Advertisement

البداية والنهاية ط إحياء التراث 017



الكتاب: البداية والنهاية
المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
المحقق: علي شيري
الناشر: دار إحياء التراث العربي
الطبعة: الأولى 1408، هـ - 1988 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قام بفهرسته الفقير إلى الله: عبد الرحمن الشامي، ويسألكم الدعاء. أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ أَقَالِيمِ الْإِسْلَامِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَلَا سِيَّمَا بِمَدِينَةِ دِمَشْقَ حَمَاهَا اللَّهُ وَصَانَهَا، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ أَنَّهَا تَكُونُ مَعْقِلَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِتَنِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنِ النَّواس بْنِ سَمْعَانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَخْبَرَ عن عيسى بن مَرْيَمَ أنَّه يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ ولعلَّ أَصْلَ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ الشَّرقية بِدِمَشْقَ وَقَدْ بَلَغَنِي أنَّه كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَجْزَاءِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إِلَى الْآنَ وَاللَّهُ الْمُيَسِّرُ، وَقَدْ جدِّدت هَذِهِ الْمَنَارَةُ الْبَيْضَاءُ الشَّرقية بِجَامِعِ دِمَشْقَ بَعْدَ ما أحرقها النَّصارى من أيامنا هذه بعد سنة أربعين وسبعمائة فأقاموها مِنْ أَمْوَالِ النَّصارى مقاصَّة عَلَى مَا فَعَلُوا مِنَ الْعُدْوَانِ وَفِي هَذَا حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَهُوَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى هَذِهِ
الْمَبْنِيَّةِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عيسى بن مَرْيَمَ نَبِيُّ اللَّهِ فيكذِّبهم فِيمَا افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ وَيَكْسِرَ الصَّليب وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ أَيْ يَتْرُكُهَا وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ، يَعْنِي أَوْ يَقْتُلُهُ وَقَدْ أَخْبَرَ بِهَذَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وقرَّره عَلَيْهِ وسوَّغه لَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّين وَعَلَى آله وصحبه أجمعين والتَّابعين لهم بإحسان.
باب البينة عَلَى ذِكْرِ مُعْجِزَاتٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله، وأعلى منها، خارجة عَمَّا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لم يكن لِأَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِمُ السَّلام.
فَمِنْ ذَلِكَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، فإنَّه مُعْجِزَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى الْآبَادِ، ولا يخفى برهانها، ولا يتفحص مثلها، وَقَدْ تحدَّى بِهِ الثِّقلين مِنَ الجنِّ وَالْإِنْسِ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ أَوْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ كَمَا تقدَّم تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي أوَّل كِتَابِ الْمُعْجِزَاتِ، وَقَدْ سَبَقَ الْحَدِيثُ المتَّفق عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحَيًّا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ * وَالْمَعْنَى أنَّ كل نبيّ أوتي من خوارق المعجزات مَا يَقْتَضِي إِيمَانَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِنْ أُولِي الْبَصَائِرِ والنُّهى، لَا مِنْ أَهْلِ الْعِنَادِ والشَّقاء، وإنَّما كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ، أَيْ جلَّه وأعظمه وأبهره، القرآن الذي أوحاه الله إلي، فإنَّه لَا يَبِيدُ وَلَا يَذْهَبُ كَمَا ذَهَبَتْ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَانْقَضَتْ بِانْقِضَاءِ أيَّامهم، فَلَا تُشَاهَدُ، بل يخبر عنها بالتَّواتر والآحاد، بخلاف القرآن العظيم الذي أوحاه الله إليه فإنَّه مُعْجِزَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ، مُسْتَمِرَّةٌ دَائِمَةُ الْبَقَاءِ بَعْدَهُ، مَسْمُوعَةٌ لكلِّ مَنْ أَلْقَى السَّمع وَهُوَ شَهِيدٌ * وَقَدْ تقدَّم فِي الْخَصَائِصِ ذِكْرُ مَا اخْتُصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَنْ بَقِيَّةِ إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلام، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يعطهنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بالرُّعب مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأرض مسجداً وطهوراً، فأينما رَجُلٍ مِنْ أمَّتي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاة فليصلِّ، وأحلَّت
لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفاعة، وَكَانَ النَّبيّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وبعثت إلى الناس
(6/288)

عَامَّةً * وَقَدْ تكلَّمنا عَلَى ذَلِكَ وَمَا شَاكَلَهُ فِيمَا سَلَفَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أنَّ كُلَّ مُعْجِزَةٍ [لِنَبِيٍّ] مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَهِيَ مُعْجِزَةٌ لِخَاتَمِهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ أنَّ كُلًّا مِنْهُمْ بشَّر بِمَبْعَثِهِ، وَأَمَرَ بِمُتَابَعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: * (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) * [آلِ عِمْرَانَ: 81] وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قال: ما بعث الله نبي مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ ليؤمننَّ بِهِ وليتبعنَّه ولينصرنَّه *
وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ مُعْجِزَاتٌ لِلْأَنْبِيَاءِ، لأنَّ الْوَلِيَّ إنَّما نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِنَبِيِّهِ، وَثَوَابِ إِيمَانِهِ * وَالْمَقْصُودُ أنَّه كَانَ الْبَاعِثَ لِي عَلَى عَقْدِ هَذَا الْبَابِ أَنِّي وَقَفْتُ عَلَى مُوَلَّدٍ اخْتَصَرَهُ مِنْ سِيرَةِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يسار وغيرهما شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَمَالُ الدِّين أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ السِّمَاكِيُّ، نسبة إلى أبي دجانة الأنصاري سماك بن حرب بن حرشة الْأَوْسِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، شَيْخُ الشَّافعية فِي زمانه بلا مدافعة، المعروف بابن الزَّملكانيّ عليه رحمه الله، وَقَدْ ذَكَرَ فِي أَوَاخِرِهِ شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَعَقَدَ فَصْلًا فِي هَذَا الْبَابِ فَأَوْرَدَ فِيهِ أَشْيَاءَ حسنة، ونبَّه على فوائد جمَّة، وفوائد مهمَّة، وَتَرَكَ أَشْيَاءَ أُخْرَى حَسَنَةً، ذَكَرَهَا غَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ المتقدِّمين، وَلَمْ أَرَهُ اسْتَوْعَبَ الْكَلَامَ إِلَى آخِرِهِ، فأمَّا أنَّه قَدْ سَقَطَ مِنْ خَطِّهِ، أَوْ أنَّه لَمْ يُكْمِلْ تَصْنِيفَهُ، فَسَأَلَنِي بَعْضُ أَهْلِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ تَتَأَكَّدُ إِجَابَتُهُ، وتكرر ذلك منه، في تكميله وتبويبه وَتَرْتِيبِهِ، وَتَهْذِيبِهِ، والزِّيادة عَلَيْهِ وَالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ حِينًا مِنَ الدَّهر، ثمَّ نَشِطْتُ لِذَلِكَ ابْتِغَاءَ الثَّواب وَالْأَجْرِ، وَقَدْ كُنْتُ سَمِعْتُ مِنْ شيخنا الإمام العلامة الْحَافِظِ، أَبِي الحجَّاج المزِّي تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، أنَّ أوَّل مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافعي رضي الله عنه، وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ
الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ دَلَائِلِ النُّبوة، عَنْ شَيْخِهِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، أنَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازيّ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمْرُو بن سواد (1) : قال الشَّافعي: مثل مَا أَعْطَى اللَّهُ نَبِيًّا مَا أَعْطَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَقُلْتُ: أَعْطَى عِيسَى إِحْيَاءَ الْمَوْتَى، فَقَالَ: أَعْطَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الْجِذْعَ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جنبه حين بني لَهُ الْمِنْبَرُ حَنَّ الْجِذْعُ حَتَّى سُمِعَ صَوْتُهُ، فهذا أكبر من ذلك (2) ، هَذَا لَفْظُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * وَالْمُرَادُ مِنْ إيراد ما نذكره في هذا الباب، البينة على مَا أَعْطَى اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ عَلَيْهِمُ السَّلام مِنَ الْآيَاتِ البيِّنات، وَالْخَوَارِقِ الْقَاطِعَاتِ، وَالْحُجَجِ الْوَاضِحَاتِ، وأنَّ الله جَمَعَ لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ سيِّد الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمِهِمْ مِنْ جميع أنواع المحاسن والآيات،
__________
(1) من دلائل البيهقي، وفي الاصل عمر بن سوار تحريف.
وهو ابن الأسود بن عمرو العامري، أبو محمد البصري، ثقة من الحادية عشرة مات سنة خمس وأربعين (تقريب 2 / 72) .
(2) دلائل البيهقي 6 / 68.
(*)
(6/289)

مَعَ مَا اختصَّه اللَّهُ بِهِ مِمَّا لَمَّ يؤت أحداً قبله، كما ذكرنا في خصائصه وشمائله صلى الله عليه وسلَّم، وَوَقَفْتُ عَلَى فَصْلٍ مَلِيحٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْحَافِظِ أَبِي نُعَيْمٍ، أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَهُوَ كِتَابٌ حَافِلٌ فِي ثَلَاثِ مُجَلَّدَاتٍ، عَقَدَ فِيهِ فَصْلًا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَكَذَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، فِي كِتَابِهِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ كِتَابٌ كَبِيرٌ جَلِيلٌ حافل، مشتمل على فرائد نَفِيسَةٍ * وَكَذَا الصَّرْصَرِيُّ الشَّاعر يُورِدُ فِي بَعْضِ قصائده أشياء من ذلك كَمَا سَيَأْتِي * وَهَا أَنَا أَذْكُرُ بِعَوْنِ اللَّهِ مجامع ما ذكرنا من هذه الأماكن المتفرقة بأوجز عبارة، وأقصر إِشَارَةٍ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الحكيم.
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: * (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) * [الْقَمَرِ: 10 - 17] ، وَقَدْ ذَكَرْتُ القصَّة مَبْسُوطَةً
فِي أوَّل هَذَا الْكِتَابِ وَكَيْفَ دَعَا عَلَى قَوْمِهِ فنجَّاه اللَّهُ وَمَنِ اتَّبعه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَهْلَكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأَغْرَقَ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْكَافِرِينَ فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ حَتَّى وَلَا وَلَدُهُ * قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ علي الأنصاريّ الزَّملكانيّ، وَمِنْ خطِّه نَقَلْتُ: وَبَيَانُ أنَّ كُلَّ معجزة لنبيّ فلنبِّينا أمثالها، إذا تمَّ يَسْتَدْعِي كَلَامًا طَوِيلًا، وَتَفْصِيلًا لَا يَسَعُهُ مُجَلَّدَاتٌ عَدِيدَةٌ، وَلَكِنْ ننبِّه بِالْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، فَلْنَذْكُرْ جَلَائِلَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَمِنْهَا نَجَاةُ نُوحٍ فِي السَّفينة بِالْمُؤْمِنِينَ، وَلَا شكَّ أنَّ حَمْلَ الْمَاءِ للنَّاس مِنْ غَيْرِ سَفِينَةٍ أَعْظَمُ مِنَ السُّلوك عَلَيْهِ فِي السَّفينة، وَقَدْ مَشَى كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ، وَفِي قصَّة العلاء بن زياد، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يدل على ذلك، روى مِنْجَابٍ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ دَارِينَ (1) ، فَدَعَا بِثَلَاثِ دَعَوَاتٍ فَاسْتُجِيبَتْ لَهُ، فَنَزَلْنَا منزلاً فطلب الماء فلم يجده، فقام وصلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ، اللَّهم إنَّا عَبِيدُكَ وَفِي سَبِيلِكِ، نُقَاتِلُ عدوَّك، اللَّهم اسْقِنَا غَيْثًا نَتَوَضَّأُ بِهِ وَنَشْرَبُ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ فِيهِ نَصِيبٌ غَيْرَنَا، فَسِرْنَا قَلِيلًا فَإِذَا نَحْنُ بِمَاءٍ حِينَ أَقْلَعَتِ السَّماء عَنْهُ، فَتَوَضَّأْنَا مِنْهُ وتزوَّدنا، وَمَلَأْتُ إِدَاوَتِي وَتَرَكْتُهَا مَكَانَهَا حَتَّى أَنْظُرَ هَلِ اسْتُجِيبَ لَهُ أم لا، فسرنا قليلاً ثمَّ قلت لاصاحبي: نَسِيتُ إِدَاوَتِي، فَرَجَعْتُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فكأنَّه لَمْ يُصِبْهُ مَاءٌ قَطُّ، ثمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا دَارِينَ وَالْبَحْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَقَالَ، يَا علي يا حكيم، إنَّا عبيدك وفي سبيلك، نقاتل عدوك، اللَّهم فَاجْعَلْ لَنَا إِلَيْهِمْ سَبِيلًا، فَدَخَلْنَا الْبَحْرَ فَلَمْ يَبْلُغِ الْمَاءَ لُبُودَنَا، وَمَشَيْنَا عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ ولم يبتل لنا شئ، وذكر بقية القصَّة، فَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ رُكُوبِ السَّفينة، فإنَّ حَمْلَ الْمَاءِ للسَّفينة مُعْتَادٌ، وَأَبْلَغُ مِنْ فَلْقِ الْبَحْرِ لِمُوسَى، فإنَّ هُنَاكَ انْحَسَرَ الْمَاءُ حَتَّى مَشَوْا على
__________
(1) دارين: فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند، والنسبة إليها داري.
(*)
(6/290)

الْأَرْضِ، فَالْمُعْجِزُ انْحِسَارُ الْمَاءِ، وَهَا هُنَا صَارَ الْمَاءُ جَسَدًا يَمْشُونَ عَلَيْهِ كَالْأَرْضِ، وإنَّما هَذَا مَنْسُوبٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَرَكَتِهِ * انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ بِحُرُوفِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَذِهِ القصَّة الَّتِي سَاقَهَا شَيْخُنَا ذَكَرَهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الدَّلائل مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنِ الصَّلت بْنِ مَطَرٍ الْعِجْلِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أُخْتِ (1) سَهْمٍ عَنْ
سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَذَكَرَهُ * وَقَدْ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي التَّاريخ الكبير من وجه آخر، ورواها الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْعَلَاءِ وَشَاهَدَ ذَلِكَ (2) ، وَسَاقَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ثَلَاثًا لَوْ كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَا تقاسمها الْأُمَمُ، قُلْنَا: مَا هنَّ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: كُنَّا فِي الصُّفَّةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مُهَاجِرَةٌ وَمَعَهَا ابْنٌ لَهَا قَدْ بَلَغَ، فَأَضَافَ الْمَرْأَةَ إِلَى النِّسَاءِ، وَأَضَافَ ابْنَهَا إِلَيْنَا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَصَابَهُ وَبَاءُ الْمَدِينَةِ فَمَرِضَ أَيَّامًا ثُمَّ قُبِضَ، فَغَمَّضَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَأَمَرَ بِجِهَازِهِ، فلمَّا أَرَدْنَا أَنْ نُغَسِّلَهُ قَالَ: يَا أَنَسُ ائْتِ أُمَّهُ، فَأَعْلِمْهَا: فَأَعْلَمْتُهَا، قَالَ: فَجَاءَتْ حَتَّى جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِهِمَا ثمَّ قالت: اللَّهم إني أسلمت لك طوعا، وخلعت الأوثان (3) ، فلا تُحَمِّلُنِي مِنْ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ مَا لَا طَاقَةَ لي بحمله، قال: فو الله مَا انْقَضَى كَلَامُهَا حَتَّى حرَّك قَدَمَيْهِ، وَأَلْقَى الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، وَعَاشَ حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَتَّى هَلَكَتْ أُمُّهُ، قَالَ أَنَسٌ: ثمَّ جهَّز عُمَرُ بْنُ الخطَّاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي، قال أنس: وكنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا (4) بنا فعفوا آثار الماء، والحر شديد، فجهدنا الْعَطَشُ وَدَوَابَّنَا، وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فلمَّا مَالَتِ الشَّمس لِغُرُوبِهَا صلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثمَّ مدَّ يَدَهُ إِلَى السَّماء وَمَا نَرَى فِي السَّماء شيئاً، قال: فو الله مَا حطَّ يَدَهُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا وَأَنْشَأَ سَحَابًا وَأَفْرَغَتْ حَتَّى مَلَأَتِ الْغُدُرَ والشِّعاب، فَشَرِبْنَا وَسَقَيْنَا رِكَابَنَا وَاسْتَقَيْنَا، قَالَ: ثمَّ أَتَيْنَا عدوَّنا وَقَدْ جَاوَزَ خَلِيجًا فِي الْبَحْرِ إِلَى جَزِيرَةٍ، فَوَقَفَ عَلَى الْخَلِيجِ وَقَالَ: يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ، يَا حَلِيمُ يَا كَرِيمُ، ثمَّ قَالَ: أَجِيزُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَالَ: فَأَجَزْنَا مَا يَبُلُّ الْمَاءُ حَوَافِرَ دَوَابِّنَا، فَلَمْ نَلْبَثْ إِلَّا يسيرا فأصبنا العدو غيلة (5) ، فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثمَّ أَتَيْنَا الْخَلِيجَ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَأَجَزْنَا ما يبل الماء حوافر دوابنا، ثمَّ ذَكَرَ مَوْتَ الْعَلَاءِ وَدَفْنَهُمْ إيَّاه فِي أَرْضٍ لَا تَقْبَلُ الْمَوْتَى، ثمَّ إِنَّهُمْ حَفَرُوا عليه لِيَنْقُلُوهُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا فَلَمْ يَجِدُوهُ ثمَّ، وإذا اللَّحد يتلالا نورا،
__________
(1) في دلائل البيهقي: عبد الملك بن سهم.
(2) الخبر في دلائل النبوة ج 6 / 53.
(3) بعدها في الدلائل: وَخَلَعْتُ الْأَوْثَانَ زُهْدًا، وَهَاجَرْتُ إِلَيْكَ رَغْبَةً، اللَّهم لا تشمّت بي عبدة الاوثان ... (4) في الدلائل: قد نذروا: أي حذروا من قدومنا.
(5) من الدلائل، وفي الاصل: عليه، وهو تحريف.
(*)
(6/291)

فَأَعَادُوا التُّراب عَلَيْهِ ثمَّ ارْتَحَلُوا (1) * فَهَذَا السِّياق أتمّ، وفيه قصَّة المرأة التي أحيى اللَّهُ لَهَا وَلَدَهَا بِدُعَائِهَا، وَسَنُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ فيما يتعلق بمعجزات المسيح عيسى بن مَرْيَمَ، مَعَ مَا يُشَابِهُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا سَنُشِيرُ إِلَى قصَّة الْعَلَاءِ هَذِهِ مع ما سنورده معها ههنا، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعْجِزَاتِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي قصَّة فَلْقِ الْبَحْرِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ أَرْشَدَ إلى ذلك شيخنا في عيون كلامه * قصَّة أُخْرَى تُشْبِهُ قصَّة الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلائل - وَقَدْ تقدَّم ذَلِكَ أيضاً - من طريق سليمان بن مروان الْأَعْمَشِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، قَالَ: انْتَهَيْنَا إِلَى دِجْلَةَ وَهِيَ مَادَّةٌ، وَالْأَعَاجِمُ خَلْفَهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثمَّ اقْتَحَمَ بِفَرَسِهِ فَارْتَفَعَ عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ النَّاس: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اقْتَحَمُوا فَارْتَفَعُوا عَلَى الْمَاءِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمُ الْأَعَاجِمُ وَقَالُوا: دِيوَانُ، دِيوَانُ - أَيْ مَجَانِينُ - ثُمَّ ذَهَبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ، قَالَ فَمَا فَقَدَ النَّاس إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلمَّا خَرَجُوا أَصَابُوا الْغَنَائِمَ وَاقْتَسَمُوا، فَجَعَلَ الرَّجل يَقُولُ: مَنْ يُبَادِلُ صَفْرَاءَ بِبَيْضَاءَ (2) ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السِّيرة الْعُمَرِيَّةِ وأيَّامها، وَفِي التَّفسير أَيْضًا: أنَّ أوَّل من اقتحم دجلة يومئذ أبو عبيدة النفيعيّ (3) أَمِيرُ الْجُيُوشِ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأنه ينظر إِلَى دِجْلَةَ فَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: * (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً) * [آل عمران: 145] ثمَّ سمَّى اللَّهَ تَعَالَى وَاقْتَحَمَ بِفَرَسِهِ الْمَاءَ وَاقْتَحَمَ الْجَيْشُ وَرَاءَهُ، وَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمُ الْأَعَاجِمُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ جَعَلُوا يَقُولُونَ: دِيوَانُ دِيوَانُ: أَيْ مَجَانِينُ مَجَانِينُ، ثُمَّ ولَّوا مُدَبِّرِينَ فَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَغَنِمُوا مِنْهُمْ مَغَانِمَ كَثِيرَةً.
قصَّة أخرى شبيهة بذلك وروى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بن المغيرة: أنَّ أبا مسلم الخولاني جاء
إِلَى دِجْلَةَ وَهِيَ تَرْمِي الْخَشَبَ مِنْ مَدِّهَا فَمَشَى عَلَى الْمَاءِ وَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ مَتَاعِكُمْ شَيْئًا فَنَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى؟ ثمَّ قَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ (4) * قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ، فِي ترجمة أبي عبد الله بن أيوب الخولانيّ هذه القصَّة بأبسط من هذه مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ أنَّه كَانَ إِذَا غَزَا أَرْضَ الرُّوم فمرُّوا بِنَهَرٍ قَالَ: أَجِيزُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَالَ وَيَمُرُّ بَيْنَ أيديهم فيمرُّون على الماء فما يَبْلُغْ مِنَ الدَّواب إِلَّا إِلَى الرُّكب، أَوْ في بَعْضِ ذَلِكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وإذا جازوا قال للناس:
__________
(1) روى الخبر البيهقي في الدلائل 6 / 51 - 53.
(2) الخبر في دلائل النبوة ج 6 / 54.
(3) في الطبري: الثقفي وسيرد صحيحا في الصفحة التالية.
(5) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 54.
(*)
(6/292)

هل ذهب لكم شئ؟ من ذهب له شئ فأنا ضامن، قال: فألقى مخلاة عمداً، فلمَّا جاوزوا قَالَ الرَّجل: مِخْلَاتِي وَقَعَتْ فِي النَّهر، قَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي، فَإِذَا الْمِخْلَاةُ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِبَعْضِ أَعْوَادِ النَّهر، فَقَالَ: خُذْهَا * وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو داود من طريق الْأَعْرَابِيِّ عَنْهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ بَقِيَّةَ بِهِ * ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ أنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ أَتَى عَلَى دِجْلَةَ وَهِيَ تَرْمِي بِالْخَشَبِ مِنْ مَدِّهَا فَوَقَفَ عَلَيْهَا ثمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ مَسِيرَ بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْبَحْرِ، ثمَّ لَهَزَ دابَّته فَخَاضَتِ الْمَاءَ وَتَبِعَهُ النَّاس حتَّى قَطَعُوا، ثمَّ قَالَ: هَلْ فَقَدْتُمْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِكُمْ فَأَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيَّ؟ * وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ رَشِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ الْعَدَوِيِّ: حدَّثني ابْنُ عَمِّي أَخِي أَبِي قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي مُسْلِمٍ فِي جَيْشٍ فَأَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ عَجَاجٍ مُنْكَرٍ، فَقُلْنَا لِأَهْلِ القرية: أين المخاضة؟ فقالوا: ما كانت ههنا مخاضة وَلَكِنَّ الْمَخَاضَةَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ عَلَى لَيْلَتَيْنِ، فَقَالَ أبو مسلم: اللَّهم أجزت بني إسرائيل البحر، وإنَّا عبيدك وَفِي سَبِيلِكَ، فَأَجِزْنَا هَذَا النَّهر الْيَوْمَ، ثمَّ قَالَ: اعْبُرُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ
عَمِّي: وأنا على فرس فقلت: لأدفعنه أوَّل النَّاس خلف فرسه، قال: فو الله مَا بَلَغَ الْمَاءُ بُطُونَ الْخَيْلِ حتَّى عَبَرَ النَّاس كلَّهم، ثمَّ وقف وقال: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، هَلْ ذَهَبَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ شئ فأدعو الله تعالى يرده؟ * فهذه الكرامات لهؤلاء الأولياء، هي معجزات لرسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم كَمَا تقدَّم تقريره، لأنَّهم إنَّما نالوها بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ، وَيُمْنِ سِفَارَتِهِ، إِذْ فِيهَا حجَّة في الدِّين، أكيدة للمسلمين، وهي مشابهة نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَسِيرِهِ فَوْقَ الْمَاءِ بالسَّفينة الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعَمَلِهَا، وَمُعْجِزَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام فِي فَلْقِ الْبَحْرِ، وَهَذِهِ فِيهَا مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ، مِنْ جِهَةِ مَسِيرِهِمْ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ حائل، وَمِنْ جِهَةِ أنَّه مَاءٌ جَارٍ والسَّير عَلَيْهِ أَعْجَبُ مِنَ السَّير عَلَى الْمَاءِ الْقَارِّ الَّذِي يُجَازُ، وَإِنْ كَانَ مَاءُ الطُّوفان أَطَمَّ وَأَعْظَمَ، فَهَذِهِ خَارِقٌ، وَالْخَارِقُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فإنَّ مَنْ سَلَكَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ الْخِضَمِّ الْجَارِي العجَّاج فَلَمْ يَبْتَلَّ مِنْهُ نِعَالُ خُيُولِهِمْ، أَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَى بُطُونِهَا، فَلَا فَرْقَ فِي الْخَارِقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَامَةً أَوْ أَلْفَ قَامَةٍ، أَوْ أَنْ يَكُونَ نَهْرًا أَوْ بَحْرًا، بَلْ كَوْنُهُ نَهْرًا عَجَاجًا كَالْبَرْقِ الخاطف والسَّيل الجاري، أعظم وأغرب، وكذلك بالنّسبة إلى فلق الْبَحْرِ، وَهُوَ جَانِبُ بَحْرِ الْقُلْزُمِ، حَتَّى صَارَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، أَيِ الْجَبَلِ الْكَبِيرِ، فَانْحَازَ الْمَاءُ يَمِينًا وَشِمَالًا حتَّى بَدَتْ أَرْضُ البحر، وأرسل الله عليها الرِّيح حتى أيبسها، وَمَشَتِ الْخُيُولُ عَلَيْهَا بِلَا انْزِعَاجٍ، حتَّى جَاوَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَأَقْبَلَ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ * (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) * [طه: 78] وذلك أنَّهم لمَّا توسَّطوه وهمَّوا بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، أَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَارْتَطَمَ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، كَمَا لَمْ يُفْقَدْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاحِدٌ، ففي ذلك آية عظيمة بل آيات معدودات، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ المنة * وَالْمَقْصُودُ أنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قصَّة الْعَلَاءِ بن الحضرمي، وأبي عبد الله الثَّقَفِيِّ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، مِنْ مَسِيرِهِمْ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْجَارِي، فَلَمْ يُفْقَدْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَمْ يَفْقِدُوا شَيْئًا مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ، هَذَا وهُمْ
(6/293)

أولياء، منهم صحابي وتابعيان فما الظَّن لو [كان] الاحتياج إِلَى ذَلِكَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سيِّد الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمِهِمْ، وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَإِمَامِهِمْ ليلتئذٍ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ
وِلَايَتِهِمْ، وَدَارُ بِدَايَتِهِمْ، وَخَطِيبِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً فِي الجنَّة، وأوَّل شَافِعٍ في الحشر، وفي الخروج من النَّار، وفي دخول الجنَّة، وَفِي رَفْعِ الدَّرجات بِهَا، كَمَا بَسَطْنَا أَقْسَامَ الشَّفاعة وَأَنْوَاعَهَا، فِي آخِرِ الْكِتَابِ فِي أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
وَسَنَذْكُرُ فِي الْمُعْجِزَاتِ الْمُوسَوِيَّةِ مَا وَرَدَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ المحمَّدية، مما هُوَ أَظْهَرُ وَأَبْهَرُ مِنْهَا، وَنَحْنُ الْآنُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعْجِزَاتِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْخُنَا سِوَى مَا تقدَّم، وأمَّا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، فإنَّه قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِهِ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ فِي مُجَلَّدَاتٍ ثَلَاثٍ: الْفَصْلُ الثَّالث والثَّلاثون في ذكر موازنة الْأَنْبِيَاءِ فِي فَضَائِلِهِمْ، بِفَضَائِلِ نَبِيِّنَا، وَمُقَابَلَةِ مَا أُوتُوا مِنَ الْآيَاتِ بِمَا أُوتِيَ، إِذْ أُوتِيَ مَا أُوتُوا وَشِبْهَهُ وَنَظِيرَهُ، فَكَانَ أوَّل الرُّسل نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَآيَتُهُ الَّتِي أُوتِيَ شِفَاءُ غَيْظِهِ، وَإِجَابَةُ دَعْوَتِهِ، فِي تَعْجِيلِ نِقْمَةِ اللَّهِ لمكذِّبيه، حَتَّى هَلَكَ مَنْ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ مِنْ صَامِتٍ وَنَاطِقٍ، إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ ودخل معه في سَفِينَتَهُ، وَلَعَمْرِي إنَّها آيَةٌ جَلِيلَةٌ، وَافَقَتْ سَابِقَ قدر الله وما قد علمه في هلاكهم، وَكَذَلِكَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لمَّا كذَّبه قَوْمُهُ وَبَالَغُوا فِي أَذِيَّتِهِ، وَالِاسْتِهَانَةِ بِمَنْزِلَتِهِ من الله عز وجل، حتى ألقى السفيه عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ سَلَا الْجَزُورِ عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَقَالَ: اللَّهم عَلَيْكَ بِالْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ (1) ، ثمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ مسعود كما تقدَّم، كما ذِكْرُنَا لَهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فِي وَضْعِ الْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِدٌ عِنْدَ الْكَعْبَةِ سَلَا تِلْكَ الْجَزُورِ، وَاسْتِضْحَاكِهِمْ مِنْ ذلك، حتى أنَّ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ مِنْ شدَّة الضَّحك، ولم يزل على ظهره حتى جاءت ابنته فاطمة عليها السَّلام فطرحته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم تسبَّهم، فلمَّا سلَّم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِنْ صَلَاتِهِ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهم عَلَيْكَ بِالْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثمَّ سمَّى فَقَالَ: اللَّهم عليك بأبي جهل وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، وَكَذَلِكَ لمَّا أقبلت قريش يوم بدر في عددها وعديدها، فَحِينَ عَايَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَافِعًا يَدَيْهِ: اللَّهم هَذِهِ قُرَيْشٌ جاءتك بفخرها وخيلائها، تجادل وتكذِّب رسولك، اللَّهم أصبهم الْغَدَاةَ (2) ، فَقُتِلَ مِنْ سَرَاتِهِمْ سَبْعُونَ وَأُسِرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ
سَبْعُونَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَاسْتَأْصَلَهُمْ عَنْ آخرهم، ولكن من حلم وَشَرَفِ نبيِّه أَبْقَى مِنْهُمْ مَنْ سَبَقَ فِي قدره أن سيؤمن به وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ دَعَا عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ أن يسلِّط عليه كلبه بالشام،
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري في الجزية ح (3185) فتح الباري 6 / 282 وأخرجه في الوضوء ح (240) فتح الباري 1 / 349.
وأخرجه مسلم في الجهاد ح (108) ص (3 / 1419) .
(2) وفي السيرة: اللَّهم هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا تحادك وتكذِّب رسولك اللَّهم فأحنهم الغداة.
(انظر الدرر في اختصار المغازي والسيرة ص 104.
وسيرة ابن هشام ج 2) .
(*)
(6/294)

فَقَتَلَهُ الْأَسَدُ عِنْدَ وَادِي الزَّرقاء قِبَلَ مَدِينَةِ بصرى * وكم له من مثلها ونظيرها (1) ، كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا العكبر، وهو الدَّم بالوتر، وأكلوا العظام وكل شئ، ثمَّ توصَّلوا إلى تراحمه وَشَفَقَتِهِ وَرَأْفَتِهِ، فَدَعَا لَهُمْ، ففرَّج اللَّهُ عَنْهُمْ وَسُقُوُا الْغَيْثَ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ.
* وَقَالَ الْإِمَامُ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ فِي كتاب دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ - وَهُوَ كِتَابٌ حَافِلٌ -: ذِكْرُ مَا أُوتِيَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْفَضَائِلِ: وَبَيَانُ مَا أُوتِيَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما يضاهي فضائله ويزيد عليها، إنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا بَلَغُوا مِنْ أَذِيَّتِهِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ، وَتَرْكِ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: * (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) * [نوح: 26] فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ، وغرَّق قَوْمَهُ، حَتَّى لم يسلم شئ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ والدَّواب إِلَّا مَنْ رَكِبَ السَّفينة، وكان ذَلِكَ فَضِيلَةً أُوتِيَهَا، إِذْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، وَشُفِيَ صَدْرُهُ بِإِهْلَاكِ قَوْمِهِ * قُلْنَا: وَقَدْ أُوتِيَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِثْلَهُ حِينَ نَالَهُ مِنْ قُرَيْشٍ مَا نَالَهُ مِنَ التَّكذيب وَالِاسْتِخْفَافِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلِكَ الْجِبَالِ وَأَمَرَهُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِنْ إِهْلَاكِ قَوْمِهِ، فَاخْتَارَ الصَّبر عَلَى أَذِيَّتِهِمْ، وَالِابْتِهَالَ فِي الدُّعاء لَهُمْ بالهداية * قلت: وهذا أحسن، وَقَدْ تقدَّم الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في قصَّة ذَهَابِهِ إِلَى الطَّائف، فَدَعَاهُمْ فَآذَوْهُ فَرَجَعَ وَهُوَ مَهْمُومٌ، فلمَّا كَانَ عِنْدَ قَرْنِ الثَّعالب نَادَاهُ مَلَكُ الْجِبَالِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ ربَّك قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لِأَفْعَلَ مَا تَأْمُرُنِي بِهِ، فَإِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ - يَعْنِي جبلي مكة اللَّذين يكتنفانها جنوباً وشمالاً، أبو قبيس وزر (2) ، فَقَالَ: بَلْ أَسَتَأْنِي
بِهِمْ لعلَّ اللَّهَ أَنْ يُخرج مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا * وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: * (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قدر) * [الْقَمَرِ: 10 - 11] أَحَادِيثَ الِاسْتِسْقَاءِ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ، كَمَا تقدَّم ذِكْرُنَا لِذَلِكَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ قَرِيبًا أنَّه صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لَهُمْ، لِمَا بِهِمْ مِنَ الْجَدْبِ والجُّوع، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، فَمَا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ حتى رؤي المطر يتحادر على لحيته الكريمة، صلى الله عليه وسلَّم، فَاسْتَحْضَرَ مَنِ اسْتَحْضَرَ مِنَ الصَّحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَوْلَ عمِّه أَبِي طَالِبٍ فِيهِ: - وأبيضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ * ثِمَالَ الْيَتَامَى عصمةٍ لِلْأَرَامِلِ يلوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ * فهم عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ وَكَذَلِكَ اسْتَسْقَى فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ لِلْجَدْبِ وَالْعَطَشِ فَيُجَابُ كَمَا يريد على قدر الحاجة المائية، ولا أزيد ولا أنقص، وهكذا وقع أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَأَيْضًا فإنَّ هَذَا مَاءُ رحمة ونعمة، وماء
__________
(1) كذا بالاصل، والظاهر أن فيه سقطا، والسياق يقتضي قوله صلَّى الله عليه وآله لما رأى من الناس إدباراً قال: اللهم سبع كسبع يوسف.
(2) الاخشبان: أبو قبيس وقعيقعان.
(*)
(6/295)

الطُّوفان مَاءُ غَضَبٍ وَنِقْمَةٍ، وَأَيْضًا فإنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَسْتَسْقِي بالعبَّاس عَمِّ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسْقَوْنَ، وَكَذَلِكَ مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ فِي غَالِبِ الأزمان والبلدان، يستسقون فيجابون فيسقَون، و [غيرهم] لا يجابون غالباً ولا يسقون وَلِلَّهِ الْحَمْدُ * قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: وَلَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، فبلغ جميع من آمن رِجَالًا وَنِسَاءً، الَّذِينَ رَكِبُوا مَعَهُ سَفِينَتَهُ، دُونَ مائة نفس، وآمن بنبينا - فِي مُدَّةِ عِشْرِينَ سَنَةً، - النَّاس شَرْقًا وَغَرْبًا، وَدَانَتْ لَهُ جَبَابِرَةُ الْأَرْضِ وَمُلُوكُهَا، وَخَافَتْ زَوَالَ مُلْكِهِمْ، كَكِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَسْلَمَ النَّجاشيّ وَالْأَقْيَالُ رَغْبَةً فِي دِينِ اللَّهِ، وَالْتَزَمَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ به من عظماء الأرض الجِّزية، والأيادة عن صغار، أهل نجران، وهجر،
وأيلة، وأنذر دُومَةَ، فذلُّوا لَهُ مُنْقَادِينَ، لِمَا أيَّده اللَّهُ بِهِ مِنَ الرُّعب الَّذِي يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَهْرًا، وَفَتَحَ الْفُتُوحَ، وَدَخَلَ النَّاس فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: * (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) * [النَّصْرِ: 1 - 3] قُلْتُ، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ الْمَدِينَةَ وَخَيْبَرَ وَمَكَّةَ وَأَكْثَرَ الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ، وتوفِّي عَنْ مِائَةِ أَلْفِ صَحَابِيٍّ أَوْ يَزِيدُونَ * وَقَدْ كَتَبَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ الْكَرِيمَةِ إِلَى سَائِرِ مُلُوكِ الْأَرْضِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَمِنْهُمْ مَنْ أجاب وَمِنْهُمْ مَنْ صَانَعَ وَدَارَى عَنْ نَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تكبَّر فَخَابَ وَخَسِرَ، كَمَا فَعَلَ كِسْرَى بن هرمز حين عتى وَبَغَى وتكبَّر، فمزِّق مُلْكُهُ، وتفرَّق جُنْدُهُ شَذَرَ مَذَرَ، ثمَّ فَتَحَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، أَبُو بَكْرٍ ثمَّ عُمَرُ ثمَّ عُثْمَانُ ثمَّ علي التَّالي عَلَى الْأَثَرِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، مِنَ الْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ إِلَى الْبَحْرِ الشَّرقي، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: زويت لي الاوض فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا (1) * وَقَالَ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله (2) * وكذا وقع سواء بسواء، فقد استولت الْمَمَالِكُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَى مُلْكِ قَيْصَرَ وَحَوَاصِلِهِ، إِلَّا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَجَمِيعِ مَمَالِكِ كِسْرَى وَبِلَادِ الْمَشْرِقِ، وَإِلَى أَقْصَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ رضي الله عنه في سنة ستة وثلاثين * فَكَمَا عمَّت جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ النَّقمة بِدَعْوَةِ نوح عليه السلام، لما رآهم عَلَيْهِ مِنَ التَّمادي فِي الضَّلال وَالْكُفْرِ وَالْفُجُورِ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ غَضَبًا لِلَّهِ وَلِدِينِهِ وَرِسَالَتِهِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَغَضِبَ لِغَضَبِهِ، وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ بِسَبَبِهِ، كذلك عمَّت جميع أهل الأرض بِبَرَكَةِ رِسَالَةِ محمَّد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعْوَتِهِ، فَآمَنَ مَنْ آمَنَ مِنَ النَّاس، وَقَامَتِ الحجَّة عَلَى مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: * (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) * [الأنبياء: 107] وَكَمَا قَالَ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّما أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ * وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ في كتاب البعث: حدَّثني عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعْمَانِيُّ، حدَّثنا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ سعيد بن جبير
__________
(1) أخرجه مسلم في الفتن باب (5) ح (20) ص (2216) عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وآله.
وأحمد في مسنده ج 4 / 123 و 5 / 278، 284 والبخاري في علامات النبوة في الاسلام.
(2) أخرجه مسلم في الفتن ص (4 / 2227) وأخرجه البخاري في علامات النبوة في الاسلام، والامام أحمد في
المسند: 2 / 233، 240، 501 - 5 / 92، 99.
(*)
(6/296)

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: * (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رحمة للعالمين) * قَالَ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ تمَّت لَهُ الرَّحمة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بالله ورسله عدَّ فيمن يستحق تَعْجِيلِ مَا كَانَ يُصِيبُ الْأُمَمَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْعَذَابِ وَالْفِتَنِ وَالْقَذْفِ وَالْخَسْفِ * وَقَالَ تَعَالَى: * (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) * [إبراهيم: 28] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النِّعمة محمَّد، وَالَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كفراً كفَّار قُرَيْشٍ - يَعْنِي وَكَذَلِكَ كلَّ مَنْ كذَّب به من سائر الناس - كما قال: * (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) * [هود: 17] قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سمَّى اللَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، فَقَالَ: * (إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُورًا) * [الإسراء: 3] قُلْنَا: وَقَدْ سمَّى اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَائِهِ فَقَالَ: * (بالمؤمنين رؤوف رحيم) * قَالَ: وَقَدْ خَاطَبَ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ بِأَسْمَائِهِمْ: يَا نُوحُ، يَا إِبْرَاهِيمُ، يَا مُوسَى يَا دَاوُدُ، يا يحيى، يا عيسى، يا مَرْيَمَ، وَقَالَ مُخَاطِبًا لمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، يا أيُّها المزَّمل، يَا أيُّها المدَّثر، وَذَلِكَ قَائِمٌ مَقَامَ الْكُنْيَةِ بِصِفَةِ الشَّرف * ولمَّا نَسَبَ الْمُشْرِكُونَ أَنْبِيَاءَهُمْ إِلَى السَّفَهِ وَالْجُنُونِ، كلٌّ أجاب عن نفسه، قال نوح: * (يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رب العالمين) * [الْأَعْرَافِ: 67] وَكَذَا قَالَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ولمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ: * (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا) * [الإسراء: 101] ، قَالَ [مُوسَى] * (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) * [الاسراء: 102] وأمَّا محمَّد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى جَوَابَهُمْ عَنْهُ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، كَمَا قَالَ: * (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) * [الحجر: 6 - 7] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: * (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ) * [الحجر: 8] وقال تعالى: * (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) * [الْفُرْقَانِ: 5] * * (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ
مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) * [الطور: 30 - 31] وقال تعالى: * (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العالمين) * [الْحَاقَّةِ: 41 - 43] * * (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) * [القلم: 51] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: * (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ للعالمين) * [القلم: 52] وقال تعالى * (وَإِنَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عظيم) * [الْقَلَمِ: 1 - 4] وَقَالَ تَعَالَى: * (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) * [النحل: 103] .
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْلَكَ قَوْمَهُ بالرِّيح الْعَقِيمِ، وَقَدْ كَانَتْ رِيحَ غَضَبٍ، وَنَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى محمَّداً صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّبَا يَوْمَ الْأَحْزَابِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا
(6/297)

نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً) * [الأحزاب: 9] ثمَّ قَالَ: حدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ ح وحدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، أنَّا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجيّ، قَالَا: حدَّثنا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حدَّثنا حَفْصُ بْنُ عتاب عَنْ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ انْطَلَقَتِ الْجَنُوبُ إِلَى الشَّمال فَقَالَتِ: انْطَلِقِي بِنَا نَنْصُرْ مُحَمَّدًا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَقَالَتْ الشَّمال لِلْجَنُوبِ: إنَّ الحرَّة لا ترى باللَّيل، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: * (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا) * [الأحزاب: 9] وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ المتقدِّم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: نُصِرْتُ بالصَّبا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ.
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلام
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَخْرَجَ اللَّهُ لِصَالِحٍ نَاقَةً مِنَ الصَّخرة جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ آيَةً وَحُجَّةً عَلَى قَوْمِهِ وَجَعَلَ لَهَا شِرْبَ يَوْمٍ، وَلَهُمْ شِرْبَ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.
قُلْنَا: وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ
ذَلِكَ، بَلْ أَبْلَغَ لأنَّ نَاقَةَ صَالِحٍ لَمْ تكلِّمه وَلَمْ تَشْهَدْ لَهُ بالنُّبُّوة والرِّسالة، ومحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم شَهِدَ لَهُ البعير بالرِّسالة، وَشَكَى إِلَيْهِ مَا يَلْقَى مِنْ أَهْلِهِ، من أنهم يجيعونه ويريدون ذبحه، ثمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ كَمَا قدَّمنا فِي دلائل النبُّوة بطرقه وألفاظه وغرره بما أغنى عن إعادته ههنا، وَهُوَ فِي الصِّحاح وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعَ ذَلِكَ حَدِيثَ الْغَزَالَةِ، وَحَدِيثَ الضَّب وَشَهَادَتَهُمَا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بالرِّسالة، كَمَا تقدَّم التَّنبيه عَلَى ذَلِكَ وَالْكَلَامُ فِيهِ، وَثَبَتَ الْحَدِيثُ فِي الصَّحيح بِتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَكَذَلِكَ سَلَامُ الْأَشْجَارِ وَالْأَحْجَارِ وَالْمَدَرِ عليه قبل أن يبعث صلَّى الله عليه وسلَّم.
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الزَّملكانيّ رحمه الله: وأمَّا خُمُودُ النَّار لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَدْ خَمَدَتْ لنبيِّنا صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم نار فارس لِمَوْلِدِهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ بِعْثَتِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَخَمَدَتْ نَارُ إِبْرَاهِيمَ لِمُبَاشَرَتِهِ لَهَا، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ لنبيِّنا صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَسَافَةُ أَشْهُرٍ كَذَا، وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ خُمُودِ نَارِ فَارِسَ لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ الْكَرِيمِ، قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِأَسَانِيدِهِ وَطُرُقِهِ فِي أوَّل السِّيرة، عِنْدَ ذَكَرِ الْمَوْلِدِ المطهَّر الكريم، بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَمَقْنَعٌ، ثمَّ قَالَ شَيْخُنَا: مَعَ أنَّه قَدْ أُلقي بَعْضُ هَذِهِ الأمَّة فِي النَّار فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ بِبَرَكَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، مِنْهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ الخولاني، قال: بينما الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ الْعَنْسِيُّ بِالْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أبي مسلم الخولاني فقال: أَتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أسمع، فأعاد إليه، قال، ما أسمع، فأمر بنار عظيمة فأجِّجت فطُرح فِيهَا أَبُو مُسْلِمٍ فَلَمْ تضرَّه، فَقِيلَ لَهُ: لَئِنْ تَرَكْتَ هَذَا فِي بِلَادِكَ أَفْسَدَهَا عَلَيْكَ، فَأَمَرَهُ بالرَّحيل، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَامَ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي
(6/298)

الْمَسْجِدِ يُصَلِّي، فَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ الرَّجل؟ قَالَ: مِنَ الْيَمَنِ، قَالَ: مَا فعل الله بصاحبنا الذي حرق بالنَّار فَلَمْ تضرَّه؟ قَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بن أيوب، قَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهم نعم، قال: فقيل ما بين عينيه ثم جاء بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّديق وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمَّ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي فِي أمَّة محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَنْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحمن عَلَيْهِ
السَّلَامُ * وَهَذَا السِّياق الذي أورده شيخنا بهذه الصِّفة، وقد رَوَاهُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ الله بن أيوب فِي تَارِيخِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عَبْدِ الوهاب بن محمد عن إسماعيل بن عيَّاش الحطيميّ: حدثني شراحيل بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ أنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ قَيْسِ بن ذي الحمار الْعَنْسِيَّ تنبَّأ بِالْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ الخولاني فأتي به، فلمَّا جاء به قَالَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أنَّ محمَّداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: فردَّد عليه ذلك مِرَارًا ثمَّ أَمَرَ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ فأجِّجت فَأَلْقَى فِيهَا فَلَمْ تضرَّه، فَقِيلَ لِلْأَسْوَدِ: انْفِهِ عَنْكَ وَإِلَّا أَفْسَدَ عَلَيْكَ مَنِ اتَّبعك، فَأَمَرَهُ فَارْتَحَلَ، فَأَتَى الْمَدِينَةَ وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَنَاخَ أَبُو مُسْلِمٍ رَاحِلَتَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ المسجد وقام يصلِّي إلى سارية، فبصر بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَاهُ فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجل؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، قَالَ: مَا فَعَلَ الرَّجل الَّذِي حَرَقَهُ الكذَّاب بالنَّار؟ قَالَ: ذاك عبد الله بن أيُّوب، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهم نعم، قال: فاعتنقه ثمَّ ذَهَبَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أبي بكر الصديق، فقال: الحمد الله الذي لم يمتني حتى أراني مِنْ أمَّة مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَنْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحمن * قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عيَّاش: فَأَنَا أَدْرَكْتُ رِجَالًا مِنَ الْأَمْدَادِ الَّذِينَ يمدُّون إِلَيْنَا مِنَ الْيَمَنِ مِنْ خَوْلَانَ، ربَّما تَمَازَحُوا فَيَقُولُ الْخَوْلَانِيُّونَ لِلْعَنْسِيِّينَ: صاحبكم الكذَّاب حرق صاحبنا بالنَّار ولم تَضُرَّهُ * وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دُحَيْمٍ: حدَّثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حدَّثنا الْوَلِيدُ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ - جَعْفَرِ بْنِ أبي وحشية - أنَّ رجلاً أَسْلَمَ فَأَرَادَهُ قَوْمُهُ عَلَى الْكُفْرِ فَأَلْقَوْهُ فِي نَارٍ فَلَمْ يَحْتَرِقْ مِنْهُ إِلَّا أُنْمُلَةٌ لَمْ يَكُنْ فِيمَا مَضَى يُصِيبُهَا الْوُضُوءُ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أحق قال أبو بكر: أنت أُلْقِيتَ فِي النَّار فَلَمْ تَحْتَرِقْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ ثمَّ خرج إلى الشَّام، وكانوا يسمُّونه بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَذَا الرَّجل هُوَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، وَهَذِهِ الرِّواية بِهَذِهِ الزِّيادة تُحَقِّقُ أنَّه إنَّما نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ الشَّريعة المحمَّدية المطهَّرة المقدَّسة، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الشَّفاعة: وحرَّم اللَّهُ عَلَى النَّار أَنْ تَأْكُلَ مَوَاضِعَ السُّجود * وَقَدْ نَزَلَ أَبُو مُسْلِمٍ بِدَارَيَّا مِنْ
غَرْبِيِّ دِمَشْقَ وَكَانَ لَا يَسْبِقُهُ أَحَدٌ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِدِمَشْقَ وَقْتَ الصُّبْحِ، وَكَانَ يغازي ببلاد الرُّوم، وَلَهُ أَحْوَالٌ وَكَرَامَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ بِدَارَيَّا، والظَّاهر أنَّه مَقَامُهُ الَّذِي كَانَ يَكُونُ فِيهِ، فإنَّ الْحَافِظَ ابْنَ عَسَاكِرَ رجَّح أنَّه مَاتَ بِبِلَادِ الرُّوم، فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: فِي أيَّام ابْنِهِ يَزِيدَ، بَعْدَ الستِّين وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَقَدْ وَقَعَ لِأَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحِوَارِيِّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى أستاذه
(6/299)

أبي سليمان يعلمه بأنَّ التَّنور قَدْ سَجَرُوهُ وَأَهْلُهُ يَنْتَظِرُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ به، فوجده يكلِّم النَّاس وهم حوله فأخبره بِذَلِكَ فَاشْتَغَلَ عَنْهُ بالنَّاس، ثمَّ أَعْلَمُهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، ثمَّ أَعْلَمُهُ مَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حوله، فقال: إذهب فاجلس فيه، فذهب أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحِوَارِيِّ إِلَى التَّنور فَجَلَسَ فِيهِ وَهُوَ يتضرَّم نَارًا فَكَانَ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَا زَالَ فِيهِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ أَبُو سُلَيْمَانَ مِنْ كَلَامِهِ فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: قُومُوا بِنَا إِلَى أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحِوَارِيِّ، فإنِّي أظنَّه قَدْ ذَهَبَ إِلَى التَّنور فَجَلَسَ فِيهِ امتثالا لما أمرته، فَذَهَبُوا فَوَجَدُوهُ جَالِسًا فِيهِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ الشَّيخ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَخْرَجَهُ مِنْهُ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا * وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْمَعَالِي: وأمَّا إِلْقَاؤُهُ - يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلام - مِنَ الْمَنْجَنِيقِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ فِي وَقْعَةِ مُسَيْلِمَةَ الكذَّاب، وأنَّ أَصْحَابَ مُسَيْلِمَةَ انْتَهَوْا إِلَى حَائِطٍ حَفِيرٍ فتحصَّنوا بِهِ وَأَغْلَقُوا الْبَابَ، فَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ: ضَعُونِي على برش واحملوني على رؤوس الرِّماح ثمَّ أَلْقُونِي مِنْ أَعْلَاهَا دَاخِلَ الْبَابِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأَلْقَوْهُ عَلَيْهِمْ فَوَقَعَ وَقَامَ وَقَاتَلَ المشركين، وقتل مسيلمة * قلت: وقد ذكر ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ حِينَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لِقِتَالِ مُسَيْلِمَةَ وَبَنِي حَنِيفَةَ، وَكَانُوا فِي قَرِيبٍ [مِنْ] مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، فلمَّا الْتَقَوْا جَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَفِرُّونَ، فَقَالَ المهاجرون والأنصار: خلِّصنا يا خالد، فميَّزهم عنهم، وكان الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ، فصمَّموا الحملة يتدابرون وَيَقُولُونَ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، بَطَلَ السِّحر اليوم، فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ولجأوهم إلى حديقة هناك، وَتُسَمَّى حَدِيقَةُ الْمَوْتِ، فتحصَّنوا بِهَا، فَحَصَرُوهُمْ فِيهَا، فَفَعَلَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ، أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ الْأَكْبَرَ - مَا ذُكِرَ مِنْ رَفْعِهِ على الأسنَّة فَوْقَ الرِّماح حتَّى تَمَكَّنَ مِنْ أَعْلَى
سُورِهَا، ثمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ وَنَهَضَ سَرِيعًا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ وَحْدَهُ وَيُقَاتِلُونَهُ حَتَّى تَمَكَّنَ من فتح الْحَدِيقَةِ وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ يكبِّرون وَانْتَهَوْا إِلَى قَصْرِ مسيلمة وهو واقف خارجه عند جدار كأنَّه جمل أزرق - أَيْ مِنْ سُمْرَتِهِ - فَابْتَدَرَهُ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْأَسْوَدُ، قَاتِلُ حَمْزَةَ، بِحَرْبَتِهِ، وَأَبُو دُجانة سمِاك بن حرشة الْأَنْصَارِيُّ - وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ شَيْخُنَا هَذَا أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الزَّملكانيّ - فَسَبَقَهُ وَحْشِيٌّ فَأَرْسَلَ الْحَرْبَةَ عَلَيْهِ مِنْ بُعْدٍ فَأَنْفَذَهَا مِنْهُ، وَجَاءَ إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَعَلَاهُ بِسَيْفِهِ فَقَتَلَهُ، لَكِنْ صرخت جارية من فوق القصر: واأميراه، قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ، وَيُقَالُ: إِنَّ عُمُرَ مَسَيْلِمَةَ يوم قتل مائة وأربعين سنة، لعنه الله، فمن طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ قبَّحه اللَّهُ * وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وأمَّا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فإنَّه قال: فإن قيل: فإنَّ إبراهيم اختص بالخلَّة مَعَ النُّبُّوة، قِيلَ: فَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ محمَّداً خَلِيلًا وَحَبِيبًا، وَالْحَبِيبُ أَلْطَفُ مِنَ الْخَلِيلِ.
ثمَّ سَاقَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إسحاق بن أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ * وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي الهديل، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الجشيميّ، قال: سمعت
(6/300)

عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يحدِّث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، ولكنَّه أخي وصاحبي، وقد اتَّخذ الله صاحبكم خليلا * هذا لفظ مسلم، ورواه أَيْضًا مُنْفَرِدًا بِهِ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبير كَمَا سُقْتُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ الصِّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ هُنَالِكَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَالْبَرَاءِ وجابر وكعب بن مالك وأبي الحسين بن العلى وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي وَاقِدٍ اللَّيثي وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ * ثمَّ إنَّما رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زيد عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ كَعْبِ بن مالك أنَّه قال: عهدي نبيكم صلى الله عليه وسلَّم فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا لَهُ خَلِيلٌ مِنْ أمَّته، وإنَّ خَلِيلِي أَبُو بَكْرٍ، وإنَّ اللَّهَ اتَّخذ
صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا * وَهَذَا الْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ، وَمِنْ حَدِيثِ محمَّد بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لكلِّ نبيٍّ خَلِيلٌ: وَخَلِيلِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَخَلِيلُ صَاحِبِكُمُ الرَّحمن * وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الضِّحَاكِ عَنْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَمَنْزِلِي وَمَنْزِلُ إِبْرَاهِيمَ فِي الجنَّة تُجَاهَيْنِ والعبَّاس بَيْنَنَا مُؤْمِنٌ بَيْنَ خَلِيلَيْنِ * غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، انْتَهَى مَا أَوْرَدَهُ أَبُو نُعَيْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ * وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: إنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجل أن يكون لي بينكم خليلاً فإنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخذني خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وإنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إنِّي أنهاكم عن ذلك * وأمَّا اتِّخاذه حسيناً خليلاً، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِسْنَادِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَقَدْ قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فِي كِتَابِهِ الْمَبْعَثِ: حَدَّثَنَا يحيى بن حمزة الحضرميّ وعثمان بن علان الْقُرَشِيُّ، قَالَا: حدَّثنا عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ اللَّخميّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَدْرَكَ بِيَ الْأَجَلَ الْمَرْقُومَ وأخذني لقربه، وَاحْتَضَرَنِي احْتِضَارًا، فَنَحْنُ الْآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابقون يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا قَائِلٌ قَوْلًا غَيْرَ فَخْرٍ: إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ، وَمُوسَى صَفِّيُّ اللَّهِ، وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ، وَأَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وأن بيدي لواء الحمد، وَأَجَارَنِي اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ ثَلَاثٍ أَنْ لَا يهلككم بسنة، وأن يستبيحكم عدوكم، وأن لا تجمعوا على ضلالة * وأمَّا الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ فتكلَّم عَلَى مَقَامِ الخلَّة بِكَلَامٍ طَوِيلٍ إِلَى أَنْ قَالَ: وَيُقَالُ: الْخَلِيلُ الَّذِي يَعْبُدُ رَبَّهُ عَلَى الرَّغبة والرَّهبة، مِنْ قَوْلِهِ: * (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) * [التوبة: 114] مِنْ كَثْرَةِ مَا يَقُولُ: أواه، وَالْحَبِيبُ الَّذِي يَعْبُدُ رَبَّهُ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَيُقَالُ: الْخَلِيلُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ انْتِظَارُ الْعَطَاءِ، وَالْحَبِيبُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ انْتِظَارُ
(6/301)

اللِّقاء، وَيُقَالُ: الْخَلِيلُ الَّذِي يَصِلُ بِالْوَاسِطَةِ مِنْ قوله: * (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) * [الأنعام: 75] وَالْحَبِيبُ الَّذِي يصل إليه من غير واسطة، مِنْ قَوْلِهِ: * (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) * [النجم: 9] وقال الخليل: * (الذي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) * [الشعراء: 82] وقال الله للحبيب محمد: * (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) * [الفتح: 2] وَقَالَ الْخَلِيلُ: * (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) * [الشعراء: 87] وقال الله للنبيّ: * (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) * [التحريم: 8] وَقَالَ الْخَلِيلُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّار: * (حسبي الله ونعم الوكيل) * [آل عمران: 173] وَقَالَ اللَّهُ لمحمَّد: * (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) * [الأنفال: 64] وَقَالَ الْخَلِيلُ: * (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) * [الصافات: 99] وَقَالَ اللَّهُ لمحمَّد: * (وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى) * [الضحى: 7] وَقَالَ الْخَلِيلُ: * (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين) * [الشعراء: 84] وقال لمحمد: * (رفعنا لَكَ ذِكْرَكَ) * [الشرح: 4] وَقَالَ الْخَلِيلُ: * (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) * [إبراهيم: 35] وَقَالَ اللَّهُ لِلْحَبِيبِ: * (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيرا) * [الأحزاب: 33] وَقَالَ الْخَلِيلُ: * (وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) * [الشعراء: 85] وَقَالَ اللَّهُ لمحمَّد: * (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) * [الْكَوْثَرَ: 1] * وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أُخَرَ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إنِّي سَأَقُومُ مَقَامًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرْغَبُ إلى الخلق كلَّهم حتى أبو هم إبراهيم الخليل * فدلَّ على أنَّه أفضل إذ هو يحتاج إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، ودلَّ عَلَى أنَّ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَهُ لَذَكَرَهُ * ثمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: إنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السلام حجب عن نمروذ بِحُجُبٍ ثَلَاثَةٍ، قِيلَ: فَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ وَحُجِبَ محمَّد صلَّى الله عليه وسلم عمَّن أرادوه بِخَمْسَةِ حُجُبٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْرِهِ: * (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) * [يس: 9] فَهَذِهِ ثَلَاثٌ، ثمَّ قَالَ: * (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُورًا) *
[الإسراء: 45] ثمَّ قَالَ: * (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مقمحون) * [يس: 8] فهذه خمس حُجُبٍ * وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَامِدٍ، وَمَا أَدْرِي أيُّهما أَخَذَ مِنَ الْآخَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَرِيبٌ، وَالْحُجُبُ الَّتِي ذَكَرَهَا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، كَيْفَ وَقَدْ أَلْقَاهُ فِي النَّار الَّتِي نجَّاه اللَّهُ مِنْهَا، وأمَّا ما ذكره من الحجب التي استدل عَلَيْهَا بِهَذِهِ الْآيَاتِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّها جَمِيعَهَا مَعْنَوِيَّةٌ لَا حِسِّيَّةٌ، بِمَعْنَى أنَّهم مُصْرَفُونَ عَنِ الحقِّ، لَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَخْلُصُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: * (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وقرو من بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) * [فصلت: 5] وَقَدْ حَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي التَّفسير، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السِّيرة وَفِي التَّفسير أنَّ أُمَّ جَمِيلٍ امْرَأَةَ أَبِي لَهَبٍ، لمَّا نَزَلَتِ السُّورة فِي ذمِّها وذمِّ زَوْجِهَا، وَدُخُولِهِمَا النَّار، وَخَسَارِهِمَا، جَاءَتْ بِفِهْرٍ - وَهُوَ الْحَجَرُ الكبير - لَتَرْجُمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَانْتَهَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم
(6/302)

فَلَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَقَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ: أَيْنَ صَاحِبُكَ؟ فَقَالَ: وماله؟ فقالت: إنَّه هجاني، فقال: ما هَجَاكِ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لأضربنَّه بِهَذَا الفهر، ثم رجعت وهي تقول: مذمما أتينا * ودينه قلينا * وكذلك حجب ومنع أبا جَهْلٍ حِينَ همَّ أَنْ يَطَأَ بِرِجْلِهِ رَأْسَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَهُوَ سَاجِدٌ، فرأى جدثاً مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا عَظِيمًا وَأَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ دُونَهُ، فَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَهُوَ يتَّقي بِيَدَيْهِ، فَقَالَتْ لَهُ قريش: مالك، وَيَحَكَ؟ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا رَأَى، وَقَالَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، لَوْ أَقْدَمَ لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا * وَكَذَلِكَ لمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لَيْلَةَ الْهِجْرَةِ وَقَدْ أرصدوا على مدرجته وطريقه، وأرسلوا إلى بيته رجلا يَحْرُسُونَهُ لِئَلَّا يَخْرُجَ، وَمَتَى عَايَنُوهُ قَتَلُوهُ، فَأَمَرَ عَلِيًّا فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، ثمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وهم جلوس، فجعل يذر عَلَى رَأْسِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ تُرَابًا وَيَقُولُ: شاهت الوجوه، فلم يَرَوْهُ حَتَّى صَارَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّديق إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي السِّيرة، وَكَذَلِكَ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَنْكَبُوتَ سدَّ عَلَى بَابِ الْغَارِ لِيُعَمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَكَانَهُ، وَفِي الصَّحيح أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ إِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرْنَا، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظنَّك بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا (1) ؟ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعراء فِي ذَلِكَ:
نسجُ دَاوُدَ مَا حَمَى صَاحِبَ الغا * روكان الفَخارُ لِلعَنكَبُوتِ وَكَذَلِكَ حُجِبَ وَمُنِعَ مِنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشَمٍ حِينَ اتَّبعهم، بِسُقُوطِ قَوَائِمِ فَرَسِهِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ أَمَانًا كَمَا تقدَّم بَسْطُهُ فِي الْهِجْرَةِ * وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ فِي كِتَابِهِ فِي مُقَابَلَةِ إِضْجَاعِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَدَهُ للذَّبح مُسْتَسْلِمًا لِأَمْرِ الله تعالى، ببذل رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرَهُ حَتَّى نَالَ مِنْهُ الْعَدُوُّ مَا نَالُوا، مِنْ هَشْمِ رَأَسِهِ، وَكَسْرِ ثَنِيَّتِهِ الْيُمْنَى السُّفلى، كَمَا تقدَّم بَسْطُ ذَلِكَ فِي السِّيرة * ثمَّ قَالَ: قَالُوا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلْقَاهُ قَوْمُهُ فِي النَّار فَجَعَلَهَا اللَّهُ بَرْدًا وَسَلَامًا، قُلْنَا: وَقَدْ أُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِثْلُهُ، وَذَلِكَ أنَّه لمَّا نَزَلَ بِخَيْبَرَ سمَّته الْخَيْبَرِيَّةُ، فصيَّر ذَلِكَ السُّم فِي جَوْفِهِ بَرْدًا وَسَلَامًا إِلَى منتهى أجله، والسُّم عرق إِذْ لَا يَسْتَقِرُّ فِي الْجَوْفِ كَمَا تَحْرِقُ النَّار * قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ، وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ أنَّ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ مَاتَ سَرِيعًا مِنْ تِلْكَ الشَّاة الْمَسْمُومَةِ، وَأَخْبَرَ ذِرَاعُهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أُودِعَ فِيهِ مِنَ السُّم، وَكَانَ قَدْ نَهَشَ مِنْهُ نَهْشَةً، وَكَانَ السُّم فِيهِ أَكْثَرَ، لأنَّهم كَانُوا يَفْهَمُونَ أنَّه صلى الله عليه وسلَّم يُحِبُّ الذِّراع، فَلَمْ يضرَّه السُّم الَّذِي حَصَلَ فِي بَاطِنِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى انقضى أجله صلَّى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ أنَّه وَجَدَ حينئذٍ مِنْ أَلَمِ ذَلِكَ السُّم الذي كان في تلك الأكلة، صلَّى الله عليه وسلم * وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ، فَاتِحِ بِلَادِ الشَّام، أنَّه أُتِيَ بسُّم فحثاه بِحَضْرَةِ الْأَعْدَاءِ لِيُرْهِبَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَرَ بَأْسًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * ثُمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فإن قيل: فإنَّ إبراهيم خصم نمروذ ببرهان نبوَّته فبهته، قال الله تعالى:
__________
(1) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة.
الحديث (3653) فتح الباري (7 / 8) وفي مناقب الانصار باب (45) وأخرجه الترمذي في التفسير حديث (3096) ص (5 / 278) والامام أحمد في المسند (1 / 4) .
(*)
(6/303)

* (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) * [البقرة: 258] قِيلَ: محمَّد صلَّى الله عليه وسلم أتاه الكذَّاب بِالْبَعْثِ، أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، بِعَظْمٍ بَالٍ فَفَرَكَهُ وَقَالَ: * (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) * [يس: 78] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْبُرْهَانَ السَّاطع * (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) * [يس: 79] فَانْصَرَفَ مَبْهُوتًا بِبُرْهَانِ نبوَّته * قُلْتُ: وَهَذَا أقطع للحجَّة، وهو استدلاله للمعاد بِالْبَدَاءَةِ، فَالَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ
بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِمْ كَمَا قال: * (أو ليس الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) * [يس: 81] أَيْ يُعِيدُهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: * (بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) * [الأحقاف: 33] وَقَالَ: * (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) * [الروم: 27] هَذَا وَأَمْرُ الْمَعَادِ نَظَرِيٌّ لَا فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، فأمَّا الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي ربِّه فإنَّه مُعَانِدٌ مُكَابِرٌ، فإنَّ وُجُودَ الصَّانع مَذْكُورٌ فِي الْفِطَرِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مَفْطُورٌ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا مَنْ تغيَّرت فِطْرَتُهُ، فَيَصِيرُ نَظَرِيًّا عِنْدَهُ، وَبَعْضُ المتكلِّمين يَجْعَلُ وُجُودَ الصَّانع مِنْ بَابِ النَّظر لَا الضَّروريات، وَعَلَى كلِّ تَقْدِيرٍ فَدَعْوَاهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يحيى الموتى، لَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ وَلَا سَمْعٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يكذِّبه بِعَقْلِهِ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا أَلْزَمَهُ إِبْرَاهِيمُ بِالْإِتْيَانِ بالشَّمس مِنَ الْمَغْرِبِ إِنْ كَانَ كَمَا ادَّعى * (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) * [البقرة: 258] وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكُرَ مَعَ هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سلَّط مُحَمَّدًا عَلَى هَذَا الْمُعَانِدِ لمَّا بَارَزَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَتَلَهُ بِيَدِهِ الكريمة، طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردَّى عن فرسه مراراً، فقالوا له: ويحك مالك؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إنَّ بِي لمَّا لَوْ كَانَ بِأَهْلِ ذِي الْمَجَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعِينَ: أَلَمْ يَقُلْ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ؟ وَاللَّهِ لَوْ بَصَقَ عليَّ لقتلني - وكان هذا لعنه الله أعدَّ فرساً وحربةً ليقتل بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فَكَانَ كَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، * ثمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فإنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كسَّر أَصْنَامَ قَوْمِهِ غَضَبًا لِلَّهِ، قِيلَ: فإنَّ محمداً صلى الله عليه وسلَّم كسَّر ثلثمائة وستِّين صنماً، قد ألزمها الشَّيطان بالرَّصاص وَالنُّحَاسِ، فَكَانَ كلَّما دَنَا مِنْهَا بِمِخْصَرَتِهِ تَهْوِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يمسَّها، وَيَقُولُ: * (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زهوقا) * [الاسراء: 81] فَتَسَاقَطُ لِوُجُوهِهَا، ثمَّ أَمَرَ بهنَّ فَأُخْرِجْنَ إِلَى الميل، وَهَذَا أَظْهَرُ وَأَجْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي أوَّل دُخُولِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ بِأَسَانِيدِهِ وَطُرُقِهِ مِنَ الصِّحاح وَغَيْرِهَا، بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ * وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السِّير أنَّ الأصنام تساقطت أيضاً لمولده الْكَرِيمِ، وَهَذَا أَبْلَغُ وَأَقْوَى فِي الْمُعْجِزِ مِنْ مُبَاشَرَةِ كَسْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ نَارَ فَارِسَ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا خَمَدَتْ أَيْضًا لَيْلَتَئِذٍ، وَلَمْ تَخْمُدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وأنَّه سَقَطَ من شرفات قصر كسرى أربع عشر شرفة، مؤذنة بزوال
دولتهم بَعْدَ هَلَاكِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ مُلُوكِهِمْ فِي أَقْصَرِ مُدَّةٍ، وَكَانَ لَهُمْ فِي الْمُلْكِ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ، وأمَّا إِحْيَاءُ الطُّيور الْأَرْبَعَةِ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَلَا ابْنُ حَامِدٍ، وَسَيَأْتِي فِي إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا وَقَعَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ المحمَّدية مِنْ هَذَا النَّمَطِ ما هو مثل ذلك كما سيأتي التنبه عَلَيْهِ إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، مِنْ إِحْيَاءِ أَمْوَاتٍ بدعوات أمَّته، وحنين
(6/304)

الْجِذْعِ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ والشَّجر وَالْمَدَرِ عَلَيْهِ، وَتَكْلِيمِ الذِّراع لَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ * وأمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: * (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) * [الأنعام: 75] وَالْآيَاتُ بَعْدَهَا، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: * (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) * [الإسراء: 1] وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَامِدٍ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ بَعْدُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَحَادِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَمِنَ التَّفسير مَا شَاهَدَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنيا، ثمَّ عاين من الآيات في السَّموات السَّبع وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وجنَّة الْمَأْوَى، والنَّار الَّتِي هِيَ بِئْسَ الْمَصِيرُ وَالْمَثْوَى، وَقَالَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي حَدِيثِ الْمَنَامِ - وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وصحَّحه، وَغَيْرُهُمَا - فتجلَّى لي كل شئ لي وَعَرَفْتُ * وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ فِي مُقَابَلَةِ ابْتِلَاءِ الله يعقوب عليه السلام بفقده وَلَدِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَبْرِهِ وَاسْتِعَانَتِهِ رَبَّهُ عز وجل، موت إبراهيم بن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَصَبْرَهُ عَلَيْهِ، وَقَوْلَهُ: تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِكَ يا إبراهيم لمحزونون * قلت: وقد مات بَنَاتُهُ الثَّلاثة: رُقَيَّةُ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَزَيْنَبُ، وَقُتِلَ عمَّه الحمزة، أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ * وَذَكَرَ فِي مُقَابَلَةِ حُسنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا ذَكَرَ مِنْ جَمَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَهَابَتِهِ وَحَلَاوَتِهِ شَكْلًا ونفعاً وهدياً، ودلاً، ويمناً، كَمَا تقدَّم فِي شَمَائِلِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ على ذلك، كما قالت الرَّبيع بنت مسعود: لَوْ رَأَيْتَهُ لَرَأَيْتَ الشَّمس طَالِعَةً * وَذَكَرَ فِي مُقَابَلَةِ مَا ابْتُلِيَ بِهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْفُرْقَةِ وَالْغُرْبَةِ، هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمُفَارَقَتَهُ وَطَنَهُ وَأَهْلَهُ
وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ كَانُوا بِهَا *
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الآيات وأعظمهنَّ تِسْعُ آيَاتٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: * (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) * [الإسراء: 101] وَقَدْ شَرَحْنَاهَا فِي التَّفسير، وَحَكَيْنَا قَوْلَ السَّلف فِيهَا، وَاخْتِلَافَهُمْ فِيهَا، وأنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْعَصَا فِي انْقِلَابِهَا حيَّة تَسْعَى، وَالْيَدُ، إِذَا أدخل يده في جيب درعه أخرجها تضئ كَقِطْعَةِ قَمَرٍ يَتَلَأْلَأُ إِضَاءَةً، وَدُعَاؤُهُ عَلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ حِينَ كذَّبوه فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ، آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ، وَكَذَلِكَ أَخَذَهُمُ اللَّهُ بالسِّنين، وَهِيَ نَقْصُ الْحُبُوبِ: وَبِالْجَدْبِ وَهُوَ نَقْصُ الثِّمار، وَبِالْمَوْتِ الذَّريع وَهُوَ نَقْصُ الْأَنْفُسِ، وَهُوَ الطُّوفان فِي قَوْلٍ، وَمِنْهَا فَلْقُ الْبَحْرِ لِإِنْجَاءِ بَنِي إسرائيل وإغراق آل فرعون، ومنها تضليل بَنِي إسْرائِيلَ فِي التِّيه، وَإِنْزَالُ الْمَنِّ والسَّلوى عَلَيْهِمْ وَاسْتِسْقَاؤُهُ لَهُمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ مَاءَهُمْ يَخْرُجُ مِنْ حَجَرٍ يُحْمَلُ مَعَهُمْ عَلَى دَابَّةٍ، لَهُ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ، إِذَا ضَرَبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ثَلَاثَةُ أعين لكلِّ سبط عين، ثمَّ يضربه فينقلع، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفسير، وَفِي قصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي قَصَصِ الأنبياء منه، ولله الحمد
(6/305)

والمنَّة، وقيل: كل من عبد العجل أماتهم ثمَّ أحياهم الله تعالى، وقصَّة البقرة * أمَّا الْعَصَا فَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الزَّملكاني: وأمَّا حَيَاةُ عَصَا مُوسَى، فَقَدْ سبَّح الْحَصَا فِي كفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَمَادٌ، وَالْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي دَلَائِلِ النُّبُّوة بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وقيل: إنهنَّ سبَّحن فِي كَفِّ أَبِي بَكْرٍ ثمَّ عُمَرَ ثمَّ عُثْمَانَ، كَمَا سبَّحن فِي كفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ هذه خلافة النبوة * وقد روى الحافظ بسنده إلى بكر بن حبيش عَنْ رَجُلٍ سمَّاه قَالَ: كَانَ بِيَدِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ سُبْحَةٌ يُسَبِّحُ بِهَا، قَالَ: فَنَامَ والسُّبحة فِي يَدِهِ، قَالَ: فَاسْتَدَارَتِ السُّبحة فَالْتَفَّتْ على ذِرَاعِهِ وَهِيَ تَقُولُ: سُبْحَانَكَ يَا مُنْبِتَ النَّبات، ويا دائم الثَّبات، فقال: هلمَّ يَا أمَّ مُسْلِمٍ وَانْظُرِي إِلَى أَعْجَبِ
الْأَعَاجِيبِ، قَالَ: فَجَاءَتْ أُمُّ مُسْلِمٍ والسُّبحة تَدُورُ وتسبِّح فلمَّا جَلَسَتْ سَكَتَتْ * وأصحَّ مِنْ هَذَا كُلِّهُ وَأَصْرَحُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعام وَهُوَ يُؤْكَلُ (1) * قَالَ شَيْخُنَا: وَكَذَلِكَ قَدْ سلَّمت عَلَيْهِ الْأَحْجَارُ، قُلْتُ: وَهَذَا قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم إنِّي لأعرف حجرا كان يسلِّم عليَّ بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الْآنَ (2) * قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُوفِيُّ، حدَّثنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ عباد بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلام عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (3) ، ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ.
وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلائل مِنْ حديث السُّدي عن أبي عمارة الحيواني عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بحجر ولا شجر ولا مدر ولا شئ إِلَّا قَالَ: السَّلام عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَأَقْبَلَتِ الشَّجرة عَلَيْهِ بِدُعَائِهِ، وَذَكَرَ اجْتِمَاعَ تَيْنِكَ الشَّجرتين لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنْ وَرَائِهِمَا ثمَّ رُجُوعَهُمَا إِلَى مَنَابِتِهِمَا * وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ فِي الصَّحيح، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حُلُولُ حَيَاةٍ فيهما، إذ يكونان سَاقَهُمَا سَائِقٌ، وَلَكِنْ فِي قَوْلِهِ: انْقَادَا عليَّ بِإِذْنِ اللَّهِ، مَا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ شُعُورٍ مِنْهُمَا لِمُخَاطَبَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ امْتِثَالِهِمَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ، قَالَ: وَأَمَرَ عِذْقًا مِنْ نَخْلَةٍ أن ينزل فنزل يبقر فِي الْأَرْضِ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَشَهِدَ بِذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ، وَهَذَا أَلْيَقُ وَأَظْهَرُ فِي الْمُطَابَقَةِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَكِنْ هَذَا السِّياق فِيهِ غَرَابَةٌ، وَالَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وصحَّحه التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّاريخ من رواية أبي
__________
(1) أخرجه البخاري في المناقب - علامات النبوة في الإسلام فتح الباري (6 / 587) .
وأخرجه الترمذي في المناقب ح (3633) ص (5 / 597) .
وقال: حسن صحيح.
(2) أخرجه مسلم في الفضائل ح (2) ص (1782) وأخرجه الترمذي في المناقب (5 / 593) والدارمي في المقدمة، والامام أحمد في مسنده (5 / 89) .
(3) أخرجه الترمذي في المناقب ح (3226) ص (5 / 593) ورواه البيهقي في الدلائل 2 / 153 وفيه عباد بن عبد الله عن علي ... (*)
(6/306)

ظبيان حصين بن المنذر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ، بِمَ أَعْرِفُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخلة أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النَّخلة حَتَّى سَقَطَ فِي الْأَرْضِ فَجَعَلَ يَنْقُزُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قال له: ارجع، فرجع إِلَى مَكَانِهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أنَّك رَسُولُ اللَّهِ، وَآمَنَ بِهِ (1) * هَذَا لَفْظُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أنَّ الَّذِي شَهِدَ بالرِّسالة هُوَ الْأَعْرَابِيُّ، وَكَانَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَلَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي يَقُولُ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ وَحَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم أعذاق وشجر، فقال: هل أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: نَعَمْ، فَدَعَا غُصْنًا مِنْهَا فَأَقْبَلَ يَخُدُّ الْأَرْضَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَسْجُدُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثمَّ أَمَرَهُ فَرَجَعَ، قَالَ: فَرَجَعَ الْعَامِرِيُّ وَهُوَ يَقُولُ، يَا آلَ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ: وَاللَّهِ لَا أُكَذِّبُهُ بشئ يَقُولُهُ أَبَدًا (2) * وتقدَّم فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ متفرِّداً بِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم دَعَا رَجُلًا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَاهِدٍ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: هَذِهِ الشَّجرة، فَدَعَاهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ عَلَى شَاطِئِ الْوَادِي فَأَقْبَلَتْ تخدُّ الْأَرْضَ خَدًّا فَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَاسْتَشْهَدَهَا ثَلَاثًا فَشَهِدَتْ أنَّه كَمَا قَالَ، ثمَّ إِنَّهَا رَجَعَتْ إِلَى مَنْبَتِهَا وَرَجَعَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: إِنْ يَتَّبِعُونِي أَتَيْتُكَ بِهِمْ وَإِلَّا رَجَعْتُ إِلَيْكَ وَكُنْتُ مَعَكَ (3) * قَالَ: وأمَّا حَنِينُ الْجِذْعِ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَيْهِ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ، فلمَّا رَقِيَ عَلَيْهِ وَخَطَبَ حنَّ الجذع إليه حنين العشار والنَّاس يسمعون بِمَشْهَدِ الْخَلْقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَزَلْ يَئِنُّ وَيَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهِ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَنَقَهُ وسكَّنه وخيَّره بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ غُصْنًا طَرِيًّا أَوْ يُغْرَسَ فِي الجنَّة يَأْكُلُ مِنْهُ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، فَاخْتَارَ الْغَرْسَ فِي الجنَّة وَسَكَنَ عِنْدَ ذَلِكَ * فَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، قَدْ رَوَاهُ مِنَ الصَّحابة عَدَدٌ كَثِيرٌ مُتَوَاتِرٌ، وَكَانَ بِحُضُورِ الْخَلَائِقِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ من تواتر حنين الجذع كَمَا قَالَ، فإنَّه قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُمْ أَعْدَادٌ مِنَ التَّابعين، ثمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ آخَرُونَ عَنْهُمْ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وأمَّا تَخْيِيرُ الْجِذْعِ كَمَا ذَكَرَهُ
شَيْخُنَا فَلَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ، بَلْ وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ، وَقَدْ أَوْرَدْتُهُ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَذُكِرَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، وَعَنْ أَنَسٍ مِنْ خَمْسِ طُرُقٍ إِلَيْهِ، صحَّح التِّرْمِذِيُّ إِحْدَاهَا، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أُخْرَى، وَأَحْمَدُ ثَالِثَةً، والبزَّار رَابِعَةً، وَأَبُو نُعَيْمٍ خَامِسَةً.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبَدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.
مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ، والبزَّار مِنْ ثَالِثَةٍ وَرَابِعَةٍ، وأحمد من خامسة وسادسة، وهذه
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 15 والبخاري في التَّاريخ عن محمد بن سعيد، والترمذي في المناقب ح (3628) ص 5 / 594 وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب صحيح.
ورواه الحاكم في المستدرك 2 / 620 وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(2) دلائل البيهقي 6 / 17.
(3) رواه الحاكم في المستدرك من طريق أَبِي حَيَّانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (2 / 620) .
(*)
(6/307)

عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وسنن ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ علي بن أحمد الخوارزميّ، عن قبيصة بن حبان بن علي، عن صالح بن حبان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ أنَّه خيَّره بَيْنَ الدُّنيا وَالْآخِرَةِ فَاخْتَارَ الْجِذْعُ الْآخِرَةَ وَغَارَ حَتَّى ذَهَبَ فَلَمْ يُعْرَفْ، وَهَذَا غَرِيبٌ إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وقدِّمت الْأَحَادِيثَ بِبَسْطِ أَسَانِيدِهَا وَتَحْرِيرِ أَلْفَاظِهَا وغررها بما فيه كفاية عن إعادته ههنا، وَمَنْ تدبَّرها حَصَلَ لَهُ الْقَطْعُ بِذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ * قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ بْنُ مُوسَى السَّبْتِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ الشِّفا: وَهُوَ حَدِيثٌ مشهور مُتَوَاتِرٌ خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحيح.
وَرَوَاهُ مِنَ الصَّحابة بضعة عشر، منهم أبي وَأَنَسٌ وَبُرَيْدَةُ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ عبَّاس، وَابْنُ عُمَرٍ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، قَالَ شَيْخُنَا: فَهَذِهِ جَمَادَاتٌ
وَنَبَاتَاتٌ وَقَدْ حنَّت وتكلَّمت، وَفِي ذَلِكَ مَا يُقَابِلُ انْقِلَابَ الْعَصَا حيَّة * قُلْتُ: وَسَنُشِيرُ إِلَى هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ مُعْجِزَاتِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي إِحْيَائِهِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حاتم عن أبيه عن عمرو بن سوار قَالَ: قَالَ لِيَ الشَّافعيّ: مَا أَعْطَى اللَّهُ نَبِيًّا مَا أَعْطَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَقُلْتُ: أَعْطَى عِيسَى إِحْيَاءَ الْمَوْتَى، فَقَالَ: أعطى محمَّد الْجِذْعَ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جَنْبِهِ حَتَّى هئ له المنبر، فلما هئ لَهُ حنَّ الْجِذْعُ حَتَّى سَمِعَ صَوْتَهُ، فَهَذَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ * وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ ممَّا كُنْتُ أَسْمَعُ شَيْخَنَا الْحَافِظَ أَبَا الْحَجَّاجِ الْمِزِّيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَذْكُرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وإنَّما قَالَ: فَهَذَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ لأنَّ الْجِذْعَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْحَيَاةِ وَمَعَ هَذَا حَصَلَ لَهُ شُعُورٌ وَوَجْدٌ لمَّا تحوَّل عَنْهُ إِلَى الْمِنْبَرِ فأنَّ وحنَّ حَنِينَ الْعِشَارِ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَاحْتَضَنَهُ وسكَّنه حَتَّى سَكَنَ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فَهَذَا الْجِذْعُ حنَّ إِلَيْهِ، فإنَّهم أَحَقُّ أَنْ يَحِنُّوا إِلَيْهِ، وأمَّا عَوْدُ الْحَيَاةِ إِلَى جَسَدٍ كَانَتْ فِيهِ بِإِذْنِ اللَّهِ فَعَظِيمٌ، وَهَذَا أَعْجَبُ وأعظم من إِيجَادُ حَيَاةٍ وَشُعُورٍ فِي مَحَلٍّ لَيْسَ مَأْلُوفًا لِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَبْلُ بالكلِّية فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (تَنْبِيهٌ) وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَاءٌ يُحْمَلُ مَعَهُ فِي الْحَرْبِ يَخْفِقُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَتْ لَهُ عَنَزَةٌ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا أَرَادَ الصَّلاة إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ وَلَا حَائِلَ رُكِزَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ لَهُ قَضِيبٌ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ إِذَا مَشَى، وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ سَطِيحٌ فِي قَوْلِهِ لابن أخيه عبد المسيح بن نفيلة: يا عبد المسيح، إذا أكثرت التِّلاوة، وَظَهْرَ صَاحِبُ الْهِرَاوَهْ وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَهْ، فَلَيْسَتِ الشَّام لِسَطِيحٍ شَامًا، وَلِهَذَا كَانَ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ إِحْيَاءِ عَصَا مُوسَى وَجَعْلِهَا حيَّة أَلْيَقَ، إِذْ هِيَ مُسَاوِيَةٌ لِذَلِكَ، وَهَذِهِ متعددة فِي مَحَالٍّ مُتَفَرِّقَةٍ بِخِلَافِ عَصَا مُوسَى فَإِنَّهَا وإن
(6/308)

تَعَدَّدَ جَعْلُهَا حَيَّةً، فَهِيَ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * ثُمَّ ننبِّه عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ عِيسَى لأنَّ هَذِهِ أعجب وأكبر وأظهر وأعلم، قَالَ شَيْخُنَا: وأمَّا أنَّ اللَّهَ كلَّم مُوسَى تَكْلِيمًا، فَقَدْ تقدَّم حُصُولُ الْكَلَامِ لِلنَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم ليلة الإسراء مع الرؤية وهو أبلغ * هذا أورده فيما يتعلق بمعجزات
موسى عليه السلام ليلة الإسراء فيشهد له: فنوديت يا محمَّد قد كلِّفت فريضتين وخفَّفت عَنْ عِبَادِي، وَسِيَاقُ بَقِيَّةِ القصَّة يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ نَقْلَ خِلَافٍ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وأمَّا الرُّؤية فَفِيهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْخَلَفِ والسَّلف، وَنَصَرَهَا مِنَ الْأَئِمَّةِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ الْمَشْهُورُ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، وَاخْتَارَ ذلك القاضي عياض والشيخ محي الدِّين النَّوَوِيُّ، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَصْدِيقُ الرُّؤية، وجاء عنه تفنيدها، وَكِلَاهُمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ إِنْكَارُ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْإِسْرَاءِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ الْمَرْئِيَّ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النَّجم، إنَّما هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله هل رأيت ربَّك؟ فقال: نوراً لي أَرَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْتُ نُورًا * وَقَدْ تقدَّم بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْإِسْرَاءِ فِي السِّيرة وَفِي التَّفْسِيرِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْمُوسَوِيَّةِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ * وَأَيْضًا فإنَّ اللَّهَ تعالى كلَّم موسى وهو بطور سينا، وَسَأَلَ الرُّؤية فَمُنِعَهَا، وكلَّم محمَّداً صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى حين رفع لمستوى سمع فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ، وَحَصَلَتْ لَهُ الرُّؤية فِي قَوْلِ طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلف وَالْخَلَفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * ثمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَامِدٍ قَدْ طَرَقَ هَذَا فِي كِتَابِهِ وَأَجَادَ وَأَفَادَ وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى: * (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) * [طه: 39] وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ * (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) * [آل عمران: 31] * وأمَّا الْيَدُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ بُرْهَانًا وَحُجَّةً لِمُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ كَمَا قَالَ تعالى بعد ذكر صيرورة العصا حية: * (أدخل يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سوء فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) * [القصص: 32] وَقَالَ فِي سُورَةِ طه: * (آيَةً أُخْرَى لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكبرى) * [طه: 23] فقد أعطى الله محمَّداً انشقاق القمر بإشارته إليه فرقتين، فرقة من وراء جبل حراء، وأخرى أمامه، كما تقدَّم بيان ذلك بالأحاديث المتواترة مع قوله تَعَالَى: * (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) * [الْقَمَرِ: 1 - 2] وَلَا شكَّ أنَّ هَذَا أَجَلُّ وَأَعْظَمُ
وأبهر في المعجزات وأعمَّ وَأَظْهَرُ وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ * وَقَدْ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّويل فِي قصَّة تَوْبَتِهِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كأنَّه فِلْقَةُ قَمَرٍ، وَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ * وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: قَالُوا: فإنَّ مُوسَى أُعْطِيَ الْيَدَ الْبَيْضَاءَ، قُلْنَا لَهُمْ: فَقَدْ أُعْطِيَ محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذلك نورا كان يضئ عن يمينه حيث ما جلس، وعن يساره حيث ما جَلَسَ وَقَامَ، يَرَاهُ النَّاس كلَّهم، وَقَدْ بَقِيَ ذَلِكَ النُّور إِلَى قِيَامِ السَّاعة، أَلَا تَرَى أنَّه يُرَى النُّور السَّاطِعُ مِنْ قَبْرِهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(6/309)

مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ هَذَا لَفْظُهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا النُّور غَرِيبٌ جِدًّا، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السِّيرة عِنْدَ إِسْلَامِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ أنَّه طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم آيَةً تَكُونُ لَهُ عوناً على إسلام قومه من بيته هُنَاكَ، فَسَطَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَالْمِصْبَاحِ، فَقَالَ: اللَّهم فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فإنَّهم يظنُّونه مُثْلَةً، فتحوَّل النُّور إِلَى طَرَفِ سَوْطِهِ فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ كَالْمِصْبَاحِ فَهَدَاهُمُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ بِبَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَبِدُعَائِهِ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ: اللَّهم اهْدِ دَوْسًا، وَأْتِ بِهِمْ، وَكَانَ يُقَالُ لِلطُّفَيْلِ: ذُو النُّور لذلك * وذكر أَيْضًا حَدِيثَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ فِي خُرُوجِهِمَا مِنْ عِنْدِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَأَضَاءَ لَهُمَا طَرَفُ عَصَا أَحَدِهِمَا، فلمَّا افْتَرَقَا أَضَاءَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَرَفُ عَصَاهُ، وَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ * وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازيّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ حِنْدِسٍ فَأَضَاءَتْ عَصَا أَحَدِهِمَا مِثْلَ السِّراج وَجَعَلَا يَمْشِيَانِ بِضَوْئِهَا، فلمَّا تفرَّقا إِلَى مَنْزِلِهِمَا أَضَاءَتْ عَصَا ذَا وَعَصَا ذَا * ثمَّ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدٍ الْمَدَنِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ يَزِيدَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سِرْنَا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ دُحْمُسَةٍ فَأَضَاءَتْ أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعي لتستنير * وروى هشام بن عمار في البعث: حدَّثنا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيُّ، حدَّثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَصْرِيُّ، حدَّثنا أَبُو التَّيَّاحِ الضَّبعيّ قَالَ:
كَانَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يبدر فَيَدْخُلُ كُلَّ جُمُعَةٍ فربَّما نوِّر لَهُ فِي سَوْطِهِ، فَأَدْلَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ حتَّى إذا كان عند المقابر هدم بِهِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ صَاحِبَ كُلِّ قَبْرٍ جَالِسًا على قبره، فقال: هَذَا مُطَرِّفٌ يَأْتِي الْجُمُعَةَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: وَتَعْلَمُونَ عِنْدَكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَنَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهِ الطَّير، قُلْتُ: وَمَا يَقُولُ فِيهِ الطَّير؟ قالوا: يقول: ربِّ سلِّم سلِّم قوم صالح * وأما دعاؤه عليه السلام بالطرفان، وَهُوَ الْمَوْتُ الذَّريع فِي قَوْلٍ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْقَحْطِ وَالْجَدْبِ، فإنَّما كَانَ ذَلِكَ لعلَّهم يَرْجِعُونَ إِلَى مُتَابَعَتِهِ وَيُقْلِعُونَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ، فَمَا زَادَهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا، قَالَ اللَّهُ تعالى: * (وَمَا نرينهم مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ) * [الزخرف: 48 - 49] * * (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بما عهد عنك لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إذا يَنْكُثُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) * [الْأَعْرَافِ: 132 - 136] وَقَدْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قُرَيْشٍ حِينَ تَمَادَوْا عَلَى مُخَالَفَتِهِ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَقَحَطُوا حتَّى أَكَلُوا كلَّ
(6/310)

شئ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّماء مِثْلَ الدُّخان مِنَ الْجُوعِ.
وَقَدْ فسَّر ابْنُ مَسْعُودٍ قَوْلَهُ تَعَالَى: * (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) * [الدخان: 10] بِذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ في غير ما مَوْضِعٍ مِنْ صَحِيحِهِ، ثمَّ توسَّلوا إِلَيْهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِقَرَابَتِهِمْ مِنْهُ مَعَ أنَّه بُعِثَ بالرَّحمة والرَّأفة، فَدَعَا لَهُمْ فَأَقْلَعَ عَنْهُمْ ورُفع عنهم العذاب، وأحيوا بعد ما كَانُوا أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَكَةِ * وأمَّا فَلْقُ الْبَحْرِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حيث تَرَاءَى الْجَمْعَانِ - أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، فإنَّه مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ بَاهِرَةٌ، وحجَّة قَاطِعَةٌ قَاهِرَةٌ، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ وَفِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَفِي إِشَارَتِهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ
الْكَرِيمَةِ إِلَى قَمَرِ السَّماء فانشقَّ القمر فلقتين وفق ما سأله قُرَيْشٌ، وَهُمْ مَعَهُ جُلُوسٌ فِي لَيْلَةِ الْبَدْرِ، أَعْظَمُ آيَةٍ، وَأَيْمَنُ دَلَالَةٍ وَأَوْضَحُ حُجَّةٍ وَأَبْهَرُ برهان على نبوَّته وجاهه عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُنْقَلْ مُعْجِزَةٌ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْآيَاتِ الحسِّيات أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ مِنَ الكتاب والسُّنة، في التَّفسير في أَوَّلِ الْبَعْثَةِ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ حَبْسِ الشَّمس قَلِيلًا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنَ الْفَتْحِ لَيْلَةَ السَّبت، كَمَا سَيَأْتِي فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ مَعَ مَا يُنَاسِبُ ذِكْرَهُ عِنْدَهُ، وَقَدْ تقدَّم من سيرة الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ وَأَبِي مسلم الخولانيّ، وسير الْجُيُوشِ التى كَانَتْ مَعَهُمْ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ ومنها دجلة وهي جارية عجاجة تقذف الخشب مِنْ شِدَّةِ جَرْيِهَا، وتقدَّم تَقْرِيرُ أنَّ هَذَا أعجب من فلق البحر لموسى من عدة وجوه والله أعلم * وقال ابن حامد: فإن قَالُوا: فإنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ضَرَبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ ذَلِكَ آيَةً لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قُلْنَا: فَقَدْ أُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِثْلَهَا، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمَّا خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَإِذَا نحن بواد سحت وقدَّرناه فَإِذَا هُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ قَامَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْعَدُوُّ مِنْ وَرَائِنَا وَالْوَادِي مِنْ أَمَامِنَا، كَمَا قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى: إنَّا لمدركون.
فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَعَبَرَتِ الْخَيْلُ لَا تُبْدِي حَوَافِرَهَا وَالْإِبِلُ لَا تُبْدِي أَخْفَافَهَا، فَكَانَ ذَلِكَ فَتْحًا، وَهَذَا الَّذِي ذكره بلا إسناد ولا أعرفه في شئ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ بل ضَعِيفٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَأَمَّا تَظْلِيلُهُ بِالْغَمَامِ فِي التِّيه، فَقَدْ تقدَّم ذِكْرُ حَدِيثِ الْغَمَامَةِ الَّتِي رآها بحيرا تظلَّه مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، صُحْبَةَ عمِّه أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ قادم إلى الشَّام فِي تِجَارَةٍ، وَهَذَا أَبْهَرُ مِنْ جِهَةِ أنَّه كَانَ وَهُوَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وكانت الغمامة تظلّله وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ، فَهَذَا أشدُّ فِي الاعتناء، وأظهر من غمام بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرَهُمْ، وَأَيْضًا فإنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَظْلِيلِ الْغَمَامِ إنَّما كَانَ لِاحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ مِنْ شدَّة الحرِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الدَّلائل حِينَ سُئل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ لِيُسْقَوْا لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُوعِ وَالْجَهْدِ وَالْقَحْطِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهم اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّماء مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، فَأُنْشِأَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا توسَّطت السَّماء انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمس سبتنا (1) ، ولما
__________
(1) وفي رواية: ستا.
(*)
(6/311)

سَأَلُوهُ أَنْ يَسْتَصْحِيَ لَهُمْ رَفَعَ يَدَهُ وَقَالَ: اللَّهم حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بيديه إلى ناحية إلا انحاز السَّحاب إليها حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْإِكْلِيلِ يُمْطَرُ مَا حولها ولا تمطر * فهذا تظليل عام مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، آكُدُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْفَعُ مِنْهُ والتَّصرف فِيهِ وَهُوَ يُشِيرُ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزِ وَأَظْهَرُ فِي الِاعْتِنَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَأَمَّا إِنْزَالُ المنِّ والسَّلوى عَلَيْهِمْ فَقَدْ كثَّر رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّعام والشَّراب في غير ما مَوْطِنٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ من إطعام الجمِّ الغفير من الشئ الْيَسِيرِ، كَمَا أَطْعَمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مِنْ شُوَيْهَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَصَاعِهِ الشَّعير، أَزْيَدَ مِنْ أَلْفِ نَفْسٍ جَائِعَةٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّين * وَأَطْعَمَ مِنْ حفنة قوماً مِنَ النَّاس وَكَانَتْ تمدُّ مِنَ السَّماء، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ * وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ حَامِدٍ أيضا ههنا أَنَّ الْمُرَادَ بالمنِّ والسَّلوى إنَّما هُوَ رِزْقٌ رُزِقُوهُ مِنْ غَيْرِ كدٍّ مِنْهُمْ وَلَا تَعَبٍ، ثمَّ أورد في مقابلته حديث تحليل المغنم ولا يحلّ لأحد قبلنا، وحديث جابر في سيره إلى عُبَيْدَةَ وَجُوعِهِمْ حَتَّى أَكَلُوا الْخَبَطَ فَحَسَرَ الْبَحْرُ لَهُمْ عَنْ دابَّة تسمَّى الْعَنْبَرَ فَأَكَلُوا مِنْهَا ثلاثين من يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حتَّى سَمِنُوا وتكسَّرت عُكَنُ بُطُونِهِمْ، وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحيح كَمَا تقدَّم، وَسَيَأْتِي عِنْدَ ذكر المائدة في معجزات المسيح بن مَرْيَمَ.
قصَّة أَبِي مُوسَى الْخَوْلَانِيِّ أنَّه خَرَجَ هو وجماعة مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْحَجِّ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَحْمِلُوا زَادًا وَلَا مَزَادًا فَكَانُوا إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا صلَّى رَكْعَتَيْنِ فَيُؤْتَوْنَ بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ وَعَلَفٍ يَكْفِيهِمْ وَيَكْفِي دوابَّهم غَدَاءً وَعَشَاءً مدَّة ذَهَابِهِمْ وَإِيَابِهِمْ، وأمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: * (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) * [البقرة: 60] الآية فَقَدْ ذَكَرْنَا بَسْطَ ذَلِكَ فِي قصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِي التَّفسير.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي وَضْعِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَدَهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ الصَّغير الَّذِي لم يسع بسطها فِيهِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ أَمْثَالَ الْعُيُونِ، وَكَذَلِكَ كَثَّرَ الْمَاءِ فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ، كَمَزَادَتَيْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَيَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدِ
اسْتَسْقَى اللَّهَ لِأَصْحَابِهِ فِي المدينة وغيرها فأجيب طبق السؤال وفق الْحَاجَةِ لَا أَزْيَدَ وَلَا أَنْقَصَ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزِ، وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ من نفس يده، على قول طائفة مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَعْظَمُ مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ فإنَّه مَحَلٌّ لِذَلِكَ * قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ: فَإِنْ قِيلَ: إنَّ مُوسَى كَانَ يَضْرِبُ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا فِي التِّيه، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٌ مَشْرَبَهُمْ.
قِيلَ: كَانَ لمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مثله أو أعجب، فإنَّ نَبْعَ الْمَاءِ مِنَ الْحَجْرِ مَشْهُورٌ فِي الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ نَبْعُ الْمَاءِ من بين اللَّحم والدَّم والعظم، فكان يفرِّج بين أصابعه في محصب فَيَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ الْمَاءُ فَيَشْرَبُونَ وَيُسْقَوْنَ مَاءً جَارِيًا عَذْبًا، يَرْوِي الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنَ النَّاس وَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ * ثمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ المطَّلب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَنْطَبٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي.
قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فبات النَّاس في مَخْمَصَةٌ فَدَعَا بِرَكْوَةٍ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فصبَّه فِيهَا، ثمَّ مجَّ فِيهَا وتكلَّم ما شَاءَ اللَّهُ أَنْ يتكلَّم، ثمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ
(6/312)

فِيهَا، فأُقسم بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تتفجَّر مِنْهَا يَنَابِيعُ الْمَاءِ، ثمَّ أَمَرَ النَّاس فَسَقَوْا وَشَرِبُوا وَمَلَأُوا قِرَبَهُمْ وَإِدَاوَاتِهِمْ * وأمَّا قصَّة إِحْيَاءِ الَّذِينَ قتلوا بسبب عبادة العجل وقصَّة البقرة، فيسأتي مَا يُشَابِهُهُمَا مِنْ إِحْيَاءِ حَيَوَانَاتٍ وَأُنَاسٍ، عِنْدَ ذكر إحياء الموتى على يد عيسى بن مريم والله أعلم * وقد ذكر أبو نعيم ههنا أَشْيَاءَ أُخَرَ تَرَكْنَاهَا اخْتِصَارًا وَاقْتِصَادًا * وَقَالَ هِشَامُ ابن عمارة في كتابه المبعث:
باب ما أعطي رسول الله صلى الله عليه وآله وَمَا أُعْطِيَ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ
حدَّثنا محمَّد بْنُ شعيب، حدَّثنا رَوْحُ بْنُ مُدْرِكٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ حسَّان التَّميميّ أنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أُعْطِيَ آيَةً مِنْ كُنُوزِ الْعَرْشِ، ربِّ لَا تُولِجِ الشَّيطان فِي قَلْبِي وَأَعِذْنِي مِنْهُ وَمِنْ كُلِّ سوء، فإنَّ لك اليد والسُّلطان وَالْمُلْكَ وَالْمَلَكُوتَ، دَهْرَ الدَّاهرين وَأَبَدَ الْآبِدِينَ آمِينَ آمِينَ، قَالَ: وَأُعْطِيَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم آيتان مِنْ كُنُوزِ الْعَرْشِ، آخِرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: آمَنَ الرسول بما أنزل إليه من ربِّه إلى
آخرها.
قصَّة حَبْسِ الشَّمس عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونِ بن أفرائم بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحمن عَلَيْهِمُ السَّلام، وَقَدْ كَانَ نَبِيَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ الَّذِي خَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ التِّيه وَدَخَلَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ حِصَارٍ وَمُقَاتَلَةٍ، وَكَانَ الْفَتْحُ قَدْ يُنْجَزُ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَادَتِ الشَّمس تَغْرُبُ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِمُ السَّبت فَلَا يتمكَّنون مَعَهُ مِنَ الْقِتَالِ، فَنَظَرَ إِلَى الشَّمس فَقَالَ: إنَّك مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، ثمَّ قال: اللَّهم احْبِسْهَا عَلَيَّ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ الْبَلَدَ ثمَّ غَرَبَتْ، وَقَدْ قدَّمنا فِي قصَّة مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرزاق عن معمر بن هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ: غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ حِينَ صُلي الْعَصْرَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ للشَّمس: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ وأنا مأمور، اللَّهم امسكها عليَّ شَيْئًا، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَهَذَا النَّبيّ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بن هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّمس لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (1) * تفرَّد بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ * إِذَا عُلِمَ هَذَا فَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده 2 / 325.
(*)
(6/313)

فلقتين حتى صارت فلقة مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ - أَعْنِي حِرَاءَ - وَأُخْرَى مِنْ دونه، أعظم في المعجزة مِنْ حَبْسِ الشَّمس قَلِيلًا.
وَقَدْ قدَّمنا فِي الدَّلائل حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِهَا، وَذَكَرْنَا مَا قِيلَ فِيهِ مِنَ الْمَقَالَاتِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الزَّملكانيّ: وأمَّا حَبْسُ الشَّمس لِيُوشَعَ فِي قِتَالِ الجبَّارين، فَقَدِ انشقَّ الْقَمَرُ لنبيِّنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ فِلْقَتَيْنِ أَبْلَغُ مِنْ حَبْسِ الشَّمس عَنْ مَسِيرِهَا، وصحَّت الْأَحَادِيثُ وَتَوَاتَرَتْ بِانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وأنَّه كَانَ فِرْقَةٌ خَلْفَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةٌ أمامه، وأنَّ قُرَيْشًا قَالُوا: هَذَا سِحْرٌ أَبْصَارَنَا، فَوَرَدَتِ الْمُسَافِرُونَ وَأَخْبَرُوا أنَّهم رَأَوْهُ مُفْتَرِقًا، قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: * (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) * [الْقَمَرِ: 1] قَالَ: وَقَدْ حُبِسَتِ الشَّمس لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَرَّتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا مَا رواه الطَّحاوي وقال: رواته ثقات، وسمَّاهم وعدَّهم وَاحِدًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمس، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ صلَّى الْعَصْرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: اللَّهم إنَّه كَانَ فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ، فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمس، فردَّ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمس حتى رؤيت، فَقَامَ عَلِيٌّ فصلَّى الْعَصْرَ، ثمَّ غَرَبَتْ * والثَّانية صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ فإنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَخْبَرَ قُرَيْشًا عَنْ مَسْرَاهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَلَّاهُ اللَّهُ لَهُ حتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ وَوَصَفَهُ لَهُمْ، وَسَأَلُوهُ عَنْ عِيرٍ كَانَتْ لَهُمْ في الطَّريق فقال: إنَّها تصلى إِلَيْكُمْ مَعَ شُرُوقِ الشَّمس، فَتَأَخَّرَتْ فَحَبَسَ اللَّهُ الشَّمس عن الطُّلوع حتى كانت العصر * روى ذلك ابن بكير في زياداته على السُّنن، أمَّا حَدِيثُ ردِّ الشَّمس بِسَبَبِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَدْ تقدَّم ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ طريق أسماء بنت عميس، وهو أشهرها، وابن سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلِيٍّ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُسْتَنْكَرٌ من جميع الوجوه، وقد مال إلى تقويته أحمد بن صالح المصري الحافظ، وأبو حفص الطَّحَاوِيُّ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ، وَكَذَا صحَّحه جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّافضة كَابْنِ الْمُطَهَّرِ وَذَوِيِهِ، وَرَدَّهُ وَحَكَمَ بِضِعْفِهِ آخَرُونَ مِنْ كِبَارِ حفَّاظ الْحَدِيثِ ونقَّادهم، كَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُوزْجَانِيِّ، وحكاه عن شيخه محمَّد ويعلى بن عُبَيْدٍ الطَّنافسيين، وَكَأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الْبُخَارِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ زَنْجَوَيْهِ أَحَدِ الحفَّاظ، وَالْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرَ، وَذَكَرَهُ الشَّيخ جَمَالُ الدِّين أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الجَّوزيّ فِي كِتَابِ الْمَوْضُوعَاتِ، وَكَذَلِكَ صرَّح بِوَضْعِهِ شَيْخَايَ الْحَافِظَانِ الْكَبِيرَانِ أَبُو الحجَّاج المزِّيّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهبيّ * وأمَّا مَا ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى السِّيرة مِنْ تَأَخُّرِ طُلُوعِ الشَّمس عَنْ إِبَّانِ طُلُوعِهَا، فَلَمْ يُرَ لِغَيْرِهِ من العلماء، عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُشَاهَدَةِ، وأكثر ما في الباب أن الراوي روى تأخير طلوعها ولم نشاهد حَبْسَهَا عَنْ وَقْتِهِ * وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُطَهَّرِ فِي كِتَابِهِ الْمِنْهَاجِ، أنَّها ردَّت لِعَلِيٍّ مرَّتين، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ المتقدِّم، كَمَا ذُكِرَ، ثمَّ قَالَ: وأمَّا الثَّانِيَةُ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَ الْفُرَاتَ بِبَابِلَ، اشْتَغَلَ كَثِيرٌ مِنْ
أَصْحَابِهِ بِسَبَبِ دوابِّهم، وصلَّى لِنَفْسِهِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ العصر، وفاتت كثير مِنْهُمْ فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، فَسَأَلَ اللَّهَ ردَّ الشَّمس فردَّت * قال: وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ بَعْدَ مُوسَى إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السلام وهو
(6/314)

عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المفسِّرين مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَآخَرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ النَّسب قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي عَمُودِ نَسَبِهِ إِلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا تقدَّم التَّنبيه عَلَى ذَلِكَ.
فَقَالَ: الْقَوْلُ فِيمَا أُعْطِيَ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الرِّفعة الَّتِي نوَّه اللَّهُ بِذِكْرِهَا فَقَالَ: * (وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً) * قَالَ: وَالْقَوْلُ فِيهِ أنَّ نبيِّنا محمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أُعطي أَفْضَلَ وَأَكْمَلَ مِنْ ذَلِكَ، لأنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ ذِكْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ: * (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) * [الشرح: 4] فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا شَفِيعٌ وَلَا صَاحِبُ صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بِهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَرَنَ اللَّهُ اسْمَهُ بِاسْمِهِ، فِي مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَذَلِكَ مِفْتَاحًا للصَّلاة الْمَفْرُوضَةِ، ثمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دراج عن أبي الهشيم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِي قَوْلِهِ: * (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) * قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ: قَالَ اللَّهُ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ * ورواه ابن جرير وابن أبي عاصم مِنْ طَرِيقِ دَرَّاجٍ.
ثمَّ قَالَ: حدَّثنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حدَّثنا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الْجَوْنِيُّ، حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَهْرَامَ الْهِيتِيُّ، حدَّثنا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لمَّا فَرَغْتُ ممَّا أمرني الله تعالى به من أمر السَّموات وَالْأَرْضِ قَلْتُ: يَا ربِّ إنَّه لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا قَدْ كرَّمته، جَعَلْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَمُوسَى كِلِيمًا، وسخَّرت لِدَاوُدَ الْجِبَالَ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيح والشَّياطين، وَأَحْيَيْتَ لِعِيسَى الْمَوْتَى، فَمَا جَعَلْتَ لِي؟ قَالَ: أَوْ لَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنْ لَا أُذْكَرَ إِلَّا ذكرت معي، وجعلت صدور أمَّتك أناجيل يقرؤن الْقُرْآنَ ظَاهِرًا وَلَمْ أُعْطِهَا أمَّة، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كَلِمَةً مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ فِيهِ غَرَابَةٌ، وَلَكِنْ أَوْرَدَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْقَاسِمِ ابْنِ بِنْتِ مَنِيعٍ الْبَغَوِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بن
داود المهراني، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عبَّاس مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ * وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازيّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُّوة بِسِيَاقٍ آخَرَ، وفيه انقطاع، فقال: حدثنا هشام بن عمَّار الدِّمشقيّ، حدَّثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حدَّثنا شُعَيْبُ بن زريق أنَّه سَمِعَ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ يحدِّث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم من حديث ليلة أسري به.
قال، لمَّا أراني اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ فَوَجَدْتُ رِيحًا طَيِّبَةً فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ، هَذِهِ الجنَّة، قلت: يا ربِّي إئتني بأهلي، قال الله تعالى: لَكِ مَا وَعَدْتُكِ، كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ لَمْ يتَّخذ من دوني أنداداً، ومن أقرضني قرَّبته، وَمَنْ توكَّل عليَّ كَفَيْتُهُ، وَمَنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، ولا ينقص نفقته، وَلَا يَنْقُصُ مَا يَتَمَنَّى، لَكِ مَا وَعَدْتُكِ، فنعم دار المتَّقين أنت، قلت: رَضِيتُ، فلمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى خَرَرْتُ سَاجِدًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ اتَّخذت إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وكلَّمت مُوسَى تَكْلِيمًا، وَآتَيْتَ دَاوُدَ زَبُورًا، وَآتَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا عَظِيمًا، قَالَ: فإنِّي قد رفعت لك ذكرك، وَلَا تَجُوزُ لأمَّتك خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أنَّك رَسُولِي، وَجَعَلْتُ قُلُوبَ أمَّتك أَنَاجِيلَ، وَآتَيْتُكَ خَوَاتِيمَ سورة
(6/315)

الْبَقَرَةِ مِنْ تَحْتِ عَرْشِي * ثمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ الرَّبيع بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ بِطُولِهِ، كَمَا سُقْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جَرِيرٍ فِي التَّفسير، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ فِي سِيَاقِهِ: ثمَّ لَقِيَ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فَأَثْنَوْا عَلَى ربِّهم عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اتَّخذني خَلِيلًا، وَأَعْطَانِي مُلْكًا عَظِيمًا، وَجَعَلَنِي أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ محياي ومماتي، وَأَنْقَذَنِي مِنَ النَّار، وَجَعَلَهَا عليَّ بَرْدًا وَسَلَامًا.
ثمَّ إنَّ مُوسَى أَثْنَى عَلَى ربِّه فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كلَّمني تَكْلِيمًا، وَاصْطَفَانِي بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وقرَّبني نَجِيًّا، وَأَنْزَلَ عليَّ التَّوراة، وَجَعَلَ هلاك فرعون عَلَى يَدَيَّ.
ثمَّ إنَّ دَاوُدَ أَثْنَى عَلَى ربِّه فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي مَلِكًا وَأَنْزَلَ عليَّ الزَّبور، وَأَلَانَ لِيَ الْحَدِيدَ، وسخَّر لي الجبال يسبِّحن معه والطَّير، وَآتَانِيَ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ.
ثمَّ إنَّ سُلَيْمَانَ أَثْنَى عَلَى ربِّه فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لِيَ الرِّياح وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وسخَّر لِيَ الشَّياطين يَعْمَلُونَ لِي مَا شِئْتُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ، وعلَّمني مَنْطِقَ الطَّير، وَأَسَالَ لِي عَيْنَ الْقِطْرِ،
وَأَعْطَانِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي.
ثمَّ إنَّ عيسى أثنى على الله عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَنِي التَّوراة وَالْإِنْجِيلَ، وَجَعَلَنِي أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، وطهَّرني ورفعني مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَأَعَاذَنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَلَمْ يَكُنْ للشَّيطان عَلَيْنَا سَبِيلٌ.
ثمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَى عَلَى ربِّه فَقَالَ: كلُّكم أَثْنَى عَلَى ربِّه، وَأَنَا مثنٍ عَلَى ربِّي، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وَكَافَّةً للنَّاس بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَأَنْزَلَ عليَّ الفرقان فيه تبيان كل شئ، وَجَعَلَ أمَّتي خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَجَعَلَ أمَّتي وسطاً، وجعل أمَّتي هم الأوَّلون وهم الآخرون، وَشَرَحَ لِي صَدْرِي، وَوَضَعَ عنِّي وِزْرِي، وَرَفَعَ لِي ذِكْرِي، وَجَعَلَنِي فَاتِحًا وَخَاتَمًا.
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: بِهَذَا فَضَلَكُمْ مُحَمَّدٌ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ * ثمَّ أورد إبراهيم الْحَدِيثَ المتقدِّم فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طريق عبد الرحمن بن يزيد بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب مَرْفُوعًا فِي قَوْلِ آدم: يَا ربِّ أَسْأَلُكَ بحقِّ محمَّد إِلَّا غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللَّهُ: وَمَا أَدْرَاكَ وَلَمْ أَخْلُقْهُ بَعْدُ؟ فَقَالَ: لأنِّي رَأَيْتُ مَكْتُوبًا مَعَ اسْمِكَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أنَّك لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أحبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، وَلَوْلَا محمَّد مَا خَلَقْتُكَ * وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ، وقرنه بِاسْمِهِ فِي الأوَّلين وَالْآخِرِينَ، وَكَذَلِكَ يَرْفَعُ قَدْرَهُ وَيُقِيمُهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَغْبِطُهُ بِهِ الأوَّلون وَالْآخَرُونَ، وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ كلَّهم حَتَّى إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، كَمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِيمَا سَلَفَ وَسَيَأْتِي أَيْضًا، فَأَمَّا التَّنويه بِذِكْرِهِ في الأمم الخالية، والقرون السَّابقة، ففي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عبَّاس قَالَ: مَا بعث لله نَبِيًّا إِلَّا أُخِذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقُ لَئِنْ بُعِثَ محمد وهو حي ليؤمنن بهه وليتَّبعنَّه ولينصرنَّه، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أمَّته الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهْمُ أَحْيَاءٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهِ وليتَّبعنَّه، وَقَدْ بشَّرت بِوُجُودِهِ الْأَنْبِيَاءُ حتَّى كَانَ آخِرَ مَنْ بشَّر بِهِ عِيسَى بن مَرْيَمَ خَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَذَلِكَ بشَّرت به الاحبار الرهبان والكهَّان، كَمَا قدَّمنا ذَلِكَ مَبْسُوطًا، ولمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ رُفِعَ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حتَّى سلَّم عَلَى إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ في السَّماء
(6/316)

الرَّابعة، ثمَّ جَاوَزَهُ إِلَى الْخَامِسَةِ ثمَّ إِلَى السَّادسة فسلَّم عَلَى مُوسَى بِهَا، ثمَّ جَاوَزَهُ إلى السَّابعة فسلَّم
على إبراهيم الخليل عِنْدَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثمَّ جَاوَزَ ذَلِكَ الْمَقَامَ، فرفع لمستوى سمع فِيهِ صَرِيفُ الْأَقْلَامِ، وَجَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَرَأَى الجنَّة والنَّار وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْكُبْرَى، وصلَّى بالأنبياء، وشيَّعه من كل مقربوها، وسلَّم عليه رضوان خازن الجنان، وملك خَازِنُ النَّار، فَهَذَا هُوَ الشَّرف، وَهَذِهِ هِيَ الرِّفعة، وَهَذَا هُوَ التَّكريم والتَّنويه وَالْإِشْهَارُ والتَّقديم وَالْعُلُوُّ وَالْعَظَمَةُ.
صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ، وأمَّا رَفْعُ ذِكْرِهِ فِي الْآخِرِينَ، فإنَّ دِينَهُ باقٍ ناسخٍ لكلِّ دِينٍ، وَلَا يُنسخ هُوَ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهرين إِلَى يَوْمِ الدِّين، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّته ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ الساَّعة، والنِّداء فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ عَلَى كُلِّ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَهَكَذَا كلَّ خَطِيبٍ يَخْطُبُ لَا بدَّ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي خُطْبَتِهِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ حسَّان.
أغرَّ عَليهِ لِلنبُّوةِ خَاتمٌ * مِنَ اللَّهِ مَشهودُ يلوحُ وَيشهدُ وضَمَّ الإلهُ اسمَ النَّبيّ إِلَى اسمهِ * إِذا قالَ فِي الخَمسِ المُؤَذِّنُ أَشهدُ وشقَّ لهُ مِنَ اسمِهِ ليجِلَّهُ * فَذُو العَرشِ محمودُ وهَذا محمَّدُ وقال الصَّرصريّ رحمه الله: ألمْ ترَ أنَّا لَا يصحُّ أَذانُنَا * وَلَا فَرضُنَا إنْ لم نكرِّره فيهِمَا

الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: * (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) * [ص: 17] وَقَالَ تَعَالَى: * (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) * [سبأ: 10] وقد ذكرنا قصَّته عليه السلام في التَّفسير، وطيب صَوْتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَأَنْ قَدْ سَخَّرَ لَهُ الطَّير تسبِّح مَعَهُ، وَكَانَتِ الْجِبَالُ أَيْضًا تُجِيبُهُ وتسبِّح مَعَهُ، وَكَانَ سَرِيعَ القراءة، يأمر بدوابِّه فتسرح فَيَقْرَأُ الزَّبور بِمِقْدَارِ مَا يَفْرَغُ مِنْ شَأْنِهَا ثمَّ يَرْكَبُ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ نبيُّنا صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَنَ
الصَّوت طيَّبه بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِي الْمَغْرِبِ بالتِّين والزَّيتون، فَمَا سَمِعْتُ صَوْتًا أَطْيَبَ مِنْ صَوْتِهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ يَقْرَأُ تَرْتِيلًا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ بِذَلِكَ * وأمَّا تَسْبِيحُ الطَّير مَعَ داود، فتسبيح الجبال الصُّم أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أنَّ الْحَصَا سبَّح فِي كفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَهَذَا حَدِيثٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ، وَكَانَتِ الْأَحْجَارُ وَالْأَشْجَارُ وَالْمَدَرُ تسلِّم عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ كنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعام وَهُوَ يُؤْكَلُ - يَعْنِي بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم - وكلَّمه ذِرَاعُ الشَّاة الْمَسْمُومَةِ، وَأَعْلَمَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ السُّم،
(6/317)

وَشَهِدَتْ بنبوَّته الْحَيَوَانَاتُ الْإِنْسِيَّةُ وَالْوَحْشِيَّةُ، وَالْجَمَادَاتُ أَيْضًا، كَمَا تقدَّم بَسْطُ ذَلِكَ كلَّه، وَلَا شكَّ أنَّ صُدُورَ التَّسبيح مِنَ الْحَصَا الصِّغار الصُّم الَّتِي لَا تَجَاوِيفَ فِيهَا، أَعْجَبُ مِنْ صُدُورِ ذلك من الجبال: لما فيها التَّجَاوِيفِ وَالْكُهُوفِ، فإنَّها وَمَا شَاكَلَهَا تُرَدِّدُ صَدَى الأصوات العالية غالباً، كما قال عبد الله بن الزُّبير: كان إذا خطب - وهو أمير المدينة بالحرم الشَّريف - تجاوبه الجبال، أبو قبيس وزرود، وَلَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَسْبِيحٍ، فإنَّ ذَلِكَ مِنْ معجزات داود عليه السلام.
ومع هذا كان تسبيح الْحَصَا فِي كفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، أَعْجَبُ * وَأَمَّا أَكْلُ دَاوُدَ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ أَيْضًا، كَمَا كَانَ يَرْعَى غنماً لأهل مكة على قراريط.
وقال: وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ.
وَخَرَجَ إِلَى الشَّام فِي تِجَارَةٍ لِخَدِيجَةَ مُضَارَبَةً، وَقَالَ الله تعالى: * (وقالوا ما لهذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا، وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً) * [الفرقان: 7] إِلَى قَوْلِهِ: * (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ في الاسواق) * [الْفَرْقَانِ: 20] أَيْ للتَّكسُّب والتِّجارة طَلَبًا للرِّبح الْحَلَالِ.
ثمَّ لمَّا شرع الله الْجِهَادَ بِالْمَدِينَةِ، كَانَ يَأْكُلُ ممَّا أَبَاحَ لَهُ من المغانم التي لم تبح قَبْلَهُ، وممَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الكفَّار الَّتِي أُبِيحَتْ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا جاء في المسند والتّرمذيّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بُعِثْتُ بالسَّيف بَيْنَ يَدَيِ السَّاعة حتَّى
يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلة والصَّغار عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تشبَّه بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ * وأمَّا إِلَانَةُ الحديد بغير نَارٍ كَمَا يَلِينُ الْعَجِينُ فِي يَدِهِ، فَكَانَ يصنع هذه الدُّروع الدَّاوودية، وهي الزَّرديات السَّابغات، وأمره الله تعالى بنفسه بعملها، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ، أي ألا يدقَّ المسمار فيعلق، ولا يعظله فيقصم، كَمَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ تَعَالَى: * (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) * [الأنبياء: 80] وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعراء في معجزات النُّبُّوة: نسيجُ دَاوُدَ مَا حَمَى صَاحِبَ الْغَا * رِ وَكَانَ الْفَخَارُ لِلْعَنْكَبُوتِ وَالْمَقْصُودُ الْمُعْجِزُ فِي إِلَانَةِ الْحَدِيدِ، وَقَدْ تقدَّم فِي السِّيرة عِنْدَ ذِكْرِ حَفْرِ الْخَنْدَقِ عَامَ الْأَحْزَابِ، فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ: خَمْسٍ، أنَّهم عَرَضَتْ لَهُمْ كُدْيَةٌ - وَهِيَ الصَّخرة فِي الْأَرْضِ - فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى كَسْرِهَا وَلَا شئ مِنْهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ رَبَطَ حَجَرًا عَلَى بَطْنِهِ مِنْ شدَّة الْجُوعِ - فَضَرَبَهَا ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ، لَمَعَتِ الْأُولَى حَتَّى أَضَاءَتْ لَهُ مِنْهَا قُصُورُ الشَّام، وبالثَّانية قصور فارس، وثالثة، ثمَّ انسالت الصَّخرة كأنَّها كثيب من الرَّمل، ولا شكَّ أنَّ انسيال الصَّخرة الَّتِي لَا تَنْفَعِلُ وَلَا بالنَّار، أَعْجَبُ مِنْ لين الحديد الذي إن أحمى لانه كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَوْ أنَّ مَا عَالجتُ لينَ فُؤادِهَا * بنفسِي للانَ الجَندَلُ [الصلد] (1)
__________
(1) سقطت من الاصل.
والجندل: الصخر العظيم.
(*)
(6/318)

والجندل الصَّخر، فلو أنَّ شيئاً أشدَّ قوةً من الصَّخر لذكره هذا الشَّاعر المبالغ، قال اللَّهُ تَعَالَى: * (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) * الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 74] وأمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: * (قُلِ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) * الآية [الاسراء: 50] فذلك لمعنى آخر فِي التَّفسير، وَحَاصِلُهُ أنَّ الْحَدِيدَ أشدَّ امْتِنَاعًا فِي السَّاعة الرَّاهنة مِنَ الْحَجَرِ مَا لَمْ يُعَالَجْ، فَإِذَا عُولِجَ انْفَعَلَ الْحَدِيدُ وَلَا يَنْفَعِلُ الْحَجَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ليَّن اللَّهُ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْحَدِيدَ حتَّى سَرَدَ مِنْهُ الدُّروع السَّوابغ، قِيلَ: لُيِّنَتْ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِجَارَةَ
وصمَّ الصُّخور، فَعَادَتْ لَهُ غَارًا اسْتَتَرَ بِهِ من المشركين، يوم أحد، مال إلى الجبل ليخفي شخصه عنهم فليِّن الجبل حتى أدخل رأسه فيه، وَهَذَا أَعْجَبُ لأنَّ الْحَدِيدَ تليِّنه النَّار، وَلَمْ نر الناس تُلَيِّنُ الْحَجَرَ، قَالَ: وَذَلِكَ بَعْدُ ظَاهِرٌ بَاقٍ يَرَاهُ النَّاس.
قَالَ: وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ شِعَابِ مكة حجر من جبل في صلايه (1) إليه فَلانَ الحجرُ حتى إدَّرأ فِيهِ بِذِرَاعَيْهِ وَسَاعِدَيْهِ، وَذَلِكَ مَشْهُورٌ يَقْصِدُهُ الحجَّاج وَيَرَوْنَهُ.
وَعَادَتِ الصَّخرة لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ كَهَيْئَةِ العجين، فربط بها دابَّته - البراق - وموضعه يمسونه النَّاس إلى يومنا هذا.
وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ، مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ وَبَعْضِ شِعَابِ مَكَّةَ غَرِيبٌ جِدًّا، ولعلَّه قَدْ أَسْنَدَهُ هُوَ فِيمَا سَلَفَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ في السِّيرة الْمَشْهُورَةِ.
وأمَّا رَبْطُ الدَّابة فِي الْحَجَرِ فَصَحِيحٌ، وَالَّذِي رَبَطَهَا جِبْرِيلُ كَمَا هُوَ فِي صَحِيحِ مسلم رحمه الله * وأما قوله: وأوتيت الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ، فَقَدْ كَانَتِ الْحِكْمَةُ الَّتِي أُوتِيَهَا محمَّد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والشِّرعة الَّتِي شُرِعَتْ لَهُ، أَكْمَلَ مِنْ كُلِّ حِكْمَةٍ وَشِرْعَةٍ كَانَتْ لِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فإنَّ اللَّهَ جَمَعَ لَهُ مَحَاسِنَ مَنْ كان قبله، وفضَّله، وأكمله [وَآتَاهُ] مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا قَبْلَهُ، وَقَدْ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَتْ لِيَ الْحِكْمَةُ اخْتِصَارًا * وَلَا شكَّ أنَّ الْعَرَبَ أَفْصَحُ الْأُمَمِ، وَكَانَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْصَحَهُمْ نُطْقًا، وَأَجْمَعَ لكلِّ خلق جميل مطلقاً *

الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: * (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) * [ص: 36 - 40] وقال تعالى: * (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بكل شئ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) * [الْأَنْبِيَاءِ: 81] وَقَالَ تَعَالَى: * (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) * [سَبَأٍ: 12] وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي
قصَّته، وَفِي التَّفسير أَيْضًا، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أحمد وصحَّحه التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ
(6/319)

وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ خِلَالًا ثَلَاثًا، سَأَلَ اللَّهُ حُكْمًا يُوَافِقُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وأنَّه لَا يَأْتِي هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
أمَّا تَسْخِيرُ الرِّيح لِسُلَيْمَانَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْأَحْزَابِ: * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) * [الأحزاب: 9] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رواه مسلم، من طريق شعبة، عن الحاكم، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: نُصِرْتُ بالصَّبا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُّورِ * وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عبَّاس عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِثْلَهُ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحيحين: نُصِرْتُ بالرُّعب مَسِيرَةَ شَهْرٍ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَصَدَ قِتَالَ قَوْمٍ مِنَ الكفَّار أَلْقَى الله الرُّعب في قلوبهم قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهِمْ بِشَهْرٍ، وَلَوْ كَانَ مَسِيرُهُ شَهْرًا، فَهَذَا فِي مُقَابَلَةِ: غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شهر، بل هذا أبلغ في التمكُّن والنَّصر والتَّأييد والظَّفر، وسخِّرت الرِّياح تَسُوقُ السَّحاب لِإِنْزَالِ الْمَطَرِ الَّذِي امتنَّ اللَّهُ بِهِ حِينَ اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ كَمَا تقدَّم * وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فإنَّ سُلَيْمَانَ سخِّرت لَهُ الرِّيح فَسَارَتْ بِهِ فِي بِلَادِ اللَّهِ وَكَانَ غدوَّها شَهْرًا وَرَوَاحُهَا شَهْرًا.
قِيلَ: مَا أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ، لأنَّه سَارَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السَّموات مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فِي أَقَلِّ مِنْ ثلث ليلة، فدخل السَّموات سَمَاءً سَمَاءً، وَرَأَى عَجَائِبَهَا، وَوَقَفَ عَلَى الجنَّة والنَّار، وَعُرِضَ عَلَيْهِ أَعْمَالُ أمَّته، وصلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ وبملائكة السَّموات، واخترق الحجب، وهذا كله في ليلة قائماً، أَكْبَرُ وَأَعْجَبُ.
وأمَّا تَسْخِيرُ الشَّياطين بَيْنَ يَدَيْهِ تَعْمَلُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ المقرَّبين لِنُصْرَةِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ محمَّد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ، يَوْمَ أُحُدٍ وَبَدْرٍ، وَيَوْمَ الْأَحْزَابِ وَيَوْمَ حَنِينٍ، كَمَا تقدَّم ذكرناه ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مَوَاضِعِهِ.
وَذَلِكَ أَعْظَمُ وَأَبْهَرُ، وأجل وأعلا تَسْخِيرِ الشَّياطين.
وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَامِدٍ فِي كِتَابِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجنِّ تفلَّت عليَّ الْبَارِحَةَ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاة فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ من سواري المسجد حتَّى يصبحوا وينظروا إليه، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، قَالَ رَوْحٌ فردَّه اللَّهُ خَاسِئًا (1) .
لَفَظُ الْبُخَارِيِّ * وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الدَّرداء نَحْوُهُ، قَالَ: ثمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يصلِّي صَلَاةَ الصُّبح وَهُوَ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فلمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قال: لو رأيتموني
__________
(1) أخرجه البخاري في أحاديث الانبياء، باب (40) ح (3423) فتح الباري 6 / 457.
ومسلم في المساجد، باب (8) ح (39) ص (384) وح (40) ص (385) .
(*)
(6/320)

وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أختنقه حتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ إِصْبَعَيَّ هَاتَيْنِ، الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ يَتَلَاعَبُ به صبيان أهل الْمَدِينَةِ (1) * وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحاح وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجنَّة وغلِّقت أَبْوَابُ النَّار وصفِّدت الشَّياطين، وَفِي رِوَايَةٍ: مَرَدَةُ الجنِّ * فَهَذَا مِنْ بَرَكَةِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ مِنْ معجزات المسيح عيسى بن مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغَيْرِ مَا وَاحِدٍ مِمَّنْ أسلم مِنَ الجنِّ فَشُفِيَ، وَفَارَقَهُمْ خَوْفًا مِنْهُ وَمَهَابَةً له، وامتثالاً لأمره.
صلوات الله وسلامه عليهم، وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَآمَنُوا بِهِ وصدَّقوه وَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهُمْ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وحذَّروهم مُخَالَفَتَهُ، لأنَّه كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الْإِنْسِ والجنِّ، فَآمَنَتْ طَوَائِفُ مِنَ الجنِّ كَثِيرَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا، وَوَفَدَتْ إِلَيْهِ مِنْهُمْ وُفُودٌ كَثِيرَةٌ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحمن، وخبَّرهم بِمَا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ مَنِ الْجِنَانِ، وَمَا لِمَنْ كَفَرَ مِنَ النِّيران، وَشَرَعَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ وَمَا يُطْعِمُونَ دَوَابَّهُمْ، فدلَّ عَلَى أَنَّهُ بيَّن لَهُمْ
مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْبَرُ * وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ هَا هُنَا حَدِيثَ الْغُولِ الَّتِي كَانَتْ تَسْرِقُ التَّمر مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَيُرِيدُونَ إِحْضَارَهَا إِلَيْهِ فَتَمْتَنِعُ كُلَّ الِامْتِنَاعِ خَوْفًا مِنَ الْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثمَّ افْتَدَتْ مِنْهُمْ بِتَعْلِيمِهِمْ قِرَاءَةَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ الَّتِي لَا يَقْرَبُ قَارِئَهَا الشَّيطان، وَقَدْ سُقْنَا ذَلِكَ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ مِنْ كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ * وَالْغُولُ هِيَ الْجِنُّ المتبدِّي باللَّيل فِي صُورَةٍ مُرْعِبَةٍ * وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ هَا هُنَا حِمَايَةَ جِبْرِيلَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَيْرَ مَا مرَّة مِنْ أَبِي جَهْلٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي السِّيرة، وَذَكَرَ مُقَاتَلَةَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ * وأمَّا مَا جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِسُلَيْمَانَ مِنَ النُّبُّوة وَالْمُلْكِ كَمَا كَانَ أَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ، فَقَدْ خيَّر اللَّهُ عَبْدَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا أَوْ عَبْدًا رَسُولًا، فَاسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فِي ذَلِكَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَاضَعَ، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْداً رَسُولًا، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عبَّاس، وَلَا شكَّ أنَّ مَنْصِبَ الرِّسالة أَعْلَى.
وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَى نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم كُنُوزَ الْأَرْضِ فَأَبَاهَا، قَالَ: وَلَوْ شِئْتُ لَأَجْرَى اللَّهُ مَعِي جِبَالَ الْأَرْضِ ذَهَبًا، وَلَكِنْ أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كلَّه بأدلَّته وَأَسَانِيدِهِ فِي التَّفْسِيرِ وَفِي السِّيرة أَيْضًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ * وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ هاهنا طَرَفًا مِنْهَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ جئ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَجُعِلَتْ فِي يَدِي * وَمِنْ حديث الحسين بن واقد عن الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنيا عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ جَاءَنِي بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ مِنْ سُنْدُسٍ * وَمِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ عن أبي لبابة مَرْفُوعًا: عَرَضَ عليَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا فَقُلْتُ: لَا يَا ربِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا، فَإِذَا جُعْتُ تضرَّعت إليك، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ * قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ:
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3 / 82 وأخرجه عن جابر بن سمرة، وعن عبد الله بن مسعود في المسند بنحوه 5 / 104 و 105.
(*)
(6/321)

فَإِنْ قِيلَ: سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَفْهَمُ كَلَامَ الطَّير والنَّملة كَمَا قَالَ تَعَالَى: * (وَقَالَ يأيها النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطير) * [النمل: 16] الآية وقال: * (فلما أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا
النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قولها) * [النمل: 18] الآية.
قِيلَ: قَدْ أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِثْلَ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَدْ تقدَّم ذِكْرُنَا لِكَلَامِ الْبَهَائِمِ والسِّباع وَحَنِينِ الْجِذْعِ وَرُغَاءِ الْبَعِيرِ وَكَلَامِ الشَّجر وَتَسْبِيحِ الْحَصَا وَالْحَجْرِ، وَدُعَائِهِ إيَّاه واستجابته لأمره، وإقرار الذِّئب بنبوَّته، وتسبيح الطَّير لِطَاعَتِهِ، وَكَلَامِ الظَّبية وَشَكْوَاهَا إِلَيْهِ، وَكَلَامِ الضَّب وَإِقْرَارِهِ بنبوَّته، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، كلُّ ذلك قد تقدَّم فِي الْفُصُولِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.
انْتَهَى كَلَامُهُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ أَخْبَرَهُ ذِرَاعُ الشَّاة بِمَا فِيهِ مِنَ السُّم وَكَانَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِ مَنْ وَضَعَهُ فِيهِ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَالَ إنَّ هَذِهِ السَّحابة لتبتهل بِنَصْرِكَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ - يَعْنِي الْخُزَاعِيَّ - حِينَ أَنْشَدَهُ تِلْكَ الْقَصِيدَةَ يَسْتَعْدِيهِ فِيهَا عَلَى بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ نَقَضُوا صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا تقدَّم وَقَالَ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ * فَهَذَا إِنْ كَانَ كَلَامًا مما يليق بحاله ففهم عنه الرَّسول ذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَأَبْلَغُ، لِأَنَّهُ جَمَادٌ بالنِّسبة إِلَى الطَّير والنَّمل، لِأَنَّهُمَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ، وَإِنْ كَانَ سَلَامًا نُطْقِيًّا وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَهُوَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ شِعَابِ مكَّة، فَمَا مرَّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلام عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَذَا النُّطق سَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * ثُمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن محمد بن الحارث العنبريّ، حدثنا أحمد بن يوسف بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن سويد النَّخعيّ، حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُذَيْنَةَ الطَّائيّ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ معلاة بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَتَى النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم - وَهُوَ بِخَيْبَرَ - حِمَارٌ أَسْوَدُ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا عمرو بن فهران، كنَّا سبعة إخوة ولكنا رَكِبَنَا الْأَنْبِيَاءُ وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ، وَكُنْتُ لَكَ فَمَلَكَنِي رجل من اليهود، وكنت إذ أذكرك عثرت بِهِ فَيُوجِعُنِي ضَرْبًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَأَنْتَ يَعْفُورٌ * وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نكارة شديدة ولا يحتاج إِلَى ذِكْرِهِ مَعَ مَا تقدَّم مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحيحة الَّتِي فِيهَا غُنْيَةٌ عَنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ على غير هذه الصِّفة، وَقَدْ نَصَّ عَلَى نَكَارَتِهِ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عن أبيه، والله أعلم.
القول فيما أوتي عيسى بن مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
ويسمَّى الْمَسِيحُ، فَقِيلَ: لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ، وَقِيلَ: لِمَسْحِ قَدَمِهِ، وَقِيلَ، لِخُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بالدِّهان، وَقِيلَ: لِمَسْحِ جِبْرِيلَ بِالْبَرَكَةِ، وَقِيلَ: لِمَسْحِ اللَّهِ الذُّنوب عَنْهُ، وَقِيلَ: لأنَّه كان لا يمسح أحداً إلا برأ.
حَكَاهَا كلَّها الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَمِنْ خَصَائِصِهِ أنَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ مَخْلُوقٌ بِالْكَلِمَةِ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، كَمَا خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى، وَكَمَا خُلِقَ آدَمُ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى، وإنَّما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ.
وَكَذَلِكَ يَكُونُ عِيسَى
(6/322)

بالكلمة وبنفخ جبريل مريم فخلق مِنْهَا عِيسَى * وَمِنْ خَصَائِصِهِ وأمَّه أنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ حِينَ وُلِدَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحيح، وَمِنْ خصائصه أنَّه حيٌّ لم يمت، وهو الْآنَ بِجَسَدِهِ فِي السَّماء الدُّنيا، وَسَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ الشَّرقية بِدِمَشْقَ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، وَيَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّريعة المحمَّدية ثمَّ يَمُوتُ وَيُدْفَنُ بِالْحُجْرَةِ النَّبويَّة، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ بسطنا ذلك في قصَّته * وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الزَّملكانيّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وأمَّا مُعْجِزَاتُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَمِنْهَا إِحْيَاءُ الْمَوْتَى، وللنَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَإِحْيَاءُ الْجَمَادِ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ، وَقَدْ كلَّم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم الذِّراع الْمَسْمُومَةَ، وَهَذَا الْإِحْيَاءُ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْإِنْسَانِ الْمَيِّتِ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا، أنَّه إحياء جزء من الحيوان دون بقيته، وَهَذَا مُعْجِزٌ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْبَدَنِ، الثَّاني: أنَّه أَحْيَاهُ وَحْدَهُ مُنْفَصِلًا عَنْ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ مَعَ مَوْتِ الْبَقِيَّةِ، الثَّالث: أنَّه أَعَادَ عَلَيْهِ الْحَيَاةَ مَعَ الْإِدْرَاكِ وَالْعَقْلِ، وَلَمْ يكن هذا الحيوان يعقل في حياته الَّذِي هُوَ جُزْؤُهُ ممَّا يَتَكَلَّمُ (1) ، وَفِي هَذَا مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَيَاةِ الطُّيور الَّتِي أحياها الله لإبراهيم عليه السلام * قُلْتُ: وَفِي حُلُولِ الْحَيَاةِ وَالْإِدْرَاكِ وَالْعَقْلِ فِي الْحَجَرِ الَّذِي كَانَ يُخَاطِبُ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بالسَّلام عَلَيْهِ، كَمَا رُوِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنَ الْمُعْجِزِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْحَيَوَانِ فِي الْجُمْلَةِ، لأنَّه كَانَ مَحَلًّا لِلْحَيَاةِ فِي وَقْتٍ: بِخِلَافِ هَذَا حَيْثُ لَا حَيَاةَ لَهُ بالكليَّة قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَسْلِيمُ الْأَحْجَارِ وَالْمَدَرُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْأَشْجَارُ وَالْأَغْصَانُ وشهادتها بالرِّسالة، وحنين الجذع * وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ أَبِي الدُّنيا كِتَابًا فِيمَنْ عَاشَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَذَكَرَ مِنْهَا كَثِيرًا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ
مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ مَرِيضٌ يَعْقِلُ فَلَمْ نَبْرَحْ حتَّى قُبِضَ، فَبَسَطْنَا عَلَيْهِ ثَوْبَهُ وسجَّيناه، وَلَهُ أمٌّ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا بَعْضُنَا وَقَالَ: يَا هَذِهِ احْتَسِبِي مُصِيبَتَكِ عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ أَمَاتَ ابْنِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَتْ: أحقٌّ ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدَّت يدها إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَتِ: اللَّهم إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي أَسْلَمْتُ وَهَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِكَ رَجَاءَ أَنْ تعينني عِنْدَ كلِّ شدَّة وَرَخَاءٍ، فَلَا تحمِّلني هَذِهِ الْمُصِيبَةَ الْيَوْمَ.
قَالَ: فَكَشَفَ الرَّجل عَنْ وَجْهِهِ وَقَعَدَ، وَمَا بَرِحْنَا حَتَّى أَكَلْنَا مَعَهُ * وَهَذِهِ القصَّة قَدْ تقدَّم التَّنبيه عَلَيْهَا فِي دَلَائِلِ النبوة.
وقد ذِكْرِ مُعْجِزِ الطُّوفان مَعَ قصَّة الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ * وَهَذَا السِّياق الَّذِي أَوْرَدَهُ شَيْخُنَا ذَكَرَ بَعْضَهُ بِالْمَعْنَى، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنيا، وَالْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ بَشِيرٍ الْمُرِّيِّ - أَحَدِ زهَّاد الْبَصْرَةِ وعبَّادها - وَفِي حَدِيثِهِ لِينٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَهُ.
وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ أنَّ أمَّه كَانَتْ عَجُوزًا عَمْيَاءَ ثمَّ سَاقَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ أَنَسٍ كما تقدم (2) ، وسياقه أتم، وفيه
__________
(1) كذا بالاصل، وفي هامش طبعة دار السعادة: لعل الصواب " ولم يكن هذا الحيوان الذي هو جزؤه يعقل في حياته ولا مما يتكلم.
".
(2) انظر الخبر في الدلائل ج 6 / 51 - 52.
(*)
(6/323)

أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِحَضْرَةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عون وأنس والله أعلم.
قصة أخرى قال الحسن بن عوفة: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي سَبْرَةَ النَّخَعِيِّ قَالَ: أَقْبَلُ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ، فلمَّا كَانَ في بعض الطريق نفق حماره فقام وتوضأ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي جئت من المدينة (1) مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، وَأَنَا أَشْهَدُ أنَّك تحي الموتي وتبعث مَنْ فِي الْقُبُورِ، لا تجعل لِأَحَدٍ عَلَيَّ الْيَوْمَ مِنَّةً، أَطْلُبُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ أَنْ تَبْعَثَ حِمَارِي، فَقَامَ الْحِمَارُ يَنْفُضُ أُذُنَيْهِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ
كَرَامَةً لِصَاحِبِ الشَّريعة.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَكَذَلِكَ رواه مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهليّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وكأنَّه عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ (2) .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ * قُلْتُ: كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنيا: مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ فَذَكَرَهُ قَالَ الشِّعبيّ: فَأَنَا رَأَيْتُ الْحِمَارَ بِيعَ أَوْ يُبَاعُ فِي الْكُنَاسَةِ - يَعْنِي بِالْكُوفَةِ - وَقَدْ أَوْرَدَهَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وأنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ قَوْمِهِ فِي ذلك: ومِنَّا الذي أحيَ الإلهُ حِمَارَهُ * وَقَدْ مَاتَ مِنْهُ كُلُّ عُضْوٍ وَمفصَلِ وأمَّا قصَّة زَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ وَكَلَامُهُ بعد الموت وشهادته للني صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ بالصِّدق فَمَشْهُورَةٌ مرويَّة مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّاريخ الْكَبِيرِ: زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْصَارِيُّ شَهِدَ بَدْرًا وَتُوُفِّيَ في زَمَنَ عُثْمَانَ، وَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بَعْدَ الْمَوْتِ * وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِهِ وصحَّحه كما تقدَّم من طريق العتبيّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ زيد بن خارجة الأنصاريّ ثمَّ من الحارث بن الخزرج، توفي زمن عثمان بن عَفَّانَ فَسُجِّيَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ سَمِعُوا جَلْجَلَةً في صدره، ثمَّ تكلَّم فقال: أَحْمَدُ فِي الْكِتَابِ الأوَّل صَدَقَ صَدَقَ، أَبُو بَكْرٍ الضَّعيف فِي نَفْسِهِ، الْقَوِيُّ فِي أَمْرِ الله، وفي الْكِتَابِ الأوَّل صَدَقَ صَدَقَ، عُمَرُ بْنُ الخطَّاب القويُّ فِي الْكِتَابِ الأوَّل، صَدَقَ صَدَقَ، عُثْمَانُ بْنُ عفَّان عَلَى مِنْهَاجِهِمْ مَضَتْ أَرْبَعٌ وَبَقِيَتْ ثِنْتَانِ، أتت الفتن وأكل الشَّديد الضَّعيف، وقامت السَّاعة، وسيأتيكم عن جيشكم خير * قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ المسيب: ثمَّ هلك رجل من بني حطمة فسجِّي بثوبه فسمع جلجلة في صدره، ثمَّ تكلَّم فقال: إنَّ أخا بني حارث بْنِ الْخَزْرَجِ صَدَقَ صَدَقَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنيا والبيهقيّ أيضاً من وجهه آخَرَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا وَأَطْوَلَ، وصحَّحه الْبَيْهَقِيُّ.
قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ فِي التَّكَلُّمِ بَعْدَ الْمَوْتِ عن جماعة
__________
(1) في رواية البيهقيّ: الدثنية، وفي رواية أخرى: الدفينة ذكرها ابن كثير في هذا الجزء ص 154.
(2) دلائل البيهقي 6 / 48.
(*)
(6/324)

بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * قُلْتُ: قَدْ ذَكَرْتُ في قصَّة سخلة جَابِرٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَكْلِ الْأَلْفِ مِنْهَا وَمِنْ قَلِيلِ شَعِيرٍ مَا تقدَّم.
وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ محمد بن المنذر المعروف بيشكر، فِي كِتَابِهِ الْغَرَائِبِ وَالْعَجَائِبِ بِسَنَدِهِ، كَمَا سَبَقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم جَمَعَ عِظَامَهَا ثمَّ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى فَعَادَتْ كما كانت فتركها في منزله وَاللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ شَيْخُنَا: وَمِنْ مُعْجِزَاتِ عِيسَى الْإِبْرَاءُ مِنَ الْجُنُونِ.
وَقَدْ أَبْرَأَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي مِنْ ذَلِكَ - هَذَا آخر ما وجدته فيما حَكَيْنَاهُ عَنْهُ.
فأمَّا إِبْرَاءُ عِيسَى مِنَ الْجُنُونِ.
فَمَا أَعْرِفُ فِيهِ نَقْلًا خَاصًّا، وإنَّما كَانَ يُبَرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ والظَّاهر وَمِنْ جَمِيعِ الْعَاهَاتِ وَالْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ * وأمَّا إِبْرَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِنَ الْجُنُونِ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ بِهِ لَمَمٌ مَا رَأَيْتُ لَمَمًا أَشَدَّ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنِي هَذَا كَمَا تَرَى أَصَابَهُ بَلَاءٌ، وَأَصَابَنَا مِنْهُ بلاء، يوجد منه في اليوم ما يؤذي، ثمَّ قالت: مَرَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: ناولينيه، فجعلته بينه وبين واسطة الرَّحل، ثمَّ فغرفاه وَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثًا وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ، ثمَّ نَاوَلَهَا إيَّاه فذكرت أنَّه برئ من ساعته وما رابهم شئ بَعْدَ ذَلِكَ * وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حماد بن سلامة، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عبَّاس أنَّ امرأة جاءت بولدها إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بِهِ لَمَمًا، وإنَّه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، قَالَ فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم صدره ودعا له فسغ (1) سغة فخرج منه مثل الجور الأسود فشفي * غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفَرْقَدٌ فِيهِ كَلَامٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ زُهَّادِ الْبَصْرَةِ، لَكِنْ مَا تَقَدَّمَ لَهُ شَاهِدٌ وَإِنْ كَانَتِ القصَّة وَاحِدَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَرَوَى البزَّار مِنْ طَرِيقِ فَرْقَدٍ أيضاً عن سعد بن عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا الْخَبِيثَ قَدْ غلبني، فقال لها: تصبَّري على ما أنت عليه وتجيئي يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا حساب؟ فقالت، والذي بعثك بالحق لا صبرن حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ، ثمَّ قَالَتْ، إنِّي أَخَافُ الْخَبِيثَ أَنْ يُجَرِّدَنِي، فَدَعَا لَهَا، وَكَانَتْ إِذَا أحست أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتتعلق بِهَا وَتَقُولُ لَهُ: اخْسَأْ، فَيَذْهَبُ عَنْهَا * وَهَذَا دليل على أنَّ فرقد قَدْ حَفِظَ، فإنَّ هَذَا لَهُ شَاهَدٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنَّة؟
قلت: بَلَى، قَالَ، هَذِهِ السَّوداء أَتَتْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وأنكشف فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجنَّة، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يعافيك، قالت: لا بل أصبر، فادعُ الله أن لا أنكشف، قَالَ: فَدَعَا لَهَا فَكَانَتْ لَا تَنْكَشِفُ * ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حدَّثنا محمَّد، حدَّثنا مَخْلَدٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أنَّه رَأَى أم زفر - امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ سَوْدَاءُ - عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ (2) * وَذَكَرَ الحافظ ابن الأثير في كتاب أُسُد الغابة في أسماء
__________
(1) في رواية البيهقيّ: فثع ثعة، والخبر في مسند أحمد 5 / 430.
(2) أخرجه البخاري في المرض، باب (6) فتح الباري 10 / 114، ومسلم في البر والصلة، باب (14) ح (54) ص (1994) والامام أحمد في مسنده 1 / 347 ورواه البيهقي في الدلائل 6 / 156.
(*)
(6/325)

الصَّحابة، أنَّ أمَّ زُفَرَ هَذِهِ كَانَتْ مَاشِطَةً لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وأنَّها عمَّرت حَتَّى رَآهَا عطاء بن أبي راح رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى * وأمَّا إِبْرَاءُ عِيسَى الْأَكْمَهَ وَهُوَ الَّذِي يُولَدُ أَعْمَى، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا يُبْصِرُ فِي النَّهار وَيُبْصِرُ فِي اللَّيل، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفسير، وَالْأَبْرَصُ الَّذِي بِهِ بَهَقٌ، فَقَدْ ردَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ عَيْنَ قَتَادَةَ بْنِ النُّعمان إِلَى مَوْضِعِهَا بَعْدَ مَا سَالَتْ عَلَى خدِّه، فَأَخَذَهَا فِي كفِّه الكريم وأعادها إلى مقرِّها فاستمرت بحالها وَبَصَرِهَا، وَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كما ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارَ فِي السِّيرة وَغَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ بَسَطْنَاهُ ثمَّ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَقَدْ دَخَلَ بَعْضُ وَلَدِهِ وَهُوَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز فسأله عَنْهُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَنَا ابْنُ الَّذِي سَالَتْ عَلَى الخَدِّ عينُهُ * فردَّتْ بكفِّ المُصْطَفَى أحسنَ الرَّدِ فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ لأوَّل أَمرِهَا * فيَا حُسْنَ مَا عينٍ وَيَا حُسْنُ مَا خدٍ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبنٍ * شَيباً بماءٍ فعادَا بعدُ أبو الا ثمَّ أَجَازَهُ فَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ * وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أنَّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتَا مَعًا حتَّى سَالَتَا عَلَى خَدَّيْهِ، فردَّهما رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَانِهِمَا.
وَالْمَشْهُورُ الأوَّل كَمَا ذَكَرَ ابن إسحاق.
قصَّة الْأَعْمَى الَّذِي ردَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ بدعاء الرَّسول قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَا: حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدِّث عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ: أنَّ رَجُلًا ضَرِيرًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يُعَافِيَنِي، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أخَّرت ذَلِكَ فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت: قال: بَلِ ادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَضَّأَ ويصلي رَكْعَتَيْنِ وَأَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحمة، إنِّي أتوَّجه به فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عثمان بن عمر: فشفِّعه فيَّ، قَالَ: فَفَعَلَ الرَّجل فَبَرَأَ * وَرَوَاهُ التّرمذيّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ عُثْمَانُ: فَوَاللَّهِ مَا تفرَّقنا وَلَا طَالَ الْحَدِيثُ بِنَا حَتَّى دَخَلَ الرَّجل كَأَنْ لم يكن به ضر قط (1) .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج 4 / 138 وأخرجه التِّرمذي في الدعوات، باب (119) الحديث (3578) ص (5 / 569) عن محمود بن غيلان.
وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن أحمد بن منصور بن سيار وأخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 167.
(*)
(6/326)

قِصَّةٌ أُخْرَى قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حدَّثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ، حدَّثني رَجُلٌ مِنْ بَنِي سلامان بن سعد عن أمه عن خاله، أو أن خاله أو خالها حبيب بن قريط (1) حدَّثها أنَّ أَبَاهُ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَعَيْنَاهُ مبيضَّتان لَا يبصر بهما شيئاً، فقال له، ما أصابك؟ قال: كنت (2) حملاً لِي فَوَقَعَتْ رِجْلِي عَلَى بَيْضِ حيَّة فَأُصِيبَ بَصَرِي، فَنَفَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَيْنَيْهِ فَأَبْصَرَ، فَرَأَيْتُهُ وإنَّه لَيُدْخِلُ الخيط في الإبرة، وإنَّه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضَّتان، قال البيهقيّ: وَغَيْرُهُ يَقُولُ حَبِيبُ بْنُ مُدْرِكٍ * وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَثَ فِي عَيْنَيْ عَلِيٍّ يَوْمَ خَيْبَرَ
وَهُوَ أَرْمَدُ فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ، ثمَّ لَمْ يرمد بعدها أبداً، ومسح رجل جابر بْنِ عَتِيكٍ وَقَدِ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ لَيْلَةَ قَتَلَ أَبَا رَافِعٍ - تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ الْخَيْبَرِيَّ - فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ أَيْضًا * وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَسَحَ (3) يَدَ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ وَكَانَتْ قَدِ احْتَرَقَتْ بالنَّار فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَمَسَحَ رِجْلَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَقَدْ أُصِيبَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ فَبَرَأَتْ مِنْ سَاعَتِهَا، وَدَعَا لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يُشْفَى مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ فَشُفِيَ * وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أنَّ عمَّه أَبَا طَالِبٍ مَرِضَ فَسَأَلَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَنْ يَدْعُوَ لَهُ ربَّه فَدَعَا لَهُ فَشُفِيَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، وَكَمْ لَهُ مِنْ مِثْلِهَا وَعَلَى مَسْلَكِهَا، مِنْ إِبْرَاءِ آلَامٍ، وَإِزَالَةِ أَسْقَامٍ، مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ وَبَسْطُهُ * وَقَدْ وَقَعَ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ إِبْرَاءُ الْأَعْمَى بعد الدُّعاء عليه بالعمى أيضاً، كما وراه الحافظ ابن عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ، حدَّثنا بَقِيَّةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أبي مسلم: أنَّ امرأة خبَّثت عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، فَدَعَا عَلَيْهَا فَذَهَبَ بَصَرُهَا فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، إنِّي كُنْتُ فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، وَإِنِّي لَا أَعُودُ لمثِلِها، فَقَالَ: اللَّهم إِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَارْدُدْ عَلَيْهَا بَصَرَهَا، فَأَبْصَرَتْ * وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنيا: حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَاقَدٍ، حدَّثنا ضَمْرَةُ حدَّثنا عَاصِمٌ، حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا دخل منزله..فَإِذَا بَلَغَ وَسَطَ الدَّار كبَّر وكبَّرت امْرَأَتُهُ فإذا دخل البيت كبَّر وكبَّرت امرأته فيدخل فينزع رداءه وحذاءه وتأتيه بطعام يأكل، فَجَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فكبَّر فَلَمْ تُجِبْهُ، ثمَّ جَاءَ إِلَى بَابِ الْبَيْتِ فكبَّر وسلَّم فَلَمْ تُجِبْهُ، وَإِذَا الْبَيْتُ لَيْسَ فِيهِ سِرَاجٌ، وَإِذَا هي جالسة بيدها عود تنكت في الأرض به، فقال لها: مالك؟ فقالت النَّاس بخير، وأتت لَوْ أَتَيْتَ مُعَاوِيَةَ فَيَأْمُرُ لَنَا بِخَادِمٍ وَيُعْطِيكَ شَيْئًا تَعِيشُ بِهِ، فَقَالَ: اللَّهم مَنْ أَفْسَدَ عليَّ أَهْلِي فَأَعْمِ بَصَرَهُ، قَالَ: وَكَانَتْ أَتَتْهَا امرأة فقالت لامرأة أَبِي مُسْلِمٍ: لَوْ كلَّمت زَوْجَكِ ليكلِّم مُعَاوِيَةَ فيخدمكم ويعطيكم؟ قال:
__________
(1) في رواية البيهقيّ: ابن فويك، وله ترجمة في الاستيعاب.
(2) بياض بالاصل، وفي رواية الاستيعاب للحديث: كنت أمرن جملا لي.
وفي رواية البيهقيّ: كنت امرئ جملي.
(3) في البيهقي: تفل على يده.
(*)
(6/327)

فبينما هذه المرأة في منزلها والسِّراج مزهر، إِذْ أَنْكَرَتْ بَصَرَهَا، فَقَالَتْ: سِرَاجُكُمْ طُفِئَ؟ قَالُوا: لا، قالت: إنَّ الله أُذْهِبَ بَصَرِي، فَأَقْبَلَتْ كَمَا هِيَ إِلَى أَبِي مسلم فلم تزل تناشده وتتلطف إِلَيْهِ، فَدَعَا اللَّهَ فردَّ بَصَرَهَا، وَرَجَعَتِ امْرَأَتُهُ على حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا * وأمَّا قصَّة الْمَائِدَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: * (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عيسى بن مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى بن مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فأني معذبه عَذَاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ) * [المائدة: 112] وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّفسير بَسْطَ ذَلِكَ وَاخْتِلَافَ المفسِّرين فِيهَا هَلْ نَزَلَتْ أَمْ لَا عَلَى قولين، والمشهور عن الجمهور أنها نزلت، واختلفوا فِيمَا كَانَ عَلَيْهَا مِنَ الطَّعام عَلَى أَقْوَالِ، وَذَكَرَ أَهْلُ التَّاريخ أنَّ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ، الَّذِي فَتَحَ الْبِلَادَ الْمَغْرِبِيَّةَ أيَّام بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدَ الْمَائِدَةَ، وَلَكِنْ قِيلَ: إنَّها مَائِدَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ مرصَّعة بِالْجَوَاهِرِ وَهِيَ مِنْ ذَهَبٍ فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ حتَّى مَاتَ، فتسلَّمها أَخُوهُ سُلَيْمَانُ، وَقِيلَ: إنَّها مَائِدَةُ عِيسَى * لَكِنْ يَبْعُدُ هَذَا أنَّ النَّصارى لَا يَعْرِفُونَ الْمَائِدَةَ كَمَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَالْمَقْصُودُ أنَّ الْمَائِدَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ أَمْ لم تنزل (1) وقد كَانَتْ مَوَائِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم تمدُّ مِنَ السَّماء وَكَانُوا يَسْمَعُونَ تَسْبِيحَ الطَّعام وَهُوَ يُؤْكَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَمْ قَدْ أَشْبَعَ مِنْ طَعَامٍ يَسِيرٍ أُلُوفًا وَمِئَاتٍ وَعَشَرَاتٍ صلى الله عليه وسلَّم ما تعاقبت الأوقات، وما دامت الأرض والسَّموات * وهذا أبو مسلم الخولاني، وقد ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ تَارِيخِهِ أَمْرًا عَجِيبًا وَشَأْنًا غَرِيبًا، حَيْثُ رُوِيَ من طريق إسحاق بن يحيى الْمَلْطِيِّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: أَتَى أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَمَا تَشْتَاقُ إِلَى الحجِّ؟ قَالَ: بَلَى لو أصبت لي أصحاباً، فَقَالُوا: نَحْنُ أَصْحَابُكَ، قَالَ: لَسْتُمْ لِي بِأَصْحَابٍ إنَّما أَصْحَابِي قَوْمٌ لَا يُرِيدُونَ الزَّاد وَلَا المزاد، فقالوا: سبحان الله، وكيف يسافر أقوام بِلَا زَادٍ وَلَا مَزَادٍ؟ قَالَ لَهُمْ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى
الطَّير تَغْدُو وَتَرُوحُ بِلَا زَادٍ وَلَا مَزَادٍ وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا؟ وَهِيَ لَا تَبِيعُ وَلَا تَشْتَرِي، وَلَا تَحْرُثُ وَلَا تَزْرَعُ وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا؟ قَالَ: فَقَالُوا: فإنَّا نُسَافِرُ مَعَكَ، قَالَ: فهبُّوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: فَغَدَوْا مِنْ غُوطَةِ دِمَشْقَ لَيْسَ مَعَهُمْ زَادٌ وَلَا مَزَادٌ، فلمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْمَنْزِلِ قَالُوا: يَا أَبَا مُسْلِمٍ طَعَامٌ لَنَا وَعَلَفٌ لِدَوَابِّنَا، قَالَ: فَقَالَ لهم: نعم، فسجا غير بعيد فيمم مسجد أحجار فصلَّى فيه ركعتين، ثمَّ جثى عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: إِلَهِي قَدْ تَعْلَمُ مَا أخرجني من منزلي، وإنَّما خرجت آمراً لَكَ، وَقَدْ رَأَيْتُ الْبَخِيلَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ تَنْزِلُ بِهِ الْعِصَابَةُ مِنَ النَّاس فَيُوسِعُهُمْ قِرًى، وإنَّا أَضْيَافُكَ وزوَّارك، فَأَطْعِمْنَا، وَاسْقِنَا، وَاعَلِفْ دوابَّنا، قال: فأتى بسفرة مدَّت بين أيديهم، وجئ بجفنة من ثريد، وجئ بقلَّتين من ماء، وجئ بِالْعَلَفِ لَا يَدْرُونَ مَنْ يَأْتِي بِهِ، فَلَمْ تزل تلك حالهم منذ
__________
(1) كذا بالاصل، والظاهر أن فيه سقطا.
(*)
(6/328)

خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ أَهَالِيهِمْ حتَّى رَجَعُوا، لَا يتكَّلفون زَادًا وَلَا مَزَادًا * فَهَذِهِ حَالُ وليٍّ مِنْ هَذِهِ الأمَّة نَزَلَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ مائدة كل يوم مَرَّتَيْنِ مَعَ مَا يُضَافُ إِلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ وَالْعَلُوفَةِ لدوابِّ أَصْحَابِهِ.
وَهَذَا اعْتِنَاءٌ عَظِيمٌ، وإنَّما نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِهَذَا النَّبيّ الْكَرِيمِ عليه أفضل الصلاة والتَّسليم * وأمَّا قوله في عيسى بن مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أنَّه قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) * الآية، [آل عمران: 49] فهذا شئ يَسِيرٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ وَعَلَى كَثِيرٍ مِنَ الأولياء، وقد قال يوسف الصِّديق لَذَيْنِكَ الْفَتَيَيْنِ الْمَحْبُوسَيْنِ مَعَهُ: * (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) * الْآيَةَ.
[يُوسُفَ: 37] وَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِالْأَخْبَارِ الْمَاضِيَةِ طِبْقَ مَا وَقَعَ وَعَنِ الْأَخْبَارِ الْحَاضِرَةِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ أَكْلِ الْأَرَضَةِ لِتِلْكَ الصَّحيفة الظَّالمة التي كانت بطون قريش قديماً كتبتها على مقاطعة بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ حتَّى يسلِّموا إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وعلَّقوها فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الْأَرَضَةَ فَأَكَلَتْهَا إِلَّا مَوَاضِعِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَكَلَتِ اسْمَ اللَّهِ مِنْهَا تَنْزِيهًا لَهَا أَنْ تَكُونَ مَعَ الَّذِي فِيهَا مِنَ الظُّلم وَالْعُدْوَانِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمَّه أَبَا طَالِبٍ وَهُمْ بالشِّعب، فَخَرَجَ
إليهم أبو طالب وقال لهم عمَّا أخبرهم بِهِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فسلِّموه إِلَيْنَا، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأَنْزَلُوا الصَّحيفة فَوَجَدُوهَا كَمَا أَخْبَرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَأَقْلَعَتْ بُطُونُ قُرَيْشٍ عمَّا كانوا عَلَيْهِ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَهَدَى اللَّهُ بِذَلِكَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَمْ لَهُ مِثْلُهَا كَمَا تقدَّم بَسْطُهُ وَبَيَانُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرة وَغَيْرِهَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنَّة * وَفِي يَوْمِ بَدْرٍ لَمَّا طُلب مِنَ العبَّاس عَمَّهُ فِدَاءً ادَّعَى أنَّه لَا مَالَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أَنْتَ وأمَّ الْفَضْلِ تَحْتَ أُسْكُفَّةِ الْبَابِ، وَقُلْتَ لَهَا: إِنْ قُتِلْتُ فَهُوَ للصِّبية؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هذا شئ لَمْ يطَّلع عَلَيْهِ غَيْرِي وَغَيْرُ أمَّ الْفَضْلِ إِلَّا اللَّهَ عزَّ وَجَلَّ * وَأَخْبَرَ بِمَوْتِ النَّجاشي يَوْمَ مَاتَ وَهُوَ بِالْحَبَشَةِ، وصلَّى عَلَيْهِ، وَأَخْبَرَ عَنْ قَتْلِ الْأُمَرَاءِ يَوْمَ مُؤْتَةَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، وَأَخْبَرَ عَنِ الْكِتَابِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ حَاطِبُ بْنُ بلتعة مع شاكر مولى بَنِي عَبْدِ المطَّلب، وَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهَا عَلِيًّا والزُّبير وَالْمِقْدَادَ، فَوَجَدُوهَا قَدْ جَعَلَتْهُ فِي عِقَاصِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ فِي حُجْزَتِهَا، وَقَدْ تقدَّم ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَقَالَ لِأَمِيرَيْ كِسْرَى اللَّذين بَعَثَ بِهِمَا نَائِبُ الْيَمَنِ لِكِسْرَى لِيَسْتَعْلِمَا أَمْرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ رَبِّي قَدْ قَتَلَ اللَّيلة رَبَّكُمَا، فأرَّخا تِلْكَ اللَّيلة، فَإِذَا كِسْرَى قَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولده فقتله، فأسلما وأسلم نَائِبُ الْيَمَنِ، وَكَانَ سَبَبَ مُلْكِ الْيَمَنِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم * وأمَّا إِخْبَارُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَنِ الْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي في أنباء التَّواريخ ليقع ذلك طبق ما كان سواء * وذكر ابن حامد في مقابلة جهاد عيسى عليه الصلاة والسلام جِهَادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَفِي مُقَابَلَةِ زُهْدِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، زَهَادَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُنُوزِ الْأَرْضِ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ فَأَبَاهَا، وَقَالَ، أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا وأنَّه كَانَ لَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ زَوْجَةً يَمْضِي عليهنَّ الشَّهر والشَّهران لَا تُوقَدُ عندهنَّ نَارٌ وَلَا مِصْبَاحٌ إنَّما هُوَ الْأَسْوَدَانِ التَّمر وَالْمَاءُ، وَرُبَّمَا رَبَطَ على بطنه الحجر الْجُوعِ، وَمَا شَبِعُوا مِنْ خُبْزِ
(6/329)

برٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا، وَكَانَ فِرَاشُهُ مِنْ أدم وحشوه ليف، وربَّما اعتقل الشَّاة فيحلبها، وَرَقَّعَ ثَوْبَهُ، وَخَصَفَ نَعْلَهُ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَمَاتَ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى طَعَامٍ اشْتَرَاهُ لِأَهْلِهِ، هَذَا وَكَمْ آثَرَ بِآلَافٍ مُؤَلَّفَةٍ وَالْإِبِلِ والشَّاء وَالْغَنَائِمِ وَالْهَدَايَا، عَلَى نَفْسِهِ
وَأَهْلِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ وَالْأَرَامِلِ وَالْأَيْتَامِ وَالْأَسْرَى وَالْمَسَاكِينِ * وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُقَابَلَةِ تَبْشِيرِ الْمَلَائِكَةِ لِمَرْيَمَ الصِّديقة بوضع عِيسَى مَا بُشِّرَتْ بِهِ آمِنَةُ أمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ فِي مَنَامِهَا، وَمَا قِيلَ لَهَا: إِنَّكِ قَدْ حَمَلْتِ بسيِّد هَذِهِ الأمَّة فسمِّيه مُحَمَّدًا، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي الْمَوْلِدِ كَمَا تقدَّم * وقد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا حَدِيثًا غَرِيبًا مُطَوَّلًا بِالْمَوْلِدِ أَحْبَبْنَا أَنْ نَسُوقَهُ لِيَكُونَ الْخِتَامَ نَظِيرَ الِافْتِتَاحِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكلان وَلِلَّهِ الْحَمْدُ * فَقَالَ: حدَّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ أحمد، حدثنا حفص بن عمرو بْنِ الصَّباح، حدَّثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَابِلِيُّ، أنَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُمَرَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ: قَالَ ابْنُ عبَّاس: فَكَانَ مِنْ دَلَالَاتِ حَمْلِ محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَنَّ كلَّ دابَّة كَانَتْ لِقُرَيْشٍ نَطَقَتْ تِلْكَ اللَّيلة: قد حمل رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وهو أمان الدُّنيا وسراج أهلها، ولم يبق كاهن فِي قُرَيْشٍ وَلَا قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ إِلَّا حُجِبَتْ عَنْ صَاحِبَتِهَا، وَانْتُزِعَ عِلْمُ الْكَهَنَةِ مِنْهَا، وَلَمْ يَبْقَ سَرِيرُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنيا إِلَّا أَصْبَحَ مَنْكُوسًا، وَالْمَلِكُ مُخَرَّسًا لَا ينطق يومه لذلك، وفرَّت وُحُوشُ الْمَشْرِقِ إِلَى وُحُوشِ الْمَغْرِبِ بِالْبِشَارَاتِ، وَكَذَلِكَ أهل البحار بشَّر بعضهم بعضاً، وَفِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ شُهُورِهِ نِدَاءٌ فِي الأرض ونداء في السَّموات: أَبْشِرُوا فَقَدْ آنَ لِأَبِي الْقَاسِمِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْأَرْضِ مَيْمُونًا مُبَارَكًا قَالَ: وَبَقِيَ فِي بَطْنِ أمِّه تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَهَلَكَ أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ أمِّه، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: إِلَهَنَا وَسَيِّدَنَا، بَقِيَ نبيَّك هَذَا يَتِيمًا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ: أَنَا لَهُ وَلِيٌّ وَحَافِظٌ ونصير، فتبرَّكوا بمولده ميموناً مباركاً.
وَفَتَحَ اللَّهُ لِمَوْلِدِهِ أَبْوَابَ السَّماء وجنَّاته، وَكَانَتْ آمنة تحدِّث عن نفسها وتقول: أتى لي آتٍ حين مرَّ لي مِنْ حَمْلِهِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَوَكَزَنِي بِرِجْلِهِ فِي الْمَنَامِ وَقَالَ: يَا آمِنَةُ إنَّك حَمَلْتِ بِخَيْرِ العالمين طراً، فإذا ولدتيه فسمِّيه محمَّداً أو النَّبيّ، شَأْنَكِ.
قَالَ: وَكَانَتْ تحدِّث عَنْ نَفْسِهَا وَتَقُولُ: لَقَدْ أَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ النِّساء وَلَمْ يَعْلَمْ بِي أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ، ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى، وإنِّي لِوَحِيدَةٌ فِي الْمَنْزِلِ وَعَبْدُ المطَّلب فِي طَوَافِهِ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ وَجْبَةً شَدِيدَةً، وَأَمْرًا عَظِيمًا، فهالني ذلك، وذلك يوم الاثنين، ورأيت كأنَّ جَنَاحَ طَيْرٍ أَبْيَضَ قَدْ مُسِحَ عَلَى فؤادي فذهب كل رعب وكل فزع ووجل كُنْتُ أَجِدُ، ثمَّ الْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِشَرْبَةٍ بيضاء ظننتها لبناً، وكنت عطشانة، فتناولتها فشربتها فأصابني نُورٌ عَالٍ، ثمَّ رَأَيْتُ نِسْوَةً كالنَّخل الطِّوال،
كأنَّهن مِنْ بَنَاتِ عَبْدِ المطَّلب يحدِّقن بِي، فبينا أنا أعجب وأقول: واغوثاه، مِنْ أَيْنَ عَلِمْنَ بِي؟ وَاشْتَدَّ بِيَ الْأَمْرُ وَأَنَا أَسْمَعُ الْوَجْبَةَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ أَعْظَمَ وَأَهْوَلَ، وَإِذَا أَنَا بِدِيبَاجٍ أَبْيَضَ قَدْ مُدَّ بين الارض، وَإِذَا قَائِلٌ يَقُولُ: خُذُوهُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاس، قالت: رأيت رجالاً وَقَفُوا فِي الْهَوَاءِ بِأَيْدِيهِمْ أَبَارِيقُ فِضَّةٍ وَأَنَا يَرْشَحُ مِنِّي عَرَقٌ كالجُمان، أَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، وَأَنَا أَقُولُ: يَا لَيْتَ عَبْدَ المطَّلب قد دخل علي، قَالَتْ: وَرَأَيْتُ قِطْعَةً مِنَ الطَّير قَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ حَيْثُ لَا أَشْعُرُ حتَّى غطَّت حُجْرَتِي، مَنَاقِيرُهَا مِنَ الزُّمرُّد، وَأَجْنِحَتُهَا مِنَ الْيَوَاقِيتِ، فَكَشَفَ الله لي عن بصيرتي، فأبصرت
(6/330)

من ساعتي مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، ورأيت ثلاث علامات مَضْرُوبَاتٍ، عَلَمٌ بِالْمَشْرِقِ، وَعَلَمٌ بِالْمَغْرِبِ، وَعَلَمٌ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَأَخَذَنِي الْمَخَاضُ واشتدَّ بِيَ الطَّلق جداً، فكنت كأنِّي مسندة إلى أركان النِّساء، وكثرن عليَّ حتى كأنِّي مع الْبَيْتِ وَأَنَا لَا أَرَى شَيْئًا، فَوَلَدْتُ محمَّداً، فلمَّا خَرَجَ مِنْ بَطْنِي دُرْتُ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فإذا هو سَاجِدٌ وَقَدْ رَفَعَ أُصْبُعَيْهِ كالمتضرِّع الْمُبْتَهِلِ، ثمَّ رَأَيْتُ سَحَابَةً بَيْضَاءَ قَدْ أَقْبَلَتْ مِنَ السَّماء تَنْزِلُ حتَّى غَشِيَتْهُ، فغيِّب عَنْ عَيْنِي، فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي يَقُولُ: طُوفُوا بمحمَّد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم شَرْقَ الْأَرْضِ وَغَرْبَهَا، وَأَدْخِلُوهُ الْبِحَارَ كلَّها، لِيَعْرِفُوهُ بِاسْمِهِ وَنَعْتِهِ وَصُورَتِهِ، وَيَعْلَمُوا أنَّه سمي الماحيّ، لا يبقي شئ من الشِّرك إلا محي به، قالت، ثمَّ تخلَّوا عنه في أسرع وقت فإذا أنابه مدرج فِي ثَوْبِ صُوفٍ أَبْيَضَ، أشدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبن، وَتَحْتَهُ حَرِيرَةٌ خَضْرَاءُ، وَقَدْ قَبَضَ محمَّد ثَلَاثَةَ مَفَاتِيحَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ الرَّطب الْأَبْيَضِ، وَإِذَا قائل يقول، قبض محمَّد مَفَاتِيحِ النَّصر، وَمَفَاتِيحِ الرِّيح، وَمَفَاتِيحِ النُّبُّوة * هَكَذَا أَوْرَدَهُ وَسَكْتَ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا * وَقَالَ الشَّيخ جَمَالُ الدِّين أَبُو زَكَرِيَّا، يَحْيَى بْنُ يوسف بن منصور بن عمر الأنصاريّ الصَّرصريّ (1) ، الْمَاهِرُ الْحَافِظُ لِلْأَحَادِيثِ واللُّغة، ذُو المحبَّة الصَّادقة لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَلِذَلِكَ يشبَّه فِي عَصْرِهِ بحسَّان بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ الله عنه، وفي دِيوَانِهِ الْمَكْتُوبِ عَنْهُ فِي مَدِيحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ كَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ، بَصِيرَ الْبَصِيرَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِبَغْدَادَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وستَّمائة، قَتَلَهُ التَّتار فِي كل بنة (2) بَغْدَادَ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ، فِي كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ، وَعَلَيْهِ التُّكلان، قَالَ فِي
قَصِيدَتِهِ مِنْ حَرْفِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ دِيوَانِهِ: محمَّدٌ المبعوثُ لِلنَّاس رَحمةً * يُشيدُ مَا أَوْهَى الضَّلالُ ويُصْلِحُ لئنْ سبَّحَتْ صمُّ الجبالِ مجيبةٍ * لداودَ أَو لانَ الحَديدُ المُصَفَّحِ فإنَّ الصُّخورَ الصُّمَّ لَانَتْ بكفِّهِ * وإنَّ الْحَصَا فِي كفِّهِ ليسبِّحُ وإنْ كانَ مُوسى أَنبعَ الماء منَ العَصَا * فَمِن كفِّهِ قدْ أصبحَ الماءَ يَطفَحُ وإنْ كانَتْ الرِّيحُ الرُّخاءَ مُطِيعَةً * سُليمانَ لَا تألُو تَروحُ وتَسرحُ فإنَّ الصَبا كَانَتْ لِنصر نبيِّنَا * بِرُعْبٍ عَلَى شهرٍ بهِ الخَصْمُ يُكْلَحُ وإنْ أُوتِيَ المُلكَ العظيمَ وسُخِّرتْ * لهُ الجنُّ تُشفِي مارضيهُ وَتلدَحُ (3) فإنَّ مفاتيحَ الكُنوزِ بأَسرهَا * أَتَتْهُ فَرَدَّ الزَّاهدُ المترجِّحُ وإنْ كانَ إبراهيمُ أُعطي خِلَّة * وَموسَى بتَكليمٍ عَلَى الطُّورِ يمنحُ فَهَذَا حَبيبٌ بلْ خليلٌ مُكَلَّمٌ * وخُصِّص بالرُّؤيا وبالحقِّ أَشرحُ
__________
(1) الصرصري نسبة إلى صرصر وهي قرية قريبة من بغداد، اشتهر بمدائحه للرسول صلى الله عليه وآله وشعره طبقه عالية، كان فصيحاً بليغاً، كان ضريرا وقد قتله التتار فيما قاله الذهبي.
(2) كذا بالاصل.
(3) تلدح: من اللدح وهو الضرب باليد.
(*)
(6/331)

وخُصِّص بالحوضِ العَظيمِ وباللِّوا * وَيشفَعُ للعاصينَ والنَّارُ تَلفَحُ وبالمقعدِ الأعْلى المقرَّبِ عِنْدَهُ * عطاءٌ بِبُشْراهُ أقرُّ وأَفرحُ وبالرِّتبةِ العُليَا الأَسيلةِ دُونهَا (1) * مَراتبُ أربابِ المواهِبِ تَلْمَحُ وفي جنَّة الفِردوسِ أو داخلٍ * لهُ سائرُ الأبوابِ بالخَارِ تُفْتَحُ (2) وَهَذَا آخِرُ مَا يسَّر اللَّهُ جَمْعَهُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ إِلَى زَمَانِنَا ممَّا يَدْخُلُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَاللَّهُ الْهَادِي، وَإِذَا فَرَغْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ إِيرَادِ الْحَادِثَاتِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى
زَمَانِنَا، نُتْبِعُ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ الْوَاقِعَةِ فِي آخِرِ الزَّمان ثمَّ نَسُوقُ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْرَاطَ السَّاعة ثمَّ نَذْكُرُ الْبَعْثَ والنُّشور، ثمَّ مَا يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأَهْوَالِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَنَذْكُرُ الْحَوْضَ وَالْمِيزَانَ والصِّراط ثمَّ نذكر صفة النَّار ثمَّ صفة الجنَّة.
كِتَابُ تَارِيخِ الْإِسْلَامِ الأوَّل مِنَ الْحَوَادِثِ الْوَاقِعَةِ في الزَّمان، ووفيَّات المشاهير والأعيان سنة إحدى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ تقدَّم مَا كَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وذلك لثاني عَشَرَ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ في ذلك بما فيه كفاية وبالله التَّوفيق.

خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وما فيها من الحوادث
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَذَلِكَ ضُحًى فاشتغل النَّاس ببيعة أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ثمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْبَيْعَةُ الْعَامَّةُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَصَبِيحَةَ الثُّلاثاء كَمَا تقدَّم ذَلِكَ بِطُولِهِ ثمَّ أَخَذُوا فِي غَسْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَتَكْفِينِهِ والصَّلاة عَلَيْهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم تَسْلِيمًا بَقِيَّةَ يَوْمِ الثُّلاثاء وَدَفَنُوهُ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُبَرْهَنًا فِي مَوْضِعِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ فِي السَّقِيفَةِ وَكَانَ الغد جلس أبو بكر فَقَامَ عُمَرُ فتكلَّم قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهِ وأثنى عليه لما هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي قَدْ قُلْتُ لَكُمْ بِالْأَمْسِ مَقَالَةً مَا كَانَتْ وما وَجَدْتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا كَانَتْ عَهْدًا عَهِدَهُ إليَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكنِّي قَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم سيدبِّر أَمْرَنَا، يَقُولُ: يَكُونُ آخِرَنَا، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْقَى فيكم الَّذِي بِهِ هَدَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ هَدَاكُمُ اللَّهُ لما كان هداه اللَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ أَمْرَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، فَقُومُوا فبايعوه، فبايع النَّاس أبا بكر بعد بيعة
__________
(1) الاسيلة: الناعمة الرقيقة.
(2) الخار: الغلبة الخيرة.
(*)
(6/332)

السَّقِيفَةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي، الصِّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، والضَّعيف فيكم عندي حتى أرجِّع (1) عَلَيْهِ حقَّه إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْقَوِيُّ فِيكُمْ ضعيف [عندي] (2) حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا يَدْعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلا خذلهم اللَّهُ بالذُّل، وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ إِلَّا عمَّهم اللَّهُ بِالْبَلَاءِ، أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ * وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَقَدِ اتَّفق الصَّحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى بَيْعَةِ الصِّديق فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، حَتَّى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ والزُّبير بْنَ الْعَوَّامِ رضي الله عنهما، والدَّليل عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ حَيْثُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَا: ثنا بندار بن يسار، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا داود بن أبي هند، ثنا أبو نصرة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَاجْتَمَعَ النَّاس فِي دَارِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ قَالَ: فَقَامَ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أتعلمون أنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَنَحْنُ أَنْصَارُ خَلِيفَتِهِ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَهُ، قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: صَدَقَ قَائِلُكُمْ ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم فأخد بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايِعُوهُ، فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والأنصار، وقال: فَصَعِدَ أَبُو بَكْرٍ الْمِنْبَرَ فَنَظَرَ فِي وُجُوهِ القوم فلم ير الزبير، قال: فدعا الزُّبير فَجَاءَ قَالَ: قُلْتُ: ابْنُ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ فَبَايَعَهُ، ثُمَّ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ علياً، فدعا بعلي بن أبي طالب قال: قُلْتُ: ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنُهُ عَلَى ابْنَتِهِ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ فَبَايَعَهُ، هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يُسَاوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوَى بَدَنَةً، بَلْ هَذَا يَسْوَى بَدْرَةً * وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الثِّقة عَنْ وُهَيْبٍ مُخْتَصَرًا، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ
طَرِيقِ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ وُهَيْبٍ مُطَوَّلًا كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ * وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْمَحَامِلِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ علي بن عاصم، عن الحريري عن أبي نصرة، عن أبي سعيد فذكره مِثْلَهُ فِي مُبَايَعَةِ عَلَيٍّ والزُّبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَوْمَئِذٍ * وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ عَنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ مَعَ عُمَرَ وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَاعْتَذَرَ إِلَى النَّاس وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً، وَلَا سَأَلْتُهَا اللَّهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مَقَالَتَهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ والزبير ما تأخرنا إلا
__________
(1) في ابن هشام: حتى أريح.
(2) من سيرة ابن هشام.
(*)
(6/333)

لأنَّنا أُخرنا عَنِ الْمَشُورَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا.
إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَإِنَّا لَنَعَرِفُ شَرَفَهُ وَخَيْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بالصَّلاة بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ، وَهَذَا اللَّائِقُ بعلي رضي الله عنه والذي يدل عَلَيْهِ الْآثَارُ مِنْ شُهُودِهِ مَعَهُ الصَّلوات، وَخُرُوجِهِ مَعَهُ إِلَى ذِي القصَّة بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا سَنُورِدُهُ، وَبَذْلِهِ لَهُ النَّصيحة وَالْمَشُورَةَ، بَيْنَ يَدَيْهِ، وأمَّا مَا يَأْتِي مِنْ مُبَايَعَتِهِ إيَّاه بَعْدَ مَوْتِ فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها عليه السلام بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا بَيْعَةٌ ثَانِيَةٌ أَزَالَتْ مَا كَانَ قَدْ وَقَعَ مِنْ وَحْشَةٍ بِسَبَبِ الْكَلَامِ فِي الْمِيرَاثِ وَمَنْعِهِ إيَّاهم ذَلِكَ بالنَّص عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكَنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيرَادُ أَسَانِيدِهِ وَأَلْفَاظِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ * وَقَدْ كَتَبْنَا هَذِهِ الطُّرُقَ مُسْتَقْصَاةً فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَفْرَدْنَاهُ فِي سِيرَةِ الصِّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا أَسْنَدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَمَا رُوي عَنْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ مبوَّبة عَلَى أَبْوَابِ الْعِلْمِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ نَادَى مُنَادِي أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْغَدِ مِنْ متوفَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليتمَّم بَعْثُ أُسَامَةَ: أَلَا لَا يَبْقَيَنَّ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ من جيش أُسَامَةَ إِلَّا خَرَجَ إِلَى عَسْكَرِهِ بِالْجُرْفِ، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّاس فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أيُّها النَّاس إنَّما أَنَا مِثْلُكُمْ وإنِّي لعلَّكم تكلِّفونني مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيقُ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى محمَّداً
عَلَى الْعَالَمِينَ، وَعَصَمَهُ مِنَ الْآفَاتِ، وإنَّما أَنَا متَّبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فبايعوني، وَإِنْ زِغْتُ فقوِّموني، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قُبِضَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأمَّة يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ ضَرْبَةِ سَوْطٍ فَمَا دُونَهَا، وإنَّ لِي شَيْطَانًا يَعْتَرِينِي فَإِذَا أَتَانِي فاجتذوني لَا أُؤَثِّرُ فِي أَشْعَارِكُمْ وَأَبْشَارِكُمْ، وإنَّكم تَغْدُونَ وَتَرُوحُونَ فِي أَجَلٍ قَدْ غُيِّب عَنْكُمْ عِلْمُهُ، وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا يَمْضِيَ إِلَّا وَأَنْتُمْ فِي عَمَلٍ صَالِحٍ فَافْعَلُوا، وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَسَابِقُوا فِي مَهْلِ آجَالِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تسلِّمكم آجَالُكُمْ إِلَى انْقِطَاعِ الْأَعْمَالِ، فإنَّ قوماً نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم بعدهم، فإيَّاكم أن تكونوا أمثالهم، الجدَّ الجدَّ، النَّجاة النَّجاة، الْوَحَا الْوَحَا فإنَّ وَرَاءَكُمْ طَالِبًا حَثِيثًا، وَأَجَلًا أمره سَرِيعٌ، احْذَرُوا الْمَوْتَ، وَاعْتَبِرُوا بِالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَانِ، ولا تطيعوا الأحياء إلا بما تطيعوا بِهِ الْأَمْوَاتَ، قَالَ: وَقَامَ أَيْضًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الله لَا يَقْبَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا أُرِيدَ به وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم، فإنَّما أخلصتم لِحِينِ فَقْرِكُمْ وَحَاجَتِكُمْ، اعْتَبَرُوا عِبَادَ اللَّهِ بِمَنْ مَاتَ مِنْكُمْ، وتفكَّروا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَيْنَ كَانُوا أَمْسِ، وَأَيْنَ هُمُ الْيَوْمَ، أَيْنَ الجبَّارون الَّذِينَ كَانَ لَهُمْ ذِكْرُ الْقِتَالِ وَالْغَلَبَةِ فِي مَوَاطِنِ الْحُرُوبِ، قَدْ تَضَعْضَعَ بِهِمُ الدَّهر، وَصَارُوا رميماً، قد تولَّت عليهم العالات، الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثَيْنِ، وَالْخِبِّيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ، وَأَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ أَثَارُوا الْأَرْضَ وعمَّروها؟ قَدْ بَعُدُوا وَنُسِيَ ذِكْرُهُمْ، وصاروا كلا شئ، أَلَا إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَبْقَى عَلَيْهِمُ التَّبعات، وَقَطَعَ عَنْهُمُ الشَّهوات، وَمَضَوْا وَالْأَعْمَالُ أعمالهم، والدُّنيا دنيا غيرهم، وبعثنا خَلَفًا بَعْدَهُمْ، فَإِنْ نَحْنُ اعْتَبَرْنَا بِهِمْ نَجَوْنَا، وإن انحدرنا كنَّا مثلهم، أين الوضاءة الْحَسَنَةُ وُجُوهُهُمْ، الْمُعْجَبُونَ بِشَبَابِهِمْ؟ صَارُوا تُرَابًا، وَصَارَ مَا فرَّطوا فِيهِ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، أَيْنَ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وحصَّنوها بِالْحَوَائِطِ، وَجَعَلُوا فِيهَا الْأَعَاجِيبَ؟ قَدْ تَرَكُوهَا لِمَنْ خَلْفَهُمْ، فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ خَاوِيَةً وَهُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْقُبُورِ،
(6/334)

هَلْ [تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً] ؟ أَيْنَ مَنْ تَعْرِفُونَ مِنْ آبَائِكُمْ وَإِخْوَانِكُمْ، قَدِ انْتَهَتْ بِهِمْ آجَالُهُمْ، فَوَرَدُوا عَلَى مَا قدَّموا فحلُّوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا للشَّقوة أَوِ السَّعادة بَعْدَ الْمَوْتِ، أَلَا إِنَّ اللَّهَ لَا شَرِيكَ لَهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ سَبَبٌ يُعْطِيهِ بِهِ خَيْرًا، وَلَا يَصْرِفُ بِهِ عَنْهُ سُوءًا، إِلَّا
بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ، وَاعْلَمُوا أنَّكم عَبِيدٌ مَدِينُونَ، وأنَّ مَا عِنْدَهُ لَا يدرك إلا بطاعته أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النَّار ولا تبعد عنه الجنَّة؟.
فصل في تنفيذ جَيْشَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِالْمَسِيرِ إِلَى تُخُومِ الْبَلْقَاءِ مِنَ الشَّام، حَيْثُ قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرٌ وَابْنُ رَوَاحَةَ: فيغتزوا عَلَى تِلْكَ الْأَرَاضِي، فَخَرَجُوا إِلَى الجُّرف فخيَّموا به، وكان بينهم عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَيُقَالُ: وَأَبُو بَكْرٍ الصِّديق فاستثناه رسول الله مِنْهُمْ للصَّلاة، فلمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَقَامُوا هُنَالِكَ، فلمَّا مَاتَ عَظُمَ الْخُطَبُ واشتدَّ الْحَالُ وَنَجَمَ النِّفاق بِالْمَدِينَةِ، وارتدَّ مَنِ ارتدَّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَامْتَنَعَ آخَرُونَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكاة إِلَى الصِّديق، ولم يبق للجمعة مقام فِي بَلَدٍ سِوَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ جُوَاثَا مِنَ الْبَحْرَيْنِ أوَّل قَرْيَةٍ أَقَامَتِ الْجُمُعَةَ بَعْدَ رُجُوعِ النَّاس إِلَى الحقِّ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ كَانَتْ ثَقِيفٌ بالطَّائف ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، لَمْ يفرُّوا وَلَا ارتدُّوا، وَالْمَقْصُودُ أنَّه لَمَّا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ أَشَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاس عَلَى الصِّديق أَنْ لَا يُنْفِذَ جَيْشَ أُسَامَةَ لِاحْتِيَاجِهِ إليه فيما هو أهمّ، لأنَّ ما جهِّز بِسَبَبِهِ فِي حَالِ السَّلامة، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَشَارَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَامْتَنَعَ الصِّديق مِنْ ذَلِكَ، وَأَبَى أشدَّ الْإِبَاءِ، إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ جَيْشَ أُسَامَةَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ أنَّ الطَّير تخطَّفنا، والسَّباع مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ وَلَوْ أنَّ الْكِلَابَ جَرَّتْ بِأَرْجُلِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لأجهزنَّ جَيْشَ أُسَامَةَ وَأَمَرَ الْحَرَسَ يَكُونُونَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ فَكَانَ خُرُوجُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ أَكْبَرِ الْمَصَالِحِ وَالْحَالَةُ تِلْكَ، فَسَارُوا لَا يمرُّون بحيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلَّا أُرْعِبُوا مِنْهُمْ، وَقَالُوا: مَا خَرَجَ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْمٍ إِلَّا وَبِهِمْ مَنَعَةٌ شَدِيدَةٌ، فقاموا أربعين يوماً ويقال سبعين يوماً، ثمَّ أتوا سَالِمِينَ غَانِمِينَ، ثمَّ رَجَعُوا فجهَّزهم حِينَئِذٍ مَعَ الأحياء الذين أخرجهم لقتال المرتدَّة، وما نعي الزَّكاة عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ وَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي افْتَرَقُوا فِيهِ، قَالَ، لِيَتِمَّ بَعْثُ أُسَامَةَ وَقَدِ ارتدَّت الْعَرَبُ إمَّا عامَّة وإمَّا خاصَّة، فِي كُلِّ
قَبِيلَةٍ، وَنَجَمَ النِّفاق واشرأبَّت الْيَهُودِيَّةُ والنَّصرانية، وَالْمُسْلِمُونَ كَالْغَنَمِ الْمَطِيرَةِ فِي اللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ، لِفَقْدِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وقلَّتهم وَكَثْرَةِ عدوِّهم، فَقَالَ لَهُ النَّاس: إنَّ هَؤُلَاءِ جلَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْعَرَبُ عَلَى ما ترى قد انتقصت بِكَ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تفرِّق عَنْكَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي بَكْرٍ بِيَدِهِ لَوْ ظَنَنْتُ أنَّ السِّباع تخطَّفني لَأَنْفَذْتُ بَعْثَ أُسَامَةَ كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ في
(6/335)

الْقُرَى غَيْرِي لَأَنْفَذْتُهُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ، لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارتدت العرب قاطبة (1) وأشرأبَّت النِّفاق، والله لقد نزل بي مَا لَوْ نَزَلَ بالجِّبال الرَّاسيات لَهَاضَهَا، وَصَارَ أصحاب محمَّد صلَّى الله عليه سلم كأنَّهم معزى مطيَّرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة، فو الله مَا اخْتَلَفُوا فِي نُقْطَةٍ إِلَّا طَارَ أَبِي بخطلها وعنانها وفصلها، ثمَّ ذَكَرَتْ عُمَرَ فَقَالَتْ: مَنْ رَأَى عُمَرَ عَلِمَ أنَّه خُلِقَ غِنًى لِلْإِسْلَامِ، كَانَ وَاللَّهِ أحوذيا نَسِيجَ وَحْدِهِ قَدْ أعدَّ لِلْأُمُورِ أَقْرَانَهَا * وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنَّا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَيْمُونِيُّ، ثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، ثَنَا عبَّاد بْنُ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَوْلَا أنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتُخْلِفَ مَا عُبِدَ اللَّهُ، ثمَّ قَالَ الثَّانية، ثمَّ قَالَ الثَّالثة، فَقِيلَ لَهُ: مَهْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وجَّه أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فِي سَبْعِمِائَةٍ إِلَى الشَّام، فلمَّا نَزَلَ بِذِي خَشَبٍ قُبض رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وارتدَّت الْعَرَبُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا بَكْرٍ ردَّ هَؤُلَاءِ، توجَّه هَؤُلَاءِ إِلَى الرُّومِ وَقَدِ ارتدَّت الْعَرَبُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَوْ جَرَّتِ الْكِلَابُ بِأَرْجُلِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَا رددت جيشاً وجَّهه رَسُولِ اللَّهِ، وَلَا حللت لواء عقده رسول الله.
فوجَّه أُسَامَةَ، فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِقَبِيلٍ يُرِيدُونَ الِارْتِدَادَ إِلَّا قَالُوا: لَوْلَا أنَّ لِهَؤُلَاءِ قُوَّةً مَا خَرَجَ مِثْلُ هَؤُلَاءِ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَلَكِنْ نَدَعُهُمْ حَتَّى يَلْقَوُا الرُّوم، فَلَقُوا الرُّوم فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ، وَرَجَعُوا سَالِمِينَ، فَثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ - عبَّاد بن كثير هذا أظنه البرمكي - لِرِوَايَةِ الْفِرْيَابِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ مُتَقَارِبُ الْحَدِيثِ، فأمَّا الْبَصْرِيُّ الثَّقفيّ فَمَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَرَوَى سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ
وَأَبِي عَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أنَّ أَبَا بَكْرٍ لمَّا صمَّم عَلَى تَجْهِيزِ جَيْشِ أُسَامَةَ قَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ لِعُمَرَ: قُلْ لَهُ فليؤمِّر عَلَيْنَا غَيْرَ أُسَامَةَ، فَذَكَرَ لَهُ عُمَرُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ: أنَّه أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أمَّك يا ابن الخطَّاب، أؤمِّر غَيْرَ أَمِيرِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم؟ ثمَّ نَهَضَ بِنَفْسِهِ إِلَى الجُّرف فَاسْتَعْرَضَ جَيْشَ أُسَامَةَ وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ، وَسَارَ مَعَهُمْ مَاشِيًا، وَأُسَامَةُ رَاكِبًا، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُودُ بِرَاحِلَةِ الصِّديق، فَقَالَ أُسَامَةُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وإمَّا أَنْ أَنْزِلَ، فَقَالَ: وَاللَّهَ لَسْتَ بِنَازِلٍ وَلَسْتُ بِرَاكِبٍ، ثمَّ اسْتَطْلَقَ الصِّدِّيقُ مِنْ أُسَامَةَ عُمَرَ بْنَ الخطَّاب - وَكَانَ مُكْتَتَبًا فِي جَيْشِهِ - فَأَطْلَقَهُ لَهُ، فَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ لَا يَلْقَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا قال: السَّلام عليك أيها الامير.
__________
(1) قاطبة: هنا للمبالغة في أعداد القبائل والناس الذين ارتدوا عن الإسلام وأعلنوا نفاقهم، وليس المقصود بها الكل، لان العرب لم ترتد قاطبة إلا إذا كان المقصود الاعراب والبدو.
قال في مآثر الاناقة: وكانت قبائل العرب خلا قريش وثقيف قد ارتدت عن الاسلام ... وفي أيام أبي بكر تبع مسيلمة الكذاب خلق كثير، (1 / 84) .
وفي مروج الذهب: ارتدت العرب إلا أهل المسجدين، ومن بينهما وأناسا من العرب.
(*)
(6/336)

مقتل الأسود العنسي، المتنبِّي الكذَّاب
قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حدَّثني عَمْرُو بن شبة (1) النُّمَيْرِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ محمَّد - يَعْنِي الْمَدَائِنِيَّ - عن أبي معشر ويزيد بن عياض عن جعد به، وغسَّان بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَجُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ مَشْيَخَتِهِمْ قَالُوا: أَمْضَى أَبُو بَكْرٍ جَيْشَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي آخِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأَتَى مَقْتَلُ الْأَسْوَدِ فِي آخِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَعْدَ مَخْرِجِ أُسَامَةَ، فَكَانَ ذَلِكَ أوَّل فَتْحٍ فتح أبو بَكْرٍ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ.
صِفَةُ خُرُوجِهِ وَتَمْلِيكِهِ وَمَقْتَلِهِ
قَدْ أَسْلَفْنَا فِيمَا تقدَّم أنَّ الْيَمَنَ كَانَتْ لِحِمْيَرَ، وَكَانَتْ مُلُوكُهُمْ يسمُّون التَّبَابِعَةَ، وتكلَّمنا فِي أيَّام الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى طَرَفٍ صَالِحٍ مِنْ هَذَا، ثمَّ إنَّ مَلِكَ الْحَبَشَةِ بَعَثَ أَمِيرَيْنِ مِنْ قُوَّادِهِ، وَهُمَا أَبَرْهَةُ
الْأَشْرَمُ، وَأَرْيَاطُ، فتملَّكا لَهُ الْيَمَنَ مِنْ حِمْيَرَ، وَصَارَ مُلْكُهَا لِلْحَبَشَةِ، ثمَّ اخْتَلَفَ هَذَانَ الْأَمِيرَانِ، فَقُتِلَ أَرْيَاطُ واستقلَّ أَبَرْهَةُ بالنِّيابة، وبنى كنيسة سماها العانس (2) ، لارتفاعها، وأورد أَنْ يَصْرِفَ حجَّ الْعَرَبِ إِلَيْهَا دُونَ الْكَعْبَةِ، فَجَاءَ بَعْضُ قُرَيْشٍ فَأَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْكَنِيسَةِ، فلمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ حَلَفَ ليخربنَّ بَيْتَ مَكَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ الجُّنود وَالْفِيلُ مَحْمُودٌ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا قصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ * وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ، فَرَجَعَ أَبَرْهَةُ بِبَعْضِ مَنْ بَقِيَ مِنْ جَيْشِهِ فِي أَسْوَأِ حَالٍ وشرِّ خَيْبَةٍ، وَمَا زَالَ تَسْقُطُ أَعْضَاؤُهُ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً، فلمَّا وَصَلَ إِلَى صَنْعَاءَ انْصَدَعَ صَدْرُهُ فَمَاتَ، فَقَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ بلسيوم (3) بْنُ أَبْرَهَةَ ثمَّ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبَرْهَةَ، فَيُقَالُ: إنَّه اسْتَمَرَّ مُلْكُ الْيَمَنِ بِأَيْدِي الْحَبَشَةِ سَبْعِينَ سَنَةً، (4) ثمَّ ثَارَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيُّ، فَذَهَبَ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّوم يَسْتَنْصِرُهُ عَلَيْهِمْ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ - لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الِاجْتِمَاعِ فِي دِينِ النَّصرانية - فَسَارَ إِلَى كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ فَاسْتَغَاثَ بِهِ، وَلَهُ مَعَهُ مَوَاقِفُ وَمَقَامَاتٌ فِي الْكَلَامِ تقدَّم بَسْطُ بَعْضِهَا، ثمَّ اتَّفق الْحَالُ عَلَى أَنْ بَعَثَ مَعَهُ مِمَّنْ بالسُّجون طَائِفَةً تقدَّمهم رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: وَهْرِزُ، فَاسْتَنْقَذَ مُلْكَ الْيَمَنِ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَكَسَرَ مَسْرُوقَ بْنَ أَبَرْهَةَ وَقَتَلَهُ، وَدَخَلُوا إِلَى صَنْعَاءَ وَقَرَّرُوا سَيْفَ بْنَ ذِي يَزَنَ فِي الْمُلْكِ عَلَى عَادَةِ آبَائِهِ، وَجَاءَتِ الْعَرَبُ تهنِّئه مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، غَيْرَ أَنَّ لِكِسْرَى نوابا عن البلاد، فاستمر الحال في ذَلِكَ حَتَّى بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ: ثمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فلمَّا كَتَبَ كُتُبَهُ إِلَى الْآفَاقِ يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، فكتب من جملة ذلك إلى كسرى ملك الفرس:
__________
(1) من الطبري، وفي الاصل شيبة.
(2) في ابن هشام القليس بضم القاف وتشديد اللام المفتوحة، ومنها القلانس لانها في أعلى الرؤوس.
(3) في الطبري وابن هشام: يكسوم.
(4) في ابن هشام والمسعودي: اثنين وسبعين سنة.
(*)
(6/337)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ الْفُرْسِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبع
الْهُدَى، أمَّا بَعْدُ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، إِلَى آخِرِهِ، فلمَّا جَاءَهُ الْكِتَابُ قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا كِتَابٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ يَزْعُمُ أنَّه نَبِيٌّ، فلمَّا فَتَحَ الْكِتَابَ فَوَجَدَهُ قَدْ بَدَأَ بِاسْمِهِ قَبْلَ اسم كسرى، غضب كسرى غَضَبًا شَدِيدًا، وَأَخَذَ الْكِتَابَ فمزَّقه قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَهُ، وَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى الْيَمَنِ - وَكَانَ اسْمُهُ بَاذَامَ (1) - أمَّا بَعْدُ فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَابْعَثْ مِنْ قِبَلِكَ أَمِيرَيْنِ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، الَّذِي يَزْعُمُ أنَّه نَبِيٌّ، فَابْعَثْهُ إِلَيَّ فِي جَامِعَةٍ، فلمَّا جَاءَ الْكِتَابُ إِلَى بَاذَامَ، بَعَثَ مِنْ عِنْدِهِ أَمِيرَيْنِ عاقلين، وقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فانضرا مَا هُوَ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَخُذَاهُ فِي جَامِعَةٍ حتَّى تَذْهَبَا بِهِ إِلَى كِسْرَى، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَارْجِعَا إليَّ فَأَخْبِرَانِي مَا هُوَ، حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ، فَقَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الْمَدِينَةِ، فَوَجَدَاهُ عَلَى أسدِّ الْأَحْوَالِ وَأَرْشَدِهَا، وَرَأَيَا مِنْهُ أُمُورًا عَجِيبَةً، يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَمَكَثَا عِنْدَهُ شهراً حتَّى بلغا مَا جَاءَا لَهُ، ثمَّ تَقَاضَاهُ الْجَوَابَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمَا: ارْجِعَا إِلَى صَاحِبِكُمَا فَأَخْبِرَاهُ أَنَّ رَبِّي قَدْ قَتَلَ اللَّيلة رَبَّهُ، فأرَّخا ذَلِكَ عِنْدَهُمَا ثمَّ رَجَعَا سَرِيعًا إِلَى الْيَمَنِ فَأَخْبَرَا بَاذَامَ بِمَا قَالَ لَهُمَا فَقَالَ: أَحْصُوا تِلْكَ اللَّيلة، فَإِنْ ظَهَرَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ فَهُوَ نَبِيٌّ، فَجَاءَتِ الْكُتُبُ مِنْ عِنْدِ مَلِكِهِمْ أنَّه قَدْ قُتِلَ كِسْرَى فِي لَيْلَةِ كَذَا وَكَذَا، لِتِلْكَ اللَّيلة، وَكَانَ قَدْ قَتَلَهُ بَنُوهُ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّعراء: وكسرَى إذْ تَقَاسمَهُ بَنوهُ * بأَسيافٍ كَمَا اقتسَمَ اللَّحامُ تمَخَّضتْ المَنونُ لهُ بيومٍ * أَنَى ولكلِّ حاملةٍ تمامُ وَقَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ يَزْدَجِرْدُ وَكَتَبَ إِلَى بَاذَامَ أن خذ لي البيعة من قبلك، واعمد إلى ذلك الرَّجل فلا تهنه وأكرمه، فدخل الاسلام قلب باذام وذريَّته مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ ممَّن بِالْيَمَنِ، وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِإِسْلَامِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بِنِيَابَةِ الْيَمَنِ بِكَمَالِهَا، فَلَمْ يَعْزِلْهُ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، فلمَّا مَاتَ اسْتَنَابَ ابْنَهُ شَهْرَ بن باذام على صنعاء وبعض مخاليف، وَبَعَثَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ نُوَّابًا عَلَى مَخَالِيفَ أُخَرَ فَبَعَثَ أَوَّلًا فِي سَنَةِ عَشْرٍ، عَلِيًّا وَخَالِدًا، ثمَّ أَرْسَلَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وفرَّق عِمَالَةَ الْيَمَنِ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمِنْهُمْ شَهْرُ بْنُ بَاذَامَ، وَعَامِرُ بْنُ شَهْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، عَلَى هَمْدَانَ، وَأَبُو مُوسَى عَلَى مَأْرِبَ، وخالد بن سعيد بن العاص على عامر نجران
ورفع وَزَبِيدٍ، وَيَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى الْجَنَدِ، وَالطَّاهِرُ بْنُ أَبِي هَالَةَ عَلَى عَكٍّ وَالْأَشْعَرِيِّينَ، وَعَمْرُو بن حرام (2) عَلَى نَجْرَانَ، وَعَلَى بِلَادِ حَضْرَمَوْتَ زِيَادُ بْنُ لبيد، وعلى السكاسك عكاشة بن مور (3) بن أخضر، وعلى السكون مُعَاوِيَةَ بْنِ كِنْدَةَ، وَبَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ معلماً لأهل البلدين - اليمن
__________
(1) في ابن هشام وكامل ابن الاثير: باذان، وفي الطبري فكالاصل.
(2) في الطبري والكامل لابن الاثير: عمرو بن حزم.
(3) في الطبري: عكاشة بن ثور بن أصغر الغوثي.
(*)
(6/338)

وَحَضْرَمَوْتَ - يتنقَّل مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، ذَكَرَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، وَذَلِكَ كلَّه فِي سَنَةِ عشر، آخِرِ حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَجَمَ هذا العين الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ.
خُرُوجُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ
وَاسْمُهُ عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ غَوْثٍ (1) - مِنْ بَلَدٍ يُقَالُ لها: كهف حنان - فِي سَبْعِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، وَكَتَبَ إِلَى عمَّال النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: أيُّها المتمرِّدون عَلَيْنَا، أَمْسِكُوا عَلَيْنَا مَا أَخَذْتُمْ مِنْ أَرْضِنَا، ووفِّروا مَا جَمَعْتُمْ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِهِ، وَأَنْتُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، ثمَّ رَكِبَ فتوجَّه إِلَى نَجْرَانَ فَأَخَذَهَا بَعْدَ عَشْرِ لَيَالٍ مِنْ مَخْرَجِهِ ثُمَّ قَصَدَ إِلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ شَهْرُ بْنُ بَاذَامَ فَتَقَاتَلَا، فَغَلَبَهُ الْأَسْوَدُ وَقَتَلَهُ، وَكَسَرَ جَيْشَهَ مِنَ الْأَبْنَاءِ واحتلَّ بَلْدَةَ صَنْعَاءَ لِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً مِنْ مَخْرَجِهِ، ففرَّ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنْ هُنَالِكَ وَاجْتَازَ بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَذَهَبَا إِلَى حَضْرَمَوْتَ وَانْحَازَ عمَّال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّاهر، ورجع عمر بن حرام وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَوْثَقَتِ الْيَمَنُ بِكَمَالِهَا لِلْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، وَجَعَلَ أَمْرُهُ يَسْتَطِيرُ اسْتِطَارَةَ الشَّرارة، وَكَانَ جَيْشُهُ يَوْمَ لَقِيَ شَهْرًا سَبْعَمِائَةِ فَارِسٍ، وَأُمَرَاؤُهُ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يغوث ومعاوية بن قيس ويزيد بن محرم بن (2) حصن الْحَارِثِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ الْأَفْكَلِ الْأَزْدِيُّ، واشتدَّ مُلْكُهُ، وَاسْتَغْلَظَ أَمْرُهُ، وارتدَّ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَعَامَلَهُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ هُنَاكَ بالتِّقية، وَكَانَ خَلِيفَتُهُ على مذحج عمرو بن معدي كرب وَأَسْنَدَ أَمْرَ الْجُنْدِ إِلَى قَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَأَسْنَدَ أَمْرَ الْأَبْنَاءِ إِلَى فَيْرُوزَ الدَّيلمي وداذويه وتزوَّج بامرأة شَهْرِ بْنِ بَاذَامَ
وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ فَيْرُوزَ الدَّيلمي، واسمها زاذ (3) ، وَكَانَتِ امْرَأَةً حَسْنَاءَ جَمِيلَةً، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مُؤْمِنَةٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهُ محمَّد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنَ الصَّالحات، قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّميميّ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم كتابه، حين بلغه الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: وَبَرُ بْنُ يُحَنِّسَ الدَّيلمي: يَأْمُرُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُنَاكَ بِمُقَاتَلَةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَمُصَاوَلَتِهِ، وَقَامَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِهَذَا الْكِتَابِ أتمَّ الْقِيَامِ، وَكَانَ قَدْ تزوَّج امْرَأَةً مِنَ السَّكُونِ يُقَالُ لَهَا: رَمْلَةُ، فحزبت عليه السكون لصبره فِيهِمْ، وَقَامُوا مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وبلَّغوا هَذَا الْكِتَابَ إِلَى عمَّال النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّاس، واتَّفق اجْتِمَاعُهُمْ بِقَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ أَمِيرِ الْجُنْدِ - وكان قد غضب على الْأَسْوَدُ، واستخفَّ بِهِ، وهمَّ بِقَتْلِهِ - وَكَذَلِكَ كَانَ أَمْرُ فَيْرُوزَ الدَّيلميّ، قَدْ ضَعُفَ عِنْدَهُ أَيْضًا، وكذا داذويه، فلمَّا أعلم وبر بن يحنس قَيْسَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ، وَهُوَ قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ، كَانَ كأنَّما نَزَلُوا عَلَيْهِ مِنَ السَّماء، وَوَافَقَهُمْ عَلَى الْفَتْكِ بِالْأَسْوَدِ وَتَوَافَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَتَعَاقَدُوا عَلَيْهِ، فلمَّا أَيْقَنَ ذَلِكَ فِي الباطن اطلع شيطان الأسود للأسود على شئ من ذلك، فدعا قيس بن مكشوح، فقال له: يا قيس ما يقول
__________
(1) في الكامل لابن الاثير: عيهلة بن كعب بن عوف العنسي.
(2) في الطبري: ويزيد بن حصين الحارثي.
(3) في الطبري: آزاد.
(*)
(6/339)

هَذَا؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُ؟ قَالَ يَقُولُ: عَمَدْتَ إِلَى قَيْسٍ فَأَكْرَمْتَهُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ مِنْكَ كلَّ مَدْخَلٍ، وَصَارَ فِي العزِّ مِثْلَكَ، مَالَ مَيْلَ عدوِّك، وَحَاوَلَ مَلْكَكَ، وَأَضْمَرَ عَلَى الْغَدْرِ، إنَّه يَقُولُ يَا أَسْوَدُ يَا أَسْوَدُ يَا سوآه يا سوآه، فطف به وَخُذْ مِنْ قَيْسٍ أَعْلَاهُ وَإِلَّا سَلَبَكَ وَقَطَفَ قبتك (1) .
فقال له قَيْسٌ وَحَلَفَ لَهُ فكذَّب: وَذِي الْخِمَارِ (2) لَأَنْتَ أَعْظَمُ فِي نَفْسِي وَأَجَلُّ عِنْدِي مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ بِكَ نَفْسِي، فَقَالَ لَهُ الْأَسْوَدُ: مَا إِخَالُكَ تكذِّب الْمَلَكَ فَقَدْ صَدَقَ الْمَلَكُ وَعَرَفَ الآن أنَّك تائب عما أطلع عليك مِنْكَ، ثمَّ خَرَجَ قَيْسٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فجاء إلى أصحابه فيروز وداذويه، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ لَهُ وردَّ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: إنَّا كلَّنا عَلَى حَذَرٍ، فَمَا الرَّأي، فَبَيْنَمَا هُمْ يَشْتَوِرُونَ إِذْ جَاءَهُمْ رَسُولُهُ فَأَحْضَرَهُمْ
بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَلَمْ أشرِّفكم عَلَى قَوْمِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَمَاذَا يَبْلُغُنِي عَنْكُمْ، فَقَالُوا: أَقِلْنَا مرتنا هذه، فقال: لا يبلغني عنكم فأقيلكم، قَالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ نَكَدْ، وَهُوَ فِي ارْتِيَابٍ مِنْ أَمْرِنَا، وَنَحْنُ عَلَى خَطَرٍ، فبينما نحن على ذَلِكَ إِذْ جَاءَتْنَا كُتُبٌ مِنْ عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ، أَمِيرِ هَمْدَانَ، وَذِي ظُلَيْمٍ، وَذِي كَلَاعٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أُمَرَاءِ الْيَمَنِ، يَبْذُلُونَ لَنَا الطَّاعة والنَّصر، عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَسْوَدِ، وَذَلِكَ حِينَ جَاءَهُمْ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحثَّهم عَلَى مُصَاوَلَةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، فَكَتَبْنَا إِلَيْهِمْ أَنْ لَا يُحْدِثُوا شَيْئًا حتَّى نُبْرِمَ الْأَمْرَ، قَالَ قَيْسٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى امْرَأَتِهِ آزَاذَ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَةَ عمِّي قَدْ عَرَفْتِ بَلَاءَ هَذَا الرَّجل عِنْدَ قَوْمِكِ: قَتَلَ زَوْجَكِ، وَطَأْطَأَ فِي قَوْمِكِ الْقَتْلَ، وَفَضَحَ النِّساء، فَهَلْ عِنْدَكِ مُمَالَأَةٌ عليه؟ قالت: على أي أمر، قُلْتُ إِخْرَاجِهِ، قَالَتْ: أَوْ قَتْلِهِ، قُلْتُ: أَوْ قَتْلِهِ، قَالَتْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ مَا خَلْقَ اللَّهُ شَخْصًا هُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْهُ، فَمَا يَقُومُ لِلَّهِ عَلَى حَقٍّ وَلَا يَنْتَهِي لَهُ عَنْ حرمة، فإذا عزمتم أخبروني أعلمكم بِمَا فِي هَذَا الْأَمْرِ، قَالَ فَأَخْرُجُ فَإِذَا فيروز وداذويه، يَنْتَظِرَانِي يُرِيدُونَ أَنْ يُنَاهِضُوهُ، فَمَا استقرَّ اجْتِمَاعُهُ بِهِمَا حَتَّى بَعَثَ إِلَيْهِ الْأَسْوَدُ فَدَخَلَ فِي عشرة من قومه، فقال: أَلَمْ أُخْبِرْكَ بالحقِّ وَتُخْبِرْنِي بالكذَّابة؟ إنَّه يَقُولُ: يَا سَوْآهْ يَا سَوْآهْ، إِنْ لَمْ تَقْطَعْ مِنْ قَيْسٍ يَدَهُ يَقْطَعْ رَقَبَتَكَ الْعُلْيَا، حتَّى ظنَّ قَيْسٌ أنَّه قَاتِلُهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الحقِّ، أَنْ أَهْلِكَ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَتْلِي أحبُّ إليَّ مِنْ مَوْتَاتٍ أُمُوتُهَا كُلَّ يَوْمٍ، فرقَّ لَهُ وَأَمَرَهُ بِالِانْصِرَافِ، فَخَرَجَ إِلَى أصحابه فقال: اعْمَلُوا عَمَلَكُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ وُقُوفٌ بِالْبَابِ يَشْتَوِرُونَ، إِذْ خَرَجَ الْأَسْوَدُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ جَمَعَ لَهُ مِائَةً مَا بَيْنَ بَقَرَةٍ وَبَعِيرٍ، فَقَامَ وَخَطَّ خَطًّا وَأُقِيمَتْ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَامَ دُونَهَا، فَنَحَرَهَا، غير محبسة ولا معقلة، ما يقتحم الخط منها شئ، فَجَالَتْ إِلَى أَنْ زَهَقَتْ أَرْوَاحُهَا، قَالَ قَيْسٌ: فَمَا رَأَيْتُ أَمْرًا كَانَ أَفْظَعَ مِنْهُ، وَلَا يَوْمًا أَوْحَشَ مِنْهُ، ثمَّ قَالَ الْأَسْوَدُ: أحقٌ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ يَا فَيْرُوزُ؟ لَقَدْ هَمَمْتُ أن أنحرك فألحقك بهذه البهيمة، وأبدى لَهُ الْحَرْبَةَ، فَقَالَ لَهُ فَيْرُوزُ: اخْتَرْتَنَا لِصِهْرِكَ، وفضَّلتنا عَلَى الْأَبْنَاءِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا ما بعنا نصيبنا منك بشئ، فَكَيْفَ وَقَدِ اجْتَمَعَ لَنَا بِكَ أَمْرُ الْآخِرَةِ والدُّنيا؟ فَلَا تَقْبَلْ عَلَيْنَا أَمْثَالَ مَا يَبْلُغُكَ، فإنَّا بحيث تحبُّ، فرضي عنه وأمره
__________
(1) في الطبري: قنتك وفي الكامل لابن الاثير: رقبتك.
(2) ذو الخمار: الاسود العنسي لقب به لانه كان معتما متخمرا أبدا.
(*)
(6/340)

بِقَسْمِ لُحُومِ تِلْكَ الْأَنْعَامِ ففرَّقها فَيْرُوزُ فِي أَهْلِ صَنْعَاءَ، ثمَّ أَسْرَعَ اللِّحاق بِهِ، فَإِذَا رَجُلٌ يحرِّضه عَلَى فَيْرُوزَ وَيَسْعَى إِلَيْهِ فِيهِ، واستمع لَهُ فَيْرُوزُ، فَإِذَا الْأَسْوَدُ يَقُولُ: أَنَا قَاتِلُهُ غَدًا وَأَصْحَابِهِ، فَاغْدُ عليَّ بِهِ، ثمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا فَيْرُوزُ، فَقَالَ: مَهْ، فَأَخْبَرَهُ فَيْرُوزُ بِمَا صَنَعَ مِنْ قَسْمِ ذَلِكَ اللَّحم، فَدَخَلَ الْأَسْوَدُ دَارَهُ، وَرَجَعَ فَيْرُوزُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَعْلَمَهُمْ بِمَا سَمِعَ وَبِمَا قَالَ وَقِيلَ لَهُ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ على أن عاودوا الْمَرْأَةَ فِي أَمْرِهِ، فَدَخَلَ أَحَدُهُمْ - وَهُوَ فَيْرُوزُ - إِلَيْهَا فَقَالَتْ: إنَّه لَيْسَ مِنَ الدَّار بَيْتٌ إِلَّا وَالْحَرَسُ مُحِيطُونَ بِهِ، غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ، فإنَّ ظَهْرَهُ إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الطَّريق، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ فَانْقُبُوا عَلَيْهِ مِنْ دُونِ الحرس، وليس من دون قتله شئ، وَإِنِّي سَأَضَعُ فِي الْبَيْتِ سِرَاجًا وَسِلَاحًا، فلمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا تلقَّاه الْأَسْوَدُ فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْخَلَكَ عَلَى أَهْلِي؟ وَوَجَأَ رَأْسَهُ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ شَدِيدًا، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ فَأَدْهَشَتْهُ عَنْهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَتَلَهُ، وَقَالَتِ: ابْنُ عمِّي جَاءَنِي زَائِرًا، فَقَالَ: اسْكُتِي لَا أَبَا لَكَ، قَدْ وَهَبْتُهُ لَكِ، فَخَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: النَّجاء النَّجاء، وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَحَارُوا مَاذَا يَصْنَعُونَ؟ فَبَعَثَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْهِمْ تَقُولُ لَهُمْ: لَا تَنْثَنُوا عمَّا كُنْتُمْ عَازِمِينَ عَلَيْهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَيْرُوزُ الدَّيلميّ فَاسْتَثْبَتَ مِنْهَا الْخَبَرَ، وَدَخَلُوا إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ فَنَقَبُوا مِنْ دَاخِلِهِ بَطَائِنَ لِيَهُونَ عَلَيْهِمُ النَّقب مِنْ خَارِجٍ، ثمَّ جَلَسَ عِنْدَهَا جَهْرَةً كالزَّائر، فَدَخَلَ الْأَسْوَدُ فَقَالَ: وَمَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: إنَّه أَخِي مَنِ الرَّضاعة، وَهُوَ ابْنُ عمِّي، فَنَهَرَهُ وَأَخْرَجَهُ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ نَقَبُوا ذَلِكَ الْبَيْتَ فَدَخَلُوا فَوَجَدُوا فِيهِ سِرَاجًا تَحْتَ جَفْنَةٍ فتقدَّم إِلَيْهِ فَيْرُوزُ الدَّيلميّ وَالْأَسْوَدُ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشٍ مِنْ حَرِيرٍ، قَدْ غَرِقَ رَأْسُهُ فِي جَسَدِهِ، وَهُوَ سَكْرَانُ يَغُطُّ، وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةٌ عِنْدَهُ، فلمَّا قَامَ فَيْرُوزُ عَلَى الْبَابِ أَجْلَسَهُ شيطانه وتكلَّم على لسانه - وهو مع ذلك يغطّ - فقال: مالي ومالك يا فيروز؟ فخشي إن رجع يَهْلِكَ وَتَهْلِكَ الْمَرْأَةُ، فَعَاجَلَهُ وَخَالَطَهُ وَهُوَ مِثْلُ الجمل فأخذ رأسه فَدَقَّ عُنُقَهُ وَوَضَعَ رُكْبَتَيْهِ فِي ظَهْرِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، ثمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ إِلَى أَصْحَابِهِ لِيُخْبِرَهُمْ، فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِذَيْلِهِ وَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْ حرمتك.
فظنَّت أنَّها لم تقتله، فَقَالَ: أَخْرُجُ لِأُعْلِمَهُمْ بِقَتْلِهِ،
فَدَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَحْتَزُّوا رَأْسَهُ، فحرَّكه شَيْطَانُهُ فَاضْطَرَبَ، فَلَمْ يَضْبُطُوا أَمْرَهُ حَتَّى جَلَسَ اثْنَانِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِشِعْرِهِ، وَجَعَلَ يُبَرْبِرُ بِلِسَانِهِ فاحتزَّ الْآخَرُ رَقَبَتَهُ، فَخَارَ كأشدِّ خُوَارِ ثَوْرٍ سُمِعَ قَطُّ، فَابْتَدَرَ الْحَرَسُ إِلَى الْمَقْصُورَةِ، فَقَالُوا: مَا هَذَا مَا هَذَا؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: النَّبيّ يُوحَى إِلَيْهِ، فَرَجَعُوا، وَجَلَسَ قَيْسٌ وَدَاذَوَيْهِ وَفَيْرُوزُ يَأْتَمِرُونَ كَيْفَ يُعْلِمُونَ أَشْيَاعَهُمْ، فاتَّفقوا عَلَى أنَّه إِذَا كَانَ الصَّباح يُنَادُونَ بِشِعَارِهِمُ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فلمَّا كَانَ الصَّباح قَامَ أَحَدُهُمْ، وَهُوَ قَيْسٌ عَلَى سُورِ الْحِصْنِ فَنَادَى بِشِعَارِهِمْ، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْكَافِرُونَ حَوْلَ الْحِصْنِ، فَنَادَى قَيْسٌ وَيُقَالُ: وَبَرُ بْنُ يحنش، الأذان: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ، وأنَّ عَبْهَلَةَ كذَّاب، وَأَلْقَى إِلَيْهِمْ رَأْسَهُ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَتَبِعَهُمُ النَّاس يَأْخُذُونَهُمْ وَيَرْصُدُونَهُمْ فِي كُلِّ طَرِيقٍ يَأْسِرُونَهُمْ، وَظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَأَهْلُهُ، وَتَرَاجَعَ نوَّاب رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم إِلَى أعمالهم وتنارع أُولَئِكَ الثَّلاثة فِي الْإِمَارَةَ، ثمَّ اتَّفقوا عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ يصلِّي بالنَّاس، وَكَتَبُوا بِالْخَبَرِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى الْخَبَرِ مِنْ
(6/341)

لَيْلَتِهِ، كَمَا قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّميميّ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الشَّنويّ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زيد (1) عن ابن عمر: أتى الخبر إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مِنَ السَّماء اللَّيلة الَّتِي قُتِلَ فِيهَا الْعَنْسِيُّ ليبشِّرنا، فَقَالَ: قُتِلَ الْعَنْسِيُّ الْبَارِحَةَ قَتَلَهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مُبَارَكِينَ، قِيلَ: وَمَنْ؟ قَالَ: فَيْرُوزُ فيرروز، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مدَّة مُلْكِهِ مُنْذُ ظَهَرَ إِلَى أَنْ قُتل ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَيُقَالُ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنِ الْمُسْتَنِيرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنِ الضِّحَاكِ عَنْ فيروز: قال: قتلنا الأسود، وعاد أمرنا في صنعاء كَمَا كَانَ إِلَّا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَتَرَاضَيْنَا عَلَيْهِ، فَكَانَ يصلِّي بِنَا فِي صَنْعَاءَ، فَوَاللَّهِ مَا صلَّى بِنَا إِلَّا ثَلَاثَةَ أيَّام حَتَّى أَتَانَا الْخَبَرُ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْتَقَضَتِ الْأُمُورُ، وَأَنْكَرَنَا كَثِيرًا ممَّا كنَّا نَعْرِفُ، وَاضْطَرَبَتِ الْأَرْضُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ خَبَرَ الْعَنْسِيِّ جَاءَ إِلَى الصِّديق في أواخر ربيع الأول بعدما جهَّز جَيْشَ أُسَامَةَ، وَقِيلَ: بَلْ جَاءَتِ الْبِشَارَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ صَبِيحَةَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم والأوَّل أَشْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَالْمَقْصُودُ أنَّه لَمْ يَجِئْهُمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِهِمْ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ وَتَأْلِيفِ مَا بَيْنَهُمْ والتَّمسك بِدِينِ الْإِسْلَامِ إِلَّا الصِّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي إِرْسَالُهُ إِلَيْهِمْ مَنْ يمهِّد الْأُمُورَ الَّتِي اضْطَرَبَتْ فِي
بِلَادِهِمْ وَيُقَوِّي أَيْدِيَ الْمُسْلِمِينَ، ويثبِّت أَرْكَانَ دعائم الإسلام فيهم، رضي الله عنهم *
فَصْلٌ فِي تصدِّي الصِّديق لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَمَانِعِي الزَّكاة
قَدْ تقدَّم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا توفِّي ارتدَّت أَحْيَاءٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَنَجَمَ النِّفاق بِالْمَدِينَةِ وَانْحَازَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الكذَّاب بَنُو حَنِيفَةَ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ بِالْيَمَامَةِ، وَالْتَفَتَ عَلَى طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ بَنُو أسد وطئ، وَبَشَرٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، وادَّعى النُّبُّوة أَيْضًا كَمَا ادَّعاها مُسَيْلِمَةُ الكذَّاب، وَعَظُمَ الْخَطْبُ واشتدَّت الْحَالُ، وَنَفَّذَ الصِّدِّيقُ جَيْشَ أُسَامَةَ، فقلَّ الْجُنْدُ عِنْدَ الصِّديق، فَطَمِعَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فِي الْمَدِينَةِ وَرَامُوا أَنْ يَهْجُمُوا عَلَيْهَا، فَجَعَلَ الصِّديق عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ حُرَّاسًا يَبِيتُونَ بِالْجُيُوشِ حَوْلَهَا، فَمِنْ أُمَرَاءِ الْحَرَسِ عليٌّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وطلحة بن عبد اللَّهِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وقَّاص، وَعَبْدُ الرَّحمن بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَجَعَلَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ تَقْدَمُ الْمَدِينَةَ.
يقرُّون بالصَّلاة وَيَمْتَنِعُونَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكاة، وَمِنْهُمْ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا إِلَى الصِّديق، وَذَكَرَ أنَّ مِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: * (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) * [التوبة: 103] قَالُوا: فَلَسْنَا نَدْفَعُ زَكَاتَنَا إِلَّا إِلَى مَنْ صَلَاتُهُ سَكَنٌ لَنَا، وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ: أَطَعْنَا رَسولُ اللهِ إذْ كانَ بينَنَا * فَواعجَباً مَا بالُ مُلْكِ أَبي بَكْرِ وَقَدْ تكلَّم الصَّحابة مَعَ الصِّديق فِي أَنْ يَتْرُكَهُمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَنْعِ الزَّكاة ويتألَّفهم حتى
__________
(1) في الطبري: زياد.
(*)
(6/342)

يتمكَّن الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ: ثمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ يزكُّون، فَامْتَنَعَ الصِّديق مِنْ ذَلِكَ وَأَبَاهُ * وَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ سِوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: عَلَامَ تُقَاتِلُ النَّاس؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: أُمرت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا منِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي
عِنَاقًا، وَفِي رِوَايَةٍ: عِقَالًا كَانُوا يؤدُّونه إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لأقاتلنَّهم عَلَى مَنْعِهَا، إنَّ الزَّكاة حقَّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لأقاتلنَّ مَنْ فرَّق بَيْنَ الصَّلاة والزَّكاة، قَالَ عُمَرُ: فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنَّه الْحَقُّ (1) * قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى * (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) * [التوبة: 5] وثبت في الصَّحِيحَيْنِ: بُنِي الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامَ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ، وحجُّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ * وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ من طريقين عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ: ثَنَا عِيسَى بْنُ يَزِيدَ الْمَدِينِيُّ، حدَّثني صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، قَالَ: لَمَّا كَانَتِ الرِّدَّة قَامَ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّاس فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَى فَكَفَى، وَأَعْطَى فَأَغْنَى، إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله، وَالْعِلْمُ شَرِيدٌ وَالْإِسْلَامُ غَرِيبٌ طَرِيدٌ، قَدْ رثَّ حَبْلُهُ، وَخَلُقَ عَهْدُهُ، وضلَّ أَهْلُهُ مِنْهُ، وَمَقَتَ اللَّهُ أَهْلَ الْكِتَابِ فَلَا يُعْطِيهِمْ خَيْرًا لِخَيْرٍ عِنْدَهُمْ، وَلَا يَصْرِفُ عَنْهُمْ شَرًّا لشرِّ عِنْدَهُمْ، قَدْ غيَّروا كِتَابَهُمْ، وَأَلْحَقُوا فِيهِ مَا لَيْسَ منه، والعرب الآمنون يحسبون أنَّهم في منعة مِنَ اللَّهِ لَا يَعْبُدُونَهُ وَلَا يَدْعُونَهُ، فَأَجْهَدَهُمْ عيشاً، وأضلَّهم دنيا، فِي ظَلَفٍ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ مَا فِيهِ من السَّحاب فختمهم اللَّهُ بمحمَّد، وَجَعَلَهُمُ الأمَّة الْوُسْطَى، نَصَرَهُمْ بِمَنِ اتَّبعهم، وَنَصَرَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ نبيه صلى الله عليه وآله فَرَكِبَ مِنْهُمُ الشَّيطان مَرْكَبَهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمْ، وَبَغَى هَلَكَتَهُمْ * (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً ويسجزى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) * [آل عمران: 144] إنَّ مَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْعَرَبِ مَنَعُوا شَاتَهُمْ وَبَعِيرَهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا فِي دِينِهِمْ - وَإِنْ رَجَعُوا إِلَيْهِ - أَزْهَدَ مِنْهُمْ يَوْمَهُمْ هَذَا، وَلَمْ تَكُونُوا فِي دِينِكُمْ أَقْوَى مِنْكُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا، عَلَى مَا قَدْ تقدَّم من بركة نبيكم صلى الله عليه وآله، وَقَدْ وكَّلكم إِلَى الْمَوْلَى الْكَافِي، الَّذِي وَجَدَهُ ضَالًّا فَهَدَاهُ، وَعَائِلًا فَأَغْنَاهُ * (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ منها) * الآية [آل عمران: 103] ، وَاللَّهِ لَا أَدْعُ أَنْ أُقَاتِلَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يُنْجِزَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَيُوفِيَ لَنَا عَهْدَهُ، وَيُقْتَلَ مَنْ قُتِلَ منَّا شهيداً من أهل الجنة، وبقى من بقي منها خليفته وذريته فِي أَرْضِهِ، قَضَاءُ اللَّهِ الْحَقُّ، وَقَوْلُهُ الَّذِي لَا خُلْفَ لَهُ
* (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) * الآية (النور: 55] ، ثمَّ نزل * وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عن دينه
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده 1 / 11، 19، 35 - 2 / 377 - 4 / 8 ومسلم في الايمان ح (82 و 83) ص (1 / 52) والبخاري ح (1561) قال في الكنز: أخرجه الاربعة إلا ابن ماجه وابن حبان والبيهقي.
(*)
(6/343)

فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) * الآية، قَالُوا: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ، فِي قتالهم المرتدين، وما نعي الزكاة * وقال محمد بن إسحاق: ارتدَّت الْعَرَبُ عِنْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وآله.
مَا خَلَا أَهْلُ الْمَسْجِدَيْنِ، مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وارتدَّت أَسَدٌ وَغَطَفَانُ وَعَلَيْهِمْ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ الْكَاهِنُ، وارتدَّت كِنْدَةُ وَمَنْ يَلِيهَا، وَعَلَيْهِمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وارتدَّت مَذْحِجٌ وَمَنْ يَلِيهَا، وَعَلَيْهِمُ الْأَسْوَدُ بْنُ كَعْبٍ الْعَنْسِيُّ الْكَاهِنُ، وارتدَّت رَبِيعَةُ مَعَ الْمَعْرُورِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وكانت حَنِيفَةَ مُقِيمَةً عَلَى أَمْرِهَا مَعَ مُسَيْلِمَةَ بْنِ حبيب الكذَّاب * وارتدَّت سليم مع الفجأة، واسمه أنس بن عبد يا ليل، وارتدَّت بَنُو تَمِيمٍ مَعَ سَجَاحِ الْكَاهِنَةِ * وَقَالَ القاسم بن محمَّد: اجتمعت أسد وغطفان وطئ عَلَى طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ، وَبَعَثُوا وُفُودًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلُوا عَلَى وُجُوهِ النَّاس فَأَنْزَلُوهُمْ إِلَّا العبَّاس، فَحَمَلُوا بِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، عَلَى أَنْ يُقِيمُوا الصَّلاة وَلَا يُؤْتُوا الزَّكاة، فَعَزَمَ اللَّهُ لِأَبِي بَكْرٍ عَلَى الحقِّ وَقَالَ: لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا لَجَاهَدْتُهُمْ (1) ، فردَّهم فَرَجَعُوا إِلَى عَشَائِرِهِمْ، فَأَخْبَرُوهُمْ بقلَّة أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وطمَّعوهم فِيهَا، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ الْحَرَسَ عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ، وَأَلْزَمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِحُضُورِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ: إنَّ الْأَرْضَ كَافِرَةٌ، وَقَدْ رَأَى وَفْدُهُمْ مِنْكُمْ قلَّة، وإنَّكم لَا تدرون ليلاً يأتون أَمْ نَهَارًا، وَأَدْنَاهُمْ مِنْكُمْ عَلَى بَرِيدٍ، وَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ يُؤَمِّلُونَ أَنْ نَقْبَلَ مِنْهُمْ وَنُوَادِعَهُمْ وَقَدْ أَبَيْنَا عَلَيْهِمْ، فاستعدُّوا وأعدُّوا فَمَا لَبِثُوا إِلَّا ثَلَاثًا حَتَّى طَرَقُوا الْمَدِينَةَ غَارَةً، وخلَّفوا نِصْفَهُمْ بِذِي حُسًى (2) لِيَكُونُوا رِدْءًا لَهُمْ، وَأَرْسَلَ الْحَرَسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُخْبِرُونَهُ بِالْغَارَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ: أَنِ الْزَمُوا مَكَانَكُمْ.
وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ في أهل المسجد على النواضح إليهم، فانفشَّ الْعَدُوُّ واتَّبعهم الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِبِلِهِمْ، حَتَّى بَلَغُوا ذَا حُسًى فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الرِّدْءُ فَالْتَقَوْا مَعَ
الجمع فكان الفتح وقد قال: أطَعْنَا رَسولَ اللهِ مَا كانَ وَسْطَنَا (3) * فَيالعِبادِ اللهِ ما لأبي بكر أَيُورِثُنَا بَكْراً إذا مَاتَ بعْدَهُ * وَتِلْكَ لَعمرُ اللهِ قَاصِمَةُ الظَّهرِ فَهَلا رَدَدْتمْ وَفْدَنا بِزَمانِه؟ * وَهَلا خَشِيتُمْ حسَّ راعيةَ البِكْرِ؟ وإنَّ التي سألوكُمو فَمَنَعتمُو * لكالتَّمرِ أَوْ أَحْلَى إليَّ منَ التَّمْرِ وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ رَكِبَ الصِّديق فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأُمَرَاءَ الْأَنْقَابِ، إِلَى مَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَيْهَا، فلمَّا تَوَاجَهَ هُوَ وَأَعْدَاؤُهُ مِنْ بَنِي عَبْسٍ، وَبَنِي مرَّة، وَذُبْيَانَ، وَمَنْ نَاصَبَ مَعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وأمدَّهم طُلَيْحَةَ بِابْنِهِ حِبَالٍ، فلمَّا تَوَاجَهَ الْقَوْمُ كَانُوا قَدْ صَنَعُوا مَكِيدَةً وَهِيَ أنَّهم عَمَدُوا إِلَى أنحاء فنفخوها ثمَّ أرسلوها من رؤوس الجبال، فلمَّا رأتها إبل أصحاب
__________
(1) زاد الطبري: عليه وكان عقل الصدقة على أهل الصدقة مع الصدقة.
(2) ذو حسى: واد بأرض الشربة من ديار عبس وغطفان (معجم البلدان) .
(3) في الطبري: ما كانَ بينَنَا.
(*)
(6/344)

الصِّديق نَفَرَتْ وَذَهَبَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَلَمْ يَمْلِكُوا من أمرها شيئاً إلى اللَّيل، وحتى رَجَعَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ الْخُطَيْلُ بْنُ أَوْسٍ: فِدًى لِبني ذُبْيَانَ رَحلي وَنَاقَتي * عَشِيةَ يحدَى بالرِّماحِ أَبُو بَكرِ وَلَكنْ يُدَهْدَى بالرِّجالِ فَهَبْنَهُ * إِلَى قَدَرِ مَا إِنْ تقيمُ وَلا تَسرِي وللهِ أجنادٌ تذاقُ مَذاقَهُ * لِتُحْسَبَ فِيمَا عُدَّ مِنْ عَجَبِ الدَّهرِ أَطَعْنَا رَسُولَ اللهِ مَا كانَ بينَنَا * فَيالعِبادِ اللهِ مَا لِأَبِي بَكْرِ فَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ ظنَّ الْقَوْمُ بِالْمُسْلِمِينَ الْوَهَنَ، وَبَعَثُوا إِلَى عَشَائِرِهِمْ مِنْ نَوَاحِي أَخَرَ، فَاجْتَمَعُوا، وَبَاتَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قائما ليله يُعَبِّئُ النَّاس، ثمَّ خَرَجَ عَلَى تَعْبِئَةٍ مِنْ آخَرِ اللَّيل، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى السَّاقة أَخُوهُمَا
سُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ، فَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ إِلَّا وَهُمْ وَالْعَدُوُّ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَمَا سَمِعُوا لِلْمُسْلِمِينَ حِسًّا وَلَا هَمْسًا، حَتَّى وَضَعُوا فِيهِمُ السُّيوف، فَمَا طَلَعَتِ الشَّمس حتَّى ولُّوهم الْأَدْبَارَ، وَغَلَبُوهُمْ عَلَى عَامَّةِ ظَهْرِهِمْ، وَقُتِلَ حِبَالٌ، وَاتَّبَعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى نَزَلَ بِذِي القصَّة، وَكَانَ أوَّل الْفَتْحِ، وذلَّ بِهَا الْمُشْرِكُونَ، وعزَّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، وَوَثَبَ بَنُو ذُبْيَانَ وَعَبْسٌ عَلَى مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُمْ، وَفَعَلَ مَنْ وَرَاءَهُمْ كَفِعْلِهِمْ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ ليقتلنَّ من كُلِّ قَبِيلَةٍ بِمَنْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَزِيَادَةً، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ التَّميميّ: غَداةَ سَعى أَبو بكرٍ إليهمُ * كمَا يَسعَى لموتَتِهِ حلالُ أَراحَ عَلَى نَواهِقِهَا عَلِيَّاً * ومَجَّ لهنَّ مُهْجَتَهُ حَبَالُ وَقَالَ أَيْضًا: أَقَمْنَا لهمْ عَرضَ الشَّمالِ فَكَبْكِبُوا * كَكَبْكَبَةِ الغُزَى أَنَاخُوا عَلى الوَفُرِ فَمَا صَبرُوا لِلْحَرْبِ عِنْدَ قِيامِهَا * صَبيحَةَ يَسمُو بالرِّجالِ أَبُو بَكرِ طَرَقْنَا بَنِي عبسٍ بِأَدْنَى نِبَاجِها * وَذُبيانَ نَهْنَهْنَا بِقَاصِمَةِ الظَّهرِ فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى نَصْرِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَذَلِكَ أنَّه عزَّ الْمُسْلِمُونَ فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ، وذلَّ الكفَّار فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا، سَالِمًا غَانِمًا، وَطَرَقَتِ الْمَدِينَةُ فِي اللَّيل صَدَقَاتُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ (1) ، وَصَفْوَانَ والزَّبرقان، إِحْدَاهَا فِي أوَّل اللَّيل، والثَّانية فِي أَوْسَطِهِ والثَّالثة فِي آخِرِهِ، وَقَدِمَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ منهنَّ بَشِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْأَنْقَابِ، فَكَانَ الَّذِي بشَّر بِصَفْوَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وقَّاص، وَالَّذِي بشَّر بالزَّبرقان عَبْدُ الرَّحمن بْنُ عَوْفٍ، وَالَّذِي بشَّر بِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَيُقَالُ: أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه * وذلك على رأس
__________
(1) في ذلك قال الحارث بن مالك الطائي: وفينا وفاء لم ير الناس مثله * وسربلنا مجدا عدي بن حاتم (*)
(6/345)

