَدِيثِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ حَادِيَ عَشَرَ صَفَرٍ أَسْمَعَ الْحَدِيثَ إِلَى قَرِيبِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ ليتوضأ
(14/191)

وَيَذْهَبَ لِلصَّلَاةِ فَاعْتَرَضَهُ فِي بَاطِنِهِ مَغَصٌ عَظِيمٌ، ظن أنه قولنج، وما كان إلا طاعون، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى حُضُورِ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الصَّلَاةِ أُخْبِرْتُ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ يَرْتَعِدُ رِعْدَةً شَدِيدَةً مِنْ قُوَّةِ الْأَلَمِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَسَأَلْتُهُ عن حاله فجعل يكرر الحمد للَّه، ثم أخبرنى بما حصل له من المرض الشَّدِيدِ، وَصَلَّى الظُّهْرَ بِنَفْسِهِ، وَدَخَلَ إِلَى الطَّهَارَةِ وتوضأ على الْبِرْكَةِ، وَهُوَ فِي قُوَّةِ الْوَجَعِ ثُمَّ اتَّصَلَ بِهِ هَذَا الْحَالُ إِلَى الْغَدِ مِنْ يَوْمِ السَّبْتِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ لَمْ أَكُنْ حاضره إذ ذاك، لكن أخبرتنا بنته زَيْنَبُ زَوْجَتِي أَنَّهُ لَمَّا أَذَّنَ الظُّهْرُ تَغَيَّرَ ذهنه قليلا، فقالت: يا أبة أَذَّنَ الظُّهْرُ، فَذَكَرَ اللَّهَ وَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ اضْطَجَعَ فَجَعَلَ يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ حَتَّى جَعَلَ لَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ ثُمَّ قُبِضَتْ رُوحُهُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، رَحِمَهُ اللَّهُ يَوْمَ السَّبْتِ ثَانِيَ عَشَرَ صَفَرٍ، فَلَمْ يُمْكِنْ تَجْهِيزُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغد يوم الأحد ثالث عشر صفر صبيحة ذلك اليوم، غسل وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَحَضَرَ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَخُرِجَ بِجَنَازَتِهِ مِنْ بَابِ النَّصْرِ، وَخَرَجَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ الْأَمِيرُ علاء الدين طنبغا وَمَعَهُ دِيوَانُ السُّلْطَانِ، وَالصَّاحِبُ وَكَاتِبُ السِّرِّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَصَلَّوْا عَلَيْهِ خَارِجَ بَابِ النَّصْرِ، أَمَّهُمْ عَلَيْهِ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ، وهو الّذي صلى عليه بالجامع الْأُمَوِيِّ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ إِلَى مَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ فَدُفِنَ هُنَاكَ إِلَى جَانِبِ زَوْجَتِهِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ الْحَافِظَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ، عَائِشَةَ بِنْتِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صديق، غربي قبر الشيخ تقى الدين بن تيمية رحمهم الله أجمعين.
كَائِنَةٌ غَرِيبَةٌ جِدًّا
قَدِمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الثَّلَاثِينَ مِنْ صَفَرٍ أَمِيرٌ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَعَهُ البيعة للملك الأشرف علاء الدين كجك بن الملك الناصر، وذلك بعد أن عَزْلِ أَخِيهِ الْمَنْصُورِ، لِمَا صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي ذُكِرَ أَنَّهُ تَعَاطَاهَا مِنْ شُرْبِ الْمُسْكِرِ وَغِشْيَانِ الْمُنْكَرَاتِ، وَتَعَاطِي مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَمُعَاشَرَةِ الْخَاصِّكِيَّةِ مِنَ الْمُرْدَانِ وَغَيْرِهِمْ، فَتَمَالَأَ عَلَى خَلْعِهِ كِبَارُ الْأُمَرَاءِ لَمَّا رَأَوُا الْأَمْرَ تَفَاقَمَ إِلَى الْفَسَادِ الْعَرِيضِ فَأَحْضَرُوا الْخَلِيفَةَ الْحَاكِمَ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ فَأُثْبِتَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا نُسِبَ إِلَى الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ الْمَذْكُورِ مِنَ الْأُمُورِ فَحِينَئِذٍ خَلَعَهُ وَخَلَعَهُ الْأُمَرَاءُ الْكِبَارُ وَغَيْرُهُمْ، وَاسْتَبْدَلُوا مَكَانَهُ أَخَاهُ هَذَا الْمَذْكُورَ، وَسَيَّرُوهُ إِذْ ذَاكَ إِلَى قُوصَ مُضَيَّقًا عَلَيْهِ وَمَعَهُ إِخْوَةٌ لَهُ ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ أَكْثَرُ، وَأَجْلَسُوا الْمَلِكَ الْأَشْرَفَ هَذَا عَلَى السَّرِيرِ، وَنَابَ لَهُ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ قُوصُونُ النَّاصِرِيُّ، وَاسْتَمَرَّتِ الْأُمُورُ عَلَى السداد وجاءت إِلَى الشَّامِ فَبَايَعَهُ الْأُمَرَاءُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الْمَذْكُورِ، وَضُرِبَتِ الْبَشَائِرُ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ مُسْتَهَلَّ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَخُطِبَ لَهُ بِدِمَشْقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِحَضْرَةِ نَائِبِ السلطنة والقضاة وَالْأُمَرَاءِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الأول حضر بِدَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ عِوَضًا عَنْ شَيْخِنَا الْحَافِظِ جَمَالِ الدِّينِ الْمِزِّيِّ، وَمَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ النُّورِيَّةِ عِوَضًا عَنِ
(14/192)

ابْنِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَفِي شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى اشْتُهِرَ أَنَّ نَائِبَ حَلَبَ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدِّينِ طَشْتَمُرَ الْمُلَقَّبَ بِالْحِمَّصِ الْأَخْضَرِ قَائِمٌ فِي نُصْرَةِ ابْنِ السُّلْطَانِ الْأَمِيرِ أَحْمَدَ الَّذِي بِالْكَرَكِ، وَأَنَّهُ يَسْتَخْدِمُ لِذَلِكَ وَيَجْمَعُ الْجُمُوعَ فاللَّه أَعْلَمُ. وَفِي الْعَشْرِ الثَّانِي مِنْهُ وَصَلَتِ الْجُيُوشُ صُحْبَةَ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ قُطْلُوبُغَا الْفَخْرِيِّ إِلَى الْكَرَكِ فِي طَلَبِ ابْنِ السُّلْطَانِ الْأَمِيرِ أَحْمَدَ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ كَثُرَ الْكَلَامُ فِي أَمْرِ الْأَمِيرِ أَحْمَدَ بْنِ النَّاصِرِ الَّذِي بِالْكَرَكِ، بِسَبَبِ مُحَاصَرَةِ الْجَيْشِ الَّذِي صُحْبَةُ الْفَخْرِيِّ لَهُ، وَاشْتَهَرَ أَنَّ نَائِبَ حَلَبَ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدِّينِ طَشْتَمُرَ الْمُلَقَّبَ بِالْحِمَّصِ الْأَخْضَرِ قَائِمٌ بِجَنْبِ أَوْلَادِ السُّلْطَانِ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى الصَّعِيدِ، وَفِي الْقِيَامِ بِالْمُدَافَعَةِ عَنِ الْأَمِيرِ أَحْمَدَ، لِيَصْرِفَ عَنْهُ الْجَيْشَ، وَتَرَكَ حِصَارَهُ وَعَزَمَ بِالذَّهَابِ إِلَى الْكَرَكِ لِنُصْرَةِ أَحْمَدَ ابْنِ أُسْتَاذِهِ، وَتَهَيَّأَ لَهُ نَائِبُ الشَّامِ بِدِمَشْقَ، وَنَادَى فِي الْجَيْشِ لِمُلْتَقَاهُ وَمُدَافَعَتِهِ عَمَّا يُرِيدُ مِنْ إِقَامَةِ الْفِتْنَةِ وَشَقِّ الْعَصَا، وَاهْتَمَّ الْجُنْدُ لِذَلِكَ، وَتَأَهَّبُوا وَاسْتَعَدُّوا، وَلَحِقَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ كَثِيرَةٌ، وَانْزَعَجَ النَّاسُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَتَخَوَّفُوا أَنْ تَكُونَ فِتْنَةً، وَحَسِبُوا إِنْ وَقَعَ قِتَالٌ بَيْنِهِمْ أَنْ تَقُومَ الْعَشِيرَاتُ فِي الْجِبَالِ وَحَوْرَانَ، وَتَتَعَطَّلَ مَصَالِحُ الزِّرَاعَاتِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدِمَ من حلب صاحب السُّلْطَانِ فِي الرَّسْلِيَّةِ إِلَى نَائِبِ دِمَشْقَ الْأَمِيرِ عَلَاءِ الدِّينِ أُلْطُنْبُغَا وَمَعَهُ مُشَافَهَةٌ، فَاسْتَمَعَ لَهَا فبعث معه صاحب الميسرة أمان السَّاقِيَ، فَذَهَبَا إِلَى حَلَبَ ثُمَّ رَجَعَا فِي أَوَاخِرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَتَوَجَّهَا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَاشْتَهَرَ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَافَقَ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ رُجُوعِ أَوْلَادِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ إِلَى مِصْرَ، مَا عَدَا الْمَنْصُورَ، وَأَنْ يُخَلَّى عَنْ مُحَاصَرَةِ الْكَرَكِ.
وَفِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى تُوُفِّيَ مُظَفَّرُ الدِّينِ مُوسَى بْنُ مُهَنَّا مَلِكُ الْعَرَبِ وَدُفِنَ بِتَدْمُرَ وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ تُوُفِّيَ الْخَطِيبُ بَدْرُ الدين محمد بن الْقَاضِي جَلَالِ الدِّينِ الْقَزْوِينِيِّ بِدَارِ الْخَطَابَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا، فَخَطَبَ جُمْعَةً وَاحِدَةً وَصَلَّى بِالنَّاسِ إِلَى لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ثُمَّ مَرِضَ فَخَطَبَ عَنْهُ أَخُوهُ تَاجُ الدين عبد الرحيم على العادة ثلاثة جُمَعٍ، وَهُوَ مَرِيضٌ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ يَوْمَئِذٍ، وَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ لِحُسْنِ شَكْلِهِ وَصَبَاحَةِ وَجْهِهِ وَحُسْنِ مُلْتَقَاهُ وَتَوَاضُعِهِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ للظهر فَتَأَخَّرَ تَجْهِيزُهُ إِلَى الْعَصْرِ فَصَلَّى عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ، وَخَرَجَ بِهِ النَّاسُ إِلَى الصُّوفِيَّةِ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ حَافِلَةً جِدًّا، فَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ بِالتُّرْبَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا الْخَطِيبُ بَدْرُ الدِّينِ هُنَاكَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ خَامِسِ الشَّهْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ خَرَجَ نَائِبُ السلطنة الأمير علاء الدين الطنبغا وجميع الجيش قاصدين للبلاد الْحَلَبِيَّةَ لِلْقَبْضِ عَلَى نَائِبِ حَلَبَ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ طَشْتَمُرَ، لِأَجْلِ مَا أَظْهَرَ مِنَ الْقِيَامِ مَعَ ابْنِ السُّلْطَانِ الْأَمِيرِ أَحْمَدَ الَّذِي فِي الْكَرَكِ، وَخَرَجَ النَّاسُ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْمَطَرِ كَثِيرِ الْوَحْلِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا عَصِيبًا، أَحْسَنَ اللَّهُ الْعَاقِبَةَ. وَأَمَرَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ الخطيب
(14/193)

المؤذنين بِزِيَادَةِ أَذْكَارٍ عَلَى الَّذِي كَانَ سَنَّهُ فِيهِمُ الْخَطِيبُ بَدْرُ الدِّينِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ الْكَثِيرِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَزَادَهُمُ السُّبْكِيُّ قَبْلَ ذَلِكَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ ثَلَاثًا، اللَّهمّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكَتْ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، ثم أثبت ما في صحيح مسلم بعد صلاتي الصبح والمغرب: اللَّهمّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ سَبْعًا، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ثَلَاثًا، وَكَانُوا قَبْلَ تِلْكَ السَّنَوَاتِ قَدْ زَادُوا بَعْدَ التَّأْذِينِ الْآيَةَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَبْتَدِئُ الرَّئِيسُ مُنْفَرِدًا ثُمَّ يُعِيدُ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ بِطَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ، وَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي صَحْنِ الْجَامِعِ لِاسْتِمَاعِ ذَلِكَ، وَكُلَّمَا كَانَ الْمُبْتَدِئُ حَسَنَ الصَّوْتِ كَانَتِ الْجَمَاعَةُ أَكْثَرَ اجْتِمَاعًا، وَلَكِنْ طَالَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْفَصْلُ، وَتَأَخَّرَتِ الصَّلَاةُ عَنْ أَوَّلِ وقتها. انتهى.
كَائِنَةٌ غَرِيبَةٌ جِدًّا
وَفِي لَيْلَةِ الْأَحَدِ عَشِيَّةَ السَّبْتِ نَزَلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ قُطْلُوبُغَا الْفَخْرِيُّ بظاهر دمشق بين الجسورة وميدان الحصى بِالْأَطْلَابِ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهُ مِنَ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ لِمُحَاصَرَةِ الْكَرَكِ لِلْقَبْضِ عَلَى ابْنِ السُّلْطَانِ الْأَمِيرِ أَحْمَدَ بْنِ النَّاصِرِ، فَمَكَثُوا عَلَى الثَّنِيَّةِ مُحَاصِرِينَ مُضَيِّقِينَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ تَوَجَّهَ نَائِبُ الشَّامِ إِلَى حَلَبَ، وَمَضَتْ هَذِهِ الْأَيَّامُ الْمَذْكُورَةُ، فَمَا دَرَى النَّاسُ إِلَّا وَقَدْ جَاءَ الْفَخْرِيُّ وَجُمُوعُهُ، وقد بايعوا الأمير أحمد وسموه الناصر بن النَّاصِرِ، وَخَلَعُوا بَيْعَةَ أَخِيهِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ عَلَاءِ الدِّينِ كُجُكَ وَاعْتَلُّوا بِصِغَرِهِ، وَذَكَرُوا أَنَّ أَتَابَكَهُ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدِّينِ قُوصُونَ النَّاصِرِيَّ قَدْ عَدَى عَلَى ابْنَيِ السُّلْطَانِ فَقَتَلَهُمَا خَنْقًا بِبِلَادِ الصَّعِيدِ: جهز إِلَيْهِمَا مَنْ تَوَلَّى ذَلِكَ، وَهُمَا الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ أَبُو بَكْرٍ وَرَمَضَانُ، فَتَنَكَّرَ الْأَمِيرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقالوا هَذَا يُرِيدُ أَنَّ يَجْتَاحَ هَذَا الْبَيْتَ لِيَتَمَكَّنَ هُوَ مِنْ أَخْذِ الْمَمْلَكَةِ، فَحَمُوا لِذَلِكَ وَبَايَعُوا ابن أستاذهم وجاءوا فِي الذَّهَابِ خَلْفَ الْجَيْشِ لِيَكُونُوا عَوْنًا لِلْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ طَشْتَمُرَ نَائِبِ حَلَبَ وَمَنْ مَعَهُ، وقد كتبوا إلى الأمراء يستميلونهم إلى هذا، وَلَمَّا نَزَلُوا بِظَاهِرِ دِمَشْقَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ مَنْ بِدِمَشْقَ مِنَ الْأَكَابِرِ وَالْقُضَاةِ وَالْمُبَاشِرِينَ، مِثْلُ وَالِي البر ووالى المدينة وابن سمندار وغيرهم، فلما كان الصباح خرج أهالي دِمَشْقَ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، عَلَى عَادَتِهِمْ فِي قُدُومِ السَّلَاطِينِ، وَدُخُولِ الْحُجَّاجِ، بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَخَرَجَ الْقُضَاةُ وَالصَّاحِبُ وَالْأَعْيَانُ وَالْوُلَاةُ وَغَيْرُهُمْ، وَدَخَلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ قُطْلُوبُغَا فِي دَسْتِ نِيَابَةِ السَّلْطَنَةِ الَّتِي فَوَّضَهَا إِلَيْهِ الْمَلِكُ النَّاصِرُ الْجَدِيدُ وَعَنْ يَمِينِهِ الشَّافِعِيُّ، وَعَنْ شَمَالِهِ الْحَنَفِيُّ عَلَى الْعَادَةِ، وَالْجَيْشُ كُلُّهُ محدق به في الحديد، والعقارات والبوقات والنشابة السلطانية والسناجق الخليفية وَالسُّلْطَانِيَّةُ تَخْفِقُ، وَالنَّاسُ فِي الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ لِلْفَخْرِيِّ، وَهُمْ فِي غَايَةِ الِاسْتِبْشَارِ وَالْفَرَحِ، وَرُبَّمَا نَالَ بَعْضُ جَهَلَةِ النَّاسِ مِنَ النَّائِبِ الْآخَرِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى حَلَبَ، وَدَخَلَتِ الْأَطْلَابُ بَعْدَهُ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، فَنَزَلَ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ
(14/194)

قَرِيبًا مِنْ خَانِ لَاجِينَ، وَبَعَثَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَرَسَمَ عَلَى الْقُضَاةِ وَالصَّاحِبِ، وَأَخَذَ مِنْ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَغَيْرِهَا خَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ، وَعَوَّضَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِقَرْيَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ سجلات، واستخدم جيدا، وَانْضَافَ إِلَيْهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ تَخَلَّفُوا بِدِمَشْقَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ تَمُرُ السَّاقِي مُقَدَّمٌ، وَابْنُ قَرَاسُنْقُرَ وَابْنُ الْكَامِلِ وَابْنُ الْمُعَظَّمِ وَابْنُ الْبَلَدِيِّ وَغَيْرُهُمْ، وَبَايَعَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَعَ مُبَاشِرِي دمشق للملك الناصر بن النَّاصِرِ، وَأَقَامَ الْفَخْرِيُّ عَلَى خَانِ لَاجِينَ، وَخَرَجَ الْمُتَعَيِّشُونَ بِالصَّنَائِعِ إِلَى عِنْدِهِمْ وَضُرِبَتِ الْبَشَائِرُ بِالْقَلْعَةِ صَبِيحَةَ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سَادِسَ عَشَرَ الشَّهْرِ، وَنُودِيَ بِالْبَلَدِ إِنَّ سُلْطَانَكُمُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ أَحْمَدُ بْنُ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، وَنَائِبَكُمْ سَيْفُ الدِّينِ قُطْلُوبُغَا الْفَخْرِيُّ، وَفَرِحَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِذَلِكَ، وانضاف إليه نائب صغد وَبَايَعَهُ نَائِبُ بَعْلَبَكَّ، وَاسْتَخْدَمُوا لَهُ رِجَالًا وَجُنْدًا، وَرَجَعَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ سَنْجَرُ الْجُمَقْدَارُ رَأْسُ الْمَيْمَنَةِ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ قَدْ تَأَخَّرَ فِي السفر عن تائب دِمَشْقَ عَلَاءِ الدِّينِ أُلْطُنْبُغَا، بِسَبَبِ مَرَضٍ عَرَضَ لَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْفَخْرِيُّ رَجَعَ إِلَيْهِ وَبَايَعَ النَّاصِرَ ابْنَ النَّاصِرِ، ثُمَّ كَاتَبَ نَائِبَ حَمَاةَ تغردمر الَّذِي نَابَ بِمِصْرَ لِلْمَلِكِ الْمَنْصُورِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَقَدِمَ عَلَى الْعَسْكَرِ يَوْمَ السَّبْتِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ، فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ وَخَزَائِنَ كَثِيرَةٍ، وَثَقَلٍ هَائِلٍ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَحَدِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ كَسَفَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، قَدِمَ نَائِبُ غزة الأمير آقسنقر في جيش غزة، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفَيْنِ، فَدَخَلُوا دِمَشْقَ وَقْتَ الْفَجْرِ وَغَدَوْا إِلَى مُعَسْكَرِ الْفَخْرِيِّ، فَانْضَافُوا إِلَيْهِمْ فَفَرِحُوا بِهِمْ كَثِيرًا، وَصَارَ فِي قَرِيبٍ مِنْ خَمْسَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ أَوْ يَزِيدُونَ.
اسْتَهَلَّ شَهْرُ رَجَبٍ الْفَرْدُ وَالْجَمَاعَةُ مِنْ أَكَابِرِ التُّجَّارِ مَطْلُوبُونَ بِسَبَبِ أَمْوَالٍ طَلَبَهَا مِنْهُمُ الْفَخْرِيُّ، يُقَوِّي بِهَا جيشه الّذي معه، ومبلغ ذلك الَّذِي أَرَادَهُ مِنْهُمْ أَلْفُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمَعَهُ مرسوم الناصر بن النَّاصِرِ بِبَيْعِ أَمْلَاكِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ قُوصُونَ، أتابك الملك الأشرف علاء الدين كجك، ابن النَّاصِرِ الَّتِي بِالشَّامِ، بِسَبَبِ إِبَائِهِ عَنْ مُبَايَعَةِ أَحْمَدَ بْنِ النَّاصِرِ، فَأَشَارَ عَلَى الْفَخْرِيِّ مَنْ أشار بأن يباع للتجار مِنْ أَمْلَاكِ الْخَاصِّ، وَيُجْعَلَ مَالُ قُوصُونَ مِنَ الْخَاصِّ، فَرَسَمَ بِذَلِكَ، وَأَنْ يُبَاعَ لِلتُّجَّارِ قَرْيَةُ دويه قُوِّمَتْ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ لَطَفَ اللَّهُ وَأُفْرِجَ عَنْهُمْ بَعْدَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَتَعَوَّضُوا عَنْ ذَلِكَ بِحَوَاصِلِ قُوصُونَ، وَاسْتَمَرَّ الْفَخْرِيُّ بِمَنْ مَعَهُ وَمَنْ أُضِيفَ إِلَيْهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَجْنَادِ مُقِيمِينَ بِثَنِيَّةِ الْعُقَابِ، وَاسْتَخْدَمَ مِنْ رِجَالِ الْبِقَاعِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ رَامٍ، وَأَمِيرُهُمْ يَحْفَظُ أَفْوَاهَ الطُّرُقِ، وَأَزِفَ قُدُومُ الْأَمِيرِ علاء الدين طنبغا بِمَنْ مَعَهُ مِنْ عَسَاكِرِ دِمَشْقَ، وَجُمْهُورُ الْحَلَبِيِّينَ وطائفة الطَّرَابُلُسِيِّينَ، وَتَأَهَّبَ هَؤُلَاءِ لَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْحَادِي من الشَّهْرِ اشْتُهِرَ أَنَّ أُلْطُنْبُغَا وَصَلَ إِلَى الْقَسْطَلِ وَبَعَثَ طَلَائِعَهُ فَالْتَقَتْ بِطَلَائِعِ الْفَخْرِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَأَرْسَلَ الْفَخْرِيُّ إلى
(14/195)

الْقُضَاةِ وَنُوَّابِهِمْ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَخَرَجُوا وَرَجَعَ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَلَمَّا وَصَلُوا أَمْرَهُمْ بِالسَّعْيِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُلْطُنْبُغَا فِي الصُّلْحِ، وَأَنْ يُوَافِقَ الْفَخْرِيَّ فِي أَمْرِهِ، وَأَنْ يُبَايِعَ النَّاصِرَ بن الناصر، فأبى فَرَدَّهُمْ إِلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ رَابِعَ عَشَرَهُ عِنْدَ الْعَصْرِ جَاءَ بَرِيدٌ إِلَى مُتَوَلِّي الْبَلَدِ عِنْدَ الْعَصْرِ مِنْ جِهَةِ الْفَخْرِيِّ يَأْمُرُهُ بِغَلْقِ أَبْوَابِ الْبَلَدِ، فَغُلِّقَتِ الْأَبْوَابُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَسَاكِرَ توجهوا وتواقفوا للقتال، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156 وَذَلِكَ أَنَّ أُلْطُنْبُغَا لَمَّا عَلِمَ أَنَّ جَمَاعَةَ قُطْلُوبُغَا عَلَى ثَنِيَّةِ العقاب دار الذروة من ناحية المعيصرة، وجاء بالجيوش من هناك، فَاسْتَدَارَ لَهُ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ قُطْلُوبُغَا الْفَخْرِيُّ بِجَمَاعَتِهِ إِلَى نَاحِيَتِهِ، وَوَقَفَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَلَدِ، وَانْزَعَجَ النَّاسُ انْزِعَاجًا عَظِيمًا، وَغُلِّقَتِ الْقَيَاسِرُ وَالْأَسْوَاقُ وَخَافَ الناس بعضهم من بعض أن يكون نهب، فَرَكِبَ مُتَوَلِّي الْبَلَدِ الْأَمِيرُ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ بكباشى وَمَعَهُ أَوْلَادُهُ وَنُوَّابُهُ وَالرَّجَّالَةُ، فَسَارَ فِي الْبَلَدِ وَسَكَّنَ النَّاسَ وَدَعَوْا لَهُ، فَلَمَّا كَانَ قُرَيْبُ الْمَغْرِبِ فَتَحَ لَهُمْ بَابَ الْجَابِيَةِ لِيَدْخُلَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَجَرَتْ فِي الْبَابِ عَلَى مَا قِيلَ زَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَتَسَخَّطَ الْجُنْدُ عَلَى النَّاسِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَاتُّفِقَ أَنَّهَا ليلة الميلاد، وبات المسلمون مهمومون بِسَبَبِ الْعَسْكَرِ وَاخْتِلَافِهِمْ فَأَصْبَحَتْ أَبْوَابُ الْبَلَدِ مُغْلَقَةً فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سِوَى بَابِ الْجَابِيَةِ، وَالْأَمْرُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّةُ هَذَا الْيَوْمِ تَقَارَبَ الْجَيْشَانِ وَاجْتَمَعَ أُلْطُنْبُغَا وَأُمَرَاؤُهُ، واتفق أمراء دمشق وجمهورهم الَّذِينَ هُمْ مَعَهُ عَلَى أَنْ لَا يُقَاتِلُوا مُسْلِمًا وَلَا يَسُلُّوا فِي وَجْهِ الْفَخْرِيِّ وَأَصْحَابِهِ سَيْفًا، وَكَانَ قُضَاةُ الشَّامِ قَدْ ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِرَارًا لِلصُّلْحِ، فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ إِلَّا الِاسْتِمْرَارَ عَلَى ما هو عليه، وقويت نفسه عليه انتهى. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
عَجِيبَةٌ مِنْ عَجَائِبِ الدَّهْرِ
فَبَاتَ النَّاسُ مُتَقَابِلِينَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَيْسَ بَيْنَ الْجَيْشَيْنِ إِلَّا مِقْدَارُ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَكَانَتْ لَيْلَةً مَطِيرَةً، فَمَا أَصْبَحَ الصُّبْحُ إِلَّا وَقَدْ ذَهَبَ مِنْ جَمَاعَةِ أُلْطُنْبُغَا إِلَى الْفَخْرِيِّ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أجناد الحلفاء وَمِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَعْيَانِ، وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ وَارْتَفَعَتْ قَلِيلًا فَنَفَّذَ أُلْطُنْبُغَا الْقُضَاةَ وَبَعْضَ الْأُمَرَاءِ إِلَى الْفَخْرِيِّ يَتَهَدَّدُهُ وَيَتَوَعَّدُهُ وَيُقَوِّي نَفْسَهُ عَلَيْهِ. فَمَا سَارُوا عنه قليلا إلا سَاقَتِ الْعَسَاكِرُ مِنَ الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ وَمِنَ الْقَلْبِ، وَمِنْ كُلِّ جَانِبٍ مُقْفِرِينَ إِلَى الْفَخْرِيِّ، وَذَلِكَ لِمَا هُمْ فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ وَقِلَّةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَعَلَفِ الدَّوَابِّ، وَكَثْرَةِ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْكَلَفِ، فَرَأَوْا أَنَّ هَذَا حَالٌ يَطُولُ عَلَيْهِمْ، وَمَقَتُوا أَمْرَهُمْ غَايَةَ الْمَقْتِ، وَتَطَايَبَتْ قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ أُولَئِكَ مَعَ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَى كَرَاهَتِهِ لِقُوَّةِ نَفْسِهِ فِيمَا لَا يُجْدِي عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَبَايَعُوا عَلَى الْمُخَامَرَةِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى حَاشِيَتِهِ فِي أَقَلِّ مِنْ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا رَأَى الْحَالَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ كَرَّ رَاجِعًا هَارِبًا مِنْ حيث جاء وصحبته
(14/196)

الأمير سيف الدين رقطية نَائِبُ طَرَابُلُسَ، وَأَمِيرَانِ آخَرَانِ، وَالْتَقَتِ الْعَسَاكِرُ وَالْأُمَرَاءُ، وَجَاءَتِ الْبِشَارَةُ إِلَى دِمَشْقَ قَبْلَ الظُّهْرِ فَفَرِحَ النَّاسُ فَرَحًا شَدِيدًا جِدًّا، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ، حَتَّى مَنْ لَا نَوْبَةَ لَهُ، وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ بِالْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِ مَنْ هَرَبَ، وَجَلَسَ الْفَخْرِيُّ هُنَالِكَ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ يُحَلِّفُ الْأُمَرَاءَ عَلَى أَمْرِهِ الَّذِي جَاءَ لَهُ، فَحَلَفُوا لَهُ، وَدَخَلَ دِمَشْقَ عَشِيَّةَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَحُرْمَةٍ وَافِرَةٍ، فَنَزَلَ الْقَصْرَ الْأَبْلَقَ وَنَزَلَ الأمير تغردمر بالميدان الكبير، ونزل عمارى بِدَارِ السَّعَادَةِ وَأَخْرَجُوا الْمُوسَاوِيَّ الَّذِي كَانَ مُعْتَقَلًا بِالْقَلْعَةِ، وَجَعَلُوهُ مُشِدًّا عَلَى حَوْطَاتِ حَوَاصِلِ أُلْطُنْبُغَا وَكَانَ قَدْ تَغَضَّبَ الْفَخْرِيُّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الأمراء منهم الأمير حسام الدين السمقدار، أَمِيرُ حَاجِبٍ بِسَبَبِ أَنَّهُ صَاحِبٌ لِعَلَاءِ الدِّينِ أُلْطُنْبُغَا، فَلَّمَا وَقَعَ مَا وَقَعَ هَرَبَ فِيمَنْ هَرَبَ، وَلَكِنْ لَمْ يَأْتِ الْفَخْرِيَّ، بَلْ دَخَلَ الْبَلَدَ فَتَوَسَّطَ فِي الْأَمْرِ: لَمْ يَذْهَبْ مَعَ ذَاكَ وَلَا جَاءَ مَعَ هَذَا، ثُمَّ إِنَّهُ استدرك ما فاته فرجع من البار إِلَى الْفَخْرِيِّ، وَقِيلَ بَلْ رَسَمَ عَلَيْهِ حِينَ جاء وَهُوَ مَهْمُومٌ جِدًّا، ثُمَّ إِنَّهُ أُعْطِيَ مِنْدِيلَ الْأَمَانِ، وَكَانَ مَعَهُمْ كَاتِبُ السِّرِّ الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُفْرِجَ عَنْهُمْ، ومنهم الأمير سيف الدين حفطية وكان شَدِيدَ الْحَنَقِ عَلَيْهِ، فَأَطْلَقَهُ مِنْ يَوْمِهِ وَأَعَادَهُ إِلَى الْحُجُوبِيَّةِ، وَأَظْهَرَ مَكَارِمَ أَخْلَاقٍ عَظِيمَةٍ، وَرِيَاسَةٍ كَبِيرَةٍ، وَكَانَ لِلْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ بْنِ الْمُنَجَّا قَاضِي قُضَاةِ الْحَنَابِلَةِ فِي هَذِهِ الْكَائِنَةِ سَعْيٌ مَشْكُورٌ، وَمُرَاجَعَةٌ كَبِيرَةٌ لِلْأَمِيرِ عَلَاءِ الدِّينِ أُلْطُنْبُغَا، حَتَّى خِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَخَاطَرَ بِنَفْسِهِ مَعَهُ، فَأَنْجَحَ اللَّهُ مَقْصِدَهُ وَسَلَّمَهُ مِنْهُ، وَكَبَتَ عَدُّوَهُ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ قُلِّدَ قَضَاءَ الْعَسَاكِرِ الْمَنْصُورَةِ الشَّيْخُ فخر الدِّينِ بْنُ الصَّائِغِ عِوَضًا عَنِ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ، الّذي كان مع النائب المنفصل، وذلك أنهم نَقَمُوا عَلَيْهِ إِفْتَاءَهُ أُلْطُنْبُغَا بِقِتَالِ الْفَخْرِيِّ، وَفَرِحَ بولايته أصحاب الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ أَخَصِّ مَنْ صَحِبَهُ قَدِيمًا، وَأَخَذَ عَنْهُ فَوَائِدَ كَثِيرَةً وَعُلُومًا.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَلْخِ رَجَبٍ آخِرِ النَّهَارِ قَدِمَ الْأَمِيرُ قُمَارِيُّ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ الناصر بن النَّاصِرِ مِنَ الْكَرَكِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى مِنْ أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ أُلْطُنْبُغَا، فَفَرِحَ بِذَلِكَ وَأَخْبَرَ قُمَارِيُّ بِقُدُومِ السُّلْطَانِ فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ وَاسْتَعَدُّوا لَهُ بِآلَاتِ الْمَمْلَكَةِ وَكَثُرَتْ مُطَالَبَتُهُ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ وَالذِّمَّةِ بِالْجِزْيَةِ.
وَفِي مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ رَكِبَ الْفَخْرِيُّ فِي دَسْتِ النِّيَابَةِ بِالْمَوْكِبِ الْمَنْصُورِ، وَهُوَ أَوَّلُ رُكُوبِهِ فِيهِ، وَإِلَى جَانِبِهِ قُمَارِيُّ وَعَلَى قُمَارِيِّ خِلْعَةٌ هَائِلَةٌ، وَكَثُرَ دُعَاءُ النَّاسِ لِلْفَخْرِيِّ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَفِي هَذَا الْيَوْمِ خَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ الْأُلُوفِ إِلَى الْكَرَكِ بِإِخْبَارِ ابْنِ السُّلْطَانِ بِمَا جَرَى: مِنْهُمْ تغردمر وأقبغا عبد الواحد وهو الساقي، وميكلى بُغَا وَغَيْرُهُمْ. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَالِثِهِ اسْتَدْعَى الْفَخْرِيُّ الْقَاضِيَ الشَّافِعِيَّ وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِي إِحْضَارِ الكتب فِي سَلَّةِ الْحُكْمِ الَّتِي كَانَتْ أُخِذَتْ مِنْ
(14/197)

عِنْدِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ الْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ فِي أَيَّامِ جَلَالِ الدِّينِ الْقَزْوِينِيِّ، فَأَحْضَرَهَا الْقَاضِي بَعْدَ جَهْدٍ وَمُدَافَعَةٍ، وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ، فَقَبَضَهَا مِنْهُ الْفَخْرِيُّ بِالْقَصْرِ وَأَذِنَ لَهُ فِي الِانْصِرَافِ مِنْ عِنْدِهِ، وَهُوَ مُتَغَضِّبٌ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا هَمَّ بِعَزْلِهِ لِمُمَانَعَتِهِ إِيَّاهَا، وَرُبَّمَا قَالَ قَائِلٌ هَذِهِ فِيهَا كَلَامٌ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الزِّيَارَةِ، فَقَالَ الْفَخْرِيُّ: كَانَ الشَّيْخُ أَعْلَمَ باللَّه وَبِرَسُولِهِ مِنْكُمْ. وَاسْتَبْشَرَ الْفَخْرِيُّ بِإِحْضَارِهَا إليه واستدعى بِأَخِي الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَبِالشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ وَكَانَ لَهُ سَعْيٌ مَشْكُورٌ فِيهَا، فَهَنَّأَهُمَا بِإِحْضَارِهِ الْكُتُبَ، وَبَيَّتَ الْكُتُبَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي خِزَانَتِهِ لِلتَّبَرُّكِ وَصَلَّى بِهِ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ أَخُو الشَّيْخِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ بِالْقَصْرِ، وَأَكْرَمَهُ الْفَخْرِيُّ إِكْرَامًا زَائِدًا لِمَحَبَّتِهِ الشَّيْخَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ رَابِعِهِ دَقَّتِ الْبَشَائِرُ بِالْقَلْعَةِ وَفِي بَابِ الْمَيْدَانِ لِقُدُومِ بَشِيرٍ بِالْقَبْضِ عَلَى قُوصُونَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَأَقْبَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى الْكَرَكِ لطاعة الناصر بن النَّاصِرِ، وَاجْتَمَعُوا مَعَ الْأُمَرَاءِ الشَّامِيِّينَ عِنْدَ الْكَرَكِ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنَّ يَنْزِلَ إِلَيْهِمْ فَأَبَى وَتَوَهَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا مَكِيدَةٌ لِيَقْبِضُوهُ وَيُسَلِّمُوهُ إِلَى قُوصُونَ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ وَرَدَّهُمْ إِلَى دِمَشْقَ. وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا أَخَذَ الْفَخْرِيُّ مِنْ جماعة التُّجَّارِ بِالْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهَا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ سَنَةً، فَتَحَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ وَسَبْعَةِ آلَافٍ، وَصُودِرَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِقَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى الْجِزْيَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ عَنْ ثَلَاثِ سِنِينَ سَلَفًا وَتَعْجِيلًا، ثُمَّ نُودِيَ فِي الْبَلَدِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الْحَادِيَ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ مُنَادَاةٌ صَادِرَةٌ مِنَ الْفَخْرِيِّ بِرَفْعِ الظُّلَامَاتِ وَالطَّلَبَاتِ وَإِسْقَاطِ مَا تَبَقَّى مِنَ الزَّكَاةِ وَالْمُصَادَرَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ احْتَاطُوا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُشَاةِ الْمُكْثِرِينَ ليشتروا منهم بعض أملاك الخلص، وَالْبُرْهَانُ بْنُ بِشَارَةَ الْحَنَفِيُّ تَحْتَ الْمُصَادَرَةِ وَالْعُقُوبَةِ عَلَى طَلَبِ الْمَالِ الَّذِي وَجَدَهُ فِي طُمَيْرَةٍ وَجَدَهَا فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ دَخَلَ الْأُمَرَاءُ السِّتَّةُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَرَكِ لطلب السلطان أن يقدم إِلَى دِمَشْقَ فَأَبَى عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَوَعَدَهُمْ وَقْتًا آخَرَ فَرَجَعُوا، وَخَرَجَ الْفَخْرِيُّ لِتَلَقِّيهِمْ، فَاجْتَمَعُوا قِبْلِيَّ جَامِعِ الْقُبَيْبَاتِ الْكَرِيمِيِّ، وَدَخَلُوا كُلُّهُمْ إِلَى دِمَشْقَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ الْأُمَرَاءِ وَالْجُنْدِ، وَعَلَيْهِمْ خَمْدَةٌ لِعَدَمِ قُدُومِ السُّلْطَانِ أَيَّدَهُ اللَّهُ. وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ قَدِمَ الْبَرِيدُ خَلْفَ قُمَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ يَطْلُبُهُمْ إِلَى الْكَرَكِ، وَاشْتَهَرَ أَنَّ السُّلْطَانَ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَأْمُرُهُ بِالنُّزُولِ مِنَ الْكَرَكِ وَقُبُولِ الْمَمْلَكَةِ، فَانْشَرَحَ النَّاسُ لِذَلِكَ.
وَتُوُفِّيَ الشَّيْخُ عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بن اليثمى الْبَسْطِيِّ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا كَثِيرَ التِّلَاوَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَحُضُورِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْحَدِيثِ، لَهُ هِمَّةٌ وَصَوْلَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ
(14/198)

الْمُتَشَبِّهِينَ بِالصَّالِحِينَ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ، سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الشَّيْخِ فَخْرِ الدِّينِ بْنِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ الْبُخَارِيِّ مُخْتَصَرَ الْمَشْيَخَةِ، وَلَازَمَ مجالس الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَانْتَفَعَ بِهِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ.
وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ أَوَّلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، كَانَ قَدْ نُودِيَ فِي الْجَيْشِ: آنَ الرَّحِيلُ لِمُلْتَقَى السُّلْطَانِ فِي سَابِعِ الشَّهْرِ، ثُمَّ تَأَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى بَعْدِ الْعَشْرِ، ثُمَّ جَاءَ كِتَابٌ مِنَ السُّلْطَانِ بِتَأَخُّرِ ذَلِكَ إِلَى بَعْدِ الْعِيدِ وَقَدِمَ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ تَقِيِّ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ، وَمَعَهُ وِلَايَةٌ من السلطان الناصر بنظر البيمارستان النوري، ومشيخة الربوة ومرتب عَلَى الْجِهَاتِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ قَبْلَهُ الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ بْنُ الْبَارِزَيِّ بِقَضَاءِ حِمْصَ مِنَ السُّلْطَانِ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ حَيْثُ تَكَلَّمَ السُّلْطَانُ فِي الْمَمْلَكَةِ وَبَاشَرَ وَأَمَّرَ وَوَلَّى وَوَقَّعَ وللَّه الْحَمْدُ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَالِثَ عَشَرَهُ دَخَلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ طَشْتَمُرُ الْمُلَقَّبُ بِالْحِمَّصِ الْأَخْضَرِ مِنَ الْبِلَادِ الْحَلَبِيَّةِ إِلَى دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ، وَتَلَقَّاهُ الْفَخْرِيُّ وَالْأُمَرَاءُ وَالْجَيْشُ بِكَمَالِهِ، وَدَخَلَ فِي أُبَّهَةٍ حَسَنَةٍ وَدَعَا لَهُ النَّاسُ وَفَرِحُوا بِقُدُومِهِ بَعْدَ شَتَاتِهِ فِي الْبِلَادِ وَهَرَبِهِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ أُلْطُنْبُغَا حِينَ قَصَدَهُ إِلَى حَلَبَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ رَابِعَ عَشَرَهُ خَرَجَتِ الْجُيُوشُ مِنْ دِمَشْقَ قَاصِدِينَ إِلَى غَزَّةَ لِنَظْرَةِ السُّلْطَانِ حِينَ يَخْرُجُ من الكرك السعيد، فخرج يومئذ مقدمان: تغردمر وَأَقْبُغَا عَبْدُ الْوَاحِدِ فَبَرَزَا إِلَى الْكُسْوَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ خَرَجَ الْفَخْرِيُّ وَمَعَهُ طَشْتَمُرُ وَجُمْهُورُ الْأُمَرَاءِ، وَلَمْ يَقُمْ بَعْدَهُ بِدِمَشْقَ إِلَّا مَنِ احْتِيجَ لِمَقَامِهِمْ لِمُهِمَّاتِ الْمَمْلَكَةِ، وَخَرَجَ مَعَهُ القضاة الأربعة، وقاضى العساكر والموقعين والمصاحب وَكَاتِبِ الْجَيْشِ وَخَلْقٍ كَثِيرٍ.
وَتُوُفِّيَ الشَّيْخُ الصَّالِحُ العابد الناسك أحمد بن.. الملقب بالقصيدة لَيْلَةَ الْأَحَدِ الرَّابِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَصُلِّيَ عليه بجامع شكر، وَدُفِنَ بِالصُّوفِيَّةِ قَرِيبًا مِنْ قَبْرِ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ الْمِزِّيِّ، تَغَمَّدَهُمَا اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَكَانَ فِيهِ صَلَاحٌ كَثِيرٌ، وَمُوَاظَبَةٌ عَلَى الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، وأمر بمعروف ونهى عن منكر مشكورا عِنْدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ يُكْثِرُ مِنْ خِدْمَةِ الْمَرْضَى بِالْمَارَسْتَانِ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ إِيثَارٌ وَقَنَاعَةٌ وَتَزَهُّدٌ كَثِيرٌ، وَلَهُ أَحْوَالٌ مَشْهُورَةٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِيَّانَا.
وَاشْتَهَرَ فِي أَوَاخِرِ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ أَنَّ السُّلْطَانَ الْمَلِكَ النَّاصِرَ شِهَابَ الدِّينِ أَحْمَدَ خَرَجَ مِنَ الْكَرَكَ الْمَحْرُوسِ صُحْبَةَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعَرَبِ وَالْأَتْرَاكِ قَاصِدًا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، ثُمَّ تَحَرَّرَ خُرُوجُهُ مِنْهَا فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَامِنَ عَشَرَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ فَدَخَلَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ بَعْدَ أَيَّامٍ. هَذَا وَالْجَيْشُ صَامِدُونَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ دُخُولُهُ مِصْرَ حَثُّوا فِي السَّيْرِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَبَعَثَ يَسْتَحِثُّهُمْ أَيْضًا، وَاشْتَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَجْلِسْ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ حَتَّى يَقْدَمَ الْأُمَرَاءُ الشَّامِيُّونَ صُحْبَةَ نَائِبِهِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ قُطْلُوبُغَا الْفَخْرِيِّ، وَلِهَذَا لم تدق
(14/199)

