Advertisement

البداية والنهاية ط إحياء التراث 012



الكتاب: البداية والنهاية
المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
المحقق: علي شيري
الناشر: دار إحياء التراث العربي
الطبعة: الأولى 1408، هـ - 1988 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قام بفهرسته الفقير إلى الله: عبد الرحمن الشامي، ويسألكم الدعاء. فَإِنْ يُهْدَوْا إِلَى الْإِسْلَامِ يُلْفَوْا * أُنُوفَ النَّاسِ ما سمر السمير فإن لم يسلموا فهموا أَذَانٌ * بِحَرْبِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُمُ نَصِيرُ كَمَا حكمت بني سعد وجرت (1) * بِرَهْطِ بَنِي غَزِيَّةَ عَنْقَفِيرُ كَأَنَّ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ * إِلَى الْإِسْلَامِ ضَائِنَةٌ تَخُورُ فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إِنَّا أَخُوكُمُ * وَقَدْ بَرَأَتْ مِنَ الْإِحَنِ الصدور كأن القوم إذ جاؤا إلينا * من البغضاء بعد السلم عور فصل وَلَمَّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ وَقَفَ مَلِكُهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ عَلَى ثَنِيَّةٍ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ
فَقَالَ: قِفُوا حَتَّى تَجُوزَ ضُعَفَاؤُكُمْ وَتَلْحَقَ أُخْرَاكُمْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ (2) : فَبَلَغَنِي أَنَّ خَيْلًا طَلَعَتْ وَمَالَكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الثَّنِيَّةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرَى قَوْمًا وَاضِعِي رِمَاحِهِمْ بَيْنَ آذَانِ خَيْلِهِمْ، طَوِيلَةً بِوَادُّهُمْ، فَقَالَ هَؤُلَاءِ بَنُو سُلَيْمٍ وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، فَلَمَّا أَقْبَلُوا سَلَكُوا بَطْنَ الْوَادِي، ثُمَّ طَلَعَتْ خَيْلٌ أُخْرَى تَتْبَعُهَا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا نَرَى قَوْمًا عَارِضِي رِمَاحِهِمْ أَغْفَالًا عَلَى خَيْلِهِمْ، فَقَالَ هَؤُلَاءِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى أَصْلِ الثَّنِيَّةِ سَلَكُوا طَرِيقَ بَنِي سُلَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَ فَارِسٌ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَقَالُوا: نَرَى فَارِسًا طَوِيلَ الْبَادِّ وَاضِعًا رُمْحَهُ عَلَى عَاتِقِهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِمُلَاءَةٍ حَمْرَاءَ (3) ، قَالَ: هَذَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَأُقْسِمُ بِاللَّاتِ لِيُخَالِطَنَّكُمْ فَاثْبُتُوا لَهُ، فَلَمَّا انْتَهَى الزُّبَيْرُ إِلَى أَصْلِ الثَّنِيَّةِ أَبْصَرَ الْقَوْمَ فَصَمَدَ لَهُمْ فَلَمْ يَزَلْ يُطَاعِنُهُمْ حَتَّى أَزَاحَهُمْ عَنْهَا.
[فصل] وأمر رسول الله صلى الله بِالْغَنَائِمِ فَجُمِعَتْ مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ وَأَمَرَ أَنْ تُسَاقَ إِلَى الْجِعْرَانَةِ فَتُحْبَسَ هُنَاكَ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْغَنَائِمِ مَسْعُودَ بْنَ عَمْرٍو الغفاري.
[فصل] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر يومئذ بامرأة قتلها خالد
__________
(1) في ابن هشام صدره: كما حكت بني سعد وحرب.. (2) في سيرة ابن هشام قال ابن هشام.
(3) في الواقدي، ملاءة صفراء.
(*)
(4/385)

ابن الْوَلِيدِ وَالنَّاسُ مُتَقَصِّفُونَ (1) عَلَيْهَا فَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ " أَدْرِكْ خَالِدًا فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَاكَ أَنْ تَقْتُلَ وَلِيدًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ عَسِيفًا " (2) هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مُنْقَطِعًا.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، ثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
حَدَّثَنِي الْمُرَقَّعُ بْنُ صَيْفِيٍّ عَنْ جَدِّهِ رباح بن ربيع أخي بني حنظلة الكاتب أنه أخبره أنه رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَمَرَّ رَبَاحٌ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ مِمَّا أَصَابَتِ الْمُقَدِّمَةُ، فَوَقَفُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ خَلْقِهَا حَتَّى لَحِقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَانْفَرَجُوا عَنْهَا فَوَقَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَقَالَ " مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ " فَقَالَ لِأَحَدِهِمْ " الحق خالداً فقل له لا يقتلن ذَرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْمُرَقَّعِ بْنِ صيفي به نحوه.
غزوة أَوْطَاسٍ
وَكَانَ سَبَبُهَا أنَّ هَوَازِنَ لَمَّا انْهَزَمَتْ ذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ فِيهِمُ الرَّئِيسُ مَالِكُ بْنُ عوف النصري فلجأوا إِلَى الطَّائِفِ فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَسَارَتْ فِرْقَةٌ فَعَسْكَرُوا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ أَوَطَاسٌ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِمْ أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ فَقَاتَلُوهُمْ فَغَلَبُوهُمْ، ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ فَحَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَتَوْا الطَّائِفَ وَمَعَهُمْ مَالِكُ بْنُ عوف وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم إلى نَخْلَةَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَنْ تَوَجَّهَ نَحْوَ نَخْلَةَ إِلَّا بَنُو غَيْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَتَبِعَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَلَكَ الثَّنَايَا قَالَ: فَأَدْرَكَ رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعِ بن أهان (3) السُّلَمِيُّ وَيُعْرَفُ بِابْنِ الدُّغُنَّةِ - وَهِيَ أُمُّهُ - دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ فَأَخَذَ بِخِطَامِ جَمَلِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أنه امرأة وذلك أنه في شجار لهم، فَإِذَا بِرَجُلٍ، فَأَنَاخَ بِهِ، فَإِذَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَإِذَا دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ وَلَا يَعْرِفُهُ الْغُلَامُ، فَقَالَ لَهُ دُرَيْدٌ: مَاذَا تُرِيدُ بِي؟ قَالَ: أَقْتُلُكَ، قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ! قَالَ أَنَا رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعٍ السُّلَمِيُّ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا، قَالَ: بِئْسَ مَا سَلَّحَتْكَ أُمُّكَ! خُذْ سَيْفِي هَذَا مِنْ مُؤَخَّرِ رَحْلِي فِي الشِّجَارِ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ، وَارْفَعْ عَنِ الْعِظَامِ، وَاخْفِضْ عَنِ الدِّمَاغِ، فَإِنِّي كَذَلِكَ كُنْتُ أَضْرِبُ الرِّجَالَ، ثُمَّ إِذَا أَتَيْتَ أُمَّكَ فَأَخْبِرْهَا أَنَّكَ قتلت دريد بن الصمة، قرب وَاللَّهِ يَوْمٍ مَنَعْتُ فِيهِ نِسَاءَكَ، فَزَعَمَ بَنُو سُلَيْمٍ أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ: لَمَّا ضَرَبْتُهُ فَوَقَعَ تكشف، فإذا عجانه (4) وبطون
__________
(1) متقصفون: مزدحمون.
(2) العسيف: الاجير، والعبد المستعان به.
(3) في ابن هشام: ابن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرئ القيس.
(4) عجانه: ما بين الخصية والدبر.
(*)
(4/386)

فَخِذَيْهِ مِثْلُ الْقَرَاطِيسِ، مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ أَعْرَاءً، فَلَمَّا رَجَعَ رَبِيعَةُ إِلَى أُمِّهِ أَخْبَرَهَا بِقَتْلِهِ إِيَّاهُ فَقَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْتَقَ أُمَّهَاتٍ لَكَ ثَلَاثًا.
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مَا رَثَتْ بِهِ عَمْرَةُ بِنْتُ دُرَيْدٍ أَبَاهَا فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهَا: قَالُوا قَتَلْنَا دُرَيْدًا قُلْتُ قَدْ صدقوا * فظل دمعي على السربال ينحدر لَوْلَا الَّذِي قَهَرَ الْأَقْوَامَ كُلَّهُمُ * رَأَتْ سُلَيْمٌ وكعب كيف يأتمر إِذَنْ لَصَبَّحَهُمْ غِبًّا وَظَاهِرَةً * حُيْثُ اسْتَقَرَّتْ نَوَاهُمْ جَحْفَلٌ ذَفِرُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آثَارِ مَنْ تَوَجَّهَ قِبَلَ أَوْطَاسٍ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ، فَأَدْرَكَ مِنَ النَّاسِ بَعْضَ مَنِ انْهَزَمَ، فَنَاوَشُوهُ الْقِتَالَ، فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فَقُتِلَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، فَقَاتَلَهُمْ ففتح الله عليهم وهزمهم الله عزوجل، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ دُرَيْدٍ هُوَ الَّذِي رَمَى أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ فَقَتَلَهُ وَقَالَ: إِنْ تَسْأَلُوا عَنِّي فَإِنِّي سَلَمَهْ * ابن سمادير (1) لمن توسمه أضرب بالسيف رؤس المسلمه قال ابن إسحاق: وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ وَحَدِيثِهِ: أَنَّ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ لَقِيَ يَوْمَ أَوْطَاسٍ عَشَرَةَ إِخْوَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ وَهُوَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ أَبُو عَامِرٍ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ آخَرُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ وَهُوَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ أَبُو عَامِرٍ، ثُمَّ جَعَلُوا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ، حَتَّى قَتَلَ تِسْعَةً، وَبَقِيَ الْعَاشِرُ فَحَمَلَ عَلَى أَبِي عَامِرٍ وَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ وَهُوَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ لَا تَشْهَدْ عليَّ فَكَفَّ
عَنْهُ أَبُو عَامِرٍ، فَأَفْلَتَ، فَأَسْلَمَ بَعْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، فَكَانَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَآهُ قَالَ: " هَذَا شَرِيدُ أَبِي عَامِرٍ " قَالَ: وَرَمَى أَبَا عَامِرٍ، أَخَوَانِ: الْعَلَاءُ وأوفى ابنا الْحَارِثِ، مِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا قَلْبَهُ، وَالْآخِرُ رُكْبَتَهُ فَقَتَلَاهُ، وَوَلَّى النَّاسُ أَبَا مُوسَى، فَحَمَلَ عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ من بني جشم [بن معاوية] (2) يرثيهما: إن الرزية قتل العلا * ء وَأَوْفَى جَمِيعًا وَلَمْ يُسْنَدَا هُمَا الْقَاتِلَانِ أَبَا عامر * وقد كان داهية أربدا (3)
__________
(1) سمادير: أم سلمة بن دريد.
(2) من ابن هشام.
(3) في ابن هشام: ذا هبة، وهبة السيف اهتزازه.
(*)
(4/387)

هُمَا تَرَكَاهُ لَدَى مَعْرَكٍ * كَأَنَّ عَلَى عِطْفِهِ مُجْسَدَا (1) فَلَمْ يرَ فِي النَّاسِ مِثْلَيْهِمَا * أَقَلَّ عِثَارًا وَأَرْمَى يَدَا وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بن العلاء، وحدثنا أبو أسامة، عن يزيد (2) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ فَقُتِلَ دُرَيْدٌ وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ، فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ جُشَمِيٌّ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، قَالَ: فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي، فَقَصَدْتُ لَهُ، فَلَحِقْتُهُ فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحِي أَلَا تَثْبُتُ؟ فَكَفَّ فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: لِأَبِي عَامِرٍ قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ، قَالَ: فانتزع هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ.
قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَقْرِئْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي، وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ، فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرَمَّلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ وَقَوْلِهِ: قُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ
لِي، قَالَ: فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ " اللَّهم اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ " وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبِطَيْهِ ثُمَّ قَالَ " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ - أَوْ مِنَ النَّاسِ " فَقُلْتُ وَلِي فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ: " اللَّهم اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا " قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحْدَاهُمَا لِأَبِي عَامِرٍ وَالْأُخْرَى لِأَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (3) .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ مُحَمَّدِ بن العلاء وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَرَّادٍ (4) عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهِ نَحْوَهُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاق، أنبأ سُفْيَانُ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَصَبْنَا نِسَاءً مِنْ سَبْيِ أَوْطَاسٍ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فَكَرِهْنَا أَنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: 24] قَالَ فَاسْتَحْلَلْنَا بِهَا فُرُوجَهُنَّ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ بِهِ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، زَادَ مُسْلِمٌ وَشُعْبَةُ وَالتِّرْمِذِيُّ من حديث همام
__________
(1) المجسد: الثوب المصبوغ بالجساد، وهو الزعفران.
(2) من البخاري وفي الاصل يزيد بن عبد الله.
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (55) باب الحديث 4323 فتح الباري 8 / 41.
ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (38) باب.
الحديث (165) .
ورواه البيهقي في الدلائل في باب ما جاء في جيش أوطاس: ج 5 / 152 - 153.
(4) من صحيح مسلم، وفي الاصل عبد الله بن أبي براد وهو تحريف.
وعبد الله بن براد هو أبو عامر الأشعري (*)
(4/388)

عن يَحْيَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابُوا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ فَكَانَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفُّوا وَتَأَثَّمُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أيمانكم) وَهَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَزَادَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَبَا عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيَّ وَهُوَ ثِقَةٌ
وَكَانَ هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلف بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ حَيْثُ بِيعَتْ ثُمَّ خُيِّرَتْ فِي فَسْخِ نكاحها أو إبقاءه، فلو كان بيعها طلاقها لَهَا لَمَا خُيِّرَتْ، وَقَدْ تَقَصَّيْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْأَحْكَامِ الْكَبِيرِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلف عَلَى إِبَاحَةِ الْأَمَةِ الْمُشْرِكَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا هَذِهِ قَضِيَّةُ عَيْنٍ فَلَعَلَّهُنَّ أَسْلَمْنَ أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ وَمَوْضِعُ تَقْرِيرِ ذَلِكَ فِي الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى.
من استشهد يوم حنين وأوطاس أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَيْمَنُ بْنُ عبيد، وزيد (1) بن زمعة بن الأسود ابن الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ جَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْجَنَاحُ فَمَاتَ، وَسُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ أَمِيرُ سَرِيَّةِ أَوْطَاسٍ، فهؤلاء أربعة رضي الله عنهم.
ما قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي غَزْوَةِ هَوَازِنَ
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: لَوْلَا الْإِلَهُ وَعَبْدُهُ وَلَّيْتُمُ * حِينَ اسْتَخَفَّ الرعب كل جبان (2) بالجزع يوم حبالنا أَقْرَانُنَا * وَسَوَابِحُ يَكْبُونَ لِلْأَذْقَانِ (3) مِنْ بَيْنِ سَاعٍ ثَوْبُهُ فِي كَفِّهِ * وَمُقَطَّرٍ بِسَنَابِكَ وَلَبَانِ (4) وَاللَّهُ أَكْرَمَنَا وَأَظْهَرَ دِينَنَا * وَأَعَزَّنَا بِعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ وَاللَّهُ أهلكهم وفرق جمعهم * وأذلهم بعبادة الشيطان
__________
(1) في ابن هشام: يزيد، والواقدي وابن سعد لم يذكراه بل ذكرا: رقيم بن ثعلبة بن زيد بن لوذان (انظر ابن حزم ومغازي الواقدي 3 / 922 - طبقات ابن سعد 2 / 152) .
(2) جيان، وتروى جنان، والجنان: القلب.
(3) الجزع: ما انعطف من الوادي.
(4) مقطر: مرمي على قطره، وهو جنبه، والسنابك: جمع سنبك وهو طرف مقدم الحافر.
واللبان: الصدر (*)
(4/389)

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيَرْوِي فِيهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ: إِذْ قَامَ عَمُّ نَبِيِّكُمْ وَوَلِيُّهُ * يَدْعُونَ: يَا لَكَتِيبَةِ الْإِيمَانِ أَيْنَ الَّذِينَ هُمُ أَجَابُوا رَبَّهُمْ * يَوْمَ الْعُرَيْضِ وَبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ (1) وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ: فَإِنِّي وَالسَّوَابِحُ يَوْمَ جَمْعٍ * وَمَا يَتْلُو الرَّسُولُ مِنَ الْكِتَابِ لَقَدْ أَحْبَبْتُ مَا لَقِيَتْ ثَقِيفٌ * بِجَنْبِ الشِّعِبِ أَمْسِ مِنَ الْعَذَابِ هُمُ رَأْسُ الْعَدُوِّ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ * فَقَتْلُهُمُ أَلَذُّ مِنَ الشَّرَابِ هَزَمْنَا الْجَمْعَ جَمْعَ بَنِي قسي * وحلت بَرْكَهَا بِبَنِي رِئَابِ وَصِرْمًا مِنْ هِلَالٍ غَادَرَتْهُمْ * بِأَوْطَاسٍ تُعَفَّرُ بِالتُّرَابِ وَلَوْ لَاقَيْنَ جَمْعَ بَنِي كِلَابٍ * لَقَامَ نِسَاؤُهُمْ وَالنَّقْعُ كَابِي رَكَضْنَا الْخَيْلَ فيهم بين بس * إلى الأورال تنحط بالتهاب (2) بِذِي لَجَبٍ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِمْ * كَتِيبَتُهُ تَعَرَّضُ لِلضِّرَابِ وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا: يَا خَاتَمَ النُّبَآءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ * بِالْحَقِّ كُلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُدَاكَا إِنَّ الْإِلَهَ بَنَى عَلَيْكَ مَحَبَّةً * فِي خَلْقِهِ وَمُحَمَّدًا سَمَّاكَا ثُمَّ الَّذِينَ وَفَوْا بِمَا عَاهَدْتَهُمْ * جُنْدٌ بَعَثْتَ عَلَيْهِمُ الضَّحَّاكَا رَجُلًا بِهِ ذَرَبُ (3) السِّلَاحِ كَأَنَّهُ * لَمَّا تَكَنَّفَهُ الْعَدُوُّ يَرَاكَا يَغْشَى ذَوِي النَّسَبِ الْقَرِيبِ وَإِنَّمَا * يَبْغِي رضا الرحمن ثم رضاكا أنبئك أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَكَرَّهُ * تَحْتَ الْعَجَاجَةِ يَدْمَغُ الْإِشْرَاكَا
طَوْرًا يُعَانِقُ بِالْيَدَيْنِ وَتَارَةً * يَفْرِي الْجَمَاجِمَ صارماً فتاكا (4) وَبَنُو سُلَيْمٍ مُعْنِقُونَ أَمَامَهُ * ضَرْبًا وَطَعْنًا فِي الْعَدُوِّ دِرَاكًا يَمْشُونَ تَحْتَ لِوَائِهِ وَكَأَنَّهُمْ * أُسْدُ الْعَرِينِ أَرَدْنَ ثَمَّ عِرَاكَا مَا يَرْتَجُونَ مِنَ القريب قرابة * إلا لطاعة ربهم وهواكا
__________
(1) العريض: واد بالمدينة.
(2) بس: موضع في أرض بني جشم، والاورال: أجيل ثلاثة سود، وفي نسخ البداية المطبوعة أوراد وهو تحريف.
(3) ذرب السلاح: حدته ومضاؤه، وفي نسخ البداية المطبوعة درب بالدال وهو تحريف.
(4) بعده في ابن هشام: يَغْشَى بِهِ هَامَ الْكَمَاةِ وَلَوْ تَرَى * مِنْهُ الذي عاينت كان شفاكا (*)
(4/390)

هَذِي مَشَاهِدُنَا الَّتِي كَانَتْ لَنَا * مَعْرُوفَةً وَوَلِيُّنَا مَوْلَاكَا وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا (1) : عَفَا مجدل من أهله فمتالع * فمطلاً أَرِيكٍ قَدْ خَلَا فَالْمَصَانِعُ (2) دِيَارٌ لَنَا يَا جُمْلُ إِذْ جُلُّ عَيْشِنَا * رَخِيٌّ وَصَرْفُ الدَّهْرِ لِلْحَيِّ جَامِعُ حُبَيِّبَةٌ أَلْوَتْ بِهَا غُرْبَةُ النَّوَى * لِبَيْنٍ فَهَلْ مَاضٍ مِنَ الْعَيْشِ رَاجِعُ فإنْ تَبْتَغِي الكَفَار غَيْرَ مَلُومَةٍ * فَإِنِّي وَزِيرٌ لِلنَّبِيِّ وتابع دعانا إليه خير وفد علمتهم * خُزَيْمَةُ وَالْمَرَّارُ مِنْهُمْ وَوَاسِعُ فَجِئْنَا بِأَلْفٍ مِنْ سُلَيْمٍ عَلَيْهِمُ * لَبُوسٌ لَهُمْ مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ رَائِعُ نُبَايِعُهُ بِالْأَخْشَبَيْنِ وَإِنَّمَا * يَدُ اللَّهِ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ نُبَايِعُ فَجُسْنَا مَعَ الْمَهْدِيِّ مَكَّةَ عَنْوَةً * بِأَسْيَافِنَا وَالنَّقْعُ كَابٍ وَسَاطِعُ عَلَانِيَةً وَالْخَيْلُ يَغْشَى مُتُونَهَا * حَمِيمٌ وَآنٍ مِنْ دَمِ الْجَوْفِ نَاقِعُ وَيْوَمَ حُنَيْنٍ حِينَ سَارَتْ هَوَازِنُ * إِلَيْنَا وَضَاقَتْ بِالنُّفُوسِ الْأَضَالِعُ
صَبَرْنَا مَعَ الضَّحَّاكِ لَا يَسْتَفِزُّنَا * قِرَاعُ الْأَعَادِي مِنْهُمُ وَالْوَقَائِعُ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ يَخْفِقُ فَوْقَنَا * لِوَاءٌ كَخُذْرُوفِ (3) السَّحَابَةِ لَامَعُ عَشِيَّةَ ضَحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ مُعْتَصٍ * بِسَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ وَالْمَوْتُ كَانِعُ (4) نَذُودُ أَخَانَا عَنْ أَخِينَا وَلَوْ ترى (5) * مَصَالًا لَكُنَّا الْأَقْرَبِينَ نُتَابِعُ وَلَكِنَّ دِينَ اللَّهِ، دِينَ مُحَمَّدٍ * رَضِينَا بِهِ فِيهِ الْهُدَى وَالشَّرَائِعُ أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ أَمْرَنَا * وَلَيْسَ لِأَمْرٍ حَمَّهُ اللَّهُ دَافِعُ وَقَالَ عَبَّاسٌ أَيْضًا: تَقَطَّعَ بَاقِي وَصْلِ أُمِّ مُؤَمَّلِ * بِعَاقِبَةٍ وَاسْتَبْدَلَتْ نِيَّةً خُلْفَا (6) وَقَدْ حَلَفَتْ بِاللَّهِ لَا تَقْطَعُ الْقُوَى * فما صدقت فيه ولا برت الحلفا
__________
(1) هذه القصائد من هنا إلى آخرها سقطت من نسخة التيمورية.
(2) مجدل ومتالع وأربك: اسماء مواضع.
(3) خذروف السحابة: طرفها، يريد به: سرعة تحرك هذا اللواء واضطرابه.
(4) معتص: ضارب، وكانع: قريب.
(5) يريد أنه من بني سُليم.
وسليم من قيس: كما أن هوازن من قيس.
(6) النية: ما ينويه الانسان من وجه ويقصده.
وقال السهيلي: النية من النوى: البعد.
(*)
(4/391)

خُفَافِيَّةٌ بَطْنُ الْعَقِيقِ مَصِيفُهَا * وَتَحْتَلُّ فِي الْبَادِينَ وَجْرَةَ فَالْعُرْفَا (1) فَإِنْ تَتَبَعِ الْكُفَّارَ أُمُّ مُؤَمَّلٍ * فَقَدْ زَوَّدَتْ قَلْبِي عَلَى نَأْيِهَا شَغْفًا وَسَوْفَ يُنَبِّئُهَا الْخَبِيرُ بِأَنَّنَا * أَبَيْنَا وَلَمْ نَطْلُبْ سِوَى رَبِّنَا حِلْفًا وَأَنَّا مَعَ الْهَادِي النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ * وَفِينَا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا مَعْشَرٌ أَلْفَا بِفِتْيَانِ صِدْقٍ مِنْ سُلَيْمٍ أَعِزَّةٍ * أَطَاعُوا فَمَا يَعْصُونَ مِنْ أَمْرِهِ حَرْفًا خُفَافٌ وَذَكْوَانٌ وَعَوْفٌ تَخَالُهُمْ * مَصَاعِبَ زافت في طروقتها كلفا
كأن نسيج الشُّهْبَ وَالْبِيضَ مُلْبَسٌ * أُسُودًا تَلَاقَتْ فِي مَرَاصِدِهَا غُضْفَا بِنَا عَزَّ دِينُ اللَّهِ غَيْرَ تَنَحُّلٍ * وَزِدْنَا عَلَى الْحَيِّ الَّذِي مَعَهُ ضِعْفَا بِمَكَّةَ إِذْ جِئْنَا كَأَنَّ لِوَاءَنَا * عُقَابٌ أَرَادَتْ بَعْدَ تَحْلِيقِهَا خَطْفَا عَلَى شُخَّصِ الْأَبْصَارِ تَحْسِبُ بَيْنَهَا * إذا هي جالت في مراودها عزقا (2) غَدَاةَ وَطِئْنَا الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ نَجِدْ * لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ عَدْلًا وَلَا صَرْفَا بِمُعْتَرَكٍ لَا يَسْمَعُ القوم وسطه * لنا زحمة إِلَّا التَّذَامُرَ وَالنَّقْفَا بِبِيضٍ تُطِيرُ الْهَامَ عَنْ مستقرها * وتقطف أَعْنَاقَ الْكَمَاةِ بِهَا قَطْفَا فَكَائِنْ تَرَكْنَا مِنْ قَتِيلٍ مُلَحَّبٍ * وَأَرْمَلَةٍ تَدْعُو عَلَى بَعْلِهَا لَهْفَا رِضَا اللَّهِ نَنْوِي لَا رِضَا النَّاسِ نَبْتَغِي * وَلِلَّهِ مَا يَبْدُو جَمِيعًا وَمَا يَخْفَى وَقَالَ عباس أيضاً رضي الله عنه: مَا بَالُ عَيْنِكَ فِيهَا عَائِرٌ سَهِرُ * مِثْلُ الْحَمَاطَةِ أَغْضَى فَوْقَهَا الشُّفُر (3) عَيْنٌ تأوَّبها مِنْ شَجْوِهَا أَرَقٌ * فَالْمَاءُ يَغْمُرُهَا طَوْرًا وَيَنْحَدِرُ كَأَنَّهُ نَظْمُ دُرٍّ عِنْدَ نَاظِمِهِ * تَقَطَّعَ السِّلْكُ مِنْهُ فَهْوَ مُنْتَثِرُ يَا بُعْدَ مَنْزِلِ مَنْ تَرْجُو مَوَدَّتَهُ * وَمَنْ أَتَى دُونَهُ الصَّمَّانُ فَالْحَفَرُ (4) دَعْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَهْدِ الشَّبَابِ فَقَدْ * وَلَّى الشَّبَابُ وَزَارَ الشَّيْبُ وَالزَّعَرُ (5) وَاذْكُرْ بَلَاءَ سُلَيْمٍ فِي مَوَاطِنِهَا * وَفِي سُلَيْمٍ لِأَهْلِ الِفَخْرِ مُفْتَخَرُ قوم هموا نَصَرُوا الرَّحْمَنَ وَاتَّبَعُوا * دِينَ الرَّسُولِ وَأَمْرُ النَّاسِ مُشْتَجَرُ لَا يَغْرِسُونَ فَسِيلَ النَّخْلِ وَسْطَهُمُ * وَلَا تخاور في مشتاهم البقر
__________
(1) العقيق ووجرة والعرف: اسماء مواضع.
(2) مراود: جمع مرود وهو الوتد، قال السهيلي: يجوز أن يكون جمع مراد، وهو حيث ترود الخيل.
(3) العائر: كل ما أعل العين من رمد أو قذى.
والحماطة: تبن الذرة.
والشغر: أصل منبت الشعر في الجفن (4) الصمان والحفر: موضعان.
(5) الزعر: قلة الشعر.
(*)
(4/392)

إِلَّا سَوَابِحَ كَالْعِقْبَانِ مَقْرُبَةً * فِي دَارَةٍ حَوْلَهَا الْأَخْطَارُ وَالْعَكَرُ (1) تُدْعَى خُفَافٌ وَعَوْفٌ فِي جَوَانِبِهَا * وَحَيُّ ذَكْوَانَ لَا مَيْلٌ وَلَا ضُجُرُ (2) الضَّارِبُونَ جُنُودَ الشِّرْكِ ضَاحِيَةً * بِبَطْنِ مَكَّةَ وَالْأَرْوَاحُ تُبْتَدَرُ حتى رفعنا وَقَتْلَاهُمْ كَأَنَّهُمُ * نَخْلٌ بِظَاهِرَةِ الْبَطْحَاءِ مُنْقَعِرُ وَنَحْنُ يَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَ مَشْهَدُنَا * لِلدِّينِ عِزًّا وَعِنْدَ اللَّهِ مُدَّخَرُ إِذْ نَرْكَبُ الْمَوْتَ مُخْضَرًّا بَطَائِنُهُ * وَالْخَيْلُ يَنْجَابُ عَنْهَا سَاطِعٌ كَدِرُ تَحْتَ اللِّوَاءِ مَعَ الضَّحَّاكِ يَقْدُمُنَا * كَمَا مَشَى اللَّيْثُ فِي غَابَاتِهِ الْخَدِرُ فِي مَأْزَقٍ مِنْ مَجَرِّ الْحَرْبِ كلكلُها * تَكَادُ تَأْفُلُ مِنْهُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَقَدْ صَبَرْنَا بِأَوْطَاسٍ أَسِنَّتَنَا * لِلَّهِ نَنْصُرُ مَنْ شِئْنَا وَنَنْتَصِرُ حَتَّى تَأَوَّبَ أَقْوَامٌ مَنَازِلَهُمْ * لَوْلَا الْمَلِيكُ وَلَوْلَا نَحْنُ مَا صَدَرُوا فَمَا تَرَى مَعْشَرًا قلوا ولا كثروا * إلا وقد أَصْبَحَ مِنَّا فِيهِمُ أَثَرُ وَقَالَ عَبَّاسٌ أَيْضًا رضي الله عنه: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الَّذِي تَهْوِي بِهِ * وَجْنَاءُ مُجْمَرَةُ الْمَنَاسِمِ عِرْمِسُ (3) إِمَّا أَتَيْتَ عَلَى النَّبِيِّ فَقُلْ لَهُ * حَقًّا عَلَيْكَ إِذَا اطْمَأَنَّ الْمَجْلِسُ ياخير مَنْ رَكِبَ الْمَطِيَّ وَمَنْ مَشَى * فَوْقَ التُّرَابِ إِذَا تُعَدُّ الْأَنْفُسُ إِنَّا وَفَيْنَا بِالَّذِي عَاهَدْتَنَا * وَالْخَيْلُ تُقْدَعُ بِالْكُمَاةِ وَتُضْرَسُ إِذْ سَالَ مِنْ أَفْنَاءِ بُهْثَةَ كُلِّهَا * جَمْعٌ تَظَلُّ بِهِ الْمَخَارِمُ تَرْجُسُ (4) حَتَّى صَبَحْنَا أَهْلَ مَكَّةَ فَيْلَقًا * شَهْبَاءَ يَقْدُمُهَا الْهُمَامُ الْأَشْوَسُ مِنْ كُلِّ أَغْلَبَ مِنْ سُلَيْمٍ فَوْقَهُ * بَيْضَاءُ مُحْكَمَةُ الدِّخَالِ وَقَوْنَسُ يَرْوِي القناة إذا تجاسر في الوغى * ونخاله أَسَدًا إِذَا مَا يَعْبِسُ
يَغْشَى الْكَتِيبَةَ مُعْلِمًا وَبِكَفِّهِ * عَضْبٌ يَقُدُّ بِهِ وَلَدْنٌ مِدْعَسُ (5) وَعَلَى حُنَيْنٍ قَدْ وَفَى مِنْ جَمْعِنَا * أَلْفٌ أُمِدَّ به الرسول عرندس
__________
(1) في نسخ البداية المطبوعة: مغرية أثبتنا مقربة من ابن هشام، والعكر: الابل الكثيرة.
والاخطار: الجماعات من الابل.
(2) خفاف وعوف وذكوان: قبائل.
(3) الوجناء: الناقة الضخمة الوجنات، والمناسم: جمع منسم وهو مقدم طرف خف البعير.
العرمس الشديدة القوية.
(4) بهثة: حي من سليم.
والمخارم: الطرق في الجبال.
(5) مدعس: السريع الطعن، وغصب: السيف القاطع.
(*)
(4/393)

كَانُوا أَمَامَ الْمُؤْمِنِينَ دَرِيئَةً * وَالشَّمْسُ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهِمْ أشمس (1) نمصي وَيَحْرُسُنَا الْإِلَهُ بِحِفْظِهِ * وَاللَّهُ لَيْسَ بِضَائِعٍ مَنْ يَحْرُسُ وَلَقَدْ حُبِسْنَا بِالْمَنَاقِبِ مَحْبِسًا * رَضِيَ الْإِلَهُ بِهِ فَنِعْمَ الْمَحْبِسُ وَغَدَاةَ أَوْطَاسٍ شَدَدْنَا شَدَّةً * كَفَتِ الْعَدُوَّ وَقِيلَ مِنْهَا يَا احْبِسُوا تَدْعُو هوازن بالأخوة بَيْنَنَا * ثَدْيٌ تَمُدُّ بِهِ هَوَازِنُ أَيْبَسُ حَتَّى تَرَكْنَا جَمْعَهُمْ وَكَأَنَّهُ * عَيْرٌ تَعَاقَبُهُ السِّبَاعُ مُفَرَّسُ وقال أيضاً رضي الله عنه: من مُبْلِغُ الْأَقْوَامِ أَنَّ مُحَمَّدًا * رَسُولَ الْإِلَهِ رَاشِدٌ حَيْثُ يَمَّمَا دَعَا رَبَّهُ وَاسْتَنْصَرَ اللَّهَ وَحْدَهُ * فَأَصْبَحَ قَدْ وَفَّى إِلَيْهِ وَأَنْعَمَا سَرَيْنَا وَوَاعَدْنَا قَدَيْدًا مُحَمَّدًا * يَؤُمُّ بِنَا أَمْرًا مِنَ اللَّهِ مُحْكَمَا تَمَارَوْا بِنَا فِي الْفَجْرِ حَتَّى تَبَيَّنُوا * مَعَ الْفَجْرِ فِتْيَانًا وَغَابًا مُقَوَّمَا (2) عَلَى الْخَيْلِ مَشْدُودًا عَلَيْنَا دُرُوعُنَا * وَرَجْلًا كَدُفَّاعِ الْأَتِيِّ عَرَمْرَمَا
فَإِنَّ سَرَاةَ الْحَيِّ إِنْ كُنْتَ سَائِلًا * سُلَيْمٌ وَفِيهِمْ مِنْهُمُ مَنْ تَسَلَّمَا وَجُنْدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَا يَخْذُلُونَهُ * أَطَاعُوا فَمَا يَعْصُونَهُ مَا تَكَلَّمَا فَإِنْ تَكُ قَدْ أَمَّرْتَ فِي الْقَوْمِ خَالِدًا * وَقَدَّمْتَهُ فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَا بِجُنْدٍ هَدَاهُ اللَّهُ أَنْتَ أَمِيرُهُ * تُصِيبُ بِهِ فِي الْحَقِّ مَنْ كَانَ أَظْلَمَا حَلَفْتُ يَمِينًا بَرَّةً لِمُحَمَّدٍ * فَأَكْمَلْتُهَا أَلْفًا مِنَ الْخَيْلِ مُلْجَمَا وَقَالَ نَبِيُّ الْمُؤْمِنِينَ تَقَدَّمُوا * وَحُبَّ إِلَيْنَا أَنْ نَكُونَ الْمُقَدَّمَا وَبِتْنَا بِنَهِيِ الْمُسْتَدِيرِ وَلَمْ يَكُنْ * بِنَا الْخَوْفُ إِلَّا رَغْبَةً وَتَحَزُّمَا أَطَعْنَاكَ حَتَّى أَسْلَمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ * وَحَتَّى صَبَحْنَا الْجَمْعَ أَهْلَ يَلَمْلَمَا (3) يَضِلُّ الْحِصَانُ الْأَبْلَقُ الْوَرْدُ وَسْطَهُ * وَلَا يَطْمَئِنُّ الشَّيْخُ حَتَّى يُسَوَّمَا سَمَوْنَا لَهُمْ وِرْدَ الْقَطَا زَفَّهُ ضُحًى * وكلٌ تَرَاهُ عَنْ أَخِيهِ قَدَ احْجَمَا لَدُنْ غُدْوَةٍ حَتَّى تَرَكْنَا عَشِيَّةً * حُنَيْنًا وَقَدْ سَالَتْ دوامعه دَمَا إِذَا شِئْتَ مِنْ كُلٍّ رَأَيْتَ طِمِرَّةً * وَفَارِسَهَا يَهْوِي وَرُمْحًا مُحَطَّمَا وَقَدْ أَحْرَزَتْ مِنَّا هَوَازِنُ سَرْبَهَا * وَحُبَّ إِلَيْهَا أَنْ نَخِيبَ وَنُحْرَمَا
__________
(1) دريئة: الكتيبة المدافعة.
(2) الغاب: هنا الرماح.
(3) يلملم: ميقات الحاج القادم من جهة اليمن، وهو جبل على مرحلتين من مكة (*) .
(4/394)

هَكَذَا أَوْرَدَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقَصَائِدَ مَنْ شِعْرِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ تَرَكْنَا بَعْضَ مَا أورده من القصائد خشية الإطالة وخوف الملامة، ثمَّ أَوْرَدَ مِنْ شِعْرِ غَيْرِهِ أَيْضًا وَقَدْ حَصَلَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
غَزْوَةُ الطَّائِفِ
قَالَ عُرْوَةُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَحَاصَرَ الطَّائِفَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَ فَلُّ ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبو اب مَدِينَتِهَا وَصَنَعُوا الصَّنَائِعَ لِلْقِتَالِ وَلَمْ يَشْهَدْ حُنَيْنًا وَلَا حِصَارَ الطَّائِفِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَلَا غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ كَانَا بِجُرَشَ (1) يَتَعَلَّمَانِ صَنْعَةَ الدَّبَّابَاتِ وَالْمَجَانِيقِ وَالضُّبُورِ (2) : قَالَ ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِفِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حُنَيْنٍ فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ: قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ ريب * وخيبر ثم أجمعنا السيوفا نخبرها وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ * قَوَاطِعُهُنَّ: دَوْسًا أَوْ ثَقِيفَا فَلَسْتُ لِحَاضِنٍ إِنْ لَمْ تَرَوْهَا * بِسَاحَةِ دَارِكُمْ مِنَّا أُلُوفَا وَنَنْتَزِعُ الْعُرُوشَ بِبَطْنِ وجٍ * وَتُصْبِحُ دُورُكُمْ مِنْكُمْ خُلُوفَا وَيَأْتِيكُمْ لَنَا سَرْعَانُ خَيْلٍ * يُغَادِرُ خَلْفَهُ جَمْعًا كَثِيفَا إِذَا نَزَلُوا بِسَاحَتِكُمْ سَمِعْتُمْ * لَهَا مَمَّا أَنَاخَ بَهَا رَجِيفَا بِأَيْدِيهِمْ قواضب مرهفات * يزرن المصطلين بها الحتوقا كَأَمْثَالِ الْعَقَائِقِ أَخْلَصَتْهَا * قُيُونُ الْهِنْدِ لَمْ تُضْرَبْ كَتِيفَا (3) تَخَالُ جَدِيَّةَ الْأَبْطَالِ فِيهَا * غَدَاةَ الزَّحْفِ جَادِيًّا مَدُوفَا (4) أَجَدَّهُمُ أَلَيْسَ لَهُمْ نَصِيحٌ * مِنَ الْأَقْوَامِ كَانَ بِنَا عَرِيفَا يُخَبِّرُهُمْ بِأَنَّا قَدْ جَمَعْنَا * عِتَاقَ الْخَيْلِ وَالنُّجُبَ الطُّرُوفَا (5) وَأَنَّا قَدْ أَتَيْنَاهُمْ بِزَحْفٍ * يُحِيطُ بِسُورِ حِصْنِهِمُ صُفُوفَا رَئِيسُهُمُ النبي وكان صلباً * نقي القلب مصطبراً عزوفا
__________
(1) جرش: من مخاليف اليمن من جهة مكة.
(2) الضبور: جلود يغشى بها خشب يتقى بها في الحرب عند الانسحاب (قاله الخليل) وفي اللسان: الضبر: جلد يغشى خشبا فيها رجال تقرب إلى الحصون لقتال أهلها.
وقال: هي الدبابات التي تقرب للحصون، لتنقب من تحتها.
(3) كتيف: جمع كتيفة وهي الصفيحة الصغيرة.
(4) المدوف: المبلول، المخلوط بغيره.
والجادي: الزعفران.
(5) الطروف: الكرام من الخيل.
(*)
(4/395)

رَشِيدَ الْأَمْرِ ذَا حُكْمٍ وَعِلْمٍ * وَحِلْمٍ لَمْ يَكُنْ نَزِقًا خَفِيفَا نُطِيعُ نَبِيَّنَا وَنُطِيعُ رَبًّا * هو الرحمن كان بنا رؤفا فَإِنْ تُلْقُوا إِلَيْنَا السِّلْمَ نَقْبَلْ * وَنَجْعَلْكُمْ لَنَا عَضُدًا وَرِيفَا وَإِنْ تَأْبَوْا نُجَاهِدْكُمْ وَنَصْبِرْ * وَلَا يَكُ أَمْرُنَا رَعِشًا ضَعِيفَا نُجَالِدُ مَا بَقِينَا أَوْ تُنِيبُوا * إِلَى الْإِسْلَامِ إِذْعَانًا مُضِيفَا نُجَاهِدُ لَا نُبَالِي مَا لَقِينَا * أَأَهْلَكْنَا التِّلَادَ أَمِ الطَّرِيفَا (1) وَكَمْ مِنْ مَعْشَرٍ أَلَبُوا عَلَيْنَا * صَمِيمَ الْجِذْمِ مِنْهُمْ وَالْحَلِيفَا أَتَوْنَا لَا يَرَوْنَ لَهُمْ كِفَاءً * فَجَدَّعْنَا الْمَسَامِعَ وَالْأُنُوفَا بِكُلِّ مُهَنَّدٍ لَيْنٍ صَقِيلٍ * نَسُوقُهُمُ بِهَا سَوْقًا عَنِيفَا لِأَمْرِ اللَّهِ وَالْإِسْلَامِ حَتَّى * يَقُومَ الدِّينُ مُعْتَدِلًا حَنِيفَا وَتُنْسَى اللات والعزى وود * ونسليها الْقَلَائِدَ وَالشُّنُوفَا فَأَمْسَوْا قَدْ أَقَرُّوا وَاطْمَأَنُّوا * وَمَنْ لَا يَمْتَنِعْ يَقْبَلْ خُسُوفَا وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ: قَلْتٌ: وَقَدْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بعد ذَلِكَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ فَأَسْلَمَ مَعَهُمْ.
قَالَهُ موسى بن عقبة وأبو إِسْحَاقَ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ الأثير وغير واحد، وزعم المدايني أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ بَلْ صَارَ إِلَى بِلَادِ الروم فتنصر ومات بها: من كَانَ يَبْغِينَا يُرِيدُ قِتَالَنَا * فَإِنَّا بِدَارٍ مَعْلَمٍ لَا نَرِيمُهَا وَجَدْنَا بِهَا الْآبَاءَ مِنْ قَبْلِ مَا تَرَى * وَكَانَتْ لَنَا أَطْوَاؤُهَا وَكُرُومُهَا
وَقَدْ جَرَّبَتْنَا قَبْلُ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ * فَأَخْبَرَهَا ذُو رَأْيِهَا وَحَلِيمُهَا وَقَدْ عَلِمَتْ - إِنْ قَالَتِ الْحَقَّ - أننا * إذا ما أتت صُعْرُ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا نُقَوِّمُهَا حَتَّى يَلِينَ شَرِيسُهَا (2) * وَيُعْرَفَ لِلْحَقِّ الْمُبِينِ ظَلُومُهَا عَلَيْنَا دِلَاصٌ مِنْ تُرَاثِ مُحَرِّقٍ * كَلَوْنِ السَّمَاءِ زَيَّنَتْهَا نُجُومُهَا (3) نُرَفِّعُهَا عَنَّا بِبِيضٍ صَوَارِمَ * إِذَا جُرِّدَتْ فِي غَمْرَةٍ لَا نَشِيمُهَا (4) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ شَدَّادُ بْنُ عَارَضٍ الْجُشَمِيُّ فِي مَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطائف:
__________
(1) التلاد: القديم، والطريف: الجديد.
(2) الشريس: الشديد.
(3) دلاص: الدروع اللينة.
محرق: يريد عمرو بن عامر وهو أول من حرق العرب بالنار (قاله السهيلي) .
(4) لا نشيمها: لا نقيمها (*)
(4/396)

لَا تَنْصُرُوا اللَّاتَ إِنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهَا * وَكَيْفَ يُنْصَرُ مَنْ هُوَ لَيْسَ يَنْتَصِرُ إِنَّ الَّتِي حُرِّقَتْ بِالسُّدِّ فَاشْتَعَلَتْ * وَلَمْ تُقَاتِلْ لَدَى أَحْجَارِهَا هَدَرُ إِنَّ الرَّسُولَ مَتَى يَنْزِلْ بِلَادَكُمُ * يَظْعَنْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا بَشَرُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَسَلَكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي مِنْ حُنَيْنٍ إِلَى الطَّائِفِ - عَلَى نَخْلَةَ الْيَمَانِيَّةِ (1) ثُمَّ عَلَى قَرْنٍ (2) ثُمَّ عَلَى المليح (3) ثم على بحرة الرغاء (4) من ليلة فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا فَصَلَّى فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقَادَ يَوْمَئِذٍ بِبَحْرَةِ الرُّغَاءِ، حِينَ نَزَلَهَا، بِدَمٍ، وَهُوَ أَوَّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَتَلَ رَجُلًا مَنْ هُذَيْلٍ فَقَتَلَهُ بِهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِلِيَّةَ بِحِصْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فَهُدِمَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ سَلَكَ فِي طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا الضَّيِّقَةُ فَلَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ عَنِ اسْمِهَا فَقَالَ: مَا اسْمُ هَذِهِ الطَّرِيقِ؟ فَقِيلَ الضَّيِّقَةُ فَقَالَ بَلْ هِيَ الْيُسْرَى، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا عَلَى نَخِبٍ (5) حَتَّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةٍ يُقَالُ لَهَا الصَّادِرَةُ قَرِيبًا مِنْ مَالِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَمَّا إنَّ تَخْرُجَ إِلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ
نُخَرِّبَ عَلَيْكَ حَائِطَكَ، فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِخْرَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبِي بُجَيْرٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وآله " هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ " قَالَ فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا مَعَهُ الْغُصْنَ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهِ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الطَّائِفِ، فَضَرَبَ بِهِ عَسْكَرَهُ فَقُتِلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنَّبْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَسْكَرَ اقْتَرَبَ مِنْ حَائِطِ الطَّائِفِ فتأخروا إلى موضع مسجده عليه السلام الْيَوْمَ بِالطَّائِفِ الَّذِي بَنَتْهُ ثَقِيفٌ بَعْدَ إِسْلَامِهَا، بَنَاهُ عَمْرُو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ وَهْبٍ وَكَانَتْ فِيهِ سَارِيَةٌ لَا تَطْلُعُ عَلَيْهَا الشَّمْسُ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ إِلَّا سُمِعَ لَهَا نَقِيضٌ فِيمَا يَذْكُرُونَ، قَالَ فَحَاصَرَهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، قَالَ ابن هشام ويقال سبع عشرة ليلة،
__________
(1) نخلة اليمانية: واد يصب فيه يدعان وبه مسجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبه عسكرت هوازن يوم حنين (معجم البلدان) .
(2) قرن: قرية بينها وبين مكة أحد وخمسون ميلا.
(معجم البلدان) .
(3) المليح: واد بالطائف (معجم البلدان) .
(4) بحرة الرغاء: موضع في لية من ديار بني نصر (معجم ما استعجم) .
(5) نخب: واد بالطائف.
(*)
(4/397)

وَقَالَ عُرْوَةُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهري: ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِفِ وَتَرَكَ السَّبْيَ بِالْجِعْرَانَةِ وَمُلِئَتْ عرش مكة منهم، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَكَمَةِ عِنْدَ حِصْنِ الطَّائِفِ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ مِنْ وَرَاءِ حِصْنِهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ أَبِي بَكْرَةَ بْنِ مَسْرُوحٍ
أَخِي زِيَادٍ لِأُمِّهِ، فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَثُرَتِ الْجِرَاحُ، وَقَطَعُوا طائفة من أعنابهم لِيُغِيظُوهُمْ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ ثَقِيفٌ: لَا تُفْسِدُوا الْأَمْوَالَ فَإِنَّهَا لَنَا أَوْ لَكُمْ.
وَقَالَ عُرْوَةُ: أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْطَعَ خَمْسَ نخلات وخمس حُبْلَاتٍ (1) وَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي مَنْ خَرَجَ إِلَيْنَا فهو حر، فاقتحم إليه نفر فِيهِمْ أَبُو بَكْرَةَ بْنُ مَسْرُوحٍ أَخُو زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ لِأُمِّهِ، فَأَعْتَقَهُمْ وَدَفَعَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَعُولُهُ وَيَحْمِلُهُ (2) .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا يَزِيدُ، ثَنَا حَجَّاجٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتِقُ مَنْ جَاءَهُ مِنَ الْعَبِيدِ قَبْلَ مَوَالِيهِمْ إِذَا أَسْلَمُوا، وَقَدْ أَعْتَقَ يَوْمَ الطائف رجلين.
وقال أحمد: ثنا عبد القدوس ابن بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ، ثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الطائف فخرج إليه عبد ان فَأَعْتَقَهُمَا أَحَدُهُمَا أَبُو بَكَرَةَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْتِقُ الْعَبِيدَ إِذَا خَرَجُوا إِلَيْهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: ثَنَا نَصْرُ بن رئاب، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الطَّائِفِ " مَنْ خَرَجَ إِلَيْنَا مِنَ الْعَبِيدِ فَهُوَ حُرٌّ " فَخَرَجَ عَبِيدٌ مِنَ الْعَبِيدِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرَةَ فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ تفرَّد بِهِ أَحْمَدُ وَمَدَارُهُ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، لَكِنْ ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِلَى هَذَا فَعِنْدَهُ أَنَّ كُلَّ عَبْدٍ جَاءَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ عُتِقَ حُكْمًا شَرْعِيًّا مُطْلَقًا عَامًّا، وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا كَانَ هَذَا شَرْطًا لَا حَكْمًا عَامًّا وَلَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَكَانَ التَّشْرِيعُ الْعَامُّ أَظْهَرَ كما في قوله عليه السلام " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ " وَقَدْ قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: حدثني عبد الله بن المكرم (3) الثَّقَفِيُّ قَالَ: لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الطَّائِفِ خَرَجَ إِلَيْهِ رقيق من رقيقهم أبو بكرة عبد اللحارث ابن كَلَدَةَ وَالْمُنْبَعِثُ وَكَانَ اسْمُهُ الْمُضْطَجِعَ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنْبَعِثَ، وَيُحَنَّسُ وَوَرْدَانُ فِي رَهْطٍ مِنْ رَقِيقِهِمْ فَأَسْلَمُوا.
فَلَمَّا قَدِمَ وَفْدُ أَهْلِ الطَّائِفِ فَأَسْلَمُوا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رُدَّ عَلَيْنَا رَقِيقَنَا الَّذِينَ أَتَوْكَ؟ قَالَ: " لَا أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللَّهِ " وَرَدَّ عَلَى ذلك الرجل ولاء عبده فجعله له (4) .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا غُنْدَرٌ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ سَعْدًا - وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبَا بَكْرَةَ وَكَانَ تَسَوَّرَ حِصْنَ الطَّائِفِ فِي أُنَاسٍ فَجَاءَ
__________
(1) في رواية البيهقيّ عنه: خمس نخلات أو حبلات من كرومهم.
(2) رواية موسى بن عقبة ذكرها ابن عبد البر في الدرر مختصرة ص (228) ، ورواها البيهقي في الدلائل ج 5 / 157 - 158.
(3) من ابن هشام.
وفي الاصل المكرم وهو تحريف.
(4) رواه البيهقي عن ابن إسحاق في الدلائل ج 5 / 159 (*) .
(4/398)

إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَقُولُ " مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ بِهِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ هشام أنبا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَوْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا وَأَبَا بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَاصِمٌ: قُلْتُ لَقَدْ شَهِدَ عِنْدَكَ رَجُلَانِ حَسْبُكَ بِهِمَا، قَالَ أَجَلْ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنَزَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الطَّائِفِ.
قال محمد ابن إِسْحَاقَ: وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِ إِحْدَاهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ (1) فَضَرَبَ لَهُمَا قُبَّتَيْنِ فَكَانَ يُصَلِّي بَيْنَهُمَا، فَحَاصَرَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا وَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَرَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ.
فَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى فِي الْإِسْلَامِ بِالْمَنْجَنِيقِ رَمَى به أهل الطائف.
وذكر ابن إسحق أَنَّ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ دَخَلُوا تَحْتَ دَبَّابَةٍ ثم زحفوا ليحرقوا جدار أهل الطائف فأرسلت عليهم سِكَكَ الْحَدِيدِ مُحْمَاةً، فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا فَرَمَتْهُمْ ثَقِيفٌ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ رِجَالًا، فَحِينَئِذٍ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ فَوَقَعَ النَّاسُ فِيهَا يَقْطَعُونَ، قَالَ: وَتَقَدَّمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَالْمُغَيَّرَةُ بْنُ شعبة منادياً ثقيفاً بالأمان حتى يكلموهم فأمنوهم فَدَعَوْا نِسَاءً مِنْ قُرَيْشٍ وَبَنِي كِنَانَةَ لِيَخْرُجْنَ إِلَيْهِمْ وَهُمَا يَخَافَانِ عَلَيْهِنَّ السِّبَاءَ إِذَا فُتِحَ الحصن، فأبين، فقال لهما أبو الْأَسْوَدِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَلَا أَدُلُّكَمَا عَلَى خَيْرٍ مما جئتما له؟ إن مال أبي الأسود حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَازِلًا بوادٍ يُقَالُ لَهُ الْعَقِيقُ وَهُوَ بَيْنَ مَالِ بَنِي الْأَسْوَدِ وَبَيْنَ الطَّائِفِ وَلَيْسَ بِالطَّائِفِ مَالٌ أَبْعَدَ رِشَاءً، وَلَا أَشَدَّ مَؤُونَةً وَلَا أَبْعَدَ عِمَارَةً مِنْهُ، وَإِنَّ
مُحَمَّدًا إِنْ قَطَّعَهُ لَمْ يَعْمُرْ أَبَدًا فَكَلِّمَاهُ فَلْيَأْخُذْهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِيَدَعْهُ لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ.
فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَهُ لَهُمْ.
وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ نَحْوَ هَذَا وَعِنْدَهُ أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ هُوَ الَّذِي أَشَارَ بِالْمَنْجَنِيقِ وَعَمِلَهُ بِيَدِهِ وَقِيلَ قَدِمَ بِهِ وَبِدَبَّابَتَيْنِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَ الطَّائِفِ فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَذِنَ لَهُ، فَجَاءَهُمْ فَأَمَرَهُمْ بِالثَّبَاتِ فِي حِصْنِهِمْ وَقَالَ لَا يَهُولَنَّكُمْ قَطْعُ مَا قُطِعَ مِنَ الْأَشْجَارِ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا قُلْتُ لَهُمْ " قَالَ دَعْوَتُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَنْذَرْتُهُمُ النَّارَ وَذَكَّرْتُهُمْ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ " كَذَبْتَ بَلْ قَلْتَ لَهُمْ كَذَا وَكَذَا " فَقَالَ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ (2) .
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ: عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ قتادة، عن
__________
(1) ذكرهما الواقدي: أم سلمة وزينب.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 163 في باب استئذان عيينة بن حصن بن بدر في مجيئه ثقيفا، ورواه أبو نعيم في الدلائل ص (465) ونقله عنهما الصالحي في السيرة الشامية (5 / 562) (*)
(4/399)

سالم بن أبي الجعد، عن سعدان (1) بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ السُّلَمِيِّ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَاصَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصْرَ الطَّائِفِ فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " من بَلَّغَ بِسَهْمٍ فَلَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ " فَبَلَّغْتُ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ " مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ عَدْلُ مُحَرَّرٍ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَيُّمَا رَجُلٍ أعتق رجلاً مسلماً فإن الله جعل كُلَّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ وِقَاءً كُلَّ عَظْمٍ بِعَظْمٍ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً فإن الله جَاعِلٌ كُلَّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا مِنَ النَّارِ " (2) .
وَرَوَاهُ أَبُو داود والترمذي وصححه النسائي مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بِهِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، سَمِعَ سُفْيَانَ، ثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعندي مخنث فسمعه يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: أَرَأَيْتَ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ
عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا فَعَلَيْكَ بِابْنَةِ غَيْلَانَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ " (3) قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْمُخَنَّثُ هِيتٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ وَفِي لَفْظٍ وَكَانُوا يَرَوْنَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ ما ها هنا لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ هَؤُلَاءِ " يَعْنِي إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَفْهَمُ ذَلِكَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى [أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عورات النساء) وَالْمُرَادُ بِالْمُخَنَّثِ فِي عُرْفِ السَّلَفِ الَّذِي لَا هِمَّةَ لَهُ إِلَى النِّسَاءِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي يُؤْتَى إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ قَتْلُهُ حَتْمًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَكَمَا قَتَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ يَعْنِي بِذَلِكَ عُكَنَ بَطْنِهَا فَإِنَّهَا تَكُونُ أَرْبَعًا إِذَا أَقْبَلَتْ ثُمَّ تَصِيرُ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثِنْتَيْنِ إِذَا أَدْبَرَتْ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ بَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ سَادَاتِ ثَقِيفٍ، وَهَذَا الْمُخَنَّثُ قَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ اسْمَهُ هِيتٌ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
لَكِنْ قَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْلًى لخالته بنت عمرو بن عايد مخنث يقال له مانع يَدْخُلُ عَلَى نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم في بيته، ولا نرى أنه يفطن لشئ من أمور النساء مما يغطن إليه رجال، وَلَا يُرَى إنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ إِرْبًا فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: يَا خَالِدُ إِنِ افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِفَ فَلَا تَنْفَلِتَنَّ مِنْكُمْ بَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ هَذَا مِنْهُ " أَلَا أَرَى هَذَا يَفْطِنُ لِهَذَا " الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ لِنِسَائِهِ " لَا يدخلن
__________
(1) من دلائل البيهقي، وفي الاصول معدان.
(2) دلائل البيهقي ج 5 / 159.
(3) أخرجه البخاري في المغازي (56) باب الحديث (4324) فتح الباري 8 / 43، وأخرجه في كتاب النكاح، وفي اللباس.
وأخرجه مسلم في كتاب السلام (13) باب الحديث (32) .
وأخرجه ابن ماجه في النكاح وفي الحدود، وأبو داود في الادب كلاهما عن أبي بكر بن أبي شيبة (*)
(4/400)

عَلَيْكُمْ " فَحُجِبَ عَنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم (1) وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
عَمْرٍو، عَنْ أَبِي العبَّاس الشَّاعِرِ الْأَعْمَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله الطَّائِفَ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا قَالَ " إِنَّا قافلون غداً إن شاء الله " فنقل عليهم وقالوا نذهب ولا نفتح؟ فَقَالَ " اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ " فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ فَقَالَ " إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ " فَأَعْجَبَهُمْ فَضَحِكَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ سُفْيَانُ مرَّة فَتَبَسَّمَ (2) .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ وَعِنْدَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَاخْتَلَفَ في نسخ البخاري ففي نسخة كذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ (3) الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هريرة قال: لما مضت خمس عشرة مِنْ حِصَارِ الطَّائِفِ اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدُّئِلِيَّ فَقَالَ " يَا نَوْفَلُ مَا تَرَى فِي الْمُقَامِ عَلَيْهِمْ؟ " (4) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ، إِنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأبي بكر وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا " يَا أَبَا بَكْرٍ إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أُهْدِيَتْ لِي قَعْبَةٌ مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا فَنَقَرَهَا دِيكٌ فَهَرَاقَ مَا فِيهَا " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا أَظُنُّ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهُمْ يَوْمَكَ هَذَا مَا تُرِيدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَأَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ " قَالَ: ثمَّ إِنَّ خَوْلَةَ (5) بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ وَهِيَ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي إِنْ فتح الله عليك حُلِيَّ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ أَوْ حلي الفارعة بنت عقيل - وكانت من أحلى نساء ثقيف - فَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا " وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْذَنْ فِي ثقيف يا خويلة " فخرجت خولة فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة زَعَمَتْ أَنَّكَ قُلْتَهُ؟ قَالَ: " قَدْ قُلْتُهُ " قَالَ أو ما أذن
__________
(1) روى الخبر البيهقي عنه في الدلائل ج 5 / 160.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي 56 باب الحديث 4325 فتح الباري 7 / 44.
وفي كتاب الادب (68) باب.
وفي 97 كتاب التوحيد (31) باب.
وفي جميع الروايات عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد (29) باب الحديث (82) عن عبد الله بن عمرو.
قال ابن حجر: وقع في رواية الكشميهني والنسفي والاصيلي (عبد الله بن عمرو) والصواب عبد الله بن عمر بن الخطاب.
ورواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة وجاء في بداية روايته: قيل لسفيان - وهو يحدث - ابن عمرو؟ قال: لا، ابن عمر..وتابع حديثه.
وقول سفيان صراحة أنه عبد الله بن عمر يقطع كل شك في انه ابن عمر بن الخطاب وليس ابن عمرو بن العاص.
وقال البيهقي عن علي بن المديني: حدثنا بهذا الحديث سفيان ولم يقل مرة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
(3) مِنْ مغازي الواقدي، وفي الاصل بن تحريف.
(4) هكذا في الاصل، وفي الطبري عن الواقدي، والعبارة في المغازي ج 3 / 937 ما تقول؟ أو ترى.
(5) في ابن هشام: خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الاوقص السلمية.
وفي ابن سعد: خولة.
وذكر تمام نسبها (*) .
(4/401)

فِيهِمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَلَا أُؤَذِّنُ بِالرَّحِيلِ؟ قال: بلى، فأذن عمر بالرحيل.
فلما استقبل النَّاسُ نَادَى سعيدَ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أَسِيدِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ عِلَاجٍ: أَلَا إِنَّ الْحَيَّ مُقِيمٌ، قَالَ: يَقُولُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ أَجَلْ وَاللَّهِ مَجَدَةً كِرَامًا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَاتَلَكَ اللَّهُ يَا عُيَيْنَةُ، أَتَمْدَحُ الْمُشْرِكِينَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ جِئْتَ تَنْصُرُهُ؟ فَقَالَ: إِنِّي والله ماجئت لِأُقَاتِلَ ثَقِيفًا مَعَكُمْ، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَفْتَحَ مُحَمَّدٌ الطَّائِفَ، فَأُصِيبَ مِنْ ثَقِيفٍ جَارِيَةً أَطَؤُهَا لعلها تلد لي رجلاً فإن ثقيفا [قوم] (1) مَنَاكِيرُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ: عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عن عروة قصة خولة بِنْتِ حَكِيمٍ وَقَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ.
وَتَأْذِينَ عُمَرَ بِالرَّحِيلِ، قَالَ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ أَنْ لَا يُسَرِّحُوا ظَهْرَهُمْ فَلَمَّا أَصْبَحُوا ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَدَعَا حِينَ رَكِبَ قَافِلًا فَقَالَ " اللَّهُمَّ اهْدِهِمْ وَاكْفِنَا مُؤْنَتَهُمْ " (2) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ " اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا " ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَى يُونُسُ عَنِ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُكَدَّمِ (3) عَمَّنْ أَدْرَكُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الطَّائِفِ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُمْ وَلَمْ يُؤْذَنْ فِيهِمْ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَجَاءَهُ وَفْدُهُمْ فِي
رَمَضَانَ فَأَسْلَمُوا.
وَسَيَأْتِي ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالطَّائِفِ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فَمِنْ قُرَيْشٍ، سَعِيدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ.
وعرفطة بن حباب حليف لبني أمية بن الأسد بن الغوث، وعبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رُمِيَ بِسَهْمٍ فَتُوُفِّيَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وعبد الله بن أبي أمية بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ مِنْ رَمْيَةٍ رُمِيَهَا يَوْمَئِذٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَدِيٍّ، وَالسَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَجُلَيْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، وَمِنَ الْأَنْصَارِ ثُمَّ مِنَ الْخَزْرَجِ: ثَابِتُ بن الجذع الأسلمي، وَالْحَارِثُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيُّ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَنْ بَنِي سَاعِدَةَ، وَمِنَ الْأَوْسِ رُقَيْمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَطْ (4) ، فَجَمِيعُ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ اثَنَا عَشَرَ رَجُلًا سَبْعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ولما نصرف رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا عَنِ الطَّائِفِ قَالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أبي سلمى يذكر حنيناً والطائف:
__________
(1) من ابن هشام.
ومناكير: ذوي دهاء وفطنة.
(2) نقل الخبر بتمامه البيهقي في الدلائل ج 5 / 168 - 169.
(3) من دلائل البيهقي.
ج 5 / 169.
(4) لم يذكره الواقدي، وذكر من بني أسد يزيد بن زمعة بن الاسود، جمح به فرسه إلى حصن الطائف فقتلوه (*) .
(4/402)

كَانَتْ عُلَالَةَ يَوْمَ بَطْنِ حنينٍ * وَغَدَاةَ أَوْطَاسٍ وَيَوْمَ الْأَبْرَقِ جَمَعَتْ بِإِغْوَاءٍ هَوَازِنُ جَمْعَهَا * فَتَبَدَّدُوا كَالطَّائِرِ الْمُتَمَزِّقِ لَمْ يَمْنَعُوا مِنَّا مَقَامًا وَاحِدًا * إِلَّا جِدَارَهُمُ وَبَطْنَ الْخَنْدَقِ وَلَقَدْ تَعَرَّضْنَا لِكَيْمَا يَخْرُجُوا * فَاسْتَحْصَنُوا مِنَّا بِبَابٍ مُغْلَقِ تَرْتَدُّ حَسْرَانَا إِلَى رجراجةٍ * شَهْبَاءَ تَلْمَعُ بِالْمَنَايَا فَيْلَقِ مَلْمُومَةٍ خضراء لو قذفوا بها * حصناً لَظَلَّ كَأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقِ (1)
مَشْيَ الضِّرَاءِ عَلَى الهراس كأننا * قدر تفرق في القياد ويلتقي فِي كُلِّ سابغةٍ إِذَا مَا اسْتَحْصَنَتْ * كَالنِّهْيِ هَبَّتْ رِيحُهُ الْمُتَرَقْرِقِ جدلٍ تَمَسُّ فُضُولُهُنَّ نِعَالَنَا * مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ وَآلِ مُحَرِّقِ (2) وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَبُو حَفْصٍ، ثنا الفريابي، ثنا أبان ثنا عمرو - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ - ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عن جده صخر - هو أبي الْعَيْلَةِ الْأَحْمَسِيُّ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا ثَقِيفًا فَلَمَّا أَنْ سَمِعَ ذَلِكَ صَخْرٌ رَكِبَ فِي خَيْلٍ يُمِدُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَهُ قَدِ انْصَرَفَ ولم يفتح، فجعل صخر حينئذ عهد وَذِمَّةً لَا أُفَارِقُ هَذَا الْقَصْرَ حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِمَ يُفَارِقْهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَبَ إِلَيْهِ صَخْرٌ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ ثَقِيفًا قَدْ نَزَلَتْ عَلَى حُكْمِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا مقبل بهم وهم في خيلي فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةً فَدَعَا لِأَحْمَسَ عَشْرَ دَعَوَاتٍ " اللَّهُمَّ بارك لأحمس في خيلها ورجالها ".
وأتى الْقَوْمُ فَتَكَلَّمَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَخْرًا أَخَذَ عَمَّتِي وَدَخَلَتْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، فَدَعَاهُ فَقَالَ " يَا صَخْرُ إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَادْفَعْ إِلَى الْمُغِيرَةِ عَمَّتَهُ " فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ وسأل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاءُ لِبَنِي سُلَيَمٍ قَدْ هَرَبُوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَتَرَكُوا ذَلِكَ الْمَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْزِلْنِيهِ أَنَا وَقَوْمِي؟ قَالَ " نَعَمْ " فَأَنْزَلَهُ وَأَسْلَمَ - يعني الأسلميين، فَأَتَوْا صَخْرًا فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمُ الْمَاءَ فَأَبَى فَأَتَوْا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْلَمْنَا وَأَتَيْنَا صَخْرًا لِيَدْفَعَ إِلَيْنَا مَاءَنَا فَأَبَى عَلَيْنَا، فَقَالَ " يَا صَخْرُ إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ فَادْفَعْ إِلَيْهِمْ مَاءَهُمْ " قَالَ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَغَيَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ حُمْرَةً حَيَاءً مِنْ أَخْذِهُ الْجَارِيَةَ وَأَخْذِهُ الْمَاءَ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ.
قُلْتُ: وَكَانَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ تَقْتَضِي أَنْ يُؤَخَّرَ الفتح عامئذ ليلا يستأصلوا قتلاً لأنه قد تقدم أنه عليه السلام لَمَّا كَانَ خَرَجَ إِلَى الطَّائف فَدَعَاهُمْ إِلَى الله تعالى وإلى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه عزوجل وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ عمِّه أَبِي طَالِبٍ فَرَدُّوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَكَذَّبُوهُ فَرَجَعَ مَهْمُومًا فَلَمْ يَسْتَفِقْ إلا عند
__________
(1) في ابن هشام: حضنا بدل حصنا.
وحضن: اسم جبل بأعلى نجد.
(2) آل محرق هم آل عمرو بن هند ملك الحيرة (*)
(4/403)

قَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَإِذَا هُوَ بِغَمَامَةٍ وَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَاهُ مَلَكُ الْجِبَالِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلام وَقَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَلْ أَسَتَأْنِي بِهِمْ لعلَّ اللَّهَ أَنْ يُخرج مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا " فَنَاسَبَ قَوْلُهُ بَلْ أَسَتَأْنِي بِهِمْ أَنْ لَا يَفْتَحَ حِصْنَهُمْ لِئَلَّا يُقْتَلُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَأَنْ يُؤَخَّرَ الْفَتْحُ لِيَقْدَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ مُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
مرجعه عليه السلام من الطائف وقسمة غنائم هوازن قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ انْصَرَفَ عَنِ الطَّائِفِ عَلَى دَحْنَا (1) حَتَّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ مِنْ هَوَازِنَ سَبْيٌ كَثِيرٌ، وَقَدْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَوْمَ ظَعَنَ عَنْ ثَقِيفٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ " اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَائْتِ بِهِمْ " قَالَ: ثُمَّ أَتَاهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بِالْجِعْرَانَةِ وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ سِتَّةُ آلَافٍ مِنَ الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ وَمِنَ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ مَا لَا يُدْرَى عِدَّتُهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عنه قال عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُنَيْنٍ فَلَمَّا أَصَابَ مِنْ هَوَازِنَ مَا أَصَابَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَسَبَايَاهُمْ أَدْرَكَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بِالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ فَامْنُنْ عَلَيْنَا منَّ اللَّهُ عَلَيْكَ وَقَامَ خَطِيبُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ، أبو صرد، فقال: يا رسول الله إنما فِي الْحَظَائِرِ مِنَ السَّبَايَا خَالَاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ (2) اللَّاتِي كُنَّ يَكْفُلْنَكَ وَلَوْ أَنَّا مَلَحْنَا (3) لِابْنِ أَبِي شَمِرٍ أَوِ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ ثُمَّ أَصَابَنَا مِنْهُمَا مِثْلَ الَّذِي أَصَابَنَا مِنْكَ رَجَوْنَا عائدتهما وعطفهما وأنت رَسُولَ اللَّهِ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كرمٍ * فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ (4) امْنُنْ عَلَى بيضةٍ (5) قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ * ممزقٍ شملها في دهرها غير
أَبْقَتْ لَنَا الدَّهْرَ (6) هُتَّافًا عَلَى حَزَنٍ * عَلَى قُلُوبِهِمُ الْغَمَّاءُ وَالْغَمَرُ
__________
(1) دحنا: من مخاليف الطائف.
(2) إشارة إلى حاضنته، حليمة، وكانت من بني سعد بن بكر من هوازن وكانت ظئرا له.
(3) ملحنا: قال ابن هشام: ما لحنا.
أي أرضعنا.
(4) في روايتي الواقدي والبيهقي: وندخر.
(5) في الواقدي: نسوة.
(6) في البيهقي: الحرب: والبيت لم يذكره الواقدي.
(*)
(4/404)

إِنْ لَمْ تَدَارَكْهَا نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا * يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا (1) حِينَ يُخْتَبَرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا * إِذْ فُوكَ تَمْلَؤُهُ مِنْ مخضها الدِّرَرُ (2) امْنُنْ عَلَى نِسْوةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا * وَإِذْ يزنيك مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ (3) لَا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ (4) * وَاسْتَبْقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرٌ زُهُرُ إِنَّا لَنَشْكُرُ آلَاءً وَإِنْ كُفِرَتْ * وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نِسَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟ " فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ خَيَّرْتَنَا بَيْنَ أَحِسَابِنَا وَأَمْوَالِنَا؟ بَلْ أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَّا مَا كَانَ لِيَ وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِذَا أَنَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ فَقُومُوا فَقُولُوا إِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا فَإِنِّي سَأُعْطِيكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَسْأَلُ لَكُمْ " فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ الظَّهْرَ، قَامُوا فَقَالُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال " أَمَّا مَا كَانَ لِيَ وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ " فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: وَمَا كَانَ لَنَا، فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا، وَقَالَ عُيَيْنَةُ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا، وَقَالَ العبَّاس بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا، فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: بَلْ مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ: يَقُولُ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ لِبَنِي سُلَيْمٍ: وَهَّنْتُمُونِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ أَمْسَكَ مِنْكُمْ بحقه، فله بكل إنسان ستة فرائض، من أول فئ نُصِيبُهُ " فَرَدُّوا إِلَى النَّاسِ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ.
ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا، حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى شَجَرَةٍ فَانْتَزَعَتْ رداءه فقال " أَيُّهَا النَّاسُ رَدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي فَوَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ لَوْ كَانَ لَكُمْ عِنْدِي عَدَدُ شَجَرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ عَلَيْكُمْ ثُمَّ مَا أَلْفَيْتُمُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا " ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَنْبِ بِعِيرٍ فَأَخَذَ مِنْ سَنَامِهِ وَبَرَةً فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها فقال " أيها الناس والله مالي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلَا هَذِهِ الْوَبَرَةِ إِلَّا الْخُمْسُ، وَالْخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ فَأَدَّوُا الْخِيَاطَ وَالْمَخِيطَ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِكُبَّةٍ مِنْ خُيُوطِ شَعَرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذْتُ هَذِهِ لِأَخِيطَ بِهَا بَرْذَعَةَ بَعِيرٍ لِي دَبِرٍ " فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) في الواقدي: حتى.
(2) في الواقدي: إذ فوك مملوءة من محضها الدرر، والمحض: الدفعات الكثيرة من اللبن.
(3) البيت في الواقدي: اللائي إذ كنت طفلا كُنْتَ تَرْضَعُهَا * وَإِذْ يَزِينُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تذر وصدره في السهيلي: إذ كنت طفلا صغيرا كنت ترضعها.
(4) شالت نعامته: أي تفرقت كلمتهم، أو ذهب عزهم (القاموس) (*)
(4/405)

" أَمَّا حَقِّي مِنْهَا فَلَكَ " فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا إذا بلغ الأمر فيها فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا فَرَمَى بِهَا مِنْ يده.
وهذا السياق يقتضي أنه عليه السلام رَدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَمَا ذَهَبَ إليه محمد بن إسحاق ابن يَسَارٍ خِلَافًا لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَغَيْرِهِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وفد هوازن مسلمين فسألوا أن ترد إليهم أموالهم ونساؤهم فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَعِي مَنْ تَرَوْنَ وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ؟ وَقَدْ كُنْتُ
اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عشرة ليلة حنى قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم غير راد إليهم أموالهم إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: إِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسلمين وأثنى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ " أَمَّا بَعْدُ فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤا تَائِبِينَ وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سبيهم فمن أحب أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ من أول مال يفئ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ " فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمْ " إِنَّا لا ندري من أذن منكم مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عَرْفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ " فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عَرْفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا.
فَهَذَا مَا بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ (1) .
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْبُخَارِيُّ لِمَنْعِ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ وَقَوْمِهِمَا بَلْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فَكَيْفَ الساكت.
وروى الْبُخَارِيُّ: مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَهُ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أنَّه بَيْنَمَا هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ النَّاسُ مُقْفِلَةٌ مِنْ حُنَيْنٍ عَلِقَتِ الْأَعْرَابُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ حتى اضطروه إلى شجرة فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ " أَعْطَوْنِي رِدَائِي فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا " تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو وَجْزَةَ يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ السَّعْدِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعطى على ابن أَبِي طَالِبٍ جَارِيَةً، يُقَالُ لَهَا رَيْطَةُ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرَةَ، وَأَعْطَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ حَيَّانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَيَّانَ، وَأَعْطَى عُمَرَ جارية فوهبها من ابنه عَبْدِ اللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثْتُ بِهَا إِلَى أَخْوَالِي مِنْ بَنِي جُمَحَ، لِيُصْلِحُوا لِي مِنْهَا وَيُهَيِّئُوهَا حَتَّى أَطُوفَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ آتِيَهِمْ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُصِيبَهَا إِذَا رَجَعْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: فَجِئْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حِينَ فَرَغْتُ، فَإِذَا النَّاسُ يَشْتَدُّونَ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا رَدَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، قُلْتُ: تِلْكُمْ صَاحِبَتُكُمْ فِي بَنِي جُمَحَ فَاذْهَبُوا فَخُذُوهَا فَذَهَبُوا إِلَيْهَا فَأَخَذُوهَا (2) .
قال ابن إسحاق:
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (54) باب.
فتح الباري 8 / 26 - 27.
وأخرجه البخاري في الوكالة، وفي
كتاب الخمس، وفي كتاب الهبة مختصرا.
وأخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: في فداء الاسير بالمال.
(2) الخبر في أمر أموال هوازن وسباياها وعطاياها في سيرة ابن هشام ج 4 / 132 - 133.
(*)
(4/406)

وَأَمَّا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَأَخَذَ عَجُوزًا مِنْ عجائز هوازن، وقال حين أخذها: أوى عَجُوزًا إِنِّي لِأَحْسَبُ لَهَا فِي الْحَيِّ نَسَبًا، وَعَسَى أَنْ يَعْظُمَ فِدَاؤُهَا، فَلَمَّا ردَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّبَايَا بِسِتِّ فَرَائِضَ (1) أَبَى أَنْ يَرُدَّهَا، فَقَالَ لَهُ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ: خُذْهَا عَنْكَ فَوَاللَّهِ مَا فُوهَا بِبَارِدٍ، وَلَا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ، وَلَا بَطْنُهَا بِوَالِدٍ، ولا زوجها بواجد، ولا درها بماكد (2) ، إنك ما أخذتها والله بيضاء غريرة ولا نصفا وثيرة فردها بست فرائض قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَلَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَنَائِمَ بِالْجِعْرَانَةِ أَصَابَ كُلَّ رَجُلٍ أَرْبَعٌ مِنَ الْإِبِلِ وَأَرْبَعُونَ شَاةً (3) .
وَقَالَ سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ شهد حنين قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لِأَسِيرُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاقَةٍ لِي، وَفِي رِجْلِي نَعْلٌ غَلِيظَةٌ، إِذْ زَحَمَتْ نَاقَتِي نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقَعُ حَرْفُ نَعْلِي عَلَى سَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْجَعَهُ، فَقَرَعَ قَدَمِي بِالسَّوْطِ وَقَالَ: " أَوْجَعْتَنِي فَتَأَخَّرْ عَنِّي " فَانْصَرَفْتُ فلما كان الْغَدِ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْتَمِسُنِي قَالَ: قُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ لِمَا كُنْتُ أَصَبْتُ مِنْ رِجْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَمْسِ، قَالَ فَجِئْتُهُ وَأَنَا أَتَوَقَّعُ فَقَالَ " إِنَّكَ أَصَبْتَ رِجْلِي بِالْأَمْسِ فَأَوْجَعْتَنِي فَقَرَعْتُ قَدَمَكَ بِالسَّوْطِ فَدَعَوْتُكَ لِأُعَوِّضَكَ مِنْهَا " فَأَعْطَانِي ثَمَانِينَ نَعْجَةً بِالضَّرْبَةِ الَّتِي ضَرَبَنِي، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ إِلَى هَوَازِنَ سَبْيَهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كما دل عليه السِّيَاقُ وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شعيب الذي أورده محمد بن إسحاق عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ إِلَى هَوَازِنَ سَبْيَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَلِهَذَا لَمَّا رَدَّ السَّبْيَ وَرَكِبَ عَلَقَتِ الْأَعْرَابُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ لَهُ اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ فَقَالَ " رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي أَيُّهَا النَّاسُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ لَكُمْ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نعماً لقسمته فِيكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا " كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ بِنَحْوِهِ.
وَكَأَنَّهُمْ خَشُوا أَنْ يَرُدَّ إِلَى هَوَازِنَ أَمْوَالَهُمْ كَمَا رَدَّ إِلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأَطْفَالَهُمْ فَسَأَلُوهُ قِسْمَةَ ذَلِكَ فَقَسَّمَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ بالجعرانة كما أمره الله عزوجل وَآثَرَ أُنَاسًا فِي الْقِسْمَةِ وَتَأَلَّفَ أَقْوَامًا مِنْ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ وَأُمَرَائِهِمْ فَعَتَبَ عَلَيْهِ أُنَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حتَّى خَطَبَهُمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فيما فعله تطبيباً لِقُلُوبِهِمْ، وَتَنَقَّدَ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْلَمُ مِنَ الْجَهَلَةِ وَالْخَوَارِجِ كَذِي الْخُوَيْصِرَةِ وَأَشْبَاهِهِ قَبَّحَهُ اللَّهُ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ وَبَيَانُهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، ثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: ثَنَا السُّمَيْطُ السَّدُوسِيُّ عَنْ أَنَسِ بن مالك قال:
__________
(1) الفرائض: جمع فريضة، وهو البعير المأخوذ في الزكاة، سمي فريضة لانه فرض على رب المال، ثم اتسع فيه حتى سمي البعير فريضة.
(2) ماكد: غزير.
(3) العبارة في الواقدي: أربع من الإبل أو أربعون شاة، فإن كان فارسا أخذ اثنتي عشرة من الابل أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم له، 3 / 949.
(*)
(4/407)

فَتَحْنَا مَكَّةَ ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ، فَصُفَّتِ الْخَيْلُ ثُمَّ صُفَّتِ الْمُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّتِ الْغَنَمُ، ثُمَّ النَّعَمُ، قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ (1) وَعَلَى مُجَنَّبَةِ (2) خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلُوذُ (3) خَلْفَ ظُهُورِنَا، قَالَ: فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَ خَيْلُنَا وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ، وَمَنْ نَعْلَمُ مِنَ النَّاس، قَالَ: فَنَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ (4) يَا لَلْمُهَاجِرِينَ يَا لَلْأَنْصَارِ؟ - قَالَ أَنَسٌ هَذَا حَدِيثُ عَمِّيَهِ (5) - قَالَ قُلْنَا لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ وَأَيْمِ اللَّهِ مَا أَتَيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ قَالَ فَقَبَضْنَا ذَلِكَ الْمَالَ ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الطَّائِفِ فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَكَّةَ، قَالَ فَنَزَلْنَا فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي الرَّجل المائة ويعطي الرجل المائتين، قَالَ فَتَحَدَّثَ الْأَنْصَارُ بَيْنَهَا أَمَّا مَنْ قَاتَلَهُ فَيُعْطِيهِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْهُ فَلَا يُعْطِيهِ؟ ! فَرُفِعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَمَرَ بِسَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ " لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيَّ إِلَّا أَنْصَارِيُّ - أَوِ الْأَنْصَارُ " قَالَ فَدَخَلْنَا الْقُبَّةَ حَتَّى مَلَأْنَاهَا قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ " أَوْ
كَمَا قَالَ " مَا حَدِيثٌ أَتَانِي؟ " قَالُوا مَا أَتَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ " مَا حَدِيثٌ أَتَانِي " قَالُوا مَا أَتَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ " أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ حَتَّى تُدْخِلُوهُ بُيُوتَكُمْ؟ " قَالُوا: رَضِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَرَضُوا أَوْ كَمَا قَالَ (6) وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَفِيهِ مِنَ الْغَرِيبِ قَوْلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَوْمَ هَوَازِنَ سِتَّةَ آلَافٍ وَإِنَّمَا كانوا في اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَقَوْلُهُ إِنَّهُمْ حَاصَرُوا الطَّائِفَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَإِنَّمَا حَاصَرُوهَا قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ ودون الْعِشْرِينَ لَيْلَةً فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا هِشَامٌ، ثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مَا أَفَاءَ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ فَطَفِقَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي رِجَالًا الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ؟ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بمقالتهم،
__________
(1) (1) نقل الخبر البيهقي في الدلائل وعلمه على قوله ستة آلاف قال: أظنه يريد الانصار، وقال القاضي: هذا وهم من الراوي عن الانس.
(2) مجنبة: قال شمر: المجنبة هي الكتيبة من الخيل التي تأخذ جانب الطريق.
وهما مجنبتان: ميمنة، وميسرة بجانبي الطريق، والقلب بينهما.
(3) في مسلم: تلوي.
(4) في مسلم: يال المهاجرين: يال بلام مفصولة مفتوحة.
وتفتح اللام في المستغاث به.
(5) من مسلم، وفي الاصل: عمته تحريف.
قال القاضي: ضبطت على أوجه: عمية، وعمية أي حدثني به عمي.
وقال الخليل: العم: الجماعة وقال الحميدي: عمية بتشديد الياء: وفسره بعمومتي، أي حديث فضل أعمامي.
(6) الحديث في مسند الإمام أحمد ج 3 / 158 ومسلم في الزكاة (46) باب.
الحديث (136) (*)
(4/408)

فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةِ أَدَمٍ وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَامَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " مَا حديث بلغني عنكم؟ " قال فُقَهَاءُ الْأَنْصَارِ: أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا،
وَأَمَّا نَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهِدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَسَتَجِدُونَ أَثَرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ " قَالَ أُنْسٌ: فَلَمْ يَصْبِرُوا (1) .
تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ثمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ (2) عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ جدِّه أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ الْتَقَى هَوَازِنُ وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةُ آلَافٍ وَالطُّلَقَاءُ فَأَدْبَرُوا فَقَالَ " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ " قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ لَبَّيْكَ نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ.
فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ " فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فَأَعْطَى الطُّلَقَاءَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، فَقَالُوا، فَدَعَاهُمْ فأدخلهم في قبته فقال " أما ترضون أن تذهب النَّاس بالشَّاة وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم [قَالُوا بَلَى] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْ سَلَكَ النَّاس وَادِيًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ ".
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وغطفان وغيرهم بن عمهم وَذَرَارِيِّهِمْ وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةُ آلَافٍ وَالطُّلَقَاءُ، فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا، الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ " قَالُوا لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ " يا معشر الأنصار؟ " فقالوا لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، فَنَزَلَ فَقَالَ: " أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ " فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ مغانم كَثِيرَةً فَقَسَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ.
وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتْ شَدِيدَةٌ فَنَحْنُ نُدْعَى وَيُعْطَى الْغَنِيمَةَ غَيْرُنَا فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي؟ " فَسَكَتُوا فَقَالَ " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ: " لَوْ سَلَكَ النَّاس وَادِيًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ ".
قَالَ هِشَامٌ: قلت يأبا حَمْزَةَ وَأَنْتَ شَاهِدٌ ذَلِكَ؟ قَالَ وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ (3) ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَارُ فقال " إن
__________
(1) أخرجه البخاري في 57 كتاب الخمس (19) باب.
ومسلم في كتاب الزكاة (46) باب.
الحديث (132) .
(2) من البخاري ومسلم وفي الاصل: ابن عوف تحريف.
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (56) باب غزوة الطائف.
ومسلم في الزكاة (46) باب اعطاء المؤلفة قلوبهم الحديث (135) (*)
(4/409)

قريشا حديثوا (1) عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُجْبِرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ " لَوْ سَلَكَ النَّاس وَادِيًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَ الْأَنْصَارِ " (2) وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ يَزِيدَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ وَفِيهِ فَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ إِنَّ سُيُوفَنَا لِتَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، وَالْغَنَائِمُ تُقَسَّمُ فِيهِمْ، فَخَطَبَهُمْ وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الإمام أحمد: ثنا عفان، ثناد حَمَّادٌ، ثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ وَعُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعَ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فِي آخَرِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ وَهُمْ يَذْهَبُونَ بِالْمَغْنَمِ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَتَّى فَاضَتْ فَقَالَ " فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ " قَالُوا لَا إِلَّا ابْنَ أُخْتِنَا، قَالَ " ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ " ثُمَّ قَالَ " أَقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ " أَنْتُمُ الشِّعَارُ وَالنَّاسُ الدِّثَارُ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاس بِالشَّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى دِيَارِكُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ " الْأَنْصَارُ كَرِشِي وَعَيْبَتِي لَوْ سَلَكَ النَّاس وَادِيًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَهَمْ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امرءاً من الأنصار " (3) وقال: قال حَمَّادٌ: أَعْطَى مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ فَسَمَّى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ أَلَمْ آتِكُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللَّهُ بِي، أَلَمْ آتِكُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟ " قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ
" أَفَلَا تَقُولُونَ جِئْتَنَا خَائِفًا فَأَمَّنَّاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ؟ " قَالُوا بَلْ لِلَّهِ الْمَنُّ عَلَيْنَا وَلِرَسُولِهِ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ ثُلَاثِيٌّ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ فَهَذَا الْحَدِيثُ كَالْمُتَوَاتِرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غيره من الصحابة.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ ثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَّمَ فِي النَّاس فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ إِذْ لم يصيبهم.
مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ ورسوله أمن،
__________
(1) حديثو عهد بجاهلية: أي كانوا قريب عهد بجاهلية، يعني أن زمانهم قريب من زمان الكفر.
قال ابن حجر: وقع بالافراد في الصحيحين " حديث عهد " والمعروف حديثو عهد.
وفعيل يستوي فيه الافراد وغيره.
(2) أخرجه البخاري في 57 كتاب فرض الخمس (19) باب.
ومسلم في كتاب الزكاة (46) باب (حديث: 133) و (134) .
(3) مسند الإمام أحمد: ح 3 / 222.
(*)
(4/410)

قَالَ " لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاس بِالشَّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لكنت امرءاً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاس وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا.
الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ (1) ، إنَّكم سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ بِهِ وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَنَائِمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَقَسَّمَ لِلْمُتَأَلِّفِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَسَائِرِ الْعَرَبِ مَا قسم ولم يكن في الأنصار منها شئ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ والله رسول الله قَوْمَهُ، فَمَشَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ؟ فَقَالَ " فِيمَ؟ " قَالَ: فِيمَا كَانَ مِنْ
قَسْمِكَ هَذِهِ الْغَنَائِمَ فِي قَوْمِكَ وَفِي سَائِرِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فيهم من ذلك شئ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ " قَالَ: مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا فَأَعْلِمْنِي " فَخَرَجَ سَعْدٌ فَصَرَخَ فِيهِمْ فَجَمَعَهُمْ في تلك الحظيرة فجاء رجل من المهاجرين فأذن له فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ إِلَّا اجْتَمَعَ لَهُ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ حَيْثُ أَمَرْتَنِي أَنْ أَجْمَعَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إلا تجيبون يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ " قَالُوا: وَمَا نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ؟ الْمَنُّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ قال: " وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ جِئْتَنَا طَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ، وَخَائِفًا فَأَمَّنَّاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ " فَقَالُوا: الْمَنُّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَوَجَدْتُمْ فِي نُفُوسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا أَسْلَمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى مَا قَسَمَ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاس إِلَى رِحَالِهِمْ بِالشَّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ النَّاس سَلَكُوا شِعْبًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شعب (2) الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً مِنَ الْأَنْصَارِ (3) ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وأبناء أبناء الأنصار " قال:
__________
(1) قال أهل اللغة: الشعار الثوب الذي يلي الجسد، والدثار فوقه.
ومعنى الحديث أن الانصار هم البطانة والخاصة والاصفياء.
وألصق الناس بي من سائر الناس.
(2) قال الخليل: الشعب هو ما انفرج بين جبلين، وقال ابن السكين، هو الطريق في الجبل.
والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم أراد أنه مع الانصار قال الخطابي: ويحتمل أنه يريد بالشعب - الوادي - أي المذهب.
(3) قال الخطابي: أراد: تأليف الانصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم.
وقال القرطبي: معناه لتسميت (*) .
(4/411)

فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا: رَضِينَا بالله رباً وَرَسُولِهِ قَسْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ وَتَفَرَّقُوا (1) .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِأَصْحَابِهِ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ أَنَّهُ لو اسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ قَدْ آثَرَ عَلَيْكُمْ، قَالَ فَرَدُّوا عَلَيْهِ رَدًّا عَنِيفًا فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ أَشْيَاءَ لَا أَحْفَظُهَا قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ " وَكُنْتُمْ لَا تَرْكَبُونَ الْخَيْلَ " وَكُلَّمَا قَالَ لَهُمْ شَيْئًا قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ثمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْخُطْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ أَيْضًا.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِنَحْوِهِ وَرَوَاهُ أحمد أيضاً عن موسى بن عقبة عَنِ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مُخْتَصَرًا.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ مِنْ سَبْيِ حُنَيْنٍ مِائَةً مِنَ الإبل، وأعطى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مِائَةً.
وَأَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أميَّة مِائَةً، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِائَةً.
وَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً، وَأَعْطَى عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ مِائَةً، وَأَعْطَى مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ مِائَةً، وَأَعْطَى العبَّاس بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ الْمِائَةِ، وَلَمْ يُبَلِّغْ بِهِ أُولَئِكَ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أتجعل نهبي ونهب العب * يد بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ (2) فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ * يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا * وَمَنْ تَخْفِضُ الْيَوْمَ لَا يرفع وقد كنت في الحرب ذا تدرئ * فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ قَالَ فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةً.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِنَحْوِهِ وَهَذَا لَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ (3) وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَ: كَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتُهَا * بِكَرِّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الْأَجْرَعِ (4) وَإِيقَاظِيَ الْحَيَّ أَنْ يَرْقُدُوا * إذا هجع الناس لم أهجع
__________
= باسمكم وانتسبت إليكم لما كانوا يتناسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة وترتيبها سبقت فمنعت ما سوى
ذلك، وهي أعلى وأشرف فلا تبدل بغيرها.
(1) الخبر في سيرة ابن هشام 4 / 141 - 143 ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 176 - 178.
(2) العبيد: اسم فرس عباس بن مرداس.
(3) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 178 - 179 ومسلم في كتاب الزكاة.
الحديث 137.
(4) النهاب: جمع نهب، وهو ما ينهب ويغنم، والاجرع: المكان السهل (*)
(4/412)

فأصبح نهي ونهب العب * يد بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذا تدرئ * فلم أعط شيئاً ولم أمنع إلا أفايل أُعْطِيتُهَا * عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ (1) وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ * يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ (2) وَمَا كُنْتُ دُونَ امِرِئٍ مِنْهُمَا * وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ قَالَ عُرْوَةُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ " أَنْتَ الْقَائِلُ أَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعُبَيْدِ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ؟ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا هَكَذَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتَ بِشَاعِرٍ وَمَا يَنْبَغِي لَكَ، فَقَالَ " كَيْفَ قَالَ؟ " فَأَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " هُمَا سَوَاءٌ مَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِمَا بَدَأْتَ " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ " فَخَشِيَ بَعْضُ النَّاس أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْمُثْلَةَ بِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَطِيَّةَ، قَالَ وَعُبَيْدٌ فَرَسُهُ (3) ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن العلاء، ثنا أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (4) وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ " أَبْشِرْ " فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ! فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ " رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا " ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثمَّ قَالَ: " اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكَمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا " فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا، فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا.
فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ
طَائِفَةً.
هَكَذَا رَوَاهُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ من شدة جذبته، قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ الَّذِينَ أَعْطَاهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَهُمْ: أَبُو سُفْيَانَ صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُهُ مُعَاوِيَةُ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، والحارث (5) بن كلدة أخو بني عبد
__________
(1) الافايل: جمع أفيل.
وهو الصغير من الابل.
(2) في رواية عروة وابن عقبة وابن إسحاق: شيخي بدلا من مرداس.
وحصن: هو أبو عيينة.
(3) الخبر والابيات في سيرة ابن هشام ج 4 / 136 ونقلها البيهقي في الدلائل عن ابن عقبة.
ج 5 / 181.
(4) من صحيح البخاري، وفي نسخ البداية المطبوعة يزيد وهو تحريف.
(5) قال القسطلاني: قال الداودي: وهو وهم والصواب بين مكة والطائف، وبه جزم النووي وغيره.
وقال ياقوت: الجعرانة ماء بين مكة والطائف وهي إلى مكة أقرب.
وقال الباجي: بينه وبين مكة ثمانية عشر ميلا.
(6) في السيرة: الحارث بن الحارث بن كلدة، وقال ابن هشام: نصير.
وعند الواقدي: النضير.
(*)
(4/413)

الدار، وعلقمة بن علاثة، والعلاء بن حارثة (1) الثَّقفيّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ (2) ، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ ابْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ: أَنَّ قَائِلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعَ مِائَةً مِائَةً وَتَرَكْتَ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ الضَّمْرِيَّ (3) ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ مِثْلُ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ، وَلَكِنْ تَأَلَّفْتُهُمَا لِيُسْلِمَا، وَوَكَلْتُ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إِلَى إِسْلَامِهِ " ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مَنْ أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
دُونَ الْمِائَةِ مِمَّنْ يَطُولُ ذِكْرُهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أميَّة أَنَّهُ قَالَ: مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ وَهُوَ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شيئاً أحب إلي منه.
قُدُومِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ عَلَى الرَّسُولِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَفْدِ هَوَازِنَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ مَا فَعَلَ؟ فَقَالُوا هُوَ بالطائف مع ثقيف فقال " أَخْبِرُوهُ أَنَّهُ إِنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْتُ إِلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَأَعْطَيْتُهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ " فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مَالِكًا انْسَلَّ مِنْ ثَقِيفٍ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْجَعْرَانَةِ (4) .
أَوْ بِمَكَّةَ - فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، فرد عليه أهله وماله ولما أعطاه مائة فَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ * فِي النَّاسِ كُلِّهِمُ بِمِثْلِ مُحَمَّدِ أَوْفَى وَأَعْطَى لِلْجَزِيلِ إِذَا اجْتُدِي * وَمَتَى تَشَأْ يُخْبِرْكَ عَمَّا فِي غَدِ (5) وَإِذَا الْكَتِيبَةُ عَرَّدَتْ أَنْيَابُهَا * بِالسَّمْهَرِيِّ وَضَرْبِ كُلِّ مُهَنَّدِ (6) فَكَأَنَّهُ لَيْثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ * وَسْطَ الْهَبَاءَةِ خَادِرٌ فِي مَرْصَدِ (7) قَالَ وَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ وَتِلْكَ الْقَبَائِلُ ثُمَالَةُ وَسَلِمَةُ
__________
(1) في ابن هشام: ابن جارية.
وفي الواقدي: أعطاه خمسين بعيرا.
(2) لم يذكره ابن إسحاق في السيرة، ولا الواقدي.
وذكر الواقدي: قيس بن عدي فيمن أعطوا مائة.
(3) قال السهيلي: نسب ابن إسحاق جعيلا إلى ضمرة، وهو معدود في غفار لان غفارا هم بنو مليل بن ضمرة.
(4) جزم الواقدي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قد ركب من الجعرانة.
(5) اجتدى: أي طلب منه الجدوى، وهو العطية (شرح أبي ذر) .
(6) عردت: عوجت (قاله أبو ذر) ، وفي الواقدي بالمشرفي بدل بالسمهري.
قال أبو عبيدة: نسب السيوف المشرفية إلي مشارف، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف.
قال في الصحاح: يقال سيف مشرفي ولا يقال مشارفي.
(7) الهباءة: الغبار.
الخادر: الاسد الداخل في خدره أي عرينه.
والخدر هنا غابة الاسد.
(*)
(4/414)

وَفَهْمٌ (1) ، فَكَانَ يُقَاتِلُ بِهِمْ ثَقِيفًا لَا يَخْرُجُ لَهُمْ سَرْجٌ إِلَّا أَغَارَ عَلَيْهِ حَتَّى ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ثَنَا الْحَسَنُ حَدَّثَنِي عمرو بن تغلب قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ فَكَأَنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فقال " إني أعطي قوماً أخاف هلعهم وَجَزَعَهُمْ وأكِل قَوْمًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْغِنَى مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ " قَالَ عَمْرُو: فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمْرَ النَّعَمِ، زَادَ أَبُو عَاصِمٍ عَنْ جَرِيرٍ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ ثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ - فَقَسَّمَهُ بِهَذَا.
وَفِي رواية للبخاري قال: أتى رسول الله بمال - أو بشئ - فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا فَخَطَبَهُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ " أَمَّا بعد " فذكره مِثْلَهُ سَوَاءً.
تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الأنصار وتأخرهم عن الغنيمة: ذر الهموم (2) فَمَاءُ الْعَيْنِ مُنْحَدِرُ * سَحًّا إِذَا حَفَلَتْهُ عَبْرَةٌ دِرَرُ وَجْدًا بِشَمَّاءَ إِذْ شَمَّاءُ بَهْكَنَةٌ * هَيْفَاءُ لَا ذَنَنٌ فِيهَا وَلَا خَوَرُ (3) دَعْ عَنْكَ شَمَّاءَ إِذْ كَانَتْ مَوَدَّتُهَا * نَزْرًا وَشَرُّ وِصَالِ الواصل النزر وائت الرسول وقل يا خبر مُؤْتَمَنٍ * لِلْمُؤْمِنِينَ إِذَا مَا عُدِّدَ (4) الْبَشَرُ عَلَامَ تدعي سليم وهي نازحة * قدام قوم هموا آوَوْا وَهُمْ نَصَرُوا (5) سَمَّاهُمُ اللَّهُ أَنْصَارًا بِنَصْرِهِمُ * دِينَ الْهُدَى وَعَوَانُ الْحَرْبِ تَسْتَعِرُ وَسَارَعُوا فِي سبيل الله واعترضوا * لِلنَّائِبَاتِ وَمَا خَانُوا وَمَا ضَجِرُوا وَالنَّاسُ أَلْبٌ عَلَيْنَا فِيكَ لَيْسَ لَنَا (6) * إِلَّا السُّيُوفُ وَأَطْرَافُ القناوزر تجالد النَّاسَ لَا نُبْقِي عَلَى أَحَدٍ * وَلَا نُضَيِّعُ ما توحي به السور ولا تهز جُنَاةُ الْحَرْبِ نَادِيَنَا (7) * وَنَحْنُ حِينَ تَلَظَّى نَارُهَا سُعُرُ كَمَا رَدَدْنَا بِبَدْرٍ دُونَ مَا طَلَبُوا * أَهْلَ النِّفَاقِ وَفِينَا يَنْزِلُ الظَّفَرُ وَنَحْنُ جُنْدُكَ يَوْمَ النَّعْفِ مِنْ أُحُدٍ * إِذْ حَزَّبَتْ بَطَرًا أَحْزَابَهَا مُضَرُ
فَمَا وَنَيْنَا وَمَا خِمْنَا وَمَا خَبَرُوا * مِنَّا عِثَارًا وَكُلُّ النَّاسِ قَدْ عَثَرُوا
__________
(1) قال الواقدي: هوازن وفهم.
وقال السهيلي: " والمعروف في قبائل قيس سلمة بالفتح.
إلا أن يكونوا من الازد، فإن ثمالة المذكورين معهم حي من الازد، وفهم من دوس وهم من الازد أيضا.
".
(2) في ابن هشام: زادت هموم.
(3) ذنن، وفي ديوانه دنس.
قال أبو ذر: ذنن القذر.
وتروى دنن: معناه تطامن بالصدر.
(4) في الديوان: عدل.
(5) في الديوان: أمام بدلا من قدام.
(6) في الديوان: ثم ليس لنا.
(7) صدره في الديوان: ولا يهر جناب الحرب مجلسنا، وما قبله غير مذكور في الديوان.
(*)
(4/415)

اعترض بعض أهل الشقاق على الرسول قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا قَبِيصَةُ ثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا قَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِسْمَةَ حُنَيْنٍ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: مَا أَرَادَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَخْبَرْتُهُ فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ ثمَّ قَالَ " رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ ثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا، أَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى نَاسًا فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُرِيدَ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ وَجْهُ اللَّهِ.
فَقُلْتُ: لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، [فأخبرته] (1) فقال " رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورِ عن المعتمر به.
وفي رواية البخاري: فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ " مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ ! رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ " (2) .
وقال محمد
ابن إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، أَبِي الْقَاسِمِ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَتَلِيدُ بْنُ كِلَابٍ اللَّيْثِيُّ، حتى أتينا عبد الله بن عمرو ابن الْعَاصِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، مُعَلِّقًا نَعْلَهُ بِيَدِهِ، فَقُلْنَا لَهُ هَلْ حَضَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَلَّمَهُ التَّمِيمِيُّ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ جَاءَ رَجُلٌ مَنْ بَنِي تَمِيمٍ، يُقَالُ لَهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُعْطِي النَّاس فَقَالَ لَهُ: يَا محمَّد قَدْ رَأَيْتُ مَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَجَلْ فَكَيْفَ رَأَيْتَ؟ " قَالَ لَمْ أَرَكَ عَدَلْتَ، قَالَ: فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " وَيْحَكَ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَدْلُ عِنْدِي فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ؟ " فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ألا نقتله؟ فقال " دَعُوهُ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَهُ شِيعَةٌ يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهُ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ فِي النَّصْلِ، فَلَا يُوجَدُ شئ ثم في القدح فلا يوجد شئ، ثم في الفوق، (3) فلا يوجد شئ سَبَقَ الْفَرْثَ والدَّم " وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ بِالْجِعْرَانَةِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبِضُ مِنْهَا وَيُعْطِي النَّاس، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ، قَالَ: " وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ، لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ " فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي يَا رسول الله فأقتل
__________
(1) من صحيح البخاري.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي - باب غزوة حنين، وفي كتاب فرض الخمس - باب مَا كَانَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي المؤلفة قلوبهم.
ورواه مسلم في الزكاة (46) باب.
الحديث (140) .
(3) القدح: السهم.
والفوق: طرف السهم الذي يباشر الوتر.
والخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 139.
(*)
(4/416)

هَذَا الْمُنَافِقَ؟ فَقَالَ " مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يقرؤن القرآن لا يتجاوز حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرمية " (1) ورواه مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ عَنِ اللَّيث.
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو عَامِرٍ، ثَنَا قُرَّةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ مَغَانِمَ حُنَيْنٍ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فقال اعدل، فقال " لقد شقيت إذ لَمْ
أَعْدِلْ " (2) وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ السَّدُوسِيِّ بِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا إِذْ أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ لَقَدْ خبت وخسرت، إذ لم أعدل فمن يعدل؟ " فقال عمر ابن الخطَّاب: يا رسول الله ايذن لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " دَعْهُ فإنَّ لَهُ أَصْحَابًا يحقِّر أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مع صيامهم يقرؤن الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمية، يَنْظُرُ إِلَى نصله فلا يوجد فيه شئ ثم إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ ثمَّ يَنْظُرُ إِلَى نَضِيِّهِ - وَهُوَ قِدْحُهُ - فَلَا يوجد فيه شئ ثمَّ يَنْظُرُ إِلَى قَذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شئ قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ والدَّم آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ البضعة تدر در وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاس " قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، وَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجل فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ حتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَ (3) .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِهِ نَحْوَهُ.
مجئ أخت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ الرضاعة عليه بالجعرانة قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ هَوَازِنَ " إِنْ قَدَرْتُمْ على نجاد (4) - رَجُلٍ مَنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ - فَلَا يفلتنكم " وكان قد أحدث حدثا، فلما
__________
(1) رواه مسلم في كتاب الزكاة " (47) باب ذكر الخوارج الحديث (142) ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 185 - 186.
(2) مسند الإمام أحمد ج 3 / 332.
(3) أخرجه البخاري في كتاب المناقب (25) باب علامات النبوة في الاسلام.
وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة (47) باب ذكر الخوارج (الحديث 148) .
في الحديث: الرصاف: مدخل النصل من السهم.
والنفي: السهم بلا نصل ولا ريش.
والقذذ: ريش السهم.
وتدردر: تضطرب وتتحرك وتذهب وتجئ.
(4) في ابن هشام والواقدي بجاد، وكان قد أتاه رجل مسلم، فأخذه بجاد فقطعه عضوا عضوا ثم حرقه بالنار.
فكان قد عرف جرمه فهرب، فأخذته الخيل، ثم ضموه إلى الشيماء: وبعد رحيل الشيماء إلى قومها عادت وكلمته صلى الله عليه وسلم أن يهبها بجاد ويعفو عنه ففعل.
مغازي الواقدي: 3 - 913.
(*)
(4/417)

ظَفِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ سَاقُوهُ وَأَهْلَهُ وَسَاقُوا مَعَهُ الشَّيْمَاءَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، أُخْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ الرَّضَاعَةِ، قَالَ: فَعَنَفُوا عَلَيْهَا فِي السُّوقِ فَقَالَتْ للمسلمين: تعلمون وَاللَّهِ إِنِّي لَأُخْتُ صَاحِبِكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ؟ فَلَمْ يُصَدِّقُوهَا حَتَّى أَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ السَّعْدِيُّ - هُوَ أَبُو وَجْزَةَ - قَالَ: فَلَمَّا انْتَهِي بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُخْتُكَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَ: " وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ عَضَّةٌ عَضِضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ، قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَلَامَةَ فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ وَخَيَّرَهَا وَقَالَ " إِنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي محببة مُكَرَّمَةٌ، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتِّعَكِ وَتَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكِ فَعَلْتُ؟ " قَالَتْ: بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إِلَى قَوْمِي، فَمَتَّعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَدَّهَا إِلَى قَوْمِهَا، فَزَعَمَتْ بَنُو سَعْدٍ أَنَّهُ أَعْطَاهَا غُلَامًا يُقَالُ لَهُ مَكْحُولٌ، وَجَارِيَةً، فَزَوَّجَتْ أَحَدَهُمَا الْآخَرَ فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مِنْ نَسْلِهِمَا بَقِيَّةٌ (1) .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ هَوَازِنَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أُخْتُكَ أَنَا شَيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ، فَقَالَ لَهَا " إِنْ تَكُونِي صَادِقَةً فَإِنَّ بِكِ مِنِّي أَثَرٌ لَا يَبْلَى " قَالَ: فكشف عَنْ عَضُدِهَا فَقَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ [حملتك] (2) وَأَنْتَ صَغِيرٌ فَعَضِضْتَنِي هَذِهِ الْعَضَّةَ، قَالَ: فَبَسَطَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ " سَلِي تُعْطَيْ وَاشْفَعِي تُشَفَّعِي ".
وقال البيهقي: أنبأ أبو نصر ابن قتادة، أنبا عمرو بن إسماعيل بن عبد السلمي ثنا مُسْلِمٍ (3) ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ يحيى ابن ثَوْبَانَ أَخْبَرَنِي عَمِّي عُمَارَةُ بْنُ ثَوْبَانَ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ أَخْبَرَهُ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا أَحْمِلُ عضو الْبَعِيرِ، وَرَأَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ نعماً بِالْجِعْرَانَةِ، قَالَ: فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَقُلْتُ: مَنْ
هَذِهِ؟ قَالُوا أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ (4) .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أُخْتَهُ وَقَدْ كَانَتْ تَحْضُنُهُ مَعَ أُمِّهَا حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَقَدْ عَمَّرَتْ حَلِيمَةُ دَهْرًا فَإِنَّ مِنْ وَقْتِ أَرْضَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَقْتِ الْجِعْرَانَةِ أَزْيَدَ مِنْ ستِّين سَنَةً، وَأَقَلُّ مَا كَانَ عُمْرُهَا حِينَ أرضعته صلى الله عليه وسلم ثلاثين سَنَةً، ثُمَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا عَاشَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ فِيهِ أَنَّ أبو يه مِنَ الرَّضَاعَةِ قَدِمَا عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ (5) ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ أنَّه بَلَغَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا يَوْمًا فَجَاءَهُ أَبُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ فَقَعَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ فَوَضَعَ لَهَا شق
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام 4 / 100 - 101.
(2) من الدلائل: وانظر.
الخبر فيها ج 5 / 199 - 200.
(3) في الدلائل: أخبرنا نصر بن قتادة، قال: أَنْبَأَنَا أَبُو عَمْرٍو إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ السُّلَمِيُّ، قال: أنبأنا أبو مسلم.
(4) دلائل البيهقي 5 / 199 وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب - باب في بر الوالدين 4 / 337.
وقال في بذل المجهود (20 / 81) : هي حليمة السعدية، وبه جزم السيوطي في شرح الترمذي.
(5) الحديث أخرجه أبو داود في الادب 4 / 337 الحديث 5145 في باب: بر الوالدين.
(*)
(4/418)

ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ جاءه أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَوَازِنَ بِكَمَالِهَا مُتَوَالِيَةٌ بِرَضَاعَتِهِ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَهُمْ شِرْذِمَةٌ مِنْ هَوَازِنَ، فَقَالَ خَطِيبُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ: يَا رسول الله إنما فِي الْحَظَائِرِ أُمَّهَاتُكَ وَخَالَاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ وَقَالَ فِيمَا قَالَ: امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا * إِذْ فُوكَ يَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا دِرَرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا * وَإِذْ يَزِينُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ فَكَانَ هَذَا سَبَبَ إِعْتَاقِهِمْ عَنْ بكرة أبيهم فعادت فواضله عليه السلام عَلَيْهِمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا خُصُوصًا وَعُمُومًا.
وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ
النُّضَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ بن كلدة من أجمل النَّاس فَكَانَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي منَّ عَلَيْنَا بِالْإِسْلَامِ، ومنَّ عَلَيْنَا بمحمَّد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَلَمْ نَمُتْ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ الْآبَاءُ، وَقُتِلَ عَلَيْهِ الْإِخْوَةُ، وَبَنُو الْعَمِّ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَدَاوَتَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ خَرَجَ مَعَ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى حُنَيْنٍ وَهَمْ عَلَى دِينِهِمْ بَعْدُ، قَالَ وَنَحْنُ نُرِيدُ إِنْ كَانَتْ دَائِرَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ أن نغير عَلَيْهِ فَلَمْ يُمْكِنَّا ذَلِكَ، فَلَمَّا صَارَ بِالْجِعْرَانَةِ فَوَاللَّهِ إِنِّي لِعَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ إِنْ شَعَرْتُ إِلَّا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " أنضير؟ " قلت لبيك، قال " هلك لك إلى خَيْرٌ مِمَّا أَرَدْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِمَّا حَالَ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؟ " قَالَ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ سَرِيعًا فَقَالَ " قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تُبْصِرَ مَا كنت فيه توضع " قلت قد أدري أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى شَيْئًا، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اللَّهُمَّ زِدْهُ ثَبَاتًا " قَالَ النُّضَيْرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَكَأَنَّ قَلْبِي حَجَرٌ ثَبَاتًا فِي الدِّينِ، وَتَبْصِرَةً بِالْحَقِّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاهُ " (1) .
عُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا بَهْزٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ الْمَعْنَى قَالَا: ثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قُلْتُ: كَمْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم؟ قَالَ: حِجَّةً وَاحِدَةً، وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
عُمْرَتُهُ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَتُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَعُمْرَتُهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنِيمَةَ حُنَيْنٍ، وَعُمْرَتُهُ مَعَ حِجَّتِهِ (2) .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى بِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو النَّضْرِ، ثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِي الْعَطَّارَ - عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عبَّاس قال: اعتمر رسول الله
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 205.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (35) باب الحديث (4148) ومسلم في كتاب الحج (35) باب.
الحديث (217) .
(4/419)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَرْبَعَ عُمَرٍ، عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَالثَّالِثَةُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَالرَّابِعَةُ الَّتِي مَعَ
حِجَّتِهِ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارِ الْمَكِّيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ به.
وحسنه والترمذي.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم ثَلَاثَ عُمَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ فِي ذِي القعدة يلبي حتى يستلم الجحر.
(الْحَجَرَ) غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهَذِهِ الثَّلَاثُ عُمَرٍ اللَّاتِي وَقَعْنَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مَا عَدَا عُمْرَتَهُ مَعَ حِجَّتِهِ فَإِنَّهَا وَقَعَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ مَعَ الْحِجَّةِ وَإِنْ أَرَادَ ابْتِدَاءَ الْإِحْرَامِ بِهِنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ لَأَنَّهُ صُدَّ عَنْهَا وَلَمْ يَفْعَلْهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ نَافِعٌ وَمَوْلَاهُ ابْنُ عُمَرَ يُنْكِرَانِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَذَلِكَ فِيمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ، قَالَ وَأَصَابَ عُمَرُ جَارِيَتَيْنِ مِنْ سَبْيِ حُنَيْنٍ فَوَضَعَهُمَا فِي بَعْضِ بُيُوتِ مَكَّةَ، قَالَ فمنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبْيِ حُنَيْنٍ فَجَعَلُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ انْظُرْ مَا هَذَا؟ قَالَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّبْيِ، قَالَ اذْهَبْ فَأَرْسِلِ الْجَارِيَتَيْنِ.
قَالَ نَافِعٌ: وَلَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَلَوِ اعْتَمَرَ لَمْ يَخْفَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهِ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عبدة الضبي عن حماد ابن زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ عُمْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ فَقَالَ: لَمْ يَعْتَمِرْ مِنْهَا.
وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا عَنِ ابْنِ عمرو عن مَوْلَاهُ نَافِعٍ فِي إِنْكَارِهِمَا عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَطْبَقَ النَّقَلَةُ مِمَّنْ عَدَاهُمَا عَلَى رِوَايَةِ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ الصِّحاح وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ وَذَكَرَ ذَلِكَ أصحاب المغازي والسنن كُلُّهُمْ.
وَهَذَا أَيْضًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ وَقَالَتْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا وَهُوَ شَاهِدٌ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ سَأَلَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ابْنَ عُمَرَ فِي أَيِّ
شَهْرٍ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: قَالَ فِي رَجَبٍ فَسَمِعَتْنَا عَائِشَةُ فَسَأَلَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إِلَّا وَقَدْ شهدها وما اعتمر عمرة قَطُّ إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ نَحْوَهُ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عن مجاهد سئل ابن عمركم اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم؟ فَقَالَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَقَدْ عَلِمَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم اعْتَمَرَ ثَلَاثًا سِوَى الَّتِي قَرَنَهَا بِحِجَّةِ الوداع.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ فَإِذَا ابْنُ عُمَرَ مُسْتَنِدٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَأُنَاسٌ
(4/420)

يُصَلُّونَ الضُّحَى، فَقَالَ عُرْوَةُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ بِدْعَةٌ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَرْبَعًا إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، قَالَ وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ لَهَا عُرْوَةُ إِنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اعْتَمَرَ أَرْبَعًا إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ؟ فقلت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ (1) .
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ مَنْصُورٍ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا رَوْحٌ ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُزَاحِمُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُخَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم خَرَجَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا حِينَ أَمْسَى مُعْتَمِرًا فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا يَقْضِي عُمْرَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ بِالْجِعْرَانَةِ كَبَائِتٍ حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ فِي بَطْنِ سَرِفٍ، حتى جاء مع الطَّرِيقَ - طَرِيقَ الْمَدِينَةِ - بِسَرِفٍ قَالَ مُخَرِّشٌ: فَلِذَلِكَ خَفِيَتْ عُمْرَتُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ (2) .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ ثَابِتَةٌ بِالنَّقْلِ الصَّحيح الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ وَلَا دَفْعُهُ وَمَنْ نَفَاهَا لَا حُجَّةَ مَعَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ أَثْبَتَهَا والله أعلم.
ثم وهم كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الطَّائِفِ وَقَسْمِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ، وَمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الكبير قائلاً: حدَّثنا الحسن بْنُ إِسْحَاقَ التَّستريّ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي
شَيْبَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبَّاس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الطَّائِفِ نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ فَقَسَمَ بِهَا الْغَنَائِمَ ثُمَّ اعْتَمَرَ مِنْهَا وَذَلِكَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ غَرِيبٌ جِدًّا وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ثنا ابن جريج أخبرني عطاء أن صفوان ابن يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، قَالَ فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ مَعَهُ فِيهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جبة متضمخ بطيب، قال فَأَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى يَعْلَى بِيَدِهِ، أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ " أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ " فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ، قَالَ " أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَأَخْرَجَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَطَاءٍ كِلَاهُمَا عن صفوان بن يعلى ن أمية بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ وَدَخَلَ فِي الْعُمْرَةِ مِنْ كُدَى.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا مُوسَى أَبُو سَلَمَةَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وأصحابه اعتمروا من
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه (ج 2 / 206) ومسلم في صحيحه في كتاب الحج، الحديث (220) (*) .
(4/421)

الْجِعْرَانَةِ فَرْمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا وَمَشَوْا أَرْبَعًا وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى.
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ أَيْضًا وابن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُخْتَصَرًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ: أَحْمَدُ ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جريج، حدثني الحسن بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ أَوْ قَالَ: رَأَيْتُهُ يُقَصِّرُ عَنْهُ بِمِشْقَصٍ عِنْدَ الْمَرْوَةِ.
وَقَدْ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ
طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بِهِ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ بِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الله بن الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ وَذَلِكَ أَنَّ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى مَكَّةَ فِيهَا بَلْ صُدَّ عَنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَأَمَّا عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فَلَمْ يَكُنْ أَبُو سُفْيَانَ أَسْلَمَ وَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا أَحَدٌ حِينَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بل خرجوا منها، وتغيبوا عنها مدة مقامه عليه السلام بِهَا تِلْكَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ، وَعُمْرَتُهُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْهَا بِالِاتِّفَاقِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ هَذَا التَّقْصِيرَ الَّذِي تَعَاطَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ إِنَّمَا كَانَ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ كَمَا قُلْنَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ مُعْتَمِرًا وأمر ببقاء (1) الفئ فَحُبِسَ بِمَجَنَّةَ بِنَاحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرَانِ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ أنه عليه السلام إِنَّمَا اسْتَبْقَى بَعْضَ الْمَغْنَمِ لِيَتَأَلَّفَ بِهِ مَنْ يَلْقَاهُ مِنَ الْأَعْرَابِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عُمْرَتِهِ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ وَخَلَّفَ مَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ (2) يُفَقِّهُ النَّاسَ فِي الدِّين وَيُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ.
وَذَكَرَ عُرْوَةُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَّفَ مُعَاذًا مَعَ عَتَّابٍ بِمَكَّةَ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى هَوَازِنَ ثُمَّ خَلَّفَهُمَا بِهَا حِينَ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ رَزَقَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا فَقَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَجَاعَ اللَّهُ كَبِدَ مَنْ جَاعَ عَلَى دِرْهَمٍ، فَقَدْ رَزَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْهَمًا كُلَّ يوم فليست لي حَاجَةٌ إِلَى أَحَدٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتْ عُمْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي بَقِيَّةِ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ فِي أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ.
قال ابن هشام: قدمها لست (3)
__________
(1) في ابن هشام: ببقايا.
(2) في الواقدي: أنه خلف معاذ وأبا موسى الأشعري يعلمان الناس القرآن والفقه في الدين.
(3) في الواقدي: لثلاث بقين من ذي القعدة يوم الجمعة (*)
(4/422)

بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فِيمَا قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدِينِيُّ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَجَّ النَّاسُ ذَلِكَ الْعَامَ عَلَى مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّ عَلَيْهِ وَحَجَّ بِالْمُسْلِمِينَ تِلْكَ السَّنَةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ.
قَالَ وَأَقَامَ أَهْلُ الطَّائِفِ عَلَى شِرْكِهِمْ وَامْتِنَاعِهِمْ فِي طَائِفِهِمْ مَا بَيْنَ ذِي الْقَعْدَةِ إِلَى رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تسع.
إِسْلَامُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى وذكر قصيدته: بَانَتْ سُعَادُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مُنْصَرَفِهِ عَنِ الطَّائِفِ كَتَبَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ ابن أَبِي سُلْمَى إِلَى أَخِيهِ لِأَبَوَيْهِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ يُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ رِجَالًا بِمَكَّةَ مِمَّنْ كَانَ يَهْجُوهُ وَيُؤْذِيهِ وَأَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْ شُعَرَاءِ قُرَيْشٍ، ابْنُ الزِّبَعْرَى وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ هَرَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ فَإِنْ كَانَتْ لَكَ فِي نَفْسِكَ حَاجَةٌ فَطِرْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَا يَقْتُلُ أُحُدًا جَاءَهُ تَائِبًا وَإِنْ أنتِ لَمْ تَفْعَلْ فَانْجُ إِلَى نَجَائِكَ مِنَ الْأَرْضِ.
وَكَانَ كَعْبٌ قد قال: ألا بلغا عني بجيراً رسالة * فويحك (1) فيما قُلْتَ وَيْحَكَ هَلْ لَكَا فَبَيِّنْ لَنَا إِنْ كنت لست بفاعل * على أي شئ غَيْرِ ذَلِكَ دَلَّكَا عَلَى خُلُقٍ لَمْ أُلْفِ يوماً أباً له * عليه وما تلقى عَلَيْهِ أَبًا لَكَا فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فلست بآسف * ولا قائل أما عثرت لعالكا سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً * فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا (2) قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ: مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً * فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْتَ بِالْخَيْفِ هَلْ لَكَا شَرِبْتَ مَعَ الْمَأْمُونِ كَأْسًا رَوِيَّةً * فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا وَخَالَفْتَ أَسْبَابَ الْهُدَى وَاتَّبَعْتَهُ * على أي شئ وَيْبَ غَيْرِكَ دَلَّكَا عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أما ولا أبا (3) * عليه ولم تدرك عليه أَخًا لَكَا فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْتُ بآسف * ولا قائل أما عثرت لعالكا
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبَعَثَ بِهَا إِلَى بُجَيْرٍ، فلما أتت بجير أكره أَنْ يَكْتُمَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْشَدَهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لَمَّا سَمِعَ سَقَاكَ بِهَا المأمون " صدق وإنه لكذوب أنا المأمون "
__________
(1) في ابن هشام: فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا.
(2) النهل: الشرب الاول.
والعلل: الشرب الثاني.
والمأمون يعني النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلم كانت قريش تسميه به وبالامين قبل مبعثه.
(3) قال السهيلي.
إنما قال ذلك لأن أمهما واحدة، وهي كبشة بنت عمار السحيمية، فيما ذكر ابن الكلبي.
(*)
(4/423)