ستِّين لَيْلَةً مِنْ متوفَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم * ثمَّ قَدِمَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَيَالٍ، فَاسْتَخْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ
عَلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُرِيحُوا ظَهْرَهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ أَبُو بَكْرٍ فِي الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، فِي الْوَقْعَةِ المتقدِّمة، إِلَى ذِي القصَّة، فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ: لَوْ رَجَعْتَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَرْسَلْتَ رَجُلًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، ولأواسينَّكم بِنَفْسِي، فَخَرَجَ فِي تَعْبِئَتِهِ، إِلَى ذِي حُسًى وَذِي القصَّة، والنُّعمان وَعَبْدُ اللَّهِ وَسُوَيْدٌ بَنُو مُقَرِّنٍ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَهْلِ الرِّبذة بِالْأَبْرَقِ (1) وَهُنَاكَ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي عَبْسٍ وَذُبْيَانَ، وَطَائِفَةٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَاقْتَتَلُوا فهزم الله الحارث وعوفاً وأخذ الْحُطَيْئَةُ أَسِيرًا فَطَارَتْ بَنُو عَبْسٍ وَبَنُو بَكْرٍ، وَأَقَامَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْأَبْرَقِ أيَّاماً وَقَدْ غلب بني ذبيان على البلاد، وقال: حَرَامٌ عَلَى بَنِي ذُبْيَانَ أَنْ يتملَّكوا هَذِهِ الْبِلَادَ، إِذْ غنَّمناها اللَّهُ وَحَمَى الْأَبْرَقَ بِخُيُولِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَرْعَى سَائِرَ بِلَادِ الرَّبْذَةِ.
وَلَمَّا فرَّت عبس وذبيان صاروا إلى مؤازرة طلحة وَهُوَ نَازِلٌ عَلَى بُزَاخَةَ (2) ، وَقَدْ قَالَ فِي يَوْمِ الْأَبْرَقِ زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ: ويومٌ بالأبارقِ قدْ شهدنَا * عَلى ذُبيانَ يَلتهبُ التِهابَا أتيناهُمْ بِداهيةٍ نَسُوفٍ * مَعَ الصِّديقِ إذْ تَرَكَ العِتابَا
خُرُوجِهِ إِلَى ذِي القصَّة حِينَ عَقَدَ أَلْوِيَةَ الأمراء الأحد عشر
وَذَلِكَ بَعْدَ مَا جمَّ جَيْشُ أُسَامَةَ وَاسْتَرَاحُوا، رَكِبَ الصِّديق أَيْضًا فِي الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ شَاهِرًا سَيْفَهُ مَسْلُولًا، مَنَ الْمَدِينَةِ إِلَى ذِي القصَّة، وَهِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَرْحَلَةٍ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقُودُ بِرَاحِلَةِ الصِّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، كَمَا سَيَأْتِي، فَسَأَلَهُ الصَّحابة، مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ، وألحُّوا عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَنْ يَبْعَثَ لِقِتَالِ الْأَعْرَابِ غَيْرَهُ ممَّن يؤمِّره مِنَ الشُّجعان الْأَبْطَالِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَعَقَدَ لهم الألوية لِأَحَدَ عَشَرَ أَمِيرًا، عَلَى مَا سنفصِّله قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ * وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُوسَى الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لمَّا بَرَزَ أبو بكر إلى القصَّة وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَخَذَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِزِمَامِهَا وَقَالَ: إِلَى أَيْنَ يَا خليفة رسول الله؟ أَقُولُ لَكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أُحد: لمَّ سَيَفَكَ وَلَا تَفْجَعْنَا بِنَفْسِكَ، وَارْجِعْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ فُجِعْنَا بِكَ لَا يَكُونُ لِلْإِسْلَامِ نِظَامٌ أَبَدًا، فَرَجَعَ * هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَقَدْ رَوَاهُ زَكَرِيَّا السَّاجيّ مِنْ حديث عبد الوهاب عن
مُوسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عبد الرحمن بن عوف [و] الزُّهريّ أَيْضًا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجَ أَبِي شَاهِرًا سَيْفَهُ رَاكِبًا عَلَى رَاحِلَتِهِ إلى وادي
__________
(1) الابرق: منزل من منازل بني عمرو بن ربيعة.
(2) بزاخة: ماء لبني أسد كانت به وقعة عظيمة في أيام أبي بكر الصديق مع طليحة بن خويلد الاسدي (معجم البلدان) .
(*)
(6/346)

القصَّة، فَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَأَخَذَ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ يَا خَلِيفَةَ رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لمَّ سَيَفَكَ وَلَا تَفْجَعْنَا بِنَفْسِكَ فَوَاللَّهِ لَئِنْ أُصِبْنَا بك لا يكون للإسلام بعدك نِظَامٌ أَبَدًا، فَرَجَعَ وَأَمْضَى الْجَيْشَ * وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لمَّا اسْتَرَاحَ أُسَامَةُ وَجُنْدُهُ، وَقَدْ جَاءَتْ صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ تَفْضُلُ عَنْهُمْ، قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ الْبُعُوثَ، وَعَقَدَ الْأَلْوِيَةَ: فَعَقَدَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً، عَقَدَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَمَرَهُ بِطُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، فَإِذَا فَرَغَ سَارَ إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةٍ بِالْبِطَاحِ إِنْ أَقَامَ لَهُ.
وَلِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَأَمَرَهُ بِمُسَيْلِمَةَ.
وَبَعَثَ شرحبيل بن حَسَنَةَ فِي أَثَرِهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الكذَّاب، ثمَّ إِلَى بَنِي قُضَاعَةَ.
وَلِلْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَأَمَرَهُ بِجُنُودِ الْعَنْسِيِّ وَمَعُونَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى قَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ (1) * قُلْتُ: وَذَلِكَ لأنَّه كَانَ قَدْ نَزَعَ يَدَهُ مِنَ الطَّاعة، عَلَى مَا سَيَأْتِي.
قَالَ: وَلِخَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ (2) إِلَى مَشَارِفِ الشَّام.
وَلِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى جِمَاعِ قُضَاعَةَ وَوَدِيعَةَ وَالْحَارِثِ.
وَلِحُذَيْفَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَطَفَانِيِّ وأمره بأهل دبا وبعرفجة وهرثمة (3) وغير ذلك.
لطرفة بن حاجب (4) وَأَمَرَهُ بِبَنِي سُلَيْمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ هَوَازِنَ.
وَلِسُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَأَمَرَهُ بِتِهَامَةِ الْيَمَنِ.
وَلِلْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَأَمَرَهُ بِالْبَحْرَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ * وَقَدْ كَتَبَ لكلِّ أَمِيرٍ كِتَابَ عَهْدِهِ عَلَى حِدَتِهِ، فَفَصَلَ كُلُّ أَمِيرٍ بِجُنْدِهِ مِنْ ذِي القصَّة، وَرَجَعَ الصِّديق إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ كَتَبَ معهم الصِّديق كتاباً إلى الربذة (5) وَهَذِهِ نُسْخَتُهُ.
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم.
مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا، مِنْ
عامَّة وخاصَّة، أَقَامَ عَلَى إِسْلَامِهِ أَوْ رَجَعَ عَنْهُ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبع الْهُدَى، وَلَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ الْهُدَى إِلَى الضَّلالة وَالْهَوَى (6) ، فإنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكُمُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، نقرُّ بِمَا جَاءَ بِهِ، ونكفِّر مَنْ أَبَى ذَلِكَ وَنُجَاهِدُهُ.
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ [مُحَمَّدًا] بالحقِّ مِنْ عِنْدِهِ، إِلَى خَلْقِهِ بَشِيرًا وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيرًا، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، فَهَدَى اللَّهُ بالحقِّ مَنْ أَجَابَ إِلَيْهِ، وَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [بإذنه] مَنْ أَدْبَرَ عَنْهُ، حَتَّى صَارَ إِلَى الْإِسْلَامِ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، ثم توفى الله رسوله، وَقَدْ نفَّذ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَنَصَحَ لأمَّته، وَقَضَى الَّذِي عَلَيْهِ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ بيَّن لَهُ ذلك، ولأهل الإسلام
__________
(1) زاد في الطبري والكامل لابن الاثير: ثم يمضي إلى كندة بحضرموت.
(2) في الطبري: إلى الحمقتين من مشارف الشام.
(3) في الطبري والكامل لابن الاثير: ولعرفجة بن هرثمة وأمره بمهرة.
(4) في الطبري: لطرفة بن حاجز، وفي الكامل لابن الاثير: لمعن بن حاجز.
(5) في الطبري: وكتب إلى من بعث إليه من جميع المرتدة كتابا واحدا.
وفي الكامل: وكتب إلى جميع المرتدين نسخة واحدة.
(6) في الطبري: والعمى.
(*)
(6/347)

فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ فَقَالَ * (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) * [الزمر: 30] وَقَالَ: * (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) * [الأنبياء: 34] وَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ * (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) * [آل عمران: 144] فَمَنْ كَانَ إنَّما يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كان إنَّما يعبد الله [وحده] فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَلَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، حَافِظٌ لِأَمْرِهِ، مُنْتَقِمٌ مِنْ عدوِّه.
وإنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَظِّكُمْ وَنَصِيبِكُمْ وَمَا جَاءَكُمْ بِهِ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْ تَهْتَدُوا بِهُدَاهُ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِدِينِ اللَّهِ، فإنَّ كلَّ مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ ضال، وَكُلَّ مَنْ لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ
مَخْذُولٌ، وَمَنْ هداه غير الله كَانَ ضَالًّا (1) ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى * (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِدًا) * [الكهف: 17] ولن يقبل له في الدُّنيا عمل حتى يقربه، وَلَمْ يُقْبَلْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَقَدْ بَلَغَنِي رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ أقرَّ بِالْإِسْلَامِ، وَعَمِلَ بِهِ، اغْتِرَارًا بِاللَّهِ وَجَهْلًا بِأَمْرِهِ، وَإِجَابَةً للشَّيطان، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: * (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) * [الكهف: 50] قال: * (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يدعوه حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) * [فاطر: 6] وَإِنِّي بعثت إليكم فِي جَيْشٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، والتَّابعين بِإِحْسَانٍ، وَأَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا الْإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَلَا يَقْتُلُهُ حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ أَجَابَ وأقرَّ وَعَمِلَ صَالَحَا قبلَ مِنْهُ، وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَبَى حاربه عليه حتى يفئ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، ثمَّ لَا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يحرِّقهم بالنَّار وَأَنْ يَقْتُلَهُمْ كُلَّ قِتْلَةٍ، وَأَنْ يَسْبِيَ النِّساء والذَّراري وَلَا يَقْبَلَ مَنْ أَحَدٍ غَيْرَ الْإِسْلَامِ، فَمَنِ اتَّبعه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَمَنْ تَرَكَهُ فَلَنْ يُعْجِزَ اللَّهَ، وَقَدْ أَمَرْتُ رَسُولِي أَنْ يَقْرَأَ كِتَابَهُ فِي كُلِّ مَجْمَعٍ لَكُمْ، والدَّاعية الْأَذَانُ فَإِذَا أذَّن الْمُسْلِمُونَ فكفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ لم يؤذِّنوا فَسَلُوهُمْ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا عَاجِلُوهُمْ، وَإِنْ أقرُّوا حمل منهم عَلَى مَا يَنْبَغِي لَهُمْ (2) * رَوَاهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.
فَصْلٌ فِي مَسِيرَةِ الْأُمَرَاءَ مِنْ ذِي القصَّة عَلَى مَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ وَكَانَ سيِّد الْأُمَرَاءِ ورأس الشُّجعان الصَّناديد أَبُو سُلَيْمَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ * رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ، أنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّديق لمَّا عَقَدَ لِخَالِدِ بن الوليد عل قتال أهل الردة،
__________
(1) العبارة في الطبري: فمن هَدَاهُ اللَّهُ كَانَ مُهْتَدِيًا وَمَنْ أَضَلَّهُ كَانَ ضالا.
(2) نص الكتاب في الطبري 3 / 226 وفي آخره زاد ابن الاعثم في الفتوح 1 / 6: وقد أعذر من أنذر، السلام على عباد الله المؤمنين، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
(*)
(6/348)

قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو الْعَشِيرَةِ، خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ سله الله عَلَى الكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ، ولمَّا توجَّه خَالِدٌ مِنْ ذي القصَّة وفارقه الصِّديق، واعده أنَّه سليقاه مِنْ نَاحِيَةِ خَيْبَرَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ - وَأَظْهَرُوا ذَلِكَ لِيُرْعِبُوا الْأَعْرَابَ - وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ أَوَّلًا إِلَى طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ، ثمَّ يَذْهَبَ بَعْدَهُ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ فِي قَوْمِهِ بَنِي أَسَدٍ، وَفِي غَطَفَانَ، وانضمَّ إِلَيْهِمْ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانُ، وَبَعَثَ إِلَى بَنِي جديلة والغوث وطئ يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَيْهِ، فَبَعَثُوا أَقْوَامًا مِنْهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، ليلحقوهم على أثرهم سريعاً، وَكَانَ الصِّدِّيقُ قَدْ بَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَبْلَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقَالَ لَهُ: أَدْرِكْ قَوْمَكُ لَا يَلْحَقُوا بِطُلَيْحَةَ فَيَكُونَ دَمَارُهُمْ، فَذَهَبَ عديّ إلى قومه بني طئ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُبَايِعُوا الصِّديق، وَأَنْ يُرَاجِعُوا أَمْرَ الله، فقالوا: لا نبايع أبا الفضل أَبَدًا - يَعْنُونَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: وَاللَّهِ ليأتينَّكم جَيْشٌ فَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى تَعْلَمُوا أنَّه أَبُو الْفَحْلِ الْأَكْبَرِ، وَلَمْ يَزَلْ عَدِيٌّ يَفْتِلُ لَهُمْ فِي الذَّروة وَالْغَارِبِ حتَّى لَانُوا، وَجَاءَ خَالِدٌ فِي الْجُنُودِ وَعَلَى مُقَدِّمَةِ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ مَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ (1) ، وَعُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ طَلِيعَةً، فتلقَّاهما طُلَيْحَةُ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ فِيمَنْ مَعَهُمَا، فلمَّا وَجَدَا ثَابِتًا وعكاشة تبارزوا فقتل عكاشة جبال بن طليحة، وقيل: بل كان قتل جبالاً قَبْلَ ذَلِكَ وَأَخَذَ مَا مَعَهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ طُلَيْحَةُ فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ هُوَ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ، ثَابِتَ بن أقوم، وَجَاءَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ فَوَجَدُوهُمَا صَرِيعَيْنِ، فَشَقَّ ذلك على الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ قَالَ طُلَيْحَةُ فِي ذَلِكَ: عَشِيَّةَ غَادَرْتُ ابن أقرم ثاويا * وعكاشة العمِّي تحتَ مجالِ أقمتَ لهُ صَدرَ الحَمالَةِ إنَّها * معَوَّدَةَ قبلَ الكَمَاةِ نِزالُ فيومَ تَراهَا في الجَلالِ مَصُونَةً * ويَومَ تراها في ظلال عَوالي وإنْ يكُ أولادٌ أصبنَ وَنسوةٌ * فلمْ يَذهبُّوا فِرْغًا بقتلِ حِبَالِ ومال خالد إلى بني طئ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ فَقَالَ: أَنْظِرْنِي ثَلَاثَةَ أيَّام، فإنَّهم قَدِ اسْتَنْظَرُونِي حَتَّى يَبْعَثُوا إِلَى مَنْ تعجَّل مِنْهُمْ إِلَى طُلَيْحَةَ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ، فإنَّهم يَخْشَوْنَ إِنْ تَابَعُوكَ
أَنْ يَقْتُلَ طُلَيْحَةُ مَنْ سَارَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، وَهَذَا أحبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ يعجِّلهم إِلَى النَّار، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ جَاءَهُ عَدِيٌّ فِي خَمْسِمِائَةِ مُقَاتِلٍ ممَّن رَاجَعَ الحقَّ، فَانْضَافُوا إِلَى جَيْشِ خَالِدٍ وَقَصَدَ خَالِدٌ بَنِي جَدِيلَةَ فَقَالَ له: يا خالد، أجِّلني أيَّاماً حَتَّى آتِيَهُمْ فلعلَّ اللَّهَ أَنْ يُنْقِذَهُمْ كَمَا أَنْقَذَ طَيِّئًا، فَأَتَاهُمْ عَدِيٌّ فَلَمْ يزل بهم حتى تابعوه، فَجَاءَ خَالِدًا بِإِسْلَامِهِمْ، وَلَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ أَلْفُ رَاكِبٍ، فَكَانَ عَدِيٌّ خَيْرَ مَوْلُودٍ وَأَعْظَمَهُ بَرَكَةً على قومه، رضي الله عنهم، قَالُوا: ثمَّ سَارَ خَالِدٌ حَتَّى نَزَلَ بِأَجَأٍ وسلمى (2) ، وعبى جَيْشَهُ (3) هُنَالِكَ وَالْتَقَى مَعَ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ بِمَكَانٍ يقال له: بزاخة،
__________
(1) في الفتوح: أرقم وزاد عليهما: سعيد بن عمرو المخزومي.
ولم يذكره الطبري.
(2) قال ابن الاعثم: وجعل خالد بن الوليد يتأتى بطليحة ويرسل إليه الرسل ويحذره سفك دماء أصحابه، وطليحة = (*)
(6/349)

وَوَقَفَتْ أَحْيَاءٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَنْظُرُونَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّائرة، وَجَاءَ طُلَيْحَةُ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنِ الْتَفَّ مَعَهُمْ وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ حَضَرَ مَعَهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، بَنِي فَزَارَةَ، واصطفَّ النَّاس، وَجَلَسَ طُلَيْحَةُ مُلْتَفًّا فِي كِسَاءٍ لَهُ يَتَنَبَّأُ لَهُمْ يَنْظُرُ مَا يُوحَى إِلَيْهِ فِيمَا يَزْعُمُ، وَجَعَلَ عُيَيْنَةُ يُقَاتِلُ مَا يُقَاتِلُ، حَتَّى إِذَا ضجر من القتال يجئ إِلَى طُلَيْحَةَ وَهُوَ مُلْتَفٌّ فِي كِسَائِهِ فَيَقُولُ: أَجَاءَكَ جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَرْجِعُ فَيُقَاتِلُ، ثمَّ يَرْجِعُ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ويردَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فلمَّا كَانَ فِي الثَّالثة قَالَ لَهُ: هَلْ جَاءَكَ جِبْرِيلُ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَمَا قَالُ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ لِي إِنَّ لك رحاء كَرَحَاهُ، وَحَدِيثًا لَا تَنْسَاهُ، قَالَ يَقُولُ عُيَيْنَةُ، أظنُّ أنَّ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ سَيَكُونُ لَكَ حَدِيثٌ لَا تَنْسَاهُ، ثمَّ قَالَ: يَا بَنِي فَزَارَةَ انْصَرِفُوا، وَانْهَزَمَ وَانْهَزَمَ النَّاس عَنْ طُلَيْحَةَ، فلمَّا جَاءَهُ الْمُسْلِمُونَ رَكِبَ عَلَى فَرَسٍ كَانَ قَدْ أعدَّها لَهُ، وَأَرْكَبَ امْرَأَتَهُ النوَّار عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، ثمَّ انْهَزَمَ بِهَا إِلَى الشَّام وتفرَّق جَمْعُهُ، وَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ طَائِفَةً مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، فلمَّا أَوْقَعَ اللَّهُ بِطُلَيْحَةَ وَفَزَارَةَ مَا أَوْقَعَ، قَالَتْ بَنُو عَامِرٍ وَسُلَيْمٍ وَهَوَازِنُ: نَدْخُلُ فِيمَا خَرَجْنَا مِنْهُ، وَنُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنُسَلِّمُ لِحُكْمِهِ فِي أَمْوَالِنَا وَأَنْفُسِنَا * قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ ارتدَّ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فلمَّا مَاتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ بِمُؤَازَرَتِهِ عيينة بن حصن من بَدْرٍ، وارتدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: وَاللَّهِ لِنَبِيٌّ مِنْ
بَنِي أَسَدٍ أحبُّ إليَّ مِنْ نبيٍّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَدْ مَاتَ محمَّد وهذا طليحة فاتَّبعوه، فوافق قَوْمُهُ بَنُو فَزَارَةَ عَلَى ذَلِكَ، فلمَّا كَسَرَهُمَا خَالِدٌ هَرَبَ طُلَيْحَةُ بِامْرَأَتِهِ إِلَى الشَّام، فَنَزَلَ عَلَى بَنِي كَلْبٍ (1) ، وَأَسَرَ خَالِدٌ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ فَجَعَلَ الْوِلْدَانُ وَالْغِلْمَانُ يَطْعَنُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَيَقُولُونَ: أَيْ عدوَّ اللَّهِ، ارْتَدَدْتَ عَنِ الْإِسْلَامِ؟ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ آمَنْتُ قَطُّ، فلمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الصِّديق اسْتَتَابَهُ وَحَقَنَ دَمَهُ، ثمَّ حَسُنَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَنَّ عَلَى قُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَكَانَ أَحَدَ الْأُمَرَاءِ مَعَ طُلَيْحَةَ، فَأَسَرَهُ مَعَ عُيَيْنَةَ، وأمَّا طُلَيْحَةُ فإنَّه رَاجَعَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا أيَّام الصِّديق، واستحيى أَنْ يُوَاجِهَهُ مدَّة حَيَّاتِهِ، وَقَدْ رَجَعَ فَشَهِدَ الْقِتَالَ مَعَ خَالِدٍ، وَكَتَبَ الصِّديق إِلَى خَالِدٍ: أَنِ اسْتَشِرْهُ فِي الْحَرْبِ وَلَا تؤمِّره - يَعْنِي مُعَامَلَتَهُ لَهُ بِنَقِيضِ مَا كَانَ قَصَدَهُ مِنَ الرِّياسة في الباطن - وَهَذَا مِنْ فِقْهِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَقَدْ قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لِبَعْضِ أَصْحَابِ طُلَيْحَةَ ممَّن أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ: أَخْبِرْنَا عمَّا كَانَ يَقُولُ لَكُمْ طُلَيْحَةُ مِنَ الْوَحْيِ، فقال: إنَّه كان يقول: الحمام واليمام والصرد والصوام، قَدْ صُمْنَ قَبْلَكُمْ بِأَعْوَامٍ ليبلغنَّ مُلْكُنَا الْعِرَاقَ والشَّام، إلى غير
__________
= يأبى ذلك ولج في طغيانه، قال: فعندها عزم خالد على حرب القوم.
(3) في الفتوح: وكان على ميمنته عدي بن حاتم، وعلى ميسرته زيد الخيل، وعلى الجناح الزَّبرقان بن بدر التميمي.
(1) في الطبري: ومضى طليحة حتى نزل في كلب على النقع.
وفي الكامل: ثم نزل على كلب وفي فتوح ابن الاعثم: حتى صار إلى بني جفنة.
وفي تاريخ اليعقوبي: وجاور في بني حنيفة.
(*)
(6/350)

ذَلِكَ مِنَ الْخُرَافَاتِ وَالْهَذَيَانَاتِ السَّمِجَةِ * وَقَدْ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّديق إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حِينَ جَاءَهُ أنَّه كَسَرَ طُلَيْحَةَ وَمَنْ كَانَ في صفِّه وقام بنصره فكتب إليه: لنردك مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا واتَّق اللَّهَ فِي أَمْرِكَ، فإنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، جدَّ فِي أَمْرِكَ وَلَا تلن وَلَا تَظْفَرْ بِأَحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا نكَّلت بِهِ، وَمَنْ أَخَذْتَ ممَّن حادَّ الله أو ضادَّه ممَّن بري إِنَّ فِي ذَلِكَ
صَلَاحًا فَاقْتُلْهُ * فَأَقَامَ خَالِدٌ بِبُزَاخَةَ شَهْرًا، يُصَعِّدُ فِيهَا وَيُصَوِّبُ وَيَرْجِعُ إِلَيْهَا في طلب الذين وصَّاه بسلبهم الصِّديق، فَجَعَلَ يتردَّد فِي طَلَبِ هَؤُلَاءِ شَهْرًا يَأْخُذُ بِثَأْرِ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حِينَ ارتدُّوا، فَمِنْهُمْ مَنْ حرَّقه بالنَّار، وَمِنْهُمْ مَنْ رَضَخَهُ بِالْحِجَارَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَمَى بِهِ مِنْ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ، كلُّ هذا ليعتبر بِهِمْ مَنْ يَسْمَعُ بَخَبَرِهِمْ مِنْ مرتدَّة الْعَرَبِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * وَقَالَ الثَّوريّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شهاب قال: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ بُزَاخَةَ - أَسَدٌ وَغَطَفَانُ - عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلُونَهُ الصُّلح، خيَّرهم أَبُو بَكْرٍ بين حرب مجلية حِطَّةٍ مُخْزِيَةٍ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أمَّا الْحَرْبُ الْمُجْلِيَةُ فَقَدْ عَرَفْنَاهَا، فَمَا الْحِطَّةُ الْمُخْزِيَةُ؟ قَالَ: تُؤْخَذُ مِنْكُمُ الْحَلْقَةُ وَالْكُرَاعُ وَتُتْرَكُونَ أَقْوَامًا يتَّبعون أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نبيَّه وَالْمُؤْمِنَيْنِ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ، وتؤدُّون مَا أَصَبْتُمْ منَّا، وَلَا نؤدِّي مَا أَصَبْنَا منكم، وتشهدون أنَّ قتلانا في الجنَّة وإن قتلاكم فِي النَّار، وَتَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ، فَقَالَ عُمَرُ: أمَّا قَوْلُكَ: تَدُونَ قَتْلَانَا، فَإِنَّ قَتْلَانَا قُتِلُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا دِيَاتِ لهم، فامتنع عُمَرَ وَقَالَ عُمَرُ فِي الثَّاني: نِعم مَا رأيت * رواه البخاري من حيث الثَّوريّ بسنده مختصراً.
وقعة أخرى كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْفُلَّالِ يَوْمَ بُزَاخَةَ مِنْ أَصْحَابِ طُلَيْحَةَ، مِنْ بَنِي غَطَفَانَ فَاجْتَمَعُوا إِلَى امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: أمُّ زمل - سلمى بنت ملك بْنِ (1) حُذَيْفَةَ - وَكَانَتْ مِنْ سَيِّدَاتِ الْعَرَبِ، كأمِّها أُمِّ قِرْفَةَ، وَكَانَ يُضْرَبُ بأمِّها الْمَثَلُ فِي الشَّرف لِكَثْرَةِ أَوْلَادِهَا وعزَّة قَبِيلَتِهَا وَبَيْتِهَا، فلمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهَا ذمَّرتهم لِقِتَالِ خَالِدٍ، فَهَاجُوا لِذَلِكَ، وناشب إليهم آخرون من بني سُليم وطئ وَهَوَازِنَ وَأَسَدٍ، فَصَارُوا جَيْشًا كَثِيفًا وتفحَّل أَمْرُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، فلمَّا سَمِعَ بِهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَارَ إِلَيْهِمْ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَهِيَ رَاكِبَةٌ عَلَى جَمَلِ أمِّها الَّذِي كَانَ يُقَالُ له من يمس جَمَلَهَا فَلَهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَذَلِكَ لعزِّها، فَهَزَمَهُمْ خَالِدٌ وَعَقَرَ جَمَلَهَا وَقَتَلَهَا وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ إلى الصِّديق رضي الله عنه.
قصَّة الْفُجَاءَةِ
وَاسْمُهُ إِيَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عُمَيْرَةَ بْنِ خِفَافٍ من بني سُليم، قاله ابن إسحاق،
__________
(1) في الطبري والكامل: مالك.
(*)
(6/351)

وَقَدْ كَانَ الصِّديق حرَّق الْفُجَاءَةَ بِالْبَقِيعِ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ سَبَبُهُ أنَّه قَدِمَ عَلَيْهِ فَزَعَمَ أنَّه أسلم، وَسَأَلَ مِنْهُ أَنْ يجهِّز مَعَهُ جَيْشًا يُقَاتِلُ بِهِ أَهْلَ الرِّدَّة، فجهَّز مَعَهُ جَيْشًا، فلمَّا سَارَ جَعَلَ لَا يمرُّ بِمُسْلِمٍ وَلَا مُرْتَدٍّ إِلَّا قَتَلَهُ وَأَخَذَ مَالَهُ، فلمَّا سَمِعَ الصِّديق بَعَثَ وَرَاءَهُ جَيْشًا فردَّه، فلمَّا أَمْكَنَهُ بَعَثَ بِهِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَجُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى قَفَاهُ وألقي في النَّار فحرقه وهو مقموط.
قصَّة سَجَاحِ وَبَنِي تَمِيمٍ
كَانَتْ بَنُو تَمِيمٍ قَدِ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ أيَّام الرِّدَّة، فَمِنْهُمْ مَنِ ارتدَّ وَمَنَعَ الزَّكاة، وَمِنْهُمْ مَنْ بَعَثَ بِأَمْوَالِ الصَّدقات إِلَى الصِّديق، وَمِنْهُمْ مَنْ توقَّف لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَتْ سَجَاحِ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ عُقْفَانَ التَّغلبية مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَهِيَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَقَدِ ادَّعت النُّبُّوة وَمَعَهَا جُنُودٌ مِنْ قَوْمِهَا وَمَنِ الْتَفَّ بِهِمْ، وَقَدْ عَزَمُوا عَلَى غَزْوِ أَبِي بَكْرٍ الصِّديق، فلمَّا مرَّت بِبِلَادِ بَنِي تَمِيمٍ دَعَتْهُمْ إِلَى أَمْرِهَا، فَاسْتَجَابَ لَهَا عامَّتهم، وَكَانَ ممَّن اسْتَجَابَ لَهَا مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ التَّميميّ، وَعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ أُمَرَاءِ بَنِي تَمِيمٍ، وتخلَّف آخَرُونَ مِنْهُمْ عَنْهَا، ثمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ لَا حَرْبَ بَيْنَهُمْ، إِلَّا أنَّ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ لمَّا وَادَعَهَا ثناها عن عودها، وَحَرَّضَهَا عَلَى بَنِي يَرْبُوعٍ، ثمَّ اتَّفق الْجَمِيعُ عَلَى قِتَالِ النَّاس، وَقَالُوا: بِمَنْ نَبْدَأُ؟ فَقَالَتْ لَهُمْ فِيمَا تَسْجَعُهُ: أعدُّوا الرِّكاب، واستعدُّوا للنِّهاب، ثمَّ أَغِيرُوا عَلَى الرَّباب، فَلَيْسَ دُونَهُمْ حِجَابٌ، ثمَّ إنَّهم تَعَاهَدُوا عَلَى نَصْرِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ (1) : أَتَتْنَا أُختُ تَغلبٍ فِي رجالٍ (2) * جَلائبَ مِنْ سُراةِ بَنِي أَبينَا وأَرسَتْ دَعْوَةً فينَا سَفاهاً * وَكانتْ مِنْ عَمَائرَ آخَرينَا فَمَا كنَّا لِنَرزِيهمْ زِبَالًا * وَمَا كانتْ لتسلمَ إذْ أَتينَا أَلا سَفَهَتْ حُلومُكمْ وضلَّتْ * عشيَّةَ تحشدُونَ لَهَا ثُبينَا
وَقَالَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ فِي ذَلِكَ: أَمسَتْ نبيَّتُنا أُنثى نطيفُ بهَا * وأَصبحَتْ أنْبياءُ النَّاسِ ذُكرانَا ثمَّ إنَّ سَجَاحِ قَصَدَتْ بِجُنُودِهَا الْيَمَامَةَ، لِتَأْخُذَهَا مِنْ مُسَيْلِمَةَ بْنَ حَبِيبٍ الكذَّاب، فَهَابَهُ قَوْمُهَا، وَقَالُوا: إنَّه قَدِ اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ وَعَظُمَ، فَقَالَتْ لَهُمْ فِيمَا تَقُولُهُ: عَلَيْكُمْ بَالْيَمَامَهْ * دفُّوا دَفِيفَ الْحَمَامَهْ * فإنَّها غَزْوَةٌ صَرَّامَهْ * لَا تلحقكم بعدها ملامة * قال: فعمدوا لحرب مُسَيْلِمَةَ، فلمَّا سَمِعَ بِمَسِيرِهَا إِلَيْهِ خَافَهَا عَلَى بِلَادِهِ، وَذَلِكَ أنَّه مَشْغُولٌ بِمُقَاتَلَةِ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ، وَقَدْ سَاعَدَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهِلٍ بِجُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ نَازِلُونَ بِبَعْضِ بِلَادِهِ يَنْتَظِرُونَ قدوم خالد كَمَا سَيَأْتِي، فَبَعَثَ إِلَيْهَا يَسْتَأْمِنُهَا وَيَضْمَنُ لَهَا أَنْ يُعْطِيَهَا نِصْفَ الْأَرْضِ الَّذِي كَانَ لِقُرَيْشٍ لو عدلت، فقد رده
__________
(1) هو الاصم التميمي كما في الطبري.
(2) في الطبري: أَتَتْنَا أُختُ تَغلبٍ فاستهدت.
(*)
(6/352)

اللَّهُ عَلَيْكِ فَحَبَاكِ بِهِ، وَرَاسَلَهَا لِيَجْتَمِعَ بِهَا في طائفة من قومه، فركب إليها فِي أَرْبَعِينَ مِنْ قَوْمِهِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا فَاجْتَمَعَا فِي خَيْمَةٍ، فلمَّا خَلَا بِهَا وَعَرَضَ عَلَيْهَا مَا عَرَضَ مِنْ نِصْفِ الْأَرْضِ، وَقَبِلَتْ ذَلِكَ، قَالَ مُسَيْلِمَةُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ سَمِعْ، وَأَطْمَعَهُ بِالْخَيْرِ إِذَا طَمِعْ، وَلَا يَزَالُ أَمْرُهُ فِي كل ما يسَّر مجتمع، رآكم ربُّكم فحيَّاكم، ومن وحشته أَخَلَّاكُمْ، وَيَوْمَ دِينِهِ أَنْجَاكُمْ فَأَحْيَاكُمْ، عَلَيْنَا مِنْ صَلَوَاتِ مَعْشَرٍ أَبْرَارْ، لَا أَشْقِيَاءَ وَلَا فجَّار، يَقُومُونَ اللَّيْلَ وَيَصُومُونَ النَّهَارْ لربِّكم الكبَّار، ربِّ الْغُيُومِ وَالْأَمْطَارْ * وَقَالَ أَيْضًا: لمَّا رَأَيْتُ وُجُوهَهُمْ حَسُنَتْ، وَأَبْشَارَهُمْ صَفَتْ وَأَيْدِيَهُمْ طَفُلَتْ، قُلْتُ لَهُمْ: لَا النِّسَاءَ تَأْتُونَ، وَلَا الْخَمْرَ تَشْرَبُونَ، ولكنَّكم مَعْشَرٌ أَبْرَارٌ تَصُومُونَ (1) ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ إِذَا جَاءَتِ الْحَيَاةُ كَيْفَ تَحْيَوْنَ، وَإِلَى مَلِكِ السَّماء كَيْفَ تَرْقَوْنَ، فَلَوْ أَنَّهَا حَبَّةُ خَرْدَلَةٍ لَقَامَ عَلَيْهَا شَهِيدٌ يَعْلَمُ مَا فِي الصُّدُورِ، وَلَأَكْثَرَ النَّاسُ فِيهَا الثُّبُورَ * وَقَدْ كَانَ مُسَيْلِمَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ شرع لمن اتَّبعه أن الأعزب يَتَزَوَّجُ فَإِذَا وُلِدَ لَهُ ذَكَرٌ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ النِّساء حِينَئِذٍ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ ذَلِكَ الْوَلَدُ الذَّكر، فتحلُّ لَهُ النِّساء حَتَّى يُولَدَ لَهُ ذَكَرٌ، هَذَا مِمَّا اقْتَرَحَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ، مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ * وَيُقَالُ: إنَّه لمَّا خَلَا
بِسَجَاحِ سَأَلَهَا مَاذَا يُوحَى إِلَيْهَا؟ فَقَالَتْ: وَهَلْ يَكُونُ النِّساء يَبْتَدِئْنَ؟ بَلْ أَنْتَ مَاذَا أُوحِيَ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى ربِّك كَيْفَ فَعَلَ بِالْحُبْلَى؟ أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بَيْنِ صِفَاقٍ وَحَشَا.
قَالَتْ: وَمَاذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خلق للنساء أَفْرَاجَا، وَجَعَلَ الرِّجَالَ لَهُنَّ أَزْوَاجًا، فَنُولِجُ فِيهِنَّ قُعْسًا إِيلَاجًا، ثُمَّ نُخْرِجُهَا إِذَا نَشَاءُ إِخْرَاجًا، فَيُنْتِجْنَ لَنَا سِخَالًا إِنْتَاجًا.
فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أنَّك نَبِيٌّ، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَآكُلُ بِقَوْمِي وَقَوْمِكِ الْعَرَبَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَلَا قُومِي إِلَى النَّيْكِ * فَقَدْ هُيِّئَ لَكِ الْمَضْجَعْ * فَإِنْ شِئْتِ فَفِي الْبَيْتِ * وَإِنْ شِئْتِ فَفِي الْمَخْدَعْ وَإِنْ شِئْتِ سَلَقْنَاكِ * وَإِنْ شِئْتِ عَلَى أَرْبَعْ * وَإِنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ * وَإِنْ شِئْتِ بِهِ أَجْمَعْ فَقَالَتْ: بَلْ بِهِ أَجْمَعْ، فَقَالَ: بِذَلِكَ أُوحِيَ إِلَيَّ، وَأَقَامَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أيَّام، ثمَّ رَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا فَقَالُوا: مَا أَصْدَقَكِ؟ فَقَالَتْ: لَمْ يَصْدُقْنِي شَيْئًا، فَقَالُوا: إنَّه قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ فَبَعَثَتْ إليه تسأله صداقاً، فَقَالَ: أَرْسِلِي إليَّ مُؤَذِّنَكِ، فَبَعَثَتْهُ إِلَيْهِ - وَهُوَ شبت بْنُ رِبْعِيٍّ - فَقَالَ: نَادِ فِي قَوْمِكَ: إنَّ مُسَيْلِمَةَ بْنَ حَبِيبٍ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ وَضَعَ عَنْكُمْ صَلَاتَيْنِ ممَّا أَتَاكُمْ بِهِ محمَّد - يَعْنِي صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة - فَكَانَ هَذَا صَدَاقَهَا عَلَيْهِ لَعَنَهُمَا اللَّهُ * ثمَّ انثنت سَجَاحِ رَاجِعَةً إِلَى بِلَادِهَا وَذَلِكَ حِينَ بَلَغَهَا دُنُوِّ خَالِدٍ مِنْ أَرْضِ الْيَمَامَةِ فكرَّت رَاجِعَةً إِلَى الْجَزِيرَةِ بَعْدَمَا قَبَضَتْ مِنْ مُسَيْلِمَةَ نِصْفَ خَرَاجِ أَرْضِهِ.
فَأَقَامَتْ فِي قَوْمِهَا بَنِي تَغَلِبَ، إِلَى زَمَانِ مُعَاوِيَةَ فَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا عَامَ الْجَمَاعَةِ كما سيأتي بيانه في موضعه.
__________
(1) في الطبري: تصومون يوما وتكلفون يوما.
(*)
(6/353)

فَصْلٌ فِي خَبَرِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ الْيَرْبُوعِيِّ التَّميمي
كَانَ قَدْ صَانَعَ سَجَاحِ حِينَ قَدِمَتْ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، فلمَّا اتَّصلت بِمُسَيْلِمَةَ لَعَنَهُمَا اللَّهُ، ثمَّ ترحَّلت إِلَى بِلَادِهَا - فلمَّا كَانَ ذَلِكَ - نَدِمَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وتلوَّم فِي شَأْنِهِ، وَهُوَ نَازِلٌ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الْبُطَاحُ، فَقَصَدَهَا خَالِدٌ بِجُنُودِهِ وتأخَّرت عَنْهُ الْأَنْصَارُ، وَقَالُوا: إنَّا قَدْ
قَضَيْنَا مَا أَمَرَنَا بِهِ الصِّديق، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: إنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا بدَّ مِنْ فعله، وفرصة لا بدَّ من انتهازها، وإنَّه لَمْ يَأْتِنِي فِيهَا كِتَابٌ، وَأَنَا الْأَمِيرُ وإليَّ تردُّ الْأَخْبَارُ، وَلَسْتُ بِالَّذِي أُجْبِرُكُمْ عَلَى الْمَسِيرِ، وَأَنَا قَاصِدٌ الْبُطَاحَ.
فَسَارَ يَوْمَيْنِ ثمَّ لَحِقَهُ رَسُولُ الْأَنْصَارِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الِانْتِظَارَ، فَلَحِقُوا بِهِ، فلمَّا وَصَلَ الْبُطَاحَ وَعَلَيْهَا مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، فَبَثَّ خَالِدٌ السَّرايا فِي الْبُطَاحِ يَدْعُونَ النَّاس، فَاسْتَقْبَلَهُ أُمَرَاءُ بَنِي تَمِيمٍ بالسَّمع والطَّاعة، وَبَذَلُوا الزَّكوات، إلا ما كان مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ فإنَّه مُتَحَيِّرٌ فِي أَمْرِهِ، مُتَنَحٍّ عَنِ النَّاس، فَجَاءَتْهُ السَّرايا فَأَسَرُوهُ وَأَسَرُوا مَعَهُ أَصْحَابَهُ، وَاخْتَلَفَتِ السَّرية فِيهِمْ، فَشَهِدَ أَبُو قتادة - الحرث بْنُ رِبْعِيِّ الْأَنْصَارِيِّ - أنَّهم أَقَامُوا الصَّلاة، وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّهم لَمْ يؤذِّنوا وَلَا صلُّوا، فَيُقَالُ إِنَّ الْأُسَارَى بَاتُوا فِي كُبُولِهِمْ فِي لَيْلَةٍ شديدة البرد، فنادى منادي خالد: أن أدفئوا أَسْرَاكُمْ (1) ، فظنَّ الْقَوْمُ أنَّه أَرَادَ الْقَتْلَ، فَقَتَلُوهُمْ، وَقَتَلَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ (2) مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ، فلمَّا سمع الدَّاعية خَرَجَ وَقَدْ فَرَغُوا مِنْهُمْ، فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا أَصَابَهُ * وَاصْطَفَى خَالِدٌ امْرَأَةَ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وَهِيَ أُمُّ تَمِيمٍ ابْنَةُ الْمِنْهَالِ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً، فلمَّا حَلَّتْ بَنَى بِهَا، وَيُقَالُ: بَلِ اسْتَدْعَى خَالِدٌ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ فأنَّبه عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ مُتَابَعَةِ سَجَاحِ، وَعَلَى مَنْعِهِ الزَّكاة، وَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهَا قَرِينَةُ الصَّلاة؟ فَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ صَاحِبَكُمْ كَانَ يَزْعُمُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَهْوَ صَاحِبُنَا وَلَيْسَ بِصَاحِبِكَ؟ يا ضرار إضرب عنقه، فضربت عُنُقَهُ، وَأَمَرَ بِرَأْسِهِ فَجُعِلَ مَعَ حَجَرَيْنِ وَطُبِخَ عَلَى الثَّلاثة قِدْرًا، فَأَكَلَ مِنْهَا خَالِدٌ تِلْكَ اللَّيلة لِيُرْهِبَ بِذَلِكَ الْأَعْرَابَ، مِنَ المرتدَّة وَغَيْرِهِمْ، وَيُقَالُ: إنَّ شَعْرَ مَالِكٍ جَعَلَتِ النَّار تَعْمَلُ فِيهِ إِلَى أَنْ نَضِجَ لَحْمِ الْقِدْرِ وَلَمْ تفرغ الشَّعر لِكَثْرَتِهِ، وَقَدْ تكلَّم أَبُو قَتَادَةَ مَعَ خَالِدٍ فِيمَا صَنَعَ وَتَقَاوَلَا فِي ذَلِكَ حَتَّى ذَهَبَ أَبُو قَتَادَةَ فَشَكَاهُ إِلَى الصِّديق، وتكلَّم عُمَرُ مَعَ أَبِي قَتَادَةَ فِي خَالِدٍ: وَقَالَ للصِّديق: اعْزِلْهُ فإنَّ فِي سَيْفِهِ رَهَقًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا أَشْيَمُ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الكفَّار، وَجَاءَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ فَجَعَلَ يَشْكُو إِلَى الصِّديق خَالِدًا، وَعُمَرُ يُسَاعِدُهُ وَيُنْشِدُ الصِّديق مَا قَالَ فِي أَخِيهِ مِنَ الْمَرَاثِي، فَوَدَاهُ الصِّديق مِنْ عِنْدِهِ، وَمَنْ قَوْلِ مُتَمِّمٍ فِي ذَلِكَ: وكنَّا كَنَدْمَانى جُذيمَةَ بُرهةً (3) * مِنَ الدَّهر حَتَّى قيلَ لنْ يتصدعا
__________
(1) ادفئوا اسراكم: في لغة كنانة تعني القتل.
(2) في الطبري: عبد بن الأزور الأسدي، وعند الكلبي وابن الاثير فكالاصل.
(3) في الكامل لابن الاثير: حقبة.
(*)
(6/354)

فلمَّا تفرَّقنا كأنِّي وَمالكاً * لطولِ اجْتِمَاع لَمْ نبتْ ليلةٍ معا وقال أيضا: لقَد لامَني عِنْدَ العُبورِ عَلى البُكَى * رَفْيقِي لتذرَافِ الدُّموعِ السَّوافِكِ وَقَالَ أتَبْكِي كلَّ قبرٍ رأيتَهُ * لقَبرٌ ثَوى بَيْنَ اللِّوى فَالدكَادِكِ فقلتُ لهُ إنَّ الأسَى يبعثُ الأسَى * فدَعْني فَهَذَا كلَّه قبرُ مَالِكِ وَالْمَقْصُودُ أنَّه لَمْ يَزَلْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يحرِّض الصِّديق ويذمِّره عَلَى عَزْلِ خَالِدٍ عَنِ الإمرة ويقول: إنَّ في سيفه لرهقاً، حتَّى بَعَثَ الصِّديق إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فقدم عليه المدينة، وقد لبس درعه التي من حديد، وقد صَدِئَ مِنْ كَثْرَةِ الدِّماء، وَغَرَزَ فِي عِمَامَتِهِ الَّنشاب المضمَّخ بالدِّماء، فلمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخطَّاب فَانْتَزَعَ الْأَسْهُمَ مِنْ عِمَامَةَ خَالِدٍ فحطَّمها، وَقَالَ: أَرِيَاءً قَتَلْتَ امْرَأً مُسْلِمًا ثمَّ نَزَوْتَ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَاللَّهِ لارجمنَّك بالجنادل (1) .
وَخَالِدٌ لَا يكلِّمه، وَلَا يظنَّ إِلَّا أنَّ رَأْيَ الصِّديق فِيهِ كَرَأْيِ عُمَرَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَعَذَرَهُ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ وَوَدَى مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَعُمَرُ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ خَالِدٌ: هلمَّ إليَّ يَا ابْنَ أُمِّ شَمْلَةَ (2) ، فَلَمْ يردَّ عَلَيْهِ وَعَرَفَ أنَّ الصِّديق قَدْ رَضِيَ عَنْهُ، واستمرَّ أَبُو بَكْرٍ بِخَالِدٍ عَلَى الْإِمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ فِي قَتْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ وَأَخْطَأَ فِي قَتْلِهِ، كَمَا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى أبي جَذِيمَةَ فَقَتَلَ أُولَئِكَ الْأُسَارَى الَّذِينَ قَالُوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، وَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَوَدَّاهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رد إليهم مليغة الْكَلْبِ، وَرَفْعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يعزل خالد على الإمرة.
مقتل مسيلمة الكذَّاب لعنه الله
لمَّا رَضِيَ الصِّديق عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَذَرَهُ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ، بَعَثَهُ (3) إِلَى قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ بِالْيَمَامَةِ: وَأَوْعَبَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَعَلَى الْأَنْصَارِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَسَارَ لَا يمرُّ بأحدٍ مِنَ المرتدِّين إِلَّا نكَّل بِهِمْ، وَقَدِ اجْتَازَ بِخُيُولٍ لِأَصْحَابِ سَجَاحِ فشرَّدهم وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَرْدَفَ الصِّديق خالداً بسرية لتكن رِدْءًا لَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَدْ كَانَ بَعَثَ قَبْلَهُ إِلَى مُسَيْلِمَةَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهِلٍ، وشرحبيل بن حَسَنَةَ، فَلَمْ يُقَاوِمَا بَنِي حَنِيفَةَ، لأنَّهم فِي نحو أربعين ألفاً من المقاتلة، فجعل عكرمة قبل مجئ صَاحِبِهِ شُرَحْبِيلَ، فَنَاجَزَهُمْ فَنُكِبَ، فَانْتَظَرَ خَالِدًا، فَلَمَّا سمع
__________
(1) في الطبري والكامل: بأحجارك.
(2) في الكامل لابن الاثير: سلمة.
(3) قال ابن الاعثم في الفتوح 1 / 23 أن خالدا أقام بالبطاح من أرض بني تميم بعد قتله مالك بن نويرة ينتظر أمر أبي بكر - ومعه امرأته أم تميم - وثم كتب أبو بكر إلى خالد.
انظر نصه في كتاب الفتوح 1 / 26.
(*)
(6/355)

مُسَيْلِمَةُ بِقُدُومِ خَالِدٍ عَسْكَرَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: عقربا فِي طَرَفِ الْيَمَامَةِ وَالرِّيفُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَنَدَبَ النَّاس وحثَّهم، فَحَشَدَ لَهُ أَهْلَ الْيَمَامَةِ، وَجَعَلَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْ جَيْشِهِ الْمُحْكَمَ بْنَ الطُّفَيْلِ، والرَّجْال بْنَ عُنْفُوَةَ بْنِ نَهْشَلٍ، وَكَانَ الرَّجْال هَذَا صَدِيقُهُ الَّذِي شَهِدَ لَهُ أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّه قَدْ أَشْرَكَ مَعَهُ مُسَيْلِمَةَ بْنَ حَبِيبٍ فِي الأمر، وكان هَذَا الْمَلْعُونُ مِنْ أَكْبَرِ مَا أضلَّ أَهْلَ الْيَمَامَةِ، حَتَّى اتَّبعوا مُسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ كَانَ الرَّجْال هَذَا قَدْ وَفَدَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ، وَجَاءَ زَمَنَ الرِّدَّة إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَعَثَهُ إِلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ويثبِّتهم عَلَى الْإِسْلَامِ، فارتدَّ مَعَ مُسَيْلِمَةَ وَشَهِدَ لَهُ بالنُّبُّوة * قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فِي رَهْطٍ مَعَنَا الرَّجْال بْنُ عُنْفُوَةَ، فَقَالَ: إنَّ فِيكُمْ لرجلاً ضرسه في النَّار أعظم من واحد، فَهَلَكَ الْقَوْمُ وَبَقِيتُ أَنَا والرَّجْال وَكُنْتُ مُتَخَوِّفًا لَهَا، حَتَّى خَرَجَ الرَّجْال مَعَ مُسَيْلِمَةَ وَشَهِدَ لَهُ بالنُّبُّوة، فَكَانَتْ فِتْنَةُ الرَّجْال أَعْظَمَ مِنْ فتنة مسيلمة * رواه ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ شَيْخٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ * وقرب خالد وقد جعل على المقدِّمة شرحبيل بن حَسَنَةَ، وَعَلَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ زَيْدًا وَأَبَا
حُذَيْفَةَ، وَقَدْ مرَّت المقدِّمة فِي اللَّيل بِنَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ ستِّين فَارِسًا (1) ، عَلَيْهِمْ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ، وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ لِأَخْذِ ثَأْرٍ لَهُ فِي بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى قومه فأخذوهم فلما جئ بهم إلى خالد عن آخرهم فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ فَلَمْ يصدِّقهم، وَأَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ كلَّهم، سِوَى مُجَّاعَةَ فإنَّه اسْتَبْقَاهُ مُقَيَّدًا عِنْدَهُ - لِعِلْمِهِ بِالْحَرْبِ وَالْمَكِيدَةِ - وَكَانَ سَيِّدًا فِي بَنِي حَنِيفَةَ، شَرِيفًا مُطَاعًا، وَيُقَالُ: إنَّ خَالِدًا لمَّا عُرِضُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ يَا بَنِي حَنِيفَةَ؟ قَالُوا: نَقُولُ منَّا نَبِيٌّ وَمِنْكُمْ نَبِيٌّ، فَقَتَلَهُمْ إِلَّا وَاحِدًا اسْمُهُ سَارِيَةُ، فَقَالَ له: أيُّها الرَّجل إن كنت تريد عداً بعدول هذا خَيْرًا أَوْ شَرًّا فَاسْتَبْقِ هَذَا الرَّجل - يَعْنِي مُجَّاعَةَ بْنَ مُرَارَةَ - فَاسْتَبْقَاهُ خَالِدٌ مُقَيَّدًا، وَجَعَلَهُ فِي الْخَيْمَةِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَقَالَ: اسْتَوْصِي بِهِ خَيْرًا، فلمَّا تَوَاجَهَ الْجَيْشَانِ قَالَ مُسَيْلِمَةُ لِقَوْمِهِ: اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تستنكح النِّساء سبيَّات، وينكحن غير حظيات، فقاتلوا على أَحِسَابِكُمْ وَامْنَعُوا نِسَاءَكُمْ، وتقدَّم الْمُسْلِمُونَ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ خَالِدٌ عَلَى كَثِيبٍ يُشْرِفُ عَلَى الْيَمَامَةِ، فَضَرَبَ بِهِ عَسْكَرَهُ، وَرَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَرَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ ثَابِتِ بن قيس ين شَمَّاسٍ، وَالْعَرَبُ عَلَى رَايَاتِهَا، وَمُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ مقيَّد فِي الْخَيْمَةِ مَعَ أُمِّ تَمِيمٍ امْرَأَةِ خالد، فاصطدم المسلمون والكفَّار فكانت جَوْلَةٌ وَانْهَزَمَتِ الْأَعْرَابُ حتَّى دَخَلَتْ بَنُو حَنِيفَةَ خَيْمَةَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وهمُّوا بِقَتْلِ أُمِّ تَمِيمٍ، حَتَّى أَجَارَهَا مُجَّاعَةُ وَقَالَ: نِعْمَتِ الحرَّة هَذِهِ، وَقَدْ قُتل الرَّجْال بْنُ عُنْفُوَةَ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْجَوْلَةِ، قَتَلَهُ زَيْدُ بْنُ الخطَّاب، ثمَّ تَذَامَرَ الصَّحابة بَيْنَهُمْ وَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ: بِئْسَ مَا عوَّدتم أَقْرَانَكُمْ، وَنَادَوْا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: اخْلُصْنَا يَا خَالِدُ، فَخَلَصَتْ ثلَّة مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَحَمِيَ البراء بن معرور - وَكَانَ إِذَا رَأَى الْحَرْبَ أَخَذَتْهُ الْعُرَوَاءُ فَيَجْلِسُ على ظهر الرجال حَتَّى يَبُولَ فِي سَرَاوِيلِهِ، ثمَّ يَثُورُ كَمَا يَثُورُ الْأَسَدُ، وَقَاتَلَتْ بَنُو حَنِيفَةَ قِتَالًا لَمْ يعهد مثله،
__________
(1) في ابن الاعثم: ثلاثة وعشرون رجلاً.
(*)
(6/356)

وَجَعَلَتِ الصَّحابة يَتَوَاصَوْنَ بَيْنَهُمْ وَيَقُولُونَ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، بَطَلَ السِّحر الْيَوْمَ، وَحَفَرَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِقَدَمَيْهِ فِي الْأَرْضِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَهُوَ حَامِلُ لِوَاءِ الْأَنْصَارِ بَعْدَمَا تحنَّط وتكفَّن،
فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا حَتَّى قُتِلَ هُنَاكَ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: أَتَخْشَى أَنْ نُؤْتَى مِنْ قِبَلِكَ؟ فَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ الخطَّاب: أيُّها النَّاس عضُّوا عَلَى أَضْرَاسِكُمْ وَاضْرِبُوا فِي عدوِّكم وَامْضُوا قُدُمًا، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أتكلَّم حَتَّى يَهْزِمَهُمُ اللَّهُ أَوْ أَلْقَى اللَّهَ فأكلِّمه بحجَّتي، فَقُتِلَ شَهِيدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * وَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ زيِّنوا الْقُرْآنَ بِالْفِعَالِ، وَحَمَلَ فِيهِمْ حَتَّى أَبْعَدَهُمْ وَأُصِيبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَحَمَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى جاوزهم، وسار لجبال مُسَيْلِمَةَ وَجَعَلَ يترقَّب أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ فَيَقْتُلَهُ، ثمَّ رجع ثمَّ وقف بين الصَّفين ودعا الْبِرَازِ، وَقَالَ: أَنَا ابْنُ الْوَلِيدِ الْعَوْدِ، أَنَا ابْنُ عَامِرٍ وَزَيْدِ، ثمَّ نَادَى بِشِعَارِ الْمُسْلِمِينَ - وَكَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَئِذٍ يَا محمَّداه - وَجَعَلَ لَا يَبْرُزُ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ، وَلَا يَدْنُو منه شئ إِلَّا أَكَلَهُ، وَدَارَتْ رَحَى الْمُسْلِمِينَ ثمَّ اقْتَرَبَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النِّصف والرُّجوع إِلَى الحقِّ، فَجَعَلَ شَيْطَانُ مُسَيْلِمَةَ يَلْوِي عُنُقَهُ، لَا يَقْبَلُ مِنْهُ شَيْئًا، وكلَّما أَرَادَ مُسَيْلِمَةُ يُقَارِبُ مِنَ الْأَمْرِ صَرَفَهُ عَنْهُ شَيْطَانُهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ خَالِدٌ وَقَدْ ميَّز خَالِدٌ الْمُهَاجِرِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَكُلُّ بَنِي أَبٍ عَلَى رَايَتِهِمْ، يُقَاتِلُونَ تَحْتَهَا، حَتَّى يَعْرِفَ النَّاس مِنْ أَيْنَ يُؤْتَوْنَ، وَصَبَرَتِ الصَّحابة فِي هَذَا الْمَوْطِنِ صَبْرًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، وَلَمْ يَزَالُوا يتقدَّمون إِلَى نُحُورِ عدوِّهم حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وولَّى الكفَّار الْأَدْبَارَ، واتَّبعوهم يُقَتِّلُونَ فِي أَقْفَائِهِمْ، وَيَضَعُونَ السُّيُوفَ فِي رِقَابِهِمْ حَيْثُ شَاءُوا، حتَّى أَلْجَأُوهُمْ إِلَى حَدِيقَةِ الْمَوْتِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِمْ مُحَكَّمُ الْيَمَامَةِ - وَهُوَ مُحَكَّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ لَعَنَهُ اللَّهُ - بِدُخُولِهَا، فَدَخَلُوهَا وَفِيهَا عدوَّ اللَّهِ مُسَيْلِمَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَأَدْرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مُحَكَّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فِي عُنُقِهِ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَتَلَهُ (1) ، وَأَغْلَقَتْ بَنُو حَنِيفَةَ الْحَدِيقَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَحَاطَ بِهِمُ الصَّحابة، وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَلْقُونِي عَلَيْهِمْ فِي الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف وَرَفَعُوهَا بالرِّماح حَتَّى أَلْقَوْهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِ سُورِهَا، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ دُونَ بَابِهَا حَتَّى فَتَحَهُ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْحَدِيقَةَ مِنْ حِيطَانِهَا وَأَبْوَابِهَا يَقْتُلُونَ مِنْ فِيهَا مِنَ المرتدَّة مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، حَتَّى خَلَصُوا إِلَى مُسَيْلِمَةَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَإِذَا هُوَ وَاقِفٌ فِي ثُلْمَةِ جِدَارٍ كأنَّه جمل أورق، وهو يريد يتساند، لَا يَعْقِلُ مِنَ الْغَيْظِ، وَكَانَ إِذَا اعْتَرَاهُ شَيْطَانُهُ أَزَبَدَ حَتَّى يَخْرُجَ الزَّبد مِنْ شِدْقَيْهِ، فتقدَّم إِلَيْهِ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ
مُطْعِمٍ - قَاتِلُ حَمْزَةَ - فَرَمَاهُ بِحَرْبَتِهِ فَأَصَابَهُ وَخَرَجَتْ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَسَارَعَ إِلَيْهِ أَبُو دُجانة سمِاك بْنُ خَرَشَةَ، فَضَرْبَهُ بالسَّيف فَسَقَطَ، فنادت امرأة من القصر: وا أمير الوضاءة، قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ، فَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ قُتِلُوا فِي الْحَدِيقَةِ وَفِي الْمَعْرَكَةِ قَرِيبًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَقِيلَ: أَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا (2) ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ستُّمائة، وَقِيلَ: خَمْسُمِائَةٍ (3) ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وفيهم من
__________
(1) في الفتوح: قتله ثابت بن قيس الانصاري.
(2) في الطبري والكامل: وقتل من بني حنيفة في الفضاء سبعة الآف وفي حديقة الموت سبعة الآف.
وفي الطلب = (*)
(6/357)

سَادَاتِ الصَّحابة، وَأَعْيَانِ النَّاس مَنْ يُذْكَرُ بَعْدُ، وخرج خالد وتبعه مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ يَرْسِفُ فِي قُيُودِهِ، فَجَعَلَ يُرِيَهُ الْقَتْلَى ليعرِّفه بِمُسَيْلِمَةَ، فلمَّا مرُّوا بالرَّجْال بْنِ عُنْفُوَةَ قَالَ لَهُ خَالِدٌ: أَهَذَا هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَاللَّهِ هَذَا خَيْرٌ مِنْهُ، هَذَا الرَّجْال بْنُ عُنْفُوَةَ، قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ: ثمَّ مرُّوا برجل أصفر أخنس (1) ، فَقَالَ.
هَذَا صَاحِبُكُمْ، فَقَالَ خَالِدٌ: قبَّحكم اللَّهُ عَلَى اتِّباعكم هَذَا، ثمَّ بَعَثَ خَالِدٌ الْخُيُولَ حَوْلَ الْيَمَامَةِ يَلْتَقِطُونَ مَا حَوْلَ حُصُونِهَا مِنْ مَالٍ وَسَبْيٍ، ثمَّ عَزَمَ عَلَى غَزْوِ الْحُصُونِ وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ فِيهَا إِلَّا النِّساء والصِّبيان والشُّيوخ الكبار، فجدعه مُجَّاعَةُ فَقَالَ: أنَّها مَلْأَى رِجَالًا وَمُقَاتِلَةً فهلمَّ فصالحني عنها، فَصَالَحَهُ خَالِدٌ لِمَا رَأَى بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْجَهْدِ وَقَدْ كلُّوا مِنْ كَثْرَةِ الْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ، فَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَذْهَبَ إِلَيْهِمْ لِيُوَافِقُونِي عَلَى الصُّلح، فَقَالَ: اذْهَبْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ مُجَّاعَةُ فَأَمَرَ النِّساء أن يلبسن الحديد ويبرزن على رؤوس الْحُصُونِ، فَنَظَرَ خَالِدٌ فَإِذَا الشُّرفات مُمْتَلِئَةٌ مِنْ رؤوس النَّاس فظنَّهم كما قال مجاعة فانتظر الصُّلح، وَدَعَاهُمْ خَالِدٌ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَرَجَعُوا إِلَى الحقِّ وردَّ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ بَعْضَ مَا كَانَ أَخَذَ مِنَ السَّبي (2) ، وَسَاقَ الْبَاقِينَ إِلَى الصِّديق، وَقَدْ تسرَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِجَارِيَةٍ مِنْهُمْ، وَهِيَ أمُّ ابْنِهِ محمَّد الذي يقال له: محمد بن الْحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ ضِرَارُ بن الأزور في غزوة اليمامة هذه: فَلَو سُئِلَتْ عنَّا جنوبٌ لأخْبرَتْ * عَشِيَةَ سَالَتْ عَقربَاءُ ومُلْهَمُ وسَالَ بِفَرعِ الوَادِ حَتَّى تَرَقْرَقَتْ * حِجَارَتَهُ فِيهِ مِنَ القَومِ بالدَّمِ
عشيَّةَ لَا تُغني الرِّماحُ مَكَانها * وَلَا النَّبْلُ إِلَّا الْمَشْرَفِيُّ المُصَمَمِ
__________
= نحو منها.
(3) في الفتوح 1 / 40: ألف ومائتي رجل، [ومنهم] سبعمائة رجل كانوا حفاظ القرآن.
(1) في الطبري: رويجل أصيفر أخينس.
(2) أورد الطبري نص كتاب الصلح بين خالد بن الوليد ومجاعة بن مرارة وفيه: هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير وفلانا وفلانا قاضاهم على الصفراء والبيضاء ونصف السبي والحلقة والكراع وحائط من كل قرية ومزرعة على أن يسلموا ثم أنتم آمنون بأمان الله ولكم ذمة خالد بن الوليد وذمة أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وآله وذمم المسلمين على الوفاء.
(3 / 253) .
وفي فتوح ابن الاعثم: " على ثلث الكراع وربع السبي " وقد أرسل خالد كتابا إلى أبي بكر بشأن الصلح وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم.
لعبد الله بن عثمان خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله من خالد بن الوليد، أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى لم يرد بأهل اليمامة إلا ما صاروا إليه، وقد صالحت القوم على شئ من الصفراء والبيضاء وعلى ثلث الكراع وربع السبي ولعل الله تبارك وتعالى أن يجعل عاقبة صلحهم خيرا والسلام.
ورد أبو بكر جواب الكتاب: أما بعد فقد قرأت كتابك، وأما ما ذكرت فيه من صلح القوم.
فأتمم للقوم ما صالحتهم عليه ولا تغدر بهم واجمع الغنائم والسبي وما أفاء الله به عليك من مال بني حنيفة فأخرج من ذلك الخمس ووجه به إلينا ليقسم فيمن حضرنا من المسلمين وأدفع إلى كل ذي حق حقه والسلام (الفتوح 1 / 41) .
(*)
(6/358)

فإنْ تَبْتَغِي الكَفَار غير مسليمة * جنوبَ فإنِّي تابعٌ الدِّينِ مُسْلِمُ أجاهدُ إِذْ كَانَ الجهادُ غَنيمةً * وللهِ بالمرءِ المجاهدِ أعلَم وَقَدْ قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، ومحمَّد بْنُ جَرِيرٍ، وَخَلْقٌ مِنَ السَّلف: كَانَتْ وَقْعَةُ الْيَمَامَةِ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَقَالَ ابْنُ قَانِعٍ: فِي آخِرِهَا، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَآخَرُونَ: كَانَتْ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا أنَّ ابْتِدَاءَهَا فِي سِنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَالْفَرَاغَ مِنْهَا فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَاللَّهُ
أَعْلَمُ * ولمَّا قَدِمَتْ وُفُودُ بَنِي حَنِيفَةَ عَلَى الصِّديق قَالَ لَهُمْ: أسمعونا من قرآن مسيلمة، فقالوا: أو تعفينا يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا بدَّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: كَانَ يَقُولُ: يَا ضِفْدَعُ بنت الضِّفدعين نقِّي لكم نقِّين، لَا الْمَاءَ تكدِّرين وَلَا الشَّارب تَمْنَعِينْ، رَأْسُكِ فِي الْمَاءِ، وَذَنَبُكِ فِي الطِّين (1) ، وَكَانَ يَقُولُ: والمبذِّرات زَرْعًا، وَالْحَاصِدَاتِ حَصْدًا، والذَّاريات قَمْحًا، والطَّاحنات طِحْنًا، وَالْخَابِزَاتِ خَبْزًا، والثَّاردات ثَرْدًا، وَاللَّاقِمَاتِ لَقْمًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، لَقَدْ فضِّلتم عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ، وَمَا سَبَقَكُمْ أَهْلُ الْمَدَرِ، رَفِيقَكُمْ فَامْنَعُوهُ، وَالْمُعْتَرَّ فآووه، والنَّاعي فواسوه (2) ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ مِنْ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ الَّتِي يَأْنَفُ مِنْ قَوْلِهَا الصِّبيان وَهُمْ يَلْعَبُونَ، فَيُقَالُ: إنَّ الصِّديق قَالَ لَهُمْ: وَيَحَكُمُ، أَيْنَ كَانَ يُذْهَبُ بقولكم؟ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِلٍّ، وَكَانَ يَقُولُ: وَالْفِيلْ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِيلْ، لَهُ زلُّوم طَوِيلْ، وَكَانَ يَقُولُ: واللَّيل الدَّامس، والذِّئب الْهَامِسْ، مَا قَطَعَتْ أَسَدٌ مِنْ رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ، وتقدَّم قَوْلُهُ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بين صفاق وحشى، وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ السَّخيف الرَّكيك الْبَارِدِ السَّميج * وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ المتنبِّئين كَمُسَيْلِمَةَ وَطُلَيْحَةَ وَالْأَسْوَدِ وَسَجَاحِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ وَعُقُولِ مَنِ اتَّبعهم عَلَى ضَلَالِهِمْ ومحالِّهم * وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أيَّام جَاهِلِيَّتِهِ، فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: مَاذَا أُنْزِلَ عَلَى صَاحِبِكُمْ فِي هَذَا الْحِينِ؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ سُورَةٌ وَجِيزَةٌ بَلِيغَةٌ، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ * (وَالْعَصْرِ إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحات وَتَوَاصَوْا بالحقِّ وتواصوا بالصَّبر) * قَالَ: ففكَّر مُسَيْلِمَةُ سَاعَةً ثمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: وَلَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ مِثْلُهَا، فَقَالَ لَهُ عمرو: وما هي؟ فَقَالَ مُسَيْلِمَةُ: يَا وَبَرُ يَا وَبَرُ، إنَّما أنت إيراد وصدر، وسائرك حفر نَقْرٌ.
ثمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى يَا عَمْرُو؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو: وَاللَّهِ إنَّك لَتَعْلَمُ أنِّي أعلم أنَّك تكذب * وَذَكَرَ عُلَمَاءُ التَّارِيخِ أَنَّهُ كَانَ يتشبَّه بالنَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، بَلَغَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَصَقَ فِي بئر فغزر ماؤه، فبصق في بئر فغاض ماؤه بالكلِّية: وفي أخرى فصار ماؤه أُجَاجًا، وَتَوَضَّأَ وَسَقَى بِوَضُوئِهِ نَخْلًا فَيَبِسَتْ وَهَلَكَتْ، وأتى بولدان يبرِّك عليهم فجعل يمسح رؤوسهم فَمِنْهُمْ مَنْ قُرِعَ
رَأْسُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لُثِغَ لِسَانُهُ، وَيُقَالُ: إنَّه دَعَا لِرَجُلٍ أَصَابَهُ وَجَعٌ في عينيه فمسحهما فعمي * وقال
__________
(1) في الطبري: أعلاك في الماء وأسفلك في الطين.
(2) في الطبري: والباغي فناوئوه.
(*)
(6/359)

سيف بن عمر عن خليد بن زفر النَّمَرِيِّ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْيَمَامَةِ فَقَالَ: أَيْنَ مُسَيْلِمَةُ؟ فقال: مَهْ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا حَتَّى أَرَاهُ، فلما جاء قَالَ: أَنْتَ مُسَيْلِمَةُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مَنْ يأتيك؟ قال: رجس (1) ، قَالَ: أَفِي نُورٍ أَمْ فِي ظُلْمَةٍ؟ فَقَالَ: فِي ظُلْمَةٍ، فَقَالَ أَشْهَدُ أنَّك كذَّاب وإنَّ محمَّداً صَادِقٌ، وَلَكِنْ كذَّاب رَبِيعَةَ أحبُّ إِلَيْنَا مِنْ صَادَقِ مُضَرَ (2) ، واتَّبعه هَذَا الْأَعْرَابِيُّ الْجِلْفُ لعنه الله حتى قتل معه يوم عقربا، لا رحمه الله.
ذَكْرُ ردَّة أَهْلِ الْبَحْرِينِ وَعَوْدِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ
كَانَ مِنْ خَبَرِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم كَانَ قَدْ بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى مَلِكِهَا، الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى العبديّ، وأسلم عَلَى يَدَيْهِ وَأَقَامَ فِيهِمُ الْإِسْلَامَ وَالْعَدْلَ، فلمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، توفِّي الْمُنْذِرُ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، وَكَانَ قَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ فِي مَرَضِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرُو هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَجْعَلُ لِلْمَرِيضِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الثُّلُثَ، قَالَ: مَاذَا أَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ تصدَّقت بِهِ عَلَى أَقْرِبَائِكَ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى الْمَحَاوِيجِ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ صَدَقَةً مِنْ بَعْدِكَ حَبْسًا مُحَرَّمًا، فَقَالَ: إنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَجْعَلَهُ كَالْبَحِيرَةِ والسَّائبة والوصيلة والحام، ولكنِّي أتصدَّق بِهِ، فَفَعَلَ، وَمَاتَ فَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يتعجَّب مِنْهُ، فلمَّا مَاتَ الْمُنْذِرُ ارتدَّ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ وملَّكوا عَلَيْهِمُ الْغَرُورَ، وَهُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَوْ كَانَ محمَّد نَبِيًّا مَا مَاتَ، وَلَمْ يَبْقَ بِهَا بَلْدَةٌ عَلَى الثَّبات سِوَى قَرْيَةٍ يقال لها جواثا، كَانَتْ أوَّل قَرْيَةٍ أَقَامَتِ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّة كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ حَاصَرَهُمُ المرتدُّون وضيَّقوا عَلَيْهِمْ، حَتَّى مُنِعُوا مِنَ الْأَقْوَاتِ وَجَاعُوا جَوْعًا شَدِيدًا حتَّى فرَّج اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَذَفٍ، أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ، وَقَدِ اشتدَّ عَلَيْهِ الْجُوعُ: -
أَلَا أَبْلِغْ أبَا بَكْرٍ رَسُولا * وَفتيانِ المدينَةِ أجمعينَا فَهَلْ لَكُمْ إِلَى قِومٍ كرامٍ * قعودٌ في جَواثا محصرينَا كأنَّ دِماءهُمْ فِي كلِّ فجِّ * شعاعَ الشَّمسِ يغشَى النَّاظرينَا توكَّلنَا عَلَى الرَّحمن إِنَّا * قد وَجَدْنَا الصَّبر للمتَوَكِّلينَا (3) وَقَدْ قَامَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَهُوَ الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى - وَكَانَ ممَّن هاجروا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم - خَطِيبًا وَقَدْ جَمَعَهُمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، إنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ أَمْرٍ فَأَخْبِرُونِي إِنْ علمتوه، وَلَا تُجِيبُونِي إِنْ لَمْ تَعْلَمُوهُ، فَقَالُوا: سَلْ، قَالَ: أَتَعْلَمُونَ أنَّه كَانَ لِلَّهِ أَنْبِيَاءُ قَبْلَ محمَّد؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُونَهُ أَمْ تَرَوْنَهُ؟ قَالُوا: نَعْلَمُهُ، قَالَ: فَمَا فَعَلُوا؟ قَالُوا: مَاتُوا، قال:
__________
(1) في الطبري: " رحمن ".
(2) في رواية الكلبي: ولكن كذَّاب ربيعة أحب إلى من كذاب مضر.
(3) في الكامل لابن الاثير: " النصر " بدل " الصبر ".
(*)
(6/360)

فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ كَمَا مَاتُوا وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: وَنَحْنُ أَيْضًا نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْتَ أَفْضَلُنَا وَسَيِّدُنَا، وَثَبَتُوا عَلَى إِسْلَامِهِمْ، وَتَرَكُوا بَقِيَّةَ النَّاس فِيمَا هُمْ فِيهِ، وَبَعَثَ الصِّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا قدَّمنا إِلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فلمَّا دَنَا مِنَ الْبَحْرَيْنِ جَاءَ إِلَيْهِ ثُمَامَةُ بن أثال في محفل كبير، وَجَاءَ كلُّ أُمَرَاءِ تِلْكَ النَّواحي فَانْضَافُوا إِلَى جَيْشِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، فَأَكْرَمَهُمُ الْعَلَاءُ وترحَّب بِهِمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ كَانَ الْعَلَاءُ مِنْ سَادَاتِ الصَّحابة الْعُلَمَاءِ العبَّاد مُجَابِي الدَّعوة، اتَّفق لَهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أنَّه نَزَلَ مَنْزِلًا فَلَمْ يَسْتَقِرَّ النَّاس عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى نَفَرَتِ الْإِبِلُ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ زَادِ الْجَيْشِ وَخِيَامِهِمْ وشرابهم، وبقوا على الأرض ليس معهم شئ سِوَى ثِيَابِهِمْ - وَذَلِكَ لَيْلًا - وَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهَا عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ، فَرَكِبَ النَّاس مِنَ الهمِّ والغمِّ مالا يُحَدُّ وَلَا يُوَصَفُ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُوصِي إِلَى بَعْضٍ، فَنَادَى مُنَادِي الْعَلَاءِ فَاجْتَمَعَ النَّاس إِلَيْهِ، فَقَالَ: أيُّها النَّاس أَلَسْتُمُ الْمُسْلِمِينَ؟ أَلَسْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟
أَلَسْتُمْ أَنْصَارَ اللَّهِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَأَبْشِرُوا فَوَاللَّهِ لَا يَخْذِلُ اللَّهُ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِكُمْ، وَنُودِيَ بِصَلَاةِ الصُّبح حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فصلَّى بالنَّاس، فلمَّا قَضَى الصَّلاة جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَجَثَا النَّاس، وَنَصِبَ فِي الدُّعاء وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَفَعَلَ النَّاس مِثْلَهُ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَجَعَلَ النَّاس يَنْظُرُونَ إِلَى سَرَابِ الشَّمس يَلْمَعُ مرَّة بَعْدَ أُخْرَى وَهُوَ يجتهد في الدُّعاء فلمَّا بلغ الثَّالثة إِذَا قَدْ خَلَقَ اللَّهُ إِلَى جَانِبِهِمْ غديراً عظيماً من الماء القراح، فمشى النَّاس إِلَيْهِ فَشَرِبُوا وَاغْتَسَلُوا، فَمَا تَعَالَى النَّهار حَتَّى أَقْبَلَتِ الْإِبِلُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ بِمَا عَلَيْهَا، لَمْ يَفْقِدِ النَّاس مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ سِلْكًا، فَسَقَوُا الْإِبِلَ عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ.
فَكَانَ هَذَا ممَّا عَايَنَ النَّاس مِنْ آيَاتِ اللَّهِ بِهَذِهِ السَّرية، ثمَّ لمَّا اقْتَرَبَ مِنْ جُيُوشِ المرتدَّة - وَقَدْ حَشَدُوا وَجَمَعُوا خَلْقًا عَظِيمًا - نَزَلَ وَنَزَلُوا، وَبَاتُوا مُتَجَاوِرِينَ فِي الْمَنَازِلِ، فَبَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي اللَّيل إِذْ سَمِعَ الْعَلَاءُ أَصْوَاتًا عَالِيَةً فِي جَيْشِ المرتدِّين، فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْشِفُ لَنَا خَبَرَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَذَفٍ فَدَخَلَ فِيهِمْ فَوَجَدَهُمْ سُكَارَى لَا يَعْقِلُونَ مِنَ الشَّراب، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ، فَرَكِبَ الْعَلَاءُ مِنْ فوره وَالْجَيْشُ مَعَهُ فَكَبَسُوا أُولَئِكَ فَقَتَلُوهُمْ قَتْلًا عَظِيمًا، وقلَّ مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ وَحَوَاصِلِهِمْ وَأَثْقَالِهِمْ، فَكَانَتْ غَنِيمَةً عَظِيمَةً جَسِيمَةً، وَكَانَ الْحُطَمُ بْنُ ضُبَيْعَةَ أَخُو بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مِنْ سَادَاتِ الْقَوْمِ نَائِمًا، فَقَامَ دَهِشًا حِينَ اقْتَحَمَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَرَكِبَ جَوَادَهُ فَانْقَطَعَ رِكَابُهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: مَنْ يُصْلِحُ لِي رِكَابِي؟ فَجَاءَ رَجُلٌ (1) مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي اللَّيل فقال: أن أُصْلِحُهَا لَكَ، ارْفَعْ رَجْلَكَ، فلمَّا رَفَعَهَا ضَرْبَهُ بالسَّيف فَقَطْعَهَا مَعَ قَدَمِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَجْهِزْ عليَّ، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَوَقَعَ صَرِيعًا كلَّما مرَّ بِهِ أَحَدٌ يَسْأَلُهُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَيَأْبَى، حَتَّى مرَّ بِهِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ فَقَالَ له: أنا الحطم فاقتلني فقتله، فلمَّا وجد رِجْلَهُ مَقْطُوعَةً نَدِمَ عَلَى قَتْلِهِ وَقَالَ: وَاسَوْأَتَاهْ، لَوْ أَعْلَمُ مَا بِهِ لَمْ أحرِّكه، ثمَّ رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ فِي آثَارِ الْمُنْهَزِمِينَ، يَقْتُلُونَهُمْ بكلِّ مرصدٍ وَطَرِيقٍ، وَذَهَبَ مَنْ فرَّ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ فِي الْبَحْرِ إِلَى دَارِينَ رَكِبُوا إِلَيْهَا السُّفن، ثمَّ شرع العلاء بن
__________
(1) كما في الطبري.
واسمه عفيف بن المنذر أحد بني عمرو بن تميم.
(*)
(6/361)