الْبَشَائِرُ بِالْقِلَاعِ الشَّامِيَّةِ وَلَا غَيْرِهَا فِيمَا بَلَغَنَا. وَجَاءَتِ الْكُتُبُ وَالْأَخْبَارُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِأَنَّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ عَاشِرَ شَوَّالٍ كَانَ إِجْلَاسُ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ شِهَابِ الدِّينِ أَحْمَدَ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ، صَعِدَ هُوَ وَالْخَلِيفَةُ الْحَاكِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُسْتَكْفِي فَوْقَ الْمِنْبَرِ، وَهُمَا لَابِسَانِ السَّوَادَ، وَالْقُضَاةُ تَحْتَهُمَا عَلَى دَرَجِ الْمِنْبَرِ بِحَسَبِ مَنَازِلِهِمْ، فَخَطَبَ الْخَلِيفَةُ، وَخَلَعَ الْأَشْرَفَ كُجُكَ وَوَلَّى هَذَا النَّاصِرَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وأظهر وِلَايَتَهُ لِطَشْتَمُرَ نِيَابَةَ مِصْرَ، وَالْفَخْرِيِّ دِمَشْقَ، وَأَيْدُغْمُشَ حَلَبَ فاللَّه أَعْلَمُ، وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ بِدِمَشْقَ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ الْحَادِيَ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ، وَاسْتَمَرَّتْ إِلَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مُسْتَهَلِّ ذِي الْقِعْدَةِ، وَزُيِّنَتِ الْبَلَدُ يَوْمَ الْأَحَدِ ثَالِثَ عِشْرِينَ مِنْهُ، وَاحْتَفَلَ النَّاسُ بِالزِّينَةِ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الْمَذْكُورِ دَخَلَ الأمير سيف الدين الملك أحد الرءوس المشهورة بِمِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ فِي طَلَبِ نِيَابَةِ حَمَاةَ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَرَدَ الْبَرِيدُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَأَخْبَرَ أَنَّ طَشْتَمُرَ الْحِمَّصَ الْأَخْضَرَ مُسِكَ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْكَائِنَةِ كَثِيرًا، فَخَرَجَ مَنْ بدمشق من أعيان الأمراء أمير الحج وغيره وخيم بوطأة برزة وخرج إلى الحج أمير فأخبره بِذَلِكَ وَأَمَّرُوهُ عَنْ مَرْسُومِ السُّلْطَانِ أَنْ يَنُوبَ بدمشق حتى يأتى المرسوم بما يعتمد أمير الحج فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَرَكِبَ فِي الْمَوْكِبِ يَوْمَ السبت السادس مِنْهُ، وَأَمَّا الْفَخْرِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا تَنَسَّمَ هَذَا الْخَبَرَ وَتَحَقَّقَهُ وَهُوَ بِالزَّعْقَةِ فَرَّ فِي طَائِفَةٍ مِنْ مَمَالِيكِهِ قَرِيبٍ مِنْ سِتِّينَ أَوْ أَكْثَرَ، فاحترق وَسَاقَ سَوْقًا حَثِيثًا وَجَاءَهُ الطَّلَبُ مِنْ وَرَائِهِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي نَحْوٍ مِنْ أَلْفِ فارس، صحبة الأميرين: الطنبغا المارداني، ويبلغا التحناوى، فَفَاتَهُمَا وَسَبَقَ وَاعْتَرَضَ لَهُ نَائِبُ غَزَّةَ فِي جُنْدِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَسَلَّطُوا عَلَيْهِ الْعَشِيرَاتِ ينهبوه فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ إِلَّا فِي شَيْءٍ يَسِيرٍ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا، وَقَصْدَ نَحْوَ صَاحِبِهِ فِيمَا يزعم الأمير سيف الدِّينِ أَيْدُغْمُشَ نَائِبِ حَلَبَ رَاجِيًا مِنْهُ أَنْ يَنْصُرَهُ وَأَنْ يُوَافِقَهُ عَلَى مَا قَامَ بِنَفْسِهِ، فلما وصل أَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَهُ، وَبَاتَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَبَضَ عَلَيْهِ وَقَيَّدَهُ وَرَدَّهُ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَمَعَهُ التَّرَاسِيمُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ سَلْخُ ذِي الْقِعْدَةِ خَرَجَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَنْصُورِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ قَاصِدًا إِلَى الْكَرَكِ الْمَحْرُوسِ، وَمَعَهُ أَمْوَالٌ جَزِيلَةٌ، وَحَوَاصِلُ وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، فدخلها يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَصُحْبَتَهُ طَشْتَمُرُ فِي مِحَفَّةٍ مُمَرَّضًا، وَالْفَخْرِيُّ مُقَيَّدًا، فَاعْتُقِلَا بِالْكَرَكِ الْمَحْرُوسِ، وَطَلَبَ السُّلْطَانُ آلَاتٍ مِنْ أَخْشَابٍ وَنَحْوِهَا وحدادين وصناع ونحوها لِإِصْلَاحِ مُهِمَّاتٍ بِالْكَرَكِ، وَطَلَبَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ دمشق، فَحُمِلَتْ إِلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي النائب بصعد رَكِبَ فِي مَمَالِيكِهِ وَخَدَمِهِ وَمَنْ أَطَاعَهُ، وَخَرَجَ مِنْهَا فَارًّا بِنَفْسِهِ مِنَ الْقَبْضِ
(14/200)

عَلَيْهِ، وَذَكَرَ أَنَّ نَائِبَ غَزَّةَ قَصَدَهُ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ بِمَرْسُومِ السُّلْطَانِ وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَكِ، فَهَرَبَ الْأَحْمَدِيُّ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى دِمَشْقَ وَلَيْسَ بِهَا نَائِبٌ انْزَعَجَ الْأُمَرَاءُ لِذَلِكَ، وَاجْتَمَعُوا بِدَارِ السَّعَادَةِ، وَضَرَبُوا فِي ذَلِكَ مَشُورَةً ثُمَّ جَرَّدُوا إِلَى نَاحِيَةِ بِعْلَبَكَّ أَمِيرًا لِيَصُدُّوهُ عَنِ الذَّهَابِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ مِنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّهُ فِي نَوَاحِي الْكُسْوَةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ خَلَاصِهِ، فَرَكِبُوا كُلُّهُمْ وَنَادَى الْمُنَادِي: مَنْ تَأَخَّرَ مِنَ الجند عن هذا النفير شنق، واستوثقوا فِي الْخُرُوجِ وَقَصَدُوا نَاحِيَةَ الْكُسْوَةِ وَبَعَثُوا الرُّسُلَ إِلَيْهِ، فَذَكَرَ اعْتِذَارًا فِي خُرُوجِهِ وَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ، وذهب يوم ذَلِكَ، وَرَجَعُوا وَقَدْ كَانُوا مُلْبِسِينَ فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الْأَزْوَادِ مَا يَكْفِيهِمْ سِوَى يَوْمِهِمْ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الثُّلَاثَاءِ رَكِبَ الْأُمَرَاءُ فِي طَلَبِهِ مِنْ نَاحِيَةِ ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ، فَرَجَعُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَهُوَ فِي صُحْبَتِهِمْ، وَنَزَلَ فِي الْقُصُورِ الَّتِي بَنَاهَا تَنْكِزُ رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي طَرِيقِ دَارَيَّا، فَأَقَامَ بِهَا، وَأَجْرَوْا عَلَيْهِ مُرَتَّبًا كَامِلًا مِنَ الشَّعِيرِ وَالْغَنَمِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَمَعَهُ مَمَالِيكُهُ وَخَدَمُهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ سَادِسُ الْمُحَرَّمِ وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ فَقُرِئَ عَلَى الْأُمَرَاءِ بِدَارِ السَّعَادَةِ يَتَضَمَّنُ إِكْرَامَهُ وَاحْتِرَامَهُ وَالصَّفْحَ عَنْهُ لِتَقَدُّمِ خَدَمِهِ عَلَى السُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ وَابْنِهِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ. وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعُ المحرم [جاء كتاب] إلى الأمير ركن الدين بيبرس نائب الغيبة ابن الحاجب ألمش بِالْقَبْضِ عَلَى الْأَحْمَدِيِّ، فَرَكِبَ الْجَيْشَ مُلْبِسِينَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَأَوْكَبُوا بِسُوقِ الْخَيْلِ وَرَاسَلُوهُ- وَقَدْ رَكِبَ فِي مَمَالِيكِهِ بِالْعُدَدِ وَأَظْهَرَ الِامْتِنَاعَ- فَكَانَ جَوَابُهُ أَنْ لَا أَسْمَعَ وَلَا أُطِيعَ إِلَّا لِمَنْ هُوَ مَلِكُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَأَمَّا مَنْ هُوَ مُقِيمٌ بِالْكَرَكِ وَيَصْدُرُ عَنْهُ مَا يُقَالُ عَنْهُ مِنَ الْأَفَاعِيلِ الَّتِي قَدْ سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ، فَلَا. فَلَمَّا بَلَغَ الْأُمَرَاءَ هَذَا تَوَقَّفُوا فِي أَمْرِهِ وَسَكَنُوا وَرَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَرَجَعَ هُوَ إِلَى قَصْرِهِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السُّنَّةُ الْمُبَارَكَةُ وَسُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ الملك الناصر ناصر الدين محمد بن الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ، وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْكَرَكِ، قَدْ حَازَ الْحَوَاصِلَ السُّلْطَانِيَّةَ مِنْ قَلْعَةِ الْجَبَلِ إِلَى قلعة الكرك، ونائبة الديار المصرية الأمير سيف الدين آقسنقر السَّلَارِيُّ، الَّذِي كَانَ نَائِبًا بِغَزَّةَ، وَقُضَاةُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، سِوَى الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ. وَأَمَّا دِمَشْقُ فَلَيْسَ لَهَا نَائِبٌ إِلَى حِينِئِذٍ غَيْرَ أَنَّ الْأَمِيرَ رُكْنَ الدِّينِ بِيبَرْسَ الْحَاجِبَ كَانَ اسْتَنَابَهُ الْفَخْرِيُّ بِدِمَشْقَ نَائِبَ غيبته، فهو الّذي يسد الأمور مع الحاجب ألمش، وَتَمُرَ الْمَهْمَنْدَارِ، وَالْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ الْمُلَقَّبِ بِحَلَاوَةَ، والى البر، والأمير ناصر الدين ابن ركباس متولى البلد، هؤلاء الَّذِينَ يَسُدُّونَ الْأَشْغَالَ وَالْأُمُورَ السُّلْطَانِيَّةَ، وَالْقُضَاةُ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ فِي السَّنَةِ الْخَالِيَةِ، وَخَطِيبُ الْبَلَدِ تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ الْقَاضِي جَلَالِ الدِّينِ الْقَزْوِينِيِّ، وَكَاتِبُ السِّرِّ الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ.
(14/201)

وَاسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْأَمِيرُ رُكْنُ الدِّينِ بِيبَرْسُ الْأَحْمَدِيُّ نَازِلٌ بِقَصْرِ تَنْكِزَ بِطَرِيقِ دَارَيَّا، وَكُتُبُ السُّلْطَانِ وَارِدَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَيْهِ وَالْقَبْضِ، وَأَنَّ يُمْسَكَ وَيُرْسَلَ إِلَى الْكَرَكِ، هَذَا وَالْأُمَرَاءُ يَتَوَانَوْنَ فِي أَمْرِهِ وَيُسَوِّفُونَ الْمَرَاسِيمَ، وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ، وَحِينًا بَعْدَ حِينٍ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْمَدِيَّ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَمَتَى مسكه تطرف إِلَى غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ السُّلْطَانَ يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ أحوال لا نرضيهم مِنَ اللَّعِبِ وَالِاجْتِمَاعِ مَعَ الْأَرَاذِلِ وَالْأَطْرَافِ بِبَلَدِ الْكَرَكِ، مَعَ قَتْلِهِ الْفَخْرِيَّ وَطَشْتَمُرَ قَتْلًا فَظِيعًا، وَسَلْبِهِ أَهْلَهُمَا وَسَلْبِهِ لِمَا عَلَى الْحَرِيمِ مِنَ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ، وَإِخْرَاجِهِمْ فِي أَسْوَأِ حَالٍ مِنَ الْكَرَكِ، وَتَقْرِيبِهِ النَّصَارَى وَحُضُورِهِمْ عِنْدَهُ. فَحَمَلَ الْأُمَرَاءَ هَذِهِ الصِّفَاتُ عَلَى أَنْ بَعَثُوا أَحَدَهُمْ يَكْشِفُ أَمْرَهُ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ، وَرَجَعَ هَارِبًا خَائِفًا، فلما رجع وأخبر الأمراء انْزَعَجُوا وَتَشَوَّشُوا كَثِيرًا، وَاجْتَمَعُوا بِسُوقِ الْخَيْلِ مِرَارًا وَضَرَبُوا مَشُورَةً بَيْنِهِمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَخْلَعُوهُ، فَكَتَبُوا إِلَى الْمِصْرِيِّينَ بِذَلِكَ، وَأَعْلَمُوا نَائِبَ حَلَبَ أَيْدُغْمُشَ وَنُوَّابَ الْبِلَادِ، وَبَقَوْا مُتَوَهِّمِينَ مِنْ هَذَا الْحَالِ كَثِيرًا وَمُتَرَدِّدِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَانِعُ فِي الظَّاهِرِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ فِي الْبَاطِنِ، وَقَالُوا لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا طَاعَةَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَيَجْلِسَ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ، وَجَاءَ كِتَابُهُ إِلَيْهِمْ يَعِيبُهُمْ وَيُعَنِّفُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يُفِدْ، وَرَكِبَ الْأَحْمَدِيُّ فِي الْمَوْكِبِ وَرَكِبُوا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَرَاحُوا إِلَيْهِ إِلَى الْقَصْرِ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَخَدَمُوهُ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ وَعَظُمَ الْخُطَبُ، وَحَمَلُوا هُمُومًا عَظِيمَةً خَوْفًا مِنْ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَيُلَفَّ عَلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ فَيُتْلِفَ الشَّامِيِّينَ، فَحَمَلَ النَّاسُ هَمَّهُمْ فاللَّه هُوَ الْمَسْئُولُ أَنْ يحسن العاقبة. فلما كان يوم الأحد السادس وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَرَدَ مُقَدَّمُ الْبَرِيدِيَّةِ وَمَعَهُ كُتُبُ الْمِصْرِيِّينَ بِأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُمْ خَبَرُ الشَّامِيِّينَ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ أَضْعَافُ مَا حَصَلَ عِنْدَ الشَّامِيِّينَ، فَبَادَرُوا إِلَى مَا كَانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ تَرَدَّدُوا خَوْفًا مِنَ الشَّامِيِّينَ أَنْ يُخَالِفُوهُمْ فِيهِ وَيَتَقَدَّمُوا فِي صُحْبَةِ السُّلْطَانِ لِقِتَالِهِمْ، فَلَمَّا اطْمَأَنُّوا مِنْ جِهَةِ الشَّامِيِّينَ صَمَّمُوا عَلَى عَزْمِهِمْ فَخَلَعُوا النَّاصِرَ أَحْمَدَ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ أَخَاهُ الْمَلِكَ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ ابْنَ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَنْصُورِ، جَعَلَهُ اللَّهُ مُبَارَكًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَجْلَسُوهُ عَلَى السَّرِيرِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ الْمَذْكُورِ، وَجَاءَ كِتَابُهُ مُسَلِّمًا عَلَى أُمَرَاءَ الشَّامِ وَمُقَدَّمِيهِ، وَجَاءَتْ كُتُبُ الْأُمَرَاءِ عَلَى الْأُمَرَاءِ بِالسَّلَامِ وَالْأَخْبَارِ بِذَلِكَ فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ وَأُمَرَاءُ الشَّامِ وَالْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ بِالْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ يَوْمَئِذٍ، وَرُسِمَ بِتَزْيِينِ الْبَلَدِ فَزَيَّنَ النَّاسُ صَبِيحَةَ الثُّلَاثَاءِ السَّابِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ سَلْخُ الْمُحَرَّمِ خُطِبَ بِدِمَشْقَ لِلْمَلِكِ الصَّالِحِ عِمَادِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ النَّاصِرِ بْنِ الْمَنْصُورِ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ سَادِسِ صَفَرٍ دَرَّسَ بِالصَّدْرِيَّةِ صَاحِبُنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ الذرعى إِمَامُ الْجَوْزِيَّةِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ الْمُنَجَّا الَّذِي نَزَلَ لَهُ عَنْهَا، وَجَمَاعَةٌ من الفضلاء. وفي يوم الاثنين سادس عشر صفر دخل الأمير سيف الدين تغردمر من الديار
(14/202)

الْمِصْرِيَّةِ، إِلَى دِمَشْقَ ذَاهِبًا إِلَى نِيَابَةِ حَلَبَ الْمَحْرُوسَةِ، فَنَزَلَ بِالْقَابُونِ.
وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ ثَامِنَ عَشَرَ صَفَرٍ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الزاهد عبد الله بن أبى الوليد المقري الْمَالِكِيُّ، إِمَامُ الْمَالِكِيَّةِ، هُوَ وَأَخُوهُ أَبُو عَمْرٍو، بالجامع الأموي بمحراب الصحابة. توفى ببستان بقية السحف، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْمُصَلَّى وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ، وَحَضَرَ جَنَازَتَهُ الْأَعْيَانُ وَالْفُقَهَاءُ وَالْقُضَاةُ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا مُجْمَعًا عَلَى دِيَانَتِهِ وَجَلَالَتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ دَخَلَ الْأَمِيرُ أَيْدُغْمُشُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِدِمَشْقَ وَدَخَلَ إِلَيْهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْقَابُونِ قَادِمًا مِنْ حَلَبَ، وَتَلَقَّاهُ الْجَيْشُ بِكَمَالِهِ، وَعَلَيْهِ خِلْعَةُ النِّيَابَةِ، وَاحْتَفَلَ النَّاسُ لَهُ وَأَشْعَلُوا الشُّمُوعَ، وَخَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَدْعُونَ لَهُ وَمَعَهُمُ الشُّمُوعُ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَصَلَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْمَقْصُورَةِ، مِنَ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَمَعَهُ الْأُمَرَاءُ وَالْقُضَاةُ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ هُنَاكَ عَلَى السُّدَّةِ وعليه خلعته، ومعه الأمير سيف الدين ملكتم الرحولي، وَعَلَيْهِ خِلْعَةٌ أَيْضًا.
وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ دَخَلَ الْأَمِيرُ عَلَمُ الدِّينِ الْجَاوِلِيُّ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةَ ذَاهِبًا إِلَى نِيَابَةِ حَمَاةَ الْمَحْرُوسَةِ، وَتَلَقَّاهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَالْأُمَرَاءُ إِلَى مَسْجِدِ الْقَدَمِ، وَرَاحَ فَنَزَلَ بِالْقَابُونِ، وَخَرَجَ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ إِلَيْهِ، وَسُمِّعَ عَلَيْهِ مِنْ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَرْوِيهِ، وَلَهُ فِيهِ عَمَلٌ، وَرَتَّبَهُ تَرْتِيبًا حَسَنًا ورأيته، وَشَرَحَهُ أَيْضًا، وَلَهُ أَوْقَافٌ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ عُقِدَ مَجْلِسٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِالشُّبَّاكِ الْكَمَالِيِّ مِنْ مَشْهَدِ عُثْمَانَ بِسَبَبِ الْقَاضِي فَخْرِ الدِّينِ الْمِصْرِيِّ، وَصَدْرِ الدِّينِ عَبْدِ الْكَرِيِمِ ابْنِ الْقَاضِي جَلَالِ الدِّينِ الْقَزْوِينِيِّ، بِسَبَبِ الْعَادِلِيَّةِ الصَّغِيرَةِ، فَاتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى أَنْ نَزَلَ صَدْرُ الدِّينِ عَنْ تَدْرِيسِهَا، وَنَزَلَ فَخْرُ الدِّينِ عَنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ عَلَى الْجَامِعِ. وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ سَلْخِ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ حَضَرَ الْقَاضِي فَخْرُ الدِّينِ الْمِصْرِيُّ وَدَرَّسَ بِالْعَادِلِيَّةِ الصَّغِيرَةِ وَحَضَرَ النَّاسُ عِنْدَهُ عَلَى الْعَادَةِ، وَأَخَذَ فِي قوله تعالى هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا 12: 65 وفي آخر شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ جَاءَ الْمَرْسُومُ مِنَ الدِّيَارِ المصرية بأن يخرج تَجْرِيدَةٌ مِنْ دِمَشْقَ بِصُحْبَةِ الْأَمِيرِ حُسَامِ الدِّينِ السمقدار لِحِصَارِ الْكَرَكِ الَّذِي تَحَصَّنَ فِيهِ ابْنُ السُّلْطَانِ أَحْمَدُ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنَ الْخَزَائِنِ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ، وبرز المنجنيق من القلعة إلى قبل جَامِعِ الْقُبَيْبَاتِ، فَنُصِبَ هُنَاكَ وَخَرَجَ النَّاسُ لِلتَّفَرُّجِ عَلَيْهِ وَرُمِيَ بِهِ وَمِنْ نِيَّتِهِمْ أَنْ يَسْتَصْحِبُوهُ مَعَهُمْ لِلْحِصَارِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَانِي رَبِيعٍ الْآخِرِ قَدِمَ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ أُلْطُنْبُغَا الْمَارِدَانِيُّ من الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى قَاعِدَتِهِ وَعَادَتِهِ. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ عَاشِرِهِ دَخَلَ إِلَى دِمَشْقَ الْأَمِيرَانِ الْكَبِيرَانِ رُكْنُ الدِّينِ بِيبَرْسُ الْأَحْمَدِيُّ مِنْ طَرَابُلُسَ، وَعَلَمُ الدِّينِ الْجَاوِلِيُّ مِنْ حَمَاةَ سَحَرًا، وَحَضَرَا الْمَوْكِبَ ووقفا مكتفين لِنَائِبِ السَّلْطَنَةِ: الْأَحْمَدِيُّ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجَاوِلِيُّ عَنْ يَسَارِهِ، وَنَزَلَا ظَاهِرَ الْبَلَدِ، ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ يسيرة توجه
(14/203)

الْأَحْمَدِيُّ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى عَادَتِهِ وَقَاعِدَتِهِ رَأْسِ مَشُورَةٍ، وَتَوَجَّهَ الْجَاوِلِيُّ إِلَى غَزَّةَ الْمَحْرُوسَةَ نَائِبًا عَلَيْهَا، وَكَانَ الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ مَسْعُودُ بن الخطير على إمرة الطبلخانات بدمشق. وفي يوم الخميس رابع عشره خَرَجَتِ التَّجْرِيدَةُ مِنْ دِمَشْقَ سَحَرًا إِلَى مَدِينَةِ الْكَرَكِ، وَالْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ صُبْحٍ وَالِي الْوُلَاةِ بِحَوْرَانَ مُشِدُّ الْمَجَانِيقِ، وَخَرَجَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بِهَادِرُ الشَّمْسِ الْمُلَقَّبُ بِحَلَاوَةَ وَالِي الْبَرِّ بِدِمَشْقَ إِلَى وِلَايَةِ الْوُلَاةِ بِحَوْرَانَ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَامِنَ عَشَرَهُ وَقَعَ بَيْنَ النَّائِبِ وَالْقَاضِي الشَّافِعِيِّ بِسَبَبِ كِتَابٍ وَرَدَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِيهِ الْوَصَاةُ بِالْقَاضِي السُّبْكِيِّ الْمَذْكُورِ وَمَعَهُ التَّوْقِيعُ بِالْخَطَابَةِ لَهُ مُضَافًا إِلَى الْقَضَاءِ وَخِلْعَةً مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ النَّائِبُ لِأَجْلِ أَوْلَادِ الْجَلَالِ، لِأَنَّهُمْ عِنْدَهُمْ عَائِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَهُمْ فُقَرَاءُ، وَقَدْ نَهَاهُ عَنِ السَّعْيِ فِي ذَلِكَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عِنْدَهُ فِي الشُّبَّاكِ الْكَمَالِيِّ، فَنَهَضَ مِنْ هُنَاكَ وَصَلَّى فِي الْغَزَّالِيَّةِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ الْعِشْرِينَ مِنْهُ دَخَلَ دمشق الأمير سيف الدين اريغا زَوْجُ ابْنَةِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُجْتَازًا ذَاهِبًا إِلَى طَرَابُلُسَ نَائِبًا بِهَا، فِي تَجَمُّلٍ وَأُبَّهَةٍ ونجائب وجنائب، وَعِدَّةٍ وَسَرْكٍ كَامِلٍ. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الرَّابِعِ والعشرين منه دخل الأمير بدر الدين ابن الخطيريّ مَعْزُولًا عَنْ نِيَابَةِ غَزَّةَ الْمَحْرُوسَةِ فَأَصْبَحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَرَكِبَ فِي الْمَوْكِبِ وَسُيِّرَ مَعَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، وَنَزَلَ فِي دَارِهِ وَرَاحَ النَّاسُ لِلسَّلَامِ عليه. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر صفر زُيِّنَتِ الْبَلَدُ لِعَافِيَةِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ لِمَرَضٍ أَصَابَهُ، ثُمَّ شُفِيَ مِنْهُ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ السادس عشرينه قَبْلَ الْعَصْرِ وَرَدَ الْبَرِيدُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِطَلَبِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ إِلَيْهَا حاكمها بِهَا، فَذَهَبَ النَّاسُ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ وَلِتَوْدِيعِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَرْجَفَ النَّاسُ بِهِ كَثِيرًا، وَاشْتَهَرَ أَنَّهُ سَيَنْعَقِدُ لَهُ مَجْلِسٌ لِلدَّعْوَى عَلَيْهِ بِمَا دَفَعَهُ مِنْ مَالِ الْأَيْتَامِ إِلَى أُلْطُنْبُغَا وَإِلَى الْفَخْرِيِّ، وَكُتِبَتْ فَتْوَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي تَغْرِيمِهِ، وَدَارُوا بِهَا عَلَى الْمُفْتِينَ فَلَمْ يَكْتُبْ لَهُمْ أَحَدٌ فِيهَا غَيْرَ الْقَاضِي جَلَالِ الدِّينِ بْنِ حُسَامِ الدِّينِ الْحَنَفِيِّ، رَأَيْتُ خَطَّهُ عَلَيْهَا وَحْدَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَسُئِلْتُ فِي الْإِفْتَاءِ عَلَيْهَا فَامْتَنَعْتُ، لِمَا فِيهَا مِنَ التَّشْوِيشِ عَلَى الْحُكَّامِ، وَفِي أَوَّلِ مَرْسُومِ نَائِبِ السُّلْطَانِ أَنْ يَتَأَمَّلَ الْمُفْتُونَ هَذَا السُّؤَالَ وَيُفْتُوا بِمَا يَقْتَضِيهِ حُكْمُ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ، وَكَانُوا لَهُ فِي نِيَّةٍ عَجِيبَةٍ فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِطَلَبِهِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا صُحْبَةَ الْبَرِيدِ لَيْلَةَ الْأَحَدِ، وَخَرَجَ الْكُبَرَاءُ وَالْأَعْيَانُ لِتَوْدِيعِهِ، وَفِي خِدْمَتِهِ.
اسْتَهَلَّ جُمَادَى الْآخِرَةُ وَالتَّجْرِيدَةُ عَمَّالَةٌ إِلَى الْكَرَكِ وَالْجَيْشُ الْمُجَرَّدُونَ مِنَ الحلقة قريب من ألف ويزيدون، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ رَابِعُهُ بَعْدَ الظُّهْرِ مَاتَ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ أَيْدُغْمُشُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بالشام المحروس في دار وحده في دار السَّعَادَةِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَكَشَفُوا أَمْرَهُ وَأُحْصِرُوا وَخَشُوا أَنْ يَكُونَ اعْتَرَاهُ سَكْتَةٌ، وَيُقَالُ إِنَّهُ شُفِيَ فاللَّه أَعْلَمُ، فَانْتَظَرُوا بِهِ إِلَى الْغَدِ احْتِيَاطًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ اجْتَمِعُوا
(14/204)

لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَصُلِّيَ عَلَيْهِ خَارِجَ بَابِ النَّصْرِ حَيْثُ يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ، وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى نَحْوِ الْقِبْلَةِ، وَرَامَ بَعْضُ أَهْلِهِ أَنْ يُدْفَنَ فِي تُرْبَةِ غِبْرِيَالَ إِلَى جَانِبِ جَامِعِ الْقُبَيْبَاتِ، فَلَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ، فَدُفِنَ قِبْلِيَّ الْجَامِعِ عَلَى حافة الطريق، ولم يتهيأ دفنه إلا إِلَى بَعْدِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَعَمِلُوا عِنْدَهُ خَتْمَةً لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَسَامَحَهُ.
وَاشْتَهَرَ فِي أَوَائِلِ هَذَا الشَّهْرِ أَنَّ الْحِصَارَ عَمَّالٌ عَلَى الْكَرَكِ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكَرَكِ خَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ مِنَ الْجَيْشِ وَاحِدٌ فِي الْحِصَارِ، فَنَزَلَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ وَمَعَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْجَوْهَرِ، وَتَرَاضَوْا عَلَى أَنْ يُسَلِّمُوا الْبَلَدَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَهْلُ الْحِصْنِ تَحَصَّنُوا وَنَصَبُوا الْمَجَانِيقَ وَاسْتَعَدُّوا فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ رَمَوْا مَنْجَنِيقَ الْجَيْشِ فَكَسَرُوا السَّهْمَ الَّذِي لَهُ، وَعَجَزُوا عَنْ نَقْلِهِ فَحَرَقُوهُ بِرَأْيِ أُمَرَاءَ الْمُقَدَّمِينَ، وَجَرَتْ أُمُورٌ فَظِيعَةٌ، فاللَّه يُحْسِنُ الْعَاقِبَةَ.
ثُمَّ وَقَعَتْ فِي أَوَاخِرِ هَذَا الشَّهْرِ بَيْنَ الْجَيْشِ وَأَهْلِ الْكَرَكِ وَقْعَةٌ أُخْرَى، وَذَلِكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ رِجَالِ الْكَرَكِ خَرَجُوا إِلَى الْجَيْشِ وَرَمَوْهُمْ بِالنُّشَّابِ فَخَرَجَ الْجَيْشُ لَهُمْ مِنَ الْخِيَامِ وَرَجَعُوا مُشَاةً مُلْبِسِينَ بِالسِّلَاحِ فَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِ الْكَرَكِ جَمَاعَةً مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، وَجُرِحَ مِنَ الْعَسْكَرِ خَلْقٌ، وَقُتِلَ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ وَأُسِرَ الْأَمِيرُ سيف الدين أبو بكر بن بهادر آص، وَقُتِلَ أَمِيرُ الْعَرَبِ، وَأُسِرَ آخَرُونَ فَاعْتُقِلُوا بِالْكَرَكِ، وَجَرَتْ أُمُورٌ مُنْكَرَةٌ، ثُمَّ بَعْدَهَا تَعَرَّضَ الْعَسْكَرُ رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ لَمْ يَنَالُوا مُرَادَهُمْ مِنْهَا، وذلك أنهم رقهم الْبَرْدُ الشَّدِيدُ وَقِلَّةُ الزَّادِ، وَحَاصَرُوا أُولَئِكَ شَدِيدًا بِلَا فَائِدَةٍ فَإِنَّ الْبَلَدَ بَرِيدٌ مُتَطَاوَلَةٌ وَمَجَانِيقُ، ويشق على الجيش الاقامة هناك في كَوَانِينَ، وَالْمَنْجَنِيقُ الَّذِي حَمَلُوهُ مَعَهُمْ كُسِرَ، فَرَجَعُوا لِيَتَأَهَّبُوا لِذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ قَدِمَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى الْبَرِيدِ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ كَاتِبًا عَلَى السِّرِّ عِوَضًا عَنْ أَخِيهِ الْقَاضِي شِهَابِ الدِّينِ، وَمَعَهُ كِتَابٌ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَى حَوَاصِلِ أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ، وَعَلَى حَوَاصِلِ الْقَاضِي عماد الدين ابن الشِّيرَازِيِّ الْمُحْتَسِبِ، فَاحْتِيطَ عَلَى أَمْوَالِهِمَا وَأُخْرِجَ مَنْ فِي دِيَارِهِمَا مِنَ الْحُرَمِ، وَضُرِبَتِ الْأَخْشَابُ عَلَى الْأَبْوَابِ، وَرُسِمَ عَلَى الْمُحْتَسِبِ بِالْعَذْرَاوِيَّةِ، فَسَأَلَ أَنْ يُحَوَّلَ إِلَى دَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ فَحُوِّلَ إِلَيْهَا. وَأَمَّا الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ، فَكَانَ قَدْ خَرَجَ ليلتقى الأمير سيف الدين تغردمر الْحَمَوِيَّ، الَّذِي جَاءَ تَقْلِيدُهُ بِنِيَابَةِ الشَّامِ بِدِمَشْقَ وَكَانَ بِحَلَبَ، وَجَاءَ هَذَا الْأَمْرُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَرُسِمَ بِرَجْعَتِهِ لِيُصَادَرَ هُوَ وَالْمُحْتَسِبُ، وَلَمْ يَدْرِ النَّاسُ مَا ذَنْبُهُمَا.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ ثَامِنِ شَهْرِ رَجَبٍ آخِرِ النَّهَارِ رَجَعَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ إِلَى دِمَشْقَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَمَعَهُ تَقْلِيدٌ بِالْخَطَابَةِ أَيْضًا، وَذَهَبَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَدَخَلَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ
(14/205)

الأمير سيف الدين تغردمر الحموي بعد العصر الخامس عشرينه مِنْ حَلَبَ، فَتَلَقَّاهُ الْأُمَرَاءُ إِلَى طَرِيقِ الْقَابُونِ، وَدَعَا لَهُ النَّاسُ دُعَاءً كَثِيرًا، وَأَحَبُّوهُ لِبُغْضِهِمُ النَّائِبَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، وَهُوَ عَلَاءُ الدِّينِ أَيْدُغْمُشُ سَامَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَنَزَلَ بِدَارِ السَّعَادَةِ وَحَضَرَ الْمَوْكِبَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَاجْتَمَعَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَامَّةِ وَسَأَلُوهُ أَنْ لَا يُغَيِّرَ عَلَيْهِمْ خطيبهم تاج الدين عبد الرحيم ابن جَلَالِ الدِّينِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمْ، بَلْ عَمِلَ عَلَى تَقْلِيدِ الْقَاضِي تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ الْخَطَابَةَ وَلَبِسَ الْخِلْعَةَ، وَأَكْثَرَ الْعَوَامُّ لَمَّا سَمِعُوا بِذَلِكَ الغوغاء، وَصَارُوا يَجْتَمِعُونَ حِلَقًا حِلَقًا بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَيُكْثِرُونَ الفرحة فِي ذَلِكَ، لَمَّا مُنِعَ ابْنُ الْجَلَالِ، وَلَكِنْ بَقِيَ هَذَا لَمْ يُبَاشِرِ السُّبْكِيُّ فِي الْمِحْرَابِ، وَاشْتَهَرَ عَنِ الْعَوَامِّ كَلَامٌ كَثِيرٌ، وَتَوَعَّدُوا السُّبْكِيَّ بِالسَّفَاهَةِ عَلَيْهِ إِنْ خَطَبَ، وَضَاقَ بِذَلِكَ ذَرْعًا، وَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْتَهُوا، وَقِيلَ لَهُمْ وَلِكَثِيرٍ مِنْهُمْ: الْوَاجِبُ عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأُولِي الْأَمْرِ، وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ. فَلَمْ يَرْعَوُوا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْعِشْرِينَ مِنْهُ اشْتُهِرَ بَيْنَ الْعَامَّةِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ نَزَلَ عَنِ الْخَطَابَةِ لِابْنِ الْجَلَالِ، فَفَرِحَ الْعَوَامُّ بِذَلِكَ وَحَشَدُوا فِي الْجَامِعِ، وَجَاءَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ إِلَى الْمَقْصُورَةِ وَالْأُمَرَاءُ مَعَهُ، وَخَطَبَ ابْنُ الْجَلَالِ عَلَى الْعَادَةِ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ وَأَكْثَرُوا مِنَ الْكَلَامِ وَالْهَرْجِ، وَلَمَّا سَلَّمَ عَلَيْهِمُ الْخَطِيبُ حِينَ صَعِدَ رَدُّوا عَلَيْهِ رَدًّا بَلِيغًا، وَتَكَلَّفُوا فِي ذَلِكَ وَأَظْهَرُوا بِغْضَةَ الْقَاضِي السُّبْكِيِّ، وَتَجَاهَرُوا بِذَلِكَ، وَأَسْمَعُوهُ كَلَامًا كَثِيرًا، وَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ قُرِئَ تَقْلِيدُ النِّيَابَةِ عَلَى السُّدَّةِ، وَخَرَجَ النَّاسُ فَرْحَى بِخَطِيبِهِمْ، لِكَوْنِهِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ يُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ لَهُ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَالِثِ شَعْبَانَ دَرَّسَ الْقَاضِي بُرْهَانُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْحَقِّ بِالْمَدْرَسَةِ الْعَذْرَاوِيَّةِ بمرسوم سلطاني بتوليته وعزل القفجارى، وَعُقِدَ لَهُمَا مَجْلِسٌ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ بِدَارِ الْعَدْلِ، فَرَجَحَ جَانِبُ الْقَاضِي بُرْهَانِ الدِّينِ لِحَاجَتِهِ وَكَوْنِهِ لَا وَظِيفَةَ لَهُ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ خَامِسِهِ توفى الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد ابن الْجَزَرِيِّ أَحَدُ الْمُسْنِدِينَ الْمُكْثِرِينَ الصَّالِحِينَ، مَاتَ عَنْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يوم الجمعة بالجامع المظفري ودفن بالرواحية. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْهُ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَابِدُ النَّاسِكُ الصَّالِحُ الشَّيْخُ شمس الدين محمد بن الزرير خَطِيبُ الْجَامِعِ الْكَرِيمِيِّ بِالْقُبَيْبَاتِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الظُّهْرِ يَوْمَئِذٍ بِالْجَامِعِ الْمَذْكُورِ، وَدُفِنَ قِبْلِيَّ الْجَامِعِ الْمَذْكُورِ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ مِنَ الشَّرْقِ رَحِمَهُ الله.
واشتهر في أوائل رَمَضَانَ أَنَّ مَوْلُودًا وُلِدَ لَهُ رَأْسَانِ وَأَرْبَعُ أَيْدٍ، وَأُحْضِرَ إِلَى بَيْنِ يَدَيْ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، وَذَهَبَ النَّاسُ لِلنَّظَرِ إِلَيْهِ فِي مَحَلَّةٍ ظَاهِرِ باب الفراديس، يقال لها حكى الوزير، وكنت فيمن ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثَالِثَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَأَحْضَرَهُ أَبُوهُ- وَاسْمُ أَبِيهِ سَعَادَةُ- وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُمَا وَلَدَانِ مُسْتَقِلَّانِ، فَكُلٌّ قَدِ اشْتَبَكَتْ
(14/206)