وَلَمَّا سَمِعَ عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ.
قَالَ " أَجَلْ لَمْ يُلْفِ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَلَا أُمَّهُ " (1) قَالَ ثمَّ كَتَبَ بُجَيْرٌ إِلَى كَعْبٍ يَقُولُ لَهُ: مَنْ مُبْلِغٌ كعباً فهل لك في التي * تلوم عليا بَاطْلًا وَهِيَ أَحْزَمُ إِلَى اللَّهِ لَا الْعُزَّى وَلَا اللَّاتِ وَحْدَهُ * فَتَنْجُو إِذَا كَانَ النَّجَاءُ وَتَسْلَمُ لَدَى يَوْمٍ لَا يَنْجُو وَلَيْسَ بِمُفْلِتٍ * مِنَ النَّاسِ إِلَّا طَاهِرُ الْقَلْبِ مُسْلِمُ فَدِينُ زهير وهو لا شئ دِينُهُ * وَدِينُ أَبِي سُلْمَى عليَّ مُحَرَّمُ قَالَ فلما بلغ كعب الْكُتَّابُ ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ وَأَشْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَرْجَفَ بِهِ مَنْ كَانَ فِي حَاضِرِهِ مِنْ عَدُوِّهُ وَقَالُوا هُوَ مَقْتُولٌ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ من شئ بُدًّا قَالَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ فِيهَا خَوْفَهُ وَإِرْجَافَ الْوُشَاةِ بِهِ مِنْ عَدُوِّهُ، ثُمَّ خَرَجَ حتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ عَلَى رَجُلٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ كَمَا ذُكِرَ لِي فَغَدَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَشَارَ لَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ فَقُمْ إِلَيْهِ فَاسْتَأْمِنْهُ، فذُكر لِي: أَنَّهُ قَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ وَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَعْرِفُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَدْ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنَ مِنْكَ تَائِبًا مُسْلِمًا فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إِنْ جِئْتُكَ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " نَعَمْ " فَقَالَ إِذًا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّهُ وَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، دَعْنِي وَعَدُوَّ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " دعه عنك فإنه جَاءَ تَائِبًا نَازِعًا " قَالَ: فَغَضِبَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ لِمَا صَنَعَ بِهِ صَاحِبُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَقَالَ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي قَالَ حِينَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ * مُتَيَّمٌ عِنْدَهَا (2) لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ الْبَيْنِ إِذْ رحلوا * إلا أغن غضيض الطرف مكحول (3) هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة * لا يشتكي قصر منها ولا طول (4) تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إِذَا ابْتَسَمَتْ * كَأَنَّهُ مهل بالراح معلول (5) شجت بذي شيم مِنْ مَاءِ مَحْنِيَةٍ * صَافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهْوَ مشمول (6)
__________
(1) زاد الزرقاني عن ابن الأنباري أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بلغه الابيات أهدر دمه وقال: من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله.
(2) في ابن هشام والعقد الفريد: أثرها.
ومتبول: اسقمه الحب وأضناه لبعده عن حبيبته سعاد.
قال الزرقاني: هي إمرأته وبنت عمه.
(3) أغن: الظبي الصغير الذي في صوته غنة.
(4) سقط البيت من الاصل، واستدرك من ابن هشام والعقد الفريد.
(5) عوارض: جمع عارض أو عارضة وهي الاسنان.
والظلم: ماء الاسنان ورقتها وبياضها.
(6) مشمول: الذي ضربته ريح الشمال حتى برد، وهي أشد تبريدا للماء من غيرها (*)
(4/424)

تنفي الرياح القدى عنه وأفرطه * من صوب عادية بِيضٌ يَعَالِيلُ (1) فَيَا لَهَا خُلَّةٌ لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ * بِوَعْدِهَا أَوْ لَوَ انَّ النُّصْحَ مَقْبُولُ لَكِنَّهَا خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا * فَجْعٌ وَوَلْعٌ وَإِخْلَافٌ وَتَبْدِيلُ (2) فَمَا تَدُومُ عَلَى حَالٍ تَكُونُ بِهَا * كَمَا تَلَوَّنُ فِي أَثْوَابِهَا الْغُولُ وَمَا تُمَسِّكُ بِالْعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ * إِلَّا كَمَا يمسك الماء الغرابيل فلا يعرنك مَا مَنَّتْ وَمَا وَعَدَتْ * إِنَّ الْأَمَانِيَّ وَالْأَحْلَامَ تَضْلِيلُ
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا * وَمَا مواعدها إلا الأباطيل (3) أرجو وآمل أن تدنو مودتها * وَمَا لَهُنَّ إِخَالُ الدَّهْرَ تَعْجِيلُ (4) أَمْسَتْ سُعَادُ بأرض لا تبلغها * إِلَّا الْعِتَاقُ النَّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ وَلَنْ يُبَلِّغَهَا إِلَّا عذافرة * فيها على الأبن إرقال وتبغيل (5) من كل نضاحة الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ * عُرْضَتُهَا طَامِسُ الْأَعْلَامِ مَجْهُولُ (6) ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق * إذا توفدت الْحِزَّانُ وَالْمِيلُ (7) ضَخْمٌ مُقَلَّدُهَا فعمَّ مُقَيَّدُهَا * فِي خَلْقِهَا عَنْ بَنَاتِ الْفَحْلِ تَفْضِيلُ حَرْفٌ أَخُوهَا أَبُوهَا مِنْ مُهَجَّنَةٍ * وَعَمُّهَا خَالُهَا قَوْدَاءُ شِمْلِيلُ (8) يمشي الفراد عَلَيْهَا ثُمَّ يُزْلِقُهُ * مِنْهَا لَبَانٌ وَأَقْرَابٌ زَهَالِيلُ (9) عيرانةٌ قُذِفَتْ بِالنَّحْضِ عَنْ عُرُضٍ * مِرْفَقُهَا عَنْ بنات الزور مفتول (10) فنواء في حريتها لِلْبَصِيرِ بِهَا * عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ (11)
__________
(1) الصوب: المطر.
اليعاليل: الحباب الذي يعلو وجه الماء.
(2) سيط: أي خلط بلحمها ودمها.
(3) عرقوب: رجل اشتهر باخلاف الوعد، فضرب به المثل في ذلك.
(4) في ابن هشام: وما أخال لدينا منك تنويل.
(5) عذافرة: الناقة الصلبة العظيمة.
والارقال والتبغيل: ضربان من السير السريع.
(6) النضاخة: الغزيرة.
الذفرى: النقرة التي خلف أذن الناقة.
(7) المفرد: الثور الوحشي الذي تفرد في مكان.
اللهق: الابيض.
(8) الشمليل: الخفيفة والسريعة.
والحرف: الناقة الضامرة أو الصلبة والقوية.
وفي ابن هشام قبله بيتان: غلباء وجناء علكوم مذكرة * في دفها سعه قدامها ميل وجلدها من أطوم ما يؤيسه * طبلح بضاحية المتنين مهزول
(9) الاقراب: الخواصر.
والزهاليل: جمع زحلول وهو الاملس.
(10) العيرانة: الناقة النشيطة السريعة.
بنات الزور: ما يتصل بالصدر مما حوله من الاضلاع وغيرها.
(11) قنواء: محدودبة الانف وهو عيب في الفرس، وقد قاله الشاعر في موضع المدح (*) .
(4/425)

كأنما فَاتَ عَيْنَيْهَا وَمَذْبَحَهَا * مِنْ خَطْمِهَا وَمِنَ اللَّحْيَيْنِ بِرْطِيلُ (1) تُمِرُّ مِثْلَ عَسِيبِ النَّخْلِ ذَا خُصَلٍ * في غادر لَمْ تَخَوَّنْهُ الْأَحَالِيلُ (2) تَهْوِي عَلَى يَسَرَاتٍ وَهْيَ لاهية * ذوابل وقعهن الأرض تحليل (3) يوماً تظل به الحرباء مصطخداً * كأن ضاحية بالشمس محلول (4) وَقَالَ لِلْقَوْمِ حَادِيهُمْ وَقَدْ جَعَلَتْ * وُرْقُ الْجَنَادَبِ يركضن الحصا قيلوا (5) أوب يدي فاقدٍ شمطاء معولة (6) * قامت فجاء بها نكر مَثَاكِيلُ نواحةٌ رِخْوَةُ الضَّبْعَيْنِ لَيْسَ لَهَا * لَمَّا نَعَى بِكْرَهَا النَّاعُونَ مَعْقُولُ (7) تَفْرِي اللَّبَانَ بِكَفَّيْهَا وَمِدْرَعُهَا * مُشَقَّقٌ عَنْ تَرَاقِيهَا رَعَابِيلُ (8) تَسْعَى الْغُوَاةُ جنابيها وقولهم * إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول (9) وقال لكل صَدِيقٍ كُنْتُ آمُلُهُ * لَا أُلْهِيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مشغول فقلت خلوا سبيلي لا أبالكم * فَكُلُّ مَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ * يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ (10) نبئتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي * وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ (11) مَهْلًا هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ * الْقُرْآنِ فِيهِ مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ
__________
(1) برطيل: حجر مستطيل صلب.
(2) وفي غارز: اي على ضرع.
الاحاليل: مخارج اللبن.
(3) تهوي، وتروى: تخدي أن تسرع.
يسرات: القوائم الخفاف.
لاهية وتروى: لاحقة، أي غافلة عن السير (4) فهي تسرع فيه من غير اغتراث ومبالاة.
(5) مصطخدا: محترقا بحر الشمس.
ضاحيه: ما برز للشمس منه.
محلول: مذاب، وتروى مملول: وهو الموضوع في الملة.
وهي الرماد الحار.
(6) ورق: جمع أورق أو ورقاء.
التي يضرب لونها إلى السواد.
(7) رواية الشطر في ابن هشام: شد النهار ذراعا عيطل نصف المثاكل: جمع مثكال: وهي الكثيرة الثكل.
الشمطاء: التي خالطها الشيب.
والمعولة: الرافعة صوتها بالبكاء.
(8) رخوة الضبعين: مسترخية العضدين.
(9) المدرع: القميص.
رعابيل: جمع رعبول، قطع متفرقة، الممزقة.
(10) جنابيها: تثنية جناب، حولها، وفيه إشارة إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أهدر دمه.
والبيت في البيهقي: تسعى الغواة بدفيها وقيلهم * بأنك يا ابن أبي سلمى لمقتول (11) آلة حدباء: النعش الذي يحمل عليه الموت.
(12) شرع الشاعر من هذا البيت في الدخول إلى ما قصد منه - بعدما مهد فيما سبق من الغزل والوصف - من هنا يبدأ في التنصل مما نسب إليه وما اتهم به، ويطلب العطف والرحمة ويرجو رسول الله أن يغفر له ذنبه ويعفو عن مساوئه وأخطائه.
(*)
(4/426)

لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ * أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فيَّ الْأَقَاوِيلُ (1) لَقَدْ أَقُومُ مَقَامًا لَوْ يَقُومُ بِهِ * أَرَى وَأَسْمَعُ مَا قَدْ يَسْمَعُ الفيل لظل يرعد من وجد موارده (2) * من الرسول بإذن الله تنويل حتى وضعت يميني ما أنازعها * فِي كَفِّ ذِي نَقَمَاتٍ قَوْلُهُ الْقِيلُ فَلَهْوَ أَخْوَفُ عِنْدِي إِذْ أُكَلِّمُهُ * وَقِيلَ إِنَّكَ مَنْسُوبٌ وَمَسْئُولُ مِنْ ضَيْغَمٍ بِضَرَاءِ الْأَرْضِ مَخْدَرُهُ * فِي بطن عثر غيل ذونه غِيلُ (3) يَغْدُو فَيُلْحِمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُمَا * لَحْمٌ مِنَ النَّاسِ مَعْفُورٌ خَرَادِيلُ (4) إِذَا يُسَاوِرُ قِرْنًا لَا يَحِلُّ لَهُ * أَنْ يَتْرُكَ الْقِرْنَ إِلَّا وَهْوَ مغلول
مِنْهُ تَظَلُّ حَمِيرُ الْوَحْشِ نَافِرَةً * وَلَا تَمْشِي بِوَادِيهِ الْأَرَاجِيلُ (5) وَلَا يَزَالُ بِوَادِيهِ أَخُو ثِقَةٍ * مُضَرَّجُ الْبَزِّ وَالدِّرْسَانِ مَأَكُولُ (6) إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ * مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ فِي عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ * بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا (7) زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشُفٌ * عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ (8) يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ * ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ شُمُّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمُ * مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ بيض موابغ قَدْ شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ * كَأَنَّهَا حَلَقُ الْقَفْعَاءِ مجدول (9) ليسوا معاريج إِنْ نَالَتْ رِمَاحُهُمُ * قَوْمًا وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا إِذَا نِيلُوا لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا فِي نُحُورِهِمُ * ولا لهم عن حياض الموت تهليل
__________
(1) في البيت تذلل وتضرع، وفيه رجاء الا يستباح دمه بسبب أقوال الوشاة والمفسدين.
(2) في ابن هشام: لظل يرعد إلا أن يكون له.
التنويل: التأمين.
(3) ضراء الارض: الأرض التي فيها شجر.
عثر: اسم مكان مشهور بكثرة السباع.
الغيل: الشجر الكثير الملتف.
(4) المعفور: الملقى في الترب.
والخراديل: قطع صغار.
(5) في ابن هشام: منه تظل سباع الجو نافرة.
الجو: اسم موضع.
والاراجيل جماعات الرجال.
(6) البز: السلاح، والدرسان: الثياب الخلقة.
(7) زولوا: فعل أمر من زال.
يريد تحولهم من مكة إلى المدينة.
(8) الانكاس: جمع نكس وهو الجبان والرجل الضعيف.
والكشف: جمع أكشف وهو الذي لا ترس معه.
المعازيل: الذي لا سلاح معهم.
(9) قفعاء ضرب من الحسك تشبه به حلق الدار (*) .
(4/427)

قال ابن هشام: هَكَذَا أَوْرَدَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا إِسْنَادًا، وَقَدْ رَوَاهَا الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ فَقَالَ: أنَّا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الأسدي بهمذان، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيٌّ، ثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ ذِي الرُّقَيْبَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَرَجَ كَعْبٌ وَبُجَيْرٌ ابْنَا زُهَيْرٍ، حَتَّى أَتَيَا أَبْرَقَ الْعَزَّافِ (1) فَقَالَ بُجَيْرٌ لِكَعْبٍ: اثْبُتْ فِي هَذَا الْمَكَانِ حَتَّى آتِيَ هَذَا الرَّجل - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْمَعُ مَا يَقُولُ فَثَبَتَ كَعْبٌ وَخَرَجَ بُجَيْرٌ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: أَلَّا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً * عَلَى أي شئ ويب غيرك دلكا (2) على خلق لم تلفء أما ولا أبا * عليه ولم تدرك عليه أخالكا سقاك أبو بكر بكأس روية * وأنهلك المأمون مِنْهَا وَعَلَّكَا فَلَمَّا بَلَغَتِ الْأَبْيَاتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَرَ دَمَهُ وَقَالَ " من لقي كعباً فليقتله " فكتب بذلك بجير إِلَى أَخِيهِ وَذَكَرَ لَهُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَهْدَرَ دَمَهُ وَيَقُولُ لَهُ: النَّجَاءَ وَمَا أَرَاكَ تَنْفَلِتُ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ: اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَسْقَطَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَأَسْلِمْ وَأَقْبِلْ، قَالَ: فَأَسْلَمَ كَعْبٌ وَقَالَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ بِبَابِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ورسول الله مع أصحابه كالمائدة بين القوم [والقوم] مُتَحَلِّقُونَ مَعَهُ حَلْقَةً خَلْفَ حَلْقَةٍ يَلْتَفِتُ إِلَى هَؤُلَاءِ مَرَّةً فَيُحَدِّثُهُمْ، وَإِلَى هَؤُلَاءِ مَرَّةً فَيُحَدِّثُهُمْ.
قَالَ كَعْبٌ: فَأَنَخْتُ رَاحِلَتِي بِبَابِ الْمَسْجِدِ، [ثمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ] فَعَرَفْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بالصفة، حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ فَأَسْلَمْتُ، وَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ الْأَمَانَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ " وَمَنْ أنت؟ " قال: كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ " الَّذِي يَقُولُ " ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [إِلَى أَبِي بَكْرٍ] فَقَالَ " كَيْفَ قَالَ يَا أبا بكر؟ " فأنشده أبو بكر:
سقاك بها المأمون (3) كأساً روية * وأنهلك المأمون مِنْهَا وَعَلَّكَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قُلْتُ هَكَذَا، قَالَ " فَكَيْفَ قُلْتَ؟ " قَالَ قُلْتُ:
__________
(1) ابرق العزاف: ماء لبني أسد بن خزيمة بن مدركة، وهو في طريق القاصد إلى المدينة من البصرة، سمي العزاف لانهم يسمعون فيه عزيف الجن.
(معجم البلدان) وقال البكري: ويقال أبرق الحنان وفي هامشه: العزاف من المدينة علي اثني عشر ميلا إلى المدينة (معجم ما استعجم) .
(2) في دلائل البيهقي: على أي شئ غير ذلك دلكا.
(3) في دلائل البيهقي: أبو بكر.
(*)
(4/428)

سقاك بها المأمون (1) كأساً رَوِيَّةٍ * وَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَأْمُونٌ وَاللَّهِ " ثُمَّ أَنْشَدَهُ الْقَصِيدَةَ كُلَّهَا حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا وَهِيَ هَذِهِ الْقَصِيدَةُ: بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ * مُتَيَّمٌ عِنْدَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الرَّمْزِ لِمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِنْشَادُ ابْنِ إِسْحَاقَ وَالْبَيْهَقِيِّ (2) رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبِرِّ فِي كِتَابِ الِاسْتِيعَابِ أَنَّ كَعْبًا لَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ * مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ نبئتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي * وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ قَالَ: فَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَنْ مَعَهُ أَنِ اسْمَعُوا.
وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ (3) قَبْلَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
قُلْتُ: وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ بُرْدَتَهُ حِينَ أَنْشَدَهُ الْقَصِيدَةَ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الصَّرْصَرِيُّ فِي بَعْضِ مَدَائِحِهِ وَهَكَذَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ قَالَ وَهِيَ الْبُرْدَةُ الَّتِي عِنْدَ الْخُلَفَاءِ.
قُلْتُ: وَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ جِدًّا وَلَكِنْ لَمْ أَرَ ذلك في شئ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ بِإِسْنَادٍ أَرْتَضِيهِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رُوي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ لَمَّا قَالَ: بَانَتْ سُعَادُ وَمَنْ سُعَادُ؟ قَالَ زَوْجَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ لَمْ تَبِنْ وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ تَوَهَّمَ أَنَّ بِإِسْلَامِهِ تَبِينُ امْرَأَتُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ البينوتة الْحِسِّيَّةَ لَا الْحُكْمِيَّةَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ فَلَمَّا قَالَ كَعْبٌ - يَعْنِي فِي قَصِيدَتِهِ - إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ وَإِنَّمَا يُرِيدُنَا مَعْشَرَ الأنصار، لما كان صاحبنا صنع به [ما صنع] (4) وَخَصَّ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ بِمِدْحَتِهِ غَضِبَتْ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يَمْدَحُ الْأَنْصَارَ، ويذكر بلاءهم من رسول صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَوْضِعَهُمْ مِنَ الْيُمْنِ:
__________
(1) في دلائل البيهقي: أبو بكر.
وميمون الثانية في البيهقي: المأمور.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مأمور والله.
(2) الخبر في دلائل النبوة باب ما جاء في قدوم كعب بن زهير على النبي صلى الله عليه وسلم ج 5 / 207 وما بعدها.
(3) نقل البيهقي في الدلائل ما ذكره ابن عقبة، فذكر البيت الاول أما الثاني ففيه قوله: في فتية من قريش..الخ.. (4) من ابن هشام.
(*)
(4/429)

مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ * فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ (1) وَرِثُوا الْمَكَارِمَ كَابِرًا عن كابر * إن الخيار هموا بنوا الْأَخْيَارِ الْمُكْرِهِينَ السَّمْهَرِيَّ بِأَذْرُعٍ * كَسَوَالِفِ الِهِنْدِيِّ غَيْرِ قِصَارِ وَالنَّاظِرِينَ بِأَعْيُنٍ مُحْمَرَّةٍ * كَالْجَمْرِ غَيْرِ كَلِيلَةِ الْإِبْصَارِ وَالْبَائِعِينَ نُفُوسَهُمْ لِنَبِيِّهِمْ * لِلْمَوْتِ يَوْمَ تَعَانُقٍ وكرار (2) يَتَطَهَّرُونَ يَرَوْنَهُ نُسُكًا لَهُمْ * بِدِمَاءِ مَنْ عَلِقُوا من الكفار دربوا كما دربت بطون خَفِيَّةٍ * غُلْبُ الرِّقَابِ مِنَ الْأُسُودِ ضَوَارِي (3) وَإِذَا حللت لينعوك إليهم * أصبحت عند معاقل الأعفار (4)
ضَرَبُوا عَلِيًّا يَوْمَ بَدْرٍ ضَرْبَةً * دَانَتْ لِوَقْعَتِهَا جَمِيعُ نِزَارِ لَوْ يَعْلَمُ الْأَقْوَامُ عِلْمِيَ كُلَّهُ * فِيهِمْ لَصَدَّقَنِي الَّذِينَ أُماري قَوْمٌ إِذَا خَوَتِ النُّجُومُ فَإِنَّهُمْ * لِلطَّارِقِينَ النَّازِلِينَ مَقَارِي (5) قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ حِينَ أَنْشَدَهُ بَانَتْ سعاد " لو ذَكَرْتَ الْأَنْصَارَ بِخَيْرٍ فَإِنَّهُمْ لِذَلِكَ أَهْلٌ " فَقَالَ كَعْبٌ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَهِيَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قال وبلغني عن علي ابن زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ أَنْشَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ، حَدَّثَنِي مَعْنُ بْنُ عيسى، حدثني محمد بن عبد الرحمن الأفطس (6) عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ فَذَكَرَهُ وَهُوَ مُرْسَلٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الِاسْتِيعَابِ فِي مَعْرِفَةِ الْأَصْحَابِ بَعْدَ مَا أَوْرَدَ طَرَفًا مِنْ تَرْجَمَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَدْ كَانَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ شَاعِرًا مُجَوِّدًا كَثِيرَ الشِّعْرِ مُقَدَّمًا فِي طَبَقَتِهِ هُوَ وَأَخُوهُ بُجَيْرٌ وَكَعْبٌ أشعرهما وأبو هما زُهَيْرٌ فَوْقَهُمَا وَمِمَّا يُسْتَجَادُ مِنْ شِعْرِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ قَوْلُهُ: لَوْ كُنْتُ أَعْجَبُ مِنْ شئ لَأَعْجَبَنِي * سَعْيُ الْفَتَى وَهْوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقَدَرُ يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا * فَالنَّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالْهَمُّ مُنْتَشِرُ وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ * لَا تَنْتَهِي الْعَيْنُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ (7)
__________
(1) مقنب: الجماعة من الخيل.
ويريد بهم القوم على ظهور جيادهم.
(2) بعده في ابن هشام: وَالْقَائِدِينَ النَّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ * بِالْمَشْرَفِيِّ وَبِالْقَنَا الْخَطَّارِ (3) دربوا: تعوذا.
غلب الرقاب: غلاظ الاعناق.
(4) الاعفار: جمع عفر، وهو ولد الوعل.
(5) المقاري: جمع مقراة، وهي الجفنة التي يصنع فيها الطعام للاضياف.
(6) في الدلائل: الاوقص.
ج 5 / 211.
(7) الابيات في الاستيعاب على هامش الاصابة 3 / 300.
(*)
(4/430)

ثُمَّ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَشْعَارًا كَثِيرَةً يَطُولُ ذِكْرُهَا وَلَمْ يُؤَرِّخْ وَفَاتَهُ، وَكَذَا لَمْ يُؤَرِّخْهَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِ الْغَابَةِ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ وَلَكِنْ حَكَى أنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِسَنَةٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ وَمِمَّا أَجَادَ فِيهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَوْلُهُ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَجْرِي بِهِ النَّاقَةُ الْأَدْمَاءُ مُعْتَجِرًا * بِالْبُرْدِ كَالْبَدْرِ جَلَّى لَيْلَةَ الظُّلَمِ فَفِي عِطَافَيْهِ أَوْ أَثَنَاءِ بُرْدَتِهِ * مَا يَعْلَمُ اللَّهُ من دين ومن كرم
الْحَوَادِثِ الْمَشْهُورَةِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَالْوَفَيَاتِ فَكَانَ فِي جُمَادَى مِنْهَا وَقْعَةُ مُؤْتَةَ، وَفِي رَمَضَانَ غَزْوَةُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَبَعْدَهَا فِي شَوَّالٍ غَزْوَةُ هوازن بحنين، وبعده كَانَ حِصَارُ الطَّائِفِ.
ثُمَّ كَانَتْ عُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ لليالي بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فِي سُفْرَتِهِ هَذِهِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ وَعَمْرٍو ابْنَيِ الْجُلَنْدِيِّ مِنَ الْأَزْدِ، وَأُخِذَتِ الْجِزْيَةُ مِنْ مَجُوسِ بَلَدِهِمَا وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ، قَالَ وَفِيهَا تزوَّج رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةُ بِنْتَ الضِّحَاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيِّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فاستعاذت منه عليه السلام فَفَارَقَهَا، وَقِيلَ بَلْ خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتِ الدُّنْيَا فَفَارَقَهَا.
قَالَ وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ فَاشْتَدَّتْ غَيْرَةُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهَا حِينَ رُزِقَتْ وَلَدًا ذَكَرًا وَكَانَتْ قَابِلَتُهَا فِيهِ سُلْمَى مُوَلَّاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَخَرَجَتْ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فَأَخْبَرَتْهُ فَذَهَبَ فَبَشَّرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُ مَمْلُوكًا وَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أم برة بنت المنذر بن أسيد بن خداش ابن عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَزَوْجُهَا الْبَرَاءُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْجَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولٍ، وَكَانَتْ فِيهَا وَفَاةُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الشُّهَدَاءِ فِي هَذِهِ الْوَقَائِعِ وَقَدْ قَدَّمْنَا هَدْمَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْبَيْتَ الَّذِي كَانَتِ الْعُزَّى تُعْبَدُ فِيهِ بِنَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْهَا.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا كَانَ هَدْمُ سُوَاعٍ الَّذِي كَانَتْ تَعْبُدُهُ هُذَيْلٌ بِرُهَاطٍ، هَدَمَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يجد في خزائنه شيئاً، وفيها هدم مناة بالمشلل، كانت الْأَنْصَارُ أَوَسُهَا وَخَزْرَجُهَا
يُعَظِّمُونَهُ، هَدَمَهُ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَشْهَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا فَصْلًا مُفِيدًا مَبْسُوطًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ والعزى ومناة الثالثة الأخرى) .
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ قِصَّةَ تَخْرِيبِ خَثْعَمٍ الْبَيْتَ الَّذِي كَانَتْ تَعْبُدُهُ وَيُسَمُّونَهُ الْكَعْبَةَ الْيَمَانِيَّةَ مُضَاهِيَةً لِلْكَعْبَةِ الَّتِي بِمَكَّةَ ويسمون التي بمكة الكعبة الشامية (2) ولتلك -
__________
(1) في تاريخ الطبري نقلا عن الواقدي: أُمِّ بُرْدَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لبيد بن خداش..وفي رواية لابن سعد: دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له: أبو سيف.
(2) الكعبة اليمانية والكعبة الشامية: قال ابن حجر: كذا فيه قيل وهو غلط والصواب اليمانية فقط سموها بذلك = (*)
(4/431)

الْكَعْبَةَ الْيَمَانِيَّةَ.
فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبي خالد، عن قبس (قَيْسٍ) ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ " (3) فَقُلْتُ: بَلَى فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ (2) فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ (3) وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ " اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا " قَالَ فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسٍ بَعْدُ.
قَالَ وَكَانَ ذُو الْخَلَصَةِ بَيْتًا بِالْيَمَنِ لَخَثْعَمٍ وَبَجِيلَةَ فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ اليمانية.
قال: فأتاها فحرقها في النار وكسرتها، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ الْيَمَنَ.
كَانَ بِهَا رَجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ها هنا فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ، قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِهَا إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ فَقَالَ: لَتَكْسَرَنَّهَا وَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ؟ فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ.
ثُمَّ بعث جرير رجلاً من أحمس يكنى أَرْطَأَةَ (4) إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبارك رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله البجلي بنحوه (5) .
تم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات الجزء الرابع من تاريخ البداية والنهاية لابن كثير
عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ " اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا " قَالَ فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسٍ بَعْدُ.
قَالَ وَكَانَ ذُو الْخَلَصَةِ بَيْتًا بِالْيَمَنِ لَخَثْعَمٍ وَبَجِيلَةَ فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ.
قَالَ: فَأَتَاهَا فَحَرَّقَهَا في النار وكسرتها، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ الْيَمَنَ.
كَانَ بِهَا رَجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ها هنا فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ، قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِهَا إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ فَقَالَ: لَتَكْسَرَنَّهَا وَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ؟ فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ.
ثُمَّ بعث جرير رجلاً من أحمس يكنى أَرْطَأَةَ (4) إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبارك رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله البجلي بنحوه (5) .
تم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات الجزء الرابع من تاريخ البداية والنهاية لابن كثير ويتلوه الجزء الخامس وأوله ذكر غزوة تبوك في رجب منها.
__________
= مضاهاة للكعبة، والكعبة البيت الحرام بالنسبة لمن يكون جهة اليمن شامية، فسموا التى بمكة شامية والتي عندهم يمانية تعزيقا بينهما.
وكان يقال لها شامية باعتبار انهم جعلوا بابها مقابل الشام.
(1) ذوالخلصة: الخلصة نبات له حب أحمر كخرز العقيق.
وذو الخلصة: اسم للبيت الذي كان فيه الصنم.
وقيل اسم البيت الخلصة واسم الصنم: ذوالخلصة.
(2) قال الطبراني: كانوا سبعمائة وروايته ضعيفة.
(3) أحمس: وهم رهط جرير بن عبد الله وهم أخوة بجيلة ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار، وهناك أحمس أخرى ينتسبون إلى بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار.
(4) واسم أبي ارطأة حصين بن ربيعة بن عامر بن الازور البجلي له صحبة، لم يرد ذكره إلا في هذا الحديث.
(5) أخرجه البخاري في كتاب المغازي 62 باب غزوة الخلصة (الحديث 4356) وفي مواضع: الحديث (4355) والحديث (3020) وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة 29 باب - الحديث 137 (*)
(4/432)

البداية والنهاية - ابن كثير ج 5
البداية والنهاية
ابن كثير ج 5
(5/)

البداية والنهاية
(5/1)

البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفي سنة 774 هـ حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء الخامس دار احياء التراث العربي
(5/3)

طبعة جديدة محققة الطبعة الاولى 1408 هـ 1988 م
(5/4)

بسم الله الرحمن الرحيم
سَنَةُ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ
ذِكْرُ غَزْوَةِ تَبُوكَ (1) فِي رَجَبٍ مِنْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) * [التَّوْبَةِ: 28 - 29] رُوِيَ عَنِ ابْنُ
عبَّاس وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُمْنَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرْبَانِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ.
قَالَتْ قُرَيْشٌ: لَيَنْقَطِعَنَّ عنَّا الْمَتَاجِرُ وَالْأَسْوَاقُ أَيَّامَ الْحَجِّ وليذهبنَّ مَا كنَّا نُصِيبُ مِنْهَا، فَعَوَّضَهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِالْأَمْرِ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ حتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
قُلْتُ: فَعَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قِتَالِ الرُّوم، لَأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاس إِلَيْهِ وَأَوْلَى النَّاس بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ لِقُرْبِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يلونكم
__________
(1) انظر في غزوة تبوك: تاريخ الطبري (3 / 142 دار القاموس) سيرة ابن هشام (4 / 159) فتح الباري (8 / 90) مغازي الواقدي (3 / 989) عيون الاثر (2 / 275) شرح المواهب اللدنية للزرقاني (3 / 62) السيرة الشامية (5 / 626) .
طبقات ابن سعد (2 / 165) .
وتبوك: بفتح الفوقية وضم الموحدة، وهي في طرف الشام من جهة القبلة، بينها وبين المدينة اثنتا عشرة مرحلة.
قال السهيلي: سميت الغزوة بعين تبوك.
قال ياقوت: نزلوا على عين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله ان لا أحد يمس من مائها، فسبق إليها رجلان وهي تبض بشئ من ماء فجعلا يدحلان فيها سهمين ليكثر ماؤها فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله: ما زلتما تبوكان منذ اليوم، فسميت بذلك تبوك.
والبوك: ادخال اليد في الشئ وتحريكه.
ومنه باك الحمار الاتان إذا نزا عليها، يبوكها بوكا.
وقال ياقوت: هي موضع بين وادي القرى والشام (معجم البلدان 2 / 14) .
(*)
(5/5)

مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المتقين) * [التَّوْبَةِ: 123] فَلَمَّا عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَزْوِ الرُّوم عَامَ تَبُوكَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَضِيقٍ مِنَ الحال، جلَّى للنَّاس أمرها ودعى مَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَحْيَاءِ الْأَعْرَابِ لِلْخُرُوجِ مَعَهُ فَأَوْعَبَ مَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا وتخلَّف آخَرُونَ فَعَاتَبَ اللَّهُ مَنْ تخلَّف مِنْهُمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ، وَلَامَهُمْ ووبَّخهم وَقَرَّعَهُمْ أشدَّ التَّقريع وَفَضَحَهُمْ أشدَّ الْفَضِيحَةِ وَأَنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا يُتلى وبيَّن أَمْرَهُمْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ كَمَا قَدْ بينَّا ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي التَّفسير وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّفْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
فَقَالَ تَعَالَى
* (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) * [التوبة: 41 - 42] ثمَّ الْآيَاتِ بَعْدَهَا: ثُمَّ قَالَ تَعَالَى * (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) * [التوبة: 122] فَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ نَاسِخَةٌ لِتِلْكَ وَقِيلَ لَا فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى رَجَبٍ - يَعْنِي مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ - ثُمَّ أَمَرَ النَّاس بالتَّهيؤ لِغَزْوِ الرُّوم.
فَذَكَرَ الزُّهري (1) وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا كلٌ يحدِّث عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَا بَلَغَهُ عَنْهَا، وَبَعْضُ الْقَوْمِ يحدِّث مَا لَمْ يُحَدِّثْ بَعْضٌ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بالتَّهيؤ لِغَزْوِ الرُّوم، وَذَلِكَ فِي زَمَانِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَشِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ، وَجَدْبٍ مِنَ الْبِلَادِ، وَحِينَ طَابَتِ الثِّمار، فالنَّاس يُحِبُّونَ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلَالِهِمْ، وَيَكْرَهُونَ الشُّخوص فِي (2) الْحَالِ مِنَ الزَّمان الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَّ مَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إِلَّا كَنَّى عَنْهَا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإِنَّهُ بيَّنها لِلنَّاسِ، لِبُعْدِ الشقة، وشدَّة الزَّمَانِ، وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ، لِيَتَأَهَّبَ النَّاس لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ.
فَأَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ (3) وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّوم.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ فِي جِهَازِهِ ذَلِكَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ أَحَدِ بَنِي سَلِمَةَ " يَا جَدُّ، هَلْ لَكَ الْعَامَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أو تأذن لِي وَلَا تَفْتِنِّي، فو الله لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنَّهُ مَا رَجُلٌ بِأَشَدَّ عَجَبًا بالنِّساء مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ " قَدْ أَذِنْتُ لَكَ " فَفِي الْجَدِّ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ * (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين) * [التَّوْبَةِ: 49] .
وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، زَهَادَةً فِي الْجِهَادِ، وشكَّاً فِي الْحَقِّ، وَإِرْجَافًا بالرَّسول صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم فأنزل الله فيهم * (وَقَالُوا لَا تنفروا في
__________
(1) في ابن هشام: وقد ذكر لنا الزهري.
(2) في ابن هشام: على الحال.
(3) في ابن هشام: فأمر الناس بالجهاز.
(*)
(5/6)

الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) * [التَّوْبَةِ: 81 - 82] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حدَّثني الثِّقة عمَّن حدَّثه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَارِثَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتِ سُوَيْلِمٍ الْيَهُودِيِّ - وَكَانَ بَيْتُهُ عِنْدَ جَاسُومَ - يُثَبِّطُونَ النَّاس عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بَيْتَ سُوَيْلِمٍ، فَفَعَلَ طَلْحَةُ.
فَاقْتَحَمَ الضحَّاك بْنُ خَلِيفَةَ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ، وَاقْتَحَمَ أَصْحَابُهُ فَأَفْلَتُوا فَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي ذَلِكَ: كَادتْ وبَيْتُ اللهِ نارُ مُحَمدٍ * يُشِيطُ بِهَا الضَحَّاكُ وابنَ أُبيرّقِ وَظَلّتْ وَقدْ طَبَقَتْ كَبْسَ سُوَيْلَمٍ * أَنُوء علَى رِجلِي كَسِيراً وَمِرُفَقِ (1) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا أَعُودُ لمثِلِها * أَخَافُ وَمَن تَشمِل بِهِ النَّارَ يُحْرق قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم جدَّ فِي سَفَرِهِ وَأَمَرَ النَّاس بِالْجِهَازِ والانكماش (2) وحص أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النَّفقة وَالْحُمْلَانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَحَمَلَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى وَاحْتَسَبُوا، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ مِثْلَهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أنَّ عُثْمَانَ أَنْفَقَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَلْفَ دِينَارٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " اللَّهم ارْضَ عَنْ عُثْمَانَ فَإِنِّي عَنْهُ رَاضٍ " (2) .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، ثنا ضَمْرَةُ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ كَثِيرٍ (4) مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ جاء: عثمان بن عفاف إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي ثَوْبِهِ حِينَ جهَّز النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ قَالَ: فَصَبَّهَا فِي حِجر النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَجَعَلَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يقلِّبها بِيَدِهِ وَيَقُولُ " مَا ضرَّ ابْنُ عَفَّانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ وَاقِعٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بِهِ.
وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَهُ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ.
حدَّثني أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيُّ، حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حدَّثني سَكَنُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حدَّثني الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ، عَنْ فَرْقَدٍ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ السَّلمي.
قَالَ: خَطَبَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فحثَّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عليَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا، قَالَ ثُمَّ نَزَلَ مِرْقَاةً مِنَ الْمِنْبَرِ ثمَّ حثَّ فَقَالَ عُثْمَانُ: عليَّ مِائَةٌ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا قَالَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا يحرِّكها، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الصَّمد يده كالمتعجب " ما
__________
(1) طبقت: علوت.
الكبس: البيت الصغير من طين.
(2) الانكماش: الاسراع.
في القاموس: كمش وتكمش كانكمش: أعجل وأسرع.
(3) سيرة ابن هشام ج 4 / 161.
(4) من المسند والبيهقي.
وهو كثير بن أبي كثير روى عن مولاه وجماعة وروى عنه قتادة وجماعة وثق وكاشف الذهبي (3 / 6) .
وفي الاصل كثة وهو تحريف.
والحديث رواه الترمذي في كتاب المناقب 19 باب مناقب عثمان الحديث (3702) ص (5 / 626) .
(*)
(5/7)

عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذَا " (1) وَهَكَذَا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ سَكَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلًى لِآلِ عُثْمَانَ بِهِ وَقَالَ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ عَنْ سَكَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ (2) بِهِ وَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَإِنَّهُ الْتَزَمَ بِثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَأَنَا شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ " مَا ضرَّ عُثْمَانُ بَعْدَهَا - أَوْ قَالَ - بَعْدَ الْيَوْمِ " وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سمعت عثمان بن عفاف يَقُولُ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ جهَّز جَيْشَ الْعُسْرَةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ " فجهَّزتهم حتَّى مَا يَفْقِدُونَ خِطَامًا وَلَا عِقَالًا؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ! وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُصَيْنٍ به (3) .
فصل
فيمن تخلَّف مَعْذُورًا مِنَ البكَّائين وَغَيْرِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى * (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رسوله استأذنك أولوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ، لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حزنا أن لا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يستأ ذنونك وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) * [براءة: 86 - 93] قَدْ تكلَّمنا عَلَى تَفْسِيرِ هَذَا كُلِّهِ فِي التَّفْسِيرِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، والمقصود ذكر البكائين الذين جاؤوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لِيَحْمِلَهُمْ حتَّى يَصْحَبُوهُ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ مِنِ الظَّهْرِ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ فرجعوا وهم يبكون تأسفا
__________
(1) مسند الإمام أحمد ج 4 / 75.
والترمذي المصدر السابق ح (3700) ص (5 / 625) وقال: " هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ولا نعرفه إلا من حديث السكن بن المغيرة، وفي الباب عن عبد الرَّحمن بن سمرة ".
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 214 وفيه عن السكن بن أبي كريمة.
(3) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 215، والنسائي في حديث طويل أخرجه في كتاب الاحباس، باب وقف المساجد (6 / 234) .
(*)
(5/8)

عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والنَّفقة فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ، فَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ، وَأَبُو لَيْلَى
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ أَخُو بَنِي مَازِنِ بْنِ النجَّار، وَعَمْرُو بْنُ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ الْمُزَنِيُّ، وَبَعْضُ النَّاس يَقُولُونَ: بَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ، وَهَرَمِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخُو بَنِي وَاقِفٍ، وَعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ الْفَزَارِيُّ (1) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَبَلَغَنِي أنَّ ابْنَ يَامِينَ بْنَ عُمَيْرِ (2) بْنِ كَعْبٍ النَّضري لَقِيَ أَبَا لَيْلَى وَعَبْدَ اللَّهَ بْنَ مُغَفَّلٍ وَهُمَا يَبْكِيَانِ، فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمَا؟ قَالَا: جِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لِيَحْمِلَنَا فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَعْطَاهُمَا ناضجا لَهُ فَارْتَحَلَاهُ وزوَّدهما شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ، فَخَرَجَا مَعَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم زَادَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وأما عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ فَخَرَجَ مِنَ اللَّيل فصلَّى مِنْ لَيْلَتِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثمَّ بَكَى وَقَالَ: اللَّهم إنَّك أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ وَرَغَّبْتَ فِيهِ ثمَّ لَمْ تَجْعَلْ عِنْدِي مَا أَتَقَوَّى بِهِ، ولم تجعل في يد رسولك مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ وإنِّي أَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِكُلِّ مَظْلَمَةٍ أَصَابَنِي فِيهَا فِي مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ ثُمَّ أَصْبَحَ مَعَ النَّاس، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ " فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ " أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ فَلْيَقُمْ " فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أبشر فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبْتَ فِي الزَّكاة الْمُتَقَبَّلَةِ " (3) .
وقد أورد الحافظ البيهقي ها هنا حَدِيثَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو العبَّاس مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ المازني (4) حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَسْأَلُهُ لَهُمُ الْحُمْلَانَ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جيش العسرة وهي (5) غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ " وَاللَّهِ لَا أحملكم على شئ " وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، فَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمْ بِالَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي أَيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ؟ فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوكَ، فلمَّا أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ (6) وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ " لستة أبعرة
__________
(1) في تسمية البكائين خلاف: ففي رواية ابن عقبة ستة نفر، وسارية لم يذكره.
ومن بني سلمة ذكر: عمر بن عثمة.
وذكر الواقدي: عمرو بن عتبة، وذكر من بني زريق: سلمة بن صخر وشكك في ابن المغفل،
وقال: هؤلاء أثبت ما سمعنا.
(انظر الزرقاني - ابن سعد - الواقدي) .
(2) في شرح المواهب للزرقاني: لقي يامين بن عمرو.
وفي الواقدي: لقي يامين بن عمير.
(3) الجزء الأول من الحديث في سيرة ابن هشام ج 4 / 163 والقسم الاخير منه - رواية يونس بن بكير - نقلها البيهقي في الدلائل ج 5 / 218.
(4) في دلائل البيهقي: الحارثي.
(5) من دلائل البيهقي، وسقطت من نسخ البداية المطبوعة.
(6) في نسخ البداية المطبوعة القربتين وهو تحريف.
والقرينان البعيران المشدودان أحدهما إلى الآخر.
(*)
(5/9)

ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ فَقَالَ " انْطَلِقْ بِهِنَّ إلى أصحابك فقل: إنَّ الله أو إنَّ رسول الله يحملكم على هؤلاء [فاركبوهن.
قال أبو موسى: فانطلقت إلى أصحابي] (1) فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا أَدَعُكُمْ حتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سمع مقالة رسول الله حِينَ سَأَلْتُهُ لَكُمْ، وَمَنْعَهُ لِي فِي أَوَّلِ مرة، ثم إعطائه إِيَّايَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَظُنُّوا أَنِّي حدَّثتكم شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ إِنَّكَ عِنْدَنَا لمصدَّق، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ، حتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِنْ مَنْعِهِ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَائِهِ بَعْدُ، فحدَّثوهم بِمَا حدَّثهم بِهِ أَبُو مُوسَى سَوَاءً (2) .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ جَمِيعًا عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ لِيَحْمِلَنَا " فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي ما أحملكم عليه " قال ثم جئ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبِ إبل فأمر لنا بست ذودعر الذرى فأخذناها ثمَّ قلنا يعقلنا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَمِينَهُ وَاللَّهِ لَا يُبَارَكُ لَنَا، فَرَجَعْنَا لَهُ فَقَالَ " مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ " ثمَّ قَالَ " إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وتحلَّلتها ".
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ نَفَرٌ مِنِ الْمُسْلِمِينَ أبطأت بهم الغيبة (3) حتَّى تخلَّفوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ
رَبِيعٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ أخو بني واقف، وأبو خثيمة أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُوا نَفَرَ صِدْقٍ لَا يُتَّهمون فِي إِسْلَامِهِمْ.
قُلْتُ: أمَّا الثَّلاثة الْأُوَلُ فَسَتَأْتِي قِصَّتُهُمْ مَبْسُوطَةً قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُمْ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ * (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) * وَأَمَّا أَبُو خَيْثَمَةَ فَإِنَّهُ عَادَ وَعَزَمَ عَلَى اللُّحوق بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي.
فصل
قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ثُمَّ اسْتَتَبَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَفَرُهُ، وَأَجْمَعَ السَّير.
فلمَّا خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ وَمَعَهُ زِيَادَةٌ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنَ النَّاس، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَدُوُّ اللَّهِ عَسْكَرَهُ أَسْفَلَ مِنْهُ - وَمَا كَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ بِأَقَلِّ العسكرين - فلمَّا سار رسول
__________
(1) ما بين معكوفين سقط من الاصل، واستدركت من دلائل البيهقي.
(2) الحديث في دلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 216 - 217.
وأخرجه البخاري في كتاب المغازي - (78) باب الحديث: 4415 فتح الباري (8 / 90) ومسلم في كتاب الايمان (3) باب الحديث (8) .
(3) في ابن هشام: النية.
(*)
(5/10)

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم تخلَّف عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبي، فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيب.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَخْلَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: وَذَكَرَ الدَّرَاوَرْدِيُّ: أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَامَ تَبُوكَ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وخلَّف رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى أَهْلِهِ وَأَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ فِيهِمْ، فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ، وَقَالُوا، مَا خَلَّفَهُ إِلَّا اسْتِثْقَالًا لَهُ وَتَخَفُّفًا مِنْهُ.
فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ أَخَذَ عَلِيٌّ سِلَاحَهُ ثُمَّ خَرَجَ حتَّى لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بالجُرْف (1) فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالُوا فَقَالَ: " كَذَبُوا وَلَكِنِّي خلَّفتك لِمَا تَرَكْتُ وَرَائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَفَلَا تَرْضَى يَا عَلِيُّ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي " فَرَجَعَ
عَلِيٌّ وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرِهِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ.
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَقُولُ لِعَلِيٍّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ: مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ بِهِ (2) .
وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خلَّف رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُخَلِّفُنِي فِي النِّساء والصِّبيان؟ فَقَالَ " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ".
وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ نَحْوَهُ، وعلَّقه الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أبيه: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ - وخلَّفه فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ - فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخَلِّفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ " يَا عَلِيُّ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي " ورواه مُسْلِمٌ والتِّرمذي عَنْ قُتَيْبَةَ: زَادَ مُسْلِمٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ كِلَاهُمَا عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ أَبَا خَيْثَمَةَ رَجَعَ بَعْدَ مَا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَيَّامًا إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشَيْنِ لَهُمَا فِي حَائِطِهِ، قَدْ رَشَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرَّدَتْ فِيهِ مَاءً، وهيَّأت لَهُ فِيهِ طَعَامًا فلمَّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ، فَنَظَرَ إِلَى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضحِّ وَالرِّيحِ وَالْحَرِّ وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي ظِلٍّ بَارِدٍ وَطَعَامٍ مُهَيَّأٍ وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ فِي مَالِهِ مُقِيمٌ، مَا هَذَا بِالنَّصَفِ! وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فهيِّئا زَادًا فَفَعَلَتَا.
ثمَّ قَدَّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم حتَّى أَدْرَكَهُ حِينَ نَزَلَ
__________
(1) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة.
(2) أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النَّبيّ صلَّى الله عليه وآله باب مناقب علي بن أبي طالب (5 / 22) .
وفي كتاب المغازي باب غزوة تبوك فتح الباري (ج 8 / 91) .
ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (4) باب الحديث
(30 - 31 - 32) .
(*)
(5/11)

تبوك، وكان أَدْرَكَ أَبَا خَيْثَمَةَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ فِي الطَّرِيقِ، يَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَرَافَقَا حتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ تَبُوكَ قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ لِعُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ: إِنَّ لِي ذَنْبًا فَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي حتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَفَعَلَ حتَّى إِذَا دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ النَّاسُ هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطَّرِيقِ مُقْبِلٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ وَاللَّهِ أَبُو خَيْثَمَةَ.
فلمَّا بَلَغَ أَقْبَلَ فسلَّم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ " أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا خَيْثَمَةَ " ثمَّ أخبر رسول الله الْخَبَرَ فَقَالَ خَيْرًا وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قِصَّةَ أَبِي خَيْثَمَةَ بِنَحْوٍ مِنْ سِيَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَأَبْسَطَ وَذِكَرَ أَنَّ خُرُوجَهُ عَلَيْهِ السَّلام إِلَى تَبُوكَ كَانَ فِي زَمَنِ الْخَرِيفِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَقَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ فِي ذَلِكَ: لَمّا رَأيْت النَّاسَ فِي الدينِ نَافَقُوا * أَتَيّتُ الَّتِي كَانَتْ أَعَفَّ وَأكرما وَبَايَعْتُ بِاليُمْنَى يَديِ ِلمحمدٍ * فَلَمْ أكتسِب إثماً لم أَغْشَ مَحْرِما تَرَكْت خَضِيبَاً فِي العَريش وصَرّمَةِ * صَفَايَا كِراما بسرّهُا قَدْ تَحّمِمَا (1) وَكُنْتُ إذَا شَكَّ الُمنافِقُ أسّمَحَتْ * إلَى الدِّينِ نَفْسي شَطرَهُ حَيْثُ يَممّا قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن بريدة (2) ، عن سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوكَ جَعَلَ لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَتَخَلَّفُ، فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَلَّفَ فُلَانٌ فَيَقُولُ " دَعُوهُ إِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ " حتَّى قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تخلَّف أَبُو ذَرٍّ وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ فَقَالَ " دَعُوهُ إِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ " فَتَلَوَّمَ أَبُو ذَرٍّ بَعِيرَهُ فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ، أَخَذَ مَتَاعَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتَّبِعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَاشِيًا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ، وَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ ماشٍ عَلَى الطَّريق، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " كُنْ أَبَا ذَرٍّ " فلمَّا تأمَّله الْقَوْمُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ وَاللَّهِ أَبُو
ذَرٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ " قَالَ فَضَرَبَ [الدَّهر مِنْ] (3) ضَرْبِهِ، وَسُيِّرَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ فلمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى امْرَأَتَهُ وَغُلَامَهُ فَقَالَ: إِذَا مِتُّ فَاغْسِلَانِي وكفِّناني مِنَ اللَّيل ثمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّريق فأوَّل رَكْبٍ يَمُرُّونَ بِكُمْ فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ، فلمَّا مَاتَ فَعَلُوا بِهِ كَذَلِكَ فَاطَّلَعَ رَكْبٌ فَمَا عَلِمُوا بِهِ حتَّى كَادَتْ رِكَابُهُمْ تَطَأُ سَرِيرَهُ، فَإِذَا ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ جِنَازَةُ أَبِي ذَرٍّ، فاستهلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي وَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وحده ويموت وحده ويبعث وحده، فنزل
__________
(1) الخضيب: المرأة المخضوبة.
والصرمة: هنا جماعة النخل.
الصفايا: كثيرة الثمر.
(2) في رواية البيهقيّ: بريدة بن سفيان، وفي هامشه: " قال البخاري في التاريخ الكبير: فيه نظر، وضعفه النسائي وأبو داود وأحمد والدارقطني.
(3) بياض بالاصل، والزيادة من رواية البيهقي.
(*)
(5/12)

فَوَلِيَهُ بِنَفْسِهِ حتَّى أَجَنَّهُ (1) .
إِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَلَمْ يخرِّجوه قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بن عقيل في قوله [عز وجل] * (الذين اتَّبعوه في ساعة العسرة) * [التَّوْبَةِ: 117] قَالَ: خَرَجُوا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، الرَّجلان وَالثَّلَاثَةُ عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ وَخَرَجُوا فِي حَرٍّ شَدِيدٍ فَأَصَابَهُمْ فِي يَوْمٍ عَطَشٌ حتَّى جَعَلُوا ينحرون إبلهم لينفضوا أَكْرَاشَهَا وَيَشْرَبُوا مَاءَهَا، فَكَانَ ذَلِكَ عُسْرَةً فِي الْمَاءِ وَعُسْرَةً فِي النَّفقة وَعُسْرَةً فِي الظَّهْرِ (2) ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ (3) بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبَّاس أنَّه قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حدِّثنا عَنْ شَأْنِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ فَقَالَ عُمَرُ: خَرَجْنَا إِلَى تَبُوكَ فِي قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا وَأَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ حتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ حتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَذْهَبُ فَيَلْتَمِسُ الرَّحل فَلَا يَرْجِعُ حتَّى يَظُنَّ أَنَّ رَقَبَتَهُ سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجل لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ، فَيَعْتَصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ عوَّدك فِي الدُّعاء خَيْرًا فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَقَالَ " أو تحب ذَلِكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ نَحْوَ
السَّماء فلم يرجعهما حتَّى قالت (4) السَّماء فأطلت ثمَّ سكبت، فملأوا مَا مَعَهُمْ ثمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزَتِ الْعَسْكَرَ (5) .
إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَمْ يخرِّجوه مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ رِجَالٍ من قومه: أن هذه القصة كَانَتْ وَهُمْ بالحِجر، وَأَنَّهُمْ قَالُوا لِرَجُلٍ مَعَهُمْ منافق ويحك هل بعد هذا من شئ؟ ! فَقَالَ سَحَابَةٌ مَارَّةٌ، وَذَكَرَ أنَّ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضلَّت فَذَهَبُوا فِي طَلَبِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لِعُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ - وَكَانَ عِنْدَهُ - " إنَّ رَجُلًا قَالَ هَذَا مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أنَّه نَبِيٌّ وَيُخْبِرُكُمْ خَبَرُ السَّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، وإنِّي وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، هِيَ فِي الْوَادِي قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بزمامها " فانطلقوا فجاؤوا بِهَا فَرَجَعَ عُمَارَةُ إِلَى رَحْلِهِ فحدَّثهم عَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَبَرِ الرَّجل فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ (6) وَكَانَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ عَلَى زَيْدٍ يَجَأُ فِي عُنُقِهِ وَيَقُولُ إنَّ فِي رَحْلِي لَدَاهِيَةً وَأَنَا لَا أَدْرِي، اخْرُجْ عَنِّي يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَلَا تَصْحَبْنِي.
فَقَالَ بَعْضُ النَّاس إِنَّ زيداً تاب، وقال بعضهم لم يزل متهما بشر حَتَّى هَلَكَ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَبِيهًا بِقِصَّةِ الرَّاحلة ثمَّ روي من
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 168 ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 221 - 222.
(2) الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 227.
(3) في دلائل البيهقي: سعد.
(4) قالت: بمعنى استعدت وتهيأت (القاموس) .
(5) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 231.
والهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 194 - 195 وقال: رواه البزار، والطبراني في الاوسط، ورجال البزار ثقات.
(6) قال ابن هشام: يقال لصيب، وفي الاصابة لصيت وقيل لصيب، وفي الطبري: لصيب.
(*)
(5/13)

حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري - شكَّ الأعمش - قا لَمَّا كَانَ يَوْمُ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاس مَجَاعَةٌ
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَذِنْتَ فَنَنْحَرُ نَوَاضِحَنَا فَأَكَلْنَا وادَّهنا؟ (1) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " افْعَلُوا " فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فَعَلْتَ قلَّ الظَّهر، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ وَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ فِيهَا بِالْبَرَكَةِ لعلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فيها البركة، فقال رسول الله " نعم! " فدعا بنطع فبسطه ثمَّ عاد بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجئ بكف ذرة، ويجئ الآخرة بكف من التَّمر، ويجئ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ حتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النَّطع مِنْ ذلك شئ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ " خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ " فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حتَّى مَا تَرَكُوا في العسكر وعاء إلا ملؤوها، وَأَكَلُوا حتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهَا عَبْدٌ غَيْرُ شاكٍ فَيُحْجَبُ عَنِ الجنَّة " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبَى كُرَيْبٍ عَنْ أَبَى مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ.
وَرَوَاهُ الإمام أحمد مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هريرة به وَلَمْ يَذْكُرْ غَزْوَةَ تَبُوكَ بَلْ قَالَ كَانَ في غزوة غزاها.
مُرُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِي ذَهَابِهِ إلى تبوك بمساكن ثمود بالحجر قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ مرَّ بِالْحِجْرِ، نَزَلَهَا وَاسْتَقَى النَّاس مِنْ بِئْرِهَا، فلمَّا رَاحُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لا تشربوا من مياهها شيئا ولا تتوضأوا مِنْهُ للصَّلاة، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَأَعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا " هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حدَّثنا يَعْمَرُ بْنُ بِشْرٍ، حدَّثنا عَبْدُ الله بن الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ قَالَ " لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ ما أصابهم " وتقنَّع بردائه وهو على الرجل.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ.
وَقَالَ مَالِكٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ " لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ " (3) .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ نَحْوَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حدَّثنا صَخْرُ - هُوَ ابْنُ جُوَيْرِيَةَ - عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ
__________
(1) وادهنا: أي اتخذنا دهنا من شحومها.
(2) رواه الإمام أحمد في مسنده ج 3 / 11، ومسلم في كتاب الايمان - باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا.
الحديث (45) .
(3) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 165، وأخرجه البخاري في فتح الباري 6 / 530 و 8 / 381 ومسلم في الصحيح 4 / 2285.
ورواه البيهقي من طرق متعددة ج 5 / 233.
(*)
(5/14)

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بالنَّاس عَامَ تَبُوكَ الْحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ فَاسْتَقَى النَّاس مِنَ الْآبَارِ الَّتِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهَا ثَمُودُ، فَعَجَنُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ باللَّحم، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَهْرَقُوا الْقُدُورَ وَعَلَفُوا الْعَجِينَ الْإِبِلَ ثمَّ ارْتَحَلَ بِهِمْ حتَّى نَزَلَ بِهِمْ عَلَى الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهَا النَّاقة، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبوا [فَقَالَ] " إنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ " وَهَذَا الْحَدِيثُ إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يخرِّجوه وإنَّما أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ عياض، عن أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهِ.
قَالَ البخاري وتابعه أسامة عن عبيد الله.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ بِهِ (1) .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا مرَّ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجْرِ قَالَ " لَا تَسْأَلُوا الْآيَاتِ فَقَدْ سَأَلَهَا قَوْمُ صَالِحٍ فَكَانَتْ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوهَا، وَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمًا وَيَشْرَبُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا فَعَقَرُوهَا فَأَخَذَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَهْمَدَ اللَّهُ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّماء مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ " قِيلَ مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ " هُوَ أَبُو رِغَالٍ فلمَّا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ " إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلَمْ يخرِّجوه.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ عن إسماعيل بن واسط، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ تَسَارَعَ النَّاس إِلَى أَهْلِ الْحِجْرِ، يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَنُودِيَ فِي النَّاس: الصَّلاة جَامِعَةٌ قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُمْسِكٌ بَعِيرَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: " مَا تَدْخُلُونَ عَلَى قَوْمٍ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ " فَنَادَاهُ رَجُلٌ نَعْجَبُ منهم؟ قَالَ " أَفَلَا أنبِّئكم بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟ رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ينبِّئكم بِمَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا وسدِّدوا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ شَيْئًا، وَسَيَأْتِي قَوْمٌ لَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا " (2) إِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَلَمْ يخرِّجوه.
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنِ العبَّاس بْنِ سَهْلِ بْنِ سعد السَّاعديّ - أو عن العبَّاس بْنِ سَعْدٍ الشَّكُّ منِّي - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم حِينَ مرَّ بِالْحِجْرِ وَنَزَلَهَا اسْتَقَى النَّاس مِنْ بِئْرِهَا فلمَّا رَاحُوا مِنْهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم للنَّاس " لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا ولا تتوضأوا مِنْهُ للصَّلاة، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَأَعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يخرجنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ إِلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ " فَفَعَلَ النَّاس مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ، وَخَرَجَ الْآخَرُ فِي طَلَبِ بَعَيرٍ لَهُ، فَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ فَاحْتَمَلَتْهُ الرَّيح
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد (1) باب الحديث 40، والبخاري في 60 كتاب الانبياء (17) باب قول الله تعالى: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا.
(2) الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (6 / 194) وقال: " رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وقد اختلط ".
ورواه البيهقي من طريق أبي النصر هاشم بن القاسم.
(*)
(5/15)