الحضرميّ في قسم الغنيمة ونقل الأثقال وَفَرَغَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى دَارِينَ
لِنَغْزُوَ مَنْ بِهَا مِنَ الْأَعْدَاءِ، فأجابوا إلى ذلك سريعاً، فاسر بِهِمْ حَتَّى أَتَى سَاحِلَ الْبَحْرِ لِيَرْكَبُوا فِي السُّفن، فَرَأَى أنَّ الشَّقة بَعِيدَةٌ لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِمْ فِي السُّفن حَتَّى يَذْهَبَ أَعْدَاءُ اللَّهِ، فَاقْتَحَمَ الْبَحْرَ بِفَرَسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحمين، يا حكيم يَا كَرِيمُ، يَا أَحَدُ يَا صَمَدُ، يَا حيي يا محي، يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ يَا رَبَّنَا.
وَأَمَرَ الْجَيْشَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ وَيَقْتَحِمُوا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَأَجَازَ بِهِمُ الْخَلِيجَ بِإِذْنِ اللَّهِ يَمْشُونَ عَلَى مِثْلِ رَمْلَةٍ دَمِثَةٍ (1) فَوْقَهَا مَاءٌ لَا يَغْمُرُ أَخْفَافَ الْإِبِلِ، وَلَا يَصِلُ إِلَى رُكَبِ الْخَيْلِ، وَمَسِيرَتُهُ للسُّفن يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَقَطَعَهُ إِلَى السَّاحل الْآخَرِ فَقَاتَلَ عدوَّه وَقَهَرَهُمْ وَاحْتَازَ غَنَائِمَهُمْ ثمَّ رَجَعَ فَقَطَعَهُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَعَادَ إِلَى مَوْضِعِهِ الأوَّل، وَذَلِكَ كلَّه فِي يَوْمٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ مِنَ العدوِّ مُخْبِرًا، وَاسْتَاقَ الذَّراري وَالْأَنْعَامَ وَالْأَمْوَالَ، وَلَمْ يَفْقِدِ الْمُسْلِمُونَ فِي الْبَحْرِ شَيْئًا سوى عليقة فرس لرجل من الملسمين وَمَعَ هَذَا رَجَعَ الْعَلَاءُ فَجَاءَهُ بِهَا، ثمَّ قسَّم غَنَائِمَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ، فَأَصَابَ الْفَارِسُ أَلْفَيْنِ والرَّاجل أَلْفًا (2) ، مَعَ كَثْرَةِ الْجَيْشِ، وَكَتَبَ إِلَى الصِّديق فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ الصِّديق يَشْكُرُهُ عَلَى مَا صَنَعَ، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُرُورِهِمْ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ عَفِيفُ بْنُ الْمُنْذِرِ: ألمْ تَرَ أنَّ اللهَ ذَلَّلَ بحرهُ * وأَنْزَلَ بالكفَّارِ إحدى الجَلائِلِ دَعَونَا إلى شَقِّ البِحارِ فَجاءنَا * بأَعجبِ مِنْ فلقِ البِحارِ الأوائلِ وَقَدْ ذَكَرَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ أنَّه كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ وَالْمَشَاهِدِ الَّتِي رَأَوْهَا مِنْ أَمْرِ الْعَلَاءِ، وَمَا أَجْرَى اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْكَرَامَاتِ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هَجَرَ رَاهِبٌ فَأَسْلَمَ حِينَئِذٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَا دَعَاكَ إِلَى الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: خَشِيتُ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ أَنْ يَمْسَخَنِي اللَّهُ (3) ، لِمَا شَاهَدْتُ مِنَ الْآيَاتِ، قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ فِي الْهَوَاءِ وَقْتَ السَّحر دُعَاءً، قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: اللَّهم أَنْتَ الرَّحمن الرَّحيم، لَا إِلَهَ غيرك والبديع ليس قبلك شئ، والدَّائم غير الغافل، والذي لَا يَمُوتُ (4) ، وَخَالِقُ مَا يُرى وَمَا لَا يُرى، وَكُلَّ يَوْمٍ أَنْتَ فِي شَأْنٍ، وَعَلِمْتَ اللهم كل شئ عِلْمًا، قَالَ: فَعَلِمْتُ أنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُعَانُوا بِالْمَلَائِكَةِ إِلَّا وَهُمْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، قَالَ: فحسن إسلامه وكان الصَّحابة يسمعون منه.
__________
(1) في الطبري: ميثاء.
(2) في الطبري: للفارس ستة آلاف والراجل الفين.
(3) في الطبري والكامل: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني الله بعدها إن أنا لم أفعل: فيض في الرمال، وتمهيد أثباج البحر، ودعاء سمعته في عسكرهم ... (4) في الطبري: والحي الذي لا يموت.
(*)
(6/362)

ذكر ردَّة أهل عمان ومهرة اليمن
أمَّا أَهْلُ عُمَانَ فَنَبَغَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو التَّاج، لَقِيطُ بْنُ مَالِكٍ الْأَزْدِيُّ، وكان يسمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجُلَنْدِيَّ، فادَّعى النُّبُّوة أَيْضًا، وَتَابَعَهُ الْجَهَلَةُ مِنْ أَهْلِ عُمَانَ، فتغلَّب عَلَيْهَا وَقَهَرَ جَيْفَرًا وعبَّاداً وَأَلْجَأَهُمَا إِلَى أَطْرَافِهَا، مِنْ نَوَاحِي الْجِبَالِ وَالْبَحْرِ، فَبَعَثَ جَيْفَرٌ إِلَى الصِّديق فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ وَاسْتَجَاشَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الصِّديق بِأَمِيرَيْنِ وَهُمَا حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْحِمْيَرِيُّ، وَعَرْفَجَةُ الْبَارِقِيُّ مِنَ الْأَزْدِ، حُذَيْفَةُ إِلَى عُمَانَ، وَعَرْفَجَةُ إِلَى مَهْرَةَ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَجْتَمِعَا ويتَّفقا وَيَبْتَدِئَا بِعُمَانَ، وَحُذَيْفَةُ هُوَ الْأَمِيرُ، فَإِذَا سَارُوا إِلَى بِلَادِ مَهْرَةَ فَعَرْفَجَةُ الْأَمِيرُ * وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ لمَّا بَعَثَهُ الصِّديق إِلَى مُسَيْلِمَةَ وأتبعه بشرحبيل بن حسنة، عجَّل عكرمة وناهض مسيلمة قبل مجئ شُرَحْبِيلَ لِيَفُوزَ بِالظَّفَرِ وَحْدَهُ، فَنَالَهُ مِنْ مُسَيْلِمَةَ قَرْحٌ وَالَّذِينَ مَعَهُ، فَتَقَهْقَرَ حَتَّى جَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَهَرَ مُسَيْلِمَةَ كَمَا تقدَّم، وَكَتَبَ إِلَيْهِ الصِّديق يَلُومُهُ عَلَى تسرِّعه، قَالَ: لَا أَرَيَنَّكَ وَلَا أَسْمَعْنَّ بِكَ إِلَّا بَعْدَ بَلَاءٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِحُذَيْفَةَ وَعَرْفَجَةَ إِلَى عُمَانَ، وكلٍّ منكم أمير على جيشه وَحُذَيْفَةَ مَا دُمْتُمْ بِعُمَانَ فَهُوَ أَمِيرُ النَّاس، فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَاذْهَبُوا إِلَى مَهْرَةَ، فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنْهَا فَاذْهَبْ إِلَى الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ فَكُنْ مَعَ الْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَمَنْ لَقِيتَهُ مِنَ المرتدَّة بَيْنَ عُمَانَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ وَالْيَمَنِ فنكِّل بِهِ، فَسَارَ عِكْرِمَةَ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ الصِّديق، فَلَحِقَ حُذَيْفَةَ وَعَرْفَجَةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَا إِلَى عُمَانَ، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِمَا الصِّديق أَنْ يَنْتَهِيَا إِلَى رَأْيِ عِكْرِمَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ السَّير مِنْ عُمَانَ أَوِ الْمُقَامِ بِهَا، فَسَارُوا فلمَّا اقتربوا من عمان راسلوا جيفراً، وبلغ لقيط بن مالك مجئ الْجَيْشِ، فَخَرَجَ فِي
جُمُوعِهِ فَعَسْكَرَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: دَبَا، وَهِيَ مِصْرُ تِلْكَ الْبِلَادِ وَسُوقُهَا الْعُظْمَى، وَجَعَلَ الذَّراري وَالْأَمْوَالَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، لِيَكُونَ أقوى لحربهم، واجتمع جيفر وعبَّاد بمكان ويقال لَهُ صُحَارُ، فَعَسْكَرَا بِهِ وَبَعَثَا إِلَى أُمَرَاءِ الصِّديق فَقَدِمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَتَقَابَلَ الْجَيْشَانِ هُنَالِكَ، وَتَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ وَكَادُوا أَنْ يولُّوا، فمنَّ اللَّهُ بِكَرَمِهِ وَلُطْفِهِ أَنْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مَدَدًا، فِي السَّاعة الرَّاهنة مِنْ بَنِي نَاجِيَةَ وَعَبْدِ الْقَيْسِ، فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ (1) ، فلمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِمْ كَانَ الْفَتْحُ والنَّصر، فولَّى الْمُشْرِكُونَ مُدْبِرِينَ، وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ ظُهُورَهُمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ وَسَبَوُا الذَّراري وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ والسُّوق بِحَذَافِيرِهَا، وَبَعَثُوا بِالْخُمُسِ إِلَى الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ أَحَدِ الْأُمَرَاءِ، وَهُوَ عَرْفَجَةُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ.
وأمَّا مَهْرَةُ فأنَّهم لمَّا فَرَغُوا مِنْ عُمَانَ كَمَا ذَكَرْنَا، سَارَ عِكْرِمَةُ بالنَّاس إِلَى بِلَادِ مَهْرَةَ، بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ وَمَنْ أُضِيفَ إِلَيْهَا، حَتَّى اقْتَحَمَ عَلَى مَهْرَةَ بِلَادَهَا، فَوَجَدَهُمْ جُنْدَيْنِ عَلَى أَحَدِهِمَا - وَهُمُ الْأَكْثَرُ - أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ: الْمُصَبَّحُ، أَحَدُ بَنِي مُحَارِبٍ، وَعَلَى الْجُنْدِ الْآخَرِ أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ: شِخْرِيتُ، وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَكَانَ هَذَا الِاخْتِلَافُ رَحْمَةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَرَاسَلَ عِكْرِمَةُ شِخْرِيتَ فَأَجَابَهُ وَانْضَافَ إِلَى عِكْرِمَةَ فَقَوِيَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَضَعُفَ
__________
(1) في الطبري والكامل: على بني ناجية الخريت بن راشد.
وعلى عبد القيس سيحان بن صوحان.
(*)
(6/363)

جَأْشُ الْمُصَبَّحِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عِكْرِمَةُ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى السَّمع والطَّاعة، فاغترَّ بِكَثْرَةِ مَنْ معه ومخالفةً لشخريت، فتمادى على طُغْيَانِهِ فَسَارَ إِلَيْهِ عِكْرِمَةُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ فَاقْتَتَلُوا مَعَ الْمُصَبَّحِ أشدَّ مِنْ قِتَالِ دبا المتقدِّم، ثمَّ فتح الله بالظَّفر والنَّصر، ففرَّ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ الْمُصَبَّحُ، وَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ أَمْوَالَهُمْ، فَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا غَنِمُوا أَلْفَا نَجِيبَةٍ فخمَّس عِكْرِمَةُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَبَعَثَ بِخُمُسِهِ إِلَى الصِّديق مَعَ شِخْرِيتَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالْبِشَارَةِ مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: السَّائب، مِنْ بَنِي عَابِدٍ مِنْ مَخْزُومٍ، وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ رجل يقال له علجوم [المحاربي] : جزى اللهُ شَخْريتاً وأَفْناءَ هاشمَاً * وَفرضِم إذْ سارَتْ إلينَا الحلائب جزاء مسئ لمْ يُراقَبْ لذِمَّةٍ * ولمْ يُرجِهَا فِيمَا يُرجَّى الأقَاربُ
أعِكرمُ لَولا جمْعُ قَومِي وَفعلهُمْ * لَضَاقَتْ عليكُمْ بالفضاءِ المذَاهبُ وكنَّا كَمَنِ اقتادَ كفَّاً بأختهَا * وحلَّتْ عَلينا فِي الدُّهورِ النَّوائِبُ وأمَّا أَهْلُ الْيَمَنِ فَقَدْ قدَّمنا أنَّ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ لَعَنَهُ اللَّهُ لمَّا نَبَغَ بِالْيَمَنِ، أضلَّ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ ضُعَفَاءِ الْعُقُولِ وَالْأَدْيَانِ حَتَّى ارتدَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، وأنَّه لمَّا قَتَلَهُ الْأُمَرَاءُ الثَّلاثة قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ وَفَيْرُوزُ الدَّيلميّ، وَدَاذَوَيْهِ، وَكَانَ مَا قدَّمنا ذِكْرَهُ، ولمَّا بَلَغَهُمْ مَوْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم ازْدَادَ بَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْحَيْرَةِ والشَّكِّ، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَطَمِعَ قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ فِي الْإِمْرَةِ بِالْيَمَنِ، فَعَمِلَ لِذَلِكَ، وارتدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَتَابَعَهُ عَوَامُّ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَكَتَبَ الصِّديق إِلَى الْأُمَرَاءِ والرُّؤساء (1) ، مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَنْ يَكُونُوا [عَوْنًا إِلَى] فَيْرُوزَ وَالْأَبْنَاءِ عَلَى قَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ جُنُودُهُ سَرِيعًا، وَحَرَصَ قَيْسٌ عَلَى قَتْلِ الْأَمِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، فَلَمْ يَقْدِرْ إِلَّا عَلَى دَاذَوَيْهِ، وَاحْتَرَزَ مِنْهُ فَيْرُوزُ الدَّيلميّ، وَذَلِكَ أنَّه عَمِلَ طَعَامًا وَأَرْسَلَ إِلَى دَاذَوَيْهِ أَوَّلًا، فلمَّا جَاءَهُ عجَّل عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى فَيْرُوزَ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّريق سَمِعَ امْرَأَةً تَقُولُ لِأُخْرَى: وَهَذَا أَيْضًا وَاللَّهِ مَقْتُولٌ كَمَا قُتِلَ صَاحِبُهُ، فَرَجَعَ مِنَ الطَّريق وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِقَتْلِ دَاذَوَيْهِ، وَخَرَجَ إِلَى أَخْوَالِهِ خَوْلَانَ فتحصَّن عِنْدَهُمْ وَسَاعَدَتْهُ عُقَيْلٌ، وَعَكٌّ وَخَلْقٌ، وَعَمَدَ قَيْسٌ إِلَى ذَرَارِيِّ فَيْرُوزَ وَدَاذَوَيْهِ وَالْأَبْنَاءِ فَأَجْلَاهُمْ عَنِ الْيَمَنِ، وَأَرْسَلَ طَائِفَةً فِي البرِّ وَطَائِفَةً فِي الْبَحْرِ فاحتدَّ فَيْرُوزُ فَخَرَجَ في خلق كثير، فتصادف هُوَ وَقَيْسٌ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَهَزَمَ قَيْسًا وَجُنْدَهُ مِنَ الْعَوَامِّ، وَبَقِيَّةَ جُنْدِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، فهزموا فِي كُلِّ وَجْهٍ وَأُسِرَ قَيْسٌ وَعَمْرُو بْنُ معدي كرب، وكان عمرو قد ارتدَّ أيضاً، وبايع الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ، وَبَعَثَ بِهِمَا الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَسِيرَيْنِ، فعنَّفهما وأنَّبهما، فَاعْتَذَرَا إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُمَا علانيَّتهما، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمَا إِلَى اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُمَا وردَّهما إِلَى قَوْمِهِمَا، وَرَجَعَتْ عمَّال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَانُوا بِالْيَمَنِ إِلَى أَمَاكِنِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا في حياته عليه السلام بَعْدَ حُرُوبٍ طَوِيلَةٍ، لَوِ اسْتَقْصَيْنَا إِيرَادَهَا لَطَالَ ذكرها،
__________
(1) في الطبري والكامل: كتب أبو بكر: إلى عمر ذي مران وإلى سعيد ذي زود وإلى سميفع ذي الكلاع وحوشب ذي ظليم وإلى شهر ذي يناف ... (*)
(6/364)

وملخَّصها أنَّه مَا مِنْ نَاحِيَةٍ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ إِلَّا وَحَصَلَ فِي أَهْلِهَا ردَّة لِبَعْضِ النَّاس، فَبَعَثَ الصِّديق إِلَيْهِمْ جُيُوشًا وَأُمَرَاءَ يَكُونُونَ عَوْنًا لِمَنْ فِي تِلْكَ النَّاحية مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَتَوَاجَهُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُؤْمِنُونَ فِي مَوْطِنٍ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ إِلَّا غَلَبَ جَيْشُ الصِّديق لِمَنْ هناك مِنَ المرتدِّين، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَغَنِمُوا مَغَانِمَ كَثِيرَةً، فيتقوُّون بِذَلِكَ عَلَى مَنْ هُنَالِكَ، وَيَبْعَثُونَ بِأَخْمَاسِ مَا يَغْنَمُونَ إِلَى الصِّديق فَيُنْفِقُهُ فِي النَّاس فَيَحْصُلُ لَهُمْ قوَّة أَيْضًا ويستعدُّون بِهِ عَلَى قِتَالِ مَنْ يُرِيدُونَ قِتَالَهُمْ مِنَ الْأَعَاجِمِ والرُّوم، عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ * وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ إِلَّا أَهْلُ طَاعَةٍ لله ولرسوله، وأهل ذمَّة مِنَ الصِّديق، كَأَهْلِ نَجْرَانَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وعامَّة مَا وَقَعَ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوبِ كَانَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ إِحْدَى عشرة وأوائل سنة اثنتي عَشْرَةَ * وَلْنَذْكُرْ بَعْدَ إِيرَادِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ مَنْ توفِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانِ، وَفِيهَا رَجَعَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ من اليمن.
وفيها استبقى (1) ، أَبُو بَكْرٍ الصِّديق عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ الله عنهما.
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ وَذَكَرْنَا مَعَهُمْ مَنْ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ لأنَّها كَانَتْ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ أنَّها فِي رَبِيعٍ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ * توفِّي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ فِي الدُّنيا وَالْآخِرَةِ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعِهَا الأوَّل يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا قدَّمنا بَيَانَهُ، وَبَعْدَهُ بِسِتَّةِ أَشْهَرٍ عَلَى الأَشْهَر، توفِّيت ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وتكنَّى بِأُمِّ أَبِيهَا، وَقَدْ كَانَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ عَهِدَ إِلَيْهَا أنَّها أوَّل أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ، وَقَالَ لَهَا مَعَ ذَلِكَ: أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجنَّة؟ وَكَانَتْ أَصْغَرَ بَنَاتِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ سِوَاهَا، فَلِهَذَا عَظُمَ أَجْرُهَا لأنَّها أُصِيبَتْ بِهِ عليه السلام وَيُقَالُ إنَّها كَانَتْ تَوْأَمًا لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَلَيْسَ له عليه السلام نسل إلا من جهتها، قال الزبير بن بكَّار: وقد روي أنه عليه السلام لَيْلَةَ زِفَافِ عَلِيٍّ عَلَى فَاطِمَةَ توضَّأ وصبَّ عَلَيْهِ وَعَلَى فَاطِمَةَ
وَدَعَا لَهُمَا أَنْ يُبَارَكَ فِي نَسْلِهِمَا، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ وَقِيلَ بَعْدَ أُحُدٍ، وَقِيلَ بَعْدَ تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَائِشَةَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ، وَبَنَى بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ بسبعة أشهر ونصف، فأصدقها درعه الحطمية وقيمتها أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ عُمُرُهَا إِذْ ذَاكَ خَمْسَ عَشْرَةَ (2) سَنَةٍ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ أسنَّ مِنْهَا بستِّ سِنِينَ.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ فِي تَزْوِيجِ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ لَمْ نَذْكُرْهَا رَغْبَةً عَنْهَا * فَوَلَدَتْ لَهُ حَسَنًا وَحُسَيْنًا وَمُحَسِّنًا وأمَّ كُلْثُومٍ - الَّتِي تزوَّج بِهَا عُمَرُ بْنُ الخطَّاب بَعْدَ ذَلِكَ - وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عفَّان، أنَّا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
__________
(1) في الطبري: استقضى، فكان عمر على القضاء أيام خلافته كلها.
(2) قال الواقدي: ثماني عشرة سنة (طبقات ابن سعد 8 / 22) .
(*)
(6/365)

علي أن رسول الله لمَّا زوَّجه فَاطِمَةَ بَعَثَ مَعَهَا بِخَمِيلَةٍ وَوِسَادَةٍ من أدم حشوها ليف، ورحى وسقاء وجرَّتين، قال عَلِيٌّ لِفَاطِمَةَ ذَاتَ يَوْمٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى لَقَدِ اشْتَكَيْتُ صَدْرِي، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ أَبَاكِ بِسَبْيٍ فَاذْهَبِي فَاسْتَخْدِمِيهِ، فَقَالَتْ: وَأَنَا وَاللَّهِ لقد طحنت حتى محلت يَدَايَ، فَأَتَتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكِ أَيْ بُنَيَّةِ؟ قَالَتْ جِئْتُ لأسلِّم عَلَيْكَ - وَاسْتَحْيَتْ أَنْ تَسْأَلَهُ - وَرَجَعَتْ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتِ؟ قَالَتِ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ، فَأَتَيَاهُ جَمِيعًا فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى اشْتَكَيْتُ صَدْرِي، وَقَالَتْ فاطمة: لقد طحنت حتى محلت يَدَايَ، وَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِسَبْيٍ وَسَعَةٍ فَأَخْدِمْنَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا وَأَدَعُ أَهْلَ الصِّفَّة تُطْوَى بُطُونُهُمْ لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ (1) ، فَرَجَعَا فَأَتَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ دَخَلَا فِي قَطِيفَتِهِمَا إِذَا غطَّت رؤوسهما تكشَّفت أقدامهما وإذا غطَّت أقدامهما تكشَّفت رؤوسهما، فَثَارَا، فَقَالَ: مَكَانَكُمَا، ثمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمَا بِخَيْرٍ ممَّا سَأَلْتُمَانِي؟ قَالَا: بَلَى، قَالَ، كَلِمَاتٌ علمنيهنَّ جِبْرِيلُ تُسَبِّحَانِ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدَانِ عَشْرًا، وتكبِّران عَشْرًا، وَإِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فسبِّحا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وكبِّرا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تركتهنَّ مُنْذُ علمنيهنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ الكوا: وَلَا لَيْلَةَ صفِّين؟ فَقَالَ: قَاتَلَكُمُ اللَّهُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، نَعَمْ وَلَا لَيْلَةَ صفِّين (2) * وَآخِرُ هَذَا
الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَقَدْ كَانَتْ فَاطِمَةُ صَابِرَةً مَعَ عَلِيٍّ عَلَى جَهْدِ الْعَيْشِ وَضِيقِهِ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ، ولكنَّه أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي وَقْتٍ بِدُرَّةَ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ، فَأَنِفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ ذلك وخطب النَّاس فقال: لَا أحرِّم حَلَالًا وَلَا أحلُّ حَرَامًا، وإنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ منِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تُفْتَنَ عَنْ دمها، ولكن إني أحبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يطلِّقها وَيَتَزَوَّجَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ فإنَّه وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ نَبِيِّ اللَّهِ وَبِنْتُ عدوِّ اللَّهِ تَحْتَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا، قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ * ولمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَتْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الْمِيرَاثَ فَأَخْبَرَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَسَأَلَتْ أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا نَاظِرًا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ فَأَبَى ذَلِكَ وَقَالَ: إنِّي أَعُولُ مَنْ كان رسول الله يَعُولُ، وإنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا ممَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَفْعَلُهُ أَنَّ أضلَّ، وَوَاللَّهِ لَقَرَابَةُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، فكأنَّها وَجَدَتْ فِي نَفْسِهَا من ذلك، فلم تزل تبغضه مدَّة حَيَّاتِهَا، فلمَّا مَرِضَتْ جَاءَهَا الصِّديق فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَجَعَلَ يترضَّاها وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ الدَّارَ وَالْمَالَ وَالْأَهْلَ وَالْعَشِيرَةَ إِلَّا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ وَمَرْضَاتِكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، فَرَضِيَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا * رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مُرْسَلٌ حَسَنٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ * ولمَّا حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ أَوْصَتْ إِلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمِيسٍ - امْرَأَةِ الصِّديق - أَنْ تغسِّلها فغسَّلتها هِيَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وسلَّمى أمُّ رَافِعٍ، قِيلَ والعبَّاس بْنُ عَبْدِ المطَّلب، وَمَا رُوِيَ مِنْ أنَّها اغتسلت قبل وفاتها وأوصت أن
__________
(1) زاد ابن سعد: ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم.
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1 / 106 ورواه ابن سعد في الطبقات 8 / 25.
(*)
(6/366)

لَا تغسَّل بَعْدَ ذَلِكَ فَضَعِيفٌ لَا يعوَّل عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَكَانَ الَّذِي صلَّى عَلَيْهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ، وَقِيلَ عمَّها العبَّاس، وَقِيلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّديق فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَدُفِنَتْ لَيْلًا وَذَلِكَ لَيْلَةَ الثُّلاثاء لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَقِيلَ إِنَّهَا تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ عَلَيْهِ السَّلام بِشَهْرَيْنِ، وَقِيلَ بِسَبْعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، والصَّحيح مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ
مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أنَّ فَاطِمَةَ عَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَدُفِنَتْ لَيْلًا، وَيُقَالُ إنَّها لَمْ تضحك في مدَّة بقائها بعده عليه السلام، وأنَّها كانت تَذُوبُ مِنْ حُزْنِهَا عَلَيْهِ، وَشَوْقِهَا إِلَيْهِ * وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ سنِّها يومئذٍ فَقِيلَ سَبْعٌ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَقِيلَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، وَقِيلَ ثَلَاثُونَ، وَقِيلَ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَهَذَا بَعِيدٌ وَمَا قَبْلَهُ أَقْرَبُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ وَهِيَ أوَّل مَنْ سُتِرَ سَرِيرُهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحيح أنَّ علياً كان له فرجة مِنَ النَّاس حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فلمَّا مَاتَتِ الْتَمَسَ مُبَايَعَةَ الصِّديق فَبَايَعَهُ كَمَا هُوَ مَرْوِيٌّ فِي الْبُخَارِيِّ، وَهَذِهِ الْبَيْعَةُ لِإِزَالَةِ مَا كَانَ وَقَعَ مِنْ وَحْشَةٍ حَصَلَتْ بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ وَلَا يَنْفِي مَا ثَبَتَ مِنَ الْبَيْعَةِ المتقدِّمة عَلَيْهَا كَمَا قررنا والله أعلم * وممن توفي هَذِهِ السَّنَةِ أُمُّ أَيْمَنَ بَرَكَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُصَيْنِ بْنِ (1) مَالِكِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ النُّعمان مُوَلَّاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ مِنْ أمِّه، وَحَضَنَتْهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ شَرِبَتْ بُولَهُ فَقَالَ لها: لقد احتضرت بحضار مِنَ النَّارِ (2) ، وَقَدْ أَعْتَقَهَا وزوَّجها عُبَيْدًا فَوَلَدَتْ مِنْهُ ابْنَهَا أَيْمَنَ فَعُرِفَتْ بِهِ، ثمَّ تَزَوَّجَهَا زيد بن حارثة، مولى رسول الله، فَوَلَدَتْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَقَدْ هَاجَرَتِ الْهِجْرَتَيْنِ إِلَى الْحَبَشَةِ وَالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ مِنَ الصَّالحات، وَكَانَ عليه السلام يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا وَيَقُولُ: هِيَ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي، وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَزُورَانِهَا فِي بَيْتِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ الموالي وقد توفيت بعده عليه السلام بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ بستَّة أَشْهُرٍ (3) .
وَمِنْهُمْ ثَابِتُ بن أقرم بن ثعلبة ابن عَدِيِّ بْنِ الْعَجْلَانِ الْبَلَوِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَكَانَ ممَّن حَضَرَ مُؤْتَةَ، فلمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ دُفِعَتِ الرَّاية إِلَيْهِ فسلَّمها لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقَالَ: أنت أعلم
__________
(1) في الاصابة والاستيعاب: حصن.
(2) شكك ابن عبد البر في انها أم ايمن وقال: أظن بركة هذه هي بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان بن حرب (الاستيعاب على هامش الاصابة: ج 4 / 251) .
(3) وقال الواقدي ماتت فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويؤيده حديث طارق أنها قالت بعد مقتل عمر:
اليوم وهي الإسلام، وقال ابن مندة: توفيت بعد عمر بعشرين يوما.
(*)
(6/367)

بِالْقِتَالِ مِنِّي، وَقَدْ تقدَّم أَنَّ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ قَتَلَهُ وَقَتَلَ مَعَهُ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ طُلَيْحَةُ: عَشِيَّةَ غَادَرْتُ ابْنَ أَقْرَمَ سَاوِياً * وَعُكاشَةَ الْغَنْمِيَّ تحتَ مجالِ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَقِيلَ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، وَعَنْ عُرْوَةَ أنَّه قُتِلَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا غَرِيبٌ، والصَّحيح الأوَّل وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَمِنْهُمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ أَبُو محمَّد خَطِيبُ الْأَنْصَارِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا خَطِيبُ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلم وقد ثبت عنه عليه السلام أنه بشَّره بالشَّهادة، وَقَدْ تقدَّم الْحَدِيثُ فِي دَلَائِلِ النُّبُّوة، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِهِ * وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الدِّمشقي: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَدَمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ عمَّن يحدِّثني بِحَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَأَرْشَدُونِي إِلَى ابْنَتِهِ، فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لمَّا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم * (إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مختالٍ فخورٍ) * اشتدَّت عَلَى ثَابِتٍ وَغَلَّقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، وَطَفِقَ يبكي فأخبر رسول الله فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ أحبُّ الْجَمَالَ: وَأَنَا أَسَوَدُ قَوْمِي، فَقَالَ: إنَّك لَسْتَ مِنْهُمْ، بَلْ تَعِيشُ بِخَيْرٍ وَتَمُوتُ بِخَيْرٍ، وَيُدْخِلُكَ اللَّهُ الجنَّة، فلمَّا أُنْزِلَ على رسول الله * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ) * [الحجرات: 2] فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فَأُخْبِرَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وأنَّه جَهِيرُ الصَّوت، وأنَّه يتخوَّف أَنْ يَكُونَ ممَّن حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: إنَّك لَسْتَ مِنْهُمْ، بَلْ تَعِيشُ حَمِيدًا وَتُقْتَلُ شَهِيدًا وَيُدْخِلُكَ اللَّهُ الجنَّة، فلمَّا اسْتَنْفَرَ أَبُو بَكْرٍ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَهْلِ الردَّة وَالْيَمَامَةِ وَمُسَيْلِمَةَ الكذَّاب، سار ثابت فِيمَنْ
سَارَ: فلمَّا لَقُوا مُسَيْلِمَةَ وَبَنِي حَنِيفَةَ هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ ثَابِتٌ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: مَا هَكَذَا كنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَجَعَلَا لِأَنْفُسِهِمَا حُفْرَةً فَدَخَلَا فِيهَا فَقَاتَلَا حَتَّى قتلا، قالت: ورأى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ: إنِّي لمَّا قُتِلْتُ بِالْأَمْسِ مرَّ بي رجل من المسلمين فانترع مِنِّي دِرْعًا نَفِيسَةً وَمَنْزِلُهُ فِي أَقْصَى الْعَسْكَرِ وعند منزله فرس بتن (1) فِي طُولِهِ، وَقَدْ أَكْفَأَ عَلَى الدِّرع برمَّة، وَجَعَلَ فَوْقَ الْبُرْمَةِ رَحْلًا، وَائْتِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَلْيَبْعَثْ إليَّ دِرْعِي فَلْيَأْخُذْهَا، فَإِذَا قَدِمْتَ على خليفة وسول الله فَأَعْلِمْهُ أنَّ عليَّ مِنَ الدَّين كَذَا وَلِي مِنَ الْمَالِ كَذَا وَفُلَانٌ مِنْ رَقِيقِي عَتِيقٌ، وإيَّاك أَنْ تَقُولَ: هَذَا حُلْمٌ فتضيِّعه، قَالَ: فَأَتَى خَالِدًا فَوَجَّهَ إِلَى الدِّرع فَوَجَدَهَا كَمَا ذَكَرَ، وَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ فَأَنَفَذَ أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا نَعْلَمُ أحداً جازت
__________
(1) في رواية البيهقيّ: يستن.
(*)
(6/368)

وَصِيَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَّا ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ (1) * وَلِهَذَا الْحَدِيثِ وَهَذِهِ القصَّة شَوَاهِدُ أُخَرُ، وَالْحَدِيثُ المتعلِّق بِقَوْلِهِ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ (2) * وَقَالَ حَمَّادُ بن مسلمة: عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، جَاءَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدْ تحنَّط وَنَشَرَ أَكْفَانَهُ وَقَالَ (3) : اللَّهم إنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ ممَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، فَقُتِلَ وَكَانَتْ لَهُ دِرْعٌ فسُرقت فَرَآهُ رَجُلٌ فِيمَا يَرَى النَّائم فَقَالَ: إنَّ دِرْعِي فِي قِدْرٍ تَحْتَ الْكَانُونِ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا وَأَوْصَاهُ بِوَصَايَا، فَطَلَبُوا الدِّرع فَوَجَدُوهَا وَأَنْفَذُوا الْوَصَايَا (4) ، رَوَاهُ الطَّبرانيّ أَيْضًا * وَمِنْهُمْ حزن بن أبي وهب ابن عمرو بن عامر بْنِ عِمْرَانَ الْمَخْزُومِيُّ، لَهُ هِجْرَةٌ وَيُقَالُ: أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ جدُّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَمِّيَهُ سَهْلًا فَامْتَنَعَ وَقَالَ: لَا أُغَيِّرُ اسما سمَّانيه أبواي، فَلَمْ تَزَلِ الْحُزُونَةُ فِينَا.
اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقُتِلَ مَعَهُ أَيْضًا ابْنَاهُ عَبْدُ الرَّحمن وَوَهْبٌ، وَابْنُ ابْنِهِ حَكِيمُ بْنُ وَهْبِ بْنِ حَزْنٍ.
وممَّن اسْتُشْهِدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَاذَوَيْهِ الْفَارِسِيُّ أَحَدُ أُمَرَاءِ الْيَمَنِ الَّذِينَ
قَتَلُوا الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ، قَتَلَهُ غِيلَةً قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ حِينَ ارتدَّ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ قَيْسٌ إِلَى الْإِسْلَامِ فلمَّا عنَّفه الصِّديق عَلَى قَتْلِهِ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَبِلَ علانيته وإسلامه.
ومنهم زيد بن الخطَّاب ابن نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَخُو عمر بن الخطَّاب لأبيه، وكان زيدا أَكْبَرُ مِنْ عُمَرَ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَمَا بَعْدَهَا وَقَدْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْنِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ قُتِلَا جَمِيعًا بِالْيَمَامَةِ، وَقَدْ كَانَتْ رَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ يومئذٍ بِيَدِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يتقدَّم بِهَا حَتَّى قُتِلَ فَسَقَطَتْ، فَأَخَذَهَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَقَدْ قَتَلَ زَيْدٌ يَوْمَئِذٍ الرَّجْال بْنَ عُنْفُوَةَ، وَاسْمُهُ نَهَارٌ، وَكَانَ الرَّجْال هَذَا قَدْ أَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ ثمَّ ارتدَّ وَرَجَعَ فصدَّق مُسَيْلِمَةَ وَشَهِدَ لَهُ بالرِّسالة، فَحَصَلَ بِهِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، فَكَانَتْ وَفَاتُهُ عَلَى يَدِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ زَيْدٍ ثمَّ قَتَلَ زَيْدًا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَرْيَمَ الْحَنَفِيُّ، وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ زَيْدًا بِيَدِي ولم يهني
__________
(1) رواه الحاكم في المستدرك 3 / 235 والهيثمي في الزوائد 9 / 322 وقال: رواه الطبراني وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها، وبقية رجالة ثقات.
(2) صحيح مسلم كتاب الايمان باب (25) ح (187) ص 1 / 110.
(3) في المستدرك: وقال: بعد أن انهزم أصحابه ... (4) رواه الحاكم في المستدرك 3 / 234 وقال: " صحيح " ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 322.
(*)
(6/369)

عَلَى يَدِهِ، وَقِيلَ: إنَّما قَتَلَهُ سَلَمَةُ بْنُ صُبَيْحٍ ابْنُ عمِّ أَبِي مَرْيَمَ هَذَا، ورجَّحه أَبُو عُمَرَ وَقَالَ: لأنَّ عُمَرَ اسْتَقْضَى أَبَا مَرْيَمَ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ زَيْدِ بْنِ الخطَّاب: سَبَقَنِي إِلَى الْحُسْنَيَيْنِ أَسْلَمَ قَبْلِي، وَاسْتُشْهِدَ قَبْلِي، وَقَالَ لِمُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ حِينَ جَعَلَ يَرْثِي أَخَاهُ مَالِكًا بِتِلْكَ الْأَبْيَاتِ المتقدِّم ذِكْرُهَا: لَوْ كُنْتُ أُحْسِنُ الشِّعر لَقُلْتُ كَمَا قُلْتَ، فَقَالَ لَهُ مُتَمِّمٌ: لَوْ أنَّ أَخِي ذَهَبَ عَلَى مَا ذَهَبَ عَلَيْهِ أَخُوكَ مَا حَزِنْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا عزَّاني
أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا عزَّيتني بِهِ، وَمَعَ هَذَا كَانَ عُمَرُ يَقُولُ مَا هبَّت الصَّبا إِلَّا ذَكَّرَتْنِي زَيْدَ بْنَ الخطَّاب، رضي الله عنه.
ومنهم سالم بن عبيد ويقال: ابن يعمل (1) مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وإنَّما كان معتقاً لزوجته ثبيتة بنت يعاد (2) وقد تبنَّاه أبو حنيفة وزوَّجه بِابْنَةِ أَخِيهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عتبة، فلمَّا أنزل الله * (ادعوهم لآبائهم) * جَاءَتِ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ سالماً يدخل علي وأنا غفل، فَأَمَرَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ فَأَرْضَعَتْهُ فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، أَسَلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ يصلِّي بِمَنْ بِهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَفِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِكَثْرَةِ حَفِظِهِ الْقُرْآنَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسقرئوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ (3) ، فَذَكَرَ مِنْهُمْ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لما احتضر: لو كان سالما حَيًّا لَمَا جَعَلْتُهَا شُورَى، قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ أنَّه كَانَ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ الْخِلَافَةَ.
ولمَّا أَخَذَ الرَّاية يَوْمَ الْيَمَامَةِ بَعْدَ مَقْتَلِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ الْمُهَاجِرُونَ: أَتَخْشَى أَنْ نُؤْتَى مِنْ قِبَلِكَ؟ فَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا.
انْقَطَعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فَأَخَذَهَا بِيَسَارِهِ، فَقُطِعَتْ فَاحْتَضَنَهَا وَهُوَ يَقُولُ * (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسل) * * (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) * فلمَّا صُرِعَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا فَعَلَ أَبُو حُذَيْفَةَ؟ قَالُوا: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: قُتِلَ، قَالَ: فَأَضْجِعُونِي بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ بَعَثَ عمر بميراثه إلى مولاته التي أعتقته " بثينة " فردَّته وَقَالَتْ: إنَّما أَعْتَقْتُهُ سَائِبَةً، فَجَعَلَهُ عُمَرُ في بيت المال (4) .
__________
(1) قال ابن عبد البر: ابن يعقل.
(2) قال ابن حبان يقال لها ليلى ويقال: بثينة بنت يعار وقيل سلمى بنت حطمة.
وقال في الاستيعاب: كان عبدا لثبيتة بنت يعار بن زيد ين عبيد بن زيد الأنصاري من الاوس.
(3) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي من طريق مسروق عن عبد الله بن عمرو رفعه: خذوا القرآن من أربعة ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل.
(4) قال ابن سعد: أن عمرا أعطى ميراثه لامه.
وقال في الاستيعاب: أن وفاته كانت في سنة اثنتي عشرة يوم اليمامة.
(*)
(6/370)

وَمِنْهُمْ أَبُو دُجانة سمِاك بْنُ خَرَشَةَ وَيُقَالُ سِمَاكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ لَوْذَانَ بن عبدود بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ.
شهد بدراً وأبلى يوم أحد، وقاتل شَدِيدًا وَأَعْطَاهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يومئذٍ سَيْفًا فَأَعْطَاهُ حقَّه وَكَانَ يَتَبَخْتَرُ عند الحرب، فقال عليه السلام: إِنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ، إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ.
وَكَانَ يَعْصِبُ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ، شِعَارًا لَهُ بالشَّجاعة.
وَشَهِدَ الْيَمَامَةَ وَيُقَالُ إنَّه ممَّن اقْتَحَمَ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ يَوْمَئِذٍ الْحَدِيقَةَ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَئِذٍ.
وَقَدْ قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ مَعَ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ رَمَاهُ وَحْشِيٌّ بِالْحَرْبَةِ وَعَلَاهُ أَبُو دُجَانَةَ بالسَّيف، قَالَ وَحْشِيٌّ: فربُّك أَعْلَمُ أيُّنا قَتَلَهُ.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ عَاشَ حتَّى شَهِدَ صِفِّينَ مع علي، والاول أصح.
أما مَا يُرْوَى عَنْهُ مِنْ ذَكْرِ الْحِرْزِ الْمَنْسُوبِ إِلَى أَبِي دُجَانَةَ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ شُجَاعُ بْنُ وَهْبِ ابن رَبِيعَةَ الْأَسَدِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا.
وَكَانَ رسول رسول الله إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شَمِرٍ الغسَّاني فَلَمْ يسلم، وأسلم حاجبه سوى.
وَاسْتُشْهِدَ شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ يَوْمَ الْيَمَامَةِ عَنْ بضع وأربعين سنة، كان رجلاً طوالاً نحيفاً أحنى.
ومنهم الطفيل بن عمرو بن طريف ابن العاص بن ثعلبة بن سليم بن [فهر بْنِ] غَنْمِ بْنِ دَوْسٍ الدُّوسيّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَذَهَبَ إِلَى قَوْمِهِ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَهَدَاهُمُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، فلمَّا هَاجَرَ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ جَاءَهُ بِتِسْعِينَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ دَوْسٍ مُسْلِمِينَ، وَقَدْ خَرَجَ عَامَ الْيَمَامَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرٌو، فَرَأَى الطُّفَيْلُ فِي الْمَنَامِ كأنَّ رَأْسَهُ قَدْ حُلِقَ، وَكَأَنَّ امْرَأَةً أَدْخَلَتْهُ فِي فَرْجِهَا، وَكَأَنَّ ابْنَهُ يَجْتَهِدُ أَنْ
يَلْحَقَهُ فَلَمْ يَصِلْ.
فأوَّلها بأنَّه سَيُقْتَلُ وَيُدْفَنُ، وأنَّ ابْنَهُ يَحْرِصُ عَلَى الشَّهادة فَلَا يَنَالُهَا عَامَهُ ذَلِكَ.
وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا أوَّلها، ثمَّ قُتِلَ ابْنُهُ شَهِيدًا يَوْمَ الْيَرْمُوكِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَمِنْهُمْ عَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ الْأَنْصَارِيُّ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ إِسْلَامِ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا.
وَكَانَ ممَّن قَتَلَ كَعْبَ بن الأشرف، وكانت عصاه تضئ لَهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ فِي ظُلْمَةٍ.
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهري: قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا عَنْ خَمْسٍ وأربعين سنة، وكان له بلاء وعناء.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبير عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تهجَّد رسول الله فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ فَقَالَ: اللَّهم اغْفِرْ لَهُ.
(6/371)

وَمِنْهُمُ السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ بَدْرِيٌّ مِنَ الرُّماة، أَصَابَهُ يَوْمَ الْيَمَامَةِ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ وَهُوَ شَابٌّ (1) ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَمِنْهُمُ السَّائِبُ بْنُ الْعَوَّامِ أَخُو الزُّبَيْرِ بْنِ العوَّام اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلِ بن عمرو ابن عبد شمس بن عبدود الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ ثمَّ اسْتُضْعِفَ بِمَكَّةَ، فلمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ خَرَجَ مَعَهُمْ فلمَّا تواجهوا فرَّ إلى المسلمين فشهدها معهم، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فلمَّا حجَّ أَبُو بَكْرٍ عزَّى أَبَاهُ فِيهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إنَّ الشَّهيد ليشفع لِسَبْعِينَ مِنْ أَهْلِهِ، فَأَرْجُو أَنْ يَبْدَأَ بِي.
ومنهم عبد الله بن عبد الله ابن أبي بن سَلُولَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، كَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحابة وَفُضَلَائِهِمْ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا وَكَانَ أَبُوهُ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى أَبِيهِ، ولو أذن له رسول الله فِيهِ لَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَكَانَ اسْمُهُ الْحُبَابُ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَبْدَ اللَّهِ، وَقَدِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّديق أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَيُقَالُ: إنَّه الَّذِي كَانَ يَأْتِي بالطَّعام والشَّراب وَالْأَخْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وإلى أبي بكر وهما في بِغَارِ ثَوْرٍ، وَيَبِيتُ عِنْدَهُمَا وَيُصْبِحُ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ بِأَمْرٍ يُكَادَانِ بِهِ إِلَّا أَخْبَرَهُمَا بِهِ.
وَقَدْ شَهِدَ الطَّائف فَرَمَاهُ رَجُلٌ يُقَالُ له أبا محجن الثَّقفيّ بسهم فذوى منها فاندملت ولكن لم يزل منها حمتاً حَتَّى مَاتَ (2) فِي شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ.
ومنهم عكاشة بن محصن ابن حُرْثَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ مرَّة بْنِ كَثِيرِ (3) بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ بْنِ خُزَيْمَةَ الْأَسَدِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، يكنَّى أَبَا مِحْصَنٍ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحابة وَفُضَلَائِهِمْ، هاجر وشهد بدراً
__________
(1) قال ابن عبد البر وابن حجر: وهو ابن بضع ثلاثين سنة.
(2) وذكر ابن عبد البر عن الواقدي: أن جرحه دمل حتى انتفض به فمات.
وذكر المرزباني في معجم الشعراء: أنه اصابه حجر في حصار الطائف فمات شهيدا.
(3) كذا في الاصل والاستيعاب، وفي الاصابة: بكير.
(*)
(6/372)

وَأَبْلَى يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا وَانْكَسَرَ سَيْفُهُ فَأَعْطَاهُ رسول الله يومئذ عرجوناً فعاد في يده سيفاً أمضى من الْحَدِيدِ شَدِيدَ الْمَتْنِ.
وَكَانَ ذَلِكَ السَّيف يُسَمَّى الْعَوْنَ.
وَشَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَهَا.
ولمَّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم السَّبعين أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجنَّة بِغَيْرِ حِسَابٍ فَقَالَ عُكَّاشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.
فَقَالَ: اللَّهم اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يجعلني مهنم، فَقَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ.
وَالْحَدِيثُ مَرْوِّيٌّ مِنْ طُرُقٍ تُفِيدُ الْقَطْعَ.
وَقَدْ خَرَجَ عُكَّاشَةُ مَعَ خَالِدٍ يَوْمَ أَمَّرَهُ الصِّدِّيقُ بِذِي القصَّة فَبَعَثَهُ وثابت بن أقرم بين يدي طَلِيعَةً، فتلقَّاهما طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ فَقَتَلَاهُمَا، وَقَدْ قَتَلَ عُكَّاشَةُ قَبْلَ مَقْتَلِهِ حِبَالَ بْنَ طُلَيْحَةَ، ثمَّ أَسْلَمَ طُلَيْحَةُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ عُمُرُ عُكَّاشَةَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاس رَضِيَ اللَّهُ عنه.
ومنهم معن بن عدي ابن الجعد بْنِ عَجْلَانَ بْنِ ضُبَيْعَةَ الْبَلَوِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ أَخُو عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ، وَكَانَ قَدْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْدِ بْنِ الخطَّاب فَقُتِلَا جَمِيعًا يَوْمَ الْيَمَامَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَكَى النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين مَاتَ وَقَالُوا: وَاللَّهِ وَدِدْنَا أنَّا مِتْنَا قَبْلَهُ وَنَخْشَى أَنْ نُفْتَتَنَ بَعْدَهُ، فَقَالَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ: لكنِّي وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَمُوتَ قَبْلَهُ لأصدِّقه مَيِّتًا كَمَا صَدَّقْتُهُ حيَّاً * وَمِنْهُمُ الْوَلِيدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ ابْنَا عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قُتِلَا مَعَ عمِّهما خَالِدِ بْنِ الوليد بالبطاح وأبو هما عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ صَاحِبُ عَمْرِو بْنِ العاص إلى النجاشيّ، وقضيته مشهورة.
ومنهم أبو حذيفة ين عتبة بن ربيعة ابن عَبْدِ شَمْسٍ الْقُرَشِيُّ الْعَبْشَمِيُّ أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ دَارِ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَإِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ وَقَدْ قُتِلَا شَهِيدِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ.
وَكَانَ عُمُرُ أَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً (1) ، وَكَانَ طَوِيلًا حَسَنَ الْوَجْهِ أَثْعَلَ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ سِنٌّ زَائِدَةٌ وَكَانَ اسمه هشيم وقيل هاشم.
ومنهم أبو دجانة واسمه سمِاك بن خَرَشة تقدَّم قريباً * وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَمِنَ الصَّحابة وَغَيْرِهِمْ.
وإنَّما أَوْرَدْنَا هَؤُلَاءِ لِشُهْرَتِهِمْ وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانِ.
قُلْتُ: وممَّن اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَالِكُ بن عمرو حليف بني غنم (2) مهاجري
__________
(1) في الاصابة ست وخمسين.
(2) في الكامل والاستيعاب: حليف بني عبد شمس، وقال ابن إسحاق: شهد بدراً من حلفاء بني عبد شمس مالك بن عمرو وأخوه مدلج بن عمرو وكثير بن عمرو.
(*)
(6/373)

بدري، ويزيد بن رقيش بن رباب الْأَسَدِيُّ بَدْرِيٌّ، وَالْحَكَمُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بن أمية
الأمويّ، وحسن بْنُ مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْأَزْدِيُّ، حَلِيفُ بَنِي المطَّلب بْنِ عبد مناف، وعامر بن البكر اللَّيثي حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ بَدْرِيٌّ، وَمَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَأَبُو أميَّة صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَمْرٍو، وَيَزِيدُ بْنُ أَوْسٍ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَحُيَيٌّ وَيُقَالُ مُعَلَّى بْنُ حَارِثَةَ الثَّقفيّ، وَحَبِيبُ بْنُ أَسِيدِ بن حارثة الثَّقفيّ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ بُجْرَةَ الْعَدَوِيُّ، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ السَّهْمِيُّ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عبدود بْنِ نَصْرٍ الْعَامِرِيُّ، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ، وَعَمْرُو بْنُ أُوَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيُّ، وَسَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو الْعَامِرِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي خَرَشَةَ الْعَامِرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رحضة من بني عامر.
ومنهم الْأَنْصَارِ غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَهُمْ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ النَّجاريّ، وَهُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، كَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ قَوْمِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ.
وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ السَّلَمِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا.
وَثَابِتُ بْنُ هَزَّالٍ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ بَدْرِيٌّ.
فِي قول.
وأبو عقيل بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مِنْ بَنِي جَحْجَبَى، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ أَصَابَهُ سَهْمٌ فَنَزَعَهُ ثمَّ تحزَّم وَأَخَذَ سَيْفَهُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَقَدْ أَصَابَتْهُ جِرَاحَاتٌ كَثِيرَةٌ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ، وَرَافِعُ بْنُ سَهْلٍ، وَحَاجِبُ بْنُ يَزِيدَ الْأَشْهَلِيُّ.
وَسَهْلُ بن عدي.
ومالك بن أوس.
وعمر بْنُ أَوْسٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُتْبَةَ مِنْ بَنِي جَحْجَبَى، وَرَبَاحٌ مَوْلَى الْحَارِثِ، وَمَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ، وَجَزْءُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ مِنْ بَنِي جحجبي، وورقة بن إياس بن عمرو والخزرجي بدري، ومروان بْنُ العبَّاس، وَعَامِرُ بْنُ ثَابِتٍ، وَبِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَزْرَجِيُّ، وَكُلَيْبُ بْنُ تَمِيمٍ، وَعَبْدُ الله بن عتبان، وإياس بن وديعة، وأسيد بن يربوع، وسعد بن حارثة، وسهل بن حمان، ومحاسن بْنُ حُمَيِّرٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ مَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ، وَضَمْرَةُ بْنُ عِيَاضٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَأَبُو حَبَّةَ بْنُ غَزِيَّةَ الْمَازِنِيُّ، وخبَّاب بْنُ زَيْدٍ، وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ
مِحْصَنٍ، وَثَابِتُ بْنُ خَالِدٍ، وَفَرْوَةُ بْنُ النُّعمان، وَعَائِذُ بْنُ مَاعِصٍ، وَيَزِيدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحاك، أَخُو زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: فَجَمِيعُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ثَمَانِيَةٌ وَخَمْسُونَ رَجُلًا، يَعْنِي وَبَقِيَّةُ الْأَرْبَعِمِائَةٍ وَالْخَمْسِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الكفَّار فِيمَا سُقْنَا مِنَ الْمَوَاطِنِ الَّتِي الْتَقَى فِيهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ وَأَوَائِلِ الَّتِي قَبْلَهَا، مَا يَنِيفُ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ.
فَمِنْ مَشَاهِيرِهِمْ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَاسْمُهُ عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ غَوْثٍ، خَرَجَ أَوَّلَ مَخْرَجِهِ مِنْ بَلْدَةٍ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهَا كَهْفُ خُبَّانَ وَمَعَهُ سَبْعُمِائَةُ مُقَاتِلٍ، فَمَا مَضَى شَهَرٌ حتى تملَّك صَنْعَاءَ ثمَّ اسْتَوْثَقَتْ لَهُ
(6/374)

الْيَمَنُ بِحَذَافِيرِهَا فِي أَقْصَرِ مُدَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُ شيطان يحذق لَهُ وَلَكِنْ خَانَهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ.
ثمَّ لَمْ تَمْضِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ إِخْوَانِ صِدْقٍ، وَأُمَرَاءِ حقٍّ، كَمَا قدَّمنا ذِكْرَهُ وهم دازويه الْفَارِسِيُّ، وَفَيْرُوزُ الدَّيلميّ، وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيُّ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ.
قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَيَالٍ، وَقِيلَ بِلَيْلَةٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ * وقد أطلع الله ورسوله لَيْلَةَ قَتْلِهِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ.
وَمِنْهُمْ مسيلمة بن حبيب اليماميّ الكذَّاب قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم مَعَ قَوْمِهِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي محمَّد الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ اتَّبعته، فَقَالَ لَهُ: لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْعُودَ - لِعُرْجُونٍ فِي يَدِهِ - مَا أَعْطَيْتُكَهُ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأُرَاكَ الَّذِي أريت فيه ما أريت، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَدْ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِهِ سُوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فأهمَّه شَأْنُهُمَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إليه في المنام انْفُخْهُمَا، فَنَفَخَهُمَا فَطَارَا، فأوَّلهما بكذَّابين يَخْرُجَانِ، وَهُمَا صَاحِبُ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبُ الْيَمَامَةِ.
وَهَكَذَا وَقَعَ، فإنَّهما ذَهَبَا وَذَهَبَ أَمْرُهُمَا.
أمَّا الْأَسْوَدُ فَذُبِحَ فِي دَارِهِ، وأمَّا مُسَيْلِمَةُ فَعَقَرَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ رَمَاهُ بِالْحَرْبَةِ فَأَنْفَذَهُ كَمَا تُعْقَرُ الْإِبِلُ، وَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ عَلَى رَأْسِهِ فَفَلَقَهُ وَذَلِكَ بِعُقْرِ دَارِهِ فِي الْحَدِيقَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا حَدِيقَةُ الْمَوْتِ.
وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ
طَرِيحٌ - أَرَاهُ إيَّاه مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ -، وَيُقَالُ: كان أصفر أُخَيْنِسَ وَقِيلَ كَانَ ضَخْمًا أَسْمَرَ اللَّون كأنَّه جَمَلٌ أَوْرَقُ، وَيُقَالُ إنَّه مَاتَ وَعُمُرُهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قُتِلَ قَبْلَهُ وَزِيرَاهُ وَمُسْتَشَارَاهُ لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَهَمَا مُحَكَّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مُحَكَّمُ الْيَمَامَةِ، قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ وهو يخاطب قَوْمَهُ يَأْمُرُهُمْ بِمَصَالِحِ حَرْبِهِمْ فَقَتَلَهُ، وَالْآخَرُ نَهَارُ بْنُ عُنْفُوَةَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الرَّجْال بْنُ عُنْفُوَةَ، وَكَانَ ممَّن أَسْلَمَ ثمَّ ارتدَّ وصدَّق مسيلمة لعنهما اللَّهُ فِي هَذِهِ الشَّهادة، وَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ زَيْدَ بْنَ الخطَّاب قَتْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ زَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * وممَّا يدلُّ عَلَى كَذِبِ الرَّجْال فِي هَذِهِ الشَّهادة الضَّرورة فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أنَّ مسيلمة كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: بسم الله الرحمن الرحيم مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى محمَّد رَسُولِ اللَّهِ سَلَامٌ عَلَيْكَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ أشركت معك في الأمر، فَلَكَ الْمَدَرُ وَلِيَ الْوَبَرُ، وَيُرْوَى فَلَكُمْ نِصْفُ الْأَرْضِ وَلَنَا نِصْفُهَا، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الكذَّاب، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبع الْهُدَى، أمَّا بَعْدُ فإنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ للمتَّقين ".
وَقَدْ قدَّمنا مَا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مُسَيْلِمَةُ وَيَتَعَانَاهُ لَعَنَهُ اللَّهُ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَسْخَفُ مِنَ الْهَذَيَانِ، ممَّا كَانَ يَزْعُمُ أنَّه وَحْيٌ مِنَ الرَّحمن تَعَالَى اللَّهُ عمَّا يَقُولُهُ وَأَمْثَالُهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَعْمَ أنَّه استقلَّ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ واستخفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ وَكَانَ يقول:
(6/375)

خذِي الدَّفَ يَا هذِهِ والعَبي * وَبُثِّي محاسِنَ هَذا النَّبيّ تولَّى نبيُّ بَنِي هَاشِمٍ * وَقَامَ نبيَّ بَنِي يَعْرُبِ فَلَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَلَا قليلاً حتى سلط عَلَيْهِ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِهِ، وَحَتْفًا مِنْ حُتُوفِهِ فَبَعَجَ بَطْنَهُ، وَفَلَقَ رَأْسَهُ وعجَّل اللَّهُ بِرُوحِهِ إِلَى النَّار فَبِئْسَ الْقَرَارُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى * (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قال أوحي إلي ولم يوح إليه شئ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ
عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) * [الأنعام: 93] فَمُسَيْلِمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَأَمْثَالُهُمَا لَعَنَهُمُ اللَّهُ أحقَّ النَّاسِ دُخُولًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَوْلَاهُمْ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْعَظِيمَةِ * سَنَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبوِّية اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنة وَجُيُوشُ الصِّديق وَأُمَرَاؤُهُ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ جوَّالون فِي الْبِلَادِ يَمِينًا وَشِمَالًا، لِتَمْهِيدِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَقِتَالِ الطُّغاة مِنَ الْأَنَامِ، حَتَّى رُدَّ شَارِدُ الدِّين بَعْدَ ذَهَابِهِ، وَرَجَعَ الحقُّ إِلَى نِصَابِهِ، وتمهَّدت جَزِيرَةُ الْعَرَبِ، وَصَارَ الْبَعِيدُ الْأَقْصَى كَالْقَرِيبِ الْأَدْنَى، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ والتَّواريخ: إنَّ وَقْعَةَ الْيَمَامَةِ كَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَاخِرِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا كَانَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَانْتِهَاءَهَا وَقَعَ في هذه السَّنة الآتية، وعلى هذا القول يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرُوا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ لِاحْتِمَالِ أنَّهم قُتِلُوا فِي الْمَاضِيَةِ، وَمُبَادَرَةً إِلَى اسْتِيفَاءِ تَرَاجِمِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُذْكَرُوا مَعَ مَنْ قُتِلَ بالشَّام وَالْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ * وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ جواثا وَعُمَانَ وَمَهْرَةَ وَمَا كَانَ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا إنَّما كَانَتْ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عشرة وفيها كان قتل الملوك الأربعة (1) حمد ومحروس (2) وأبضعة ومشرحاً، وَأُخْتُهُمْ العمرَّدة الَّذِينَ وَرَدَ الْحَدِيثُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِلَعْنِهِمْ.
وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُمْ زِيَادُ بْنُ الأنصاريّ.

بَعْثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْعِرَاقِ
لمَّا فَرَغَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْيَمَامَةِ، بَعَثَ إِلَيْهِ الصِّديق أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَأَنْ يبدأ بفرج الهند، وفي الْأُبُلَّةُ، وَيَأْتِي الْعِرَاقَ مِنْ أَعَالِيهَا، وَأَنْ يتألَّف النَّاس وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجلَّ، فَإِنْ أَجَابُوا وَإِلَّا أَخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ فَإِنِ امْتَنَعُوا عن ذلك قاتلهم، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُكْرِهَ أَحَدًا عَلَى الْمَسِيرِ مَعَهُ، وَلَا يَسْتَعِينَ بِمَنِ ارتدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وإن كان عَادَ إِلَيْهِ.
وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ كُلَّ امْرِئٍ مرَّ به
__________
(1) وهم ملوك بني عمرو بن معاوية الحضرميين وهم أخوة من ملوك كندة.
(2) في الطبري والكامل: مخوص، وفي معجم البلدان: مخوس.
(*)
(6/376)

مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَشَرَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي تَجْهِيزِ السَّرايا وَالْبُعُوثِ وَالْجُيُوشِ إِمْدَادًا لِخَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ اخْتُلِفَ فِي خَالِدٍ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: مَضَى مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ مِنَ الْيَمَامَةِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: رَجَعَ مِنَ الْيَمَامَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ثمَّ سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ مِنَ الْمَدِينَةِ فمرَّ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْحِيرَةِ.
قُلْتُ: وَالْمَشْهُورُ الأوَّل.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ بِإِسْنَادِهِ أنَّ خَالِدًا توجَّه إِلَى الْعِرَاقِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، فَجَعَلَ طَرِيقَهُ الْبَصْرَةَ وَفِيهَا قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ.
إنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ (1) إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ فَمَضَى خَالِدٌ يُرِيدُ الْعِرَاقَ حَتَّى نَزَلَ بِقُرَيَّاتٍ مِنَ السَّواد يُقَالُ لَهَا بَانِقْيَا وَبَارُوسْمَا، وصاحبها حابان، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا.
قُلْتُ: وَقَدْ قَتَلَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ الصُّلح خَلْقًا كَثِيرًا.
وَكَانَ الصُّلح عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ (2) ، وَقِيلَ دِينَارٍ * فِي رَجَبٍ وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُ بُصْبُهْرَى بْنُ صَلُوبَا، وَيُقَالُ صَلُوبَا بْنُ بُصْبُهْرَى، فَقَبِلَ مِنْهُمْ خَالِدٌ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، ثمَّ أَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ فَخَرَجَ إليه أشرافها مع بيصة بْنِ إِيَاسِ بْنِ حيَّة الطَّائيّ (3) وَكَانَ أمَّره عَلَيْهَا كِسْرَى بَعْدَ النُّعمان بْنِ الْمُنْذِرِ فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَبْتُمْ إِلَيْهِ فَأَنْتُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَكُمْ مَا لَهُمْ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فالجزية فإن أبيتم فَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِأَقْوَامٍ هُمْ أَحْرَصُ عَلَى الْمَوْتِ مِنْكُمْ عَلَى الْحَيَاةِ، جَاهَدْنَاكُمْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ.
فَقَالَ لَهُ قَبِيصَةُ: مَا لَنَا بِحَرْبِكَ مِنْ حَاجَةٍ بَلْ نُقِيمُ عَلَى دِينِنَا وَنُعْطِيكُمُ الْجِزْيَةَ.
فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: تَبًّا لَكُمْ إنَّ الْكُفْرَ فَلَاةٌ مُضِلَّةٌ، فَأَحْمَقُ الْعَرَبِ مَنْ سلكها، فلقيه رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَرَبِيٌّ وَالْآخَرُ أَعْجَمِيٌّ فَتَرَكَهُ (4) واستدلَّ بالعجمي، ثمَّ صالحهم
__________
(1) في سنن البيهقي 9 / 179 نص كتاب أبي بكر إلى خالد وهو باليمامة وفيه: من عبد الله أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وآله إلى خالد بن الوليد والذين معه من المهاجرين والأنصار والتابعين باحسان.
" سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أمَّا بعد! فالحمد الله الذي أنجز وعده ونصر عبده، وأعز وليه، وأذل عدوه، وغلب الاحزاب فردا، فإن اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
قَالَ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ، وعدا منه لا خلف
له، ومقالا لَا رَيْبَ فِيهِ، وفرض الجهاد على المؤمنين.
فقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وهو كره لكم ... فاستتموا بوعد الله إياكم وأطيعوه فيما فرض عليكم وإن عظمت فيه المؤونة واستبدت الرزية، وبعدت المشقة، وفجعتم في ذلك بالاموال والانفس فإن ذلك يسير في عظيم ثواب الله، فاغزوا - رحمكم الله - في سبيل الله خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا باموالكم وأنفسكم.
ألا وقد أمرت خالد بن الوليد بالمسير إلى العراق، فلا يبرحها حتى يأتيه أمري، فسيروا معه ولا تثاقلوا عنه، فإنه سبيل يعظم الله فيه الاجر إن حسنت فيه نيته، وعظمت في الخير رغبته.
فإذا وقعتم العراق فكونوا بها حتى يأتيكم أمري، كفانا الله وإياكم مهمات الدنيا والآخرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ".
(2) في الكامل: على عشرة آلاف دينار سوى حرزة كسرى.
(3) في الكامل لابن الاثير: إياس بن قبيصة.
(4) كذا بالاصل وفي الطبري.
(*)
(6/377)

عَلَى تِسْعِينَ أَلْفًا (1) ، وَفِي رِوَايَةٍ مِائَتَيْ أَلْفِ درهم، فكانت أول حزية أُخِذَتْ مِنَ الْعِرَاقِ وَحُمِلَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ هِيَ وَالْقُرَيَّاتُ قَبْلَهَا الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا ابْنُ صَلُوبَا.
قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ مَعَ نَائِبِ كِسْرَى عَلَى الحيرة ممَّن وفد إلى خالد عمرو بن عبد المسيح بْنِ حَيَّانَ بْنِ بُقَيْلَةَ (2) ، وَكَانَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: مِنْ أَيْنَ أَثَرُكَ؟ قَالَ: مِنْ ظَهْرِ أَبِي، قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ خَرَجْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَطْنِ أُمِّي، قَالَ: وَيَحَكَ على أي شئ أنت؟ قال: علي الأرض، قال: ويحك وفي أي شئ أَنْتَ؟ قَالَ: فِي ثِيَابِي، قَالَ: وَيَحَكَ تَعْقِلُ؟ قَالَ، نَعَمْ وَأُقَيِّدُ، قَالَ: إنَّما أَسْأَلُكَ، قَالَ: وَأَنَا أُجِيبُكَ، قَالَ: أَسِلْمٌ أَنْتَ أَمْ حَرْبٌ، قَالَ: بَلْ سِلْمٌ، قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْحُصُونُ الَّتِي أَرَى؟ قَالَ: بَنَيْنَاهَا للسَّفيه نَحْبِسُهُ حَتَّى يجئ الْحَلِيمُ فَيَنْهَاهُ، ثمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْقِتَالِ، فَأَجَابُوا إِلَى الْجِزْيَةِ بِتِسْعِينَ أَوْ مِائَتَيْ أَلْفٍ كَمَا تقدَّم * ثمَّ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ كِتَابًا إِلَى أُمَرَاءِ كِسْرَى بِالْمَدَائِنِ وَمَرَازِبَتِهِ وَوُزَرَائِهِ، كَمَا قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ عَنْ مَجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَقْرَأَنِي بَنُو بُقَيْلَةَ كِتَابَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الْمَدَائِنِ: مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مَرَازِبَةِ أَهْلِ فَارِسَ، سَلَامٌ
عَلَى مَنِ اتَّبع الْهُدَى، أمَّا بَعْدُ فَالْحَمْدُ لله الذي فضَّ خدمكم وسلب ملككم ووهن كيدكم، وإنَّ مَنْ صلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فذلكم المسلم الذي له مالنا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا، أمَّا بَعْدُ فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي فَابْعَثُوا إليَّ بالرَّهن وَاعْتَقِدُوا منِّي الذِّمة، وَإِلَّا فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لأبعثنَّ إِلَيْكُمْ قَوْمًا يحبُّون الْمَوْتَ كَمَا تحبُّون أَنْتُمُ الْحَيَاةَ.
فلمَّا قرأوا الكتباب أَخَذُوا يتعجَّبون.
وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ طليحة الأعلم عن المغيرة بن عيينة (3) - وَكَانَ قَاضِي أَهْلِ الْكُوفَةِ - قَالَ: فرَّق خَالِدٌ مَخْرَجَهُ مِنَ الْيَمَامَةِ إِلَى الْعِرَاقِ جُنْدَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ، فسرَّح الْمُثَنَّى قَبْلَهُ بِيَوْمَيْنِ وَدَلِيلُهُ ظَفَرٌ، وسرَّح عَدِيَّ بن حاتم وعصام بْنَ عَمْرٍو، وَدَلِيلَاهُمَا مَالِكُ بْنُ عبَّاد وَسَالِمُ بْنُ نَصْرٍ، أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِيَوْمٍ، وَخَرَجَ خَالِدٌ - يَعْنِي فِي آخِرِهِمْ - وَدَلِيلُهُ رَافِعٌ فَوَاعَدَهُمْ جَمِيعًا الْحَفِيرَ لِيَجْتَمِعُوا بِهِ، وَيُصَادِمُوا عدوَّهم، وَكَانَ فرج الهند أعظم فروج فارس بأساً (4) وأشدَّها شَوْكَةً، وَكَانَ صَاحِبُهُ يُحَارِبُ الْعَرَبَ فِي البرِّ وَالْهِنْدَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ هُرْمُزُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ فَبَعَثَ هُرْمُزُ بِكِتَابِ خَالِدٍ إِلَى شِيرَى بْنِ كِسْرَى، وَأَرْدَشِيرَ بْنِ شِيرَى، وَجَمَعَ هُرْمُزُ، وَهُوَ نَائِبُ كِسْرَى جُمُوعًا كَثِيرَةً وَسَارَ بِهِمْ إِلَى كَاظِمَةَ، وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ قُبَاذُ وَأَنُوشَجَانُ - وهما من بيت الملك - وقد تفرَّق الْجَيْشُ فِي السَّلاسل لِئَلَّا يفرُّوا، وَكَانَ هُرْمُزُ هَذَا مِنْ أَخْبَثِ النَّاس طويَّة وأشدَّهم كُفْرًا، وَكَانَ شَرِيفًا فِي الْفُرْسِ وَكَانَ الرَّجل كلَّما ازْدَادَ شَرَفًا زَادَ فِي حِلْيَتِهِ، فَكَانَتْ قَلَنْسُوَةُ هرمز بمائة ألف، وقدم خالد بمن مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا فنزل تجاههم على غير ماء فشكى أصحابه ذلك، فقال:
__________
(1) في الطبري على مائة ألف وتسعين ألفا.
(190) .
(2) في الطبري: عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة.
(3) في الطبري: طلحة بن الأعلم عن المغيرة بن عتيبة.
(4) في الطبري: شأنا.
(*)
(6/378)

جالد وهم حَتَّى تُجْلُوهُمْ عَنِ الْمَاءِ، فإنَّ اللَّهَ جَاعِلُ الْمَاءِ لِأَصْبَرِ الطَّائفتين، فلمَّا استقرَّ بِالْمُسْلِمِينَ الْمَنْزِلُ وَهُمْ رُكْبَانٌ عَلَى خُيُولِهِمْ، بَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْهُمْ حَتَّى صَارَ لَهُمْ غُدْرَانٌ مِنْ مَاءٍ.
فَقَوِيَ
الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، وَفَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا، فلمَّا تواجه الصفَّان وتقاتل الفريقان، ترجَّل هرمز ودعا إلى النزال، فَتَرَجَّلَ خَالِدٌ وتقدَّم إِلَى هُرْمُزَ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ وَاحْتَضَنَهُ خَالِدٌ، وَجَاءَتْ حَامِيَةُ هُرْمُزَ فَمَا شَغَلَهُ عَنْ قَتْلِهِ، وَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى حَامِيَةِ هُرْمُزَ فَأَنَامُوهُمْ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ فَارِسَ وَرَكِبَ المسلمون أكتافهم إلى اللَّيل واستحوذ المسلمون وخالد عَلَى أَمْتِعَتِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فَبَلَغَ وِقْرَ أَلْفِ بَعِيرٍ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ ذَاتَ السَّلاسل لِكَثْرَةِ مَنْ سُلْسِلَ بِهَا مِنْ فُرْسَانِ فَارِسَ، وَأَفْلَتَ قُبَاذُ وَأَنُوشَجَانُ * ولمَّا رَجَعَ الطَّلب نَادَى مُنَادِي خَالِدٍ بالرَّحيل فَسَارَ بالنَّاس وَتَبِعَتْهُ الْأَثْقَالُ حَتَّى نَزَلَ بِمَوْضِعِ الْجِسْرِ الْأَعْظَمِ مِنَ الْبَصْرَةِ الْيَوْمَ، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ وَالْبِشَارَةِ وَالْخُمُسِ، مَعَ زِرِّ بْنِ كُلَيْبٍ، إِلَى الصِّديق، وَبَعَثَ مَعَهُ بِفِيلٍ، فلمَّا رَآهُ نِسْوَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَعَلْنَ يَقُلْنَ أَمِنْ خَلْقِ الله هذا أم شئ مَصْنُوعٌ؟ فردَّه الصِّديق مَعَ زِرٍّ، وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ لمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ إِلَى خَالِدٍ، فَنَفَّلَهُ سَلْبَ هُرْمُزَ، وَكَانَتْ قَلَنْسُوَتُهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكَانَتْ مُرَصَّعَةً بِالْجَوْهَرِ وَبَعَثَ خَالِدٌ الْأُمَرَاءَ يَمِينًا وَشِمَالًا يُحَاصِرُونَ حُصُونًا هُنَالِكَ فَفَتَحُوهَا عَنْوَةً وَصُلْحًا، وَأَخَذُوا مِنْهَا أَمْوَالًا جمَّة، وَلَمْ يَكُنْ خَالِدٌ يتعرَّض للفلاحين - من لم يقاتل منهم - ولا أولادهم بل للمقاتلة من أهل فارس *

[وقعة المذار أو الثني]
ثمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ الْمَذَارِ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنة.
وَيُقَالُ لَهَا: وَقْعَةُ الثَّنْيِ، وَهُوَ النَّهر، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَيَوْمَئِذٍ قَالَ النَّاس، صَفَرُ الْأَصْفَارِ، فِيهِ يُقْتَلُ كُلُّ جبَّار، عَلَى مجمع الأنهار.
وكان سببها أنَّ هرمزاً كَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَى أَرْدَشِيرَ وَشِيرَى، بِقَدُومِ خَالِدٍ نَحْوَهُ مِنَ الْيَمَامَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ كِسْرَى بِمَدَدٍ مَعَ أَمِيرٍ يُقَالُ لَهُ: قَارَنُ بْنُ قِرْيَانِسَ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَى هُرْمُزَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَعَ خَالِدٍ مَا تقدَّم وفرَّ مَنْ فرَّ مِنَ الْفُرْسِ، فتلقَّاهم قَارَنُ، فَالْتَفُّوا عَلَيْهِ فَتَذَامَرُوا واتَّفقوا عَلَى الْعَوْدِ إِلَى خَالِدٍ، فَسَارُوا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: الْمَذَارُ، وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْ قَارَنَ قُبَاذُ وَأَنُوشَجَانُ، فلمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى خَالِدٍ، قَسَمَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ غَنِيمَةً يَوْمَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ وَأَرْسَلَ إِلَى الصِّديق بِخَبَرِهِ مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَسَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَذَارِ، وَهُوَ عَلَى تَعْبِئَتِهِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالَ حَنَقٍ وَحَفِيظَةٍ، وَخَرَجَ قَارَنُ يَدْعُو إِلَى الْبِرَازِ فَبَرَزَ إِلَيْهِ خَالِدٌ وَابْتَدَرَهُ الشُّجعان مِنَ الْأُمَرَاءِ فَقَتَلَ مَعْقِلُ بْنُ
الْأَعْشَى بْنِ النَّبَّاشِ قارنا، وَقَتَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قُبَاذَ، وَقَتَلَ عَاصِمٌ أَنُوشَجَانَ، وفرَّت الْفُرْسُ وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي ظُهُورِهِمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثِينَ أَلْفًا وَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْأَنْهَارِ وَالْمِيَاهِ، وَأَقَامَ خَالِدٌ بِالْمَذَارِ وسلَّم الْأَسْلَابَ إِلَى مَنْ قَتَلَ، وَكَانَ قَارَنُ قَدِ انْتَهَى شَرَفُهُ فِي أَبْنَاءِ فَارِسَ * وَجَمَعَ بَقِيَّةَ الْغَنِيمَةِ وخمَّسها، وَبَعَثَ بِالْخُمُسِ وَالْفَتْحِ وَالْبِشَارَةِ إِلَى الصِّديق، مَعَ سَعِيدِ بْنِ النُّعمان، أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَقَامَ خَالِدٌ هُنَاكَ حَتَّى قسَّم أَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ وَسَبَى ذَرَارِيَّ مَنْ حصره مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، دُونَ الْفَلَّاحِينَ فإنَّه أقرَّهم بِالْجِزْيَةِ وَكَانَ فِي هَذَا السَّبي حَبِيبٌ أَبُو الْحَسَنِ البصري وكان
(6/379)

نَصْرَانِيًّا وَمَافِنَّةُ مَوْلَى عُثْمَانَ وَأَبُو زِيَادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ * ثمَّ أمَّر عَلَى الْجُنْدِ سَعِيدَ بْنَ النُّعمان وَعَلَى الْجِزْيَةِ سُوَيْدَ بْنَ مُقَرِّنٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْزِلَ الْحَفِيرَ لِيَجْبِيَ إِلَيْهِ الأموال وأقام خالد يتجسَّس الأخبار عن الأعداء * [وقعة الولجة] ثمَّ كَانَ أَمْرُ الْوَلَجَةِ فِي صَفَرٍ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ السَّنة، فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَذَلِكَ لأنَّه لمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ بِمَا كَانَ بالمذار من قبل قَارَنَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى أَرْدَشِيرَ وَهُوَ مَلِكُ الْفُرْسِ يومئذ، بعث أميراً شجاعاً يقال له الأندر زغر (1) ، وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ السَّواد وُلِدَ بِالْمَدَائِنِ وَنَشَأَ بِهَا وأمدَّه بِجَيْشٍ آخَرَ مَعَ أَمِيرٍ يُقَالُ لَهُ بَهْمَنُ جَاذَوَيْهِ، فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا مَكَانًا يُقَالُ لَهُ: الْوَلَجَةُ، فَسَمِعَ بِهِمْ خَالِدٌ فَسَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ ووصَّى مَنِ اسْتَخْلَفَهُ هناك بالحذر وقلَّة الغفلة، فنازل أنذر زغر ومن ناشب معه، واجتمع عند بالولجة، فاقتتلوا قتالاً شديداً وهو أَشَدُّ ممَّا قَبْلَهُ، حَتَّى ظنَّ الْفَرِيقَانِ أنَّ الصَّبر قَدْ فَرَغَ، وَاسْتَبْطَأَ كَمِينَهُ الَّذِي كَانَ قَدْ أَرْصَدَهُمْ وَرَاءَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ، فَمَا كَانَ إلا يسيرا حتى خرج الكمينان من هاهنا ومن هاهنا، فقرَّت صُفُوفُ الْأَعَاجِمِ فَأَخَذَهُمْ خَالِدٌ مِنْ أَمَامِهِمْ وَالْكَمِينَانِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَلَمْ يَعْرِفْ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَقْتَلَ صاحبه، وهرب الأندر زغر مِنَ الْوَقْعَةِ فَمَاتَ عَطَشًا، وَقَامَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فرغَّبهم فِي بِلَادِ الْأَعَاجِمِ وزهَّدهم فِي بِلَادِ الْعَرَبِ وَقَالَ: أَلَا تَرَوْنَ مَا هاهنا مِنَ الْأَطْعِمَاتِ؟ وَبِاللَّهِ لَوْ لَمْ يَلْزَمْنَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والدُّعاء إِلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا الْمَعَاشُ لَكَانَ
الرَّأي أَنْ نُقَاتِلَ عَلَى هَذَا الرِّيف حَتَّى نَكُونَ أَوْلَى بِهِ، وَنُوَلِّيَ الْجُوعَ وَالْإِقْلَالَ مَنْ تَوَلَّاهُ ممَّن إثَّاقل عمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ.
ثمَّ خمَّس الْغَنِيمَةَ، وقسَّم أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَبَعَثَ الْخُمُسَ إِلَى الصِّديق، وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ مِنْ ذَرَارِيِّ الْمُقَاتِلَةِ، وأقرَّ الْفَلَّاحِينَ بِالْجِزْيَةِ * وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَمْرٍو عَنِ الشِّعبيّ، قَالَ: بَارَزَ خَالِدٌ يَوْمَ الْوَلَجَةِ رَجُلًا مِنَ الْأَعَاجِمِ يَعْدِلُ بِأَلْفِ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ، ثمَّ إتَّكأ عَلَيْهِ وَأُتِيَ بِغَدَائِهِ فأكله وهو متكئ عليه بين الصَّفَّين *

[وقعة أليس]
ثمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ أُلَّيْسٍ فِي صَفَرٍ أَيْضًا وَذَلِكَ أنَّ خَالِدًا كَانَ قَدْ قَتَلَ يَوْمَ الْوَلَجَةِ طَائِفَةً مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ (2) ، مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ ممَّن كَانَ مَعَ الْفُرْسِ، فَاجْتَمَعَ عَشَائِرُهُمْ وأشدَّهم حَنَقًا عَبْدُ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ، وَكَانَ قَدْ قُتِلَ لَهُ ابْنٌ بِالْأَمْسِ، فَكَاتَبُوا الْأَعَاجِمَ فأرسل إليهم أردشير جيشاً، فَاجْتَمَعُوا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: أُلَّيْسٍ، فَبَيْنَمَا هُمْ قَدْ نَصَبُوا لَهُمْ سِمَاطًا فِيهِ طَعَامٌ يُرِيدُونَ أكله، إذ غافلهم خالد
__________
(1) في الكامل لابن الاثير: الاندر زعز.
(2) أصاب خالد في وقعة الولجة ابنا لجابر بن بجير وابنا لعبد الاسود من بني بكر بن وائل.
(الطبري - الكامل لابن الاثير) .
(*)
(6/380)