أَفْخَاذُهُمَا بَعْضُهُمَا بِبَعْضٍ، وَرُكِّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَدَخَلَ فِي الْآخَرِ وَالْتَحَمَتْ فَصَارَتْ جُثَّةً وَاحِدَةً وَهُمَا مَيِّتَانِ، فَقَالُوا أَحَدُهُمَا ذَكَرٌ وَالْآخَرُ أُنْثَى، وَهُمَا مَيِّتَانِ حَالَ رُؤْيَتِي إِلَيْهِمَا. وَقَالُوا إِنَّهُ تَأَخَّرَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَكُتِبَ بِذَلِكَ مَحْضَرَ جَمَاعَةٍ مِنَ الشُّهُودِ.
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ احْتِيطَ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَهُمْ أَبْنَاءُ الْكَامِلِ صَلَاحُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ، أمير طبلخانات، وَغَيَّاثُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ أَمِيرُ عَشَرَةٍ، وَعَلَاءُ الدِّينِ على، وابن أيبك الطويل طبلخانات أَيْضًا، وَصَلَاحُ الدِّينِ خَلِيلُ بْنُ بَلَبَانَ طُرْنَا طبلخانات أَيْضًا. وَذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّهُمُ اتُّهِمُوا عَلَى مُمَالَأَةِ الْمَلِكِ أَحْمَدَ بْنِ النَّاصِرِ الَّذِي فِي الْكَرَكِ، وَمُكَاتَبَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِمْ، فَقُيِّدُوا وَحُمِلُوا إِلَى القلعة المنصورة من باب اليسر مقابل باب دار السعادة الثلاث الطبلخانات وَالْغَيَّاثُ مِنْ بَابِهَا الْكَبِيرِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمْ فِي الْأَمَاكِنِ. وَخَرَجَ الْمَحْمَلُ يَوْمَ الْخَمِيسِ خَامِسَ عَشَرَهُ وَلَبِسَ الْخَطِيبُ ابْنُ الْجَلَالِ خِلْعَةَ اسْتِقْرَارِ الْخَطَابَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَرَكِبَ بِهَا مَعَ الْقُضَاةِ على عادة الخطباء.
وفي هَذَا الشَّهْرِ نُصِبَ الْمَنْجَنِيقُ الْكَبِيرُ عَلَى بَابِ الْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ وَطُولُ أَكْتَافِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَطُولُ سَهْمِهِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَخَرَجَ النَّاسُ لِلْفُرْجَةِ عَلَيْهِ، وَرُمِيَ بِهِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ حجرا زنته ستين رَطْلًا، فَبَلَغَ إِلَى مُقَابَلَةِ الْقَصْرِ مِنَ الْمَيْدَانِ الْكَبِيرِ، وَذَكَرَ مُعَلِّمُ الْمَجَانِيقِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حُصُونِ الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ، وَأَنَّهُ عَمَلَهُ الْحَاجُّ مُحَمَّدٌ الصَّالِحِيُّ لِيَكُونَ بِالْكَرَكِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ أَنَّهُ خَرَجَ لِيُحَاصَرَ بِهِ الْكَرَكُ، فاللَّه يُحْسِنُ الْعَاقِبَةَ. وَفِي أَوَاخِرِهِ أَيْضًا مُسِكَ أَرْبَعَةُ أُمَرَاءَ، وَهُمْ أَقْبُغَا عبد الواحد الّذي كان مباشرا الاستدارية لِلْمَلِكِ النَّاصِرِ الْكَبِيرِ، فَصُودِرَ فِي أَيَّامِ ابْنِهِ الْمَنْصُورِ، وَأُخْرِجَ إِلَى الشَّامِ فَنَابَ بِحِمْصَ فَسَارَ سِيرَةً غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ، وَذَمَّهُ النَّاسُ وَعُزِلَ عَنْهَا وَأُعْطِيَ تَقْدِمَةَ أَلْفٍ بِدِمَشْقَ، وَجُعِلَ رَأْسَ الْمَيْمَنَةِ، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ اتُّهِمَ بِمُمَالَأَةِ السُّلْطَانِ أَحْمَدَ بْنِ النَّاصِرِ الَّذِي بِالْكَرَكِ، فَمُسِكَ وَحُمِلَ إِلَى الْقَلْعَةِ وَمَعَهُ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بلو، والأمير سيف الدين سلامش، وكلهم بطبلخانات فَرُفِعُوا إِلَى الْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ، فاللَّه يُحْسِنُ الْعَاقِبَةَ.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ خَرَجَ قَضَاءُ حِمْصَ عَنْ نِيَابَةِ دِمَشْقَ بِمَرْسُومٍ سُلْطَانِيٍّ مُجَدَّدٍ لِلْقَاضِي شِهَابِ الدِّينِ الْبَارِزِيِّ، وَذَلِكَ بَعْدَ مُنَاقَشَةٍ كَثِيرَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ، وَانْتَصَرَ لَهُ بَعْضُ الدَّوْلَةِ، وَاسْتَخْرَجَ لَهُ الْمَرْسُومَ الْمَذْكُورَ. وَفِيهِ أَيْضًا أُفْرِدَ قَضَاءُ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ أَيْضًا بِاسْمِ الْقَاضِي شَمْسِ الدِّينِ بْنِ سَالِمٍ الَّذِي كَانَ مُبَاشِرَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً قَبْلَ ذَلِكَ نِيَابَةً، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا وَبَقِيَ مُقِيمًا بِبَلَدِهِ غَزَّةَ، ثُمَّ أُعِيدَ إِلَيْهَا مُسْتَقِلًّا بِهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ رَجَعَ الْقَاضِي شهاب الدين ابن فَضْلِ اللَّهِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَعَهُ تَوْقِيعٌ بِالْمُرَتَّبِ الَّذِي كَانَ لَهُ أَوَّلًا كُلُّ شَهْرٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَأَقَامَ بِعِمَارَتِهِ الَّتِي أَنْشَأَهَا بِسَفْحِ قَاسِيُونَ شَرْقِيَّ الصَّالِحِيَّةِ بِقُرْبِ حَمَّامِ النَّحَاسِ.
(14/207)

وَفِي صَبِيحَةِ مُسْتَهَلِّ ذِي الْقِعْدَةِ خَرَجَ الْمَنْجَنِيقُ قَاصِدًا إِلَى الْكَرَكِ عَلَى الْجِمَالِ وَالْعَجَلِ، وَصُحْبَتَهُ الْأَمِيرُ صَارِمُ الدِّينِ إِبْرَاهِيمُ الْمُسَبَّقِيُّ، أَمِيرُ حَاجِبٍ، كَانَ فِي الدَّوْلَةِ السُّكَّرِيَّةِ، وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِ يَحُوطُهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَتَوَلَّى تَسْيِيرَهُ بِطَلَبِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَتَجَهَّزَ الْجَيْشُ لِلذَّهَابِ إِلَى الْكَرَكِ، وَتَأَهَّبُوا أَتَمَّ الْجِهَازِ، وَبَرَزَتْ أَثْقَالُهُمْ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ وَضُرِبَتِ الْخِيَامُ فاللَّه يُحْسِنُ الْعَاقِبَةَ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ رَابِعِهِ تُوُفِّيَ الطَّوَاشِيُّ شِبْلُ الدَّوْلَةِ كَافُورٌ السُّكَّرِيُّ، وَدُفِنَ صبيحة يوم الثلاثاء خامسه في تربته الَّتِي أَنْشَاهَا قَدِيمًا ظَاهِرَ بَابِ الْجَابِيَةِ تُجَاهَ تُرْبَةِ الطَّوَاشِيِّ ظَهِيرِ الدِّينِ الْخَازِنِ بِالْقَلْعَةِ، كَانَ قبيل مسجد الدبان رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ قَدِيمًا لِلصَّاحِبِ تَقِيِّ الدِّينِ تَوْبَةَ التِّكْرِيتِيِّ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ تَنْكِزُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنِ ابْنَيْ أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ وَشَرَفِ الدين بمبلغ جيد وعوضهما إقطاعا بزيادة عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمَا، وَذَلِكَ رَغْبَةً فِي أَمْوَالِهِ الَّتِي حَصَّلَهَا مِنْ أَبْوَابِ السَّلْطَنَةِ، وَقَدْ تعصب عَلَيْهِ أُسْتَاذُهُ تَنْكِزُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي وَقْتٍ وَصُودِرَ وَجَرَتْ عَلَيْهِ فُصُولٌ، ثُمَّ سَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمَّا مَاتَ تَرَكَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً وَأَوْقَافًا رَحِمَهُ اللَّهُ. وَخَرَجَتِ التَّجْرِيدَةُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسَهُ وَالْمُقَدَّمُ عَلَيْهَا الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْخَطِيرِ وَمَعَهُ مُقَدَّمٌ آخَرُ وَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ قَرَاسُنْقُرَ.
وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ سَلْخِ هَذَا الشَّهْرِ تُوُفِّيَ الشَّابُّ الْحَسَنُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بن فرج المؤذن بمأذنة الْعَرُوسِ، وَكَانَ شَهِيرًا بِحُسْنِ الصَّوْتِ ذَا حُظْوَةٍ عَظِيمَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَمَا فِي النَّفْسِ وَزِيَادَةٍ فِي حُسْنِ الصَّوْتِ الرَّخِيمِ الْمُطْرِبِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرَّاءِ وَلَا فِي الْمُؤَذِّنِينَ قَرِيبٌ مِنْهُ وَلَا مَنْ يُدَانِيهِ فِي وَقْتِهِ، وَكَانَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ، وَانْقِطَاعٍ عَنِ النَّاسِ، وَإِقْبَالٍ عَلَى شَأْنِ نَفْسِهِ فَرَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الظُّهْرِ يَوْمَئِذٍ وَدُفِنَ عِنْدَ أَخِيهِ بِمَقْبَرَةِ الصُّوفِيَّةِ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ خَامِسِ ذِي الْحِجَّةِ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ نصحان شَيْخُ الْقُرَّاءِ السَّبْعِ فِي الْبَلَدِ الشَّهِيرُ بِذَلِكَ، وصلى عليه بالجامع بعد الظهر يومئذ، ودفن بباب الْفَرَادِيسِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ تَاسِعِهِ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ حَضَرَ الْإِقْرَاءَ بِتُرْبَةِ أُمِّ الصالح عوضا عن الشيخ بدر الدين ابن نصحان الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ النَّقِيبِ الْبَعْلَبَكِّيُّ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ، وَبَعْضُ الْقُضَاةِ، وَكَانَ حُضُورُهُ بَغْتَةً، وَكَانَ مُتَمَرِّضًا، فَأَلْقَى شَيْئًا مِنَ الْقِرَاءَاتِ وَالْإِعْرَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ 3: 178 وَفِي أَوَاخِرِ هَذَا الشَّهْرِ غَلَا السِّعْرُ جِدًّا وَقَلَّ الْخُبْزُ وَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى الْأَفْرَانِ زَحْمَةً عظيمة، وبيع خبز الشعير المخلوط بالزيوان والنقارة، وبلغت الغرارة بمائة وَسِتَّةً وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا، وَتَقَلَّصَ السِّعْرُ جِدًّا حَتَّى بِيعَ الْخُبْزُ كُلُّ رَطْلٍ بِدِرْهَمٍ، وَفَوْقَ ذَلِكَ بيسير، ودونه بحسب طيبه ورداءته، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156 وَكَثُرَ السُّؤَالُ وَجَاعَ العيال، وضعف كثير من الأسباب وَالْأَحْوَالِ، وَلَكِنَّ لُطْفَ اللَّهِ عَظِيمٌ فَإِنَّ النَّاسَ مترقبون مغلا
(14/208)

هَائِلًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ مِنْ مُدَّةِ سِنِينَ عَدِيدَةٍ، وَقَدِ اقْتَرَبَ أَوَانُهُ، وَشَرَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْبِلَادِ فِي حَصَادِ الشَّعِيرِ وَبَعْضِ الْقَمْحِ مَعَ كَثْرَةِ الْفُولِ وَبَوَادِرِ التُّوتِ، فَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَطَفَ اللَّهُ بِعِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ الْمُتَصَرِّفُ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَسُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ عِمَادُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ الْمَلِكِ الناصر ناصر الدين محمد بن الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ سَيْفِ الدِّينِ قَلَاوُونَ الصَّالِحِيُّ، وَنَائِبُهُ بالديار المصرية الأمير سيف الدين آقسنقر السلارى، وقضاته هم هم المتقدم ذكرهم في العام الماضي، ونائبة بدمشق الأمير سيف الدين تغردمر الحموي، وقضاته هُمُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ الصَّاحِبُ وَالْخَطِيبُ وَنَاظِرُ الجامع والخزانة. ومشد الأوقاف وولاية المدينة.
استهلت والجيوش المصرية والشامية محيطة بحصن الكرك محاصرون وَيُبَالِغُونَ فِي أَمْرِهِ، وَالْمَنْجَنِيقُ مَنْصُوبٌ وَأَنْوَاعُ آلَاتِ الْحِصَارِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ رُسِمَ بِتَجْرِيدَةٍ مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ أَيْضًا تَخْرُجُ إِلَيْهَا. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ عَاشِرِ صَفَرٍ دَخَلَتِ التَّجْرِيدَةُ مِنَ الْكَرَكِ إِلَى دِمَشْقَ وَاسْتَمَرَّتِ التَّجْرِيدَةُ الْجَدِيدَةُ عَلَى الْكَرَكِ أَلْفَانِ مِنْ مِصْرَ وَأَلْفَانِ مِنَ الشَّامِ، وَالْمَنْجَنِيقُ مَنْقُوضٌ مَوْضُوعٌ عِنْدَ الْجَيْشِ خَارِجَ الْكَرَكِ، وَالْأُمُورُ مُتَوَقِّفَةٌ على وَبَرَدَ [1] الْحِصَارُ بَعْدَ رُجُوعِ الْأَحْمَدِيِّ إِلَى مِصْرَ.
وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَانِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تُوُفِّيَ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ عِمَادُ الدِّينِ الْخَشَّابُ بِالْكُوشَكِ فِي دَرْبِ السِّيرْجِيِّ جِوَارَ الْمَدْرَسَةِ الْعِزِّيَّةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ضُحًى بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ، وَكَانَ رَجُلًا شَهْمًا كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ لِلسُّنَّةِ وأهلها، ممن واظب الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَانْتَفَعَ بِهِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَنْصَارِهِ وَأَعْوَانِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ الَّذِي بَعَثَهُ إِلَى صَيْدَنَايَا مَعَ بَعْضِ الْقِسِّيسِينَ فَلَوَّثَ يَدَهُ بِالْعَذِرَةِ وَضَرَبَ اللحمة التي يعظمونها هنالك، وَأَهَانَهَا غَايَةَ الْإِهَانَةِ لِقُوَّةِ إِيمَانِهِ وَشَجَاعَتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِيَّانَا.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ سَابِعِهِ اجْتَمَعَ الصَّاحِبُ وَمُشِدُّ الدَّوَاوِينِ وَوَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ، وَمُشِدُّ الأوقاف ومباشرو الجامع ومعهم العمالين بالقول وَالْمَعَاوِلِ، يَحْفُرُونَ إِلَى جَانِبِ السَّارِيَةِ عِنْدَ بَابِ مَشْهَدِ عَلِيٍّ تَحْتَ تِلْكَ الصَّخْرَةِ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ، وَذَلِكَ عَنْ قَوْلِ رَجُلٍ جَاهِلٍ، زَعَمَ أَنَّ هُنَاكَ مَالًا مَدْفُونًا فَشَاوَرُوا نَائِبَ السَّلْطَنَةِ فَأَمَرَهُمْ بِالْحَفْرِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَالْعَامَّةُ فَأَمَرَهُمْ فَأُخْرِجُوا وَأُغْلِقَتْ أَبْوَابُ الْجَامِعِ كُلُّهَا لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الْحَفْرِ، ثُمَّ حَفَرُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا إِلَّا التُّرَابَ الْمَحْضَ، وَاشْتَهَرَ هَذَا الْحَفِيرُ فِي الْبَلَدِ وَقَصَدَهُ النَّاسُ لِلنَّظَرِ إِلَيْهِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ أَمْرِهِ، وَانْفَصَلَ الْحَالُ عَلَى أَنْ حُبِسَ هَذَا الزَّاعِمُ لِهَذَا الْمُحَالِ، وَطُمَّ الْحَفِيرُ كَمَا كَانَ.
__________
[1] كذا في الأصل. فليحرر.
(14/209)

وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَامِنَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قَدِمَ قَاضِي حَلَبَ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الْخَشَّابِ عَلَى الْبَرِيدِ مُجْتَازًا إِلَى دِمَشْقَ فَنَزَلَ بِالْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الْمُحَدِّثِ الْبَارِعِ الْفَاضِلِ الْحَافِظِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَيْبَكَ السَّرُوجِيِّ الْمِصْرِيِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثَامِنَ هَذَا الشَّهْرِ بِحَلَبَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَكَانَ قَدْ أَتْقَنَ طَرَفًا جَيِّدًا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَحَفِظَ أَسْمَاءَ الرِّجَالِ، وَجَمَعَ وَخَرَّجَ.
وَفِي مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ احْتَرَقَ بِهِ سُوقُ الصَّالِحِيَّةِ الَّذِي بِالْقُرْبِ مِنْ جَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ، وَكَانَتْ جُمْلَةُ الدَّكَاكِينِ الَّتِي احْتَرَقَتْ قَرِيبًا مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ دُكَّانًا، وَلَمْ يُرَ حَرِيقٌ مِنْ زَمَانٍ أكبر منه ولا أعظم، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَادِسِهِ رُسِمَ بِأَنْ يُذَكَّرَ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ في سائر مواذن البلد كما يذكر في مواذن الْجَامِعِ، فَفُعِلَ ذَلِكَ. وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ عَاشِرِهِ طُلِبَ مِنَ الْقَاضِي تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ قَاضِي قُضَاةِ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يُقْرِضَ دِيوَانَ السُّلْطَانِ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الْغُيَّابِ الَّتِي تَحْتَ يَدِهِ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعًا كَثِيرًا، فَجَاءَ شَادُّ الدَّوَاوِينِ وَبَعْضُ حَاشِيَةِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ فَفَتَحُوا مَخْزَنَ الْأَيْتَامِ وَأَخَذُوا مِنْهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَهْرًا، وَدَفَعُوهَا إِلَى بَعْضِ الْعَرَبِ عَمَّا كَانَ تَأَخَّرَ لَهُ في الديوان السلطاني، ووقع أمر كثير لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ عَاشِرِ جُمَادَى الْأُولَى تُوُفِّيَ صَاحِبُنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ النَّاقِدُ الْبَارِعُ فِي فُنُونِ الْعُلُومِ شَمْسُ الدين محمد بن الشَّيْخِ عِمَادِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْهَادِي الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَأَسْكَنَهُ بُحْبُوحَةَ جَنَّتِهِ، مَرِضَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ بِقُرْحَةٍ وَحُمَّى سُلٍّ، ثُمَّ تَفَاقَمَ أَمْرُهُ وَأَفْرَطَ بِهِ إِسْهَالٌ، وَتَزَايَدَ ضَعْفُهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ أَذَانِ الْعَصْرِ، فَأَخْبَرَنِي وَالِدُهُ أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ أَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، اللَّهمّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ. فصلى عليه يَوْمِ الْخَمِيسِ بِالْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ وَحَضَرَ جَنَازَتَهُ قُضَاةُ الْبَلَدِ وَأَعْيَانُ النَّاسِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَالتُّجَّارِ وَالْعَامَّةِ، وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً مَلِيحَةً، عَلَيْهَا ضَوْءٌ وَنُورٌ، وَدُفِنَ بِالرَّوْضَةِ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ السَّيْفِ ابن الْمَجْدِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِمِائَةٍ فَلَمْ يَبْلُغِ الْأَرْبَعِينَ، وَحَصَّلَ مِنَ الْعُلُومِ مَا لَا يَبْلُغُهُ الشُّيُوخُ الْكِبَارُ، وَتَفَنَّنَ فِي الْحَدِيثِ وَالنَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْأَصْلَيْنِ وَالتَّارِيخِ وَالْقِرَاءَاتِ وَلَهُ مَجَامِيعُ وَتَعَالِيقُ مُفِيدَةٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ حَافِظًا جَيِّدًا لِأَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَطُرُقِ الْحَدِيثِ، عَارِفًا بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، بَصِيرًا بِعِلَلِ الْحَدِيثِ، حَسَنَ الْفَهْمِ لَهُ، جَيِّدَ الْمُذَاكَرَةِ صَحِيحَ الذِّهْنِ مُسْتَقِيمًا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَاتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مُثَابِرًا عَلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ.
وَفِي يَوْمِ الثلاثاء سلخه درس بمحراب الحنابلة صاحبنا الشيخ الامام العلامة شرف الدين بن
(14/210)

القاضي شرف الدين الحنبلي في حلقة الثلثاء عِوَضًا عَنِ الْقَاضِي تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ الْحَافِظِ رحمه الله، وحضر عنده القضاء وَالْفُضَلَاءُ، وَكَانَ دَرْسًا حَسَنًا أَخَذَ فِي قَوْلِهِ تعالى. إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ 16: 90 وَخَرَجَ إِلَى مَسْأَلَةِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَوْلَادِ. وَفِي يوم الخميس ثانى شهر جُمَادَى الْأُولَى خَرَجَتِ التَّجْرِيدَةُ إِلَى الْكَرَكِ مُقَدَّمَانِ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَهُمَا الْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ صُبْحٍ، وَالْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ قَلَاوُونُ، فِي أُبَّهَةٍ عظيمة وتجمل وجيوش وبقارات، وَإِزْعَاجٍ كَثِيرَةٍ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الْحَادِي والعشرين منه قتل بسوق الخيل حسن بن الشيخ السَّكَاكِينِيِّ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنَ الرَّفْضِ الدَّالِّ عَلَى الْكُفْرِ الْمَحْضِ، شُهِدَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي شَرَفِ الدِّينِ الْمَالِكِيِّ بِشَهَادَاتٍ كَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِ، وَأَنَّهُ رَافِضِيٌّ جَلْدٌ، فَمِنْ ذَلِكَ تَكْفِيرُ الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَذْفُهُ أُمَّيِ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَزَعَمَ أَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ فَأَوْحَى إِلَى مُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا كَانَ مُرْسَلًا إِلَى عَلِيٍّ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ الْقَبِيحَةِ قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَقَدْ فَعَلَ. وَكَانَ وَالِدُهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ السَّكَاكِينِيُّ يَعْرِفُ مَذْهَبَ الرَّافِضَةِ وَالشِّيعَةِ جَيِّدًا، وَكَانَتْ لَهُ أَسْئِلَةٌ عَلَى مذهب أهل الخير، وَنَظَمَ فِي ذَلِكَ قَصِيدَةً أَجَابَهُ فِيهَا شَيْخُنَا الامام العلامة شيخ الإسلام بن تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّيْخِ أَنَّ السَّكَاكِينِيَّ مَا مَاتَ حَتَّى رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِهِ، وَصَارَ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فاللَّه أَعْلَمُ.
وَأُخْبِرْتُ أَنَّ وَلَدَهُ حَسَنًا هَذَا الْقَبِيحَ كَانَ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ أَبِيهِ لَمَّا أَظْهَرَ السُّنَّةَ.
وَفِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ خَامِسِ شَهْرِ رَجَبٍ وَصَلَ بَدَنُ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ تَنْكِزَ نَائِبِ الشَّامِ كَانَ إِلَى تُرْبَتِهِ الَّتِي إِلَى جَانِبِ جَامِعِهِ الَّذِي أَنْشَأَهُ ظَاهِرَ بَابِ النَّصْرِ بِدِمَشْقَ، نُقِلَ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ وَنِصْفٍ أَوْ أَكْثَرَ، بِشَفَاعَةِ ابْنَتِهِ زَوْجَةِ النَّاصِرِ عِنْدَ وَلَدِهِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَأُذِنَ فِي ذَلِكَ وَأَرَادُوا أَنْ يُدْفَنَ بِمَدْرَسَتِهِ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، فَلَمْ يُمْكِنْ، فَجِيءَ بِهِ إِلَى تُرْبَتِهِ بِدِمَشْقَ وَعُمِلَتْ لَهُ الْخِتَمُ وَحَضَرَ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ حَادِيَ عَشَرَ شَعْبَانَ الْمُبَارَكِ تُوُفِّيَ صَاحِبُنَا الْأَمِيرُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ التِّكْرِيتِيُّ ابْنُ أَخِي الصَّاحِبِ تَقِيِّ الدِّينِ بن توبة الوزير، بمنزله بالقصاعين، وكان شَابًّا مِنْ أَبْنَاءِ الْأَرْبَعِينَ، ذَا ذَكَاءٍ وَفِطْنَةٍ وَكَلَامٍ وَبَصِيرَةٍ جَيِّدَةٍ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَحَبَّةِ إِلَى الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَلِأَصْحَابِهِ خُصُوصًا، وَلِكُلِّ مَنْ يَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عُمُومًا، وَكَانَ فِيهِ إِيثَارٌ وَإِحْسَانٌ وَمَحَبَّةُ الْفُقَرَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِمْ بسفح قاسيون رحمه الله، وفي يوم السبت الخامس عشر منه جَاءَتْ زَلْزَلَةٌ بِدِمَشْقَ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لِخِفَّتِهَا وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، ثُمَّ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهَا شَعَّثَتْ فِي بِلَادِ حَلَبَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْعُمْرَانِ حَتَّى سَقَطَ بَعْضُ الْأَبْرَاجِ بِقَلْعَةِ حَلَبَ، وَكَثِيرٌ مِنْ دُورِهَا وَمَسَاجِدِهَا وَمَشَاهِدِهَا وَجُدْرَانِهَا، وَأَمَّا فِي الْقِلَاعِ حَوْلَهَا فَكَثِيرٌ جِدًّا، وَذَكَرُوا أَنَّ مَدِينَةَ مَنْبِجَ
(14/211)

لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ، وَأَنَّ عَامَّةَ السَّاكِنِينَ بِهَا هَلَكُوا تَحْتَ الرَّدْمِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ:
وَفِي أَوَاخِرِ شَهْرِ شَوَّالٍ خَرَجَتِ التَّجَارِيدُ إِلَى الْكَرَكِ وَهُمَا أَمِيرَانِ مُقَدَّمَانِ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ قَرَاسُنْقُرُ، وَالْأَمِيرُ الْحَاجُّ بَيْدَمُرُ، وَاشْتَهَرَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَنَّ أَمْرَ الْكَرَكِ قَدْ ضَعُفَ وَتَفَاقَمَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ وَضَاقَتِ الْأَرْزَاقُ عِنْدَهُمْ جِدًّا، وَنَزَلَ مِنْهَا جَمَاعَاتٌ مِنْ رُؤَسَائِهَا وَخَاصِّكِيَّةُ الْأَمِيرِ أَحْمَدَ بن الناصر مخامرين عليه، فسيروا من الصبح إلى قلاوون وصحبتهم مقدمون مِنَ الْحَلْقَةِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأَخْبَرُوا أَنَّ الْحَوَاصِلَ عِنْدَ أَحْمَدَ قَدْ قَلَّتْ جِدًّا فاللَّه الْمَسْئُولُ أَنْ يُحْسِنَ الْعَاقِبَةَ.
وَفِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ تُوُفِّيَ القاضي الامام العلامة برهان الدين ابن عَبْدِ الْحَقِّ شَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ وَقَاضِي الْقُضَاةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مُدَّةً طَوِيلَةً، بَعْدَ ابْنِ الْحَرِيرِيِّ، ثُمَّ عزل وأقام بدمشق ودرس في أيام تغردمر بِالْعَذْرَاوِيَّةِ لِوَلَدِهِ الْقَاضِي أَمِينِ الدِّينِ، فَذَكَرَ بِهَا الدَّرْسَ يَوْمَ الْأَحَدِ قَبْلَ وَفَاةِ وَالِدِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَكَانَ مَوْتُ بُرْهَانِ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِبُسْتَانِهِ مِنْ أَرَاضِي الْأَرْزَةِ بِطَرِيقِ الصَّالِحِيَّةِ، وَدُفِنَ مِنَ الْغَدِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ بِمَقْبَرَةِ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ، وَحَضَرَ جَنَازَتَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَالْأَكَابِرُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَسُلْطَانُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالدِّيَارِ الشَّامِيَّةِ وما يتعلق بذلك الملك الصالح بن إسماعيل بن السلطان الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ، وَقُضَاتُهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي السَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَنَائِبُهُ بِمِصْرَ الْحَاجُّ سَيْفُ الدِّينِ وَوَزِيرُهُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، وَنَاظِرُ الْخَاصِّ الْقَاضِي مَكِينُ الدين، وناظر الجيوش القاضي علم الدين ابن الْقُطْبِ، وَالْمُحْتَسِبُ الْمُتَقَدِّمُ، وَشَادُّ الدَّوَاوِينِ عَلَمُ الدِّينِ الناصري، وشاد الأوقاف الأمير حسام الدين النَّجِيبِيِّ، وَوَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ شرنوخ، وَنَاظِرُ الْخِزَانَةِ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ، وَبَقِيَّةُ الْمُبَاشِرِينَ وَالنُّظَّارِ هُمُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ، وَكَاتِبُ الدَّسْتِ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ بْنُ فَضْلِ الله كاتب السر، والقاضي أمين الدين ابن الْقَلَانِسِيِّ وَالْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ بْنُ الْقَيْسَرَانِيِّ، وَالْقَاضِي شَرَفُ الدِّينِ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ الشِّهَابِ محمود، والقاضي علاء الدين شرنوخ.
شَهْرُ الْمُحَرَّمِ أَوَّلُهُ السَّبْتُ اسْتَهَلَّ وَالْحِصَارُ وَاقِعٌ بِقَلْعَةِ الْكَرَكِ، وَأَمَّا الْبَلَدُ فَأُخِذَ وَاسْتُنِيبَ فِيهِ الأمير سيف الدين قبليه، قَدِمَ إِلَيْهَا مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَالتَّجَارِيدُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمِنْ دِمَشْقَ مُحِيطُونَ بِالْقَلْعَةِ، وَالنَّاصِرُ أَحْمَدُ بْنُ النَّاصِرِ مُمْتَنِعٌ مِنَ التَّسْلِيمِ، وَمِنَ الْإِجَابَةِ إِلَى الْإِنَابَةِ. وَمِنَ الدُّخُولِ فِي طَاعَةِ أَخِيهِ، وَقَدْ تَفَاقَمَتِ الْأُمُورُ وَطَالَتِ الْحُرُوبُ، وَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، مِنَ الْجُيُوشِ وَمِنْ أَهْلِ الْكَرَكِ، وَقَدْ تَوَجَّهَتِ الْقَضِيَّةُ إِلَى خَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ يَسِيرَةٍ هَرَبَ مِنْ قَلْعَةِ
(14/212)

الْكَرَكِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بْنُ بَهَادُرَآصْ الَّذِي كَانَ أُسِرَ فِي أَوَائِلِ حِصَارِ الْكَرَكِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ مَمَالِيكِ النَّاصِرِ أَحْمَدَ، كَانَ اتهمهم بقتل الشهيب أحمد، الَّذِي كَانَ يَعْتَنِي بِهِ وَيُحِبُّهُ، وَاسْتَبْشَرَ الْجُيُوشُ بِنُزُولِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ عِنْدِهِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ يده، وجهز إلى الديار المصرية معظما، وهذا وَالْمَجَانِيقُ الثَّلَاثَةُ مُسَلَّطَةٌ عَلَى الْقَلْعَةِ مِنَ الْبَلَدِ تَضْرِبُ عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَتُدَمِّرُ فِي بِنَائِهَا مِنْ دَاخِلٍ، فَإِنَّ سُورَهَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ، ثُمَّ ذُكِرَ أَنَّ الْحِصَارَ فَتَرَ وَلَكِنْ مَعَ الِاحْتِيَاطِ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ إِلَى الْقَلْعَةِ مِيرَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى الْمُقَامِ فِيهَا، فاللَّه الْمَسْئُولُ أَنْ يُحْسِنَ الْعَاقِبَةَ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ قَدِمَ الْبَرِيدُ مُسْرِعًا مِنَ الْكَرَكِ فَأَخْبَرَ بِفَتْحِ الْقَلْعَةِ، وَأَنَّ بَابَهَا أُحْرِقَ، وَأَنَّ جَمَاعَةَ الْأَمِيرِ أَحْمَدَ بْنِ النَّاصِرِ اسْتَغَاثُوا بِالْأَمَانِ، وَخَرَجَ أَحْمَدُ مُقَيَّدًا وَسُيِّرَ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ، وللَّه عَاقِبَةُ الْأُمُورِ وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ رَابِعِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ دَقَّتِ الْبَشَائِرُ بِالْقَلْعَةِ، وَزُيِّنَتِ الْبَلَدُ عَنْ مَرْسُومِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ سُرُورًا بِفَتْحِ الْبَلَدِ، وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ عَلَيْهِ، وَاسْتَمَرَّتِ الزِّينَةُ إِلَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَابِعِهِ، فَرُسِمَ بِرَفْعِهَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَتَشَوَّشَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَوَامِّ، وَأَرْجَفَ بَعْضُ النَّاسِ بِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ ظَهَرَ أَمْرُهُ وَبَايَعَهُ الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَهُ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ، وَدَخَلَتِ الْأَطْلَابُ مِنَ الْكَرَكِ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْأَحَدِ ثَالِثَ عَشَرَ ربيع الأول بالطبلخانات وَالْجُيُوشِ، وَاشْتَهَرَ إِعْدَامُ أَحْمَدَ بْنِ النَّاصِرِ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ حَادِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ صُلِّيَ بالجامع الأموي على الشيخ أمين الدِّينِ أَبِي حَيَّانَ النَّحْوِيِّ، شَيْخِ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ عَنْ تِسْعِينَ سَنَةً وَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ. ثُمَّ اشْتَهَرَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ قَتْلُ السُّلْطَانِ أَحْمَدَ وَحَزُّ رَأْسِهِ وقطع يديه، وَدَفْنُ جُثَّتِهِ بِالْكَرَكِ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى أَخِيهِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَحَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَدَخَلَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزُّرَعِيُّ عَلَى السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ فَطَلَبَ مِنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ تبطيل المظالم ومكوسات وإطلاق طبلخانات للأمير ناصر الدين بن بكتاش، وَإِطْلَاقِ أُمَرَاءَ مَحْبُوسِينَ بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فأجابه إلى جميع ذلك، وكان جملة المراسيم التي أجيب فيها بضع وثلاثين مَرْسُومًا، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ قَدِمَتِ الْمَرَاسِيمُ الَّتِي سَأَلَهَا الشَّيْخُ أَحْمَدُ مِنَ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَأُمْضِيَتْ كُلُّهَا، أَوْ كَثِيرٌ مِنْهَا، وأفرج عن صلاح الدين بن الْمَلِكِ الْكَامِلِ، وَالْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ بِلَوٍ، فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ سَلْخِ هَذَا الشَّهْرِ، ثُمَّ رُوجِعَ في كثير منها وتوقف حَالُهَا.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ عُمِلَتْ مَنَارَةٌ خَارِجَ بَابِ الْفَرَجِ وَفُتِحَتْ مَدْرَسَةٌ كَانَتْ دَارًا قَدِيمَةً فَجُعِلَتْ مَدْرَسَةً لِلْحَنَفِيَّةِ وَمَسْجِدًا، وَعُمِلَتْ طَهَّارَةٌ عَامَّةٌ، وَمُصَلًّى لِلنَّاسِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَمِيرِ سيف الدين تقطم الْخَلِيلِيُّ أَمِيرُ حَاجِبٍ كَانَ، وَهُوَ الَّذِي جَدَّدَ الدَّارَ الْمَعْرُوفَةَ بِهِ الْيَوْمَ بِالْقَصَّاعِينَ.
(14/213)

وَفِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ عَاشِرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ تُوُفِّيَ صَاحِبُنَا الْمُحَدِّثُ تَقِيُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ صَدْرِ الدِّينِ سُلَيْمَانَ الْجَعْبَرِيُّ زَوْجُ بِنْتِ الشَّيْخِ جَمَالِ الدين المزي، والد شَرَفِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ، وَجَمَالِ الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ فَقِيهًا بِالْمَدَارِسِ، وَشَاهِدًا تَحْتَ السَّاعَاتِ وَغَيْرِهَا، وَعِنْدَهُ فَضِيلَةٌ جَيِّدَةٌ فِي قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ وَشَيْءٌ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَهُ نَظْمٌ مُسْتَحْسَنٌ، انْقَطَعَ يَوْمَيْنِ وَبَعْضَ الثَّالِثِ وَتُوُفِّيَ فِي اللَّيْلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي وَسَطِ اللَّيْلِ، وَكُنْتُ عِنْدَهُ وَقْتَ الْعَشَاءِ الْآخِرَةِ لَيْلَتَئِذٍ، وَحَدَّثَنِي وَضَاحَكَنِي، وَكَانَ خَفِيفَ الرُّوحِ رحمه الله، ثُمَّ تُوُفِّيَ فِي بَقِيَّةِ لَيْلَتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ أَشْهَدَنِي عَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ مِنْ جَمِيعِ مَا يُسْخِطُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى تَرْكِ الشُّهُودِ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ، صُلِّيَ عَلَيْهِ ظُهْرَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ عِنْدَ أَبَوَيْهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَانِيَ عِشْرِينَ شَهْرِ رَجَبٍ خَطَبَ الْقَاضِي عِمَادُ الدين بْنُ الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ بِجَامِعِ تَنْكِزَ خَارِجَ بَابِ النَّصْرِ عَنْ نُزُولِ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ عَلِيِّ بن داود القفجارى لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَيْضًا نَائِبِ السَّلْطَنَةِ الْأَمِيرِ سيف الدين تغردمر وَحُضُورِهِ عِنْدَهُ فِي الْجَامِعِ الْمَذْكُورِ يَوْمَئِذٍ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ تَاسِعِ عِشْرِينَ رَجَبٍ تُوُفِّيَ الْقَاضِي الْإِمَامُ الْعَالِمُ جَلَالُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ حُسَامِ الدِّينِ الرُّومِيُّ الْحَنَفِيُّ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمْعَةِ بِمَسْجِدِ دِمَشْقَ، وَحَضَرَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَدُفِنَ بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا إِلَى جَانِبِ الزَّرْدَكَاشِ قَرِيبًا مِنَ الْخَاتُونِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ قَضَاءَ قُضَاةِ الْحَنَفِيَّةِ فِي أيام ولاية أبيه الديار الْمِصْرِيَّةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وقدم الشَّامَ مَعَ أَبِيهِ فَأَقَامُوا بِهَا، ثُمَّ لَمَّا وَلِيَ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ لَاجِينُ وَلَّى أَبَاهُ قَضَاءَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَوَلَدَهُ هَذَا قَضَاءَ الشَّامِ، ثُمَّ إِنَّهُ عُزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ثَلَاثِ مَدَارِسَ مِنْ خِيَارِ مَدَارِسِ الْحَنَفِيَّةِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُ صَمَمٌ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَكَانَ مُمَتَّعًا بحواسه سواه وقواه، وكان يذاكر في العلم وغير ذلك.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ القفجارى خَطِيبُ جَامِعِ تَنْكِزَ، وَمُدَرِّسُ الظَّاهِرِيَّةِ، وَقَدْ نَزَلَ عَنْهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ بِقَلِيلٍ لِلْقَاضِي عِمَادِ الدِّينِ بْنِ الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَئِذٍ، وَعِنْدَ بَابِ النَّصْرِ وَعِنْدَ جَامِعِ جَرَّاحٍ وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ ابْنِ الشَّيْرَجِيِّ عِنْدَ وَالِدِهِ، وَحَضَرَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَكَانَ أُسْتَاذًا فِي النَّحْوِ وَلَهُ عُلُومٌ أُخَرُ، لَكِنْ كَانَ نِهَايَةً فِي النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ.
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْعَابِدُ النَّاسِكُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الضَّرِيرُ الزُّرَعِيُّ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الظُّهْرِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ وَبِبَابِ النَّصْرِ وَعِنْدَ مَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ، وَدُفِنَ بِهَا قَرِيبًا مِنَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ كَثِيرَ التِّلَاوَةِ حَسَنَهَا وَصَحِيحَهَا، كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، يُقْرِئُ النَّاسَ مِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ وَيَقُومُ بِهِمُ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ، فِي مِحْرَابِ الْحَنَابِلَةِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ رَحِمَهُ الله.
(14/214)

وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَانِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ الورع أبو عمر بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ الْمَالِكِيُّ إِمَامُ مِحْرَابِ الصَّحَابَةِ الَّذِي لِلْمَالِكِيَّةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَحَضَرَ جَنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَلَاحِهِ وَفَتَاوِيهِ النَّافِعَةِ الْكَثِيرَةِ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ أَبِيهِ وَأَخِيهِ، إِلَى جَانِبِ قبر أبى الغندلاوى المالكي قريبا من مسجد التاريخ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ فِي الْمِحْرَابِ وَلَدُهُ، وَهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ، فَاسْتُنِيبَ لَهُ إِلَى حِينِ صَلَاحِيَّتِهِ، جَبَرَهُ اللَّهُ وَرَحِمَ أَبَاهُ.
وَفِي صَبِيحَةِ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ سَادِسِ رَمَضَانَ وَقَعَ ثَلْجٌ عَظِيمٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ بِدِمَشْقَ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَانَ النَّاسُ مُحْتَاجِينَ إِلَى مَطَرٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَتَكَاثَفَ الثَّلْجُ عَلَى الْأَسْطِحَةِ، وَتَرَاكَمَ حَتَّى أعيى النَّاسَ أَمْرُهُ وَنَقَلُوهُ عَنِ الْأَسْطِحَةِ إِلَى الْأَزِقَّةِ يُحْمَلُ، ثُمَّ نُودِيَ بِالْأَمْرِ بِإِزَالَتِهِ مِنَ الطُّرُقَاتِ فَإِنَّهُ سَدَّهَا وَتَعَطَّلَتْ مَعَايِشُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَعَوَّضَ اللَّهُ الضُّعَفَاءَ بِعَمَلِهِمْ فِي الثَّلْجِ، وَلَحِقَ النَّاسَ كُلْفَةٌ كَبِيرَةٌ وَغَرَامَةٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّا للَّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ صُلِّيَ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ عَلَى نائب وَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ الْجَاوِلِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ تَرْجَمَتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي أَوَّلِ شَوَّالٍ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ وَقَعَ فِيهِ ثَلْجٌ عظيم بحيث لم يتمكن الْخَطِيبَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمُصَلَّى، وَلَا خَرَجَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ، بَلِ اجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ وَالْقُضَاةُ بِدَارِ السعادة، وحضر الخطيب فصلى بهم العيد بها، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ صَلَّوُا الْعِيدَ فِي الْبُيُوتِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الحجة دَرَّسَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ بالشامية البرانية عن الشيخ شمس الدين ابن النَّقِيبِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَالْأُمَرَاءُ وَخَلْقٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ، وَأَخَذَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ 38: 35 وَمَا بَعْدَهَا. وَفِي ذِي الْحِجَّةِ اسْتُفْتِيَ فِي قَتْلِ كِلَابِ الْبَلَدِ فَكَتَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فِي ذَلِكَ، فَرُسِمَ بِإِخْرَاجِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنَ الْبَلَدِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، لَكِنْ إِلَى الْخَنْدَقِ ظَاهِرَ بَابِ الصَّغِيرِ، وَكَانَ الْأَوْلَى قَتْلَهُمْ بالكلية وإحراقهم لئلا تنتن الناس بريحهم عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مِنْ جَوَازِ قَتْلِ الْكِلَابِ بِبَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ، إِذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ، وَلَا يُعَارِضُ ذلك النهى عن قتل الْكِلَابِ، وَلِهَذَا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَأْمُرُ فِي خُطْبَتِهِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ وَذَبْحِ الْحَمَامِ.
ثُمَّ دخلت سنة ست وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَسُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَالْحَرَمَيْنِ وَالْبِلَادِ الْحَلَبِيَّةِ وَأَعْمَالِ ذَلِكَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ عِمَادُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ النَّاصِرِ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَقُضَاتُهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ هم
(14/215)