حتى ألقته بحبل طئ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ: " أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ يَخْرُجَ رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ " ثمَّ دَعَا لِلَّذِي أُصِيبَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَشُفِيَ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبُوكَ وَفِي رِوَايَةِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ طَيِّئًا أَهْدَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ العبَّاس بْنَ سَهْلٍ سمَّى لَهُ الرَّجلين، لَكِنَّهُ اسْتَكْتَمَهُ إِيَّاهُمَا فَلَمْ يحدَّثني بِهِمَا (1) .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حدَّثنا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنِ العبَّاس بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعديّ قَالَ خَرَجْنَا
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَامَ تَبُوكَ حتَّى جِئْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَإِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لِأَصْحَابِهِ: " اخْرُصُوا " فَخَرَصَ الْقَوْمُ وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَةِ: " أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا حتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " قَالَ: فَخَرَجَ حتَّى قَدِمَ تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّهَا سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيلة رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يقومنَّ فِيهَا رَجُلٌ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيُوثِقْ عِقَالَهُ " قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: فَعَقَلْنَاهَا فلمَّا كَانَ مِنَ اللَّيل هبَّت عَلَيْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ فقام فيها رجل فألقته في جبل طئ، ثمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ مَلِكُ أَيْلَةَ فَأَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ رَسُولُ اللَّهِ برداً وكتب له يجيرهم (2) ثمَّ أَقْبَلَ وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ حتَّى جِئْنَا وَادِيَ القرى قال لِلْمَرْأَةِ " كَمْ جَاءَتْ حَدِيقَتُكِ؟ " قَالَتْ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ خرص رسول الله، فقال رسول الله " إنِّي مُتَعَجِّلٌ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ فَلْيَفْعَلْ " قَالَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَرَجْنَا مَعَهُ حتَّى إِذَا أَوْفَى عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: " هَذِهِ طَابَةُ ".
فلمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ " هَذَا أُحُدٌ (3) يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ؟ " قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ " خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ (4) ، ثمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، ثمَّ فِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ " (5) .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بِهِ نَحْوَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ: أنَّهم خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ تَبُوكَ، فَكَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهر وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ: فأخَّر الصَّلَاةَ يَوْمًا ثمَّ خَرَجَ فصلَّى الظُّهر وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثمَّ دَخَلَ ثمَّ خَرَجَ فصلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثمَّ قَالَ " إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غذا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ، وإنَّكم لَنْ تأتونها حتَّى يُضْحِيَ ضُحَى النَّهار فَمَنْ جَاءَهَا فَلَا يمس من مائها شيئاً حتَّى آتي "
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 164 - 165.
ونقله البيهقي في الدلائل من طريق أحمد بن عبد الجبار ج 5 / 240.
(2) في الاصل يخبرهم وهو تحريف، وما اثبتناه من ابن هشام.
(3) في رواية البيهقيّ: هذا أحد، وهو جبل.
(4) زاد البيهقي: ثمَّ دار بني الحارث بن الخزرج.
(5) رواه مسلم في الصحيح، في كتاب الفضائل - (3) باب.
الحديث (11) .
والبخاري في الصَّحيح: في الزكاة (54) باب الحديث (1481) فتح الباري (3 / 343) .
(*)
(5/16)

قال فجئناها وقد سبق مائها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشئ مِنْ مَاءٍ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا "، قَالَا: نَعَمْ فسبَّهما وَقَالَ لَهُمَا: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثمَّ غَرَفُوا مِنَ الْعَيْنِ قليلاً قليلاً حتَّى اجتمع في شئ، ثمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَاسْتَقَى النَّاس ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " يَا مُعَاذُ يُوشِكُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قد ملئ جناناً " أخرجه مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ بِهِ (1) .
ذِكْرُ خُطْبَتِهِ صلَّى الله عليه وسلم إلى تبوك إِلَى نَخْلَةٍ هُنَاكَ
رَوَى الْأَمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَيُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ وَحَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ اللَّيث بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ أَبِي الخطَّاب، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أنَّه قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام تَبُوكَ خَطَبَ النَّاس وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى نَخْلَةٍ فَقَالَ " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاس وشرِّ النَّاس، إنَّ مِنْ خَيْرِ النَّاس رَجُلًا عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ، أَوْ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، أَوْ عَلَى قَدَمَيْهِ حتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، وإنَّ مِنْ شرِّ النَّاس رَجُلًا فَاجِرًا جَرِيئًا يَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ لَا يَرْعَوِي إلى شئ مِنْهُ " (2) وَرَوَاهُ النَّسائي عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيث بِهِ وَقَالَ أَبُو الخطَّاب لَا أَعْرِفُهُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عبد العزيز بن عمران، حدَّثنا مصعب بن عبد الله عن (3) مَنْظُورِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ سِنَانٍ أَخْبَرَنِي أَبِي، سمعت عقبة بن عامر الجهني: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَاسْتَرْقَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حتَّى كَانَتِ الشَّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ، قَالَ " أَلَمْ أَقُلْ لَكَ يَا بِلَالُ اكْلَأْ لَنَا الْفَجْرَ " فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ بِي مِنَ النَّوم مِثْلُ الَّذِي ذَهَبَ بِكَ، قَالَ: فَانْتَقَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَنْزِلِهِ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثمَّ صلَّى وَسَارَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ بِتَبُوكَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ " أَيُّهَا النَّاس أما بعد، فإن أصذق الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَوْثَقَ الْعُرَى كَلِمَةُ التَّقوى، وَخَيْرَ الْمِلَلِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَخَيْرَ السُّنَنِ
سُنَّةُ مُحَمَّدٍ، وَأَشْرَفَ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْقَصَصِ هَذَا الْقُرْآنُ، وَخَيْرَ الْأُمُورِ عَوَازِمُهَا (4) وشرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَشْرَفَ الْمَوْتِ قَتْلُ الشُّهَدَاءِ، وَأَعْمَى الْعَمَى الضَّلالة بَعْدَ الْهُدَى، وَخَيْرَ الْأَعْمَالِ مَا نَفَعَ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ مَا اتُّبِعَ، وَشَرَّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ، وَالْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَمَا قلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وشرُّ الْمَعْذِرَةِ حِينَ يَحْضُرُ الْمَوْتُ، وشرُّ النَّدامة يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَمِنَ النَّاس مَنْ لَا يَأْتِي الْجُمُعَةَ إِلَّا دُبْرًا.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لا يذكر
__________
(1) رواه مسلم في 43 كتاب فضائل النبي صلى الله عليه وآله، (3) باب الحديث (10) .
ورواه البيهقي في الدلائل من طريق يحيى بن بكير.
(2) رواه أحمد في مسنده ج 3 / 37، 41، و 58: وقال هاشم بن القاسم في روايته: لا يدعو إلى شئ.
(3) في دلائل البيهقي: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ مَنْظُورِ بْنِ جميل بن سنان.
(4) عوازمها: الفرائض التي عزم الله عليك بفعلها، والمع؟ نى: الامور ذوات عزمها التي فيها عزم (عن النهاية) .
(*)
(5/17)

اللَّهَ إِلَّا هَجْرًا.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْخَطَايَا اللِّسان الكذوب، وَخَيْرَ الْغِنَى غِنَى النَّفس، وَخَيْرَ الزَّاد التَّقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عزوجل، وَخَيْرَ مَا وَقَرَ فِي الْقُلُوبِ الْيَقِينُ، وَالِارْتِيَابَ مِنِ الْكُفْرِ، وَالنِّيَاحَةَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْغُلُولَ من حثاء جهنم [والسكركي من النار] (1) وَالشِّعْرَ مِنْ إِبْلِيسَ، وَالْخَمْرَ جِمَاعُ الْإِثْمِ، والنِّساء حَبَائِلُ الشَّيطان، والشَّباب شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ، وَشَرَّ الْمَكَاسِبِ كَسْبُ الرِّبا، وَشَرَّ الْمَآكِلِ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والسَّعيد مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقي مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أمِّه، وإنَّما يَصِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى مَوْضِعِ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ وَالْأَمْرُ إِلَى الْآخِرَةِ، وَمِلَاكَ الْعَمَلِ خَوَاتِمُهُ، وَشَرَّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِبِ، وَكُلَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، وَسِبَابَ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ، وَقِتَالَ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ، وَأَكْلَ لَحْمِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَحُرْمَةَ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، وَمَنْ يتألى عَلَى اللَّهِ يُكْذِبْهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرْهُ يَغْفِرْ لَهُ، وَمَنْ يَعْفُ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ.
وَمَنْ يَكْظِمْ [الغيظ] (2) يَأْجُرْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ عَلَى الرَّزِيَّةِ يُعَوِّضْهُ الله، ومن يبتغي (3) السُّمْعَةَ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُضَعِّفِ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ، اللَّهم اغْفِرْ لِي وَلِأُمَّتِي، اللَّهم اغْفِرْ لِي وَلِأُمَّتِي، اللَّهم اغْفِرْ لِي وَلِأُمَّتِي " قَالَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ
قَالَ: " أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ " (4) وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِيهِ نَكَارَةٌ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ والله أَعْلَمُ بالصَّواب.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ.
قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ أَبِيهِ أنَّه نَزَلَ بِتَبُوكَ وهو حاج فإذا رجل مقعد، فسألته عَنْ أَمْرِهِ فَقَالَ: سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا فَلَا تحدِّث بِهِ مَا سَمِعْتَ أَنِّي حَيٌّ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ بِتَبُوكَ إِلَى نَخْلَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ قِبْلَتُنَا ثمَّ صَلَّى إِلَيْهَا، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ وَأَنَا غُلَامٌ أَسْعَى حتَّى مَرَرْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَقَالَ قَطَعَ صَلَاتَنَا قَطَعَ اللَّهُ أَثَرَهُ.
قَالَ فَمَا قُمْتُ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِي هَذَا (5) ثمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ (6) عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيِّ، عَنْ مَوْلَى لِيَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ.
قَالَ: رَأَيْتُ بِتَبُوكَ مُقْعَدًا فَقَالَ: مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَأَنَا عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: " اللَّهم اقْطَعْ أَثَرَهُ فَمَا مَشَيْتُ عَلَيْهَا بَعْدُ " (7) .
وَفِي رِوَايَةٍ " قَطَعَ صَلَاتَنَا قَطَعَ اللَّهُ أَثَرَهُ ".
الصَّلاة علي معاوية بن أبي معاوية (8) رَوَى الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّقفي، قَالَ: سَمِعْتُ
__________
(1) سقطت من الاصل واستدركت من الدلائل.
(2) من دلائل البيهقي.
(3) في الدلائل: يتبع.
(4) الحديث في دلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 241 - 242.
(5) سنن أبي داود: كتاب الصلاة باب ما يقطع الصلاة الحديث (707) ص (1 / 188) (6) من أبي داود، وفي الاصل عن عبد العزيز تحريف.
(7) سنن أبي داود كتاب الصلاة الحديث 705 ص (1 / 188) والحديث (706) .
(8) هكذا في الاصل ابن أبي معاوية.
وذكره البيهقي معاوية بن معاوية الليثي، وهو معاوية بن معاوية المزني توفي = (*)
(5/18)

أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبُوكَ، فَطَلَعَتِ الشَّمس بضياء ولها شعاع وَنُورٍ، لَمْ أَرَهَا طَلَعَتْ فِيمَا مَضَى، فَأَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " يا جبريل مالي أرى الشَّمس اليوم
طلعت بيضاء وَنُورٍ وَشُعَاعٍ لَمْ أَرَهَا طَلَعَتْ فِيمَا مَضَى " قال: ذلك أنَّ معاوية بن أبي مُعَاوِيَةَ اللَّيثي مَاتَ بِالْمَدِينَةِ الْيَوْمَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَالَ " وَمِمَّ ذَاكَ؟ " قَالَ: بِكَثْرَةِ قِرَاءَتِهِ * (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) * باللَّيل والنَّهار، وَفِي مَمْشَاهُ وَفِي قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ، فَهَلْ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَقْبِضَ لَكَ الْأَرْضَ فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ قَالَ " نَعَمْ! " قَالَ فصلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ غرابة شديدة ونكارة، والنَّاس يسندون أمرها إِلَى الْعَلَاءِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا وَقَدْ تكلَّموا فِيهِ.
ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، حدَّثنا هَاشِمُ (1) بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حدَّثنا مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَاتَ مُعَاوِيَةُ بن أبي مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ، أَفَتُحِبُّ أَنْ تصلِّي عَلَيْهِ؟ قَالَ " نَعَمْ! " فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ شَجَرَةٍ وَلَا أَكَمَةٍ إِلَّا تَضَعْضَعَتْ لَهُ، قَالَ فصلَّى وَخَلْفَهُ صفَّان مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي كُلِّ صفٍّ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، قَالَ قُلْتُ " يَا جِبْرِيلُ بِمَا نَالَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ مِنَ اللَّهِ؟ " قَالَ بحبه * (قل هو الله أحد) * يقرأها قَائِمًا وَقَاعِدًا، وَذَاهِبًا وَجَائِيًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ.
قَالَ عُثْمَانُ: فَسَأَلْتُ أَبِي أَيْنَ كَانَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بالشَّام، وَمَاتَ مُعَاوِيَةُ بِالْمَدِينَةِ، وَرُفِعَ لَهُ سَرِيرُهُ حتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ وصلَّى عَلَيْهِ (2) : وَهَذَا أَيْضًا مُنْكَرٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قُدُومُ رَسُولِ قَيْصَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبُوكَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ (3) ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عن سعيد بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ لَقِيتُ التَّنوخي رَسُولَ الله هرقل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بحمص وكان جاراً لي شيخنا كبيراً قد بلغ العقد (4) أَوْ قَرُبَ.
فَقُلْتُ أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ رِسَالَةِ هرقل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هرقل؟ قال بَلَى: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوكَ فَبَعَثَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ إِلَى هِرَقْلَ فَلَمَّا أَنْ جَاءَهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا قسِّيسي الرُّوم وَبَطَارِقَتَهَا ثمَّ أغلق عليه
__________
= في حياة النبي صلى الله عليه وآله، اختلفوا في اسم أبيه، ذكره ابن عبد البرفي الاستيعاب (3 / 391) على هامش الاصابة، وذكره ابن حجر في الاصابة (3 / 436) .
ولعل كنية أبيه: أبو معاوية.
(1) في الدلائل: هشام.
(2) الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 245 - 246 في باب: ما روي في صلاته بتبوك علي معاوية بن معاوية الليثي.
وذكره ابن عبد البر في الإستيعاب في ترجمته وقال: أسانيد هذه الاحاديث ليست بالقوية، ولو أنها في الاحكام لم يكن في شئ منها حجة ... وفضل قل هو الله أحد لا ينكر.
(3) في المسند: سليمان.
(4) في المسند الفند: والفند في الاصل: الكذب، وأفند تكلم بالفند، ثم قالوا للشيخ إذا هرم: قد أفند لانه يتكلم بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة، وأفنده الكبر: إذا أوقعه في الفند.
(عن النهاية) .
(*)
(5/19)

وَعَلَيْهِمُ الدَّار فَقَالَ: قَدْ نَزَلَ هَذَا الرَّجل حَيْثُ رَأَيْتُمْ؟ وَقَدْ أَرْسَلَ إلَّي يَدْعُونِي إِلَى ثلاث خصال، يدعوني أَنْ أتَّبعه عَلَى دِينِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَهُ مَالَنَا عَلَى أَرْضِنَا وَالْأَرْضُ أَرْضُنَا، أَوْ نُلْقِيَ إِلَيْهِ الْحَرْبَ.
وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ فِيمَا تقرأون مِنَ الْكُتُبِ لَيَأْخُذَنَّ [مَا تَحْتَ قَدَمِي] (1) فَهَلُمَّ فلنتَّبعه على دينه أو نعطيه مَالَنَا عَلَى أَرْضِنَا، فَنَخَرُوا نَخْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ حتَّى خَرَجُوا مِنْ بَرَانِسِهِمْ وَقَالُوا: تَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَذَرَ النَّصرانية أَوْ نَكُونَ عَبِيدًا لِأَعْرَابِيٍّ جَاءَ مِنَ الْحِجَازِ.
فلمَّا ظنَّ أنَّهم إِنْ خرجوا من عنده أفسدوا عليه الرُّوم رقأهم (2) ولم يكد وقال: إنما قلت ذلك لِأَعْلَمَ صَلَابَتَكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ ثمَّ دَعَا رَجُلًا مِنْ عَرَبِ تُجِيبَ كَانَ عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ قَالَ: ادْعُ لِي رَجُلًا حَافِظًا لِلْحَدِيثِ، عَرَبِيَّ اللِّسان أَبْعَثُهُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ بِجَوَابِ كِتَابِهِ، فَجَاءَ بِي فَدَفَعَ إِلَيَّ هِرَقْلُ كِتَابًا فَقَالَ: اذهب بكتابي إلى هذا الرَّجل، فما سمعته مِنْ حَدِيثِهِ فَاحْفَظْ لِي مِنْهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ، انظر هل يذكر صحيفته إليّ التي كتب بشئ، وَانْظُرْ إِذَا قَرَأَ كِتَابِي فَهَلْ يَذْكُرُ اللَّيل، وانظر في ظهره هل به شئ يريبك.
قال فانطلقت بكتابه حتَّى جئت تبوكاً فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانِي أَصْحَابِهِ مُحْتَبِيًا عَلَى الْمَاءِ، فَقُلْتُ أَيْنَ صَاحِبُكُمْ؟ قِيلَ هَا هُوَ ذَا، فَأَقْبَلْتُ أَمْشِي حتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ كِتَابِي فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ ثمَّ قَالَ " مِمَّنْ أَنْتَ " فَقُلْتُ أَنَا أَخُو تَنُوخَ قَالَ " هَلْ لَكَ إِلَى الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ أبيكم إِبْرَاهِيمَ؟ " قُلْتُ إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ وَعَلَى دِينِ قَوْمٍ لَا أَرْجِعُ عَنْهُ حتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ، فَضَحِكَ وَقَالَ " إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين، يَا أَخَا تَنُوخَ إِنِّي كَتَبْتُ بِكِتَابٍ إِلَى
كسرى وَاللَّهُ مُمَزِّقُهُ وَمُمَزِّقُ مُلْكِهِ وَكَتَبْتُ إِلَى النَّجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ويخرق مُلْكِهِ، وَكَتَبْتُ إِلَى صَاحِبِكَ بِصَحِيفَةٍ فَأَمْسَكَهَا فَلَنْ يَزَالَ النَّاس يَجِدُونَ مِنْهُ بَأْسًا مَا دَامَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ " قُلْتُ هَذِهِ إِحْدَى الثَّلاث الَّتِي أَوْصَانِي بِهَا صَاحِبِي، فَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جعبتي فكتبته في جنب سَيْفِي ثمَّ إنَّه نَاوَلَ الصَّحيفة رَجُلًا عَنْ يَسَارِهِ قُلْتُ مَنْ صَاحِبُ كِتَابِكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ لَكُمْ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ فَإِذَا فِي كِتَابِ صَاحِبِي تدعوني إلى جنة عرضها السَّموات وَالْأَرْضُ أعدَّت للمتَّقين فَأَيْنَ النَّار؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْنَ اللَّيل إِذَا جَاءَ النَّهار " قَالَ: فَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جَعْبَتِي فَكَتَبْتُهُ فِي جِلْدِ سَيْفِي، فلمَّا أَنْ فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ كِتَابِي قَالَ " إنَّ لك حقاً وإنك لرسول، فَلَوْ وَجَدْتُ عِنْدَنَا جَائِزَةً جوَّزناك بِهَا، إِنَّا سُفْرٌ مُرْمِلُونَ " قَالَ: فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْ طَائِفَةِ النَّاس قَالَ أَنَا أُجَوِّزُهُ، فَفَتَحَ رَحْلَهُ فَإِذَا هُوَ يَأْتِي بِحُلَّةٍ صَفُّورِيَّةٍ فَوَضَعَهَا فِي حِجْرِي، قُلْتُ مَنْ صَاحِبُ الْجَائِزَةِ؟ قِيلَ لِي: عُثْمَانُ، ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ " أيُّكم يُنْزِلُ هَذَا الرَّجل؟ " فَقَالَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ وَقُمْتُ مَعَهُ حتَّى إِذَا خَرَجْتُ مِنْ طَائِفَةِ الْمَجْلِسِ نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ " تَعَالَ يا أخا تنوخ " فأقبلت أهوي حتَّى كُنْتُ قَائِمًا فِي مَجْلِسِي الَّذِي كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فحلَّ حُبْوَتَهُ عَنْ ظَهْرِهِ وَقَالَ " هاهنا إمض لما أمرت
__________
(1) من مسند أحمد.
(2) رقأهم: سكنهم، وفي المسند رفأهم: تقرب إليهم.
(*)
(5/20)

بِهِ " فَجُلْتُ فِي ظَهْرِهِ فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ في موضع غضون الكتف مثل الحمحمة (1) الضَّخْمَةِ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ به تفرَّد به الإمام أحمد (2) .
مصالحته (3) عليه السَّلام ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح قبل رجوعه من تبوك قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوكَ أَتَاهُ يُحَنَّةُ بْنُ رُؤْبَةَ، صَاحِبُ أَيْلَةَ فَصَالَحَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ، وأتاه أهل جرباء وأذرح (4) وأعطوه الجزية، كتب لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم كِتَابًا فهو عندهم، وكتب لِيُحَنَّةَ بْنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمن الرَّحيم،
هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ ومحمَّد النَّبيّ رَسُولِ اللَّهِ لِيُحَنَّةَ بْنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ سُفُنِهِمْ وَسَيَّارَتِهِمْ فِي البرِّ وَالْبَحْرِ: لَهُمْ ذمة الله [وذمة] (5) محمد النَّبيّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّام وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ الْبَحْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا فَإِنَّهُ لَا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ.
وَإِنَّهُ طَيِّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاس، وَإِنَّهُ لا يحلّ أن يمنعوا مَاءً يَرِدُونَهُ، وَلَا طَرِيقًا يَرِدُونَهُ مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ.
زَادَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بَعْدَ هَذَا، وَهَذَا كِتَابُ جُهَيْمِ بْنِ الصَّلت وَشُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ.
قَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ.
وَكَتَبَ لِأَهْلِ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبيّ رَسُولِ اللَّهِ لِأَهْلِ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ، أنَّهم آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَأَمَانِ مُحَمَّدٍ، وأنَّ عَلَيْهِمْ مِائَةَ دِينَارٍ فِي كُلِّ رَجَبٍ (6) ، وَمِائَةَ أُوقِيَّةٍ طَيِّبَةٍ، وأنَّ اللَّهَ عَلَيْهِمْ كَفِيلٌ بِالنُّصْحِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَأَعْطَى النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَهْلَ أَيْلَةَ بُرْدَهُ مَعَ كِتَابِهِ أَمَانًا لَهُمْ، قَالَ: فَاشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبُو العبَّاس عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بثلثمائة دينار.
بعثه عليه السَّلام خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِر دُومة قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم دَعَا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فبعثه إلى أكيدر دومة، وهو
__________
(1) في المسند: الحجمة، وفي نسخة العجمة وهي الاكثر مناسبة، والعجمة بالضم والكسر ما تعقد من الرمل أو كثرة الرمل.
ولعل المراد ناتئ قليلا (القاموس المحيط) .
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج 3 / 341 - 342.
(3) وفي النسخة التيمورية: كتابه صلى الله عليه وآله ليحنة.
(4) أيلة: مدينة بالشام على النصف ما بين مصر ومكة على ساحل البحر.
جرباء: بلدة بالشام تلقاء السراة.
أذرح: مدينة بالشام، قيل هي فلسطين، قال في القاموس: بجنب جربا.
(5) من ابن هشام.
(6) في الواقدي والبيهقي نقلا عن ابن إسحاق: في كل رجب وافية طيبة.
(انظر في كتبه صلى الله عليه وآله سيرة ابن هشام 4 / 169 مغازي الواقدي 3 / 1032 - دلائل البيهقي 5 / 247 - 248) .
(*)
(5/21)

أكيدر بن عبد الملك، رجل من بني كنانة (1) كَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لِخَالِدٍ " إنَّك سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ " فَخَرَجَ خَالِدٌ حتَّى إِذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ، وَفِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ صَائِفَةٍ، وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ (2) .
وَبَاتَتِ الْبَقَرُ تحكُّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْقَصْرِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا قَطُّ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَتْ: فَمَنْ يَتْرُكُ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَحَدَ فَنَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ، فأُسرج له، وركب معه نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فِيهِمْ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ حَسَّانُ، فَرَكِبَ وَخَرَجُوا مَعَهُ بِمَطَارِدِهِمْ (3) .
فلمَّا خَرَجُوا تلقَّتهم خَيْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَخَذَتْهُ وَقَتَلُوا أَخَاهُ وَكَانَ عَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مخوَّص بالذَّهب، فَاسْتَلَبَهُ خَالِدٌ فَبَعَثَ بِهِ (4) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ قَبَاءَ أُكَيدر حِينَ قُدِمَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَلْمِسُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا [فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ] (5) لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا ".
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لَمَّا قَدِمَ بأُكَيدر عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم حَقَنَ لَهُ دَمَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، ثمَّ خلَّى سَبِيلَهُ فَرَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ (6) ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بني طئ يُقَالُ لَهُ بُجَيْرُ بْنُ بَجْرَةَ فِي ذَلِكَ: تَبَارَكَ سَائِقُ البَقَرَاتِ إِنِّي * رَأَيْتُ اللَّهَ يَهْدِي كُلَّ هَادِ فَمَنْ يَكُ حَائِدَاً عَنْ ذِي تَبوكٍ * فَإنَّا قَدْ أَمَرْنَا بِالِجهَادِ وَقَدْ حَكَى الْبَيْهَقِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِهَذَا الشَّاعِرِ " لَا يَفْضُضِ اللَّهُ فاك " فأتت عليه سبعون (7) سَنَةً مَا تحرَّك لَهُ فِيهَا ضِرْسٌ وَلَا سِنٌّ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بَعَثَ خَالِدًا مَرْجِعَهُ مِنْ تَبُوكَ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا إِلَى أُكَيدر دومة فذكر نحو ما
__________
(1) في ابن هشام: رجل من كندة، قال الواقدي وهو ابن عبد الملك بن عبد الجن.
(2) اسمها الرباب بنت أنيف بن عامر من كندة (قاله الواقدي) .
(3) المطارد: جمع المطرد، وزن منبر، وهو رمح قصير يطرد به، وقيل يطرد به الوحش (اللسان) .
(4) بعثه مع عمرو بن أمية الضمري.
(5) من ابن هشام ومغازي الواقدي.
(6) قال الواقدي وابن سعد وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله كتابا فيه أمانهم وما صالحهم وختمه يومئذ بظفره ونصفه: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ محمد رسول الله لاكيدر حين أجاب إلى الاسلام وخلع الانداد والاصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله، في دومة الجندل وأكنافها.
وان لنا الضاحية من الضحل، والبور، والمعامي، وأغفال الارض، والحلقة، والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل، والمعين من المعمور بعد الخمس، لا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم، ولا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقها.
عليكم بذلك العهد والميثاق، ولكم بذلك الصدق والوفاء، شهد الله ومن حضر معه من المسلمين.
".
(7) في دلائل البيهقي ج 5 / 251: تسعون سنة.
(*)
(5/22)

تقدم إلا أنه ذكر أنَّه ما كره حتَّى أَنْزَلَهُ مِنَ الْحِصْنِ، وَذَكَرَ أنَّه قَدِمَ مع أُكَيدر إلى رسول الله ثَمَانُمِائَةٍ مِنَ السَّبْيِ، وَأَلْفُ بَعِيرٍ، وَأَرْبَعُمِائَةِ دِرْعٍ، وَأَرْبَعُمِائَةِ رُمْحٍ، وَذَكَرَ أنَّه لَمَّا سَمِعَ عَظِيمُ أيلة يحنة بن رؤبة بقضية أُكَيدر أقبل قادماً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصالحه فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبُوكَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ (1) .
وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ بِلَالِ بْنِ يَحْيَى: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فِي غَزْوَةِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْأَعْرَابِ فِي غَزْوَةِ دُومَةِ الجندل، فالله أعلم (2) .
فصل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة لَمْ يُجَاوِزْهَا، ثمَّ انْصَرَفَ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَكَانَ فِي الطَّريق مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ وَشَلٍ يَرْوِي الرَّاكِبَ وَالرَّاكِبَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي الْمُشَقَّقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: " مَنْ سَبَقَنَا إِلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَلَا يَسْتَقِيَنَّ مِنْهُ شَيْئًا حتَّى نَأْتِيَهُ " قَالَ: فَسَبَقَهُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَاسْتَقَوْا مَا فِيهِ، فلمَّا أَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَقَفَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ فِيهِ
شَيْئًا فَقَالَ " مَنْ سَبَقَنَا إِلَى هَذَا الْمَاءِ؟ " فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فُلَانٌ وفلان (3) ، فقال أو لم أَنْهَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْهُ حتَّى آتِيَهُ، ثمَّ لَعَنَهُمْ وَدَعَا عَلَيْهِمْ، ثمَّ نَزَلَ فَوَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ الْوَشَلِ (4) ، فَجَعَلَ يَصُبُّ فِي يَدِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَصُبَّ، ثمَّ نَضَحَهُ بِهِ وَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، وَدَعَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ، فَانْخَرَقَ مِنَ الْمَاءِ - كَمَا يَقُولُ مَنْ سَمِعَهُ - مَا إِنَّ لَهُ حِسًّا كَحِسِّ الصَّوَاعِقِ، فَشَرِبَ النَّاس وَاسْتَقَوْا حَاجَتَهُمْ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " لَئِنْ بَقِيتُمْ أَوْ مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ لَيَسْمَعَنَّ بِهَذَا الْوَادِي وَهُوَ أَخْصَبُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلْفَهُ ".
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ ابْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يحدِّث قَالَ: قُمْتُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَرَأَيْتُ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَاتَّبَعْتُهَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا، قَالَ: فَإِذَا رَسُولُ الله وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ قَدْ مَاتَ وَإِذَا هُمْ قَدْ حَفَرُوا له، ورسول الله فِي حُفْرَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يدلِّيانه إِلَيْهِ، وَإِذَا هُوَ يَقُولُ " أَدْنِيَا إِلَيَّ أَخَاكَمَا " فدلَّياه إِلَيْهِ، فلمَّا هيَّأه لِشِقِّهِ قَالَ " اللَّهم إنِّي قَدْ أَمْسَيْتُ رَاضِيًا عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ " قَالَ يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ صَاحِبَ الحفرة.
قال ابن هشام: إنما سمي ذو الْبِجَادَيْنِ، لأنَّه كَانَ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَمَنَعَهُ قَوْمُهُ وضيَّقوا عَلَيْهِ حتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمْ وَلَيْسَ عليه إلا
__________
(1) نقل الخبر البيهقي في الدلائل مطولا ج 5 / 252.
(2) روى الحديث البيهقي في دلائل النبوة ج 5 / 253.
(3) ذكرهم الواقدي قال: أربعة من المنافقين: معتب بن قشير، والحارث بن يزيد الطائي، ووديعة بن ثابت، وزيد بن اللصيت.
(4) الوشل.
حجر أو جبل يقطر منه الماء قليلا قليلا.
والوشل أيضا: القليل من الماء (شرح أبي ذر) .
(*)
(5/23)

بجاد - وهو الكساء الغليظ - فشقَّه بإثنين فَائْتَزَرَ بِوَاحِدَةٍ وَارْتَدَى بِالْأُخْرَى، ثمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَسُمِّيَ ذُو الْبِجَادَيْنِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهري عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، عَنِ ابْنِ أَخِي أَبِي رُهْمٍ
الْغِفَارِيِّ أنَّه سَمِعَ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ الْحُصَيْنِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ - يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم غَزْوَةَ تَبُوكَ فَسِرْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ مَعَهُ وَنَحْنُ بِالْأَخْضَرِ وَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيَّ النّعاس (1) وطفقت أَسْتَيْقِظُ وَقَدْ دَنَتْ رَاحِلَتِي مِنْ رَاحِلَةِ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُفْزِعُنِي دُنُوُّهَا مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ أُصِيبَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَطَفِقْتُ أَحُوزُ رَاحِلَتِي عَنْهُ، حتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي فِي بَعْضِ الطَّريق، فَزَاحَمَتْ رَاحِلَتِي رَاحِلَتَهُ وَرِجْلُهُ فِي الْغَرْزِ، فَلَمْ أَسْتَيْقِظْ إِلَّا بِقَوْلِهِ " حَسِّ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ " سِرْ " فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُنِي عَمَّنْ تخلَّف عَنْهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ فَأُخْبِرُهُ بِهِ.
فَقَالَ وَهُوَ يَسْأَلُنِي " مَا فَعَلَ النَّفَرُ الْحُمْرُ الطِّوَالُ الثِّطَاطُ (2) الَّذِينَ لَا شَعْرَ لهم فِي وُجُوهِهِمْ؟ " فحدَّثته بِتَخَلُّفِهِمْ، قَالَ " فَمَا فَعَلَ النَّفر السُّودُ الْجِعَادُ الْقِصَارُ " قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ هَؤُلَاءِ منَّا قَالَ " بَلَى الَّذِينَ لَهُمْ نَعَمٌ بِشَبَكَةِ شَدَخٍ " (3) فتذكَّرتهم فِي بَنِي غِفَارٍ، فَلَمْ أَذْكُرْهُمْ حتَّى ذَكَرْتُ أَنَّهُمْ رَهْطٌ مِنْ أَسْلَمَ كَانُوا حُلَفَاءَ فِينَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُولَئِكَ رَهْطٌ مِنْ أَسْلَمَ حُلَفَاءُ فِينَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا مَنَعَ أَحَدَ أُولَئِكَ حِينَ تخلَّف أن يحمل على بعير من إبله امرءاً نَشِيطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إنَّ أَعَزَّ أَهْلِي عَلَيَّ أَنْ يتخلَّف عنِّي الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَغِفَارٌ وأسلم ".
قال ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبُوكَ إِلَى الْمَدِينَةِ همَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِالْفَتْكِ بِهِ وَأَنْ يَطْرَحُوهُ مِنْ رَأْسِ عَقَبَةٍ فِي الطَّريق، فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِمْ فَأَمَرَ النَّاس بِالْمَسِيرِ مِنَ الْوَادِي وَصَعِدَ هُوَ الْعَقَبَةَ وَسَلَكَهَا مَعَهُ أُولَئِكَ النَّفَرُ وَقَدْ تَلَثَّمُوا، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ أَنْ يَمْشِيَا مَعَهُ، عَمَّارٌ آخِذٌ بِزِمَامِ النَّاقة، وَحُذَيْفَةُ يَسُوقُهَا، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ سَمِعُوا بِالْقَوْمِ قَدْ غَشُوهُمْ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبصر حذيفة فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَمَعَهُ مِحْجَنٌ، فَاسْتَقْبَلَ وَجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ بِمِحْجَنِهِ، فلمَّا رَأَوْا حُذَيْفَةَ ظَنُّوا أَنْ قَدْ أُظْهِرَ عَلَى مَا أَضْمَرُوهُ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ فَأَسْرَعُوا حتَّى خَالَطُوا النَّاس، وَأَقْبَلَ حُذَيْفَةُ حتَّى أَدْرَكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَمَرَهُمَا فَأَسْرَعَا حتَّى قَطَعُوا الْعَقَبَةَ وَوَقَفُوا يَنْتَظِرُونَ النَّاس، ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُذَيْفَةَ " هَلْ عَرَفْتَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ؟ " قَالَ: مَا عَرَفْتُ إِلَّا رَوَاحِلَهُمْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيل حِينَ غَشِيتُهُمْ، ثمَّ قَالَ " عَلِمْتُمَا مَا كَانَ مِنْ شَأْنِ هَؤُلَاءِ الرَّكب؟ " قَالَا: لَا، فأخبرهما بما كانوا تملاوا عليه وسماهم لهما واستكتمهما
__________
(1) العبارة في ابن هشام: ونحن بالاخضر قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وألقى علينا النعاس.
(2) الثطاط: جمع ثط، وهو صغير نبات شعر اللحية (قاله السهيلي) .
(3) شبكة شدخ: ماء لاسلم من بني غفار.
كما عند ياقوت.
وفي النهاية واللسان: شبكة جرح: موضع بالحجاز في ديار غفار.
(*)
(5/24)

ذَلِكَ؟ فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا تَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ؟ فَقَالَ " أَكْرَهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ " (1) وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ القصَّة إِلَّا أنَّه ذَكَرَ أنَّ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَعْلَمَ بِأَسْمَائِهِمْ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَحْدَهُ وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ لِعَلْقَمَةَ صَاحِبِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَلَيْسَ فِيكُمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْكُوفَةِ - صَاحِبُ السَّوَادِ وَالْوِسَادِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ - يَعْنِي حُذَيْفَةَ - أَلَيْسَ فِيكُمُ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيطان عَلَى لِسَانِ محمَّد - يَعْنِي عَمَّارًا - وَرَوَيْنَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّه قَالَ لِحُذَيْفَةَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ لَا وَلَا أُبَرِّئُ بَعْدَكَ أَحَدًا - يَعْنِي حتَّى لَا يَكُونَ مُفْشِيًا سرَّ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم -.
قُلْتُ: وَقَدْ كَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَقِيلَ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَجَمَعَهُمْ لَهُ فَأَخْبَرَهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَبِمَا تمالاوا عَلَيْهِ.
ثمَّ سَرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَسْمَاءَهُمْ قَالَ وفيهم أنزل الله عزوجل: * (وهمّوا بما لم ينالوا) * [التَّوْبَةِ: 74] .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مسلمة (2) عن أبي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَقُودُ بِهِ، وَعَمَّارٌ يَسُوقُ النَّاقة - أَوْ أَنَا أَسُوقُ وَعَمَّارٌ يَقُودُ بِهِ - حَتَّى إِذَا كنا بالعقبة إذا باثني عشر رجلاً قَدِ اعْتَرَضُوهُ فِيهَا، قَالَ فَأَنْبَهْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَصَرَخَ بِهِمْ فَوَلَّوْا مدبرين، فقال لنا رسول الله " هَلْ عَرَفْتُمُ الْقَوْمَ؟ " قُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانُوا مُتَلَثِّمِينَ، وَلَكِنَّا قَدْ عَرَفْنَا الرِّكَابَ، قَالَ
" هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا أَرَادُوا؟ " قُلْنَا: لَا قَالَ: " أَرَادُوا أَنْ يَزْحَمُوا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْعَقَبَةِ فَيُلْقُوهُ مِنْهَا " قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ لَا تَبْعَثُ إِلَى عَشَائِرِهِمْ حتَّى يَبْعَثَ إِلَيْكَ كُلُّ قَوْمٍ بِرَأْسِ صَاحِبِهِمْ؟ قَالَ " لَا، أَكْرَهُ أن يتحدث العرب بينها أنَّ محمَّداً قاتل لقومه، حتَّى إِذَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُهُمْ " ثمَّ قَالَ " اللَّهم ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ " (3) قُلْنَا يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال " هي شهاب من نار تقع عَلَى نِيَاطِ قَلْبِ أَحَدِهِمْ فَيَهْلِكُ " (4) .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أبي نضرة، عن قيس بن عبادة.
قَالَ، قُلْتُ لِعَمَّارٍ أَرَأَيْتُمْ صَنِيعَكُمْ هَذَا فِيمَا كان من أمر عليّ أرأي رأيتموه أم شئ عهده إليكم رسول الله؟ فقال: ما عهد
__________
(1) روى الخبر البيهقي في دلائله ج 5 / 256 - 258 مطولا باختلاف بسيط في بعض ألفاظه وتعابيره.
ورواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي الطفيل، وابن سعد عن جبير بن مطعم والواقدي في مغازيه من طريق صالح بن كيسان.
(2) في الدلائل: سلمة، عن محمد بن إسحاق.
(3) الدبيلة: خراج أو دمل كبير يظهر في الجوف تقتل صاحبها غالبا.
(4) رواه البيهقي في دلائله ج 5 / 260 - 261.
(*)
(5/25)

إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاس كَافَّةً، وَلَكِنْ حُذَيْفَةُ أَخْبَرَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " فِي أَصْحَابِي اثَنَا عَشَرَ مُنَافِقًا مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجنَّة حتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سمِّ الخيَاط " (1) وَفِي رواية مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ " إنَّ فِي أُمَّتِي اثْنَيْ عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الجنَّة حتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سمِّ الخيَاط، ثَمَانِيَةٌ منهم يكفيكهم الدُّبَيْلَةُ، سِرَاجٌ مِنَ النَّار يَظْهَرُ بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ حتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ ".
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ (2) : وَرَوَيْنَا عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم كَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ - أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ - وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّ اثْنَيْ عشر منهم حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً أنَّهم قَالُوا: مَا سَمِعْنَا الْمُنَادِي وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: حدَّثنا يَزِيدُ - هُوَ ابْنُ هَارُونَ - أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ
عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ.
قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أمر منادياً فنادى إنَّ رسول الله آخِذٌ بِالْعَقَبَةِ فَلَا يَأْخُذْهَا أَحَدٌ، فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ وَيَسُوقُهُ عمَّار إِذْ أَقْبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلَى الرَّواحل فَغَشُوا عَمَّارًا وَهُوَ يَسُوقُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَأَقْبَلَ عمَّار يَضْرِبُ وُجُوهَ الرَّواحل، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لِحُذَيْفَةَ " قُدْ قُدْ " حتَّى هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ الوادي، فلمَّا هبط وَرَجَعَ عمَّار قَالَ " يَا عمَّار هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ؟ " قَالَ قَدْ عَرَفْتُ عَامَّةَ الرَّواحل وَالْقَوْمُ مُتَلَثِّمُونَ قَالَ " هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا؟ " قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ فَيَطْرَحُوهُ " قَالَ فسارَّ عمَّار رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَقَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ كَمْ تَعْلَمُ كَانَ أَصْحَابُ العقبة؟ قال أربعة عشر رجلاً، فَقَالَ إِنْ كُنْتُ فِيهِمْ فَقَدْ كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ، قَالَ فَعَذَرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمُ ثَلَاثَةً قَالُوا مَا سَمِعْنَا منادي رَسُولَ اللَّهِ وَمَا عَلِمْنَا مَا أَرَادَ الْقَوْمُ.
فَقَالَ عمَّار: أَشْهَدُ أنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ (3) الْبَاقِينَ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.
قِصَّةُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى * (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذوبون، لَا تَقُمْ فِيهِ
__________
(1) الحديث رواه مسلم في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ في (50) كتاب المنافقين (الحديث: 9) وعن محمد بن بشار.
الحديث (10) .
ص (4 / 2143) .
(2) دلائل النبوة ج 5 / 262.
وآخره: ولا علمنا بما أراد القوم.
(3) قال الواقدي: ليس فيهم قرشي، وهو المجتمع عليه عندنا.
ونقل البيهقي في الدلائل، عن ابن إسحاق اسماءهم، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ (قال في زاد المعاد: لم يعرف له إسلام) وأبو حاضر الاعرابي - وعامر - وأبو عامر (الراهب) - والجلاس بن سويد بن الصامت - ومجمع بن جارية - وفليح التيمي - وحصين بن نمير - وطعمة بن أبيرق - وعبد الله بن عيينة - ومرة بن ربيع.
(ج 5 / 258) .
(*)
(5/26)

أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لَا يَزَالُ بنينهم الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) * [التَّوْبَةِ: 106 - 110] وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى تَفْسِيرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ فِي كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَيْفِيَّةَ بِنَاءِ هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالم أَهْلُهُ وَكَيْفِيَّةَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِخَرَابِهِ مَرْجِعَهُ مِنْ تَبُوكَ قَبْلَ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ، وَمَضْمُونُ ذَلِكَ أنَّ طَائِفَةً مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَنَوْا صُورَةَ مَسْجِدٍ قَرِيبًا مِنْ مَسْجِدِ قُبَاءٍ وَأَرَادُوا أن يصلي لهم رسول صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِيهِ حتَّى يَرُوجَ لَهُمْ مَا أَرَادُوهُ مِنَ الْفَسَادِ وَالْكُفْرِ وَالْعِنَادِ، فَعَصَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِنَ الصَّلاة فِيهِ وَذَلِكَ أنَّه كَانَ عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ إِلَى تَبُوكَ، فلمَّا رَجَعَ مِنْهَا فَنَزَلَ بِذِي أَوَانٍ - مَكَانٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ - نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي شَأْنِ هَذَا الْمَسْجِدِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى * (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حارب الله ورسوله مِنْ قُبُلٍ) * الْآيَةَ.
أَمَّا قَوْلُهُ ضِرَارًا فلأنَّهم أَرَادُوا مُضَاهَاةَ مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكُفْرًا بِاللَّهِ لَا لِلْإِيمَانِ بِهِ، وَتَفْرِيقًا لِلْجَمَاعَةِ عَنْ مَسْجِدِ قُبَاءٍ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حارب الله ورسوله من قبل وَهُوَ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهب الْفَاسِقُ قبَّحه اللَّهُ وَذَلِكَ أنَّه لَمَّا دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَى عَلَيْهِ، ذهب إلى مكة فاستنفرهم، فجاؤوا عَامَ أُحُدٍ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا قَدَّمْنَاهُ، فلمَّا لَمْ يَنْهَضْ أَمْرُهُ ذَهَبَ إِلَى مَلِكِ الرُّوم قَيْصَرَ لِيَسْتَنْصِرَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَكَانَ أَبُو عَامِرٍ عَلَى دِينِ هِرَقْلَ مِمَّنْ تنصَّر مَعَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ وَكَانَ يَكْتُبُ إِلَى إِخْوَانِهِ الَّذِينَ نَافَقُوا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا، فَكَانَتْ مُكَاتَبَاتُهُ وَرُسُلُهُ تَفِدُ إِلَيْهِمْ كُلَّ حِينٍ، فَبَنَوْا هَذَا الْمَسْجِدَ فِي الصُّورَةِ الظَّاهرة وَبَاطِنُهُ دَارُ حَرْبٍ وَمَقَرٌّ لِمَنْ يَفِدُ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَامِرٍ الرَّاهب، وَمُجَمِّعٌ لِمَنْ هُوَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى * (وَإِرْصَاداً لِمَنْ حارب الله ورسوله مِنْ قَبْلُ) * ثمَّ قاتل * (وَلَيَحْلِفُنَّ) * أَيِ الَّذِينَ بَنَوْهُ * (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى) * أَيْ إِنَّمَا أَرَدْنَا بِبِنَائِهِ الْخَيْرَ.
قَالَ اللَّهُ تعالى * (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) * ثمَّ قال الله تعالى إلى رسوله * (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً) * فَنَهَاهُ عَنِ الْقِيَامِ فِيهِ لِئَلَّا يُقَرِّرَ أَمْرَهُ ثمَّ أَمَرَهُ وحثَّه عَلَى الْقِيَامِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ
وَهُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الثَّناء عَلَى تَطْهِيرِ أَهْلِهِ مُشِيرَةٌ إِلَيْهِ، وَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ أنَّه مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُنَافِي مَا تقدَّم لأنَّه إِذَا كَانَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ فَمَسْجِدُ الرَّسول أَوْلَى بِذَلِكَ وَأَحْرَى، وَأَثْبَتُ فِي الْفَضْلِ مِنْهُ وَأَقْوَى، وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ بِذِي أَوَانٍ دَعَا مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ - أَوْ أَخَاهُ عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَأَمَرَهُمَا أَنَّ يَذْهَبَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالم أَهْلُهُ فَيُحَرِّقَاهُ بالنَّار، فَذَهَبَا فَحَرَّقَاهُ بالنَّار، وتفرَّق عَنْهُ أَهْلُهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَهُمْ، خِذَامُ بْنُ خَالِدٍ - وَفِي جَنْبِ دَارِهِ
(5/27)

كَانَ بِنَاءُ هَذَا الْمَسْجِدِ - وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ: وَمُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَأَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الْأَزْعَرِ، وعبَّاد بْنُ حُنَيْفٍ أَخُو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَجَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَابْنَاهُ مُجَمِّعٌ وَزَيْدٌ، وَنَبْتَلُ بن الحارث، ويخرج وَهُوَ إِلَى بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَبِجَادُ بْنُ عُثْمَانَ وَهُوَ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ وهو إلى بني أمية [بن زيد] (1) .
قُلْتُ: وَفِي غَزْوَةِ تَبُوكَ هَذِهِ صلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ صَلَاةَ الْفَجْرِ أَدْرَكَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانية مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ يَتَوَضَّأُ وَمَعَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَأَبْطَأَ عَلَى النَّاس، فَأُقِيمَتِ الصَّلاة فتقدَّم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فلمَّا سلَّم النَّاس أَعْظَمُوا مَا وَقَعَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " أَحْسَنْتُمْ وَأَصَبْتُمْ " وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَائِلًا حدَّثنا.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: " إنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ " فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ " وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ " تفرَّد بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (2) .
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنِ العبَّاس بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
غَزْوَةِ تَبُوكَ حتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ " هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحد جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ " (3) وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بن بلال به نحوه.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهري، عَنِ السَّائب بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَذْكُرُ أنِّي خَرَجْتُ مَعَ الصِّبيان نَتَلَقَّى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ مُقْدَمَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ (4) .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، سَمِعْتُ أَبَا خَلِيفَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَائِشَةَ يَقُولُ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الْمَدِينَةَ جَعَلَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْوَلَائِدُ يَقُلْنَ: طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا * مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعْ
__________
(1) من ابن هشام.
وخبر مسجد الضرار في مغازي الواقدي 3 / 1047 - 1048 وسيرة ابن هشام 4 / 173 - 174.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (81) باب، الحديث (4423) فتح الباري 8 / 126 وأخرجه في كتاب الجهاد (35) باب.
فتح الباري (6 / 46) .
وأخرجه أبو داود في الجهاد، والحديث (2508) والامام أحمد في مسنده (3 / 103، 106، 182، 300، 341) وابن ماجة في الجهاد (6) باب، الحديث (2764) .
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، الحديث (4422) فتح الباري (8 / 125) .
(4) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (196) باب، الحديث (3082) وأبو داود في الجهاد، الحديث (2779) .
(*)
(5/28)

وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا * مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا يَذْكُرُهُ عُلَمَاؤُنَا عِنْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ لَا أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ عِنْدَ مَقْدَمِهِ مِنْ تبوك والله أعلم.
فذكرناه ها هنا أَيْضًا (1) .
قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حدَّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ - قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يحدِّث حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أتخلَّف عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تخلَّفت فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يعاتب أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة العقبة حتَّى تواثبنا (2) عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذكر فِي النَّاسِ مِنْهَا، كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تخلَّفت عنه في تلك الغزوة، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حتَّى جمعتهما في تلك الغزاة، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ فِي حرٍّ شَدِيدٍ وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بعيداً وعَدداً وعُداداً كَثِيرًا فجلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ ليتأهَّبوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم كَثِيرٌ وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ - يُرِيدُ الدِّيوان - قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظنَّ أن يستخفي لَهُ مَا لَمْ يُنَزِّلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [تِلْكَ الْغَزْوَةَ] (3) حِينَ طَابَتِ الثِّمار والظِّلال، وتجهَّز رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أتجهَّز مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حتَّى اشْتَدَّ بالنَّاس الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا فَقُلْتُ أتجهز بعد يوم أَوْ يَوْمَيْنِ ثمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لأتجهَّز، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثمَّ غَدَوْتُ ثمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ - وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ - فَلَمْ يُقدَّر لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاس بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفاق، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنِ الضُّعفاء، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ " مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّه توجَّه قَافِلًا حَضَرَنِي همِّي
وَطَفِقْتُ أتذكَّر الكذب وأقول بماذا أخرج غداً من سخطه وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ
__________
(1) دلائل النبوة ج 5 / 266 ونقله الصالحي في السيرة الشامية (5 / 673) .
(2) في البخاري: حتى تواثقنا.
(3) من البخاري.. (*)
(5/29)

أَهْلِي، فلمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ وَعَرَفْتُ أنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أبدا بشئ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلَّم قادماً، فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جَلَسَ للنَّاس، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ ووكَّل سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَجِئْتُهُ فلمَّا سلَّمت عَلَيْهِ تبسَّم تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثمَّ قَالَ " تَعَالَ " فَجِئْتُ أَمْشِي حتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي " مَا خلَّفك؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ " فَقُلْتُ بَلَى إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنيا لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ - وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا - ولكنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حدَّثتك الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عنِّي ليوشكنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حدَّثتك حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لَا والله ما كَانَ لِيَ مِنْ عذر، ووالله مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ منِّي حِينَ تخلَّفت عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَّا هَذَا فَقَدَ صَدَقَ، فقم حتَّى يقضى الله فيك " فقمت فثار رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فاتَّبعوني فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ المخلَّفون، وَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ، فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى هممت أن أراجع فأكذِّب نَفْسِي، ثمَّ قُلْتُ لَهُمْ هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ رَجُلَانِ، قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ مَنْ هُمَا، قَالُوا مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعُمْرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا: [لي] فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أيُّها الثَّلاثة مِنْ بَيْنِ من تخلَّف،
فَاجْتَنَبَنَا النَّاس وَتَغَيَّرُوا لَنَا حتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وأمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاة مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلِّم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاة، وأقول فِي نَفْسِي هَلْ حرَّك شَفَتَيْهِ بردِّ السَّلام عَلَيَّ أَمْ لَا، ثمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظر، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاس مَشَيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ - وَهُوَ ابْنُ عمِّي وَأَحَبُّ النَّاس إِلَيَّ - فسلَّمت عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا ردَّ عليَّ السَّلام فَقُلْتُ يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تعلِّمني أحبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وتولَّيت حتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ.
قَالَ: وَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّام مِمَّنْ قَدِمَ بِطَعَامٍ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاس يُشِيرُونَ لَهُ، حتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ ملك غسَّان (1) [في سرقة من
__________
(1) هو جبلة بن الأيهم حزم بذلك ابن عائذ، وعند الواقدي بالحرث بن أبي شمر.
(*)
(5/30)

حرير] (1) فَإِذَا فِيهِ، أمَّا بَعْدُ، فإنَّه قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بدر هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك.
فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ فتيممت بها التَّنور فسجرته بها فأقمنا على ذلك حتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأتيني فقال: رسول الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ (2) ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صاحبيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لامرأتي: إلحقي بأهلك فكوني عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ.
قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدِمَهُ، قَالَ " لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ " قَالَتْ إِنَّهُ وَاللَّهِ ما به حركة إلى شئ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ في امرأتك كما استأذن
هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدِمَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُدْرِينِي ما يقول رسول الله إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ، قَالَ: فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ كَلَامِنَا، فلمَّا صلَّيت الْفَجْرَ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذكر الله عزوجل قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جبل سلع [يقول] بأعلى صوته: يا كعب أَبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فرج وآذن رسول الله [للناس] بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاس يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أسلم فأوفى على الجبل، فكان الصَّوت أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فلمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ (3) فَلَبِسْتُهُمَا وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَقَّانِي النَّاس فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونِي بالتَّوبة، يَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ.
قَالَ كَعْبٌ: حتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاس، فَقَامَ إليَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فلمَّا سلَّمت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ " أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ " قَالَ قُلْتُ: أمن عندك يا رسول الله أم عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ " لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حتَّى كأنَّه قِطْعَةُ قَمَرٍ، وكنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فلمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، قَالَ رَسُولُ الله " أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ " قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إنَّما نجَّاني
__________
(1) زيادة من الواقدي، ومن رواية ابن مردويه.
(2) وهي عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الانصارية وهي أم أولاده الثلاثة: عبد الله وعبيد ومعبد.
(3) في الواقدي: استعارهما من أبي قتادة.
(*)
(5/31)

بالصِّدق، وإنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَلَّا أتحدَّث إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني، ما شهدت مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وإنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ * (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) * إِلَى قَوْلِهِ * (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) * [التوبة: 117 - 119] فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي من صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم إِنَّ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى * (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) * إِلَى قَوْلِهِ * (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الفاسقين) * [التَّوْبَةِ: 95 - 96] قَالَ كَعْبٌ: وكنَّا تخلَّفنا أيُّها الثَّلاثة عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ (1) وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ أَمْرَنَا حتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى * (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) * لَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا مِنَ الْغَزْوِ وإنَّما هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منهم (2) ، وهذا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ بِنَحْوِهِ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهري مِثْلَ سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ سُقْنَاهُ فِي التَّفسير مِنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَفِيهِ زِيَادَاتٌ يَسِيرَةٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنَّة.
ذِكْرُ أَقْوَامٍ تخلَّفوا مِنَ الْعُصَاةِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ (3) الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى * (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرحيم) * [التَّوْبَةِ: 102] قَالَ: كَانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تخلَّفوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم في غزوة تبوك، فلمَّا حضروا رُجُوعُهُ أَوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ، فلمَّا مرَّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ " مَنْ هؤلاء؟ " قالوا أبا لُبَابَةَ وَأَصْحَابٌ لَهُ تخلَّفوا عَنْكَ حتَّى تُطْلِقَهُمْ وَتَعْذُرَهُمْ قَالَ " وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أُطْلِقُهُمْ وَلَا أَعْذُرُهُمْ حتَّى يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُهُمْ، رَغِبُوا عَنِّي وتخلَّفوا عَنِ الْغَزْوِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ " فلمَّا أَنْ بَلَغَهُمْ ذَلِكَ قَالُوا: وَنَحْنُ لَا نُطْلِقُ أَنْفُسَنَا حتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنَا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجل
__________
(1) وفي ابن هشام والواقدي فعذرهم.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (79) باب.
الحديث (4418) فتح الباري (8 / 113) وأخرجه في الوصايا وفي الجهاد، وفي صفة النَّبيّ صلَّى الله عليه وآله وفي فود الانصار.
وفي الاستئذان، وفي المغازي، وفي التفسير.
وأخرجه مسلم في كتاب التوبة، (9) باب، الحديث (53) ص (4 / 2120 - 2128) .
ورواه الواقدي في المغازي (3 / 1049 - 1056) وابن هشام في السيرة (ج 4 / 175 - 181) .
- وما بين معكوفين في الحديث زيادة استدركت من صحيح البخاري.
(3) في دلائل البيهقي: ابن أبي طلحة.
(*)
(5/32)

* (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) * الآية.
و* (عسى) * مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ.
فلمَّا أُنْزِلَتْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رسول الله فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بِأَمْوَالِهِمْ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أَمْوَالُنَا فتصدَّق بِهَا عَنَّا وَاسْتَغْفِرْ لَنَا، فَقَالَ " مَا أُمرت أَنْ آخُذَ أَمْوَالَكُمْ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ * (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تطهرهم ونزكيهم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وان الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ) * [التوبة: 103] إِلَى قَوْلِهِ * (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) * وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَرْبِطُوا أَنْفُسَهُمْ بالسَّواري فَأُرْجِئُوا حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى * (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ خلفوا) * [التوبة: 117] إلى آخرها.
وكذا رواه عطية بن سعيد الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عبَّاس بِنَحْوِهِ (1) .
وَقَدْ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قِصَّةَ أَبِي لُبَابَةَ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ يوم بني قريظة وربَطَ نَفْسَهُ حتَّى تيْبَ عَلَيْهِ، ثمَّ إنَّه تخلَّف عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَرَبَطَ نَفْسَهُ أَيْضًا حتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ مَالِهِ كُلِّهِ صَدَقَةً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ " قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ: وَفِيهِ نَزَلَ * (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) * الْآيَةَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: ثمَّ لَمْ يُرَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا خيراً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.
قُلْتُ: ولعلَّ هَؤُلَاءِ الثَّلاثة لَمْ يَذْكُرُوا مَعَهُ بَقِيَّةَ أَصْحَابِهِ وَاقْتَصَرُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ كالزَّعيم لَهُمْ
كَمَا دلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عن سفيان الثوري، عن سليمة بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ أبيه عن ابن مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " إنَّ مِنْكُمْ مُنَافِقِينَ فَمَنْ سميت فليقل قُمْ يَا فُلَانُ، قُمْ يَا فُلَانُ، قُمْ يَا فُلَانُ " حتَّى عدَّ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، ثمَّ قَالَ " إنَّ فِيكُمْ - أَوْ إنَّ مِنْكُمْ - مُنَافِقِينَ فَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ " قَالَ: فمرَّ عُمَرُ بِرَجُلٍ مُتَقَنِّعٍ وَقَدْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَقَالَ بُعْدًا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمَ (2) .
قُلْتُ: كَانَ المتخلِّفون عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، مَأْمُورُونَ مَأْجُورُونَ كَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَمَعْذُورُونَ وَهُمُ الضُّعَفَاءُ وَالْمَرْضَى، والمقلُّون وَهُمُ البكاؤون، وعصاة مذنبون وهم الثلاثة، أبو لُبَابَةَ وَأَصْحَابُهُ الْمَذْكُورُونَ، وَآخَرُونَ مَلُومُونَ مَذْمُومُونَ وَهُمُ المنافقون.
ما كان من الحوادث بعد مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، إِمْلَاءً، أَخْبَرَنَا أَبُو العباس محمد بن
__________
(1) نقل الخبر البيهقي في الدلائل ج 5 / 271 - 272.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 283 - 284.
(*)
(5/33)

يعقوب، حدَّثنا أبو البحتري عبد الله بْنِ شَاكِرٍ (1) ، حدَّثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عمّ أبي زخر بْنُ حِصْنٍ، عَنْ جَدِّهِ حُمَيْدِ بْنِ مُنْهِبٍ (2) قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي خُرَيْمَ بْنَ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ يَقُولُ: هَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ، فَسَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْتَدِحَكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " قُلْ لَا يَفْضُضِ اللَّهُ فَاكَ " فَقَالَ: مِنْ قَبْلِهَا طبت في الضلال وف * - ي مُسْتَودَعِ حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ ثُمَّ هَبَطْتُ الْبِلَادَ لابشر * أَنْتَ وَلا نُطْفَةٌ (3) وَلا عَلَقُ بَلْ نَطَفَة تَرْكَبُ السَفِينَ وَقَدْ * أَلْجَمَ نَسْرَاً وأهلَهُ الغَرَقُ
تنقَل مِنْ صَالِبِ إلَى رَحِمٍ * إذَا مضَى عَالم بَدَا طَبَقُ حتى احتوى بينك المهيمن من * خندق عَلْيَاءَ تَحتَها النُطَقُ وَأنتَ لَمَّا وُلدْتَ أشْرَقت الأَرْ * ض فَضَاءتْ بِنُورِكَ الأَفُقُ فَنَحْنُ فِي ذَلِكَ الضِّياءِ وَفي النُّ * - نور وُسَبْلُ الرَشَادِ يَخْتَرِقُ (4) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي السَّكن، زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الطَّائِيُّ وَهُوَ فِي جُزْءٍ لَهُ مَرْوِيٌّ عَنْهُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَزَادَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " هَذِهِ الْحِيرَةُ الْبَيْضَاءُ رُفِعَتْ لِي، وَهَذِهِ الشَّيْمَاءُ بنت نفيلة (5) الْأَزْدِيَّةُ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ مُعْتَجِرَةٍ بِخِمَارٍ أَسْوَدَ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ دَخَلْنَا الْحِيرَةَ فَوَجَدْتُهَا كَمَا تَصِفُ فَهِيَ لِي؟ قَالَ " هِيَ لَكَ " قَالَ: ثمَّ كَانَتِ الرِّدَّةُ فَمَا ارتدَّ أحد من طئ، وكنَّا نُقَاتِلُ مَنْ يَلِينَا مِنَ الْعَرَبِ عَلَى الْإِسْلَامِ فكنَّا نُقَاتِلُ قَيْسًا وَفِيهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حصن، وكنَّا نقاتل بني أسد وفيهم طلحة بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَكَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَمْدَحُنَا، وَكَانَ فِيمَا قَالَ فِينَا: جَزَى اللَّهُ عَنَّا طَيْئاً فِي دِيارِهَا * بِمُعْتَرَكِ الأَبْطَالِ خَيْرَ جَزَاءِ هُمُوا أَهْلُ رَاياتِ السَماحَةِ والنَّدَى * إِذا مَا الصَبا أَلوت بِكُّلِ خَبَاءِ هُمُوا ضَرَبُوا قَيْساً عَلى الدِّينِ بَعْدَما * أَجَابُوا مُنَادِيَ ظلماء؟ وَعَماءِ قَالَ: ثمَّ سَارَ خَالِدٌ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الكذَّاب فَسِرْنَا مَعَهُ فلمَّا فَرَغْنَا مِنْ مُسَيْلِمَةَ أَقْبَلْنَا إِلَى نَاحِيَةِ الْبَصْرَةِ فَلَقِينَا هُرْمُزَ بِكَاظِمَةَ فِي جَيْشٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ جَمْعِنَا، وَلَمْ يكن أحد (6) من العجم أعدى للعرب
__________
(1) في الدلائل: عبد الله بن محمد بن شاكر.
(2) الدلائل: ابن منيب.
(3) في الدلائل: ولا مضغة.
(4) البيت في الدلائل: فنحن من ذلك النور في الضياء * وسبل الرشاد نخترق روى الخبر والابيات البيهقي في دلائل النبوة ج 5 / 268، ورواه الطبراني، والزرقاني في شرح المواهب (3 / 84) .
(5) من الدلائل، وفي الاصل بقيلة.
(6) في الدلائل: ولم يكن أحد من الناس.
(*)
(5/34)