بِجَيْشِهِ، فلمَّا رَأَوْهُ أَشَارَ مَنْ أَشَارَ مِنْهُمْ بِأَكْلِ الطَّعام وَعَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِخَالِدٍ، وَقَالَ أَمِيرُ كسرى: بَلْ نَنْهَضُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ.
فلمَّا نَزَلَ خَالِدٌ تقدَّم بَيْنَ يَدَيْ جَيْشِهِ وَنَادَى بأعلى صوته لشحعان مَنْ هُنَالِكَ مِنَ الْأَعْرَابِ (1) : أَيْنَ فُلَانٌ: أَيْنَ فلان؟ فكلُّهم تلكأوا عَنْهُ إِلَّا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ، مِنْ بَنِي جِذْرَةَ، فإنَّه بَرَزَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ مَا جرَّأك عَلَيَّ مِنْ بَيْنِهِمْ وَلَيْسَ فِيكَ وَفَاءٌ؟ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ.
وَنَفَرَتِ الْأَعَاجِمُ عَنِ الطَّعام وَقَامُوا إِلَى السِّلاح فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا جِدًّا، وَالْمُشْرِكُونَ يَرْقُبُونَ قُدُومَ بَهْمَنَ مَدَدًا مِنْ جِهَةِ الْمَلِكِ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ فِي قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَكَلَبٍ فِي الْقِتَالِ.
وَصَبَرَ الْمُسْلِمُونَ صَبْرًا بَلِيغًا، وَقَالَ خَالِدٌ: اللَّهم لَكَ عَلَيَّ إِنْ مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ أَنْ لَا أَسْتَبْقِيَ مِنْهُمْ أَحَدًا أَقْدِرُ عَلَيْهِ حَتَّى أُجْرِيَ نَهْرَهُمْ بِدِمَائِهِمْ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ مَنَحَ الْمُسْلِمِينَ
أَكْتَافَهُمْ فَنَادَى مُنَادِي خَالِدٍ: الْأَسْرَ، الْأَسْرَ، لَا تَقْتُلُوا إِلَّا مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْأَسْرِ، فَأَقْبَلَتِ الْخُيُولُ بِهِمْ أَفْوَاجًا يُسَاقُونَ سَوْقًا، وَقَدْ وكَّل بِهِمْ رِجَالًا يَضْرِبُونَ أَعْنَاقَهُمْ في النَّهر، ففعل ذلك بهم يَوْمًا وَلَيْلَةً وَيَطْلُبُهُمْ فِي الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الغد، ولكما حَضَرَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ فِي النَّهر، وَقَدْ صَرَفَ مَاءَ النَّهر إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ: إنَّ النَّهر لَا يَجْرِي بِدِمَائِهِمْ حَتَّى تُرْسِلَ الْمَاءَ عَلَى الدَّم فيجري معه فتبرَّ بيمينك، فَأَرْسَلَهُ فَسَالَ النَّهر دَمًا عَبِيطًا، فَلِذَلِكَ سمِّي نَهْرَ الدَّم إِلَى الْيَوْمِ، فَدَارَتِ الطَّواحين بِذَلِكَ الْمَاءِ الْمُخْتَلِطِ بالدَّم الْعَبِيطِ مَا كَفَى الْعَسْكَرَ بِكَمَالِهِ ثَلَاثَةَ أيَّام، وَبَلَغَ عَدَدُ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا، ولمَّا هَزَمَ خَالِدٌ الْجَيْشَ وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنَ النَّاس، عَدَلَ خَالِدٌ إِلَى الطَّعام الذي كانوا قد وضعوه ليأكلوه فقال المسلمين: هَذَا نَفَلٌ فَانْزِلُوا فَكُلُوا، فَنَزَلَ النَّاسُ فَأَكَلُوا عشاء.
وقد جعل الأعاجم على طعامهم مرققاً كَثِيرًا فَجَعَلَ مَنْ يَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ مِنَ الْأَعْرَابِ يَقُولُونَ: مَا هَذِهِ الرُّقع؟ يَحْسَبُونَهَا ثِيَابًا، فَيَقُولُ لَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ أهل الأرياف والمدن: أما سمعتم رقيق الْعَيْشِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالُوا: فَهَذَا رَقِيقُ الْعَيْشِ، فسمُّوه يَوْمَئِذٍ رُقَاقًا، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تسمِّيه العود (2) * وَقَدْ قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عمَّن حدَّث عَنْ خَالِدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفل النَّاس يوم خيبر الخبز والبطيخ والشِّواء وَمَا أَكَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ غَيْرَ مُتَأَثِّلِيهِ * وَكَانَ كلُّ مَنْ قُتِلَ بِهَذِهِ الْوَقْعَةِ يَوْمَ أُلَّيْسٍ مِنْ بَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا أَمْغِيشَيَا (3) ، فَعَدَلَ إِلَيْهَا خَالِدٌ وَأَمَرَ بِخَرَابِهَا وَاسْتَوْلَى عَلَى مَا بها، فوجدوا بها مَغْنَمًا عَظِيمًا، فقسَّم بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَأَصَابَ الْفَارِسُ بَعْدَ النَّفل أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ غَيْرَ مَا تَهَيَّأَ لَهُ ممَّا قَبْلَهُ.
وَبَعَثَ خَالِدٌ إِلَى الصِّديق بِالْبِشَارَةِ وَالْفَتْحِ وَالْخُمُسِ مِنَ الْأَمْوَالِ والسَّبي مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ جَنْدَلٌ مِنْ بَنِي عِجْلٍ، وَكَانَ دَلِيلًا صَارِمًا، فلمَّا بَلَّغَ الصِّديق الرِّسالة وأدَّى الْأَمَانَةَ، أَثْنَى عَلَيْهِ وَأَجَازَهُ جَارِيَةً مِنَ السَّبي، وَقَالَ الصِّديق: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ أسدكم قد عدا على الاسد
__________
(1) وهم نصارى العرب من بني عجل من أهل الحيرة وتيم اللات وضبيعة وعرب الضاحية.
(2) في الطبري: القرى.
(3) وقيل اسمها منيشيا (الطبري - الكامل) .
(*)
(6/381)

[فغلبه على خراذيله] (1) ، عجزت النِّساء أن يلدن مِثْلَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
ثُمَّ جَرَتْ أُمُورٌ طَوِيلَةٌ لِخَالِدٍ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ يملُّ سَمَاعُهَا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَكِلُّ وَلَا يَمَلُّ ولا يهن ولا يحزن، بل كلَّما لَهُ فِي قوةٍ وصرامةٍ وشدَّةٍ وشهامةٍ، وَمِثْلُ هذا إنَّما خلقه الله عزَّاً لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَذُلًّا لِلْكُفْرِ وَشَتَاتَ شَمْلِهِ.
فصل ثمَّ سار خالد فنزل الخورنق والسدِّير بالنجف وبثَّ سراياه هاهنا وهاهنا، يُحَاصِرُونَ الْحُصُونَ مِنَ الْحِيرَةِ وَيَسْتَنْزِلُونَ أَهْلَهَا قَسْرًا وقهراً، وصلحاً ويسراً، وكان في جملة ما نَزَلَ بالصُّلح قَوْمٌ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ فِيهِمُ ابْنُ بُقَيْلَةَ المتقدِّم ذِكْرُهُ، وَكَتَبَ لِأَهْلِ الْحِيرَةِ كتاب أمان، فكان الذي راوده عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ بُقَيْلَةَ (2) وَوَجَدَ خَالِدٌ مَعَهُ كِيسًا، فَقَالَ: مَا فِي هَذَا؟ - وَفَتَحَهُ خَالِدٌ فَوَجَدَ فِيهِ شَيْئًا -، فَقَالَ ابْنُ بُقَيْلَةَ:: هُوَ سمُّ سَاعَةٍ، فَقَالَ: وَلِمَ اسْتَصْحَبْتَهُ مَعَكَ؟ فَقَالَ حَتَّى إِذَا رَأَيْتُ مَكْرُوهًا فِي قَوْمِي أَكَلْتُهُ فَالْمَوْتُ أحبُّ إليَّ مِنْ ذَلِكَ، فَأَخَذَهُ خَالِدٌ فِي يَدِهِ وَقَالَ: إنَّه لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى أَجَلِهَا، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ، رَبِّ الْأَرْضِ والسَّماء، الَّذِي لَيْسَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ، الرَّحمن الرَّحيم، قَالَ: وَأَهْوَى إِلَيْهِ الْأُمَرَاءُ لِيَمْنَعُوهُ مِنْهُ فَبَادَرَهُمْ فَابْتَلَعَهُ، فلمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ بُقَيْلَةَ قَالَ: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لتملكنَّ مَا أَرَدْتُمْ مَا دَامَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الْحِيرَةِ فَقَالَ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ أَوْضَحَ إِقْبَالًا مِنْ هَذَا، ثمَّ دَعَاهُمْ وَسَأَلُوا خَالِدًا الصُّلح فَصَالَحَهُمْ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بالصُّلح (3) ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ عَاجِلَةً، وَلَمْ يَكُنْ صَالَحَهُمْ حَتَّى سلَّموا كَرَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَسِيحِ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ يُقَالُ لَهُ شُوَيْلٌ (4) ، وَذَلِكَ أنَّه لَمَّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قُصُورَ الْحِيرَةِ كأنَّ شُرَفَهَا أَنْيَابُ الْكِلَابِ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَبْ لِيَ ابْنَةَ بُقَيْلَةَ، فَقَالَ: هِيَ لَكَ، فلمَّا فُتِحَتِ ادَّعاها شُوَيْلٌ وشهد له اثنين مِنَ الصَّحابة، فَامْتَنَعُوا مِنْ تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ وَقَالُوا: مَا تُرِيدُ إِلَى امْرَأَةٍ ابْنَةِ ثَمَانِينَ سَنَةً؟ فقالت لقومها: إدفعوني إليه فإني سأفتدي
__________
(1) من الطبري.
(2) في الطبري: عمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيان بن الحارث وهو ابن بقيلة وإنما سمي بقيلة لانه خرج على
قومه في بردين أخضرين فقالوا يا حار مَا أَنْتَ إِلَّا بقيلة خضراء.
(3) نقل الطبري نص الكتاب 4 / 14 وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديا وعمرو ابني عدي وعمرو بن عبد المسيح وإياس بن قبيصة وحيرى بن أكال - وقال عبيد الله بن حيرى - وهم نقباء أهل الحيرة ورضي بذلك أهل الحيرة وأمروهم به عاهدهم على تسعين ومائة ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا رهبانهم وقسيسيهم إلا من كان منهم على غير ذي يد حبيسا عن الدنيا تاركا لها وسائحا تاركا للدنيا وعلى المنعة فإن لم يمنعهم فلا شئ عليهم حتى يمنعهم وإن غدروا بفعل أو بقول بالذمة منهم بريئة.
وكتب في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة.
(4) في فتوح البلدان 2 / 298 هو: خُرَيْمَ بْنَ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ الطائي.
(*)
(6/382)

مِنْهُ، وإنَّه قَدْ رَآنِي وَأَنَا شابَّة، فَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا خَلَا بِهَا قَالَتْ: مَا تُرِيدُ إلى امرأة بنت ثَمَانِينَ سَنَةً؟ وَأَنَا أَفْتَدِي مِنْكَ فَاحْكُمْ بِمَا أَرَدْتَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَفْدِيكِ بأقلَّ مِنْ عشرة مِائَةٍ فَاسْتَكْثَرَتْهَا خَدِيعَةً مِنْهَا، ثمَّ أَتَتْ قَوْمَهَا فَأَحْضَرُوا لَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَامَهُ النَّاس وَقَالُوا: لَوْ طَلَبْتَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ لَدَفَعُوهَا إِلَيْكَ، فَقَالَ: وَهَلْ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنْ عَشْرِ مِائَةٍ؟ وَذَهَبَ إِلَى خَالِدٍ وَقَالَ: إنَّما أَرَدْتُ أَكْثَرَ الْعَدَدِ، فَقَالَ خَالِدٌ: أَرَدْتَ أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ غَيْرَهُ، وإنَّا نَحْكُمُ بِظَاهِرِ قَوْلِكَ، ونيَّتك عند الله، كاذباً أنت أَمْ صَادِقًا * وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الشِّعبيّ: لمَّا افْتَتَحَ خَالِدٌ الْحِيرَةَ صلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وقد قال عمرو بن القعقاع فِي هَذِهِ الأيَّام وَمَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وأيَّام الرِّدَّة: سَقَى اللهُ قَتْلَى بالفُراتِ مُقيمَةٌ * وَأخْرى بأثباجِ النَجافِ (1) الكوانفِ ونحنُ وطئنَا بالكَواظِمِ هِرْمِزاً * وبالثَنى قَرني قارنٍ بالجوارفِ ويَومَ أحَطْنَا بالقُصورِ تتَابَعَتْ * عَلى الحيرةِ الرَّوحاءَ إِحْدَى المَصَارِفِ حَطَطْنَاهُمْ مِنهَا وقدْ كَانَ عَرْشُهُمْ * يميلُ بهمْ (2) فِعْلَ الجبَانِ المُخَالِفِ رَمَيْنَا (3) عَليهِمْ بالقُبولَ وقَدْ رَأَوا * غُبوقَ المنايَا حَولَ تِلْكَ المحَارِفِ (4)
صَبيحَةَ قَالُوا نحنُ قومٌ تنزَّلُوا * إِلَى الرِّيفِ مِنْ أرضِ العَرِيبِ المَقَانِفِ وَقَدْ قَدِمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَهُوَ بِالْحِيرَةِ بَعْدَ الْوَقَعَاتِ المتعدِّدة، وَالْغَنَائِمِ المتقدِّم ذِكْرُهَا، وَلَمْ يَحْضُرْ شَيْئًا مِنْهَا، وَذَلِكَ لأنَّه كَانَ قَدْ بَعَثَهُ الصِّديق مَعَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ إِلَى الشَّام، فَاسْتَأْذَنَ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ فِي الرُّجوع إِلَى الصِّديق لِيَجْمَعَ لَهُ قَوْمَهُ مِنْ بَجِيلَةَ فَيَكُونُوا مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى الصِّديق فَسَأَلَهُ ذَلِكَ غَضِبَ الصِّديق وَقَالَ: أَتَيْتَنِي لِتَشْغَلَنِي عمَّا هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنَ الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ، ثمَّ سيَّره الصِّديق إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِالْعِرَاقِ * قَالَ سَيْفٌ بِأَسَانِيدِهِ: ثمَّ جَاءَ ابْنُ صَلُوبَا فَصَالَحَ خالداً على بانقيا وبسما وَمَا حَوْلَ ذَلِكَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَجَاءَهُ دَهَاقِينُ تِلْكَ الْبِلَادِ فَصَالَحُوهُ عَلَى بُلْدَانِهِمْ وأهاليهم كما صالح أهل الْحِيرَةِ، واتَّفق فِي تِلْكَ الأيَّام الَّتِي كَانَ قَدْ تمكَّن بِأَطْرَافِ الْعِرَاقِ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى الْحِيرَةِ وَتِلْكَ الْبُلْدَانِ وَأَوْقَعَ بِأَهْلِ أُلَّيْسٍ وَالثِّنْيِ وَمَا بعدها بفارس ومن ناشب مَعَهُمْ مَا أَوْقَعَ مِنَ الْقَتْلِ الْفَظِيعِ فِي فُرْسَانِهِمْ، أَنْ عَدَتْ فَارِسُ عَلَى مَلِكِهِمُ الْأَكْبَرِ أردشير وابنه شيرين فقتلوهما وقتلوا كل من ينسب إليهما، وبقيت الفرس حائرين فيمن يولُّوه أَمْرَهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، غَيْرَ أنَّهم قَدْ جهَّزوا جُيُوشًا تَكُونُ حَائِلَةً بَيْنَ خَالِدٍ وَبَيْنَ الْمَدَائِنِ الَّتِي فِيهَا إِيوَانُ كِسْرَى وَسَرِيرُ مَمْلَكَتِهِ، فَحِينَئِذٍ كَتَبَ خَالِدٌ إِلَى مَنْ هُنَالِكَ مِنَ المرازبة
__________
(1) في غزوات ابن حبيش: بأثباج الشام.
(2) في الطبري: يميل به، وفي غزوات ابن حبيش: تميل به.
(3) في ابن حبيش: مننا.
(4) في غزوات ابن حبيش: المخارف.
(*)
(6/383)

والأمراء والدَّولة يدعوهم إلى الله وإلى الدُّخول إلى دِينِ الْإِسْلَامِ لِيَثْبُتَ مُلْكُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَلْيَدْفَعُوا الْجِزْيَةَ وَإِلَّا فَلْيَعْلَمُوا وَلْيَسْتَعِدُّوا لِقُدُومِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْمٍ يحبُّون الْمَوْتَ كَمَا يحبُّون هُمُ الْحَيَاةَ (1) ، فَجَعَلُوا يَعْجَبُونَ مِنْ جُرْأَةِ خَالِدٍ وَشَجَاعَتِهِ، وَيَسْخَرُونَ مِنْ ذلك لحماقتهم ورعونتهم فِي أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ أَقَامَ خَالِدٌ هُنَالِكَ بَعْدَ صُلْحِ الْحِيرَةِ سَنَةً يتردَّد فِي بِلَادِ فَارِسَ هاهنا وهاهنا، وَيُوقِعُ بِأَهْلِهَا مِنَ
الْبَأْسِ الشَّديد، والسَّطوة الْبَاهِرَةِ، مَا يُبْهِرُ الْأَبْصَارَ لِمَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ ويشنِّف أَسْمَاعَ مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ وَيُحَيِّرُ الْعُقُولَ لِمَنْ تدبَّره.
فتح خالد للأنبار (2) ، وتسمَّى هذه الغزوات ذَاتَ الْعُيُونِ رَكِبَ خَالِدٌ فِي جُيُوشِهِ فَسَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْأَنْبَارِ وَعَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ أَعْقَلِ الْفُرْسِ وَأَسْوَدِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، يُقَالُ لَهُ شِيرْزَاذُ، فَأَحَاطَ بِهَا خَالِدٌ وَعَلَيْهَا خَنْدَقٌ وَحَوْلَهُ أَعْرَابٌ مِنْ قَوْمِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ أَهْلُ أَرْضِهِمْ، فَمَانَعُوا خَالِدًا أَنْ يَصِلَ إِلَى الْخَنْدَقِ فَضَرَبَ مَعَهُمْ رَأْسًا، ولمَّا تَوَاجَهَ الْفَرِيقَانِ أمر خالد أصحابه فرشقوهم بالنِّبال حتى فقأوا مِنْهُمْ أَلْفَ عَيْنٍ، فَتَصَايَحَ النَّاس، ذَهَبَتْ عُيُونُ أهل الأنبار، وسميت هذه الغزوة ذات العيون، فراسل شيرزاذ جلدا في الصُّلح، فاشترط خالد أمورا فامتنع شِيرْزَاذُ مِنْ قَبُولِهَا، فتقدَّم خَالِدٌ إِلَى الْخَنْدَقِ فاستدعي برذايا الْأَمْوَالِ مِنَ الْإِبِلِ فَذَبَحَهَا حَتَّى رَدَمَ الْخَنْدَقَ بِهَا وَجَازَ هُوَ وَأَصْحَابَهُ فَوْقَهَا، فلمَّا رَأَى شِيرْزَاذُ ذَلِكَ أَجَابَ إِلَى الصُّلح عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا خَالِدٌ، وَسَأَلَهُ أَنْ يردَّه إِلَى مأمنه فوفى له بِذَلِكَ، وَخَرَجَ شِيرْزَاذُ مِنَ الْأَنْبَارِ وتسلَّمها خَالِدٌ، فَنَزَلَهَا واطمأنَّ بِهَا، وتعلَّم الصَّحابة ممَّن بِهَا مِنَ الْعَرَبِ الْكِتَابَةَ الْعَرَبِيَّةَ، وَكَانَ أُولَئِكَ الْعَرَبُ قَدْ تعلَّموها مِنْ عَرَبٍ قَبْلَهُمْ وَهُمْ بَنُو إياد، كانوا بها من زمان بختنصَّر حِينَ أَبَاحَ الْعِرَاقَ لِلْعَرَبِ، وَأَنْشَدُوا خَالِدًا قَوْلَ بَعْضِ إِيَادٍ يَمْتَدِحُ قَوْمَهُ: قَومِي إِيادٌ لَو أنَّهمْ أُمَمٌ * أولو أَقَامُوا فَتُهزَلَ النِعَمُ قومٌ لهمْ باحَةُ العِراقِ إذَا * سَارُوا جَمِيعًا واللُّوحُ والقَلَمُ (3) ثمَّ صَالَحَ خَالِدٌ أَهْلَ الْبَوَازِيجِ وَكَلْوَاذَى، قَالَ: ثمَّ نَقَضَ أهل الأنبار ومن حولهم عهدهم لمَّا
__________
(1) نقل الطبري كتابي خالد إلى ملوك فارس وأمرائهم وفيها: بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس أمَّا بعد فالحمد لله الذي حل نظامكم ووهن كيدكم وفرق كلمتكم ولو لم يفعل ذلك بكم كان شرا لكم فأدخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على غلب على أيدي قوم يحبُّون الموت كما تحبون الحياة.
وكتب إلى المرازية: بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس أما بعد فأسلموا تسلموا وإلا
فاعتقدوا مني الذمة وأدوا الجزية وإلا فقد جئتكم بقوم يحبُّون الموت كما تحبون شرب الخمر (4 / 18) .
(2) سميت الانبار لان أهراء الطعام كانت بها أنابير.
قال البلاذري في فتوح البلدان 2 / 301 سميت بالانبار لان أهراء العجم كانت بها.
(3) في الطبري: واللوح والقلم.
(*)
(6/384)

اضْطَرَبَتْ بَعْضُ الْأَحْوَالِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى عَهْدِهِ سوى البوازيخ وبانقيا.
قال سيف عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سِيَاهٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أهل السَّواد عهد قبل الوقعة، إلا بنو صلوبا وهم أهل الحيرة وكلوا ذي وقرى من قرى الفرات، غَدَرُوا حَتَّى دُعُوا إِلَى الذِّمَّةِ بَعْدَمَا غَدَرُوا.
وَقَالَ سَيْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ: قُلْتُ للشِّعبيّ: أخذ السَّواد عنوة وَكُلُّ أَرْضٍ إِلَّا بَعْضَ الْقِلَاعِ وَالْحُصُونِ؟ قَالَ: بَعْضٌ صَالِحٌ وَبَعْضٌ غَالِبٌ.
قُلْتُ: فَهَلْ لِأَهْلِ السَّواد ذمَّة اعتقدوها قبل الحرب؟ قَالَ: لَا، ولكنَّهم لمَّا دُعوا وَرَضُوا بِالْخَرَاجِ وَأُخِذَ مِنْهُمْ صَارُوا ذمَّة.
وَقْعَةُ عَيْنِ التَّمر
لمَّا استقلَّ خَالِدٌ بِالْأَنْبَارِ اسْتَنَابَ عَلَيْهَا الزَّبرقان بْنَ بَدْرٍ، وَقَصَدَ عَيْنَ التَّمر وَبِهَا يومئذٍ مِهْرَانُ بْنُ بَهْرَامَ جُوبِينَ فِي جمعٍ عظيمٍ من العرب (1) ، وَحَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ طَوَائِفُ مِنَ النَّمِرِ وَتَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَمَنْ لَاقَاهُمْ وَعَلَيْهِمْ عَقَّةُ بْنُ أَبِي عقَّة، فلمَّا دَنَا خَالِدٌ قَالَ عقَّة لِمِهْرَانَ: إنَّ الْعَرَبَ أَعْلَمُ بِقِتَالِ الْعَرَبِ، فَدَعْنَا وَخَالِدًا، فَقَالَ لَهُ: دُونَكُمْ وإيَّاهم، وَإِنِ احْتَجْتُمْ إِلَيْنَا أعنَّاكم، فَلَامَتِ الْعَجَمُ أَمِيرَهُمْ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: دَعُوهُمْ فَإِنْ غَلَبُوا خَالِدًا فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنْ غُلبوا قَاتَلْنَا خَالِدًا وَقَدْ ضَعُفُوا وَنَحْنُ أَقْوِيَاءُ، فَاعْتَرَفُوا لَهُ بِفَضْلِ الرَّأي عَلَيْهِمْ، وَسَارَ خَالِدٌ وتلقَّاه عقَّة فلمَّا تَوَاجَهُوا قَالَ خَالِدٌ لِمُجَنِّبَتَيْهِ: احْفَظُوا مَكَانَكُمْ فإنِّي حَامِلٌ، وَأَمَرَ حُمَاتَهُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ وَرَائِهِ، وَحَمَلَ عَلَى عقَّة وَهُوَ يُسَوِّي الصُّفوف فَاحْتَضَنَهُ وَأَسَرَهُ وَانْهَزَمَ جَيْشُ عقَّة مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْأَسْرَ، وَقَصَدَ خالد حصين عَيْنِ التَّمر، فلمَّا بَلَغَ مِهْرَانَ هَزِيمَةُ عقَّة وَجَيْشِهِ، نَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ وَهَرَبَ وَتَرَكَهُ، وَرَجَعَتْ فُلَّالُ نَصَارَى الْأَعْرَابِ إِلَى الْحِصْنِ فَوَجَدُوهُ مَفْتُوحًا فدخلوه واحتموا به، فجاء خالد وأحاط بهم
وَحَاصَرَهُمْ أَشَدَّ الْحِصَارِ، فلمَّا رَأَوْا ذَلِكَ سَأَلُوهُ الصُّلح فأبى إلا أن ينزلوا على حكم خالد، فنزلوا على حكمه فَجُعِلُوا فِي السَّلاسل وتسلَّم الْحِصْنَ ثمَّ أَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُ عقَّة وَمَنْ كَانَ أُسِرَ مَعَهُ وَالَّذِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ أَيْضًا أَجْمَعِينَ، وَغَنِمَ جميع ما فِي ذَلِكَ الْحِصْنِ، وَوَجَدَ فِي الْكَنِيسَةِ الَّتِي بِهِ أَرْبَعِينَ غُلَامًا يَتَعَلَّمُونَ الْإِنْجِيلَ وَعَلَيْهِمْ بَابٌ مُغْلَقٌ، فَكَسَرَهُ خَالِدٌ وفرَّقهم فِي الْأُمَرَاءِ وَأَهْلِ الغناء، وكان حُمْرَانُ (2) صَارَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عفَّان مِنَ الْخُمُسِ، وَمِنْهُمْ سِيرِينُ (3) وَالِدُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أخذه نس بْنُ مَالِكٍ.
وَجَمَاعَةٌ آخَرُونَ مِنَ الْمَوَالِي الْمَشَاهِيرِ أراد بِهِمْ وَبِذَرَارِيِّهِمْ خَيْرًا.
ولمَّا قَدِمَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ عَلَى الصِّديق بِالْخُمُسِ ردَّه الصِّديق إِلَى عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ مَدَدًا لَهُ وَهُوَ مُحَاصِرٌ دومة الجندل فلما
__________
(1) في الطبري والكامل: العجم.
(2) وهو حمران بن أبان بن خالد النمري.
(3) في فتوح البلدان 2 / 303: وقيل إن سيرين من أهل جرجرايا، وإنه كان زائرا لقرابة له فأخذ في الكنيسة معهم.
(*)
(6/385)

قَدِمَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْعِرَاقِ يُحَاصِرُ قَوْمًا، وَهُمْ قَدْ أَخَذُوا عَلَيْهِ الطُّرق فَهُوَ مَحْصُورٌ أَيْضًا، فَقَالَ عِيَاضٌ لِلْوَلِيدِ: إنَّ بَعْضَ الرَّأي خَيْرٌ مِنْ جَيْشٍ كَثِيفٍ، مَاذَا تَرَى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: اكْتُبْ إِلَى خَالِدٍ يمدَّك بِجَيْشٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يستمدَّه، فَقَدِمَ كِتَابُهُ عَلَى خَالِدٍ عقب وَقْعَةِ عَيْنِ التَّمر وَهُوَ يَسْتَغِيثُ بِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: مِنْ خَالِدٍ إِلَى عِيَاضٍ، إيَّاك أُرِيدُ.
لَبِّثْ قَلِيلًا تَأْتِكَ الحَلائِبُ * يحْمِلْنَ آسَاداً عَلَيْهَا القَاشِبُ كتَائِبُ تَتْبَعُهَا كَتَائِبُ خَبَرُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ لمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنْ عَيْنِ التَّمر قَصَدَ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَيْنِ التَّمر عُوَيْمِرَ (1) بْنَ الْكَاهِنِ الْأَسْلَمِيَّ، فلمَّا سَمِعَ أَهْلُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ بِمَسِيرِهِ إِلَيْهِمْ، بَعَثُوا إِلَى أَحْزَابِهِمْ مِنْ بَهْرَاءَ وَتَنُوخَ وَكَلْبٍ وغسَّان وَالضَّجَاعِمِ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِمْ وَعَلَى غسَّان وَتَنُوخَ ابْنُ الْأَيْهَمِ، وَعَلَى الضجاعم بن
الْحِدْرِجَانِ، وَجِمَاعُ النَّاس بِدُومَةَ إِلَى رَجُلَيْنِ أُكَيْدِرِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْجُودِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، فَاخْتَلَفَا فَقَالَ أُكَيْدِرٌ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاس بِخَالِدٍ، لَا أحد أيمن طائر مِنْهُ فِي حَرْبٍ وَلَا أحدَّ مِنْهُ، وَلَا يَرَى وَجْهَ خَالِدٍ قَوْمٌ أَبَدًا، قلُّوا أَمْ كَثُرُوا إِلَّا انْهَزَمُوا عَنْهُ، فَأَطِيعُونِي وَصَالِحُوا الْقَوْمَ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَنْ أُمَالِئَكُمْ عَلَى حَرْبِ خَالِدٍ وَفَارَقَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدٌ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو فَعَارَضَهُ فَأَخَذَهُ، فلمَّا أَتَى بِهِ خَالِدًا أَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَأَخَذَ مَا كَانَ مَعَهُ، ثمَّ تَوَاجَهَ خَالِدٌ وَأَهْلُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَعَلَيْهِمُ الْجُودِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكُلُّ قَبِيلَةٍ مَعَ أَمِيرِهَا مِنَ الْأَعْرَابِ، وَجَعَلَ خَالِدٌ دُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَيْشِ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ، وَافْتَرَقَ جَيْشُ الْأَعْرَابِ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةً نَحْوَ خَالِدٍ، وَفِرْقَةً نَحْوَ عِيَاضٍ، وَحَمَلَ خَالِدٌ عَلَى مَنْ قِبَلَهُ، وَحَمَلَ عِيَاضٌ عَلَى أُولَئِكَ، فَأَسَرَ خَالِدٌ الْجُودِيَّ، وَأَسَرَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَدِيعَةَ، وفرَّت الْأَعْرَابُ إِلَى الْحِصْنِ فَمَلَأُوهُ وَبَقِيَ مِنْهُمْ خَلْقٌ ضَاقَ عَنْهُمْ، فَعَطَفَتْ بَنُو تَمِيمٍ عَلَى مَنْ هُوَ خَارِجَ الْحِصْنِ فَأَعْطَوْهُمْ مِيرَةً فَنَجَا بَعْضُهُمْ، وَجَاءَ خَالِدٌ فَضَرَبَ أَعْنَاقَ مَنْ وَجَدَهُ خَارِجَ الْحِصْنِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِ الْجُودِيِّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْأُسَارَى، إِلَّا أُسَارَى بَنِي كَلْبٍ فإنَّ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وَبَنِي تَمِيمٍ أَجَارُوهُمْ، فقال لهم خالد: مالي وما لكم أَتَحْفَظُونَ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتُضَيِّعُونَ أَمْرَ الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ له عاصم بن عمرو: أتحسدونهم العافية وتحوذونهم الشَّيطان، ثمَّ أَطَافَ خَالِدٌ بِالْبَابِ فَلَمْ يَزَلْ عَنْهُ حَتَّى اقْتَلَعَهُ، وَاقْتَحَمُوا الْحِصْنَ فَقَتَلُوا مَنْ فيه من المقاتلة، وسبوا الذَّراري فبايعوهم بَيْنَهُمْ فِيمَنْ يَزِيدُ، وَاشْتَرَى خَالِدٌ يَوْمَئِذٍ ابْنَةَ الْجُودِيِّ، وَكَانَتْ مَوْصُوفَةً بِالْجَمَالِ، وَأَقَامَ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ وردَّ الْأَقْرَعَ إِلَى الْأَنْبَارِ، ثمَّ رَجَعَ خَالِدٌ إِلَى الْحِيرَةِ، فتلقَّاه أَهْلُهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالتَّقْلِيسِ، فَسَمِعَ رَجُلًا مِنْهُمْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: مُرَّ بنا فهذا يوم فرح الشر.
__________
(1) في الطبري: عويم.
(*)
(6/386)

خبر وقعتي الحصيد والمضيح قَالَ سَيْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهْلَّبِ قَالُوا: وكان خَالِدٌ أَقَامَ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ فظنَّ الْأَعَاجِمُ بِهِ وَكَاتَبُوا عَرَبَ الْجَزِيرَةِ فَاجْتَمَعُوا لِحَرْبِهِ، وَقَصَدُوا الْأَنْبَارَ يُرِيدُونَ انْتِزَاعَهَا مِنَ الزَّبرقان، وَهُوَ نَائِبُ
خَالِدٍ عَلَيْهَا، فلمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الزَّبرقان كَتَبَ إِلَى القعقاع بن عمرو نائب خالد على الحيرة، فَبَعَثَ الْقَعْقَاعُ أَعْبَدَ بْنَ فَدَكِيٍّ السَّعدي وَأَمَرَهُ بالحصيد وبعث عروة بن أبي الْجَعْدِ الْبَارِقِيَّ وَأَمَرَهُ بِالْخَنَافِسِ، وَرَجَعَ خَالِدٌ مِنْ دُومَةَ إِلَى الْحِيرَةِ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى مُصَادَمَةِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ محلَّة كِسْرَى، لكنَّه يَكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّديق، وَشَغَلَهُ مَا قَدِ اجْتَمَعَ مِنْ جُيُوشِ الْأَعَاجِمِ مَعَ نَصَارَى الْأَعْرَابِ يُرِيدُونَ حَرْبَهُ، فَبَعَثَ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو أَمِيرًا عَلَى النَّاس، فَالْتَقَوْا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الْحُصَيْدُ، وَعَلَى الْعَجَمِ رَجُلٌ مِنْهُمْ يقال له روزبه، وأمدَّه أمير آخر قال لَهُ زَرْمِهْرُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ وقتل منهم المسلمون خلقاً كثيراً، وقتل القعقاع بيد زَرْمِهْرَ، وَقَتَلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ رُوزَبَهْ.
وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَهَرَبَ مَنْ هَرَبَ مِنَ الْعَجَمِ، فَلَجَأُوا إِلَى مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ خَنَافِسُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ أَبُو لَيْلَى بْنُ فَدَكِيٍّ السَّعدي، فلمَّا أحسُّوا بذلك ساروا إلى المضيح (1) ، فلمَّا استقرُّوا بِهَا بِمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْأَعَاجِمِ والأعارب قَصَدَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ، وقسَّم الْجَيْشَ ثَلَاثَ فِرَقٍ، وَأَغَارَ عَلَيْهِمْ لَيْلًا وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَنَامَهُمْ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْيَسِيرُ فَمَا شبِّهوا إِلَّا بِغَنَمٍ مُصَرَّعَةٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: انْتَهَيْنَا فِي هَذِهِ الْغَارَةِ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ حُرْقُوصُ بْنُ النُّعمان النَّمَرِيُّ، وَحَوْلَهُ بَنُوهُ وَبَنَاتُهُ وَامْرَأَتُهُ، وَقَدْ وَضَعَ لَهُمْ جفنة من خمر وهم يقولون: أَحَدَ يَشْرَبُ هَذِهِ السَّاعة وَهَذِهِ جُيُوشُ خَالِدٍ قَدْ أَقْبَلَتْ؟ فَقَالَ لَهُمُ: اشْرَبُوا شُرْبَ وَدَاعٍ فَمَا أَرَى أَنْ تَشْرَبُوا خَمْرًا بَعْدَهَا، فَشَرِبُوا وجعل يقول: أَلا يا اسقِيَاني قَبْلَ نَائِرَةِ الفَجْرِ (2) * لعَلَّ مَنَايانَا قريبٌ وَلا نَدْرِي الْقَصِيدَةَ إِلَى آخِرِهَا، قَالَ: فَهَجَمَ النَّاس عَلَيْهِ فَضَرَبَ رَجُلٌ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ فِي جَفْنَتِهِ، وأُخذت بَنُوهُ وَبَنَاتُهُ وَامْرَأَتُهُ، وَقَدْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ رَجُلَانِ كَانَا قَدْ أَسْلَمَا وَمَعَهُمَا كِتَابٌ مِنَ الصِّديق بِالْأَمَانِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَهُمَا عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ أَبِي رِهْمِ بْنِ قِرْوَاشٍ، قَتَلَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَالْآخَرُ لَبِيدُ بْنُ جَرِيرٍ، قَتَلَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، فلمَّا بَلَغَ خَبَرُهُمَا الصِّديق ودَّاهما، وَبَعَثَ بِالْوَصَاةِ بِأَوْلَادِهِمَا، وتكلَّم عُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ فِي خَالِدٍ بسببهما، وقد تَكَلَّمَ فِيهِ بِسَبَبِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، فَقَالَ له الصِّديق: كذلك يلقى من يساكن أَهْلَ الْحَرْبِ فِي دِيَارِهِمْ، أَيِ
الذَّنب لَهُمَا فِي مُجَاوَرَتِهِمَا الْمُشْرِكِينَ، وَهَذَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ " أنا برئ من كلِّ من ساكن المشرك في
__________
(1) في الكامل: 2 / 396: المصيخ.
وكان عليها - كما في الطبري والكامل - الهذيل بن عمران.
(2) في الطبري والكامل: ألا سقياني قبل خيل أبي بكر ... وبعده في الطبري: ألا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر * بعيد انتفاخ القوم بالعكر الدثر وقبل منايانا المصيبة بالقدر * لحين لعمري لا يزيد ولا يحري (*)
(6/387)

داره " (1) وفي الحديث الآخر " لا ترى نَارُهُمَا " (2) أَيْ لَا يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ * ثمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ الثِّنْيِ وَالزُّمَيْلِ وَقَدْ بَيَّتُوهُمْ فَقَتَلُوا مَنْ كَانَ هُنَالِكَ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالْأَعَاجِمِ فَلَمْ يُفْلِتُ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَلَا انبعث بخبر، ثمَّ بَعَثَ خَالِدٌ بِالْخُمُسِ مِنَ الْأَمْوَالِ والسَّبي إِلَى الصِّديق، وَقَدِ اشْتَرَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ هَذَا السَّبي جَارِيَةً مِنَ الْعَرَبِ وَهِيَ ابْنَةُ رَبِيعَةَ بْنِ بُجَيْرٍ التَّغلبي، فَاسْتَوْلَدَهَا عُمَرَ وَرُقَيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَقْعَةُ الفِراض
ثمَّ سَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَقْعَةِ الْفِرَاضِ وَهِيَ تُخُومُ الشَّام وَالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ، فَأَقَامَ هُنَالِكَ شَهْرَ رَمَضَانَ مُفْطِرًا لِشُغْلِهِ بِالْأَعْدَاءِ، وَلَمَّا بَلَغَ الرُّوم أَمْرُ خَالِدٍ وَمَصِيرُهُ إِلَى قُرْبِ بِلَادِهِمْ، حَمُوا وَغَضِبُوا وَجَمَعُوا جموعاً كثيرة، واستمدوا تغلب وإياد والنَّمر، ثمَّ نَاهَدُوا خَالِدًا فَحَالَتِ الْفُرَاتُ بَيْنَهُمْ فَقَالَتِ الرُّوم لِخَالِدٍ: اعْبُرْ إِلَيْنَا، وَقَالَ خَالِدٌ للرُّوم: بَلِ اعْبُرُوا أَنْتُمْ، فَعَبَرَتِ الرُّوم إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ للنِّصف مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ قِتَالًا عَظِيمًا بَلِيغًا، ثمَّ هَزَمَ اللَّهُ جُمُوعَ الرُّوم وتمكَّن الْمُسْلِمُونَ مِنْ اقتفائهم، فَقُتِلَ فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ مِائَةُ أَلْفٍ، وَأَقَامَ خَالِدٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْفِرَاضِ عَشَرَةَ أيَّام ثمَّ أَذِنَ بِالْقُفُولِ إِلَى الْحِيرَةِ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَأَمَرَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو أَنْ يَسِيرَ فِي المقدِّمة وَأَمَرَ شَجَرَةَ بْنَ الْأَعَزِّ أَنْ يَسِيرَ فِي السَّاقة، وَأَظْهَرَ خَالِدٌ أنَّه يَسِيرُ فِي السَّاقة، وَسَارَ خَالِدٌ فِي عدَّة مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَدَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَسَارَ إلى مكة في طريق لم يسلك من قبله قط، ويأتي لَهُ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ يَقَعْ لِغَيْرِهِ، فَجَعَلَ يَسِيرُ مُعْتَسِفًا عَلَى غَيْرِ
جادَّة، حَتَّى انتهى إلى مكة فأدرك الحج هذه السنة، ثم عاد فأدرك أمر السَّاقة قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الْحِيرَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِحَجِّ خَالِدٍ هَذِهِ السَّنة إِلَّا الْقَلِيلُ مِنَ النَّاس ممَّن كَانَ مَعَهُ، وَلَمْ يعلم أبو بكر الصديق لذلك أيضا إلا بعد ما رَجَعَ أَهْلُ الْحَجِّ مِنَ الْمَوْسِمِ، فَبَعَثَ يَعْتِبُ عليه في مفارقته وَكَانَتْ عُقُوبَتَهُ عِنْدَهُ أَنْ صَرَفَهُ مِنْ غَزْوِ الْعِرَاقِ إِلَى غَزْوِ الشَّام، وَقَالَ لَهُ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ: يَقُولُ لَهُ: وإنَّ الْجُمُوعَ لَمْ تشج بعون الله شجيك، فليهنئك أَبَا سُلَيْمَانَ النِّيَّةُ وَالْحُظْوَةُ، فَأَتْمِمْ يُتَمِّمِ اللَّهُ لَكَ، وَلَا يَدْخُلَنَّكَ عُجْبٌ فَتَخْسَرَ وَتُخْذَلَ، وإيَّاك أَنْ تُدِلَّ بِعَمَلٍ فإنَّ اللَّهَ لَهُ المنُّ وهو ولي الجزاء.
فَصْلٌ فِيمَا كَانَ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي هَذِهِ السَّنة فِيهَا أَمَرَ الصِّديق زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أن يجمع القرآن من اللِّحاف وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجال، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا استحرَّ الْقَتْلُ فِي القرَّاء يَوْمَ الْيَمَامَةِ كَمَا ثَبَتَ بِهِ الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَفِيهَا تزوَّج عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِأُمَامَةَ بِنْتِ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ مِنْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ
__________
(1) أخرجه النسائي في القسامة (27) .
وأبو داود في الجهاد (170) .
(2) أخرجه أبو داود في الجهاد باب (95) ، والنسائي في القسامة باب (27) .
(*)
(6/388)

عَبْدِ شَمْسٍ الْأُمَوِيِّ، وَقَدْ توفِّي أَبُوهَا فِي هَذَا الْعَامِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَحْمِلُهَا فِي الصَّلاة فَيَضَعُهَا إِذَا سَجَدَ وَيَرْفَعُهَا إِذَا قَامَ.
وَفِيهَا تزوَّج عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَهِيَ ابْنَةُ عمِّه، وكان لها محباً ولها مُعْجَبًا، وَكَانَ لَا يَمْنَعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلاة وَيَكْرَهُ خُرُوجَهَا، فَجَلَسَ لَهَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الطَّريق فِي ظُلْمَةٍ فلمَّا مرَّت ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى عَجُزِهَا، فَرَجَعَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا وَلَمْ تَخْرُجْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ الخطَّاب، فِيمَا قِيلَ، فَقُتِلَ عَنْهَا، وَكَانَتْ قَبْلَ زَيْدٍ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقُتِلَ عَنْهَا، وَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ الزُّبير، فلمَّا قُتِلَ خَطَبَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ: إِنِّي أَرْغَبُ بِكَ عن الموت، وامتنعت عن التزوج حَتَّى مَاتَتْ، وَفِيهَا اشْتَرَى عُمَرُ مَوْلَاهُ أَسْلَمَ ثمَّ صَارَ مِنْهُ أَنْ كَانَ أَحَدَ سَادَاتِ التَّابعين، وَابْنُهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَحَدُ الثِّقات الرُّفعاء.
وَفِيهَا حجَّ بالنَّاس أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى
الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عفَّان.
رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحُرَقَةِ عن رجل من بني سهم، عن ابن مَاجِدَةَ، قَالَ: حجَّ بِنَا أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافَتِهِ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِي الْقِصَاصِ مِنْ قَطْعِ الْأُذُنِ، وأنَّ عُمَرَ حَكَمَ فِي ذَلِكَ بِأَمْرِ الصِّديق.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَمْ يَحُجَّ أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافَتِهِ، وأنَّه بَعَثَ عَلَى الْمَوْسِمِ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عُمَرَ بْنَ الخطِّاب، أَوْ عَبْدَ الرحمن بن عوف.
فَصْلٌ فِيمَنْ توفِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدْ قِيلَ إنَّ وَقْعَةَ الْيَمَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا كَانَتْ في سنة ثنتي عشرة، فليذكر هاهنا مَنْ تقدَّم ذِكْرُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَنْ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا، ولكنَّ الْمَشْهُورَ ما ذكره.
بَشِيرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْخَزْرَجِيُّ وَالِدُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ، وَبَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَيُقَالُ إنَّه أوَّل مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ أوَّل مَنْ بَايَعَ الصِّدِّيقَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَشَهِدَ مَعَ خَالِدٍ حُرُوبَهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ بِعَيْنِ التَّمر رَضِيَ الله عنه.
وروى لَهُ النَّسائي حَدِيثَ النَّحل.
وَالصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ اللَّيثي أخو محكم بْنِ جَثَّامَةَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثُ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هاجر وكان نزل ودَّان وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ الصِّديق.
أَبُو مَرْثَدٍ الغنويّ واسمه معاذ بن الحصين (1) ويقال بن حصين بن يربوع بن عمرو بن يربوبن خرشة بن
__________
(1) في الاستيعاب: كناز بن حصن، وفي الاصابة: كناز بن الحصين.
(*)
(6/389)

سعد بن طريف بن خيلان بْنِ غَنْمِ بْنِ غَنِيِّ بْنِ أَعْصُرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ غيلان بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ (1) أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ، شَهِدَ هُوَ وَابْنُهُ مَرْثَدٌ بَدْرًا، وَلَمْ يَشْهَدْهَا رَجُلٌ هُوَ وَابْنُهُ سِوَاهُمَا، وَاسْتُشْهِدَ ابْنُهُ مَرْثَدٌ يَوْمَ الرَّجيع كَمَا تقدَّم، وَابْنُ ابْنِهِ أُنَيْسُ بْنُ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ لَهُ صُحْبَةٌ أَيْضًا، شَهِدَ الْفَتْحَ وَحُنَيْنًا وَكَانَ عَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَوْمَ أَوْطَاسٍ فَهُمْ ثَلَاثَةٌ نَسَقًا، وَقَدْ كَانَ أَبُو مَرْثَدٍ حليفاً
للعبَّاس (2) بن عبد المطلب، وروي لَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم حَدِيثٌ وَاحِدٌ (3) أَنَّهُ قَالَ: لَا تصلُّوا إِلَى القبور ولا تجلسوا إليها، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، زَادَ غَيْرُهُ بالشَّام، وَزَادَ غَيْرُهُ عَنْ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ رَجُلًا طَوِيلًا كَثِيرَ الشَّعر، قُلْتُ: وَفِي قِبليّ دِمَشْقَ قَبْرٌ يُعَرَفُ بِقَبْرِ كَثِيرٍ، وَالَّذِي قَرَأْتُهُ عَلَى قَبْرِهِ هَذَا قَبْرُ كَنَّازِ بْنِ الْحُصَيْنِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَأَيْتُ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ رَوْحًا وَجَلَالَةً، وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَافِظَ ابْنَ عَسَاكِرَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَارِيخِ الشَّام.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وممَّن توفِّي فِي هَذِهِ السَّنة: أَبُو الْعَاصِ بْنُ الربيع ابن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْعَبْشَمِيُّ زَوْجُ أَكْبَرَ بَنَاتِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم زَيْنَبَ، وَكَانَ مُحْسِنًا إِلَيْهَا وَمُحِبًّا لَهَا، ولمَّا أمره المسلمون بِطَلَاقِهَا حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنَ أُخْتِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ وَاسْمُ أمَّه هَالَةُ، وَيُقَالُ هِنْدُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ: لَقِيطٌ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَقِيلَ: مُهَشِّمٌ وَقِيلَ: هُشَيْمٌ، وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ نَاحِيَةِ الكفَّار فَأُسِرَ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَمْرُو بْنُ الرَّبيع لِيُفَادِيَهُ وأحضر معه في الْفِدَاءَ قِلَادَةً كَانَتْ خَدِيجَةُ أَخْرَجَتْهَا مَعَ ابْنَتِهَا زَيْنَبَ حِينَ تزوَّج أَبُو الْعَاصِ بِهَا، فلمَّا رآها رسول الله رقَّ لَهَا رقَّة شَدِيدَةً وَأَطْلَقَهُ بِسَبَبِهَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ لَهُ زَيْنَبَ إِلَى الْمَدِينَةِ فوفَّى لَهُ بِذَلِكَ، واستمرَّ أَبُو الْعَاصِ عَلَى كُفْرِهِ بِمَكَّةَ إِلَى قُبَيْلِ الْفَتْحِ بِقَلِيلٍ، فَخَرَجَ فِي تِجَارَةٍ لِقُرَيْشٍ فَاعْتَرَضَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِي سَرِيَّةٍ فَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَنِمُوا الْعِيرَ، وفرَّ أَبُو الْعَاصِ هَارِبًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَاسْتَجَارَ بِامْرَأَتِهِ زَيْنَبَ فَأَجَارَتْهُ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ جِوَارَهَا، وردَّ عَلَيْهِ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ أَمْوَالِ قُرَيْشٍ، فَرَجَعَ بِهَا أَبُو الْعَاصِ إِلَيْهِمْ، فردَّ كُلَّ مَالٍ إِلَى صَاحِبِهِ، ثمَّ تشهَّد شَهَادَةَ الحقِّ وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وردَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم زَيْنَبَ بالنِّكاح الأوَّل وَكَانَ بَيْنَ فِرَاقِهَا لَهُ وَبَيْنَ اجْتِمَاعِهَا ستَّ سِنِينَ وَذَلِكَ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ تَحْرِيمِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقِيلَ إنَّما ردَّها عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَقَدْ وُلِدَ لَهُ مِنْ زَيْنَبَ عَلِيُّ بن أَبِي الْعَاصِ، وَخَرَجَ مَعَ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ حين بعثه إليها رسول
__________
(1) في طبقات ابن سعد: ابن الحصين بن يربوع بن طريف بن خرشة بن عبيد بن سعد بن عوف بن كعب بن جلان بن غنم بن يحيى ين يعصر بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مضر.
(3 / 47) .
بَدْرًا مِنْ نَاحِيَةِ الكفَّار فَأُسِرَ، فَجَاءَ أَخُوهُ عمرو بن الرَّبيع ليفاديه وأحضر معه في الْفِدَاءَ قِلَادَةً كَانَتْ خَدِيجَةُ أَخْرَجَتْهَا مَعَ ابْنَتِهَا زَيْنَبَ حِينَ تزوَّج أَبُو الْعَاصِ بِهَا، فلمَّا رآها رسول الله رقَّ لَهَا رقَّة شَدِيدَةً وَأَطْلَقَهُ بِسَبَبِهَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ لَهُ زَيْنَبَ إِلَى الْمَدِينَةِ فوفَّى لَهُ بِذَلِكَ، واستمرَّ أَبُو الْعَاصِ عَلَى كُفْرِهِ بِمَكَّةَ إِلَى قُبَيْلِ الْفَتْحِ بِقَلِيلٍ، فَخَرَجَ فِي تِجَارَةٍ لِقُرَيْشٍ فَاعْتَرَضَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِي سَرِيَّةٍ فَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَنِمُوا الْعِيرَ، وفرَّ أَبُو الْعَاصِ هَارِبًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَاسْتَجَارَ بِامْرَأَتِهِ زَيْنَبَ فَأَجَارَتْهُ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ جِوَارَهَا، وردَّ عَلَيْهِ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ أَمْوَالِ قُرَيْشٍ، فَرَجَعَ بِهَا أَبُو الْعَاصِ إِلَيْهِمْ، فردَّ كُلَّ مَالٍ إِلَى صَاحِبِهِ، ثمَّ تشهَّد شَهَادَةَ الحقِّ وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وردَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم زَيْنَبَ بالنِّكاح الأوَّل وَكَانَ بَيْنَ فِرَاقِهَا لَهُ وَبَيْنَ اجْتِمَاعِهَا ستَّ سِنِينَ وَذَلِكَ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ تَحْرِيمِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقِيلَ إنَّما ردَّها عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَقَدْ وُلِدَ لَهُ مِنْ زَيْنَبَ عَلِيُّ بن أَبِي الْعَاصِ، وَخَرَجَ مَعَ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ حين بعثه إليها رسول
__________
(1) في طبقات ابن سعد: ابن الحصين بن يربوع بن طريف بن خرشة بن عبيد بن سعد بن عوف بن كعب بن جلان بن غنم بن يحيى ين يعصر بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ.
(3 / 47) .
(2) قَالَ الواقدي والزهري: كان حليفا لحمزة بن عبد المطلب.
(3) رواه وائلة بن الاسقع عنه وأخرحه مسلم والبغوي وغيرهما من طريق بشر بن عبيد الله كما في الاصابة والاستيعاب.
(*)
(6/390)

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا فِي صَهَارَتِهِ، وَيَقُولُ: حدَّثني فصدَّقني وَوَاعَدَنِي فوفَّاني، وَقَدْ توفِّي فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنة تزوَّج عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِابْنَتِهِ أُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ، بَعْدَ وَفَاةِ خَالَتِهَا فَاطِمَةَ، وَمَا أَدْرِي هَلْ كان ذلك قبل وفاة أبي العاص أو بعده فالله أعلم * تمَّ الجزء السادس من البداية والنهاية ويليه الجزء السابع وأوله سنة ثلاث عشرة من الهجرة النَّبوِّية،
(6/391)

البداية والنهاية - ابن كثير ج 7
البداية والنهاية
ابن كثير ج 7
(7/)

البداية والنهاية
(7/1)

البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 هـ حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء السابع دار إحياء التراث العربي
(7/3)

جميع الحقوق محفوظة لدار احياء التراث العربي طبعة جديدة محققة الطبعة الاولى 1408 هـ 1988 م
(7/4)

بسم الله الرحمن الرحيم سنة ثلاث عشرة من الهجرة اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالصِّدِّيقُ عَازِمٌ عَلَى جَمْعِ الْجُنُودِ لِيَبْعَثَهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَرْجِعِهِ من الحج عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) * [التوبة: 123] .
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: * (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) * الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: 29] .
وَاقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ جَمَعَ الْمُسْلِمِينَ لِغَزْوِ الشَّامِ - وَذَلِكَ عَامَ تَبُوكَ - حتَّى وَصَلَهَا فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَجَهْدٍ، فَرَجَعَ عَامَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَ قبل موته أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلَاهُ لِيَغْزُوَ تُخُومَ الشَّامِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَمَّا فَرَغَ الصِّدِّيقُ مِنْ أَمْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ بَسَطَ يَمِينَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى الشَّامِ كَمَا بَعَثَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَشَرَعَ فِي جَمْعِ الْأُمَرَاءِ فِي أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى صَدَقَاتِ قُضَاعَةَ مَعَهُ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ فِيهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْتَنْفِرُهُ إِلَى الشَّامِ: " إِنِّي كُنْتُ قَدْ رَدَدْتُكَ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي وَلَّاكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً، وَسَمَّاهُ لَكَ أُخْرَى، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أبا عبد الله ن أُفَرِّغَكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ فِي حَيَاتِكَ وَمَعَادِكَ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ أَحَبَّ إِلَيْكَ " فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنِّي سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ عبد (1) اللَّهِ الرَّامِي بِهَا، وَالْجَامِعُ لَهَا، فَانْظُرْ أَشَدَّهَا وَأَخْشَاهَا (2) فَارْمِ بِي فِيهَا.
وَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ، وأقبلا بعد ما اسْتَخْلَفَا فِي عَمَلِهِمَا، إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَقَدِمَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ مِنَ الْيَمَنِ فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ وَعَلَيْهِ جُبَّةُ دِيبَاجٍ، فَلَمَّا رَآهَا عُمَرُ عليه أمر من هناك من الناس بتحريقها عنه، فغضب خالد بن سعيد (3)
__________
(1) في الطبري والكامل: بعد.
(2) زاد الطبري والكامل: وأفضلها.
(3) قال الطبري: إن خالد بن سعيد قدم من اليمن بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وتربص ببيعة أبي بكر شهرين لم يبايعه وقال لعلي ما قال ... فاضطغنها عليه عمر.
ولم يحفلها عليه أبو بكر (4 / 28 - والكامل في التاريخ 2 / 402 وابن سعد 4 / 97) .
(*)
(7/5)

أو قال لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! أَغُلِبْتُمْ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عَنِ الْإِمْرَةِ؟ فقال له علي: أمغالبة تراها أو خلافة؟ فقال لا يغلب عَلَى هَذَا الْأَمْرِ أَوْلَى مِنْكُمْ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ، وَاللَّهِ لَا تَزَالُ كَاذِبًا تَخُوضُ فِيمَا قُلْتَ ثُمَّ لَا تَضُرُّ إِلَّا نَفْسَكَ.
وَأَبْلَغَهَا عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَتَأَثَّرْ لَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَلَمَّا اجْتَمَعَ عِنْدَ الصِّدِّيقِ مِنَ الْجُيُوشِ مَا أَرَادَ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَأَثْنَى
عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ حَثَّ النَّاسَ عَلَى الْجِهَادِ فَقَالَ: أَلَا لِكُلِّ أَمْرٍ جَوَامِعُ، فَمَنْ بَلَغَهَا فَهِيَ حَسْبُهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِلَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ، عَلَيْكُمْ بِالْجِدِّ وَالْقَصْدِ فَإِنَّ الْقَصْدَ أَبْلَغُ، أَلَا إِنَّهُ لَا دِينَ لِأَحَدٍ لَا إيمان له، ولا إيمان لمن لا خشيه لَهُ (1) ، وَلَا عَمَلَ لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ أَنْ يُخَصَّ بِهِ (2) ، هِيَ النجاة (3) التي دل الله عليها، إذ نجى بها من الخزي، والحق بها الكرامة [في الدنيا والآخرة] (4) .
ثُمَّ شَرَعَ الصِّدِّيقُ فِي تَوْلِيَةِ الْأُمَرَاءِ وَعَقْدِ الْأَلْوِيَةِ وَالرَّايَاتِ، فَيُقَالُ إِنْ أَوَّلَ لِوَاءٍ عَقَدَهُ لِخَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ (5) ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَثَنَاهُ عَنْهُ وَذَكَّرَهُ بِمَا قَالَ.
فَلَمْ يَتَأَثَّرْ بِهِ الصِّدِّيقُ كَمَا تَأَثَّرَ بِهِ عُمَرُ، بَلْ عَزَلَهُ عَنِ الشَّامِ وَوَلَّاهُ أَرْضَ " تَيْمَاءَ " يَكُونُ بِهَا فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَمْرُهُ.
ثُمَّ عَقَدَ لِوَاءَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَمَعَهُ جُمْهُورُ النَّاسِ، وَمَعَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَشْبَاهُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ مَاشِيًا يُوصِيهِ بِمَا اعْتَمَدَهُ فِي حَرْبِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ لَهُ دِمَشْقَ.
وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ عَلَى جُنْدٍ آخَرَ، وَخَرَجَ مَعَهُ مَاشِيًا يُوصِيهِ، وَجَعَلَ لَهُ نِيَابَةَ حِمْصَ.
وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَمَعَهُ جُنْدٌ آخَرُ وَجَعَلَهُ عَلَى فِلَسْطِينَ.
وَأَمَرَ كُلَّ أَمِيرٍ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِ الْآخَرِ، لِمَا لَحَظَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ.
وَكَانَ الصِّدِّيقُ اقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِنَبِيِّ اللَّهِ يَعْقُوبَ حِينَ قَالَ لِبَنِيهِ (* يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ منَّ شئ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) * [يوسف: 67] .
فكان سلوك يزيد ابن أَبِي سُفْيَانَ عَلَى تَبُوكَ.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُيُوخِهِ قَالُوا: وَكَانَ بَعْثُ أَبِي بَكْرٍ هَذِهِ الْجُيُوشَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كيسان: خرج أبو بكر ماشيا ويزيد ابن أَبِي سُفْيَانَ رَاكِبًا فَجَعَلَ، يُوصِيهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: أُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَأَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ، ثُمَّ انْصَرَفَ ومضى يزيد وأجد السير.
ثم تبعه شرحبيل بن حَسَنَةَ، ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ مَدَدًا لَهُمَا، فَسَلَكُوا غير ذَلِكَ الطَّرِيقَ.
وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حَتَّى نزل العرمات (6) مِنْ أَرْضِ الشَّامِ.
وَيُقَالُ إِنَّ يَزِيدَ بْنَ أبي
__________
(1) في الطبري: ولا أجر لمن لا حسبة له.
(2) في الكنز: أن يحضره، وفي ابن عساكر: أن يحض به.
(3) في الطبري: التجارة.
(4) من الطبري 4 / 30 وأخرجه ابن عساكر في 1 / 133 وذكره في الكنز 8 / 207 بمثله.
(5) قال الواقدي في فتوح الشام: يزيد بن أبي سفيان.
(6) في الطبري: بغمر العربات.
(*)
(7/6)

سُفْيَانَ نَزَلَ الْبَلْقَاءَ أَوَّلًا.
وَنَزَلَ شُرَحْبِيلُ بِالْأُرْدُنِّ، وَيُقَالُ بِبُصْرَى.
وَنَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِالْجَابِيَةِ.
وَجَعَلَ الصِّدِّيقُ يُمِدُّهُمْ بِالْجُيُوشِ، وَأَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْضَافَ إِلَى مَنْ أَحَبَّ مِنَ الْأُمَرَاءِ.
ويقال إن أبا عبيدة لما مر بأرض الْبَلْقَاءِ قَاتَلَهُمْ حَتَّى صَالَحُوهُ وَكَانَ أَوَّلَ صُلْحٍ (1) وَقَعَ بِالشَّامِ.
وَيُقَالُ إِنَّ أَوَّلَ حَرْبٍ وَقَعَ بِالشَّامِ أَنَّ الرُّومَ اجْتَمَعُوا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ العرية (2) من أرض فلسطين، فوجه إليهم أبا أمامة [الباهلي] فِي سَرِيَّةٍ فَقَتَلَهُمْ وَغَنِمَ مِنْهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ بِطْرِيقًا عَظِيمًا.
ثُمَّ كَانَتْ بَعْدَ هَذِهِ وَقْعَةُ مرج الصفراء اسْتُشْهِدَ فِيهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَيُقَالُ إِنَّ الَّذِي اسْتُشْهِدَ في مرج الصفراء ابْنٌ لِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَأَمَّا هُوَ فَفَرَّ حَتَّى انْحَازَ إِلَى أَرْضِ الْحِجَازِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَلَمَّا انْتَهَى خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى تَيْمَاءَ اجْتَمَعَ لَهُ جُنُودٌ مِنَ الرُّومِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ من نصارى العرب، من غيرا (3) ، وَتَنُوخَ، وَبَنِي كَلْبٍ، وَسَلِيحٍ، وَلَخْمٍ وَجُذَامَ، وَغَسَّانَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهُمْ تَفَرَّقُوا عَنْهُ وَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ إِلَى الصِّدِّيقِ يُعَلِمُهُ بِمَا وَقَعَ مِنَ الْفَتْحِ، فَأَمَرَهُ الصِّدِّيقُ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَلَا يُحْجِمَ، وَأَمَدَّهُ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَجَمَاعَةٍ، فَسَارَ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ إيلياء فَالْتَقَى هُوَ وَأَمِيرٌ مَنِ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ ماهان (4) فكسره، ولجأ ماهان إِلَى دِمَشْقَ، فَلَحِقَهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَبَادَرَ الجيوش إلى لحوق دمشق وطلب الحظوة، فوصلوا إلى مرج الصفراء فانطوت عليه مسالح ماهان وأخذوا عليهم الطريق، وزحف ماهان فَفَرَّ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، فَلَمْ يَرِدْ إِلَى ذِي الْمَرْوَةِ.
وَاسْتَحْوَذَ الرُّومُ عَلَى جَيْشِهِمْ إِلَّا مَنْ فَرَّ عَلَى الْخَيْلِ، وَثَبَتَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَقَدْ تَقَهْقَرَ عَنِ الشَّامِ قَرِيبًا وَبَقِيَ رِدْءًا
لِمَنْ نَفَرَ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ شُرَحْبِيلُ بن حَسَنَةَ مِنَ الْعِرَاقِ مِنْ عِنْدِ خَالِدِ بْنِ الوليد إلى الصديق، فأمّره على جيشه وَبَعَثَهُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ بِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ بِذِي الْمَرْوَةِ، أَخَذَ جُمْهُورَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ هربوا إِلَى ذِي الْمَرْوَةِ.
ثُمَّ اجْتَمَعَ عِنْدَ الصِّدِّيقِ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَرْسَلَهُ وَرَاءَ أَخِيهِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَلَمَّا مَرَّ بِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ أَخَذَ مَنْ كَانَ بَقِيَ مَعَهُ بِذِي الْمَرْوَةِ إِلَى الشَّامِ.
ثُمَّ أَذِنَ الصِّدِّيقُ لِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ فِي الدُّخُولِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَ: كَانَ عُمَرُ أَعْلَمَ بِخَالِدٍ.
وَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو جعفر بن
__________
(1) وهو صلح مآب وهي فسطاط ليست بمدينة وهي قرية من قرى البلقاء كما في الطبري 4 / 39.
(2) في الطبري: العربة.
وفي معجم البلدان: العربة موضع بفلسطين كانت به وقعة للمسلمين في أول الإسلام.
(3) في الطبري: بهراء.
(4) في الطبري والكامل: باهان، وفي فتوح الشام للواقدي وفتوح البلدان للبلاذري: ماهان.
(*)
(7/7)

جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَأَمَّا الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ وَابْنِ لَهِيعَةَ وَاللَّيْثِ وَأَبِي مَعْشَرٍ أَنَّهَا كَانَتْ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ دِمَشْقَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ.
كَانَتْ وَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَهَذَا هو المحفوظ و (أما) ما قَالَهُ سَيْفٌ مِنْ أَنَّهَا قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا ذِكْرُ سِيَاقِ سَيْفٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا أورده ابن جرير وغيره.
قال: وَلَمَّا تَوَجَّهَتْ هَذِهِ الْجُيُوشُ نَحْوَ الشَّامِ أَفْزَعَ ذَلِكَ الرُّومَ وَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا، وَكَتَبُوا إِلَى هِرَقْلَ يُعْلِمُونَهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ.
فَيُقَالُ أنه كان يومئذ بحمص، ويقال: كَانَ حَجَّ عَامَهُ ذَلِكَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ الْخَبَرُ.
قَالَ لَهُمْ: وَيَحَكُمْ إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ دِينٍ جَدِيدٍ، وَإِنَّهُمْ لَا قِبَلَ لأحدٍ بِهِمْ، فَأَطِيعُونِي وَصَالِحُوهُمْ بِمَا تُصَالِحُونَهُمْ عَلَى نِصْفِ خَرَاجِ الشَّامِ وَيَبْقَى لَكُمْ جِبَالُ الرُّومِ، وَإِنْ أَنْتُمْ أَبَيْتُمْ ذَلِكَ
أَخَذُوا مِنْكُمُ الشَّامَ وَضَيَّقُوا عَلَيْكُمْ جِبَالَ الرُّومِ.
فَنَخَرُوا مِنْ ذَلِكَ نَخْرَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ كَمَا هِيَ عَادَاتُهُمْ فِي قِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ وَالرَّأْيِ بِالْحَرْبِ وَالنُّصْرَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
فَعِنْدَ ذَلِكَ سَارَ إِلَى حِمْصَ، وَأَمَرَ هِرَقْلُ بِخُرُوجِ الْجُيُوشِ الرُّومِيَّةِ صُحْبَةَ الْأُمَرَاءِ، فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ أَمِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَيْشٌ كثيف، فبعث إلى عمرو بن العاص أخاً له لِأَبَوَيْهِ " تَذَارِقَ " فِي تِسْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ.
وبعث جرجة بن بوذيها (1) إِلَى نَاحِيَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَعَسْكَرَ بازائه في خمسين ألفاً أو ستين ألفاً.
وبعث الدراقص إلى شرحبيل بن حسنة.
وبعث اللقيقار (2) ويقال القيقلان - قال ابن إسحاق وهو خصي هرقل نَسْطُورِسَ - فِي سِتِّينَ أَلْفًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ.
وَقَالَتِ الرُّومُ: وَاللَّهِ لَنَشْغَلَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَنْ أَنْ يُورِدَ الْخُيُولَ إِلَى أَرْضِنَا.
وَجَمِيعُ عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا سِوَى الْجَيْشِ الَّذِي مَعَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ.
وَكَانَ وَاقِفًا فِي طَرَفِ الشَّامِ رِدْءًا لِلنَّاسِ - فِي سِتَّةِ آلَافٍ - فَكَتَبَ الْأُمَرَاءُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يُعْلِمُونَهُمَا بِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ العظيم.
فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونوا جنداً واحداً والقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله والله ينصر مَنْ نَصَرَهُ، وَخَاذِلٌ مَنْ كَفَرَهُ، وَلَنْ يُؤْتَى مِثْلُكُمْ عَنْ قِلَّةٍ، وَلَكِنْ مِنْ تِلْقَاءِ الذُّنُوبِ فاحترسوا منها، وليصل كل رجل منكم بأصحاب.
وَقَالَ الصِّدِّيقُ: وَاللَّهِ لَأَشْغَلَنَّ النَّصَارَى عَنْ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ بَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
وَبَعَثَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِالْعِرَاقِ لِيَقْدَمَ إِلَى الشَّامِ فَيَكُونَ الْأَمِيرَ عَلَى مَنْ بِهِ، فَإِذَا فَرَغَ عَادَ إِلَى عَمَلِهِ بِالْعِرَاقِ، فَكَانَ مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَلَمَّا بَلَغَ هِرَقْلَ مَا أَمَرَ بِهِ الصِّدِّيقُ أُمَرَاءَهُ مِنَ الِاجْتِمَاعِ، بَعَثَ إِلَى أُمَرَائِهِ أَنْ يَجْتَمِعُوا أَيْضًا وَأَنْ يَنْزِلُوا بِالْجَيْشِ مَنْزِلًا وَاسِعَ الْعَطَنِ، وَاسِعَ الْمَطْرَدِ، ضَيِّقَ الْمَهْرَبِ، وَعَلَى النَّاسِ أَخُوهُ تَذَارِقُ، وَعَلَى المقدمة جرجة، وعلى المجنبتين ماهان والدراقص، وعلى البحر القيقلان.
__________
(1) في الكامل: بن توذر، وفي الطبري: توذرا.
(2) في الطبري: الفيقار، وفي الكامل: القيقار.
(*)
(7/8)

وقال محمد بن عائد عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَعَلَيْهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَالرُّومُ كَانُوا عِشْرِينَ وَمِائَةَ ألف عليهم ماهان وَسُقْلَابُ يَوْمَ
الْيَرْمُوكِ.
وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أن سقلاب الخصي كَانَ عَلَى الرُّومِ يَوْمَئِذٍ فِي مِائَةِ أَلْفٍ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ جَرَجَةُ - مِنْ أَرْمِينِيَّةَ - فِي اثْنَيْ عشر ألفاً، ومن المستعربة اثني عَشَرَ أَلْفًا (1) عَلَيْهِمْ جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ: وَالْمُسْلِمُونَ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى قَاتَلَتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَائِهِمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ عَنْ صَفْوَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: بَعَثَ هِرَقْلُ مِائَتَيْ أَلْفٍ عليهم ماهان الْأَرْمَنِيُّ.
قَالَ سَيْفٌ: فَسَارَتِ الرُّومُ فَنَزَلُوا الْوَاقُوصَةَ قَرِيبًا مِنَ الْيَرْمُوكِ، وَصَارَ الْوَادِي خَنْدَقًا عَلَيْهِمْ.
وَبَعَثَ الصَّحَابَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ يَسْتَمِدُّونَهُ وَيُعْلِمُونَهُ بِمَا اجْتَمَعَ مِنْ جَيْشِ الرُّومِ بِالْيَرْمُوكِ، فَكَتَبَ الصِّدِّيقُ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ (2) أَنْ يَسْتَنِيبَ عَلَى الْعِرَاقِ وَأَنْ يَقْفِلَ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَيْهِمْ.
فَاسْتَنَابَ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ عَلَى الْعِرَاقِ وسار خالد مسرعاً في تسعة آلاف وخمسمائة (3) ، وَدَلِيلُهُ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرَةَ الطَّائِيُّ، فَأَخَذَ بِهِ على السماق حَتَّى انْتَهَى إِلَى قُرَاقِرَ، وَسَلَكَ بِهِ أَرَاضِيَ لَمْ يَسْلُكْهَا قَبْلَهُ أَحَدٌ، فَاجْتَابَ الْبَرَارِيَّ وَالْقِفَارَ، وَقَطَعَ الْأَوْدِيَةِ،: وَتَصَعَّدَ عَلَى الْجِبَالِ، وَسَارَ فِي غَيْرِ مَهْيَعٍ، وَجَعَلَ رَافِعٌ يَدُلُّهُمْ فِي مَسِيرِهِمْ على الطريق وهو في مفاوز معطشة، وَعَطَّشَ النُّوقَ وَسَقَاهَا الْمَاءَ عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ (4) ، وقطع مشافرها وكعمها حتى لا تجتز رحل أَدْبَارَهَا، وَاسْتَاقَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا فَقَدُوا الْمَاءَ نَحَرَهَا فَشَرِبُوا مَا فِي أَجْوَافِهَا مِنَ الْمَاءِ، وَيُقَالُ بَلْ سَقَاهُ الْخَيْلَ وَشَرِبُوا مَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ مِنَ الْمَاءِ وَأَكَلُوا لُحُومَهَا.
وَوَصَلَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَخَرَجَ عَلَى الرُّومِ من ناحية تدمر فصالح أهل تدمر وأركه، وَلَمَّا مَرَّ بِعَذْرَاءَ أَبَاحَهَا وَغَنِمَ لِغَسَّانَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً وَخَرَجَ مِنْ شَرْقِيِّ دِمَشْقَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَنَاةِ بُصْرَى فَوَجَدَ الصَّحَابَةَ تحاربها فَصَالَحَهُ صَاحِبُهَا وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ (5) ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَدِينَةٍ فتحت من الشام ولله الحمد.
__________
(1) في فتوح ابن الاعثم: في أربعين ألفاً من العرب المتنصرة بالخيل والعدد والسلاح والزينة.
(2) أرسل أبو بكر كتاب إلى خالد بن الوليد مع عبد الرحمن بن حنبل الجمحي وفيه: من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خالد بن الوليد.
أما بعد.
فقد ورد علي من خبر الشام ما قد أقلقني وأرقني وضقت به ذرعا.
فإذا ورد عليك كتابي هذا وأنت قائم فلا تقعد، وإن كنت راكبا فلا تنزل، وذر العراق وخلف عليها من تثق به من أهلها الذين قدموا معك من اليمامة والحجاز حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح
ومن معه من المسلمين، فإن العدو قد جمع لهما جمعا عظيما وقد احتاجوا إلى معونتك، فإذا أنت أتيت المسلمين بالشام فأنت أمير الجماعة والسلام.
(الفتوح 1 / 133) .
(3) في الفتوح: سبعة آلاف، وفي الكامل: عشرة آلاف، وفي الطبري: تسعة آلاف.
وفي فتوح البلدان: ثمان مئة.
وفي فتوح الشام أربعة آلاف.
(4) العلل: الشربة الثانية.
والنهل: الشربة الاولى.
(5) صالحوا على أن يؤمنوا على دمائهم وأموالهم وأولادهم على أن يؤدوا الجزية فعلى كل حالم ديناراً وجريب حنطة (فتوح البلدان 1 / 134) .
(*)
(7/9)

وَبَعَثَ خَالِدٌ بِأَخْمَاسِ مَا غَنِمَ مِنْ غَسَّانَ مع بلال بن الحرث الْمُزَنِيِّ إِلَى الصِّدِّيقِ ثمَّ سَارَ خَالِدٌ وَأَبُو عبيدة ومرثد وَشُرَحْبِيلُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - وَقَدْ قَصَدَهُ الروم بأرض العربا من المعور فَكَانَتْ وَاقِعَةُ أَجْنَادِينَ.
وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسِيرِهِمْ هَذَا مَعَ خَالِدٍ: لِلَّهِ عَيْنَا رَافِعٍ أَنَّى اهْتَدَى * فَوَّزَ مِنْ قُرَاقِرٍ إلى نوى (1) خَمْسًا إِذَا مَا سَارَهَا الْجَيْشُ بَكَى * مَا سَارَهَا قَبْلَكَ إِنْسِيٌّ أَرَى (2) وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعَرَبِ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْمَسِيرِ: إِنْ أَنْتَ أَصْبَحَتْ عِنْدَ الشَّجَرَةِ الْفُلَانِيَّةِ نَجَوْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْهَا هَلَكْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، فَسَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ وَسَرَوْا سَرْوَةً عَظِيمَةً فَأَصْبَحُوا عِنْدَهَا، فَقَالَ خَالِدٌ: عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى.
فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا، وَهُوَ أول من قالها رضي الله عنه.
ويقول غَيْرُ ابْنِ إِسْحَاقَ كَسَيْفِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي نحيف وَغَيْرِهِمَا فِي تَكْمِيلِ السِّيَاقِ الْأَوَّلِ: حِينَ اجْتَمَعَتِ الرُّومُ مَعَ أُمَرَائِهَا بِالْوَاقُوصَةِ وَانْتَقَلَ الصَّحَابَةُ مِنْ مَنْزِلِهِمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الرُّومِ فِي طَرِيقِهِمُ الَّذِي لَيْسَ لَهُمْ طَرِيقٌ غيره، فقال عمر بْنُ الْعَاصِ: أَبْشِرُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَدْ حُصِرَتْ وَاللَّهِ الرُّومُ، وَقَلَّمَا جَاءَ مَحْصُورٌ بِخَيْرٍ.
وَيُقَالُ إِنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِلْمَشُورَةِ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسِيرِ إِلَى الرُّومِ، جَلَسَ الْأُمَرَاءُ لِذَلِكَ فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أُعَمَّرُ حَتَّى أُدْرِكَ قَوْمًا يَجْتَمِعُونَ لِحَرْبٍ وَلَا أَحْضُرُهُمْ، ثُمَّ أَشَارَ أَنْ يَتَجَزَّأَ الْجَيْشُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَيَسِيرُ ثُلْثُهُ فَيَنْزِلُونَ تُجَاهَ
الرُّومِ، ثُمَّ تَسِيرُ الْأَثْقَالُ وَالذَّرَارِيُّ فِي الثُّلْثِ الْآخَرِ، وَيَتَأَخَّرُ خَالِدٌ بِالثُّلْثِ الْآخِرِ حَتَّى إِذَا وَصَلَتِ الْأَثْقَالُ إِلَى أُولَئِكَ سَارَ بَعَدَهُمْ وَنَزَلُوا فِي مَكَانٍ تكون البرية من وراء ظهورهم لتصل إليهم البرد والمد.
فَامْتَثَلُوا مَا أَشَارَ بِهِ وَنِعْمَ الرَّأْيُ هُوَ.
وَذَكَرَ الْوَلِيدُ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الرُّومَ نَزَلُوا فِيمَا بَيْنَ دَيْرِ أَيُّوبَ وَالْيَرْمُوكَ، وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَأَذْرِعَاتُ خَلْفَهُمْ لِيَصِلَ إِلَيْهِمُ الْمَدَدُ مِنَ الْمَدِينَةِ.
وَيُقَالُ إِنَّ خَالِدًا إنما قدم عليهم بعد ما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صَابَرُوهُمْ وَحَاصَرُوهُمْ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِكَمَالِهِ، فَلَمَّا انْسَلَخَ وَأَمْكَنَ الْقِتَالُ (3) لِقِلَّةِ الْمَاءِ بَعَثُوا إِلَى الصِّدِّيقِ يَسْتَمِدُّونَهُ فَقَالَ: خَالِدٌ لَهَا، فَبَعَثَ إِلَى خَالِدٍ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَعِنْدَ وصول خالد إليهم أقبل ماهان مَدَدًا لِلرُّومِ وَمَعَهُ الْقَسَاقِسَةُ، وَالشَّمَامِسَةُ وَالرُّهْبَانُ يَحُثُّونَهُمْ، وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ لِنَصْرِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَتَكَامَلَ جيش الروم أربعون ومائتا ألف.
ثمانون ألفاً مسلسل بالحديد والحبال، وثمانون ألفاً فارس، وثمانون ألفاً راجل.
قال سيف وَقِيلَ بَلْ كَانَ الَّذِينَ تَسَلْسَلُوا كُلُّ عَشَرَةٍ سلسلة لئلا يفروا ثلاثين
__________
(1) في الكامل والطبري: سوى.
(2) البيت في فتوح البلدان: ماء إذا ما رامه الجبس انثنى * ما جازها قبلك من إنس يرى (3) كذا بالاصول والظاهر أن فيه سقطا، والعبارة بأكملها ساقطة من الطبري.
(*)
(7/10)

أَلْفًا (1) ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ سَيْفٌ وَقَدِمَ عِكْرِمَةُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ فَتَكَامَلَ جَيْشُ الصَّحَابَةِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ أَلْفًا.
وَعِنْدَ ابن إسحق والمدايني أَيْضًا أَنَّ وَقْعَةَ أَجْنَادِينَ قَبْلَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ وكانت وقعة أَجْنَادِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا (2) مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقُتِلَ بِهَا بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُزِمَ الرُّومُ وَقُتِلَ أَمِيرُهُمُ الْقَيْقَلَانُ (3) .
وَكَانَ قَدْ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ (4) يَجُسُّ لَهُ أَمْرَ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ قَالَ: وَجَدْتُ قَوْمًا رُهْبَانًا بِاللَّيْلِ فُرْسَانًا بِالنَّهَارِ، وَاللَّهِ لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه، أَوْ
زَنَى لَرَجَمُوهُ.
فَقَالَ لَهُ الْقَيْقَلَانُ: وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا.
وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي سِيَاقِهِ: وَوَجَدَ خَالِدٌ الْجُيُوشَ مُتَفَرِّقَةً فَجَيْشُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ نَاحِيَةً، وَجَيْشُ يَزِيدَ وَشُرَحْبِيلَ نَاحِيَةً.
فَقَامَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ خَطِيبًا.
فَأَمَرَهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ.
فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَتَصَافُّوا مَعَ عَدُوِّهِمْ فِي أَوَّلِ جُمَادَى الْآخِرَةِ وقال خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْفَخْرُ وَلَا الْبَغْيُ، أَخْلِصُوا جِهَادَكُمْ وَأَرِيدُوا اللَّهَ بِعَمَلِكُمْ، وَإِنَّ هذا يوم له ما بعده لو رَدَدْنَاهُمُ الْيَوْمَ إِلَى خَنْدَقِهِمْ فَلَا نَزَالُ نَرُدُّهُمْ، وَإِنْ هَزَمُونَا لَا نُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَتَعَالَوْا فَلْنَتَعَاوَرِ الْإِمَارَةَ فَلْيَكُنْ عَلَيْهَا بَعْضُنَا الْيَوْمَ وَالْآخَرُ غَدًا وَالْآخَرُ بَعْدَ غَدٍ، حَتَّى يَتَأَمَّرَ كُلُّكُمْ، وَدَعُونِي الْيَوْمَ أَلِيكُمْ، فَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الْأَمْرَ يَطُولُ جِدًّا فَخَرَجَتِ الرُّومُ فِي تعبئة لم ير مثلها قبلها قَطُّ وَخَرَجَ خَالِدٌ فِي تَعْبِئَةٍ لَمْ تُعَبِّهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ.
فَخَرَجَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ كُرْدُوسًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ كُلُّ كُرْدُوسٍ أَلْفُ رَجُلٍ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ فِي الْقَلْبِ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَمَعَهُ شُرَحْبِيلَ بن حَسَنَةَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ.
وَأَمَّرَ عَلَى كُلِّ كُرْدُوسٍ أَمِيرًا، وَعَلَى الطَّلَائِعِ قباب (5) بْنَ أَشْيَمَ، وَعَلَى الْأَقْبَاضِ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالْقَاضِي يَوْمَئِذٍ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَقَاصُّهُمُ الَّذِي يَعِظُهُمْ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَقَارِئُهُمِ الَّذِي يَدُورُ عَلَى النَّاسِ فَيَقْرَأُ سُورَةَ الْأَنْفَالِ وَآيَاتِ الْجِهَادِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ.
وذكر إسحاق بن يسار بِإِسْنَادِهِ أَنَّ أُمَرَاءَ الْأَرْبَاعِ يَوْمَئِذٍ كَانُوا أَرْبَعَةً، أبو عُبَيْدَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَشُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَخَرَجَ النَّاسُ عَلَى رَايَاتِهِمْ وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَلَى الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أَبِي وَقَّاصِ، وَعَلَى الْخَيَّالَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وهو المشير في الحرب الذي
__________
(1) في الطبري: أربعون ألفا.
(2) في فتوح البلدان: لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، وفي فتوح الشام للواقدي كانت ليلة ست خلت من جمادى الأولى.
(3) في الطبري: القبقلار، وفي الكامل: كان عليهم تذارق أخو هرقل لابويه.
وفي الفتوح لابن الاعثم: كان عليهم قلفط أحد بطارقتهم.
وقال الطبري: أما علماء الشام فيزعمون إنما كان على الروم تذارق.
(4) في الطبري: رجل من قضاعة من تزيد بن حيدان يقال له: ابن هزارف.
(5) في الطبري: قباث.
(*)
(7/11)

يَصْدُرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنْ رَأْيِهِ.
وَلَمَّا أَقْبَلَتِ الرُّومُ فِي خُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا قَدْ سَدَّتْ أَقْطَارَ تِلْكَ الْبُقْعَةِ سَهْلِهَا وَوَعْرِهَا كَأَنَّهُمْ غَمَامَةٌ سَوْدَاءُ يَصِيحُونَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ وَرُهْبَانُهُمْ يَتْلُونَ الْإِنْجِيلَ وَيُحِثُّونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَكَانَ خَالِدٌ فِي الْخَيْلِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَيْشِ فَسَاقَ بِفَرَسِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي مُشِيرٌ بِأَمْرٍ، فَقَالَ: قُلْ ما أمرك الله أسمع لك وأطيع.
فقال له خالد أن هؤلاء القوم لابد لَهُمْ مِنْ حَمْلَةٍ عَظِيمَةٍ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا، وَإِنِّي أَخْشَى عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ وَقَدْ رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها وَرَاءِ الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ حَتَّى إِذَا صَدَمُوهُمْ كَانُوا لهم ردءاً فنأتيهم مِنْ وَرَائِهِمْ.
فَقَالَ لَهُ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ.
فَكَانَ خَالِدٌ فِي أَحَدِ الْخَيَلِينَ مِنْ وَرَاءِ الْمَيْمَنَةِ وَجَعَلَ قَيْسَ بْنَ هُبَيْرَةَ فِي الْخَيْلِ الْأُخْرَى وَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنِ الْقَلْبِ إِلَى وَرَاءِ الْجَيْشِ كُلِّهِ لِكَيْ إِذَا رآه المنهزم استحى مِنْهُ وَرَجَعَ إِلَى الْقِتَالِ، فَجَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ مكانه في القلب سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ أَحَدَ الْعَشْرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَسَاقَ خَالِدٌ إِلَى النِّسَاءِ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ وَمَعَهُنَّ عَدَدٌ مِنَ السُّيُوفِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ لَهُنَّ مَنْ رَأَيْتُمُوهُ مُولِّيًا فَاقْتُلْنَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ وَتَبَارَزَ الْفَرِيقَانِ وَعَظَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ انْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اصْبِرُوا فَإِنَّ الصَّبْرَ مَنْجَاةٌ مِنَ الْكُفْرِ وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَمَدْحَضَةٌ لِلْعَارِ، وَلَا تَبْرَحُوا مَصَافَّكُمْ، وَلَا تَخْطُوا إِلَيْهِمْ خُطْوَةً، وَلَا تَبْدَأُوهُمْ بِالْقِتَالِ وشرِّعوا الرِّمَاحَ وَاسْتَتِرُوا بِالدَّرَقِ وَالْزَمُوا الصَّمْتَ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي أَنْفُسِكُمْ حَتَّى آمُرَكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالُوا: وَخَرَجَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى النَّاسِ فَجَعَلَ يُذَكِّرُهُمْ وَيَقُولُ يَا أهل القرآن، ومتحفظي الْكِتَابِ وَأَنْصَارَ الْهُدَى وَالْحَقِّ، إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا تُنَالُ وَجَنَّتَهُ لَا تُدْخَلُ بِالْأَمَانِيِّ، وَلَا يُؤْتِي اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ الْوَاسِعَةَ إِلَّا الصَّادِقَ الْمُصَدِّقَ أَلَمْ تَسْمَعُوا لِقَوْلِ اللَّهِ: * (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كما استخلفت الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) * الآية [النور: 55] .
فاستحيوا رحمكم الله
من ربكم أَنْ يَرَاكُمْ فُرَّارًا مِنْ عَدُّوِّكُمْ وَأَنْتُمْ فِي قَبْضَتِهِ وَلَيْسَ لَكُمْ مُلْتَحَدٌ مِنْ دُونِهِ وَلَا عِزٌّ بِغَيْرِهِ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا أيها المسلمون غضوا الأبصار، واجثوا على الركب، وَأَشْرِعُوا الرِّمَاحَ، فَإِذَا حَمَلُوا عَلَيْكُمْ فَأَمْهِلُوهُمْ حَتَّى إِذَا رَكِبُوا أَطْرَافَ الْأَسِنَّةِ فَثِبُوا إِلَيْهِمْ وَثْبَةَ الْأَسَدِ، فَوَالَّذِي يَرْضَى الصِّدْقَ وَيُثِيبُ عَلَيْهِ وَيَمْقُتُ الْكَذِبَ وَيَجْزِي بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا، لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيَفْتَحُونَهَا كَفْرًا كَفْرًا وَقَصْرًا قَصْرًا، فَلَا يهولكم جُمُوعُهُمْ وَلَا عَدَدُهُمْ، فَإِنَّكُمْ لَوْ صَدَقْتُمُوهُمُ الشَّدَّ تَطَايَرُوا تَطَايُرَ أَوْلَادِ الْحَجَلِ.
وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْتُمُ الْعَرَبُ وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي دَارِ الْعَجَمِ مُنْقَطِعِينَ عَنِ الْأَهْلِ نَائِينَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمْدَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ وَاللَّهِ أَصْبَحْتُمْ بِإِزَاءِ عَدُوٍّ كَثِيرٍ عَدَدُهُ، شَدِيدٌ عَلَيْكُمْ حَنَقُهُ، وَقَدْ وَتِرْتُمُوهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَبِلَادِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَاللَّهِ لَا يُنَجِّيكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَلَا يُبْلَغُ بِكُمْ رِضْوَانَ اللَّهِ غَدًا إِلَّا بِصِدْقِ اللِّقَاءِ وَالصَّبْرِ فِي الْمَوَاطِنِ الْمَكْرُوهَةِ، أَلَا وَإِنَّهَا سُنَّةٌ لَازِمَةٌ وَإِنَّ
(7/12)

الْأَرْضَ وَرَاءَكُمْ، بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ صَحَارَى وَبَرَارِيُّ، لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا مَعْقِلٌ وَلَا مَعْدِلٌ إِلَّا الصَّبْرُ وَرَجَاءُ مَا وَعَدَ اللَّهُ فَهُوَ خَيْرُ مُعَوَّلٍ، فَامْتَنِعُوا بِسُيُوفِكُمْ وَتَعَاوَنُوا وَلْتَكُنْ هِيَ الْحُصُونُ.
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النِّسَاءِ فَوَصَّاهُنَّ ثُمَّ عَادَ فَنَادَى: يَا مَعَاشِرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ حَضَرَ مَا تَرَوْنَ فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ وَالْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ، وَالشَّيْطَانُ وَالنَّارُ خَلْفَكُمْ.
ثُمَّ سَارَ إِلَى مَوْقِفِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ وَعَظَ النَّاسَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا فَجَعَلَ يَقُولُ: سَارِعُوا إِلَى الْحُورِ الْعِينِ وَجِوَارِ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، مَا أَنْتُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فِي موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا المواطن، أَلَا وَإِنَّ لِلصَّابِرِينَ فَضْلَهُمْ.
قَالَ سَيْفُ بْنُ عمر إسناده عَنْ شُيُوخِهِ: إِنَّهُمْ قَالُوا كَانَ فِي ذَلِكَ الْجَمْعِ أَلْفُ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ مِائَةٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.
وَجَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَقِفُ عَلَى كُلِّ كُرْدُوسٍ وَيَقُولُ: اللَّهَ اللَّهَ إِنَّكُمْ دَارَةُ (1) الْعَرَبِ وَأَنْصَارُ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّهُمْ دَارَةُ (1) الرُّومِ وَأَنْصَارُ الشِّرْكِ، اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ عَلَى عِبَادِكَ.
قَالُوا: وَلَمَّا أَقْبَلَ خَالِدٌ مِنَ الْعِرَاقِ قَالَ رَجُلٌ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: مَا أَكْثَرَ الرُّومَ وَأَقَلَّ الْمُسْلِمِينَ! ! فَقَالَ خَالِدٌ: وَيْلَكَ، أَتُخَوِّفُنِي بِالرُّومِ؟ إِنَّمَا
تَكْثُرُ الْجُنُودُ بِالنَّصْرِ، وَتَقِلُّ بِالْخِذْلَانِ لَا بِعَدَدِ الرِّجَالِ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ الأشقر برأ من توجعه، وَأَنَّهُمْ أَضْعَفُوا فِي الْعَدَدِ - وَكَانَ فَرَسُهُ قَدْ حفا وَاشْتَكَى فِي مَجِيئِهِ مِنَ الْعِرَاقِ -.
وَلَمَّا تَقَارَبَ النَّاسُ تَقَدَّمَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَمَعَهُمَا ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، وَنَادَوْا: إِنَّمَا نُرِيدُ أَمِيرَكُمْ لِنَجْتَمِعَ بِهِ، فَأُذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ عَلَى تَذَارِقَ، وَإِذَا هُوَ جَالَسٌ فِي خَيْمَةٍ مِنْ حَرِيرٍ.
فَقَالَ الصَّحَابَةُ: لَا نَسْتَحِلُّ دُخُولَهَا، فَأَمَرَ لَهُمْ بِفُرُشٍ بُسُطٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالُوا: وَلَا نَجْلِسُ عَلَى هَذِهِ.
فَجَلَسَ مَعَهُمْ حَيْثُ أَحَبُّوا وَتَرَاضَوْا عَلَى الصُّلْحِ، وَرَجَعَ عَنْهُمُ الصحابة بعد ما دَعَوْهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمْ يَتِمَّ ذلك.
وذكر الوليد بن مسلم أن ماهان طَلَبَ خَالِدًا لِيَبْرُزَ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فيجتمعا في مصلحة لهم فقال ماهان: إِنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مَا أَخْرَجَكُمْ مِنْ بِلَادِكُمُ الْجَهْدَ وَالْجُوعَ، فَهَلُمُّوا إِلَى أَنْ أُعْطِيَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَكِسْوَةً وَطَعَامًا وَتَرْجِعُونَ إِلَى بِلَادِكُمْ، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ بَعَثْنَا لَكُمْ بِمِثْلِهَا.
فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْنَا مِنْ بِلَادِنَا مَا ذَكَرْتَ، غَيْرَ أَنَّا قَوْمٌ نَشْرَبُ الدِّمَاءَ، وَأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ لَا دَمَ أَطْيَبُ مِنْ دَمِ الرُّومِ.
فَجِئْنَا لذلك.
فقال أصحاب ماهان: هَذَا وَاللَّهِ مَا كُنَّا نُحَدَّثُ بِهِ عَنِ العرب.
قالو ثُمَّ تَقَدَّمَ خَالِدٌ إِلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَالْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو - وَهُمَا عَلَى مُجَنِّبَتَيِ الْقَلْبِ - أَنْ يُنْشِئَا الْقِتَالَ.
فَبَدَرَا يَرْتَجِزَانِ (2) وَدَعَوْا إِلَى الْبِرَازِ، وَتَنَازَلَ الْأَبْطَالُ، وَتَجَاوَلُوا وَحَمِيَ الْحَرْبُ وقامت على ساق.
هذ
__________
(1) في الطبري: ذادة العرب.
(2) قال القعقاع يا ليتني ألقاك في الطراد * قبل اعترام الجحفل الوراد وأنت في حلبتك الوراد وقال عكرمة: قد علمت تهنكة الجواري * اني على مكرمة (*)
(7/13)

وخالد مع كُرْدُوسٌ مِنَ الْحُمَاةِ الشُّجْعَانِ الْأَبْطَالِ بَيْنَ يَدَيِ الصُّفُوفِ، وَالْأَبْطَالُ يَتَصَاوَلُونَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ وَيَبْعَثُ إِلَى كُلِّ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِمَا يَعْتَمِدُونَهُ مِنَ الْأَفَاعِيلِ، وَيُدَبِّرُ أَمْرَ
الحرب أتم تدبير.
وقال إسحاق بن بشير عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ قُدَمَاءِ مشايخ دمشق، قالوا: ثم زحف ماهان فخرج أبو عبيدة، وقد جعل على الميمة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة قباب (1) بن أشيم الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَخَرَجَ النَّاسُ عَلَى رَايَاتِهِمْ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ يَقُولُ: عِبَادَ اللَّهِ انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معاشر الْمُسْلِمِينَ اصْبِرُوا فَإِنَّ الصَّبْرَ مَنْجَاةٌ مِنَ الْكُفْرِ، وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَدْحَضَةٌ لِلْعَارِ، وَلَا تَبْرَحُوا مَصَافَّكُمْ، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدؤهم بِالْقِتَالِ، وَأَشْرِعُوا الرِّمَاحَ، وَاسْتَتِرُوا بِالدَّرَقِ، وَالْزَمُوا الصَّمْتَ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
وَخَرَجَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَجَعَلَ يُذَكِّرُهُمْ، وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، وَمُسْتَحْفِظِي الْكِتَابِ، وَأَنْصَارَ الْهُدَى وَالْحَقِّ، إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا تُنَالُ، وَجَنَّتَهُ لَا تُدْخَلُ بِالْأَمَانِيِّ، وَلَا يُؤْتِي اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ الْوَاسِعَةَ إِلَّا للصادق الْمُصَدِّقَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ * (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) * إلى آخر الآية؟ فَاسْتَحْيُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ مِنْ رَبِّكُمْ أَنْ يَرَاكُمْ فُرَّارًا مِنْ عَدُّوِّكُمْ، وَأَنْتُمْ فِي قَبْضَتِهِ، وَلَيْسَ لَكُمْ مُلْتَحَدٌ مِنْ دُونِهِ.
وَسَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي النَّاسِ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ غضوا الأبصار واجثوا على الراكب، وَأَشْرِعُوا الرِّمَاحَ، فَإِذَا حَمَلُوا عَلَيْكُمْ فَأَمْهِلُوهُمْ حَتَّى إِذَا رَكِبُوا أَطْرَافَ الْأَسِنَّةِ فَثِبُوا وَثْبَةَ الْأَسَدِ، فَوَالَّذِي يَرْضَى الصِّدْقَ وَيُثِيبُ عَلَيْهِ، وَيَمْقُتُ الْكَذِبَ وَيَجْزِي الْإِحْسَانَ إِحْسَانًا.
لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيَفْتَحُونَهَا كَفْرًا كَفْرًا وَقَصْرًا قَصْرًا، فَلَا يَهُولَنَّكُمْ جُمُوعُهُمْ وَلَا عَدَدُهُمْ، فَإِنَّكُمْ لَوْ صَدَقْتُمُوهُمُ الشَّدَّ لَتَطَايَرُوا تَطَايُرَ أَوْلَادِ الْحَجَلِ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو سُفْيَانَ فَأَحْسَنَ وَحَثَّ عَلَى الْقِتَالِ فَأَبْلَغَ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ.
ثُمَّ قَالَ حِينَ تَوَاجَهَ النَّاسُ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ حَضَرَ مَا تَرَوْنَ، فهذا رسول الله وَالْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ، وَالشَّيْطَانُ وَالنَّارُ خَلْفَكُمْ، وَحَرَّضَ أَبُو سُفْيَانَ النِّسَاءَ فَقَالَ: مَنْ رَأَيْتُنَّهُ فارَّاً فَاضْرِبْنَهُ بِهَذِهِ الْأَحْجَارِ وَالْعِصِيِّ حَتَّى يَرْجِعَ.
وَأَشَارَ خَالِدٌ أَنْ يَقِفَ فِي الْقَلْبِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَنْ يَكُونَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ لِيَرُدَّ الْمُنْهَزِمَ.
وَقَسَمَ خَالِدٌ الْخَيْلَ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَ فِرْقَةً وَرَاءَ الْمَيْمَنَةِ، وَفِرْقَةً وَرَاءَ الْمَيْسَرَةِ، لِئَلَّا يَفِرَّ النَّاسُ
وَلِيَكُونُوا رِدْءًا لَهُمْ مِنْ وَرَائِهِمْ.
فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: افْعَلْ مَا أَرَاكَ اللَّهُ، وَامْتَثَلُوا مَا أَشَارَ بِهِ خَالِدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَأَقْبَلَتِ الرُّومُ رَافِعَةً صُلْبَانَهَا وَلَهُمْ أَصْوَاتٌ مُزْعِجَةٌ كَالرَّعْدِ، وَالْقَسَاقِسَةُ وَالْبَطَارِقَةُ تُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَهُمْ فِي عَدَدٍ وَعُدَدٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
وَقَدْ كَانَ فِيمَنْ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَهُوَ أَفْضَلُ من هناك من الصحابة، وكان من
__________
(1) تقدَّم ذكره: قباث.
(*)
(7/14)

فُرْسَانِ النَّاسِ وَشُجْعَانِهِمْ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَبْطَالِ يَوْمَئِذٍ فَقَالُوا: أَلَا تَحْمِلُ فَنَحْمِلَ مَعَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَا تَثْبُتُونَ، فَقَالُوا: بَلَى! فَحَمَلَ وَحَمَلُوا فَلَمَّا وَاجَهُوا صُفُوفَ الرُّومِ أَحْجَمُوا وَأَقْدَمَ هُوَ فَاخْتَرَقَ صُفُوفَ الرُّومِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَعَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ.
ثُمَّ جاؤا إِلَيْهِ مَرَّةً ثَانِيَةً فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ فِي الْأُولَى، وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ جُرْحَيْنِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ جُرْحٌ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي صَحِيحِهِ.
وَجَعَلَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَلَّمَا سَمِعَ أَصْوَاتَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ زَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَرْعِبْ قُلُوبَهُمْ: وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا السَّكِينَةَ، وألزمنا كلمة التقوى، وجبب إلينا اللقاء، وأرضنا بالقضاء.
وخرج ماهان فأمر صاحب الميسرة وهو الدبريجان (1) ، وَكَانَ عَدُوُّ اللَّهِ مُتَنَسِّكًا فِيهِمْ، فَحَمَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَفِيهَا الْأَزْدُ وَمَذْحِجٌ وَحَضْرَمَوْتُ وَخَوْلَانُ، فَثَبَتُوا حَتَّى صَدَقُوا (2) أَعْدَاءَ اللَّهِ، ثُمَّ رَكِبَهُمْ مِنَ الرُّومِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ.
فَزَالَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمَيْمَنَةِ إلى ناحية القلب، وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر، وثبت صور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، وانكشف زُبَيْدٌ.
ثُمَّ تَنَادَوْا فَتَرَاجَعُوا وَحَمَلُوا حَتَّى نَهْنَهُوا مَنْ أَمَامَهُمْ مِنَ الرُّومِ وَأَشْغَلُوهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ مَنِ انْكَشَفَ مِنَ النَّاسِ، وَاسْتَقْبَلَ النِّسَاءُ مَنِ انْهَزَمَ مِنْ سَرَعَانِ النَّاسِ يَضْرِبْنَهُمْ بِالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ وَجَعَلَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ تَقُولُ: يَا هَارِبًا عَنْ نِسْوَةٍ تَقِيَّاتْ * فَعَنْ قَلِيلٍ مَا تَرَى سبيات * ولا حصيات وَلَا رَضِيَّاتْ * (3) قَالَ: فَتَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ.
وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْغَسَّانِيِّ عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ
قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ: قَاتَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِنَ وَأَفِرُّ مِنْكُمُ الْيَوْمَ؟ ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ مِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ رِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُمْ لَمَّا صُرِعُوا مِنَ الْجِرَاحِ استسقوا ماء فجئ إِلَيْهِمْ بِشَرْبَةِ مَاءٍ فَلَمَّا قُرِّبَتْ إِلَى أَحَدِهِمْ نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليها، فَلَمَّا دُفِعَتْ إِلَيْهِ نَظَرَ إِلَيْهِ الْآخَرُ فَقَالَ: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم مِنْ وَاحِدٍ إِلَى وَاحِدٍ حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا وَلَمْ يَشْرَبْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أجمعين.
__________
(1) قال الواقدي: أن الديرجان كان بطريقا على بصرى وهو الذي قاتل خالد وقتله عبد الرحمن بن أبي بكر.
(2) كذا بالاصل، ولعل الصواب: صدوا.
(3) الابيات في الواقدي (فتوح الشام) يا هارباً عن نساء ثقات * لها جمال ولها ثبات تسلموهن إلى الهنات * تملك نواصينا مع البنات اعلاج سوق فسق عتاة * ينلن منا أعظم الشتات (*)
(7/15)

وَيُقَالُ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ شَهِيدًا رَجُلٌ جَاءَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ تَهَيَّأْتُ لِأَمْرِي فَهَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم، تقرئه عَنِّي السَّلَامَ وَتَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا.
قَالَ: فتقدم هذا الرجل حَتَّى قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالُوا: وَثَبَتَ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى رَايَتِهِمْ حَتَّى صَارَتِ الرُّومُ تَدُورُ كأنها الرحا.
فلم تر يوم اليرموك (إلا) مخاً سَاقِطًا، وَمِعْصَمًا نَادِرًا، وَكَفًّا طَائِرَةً مِنْ ذَلِكَ الْمَوْطِنِ.
ثُمَّ حَمَلَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْخَيَّالَةِ عَلَى الْمَيْسَرَةِ الَّتِي حَمَلَتْ عَلَى مَيْمَنَةِ المسلمين فأزالوهم إلى القلب فقتل من الروم فِي حَمْلَتِهِ هَذِهِ سِتَّةَ آلَافٍ مِنْهُمْ ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنَ الصَّبْرِ وَالْجَلَدِ غَيْرَ مَا رَأَيْتُمْ، وَإِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ يَمْنَحَكُمُ اللَّهُ أَكْتَافَهُمْ.
ثُمَّ اعْتَرَضَهُمْ فَحَمَلَ بِمِائَةِ فَارِسٍ مَعَهُ عَلَى نَحْوٍ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ فَمَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ
حَتَّى انْفَضَّ جَمْعُهُمْ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَانْكَشَفُوا وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْهُمْ.
قَالُوا: وَبَيْنَمَا هُمْ فِي جَوْلَةِ الْحَرْبِ وَحَوْمَةِ الْوَغَى وَالْأَبْطَالُ يَتَصَاوَلُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِذْ قَدِمَ الْبَرِيدُ مِنْ نَحْوِ الْحِجَازِ فَدُفِعَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَالَ لَهُ: مَا الْخَبَرُ؟ فَقَالَ لَهُ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ -: إِنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ الله عنه قد توفي واستخلف عمر، واستناب عَلَى الْجُيُوشِ أَبَا عُبَيْدَةَ عَامِرَ بْنَ الْجَرَّاحِ.
فَأَسَرَّهَا خَالِدٌ وَلَمْ يُبْدِ ذَلِكَ لِلنَّاسِ لِئَلَّا يَحْصُلَ ضَعْفٌ وَوَهَنٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَقَالَ لَهُ وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ: أَحْسَنْتَ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْكِتَابَ فَوَضَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ وَاشْتَغَلَ بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَرْبِ وَالْمُقَاتِلَةِ، وَأَوْقَفَ الرَّسُولَ الَّذِي جاء بالكتاب - وهو منجمة (1) بْنُ زُنَيْمٍ - إِلَى جَانِبِهِ.
كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَسَانِيدِهِ.
قَالُوا وَخَرَجَ جَرَجَةُ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ مِنَ الصَّفِّ وَاسْتَدْعَى خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَجَاءَ إِلَيْهِ حَتَّى اخْتَلَفَتْ أَعْنَاقُ فَرَسَيْهِمَا، فَقَالَ جَرَجَةُ: يَا خَالِدُ أَخْبِرْنِي فَاصْدُقْنِي وَلَا تَكْذِبْنِي، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يَكْذِبُ، وَلَا تُخَادِعْنِي فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يُخَادِعُ الْمُسْتَرْسِلَ بِاللَّهِ، هَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ سَيْفًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَعْطَاكَهُ فَلَا تَسُلُّهُ عَلَى أَحَدٍ (2) إِلَّا هَزَمْتَهُمْ؟ قَالَ: لَا! قَالَ: فَبِمَ سُمِّيتَ سَيْفَ اللَّهِ؟ قَالَ: إن الله بعث فينا نبيه فَدَعَانَا فَنَفَرْنَا مِنْهُ وَنَأَيْنَا عَنْهُ جَمِيعًا، ثُمَّ إِنَّ بَعْضَنَا صَدَّقَهُ وَتَابَعَهُ، وَبَعْضَنَا كَذَّبَهُ وَبَاعَدَهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ كَذَّبَهُ وَبَاعَدَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ بِقُلُوبِنَا وَنَوَاصِينَا فَهَدَانَا بِهِ وَبَايَعْنَاهُ (3) ، فَقَالَ لِي: أَنْتَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ.
وَدَعَا لِي بِالنَّصْرِ، فَسُمِّيتُ سَيْفَ اللَّهِ بِذَلِكَ فَأَنَا مِنْ أَشَدِّ الْمُسْلِمِينَ على المشركين.
فقال جرجه: يا خالد إلى ما تَدْعُونَ؟ قَالَ: إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عبده
__________
(1) في الطبري: محمية.
(2) في الطبري: قوم.
(3) في الطبري: فتابعناه.
(*)
(7/16)

وَرَسُولُهُ وَالْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ الله عز وجل.
قال: فمن لم يجيكم؟ قَالَ: فَالْجِزْيَةُ وَنَمْنَعُهُمْ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُعْطِهَا قَالَ: نُؤْذِنُهُ بِالْحَرْبِ ثُمَّ نُقَاتِلُهُ.
قَالَ: فَمَا منزلة من يجيكم وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْيَوْمَ؟ قَالَ مَنْزِلَتُنَا وَاحِدَةٌ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا، شَرِيفُنَا وَوَضِيعُنَا وَأَوَّلُنَا وَآخِرُنَا.
قَالَ جَرَجَةُ: فَلِمَنْ دَخَلَ فِيكُمُ الْيَوْمَ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا لَكُمْ مِنْ الْأَجْرِ وَالذُّخْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَفْضَلُ.
قَالَ: وَكَيْفَ يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الأمر عنوة (1) وبايعنا نبينا وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا تَأْتِيهِ أَخْبَارُ السَّمَاءِ ويخبرنا بالكتاب وَيُرِينَا الْآيَاتِ، وَحُقَّ لِمَنْ رَأَى مَا رَأَيْنَا، وَسَمِعَ مَا سَمِعْنَا أَنْ يُسْلِمَ وَيُبَايِعَ، وَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ لَمْ تَرَوْا مَا رَأَيْنَا، وَلَمْ تَسْمَعُوا مَا سَمِعْنَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْحُجَجِ، فَمَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ بِحَقِيقَةٍ وَنِيَّةٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنَّا؟ فَقَالَ جَرَجَةُ: بِاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتَنِي ولم تخادعني؟ قال: تالله لَقَدْ صَدَقْتُكَ (2) وَإِنَّ اللَّهَ وَلِيُّ مَا سَأَلَتْ عَنْهُ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ قَلَبَ جَرَجَةُ التُّرْسَ وَمَالَ مَعَ خَالِدٍ وَقَالَ: عَلِّمْنِي الْإِسْلَامَ، فَمَالَ بِهِ خالد إلى فسطاطه فسن (3) عَلَيْهِ قِرْبَةً مِنْ ماءٍ ثُمَّ صَلَّى بِهِ رَكْعَتَيْنِ.
وَحَمَلَتِ الرُّومُ مَعَ انْقِلَابِهِ إِلَى خَالِدٍ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا مِنْهُ حَمْلَةٌ فَأَزَالُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَّا الْمُحَامِيَةَ عَلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أبي جهل والحرث بْنُ هِشَامٍ.
فَرَكِبَ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ مَعَهُ وَالرُّومُ خِلَالَ الْمُسْلِمِينَ، فَتَنَادَى النَّاسُ وَثَابُوا وَتَرَاجَعَتِ الرُّومُ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ وَزَحَفَ خَالِدٌ بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَصَافَحُوا بِالسُّيُوفِ فَضَرَبَ فِيهِمْ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ مِنْ لَدُنِ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ إِلَى جُنُوحِ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ.
وَصَلَّى الْمُسْلِمُونَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَصَلَاةَ الْعَصْرِ إِيمَاءً، وَأُصِيبَ جَرَجَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَمْ يُصَلِّ لِلَّهِ إِلَّا تِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ مَعَ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وضعضعت الرُّومُ عِنْدَ ذَلِكَ.
ثُمَّ نَهَدَ خَالِدٌ بِالْقَلْبِ حَتَّى صَارَ فِي وَسَطِ خُيُولِ الرُّومِ، فَعِنْدَ ذلك هربت خيالتهم، وأسندت بِهِمْ فِي تِلْكَ الصَّحْرَاءِ، وَأَفْرَجَ الْمُسْلِمُونَ بِخُيُولِهِمْ حتى ذهبوا.
وأخر الناس صلاتي العشاءين حتى استقر الفتح، وعمد خالد إلى رحل الرُّومِ وَهُمُ الرَّجَّالَةُ فَفَصَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ حَتَّى صَارُوا كَأَنَّهُمْ حَائِطٌ قَدْ هُدِمَ ثُمَّ تَبِعُوا مَنْ فَرَّ مِنَ الْخَيَّالَةِ وَاقْتَحَمَ خَالِدٌ عَلَيْهِمْ خَنْدَقَهُمْ، وَجَاءَ الرُّومُ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ إِلَى الْوَاقُوصَةِ (4) ، فَجَعَلَ الَّذِينَ تَسَلْسَلُوا وَقَيَّدُوا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ إِذَا سَقَطَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَقَطَ الَّذِينَ مَعَهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: فَسَقَطَ فِيهَا وَقُتِلَ عِنْدَهَا مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي
الْمَعْرَكَةِ.
وَقَدْ قَاتَلَ نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْيَوْمِ (5) وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الروم، وكن يضربن من
__________
(1) في الطبري: إنا دخلنا في هذا الأمر.
(2) زاد الطبري: وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة ... (3) في الطبري: فش.
(4) في فتوح الواقدي: الياقوصة.
(5) ومنهن: خولة بنت الازور وخولة بنت ثعلبة الانصارية وكعوب بنت مالك بن عاصم وسلمى بنت هاشم ونعم بنت فياض وهند بنت عتبة بن ربيعة ولبنى بنت جرير الحميرية وعفيرة بنت غفار وسعيدة بنت عاصم الخولاني.
(*)
(7/17)

انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَقُلْنَ: أَيْنَ تَذْهَبُونَ وَتَدَعُونَنَا لِلْعُلُوجِ؟ فَإِذَا زَجَرْنَهُمْ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ نَفْسَهُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْقِتَالِ.
قَالَ وَتَجَلَّلَ الْقَيْقَلَانُ وَأَشْرَافٌ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الرُّومِ بِبَرَانِسِهِمْ وَقَالُوا: إِذَا لَمْ نَقْدِرْ عَلَى نَصْرِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ فَلْنَمُتْ عَلَى دِينِهِمْ.
فَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ.
قَالُوا: وَقُتِلَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنْهُمْ عِكْرِمَةُ وَابْنُهُ عَمْرٌو، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأُثْبِتَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ فَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَهِشَامُ بن العاص وعمرو ابن الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ، وَحَقَّقَ اللَّهُ رُؤْيَا أبيه يوم اليمامة.
وقد أتلف فِي هَذَا الْيَوْمِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ انْهَزَمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي أَرْبَعَةٍ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى النِّسَاءِ ثُمَّ رَجَعُوا حِينَ زَجَرَهُمُ النِّسَاءُ، وانكشف شرحبيل بن حَسَنَةَ وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ تَرَاجَعُوا حِينَ وَعَظَهُمُ الْأَمِيرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: * (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) * الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: 111] .
وَثَبَتَ يَوْمَئِذٍ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ مَرَّ بِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ رَجُلٌ بِهَذَا الْوَادِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَحْفُوفًا بِالْقِتَالِ، فَكَيْفَ بِكَ وَبِأَشْبَاهِكَ الَّذِينَ وُلُّوا أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ؟ ! أُولَئِكَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالصَّبْرِ وَالنَّصِيحَةِ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا بُنَيَّ وَلَا
يَكُونَنَّ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ بَأَرْغَبَ فِي الْأَجْرِ وَالصَّبْرِ فِي الْحَرْبِ وَلَا أَجْرَأَ عَلَى عَدُوِّ الْإِسْلَامِ مِنْكَ.
فَقَالَ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَقَاتَلَ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا شَدِيدًا وَكَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْقَلْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: هَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ فَسَمِعْنَا صَوْتًا يَكَادُ يَمْلَأُ الْعَسْكَرَ يَقُولُ: يَا نَصْرَ اللَّهِ اقْتَرِبْ، الثَّبَاتَ الثَّبَاتَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ أَبُو سُفْيَانَ تَحْتَ رَايَةِ ابْنِهِ يَزِيدَ.
وأكمل خالد ليلته في خيمة تدارق أَخِي هِرَقْلَ - وَهُوَ أَمِيرُ الرُّومِ كُلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ - هَرَبَ فِيمَنْ هَرَبَ، وَبَاتَتِ الْخُيُولُ تَجُولُ نَحْوَ خَيْمَةِ خَالِدٍ يَقْتُلُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الروم حتى أصبحوا وقتل تدارق وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ سُرَادِقًا وَثَلَاثُونَ رُوَاقًا مِنْ دِيبَاجٍ بِمَا فِيهَا مِنَ الْفُرُشِ وَالْحَرِيرِ، فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ حَازُوا مَا كَانَ هُنَالِكَ مِنَ الْغَنَائِمِ.
وَمَا فَرِحُوا بِمَا وَجَدُوا بِقَدْرِ حُزْنِهِمْ عَلَى الصِّدِّيقِ حِينَ أَعْلَمَهُمْ خَالِدٌ بِذَلِكَ وَلَكِنْ عَوَّضَهُمُ اللَّهُ بِالْفَارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ خَالِدٌ حِينَ عَزَّى الْمُسْلِمِينَ فِي الصِّدِّيقِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَضَى عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْمَوْتِ، وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عُمَرَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَلَّى عُمَرَ وَكَانَ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَأَلْزَمَنِي حُبَّهُ.
وَقَدِ اتَّبَعَ خَالِدٌ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الرُّومِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَقَالُوا: نَحْنُ عَلَى عَهْدِنَا وَصُلْحِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
ثُمَّ اتَّبَعَهُمْ إِلَى ثَنِيَّةِ العُقاب فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ سَاقَ وَرَاءَهُمْ إِلَى حِمْصَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَصَالَحَهُمْ كَمَا صَالَحَ أَهْلُ دِمَشْقَ.
وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ وَرَاءَهُمْ أَيْضًا فَسَاقَ حَتَّى وَصَلَ مَلَطْيَةَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا وَرَجَعَ.
فَلَمَّا بَلَغَ هِرَقْلَ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَى مُقَاتِلِيهَا
(7/18)

فَحَضَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَمَرَ بِمَلَطْيَةَ فَحُرِقَتْ وَانْتَهَتِ الرُّومُ مُنْهَزِمَةً إِلَى هِرَقْلَ وَهُوَ بِحِمْصَ وَالْمُسْلِمُونَ فِي آثَارِهِمْ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَيَغْنَمُونَ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى هِرَقْلَ ارْتَحَلَ مِنْ حِمْصَ وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَّسَ بِهَا وَقَالَ هِرَقْلُ: أَمَّا الشَّامُ فَلَا شَامَ، وَوَيْلٌ لِلرُّومِ مِنَ الْمَوْلُودِ الْمَشْئُومِ.
وَمِمَّا قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي يَوْمِ الْيَرْمُوكِ قَوْلُ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو: أَلَمْ تَرَنَا عَلَى الْيَرْمُوكِ فُزْنَا * كَمَا فُزْنَا بِأَيَّامِ العراق وعذراء المدائن قد فتحنا * ومرج الصفر ... على العتاق
فَتَحْنَا قَبْلَهَا بُصْرَى وَكَانَتْ * مُحَرَّمَةَ الْجَنَابِ لَدَى النعاق قَتَلْنَا مَنْ أَقَامَ لَنَا وَفِينَا * نِهَابُهُمُ بِأَسْيَافٍ رِقَاقِ قَتَلْنَا الرُّومَ حَتَّى مَا تُسَاوِي * عَلَى اليرموك معروق الوراق فضضنا جمعهم لما استجالوا * عَلَى الْوَاقُوصِ بِالْبُتْرِ الرِّقَاقِ (1) غَدَاةَ تَهَافَتُوا فِيهَا فَصَارُوا * إِلَى أَمْرٍ يُعَضِّلُ بِالذَّوَاقِ (2) وَقَالَ الْأَسْوَدُ بن مقرن التَّمِيمِيُّ: وَكَمْ قَدْ أَغَرْنَا غَارَةً بَعْدَ غَارَةٍ * يوماً وَيَوْمًا قَدْ كَشَفْنَا أَهَاوِلَهْ (3) وَلَوْلَا رِجَالٌ كَانَ عشو غَنِيمَةٍ * لَدَى مَأْقَطٍ رَجَّتْ عَلَيْنَا أَوَائِلُهْ لَقِينَاهُمُ الْيَرْمُوكَ لَمَّا تَضَايَقَتْ * بِمَنْ حَلَّ بِالْيَرْمُوكِ مِنْهُ حمائله فلا يعد من مِنَّا هِرَقْلُ كَتَائِبًا * إِذَا رَامَهَا رَامَ الَّذِي لَا يُحَاوِلُهْ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: الْقَوْمُ لَخْمٌ وَجُذَامٌ فِي الْحَرِبْ * وَنَحْنُ وَالرُّومُ بِمَرْجٍ نضطرب فإذن يعودوا بها لا نصطحب * بل نعصب الفرار بالضرب الكرب وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ فِي الْمُجَالَسَةِ: ثنا أبو إسمعيل الترمذي ثنا أبو معاوية بن عمرو عن أبي إسحق قَالَ: كَانَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَثْبُتُ لَهُمُ الْعَدُوُّ فُوَاقَ نَاقَةٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ، فَقَالَ هِرَقْلُ وَهُوَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ لَمَّا قَدِمَتْ مُنْهَزِمَةُ الرُّومِ: وَيَلَكُمُ أَخْبِرُونِي عَنْ هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بَشَرًا مِثْلَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: فَأَنْتُمْ أَكْثَرُ أَمْ هُمْ؟ قَالُوا: بَلْ نَحْنُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا فِي كُلِّ مَوْطِنٍ.
قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ تنهزمون؟ فَقَالَ شَيْخٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يقومون الليل ويصومون
__________
(1) في معجم البلدان: على الواقوصة البتر الرقاق.
(2) الابيات في معجم البلدان 5 / 354 (الواقوصة) .
(3) أهاوله: الزينة والنقوش والتصاوير.
(*)
(7/19)

النَّهَارَ، وَيُوفُونَ بِالْعَهْدِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر، ويتناصفون بينهم، من أَجْلِ أَنَّا نَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَنَزْنِي، وَنَرْكَبُ الْحَرَامَ، وننقض العهد، ونغضب ونظلم ونأمر بالسخط وَنَنْهَى عَمَّا يُرْضِي اللَّهَ وَنُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ.
فَقَالَ: أَنْتَ صَدَقْتَنِي.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الْغَسَّانِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْمِهِ قَالَا: لَمَّا نُزل الْمُسْلِمُونَ بِنَاحِيَةِ الْأُرْدُنِّ، تَحَدَّثْنَا بَيْنَنَا أَنَّ دِمَشْقَ سَتُحَاصَرُ فَذَهَبْنَا نَتَسَوَّقُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِيهَا إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا بِطْرِيقُهَا فَجِئْنَاهُ فَقَالَ: أَنْتُمَا مِنَ الْعَرَبِ؟ قُلْنَا نَعَمْ! قَالَ: وَعَلَى النَّصْرَانِيَّةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ.
فَقَالَ: لِيَذْهَبْ أَحَدُكُمَا فَلْيَتَجَسَّسْ لَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَرَأْيِهِمْ، وَلِيَثْبُتِ الْآخَرُ عَلَى مَتَاعِ صَاحِبِهِ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ أَحَدُنَا، فَلَبِثَ مَلِيًّا ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: جِئْتُكَ من عند رجال دقاق يركبون خيولاً عتاقاً أَمَّا اللَّيْلُ فَرُهْبَانْ، وَأَمَّا النَّهَارُ فَفُرْسَانْ، يَرِيشُونَ النَّبْلَ وَيَبْرُونَهَا، وَيُثَقِّفُونَ الْقَنَا، لَوْ حَدَّثْتَ جَلِيسَكَ حَدِيثًا مَا فَهِمَهُ عَنْكَ لِمَا عَلَا مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ.
قَالَ فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ وقال: أتاكم منهم مالا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ.
انْتِقَالُ إِمْرَةِ الشَّامِ مِنْ خالد إلى أبي عبيدة بَعْدَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ
وَصَيْرُورَةِ الْإِمْرَةِ بِالشَّامِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَوَّلَ مَنْ سُمِّيَ أَمِيرَ الْأُمَرَاءِ.
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَرِيدَ قَدِمَ بِمَوْتِ الصِّدِّيقِ وَالْمُسْلِمُونَ مُصَافُّو الرُّومِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، وَأَنَّ خَالِدًا كَتَمَ ذَلِكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ لِئَلَّا يَقَعَ وَهَنٌ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَجْلَى لَهُمُ الْأَمْرَ وَقَالَ مَا قَالَ، ثُمَّ شَرَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي جَمْعِ الْغَنِيمَةِ وَتَخْمِيسِهَا، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ والخمس مع قباب (1) بْنِ أَشْيَمَ إِلَى الْحِجَازِ، ثُمَّ نُودِيَ بِالرَّحِيلِ إِلَى دِمَشْقَ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا مَرْجَ الصُّفَّرِ، وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَلِيعَةً أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ وَمَعَهُ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِهِ.
قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَسِرْتُ فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أمرت الآخر (2) فكمن هناك وسرت أَنَا وَحْدِي حَتَّى جِئْتُ بَابَ الْبَلَدِ، وَهُوَ مُغْلَقٌ فِي اللَّيْلِ وَلَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ، فَنَزَلْتُ وَغَرَزْتُ رُمْحِي بِالْأَرْضِ وَنَزَعْتُ لِجَامَ فَرَسِي، وَعَلَّقْتُ عَلَيْهِ مِخْلَاتَهُ وَنَمْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ قُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ، فَإِذَا بَابُ الْمَدِينَةِ يُقَعْقِعُ فَلَمَّا فُتِحَ حَمَلْتُ عَلَى الْبَوَّابِ فَطَعَنْتُهُ بِالرُّمْحِ
فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَالطَّلَبُ وَرَائِي فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي فِي الطَّرِيقِ مِنْ أَصْحَابِي ظَنُّوا أَنَّهُ كَمِينٌ فَرَجَعُوا عَنِّي، ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَخَذْنَا الْآخَرَ وَجِئْتُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فأخبرته بما رأيت، فأقام أبو
__________
(1) الصواب قباث.
(2) كذا بالاصل ولعل فيه سقطا.
والعبارة في الطبري: دخلت الغوطة فحبستها بين أبياتها وشجراتها فقال أحد صاحبي قد بلغت حيث أمرت فانصرف لا تهلكنا فقلت: قف مكانك حتى تصبح أو اتيك فسرت حتى دفعت إلى باب المدينة ... (4 / 38) .
(*)
(7/20)

عُبَيْدَةَ يَنْتَظِرُ كِتَابَ عُمَرَ فِيمَا يَعْتَمِدُهُ مِنْ أَمْرِ دِمَشْقَ، فَجَاءَهُ الْكِتَابُ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا، فَسَارُوا إِلَيْهَا حَتَّى أَحَاطُوا بِهَا.
وَاسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْيَرْمُوكِ بَشِيرَ بْنَ كَعْبٍ (1) فِي خيل هناك.
وقعة جرت بالعراق بعد مجئ خَالِدٍ إِلَى الشَّامِ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ اجْتَمَعُوا بَعْدَ مَقْتَلِ مَلِكِهِمْ وَابْنِهِ عَلَى تَمْلِيكِ شهريار (2) بن أزدشير بْنِ شَهْرِيَارَ وَاسْتَغْنَمُوا غَيْبَةَ خَالِدٍ عَنْهُمْ فَبَعَثُوا إِلَى نَائِبِهِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ جَيْشًا كَثِيفًا نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ عَلَيْهِمْ هُرْمُزُ بْنُ حادويه (3) ، وَكَتَبَ شَهْرِيَارُ إِلَى الْمُثَنَّى: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ جُنْدًا مِنْ وَحْشِ أَهْلِ فَارِسَ إِنَّمَا هُمْ رُعَاةُ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَسْتُ أُقَاتِلُكَ إِلَّا بِهِمْ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُثَنَّى: مِنَ الْمُثَنَّى إِلَى شَهْرِيَارَ إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ إِمَّا بَاغٍ لذلك شَرٌّ لَكَ وَخَيْرٌ لَنَا، وَإِمَّا كَاذِبٌ فَأَعْظَمُ الْكَاذِبِينَ عُقُوبَةً وَفَضِيحَةً عِنْدَ اللَّهِ فِي النَّاسِ الْمُلُوكُ، وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّنَا عَلَيْهِ الرَّأْيُ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِمْ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَكُمْ إِلَى رُعَاةِ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ.
قَالَ: فَجَزِعَ أَهْلُ فَارِسَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَلَامُوا شَهْرِيَارَ عَلَى كِتَابِهِ إِلَيْهِ وَاسْتَهْجَنُوا رَأْيَهُ.
وَسَارَ الْمُثَنَّى مِنَ الْحَرَّةِ إِلَى بَابِلَ، وَلَمَّا الْتَقَى الْمُثَنَّى وَجَيْشَهُمْ بِمَكَانٍ عِنْدَ عُدْوَةِ الصَّرَاةِ الْأُولَى (4) ، اقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا جِدًّا، وَأَرْسَلَ الْفُرْسُ فِيلًا بَيْنَ صُفُوفِ الْخَيْلِ لِيُفَرِّقَ خُيُولَ الْمُسْلِمِينَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فَقَتَلَهُ، وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ فَحَمَلُوا، فَلَمْ تَكُنْ إِلَّا هَزِيمَةُ الْفُرْسِ فَقَتَلُوهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ مَالًا عَظِيمًا، وَفَّرَتِ الْفُرْسُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمَدَائِنِ فِي شَرِّ حَالَةٍ، وَوَجَدُوا الْمَلِكَ قَدْ مَاتَ فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمُ ابْنَةَ
كِسْرَى " بُورَانَ بِنْتَ أَبَرْوِيزَ (5) " فَأَقَامَتِ العدل، وأحسنت السيرة، فأقامت سنة وسبع شُهُورٍ، ثُمَّ مَاتَتْ، فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ أُخْتَهَا " آزَرْمِيدُخْتَ زَنَانَ " فَلَمْ يَنْتَظِمْ لَهُمْ أَمْرٌ، فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ " سَابُورَ بْنَ شَهْرِيَارَ "، وَجَعَلُوا أَمْرَهُ إِلَى الْفَرُّخْزَاذِ بْنِ الْبِنْدَوَانِ فَزَوَّجَهُ سَابُورُ بِابْنَةِ كِسْرَى " آزَرْمِيدُخْتَ " فَكَرِهَتْ ذَلِكَ وَقَالَتْ: إِنَّمَا هَذَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِنَا.
فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ عُرْسِهَا عَلَيْهِ هَمُّوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى سَابُورَ فَقَتَلُوهُ أَيْضًا، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ وَهِيَ " آزَرْمِيدُخْتُ " ابْنَةُ كِسْرَى.
وَلَعِبَتْ فَارِسُ بِمُلْكِهَا لَعِبًا كَثِيرًا، وَآخِرُ مَا اسْتَقَرَّ أَمْرُهُمْ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَنْ مَلَّكُوا امْرَأَةً وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً ".
وَفِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا يَقُولُ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ السَّعْدِيُّ، وَكَانَ قَدْ هَاجَرَ لِمُهَاجَرَةِ حَلِيلَةٍ لَهُ حَتَّى شَهِدَ وَقْعَةَ بَابِلَ هَذِهِ، فَلَمَّا آيَسَتْهُ رَجَعَ إلى البادية وقال:
__________
(1) وهو بشير بن كعب بن أبي الحميري.
(2) في الطبري: شهربراز وفي الكامل: شهريران.
(3) في الطبري والكامل: جاذويه.
(4) في الطبري: الصراة الدنيا.
(5) في الطبري والكامل: دخت زنان ابنة كسرى.
(*)
(7/21)

هَلْ حَبْلُ خَوْلَةَ بَعْدَ الْبَيْنِ مَوْصُولُ * أَمْ أَنْتَ عَنْهَا بَعِيدُ الدَّارِ مَشْغُولُ وَلِلْأَحِبَّةِ أَيَّامٌ تَذَكَّرُهَا * وَلِلنَّوَى قَبْلَ يَوْمِ الْبَيْنِ تَأْوِيلُ حلَّت خُوَيْلَةُ فِي حَيٍّ عَهِدْتُهُمُ * دُونَ الْمَدِينَةِ (1) فِيهَا الديك والفيل يقارعون رؤس الْعُجْمِ ضَاحِيَةً * مِنْهُمْ فَوَارِسُ لَا عُزْلٌ وَلَا مِيلُ وَقَدْ قَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي شِعْرِهِ يَذْكُرُ قَتْلَ الْمُثَنَّى ذَلِكَ الْفِيلَ: وَبَيْتُ الْمُثَنَّى قَاتِلِ الْفِيلِ عَنْوَةً * بِبَابِلَ إِذْ فِي فَارِسٍ مُلْكُ بَابِلِ ثُمَّ إِنَّ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ اسْتَبْطَأَ أَخْبَارَ الصِّدِّيقِ لِتَشَاغُلِهِ بِأَهْلِ الشَّامِ، وَمَا فِيهِ مِنْ حَرْبِ الْيَرْمُوكِ
الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرُهُ، فَسَارَ الْمُثَنَّى بنفسه إِلَى الصِّدِّيقِ، وَاسْتَنَابَ عَلَى الْعِرَاقِ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَةِ، وَعَلَى الْمَسَالِحِ سَعِيدَ بْنَ مُرَّةَ الْعِجْلِيَّ، فَلَمَّا انْتَهَى الْمُثَنَّى إِلَى الْمَدِينَةِ وَجَدَ الصِّدِّيقَ فِي آخِرِ مَرَضِ الْمَوْتِ.
وَقَدْ عَهِدَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخِطَابِ، وَلَمَّا رَأَى الصِّدِّيقُ الْمُثَنَّى قَالَ لِعُمَرَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تُمْسِيَنَّ حَتَّى تَنْدُبَ النَّاسَ لِحَرْبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَعَ المثنى، وإذا فتح الله على أمرائنا بِالشَّامِ فَارْدُدْ أَصْحَابَ خَالِدٍ إِلَى الْعِرَاقِ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ بِحَرْبِهِ.
فَلَمَّا مَاتَ الصِّدِّيقُ نَدَبَ عُمَرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْجِهَادِ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ لِقِلَّةِ مَنْ بَقِيَ فِيهِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ بَعْدَ خَالِدِ بْنِ الوليد، فانتدب خلقاً وأمر عليهم أبا عبيدة بْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ شَابًّا شُجَاعًا، خَبِيرًا بِالْحَرْبِ وَالْمَكِيدَةِ.
وَهَذَا آخِرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِخَبَرِ الْعِرَاقِ إِلَى آخَرِ أَيَّامِ الصِّدِّيقِ وَأَوَّلِ دَوْلَةِ الْفَارُوقِ.

خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
كَانَتْ وَفَاةُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ عَشِيَّةً، وَقِيلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَدُفِنَ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَذَلِكَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ بَعْدَ مَرَضٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُصَلِّي عَنْهُ فِيهَا بِالْمُسْلِمِينَ، وَفِي أَثْنَاءِ هَذَا الْمَرَضِ عَهِدَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخِطَابِ، وَكَانَ الَّذِي كَتَبَ الْعَهْدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانِ، وَقُرِئَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَقَرُّوا بِهِ وَسَمِعُوا لَهُ وَأَطَاعُوا، فَكَانَتْ خِلَافَةُ الصِّدِّيقِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ (2) ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، لِلسِّنِّ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي التُّرْبَةِ، كَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَيَاةِ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي قَطَنٍ عَمْرِو بْنِ الهيثم، عن ربيع بن حسان الصائغ.
قال: كان
__________
(1) في الطبري: المدائن.
(2) في الطبري والكامل: وعشر ليال.
وفي رواية المدايني: وعشرين يوما.
وقال أبو معشر: سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال.
والاول أرجح.
(*)
(7/22)

نَقْشُ خَاتَمِ أَبِي بَكْرٍ " نِعْمَ الْقَادِرُ اللَّهُ ".
وَهَذَا غَرِيبٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَةَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،
وَسِيرَتَهُ وَأَيَّامَهُ وَمَا رَوَى مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَمَا رُوي عَنْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي مُجَلَّدٍ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
فَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَتَمَّ الْقِيَامِ الْفَارُوقُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَقِيلَ غَيْرُهُ كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسِيرَتِهِ الَّتِي أَفْرَدْنَاهَا فِي مُجَلَّدٍ، وَمَسْنَدِهِ وَالْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ مُرَتَّبًا عَلَى الْأَبْوَابِ فِي مُجَلَّدٍ آخَرَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَدْ كَتَبَ بِوَفَاةِ الصِّدِّيقِ إِلَى أُمَرَاءِ الشَّامِ مَعَ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، ومحمد بن جريح، فَوَصَلَا وَالنَّاسُ مُصَافُّونَ جُيُوشَ الرُّومِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَقَدْ أَمَّرَ عُمَرُ عَلَى الْجُيُوشِ أبا عبيدة حين ولاه وَعَزَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ.
وَذَكَرَ سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا عَزَلَ خَالِدًا لِكَلَامٍ بَلَغَهُ عَنْهُ، وَلِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وَمَا كَانَ يَعْتَمِدُهُ فِي حَرْبِهِ.
فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ كَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ عَزَلَ خَالِدًا، وَقَالَ: لَا يَلِي لِي عَمَلًا أَبَدًا.
وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ إِنْ أَكْذَبَ خَالِدٌ نَفْسَهُ فَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُكْذِبْ نَفْسَهُ فَهُوَ مَعْزُولٌ، فَانْزِعْ عِمَامَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ وَقَاسِمْهُ مَالَهُ نِصْفَيْنِ.
فَلَمَّا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَلِكَ لِخَالِدٍ قَالَ لَهُ خَالِدٌ أَمْهِلْنِي حَتَّى أَسْتَشِيرَ أُخْتِي، فَذَهَبَ إِلَى أُخْتِهِ فَاطِمَةَ - وَكَانَتْ تَحْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ - فَاسْتَشَارَهَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ عُمَرَ لَا يحبك أبداً، وإنه سيعزلك وإن كذبت نَفْسَكَ.
فَقَالَ لَهَا: صَدَقَتِ وَاللَّهِ (1) .
فَقَاسَمَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتَّى أَخَذَ [إِحْدَى] نَعْلَيْهِ وَتَرَكَ لَهُ الاخرى، وَخَالِدٌ يَقُولُ سَمْعًا وَطَاعَةً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ (2) عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ أنه قال: أَوَّلَ كِتَابٍ كَتَبَهُ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَلَّاهُ وَعَزَلَ خَالِدًا أَنْ قَالَ: " وَأُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي يَبْقَى وَيَفْنَى مَا سِوَاهُ، الَّذِي هَدَانَا مِنَ الضَّلَالَةِ، وَأَخْرَجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى جُنْدِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقُمْ بِأَمْرِهِمُ الَّذِي يَحِقُّ عَلَيْكَ، لَا تُقَدِّمِ الْمُسْلِمِينَ [إِلَى] هَلَكَةٍ رَجَاءَ غَنِيمَةٍ، ولا تنزلهم منزلاً قبل أن تستر يده لَهُمْ وَتَعْلَمَ كَيْفَ مَأْتَاهُ، وَلَا تَبْعَثْ سَرِيَّةً إِلَّا فِي كَثْفٍ مِنَ النَّاسِ، وَإِيَّاكَ وَإِلْقَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْهَلَكَةِ، وَقَدْ أَبْلَاكَ اللَّهُ بِي وَأَبْلَانِي بِكَ، فَغُضَّ (3) بَصَرَكَ عَنِ الدُّنْيَا، وَأَلْهِ قَلْبَكَ عَنْهَا، وَإِيَّاكَ أَنْ تُهْلِكَكَ كَمَا أَهْلَكَتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، فَقَدْ رَأَيْتَ مَصَارِعَهُمْ.
وَأَمَرَهُمْ بالمسير إلى دمشق (4) "، وكان بعد ما بَلَغَهُ
الْخَبَرُ بِفَتْحِ الْيَرْمُوكِ وَجَاءَتْهُ بِهِ الْبِشَارَةُ، وَحُمِلَ الْخُمُسُ إِلَيْهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أن الصحابة
__________
(1) زاد الطبري: وأبى أن يكذب نفسه.
(2) تاريخ الطبري 4 / 54.
(3) في الطبري: فغمض، وفي فتوح الشام للازدي: وغض عن الدنيا عينيك.
(4) زاد الازدي في فتوح ص 103: فقد رأيت مصارعهم وخبرت سرائرهم وان بينك وبين الآخرة ستر الخمار، وكأني بك منتظر سفرا من دار قد مضت نضارتها، وذهبت زهرتها، وأحزم الناس من يكون زاده التقوى.
(*)
(7/23)

قاتلوا بعد اليرموك أجنادين ثُمَّ بِفِحْلٍ مِنْ أَرْضِ الْغَوْرِ قَرِيبًا مِنْ بَيْسَانَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الرَّدْغَةُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لكثرة ما لقوا من الأوحال فِيهَا، فَأَغْلَقُوهَا عَلَيْهِمْ، وَأَحَاطَ بِهَا الصَّحَابَةُ.
قَالَ: وَحِينَئِذٍ جَاءَتِ الْإِمَارَةُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ مِنْ جِهَةِ عُمَرَ وَعُزِلَ خَالِدٌ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسحاق من مجئ الْإِمَارَةِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ فِي حِصَارِ دِمَشْقَ هُوَ المشهور.
فَتَحِ دِمَشْقَ قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ لَمَّا ارْتَحَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنَ الْيَرْمُوكِ فَنَزَلَ بِالْجُنُودِ عَلَى مَرْجِ الصُّفَّرِ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى حِصَارِ دمشق إذ أتاه الخبر بقدوم مددهم مِنْ حِمْصَ، وَجَاءَهُ الْخَبَرُ بِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الرُّومِ بِفِحْلٍ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَهُوَ لَا يَدْرِي بِأَيِّ الْأَمْرَيْنِ يَبْدَأُ.
فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَجَاءَ الْجَوَابُ أَنِ ابْدَأْ بِدِمَشْقَ فَإِنَّهَا حِصْنُ الشَّامِ وَبَيْتُ مَمْلَكَتِهِمْ، فَانْهَدْ لَهَا وَاشْغَلُوا عَنْكُمْ أَهْلَ فِحْلٍ بِخُيُولٍ تَكُونُ تِلْقَاءَهُمْ، فَإِنْ فَتَحَهَا اللَّهُ قَبْلَ دِمَشْقَ فَذَلِكَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ فُتِحَتْ دِمَشْقُ قَبْلَهَا فَسِرْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ وَاسْتَخْلِفْ عَلَى دمشق، فإذا فتح الله عليكم فحل فَسِرْ أَنْتَ وَخَالِدٌ إِلَى حِمْصَ وَاتْرُكْ عَمْرًا وَشُرَحْبِيلَ عَلَى الْأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ.
قَالَ: فَسَرَّحَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ عَشَرَةَ أُمَرَاءَ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ خَمْسَةُ أُمَرَاءَ وَعَلَى الْجَمِيعِ عُمَارَةُ بْنُ مخشى الصحابي، فَسَارُوا مِنْ مَرْجِ الصُّفَّرِ إِلَى فِحْلٍ فَوَجَدُوا الرُّومَ هُنَالِكَ قَرِيبًا مِنْ ثَمَانِينَ أَلْفًا، وَقَدْ أَرْسَلُوا الْمِيَاهَ حَوْلَهُمْ حَتَّى أَرْدَغَتِ الْأَرْضُ فَسَمَّوْا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الرَّدْغَةَ، وَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَى
الْمُسْلِمِينَ فَكَانَتْ أَوَّلَ حِصْنٍ فُتِحَ قَبِلَ دِمَشْقَ عَلَى ما سيأتي تفصيله.
وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ جَيْشًا (1) يَكُونُ بَيْنَ دِمَشْقَ وَبَيْنَ فِلَسْطِينَ، وَبَعَثَ ذَا الْكَلَاعِ فِي جَيْشٍ يَكُونُ بَيْنَ دِمَشْقَ وَبَيْنَ حِمْصَ، لِيَرُدَّ مَنْ يَرِدُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَدَدِ مِنْ جِهَةِ هِرَقْلَ.
ثُمَّ سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ مَرْجِ الصُّفَّرِ قَاصِدًا دِمَشْقَ، وَقَدْ جَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي الْقَلْبِ وَرَكِبَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي الْمُجَنِّبَتَيْنِ، وَعَلَى الْخَيْلِ عِيَاضُ بْنُ غنم، وعلى الرجالة شرحبيل بن حسنة، فقدموا دمشق وعليها نسطاس بن نسطوس، فَنَزَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الْبَابِ الشَّرْقِيِّ وَإِلَيْهِ بَابُ كَيْسَانَ أَيْضًا، وَنَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ الْكَبِيرِ، وَنَزَلَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ الصَّغِيرِ، وَنَزَلَ عمرو بن العاص وشرحبيل بن حَسَنَةَ عَلَى بَقِيَّةِ أَبْوَابِ الْبَلَدِ (2) وَنَصَبُوا الْمَجَانِيقَ وَالدَّبَّابَاتِ، وَقَدْ أَرْصَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَبَا الدَّرْدَاءِ عَلَى جَيْشٍ بِبَرْزَةَ يَكُونُونَ رِدْءًا لَهُ، وَكَذَا الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ حِمْصَ وَحَاصَرُوهَا حِصَارًا شَدِيدًا سَبْعِينَ لَيْلَةً، وَقِيلَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَهْلُ دِمَشْقَ مُمْتَنِعُونَ مِنْهُمْ غَايَةَ الِامْتِنَاعِ، وَيُرْسِلُونَ إِلَى مَلِكِهِمْ هِرَقْلَ - وَهُوَ مُقِيمٌ بِحِمْصَ - يَطْلُبُونَ منه المدد فلا يمكن
__________
(1) في رواية الطبري: بقيادة علقمة بن حكيم ومسروق.
(2) في فتوح البلدان 1 / 144 نزل عمر بن العاص على باب توما وشرحبيل على باب الفراديس.
(*)
(7/24)

وُصُولُ الْمَدَدِ إِلَيْهِمْ مِنْ ذِي الْكَلَاعِ، الَّذِي قَدْ أَرْصَدَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَ دِمَشْقَ وَبَيْنَ حِمْصَ - عَنْ دِمَشْقَ لَيْلَةً - فَلَمَّا أَيْقَنَ أَهْلُ دِمَشْقَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ مَدَدٌ أَبْلَسُوا وَفَشِلُوا وَضَعُفُوا، وَقَوِيَ الْمُسْلِمُونَ وَاشْتَدَّ حِصَارُهُمْ، وَجَاءَ فَصْلُ الشِّتَاءِ وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ وَعَسُرَ الْحَالُ وَعَسُرَ الْقِتَالُ، فَقَدَّرَ اللَّهُ الْكَبِيرُ المتعال، ذُو الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، أَنْ وُلِدَ لِبِطْرِيقِ دِمَشْقَ مَوْلُودٌ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَسَقَاهُمْ بَعْدَهُ شَرَابًا.
وَبَاتُوا عِنْدَهُ فِي وَلِيمَتِهِ قَدْ أَكَلُوا وَشَرِبُوا وَتَعِبُوا فَنَامُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ، وَاشْتَغَلُوا عَنْ أَمَاكِنِهِمْ، وَفَطِنَ لِذَلِكَ أَمِيرُ الْحَرْبِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَنَامُ وَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا يَنَامُ، بَلْ مُرَاصِدٌ لَهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَهُ عُيُونٌ وَقُصَّادٌ يَرْفَعُونَ إِلَيْهِ أحوال المقاتلة صباحا ومساء.
فلما رأى حمدة تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ عَلَى السُّورِ أَحَدٌ كَانَ قَدْ أَعَدَّ سَلَالِيمَ مِنْ حِبَالٍ فَجَاءَ هُوَ
وَأَصْحَابُهُ مِنَ الصَّنَادِيدِ الْأَبْطَالِ، مِثْلَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَمَذْعُورِ بْنِ عَدِيٍّ، وَقَدْ أَحْضَرَ جَيْشَهُ عِنْدَ الْبَابِ وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرَنَا فَوْقَ السُّورِ فَارْقَوْا إِلَيْنَا.
ثُمَّ نَهَدَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَقَطَعُوا الْخَنْدَقَ سِبَاحَةً بِقِرَبٍ في أعناقهم، فنصبوا تِلْكَ السَّلَالِمَ وَأَثْبَتُوا أَعَالِيهَا بِالشُّرُفَاتِ، وَأَكَّدُوا أَسَافِلَهَا خَارِجَ الْخَنْدَقِ، وَصَعِدُوا فِيهَا، فَلَمَّا اسْتَوَوْا عَلَى السُّورِ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ، وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ فَصَعِدُوا فِي تِلْكَ السَّلَالِمِ وَانْحَدَرَ خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ الشُّجْعَانُ مِنَ السُّورِ إِلَى الْبَوَّابِينَ فَقَتَلُوهُمْ، وَقَطَعَ خَالِدٌ وأصحابه أغاليق الباب بالسيوف وفتحوا الباب عنوة، فَدَخَلَ الْجَيْشُ الْخَالِدِيُّ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ.
وَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ الْبَلَدِ التَّكْبِيرَ ثَارُوا وَذَهَبَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى أَمَاكِنِهِمْ مِنَ السُّورِ، لَا يَدْرُونَ مَا الْخَبَرُ، فَجَعَلَ كُلَّمَا قَدِمَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ قَتَلَهُ أَصْحَابُ خَالِدٍ، وَدَخَلَ خالد البلد عَنْوَةً فَقَتَلَ مَنْ وَجَدَهُ.
وَذَهَبَ أَهْلُ كُلِّ بَابٍ فَسَأَلُوا مِنْ أَمِيرِهِمُ الَّذِي عِنْدَ الْبَابِ مِنْ خَارِجٍ الصُّلْحَ - وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ دَعَوْهُمْ إِلَى الْمُشَاطَرَةِ فَيَأْبَوْنَ عَلَيْهِمْ - فَلَمَّا دَعَوْهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَجَابُوهُمْ.
وَلَمْ يَعْلَمْ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ مَا صَنَعَ خَالِدٌ.
وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَبَابٍ (1) فَوَجَدُوا خَالِدًا وَهُوَ يَقْتُلُ مَنْ وَجَدَهُ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا قَدْ أَمَّنَّاهُمْ، فَقَالَ: إِنِّي فَتَحْتُهَا عَنْوَةً.
وَالْتَقَتَ الْأُمَرَاءُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ عِنْدَ كَنِيسَةِ الْمِقْسِلَّاطِ (2) بِالْقُرْبِ مِنْ دَرْبِ الرَّيْحَانِ الْيَوْمَ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ خَالِدًا فَتَحَ الْبَابَ قَسْرًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي فَتَحَهَا عَنْوَةً أَبُو عُبَيْدَةَ وَقِيلَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَخَالِدٌ صَالَحَ أَهْلَ الْبَلَدِ فَعَكَسُوا الْمَشْهُورَ الْمَعْرُوفَ (3) .
وَاللَّهُ أعلم.
__________
(1) وفي فتوح البلدان 1 / 145 إن أبا عبيدة عانى من فتح باب الجابية واقتتل المسلمون مع الروم قتالاً شديداً حتى فتح الباب عنوة ودخلوا منه.
أما ابن الاعثم في الفتوح فقال: انه لما اشتد الحصار على أهل دمشق سألوه أبا عبيدة الصلح فأجابهم إلى ذلك ووقع صلحهم وفتحت أبواب دمشق فدخلها المسلمون 1 / 161.
(2) وهو موضع النحاسين بدمشق وهو البريص، وفي ابن الاعثم واليعقوبي: التقيا في كنيسة مريم.
(3) هذا ما ذهب إليه البلاذري في فتوح البلدان وفيه نص كتاب خالد لاهل دمشق بالصلح وفيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
هَذَا مَا أَعْطَى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها: أعطاهم أمانا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم (*)
(7/25)

وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَقَالَ قَائِلُونَ هِيَ صُلْحٌ - يَعْنِي عَلَى مَا صَالَحَهُمُ الْأَمِيرُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ -.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ عَنْوَةٌ، لِأَنَّ خَالِدًا افْتَتَحَهَا بِالسَّيْفِ أَوَّلًا كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِذَلِكَ ذَهَبُوا إِلَى بقية الأمراء ومعهم أَبُو عُبَيْدَةَ فَصَالَحُوهُمْ، فَاتَّفَقُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ جَعَلُوا نِصْفَهَا صُلْحًا وَنِصْفَهَا عَنْوَةً، فَمَلَكَ أَهْلُهَا نِصْفَ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ وَأُقِرُّوا عَلَيْهِ، وَاسْتَقَرَّتْ يَدُ الصَّحَابَةِ عَلَى النِّصْفِ (1) .
وَيُقَوِّي هَذَا مَا ذَكَرَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَطْلُبُونَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُصَالِحُوهُمْ عَلَى الْمُشَاطَرَةِ فَيَأْبَوْنَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِالْيَأْسِ أَنَابُوا إِلَى مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ فَبَادَرُوا إِلَى إجابتهم.
ولم تعلم الصَّحَابَةُ بِمَا كَانَ مِنْ خَالِدٍ إِلَيْهِمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا أَخَذَ الصَّحَابَةُ نِصْفَ الْكَنِيسَةِ الْعُظْمَى الَّتِي كَانَتْ بِدِمَشْقَ وَتُعْرَفُ " بِكَنِيسَةِ يُوحَنَّا " فَاتَّخَذُوا الجانب الشرقي منها مسجداً، وأبقوا لهم نصفها الْغَرْبِيَّ كَنِيسَةً، وَقَدْ أَبْقَوْا لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ كَنِيسَةً أُخْرَى مَعَ نِصْفِ الْكَنِيسَةِ المعروفة " بيوحنا "، وهي جَامِعُ دِمَشْقَ الْيَوْمَ.
وَقَدْ كَتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ كِتَابًا، وَكَتَبَ فِيهِ شَهَادَتَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَيَزِيدُ وَشُرَحْبِيلُ: إِحْدَاهَا كَنِيسَةُ الْمِقْسِلَّاطِ الَّتِي اجْتَمَعَ عِنْدَهَا أُمَرَاءُ الصَّحَابَةِ، وَكَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى ظَهْرِ السُّوقِ الْكَبِيرِ، وَهَذِهِ الْقَنَاطِرُ الْمُشَاهَدَةُ فِي سُوقِ الصَّابُونِيِّينَ مِنْ بَقِيَّةِ الْقَنَاطِرِ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَهَا، ثُمَّ بَادَتْ فِيمَا بَعْدُ وَأُخِذَتْ حِجَارَتُهَا فِي الْعِمَارَاتِ.
الثَّانِيَةُ: كَنِيسَةٌ كَانَتْ فِي رَأْسِ دَرْبِ الْقُرَشِيِّينَ وَكَانَتْ صَغِيرَةً، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَبَعْضُهَا بَاقٍ إلى يوم وَقَدْ تَشَعَّثَتْ.
الثَّالِثَةُ: كَانَتْ بِدَارِ الْبِطِّيخِ الْعَتِيقَةِ.
قُلْتُ: وَهِيَ دَاخِلُ الْبَلَدِ بِقُرْبِ الْكُوشَكِ، وَأَظُنُّهَا هِيَ الْمَسْجِدُ الَّذِي قِبَلَ هَذَا الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهَا خَرِبَتْ مِنْ دَهْرٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: كَانَتْ بِدَرْبِ بَنِي نَصْرٍ بَيْنَ دَرْبِ الْحَبَّالِينَ وَدَرْبِ التَّمِيمِيِّ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَدْ أَدْرَكْتُ بَعْضَ بُنْيَانِهَا، وَقَدْ خَرِبَ أَكْثَرُهَا.
الْخَامِسَةُ: كَنِيسَةُ بُولِصَ، قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَكَانَتْ غَرْبِيَّ الْقَيْسَارِيَّةِ الْفَخْرِيَّةِ وَقَدْ أَدْرَكْتُ مِنْ بُنْيَانِهَا بَعْضَ أَسَاسِ الْحَنْيَةِ.
السَّادِسَةُ: كَانَتْ فِي مَوْضِعِ دَارِ الْوَكَالَةِ وَتُعَرَفُ الْيَوْمَ بِكَنِيسَةِ الْقَلَانِسِيِّينَ.
قُلْتُ: وَالْقَلَانِسِيِّينَ هي الحواحين الْيَوْمَ.
السَّابِعَةُ: الَّتِي بِدَرْبِ السَّقِيلِ الْيَوْمَ
وَتُعْرَفُ بِكَنِيسَةِ حُمَيْدِ بْنِ دُرَّةَ سَابِقًا، لِأَنَّ هَذَا الدَّرْبَ كَانَ إِقْطَاعًا لَهُ وَهُوَ حُمَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُسَاحِقٍ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ، وَدُرَّةُ أُمُّهُ، وهي درة ابنة هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَأَبُوهَا خَالُ مُعَاوِيَةَ.
وَكَانَ قَدْ أُقْطِعُ هَذَا الدَّرْبَ فَنُسِبَتْ هَذِهِ الْكَنِيسَةُ إِلَيْهِ، وَكَانَ مُسَلِمًا، وَلَمْ يَبْقَ لهم اليوم سواها، وقد
__________
= وسور مدينتهم لا يهدم ولا يسكن شئ من دورهم.
لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله صلَّى الله عليه وآله والخلفاء والمؤمنين لا يعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية.
(1) قال محمد بن سعد: قال الواقدي: قرأت كتاب خالد بن الوليد لاهل دمشق فلم أر فيه أنصاف المنازل والكنائس، وقد روي ذلك ولا أدري من اين جاء به من رواه ويروي الواقدي في فتوح الشام أن خالد فتح دمشق عنوة وقد دار بينه وبين أبي عبيدة محاجة عنيفة نزل خالد بعدها على رأي أبي عبيدة (فتوح الشام 1 / 72 وما بعدها) .
(*)
(7/26)

خَرِبَ أَكْثَرُهَا.
وَلِلْيَعْقُوبِيَّةِ مِنْهُمْ كَنِيسَةٌ دَاخِلَ بَابِ تُومَا بَيْنَ رَحْبَةِ خَالِدٍ - وَهُوَ خَالِدُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ - وَبَيْنَ دَرْبِ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ، وَهِيَ الْكَنِيسَةُ الثَّامِنَةُ، وَكَانَتْ لِلْيَعْقُوبِيِّينِ كَنِيسَةٌ أُخْرَى فِيمَا بَيْنَ درب التنوى وَسُوقِ عَلِيٍّ.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: قَدْ بَقِيَ مِنْ بِنَائِهَا بَعْضُهُ، وَقَدْ خَرِبَتْ مُنْذُ دَهْرٍ.
وَهَى الْكَنِيسَةُ التَّاسِعَةُ.
وَأَمَّا الْعَاشِرَةُ فَهِيَ الْكَنِيسَةُ الْمُصَلَّبَةُ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى الْيَوْمِ بَيْنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ وَبَابِ تُومَا بِقُرْبِ النَّيْبَطُنِ عِنْدَ السُّورِ.
وَالنَّاسُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ النيطون.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَدْ خَرِبَ أَكْثَرُهَا هَكَذَا قَالَ.
وَقَدْ خَرِبَتْ هَذِهِ الْكَنِيسَةُ وَهُدِمَتْ فِي أَيَّامِ صَلَاحِ الدِّينِ فَاتِحِ الْقُدْسِ بَعْدَ الثَّمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ بَعْدِ مَوْتِ الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: كَنِيسَةُ مَرْيَمَ دَاخِلَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ وَهَى مِنْ أَكْبَرِ مَا بَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ.
قُلْتُ: ثُمَّ خَرِبَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِدَهْرٍ فِي أَيَّامِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ رُكْنِ الدين بيبرس البند قداري عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ (1) كَنِيسَةُ الْيَهُودِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمِ الْيَوْمَ فِي حَارَتِهِمْ، وَمَحَلُّهَا معروف بالقرب من الجبر
وَتُسَمِّيهِ النَّاسُ الْيَوْمَ بُسْتَانَ الْقِطِّ وَكَانَتْ لَهُمْ كَنِيسَةٌ فِي دَرْبِ الْبَلَاغَةِ لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً فِي الْعَهْدِ فَهُدِمَتْ فِيمَا بَعْدُ وَجُعِلَ مَكَانَهَا المسجد المعروف بمسجد ابن السهروردي، وَالنَّاسُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ دَرْبُ الشَّاذُورِيِّ.
قُلْتُ: وَقَدْ أُخْرِبَتْ لَهُمْ كَنِيسَةٌ كَانُوا قَدْ أَحْدَثُوهَا لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ لَا ابْنُ عَسَاكِرَ وَلَا غَيْرُهُ، وَكَانَ إِخْرَابُهَا فِي حُدُودِ سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ لِذِكْرِ كَنِيسَةِ السَّامِرَةِ بِمَرَّةٍ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَمِمَّا أَحْدَثَ - يَعْنِي النَّصَارَى - كنيسة بناها أبو جعفر المنصور بنى قطيطا في الفريق عند قناة صالح قريباً من دازبها وأرمن الْيَوْمَ (2) ، وَقَدْ أُخْرِبَتْ فِيمَا بَعْدُ وَجُعِلَتْ مَسْجِدًا يعرف بمسجد الجنيق وَهُوَ مَسْجِدُ أَبِي الْيَمَنِ.
قَالَ وَمِمَّا أُحْدِثَ كنيستا العباد إحداهما عند دار ابن الماشلي وَقَدْ جُعِلَتْ مَسْجِدًا.
وَالْأُخْرَى الَّتِي فِي رَأْسِ دَرْبِ النَّقَّاشِينَ وَقَدْ جُعِلَتْ مَسْجِدًا.
انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قُلْتُ: وَظَاهِرُ سِيَاقِ سَيْفَ بْنَ عُمَرَ يَقْتَضِي أَنَّ فَتْحَ دِمَشْقَ وَقَعَ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَلَكِنْ نَصَّ سَيْفٌ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّهَا فُتِحَتْ فِي نِصْفِ رجب سنة أربع عشرة.
كذا حَكَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِذٍ الْقُرَشِيِّ الدِّمَشْقِيِّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مسلم عن عثمان بن حصين بن غلاق عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: فُتِحَتْ دِمَشْقُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
وَرَوَاهُ دُحَيْمٌ عَنِ الْوَلِيدِ.
قَالَ: سَمِعْتُ أَشْيَاخًا يَقُولُونَ إِنَّ دِمَشْقَ فُتِحَتْ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
وَهَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَمَعْمَرٌ وَالْأُمَوِيُّ وَحَكَاهُ عَنْ مَشَايِخِهِ وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، أَنَّ فَتْحَ دِمَشْقَ كَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
وَزَادَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وأبو
__________
(1) في الاصل: " عشر " تحريف.
(2) كذا بالاصل.
(*)
(7/27)

مَعْشَرٍ وَالْأُمَوِيُّ: وَكَانَتِ الْيَرْمُوكُ بَعْدَهَا بِسَنَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَ فَتْحُهَا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: حَاصَرَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَشَوَّالٍ وَتَمَّ الصُّلْحُ فِي ذِي الْقِعْدَةِ.
وَقَالَ الْأُمَوِيُّ فِي مُغَازِيهِ: كَانَتْ وَقْعَةُ أَجْنَادِينَ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَوَقْعَةُ فِحْلٍ فِي ذِي
الْقِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ - يَعْنِي وَوَقْعَةُ دِمَشْقَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ - وَقَالَ دُحَيْمٌ عَنِ الْوَلِيدِ: حَدَّثَنِي الْأُمَوِيُّ أَنَّ وَقْعَةَ فِحْلٍ وَأَجْنَادِينَ كَانَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ مَضَى الْمُسْلِمُونَ إِلَى دِمَشْقَ فَنَزَلُوا عَلَيْهَا فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ يَعْنِي فَفَتَحُوهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
وَكَانَتِ الْيَرْمُوكُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَدِمَ عُمَرُ إِلَى بَيْتِ المقدس سنة ست عشرة.
فصل وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي دِمَشْقَ هَلْ فُتِحَتْ صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً؟ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ اسْتَقَرَّ أَمْرُهَا عَلَى الصُّلْحِ، لِأَنَّهُمْ شَكُّوا فِي الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْآخَرِ أَفُتِحَتْ عَنْوَةً ثُمَّ عَدَلَ الرُّومُ إلى المصالحة، أو فتحت صلحاً، أو اتفق الِاسْتِيلَاءُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ قَسْرًا؟ فَلَمَّا شَكُّوا فِي ذَلِكَ جَعَلُوهَا صُلْحًا احْتِيَاطًا.
وَقِيلَ بَلْ جُعِلَ نِصْفُهَا صُلْحًا وَنِصْفُهَا عَنْوَةً، وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ يَظْهَرُ مِنْ صُنْعِ الصَّحَابَةِ فِي الْكَنِيسَةِ الْعُظْمَى الَّتِي كَانَتْ أَكْبَرَ مَعَابِدِهِمْ حِينَ أَخَذُوا نِصْفَهَا وَتَرَكُوا لَهُمْ نَصْفَهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قِيلَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ هُوَ الَّذِي كَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ الصُّلْحِ، وَهَذَا هُوَ الْأَنْسَبُ وَالْأَشْهَرُ، فَإِنَّ خَالِدًا كَانَ قَدْ عُزِلَ عَنِ الْإِمْرَةِ، وَقِيلَ بَلِ الَّذِي كَتَبَ لَهُمُ الصُّلْحَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلَكِنْ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ أَبُو حُذَيْفَةَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ أَنَّ الصِّدِّيقَ تُوُفِّيَ قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَأَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يُعَزِّيهِ وَالْمُسْلِمِينَ فِي الصِّدِّيقِ، وَأَنَّهُ قَدِ اسْتَنَابَهُ عَلَى مَنْ بِالشَّامِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَشِيرَ خَالِدًا فِي الْحَرْبِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ كَتَمَهُ مِنْ خَالِدٍ حَتَّى فُتِحَتْ دِمَشْقُ بِنَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْلِمَنِي حِينَ جَاءَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَلَيْكَ حَرْبَكَ، وَمَا سُلْطَانُ الدُّنْيَا أُرِيدُ، وَلَا لِلدُّنْيَا أَعْمَلُ، وَمَا تَرَى سَيَصِيرُ إِلَى زَوَالٍ وَانْقِطَاعٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ إِخْوَانٌ وَمَا يَضُرُّ الرَّجُلَ أَنْ يليه أخوه في دينه ودنياه.
ومن أعجب ما يذكر ههنا مَا رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَنَا رَاشِدُ بْنُ دَاوُدَ الصَّنْعَانِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ الصَّنْعَانِيُّ شَرَاحِيلُ بْنُ مَرْثَدٍ، قَالَ: بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَبَعَثَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ إلى الشام، فذكر
الراوي فقال خَالِدٍ لِأَهْلِ الْيَمَامَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ وَاسْتَخْلَفَ عُمَرَ فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ إِلَى الشَّامِ فَقَدِمَ دِمَشْقَ فَاسْتَمَدَّ أَبُو عُبَيْدَةَ عُمَرَ فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ يَسِيرَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ، فَذَكَرَ مَسِيرَ خَالِدٍ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا فَإِنَّ الَّذِي لَا يشك فيه
(7/28)