المذكورون أيضا. وفي يوم الجمعة سادس عشر مُحَرَّمٍ كَمَلَتْ عِمَارَةُ الْجَامِعِ الَّذِي بِالْمِزَّةِ الْفَوْقَانِيَّةِ الّذي جدده وأنشأه الأمير بهاء الدين الْمَرْجَانِيِّ، الَّذِي بَنَى وَالِدُهُ مَسْجِدَ الْخَيْفِ بِمِنًى وَهُوَ جَامِعٌ حَسَنٌ مُتَّسِعٌ فِيهِ رُوحٌ وَانْشِرَاحٌ، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْ بَانِيهِ، وَعُقِدَتْ فِيهِ الْجُمْعَةُ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ وَجَمٍّ غَفِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْمِزَّةِ، وَمَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَكُنْتُ أَنَا الْخَطِيبَ- يَعْنِي الشَّيْخَ عِمَادَ الدِّينِ الْمُصَنَّفَ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ- وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَوَقَعَ كَلَامٌ وَبَحْثٌ فِي اشْتِرَاطِ الْمُحَلِّلِ فِي الْمُسَابَقَةِ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الشَّيْخَ شَمْسَ الدِّينِ ابْنَ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ صَنَّفَ فِيهِ مُصَنَّفًا مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، وَنَصَرَ فِيهِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدين بن تَيْمِيَةَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ صَارَ يُفْتَى بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ التُّرْكِ وَلَا يَعْزُوهُ إِلَى الشَّيْخِ تقى الدين بن تَيْمِيَةَ، فَاعْتَقَدَ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ قَوْلُهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، فَحَصَلَ عَلَيْهِ إِنْكَارٌ فِي ذَلِكَ، وَطَلَبَهُ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ، وَحَصَلَ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ، وَانْفَصَلَ الْحَالُ عَلَى أَنْ أَظْهَرَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةَ الْمُوَافَقَةَ لِلْجُمْهُورِ.
وَفَاةُ الْمَلِكِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ
فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَالِثِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أُظْهِرَ مَوْتُ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ عِمَادِ الدِّينِ إسماعيل ابن النَّاصِرِ بْنِ الْمَنْصُورِ آخِرَ النَّهَارِ، وَكَانَ قَدْ عَهِدَ بِالْأَمْرِ إِلَى أَخِيهِ لِأَبَوَيْهِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ سَيْفِ الدِّينِ أَبِي الْفُتُوحِ شَعْبَانَ، فَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ رَابِعِهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، ثُمَّ قَدِمَ الْخَبَرُ إِلَى دِمَشْقَ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْهُ، وَكَانَ الْبَرِيدُ قَدِ انْقَطَعَ عَنِ الشَّامِ نَحْوَ عِشْرِينَ يَوْمًا لِلشُّغْلِ بِمَرَضِ السُّلْطَانِ، فَقَدِمَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدين معزا لِلْبَيْعَةِ لِلْمَلِكِ الْكَامِلِ، فَرَكِبَ عِلْيَةُ الْجَيْشِ لِتَلَقِّيهِ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةُ الْجُمُعَةِ أُخِذَتِ الْبَيْعَةُ مِنَ النَّائِبِ وَالْمُقَدَّمِينَ وَبَقِيَّةِ الْأُمَرَاءِ وَالْجُنْدِ لِلسُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ بِدَارِ السَّعَادَةِ، وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ وَزُيِّنَ الْبَلَدُ وَخَطَبَ الْخُطَبَاءُ يَوْمَئِذٍ لِلْمَلِكِ الْكَامِلِ، جَعَلَهُ اللَّهُ وَجْهًا مُبَارَكًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ دَرَّسَ القاضي جمال الدين حسين ابن قاضي القضاة تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ الشَّافِعِيِّ بِالْمَدْرَسَةِ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، نَزَلَ لَهُ أَبَوْهُ عَنْهَا، وَاسْتَخْرَجَ لَهُ مَرْسُومًا سُلْطَانِيًّا بِذَلِكَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْفُقَهَاءِ، وَجَلَسَ بَيْنَ أَبِيهِ وَالْقَاضِي الحنفي، وأخذ في الدَّرْسَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى. وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ من عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ 27: 15 الْآيَاتِ. وَتَكَلَّمَ الشَّرِيفُ مَجْدُ الدِّينِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الدرس بكلام فيه بكارة وَبَشَاعَةٌ، فَشَنَّعَ عَلَيْهِ الْحَاضِرُونَ، فَاسْتُتِيبَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الدَّرْسِ وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَقَدْ طُلِبَ إِلَى الدِّيَارِ المصرية نائب دمشق الأمير سيف الدين تغردمر وَهُوَ مُتَمَرِّضٌ، انْقَطَعَ عَنِ الْجُمُعَةِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ مَرَّاتٍ، وَالْبَرِيدُ يَذْهَبُ إِلَى حَلَبَ لِمَجِيءِ نَائِبِهَا الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ يَلْبُغَا لِنِيَابَةِ دِمَشْقَ، وَذَكَرَ أن الحاج أرقطيه تَعَيَّنَ لِنِيَابَةِ حَلَبَ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ رَابِعِ جمادى الاولى
(14/216)

خرجت أثقال الأمير سيف الدين تغردمر النائب وخيوله وهجنه ومواليه وَحَوَاصِلُهُ وَطَبْلَخَانَاتُهْ وَأَوْلَادُهُ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ، وَأُبَّهَةٍ هائلة جدا، وخرجت المحافل والكجاوات وَالْمِحَفَّاتُ لِنِسَائِهِ وَبَنَاتِهِ وَأَهْلِهِ فِي هَيْبَةٍ عَجِيبَةٍ، هَذَا كُلُّهُ وَهُوَ بِدَارِ السَّعَادَةِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ وَقْتِ السَّحَرِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ خَامِسِهِ خرج الأمير سيف الدين تغردمر بِنَفْسِهِ إِلَى الْكُسْوَةِ فِي مِحَفَّةٍ لِمَرَضِهِ مَصْحُوبًا بِالسَّلَامَةِ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِئِذٍ قَدِمَ من حلب أستاذ دار الأمير سيف الدين يلبغا البحناوي فَتَسَلَّمَ دَارَ السَّعَادَةِ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِهِمْ، وَذَهَبَ النَّاسُ لِلتَّهْنِئَةِ وَالتَّوَدُّدِ إِلَيْهِمْ.
وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى خَرَجَ الْجَيْشُ بِكَمَالِهِ لِتَلَقِّي نَائِبِ السَّلْطَنَةِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ يَلْبُغَا فَدَخَلَ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ جَاءَ فَنَزَلَ عِنْدَ بَابِ السِّرِّ، وَقَبَّلَ الْعَتَبَةَ عَلَى الْعَادَةِ ثُمَّ مَشَى إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ.
وَفِي عَشِيَّةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ رَابِعَ عَشَرَهِ قَطَعَ نائب السلطنة ممن وجب قطعه في الْحَبْسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَأَضَافَ إِلَى قَطْعِ الْيَدِ قَطْعَ الرِّجْلِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ، لَمَّا بلغه أنه تكرر من جِنَايَاتُهُمْ، وَصُلِبَ ثَلَاثَةٌ بِالْمَسَامِيرِ مِمَّنْ وَجَبَ قَتْلُهُ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ لِقَمْعِهِ الْمُفْسِدِينَ وَأَهْلَ الشُّرُورِ، والعيث وَالْفَسَادِ.
وَاشْتَهَرَ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ جُمَادَى الآخرة وفاة الأمير سيف الدين تغردمر بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِأَيَّامٍ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ مُسْتَهَلِّ هَذَا الشَّهْرِ، وَذُكِرَ أنه رسم على ولده وأستاذ داره، وَطُلِبَ مِنْهُمْ مَالٌ جَزِيلٌ، فاللَّه أَعْلَمُ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشَرَهُ تُوُفِّيَ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ نَائِبُ الْحُكْمِ بِبُسْتَانِهِ بِالصَّالِحِيَّةِ وَدُفِنَ بِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ عَوْدِ الْمَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّةِ إِلَيْهِ، وَأَخْذِهِ إِيَّاهَا مِنْ عَمِّهِ الْقَاضِي عِمَادِ الدِّينِ إِسْمَاعِيلَ، كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَمْ يُدَرِّسْ فِيهَا إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ مُتَمَرِّضٌ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الصَّالِحِيَّةِ فَتَمَادَى بِهِ مَرَضُهُ إِلَى أَنْ مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَخَرَجَ الرَّكْبُ إِلَى الْحِجَازِ الشَّرِيفِ يَوْمَ السَّبْتِ حَادِيَ عَشَرَ شَوَّالٍ، وخرج ناس كَثِيرٌ مِنَ الْبَلَدِ، وَوَقَعَ مَطَرٌ عَظِيمٌ جِدًّا، فَفَرِحَ النَّاسُ بِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَطَرَ كَانَ قَلِيلًا جِدًّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهُوَ كَانُونُ الْأَصَمُّ، فَلَمَّا وَقَعَ هَذَا اسْتَبْشَرُوا بِهِ وخافوا على الحجاج ضرره، ثم تداول الْمَطَرُ وَتَتَابَعَ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، لَكِنْ تَرَحَّلَ الْحُجَّاجُ فِي أَوْحَالٍ كَثِيرَةٍ وَزَلَقٍ كَثِيرٍ، وَاللَّهُ الْمُسَلِّمُ وَالْمُعِينُ وَالْحَامِي. وَلَمَّا اسْتَقَلَّ الْحَجِيجُ ذَاهِبِينَ وقع عليهم مطر شديد بين الصمين فَعَوَّقَهُمْ أَيَّامًا بِهَا، ثُمَّ تَحَامَلُوا إِلَى زُرَعَ فَلَمْ يَصِلُوهَا إِلَّا بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ وَأَمْرٍ شديد، ورجع كثير منهم وأكثرهم، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ عَظِيمَةً حَصَلَتْ لَهُمْ مِنَ الشِّدَّةِ وَقُوَّةِ الْأَمْطَارِ وَكَثْرَةِ الْأَوْحَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ تَقَدَّمَ إِلَى أَرْضِ بُصْرَى، فَحَصَلَ لَهُمْ رِفْقٌ بذلك والله المستعان. وقيل أَنَّ نِسَاءً كَثِيرَةً مِنَ الْمُخَدَّرَاتِ مَشَيْنَ حُفَاةً فيما بين زرع والصميين
(14/217)

وَبَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ أَمِيرُ الْحَاجِّ سَيْفَ الدِّينِ ملك آص وقاضيه شهاب الدين بْنَ الشَّجَرَةِ الْحَاكِمَ بِمَدِينَةِ بِعْلَبَكَّ يَوْمَئِذٍ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، انْتَهَى.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَسُلْطَانُ الْبِلَادِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَالْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ سيف الدين شعبان بن الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ، وَلَيْسَ لَهُ بِمِصْرَ نَائِبٌ، وَقُضَاةُ مِصْرَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَنَائِبُ دِمَشْقَ الْأَمِيرُ سيف الدين يلبغا البحناوي، وَقُضَاةُ دِمَشْقَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، إلا أن قاضى القضاة عماد الدين بن إِسْمَاعِيلَ الْحَنَفِيَّ نَزَلَ عَنِ الْقَضَاءِ لِوَلَدِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ نَجْمِ الدِّينِ، وَاسْتَقَلَّ بِالْوِلَايَةِ وَتَدْرِيسِ النُّورِيَّةِ، وَبَقِيَ وَالِدُهُ عَلَى تَدْرِيسِ الرَّيْحَانِيَّةِ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الشَّيْخُ الصَّالِحُ مُحَمَّدٌ ابْنُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ قَوَامٍ بِزَاوِيَتِهِمْ بِالسَّفْحِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ الْجُمْعَةُ بِجَامِعِ الْأَفْرَمِ، ثُمَّ دُفِنَ بِالزَّاوِيَةِ وَحَضَرَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَهَذَا أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَفُتِحَتْ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الْقَيْسَارِيَّةُ الَّتِي أَنْشَأَهَا الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ يَلْبُغَا نَائِبُ السَّلْطَنَةِ ظَاهِرَ بَابِ الْفَرَجِ وَضُمِنَتْ ضَمَانًا بَاهِرًا بِنَحْوٍ مِنْ سَبْعَةِ آلَافٍ كُلَّ شَهْرٍ، وَدَاخِلَهَا قَيْسَارِيَّةُ تِجَارَةٍ فِي وَسَطِهَا بِرْكَةٌ وَمَسْجِدٌ، وَظَاهِرَهَا دَكَاكِينُ وَأَعَالِيهَا بُيُوتٌ لِلسَّكَنِ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عُقِدَ مَجْلِسٌ بِمَشْهَدِ عُثْمَانَ لِلنُّورِ الْخُرَاسَانِيِّ، وكان يقرأ الْقُرْآنَ فِي جَامِعِ تَنْكِزَ، وَيُعَلِّمُ النَّاسَ أَشْيَاءَ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، ادُّعِيَ عَلَيْهِ فِيهِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعَقَائِدِ وَيُطْلِقُ عِبَارَاتٍ زَائِدَةً عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ، وَشَهِدَ عليه ببعض أشياء مُتَعَدِّدَةٍ، فَاقْتَضَى الْحَالُ أَنَّ عُزِّرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَطِيفَ بِهِ فِي الْبَلَدِ، ثُمَّ رُدَّ إِلَى السِّجْنِ مُعْتَقَلًا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ الثَّانِي عِشْرِينَ مِنْهُ شَفَعَ فِيهِ الْأَمِيرُ أَحْمَدُ بْنُ مُهَنَّا مَلِكُ الْعَرَبِ عِنْدَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ فَاسْتَحْضَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَطْلَقَهُ إِلَى أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، وَلَمَّا كَانَ تَارِيخُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى صَلَّى نَائِبُ السَّلْطَنَةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدين يلبغا البحناوي الناصري بجامع تتكز ظَاهِرَ دِمَشْقَ بَرَّا بَابِ النَّصْرِ، وَصَلَّى عِنْدَهُ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ وَالْمَالِكِيُّ وَكِبَارُ الْأُمَرَاءِ، وَلَمَّا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ صَلَّى وَقَعَدَ بَعْضُ مَمَالِيكِهِ عَنِ الصَّلَاةِ وَمَعَهُ السِّلَاحُ حِرَاسَةً لَهُ، ثُمَّ لَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ اجْتَمَعَ بِالْأُمَرَاءِ الْمَذْكُورِينَ وَتَشَاوَرُوا طَوِيلًا، ثُمَّ نَهَضَ النَّائِبُ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ بَرَزَ بِخَدَمِهِ وَمَمَالِيكِهِ وَحَشَمِهِ وَوِطَاقِهِ وَسِلَاحِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَنَزَلَ قِبْلِيَّ مَسْجِدِ الْقَدَمِ وَخَرَجَ الْجُنْدُ وَالْأُمَرَاءُ فِي آخِرِ النَّهَارِ وَانْزَعَجَ النَّاسُ، وَاتَّفَقَ طُلُوعُ الْقَمَرِ خَاسِفًا، ثُمَّ خَرَجَ الجيش ملبسا تحت الثياب وعليه التراكيس بالنشاب والخيول والجنابات، وَلَا يَدْرِي النَّاسُ مَا الْخَبَرُ، وَكَانَ
(14/218)

سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نَائِبَ السَّلْطَنَةِ بَلَغَهُ أَنَّ نائب صغد قَدْ رَكِبَ إِلَيْهِ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ، فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ وَقَالَ:
لَا أَمُوتُ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ أَفْرَاسِي، لَا عَلَى فِرَاشِي، وَخَرَجَ الْجُنْدُ وَالْأُمَرَاءُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَفُوتَهُمْ بِالْفِرَارِ، فَنَزَلُوا يَمْنَةً وَيَسْرَةً، فَلَمْ يَذْهَبْ مِنْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ بَلِ اسْتَمَرَّ بِهَا يَعْمَلُ النِّيَابَةَ وَيَجْتَمِعُ بِالْأُمَرَاءِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى، وَيَسْتَمِيلُهُمْ إِلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الرَّأْيِ، وَهُوَ خَلْعُ الْمَلِكِ الْكَامِلِ شَعْبَانَ لِأَنَّهُ يُكْثِرُ مِنْ مَسْكِ الْأُمَرَاءِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وَيَفْعَلُ أَفْعَالًا لَا تَلِيقُ بِمِثْلِهِ، وَذَكَرُوا أُمُورًا كَثِيرَةً، وَأَنْ يُوَلُّوا أَخَاهُ أَمِيرَ حَاجِّي بْنَ النَّاصِرِ لِحُسْنِ شكالته وجميل فعله، ولم يزل يفتلهم فِي الذِّرْوَةِ وَالْغَارِبِ حَتَّى أَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، ووافقوه عليه، وسلموا له ما يدعيه، وتابعوا على ما أشار إليه وبايعوه، ثُمَّ شَرَعَ فِي الْبَعْثِ إِلَى نُوَّابِ الْبِلَادِ يستميلهم إلى ما مالأ عَلَيْهِ الدِّمَشْقِيُّونَ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَشَرَعَ أَيْضًا فِي التَّصَرُّفِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ، وَأَخْرَجَ بَعْضَ مَنْ كَانَ الْمَلَكُ الْكَامِلُ اعْتَقَلَهُ بِالْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ، وَرَدَّ إِلَيْهِ إِقْطَاعَهُ بَعْدَ مَا بَعَثَ الملك الكامل إلى من أقلعه [1] مَنْشُورَهُ، وَعَزَلَ وَوَلَّى وَأَخَذَ وَأَعْطَى، وَطَلَبَ التُّجَّارَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ثَامِنَ عَشَرَهُ لِيُبَاعَ عَلَيْهِمْ غِلَالُ الْحَوَاصِلِ السُّلْطَانِيَّةِ فَيَدْفَعُوا أَثْمَانَهَا فِي الْحَالِ، ثُمَّ يَذْهَبُوا فَيَتَسَلَّمُوهَا مِنَ الْبِلَادِ الْبَرَّانِيَّةِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ عَلَى الْعَادَةِ وَالْأُمَرَاءُ وَالسَّادَةُ، وَهَذَا كُلُّهُ وَهُوَ مُخَيِّمٌ بِالْمَكَانِ الْمَذْكُورِ، لَا يَحْصُرُهُ بَلَدٌ وَلَا يَحْوِيهِ سُورٌ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ رَابِعِ جُمَادَى الْآخِرَةِ خَرَجَتْ تَجْرِيدَةٌ نَحْوُ عَشَرَةٍ طَلِيعَةً لتلقى من يقدم مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، بِبَقَاءِ الْأَمْرِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُمُ النَّائِبُ، وَرُبَّمَا عَاقَبَ بَعْضَهُمْ، ثُمَّ رَفَعَهُمْ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَأَهِلُ دِمَشْقَ مَا بَيْنَ مُصَدِّقٍ بِاخْتِلَافِ الْمِصْرِيِّينَ وَمَا بَيْنَ قَائِلٍ السُّلْطَانُ الْكَامِلُ قَائِمُ الصُّورَةِ مُسْتَمِرٌّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَالتَّجَارِيدُ الْمِصْرِيَّةُ وَاصِلَةٌ قَرِيبًا، وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ خَبْطَةٍ عَظِيمَةٍ. وَتَشَوَّشَتْ أَذْهَانُ النَّاسِ وَأَحْوَالُهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُحْسِنَ الْعَاقِبَةَ.
وَحَاصِلُ الْقَضِيَّةِ أَنَّ الْعَامَّةَ مَا بَيْنَ تَصْدِيقٍ وَتَكْذِيبٍ، وَنَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَخَوَاصُّهُ مِنْ كِبَارِ الْأُمَرَاءِ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ الْأُمَرَاءَ عَلَى خُلْفٍ شَدِيدٍ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بَيْنَ السُّلْطَانِ الْكَامِلِ شَعْبَانَ وَبَيْنَ أَخِيهِ أَمِيرِ حَاجِّي، وَالْجُمْهُورُ مَعَ أَخِيهِ أَمِيرِ حَاجِّي، ثُمَّ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى النَّائِبِ بِأَنَّ التَّجَارِيدَ الْمِصْرِيَّةَ خَرَجَتْ تَقْصِدُ الشَّامَ وَمَنْ فِيهِ مِنَ الْجُنْدِ لِتُوَطِّدَ الْأَمْرَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَرَاجَعَتْ رُءُوسُ الْأُمَرَاءِ فِي اللَّيْلِ إِلَى مِصْرَ وَاجْتَمَعُوا إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِمَّنْ هُوَ مُمَالِئٌ لَهُمْ عَلَى السُّلْطَانِ، فَاجْتَمَعُوا وَدَعَوْا إِلَى سَلْطَنَةِ أمير حاجي وضربت الطبلخانات وَصَارَتْ بَاقِي النُّفُوسِ مُتَجَاهِرَةً عَلَى نِيَّةِ تَأْيِيدِهِ، ونابذوا السلطان الكامل، وعدوا عليه مساويه، وَقُتِلَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ، وَفَرَّ الْكَامِلُ وَأَنْصَارُهُ فَاحْتِيطَ عَلَيْهِ. وَخَرَجَ أَرْغُونُ الْعَلَائِيُّ زَوْجُ ابْنَتِهِ وَاسْتَظْهَرَ أَيْضًا أَمِيرَ حَاجِّي فَأَجْلَسُوهُ عَلَى السَّرِيرِ وَلَقَّبُوهُ بِالْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ، وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى النَّائِبِ بِذَلِكَ، فَضُرِبَتِ الْبَشَائِرُ عِنْدَهُ، وَبُعِثَ إِلَى نَائِبِ الْقَلْعَةِ فامتنع من ضربها، وكان قد
__________
[1] كذا بالأصول التي بأيدينا.
(14/219)

طُلِبَ إِلَى الْوِطَاقِ فَامْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ، وَأَغْلَقَ بَابَ الْقَلْعَةِ، فَانْزَعَجَ النَّاسُ وَاخْتَبَطَ الْبَلَدُ، وَتَقَلَّصَ وُجُودُ الْخَيْرِ، وَحُصِّنَتِ الْقَلْعَةُ وَدَعَوْا لِلْكَامِلِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً عَلَى الْعَادَةِ، وَأَرْجَفَ الْعَامَّةُ بِالْجَيْشِ عَلَى عادتهم في كثرة فصولهم، فَحَصَلَ لِبَعْضِهِمْ أَذِيَّةٌ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ ثَامِنِ الشَّهْرِ قَدِمَ نَائِبُ حَمَاةَ إِلَى دِمَشْقَ مطيعا لنائب السلطنة في تجمل وأبهة، ثم أجريت له عَادَةُ أَمْثَالِهِ.
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ وُقِّعَتْ بِطَاقَةٌ بِقُدُومِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ بَيْغَرَا حَاجِبِ الْحُجَّابِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِأَجْلِ الْبَيْعَةِ لِلسُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ، فَدَقَّتِ الْبَشَائِرَ بِالْوِطَاقِ، وَأُمِرَ بِتَزْيِينِ الْبَلَدِ، فَزَيَّنَ النَّاسُ وَلَيْسُوا مُنْشَرِحِينَ، وَأَكْثَرُهُمْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ، وَأَنَّ التَّجَارِيدَ الْمِصْرِيَّةَ وَاصِلَةٌ قَرِيبًا. وَامْتَنَعَ نَائِبُ الْقَلْعَةِ مِنْ دَقِّ الْبَشَائِرِ وَبَالَغَ فِي تَحْصِينِ الْقَلْعَةِ، وَغَلْقِ بَابِهَا، فَلَا يُفْتَحُ إِلَّا الْخَوْخَةُ الْبَرَّانِيَّةُ وَالْجَوَّانِيَّةُ، وَهَذَا الصَّنِيعُ هُوَ الَّذِي يُشَوِّشُ خَوَاطِرَ الْعَامَّةِ، يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ ثَمَّ شَيْءٌ لَهُ صِحَّةٌ كَانَ نَائِبُ الْقَلْعَةِ يَطَّلِعُ عَلَى هَذَا قَبْلَ الْوِطَاقِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ بَعْدَ الزَّوَالِ قَدِمَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بَيْغَرَا إِلَى الْوِطَاقِ، وَقَدْ تَلَقَّوْهُ وَعَظَّمُوهُ، وَمَعَهُ تَقْلِيدُ النِّيَابَةِ مِنَ الْمُظَفَّرِ إِلَى الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ يَلْبُغَا نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، وَكِتَابٌ إِلَى الأمراء بالسلام. ففرحوا بذلك وبايعوه وانضمت الْكَلِمَةُ وللَّه الْحَمْدُ. وَرَكِبَ بَيْغَرَا إِلَى الْقَلْعَةِ فَتَرَجَّلَ وَسَلَّ سَيْفَهُ وَدَخَلَ إِلَى نَائِبِ الْقَلْعَةِ فَبَايَعَهُ سَرِيعًا وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ فِي الْقَلْعَةِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، وَطَابَتْ أَنْفُسُ النَّاسِ ثُمَّ أَصْبَحَتِ الْقَلْعَةُ فِي الزِّينَةِ وَزَادَتِ الزِّينَةُ فِي الْبَلَدِ وَفَرِحَ النَّاسُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ حَادِيَ عَشَرَ الشَّهْرِ دَخَلَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ مِنَ الْوِطَاقِ إِلَى الْبَلَدِ وَالْأَطْلَابُ بَيْنَ يَدَيْهِ في تجمل وطبلخانات عَلَى عَادَةِ الْعَرْضِ، وَقَدْ خَرَجَ أَهْلُ الْبَلَدِ إلى الفرجة، وَخَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالتَّوْرَاةِ، وَأُشْعِلَتِ الشُّمُوعُ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَقَدْ صَلَّى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِالشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ صَبِيٌّ عُمُرُهُ سِتُّ سِنِينَ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ وَامْتَحَنْتُهُ فَإِذَا هُوَ يُجِيدُ الْحِفْظَ وَالْأَدَاءَ، وَهَذَا مِنْ أَغْرَبِ مَا يَكُونُ. وَفِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ فرغ من بناء الحمامين الّذي بَنَاهُمَا نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِالْقُرْبِ مِنِ الثَّابِتِيَّةِ فِي خَانِ السُّلْطَانِ الْعَتِيقِ، وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الرِّبَاعِ وَالْقِرَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ حَادِيَ عَشَرَهُ اجْتَمَعَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَالْقُضَاةُ الْأَرْبَعَةُ وَوَكِيلُ بيت المال والدولة عند تل المستقين، مِنْ أَجْلِ أَنَّ نَائِبَ السَّلْطَنَةِ قَدْ عَزَمَ عَلَى بِنَاءِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ جَامِعًا بِقَدْرِ جَامِعِ تَنْكِزَ، فَاشْتَوَرُوا هُنَالِكَ، ثُمَّ انْفَصَلَ الْحَالُ عَلَى أَنْ يُعْمَلَ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَالِثِ ذِي الْقِعْدَةِ صُلِّيَ عَلَى الشَّيْخِ زين الدين عبد الرحمن بن تيمية، أخو الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَانِيَ عَشَرَهُ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْقَطَنَانِيُّ بِقَطَنَا، وَكَانَ قَدِ اشْتَهَرَ أَمْرُهُ فِي هَذِهِ السِّنِينَ، وَاتَّبَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفَلَّاحِينَ وَالشَّبَابِ المنتمين إلى طريقة أحمد ابن الرِّفَاعِيِّ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ وَسَارَ ذِكْرُهُ، وَقَصَدَهُ الْأَكَابِرُ لِلزِّيَارَةِ مَرَّاتٍ، وَكَانَ يُقِيمُ السَّمَاعَاتِ عَلَى عَادَةِ
(14/220)

أمثاله، وله أصحاب يظهرون إشارة بَاطِلَةً، وَأَحْوَالًا مُفْتَعَلَةً، وَهَذَا مِمَّا كَانَ يُنْقَمُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِحَالِهِمْ فَجَاهِلٌ، وَإِنْ كَانَ يُقِرُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِثْلُهُمْ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَفِي أواخر هذا الشهر- أعنى ذي الْحِجَّةِ مِنَ الْعِيدِ وَمَا بَعْدَهُ- اهْتَمَّ مَلِكُ الْأُمَرَاءِ فِي بِنَاءِ الْجَامِعِ الَّذِي بَنَاهُ تَحْتَ القلعة وكان تل المستقين، وَهَدْمِ مَا كَانَ هُنَاكَ مِنْ أَبْنِيَةٍ، وَعُمِلَتِ الْعَجَلُ وَأُخِذَتْ أَحْجَارٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَرْجَاءِ الْبَلَدِ، وَأَكْثَرُ مَا أُخِذَتِ الْأَحْجَارُ مِنَ الرَّحْبَةِ الَّتِي للمصريين، مِنْ تَحْتِ الْمِئْذَنَةِ الَّتِي فِي رَأْسِ عَقَبَةِ الكتاب، وتيسر مِنْهَا أَحْجَارٌ كَثِيرَةٌ، وَالْأَحْجَارُ أَيْضًا مِنْ جَبَلِ قَاسِيُونَ وَحُمِلَ عَلَى الْجَمَالِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ سَلْخَ هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ- قَدْ بَلَغَتْ غِرَارَةُ الْقَمْحِ إِلَى مِائَتَيْنِ فَمَا دونها، وربما بيعت بأكثر من ذلك، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثمان وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَسُلْطَانُ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَالْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ أَمِيرُ حَاجِّي ابْنُ الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، وَنَائِبُهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أرقطيه، وَقُضَاةُ مِصْرَ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْمَاضِيَةِ بِأَعْيَانِهِمْ، وَنَائِبُهُ بِالشَّامِ الْمَحْرُوسَةِ سَيْفُ الدِّينِ يَلْبُغَا النَّاصِرِيُّ، وَقُضَاةُ الشَّامِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا بِأَعْيَانِهِمْ، غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ عِمَادَ الدِّينِ الْحَنَفِيَّ نَزَلَ لِوَلَدِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ نَجْمِ الدِّينِ، فَبَاشَرَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَحَاجِبُ الْحُجَّابِ فَخْرُ الدِّينِ أَيَاسُ.
وَاسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَنَائِبُ السَّلْطَنَةِ فِي هِمَّةٍ عَالِيَةٍ فِي عِمَارَةِ الْجَامِعِ الَّذِي قَدْ شَرَعَ فِي بِنَائِهِ غَرْبِيَّ سُوقِ الْخَيْلِ، بالمكان الّذي كان يعرف بالتل المستقين.
وَفِي ثَالِثِ الْمُحَرَّمِ تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْهَمْدَانِيُّ الْمَالِكِيُّ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ بِمَيْدَانِ الْحَصَا، وتأسف الناس عليه لرياسته وديانته وأخلاقه وَإِحْسَانِهِ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَصَلَ تَقْلِيدُ قَضَاءِ الْمَالِكِيَّةِ لِلْقَاضِي جَمَالِ الدِّينِ الْمِسَلَّاتِيِّ الَّذِي كَانَ نَائِبًا لِلْقَاضِي شَرَفِ الدِّينِ قَبْلَهُ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ. وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَخَذُوا لِبِنَاءِ الْجَامِعِ الْمُجَدَّدِ بسوق الخيل، أعمدة كثيرة من البلد، فظاهر البلد يعلقون ما فوقه من البناء ثم يأخذونه ويقيمون بَدَلَهُ دِعَامَةً وَأَخَذُوا مِنْ دَرْبِ الصَّيْقَلِ وَأَخَذُوا الْعَمُودَ الَّذِي كَانَ بِسُوقِ الْعِلْبِيِّينَ الَّذِي فِي تِلْكَ الدَّخْلَةِ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلُ الْكُرَةِ فِيهَا حَدِيدٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ طَلْسَمٌ لِعُسْرِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ إِذَا داروا بِالدَّابَّةِ يَنْحَلُّ أَرَاقِيهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قلعوه مِنْ مَوْضِعِهِ بَعْدَ مَا كَانَ لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَهُوَ مَمْدُودٌ فِي سُوقِ الْعِلْبِيِّينَ عَلَى الْأَخْشَابِ
(14/221)

لِيَجُرُّوهُ إِلَى الْجَامِعِ الْمَذْكُورِ مِنَ السُّوقِ الْكَبِيرِ، وَيَخْرُجُوا بِهِ مِنْ بَابِ الْجَابِيَةِ الْكَبِيرِ فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَفِي أَوَاخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ ارْتَفَعَ بِنَاءُ الْجَامِعِ الَّذِي أَنْشَأَهُ النَّائِبُ وَجَفَّتِ الْعَيْنُ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ جِدَارِهِ حِينَ أَسَّسُوهُ وللَّه الْحَمْدُ.
وَفِي سَلْخِ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِمِسْكِ جَمَاعَةٍ من أعيان الأمراء كالحجازى وآقسنقر النَّاصِرِيُّ، وَمَنْ لَفَّ لَفَّهُمَا، فَتَحَرَّكَ الْجُنْدُ بِالشَّامِ وَوَقَعَتْ خَبْطَةٌ، ثُمَّ اسْتَهَلَّ شَهْرُ جُمَادَى الْأُولَى وَالْجُنْدُ فِي حَرَكَةٍ شَدِيدَةٍ، وَنَائِبُ السَّلْطَنَةِ يَسْتَدْعِي الْأُمَرَاءَ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَتَعَاهَدَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنْ لَا يؤذى أحد، وَأَنْ يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً، وَفِي هَذَا [الْيَوْمِ] نحول مَلِكُ الْأُمَرَاءِ مِنْ دَارِ السَّعَادَةِ إِلَى الْقَصْرِ الْأَبْلَقِ وَاحْتَرَزَ لِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ حَاشِيَتُهُ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْهُ قَدِمَ أَمِيرٌ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى الْبَرِيدِ وَمَعَهُ كِتَابٌ مِنَ السُّلْطَانِ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِعَزْلِ مَلِكِ الْأُمَرَاءِ يَلْبُغَا نَائِبِ الشَّامِ، فَقُرِئَ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الْأُمَرَاءِ بِالْقَصْرِ الْأَبْلَقِ، فَتَغَمَّمَ لِذَلِكَ وَسَاءَهُ، وَفِيهِ طَلَبُهُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى الْبَرِيدِ لِيُوَلَّى نِيَابَةَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ خَدِيعَةً لَهُ، فَأَظْهَرَ الِامْتِنَاعَ، وَأَنَّهُ لَا يَذْهَبُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَبَدًا، وَقَالَ: إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ قَدِ اسْتَكْثَرَ عَلَيَّ وِلَايَةَ دِمَشْقَ فَيُوَلِّينِي أَيَّ الْبِلَادِ شَاءَ، فَأَنَا رَاضٍ بِهَا. وَرَدَّ الْجَوَابَ بِذَلِكَ، وَلَمَّا أَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ وَهُوَ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَهُوَ خَامِسَ عَشَرَهُ، رَكِبَ فَخَيَّمَ قَرِيبًا مِنَ الْجُسُورَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي خَيَّمَ فِيهِ عَامَ أَوَّلٍ، وَفِي الشَّهْرِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ، فَبَاتَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَأَمَرَ الْأُمَرَاءَ بِنَصْبِ الْخِيَامِ هُنَالِكَ عَلَى عَادَتِهِمْ عَامَ أَوَّلٍ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ سَادِسَ عَشَرَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَا شَعَرَ النَّاسُ إِلَّا وَالْأُمَرَاءُ قَدِ اجْتَمَعُوا تَحْتَ الْقَلْعَةِ وَأَحْضَرُوا مِنَ الْقَلْعَةِ سَنْجَقَيْنِ سُلْطَانِيَّيْنِ أَصْفَرَيْنِ، وَضَرَبُوا الطُّبُولَ حَرْبِيًّا، فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ تَحْتَ السَّنْجَقِ السُّلْطَانِيِّ، وَلَمْ يَتَأَخَّرْ مِنْهُمْ سِوَى النَّائِبِ وَذَوِيهِ كَابْنَيْهِ وَإِخْوَتِهِ وَحَاشِيَتِهِ، وَالْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ قَلَاوُونَ أَحَدِ مُقَدَّمِي الألوف وخبره أكبر أخبار الْأُمَرَاءِ بَعْدَ النِّيَابَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْأُمَرَاءُ أَنْ هَلُمَّ إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلسُّلْطَانِ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَتَكَرَّرَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ، فساروا إليه في الطبلخانات وَالْبُوقَاتِ مَلْبِسِينَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ وَجَدُوهُ قَدْ رَكِبَ خُيُولَهُ مُلْبِسًا وَاسْتَعَدَّ لِلْهَرَبِ، فَلَمَّا وَاجَهَهُمْ هَرَبَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ وَفَرُّوا فِرَارَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَسَاقَ الْجُنْدَ وَرَاءَهُ فَلَمْ يَكْتَنِفُوا لَهُ غُبَارًا، وَأَقْبَلَ الْعَامَّةُ وَتَرْكُمَانُ الْقُبَيْبَاتِ، فَانْتَهَبُوا مَا بَقِيَ فِي مُعَسْكَرِهِ مِنَ الشَّعِيرِ وَالْأَغْنَامِ وَالْخِيَامِ، حَتَّى جَعَلُوا يُقَطِّعُونَ الْخِيَامَ وَالْأَطْنَابَ قِطَعًا قِطَعًا، فَعُدِمَ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ مَا يُسَاوِي أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَانْتُدِبَ لِطَلَبِهِ وَالْمَسِيرِ وَرَاءَهُ الْحَاجِبُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَدِمَ مِنَ الديار المصرية قريبا شِهَابُ الدِّينِ بْنُ صُبْحٍ، أَحَدُ مُقَدَّمِي الْأُلُوفِ، فَسَارَ عَلَى طَرِيقِ الْأَشْرَفِيَّةِ ثُمَّ عَدَلَ إِلَى نَاحِيَةِ الْقَرْيَتَيْنِ.
وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ قَدِمَ الأمير فخر الدين إياس نائب صغد فيها فَتَلَقَّاهُ الْأُمَرَاءُ وَالْمُقَدَّمُونَ، ثُمَّ
(14/222)

جَاءَ فَنَزَلَ الْقَصْرَ وَرَكِبَ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ في الجحافل، ولم يترك أحدا من الجند بدمشق إلا ركب معه وساق وراء يلبغا فانبرا نَحْوَ الْبَرِّيَّةِ، فَجَعَلَتِ الْأَعْرَابُ يَعْتَرِضُونَهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَمَا زَالُوا يَكُفُّونَهُ حَتَّى سَارَ نَحْوَ حماة، فخرج نَائِبُهَا وَقَدْ ضَعُفَ أَمْرُهُ جِدًّا، وَكَلَّ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ كَثْرَةِ السَّوْقِ وَمُصَاوَلَةِ الْأَعْدَاءِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَلْقَى بِيَدِهِ وَأَخَذَ سَيْفَهُ وَسُيُوفَ مَنْ مَعَهُ وَاعْتُقِلُوا بِحَمَاةَ، وَبُعِثَ بِالسُّيُوفِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى دِمَشْقَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعَ عَشَرَ هَذَا الشَّهْرِ، فَضُرِبَتِ الْبَشَائِرُ بِالْقَلْعَةِ وَعَلَى بَابِ الْمَيَادِينِ عَلَى الْعَادَةِ، وَأَحْدَقَتِ الْعَسَاكِرُ بِحَمَاةَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ يَنْتَظِرُونَ مَا رَسَمَ بِهِ السُّلْطَانُ مِنْ شَأْنِهِ، وَقَامَ إِيَاسُ بِجَيْشِ دِمَشْقَ عَلَى حِمْصَ، وَكَذَلِكَ جَيْشُ طَرَابُلُسَ، ثُمَّ دَخَلَتِ الْعَسَاكِرُ رَاجِعَةً إِلَى دِمَشْقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ، وقدم يلبغا وهو مقيد عَلَى كَدِيشٍ هُوَ وَأَبُوهُ وَحَوْلَهُ الْأُمَرَاءُ الْمُوَكَّلُونَ بِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ، فَدَخَلُوا بِهِ بعد عشاء الآخرة فاجتازوا به فم السبعة بَعْدَ مَا غُلِّقَتِ الْأَسْوَاقُ، وَطُفِئَتِ السُّرُجُ، وَغُلِّقَتِ الطَّاقَاتُ، ثُمَّ مَرُّوا عَلَى الشَّيْخِ رَسْلَانَ وَالْبَابِ الشَّرْقِيِّ عَلَى بَابِ الصَّغِيرِ، ثُمَّ مِنْ عِنْدِ مسجد الديان عَلَى الْمُصَلَّى، وَاسْتَمَرُّوا ذَاهِبِينَ نَحْوَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَتَوَاتَرَتِ الْبَرِيدِيَّةُ مِنَ السُّلْطَانِ بِمَا رَسَمَ بِهِ فِي أَمْرِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ مِنَ الِاحْتِيَاطِ عَلَى حَوَاصِلِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَمْلَاكِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدِمَ الْبَرِيدُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ثالث جُمَادَى الْآخِرَةِ فَأَخْبَرَ بِقَتْلِ يَلْبُغَا فِيمَا بَيْنَ قاقون وغبرة، وأخذت رءوسهما إلى السلطان وكذلك قتل بغبرة الأمراء الثلاثة الذين خرجوا من مصر وحاكم الوزير ابن سرد ابن الْبَغْدَادِيِّ، وَالدَّوَادَارُ طُغَيْتَمُرَ وَبَيْدَمُرُ الْبَدْرِيُّ، أَحَدُ الْمُقَدَّمِينَ، كَانَ قَدْ نَقَمَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ مُمَالَأَةَ يَلْبُغَا، فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ مِصْرَ مَسْلُوبِينَ جَمِيعَ أَمْوَالِهِمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا كَانُوا بِغَزَّةَ لَحِقَهُمُ الْبَرِيدُ بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ وَجَدَهُمْ وَكَذَلِكَ رُسِمَ بِقَتْلِ يَلْبُغَا حَيْثُ الْتَقَاهُ مِنَ الطَّرِيقِ، فَلَمَّا انْفَصَلَ الْبَرِيدُ مِنْ غَزَّةَ الْتَقَى يَلْبُغَا فِي طَرِيقِ وَادِي فَحْمَةَ فَخَنَقَهُ ثُمَّ احْتَزَّ رَأْسَهُ وَذَهَبَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ، وَقَدِمَ أَمِيرَانِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِالْحَوْطَةِ عَلَى حَوَاصِلِ يَلْبُغَا وَطَوَاشِيٍّ مِنْ بَيْتِ الْمَمْلَكَةِ، فَتَسَلَّمَ مَصَاغًا وَجَوَاهِرَ نَفِيسَةً جِدًّا، وَرُسِمَ بِبَيْعِ أَمْلَاكِهِ وَمَا كَانَ وَقَفَهُ عَلَى الْجَامِعِ الَّذِي كَانَ قَدْ شَرَعَ بِعِمَارَتِهِ بِسُوقِ الْخَيْلِ، وَكَانَ قَدِ اشْتَهَرَ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَيْهِ الْقَيْسَارِيَّةَ الَّتِي كَانَ أَنْشَأَهَا ظَاهِرَ بَابِ الْفَرَجِ، وَالْحَمَّامَيْنِ الْمُتَجَاوِرَيْنِ ظَاهِرَ بَابِ الْجَابِيَةِ غَرْبِيَّ خَانِ السُّلْطَانِ العتيق، وخصصا في قرايا أخرى كَانَ قَدِ اسْتَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ قَبْلَ ذَلِكَ فاللَّه أَعْلَمُ. ثُمَّ طُلِبَ بَقِيَّةُ أَصْحَابِهِ مِنْ حَمَاةَ فَحُمِلُوا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَعُدِمَ خَبَرُهُمْ، فَلَا يُدْرَى عَلَى أَيِّ صِفَةٍ هَلَكُوا.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُونُ شَاهْ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةَ نَائِبًا عَلَيْهَا، وَكَانَ قُدُومُهُ مِنْ حَلَبَ، انْفَصَلَ عَنْهَا وَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا الْأَمِيرُ فَخْرُ الدِّينِ إِيَاسُ الْحَاجِبُ، فدخلها أرغون شاه في أبهة وَعَلَيْهِ خِلْعَةٌ وَعِمَامَةٌ بِطَرَفَيْنِ، وَهُوَ قَرِيبُ الشَّكْلِ
(14/223)

