Advertisement

البداية والنهاية ط إحياء التراث 023



الكتاب: البداية والنهاية
المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
المحقق: علي شيري
الناشر: دار إحياء التراث العربي
الطبعة: الأولى 1408، هـ - 1988 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قام بفهرسته الفقير إلى الله: عبد الرحمن الشامي، ويسألكم الدعاء. عياض بن غنم الْأَشْعَرِيُّ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ، وَحَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
مُطَرِّفُ بن عبد الله وَقَدْ كَانُوا إِخْوَةً عُرْوَةُ وَمُطَرِّفٌ وَحَمْزَةُ، وَقَدْ كَانُوا يَمِيلُونَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَاسْتَعْمَلَهُمِ الْحَجَّاجُ على أقاليم، فاستعمل عروة على الكوفة، ومطرف عَلَى الْمَدَائِنِ، وَحَمْزَةَ عَلَى هَمْدَانَ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة ثمان وسبعين
فَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِبِلَادِ الرُّومِ افتتحوا إِرْقِيلِيَّةَ، فَلَمَّا رَجَعُوا أَصَابَهُمْ مَطَرٌ عَظِيمٌ وَثَلْجٌ وَبَرَدٌ، فَأُصِيبَ بِسَبَبِهِ نَاسٌ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ غَزْوَ بِلَادِ المغرب جميعه فسار إلى طنجة وقد جعل عَلَى مُقَدِّمَتِهِ طَارِقًا فَقَتَلُوا مُلُوكَ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَبَعْضُهُمْ قَطَعُوا أَنْفَهُ وَنَفَوْهُ، وَفِيهَا عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِمْرَةِ خراسان وأضافها إلى الحجاج مَعَ سِجِسْتَانَ أَيْضًا، وَرَكِبَ الْحَجَّاجُ بَعْدَ فَرَاغِهِ من شأن شبيب من إمرة الكوفة إلى البصرة، واستخلف عَلَى الْكَوْفَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْحَضْرَمِيَّ (1) ، فَقَدِمَ الْمُهَلَّبُ عَلَى الْحَجَّاجِ وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ شَأْنِ الْأَزَارِقَةِ أَيْضًا، فأجلسه معه على السرية واستدعى بأصحاب البلاد مِنْ جَيْشِهِ، فَمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ الْمُهَلَّبُ أَجْزَلَ الْحَجَّاجُ لَهُ الْعَطِيَّةَ، ثُمَّ وَلَّى الْحَجَّاجُ الْمُهَلَّبَ إمرة سجستان، وولى عبد اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ، ثُمَّ نَاقَلَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ خُرُوجِهِمَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ بِإِشَارَةِ الْمُهَلَّبِ، وَقِيلَ إِنَّهُ اسْتَعَانَ بِصَاحِبِ الشُّرْطَةِ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ طَارِقٍ الْعَبْشَمِيُّ، حَتَّى أَشَارَ عَلَى الْحَجَّاجِ بذلك فأجابه إِلَى ذَلِكَ، وَأَلْزَمَ الْمُهَلَّبَ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، لأنه اعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَانَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، وَأَمِيرُ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ وَتِلْكَ النَّوَاحِي كُلِّهَا الْحَجَّاجَ، وَنَائِبُهُ عَلَى خُرَاسَانَ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي
صُفْرَةَ، وَنَائِبُهُ على سجستان عبد اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيَّ، وَعَلَى قَضَاءِ الكوفة شر؟ يح، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ مُوسَى بْنُ أَنَسِ بْنِ مالك الأنصاري.
وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: جَابِرُ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيَّ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وله رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ وَأَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ بدراً فمنعه أبوه وخلَّفه على إخوانه
__________
(1) في الطبري 7 / 280 وابن الاثير 4 / 448: المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل، وفي رواية الطبري قيل: انه استخلف: عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي ثم عزله وولاها المغيرة.
(*)
(9/28)

وأخواته، وَكَانُوا تِسْعَةً، وَقِيلَ إِنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ.
تُوُفِّيَ جَابِرٌ بِالْمَدِينَةِ وَعُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سنة، وأسند إليه ألف وخمسمائة وأربعين حديثاً.
شريح بن الحارث ابن قَيْسٍ أَبُو أُمَيَّةَ الْكِنْدِيُّ، وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ، وَقَدْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ لِعُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ ثُمَّ اسْتَقَلَّ فِي الْقَضَاءِ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ رِزْقُهُ عَلَى الْقَضَاءِ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْقَضَاءِ يَقُولُ: سَيَعْلَمُ الظَّالِمُ حَظَّ مَنْ نَقَصَ، وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ إِذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) الآية [ص: 26] ، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّ الظَّالِمَ يَنْتَظِرُ الْعِقَابَ وَالْمَظْلُومَ ينتظر النصر، وَقِيلَ إِنَّهُ مَكَثَ قَاضِيًا نَحْوَ سَبْعِينَ سَنَةً (1) .
وَقِيلَ إِنَّهُ اسْتُعْفِيَ مِنَ الْقَضَاءِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَصْلُهُ مِنْ أَوْلَادِ الْفَرَسِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْيَمَنِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، توفي بالكوفة وعمره مائة وثمان سنين (2) .
وقد روى الطبراني قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب عن إبراهيم التيمي.
قال: كان شريح يقول: سيعلم الظالمون حق من نقصوا.
إن الظالم ينتظر العقاب، وإن المظلوم ينتظر النصر.
ورواه الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
عُلَيَّةَ، عَنْ ابن عون، عن إبراهيم به.
وقال الأعمش: اشتكى شريح رجله فطلاها بالعسل وجلس في الشمس فدخل عليه عواده فقالوا: كيف تجدك؟ فقال: صالحاً.
فقالوا: ألا أريتها الطبيب؟ قال: قد فعلت، قالوا: فماذا قال لك؟ قال: وعد خيراً: وفي رواية أنه خرج بابهمه قرحة فقالوا: ألا أريتها الطبيب؟ قال: هو الذي أخرجها.
وقال الأوزاعي: حدثني عبدة بن أبي لبابة قال: كانت فتنة ابن الزبير تسع سنين وكان شريح لا يختبر ولا يستخبر.
ورواه ابن ثوبان عن عبدة عن الشعبي عن شريح قال: لما كانت الفتنة لم أسأل عنها.
فقال رجل لو كنت مثلك ما باليت متى مت، فقال شريح: فكيف بما في قلبي.
وقد رواه شقيق بن سلمة عن شريح قال: في الفتنة ما استخبرت ولا أخبرت ولا ظلمت مسلماً ولا معاهداً ديناراً ولا درهماً، فقال أبو وائل: لو كنت على حالك لأحببت أن أكون قدمت، فأوى إلى قلبه فقال: كيف يهدأ، وفي رواية: كيف بما في صدري تلتقي الفتيتان وإحداهما أحب إلى من الأخرى.
وقال لقوم رآهم يلعبون: مالي أراكم تلعبون؟
__________
(1) في الاصابة 2 / 146 والاستيعاب على هامش الاصابة 2 / 149 وأسد الغابة 2 / 394 ستين سنة وفي ابن خلكان 2 / 460: أقام قاضيا خمساً وسبعين سنة لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير.
وانظر شذرات الذهب 1 / 85.
(2) في الاستيعاب وفي ابن خلكان 2 / 461 مائة سنة.
وفي الاصابة: مائة وعشرون سنة.
قاله الواقدي (انظر أسد الغابة 2 / 394) (*)
(9/29)

قالوا: فرغنا! قال: ما بهذا أمر الفارغ.
وقال سوار بن عبد الله العنبري: حدثنا العلاء بن جرير العنبري، حدثني سالم أبو عبد الله، أنه قال: شهدت شريحاً وتقدم إليه رجل فقال: أين أنت؟ فقال: بينك وبين الحائط، فقال: إني رجل من أهل الشام، فقال: بعيد سحيق، فقال: إني تزوجت امرأة، فقال: بالرفاء والبنين، قال: إني اشترطت لها دارها، قال: الشرط أملك، قال: اقض بيننا، قال: قد فعلت.
وقال سفيان: قيل لشريح بأي شئ أصبت هذا العلم؟ قال: بمعاوضة العلماء، آخذ منهم وأعطيهم.
وروى عثمان بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ محمد بن
سالم، عن إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إسحاق، عن هبيرة أنه سمع علياً يقول: يا أيها الناس! يأتوني فقهاؤكم يسألوني وأسألهم، فلما كان من الغد غدونا إليه حتى امتلأت الرحبة، فجعل يسألهم: ما كذا ما كذا، ويسألونه ما كذا ما كذا فيخبرهم ويخبرونه حتى إذا ارتفع النهار تصدعوا غير شريح فإنه جاث على ركبتيه لا يسأله عن شئ إلا أخبره به، قال: سمعت علياً يقول: قم يا شريح فأنت أقضى العرب.
وأتت شريحاً امرأتان جدة صبي وأمه يختصمان فيه كل واحدة تقول: أنا أحق به.
أبا أميه أتيناكَ وأنتَ المستعانُ بهِ (1) * أتاكَ (2) جدةُ ابنٍ وأمٌ وكلتانا تفديه فلو كنتِ تأيمتِ لما نازعتكي فيهِ * تزوجتِ فهاتيه ولا يذهبْ بكِ القيهِ (3) ألا أيها القاضي فهذهِ قصتي فيهِ قالت الأم: - ألا أيها القاضي قد قالت لك الجدة * قولاً فاستمع مني ولا تطردني (4) ردهْ تعزى النفسَ عن ابني * وكبِدي حملتْ كَبدهْ فلما صار في حجري * بتيما مفرداً (5) وحدهْ تزوجتُ رجاءَ الخيرِ * منْ يكفينيَ فقدهْ ومن يُظهرُ لي الودَ (6) * ومنْ يحسنُ لي رِفدهْ فقال شريح:
__________
(1) في ابن سعد 6 / 137: وأنت المرء نأتيه.
(2) في ابن سعد: أتاك ابني وأماه.
(3) في ابن سعد: التيه.
(4) في ابن سعد: تبطرني.
(5) في ابن سعد: فلما كان ... ضائعا.
(6) في الطبقات: وده..ومن يكفل ... (*)
(9/30)

قد سمع القاضي ما قلتما ثم قضى * وعلى القاضي جهد إن غفل (1) قال للجدة: بيني بالصبي * وخذي ابنك من ذات العلل إنها لو صبرت كان لها * قبل دعوى ما تبتغيه للبدل فقضى به للجدة.
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر بن عون، عن إبراهيم، عن شريح أنه قضى على رجل باعترافه فقال: يا أبا أمية قضيت عليَّ بغير بينة، فقال شريح: أخبرني ابن أخت خالتك.
وقال علي بن الجعد: أنبأنا المسعودي عن أبي حصين قال: سئل شريح عن شاة تأكل الذباب فقال: علف مجان ولبن طيب.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن أبي حيان التيمي، حدثنا أبي قال: كان شريح إذا مات لأهله سنور أمر بها فألقيت في جوف داره، ولم يكن له مشعب (2) (شارع)) إلا في جوف داره يفعل ذلك اتقاء أن تؤذي المسلمين - يعني أنه يلقي السنور في جوف داره لئلا تؤذي بنتن ريحها المسلمين -، وكانت مياذيب أسطحة داره في جوف الدار لئلا يؤذي بها المارة من المسلمين.
وقال الرياشي: قال رجل لشريح: إن شأنك لشوين.
فقال له شريح: أراك تعرف نعمة الله عليَّ غيرك وتجهلها في نفسك.
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى تغلب النحوي، حدثنا عبد الله بن شبيب قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زياد بن سمعان.
قال: كتب شريح إلى أخ له هرب من الطاعون: أما بعد فإنك والمكان الذي أنت فيه والمكان الذي خرجت منه بعين من لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب، والمكان الذي خلفته (3) لم يعد أمراً لكمامه ومن تظلمه أيامه.
وإنك وإياهم لعلى بساط واحد، وإن المنتجع من ذي قدرة لقريب.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا علي بن مسهر، عن الشيباني، عن الشعبي، عن شريح أن عمر كتب إليه: إذا جاءك الشي من كتاب الله فاقض به ولا يلفتنك عنه رجاء ما ليس في كتاب الله، وانظر فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، وفي رواية: فانظر فيما قضى به الصالحون، فإن لم يكن فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، وما أرى التأخر إلا خيراً، والسلام.
وقال شريح: كنت مع علي في سوق الكوفة فانتهى إلى قاص يقص فوقف عليه وقال: أيُّها القاص! تقص ونحن قريبو العهد؟ أما إني سائلك فإن تجب فما سألتك وإلا أدبتك، فقال القاص: سل يا أمير المؤمنين عما شئت، فقال علي: ما ثبات الإيمان وزواله؟ قال القاص: ثبات الايمان
__________
(1) مكانه في ابن سعد بيتان: قد فهم القاضي ما قد قلتما * وقضى بينكما ثم فصل بقضاء بين بينكما * وعلى القاضي جهد أن عقل (2) في صفة الصفوة وابن سعد: مثعب، والمثعب: مسيل الماء في الحوض أو السطح.
(3) العبارة في ابن خلكان 2 / 463: الذي لم يعجل امرءا جمامه ولم يظلمه أيامه.
(*)
(9/31)

الورع وزواله الطمع.
قال علي: فذلك فقص.
قيل إن هذا القاص هو نوف البكالي.
وقال رجل لشريح: إنك لتذكر النعمة في غيرك وتنساها في نفسك، قال: إني والله لا حسدك على ما أرى بك.
قال: ما نفعك الله بهذا ولا ضرني.
وروى جرير عن الشيباني (1) عن الشعبي قال: اشترى عمر فرساً من رجل على أن ينظر إليه، فأخذ الفرس فسار به فعطب، فقال لصاحب الفرس: خذ فرسك، فقال: لا! فاجعل بيني وبينك حكماً، قال الرجل: نعم! شريح، قال عمر: ومن شريح؟ قال: شريح العراقي، قال: فانطلقا إليه فقصا عليه القصة، فقال: يا أمير المؤمنين رد كما أخذت أو خذ بما ابتعته، فقال عمر: وهل القضاء إلا هذا؟ سر إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها، فإنه لأول يوم عرفه يومئذ.
وقال هشام بن محمد الكلبي: حدثني رجل من ولد سعد بن وقاص قال: كان لشريح ابن يدعو الكلاب (2) ويهارش بين الكلاب، فدعا بدواة وقرطاس فكتب إلى مؤدبه فقال: - ترك الصلاة لأكلب يسعى بها * طلب الهراش مع الغواة الرجس (3) فإذا أتاك فعفَّه (4) بملامة * وعظه من عظة الأديب الأكيس
فإذا هممت بضربه فبدرة * فإذا ضربت بها ثلاثاً فاحبس واعلم بأنك ما أتيت فنفسه * مع ما تجرعني أعز الأنفس وروى شريح عن عمر عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لها: يا عائشة (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانوا شيعاً) [الانعام: 159] إنهم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، إن لكل صاحب ذنب توبة إلا أصحاب الأهواء والبدع، أنا منهم برئ وهم مني براء ".
وهذا حديث ضعيف غريب رواه محمد بن مصفى عن بقية عن شعبة - أو غيره - عن مجالد عن الشعبي، وإنما تفرد به بقية به الوليد من هذا الوجه وفيه علة أيضاً.
وروى محمد بن كعب القرظي، عن الحسن، عن شريح، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: (إنكم ستغربلون حتى تصيروا في حثالة من الناس قد مزجت عهودهم وخربت أمانتهم، فقال قائل:
__________
(1) الشيباني هو أبو إسحاق.
(2) في الحلية 4 / 136: يدع الكتاب ويهارش الكلاب: المهارشة بالكلاب وبينها: تحريش بعضها على بعض والعبارة في صفة الصفوة 3 / 39، افتقد ابنا له، ... كان يهارش بالكلاب، فقال: صليت؟ قال: لا.
فقال للرسول (الرجل الذي طلبه) اذهب به إلى المؤدب وقال: (3) في صفة الصفوة: النجس.
(4) في صفة الصفوة: فعضه.
(*)
(9/32)

فكيف بنا يا رسول الله؟ فقال: تعملون بما تعرفون وتتركون ما تنكرون، وتقولون: أحد أحد، انصرنا على من ظلمنا وأكفنا من بغانا) .
وروى الحسن بن سفيان، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الجبار بن وهب، عن عبد الله السلمي عن شريح، قال: حدثني البدريون منهم عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما من شباب يدع لذة الدنيا ولهوها ويستقبل بشبابه طاعة الله تعالى أَلَا أعطاه الله تعالى أجر اثنين وسبعين صديقاً، ثم قال: يقول الله تعالى: أيها الشاب التارك شهوته من أجلي، المبتذل شبابه لي، أنت عندي كبعض ملائكتي ".
وهذا حديث غريب.
وقال أبو داود: حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا أبوعمران الجوني، عن قيس بن زيد - وقال أبو داود أو عن زَيْدِ بْنِ قَيْسٍ - عَنْ قَاضِي الْمِصْرَيْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إن الله تعالى يدعو صاحب الدين يوم القيامة فيقول: يابن آدَمَ فِيمَ أَضَعْتَ حُقُوقَ النَّاسِ؟ فِيمَ أَذْهَبْتَ أموالهم؟ فيقول: يا رب لم أفسده ولكن أصبت إما غرقاً وإما حرقاً، فيقول الله سبحانه أَنَا أَحَقُّ مَنْ قَضَى عَنْكَ الْيَوْمَ، فَتَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ) .
لفظ أبي داود ورواه يزيد بن هارون عن صدقة به وقال فيه: " فيدع الله بشئ فيضعه في ميزانه فيثقل) ورواه الطَّبرانيّ من طريق أبي نعيم عن صدقة به، ورواه الطبراني أيضاً عن حفص بن عمر وأحمد بن داود المكي قالا: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا صدقة به، والله سبحانه وتعالى أعلم.
عبد الله بْنُ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيُّ نَزِيلُ فِلَسْطِينَ وَقَدْ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقِيلَ إِنَّ لَهُ صُحْبَةٌ وَقَدْ بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ لِيُفَقِّهَ أَهْلَهَا فِي الدِّينِ وَكَانَ مِنَ العباد الصالحين.
جنادة بن أُمَيَّةَ الْأَزْدِيُّ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى غَزْوِ الْبَحْرِ لِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالشَّجَاعَةِ وَالْخَيْرِ، تُوُفِّيَ بِالشَّامِ وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ.
الْعَلَاءُ بن زياد البصري كان من العباد الصالحين مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْخَوْفِ وَالْوَرَعِ، وَكَانَ يَعْتَزِلُ فِي بَيْتِهِ وَلَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ، لَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى عَمِيَ، وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ، تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي هذه السنة.
قلت: إنما كان معظم بكاء العلاء بن زياد بعد تلك الرؤيا التي رآها له رجل من أهل الشام إنَّه من أهل الجنة، فقال له العلاء: أما أنت يا أخي فجزاك الله عن رؤياك لي خيراً، وأما أنا فقد تركتني رؤياك لا أهدأ بليل ولا نهار، وكان بعدها يطوي الأيام لا يأكل فيها شيئاً وبكى حتى كاد يفارق الدنيا، ويصلي لا يفتر، حتى جاء أخوه إلى الحسن البصري فقال: أدرك أخي فإنه قاتل نفسه، يصوم لا يفطر، ويقوم لا ينام، ويبكي الليل والنهار لرؤيا رآها بعض الناس له إنَّه من أهل
(9/33)

الجنة، فجاء الحسن فطرق عليه بابه فلم يفتح، فقال له: افتح فإني أنا الحسن، فلما سمع صوت الحسن فتح له، فقال له الحسن: يا أخي الجنة وما الجنة للمؤمن، إن للمؤمن عند الله ما هو أفضل من الجنة، فقاتل أنت نفسك؟ فلم يزل به حتى أكل وشرب وقصر عما كان فيه قليلاً.
وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه أتاه آت في مقامه فأخذ بناصيته وقال: يا غلام قم فاذكر الله يذكرك.
فما زالت تلك الشعرات التي أخذ بها قائمة حتى مات، وقد قيل: إنه كان يرفع له إلى الله كل يوم من العمل الصالح بقدر أعمال خلق كثير من الناس كما رأى ذلك بعض أصحابه في المنام.
وقال العلاء: نحن قوم وضعنا أنفسنا في النار فإن شاء الله أن يخرجنا منها أخرجنا.
وقال: كان رجل يرائي بعمله فجعل يشمر ثيابه ويرفع صوته إذا قرأ، فجعل لا يأتي على أحد إلا سبه، ثم رزقه الله الإخلاص واليقين فخفض من صوته وجعل صلاحه بينه وبين الله، فجعل لا يأتي على أحد بعد ذلك إلا دعا له بخير.
سراقة بن مرادس الاذدي كَانَ شَاعِرًا مُطْبِقًا، هَجَا الْحَجَّاجَ فَنَفَاهُ إِلَى الشَّامِ فَتُوُفِّيَ بِهَا.
النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ الشَّاعِرُ.
السَّائب بْنُ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
سُفْيَانُ بْنُ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ.
مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْبَصْرِيُّ.
زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ
فَفِيهَا وَقَعَ طَاعُونٌ عَظِيمٌ بِالشَّامِ حَتَّى كَادُوا يَفْنُونَ مَنْ شِدَّتِهُ، وَلَمْ يَغْزُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ لِضَعْفِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ، وَوَصَلَتِ الرُّومُ فِيهَا أَنْطَاكِيَّةَ فَأَصَابُوا خَلْقًا مِنْ أَهْلِهَا لِعِلْمِهِمْ بِضَعْفِ الْجُنُودِ وَالْمُقَاتِلَةِ.
وَفِيهَا غَزَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ رُتْبِيلَ مَلِكَ التُّرْكِ حَتَّى أَوْغَلَ فِي بِلَادِهِ.
ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَفِيهَا قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الْحَارِثَ بْنَ سَعِيدٍ الْمُتَنَبِّئَ الْكَذَّابَ، وَيُقَالُ لَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، مَوْلَى أَبِي الْجُلَاسِ الْعَبْدَرِيِّ، وَيُقَالُ مَوْلَى الْحَكَمِ بْنِ مروان، كان أصله من الجولة فَنَزَلَ دِمَشْقَ وَتَعَبَّدَ بِهَا وَتَنَسَّكَ وَتَزَهَّدَ ثُمَّ مكربه ورجع القهقرى على عقبيه، وَانْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفَارَقَ حِزْبَ الله المفلحين، واتبع الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَمْ يَزَلِ الشَّيْطَانُ يزج فِي قَفَاهُ حَتَّى أَخْسَرَهُ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ، وَأَخْزَاهُ وأشقاه.
فإنا لله وَحَسْبُنَا اللَّهِ وَلَا حَوْلَ
وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثنا عبد الوهاب نجدة الجولي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُبَارَكٍ، ثَنَا الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: كَانَ الْحَارِثُ الْكَذَّابُ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، وَكَانَ مولى لأبي الجلاس، وكان له أب بالجولة، فَعَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ، وَكَانَ رَجُلًا مُتَعَبِّدًا زَاهِدًا لو لبس جبة من ذهب لرؤيت عليه الزهادة والعبادة، وكان إذا أخذ بالتحميد لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ مِثْلَ تَحْمِيدِهِ وَلَا أَحْسَنَ من كلامه، فكتب إلى أبيه وكان بالجولة: يَا أَبَتَاهُ أَعْجِلْ عليَّ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَشْيَاءَ أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْطَانُ قَدْ عَرَضَ لِي، قَالَ فَزَادَهُ أَبُوهُ غيَّاً عَلَى غَيِّهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ أَقْبِلْ عَلَى ما أمرت
(9/34)

بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى ما تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) [الشعراء: 221 - 222] وَلَسْتَ بِأَفَّاكٍ وَلَا أَثِيمٍ، فَامْضِ لِمَا أمرت به، وكان يجئ إِلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ رَجُلًا رَجُلًا فُيُذَاكِرُهُمْ أَمْرَهُ وَيَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ إِنْ هُوَ يَرَى ما يرضى وَإِلَّا كَتَمَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَكَانَ يُرِيهِمُ الْأَعَاجِيبَ.
كَانَ يَأْتِي إِلَى رُخَامَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَيَنْقُرُهَا بِيَدِهِ فَتُسَبِّحُ تَسْبِيحًا بَلِيغًا حَتَّى يَضِجَّ مِنْ ذَلِكَ الْحَاضِرُونَ.
قُلْتُ: وَقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ أبا العبَّاس بن تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: كَانَ يَنْقُرُ هَذِهِ الرُّخَامَةَ الْحَمْرَاءَ الَّتِي فِي الْمَقْصُورَةِ فَتُسَبِّحُ، وَكَانَ زنديقاً.
قال ابن أبي خيثمة في روايته وَكَانَ الْحَارِثُ يُطْعِمُهُمْ فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: اخرجوا أُرِيَكُمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَخْرُجُ بِهِمْ إِلَى دَيْرِ الْمُرَّانِ (1) فيريهم رجلا على خيل فيتبعه عَلَى ذَلِكَ بِشْرٌ كَثِيرٌ، وَفَشَا أَمَرُهُ فِي الْمَسْجِدِ وَكَثُرَ أَصْحَابُهُ وَأَتْبَاعُهُ، حَتَّى وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، قَالَ فَعَرَضَ عليَّ القاسم أمره وأخذ عليه العهد إِنْ هُوَ رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ كتم عَلَيْهِ، قَالَ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي نَبِيٌّ، فَقَالَ الْقَاسِمُ: كَذَبْتَ يَا عدوَ اللَّهِ، مَا أَنْتَ نَبِيٌّ، وَفِي رِوَايَةٍ وَلَكِنَّكَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ الدَّجَّالِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أنَّه نبي) (2) وأنت أحدهم ولا عهد لك.
ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ إِلَى أَبِي إِدْرِيسَ - وَكَانَ عَلَى الْقَضَاءِ بِدِمَشْقَ - فَأَعْلَمَهُ بِمَا سَمِعَ مِنَ الْحَارِثِ فَقَالَ أَبُو إِدْرِيسَ نَعْرِفُهُ، ثُمَّ أَعْلَمَ أَبُو
إِدْرِيسَ عَبْدَ الْمَلِكِ بِذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ أخرى أن مكحولاً وعبد الله بن زائدة دَخْلَا عَلَى الْحَارِثِ فَدَعَاهُمَا إِلَى نُبُوَّتِهِ فَكَذَّبَاهُ وَرَدَّا عَلَيْهِ مَا قَالَ، وَدَخَلَا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَعْلَمَاهُ بِأَمْرِهِ، فَتَطَلَّبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ طَلَبًا حثيثاً، واختفى الحارث وصار إلى دار بيت الْمَقْدِسِ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ سِرًّا وَاهْتَمَّ عَبْدُ الملك بشأنه حتى ركب إلى النصرية (3) فنزلها فورد عليه هناك رجل من أهل النصرية مِمَّنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْحَارِثِ وَهُوَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَعْلَمَهُ بِأَمْرِهِ وَأَيْنَ هُوَ، وَسَأَلَ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْجُنْدِ الْأَتْرَاكِ لِيَحْتَاطَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ طَائِفَةً وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِ الْقُدْسِ لِيَكُونَ فِي طَاعَةِ هَذَا الرَّجُلِ وَيَفْعَلَ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ، فلمَّا وصل الرجل إلى النصرية ببيت الْمَقْدِسِ بِمَنْ مَعَهُ انْتَدَبَ نَائِبَ الْقُدْسِ لِخِدْمَتِهِ، فَأَمْرَهُ أَنْ يَجْمَعَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الشموع ويجعل مع كل رجل شمعته، فَإِذَا أَمَرَهُمْ بِإِشْعَالِهَا فِي اللَّيْلِ أَشْعَلُوهَا كُلُّهُمْ فِي سَائِرِ الطُّرُقِ وَالْأَزِقَّةِ حَتَّى لَا يَخْفَى أَمْرُهُ، وَذَهَبَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ فَدَخَلَ الدَّارَ الَّتِي فيها الحارث فقال لبوابة استأذن عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ، فَقَالَ: فِي هَذِهِ السَّاعَةِ لا يؤذن عليه حتى يصبح، فصاح النصري
__________
(1) من معجم البلدان، وفي الاصل المراق، هذا الدير بالقرب من دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران، وهو دير كبير وفيه رهبان كثيرة وفي هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني.
(2) أخرجه مسلم في الفتن (18) باب.
ح 83 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ص 4 / 2239 وفيه إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعة ثَلَاثِينَ كَذَّابًا دجَّالاً كلهم يزعم أنه نبي، زاد جابر بن سمرة: فاحذروهم.
واخرجه البخاري في المناقب (25) باب عن أبي هريرة وأخرجه مسلم أيضا عنه ح (84) في الموضع السابق.
(3) النصرية: وهي محلة في الجانب من بغداد في طرف البرية (معجم البلدان) .
(*)
(9/35)

أسرجوا، فأشعل النَّاسُ شُمُوعَهُمْ حَتَّى صَارَ اللَّيْلُ كَأَنَّهُ النَّهَارُ، وهمَّ النصري عَلَى الْحَارِثِ فَاخْتَفَى مِنْهُ فِي سِرْبٍ هُنَاكَ فقال أصحابه هيهات يريدون أن يصلوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ، إنَّه قَدْ رُفِعَ إِلَى السماء، قال فأدخل النصري يَدَهُ فِي ذَلِكَ السِّرْبِ فَإِذَا بِثَوْبِهِ فَاجْتَرَّهُ فأخرجه، ثم قال للفرعانين من أتراك الخليفة قال: فأخذوه فَقَيَّدُوهُ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْقُيُودَ وَالْجَامِعَةَ سَقَطَتْ مِنْ عنقه مراراً ويعيدونها، وجعل يقول: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي، وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فيما يُوحِي إِلَى رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)
[سبأ: 50] وَقَالَ لِأُولَئِكَ الْأَتْرَاكِ (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) [المؤمن: 28] ؟ فَقَالُوا لَهُ بِلِسَانِهِمْ وَلُغَتِهِمْ: هَذَا كُرَانُنَا فَهَاتِ كُرَانَكَ، أَيْ هَذَا قُرْآنُنَا فَهَاتِ قُرْآنَكَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا بِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ أَمَرَ بِصَلْبِهِ عَلَى خَشَبَةٍ وَأَمَرَ رَجُلًا فَطَعَنَهُ بِحَرْبَةٍ فَانْثَنَتْ فِي ضِلْعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَيْحَكَ أَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ حِينَ طَعَنْتَهُ؟ فَقَالَ: نَسِيتُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ سَمِّ اللَّهَ ثُمَّ اطْعَنْهُ، قَالَ فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ طَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ حَبَسَهُ قَبْلَ صلبه وأمر رجالاً من أهل الفقه والعلم أَنْ يَعِظُوهُ وَيُعْلِمُوهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ فَصَلَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْعَدْلِ وَالدِّينِ.
وقد قال الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ جَابِرٍ فَحَدَّثَنِي من سمع الْأَعْوَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ زِيَادٍ الْعَدَوِيَّ.
يقول: ما غبطت عبد الملك بشئ من ولايته إلا بقتله حارثاً حيث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أنَّه نَبِيٌّ، فَمَنْ قَالَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا فَلَهُ الْجَنَّةُ ".
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ لَوْ حَضَرْتُكَ مَا أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ، قَالَ: ولمَ؟ قَالَ: إِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ بِهِ الْمَذْهَبُ فَلَوْ جَوَّعَتَهُ لَذَهَبَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَقَالَ الْوَلِيدُ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ نَافِعٍ، سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ الجلاخ يقول لغيلان: ويحك يا غيلان، ألم تأخذك في شبيبتك ترا من النِّسَاءَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِالتُّفَّاحِ، ثُمَّ صِرْتَ حارثياً تحجب امرأته وتزعم أَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ تَحَوَّلْتَ فَصِرْتَ قَدَرِيًّا زِنْدِيقًا.
وَفِيهَا غَزَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بكرة رتبيل وملك التُّرْكِ الْأَعْظَمَ فِيهِمْ، وَقَدْ كَانَ يُصَانِعُ الْمُسْلِمِينَ تَارَةً وَيَتَمَرَّدُ أُخْرَى، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى ابْنِ أبي بكرة تأخذه بِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَسْتَبِيحَ أَرْضَهُ وَتَهْدِمَ قِلَاعَهُ وَتَقْتُلَ مُقَاتِلَتَهُ، فَخَرَجَ فِي جَمْعٍ مِنَ الْجُنُودِ مِنْ بِلَادِهِ وَخَلْقٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ ثُمَّ الْتَقَى مَعَ رُتْبِيلَ مَلِكِ التُّرْكِ فَكَسَرَهُ وَهَدَمَ أَرْكَانَهُ بِسَطْوَةٍ بِتَّارَةٍ، وَجَاسَ ابْنُ أَبِي بَكْرَةَ وَجُنْدُهُ خِلَالَ دِيَارِهِمْ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَقَالِيمِهِ وَمُدُنِهِ وَأَمْصَارِهِ، وَتَبَّرَ مَا هُنَالِكَ تَتْبِيرًا، ثُمَّ إِنَّ رُتْبِيلَ تَقَهْقَرَ منه وَمَا زَالَ يَتْبَعُهُ حَتَّى اقْتَرَبَ مِنْ مَدِينَتِهِ الْعُظْمَى، حَتَّى كَانُوا مِنْهَا عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وَخَافَتِ الْأَتْرَاكُ مِنْهُمْ خَوْفًا شَدِيدًا، ثُمَّ إِنَّ التُّرْكَ أَخَذَتْ عَلَيْهِمُ الطُّرُقَ وَالشِّعَابَ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمُ الْمَسَالِكَ حَتَّى
ظَنَّ كُلٌّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا مَحَالَةَ هَالِكٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ أنَّ يُصَالِحَ رُتْبِيلَ عَلَى أَنْ يأخذ منه
(9/36)

سبعمائة ألف (1) ، ويفتحوا للمسلمين طريقاً يخرجون عنه وَيَرْجِعُونَ عَنْهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَانْتَدَبَ شُرَيْحَ بْنَ هانئ - وَكَانَ صَحَابِيًّا، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِ عليَّ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ - فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْقِتَالِ وَالْمُصَابَرَةِ وَالنِّزَالِ وَالْجِلَادِ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ وَالنِّبَالِ، فَنَهَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ فَلَمْ يَنْتَهِ، وَأَجَابَهُ شِرْذِمَةٌ (2) مِنَ النَّاس مِنَ الشُّجْعَانِ وَأَهْلِ الْحَفَائِظِ، فَمَا زَالَ يُقَاتِلُ بِهِمِ الترك حتى فني أكثر المسلمين رضي الله عنهم، قَالُوا وَجَعَلَ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ: أَصْبَحْتُ ذَا بثٍ أُقَاسِيَ الْكِبَرَا * قَدْ عِشْتُ بين المشركين أعصرا ثم (3) أَدْرَكْتُ النَّبِيَّ الْمُنْذِرَا * وَبَعْدَهُ صدِّيقه وَعُمَرَا وَيَوْمَ مِهْرَانَ وَيَوْمَ تُسْتَرَا * وَالْجَمْعَ فِي صِفِّينِهِمْ وَالنَّهَرَا (4) هيهات من أَطْوَلَ هَذَا عُمُرَا ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقُتِلَ مَعَهُ خَلْقٌ (5) مِنْ أَصْحَابِهِ، ثمَّ خَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنَ النَّاسِ صُحْبَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ أَرْضِ رُتْبِيلَ، وَهُمْ قَلِيلٌ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ فأخذ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ وَيَسْتَشِيرُهُ فِي بَعْثِ جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ لِيَنْتَقِمُوا مِنْهُ بِسَبَبِ مَا حَلَّ بِالْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِ، فَحِينَ وَصَلَ الْبَرِيدُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بالموافقة على ذَلِكَ، وَأَنْ يُعَجِّلَ ذَلِكَ سَرِيعًا، فَحِينَ وَصَلَ الْبَرِيدُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ أَخَذَ فِي جَمْعِ الْجُيُوشِ فَجَهَّزَ جَيْشًا كَثِيفًا لِذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَهَا.
وَقِيلَ إِنَّهُ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ثَلَاثُونَ أَلْفًا وَابْتِيعَ الرَّغِيفُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِدِينَارٍ وَقَاسَوْا شَدَائِدَ، وَمَاتَ بِسَبَبِ الْجُوعِ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَقَدْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ التُّرْكِ خَلْقًا كَثِيرًا أَيْضًا قَتَلُوا أَضْعَافَهَمْ.
وَيُقَالُ إِنَّهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْفَى شُرَيْحٌ مِنَ الْقَضَاءِ فَأَعْفَاهُ الْحَجَّاجُ مِنْ ذَلِكَ وَوَلَّى مَكَانَهُ أَبَا بُرْدَةَ ابن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ شُرَيْحٍ عِنْدَ وَفَاتِهِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
__________
(1) ذكر ابن الاعثم في فتوحه 7 / 112 شروط رتبيل وهي: أن يضع عنه الخراج عشر سنين، وإن يعطى نصف سلاح وكراع عبيد الله، وان يعطيه أيضا ألف ألف درهم، وان يعطيه ولده وأشراف قومه رهائن.
(2) في الطبري 7 / 282 وابن الاثير 4 / 451: فاتبعه ناس من المقطوعة غير كثير وفرسان الناس وأهل الحفاظ، وفي ابن الاعثم: فتقدم (شريح) يومئذ عشرة الآف رجل من أهل الكوفة.
(3) في الطبري ثمت، وفي ابن الاثير: ثمة وهو أصوب.
(4) في ابن الاعثم، والجمل المعروف يدعى عسكرا.
وبعده في الطبري وابن الاثير: ويا جميرات مع المشقرا ... * وليس المصراع في ابن الاعثم (5) في ابن الاعثم: قتل جميع من كان معه من أهل الكوفة، أما ابن أبي بكرة فإنه صالح رتبيل على الشروط التي ذكرت سابقا - انظر حاشية 1 ص 29.
وفي ذلك يقول أعشى همدان أبياتا مطلعها: ما بال حزن في الفؤاد يولج * ودمعك المنحدر المنهج
(9/37)

قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أبان بن عثمان أمير المدينة النبوية، وفيها قُتِلَ قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ التَّمِيمِيُّ أَبُو نَعَامَةَ الْخَارِجِيُّ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَشَاهِيرِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ مَكَثَ عِشْرِينَ سَنَةً يُسَلِّمُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِالْخِلَافَةِ، وَقَدْ جَرَتْ لَهُ خُطُوبٌ وَحُرُوبٌ مَعَ جَيْشِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْهَا طَرَفًا صَالِحًا فِي أَمَاكِنِهِ، وَكَانَ خُرُوجُهُ فِي زَمَنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبير، وَتَغَلَّبَ عَلَى قلاعٍ كَثِيرَةٍ وَأَقَالِيمَ وَغَيْرِهَا، وَوَقَائِعُهُ مَشْهُورَةٌ وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ جُيُوشًا كبيرة فَهَزَمَهَا، وَقِيلَ إِنَّهُ بَرَزَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ الْحَرُورِيَّةِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ أَعْجَفَ وَبِيَدِهِ عمود حديد، فلما قرب منه كشب قَطَرِيٌّ عَنْ وَجْهِهِ فَوَلَّى الرَّجُلُ هَارِبًا فَقَالَ لَهُ قَطَرِيٌّ إِلَى أَيْنَ؟ أَمَا تَسْتَحِي أَنْ تَفِرَّ وَلَمْ تَرَ طَعْنًا وَلَا ضَرْبًا؟ فَقَالَ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَحِي أَنْ يَفِرَّ مِنْ مِثْلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ فِي جَيْشٍ فَاقْتَتَلُوا بِطَبَرِسْتَانَ، فَعَثَرَ بِقَطَرِيٍّ فَرَسُهُ فَوَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ فَتَكَاثَرُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَقِيلَ إِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ سَوْدَةُ بْنُ الْحُرِّ الدَّارِمِيُّ (1) ، وَكَانَ قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ مَعَ شَجَاعَتِهِ الْمُفَرِطَةِ وَإِقْدَامِهِ مِنْ خُطَبَاءَ الْعَرَبِ الْمَشْهُورِينَ
بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَجَوْدَةِ الْكَلَامِ وَالشِّعْرِ الْحَسَنِ، فَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ يُشَجِّعُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ وَمَنْ سَمِعَهَا انْتَفَعَ بِهَا: أَقُولُ لَهَا وَقَدْ طَارَتْ شَعَاعًا (2) * مِنَ الْأَبْطَالِ وَيْحَكِ لَنْ تُرَاعِي فَإِنَّكِ لو طلبت بَقَاءَ يومٍ (3) * عَلَى الْأَجَلِ الَّذِي لَكَ لِمَ تُطَاعِي فَصَبْرًا فِي مَجَالِ الْمَوْتِ صَبْرًا * فَمَا نيل الخلود بمستطاعي وَلَا ثَوْبُ الْحَيَاةِ (4) بِثَوْبِ عِزٍّ * فَيُطْوَى عَنْ أخي الخنع اليراعي سَبِيلُ الْمَوْتِ غَايَةُ كُلِّ حيٍ (5) * وَدَاعِيهِ لِأَهْلِ الأرض داع فمن لَا يَغْتَبِطْ يَسْأَمْ وَيَهْرَمْ * وَتُسْلِمْهُ الْمَنُونُ إِلَى انقطاعي (6)
__________
(1) في ابن الاثير 4 / 442 سورة بن الحر التميمي، وفي الطبري 7 / 275: سورة بن أبجر التميمي، وذكرا أنه وآخرين معه قتلوه وكل منهم ادعى قتله.
وفي ابن الاعثم 7 / 80: قتله باذام واحتز رأسه (وفي ابن الاثير باذان مولاهم - كان في الجماعة التي قدمت عليه وقتلوه) .
(2) في امالي المرتضى 1 / 636 إذا جاشت حياء.
وفي نهاية الارب: وقولي كلما جشأت وجاشت، وفي عيون الاخبار والحيوان: وقولي كلما جشأت لنفسي طارت شعاعا: أي تفرقت وانتشرت من الخوف.
(3) في امالي المرتضى والتبريزي ولباب الآداب: والحيوان: حياة يوم.
(4) في امالي المرتضى: وما طول الحياة بثوب مجد، وفي لباب الآداب، وما ثوب أخو الخنع.
الخنع: الذليل، واليراع: الجبان.
(5) في امالي المرتضى ولباب الآداب: منهج كل حي.
(6) في بهجة المجالس: يهرم ويسقم، وفي امالي المرتضى: وتفض به المنون.
وفي اللباب: ويفض به الامان.
يعتبط: يموت من غير علة.
(*)
(9/38)