وَالْإِسْلَامِ مِنْ هُرْمُزَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ خَالِدٌ وَدَعَاهُ إِلَى الْبِرَازِ فَبَرَزَ لَهُ فَقَتَلَهُ خَالِدٌ وَكَتَبَ يخبره إِلَى الصِّديق فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ فَبَلَغَتْ قَلَنْسُوَةُ هُرْمُزَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ إِذَا شَرُفَ فِيهَا الرَّجل جَعَلَتْ قَلَنْسُوَتَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، قال: ثمَّ قفلنا عَلَى طَرِيقِ الطَّفِ إِلَى الْحِيرَةِ فَأَوَّلُ مَنْ تلقَّانا حين دخلناها الشَّيماء بنت نفيلة كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ مُعْتَجِرَةٍ بِخِمَارٍ أَسْوَدَ، فتعلَّقت بِهَا وَقُلْتُ هَذِهِ وَهَبَهَا لِي رَسُولُ الله، فَدَعَانِي خَالِدٌ عَلَيْهَا بِالْبَيِّنَةِ فَأَتَيْتُهُ بِهَا، وَكَانَتِ الْبَيِّنَةُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ فَسَلَّمَهَا إِلَيَّ، فَنَزَلَ إليَّ أَخُوهَا عَبْدُ الْمَسِيحِ يُرِيدُ الصُّلْحَ فَقَالَ بِعْنِيهَا، فَقُلْتُ لَا أنقصها والله عن عشرة مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَانِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وسلَّمتها إِلَيْهِ، فَقِيلَ لَوْ قُلْتَ مِائَةَ أَلْفٍ لَدَفَعَهَا إِلَيْكَ، فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أنَّ عَدَدًا أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ مِائَةٍ (1) .
قُدُومُ وَفْدِ ثَقِيفٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم في رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ تقدَّم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ارْتَحَلَ عَنْ ثَقِيفٍ سُئِلَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَدَعَا لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ، وَقَدْ تقدَّم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم حِينَ أَسْلَمَ مَالِكُ بن عوف النَّضري أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ وَجَعَلَهُ أَمِيرًا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، فَكَانَ يَغْزُو بِلَادَ ثَقِيفٍ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ حتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى الدُّخول فِي الْإِسْلَامِ، وتقدَّم أَيْضًا فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ صَخْرِ بْنِ الْعَيْلَةِ الْأَحْمَسِيِّ أنَّه لَمْ يَزَلْ بِثَقِيفٍ حتَّى أَنْزَلَهُمْ مِنْ حِصْنِهِمْ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ بِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبوية بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وقال ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ، وقدم عليه في ذلك الشَّهر وفد من ثَقِيفٍ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُمْ.
اتَّبَعَ أَثَرَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ حتَّى أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهِ بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - كَمَا يتحدَّث قَوْمُهُ - " إنَّهم قَاتِلُوكَ " وعرف رسول الله أنَّ فِيهِمْ نَخْوَةَ الِامْتِنَاعِ لِلَّذِي كَانَ مِنْهُمْ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِهِمْ، وَكَانَ فِيهِمْ كَذَلِكَ مُحَبَّبًا مُطَاعًا، فَخَرَجَ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ رَجَاءَ أَنْ لَا يُخَالِفُوهُ لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، فَلَمَّا أَشْرَفَ على عيلة
لَهُ، وَقَدْ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَظْهَرَ لَهُمْ دِينَهُ، رَمَوْهُ بالنُّبل مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَصَابَهُ سهم فقتله، فتزعم بَنُو مَالِكٍ أنَّه قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أَوْسُ بْنُ عَوْفٍ (2) أَخُو بَنِي سَالِمِ بن مالك، ويزعم الْأَحْلَافُ أنَّه قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي عَتَّابٍ يُقَالُ لَهُ وَهْبُ بْنُ جَابِرٍ، فَقِيلَ لعروة: مَا تَرَى فِي دينك (3) ؟ قَالَ كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا، وَشَهَادَةٌ سَاقَهَا اللَّهُ إليَّ فَلَيْسَ فَّي إِلَّا مَا فِي الشُّهداء الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ عَنْكُمْ، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم فزعموا أنَّ
__________
(1) الخبر في دلائل النبوة ج 5 / 28.
(2) زاد الواقدي: وهو الا ثبت عندنا.
(3) في ابن هشام: مَا تَرَى فِي دمك.
(*)
(5/35)

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ فِيهِ " إنَّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ صاحب يس في قومه "؟ كذا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قِصَّةَ عُرْوَةَ وَلَكِنْ زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّديق، وَتَابَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي ذَلِكَ وَهَذَا بَعِيدٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (1) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثمَّ أَقَامَتْ ثَقِيفٌ بَعْدَ قَتْلِ عُرْوَةَ أَشْهُرًا، ثمَّ إنَّهم ائتمروا بينهم، رأوا أنَّه لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ وَقَدْ بَايَعُوا وَأَسْلَمُوا، فَائْتَمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَذَلِكَ عَنْ رَأْيِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَخِي بَنِي عِلَاجٍ فَائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ ثمَّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يُرْسِلُوا رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَرْسَلُوا عَبْدَ يا ليل بْنَ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ وَمَعَهُ اثْنَانِ مِنَ الْأَحْلَافِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِي مَالِكٍ، وَهُمْ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتِّبٍ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَأَوْسُ بْنُ عَوْفٍ أَخُو بَنِي سَالِمٍ، وَنُمَيْرُ بْنُ خَرَشَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: كَانُوا بِضْعَةَ عَشَرَ (2) رَجُلًا فِيهِمْ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ - وَهُوَ رَئِيسُهُمْ - وَفِيهِمْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَهُوَ أَصْغَرُ الْوَفْدِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ وَنَزَلُوا قَنَاةً، أَلْفَوُا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَرْعَى فِي نَوْبَتِهِ رِكَابَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما رَآهُمْ ذَهَبَ يَشْتَدُّ ليبشِّر رَسُولَ اللَّهِ بِقُدُومِهِمْ، فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّديق فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَكْبِ ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والإسلام، إن شرط لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ شروطاً ويكتبوا كِتَابًا
فِي قَوْمِهِمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلْمُغِيرَةِ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَا تَسْبِقُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أحدِّثه، فَفَعَلَ الْمُغِيرَةُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُدُومِهِمْ، ثمَّ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَرَوَّحَ الظَّهْرَ مَعَهُمْ، وَعَلَّمَهُمْ كَيْفَ يحيُّون رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يفعلوا إلا بتحية الجاهيلة، ولما قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ قُبَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ هُوَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ.
فَكَانَ إِذَا جَاءَهُمْ بِطَعَامٍ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهُ حَتَّى يَأْكُلَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ قَبْلَهُمْ، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ لَهُمْ كِتَابَهُمْ.
قَالَ: وَكَانَ مِمَّا اشْتَرَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ يدع لهم الطَّاغية ثَلَاثَ سِنِينَ، فَمَا بَرِحُوا يَسْأَلُونَهُ سَنَةً سَنَةً وَيَأْبَى عَلَيْهِمْ حتَّى سَأَلُوهُ شَهْرًا وَاحِدًا بَعْدَ مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم فأبى عليهم أن يدفعها شَيْئًا مُسَمًّى إِلَّا أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ لِيَهْدِمَاهَا، وَسَأَلُوهُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يُصَلُّوا وَأَنْ لَا يَكْسِرُوا أَصْنَامَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ " أمَّا كَسْرُ أَصْنَامِكُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَسَنُعْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الصَّلاة فَلَا خَيْرَ في دين لا صلاة فيه " فقالوا
__________
(1) الخبر في سيرة هشام ج 4 / 182 وابن سعد ج 1 / 312 ومغازي الواقدي ج 3 / 960 وجميعهم قالوا: كان ذلك بعد رجوعه صلى الله عليه وآله من حصار الطائف وقدومه المدينة.
ونقل البيهقي رواية عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الدلائل ج 5 / 299 - 300.
و304 وابن عبد البر في الدرر (ص 247) .
(2) في الواقدي: كانوا ستة، ويقال بضعة عشر فيهم سفيان بن عبد الله وهذا ما جزم به ابن سعد، والذي قال في رواية أخرى: خرج مع عبد ياليل وابناه كنانة وربيعة (والخمسة الذين ذكرهم ابن اسحاق: فساروا في سبعين رجلاً وهؤلاء الستة رؤوسائهم.
(ابن سعد 1 / 313 - مغازي الواقدي 3 / 963) .
(*)
(5/36)

سَنُؤْتِيكَهَا وَإِنْ كَانَتْ دَنَاءَةً (1) .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أحمد: حدثنا عفان، محمد بن مسلمة، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَنْزَلَهُمُ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ، فَاشْتَرَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَنْ لَا يُحْشَرُوا وَلَا يُعْشَرُوا وَلَا يُجَبُّوا وَلَا يُسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا (2) وَلَا تجبوا وَلَا يُسْتَعْمَلَ عَلَيْكُمْ
غَيْرُكُمْ، وَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا رُكُوعَ فِيهِ " (3) وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ علِّمني الْقُرْآنَ وَاجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ: عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بن عبد الكريم، حدَّثني إبراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه، عن وهب سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ قَالَ: اشْتَرَطَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، وأنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ " سيتصدَّقون وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا " (4) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا أَسْلَمُوا وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَهُمْ (5) أمَّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أبي العاص - وكان
__________
(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 184 - 185 (2) الحشر: الانتداب إلى المغازي.
(3) رواه الإمام أحمد في مسنده ج 4 / 218 ورواه أبو داود في كتاب الخراج باب ما جاء في خبر الطائف الحديث (3026) .
(4) أخرجه أبو داود، الحديث (3025) ص (3 / 163) .
(5) ذكره أبو عبيد في الاموال عن عروة بن الزبير، قَالَ: هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وآله لثقيف: " بسم الله الرحمن الرحيم، هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله لثقيف، كتب: أن لهم ذمة اللَّهُ الَّذِي لَا إله إلا هو، وذمة محمد بن عبد الله النبي.
على ما كتب عليهم في هذه الصحيفة: أن واديهم حرام محرم لله كله: عضاه، وصيده، وظلم فيه، وسرق فيه، أو إساءة.
وثقيف أحق الناس بوج ولا يعبر طائفهم.
ولا يدخله عليه أحد من المسلمين يغلبهم عليه.
وما شاؤوا أحدثوا في طائفهم من بنيان أو سواه بواديهم، لا يحشرون ولا يعشرون، ولا يستكرهون بمال ولا نفس، وهم أمة من المسلمين يتولجون من المسلمين حيثما شاؤوا، وأين تولجوا ولجوا، وما كان لهم من أسير فهو لهم، هم أحق النَّاس به حتى يفعلوا به ما شاؤوا، وما كان لهم من دين في رهن فبلغ أجله فإن لواط مبرأ من الله - وما كان من دين في رهن رواء عكاظ فإنه يقضي إلى عكاظ برأسه.
وما كان لثقيف من دين في صحفهم اليوم الذي أسلموا عليه في الناس، فإنه لهم.
وما كان لثقيف من وديعة في الناس، أو مال، أو نفس غنمها مودعها، أو أضاعها، ألا فإنها مؤداة، وما كان لثقيف من نفس غائبة أو مال، فإن له
من الامن ما لشاهدهم، وما كان لثقيف من حليف أو تاجر، فأسلم فإن له مثل قضية أمر ثقيف، وإن طعن طاعن على ثقيف أو ظلمهم ظالم، فإنه لا يطاع فيهم في مال ولا نفس.
وإن الرسول ينصرهم على من ظلمهم، والمؤمنون.
ومن كرهوا أن يلج عليهم من الناس فإنه لا يلج عليهم.
وأن السوق والبيع بأفنية البيوت، وأن لا يؤمر عليهم إلا بعضهم على بعض: على بني مالك أميرهم، وعلى الاخلاف أميرهم.
وما سقت ثقيف من أعناب قريش فإن شطرها لمن سقاها.
وما كان لهم من دين في رهن لم يلط فإن وجد؟ أهله قضاء قضوا، وإن لم يجدوا قضاء فإنه إلى جمادى الاولى من عام قابل، من بلغ أجله يقضه فإنه قد لاطه.
= (*)
(5/37)

أَحْدَثَهُمْ سنَّاً - لأنَّ الصِّديق قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ هَذَا الْغُلَامَ مِنْ أَحْرَصِهِمْ عَلَى التَّفقه فِي الْإِسْلَامِ، وتعلُّم الْقُرْآنِ.
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أنَّ وَفْدَهُمْ كَانُوا إِذَا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ خلَّفوا عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ فِي رِحَالِهِمْ فَإِذَا رَجَعُوا وَسْطَ النَّهار جَاءَ هُوَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنِ الْعِلْمِ فَاسْتَقْرَأَهُ الْقُرْآنَ فَإِنْ وَجَدَهُ، نَائِمًا ذَهَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّديق، فَلَمْ يَزَلْ دَأْبُهُ حتَّى فَقُهَ فِي الْإِسْلَامِ (1) وأحبَّه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حبَّاً شَدِيدًا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ.
قَالَ: كَانَ مِنْ آخِرَ مَا عَهِدَ إليَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بعثني إلى ثقيف قَالَ " يَا عُثْمَانُ تجوَّز فِي الصَّلاة، وَاقْدُرِ النَّاس بِأَضْعَفِهِمْ فإنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ والصَّغير والضَّعيف وَذَا الْحَاجَةِ " وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجَرِيرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، قَالَ: " أَنْتَ إِمَامُهُمْ فَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ واتَّخذ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أذانه أجراً " رواه أبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَرَوَى أحمد: عن عفَّان، عن وهب، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَائِدَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ آخِرَ مَا فَارَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الطَّائف أَنْ قَالَ " إِذَا صلَّيت بِقَوْمٍ فخفِّف بِهِمْ حتَّى
وقَّت لِي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، وَأَشْبَاهِهَا مِنَ الْقُرْآنِ " وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: حَدَّثَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ.
قَالَ: آخِرُ مَا عهد إليَّ رسول الله أَنْ قَالَ: " إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا فخفِّف بِهِمُ الصَّلاة " (2) وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى وبندار كلاهما عن محمد بن جعفر عن عبد ربه.
وَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا: أَبُو أَحْمَدَ الزُّبيري، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ أنَّه سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ يَقُولُ اسْتَعْمَلَنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الطَّائف، فكان آخر ما عهد إليَّ أَنْ قَالَ " خفِّف عَنِ النَّاس الصَّلاة " تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ
__________
= وما كان لهم في الناس من دين فليس عليهم إلا رأسه.
وما كان لهم من أسير باعه ربه فإن له بيعه، وما لم يبع فإن فيه ست قلائص نصفين.
لبون كرام سمان.
وَمَا كَانَ لَهُ بيع اشتراه فإن له بيعه " " كتاب الاموال ص 87.
رقم 507.
ونقله الاحمدي في مكاتيب الرسول عنه ص 2 / 263.
وأوعز إليه البلاذري في فتوح البلدان ص 67 وياقوت في معجم البلدان (الطائف) والكامل لابن الاثير ج 1 / 246 وطبقات ابن سعد، والعقد الفريد ج 1 / 135.
(1) زاد البيهقي في رواية ابن عقبة: وكان يكتم ذلك من أصحابه، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله.
دلائل النبوة 5 / 301.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (37) الحديث (187) ورواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 306 من طريق يونس بن حبيب.
(*)
(5/38)

عُثْمَانَ، حدَّثني مُوسَى - هُوَ ابْنُ طَلْحَةَ - أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ حدَّثه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَمَرَهُ أَنْ يؤمَّ قَوْمَهُ ثمَّ قَالَ: " مَنْ أمَّ قَوْمًا فليخفِّف بهم فإنَّ فيهم الضَّعيف والكبير وَذَا الْحَاجَةِ، فَإِذَا صلَّى وَحْدَهُ فليصلِّ كَيْفَ شَاءَ " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ النُّعمان بْنِ سَالِمٍ، سَمِعْتُ أَشياخاً مِنْ ثَقِيفٍ قَالُوا: حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ أنَّه قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وأمَّ قومك وإذا أممت قوماً فخفِّف بِهِمُ الصَّلاة
فإنَّه يَقُومُ فِيهَا الصَّغير وَالْكَبِيرُ والضَّعيف وَالْمَرِيضُ وَذُو الْحَاجَةِ " وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إبراهيم بن إسماعيل، عَنِ الْجَرِيرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشَّخير أنَّ عُثْمَانَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَالَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، قَالَ: " ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَبٌ، فَإِذَا أَنْتَ حسَسْته فتعوَّذ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا " قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عنِّي (1) .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ بِهِ.
وَرَوَى مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ عثمان بن أبي العاص أنَّه شكى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ فَقَالَ لَهُ " ضَعْ يدك على الذي يألم مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بعزَّة اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ " وَفِي بَعْضِ الرِّوايات فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللهِ مَا كانَ بِي فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ (2) .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يسار (3) ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حدَّثني عُيَيْنَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمن - وَهُوَ ابْنُ جَوْشَنٍ - حدَّثني أَبِي، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ.
قَالَ: لمَّا اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الطَّائف جَعَلَ يَعْرِضُ لِي شئ فِي صَلَاتِي حتَّى مَا أَدْرِي مَا أصلِّي فلمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ رَحَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " ابْنُ أَبِي الْعَاصِ؟ " قُلْتُ نَعَمْ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ " مَا جَاءَ بِكَ؟ " قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عرض لي شئ فِي صَلَاتِي حتَّى مَا أَدْرِي مَا أصلِّي قال " ذاك الشَّيطان أُدن " فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَجَلَسْتُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيَّ، قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ وَتَفَلَ فِي فَمِي وَقَالَ " أخرج عدوَّ الله " فعل ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ " الْحَقْ بِعَمَلِكَ ".
قَالَ فَقَالَ عُثْمَانُ: فَلَعَمْرِي مَا أَحْسَبُهُ خَالَطَنِي بَعْدُ (3) .
تفرَّد بِهِ ابْنُ مَاجَهْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وحدَّثني عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الثَّقفي عَنْ بَعْضِ وَفْدِهِمْ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يَأْتِينَا حِينَ أَسْلَمْنَا وَصُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَقِيَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بِفَطُورِنَا وَسَحُورِنَا فَيَأْتِينَا بِالسَّحُورِ فإنَّا لَنَقُولُ إنَّا لَنَرَى الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ؟ فَيَقُولُ: قَدْ تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتسحَّر لِتَأْخِيرِ السُّحور، وَيَأْتِينَا بِفِطْرِنَا وإنَّا لَنَقُولُ مَا نَرَى الشَّمس ذَهَبَتْ كُلَّهَا بَعْدُ، فَيَقُولُ مَا جِئْتُكُمْ حتَّى أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثمَّ يَضَعُ يَدَهُ فِي الْجَفْنَةِ فيلقم منها.
وروى
__________
(1) أخرجه مسلم في 39 كتاب السلام (25) باب الحديث (68) .
وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 / 307.
(2) أخرجه مسلم في كتاب السلام (24) الحديث 67.
وأخرجه أبو داود في الطب.
باب كيف الرقى الحديث (3891) .
وأخرجه الترمذي في الطب، وقال: حسن صحيح.
(3) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطب (46) باب الفزع والارق (الحديث: 3548) وفيه: محمد بن بشار.
(*)
(5/39)

الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى الطَّائفيّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ جدِّه أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، قَالَ فَنَزَلَتِ الْأَحْلَافُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي مَالِكٍ فِي قُبَّةٍ لَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا بَعْدَ الْعِشَاءِ يحدِّثنا قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثم يقول " لا آسى وكنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ بِمَكَّةَ، فلمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا " فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَبْطَأَ عنا الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ فَقُلْنَا لَقَدْ أبطأت علينا الليلة؟ فقال: " إنَّه طرئ علي جزئي من القرآن فكرهت أن أجئ حتَّى أُتِمَّهُ " قَالَ أَوْسٌ سَأَلْتُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف يجزئون الْقُرْآنَ؟ فَقَالُوا ثَلَاثٌ، وَخُمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عشر، وثلاث عشرة.
وحزب المفصل وحده لفظ أبو دَاوُدَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ أَمْرِهِمْ، وَتَوَجَّهُوا إِلَى بِلَادِهِمْ رَاجِعِينَ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فِي هَدْمِ الطَّاغِيَةِ، فَخَرَجَا مَعَ الْقَوْمِ، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا الطَّائِفَ أَرَادَ الْمُغِيرَةُ أَنْ يقدِّم أَبَا سُفْيَانَ فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ وَقَالَ: ادْخُلْ أَنْتَ عَلَى قَوْمِكَ، وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بماله بذي الهدم (1) ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمُغِيرَةُ عَلَاهَا يَضْرِبُهَا بِالْمِعْوَلِ، وَقَامَ قومه بني مُعَتِّبٍ دُونَهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُرْمَى أَوْ يُصَابَ كَمَا أُصِيبَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ وَخَرَجَ نساء ثقيف حسراً يبكين عليها ويقلن: * لِنَبْكِيَنَّ دُفَّاعْ، أَسْلَمَها الرِضَاعْ، لَمْ يُحْسِنُوا المَصَاعْ (2) * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَيَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: وَالْمُغِيرَةُ يَضْرِبُهَا بالفاس وآهاً لك آها لك، فَلَمَّا هَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ وَأَخَذَ مَالَهَا وَحُلِيَّهَا أَرْسَلَ إلى أبي سفيان فقال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَقْضِيَ عَنْ
عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَخِيهِ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالِدِ قَارِبِ بْنِ الْأَسْوَدِ دَينهما مِنْ مال الطاغية يقضي ذَلِكَ عَنْهُمَا.
قُلْتُ: كَانَ الْأَسْوَدُ قَدْ مَاتَ مُشْرِكًا وَلَكِنْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ تَأْلِيفًا وَإِكْرَامًا لِوَلَدِهِ قَارِبِ بْنِ الْأَسْوَدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ كَانُوا بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فلمَّا قَدِمُوا أَنْزَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ الْمَسْجِدَ لِيَسْمَعُوا الْقُرْآنَ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرِّبَا وَالزِّنَا وَالْخَمْرِ فحرَّم عَلَيْهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ فَسَأَلُوهُ عَنِ الرَّبَّةِ مَا هُوَ صَانِعٌ بِهَا؟ قَالَ " اهْدِمُوهَا " قَالُوا هَيْهَاتَ لَوْ تَعْلَمُ الرَّبَّةُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَهْدِمَهَا قَتَلَتْ أَهْلَهَا، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَيْحَكَ يَا بْنَ عَبْدِ يَالِيلَ مَا أَجْهَلَكَ، إنَّما الرَّبَّةُ حَجَرٌ
__________
(1) الهدم، وفي نسخ البداية المطبوعة الهرم تحريف، والهدم: ماء وراء وادي القرى.
(مراصد الاطلاع 2 / 1454) .
(2) في ابن هشام: لتبكين.
ودفاع: سموها بذلك لانها - بزعمهم - تدفع عنهم الضرر.
الرضاع: اللئيم المصاع: المضاربة بالسيوف.
(*)
(5/40)

فَقَالُوا: إنَّا لَمْ نَأْتِكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ، ثُمَّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تولَّ أَنْتَ هَدْمَهَا، أَمَّا نَحْنُ فَإِنَّا لَنْ نَهْدِمَهَا أَبَدًا، فَقَالَ " سَأَبْعَثُ إِلَيْكُمْ مَنْ يَكْفِيكُمْ هَدْمَهَا " فَكَاتَبُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَأْذَنُوهُ أَنْ يَسْبِقُوا رُسُلَهُ إِلَيْهِمْ، فلمَّا جاؤوا قَوْمَهُمْ تَلَقَّوْهُمْ فَسَأَلُوهُمْ مَا وَرَاءَكُمْ فَأَظْهَرُوا الْحُزْنَ، وأنهم إنما جاؤوا مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ فَظٍّ غَلِيظٍ قَدْ ظَهَرَ بالسيف بحكم مَا يُرِيدُ وَقَدْ دَوَّخَ الْعَرَبَ، قَدْ حرَّم الرِّبَا وَالزِّنَا وَالْخَمْرَ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ الرَّبَّةِ، فَنَفَرَتْ ثَقِيفٌ وَقَالُوا لَا نُطِيعُ لِهَذَا أَبَدًا، قَالَ فتأهَّبوا لِلْقِتَالِ وَأَعِدُّوا السِّلاح، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ يَوْمَيْنِ - أَوْ ثَلَاثَةً - ثمَّ أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعب فَرَجَعُوا وَأَنَابُوا وَقَالُوا: ارْجِعُوا إِلَيْهِ فَشَارِطُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَصَالِحُوهُ عَلَيْهِ قَالُوا: فإنَّا قَدْ فَعَلْنَا ذَلِكَ وَوَجَدْنَاهُ أَتْقَى النَّاس وَأَوْفَاهُمْ وَأَرْحَمَهُمْ وَأَصْدَقَهُمْ، وَقَدْ بُورِكَ لَنَا وَلَكُمْ فِي مَسِيرِنَا إليه وفيما قاضيناه، فافهموا الْقَضِيَّةِ وَاقْبَلُوا عَافِيَةَ اللَّهِ، قَالُوا: فَلِمَ كَتَمْتُمُونَا هَذَا أَوَّلًا؟ قَالُوا أَرَدْنَا أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ نَخْوَةَ الشَّيطان، فَأَسْلَمُوا مَكَانَهُمْ وَمَكَثُوا أَيَّامًا ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِمْ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَقَدْ أمَّر عَلَيْهِمْ
خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَفِيهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَعَمَدُوا إِلَى اللَّاتِ، وَقَدِ اسْتَكَفَّتْ ثَقِيفٌ رِجَالُهَا ونساءها وَالصِّبْيَانُ حتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنِ الْحِجَالِ وَلَا يَرَى عَامَّةُ ثَقِيفٍ أَنَّهَا مَهْدُومَةٌ وَيَظُنُّونَ أَنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَأَخَذَ الْكِرْزِينَ - يَعْنِي الْمِعْوَلَ - وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاللَّهِ لأضحكنَّكم مِنْ ثَقِيفٍ، فَضَرَبَ بِالْكِرْزِينِ ثُمَّ سَقَطَ يَرْكُضُ بِرِجْلِهِ فارتجَّ أَهْلُ الطَّائِفِ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ وَفَرِحُوا وَقَالُوا أَبْعَدَ اللَّهُ الْمُغِيرَةَ قَتَلَتْهُ الرَّبَّةُ، وَقَالُوا لِأُولَئِكَ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيَقْتَرِبْ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ إِنَّمَا هِيَ لَكَاعِ حِجَارَةٌ وَمَدَرٌ، فَاقْبَلُوا عَافِيَةَ اللَّهِ وَاعْبُدُوهُ، ثُمَّ إِنَّهُ ضَرَبَ الْبَابَ فَكَسَرَهُ.
ثُمَّ عَلَا سُورَهَا وَعَلَا الرِّجَالُ مَعَهُ، فَمَا زَالُوا يَهْدِمُونَهَا حَجَرًا حَجَرًا حتَّى سَوَّوْهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلَ سَادِنُهَا يَقُولُ: ليغضبنَّ الأساس فليخسفن بهم، فلما سمع الْمُغِيرَةُ قَالَ لِخَالِدٍ: دَعْنِي أَحْفِرْ أَسَاسَهَا فَحَفَرُوهُ حتَّى أَخْرَجُوا تُرَابَهَا وَجَمَعُوا مَاءَهَا وَبِنَاءَهَا، وَبُهِتَتْ عِنْدَ ذَلِكَ ثَقِيفٌ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فقسَّم أَمْوَالَهَا مِنْ يَوْمِهِ وَحَمِدُوا اللَّهَ تَعَالَى عَلَى اعْتِزَازِ دِينِهِ وَنُصْرَةِ رَسُولِهِ (1) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَتَبَ لَهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبيّ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ عِضَاةَ وَجٍّ (2) وَصَيْدَهُ لَا يُعْضَدُ مَنْ وَجَدَ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فإنَّه يُجْلَدُ وَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ، وَإِنْ تَعَدَّى ذَلِكَ فإنَّه يُؤْخَذُ فَيُبْلَغُ بِهِ النَّبيّ مُحَمَّدًا وإنَّ هَذَا أَمْرُ النَّبيّ مُحَمَّدٍ، وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِأَمْرِ الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعداه أحد، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ - مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مَخْزُومِيٌّ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِنْسَانَ - وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزبير قال: أقبلنا مع
__________
(1) لفظ موسى بن عقبة وروى الخبر عروة بن الزبير بمعناه، والرواية اختصرها ابن عبد البر في الدرر (247) ، ونقلها البيهقي في الدلائل ج 5 / 303.
(2) عضاه: واحدته عضة، شجر له شوك، ووج أرض الطائف.
وتقدم قريبا نص الكتاب بتمامه، فليراجع.
(*)
(5/41)

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ ليَّة (1) حتَّى إِذَا كُنَّا عِنْدَ السِّدْرَةِ، وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طرف القرن حذوها
فاستقبل محبساً ببصره - يعني وادياً - ووقف حتَّى اتفق النَّاس كلَّهم ثمَّ قال " إن صيدوج وَعِضَاهَهُ حَرَمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّهِ " وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ الطَّائِفَ وَحِصَارِهِ ثَقِيفًا، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِنْسَانَ الطَّائِفِيِّ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَقَدْ ضعَّف أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا هَذَا الْحَدِيثَ، وصحَّحه الشَّافعي وَقَالَ بِمُقْتَضَاهُ والله أعلم.
موت عبد الله بن أُبي، قبَّحه اللَّهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الزُّهري، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فلمَّا عَرَفَ فِيهِ الْمَوْتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَنْهَاكَ عَنْ حُبِّ يَهُودَ " فَقَالَ: قَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ فَمَهْ (2) ؟.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبي فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، وَمَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَكَانَ مَرَضُهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُهُ فِيهَا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَقَالَ " قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ حُبِّ يَهُودَ " فَقَالَ: قَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ فَمَا نَفَعَهُ؟ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله ليس هذا الحين عتاب هو الموت فَاحْضُرْ غُسْلِي وَأَعْطِنِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ فَكَفِّنِّي فِيهِ وصلِّ عَلَيَّ وَاسْتَغْفِرْ لِي، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3) .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عبَّاس نَحْوًا مِمَّا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ (4) : قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ أحدَّثكم عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لمَّا توفِّي عَبْدُ اللَّهِ بن أُبي بن سَلُولَ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسأله أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ ليكفِّنه فِيهِ فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَيْهِ فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَخَذَ بِثَوْبِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ عنه، فقال رسول الله " إنَّ رَبِّي خَيَّرَنِي فَقَالَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مرة فلن يغفر الله لهم وَسَأَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ " فَقَالَ إنَّه مُنَافِقٌ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ * (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) * [التوبة: 84] فأقرَّ بِهِ أَبُو أُسَامَةَ وَقَالَ
نَعَمْ! وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ (5) ، وَفِي رواية للبخاري وغيره قال عمر:
__________
(1) لية: ناحية من نواحي الطائف.
(2) نقل الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 285.
(3) رواه الواقدي في مغازيه (3 / 1057) ونقله البيهقي عنه في الدلائل ج 5 / 285 و 288.
(4) في رواية البيهقيّ: إسحاق بن إبراهيم.
(5) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة براءة (12) باب، الحديث (4670) ، ومسلم في كتاب صفات المنافقين (الحديث: 3) .
ونقله البيهقي من طريق إبراهيم بن أبي طالب ج 5 / 287.
(*)
(5/42)

فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ قال في يوم كذا وكذا، وقال في يوم كذا وكذا وَكَذَا! ! فَقَالَ " دَعْنِي يَا عُمَرُ فَإِنِّي بَيْنَ خَيْرَتَيْنِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ " ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ * (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) * الآية.
قال عمر: فعجبت مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فأُخرج فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ - أَوْ فَخِذَيْهِ - وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ (1) .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَعِنْدَهُ أنَّه إنمَّا أَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ مكافأة لما كان كسى العبَّاس قَمِيصًا حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يَجِدُوا قَمِيصًا يَصْلُحُ لَهُ إِلَّا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبي (2) .
وقد ذكر البيهقي ها هنا قِصَّةَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ وَكَيْفَ افْتُتِنَ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَمَنْعِهِ الصَّدَقَةَ (3) ، وَقَدْ حررَّنا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى * (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ الله لئن آتانا مِنْ فَضْلِهِ) * الآية.
[التوبة: 75] .
فصل قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ آخِرَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُعَدِّدُ أيَّام الْأَنْصَارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَذْكُرُ مَوَاطِنَهُمْ مَعَهُ فِي أَيَّامِ غَزْوِهِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَتُرْوَى لِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ:
أَلَسْتَ خَيرَ مُعِدٍّ كلها نفرا * و؟ شرا إن همُوُا عُمَّوا وإن حُصِلُوا قَوْمٌ همُوُا شَهدُوا بَدْراً بِأَجمَعِهِمْ * مَعَ الرسولِ فَمَا أَلوّا وَمَا خَذَلوا وبَايَعُوهُ فَلَمْ يَنَكُث بِهِ أَحَد * مِنْهُمْ وَلمَ يك في إِيمَانِهِ دَخَلُ (4) وَيَوْمَ صَبَّحَهُمْ فِي الشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ * ضَرْبٌ رَصِينْ كَحَرِّ النَّارِ مُشْتَعِلُ وَيَومَ ذِي قَردٍ يَوْمَ استَثارَ بِهِم * عَلى الجِيَادِ فَما خَانُوا وَمَا نَكَلُوا (5) وَذا الْعَشِيرَةِ جَاسُوها بخيلِهِم * مَع الرَّسول عَلَيْهَا الْبِيضُ والأسلُ وَيوم وَدَّانَ أَجلوا أهلَهُ رَقصاً * بالخيلِ حتَّى نهَانا الحُزْنُ والجَبل
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز (22) باب الحديث 1270 عن مالك بن اسماعيل.
ومسلم في كتاب المنافقين (الحديث 2) .
ونقله البيهقي في الدلائل من طريق سعدان بن نصر (5 / 286) .
(2) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (142) باب الحديث (3008) .
ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 286.
(3) دلائل النبوة - باب قصة حاطب بن ثعلبة وما ظهر فيها من الآثار ج 5 / 289 من طريق عطية بن سعد عن ابن عباس.
(4) في ابن هشام: في إيمانهم.
(5) في ابن هشام: فما خاموا بدلا من فما خانوا.
(*)
(5/43)

وَليلةٌ طَلَبُوا فِيهَا عدوهُمُ * لِلَّهِ وَاللَّهُ يجْزيهمْ بِمَا عَملوا وَليلة بحنينٍ جَالدوا مَعَهُ * فِيهَا يعلّهِم في الحَرْبِ إِذْ نهِلُوا وَغزوَةُ يومَ نجْدٍ ثَمَّ كَانَ لَهُمْ * مَعَ الرَّسولِ بِهَا الْأَسْلَابُ والنفلُ وغَزوة القاعِ فرَّقنا العدو به * كما يفرق دُونَ المشْرَبِ الرُّسل وَيومَ بويعَ كَانُوا أَهْلَ بيعتِهِ * عَلَى الْجِلَادِ فآسُوة وَمَا عدَلُوا وَغزوَةُ الفَتْحِ كَانُوا فِي سريتِهِ * مرابطينَ فَمَا طاشُوا وما عَجَلوا وَيومَ خَيْبرَ كَانُوا فِي كتيبتِهِ * يَمْشُونَ كلهم مستبسِلٌ بَطَلُ
بالبيض نرعش الإيمانِ عَاريةُ * تَعوجُ بالضَّرب أَحْيَانًا وَتعتدِلُ وَيومَ سارَ رَسول اللهِ محتَسِباً * إِلَى تَبوك وَهُمْ راياتُهُ الْأُوَلُ وسَاسة الحَربِ إِنْ حَرب بدتْ لَهُمُ * حتَّى بَدا لَهُمُ الإقبالُ والقَفْلُ أولئِكَ القَوم أنصارُ النَّبيّ وَهم * قَوْمِي أَصِيرُ إِلَيْهِمْ حِينَ أتَّصِل مَاتُوا كِراماً وَلم تُنْكَثْ عهودهُم * وَقَتْلُهُمْ فِي سبيلِ اللهِ إذْ قتلُوا ذِكْرُ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ وَنُزُولِ سُورَةِ بَرَاءَةَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ ذِكْرِهِ وُفُودَ أَهْلِ الطَّائِفِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطاً.
قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَقِيَّةَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَشَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ، ثُمَّ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ لِيُقِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجَّهُمْ، وَأَهْلُ الشِّرْكِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ حَجِّهِمْ لَمْ يُصَدُّوا بَعْدُ عَنِ الْبَيْتِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ إِلَى أَمَدٍ، فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وفصل عن البيت أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ التَّوْبَةِ * (بَرَاءةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) * إِلَى قَوْلِهِ * (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ الله برئ من المشركين ورسوله) * إلى آخر القصة.
ثم شرح ابْنُ إِسْحَاقَ يتكلَّم عَلَى هَذِهِ الْآيَاتِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي التَّفْسِيرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِيَكُونَ مَعَهُ وَيَتَوَلَّى عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ إِبْلَاغَ الْبَرَاءَةِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ نِيَابَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لِكَوْنِهِ ابْنَ عَمِّهِ مِنْ عَصَبَتِهِ.
قَالَ ابْنُ إسحاق: حدثني حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَقَدْ كَانَ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيُقِيمَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، قيل له يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ بعثت بها إلى بَكْرٍ فَقَالَ " لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي " ثُمَّ دَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ " اخْرُجْ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ صَدِرَ بَرَاءَةَ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ إِذَا اجْتَمَعُوا بِمِنًى، أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ كَافِرٌ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ: وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ
(5/44)

كان له عند رسول الله عَهْدٌ فَهُوَ لَهُ إِلَى مُدَّتِهِ " فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَضْبَاءِ حتَّى أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ؟ فَقَالَ بَلْ مَأْمُورٌ، ثُمَّ مَضَيَا فَأَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَالْعَرَبُ إِذْ ذَاكَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْحَجِّ، الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالَّذِي أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجَّلَ [النَّاسُ] (1) أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ أَذَّنَ فِيهِمْ، لِيَرْجِعْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مأمنهم أو بلادهم، ثُمَّ لَا عَهْدَ لِمُشْرِكٍ وَلَا ذِمَّةَ إِلَّا أَحَدٍ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَهُوَ لَهُ إِلَى مُدَّتِهِ فَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، ثُمَّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم (2) .
وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ حَجِّ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بالنَّاس سَنَةَ تِسْعٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنِ الزُّهري عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بعثه في الحجة التي أمره عليه النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلم قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاس أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، ولا يطوفن في البيت عُرْيَانٌ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا اللَّيْثُ، حدثني عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمن أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي الْمُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
قَالَ حُمَيْدٌ ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَلِيٍّ فَأَمَرَهُ أَنْ يؤذن ببراءة قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ فأذَّن مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أهل منى يوم النحر ببراءة أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (3) .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ: حدَّثنا أَبُو الْيَمَانِ أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمن أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا قِيلَ الأكبر من أجل قول النَّاس العمرة الْحَجُّ الْأَصْغَرُ، فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاس فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مُشْرِكٌ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ بِهِ نَحْوَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مغيرة، عن الشعبي، عن محرز بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ما كنتم تنادون؟ قالوا كُنَّا نُنَادِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مؤمن، ولا يطوف في البيت عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فإنَّ أَجَلَهُ - أَوْ أَمَدَهُ - إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتِ الاربعة أشهر
__________
(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة.
(2) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 190 وبنحو سياقه رواه الواقدي في المغازي ج 3 / 1077.
(3) أخرجه البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة التوبة (22) باب فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ ... الحديث (4655) .
(*)
(5/45)

فإن الله برئ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَحُجُّ هَذَا الْبَيْتَ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ.
قَالَ فَكُنْتُ أُنَادِي حتَّى صَحِلَ صَوْتِي (1) .
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ لَكِنْ فِيهِ نَكَارَةٌ مِنْ جِهَةِ قَوْلِ الرَّاوِي إِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا ذَاهِبُونَ وَلَكِنَّ الصَّحيح إن من كان له عهد فأجله إلى أَمَدِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَلَوْ زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ أَمَدٌ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَهُ تَأْجِيلُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، بَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَنْ لَهُ أَمَدٌ يَتَنَاهَى إِلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ التَّأْجِيلِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْتَحِقَ بِالْأَوَّلِ، فَيَكُونَ أَجَلُهُ إِلَى مدَّته وَإِنْ قَلَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ يؤجَّل إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ بِالْكُلِّيَّةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث بَرَاءَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا بَلَغَ ذَا الْحُلَيْفَةِ قَالَ " لَا يُبَلِّغُهَا إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي " فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: عَنْ لُوَيْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بن جابر، عن سماك عن حلس (2) عَنْ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرْدَفَ أَبَا بَكْرٍ بَعَلِيٍّ فَأَخَذَ مِنْهُ الْكِتَابَ بِالْجُحْفَةِ رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَزَلَ في شئ؟ قَالَ " لَا وَلَكِنْ جِبْرِيلُ جَاءَنِي فَقَالَ لَا يُؤَدِّي عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ " وَهَذَا ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ وَمَتْنُهُ فِيهِ نَكَارَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ
أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ (3) - رَجُلٌ من همدان - قال: سألنا علياً بأي شئ بُعِثْتَ يَوْمَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْحَجَّةِ؟ قَالَ بِأَرْبَعٍ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مدته ولا يحجّ المشركون بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا (4) .
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ عَنْ عَلِيٍّ بِهِ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ثُمَّ قَالَ وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَقَالَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أُثَيْلٍ، وَرَوَاهُ الثَّوريّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ عَلِيٍّ.
قُلْتُ: وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شريح أخبرنا ابن صَخْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيَّ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا الصَّهْبَاءِ الْبَكْرِيَّ وَهُوَ يَقُولُ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم بَعَثَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي قُحَافَةَ يُقِيمُ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَبَعَثَنِي مَعَهُ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ بَرَاءَةَ حتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَخَطَبَ النَّاس يَوْمَ عَرَفَةَ، فَلَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: قُمْ يَا عَلِيُّ فأدِّ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه سلم
__________
(1) صحل صوتي: أي حتى بح.
والخبر في مسند الإمام أحمد ج 2 / 299.
(2) كذا بالاصل حلس، والصواب حنش وهو حنش بن المعتمر أو ابن ربيعة بن المعتمر الكناني الكوفي، يروى عن علي وأبي ذر، وعنه الحكم وسماك بن حرب ... (خلاصة التهذيب / 81) .
(3) في المسند: أثيع.
(4) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج 1 / 79.
(*)
(5/46)

فَقُمْتُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ بَرَاءَةَ ثُمَّ صَدَرْنَا فَأَتَيْنَا مِنًى فَرَمَيْتُ الْجَمْرَةَ وَنَحَرْتُ الْبَدَنَةَ ثُمَّ حَلَقْتُ رَأْسِي وَعَلِمْتُ أَنَّ أَهْلَ الْجَمْعِ لَمْ يَكُونُوا حُضُورًا كُلُّهُمْ خُطْبَةَ أَبِي بكر رضي الله عنه يوم عرفة، فطفت أَتَتَبَّعُ بِهَا الْفَسَاطِيطَ أَقْرَؤُهَا عَلَيْهِمْ.
قَالَ عَلِيٌّ فَمِنْ ثَمَّ إِخَالُ حَسِبْتُمْ أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، أَلَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وَقَدْ تَقَصَّيْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ فِي التَّفْسِيرِ وَذَكَرْنَا أَسَانِيدَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ
فِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ (1) وَقَدْ كَانَ خَرَجَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْمَدِينَةِ ثلثمائة مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بِخَمْسِ بَدَنَاتٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِعِشْرِينَ بَدَنَةً ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ فَلَحِقَهُ بِالْعَرْجِ (2) فنادى ببراءة أمام الموسم.
فصل كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي فِي سَنَةِ تِسْعٍ - مِنَ الْأُمُورِ الْحَادِثَةِ غَزْوَةُ تَبُوكَ فِي رجب كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا مَاتَ النَّجَاشِيُّ صَاحِبُ الْحَبَشَةِ وَنَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّاسِ.
وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا - أَيْ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - تُوُفِّيَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فغسَّلتها أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وصفية بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ غسَّلها نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فيهن أُمُّ عَطِيَّةَ.
قُلْتُ: وَهَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وثبت في الحديث أيضاً أنه عليه السلام لَمَّا صلَّى عَلَيْهَا وَأَرَادَ دَفْنَهَا قَالَ: " لَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ قَارَفَ اللَّيْلَةَ أَهْلَهُ " فَامْتَنَعَ زَوْجُهَا عُثْمَانُ لِذَلِكَ وَدَفَنَهَا أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ مَنْ كَانَ يَتَوَلَّى ذَلِكَ مِمَّنْ يَتَبَرَّعُ بِالْحَفْرِ وَالدَّفْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ كَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي طَلْحَةَ وَمَنْ شَابَهَهُمْ فَقَالَ " لَا يَدْخُلُ قَبْرَهَا إِلَّا مَنْ لَمْ يُقَارِفْ أَهْلَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ " إِذْ يَبْعُدُ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ عِنْدَهُ غَيْرُ أُمِّ كلثوم بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا بَعِيدٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِيهَا صَالَحَ مَلِكَ أَيْلَةَ وَأَهْلَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ وَصَاحِبَ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَوَاضِعِهِ.
وَفِيهَا هَدْمُ مَسْجِدِ الضِّرار الَّذِي بَنَاهُ جَمَاعَةُ الْمُنَافِقِينَ صُورَةَ مَسْجِدٍ وَهُوَ دَارُ حَرْبٍ في الباطن فأمر به عليه السلام فَحُرِّقَ.
وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ فَصَالَحُوا عَنْ قَوْمِهِمْ وَرَجَعُوا إِلَيْهِمْ بِالْأَمَانِ وَكُسِّرَتِ اللَّاتُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِيهَا توفِّي عَبْدُ اللَّهِ بن أُبي بن سَلُولَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي أَوَاخِرِهَا، وَقَبْلَهُ بِأَشْهُرٍ (3) تُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيُّ - أَوِ الْمُزَنِيُّ - وَهُوَ الَّذِي صلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ
__________
(1) مغازي الواقدي 3 / 1077.
(2) العرج: قرية جامعة في واد من نواحي الطائف، وقيل واد به (المراصد) .
(3) قوله بأشهر، وفي نسخة بشهر، والمعروف إن ابن أبي مات في ذي القعدة، ومعاوية بن معاوية مات بالمدينة
ورسول الله صلَّى الله عليه وآله بتبوك - وكانت تبوك في رجب - وهذا يجعل قول من قال " شهر " بعيدا.
(*)
(5/47)

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِتَبُوكَ إِنْ صَحَّ الْخَبَرُ فِي ذَلِكَ.
وَفِيهَا حجَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بالنَّاس عَنْ إِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَفِيهَا كَانَ قَدُومُ عَامَّةِ وُفُودِ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَلِذَلِكَ تسمَّى سَنَةُ تِسْعٍ سَنَةَ الْوُفُودِ، وَهَا نَحْنُ نَعْقِدُ لِذَلِكَ كِتَابًا بِرَأْسِهِ اقْتِدَاءً بِالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.
(5/48)

كِتَابُ الْوُفُودِ (1) الْوَارِدِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَكَّةَ وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ وَبَايَعَتْ ضَرَبَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أن ذلك في سنة تسع، وأنها كنت تُسَمَّى سَنَةَ الْوُفُودِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَرَبَّصُ بِإِسْلَامِهَا أَمْرَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا إِمَامَ النَّاس وهاديتهم وَأَهْلَ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ وَصَرِيحَ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَقَادَةَ الْعَرَبِ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي نَصَبَتِ الْحَرْبَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَخِلَافَهُ، فَلَمَّا افْتُتِحَتْ مكة ودانت به قُرَيْشٌ وَدَوَّخَهَا الْإِسْلَامُ، عَرَفَتِ الْعَرَبُ أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَلَا عَدَاوَتِهِ فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ * (أَفْوَاجًا) * يَضْرِبُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم * (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) * أي فاحمد الله على ما ظهر مِنْ دِينِكَ، وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، وَقَدْ قدمنا حديث عمرو بن مسلمة قال: كانت الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمُ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قوم بإسلامهم وبدر - أي قَوْمِي - بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبيّ حَقًّا، قَالَ صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاة فليؤذِّن لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثُمَّ الْوَاقِدِيُّ وَالْبُخَارِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَهُمْ مِنَ الْوُفُودِ مَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ تَارِيخَ قُدُومِهِمْ عَلَى سَنَةِ تِسْعٍ بَلْ وَعَلَى فَتْحِ مَكَّةَ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى * (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ قاتل أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) * [الحديد: 10] وَتُقَدَّمَ قَوْلُهُ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ " لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ " فَيَجِبُ التمييز
__________
(1) انظر في تلك الوفود: (ابن سعد 1 / 291) تاريخ الطبري، ابن حزم (259) سيرة ابن هشام (4 / 206) .
السيرة الشامية (6 / 386) ودلائل البيهقي (5 / 309) .
(*)
(5/49)

بَيْنَ السَّابِقِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْوَافِدِينَ عَلَى زَمَنِ الْفَتْحِ مِمَّنْ يُعَدُّ وُفُودُهُ هِجْرَةً، وَبَيْنَ اللَّاحِقِ لهم بعد الفتح ممن وعد اللَّهُ خَيْرًا وَحُسْنًى، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ كَالسَّابِقِ لَهُ فِي الزَّمَانِ وَالْفَضِيلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ اعْتَنَوْا بِإِيرَادِ الْوُفُودِ قَدْ تَرَكُوا فِيمَا أَوْرَدُوهُ أَشْيَاءَ لَمْ يَذْكُرُوهَا وَنَحْنُ نُورِدُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ مَا ذَكَرُوهُ وَنُنَبِّهُ عَلَى مَا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَذْكُرُ مَا وَقَعَ لَنَا مِمَّا أَهْمَلُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم من مضر أربعمائة من مزينة وذاك فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ فَجَعَلَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الْهِجْرَةَ فِي دَارِهِمْ وَقَالَ: " أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ فَارْجِعُوا إِلَى أَمْوَالِكُمْ " فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ مِنْ مُزَيْنَةَ خُزَاعِيُّ بْنُ عَبْدِ نُهْمٍ وَمَعَهُ عَشَرَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِسْلَامِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَجِدْهُمْ كَمَا ظنَّ فِيهِمْ فتأخرَّوا عَنْهُ.
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ أَنْ يُعَرِّضَ بِخُزَاعِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَهْجُوَهُ، فَذَكَرَ أَبْيَاتًا (1) فَلَمَّا بَلَغَتْ خُزَاعِيًّا شَكَى ذلك إلى قومه فجمعوا له وأسلموا معه وقدم إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ دَفَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَاءً مُزَيْنَةَ - وَكَانُوا يَوْمَئِذٍ أَلْفًا - إِلَى خُزَاعِيٍّ هَذَا، قَالَ وَهُوَ أخو عبد الله ذو الْبِجَادَيْنِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَابُ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: أَتَى نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَقَالَ، " اقْبَلُوا
الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بشرتنا فأعطنا، فرئي ذلك في وجهه ثم جاء نَفَرٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: " اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لم يقبلها بنو تميم " قالوا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أمِّر الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أمِّر الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ فَتَمَارَيَا حتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَتْ * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) * حتَّى انْقَضَتْ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ وجه عن ابن أبي مليكة بألفاظ أخرى قَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تعالى * (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) * الْآيَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وُفُودُ الْعَرَبِ قَدِمَ عَلَيْهِ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدُسٍ التَّميمي فِي أَشْرَافِ بني تميم منهم: الأقرع بن حابس، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ التَّميمي - أَحَدُ بَنِي سَعْدٍ - وعمرو بن الأهتم، والحتحات (2) بن يزيد، ونعيم بن يزيد،
__________
(1) ذكرها ابن سعد في الطبقات 1 / 292 ومنها: ألا أبلغ خزاعيا رسولا * بأن الذم يغسله الوفاء (2) في نسخة الحجاب، وفي سيرة ابن هشام الحبحاب، وقال ابن هشام: الحتات وهو الذي آخى رسول الله = (*)
(5/50)

وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ أَخُو بَنِي سَعْدٍ فِي وَفْدٍ عَظِيمٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَمَعَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، وَقَدْ كَانَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وعُيَيْنَةُ شَهِدَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتْحَ مكة وحنين والطَّائف، فَلَمَّا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ كَانَا معهم، ولما دَخَلُوا، الْمَسْجِدَ نَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ، فَآذَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صِيَاحِهِمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ جِئْنَاكَ نُفَاخِرُكَ فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا.
قَالَ: " قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ " فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد اللَّهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ وَالْمَنُّ وَهُوَ
أَهْلُهُ، الَّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرُهُ عَدَدًا وَأَيْسَرَهُ عُدَّة.
فَمَنْ مثلنا في النَّاس، ألسنا برؤس النَّاس وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مَا عَدَّدْنَا، وإنَّا لَوْ نَشَاءُ لَأَكْثَرْنَا الْكَلَامَ ولكن نخشى (1) مِنَ الْإِكْثَارِ فِيمَا أَعْطَانَا، وإنَّا نُعْرَفُ [بِذَلِكَ] (2) .
أَقُولُ هَذَا لَأَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ قَوْلِنَا، وأمرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَمْرِنَا، ثمَّ جَلَسَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: " قُمْ، فَأَجِبِ الرَّجل فِي خُطْبَتِهِ " فَقَامَ ثابت فقال: الحمد الله الذي السموات وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنَّ أَمْرُهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيَّهُ علمه، ولم يك شئ قَطُّ إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ، ثمَّ كَانَ مِنْ قدرته أن جعلنا ملوكاً واصطفى من خيرته رَسُولًا أَكْرَمَهُ نَسَبًا وَأَصْدَقَهُ حَدِيثًا وَأَفْضَلَهُ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ فَكَانَ خِيرَةَ اللَّهِ مِنَ الْعَالَمِينَ، ثمَّ دَعَا النَّاس إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمُ النَّاس أَحْسَابًا، وأحسن وُجُوهًا، وَخَيْرُ النَّاس فِعَالًا.
ثمَّ كَانَ أَوَّلَ الْخَلْقِ إِجَابَةً، وَاسْتَجَابَ لِلَّهِ حِينَ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم نَحْنُ، فَنَحْنُ أنصار الله ووزراء رَسُولِهِ، نُقَاتِلُ النَّاس حتَّى يُؤْمِنُوا، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مَنَعَ مَالَهُ وَدَمَهُ، وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ فِي اللَّهِ أَبَدًا وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
فَقَامَ الزَّبرقان بْنُ بَدْرٍ فَقَالَ: نَحْنُ الكِرام فَلَا حَيٌّ يُعَادِلُنَا * مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ (3) وَكَمْ قَسَرْنَا مِنَ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمْ * عِنْدَ النِّهاب وَفَضْلُ الْعِزِّ يُتَّبع وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا * مِنَ الشِّوَاءِ إِذَا لَمْ يؤنسِ القَزعُ (4) بِمَا تَرَى النَّاس تَأْتِينَا سُرَاتُهم * مِنْ كُلِّ أَرْضٍ هُوِيًّا ثُمَّ نُصطنِعُ فَنَنْحَرُ الْكُومَ عَبْطًا فِي أرومتنا * للنازلين إذا ما أُنزلوا شعبوا (5)
__________
= صلى الله عليه وآله بينه وبين معاوية بن أبي سفيان.
واختاره أيضا السهيلي.
(1) في ابن هشام: ولكنا نحيا.
(2) من ابن هشام.
(3) البيع: جمع بيعة، وهي موضع الصلاة.
(4) القزع: السحاب الرقيق.
(5) الكوم: جمع كوماء، وهي الناقة العظيمة السنام.
(*)
(5/51)

فَمَا تَرَانَا إِلَى حيٍ نُفاخرهم * إِلَّا اسْتَفَادُوا وكانوا الرَّأس تُقتطعُ فَمَنْ يُفاخرنا فِي ذَاكَ نعرفَه * فَيَرْجِعُ الْقَوْمُ وَالْأَخْبَارُ تُستمعُ إنَّا أَبَيْنَا وَلَمْ يَأْبَى لَنَا أحدٌ * إنَّا كذلك عند الفخر ترتفع قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ غَائِبًا فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ شَاعِرُ الْقَوْمِ فَقَالَ مَا قَالَ أعرضت فِي قَوْلِهِ وَقُلْتُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ، فلمَّا فَرَغَ الزِّبْرِقَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: " قُمْ يَا حَسَّانُ فَأَجِبِ الرَّجُلَ فِيمَا قَالَ ".
فَقَالَ حَسَّانُ: إنَّ الذَّوائب مِنْ فَهرٍ وَإِخْوَتِهِمْ * قَدْ بيَّنوا سُنَّةً للنَّاس تتبعُ يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سريرتُهُ * تقْوى الْإِلَهِ وكلَّ الْخَيْرِ يصطنعُ (1) قومٌ إِذَا حَارَبُوا ضرَّوا عَدُوَّهُمْ * أَوْ حَاوَلُوا النَّفع فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا سجيةُ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ محْدثةٍ * إنَّ الْخَلَائِقَ - فَاعْلَمْ - شَرُّهَا البدعُ إنْ كَانَ فِي النَّاس سبَّاقون بعدهمُ * فكل سبْقٍ لأدنى سبْقهم تبعُ لا يرفع النَّاس مَا أَوْهَتْ أكفُّهمُ * عِنْدَ الدِّفاع وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا إنْ سَابَقُوا النَّاس يَوْمًا فَازَ سبْقهمُ * أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مجدٍ بالنَّدى مَنعوا (2) أعفةٌ ذكرت في الوحي عفتهم * لا يطعمون وَلَا يُردِيهمُ طمعُ لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جارٍ بفضلهمُ * وَلَا يمسُّهم مِنْ مطمعٍ طبعُ إِذَا نَصَبْنَا لحيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهُمْ * كَمَا يَدِبُّ إِلَى الْوَحْشِيَّةِ الذرعُ (3) نَسْمُوا إِذَا الْحَرْبُ نَالَتْنَا مَخَالِبُهَا * إِذَا الزَّعانف مِنْ أَظْفَارِهَا خَشَعُوا
لَا يَفْخَرُونَ إِذَا نَالُوا عَدُوَّهُمُ * وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا خُورٌ وَلَا هلعُ كَأَنَّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتُ مكتَنِع * أُسدٌ بحلية في أرساعها فدعُ خذْ مِنْهُمْ مَا أَتَوْا عَفْوًا إِذَا غضبوا * ولا يكن همُّك الأمر الذي منع؟ وا فَإِنَّ فِي حَرْبِهِمْ - فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ - * شرَّاً يُخَاضُ عَلَيْهِ السُّمُّ والسلعُ أكْرم بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شيعتهمْ * إِذَا تَفَاوَتَتِ الْأَهْوَاءُ والشّيعُ أَهْدَى لَهُمْ مِدْحَتِي قلبٌ يُؤَازِرُهُ * فِيمَا أُحِبُّ لِسَانٌ حائكٍ صَنَعُ فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كلِّهمُ * إِنْ جدَّ فِي النَّاس جدُّ الْقَوْلُ أَوْ شَمَعُوا (4) وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ: أَنَّ الزِّبْرِقَانَ لَمَّا قَدِمَ على
__________
(1) رواية العجز في الديوان: تقوى الاله وبالامر الذي شرعوا.
(2) في ابن هشام: متعوا.
(3) الذرع: ولد البقرة الوحشية.
(4) شمعوا، وتروى سمعوا، قال السهيلي: ضحكوا، ومنها جارية شموع: أي كثيرة الطرب.
(*)
(5/52)

رسول الله صلى الله عليه وسلم في وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ قَامَ فَقَالَ: أَتَيْنَاكَ كيمَا يَعْلَمُ النَّاس فَضْلَنَا * إِذَا اخْتَلَفُوا (1) عِنْدَ احْتِضَارِ الْمَوَاسِمِ بأنَّا فُرُوعُ النَّاس فِي كُلِّ موطنٍ * وَأَنْ لَيْسَ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ كدارمِ وأنَّا نَذُودُ الْمُعْلِمِينَ إِذَا انْتَخَوْا * وَنَضْرِبُ رأسَ الْأَصْيَدِ المتفاقمِ وإنَّ لَنَا المِرْباعُ فِي كُلِّ غَارَةٍ * تغيَّر بِنَجْدٍ أَوْ بأرضِ الأعَاجم قَالَ فَقَامَ حَسَّانُ فَأَجَابَهُ فَقَالَ: هَلِ الْمَجْدُ إِلَّا السُّؤدد الْعَوْدُ والنَّدى * وجاهُ الملوكِ وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ نَصَرْنَا وَآوَيْنَا النَّبيّ مُحَمَّدًا * عَلَى أَنْفِ راضٍ مِنْ معدٍ وَرَاغِمِ بِحَيٍّ حَرِيدٍ أَصْلُهُ وَثَرَاؤُهُ * بجَابية الْجَوْلَانِ وسط الأعاجمِ
نصرناه لَمَّا حلَّ بَيْنَ بُيُوتِنَا * بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلِّ باغٍ وظالمِ جَعَلْنَا بَنِينَا دُونَهُ وَبَنَاتِنَا * وطِبْنا له نفسا بفئ المغانمِ وَنَحْنُ ضَرَبْنَا النَّاس حتَّى تَتَابَعُوا * عَلَى دِينِهِ بِالْمُرْهَفَاتِ الصَّوارم وَنَحْنُ وَلدنا مِنْ قُرَيْشٍ عَظِيمَهَا * وَلَدْنَا نَبِيَّ الْخَيْرِ مِنْ آلِ هَاشِمِ (2) بَنِي دارمٍ لَا تَفْخَرُوا إنَّ فَخْرَكُمْ * يَعُودُ وَبَالًا عِنْدَ ذِكْرِ المكارمِ هَبِلْتُم عَلَيْنَا تَفْخَرُونَ وأنتمُ * لَنَا خَوَلٌ مِنْ بَيْنِ ظِئْرٍ وخادمِ فَإِنْ كُنْتُمُ جِئْتُمْ لِحَقْنِ دِمَائِكُمْ * وَأَمْوَالِكُمْ أَنْ تُقسموا فِي الْمَقَاسِمِ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ ندَّاً وَأَسْلِمُوا * وَلَا تَلْبَسُوا زيَّاً كزيِّ الْأَعَاجِمِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ.
فَلَمَّا فَرَغَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ قَوْلِهِ، قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: وَأَبِي، إنَّ هَذَا لَمُؤَتًّى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلا مِنْ أَصْوَاتِنَا.
قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ أَسْلَمُوا، وجوَّزهم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ قَدْ خَلَّفَهُ الْقَوْمُ فِي رِحَالِهِمْ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ - وَكَانَ يَبْغُضُ عَمْرَو بن الأهتم - يا رسول الله، أنه كَانَ رَجُلٌ مِنَّا فِي رِحَالِنَا وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثٌ وَأَزْرَى بِهِ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا أَعْطَى الْقَوْمَ، قال عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ قَيْسًا قَالَ ذَلِكَ يَهْجُوهُ: ظَلِلْتَ مُفْتَرِشَ الْهَلْبَاءِ تَشْتُمُنِي * عِنْدَ الرَّسول فَلَمْ تصدقْ وَلَمْ تُصبِ سُدْنَاكُمْ سُؤْدُدًا رَهْوَاً وَسُؤْدُدُكُمْ * بادٍ نَوَاجِذُهُ مَقْعٍ عَلَى الذنب
__________
(1) في ابن هشام: احتفلوا.
(2) في البيت إشارة أن أم عبد المطلب جد النبي كانت جارية من الأنصار، وهي سلمى بنت عمرو النجارية الخزرجية.
(*)
(5/53)

وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، حدَّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حدَّثنا
حَمَّادُ بْنُ يزيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ.
قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الزَّبرقان بْنُ بَدْرٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ.
فَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ: " أَخْبِرْنِي عَنِ الزِّبْرِقَانِ، فَأَمَّا هَذَا فَلَسْتُ أَسْأَلُكَ عَنْهُ " وأراه كان عرف قيساً، قال فقال: مطاع في أذنيه شَدِيدُ الْعَارِضَةِ، مَانِعٌ لِمَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ.
فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ: قَدْ قَالَ مَا قَالَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي أَفْضَلُ مِمَّا قَالَ، قَالَ فَقَالَ عَمْرٌو: والله ما علمتك إلا زبر الْمُرُوءَةِ، ضَيِّقَ الْعَطَنِ، أَحْمَقَ الْأَبِ، لَئِيمَ الْخَالِ، ثمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ صَدَقْتُ فِيهِمَا جَمِيعًا أَرْضَانِي فَقُلْتُ بِأَحْسَنِ مَا أَعْلَمُ فيه، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْبَيَانِ سِحْرًا " وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ موصولاً: أنبأنا أَبُو جَعْفَرٍ كَامِلُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُسْتَمْلِي، ثنا محمد بْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ (1) بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحسن (2) الْعَلَّافُ بِبَغْدَادَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائي، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدِ (3) بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ مَحْفُوظٍ عَنْ أَبِي الْمُقَوِّمِ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ التَّميميون، فَفَخَرَ الزِّبْرِقَانُ، فقال: يا رسول الله أنا سيد تَمِيمٍ وَالْمُطَاعُ فِيهِمْ وَالْمُجَابُ، أَمْنَعُهُمْ مِنَ الظُّلْمِ وَآخُذُ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ، وَهَذَا يَعْلَمُ ذَلِكَ - يَعْنِي عمرو بن الأهتم - قال عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ: إِنَّهُ لَشَدِيدُ الْعَارِضَةِ، مَانِعٌ لجانبه، مطاع في أذنيه.
فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ مِنِّي غَيْرَ مَا قَالَ، وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلَّا الْحَسَدُ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ: أَنَا أَحْسُدُكَ فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَلَئِيمُ الْخَالِ، حَدِيثُ الْمَالِ، أَحْمَقُ الْوَالِدِ، مُضَيَّعٌ فِي الْعَشِيرَةِ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُ فِيمَا قُلْتُ أَوَّلًا، وَمَا كَذَبْتُ فِيمَا قُلْتُ آخِرًا.
ولكني رجل إذا رأيت قُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ، وَإِذَا غَضِبْتُ قُلْتُ أَقْبَحَ مَا وَجَدْتُ، وَلَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى جَمِيعًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا " (4) وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ سَبَبَ قدومهم وهو أنه كانوا قد جهَّزوا السِّلَاحَ عَلَى خُزَاعَةَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ فِي خَمْسِينَ لَيْسَ فِيهِمْ أَنْصَارِيٌّ وَلَا مُهَاجِرِيٌّ، فَأَسَرَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَإِحْدَى عَشْرَةَ امرأة وثلاثين صبياً فقدم رؤساهم بسبب أسرائهم ويقال قدم منهم
تسعين - أو ثمانين - رَجُلًا فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ عُطَارِدٌ وَالزِّبْرِقَانُ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ، وَنُعَيْمُ بْنُ سَعْدٍ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَرَبَاحُ بْنُ الْحَارِثِ وعمرو بن الأهتم، فدخلوا المسجد وقد
__________
(1) في الدلائل: محمد بن محمد بن أحمد ... (2) في الدلائل: الحسين.
(3) في الدلائل: أبو سعد الهيثم.
(4) الخبر في دلائل النبوة مرسلا وموصولا ج 5 / 315 - 316 ورواه المزي في تحفة الاشراف وقال: الحكم بن عتيبة لم يسمع من مقسم سوى خمسة أحاديث.
(*)
(5/54)

أَذَّنَ بِلَالٌ الظُّهْرَ، والنَّاس يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَعَجِلَ هَؤُلَاءِ فَنَادَوْهُ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ، فَنَزَلَ فِيهِمْ مَا نَزَلَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ خَطِيبَهُمْ وَشَاعِرَهُمْ وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجَازَهُمْ عَلَى كُلِّ رجل اثني عشر أُوقِيَّةٍ وَنَشًّا إِلَّا عَمْرَو بْنَ الْأَهْتَمِ فَإِنَّمَا أُعْطِيَ خَمْسَ أَوَاقٍ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (1) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَنَزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى * (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) * [الحجرات: 4] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حدَّثنا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيُّ، حدَّثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ * (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ) *.
قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ، وَذَمِّي شَيْنٌ.
فَقَالَ: " ذَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ مُتَّصِلٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وقَتَادَةَ مُرْسَلًا عَنْهُمَا، وَقَدْ وَقَعَ تَسْمِيَةُ هَذَا الرَّجُلِ فَقَالَ الإمام أحمد: حدثنا عفاف، ثنا وهب، ثنا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أنَّه نَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، وَفِي رِوَايَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يُجِبْهُ.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ حَمْدِي لَزَيْنٌ، وَإِنَّ ذَمِّي لَشَيْنٌ.
فَقَالَ: " ذَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ".
حَدِيثٌ فِي فَضْلِ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهَا فِيهِمْ: " هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجال " وَكَانَتْ فِيهِمْ سَبِيَّةٌ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ: " أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ " وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ: " هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمٍ - أَوْ قُومِي - " (2) وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حرب به.
وهذا حديث يردُّ على قتادة مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْحَمَاسَةِ وَغَيْرُهُ مِنْ شِعْرٍ من ذمهم حيث يقول: تميمٌ بطرق اللوم أَهْدَى مِنَ القَطَا * وَلَوْ سلكتْ طُرُقَ الرَّشاد لضلَّتِ وَلَوْ أَنَّ بُرْغُوثًا عَلَى ظَهْرِ قملةٍ * رأته تميم من بعيد لولت
__________
(1) الخبر في طبقات ابن سعد ج 1 / 293 - 294، قال وفيهم أنزل الله تَعَالَى: * (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يعقلون) *.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (68) باب الحديث 4366.
(*)
(5/55)

وَفْدُ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ ثمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ: بَابُ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (1) حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حدَّثنا قُرَّةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ (2) قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عبَّاس: إِنْ لِي جَرَّةً يُنْتَبَذُ لي فيها فَأَشْرَبُهُ حُلْوًا فِي جَرٍّ إِنْ أَكْثَرْتُ مِنْهُ فَجَالَسْتُ الْقَوْمَ فَأَطَلْتُ الْجُلُوسَ خَشِيتُ أَنْ أَفْتَضِحَ؟ فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَّدَامَى " فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام فحدِّثنا بجميل (3) مِنَ الْأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ وندعوا بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا.
قَالَ: " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عن أربع، الإيمان بالله هل تدرون مع الْإِيمَانُ بِاللَّهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَإِقَامَ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس.
وأنهلكم عَنْ أَرْبَعٍ، مَا يُنْتَبَذُ فِي
الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ " (4) .
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ قره بن خالد عن أبي جمرة وله طرق في الصحيحين عن أبي جمرة.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ سَمِعْتُ ابْنَ عبَّاس يَقُولُ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ " مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ " قَالُوا مِنْ رَبِيعَةَ.
قَالَ: " مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ غَيْرِ الْخَزَايَا وَلَا النَّدَامَى " فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا حَيٌّ مِنْ رَبِيعَةَ وإنَّا نأتيك شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّهُ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَصُلْ إليك في شهر حرام فمُرنا بأمر فصلْ ندعوا إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ محمد رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس، وأنهاكم عَنْ أَرْبَعٍ، عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ - وَرُبَّمَا قَالَ وَالْمُقَيَّرِ - فَاحْفَظُوهُنَّ وَادْعُوا إِلَيْهِنَّ مَنْ وراءكم " (5) وقد أخرجاه صَاحِبَا الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِنَحْوِهِ، وَقَدْ رواه مسلم من
__________
(1) في البخاري: اسحاق.
(2) من البخاري، وفي الاصل: أبي حمزة.
(3) في البخاري: بجمل من الامر، وفي مسلم: بأمر فصل.
(4) أخرجه البخاري في الموضع السابق حديث (4368) .
- في قوله آمركم بأربع، وإنما ذكر خمسا قال القاضي عياض: كان الاربع ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الايمان وفروض الاعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم اخراجه إذا وقع لهم جهاد لانهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها لانها مسببة عن الجهاد.
أما النووي فقال: أما قوله أن يؤدوا خمسا من المغنم فليس عطفا على قوله " آمركم بأربع ... " وإنما هو عطف على قوله بأربع فيكون مضافا إلى الاربع لا واحدا منها ... - الدباء: القرع وهو جمع والواحدة دباءة.
الحنتم: الجرار يجلب فيها الخمر.
النقير: جذع ينقرون وسطه وينبذون فيه.
المقير: المزفت المطلي بالغار ... (5) أخرجه أبو داود في الاشربة عن سليمان بن حرب، وفي كتاب السنة عن أحمد بن حنبل.
وأخرجه الترمذي في = (*)
(5/56)

حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِحَدِيثِ فصتهم بِمِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ، وَعِنْدَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ " إِنْ فِيكَ لَخَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ " (1) وَفِي رِوَايَةٍ " يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ " فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَلَّقْتُهُمَا أَمْ جبلني الله عليهما؟ فقال: " جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا " فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ هند بنت الوازع أنها سمعت الوازع يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَالْأَشَجُّ الْمُنْذِرُ بْنُ عَامِرٍ - أَوْ عَامِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ - وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مُصَابٌ فَانْتَهَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَثَبُوا مِنْ رَوَاحِلِهِمْ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقبَّلوا يَدَهُ، ثُمَّ نَزَلَ الْأَشَجُّ فَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ وَأَخْرَجَ عَيْبَتَهُ فَفَتَحَهَا، فَأَخْرَجَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ مِنْ ثِيَابِهِ فَلَبِسَهُمَا، ثُمَّ أَتَى رَوَاحِلَهُمْ فَعَقَلَهَا فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " يَا أَشَجُّ إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ، الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ " فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا تَخَلَّقْتُهُمَا أو جبلني الله عليهما؟ فقال: " بل الله جبلك عليهما ".
قال الحمد الله الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ.
فَقَالَ الْوَازِعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مَعِي خَالًا لِي مُصَابًا فَادْعُ اللَّهَ له فقال: " أين هو آتيني بِهِ " قَالَ: فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ الْأَشَجُّ ألبسته ثوبيه وأتيته فأخذ من ورائه يَرْفَعُهَا حتَّى رَأَيْنَا بَيَاضَ إِبِطِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِظَهْرِهِ فَقَالَ " اخْرُجْ عدوَّ اللَّهِ " فَوَلَّى وَجْهَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ بِنَظَرِ رَجُلٍ صَحِيحٍ (2) .
وَرَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ طَرِيقِ هُودِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن سعد، أنه سمع جده مزيدة العبدي (3) .
قَالَ بَيْنَمَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يحدِّث أَصْحَابُهُ إِذْ قَالَ لَهُمْ " سَيَطْلُعُ مِنْ هَاهُنَا رَكْبٌ هُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ " فقام عمر فتوجه نحوهم فتلقى ثلاثة عشر راكباً، فقال من القوم؟ فقالوا: مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ، قَالَ: فَمَا أَقْدَمَكُمْ هَذِهِ الْبِلَادَ التِّجَارَةُ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: أَمَا إنَّ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَدْ ذَكَرَكُمْ آنِفًا فَقَالَ خَيْرًا، ثُمَّ مَشَوْا مَعَهُ حتَّى أَتَوُا النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُمَرُ للقوم: وهذا صَاحِبُكُمُ الَّذِي تُرِيدُونَ، فَرَمَى الْقَوْمُ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ رَكَائِبِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ مَشَى وَمِنْهُمْ مَنْ هَرْوَلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَعَى حتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذُوا بِيَدِهِ فقبَّلوها، وَتَخَلَّفَ الْأَشَجُّ فِي الرِّكَابِ حتَّى أَنَاخَهَا وَجَمَعَ مَتَاعَ
الْقَوْمِ، ثُمَّ جَاءَ يَمْشِي حتَّى أَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقبَّلها، فَقَالَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " إنَّ فيك خلتين يحبهما
__________
= الاشربة وقال حسن صحيح.
والنسائي في العلم، والايمان.
وما لك في الموطأ في الاشربة.
وأخرجه البخاري في أكثر من موضع: في الايمان، وفي كتاب الخمس، وفي كتاب العلم، والصلاة، والزكاة، وفي الادب.
والتوحيد.
(1) أخرجه مسلم في (1) كتاب الايمان (6) باب الحديث (26) .
وأبو يعلى والطبراني بسند جيد.
(2) مسند الإمام أحمد ج 4 / 206.
(3) في البيهقي: هُودِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ سمع مزبدة العصري.
(انظر ترجمة مزبدة في أُسد الغابة ج 1 / 96 و 4 / 417) .
(*)
(5/57)

الله ورسول ".
قال: جبل جبلت [عليه] أن تخلقاً مني؟ قال: بل جبل فقال: الحمد الله الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (1) .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الْجَارُودُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَنَشٍ، أَخُو عَبْدِ الْقَيْسِ.
قَالَ ابْنُ هشام: وهو الْجَارُودُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْمُعَلَّى فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لما انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم كلَّمه، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، وَدَعَاهُ إِلَيْهِ، وَرَغَّبَهُ فِيهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي كُنْتُ عَلَى دِينٍ وَإِنِّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِكَ أَفَتَضْمَنُ لِي دِينِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَعَمْ، أَنَا ضَامِنٌ أَنْ قَدْ هَدَاكَ اللَّهُ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ " قَالَ: فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الْحُمْلَانَ فَقَالَ: " وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ".
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلَادِنَا ضوالاً مِنْ ضَوَالِّ النَّاس: أَفَنَتَبَلَّغُ عَلَيْهَا إِلَى بِلَادِنَا، قال: لا إياك وإياها، فإنما تملك حَرْقُ النَّار.
قَالَ فَخَرَجَ الْجَارُودُ رَاجِعًا إِلَى قَوْمِهِ، وَكَانَ حَسَنَ الْإِسْلَامِ صُلْبًا عَلَى دِينِهِ حتَّى هَلَكَ، وَقَدْ أَدْرَكَ الردَّة، فلمَّا رَجَعَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إِلَى دِينِهِمُ الْأَوَّلِ مَعَ الْغَرُورِ (2) بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَامَ الْجَارُودُ فتشهَّد شَهَادَةَ الْحَقِّ وَدَعَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وأكفِّر
مَنْ لَمْ يَشْهَدْ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ، فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ردَّة أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْعَلَاءُ عِنْدَهُ أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَلَى الْبَحْرَيْنِ (3) .
وَلِهَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ: مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ (4) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: أول جُمُعَةٍ جمِّعت فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بجوَّانا (5) مِنَ الْبَحْرَيْنِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخَّر الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ بِسَبَبِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ حتَّى صَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ فِي بَيْتِهَا (6) .
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 327، ورواه أبو يعلى والطبراني بسند جيد.
(2) الغرور: واسمه المنذر، قال السهيلي: سمي الغرور لانه غر قومه يوم حرب الردة.
(3) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 221 - 222.
(4) في نسخ البداية المطبوعة: أبي حمزة تحريف.
(5) من البخاري، وفي الاصل حواثي بالجاء، تحريف.
انظر الخبر في المغازي الحديث (4371) .
(6) أخرجه البخاري في المغازي (69) باب الحديث (4370) .
قال الحافظ ابن حجر: والذي يتبين لنا أنه كان لعبد القيس وفادتان: إحداهما قبل الفتح، ولهذا قالوا للنبي صلى الله عليه وآله: " بينا وبينك كفار مضر " وكان ذلك قديما إما في سنة خمس أو قبلها.
وكان عدد الوفد الاول ثلاثة عشر رجلاً، وفيها سألوا عن الايمان وعن الاشربة، وكان فيهم الاشج،،، ثانيتهما كانت في سنة الوفود - سنة تسع - وكان عددهم حينئذ أربعين رجلا، وكان فيهم الجارود العبدي.
قال: ويؤيد التعدد ما أخرجه ابن حبان ... أن النبي صلى الله عليه وآله قال لهم: ما لي أرى ألوانكم قد تغيرت.
(*)
(5/58)

قُلْتُ: لَكِنْ فِي سِيَاقِ ابْنِ عبَّاس مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُدُومَ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ لِقَوْلِهِمْ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ مُضر لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قِصَّةُ ثُمَامَةَ وَوَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَمَعَهُمْ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَقِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ،
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حدَّثني سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بُعِثَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم خَيْلًا قَبْلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ "؟ قَالَ عِنْدِي خَيْرٌ، يَا مُحَمَّدُ إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ.
وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ.
فَتَرَكَهُ حتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ) ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ: " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ "؟ فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ.
فَقَالَ: " أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ " فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ.
فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ دِينٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ من دينك فأصبح دينك بأحب الدِّينِ إليَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إليَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وإنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدَ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قدم مكة قال له قائل أصبوت؟ قَالَ: لَا! وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلم ولا والله لا تأتيكم مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ بِهِ.
وَفِي ذِكْرِ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي الْوُفُودِ نَظَرٌ وَذَلِكَ أنَّ ثُمَامَةَ لَمْ يَفِدْ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أُسِرَ وَقُدِمَ بِهِ فِي الْوَثَاقِ فَرُبِطَ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ فِي ذِكْرِهِ مَعَ الْوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ نَظَرٌ آخَرُ.
وَذَلِكَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ سِيَاقِ قِصَّتِهِ أَنَّهَا قُبَيْلُ الْفَتْحِ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ عيَّروه بِالْإِسْلَامِ وَقَالُوا أَصَبَوْتَ فَتَوَعَّدَهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَفِدُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ مِيرَةً حتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فدلَّ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ دَارَ حَرْبٍ، لَمْ يُسْلِمْ أَهْلُهَا بَعْدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلِهَذَا ذَكَرَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ قِصَّةَ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ أَشْبَهُ وَلَكِنْ ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا اتِّبَاعًا لِلْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، ثنا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، ثنا نَافِعُ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ (2) عَلَى عَهْدِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَجَعَلَ القول: إن جعل لي محمد
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (70) باب الحديث (4372) .
(2) مُسَيْلِمَةُ بْنُ ثُمَامَةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ حَبِيبِ بن الحرث من بني حنيفة، قال ابن إسحاق: ادعى النبوة ستة عشر، كنيته أبو ثمامة.
وقيل إن مسيلمة لقب واسمه ثمامة.
قال ابن حجر: إن كان هذا محفوظا فيكون ممن توافقت كنيته واسمه.
(*)
(5/59)

الأمر من بعده اتبعته، وقدم فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قِطْعَةُ جَرِيدٍ حتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ.
فقال له: " لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتها، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ ليقرنك الله، وإني لأراك الذي رأيت فِيهِ مَا أُرِيتُ، وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي " ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكَ الذي رأيت فِيهِ مَا أُرِيتُ، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إليَّ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فأوَّلتهما كَذَّابَيْنِ يخرجان بعدي: أحدهما الأسود الْعَنْسِيُّ (1) وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ " (2) .
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ (3) ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ (4) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي كَفِّي سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَبُرَا عَلَيَّ فَأُوحِيَ إليَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا فأوَّلتهما الكذَّابين اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا، صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ " (5) .
ثمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ (6) نَشِيطٍ - وَكَانَ فِي مَوْضِعٍ آخر اسمع عَبْدُ اللَّهِ - أَنَّ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ.
قَالَ: بَلَغَنَا أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكذَّاب قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ وَكَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ كُرَيْزٍ وهي أم عبد الله بن الحارث (7) بْنِ كُرَيْزٍ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ خَطِيبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَضِيبٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فكلَّمه فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ إِنْ شِئْتَ خَلَّيْتُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْأَمْرِ، ثمَّ جَعَلْتَهُ لَنَا بَعْدِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْقَضِيبَ مَا أعطيتكه وإني لأراك الذي رأيت فيه ما رأيت (8) ، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك
__________
(1) الأسود العنسيّ واسمه عبهلة بن كعب كان يقال له: ذو الخمار.
وهو من بني عنس.
خرج بصنعاء وادعى النبوة وغلب على عامل صنعاء المهاجر بن أبي أمية.
(2) أخرجه البخاري في المغازي (70) باب، الحديث (4373) ، وفي كتاب المناقب (25) باب.
وأخرجه مسلم في كتاب الرؤيا (4) باب الحديث (21) .
(3) من البخاري، وفي الاصل منصور تحريف.
(4) من البخاري، وفي الاصل هشام بن أمية تحريف.
(5) فتح الباري 8 / 73 الحديث رقم 4375.
(6) في نسخ البداية المطبوعة: عن نشيط، وهو تحريف.
(7) في البخاري: أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ.
قال ابن حجر: الصواب أم أولاد عبد الله بن عامر لانها زوجته لا أمه، واسم أمه ليلى بنت أبي حثمة العدوية.
قال ابن سعد: نزلوا في دار رملة بنت الحارث، وكان منزلها معدا للوفود، وهو أكثر احتمالا لان بنت الحارث زوجة مسيلمة لم تكن إذ ذاك بالمدينة وإنما كانت باليمامة ولما قتل مسيلمة تزوجها ابن عمِّها عبد الله بن عامر.
(8) في البخاري: وَإِنِّي لَأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيتُ.
(*)
(5/60)

عَنِّي " فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ [عبيد الله بن] (1) عبد اللَّهِ سَأَلْتُ ابْنَ عبَّاس عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الَّذِي ذَكَرَ فَقَالَ ابْنُ عبَّاس: ذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنَّهُ وُضِعَ فِي يدي سواران من ذهب فقطعتهما (2) وَكَرِهْتُهُمَا فَأُذِنَ لِي فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فأوَّلتهما كَذَّابَيْنِ يخرجان " فقال عبيد الله: [أحمدهما الْعَنْسِيُّ الَّذِي قَتَلَهُ] (3) فَيْرُوزُ بِالْيَمَنِ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ (4) .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن ثمامة بن كثير بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بن هماز بن ذهل بن الزوال بْنِ حَنِيفَةَ وَيُكَنَّى أَبَا ثُمَامَةَ وَقِيلَ أَبَا هارون وكان قد تسمى بالرحمان فكان يقال له رحمان الْيَمَامَةِ وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ قُتِلَ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَعْرِفُ أَبْوَابًا مِنْ النِّيرَجَاتِ فَكَانَ يُدْخِلُ الْبَيْضَةَ إِلَى الْقَارُورَةِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَكَانَ
يَقُصُّ جَنَاحَ الطَّيْرِ ثمَّ يَصِلُهُ ويدَّعي أَنَّ ظَبْيَةً تَأْتِيهِ مِنَ الْجَبَلِ فيحلب منها.
قُلْتُ: وَسَنَذْكُرُ أَشْيَاءَ مِنْ خَبَرِهِ عِنْدَ ذِكْرِ مَقْتَلِهِ لَعَنَهُ اللَّهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فحدَّثني بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أنَّ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَتْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْتُرُهُ بِالثِّيَابِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ مَعَهُ عَسِيبٌ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ فِي رَأْسِهِ خُوصَاتٌ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَهُمْ يَسْتُرُونَهُ بِالثِّيَابِ كَلَّمَهُ وَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْعَسِيبَ مَا أَعْطَيْتُكَهُ " قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ أنَّ حَدِيثَهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا.
وَزَعَمَ أنَّ وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وخلفوا مُسَيْلِمَةَ فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا ذَكَرُوا مَكَانَهُ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ خَلَّفْنَا صَاحِبًا لَنَا فِي رِحَالِنَا وَفِي رَكَائِبِنَا يَحْفَظُهَا لَنَا، قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ للقوم، وقال " أما أنه؟ يس بِشَرِّكُمْ مَكَانًا " أَيْ لِحِفْظِهِ ضَيْعَةَ أَصْحَابِهِ، ذَلِكَ الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ثمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجاؤوا مُسَيْلِمَةَ بِمَا أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْيَمَامَةِ ارتدَّ عَدُوُّ اللَّهِ وتنبَّأ وَتَكَذَّبَ لَهُمْ.
وَقَالَ: إِنِّي أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، وَقَالَ لِوَفْدِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ: أَلَمْ يَقُلْ لَكُمْ حِينَ ذَكَرْتُمُونِي لَهُ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا، مَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا كَانَ يَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، ثمَّ جَعَلَ يَسْجَعُ لَهُمُ السَّجَعَاتِ، وَيَقُولُ لَهُمْ فِيمَا يَقُولُ مُضَاهَاةً لِلْقُرْآنِ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بَيْنِ صِفَاقٍ وَحَشَا.
وَأَحَلَّ لَهُمُ الْخَمْرَ وَالزِّنَا، وَوَضَعَ عَنْهُمُ الصَّلَاةَ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَشْهَدُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِأَنَّهُ نَبِيٌّ.
فَأَصْفَقَتْ (5) مَعَهُ بنو حنيفة على ذلك.
__________
(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة.
(2) في الاصل ففظعتهما، والصواب من البخاري.
(3) ما بين معكوفين من البخاري.
(4) أخرجه البخاري في المغازي (71) باب الحديث (4378) .
(5) أصفقت معه: أجمعوا عليه وتابعوه.
(*)
(5/61)

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كان (1) .
وذكر السهيلي وغيره أن الرحال بن عنفوة - واسمه نهار بن عنفوة - وكان قَدْ أَسْلَمَ وَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَصَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مدة، وَقَدْ مرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفُرَاتِ بِنْ حَيَّانَ فَقَالَ لَهُمْ: " أَحَدُكُمْ ضِرْسُهُ فِي النَّار مِثْلُ أُحد " فَلَمْ يَزَالَا خَائِفَيْنِ حتَّى ارتد الرحال مَعَ مُسَيْلِمَةَ وَشَهِدَ لَهُ زُورًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَكَهُ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، وَأَلْقَى إِلَيْهِ شَيْئًا ممَّا كَانَ يَحْفَظُهُ مِنَ الْقُرْآنِ فادَّعاه مُسَيْلِمَةُ لِنَفْسِهِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ لِبَنِي حَنِيفَةَ وَقَدْ قَتَلَهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَكَانَ مُؤَذِّنُ مُسَيْلِمَةَ يُقَالُ لَهُ حُجَيْرٌ، وَكَانَ مُدَبِّرُ الْحَرْبِ بَيْنَ يَدَيْهِ مُحَكَّمَ بْنَ الطُّفَيْلِ، وَأُضِيفَ إِلَيْهِمْ سَجَاحٌ وَكَانَتْ تُكَنَّى أُمَّ صَادِرٍ تزوَّجها مُسَيْلِمَةُ وَلَهُ مَعَهَا أَخْبَارٌ فَاحِشَةٌ، وَاسْمُ مُؤَذِّنِهَا زُهَيْرُ بْنُ عَمْرٍو وَقِيلَ جَنَبَةُ بْنُ طَارِقٍ، وَيُقَالُ إِنَّ شِبْثَ بْنَ رِبْعِيٍّ أذَّن لَهَا أَيْضًا ثمَّ أَسْلَمَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ هِيَ أَيْضًا أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَحَسُنَ إِسْلَامُهَا، وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى محمَّد رَسُولِ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَكَ، فَإِنَّ لَنَا نِصْفَ الْأَمْرِ، وَلِقُرَيْشٍ نِصْفُ الْأَمْرِ، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ (2) .
فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولَانِ بِهَذَا الْكِتَابِ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الكذَّاب، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبع الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْأَرْضَ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
قَالَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ - يَعْنِي وُرُودَ هَذَا الْكِتَابِ - قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَحَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَاءَهُ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ بِكِتَابِهِ يَقُولُ لَهُمَا: " وَأَنْتُمَا تَقُولَانِ مِثْلَ مَا يَقُولُ؟ " قَالَا: نَعَمْ! فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكَمَا (3) .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيالسيّ: حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
قَالَ: جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ رَسُولَيْنِ لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ لَهُمَا: " أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ " فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ
فَمَضَتِ السُّنة بِأَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأَمَّا ابْنُ أُثَالٍ فَقَدْ كَفَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا ابْنُ النَّوَّاحَةِ فَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي مِنْهُ حتَّى أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ أَمَّا أُسَامَةُ (4) بْنُ أُثَالٍ فَإِنَّهُ أَسْلَمَ وَقَدْ مَضَى الْحَدِيثُ فِي إِسْلَامِهِ.
وأما ابن النواحة [فإن ابن مسعود قتله بالكوفة حين أمكن الله منه] (5)
__________
(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 222 - 223.
(2) في نسخ البداية المطبوعة: لا يعتدون وهو تحريف.
(3) نص الكتابين في سيرة ابن هشام ج 4 / 247.
(4) في الدلائل، ثمامة.
(5) ما بين معكوفين سقط من الاصل واستدرك من دلائل البيهقي ج 5 / 332.
والخبر أخرجه النسائي عن = (*)
(5/62)

فَأَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي (1) أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنِّي مَرَرْتُ بِبَعْضِ مَسَاجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَهُمْ يقرأون قِرَاءَةً مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى محمَّد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: وَالطَّاحِنَاتِ طَحْنًا، وَالْعَاجِنَاتِ عَجْنًا، وَالْخَابِزَاتِ خَبْزًا، والثَّاردات ثَرْدًا، وَاللَّاقِمَاتِ لَقْمًا.
قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ فَأُتِيَ بِهِمْ وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا وَرَأْسُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النَّوَّاحَةِ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ قَالَ: مَا كُنَّا بِمُحْرِزِينَ الشَّيْطَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ ولكن نَحُوزُهُمْ إِلَى الشَّامِ لعلَّ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَنَاهُمْ (2) .
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ كَانَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا عَلَيْهِمْ سَلْمَى بْنُ حَنْظَلَةَ وَفِيهِمْ الرحال بن عُنْفُوَةَ وَطَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلِيُّ بْنُ سِنَانٍ، وَمُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الكذَّاب، فَأُنْزِلُوا فِي دَارِ مسلمة بنت الحارث وأجريت على الضِّيَافَةُ فَكَانُوا يُؤْتَوْنَ بِغَدَاءٍ وَعَشَاءٍ مَرَّةً خُبْزًا وَلَحْمًا، وَمَرَّةً خُبْزًا وَلَبَنًا، وَمَرَّةً خُبْزًا، وَمَرَّةً خبزاً وسمناً، ومرة تمراً ينزلهم.
فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَسْجِدَ أَسْلَمُوا وَقَدْ خَلَّفُوا مُسَيْلِمَةَ في رحالهم، لما أَرَادُوا الِانْصِرَافَ أَعْطَاهُمْ جَوَائِزَهُمْ خَمْسَ أَوَاقٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَأَمَرَ لِمُسَيْلِمَةَ بِمِثْلِ مَا أَعْطَاهُمْ، لِمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ فِي رِحَالِهِمْ فَقَالَ " أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا " فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَيْهِ أَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لأنه عرف الْأَمْرَ
لِي مِنْ بَعْدِهِ، وَبِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَشَبَّثَ قبَّحه اللَّهُ حتَّى ادَّعى النُّبُوَّةَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بعث معهم بأداوة فِيهَا فَضْلُ طَهُورِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنَّ يَهْدِمُوا بَيْعَتَهُمْ وينضحوا هذا الماء مكانه وَيَتَّخِذُوهُ مَسْجِدًا فَفَعَلُوا (3) .
وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَقْتَلِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ فِي آخِرِ حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَمَقْتَلِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ بَنِي حَنِيفَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفْدُ أَهْلِ نَجْرَانَ (4) قَالَ الْبُخَارِيُّ: حدَّثنا عبَّاس بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ.
قَالَ: جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّاهُ لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، قَالَا: إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا، وَابْعَثْ مَعَنَا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا إلا رجلاً أَمِينًا، فَقَالَ: " لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حقَّ أَمِينٍ " فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ قم يا أبا عبيدة الْجَرَّاحِ، فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: " هذا أمين هذه
__________
= عبد الرحمن، عن سفيان، وأشار إليه المزي في تحفة الاشراف (7 / 48) .
(1) من البيهقي، وفي الاصل المزني.
(2) دلائل البيهقي ج 5 / 333.
(3) الخبر نقله ابن سعد عن الواقدي في الطبقات ج 1 / 316 - 317.
(4) نجران: بفتح النون وسكون الجيم: بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن يشتمل على ثلاث وسبعين قرية.
(*)
(5/63)

الْأُمَّةِ " (1) وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِهِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ سَلَمَةَ بْنِ عبد يشوع (2) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - قَالَ يُونُسُ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى [أَهْلِ] نَجْرَانَ قَبْلَ أَنْ
يَنْزِلَ عَلَيْهِ طس سُلَيْمَانَ (3) ، بِاسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبيّ رَسُولِ الله إلى أسقف نجران [وأهل نجران] (4) أسلم أنتم فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمْ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ، وَأَدْعُوكُمْ إِلَى وِلَايَةِ اللَّهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعِبَادِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ آذَنْتُكُمْ بِحَرْبٍ وَالسَّلَامُ.
فَلَمَّا أَتَى الْأُسْقُفَّ الْكِتَابُ فَقَرَأَهُ فُظِعَ بِهِ وَذُعِرَ بِهِ ذُعْرًا شَدِيدًا، وَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ وَدَاعَةَ - وَكَانَ مِنْ [أَهْلِ] هَمْدَانَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُدْعَى إِذَا نزلت معضلة قبله، لا الأتهم (5) ، وَلَا السَّيِّدُ وَلَا الْعَاقِبُ - فَدَفَعَ الْأُسْقُفُّ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شُرَحْبِيلَ فَقَرَأَهُ، فَقَالَ الْأُسْقُفُّ: يَا أَبَا مَرْيَمَ مَا رَأْيُكَ؟ فَقَالَ شُرَحْبِيلُ: قَدْ عَلِمْتَ مَا وَعَدَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ مِنَ النبوة فما تؤمن أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ ذَاكَ الرَّجُلَ، لَيْسَ لِي فِي النُّبُوَّةِ رَأْيٌ، وَلَوْ كَانَ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا لَأَشَرْتُ عَلَيْكَ فِيهِ بِرَأْيٍ، وَجَهِدْتُ لَكَ، فَقَالَ لَهُ الْأُسْقُفُّ تَنَحَّ فَاجْلِسْ، فتنحى شرحبيل فجلس ناحيته.
فَبَعَثَ الْأُسْقُفُّ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَحْبِيلَ، وَهُوَ مِنْ ذِي أَصْبَحَ مِنْ حِمْيَرٍ، فَأَقْرَأهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ، فَقَالَ لَهُ الْأُسْقُفُّ: تَنَحَّ فَاجْلِسْ فَتَنَحَّى فجلس ناحيته، وبعث الْأُسْقُفُّ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ له: جبار بن بْنُ فَيْضٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ أَحَدِ بَنِي الْحِمَاسِ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحيته.
فَلَمَّا اجْتَمَعَ الرَّأْيُ مِنْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ جَمِيعًا، أَمَرَ الْأُسْقُفُّ بِالنَّاقُوسِ فَضُرِبَ بِهِ، وَرُفِعَتِ النيران والمسوح فِي الصَّوَامِعِ، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا فَزِعُوا بِالنَّهَارِ، وَإِذَا كَانَ فَزَعُهُمْ لَيْلًا ضَرَبُوا بِالنَّاقُوسِ وَرُفِعَتِ النِّيرَانُ فِي الصَّوَامِعِ، فَاجْتَمَعَ حِينَ ضُرِبَ بِالنَّاقُوسِ، وَرُفِعَتِ الْمُسُوحُ أَهْلُ الْوَادِي أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ، وَطُولُ الْوَادِي مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلرَّاكِبِ السَّرِيعِ وَفِيهِ ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (72) باب (4380) و (4381) .
(2) في المطبوعة: بن يسوع تحريف.
(3) الآية الاولى من سورة النمل، وقد عقب ابن القيم في زاد المعاد فقال: " وقد وقع في هذه الرواية هذا، وقال:
قبل أن ينزل عليه (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين) وذلك غلط على غلط، فإن هذه السورة مكية باتفاق، وكتابه إلى نجران بعد مرجعه من تبوك.
".
(4) ما بين معكوفين من الدلائل.
والعبارة في الدلائل: إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله ... (وهو المناسب) .
(5) الاتهم كذا في الاصل، وفي ابن هشام الابهم، وفي الدلائل: الايهم.
(*)
(5/64)

مُقَاتِلٍ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَسَأَلَهُمْ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَهْلِ الرَّأْيِ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ بْنَ وَدَاعَةَ الْهَمْدَانِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ الْأَصْبَحِيَّ وَجَبَّارَ بْنَ فَيْضٍ الْحَارِثِيَّ فَيَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، قَالَ: فَانْطَلَقَ الْوَفْدُ حتَّى إِذَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَضَعُوا ثِيَابَ السَّفَرِ عَنْهُمْ وَلَبِسُوا حُلَلًا لَهُمْ يَجُرُّونَهَا مِنْ حِبَرَةٍ، وَخَوَاتِيمَ الذَّهَبِ، ثُمَّ انْطَلَقُوا حتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فسلموا عليه، فلم يرد عليهم السلام، وتصدُّوا لكلامه نهار طَوِيلًا فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ وَعَلَيْهِمْ تِلْكَ الْحُلَلُ وَالْخَوَاتِيمُ الذَّهَبُ، فَانْطَلَقُوا يَتَّبَّعُونَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَكَانُوا يَعْرِفُونَهُمَا (1) فَوَجَدُوهُمَا فِي نَاسٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي مَجْلِسٍ.
فَقَالُوا: يَا عُثْمَانُ وَيَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! إنَّ نَبِيَّكُمْ كَتَبَ إِلَيْنَا بِكِتَابٍ فَأَقْبَلْنَا مُجِيبِينَ لَهُ، فَأَتَيْنَاهُ فسلَّمنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ سَلَامَنَا، وَتَصَدَّيْنَا لِكَلَامِهِ نهار طَوِيلًا فَأَعْيَانَا أَنْ يُكَلِّمَنَا فَمَا الرَّأْيُ مِنْكَمَا، أَتَرَوْنَ أَنْ نَرْجِعَ؟ فَقَالَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ فِي الْقَوْمِ مَا تَرَى يَا أَبَا الْحَسَنِ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ لعثمان ولعبد الرحمن أَرَى أَنْ يَضَعُوا حُلَلَهُمْ هَذِهِ وَخَوَاتِيمَهُمْ وَيَلْبَسُوا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ ثُمَّ يَعُودُوا إِلَيْهِ، فَفَعَلُوا فسلَّموا فردَّ سَلَامَهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: " وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَقَدْ أَتَوْنِي الْمَرَّةَ الْأُولَى وَإِنَّ إِبْلِيسَ لَمَعَهُمْ، ثم ساءلهم وسائلوه فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وَبِهِمُ الْمَسْأَلَةُ حتَّى قَالُوا: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ فَإِنَّا نَرْجِعُ إِلَى قومنا ونحن نصارى ليسرنا إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا أَنْ نَسْمَعَ مَا تَقُولُ فِيهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا عندي فيه شئ يَوْمِي هَذَا، فَأَقِيمُوا حتَّى أُخْبِرَكُمْ بِمَا يَقُولُ اللَّهُ فِي عِيسَى " فَأَصْبَحَ الْغَدُ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ * (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا
وَنِسَاءكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) * [آلِ عِمْرَانَ: 59 - 61] فَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ أَقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فِي خَمِيلٍ لَهُ وَفَاطِمَةُ تمشي عند ظهره للملاعنة وله يؤمئذ عِدَّةُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ لِصَاحِبَيْهِ: قَدْ عَلِمْتُمَا أَنَّ الْوَادِيَ إِذَا اجْتَمَعَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ لَمْ يَرِدُوا وَلَمْ يَصْدُرُوا إِلَّا عَنْ رَأْيِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ أَرَى أَمْرًا ثَقِيلًا، وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مَلِكَا مُتَقَوِّيًا فَكُنَّا أَوَّلَ الْعَرَبِ طعن في عيبته وَرَدَّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ لَا يَذْهَبُ لَنَا مِنْ صَدْرِهِ وَلَا مِنْ صُدُورِ أَصْحَابِهِ حتَّى يُصِيبُونَا بِجَائِحَةٍ وَإِنَّا أَدْنَى الْعَرَبِ مِنْهُمْ جِوَارًا، وَلَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَلَاعَنَّاهُ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَّا شَعْرٌ وَلَا ظُفْرٌ إِلَّا هَلَكَ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبَاهُ: فَمَا الرَّأْيُ يَا أَبَا مَرْيَمَ؟ فَقَالَ رَأْيِي أَنَّ أحكِّمه فَإِنِّي أَرَى رَجُلًا لَا يَحْكُمُ شَطَطًا أَبَدًا، فَقَالَا لَهُ أَنْتَ وَذَاكَ، قَالَ: فَتَلَقَّى شُرَحْبِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ خَيْرًا مِنْ مُلَاعَنَتِكَ، فَقَالَ " وَمَا هُوَ "؟ فَقَالَ حُكْمُكَ الْيَوْمَ إِلَى الليل وليلتك إلى الصباح، فما حكمك فِينَا فَهُوَ جَائِزٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم " لَعَلَّ وَرَاءَكَ أَحَدٌ يُثَرِّبُ عليك؟ " فقال
__________
(1) العبارة في الدلائل: وكانا معرفة لهم، كانا يجدعان العتائر إلى نجران في الجاهلية فيشتروا لهما من بزها وثمرها وذرتها.. (*)
(5/65)

شرحبيل: سل صاحبي، فقالا: ما ترد الْوَادِيَ وَلَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِ شُرَحْبِيلَ، [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: كَافِرٌ أَوْ قَالَ: جَاحِدٌ مُوَفَّقٌ] (1) فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُلَاعِنْهُمْ حتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَتَوْهُ فَكَتَبَ لَهُمْ هَذَا الْكِتَابَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا ما كتب محمد النَّبيّ الأمي رسول الله لِنَجْرَانَ أَنْ كَانَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ فِي كُلِّ ثمرة وكل صفراء وبيضاء [وسوداء] وَرَقِيقٍ، فَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ، وَتَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى ألفي حلة [من حلل الأواقي] ، فِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وَفِي كُلِّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وَذَكَرَ تَمَامَ الشُّرُوطِ (2) .
إِلَى أن شَهِدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْلَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ مِنْ بَنِي نَصْرٍ والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة (3) ، وَكَتَبَ حتَّى إِذَا قَبَضُوا كِتَابَهُمُ انْصَرَفُوا إِلَى نَجْرَانَ وَمَعَ الْأُسْقُفِّ أَخٌ لَهُ مِنْ أُمِّهِ وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ مِنَ النَّسَبِ يُقَالُ لَهُ بِشْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ
وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَلْقَمَةَ، فَدَفَعَ الْوَفْدُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْأُسْقُفِّ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُهُ وَأَبُو عَلْقَمَةَ مَعَهُ وَهُمَا يَسِيرَانِ إِذْ كَبَتْ بِبِشْرٍ نَاقَتُهُ فَتَعِسَ بِشْرٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُكَنِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ الْأُسْقُفُّ عِنْدَ ذَلِكَ: قَدْ وَاللَّهِ تَعَّسْتَ نَبِيًّا مُرْسَلًا، فَقَالَ لَهُ بِشْرٌ: لَا جَرَمَ وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ عَنْهَا عَقْدًا حتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَضَرَبَ وَجْهَ نَاقَتِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ وَثَنَى الْأُسْقُفُّ ناقته عليه، فقال له: افهم عني إِنَّمَا قُلْتُ هَذَا لِيَبْلُغَ عَنِّي الْعَرَبَ مَخَافَةَ أَنْ يَرَوْا أَنَّا أَخَذْنَا حَقَّهُ أَوْ رَضِينَا بصوته أو نجعنا (4) لهذا الرجل بما لم تنجع به العرب نحن أَعَزُّهُمْ وَأَجْمَعُهُمْ دَارًا، فَقَالَ لَهُ بِشْرٌ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْبَلُ مَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِكَ أبداً، فضرب بشر ناقته وهو مولي الأسقف ظهره وارتجز يقول:
__________
(1) من دلائل البيهقي.
(2) تمام الكتاب في الدلائل: ... ومع كل حلة أوقية من الفضة فما زادت على الخراج أو نقصت عن الاواقي فبالحساب، وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عروض أخذ منهم بالحساب، وعلى نجران مؤنة رسلي، ومتعتهم ما بين عشرين يوما فدونه، ولا تحبس رسلي فوق شهر، وعليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا إذا كان كيد ومعرة، وما هلك مما أعاروا رسلي من دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمان على رسلي حتى يؤدوه إليهم، ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم؟ ؟ ضيهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وان لا يغيروا مما كانوا عليه ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغيروا أسقف عن اسقفيته ولا راهب من رهبانيته، ولا واقها من وقيهاه، وكلما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم دنية ولا دم جاهلية ولا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل فيهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين بنجران، ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منة بريئة، ولا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله عز وجل وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله أبدا حتى يأتي الله بأمره، ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم.
راجع نصه في طبقات ابن سعد 1 / 358 فتوح البلدان (76) أبو عبيد في الاموال ص 187 جمهرة رسائل العرب ج 1 / 76 الخراج لابي يوسف 72 وتاريخ اليعقوبي ج 2 / 67.
(3) قال أبو يوسف في الخراج: كتب لهم هذا الكتاب عبد الله بن أبي بكر، وفي اليعقوبي: كتبه على ابن أبي طالب
وفي الاموال لابي عبيد: شهد عليه عثمان بن عفان وثقيقيب.
(4) في الدلائل: فبخعنا في الموضعين.
(*)
(5/66)

إليك تغدوا وضينُها * مُعترضاً فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا مُخَالِفًا دينَ النَّصَارَى دينُها حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَأَسْلَمَ وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حتَّى قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ وَدَخَلَ الْوَفْدُ نجران فأتى الراهب بْنَ أَبِي شِمْرٍ الزُّبَيْدِيَّ، وَهُوَ فِي رَأْسِ صَوْمَعَتِهِ فَقَالَ لَهُ: إنَّ نَبِيًّا بُعِثَ بِتِهَامَةَ فذكر مَا كَانَ مِنْ وَفْدِ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِمُ الْمُلَاعَنَةَ فَأَبَوْا وَأَنَّ بِشْرَ بْنَ مُعَاوِيَةَ دَفَعَ إِلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَقَالَ الرَّاهِبُ أَنْزِلُونِي وَإِلَّا أَلْقَيْتُ نَفْسِي مِنْ هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ قَالَ: فَأَنْزَلُوهُ فَأَخَذَ مَعَهُ هَدِيَّةً وَذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِنْهَا هَذَا الْبَرْدُ الَّذِي يَلْبَسُهُ الْخُلَفَاءُ وَقَعْبٌ وَعَصَا.
فَأَقَامَ مُدَّةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ الْوَحْيَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ الْإِسْلَامُ وَوَعَدَ أَنَّهُ سَيَعُودُ فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ حتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ الْأُسْقُفَّ أَبَا الْحَارِثِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ وَوُجُوهُ قَوْمِهِ فَأَقَامُوا عِنْدَهُ يَسْمَعُونَ مَا يُنَزِّلُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَكَتَبَ لِلْأُسْقُفِّ هَذَا الْكِتَابَ وَلِأَسَاقِفَةِ نَجْرَانَ بَعْدَهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم من محمد النَّبيّ للأسقف أبي الحارث وأساقفة نَجْرَانَ وَكَهَنَتِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ من قليل وكثير جِوَارُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُغَيَّرُ أُسْقُفٌّ مِنْ أُسْقُفَّتِهِ وَلَا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، وَلَا كَاهِنٌ مِنْ كَهَانَتِهِ، وَلَا يُغَيَّرُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ، ولا سلطانهم ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبداً ما أصلحوا ونصحوا عليهم غير مبتلين بِظُلْمٍ وَلَا ظَالِمِينَ وَكَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ (1) .
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ كَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا يَرْجِعُ أَمْرُهُمْ إِلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ: وَهُمْ الْعَاقِبُ وَاسْمُهُ عَبْدُ المسيح والسيد وهو الأتهم وأبو حارثة بن علقمة وأوس بن الحارث وَزَيْدٌ وَقَيْسٌ وَيَزِيدُ وَنُبَيْهٌ وَخُوَيْلِدٌ وَعَمْرٌو وَخَالِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ وَيُحَنَّسُ وَأَمْرُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ يؤل إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ وَهُمْ الْعَاقِبُ وَكَانَ أَمِيرَ الْقَوْمِ وَذَا رَأْيهِمْ وَصَاحِبَ مَشُورَتِهِمْ وَالَّذِي لَا يَصْدُرُونَ
إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ وَالسَّيِّدُ وَكَانَ ثِمَالَهُمْ وَصَاحِبَ رَحْلِهِمْ وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ وَكَانَ أسقفهم وخيرهم وكان رجل مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَلَكِنْ دَخَلَ فِي دِينِ النَّصرانية فعظَّمته الرُّوم وَشَرَّفُوهُ وبنوا له الكنائس ومولوه وخدموه لِمَا يَعْرِفُونَ مِنْ صَلَابَتِهِ فِي دِينِهِمْ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَعْرِفُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ صَدَّهُ الشَّرَفُ وَالْجَاهُ من اتِّبَاعِ الْحَقِّ.
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ كُرْزِ بْنِ عَلْقَمَةَ.
قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ سِتُّونَ رَاكِبًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَالْأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أَمْرُهُمْ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ وَأَبُو حَارِثَةَ أَحَدُ بَنِي بكر بن وائل أسقفهم وصاحب مدارستهم وكانوا قد شرَّفوه فيهم وموَّلوه وأكرموه، وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ لِمَا بَلَغَهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ، فَلَمَّا تَوَجَّهُوا مِنْ نَجْرَانَ جَلَسَ أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ يقال له كرز بن
__________
(1) الخبر مطولا في دلائل النبوة للبيهقي - باب وفد نجران وشهادة الاساقفة لنبيِّنا صلَّى الله عليه وآله ج 5 / 382 وما بعدها.
(*)
(5/67)

عَلْقَمَةَ يُسَايِرُهُ إِذْ عَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ فَقَالَ كُرْزٌ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ - يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم -.
فَقَالَ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ فَقَالَ لَهُ كُرْزٌ وَلِمَ يَا أَخِي فَقَالَ وَاللَّهِ إنَّه لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ فَقَالَ لَهُ كُرْزٌ وما يمنعك وأنت تعلم هذا.
فقال له: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ شرَّفونا وموَّلونا وَأَخْدَمُونا وَقَدْ أَبَوْا إِلَّا خِلَافَهُ، وَلَوْ فَعَلْتُ نَزَعُوا مِنَّا كُلَّ مَا تَرَى قَالَ فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كُرْزٌ حتَّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ دَخَلُوا فِي تَجَمُّلٍ وَثِيَابٍ حِسَانٍ وَقَدْ حَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَقَامُوا يُصَلُّونَ إِلَى الْمَشْرِقِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم دَعُوهُمْ فَكَانَ الْمُتَكَلِّمُ لَهُمْ أَبَا حَارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ وَالسَّيِّدَ وَالْعَاقِبَ حتَّى نَزَلَ فِيهِمْ صدر من سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَالْمُبَاهَلَةُ فَأَبَوْا ذَلِكَ وَسَأَلُوا أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمْ أَمِينًا فَبَعَثَ مَعَهُمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ وَقِصَّةُ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بن مقيس قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن
مقيس بن جزء بن جعفر (1) بن خالد وَجَبَّارُ (2) بْنُ سُلْمَى بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ رُؤَسَاءَ الْقَوْمِ وَشَيَاطِينَهُمْ.
وَقَدِمَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ عَدُوُّ اللَّهُ، عليَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ: يَا أبا عَامِرُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا فَأَسْلِمْ.
قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ آلَيْتُ أَلَّا أَنْتَهِيَ حتَّى تتبع العرب عقبي، فأنا أَتْبَعُ عَقِبَ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ؟ ثمَّ قَالَ لِأَرْبَدَ: إِنْ قَدِمْنَا عَلَى الرَّجُلِ فَإِنِّي سَأَشْغَلُ عَنْكَ وَجْهَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَاعْلُهُ بِالسَّيْفِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم.
قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: يَا مُحَمَّدُ خَالِنِي قَالَ: " لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ " قَالَ: يَا مُحَمَّدُ خَالِنِي، قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ وَيَنْتَظِرُ مِنْ أَرْبَدَ مَا كَانَ أَمَرَهُ بِهِ، فَجَعَلَ أَرْبَدُ لَا يُحِيرُ شئيا، فَلَمَّا رَأَى عَامِرٌ مَا يَصْنَعُ أَرْبَدُ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ خَالِنِي، قَالَ " لَا حتَّى تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ " فَلَمَّا أَبَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ " فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ لِأَرْبَدَ: أَيْنَ مَا كُنْتُ أَمَرْتُكَ بِهِ؟ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَجُلٌ أَخْوَفَ عَلَى نَفْسِي مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَخَافُكَ بعد اليوم أبداً.
قال: لا أبالك لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ وَاللَّهِ مَا هَمَمْتُ بِالَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ إِلَّا دَخَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّجُلِ حتَّى مَا أَرَى غَيْرَكَ أَفَأَضْرِبُكَ بِالسَّيْفِ؟ وَخَرَجُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، حتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الطَّاعُونَ فِي عُنُقِهِ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا بَنِي عَامِرٍ أَغُدَّةً كَغُدَّةِ الْبِكْرِ في بيت امرأة من بني سلول؟
__________
(1) في ابن هشام: ابن خالد بن جعفر.
(2) في رواية البيهقي عن ابن إسحاق: حيان بن مسلم بن مالك.
(*)
(5/68)

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ أَغُدَّةً كَغُدَّةِ الْإِبِلِ وموت فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ (1) .
وَرَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ عبد العزيز بن مؤمل عن أبيها عن جدها مؤمل بْنِ جَمِيلٍ (2) قَالَ: أَتَى عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ " يَا عَامِرُ أَسْلِمْ " فَقَالَ: أُسْلِمُ عَلَى أَنَّ لِي الْوَبَرَ وَلَكَ الْمَدَرَ: قَالَ: " لَا " ثمَّ قَالَ: أَسْلِمْ، فَقَالَ: أُسْلِمُ عَلَى أَنَّ لِي الْوَبَرَ وَلَكَ الْمَدَرَ،
قَالَ: لَا فَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا جُرْدًا، وَرِجَالًا مُرْدًا، وَلَأَرْبِطَنَّ بِكُلِّ نَخْلَةٍ فَرَسًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرًا وَاهْدِ قَوْمَهُ.
فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ صَادَفَ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهَا: سَلُولِيَّةٌ فَنَزَلَ عَنْ فرسه، ونام في بيتها، فأخذته عدة فِي حَلْقِهِ، فَوَثَبَ عَلَى فَرَسِهِ وَأَخَذَ رُمْحَهُ، وَأَقْبَلَ يَجُولُ، وَهُوَ يَقُولُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبِكْرِ، وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ حَالُهُ حتَّى سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ مَيِّتًا (3) .
وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبِرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ في أسماء الصحابة موءلة هذا فقال هو موءلة بْنُ كُثَيْفٍ الضَّبَابِيُّ الْكِلَابِيُّ الْعَامِرِيُّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً فَأَسْلَمَ وَعَاشَ فِي الْإِسْلَامِ مِائَةَ سَنَةٍ وَكَانَ يُدْعَى ذَا اللِّسانين مِنْ فَصَاحَتِهِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَهُوَ الَّذِي رَوَى قِصَّةَ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ.
قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حدثتني ظميا بنت عبد العزيز بن موءلة بْنِ كُثَيْفِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ الضِّبَابُ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ قَالَتْ: حدثني أبي عن أبيه عن موءلة أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَمَسَحَ يَمِينَهُ وَسَاقَ إِبِلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَدَّقَهَا بِنْتَ لَبُونٍ ثُمَّ صَحِبَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَعَاشَ فِي الْإِسْلَامِ مِائَةَ سَنَةٍ وَكَانَ يُسَمَّى ذَا اللِّسانين مِنْ فَصَاحَتِهِ.
قلت والظاهر أن قصة عامر بن لطفيل مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْفَتْحِ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْبَيْهَقِيُّ قَدْ ذَكَرَاهَا بَعْدَ الْفَتْحِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: عَنِ الْحَاكِمِ عَنِ الْأَصَمِّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، ثنا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَقَتْلِ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ خَالَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَغَدْرِهِ بِأَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ حتَّى قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ سِوَى عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ يَحْيَى: فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَدْعُو عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ ثَلَاثِينَ صَبَاحًا: اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ بِمَا شِئْتَ، وَابْعَثْ عَلَيْهِ مَا يَقْتُلُهُ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الطَّاعُونَ.
وَرَوَى عَنْ هَمَّامٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ فِي قِصَّةِ ابن
__________
(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 213، ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 318.
(2) من الدلائل، وفي الاصل: عبد العزيز بن موءلة عن أبيها عن جدها موءلة، وفي القاموس: موءلة بن كثيف بن حمل، وفي الاصابة: ابن حميل.
(3) الخبر في دلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 320.
(*)
(5/69)

مِلْحَانَ قَالَ: وَكَانَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَدْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أُخَيِّرُكَ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ: يَكُونُ لَكَ أَهْلُ السَّهْلِ، وَيَكُونُ لِي أَهْلُ الْوَبَرِ، وَأَكُونُ خَلِيفَتَكَ مِنْ بَعْدِكَ، أَوْ أَغْزُوكَ بِغَطَفَانَ بِأَلْفِ أَشْقَرَ وَأَلْفِ شَقْرَاءَ، قَالَ: فَطُعِنَ فِي بَيْتِ امرأة، فقال: غدة كغدة البعير وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، ائْتُونِي بِفَرَسِي فَرَكِبَ فَمَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ (1) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ثُمَّ خَرَجَ أَصْحَابُهُ حِينَ وَارَوْهُ حتَّى قَدِمُوا أَرْضَ بَنِي عَامِرٍ شَاتِينَ، فلما قدموا أتاهم قومهم: فقالوا وما وراءك يا أربد؟ قال لا شئ: والله لقد دعانا إلى عبادة شئ لَوَدَدْتُ لَوْ أَنَّهُ عِنْدِي الْآنَ، فَأَرْمِيَهُ بِالنَّبْلِ حتَّى أَقْتُلَهُ الْآنَ، فَخَرَجَ بَعْدَ مَقَالَتِهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مَعَهُ جَمَلٌ لَهُ يَبِيعُهُ (2) فَأَرْسَلَ الله عَلَيْهِ وَعَلَى جَمَلِهِ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْهُمَا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ أَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ أَخَا لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ لِأُمِّهِ فَقَالَ لَبِيدٌ يَبْكِي أَرْبَدَ: ما أنْ تعدِّي (3) الْمَنُونُ مِنْ أَحَدٍ * لَا والدٍ مُشْفِقٍ وَلَا ولدِ أَخْشى عَلَى أَرْبدِ الحتوفِ وَلا * أَرهبُ نوءَ السماكِ والأسَدِ فَعْينَ هَلَّا بَكيتِ أَربد إذْ * قُمْنَا وَقام النِساءُ فِي كَبِدِ إنْ يَشْغَبُوا لَا يُبَالُ شغْبَهُمُ * أَو يَقْصِدُوا في الحكومِ يَقْتَصِدِ حُلْوٌ أَريبٌ وَفي حَلاوَتِهِ * مُرٌ لصيقُ الأَحْشاءِ والكَبِدِ وَعينُ هَلاَ بَكَيْتِ أَرْبَدَ إِذْ * أَلْوَتْ رياحُ الشِّتاءِ بالعَضُدِ (4) وَأَصْبَحَتْ لاقحاً مصرمةً * حتَّى تجلَّت غوابرُ المددِ أَشْجَعُ مِن ليثِ غابةٍ لحمٍ * ذُو نهمةٍ في العُلا ومنتقدِ لا تَبلُغ العَينْ كُلَّ نهمتِها * ليلةَ تمُسى الجيادُ كالقِدَدِ (5)
الباعِث النَوْحَ فِي مآتمِهِ * مِثْلَ الظِبَاءِ الأبكارِ بالجُرَدِ فَجَعَني البرق والصواعِقُ بالفا * رِسِ يومَ الكريهَةِ النَجُدِ والحاربِ الجابرِ الحريبِ إِذَا * جَاءَ نَكِيبًا وَإِنْ يعدْ يعدِ (6) يَعْفُو عَلَى الجُهْدِ والسُّؤالِ كَما * ينبتُ غيثُ الرَّبيعِ ذو الرَّصَدِ كُلُّ بَنِي حرَّةٍ مصيرهُمُ * قَلَّ وَإِنْ كثروا من العدد
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 320 وأخرج الجزء الثاني منه البخاري عن همام في كتاب المغازي (28) باب غزوة الرجيع، الحديث (4091) فتح الباري (7 / 385) .
(2) في ابن هشام: يتبعه.
(3) من ابن هشام: تعدى أي تترك.
وفي الاصل تعزي، وفي المطبوعة تعري (4) العضد: الشجر ذهبت الريح بأوراقه.
(5) القدد: جمع قدة وهي السير يقطع من الجلد يشبه به الخيل بالسير في النحول والضعف.
(6) الحارب: السالب، والحريب: المسلوب.
والنكيب: المنكوب المصاب.
(*)
(5/70)