مِنْ تَنْكِزَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَنَزَلَ دَارَ السَّعَادَةِ وَحَكَمَ بِهَا، وَفِيهِ صَرَامَةٌ وَشَهَامَةٌ.
وَفِي يَوْمِ الخميس الثالث والعشرين منه صلى على الأمير قَرَاسُنْقُرَ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ وَظَاهِرَ بَابِ النَّصْرِ، وَحَضَرَ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَالْأُمَرَاءُ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ بِمَيْدَانِ الْحَصَا بالقرب من جامع الْكَرِيمِيِّ وَعُمِلَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ إشعال القناديل ولم يشعل الناس لما هُمْ فِيهِ مِنَ الْغَلَاءِ وَتَأَخُّرِ الْمَطَرِ وَقِلَّةِ الغلة، كُلُّ رَطْلٍ إِلَّا وُقِيَّةً بِدِرْهَمٍ، وَهُوَ مُتَغَيِّرٌ، وَسَائِرُ الْأَشْيَاءِ غَالِيَةٌ، وَالزَّيْتُ كُلُّ رَطْلٍ بِأَرْبَعَةٍ وَنِصْفٍ، وَمَثْلُهُ الشَّيْرَجُ وَالصَّابُونُ وَالْأُرْزُ وَالْعَنْبَرِيسُ كُلُّ رَطْلٍ بِثَلَاثَةٍ، وَسَائِرُ الْأَطْعِمَاتِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ قَرِيبَ الْحَالِ سِوَى اللَّحْمِ بِدِرْهَمَيْنِ وَرُبْعٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَغَالِبُ أَهْلِ حَوْرَانَ يَرِدُونَ من الأماكن البعيدة ويجلبون القمح للمئونة وَالْبِدَارِ مِنْ دِمَشْقَ، وَبِيعَ عِنْدَهُمُ الْقَمْحُ الْمُغَرْبَلُ كُلُّ مُدٍّ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَهُمْ فِي جَهْدٍ شَدِيدٍ، وَاللَّهُ هُوَ الْمَأْمُولُ الْمَسْئُولُ. وَإِذَا سَافَرَ أحد يشق عَلَيْهِ تَحْصِيلُ الْمَاءِ لِنَفْسِهِ وَلِفَرَسِهِ وَدَابَّتِهِ، لِأَنَّ المياه التي في الدرب كلها نفذت، وَأَمَّا الْقُدْسُ فَأَشَدُّ حَالًا وَأَبْلَغُ فِي ذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ عَلَى عِبَادِهِ بِإِرْسَالِ الْغَيْثِ الْمُتَدَارَكِ الّذي أحيى الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ، وَتَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى أَوْطَانِهِمْ لِوُجُودِ الْمَاءِ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْغُدْرَانِ، وَامْتَلَأَتْ بِرْكَةُ زُرَعَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَطْرَةٌ، وَجَاءَتْ بِذَلِكَ الْبَشَائِرُ إِلَى نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، وَذُكِرَ أَنَّ الْمَاءَ عَمَّ الْبِلَادَ كُلَّهَا، وَأَنَّ الثَّلْجَ عَلَى جَبَلِ بَنِي هِلَالٍ كَثِيرٌ، وَأَمَّا الْجِبَالُ الَّتِي حَوْلَ دِمَشْقَ فَعَلَيْهَا ثُلُوجٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَاطْمَأَنَّتِ القلوب وحصل فرج شَدِيدٌ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ بَقِيَ مِنْ تِشْرِينَ الثَّانِي.
وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ مُحَمَّدٌ الْحَنْبَلِيُّ بِالصَّالِحِيَّةِ وَهُوَ خَطِيبُ الْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْمَشْهُورِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يُلَقِّنُ الْأَمْوَاتَ بَعْدَ دَفْنِهِمْ، فَلَقَّنَهُ اللَّهُ حُجَّتَهُ وَثَبَّتَهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.
مَقْتَلُ الْمُظَفَّرِ وَتَوْلِيَةُ النَّاصِرِ حَسَنِ بْنِ النَّاصِرِ
وَفِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ جَاءَ الْبَرِيدُ مِنْ نَائِبِ غَزَّةَ إِلَى نَائِبِ دِمَشْقَ بِقَتْلِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ حَاجِّي بْنِ النَّاصِرِ مُحَمَّدٍ، وَقَعَ بَيْنَهُ وبين الأمراء فتحيزوا عنه إلى قبة النصر فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي طَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ فَقُتِلَ فِي الْحَالِ وَسُحِبَ إِلَى مَقْبَرَةٍ هُنَاكَ، وَيُقَالُ قُطِّعَ قطعا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156 وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ آخِرَ النَّهَارِ وَرَدَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَمِيرٌ لِلْبَيْعَةِ لِأَخِيهِ السُّلْطَانِ النَّاصِرِ حَسَنٍ ابْنِ السُّلْطَانِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، فَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ في القلعة المنصورة، وزين البلد بكماله وللَّه الحمد فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ مَنْ أَمْكَنَ مِنَ النَّاسِ، وما أصبح صباح يوم السبت إلا زُيِّنَ الْبَلَدُ بِكَمَالِهِ وللَّه الْحَمْدُ عَلَى انْتِظَامِ الْكَلِمَةِ، وَاجْتِمَاعِ الْأُلْفَةِ. وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ قَدِمَ الْأَمِيرُ فَخْرُ الدِّينِ
(14/224)

إِيَاسُ نَائِبُ حَلَبَ مُحْتَاطًا عَلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ بِالنَّائِبِ فِي دَارِ السَّعَادَةِ، ثُمَّ أُدْخِلَ الْقَلْعَةَ مُضَيَّقًا عَلَيْهِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ قَدْ فُوِّضَ أَمْرُهُ إِلَى نَائِبِ دِمَشْقَ، فَمَهْمَا فَعَلَ فِيهِ فَقَدْ أُمْضِيَ لَهُ، فَأَقَامَ بِالْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ نَحْوًا مِنْ جُمُعَةٍ، ثُمَّ أُرْكِبَ عَلَى الْبَرِيدِ لِيُسَارَ بِهِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَلَمْ يُدْرَ مَا فُعِلَ بِهِ.
وَفِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ ثَالِثِ شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ مُؤَرِّخُ الْإِسْلَامِ وَشَيْخُ الْمُحَدِّثِينَ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الذَّهَبِيُّ بِتُرْبَةِ أُمِّ الصَّالِحِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ، وَقَدْ خُتِمَ بِهِ شُيُوخُ الْحَدِيثِ وَحُفَّاظُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ سَادِسَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ حَضَرْتُ تُرْبَةَ أُمِّ الصَّالِحِ رَحِمَ اللَّهُ وَاقِفَهَا عِوَضًا عَنِ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ الذَّهَبِيِّ، وَحَضَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْفُقَهَاءِ وَبَعْضُ الْقُضَاةِ، وَكَانَ دَرْسًا مَشْهُودًا وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، أَوْرَدْتُ فِيهِ حَدِيثَ أَحْمَدَ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إنما نسمة المؤمن طائر معلق في شجر الجنة حتى يرجعه إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ تَاسِعَ عَشَرَهُ أَمَرَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِجَمَاعَةٍ انْتَهَبُوا شيئا من الباعة فقطعوا إحدى عشر منهم، وسمر عشر تسميرا تعزيرا وتأديبا انتهى والله أعلم.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ وَسُلْطَانُ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ الْمَلِكُ النَّاصِرُ نَاصِرُ الدين حسن بن الملك الْمَنْصُورِ وَنَائِبُهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ يلبغا، وَوَزِيرُهُ مَنْجَكْ، وَقُضَاتُهُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ وَتَقِيُّ الدِّينِ الْأَخْنَائِيُّ الْمَالِكِيُّ، وَعَلَاءُ الدِّينِ بْنُ التُّرْكُمَانِيِّ الْحَنَفِيُّ، وَمُوَفَّقُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وَكَاتِبُ سِرِّهِ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ فَضْلِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، وَنَائِبُ الشَّامِ الْمَحْرُوسِ بِدِمَشْقَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُونُ شَاهْ النَّاصِرِيُّ، وَحَاجِبُ الْحُجَّابِ الْأَمِيرُ طَيْدَمُرُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْقُضَاةُ بِدِمَشْقَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ نَجْمُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ جلال الدِّينِ الْمَسَلَّاتِيُّ الْمَالِكِيُّ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ مُنَجَّا الْحَنْبَلِيُّ، وَكَاتِبُ سِرِّهِ الْقَاضِي نَاصِرُ الدِّينِ الْحَلَبِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ قَاضِي الْعَسَاكِرِ بِحَلَبَ، وَمُدَرِّسُ الْأَسَدِيَّةِ بِهَا أَيْضًا، مَعَ إِقَامَتِهِ بِدِمَشْقَ المحروسة، وتواترت الأخبار بوقوع البلاء فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ، فَذُكِرَ عَنْ بِلَادِ الْقِرْمِ أَمْرٌ هَائِلٌ وَمَوْتَانٌ فِيهِمْ كَثِيرٌ، ثُمَّ ذُكِرَ أَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى بِلَادِ الْفِرَنْجِ حَتَّى قِيلَ إن أهل قبرص مات أكثرهم أو يقارب ذلك، وكذلك وقع بغزة أمر عظيم، وَقَدْ جَاءَتْ مُطَالَعَةُ نَائِبِ غَزَّةَ إِلَى نَائِبِ دِمَشْقَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِلَى مِثْلِهِ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ نَحْوٌ مِنْ بِضْعَةِ عشر ألفا، وقرئ البخاري في يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ سَابِعَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَحَضَرَ الْقُضَاةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الناس، وقر أربعة بعد ذلك المقرءون، وَدَعَا النَّاسُ بِرَفْعِ الْوَبَاءِ عَنِ الْبِلَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ لِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ حُلُولِ هَذَا المرض
(14/225)

فِي السَّوَاحِلِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَرْجَاءِ الْبِلَادِ يَتَوَهَّمُونَ ويخافون وُقُوعِهِ بِمَدِينَةِ دِمَشْقَ، حَمَاهَا اللَّهُ وَسَلَّمَهَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهَا بِهَذَا الداء. وفي صبيحة يوم تَاسِعِهِ اجْتَمَعَ النَّاسُ بِمِحْرَابِ الصَّحَابَةِ وَقَرَءُوا مُتَوَزِّعِينَ سُورَةَ نُوحٍ ثَلَاثَةَ آلَافِ مَرَّةٍ وَثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَسِتِّينَ مَرَّةً، عَنْ رُؤْيَا رَجُلٍ أَنَّهُ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرشده إِلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ أَيْضًا كَثُرَ الْمَوْتُ فِي النَّاسِ بِأَمْرَاضِ الطَّوَاعِينِ وزاد الأموات كُلِّ يَوْمٍ عَلَى الْمِائَةِ، فَإِنَّا للَّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَإِذَا وَقَعَ فِي أَهْلِ بَيْتٍ لَا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى يَمُوتَ أَكْثَرُهُمْ، وَلَكِنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَى كَثْرَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ قَلِيلٌ، وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَلَا سِيَّمَا مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَوْتَ فِيهِنَّ أَكْثَرُ مِنَ الرِّجَالِ بِكَثِيرٍ كَثِيرٍ، وَشَرَعَ الْخَطِيبُ فِي الْقُنُوتِ بسائر الصَّلَوَاتِ وَالدُّعَاءِ بِرَفْعِ الْوَبَاءِ مِنَ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ سَادِسَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَحَصَلَ لِلنَّاسِ بِذَلِكَ خُضُوعٌ وَخُشُوعٌ وَتَضَرُّعٌ وَإِنَابَةٌ، وَكَثُرَتِ الْأَمْوَاتُ فِي هَذَا الشَّهْرِ جِدًّا، وزادوا على المائتين في كل يوم، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، 2: 156 وَتَضَاعَفَ عَدَدُ الْمَوْتَى مِنْهُمْ، وَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُ النَّاسِ، وَتَأَخَّرَتِ الْمَوْتَى عَنْ إِخْرَاجِهِمْ، وَزَادَ ضَمَانُ الْمَوْتَى جِدًّا فَتَضَرَّرَ النَّاسُ وَلَا سِيَّمَا الصَّعَالِيكُ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ عَلَى الْمَيِّتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا، فَرَسَمَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِإِبْطَالِ ضَمَانِ النُّعُوشِ وَالْمُغَسِّلِينَ وَالْحَمَّالِينَ، وَنُودِيَ بِإِبْطَالِ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَادِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، ووقف نُعُوشٌ كَثِيرَةٌ فِي أَرْجَاءِ الْبَلَدِ وَاتَّسَعَ النَّاسَ بذلك، ولكن كثرت الموتى فاللَّه المستعان.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ نُودِيَ فِي الْبَلَدِ أَنْ يَصُومَ النَّاسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَنْ يَخْرُجُوا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ إِلَى عِنْدِ مَسْجِدِ الْقَدْمِ يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْأَلُونَهُ فِي رَفْعِ الْوَبَاءِ عَنْهُمْ، فَصَامَ أَكْثَرُ النَّاسِ وَنَامَ النَّاسُ فِي الْجَامِعِ وَأَحْيَوُا اللَّيْلَ كَمَا يَفْعَلُونَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ خرج الناس يوم الجمعة من كل فج عميق، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالسَّامِرَةُ، وَالشُّيُوخُ وَالْعَجَائِزُ وَالصِّبْيَانُ، وَالْفُقَرَاءُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْكُبَرَاءُ وَالْقُضَاةُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَمَا زَالُوا هُنَالِكَ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ جِدًّا، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ عَاشِرِ جُمَادَى الْأُولَى صَلَّى الْخَطِيبُ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ مَيِّتًا جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَتَهَوَّلَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ وَانْذَعَرُوا، وكان الوباء يَوْمَئِذٍ كَثِيرًا رُبَّمَا يُقَارِبُ الثَّلَاثَمِائَةٍ بِالْبَلَدِ وَحَوَاضِرِهِ ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156. وصلى بعد صلاة عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ مَيِّتًا بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَصُلِّيَ على إحدى عشر نَفْسًا رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ رَسَمَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ مِنَ الْبَلَدِ، وَقَدْ كَانَتْ كَثِيرَةً بِأَرْجَاءِ الْبَلَدِ وَرُبَّمَا ضَرَّتِ النَّاسَ وَقَطَعَتْ عَلَيْهِمُ الطُّرُقَاتِ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ أَمَّا تَنْجِيسُهَا الْأَمَاكِنَ
(14/226)

فَكَثِيرٌ قَدْ عَمَّ الِابْتِلَاءُ بِهِ وَشَقَّ الِاحْتِرَازُ منه، وقد جمعت جزءا في الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي قَتْلِهِمْ، وَاخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي نَسْخِ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْمُرُ فِي خُطْبَتِهِ بِذَبْحِ الْحَمَامِ وَقَتْلِ الْكِلَابِ وَنَصَّ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ كِلَابِ بَلْدَةٍ بِعَيْنِهَا، إِذَا أَذِنَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ تُوُفِّيَ زَيْنُ الدِّينِ عبد الرحمن بن شَيْخِنَا الْحَافِظِ الْمُزِّيِّ، بِدَارِ الْحَدِيثِ النُّورِيَّةِ وَهُوَ شيخها، ودفن بمقابر الصوفية على والده. وَفِي مُنْتَصَفِ شَهْرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ قَوِيَ الْمَوْتُ وَتَزَايَدَ وباللَّه الْمُسْتَعَانُ، وَمَاتَ خَلَائِقُ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ مِمَّنْ نَعْرِفُهُمْ وَغَيْرِهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَأَدْخَلَهُمْ جنته، وباللَّه المستعان. وَكَانَ يُصَلَّى فِي أَكْثَرِ الْأَيَّامِ فِي الْجَامِعِ عَلَى أَزْيَدَ مِنْ مِائَةِ مَيِّتٍ فَإِنَّا للَّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَبَعْضُ الْمَوْتَى لَا يُؤْتَى بِهِمْ إِلَى الْجَامِعِ، وَأَمَّا حَوْلَ الْبَلَدِ وَأَرْجَائِهَا فَلَا يَعْلَمُ عَدَدَ مَنْ يَمُوتُ بِهَا إِلَّا الله عز وجل رحمهم الله آمين.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ تُوُفِّيَ الصدر شمس الدين بن الصباب التاجر السفاربانى المدرسة الصبابية، التي هي دار قرآن بالقرب من الظَّاهِرِيَّةِ، وَهِيَ قِبْلِيُّ الْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْبُقْعَةُ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَانِ خَرِبَةً شَنِيعَةً، فَعَمَرَهَا هَذَا الرَّجُلُ وَجَعَلَهَا دَارَ قُرْآنٍ وَدَارَ حَدِيثٍ لِلْحَنَابِلَةِ، وَوَقَفَ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَيْهَا أَوْقَافًا جَيِّدَةً رحمه الله تعالى.
وفي يوم الجمعة ثامن شَهْرِ رَجَبٍ صُلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ على غائب: على القاضي علاء الدين بن قَاضِي شُهْبَةَ، ثُمَّ صُلِّي عَلَى إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ نَفْسًا جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَمْ يَتَّسِعْ دَاخِلُ الْجَامِعِ لِصَفِّهِمْ بَلْ خَرَجُوا بِبَعْضِ الْمَوْتَى إِلَى ظَاهِرِ بَابِ السِّرِّ، وَخَرَجَ الْخَطِيبُ وَالنَّقِيبُ فَصَلَّى عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ هُنَاكَ، وَكَانَ وَقْتًا مَشْهُودًا، وَعِبْرَةً عَظِيمَةً، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156 وَفِي هَذَا الْيَوْمِ تُوُفِّيَ التَّاجِرُ الْمُسَمَّى بِأَفْرِيدُونَ الَّذِي بَنَى الْمَدْرَسَةَ الَّتِي بِظَاهِرِ بَابِ الْجَابِيَةِ تُجَاهَ تُرْبَةِ بَهَادُرَآصْ، حَائِطُهَا مِنْ حِجَارَةٍ مُلَوَّنَهٍ، وَجَعَلَهَا دَارًا لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَوَقَفَ عَلَيْهَا أَوْقَافًا جَيِّدَةً، وَكَانَ مَشْهُورًا مَشْكُورًا رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَالِثِ رَجَبٍ صُلِّيَ عَلَى الشَّيْخِ عَلِيٍّ المغربي أحد أصحاب الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَّةَ بِالْجَامِعِ الْأَفْرِمِيِّ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، وَدُفِنَ بِالسَّفْحِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَتْ لَهُ عِبَادَةٌ وَزَهَادَةٌ وَتَقَشُّفٌ وَوَرَعٌ وَلَمْ يَتَوَلَّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَظِيفَةً بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بَلْ كَانَ يأتى بِشَيْءٍ مِنَ الْفُتُوحِ يَسْتَنْفِقُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَكَانَ يُعَانِي التَّصَوُّفَ، وَتَرَكَ زَوْجَةً وَثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعِ رَجَبٍ صُلِّيَ عَلَى الْقَاضِي زَيْنِ الدِّينِ بْنِ النَّجِيحِ نَائِبِ الْقَاضِي الْحَنْبَلِيِّ، بِالْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، وَكَانَ مَشْكُورًا فِي الْقَضَاءِ، لَدَيْهِ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ، وَدِيَانَةٌ وَعِبَادَةٌ، وَكَانَ مِنَ اصْحَابِ الشَّيْخِ تقى الدين بن تَيْمِيَّةَ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَاضِي
(14/227)

الشَّافِعِيِّ مُشَاجَرَاتٌ بِسَبَبِ أُمُورٍ، ثُمَّ اصْطَلَحَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشَرَهُ بَعْدَ أَذَانِ الظُّهْرِ حَصَلَ بِدِمَشْقَ وَمَا حَوْلَهَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ أَثَارَتْ غُبَارًا شَدِيدًا اصْفَرَّ الْجَوُّ مِنْهُ ثُمَّ اسْوَدَّ حَتَّى أَظْلَمَتِ الدُّنْيَا، وَبَقِيَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ نَحْوًا مِنْ رُبْعِ سَاعَةٍ يستجيرون الله وَيَسْتَغْفِرُونَ وَيَبْكُونَ، مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْمَوْتِ الذَّرِيعِ، وَرَجَا النَّاسُ أَنَّ هَذَا الْحَالَ يَكُونُ خِتَامَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الطَّاعُونِ، فَلَمْ يَزْدَدِ الْأَمْرُ إِلَّا شِدَّةً، وباللَّه الْمُسْتَعَانُ. وَبَلَغَ الْمُصَلَّى عَلَيْهِمْ فِي الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ إِلَى نَحْوِ الْمِائَةِ وَخَمْسِينَ، وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، خَارِجًا عَمَّنْ لَا يُؤْتَى بِهِمْ إِلَيْهِ مِنْ أَرْجَاءِ الْبَلَدِ وَمِمَّنْ يَمُوتُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَمَّا حَوَاضِرُ الْبَلَدِ وَمَا حَوْلَهَا فَأَمْرٌ كَثِيرٌ، يُقَالُ إِنَّهُ بَلَغَ أَلْفًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الأيام، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156. وَصَلَّى بَعْدَ الظُّهْرِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ بِالْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ عَلَى الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمِ بْنِ الْمُحِبِّ، الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ فِي الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ وَجَامِعِ تَنْكِزَ، وَكَانَ مَجْلِسُهُ كَثِيرَ الْجَمْعِ لِصَلَاحِهِ وَحُسْنِ مَا كَانَ يُؤَدِّيهِ مِنَ الْمَوَاعِيدِ النَّافِعَةِ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حافلة رحمه الله. وَعُمِلَتِ الْمَوَاعِيدُ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، يَقُولُونَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَلَمْ يَجْتَمِعِ النَّاسُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ لِكَثْرَةِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، وَلِشُغْلِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بِمَرْضَاهُمْ وَمَوْتَاهُمْ.
وَاتَّفَقَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَنَّهُ تَأَخَّرَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ فِي الْخِيَمِ ظَاهِرَ الْبَلَدِ، فَجَاءُوا لِيَدْخُلُوا مِنْ بَابِ النَّصْرِ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ اجْتَمَعَ خَلْقٌ مِنْهُمْ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ كَنَحْوِ مَا يَهْلَكُ النَّاسُ فِي هَذَا الْحِينِ عَلَى الْجَنَائِزِ، فَانْزَعَجَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ فَخَرَجَ فَوَجَدَهُمْ فَأَمَرَ بِجَمْعِهِمْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ أَمَرَ بِتَسْمِيرِهِمْ ثُمَّ عَفَا عَنْهُمْ وَضَرَبَ مُتَوَلِّيَ الْبَلَدِ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَسَمَّرَ نَائِبَهُ فِي اللَّيْلِ، وَسَمَّرَ الْبَوَّابَ بِبَابِ النَّصْرِ، وَأَمَرَ أَنْ لَا يَمْشِيَ أَحَدٌ بَعْدَ عِشَاءِ الْآخِرَةِ، ثُمَّ تسمح لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَاسْتَهَلَّ شَهْرُ شَعْبَانَ وَالْفَنَاءُ فِي النَّاسِ كَثِيرٌ جِدًّا، وَرُبَّمَا أَنْتَنَتِ الْبَلَدُ، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156 وَتُوُفِّيَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الصَّلَاحِ مُدَرِّسُ الْقَيْمَرِيَّةِ الْكَبِيرَةِ بِالْمُطْرَزِيِّينَ، يَوْمَ الْخَمِيسِ ثَالِثَ عَشَرَ شَعْبَانَ وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ رَابِعَ عَشَرَ شَعْبَانَ صُلِّي بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهُمُ الْقَاضِي عِمَادُ الدِّينِ ابن الشِّيرَازِيِّ، مُحْتَسِبُ الْبَلَدِ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ رُؤَسَاءِ دِمَشْقَ، وَوَلِيَ نَظَرَ الْجَامِعِ مُدَّةً، وَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ نَظَرَ الْأَوْقَافِ، وَجُمِعَ لَهُ فِي وَقْتٍ بَيْنَهُمَا وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ.
وَفِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ من شهر شوال توفى الأمير قرابغا دويدار النَّائِبُ، بِدَارِهِ غَرْبِيَّ حِكْرِ السُّمَاقِ، وَقَدْ أَنْشَأَ لَهُ إِلَى جَانِبِهَا تُرْبَةً وَمَسْجِدًا، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ السَّوِيقَةَ الْمُجَدَّدَةَ عِنْدَ دَارِهِ، وَعَمِلَ لَهَا بَابَيْنِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا، وَضُمِّنَتْ بِقِيمَةٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ جَاهِهِ، ثُمَّ بَارَتْ وَهُجِرَتْ لِقِلَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَحَضَرَ الْأُمَرَاءُ وَالْقُضَاةُ وَالْأَكَابِرُ جَنَازَتَهُ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ هُنَاكَ، وَتَرَكَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً وَحَوَاصِلَ كَثِيرَةً جِدًّا، أخذه مَخْدُومُهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ.
(14/228)

وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سَابِعِ شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ تُوُفِّيَ خَطِيبُ الْجَامِعِ، الْخَطِيبُ تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ ابْنِ الْقَاضِي جَلَالِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الرحيم الْقَزْوِينِيِّ، بِدَارِ الْخَطَابَةِ، مَرِضَ يَوْمَيْنِ وَأَصَابَهُ مَا أَصَابَ النَّاسُ مِنَ الطَّاعُونِ، وَكَذَلِكَ عَامَّةُ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ جَوَارِيهِ وَأَوْلَادِهِ، وَتَبِعَهُ أَخُوهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ صَدْرُ الدِّينِ عَبْدُ الْكَرِيمِ، وَصُلِّي عَلَى الْخَطِيبِ تَاجِ الدِّينِ بَعْدَ الظُّهْرِ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ بَابِ الْخَطَابَةِ وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِمْ بِالصُّوفِيَّةِ عِنْدَ أَبِيهِ وَأَخَوَيْهِ بَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ، وَجَمَالِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ تَاسِعِهِ اجْتَمَعَ الْقُضَاةُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمُفْتِينَ عِنْدَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ بِسَبَبِ الْخَطَابَةِ، فَطُلِبَ إِلَى الْمَجْلِسِ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ جُمْلَةَ فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا نَائِبُ السَّلْطَنَةِ، وَانْتُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ وَظَائِفُ كَانَ يُبَاشِرُهَا، فَفُرِّقَتْ عَلَى النَّاسِ، فَوَلِيَ الْقَاضِي بَهَاءُ الدِّينِ أَبُو الْبَقَاءِ تَدْرِيسَ الظَّاهِرِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، وَتَوَزَّعَ النَّاسُ بَقِيَّةَ جِهَاتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ سِوَى الْخَطَابَةِ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَئِذٍ الظُّهْرَ، ثُمَّ خُلِعَ عَلَيْهِ فِي بُكْرَةِ نَهَارِ الْجُمُعَةِ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَئِذٍ وَخَطَبَهُمْ عَلَى قَاعِدَةِ الْخُطَبَاءِ.
وَفِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَكَانَ يَوْمَ السَّبْتِ، تُوُفِّيَ الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ كَاتِبُ الْأَسْرَارِ الشَّرِيفَةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْ ذَلِكَ وَمَاتَ وَلَيْسَ يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ رِيَاسَةٍ وَسَعَادَةٍ وَأَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ، وَأَمْلَاكٍ وَمُرَتَّبَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَعَمَرَ دَارًا هَائِلَةً بِسَفْحِ قَاسِيُونَ بِالْقُرْبِ مِنَ الرُّكْنِيَّةِ شَرْقِيَّهَا لَيْسَ بِالسَّفْحِ مِثْلُهَا، وَقَدِ انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْإِنْشَاءِ، وَكَانَ يُشَبَّهُ بِالْقَاضِي الْفَاضِلِ فِي زَمَانِهِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ عَدِيدَةٌ بِعِبَارَاتٍ سَعِيدَةٍ، وَكَانَ حَسَنَ الْمُذَاكَرَةِ سَرِيعَ الِاسْتِحْضَارِ جَيِّدَ الْحِفْظِ فَصِيحَ اللِّسَانِ جَمِيلَ الْأَخْلَاقِ، يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ وَالْفُقَرَاءَ، وَلَمْ يُجَاوِزِ الْخَمْسِينَ، تُوفِي بِدَارِهِمْ دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَدُفِنَ بِالسَّفْحِ مَعَ أَبِيهِ وَأَخِيهِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْيَغْمُورِيَّةِ سَامَحَهُ اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُ.
وَفِي هذا اليوم توفى الشيخ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ رَشِيقٍ الْمَغْرِبِيُّ، كَاتِبُ مُصَنَّفَاتِ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، كَانَ أَبْصَرَ بِخَطِّ الشَّيْخِ مِنْهُ، إِذَا عَزَبَ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى الشَّيْخِ اسْتَخْرَجَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذَا، وَكَانَ سَرِيعَ الْكِتَابَةِ لَا بَأْسَ بِهِ، دَيِّنًا عَابِدًا كَثِيرَ التِّلَاوَةِ حَسَنَ الصَّلَاةِ، لَهُ عِيَالٌ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُ آمِينَ.
ثُمَّ دخلت سنة خمسين وسبعمائة
استهلت هذه السنة وسلطان البلاد المصرية والشامية وَالْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْبِلَادِ الْمَلِكُ النَّاصِرُ حَسَنُ بْنُ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، وَنَائِبُ الديار المصرية ومدير مَمَالِكِهِ وَالْأَتَابِكُ سَيْفُ الدِّينِ يَلْبُغَا، وَقُضَاةُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبِلَهَا، وَنَائِبُ الشَّامِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُونَ شَاهْ النَّاصِرِيُّ، وَقُضَاةُ دِمَشْقَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَكَذَلِكَ أَرْبَابُ الْوَظَائِفِ سِوَى الْخَطِيبِ وَسِوَى الْمُحْتَسِبِ.
(14/229)

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وللَّه الْحَمْدُ تَقَاصَرَ أَمْرُ الطَّاعُونِ جِدًّا وَنَزَلَ دِيوَانُ الْمَوَارِيثِ إِلَى الْعِشْرِينَ وَمَا حَوْلَهَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَ الْخَمْسَمِائَةٍ فِي أثناء سنة تسع وأربعين، ثم تَقَدَّمَ وَلَكِنْ لَمْ يَرْتَفِعْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ فِي يوم الأربعاء رابع شهر الْمُحَرَّمِ تُوُفِّيَ الْفَقِيهُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ الثِّقَةِ هُوَ وَابْنُهُ وَأَخُوهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ بِهَذَا الْمَرَضِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَدُفِنُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ تُوُفِّيَ صَاحِبُنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ النَّاسِكُ الْخَاشِعُ نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ الصَّائِغِ الشَّافِعِيُّ، مُدَرِّسُ الْعِمَادِيَّةِ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَدَيْهِ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَفِيهِ عِبَادَةٌ كَثِيرَةٌ وَتِلَاوَةٌ وَقِيَامُ لَيْلٍ وَسُكُونٌ حَسَنٌ، وَخُلُقٌ حَسَنٌ، جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ بِنَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَالِثِ صَفَرٍ بَاشَرَ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ رَافِعٍ الْمُحَدِّثُ مَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ النُّورِيَّةِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ من الفضلاء والقضاة والأعيان، انتهى والله تعالى أعلم.
مَسْكُ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ أَرْغُونَ شَاهْ
وَفِي لَيْلَةِ الْخَمِيسِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مُسِكَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِدِمَشْقَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُونُ شَاهْ، وَكَانَ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى الْقَصْرِ الْأَبْلَقِ بأهله، فما شعر بوسط اللَّيْلِ إِلَّا وَنَائِبُ طَرَابُلُسَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ ألجى بغا الْمُظَفَّرِيُّ النَّاصِرِيُّ، رَكِبَ إِلَيْهِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْأُلُوفِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَحَاطُوا بِهِ وَدَخَلَ عَلَيْهِ مَنْ دَخَلَ وَهُوَ مَعَ جَوَارِيهِ نَائِمٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَبَضُوا عَلَيْهِ وَقَيَّدُوهُ وَرَسَمُوا عَلَيْهِ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ أَكْثَرُهُمْ لَا يَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِمَّا وَقَعَ، فَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِذَلِكَ وَاجْتَمَعَتِ الْأَتْرَاكُ إِلَى الْأَمِيرِ سيف الدين ألجى بغا الْمَذْكُورِ، وَنَزَلَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَاحْتِيطَ عَلَى حَوَاصِلِ أَرْغُونَ شَاهْ، فَبَاتَ عَزِيزًا وَأَصْبَحَ ذَلِيلًا، وَأَمْسَى عَلَيْنَا نَائِبَ السَّلْطَنَةِ فَأَصْبَحَ وَقَدْ أَحَاطَ بِهِ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ فَسُبْحَانَ مَنْ بِيَدِهِ الْأَمْرُ مَالِكِ الْمُلْكِ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ 7: 97- 99 ثُمَّ لَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الرَّابِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَصْبَحَ مَذْبُوحًا فَأُثْبِتَ مَحْضَرٌ بِأَنَّهُ ذَبَحَ نَفْسَهُ فاللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ.
كَائِنَةٌ عَجِيبَةٌ غَرِيبَةٌ جِدًّا
ثُمَّ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَقَعَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ جَيْشِ دِمَشْقَ وبين الأمير سيف الدين ألجى بغا، نَائِبِ طَرَابُلُسَ، الَّذِي جَاءَ فَأَمْسَكَ نَائِبَ دِمَشْقَ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدِّينِ أَرْغُونَ شَاهْ النَّاصِرِيَّ، لَيْلَةَ الْخَمِيسِ وَقَتَلَهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَقَامَ بالميدان
(14/230)

الْأَخْضَرِ يَسْتَخْلِصُ أَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ، وَيَجْمَعُهَا عِنْدَهُ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْأُمَرَاءُ الْكِبَارُ، وَأَمَرُوهُ أَنْ يَحْمِلَ الْأَمْوَالَ إِلَى قَلْعَةِ السُّلْطَانِ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، فَاتَّهَمُوهُ في أمره، وشكوا في الكتاب عَلَى يَدِهِ مِنَ الْأَمْرِ بِمَسْكِهِ وَقَتْلِهِ، وَرَكِبُوا مُلْبِسِينَ تَحْتَ الْقَلْعَةِ وَأَبْوَابِ الْمَيَادِينِ، وَرَكِبَ هُوَ فِي أَصْحَابِهِ وَهُمْ فِي دُونِ الْمِائَةِ، وَقَائِلٌ يَقُولُ هُمْ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ والتسعين، جعلوا يحملون على الجيش حمل المستقتلين، إنما يدافعهم مدافعة المتبرءين، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَرْسُومٌ بِقَتْلِهِمْ وَلَا قِتَالِهِمْ، فَلِهَذَا وَلَّى أَكْثَرُهُمْ مُنْهَزِمِينَ، فَخَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ حَتَّى بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الْمُقَدَّمِينَ، وَهُوَ الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ سيف الدين ألجى بغا الْعَادِلِيُّ، فَقُطِعَتْ يَدَهُ الْيُمْنَى، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ، وَقُتِلَ آخَرُونَ مِنْ أَجْنَادِ الْحَلْقَةِ وَالْمُسْتَخْدَمِينَ، ثُمَّ انفصل الحال على أن أخذ ألجى بغا الْمُظَفَّرِيُّ مِنْ خُيُولِ أَرْغُونَ شَاهْ الْمُرْتَبِطَةِ فِي إِسْطَبْلِهِ مَا أَرَادَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ نَاحِيَةِ المزة صاغرا على عقبيه، وَمَعَهُ الْأَمْوَالُ الَّتِي جَمَعَهَا مِنْ حَوَاصِلِ أَرْغُونَ شَاهْ، وَاسْتَمَرَّ ذَاهِبًا، وَلَمْ يَتْبَعْهُ أَحَدٌ مِنَ الْجَيْشِ، وَصُحْبَتُهُ الْأَمِيرُ فَخْرُ الدِّينِ إِيَاسُ، الَّذِي كَانَ حَاجِبًا، وَنَابَ فِي حَلَبَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، فَذَهَبَا بِمَنْ مَعَهُمَا إِلَى طَرَابُلُسَ، وَكَتَبَ أمراء الشام إلى السلطان يعلمونه بما وَقَعَ، فَجَاءَ الْبَرِيدُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ السُّلْطَانِ عَلْمٌ بِمَا وَقَعَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ عَلَى يَدَيْهِ مُفْتَعِلٌ، وَجَاءَ الْأَمْرُ لِأَرْبَعَةِ آلاف من الجيش الشامي أَنْ يَسِيرُوا وَرَاءَهُ لِيُمْسِكُوهُ ثُمَّ أُضِيفَ نَائِبُ صغد مُقَدَّمًا عَلَى الْجَمِيعِ، فَخَرَجُوا فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسِ رَبِيعٍ الْآخِرِ خَرَجَتِ الْعَسَاكِرُ فِي طَلَبِ سَيْفِ الدين ألجى بغا العادلى في المعركة وهو أحد أمراء الْأُلُوفِ الْمُقَدَّمِينَ، وَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ سَابِعُهُ نُودِيَ بِالْبَلَدِ عَلَى مَنْ يَقْرَبُهَا مِنَ الْأَجْنَادِ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ أَحَدٌ عَنِ الْخُرُوجِ بِالْغَدِ، فَأَصْبَحُوا فِي سُرْعَةٍ عَظِيمَةٍ وَاسْتُنِيبَ فِي الْبَلَدِ نِيَابَةً عَنِ النَّائِبِ الرَّاتِبِ الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ الْخَطِيرِ، فَحَكَمَ بِدَارِ السَّعَادَةِ عَلَى عَادَةِ النُّوَّابِ. وَفِي لَيْلَةِ السَّبْتِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ سَادِسَ عَشَرَهُ دخل الجيش الذين خرجوا في طلب ألجى بغا الْمُظَفَّرِيِّ، وَهُوَ مَعَهُمْ أَسِيرٌ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ، وَكَذَلِكَ الْفَخْرُ إِيَاسُ الْحَاجِبُ مَأْسُورٌ مَعَهُمْ، فَأُودِعَا فِي الْقَلْعَةِ مُهَانَيْنِ مِنْ جِسْرِ بَابِ النَّصْرِ الَّذِي تُجَاهَ دَارِ السَّعَادَةِ، وَذَلِكَ بِحُضُورِ الْأَمِيرِ بَدْرِ الدين الخطير نَائِبُ الْغَيْبَةِ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْهُ خَرَجَا مِنَ الْقَلْعَةِ إِلَى سُوقِ الْخَيْلِ فَوُسِّطَا بِحَضْرَةِ الْجَيْشِ، وَعُلِّقَتْ جُثَّتُهُمَا عَلَى الْخُشُبِ لِيَرَاهُمَا النَّاسُ، فَمَكَثَا أَيَّامًا ثُمَّ أُنْزِلَا فَدُفِنَا بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي أَوَائِلِ شَهْرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ جَاءَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ نَائِبِ حَلَبَ سيف الدين قطلب شاه فَفَرِحُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِمَوْتِهِ وَذَلِكَ لِسُوءِ أَعْمَالِهِ فِي مَدِينَةِ حَمَاةَ فِي زَمَنِ الطَّاعُونِ، وذكر أَنَّهُ كَانَ يَحْتَاطُ عَلَى التَّرِكَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا وَلَدٌ ذَكَرٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ جَهْرَةً، حَتَّى حَصَلَ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ
(14/231)