وَمَا لِلْمَرْءِ خَيْرٌ فِي حَيَاةٍ * إِذَا مَا سد من سقط المتاعي (1) ذكرها صاحب الحماسة واستحسنها ابن خلكان كَثِيرًا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ أَمِيرُ الْجَيْشِ الَّذِي دَخَلَ بِلَادَ التُّرْكِ وَقَاتَلُوا رُتْبِيلَ مَلِكَ التُّرْكِ، وَقَدْ قُتِلَ مِنْ جَيْشِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مَعَ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَقَدْ دَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَلَى الْحَجَّاجِ مَرَّةً وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ فَقَالَ لَهُ الحجاج: وكم خَتَمْتَ بِخَاتَمِكَ هَذَا؟ قَالَ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، قَالَ فَفِيمَ أَنْفَقْتَهَا؟ قَالَ: فِي اصطناع المعروف، ورد الملهوف والمكافأة بالصناع وَتَزْوِيجِ الْعَقَائِلِ.
وَقِيلَ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ عَطَشَ يَوْمًا فَأَخْرَجَتْ لَهُ امْرَأَةٌ كُوزَ مَاءٍ بَارِدٍ فَأَعْطَاهَا ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ إِنَّهُ أُهْدِيَ إِلَيْهِ وَصَيْفٌ وَوَصِيفَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ خُذْهُمَا لَكَ، ثُمَّ فَكَّرَ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ إِيثَارَ بَعْضِ الْجُلَسَاءِ عَلَى بَعْضٍ لَشُحٌّ قَبِيحٌ وَدَنَاءَةٌ رَدِيئَةٌ، ثُمَّ قَالَ يَا غُلَامُ ادْفَعْ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جُلَسَائِي وَصَيْفًا وَوَصِيفَةً، فَأُحْصِيَ ذَلِكَ فَكَانُوا ثَمَانِينَ وَصَيْفًا وَوَصِيفَةً تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ ببست (2) وقيل بذرخ والله سبحانه وتعالى أعلم وأحلم، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمين.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبوِّية ففيها كان السيل الجحاف (3) بمكة لانه جحف على كل شئ فذهب به، وحمل الحجاج من بطن مكةٍ الجمال بِمَا عَلَيْهَا، وَالرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِنْهُ، وَبَلَغَ الْمَاءُ إِلَى الْحَجُونِ، وَغَرِقَ خلقٌ كَثِيرٌ، وَقِيلَ إِنَّهُ ارْتَفَعَ حتَّى كَادَ أَنْ يُغَطِّيَ الْبَيْتَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بالبصرة في هذه السنة الطاعون، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِيهَا قَطَعَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ نَهْرَ بَلْخَ، وَأَقَامَ بِكَشَّ سَنَتَيْنِ صَابِرًا مُصَابِرًا لِلْأَعْدَاءِ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَجَرَتْ لَهُ مَعَهُمْ هناك فصول يطول ذكرها، وفد عليه في غضون هَذِهِ الْمُدَّةِ كِتَابُ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِخَلْعِهِ الْحَجَّاجَ، فَبَعَثَهُ الْمُهَلَّبُ بِرُمَّتِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ حَتَّى قَرَأَهُ ثُمَّ كَانَ مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ حُرُوبِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ الْحَجَّاجُ الْجُيُوشَ مِنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وغيرهما لقتال رتبيل ملك الترك ليقضوا مِنْهُ مَا كَانَ مِنْ قَتْلِ جَيْشِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَجَهَّزَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ كُلٍّ مِنَ الْمِصْرَيْنِ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَأَمَّرَ عَلَى الْجَمِيعِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ الحجاج يبغضه جداً، حتى قال ما رأيته قط إلا هممت
__________
(1) انظر الابيات في ابن خلكان 4 / 95 وشعر الخوارج مع تخريجها ص 122 - 123.
(2) بست: بالضم: مدينة بين سجستان وغزنين وهراة، وأظنها من أعمال كابل (معجم البلدان) .
(3) قال البلاذري: سيل الجحاف والجراف أيضا.
والجحاف والجراف بمعنى واحد وهو الذي يجرف كل شئ ويذهب به، وأشار البلاذري إلى أن السيل كان يوم الاثنين وذلك يوم التروية والحجاج آمنون غارون وقد نزلوا في وادي مكة (انظر الازرقي أخبار مكة 2 / 168 شفاء الغرام 2 / 261) .
(*)
(9/39)

بِقَتْلِهِ، وَدَخَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ يَوْمًا عَلَى الْحَجَّاجِ وَعِنْدَهُ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ (1) فَقَالَ انْظُرْ إِلَى مِشْيَتِهِ وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَأَسَرَّهَا الشَّعْبِيُّ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ فَقَالَ ابْنُ الْأَشْعَثِ: وأنا والله لأجهدت أَنْ أُزِيلَهُ عَنْ سُلْطَانِهِ إِنْ طَالَ بِي وَبِهِ الْبَقَاءُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحَجَّاجَ أَخْذَ فِي استعراض هذه الجنود وَبَذَلِ فِيهِمُ الْعَطَاءَ ثُمَّ اخْتَلَفَ رَأْيُهُ فِيمَنْ يُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَعَ اخْتِيَارُهُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَقَدَّمَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَتَى عَمُّهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْأَشْعَثِ فَقَالَ لِلْحَجَّاجِ: إني أخاف أن تؤمره فلا ترى لك طاعة إذا جاوز جسر الصراه (2) ، فقال: ليس هو هنالك هو لي حبيب، ومتى أَرْهَبُ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرِي أَوْ يَخْرُجَ عَنْ طَاعَتِي، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ، فَسَارَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِالْجُيُوشِ نحو أرض رتبيل، فلما بلغ رتبيل مجئ ابْنِ الْأَشْعَثِ بِالْجُنُودِ إِلَيْهِ كَتَبَ إِلَيْهِ رُتْبِيلَ يتعذر مِمَّا أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِ فِي السَّنَةِ الماضية، وأنه كان لذلك كارهاً، وأن المسلمين هم الذين ألجؤه إِلَى قِتَالِهِمْ، وَسَأَلَ مِنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ أَنْ يُصَالِحَهُ وَأَنْ يَبْذُلَ لِلْمُسْلِمِينَ الْخَرَاجَ، فَلَمْ يُجِبْهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى ذَلِكَ، وَصَمَّمَ عَلَى دُخُولِ بِلَادِهِ، وَجَمَعَ رُتْبِيلُ جُنُودَهُ وَتَهَيَّأَ لَهُ وَلِحَرْبِهِ، وَجَعَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ كَلَّمَا دَخَلَ بَلَدًا أَوْ مَدِينَةً أَوْ أَخَذَ قَلْعَةً مِنْ بِلَادِ رُتْبِيلَ استعمل عليها نائباً من جهته يحفظها له، وجعل المشايخ (3) عَلَى كُلِّ أَرْضٍ وَمَكَانٍ مَخُوفٍ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَى بِلَادٍ وَمُدُنٍ كَثِيرَةٍ مِنْ بِلَادِ رُتْبِيلَ، وَغَنِمَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً جَزِيلَةً، وَسَبَى خَلْقًا كَثِيرَةً، ثُمَّ حَبَسَ النَّاسَ عَنِ التَّوَغُّلِ فِي بِلَادِ رُتْبِيلَ حَتَّى يُصْلِحُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْبِلَادِ، وَيَتَقَوَّوْا بما فيها من المغلات والحواصل، ثم يتقدمون فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ إِلَى أَعْدَائِهِمْ فَلَا يَزَالُونَ يجوزون الأراضي والأقاليم حتى يحاصروا رتبيل وجنوده فِي مَدِينَتِهِمْ مَدِينَةِ الْعُظَمَاءِ عَلَى الْكُنُوزِ وَالْأَمْوَالِ وَالذَّرَّارِي حَتَّى يَغْنَمُوهَا ثُمَّ يَقْتُلُونَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ هَذَا هُوَ الرَّأْيُ، وَكَتَبَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى
الْحَجَّاجِ يُخْبِرُهُ بِمَا وَقَعَ مِنَ الْفَتْحِ وَمَا صَنَعَ اللَّهُ لَهُمْ، وَبِهَذَا الرأي رَآهُ لَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ وَجَّهَ هِمْيَانَ بْنَ عَدِيٍّ السَّدُوسِيَّ إِلَى كَرْمَانَ مَسْلَحَةً لِأَهْلِهَا لِيَمُدَّ عَامِلَ سِجِسْتَانَ وَالسِّنْدِ إِنِ احْتَاجَا إِلَى ذَلِكَ، فَعَصَى هِمْيَانُ وَمَنْ مَعَهُ على الحجاج، فَوَجَّهَ الْحَجَّاجُ إِلَيْهِ ابْنَ الْأَشْعَثِ فَهَزَمَهُ وَأَقَامَ ابن الأشعث بِمَنْ مَعَهُ، وَمَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ بِإِمْرَةِ سِجِسْتَانَ مَكَانَ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَجَهَّزَ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ جَيْشًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَلْفَيْ أَلْفٍ سِوَى أُعْطِيَاتِهِمْ، وَكَانَ يُدْعَى هَذَا الْجَيْشُ جَيْشَ الطَّوَاوِيسِ، وَأَمَرَهُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى رُتْبِيلَ فَكَانَ مِنْ أمره معه ما تقدم.
__________
(1) هو عامر بن شراحيل الشعبي، من التابعين، اتصل بعبد الملك بن مروان فكان نديمه وسميره ورسوله إلى ملك الرُّوم مات سنة 103 هـ بالكوفة.
انظر تهذيب التهذيب 5 / 65 وتهذيب ابن عساكر 7 / 138.
(2) في الطبري 8 / 4 وابن الاثير 4 / 455: جسر الفرات، وفي ابن الاعثم 7 / 115 قال: جاءت أخوه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث منهم قيس واسحاق والمنذر والصباح حتى دخلوا على الحجاج فقالوا: لا توجه عبد الرحمن في هذا الجيش، فإنا نتخوف أن يخرج عليك! قال: ليس هذا أول حسد الاخوة، وانما أنتم حسدتموه لانه ليس من أمكم ... (وانظر الامامة والسياسة 2 / 37) .
(3) في الطبري وابن الاثير: المسالح.
(*)
(9/40)

قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَأَبُو مَعْشَرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: بَلْ حَجَّ بِهِمْ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ عَلَى الصَّائِفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْوَلِيدُ بن عبد الملك، وعلى المدينة أبان ابن عُثْمَانَ، وَعَلَى الْمَشْرِقِ بِكَمَالِهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ مُوسَى بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
وممَّن توفِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ أَسْلَمُ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ أَبُو زَيْدِ بْنُ أَسْلَمَ أَصْلُهُ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ اشْتَرَاهُ عُمَرُ بِمَكَّةَ لَمَّا حَجَّ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ وَعُمْرُهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، وَرَوَى عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ
أَيْضًا وَلَهُ مَنَاقِبُ كثيرة رحمه الله.
جبير بن نفير ابن مَالِكٍ الْحَضْرَمِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الشَّام وَكَانَ مَشْهُورًا بِالْعِبَادَةِ وَالْعِلْمِ تُوُفِّيَ بِالشَّامِ وَعُمْرُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ أَكْثَرُ وَقِيلَ أَقَلُّ.
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وُلِدَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَأَى النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَفَاةً، سَكَنَ الْمَدِينَةَ، وَلَمَّا اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ جَعْفَرٌ بِمُؤْتَةَ " أَتَى النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمِّهِمْ فَقَالَ: ائْتُونِي بِبَنِي أَخِي، فَأُتِيَ بِهِمْ كَأَنَّهُمْ أَفْرُخٌ، فَدَعَا بِالْحَلَّاقِ فَحَلَقَ رؤوسهم ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ وَبَارِكْ لِعَبْدِ اللَّهِ فِي صَفْقَتِهِ، فَجَاءَتْ أُمُّهُمْ فَذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ليس لهم شئ، فَقَالَ أَنَا لَهُمْ عِوَضًا مِنْ أَبِيهِمْ " وَقَدْ بَايَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمْرُهُمَا سَبْعُ سِنِينَ، وَهَذَا لَمْ يَتَّفِقْ لِغَيْرِهِمَا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ أَسْخَى النَّاسِ، يُعْطِي الْجَزِيلَ الْكَثِيرَ وَيَسْتَقِلُّهُ، وَقَدْ تَصَدَّقَ مَرَّةً بِأَلْفَيْ أَلْفٍ، وَأَعْطَى مَرَّةً رَجُلًا سِتِّينَ أَلْفًا، وَمَرَّةً أَعْطَى رَجُلًا أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَقِيلَ إِنَّ رَجُلًا جَلَبَ مَرَّةً سُكَّرًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَسَدَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَشْتَرِهِ أَحَدٌ فَأَمَرَ ابن جعفر قيمه أن يشتريه وأن يهديه لِلنَّاسِ.
وَقِيلَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَجَّ وَنَزَلَ فِي دَارِ مَرْوَانَ قَالَ يَوْمًا لِحَاجِبِهِ: انْظُرْ هَلْ تَرَى بِالْبَابِ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ أَوِ ابْنَ جَعْفَرٍ أَوْ فُلَانًا - وَعَدَّ جَمَاعَةً - فَخَرَجَ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَقِيلَ لَهُ: هُمْ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ يَتَغَدَّوْنَ، فَأَتَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: مَا أَنَا إِلَّا كَأَحَدِهِمْ، ثُمَّ أَخَذَ عَصًا فَتَوَكَّأَ عَلَيْهَا ثُمَّ أَتَى بَابَ ابْنِ جَعْفَرٍ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ وَدَخَلَ فَأَجْلَسَهُ فِي صَدْرِ فِرَاشِهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَيْنَ غداؤك يا بن جعفر؟ فقال: وما تشتهي من شئ فأدعو بِهِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَطْعِمْنَا مُخًّا، فَقَالَ يَا غلام هات مخاً، فأتى بصحيفة فَأَكَلَ مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ لِغُلَامِهِ، هات مخاً، فجاء بصحيفة أُخْرَى مَلْآنَةً مُخًّا إِلَى أَنْ
(9/41)

فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَتَعَجَّبَ مُعَاوِيَةُ وَقَالَ: يا بن جعفر ما يشبعك إِلَّا الْكَثِيرُ مِنَ الْعَطَاءِ، فَلَمَّا خَرَجَ مُعَاوِيَةُ أَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ ابْنُ جَعْفَرٍ صَدِيقًا لِمُعَاوِيَةَ وَكَانَ يَفِدُ عَلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ
فَيُعْطِيهِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَيَقْضِي لَهُ مِائَةَ حَاجَةٍ.
وَلَمَّا حَضَرَتْ مُعَاوِيَةَ الْوَفَاةُ أَوْصَى ابنه يزيد، فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَلَى يَزِيدَ قَالَ لَهُ: كَمْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُعْطِيكَ كُلَّ سَنَةٍ؟ قَالَ أَلْفَ أَلْفٍ.
فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَضَعَفْنَاهَا لَكَ، وَكَانَ يُعْطِيهِ أَلْفَيْ أَلْفٍ كُلَّ سنة، فقال له عبد الملك بْنُ جَعْفَرٍ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا قُلْتُهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكَ، وَلَا أَقُولُهَا لِأَحَدٍ بَعْدَكَ، فَقَالَ يَزِيدُ: وَلَا أَعْطَاكَهَا أَحَدٌ قَبْلِي وَلَا يُعْطِيكَهَا أَحَدٌ بَعْدِي، وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ جَعْفَرٍ جَارِيَةٌ تُغَنِّيهِ تُسَمَّى عِمَارَةَ، وَكَانَ يُحِبُّهَا مَحَبَّةً عَظِيمَةً، فَحَضَرَ عِنْدَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا فَغَنَّتِ الْجَارِيَةُ، فَلَمَّا سَمِعَهَا يَزِيدُ افْتُتِنَ بِهَا وَلَمْ يَجْسُرْ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ أَنْ يطلبها منه، فَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِ يَزِيدَ مِنْهَا حَتَّى مَاتَ أَبُوهُ مُعَاوِيَةُ، فَبَعَثَ يَزِيدُ رَجُلًا مِنْ أهل العراق وأمره أن يتطلع فِي أَمْرِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ، فَقَدِمَ الرَّجُلُ الْمَدِينَةَ وَنَزَلَ جِوَارَ ابْنِ جَعْفَرٍ وَأَهْدَى إِلَيْهِ هَدَايَا وَتُحَفًا كَثِيرَةً، وَأَنِسَ بِهِ، وَلَا زَالَ حَتَّى أخذ الجارية وأتى يزيد.
وكان الحسن البصري يذم ابن جعفر على سماعه الغنى وَاللَّهْوِ وَشِرَائِهِ الْمُوَلَّدَاتِ، وَيَقُولُ أَمَا يَكْفِيهِ هَذَا الأمر القبيح المتلبس بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى زَوَّجَ الْحَجَّاجَ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ يَقُولُ: إِنَّمَا تَزَوَّجْتُهَا لِأَذِلَّ بِهَا آلَ أَبِي طَالِبٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا، وَقَدْ كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَيْهِ أن يطلقها فطلقها.
أسند عبد الله ابن جَعْفَرٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا.
أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ اسْمُهُ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لَهُ أَحْوَالٌ وَمَنَاقِبُ، كَانَ يَقُولُ: قَلْبٌ نَقِيٌّ فِي ثِيَابٍ دَنِسَةٍ خَيْرٌ مِنْ قَلْبٍ دَنِسٍ فِي ثِيَابٍ نَقِيَّةٍ، وَقَدْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ بِدِمَشْقَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي كِتَابِنَا التَّكْمِيلِ.
مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ الْقَدَرِيُّ يُقَالُ إِنَّهُ مَعْبَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن عليم، رَاوِي حَدِيثِ: " لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ ".
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ ابْنِ عبَّاس وَابْنِ عُمَرَ وَمُعَاوِيَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَشَهِدَ يَوْمَ التَّحْكِيمِ، وَسَأَلَ أَبَا مُوسَى فِي ذَلِكَ وَوَصَّاهُ ثُمَّ اجْتَمَعَ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَوَصَّاهُ فِي ذلك فقال له: أيها يا تيس جهنة ما أنت من أهل السر والعلانية، وَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُكَ الْحَقُّ وَلَا يَضُرُّكُ الْبَاطِلُ.
وَهَذَا تَوَسُّمٌ فِيهِ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلِهَذَا كَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ،
وَيُقَالُ إِنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ النَّصارى مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ سوس، وأخذ غيلان (1) القدر
__________
(1) وهو غيلان الدمشقي قال بنفي القدر وبالغ فيه، وقد هم عمر بن عبد العزيز بقتله فتراجع غيلان عن آرائه وأعلن توبته منها ولكنه عاد إلى الكلام عن نفي القدر وأسرف في ذلك إسرافا عظيما في أيام هشام بن عبد الملك الذي كان شديدا على القدرية.
وقد أظهر غيلان تمسكا شديدا بآرائه.
فأمر به هشام فصلب على باب دمشق.
(*)
(9/42)

مِنْ مَعْبَدٍ، وَقَدْ كَانَتْ لِمَعْبَدٍ عِبَادَةٌ وَفِيهِ زَهَادَةٌ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِيَّاكُمْ وَمَعْبَدًا فَإِنَّهُ ضَالٌّ مُضِلٌّ، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ فَعَاقَبَهُ الْحَجَّاجُ عُقُوبَةً عَظِيمَةً بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ ثُمَّ قَتَلَهُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ: بَلْ صَلَبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ بِدِمَشْقَ ثُمَّ قَتَلَهُ، وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: مات قبل التسعين فالله أعلم، وقيل إن الأقرب قتل عبد الملك له وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إحدى وثمانين
فَفِيهَا فَتَحَ عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ مَدِينَةَ قَالِيقَلَا (1) وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَفِيهَا قُتِلَ بُكَيْرُ بْنُ وِشَاحٍ، قتله بجير (2) بْنُ وَرْقَاءَ الصُّرَيْمِيُّ، وَكَانَ بُكَيْرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الشُّجْعَانِ، ثُمَّ ثَارَ لَبُكَيْرِ بْنِ وِشَاحٍ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ صَعْصَعَةُ بْنُ حَرْبٍ العوفي الصريمي، فقتل بجير بْنَ وَرْقَاءَ الَّذِي قَتَلَ بُكَيْرًا، طَعْنُهُ بِخِنْجَرٍ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ فَحُمِلَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ، فَبَعَثَ الْمُهْلَّبُ بِصَعْصَعَةَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ بُحَيْرُ بْنُ وَرْقَاءَ قَالَ ضَعُوا رَأْسَهُ عِنْدَ رِجْلِي، فوضعوه فطعنه بجير بِحَرْبَتِهِ حَتَّى قَتَلَهُ وَمَاتَ عَلَى إِثْرِهِ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ أَنَسُ بْنُ طَارِقٍ (3) : اعْفُ عَنْهُ فَقَدْ قَتَلْتَ بُكَيْرَ بْنَ وِشَاحٍ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمُوتُ وَهَذَا حَيٌّ ثُمَّ قَتَلَهُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ إِنَّمَا قُتِلَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فِتْنَةُ ابْنِ الْأَشْعَثِ قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: كَانَ ابْتِدَاؤُهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَقَدْ سَاقَهَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَوَافَقْنَاهُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ أَنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ كَانَ الْحَجَّاجُ
يُبْغِضُهُ وَكَانَ هُوَ يَفْهَمُ ذَلِكَ وَيُضْمِرُ لَهُ السُّوءَ وَزَوَالَ الْمُلْكِ عَنْهُ، فَلَمَّا أَمَّرَهُ الْحَجَّاجُ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَأَمَرَهُ بِدُخُولِ بِلَادِ رُتْبِيلَ مَلِكِ التُّرْكِ، فَمَضَى وَصَنَعَ مَا قدَّمناه مِنْ أَخْذِهِ بَعْضَ بِلَادِ التُّرْكِ، ثُمَّ رَأَى لِأَصْحَابِهِ أَنْ يُقِيمُوا حَتَّى يَتَقَوَّوْا إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَسْتَهْجِنُ رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ وَيَسْتَضْعِفُ عَقْلَهُ وَيَقْرَعُهُ بِالْجُبْنِ وَالنُّكُولِ عَنِ الْحَرْبِ، وَيَأْمُرُهُ حَتْمًا بِدُخُولِ بِلَادِ رُتْبِيلَ، ثُمَّ أَرْدَفَ ذَلِكَ بِكِتَابٍ ثَانٍ ثُمَّ ثَالِثٍ مع البريد، وكتب في جملة ذلك يابن الحائك الغادر المرتد، امض إلى ما أمرتك به من الإيغال في أرض العدو وإلا حل بك ما لا يطاق.
وكان الحجاج يبغض ابن الأشعث: ويقول هو أهوج أحمق حسود، وأبوه الذي سلب أمير المؤمنين عثمان ثيابه وقاتله، ودل عبيد الله بن زياد على مسلم بن عقيل حتى قتله، وجده الأشعث ارتد عن
__________
(1) قاليقلا: بارمينية العظمى من نواحي خلاط ثم من نواحي منازجرد.
(معجم البلدان) .
(2) في الطبري وابن الاثير: بحير.
(3) في الطبري 8 / 7: طلق.
(*)
(9/43)

الإسلام وما رأيته قط إلا هممت بقتله، ولما كتب الحجاج إلى ابن الأشعث بذلك وترادفت إليه البرد بذلك، غضب ابن الأشعث وقال: يكتب إلي بمثل هذا وهو لا يصلح أن يكون من بعض جندي ولا من بعض خدمي لخوره وضعف قوته؟ أما يذكر أباه من ثقيف هذا الجبان صاحب غزالة - يعني أن غزالة زوجة شبيب حملت على الحجاج وجيشه فانهزموا منها وهي امرأة لما دخلت الكوفة - ثم إن ابن الأشعث جمع رؤوس أهل العراق وقال لهم: إِنَّ الحجاج قد ألح عليكم في الإيغال في بلاد العدو، وهي البلاد التي قد هلك فيها إخوانكم بالأمس، وقد أقبل عليكم فصل الشتاء والبرد، فانظروا في أمركم أما أنا فلست مطيعه ولا أنقض رأيا رأيته بالأمس، ثم قام فيهم خطيباً فأعلمهم بما كان رأى من الرأي له ولهم، وطلب في ذلك من إصلاح البلاد التي فتحوها، وأن يقيموا بها حتى يتقووا بغلاتها وأموالها ويخرج عنهم فصل البرد ثم يسيرون في بلاد العدو فيفتحونها بلداً بلداً إلى أن يحصروا رتبيل ملك الترك في مدينة العظماء، ثم أعلمهم بما كَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ مِنَ الْأَمْرِ بِمُعَاجَلَةِ رُتْبِيلَ (1) .
فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَقَالُوا: لَا بَلْ نَأْبَى عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ الْحَجَّاجِ وَلَا نَسْمَعُ لَهُ ولا نطيع.
قال أبو مخنف: فدحثني مطرف بن عامر بن وائلة (2) الْكِنَانِيُّ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ أوَّل مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ شَاعِرًا خَطِيبًا، وَكَانَ مِمَّا قَالَ: إِنَّ مَثَلَ الْحَجَّاجِ فِي هَذَا الرَّأْيِ وَمَثَلَنَا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ لِأَخِيهِ احْمِلْ عَبْدَكَ عَلَى الْفَرَسِ فَإِنْ هَلَكَ هَلَكَ، وَإِنْ نَجَا فلك، أنتم إذا ظَفِرْتُمْ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي سُلْطَانِهِ، وَإِنْ هَلَكْتُمْ كُنْتُمُ الْأَعْدَاءَ الْبُغَضَاءُ، ثُمَّ قَالَ: اخْلَعُوا عَدُوَّ اللَّهِ الْحَجَّاجَ - وَلَمْ يَذْكُرْ خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ - وَبَايِعُوا لِأَمِيرِكُمْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوَّلُ خَالِعٍ لِلْحَجَّاجِ.
فَقَالَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: خَلَعْنَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَوَثَبُوا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ فَبَايَعُوهُ عِوَضًا عَنِ الْحَجَّاجِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَبَعَثَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى رتبيل فصالحه على أنه إن ظفروا بِالْحَجَّاجِ فَلَا خَرَاجَ عَلَى رُتْبِيلَ أَبَدًا.
ثُمَّ سَارَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِالْجُنُودِ الَّذِينَ مَعَهُ مُقْبِلًا مِنْ سِجِسْتَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ لِيُقَاتِلَهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُ العراق، فلما تَوَسَّطُوا الطَّرِيقَ (3) قَالُوا: إِنَّ خَلْعَنَا لِلْحَجَّاجِ خَلْعٌ لابن مروان فخلعوها وَجَدَّدُوا الْبَيْعَةَ لِابْنِ الْأَشْعَثِ فَبَايَعَهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وسنَّة رَسُولِهِ وَخَلْعِ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَجِهَادِ الملحدين، فَإِذَا قَالُوا نَعَمْ بَايَعَهُمْ.
فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَّاجَ مَا صَنَعُوا مِنْ خَلْعِهِ وَخَلْعِ ابْنِ مَرْوَانَ، كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ وَيَسْتَعْجِلُهُ فِي بَعْثِهِ الْجُنُودَ إِلَيْهِ، وَجَاءَ الْحَجَّاجُ حَتَّى نَزَلَ الْبَصْرَةَ، وَبَلَغَ الْمُهَلَّبَ خَبَرُ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى ابن الأشعث يقول له: إنك يابن الْأَشْعَثِ قَدْ وَضَعْتَ رَجْلَكَ فِي رِكَابٍ طَوِيلٍ، ابق على
__________
(1) في ابن الاعثم 7 / 117: كتب ابن الاشعث كتاباً على لسان الحجاج إليه يأمره فيه بقتل فلان وفلان من أصحابه وأن يبعث برؤوسهم إليه، وقرأه أمام أصحابه ... ثم أعلن امامهم خلعه وصاحبه عبد الملك بن مروان (وانظر الامامة والسياسة 2 / 33) .
(2) في الطبري وابن الاثير: واثلة.
(3) في مروج الذهب 3 / 159: صار إلى بلاد كرمان.
(*)
(9/44)

أمة محمد صلى الله عليه وسلم، انظر إلى نفسك فَلَا تُهْلِكْهَا، وَدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا تَسْفِكْهَا، وَالْجَمَاعَةِ فَلَا تُفَرِّقْهَا،
وَالْبَيْعَةِ فَلَا تَنْكُثْهَا، فَإِنْ قُلْتَ أَخَافُ النَّاسَ عَلَى نَفْسِي فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخَافَهُ مِنَ النَّاسِ، فَلَا تُعَرِّضْهَا لِلَّهِ فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ، أَوِ اسْتِحْلَالِ مُحَرَّمٍ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ (1) .
وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْحَجَّاجِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ أَقْبَلُوا إِلَيْكَ مِثْلَ السَّيْلِ المنحدر من علو ليس شئ يَرُدُّهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى قَرَارِهِ، وَإِنَّ لِأَهْلِ العراق شدة (2) فِي أَوَّلِ مَخْرَجِهِمْ، وَصَبَابَةً إِلَى أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فليس شئ يردهم حتى يصلوا إلى أهليهم وينبسطوا إلى نسائهم وَيَشَمُّوا أَوْلَادَهُمْ.
ثُمَّ وَاقِعْهُمْ عِنْدَهَا فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَلَمَّا قَرَأَ الْحَجَّاجُ كِتَابَهُ قَالَ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ، لا والله مالي نظر ولكن لابن عمه نصح.
ولما وصل البريد بكتاب الْحَجَّاجِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ هَالَهُ ذَلِكَ ثُمَّ نَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ وَبَعَثَ إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَأَقْرَأَهُ كِتَابَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ كَانَ هَذَا الْحَدَثُ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ فَخَفْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ سِجِسْتَانَ فَلَا تَخَفْهُ، ثُمَّ أَخَذَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي تَجْهِيزِ الْجُنُودِ مِنَ الشَّامِ إِلَى العراق في نصرة الحجاج وتجهيزه في الخروج إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَعَصَى رَأْيَ الْمُهَلَّبِ فِيمَا أشار به عليه، وكان في شوره النُّصْحُ وَالصِّدْقُ، وَجُعِلَتْ كُتُبُ الْحَجَّاجِ لَا تَنْقَطِعُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِخَبَرِ ابْنِ الْأَشْعَثِ صَبَاحًا وَمَسَاءً، أَيْنَ نَزَلَ وَمِنْ أَيْنَ ارْتَحَلَ، وَأَيُّ النَّاسِ إِلَيْهِ أَسْرَعُ.
وَجَعَلَ النَّاسُ يَلْتَفُّونَ عَلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ سَارَ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ فَارِسٍ وَمِائَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَخَرَجَ الْحَجَّاجُ فِي جُنُودِ الشَّامِ مِنَ الْبَصْرَةِ نَحْوَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَنَزَلَ تُسْتَرَ وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُطَهِّرَ بْنَ حيي الكعبي (3) أَمِيرًا عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زميت (4) أميرا آخر، فانتهو إِلَى دُجَيْلٍ فَإِذَا مُقَدِّمَةُ ابْنِ الْأَشْعَثِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَانٍ الْحَارِثِيُّ، فَالْتَقَوْا فِي يَوْمِ الْأَضْحَى عِنْدَ نَهْرِ دُجَيْلٍ، فَهُزِمَتْ مُقَدِّمَةُ الْحَجَّاجِ وَقَتَلَ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا نَحْوَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ (5) ، وَاحْتَازُوا مَا فِي مُعَسْكَرِهِمْ مِنْ خُيُولٍ وَقُمَاشٍ وَأَمْوَالٍ.
وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِهَزِيمَةِ أَصْحَابِهِ وأخذه مادب وَدَرَجَ.
وَقَدْ كَانَ قَائِمًا يَخْطُبُ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ارْجِعُوا إِلَى الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُ أَرْفَقُ بِالْجُنْدِ، فرجع بالناس وتبعهم خُيُولُ ابْنِ الْأَشْعَثِ لَا يُدْرِكُونَ مِنْهُمْ شَاذًّا إِلَّا قَتَلُوهُ، وَلَا فَاذًّا إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَمَضَى الحجاج هارباً لا يلوي على شئ حَتَّى أَتَى الزَّاوِيَةَ فَعَسْكَرَ عِنْدَهَا وَجَعَلَ يَقُولُ: لله در المهلب أي صاحب حرب هذا، قَدْ أَشَارَ عَلَيْنَا بِالرَّأْيِ وَلَكِنَّا لَمْ نَقْبَلْ، وَأَنْفَقَ الْحَجَّاجُ عَلَى جَيْشِهِ وَهُوَ بِهَذَا الْمَكَانِ مِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ
دِرْهَمٍ، وَخَنْدَقَ حَوْلَ جَيْشِهِ خَنْدَقًا، وَجَاءَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فَدَخَلُوا الْبَصْرَةَ وَاجْتَمَعُوا بِأَهَالِيهِمْ وَشَمُّوا أَوْلَادَهُمْ، وَدَخَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ البصرة فخطب الناس بهم وَبَايَعَهُمْ وَبَايَعُوهُ عَلَى خَلْعِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَنَائِبِهِ
__________
(1) نسخة الكتاب في الطبري 8 / 10 وانظر نسخة له باختلاف في ابن الاعثم 7 / 118 - 119.
(2) في الطبري وابن الاثير: شرة.
(3) في الطبري: مطهر بن حر العكي.
وفي ابن الاعثم 7 / 130: حيي العتكي.
(4) في الطبري: ابن رميثة الطائي.
(5) في ابن الاعثم: ثمانية الآف.
(*)
(9/45)

الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَقَالَ لَهُمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ: ليس الحجاج بشئ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِنَا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ لِنُقَاتِلَهُ، ووافقه على خلعهما جميع من في البصرة مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالشُّيُوخِ وَالشَّبَابِ، ثُمَّ أَمَرَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِخَنْدَقٍ حَوْلَ الْبَصْرَةِ فَعَمِلَ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هذه السنة.
وحج بالناس فيها إسحاق بن عيسى فِيمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَفِيهَا غَزَا مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ أَمِيرُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ فَافْتَتَحَ مُدُنًا كَثِيرَةً، وَأَرَاضِيَ عَامِرَةً، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إلى الرقاق الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ الْمُحِيطِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ بجير بن ورقاء الصريمي أحد الأشراف بخراسان، والقواد والأمراء الَّذِي حَارَبَ ابْنَ خَازِمٍ وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ بُكَيْرَ بْنَ وِشَاحٍ ثُمَّ قُتِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
سُوِيدُ بْنُ غَفْلَةَ بْنِ عَوْسَجَةَ بْنِ عَامِرٍ أَبُو أُمَيَّةَ الْجَعَفِيُّ الْكُوفِيُّ، شَهِدَ الْيَرْمُوكَ وَحَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُخَضْرَمِينَ وَيُقَالُ أَنَّهُ رَأَى النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ عَامَ وُلِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَصَلَّى مَعَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يره، وَقِيلَ إِنَّهُ وُلِدَ بَعْدَهُ بِسَنَتَيْنِ، وَعَاشَ مِائَةً وعشرين سنة (1) لم ير يوماً محتنياً ولا متسانداً، وافتض بكراً عام وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقِيلَ إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ كَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الزهاد، والعلماء، وَلَهُ وَصَايَا وَكَلِمَاتٌ حِسَانٌ، وَقَدْ رَوَى عِدَّةَ أحاديث عن الصحابة وعن خَلْقٌ مِنَ التَّابِعِينَ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو الْقَاسِمِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ أيضاً، وهو المعروف بابن الحنفية، وكانت سوداء سندية من بَنِي حَنِيفَةَ اسْمُهَا خَوْلَةُ.
وُلِدَ مُحَمَّدٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَوَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَقَدْ صَرَعَ مَرْوَانَ يَوْمَ الْجَمَلِ وَقَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ وَأَرَادَ قَتْلَهُ فَنَاشَدَهُ مَرْوَانُ بِاللَّهِ وَتَذَلَّلَ لَهُ فَأَطْلَقَهُ، فَلَمَّا وَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ ذَكَّرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ عَفْوًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَعَفَا عَنْهُ وَأَجْزَلَ لَهُ الْجَائِزَةَ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، وَمِنَ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَمِنَ الْأَقْوِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ، وَلَمَّا بُويِعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ لَمْ يُبَايِعْهُ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا شَرٌّ عَظِيمٌ حَتَّى هَمَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِهِ وَبِأَهْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، فلما قتل ابن الزبير
__________
(1) في الاستيعاب: مائة وخمس وعشرون سنة، وفي صفة الصفوة عن ابن سعد 2 / 23: مائة وثمان وعشرون سنة وفي الاصابة: مائة وثلاثين سنة.
(*)
(9/46)

وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَبَايَعَهُ ابْنُ عُمَرَ تَابَعَهُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقِيلَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ.
وَالرَّافِضَةُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ بِجَبَلِ رَضْوَى، وَأَنَّهُ حَيٌّ يُرْزَقُ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ، وَقَدْ قَالَ كُثَيِّرُ (1) عَزَّةَ فِي ذَلِكَ.
أَلَا إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قريشٍ * وُلَاةُ الْحَقِّ أَرْبَعَةٌ سواءُ عَلَيٌّ وَالثَّلَاثَةُ مِنْ بَنِيهِ * هُمُ الْأَسْبَاطُ لَيْسَ بِهِمْ خفاءُ فَسِبْطٌ سِبْطُ إِيمَانٍ وَبِرٍّ (2) * وَسِبْطٌ غَيَّبَتْهُ كربلاءُ وَسِبْطٌ لَا تراه العين حتى * تعود الخيل يقدمها لواءُ ولما هم ابن الزبير بابن الحنفية كتب ابن الحنفية إلى شيعتهم بالكوفة مع أبي الطفيل وأثلة بن
الأسقع وعلى الكوفة المختار بن أبي عبيد، وقد كان ابن الزبير جمع لهم حطباً كثيراً على أبوابهم ليحرقهم بالنار، فلما وصل كتاب ابن الحنفية إلى المختار، وقد كان المختار يدعو إليه ويسميه المهدي، فبعث المختار أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف فاستنقذوا بني هاشم من يدي ابن الزبير، وخرج معهم ابن عباس فمات بالطائف وبقي ابن الحنفية في شيعته، فأمره ابن الزبير أن يخرج عنه فخرج إلى أرض الشام بأصحابه وكانوا نحو سبعة آلاف، فلما وصل إلى أيلة كتب إليه عبد الملك: إما أن تبايعني وإما أن تخرج من أرضي، فكتب إليه ابن الحنفية: أبايعك على أن تؤمن أصحابي، قال: نعم فقام ابن الحنفية في أصحابه: فحمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله الذي حقن دماءكم وأحرز دينكم فمن أحب منكم أن يأتي مأمنه إلى بلده محفوظاً فليفعل، فرحل عنه الناس إلى بلادهم حتَّى بقي في سبعمائة رجل، فأحرم بعمرة وقلد هدياً وسار نحو مكة، فلما أراد دخول الحرم بعث إليه ابن الزبير خيلاً فمنعه أن يدخل، فأرسل إليه: إنا لم نأت لحرب ولا لقتال، دعنا ندخل حتى نقضي نسكناً ثم نخرج عنك، فأبى عليه وكان معه بدن قد قلدها فرجع إلى المدينة فأقام بها محرماً حتى قدم الحجاج وقتل ابن الزبير، فكان ابن الحنفية في تلك المدة محرماً، فلما سار الحجاج إلى العراق مضى
__________
(1) زعمت الكيسانية، وهم القائلون بإمامة محمد بن الحنفية، واختلفوا فمنهم من قطع بموته ومنهم من زعم أنه لم يمت وانه حي في جبل رضوى (جبل قرب ينبع) قيل سموا بالكيسانية إلى كيسان - زعم بعضهم أنه اسم المختار بن أبي عبيد الثقفي وقال الجوهري في الصحاح أنه لقبه وقال غيره كيسان مولى علي رضي الله عنه.
وكان كثير عزة كيساني الاعتقاد.
وفي الاغاني 7 / 245 هذه الابيات للسيد الحميري وأضاف: وهذه الابيات بعينها تروى لكثير، وقد نسبها له في 9 / 14.
(2) في الاغاني 7 / 245: وحلم و 9 / 14 كالاصل: وبر.
ويقصد بسبط الايمان الحسن بن علي والسبط الذي غيبته كربلاء الحسين بن علي وقد قتل شهيدا والسبط الذي لا يذوق الموت هو محمد بن الحنفية.
وبعده في الاغاني ومروج الذهب 3 / 95 ووفيات الاعيان 4 / 172: (من الوافر) .
تغيب لا يرى فيهم زمانا * برضوى عنده عسل وماء (*)
(9/47)