إنْ يغبِطُوا يهبِطُوا وإن أمِروا * يوماً فهم للهلاكِ والنفدِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ لَبِيدٍ أَشْعَارًا كَثِيرَةً فِي رِثَاءِ أَخِيهِ لِأُمِّهِ أَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ تَرَكْنَاهَا اخْتِصَارًا وَاكْتِفَاءً بِمَا أَوْرَدْنَاهُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَذَكَرَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابن عبَّاس قال فأنزل اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي عَامِرٍ وَأَرْبَدَ * (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شئ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يده وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) * [الرعد: 8] يَعْنِي محمَّداً صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ أَرْبَدَ وَقَتْلَهُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى * (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ ومالهم مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وطعما وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا
مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) * [سورة الرَّعْدِ: 11] .
قُلْتُ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَقَدْ وَقَعَ لَنَا إِسْنَادُ مَا عَلَّقَهُ ابْنُ هِشَامٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَرَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا مَسْعَدَةُ بْنُ سَعْدٍ الْعَطَّارُ، حدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَرْبَدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ جَزْءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ وعامر بن الطفيل بن مالك قا؟ ؟ الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَانْتَهَيَا إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فَجَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ: فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: يَا مُحَمَّدُ مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ أَسْلَمْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَكَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ ".
قَالَ عَامِرٌ: أَتَجْعَلُ لِيَ الْأَمْرَ إِنْ أَسْلَمْتُ مِنْ بَعْدِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ وَلَا لِقَوْمِكَ وَلَكِنْ لَكَ أَعِنَّةُ الْخَيْلِ ".
قَالَ: أَنَا الْآنَ فِي أَعِنَّةِ خَيْلِ نَجْدٍ، اجْعَلْ لِي الْوَبَرَ وَلَكَ الْمَدَرَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: " لا " فلما قفل (1) مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ عَامِرٌ أَمَا وَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: " يَمْنَعُكَ اللَّهُ " فَلَمَّا خَرَجَ أَرْبَدُ وَعَامِرٌ قَالَ عَامِرٌ: يَا أَرْبَدُ أَنَا أَشْغَلُ عَنْكَ مُحَمَّدًا بِالْحَدِيثِ فَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ فإنَّ النَّاس إِذَا قَتَلْتَ مُحَمَّدًا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنْ يَرْضُوا بالدِّية، وَيَكْرَهُوا الْحَرْبَ فَسَنُعْطِيهِمُ الدِّية، قَالَ أَرْبَدُ أَفْعَلُ.
فَأَقْبَلَا رَاجِعَيْنِ إِلَيْهِ، فَقَالَ عَامِرٌ: يَا مُحَمَّدُ قُمْ مَعِي أُكَلِّمْكَ فَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَخَلَّيَا إِلَى الْجِدَارِ، وَوَقَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُهُ، وسلَّ أَرْبَدُ السَّيْفَ فَلَمَّا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى السَّيْفِ يَبِسَتْ يده على قائم السيف، فلم يستطيع سلَّ السَّيْفِ، فَأَبْطَأَ أَرْبَدُ عَلَى عَامِرٍ بِالضَّرْبِ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى أَرْبَدَ وَمَا يَصْنَعُ فَانْصَرَفَ عَنْهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَ أَرْبَدُ وَعَامِرٌ مِنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَا بِالْحَرَّةِ، حَرَّةِ وَاقِمٍ نَزَلَا فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ فَقَالَا: اشْخَصَا يا عدوا اللَّهِ لَعَنَكَمَا اللَّهُ، فَقَالَ عَامِرٌ مَنْ هَذَا
__________
(1) من سيرة ابن كثير، وفي الاصل: قفا (*)
(5/71)

يَا سَعْدُ؟ قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ الْكَتَائِبِ فَخَرَجَا حتَّى إِذَا كَانَا بِالرَّقَمِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى أَرْبَدَ صَاعِقَةً
فَقَتَلَتْهُ، وَخَرَجَ عَامِرٌ حتَّى إذا كان بالحرة أرسل الله قرحة فأخذته فأدركه بالليل فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولٍ، فَجَعَلَ يَمَسُّ قُرْحَتَهُ فِي حَلْقِهِ وَيَقُولُ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الجمل في بيت سلولية يرغب (1) أَنْ يَمُوتَ فِي بَيْتِهَا ثُمَّ رَكِبَ فَرَسَهُ فأحضرها حتَّى مات عليه رَاجِعًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا * (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تزداد) * إلى قوله * (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) * يَعْنِي محمَّداً صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ أَرْبَدَ وَمَا قَتَلَهُ بِهِ فَقَالَ * (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ) * الآية، وفي هذا السياق دلالة على ما تقدم من قِصَّةِ عَامِرٍ وَأَرْبَدَ، وَذَلِكَ لِذِكْرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ وُفُودُ الطفيل بن عامر الدوسي رضي عَنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ وَإِسْلَامُهُ وَكَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ نُورًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثمَّ سَأَلَ اللَّهَ فَحَوَّلَهُ لَهُ إِلَى طَرَفِ سَوْطِهِ وَبَسَطْنَا ذَلِكَ هُنَالِكَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ هَاهُنَا كَمَا صَنَعَ البيهقي وغيره.
قدوم ضمام بن ثعلبة وافداً [عن قومه بني سعد بن بكر] (2) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ، عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قال: بعث بنو سعيد بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَقَدِمَ إِلَيْهِ وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عقله، ثم دخله الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أَصْحَابِهِ.
فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَالَ: نعم.
قال: يا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي سَائِلُكَ وَمُغَلِّظٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ.
قَالَ " لَا أجد في نفسي فسل عما بدالك " فقال: أنشدك إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ آللَّهُ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا؟ قال: " اللهم نهم! " قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنَّ تَأْمُرَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ؟ قَالَ: اللَّهم نَعَمْ! قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ.
قَالَ " نَعَمْ! " قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً: الزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا، يَنْشُدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ مِنْهَا كَمَا
يَنْشُدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ ثُمَّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرِهِ رَاجِعًا.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنْ صَدَقَ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ " قَالَ: فَأَتَى بَعِيرَهُ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ ثُمَّ خَرَجَ حتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إليه فكان أول ما تكلم أن قال: بئست اللات
__________
(1) يرغب: يكره.
(2) من ابن هشام، وفي الاصل: وافداً على قومه.
(*)
(5/72)

وَالْعُزَّى.
فَقَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ اتَّقِ الْبَرَصَ، اتَّقِ الْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ.
فَقَالَ: وَيْلَكُمْ إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ.
وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ.
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا.
قَالَ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ (1) .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الزُّهري، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَذَكَرَهُ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ: مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عبَّاس بِنَحْوِهِ وَفِي هَذَا السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ قَبْلَ الْفَتْحِ لِأَنَّ الْعُزَّى خَرَّبَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَيَّامَ الْفَتْحِ.
وَقَدْ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنُ بَكْرٍ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَكَانَ جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَأَغْلَظَ فِي الْمَسْأَلَةِ سَأَلَهُ عَمَّنْ أرسله وبما أرسله؟ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ مُسْلِمًا قَدْ خَلَعَ الْأَنْدَادَ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، فَمَا أَمْسَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امرأة إلا مسلماً وبنو الْمَسَاجِدَ وأذَّنوا بِالصَّلَاةِ (2) .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل يسأله وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ قَالَ: صَدَقَ! قال: فمن خلق السموات؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: اللَّهُ قَالَ فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: اللَّهُ.
قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا قَالَ: صَدَقَ، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا قَالَ: صَدَقَ.
قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ فِي سَنَتِنَا قَالَ: صَدَقَ، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً.
قَالَ: صَدَقَ، قَالَ: ثمَّ وَلَّى فقال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئاً ولا أنقص عليهن شَيْئًا.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ صدق ليدخلنَّ الجنَّة ".
وهذا
__________
(1) الخبر رواه ابن هشام في السيرة ج 4 / 219 - 220 ورواه الإمام أحمد، والترمذي والنسائي عن ثابت عن أنس، والبخاري ومسلم.
ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن شريك عن أنس.
(2) انظر الخبر في طبقات ابن سعد عن الواقدي ج 1 / 299.
(*)
(5/73)

الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِأَسَانِيدَ وَأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وعلَّقه الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِنَحْوِهِ.
فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، ثَنَا لَيْثٌ، حدَّثني سعيد بن أبي سَعِيدٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أنَّه سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يقول: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم جلوس فِي الْمَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ ثُمَّ قَالَ.
أَيُّكُمْ محمد؟ ورسول الله صلَّى الله عليه وسلم مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، قَالَ: فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأبيض
المتكئ.
فقال الرجل: يا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَدْ أَجَبْتُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشْتَدٌّ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ: سَلْ ما بدا لك.
فقال الرجل: أسألك بِرَبِّكَ وَرَبٍّ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاس كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اللَّهُمَّ نَعَمْ! " قَالَ فَأَنْشُدُكَ الله.
آلله أمرك أن نصوم هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اللَّهُمَّ نَعَمْ " [قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنَّ تَأْخُذَ هَذِهِ الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم:: " اللَّهُمَّ نَعَمْ!] (1) قَالَ الرَّجُلُ آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولٌ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ بِهِ وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ اللَّيْثِ بِهِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ النَّسَائِيَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ اللَّيث قَالَ: حدَّثني ابْنُ عَجْلَانَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَذَكَرَهُ وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَعَلَّهُ عن سعيد المقبري من الوجهين جميعاً.
فصل وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُدُومِ ضِمَادٍ الْأَزْدِيِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَإِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِ قومه كما ذكرنا مبسوطاً بما أغنى عن إعادته ها هنا ولله الحمد والمنة.
وفد طئ مع زيد الخيل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [وَهُوَ زَيْدُ بْنُ مُهَلْهِلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُنْهِبٍ، أَبُو مُكْنِفٍ الطَّائِيُّ، وكان من أحسن العرب وأطوله
__________
(1) ما بين معكوفتين سقط من نسخ البداية المطبوعة.
(*)
(5/74)

رجلا.
سمي زَيْدَ الْخَيْلِ لِخَمْسِ أَفْرَاسٍ كُنَّ لَهُ (1) .
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَهُنَّ أَسْمَاءٌ لَا يَحْضُرُنِي الْآنَ حِفْظُهَا] (2) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد طئ وَفِيهِمْ زَيْدُ الْخَيْلِ، وَهُوَ سَيِّدُهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ كلَّموه وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإسلام، فأسملوا فَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا " حدَّثني مَنْ لَا أَتَّهِمُ من رجال طئ، ما ذكر رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ ثُمَّ جَاءَنِي إِلَّا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ إِلَّا زَيْدَ الخيل فإنَّه لم يبلغ الَّذِي فِيهِ ثُمَّ سمَّاه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ الْخَيْرِ، وَقَطَعَ لَهُ فيدا وَأَرَضِينَ مَعَهُ، وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم رَاجِعًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنْ يَنْجُ زَيْدٌ مِنْ حُمَّى الْمَدِينَةِ فإنَّه قالٍ " وَقَدْ سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِاسْمٍ غَيْرِ الْحُمَّى، وَغَيْرِ أُمِّ مَلْدَمٍ - لَمْ يُثْبِتْهُ - قَالَ فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ بَلَدِ نَجْدٍ إِلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِ يُقَالُ لَهُ فَرْدَةُ أَصَابَتْهُ الْحُمَّى فمات بها ولما أحس بالموت قال: أمر تحل قَومِي المشَارِقَ غَدْوَةٌ * وأتركُ فِي بَيْتٍ بِفَرْدَةَ منجد الارب يَومٍ لَو مَرِضْتُ لعادَني * عَوائِد مَنْ لَمْ يَبر منهنَّ يجهَدِ (3) قَالَ: وَلَمَّا مَاتَ عَمَدَتِ امرأته بجلهلها وَقِلَّةِ عَقْلِهَا وَدِينِهَا إِلَى مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْكُتُبِ فَحَرَقَتْهَا بِالنَّارِ.
قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ في الصحيح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالب بُعِثَ.
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَنْ اليمن بذهبية فِي تُرْبَتِهَا فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بَيْنَ أَرْبَعَةٍ زَيْدِ الْخَيْلِ، وَعَلْقَمَةَ بن علاثة، والأقرع بن حابس، وعتبة بْنِ بَدْرٍ الْحَدِيثَ.
وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي بَعْثِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قِصَّةُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: في الصحيح وفد طئ وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: حدَّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ عدي بن حاتم.
قال: أتينا عمر ابن الْخَطَّابِ فِي وَفْدٍ فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلًا رَجُلًا يُسَمِّيهِمْ فَقُلْتُ: أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بَلَى، أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا، وَأَقْبَلْتَ إِذْ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ نكروا.
فقال
__________
(1) قال صاحب الاغاني منها: الهطال، والكميت، والورد، وكامل، ودؤول، ولاحق (16 / 49 ساسي) .
(2) ما بين معكوفتين سقط من نسخ البداية المطبوعة.
(3) كذا في الاصول وابن هشام، وفي كتاب شعراء اسلاميون ذكر: أمر تحل صحبي المشَارِقَ غَدْوَةٌ * وأتركُ فِي بَيْتٍ بفردةِ مُنْجِدِ سقى الله ما بين القفيل فطابة * فما دون أرمام فما فوق منشد هنالك لو أني مَرِضْتُ لعادَني * عَوائِد من لم يشف منهن مجهد فليت اللواتي عدنني لم يعدنني * وليت اللواتي غبن عني عودي (*)
(5/75)

عَدِيٌّ: لَا أُبَالِي إِذًا (1) ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأَمَّا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ فَكَانَ يَقُولُ، فِيمَا بَلَغَنِي: مَا رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ أَشَدَّ كَرَاهَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ بِهِ مِنِّي، أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ امرءا شَرِيفًا وَكُنْتُ نَصْرَانِيًّا وَكُنْتُ أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ (2) وَكُنْتُ فِي نَفْسِي عَلَى دِينٍ، وَكُنْتُ مَلِكًا فِي قَوْمِي لِمَا كَانَ يُصْنَعُ بِي، فَلَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم كَرِهْتُهُ، فَقُلْتُ لِغُلَامٍ كَانَ لِي عَرَبِيٍّ وكان راعيا لإبلي: لا أبالك أُعْدُدْ لِي مِنْ إِبِلِي أَجْمَالًا ذُلُلًا سِمَانًا فَاحْتَبِسْهَا قَرِيبًا مِنِّي، فَإِذَا سَمِعْتَ بِجَيْشٍ لِمُحَمَّدٍ قَدْ وَطِئَ هَذِهِ الْبِلَادَ فَآذِنِّي فَفَعَلَ، ثُمَّ أَنَّهُ أَتَانِي ذَاتَ غَدَاةٍ فَقَالَ: يَا عَدِيُّ مَا كُنْتَ صَانِعًا إِذَا غَشِيَتْكَ خَيْلُ مُحَمَّدٍ فَاصْنَعْهُ الْآنَ.
فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَايَاتٍ، فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقَالُوا: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمَّدٍ.
قَالَ: قُلْتُ.
فَقَرِّبْ إِلَى أَجْمَالِي فَقَرَّبَهَا، فَاحْتَمَلْتُ بِأَهْلِي وَوَلَدِي، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنَ النَّصَارَى بالشام، فسلكت الحوشية (3) وَخَلَّفْتُ بِنْتًا (4) لِحَاتِمٍ فِي الْحَاضِرِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الشَّامَ أَقَمْتُ بِهَا، وَتُخَالِفُنِي خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فتصيبت ابْنَةَ حَاتِمٍ فِيمَنْ أَصَابَتْ فَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سبايا من طئ وَقَدْ بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم هَرَبِي إِلَى الشَّامِ.
قَالَ فَجُعِلَتِ ابْنَةُ حَاتِمٍ فِي حَظِيرَةٍ بِبَابِ الْمَسْجِدِ كَانَتِ السَّبَايَا تُحْبَسُ بِهَا فمرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَقَامَتْ إِلَيْهِ وَكَانَتِ امْرَأَةً جَزْلَةً.
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ: فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ.
قَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: الْفَارُّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى وَتَرَكَنِي حتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ مرَّ بِي فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ بِالْأَمْسِ، قَالَتْ حتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ الْغَدِ مرَّ بِي وَقَدْ يَئِسْتُ فَأَشَارَ إِلَيَّ رَجُلٌ خَلْفَهُ أَنْ قُومِي فكلِّميه.
قَالَتْ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْوَالِدُ
وَغَابَ الْوَافِدُ فَامْنُنْ عَلَيَّ منَّ اللَّهُ عَلَيْكَ.
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ فَعَلْتُ فَلَا تَعْجَلِي بِخُرُوجٍ حتَّى تَجِدِي من قومك كم يَكُونُ لَكِ ثِقَةً حتَّى يُبَلِّغَكِ إِلَى بِلَادِكِ ثمَّ آذِنِينِي، فَسَأَلَتْ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيَّ أَنْ كَلِّمِيهِ فَقِيلَ لِي: عَلِيُّ بْنُ أبي طالب قالت: فقمت حتَّى قدم مِنْ بَلِيٍّ أَوْ قُضَاعَةَ قَالَتْ: وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَ أَخِي بِالشَّامِ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِي لِي فِيهِمْ ثِقَةٌ وَبَلَاغٌ.
قَالَتْ: فَكَسَانِي وَحَمَلَنِي وَأَعْطَانِي نَفَقَةً فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ.
قَالَ عَدِيٌّ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَقَاعِدٌ فِي أَهْلِي، فنظرت إِلَى ظَعِينَةٍ تُصَوِّبُ إِلَى قَوْمِنَا قَالَ: فَقُلْتُ: ابْنَةُ حَاتِمٍ قَالَ فَإِذَا هِيَ هِيَ فَلَمَّا وقفت علي انتحلت (5) تَقُولُ: الْقَاطِعُ الظَّالِمُ، احْتَمَلْتَ بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ وَتَرَكْتَ بَقِيَّةَ وَالِدِكَ عَوْرَتَكَ؟ قَالَ قُلْتُ: أَيْ أُخَيَّةُ لَا تَقُولِي إِلَّا خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا لِي مِنْ عُذْرٍ، لَقَدْ صَنَعْتُ مَا ذَكَرْتِ قَالَ: ثمَّ نَزَلَتْ فَأَقَامَتْ عِنْدِي فَقُلْتُ لَهَا: وَكَانَتِ امْرَأَةً حَازِمَةً مَاذَا تَرَيْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرجل، قالت
__________
(1) أخرجه البخاري في المغازي (76) باب، الحديث 4394 فتح الباري (8 / 102) .
(2) بالمرباع: أي آخذ ربع الغنائم، لاني سيدهم.
(3) الحوشية: جبل للضباب قرب صرية، من أرض نجد، بينها وبين الشام.
(4) بنت حاتم هي سفانة كما رجحه السهيلي.
إذ لم يعرف له غيرها.
(5) في الاصل: استحلت، وأثبتنا: انسحلت - من ابن هشام - أي جرت بالكلام.
(*)
(5/76)

أَرَى وَاللَّهِ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ سَرِيعًا فَإِنْ يَكُنِ الرَّجُلُ نَبِيًّا فَلِلسَّابِقِ إِلَيْهِ فَضْلُهُ وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَلَنْ تَزِلَّ فِي عِزِّ الْيَمَنِ وَأَنْتَ أَنْتَ.
قَالَ: قُلْتُ وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الرَّأْيُ قَالَ: فَخَرَجْتُ حتَّى أَقْدُمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ فسلَّمت عَلَيْهِ.
فَقَالَ: مَنِ الرَّجل؟ فَقُلْتُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَانْطَلَقَ بِي إِلَى بَيْتِهِ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَامِدٌ بِي إِلَيْهِ إِذْ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ كَبِيرَةٌ فَاسْتَوْقَفَتْهُ فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا تكلِّمه فِي حَاجَتِهَا قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي وَاللَّهِ مَا هَذَا بِمَلِكٍ.
قَالَ: ثمَّ مَضَى بِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم حتَّى إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ تَنَاوَلَ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةً لِيفًا فَقَذَفَهَا إليَّ فَقَالَ " اجْلِسْ عَلَى هَذِهِ " قَالَ قُلْتُ: بَلْ أَنْتَ فَاجْلِسْ عَلَيْهَا.
قَالَ " بَلْ أَنْتَ " فَجَلَسْتُ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم
بِالْأَرْضِ، قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِأَمْرِ مَلِكٍ، ثُمَّ قَالَ " إِيهِ يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ أَلَمْ تَكُ رَكُوسِيًّا (1) " قال قلت: بلى! قال: " أو لم تَكُنْ تَسِيرُ فِي قَوْمِكَ بِالْمِرْبَاعِ " قَالَ: قُلْتُ: بَلَى! قَالَ " فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ " قَالَ قُلْتُ: أَجَلْ! وَاللَّهِ.
قَالَ: وَعَرَفْتُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ يَعْلَمُ مَا يُجْهَلُ ثُمَّ قَالَ " لَعَلَّكَ يَا عَدِيُّ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنْ دُخُولٍ فِي هَذَا الدِّينِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِهِمْ، فَوَاللَّهِ لَيُوشِكَنَّ الْمَالُ أَنْ يَفِيضَ فِيهِمْ حتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنْ دُخُولٍ فِيهِ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَوَاللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حتَّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ لَا تَخَافُ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنْ دُخُولٍ فِيهِ أَنَّكَ تَرَى أَنَّ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ ".
قَالَ: فَأَسْلَمْتُ، قَالَ: فَكَانَ عَدِيٌّ يَقُولُ: مَضَتِ اثْنَتَانِ وَبَقِيَتِ الثَّالِثَةُ، وَاللَّهِ لَتَكُونَنَّ وَقَدْ رَأَيْتُ الْقُصُورَ الْبِيضَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ، وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا لَا تخاف حتَّى هَذَا الْبَيْتَ، وَايْمُ اللَّهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لَيَفِيضُ الْمَالُ حتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ (2) .
هَكَذَا أَوْرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا السِّيَاقَ بِلَا إِسْنَادٍ وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ.
فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ سِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ، سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ حُبَيْشٍ، يحدِّث عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
قَالَ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا بِعَقْرَبٍ (3) فَأَخَذُوا عَمَّتِي وَنَاسًا فَلَمَّا أَتَوْا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَصُفُّوا لَهُ.
قَالَتْ: يا رسول الله بان الْوَافِدُ وَانْقَطَعَ الْوَلَدُ، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ فمنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ.
فَقَالَ: وَمَنْ وَافِدُكَ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: الَّذِي فرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَتْ: فمنَّ عَلَيَّ فَلَمَّا رَجَعَ وَرَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ - تَرَى أَنَّهُ عَلِيٌّ - قَالَ سَلِيهِ حُمْلَانًا، قال فسألته فأمر لها عَدِيٌّ: فَأَتَتْنِي فَقَالَتْ لَقَدْ فَعَلْتَ فَعْلَةً مَا كَانَ أَبُوكِ يفعلها وقالت إيته رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ، وَأَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ.
قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا عِنْدَهُ امْرَأَةٌ وَصِبْيَانٌ أَوْ صَبِيٌّ، فَذَكَرَ قُرْبَهُمْ مِنْهُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ مَلِكَ كِسْرَى ولا قيصر.
فقال
__________
(1) الركوسي: من الركوسية وهم قوم دينهم بين دين النصارى والصابئين.
(2) سيرة ابن هشام ج 4 / 225 - 227.
(3) عقرب هكذا بالاصل، ولعل الصواب عقرباء، وهي اسم مدينة الجولان وهي كورة بدمشق.
(*)
(5/77)

لَهُ: يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ مَا أَفَرَّكَ؟ أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، مَا أَفَرَّكَ؟ أفرك أن يقال الله أكبر فهل شئ هُوَ أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَسْلَمْتُ فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ اسْتَبْشَرَ، وَقَالَ: إنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ الْيَهُودُ، وَإِنَّ الضَّالِّين النَّصَارَى.
قَالَ: ثُمَّ سَأَلُوهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَلَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ تُرْضَخُوا مِنَ الْفَضْلِ ارْتَضَخَ امْرُؤٌ بِصَاعٍ، بِبَعْضِ صَاعٍ، بِقَبْضَةٍ، بِبَعْضِ قَبْضَةٍ.
قَالَ شُعْبَةُ - وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ: بِتَمْرَةٍ، بِشِقِّ تَمْرَةٍ - وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَاقِي اللَّهِ فَقَائِلٌ، مَا أَقُولُ أَلَمْ أَجْعَلْكَ سَمِيعًا بَصِيرًا أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالًا وَوَلَدًا فَمَاذَا قَدَّمْتَ: فَيَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَجِدُ شَيْئًا، فَمَا يَتَّقِي النَّارَ إِلَّا بِوَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تمرةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَبِكَلِمَةٍ لَيِّنَةٍ، إِنِّي لَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَاقَةَ لَيَنْصُرَنَّكُمُ اللَّهُ وَلَيُعْطِيَنَّكُمْ - أَوْ لَيَفْتَحَنَّ عَلَيْكُمْ - حتَّى تَسِيرَ الظعينة بين الحيرة ويثرب، إن أكثر ما يخاف السَّرَقَ عَلَى ظَعِينَتِهَا (1) .
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَعَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ ثُمَّ قَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سِمَاكٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
أَيْضًا حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ - هُوَ ابْنُ حُذَيْفَةَ - عَنْ رَجُلٍ.
قَالَ قُلْتُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكَ قَالَ: نَعَمْ! لَمَّا بَلَغَنِي خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم كَرِهْتُ خُرُوجَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً فَخَرَجْتُ حتَّى وَقَعْتُ نَاحِيَةَ الرُّوم - وَفِي رِوَايَةٍ حتَّى قَدِمْتُ عَلَى قَيْصَرَ - قَالَ: فَكَرِهْتُ مَكَانِي ذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ كَرَاهَتِي لِخُرُوجِهِ قَالَ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ أَتَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَضُرَّنِي وَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَلِمْتُ، قَالَ: فَقَدِمْتُ فَأَتَيْتُهُ فَلَمَّا قَدِمْتُ قَالَ النَّاس عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ؟ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ أَسْلِمْ تَسْلَمْ ثَلَاثًا قَالَ قُلْتُ: إِنِّي عليَّ دِينٍ.
قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ فقلت أنت تعلم بِدِينِي مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ! أَلَسْتَ مِنَ الرَّكُوسِيَّةِ وَأَنْتَ تَأْكُلُ مِرْبَاعَ قَوْمِكَ؟ قُلْتُ: بَلَى! قَالَ هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ قَالَ: نَعَمْ! فَلَمْ يَعْدُ أَنْ قَالَهَا فَتَوَاضَعْتُ لَهَا قَالَ: أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ تَقُولُ إِنَّمَا اتَّبَعَهُ
ضَعَفَةُ النَّاس وَمَنْ لا قوة لهم وَقَدْ رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ، أَتَعْرِفُ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ سَمِعْتُ بِهَا قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ليتمنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ حتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَيَفْتَحَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هرمز، قال قلت: كنوز ابن هُرْمُزَ؟ قَالَ: نَعَمْ! كِسْرَى بْنَ هُرْمُزَ، وَلَيُبْذَلَنَّ الْمَالُ حتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ.
قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: فَهَذِهِ الظَّعِينَةُ [تَخْرُجُ] (2) ! مِنَ الْحِيرَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارٍ وَلَقَدْ كُنْتُ فيمن فتح كنوز كسرى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهَا.
ثمَّ قَالَ أَحْمَدُ: حدَّثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبي عبيدة بن حذيفة
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد مطولاً في مسنده (4 / 378 - 379) ، والترمذي في تفسير سورة الفاتحة الحديث (2953) .
(2) من المسند.
(*)
(5/78)

عن رجل.
وقال حماد وهشام عن محمد بن أَبِي عُبَيْدَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْ رَجُلٍ.
قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ النَّاس عَنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي وَلَا أَسْأَلُهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: نَعَمْ! فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ أَنْبَأَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، أَنْبَأَنَا سَعْدٌ الطَّائي أَنْبَأَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَى إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَشَكَى إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ.
قَالَ: يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا قَالَ: فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لترينَّ الظَّعينة تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وجل.
قال قلت في نفسي: فإن ذعار طَيِّئٍ - الَّذِينَ سَعَّرُوا الْبِلَادَ - وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حياة ليفتحن كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لترينَّ الرَّجل يَخْرُجُ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ، وليلقينَّ الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبين تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ عَنْ
يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جهنَّم وينظر عن شماله قلا يَرَى إِلَّا جهنَّم.
قَالَ عَدِيٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إتَّقوا النَّار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا شِقَّ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ " قَالَ عَدِيٌّ: فَقَدْ رَأَيْتُ الظَّعينة تَرْتَحِلُ مِنَ الْكُوفَةِ حتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ سَتَرَوْنَ مَا قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ بِهِ بِطُولِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدَانَ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ سَعْدٍ أَبِي مُجَاهِدٍ الطَّائي، عَنْ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ عَدِيٍّ بِهِ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ سَعْدٍ أَبَى مُجَاهِدٍ الطَّائِيِّ بِهِ.
وَمِمَّنْ رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ عَدِيٍّ: عَامِرُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الشَّعْبِيُّ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ: لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ والذِّئب عَلَى غَنَمِهَا (2) .
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ.
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ " وَلَفْظُ مُسْلِمٍ " مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ " طَرِيقٌ أُخْرَى فِيهَا شَاهِدٌ لِمَا تقدَّم.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حدَّثني أَبُو بَكْرٍ (3) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، ثنا أَبُو سَعِيدٍ عُبَيْدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْكُوفِيُّ، ثنا ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ، ثنا عَاصِمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ.
قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَزْهَدَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ خَيْرٍ، عَجَبًا لِرَجُلٍ يَجِيئُهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فِي الْحَاجَةِ فَلَا يَرَى نَفْسَهُ لِلْخَيْرِ أَهْلًا، فَلَوْ كَانَ لَا يَرْجُو ثَوَابًا وَلَا يَخْشَى عِقَابًا لَكَانَ ينبغي له
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 343 - 344.
والبخاري في كتاب المناقب (25) باب، الحديث (3595) (2) نقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 345.
(3) في الاصل: أبو بكر بن محمد تحريف، وأثبتنا ما ورد في الدلائل.
(*)
(5/79)

أَنْ يُسَارِعَ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ على سبيل النَّجَاحِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: نَعَمْ! وَمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ: لَمَّا أُتِيَ بِسَبَايَا طَيِّئٍ وَقَفَتْ
جَارِيَةٌ حَمْرَاءُ لَعْسَاءُ ذَلْفَاءُ عَيْطَاءُ شَمَّاءُ الْأَنْفِ، مُعْتَدِلَةُ الْقَامَةِ وَالْهَامَةِ، دَرْمَاءُ الْكَعْبَيْنِ، خَدْلَةُ السَّاقَيْنَ لَفَّاءُ الْفَخِذَيْنِ، خَمِيصَةُ الْخَصْرَيْنِ، ضَامِرَةُ الْكَشْحَيْنِ مَصْقُولَةُ الْمَتْنَيْنِ.
قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا أُعْجِبْتُ بِهَا وَقُلْتُ لأطلبنَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَجْعَلُهَا فِي فَيْئِي فَلَمَّا تَكَلَّمْتُ أُنْسِيتُ جَمَالَهَا [لِمَا رَأَيْتُ] (1) مِنْ فَصَاحَتِهَا.
فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُخَلِّيَ عَنَّا، وَلَا تُشْمِتْ بِنَا أَحْيَاءَ الْعَرَبِ، فَإِنِّي ابْنَةُ سَيِّدِ قَوْمِي، وَإِنَّ أَبِي كَانَ يَحْمِي الذِّمَارَ، وَيَفُكُّ الْعَانِيَ، وَيُشْبِعُ الْجَائِعَ، وَيَكْسُو الْعَارِيَ، وَيَقْرِي الضَّيف، وَيُطْعِمُ الطَّعام وَيُفْشِي السَّلام، وَلَمْ يَرُدَّ طَالِبَ حَاجَةٍ قَطُّ، أَنَا ابْنَةُ حَاتِمِ طَيِّئٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: يَا جَارِيَةُ هَذِهِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا لَوْ كَانَ أَبُوكِ مُسْلِمًا لَتَرَحَّمْنَا عَلَيْهِ، خَلُّوا عَنْهَا فإنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَاللَّهُ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ.
فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله تحب مكارم الأخلاق (2) فقال رسول الله " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَّنة إِلَّا بِحُسْنِ الْخُلُقِ ".
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ الْمَتْنِ غَرِيبُ الْإِسْنَادِ جِدًّا عَزِيزُ الْمَخْرَجِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ترجمة حاتم طيئ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِنَا مَنْ مَاتَ مِنْ أَعْيَانِ الْمَشْهُورِينَ فِيهَا وَمَا كَانَ يُسْدِيهِ حَاتِمٌ إِلَى النَّاس مِنَ الْمَكَارِمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَّا أَنَّ نَفْعَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ مَعْذُوقٌ بِالْإِيمَانِ (3) وَهُوَ مِمَّنْ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهر رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ.
وَقَدْ زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبً فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ إِلَى بِلَادِ طَيِّئٍ فَجَاءَ مَعَهُ بِسَبَايَا فِيهِمْ أُخْتُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَجَاءَ مَعَهُ بِسَيْفَيْنِ كَانَا فِي بَيْتِ الصَّنَمِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الرَّسُوبُ وَالْآخَرُ الْمِخْذَمُ كان الحارث بن أبي سمر (4) قَدْ نَذَرَهُمَا لِذَلِكَ الصَّنَمِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قِصَّةُ دَوْسٍ وَالطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ - هو عبد الله بن زياد (5) - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إن دوساً قد هلكت، وعصت وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللَّهم اهْدِ دَوْسًا وأت
__________
(1) من الدلائل.
(2) كذا في الاصل، وفي الدلائل: يا رسول الله! الله يحب مكارم الأخلاق؟.
(3) معذوق: أي معلق.
(4) كذا في الاصل، وفي تاريخ الطبري 3 / 148: نقلا عن الواقدي: ابن أبي شمر.
(5) قال ابن حجر في الفتح: هو عبد الله أبو الزناد.
(*)
(5/80)

بِهِمْ ".
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
ثمَّ قَالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ: يَا لَيلَة مِنْ طُولهَا وَعَنَائِها * عَلَى أَنَّها مِن دارَةِ الكُفرِ نجَتْ وأبق لي غلام فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَبَايَعْتُهُ فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِيَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غلامك.
هُوَ حرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَعْتَقْتُهُ (1) .
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَازِمٍ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ قُدُومِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ثُمَّ إِنْ قُدِّرَ قُدُومُهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ لِأَنَّ دَوْسًا قَدِمُوا وَمَعَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَانَ قُدُومُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَاصِرٌ خَيْبَرَ ثُمَّ ارْتَحَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ حتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم خيبر بَعْدَ الْفَتْحِ فَرَضَخَ لَهُمْ شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ مُطَوَّلًا فِي مَوَاضِعِهِ.
قال الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قُدُومُ الْأَشْعَرِيِّينَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ.
ثمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، قَالَ " أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ
أَفْئِدَةً.
الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ".
ثُمَّ رَوَيَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَوْرٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ (2) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قال: " الإيمان يمان، والفتنة ها هنا، ها هنا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيطان " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " الايمان ها هنا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْيَمَنِ، وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ، مِنْ حديث يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيطان رَبِيعَةَ وَمُضَرَ " وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو.
ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي صَخْرَةَ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
قَالَ: جَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَقَالَ " أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَمِيمٍ " فقالوا: أما إذ
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (75) باب، الحديث (4392) و (4393) .
(2) في نسخ البداية المطبوعة: أبو المغيث، وفي البخاري أبو الغيث واسمه سالم.
(*)
(5/81)

بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بَنُو تَمِيمٍ " فَقَالُوا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ (1) وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ بِهِ وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ وُفُودِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِوَقْتِ وُفُودِهِمْ، وَوَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا قُدُومُهُمْ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ مقارناً لقدوم الأشعريين بل الأشعريين مُتَقَدِّمٌ وَفْدُهُمْ عَلَى هَذَا فَإِنَّهُمْ قَدِمُوا صُحْبَةَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي صُحْبَةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِالْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ حِينَ فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم خَيْبَرَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مَبْسُوطًا فِي مَوْضِعِهِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَاللَّهِ مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أُسَرُّ أَبِقُدُومِ جَعْفَرٍ أَوْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ " وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وتعالى أعلم.
قال البخاري (2) : قصة عمان والبحرين حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا سُفْيَانُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ
لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وَهَكَذَا " ثَلَاثًا فَلَمْ يَقْدَمْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي.
قَالَ جَابِرٌ: فَجِئْتُ أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرْتُهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لو قد جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا ثَلَاثًا " قال: فأعرض عني قَالَ جَابِرٌ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّالِثَةَ فَلَمْ يُعْطِنِي فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ أَتَيْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، ثُمَّ أَتَيْتُكَ فَلَمْ تعطني، فأما أن تعطني وإما أن تبخل عني.
قال: قلت تَبْخَلُ عَنِّي؟ قَالَ: وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ؟ قَالَهَا ثَلَاثًا مَا مَنَعْتُكَ مِنْ مَرَّةٍ إلا وأنا أريد أن أعطيك وهكذا رواه البخاري ها هنا وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَهُ: وَعَنْ عَمْرٍو عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جِئْتُهُ فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ: عدَّها فَعَدَدْتُهَا فَوَجَدْتُهَا خَمْسَمِائَةٍ، فَقَالَ: خُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ كَرِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ قُتَيْبَةَ وَرَوَاهُ أَيْضًا هُوَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ بِنَحْوِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ: أَنَّهُ أَمَرَهُ فَحَثَى بِيَدَيْهِ مِنْ دَرَاهِمَ فَعَدَّهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ فَأَضْعَفَهَا لَهُ مَرَّتَيْنِ يَعْنِي فَكَانَ جُمْلَةُ مَا أَعْطَاهُ ألفاً وخمسمائة درهم.
__________
(1) الاحاديث رواها البخاري في كتاب المغازي (74) باب قدوم الاشعريين وأهل اليمن الاحاديث من (4386 - 4390) ومسلم في كتاب الايمان (21) باب الحديث (89) عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(2) في كتاب المغازي (73) باب قصة عمان والبحرين.
(*)
(5/82)

وفود فروة بن مسيك المرادي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيُّ (1) مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ وَمُبَاعِدًا لَهُمْ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وقد كَانَ بَيْنَ قَوْمِهِ مُرَادٍ وَبَيْنَ هَمْدَانَ وَقْعَةٌ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ أَصَابَتْ هَمْدَانُ مِنْ قَوْمِهِ حتَّى
أَثْخَنُوهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ يُقَالُ لَهُ الرَّدْمُ وَكَانَ الَّذِي قَادَ هَمْدَانَ إِلَيْهِمُ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ مَالِكُ بْنُ خُرَيْمٍ الْهَمْدَانِيُّ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ: مررْن عَلَى لفاتٍ وهنَّ خُوصٌ * يُنَازِعْنَ الْأَعِنَّةَ يَنْتَحِينَا (2) فَإِنْ نَغْلِبْ فَغَلَّابُونَ قِدماً * وَإِنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينَا وَمَا إِنْ طِبُّنَا جبنَّ ولكنْ * مَنَايَانَا وطعمة آخرينا كذاك الدهر دَولته سجال * تكزَّ صُرُوفُهُ حِينًا فَحِينَا فَبَيْنَا مَا نُسَرُّ بِهِ ونرضى * ولو لبست غضارته سنينا إذا انقلبت به كرّات دهر * فألفى في الْأُولَى غُبطوا طَحِينَا فَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيْبِ الدَّهْرِ منهم * يجد ريب الزمان له خؤنا فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إِذًا خَلَدْنَا * وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذًا بَقِينَا فَأَفْنَى ذَلِكُمْ سرَوات قَوْمِي * كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْأَوَّلِينَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مُفَارِقًا مُلُوكَ كِنْدَةَ قَالَ: لَمَّا رَأَيْتُ مُلُوكَ كِنْدَةَ أَعْرَضَتْ * كالرَّجل خَانَ الرِّجْلَ عِرْقُ نَسَائِهَا قرَّبت رَاحِلَتِي أَؤُمُّ محمَّداً * أَرْجُو فَوَاضِلَهَا وحُسن ثَرَائِهَا (3) قَالَ: فلمَّا انْتَهَى فَرْوَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: - فِيمَا بَلَغَنِي - يَا فَرْوَةُ هَلْ سَاءَكَ مَا أَصَابَ قَوْمَكَ يَوْمَ الرَّدْمِ.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ ذَا الَّذِي يُصِيبُ قَوْمَهُ مَا أَصَابَ قَوْمِي يَوْمَ الرَّدْمِ لَا يَسُوءُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَّا إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ قَوْمَكَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا خَيْرًا " وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى مُرَادٍ وزُبيد وَمَذْحِجٍ كُلِّهَا، وَبَعَثَ مَعَهُ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَكَانَ مَعَهُ فِي بِلَادِهِ حتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في الاصابة وأسد الغابة 4 / 180.
وراجع خبر قدومه إلى النبي صلى الله عليه وآله في طبقات ابن سعد (1 / 328) وسيرة ابن هشام 4 / 228 وعيون الاثر 2 / 305 ونهاية الارب 2 / 239 ودلائل البيهقي 5 / 368.
(2) لفات: من ديار مراد، ولفات: بالكسر: موضع بين مكة والمدينة (معجم ما استعجم) .
(3) قال أبو عبيدة: أرجو فواضله وحسن ثنائها.
وفي الاغاني: وحسن ثراها.
(4) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 228، ونقله عنه البيهقي في الدلائل ج 5 / 368.
(*)
(5/83)

قدوم عمر بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ فِي أُنَاسٍ مِنْ زُبَيْدٍ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ عَمْرُو بْنُ معدي كرب قَالَ لِقَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيِّ حِينَ انْتَهَى إِلَيْهِمْ أَمْرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: يَا قَيْسُ إِنَّكَ سَيِّدُ قَوْمِكَ وَقَدْ ذُكر لَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ محمَّد قَدْ خَرَجَ بِالْحِجَازِ يُقَالُ (1) إِنَّهُ نَبِيٌّ فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ حتَّى نَعْلَمَ عِلْمَهُ، فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا كَمَا يَقُولُ فَإِنَّهُ لَنْ يخفى علينا، إذا لَقِينَاهُ اتَّبَعْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَلِمْنَا عِلْمَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ قَيْسٌ ذَلِكَ وَسَفَّهَ رَأْيَهُ، فركب عمرو بن معدي كرب حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَسْلَمَ وَصَدَّقَهُ وَآمَنَ بِهِ، فلمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قَيْسَ بْنَ مَكْشُوحٍ أَوْعَدَ عَمْرًا وَقَالَ: خَالَفَنِي وَتَرَكَ أَمْرِي وَرَأْيِي.
فَقَالَ عَمْرُو بن معدي كرب في ذلك: أمرتُك يوم ذي صن * - عاء أمراً بادياً رُشدهُ (2) أمرتك باتِّقاء الله وال * - معروف تتعدُهً خَرَجْتَ مِنَ الْمُنَى مِثْلَ الْ * - حُميِّر غرَّه وتدهُ تمنَّاني عَلَى فرسٍ * عَلَيْهِ جَالِسًا أسدُهُ عليّ مفاضةٌ كالن * - نهي أخلص ماءه جددُهُ تردَّ الرَّمح منثني ال * - سِّنان عَوَائِرًا قصدهُ (3) فَلَوْ لَاقَيْتَنِي لَلَقِي * - تَ لَيْثًا فَوْقَهُ لُبدَهُ تُلَاقِي شَنْبَثًا شَثْنَ الْ * - بَرَاثِنِ نَاشِزًا كتدَهُ (4) يُسامي الْقِرْنَ إنْ قرْن * تيمَّمه فيعتضدهُ فيأخذهُ فَيَرْفَعُهُ * فَيَخْفِضُهُ فيقتصدهُ فيدمغُهُ فَيَحْطِمُهُ * فيخمضه فيزدرِدُهُ
ظلومُ الشِّرْكِ فِيمَا أَحْ * - رزتْ أَنْيَابُهُ وَيَدُهْ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَأَقَامَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ، وَعَلَيْهِمْ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ فلمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارتدَّ عَمْرُو بن معدي كرب فيمن ارْتَدَّ وَهَجَا فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ فَقَالَ: وَجَدْنَا مُلك فروة شرَّ ملكٍ * حمارٌ ساف منخرهُ بثَفرٍ (5)
__________
(1) في ابن هشام: يقول.
(2) ذو صنعاء: اسم موضع.
(3) عوائر: متطايرة.
والقصد جمع قصدة وهي ما تكسر من الرمح.
(4) الشنبث: الاسد.
الشثن: الغليظ الاصابع.
(5) ساف: شم.
والثفر: في الحيوان بمنزلة الرحم من الانسان.
(*)
(5/84)

وَكُنْتَ إِذَا رَأَيْتَ أَبَا عميرٍ * تَرَى الْحُوَلَاءَ من خبثٍ وغدرِ قلت: ثمَّ رجعت إِلَى الْإِسْلَامِ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَشَهِدَ فُتُوحَاتٍ كَثِيرَةً فِي أَيَّامِ الصَّدِيقِ وَعُمَرَ الْفَارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ وَالْأَبْطَالِ الْمَشْهُورِينَ وَالشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ بَعْدَمَا شَهِدَ فَتْحَ نَهَاوَنْدَ وَقِيلَ بَلْ شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكَانَ وُفُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ تِسْعٍ وَقِيلَ سَنَةَ عَشْرٍ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ.
قُلْتُ: وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَقَدْ قيل إن عمرو بن معدي كرب لَمْ يَأْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ: إِنَّنِي بالنَّبيّ موقنةٌ نَفْ * سِي وَإِنْ لَمْ أَرَ النَّبيّ عَيَانَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ طُرَّاً وَأَدْنَا * هُمْ إِلَى اللَّهِ حين بان مكانا جاء بالناموس من لدُنِ الله و * كان الْأَمِينَ فِيهِ الْمُعَانَا حُكْمُهُ بَعْدَ حِكْمَةٍ وضياءٌ * فَاهْتَدَيْنَا بِنُورِهَا مِنْ عَمَانَا
وَرَكِبْنَا السَّبِيلَ حِينَ ركب * - ناه جَدِيدًا بِكُرْهِنَا وَرِضَانَا وَعَبَدْنَا الْإِلَهَ حَقًّا وَكُنَّا * لِلْجَهَالَاتِ نَعْبُدُ الْأَوْثَانَا وَائْتَلَفْنَا بِهِ وكنَّا عَدُوًّا * فرجعنا به معنا إخواناً فعليه السلام والسلام منَّا * حَيْثُ كنَّا مِنَ الْبِلَادِ وَكَانَا إِنْ نَكُنْ لَمْ نَرَ النَّبيّ فَإِنَّا * قَدْ تَبِعْنَا سَبِيلَهُ إِيمَانَا قُدُومُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فِي وَفْدِ كِنْدَةَ فحدَّثني الزُّهري أنَّه قَدِمَ فِي ثَمَانِينَ رَاكِبًا مِنْ كِنْدَةَ، فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَسْجِدَهُ قَدْ رَجَّلُوا جُمَمَهُمْ وَتَكَحَّلُوا عَلَيْهِمْ جُبَبُ الْحِبَرَةِ، قَدْ كَفَّفُوهَا بِالْحَرِيرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ لَهُمْ: أَلَمْ تُسْلِمُوا؟ قَالُوا: بَلَى! قَالَ فَمَا بَالُ هَذَا الْحَرِيرِ فِي أَعْنَاقِكُمْ؟ قَالَ: فشقَّوه مِنْهَا فَأَلْقَوْهُ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ بن قيس: يا رسول الله نحن بنوا آكِلِ الْمُرَارِ وَأَنْتَ ابْنُ آكِلِ الْمُرَارِ، قَالَ، فتبسَّم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: نَاسِبُوا بِهَذَا النَّسَبِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ، وَكَانَا تَاجِرَيْنِ إِذَا شَاعَا (1) فِي الْعَرَبِ فَسُئِلَا مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ قَالَا: نحن بنو آكل المرار يعني ينسبان إِلَى كِنْدَةَ لِيَعِزَّا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ لِأَنَّ كِنْدَةَ كَانُوا مُلُوكًا، فَاعْتَقَدَتْ كِنْدَةُ أَنَّ قُرَيْشًا مِنْهُمْ لِقَوْلِ عبَّاس وَرَبِيعَةَ نَحْنُ بَنُو آكِلِ المرار وهو الحارث بْنِ عَمْرِو (2) بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ مرتع بن
__________
(1) وفي رواية البيهقيّ عنه: إذا سارا.
(2) في ابن هشام: الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُجْرِ بْنِ عَمْرِو بن معاوية ... (*)
(5/85)

مُعَاوِيَةَ بْنِ كِنْدِيِّ - وَيُقَالُ ابْنُ كِنْدَةَ - ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لَهُمْ.
" لَا نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُوا (1) أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا ".
فَقَالَ لَهُمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ لَا أَسْمَعُ رَجُلًا يَقُولُهَا إِلَّا ضَرَبْتُهُ ثَمَانِينَ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ وعفَّان قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حدَّثني عَقِيلُ بْنُ طَلْحَةَ وَقَالَ عفَّان فِي حَدِيثِهِ أَنْبَأَنَا عَقِيلُ بْنُ
طَلْحَةَ السُّلَمِيُّ: عَنْ مُسْلِمِ بْنِ هيضم، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم في وَفْدِ كِنْدَةَ - قَالَ عَفَّانُ - لَا يَرَوْنِي أَفْضَلَهُمْ، قال قلت يا رسول الله: أنا ابن عم أَنَّكُمْ مِنَّا.
قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كنانة لا نفقوا أمناً ولا ننتفي من أبينا ".
قال وقال الأشعث: فوالله لا أسمع أحد نَفَى قُرَيْشًا مِنَ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ إِلَّا جَلَدْتُهُ الْحَدَّ (2) .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ.
وَعَنْ هَارُونَ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ نَحْوَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا هَشِيمٌ، أَنْبَأَنَا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ.
قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِي وَفْدِ كِنْدَةَ فَقَالَ لِي: هَلْ لَكَ مِنْ وَلَدٍ؟ قُلْتُ غُلَامٌ وُلِدَ لِي فِي مَخْرَجِي إِلَيْكَ مِنَ ابْنَةِ جَمْدٍ وَلَوَدِدْتُ أَنَّ مَكَانَهُ شَبِعَ الْقَوْمُ.
قَالَ: لَا تَقُولَنَّ ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِمْ قُرَّةَ عَيْنٍ وَأَجْرًا إِذَا قُبِضُوا، ثَمَّ وَلَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ.
تفرَّد بِهِ أَحْمَدُ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ (3) .
قدوم أعشى بن مَازِنٍ عَلَى النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حدَّثني العبَّاس بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: حدَّثني الْجُنَيْدُ بْنُ أُمَيْنِ بْنِ ذِرْوَةَ بْنِ نضلة بن طريف بن نهصل الْحِرْمَازِيُّ، حدَّثني أَبِي أُمَيْنٌ عَنْ أَبِيهِ ذِرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ نَضْلَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ له الأعشى، واسمه عبد الله الْأَعْوَرِ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا مُعَاذَةُ، خَرَجَ فِي رَجَبٍ يَمِيرُ أَهْلَهُ مِنْ هَجَرَ فهربت امرأته بعده ناشزا فعادت بِرَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مُطَرِّفُ بْنُ نَهْشَلِ (4) بْنِ كَعْبِ بْنِ قُمَيْثِعِ (5) بْنِ ذُلَفِ بْنِ أَهْضِمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحِرْمَازِ فَجَعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ لَمْ يَجِدْهَا فِي بيته وأخبر أنها
__________
(1) لا نقفوا أمناً: لا نتبع في نسبنا أمنا.
وقد كان من جدات النبي صلى الله عليه وآله من هي من كندة، قيل هي دعد بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث الكندي، وهي أم كلاب بن مرة، وقيل بل هي جدة كلاب، أم أمه هند (قاله السهيلي) .
(2) رواه البيهقي في الدَّلائل من طريق إسماعيل بن حرب وحجاج ج 5 / 371.
وفي مسند الإمام أحمد ج
5 / 211، 212.
(3) مسند الإمام أحمد ج 5 / 211، 212.
(4) في المسند: مطرف بن بهصل..وفي الاصابة: مطرف بن بهصلة.
(5) في المسند: قميشع وفي الاصابة: قشع.
(*)
(5/86)

نَشَزَتْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا عَاذَتْ بِمُطَرِّفِ بْنِ نَهْشَلٍ، فأتاه فقال: يا بن عم، أعندك امرأتي فَادْفَعْهَا إِلَيَّ قَالَ: لَيْسَتْ عِنْدِي، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدِي لَمْ أَدْفَعْهَا إِلَيْكَ، قَالَ وَكَانَ مُطَرِّفٌ أَعَزَّ مِنْهُ قَالَ: فَخَرَجَ الْأَعْشَى حتَّى أَتَى النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَعَاذَ بِهِ فأنشأ يَقُولُ: يَا سَيدَ النَّاسِ وَديَانَ العربِ * إِليكَ أَشكو ذُرْبَةً مِنَ الذُرَبِ كَالذِئْبَةِ العنساءِ (1) فِي ظِلِّ السربْ * خَرَجتُ أَبْغيها الطَّعامَ فِي رَجَبْ فَخَلَّفتني بِنزاع وَهَربْ * أَخَلَفتِ الوَعدَ وَلَطَّتْ بالذَنَبْ وَقَذَفَتْنِي بَيْنَ عَصرٍ مُؤتَشَبْ * وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غلبْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: " وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ ".
فَشَكَى إِلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَمَا صَنَعَتْ بِهِ وَأَنَّهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مُطَرِّفُ بْنُ نَهْشَلٍ.
فَكَتَبَ لَهُ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: إِلَى مُطَرِّفٍ انْظُرِ امْرَأَةَ هَذَا مُعَاذَةَ فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، فَأَتَاهُ كِتَابُ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَقُرِئَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا مُعَاذَةُ هَذَا كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِيكِ فَأَنَا دَافِعُكِ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: خُذْ لِي عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، أَنْ لَا يُعَاقِبَنِي فِيمَا صَنَعْتُ فَأَخَذَ لَهَا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهَا مُطَرِّفٌ إِلَيْهِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: لَعَمرُكَ مَا حُبِّي مُعاذةَ بِالَّذِي * يُغيرهُ الواشِي وَلَا قِدم العهدِ وَلا سوءَ مَا جاءتْ بِه إذْ أَزالها * غُواةُ الرِجالِ إذْ يُناجونها بَعدِي قُدُومُ صُرَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ ثُمَّ وُفُودِ أَهِلِ جُرَشَ بَعْدَهُمْ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَدِمَ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وفد مِنَ الْأَزْدِ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وأمَّره رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَنْ أَسْلَمَ، مَنْ يَلِيهِ
مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ.
فَذَهَبَ فَحَاصَرَ جُرَشَ (2) وَبِهَا قَبَائِلُ مِنَ الْيَمَنِ وَقَدْ ضَوَتْ إِلَيْهِمْ خَثْعَمُ، حِينَ سَمِعُوا بِمَسِيرِهِ إِلَيْهِمْ فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، فَامْتَنَعُوا فِيهَا مِنْهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُمْ حتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ جَبَلٍ: يُقَالُ لَهُ شَكَرُ فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ وَلَّى عَنْهُمْ مُنْهَزِمًا فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ قَتْلًا شَدِيدًا وَقَدْ كَانَ أَهْلُ جُرَشَ بَعَثُوا مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة فبينما هما عِنْدَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ إِذْ قَالَ بِأَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شَكَرُ فَقَامَ الْجُرَشِيَّانِ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِبِلَادِنَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ كَشَرُ وَكَذَلِكَ تسميه أَهْلُ جُرَشَ فَقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِكَشَرَ وَلَكِنَّهُ شَكَرُ قَالَا فَمَا شَأْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّ بُدْنَ اللَّهِ لَتُنْحَرُ عِنْدَهُ الْآنَ، قَالَ فَجَلَسَ الرَّجُلَانِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَوْ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُمَا، وَيْحَكُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآنَ لَيَنْعَى إليكما قَوْمَكُمَا فَقُومَا إِلَيْهِ فَاسْأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فَيَرْفَعَ عَنْ قَوْمِكُمَا فَقَامَا إِلَيْهِ فَسَأَلَاهُ ذَلِكَ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ " فَرَجَعَا فَوَجَدَا قَوْمَهُمَا قد أصيبوا يوم أخبر
__________
(1) في المسند: الغبشاء.
(انظر الخبر في مسند الإمام أحمد ج 2 / 202) .
(2) جرش: مخلاف من مخاليف اليمن (معجم البلدان) .
(*)
(5/87)

عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَجَاءَ وَفْدُ أَهْلِ جُرَشَ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ وَحَمَى لَهُمْ حَوْلَ قَرْيَتِهِمْ.
قُدُومُ رَسُولِ مُلُوكِ حِمْيَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ كِتَابُ مُلُوكِ حِمْيَرَ وَرُسُلُهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ مَقْدِمَهُ مِنْ تَبُوكَ وَهُمْ: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كُلَالٍ، وَنُعَيْمُ بْنُ عبد كلال والنعمان قيل (1) ذي رعين ومعافر وَهَمْدَانَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ زُرْعَةُ ذُو يَزَنَ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ (2) الرَّهَاوِيَّ بِإِسْلَامِهِمْ وَمُفَارَقَتِهِمُ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ النَّبيّ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان، قيل ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ، أَمَّا بَعْدَ ذَلِكُمْ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هو، فإنه قد وقع نبأ (3) رَسُولُكُمْ مُنْقَلَبَنَا (4) مِنْ أَرْضِ الرُّوم، فَلَقِيَنَا بِالْمَدِينَةِ فبلَّغ ما أرسلتم به، وخبرنا مَا قَبِلَكُمْ،
وَأَنْبَأَنَا بِإِسْلَامِكُمْ وَقَتْلِكُمُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِهُدَاهُ، إِنْ أَصْلَحْتُمْ وَأَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَعْطَيْتُمْ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ، وَسَهْمَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفِيَّهُ، وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَقَارِ عُشْرُ مَا سَقَتِ الْعَيْنُ وَسَقَتِ السَّمَاءُ، وَعَلَى مَا سَقَى الْغَرْبُ (5) نِصْفُ الْعُشْرِ، وَأَنَّ فِي الْإِبِلِ فِي الْأَرْبَعِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ، وَفِي ثَلَاثِينَ مِنَ الْإِبِلِ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَفِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي كُلِّ عَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاتَانِ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وفي كل ثلاثين تَبِيعٌ، جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ.
وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ سَائِمَةٍ وَحْدَهَا شَاةٌ، وَإِنَّهَا فَرِيضَةُ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ، فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ، وَأَشْهَدَ عَلَى إِسْلَامِهِ وَظَاهَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، وَإِنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ مَا لَهُمْ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ عَنْهَا، وعليه الجزية على كل حالم ذكر وأنثى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ دِينَارٌ وَافٍ، مِنْ قِيمَةِ المعافري أو عرضه (6) ثِيَابًا.
فَمَنْ أدَّى ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَإِنَّ لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، وَمَنْ مَنَعَهُ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا النَّبيّ أَرْسَلَ إِلَى زرعة ذي يزن أن إذ أَتَاكَ رُسُلِي فَأُوصِيكُمْ بِهِمْ خَيْرًا: مُعَاذُ بْنُ جبل
__________
(1) قيل: لقب، وهو الملك الذي دون الملك الاكبر، والجمع أقيال.
(2) في الواقدي: ابن مرارة.
(3) في الواقدي وابن هشام: وقع بنا.
(4) في الواقدي: مقفلنا.
والقفول الرجوع من السفر.
(5) في الطبري: المغرب بالميم، والغرب: الدلو العظيمة التي تتخذ من جلد الثور.
(6) في ابن هشام: أو عوضه.
(*)
(5/88)

وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَمَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ نَمِرٍ وَمَالِكُ بْنُ مُرَّةَ وَأَصْحَابُهُمْ، وَأَنِ اجْمَعُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْجِزْيَةِ مِنْ مَخَالِيفِكُمْ وَأَبْلِغُوهَا رُسُلِي، وَإِنَّ أَمِيرَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَا يَنْقَلِبَنَّ إِلَّا
رَاضِيًا، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مُحَمَّدًا يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ أنَّ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرَّهَاوِيَّ قَدْ حَدَّثَنِي أَنَّكَ أَسْلَمْتَ مِنْ أَوَّلِ حِمْيَرَ، وَقَتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ وَآمُرُكَ بِحِمْيَرَ خَيْرًا وَلَا تَخُونُوا وَلَا تَخَاذَلُوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ هُوَ مَوْلَى غَنِيِّكُمْ وَفَقِيرِكُمْ، وَإِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ زَكَاةٌ يُزَكَّى بِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَإِنَّ مَالِكًا قَدْ بَلَّغَ الْخَبَرَ وَحَفِظَ الْغَيْبَ فَآمُرُكُمْ بِهِ خَيْرًا، وَإِنِّي قَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ صَالِحِي أَهْلِي وَأُولِي دِينِهِمْ وَأُولِي عِلْمِهِمْ فَآمُرُكُمْ بِهِمْ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ مَنْظُورٌ إِلَيْهِمْ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ " (1) وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ مَالِكَ ذِي يَزَنَ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةً قَدْ أَخَذَهَا بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ نَاقَةً.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ الصَّيْدَلَانِيِّ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ بِهِ.
وقد روى الحافظ البيهقي ها هنا (2) - حَدِيثَ كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو العبَّاس الْأَصَمُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: هَذَا كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عِنْدَنَا الَّذِي كَتَبَهُ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقِّه أَهْلَهَا وَيُعَلِّمُهُمُ السُّنَّةَ، وَيَأْخُذُ صَدَقَاتِهِمْ فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَعَهْدًا وَأَمَرَهُ فِيهِ أَمْرَهُ، فَكَتَبَ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ من اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بالعقود عَهْدًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعْثِهِ إِلَى الْيَمَنِ آمُرُهُ: بِتَقْوَى اللَّهِ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، فإنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتقوه وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَقِّ، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاس بِالْخَيْرِ وَيَأْمُرَهُمْ بِهِ، وَيُعَلِّمَ النَّاس الْقُرْآنَ ويفقِّههم فِي الدِّينِ، وَأَنْ يَنْهَى النَّاس فَلَا يَمَسَّ أَحَدٌ الْقُرْآنَ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ، وَأَنْ يُخْبِرَ النَّاس بِالَّذِي لَهُمْ وَالَّذِي عَلَيْهِمْ، وَيَلِينُ لَهُمْ فِي الْحَقِّ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ فِي الظُّلْمِ، فَإِنَّ اللَّهَ حرَّم الظلم
__________
(1) الخبر ونص الكتاب في ابن هشام ج 4 / 235 - 236.
وانظره في الطبري 2 / 381، وفتوح البلدان 82، والسيرة الحلبية 3 / 258، وأجزاء منه في طبقات ابن سعد 1 / 356، أبو عبيد في الاموال ص 13 - 27، وأسد الغابة 2 / 146.
في شرح مفردا؟ ؟ وتعابيره: - همدان بطن من كهلان، وهم بنو همدان بن مالك بن زيد، سكنوا اليمن في مخلاف همدان وهو ما بين الغائط وتهامة وسراة شمالي صنعاء.
أسلموا سنة عشر.
- معافر: قبيلة باليمن، وهو معافر بن يعفر بن مالك، بطن من كهلان، وملوك معافر آل الكرندى من سبأ الاصغر، مخلافهم باليمن سمي باسمهم.
قال في النهاية: أنهم من القحطانية.
(2) دلائل النبوة ج 5 / 413.
(*)
(5/89)