نُقِلَ إِلَى حَلَبَ بَعْدَ نَائِبِهَا الْأَمِيرِ سَيْفِ الدين ارقطيه الَّذِي كَانَ عُيِّنَ لِنِيَابَةِ دِمَشْقَ بَعْدَ مَوْتِ أَرْغُونَ شَاهْ، وَخَرَجَ النَّاسُ لِتَلِّقِيهِ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ بَرَزَ مَنْزِلَةً وَاحِدَةً مِنْ حَلَبَ فمات بتلك المنزلة، فلما صار قطلب شاه إِلَى حَلَبَ لَمْ يَقُمْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ الَّتِي جمعها لَا فِي دُنْيَاهُ وَلَا فِي أُخْرَاهُ.
وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ دَخَلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَيْتَمُشُ النَّاصِرِيُّ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى دِمَشْقَ نَائِبًا عَلَيْهَا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْجَيْشُ عَلَى الْعَادَةِ، فَقَبَّلَ الْعَتَبَةَ وَلَبِسَ الْحِيَاصَةَ وَالسَّيْفَ، وَأُعْطِيَ تَقْلِيدَهُ وَمَنْشُورَهُ هُنَالِكَ، ثُمَّ وَقَفَ فِي الْمَوْكِبِ عَلَى عَادَةِ النُّوَّابِ، وَرَجَعَ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ وَحَكَمَ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِهِ، وَهُوَ حَسَنُ الشَّكْلِ تَامُّ الْخِلْقَةِ، وَكَانَ الشَّامُ بِلَا نَائِبٍ مُسْتَقِلٍّ قَرِيبًا مِنْ شَهْرَيْنِ ونصف. وفي يوم دخوله حبس أربعة أمراء من الطبلخانات، وهم القاسمي وأولاد آل أبو بكر اعتقلهم في القلعة لممالأتهم ألجى بغا الْمُظَفَّرِيَّ، عَلَى أَرْغُونَ شَاهْ نَائِبِ الشَّامِ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ خَامِسَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ حَكَمَ القاضي نجم الدين بن الْقَاضِي عِمَادِ الدِّينِ الطَّرَسُوسِيِّ الْحَنَفِيِّ، وَذَلِكَ بِتَوْقِيعٍ سُلْطَانِيٍّ وَخِلْعَةٍ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ. وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سَادِسَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ حَصَلَ الصُّلْحُ بَيْنَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ وَبَيْنَ الشيخ شمس الدين ابن قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، عَلَى يَدَيِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ بْنِ فَضْلٍ مَلِكِ الْعَرَبِ، فِي بُسْتَانِ قَاضِي الْقُضَاةِ، وَكَانَ قَدْ نَقَمَ عَلَيْهِ إِكْثَارَهُ مِنَ الْفُتْيَا بِمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ نُقِلَتْ جُثَّةُ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ أَرْغُونَ شَاهْ مِنْ مَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ إِلَى تُرْبَتِهِ الَّتِي أَنْشَأَهَا تَحْتَ الطَّارِمَةِ، وَشَرَعَ فِي تَكْمِيلِ التُّرْبَةِ وَالْمَسْجِدِ الَّذِي قِبَلَهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَاجَلَتْهُ المنية على يد ألجى بغا المظفري قبل إتمامهما، وحين قتلوه ذبحا ودفنوه لَيْلًا فِي مَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ، قَرِيبًا مِنْ قَبْرِ الشيخ تقى الدين ابن الصَّلَاحِ، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى تُرْبَتِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ تَاسِعَ عَشَرَ رَجَبٍ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ لِلْفَجْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ بِقَرِيبٍ مِنْ سَاعَةٍ، فَصَلَّى النَّاسُ فِي الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي تَرْتِيبِ الْأَئِمَّةِ، ثُمَّ رَأَوُا الْوَقْتَ بَاقِيًا فَأَعَادَ الْخَطِيبُ الْفَجْرَ بَعْدَ صَلَاةِ الْأَئِمَّةِ كُلِّهِمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ثَانِيًا، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُهُ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَامِنِ شَهْرِ شَعْبَانَ تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةِ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ مُنَجَّا الْحَنْبَلِيُّ بِالْمِسْمَارِيَّةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ الظُّهْرَ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، ثُمَّ بِظَاهِرِ بَابِ النَّصْرِ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قاسيون رحمه الله.
وفي يوم الاثنين رَمَضَانَ بُكْرَةَ النَّهَارِ اسْتُدْعِيَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ الْمَرْدَاوِيُّ مِنَ الصَّالِحِيَّةِ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ، وَكَانَ تَقْلِيدُ الْقَضَاءِ لِمَذْهَبِهِ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، فَأُحْضِرَتِ الْخِلْعَةُ بَيْنَ يَدَيِ النَّائِبِ وَالْقُضَاةِ الْبَاقِينَ، وَأُرِيدَ عَلَى لُبْسِهَا وَقَبُولِ الْوِلَايَةِ فامتنع، فألحوا عليه فصمم وبالغ في الامتناع
(14/232)

وَخَرَجَ وَهُوَ مُغْضَبٌ فَرَاحَ إِلَى الصَّالِحِيَّةِ فَبَالَغَ النَّاسُ فِي تَعْظِيمِهِ، وَبَقِيَ الْقُضَاةُ يَوْمَ ذَلِكَ فِي دَارِ السَّعَادَةِ، ثُمَّ بَعَثُوا إِلَيْهِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَحَضَرَ مِنَ الصَّالِحِيَّةِ فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَبِلَ وَلَبِسَ الْخِلْعَةَ وَخَرَجَ إِلَى الْجَامِعِ، فَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ الْقُضَاةُ وهنأه الناس، وَفَرِحُوا بِهِ لِدِيَانَتِهِ وَصِيَانَتِهِ وَفَضِيلَتِهِ وَأَمَانَتِهِ. وَبَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ بِأَيَّامٍ حَكَمَ الْفَقِيهُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْحَنْبَلِيُّ نِيَابَةً عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالِ الدِّينِ الْمَرْدَاوِيِّ الْمَقْدِسِيِّ، وَابْنُ مُفْلِحٍ زَوْجُ ابْنَتِهِ. وَفِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ حَضَرَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْمُحَدِّثُ الْمُفِيدُ أَمِينُ الدِّينِ الْإِيجِيُّ الْمَالِكِيُّ مَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ بِالْمَدْرَسَةِ النَّاصِرِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ، نَزَلَ لَهُ عَنْهَا الصَّدْرُ أَمِينُ الدين ابن الْقَلَانِسِيِّ، وَكَيْلُ بَيْتِ الْمَالِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْأَكَابِرُ وَالْأَعْيَانُ. وَفِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ تَكَامَلَ بِنَاءُ التُّرْبَةِ الَّتِي تَحْتَ الطَّارِمَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ أَرْغُونَ شَاهْ، الَّذِي كَانَ نَائِبَ السَّلْطَنَةِ بِدِمَشْقَ، وَكَذَلِكَ الْقِبْلِيُّ مِنْهَا، وَصَلَّى فِيهَا النَّاسُ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَسْجِدًا صَغِيرًا فَعَمَرَهُ وَكَبَّرَهُ، وَجَاءَ كَأَنَّهُ جَامِعٌ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ انتهى.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وسبعمائة
اسْتَهَلَّتْ وَسُلْطَانُ الشَّامِ وَمِصْرَ النَّاصِرُ حَسَنُ بْنُ الناصر محمد بن قلاوون، ونائبه بمصر الأمير سيف الدين يلبغا وأخوه سيف الدين منجك الوزير، والمشارون جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَقُضَاةُ مِصْرَ وكاتب السر هم الذين كانوا في السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَنَائِبُ الشَّامِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ ارتيمش النَّاصِرِيُّ، وَالْقُضَاةُ هُمُ الْقُضَاةُ سِوَى الْحَنْبَلِيِّ فَإِنَّهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ يُوسُفُ الْمَرْدَاوِيُّ، وَكَاتِبُ السِّرِّ، وشيخ الشيوخ تاج الدين، وكاتب الدَّسْتِ هُمُ الْمُتَقَدِّمُونَ، وَأُضِيفَ إِلَيْهِمْ شَرَفُ الدِّينِ عبد الوهاب بن الْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ بْنِ شَمْرَنُوخَ، وَالْمُحْتَسِبُ الْقَاضِي عماد الدين بن العزفور، وَشَادُّ الْأَوْقَافِ الشَّرِيفُ، وَنَاظِرُ الْجَامِعِ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ الْعَفِيفِ، وَخَطِيبُ الْبَلَدِ جَمَالُ الدِّينِ مَحْمُودُ ابن جملة رحمه الله.
وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ نُودِيَ بِالْبَلَدِ مِنْ جِهَةِ نَائِبِ السُّلْطَانِ عَنْ كِتَابٍ جَاءَهُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَنْ لَا تَلْبَسَ النِّسَاءُ الْأَكْمَامَ الطِّوَالَ الْعِرَاضَ، وَلَا الْبُرَدَ الْحَرِيرَ، وَلَا شَيْئًا مِنَ اللِّبَاسَاتِ وَالثِّيَابِ الثَّمِينَةِ، وَلَا الْأَقْمِشَةِ الْقِصَارِ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُمْ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ شَدَّدُوا فِي ذَلِكَ جِدًّا، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُمْ غَرَّقُوا بَعْضَ النِّسَاءِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فاللَّه أَعْلَمُ.
وَجُدِّدَتْ وَأُكْمِلَتْ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السَّنَةِ دَارُ قُرْآنٍ قِبْلِيَّ تُرْبَةِ امْرَأَةِ تَنْكِزَ، بِمَحَلَّةِ بَابِ الْخَوَّاصِينَ حَوَّلَهَا، وكانت قاعة صُورَةَ مَدْرَسَةٍ الطَّوَاشِيُّ صَفِيُّ الدِّينِ عَنْبَرٌ، مَوْلَى ابْنِ حَمْزَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الْكِبَارِ الْأَجْوَادِ، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ. وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ خَامِسِ شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى فُتِحَتِ الْمَدْرَسَةُ الطَّيَبَانِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ دَارًا لِلْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ طَيْبَانَ بِالْقُرْبِ مِنَ الشَّامِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمِّ الصَّالِحِ، اشْتُرِيَتْ
(14/233)

مِنْ ثُلْثِهِ الَّذِي وَصَّى بِهِ، وَفُتِحَتْ مَدْرَسَةً وَحُوِّلَ لَهَا شُبَّاكٌ إِلَى الطَّرِيقِ فِي ضَفَّتِهَا الْقِبْلِيَّةِ مِنْهَا، وَحَضَرَ الدَّرْسَ بِهَا فِي هَذَا الْيَوْمِ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ شَرَفِ الدِّينِ بن عَمِّ الشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ بِوَصِيَّةِ الْوَاقِفِ لَهُ بِذَلِكَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ السُّبْكِيُّ وَالْمَالِكِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ، وَأَخَذَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها 35: 2 الْآيَةَ. وَاتَّفَقَ فِي لَيْلَةِ الْأَحَدِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤَذِّنِينَ عَلَى السُّدَّةِ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ وَقْتَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِلْمَغْرِبِ سِوَى مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ، فَانْتَظَرَ مَنْ يُقِيمُ مَعَهُ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَجِئْ أحد غيره مقدار درجة أو أزيد منها، فأقام هُوَ الصَّلَاةَ وَحْدَهُ، فَلَمَّا أَحْرَمَ الْإِمَامُ بِالصَّلَاةِ تَلَاحَقَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ حَتَّى بَلَغُوا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَهَذَا أَمْرٌ غَرِيبٌ مِنْ عِدَّةِ ثَلَاثِينَ مُؤَذِّنٍ أَوْ أَكْثَرَ، لَمْ يَحْضُرْ سِوَى مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ أَخْبَرَ خَلْقٌ مِنَ الْمَشَايِخِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا نَظِيرَ هَذِهِ الْكَائِنَةِ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَابِعَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ اجْتَمَعَ القضاة بمشهد عثمان، وكان الفاضل الْحَنْبَلِيُّ قَدْ حَكَمَ فِي دَارِ الْمُعْتَمِدِ الْمُلَاصِقَةِ لمدرسة الشيخ أبى عمر يلبغا، وَكَانَتْ وَقْفًا، لِتُضَافَ إِلَى دَارِ الْقُرْآنِ، وَوَقَفَ عليها أوقاف لِلْفُقَرَاءِ، فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ ذَلِكَ، مِنْ أَجْلِ أنه يؤول أَمْرُهَا أَنْ تَكُونَ دَارَ حَدِيثٍ ثُمَّ فَتَحُوا بَابًا آخَرَ وَقَالُوا: هَذِهِ الدَّارُ لَمْ يُسْتَهْدَمْ جَمِيعُهَا، وَمَا صَادَفَ الْحُكْمُ مَحِلًّا، لِأَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْوَقْفَ يُبَاعُ إِذَا اسْتُهْدِمَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمْ يَبْقَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَحَكَمَ الْقَاضِي الْحَنَفِيُّ بِإِثْبَاتِهَا وَقْفًا كَمَا كَانَتْ، وَنَفَّذَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْمَالِكِيُّ، وَانْفَصَلَ الْحَالُ عَلَى ذَلِكَ، وَجَرَتْ أُمُورٌ طَوِيلَةٌ، وَأَشْيَاءُ عَجِيبَةٌ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ أَصْبَحَ بَوَّابُ الْمَدْرَسَةِ الْمُسْتَجَدَّةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الطَّيِّبَانِيَّةُ إِلَى جَانِبِ أُمِّ الصَّالِحِ مَقْتُولًا مَذْبُوحًا، وَقَدْ أُخِذَتْ مِنْ عِنْدِهِ أَمْوَالٌ مِنَ الْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَمْ يُطَّلَعْ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ، وَكَانَ الْبَوَّابُ رَجُلًا صَالِحًا مَشْكُورًا رَحِمَهُ اللَّهُ.
تَرْجَمَةُ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ
وَفِي لَيْلَةِ الْخَمِيسِ ثَالِثَ عَشَرَ رَجَبٍ وَقْتَ أَذَانِ الْعِشَاءِ تُوُفِّيَ صاحبنا الشيخ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ الزُّرَعِيُّ، إِمَامُ الْجَوْزِيَّةِ، وَابْنُ قَيِّمِهَا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنَ الْغَدِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَدُفِنَ عِنْدَ وَالِدَتِهِ بِمَقَابِرِ الْبَابِ الصَّغِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ. وُلِدَ فِي سِنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ، وبرع فِي عُلُومٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لَا سِيَّمَا عِلْمُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْأَصْلَيْنِ، وَلَمَّا عَادَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي سَنَةِ ثنتى عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ لَازَمَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ الشَّيْخُ فَأَخَذَ عَنْهُ عِلْمًا جَمًّا، مَعَ مَا سَلَفَ لَهُ مِنَ الِاشْتِغَالِ، فَصَارَ فَرِيدًا فِي بَابِهِ فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ، مَعَ كَثْرَةِ الطَّلَبِ لَيْلًا ونهارا، وكثرة الابتهال. وَكَانَ حَسَنَ الْقِرَاءَةِ وَالْخُلُقِ، كَثِيرَ التَّوَدُّدِ لَا يَحْسُدُ أَحَدًا وَلَا يُؤْذِيهِ، وَلَا يَسْتَعِيبُهُ وَلَا يَحْقِدُ عَلَى أَحَدٍ، وَكُنْتُ مِنْ أَصْحَبِ النَّاسِ له وأحب
(14/234)

الناس إليه، ولا أعرف في هذا العالم فِي زَمَانِنَا أَكْثَرَ عِبَادَةً مِنْهُ، وَكَانَتْ لَهُ طَرِيقَةٌ فِي الصَّلَاةِ يُطِيلُهَا جِدًّا وَيَمُدُّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا، وَيَلُومُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَلَا يَرْجِعُ وَلَا يَنْزِعُ عَنْ ذَلِكَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَلَهُ مِنَ التَّصَانِيفِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الْحَسَنِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَاقْتَنَى مِنَ الْكُتُبِ مَا لَا يَتَهَيَّأُ لِغَيْرِهِ تَحْصِيلُ عُشْرِهِ مِنْ كُتُبِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَبِالْجُمْلَةِ كان قليل النَّظِيرِ فِي مَجْمُوعِهِ وَأُمُورِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِ الْخَيْرُ وَالْأَخْلَاقُ الصَّالِحَةُ، سَامَحَهُ اللَّهُ وَرَحِمَهُ، وَقَدْ كَانَ مُتَصَدِّيًا لِلْإِفْتَاءِ بِمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ الَّتِي اخْتَارَهَا الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وجرت بِسَبَبِهَا فُصُولٌ يَطُولُ بَسْطُهَا مَعَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً رَحِمَهُ اللَّهُ، شَهِدَهَا الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَالصَّالِحُونَ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَتَزَاحَمَ النَّاسُ عَلَى حَمْلِ نَعْشِهِ، وَكَمَلَ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّونَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشَرَ شَهْرِ شَعْبَانَ ذَكَرَ الدَّرْسَ بِالصَّدْرِيَّةِ شَرَفُ الدِّينِ عبد الله بن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين بن قيم الْجَوْزِيَّةِ عِوَضًا عَنْ أَبِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأَفَادَ وَأَجَادَ، وَسَرَدَ طَرَفًا صَالِحًا فِي فَضْلِ الْعِلْمِ وأهله، انتهى والله تعالى أعلم.
وَمِنَ الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ الَّتِي لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُهَا وَلَمْ يَقَعْ مِنْ نَحْوِ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ، أَنَّهُ بَطَلَ الْوَقِيدُ بِجَامِعِ دِمَشْقَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَلَمْ يَزِدْ فِي وَقَيْدِهِ قِنْدِيلٌ وَاحِدٌ عَلَى عَادَةِ لَيَالِيهِ فِي سَائِرِ السَّنَةِ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَفَرِحَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَأَهْلُ الدِّيَانَةِ، وَشَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى عَلَى تبطيل هذه البدعة الشنعاء، الَّتِي كَانَ يَتَوَلَّدُ بِسَبَبِهَا شُرُورٌ كَثِيرَةٌ بِالْبَلَدِ، والاستيجار بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَرْسُومِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الناصر حسن بن الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ خَلَّدَ اللَّهُ ملكه، وشيد أركانه وكان الساعي لذلك بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الْأَمِيرُ حُسَامُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّجِيبِيِّ بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَقَدْ كَانَ مُقِيمًا فِي هَذَا الْحِينِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَقَدْ كُنْتُ رَأَيْتُ عِنْدَهُ فُتْيَا عَلَيْهَا خَطُّ الشَّيْخِ تقى الدين بن تَيْمِيَّةَ، وَالشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ، وَغَيْرِهِمَا فِي إِبْطَالِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ، فَأَنْفَذَ اللَّهُ ذَلِكَ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ قَدِ اسْتَقَرَّتْ بَيْنَ أَظْهُرِ النَّاسِ مِنْ نَحْوِ سَنَةِ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَكَمْ سَعَى فِيهَا مِنْ فَقِيهٍ وَقَاضٍ وَمُفْتٍ وَعَالَمٍ وَعَابِدٍ وَأَمِيرٍ وَزَاهِدٍ وَنَائِبِ سَلْطَنَةٍ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يُيَسِّرِ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا فِي عَامِنَا هَذَا، والمسئول من الله إِطَالَةُ عُمْرِ هَذَا السُّلْطَانِ، لِيَعْلَمَ الْجَهَلَةُ الَّذِينَ استقر في أذهانهم إِذَا أَبْطَلَ هَذَا الْوَقِيدُ فِي عَامٍ يَمُوتُ سُلْطَانُ الْوَقْتِ، وَكَانَ هَذَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إِلَّا مُجَرَّدُ الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ.
وَفِي مُسْتَهَلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ اتَّفَقَ أَمْرٌ غَرِيبٌ لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُهُ مِنْ مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفُقَهَاءِ وَالْمَدَارِسِ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ ابْنُ النَّاصِحِ الْحَنْبَلِيُّ بِالصَّالِحِيَّةِ، وَكَانَ بِيَدِهِ نصف تدريس الضاحية
(14/235)

الَّتِي لِلْحَنَابِلَةِ بِالصَّالِحِيَّةِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِلشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ ابْنِ الْقَاضِي شَرَفِ الدِّينِ الْحَنْبَلِيِّ شَيْخِ الْحَنَابِلَةِ بِدِمَشْقَ، فَاسْتَنْجَزَ مَرْسُومًا بِالنِّصْفِ الْآخَرِ، وَكَانَتْ بِيَدِهِ وِلَايَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ مِنَ الْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ ابن الْمُنَجَّا الْحَنْبَلِيِّ، فَعَارَضَهُ فِي ذَلِكَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ الْمَرْدَاوِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وَوَلَّيَ فِيهَا نَائِبَهُ شمس الدين بن مفلح، ودرس بها قاضى القضاة فِي صَدْرِ هَذَا الْيَوْمِ، فَدَخَلَ الْقُضَاةُ الثَّلَاثَةُ الْبَاقُونَ وَمَعَهُمُ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ الْمَذْكُورُ إِلَى نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، وَأَنْهُوا إِلَيْهِ صُورَةَ الْحَالِ، فَرَسَمَ لَهُ بِالتَّدْرِيسِ، فَرَكِبَ الْقُضَاةُ الْمَذْكُورُونَ وَبَعْضُ الْحُجَّابِ فِي خِدْمَتِهِ إِلَى الْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَاجْتَمَعَ الْفُضَلَاءُ وَالْأَعْيَانُ، وَدَرَّسَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ الْمَذْكُورُ، وَبَثَّ فَضَائِلَ كَثِيرَةً، وَفَرِحَ النَّاسُ.
وَفِي شَوَّالٍ كَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ نَائِبُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمُدَبِّرُ مَمَالِكِهَا الأمير سيف الدين يلبغا النَّاصِرِيُّ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّ النَّاسُ ذَاهِبِينَ نَهَضَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ عَلَى أَخِيهِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ مَنْجَكْ، وَهُوَ وَزِيرُ المملكة، وأستاذ دار الْأُسْتَادَارِيَّةِ، وَهُوَ بَابُ الْحَوَائِجِ فِي دَوْلَتِهِمْ، وَإِلَيْهِ يَرْحَلُ ذَوُو الْحَاجَاتِ بِالذَّهَبِ وَالْهَدَايَا، فَأَمْسَكُوهُ وَجَاءَتِ البريدية إلى الشَّامِ فِي أَوَاخِرَ هَذَا الشَّهْرِ بِذَلِكَ، وَبَعْدَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ وَصَلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ شَيْخُونُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الدَّوْلَةِ الْمِصْرِيَّةِ تَحْتَ التَّرْسِيمِ، فَأُدْخِلَ إِلَى قَلْعَةِ دِمَشْقَ، ثُمَّ أُخِذَ مِنْهَا بَعْدَ لَيْلَةٍ فَذُهِبَ بِهِ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فاللَّه أَعْلَمُ. وَجَاءَ الْبَرِيدُ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَى دِيوَانِهِ وَدِيوَانِ مَنْجَكَ بِالشَّامِ وَأُيِسَ مِنْ سَلَامَتِهِمَا، وَكَذَلِكَ وَرَدَتِ الأخبار بمسك يلبغا فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، وَأُرْسِلَ سَيْفَهُ إِلَى السُّلْطَانِ، وَقَدِمَ أَمِيرٌ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَحَلَّفَ الْأُمَرَاءَ بالطاعة إلى السلطان، وكذلك سار إِلَى حَلَبَ فَحَلَّفَ مَنْ بِهَا مِنَ الْأُمَرَاءِ ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ ثُمَّ عَادَ رَاجِعًا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَحَصَلَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ النُّوَّابِ وَالْأُمَرَاءِ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ مُسِكَ الْأَمِيرَانِ الكبيران الشاميان المقدمان شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ صُبْحٍ، وَمَلِكُ آصْ، مِنْ دَارِ السَّعَادَةِ بِحَضْرَةِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ وَالْأُمَرَاءِ وَرُفِعَا إِلَى الْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ، سِيرَ بِهِمَا مَاشِيَيْنِ مِنْ دَارِ السَّعَادَةِ إِلَى بَابِ الْقَلْعَةِ مِنْ نَاحِيَةِ دَارِ الْحَدِيثِ، وَقُيِّدَا وَسُجِنَا بِهَا، وَجَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ السُّلْطَانَ اسْتَوْزَرَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الْقَاضِيَ علم الدين زينور، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً سَنِّيَّةً، لَمْ يَسْمَعْ بِمِثْلِهَا مِنْ أَعْصَارٍ مُتَقَادِمَةٍ، وَبَاشَرَ وَخَلَعَ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْمُقَدَّمِينَ، وَكَذَلِكَ خَلَعَ عَلَى الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ طسبغا وَأُعِيدَ إِلَى مُبَاشَرَةِ الدُّوَيْدَارِيَّةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَجُعِلَ مُقَدَّمًا.
وَفِي أَوَائِلِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ اشْتَهَرَ أن نائب صغد شهاب الدين أحمد بن مشد الشربخانات طُلِبَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَامْتَنَعَ مِنْ إِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَقَضَ الْعَهْدَ، وَحَصَّنَ قَلْعَتَهَا، وَحَصَلَ فِيهَا عِدَدًا وَمَدَدًا وَادَّخَرَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً بِسَبَبِ الْإِقَامَةِ بِهَا وَالِامْتِنَاعِ فِيهَا، فَجَاءَتِ الْبَرِيدِيَّةُ إِلَى نَائِبِ دِمَشْقَ بِأَنْ يَرْكَبَ هُوَ
(14/236)

وَجَمِيعُ جَيْشِ دِمَشْقَ إِلَيْهِ، فَتَجَهَّزَ الْجَيْشُ لِذَلِكَ وَتَأَهَّبُوا، ثُمَّ خَرَجَتِ الْأَطْلَابُ عَلَى رَايَاتِهَا، فَلَمَّا بَرَزَ مِنْهَا بَعْضٌ بَدَا لِنَائِبِ السَّلْطَنَةِ فَرَدَّهُمْ وَكَانَ لَهُ خِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْحَالُ عَلَى تَجْرِيدِ أَرْبَعَةِ مُقَدَّمِينَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ إِلَيْهِ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَانِيَ عَشَرَهُ وَقَعَتْ كَائِنَةٌ غَرِيبَةٌ بِمِنًى وَذَلِكَ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْأُمَرَاءُ الْمِصْرِيُّونَ وَالشَّامِيُّونَ مَعَ صَاحِبِ الْيَمَنِ الْمَلِكِ الْمُجَاهِدِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا قَرِيبًا مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ، ثُمَّ انجلت الوقعة عن أسر صاحب اليمن الملك الْمُجَاهِدِ فَحُمِلَ مُقَيَّدًا إِلَى مِصْرَ، كَذَلِكَ جَاءَتْ بِهَا كُتُبُ الْحُجَّاجِ وَهُمْ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ. وَاشْتَهَرَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحِجَّةِ أَنَّ نَائِبَ حَلَبَ الأمير سيف الدين أرغون الْكَامِلِيَّ قَدْ خَرَجَ عَنْهَا بِمَمَالِيكِهِ وَأَصْحَابِهِ فَرَامَ الْجَيْشُ الْحَلَبِيُّ رَدَّهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ، وَجُرِحَ منهم جراحات كثيرة، وقتل جماعة ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156، وَاسْتَمَرَّ ذَاهِبًا وَكَانَ فِي أَمَلِهِ فِيمَا ذُكِرَ أَنْ يَتَلَقَّى سَيْفَ الدين يلبغا في أثناء طريق الحجاز فيتقدم مَعَهُ إِلَى دِمَشْقَ، وَإِنْ كَانَ نَائِبُ دِمَشْقَ قد اشتغل في حصار صغد أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهَا بَغْتَةً فَيَأْخُذَهَا، فَلَمَّا سَارَ بِمَنْ مَعَهُ وَأَخَذَتْهُ الْقُطَّاعُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَنُهِبَتْ حَوَاصِلُهُ وَبَقِيَ تَجْرِيدَةٌ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ مَمَالِيكِهِ، فَاجْتَازَ بِحَمَاةَ لِيُهَرِّبَهُ نَائِبُهَا فَأَبَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِحِمْصَ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى السُّلْطَانِ بِنَفْسِهِ، فَقَدِمَ بِهِ نَائِبُ حمص وتلقاه بعض الحجاب وبعض مقدمين الْأُلُوفِ وَدَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ سَابِعَ عِشْرِينَ الشَّهْرِ، وَهُوَ فِي أُبَّهَةٍ، فَنَزَلَ بِدَارِ السعادة في بعض قاعات الدويدارية انتهى.
ثم دخلت سنة اثنتين وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَسُلْطَانُ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَمَا يُلْحَقُ بِذَلِكَ مِنَ الْأَقَالِيمِ وَالْبُلْدَانِ، الْمَلِكُ النَّاصِرُ حَسَنُ بن السلطان الملك محمد بن السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ الصَّالِحِيُّ، وَنَائِبُهُ بِالدِّيَارِ المصرية الأمير سيف الدين يلبغا الملقب بحارس الطير، وهو عوضا عن الأمير سيف الدين يلبغا أروش الَّذِي رَاحَ إِلَى بِلَادِ الْحِجَازِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ بِقَصْدِ الْحَجِّ الشَّرِيفِ، فَعَزَلَهُ السُّلْطَانُ فِي غَيْبَتِهِ وَأَمْسَكَ عَلَى شَيْخُونَ وَاعْتَقَلَهُ، وَأَخَذَ منجك الوزير، وهو أستاذ دار وَمُقَدَّمُ أَلْفٍ، وَاصْطَفَى أَمْوَالَهُ، وَاعْتَاضَ عَنْهُ وَوَلَّى مكانه في الوزارة القاضي علم الدين ابن زُيْنُورٍ، وَاسْتَرْجَعَ إِلَى وَظِيفَةِ الدُّوَيْدَارِيَّةِ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدين طسبغا النَّاصِرِيَّ، وَكَانَ أَمِيرًا بِالشَّامِ مُقِيمًا مُنْذُ عُزِلَ إِلَى أَنْ أُعِيدَ فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَا كَاتِبُ السِّرِّ بِمِصْرَ وَقُضَاتُهَا فَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَاسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ ونائب صغد قَدْ حَصَّنَ الْقَلْعَةَ وَأَعَدَّ فِيهَا عُدَّتَهَا وَمَا يَنْبَغِي لَهَا مِنَ الْأَطْعِمَاتِ وَالذَّخَائِرِ وَالْعُدَدِ وَالرِّجَالِ، وَقَدْ نَابِذَ الْمَمْلَكَةَ وَحَارَبَ، وَقَدْ قَصَدَتْهُ الْعَسَاكِرُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنَ الدِّيَارِ
(14/237)

الْمِصْرِيَّةِ وَدِمَشْقَ وَطَرَابُلُسَ وَغَيْرِهَا، وَالْأَخْبَارُ قَدْ ضَمِنَتْ عن يلبغا وَمَنْ مَعَهُ بِبِلَادِ الْحِجَازِ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ، وَنَائِبُ دِمَشْقَ فِي احْتِرَازٍ وَخَوْفٍ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ فَيَدْهَمَهَا بِمَنْ معه، والقلوب وجلة من ذلك، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156. وَفِيهَا وَرَدَ الْخَبَرُ أَنَّ صَاحِبَ الْيَمَنِ حَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ مَكَّةَ عَجْلَانَ بِسَبَبِ أنه أراد أن يولى عليها أخاه بعيثة، فَاشْتَكَى عَجْلَانُ ذَلِكَ إِلَى أُمَرَاءِ الْمِصْرِيِّينَ وَكَبِيرُهُمْ إذ ذاك الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بُزْلَارُ وَمَعَهُمْ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ، وقد أمسكوا أخاهم يلبغا وَقَيَّدُوهُ، فَقَوِيَ رَأْسُهُ عَلَيْهِمْ وَاسْتَخَفَّ بِهِمْ، فَصَبَرُوا حَتَّى قُضِيَ الْحَجُّ وَفَرَغَ النَّاسُ مِنَ الْمَنَاسِكِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ يَوْمُ الْخَمِيسِ تَوَاقَفُوا هُمْ وَهُوَ فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَالْأَكْثَرُ مِنَ الْيَمَنِيِّينَ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ قَرِيبَةً مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ، وَبَقِيَ الْحَجِيجُ خَائِفِينَ أَنْ تَكُونَ الدَّائِرَةُ عَلَى الْأَتْرَاكِ فَتَنْهَبَ الْأَعْرَابُ أَمْوَالَهُمْ وربما قتلوهم، ففرج الله وَنَصَرَ الْأَتْرَاكَ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَلَجَأَ الْمَلِكُ الْمُجَاهِدُ إِلَى جَبَلٍ فَلَمْ يَعْصِمْهُ مِنَ الْأَتْرَاكِ، بَلْ أَسَرُوهُ ذَلِيلًا حَقِيرًا، وَأَخَذُوهُ مُقَيَّدًا أَسِيرًا، وجاءت عوام الناس إلى الْيَمَنِيِّينَ فَنَهَبُوا شَيْئًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا لَهُمْ جَلِيلًا وَلَا حَقِيرًا، وَلَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَاحْتَاطَ الْأُمَرَاءُ عَلَى حَوَاصِلِ الْمَلِكِ وَأَمْوَالِهِ وَأَمْتِعَتِهِ وأثقاله، وساروا بخيله وجماله، وأدلوا على صنديد من رحله ورجاله، واستحضروا مَعَهُمْ طُفَيْلًا الَّذِي كَانَ حَاصَرَ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي وَقَيَّدُوهُ أَيْضًا، وَجَعَلُوا الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ، وَاسْتَاقُوهُ كَمَا يُسْتَاقُ الْأَسِيرُ فِي وَثَاقِهِ مَصْحُوبًا بِهَمِّهِ وَحَتْفِهِ، وَانْشَمَرُوا عَنْ تِلْكَ الْبِلَادِ إِلَى دِيَارِهِمْ رَاجِعِينَ، وَقَدْ فَعَلُوا فَعْلَةً تُذْكَرُ بَعْدَهُمْ إِلَى حِينٍ.
وَدَخَلَ الرَّكْبُ الشَّامِيُّ إِلَى دِمَشْقَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ وَالْقَاعِدَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ. وَفِي هَذَا الْيَوْمِ قَدِمَتِ الْبَرِيدِيَّةُ مِنْ تِلْقَاءِ مَدِينَةِ صغد مخبرة بأن الأمير شهاب الدين أحمد ابن مشد الشرنجاتاه، الَّذِي كَانَ قَدْ تَمَرَّدَ بِهَا وَطَغَى وَبَغَى حتى استحوذ عليها وقطع سببها وَقَتَلَ الْفُرْسَانَ وَالرَّجَّالَةَ، وَمَلَأَهَا أَطْعِمَةً وَأَسْلِحَةً، وَمَمَالِيكَهُ ورجاله، فعند ما تحقق مسك يلبغا أروش خَضَعَتْ تِلْكَ النُّفُوسُ، وَخَمَدَتْ نَارُهُ وَسَكَنَ شَرَارُهُ وحار بثأره، وَوَضَحَ قَرَارُهُ، وَأَنَابَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ، وَرَغِبَ إلى السلامة والخلاص، وخشع وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، وَأَرْسَلَ سَيْفَهُ إِلَى السُّلْطَانِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى حَضْرَةِ الملك الناصر والله المسئول أن يحسن عَلَيْهِ وَأَنْ يُقْبِلَ بِقَلْبِهِ إِلَيْهِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ خَامِسِ صَفَرٍ قَدِمَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُونُ الْكَامِلِيُّ مُعَادًا إِلَى نِيَابَةِ حَلَبَ، وَفِي صُحْبَتِهِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ طَشْبُغَا الدَّوَادَارِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَهُوَ زَوْجُ ابْنَةِ نَائِبِ الشَّامِ، فَتَلَقَّاهُ نَائِبُ الشَّامِ وَأَعْيَانُ الْأُمَرَاءِ، ونزل طشبغا الدوادار عند زوجته بدارمنجى فِي مَحِلَّةِ مَسْجِدِ الْقَصَبِ الَّتِي كَانَتْ تُعْرَفُ بدار حنين بن حندر، وَقَدْ جُدِّدَتْ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَتَوَجَّهَا فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ قُدُومِهِمَا إِلَى حَلَبَ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ اجْتَمَعَ
(14/238)

الْقُضَاةُ الثَّلَاثَةُ وَطَلَبُوا الْحَنْبَلِيَّ لِيَتَكَلَّمُوا مَعَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِدَارِ الْمُعْتَمِدِ الَّتِي بِجِوَارِ مَدْرَسَةِ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ، الَّتِي حَكَمَ بِنَقْضِ وَقْفِهَا وَهَدْمِ بَابِهَا وَإِضَافَتِهَا إِلَى دَارِ الْقُرْآنِ الْمَذْكُورَةِ، وَجَاءَ مرسوم السلطان يوفق ذَلِكَ، وَكَانَ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ قَدْ أَرَادَ مَنْعَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ مَرْسُومُ السُّلْطَانِ اجْتَمَعُوا لذلك، فلم يحضر القاضي الحنبلي، قال حَتَّى يَجِيءَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ.
وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ خَامِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ حَضَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَلَدُ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ عَنْ أَبِيهِ مَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ وَقُرِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ قَدْ خَرَّجَهُ لَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ، وَشَاعَ فِي الْبَلَدِ أَنَّهُ نَزَلَ لَهُ عَنْهَا، وَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ كَلَامًا كَثِيرًا، وَانْتَشَرَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ نَزَلَ لَهُ عَنِ الْغَزَالِيَّةِ وَالْعَادِلِيَّةِ، وَاسْتَخْلَفَهُ فِي ذَلِكَ فاللَّه أَعْلَمُ.
وَفِي سَحَرِ لَيْلَةِ الْخَمِيسِ خَامِسِ شهر جمادى الآخرة وقع حريق عظيم بالجوانيين في السوق الكبير واحترقت دكاكين الفواخرة والمناجليين، وَفُرْجَةُ الْغَرَابِيلِ، وَإِلَى دَرْبِ الْقَلْيِ، ثُمَّ إِلَى قَرِيبِ دَرْبِ الْعَمِيدِ، وَصَارَتْ تِلْكَ النَّاحِيَةُ دَكَّا بلقعا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156. وَجَاءَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بعد الأذان إلى هناك ورسم بطفإ النَّارِ، وَجَاءَ الْمُتَوَلِّي وَالْقَاضِي الشَّافِعِيُّ وَالْحُجَّابُ، وَشَرَعَ النَّاسُ فِي طَفْيِ النَّارِ، وَلَوْ تَرَكُوهَا لَأَحْرَقَتْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَلَمْ يُفْقَدْ فِيمَا بَلَغْنَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ هَلَكَ لِلنَّاسِ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمَتَاعِ وَالْأَثَاثِ وَالْأَمْلَاكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاحْتَرَقَ لِلْجَامِعِ مِنَ الرِّبَاعِ فِي هَذَا الْحَرِيقِ مَا يساوى مائة ألف درهم. انتهى والله أعلم.
كَائِنَةٌ غَرِيبَةٌ جِدًّا
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ خَامِسَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى اسْتَسْلَمَ الْقَاضِي الْحَنْبَلِيُّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْهُمْ نَوْعُ اسْتِهْزَاءٍ بِالْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَإِنَّهُمْ حَمَلُوا رَجُلًا مِنْهُمْ صفة مَيِّتٌ عَلَى نَعْشٍ وَيُهَلِّلُونَ كَتَهْلِيلِ الْمُسْلِمِينَ أَمَامَ الْمَيِّتِ وَيَقْرَءُونَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ 112: 1- 4 فَسَمِعَ بِهِمْ مَنْ بِحَارَتِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذُوهُمْ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ فَدَفَعَهُمْ إِلَى الْحَنْبَلِيِّ، فَاقْتَضَى الْحَالُ اسْتِسْلَامَهُمْ فَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَتَبِعَ أَحَدَهُمْ ثَلَاثَةُ أَطْفَالٍ، وَأَسْلَمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثَمَانِيَةٌ آخَرُونَ فَأَخَذَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَطَافُوا بِهِمْ فِي الْأَسْوَاقِ يُهَلِّلُونَ وَيُكَبِّرُونَ، وَأَعْطَاهُمْ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ شَيْئًا كَثِيرًا وَرَاحُوا بِهِمْ إِلَى الْجَامِعِ فَصَلُّوا ثُمَّ أَخَذُوهُمْ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ فَاسْتَطْلَقُوا لَهُمْ شَيْئًا، وَرَجَعُوا وَهُمْ فِي ضَجِيجٍ وَتَهْلِيلٍ وتقديس، وكان يوما مشهودا وللَّه الحمد والمنة. انتهى والله أعلم
مملكة السلطان الملك الصالح
«صلاح الدين بن الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ الصَّالِحِيِّ» فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ الْفَرْدِ وَرَدَتِ الْبَرِيدِيَّةُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِعَزْلِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ حَسَنِ بْنِ النَّاصِرِ بْنِ قَلَاوُونَ لِاخْتِلَافِ الْأُمَرَاءِ عَلَيْهِ، وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَخِيهِ الملك
(14/239)