ابن الحنفية إلى مكة وقضى نسكه وذلك بعد عدة سنين، وكان القمل يتناثر منه في تلك المدة كلها، فلما قضى نسكه رجع إلى المدينة أقام بها حتى مات، وقيل إن الحجاج لما قتل ابن الزبير بعث إلى ابن الحنفية: قد قتل عدو الله فبايع، فكتب إليه إذا بايع الناس كلهم بايعت، فقال الحجاج: والله لأقتلنك، فقال ابن الحنفية إن لله في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة في اللوح المحفوظ، في كل نظرة ثلاثمائة وستون قضية، فلعل الله تعالى أن يجعلني في قضية منها فيكفينيك فكتب الحجاج إلى عبد الملك بذلك فأعجبه قوله وكتب إليه قد عرفنا أن محمداً ليس عنده خلاف فارفق به فهو يأتيك ويبايعك، وكتب عبد الملك بكلامه ذلك - إن الله ثلاثمائة وستين نظرة - إلى ملك الرُّوم، وذلك أن ملك الروم كتب إلى عبد الملك يتهدده بجموع من الجنود لا يطيقها أحد، فكتب بكلام ابن الحنفية فقال ملك الروم: إنَّ هذا الكلام ليس من كلام عبد الملك، وإنما خرج من بيت نبوة، ولما اجتمع الناس على بيعة عبد الملك قال ابن عمر لابن الحنفية: ما بقي شئ فبايع، فكتب (1) بيعته إلى عبد الملك ووفد عليه بعد ذلك.
توفي ابن الحنفية في المحرم بالمدينة وعمره خمس وستون سنة، وكان له من الولد عبد الله وحمزة وعلي وجعفر الأكبر والحسن وإبراهيم والقاسم (2) وعبد الرحمن وجعفر الأصغر وعون ورقية، وكلهم لأمهات شتى.
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كَانَتْ شِيعَتُهُ تَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَفِيهِ يَقُولُ السَّيِّدُ: (3) أَلَا قُلْ لِلْوَصِيِّ فَدَتْكَ نَفْسِي * أَطَلْتَ بِذَلِكَ الْجَبَلِ الْمُقَامَا أَضَرَّ بِمَعْشَرٍ والوكَ مِنَّا * وَسَمَّوْكَ الْخَلِيفَةَ وَالْإِمَامَا وَعَادَوْا فِيكَ أَهْلَ الْأَرْضِ طُرًّا * مَقَامُكَ فيهم سِتِّينَ عَامَا (4) وَمَا ذَاقَ ابْنُ خَوْلَةَ طَعْمَ موت * ولا وارث لَهُ أَرْضٌ عِظَامَا لَقَدْ أَمْسَى (5) بِمُورِقِ شِعْبِ رَضْوَى * تُرَاجِعُهُ الْمَلَائِكَةُ الْكَلَامَا وَإِنَّ لَهُ بِهِ لَمَقِيلَ صِدْقٍ * وَأَنْدِيَةً تُحَدِّثُهُ كِرَامَا هَدَانَا اللَّهُ ادخرتم (6) لأمر * به عليه يلتمس التماما
__________
(1) انظر نسخة الكتاب في طبقات ابن سعد 5 / 111.
(2) في وفيات الاعيان عن أبي اليقظان 4 / 173: اسمه الهيثم.
وزاد ابن سعد في الطبقات: 5 / 92: وعبد الله الأصغر وعبد الله بن محمد غير عبد الله أبي هاشم وأمه أم ولد هو ورقية.
(3) وهو السيد الحميري واسمه إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ بن مفرغ الحميري شاعر مشهور وكان كيساني الاعتقاد.
يكنى أبا هاشم حبسه عبيد الله بن زياد ثم أطلقه معاوية.
(4) في مروج الذهب 3 / 95: مغيبك عنهم سبعين عاما.
(5) في الاغاني 9 / 14: أوفى.
(6) في الاغاني: إذا جرتم ... به ولديه نلتمس التماما.
(*)
(9/48)

تمامٌ ثورة (1) المهدي حتى * تروا راياته نترى نِظَامَا وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الرَّافِضَةِ إِلَى إِمَامَتِهِ وَأَنَّهُ يُنْتَظَرُ خُرُوجُهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، كَمَا يَنْتَظِرُ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْهُمُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيَّ، الَّذِي يَخْرُجُ فِي زَعْمِهِمْ مِنْ سِرْدَابِ سَامَرَّا، وَهَذَا مِنْ خُرَافَاتِهِمْ وَهَذَيَانِهِمْ وَجَهْلِهِمْ وضلالهم وترهاتهم، وسنزيد ذلك وضوحاً في موضعه وإن شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ
فَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الزَّاوِيَةِ (2) بَيْنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَالْحَجَّاجِ فِي آخِرِهِ، وَكَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَهْلِ الشَّام، ثمَّ تواقفوا يَوْمًا آخَرَ فَحَمَلَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ أَحَدُ أُمَرَاءِ أَهْلِ الشَّام عَلَى مَيْمَنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ فَهَزَمَهَا وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْقُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَخَرَّ الحجاج لله ساجدا بعد ما كان جثى عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَسَلَّ شَيْئًا مِنْ سَيْفِهِ وَجَعَلَ يَتَرَحَّمُ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبير وَيَقُولُ: مَا كان أكرمه حتى صَبَرَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ أَبُو الطُّفَيْلِ بن عامر بن وائلة (3) اللَّيْثِيُّ، وَلَمَّا فَرَّ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ رَجَعَ ابن الأشعث بمن بقي معه ومن تبعه مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ فَعَمَدَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ إِلَى
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عياش (4) بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَبَايَعُوهُ، فَقَاتَلَ الْحَجَّاجَ خَمْسَ لَيَالٍ أَشَدَّ الْقِتَالِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَحِقَ بِابْنِ الْأَشْعَثِ، وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَاسْتَنَابَ الْحَجَّاجُ عَلَى الْبَصْرَةِ أَيُّوبَ بْنَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ (5) ، وَدَخَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ الْكُوفَةَ فَبَايَعَهُ أَهْلُهَا عَلَى خَلْعِ الْحَجَّاجِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ وَكَثُرَ مُتَابِعُو ابْنِ الْأَشْعَثِ عَلَى ذَلِكَ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ، وَتَفَرَّقَتِ الْكَلِمَةُ جِدًّا وَعَظُمَ الْخَطْبُ، وَاتَّسَعَ الخرق على الراقع.
قال الواقدي: ولما الْتَقَى جَيْشُ الْحَجَّاجِ وَجَيْشُ ابْنِ الْأَشْعَثِ بِالزَّاوِيَةِ جَعَلَ جَيْشُ الْحَجَّاجِ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَقَالَ الْقُرَّاءُ - وَكَانَ عَلَيْهِمْ جَبَلَةُ بْنُ زَحْرٍ -: أَيُّهَا النَّاس لَيْسَ الْفِرَارُ مِنْ أَحَدٍ بأقبح مِنْكُمْ فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَاتِلُوهُمْ عَلَى جَوْرِهِمْ وَاسْتِذْلَالِهِمُ الضُّعَفَاءَ وَإِمَاتَتِهِمُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ حملت القراء - وهم العلماء - على
__________
(1) في الاغاني: مودة ... راياتنا.
(2) الزاوية: موضع قرب البصرة كانت به الوقعة المشهورة بين الحجاج وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قتل فيها خلق كثير من الفريقين (معجم البلدان) .
(3) في ابن الاثير 4 / 467 والطبري 8 / 13، الطفيل بن عامر بن واثلة.
(4) في ابن الاثير والطبري والفتوح 7 / 134: عباس.
(5) في تاريخ ابن عساكر 4 / 389: الحكم بن أيوب بن الحكم الثقفي ... كان قد تزوج أخت الحجاج وفي ابن الاعثم: أخته زينب.
(*)
(9/49)

جيش الحجاج حملة صادقة فبرعوا فِيهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا فَإِذَا هُمْ بِمُقَدَّمِهِمْ جَبَلَةُ بْنُ زَحْرٍ صَرِيعًا، فَهَدَّهُمْ ذَلِكَ فَنَادَاهُمْ جَيْشُ الْحَجَّاجِ يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ قَدْ قَتَلْنَا طَاغِيَتَكُمْ، ثُمَّ حَمَلَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ وَهُوَ عَلَى خَيْلِ الْحَجَّاجِ عَلَى مَيْسَرَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَعَلَيْهَا الأبرد بن مرة (1) التَّمِيمِيُّ، فَانْهَزَمُوا وَلَمْ يُقَاتِلُوا كَثِيرَ قِتَالٍ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ مِنْهُمْ ذَلِكَ.
وَكَانَ أَمِيرُ مَيْسَرَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ الْأَبْرَدُ شُجَاعًا لَا يَفِرُّ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ خَامَرَ، فَنُقِضَتِ الصُّفُوفُ وَرَكِبَ النَّاس بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَكَانَ ابْنُ الْأَشْعَثِ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى الْقِتَالِ، فَلَمَّا
رَأَى مَا النَّاسُ فِيهِ أَخَذَ مَنِ اتَّبَعَهُ وَذَهَبَ إِلَى الْكُوفَةِ فَبَايَعَهُ أَهْلُهَا، ثمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ فِي شَعْبَانَ من هذه السنة.
وقعة دير الجماجم قال الْوَاقِدِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ لَمَّا قَصَدَ الْكُوفَةَ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَتَلَقَّوْهُ وَحَفَوْا بِهِ ودخلوا بين يديه، غير أن شر ذمة قَلِيلَةً أَرَادَتْ أَنْ تُقَاتِلَهُ دُونَ مَطَرِ بْنِ نَاجِيَةَ نَائِبِ الْحَجَّاجِ فَلَمْ يُمَكِّنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَعَدَلُوا إِلَى الْقَصْرِ، فَلَمَّا وَصَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إلى الكوفة أمر بالسلالم فَنُصِبَتْ عَلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ فَأَخَذَهُ وَاسْتَنْزَلَ مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةَ وَأَرَادَ قَتْلَهُ فَقَالَ لَهُ: اسْتَبْقِنِي فَإِنِّي خَيْرٌ مِنْ فُرْسَانِكَ، فَحَبَسَهُ ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَأَطْلَقَهُ وَبَايَعَهُ وَاسْتَوْثَقَ لِابْنِ الْأَشْعَثِ أَمْرُ الْكُوفَةِ وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مَنْ جَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ قَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَمَرَ بِالْمَسَالِحِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَحُفِظَتِ الثُّغُورُ وَالطُّرُقُ وَالْمَسَالِكُ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ رَكِبَ فَيْمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ الشَّامِيَّةِ مِنَ الْبَصْرَةِ فِي الْبَرِّ حَتَّى مَرَّ بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ وَالْعُذَيْبِ وَبَعَثَ إِلَيْهِ ابْنُ الْأَشْعَثِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْعَبَّاسِ فِي خَيْلٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الْمَصْرَيْنِ فَمَنَعُوا الْحَجَّاجَ مِنْ دخول الْقَادِسِيَّةِ، فَسَارَ الْحَجَّاجُ حَتَّى نَزَلَ دَيْرَ قُرَّةَ، وَجَاءَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ الْبَصْرِيَّةِ وَالْكُوفِيَّةِ حَتَّى نَزَلَ دَيْرَ الْجَمَاجِمِ، وَمَعَهُ جنود كثيرة، وفيهم القراء وَخَلْقٌ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: قَاتَلَ اللَّهُ ابْنَ الْأَشْعَثِ، أَمَا كَانَ يَزْجُرُ الطَّيْرَ حَيْثُ رَآنِي قَدْ نَزَلْتُ دَيْرَ قُرَّةَ، وَنَزَلَ هُوَ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ.
وَكَانَ جُمْلَةُ مَنِ اجْتَمَعَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلٍ مِمَّنْ يَأْخُذُ الْعَطَاءَ، وَمَعَهُمْ مِثْلُهُمْ مِنْ مَوَالِيهِمْ، وَقَدِمَ عَلَى الْحَجَّاجِ فِي غُبُونِ ذَلِكَ أَمْدَادٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الشَّامِ، وَخَنْدَقَ كُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى نَفْسِهِ وَحَوْلَ جَيْشِهِ خَنْدَقًا يُمْتَنَعُ بِهِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ كَانَ يَبْرُزُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ فيقتتلون قتالاً شديداً في كل حين، حتى أصيب من رؤوس النَّاس خَلْقٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، وَاسْتَمَرَّ هَذَا الْحَالُ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَاجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ مِنْ أَهْلِ الْمَشُورَةِ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالُوا لَهُ: إِنْ كَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يُرْضِيهِمْ مِنْكَ أَنْ تَعْزِلَ عَنْهُمُ الْحَجَّاجَ فَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ قِتَالِهِمْ وَسَفْكِ دِمَائِهِمْ، فَاسْتَحْضَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ عِنْدَ ذَلِكَ أَخَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَمَعَهُمَا جُنُودٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَكَتَبَ مَعَهُمَا كِتَابًا إِلَى أهل
__________
(1) في الطبري 8 / 24 قرة.
(*)
(9/50)

الْعِرَاقِ يَقُولُ لَهُمْ: إِنْ كَانَ يُرْضِيكُمْ مِنِّي عزل الحجاج عنكم عزلته عنكم، وبعثت عَلَيْكُمْ أُعْطِيَّاتِكُمْ مِثْلَ أَهْلِ الشَّامِ، وَلْيَخْتَرِ ابْنُ الْأَشْعَثِ أَيَّ بَلَدٍ شَاءَ يَكُونُ عَلَيْهِ أَمِيرًا مَا عَاشَ وَعِشْتُ، وَتَكُونُ إِمْرَةُ الْعِرَاقِ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقَالَ فِي عَهْدِهِ هَذَا: فَإِنْ لم تجب أَهْلُ الْعِرَاقِ إِلَى ذَلِكَ فَالْحَجَّاجُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ إِمْرَةُ الْحَرْبِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي طاعة الحجاج وَتَحْتَ أَمْرِهِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ رَأْيِهِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ.
وَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَّاجَ مَا كَتَبَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ عَزْلِهِ إِنْ رَضُوا بِهِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَشَقَّةً عَظِيمَةً جِدًّا وَعَظُمَ شَأْنُ هَذَا الرَّأْيِ عِنْدَهُ، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاللَّهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَ أَهْلَ الْعِرَاقِ نَزْعِي عَنْهُمْ لَا يَلْبَثُونَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يُخَالِفُوكَ وَيَسِيرُوا إِلَيْكَ، وَلَا يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا جُرْأَةً عَلَيْكَ.
أَلَمْ تَرَ وَتَسْمَعْ بِوُثُوبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَعَ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ عَلَى ابْنِ عَفَّانَ؟ فَلَمَّا سَأَلَهُمْ مَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نَزْعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَلَمَّا نَزَعَهُ لَمْ تَتِمَّ لَهُمُ السَّنَةُ حَتَّى سَارُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ؟ وَإِنَّ الْحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفلَح، كَانَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا ارْتَأَيْتَ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ.
قَالَ: فَأَبَى عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَّا عَرْضَ هَذِهِ الْخِصَالِ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ كَمَا أَمَرَ، فَتَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ فَنَادَى عَبْدُ اللَّهِ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكُمْ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَذَكَرَ مَا كَتَبَ بِهِ أَبُوهُ مَعَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ: وَأَنَا رَسُولُ أَخِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْكُمْ بِذَلِكَ، فَقَالُوا: نَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا غَدًا وَنَرُدُّ عَلَيْكُمُ الْخَبَرَ عَشِيَّةً، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَاجْتَمَعَ جَمِيعُ الْأُمَرَاءِ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا وَنَدَبَهُمْ إِلَى قَبُولِ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَزْلِ الْحَجَّاجِ عَنْهُمْ وَبَيْعَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَإِبْقَاءِ الْأُعْطِيَّاتِ وَإِمْرَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى الْعِرَاقِ بَدَلَ الْحَجَّاجِ، فَنَفَرَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَقْبَلُ ذَلِكَ، نَحْنُ أَكْثَرُ عَدَدًا وَعُدَدًا، وَهُمْ فِي ضِيقٍ مِنَ الْحَالِ وَقَدْ حَكَّمْنَا عَلَيْهِمْ وَذَلُّوا لَنَا، وَاللَّهِ لَا نُجِيبُ إِلَى ذَلِكَ أَبَدًا.
ثُمَّ جَدَّدُوا خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ ونائبه ثَانِيَةً، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ كُلُّهُمْ (1) .
فَلَمَّا بَلَغَ عبد الله بن عبد الملك وعمه محمداً الْخَبَرُ قَالَا لِلْحَجَّاجِ: شَأْنُكَ بِهِمْ إِذًا، فَنَحْنُ فِي طَاعَتِكَ كَمَا أَمَرَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَا إِذَا لَقِيَاهُ سَلَّمَا عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ وَيُسَلِّمُ هُوَ أَيْضًا عَلَيْهِمْ بِالْإِمْرَةِ، وَتَوَلَّى الْحَجَّاجُ أَمْرَ الْحَرْبِ وَتَدْبِيرَهَا كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَرَزَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْقِتَالِ وَالْحَرْبِ، فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سُلَيْمَانَ (2) ، وعلى ميسرته عمارة بن تميم
__________
(1) في ابن الاعثم 7 / 137: فعزم أهل العراق على أن يقبلوا ما في الكتاب وأن يخذلوا ابن الاشعث ثم بلغهم أن عبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان في طاعة الحجاج وانهم يصلون خلفه.
فغضبوا لذلك وشتموا عبد الملك والحجاج وعزموا على الحرب والمناجزة.
(2) في الطبري 8 / 16 وابن الاثير 4 / 471: سليم الكلبي.
(*)
(9/51)

اللَّخْمِيَّ، وَعَلَى الْخَيْلِ سُفْيَانَ بْنَ الْأَبْرَدِ وَعَلَى الرَّجَّالَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَبِيبٍ (1) الْحَكَمِيَّ.
وَجَعَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ عَلَى مَيْمَنَتِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ حَارِثَةَ الجشمي (2) ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ الْأَبْرَدَ بْنَ قُرَّةَ التَّمِيمِيَّ، وَعَلَى الخيالة عبد الرحمن بن عباس (3) بن أبي رَبِيعَةَ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ الزُّهْرِيَّ، وَعَلَى الْقُرَّاءِ جَبَلَةَ بْنَ زحر بن قيس الجعفي، وكان فيهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَكُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ - وَكَانَ شُجَاعًا فَاتِكًا عَلَى كِبَرِ سِنِّهِ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَجَعَلُوا يَقْتَتِلُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ تَأْتِيهِمُ الْمِيرَةُ مِنَ الرَّسَاتِيقِ وَالْأَقَالِيمِ، من العلف والطعام، وأما أهل الشام الذين مع الحجاج فهم في أضيق حال مِنَ الْعَيْشِ، وَقِلَّةٍ مِنَ الطَّعَامِ، وَقَدْ فَقَدُوا اللَّحْمَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يَجِدُونَهُ، وَمَا زَالَتِ الْحَرْبُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ كُلِّهَا حَتَّى انْسَلَخَتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ وَقِتَالِهِمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ يَوْمٍ بَعْدَ يَوْمٍ، وَالدَّائِرَةُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَهْلِ الشَّام فِي أَكْثَرِ الْأَيَّامِ.
وَقَدْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَجَّاجِ زِيَادُ بْنُ غَنْمٍ، وَكَسَرَ بِسْطَامُ بْنُ مِصْقَلَةَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ جُفُونَ سُيُوفِهِمْ وَاسْتَقْتَلُوا وَكَانُوا مِنْ أَصْحَابِ ابن الأشعث.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَفَاةُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، وَهُوَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ ظَالِمٌ أَبُو سَعِيدٍ الْأَزْدِيُّ أَحَدُ أَشْرَافِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَوُجُوهِهِمْ وَدُهَاتِهِمْ وَأَجْوَادِهِمْ وَكُرَمَائِهِمْ، وُلِدَ عَامَ الْفَتْحِ، وَكَانُوا
يَنْزِلُونَ فِيمَا بَيْنَ عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ، وَقَدِ ارْتَدَّ قَوْمُهُ فَقَاتَلَهُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَظَفِرَ بِهِمْ، وَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الصِّدِّيقِ وَفِيهِمْ أَبُو صُفْرَةَ وَابْنُهُ الْمُهَلَّبُ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ، ثُمَّ نَزَلَ الْمُهَلَّبُ الْبَصْرَةَ وَقَدْ غَزَا فِي أيَّام مُعَاوِيَةَ أَرْضَ الْهِنْدِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَوَلِيَ الْجَزِيرَةِ لِابْنِ الزُّبَيْرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، ثُمَّ وَلِيَ حَرْبَ الْخَوَارِجِ أَوَّلَ دَوْلَةِ الْحَجَّاجِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ فِي وَقْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَثَمَانَمِائَةٍ، فَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ الْحَجَّاجِ.
وَكَانَ فَاضِلًا شُجَاعًا كَرِيمًا يُحِبُّ الْمَدْحَ، وَلَهُ كَلَامٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ: نِعْمَ الْخَصْلَةُ السَّخَاءُ تَسْتُرُ عَوْرَةَ الشَّرِيفِ وَتَلْحَقُ خَسِيسَةَ الْوَضِيعِ، وَتُحَبِّبُ الْمَزْهُودَ فِيهِ، وَقَالَ: يُعْجِبُنِي فِي الرَّجُلِ خَصْلَتَانِ أَنْ أَرَى عَقْلَهُ زَائِدًا عَلَى لِسَانِهِ، وَلَا أَرَى لِسَانَهُ زَائِدًا عَلَى عَقْلِهِ.
تُوُفِّيَ الْمُهَلَّبُ غَازِيًا بمرو الروذ وعمر وست وَسَبْعُونَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَكَانَ لَهُ عَشْرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ وَهُمْ: يَزِيدُ، وَزِيَادٌ، وَالْمُفَضَّلُ، وَمُدْرِكٌ، وَحَبِيبٌ، وَالْمُغِيرَةُ، وَقَبِيصَةُ، وَمُحَمَّدٌ، وَهِنْدٌ، وَفَاطِمَةُ.
تُوُفِّيَ الْمُهَلَّبُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ وَلَهُ مَوَاقِفُ حَمِيدَةٌ، وَغَزَوَاتٌ مَشْهُورَةٌ فِي التُّرْكِ وَالْأَزَارِقَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَوَارِجِ، وَجَعَلَ الأمر من بعده ليزيد بْنِ الْمُهَلَّبِ عَلَى إِمْرَةِ خُرَاسَانَ فَأَمْضَى لَهُ ذلك الحجاج وعبد الملك بن مروان.
__________
(1) ابن الاثير: خبيب.
(2) في الطبري: جارية الخثعمي، وفي ابن الاثير: حارثة الخثعمي.
(3) تقدم: عباس، وفي الاصل عياش تحريف.
(*)
(9/52)

أسماء بن خارجة الفزاري الكوفي وكان جواداً ممدحاً، حكي أَنَّهُ رَأَى يَوْمًا شَابًّا عَلَى بَابِ دَارِهِ جَالِسًا فَسَأَلَهُ عَنْ قُعُودِهِ عَلَى بَابِهِ فَقَالَ: حَاجَةٌ لَا أَسْتَطِيعُ ذِكْرَهَا، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: جَارِيَةٌ رَأَيْتُهَا دَخَلَتْ هَذِهِ الدَّارَ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهَا وَقَدْ خَطَفَتْ قَلْبِي مَعَهَا، فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَأَدْخَلَهُ دَارَهُ وَعَرَضَ عَلَيْهِ كُلَّ جَارِيَةٍ عِنْدَهُ حَتَّى مَرَّتْ تِلْكَ الْجَارِيَةُ فَقَالَ: هَذِهِ، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ فَاجْلِسْ عَلَى الْبَابِ مَكَانَكَ، فَخَرَجَ الشَّابُّ فَجَلَسَ مَكَانَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ بَعْدَ سَاعَةٍ وَالْجَارِيَةُ مَعَهُ قَدْ أَلْبَسَهَا أَنْوَاعَ الْحُلِيِّ، وَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْكَ وَأَنْتَ
دَاخِلَ الدَّارِ إِلَّا أَنَّ الْجَارِيَةَ كَانَتْ لِأُخْتِي، وَكَانَتْ ضَنِينَةً بِهَا، فَاشْتَرَيْتُهَا لَكَ مِنْهَا بِثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَأَلْبَسْتُهَا هَذَا الْحُلِيَّ، فَهِيَ لَكَ بِمَا عَلَيْهَا، فَأَخَذَهَا الشَّابُّ وَانْصَرَفَ.
الْمُغِيرَةُ بن المهلب ابن أَبِي صُفْرَةَ، كَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا شُجَاعًا، لَهُ مواقف مشهورة.
الحارث بن عبد الله ابن رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ الْمَعْرُوفُ بِقُبَاعٍ، وَلِيَ إِمْرَةَ الْبَصْرَةِ لِابْنِ الزُّبير.
مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ كَانَ مِنْ فُضَلَاءِ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ وَأَعْقَلِهِمْ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ.
عَبْدُ اللَّهِ بن أبي طلحة بن أبي الْأَسْوَدِ وَالِدُ الْفَقِيهِ إِسْحَاقَ حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ أُمُّ سُلَيْمٍ لَيْلَةَ مَاتَ ابْنُهَا فَأَصْبَحَ أَبُو طلحة فأخبر النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ صَلَّى الله عليه وسلم: " عرستم بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا ".
وَلَمَّا وُلِدَ حَنَّكَهُ بِتَمَرَاتٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ، لَهُ روايات، توفي بالمدينة هذه السنة.
عفان بْنُ وَهْبٍ أَبُو أَيْمَنَ الْخَوْلَانِيُّ الْمِصْرِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَغَزَا الْمَغْرِبَ، وَسَكَنَ مِصْرَ وَبِهَا مات.
جمل بن عبد الله ابن مَعْمَرِ بْنِ صَبَّاحِ (1) بْنِ ظَبْيَانَ بْنِ الْحَسَنِ (2) بن ربيعة بن حرام بن ضبة (3) بن عبيد بن
__________
(1) في الاغاني 8 / 90: الحارث بدل صباح.
وفي الشعر والشعراء: ويقال فيه جميل بن معمر بن عبد الله.
(2) في الاغاني وابن خلكان 1 / 366: حن.
وفي شرح القاموس (مادة خبر) : جميل بن معمر بن خيبري العذري الشاعر المشهور.
(3) كذا بالاصول ضبة وهو تحريف والصواب: ضنة.
(*)
(9/53)

كَثِيرِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْمِ بن زيد بن ليث بن سرهد بْنِ أَسْلَمَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ.
أَبُو عَمْرٍو الشَّاعِرُ صَاحِبُ بُثَيْنَةَ (1) ، كَانَ قَدْ خَطَبَهَا فَمُنِعَتْ مِنْهُ، فَتَغَزَّلَ فِيهَا وَاشْتَهَرَ بِهَا، وَكَانَ أَحَدَ عُشَّاقِ الْعَرَبِ، كَانَتْ إِقَامَتُهُ بِوَادِي الْقُرَى، وكان عفيفاً حيياً دَيِّنًا شَاعِرًا إِسْلَامِيًّا، مِنْ أَفْصَحِ الشُّعَرَاءِ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ رَاوِيَتَهُ، وَهُوَ يَرْوِي عن هدبة بن خثرم (2) عَنِ الْحُطَيْئَةِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَابْنِهِ كَعْبٍ، قَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ كَانَ جَمِيلٌ أشعر العرب حيث يقول: وأخبر تماني (3) أَنَّ تَيْمَاءَ مَنْزِلٌ * لِلَيْلَى إِذَا مَا الصَّيْفُ أَلْقَى الْمَرَاسِيَا فَهَذِي شُهُورُ الصَّيْفِ عنَّا قَدِ انْقَضَتْ * فَمَا لِلنَّوَى تَرْمِي بِلَيْلَى الْمَرَامِيَا وَمِنْهَا قوله: وما زلت بي (4) يابثن حَتَّى لَوَ انَّنِي * مِنَ الشَّوْقِ أَسَتَبْكِي الْحَمَامَ بَكَى لِيَا وَمَا زَادَنِي الْوَاشُونَ إِلَّا صَبَابَةً * وَلَا كَثْرَةُ النَّاهِينَ إِلَّا تَمَادِيَا وَمَا أَحْدَثَ النأي المفرق بيننا * سلوَّاً ولا طول اجتماع (5) تَقَالِيَا أَلَمْ تَعْلَمِي يَا عَذْبَةَ الرِّيقِ أَنَّنِي * أَظَلُّ إِذَا لَمْ أَلْقَ وَجْهَكِ صَادِيَا لَقَدْ خِفْتُ أَنْ أَلْقَى الْمَنِيَّةَ بَغْتَةً * وَفِي النَّفْسِ حاجات إليك كما هيا وله أيضاً: إِنِّي لَأَحْفَظُ غَيْبَكُمْ وَيَسُرُّنِي * لَوْ تَعْلَمِينَ (6) بِصَالِحٍ أَنْ تَذْكُرِي إِلَى أَنْ قَالَ: مَا أَنْتِ وَالْوَعْدُ الَّذِي تَعِدِينَنِي * إِلَّا كَبَرْقِ سَحَابَةٍ لَمْ تُمْطِرِ وَقَوْلُهُ وَرُوِيَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ (7) : مَا زِلْتُ أَبْغِي الْحَيَّ أَتْبَعُ فَلَّهُمْ (8) * حَتَّى دُفِعْتُ إِلَى رَبِيبَةِ هودج
__________
(1) بثينة: وهي ابنة حبا بن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن الاحب بن حن بن ربيعة تلتقي في النسب هي وجميل في حن من ربيعة.
(2) في الاغاني 8 / 91 وابن خلكان 1 / 367 خشرم.
(3) في الاغاني 8 / 125 وابن خلكان 1 / 367: وخبرتماني.
وفيه والبيت الذي يليه قال الاصفهاني: " وانما يرويه عن المجنون من لا يعلمه ".
وقال ابن خلكان: ومن الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة مجنون ليلى، وليست له، وتيماء خاصة منزل لبني عذرة "، وفي الاغاني: وليست من منازل عامر.
(4) في الاغاني وابن خلكان: وما زلتم ... (5) في الاغاني: التلاقي، وفي ابن خلكان: الليالي (6) في الاغاني: إذ تذكرين.
(7) الابيات في ابن خلكان 1 / 369 عن ابي عساكر وقال وتروى لغيره، وهي في ديوان عمر بن أبي ربيعة ص 87.
(8) في الديوان: ما زلت أتبعهم لاسمع حدوهم.
(*)
(9/54)

فَدَنَوْتُ (1) مُخْتَفِيًا ألمُّ بِبَيْتِهَا * حَتَّى وَلَجْتُ إِلَى خَفِيِّ الْمَوْلِجِ قَالَتْ: وَعَيْشِ أَخِي وَنِعْمَةِ وَالِدِي (2) لَأُنَبِّهَنَّ الْحَيَّ إِنْ لَمْ تَخْرُجِ فَتَنَاوَلَتْ رَأْسِي لِتَعْرِفَ مَسَّهُ * بِمُخَضَّبِ الْأَطْرَافِ غَيْرِ مُشَنَّجِ فَخَرَجْتُ خِيفَةَ أَهْلِهَا (3) فَتَبَسَّمَتْ * فَعَلِمْتُ أَنَّ يَمِينَهَا لَمْ تحرج فلثمت فاها آخذاً بقرونها * فرشفت ريقاً بارداً متثلج (4) قَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ: لَقِيَنِي جَمِيلُ بُثَيْنَةَ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ عِنْدِ هَذِهِ الحبيبة، فقال وإلى أين؟ فقلت: وإلى هذه الحبيبة - يعني عزة - أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا رَجَعْتَ إِلَى بُثَيْنَةَ فَوَاعَدْتَهَا لِي فَإِنَّ لِي مِنْ أَوَّلِ الصَّيْفِ مَا رَأَيْتُهَا، وَكَانَ آخِرُ عَهْدِي بِهَا بِوَادِي الْقُرَى، وَهِيَ تَغْسِلُ هِيَ وَأُمُّهَا ثَوْبًا فَتَحَادَثْنَا إِلَى الْغُرُوبِ، قَالَ كُثَيِّرٌ: فَرَجَعْتُ حَتَّى أَنَخْتُ بِهِمْ.
فقال أبو بثينة: ما ردك يابن أَخِي؟ فَقُلْتُ: أَبْيَاتٌ قُلْتُهَا فَرَجَعْتُ لِأَعْرِضَهَا عَلَيْكَ.
فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَأَنْشَدْتُهُ وَبُثَيْنَةُ تَسْمَعُ مِنْ وراء لحجاب: فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ أَرْسَلَ صَاحِبِي * إِلَيْكِ رَسُولًا وَالرَّسُولُ مُوَكَّلُ (5)
بِأَنْ تَجْعَلِي بَيْنِي وَبَيْنَكِ مَوْعِدًا * وَأَنْ تَأْمُرِينِي مَا الَّذِي فِيهِ أَفْعَلُ وَآخِرُ عَهْدِي مِنْكِ يَوْمَ لَقِيتِنِي * بِأَسْفَلِ وَادِي الدوم والثوب يغسل (6) فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَقْبَلَتْ بُثَيْنَةُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَاعَدَتْهُ إِلَيْهِ، وَجَاءَ جَمِيلٌ وَكُنْتُ مَعَهُمْ فما رأيت ليلة عجب مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ مُنَادِمَاتٍ، وانفضَّ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ وَمَا أَدْرِي أيُّهما أَفْهَمُ لِمَا فِي ضَمِيرِ صَاحِبِهِ مِنْهُ.
وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى جَمِيلٍ وَهُوَ يَمُوتُ فَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ لَمْ يَشْرَبِ الْخَمْرَ قَطُّ، وَلَمْ يَزْنِ قَطُّ، وَلَمْ يَسْرِقْ وَلَمْ يَقْتُلِ النَّفْسَ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: أَظُنُّهُ قَدْ نَجَا وَأَرْجُو لَهُ الْجَنَّةَ، فمن هذا؟ قال: أنا، فقلت الله: ما أظنك سلمت وأنت تشبب بالنساء مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، بِبُثَيْنَةَ.
فَقَالَ: لَا نَالَتْنِي شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وَإِنِّي لَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ وَآخَرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا إِنْ كُنْتُ وَضَعْتُ يديد عليها بريبة، قال: فما برحنا حتى
__________
(1) في الديوان: فقعدت مرتقبا.
(2) في الديوان: وعيش أبي وحرمة أخوتي.
(3) في ابن خلكان: خيفة قولها، وفي الديوان: خوف يمينها.
(4) في الديوان وابن خلكان: شرب النزيف ببرد ماء الحشرج.
(5) في الاغاني 8 / 107: والموكل مرسل، وفي الامالي لابي علي القالي 3 / 231 دار الكتب المصرية: على نأي دار والرسول موكل.
(6) وادي الدوم: واد معترض من شمالي خيبر إلى قبلها، وهو يفصل بين خيبر والعوارض.
(*)
(9/55)

مَاتَ.
قُلْتُ: كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ قَدِمَ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ فأكرمه وسأله عن حبه بثينة فقال: شديداً، وَاسْتَنْشَدَهُ مِنْ أَشْعَارِهِ وَمَدَائِحِهِ فَأَنْشَدَهُ فَوَعَدَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَعَاجَلَتْهُ الْمَنِيَّةُ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ آمِينَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ رَجُلٍ أَنَّ جَمِيلًا قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُبْلِغٌ عَنِّي رِسَالَةً إِلَى حَيِّ بُثَيْنَةَ وَلَكَ مَا
عِنْدِي؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَارْكَبْ نَاقَتِي وَالْبَسْ حُلَّتِي هَذِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ أَبْيَاتًا مِنْهَا قَوْلُهُ: قومي بثينة فاندبي بعويل * وابكي خَلِيلًا دُونَ كُلِّ خَلِيلِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى حيهم أنشد الأبيات فخرجت بثينة كأنها بدر سرى في جنة وَهِيَ تَتَثَنَّى فِي مَرْطِهَا فَقَالَتْ لَهُ: وَيْحَكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ قَتَلْتَنِي، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَقَدْ فَضَحْتَنِي.
فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ صَادِقٌ وهذه حلته وناقته، فلما تحققت ذلك أنشدت أبياتاً ترثيه بها وتتأسف عليه فيها (1) ، وأنه لا يطيب لها العيش بعده، ولا خير لها في الحياة بعد فقده، ثم ماتت من ساعتها: قَالَ الرَّجُلُ: فَمَا رَأَيْتُ أَكْثَرَ بَاكِيًا وَلَا بَاكِيَةً مِنْ يَوْمئِذٍ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ بِدِمَشْقَ: لَوْ تَرَكْتَ الشِّعْرَ وَحَفِظْتَ الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: هَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ بخبرني عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لِحِكْمَةً " (2) .
عُمَرُ بن عبيد الله ابن مَعْمَرِ بْنِ عُثْمَانَ أَبُو حَفْصٍ الْقُرَشِيُّ التَّمِيمِيُّ أَحَدُ الْأَجْوَادِ وَالْأُمَرَاءِ الْأَمْجَادِ، فُتِحَتْ عَلَى يَدَيْهِ بُلْدَانٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ نَائِبًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَقَدْ فَتَحَ كَابُلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ قُطْرِيَّ بْنَ الْفُجَاءَةِ، رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا، وعن عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَابْنُ عَوْنٍ، وَوَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَتُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ.
قَالَهُ الْمَدَائِنِيُّ.
وَحُكِيَ أنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً كَانَتْ تُحْسِنُ الْقُرْآنَ وَالشِّعْرَ وَغَيْرَهُ فَأَحَبَّهَا حُبًّا شَدِيدًا وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مَالَهُ كُلَّهُ حَتَّى أفلس ولم يبق له شئ سِوَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ، فَقَالَتْ لَهُ الْجَارِيَةُ: قَدْ أرى ما بك من قلة الشئ.
فَلَوْ بِعْتَنِي وَانْتَفَعْتَ بِثَمَنِي صَلُحَ حَالُكَ، فَبَاعَهَا لِعُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا (3) - وَهُوَ يَوْمئِذٍ أمير البصرة بمائة ألف
__________
(1) ذكرها ابن خلكان في الوفيات 4 / 371 والاغاني 8 / 154: وَإِنَّ سُلُوِّي عَنْ جَمِيلٍ لِسَاعَةٍ * مِنَ الدَّهْرِ مَا حَانَتْ وَلَا حَانَ حِينُهَا سَوَاءٌ عَلَيْنَا يَا جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ * إِذَا مُتَّ بَأْسَاءُ الحياة ولينها (2) أخرجه البخاري في الادب (90) والترمذي في الادب باب (90) وابن ماجة في الادب (41) والدارمي في
الاستئذان (68) وأحمد في المسند 1 / 269، 271، 303، 309، 313، 327، 3 / 456، 5 / 125.
(3) في العقد الفريد 1 / 92 باعها من عبيد الله بن معمر.
(*)
(9/56)

دِرْهَمٍ، فَلَمَّا قَبَضَ الْمَالَ نَدِمَ وَنَدِمَتِ الْجَارِيَةُ، فأشارت تخاطب سيدها بأبيات شعر وهي: هَنِيئًا لَكَ الْمَالُ الَّذِي قَدْ أَخَذْتَهُ * وَلَمْ يَبْقَ فِي كفِّي إِلَّا تفكُّري أَقُولُ لِنَفْسِي وهي في كرب عيشةٍ * أَقَلِّي فَقَدْ بَانَ الْخَلِيطُ أَوْ أَكْثَرِي إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَمْرِ عِنْدَكِ حيلةٌ * وَلَمْ تَجِدِي بُدًّا مِنَ الصَّبْرِ فَاصْبِرِي فَأَجَابَهَا سَيِّدُهَا فقال: ولولا قعود الدهر عنك لم يكن * لفرقتنا شئ سوى الموت فاصبري (1) أأوب بِحُزْنٍ مِنْ فِرَاقِكِ موجعٌ * أُنَاجِي بِهِ قَلْبًا طَوِيلَ التَّذَكُّرِ (2) عَلَيْكِ سَلَامٌ لَا زِيَارَةَ بَيْنَنَا * وَلَا وَصْلَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ابْنُ مَعْمَرِ فَلَمَّا سَمِعَهُمَا ابْنُ مَعْمَرٍ قَدْ شَبَّبَتْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا فَرَقْتُ بَيْنَ مُحِبَّيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ الْمَالَ - وَهُوَ مِائَةُ أَلْفٍ - وَالْجَارِيَةَ لَمَّا رَأَى مِنْ تَوَجُّعِهِمَا عَلَى فِرَاقِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَأَخَذَ الرِّجْلُ الْجَارِيَةَ وَثَمَنَهَا وَانْطَلَقَ.
تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ هَذَا بِدِمَشْقَ بِالطَّاعُونِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَمَشَى فِي جِنَازَتِهِ وَحَضَرَ دَفْنَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ طَلْحَةُ وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى صَدَاقٍ أَرْبَعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَوْلَدَهَا إِبْرَاهِيمَ وَرَمْلَةَ، فَتَزَوَّجَ رَمْلَةَ إِسْمَاعِيلُ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَلَى صَدَاقٍ مِائَةِ أَلْفِ دينار رحمهم الله.
كميل بن زياد ابن نهيك بن خيثم النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ.
رَوَى عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَشَهِدَ مَعَ عَلَيٍّ صِفِّينَ، وَكَانَ شُجَاعًا فَاتِكًا، وَزَاهِدًا عَابِدًا، قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ قَتَلَهُ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ: وَإِنَّمَا نَقَمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْقِصَاصَ مِنْ لَطْمَةٍ لَطَمَهَا إِيَّاهُ.
فَلَمَّا أَمْكَنَهُ عُثْمَانُ مِنْ نَفْسِهِ عَفَا عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: أَوَ مِثْلُكَ يَسْأَلُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
الْقِصَاصَ؟ ثمَّ أَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، قَالُوا: وَذَكَرَ الْحَجَّاجُ عَلِيًّا فِي غُبُونِ ذَلِكَ فَنَالَ مِنْهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ كُميل، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: وَاللَّهِ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكَ مَنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا أَكْثَرَ مِمَّا تُحِبُّهُ أَنْتَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنَ أَدْهَمَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ، وَيُقَالُ أَبَا الْجَهْمِ بْنَ كِنَانَةَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَقَدْ رَوَى عَنْ كُمَيْلٍ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَلَهُ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي أَوَّلُهُ " الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا " وَهُوَ طَوِيلٌ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ وَفِيهِ مَوَاعِظُ وكلام حسن رضي الله عن قائله.
__________
(1) في العقد: يفرقنا شئ سوى الموت فاعذري.
(2) في العقد: أبوح بحزن ... * أقاسي به ليلا يطيل تفكري.
(*)
(9/57)