ونهى عنه فقال: [تعالى] * (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) *، وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاس بِالْجَنَّةِ وَبِعَمَلِهَا، وَيُنْذِرَ النَّاس النار وعملها، ويستأنف النَّاس حتَّى يتفقَّهوا فِي الدِّينِ، وَيُعَلِّمَ النَّاس معالم الحج، وسننه وفرائضه، وما أمره اللَّهُ بِهِ وَالْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْحَجُّ وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ: وَأَنْ يَنْهَى النَّاس أَنْ يصلِّي الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ صَغِيرٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَاسِعًا فَيُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَيَنْهَى أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَيُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَا يَنْقُضَ (1) شَعْرَ رَأْسِهِ إذا عفى فِي قَفَاهُ، وَيَنْهَى النَّاس إِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ هيج أن يدعو إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ وَلْيَكُنْ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَدْعُ إلى الله ودعى إلى العشائر والقبائل فليعطفوا [فيه] (2) بِالسَّيْفِ حتَّى يَكُونَ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَأْمُرَ النَّاس بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ، وَأَرْجُلَهُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وأن يمسحوا رؤوسهم كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَأُمِرُوا بِالصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (3) وَأَنْ يُغَلَّسَ بِالصُّبْحِ وَأَنْ يُهَجَّرَ بِالْهَاجِرَةِ حتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَصَلَاةُ العصر والشمس في الأرض مبدرة والمغرب حين يقبل الليل لا تُؤَخَّرُ حتَّى تَبْدُوَ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ، وَالْعِشَاءُ أَوَّلُ اللَّيْلِ، [وَأَمَرَهُ بِالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ إِذَا نُودِيَ بِهَا، وَالْغُسْلِ عِنْدَ الرَّوَاحِ إِلَيْهَا] (4) وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَقَارِ فيما سقى المغل (5) وفيما سقت السماء العشر وما سقى الغرب فَنِصْفُ الْعُشْرِ، وَفِي كُلِّ عَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاتَانِ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ وَفِي أَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ وَفِي كُلِّ
ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ سَائِمَةٍ وَحْدَهَا شَاةٌ فَإِنَّهَا فَرِيضَةُ اللَّهِ الَّتِي افْتَرَضَ عَلَى المؤمنين [في الصدقة] (6) فمن زاد فهو خير له، ومن أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ إِسْلَامًا خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ فَدَانَ دِينَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُغَيَّرُ عَنْهَا وَعَلَى كُلِّ حَالِمٍ ذَكَرٍ وأنثى حر أو عبد دينار واف أو عرضه (7) مِنَ الثِّيَابِ فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ ذمة الله ورسوله، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ".
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْصُولًا بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ وَنُقْصَانٍ عَنْ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ والدِّيات وَغَيْرِ ذَلِكَ (8) .
__________
(1) في ابن هشام: يعقص.
وفي الدلائل: يعقد.
(2) من الدلائل.
(3) في الدلائل: الركوع والخشوع، وفي ابن هشام: الركوع والسجود والخشوع.
(4) سقطت من الاصل، واستدركت من الدلائل وابن هشام.
(5) كذا في الاصل المغل، وفي الدلائل: العين.
وابن هشام: ما سقت العين.
(6) من الدلائل.
(7) في ابن هشام والدلائل: عوضه.
(8) سنن البيهقي الكبرى 1 / 88، 309 و 8 / 189 و 10 / 128.
والكتاب في الطبري 2 / 388 وفتوح البلدان = (*)
(5/90)

قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ مُطَوَّلًا، وَأَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي السُّنَنِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَسَنَذْكُرُ بَعْدَ الْوُفُودِ بَعْثَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الْأُمَرَاءَ إِلَى الْيَمَنِ لِتَعْلِيمِ النَّاس وأخذ صدقاتهم وأخماسهم معاذ بن جبل وأبو مُوسَى وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
قُدُومُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ وَإِسْلَامُهُ
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (1) : حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ، حدَّثني يُونُسُ، عَنِ المغيرة بن شبل.
قال: قال جَرِيرٌ: لَمَّا دَنَوْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ أَنَخْتُ رَاحِلَتِي، ثُمَّ حَلَلْتُ عَيْبَتِي، ثُمَّ لَبِسْتُ حُلَّتِي، ثُمَّ دَخَلْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَرَمَانِي النَّاس بِالْحَدَقِ، فَقُلْتُ لِجَلِيسِي يا عبد الله هل ذَكَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: نعم! ذكرك بأحسن الذكر بينما هُوَ يَخْطُبُ إِذْ عُرِضَ لَهُ فِي خُطْبَتِهِ وَقَالَ يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَوْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ، إِلَّا أَنَّ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ قَالَ جَرِيرٌ: فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا أبلاني.
قال أَبُو قَطَنٍ: فَقُلْتُ لَهُ سَمِعْتَهُ مِنْهُ أَوْ سَمِعْتَهُ مِنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شِبْلٍ.
قَالَ نَعَمْ! ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شِبْلٍ - وَيُقَالُ ابْنُ شُبَيْلٍ - عَنْ عَوْفٍ الْبَجَلِيِّ الْكُوفِيِّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرٍ بِقِصَّتِهِ: " يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ " الْحَدِيثُ وَهَذَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ.
قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي.
وَقَدْ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ عن إسماعيل بن خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ زِيَادَةٌ وَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي.
وَقَالَ: " اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا (2) ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْهُ وَزَادَ فِيهِ - يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو: عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَّاكُ،
__________
= للبلاذري ص 80 وفي الجمهرة 1 / 62 وصبح الاعشى 10 / 9، وأبو داود أخرجه في أوَّل كتاب الزكاة وأوعز إليه في الاصابة وقال: أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والدارمي، وابن عبد البر في الاستيعاب وابن الأثير في أسد الغابة 4 / 99.
(1) مسند الامام ج 4 / 360 - 364 وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 / 346 ورواه الطبراني برجال ثقات.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (154) الحديث (3020) ، وفي كتاب المغازي (62) باب الحديث (4355) .
ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (29) باب الحديث (137) .
(*)
(5/91)

حدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ السَّوَّاقُ، حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الْخُرَاسَانِيُّ، حدَّثنا حُصَيْنُ (1) بْنُ عُمَرَ الأحمسي، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد - أو (2) قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ: بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فأتيته] فقال: يا جرير لاي شئ جِئْتَ؟ قُلْتُ: أُسْلِمُ عَلَى يَدَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَأَلْقَى عَلَيَّ كِسَاءً ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ " إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ " ثُمَّ قَالَ: يَا جَرِيرُ أَدْعُوكَ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَأَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.
وَتُصَلِّيَ الصَّلاة الْمَكْتُوبَةَ وتؤدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَرَانِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي (3) ، هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حدَّثنا إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بِهِ.
وَهُوَ فِي الصحيحين من حديث زياد بن علاثة عَنْ جَرِيرٍ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حدَّثنا زَائِدَةُ، ثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ سفيان يَعْنِي - أَبَا وَائِلٍ - عَنْ جَرِيرٍ.
قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْتَرِطْ عَلَيَّ فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالشَّرْطِ قَالَ: " أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وحده لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزكاة، وتنصح المسلم، وتبرأ من الشرك ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ جَرِيرٍ وَفِي طَرِيقٍ أخرى عن الأعمش عن مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ عَنْ جَرِيرٍ بِهِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ وَالشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ بِهِ وَرَوَاهُ عَنْ جَرِيرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ مُنْفَرِدًا بِهِ وَابْنُهُ عُبَيْدُ الله بن جرير أَحْمَدُ أَيْضًا مُنْفَرِدًا بِهِ وَأَبُو جَمِيلَةَ وَصَوَابُهُ نخيلة ورواه أحمد وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ جَرِيرٍ فَذَكَرَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ أَبُو نُخَيْلَةَ الْبَجَلِيُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا
بَعْثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ حِينَ أَسْلَمَ إِلَى ذِي الْخَلَصَةِ بَيْتٍ كَانَ يَعْبُدُهُ خَثْعَمٌ وَبُجَيْلَةُ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ يُضَاهُونَ بِهِ الْكَعْبَةَ الَّتِي بِمَكَّةَ وَيَقُولُونَ لِلَّتِي بِبَكَّةَ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ وَلِبَيْتِهِمْ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ فَحِينَئِذٍ شَكَى إِلَى النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ فِي صَدْرِهِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِيهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا ".
فَلَمْ يَسْقُطْ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ فَرَسٍ وَنَفَرَ إِلَى ذِي الْخَلَصَةِ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ رَاكِبٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَحْمَسَ فَخَرَّبَ ذَلِكَ الْبَيْتَ وَحَرَّقَهُ حتَّى تَرَكَهُ مِثْلَ الْجَمَلِ الْأَجْرَبِ، وَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشِيرًا يُقَالُ لَهُ: أَبُو أَرْطَاةَ فَبَشَّرَهُ بِذَلِكَ فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ وَالْحَدِيثُ مَبْسُوطٌ فِي الصَّحيحين وَغَيْرِهِمَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ بَعْدَ الْفَتْحِ اسْتِطْرَادًا بَعْدَ ذِكْرِ تَخْرِيبِ بَيْتِ الْعُزَّى عَلَى يدي خالد بن
__________
(1) في الدلائل: حسين.
(2) في الدلائل: عن قيس.
(3) دلائل البيهقي ج 5 / 347، ورواه الطبراني وابن سعد عن جرير.
(*)
(5/92)

الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْفَتْحِ (1) بِمِقْدَارٍ جَيِّدٍ.
فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَالَ: حدثنا هشام بْنُ الْقَاسِمِ، حدَّثنا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن علاثة بن عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ.
قَالَ: إنما أسلمت بعدما أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ وَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح بعدما أَسْلَمْتُ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَهُوَ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا بَيْنَ مُجَاهِدٍ وَبَيْنَهُ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ فِي مَسْحِ الْخُفِّ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، وَسَيَأْتِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ اسْتَنْصِتِ النَّاس يَا جَرِيرُ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا وَكَانَ ذَا شَكْلٍ عَظِيمٍ كَانَتْ نَعْلُهُ طُولُهَا ذِرَاعٌ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا وَكَانَ مَعَ هَذَا مِنْ أَغَضِّ النَّاس طَرْفًا.
وَلِهَذَا رَوَيْنَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَنْ نَظَرِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ أَطْرِقْ بَصَرَكَ.
وِفَادَةُ وَائِلِ بْنِ حُجْرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ يعمر الحضرمي ابن (2) هُنَيْدٍ أَحَدِ مُلُوكِ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ أَحَدَ أَقْيَالِ حَضْرَمَوْتَ وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ مُلُوكِهِمْ، وَيُقَالُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بَشَّرَ أَصْحَابَهُ قَبْلَ قُدُومِهِ بِهِ وَقَالَ يَأْتِيكُمْ بَقِيَّةُ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ فَلَمَّا دَخَلَ رَحَّبَ بِهِ، وَأَدْنَاهُ مِنْ نَفْسِهِ وَقَرَّبَ مَجْلِسَهُ وَبَسَطَ لَهُ رِدَاءَهُ وَقَالَ: " اللَّهم بارك في وائل وولده وولده وَلَدِهِ " وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَقْيَالِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَكَتَبَ مَعَهُ ثَلَاثَ كُتُبٍ، مِنْهَا كِتَابٌ إِلَى الْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ.
وَكِتَابٌ إِلَى الْأَقْيَالِ وَالْعَبَاهِلَةِ وَأَقْطَعَهُ أَرْضًا وَأَرْسَلَ مَعَهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سفيان.
فخرج معه راجلا فشكى إليه حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَقَالَ: انْتَعِلْ ظِلَّ النَّاقَةِ فَقَالَ: وَمَا يُغْنِي عَنِّي ذَلِكَ لَوْ جَعَلْتَنِي رِدْفًا.
فَقَالَ لَهُ وَائِلٌ: اسْكُتْ فَلَسْتَ مِنْ أَرْدَافِ الْمُلُوكِ ثُمَّ عَاشَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ حتَّى وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَعَرَفَهُ مُعَاوِيَةُ فَرَحَّبَ بِهِ وقرَّبه وَأَدْنَاهُ وَأَذْكَرَهُ الْحَدِيثَ وَعَرَضَ عَلَيْهِ جَائِزَةً سَنِيَّةً فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا، وَقَالَ أَعْطِهَا مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنِّي (3) .
وَأَوْرَدَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ بَعْضَ هَذَا وَأَشَارَ إِلَى أن البخاري
__________
(1) جابر بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلبة البجلي الصحابي يكنى أبا عمرو، وقيل يكنى: أبا عبد الله.
اختلف في وقت إسلامه، انظر الروايات المختلفة في ذلك: الاصابة ج 1 / 232 والاستيعاب لابن عبد البر على هامش الاصابة 1 / 232 وأسد الغابة ج 1 / 279.
(2) في الاستيعاب وأسد الغابة، أبو هنيدة.
(3) الخبر في الاستيعاب على هامش الاصابة 3 / 642 وانظر ترجمته في أُسد الغابة 5 / 80 والاصابة 3 / 628.
ودلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 349، وانظر التاريخ الكبير للبخاري (4 / 175 - 176) ورواه الطبراني، والبزار وأبو نعيم بنحوه.
وابن سعد في الطبقات 1 / 349 في وفد حضرموت.
أما الكتب التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم لوائل بن حجر: - من المعجم الصغير للطبراني ص 243، ومعجم البلدان مادة (يبعث) فيه: (*)
(5/93)

فِي التَّارِيخِ رَوَى فِي ذَلِكَ شَيْئًا.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ
حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أقطعه أرضاً قال وأرسل معي معاوية أن أعطيها إِيَّاهُ - أَوْ قَالَ أَعْلِمْهَا إِيَّاهُ - قَالَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ أَرْدِفْنِي خَلْفَكَ فَقُلْتُ لَا تَكُونُ مِنْ أَرْدَافِ الْمُلُوكِ قَالَ فَقَالَ أَعْطِنِي نَعْلَكَ فَقُلْتُ انْتَعِلْ ظِلَّ النَّاقَةِ قَالَ فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ مُعَاوِيَةُ أَتَيْتُهُ فَأَقْعَدَنِي مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ فَذَكَّرَنِي الْحَدِيثَ - قَالَ سِمَاكٌ - فَقَالَ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ حَمْلَتُهُ بَيْنَ يَدَيَّ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ صَحِيحٌ.
وِفَادَةُ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ الْمُنْتَفِقِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: كَتَبَ إِلَيَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ: كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ عَرَضْتُهُ وَسَمِعْتُهُ عَلَى ما كتبت به إليك فحدث
__________
= * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله إلى المهاجر بن أبي أمية لابناء معشر أبناء ضمعاج، أقول شنوءة.
بما كان لهم فيها من ملك وموامر وعمران، وبحر وملحح ومحجر، وما كان لهم من مال أترثوه بايعت، ومالهم فيها من مال بحضرموت: أعلاها وأسفلها، مني الذمة والجوار، الله لهم جوار، والمؤمنون على ذلك أنصار.
- الصواب: أقوال شبوة.
وتروى الاقيال جمع قيل، ملك بلغة حمير.
- قوله موامر: الصواب مرامر، وهو الاراضي العامرة، وفي النهاية ومعجم البلدان: مزاهر.
- من البيان والتبيين للجاحظ ج 2 / 21، والعقد الفريد باب الوفود، ونهاية الارب للقلقشندي ص 220 ومعجم الطبراني الصغير ص 243 والطبقات الكبرى لابن سعد 1 / 287 وأسد الغابة 3 / 38.
* بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله إلى الاقيال العباهلة من أهل حضرموت، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، على التيعة السائمة شاة، والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، لا خلاط، ولا وراط، ولا شناق، ولا شغار، ولا جلب، ولا جنب، وعليهم العون.
لسرايا المسلمين، على كل عشرة ما تحمل العراب فمن أجبى فقد أربى وكل مسكر حرام.
شرح مفرداته: - التيعة: اسم لادنى ما يجب فيه الزكاة من الحيوان.
- التيمة: الشاة الزائدة على الاربعين حتى تبلغ الفريضة الاخرى.
- السيوب: الركاز، قال الزمخشري: يريد به المال المدفون في الجاهلية، أو المعدن - خلاط: خلط الرجل ابله بإبل غيره - وراط: اخفاء الغنم عن المصدق، والشناق: هو ما بين الخمس إلى التسع.
والشغار: نكاح معروف في الجاهلية.
- من طبقات ابن سعد ج 1 / 287 و 349.
* هذا كتاب من محمد النبي لوائل بن حجر قيل حضرموت وذلك انك أسلمت وجعلت لك ما في يديك من الارضين والحصون وانه يؤخذ منك من كل عشرة واحد ينظر في ذلك ذو عدل وجعلت لك أن لا تظلم فيها ما قام الدين والنبي والمؤمنون عليه أنصار.
(*)
(5/94)

بِذَلِكَ عَنِّي.
قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المغيرة الحزامي، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَيَّاشٍ السَّمَعِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْقُبَائِيُّ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ دَلْهَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ دَلْهَمٌ: وحدَّثنيه أَبِي الْأَسْوَدُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ أَنَّ لَقِيطًا خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ قَالَ لَقِيطٌ فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبِي حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة انْسِلَاخَ رَجَبٍ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَافَيْنَاهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ فَقَامَ فِي النَّاس خَطِيبًا.
فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاس أَلَا إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكُمْ صَوْتِي مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أَلَا لَأُسْمِعَنَّكُمْ أَلَا فَهَلْ مِنَ امْرِئٍ بَعَثَهُ قَوْمُهُ " فَقَالُوا اعْلَمْ لَنَا مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ أَلَا ثُمَّ لَعَلَّهُ أَنْ يُلْهِيَهُ حَدِيثُ نَفْسِهِ، أَوْ حَدِيثُ صَاحِبِهِ، أَوْ يُلْهِيَهُ الضَّلَالُ أَلَا إني مسؤول هل بلغت ألا فاسمعوا تَعِيشُوا أَلَا اجْلِسُوا أَلَا اجْلِسُوا (قَالَ) فَجَلَسَ النَّاس وَقُمْتُ أَنَا وَصَاحِبِي حتَّى إِذَا فَرَغَ لَنَا فُؤَادُهُ وَبَصَرُهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَكَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ؟ فَضَحِكَ لَعَمْرُ اللَّهِ وهزَّ رَأْسَهُ وَعَلِمَ أَنِّي أَبْتَغِي لِسَقْطِهِ.
فَقَالَ: " ضَنَّ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَفَاتِيحِ خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ " وَأَشَارَ بِيَدِهِ قُلْتُ وَمَا هِيَ؟ قَالَ عِلْمُ الْمَنِيَّةِ قَدْ عَلِمَ مَتَى مَنِيَّةُ أَحَدِكُمْ وَلَا تَعْلَمُونَهُ.
وَعِلْمُ [الْمَنِيِّ حِينَ يَكُونُ فِي الرَّحِمِ قَدْ
عَلِمَهُ وَلَا تَعْلَمُونَ وَعِلْمُ] مَا فِي غَدٍ وَمَا أَنْتَ طَاعِمٌ غَدًا وَلَا تَعْلَمُهُ، وَعِلْمُ يَوْمِ الْغَيْثِ يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ آزِلِينَ مُسْنِتِينِ (1) فَيَظَلُّ يَضْحَكُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَكُمْ إِلَى قَرِيبٍ ".
قَالَ لَقِيطٌ: قُلْتُ لَنْ نَعْدَمَ مِنْ ربٍّ يضحك خيراً - وعلم يو الساعة.
قلنا (2) : يا رسول الله علِّمنا مما لا يعلم النَّاس ومما تَعْلَمُ، فَأَنَا مِنْ قَبِيلٍ لَا يُصَدِّقُونَ تَصْدِيقَنَا أَحَدٌ، مِنْ مَذْحِجٍ الَّتِي تَرْبُوا عَلَيْنَا وَخَثْعَمٍ الَّتِي تَوَالِينَا وَعَشِيرَتِنَا الَّتِي نَحْنُ مِنْهَا قَالَ: تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ثُمَّ يُتَوَفَّى نَبِيُّكُمْ، ثُمَّ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ثُمَّ تُبْعَثُ الصَّائِحَةُ، لَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا من شئ إلا مات، والملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك عز وجل يطوف بالأرض وَقَدْ خَلَتْ عَلَيْهِ الْبِلَادُ، فَأَرْسَلَ رَبُّكُ السَّمَاءَ تَهْضِبُ مِنْ عِنْدِ الْعَرْشِ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ مَصْرَعِ قَتِيلٍ وَلَا مَدْفَنِ مَيِّتٍ إِلَّا شَقَّتِ الْقَبْرَ عَنْهُ تخلقه مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، فَيَسْتَوِي جَالِسًا فَيَقُولُ رَبُّكَ عز وجل مهيم؟ لما كان فيه - يقول: يا رب أمس اليوم، فلعهده بالحياة يتحسبه حَدِيثًا بِأَهْلِهِ.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يجمعنا بعدما تفرقنا الرِّيَاحُ وَالْبِلَى وَالسِّبَاعُ.
فَقَالَ: أُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ في آلاء اللَّهَ فِي الْأَرْضِ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ مَدَرَةٌ بَالِيَةٌ فَقُلْتَ لا تحي أَبَدًا.
ثُمَّ أَرْسَلَ رَبُّكَ عَلَيْهَا السَّمَاءَ فَلَمْ تَلْبَثْ عَلَيْكَ [إِلَّا] أَيَّامًا حتَّى أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وهي شرية (3) وَاحِدَةٌ فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَكُمْ مِنَ الْمَاءِ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الْأَرْضِ فَتَخْرُجُونَ من الأصواء (4) ومن مصارعكم فنتظرون إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ.
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله
__________
(1) الازل: الشدة، والمسنتين: من أصابتهم السنة - أي القحط.
(2) في المسند: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنَا مِمَّا تُعَلِّمُ الناس وما تعلم.
(3) الشرية: شجر الحنظل، والشرية بفتح الراء: الطريقة.
(4) الاصواء: القبور (*)
(5/95)

وَكَيْفَ وَنَحْنُ مَلْءُ الْأَرْضِ، وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ شَخْصٌ وَاحِدٌ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَنَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: أُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَةٌ مِنْهُ صَغِيرَةٌ تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا، وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَرَاكُمْ وَتَرَوْنَهُ مِنْ أَنْ تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا يَفْعَلُ [بِنَا] رَبُّنَا إِذَا لَقِينَاهُ؟ قَالَ تُعْرَضُونَ عَلَيْهِ بَادِيَةً لَهُ
صحائفكم ولا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، فَيَأْخُذُ رَبُّكَ عَزَّ وجل بيده غرفة من الماء فينضح قبلكم بها، فلعمر إلهك ما يخطئ وَجْهَ أَحَدِكُمْ مِنْهَا قَطْرَةٌ فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَتَدَعُ على وَجْهَهُ مِثْلَ الرَّيْطَةِ (1) الْبَيْضَاءِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَخْطِمُهُ بِمِثْلِ الْحُمَمِ الْأَسْوَدِ أَلَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ نَبِيُّكُمْ، وَيَنْصَرِفُ عَلَى أَثَرِهِ الصَّالِحُونَ فَتَسْلُكُونَ جِسْرًا مِنَ النَّارِ فَيَطَأُ أَحَدُكُمُ الْجَمْرَ فَيَقُولُ حَسِّ فَيَقُولُ ربك عز وجل أوانه (2) فتطلعون على حوض الرسول على أطماء وَاللَّهِ نَاهِلَةٍ عَلَيْهَا مَا رَأَيْتُهَا قَطُّ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَا يَبْسُطُ وَاحِدٌ مِنْكُمْ يَدَهُ إِلَّا وَقَعَ عَلَيْهَا قَدَحٌ يُطَهِّرُهُ مِنَ الطَّوْفِ وَالْبَوْلِ وَالْأَذَى وَتُحْبَسُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فَلَا تَرَوْنَ مِنْهُمَا وَاحِدًا قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله فيمَ نبصر؟ قال مثل بَصَرِكَ سَاعَتَكَ هَذِهِ، وَذَلِكَ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ في يوم أشرقته الْأَرْضُ وَوَاجَهَتْهُ الْجِبَالُ.
قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ فيمَ نجزي من سيآتنا وَحَسَنَاتِنَا.
قَالَ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ.
قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِمَّا الْجَنَّةُ وَإِمَّا النَّارُ.
قَالَ: لَعَمْرُ إلهك إِنَّ لِلنَّارِ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ مَا مِنْهُنَّ [بَابَانِ] (3) إِلَّا يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا [وَإِنَّ لِلْجَنَّةِ لَثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مَا مِنْهَا بَابَانِ إِلَّا يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا] قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فعلامَ نَطَّلِعُ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ: عَلَى أَنْهَارٍ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وأنها مِنْ كَأْسٍ، مَا بِهَا مِنْ صُدَاعٍ وَلَا نَدَامَةٍ وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَمَاءٌ غَيْرُ آسِنٍ وَفَاكِهَةٍ لَعَمْرُ إِلَهِكَ، مَا تَعْلَمُونَ وَخَيْرٍ مِنْ مِثْلِهِ مَعَهُ، وَأَزْوَاجٍ مُطَهَّرَةٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَنَا فِيهَا أَزْوَاجٌ أَوَ مِنْهُنَّ مُصْلِحَاتٌ قَالَ: الصَّالِحَاتُ لِلصَّالِحِينَ تَلَذُّونَهُنَّ مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذونكم غير أن لا توالد.
قال لقيط: قلت أَقْصَى مَا نَحْنُ بَالِغُونَ وَمُنْتَهُونَ إِلَيْهِ [فَلَمْ يُجِبْهُ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم] قُلْتُ: يا رسول الله علام أبايعك فبسط [النَّبيّ] يَدَهُ وَقَالَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وزيال الشرك، وَأَنْ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ.
قَالَ قُلْتُ: وَإِنَّ لَنَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَقَبَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَدَهُ وبسط أصابعه وَظَنَّ أَنِّي مُشْتَرِطٌ شَيْئًا لَا يُعْطِينِيهِ.
قَالَ قلت: تحل منها حيث شئناً ولا يجني منها امْرُؤٌ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، فَبَسَطَ يَدَهُ وَقَالَ: وذلك لك تحل حيث شئت ولا تجئ عَلَيْكَ إِلَّا نَفْسُكَ قَالَ فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ.
ثُمَّ قال: إن هذين من [لعمر إلهك] أَتْقَى النَّاس [فِي] الْأُولَى وَالْآخِرَةِ فَقَالَ: لَهُ كَعْبُ بْنُ الخدارية أحد بني كلاب منهم: يا رسول الله بنو المنتفق أهل ذلك منهم؟ قال: فانصرفنا
وأقبلت عليه - وذكر تمام الحديث إلى أن قال - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ مضى خير في
__________
(1) الريطة: الثوب اللين الرقيق.
(2) الاوان: الحين والزمان.
(3) من مسند أحمد، وفي الاصل: باب.
(*)
(5/96)

جاهليته قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ قُرَيْشٍ: وَاللَّهِ إِنَّ أَبَاكَ الْمُنْتَفِقَ لَفِي النَّارِ، قَالَ: فَلَكَأَنَّهُ وقع حر بين جلدتي وجهي ولحمي مما قال.
لأني على رؤس النَّاس فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ وَأَبُوكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا الْأُخْرَى أَجْمَلُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَأَهْلُكُ؟ قَالَ: وَأَهْلِي لَعَمْرُ اللَّهِ، مَا أَتَيْتَ [عَلَيْهِ] (1) مِنْ قَبْرِ عَامِرِيٍّ أَوْ قُرَشِيٍّ مِنْ مُشْرِكٍ فَقُلْ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ فَأُبَشِّرُكَ بِمَا يَسُوءُكَ تُجَرُّ عَلَى وَجْهِكَ، وَبَطْنِكَ فِي النَّار.
قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ وَقَدْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لَا يُحْسِنُونَ إِلَّا إِيَّاهُ وَقَدْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُصْلِحُونَ.
قَالَ: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يبعث فِي آخِرِ كُلِّ سَبْعِ أُمَمٍ - يَعْنِي نَبِيًّا - فَمَنْ عَصَى نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَمَنْ أَطَاعَ نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الْمُهْتَدِينَ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَأَلْفَاظُهُ فِي بَعْضِهَا نَكَارَةٌ وَقَدْ أخرجه الحافظ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَعَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ فِي الْعَاقِبَةِ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ فِي أَحْوَالِ الْآخِرَةِ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وِفَادَةُ زِيَادِ بن الحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أبو أحمد (2) الاسد اباذي بِهَا أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ [أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ] بْنِ مَالِكِ القطيعي [حدثنا: أَبُو عَلِيٍّ: بِشْرُ بْنُ مُوسَى] حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيُّ، سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ يحدِّث.
قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَبَايَعْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَدْ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى قَوْمِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ارْدُدِ الْجَيْشَ وَأَنَا لَكَ بِإِسْلَامِ قَوْمِي وَطَاعَتِهِمْ.
فَقَالَ لِيَ: اذْهَبْ فَرُدَّهُمْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ رَاحِلَتِي قَدْ كلَّت، فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَرَدَّهُمْ.
قَالَ
الصُّدَائِيُّ: وَكَتَبْتُ إِلَيْهِمْ كِتَابًا فَقَدِمَ وَفْدُهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: يَا أَخَا صُدَاءٍ! إِنَّكَ لمطاع في قومك، فقلت بل هو الله هداهم للإسلام فقال: " أفلا أومرك عليهم " قلت: بلى يا رسول الله، فَكَتَبَ لِي كِتَابًا أمَّرني.
فَقُلْتُ.
يَا رَسُولَ الله مر لي بشئ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ، قَالَ: نَعَمْ! فَكَتَبَ لِي كِتَابًا آخَرَ.
قَالَ الصُّدَائِيُّ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ.
فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَنْزِلًا فَأَتَاهُ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ يَشْكُونَ عاملهم، ويقولون: أخذنا بشئ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَقَالَ رسول الله: أَوَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ! فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَنَا فِيهِمْ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي الْإِمَارَةِ لِرَجُلٍ مُؤْمِنٍ، قَالَ الصُّدَائِيُّ: فَدَخَلَ قَوْلُهُ فِي نَفْسِي، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ سَأَلَ النَّاس عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَصُدَاعٌ فِي الرَّأْسِ وَدَاءٌ فِي الْبَطْنِ ".
فقال السائل: أعطني من الصدقة، فقال رسول الله إِنَّ [اللَّهَ] لَمْ يرضَ فِي الصَّدَقَاتِ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ حتَّى حَكَمَ هُوَ فِيهَا، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ
__________
(1) ما وقع بين معكوفتين في الحديث من مسند الإمام أحمد ج 4 / 13، 14 (2) الاسد أبادي واسمه الحسين بن علوش بن محمد بن نصر.
(*)
(5/97)

الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ.
قَالَ الصُّدَائِيُّ: فَدَخَلَ ذَلِكَ فِي نَفْسِي أَنِّي غَنِيٌّ وَأَنِّي سَأَلْتُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ، قال: ثم أن رسول الله اعْتَشَى (1) مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ فَلَزِمْتُهُ، وَكُنْتُ قَرِيبًا، فَكَانَ أَصْحَابُهُ يَنْقَطِعُونَ عَنْهُ، وَيَسْتَأْخِرُونَ مِنْهُ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ أَحَدٌ غَيْرِي، فَلَمَّا كَانَ أَوَانُ صَلَاةِ الصُّبْحِ، أَمَرَنِي فأذَّنت، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أُقِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَجَعَلَ يَنْظُرُ نَاحِيَةَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْفَجْرِ، وَيَقُولُ: لَا، حتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَزَلَ فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيَّ وَهُوَ مُتَلَاحِقٌ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ مِنْ مَاءٍ يَا أخا صُداءٍ؟ قلت: لا إلا شئ قَلِيلٌ لَا يَكْفِيكَ، فَقَالَ: اجْعَلْهُ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ ائْتِنِي بِهِ، فَفَعَلْتُ فَوَضَعَ كفَّه فِي الْمَاءِ قَالَ: فَرَأَيْتُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ عَيْنًا تَفُورُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: " لَوْلَا أَنِّي أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ لَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا " نَادِ فِي أَصْحَابِي من له حاجة في الماء، فناديث فِيهِمْ فَأَخَذَ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ شَيْئًا ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ له رسول الله: إِنَّ أَخَا
صُدَاءٍ أذَّن وَمَنْ أذَّن فَهُوَ يُقِيمُ ".
قَالَ الصُّدَائِيُّ: فَأَقَمْتُ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ الله الصَّلَاةَ أَتَيْتُهُ بِالْكِتَابَيْنِ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْفِنِي مِنْ هَذَيْنِ.
فَقَالَ: مَا بَدَا لَكَ؟ فَقُلْتُ سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُولُ: لَا خير في الإمارة لرجل مؤمن، وأنا أو من بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَسَمِعْتُكَ تَقُولُ لِلسَّائِلِ: مَنْ سَأَلَ النَّاس عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَهُوَ صُدَاعٌ فِي الرَّأْسِ وَدَاءٌ فِي الْبَطْنِ، وَسَأَلْتُكَ وَأَنَا غَنِيٌّ.
فَقَالَ: هُوَ ذَاكَ فَإِنْ شِئْتَ فَاقْبَلْ وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ فَقُلْتُ أَدَعُ فَقَالَ لِي رَسُولُ الله: فَدُلَّنِي عَلَى رَجُلٍ أُؤَمِّرُهُ عَلَيْكُمْ فَدَلَلْتُهُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ فأمَّره عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَنَا بِئْرًا إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ وَسِعَنَا مَاؤُهَا، وَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ الصَّيف قلَّ مَاؤُهَا فتفرَّقنا على مياه حولنا، فقد أَسْلَمْنَا وَكُلُّ مَنْ حَوْلَنَا عَدُوٌّ، فَادْعُ اللَّهَ لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق! فدعا سبع حَصَيَاتٍ فَعَرَكَهُنَّ بِيَدِهِ وَدَعَا فِيهِنَّ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْحَصَيَاتِ فَإِذَا أَتَيْتُمُ الْبِئْرَ فَأَلْقُوا وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَاذْكُرُوا اللَّهَ.
قَالَ الصُّدَائِيُّ: فَفَعَلْنَا مَا قَالَ لَنَا فَمَا اسْتَطَعْنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى قَعْرِهَا - يَعْنِي الْبِئْرَ (2) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بَعَثَ بَعْدَ عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى بِلَادِ صُدَاءٍ فَيُوَطِّئُهَا، فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ فَقَالَ جِئْتُكَ لِتَرُدَّ عَنْ قَوْمِي الْجَيْشَ وَأَنَا لَكَ بِهِمْ، ثُمَّ قَدِمَ وَفْدُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ رَأَى مِنْهُمْ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مِائَةَ رَجُلٍ، ثُمَّ رَوَى الْوَاقِدِيُّ: عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قِصَّتَهُ فِي الاذان.
__________
(1) اعتشى: أي سار وقت العشاء.
(2) خبر قدوم زياد رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 355 ورواه البغوي وابن عساكر وحسنه، ونقله الصالحي في السيرة الشامية 6 / 532.
وعن الواقدي روى ابن سعد في الطبقات ج 1 / 326 - 327.
أجزاء منه.
(*)
(5/98)

وِفَادَةُ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانٍ الْبَكْرِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حدَّثني أَبُو الْمُنْذِرِ: سَلَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّحْوِيُّ،
حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ الْحَارِثِ الْبَكْرِيُّ.
قَالَ: خَرَجْتُ أَشْكُو الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَمَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا عَجُوزٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطِعٌ بِهَا.
فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إنَّ لِي إِلَى رَسُولِ الله حَاجَةً فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغِي إِلَيْهِ؟ قَالَ: فَحَمَلْتُهَا فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا الْمَسْجِدُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، وَإِذَا رَايَةٌ سَوْدَاءُ تَخْفِقُ وَبِلَالٌ مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاس؟ قَالُوا: يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَجْهًا.
قَالَ: فَجَلَسْتُ مَنْزِلَهُ أَوْ قَالَ رَحْلَهُ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ: هَلْ كَانَ بَيْنَكُمْ وبين تميم شئ؟ قُلْتُ: نَعَمْ! وَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَيْهِمْ وَمَرَرْتُ بِعَجُوزٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطِعٍ بِهَا فَسَأَلَتْنِي أَنْ أَحْمِلَهَا إِلَيْكَ وَهَا هِيَ بِالْبَابِ، فَأَذِنَ لَهَا فَدَخَلَتْ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ تَمِيمٍ حَاجِزًا فَاجْعَلِ الدَّهْنَاءَ، فَحَمِيَتِ الْعَجُوزُ وَاسْتَوْفَزَتْ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ يُضْطَرُّ مُضَرَكَ قَالَ قُلْتُ: إِنَّ مِثْلِي مَا قَالَ الْأَوَّلُ مِعْزًى حَمَلَتْ حَتْفَهَا حَمَلْتُ هَذِهِ وَلَا أَشْعُرُ أَنَّهَا كَانَتْ لِي خَصْمًا أَعُوذُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ أَكُونَ كَوَافِدِ عاد.
قالت: هي وما وافد عاد؟ وهي أعلم بالحديث منه ولكن تستطعمه.
قُلْتُ: إِنَّ عَادًا قُحِطُوا فَبَعَثُوا وَافِدًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ قَيْلٌ فَمَرَّ بِمُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرًا يَسْقِيهِ الْخَمْرَ وَتُغَنِّيهِ جَارِيَتَانِ يقال الْجَرَادَتَانِ، فَلَمَّا مَضَى الشَّهْرُ خَرَجَ إِلَى جِبَالِ مهرة (1) فقال: اللهم إنك تعلم لَمْ أَجِئْ إِلَى مَرِيضٍ فَأُدَاوِيَهُ، وَلَا إِلَى أَسِيرٍ فَأُفَادِيَهُ، اللَّهُمَّ اسْقِ عَادًا مَا كُنْتَ تَسْقِيهِ.
فَمَرَّتْ بِهِ سَحَابَاتٌ سُودٌ فَنُودِيَ مِنْهَا اخْتَرْ فَأَوْمَأَ إِلَى سَحَابَةٍ مِنْهَا سَوْدَاءَ فَنُودِيَ مِنْهَا: خُذْهَا رَمَادًا رِمْدَدًا، لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا.
قَالَ: فَمَا بَلَغَنِي أَنَّهُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَجْرِي فِي خَاتَمِي هَذَا حتَّى هَلَكُوا قَالَ - أَبُو وَائِلٍ وَصَدَقَ - وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ أَوِ الرَّجُلُ إِذَا بَعَثُوا وَافِدًا لهم قالوا: لا يكن كَوَافِدِ عَادٍ.
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُنْذِرِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنِ الْحَارِثِ الْبَكْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا وَائِلٍ وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ عَاصِمِ عَنِ الْحَارِثِ وَالصَّوَابُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ الْحَارِثِ كَمَا تقدَّم (2) .
وِفَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ (3) مَعَ قومه
قال أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ السُّوسِيُّ، أَنْبَأَنَا أبو
__________
(1) في رواية أبي وائل: جبال تهامة.
(2) مسند الإمام أحمد ج 3 / 481 و 482.
(3) اخنلفوا في نسبه، قال الكلبي: هو عبد الرحمن بن أبي عقيل بن مسعود بن معتب بن مالك كعب بن عمرو بن = (*)
(5/99)

جَعْفَرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البغدادي، أنبأنا علي بن الجعد (1) عَبْدُ الْعَزِيزِ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، ثَنَا أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ الْأَسَدِيُّ، ثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ.
قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَتَيْنَاهُ فأنخنا بالباب، وما في النَّاس رجل أَبْغَضُ إِلَيْنَا مِنْ رَجُلٍ نَلِجُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دخلنا وخرجنا فما فِي النَّاس رَجُلٌ أحبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَجُلٍ دَخَلْنَا عَلَيْهِ.
قَالَ: فَقَالَ قَائِلٌ مِنَّا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا سَأَلْتَ رَبَّكَ مُلْكًا كَمُلْكِ سُلَيْمَانَ؟ قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قال: " فلعل صاحبك عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلَ مِنْ مُلْكِ سُلَيْمَانَ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا أَعْطَاهُ دَعْوَةً، فَمِنْهُمْ مَنِ اتَّخَذَهَا دُنْيَا فَأُعْطِيَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ دَعَا بِهَا عَلَى قَوْمِهِ إِذْ عَصَوْهُ فَأُهْلِكُوا بِهَا، وإنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي دَعْوَةً فَاخْتَبَأْتُهَا عِنْدَ رَبِّي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (2) .
قدوم طارق بن عبيد اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ رَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ طَرِيقِ أبي جناب الْكَلْبِيِّ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ الْمُحَارِبِيِّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي يُقَالُ لَهُ طَارِقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَهُوَ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاس قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ " وهو يقول " يا أيها النَّاس إنه كذاب " فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، يَزْعُمُ أنَّه رَسُولُ اللَّهِ قَالَ قُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُ بِهِ هَذَا.
قَالُوا: هَذَا عمَّه عَبْدُ العزَّى، قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ النَّاس وَهَاجَرُوا خَرَجْنَا مِنَ الرَّبَذَةِ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ نَمْتَارُ مِنْ تَمْرِهَا، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ حِيطَانِهَا وَنَخْلِهَا، قَلْتُ: لَوْ نَزَلْنَا فَلَبِسْنَا ثِيَابًا غَيْرَ هَذِهِ، إِذَا رَجُلٌ فِي طِمْرَيْنِ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ
أَقْبَلَ الْقَوْمُ؟ قُلْنَا: مِنَ الرَّبَذَةِ، قَالَ: وَأَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قُلْنَا، نُرِيدُ هَذِهِ الْمَدِينَةَ.
قَالَ: مَا حَاجَتُكُمْ مِنْهَا؟ قُلْنَا: نَمْتَارُ مِنْ تَمْرِهَا، قَالَ: وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ لَنَا ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعوني جَمَلَكُمْ هَذَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ! بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
قَالَ: فَمَا اسْتَوْضَعَنَا مِمَّا قُلْنَا شيئاً، وأخذ بخطام الجمل وانطلق، فَلَمَّا تَوَارَى عَنَّا بِحِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَنَخْلِهَا، قُلْنَا مَا صَنَعْنَا وَاللَّهِ مَا بِعْنَا جَمَلَنَا مِمَّنْ يعرف وَلَا أَخَذْنَا لَهُ ثَمَنًا قَالَ: تَقُولُ الْمَرْأَةُ الَّتِي مَعَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ وَجْهَهُ شُقَّةُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ أَنَا ضَامِنَةٌ لثمن جملكم، إذ أقبل الرجل فقال: [أنا] رسولُ الله إِلَيْكُمْ، هَذَا تَمْرُكُمْ فَكُلُوا وَاشْبَعُوا وَاكْتَالُوا وَاسْتَوْفُوا، فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا فاستوفينا، ثُمَّ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاس، فَأَدْرَكْنَا مِنْ خُطْبَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: " تَصَدَّقُوا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ خَيْرٌ لَكُمْ، الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ وَأَدْنَاكَ أَدْنَاكَ.
إِذْ
__________
= سعد بن عوف بن ثقيف، وأجمعوا على أنه من ثقيف وان له صحبة.
قال في الاستيعاب: له صحبة صحيحة.
(1) في الدلائل: علي بن عبد العزيز.
(2) الخبر في الدلائل للبيهقي ج 5 / 358.
ورواه ابن منده والطبراني والبزار برجال ثقات.
(*)
(5/100)

أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ أَوْ قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَنَا فِي هَؤُلَاءِ دِمَاءٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَقَالَ: " إنَّ أَبًا لَا يَجْنِي عَلَى وَلَدٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " (1) .
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فَضْلَ الصَّدَقَةِ مِنْهُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ بِبَعْضِهِ.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عبد الجبار، عن يونس بن بُكَيْرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ جَامِعٍ عَنْ (2) طَارِقٍ بِطُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ فِيهِ فَقَالَتِ الظَّعِينَةُ: لَا تَلَاوَمُوا فَلَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ لَا يَغْدِرُ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مِنْ وَجْهِهِ.
قُدُومُ وَافِدِ فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْجُذَامِيِّ صَاحِبِ بِلَادِ مُعَانَ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبَعَثَ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ النَّافِرَةِ الْجُذَامِيُّ، ثُمَّ النُّفَاثِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم رَسُولًا بِإِسْلَامِهِ وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَانَ فَرْوَةُ عَامِلًا لِلرُّومِ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ مُعَانَ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ الرُّوم ذَلِكَ مِنْ إِسْلَامِهِ طَلَبُوهُ حتَّى أخذه فَحَبَسُوهُ عِنْدَهُمْ.
فَقَالَ فِي مَحْبِسِهِ ذَلِكَ: طَرِقَتْ سُليمى مَوهَنا أصحَابي * والرُّومُ بَيْنَ البابِ وَالقَرَوانِ (3) صدَ الخَيالُ وساءهُ مَا قَدْ رَأَى * وَهممْتُ أَنْ أَغْفَى وَقَدْ أَبْكَاني لَا تَكْحَلَنَّ الْعَيْنَ بعدي إثمداً * سلمى ولا تدينُ للإتيانِ وَلقدْ عَلمتَ أَبا كُبَيْشَةَ أَنني * وَسط الأعزَة لا يحصن لِساني فَلئِن هَلكتُ لتفقدنَّ أَخاكُمُ * وَلَئِنْ بقيتُ ليعرفنَّ مَكاني وَلقد جمعتُ أجلَّ مَا جمعَ الْفَتَى * مِنْ جودةٍ وشجاعةٍ وبيانِ قَالَ: فَلَمَّا أَجْمَعَتِ الرُّوم عَلَى صَلْبِهِ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ عِفْرَى بِفِلَسْطِينَ.
قَالَ: أَلَا هَلْ أَتَى سَلمى بأنَّ حَليلَها * عَلَى ماءِ عَفَّرى فَوْقَ إِحْدَى الرواحلِ عَلَى نَاقة (4) لَمْ يضربِ الفحلُ أُمها * مشذَّبه (5) أطرافُها بالمناجلِ قَالَ: وَزَعَمَ الزُّهري أَنَّهُمْ لَمَّا قَدَّمُوهُ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ: بَلّغ سَرَاة المسْلمين بِأَنَّنِي * سلَمٌ لِرَبِّي أَعظمي ومَقامي قَالَ ثُمَّ ضَرَبُوا عُنُقَهُ وَصَلَبُوهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وَجَعَلَ الجنة مثواه.
__________
(1) الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 380 - 381.
(2) من الدلائل، وفي الاصل ونسخ البداية المطبوعة " بن " تحريف.
(3) القروان: جمع قرو: وهو حوض من خشب تسقى فيه الدواب وتلغ فيه الدواب.
(4) في دلائل البيهقي: على بكرة.
(5) في نسخ البداية المطبوعة: يشد به.
والمشذبة: التي أزيلت أغصانها.
(*)
(5/101)

قُدُومُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِي خُرُوجِ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وإيمان من آمن به أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرَوَيْهِ الْمَرْوَزِيُّ بِنَيْسَابُورَ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ محمد بن أحمد بن الحسن القاضي، أَنْبَأَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ القطَّان، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنْبَأَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ غَيْلَانَ بْنَ جَرِيرٍ يحدِّث عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم تَمِيمٌ الدَّارِيُّ فَأَخْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ فَتَاهَتْ بِهِ سَفِينَتُهُ فَسَقَطُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فَخَرَجُوا إِلَيْهَا يَلْتَمِسُونَ الْمَاءَ فَلَقِيَ إِنْسَانًا يَجُرُّ شَعْرَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ (1) قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا، قَالَ: لَا أُخْبِرُكُمْ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْجَزِيرَةِ، فَدَخَلْنَاهَا فَإِذَا رَجُلٌ مُقَيَّدٌ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قُلْنَا نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ: مَا فَعَلَ هَذَا النَّبيّ الَّذِي خَرَجَ فِيكُمْ؟ قُلْنَا: قَدْ آمَنَ بِهِ النَّاس وَاتَّبَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ.
قَالَ: ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ، قَالَ: أَفَلَا تُخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ (2) مَا فَعَلَتْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ عَنْهَا، فَوَثَبَ وَثْبَةً كَادَ أَنْ يُخرج مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ، ثُمَّ قَالَ: مَا فَعَلَ نَخْلُ بَيْسَانَ هَلْ أَطْعَمَ بَعْدُ، فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ أَطْعَمَ، فَوَثَبَ مِثْلَهَا ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ لَوَطِئْتُ الْبِلَادَ كُلَّهَا غَيْرَ طَيْبَةَ.
قَالَتْ: فَأَخْرَجَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحدَّث النَّاس، فَقَالَ: هَذِهِ طَيْبَةُ وَذَاكَ الدَّجَّالُ (3) وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ شَاهِدًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.
وَذَكَرَ الواقدي وفد الدارين مِنْ لَخْمٍ وَكَانُوا عَشَرَةً.
وَفْدُ بَنِي أَسَدٍ وَهَكَذَا ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: أنَّه قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ تِسْعٍ وَفْدُ بَنِي أَسَدٍ وَكَانُوا عَشَرَةً، مِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَوَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَطُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَ ذلك ثم أسلم وحسن إسلامه، ونفادة بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ (4) .
فَقَالَ لَهُ رَئِيسُهُمْ: حَضْرَمِيُّ بْنُ عَامِرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْنَاكَ نَتَدَرَّعُ اللَّيْلَ الْبَهِيمَ، فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ، وَلَمْ تَبْعَثْ إِلَيْنَا بَعْثًا.
فَنَزَلَ فِيهِمْ
* (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للاسلام إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) * [الْحُجُرَاتِ: 17] .
وَكَانَ فِيهِمْ قَبِيلَةٌ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو الرتية (5) فغير اسمهم فقال أنتم بنو
__________
(1) سميت بالجساسة لتجسسها الاخبار للدجال، وعن عمرو بن العاص أنها دابة الارض المذكورة في القرآن.
(2) عين زغر: بضم أوله وفتح ثانيه.
قرية بمشارف الشام.
(3) أخرج الحديث البيهقي في الدلائل ج 5 / 416 - 417.
ورواه مسلم في كتاب الفتن (24) باب، الحديث (121) والحديث (119) مطولا.
(4) في طبقات ابن سعد: نقادة بالقاف، وله ترجمة في الاصابة، وذكره بالقاف وبالفاء.
(5) في ابن سعد عن الواقدي: بني الزنية.
(*)
(5/102)

الرِّشْدَةِ، وَقَدِ اسْتَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نفادة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ نَاقَةً تَكُونُ جَيِّدَةً لِلرُّكُوبِ وَلِلْحَلْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلَدٌ مَعَهَا فَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا إِلَّا عند ابن عم له، فجاء بها فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِحَلْبِهَا فَشَرِبَ مِنْهَا وَسَقَاهُ سُؤْرَهُ ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهَا وَفِيمَنْ مَنَحَهَا " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِيمَنْ جَاءَ بِهَا فَقَالَ " وَفِيمَنْ جَاءَ بِهَا ".
وَفْدُ بَنِي عَبْسٍ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: أَنَّهُمْ كَانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ وَسَمَّاهُمُ الْوَاقِدِيُّ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنَا عَاشِرُكُمْ " وَأَمَرَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَعَقَدَ لَهُمْ لِوَاءً وَجَعَلَ شِعَارَهُمْ يَا عَشَرَةُ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم سَأَلَهُمْ عَنْ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ الْعَبْسِيِّ الَّذِي قَدَّمْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ لَا عَقِبَ لَهُ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بَعَثَهُمْ يَرْصُدُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ قَدِمَتْ مِنَ الشَّامِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ وِفَادَتِهِمْ عَلَى الْفَتْحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفْدُ بَنِي فَزَارَةَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ، عَنْ أَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ.
قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ تَبُوكَ وَكَانَ سَنَةَ تِسْعٍ قَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ بَنِي فَزَارَةَ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ،
خَارِجَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ، وهو أصغرهم، على ركاب عجاف، فجاؤو مُقِرِّينَ بِالْإِسْلَامِ، وَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ بِلَادِهِمْ.
فقال أحدهم: يا رسول الله أسننت بلادنا، وهلكت مواشينا وأجدب جناتنا (1) ، وَغَرِثَ عِيَالُنَا، فَادْعُ اللَّهُ لَنَا، فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ الْمِنْبَرَ وَدَعَا فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اسْقِ بِلَادَكَ وَبَهَائِمَكَ وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ، اللَّهم اسقنا غيثاً مغيثاً مرياً مَرِيعًا طَبَقًا وَاسِعًا عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ نَافِعًا غير ضار، اللهم اسقنا سقيا رحمة ولا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، وَلَا مَحْقٍ، اللَّهم اسْقِنَا الْغَيْثَ وَانْصُرْنَا عَلَى الْأَعْدَاءِ ".
قَالَ فَمَطَرَتْ فَمَا رَأَوُا السَّمَاءَ سَبْتًا (2) فَصَعِدَ رسول الله الْمِنْبَرَ فَدَعَا فَقَالَ: " اللَّهم حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا على الآكام والظِّراب وبطون الادوية وَمَنَابِتِ الشَّجر، فَانْجَابَتِ السَّمَاءُ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثوب " (3) .
وفد بني مرة قال الواقدي: إنهم قدموا سنة تسع، عند مَرْجِعَهُ مِنْ تَبُوكَ، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا منهم الحارث بن عوف، فأجازهم عليه السلام بِعَشْرِ أَوَاقٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَأَعْطَى الْحَارِثَ بْنَ عوف ثنتي عشرة
__________
(1) في ابن سعد جنابنا، والجناب: الناحية.
وأسننت: أي أصابتها السنة أي أجدبت؟ ؟ وغرث: أي جاع.
(2) في ابن سعد: ستا.
(3) خبر قدوم وفود بني أسد وبني عبس وبني فزارة ذكره ابن سعد في الطبقات عن الواقدي في ج 1 / 292 و 295 و 296.
(*)
(5/103)

أُوقِيَّةً، وَذَكَرُوا أَنَّ بِلَادَهُمْ مُجْدِبَةٌ فَدَعَا لَهُمْ.
فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اسْقِهِمُ الْغَيْثَ " فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَجَدُوهَا قَدْ مَطَرَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي دَعَا لَهُمْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفْدُ بَنِي ثَعْلَبَةَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِنَ الْجِعْرَانَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ، قَدِمْنَا عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، فَقُلْنَا: نَحْنُ رُسُلُ مَنْ خَلْفَنَا مِنْ قَوْمِنَا، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِالْإِسْلَامِ، فَأَمَرَ لَنَا بِضِيَافَةٍ، وَأَقَمْنَا أَيَّامًا ثُمَّ جِئْنَاهُ لِنُوَدِّعَهُ فَقَالَ
لبلال: أجزهم كما تجيز للوفد، فجاء ببقر (1) مِنْ فِضَّةٍ، فَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا خَمْسَ أَوَاقٍ، وَقَالَ: لَيْسَ عِنْدَنَا دَرَاهِمُ، وَانْصَرَفْنَا إِلَى بِلَادِنَا.
وَفْدُ بَنِي مُحَارِبٍ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ.
قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ مُحَارِبٍ سَنَةَ عَشْرٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُمْ عَشَرَةُ نَفَرٍ فِيهِمْ: سَوَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، وَابْنُهُ خُزَيْمَةُ بْنُ سَوَاءٍ، فَأُنْزِلُوا دَارَ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَكَانَ بِلَالٌ يَأْتِيهِمْ بِغَدَاءٍ وَعَشَاءٍ، فَأَسْلَمُوا وَقَالُوا: نَحْنُ عَلَى مَنْ وَرَاءَنَا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي تِلْكَ الْمَوَاسِمِ أفظ ولا أغلظ على رسول الله مِنْهُمْ، وَكَانَ فِي الْوَفْدِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَعَرَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الحمد الله الَّذِي أَبْقَانِي حتَّى صَدَّقْتُ بِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " وَمَسَحَ رَسُولُ الله وجه خزيمة بن سواء فصارت غُرَّةٌ بَيْضَاءُ، وَأَجَازَهُمْ كَمَا يُجِيزُ الْوَفْدَ، وَانْصَرَفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ (2) .
وَفْدُ بَنِي كِلَابٍ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: أَنَّهُمْ قَدِمُوا سَنَةَ تِسْعٍ وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مِنْهُمْ: لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الشَّاعِرُ، وَجَبَّارُ بْنُ سُلْمَى، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ خُلَّةٌ، فَرَحَّبَ بِهِ وَأَكْرَمَهُ وَأَهْدَى إِلَيْهِ، وجاؤوا مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِسَلَامِ الْإِسْلَامِ، وَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الْكِلَابِيَّ سَارَ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وسنَّة رَسُولِهِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهَا وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَاسْتَجَابُوا لَهُ وَأَخَذَ صَدَقَاتِهِمْ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَصَرَفَهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ.
وَفْدُ بَنِي رُؤَاسِ بْنِ (3) كِلَابٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ مَالِكِ بْنِ قَيْسِ بْنِ بُجَيْدِ بْنِ رُؤَاسِ بْنِ
__________
(1) في ابن سعد عن الواقدي: بنقر.
وبقر: قدر كبيرة واسعة، من التبقر أي التوسع أو سماها بذلك لانها تسع بقرة بتمامها (عن النهاية) .
(2) في ابن سعد 1 / 299 عن الواقدي: إلى أهلهم.
(3) من طبقات ابن سعد وفي الاصل: من.
(*)
(5/104)

كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصة، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَسْلَمَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَقَالُوا: حتَّى نُصِيبَ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ مِثْلَ مَا أَصَابُوا مِنَّا، فَذَكَرَ مَقْتَلَةً كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَأَنَّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ هَذَا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ قَالَ: فَشَدَدْتُ يَدَيَّ فِي غُلٍّ وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَبَلَغَهُ مَا صَنَعْتُ فَقَالَ لَئِنْ أَتَانِي لَأَضْرِبُ مَا فَوْقَ الْغُلِّ مِنْ يَدِهِ فَلَمَّا جِئْتُ سَلَّمْتُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السلام وأعرض فَأَتَيْتُهُ عَنْ يَمِينِهِ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَأَتَيْتُهُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّبَّ عَزَّ وجل ليرتضي فَيَرْضَى فَارْضَ عَنِّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ.
قَالَ: " قَدْ رَضِيتُ ".
وَفْدُ بَنِي عُقَيْلِ بْنِ كَعْبٍ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: أَنَّهُمْ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْطَعَهُمُ الْعَقِيقَ - عَقِيقَ بَنِي عُقَيْلٍ - وَهِيَ أَرْضٌ فِيهَا نَخِيلٌ وَعُيُونٌ وكتب بِذَلِكَ كِتَابًا: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَعْطَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ رَبِيعًا وَمُطَرِّفًا وَأَنَسًا (1) ، أَعْطَاهُمُ الْعَقِيقَ مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وسمعوا وطاعوا، وَلَمْ يُعْطِهِمْ حَقًّا لِمُسْلِمٍ ".
فَكَانَ الْكِتَابُ فِي يَدِ مُطَرِّفٍ.
قَالَ: وَقَدِمَ عَلَيْهِ أَيْضًا لَقِيطُ بْنُ عَامِرِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُقَيْلٍ وَهُوَ أَبُو رَزِينٍ فَأَعْطَاهُ مَاءً يُقَالُ لَهُ النَّظِيمُ وَبَايَعَهُ عَلَى قَوْمِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا قُدُومَهُ وَقِصَّتَهُ وَحَدِيثَهُ بِطُولِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفْدُ بَنِي قُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ وَذَلِكَ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَبْلَ (2) حُنَيْنٍ، فَذَكَرَ فِيهِمْ، قُرَّةَ بْنَ هُبَيْرَةَ بْنِ [عَامِرِ بْنِ] (3) سَلَمَةَ الْخَيْرِ بْنِ قُشَيْرٍ فَأَسْلَمَ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَسَاهُ بُرْدًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَلِيَ صَدَقَاتِ قَوْمِهِ فَقَالَ قُرَّةُ حِينَ رَجَعَ: حَباهَا رَسولُ اللهِ إذْ نَزَلت بِهِ * وأَمكنها مِنْ نائلٍ غَيْرِ منفدِ فأَضْحتْ بروضِ الخضرِ وَهْيَ حثيثةٌ * وَقد أَنْجَحَتْ حَاجَاتها مِنْ محمَّد عَليها فتىً لا يردفُ الذم رجله * يُروى لِأَمْرِ الْعَاجِزِ المتردِدِ (4)
وَفْدُ بَنِي الْبَكَّاءِ ذَكَرَ أَنَّهُمْ قَدِمُوا سَنَةَ تِسْعٍ وَأَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثِينَ رَجُلًا، فِيهِمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ ثَوْرِ بْنِ عُبادة بن البكاء
__________
(1) ربيع: هو الربيع بن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل الخفاجي له ترجمة في الاصابة 2583.
مطرف بن عبد الله بن الاعلم بن عمرو بن ربيعة العقيلي ترجمته في الاصابة 3 / رقم 8017 وأنس هو ابن قيس بن المنتفق بن عامر عقيل الاصابة ج 1 رقم 276.
(2) في ابن سعد: وبعد حنين.
(3) من الاصابة.
(4) في ابن سعد: تروك لأمر العاجز المتردِدِ.
(*)
(5/105)

وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ بِشْرٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَتَبَرَّكُ بِمَسِّكَ، وَقَدْ كَبِرْتُ وَابْنِي هَذَا برٌّ بِي فَامْسَحْ وَجْهَهُ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَهُ وَأَعْطَاهُ أَعْنُزًا عُفْرًا وَبَرَّكَ عَلَيْهِنَّ، فَكَانُوا لَا يُصِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ قَحْطٌ وَلَا سَنَةٌ.
وَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ: وأَبي الَّذِي مَسَحَ الرَّسُولُ بِرَأْسِهِ * وَدَعَا لَهُ بِالْخَيْرِ والبركاتِ أَعطاهُ أَحمدُ إذْ أَتَاهُ أَعْنُزًا * عَفراً نواحلَ لَسن باللحياتِ (1) يملأن وفد الحيِّ كُلَّ عشيةٍ * وَيَعُودُ ذَاكَ الْمَلْءُ بالغدواتِ بوركْنَ مِنْ منحٍ وبوركَ مَانحاً * وَعليهِ مِنِّي مَا حييتُ صَلاتي وَفْدُ كِنَانَةَ رَوَى الْوَاقِدِيُّ بِأَسَانِيدِهِ: أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ اللَّيْثِيَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَجَهَّزُ إِلَى تَبُوكَ فَصَلَّى مَعَهُ الصُّبْحَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَدَعَاهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم.
فقال أبوه: والله لا أحملك أَبَدًا وَسَمِعَتْ أُخْتُهُ كَلَامَهُ فَأَسْلَمَتْ وَجَهَّزَتْهُ حتَّى سَارَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوكَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بَعِيرٍ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَعَ خَالِدٍ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ فَلَمَّا رَجَعُوا عَرَضَ وَاثِلَةُ عَلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مَا كَانَ شَارَطَهُ عَلَيْهِ مِنْ سهم الْغَنِيمَةِ فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ إِنَّمَا حَمَلْتُكَ لِلَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ.
وَفْدُ أَشْجَعَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: أَنَّهُمْ قَدِمُوا عَامَ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ مِائَةُ رَجُلٍ وَرَئِيسُهُمْ مَسْعُودُ (2) بْنُ رُخَيْلَةَ فَنَزَلُوا شِعْبَ سِلْعٍ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَأَمَرَ لَهُمْ بِأَحْمَالِ التَّمْرِ، ويقال بل قدموا بعد ما فرغ من بني قريظة وكانوا سبع مائة رَجُلٍ فَوَادَعَهُمْ وَرَجَعُوا ثُمَّ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفْدُ بَاهِلَةَ قَدِمَ رَئِيسُهُمْ مُطَرِّفُ بْنُ الْكَاهِنِ (3) بَعْدَ الْفَتْحِ فَأَسْلَمَ.
وَأَخَذَ لِقَوْمِهِ أَمَانًا وَكَتَبَ له كتاباً فيه
__________
(1) في ابن سعد: عفرا نواجل ليس باللجبات، وفي الاصابة: عفرا ثواجل لسن باللجبات.
وثواجل: عظام البطون.
(2) وهو مسعود بن رخيلة بن عابد بن مالك بن حبيب بن نبيح بن ثعلبة بن قنفذ بن حلاوة بن سبيع بن بكر بن اشجع الاشجعي.
قال الطبري قاد اشجع يوم الاحزاب وهو مشرك.
له ترجمة في أُسد الغابة (4 / 357.
الاصابة 3 / 410) .
(3) وهو مطرف بن خالد بن نضلة الباهلي من بني قراض بن معن.
وبنو قراض داخل في بني باهلة وليس منهم، منهم باهليون بالادخال بالاصل (نهاية الارب للقلقشندي) .
كتب له النَّبيّ صلَّى الله عليه وآله نصه كما في الطبقات 1 / 284، قسم منه في الاصابة وأوعز إليه في أُسد الغابة: هذا كتاب من محمد رسول الله، لمطرف بن الكاهن ولمن سكن بيشه من باهلة.
ان من احيى أرضا مواتا بيضاء (*)
(5/106)