أَنَّ الصِّدِّيقَ هُوَ الَّذِي بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى الشَّامِ، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ يَقَدَمَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ لِيَكُونَ مَدَدًا لِمَنْ بِهِ وَأَمِيرًا عَلَيْهِمْ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى يَدَيْهِ جَمِيعَ الشَّامِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا افْتَتَحُوا مَدِينَةَ دِمَشْقَ بَعَثُوا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَافِدًا إِلَى أَبِي بَكْرٍ بَشِيرًا بِالْفَتْحِ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ قَدْ تُوُفِّيَ وَاسْتَخْلَفَ عُمَرَ بْنَ الْخِطَابِ فَأَعْظَمَ أَنْ يَتَأَمَّرَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ فَوَلَّاهُ جَمَاعَةَ النَّاسِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِمَنْ بَعَثْنَاهُ بَرِيدًا فَقَدِمَ عَلَيْنَا أَمِيرًا.
وَقَدْ رَوَى اللَّيْثُ وَابْنُ لَهِيعَةَ وَحَيْوَةُ بن شريح ومفضل بن فضالة وعمر بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ بَعَثَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بَرِيدًا بِفَتْحِ دِمَشْقَ قَالَ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ لِي: مُنْذُ كَمْ لَمْ تَنْزِعْ خُفَّيْكَ؟ فَقُلْتُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ.
فَقَالَ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ.
قَالَ اللَّيْثُ: وَبِهِ نَأْخُذُ، يَعْنِي أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ لَا يَتَأَقَّتْ، بَلْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا مَا شَاءَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَ هَذَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَلِيٍّ فِي تَأْقِيتِ الْمَسْحِ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْبَرِيدِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ فِي الْأَوَّلِ لَا يَتَأَقَّتُ، وَفِيمَا عَدَاهُ يَتَأَقَّتُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ وَحَدِيثِ علي.
والله أعلم.
فصل ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْبِقَاعِ فَفَتَحَهُ بِالسَّيْفِ.
وَبَعَثَ سَرِيَّةً فَالْتَقَوْا مَعَ
الرُّومِ بِعَيْنِ مَيْسَنُونَ، وَعَلَى الرُّومِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ " سِنَانٌ " تَحَدَّرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَقَبَةِ بَيْرُوتَ فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّهَدَاءِ فَكَانُوا يُسَمُّونَ " عَيْنَ مَيْسَنُونَ " عَيْنَ الشُّهَدَاءِ.
وَاسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى دِمَشْقَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ (1) كَمَا وَعَدَهُ بِهَا الصِّدِّيقُ.
وَبَعَثَ يَزِيدُ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ إِلَى تَدْمُرَ فِي سَرِيَّةٍ لِيُمَهِّدُوا أَمْرَهَا.
وَبَعَثَ أَبَا الزهراء القشيري إلى البثينة (2) وَحَوْرَانَ فَصَالَحَ أَهْلَهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: افْتَتَحَ خَالِدٌ دِمَشْقَ صلحاً، وهكذا سائر مدن
__________
(1) انظر الطبري 4 / 59.
ولم يسمه ابن الاعثم في الفتوح، قال: فدعا أبو عبيدة برجل من المسلمين فولاه مدينة دمشق وخرج حتى لحق بأصحابه في فلسطين 1 / 177.
(2) في فتوح البلدان: أن يزيد بن أبي سفيان فتح البثنية وحوران صلحا (1 / 150) .
وقال الطبري أن أبا الزهراء القشيري صالحهما على صلح أهل دمشق.
(*)
(7/29)

الشام كانت صلحاً دون أرضيها.
فَعَلَى يَدَيْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَشُرَحْبِيلَ بن حَسَنَةَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: أخبرني غير واحد من شيوخ دمشق بَيْنَمَا هُمْ عَلَى حِصَارِ دِمَشْقَ إِذْ أَقْبَلَتْ خَيْلٌ مِنْ عَقَبَةِ السَّلَمِيَّةِ مُخَمَّرَةٌ بِالْحَرِيرِ فَثَارَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ فَالْتَقَوْا فِيمَا بَيْنَ بَيْتِ لَهْيَا وَالْعَقَبَةِ (1) الَّتِي أَقْبَلُوا مِنْهَا، فَهَزَمُوهُمْ وَطَرَدُوهُمْ إِلَى أَبْوَابِ حِمْصَ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ حِمْصَ ذَلِكَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ فَتَحُوا دِمَشْقَ فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ حِمْصَ إِنَّا نُصَالِحُكُمْ عَلَى مَا صَالَحْتُمْ عَلَيْهِ أَهْلَ دِمَشْقَ فَفَعَلُوا.
وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ أبيه قال افتتح شرحبيل بن حَسَنَةَ الْأُرْدُنَّ كُلَّهَا عَنْوَةً مَا خَلَا طَبَرِيَّةَ فَإِنَّ أَهْلَهَا صَالَحُوهُ (2) .
وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ.
وَقَالَا بَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ خَالِدًا فَغَلَبَ عَلَى أَرْضِ الْبِقَاعِ وَصَالَحَهُ أَهَلُ بَعْلَبَكَّ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا (3) .
وَقَالَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْصَافِ مَنَازِلِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَوَضْعِ الْخَرَاجِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ وَفِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ حِمْصُ وَبَعْلَبَكُّ صُلْحًا عَلَى يَدَيْ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ قَالَ خَلِيفَةُ: وَيُقَالُ في سنة خمس عشرة.
وقعة فِحل (4)
وَقَدْ ذَكَرَهَا كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ فَتْحِ دِمَشْقَ وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ سِيَاقَ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ يَزِيدَ بْنِ أَسِيدٍ الْغَسَّانِيِّ وأبي حارثة القيسي قَالَا: خَلَّفَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فِي خَيْلِهِ فِي دِمَشْقَ وَسَارُوا نَحْوَ فِحْلٍ وعلى
__________
(1) في فتوح البلدان: الثنية.
وروى البلاذري عن أبي مخنف أن أهل حمص قاتلوا المسلمين ثم لجأوا إلى المدينة وطلبوا الامان والصلح، فتم على مئة ألف وسبعين ألف دينار.
(2) الطبري: 4 / 60.
(3) في فتوح البلدان إن أبا عبيدة سار إلى بعلبك فصالحهم وأمنهم على أنفسهم وكتب لَهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ أمان لفلان بن فلان وأهل بعلبك رومها وفرسها وعربها على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ودورهم، داخل المدينة وخارجها وعلى أرحائهم، وللروم أن يرعوا سرحهم ما بينهم وبين خمسة عشر ميلاً ولا ينزلوا قرية عامرة.
فإذا مضى شهر ربيع وجمادى الاولى ساروا إلى حيث شاءوا.
ومن أسلم منهم فله مالنا وعليه ما علينا، ولتجارهم أن يسافروا إلى حيث أرادوا من البلاد التي صالحنا عليها وعلى من أقام منهم الجزية والخراج.
شهد الله، وكفى بالله شهيدا (1 / 154) .
أما في فتوح ابن الاعثم فقال إن خالد بن الوليد مضى إلى بعلبك وقاتل الروم فيها من ضحوة النهار إلى قريب الظهر ثم حمل عليهم حتى احمرت الارض من دمائهم واحتوى خالد على أموال وسلاح وخيل وسبي كثير فوجه به كله إلى أبي عبيدة في دمشق وأخبره بما فتح الله عليه من أمر بعلبك 1 / 176.
وافقه الازدي في مسير خالد إليها وفتحها - إلى أن قال - وأقبل راجعاً إلى أبي عبيدة فأخبره الخبر (فتوح الشام 110) .
(4) فحل: بكسر أوله وسكون ثانيه: اسم موضع بالشام كانت فيه وقعة للمسلمين مع الروم (معجم البلدان 6 / 240) .
وقيل موضع بين طبرية وبيسان بوادي نهر اليرموك.
كانت به وقائع كثيرة.
(*)
(7/30)

الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حَسَنَةَ وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَدْ جَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى الْمَيْسَرَةِ، وَعَلَى الْخَيْلِ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ فَوَصَلُوا إِلَى فِحْلٍ وَهِيَ بَلْدَةٌ بِالْغَوْرِ وَقَدِ انْحَازَ الرُّومُ إِلَى بَيْسَانَ (1) ، وَأَرْسَلُوا مياه
تلك الأراضي على هُنَالِكَ مِنَ الْأَرَاضِي فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَرْسَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عُمَرَ يُخْبِرُونَهُ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنْ مُصَابَرَةِ عَدُوِّهِمْ وَمَا صَنَعَهُ الرُّومُ مِنْ تِلْكَ الْمَكِيدَةِ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي عيش رغيد ومدد كبير، وَهُمْ عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ.
وَأَمِيرُ هَذَا الحرب شرحبيل بن حَسَنَةَ وَهُوَ لَا يَبِيتُ وَلَا يُصْبِحُ إِلَّا عَلَى تَعْبِئَةٍ.
وَظَنَّ الرُّومُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى غِرَّةٍ، فَرَكِبُوا فِي بَعْضِ اللَّيَالِي لِيُبَيِّتُوهُمْ، وَعَلَى الرُّومِ سِقْلَابُ (2) بْنُ مِخْرَاقَ، فَهَجَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَنَهَضُوا إِلَيْهِمْ نَهْضَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُمْ عَلَى أُهْبَةٍ دَائِمًا، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى الصَّبَاحِ وَذَلِكَ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ إِلَى اللَّيْلِ.
فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ فَرَّ الرُّومُ وَقُتِلَ أَمِيرُهُمْ سِقْلَابُ وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ وَأَسْلَمَتْهُمْ هَزِيمَتُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْوَحْلِ الَّذِي كَانُوا قَدْ كَادُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ فَغَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وقتل منهم المسلمين بِأَطْرَافِ الرِّمَاحِ مَا قَارَبَ الثَّمَانِينَ أَلْفًا (3) لَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا وَمَالًا جَزِيلًا.
وَانْصَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْجُيُوشِ نَحْوَ حِمْصَ كَمَا أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ.
وَاسْتَخْلَفَ أبو عبيدة على الأردن شرحبيل بن حَسَنَةَ، فَسَارَ شُرَحْبِيلُ وَمَعَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَحَاصَرَ بَيْسَانَ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى مِثْلِ مَا صَالَحَتْ عَلَيْهِ دِمَشْقُ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيهِمْ وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو الْأَعْوَرِ السَّلَمِيُّ بِأَهْلِ طبرية سواء.
ما وقع بأرض العراق آنذاك من القتال وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ لَمَّا سَارَ خَالِدٌ مِنَ الْعِرَاقِ بِمَنْ صَحِبَهُ إِلَى الشَّامِ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ سَارَ بِتِسْعَةِ آلَافٍ، وَقِيلَ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَقِيلَ بِسَبْعِمِائَةٍ وَقِيلَ بِأَقَلَّ، إِلَّا أَنَّهُمْ صَنَادِيدُ جَيْشِ الْعِرَاقِ، فَأَقَامَ الْمُثَنَّى بِمَنْ بَقِيَ فَاسْتَقَلَّ عَدَدَهُمْ وَخَافَ مِنْ سَطْوَةِ الْفُرْسِ لَوْلَا اشْتِغَالُهُمْ بِتَبْدِيلِ مُلُوكِهِمْ وَمَلِكَاتِهِمْ، وَاسْتَبْطَأَ الْمُثَنَّى خَبَرَ الصِّدِّيقِ فَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَجْدَ الصِّدِّيقَ في السياق، فأخبر بِأَمْرِ الْعِرَاقِ، فَأَوْصَى الصِّدِّيقُ عُمَرَ أَنْ يَنْدُبَ النَّاسَ لِقِتَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
فَلَمَّا مَاتَ الصِّدِّيقُ وَدُفِنَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ أَصْبَحَ عُمَرُ فَنَدَبَ النَّاسَ وَحَثَّهُمْ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَحَرَّضَهُمْ وَرَغَّبَهُمْ في الثواب على
__________
(1) بيسان: بلد من أرض فلسطين شمالي نابلس، وإليها ينسب القاضي عبد الرحيم بن علي البيساني وزير الملك الناصر يوسف بن أيُّوب.
(2) في الطبري والكامل: سقلار.
(3) كذا بالاصل والطبري والكامل.
وفي فتوح ابن الاعثم: ستين ألفا.
وفي فتوح الازدي (ص 112) : بين الثلاثين والأربعين ألفا.
(*)
(7/31)

ذَلِكَ، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَكْرَهُونَ قِتَالَ الْفُرْسِ لِقُوَّةِ سَطْوَتِهِمْ، وَشِدَّةِ قِتَالِهِمْ.
ثُمَّ نَدَبَهُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ وَتَكَلَّمَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فَأَحْسَنَ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْ خالد من معظم أرض العراق، ومالهم هناك مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْلَاكِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالزَّادِ، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ كَانَ أَوَّلَ مَنِ انْتَدَبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أبو عبيد بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الإجابة، أمر عُمَرُ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَمَّرَ عَلَى الْجَمِيعِ أَبَا عُبَيْدٍ) ، هَذَا وَلَمْ يَكُنْ صَحَابِيًّا، فَقِيلَ لِعُمَرَ: هَلَّا أَمَرْتَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الصحابة؟ فقال: إنما أومر أَوَّلَ مَنِ اسْتَجَابَ، إِنَّكُمْ إِنَّمَا سَبَقْتُمُ النَّاسَ بِنُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ، وَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَجَابَ قَبْلَكُمْ.
ثُمَّ دَعَاهُ فَوَصَّاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَشِيرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْ يَسْتَشِيرَ سَلِيطَ بْنَ قَيْسٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ بَاشَرَ الْحُرُوبَ فَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَرْضِ الْعِرَاقِ وَهُمْ سَبْعَةُ آلَافِ رَجُلٍ (1) ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَ خَالِدٍ إِلَى الْعِرَاقِ فَجَهَّزَ عَشَرَةَ آلَافٍ عَلَيْهِمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ وَأَرْسَلَ عُمَرُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ (2) إِلَى الْعِرَاقِ فَقَدِمَ الْكُوفَةَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا فَوَاقَعَ هِرَقْرَانَ الْمَدَارَ فَقَتَلَهُ وَانْهَزَمَ جَيْشُهُ وَغَرِقَ أَكْثَرُهُمْ فِي دِجْلَةَ فَلَمَّا وَصَلَ النَّاسُ إِلَى الْعِرَاقِ وَجَدُوا الْفُرْسَ مُضْطَرِبِينَ فِي مُلْكِهِمْ، وَآخِرُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ أَنْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ " بُورَانَ " بنت كسرى بعد ما قَتَلُوا الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا " آزَرْمِيدُخْتَ " وَفَوَّضَتْ بُورَانُ أَمْرَ الْمُلْكِ عَشْرَ سِنِينَ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ رُسْتُمُ بْنُ فَرُّخْزَاذَ عَلَى أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ، ثُمَّ يَصِيرُ الْمُلْكُ إِلَى آلِ كِسْرَى فَقَبِلَ ذَلِكَ.
وَكَانَ رُسْتُمُ هَذَا مُنَجِّمًا يَعْرِفُ النُّجُومَ وَعِلْمَهَا جَيِّدًا، فَقِيلَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ يَعْنُونَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَتِمُّ لَكَ فَقَالَ: الطَّمَعُ وَحُبُّ الشَّرَفِ (3) .
وَقْعَةُ النَّمَارِقِ بَعَثَ رُسْتُمُ أَمِيرًا يُقَالُ لَهُ " جَابَانُ " وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ رَجُلَانِ يقال لأحدهما " حشنس ماه " ويقال للآخر " مردانشاه " وهو خصي أَمِيرِ حَاجِبِ الْفُرْسِ، فَالْتَقَوْا مَعَ أَبِي عُبَيْدٍ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ النَّمَارِقُ، - بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْقَادِسِيَّةِ - وَعَلَى الْخَيْلِ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ (4) فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ قِتَالًا شَدِيدًا وهزم الله الفرس وأسر جابان ومردانشاه.
فأما مردانشاه فَإِنَّهُ قَتَلَهُ الَّذِي أَسَرَهُ (5) ، وَأَمَّا جَابَانُ فَإِنَّهُ خَدَعَ الَّذِي أَسَرَهُ (6) حَتَّى أَطْلَقَهُ فَأَمْسَكَهُ الْمُسْلِمُونَ وأبوا أن يطلقوه،
__________
(1) في فتوح ابن الاعثم: أربعة آلاف.
(2) في ابن الاعثم: في سبعمائة.
(3) الخبر في الطبري 4 / 62 - 64.
(4) زاد الطبري: وعلى ميمنته والق بن جيدارة.
(5) في الطبري: أسره أكتل بن شماخ العكلي.
(6) أسر جابان مطر بن فضة التيمي.
وكان يدعى بأمه، وقد هم مطر بذبحه فقال جابان من تحته: لا إله إلا الله (*)
(7/32)

وقالوا: إن هذا الأمير وجاؤا بِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ فَقَالُوا: اقْتُلْهُ فَإِنَّهُ الْأَمِيرُ فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرَ فَإِنِّي لَا أَقْتُلُهُ.
وَقَدْ أَمَّنَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ رَكِبَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي آثَارِ مَنِ انْهَزَمَ مِنْهُمْ وَقَدْ لَجَأُوا إِلَى مَدِينَةِ كَسْكَرَ الَّتِي لِابْنِ خَالَةِ كِسْرَى وَاسْمُهُ نَرْسِي فَوَازَرَهُمْ نَرْسِي عَلَى قِتَالِ أَبِي عُبَيْدٍ، فَقَهَرَهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَنِمَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا وَأَطْعِمَاتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَبَعَثَ بِخُمُسِ مَا غَنِمَ مِنَ الْمَالِ وَالطَّعَامِ إِلَى عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (1) .
لَعَمْرِي وَمَا عُمْرِي عليَّ بِهَيِّنٍ * لَقَدْ صُبِّحَتْ بِالْخِزْيِ أَهْلُ النَّمَارِقِ بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ ربهم * يجوسونهم ما بين درنا وَبَارِقِ قَتَلْنَاهُمْ مَا بَيْنَ مَرْجِ مُسَلِّحٍ * وَبَيْنَ الهواني من طريق التدارق (2) فالتقوا بمكان بين كسكر والسفاطية وَعَلَى مَيْمَنَةِ نَرْسِي وَمَيْسَرَتِهِ ابْنَا خَالِهِ بِنَدَوَيْهِ وبيرويه أولاد
نظام (3) وكان رستم قد جهز الجيوش مع الجالينوس، فَلَمَّا بَلَغَ أَبُو عُبَيْدٍ ذَلِكَ أَعْجَلَ نَرْسِي بِالْقِتَالِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتِ الفرس وهرب نرسي والجالينوس إِلَى الْمَدَائِنِ بَعْدَ وَقْعَةٍ جَرَتْ مِنْ أَبِي عبيد مع الجالينوس بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ بَارُوسْمَا، فَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدٍ المثنى بن حارثة وسرايا أخر إلى متاخم تلك الناحية كنهر جور (4) وَنَحْوِهَا فَفَتَحَهَا صُلْحًا وَقَهْرًا وَضَرَبُوا الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ وَغَنِمُوا الْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَكَسَرُوا الجالينوس الَّذِي جَاءَ لِنُصْرَةِ جَابَانَ وَغَنِمُوا جَيْشَهُ وَأَمْوَالَهُ وَكَرَّ هَارِبًا إِلَى قَوْمِهِ حَقِيرًا ذَلِيلًا.
وَقْعَةُ جسر أبي عبيد ومقتل أمير المسلمين وخلق كثير منهم لما رجع الجالينوس هَارِبًا مِمَّا لَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَذَامَرَتِ الْفُرْسُ بَيْنَهُمْ وَاجْتَمَعُوا إِلَى رُسْتُمَ فَأَرْسَلَ جَيْشًا كَثِيفًا عليهم ذا الحاجب " بهمس (5) حادويه " وَأَعْطَاهُ رَايَةَ أَفْرِيدُونَ وَتُسَمَّى دِرَفْشَ كَابْيَانَ وَكَانَتِ الْفُرْسُ تَتَيَمَّنُ بِهَا.
وَحَمَلُوا مَعَهُمْ رَايَةَ كِسْرَى وَكَانَتْ مِنْ جُلُودِ النُّمُورِ عَرْضُهَا ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ (6) .
فَوَصَلُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ (7) وَبَيْنَهُمُ النَّهْرُ وَعَلَيْهِ جِسْرٌ فَأَرْسَلُوا: إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ
__________
= فلم يقتله مطر (فتوح ابن الاعثم 1 / 166) .
(1) وهو عاصم بن عمرو - قاله الطبري.
(2) في الطبري: وبين الهوافي من طريف البذارق.
(3) في الطبري: بندويه وتيرويه ابنا بسطام وهو خال كسرى.
(4) في الطبري: جوبر.
(5) في الطبري والكامل: بهمن جاذويه وفي فتوح البلدان: " ويقال إن اسمه رستم ".
ويقال له: ذا الحاجب لانه كان يعصب حاجبيه بعصابة ليرفعهما كبرا.
وفي فتوح ابن الاعثم ذكره: مهران ملك اذربيجان.
(6) زاد الكامل والطبري: وطولها اثنى عشر ذراعاً (2 / 438) .
(7) في الطبري والكامل: في المروحة موضع البرج والعاقول.
وفي فتوح ابن الاعثم بموضع يقال له بانقيا.
(*)
(7/33)

نُعْبُرَ إِلَيْكُمْ.
فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ لِأَمِيرِهِمْ أَبِي عُبَيْدٍ أأمرهم فَلْيَعْبُرُوا هُمْ إِلَيْنَا.
فَقَالَ مَا هُمْ بِأَجْرَأَ عَلَى
الْمَوْتِ مِنَّا ثُمَّ اقْتَحَمَ إِلَيْهِمْ فَاجْتَمَعُوا في مكان ضيق هُنَالِكَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ وَالْمُسْلِمُونَ فِي نَحْوٍ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَقَدْ جَاءَتِ الْفُرْسُ مَعَهُمْ بِأَفْيِلَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَيْهَا الْجَلَاجِلُ، قَائِمَةً لِتَذْعَرَ خُيُولَ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلُوا كُلَّمَا حَمَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَرَّتْ خُيُولُهُمْ مِنَ الْفِيَلَةِ وَمِمَّا تَسْمَعُ مِنَ الْجَلَاجِلِ الَّتِي عَلَيْهَا وَلَا يَثْبُتُ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ عَلَى قَسْرٍ.
وَإِذَا حَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ لَا تُقْدِمُ خُيُولُهُمْ عَلَى الْفِيَلَةِ وَرَشَقَتْهُمُ الْفُرْسُ بِالنَّبْلِ، فَنَالُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ سِتَّةَ آلَافٍ.
وَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوا الْفِيَلَةَ أَوَّلًا، فَاحْتَوَشُوهَا فَقَتَلُوهَا عَنْ آخِرِهَا، وَقَدْ قَدَّمَتِ الْفُرْسُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فِيلًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، فَتَقَدَّمَ إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع ذلومه فحمى الفيل، وصاح صيحة هائلة وحمل فتخبطه برجليه فَقَتَلَهُ وَوَقَفَ فَوْقَهُ فَحَمَلَ عَلَى الْفِيلِ خَلِيفَةُ أَبِي عُبَيْدٍ الَّذِي كَانَ أَوْصَى أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا بَعْدَهُ فَقُتِلَ، ثُمَّ آخَرُ ثُمَّ آخَرُ حَتَّى قُتِلَ سَبْعَةٌ (1) مِنْ ثَقِيفٍ كَانَ قَدْ نَصَّ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَيْهِمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ بِمُقْتَضَى الْوَصِيَّةِ أَيْضًا.
وَقَدْ كَانَتْ دَوْمَةُ امْرَأَةُ أَبِي عُبَيْدٍ رَأَتْ مَنَامًا يَدُلُّ عَلَى مَا وَقَعَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَهَنُوا عِنْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ إِلَّا الظَّفَرُ بالفرس، وضعف أمرهم، وذهب ريحهم، وولوا مدبرين، وساقت الفرس خلفهم فقتلوا بَشَرًا كَثِيرًا وَانْكَشَفَ النَّاسُ فَكَانَ أَمْرًا بَلِيغًا وجاؤا إِلَى الْجِسْرِ فَمَرَّ بَعْضُ النَّاسِ.
ثُمَّ انْكَسَرَ الْجِسْرُ فَتَحَكَّمَ فِيمَنْ وَرَاءَهُ الْفُرْسُ فَقَتَلُوا مِنَ المسلمين وغرق في الفرات نحواً مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ.
فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَسَارَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فَوَقَفَ عِنْدَ الجسر الذي جاؤا مِنْهُ، وَكَانَ النَّاسُ لَمَّا انْهَزَمُوا جَعَلَ بَعْضُهُمْ يُلْقِي بِنَفْسِهِ فِي الْفُرَاتِ فَيَغْرَقُ، فَنَادَى الْمُثَنَّى.
أَيُّهَا النَّاسُ عليَّ هِينَتِكُمْ فَإِنِّي وَاقِفٌ عَلَى فَمِ الْجِسْرِ لَا أَجُوزُهُ حَتَّى لَا يَبْقَى منكم أحد ههنا، فَلَمَّا عَدَّى النَّاسُ إِلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى سَارَ الْمُثَنَّى فَنَزَلَ بِهِمْ أَوَّلَ مَنْزِلٍ، وَقَامَ يَحْرُسُهُمْ هُوَ وَشُجْعَانُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ جُرِحَ أَكْثَرُهُمْ وَأُثْخِنُوا.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ فِي الْبَرِّيَّةِ لَا يُدري أَيْنَ ذَهَبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ مَذْعُورًا، وَذَهَبَ بِالْخَبَرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَجَدَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا وَرَاءَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ؟ (2) فَقَالَ: أَتَاكَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَيْهِ الْمِنْبَرُ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ سِرًّا، وَيُقَالُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ
بِخَبَرِ النَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْحُصَيْنِ الحطمي (3) .
فالله أعلم.
__________
(1) ذكر في فتوح البلدان أنه بعد مقتل أبي عبيد، أخذ اللواء أخوه فقتل، فاخذه ابنه جبر فقتل ثم أخذه المثنى ساعة، 2 / 308 وفي فتوح ابن الاعثم 1 / 169: قال أبو عبيد إن قتلت فأميركم ابني وهب فإن قتل فابني مالك فأن قتل فابني جبر، فإن اصيب فسليط بن مالك فأن اصيب فأبو محجن فإن اصيب فالمثنى بن حارثة.
(2) في فتوح البلدان: عروة بن زيد.
وفي الطبري والكامل فكالاصل.
(3) كذا في رواية ابن اسحاق وكان الخطمي من الذين تفرقوا ولحقوا بالمدينة، أما عبد الله بن زيد فقد أرسله المثنى بن حارثة بعد الوقعة بالخبر إلى عمر بن الخطاب.
وفي ابن الاعشم: معاذ بن حصين الانصاري 1 / 170 (*)
(7/34)

قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثَ [عَشْرَةَ] (1) بَعْدَ الْيَرْمُوكِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَتَرَاجَعَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ فَرَّ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ يُؤَنِّبْ عُمَرُ النَّاسَ بَلْ قال إنا فيئكم وَأَشْغَلَ اللَّهُ الْمَجُوسَ بِأَمْرِ مَلِكِهِمْ.
وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدَائِنِ عَدَوْا عَلَى رُسْتُمَ فَخَلَعُوهُ ثُمَّ وَلَّوْهُ وَأَضَافُوا إِلَيْهِ الْفَيْرُزَانَ، وَاخْتَلَفُوا عَلَى فِرْقَتَيْنِ (2) ، فَرَكِبَ الْفُرْسُ إِلَى الْمَدَائِنِ وَلَحِقَهُمُ الْمُثَنَّى بْنُ حارثة في نفس مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَعَارَضَهُ أَمِيرَانِ (3) مِنْ أُمَرَائِهِمْ فِي جَيْشِهِمْ، فَأَسَرُهُمَا وَأَسَرَ مَعَهُمَا بَشَرًا كَثِيرًا فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ.
ثُمَّ أَرْسَلَ الْمُثَنَّى إِلَى مَنْ بِالْعِرَاقِ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَمِدُّهُمْ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ بِالْأَمْدَادِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِمَدَدٍ كَثِيرٍ فِيهِمْ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، فِي قَوْمِهِ بَجِيلَةَ بِكَمَالِهَا، وَغَيْرُهُ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ (4) حتى كثر جيشه.
وقعت الْبُوَيْبِ الَّتِي اقْتَصَّ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفُرْسِ فلمَّا سمع بذلك أمراء الفرس، وبكثرة جُيُوشِ الْمُثَنَّى، بَعَثُوا إِلَيْهِ جَيْشًا آخَرَ مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ مِهْرَانُ فَتَوَافَوْا هُمْ وَإِيَّاهُمْ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ " الْبُوَيْبُ " قَرِيبٌ مِنْ مَكَانِ الْكُوفَةِ الْيَوْمَ وَبَيْنَهُمَا الْفُرَاتُ.
فَقَالُوا: إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا، أَوْ نُعْبَرَ إِلَيْكُمْ.
فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلِ اعْبُرُوا إِلَيْنَا.
فَعَبَرَتِ الْفُرْسُ إِلَيْهِمْ فَتَوَاقَفُوا، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
فَعَزَمَ الْمُثَنَّى عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْفِطْرِ فَأَفْطَرُوا عَنْ آخِرِهِمْ لِيَكُونَ أَقْوَى لَهُمْ، وَعَبَّى الْجَيْشَ، وَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى كُلِّ رَايَةٍ مِنْ رَايَاتِ الْأُمَرَاءِ عَلَى الْقَبَائِلِ ويعظهم
ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت.
وَفِي الْقَوْمِ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فِي بَجِيلَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ المثنى لهم: إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا، فَإِذَا كَبَّرْتُ الرَّابِعَةَ فَاحْمِلُوا.
فَقَابَلُوا قَوْلَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْقَبُولِ.
فَلَمَّا كَبَّرَ أَوَّلَ تَكْبِيرَةٍ عَاجَلَتْهُمُ الْفُرْسُ فَحَمَلُوا حَتَّى غَالَقُوهُمْ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَرَأَى الْمُثَنَّى فِي بَعْضِ صُفُوفِهِ خَلَلًا، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا يَقُولُ: الْأَمِيرُ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ ويقول لكم: لا تفضحوا العرب (5) الْيَوْمَ فَاعْتَدَلُوا.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ - وَهُمْ بَنُو عِجْلٍ - أَعْجَبَهُ وَضَحِكَ.
وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ يَقُولُ: يا معشر المسلمين عاداتكم، انصروا الله
__________
(1) من الطبري، وفي فتوح البلدان: كانت وقعة الجسر يوم السبت في آخر شهر رمضان سنة ثلاث عشرة.
(2) في الطبري: فرقة الفهلوج على رستم وأهل فارس على الفيرزان.
(3) وهما: جابان ومردانشاه.
كما في الطبري والكامل.
(4) في ابن الاعثم صار جرير في سبعمائة رجل، وفي الطبري: بعث عمر جرير في بجيلة، وعصمة بن عبد الله من بني عبد بن الحارث الضبي فيمن تبعه من بني ضبة، وهلال بن علقمة التيمي مع الرباب، وابن المثنى الجشمي مع جشم سعد، وعبد الله بن ذي السهمين مع اناس من خثعم، وربعي في بعض بنيَّ حنظلة، وربعي بن عامر بن خالد العنود على بعض بني عمرو وقرط بن جماح على عبد القيس.
وابن مردى التغلبي في أناس من بني تغلب (الطبري 4 / 73) ، وأنس بن هلال النمري في بنى النمر.
(5) في الطبري: المسلمين.
(*)
(7/35)

يَنْصُرْكُمْ.
وَجَعَلَ الْمُثَنَّى وَالْمُسْلِمُونَ يَدْعُونَ اللَّهَ بِالظَّفَرِ وَالنَّصْرِ.
فَلَمَّا طَالَتْ مُدَّةُ الْحَرْبِ جَمَعَ الْمُثَنَّى جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ الْأَبْطَالِ يَحْمُونَ ظَهْرَهُ، وَحَمَلَ عَلَى مِهْرَانَ فَأَزَالَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى دَخَلَ الْمَيْمَنَةَ، وَحَمَلَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ نَصْرَانِيٌّ فَقَتَلَ مِهْرَانَ وَرَكِبَ فَرَسَهُ.
كَذَا ذَكَرَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بَلْ حَمَلَ عَلَيْهِ الْمُنْذِرُ بْنُ حَسَّانَ بْنِ ضِرَارٍ الضَّبِّيُّ فَطَعَنَهُ وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَاخْتَصَمَا فِي سَلْبِهِ فَأَخَذَ جَرِيرٌ السِّلَاحَ وَأَخَذَ الْمُنْذِرُ مِنْطَقَتَهُ (1) .
وَهَرَبَتِ الْمَجُوسُ وَرَكِبَ المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلاً.
وَسَبَقَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ إِلَى الْجِسْرِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ
لِيَمْنَعَ الْفُرْسَ مِنَ الْجَوَازِ عَلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ.
فَرَكِبُوا أَكْتَافَهُمْ بَقِيَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وتلك الليلة، ومن أبعد إِلَى اللَّيْلِ فَيُقَالُ إِنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَغَرِقَ قَرِيبٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَالًا جَزِيلًا وَطَعَامًا كَثِيرًا، وَبَعَثُوا بِالْبِشَارَةِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَدْ قُتِلَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْيَوْمِ بَشْرٌ كَثِيرٌ أَيْضًا وَذَلَّتْ لِهَذِهِ الْوَقْعَةِ رِقَابُ الْفُرْسِ وَتَمَكَّنَ الصَّحَابَةُ مِنَ الْغَارَاتِ فِي بِلَادِهِمْ فِيمَا بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ فَغَنِمُوا شَيْئًا عَظِيمًا لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ.
وَجَرَتْ أُمُورٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا بَعْدَ يَوْمِ الْبُوَيْبِ وَكَانَتْ هَذِهِ الواقعة بِالْعِرَاقِ نَظِيرَ الْيَرْمُوكِ بِالشَّامِ.
وَقَدْ قَالَ الْأَعْوَرُ الشَّنِّيُّ الْعَبْدِيُّ فِي ذَلِكَ: - هَاجَتْ لِأَعْوَرَ دَارُ الحي أحزاناً * واستبدلت بعد عبد القيس حساناً (2) وَقَدْ أَرَانَا بِهَا وَالشَّمْلُ مُجْتَمِعٌ * إِذْ بِالنُّخَيْلَةِ قَتْلَى جُنْدِ مِهْرَانَا إِذْ كَانَ (3) سَارَ الْمُثَنَّى بِالْخُيُولِ لَهُمْ * فَقَتَّلَ الزَّحْفَ مِنْ فُرْسٍ وَجِيلَانَا سَمَا لِمِهْرَانَ وَالْجَيْشِ الَّذِي مَعَهُ * حَتَّى أَبَادَهُمُ مثنى ووحداناً
فصل ثُمَّ بَعَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيَّ أَحَدَ الْعَشَرَةِ فِي سِتَّةِ آلَافٍ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ، وَكَتَبَ إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ أَنْ يَكُونَا تَبَعًا لَهُ وَأَنْ يَسْمَعَا لَهُ وَيُطِيعَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْعِرَاقِ كَانَا مَعَهُ، وَكَانَا قَدْ تَنَازَعَا الْإِمْرَةَ، فَالْمُثَنَّى يَقُولُ لجرير: إنما بعثك أمير المؤمنين مدداً إلي.
وَيَقُولُ جَرِيرٌ: إِنَّمَا بَعَثَنِي أَمِيرًا عَلَيْكَ.
فَلَمَّا قدم سعد على أمر الْعِرَاقِ انْقَطَعَ نِزَاعُهُمَا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ.
وَتُوُفِّيَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ (4) فِي هَذِهِ السَّنَةِ: كَذَا قال ابن إسحق.
__________
(1) كذا في رواية الطبري عن ابن إسحاق، والبلاذري في فتوح البلدان، وزاد: ويقال إن الحصن بن معبد بن زرارة بن عدس التميمي كان ممن قتله.
(2) في الطبري: خفانا.
(3) في الطبري: أزمان.
(4) وكان المثنى قد أصيب بجراحات في وقعة الجسر، فانتقضت عليه فمرض مرضاً شديداً ومات وبلغ ذلك سعد = (*)
(7/36)

بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا فَوَلَّى قَضَاءَ الْمَدِينَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاسْتَنَابَ عَلَى الشَّامِ أَبَا عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ الْفِهْرِيَّ، وَعَزَلَ عَنْهَا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيَّ، وَأَبْقَاهُ عَلَى شُورَى الْحَرْبِ وَفِيهَا فُتِحَتْ بُصْرَى صُلْحًا وَهِيَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ مَنِ الشَّامِ، وَفِيهَا فُتِحَتْ دِمَشْقُ فِي قَوْلِ سَيْفٍ وَغَيْرِهِ كَمَا قَدَّمْنَا وَاسْتُنِيبَ فِيهَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَهَا مِنْ أُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ فِحْلٍ مِنْ أَرْضِ الْغَوْرِ وَقُتِلَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ فَقُتِلَ فِيهَا أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ أَمِيرُهُمْ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ صَفِيَّةَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَكَانَتِ امْرَأَةً صَالِحَةً رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَوَالِدُ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ كَذَّابِ ثَقِيفٍ وَقَدْ كَانَ نَائِبًا عَلَى الْعِرَاقِ فِي بَعْضِ وَقَعَاتِ الْعِرَاقِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقَدْ كَانَ نَائِبًا على العراق استخلفه خالد ابن الْوَلِيدِ حِينَ سَارَ إِلَى الشَّامِ، وَقَدْ شَهِدَ مواقف مشهورة وله أيام مذكورة ولاسيما يَوْمَ الْبُوَيْبِ بَعْدَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ قُتِلَ فيه من الفرس وغرق بالفراة قريب من مائة ألف، الذي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَقِيلَ بَلْ حَجَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
وَفِيهَا استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق الشام فَأَقْبَلُوا مِنْ كُلِّ النَّوَاحِي فَرَمَى بِهِمُ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ أَجْنَادِينَ فِي قَوْلِ ابن اسحق يوم السبت لثلاث مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا.
وَكَذَا عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ فيما بين الرملة وبين جسرين على الرُّومِ الْقَيْقَلَانُ (1) وَأَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا فِي قَوْلٍ فَقُتِلَ الْقَيْقَلَانُ وَانْهَزَمَتِ الرُّومُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ هِشَامُ بن العاص والفضل ابن العباس، وأبان بن سعيد وأخواه وخالد وَعَمْرٌو، وَنُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّحَّامِ، والطفيل بن عمرو بن عبد الله بن عمرو الذوسيان، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَمُّهُ سَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَهَبَّارُ بْنُ سُفْيَانَ، وَصَخْرُ بْنُ نَصْرٍ، وَتَمِيمٌ وَسَعِيدٌ ابْنَا الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بن سعد قتل يومئذ طليب بن عمرو (2) وَأُمُّهُ أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِمَّنْ قُتِلَ يومئذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِيمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رِوَايَةٌ وَكَانَ مِمَّنْ صَبَرَ يَوْمَ حُنَيْنٍ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ مَرْجِ الصُّفَّرِ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ وَذَلِكَ لِثِنْتَيْ عِشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى وَأَمِيرُ النَّاسِ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ وَقِيلَ إِنَّمَا قُتِلَ أَخُوهُ عَمْرٌو وَقِيلَ ابنه.
فالله أعلم.
قال ابن إسحق: وَكَانَ أَمِيرُ الرُّومِ قَلْقَطَ فَقُتِلَ مِنَ الرُّومِ مقتلة عظيمة حتى جرت طاحون
__________
(1) في الطبري والكامل: القيقلار.
(2) كذا في الاصل والصواب: طليب بن عمير بن وهب بن عبد بن قصي ويكنى أبا عدي.
(*)
(7/37)

ذِكْرُ اجْتِمَاعِ الْفُرْسِ عَلَى يَزْدَجِرْدَ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ كان شرين قَدْ جَمَعَ آلَ كِسْرَى فِي الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ وَأَمَرَ بِقَتْلِ ذُكْرَانِهِمْ كُلِّهِمْ، وَكَانَتْ أُمُّ يَزْدَجِرْدَ فيهم معها ابنها وهو صغير، فواعدت أخواله فجاؤا وأخذوه منها وذهبوا به إِلَى بِلَادِهِمْ، فَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ يَوْمَ الْبُوَيْبِ وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَمَا ذَكَرْنَا، وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ وَانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَخْذِ بُلْدَانِهِمْ، وَمَحَالِّهِمْ وَأَقَالِيمِهِمْ.
ثُمَّ سَمِعُوا بِقُدُومِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مِنْ جِهَةِ عُمَرَ، اجْتَمَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَأَحْضَرُوا الْأَمِيرَيْنِ الْكَبِيرَيْنِ فِيهِمْ وَهُمَا رُسْتُمُ وَالْفَيْرُزَانُ فَتَذَامَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَتَوَاصَوْا وَقَالُوا لَهُمَا لَئِنْ لَمْ تَقُومَا بِالْحَرْبِ كَمَا يَنْبَغِي لَنَقْتُلَنَّكُمَا وَنَشْتَفِي بِكُمَا.
ثُمَّ رَأَوْا فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا خَلْفَ نِسَاءِ كِسْرَى مِنْ كُلِّ فجٍ وَمِنْ كُلِّ بُقْعَةٍ، فَمَنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ مِنْ آلِ كِسْرَى مَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ.
فَجَعَلُوا إِذَا أَتَوْا بِالْمَرْأَةِ عَاقَبُوهَا هَلْ لَهَا وَلَدٌ وَهِيَ تُنْكِرُ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَى وَلَدِهَا إِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ، فَلَمْ يَزَالُوا حَتَّى دُلُّوا على أم يزجرد، فَأَحْضَرُوهَا وَأَحْضَرُوا وَلَدَهَا فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ شَهْرِيَارَ بن كسرى وعزلوا بوران واستوثقت الْمَمَالِكُ لَهُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَفَرِحُوا بِهِ، وَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ بِالنَّصْرِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ فِيهِمْ وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ بِهِ، وَبَعَثُوا إِلَى الْأَقَالِيمِ وَالرَّسَاتِيقِ فَخَلَعُوا الطَّاعَةَ لِلصَّحَابَةِ وَنَقَضُوا عُهُودَهُمْ وَذِمَمَهُمْ، وَبَعَثَ
الصَّحَابَةُ إِلَى عُمَرَ بِالْخَبَرِ، فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أن بتبرزوا مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْهِمْ وَلْيَكُونُوا عَلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ حَوْلَهُمْ عَلَى الْمِيَاهِ، وَأَنْ تَكُونَ كُلُّ قَبِيلَةٍ تَنْظُرُ إِلَى الْأُخْرَى بِحَيْثُ إِذَا حَدَثَ حَدَثٌ عَلَى قَبِيلَةٍ لَا يَخْفَى أَمْرُهَا عَلَى جِيرَانِهِمْ.
وَتَفَاقَمَ الْحَالُ جِدًّا.
وَذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقَدْ حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقِيلَ بَلْ حَجَّ بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَلَمْ يَحُجَّ عُمَرُ هَذِهِ السَّنَةَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَا وَقَعَ سنة ثلاث عشرة (1) من الحوادث
كَانَتْ فِيهَا وَقَائِعُ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهَا بِبِلَادِ الْعِرَاقِ عَلَى يَدَيْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فُتِحَتْ فِيهَا الْحِيرَةُ وَالْأَنْبَارُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَمْصَارِ، وَفِيهَا سَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ فِي قَوْلِ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ وَاخْتِيَارِ ابْنِ جَرِيرٍ، وَقُتِلَ بِهَا مَنْ قُتِلَ مِنَ الْأَعْيَانِ مِمَّنْ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ وَتَرَاجِمُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصديق.
وَقَدْ أَفْرَدْنَا سِيرَتَهُ فِي مُجَلَّدٍ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يوم الثلاثاء لثمان
__________
= فأرسل إلى امرأته سلمى بنت حفصة التميمية فخطبها وتزوجها بعد انقضاء عدتها (الفتوح 1 / 174) .
وفي الكامل ان المثنى مات قبل وصول سعد 2 / 452.
(1) في المطبوعة: " عشر ".
(*)
(7/38)

هُنَاكَ مِنْ دِمَائِهِمْ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ وَقْعَةَ مَرْجِ الصُّفَّرِ فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ كَمَا سيأتي.
ذِكْرُ الْمُتَوَفَّيْنَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُرَتَّبِينَ عَلَى الحروف كما ذكرهم الحافظ الذهبي أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيُّ أَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ.
وَهُوَ الَّذِي أَجَارَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ لِأَدَاءِ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَسْلَمَ بَعْدَ مَرْجِعِ أَخَوَيْهِ مَنِ الْحَبَشَةِ.
خَالِدٌ، وَعَمْرٌو، فَدَعَوَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَجَابَهُمَا.
وَسَارُوا فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ فَتَحَ خَيْبَرَ.
وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ تِسْعٍ عَلَى الْبَحْرِينِ وَقُتِلَ بِأَجْنَادِينَ * أَنَسَةُ مَوْلَى رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ فِيمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا وَأَنَّهُ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانًا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَنَّ أَنَسَةَ مَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا مَسْرُوحٍ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ كَانَ يَأْذَنُ لِلنَّاسِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ * تَمِيمُ بن الحارث بن قيس السهمي وأخوه قيس صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ هَاجَرَا إِلَى الْحَبَشَةِ وَقُتِلَا بِأَجْنَادِينَ * الحارث بن أوس بن عتيك بن مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ.
قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ * خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ ابن الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ، مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَأَقَامَ بِهَا بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ عَلَى صَنْعَاءَ مِنْ جِهَةِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَرَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى بَعْضِ الْفُتُوحَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ قُتل يَوْمَ مَرْجِ الصُّفَّرِ فِي قَوْلٍ، وَقِيلَ بَلْ هَرَبَ فَلَمْ يُمَكِّنْهُ الصِّدِّيقُ مِنْ دُخُولِ الْمَدِينَةِ تَعْزِيرًا لَهُ، فَأَقَامَ شَهْرًا فِي بَعْضِ ظَوَاهِرِهَا حَتَّى أَذِنَ لَهُ.
وَيُقَالُ إِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ أَسْلَمَ وَقَالَ رَأَيْتُ لَهُ حِينَ قَتَلْتُهُ نُورًا سَاطِعًا إِلَى السَّمَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أبي خزيمة (1) .
ويقال حَارِثَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ سَيِّدُهُمُ، أَبُو ثَابِتٍ وَيُقَالُ أَبُو قَيْسٍ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ كَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا فِي قَوْلِ عُرْوَةَ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (2) وَالْبُخَارِيِّ وَابْنِ مَاكُولَا.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَانَتْ مَعَ عَلِيٍّ وَرَايَةَ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
قُلْتُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمْ يَشْهَدْهَا لِأَنَّهُ نَهْسَتُهُ حَيَّةٌ فَشَغَلَتْهُ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ تَجَهَّزَ لَهَا، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا.
وَكَذَا قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ.
وَكَانَتْ لَهُ جَفْنَةٌ تَدُورُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ دَارَ مِنْ بُيُوتِ نِسَائِهِ
__________
(1) في الاستيعاب: بن أبي حليمة.
(2) قال في الاستيعاب: لم يذكره ابن عقبة في البدريين ولا ابن إسحاق.
وقال في الاصابة: اختلف في شهوده بدرا.
(*)
(7/39)

بِلَحْمٍ وَثَرِيدٍ، أَوْ لَبَنٍ وَخُبْزٍ، أَوْ خُبْزٍ بسمن أَوْ بِخَلٍّ وَزَيْتٍ، وَكَانَ يُنَادِي عِنْدَ أُطُمِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ لِمَنْ أَرَادَ الْقِرَى.
وَكَانَ يُحْسِنُ الكتابة بالعربي، والرمي والسباحة، وكان يمسى مَنْ أَحْسَنَ ذَلِكَ كَامِلًا.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الصِّدِّيقِ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِقَرْيَةٍ مِنْ حَوْرَانَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ.
قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْمَدَائِنِيُّ وَخَلِيفَةُ.
قَالَ: وَقِيلَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عُمَرَ.
وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
وقال الفلاس وابن بكر سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ.
قُلْتُ: أَمَّا بَيْعَةُ الصِّدِّيقِ فَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ سلَّم لِلصَّدِيقِ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْخُلَفَاءَ مِنْ قُرَيْشٍ.
وَأَمَّا مَوْتُهُ بِأَرْضِ الشَّامِ فَمُحَقَّقٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ بِحَوْرَانَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ مِنَ الشَّامِ بُصْرَى، وَبِهَا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ.
وَعِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا أَنَّهُ دُفِنَ بِقَرْيَةٍ مِنْ غُوطَةِ دِمَشْقَ، يُقَالُ لَهَا " الْمَنِيحَةُ " وَبِهَا قَبْرٌ مَشْهُورٌ بِهِ.
وَلَمْ أَرَ الْحَافِظَ ابْنَ عَسَاكِرَ تَعَرَّضَ لِذَكَرِ هَذَا الْقَبْرِ فِي تَرْجَمَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدُ الْبَرِّ: وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ وُجِدَ مَيِّتًا فِي مُغْتَسَلِهِ، وَقَدِ اخْضَرَّ جَسَدُهُ وَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَوْتِهِ حَتَّى سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: قَتَلْنَا سَيِّدَ الخزرج سعد بن عبادة * رميناه بسهم فلم يخطئ فُؤَادَهْ (1) قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ عَطَاءً (يَقُولُ) سَمِعْتُ أَنَّ الْجِنَّ قَالُوا فِي سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ.
لَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثُ، وَكَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ غَيْرَةً، مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً إِلَّا بِكْرًا، وَلَا طَلَّقَ امْرَأَةً فَتَجَاسَرَ أَحَدٌ أَنْ يَخْطِبَهَا بَعْدَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ قَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إِلَى ابْنِهِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ فَأَمَرَاهُ أَنْ يُدْخِلَ هَذَا مَعَهُمْ، فَقَالَ إِنِّي لَا أُغَيِّرُ مَا صَنَعَ سَعْدٌ وَلَكِنَّ نَصِيبِي لِهَذَا الْوَلَدِ * سَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، أَخُو أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، أَسْلَمَ سَلَمَةُ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ فلمَّا رَجَعَ مِنْهَا حَبَسَهُ أَخُوهُ وَأَجَاعَهُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو لَهُ فِي الْقُنُوتِ وَلِجَمَاعَةٍ مَعَهُ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ.
ثُمَّ انْسَلَّ فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ مَعَهُ بِهَا، وَقَدْ شَهِدَ أَجْنَادِينَ وَقُتِلَ بِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ الْأَسَدِيُّ، كَانَ مِنَ الْفُرْسَانِ
الْمَشْهُورِينَ، وَالْأَبْطَالِ الْمَذْكُورِينَ، لَهُ مَوَاقِفٌ مَشْهُودَةٌ، وَأَحْوَالٌ مَحْمُودَةٌ.
ذَكَرَ عُرْوَةُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّهُ قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ.
لَهُ حَدِيثٌ فِي اسْتِحْبَابِ إِبْقَاءِ شئ مِنَ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ عِنْدَ الْحَلْبِ * طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ هند بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيِّ الْعَبْدِيِّ، أُمُّهُ أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، وَشَهِدَ بَدْرًا.
قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ والزبير
__________
(1) في الاستيعاب: نحن قتلنا سيد الخز * رج سعد بن عبادة رميناه بسهمين * فلم نخطئ فؤاده (*)
(7/40)

ابن بَكَّارٍ.
وَيُقَالُ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ مُشْرِكًا، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَهُ طُلَيْبٌ بَلَحْيِ جَمَلٍ فَشَجَّهُ.
اسْتُشْهِدَ طُلَيْبٌ بِأَجْنَادِينَ وَقَدْ شَاخَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عبد المطلب ابن هَاشِمٍ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ، ابْنُ عَمِّ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْأَبْطَالِ الْمَذْكُورِينَ والشجعان المشهورين، قتل يوم أجنادين بعد ما قَتَلَ عَشَرَةً مِنَ الرُّومِ مُبَارَزَةً كُلُّهُمْ بِطَارِقَةٌ أَبْطَالٌ.
وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ يَوْمَئِذٍ بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً * عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ.
وَلَيْسَ هَذَا الرَّجُلُ مَعْرُوفًا * عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ الْحَجَبِيُّ.
قِيلَ إِنَّهُ قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى مَا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ * عتاب ابن أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرُ مَكَّةَ نِيَابَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا عَامَ الْفَتْحِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ عِشْرُونَ سَنَةً، فَحَجَّ بِالنَّاسِ عَامَئِذٍ، وَاسْتَنَابَهُ عَلَيْهَا أَبُو بكر بعده عليه السلام.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ، قِيلَ يَوْمَ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ * عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ عَمْرُو بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ أَبُو عُثْمَانَ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ، كَانَ مِنْ سَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ كأبيه، ثم أسلم عام الفتح بعد ما فَرَّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ.
وَاسْتَعْمَلَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى عُمان حِينَ ارْتَدُّوا فَظَفِرَ بِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ قَدِمَ الشَّامَ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى بَعْضِ الْكَرَادِيسِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ ذَنْبٌ بَعْدَمَا أَسْلَمَ.
وَكَانَ يُقَبِّلُ الْمُصْحَفَ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: كَلَامُ رَبِّي كَلَامُ رَبِّي.
احْتَجَّ بِهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ.
وَقَالَ
الشَّافِعِيُّ: كَانَ عِكْرِمَةُ مَحْمُودَ الْبَلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ.
قَالَ عُرْوَةُ: قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: باليرموك بعد ما وُجِدَ بِهِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قِيلَ إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى سَنَةِ ثماني عشرة * نعيم بن عبد الله بن النَّحَّامُ أَحَدُ بَنِي عَدِيٍّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ عُمَرَ وَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ هِجْرَةٌ إِلَى مَا بَعْدِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ بِرٌّ بِأَقَارِبِهِ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: أَقِمْ عِنْدَنَا عَلَى أي دين شئت، فو الله لَا يَتَعَرَّضُكَ أَحَدٌ إِلَّا ذَهَبَتْ أَنْفُسُنَا دُونَكَ.
اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أَجْنَادِينَ وَقِيلَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ (1) بْنِ أَسَدٍ أَبُو الْأَسْوَدِ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ، هَذَا الرَّجُلُ كَانَ قَدْ طَعَنَ رَاحِلَةَ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى أَسْقَطَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَقُتِلَ بِأَجْنَادِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ * هَبَّارُ بْنُ سفيان ابن عبد الأسود (2) المخزومي ابن أخي أم سَلَمَةَ.
أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ أَجْنَادِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (3) * هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ أَخُو عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ " وَقَدْ أَسْلَمَ هِشَامٌ قَبْلَ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، فلمَّا رَجَعَ مِنْهَا احْتَبَسَ بِمَكَّةَ.
ثُمَّ هَاجَرَ بَعْدَ الخندق، وقد أرسله
__________
(1) في الاصابة: هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ.
(2) في الاصابة والاستيعاب: عبد الاسد.
(3) قاله ابن سعد والزبير بن بكار وسيف بن عمر، وقال ابن عبد البر: والاشبه عندي أنه قتل بأجنادين لان ابن عقبة لم يذكره فيمن قتل يوم مؤتة شهيداً (الاستيعاب 3 / 609 على هامش الاصابة) .
(*)
(7/41)

الصِّدِّيقُ إِلَى مَلِكِ الرُّوم.
وَكَانَ مِنَ الْفُرْسَانِ.
وَقُتِلَ بِأَجْنَادِينَ، وَقِيلَ بِالْيَرْمُوكِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَقَدَّمَ وَلَهُ تَرْجَمَةٌ مُفْرَدَةٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْخَلِيفَةُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحُثُّ النَّاسَ وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَذَلِكَ لِمَا بَلَغَهُ مِنْ قَتْلِ أَبِي عُبَيْدٍ يَوْمَ الْجِسْرِ، وَانْتِظَامِ شمل الفرس، واجتماع أمرهم على
يزجرد الَّذِي أَقَامُوهُ مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَنَقْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْعِرَاقِ عُهُودَهُمْ، وَنَبْذِهِمُ الْمَوَاثِيقَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ، وَآذَوُا الْمُسْلِمِينَ وَأَخْرَجُوا الْعُمَّالَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ.
وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى مَنْ هُنَالِكَ مِنَ الْجَيْشِ أَنْ يَتَبَرَّزُوا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَرَكِبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةَ فِي الْجُيُوشِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَنَزَلَ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ صِرَارٌ، فَعَسْكَرَ بِهِ عَازِمًا عَلَى غَزْوِ الْعِرَاقِ بِنَفْسِهِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وِسَادَاتِ الصَّحَابَةِ.
ثُمَّ عَقَدَ مَجْلِسًا لِاسْتِشَارَةِ الصَّحَابَةِ فِيمَا عَزَمَ عَلَيْهِ، وَنُودِيَ إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ، وَقَدْ أَرْسَلَ إلَّي عَلِيٍّ فَقَدِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ، ثم استشارهم فكلهم وافقوه عَلَى الذَّهَابِ إِلَى الْعِرَاقِ، إِلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ (1) فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَخْشَى أن كسرت أن تضعف المسلمون فِي سَائِرِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تبعث رجلاً وترجع أنت إلى المدينة فارثا (2) عُمَرُ وَالنَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ وَاسْتَصْوَبُوا رَأْيَ ابْنِ عَوْفٍ.
فَقَالَ عُمَرُ: فَمَنْ تَرَى أَنْ نَبْعَثَ إِلَى الْعِرَاقِ (3) ؟ فَقَالَ: قَدْ وَجَدْتُهُ.
قَالَ وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ الْأَسَدُ فِي بَرَاثِنِهِ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الزُّهْرِيُّ.
فَاسْتَجَادَ قَوْلَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ فَأَمَّرَهُ عَلَى الْعِرَاقِ وَأَوْصَاهُ فَقَالَ: يَا سَعْدَ بن وُهَيْبٍ (4) لَا يَغُرَّنَّكَ مِنَ اللَّهِ إِنْ قِيلَ خَالُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبُهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ نَسَبٌ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، فَالنَّاسُ شَرِيفُهُمْ وَوَضِيعُهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ سَوَاءٌ، اللَّهُ رَبُّهُمْ وَهُمْ عِبَادُهُ، يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ وَيُدْرِكُونَ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالطَّاعَةِ، فَانْظُرِ الْأَمْرَ الَّذِي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ بعث إلى أن فارقنا عليه فَالْزَمْهُ، فَإِنَّهُ الْأَمْرُ.
هَذِهِ عِظَتِي إِيَّاكَ، إِنْ تَرَكْتَهَا وَرَغِبْتَ عَنْهَا حَبِطَ عَمَلُكَ وَكُنْتَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
وَلَمَّا أَرَادَ فِرَاقَهُ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ سَتُقْدِمُ عَلَى أَمْرٍ شَدِيدٍ، فَالصَّبْرَ الصَّبْرَ عَلَى مَا أَصَابَكَ وَنَابَكَ، تُجْمَعْ لَكَ خَشْيَةُ اللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ خَشْيَةَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ فِي أَمْرَيْنِ، فِي طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَإِنَّمَا طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ بِبُغْضِ الدُّنْيَا وَحُبِّ الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا عِصْيَانُ مَنْ عَصَاهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا وَبُغْضِ الْآخِرَةِ.
وَلِلْقُلُوبِ حقائق ينشئها الله إنشاء، منها السر
__________
(1) في فتوح ابن الاعثم: إلا علي بن أبي طالب، (1 / 172) .
فقد أشار عليه بالبقاء في المدينة وارسال سعد.
(2) كذا بالاصل، وفي نسخة: فارفا، ولعلها فأرفأ بمعنى جنح كما يفهم من النهاية والقاموس.
(3) فقال عمر: فأشيروا علي برجل.
كما في الطبري.
(4) في الفتوح: بني وهب وفي الطبري: بني وهيب.
(*)
(7/42)

وَمِنْهَا الْعَلَانِيَةُ، فَأَمَّا الْعَلَانِيَةُ فَأَنْ يَكُونَ حَامِدُهُ وَذَامُّهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً، وَأَمَّا السِّرُّ فَيُعْرَفُ بِظُهُورِ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ، وَبِمَحِبَّةِ الناس، ومن محبة النَّاسِ فَلَا تَزْهَدْ فِي التَّحَبُّبِ فَإِنَّ النَّبِيِّينَ قَدْ سَأَلُوا مَحَبَّتَهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا حَبَّبَهُ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا بَغَّضَهُ، فَاعْتَبِرْ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْزِلَتِكَ عِنْدَ النَّاسِ.
قَالُوا: فَسَارَ سَعْدٌ نَحْوَ الْعِرَاقِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَلْفٍ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، وَقِيلَ فِي سِتَّةِ آلَافٍ (1) .
وَشَيَّعَهُمْ عُمَرُ مِنْ صِرَارٍ إِلَى الْأَعْوَصِ (2) وَقَامَ عُمَرُ فِي النَّاسِ خَطِيبًا هُنَالِكَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا ضَرَبَ لَكُمُ الْأَمْثَالَ، وَصَرَفَ لَكُمُ الْقَوْلَ لتحيي الْقُلُوبَ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ مَيِّتَةٌ فِي صُدُورِهَا حَتَّى يحييها الله، من علم شيئاً فلينفع بِهِ، فَإِنَّ لِلْعَدْلِ أَمَارَاتٌ وَتَبَاشِيرُ، فَأَمَّا الْأَمَارَاتُ فَالْحَيَاءُ وَالسَّخَاءُ وَالْهَيْنُ وَاللَّيْنُ.
وَأَمَّا التَّبَاشِيرُ فَالرَّحْمَةُ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ أَمَرٍ بَابًا، وَيَسَّرَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحًا، فَبَابُ الْعَدْلِ الِاعْتِبَارُ، وَمِفْتَاحُهُ الزهد، والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الأموال (3) .
وَالزُّهْدُ أَخْذُ الْحَقِّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ قِبَلَهُ حَقٌّ وَالِاكْتِفَاءُ بِمَا يَكْفِيهِ مِنَ الْكَفَافِ، فَإِنَّ لم يكفه الكفاف لم يغنه شئ.
إِنِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَلْزَمَنِي دَفْعَ الدُّعَاءِ عَنْهُ فَأَنْهُوا شَكَاتَكُمْ إِلَيْنَا، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِلَى مَنْ يُبَلِّغُنَاهَا نَأْخُذْ لَهُ الْحَقَّ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ.
ثُمَّ سَارَ سَعْدٌ إِلَى الْعِرَاقِ، وَرَجَعَ عُمَرُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ إِلَى نَهْرِ زَرُودَ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَجْتَمِعَ بِالْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ إِلَّا الْيَسِيرُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُشْتَاقٌ إِلَى صاحبه، انتقض جرح المثنى بين حَارِثَةَ الَّذِي كَانَ جُرِحَهُ يَوْمَ الْجِسْرِ فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْجَيْشِ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَةِ.
وَلَمَّا بَلَغَ سَعْدًا مَوْتُهُ تَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَتَزَوَّجَ زَوْجَتَهُ سَلْمَى.
وَلَمَّا وَصَلَ سَعْدٌ إِلَى مَحَلَّةِ الْجُيُوشِ انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَتُهَا وَإِمْرَتُهَا، وَلَمْ يَبْقَ بِالْعِرَاقِ أَمِيرٌ مِنْ سَادَاتِ الْعَرَبِ إِلَّا تَحْتَ أَمْرِهِ، وَأَمَدَّهُ عُمَرُ بِأَمْدَادٍ أُخَرَ حَتَّى اجْتَمَعَ مَعَهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَقِيلَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ.
وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ مُلُوكَ الْعَجَمِ بِمُلُوكِ الْعَرَبِ.
وَكَتَبَ إِلَى سَعْدٍ أَنْ يَجْعَلَ الْأُمَرَاءَ عَلَى الْقَبَائِلِ، وَالْعُرَفَاءَ عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ عَرِيفًا عَلَى الْجُيُوشِ، وَأَنْ يُوَاعِدَهُمْ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ سَعْدٌ، عَرَّفَ الْعَرْفَاءَ، وَأَمَّرَ عَلَى الْقَبَائِلِ، وَوَلَّى عَلَى الطَّلَائِعِ، وَالْمُقَدِّمَاتِ، وَالْمُجَنِّبَاتِ وَالسَّاقَاتِ، وَالرَّجَّالَةِ، وَالرُّكْبَانِ، كَمَا أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ (4) .
قَالَ سَيْفٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَشَايِخِهِ قَالُوا: وَجَعَلَ عُمَرُ عَلَى قَضَاءِ النَّاسِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ ذَا النون (5) ، وجعل إليه الاقباض وقسمة الفئ، وجعل داعية الناس وقاصهم سلمان
__________
(1) في فتوح ابن الاغثم: في سبعة آلاف.
(2) الاعوص: موضع على أميال من المدينة، وقيل: واد في ديار باهلة لبني حصن.
(3) في الطبري: الاعمال.
(4) راجع في تفاصيل تدابير سعد العسكرية الطبري 4 / 88.
(5) في الطبري: ذا النور.
(*)
(7/43)

الْفَارِسِيَّ.
وَجَعَلَ الْكَاتِبَ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ.
قَالُوا: وَكَانَ فِي هَذَا الْجَيْشِ كُلِّهُ مِنَ الصحابة ثلثمائة وَبِضْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا، مِنْهُمْ بِضْعَةٌ وَسَبْعُونَ بَدْرِيًّا، وَكَانَ فِيهِ سَبْعُمِائَةٍ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ رِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ.
وَبَعَثَ عُمَرُ كِتَابَهُ إِلَى سَعْدٍ يَأْمُرُهُ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ، وَالْقَادِسِيَّةُ بَابُ فَارِسَ في الجاهلية، وأن يكون بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْمَدَرِ، وَأَنْ يَأْخُذَ الطُّرُقَ وَالْمَسَالِكَ عَلَى فَارِسَ، وَأَنْ يَبْدُرُوهُمْ بِالضَّرْبِ وَالشِّدَّةِ، وَلَا يَهُولَنَّكَ كَثْرَةُ عَدَدِهم وعُدَدِهم، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَدَعَةٌ مكرة، وإن أنتم صبرتم وأحسنتم وَنَوَيْتُمُ الْأَمَانَةَ رَجَوْتُ أَنْ تُنْصَرُوا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُمْ شَمْلُهُمْ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعُوا، وَلَيْسَتْ مَعَهُمْ قُلُوبُهُمْ.
وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى فَارْجِعُوا إِلَى مَا وَرَاءَكُمْ حَتَّى تَصِلُوا إِلَى الْحَجَرِ فَإِنَّكُمْ عَلَيْهِ أَجْرَأُ، وَإِنَّهُمْ عَنْهُ أَجْبَنُ وَبِهِ أَجْهَلُ، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِالْفَتْحِ عَلَيْهِمْ وَيَرُدَّ لَكُمُ الْكَرَةَ.
وَأَمَرَهُ بِمُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وَمَوْعِظَةِ جَيْشِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالنِّيَّةِ الْحَسَنَةِ وَالصَّبْرِ فَإِنَّ النَّصْرَ (1) يَأْتِي منَّ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ، وَالْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ الْحِسْبَةِ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، وَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَاكْتُبْ إِلَيَّ بِجَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ وَتَفَاصِيلِهَا، وَكَيْفَ تَنْزِلُونَ وَأَيْنَ يَكُونُ مِنْكُمْ عَدُوُّكُمْ، وَاجْعَلْنِي بِكُتُبِكَ إِلَيَّ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَمَرِكُمْ عَلَى الجلية، وخف الله وأرجه ولا تدل بشئ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَوَكَّلَ لِهَذَا الْأَمْرِ بِمَا لَا خُلْفَ لَهُ، فَاحْذَرْ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْكَ وَيَسْتَبْدِلَ بِكُمْ غَيْرَكُمْ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ يَصِفُ لَهُ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الْمَنَازِلِ وَالْأَرَاضِي بِحَيْثُ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ بِأَنَّ الْفُرْسَ قَدْ جَرَّدُوا لِحَرْبِهِ رُسْتُمَ وَأَمْثَالَهُ، فَهُمْ يَطْلُبُونَنَا وَنَحْنُ نَطْلُبُهُمْ، وَأَمْرُ اللَّهِ بَعْدُ مَاضٍ، وَقَضَاؤُهُ مسلم، إِلَى مَا قَدَّرَ لَنَا وَعَلَيْنَا، فَنَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرَ الْقَضَاءِ وَخَيْرَ الْقَدْرِ فِي عَافِيَةٍ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: قَدْ جَاءَنِي كِتَابُكَ وَفَهِمْتُهُ، فَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ وَمَنَحَكَ اللَّهُ أَدْبَارَهُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ أُلْقِيَ فِي رَوْعِي أَنَّكُمْ سَتَهْزِمُونَهُمْ فَلَا تَشُكَّنَّ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا هَزَمْتَهُمْ فَلَا تَنْزِعْ عَنْهُمْ حَتَّى تَقْتَحِمَ عَلَيْهِمُ الْمَدَائِنَ فَإِنَّهُ خَرَابُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَجَعَلَ عُمَرُ يَدْعُو لِسَعْدٍ خَاصَّةً وَلَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.
وَلَمَّا بَلَغَ سَعْدٌ العُذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاد بن أراذويه، فَغَنِمُوا مِمَّا مَعَهُ شَيْئًا كَثِيرًا وَوَقَعَ مِنْهُمْ مَوْقِعًا كَبِيرًا، فَخَمَّسَهَا سَعْدٌ وَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا فِي النَّاسِ وَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِذَلِكَ وَفَرِحُوا، وَتَفَاءَلُوا، وَأَفْرَدَ سَعْدٌ سَرِيَّةً تَكُونُ حِيَاطَةً لِمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْحَرِيمِ، عَلَى هَذِهِ السَّرِيَّةِ غَالِبُ بْنُ عبد الله الليثي.
غَزْوَةِ الْقَادِسِيَّةِ ثُمَّ سَارَ سَعْدٌ فَنَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ، وَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنَ الْفُرْسِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِذَلِكَ، وَالسَّرَايَا تَأْتِي بِالْمِيرَةِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ.
فَعَجَّتْ رعايا الفرس من أطراف بلادهم إلى
__________
(1) في الطبري: المعونة.
(*)
(7/44)

يزدجرد من الذين يلقون من المسلمين من النهب والسبي.
وَقَالُوا: إِنْ لَمْ تُنْجِدُونَا وَإِلَّا أَعْطَيْنَا مَا بِأَيْدِينَا وَسَلَّمْنَا إِلَيْهِمُ الْحُصُونَ.
وَاجْتَمَعَ رَأْيُ الْفُرْسِ عَلَى إِرْسَالِ رُسْتُمَ إِلَيْهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَزْدَجِرْدُ فَأَمَّرَهُ عَلَى الْجَيْشِ فَاسْتَعْفَى رُسْتُمُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَأْيٍ فِي الْحَرْبِ، إِنَّ إِرْسَالَ
الْجُيُوشِ بَعْدَ الْجُيُوشِ أَشَدُّ عَلَى الْعَرَبِ مِنْ أَنْ يَكْسِرُوا جَيْشًا كَثِيفًا مَرَّةً وَاحِدَةً.
فَأَبَى الْمَلِكُ إِلَّا ذَلِكَ، فَتَجَهَّزَ رُسْتُمُ لِلْخُرُوجِ.
ثُمَّ بَعَثَ سَعْدٌ كَاشِفًا إِلَى الْحِيرَةِ وَإِلَى صَلُوبَا فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْمَلِكَ قَدْ أَمَّرَ عَلَى الْحَرْبِ رُسْتُمَ بْنَ الْفَرُّخْزَاذِ الْأَرْمَنِيَّ، وَأَمَدَهُ بِالْعَسَاكِرِ.
فَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ بِذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: لَا يَكْرَبَنَّكَ مَا يَأْتِيكَ عَنْهُمْ، وَلَا مَا يَأْتُونَكَ بِهِ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَابْعَثْ إِلَيْهِ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالرَّأْيِ وَالْجَلَدِ يَدْعُونَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ دُعَاءَهُمْ تَوْهِينًا لَهُمْ وَفَلْجًا عَلَيْهِمْ، وَاكْتُبْ إِلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ.
وَلَمَّا اقْتَرَبَ رُسْتُمُ بِجُيُوشِهِ وَعَسْكَرَ بِسَابَاطَ كَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ رُسْتُمَ قَدْ عَسْكَرَ بِسَابَاطَ وَجَرَّ الْخُيُولَ والفيول وزحف علينا بها، وليس شئ أَهَمَّ عِنْدِي، وَلَا أَكْثَرَ ذِكْرًا مِنِّي لِمَا أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِعَانَةِ وَالتَّوَكُّلِ.
وَعَبَّأَ رُسْتُمُ فَجَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ وَهِيَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا الْجَالِنُوسَ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ الْهُرْمُزَانَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ مِهْرَانَ بْنَ بَهْرَامَ وَذَلِكَ سِتُّونَ أَلْفًا، وَعَلَى السَّاقَةِ الْبَنْدَرَانَ (1) فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، فَالْجَيْشُ كُلُّهُ ثَمَانُونَ أَلْفًا فِيمَا ذَكَرَهُ سَيْفٌ وَغَيْرُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ رُسْتُمُ فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، يَتْبَعُهَا ثَمَانُونَ أَلْفًا، وَكَانَ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ فِيلًا مِنْهَا فِيلٌ أَبْيَضُ كَانَ لِسَابُورَ، فَهُوَ أَعْظَمُهَا وَأَقْدَمُهَا، وَكَانَتِ الْفِيَلَةُ تَأْلَفُهُ.
ثُمَّ بَعَثَ سَعْدٌ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّادَاتِ مِنْهُمْ النُّعْمَانُ بن مقرن، وفرات بن حبان (2) ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعَ التَّمِيمِيُّ، وَعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَعَمْرُو بن معدي كرب (3) ، يَدْعُونَ رُسْتُمَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَقَالَ لَهُمْ رُسْتُمُ: مَا أَقْدَمَكُمْ؟ فَقَالُوا: جِئْنَا لِمَوْعُودِ اللَّهِ إِيَّانَا، أَخْذِ بِلَادِكُمْ وَسَبْيِ نِسَائِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِكُمْ، فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ رَأَى رُسْتُمُ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَخَتَمَ عَلَى سِلَاحِ الْفُرْسِ كُلِّهِ وَدَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُمَرَ.
وَذَكَرَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رُسْتُمَ طَاوَلَ سَعْدًا فِي اللِّقَاءِ حَتَّى كَانَ بَيْنَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدَائِنِ وَمُلْتَقَاهُ سَعْدًا بِالْقَادِسِيَّةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ كُلُّ ذَلِكَ لَعَلَّهُ يَضْجَرُ سَعْدًا وَمَنْ مَعَهُ لِيَرْجِعُوا، وَلَوْلَا أَنَّ الْمَلِكَ اسْتَعْجَلَهُ مَا الْتَقَاهُ، لِمَا يَعْلَمُ مِنْ غَلَبَةِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ وَنَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، لِمَا رَأَى في منامه، ولما
__________
(1) في الطبري: البيرزان.
(2) في الطبري والفتوح لابن الاعثم حيان العجلي.
(3) زاد الطبري: بسر بن أبي رهم وجملة بن جوية الكناني وعدي بن سهيل والمغيرة بن زرارة بن النباش بن حبيب والحارث بن حسان وعاصم بن عمرو والمعنى بن حارثة.
أما ابن الاعثم فذكر: عمرو بن معد يكرب الزبيدي وطليحة بن خويلد الاسدي وجرير بن عبد الله البجلي والمغيرة بن شعبة الثقفي وعاصم بن عمرو التميمي وشرحبيل بن السمط الكندي والمنذر بن حسان الضبي وفرات بن حيان العجلي وابراهيم بن حارثة الشيباني.
1 / 196 وانظر الكامل 2 / 456 (*)
(7/45)

يَتَوَسَّمُهُ، وَلِمَا سَمِعَ مِنْهُمْ، وَلِمَا عِنْدَهُ مِنْ عَلَمِ النُّجُومِ الَّذِي يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ فِي نَفْسِهِ لِمَا لَهُ مِنَ الْمُمَارَسَةِ لِهَذَا الْفَنِّ.
وَلَمَّا دَنَا جَيْشُ رُسْتُمَ مِنْ سَعْدٍ أَحَبَّ سَعْدٌ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى أَخْبَارِهِمْ عَلَى الْجَلِيَّةِ، فَبَعَثَ رجلاً سَرِيَّةً لِتَأْتِيَهُ بِرَجُلٍ مِنَ الْفُرْسِ وَكَانَ فِي السَرِيَّةِ طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ الَّذِي كَانَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ ثُمَّ تَابَ.
وَتَقَدَّمَ الْحَارِثُ مَعَ أَصْحَابِهِ حَتَّى رَجَعُوا.
فَلَمَّا بَعَثَ سَعْدٌ السَّرِيَّةَ اخْتَرَقَ طُلَيْحَةُ الْجُيُوشَ وَالصُّفُوفَ، وَتَخَطَّى الْأُلُوفَ، وَقَتَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَبْطَالِ حَتَّى أَسَرَ أَحَدَهُمْ وَجَاءَ بِهِ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، فَسَأَلَهُ سَعْدٌ عَنِ الْقَوْمِ فَجَعَلَ يَصِفُ شَجَاعَةَ طُلَيْحَةَ، فَقَالَ دَعْنَا مِنْ هَذَا وَأَخْبِرْنَا عَنْ رُسْتُمَ، فَقَالَ: هُوَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَيَتْبَعُهَا مِثْلُهَا.
وَأَسْلَمَ الرَّجُلُ مِنْ فَوْرِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ سَيْفٌ عَنْ شُيُوخِهِ: وَلَمَّا تَوَاجَهَ الْجَيْشَانِ بَعَثَ رُسْتُمُ إِلَى سَعْدٍ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ عَالِمٍ بِمَا أَسْأَلُهُ عَنْهُ.
فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ جَعَلَ رُسْتُمُ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكُمْ جِيرَانُنَا وَكُنَّا نُحْسِنُ إِلَيْكُمْ وَنَكُفُّ الْأَذَى عَنْكُمْ، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم مِنَ الدُّخُولِ إِلَى بِلَادِنَا.
فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: إِنَّا لَيْسَ طَلَبُنَا الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا هَمُّنَا وَطَلَبُنَا الْآخِرَةُ، وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا قَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ سَلَّطْتُ هَذِهِ الطَّائِفَةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَدِنْ بِدِينِي فَأَنَا مُنْتَقِمٌ بِهِمْ مِنْهُمْ، وَأَجْعَلُ لَهُمُ الْغَلَبَةَ مَا دَامُوا مُقِرِّينَ بِهِ، وَهُوَ دِينُ الْحَقِّ، لَا يَرْغَبُ عَنْهُ أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ، وَلَا يَعْتَصِمُ بِهِ إِلَّا عَزَّ.
فَقَالَ لَهُ رُسْتُمُ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ أما عموده الذي لا يصلح شئ مِنْهُ إِلَّا بِهِ فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَقَالَ مَا أحسن هذا؟ ! وأي شئ أَيْضًا؟ قَالَ وَإِخْرَاجُ الْعِبَادِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ.
قَالَ: وَحَسَنٌ أَيْضًا
وَأَيُّ شئ أيضاً؟ قال: والناس بنو آدم [وحواء] (1) ، فَهُمْ إِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ، قَالَ وَحَسَنٌ أَيْضًا.
ثُمَّ قَالَ رُسْتُمُ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلْنَا فِي دِينِكُمْ أَتَرْجِعُونَ عَنْ بِلَادِنَا؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ ثُمَّ لَا نَقْرَبُ بِلَادَكُمْ إِلَّا فِي تِجَارَةٍ أَوْ حَاجَةٍ.
قَالَ: وَحَسَنٌ أَيْضًا.
قَالَ: وَلَمَّا خَرَجَ الْمُغِيرَةُ مِنْ عِنْدِهِ ذَاكَرَ رُسْتُمُ رُؤَسَاءَ قومه في الإسلام فانفوا ذَلِكَ وَأَبَوْا أَنْ يَدْخُلُوا فِيهِ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُمْ وَقَدْ فَعَلَ.
قَالُوا: ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ سَعْدٌ رَسُولًا آخَرَ بِطَلَبِهِ وَهُوَ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَدْ زَيَّنُوا مَجْلِسَهُ بِالنَّمَارِقِ الْمُذَهَّبَةِ وَالزَّرَابِيِّ الْحَرِيرِ، وَأَظْهَرَ الْيَوَاقِيتَ وَاللَّآلِئَ الثَّمِينَةَ، وَالزِّينَةَ الْعَظِيمَةَ، وَعَلَيْهِ تَاجُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْتِعَةِ الثَّمِينَةِ، وَقَدْ جَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ.
وَدَخَلَ رِبْعِيٌّ بِثِيَابٍ صَفِيقَةٍ وَسَيْفٍ وَتُرْسٍ وَفَرَسٍ قَصِيرَةٍ، وَلَمْ يَزَلْ رَاكِبَهَا حَتَّى دَاسَ بِهَا عَلَى طَرَفِ الْبُسَاطِ، ثُمَّ نَزَلَ وَرَبَطَهَا بِبَعْضِ تِلْكَ الْوَسَائِدِ، وَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ سِلَاحُهُ وَدِرْعُهُ وبيضته عَلَى رَأْسِهِ.
فَقَالُوا لَهُ: ضَعْ سِلَاحَكَ.
فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكُمْ، وَإِنَّمَا جِئْتُكُمْ حِينَ دَعَوْتُمُونِي فَإِنْ تَرَكْتُمُونِي هَكَذَا وَإِلَّا رَجَعْتُ.
فَقَالَ رُسْتُمُ: ائْذَنُوا لَهُ، فَأَقْبَلَ يَتَوَكَّأُ عَلَى رُمْحِهِ فَوْقَ النَّمَارِقِ فَخَرَّقَ عَامَّتَهَا، فَقَالُوا لَهُ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ فَقَالَ اللَّهُ ابْتَعَثْنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضيق الدنيا إلى
__________
(1) من الطبري.
(*)
(7/46)