زاذان أبو عمر (1) الْكِنْدِيُّ أَحَدُ التَّابِعِينَ كَانَ أَوَّلًا يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ وَيَضْرِبُ بِالطُّنْبُورِ، فَرَزَقَهُ اللَّهُ التَّوْبَةَ عَلَى يَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَحَصَلَتْ لَهُ إِنَابَةٌ وَرُجُوعٌ إِلَى الْحَقِّ، وَخَشْيَةٌ شَدِيدَةٌ، حَتَّى كَانَ في الصلاة كأنه خشبة.
قَالَ خَلِيفَةُ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ أَحَدُ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ، وَقَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مات سنة إحد وثمانين، وقد تقدمت له ترجمة (شقيق بْنُ سَلَمَةَ) أَبُو وَائِلٍ، أَدْرَكَ مِنْ زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ سَبْعَ سِنِينَ، وَأَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أُمُّ الدَّرْدَاءِ الصُّغْرَى اسْمُهَا هُجَيْمَةُ وَيُقَالُ جُهَيْمَةُ تَابِعِيَّةٌ عَابِدَةٌ عَالِمَةٌ فقيهة كان الرجال يقرأون عَلَيْهَا وَيَتَفَقَّهُونَ فِي الْحَائِطِ الشَّمَالِيِّ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يَجْلِسُ فِي حَلْقَتِهَا مَعَ الْمُتَفَقِّهَةِ يَشْتَغِلُ عَلَيْهَا وَهُوَ خَلِيفَةٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وثمانين استهلت هذه السنة والناس متوافقون لِقِتَالِ الْحَجَّاجِ وَأَصْحَابِهِ بِدَيْرِ قُرَّةَ، وَابْنُ الْأَشْعَثِ وَأَصْحَابُهُ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ، وَالْمُبَارَزَةُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَيْنَهُمْ وَاقِعَةٌ، وَفِي غَالِبِ الْأَيَّامِ تَكُونُ النُّصْرَةُ لِأَهْلِ
الْعِرَاقِ عَلَى أَهْلِ الشَّام، حَتَّى قِيلَ إِنَّ أَصْحَابَ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ كَسَرُوا أَهْلَ الشَّامِ وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ مَرَّةً يَنْتَصِرُونَ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ هَذَا فَالْحَجَّاجُ ثَابِتٌ فِي مَكَانِهِ صَابِرٌ وَمُصَابِرٌ لَا يَتَزَحْزَحُ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، بَلْ إِذَا حَصَلَ لَهُ ظَفَرٌ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ يتقدم بجيشه إلى نحو عَدُّوِهِ، وَكَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْحَرْبِ، وَمَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَدَأْبَهُمْ حَتَّى أَمَرَ بِالْحَمْلَةِ عَلَى كَتِيبَةِ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا تَبَعًا لَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَصَبَرَ الْقُرَّاءُ لِحَمْلَةِ جَيْشِهِ، ثُمَّ جَمَعَ الرُّمَاةَ مِنْ جَيْشِهِ وَحَمَلَ بِهِمْ، وَمَا انفكَّ حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ حَمَلَ على ابن الأشعث وعلى من معه من الجيش فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَذَهَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ (2) ، وَهَرَبَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَعَهُ فَلٌّ قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ، فَأَتْبَعُهُ الْحَجَّاجُ جَيْشًا كثيفاً مع عمارة بن غنم (3) اللَّخْمِيِّ وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَالْإِمْرَةُ لِعِمَارَةَ، فَسَاقُوا وَرَاءَهُمْ يَطْرُدُونَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَظْفَرُونَ بِهِ قَتْلًا أَوْ أَسْرًا، فَمَا زَالَ يَسُوقُ وَيَخْتَرِقُ الْأَقَالِيمَ وَالْكُورَ وَالرَّسَاتِيقَ، وَهُمْ فِي أَثَرِهِ حَتَّى وَصَلَ إلى كرمان، واتبعه
__________
(1) من طبقات ابن سعد 6 / 178 وفي الاصل أبو عمرو.
(2) في ابن الاثير 4 / 481: فنزل هو ومن معه لا يلوون على شئ، وفي الطبري 8 / 27: مضى ابن الاشعث والفل من المنهزمين معه نحو سجستان.
وفي مروج الذهب 3 / 160: فمضى حتى انتهى إلى ملوك الهند.
(3) في الطبري: تميم.
(9/58)

الشَّامِيُّونَ فَنَزَلُوا فِي قَصْرٍ كَانَ فِيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ قَبْلَهُمْ، فَإِذَا فِيهِ كِتَابٌ قَدْ كَتَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ الَّذِينَ فَرُّوا مَعَهُ مَنْ شِعْرِ أَبِي جِلْدَةَ (1) الْيَشْكُرِيِّ يَقُولُ: أَيَا لهَفاً وَيَا حُزناً جَمِيعًا * وَيَا حَرَّ (2) الْفُؤَادِ لِمَا لَقِينَا تَرَكْنَا الدِّينَ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا * وَأَسْلَمْنَا (3) الْحَلَائِلَ وَالْبَنِينَا فَمَا كُنَّا أُنَاسًا أَهْلَ دُنْيَا (4) * فَنَمْنَعُهَا وَلَوْ لَمْ نَرْجُ دِينًا تَرَكْنَا دُورَنا لطغامِ عكٍّ * وَأَنْبَاطِ الْقُرَى وَالْأَشْعَرِينَا ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ دَخَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْفَلِّ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ مَلِكِ التُّرْكِ، فَأَكْرَمَهُ رُتْبِيلُ وَأَنْزَلَهُ
عِنْدَهُ وَأَمَّنَهُ وَعَظَّمَهُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَمَرَّ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ عَلَى عَامِلٍ (5) لَهُ فِي بَعْضِ الْمُدُنِ كَانَ ابْنُ الْأَشْعَثِ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَأَكْرَمَهُ ذَلِكَ الْعَامِلُ وَأَهْدَى إِلَيْهِ هَدَايَا وَأَنْزَلَهُ، فَعَلَ ذَلِكَ خَدِيعَةً بِهِ وَمَكْرًا، وَقَالَ لَهُ: ادْخُلْ إِلَى عِنْدِي إِلَى الْبَلَدِ لِتَتَحَصَّنَ بِهَا مِنْ عَدُوِّكَ وَلَكِنْ لَا تَدَعْ أَحَدًا مِمَّنْ مَعَكَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمَكْرَ بِهِ، فَمَنْعَهُ أَصْحَابُهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَثَبَ عَلَيْهِ الْعَامِلُ فَمَسَكَهُ وَأَوْثَقَهُ بِالْحَدِيدِ وَأَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ بِهِ يَدًا عِنْدَ الْحَجَّاجِ، وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ رُتبيل سُرَّ بِقُدُومِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَا حَدَثَ لَهُ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْعَامِلِ بِمَدِينَةِ بُسْتَ، سَارَ حَتَّى أَحَاطَ بِبُسْتَ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَامِلِهَا يَقُولُ لَهُ: وَاللَّهِ لَئِنْ آذَيْتَ ابْنَ الْأَشْعَثِ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَسَتَنْزِلُكَ وَأَقْتُلُ جَمِيعَ مَنْ فِي بَلَدِكَ، فَخَافَهُ ذَلِكَ الْعَامِلُ وَسَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنَ الْأَشْعَثِ فَأَكْرَمَهُ رُتْبِيلُ، فَقَالَ ابْنُ الْأَشْعَثِ لرُتْبِيلَ: إِنَّ هَذَا الْعَامِلَ كَانَ عَامِلِي وَمِنْ جِهَتِي، فَغَدَرَ بِي وَفَعَلَ مَا رَأَيْتَ، فَأْذَنْ لِي فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ: قَدْ أَمَّنْتُهُ (6) .
وَكَانَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ عبد
__________
(1) من الاغاني 11 / 310 والطبري 8 / 27 وفي الاصل: أبي خلدة، وفي ابن الاثير 4 / 484 حلزة وكلاهما تحريف.
وهو ابن عبيد بن منقذ بن حجر بن عبيد الله بن مسلمة بن حبيب بن عدي بن جشم بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر بن بكر بن وائل، شاعر اسلامي أموي من ساكني الكوفة كان من أخص الناس بالحجاج ثم خرج عليه مع ابن الأشعث فقتله الحجاج.
(2) في الاغاني: أيا لهفي ويا حزني جميعا ويا غم ... (3) في الاغاني: وخلينا.
(4) في الطبري والاغاني: دين.
وفي الاغاني: فنصبر للبلاء إذا بلينا، وفي الطبري: فنصبر في البلاء.
(5) ذكره الطبري 8 / 28 وهو: عياض بن هميان أبو هشام بن عياض السدوسي، وفي ابن الاثير 4 / 485 ابن هشام السدوسي.
(6) في ابن الاعثم 7 / 152: عمد ابن الأشعث إلى عياض بن هميان هذا فضرب عنقه وصلبه وأخذ أمواله وخرب منزله.
(*)
(9/59)

الرحمن بن عباس (1) بن أبي رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ هُنَالِكَ فِي بِلَادِ رُتْبِيلَ، ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْفَلِّ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنَ الْحَجَّاجِ اجْتَمَعُوا وَسَارُوا وَرَاءَ ابْنِ الْأَشْعَثِ لِيُدْرِكُوهُ فَيَكُونُوا مَعَهُ - وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ سِتِّينَ أَلْفًا - فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى سِجِسْتَانَ وَجَدُوا ابْنَ الْأَشْعَثِ قَدْ دَخَلَ إِلَى عِنْدِ رُتبيل فَتَغَلَّبُوا عَلَى سِجِسْتَانَ وَعَذَّبُوا عَامِلَهَا عَبْدَ اللَّهِ بن عامر النعار (2) وإخوته وقرابته، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَانْتَشَرُوا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ وَأَخَذُوهَا، ثُمَّ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ: أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا حَتَّى نَكُونَ مَعَكَ نَنْصُرُكَ عَلَى مَنْ يُخَالِفُكَ، وَنَأْخُذُ بِلَادَ خراسان، فإن بها جنداً ومنعة كثيرة مِنَّا، فَنَكُونُ بِهَا حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ الْحَجَّاجَ أَوْ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَنَرَى بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْنَا.
فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَسَارَ بِهِمْ قَلِيلًا إِلَى نَحْوِ خُرَاسَانَ فَاعْتَزَلَهُ شِرْذِمَةٌ مِنْ أَهْلِ العراق مع عبيد الله بْنِ سَمُرَةَ (3) ، فَقَامَ فِيهِمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ خَطِيبًا فَذَكَرَ غَدْرَهُمْ وَنُكُولَهُمْ عَنِ الْحَرْبِ، وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِكُمْ، وَأَنَا ذَاهِبٌ إِلَى صَاحِبِي رُتبيل فَأَكُونُ عِنْدَهُ.
ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَبَقِيَ مُعْظَمُ الْجَيْشِ.
فَلَمَّا انْفَصَلَ عَنْهُمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ بَايَعُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عباس (1) بن أبي رَبِيعَةَ الْهَاشِمِيَّ، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى خُرَاسَانَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُهَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صفرة، فمنعهم من دخول بلاده، وكتب إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسٍ (4) يَقُولُ لَهُ: إِنَّ فِي الْبِلَادِ مُتَّسَعًا فَاذْهَبْ إِلَى أَرْضٍ لَيْسَ بِهَا سُلْطَانٌ فَإِنِّي أَكْرَهُ قِتَالَكَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مَالًا بَعَثْتُ إِلَيْكَ.
فَقَالَ لَهُ: إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا جِئْنَا نَسْتَرِيحُ وَنُرِيحُ خَيْلَنَا ثُمَّ نَذْهَبُ وَلَيْسَتْ بِنَا حاجة إلى شئ مِمَّا عَرَضْتَ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى أَخْذِ الْخَرَاجِ مِمَّا حَوْلُهُ مِنَ الْبِلَادِ مِنْ كُورِ خُرَاسَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَمَعَهُ أَخُوهُ الْمُفَضَّلُ فِي جُيُوشٍ كَثِيفَةٍ، فَلَمَّا صَادَفُوهُمُ (5) اقْتَتَلُوا غَيْرَ كَثِيرٍ ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَلَ يَزِيدُ مِنْهُمْ مقتلة كبيرة، واحتاز ما في معسكره، وَبَعَثَ بِالْأُسَارَى (6) وَفِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَيُقَالُ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ: أَسْأَلُكَ بِدَعْوَةِ أَبِي لِأَبِيكَ لَمَا أَطْلَقْتَنِي، فَأَطْلَقَهُ.
قَالَ ابن جَرِيرٍ: وَلِهَذَا الْكَلَامِ خَبَرٌ فِيهِ طُولٌ، وَلَمَّا قَدِمَتِ الْأُسَارَى عَلَى الْحَجَّاجِ قَتَلَ أَكْثَرَهُمْ
وَعَفَا عَنْ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ يَوْمَ ظَهَرَ على ابن الأشعث نَادَى مُنَادِيهِ فِي النَّاسِ: مَنْ رَجَعَ فَهُوَ
__________
(1) في الاصل عياش تحريف.
وقد تقدم.
(2) في الطبري: البعار.
(3) في الطبري 8 / 29: عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ القرشي، وخرج في ألفين وفارقوا ابن الاشعث (انظر ابن الأثير 4 / 486) .
(4) في الاصل عياش تحريف.
وفي ابن الاعثم 7 / 153 أن الاشعث عقد له وضم إليه أصحابه وامره بمحاربة يزيد بن المهلب، فخرج في ستين ألفاً لمقاتلته.
(5) في ابن الاعثم 7 / 153: وافاهم بمكان يقال له المنعرج.
(6) في الفتوح: أما اليمانية فأطلقهم يزيد بن المهلب، وأما المضرية فشدهم في الحديد ووجههم إلى الحجاج.
(*)
(9/60)

آمن ومن لحق بمسلم بن قتيبة بالري فهو آمن، فلحق بمسلم خَلْقٌ كَثِيرٌ ممَّن كَانَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ فَأَمَّنَهُمُ الْحَجَّاجُ، وَمَنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ شَرَعَ الْحَجَّاجُ فِي تَتَبُّعِهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا حتَّى كان آخر من قتل منهم سعيد بْنُ جُبَيْرٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَكَانَ الشعبي من جملة من صار إلى مسلم بن قتيبة فذكره الحجاج يوماً فقيل له: إنه سار إلى مسلم بن قتيبة، فكتب إلى مسلم: أن ابعث لي بِالشَّعْبِيِّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ ثُمَّ قُلْتُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَمَرُونِي أَنْ أَعْتَذِرَ إِلَيْكَ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَقُولُ فِي هَذَا الْمَقَامِ إِلَّا الْحَقَّ كائنا في ذلك ما كان، قد والله تمردنا عليك، وخرجنا وَجَهَدْنَا كُلَّ الْجَهْدِ فَمَا آلَوْنَا، فَمَا كُنَّا بِالْأَقْوِيَاءِ الْفَجَرَةِ، وَلَا بِالْأَتْقِيَاءِ الْبَرَرَةِ، وَلَقَدْ نَصَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَأَظْفَرَكَ بِنَا فَإِنْ سَطَوْتَ فَبِذُنُوبِنَا وَمَا جَرَّتْ إِلَيْكَ أَيْدِينَا، وَإِنْ عَفَوْتَ عَنَّا فبحلمك، وبعد، فلك الحجة عَلَيْنَا.
فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَنْتَ وَاللَّهِ يَا شَعْبِيُّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّنْ يَدْخُلُ عَلَيْنَا يَقْطُرُ سَيْفُهُ مِنْ دِمَائِنَا ثُمَّ يَقُولُ: مَا فَعَلْتُ وَلَا شَهِدْتُ، قَدْ أَمِنْتَ عِنْدَنَا يَا شَعْبِيُّ.
قَالَ: فَانْصَرَفْتُ فَلَمَّا مَشَيْتُ قَلِيلًا قَالَ: هَلُمَّ يَا شَعْبِيُّ، قَالَ: فَوَجَلَ لِذَلِكَ قَلْبِي، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ قَدْ أَمِنْتَ يَا شَعْبِيُّ فَاطْمَأَنَّتْ نَفْسِي،
فَقَالَ: كَيْفَ وَجَدْتَ النَّاسَ بَعْدَنَا يَا شَعْبِيُّ؟ - قال: وكان لي مكرماً قبل الخروج عليه - فَقُلْتُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، قَدِ اكْتَحَلْتُ بَعْدَكَ السهر، واستوعرت السهل، واستوخمت الجناب، واستجلست الْخَوْفَ، وَاسْتَحْلَيْتُ الْهَمَّ، وَفَقَدْتُ صَالِحَ الْإِخْوَانِ، وَلَمْ أَجِدْ مِنَ الْأَمِيرِ خَلَفًا.
قَالَ انْصَرِفْ يَا شعبي، فانصرفت.
ذكر ذلك ابن جرير وغيره.
ورواه أبو مخنف عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي عَنِ الشَّعْبِيِّ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ: أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ مسألة في الفرائض وهي أم زوج وَأُخْتٌ وَمَا كَانَ يَقُولُهُ فِيهَا الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ قَوْلٌ فِيهَا، فَنَقَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ الشَّعْبِيُّ فِي ساعة فَاسْتَحْسَنَ قَوْلَ عَلِيٍّ وَحَكَمَ بِقَوْلِ عُثْمَانَ، وَأُطْلِقَ الشَّعْبِيُّ بِسَبَبِ ذَلِكَ (1) .
وَقِيلَ إِنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَ خَمْسَةَ آلَافِ أَسِيرٍ مِمَّنْ سَيَّرَهُمْ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلَهَا فَجَعَلَ لَا يُبَايِعُ أَحَدًا من أهلها إلا قال: أشهد عَلَى نَفْسِكَ أَنَّكَ قَدْ كَفَرْتَ، فَإِذَا قَالَ نَعَمْ بَايَعَهُ، وَإِنْ أَبَى قَتَلَهُ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا مِمَّنْ أَبَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ، قَالَ فأُتي بِرَجُلٍ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: مَا أَظُنُّ هَذَا يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ لِصَلَاحِهِ وَدِينِهِ - وَأَرَادَ الْحَجَّاجُ مُخَادَعَتَهُ - فَقَالَ: أَخَادِعِي أَنْتَ عَنْ نَفْسِي؟ أَنَا أَكْفَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ وأكفر من فرعون وهامان ونمروذ.
قَالَ: فَضَحِكَ الْحَجَّاجُ وخلَّى سَبِيلَهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِخْنَفٍ: أَنَّ أَعْشَى هَمْدَانَ أُتي بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ - وَكَانَ قَدْ عمل
__________
(1) انظر تفاصيل اللقاء بينهما وسؤال الحجاج له وجواب الشعبي عليه في مروج الذهب 3 / 176 - 177.
والامامة والسياسة 2 / 48 وفيه أن اللقاء تم بعد شهرين من أسر الشعبي.
(*)
(9/61)

قَصِيدَةً هَجَا فِيهَا الْحَجَّاجَ وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَيَمْدَحُ فِيهَا ابْنَ الْأَشْعَثِ وَأَصْحَابُهُ - فَاسْتَنْشَدَهُ إِيَّاهَا فَأَنْشُدَهُ قَصِيدَةً طَوِيلَةً دَالِيَّةً (1) ، فِيهَا مَدْحٌ كَثِيرٌ لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَجَعَلَ أَهْلُ الشَّامِ يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: إِنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ، إِنَّمَا يَقُولُ هَذَا مُصَانَعَةٌ، ثُمَّ أَلَحَّ عَلَيْهِ حَتَّى أَنْشُدَهُ قَصِيدَتَهُ الْأُخْرَى (2) ، فَلَمَّا أَنْشَدَهَا غَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ وَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ صَبْرًا بَيْنَ
يَدَيْهِ.
وَاسْمُ الْأَعْشَى هَذَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَبُو الْمُصْبِحِ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ الشَّاعِرُ، أَحَدُ الْفُصَحَاءِ الْبُلَغَاءِ الْمَشْهُورِينَ، وَقَدْ كَانَ له فضل وعبادة في مبتداه، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَأَقْبَلَ عَلَى الشِّعْرِ فَعُرِفَ بِهِ، وَقَدْ وَفَدَ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَهُوَ أَمِيرٌ بِحِمْصَ فَامْتَدَحَهُ، وَكَانَ مَحْصُولُهُ فِي رِحْلَتِهِ إِلَيْهِ مِنْهُ وَمِنْ جُنْدِ حِمْصَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ زَوْجَ أُخْتِ الشَّعْبِيِّ، كَمَا أَنَّ الشَّعْبِيَّ كَانَ زَوْجَ أُخْتِهِ أَيْضًا، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَقَتَلَهُ الْحَجَّاجُ كَمَا ذَكَرْنَا رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ وَهُوَ مُوَاقِفٌ لِابْنِ الْأَشْعَثِ بَعَثَ كَمِينًا يَأْتُونَ جَيْشَ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ وَرَائِهِ، ثُمَّ تَوَاقَفَ الْحَجَّاجُ وَابْنُ الْأَشْعَثِ وَهَرَبَ الْحَجَّاجُ بِمَنْ مَعَهُ وَتَرَكَ مُعَسْكَرَهُ، فَجَاءَ ابْنُ الْأَشْعَثِ فَاحْتَازَ مَا فِي الْمُعَسْكَرِ وَبَاتَ فِيهِ، فَجَاءَتِ السَّرِيَّةُ إِلَيْهِمْ لَيْلًا وَقَدْ وَضَعُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَمَالُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وَرَجَعَ الْحَجَّاجُ بِأَصْحَابِهِ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَغَرِقَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي دِجْلَةَ وَدُجَيْلٍ، وَجَاءَ الْحَجَّاجُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ فَقَتَلَ مَنْ وَجَدَهُ فِيهِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْأَعْيَانِ، وَاحْتَازُوهُ بِكَمَالِهِ، وَانْطَلَقَ ابْنُ الْأَشْعَثِ هَارِبًا فِي ثَلَاثمِائَةٍ فَرَكِبُوا دُجَيْلًا فِي السُّفُنِ وَعَقَرُوا دَوَابَّهُمْ وَجَازَوْا إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ سَارُوا مِنْ هُنَالِكَ إلى بلاد الترك، وكان في دخوله بلاد رُتبيل ما تقدم، ثُمَّ شَرَعَ الْحَجَّاجُ فِي تَتَبُّعِ أَصْحَابِ ابْنِ الأشعث فجعل يقتلهم مَثْنَى وَفُرَادَى، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبْرًا مِائَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، قَالَهُ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وقاص، وجماعات من السادات الأخيار، والعلماء الأبرار، حَتَّى كَانَ آخِرُهُمْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُمْ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي موضعه.
__________
(1) ومنها في الطبري 8 / 32، وابن الاثير 4 / 489.
أبى الله إلا أن يتمم نوره * ويطفئ نور الفاسقين فيخمدا إلى قوله: وجدنا بني مروان خير أئمة * وافضل هذي الناس حلما وسؤددا (2) وهي دالية أيضا وفيها يمدح ابن الاشعث ويحرض أهل الكوفة على القتال ومنها:
وإذا سألت المجد أين محله * فالمجد بين محمد وسعيد بين الاشج وبين قيس باذخ * بخ بخ لوالده وللمولود فلما قال أعشى هذا البيت قال الحجاج: لا والله لا تبخبخ بعدها لاحد أبدا فقدمه فضرب عنقه.
(*)
(9/62)

بِنَاءُ وَاسِطٍ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَنِي الحجاج واسط، وَكَانَ سَبَبَ بِنَائِهِ لَهَا أَنَّهُ رَأَى رَاهِبًا عَلَى أَتَانٍ قَدْ أَجَازَ دِجْلَةَ، فَلَمَّا مَرَّ بِمَوْضِعِ وَاسِطٍ وَقَفَتْ أَتَانُهُ فَبَالَتْ، فَنَزَلَ عَنْهَا وَعَمَدَ إِلَى مَوْضِعِ بَوْلِهَا فَاحْتَفَرَهُ وَرَمَى بِهِ فِي دِجْلَةَ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: عليَّ بِهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ لَهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: إنَّا نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ يُبْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَسْجِدٌ يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ مَا دَامَ فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ يُوَحِّدُهُ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ اخْتَطَّ الْحَجَّاجُ مَدِينَةَ وَاسِطٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَبَنَى الْمَسْجِدَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ عَطَاءِ بْنِ رَافِعٍ صَقَلِّيَةَ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جحيرة الْخَوْلَانِيُّ الْمِصْرِيُّ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَكَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ أَمِيرُ مِصْرَ قَدْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْقَصَصِ وَبَيْتِ الْمَالِ: وَكَانَ رِزْقُهُ فِي الْعَامِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ لَا يَدَّخِرُ مِنْهَا شَيْئًا.
طَارِقُ بْنُ شهاب ابن عَبْدِ شَمْسٍ الْأَحْمَسِيُّ مِمَّنْ رَأَى النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَزَا فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِضْعًا وَأَرْبَعِينَ غَزَاةً، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ هَذِهِ السَّنَةَ.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عدي ابن الْخِيَارِ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحدث عن جماعة من الصحابة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، كَانَ قاضي المدينة.
وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ قُرَيْشٍ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَبُوهُ عَدِيٌّ ممن قتل يوم بدر كافراً.
وَتُوُفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو الْخَيْرِ الْيَزْنِيُّ.
وَفِيهَا فُقِدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ الْأَشْعَثِ، مِنْهُمْ مَنْ هَرَبَ وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُسِرَ فَضَرَبَ
الْحَجَّاجُ عُنُقَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَتَبَّعَهُ الْحَجَّاجُ حَتَّى قَتَلَهُ، وَقَدْ سَمَّى مِنْهُمْ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ طَائِفَةً مِنَ الْأَعْيَانِ، فَمِنْهُمْ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ الْمُزَنِيُّ، وَأَبُو مَرَّانَةَ الْعِجْلِيُّ قُتِلَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الغفار قتل، وعقبة بن وشاح قتل، وعبد الله بن خالد الْجَهْضَمِيُّ قُتِلَ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ الرَّبَعِيُّ قُتِلَ، وَالنَّضِرُ بن أنس، وعمران والد أبي حمزة الضُّبَعِيُّ، وَأَبُو الْمِنْهَالِ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ الرِّيَاحِيُّ، ومالك بن دينار، ومرة بن ذباب الهدادي وأبو نجيد الجهضمي، وأبو سبيج الْهَنَائِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَأَخُوهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَالَ أَيُّوبُ: قِيلَ لِابْنِ الْأَشْعَثِ: إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ النَّاسُ حَوْلَكَ كَمَا قُتِلُوا حَوْلَ هَوْدَجِ عَائِشَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ فَأَخْرِجِ الْحَسَنَ مَعَكَ، فَأَخْرَجَهُ.
وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَالْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ، وَزُبَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ الْيَامِيَّانِ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ.
قَالَ أَيُّوبُ: فَمَا منهم صُرِعَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ إِلَّا
(9/63)

رَغِبَ عَنْ مَصْرَعِهِ، وَلَا نَجَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا حَمِدَ اللَّهَ الَّذِي سلَّمه.
وَمِنْ أَعْيَانِ مَنْ قَتَلَ الْحَجَّاجُ عِمْرَانُ بْنُ عِصَامٍ الضُّبَعِيُّ، والد أبي حجزة، كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ صَالِحًا عَابِدًا، أُتي بِهِ أَسِيرًا إِلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ لَهُ: اشْهَدْ عَلَى نَفْسِكَ بِالْكُفْرِ حَتَّى أُطْلِقَكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي مَا كَفَرْتُ بِاللَّهِ مُنْذُ آمنت به، فأمر به فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِأَبِيهِ أَبِي لَيْلَى صُحْبَةٌ، أَخَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْقُرْآنَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: خَرَجَ مَعَ ابْنِ الأشعث فأُتي به الحجاج فَضُرِبَ عُنُقُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبْرًا.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فِيهَا افْتَتَحَ عبد الله بن عبد الملك الْمِصِّيصَةَ، وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ أَرْمِينِيَّةَ فقتل منهم خلقاً وصرف كَنَائِسَهُمْ وَضِيَاعَهُمْ وَتُسَمَّى سَنَةَ الْحَرِيقِ، وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى فَارِسَ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ الثَّقَفِيَّ، وَأَمَرَهُ بِقَتْلِ الْأَكْرَادِ.
وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ الإسكندرية عياض بن غنم البجيني وَعَزَلَ عَنْهَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي الْكَنُودِ الَّذِي كَانَ قَدْ وَلِيَهَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي.
وَفِيهَا افْتَتَحَ
مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ طَائِفَةً مِنْ بلاد المغرب من ذلك بلد أرومة، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا بَشَرًا كَثِيرًا جِدًّا، وَأَسَرَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا.
وَفِيهَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ أيضاً جماعة من أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، مِنْهُمْ: أَيُّوبُ بْنُ القِريّة وَكَانَ فَصِيحًا بَلِيغًا وَاعِظًا، قَتَلَهُ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى قَتْلِهِ.
وَهُوَ أيوب بن زيد ابن قَيْسٍ أَبُو سُلَيْمَانَ الْهِلَالِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقِرِّيَّةِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ.
وَسَعْدُ بن إياس الشيباني، وأبو غنينما الْخَوْلَانِيُّ.
لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، سَكَنَ حِمْصَ وَبِهَا تُوُفِّيَ وَقَدْ قَارَبَ الْمِائَةَ سَنَةٍ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنِ قَتَادَةَ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مَنْ قتلهم الْحَجَّاجُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تُوُفِّيَ.
أَبُو زُرْعَةَ الْجُذَامِيُّ الْفِلَسْطِينِيُّ، كَانَ ذَا مَنْزِلَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ، فَخَافَ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فَفَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ أَبُو زُرْعَةَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَهْدِمْ رُكْنًا بَنَيْتَهُ، وَلَا تُحْزِنُ صَاحِبًا سَرَرْتَهُ، وَلَا تُشْمِتْ عَدُوًّا كَبَتَّهُ، فَكَفَّ عَنْهُ مُعَاوِيَةُ.
وَفِيهَا توفي عتبة بن منذر السلمي صحابي جليل، كان يعد في أهل الصَّفة.
عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ الْخَارِجِيُّ، كَانَ أَوَّلًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْخَوَارِجِ حَسَنَةً جَمِيلَةً جِدًّا فَأَحَبَّهَا.
وَكَانَ هُوَ دَمِيمَ الشَّكْلِ، فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى السُّنَّةِ فَأَبَتْ فَارْتَدَّ مَعَهَا إِلَى مَذْهَبِهَا.
وَقَدْ كَانَ مِنَ الشعراء المفلقين، وَهُوَ الْقَائِلُ فِي قَتْلِ عَلِيٍّ وَقَاتِلِهِ: يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا * إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانًا إِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ * أَوْفَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا أكرم بقوم بطون الطبر قَبْرُهُمُ * لَمْ يَخْلِطُوا دِينَهُمُ بَغْيًا وَعُدْوَانَا
(9/64)

وَقَدْ كَانَ الثَّوْرِيُّ يَتَمَثَّلُ بِأَبْيَاتِهِ هَذِهِ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ قَوْلُهُ: - أَرَى أَشْقِيَاءَ النَّاسِ لَا يَسْأَمُونَهَا * عَلَى أَنَّهُمْ فِيهَا عُرَاةٌ وجوَّع أَرَاهَا وَإِنْ كَانَتْ تُحَبُّ فَإِنَّهَا * سَحَابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَلِيلٍ تَقَشَّعُ كَرَكْبٍ قَضَوْا حَاجَاتِهِمْ وَتَرَّحَلُوا * طَرِيقَهُمُ بَادِي الْعَلَامَةِ مَهْيَعُ مَاتَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ.
وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي أَبْيَاتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قَتْلِ
عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَبْيَاتٍ عَلَى قَافِيَتِهَا وَوَزْنِهَا: بَلْ ضَرْبَةٌ مِنْ شَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا * إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ خُسْرَانَا إِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ * أَشْقَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيُّ كَانَ مِنْ أُمَرَاءِ الشَّامِ وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَسْتَشِيرُهُ فِي أُمُورِهِ.
وَفِيهَا كَانَ مَهْلِكُ عَبْدُ الرحمن بن الأشعث الْكِنْدِيُّ وَقِيلَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَى رُتْبِيلَ مَلِكِ الترك الذي لجأ إليه ابن الأشعث يَقُولُ لَهُ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَئِنْ لَمْ تَبْعَثْ إِلَيَّ بِابْنِ الْأَشْعَثِ لَأَبْعَثَنَّ إِلَى بِلَادِكَ أَلْفَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَلِأُخَرِّبَنَّهَا.
فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْوَعِيدُ مِنَ الْحَجَّاجِ اسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ ابْنِ الْأَشْعَثِ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُخَرِّبَ الْحَجَّاجُ دِيَارَهُ وَيَأْخُذَ عَامَّةَ أَمْصَارِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْحَجَّاجِ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ عَشْرَ سِنِينَ، وَأَنْ لا يؤذي فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْهَا إِلَّا مِائَةَ أَلْفٍ مِنَ الْخَرَاجِ، فَأَجَابَهُ الْحَجَّاجُ إِلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ إِنَّ الْحَجَّاجَ وَعْدَهُ أَنْ يُطْلِقَ لَهُ خَرَاجَ أَرْضِهِ سَبْعَ سِنِينَ (1) ، فَعِنْدَ ذَلِكَ غَدَرَ رُتْبِيلُ بِابْنِ الْأَشْعَثِ فَقِيلَ إِنَّهُ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ ابْنُ الْأَشْعَثِ قَدْ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ (2) ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ قَبَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى ثَلَاثِينَ (3) مِنْ أَقْرِبَائِهِ فقيدهم في الأصفاد وبعث بهم مع
__________
(1) في رواية عند الطبري 8 / 40 أنَّه كان عند رتبيل رجل من بني تميم يقال له عبيد بن أبي سبيع (وكان من خواص ابن الاشعث ورسوله إلى رتبيل فخص به رتبيل وخف عليه، فحاول عبد الرحمن قتله، فعمل عبيد على تخويف رتبيل من الحجاج ودعاه إلى الغدر به فقال لرتبيل أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفن الخراج عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه ابن الأشعث.
فأجابه إلى ذلك، فخرج عبيد إلى عمارة بن تميم الذي كتب بذلك للحجاج فأجابه الحجاج إلى ذلك) .
انظر ابن الاثير 4 / 501.
أما في ابن الاعثم 7 / 156: فكتب الحجاج إلى رتبيل فقد وجهت إليك بعمارة بن تميم في ثلاثين ألفاً ... فإذا قدموا بلدك فسلم إليهم ابن الأشعث وأنت آمن في بلدك أبدا ما بقيت، لا يؤخذ منك الجزية، ولا يغزوك أحد من العرب، وتعطي في كل سنة خمسمائة ألف درهم.
(2) في ابن الاثير 4 / 502 والطبري 8 / 40: أصابه السل ومات، فقطع رأسه رتبيل قبل أن يدفن وأرسله إلى الحجاج.
= (*)
(9/65)

رُسُلِ الْحَجَّاجِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بمكان يقال له الرجح، صَعِدَ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْحَدِيدِ إِلَى سَطْحِ قَصْرٍ وَمَعَهُ رَجُلٌ مُوكَّلٌ بِهِ لِئَلَّا يَفِرَّ، وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ الْقَصْرِ وَسَقَطَ مَعَهُ الْمُوكَّلُ بِهِ فَمَاتَا جَمِيعًا (1) ، فَعَمَدَ الرَّسُولُ إِلَى رَأْسِ ابْنِ الْأَشْعَثِ فَاحْتَزَّهُ، وَقَتَلَ مَنْ معه من أصحاب ابن الأشعث وبعث برؤوسهم إِلَى الْحَجَّاجِ فَأَمَرَ فَطِيفَ بِرَأْسِهِ فِي الْعِرَاقِ، ثم بعثه إلى عَبْدِ الْمَلِكِ فَطِيفَ بِرَأْسِهِ فِي الشَّامِ، ثمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِمِصْرَ فَطِيفَ بِرَأْسِهِ هُنَالِكَ، ثُمَّ دَفَنُوا رَأْسَهُ بِمِصْرَ (2) وجثته بالرجح، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعراء فِي ذَلِكَ: - هَيْهَاتَ مَوْضِعُ جُثَّةٍ مِنْ رَأْسِهَا * رَأْسٌ بِمِصْرَ وَجُثَّةٌ بالرجح (3) وَإِنَّمَا ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مَقْتَلَ ابْنِ الْأَشْعَثِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَبْدُ الرحمن هذا هو أبو مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ، قَدْ رَوَى لَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: حَدِيثُ " إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ البائع أو تشاركا ".
وَعَنْهُ أَبُو الْعُمَيْسِ وَيُقَالُ إِنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَهُ بَعْدَ التِّسْعِينَ سَنَةً فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوهُ بِالْإِمَارَةِ وَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنْدِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ الصَّحَابَةُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ عَلَى أَنَّ الْإِمَارَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمُ الصِّدِّيقُ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ الْأَنْصَارَ سَأَلُوا أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ أَمِيرٌ مَعَ أَمِيرِ الْمُهَاجِرِينَ فَأَبَى الصِّدِّيقُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ثُمَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ ضَرَبَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الَّذِي دَعَا إِلَى ذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
فَكَيْفَ يَعْمِدُونَ إِلَى خَلِيفَةٍ قَدْ بُويِعَ لَهُ بِالْإِمَارَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ سِنِينَ فَيَعْزِلُونَهُ وَهُوَ مِنْ صلبية قُرَيْشٍ وَيُبَايِعُونَ لِرَجُلٍ كِنْدِيٍّ بَيْعَةً لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهَا أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ؟ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ هذه زلة وفلتة نشأ بسببها شر كبير هَلَكَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
__________
= (3) في ابن الاعثم: ستة وعشرين رجلا.
(1) في الطبري 8 / 40: فألقى نفسه من فوق إجار فمات.
وفي ابن الاثير 4 / 502: فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح قصره فمات.
وفي ابن الاعثم 7 / 157: وابن الاشعث يومئذ عليل ... فلم يصل إلى عمارة بن تميم حتى مات في بعض الطريق.
(2) في ابن الاعثم 7 / 158: ثم أمر برؤوسهم فطيف بها في أجناد أهل الشَّام وأهل مصر ثم بعث بها بعد ذلك إلى بئر برهوت - برهرت حضر موت فألقيت هناك.
وفي معجم البلدان: برهوت بئر بحضر موت ... وقال محمد بن أحمد: وبقرب حضر موت وادي برهوت وهو الذي قال فيه النَّبيّ (صلَّى الله عليه وسلم) إن فيه أرواح الكفار والمنافقين.
(3) في ابن الاثير 4 / 502 الرخج، وفي الطبري 8 / 41: الرحج.
وفي معجم البلدان: رخج بتشديد ثانيه: كورة ومدينة من نواحي كابل.
(*)
(9/66)