الصالح، وأمه صالحة بِنْتُ مَلِكِ الْأُمَرَاءِ تَنْكِزَ الَّذِي كَانَ نَائِبَ الشَّامِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَاءَتِ الْأُمَرَاءُ لِلْحَلِفِ، فَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ وَزُيِّنَ الْبَلَدُ عَلَى الْعَادَةِ، وَقِيلَ إِنَّ الْمَلِكَ النَّاصِرَ حسن خنق ورجعت الأمراء الذين كانوا باسكندرية مثل شيخون ومنجك وغيرهما، وأرسلوا إلى يلبغا فَجِيءَ بِهِ مِنَ الْكَرْكِ، وَكَانَ مَسْجُونًا بِهَا مِنْ مَرْجِعِهِ مِنَ الْحَجِّ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ شَفَعَ فِي صَاحِبِ الْيَمَنِ الْمَلِكِ الْمُجَاهِدِ الَّذِي كَانَ مَسْجُونًا فِي الْكَرْكِ فَأُخْرِجَ وعاد إلى الديار الحجازية.
وَأَمَّا الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ نَاحِيَةِ السُّلْطَانِ حين مسك معارضة أمير أخور وميكلى بُغَا الْفَخْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا، فَاحْتِيطَ عَلَيْهِمْ وَأُرْسِلُوا إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَخُطِبَ لِلْمَلِكِ الصَّالِحِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ وَحَضَرَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَالْأُمَرَاءُ وَالْقُضَاةِ لِلدُّعَاءِ لَهُ بِالْمَقْصُورَةِ عَلَى الْعَادَةِ.
وَفِي أَثْنَاءِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَجَبٍ عُزِلَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ سَيْفُ الدِّينِ أَيْتَمُشُ عَنْ دِمَشْقَ مَطْلُوبًا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَسَارَ إِلَيْهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ. وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ حَادِيَ عَشَرَ شَعْبَانَ قَدِمَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُونُ الْكَامِلِيُّ الَّذِي كَانَ نَائِبًا عَلَى الدِّيَارِ الْحَلَبِيَّةِ مِنْ هُنَاكَ، فَدَخَلَ دِمَشْقَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَخَرَجَ الْأُمَرَاءُ وَالْمُقَدَّمُونَ وَأَرْبَابُ الْوَظَائِفِ لِتَلَقِّيهِ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، مِنْهُمْ مَنْ وَصَلَ إِلَى حَلَبَ وَحَمَاةَ وَحِمْصَ، وَجَرَى فِي هَذَا الْيَوْمِ عَجَائِبُ لَمْ تُرَ مِنْ دُهُورٍ، وَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِهِ لِصَرَامَتِهِ وَشَهَامَتِهِ وَحِدَّتِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ لِينِ الَّذِي قَبْلَهُ وَرَخَاوَتِهِ، فَنَزَلَ دَارَ السَّعَادَةِ عَلَى الْعَادَةِ. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ وَقَفَ فِي مَوْكِبٍ هَائِلٍ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُرَ مِثْلَهُ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَلَمَّا سِيرَ إِلَى نَاحِيَةِ بَابِ الْفَرَجِ اشْتَكَى إِلَيْهِ ثَلَاثُ نسوة على أمير كبير يقال له الطرخاين، فَأَمَرَ بِإِنْزَالِهِ عَنْ فَرَسِهِ فَأُنْزِلَ وَأُوقِفَ مَعَهُنَّ فِي الْحُكُومَةِ، وَاسْتَمَرَّ بُطْلَانُ الْوَقِيدِ فِي الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ فِي هَذَا الْعَامِ أَيْضًا كَالَّذِي قَبْلَهُ، حَسَبَ مَرْسُومِ السُّلْطَانِ النَّاصِرِ حَسَنٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَفَرِحَ أَهْلُ الْخَيْرِ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ مِنْ نَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَنُودِيَ فِي الْبَلَدِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَالَّذِي بَعْدَهُ عَنِ النَّائِبِ: من وجد جنديا سكرانا فَلْيُنْزِلْهُ عَنْ فَرَسِهِ وَلِيَأْخُذْ ثِيَابَهُ، وَمَنْ أَحْضَرَهُ مِنَ الْجُنْدِ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ فَلَهُ خُبْزُهُ، ففرح الناس بذلك واحتجر على الخمارين والعصارين، ورخصت الأعتاب وَجَادَتِ الْأَخْبَازُ وَاللَّحْمُ بَعْدَ أَنْ كَانَ بَلَغَ كُلُّ رِطْلٍ أَرْبَعَةً وَنِصْفًا، فَصَارَ بِدِرْهَمَيْنِ وَنِصْفٍ، وَأَقَلَّ، وَأُصْلِحَتِ الْمَعَايِشُ مِنْ هَيْبَةِ النَّائِبِ، وَصَارَ لَهُ صِيتٌ حَسَنٌ، وَذِكْرٌ جَمِيلٌ فِي النَّاسِ بِالْعَدْلِ وَجَوْدَةِ الْقَصْدِ وَصِحَّةِ الْفَهْمِ وَقُوَّةِ الْعَدْلِ وَالْإِدْرَاكِ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَامِنَ عَشَرَ شَعْبَانَ وصل الأمير أحمد بن شاد الشريخاناه الّذي كان قد عصى في صغد، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، فَاعْتُقِلَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ثُمَّ أُخْرِجَ فِي هَذِهِ الدَّوْلَةِ وَأُعْطِيَ نِيَابَةَ حماة فدخل دمشق في هذا اليوم سافرا إلى حماة، فركب مع النائب مع الْمَوْكِبِ وَسِيرَ عَنْ يَمِينِهِ وَنَزَلَ فِي خِدْمَتِهِ
(14/240)

إلى دار السعادة، ورحل بَيْنَ يَدَيْهِ. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ منه دخل الأمير سيف الدين يلبغا الَّذِي كَانَ نَائِبًا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، ثُمَّ مُسِكَ بِالْحِجَازِ وَأُودِعَ الْكَرَكَ، ثُمَّ أُخْرِجَ فِي هَذِهِ الدَّوْلَةِ وَأُعْطِيَ نِيَابَةَ حَلَبَ، فَتَلَقَّاهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وأنزل دار السعادة حين أضافه. وَنَزَلَ وِطَاقُهُ بِوَطْأَةِ بَرْزَةَ وَضُرِبَتْ لَهُ خَيْمَةٌ بِالْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وسبعمائة
استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية وَالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ الملك الصالح صلاح الدين، صالح بن السلطان الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ، وَالْخَلِيفَةُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ الْمُعْتَضِدُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَنَائِبُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ قُبْلَايْ، وقضاة مصرهم الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْوَزِيرُ الْقَاضِي ابْنُ زُنْبُورٍ، وَأُولُو الْأَمْرِ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ الْمَمْلَكَةَ فَلَا تَصْدُرُ الْأُمُورُ إِلَّا عَنْ آرَائِهِمْ لِصِغَرِ السُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِهِمْ ثَلَاثَةٌ سَيْفُ الدِّينِ شيخون، وطار وحر عيمش، وَنَائِبُ دِمَشْقَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُونُ الْكَامِلِيُّ، وَقُضَاتُهَا هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَنَائِبُ البلاد الحلبية الأمير سيف الدين يلبغا أروش، وَنَائِبُ طَرَابُلُسَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بَكْلَمُشُ، وَنَائِبُ حَمَاةَ الْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ مُشِدِّ الشريخانة، وَوَصْلَ بَعْضُ الْحُجَّاجِ إِلَى دِمَشْقَ فِي تَاسِعِ الشهر- وهذا نادر- وأخبروا بِمَوْتِ الْمُؤَذِّنِ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ سَعِيدٍ بَعْدَ منزلة العلاء في المدابغ.
وَفِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ سَادِسَ عَشَرَ صَفَرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ عِنْدَ بَابِ جيرون شرقيه فاحترق به دكان القفاعى الْكَبِيرَةَ الْمُزَخْرَفَةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَاتَّسَعَ اتِّسَاعًا فَظِيعًا، وَاتَّصَلَ الْحَرِيقُ بِالْبَابِ الْأَصْفَرِ مِنَ النُّحَاسِ، فَبَادَرَ دِيوَانُ الْجَامِعِ إِلَيْهِ فَكَشَطُوا مَا عَلَيْهِ مِنَ النُّحَاسِ وَنَقَلُوهُ مِنْ يَوْمِهِ إِلَى خِزَانَةِ الْحَاصِلِ، بمقصورة الحلبية، بمشهد على، ثم عدوا عَلَيْهِ يَكْسِرُونَ خَشَبَهُ بِالْفُئُوسِ الْحِدَادِ، وَالسَّوَاعِدِ الشِّدَادِ، وَإِذَا هُوَ مِنْ خَشَبِ الصَّنَوْبَرِ الَّذِي فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْقُوَّةِ وَالثَّبَاتِ، وَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الْبَلَدِ وَمَعَالِمِهِ. وَلَهُ فِي الْوُجُودِ مَا يُنَيِّفُ عَنْ أربعة آلاف سنة.
انتهى والله أعلم.
تَرْجَمَةُ بَابِ جَيْرُونَ الْمَشْهُورِ بِدِمَشْقَ
الَّذِي كَانَ هَلَاكُهُ وَذَهَابُهُ وَكَسْرُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ باب سر في جَامِعِ دِمَشْقَ لَمْ يُرَ بَابٌ أَوْسَعُ وَلَا أَعْلَى مِنْهُ، فِيمَا يُعْرَفُ مِنَ الْأَبْنِيَةِ فِي الدنيا، وله علمان من نحاس أصفر بمسامير نُحَاسٍ أَصْفَرَ أَيْضًا بَارِزَةٍ، مِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا، وَمَحَاسِنِ دِمَشْقَ وَمَعَالِمِهَا، وَقَدْ تَمَّ بِنَاؤُهَا. وَقَدْ ذَكَرَتْهُ الْعَرَبُ فِي أَشْعَارِهَا وَالنَّاسُ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى مَلِكٍ يُقَالُ لَهُ جَيْرُونُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَادِ بْنِ عَوْصِ بن أدم بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَهُوَ الَّذِي بَنَاهُ، وَكَانَ بِنَاؤُهُ لَهُ قَبْلَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَلْ قَبْلَ ثَمُودَ وَهُودٍ أَيْضًا، عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ فَوْقَهُ حِصْنٌ عَظِيمٌ، وَقَصْرٌ مُنِيفٌ، وَيُقَالُ بَلْ هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى اسْمِ الْمَارِدِ الَّذِي بَنَاهُ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ اسْمُ ذَلِكَ الْمَارِدِ جَيْرُونَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ
(14/241)

وَأَشْهَرُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ لِهَذَا الْبَابِ مِنَ الْمُدَدِ الْمُتَطَاوِلَةِ مَا يُقَارِبُ خَمْسَةَ آلَافِ سَنَةٍ، ثُمَّ كَانَ انْجِعَافُ هَذَا الْبَابِ لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بَلْ بِالْأَيْدِي الْعَادِيَةِ عَلَيْهِ، بِسَبَبِ ما ناله من شوط حريق اتصل إليه حريق وقع من جَانِبِهِ فِي صَبِيحَةِ لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ صَفَرٍ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فَتَبَادَرَ ديوان الجامعية ففرقوا شمله وقضعوا ثَمْلَهُ، وَعَرَّوْا جِلْدَهُ النُّحَاسَ عَنْ بَدَنِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَشَبِ الصَّنَوْبَرِ، الَّذِي كَأَنَّ الصَّانِعَ قد فرغ منه يومئذ، وقد شاهدت الفؤوس تَعْمَلُ فِيهِ وَلَا تَكَادُ تُحِيلُ فِيهِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ، فَسُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الَّذِينَ بَنَوْهُ أَوَّلًا، ثُمَّ قَدَّرَ أَهْلَ هَذَا الزَّمَانِ عَلَى أَنْ هدموه بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَدِ الْمُتَطَاوِلَةِ، وَالْأُمَمِ الْمُتَدَاوَلَةِ، وَلَكِنْ لكل أجل كتاب، وَلَا إِلَهَ إِلَّا رَبُّ الْعِبَادِ.
بَيَانُ تَقَدُّمِ مُدَّةِ هَذَا الْبَابِ وَزِيَادَتِهَا عَلَى مُدَّةِ أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ بَلْ يُقَارِبُ الْخَمْسَةَ
ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي أَوَّلِ تَارِيخِهِ بَابُ بِنَاءِ دِمَشْقَ بِسَنَدِهِ عَنِ الْقَاضِي يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ التبلهى الْحَاكِمِ بِهَا فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَدْ كَانَ هذا القاضي من تلاميذ ابن عمر والأوزاعي، قَالَ.
لَمَّا فَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ دِمَشْقَ بَعْدَ حِصَارِهَا- يَعْنِي وَانْتَزَعَهَا مِنْ أَيْدِي بَنِي أُمَيَّةَ وَسَلَبَهُمْ مُلْكَهُمْ- هَدَمُوا سُورَ دِمَشْقَ فوجدوا حجرا مكتوبا عليه باليونانية، فجاء راهب فَقَرَأَهُ لَهُمْ، فَإِذَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: وَيَكُ أرم الجبابرة مَنْ رَامَكِ بِسُوءٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، إِذَا وَهَى منك جيرون الغربي من باب البريد وتلك من خمسة أعين ينقض سُورِكِ عَلَى يَدَيْهِ، بَعْدَ أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ تَعِيشِينَ رَغَدًا، فَإِذَا وَهَى مِنْكِ جَيْرُونُ الشَّرْقِيُّ أؤمل لك ممن يعوض لَكِ، قَالَ: فَوَجَدْنَا الْخَمْسَةَ أَعْيُنٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابن عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمَطْلَبِ، عَيْنُ بْنُ عَيْنِ بْنِ عَيْنِ بْنِ عَيْنِ بْنِ عَيْنٍ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ بِسُورِهَا سِنِينًا إِلَى حِينِ إِخْرَابِهِ عَلَى يَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ، وَقَدْ كَانَ إِخْرَابُهُ لَهُ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِهَذَا الْبَابِ إِلَى يَوْمِ خَرِبَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ- أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَسِتُّمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الَّذِي أَسَّسَ دِمَشْقَ بَعْدَ حَرَّانَ وَذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ الطُّوفَانِ، وقيل بناها دمسغس غلام ذي القرنين عن إشارته، وقيل عاد الملقب بدمشيق وَهُوَ غُلَامُ الْخَلِيلِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَأَظْهَرُهَا أَنَّهَا مِنْ بِنَاءِ الْيُونَانِ، لِأَنَّ مَحَارِيبَ مَعَابِدِهَا كَانَتْ مُوَجَّهَةً إِلَى الْقُطْبِ الشَّمَالِيِّ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُمُ النَّصَارَى فَصَلَّوْا فِيهَا إِلَى الشَّرْقِ، ثُمَّ كَانَ فِيهَا بَعْدَهُمْ أَجْمَعِينَ أُمَّةُ الْمُسْلِمِينَ فَصَلَّوْا إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَبْوَابَهَا كَانَتْ سَبْعَةً كُلٌّ مِنْهَا يُتَّخَذُ عِنْدَهُ عِيدٌ لِهَيْكَلٍ مِنَ الْهَيَاكِلِ السَّبْعَةِ، فَبَابُ الْقَمَرِ بَابُ السَّلَامَةِ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ باب الفراديس الصغير، ولعطارد باب الفراديس الكبير، وللزهرة باب توما، وَلِلشَّمْسِ الْبَابُ الشَّرْقِيُّ، وَلِلْمِرِّيخِ بَابُ الْجَابِيَةِ، وَلِلْمُشْتَرِي بَابُ الْجَابِيَةِ الصَّغِيرِ، وَلِزُحَلَ بَابُ كَيْسَانَ.
(14/242)

وَفِي أَوَائِلِ شَهْرِ رَجَبٍ الْفَرْدِ اشْتَهَرَ أَنَّ نائب حلب يلبغا أروش اتفق مع نائب طرابلس بكلمش، ونائب حلب أمير أحمد بن مشد الشريخانة عَلَى الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ السُّلْطَانِ حَتَّى يُمْسِكَ شيخون وطار، وَهُمَا عَضُدَا الدَّوْلَةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَبَعَثُوا إِلَى نَائِبِ دِمَشْقَ وَهُوَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُونُ الْكَامِلِيُّ فَأَبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَكَاتَبَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ، وَانْزَعَجَ النَّاسُ لِذَلِكَ، وَخَافُوا مِنْ غَائِلَةِ هَذَا الْأَمْرِ وباللَّه الْمُسْتَعَانُ. وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ ثَامِنُ الشَّهْرِ جَمَعَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ الْأُمَرَاءَ عِنْدَهُ بِالْقَصْرِ الْأَبْلَقِ وَاسْتَحْلَفَهُمْ بَيْعَةً أُخْرَى لِنَائِبِ السَّلْطَنَةِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَحَلَفُوا وَاتَّفَقُوا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى ذَلِكَ. وَفِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ جَاءَتِ الْجَبَلِيَّةُ الَّذِينَ جَمَعُوهُمْ مِنَ الْبِقَاعِ لِأَجْلِ حِفْظِ ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ مِنْ قُدُومِ الْعَسَاكِرِ الْحَلَبِيَّةِ، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ طَرَابُلُسَ وَحَمَاةَ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْجَبَلِيَّةُ قَرِيبًا مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَحَصَلَ بِسَبَبِهِمْ ضَرَرٌ كَثِيرٌ عَلَى أَهْلِ بِرْزَةَ وَمَا جاورهم من الثمار وغيرها.
وفي يَوْمِ السَّبْتِ الْعِشْرِينَ مِنْهُ رَكِبَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُونُ وَمَعَهُ الْجُيُوشُ الدِّمَشْقِيَّةُ قَاصِدِينَ ناحية الكسوة ليلا يقاتلون الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَبْقَ فِي الْبَلَدِ مِنَ الْجُنْدِ أَحَدٌ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ وَلَيْسَ لَهُمْ نَائِبٌ وَلَا عَسْكَرٌ، وَخَلَتِ الدِّيَارُ مِنْهُمْ، وَنَائِبُ الْغَيْبَةِ الْأَمِيرُ سيف الدين الجى بغا العادلى، وانتقل الناس من البساتين ومن طرف العقبية وَغَيْرِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَكْثَرُ الْأُمَرَاءِ نُقِلَتْ حَوَاصِلُهُمْ وَأَهَالِيهُمْ إِلَى الْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ، فَإِنَّا للَّه وَإِنَّا إليه راجعون. ولما اقترب دخول الأمير يلبغا بِمَنْ مَعَهُ انْزَعَجَ النَّاسُ وَانْتَقَلَ أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ فِي طَرِيقِهِ، وَسَرَى ذَلِكَ إِلَى أَطْرَافِ الصَّالِحِيَّةِ وَالْبَسَاتِينِ وَحَوَاضِرِ الْبَلَدِ، وَغُلِقَتْ أَبْوَابُ الْبَلَدِ إِلَى مَا يَلِي الْقَلْعَةَ، كَبَابِ النَّصْرِ وَبَابِ الْفَرَجِ، وَكَذَا بَابُ الْفَرَادِيسِ، وَخَلَتْ أَكْثَرُ الْمَحَالِّ مِنْ أَهَالِيهِمْ، وَنَقَلُوا حَوَائِجَهُمْ وَحَوَاصِلَهُمْ وَأَنْعَامَهُمْ إِلَى الْبَلَدِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْحَمَّالِينَ، وَبَلَغَهُمْ أَنَّ أَطْرَافَ الْجَيْشِ انْتَهَبُوا مَا فِي الْقَرَايَا فِي طَرِيقِهِمْ مِنَ الشَّعِيرِ وَالتِّبْنِ وَبَعْضِ الْأَنْعَامِ لِلْأَكْلِ، وَرُبَّمَا وَقَعَ فَسَادٌ غَيْرُ هَذَا مِنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ، فخاف الناس كثيرا وتشوشت خواطرهم انتهى.
دخول يلبغا أروش إِلَى دِمَشْقَ
وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ دَخَلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ يلبغا أروش نَائِبُ حَلَبَ إِلَى دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ الْحَلَبِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَفِي صُحْبَتِهِ نَائِبُ طرابلس الأمير سيف الدين بكلمش، ونائب حماة الأمير شهاب الدين أحمد، ونائب صغد الأمير علاء الدين طيبغا، ملقب برتاق، وَكَانَ قَدْ تُوَجَّهُ قَبْلَهُ، قِيلَ بِيَوْمٍ، وَمَعَهُ نُوَّابُ قِلَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنْ بِلَادِ حَلَبَ وَغَيْرِهَا، فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ وَالتُّرْكُمَانِ، فَوَقَفَ فِي سُوقِ الْخَيْلِ مَكَانَ نُوَّابِ السُّلْطَانِ تَحْتَ القلعة، واستعرض الجيوش الذين وفدوا معه هنالك، فَدَخَلُوا فِي تَجَمُّلٍ كَثِيرٍ، مُلْبَسِينَ، وَكَانَ عِدَّةُ
(14/243)

من كان معه من أمراء الطبلخانات قريبا من ستين أمير أو يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ، عَلَى مَا اسْتَفَاضَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ شَاهَدَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ قريبا من الزوال للمخيم الَّذِي ضُرِبَ لَهُ قَبْلَ مَسْجِدِ الْقَدْمِ عِنْدَ قبة يلبغا، عند الجدول الّذي هنالك، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا هَائِلًا، لِمَا عَايَنَ النَّاسُ مِنْ كَثْرَةِ الْجُيُوشِ وَالْعُدَدِ، وَعَذَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ صَاحِبَ دِمَشْقَ فِي ذَهَابِهِ بِمَنْ مَعَهُ لئلا يقابل هَؤُلَاءِ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ قُلُوبَهُمْ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَى نائب القلعة وهو الأمير سيف الدين إباجي يَطْلُبُ مِنْهُ حَوَاصِلَ أَرْغُونَ الَّتِي عِنْدَهُ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَقَدْ حَصَّنَ الْقَلْعَةَ وَسَتَرَهَا وَأَرْصَدَ فيها الرجال والرماة والعدد، وهيأنها بَعْضَ الْمَجَانِيقِ لِيَبْعُدَ بِهَا فَوْقَ الْأَبْرِجَةِ، وَأَمَرَ أَهْلَ الْبَلَدِ أَنْ لَا يَفْتَحُوا الدَّكَاكِينَ وَيُغْلِقُوا الْأَسْوَاقَ، وَجَعَلَ يُغْلِقُ أَبْوَابَ الْبَلَدِ إِلَّا بَابًا أَوْ بَابَيْنِ مِنْهَا، وَاشْتَدَّ حَنَقُ الْعَسْكَرِ عَلَيْهِ، وَهَمُّوا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنَ الشَّرِّ، ثُمَّ يَرَعَوُونَ عن الناس والله المسلم، غير أن إقبال الْعَسْكَرِ وَأَطْرَافَهُ قَدْ عَاثُوا فِيمَا جَاوَرُوهُ مِنَ الْقَرَايَا وَالْبَسَاتِينِ وَالْكُرُومِ وَالزُّرُوعِ فَيَأْخُذُونَ مَا يَأْكُلُونَ وتأكل دوابهم، وأكثر من ذلك ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156. وَنُهِبَتْ قَرَايَا كَثِيرَةٌ وَفَجَرُوا بِنِسَاءٍ وَبَنَاتٍ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ، وَأَمَّا التُّجَّارُ وَمَنْ يُذْكَرُ بِكَثْرَةِ مَالٍ فَأَكْثَرُهُمْ مُخْتَفٍ لَا يَظْهَرُ لِمَا يَخْشَى مِنَ الْمُصَادَرَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُحْسِنَ عَاقِبَتَهُمْ.
وَاسْتَهَلَّ شَهْرُ شَعْبَانَ وَأَهْلُ الْبَلَدِ فِي خَوْفٍ شَدِيدٍ، وَأَهْلُ الْقَرَايَا وَالْحَوَاضِرِ في نقلة أثاثهم وبقارهم وَدَوَابِّهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَأَكْثَرُ أَبْوَابِ الْبَلَدِ مُغْلَقَةٌ سِوَى بَابِي الْفَرَادِيسِ وَالْجَابِيَةِ، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ نَسْمَعُ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النَّهْبِ لِلْقَرَايَا وَالْحَوَاضِرِ، حَتَّى انْتَقَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الصَّالِحِيَّةِ أَوْ أكثرهم، وكذلك من أهل العقبية وَسَائِرِ حَوَاضِرِ الْبَلَدِ، فَنَزَلُوا عِنْدَ مَعَارِفِهِمْ وَأَصْحَابِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَزَلَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا زَمَنَ قَازَانَ: إِنَّ هَذَا الْوَقْتَ كَانَ أَصْعَبَ مِنْ ذَلِكَ لِمَا تَرَكَ النَّاسُ مِنْ وَرَائِهِمْ مِنَ الْغَلَّاتِ وَالثِّمَارِ الَّتِي هِيَ عُمْدَةُ قُوتِهِمْ فِي سَنَتِهِمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الْبَلَدِ فَفِي قلق شديد أيضا لما يبلغهم عنهم من الفجور بالنساء، ويجعلون يدعون عقيب الصلوات عليهم يصرحون بأسمائهم ويعنون بِأَسْمَاءِ أُمَرَائِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ وَنَائِبُ الْقَلْعَةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدين إباجي فِي كُلِّ وَقْتٍ يُسَكِّنُ جَأْشَ النَّاسِ وَيُقَوِّي عَزْمَهُمْ وَيُبَشِّرُهُمْ بِخُرُوجِ الْعَسَاكِرِ الْمَنْصُورَةِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ صُحْبَةَ السُّلْطَانِ إِلَى بِلَادِ غَزَّةَ حَيْثُ الْجَيْشُ الدِّمَشْقِيُّ، لِيَجِيئُوا كُلُّهُمْ فِي خِدْمَتِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَدُقُّ الْبَشَائِرُ فَيَفْرَحُ النَّاسُ ثُمَّ تَسْكُنُ الْأَخْبَارُ وَتَبْطُلُ الرِّوَايَاتُ فَتَقْلَقُ وَيَخْرُجُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ وَوَعْدٍ وَهَيْئَاتٍ حَسَنَةٍ، ثُمَّ جَاءَ السُّلْطَانُ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ تَرَجَّلَ الْأُمَرَاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ حِينِ بسط له عند مسجد الدبان إِلَى دَاخِلِ الْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ، وَهُوَ لَابِسٌ قَبَاءً أَحْمَرَ لَهُ قِيمَتُهُ عَلَى فَرَسٍ أَصِيلَةٍ مُؤَدَّبَةٍ مُعَلَّمَةٍ الْمَشْيَ عَلَى الْقَوْسِ لَا تَحِيدُ عَنْهُ، وهو حسن
(14/244)

الصورة مقبول الطلعة، عليه بهاء المملكة والرئاسة، وَالْخَزُّ فَوْقَ رَأْسِهِ يَحْمِلُهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الْأَكَابِرِ، وكلما عاينه من عاينه من الناس يبتهلون بِالدُّعَاءِ بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ، وَالنِّسَاءُ بِالزَّغْرَطَةِ، وَفَرِحَ النَّاسُ فَرَحًا شَدِيدًا، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَأَمْرًا حَمِيدًا، جَعَلَهُ اللَّهُ مُبَارَكًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَنَزَلَ بِالْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ، وَقَدْ قَدِمَ مَعَهُ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَضِدُ أَبُو الفتح بن أبى بكر الْمُسْتَكْفِي باللَّه أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ، وَكَانَ رَاكِبًا إِلَى جَانِبِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْيَسَارِ، وَنَزَلَ بِالْمَدْرَسَةِ الدِّمَاغِيَّةِ فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْيَوْمِ سَائِرُ الْأُمَرَاءِ مع نائب الشام، ومقدمهم طار وشيخون في طلب يلبغا وَمِنْ مَعَهُ مِنَ الْبُغَاةِ الْمُفْسِدِينَ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَانِيهِ حَضَرَ السُّلْطَانُ أَيَّدَهُ اللَّهُ إِلَى الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ وَصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةَ بِالْمَشْهَدِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ نُوَّابُ السُّلْطَانِ أَيَّدَهُ اللَّهُ، فَكَثُرَ الدعاء والمحبة له ذاهبا وآئبا تقبل الله منه، وكذلك فعل الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ تَاسِعُ الشَّهْرِ. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ عَاشِرِهِ اجْتَمَعْنَا- يَقُولُ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ- بِالْخَلِيفَةِ الْمُعْتَضِدِ باللَّه أبى الْفَتْحِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُسْتَكْفِي باللَّه أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ، وَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْمَدْرَسَةِ الدِّمَاغِيَّةِ، دَاخِلَ بَابِ الْفَرَجِ وَقَرَأَتُ عِنْدَهُ جُزْءًا فِيهِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ فِي مُسْنَدِهِ، وذلك عن الشيخ عز الدين بن الضيا الْحَمَوِيِّ بِسَمَاعِهِ مِنَ ابْنِ الْبُخَارِيِّ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ مَكِّيٍّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنِ ابْنِ الْمُذْهِبِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُمَا، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ شَابٌّ حَسَنُ الشَّكْلِ مَلِيحُ الْكَلَامِ مُتَوَاضِعٌ جَيِّدُ الْفَهْمِ حُلْوُ الْعِبَارَةِ رَحِمَ اللَّهُ سَلَفَهُ.
وَفِي رَابِعَ عَشَرَهُ قَدِمَ الْبَرِيدُ مِنْ بِلَادِ حَلَبَ بِسُيُوفِ الْأُمَرَاءِ الْمَمْسُوكِينَ مِنْ أَصْحَابِ يلبغا.
وفي يوم الخميس خامس عشره نَزَلَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ مِنَ الطَّارِمَةِ إِلَى الْقَصْرِ الْأَبْلَقِ فِي أُبَّهَةِ الْمَمْلَكَةِ، وَلَمْ يَحْضُرْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى الصَّلَاةِ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ بِالْقَصْرِ الْمَذْكُورِ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَاكِرِ النهار دخل الأمير سيف الدين شيخون وطار بِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْعَسَاكِرِ مِنْ بِلَادِ حَلَبَ، وقد فات تدارك يلبغا وأصحابه لدخولهم بلاد زلغادر التُّرْكُمَانِيِّ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُمْ، وَهُمُ الْقَلِيلُ، وَقَدْ أُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، وَهُمْ فِي الْقُيُودِ وَالسَّلَاسِلِ صُحْبَةَ الْأَمِيرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، فَدَخَلَا عَلَى السُّلْطَانِ وَهُوَ بِالْقَصْرِ الْأَبْلَقِ فَسَلَّمَا عليه وقبلا الأرض وهنئاه بالعيد، ونزل طار بِدَارِ أَيْتَمُشْ بِالشَّرْقِ الشَّمَالِيِّ، وَنَزَلَ شَيْخُونُ بِدَارِ إِيَاسٍ الْحَاجِبِ بِالْقُرْبِ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، وَنَزَلَ بَقِيَّةُ الْجَيْشِ فِي أَرْجَاءِ الْبَلَدِ، وَأَمَّا الْأَمِيرُ سيف الدين أرغون فأقام بحلب نائبا عَنْ سُؤَالِهِ إِلَى مَا ذَكَرَ، وَخُوطِبَ فِي تَقْلِيدِهِ بِأَلْقَابٍ هَائِلَةٍ، وَلَبِسَ خِلْعَةً سَنِيَّةً، وَعُظِّمَ تعظيما زائدا، ليكون هناك إلبا على يلبغا وَأَصْحَابِهِ لِشِدَّةِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَدَاوَةِ. ثُمَّ صَلَّى السُّلْطَانُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ وَمَنِ انْضَافَ إِلَيْهِمْ مِنَ الشَّامِيِّينَ صَلَاةَ عِيدِ الْفِطْرِ
(14/245)

بِالْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ، وَخَطَبَ بِهِمُ الْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ الْمُنَاوِيُّ الْمِصْرِيُّ. قَاضِي الْعَسْكَرِ الْمِصْرِيِّ بِمَرْسُومِ السُّلْطَانِ وذويه، وخلع عليه. انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم.
قتل الأمراء السبعة من أصحاب يلبغا
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَالِثِ شَوَّالٍ قَبْلَ الْعَصْرِ رَكِبَ السُّلْطَانُ مِنَ الْقَصْرِ إِلَى الطَّارِمَةِ وَعَلَى رأسه القبة والطير يَحْمِلُهُمَا الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْخَطِيرِ، فَجَلَسَ فِي الطَّارِمَةِ وَوَقَفَ الْجَيْشُ بَيْنَ يَدَيْهِ تَحْتَ الْقَلْعَةِ وَأَحْضَرُوا الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ قَدِمُوا بِهِمْ مِنْ بِلَادِ حَلَبَ، فَجَعَلُوا يُوقِفُونَ الْأَمِيرَ مِنْهُمْ ثُمَّ يُشَاوِرُونَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُشْفَعُ فِيهِ وَمِنْهُمْ من يؤمر بتوسيطه، فوسط سبعة: خمس طبلخانات ومقدما ألف، منهم نائب صغد بُرْنَاقُ وَشُفِعَ فِي الْبَاقِينَ فَرُدُّوا إِلَى السِّجْنِ، وكانوا خمسة آخرين وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ خَامِسِهِ مُسِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ دِمَشْقَ سَبْعَةٌ وَتَحَوَّلَتْ دُوَلٌ كَثِيرَةٌ، وَتَأَمَّرَ جماعة من الأجناد وغيرهم انتهى
خُرُوجُ السُّلْطَانِ مِنْ دِمَشْقَ مُتَوَجِّهًا إِلَى بِلَادِ مِصْرَ
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَابِعِ شَوَّالٍ رَكِبَ السُّلْطَانُ فِي جَيْشِهِ مِنَ الْقَصْرِ الْأَبْلَقِ قَاصِدًا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ النَّصْرِ تَرَجَّلَ الْجَيْشُ بِكَمَالِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ مُشَاةً، وَذَلِكَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ كَثِيرِ الْوَحْلِ فَصَلَّى بِالْمَقْصُورَةِ إِلَى جَانِبِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، وَلَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَحَدٌ، بَلْ بَقِيَّةُ الْأُمَرَاءِ خَلْفَهُ صُفُوفٌ، فَسَمِعَ خُطْبَةَ الْخَطِيبِ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُرِئَ كِتَابٌ بِإِطْلَاقِ أَعْشَارِ الْأَوْقَافِ، وَخَرَجَ السُّلْطَانُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ بَابِ النَّصْرِ، فَرَكِبَ الْجَيْشُ وَاسْتَقَلَّ ذَاهِبًا نَحْوَ الْكُسْوَةِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ الْمَنْصُورَةِ، مَصْحُوبِينَ بِالسَّلَامَةِ وَالْعَافِيَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، وَخَرَجَ السُّلْطَانُ وَلَيْسَ بِدِمَشْقَ نَائِبُ سَلْطَنَةٍ، وَبِهَا الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْخَطِيرِ هُوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِي الْأُمُورِ نَائِبَ غَيْبَةٍ، حَتَّى يَقْدَمَ إِلَيْهَا نَائِبُهَا وَيَتَعَيَّنَ لَهَا، وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِوُصُولِ السُّلْطَانِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ سَالِمًا، ودخلها في أبهة عظيمة في أواخر ذِي الْقَعْدَةِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَخَلَعَ عَلَى الْأُمَرَاءِ كُلِّهِمْ وَلَبِسَ خِلْعَةَ نِيَابَةِ الشَّامِ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ الْمَارِدَانِيُّ، وَمُسِكَ الْأَمِيرُ عَلَمُ الدِّينِ بْنُ زُنْبُورٍ وَتَوْلِيَةِ الْوِزَارَةِ الصَّاحِبَ مُوَفَّقَ الدِّينِ. وفي صبيحة يوم السبت خامس الْحِجَّةِ دَخَلَ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ عَلَى الْجَمَدَارِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ فِي أُبَّهَةٍ هَائِلَةٍ، وَمَوْكِبٍ حَافِلٍ مُسْتَوْلِيًا نِيَابَةً بِهَا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْأُمَرَاءُ عَلَى الْعَادَةِ، فَوَقَفَ عِنْدَ تربة بهادر آص حَتَّى اسْتَعْرَضَ عَلَيْهِ الْجَيْشُ فَلَحِقَهُمْ، فَدَخَلَ دَارَ السَّعَادَةِ فَنَزَلَهَا عَلَى عَادَةِ النُّوَّابِ قَبْلَهُ، جَعَلَهُ اللَّهُ وَجْهًا مُبَارَكًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَفِي يَوْمِ السبت ثالث عشره قدم دوا دار السلطان الأمير عز الدين مغلطاى مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَنَزَلَ الْقَصْرَ الْأَبْلَقَ، وَمِنْ عَزْمِهِ الذَّهَابُ إِلَى الْبِلَادِ الْحَلَبِيَّةِ لِيُجَهِّزَ الْجُيُوشَ نحو يلبغا وأصحابه انتهى والله تعالى أعلم.
(14/246)

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَسُلْطَانُ الْإِسْلَامِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالْمَمْلَكَةِ الْحَلَبِيَّةِ وَمَا وَالَاهَا وَالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الملك الصالح صلاح الدين صالح بن الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ الصَّالِحِيُّ، وَنَائِبُهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ قُبْلَايْ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِمْ فِي تَدْبِيرِ الْمَمْلَكَةِ الْأُمَرَاءُ سيف الدين شيخون، وسيف الدين طار، وسيف الدين صرغتمش الناصري، وَقُضَاةُ الْقُضَاةِ وَكَاتِبُ السِّرِّ هُنَاكَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَنَائِبُ حَلَبَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُونُ الْكَامِلِيُّ، لِأَجْلِ مُقَاتَلَةِ أُولَئِكَ الْأُمَرَاءِ الثلاثة يلبغا وَأَمِيرُ أَحْمَدَ وَبَكْلَمُشُ الَّذِينَ فَعَلُوا مَا ذَكَرْنَا فِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، ثُمَّ لَجَئُوا إلى بلاد البلبيسين في خفارة زلغادر التُّرْكُمَانِيِّ، ثُمَّ إِنَّهُ احْتَالَ عَلَيْهِمْ مِنْ خَوْفِهِ مِنْ صَاحِبِ مِصْرَ وَأَسْلَمَهُمْ إِلَى قَبْضَةِ نَائِبِ حَلَبَ الْمَذْكُورِ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَنَائِبُ طَرَابُلُسَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَيْتَمُشُ الَّذِي كَانَ نَائِبَ دِمَشْقَ كَمَا ذكرنا، تَقَلَّبَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ حَتَّى اسْتُنِيبَ فِي طَرَابُلُسَ حِينَ كَانَ السُّلْطَانُ بِدِمَشْقَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَاسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ الْأُمَرَاءَ الثلاثة يلبغا وَبَكْلَمُشَ وَأَمِيرَ أَحْمَدَ قَدْ حَصَلُوا فِي قَبْضَةِ نَائِبِ حَلَبَ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ أَرْغُونَ، وَهُمْ مسجونون بالقلعة بها، يُنْتَظَرُ مَا يُرْسَمُ بِهِ فِيهِمْ، وَقَدْ فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ سَابِعَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ الْأَمِيرُ عز الدين مغلطاى الدويدار عَائِدًا مِنَ الْبِلَادِ الْحَلَبِيَّةِ، وَفِي صُحْبَتِهِ رَأْسُ يلبغا الْبَاغِي أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بَعْدَ وُصُولِ صَاحِبَيْهِ بَكْلَمُشِ الَّذِي كَانَ نَائِبًا بِطَرَابُلُسَ، وَأَمِيرَ أَحْمَدَ الَّذِي كَانَ نَائِبَ حَمَاةَ فَقُطِعَتْ رُءُوسُهُمَا بِحَلَبَ بين يدي نائبها سَيْفِ الدِّينِ أَرْغُونَ الْكَامِلِيِّ، وَسُيِّرَتْ إِلَى مِصْرَ، ولما وصل يلبغا بَعْدَهُمَا فُعِلَ بِهِ كَفِعْلِهِمَا جَهْرَةً بَعْدَ الْعَصْرِ بِسُوقِ الْخَيْلِ بَيْنَ يَدَيْ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ وَالْجَيْشِ برمته والعامة على الأجاجير يَتَفَرَّجُونَ وَيَفْرَحُونَ بِمَصْرَعِهِ، وَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أُقِيمَتْ جُمُعَةٌ جَدِيدَةٌ بِمَحَلَّةِ الشَّاغُورِ بِمَسْجِدٍ هُنَاكَ يُقَالُ لَهُ مَسْجِدُ المزار، وَخَطَبَ فِيهِ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الشَّيْخِ شَمْسُ الدِّينِ بْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ فَأَفْضَى الْحَالُ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ ذَهَبُوا إِلَى سُوقِ الْخَيْلِ يَوْمَ موكبه، وحملوا سناجق خليفتين مِنْ جَامِعِهِمْ وَمَصَاحِفَ وَاشْتَمَلُوا إِلَى نَائِبِ السَّلْطَنَةِ وَسَأَلُوا مِنْهُ أَنْ تَسْتَمِرَّ الْخُطْبَةُ عِنْدَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ، ثُمَّ وَقَعَ نِزَاعٌ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، ثُمَّ حَكَمَ الْقَاضِي الْحَنْبَلِيُّ لَهُمْ بِالِاسْتِمْرَارِ، وَجَرَتْ خُطُوبٌ طَوِيلَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ سَابِعِ رَبِيعٍ الْآخِرِ توفى الأمير الكبير سيف الدين ألجى بغا الْعَادِلِيُّ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ الَّتِي كَانَ أَنْشَأَهَا قَدِيمًا ظَاهِرَ بَابِ الْجَابِيَةِ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ تُعْرَفُ بِهِ، وَكَانَ لَهُ فِي الْإِمْرَةِ قَرِيبًا
(14/247)