أيوب بن الْقِرِّيَّةِ وَهِيَ أُمُّهُ وَاسْمُ أَبِيهِ يَزِيدُ (1) بْنُ قَيْسِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ مُسْلِمٍ النَّمِرِيُّ الْهِلَالِيُّ، كَانَ أَعْرَابِيًّا أُمِّيًّا، وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي فَصَاحَتِهِ وَبَيَانِهِ وَبَلَاغَتِهِ، صَحِبَ الْحَجَّاجَ وَوَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ بَعَثَهُ رَسُولًا إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ: لَئِنْ لَمْ تَقُمْ خَطِيبًا فَتَخْلَعُ الْحَجَّاجَ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَفَعَلَ وَأَقَامَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ الْحَجَّاجُ اسْتَحْضَرَهُ وَجَرَتْ لَهُ مَعَهُ مَقَامَاتٌ وَمَقَالَاتٌ فِي الْكَلَامِ، ثم آخِرِ الْأَمْرِ ضَرَبَ عُنُقَهُ وَنَدِمَ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ ضَرْبِ عُنُقِهِ، وَلَكِنْ نَدِمَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ.
كَمَا قِيلَ: وَجَادَتْ بِوَصْلٍ حِينَ لَا يَنْفَعُ الْوَصْلُ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ وَابْنُ خَلِّكَانَ فِي الْوَفِيَّاتِ وَأَطَالَ تَرْجَمَتَهُ وَذَكَرَ فِيهَا أَشْيَاءَ حَسَنَةً، قَالَ: والقِريِّة بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وهي جدته (4) واسمها جماعة بِنْتُ جُشَمَ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَمِنَ النَّاسِ (3) مَنْ أَنْكَرَ وَجُودَهُ وَوُجُودَ مَجْنُونِ لَيْلَى، وَابْنِ أَبِي الْعَقَبِ صَاحِبِ الْمَلْحَمَةِ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْعَقَبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
روح بن زنباع
ابن سلامة الجذامي أبو زرعة ويقال أبوزنباع الدِّمَشْقِيُّ دَارُهُ بِدِمَشْقَ فِي طَرَفِ الْبُزُورِيِّينَ عِنْدَ دار ابن عقب صاحب الملحمة.
وهي تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَمُعَاوِيَةُ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ وَغَيْرُهُمْ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ.
كَانَ رَوْحٌ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَالْوَزِيرِ لَا يَكَادُ يُفَارِقُهُ، وَكَانَ مَعَ أَبِيهِ مَرْوَانَ يَوْمَ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَقَدْ أَمَّرَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَى جُنْدِ فِلَسْطِينَ، وَزَعَمَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَّ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَلَمْ يُتَابَعْ مُسْلِمٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ وَلَيْسَ بِصَحَابِيٍّ، وَمِنْ مَآثِرِهِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا أَنَّهُ كَانَ كُلَّمَا خَرَجَ مِنَ الْحَمَّامِ يُعْتِقُ نِسْمَةً، قَالَ ابْنُ زيد: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ بِالْأُرْدُنِّ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أنَّه بَقِيَ إِلَى أَيَّامِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَدْ حَجَّ مَرَّةً فَنَزَلَ عَلَى مَاءٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَأَمَرَ فَأُصْلِحَتْ لَهُ أَطْعِمَةٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ، ثُمَّ وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَأْكُلُ إِذْ جَاءَ رَاعٍ مِنَ الرُّعَاةِ يَرِدُ الْمَاءَ، فَدَعَاهُ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ إِلَى الْأَكْلِ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَجَاءَ الرَّاعِي فَنَظَرَ إِلَى طَعَامِهِ وَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ رَوْحٌ: فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ الشَّدِيدِ الْحَرِّ تَصُومُ يَا رَاعِي؟ فَقَالَ الرَّاعِي: أَفَأَغْبِنُ أيامي من أجل طعامك؟ ثُمَّ إِنَّ الرَّاعِيَ ارْتَادَ لِنَفْسِهِ مَكَانًا فَنَزَلَهُ وَتَرَكَ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ، فَقَالَ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ: - لَقَدْ ضَنِنْتَ بِأَيَّامِكَ يَا رَاعِي * إِذْ جاد بها روح بن زنباع
__________
(1) في ابن خلكان 1 / 250: زيد.
وانظر المعارف لابن قتيبة ص 178.
(2) في المعارف: القرية أمه.
(3) انظر الاغاني 2 / 11 قال: وقد قيل إن ثلاثة اشخاص شاعت أخبارهم واشتهرت اسماؤهم ولا حقيقة لهم ولا وجود فِي الدُّنْيَا.
(*)
(9/67)

ثُمَّ إِنَّ رَوْحًا بَكَى طَوِيلًا وَأَمَرَ بِتِلْكَ الْأَطْعِمَةِ فَرُفِعَتْ، وَقَالَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لَهَا آكِلًا مِنْ هَذِهِ الْأَعْرَابِ أَوِ الرُّعَاةِ؟ ثُمَّ سَارَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَقَدْ أَخَذَ الرَّاعِي بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ وَصَغُرَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ
فِيهَا كَمَا ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ: كَانَ مَقْتَلُ عبد الرحمن بن الأشعث فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِيهَا عَزَلَ الْحَجَّاجُ عَنْ إِمْرَةِ خُرَاسَانَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ وَوَلَّى عَلَيْهَا أَخَاهُ الْمُفَضَّلَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ وَفِدَ مَرَّةً عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فلمَّا انْصَرَفَ مرَّ بِدَيْرٍ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فِيهِ شَيْخًا كَبِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَالِمًا، فَدُعِيَ فَقَالَ: يَا شَيْخُ هَلْ تَجِدُونَ فِي كُتُبِكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ لَهُ فَمَا تَجِدُونَ صِفَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَجِدُهُ مَلِكًا أَقْرَعَ، مَنْ يَقُمْ في سبيله يُصْرَعُ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْوَلِيدُ، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ ثمَّ رَجُلٌ اسْمُهُ اسْمُ نَبِيٍّ يَفْتَحُ بِهِ على النَّاس، قال: فتعرفني له قال: قد أخبرت بك.
قال: أفتعرف مآلي؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: فَمَنْ يَلِي الْعِرَاقَ بَعْدِي؟ قَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ، قَالَ أَفِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَوْتِي؟ قَالَ لَا أَدْرِي، قَالَ: أَفَتَعْرِفُ صِفَتَهُ؟ قَالَ يَغْدِرُ غَدْرَةً لَا أَعْرِفُ غَيْرَهَا قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَسَارَ سَبْعًا وَهُوَ وَجِلٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْتَعْفِيهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعِرَاقِ لِيَعْلَمَ مَكَانَتَهُ عِنْدَهُ؟ فَجَاءَ الْكِتَابُ بِالتَّقْرِيعِ وَالتَّأْنِيبِ وَالتَّوْبِيخِ وَالْأَمْرِ بِالثَّبَاتِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ جَلَسَ يَوْمًا مُفَكِّرًا وَاسْتَدْعَى بِعُبَيْدِ بْنِ مَوْهَبٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عُبَيْدُ، إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَذْكُرُونَ أَنَّ مَا تَحْتَ يَدِي سَيَلِيهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ، وَقَدْ تَذَكَّرْتُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي كَبْشَةَ وَيَزِيدَ بْنَ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ وَيَزِيدَ بْنَ دينار وليسوا هناك، وَمَا هُوَ إِلَّا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ.
فَقَالَ عُبَيْدٌ: لَقَدْ شرفهم وعظمت ولايتهم وإن لهم لقدراً وَجَلَدًا وَحَظًّا فَأَخْلِقْ بِهِ.
فَأَجْمَعَ رَأْيُ الْحَجَّاجِ عَلَى عَزْلِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَذُمُّهُ وَيُخَوِّفُهُ غَدْرُهُ وَيُخْبِرُهُ بِمَا أخبره به ذلك الشيخ الكتابي، فجاء البريد بكتاب فيه قَدْ أَكْثَرْتَ فِي شَأْنِ يَزِيدَ فَسَمِّ رَجُلًا يَصْلُحُ لِخُرَاسَانَ، فَوَقَعَ اخْتِيَارُ الْحَجَّاجِ عَلَى الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ فَوَلَّاهُ قَلِيلًا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ (1) ، فَغَزَا بلاد عبس وغيرها وغنم
__________
(1) في ابن الاعثم 7 / 199 أحب الحجاج أن يعزل يزيد عن خراسان (ويذل آل المهلب) فتزوج لاخت يزيد، وأمر يزيد أن ينصرف إلى ما قبله وهو يعتل بحروب خراسان، فولى اخاه المفضل الري ليكون خليفة ليزيد إلى أن ينصرف إليها (يزيد) وفي كتابه إليه امره أن يسلم العمل إلى المفضل وأن يقدم إليه.
فشاور يزيد حضين بن المنذر الربعي (وفي ابن الاثير: الرقاشي) فأشار عليه بعدم المصير إلى الحجاج وخوفه منه.
فقال يزيد: نحن أهل بيت
قد بورك لنا في الطاعة وأنا أكره الخلاف ... فتجهز وخرج من خراسان، فقدم المفضل إلى خراسان.
وبلغ الحجاج ذلك فدعا قتيبة بن مسلم فعقد له عقدا وضم إليه جيشا وولاه خراسان (وانظر ابن الاثير 4 / 503 - 504) .
والطبري 8 / 43.
(*)
(9/68)

مَغَانِمَ كَثِيرَةً، وَامْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ ثُمَّ عَزَلَهُ بِقُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ بِتِرْمِذَ، ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ ذَلِكَ وَمُلَخَّصُهُ أنه بعد مقتل أبيه لم يبق بَلَدٌ يَلْجَأُ إِلَيْهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَعَلَ كُلَّمَا اقْتَرَبَ مِنْ بَلْدَةٍ خَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُهَا فَقَاتَلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ تِرْمِذَ وَكَانَ مَلِكُهَا فِيهِ ضَعْفٌ، فَجَعَلَ يُهَادِنُهُ وَيَبْعَثُ إِلَيْهِ بِالْأَلْطَافِ وَالتُّحَفِ، حَتَّى جَعَلَ يَتَصَيَّدُ هُوَ وَهُوَ، ثُمَّ عَنَّ لِلْمَلِكِ فَعَمِلَ لَهُ طَعَامًا وَبَعَثَ إِلَى مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ أَنِ ائْتِنِي فِي مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ، فَاخْتَارَ مُوسَى مِنْ جَيْشِهِ مِائَةً مِنْ شُجْعَانِهِمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَلَدَ فلما فرغت الضيافة اضطجع موسى فِي دَارِ الْمَلِكِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْوَمُ مِنْ هُنَا حَتَّى يَكُونَ هَذَا الْمَنْزِلُ مَنْزِلِي أَوْ يَكُونَ قَبْرِي: فَثَارَ أَهْلُ الْقَصْرِ إِلَيْهِ فَحَاجَفَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ وَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ تِرْمِذَ، فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ تِرْمِذَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَهَرَبَ بَقِيَّتُهُمْ، وَاسْتَدْعَى مُوسَى ببقية جَيْشِهِ إِلَيْهِ وَاسْتَحْوَذَ مُوسَى عَلَى الْبَلَدِ فَحَصَّنَهَا وَمَنَعَهَا مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَخَرَجَ مِنْهَا مَلِكُهَا هَارِبًا فَلَجَأَ إِلَى إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَتْرَاكِ فَاسْتَنْصَرَهُمْ فَقَالُوا له: هؤلاء قوم نحو من مائة رجل أخرجوك من بلدك، لَا طَاقَةَ لَنَا بِقِتَالِ هَؤُلَاءِ،.
ثُمَّ ذَهَبَ مَلِكُ تِرْمِذَ إِلَى طَائِفَةٍ أُخْرَى مِنَ التُّرْكِ فَاسْتَصْرَخَهُمْ فَبَعَثُوا مَعَهُ قُصَّادًا نَحْوَ مُوسَى لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِقُدُومِهِمْ - وَكَانَ ذَلِكَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - أَمْرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُؤَجِّجُوا نَارًا وَيَلْبَسُوا ثِيَابَ الشِّتَاءِ وَيُدْنُوا أَيْدِيَهُمْ مِنَ النَّارِ كَأَنَّهُمْ يَصْطَلُونَ بِهَا، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ رَأَوْا أَصْحَابَهُ وَمَا يَصْنَعُونَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فقالوا لهم: ما هذا الذي نراكم تفعلون؟ فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّا نَجِدُ الْبَرْدَ فِي الصَّيْفِ وَالْكُرْبَ فِي الشِّتَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: مَا هَؤُلَاءِ بَشَرٌ، مَا هَؤُلَاءِ إِلَّا جِنٌّ ثم غدوا إِلَى مَلِكِهِمْ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا رَأَوْا فَقَالُوا: لَا طَاقَةَ لَنَا بِقِتَالِ هَؤُلَاءِ.
ثُمَّ ذَهَبَ صَاحِبُ ترمذ فاستجاش بطائفة أخرى فجاؤوا فحاصرهم بِتِرْمِذَ وَجَاءَ الْخُزَاعِيُّ فَحَاصَرَهُمْ
أَيْضًا، فَجَعَلَ يُقَاتِلُ الْخُزَاعِيَّ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيُقَاتِلُ آخِرَهُ الْعَجَمَ، ثمَّ إنَّ مُوسَى بَيَّتَهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وَأَفْزَعَ ذَلِكَ عُمَرَ الْخُزَاعِيَّ فَصَالَحَهُ وَكَانَ مَعَهُ، فَدَخَلَ يَوْمًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ (1) ، وَلَيْسَ يرى معه سلاحاً فقال له عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِلَا سِلَاحٍ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي سِلَاحًا، ثُمَّ رَفَعَ صَدْرَ فراشه فإذا سيفه منتضى فأخذه عمرو (2) فضربه به حتى برد
__________
(1) يظهر في سياق رواية ابن كثير قلق وتشويش، فرواية الطبري 8 / 47: أن عمرو بن خالد قال لموسى انك لا تظفر به (أي بعمر الخزاعي) إلا بمكيدة، فخرج عمرو وأتى معسكر الخزاعي مستأمنا (بحجة هربه من ابن خازم) فأمنه الخزاعي ... وذكر تمام الرواية وانظر ابن الأثير 4 / 508 - 510.
(2) من الطبري وابن الاثير، وهو عمرو بن خالد بن حصين الكلابي المتقدم في الحاشية السابقة، وقد ضرب الخزاعي فقتله وتفرق جيش الخزاعي وأتى بعضهم موسى مستأمنا فأمنه.
ثم اجتمع إلى موسى فل عبد الرحمن بن العباس من هراة وفل ابن الأشعث من العراق وكابل.
ثمَّ خرج عليهم الترك والتبت والهياطلة فقاتلهم ... ثم ارتحل إلى الترمذ، وهناك اختلف مع ثابت بن قطبة الخزاعي فحصر موسى في ثمانين ألفاً ... ثم قتل ثابت ثم جهز المفضل بن المهلب - بعد عزل يزيد - جيشا لقتال موسى فحصره (*)
(9/69)

وَخَرَجَ هَارِبًا، ثُمَّ تَفَرَّقَ أَصْحَابُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَمَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى عَزْلِ أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ إِمْرَةِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَحَسَّنَ لَهُ ذَلِكَ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيُّ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِمَا قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ فِي اللَّيل، وكان لا يحجب عنه في أَيَّ سَاعَةٍ جَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فَعَزَّاهُ فِي أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْعَزْمِ عَلَى عَزْلِهِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى إِرَادَةِ عَزْلِهِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْهَدَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ لِأَوْلَادِهِ الْوَلِيدِ ثمَّ سُلَيْمَانَ ثمَّ يَزِيدَ ثمَّ هِشَامِ، وَذَلِكَ عَنْ رَأْيِ الْحَجَّاجِ وَتَرْتِيبِهِ ذَلِكَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ أَبُوهُ مَرْوَانُ عَهِدَ بِالْأَمْرِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ ثمَّ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنْ يُنَحِّيَهُ عَنِ الْإِمْرَةِ مِنْ بَعْدِهِ بِالْكُلِّيَّةِ (1) ، وَيَجْعَلَ الْأَمْرَ فِي أَوْلَادِهِ وَعَقِبِهِ، وَأَنْ تَكُونَ الْخِلَافَةُ بَاقِيَةً فِيهِمْ وَاللَّهُ أعلم.
عبد العزيز بن مروان
هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ أَبُو الْأَصْبَغِ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ دَخَلَ الشَّامَ مَعَ أَبِيهِ مَرْوَانَ، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِ أَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَوَلَّاهُ أَبُوهُ إِمْرَةَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ فَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهَا إِلَى هَذِهِ السنة، وشهد قتل سعيد بن عمرو بْنِ الْعَاصِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَانَتْ لَهُ دَارٌ بدمشق وهي دار الصوفية الْيَوْمَ، الْمَعْرُوفَةُ بِالْخَانَقَاهِ السُّمَيْسَاطِيَّةِ ثُمَّ كَانَتْ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ تنقلت إلى أن صارت خانقاها لِلصُّوفِيَّةِ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ في مسند أحمد وسنن أَبِي دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ جبن خالع وشح هالع ".
وَعَنْهُ ابْنُهُ عُمَرُ وَالزُّهْرِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ وَجَمَاعَةٌ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً قَلِيلَ الْحَدِيثِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ يَلْحَنُ فِي الْحَدِيثِ وَفِي كَلَامِهِ، ثُمَّ تَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ فَأَتْقَنَهَا وَأَحْسَنَهَا فَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ النَّاس، وَكَانَ سَبَبُ ذلك أنه دخل عليه رجل أيشكو خَتَنَهُ - وَهُوَ زَوْجُ ابْنَتِهِ - فَقَالَ لَهُ عَبْدُ العزيز: من ختَنَك؟ فقال الرجل: ختني الْخَاتِنُ الَّذِي يَخْتِنُ النَّاسَ، فَقَالَ لِكَاتِبِهِ وَيْحَكَ بِمَاذَا أَجَابَنِي؟ فَقَالَ الْكَاتِبُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ مَنْ خِتنُك، فَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى يَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ، فَمَكَثَ جُمُعَةً وَاحِدَةً فَتَعَلَّمَهَا فَخَرَجَ وَهُوَ مِنْ أَفْصَحِ النَّاس، وَكَانَ بَعْدَ
__________
= وضيق عليه وعلى أصحابه، وقد خندق عليه فمكث موسى في ضيق شديد، وزحفت الترك والصغد فحالوا بين موسى والحصن فقاتلهم فعقروا فرسه فسقط فارتدف مع مولى له فعقرت دابته فسقط هو ومولاه فقتلوه (انظر الطبري بتفاصيل واسعة 8 / 49 - 50 وابن الأثير 4 / 511 - 512.
(1) في الكندي ولاة مصر ص 75: وكتب عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز، يسأله أن يرفع له عن ولاية العهد، ليعهد إلى الوليد وسليمان فأبى عبد العزيز ذلك وكتب إليه: أن يكن لك ولد فلنا أولاد، ويقضي الله بما يشاء.
إلى قوله: إنك لو رأيت الاصبغ لسرك ولم تقدم عليه أحدا.
(انظر ابن الاثير 4 / 514 والطبري 8 / 54) .
(*)
(9/70)

ذَلِكَ يَجْزِلُ عَطَاءَ مَنْ يُعْرِبُ كَلَامَهُ وَيَنْقُصُ عَطَاءَ مَنْ يَلْحَنُ فِيهِ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي زَمَانِهِ إِلَى تَعَلُّمِ الْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ يوماً إلى رجل: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ، فقال: تجدها في
جائزتك، فنقصت جائزته مِائَةَ دِينَارٍ.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: ارْفَعْ إِلَيَّ حَاجَتَكَ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ".
وَلَسْتُ أَسْأَلُكَ شَيْئًا وَلَا أرد رزقاً رزقنيه الله عزوجل منك.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سُوِيدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: بَعَثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ بِأَلْفِ دِينَارٍ إِلَى ابن عمر قال: فجئت فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ فَقَالَ: أَيْنَ الْمَالُ؟ فَقُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُهُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أُصْبِحَ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا يَبِيتُ ابْنُ عُمَرَ اللَّيْلَةَ وَلَهُ أَلْفُ دِينَارٍ، قَالَ: فَدَفَعَ إِلَيَّ الْكِتَابَ حَتَّى جِئْتُهُ بِهَا فَفَرَّقَهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَمِنْ كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَجَبًا لِمُؤْمِنٍ يُؤْمِنُ وَيُوقِنُ أَنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ وَيُخْلِفُ عَلَيْهِ، كَيْفَ يَحْبِسُ مالاً عن عظيم أجر وحسن ثناء.
ولما حضرته الوفاة أحضر له مال يحصيه وإذا هو ثلاثمائة مد مِنْ ذَهَبَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهُ بَعْرٌ خائل بِنَجْدٍ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وَلَوَدِدْتُ أَنْ أَكُونَ هَذَا الْمَاءَ الجاري، أو نباتة (1) بأرض الحجاز، وقال لهم: ائْتُونِي بِكَفَنِي الَّذِي تُكَفِّنُونِي فِيهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أُفٍّ لَكَ مَا أَقْصَرَ طَوِيلَكَ، وَأَقَلَّ كَثِيرَكَ.
قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عن الليث بن سعد قال: كَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ (2) ، قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ يَعْقُوبَ بن سفيان وَالصَّوَابُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، فَإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ عبد الملك أخيه، ومات عبد الملك بعده بسنة سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ.
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا، وَهُوَ وَالِدُ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدِ اكْتَسَى عُمْرُ أَخْلَاقَ أَبِيهِ وَزَادَ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ.
وَكَانَ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ الْأَوْلَادِ غَيْرُ عُمْرَ، عَاصِمٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَمُحَمَّدٌ وَالْأَصْبَغُ - مَاتَ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ فَحَزِنَ عَلَيْهِ حُزْنًا كَثِيرًا وَمَرِضَ بَعْدَهُ وَمَاتَ.
وَسُهَيْلٌ وَكَانَ له عدة بنات، أم محمد وسهيل وَأُمُّ عُثْمَانَ وَأُمُّ الْحَكَمِ وَأُمُّ الْبَنِينَ وَهُنَّ مِنْ أُمَّهَاتٍ شَتَّى، وَلَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا (3) عَلَى مَرْحَلَةٍ
مِنْ مِصْرَ وَحُمِلَ إِلَى مِصْرَ فِي النِّيلِ ودفن بها، وقد ترك عبد العزيز من الأموال والأثاث والدواب من
__________
(1) في ولاة مصر 76: كناسة.
(2) وهي رواية الكندي أيضا، وفي ابن سعد والطبري فكالاصل سنة 85 هـ.
(3) وهي مدينة حلوان فحمل في الليل منها حلوان إلى الفسطاط، فدفن بها (الكندي - الاعلام للزركلي) .
(*)
(9/71)

الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يَعْجَزُ عَنْهُ الْوَصْفُ: مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةِ مد من ذَهَبٍ غَيْرُ الْوَرِقِ، مَعَ جُودِهِ وَكَرَمِهِ وَبَذْلِهِ وَعَطَايَاهُ الْجَزِيلَةِ، فإنَّه كَانَ مِنْ أَعْطَى النَّاسَ لِلْجَزِيلِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنِ الْعَهْدِ الَّذِي لَهُ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ الْوَلِيدِ أَوْ يَكُونَ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ، فَإِنَّهُ أَعَزُّ الْخَلْقِ عَلَيَّ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ يَقُولُ: إِنِّي أَرَى فِي أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا تَرَى فِي الْوَلِيدِ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ يَأْمُرُهُ.
بِحَمْلِ خَرَاجِ مِصْرَ - وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لَا يَحْمِلُ إِلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْخَرَاجِ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ بِلَادُ مِصْرَ بِكَمَالِهَا وَبِلَادُ الْمَغْرِبِ وَغَيْرُ ذَلِكَ كُلُّهَا لِعَبْدِ الْعَزِيزِ، مَغَانِمُهَا وَخَرَاجُهَا وَحِمْلُهَا - فَكَتَبَ عَبْدُ الْعَزِيزِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ: إِنِّي وَإِيَّاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قد بلغنا سناً لا يَبْلُغْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ إِلَّا كَانَ بَقَاؤُهُ قَلِيلًا، وَإِنِّي لَا أَدْرِي وَلَا تَدْرِي أَيُّنَا يَأْتِيهِ الْمَوْتُ أَوَّلًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ لا تعتب (1) عَلَيَّ بَقِيَّةَ عُمْرِي فَافْعَلْ، فَرَقَّ لَهُ عَبْدُ الملك وكتب إليه: لعمري لا أعتب (2) عَلَيْكَ بَقِيَّةَ عُمْرِكَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِابْنِهِ الْوَلِيدِ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَكَهَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الْعِبَادِ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ عنك، ثم قال لابنه الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ: هَلْ قَارَفْتُمَا مُحَرَّمًا أَوْ حَرَامًا قط؟ فقالا: لَا وَاللَّهِ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، نِلْتُمَاهَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
وَيُقَالُ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ لَمَّا امْتَنَعَ أخوه من إجابته إلى ما طلب منه في بَيْعَتِهِ لِوَلَدِهِ الْوَلِيدِ دَعَا عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَطَعَنِي فَاقْطَعْهُ، فَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا جَاءَهُ الْخَبَرُ بِمَوْتِ أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيْلًا حَزِنَ وَبَكَى وَبَكَى أَهْلُهُ بُكَاءً كَثِيرًا عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَكِنْ سَرَّهُ ذلك من جهة ابنيه فإنه نال فيها مَا كَانَ يُؤَمِّلُهُ لَهُمَا مِنْ وِلَايَتِهِ إِيَّاهُمَا بعده.
وقد كان الحجاج بعث إلى عبد الملك يحسّن له
ولاية الوليد ويزينها له مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْفَدَ إِلَيْهِ وَفَدًا فِي ذَلِكَ عليهم عمران بن عصام العثري (3) ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَامَ عِمْرَانُ خَطِيبًا فَتَكَلَّمَ وَتَكَلَّمَ الْوَفْدُ فِي ذَلِكَ وَحَثُّوا عَبْدَ الْمَلِكِ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْشَدَ عِمْرَانُ بْنُ عِصَامٍ فِي ذَلِكَ: أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْكَ نُهْدِي * عَلَى النَّأْيِ التَّحِيَّةَ وَالسِّلَامَا أَجِبْنِي فِي بَنِيكَ يَكُنْ جَوَابِي * لَهُمْ عَادِيَةً وَلَنَا قِوَامَا فَلَوْ أَنَّ الْوَلِيدَ أُطَاعُ فِيهِ * جَعَلْتَ لَهُ الْخِلَافَةَ وَالذِّمَامَا شَبِيهُكَ حَوْلَ قُبَّتِهِ قُرَيْشٌ * بِهِ يَسْتَمْطِرُ النَّاسُ الْغَمَامَا وَمِثْلُكَ فِي التُّقَى لَمْ يَصْبُ يَوْمًا * لَدُنْ خَلَعَ الْقَلَائِدَ وَالْتِمَامًا فَإِنْ تُؤْثِرْ أَخَاكَ بِهَا فإنا * وجدك لا نَطيقُ لها اتهاما
__________
(1) في الطبري 8 / 54: لا تغثث، وفي ابن الاثير 4 / 514: لا تفسد.
(2) في الطبري: لا أغثث عليه بقية عمره.
وفي ابن الاثير: فرق له عبد الملك وتركه.
(3) في الطبري: العنزي.
(*)
(9/72)

وَلَكِنَّا نُحَاذِرُ مِنْ بَنِيهِ * بَنِي الْعَلَّاتِ مَأْثَرَةً سَمَامَا وَنَخْشَى إِنْ جَعَلْتَ الْمُلْكَ فِيهِمْ * سَحَابًا أن تعود لهم جهاما فلايك مَا حَلَبْتَ غَدًا لِقَوْمٍ * وَبَعْدَ غَدٍ بُنُوكَ هُمُ الْعِيَامَا فَأُقْسِمُ لَوْ تَخَطَّأْنِي عِصَامٌ * بِذَلِكَ مَا عَذَرْتُ بِهِ عِصَامَا وَلَوْ أَنِّي حَبَوْتُ أَخًا بفضلٍ * أُرِيدُ بِهِ الْمَقَالَةَ وَالْمَقَامَا لعقَّب فِي بنيَّ عَلَى بَنِيهِ * كَذَلِكَ أَوْ لَرُمْتُ لَهُ مَرَامَا فَمَنْ يَكُ فِي أَقَارِبِهِ صُدُوعٌ * فصدع الملك أبطؤه التئاما قال: فَهَاجَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ كَتَبَ لِأَخِيهِ يَسْتَنْزِلُهُ عَنِ الْخِلَافَةِ لِلْوَلِيدِ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَقَدَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْتَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَبْلَ مَوْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِعَامٍ وَاحِدٍ، فَتَمَكَّنَ حِينَئِذٍ مِمَّا أَرَادَ مِنْ بَيْعَةِ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ وَاللَّهُ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.
بَيْعَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ لِوَلَدِهِ الْوَلِيدِ ثمَّ مِنْ بعده لولده سليمان وَكَانَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، بُويِعَ لَهُ بِدِمَشْقَ ثُمَّ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ ثُمَّ لِسُلَيْمَانَ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ لَمَّا انْتَهَتِ الْبَيْعَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ امْتَنَعَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنْ يُبَايِعَ فِي حَيَاةِ عَبْدِ الْمَلِكِ لِأَحَدٍ، فَأَمَرَ بِهِ هِشَامَ بن إسماعيل نائب المدينة فضربه سِتِّينَ سَوْطًا، وَأَلْبَسَهُ ثِيَابًا مِنْ شَعْرٍ وَأَرْكَبَهُ جَمَلًا وَطَافَ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى ثَنِيَّةِ ذُبَابٍ - وَهِيَ الثنية التي كانوا يصلون عندها ويقيلون - فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا رَدُّوهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَوْدَعُوهُ السَّجْنَ، فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمْ لا تقتلوني لم أليس هذا الثياب.
ثُمَّ كَتَبَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِمُخَالَفَةِ سَعِيدٍ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعَنِّفُهُ فِي ذَلِكَ وَيَأْمُرُهُ بِإِخْرَاجِهِ وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ سَعِيدًا كَانَ أَحَقَّ مِنْكَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ مِمَّا فَعَلْتَ بِهِ، وَإِنَّا لِنَعْلَمُ أَنَّ سَعِيدًا لَيْسَ عِنْدَهُ شِقَاقٌ وَلَا خِلَافٌ، وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَا يَنْبَغِي إِلَّا أَنْ يُبَايِعَ، فَإِنْ لَمْ يُبَايِعْ ضَرَبْتَ عُنُقَهُ أَوْ خَلَّيْتَ سَبِيلَهُ.
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ سَعِيدًا لما جاءت بيعة الوليد (1) امْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعَةِ فَضَرَبَهُ نَائِبُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ - وَهُوَ جَابِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَوْفٍ - سِتِّينَ سَوْطًا أَيْضًا وَسَجَنَهُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَالْوَاقِدِيُّ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ نَائِبُ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ بِكَمَالِهِ الْحَجَّاجُ، قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الْعَشَرَةِ، قاله يحيى بن القطان.
__________
(1) في الطبري 8 / 56 وابن الاثير 4 / 515: لَمَّا جَاءَتْ بَيْعَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ولعل اقحام اسم الوليد سهو من الناسخ، لان جابر بن الأسود كان على المدينة من قبل ابن الزبير وكان قد دعا النَّاس إلى بيعته.
(*)
(9/73)

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَانَ ثِقَةً وَكَانَ بِهِ صَمَمٌ وَوَضَحٌ كَثِيرٌ، وَأَصَابَهُ الْفَالِجُ قَبْلَ أو يموت.
عبد الله بن عامر بن ربيعة.
عمرو بن حريث.
عمرو بن سلمة.
واثلة بن الأسقع.
شَهِدَ وَاثِلَةُ تَبُوكَ ثُمَّ شَهِدَ فَتْحَ دِمَشْقَ وَنَزَلَهَا، وَمَسْجِدُهُ بِهَا عِنْدَ حَبْسِ بَابِ الصَّغِيرِ من القبلة.
قلت: وقد احترق مسجده في
فتنة تمر لنك ولم يبق منه إلا رسومه، وعلى بابه من الشرق قناة ماء.
خالد بن يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، كَانَ أَعْلَمَ قُرَيْشٍ بِفُنُونِ الْعِلْمِ، وَلَهُ يَدٌ طُولَى فِي الطِّبِّ، وَكَلَامٌ كَثِيرٌ فِي الْكِيمْيَاءِ، وَكَانَ قد استفاد ذلك من راهب اسمه مريانش (1) ، وكان خالد فصيحاً بليغاً شاعراً منطقياً كَأَبِيهِ، دَخَلَ يَوْمًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مروان بحضرة الحكم بن أبي العاص، فشكى إِلَيْهِ أَنَّ ابْنَهُ الْوَلِيدَ يَحْتَقِرُ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أذلة) [النَّمْلِ: 34] فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الْإِسْرَاءِ: 16] فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَاللَّهِ لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ أَخُوكَ عَبْدُ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ لَا يُقِيمُ اللَّحْنَ، فَقَالَ خَالِدٌ: وَالْوَلِيدُ لَا يُقِيمُ اللَّحْنَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّ أَخَاهُ سُلَيْمَانَ لَا يَلْحَنُ، فَقَالَ خَالِدٌ: وَأَنَا أَخُو عَبْدِ اللَّهِ لَا أَلْحَنُ، فَقَالَ الْوَلِيدُ - وَكَانَ حَاضِرًا - لِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ: اسْكُتْ، فَوَاللَّهِ مَا تُعَدُّ فِي الْعِيرِ وَلَا فِي النَّفِيرِ، فَقَالَ خَالِدٌ: اسْمَعْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! ثُمَّ أَقْبَلَ خَالِدٌ عَلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ: وَيْحَكَ وَمَا هُوَ الْعِيرُ وَالنَّفِيرُ غَيْرُ جِدِّي أَبِي سُفْيَانَ صَاحِبِ الْعِيرِ، وَجَدِّي عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ صَاحِبِ النَّفِيرِ، وَلَكِنْ لو قلت غنيمات وجبيلات وَالطَّائِفُ، وَرَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ، لَقُلْنَا صَدَقْتَ - يَعْنِي أَنَّ الْحَكَمَ كَانَ مَنْفِيًّا بِالطَّائِفِ يَرْعَى غَنَمًا ويأوي إلى جبلة (2) الْكَرَمِ حَتَّى آوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ حِينَ وَلِيَ - فَسَكَتَ الْوَلِيدُ وَأَبُوهُ وَلَمْ يُحِيرَا جَوَابًا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وثمانين
فَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ نَائِبُ الْحَجَّاجِ عَلَى مَرْوٍ وَخُرَاسَانَ، بِلَادًا كَثِيرَةً مِنْ أَرْضِ التُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَسَبَى وَغَنِمَ وَسَلِمَ وتسلم قلاعاً وحصوناً وممالك، تم قَفَلَ فَسَبَقَ الْجَيْشَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَلُومُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَقُولُ لَهُ: إِذَا كُنْتَ قَاصِدًا بِلَادَ الْعَدُوِّ فَكُنْ فِي مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ، وَإِذَا قَفَلْتَ رَاجِعًا فَكُنْ فِي سَاقَةِ الْجَيْشَ - يَعْنِي لِتَكُونَ رَدْءًا لَهُمْ مِنْ أَنْ يَنَالَهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْعَدُوِّ وَغَيْرِهِمْ بِكَيْدٍ - وَهَذَا رَأْيٌ حَسَنٌ وعليه جاءت السنة، وكان في السَّبْيِ امْرَأَةُ بَرْمَكَ (3) - وَالِدِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ -
__________
(1) أنظر في ذلك: الفهرست لابن النديم ص 497 ووفيات الاعيان 2 / 224 وتهذيب ابن عساكر: 5 / 116.
ومفتاح السعادة 1 / 318 - 319 وفي الاعلام 1 / 300 قال: شك ابن الأثير في بعض نواحي علمه فقال: " يقال
إنه أصاب علم الكيمياء ولا يصح ذلك لاحد ".
وقال دي مييلي في كتابه العلم عند العرب (الترجمة العربية ص 99) في الحديث عن صلة خالد بالعلوم القديمة: (وليس ذلك كله إلا اسطورة محضا على الاخص ما ذكروه من تبحره في علم الصنعة) أي الكيمياء.
(2) في وفيات الاعيان 2 / 226 حبيلة وهي الكرمة.
(3) وكان برمك طبيبا وهو كبير سدنة النوبهار وهو بيت النار في بلخ والذي تقدره المجوس.
(*)
(9/74)

جُمَحَ فَيَقُولُ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ عَلَى هذا لا تخذنه حَنَانًا (1) .
قُلْتُ: قَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ وَرَقَةَ تُوُفِّيَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ فِي فَتْرَةِ الْوَحْيِ، وَإِسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ إِنَّمَا كَانَ بعد نزول (يَا أيُّها المدَّثر) فكيف يمر ورقة ببلال، هو يُعَذَّبُ وَفِيهِ نَظَرٌ (2) .
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مُرُورَ أَبِي بَكْرٍ بِبِلَالٍ وَهُوَ يُعَذَّبُ، فَاشْتَرَاهُ مِنْ أُمَيَّةَ بِعَبْدٍ لَهُ أَسْوَدَ فَأَعْتَقَهُ وَأَرَاحَهُ مِنَ الْعَذَابِ وَذَكَرَ مُشْتَرَاهُ لِجَمَاعَةٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، مِنْهُمْ بِلَالٌ، وَعَامِرُ بْنُ فهيرة، وأم عميش (3) الَّتِي أُصِيبَ بَصَرُهَا ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لها، والنهدية وابنتها اشتراها مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بَعَثَتْهُمَا سَيِّدَتُهُمَا تَطْحَنَانِ لَهَا فَسَمِعَهَا وَهِيَ تَقُولُ لَهُمَا: وَاللَّهِ لَا أعتقكما أبداً فقال أبو بكر: حل يا أم فلان، فقالت حل أَنْتَ أَفْسَدْتَهُمَا فَأَعْتِقْهُمَا، قَالَ فَبِكَمْ هُمَا؟ قَالَتْ بِكَذَا وَكَذَا.
قَالَ قَدْ أَخَذْتُهُمَا وَهُمَا حُرَّتَانِ، أَرْجِعَا إِلَيْهَا طَحِينَهَا.
قَالَتَا: أَوْ نَفْرَغُ مِنْهُ يَا أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ نَرُدُّهُ إِلَيْهَا؟ قَالَ: [أو] ذَلِكَ إِنْ شِئْتُمَا.
وَاشْتَرَى جَارِيَةً بَنِي مُؤَمَّلٍ - حَيٌّ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ - كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ بعض أهله.
قال قال أبو قحافة لابنه أبي بَكْرٍ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَاكَ تَعْتِقُ ضِعَافًا، فَلَوْ أَنَّكَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَعْتَقْتَ رجالاً جلداء يمنعنونك وَيَقُومُونَ دُونَكَ؟ قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أبة إني إنما أريد ما أريد.
قال: فتحدث أَنَّهُ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إِلَّا فِيهِ وَفِيمَا قَالَ أَبُوهُ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ (4) .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قَالَ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ سَبْعَةٌ، رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو
بَكْرٍ، وَعَمَّارٌ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَصُهَيْبٌ، وَبِلَالٌ، وَالْمِقْدَادُ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنَعَهُ الله بعمه [أبي طالب] ، وَأَبُو بَكْرٍ مَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرُعَ الْحَدِيدِ وَصَهَرُوهُمْ فِي الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا إِلَّا بِلَالًا فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ فَأَخَذُوهُ فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ.
وَرَوَاهُ الثَّوريّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مرسلاً (5) .
__________
(1) أي لاجعلن قبره موضع حنان فاتمسح به متبركا.
(2) وقد تقدم التعليق حول وفاة ورقة بعد فترة الوحي، كما جاء في البخاري، وأن ورقة لم يبق إلى إسلام بلال.
فليراجع في مكانه من هذا الجزء.
(3) كذا في الأصول: وفي ابن هشام: أم عبيس، وان التي أصيب بصرها حين أعتقها أبو بكر هي زنيرة - كما عند ابن هشام - فقالت قريش عند ذلك: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: كذبوا وبيت الله، فرد الله بصرها.
(راجع ترجمتها في الاستيعاب لابن عبد البر على هامش الاصابة 4: 322 والاصابة ج 4 / 311) .
(4) الخبر في سيرة ابن هشام 1 / 339 - 341 340.
(5) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 284 وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي.
وأخرجه أبو نعيم في حلية الاولياء 1 / 149 وابن عبد البر في الاستيعاب.
(*)
(9/75)

وَكَانَ مَوْلِدُهُ وَمَوْلِدُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَبْلَ الْخِلَافَةِ مِنَ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ الْفُقَهَاءِ (1) الْمُلَازِمِينَ للمجسد التَّالِينَ لِلْقُرْآنِ، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الرِّجَالِ أَقْرَبَ إِلَى الْقِصَرِ.
وَكَانَتْ أَسْنَانُهُ مُشَبَّكَةً بِالذَّهَبِ، وَكَانَ أَفْوَهَ مَفْتُوحَ الْفَمِ، فَرُبَّمَا غَفَلَ فَيَنْفَتِحُ فَمُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الذُّبَابُ، وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ لَهُ أبو الذباب.
وَكَانَ أَبْيَضَ رَبْعَةً لَيْسَ بِالنَّحِيفِ وَلَا الْبَادِنِ، مَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ أَشْهَلَ كَبِيرَ الْعَيْنَيْنِ دَقِيقَ (2) الْأَنْفِ مُشْرِقَ الْوَجْهِ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ حَسَنَ الْوَجْهِ لم يخضب، ويقال إنه خضب بعد.
وَقَدْ قَالَ نَافِعٌ: لَقَدْ رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ وَمَا فِيهَا شَابٌّ أَشَدَّ تَشْمِيرًا وَلَا أَفْقَهَ وَلَا أَقْرَأَ لِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: كَانَ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةً سَعِيدُ بْنُ
الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةُ، وقبيصة بن ذويب، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْإِمَارَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: وَلَدَ النَّاسُ أَبْنَاءً وَوَلَدَ مَرْوَانُ أَبًا - يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ - وَرَآهُ يَوْمًا وَقَدْ ذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّاسِ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ هَذَا الْغُلَامُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كُنْتُ أُجَالِسُ بريدة بن الحصيب فقال لي يوماً: يَا عَبْدَ الْمَلِكِ إِنَّ فِيكَ خِصَالًا، وَإِنَّكَ لِجَدِيرٌ أَنْ تَلِيَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَاحْذَرِ الدِّمَاءَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْفَعُ عَنْ باب الجنة بعد أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا عَلَى مِحْجَمَةٍ مِنْ دَمٍ يُرِيقُهُ مِنْ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ".
وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ الزبيري: عن مالك، عن يحيى بن سعيد بن داود الزبيري قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى مَا بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَفِتْيَانٌ مَعَهُ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَيْسَتِ الْعِبَادَةُ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَالْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا جَالَسْتُ أَحَدًا إِلَّا وَجَدْتُ لِي الْفَضْلَ عَلَيْهِ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ فإني ما ذاكرته حديثاً إلا زادني منه، وَلَا شِعْرًا إِلَّا زَادَنِي فِيهِ.
وَذَكَرَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى مَرْوَانَ وهو نائبه عن الْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ أَنِ ابْعَثِ ابْنَكَ عَبْدَ الْمَلِكِ عَلَى بَعْثِ الْمَدِينَةِ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ، فَذَكَرَ مِنْ كِفَايَتِهِ وَغِنَائِهِ وَمُجَاهَدَتِهِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمَلِكِ مُقِيمًا بِالْمَدِينَةِ حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى بِلَادِ الْحِجَازِ، وَأَجْلَى بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ هُنَالِكَ، فَقَدِمَ مَعَ أَبِيهِ الشَّامَ، ثُمَّ لَمَّا صَارَتِ الْإِمَارَةُ مَعَ أَبِيهِ وَبَايَعَهُ أَهْلُ الشَّامِ كَمَا تَقَدَّمَ أَقَامَ فِي الْإِمَارَةِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ عَهِدَ إِلَيْهِ بِالْإِمَارَةِ مِنْ بَعْدِهِ، فَاسْتَقَلَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالْخِلَافَةِ فِي مُسْتَهَلِّ رَمَضَانَ أَوْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَقْتَلِ ابْنِ الزُّبير سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِي جُمَادَى الْأُولَى إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ.
وَقَالَ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: لَمَّا سُلِّمَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْخِلَافَةِ كَانَ فِي حِجْرِهِ مصحف فأطبقه
__________
(2) انظر في مقام عبد الملك في الفقه طبقات الفقهاء للشيرازي ص 62.
(2) في فوات الوفيات 2 / 403: مشرف.
(*)
(9/76)

وَقَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ (1) .
وَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: صُنِعَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ مَجْلِسٌ تُوُسِّعَ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ بُنِيَ لَهُ فِيهِ قُبَّةٌ قَبْلَ ذلك، فدخله وقال: لقد كان حثمة الأحوازي - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - يَرَى أَنَّ هَذَا عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَقِيلَ إِنَّهُ لَمَّا وَضَعَ الْمُصْحَفَ مِنْ حِجْرِهِ قَالَ: هَذَا آخَرُ الْعَهْدِ مِنْكَ.
وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَهُ إِقْدَامٌ عَلَى سَفْكِ الدماء، وَكَانَ حَازِمًا فَهِمًا فَطِنًا سَائِسًا لِأُمُورِ الدُّنْيَا، لَا يَكِلُ أَمْرَ دُنْيَاهُ إِلَى غَيْرِهِ وَأُمُّهُ عَائِشَةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَأَبُوهَا مُعَاوِيَةُ هُوَ الَّذِي جَدَعَ أَنْفَ حَمْزَةَ عَمِّ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمَّا خَرَجَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْعِرَاقِ لِقِتَالِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبير خَرَجَ مَعَهُ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَوْا قَالَ: اللَّهُمَّ احْجِزْ بَيْنَ هَذَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وولِ الْأَمْرَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْكَ.
فظفر عبد الملك - وقد كان مصعب من أعز الناس على عَبْدُ الْمَلِكِ - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ قَتْلِهِ مُصْعَبًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمَّا بُويِعَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بِالْخِلَافَةِ كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ! سَلَامٌ عَلَيْكَ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ رَاعٍ وَكُلُّ رَاعٍ مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) [النساء: 86] لَا أحد والسلام (2) .
وبعث به مع سلام فَوَجَدُوا عَلَيْهِ إِذْ قدَّم اسْمَهُ عَلَى اسْمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ نَظَرُوا فِي كُتُبِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَوَجَدُوهَا كَذَلِكَ، فَاحْتَمَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ.
وَقَالَ الواقدي: حدثني ابن أبي ميسرة عن أبي موسى الخياط عن أبي كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ يَقُولُ: يا أهل المدينة أنا أحق النَّاس أن يلزم الأمر الأول، وَقَدْ سَالَتْ عَلَيْنَا أَحَادِيثُ مِنْ قَبْلِ هَذَا الْمَشْرِقِ وَلَا نَعْرِفُهَا وَلَا نَعْرِفُ مِنْهَا إِلَّا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، فَالْزَمُوا مَا فِي مُصْحَفِكُمُ الَّذِي حملكم عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْمَظْلُومُ، وَعَلَيْكُمْ بِالْفَرَائِضِ الَّتِي جَمَعَكُمْ عَلَيْهَا إِمَامُكُمُ الْمَظْلُومُ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ قَدِ اسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَنِعْمَ الْمُشِيرُ كَانَ لِلْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَأَحْكِمَا مَا أحكما، واستقصيا مَا شَذَّ عَنْهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيهِ: حَجَّ عَلَيْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ بَعْدَ مَقْتَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِعَامَيْنِ (3) ، فَخَطَبَنَا فَقَالَ: أمَّا بَعْدُ فإنَّه كَانَ مَنْ قَبْلِي من الخلفاء يأكلون من المال
ويوكلون، وإنِّي وَاللَّهِ لَا أُدَاوِي أَدْوَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلا بالسيف (4) ، ولست بالخليفة المستضعف - يعني
__________
(1) تاريخ بغداد 10 / 388.
(2) في العقد الفريد نسخة كتاب عبد الله بن عمر إلى عبد الملك 2 / 262 وفيه: لعبد الملك بن مروان من عبد الله بن عمر سلام عليك فإني اقررت لك بالسمع والطاعة على سنة اللَّهِ وسنَّة رَسُولِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وبيعة نافع مولاي على مثل ما بايعتك عليه.
(3) في فوات الوفيات 2 / 403: ولما قتل عمرو بن سعيد بن العاص خطب الناس فقال: (انظر العقد الفريد 2 / 263) .
(4) زيد في فوات الوفيات: حتى تستقيم لي قناتكم، تكلفوننا أعمال المهاجرين الاولين وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ أعمالهم، فلن تزدادوا إلا اجتراحا ولن تزدادوا إلا عقوبة وهذا حكم السيف بيننا وبينكم.
(*)
(9/77)

عُثْمَانَ - وَلَا الْخَلِيفَةِ الْمُدَاهِنِ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ - وَلَا الْخَلِيفَةِ الْمَأْبُونِ - يَعْنِي يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ - أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نحتمل منكم كل الغرمة مَا لَمْ يَكُنْ عَقْدَ رَايَةٍ أَوْ وَثَوْبٍ عَلَى مِنْبَرٍ: هَذَا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ حَقُّهُ حقه، قرابته وابنه، قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا فَقُلْنَا بِسَيْفِنَا هَكَذَا، وَإِنَّ الْجَامِعَةَ الَّتِي خَلَعَهَا مِنْ عُنُقِهِ عِنْدِي، وَقَدْ أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا أَضَعَهَا فِي رَأْسِ أَحَدٍ إِلَّا أَخْرَجَهَا الصُّعَدَاءَ، فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَنَا عَبَّادُ بْنُ سَلْمِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
قَالَ: رَكِبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ (1) بَكْرًا فَأَنْشَأَ قَائِدُهُ يَقُولُ: - يَا أَيُّهَا الْبَكْرُ الَّذِي أَرَاكَا * عَلَيْكَ سَهْلُ الْأَرْضِ فِي مَمْشَاكَا (2) وَيْحَكَ هَلْ تَعْلَمُ مَنْ عَلَاكَا * خَلِيفَةُ اللَّهِ الَّذِي امْتَطَاكَا لَمْ يَحْبُ بَكْرًا مِثْلَ مَا حَبَاكَا فَلَمَّا سَمِعَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ: إِيْهًا يَا هَنَاهُ، قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: خَطَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَحَصِرَ فَقَالَ: إِنَّ اللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَإِنَّا نَسْكُتُ حَصْرًا وَلَا نَنْطِقُ هَذْرًا، وَنَحْنُ أُمَرَاءُ الْكَلَامِ، فِينَا رَسَخَتْ عُرُوقُهُ، وَعَلَيْنَا تَدَلَّتْ أَغْصَانُهُ، وَبَعْدَ مَقَامِنَا هَذَا مَقَامٌ،
وَبَعْدَ عِيِّنَا هَذَا مَقَالٌ، وَبَعْدَ يَوْمِنَا هَذَا أَيَّامٌ، يُعْرَفُ فِيهَا فَصْلُ الْخِطَابِ وَمَوْضِعُ الصَّوَابِ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيب، فَقَالَ: وَكَيْفَ لَا وَأَنَا أَعْرِضُ عَقْلِي عَلَى النَّاس فِي كُلِّ جُمْعَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ؟ وَقَالَ غَيْرُهُ قِيلَ لعبد الملك: أسرع إليك الشَّيب، فقال: وتنسى ارْتِقَاءِ الْمِنْبَرِ وَمَخَافَةُ اللَّحْنِ؟ وَلَحَنَ رَجُلٌ عِنْدَ عبد الملك - يعني أسقط من كلامه ألفاً - فقال له عبد الملك زد ألف، فقال الرجل: وَأَنْتَ فَزِدْ أَلِفًا، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ قَبْضًا سَرِيعًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيُظْهِرْهُ غَيْرَ غَالٍ فِيهِ وَلَا جَافٍّ عَنْهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ كَانَ يَقُولُ لِمَنْ يُسَايِرُهُ فِي سَفَرِهِ: إِذَا رُفِعَتْ لَهُ شَجَرَةٌ، سَبِّحُوا بِنَا حَتَّى نَأْتِيَ تِلْكَ الشجرة، كبروا بنا حتى نأتي تلك الحجرة، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ وَقَعَ مِنْهُ فَلْسٌ فِي بِئْرٍ قَذِرَةٍ فَاكْتَرَى عَلَيْهِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِينَارًا حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ عليه اسم الله عزوجل.
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ يَقُومُ السَّيَّافُونَ عَلَى رأسه بالسيف فَيُنْشِدُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَأْمُرُ مَنْ يُنْشِدُ فَيَقُولُ: إِنَّا إِذَا نَالَتْ دَوَاعِي الْهَوَى * وَأَنْصَتَ السَّامِعُ للقائل
__________
(1) سقط من العقد 2 / 274 وفيه أن الوليد بن عبد الملك كان على البعير وليس عبد الملك.
(2) في العقد الفريد 2 / 263: قدم عمر بن علي بن أبي طالب على عبد الملك فسأله أن يصير إليه صدقة علي فقال عبد الملك متمثلا بأبيات ابن الحقيق.
(*)
(9/78)

وَاصْطَرَعَ النَّاسُ بِأَلْبَابِهِمْ (1) * نَقْضِي بِحُكْمٍ عَادِلٍ فَاصِلِ لا نجعل الباطل حقاً ولا * نلفظ دُونَ (2) الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ نَخَافُ أَنْ تُسَفَّهَ أَحْلَامُنَا * فنجهل الحق مع الجاهل وَقَالَ الْأَعْمَشُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَشْكُو الْحَجَّاجَ وَيَقُولُ فِي كِتَابِهِ: لَوْ أنَّ رجلاً خدم عيسى بن مريم أو رآه أو صحبه تعرفه النصارى أو تعرف مكانه لهاجرت
إليه ملوكهم، ولنزل من قلوبهم بالمنزلة العظيمة، وَلَعَرَفُوا لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا خَدَمَ موسى أو رآه تعرفه اليهود لفعلوا به من الخير والمحبة وغير ذلك ما استطاعوا، وَإِنِّي خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبُهُ ورأيته وأكلت معه، ودخلت وخرجت وجاهدت معه أعداءه، وإن الحجاج قد أضربي وفعل وفعل (3) ، قال: أخبرني مَنْ شَهِدَ عَبْدَ الْمَلِكِ يَقْرَأُ الْكِتَابَ وَهُوَ يَبْكِي وَبَلَغَ بِهِ الْغَضَبُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِكِتَابٍ غَلِيظٍ (4) ، فَجَاءَ إلى الحجاج فقرأه فتغير ثُمَّ قَالَ إِلَى حَامِلِ الْكِتَابِ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ نَتَرَضَّاهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي أَيَّامِ ابْنِ الْأَشْعَثِ: إِنَّكَ أَعَزُّ مَا تَكُونُ بِاللَّهِ أحوج ما تكون إليه، وأذل ما تكون للمخلوق أحوج ما تكون إليهم، وَإِذَا عَزَزْتَ بِاللَّهِ فَاعْفُ لَهُ، فَإِنَّكَ بِهِ تَعِزُّ وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَخْلُوَ بِهِ فَأَمَرَ من عنده بالانصراف، فلما خلا به وأراد الرجل أن يتكلم قال له عبد الملك: احذر في كلامك ثلاثاً، إِيَّاكَ أَنْ تَمْدَحَنِي فَإِنِّي أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْكَ، أَوْ تَكْذِبَنِي فَإِنَّهُ لَا رَأْيَ لِكَذُوبٍ، أَوْ تسعى إلي بأحد من الرعية فإنهم إلى عدلي وعفوي أقرب منهم إلى جوري وظلمي، وَإِنْ شِئْتَ أَقَلْتُكَ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: أَقِلْنِي فَأَقَالَهُ.
وَكَذَا كَانَ يَقُولُ لِلرَّسُولِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ مِنَ الْآفَاقِ: اعْفِنِي مِنْ أَرْبَعٍ وَقُلْ مَا شِئْتَ، لَا تُطْرِنِي، وَلَا تُجِبْنِي فِيمَا لَا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، وَلَا تَكْذِبْنِي، وَلَا تَحْمِلْنِي عَلَى الرعية فإنهم إلى رأفني وَمَعْدَلَتِي أَحْوَجُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُتِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِرَجُلٍ كَانَ مَعَ بَعْضِ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ فَقَالَ: اضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا كانَ هَذا جَزَائِي مِنْكَ، فَقَالَ: وَمَا جَزَاؤُكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ مَعَ فُلَانٍ إِلَّا بِالنَّظَرِ لَكَ، وَذَلِكَ أني رجل مشؤوم مَا كُنْتُ مَعَ رَجُلٍ قَطُّ إِلَّا غُلِبَ وَهُزِمَ، وَقَدْ بَانَ لَكَ صِحَّةُ مَا ادَّعَيْتُ، وَكُنْتُ عَلَيْكَ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ مَعَكَ تنصحك، لقد كنت مع فلان فكسر وهزم وتفرق جمعه، وكنت مع فلان فقتل، وكنت مع فلان فهزم - حتى عد
__________
(1) في العقد الفريد 2 / 263: بآرائهم.
(2) في العقد: نرضى بدون.
(3) نسخة الكتاب في الاخبار الطوال ص 323: " بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عبد الملك أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَمَّا بعد، فإن الحجاج قال لي نكرا، واسمعني هجرا، ولم أكن لذلك أهلا، فخذ على يديه،
وأعدني عليه، والسلام ".
(4) انظر الاخبار الطوال ص 324 فيه نسخة الكتاب.
(*)
(9/79)

جماعة من الأمراء - فَضَحِكَ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
وَقِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أَيُّ الرِّجَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ تَوَاضَعَ عَنْ رِفْعَةٍ وَزَهَدَ عَنْ قُدْرَةِ، وَتَرَكَ النُّصْرَةَ عَنْ قُوَّةٍ.
وَقَالَ أَيْضًا لَا طُمَأْنِينَةَ قَبْلَ الْخِبْرَةِ، فَإِنَّ الطُّمَأْنِينَةَ قَبْلَ الْخِبْرَةِ ضِدُّ الْحَزْمِ.
وَقَالَ: خَيْرُ الْمَالِ مَا أَفَادَ حَمْدًا وَدَفَعَ ذَمًّا، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، فَإِنَّ الْخَلْقَ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى غَيْرِ مَا ثَبَتَ بِهِ الْحَدِيثُ.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِمُؤَدِّبِ أَوْلَادِهِ - وَهُوَ إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر -: عَلِّمْهُمُ الصِّدْقَ كَمَا تُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ، وَجَنِّبْهُمُ السَّفِلَةَ فإنهم أسوأ الناس رغبة في الخير وَأَقَلُّهُمْ أَدَبًا، وَجَنِّبْهُمُ الْحَشَمَ فَإِنَّهُمْ لَهُمْ مَفْسَدَةٌ، وَأَحْفِ شُعُورَهُمْ تَغْلُظْ رِقَابُهُمْ، وَأَطْعِمْهُمُ اللَّحْمَ يَقْوُوا، وَعَلِّمُهُمُ الشِّعْرَ يَمْجُدُوا وَيُنْجُدُوا، وَمُرْهُمْ أَنْ يَسْتَاكُوا عَرْضًا، وَيَمُصُّوا الْمَاءَ مَصًّا، وَلَا يَعُبُّوا عَبًّا، وإذا احتجت أن تتناولهم فتناولهم بِأَدَبٍ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ فِي سِرٍّ لَا يَعْلَمُ بِهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْغَاشِيَةِ فَيَهُونُوا عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: أَذِنَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلنَّاسِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ إِذْنًا خَاصًّا، فَدَخَلَ شَيْخٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ لَمْ يَأْبَهْ لَهُ الْحَرَسُ، فَأَلْقَى بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ صَحِيفَةً وَخَرَجَ فَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَ، وَإِذَا فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ (بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص: 26] (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: 4 - 6] (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مشهود) [هود: 104] (وما تؤخره إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) [هود: 105] إن اليوم الَّذِي أَنْتَ فِيهِ لَوْ بَقِيَ لِغَيْرِكَ مَا وَصَلَ إِلَيْكَ، (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) [النَّمْلِ 52] وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) [الصافات: 22] (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ على الظالمين) [هود: 18] قَالَ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَدَخَلَ دَارَ حَرَمِهِ وَلَمْ تَزَلِ الْكَآبَةُ فِي وَجْهِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا.
وَكَتَبَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ كِتَابًا وَفِي آخِرِهِ: وَلَا يُطْمِعُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طُولِ الْبَقَاءِ مَا يظهر لك في صِحَّتِكَ فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ وَاذْكُرْ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْأَوَّلُونَ: إِذَا الرِّجَالُ وَلَدَتْ أَوْلَادَهَا * وَبَلِيَتْ مَنْ كِبَرٍ أَجْسَادُهَا وَجَعَلَتْ أَسْقَامُهَا تَعْتَادُهَا * تِلْكَ زُرُوعٌ قَدْ دَنَا حَصَادُهَا فَلَمَّا قَرَأَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بَكَى حَتَّى بَلَّ طَرْفَ ثَوْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ زِرٌّ، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْنَا بِغَيْرِ هَذَا كَانَ أَرْفَقَ.
وَسَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ يَذْكُرُونَ سِيرَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فقال: أنهى عن ذكر عمر فإن مرارة للأمراء مَفْسَدَةٌ لِلرَّعِيَّةِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يحيى القباني، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَجْلِسُ فِي حَلْقَةِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ بِدِمَشْقَ، فَقَالَتْ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ شربت الطلا بعد العبادة والنسك، فقال: أي والله، والدما أَيْضًا قَدْ شَرِبْتُهَا.
ثُمَّ جَاءَهُ غُلَامٌ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ فَقَالَ: مَا حَبَسَكَ لَعَنَكَ اللَّهُ؟ فَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا
(9/80)

الدرداء يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَعَّانٌ ".
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَالَ: قَدْ صِرْتُ لَا أَفْرَحُ بِالْحَسَنَةِ أَعْمَلُهَا، وَلَا أَحْزَنُ عَلَى السَّيِّئَةِ أَرْتَكِبُهَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: الْآنَ تَكَامَلَ مَوْتُ قَلْبِهِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ عن جده قَالَ: خَطَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا خُطْبَةً بَلِيغَةً ثُمَّ قَطَعَهَا وَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ ذُنُوبِي عَظِيمَةٌ، وَإِنَّ قَلِيلَ عَفْوِكَ أَعْظَمُ مِنْهَا، اللَّهُمَّ فَامْحُ بِقَلِيلِ عَفْوِكَ عَظِيمَ ذُنُوبِي.
قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ فَبَكَى وَقَالَ: لَوْ كَانَ كَلَامٌ يُكْتَبُ بِالذَّهَبِ لَكُتِبَ هَذَا الْكَلَامُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ نحو ذلك، أي أنه لما بلغه هذا الكلام قال مثل ما قال الحسن.
وقال مُسْهِرٍ الدِّمَشْقِيُّ: وُضِعَ سِمَاطُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِحَاجِبِهِ: ائْذَنْ لِخَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، فَقَالَ: مات يا أمير المؤمنين، قال: فلأبيه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، قَالَ: مَاتَ، قَالَ: فَلِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قال: مات، قال فلفلان وفلان - حتى عد أقواماً قد ماتوا وهو يعلم ذلك قبلنا - فأمر بِرَفْعِ السِّمَاطِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
ذَهَبَتْ لِدَّاتِي وَانْقَضَتْ أيامهم * وغبرت بَعْدَهُمْ وَلَسْتُ بِخَالِدِ وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا احْتُضِرَ دَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُهُ الْوَلِيدُ فَبَكَى فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا هَذَا؟ أَتَحِنُّ حَنِينَ الْجَارِيَةِ وَالْأَمَةِ؟ إِذَا أَنَا مِتُّ فَشَمِّرْ وَاتَّزِرْ وَالْبَسْ جِلْدَ النَّمِرِ، وَضَعِ (1) الْأُمُورَ عِنْدَ أَقْرَانِهَا، وَاحْذَرْ قُرَيْشًا.
ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا وَلِيدُ اتَّقِ اللَّهَ فِيمَا أَسْتَخْلِفُكُ فِيهِ، وَاحْفَظْ وَصِيَّتِي، وَانْظُرْ إِلَى أَخِي مُعَاوِيَةَ فَصِلْ رَحِمَهُ وَاحْفَظْنِي فِيهِ، وانظر إلى أخي محمد فأمره على الجزيرة ولا تعز له عنها، وانظر إلى ابن عمنا علي بْنِ عبَّاس فَإِنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ إِلَيْنَا بِمَوَدَّتِهِ وَنَصِيحَتِهِ وَلَهُ نَسَبٌ وَحَقٌّ فَصِلْ رَحِمَهُ وَاعْرِفْ حقه، وانظر إلى الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ فَأَكْرِمْهُ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي مهد لك البلاد وقهر الأعداء وخلص لَكُمُ الْمُلْكَ وَشَتَّتَ الْخَوَارِجَ، وَأَنْهَاكَ وَإِخْوَتَكَ عَنِ الْفِرْقَةِ وَكُونُوا أَوْلَادَ أُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَكُونُوا فِي الْحَرْبِ أَحْرَارًا، وَلِلْمَعْرُوفِ مَنَارًا، فَإِنَّ الْحَرْبَ لَمْ تُدْنِ مَنِيَّةً قَبْلَ وَقْتِهَا، وَإِنَّ الْمَعْرُوفَ يُشَيِّدُ ذِكْرَ صَاحِبِهِ وَيُمَيِّلُ الْقُلُوبَ بِالْمَحَبَّةِ، وَيُذَلِّلُ الْأَلْسِنَةَ بِالذِّكْرِ الْجَمِيلِ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ: إِنَّ الْأُمُورَ (2) إِذَا اجْتَمَعْنَ فَرَامَهَا * بِالْكَسْرِ ذُو حَنَقٍ وَبَطْشٍ مفند عَزَّتْ فَلَمْ تُكْسَرْ وَإِنْ هِيَ بدِّدت * فَالْكَسْرُ والتوهين للمتبدد (3)
__________
(1) في مروج الذهب 3 / 196 وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه لك فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه، وانظر الاخبار الطوال ص 325.
(2) في مروج الذهب: إن القداح ... وبطش باليد.
(3) في مروج الذهب 3 / 203: فالوهن والتكسير للمتبدد.
وفي ابن الاعثم 7 / 203: فالوهن والتضييع.
وفيه ان الوليد أجابه: إني لما أوصيتنيه لحافظ * أرعاه غير مقصر في المحتد
(9/81)

ثُمَّ قَالَ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَادْعُ النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِكَ فَمَنْ أَبَى فَالسَّيْفُ، وَعَلَيْكَ بِالْإِحْسَانِ إلى أخواتك فَأَكْرِمْهُنَّ وَأَحَبُّهُنَّ إليَّ فَاطِمَةُ - وَكَانَ قَدْ أَعْطَاهَا قُرْطَيْ مَارِيَةَ وَالدُّرَّةَ الْيَتِيمَةَ - ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ احْفَظْنِي فِيهَا.
فَتَزَوَّجَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا (1) .
وَلَمَّا احْتُضِرَ سَمِعَ غَسَّالًا يَغْسِلُ الثِّيَابَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا غَسَّالٌ، فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي كُنْتَ غَسَّالًا أَكْسِبُ مَا أَعِيشُ بِهِ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَلَمْ أَلِ الْخِلَافَةَ.
ثُمَّ تَمَثَّلَ فَقَالَ: - لَعَمْرِي لَقَدْ عُمِّرْتُ فِي الْمُلْكِ بُرْهَةً * وَدَانَتْ لِيَ الدُّنْيَا بِوَقْعِ الْبَوَاتِرِ وَأُعْطِيتُ حمر المال والحكم والنهى * ولي سلمت كل الْمُلُوكِ الْجَبَابِرِ فَأَضْحَى الَّذِي قَدْ كَانَ مِمَّا يسرني * كحلم مضى في المزمنات الغوابر فياليتني لَمْ أُعْنَ بِالْمُلْكِ لَيْلَةً * وَلَمْ أَسْعَ فِي لذات عيش نواضر وَقَدْ أَنْشَدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ.
وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ: قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقَالَ أَجِدُنِي كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظهوركم) الآية [الانعام: 94] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمَّا احْتُضِرَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَمَرَ بِفَتْحِ الْأَبْوَابِ مِنْ قَصْرِهِ، فلما فتحت سمع قصاراً بالوادي فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا قَصَّارٌ، فَقَالَ: يَا ليتني كنت قصاراً أعيش من عمل يدي، فَلَمَّا بَلَغَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَوْلُهُ قَالَ: الحمد لله الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم.
وقال: لما حضره الموت جعل يندم ويندب وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَيَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي اكتسبت قوتي يوماً بيوم واشتغلت بعبادة ربي عزوجل وطاعته.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا بَنِيهِ فَوَصَّاهُمْ ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يسأل أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ثُمَّ يُنْشِدُ: - فَهَلْ مِنْ خَالِدٍ إِمَّا هَلَكْنَا * وَهَلْ بالموت للباقين غارُ (2) وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: ارْفَعُونِي، فَرَفَعُوهُ حَتَّى شَمَّ الْهَوَاءَ وَقَالَ: يَا دُنْيَا مَا أَطْيَبَكِ! إِنَّ طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإنا كُنَّا بِكِ لَفِي غُرُورٍ، ثُمَّ تَمَثَّلَ بِهَذَيْنِ البيتين:
__________
= وأكون للاعداء سما ناقعا * والذي القرابة كالحميد الايد واقوم بعدك في الرعية بالذي * أوصيتني بهم بحسن تودد (1) انظر في وصيته مروج الذهب 3 / 196 - 197 ابن الاثير 4 / 517 - 518 والاخبار الطوال ص 325 وابن الاعثم 7 / 201 - 202.
(2) في تاريخ الاسلام للذهبي 3 / 281: وهل بالموت يا للناس عار.
والبيت في ابن الاعثم 7 / 204: فهل من خالد إن نحن متنا * وهل بالموت للاحياء عار (*)
(9/82)

إِنْ تُنَاقِشْ يَكُنْ نِقَاشُكَ يَا رَبِّ * عَذَابًا لَا طَوْقَ لِي بِالْعَذَابِ أَوْ تُجَاوِزْ فَأَنْتَ رب صفوح * عن مسئ ذُنُوبُهُ كالترابِ قَالُوا: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدِمَشْقَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَقِيلَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَقِيلَ الْخَمِيسِ، فِي النصف من شوال سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْوَلِيدُ وَلِيُّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ سِتِّينَ سَنَةً.
قَالَهُ أَبُو مَعْشَرٍ وَصَحَّحَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَقِيلَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً.
قَالَهُ الْمَدَائِنِيُّ، وقيل ثماني وَخَمْسِينَ.
وَدُفِنَ بِبَابِ الْجَابِيَةِ الصَّغِيرِ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ذِكْرُ أَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ: مِنْهُمُ الْوَلِيدُ وَسُلَيْمَانُ وَمَرْوَانُ الْأَكْبَرُ دَرَجَ وَعَائِشَةُ، وَأُمُّهُمْ وَلَّادَةُ بِنْتُ العبَّاس بْنِ جَزْءِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ عَبْسِ بْنِ بَغِيضٍ، وَيَزِيدُ وَمَرْوَانُ الْأَصْغَرُ وَمُعَاوِيَةُ دَرَجَ وَأُمُّ كُلْثُومٍ وَأُمُّهُمْ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَهِشَامٌ وَأُمُّهُ أُمُّ هِشَامٍ عَائِشَةُ - فِيمَا قَالَهُ الْمَدَائِنِيُّ - بِنْتُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ.
وَأَبُو بَكْرٍ وَاسْمُهُ بَكَّارٌ وَأُمُّهُ عَائِشَةُ بِنْتُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ، وَالْحَكَمُ دَرَجَ وَأُمُّهُ أُمُّ أَيُّوبَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الأموي، وفاطمة وأمها أم الغيرة بِنْتُ الْمُغِيرَةِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ.
وَعَبْدُ اللَّهِ وَمَسْلَمَةُ وَالْمُنْذِرُ وَعَنْبَسَةُ وَمُحَمَّدٌ وَسَعْدُ (1) الْخَيْرِ وَالْحَجَّاجُ لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ شَتَّى، فَكَانَ جُمْلَةُ أَوْلَادِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، مِنْهَا تِسْعُ سِنِينَ مُشَارِكًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَنَصِفٌ مُسْتَقِلًّا بِالْخِلَافَةِ وَحْدَهُ.
وَكَانَ قَاضِيَهُ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، وَكَاتِبُهُ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ، وَحَاجِبُهُ يُوسُفُ مَوْلَاهُ، وَصَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ وَالْخَاتَمِ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ.
وَعَلَى شُرْطَتِهِ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا عُمَّالَهُ فِيمَا مَضَى.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَكَانَ لَهُ زَوْجَاتٌ أُخَرَ، شَقْرَاءُ بِنْتُ سَلَمَةَ بْنِ حَلْبَسٍ الطَّائِيِّ، وَابْنَةٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّ أَبِيهَا بنت عبد الله بن جعفر.
وَمِمَّنْ يُذْكَرُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تقريباً.
أرطأة بن زفر ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ شَدَّادِ (2) بْنِ ضمرة بن غقعان بن أبي حارثة بن مرة بن شبة بن نميط بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ الْوَلِيدِ الْمُرِّيُّ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ سُهَيَّةَ (3) ، وَهِيَ أُمُّهُ بنت رامل (4) بْنِ مَرْوَانَ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خديج بن جشم بن كعب بن عون بْنِ عَامِرِ بْنِ عَوْفٍ - سَبِيَّةٌ مِنْ كَلْبٍ - وَكَانَتْ عِنْدَ ضِرَارِ بْنِ الْأَزْوَرِ، ثُمَّ صَارَتْ إلى زفر وهي
__________
(1) في الطبري 8 / 57 والمعارف ص 157: سعيد الخير.
(2) في الاصابة 1 / 101: سواد.
(3) من الاصابة 1 / 101 ووفيات الاعيان 6 / 103 وفي الاصل شهبة.
وفي حماسة الشجري ص 63: أرطأة بن سمية المزني وهو تصحيف.
وفي الاصابة تكرر فيها المزني مكان المري.
(4) في الاعلام للزركلي 1 / 288: زامل.
(*)
(9/83)

حَامِلٌ فَأَتَتْ بِأَرْطَاةَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَقَدْ عُمِّرَ أَرْطَاةُ دَهْرًا طَوِيلًا حَتَّى جَاوَزَ الْمِائَةَ بِثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ كَانَ سَيِّدًا شَرِيفًا مُطَاعًا مُمَدَّحًا شَاعِرًا مُطْبِقًا قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَيُقَالُ إِنَّ بَنِي غقعان بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مازن بن الحارث دخلوا في بني مرة بن شبة فقالوا بني غقعان بْنِ أَبِي حَارِثَةَ بْنِ مُرَّةَ.
وَقَدْ وَفَدَ أَبُو الْوَلِيدِ أَرْطَاةُ بْنُ زُفَرَ هَذَا عَلَى عبد الملك فَأَنْشَدَهُ أَبْيَاتًا: - رَأَيْتُ الْمَرْءَ تَأْكُلُهُ اللَّيَالِي * كَأَكْلِ الْأَرْضِ سَاقِطَةَ الحديدِ وَمَا تُبْقِي الْمَنِيَّةُ حِينَ تَأْتِي * عَلَى نَفْسِ ابْنِ آدَمَ مِنْ مزيدِ وَأَعْلَمُ أَنَّهَا ستكرُّ حَتَّى * تُوُفِّيَ نَذْرَهَا بِأَبِي الوليدِ قَالَ: فَارْتَاعَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَظَنَّ أَنَّهُ عَنَاهُ بِذَلِكَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا عَنَيْتُ نَفْسِي، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَأَنَا وَاللَّهِ سيمر بي ما الذي يمر بك، وزاد بعضهم فيّ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: - خُلِقْنَا أَنْفُسًا وَبَنِي نفوسٍ * وَلَسْنَا بالسلام ولا الحديد لئن أفجعت بالقُرناء يَوْمًا * لَقَدْ مُتِّعْتُ بِالْأَمَلِ الْبَعِيدِ
وَهُوَ الْقَائِلُ: وَإِنِّي لَقَوَّامٌ لَدَى الضَّيْفِ مُوهِنًا * إِذَا أَسْبَلَ السِّتْرَ الْبَخِيلُ المواكلُ دَعَا فَأَجَابَتْهُ كلابٌ كثيرةٌ * عَلَى ثِقَةٍ مِنِّي بِأَنِّي فاعلُ وَمَا دُونَ ضَيْفِي مِنْ تلادٍ تَحُوزُهُ * لِيَ النَّفْسُ إلا أن تصان الحلائلُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ كَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ يَقُولُ مَا أُوتِيَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ (1) ، وَعُقُولُ النَّاسِ عَلَى قَدْرِ زَمَانِهِمْ.
وَقَالَ: إِذَا اسْتَوَتْ سَرِيرَةُ الْعَبْدِ وَعَلَانِيَتُهُ قَالَ اللَّهُ هَذَا عَبْدِي حَقًّا.
وَقَالَ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى مَرِيضٍ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَدْعُوَ لَكُمْ فَإِنَّهُ قَدْ حُرِّكَ - أَيْ قَدْ أُوقِظَ مِنْ غَفْلَتِهِ بِسَبَبِ مَرَضِهِ - فَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَابٌ مِنْ أَجْلِ كَسْرِهِ وَرِقَّةِ قَلْبِهِ.
وَقَالَ: إِنَّ أَقْبَحَ مَا طُلِبَتْ بِهِ الدُّنْيَا عمل الآخرة.
خلافة الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ
بَانِي جَامِعِ دِمَشْقَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ دَفْنِ أَبِيهِ خَارِجَ بَابِ الْجَابِيَةِ الصَّغِيرِ - وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَقِيلَ الْجُمْعَةِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السنة - لَمْ يَدْخُلِ الْمَنْزِلَ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ - مِنْبَرَ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ بِدِمَشْقَ - فَخَطَبَ النَّاسَ فَكَانَ مِمَّا قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مصيبتنا في أمير المؤمنين،
__________
(1) في صفة الصفوة 3 / 224 عن أبي العلاء عن مطرف قال: ما أوتي عبد بعد الايمان أفضل من العقل.
(*)
(9/84)

والحمد لله على ما أنعم عَلَيْنَا مِنَ الْخِلَافَةِ، قُومُوا فَبَايِعُوا.
فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَمَّامٍ السَّلُولِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: - اللَّهُ أَعْطَاكَ الَّتِي لَا فَوْقَهَا * وَقَدْ أَرَادَ الْمُلْحِدُونَ عَوْقَهَا عَنْكَ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا سَوْقَهَا * إِلَيْكَ حَتَّى قَلَّدُوكَ طَوْقَهَا ثم بايعه وبايع النَّاسُ بَعْدَهُ.
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاس إِنَّهُ لَا مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّرَ اللَّهُ، وَلَا مُؤَخِّرَ لِمَا قَدَّمَ اللَّهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ قَضَاءِ الله وسابقته ما كَتَبَهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَحَمَلَةِ
عَرْشِهِ وَمَلَائِكَتِهِ الْمَوْتُ، وقد صار إلى منازل الأبرار بما لاقاه فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ - يَعْنِي بِالَّذِي يَحِقُّ لِلَّهِ عليه - من الشدة على لمريب وَاللَّيِّنِ لِأَهْلِ الْحَقِّ وَالْفَضْلِ وَإِقَامَةِ مَا أَقَامَ اللَّهُ مِنْ مَنَارِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَائِهِ (1) مِنْ حَجِّ هَذَا الْبَيْتِ وَغَزْوِ هَذِهِ الثُّغُورِ وَشَنِّ هَذِهِ الغارات على أعداء الله عزوجل فَلَمْ يَكُنْ عَاجِزًا وَلَا مُفَرِّطًا، أَيُّهَا النَّاس عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الواحد، أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ أَبْدَى لَنَا ذَاتَ نَفْسِهِ ضَرَبْنَا الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ، وَمَنْ سَكَتَ مَاتَ بدائه.
ثم نزل فنظر مَا كَانَ مِنْ دَوَابِّ الْخِلَافَةِ فَحَازَهَا.
وَكَانَ جباراً عنيداً.
وقد ورد في ولاية الْوَلِيدِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ يزيد بن عبد الملك كما سيأتي، وكما تقدم تقريره في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ فِي بَابِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِدَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَأَمَّا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا فَقَدْ كَانَ صَيِّنًا فِي نَفْسِهِ حَازِمًا فِي رَأْيِهِ، يُقَالُ إِنَّهُ لَا تُعْرَفُ لَهُ صَبْوَةٌ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِهِ مَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا أن الله قص لنا قصة قوم لوط في كتابه ما ظننا أن ذكراً كان يَأْتِي ذَكَرًا كَمَا تُؤْتَى النِّسَاءُ، كَمَا سَيَأْتِي ذلك في ترجمته عند ذكر وفاته، وهو باني مسجد جَامِعِ دِمَشْقَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ فِي الْآفَاقِ أَحْسَنُ بِنَاءً مِنْهُ، وَقَدْ شَرَعَ فِي بِنَائِهِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي بِنَائِهِ وَتَحْسِينِهِ مُدَّةَ خِلَافَتِهِ وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ، فَلَمَّا أَنْهَاهُ انْتَهَتْ أَيَّامُ خِلَافَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا.
وَقَدْ كَانَ مَوْضِعُ هَذَا الْمَسْجِدِ كَنِيسَةً يُقَالُ لَهَا كَنِيسَةُ يُوحَنَّا، فَلَمَّا فَتَحَتِ الصَّحَابَةُ دِمَشْقَ جَعَلُوهَا مُنَاصَفَةً، فَأَخَذُوا مِنْهَا الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ فَحَوَّلُوهُ مَسْجِدًا، وَبَقِيَ الْجَانِبُ الْغَرْبِيُّ كَنِيسَةً بِحَالِهِ مِنْ لَدُنْ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَعَزَمَ الْوَلِيدُ على أخذ بقية الْكَنِيسَةِ مِنْهُمْ وَعَوَّضَهُمْ عَنْهَا كَنِيسَةَ مَرْيَمَ لِدُخُولِهَا فِي جَانِبِ السَّيْفِ، وَقِيلَ عَوَّضَهُمْ عَنْهَا كَنِيسَةَ تُومَا، وَهَدَمَ بَقِيَّةَ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ وَأَضَافَهَا إِلَى مَسْجِدِ الصَّحَابَةِ، وَجَعَلَ الْجَمِيعَ مَسْجِدًا وَاحِدًا عَلَى هَيْئَةٍ بَدِيعَةٍ لَا يَعْرِفُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أو أكثرهم لها نظيراً في البنيان والزينات والآثار والعمارات، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وثمانين فَفِيهَا عَزَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ هِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ وَوَلَّى عَلَيْهَا ابْنَ عَمِّهِ وَزَوْجَ أُخْتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الملك عمر بن عبد العزيز، فدخلها على ثَلَاثِينَ بَعِيرًا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا، فَنَزَلَ
__________
(1) في الطبري 8 / 59 وابن الاثير 4 / 523: وأعلامه.
(*)
(9/85)

دَارَ مَرْوَانَ وَجَاءَ النَّاسُ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَعَمْرُهُ إِذْ ذَاكَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَلَمَّا صَلَّى الظَّهْرَ دَعَا عَشَرَةً مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ عُرْوَةُ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبة، وأبو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ [أَبِي] خَيْثَمَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَجَلَسُوا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي إِنَّمَا دَعَوْتُكُمْ لِأَمْرٍ تُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ وَتَكُونُونَ فِيهِ أَعْوَانًا عَلَى الْحَقِّ، إِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ أَمْرًا إِلَّا بِرَأْيِكُمْ أَوْ بِرَأْيِ مَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَحَدًا يَتَعَدَّى أَوْ بَلَغَكُمْ عَنْ عَامِلٍ لِي ظُلَامَةٌ، فأحرِّج عَلَى مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ إِلَّا أَبْلَغَنِي.
فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ يَجْزُونَهُ خَيْرًا، وَافْتَرَقُوا عَلَى ذَلِكَ.
وَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِأَنْ يُوقِفَ هِشَامَ بْنَ إسماعيل للناس عند دار مروان - وكان يسئ الرأي فيه - لأنه أساء إلى أهل المدينة فِي مُدَّةِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَكَانَتْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَلَا سِيَّمَا إِلَى سَعِيدِ بْنِ المسيب وعلي بن الحسين.
قال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِابْنِهِ وَمَوَالِيهِ: لَا يَعْرِضُ منكم أحد لهذا الرجل فيَّ، تَرَكْتُ ذَلِكَ لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ.
وَأَمَّا كَلَامُهُ فَلَا أُكَلِّمُهُ أَبَدًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَإِنَّهُ مر به وهو موقوف فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَى خاصته أن لا يعرض أحد منهم له، فلما اجتاز به وتجاوزه ناداه هشام (الله يعلم حيث يجعل رسالاته) [الانعام: 124] .
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَادَ الرُّومِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَفَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً وَغَنِمَ غَنَائِمَ جَمَّةً، وَيُقَالُ إِنَّ الَّذِي غَزَا بِلَادَ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَفَتَحَ حِصْنَ بولق، وحصن الأخرم، وبحيرة الفرمسان، وَحِصْنَ بُولَسَ، وَقُمَيْقِمَ، وَقَتَلَ مِنَ الْمُسْتَعْرِبَةِ نَحْوًا مِنْ أَلْفٍ وَسَبَى ذَرَّارِيَّهُمْ.
وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ بِلَادَ التُّرْكِ وَصَالَحَهُ مَلِكُهُمْ نَيْزَكُ عَلَى مَالٍ جَزِيلٍ، وَعَلَى أَنْ يُطْلِقَ كُلَّ مَنْ بِبِلَادِهِ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بِيكَنْدَ فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْأَتْرَاكِ عِنْدَهَا بَشَرٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ بُخَارَى، فَلَمَّا نَزَلَ بِأَرْضِهِمُ اسْتَنْجَدُوا عَلَيْهِ بِأَهْلِ الصَّغْدِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَأَتَوْهُمُ فِي جمعٍ عظيمٍ فَأَخَذُوا عَلَى قُتَيْبَةَ الطُّرُقَ وَالْمَضَايِقَ، فَتَوَاقَفَ هُوَ وَهُمْ
قَرِيبًا مِنْ شَهْرَيْنِ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا وَلَا يأتيه منهم رَسُولٌ، وَأَبْطَأَ خَبَرُهُ عَلَى الْحَجَّاجِ حَتَّى خَافَ عَلَيْهِ وَأَشْفَقَ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ مِنَ التُّرْكِ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْأَمْصَارِ، وَقَدْ كَانَ قُتَيْبَةُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَتِلُونَ مَعَ التُّرْكِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَكَانَ لِقُتَيْبَةَ عَيْنٌ مِنَ الْعَجَمِ يُقَالُ لَهُ تنذر (1) ، فَأَعْطَاهُ أَهْلُ بُخَارَى مَالًا جَزِيلًا عَلَى أَنْ يَأْتِيَ قُتَيْبَةَ فَيُخَذِّلَهُ عَنْهُمْ، فَجَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَخْلِنِي فَأَخْلَاهُ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ سِوَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ ضِرَارُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَقَالَ له تنذر: هَذَا عَامِلٌ يَقْدَمُ عَلَيْكَ سَرِيعًا بِعَزْلِ الْحَجَّاجِ، فَلَوِ انْصَرَفْتَ بِالنَّاسِ إِلَى مَرْوَ، فَقَالَ قُتَيْبَةُ لِمَوْلَاهُ سِيَاهٍ اضْرِبْ عُنُقَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لِضِرَارٍ: لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَ هَذَا غَيْرِي وغيرك
__________
(1) من الطبري، وفي الاصل: تندر، وفي ابن الاعثم: دون نقط.
(*)
(9/86)

وَإِنِّي أُعْطِي اللَّهَ عَهْدًا إِنْ ظَهَرَ هَذَا حتى ينقضي حربنا ألحقتك به، فاملك علينا لسانك، فإن انتشار هذا في مثل هذا الحال ضعف في أعضاد الناس ونصرة للأعداء، ثُمَّ نَهَضَ قُتَيْبَةُ فَحَرَّضَ النَّاسَ عَلَى الْحَرْبِ، وَوَقَفَ عَلَى أَصْحَابِ الرَّايَاتِ يُحَرِّضُهُمْ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قتالاً شديداً ثم أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الصَّبْرَ فَمَا انْتَصَفَ النَّهَارُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّصْرَ فَهُزِمَتِ التُّرْكُ هَزِيمَةً عَظِيمَةً، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ فِيهِمْ وَيَأْسِرُونَ ما شاؤوا وَاعْتَصَمَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ بِالْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ قُتَيْبَةُ الْفَعَلَةُ بِهَدْمِهَا فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ عَلَى مَالٍ عَظِيمٍ فَصَالَحَهُمْ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ وَعِنْدَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ ثُمَّ سَارَ رَاجِعًا، فَلَمَّا كَانَ مِنْهُمْ عَلَى خَمْسِ مَرَاحِلَ (1) نَقَضُوا الْعَهْدَ وَقَتَلُوا الْأَمِيرَ وَجَدَعُوا أُنُوفَ مَنْ كَانَ مَعَهُ، فرجع إليها وَحَاصَرَهَا شَهْرًا.
وَأَمَرَ النَّقَّابِينَ وَالْفَعَلَةَ فَعَلَّقُوا سُورَهَا عَلَى الْخَشَبِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُضْرِمَ النَّارَ فِيهَا، فَسَقَطَ السُّورُ فَقَتَلَ مِنَ الْفِعْلَةِ أَرْبَعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ فَأَبَى، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى افْتَتَحَهَا فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَغَنِمَ الْأَمْوَالَ، وَكَانَ الَّذِي أَلَّبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ أَعْوَرُ مِنْهُمْ، فَأُسِرَ فَقَالَ أَنَا أَفْتَدِي نَفْسِي بِخَمْسَةِ آلاف أَثْوَابٍ صِينِيَّةٍ قِيمَتُهَا أَلْفُ أَلْفٍ، فَأَشَارَ الْأُمَرَاءُ عَلَى قُتَيْبَةَ بِقَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ قُتَيْبَةُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُرَوِّعُ بِكَ مُسْلِمًا مَرَّةً ثانية، وأمر به فضربت عنقه.
وهذا من الزهد فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ إن الغنائم سيدخل فيها ما أراد أن يفتدي به نفسه فإن المسلمين قد غنموا مِنْ
بِيكَنْدَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ والفضة والأصنام من الذهب، وكان من حملتها صَنَمٌ سُبِكَ فَخَرَجَ مِنْهُ مِائَةُ أَلْفٍ وَخَمْسُونَ أَلْفَ (2) دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَوَجَدُوا فِي خَزَائِنِ الْمَلِكِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً وَسِلَاحًا كَثِيرًا وَعِدَدًا مُتَنَوِّعَةً، وَأَخَذُوا مِنَ السَّبْيِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَكَتَبَ قُتَيْبَةُ إلى الحجاج يسأله أَنْ يُعْطِيَ ذَلِكَ لِلْجُنْدِ فَأَذِنَ لَهُ فَتَمَوَّلَ المسلمون وتقووا على قتال الأعداء، وصار لكل واحد منهم مال مستكثر جداً.
وصارت لهم أسلحة وعدد وخيول كثيرة فقووا بذلك قُوَّةً عَظِيمَةً وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدْ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَائِبُ الْمَدِينَةِ، وَقَاضِيهِ بِهَا أَبُو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَلَى العراق والمشرق بكماله الحجاج، وَنَائِبُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ وَقَاضِيهِ بِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُذَيْنَةَ، وَعَامِلُهُ عَلَى الْحَرْبِ بِالْكُوفَةِ زِيَادُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَقَاضِيهِ بِهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَنَائِبُهُ عَلَى خراسان وأعمالها قتيبة بن مسلم.
وفيها تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ صحابي جليل، نزل حمص، يروى أن شَهِدَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَعَنِ الْعِرْبَاضِ أَنَّهُ كَانَ يقول هو
__________
(1) في الطبري 8 / 63 وابن الاثير 4 / 528: فراسخ.
(2) في ابن الاعثم 7 / 221: خمسون ومائتا ألف دينار وقال: وأصابوا في هذه الخزانة (التي وجد فيها الصنم) لؤلؤتين عظيمتين.
(*)
(9/87)

خَيْرٌ مِنِّي أَسْلَمَ قَبْلِي بِسَنَةٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ: تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ بَعْدَ التِّسْعِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ.
وَرَوَى بَقِيَّةُ عَنْ بِجِيرِ ابن سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: " لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ لَحَقَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَقِيلِ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: اشْتَكَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) العُري فكساني خيشتين فلقد رأيتني وأنا أكسي الصحابة.
المقدام بن معدي كرب صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، نَزَلَ حِمْصَ أَيْضًا، لَهُ أَحَادِيثُ، وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ.
قَالَ محمد بن سعد والفلاس وأبو عبيدة: تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: تُوُفِّيَ بَعْدَ التِّسْعِينَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَبُو أُمَامَةُ الْبَاهِلِيُّ واسمه صَديّ بن عجلان، نَزَلَ حِمْصَ، وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ " تَلْقِينِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْوَفَيَاتِ.
قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَبُو سُفْيَانَ الْخُزَاعِيُّ الْمَدَنِيُّ، وُلِدَ عَامَ الْفَتْحِ وأُتي بِهِ النَّبيّ (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِيَدْعُوَ لَهُ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ لَهُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذَنٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ إِذَا وَرَدَتْ مِنَ الْبِلَادِ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَيُخْبِرُهُ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْبِلَادِ فِيهَا، وَكَانَ صَاحِبَ سِرِّهِ، وَكَانَ لَهُ دَارٌ بِدِمَشْقَ بِبَابِ الْبَرِيدِ، وَتُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ.
عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَلِيَ إِمْرَةَ الْكُوفَةِ لِلْحَجَّاجِ، وَكَانَ شَرِيفًا لَبِيبًا مُطَاعًا فِي النَّاس، وَكَانَ أَحْوَلَ.
تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ (يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ) ، كَانَ قَاضِيَ مَرْوَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَقَطَ الْمَصَاحِفَ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ النَّاسِ وَعُلَمَائِهِمْ وَلَهُ أَحْوَالٌ وَمُعَامَلَاتٌ، وَلَهُ رِوَايَاتٌ، وَكَانَ أَحَدَ الْفُصَحَاءِ، أَخَذَ الْعَرَبِيَّةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ.
شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ الْقَاضِي أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَاسْتَقْضَاهُ عُمَرُ عَلَى الْكُوفَةِ فَمَكَثَ بِهَا قَاضِيًا خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ عَالِمًا
(9/88)

عَادِلًا كَثِيرَ الْخَيْرِ، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، فِيهِ دُعَابَةٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ كَوْسَجًا لَا شَعْرَ بِوَجْهِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قيس، وقيس بن سعد بن عبادة، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نَسَبِهِ وَسِنِّهِ وَعَامِ وَفَاتِهِ عَلَى أَقْوَالٍ، وَرَجَّحَ ابْنُ خَلِّكَانَ وَفَاتَهُ فِي هذه السنة.
قلت: قد تقدمت ترجمة شريح القاضي في سنة ثمان وسبعين بما فيها من الزيادة الكثيرة غير ما ذكره المؤلف هنا وهناك.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين
فِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنُ أَخِيهِ العبَّاس بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَافْتَتَحَا بِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِصْنَ طُوَانَةَ فِي جُمَادَى مِنْ هَذِهِ السَّنة - وَكَانَ حصيناً مَنِيعًا - اقْتَتَلَ النَّاسُ عِنْدَهُ قِتَالًا عَظِيمًا ثُمَّ حَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى النَّصَارَى فَهَزَمُوهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمُ الْكَنِيسَةَ، ثُمَّ خَرَجَتِ النَّصَارَى فَحَمَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يبقَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي مَوْقِفِهِ إِلَّا العبَّاس بْنُ الْوَلِيدِ وَمَعَهُ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ الْجُمَحِيُّ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِابْنِ مُحَيْرِيزٍ: أَيْنَ قُرَّاءُ الْقُرْآنِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ: نَادِهِمْ يَأْتُوكَ، فَنَادَى يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، فَتَرَاجَعَ النَّاسُ فَحَمَلُوا عَلَى النَّصَارَى فَكَسَرُوهُمْ وَلَجَأُوا إِلَى الْحِصْنِ فَحَاصَرُوهُمْ حَتَّى فَتَحُوهُ.
وَذَكَرَ ابن جرير: أنه فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ كِتَابُ الْوَلِيدِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز يَأْمُرُهُ بِهَدْمِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَإِضَافَةِ حُجَرِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وَأَنَّ يُوَسِّعَهُ مِنْ قِبْلَتِهِ وَسَائِرِ نَوَاحِيهِ، حَتَّى يَكُونَ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ فِي مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، فَمَنْ باعك ملكه فاشتره مِنْهُ وَإِلَّا فقوِّمه لَهُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اهدمه وَادْفَعْ إِلَيْهِمْ أَثْمَانَ بُيُوتِهِمْ، فَإِنَّ لَكَ فِي ذَلِكَ سَلَفَ صِدْقٍ عُمَرَ وَعُثْمَانَ.
فَجَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وُجُوهَ النَّاسِ وَالْفُقَهَاءَ الْعَشَرَةَ وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الْوَلِيدِ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَقَالُوا: هَذِهِ حُجَرٌ قَصِيرَةُ السُّقُوفِ، وَسُقُوفُهَا مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَحِيطَانُهَا مِنَ اللَّبِنِ، وَعَلَى أَبْوَابِهَا الْمُسُوحُ، وَتَرْكُهَا عَلَى حَالِهَا أَوْلَى لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا الْحُجَّاجُ وَالزُّوَّارُ وَالْمُسَافِرُونَ، وَإِلَى بُيُوتِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَيَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ وَيَعْتَبِرُوا بِهِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، فَلَا يُعَمِّرُونَ فِيهَا إِلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَهُوَ مَا يَسْتُرُ ويُكن، وَيَعْرِفُونَ أَنَّ هَذَا الْبُنْيَانَ الْعَالِيَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْعَالِ
الْفَرَاعِنَةِ وَالْأَكَاسِرَةِ، وَكُلِّ طَوِيلِ الْأَمَلِ رَاغِبٍ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْخُلُودِ فِيهَا.
فَعِنْدَ ذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْوَلِيدِ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ الْعَشَرَةُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْخَرَابِ وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَأَنْ يُعَلِّيَ سُقُوفَهُ،.
فَلَمْ يَجِدْ عُمَرُ بُدًّا مِنْ هَدْمِهَا، وَلَمَّا شَرَعُوا فِي الْهَدْمِ صَاحَ الْأَشْرَافُ وَوُجُوهُ النَّاسِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ، وَتَبَاكَوْا مِثْلَ يَوْمِ مات النَّبيّ (صلَّى الله عليه وسلم) ، وأجاب من له ملك متاخم للمجسد لِلْبَيْعِ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ، وَشَرَعَ فِي بِنَائِهِ وَشَمَّرَ عن إزاره واجتهد في ذلك، وأرسل الوليد إليه فعولاً كثيرة، فَأَدْخَلَ فِيهِ الْحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ - حُجْرَةَ عَائِشَةَ - فَدَخَلَ الْقَبْرُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَتْ
(9/89)

حَدَّهُ مِنَ الشَّرْقِ وَسَائِرُ حُجَرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَمَرَ الْوَلِيدُ، وَرُوِّينَا أَنَّهُمْ لَمَّا حَفَرُوا الْحَائِطَ الشَّرْقِيَّ مِنْ حُجْرَةِ عَائِشَةَ بَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَخَشُوا أَنْ تَكُونَ قَدَمَ النَّبيّ (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَتَّى تَحَقَّقُوا أَنَّهَا قَدَمُ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَيُحْكَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَنْكَرَ إِدْخَالَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فِي الْمَسْجِدِ - كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ الْقَبْرُ مَسْجِدًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَنَّ الْوَلِيدَ كَتَبَ إِلَى مَلِكِ الرُّوم يَسْأَلُهُ أَنْ يَبْعَثَ لَهُ صُنَّاعًا لِلْبِنَاءِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمِائَةِ صَانِعٍ وَفُصُوصٍ كثيرة من أجل المسجد النبوي، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يَحْفِرَ الْفَوَّارَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنْ يُجْرِيَ مَاءَهَا فَفَعَلَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْفِرَ الْآبَارَ وَأَنْ يُسَهِّلَ الطُّرُقَ وَالثَّنَايَا، وَسَاقَ إِلَى الْفَوَّارَةِ الْمَاءَ مِنْ ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ، وَالْفَوَّارَةُ بُنِيَتْ فِي ظَاهِرِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بُقْعَةٍ رَآهَا فَأَعْجَبَتْهُ.
وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ مَلِكَ الترك كوربغانون (1) ابْنَ أُخْتِ مَلِكِ الصِّينِ، وَمَعَهُ مِائَتَا أَلْفِ مُقَاتِلٍ، مِنْ أَهْلِ الصُّغْدِ وَفَرْغَانَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ مَعَ قُتَيْبَةَ نَيْزَكُ مَلِكُ التُّرْكِ مَأْسُورًا (2) فَكَسَرَهُمْ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ وَغَنِمَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا وَسَبَى وَأَسَرَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَعَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا كَانَ بِالتَّنْعِيمِ لَقِيَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَأَخْبَرُوهُ عَنْ قِلَّةِ الْمَاءِ بِمَكَّةَ لِقِلَّةِ الْمَطَرِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَلَا نَسْتَمْطِرُ؟ فَدَعَا وَدَعَا النَّاسُ فَمَا زَالُوا يَدْعُونَ حَتَّى سُقُوا وَدَخَلُوا مَكَّةَ وَمَعَهُمُ الْمَطَرُ، وَجَاءَ سَيْلٌ عَظِيمٌ حَتَّى خَافَ أَهْلُ مَكَّةَ
مِنْ شِدَّةِ الْمَطَرِ، وَمُطِرَتْ عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ (3) وَمِنًى، وَأَخْصَبَتِ الْأَرْضُ هَذِهِ السَّنَةَ خِصْبًا عَظِيمًا بِمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ دعاء عمر وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.
وَكَانَ النُّوَّابُ عَلَى الْبُلْدَانِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانوا قبلها.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرِ بْنِ أَبِي بُسر الْمَازِنِيُّ: صَحَابِيٌّ كَأَبِيهِ، سَكَنَ حِمْصَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التابعين، قال الواقدي: تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، زَادَ غَيْرُهُ وَهُوَ آخِرُ مَنْ تُوَفِّيَ مِنَ الصَّحابة بالشَّام، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَعِيشُ قَرْنًا، فَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى [و] علقمة بن خالد الحارث الخزاعي ثم الأسلمي، صحابي جليل،
__________
(1) في ابن الاثير 4 / 533: كورنعابون، وفي ابن الاعثم 7 / 223.
لور معاينون وقد صححه محققه كما في الطبري كوربغانون.
(2) في الطبري 8 / 66 وابن الاثير 4 / 533: وأبلى يومئذ نيزك وهو مع قتيبة.
وقد تقدم أن نيزك صالح قتيبة.
(3) في الطبري 8 / 66: وجمع.
وفي ابن الاثير 4 / 534: ومطرت عرفة ومكة.
(*)
(9/90)

وَهُوَ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحابة بِالْكُوفَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِيمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ، وَقِيلَ قَارَبَهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ هِشَامُ بن إسماعيل ابن هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَكَانَ حَمَا عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَنَائِبَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ الَّذِي ضَرَبَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ فَمَاتَ بِهَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ دِرَاسَةَ الْقُرْآنِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ فمات فيها في السبع.
عمير بن حكيم الْعَنْسِيُّ الشَّامِيُّ، لَهُ رِوَايَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي الشَّامِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعِيبَ الْحَجَّاجَ عَلَانِيَةً إلا هو وابن محيريز أبو الأبيض، قُتِلَ فِي غَزْوَةِ طُوَانَةَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ في هذه السنة.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ فِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنُ أَخِيهِ الْعَبَّاسُ بِلَادَ الرُّومِ فَقَتَلَا خَلْقًا كَثِيرًا وَفَتَحَا حُصُونًا كَثِيرَةً، مِنْهَا حِصْنُ سُورِيَّةَ وَعَمُّورِيَّةَ وَهِرَقْلَةَ وَقَمُودِيَّةَ (1) .
وَغَنِمَا شَيْئًا كَثِيرًا وَأَسَرَا جَمًّا غَفِيرًا.
وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ بِلَادَ الصُّغْدِ وَنَسَفَ وكش، وَقَدْ لَقِيَهُ هُنَالِكَ خَلْقٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ فَظَفِرَ بِهِمْ فَقَتَلَهُمْ، وَسَارَ إِلَى بُخَارَى فَلَقِيَهُ دُونَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ التَّرْكِ فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ عِنْدَ مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ خَرْقَانُ (2) ، وَظَفِرَ بِهِمْ فَقَالَ فِي ذَلِكَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ: وَبَاتَتْ لَهُمْ مِنَّا بِخَرْقَانَ لَيْلَةٌ * وَلَيْلَتُنَا كَانَتْ بِخَرْقَانَ أَطْوَلَا ثُمَّ قَصَدَ قُتَيْبَةُ وَرْدَانَ خُذاه (3) مَلِكَ بُخَارَى فَقَاتَلَهُ وَرْدَانُ قِتَالًا شَدِيدًا فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ قُتَيْبَةُ، فَرَجَعَ عَنْهُ إِلَى مَرْوَ، فَجَاءَهُ البريد بكتاب الْحَجَّاجِ يُعَنِّفُهُ عَلَى الْفِرَارِ وَالنُّكُولِ عَنْ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِصُورَةِ هَذَا الْبَلَدِ - يَعْنِي بُخَارَى - فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِصُورَتِهَا فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنِ ارْجِعْ إِلَيْهَا وَتُبْ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذَنْبِكِ وَائْتِهَا مِنْ مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، وَرِدْ وَرْدَانَ خُذَاهْ، وَإِيَّاكَ وَالتَّحْوِيطَ، وَدَعْنِي وَبُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِمْرَةَ مَكَّةَ لِخَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، فَحَفَرَ بِئْرًا بِأَمْرِ الْوَلِيدِ عِنْدَ ثَنِيَّةِ طُوًى وَثَنِيَّةِ الْحَجُونِ، فَجَاءَتْ عَذْبَةَ الْمَاءِ طيبة، وكان يستقى منها الناس.
وروى
__________
(1) في ابن الاثير 4 / 535: قمونية.
(2) في ابن الاثير: خرقانة السفلى.
(3) في ابن الاعثم 7 / 224: معاينون بن راع.
وفي الاخبار الطوال ص 327: صول.
(*)
(9/91)

الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ.
قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ مَكَّةَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ: أَيُّهَا النَّاسُ! أَيُّهُمَا أَعْظَمُ خَلِيفَةً الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ أَمْ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ؟ وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَعْلَمُوا فَضْلَ الْخَلِيفَةِ إِلَّا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحمن اسْتَسْقَاهُ فَسَقَاهُ مِلْحًا أُجَاجًا، وَاسْتَسْقَى الْخَلِيفَةُ فَسَقَاهُ عَذْبًا فُرَاتًا - يَعْنِي الْبِئْرَ الَّتِي احْتَفَرَهَا بِالثَّنِيَّتَيْنِ ثَنِيَّةِ طُوًى وَثَنِيَّةِ الْحَجُونِ - فَكَانَ
يُنْقَلُ مَاؤُهَا فَيُوضَعُ فِي حَوْضٍ مِنْ أَدَمٍ إِلَى جَنْبِ زَمْزَمَ لِيُعْرَفَ فَضْلُهُ عَلَى زَمْزَمَ.
قَالَ ثُمَّ غَارَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ فذهب ماءها فَلَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ إِلَى الْيَوْمِ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ غَرِيبٌ، وَهَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ كُفْرًا إِنْ صَحَّ عَنْ قَائِلِهِ، وَعِنْدِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ عبد الله لَا يَصِحُّ عَنْهُ هَذَا الْكَلَامُ، وَإِنْ صحَّ فَهُوَ عَدُوُّ اللَّهِ، وَقَدْ قِيلَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ نَحْوُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ الْخَلِيفَةَ أَفْضَلَ مِنَ الرَّسُولِ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ تَتَضَمَّنُ كُفْرَ قَائِلِهَا.
وفي هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم (1) الترك حتى بلغ باب الأبواب من ناحية أذربيجان، وفتح حصوناً ومدائن كثيرة هُنَالِكَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العزيز.
قال شيخنا الذَّهَبِيُّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ صِقِلِّيَةُ وَمَيُورْقَةُ وقيل ميرقة، وهما في البحر بين جزيرة صقلية وخدرة مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ.
وَفِيهَا سَيَّرَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ وَلَدَهُ إِلَى النِّقْرِيسِ مَلِكِ الْفِرِنْجِ فَافْتَتَحَ بلاداً كثيرةً.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَير أَحَدُ التَّابِعِينَ العَذَري الشَّاعِرُ، وَقَدْ قِيلَ أَنَّهُ أَدْرَكَ حَيَاةَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ النَّسَبَ.
وَالْعُمَّالُ فِي هَذِهِ السنة هم المذكورون في التي قبلها.
ثم دخلت سنة تسعين من الهجرة فِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بِلَادَ الرُّومِ، فَفَتَحَا حُصُونًا وَقَتَلَا خَلْقًا مِنَ الرُّومِ وَغَنِمَا وَأَسَرَا خَلْقًا كَثِيرًا.
وَفِيهَا أَسَرَتِ الرُّومُ خَالِدَ بْنَ كَيْسَانَ صَاحِبَ الْبَحْرِ، وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ فَأَهْدَاهُ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْوَلِيدُ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ إِمْرَةِ مِصْرَ وَوَلَّى عَلَيْهَا قُرَّةَ بْنَ شَرِيكٍ.
وَفِيهَا قَتَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ مَلِكَ السِّنْدِ دَاهِرَ بْنَ صصَّة (2) ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ هَذَا عَلَى جَيْشٍ مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ.
وَفِيهَا فَتَحَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ مَدِينَةَ بخارى وهزم جميع الْعَدُوِّ مِنَ التُّرْكِ بِهَا، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ فُصُولٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَقَدْ تَقَصَّاهَا ابْنُ جَرِيرٍ (3) .
وَفِيهَا طَلَبَ طَرْخُونُ مَلِكُ الصُّغْدِ بَعْدَ فَتْحِ بُخَارَى مِنْ قُتَيْبَةَ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ يَبْذُلُهُ فِي كُلِّ عَامٍ فَأَجَابَهُ قُتَيْبَةُ إِلَى ذَلِكَ وَأَخَذَ مِنْهُ رَهْنًا عَلَيْهِ.
وَفِيهَا اسْتَنْجَدَ وَرْدَانُ خذاه بالترك فأتوه من جميع
__________
(1) في الطبري 8 / 67: مسلمة بن عبد الملك.
وانظر ابن الأثير 4 / 540.
(2) في ابن الاثير 4 / 536: ذاهر بن صعصعة وقد قتله محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي (3) انظر الطبري 8 / 73 وابن الاثير 4 / 542 وابن الاعثم 7 / 225.
(*)
(9/92)

النَّوَاحِي - وَهُوَ صَاحِبُ بُخَارَى بَعْدَ أَخْذِ قُتَيْبَةَ لَهَا - وَخَرَجَ وَرْدَانُ خُذَاهْ وَحَمَلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَحَطَّمُوهُمْ ثُمَّ عَادَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَصَالَحَ قُتَيْبَةُ مَلِكَ الصُّغْدِ، وَفَتَحَ بُخَارَى وَحُصُونَهَا، وَرَجَعَ قُتَيْبَةُ بِالْجُنْدِ إِلَى بِلَادِهِ فَأَذِنَ لَهُ الْحَجَّاجُ، فَلَمَّا سَارَ إِلَى بِلَادِهِ بَلَغَهُ أَنَّ صَاحِبَ الصُّغْدِ قَالَ لِمُلُوكِ التُّرْكِ: إِنِ الْعَرَبَ بِمَنْزِلَةِ اللُّصُوصِ فَإِنْ أُعْطُوا شَيْئًا ذَهَبُوا، وَإِنَّ قُتَيْبَةَ هَكَذَا يَقْصِدُ الْمُلُوكَ، فَإِنْ أَعْطَوْهُ شَيْئًا أَخْذَهُ وَرَجَعَ عَنْهُمْ، وَإِنَّ قُتَيْبَةَ لَيْسَ بِمَلِكٍ وَلَا يَطْلُبُ مُلْكًا.
فَبَلَغَ قُتَيْبَةَ قَوْلُهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَكَاتَبَ نَيْزَكُ مَلِكُ التُّرْكِ مُلُوكَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ (1) مِنْهُمْ مَلِكُ الطَّالَقَانِ، وَكَانَ قَدْ صَالَحَ قُتَيْبَةَ فَنَقَضَ الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُتَيْبَةَ، وَاسْتَجَاشَ عَلَيْهِ بِالْمُلُوكِ كلها، فأتاه ملوك كثيرة كوا قَدْ عَاهَدُوا قُتَيْبَةَ عَلَى الصُّلْحِ فَنَقَضُوا كُلُّهُمْ وَصَارُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَى قُتَيْبَةَ، وَاتَّعَدُوا إِلَى الرَّبِيعِ وَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا عَلَى أَنْ يَجْتَمِعُوا فَيُقَاتِلُوا كُلُّهُمْ فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ مِنَ السَّنَةِ الْآتِيَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ قُتَيْبَةُ فِي ذَلِكَ الْحِينِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً جِدًّا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَصَلَبَ مِنْهُمْ سِمَاطَيْنِ فِي مَسَافَةِ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ فِي نِظَامٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مِمَّا كَسَرَ جُمُوعَهُمْ كُلَّهُمْ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَأَخَوَاهُ الْمُفَضَّلُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ سِجْنِ الْحَجَّاجِ، فَلَحِقُوا بِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَمَّنَهُمْ مِنَ الْحَجَّاجِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ قَدِ احْتَاطَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ وَعَاقَبَهُمْ عُقُوبَةً عَظِيمَةً، وَأَخَذَ مِنْهُمْ سِتَّةَ آلَافِ أَلْفٍ، وَكَانَ أَصْبَرَهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، كَانَ لَا يُسْمَعُ لَهُ صوت ولو فعلوا به ما فعلوا نكاية لذلك، وكان ذلك يغيظ الحجاج، قَالَ قَائِلٌ لِلْحَجَّاجِ: إِنَّ فِي سَاقِهِ أَثَرَ نُشَّابَةٍ بَقِيَ نَصْلُهَا فِيهِ، وَإِنَّهُ مَتَى أَصَابَهَا شئ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ يَصْرُخَ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ: أَنْ يُنَالَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْهُ بِعَذَابٍ، فَصَاحَ فَلَمَّا سَمِعَتْ أُخْتُهُ هِنْدُ بِنْتُ الْمُهَلَّبِ - وَكَانَتْ تَحْتَ الْحَجَّاجِ - صَوْتَهُ بَكَتْ وَنَاحَتْ عَلَيْهِ فَطَلَّقَهَا الْحَجَّاجُ ثُمَّ أَوْدَعَهُمُ السِّجْنَ، ثُمَّ خَرَجَ الْحَجَّاجُ إِلَى بَعْضِ الْمَحَالِّ لِيُنْفِذَ جَيْشًا إِلَى الْأَكْرَادِ وَاسْتَصْحَبَهُمْ مَعَهُ، فَخَنْدَقَ حَوْلَهُمْ وَوَكَّلَ بِهِمُ الْحَرَسَ، فَلَمَّا كَانَ
فِي بَعْضِ اللَّيَالِي أَمَرَ يَزِيدُ بن المهلب بطعام كثير فصنع للحرس، ثُمَّ تَنَكَّرَ فِي هَيْئَةِ بَعْضِ الطَّبَّاخِينَ وَجَعَلَ لحيته لحية بيضاء وخرج فَرَآهُ بَعْضُ الْحَرَسِ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مِشْيَةً أَشْبَهَ بِمِشْيَةِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ مِنْ هَذَا، ثمَّ تبعه يَتَحَقَّقُهُ، فَلَمَّا رَأَى بَيَاضَ لِحْيَتِهِ انْصَرَفَ عَنْهُ، ثُمَّ لَحِقَهُ أَخَوَاهُ فَرَكِبُوا السُّفُنَ وَسَارُوا نَحْوَ الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَّاجَ هَرَبُهُمُ انْزَعَجَ لِذَلِكَ وَذَهَبَ وَهْمُهُ أَنَّهُمْ سَارُوا إِلَى خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ إِلَى قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ يُحَذِّرُهُ قُدُومَهُمْ وَيَأْمُرُهُ بِالِاسْتِعْدَادِ لَهُمْ، وَأَنْ يَرْصُدَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَيَكْتُبَ إِلَى أُمَرَاءِ الثُّغُورِ وَالْكُوَرِ بِتَحْصِيلِهِمْ وَكَتَبَ إلى أمير المؤمنين يُخْبِرُهُ بِهَرَبِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَرَاهُمْ هَرَبُوا إِلَّا إلى
__________
(1) في الطبري 8 / 70 وكتب إلى أصبهبذ بلخ وإلى سهرك ملك الطالقان وإلى ترسل ملك الفارياب وإلى الجوزجاني ملك الجوزجان وإلى باذام ملك مروروذ، وفي ابن الاثير 4 / 544 باذان.
وفي ابن الاعثم 7 / 225 باذان وجه من وجه الترك.
وفيه: فلما سار إليه قتيبة (وقد التجأ إلى قلعة باذيس) سار معه (أي مع قتيبة) ملوك خراسان وأقبل حتى نزل أسفل القلعة ومعه أهل بخارا وأهل مرو والطالقان والفارياب وأهل بلخ وسرخس.
(*)
(9/93)

خراسان، وخاف الحجاج من يزيد أن يصنع كما صنع ابن الْأَشْعَثِ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ وَجَمْعِ النَّاسِ لَهُ، وتحقق عنده قول الراهب.
وَأَمَّا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَإِنَّهُ سَلَكَ عَلَى الْبَطَائِحِ وَجَاءَتْهُ خُيُولٌ كَانَ قَدْ أعدَّها لَهُ أَخُوهُ مَرْوَانُ بْنُ الْمُهَلَّبِ لِهَذَا الْيَوْمِ، فَرَكِبَهَا وسلك بن دَلِيلٌ مِنْ بَنِي كَلْبٍ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ يَزِيدَ (1) ، فَأَخَذَ بِهِمْ عَلَى السَّمَاوَةِ، وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى الْحَجَّاجِ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَنَّ يَزِيدَ قَدْ سَلَكَ نَحْوَ الشَّامِ، فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَسَارَ يَزِيدُ حَتَّى نَزَلَ الْأُرْدُنَّ (2) عَلَى وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيِّ - وَكَانَ كَرِيمًا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - فَسَارَ وُهَيْبٌ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ وَأَخَوَيْهِ في منزلي، قد جاؤوا مستعيذين بك من الحجاج، قال: فاذهب فأتني بِهِمْ فَهُمْ آمِنُونَ مَا دُمْتُ حَيّاً، فَجَاءَهُمْ فَذَهَبَ بِهِمْ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَمَّنَهُمْ سُلَيْمَانُ وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْوَلِيدِ: إِنَّ آلَ الْمُهَلَّبِ قَدْ أَمَّنْتُهُمْ، وَإِنَّمَا بَقِيَ لِلْحَجَّاجِ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافِ أَلْفٍ، وَهِيَ عندي.
فكتب إليه الوليد: لَا وَاللَّهِ لَا أُؤَمِّنُهُ حَتَّى تَبْعَثَ بِهِ إِلَيَّ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ: لَا وَاللَّهِ لَا أَبْعَثُهُ حتى أجئ مَعَهُ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَفْضَحَنِي أَوْ تُخْفِرَنِي فِي جِوَارِي.
فَكَتَبَ
إِلَيْهِ: لَا وَاللَّهِ لَا تَجِئْ مَعَهُ وَابْعَثْ بِهِ إلي في وثاق.
فقال يزيد: ابعث بي إِلَيْهِ فَمَا أُحِبُّ أَنْ أُوقِعَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةً وَحَرْبًا، فَابْعَثْنِي إِلَيْهِ وَابْعَثْ مَعِي ابْنَكَ وَاكْتُبْ إِلَيْهِ بِأَلْطَفِ عِبَارَةٍ تَقْدِرُ عَلَيْهَا فَبَعَثَهُ وَبَعَثَ مَعَهُ ابْنَهُ أَيُّوبَ، وَقَالَ لِابْنِهِ: إِذَا دَخَلْتَ فِي الدِّهْلِيزِ فَادْخُلْ مَعَ يَزِيدَ فِي السِّلْسِلَةِ، وَادْخُلَا عَلَيْهِ كَذَلِكَ.
فَلَمَّا رَأَى الْوَلِيدُ ابْنَ أَخِيهِ فِي السِّلْسِلَةِ، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَلَغْنَا مِنْ سُلَيْمَانَ.
وَدَفَعَ أَيُّوبُ كِتَابَ أَبِيهِ إِلَى عَمِّهِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَفْسِي فِدَاؤُكَ لَا تَخْفِرْ ذِمَّةَ أَبِي وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ مَنَعَهَا، وَلَا تَقْطَعْ مِنَّا رَجَاءَ مَنْ رَجَا السَّلَامَةَ فِي جِوَارِنَا لِمَكَانِنَا مِنْكَ، وَلَا تُذِلَّ مَنْ رَجَا الْعِزَّ فِي الِانْقِطَاعِ إِلَيْنَا لِعِزِّنَا بِكَ.
ثُمَّ قَرَأَ الْوَلِيدُ كِتَابَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَإِذَا فِيهِ: أمَّا بَعْدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَوَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ لَوِ اسْتَجَارَ بِي عَدُوٌّ قَدْ نَابَذَكَ وَجَاهَدَكَ فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جواري ولا تخفره، بَلْ لَمْ أُجِرْ إِلَّا سَامِعًا مُطِيعًا، حَسَنَ الْبَلَاءِ وَالْأَثَرِ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ وَأَبُوهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكَ فَإِنْ كُنْتَ إنما تعد قطيعتي واخفار ذمتي وَالْإِبْلَاغَ فِي مَسَاءَتِي فَقَدْ قَدَرْتَ إِنْ أَنْتَ فَعَلْتَ، وَأَنَا أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنِ احْتِرَادِ قَطِيعَتِي وانتهاك حرمتي، وترك برّي وإجابتي إلى ما سألتك، ووصلتي، فَوَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَدْرِي مَا بَقَائِي وَبَقَاؤُكَ، وَلَا مَتَى يُفَرِّقُ الْمَوْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَدَامَ اللَّهُ سُرُورَهُ أَنْ لَا يَأْتِيَ أَجَلُ الْوَفَاةِ عَلَيْنَا إِلَّا وَهُوَ لِي وَاصِلٌ وَلِحَقِّي مؤدٍ، وَعَنْ مَسَاءَتِي نَازِعٌ فَلْيَفْعَلْ، وَوَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ما أصبحت بشئ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ بِأَسَرَّ مني برضاك وسرورك، وإن رضاك
__________
(1) في الطبري 8 / 72 عبد الجبار بن يزيد بن الربعة، وفي ابن الاعثم 7 / 211: عبد الرحمن بن عاصم.
وفي ابن الاثير 4 / 546: دليل من كلب.
(2) في الطبري وابن الاثير: وسار يزيد حتى قدم فلسطين.
وفي ابن الاعثم 7 / 211: زهرة بن عبد الرحمن الازدي هو الذي يأخذ لي الامان من القوم.
(*)
(9/94)