مِنْ سِتِّينَ سَنَةً، وَقَدْ كَانَ أَصَابَهُ فِي نَوْبَةِ أَرْغُونَ شَاهْ وَقَضِيَّتِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْ يَدَهُ الْيُمْنَى، وَاسْتَمَرَّ مَعَ ذَلِكَ عَلَى إِمْرَتِهِ وَتَقْدِمَتِهُ مُحْتَرَمًا مُعَظَّمًا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى عليه.
ذِكْرُ أَمْرٍ غَرِيبٍ جِدًّا
لَمَّا ذَهَبْتُ لِتَهْنِئَةِ الأمير ناصر الدين ابن الأقوس بِنِيَابَةِ بِعْلَبَكَّ وَجَدْتُ هُنَالِكَ شَابًّا فَذَكَرَ لِي مَنْ حَضَرَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ أُنْثَى ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ ذَكَرٌ، وَقَدْ كَانَ أَمْرُهُ اشْتَهَرَ بِبِلَادِ طَرَابُلُسَ، وَشَاعَ بَيْنَ النَّاسِ بدمشق وغير ذلك، وَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَعَلَيْهِ قُبَّعَةٌ تُرْكِيَّةٌ اسْتَدْعَيْتُهُ إِلَيَّ وَسَأَلْتُهُ بِحَضْرَةِ مَنْ حَضَرَ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ كَانَ أَمْرُكَ؟ فَاسْتَحْيَى وَعَلَاهُ خَجَلٌ يُشْبِهُ النِّسَاءَ، فَقَالَ: كُنْتُ امْرَأَةً مُدَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَزَوَّجُونِي بِثَلَاثَةِ أَزْوَاجٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيَّ، وَكُلُّهُمْ يُطَلِّقُ ثُمَّ اعْتَرَضَنِي حَالٌ غَرِيبٌ فَغَارَتْ ثَدْيَايَ وَصَغُرَتْ، وَجَعَلَ النَّوْمُ يَعْتَرِينِي لَيْلًا وَنَهَارًا، ثُمَّ جَعَلَ يَخْرُجُ مِنْ مَحَلِّ الفرج شيء قليل قَلِيلًا، وَيَتَزَايَدُ حَتَّى بَرَزَ شِبْهُ ذَكَرٍ وَأُنْثَيَانِ، فَسَأَلَتْهُ أَهْوَ كَبِيرٌ أَمْ صَغِيرٌ؟ فَاسْتَحْيَى ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَغِيرٌ بِقَدْرِ الْأُصْبُعِ، فَسَأَلَتْهُ هَلِ احتلم؟ فقال احْتَلَمَ مَرَّتَيْنِ مُنْذُ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ قَرِيبًا مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلَى حِينِ أَخْبَرَنِي، وَذَكَرَ أَنَّهُ يُحْسِنُ صَنْعَةَ النِّسَاءِ كُلَّهَا مِنَ الْغَزَلِ وَالتَّطْرِيزِ وَالزَّرْكَاشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ مَا كَانَ اسْمُكَ وَأَنْتَ عَلَى صِفَةِ النِّسَاءِ؟ فَقَالَ: نَفِيسَةُ، فَقُلْتُ: وَالْيَوْمَ؟
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ لَهُ هَذَا الْحَالُ كَتَمَهُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى عَنْ أَبِيهِ، ثم عزموا على تزويجه على رابع فَقَالَ لِأُمِّهِ إِنَّ الْأَمْرَ مَا صَفَّتْهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَلَمَّا اطَّلَعَ أَهْلُهُ عَلَى ذَلِكَ أَعْلَمُوا بِهِ نَائِبَ السَّلْطَنَةِ هُنَاكَ، وَكُتِبَ بِذَلِكَ مَحْضَرًا وَاشْتَهَرَ أَمْرُهُ، فَقَدِمَ دِمَشْقَ وَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ بِدِمَشْقَ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ كَمَا أَخْبَرَنِي، فأخذه الحاجب سيف الدين كحلن ابن الأقوس عِنْدَهُ وَأَلْبَسَهُ ثِيَابَ الْأَجْنَادِ، وَهُوَ شَابٌّ حَسَنٌ، عَلَى وَجْهِهِ وَسِمَتِهِ وَمِشْيَتِهِ وَحَدِيثِهِ أُنُوثَةُ النِّسَاءِ، فَسُبْحَانَ الْفَعَّالِ لِمَا يَشَاءُ، فَهَذَا أَمُرٌ لَمْ يَقَعْ مِثْلُهُ فِي الْعَالَمِ إِلَّا قَلِيلًا جِدًّا، وعندي أن ذكره كان غائرا في جوزة طير فافرخا [1] ثُمَّ لَمَّا بَلَغَ ظَهَرَ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى تَكَامَلَ ظُهُورُهُ فَتَبَيَّنُوا أَنَّهُ كَانَ ذَكَرًا، وَذَكَرَ لِي أَنَّ ذَكَرَهُ بَرَزَ مَخْتُونًا فَسُمِّيَ خِتَانَ الْقَمَرِ، فَهَذَا يُوجَدُ كَثِيرًا وَاللَّهَ أَعْلَمُ.
وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ خَامِسِ شَهْرِ رَجَبٍ قَدِمَ الْأَمِيرُ عز الدين بقطية الدويدار مِنَ الدِّيَارِ الْحَلَبِيَّةِ وَخَبَّرَ عَمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعَسَاكِرُ الْحَلَبِيَّةُ مِنْ ذَهَابِهِمْ مَعَ نَائِبِهِمْ وَنُوَّابِ تلك الحصون وعساكر خلف بن زلغادر التركماني، الّذي كان أعان يلبغا وَذَوِيهِ عَلَى خُرُوجِهِ عَلَى السُّلْطَانِ، وَقَدِمَ مَعَهُ إِلَى دِمَشْقَ وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَأَنَّهُمْ نَهَبُوا أَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ، وَأَسَرُوا خَلْقًا مِنْ بَنِيهِ وَذَوِيِهِ وَحَرِيمِهِ، وَأَنَّ الْجَيْشَ أَخَذَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَغْنَامِ وَالْأَبْقَارِ وَالرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَمْتِعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لجأ إلى ابن أرطنا فَاحْتَاطَ عَلَيْهِ وَاعْتَقَلَهُ عِنْدَهُ، وَرَاسَلَ السُّلْطَانَ بِأَمْرِهِ ففرح الناس
__________
[1] كذا بالأصل.
(14/248)

براحة الجيش الحلبي وسلامته بعد ما قَاسَوْا شَدِيدًا وَتَعَبًا كَثِيرًا. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَالِثَ عَشَرَهُ كَانَ قُدُومُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مَسْجُونِينَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنْ لَدُنْ عَوْدِ السُّلْطَانِ إِلَى الديار المصرية، ممن كان اتهم بممالأة يلبغا أو خدمته، كالأمير سيف الدين ملك أجى، وعلاء الدين على السيمقدار، وساطلمس الْجَلَالِيِّ وَمَنْ مَعَهُمْ.
وَفِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ اتُّفِقَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُفْتِينَ أَفْتَوْا بِأَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ جواز استعادة ما استهدم من الكنائس، فتعصب عَلَيْهِمْ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فَقَرَّعَهُمْ فِي ذَلِكَ وَمَنَعَهُمْ مِنَ الْإِفْتَاءِ، وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفًا يَتَضَمَّنُ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ سَمَّاهُ «الدسائس في الكنائس» وفي خامس شهر رمضان قدم بالأمير أبو الغادر التركماني الّذي كان مؤازرا ليلبغا فِي الْعَامِ الْمَاضِي عَلَى تِلْكَ الْأَفَاعِيلِ الْقَبِيحَةِ، وَهُوَ مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ، فَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيِ النَّائِبِ ثُمَّ أَوْدِعَ الْقَلْعَةَ الْمَنْصُورَةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هذه السنة وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ وَالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَمَا وَالَاهُمَا مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ وَغَيْرِهَا الْمَلِكُ الصَّالِحُ صَلَاحُ الدين بن الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ الصَّالِحِيُّ، وَهُوَ ابْنُ بِنْتِ تَنْكِزَ نَائِبِ الشَّامِ، وَكَانَ فِي الدَّوْلَةِ النَّاصِرِيَّةِ، وَنَائِبُهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ قُبْلَايْ النَّاصِرِيُّ، وَوَزِيرُهُ الْقَاضِي موفق الدين، وقضاة مصرهم الْمَذْكُورُونَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، وَمِنْهُمْ قَاضِي الْقُضَاةِ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ جَاوَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْحِجَازِ الشَّرِيفِ، وَالْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ الْمَنَاوِيُّ يَسُدُّ الْمَنْصِبَ عَنْهُ، وَكَاتِبُ السر القاضي علاء الدين ابن فضل الله العدوي، ومدبرو المملكة الأمراء الثلاثة سيف الدين شيخون، وصرغتمش الناصري والأمير الكبير الدوادار عز الدين مغلطاى النَّاصِرِيُّ. وَدَخَلَتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ شيخون في الاحداث مِنْ مُدَّةِ شَهْرٍ أَوْ قَرِيبٍ وَنَائِبُ دِمَشْقَ الأمير علاء الدين أمير علي المارداني، وقضاة دِمَشْقَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَنَاظِرُ الدَّوَاوِينِ الصَّاحِبُ شَمْسُ الدِّينِ مُوسَى بْنُ التَّاجِ إِسْحَاقَ وَكَاتِبُ السِّرِّ الْقَاضِي نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الشَّرَفِ يَعْقُوبَ، وَخَطِيبُ الْبَلَدِ جَمَالُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ جُمْلَةَ، وَمُحْتَسِبُهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْأَنْصَارِيُّ، قريب الشيخ بهاء الدين بن إِمَامِ الْمَشْهَدِ، وَهُوَ مُدَرِّسُ الْأَمِينِيَّةِ مَكَانَهُ أَيْضًا.
وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ قَدِمَ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ مُغْلَطَايْ الَّذِي كَانَ مَسْجُونًا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ثُمَّ أُفْرِجَ عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ هُوَ الدَّوْلَةَ، وَأُمِرَ بِالْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ لِيَكُونَ عِنْدَ حمزة أَيْتَمُشَ نَائِبَ طَرَابُلُسَ، وَأَمَّا مَنْجَكُ الَّذِي كَانَ وَزِيرَهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَكَانَ مُعْتَقَلًا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مَعَ مغلطاى، فإنه صار إلى صغد مُقِيمًا بِهَا بَطَّالًا، كَمَا أَنَّ مُغْلَطَايْ أُمِرَ بالمقام بطرابلس بطالا إلى حين يحكم الله عز وجل
(14/249)

انتهى والله أعلم.
نادرة من الغرائب
في يَوْمَ الِاثْنَيْنِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى اجْتَازَ رَجُلٌ مِنَ الروافض من أهل الحلة بجامع دمشق وَهُوَ يَسُبُّ أَوَّلَ مَنْ ظَلَمَ آلَ مُحَمَّدٍ، وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ لَا يَفْتُرُ، وَلَمْ يُصَلِّ مَعَ الناس ولا صلى على الجنازة الحاضرة، على أن النَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ يُكَرِّرُ ذَلِكَ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الصَّلَاةِ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ فَأَخَذُوهُ وَإِذَا قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّافِعِيُّ فِي تِلْكَ الْجِنَازَةِ حَاضِرٌ مَعَ النَّاسِ. فَجِئْتُ إِلَيْهِ وَاسْتَنْطَقْتُهُ مَنِ الَّذِي ظَلَمَ آلَ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ثُمَّ قَالَ جَهْرَةً وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ: لَعَنَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ وَيَزِيدَ، فَأَعَادَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، فَأَمَرَ بِهِ الْحَاكِمُ إِلَى السِّجْنِ، ثُمَّ اسْتَحْضَرَهُ الْمَالِكِيُّ وَجَلَدَهُ بِالسِّيَاطِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَصْرُخُ بِالسَّبِّ وَاللَّعْنِ وَالْكَلَامِ الَّذِي لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ شَقِيٍّ، وَاسْمُ هَذَا اللَّعِينِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ كَثِيرٍ قَبَّحَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الخميس سابع عَشَرَهُ عُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ بِدَارِ السَّعَادَةِ وَحَضَرَ الْقُضَاةُ الْأَرْبَعَةُ وَطُلِبَ إِلَى هُنَالِكَ فَقَدَّرَ اللَّهُ أَنْ حَكَمَ نَائِبُ الْمَالِكِيِّ بِقَتْلِهِ، فَأُخِذَ سَرِيعًا فضرب عُنُقُهُ تَحْتَ الْقَلْعَةِ وَحَرَّقَهُ الْعَامَّةُ وَطَافُوا بِرَأْسِهِ الْبَلَدَ وَنَادَوْا عَلَيْهِ هَذَا جَزَاءُ مَنْ سَبَّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ نَاظَرْتُ هَذَا الْجَاهِلَ بِدَارِ الْقَاضِي الْمَالِكِيِّ وَإِذَا عِنْدَهُ شَيْءٌ مِمَّا يَقُولُهُ الرَّافِضَةُ الْغُلَاةُ، وَقَدْ تَلَقَّى عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مُطَهَّرٍ أَشْيَاءَ فِي الْكُفْرِ وَالزَّنْدَقَةِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ. وَوَرَدَ الْكِتَابُ بِإِلْزَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالشُّرُوطِ الْعُمَرِيَّةِ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَامِنَ عَشَرَ رَجَبٍ الْفَرْدِ قُرِئَ بِجَامِعِ دِمَشْقَ بِالْمَقْصُورَةِ بِحَضْرَةِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ وَأُمَرَاءِ الْأَعْرَابِ، وَكِبَارِ الْأُمَرَاءِ، وَأَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَالْعَامَّةِ كِتَابُ السُّلْطَانِ بِإِلْزَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالشُّرُوطِ الْعُمَرِيَّةِ وَزِيَادَاتٍ أُخَرَ: مِنْهَا أَنْ لَا يُسْتَخْدَمُوا فِي شَيْءٍ مِنَ الدَّوَاوِينِ السُّلْطَانِيَّةِ وَالْأُمَرَاءِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَأَنْ لَا تَزِيدَ عِمَامَةُ أحدهم عن عَشَرَةِ أَذْرُعٍ وَلَا يَرْكَبُوا الْخَيْلَ وَلَا الْبِغَالَ وَلَكِنَّ الْحَمِيرَ بِالْأُكُفِّ عَرْضًا، وَأَنْ لَا يَدْخُلُوا إِلَّا بِالْعَلَامَاتِ مِنْ جَرَسٍ أَوْ بِخَاتَمِ نُحَاسٍ أَصْفَرَ، أَوْ رَصَاصٍ، وَلَا تَدْخُلُ نِسَاؤُهُمْ مَعَ الْمُسَلَّمَاتِ الْحَمَّامَاتِ، وَلْيَكُنْ لَهُنَّ حَمَّامَاتٌ تَخْتَصُّ بِهِنَّ، وَأَنْ يَكُونَ إِزَارُ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ كَتَّانٍ أَزْرَقَ، وَالْيَهُودِيَّةِ مِنْ كَتَّانٍ أَصْفَرَ، وَأَنْ يَكُونَ أَحَدُ خفيها أسود والآخر أبيض، وأن يحكم حكم مواريثهم على الأحكام الشرعية.
واحترقت باسورة باب الْجَابِيَةِ فِي لَيْلَةِ الْأَحَدِ الْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَعَدِمَ الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الْأُطْعِمَاتِ وَالْحَوَاصِلَ النَّافِعَةَ مِنَ الْبَابِ الْجَوَّانِيِّ إِلَى الْبَابِ الْبَرَّانِيِّ. وَفِي مُسْتَهَلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ عَمِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْبَارِعُ شَمْسُ الدِّينِ- بْنُ النَّقَّاشِ الْمِصْرِيُّ الشَّافِعِيُّ- وَرَدَ دِمَشْقَ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ تُجَاهَ مِحْرَابِ الصَّحَابَةِ، مِيعَادًا لِلْوَعْظِ وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ خَلْقٌ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْفُضَلَاءِ وَالْعَامَّةِ، وَشَكَرُوا كَلَامَهُ وَطَلَاقَهَ عِبَارَتِهِ، مِنْ غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وَلَا تَخْلِيطٍ وَلَا تَوَقُّفٍ، وَطَالَ ذَلِكَ إِلَى قَرِيبِ الْعَصْرِ.
(14/250)

وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَحَدِ ثَالِثِهِ صُلِّيَ بِجَامِعِ دمشق بالصحن تحت النسر على القاضي كمال الدين حسين ابن قاضي القضاة تقي الدين السُّبْكِيِّ الشَّافِعِيِّ، وَنَائِبِهِ، وَحَضَرَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ عَلِيٌّ، وَقُضَاةُ الْبَلَدِ وَالْأَعْيَانِ وَالدَّوْلَةِ وكثير من العامة، وكانت جنازته محسودة، وَحَضَرَ وَالِدُهُ قَاضِي الْقُضَاةِ وَهُوَ يُهَادَى بَيْنَ رجلين، فظهر عَلَيْهِ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ إِمَامًا، وَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ لِسَمَاحَةِ أَخْلَاقِهِ وَانْجِمَاعِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَتَعَدَّى شَرُّهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَكَانَ يَحْكُمُ جَيِّدًا نَظِيفَ الْعِرْضِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ دَرَسَ فِي عِدَّةِ مَدَارِسَ، مِنْهَا الشَّامِيَّةُ الْبَرَّانِيَّةُ وَالْعَذْرَاوِيَّةُ، وَأَفْتَى وَتَصَدَّرَ، وَكَانَتْ لَدَيْهِ فَضِيلَةٌ جَيِّدَةٌ بِالنَّحْوِ وَالْفِقْهِ وَالْفَرَائِضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ فِي تُرْبَةٍ مَعْرُوفَةٍ لَهُمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
عودة الملك الناصر حسن بن الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ
وَذَلِكَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ شَهْرِ شَوَّالٍ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْأُمَرَاءِ مَعَ الْأَمِيرِ شَيْخُونَ وَصَرْغَتْمُشَ فِي غَيْبَةِ طَازْ فِي الصَّيْدِ عَلَى خَلْعِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ صَالِحِ بْنِ النَّاصِرِ، وَأُمُّهُ بِنْتُ تَنْكِزَ، وَإِعَادَةِ أَخِيهِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ حَسَنٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ وَأُلْزِمَ الصَّالِحُ بَيْتَهُ مُضَيِّقًا عَلَيْهِ، وَسُلِّمَ إِلَى أُمِّهِ خُونْدَةَ بِنْتِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ تَنْكِزَ نَائِبِ الشام كان، وقطلبو طاز، وأمسك أخوه سنتم وَأَخُو السُّلْطَانِ الصَّالِحِ لِأُمِّهِ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَكْتَمُرَ السَّاقِي، وَوَقَعَتْ خَبْطَةٌ عَظِيمَةٌ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يُقْبِلِ الْبَرِيدُ إِلَى الشام وخبر البيعة إلا يوم الخميس الثالث عشر من هذا الشهر، قدم بسببها الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ أَيْدَمُرُ الشَّمْسِيُّ وَبَايَعَ النَّائِبَ بَعْدَ مَا خَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً سَنِيَّةً، وَالْأُمَرَاءُ بِدَارِ السَّعَادَةِ عَلَى الْعَادَةِ، وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ وَزُيِّنَ الْبَلَدُ وَخَطَبَ لَهُ الْخَطِيبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِحَضْرَةِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ وَالْقُضَاةِ وَالدَّوْلَةِ وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْخَمِيسِ تَاسِعَ عَشَرَ شَوَّالٍ دَخَلَ دِمَشْقَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ مَنْجَكُ عَلَى نِيَابَةِ طَرَابُلُسَ وَنَزَلَ الْقَصْرَ الْأَبْلَقَ مَعَ الْأَمِيرِ عِزِّ الدِّينِ أَيْدَمُرَ فَأَقَامَ أَيَّامًا عَدِيدَةً ثُمَّ سَارَ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ أَيَّامٍ. وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْخَمِيسِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ دَخَلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ طَازْ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مُجْتَازًا إِلَى نِيَابَةِ حَلَبَ الْمَحْرُوسَةِ، فَتَلَقَّاهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ جَامِعِ كَرِيمِ الدِّينِ بِالْقُبَيْبَاتِ، وَشَيَّعَهُ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ بَابِ الْفَرَادِيسِ فَسَارَ وَنَزَلَ بِوَطْأَةِ بَرْزَةَ فَبَاتَ هنالك، ثم أصبح غاديا وقد كان نَظِيرَ الْأَمِيرِ شَيْخُونَ وَلَكِنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فَسَيَّرَهُ إِلَى بِلَادِ حَلَبَ، وَهُوَ مُحَبَّبٌ إِلَى الْعَامَّةِ لِمَا لَهُ مِنَ السَّعْيِ الْمَشْكُورِ فِي أُمُورٍ كِبَارٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَسُلْطَانُ الْإِسْلَامِ والمسلمين السلطان الملك الناصر حسن بن الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ الصَّالِحِيُّ، وَلَيْسَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ نَائِبٌ وَلَا وَزِيرٌ، وَقُضَاتُهَا هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَنَائِبُ دِمَشْقَ الْأَمِيرُ عَلِيٌّ الْمَارِدَانِيُّ، وَالْقُضَاةُ وَالْحَاجِبُ وَالْخَطِيبُ وَكَاتِبُ السِّرِّ هُمُ
(14/251)

الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَنَائِبُ حَلَبَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ طَازْ، وَنَائِبُ طَرَابُلُسَ مَنْجَكُ، وَنَائِبُ حماة استدمر العمرى، ونائب صغد الْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ صُبْحٍ، وَنَائِبُ حِمْصَ الأمير ناصر الدين ابن الاقوس، وَنَائِبُ بَعْلَبَكَّ الْحَاجُّ كَامِلٌ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ تَاسِعِ صَفَرٍ مُسِكَ الْأَمِيرُ أَرْغُونُ الْكَامِلِيُّ الَّذِي نَابَ بِدِمَشْقَ مُدَّةً ثُمَّ بَعْدَهَا بِحَلَبَ ثُمَّ طُلِبَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ حِينَ وَلِيَهَا طَازْ، فَقُبِضَ عَلَيْهِ وَأُرْسِلَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مُعْتَقَلًا. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ قَدِمَ تَقْلِيدُ قَضَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِدِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا لِقَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدِّينِ السُّبْكِيِّ، عَلَى قَاعِدَةِ وَالِدِهِ، وَذَلِكَ فِي حياة أبيه، وذهبت النَّاسُ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَحَدِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ تَوَجَّهَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ بَعْدَ اسْتِقْلَالِ وَلَدِهِ تَاجِ الدِّينِ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي قَضَاءِ الْقُضَاةِ وَمَشْيَخَةِ دَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ مُسَافِرًا نَحْوَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي مِحَفَّةٍ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَذَوِيِهِ، مِنْهُمْ سِبْطُهُ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ وَآخَرُونَ، وَقَدْ كَانَ النَّاسُ وَدَّعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ ضَعْفٌ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ وَعْثَاءِ السَّفَرِ مَعَ الْكِبَرِ وَالضَّعْفِ.
ولما كان يوم الجمعة سادس شهر جمادى الآخرة صلى بعد الظهر على قاضى القضاة تقى الدين ابن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْكَافِي بْنِ تَمَامٍ السُّبْكِيِّ الْمِصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ، تُوُفِّيَ بِمِصْرَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ ثَالِثَهُ وَدُفِنَ مِنْ صَبِيحَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَدْ أَكْمَلَ ثلاثا وتسعين سَنَةً، وَدَخَلَ فِي الرَّابِعَةِ أَشْهُرًا، وَوَلِيَ الْحُكْمَ بِدِمَشْقَ نَحْوًا مِنْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، ثُمَّ رَحَلَ فِي مِحَفَّةٍ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَمَّا وَصَلَ مِصْرَ أَقَامَ دُونَ الشَّهْرِ ثُمَّ تُوُفِّيَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَجَاءَتِ التَّعْزِيَةُ وَمَرْسُومٌ بِاسْتِقْرَارِ وَلَدِهِ فِي مَدْرَسَتِهِ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْقَيْمَرِيَّةِ، وَبِتَشْرِيفٍ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ، وَذَهَبَ النَّاسُ إِلَى تَعْزِيَتِهِ عَلَى الْعَادَةِ، وَقَدْ سَمِعَ قَاضِي الْقُضَاةِ السُّبْكِيُّ الْحَدِيثَ فِي شَبِيبَتِهِ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَرَحَلَ إِلَى الشَّامِ وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ وَكَتَبَ وَخَرَّجَ، وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ كَثِيرَةُ الْفَائِدَةِ، وَمَا زَالَ فِي مُدَّةِ الْقَضَاءِ يُصَنِّفُ وَيَكْتُبُ إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ التِّلَاوَةِ، وَذُكِرَ لِي أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِي شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ اشْتُهِرَ أَخْذُ الْفِرَنْجِ الْمَخْذُولِينَ لِمَدِينَةِ طَرَابُلُسَ الْمَغْرِبِ، وَقَرَأَتُ مِنْ كِتَابٍ لِقَاضِي قُضَاةِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ أَخْذَهُمْ إِيَّاهَا كَانَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اسْتَعَادَهَا الْمُسْلِمُونَ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ أَضْعَافَ مَا قَتَلُوا أَوَّلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَأَرْسَلَ الدَّوْلَةُ إِلَى الشَّامِ يَطْلُبُونَ مِنْ أَمْوَالِ أَوْقَافِ الْأُسَارَى مَا يَسْتَنْقِذُونَ بِهِ مَنْ بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ حَادِيَ عَشَرَ رَجَبٍ الْفَرْدِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ حَكَمَ الْقَاضِي الْمَالِكِيُّ
(14/252)

وَهُوَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ الْمَسَلَّاتِيُّ بِقَتْلِ نَصْرَانِيٍّ مِنْ قَرْيَةِ الرَّأْسِ مِنْ مُعَامَلَةِ بَعْلَبَكَّ، اسْمُهُ دَاوُدُ بْنُ سَالِمٍ، ثَبَتَ عَلَيْهِ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ فِي بَعْلَبَكَّ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِمَا شَهِدَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ نُورِ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ غَازِي مِنْ قَرْيَةِ اللَّبْوَةِ مِنَ الْكَلَامِ السَّيِّئِ الَّذِي نَالَ بِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَبَّهُ وَقَذَفَهُ بِكَلَامٍ لَا يَلِيقُ ذِكْرُهُ، فَقُتِلَ لَعَنَهُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ أَذَانِ الْعَصْرِ بِسُوقِ الْخَيْلِ وَحَرَّقَهُ النَّاسُ وَشَفَى اللَّهُ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَحَدِ رَابِعَ عَشَرَ شَعْبَانَ دَرَّسَ الْقَاضِي بَهَاءُ الدِّينِ أَبُو الْبَقَاءِ السُّبْكِيُّ بِالْمَدْرَسَةِ الْقَيْمَرِيَّةِ نَزَلَ لَهُ عَنْهَا ابْنُ عَمِّهِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجُ الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكى وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَأَخَذَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ 59: 9 وصلى في هذا اليوم بعد الظهر عَلَى الشَّيْخِ الشَّابِّ الْفَاضِلِ الْمُحَصِّلِ جَمَالِ الدِّينِ عبد الله بن الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيِّ، وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ بِمَقَابِرَ بَابِ الصَّغِيرِ، وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ حَافِلَةً، وَكَانَتْ لَدَيْهِ عُلُومٌ جَيِّدَةٌ، وَذِهْنُهُ حَاضِرٌ خَارِقٌ، أَفْتَى وَدَرَّسَ وَأَعَادَ وَنَاظَرَ وَحَجَّ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً رَحِمَهُ اللَّهُ وَبَلَّ بِالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ تَاسِعَ عَشَرَ شَوَّالٍ وَقَعَ حَرِيقٌ هَائِلٌ فِي سُوقِ الْقَطَّانِينَ بِالنَّهَارِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَالْحَجَبَةُ وَالْقُضَاةُ حَتَّى اجْتَهَدَ الْفَعُولُ وَالْمُتَبَرِّعُونَ فِي إِخْمَادِهِ وَطَفْيِهِ، حَتَّى سَكَنَ شره وذهب بسببه دكاكين ودور كثيرة جدا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156 وَقَدْ رَأَيْتُهُ مِنَ الْغَدِ وَالنَّارُ كَمَا هِيَ عَمَّالَةٌ وَالدُّخَانُ صَاعِدٌ والناس يُطْفُونَهُ بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ الْغَمْرِ وَالنَّارُ لَا تَخْمُدُ، لَكِنْ هَدَّمَتِ الْجُدْرَانَ وَخَرَّبَتِ الْمَسَاكِنَ وَانْتَقَلَ السُّكَّانُ انتهى والله أعلم.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَسُلْطَانُ الْبِلَادِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ والحرمين وغير ذلك الملك الناصر حسن بن الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ الصَّالِحِيُّ، وَلَا نَائِبَ وَلَا وَزِيرَ بِمِصْرَ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ تَدْبِيرُ الْمَمْلَكَةِ إِلَى الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ شَيْخُونَ، ثُمَّ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ صَرْغَتْمُشَ، ثُمَّ الأمير عز الدين مغلطاى الدوادار، وقضاة مصرهم الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا سِوَى الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ ابْنُ الْمُتَوَفَّى قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ، وَنَائِبُ حَلَبَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ طَازْ، وَطَرَابُلُسَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدين منجك، وبصغد الأمير شهاب الدين بن صبح، وبحماة أيدمر الْعُمَرِيُّ، وَبِحِمْصَ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ الْمُعَظَّمِ، وَبِبَعْلَبَكَّ الأمير ناصر الدين الأقوس.
وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تَكَامَلَ إِصْلَاحُ بَلَاطِ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ وَغَسْلُ فُصُوصِ الْمَقْصُورَةِ وَالْقُبَّةِ، وَبُسِطَ بَسْطًا حَسَنًا، وَبَيِّضَتْ أَطْبَاقُ الْقَنَادِيلِ، وَأَضَاءَ حَالُهُ جِدًّا، وَكَانَ
(14/253)

الْمُسْتَحِثُّ عَلَى ذَلِكَ الْأَمِيرَ عَلَاءَ الدِّينِ أَيْدُغْمُشَ أحد أمراء الطبلخانات، بِمَرْسُومِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ صُلِّي عَلَى الْأَمِيرِ سَيْفِ الدين براق أمير أرجو بِجَامِعِ تَنْكِزَ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ، وَكَانَ مَشْكُورَ السِّيرَةِ كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ مُحِبًّا لِلْخَيْرِ وَأَهْلِهِ، من أكبر أصحاب الشيخ تقى الدين بن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ رُسِمَ لِوَلَدَيْهِ نَاصِرِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ وَسَيْفِ الدِّينِ أَبِي بَكْرٍ كُلٍّ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ أَرْمَاحٍ، وَلِنَاصِرِ الدِّينِ بِمَكَانِ أَبِيهِ فِي الْوَظِيفَةِ بِإِصْطَبْلِ السُّلْطَانِ. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ رَابِعِ شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى خُلِعَ عَلَى الْأَمِيرَيْنِ الْأَخَوَيْنِ نَاصِرِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ وَسَيْفِ الدِّينِ أَبِي بَكْرٍ وَلَدَيِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ بُرَاقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِأَمِيرَيْنِ عَشَرَتَيْنِ وَوَقَعَ فِي هَذَا الشَّهْرِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْحَنَابِلَةِ فِي مَسْأَلَةِ المناقلة، وكان ابن قاضى الجبل الحنبلي يَحْكُمَ بِالْمُنَاقَلَةِ فِي قَرَارِ دَارِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ طَيْدَمُرَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَاجِبِ الْحُجَّابِ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى يَجْعَلُهَا وَقْفًا عَلَى مَا كَانَتْ قَرَارُ دَارِهِ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِهِ وَنَفَّذَهُ الْقُضَاةُ الثَّلَاثَةُ الشَّافِعِيُّ وَالْحَنَفِيُّ وَالْمَالِكِيُّ، فَغَضِبَ الْقَاضِي الْحَنْبَلِيُّ وَهُوَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ الْمَرْدَاوِيُّ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ ذَلِكَ، وَعَقْدَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَجَالِسَ، وَتَطَاوُلَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَادَّعَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْمُنَاقَلَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، وَحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَوْقُوفِ، فَأَمَّا الْمُنَاقَلَةُ لِمُجَرَّدِ الْمُصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ الرَّاجِحَةِ فَلَا، وَامْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِ مَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي ذَلِكَ، وَنَقَلَهُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ طَرِيقِ ابنيه صَالِحٍ وَحَرْبٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّهَا تَجُوزُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَةً مُفْرَدَةً وقفت عليها- يعنى الشيخ عماد الدين ابن كثير- فَرَأَيْتُهَا فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْإِفَادَةِ، بِحَيْثُ لَا يَتَخَالَجُ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهَا مِمَّنْ يَذُوقُ طَعْمَ الْفِقْهِ أَنَّهَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَدِ احْتَجَّ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ بِمَا رَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عوف عَنِ الْمَسْعُودِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَنْ يُحَوِّلَ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ بِالْكُوفَةِ إِلَى مَوْضِعِ سُوقِ التَّمَارِينَ، وَيَجْعَلَ السُّوقَ فِي مَكَانِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ الْعَتِيقِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَهَذَا فِيهِ أَوْضَحُ دَلَالَةٍ عَلَى مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِيهَا مِنَ النَّقْلِ بِمُجَرَّدِ الْمُصْلِحَةِ فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إِلَى جَعْلِ الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ سُوقًا، عَلَى أَنَّ الْإِسْنَادَ فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ الْقَاسِمِ وَبَيْنَ عُمَرَ وَبَيْنَ الْقَاسِمِ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَكِنْ قَدْ جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ فِي ذَلِكَ، فَعُقِدَ الْمَجْلِسُ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ.
وَفِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ ظَاهِرَ باب الفرج احترق فيه بِسَبَبِهِ قَيَاسِيرُ كَثِيرَةٌ لِطَازْ وَيَلْبُغَا، وَقَيْسَرِيَّةُ الطَّوَاشِيِّ لِبِنْتِ تَنْكِزَ، وَأُخَرُ كَثِيرَةٌ وَدُورٌ وَدَكَاكِينَ، وَذَهَبَ لِلنَّاسِ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالنُّحَاسِ وَالْبَضَائِعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُقَاوِمُ أَلْفَ
(14/254)

ألف وأكثر خارجا عن الأموال، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156. وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ كَانَ فِي هَذِهِ الْقَيَاسِيرِ شَرٌّ كَثِيرٌ مِنَ الْفِسْقِ وَالرِّبَا وَالزَّغَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْفِرَنْجَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ اسْتَحْوَذُوا على مدينة صغد: قَدِمُوا فِي سَبْعَةِ مَرَاكِبَ وَقَتَلُوا طَائِفَةً مِنْ أَهْلِهَا وَنَهَبُوا شَيْئًا كَثِيرًا وَأَسَرُوا أَيْضًا، وَهَجَمُوا عَلَى النَّاسِ وَقْتَ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ قَتَلَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ خَلْقًا كَثِيرًا وَكَسَرُوا مَرْكَبًا مِنْ مَرَاكِبِهِمْ، وَجَاءَ الْفِرَنْجُ فِي عَشِيَّةِ السَّبْتِ قَبْلَ الْعَصْرِ وَقَدِمَ الْوَالِي وَهُوَ جَرِيحٌ مُثْقَلٌ، وأمر نَائِبُ السَّلْطَنَةِ عِنْدَ ذَلِكَ بِتَجْهِيزِ الْجَيْشِ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَسَارُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وللَّه الْحَمْدُ، وتقدمهم حاجب الحجاب وتحدر إليهم نائب صغد الْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ صُبْحٍ، فَسَبَقَ الْجَيْشَ الدِّمَشْقِيَّ، وَوَجَدَ الْفِرَنْجَ قَدْ بَرَزُوا بِمَا غَنِمُوا مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْأُسَارَى إِلَى جَزِيرَةٍ تِلْقَاءَ صَيْدًا فِي الْبَحْرِ، وَقَدْ أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ شَيْخًا وَشَابًّا مِنْ أَبْنَاءِ أَشْرَافِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي عَاقَهُمْ عَنِ الذَّهَابِ، فَرَاسَلَهُمُ الْجَيْشُ فِي انفكاك الأسارى من أيديهم فبادرهم عَنْ كُلِّ رَأْسٍ بِخَمْسِمِائِةٍ فَأَخَذُوا مِنْ دِيوَانِ الْأُسَارَى مَبْلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ وللَّه الْحَمْدُ أَحَدٌ. وَاسْتَمَرَّ الصَّبِيُّ مِنَ الْفِرَنْجِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَسْلَمَ وَدُفِعَ إِلَيْهِمُ الشَّيْخُ الْجَرِيحُ، وَعَطِشَ الْفِرَنْجُ عَطَشًا شَدِيدًا، وَأَرَادُوا أَنْ يَرْوَوْا مِنْ نَهْرٍ هُنَاكَ فَبَادَرَهُمُ الْجَيْشُ إِلَيْهِ فَمَنَعُوهُمْ أَنْ يَنَالُوا مِنْهُ قَطْرَةً وَاحِدَةً، فَرَحَلُوا لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءَ مُنْشَمِرِينَ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَبُعِثَتْ رُءُوسُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفِرَنْجِ مِمَّنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ فَنُصِبَتْ عَلَى الْقَلْعَةِ بِدِمَشْقَ، وَجَاءَ الْخَبَرُ في هذا الوقت بأن إيناس قد أحاط بها الفرنج، وقد أخذوا الربيض وَهُمْ مُحَاصِرُونَ الْقَلْعَةَ، وَفِيهَا نَائِبُ الْبَلَدِ، وَذَكَرُوا أنهم قتلوا خلقا كثيرا من أهلها ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156، وَذَهَبَ صَاحِبُ حَلَبَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ نَحْوَهُمْ وَاللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُظْفِرَهُمْ بِهِمْ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَشَاعَ بَيْنَ الْعَامَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ مُحَاصَرَةٌ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ إِلَى الْآنِ، وباللَّه الْمُسْتَعَانُ. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ رَابِعِ جُمَادَى الْآخِرَةِ قَدِمَ رُءُوسٌ مِنْ قَتْلَى الْفِرَنْجِ عَلَى صَيْدًا، وَهِيَ بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ رَأْسًا، فنصبت على شرافات الْقَلْعَةِ فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ وللَّه الْحَمْدُ وَفِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ دَاخِلَ بَابِ الصَّغِيرِ مِنْ مَطْبَخِ السُّكَّرِ الَّذِي عِنْدَ السَّوِيقَةِ الْمُلَاصِقَةِ لِمَسْجِدِ الشناشين، فَاحْتَرَقَ الْمَطْبَخُ وَمَا حَوْلَهُ إِلَى حَمَّامِ أَبِي نَصْرٍ، وَاتَّصَلَ بِالسَّوِيقَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا هُنَالِكَ مِنَ الْأَمَاكِنِ، فَكَانَ قَرِيبًا أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْحَرِيقِ ظاهر باب الفرج ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156، وَحَضَرَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَلَكِنْ كَانَ الرِّيحُ قَوِيًّا، وَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
وَتُوُفِّيَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ الْحَمَوِيُّ أَحَدُ مَشَايِخِ الرُّوَاةِ فِي لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرَ
(14/255)

باب الصغير، وكان مولده في ثانى رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَجَمَعَ الْكَثِيرَ وَتَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَانْقَطَعَ بِمَوْتِهِ سَمَاعُ السُّنَنِ الْكَبِيرِ لِلْبَيْهَقِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَوَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ خَامِسَ عَشَرَ رَجَبٍ بِمَحَلَّةِ الصَّالِحِيَّةِ مِنْ سَفْحِ قَاسِيُونَ، فَاحْتَرَقَ السُّوقُ الْقِبْلِيُّ مِنْ جَامِعِ الْحَنَابِلَةِ بِكَمَالِهِ شرقا وغربا، وجنوبا وشمالا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. 2: 156 وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ خَامِسِ شَهْرِ رَمَضَانَ خُطِبَ بِالْجَامِعِ الَّذِي أَنْشَاهُ سَيْفُ الدِّينِ يَلْبُغَا النَّاصِرِيُّ غَرْبِيَّ سُوقِ الْخَيْلِ وَفُتِحَ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَجَاءَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ، وَخَطَبَ الشَّيْخُ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الرَّبْوَةِ الْحَنَفِيُّ، وَكَانَ قَدْ نَازَعَهُ فِيهِ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الشَّافِعِيُّ الْمَوْصِلَيُّ، وَأَظْهَرَ وِلَايَةً مِنْ وَاقِفِهِ يَلْبُغَا الْمَذْكُورِ، وَمَرَاسِيمَ شَرِيفَةً سُلْطَانِيَّةً، وَلَكِنْ قَدْ قَوِيَ عَلَيْهِ ابْنُ الرَّبْوَةِ بِسَبَبِ أَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الشَّيْخِ قَوَامِ الدِّينِ الْإِتْقَانِيِّ الْحَنَفِيِّ، وَهُوَ مُقِيمٌ بِمِصْرَ، وَمَعَهُ وِلَايَةٌ مِنَ السُّلْطَانِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ وِلَايَةِ الْمَوْصِلِيِّ، فَرُسِمَ لِابْنِ الرَّبْوَةِ، فَلَبِسَ يَوْمَئِذٍ الْخِلْعَةَ السَّوْدَاءَ مِنْ دَارِ السَّعَادَةِ وجاءوا بين يديه بالسناجق السود الخليفية، وَالْمُؤَذِّنُونَ يُكَبِّرُونَ عَلَى الْعَادَةِ، وَخَطَبَ يَوْمَئِذٍ خُطْبَةً حَسَنَةً أَكْثَرُهَا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَقَرَأَ فِي الْمِحْرَابِ بِأَوَّلِ سُورَةِ طَهَ، وَحَضَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَبَعْضُ الْقُضَاةِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَكُنْتُ مِمَّنْ حَضَرَ قَرِيبًا مِنْهُ. وَالْعَجَبُ أَنِّي وَقَفْتُ فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ عَلَى كِتَابٍ أَرْسَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ مِنْ بِلَادِ طَرَابُلُسَ وَفِيهِ: وَالْمَخْدُومُ يُعَرِّفُ الشَّيْخَ عِمَادَ الدِّينِ بِمَا جَرَى فِي بِلَادِ السَّوَاحِلِ مِنَ الْحَرِيقِ مِنْ بِلَادِ طَرَابُلُسَ إِلَى آخِرِ مُعَامَلَةِ بَيْرُوتَ إِلَى جَمِيعِ كَسْرُوانَ، أَحْرَقَ الْجِبَالَ كُلَّهَا وَمَاتَ الْوُحُوشُ كُلُّهَا مِثْلَ النُّمُورِ وَالدُّبِّ وَالثَّعْلَبِ وَالْخِنْزِيرِ مِنَ الْحَرِيقِ، مَا بَقِيَ لِلْوُحُوشِ موضع يهربون فيه، وبقي الحريق عليه أياما وَهَرَبَ النَّاسُ إِلَى جَانِبِ الْبَحْرِ مِنْ خَوْفِ النَّارِ وَاحْتَرَقَ زَيْتُونٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا نَزَلَ الْمَطَرُ أطفأه باذن الله تعالى- يعنى الّذي وقع في تشرين وَذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ- قَالَ وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ وَرَقَةً مِنْ شَجَرَةٍ وقعت فِي بَيْتٍ مِنْ مِدْخَنَتِهِ فَأَحْرَقَتْ جَمِيعَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَثَاثِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ حلية حرير كثير، وَغَالِبُ هَذِهِ الْبِلَادِ لِلدَّرْزِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ. نَقَلْتُهُ مِنْ خط كاتبه محمد بن يلبان إلى صاحبه، وهما عندي بقبان فيا للَّه العجب.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ- يَعْنِي ذِي الْقَعْدَةِ- وَقَعَ بين الشيخ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مُنَاقَشَةٌ بِسَبَبِ اعْتِدَائِهِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فِي مُحَاكَمَةٍ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ إِحْضَارَهُ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَثَلِ الْمُتَمَرِّدِ عِنْدَهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَحْضُرْ فِيهَا حَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ الْكُفْرِيُّ نَائِبُ الْحَنَفِيِّ بِإِسْقَاطِ عَدَالَتِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ خَبَرُهُ بِأَنَّهُ قَصَدَ بِلَادَ مِصْرَ، فَأَرْسَلَ النَّائِبُ فِي أَثَرِهِ مَنْ يَرُدُّهُ فَعَنَّفَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَشَفَّعَ فِيهِ قَاضِي الْقُضَاةِ الحنفي فاستحسن ذلك وللَّه الحمد والمنة.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وسبعمائة
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْخَلِيفَةُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُعْتَضِدُ باللَّه أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُسْتَكْفِي باللَّه أَبِي الربيع
(14/256)