وسرورك أحب إلى من رضائي وسروري، ومما ألتمس به رضوان الله عزوجل لصلتي ما بيني وبينك، وَإِنْ كُنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمًا مِنَ الدَّهر تريد صلتي وَكَرَامَتِي وَإِعْظَامَ حَقِّي فَتَجَاوَزْ لِي عَنْ يَزِيدَ، وَكُلُّ مَا طَلَبْتَهُ بِهِ فَهُوَ عَلَيَّ.
فَلَمَّا قَرَأَ الْوَلِيدُ كِتَابَهُ قَالَ: لَقَدْ أَشْفَقْنَا عَلَى سُلَيْمَانَ، ثُمَّ دَعَا ابْنَ أَخِيهِ فَأَدْنَاهُ مِنْهُ، وَتَكَلَّمَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى رَسُولِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ بَلَاءَكُمْ عِنْدَنَا أَحْسَنُ الْبَلَاءِ، فمن ينس ذلك فلسنا ننساه، ومن يكفره بِكَافِرِيهِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ بَلَائِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي طَاعَتِكُمْ وَالطَّعْنِ فِي أَعْيُنِ أَعْدَائِكُمْ فِي الْمَوَاطِنِ الْعِظَامِ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، مَا إِنَّ المنة فيه علينا عَظِيمَةٌ.
فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَجَلَسَ فَأَمَّنَهُ وَكَفَّ عنه ورده إلى سليمان، فكان عنده حسن الهيئة، ويصف له ألوان الأطعمة الشهية، وَكَانَ حَظِيًّا عِنْدَهُ لَا يُهْدَى إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ إلا أرسل له بِنِصْفِهَا، وَتَقَرَّبَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ إِلَى سُلَيْمَانَ بِأَنْوَاعِ الْهَدَايَا وَالتُّحَفِ وَالتَّقَادُمِ، وَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى الْحَجَّاجِ إِنِّي لَمْ أَصِلْ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مَعَ أَخِي سُلَيْمَانَ، فَاكْفُفْ عَنْهُمْ وَالْهَ عَنِ الْكِتَابِ إِلَيَّ فِيهِمْ.
فَكَفَّ الْحَجَّاجُ عَنْ آلِ الْمُهَلَّبِ وَتَرَكَ مَا كَانَ يُطَالِبُهُمْ بِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ، حَتَّى تَرَكَ لِأَبِي عُيَيْنَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَزَلْ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ حَتَّى هَلَكَ الْحَجَّاجُ فِي سَنَةِ خمس وتسعين، ثُمَّ وَلِيَ يَزِيدُ بِلَادَ الْعِرَاقِ بَعْدَ الْحَجَّاجِ كما أخبره الراهب.
وفيها توفي من الأعيان: يتاذوق الطَّبِيبُ الْحَاذِقُ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي فَنِّهِ وَكَانَ حَظِيًّا عِنْدَ الْحَجَّاجِ، مَاتَ فِي حُدُودِ سَنَةِ تِسْعِينَ بِوَاسِطٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) وَأَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ، وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ أَحَدُ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَتَوَلَّى غَزْوَ الْهِنْدِ، وَطَالَ عُمْرُهُ.
وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ أَخُو الْحَجَّاجِ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ يَلْعَنُ عَلِيًّا عَلَى الْمَنَابِرِ، قِيلَ إنه أمر حجر المنذري أَنْ يَلْعَنَ عَلِيًّا فَقَالَ: بَلْ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يَلْعَنُ عَلِيًّا، وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَقِيلَ إِنَّهُ وَرَّى فِي لَعْنِهِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَبُو هَاشِمٍ الْأُمَوِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، وَكَانَتْ دَارُهُ بِدِمَشْقَ تَلِي دَارَ الْحِجَارَةِ، وَكَانَ عَالِمًا شَاعِرًا، وَيُنْسَبُ إليه شئ مِنْ عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ، وَكَانَ يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ عُلُومِ الطَّبِيعَةِ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ خَالِدُ يَصُومُ الْأَعْيَادَ كُلَّهَا الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالْأَحَدَ -
يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ عِيدُ الْمُسْلِمِينَ، وَيَوْمَ السَّبْتِ وَهُوَ عِيدُ الْيَهُودِ، وَالْأَحَدُ لِلنَّصَارَى - وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ مُعَاوِيَةُ مِنْ خِيَارِ الْقَوْمِ، وَقَدْ ذُكِرَ لِلْخِلَافَةِ بَعْدَ أَخِيهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ مَرْوَانَ فَلَمْ يَلْتَئِمْ لَهُ الْأَمْرُ، وَكَانَ مروان زوج أمه، ومن كلامه:
(9/95)

أقرب شئ الاجل، وأبعد شئ الامل، وأرجى شئ الْعَمَلُ، وَقَدِ امْتَدَحَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ: سَأَلْتُ الندا والجود حران أنتما * فردا وقالا إِنَّنَا لَعَبِيدُ فَقُلْتُ وَمَنْ مَوْلَاكُمَا فَتَطَاوَلَا * عَلَيَّ وَقَالَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدِ قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ بمائة ألف.
قلت: وقد رأيتهما قد أنشدا في خالد بن الوليد رضي الله عنه.
فقال: وقالا خالد بن وليد.
والله أعلم.
وخالد بن يزيد هذا كان أميراً على حمص، وهو الذي بنى جامع حمص وكان له فيه أربعمائة عبد يعملون، فلما فرغ منه أعتقهم.
وكان خالد يبغض الحجاج، وهو الذي أشار على عبد الملك لما تزوج الحجاج بنت جعفر أن يرسل إليه فيطلقها ففعل.
ولما مات مشى الوليد في جنازته وصلى عليه، وكان قد تجدد على خالد اصفرار وضعف، فسأله عبد الملك عن هذا فلم يخبره فما زال حتى أخبره أنه من حب رملة أخت مصعب بن الزُّبير، فأرسل عبد الملك يخطبها لخالد فقالت: حتى يطلق نساءه فطلقهن وتزوجها وأنشد فيها الشعر.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذَا الْعَامِ، وَقِيلَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَقَدْ ذُكِرَ هُنَاكَ، وَالصَّحِيحُ الأول.
عبد الله بن الزبير ابن سَلِيمٍ الْأَسَدِيُّ الشَّاعِرُ أَبُو كَثِيرٍ، وَيُقَالُ أَبُو سعيد، وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَفَدَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَامْتَدَحَهُ فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ نَاقَةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنْ وَصَاحِبَهَا، يُقَالُ إِنَّهُ مَاتَ فِي زَمَنِ الحجاج.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين فِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنُ أَخِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ، وَفِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ بِلَادَ التُّرْكِ حَتَّى بَلَغَ الْبَابَ مِنْ نَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ، فَفَتَحَ مَدَائِنَ وَحُصُونًا كَثِيرَةً أَيْضًا، وَكَانَ الْوَلِيدُ قَدْ
عَزَلَ عَمَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ عَنِ الْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَوَلَّاهُمَا أَخَاهُ مسلمة بن عبد الملك.
وفيه غَزَا مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ بِلَادَ الْمَغْرِبِ فَفَتَحَ مُدُنًا كَثِيرَةً وَدَخَلَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ وَوَلَجَ فِيهَا حَتَّى دَخَلَ أَرَاضِيَ غَابِرَةً قَاصِيَةً فِيهَا آثَارُ قُصُورٍ وَبُيُوتٍ لَيْسَ بِهَا سَاكِنٌ، وَوَجَدَ هُنَاكَ مِنْ آثَارِ نِعْمَةِ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ مَا يَلُوحُ عَلَى سِمَاتِهَا إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا أصحاب أموال ونعمة دارَّة سائغة، فَبَادُوا جَمِيعًا فَلَا مُخْبِرَ بِهَا.
وَفِيهَا مَهَّدَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ بِلَادَ التُّرْكِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ نَقَضُوا مَا كَانُوا عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُصَالَحَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ وَحَرْبٍ يَشِيبُ لَهَا الْوَلِيدُ، وَذَلِكَ أَنَّ مُلُوكَهُمْ كَانُوا قَدِ اتعدوا في العام الماضي في أول الرَّبِيعِ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيُقَاتِلُوا قُتَيْبَةَ، وَأَنْ لَا يُوَلُّوا عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى يُخْرِجُوا الْعَرَبَ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا اجْتِمَاعًا هَائِلًا لَمْ يَجْتَمِعُوا مِثْلَهُ فِي مَوْقِفٍ، فَكَسَرَهُمْ قُتَيْبَةُ وَقَتَلَ مِنْهُمْ أُمَمًا كَثِيرَةً، وَرَدَّ الْأُمُورَ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى ذُكِرَ أَنَّهُ صَلَبَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ المواضع من جملة من أخذه منهم سماطين طولهما أربعة فراسخ من ههنا وههنا، عن يمينه وشماله، صلب الرجل منهم بجنب الرجل، وهذا شئ كثير، وقتل في
(9/96)

الكفار قتلاً ذريعاً، ثم لا يزال يتتبع نَيْزَكَ خَانَ مَلِكَ التُّرْكِ الْأَعْظَمَ مِنْ إِقْلِيمٍ، إِلَى إِقْلِيمٍ، وَمِنْ كُورَةٍ إِلَى كُورَةٍ، وَمِنْ رُسْتَاقٍ إِلَى رُسْتَاقٍ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَدَأْبَهُ حَتَّى حَصَرَهُ فِي قَلْعَةٍ هُنَالِكَ (1) شَهْرَيْنِ متتابعين، حتى نفذ مَا عِنْدَ نَيْزَكَ خَانَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ، وَأَشْرَفَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْهَلَاكِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ قُتَيْبَةُ مَنْ جَاءَ بِهِ مُسْتَأْمَنًا مَذْمُومًا مَخْذُولًا، فَسَجَنَهُ عِنْدَهُ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي أَمْرِهِ فَجَاءَ الْكِتَابُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا بِقَتْلِهِ، فَجَمَعَ قُتَيْبَةُ الْأُمَرَاءَ فَاسْتَشَارَهُمْ فِيهِ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: اقْتُلْهُ.
وَقَائِلٌ يَقُولُ لَا تَقْتُلْهُ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ: إِنَّكَ أَعْطَيْتَ اللَّهَ عَهْدًا أَنَّكَ إِنْ ظَفِرْتَ بِهِ لَتَقْتُلَنَّهُ، وَقَدْ أمكنك الله منه، فقال قتيبة: والله إن لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي إِلَّا مَا يَسَعُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ لَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلُوهُ اقْتُلُوهُ اقتلوه، فقتل هو وسبعمائة من أصحابه من أمرائه فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ وَأَخَذَ قُتَيْبَةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَخُيُولِهِمْ وَثِيَابِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَفَتَحَ فِي هَذَا الْعَامِ مُدُنًا كَثِيرَةً، وَقَرَّرَ مَمَالِكَ كثيرةً، وأخذ حصوناً كثيرةً مشحونةً بالأموال والنساء، ومن آنية الذهب والفضة شيئاً كثيراً، ثم سار قتيبة إلى الطالقان - وهي مدينة كبيرة وبها حصون وأقاليم - فأخذها واستعمل عليها (2) ، ثم سار إلى الفارياب
وبها مدن ورساتيق، فخرج إليه ملكها سامعاً مطيعاً، فاستعمل عليها رجلاً من أصحابه، ثم سار إلى الجوزجان فأخذها من ملكها واستعمل عليها (3) ، ثم أتى بلخ فدخلها وأقام بها نهاراً واحداً، ثم خرج منها وقصد نيزك خان ببغلان، وقد نزل نيزك خان معسكراً على فم الشعب الذي منه يدخل إلى بلاده، وفي فم الشعب قلعة عظيمة تسمى شمسية (4) ، لعلوها وارتفاعها واتساعها.
فقدم على قتيبة الرؤب خان ملك الرؤب وسمنجان، فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة، فأمنه وبعث معه رجالاً إلى القلعة فأتوها ليلاً ففتحوها وقتلوا خلقاً من أهلها وهرب الباقي، ودخل قتيبة الشعب وأتى سمنجان - وهي مدينة كبيرة - فأقام بها وأرسل أخاه عبد الرحمن خلف ملك تلك المدن والبلاد نيزك خان في جيش هائل، فسار خلقه إلى بغلان فحصره بها، وأقام بحصاره شهرين حتى نفد ما عنده من الأقوات، فأرسل قتيبة من عنده ترجماناً يسمى الناصح (5) ، فقال له: اذهب فائتني بنيزك خان ولئن عدت إلي وليس هو معك ضربت عنقك.
وأرسل قتيبة معه هدايا وأطعمة فاخرة، فسار الترجمان إلى نيزك حتى أتاه وقدم إليه الأطعمة فوقع عليها أصحابه يتخا طفونها - وكانوا قد أجهدهم الجوع - ثم أعطاه الناصح الأمان وحلف له، فقدم به على قتيبة ومعه سبعمائة أمير من أصحابه ومن أهل بيته
__________
(1) في ابن الاعثم 7 / 225: اسمها براسكين وهي قلعة حصينة لا ترام ولا يقدر عليها أحد.
وفي الهامش: كذا بالاصل، ولم نظفر بها.
(2) في الطبري 8 / 75: عمرو بن مسلم وفي ابن الاثير 4 / 549: استعمل أخاه عمر بن سلم.
(3) في الطبري 8 / 75: استعمل عليها عامر بن مالك الحماني، وفي ابن الاعثم 7 / 232 الجماني.
وانظر ابن الأثير 4 / 549.
(4) في ابن الاعثم 7 / 227: براسكين.
(5) في الطبري وابن الاثير وابن الاعثم: سليم الناصح.
(*)
(9/97)

جماعة.
وكذلك استأمن قتيبة جماعة من الملوك فأمنهم وولى على بلادهم والله سبحانه وتعالى أعلم.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فلمَّا قَرُبَ
مِنَ الْمَدِينَةِ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عبد العزيز أَشْرَافَ الْمَدِينَةِ فَتَلَقَّوْهُ فَرَحَّبَ بِهِمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ فَأُخْلِيَ لَهُ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، فَلَمْ يَبْقَ بِهِ أَحَدٌ سِوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَمْ يَتَجَاسَرْ أَحَدٌ أَنْ يُخْرِجَهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ ثِيَابٌ لَا تُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالُوا لَهُ: تَنَحَّ عَنِ الْمَسْجِدِ أَيُّهَا الشَّيْخُ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْهُ، فَدَخَلَ الْوَلِيدُ الْمَسْجِدَ فَجَعَلَ يَدُورُ فِيهِ يصلي ههنا وههنا وَيَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَجَعَلْتُ أَعْدِلُ بِهِ عَنْ مَوْضِعِ سَعِيدٍ خَشْيَةَ أَنْ يَرَاهُ، فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ فقال: من هذا هو سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ المؤمنين، ولو علم بأنك قادم لقام إليك وسلم عليك.
فقال: قد علمت بغضه لنا، فقلت: يا أمير إنه وإنه، وشرعت أثني عليه، وشرع الْوَلِيدُ يُثْنِي عَلَيْهِ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ ضَعِيفُ الْبَصَرِ - وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَعْتَذِرَ لَهُ - فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالسَّعْيِ إِلَيْهِ، فَجَاءَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقُمْ لَهُ سَعِيدٌ، ثمَّ قَالَ الْوَلِيدُ: كَيْفَ الشَّيْخُ؟ فَقَالَ: بِخَيْرٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، كَيْفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ الْوَلِيدُ: بِخَيْرٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز: هذا فقيه النَّاسِ.
فَقَالَ: أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالُوا: ثُمَّ خَطَبَ الْوَلِيدُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَجَلَسَ فِي الْخُطْبَةِ الأولى وانتصب في الثانية، قال وقال: هكذا خطب عثمان، ثُمَّ انْصَرَفَ فَصَرَفَ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَهَبًا كَثِيرًا وَفِضَّةً كَثِيرَةً، ثُمَّ كَسَا الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ كُسْوَةً مِنْ كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ الَّتِي معه، وهي من ديباج غليظ.
وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ السَّائب بْنُ يَزِيدَ بن سعد بن تمامة، وَقَدْ حَجَّ بِهِ أَبُوهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَكَانَ عُمْرُ السَّائِبِ سَبْعَ سِنِينَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَلِهَذَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَتُوُفِّيَ سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِينَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ سِتٍّ وقيل ثمان وثمانين، فالله أَعْلَمُ.
سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ صَحَابِيٌّ مَدَنِيٌّ جَلِيلٌ، تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكان ممن ختمه الحجاج في عنقه هُوَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي يَدِهِ، لِيُذِلَّهُمْ كَيْلَا يَسْمَعَ النَّاسُ مِنْ رَأْيِهِمْ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ فِي الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: لَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ، وَقَدْ قال البخاري وغيره: توفي سنة ثمان وثمانين فالله
أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين فِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ وَابْنُ أَخِيهِ عُمَرُ بْنُ الْوَلِيدِ بِلَادَ الرُّومِ فَفَتَحَا حُصُونًا كَثِيرَةً وَغَنِمَا شَيْئًا كَثِيرًا وَهَرَبَتْ مِنْهُمُ الرُّومُ إِلَى أَقْصَى بِلَادِهِمْ، وَفِيهَا غَزَا طَارِقُ بْنُ زِيَادٍ مَوْلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ فِي
(9/98)

اثني عشر ألفاً (1) ، فخرج إليه ملكها أدرينوق (2) فِي جَحَافِلِهِ وَعَلَيْهِ تَاجُهُ وَمَعَهُ سَرِيرُ مُلْكِهِ، فَقَاتَلَهُ طَارِقٌ فَهَزَمَهُ وَغَنِمَ مَا فِي مُعَسْكَرِهِ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ السَّرِيرُ، وَتَمَلَّكَ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ بِكَمَالِهَا، قَالَ الذَّهَبِيُّ: كَانَ طَارِقُ بْنُ زِيَادٍ أَمِيرَ طَنْجَةَ وَهِيَ أَقْصَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَكَانَ نَائِبًا لِمَوْلَاهُ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ (3) يَسْتَنْجِدُ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، فَدَخَلَ طَارِقٌ إِلَى جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ مِنْ زُقَاقِ سَبْتَةَ وَانْتَهَزَ الْفُرْصَةَ لِكَوْنِ الْفِرِنْجِ قَدِ اقْتَتَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَأَمْعَنَ طَارِقٌ فِي بِلَادِ الأندلس فافتتح قرطبة وقتل ملكها أدرينوق (4) ، وَكَتَبَ إِلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ بِالْفَتْحِ، فَحَسَدَهُ مُوسَى عَلَى الِانْفِرَادِ بِهَذَا الْفَتْحِ، وَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُبَشِّرُهُ بِالْفَتْحِ وَيَنْسِبُهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَكَتَبَ إِلَى طَارِقٍ يَتَوَعَّدُهُ لِكَوْنِهِ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ مَكَانَهُ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِ، ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِ مُسْرِعًا بِجُيُوشِهِ فَدَخَلَ الْأَنْدَلُسَ وَمَعَهُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفِهْرِيُّ، فَأَقَامَ سِنِينَ يَفْتَحُ فِي بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ وَيَأْخُذُ الْمُدُنَ وَالْأَمْوَالَ، وَيَقْتُلُ الرِّجَالَ وَيَأْسِرُ النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ، فَغَنِمَ شَيْئًا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ وَلَا يُعَدُّ، مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْيَوَاقِيتِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْأَثَاثِ وَالْخُيُولِ وَالْبِغَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَفَتَحَ مِنَ الْأَقَالِيمِ الْكِبَارِ وَالْمُدُنِ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَكَانَ مِمَّا فَتَحَ مَسْلَمَةُ وَابْنُ أَخِيهِ عُمَرُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ حُصُونِ بِلَادِ الرُّومِ حِصْنُ سَوْسَنَةَ وَبَلَغَا إِلَى خَلِيجِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
وَفِيهَا فَتَحَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ شُومَانَ وكش وَنَسَفَ، وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ فِرْيَابَ فَأَحْرَقَهَا، وَجَهَّزَ
__________
(1) في الامامة والسياسة: ص 2 / 73 في ألف رجل وسبعمائة.
(2) في ابن الاثير 4 / 561 رذريق.
وفي العيون والحدائق ص 3: الاذريق، وهو يقول إنه لقب ملوك الاندلس كما هو لقب الاكاسرة.
وفي الامامة والسياسة 2 / 73 لذريق.
وفي رواية ابن الأثير: أن غيطشة الملك توفي وخلف ولدين فلم يرض بهما أهل الاندلس وتراضوا برجل يقال له رذريق - ولم يكن رذريق من بيت الملك بل كان من النبلاء.
(3) الجزيرة الخضراء: مدينة مشهورة بالاندلس، قبالتها من البر بلاد البربر سبتة، وهي على نهر برباط وأقربها من البحر الاعظم بينهما ثمانية عشر ميلا (معجم البلدان) .
وفي ابن الأثير أن صاحبها يوليان، وهو أيضا صاحب سبتة.
وفي السبب الذي جعله يستنجد بطارق بن زياد أقوال - المشهور منها - أن يليان كان يريد الثأر لشرف ابنته فلورندا - والمشهورة باسم cava والتي كانت تخدم في بلاط روذريق كما هي عادة ملوك الاندلس - فاعتدى روذريق على شرفها فكتبت إلى أبيها فأغضبه ذلك فكتب إلى موسى بن نصير يطلب مساعدته ويحرضه على غزو الاندلس.
(ابن الاثير 4 / 561 أخبار مجموعة ص 5 - 6) .
ولا يمكن اعتباره سببا مباشرا للغزو لتناقض نصوص الرواية.
فابن القوطية يروي ان يليان تاجرا من الروم كان يدخل قصر الملك للتجارة (ص 7 - 8) ويشك قولتير في أن الملك انتهك عرضها واعتدى على عفافها.
أما السبب الارجح فهو من جهة وضع الاندلس وتردي الحالة السياسية والاضطراب والفوضى الداخلية وتردي الاوضاع الاجتماعية (المجاعة - الطاعون) ومن جهة ثانية شعور العرب بضعفها وتوثبهم لمزيد من الفتح، يضاف إليه أمر هام وهو العلاقة المتوترة التي كانت تسود بين العرب والقوط.
(4) في ابن الاثير 4 / 563: غرق في النهر.
(*)
(9/99)

أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى الصُّغْدِ إِلَى طَرْخُونَ خَانَ مَلِكِ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَصَالَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَعْطَاهُ طَرْخُونُ خَانَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَقَدِمَ عَلَى أَخِيهِ وَهُوَ ببُخَارَى فَرَجَعَ إِلَى مَرْوَ، وَلَمَّا صالح طرخون عبد الرحمن ورجل عَنْهُ اجْتَمَعَتِ الصُّغْدُ وَقَالُوا لِطَرْخُونَ: إِنَّكَ قَدْ بُؤْتَ بِالذُّلِّ، وَأَدَّيْتَ الْجِزْيَةَ، وَأَنْتَ شيخٌ كبيرٌ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيكَ، ثُمَّ عَزَلُوهُ وَوَلَّوْا عليهم غورك خَانَ - أَخَا طَرْخُونَ خَانَ - ثُمَّ إِنَّهُمْ عَصَوْا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا سَيَأْتِي.
وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ سِجِسْتَانَ يُرِيدُ رُتْبِيلَ مَلِكَ التُّرْكِ الْأَعْظَمَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى أَوَّلِ مَمْلَكَةِ رُتْبِيلَ تَلَقَّتْهُ رُسُلُهُ يُرِيدُونَ مِنْهُ الصُّلْحَ عَلَى أموالٍ عظيمةٍ، خُيُولٍ وَرَقِيقٍ وَنِسَاءٍ مِنْ بَنَاتِ الْمُلُوكِ، يُحْمَلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ،
فَصَالَحَهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فيها عمر بن عبد العزيز نائب المدينة.
وَتُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بن الحدثان النضري، أبو سعيد المدني، مختلف في صحبته، قال بَعْضُهُمْ: رَكِبَ الْخَيْلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَرَأَى أَبَا بَكْرٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَلَمْ يَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ، وَقَالُوا: لَا تَصِحُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقِيلَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
طُوَيْسٌ الْمُغَنِّي اسْمُهُ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، كَانَ بَارِعًا فِي صِنَاعَتِهِ، وَكَانَ طَوِيلًا مُضْطَرِبًا أَحْوَلَ الْعَيْنِ، وكان مشؤوماً، لأنه ولد يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وَفُطِمَ يَوْمَ تُوُفِّيَ الصِّدِّيقُ، وَاحْتَلَمَ يَوْمَ قُتِلَ عُمَرُ، وَتَزَوَّجَ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ، وولدٌ لَهُ يَوْمَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَقِيلَ وُلِدَ لَهُ يَوْمَ قُتِلَ عَلِيٌّ.
حَكَاهُ ابْنُ خَلِّكَانَ وَغَيْرُهُ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وثمانين سنة بالسويد - وَهِيَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ - الْأَخْطَلُ كَانَ شَاعِرًا مُطْبِقًا، فَاقَ أَقْرَانَهُ فِي الشِّعْرِ.
ثُمَّ دخلت سنة ثلاث وتسعين وَفِيهَا افْتَتَحَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حُصُونًا كَثِيرَةً مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، مِنْهَا حِصْنُ الْحَدِيدِ وَغَزَالَةُ وَمَاسَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَفِيهَا غَزَا العبَّاس بن الوليد ففتح سمسطية.
وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ الْوَلِيدِ الرُّومَ حَتَّى بلغ حنجرة.
وَفِيهَا كَتَبَ خَوَارِزْمُ شَاهْ (1) إِلَى قُتَيْبَةَ يَدْعُوهُ إِلَى الصُّلْحِ وَأَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ بِلَادِهِ مَدَائِنَ، وَأَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ أَمْوَالًا وَرَقِيقًا كَثِيرًا عَلَى أَنْ يُقَاتِلَ أَخَاهُ (2) وَيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ وَبَغَى عَلَى النَّاسِ وَعَسَفَهُمْ، وكان أخوه هذا لا يسمع بشئ حَسَنٍ عِنْدَ أَحَدٍ إِلَّا بَعَثَ إِلَيْهِ فَأَخَذَهُ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَالًا أَوْ نِسَاءً أَوْ صِبْيَانًا أَوْ دَوَابَّ أَوْ غَيْرَهُ، فَأَقْبَلَ قُتَيْبَةُ نصره الله في الجيوش
__________
(1) في ابن الاعثم 7 / 235: جنغان.
(2) في الطبري 8 / 83 وابن الاثير 4 / 570: اسمه خرزاد وكان أصغر منه.
(*)
(9/100)

فَسَلَّمَ إِلَيْهِ خَوَارِزْمُ شَاهْ مَا صَالَحَهُ عَلَيْهِ، وَبَعَثَ قُتَيْبَةُ إِلَى بِلَادِ أَخِي خَوَارِزْمَ شَاهْ جَيْشًا فَقَتَلُوا مِنْهُمْ
خَلْقًا كَثِيرًا وَأَسَرُوا أَخَاهُ ومعه أربعة آلاف أسير من كبارهم، فَدَفَعَ أَخَاهُ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ قُتَيْبَةُ بِالْأُسَارَى فَضُرِبَتْ أعناقهم بحضرته، قيل أَلْفًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَلْفًا عَنْ يَمِينِهِ وَأَلْفًا عَنْ شِمَالِهِ وَأَلْفًا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، لِيُرْهِبَ بِذَلِكَ الْأَعْدَاءَ مِنَ الْأَتْرَاكِ وَغَيْرِهِمْ.
فَتْحُ سَمَرْقَنْدَ وَذَلِكَ أَنَّ قُتَيْبَةَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَعَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِ، قَالَ لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ (1) : إِنَّ أَهْلَ الصُّغْدِ قَدْ أَمِنُوكَ عَامَكَ هَذَا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَعْدِلَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَإِنَّكَ مَتَى فَعَلْتَ ذَلِكَ أَخَذْتَهَا إِنْ كُنْتَ تُرِيدُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهر فَقَالَ قُتَيْبَةُ لِذَلِكَ الْأَمِيرِ: هَلْ قُلْتَ هذا لأحد؟ قال: لا! قال فلأن يَسْمَعْهُ مِنْكَ أحدٌ أَضْرِبْ عُنُقَكَ.
ثُمَّ بَعَثَ قُتَيْبَةُ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُسْلِمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا فَسَبَقَهُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَلَحِقَهُ قُتَيْبَةُ فِي بَقِيَّةِ الْجَيْشِ، فَلَمَّا سَمِعَتِ الْأَتْرَاكُ بِقُدُومِهِمْ إِلَيْهِمُ انْتَخَبُوا مِنْ بَيْنِهِمْ كُلَّ شَدِيدِ السَّطْوَةِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، وَأَمَرُوهُمْ أَنْ يَسِيرُوا إِلَى قُتَيْبَةَ فِي اللَّيْلِ فَيَكْبِسُوا جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى قُتَيْبَةَ بِذَلِكَ فَجَرَّدَ أَخَاهُ صَالِحًا فِي سِتِّمِائَةِ (2) فَارِسٍ مِنَ الْأَبْطَالِ الَّذِينَ لَا يُطَاقُونَ، وَقَالَ: خُذُوا عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ، فَسَارُوا فَوَقَفُوا لَهُمْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وتفرقوا ثلاث فرق، فلما اجتازوا بهم بالليل - وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بهم - نادوا عليهم فاقتتل المسلمون هُمْ وَإِيَّاهُمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْ أُولَئِكَ الْأَتْرَاكِ إلا النفر اليسير واحتزوا رؤوسهم وَغَنِمُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْأَسْلِحَةِ الْمُحَلَّاةِ بِالذَّهَبِ، وَالْأَمْتِعَةِ، وَقَالَ لَهُمْ بَعْضُ أُولَئِكَ: تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ لَمْ تَقْتُلُوا فِي مَقَامِكُمْ هَذَا إِلَّا ابن ملك أو بطل مِنَ الْأَبْطَالِ الْمَعْدُودِينَ بِمِائَةِ فَارِسٍ أَوْ بِأَلْفِ فَارِسٍ، فَنَفَلَهُمْ قُتَيْبَةُ جَمِيعَ مَا غَنِمُوهُ مِنْهُمْ من ذهب وسلاح، واقترب مِنَ الْمَدِينَةِ الْعُظْمَى الَّتِي بِالصُّغْدِ - وَهِيَ سَمَرْقَنْدُ - فَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ فَرَمَاهَا بِهَا - وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُقَاتِلُهُمْ لَا يُقْلِعُ عَنْهُمْ، وَنَاصَحَهُ مَنْ معه عليها من بُخَارَى وَخَوَارِزْمَ، فَقَاتَلُوا أَهْلَ الصُّغْدِ قِتَالًا شَدِيدًا، فأرسل إليه غورك (3) ملك الصغد: إنما تقاتلني بإخواني وأهل بيتي، فأخرج إليَّ في الْعَرَبَ.
فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ قُتَيْبَةُ وَمَيَّزَ الْعَرَبَ مِنَ الْعَجَمِ وَأَمَرَ الْعَجَمَ بِاعْتِزَالِهِمْ، وَقَدَّمَ الشُّجْعَانَ مِنَ الْعَرَبِ وَأَعْطَاهُمْ جَيِّدَ السِّلَاحِ، وَانْتَزَعَهُ مِنْ أَيْدِي الْجُبَنَاءِ، وَزَحَفَ بِالْأَبْطَالِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَرَمَاهَا بالمجانيق، فثلم
فيها ثلمة فسدها الترك بغرار الدُّخْنِ، وَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَوْقَهَا فَجَعَلَ يَشْتُمُ قتيبة فرماه رجل من
__________
(1) في الطبري 8 / 85: المجسر بن مزاحم السلمي، وفي ابن الاثير 4 / 571: المجشر وفي ابن الاعثم 7 / 238 المحسن، وصححه محققه كما في الطبري.
(2) في ابن الاعثم: سبعمائة.
وفي ابن الاثير: أربعمائة، وفي الطبري، ثلاثمائة أو ستمائة.
وانظر في فتحها رواية الاخبار الطوال ص 327.
(3) في ابن الاعثم: غوزك بن أخشيد - وانظر الطبري 8 / 86.
(*)
(9/101)

الْمُسْلِمِينَ بِسَهْمٍ فَقَلَعَ عَيْنَهُ؟ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ قَفَاهُ.
فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ قَبَّحَهُ اللَّهُ، فَأَعْطَى قُتَيْبَةُ الَّذِي رَمَاهُ عَشَرَةَ آلَافٍ، ثُمَّ دَخَلَ اللَّيْلُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَمَاهُمْ بِالْمَجَانِيقِ فَثَلَمَ أَيْضًا ثُلْمَةً وَصَعِدَ الْمُسْلِمُونَ فَوْقَهَا وَتَرَامَوْا هُمْ وَأَهْلُ الْبَلَدِ بِالنُّشَّابِ، فَقَالَتِ التَّرْكُ لِقُتَيْبَةَ: ارْجِعْ عَنَّا يَوْمَكَ هَذَا وَنَحْنُ نُصَالِحُكَ غَدًا، فَرَجَعَ عَنْهُمْ وَصَالَحُوهُ مِنَ الْغَدِ عَلَى: أَلْفَيْ ألفٍ وَمِائَةِ ألفٍ يَحْمِلُونَهَا إِلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ، وَعَلَى أَنْ يُعْطُوهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ رَأْسٍ مِنَ الرَّقِيقِ (1) ، لَيْسَ فِيهِمْ صغيرٌ وَلَا شيخٌ وَلَا عيبٌ، وَفِي روايةٍ مِائَةَ ألفٍ مِنْ رقيقٍ، وَعَلَى أَنْ يَأْخُذَ حِلْيَةَ الْأَصْنَامِ وَمَا فِي بُيُوتِ النِّيرَانِ، وَعَلَى أَنْ يُخْلُوا الْمَدِينَةَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ حَتَّى يَبْنِيَ فِيهَا قُتَيْبَةُ مَسْجِدًا، وَيُوضَعُ لَهُ فِيهِ مِنْبَرٌ يَخْطُبُ عَلَيْهِ، وَيَتَغَدَّى وَيَخْرُجُ.
فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَهَا قُتَيْبَةُ دَخَلَهَا وَمَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنَ الْأَبْطَالِ - وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بُنِيَ الْمَسْجِدُ وَوُضِعَ فِيهِ الْمِنْبَرُ - فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَخَطَبَ وَتَغَدَّى وَأُتِيَ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي لَهُمْ فَسُلِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأُلْقِيَتْ بَعْضُهَا فَوْقَ بعضٍ، حَتَّى صَارَتْ كَالْقَصْرِ العظيم، ثم أمر بتحريقها، فتصارخوا وتباكوا وَقَالَ الْمَجُوسُ: إِنَّ فِيهَا أَصْنَامًا قَدِيمَةً مَنْ أحرقها هلك، وجاء الملك غورك فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ لِقُتَيْبَةَ: إِنِّي لَكَ ناصح، فقام قتيبة وأخذ في يده شعلة نار وقال: أنا أحرقها بيدي فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تنظرون، ثم قام إليها وهو يكبر الله عزوجل، وَأَلْقَى فِيهَا النَّارَ فَاحْتَرَقَتْ، فَوَجَدَ مِنْ بَقَايَا ما كان فيها من الذهب خمسون أَلْفَ مِثْقَالٍ مِنْ ذهبٍ.
وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَصَابَ قُتَيْبَةُ فِي السَّبي جَارِيَةً مِنْ ولد يزدجرد، فَأَهْدَاهَا إِلَى الْوَلِيدِ فَوَلَدَتْ لَهُ يَزِيدَ بْنَ
الْوَلِيدِ، ثُمَّ اسْتَدْعَى قُتَيْبَةُ بِأَهْلِ سَمَرْقَنْدَ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي لَا أُرِيدُ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِمَّا صَالَحْتُكُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا بدَّ مِنْ جُنْدٍ يُقِيمُونَ عِنْدَكُمْ مِنْ جِهَتِنَا.
فَانْتَقَلَ عَنْهَا مَلِكُهَا غورك خَانَ فَتَلَا قُتَيْبَةُ (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى) الآية [النجم: 50 - 51] ثُمَّ ارْتَحَلَ عَنْهَا قُتَيْبَةُ إِلَى بِلَادِ مَرْوَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى سَمَرْقَنْدَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مسلم، وقال له: لا تدع مُشْرِكًا يَدْخُلُ بَابَ سَمَرْقَنْدَ إِلَّا مَخْتُومَ الْيَدِ، ثُمَّ لَا تَدَعْهُ بِهَا إِلَّا مِقْدَارَ مَا تَجِفُّ طِينَةُ خَتْمِهِ، فَإِنْ جَفَّتْ وَهُوَ بِهَا فاقتله، ومن رأيت مِنْهُمْ وَمَعَهُ حَدِيدَةٌ أَوْ سِكِّينَةٌ فَاقْتُلْهُ بِهَا وإذا أغلقت الباب فوجدت بها أحداً فَاقْتُلْهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ كَعْبٌ الْأَشْقَرِيُّ (2) - وَيُقَالُ هِيَ لِرَجُلٍ مِنْ جُعْفِيٍّ: - كُلَّ يَوْمٍ يَحْوِي قتيبة نهبا * ويزيد الأموال مالاً جديدا
__________
(1) كذا بالاصل والطبري.
وفي ابن الاثير 4 / 573: فصالحهم من الغد على ألفي ألف ومائتي ألف مثقال في كل عام، وان يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف فارس.
وفي ابن الاعثم 7 / 243.
فصالحهم قتيبة على ألفي ألف درهم عاجلة ومائتي ألف درهم في كل سنة وعلى ثلاثة آلاف رأس من الرقيق.
وانظر فيه نسخة كتاب العهد الذي كتبه قتيبة لغوزك 7 / 244 وفيه ان الكتاب كتب سنة 94.
(2) كذا بالاصل والطبري وابن الاثير، وفي ابن الاعثم 7 / 244 وفيه، كعب بن معدان الاشقري وقال أبياتا مطلعها: وذكر بيتا واحدا: ألا أيها قتيبة غيبة * أبى الله إلا أن يكون مؤيدا (*)
(9/102)

باهليٌّ قَدْ أُلْبِسَ التَّاجَ حَتَّى * شَابَ مِنْهُ مَفَارِقٌ كُنَّ سُودَا دَوَّخَ الصُّغْدَ بِالْكَتَائِبِ حَتَّى * تَرَكَ الصُّغْدَ بِالْعَرَاءِ قُعُودَا فَوَلِيدٌ يَبْكِي لِفَقْدِ أَبِيهِ * وَأَبٌ مُوجَعٌ يُبَكِّي الْوَلِيدَا كُلَّمَا حَلَّ بَلْدَةً أَوْ أَتَاهَا * تَرَكَتْ خَيْلُهُ بِهَا أُخْدُودَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ نَائِبَ بِلَادِ الْمَغْرِبِ مَوْلَاهُ طَارِقًا عَنِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَهُ إِلَى مَدِينَةِ طُلَيْطِلَةَ فَفَتَحَهَا فَوَجَدَ فِيهَا مَائِدَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السلام، وفيها من الذهب
والجواهر شئ كثيرٌ جِدًّا، فَبَعَثُوا بِهَا إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ وتولى أخوه سليمان بن عبد الملك، فوصلت مائدة سليمان عليه السلام إلى سليمان على ما سيأتي بيانه في موضعه، وكان فيها ما يبهر العقول، لم ير منظرٌ أحسن منها.
واستعمل موسى بن نصير مكان مولاه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير.
وفيها بعث موسى بن نصير العساكر وبثها في بلاد المغرب، فافتتحوا مدناً كثيرةً من جزيرة الأندلس منها قرطبة وطنجة، ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس فافتتح مدينة باجة والمدينة البيضاء وغيرهما من المدن الكبار والأقاليم، ومن القرى والرساتيق شئ كثير، وكان لا يأتي مدينة فيبرح عنها حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه، وجهز البعوث والسرايا غرباً وشرقاً وشمالاً، فجعلوا يفتتحون المغرب بلداً بلداً، وإقليماً إقليماً، ويغنمون الأموال ويسبون الذراري والنساء، ورجع موسى بن نصير بغنائم وأموال وتحف لا تحصى ولا تعد كثرة.
وَفِيهَا قَحَطَ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ وَأَجْدَبُوا جَدْبًا شَدِيدًا، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ يَسْتَسْقِي بِهِمْ، فَمَا زَالَ يَدْعُو حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ عَنِ الْمِنْبَرِ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْعُو لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا الموضع موضع ذاك، فلما قال هذه المقالة أرسل الله عليهم الغيث فأمطروا مطراً غزيراً وحسن حالهم، وأخصبت بلادهم.
وَفِيهَا ضَرَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خُبَيْبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ خَمْسِينَ سَوْطًا بأمر الوليد له في ذلك، وَصَبَّ فَوْقَ رَأْسِهِ قِرْبَةً مِنْ ماءٍ باردٍ، في يوم شتاءٍ باردٍ، وأقامه على باب المسجد يوم ذلك فمات رحمه الله.
وكان عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ مَوْتِ خُبَيْبٍ شَدِيدَ الْخَوْفِ لَا يَأْمَنُ، وَكَانَ إِذَا بُشِّرَ بشئ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ يَقُولُ: وَكَيْفَ وَخُبَيْبٌ لِي بِالطَّرِيقِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ هَذَا إِذَا لَمْ يكن خبيب في الطريق، ثُمَّ يَصِيحُ صِيَاحَ الْمَرْأَةِ الثَّكْلَى، وَكَانَ إِذَا أُثْنِيَ عَلَيْهِ يَقُولُ: خُبَيْبٌ وَمَا خُبَيْبٌ إِنْ نَجَوْتُ مِنْهُ فَأَنَا بِخَيْرٍ.
وَمَا زَالَ عَلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ ضَرَبَ خُبَيْبًا فَمَاتَ فَاسْتَقَالَ وَرَكِبَهُ الْحُزْنُ وَالْخَوْفُ مِنْ حِينِئِذٍ، وَأَخَذَ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالْبُكَاءِ، وَكَانَتْ تِلْكَ هَفْوَةً مِنْهُ وَزَلَّةً، وَلَكِنْ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِهَا خَيْرٌ كَثِيرٌ، مِنْ عِبَادَةٍ وَبُكَاءٍ وَحُزْنٍ وَخَوْفٍ وَإِحْسَانٍ وَعَدْلٍ وَصَدَقَةٍ وَبِرٍّ وَعِتْقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(9/103)

وَفِيهَا افْتَتَحَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ - وَهُوَ ابْنُ عم الحجاج بن يوسف (1) .
مدينة الدبيل وَغَيْرَهَا مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ وَكَانَ قَدْ وَلَّاهُ الْحَجَّاجُ غَزْوَ الْهِنْدِ وَعُمْرُهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَسَارَ فِي الْجُيُوشِ فَلَقُوا الْمَلِكَ دَاهِرَ - وَهُوَ ملك الهند - في جمعٍ عظيمٍ ومعه سبع وَعِشْرُونَ فِيلًا مُنْتَخَبَةً، فَاقْتَتَلُوا فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَهَرَبَ الْمَلِكُ دَاهِرُ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَقْبَلَ الْمَلِكُ ومعه خلقٌ كثيرٌ جداَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَقُتِلَ الْمَلِكُ دَاهِرُ وَغَالِبُ مَنْ مَعَهُ، وَتَبِعَ الْمُسْلِمُونَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْهُنُودِ فَقَتَلُوهُ.
ثُمَّ سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ فافتتح مدينة الكبرج وَبَرَّهَا وَرَجَعَ بِغَنَائِمَ كَثِيرَةٍ وَأَمْوَالٍ لَا تُحْصَى كثرة، من الجواهر والذهب وغير ذلك.
فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الإسلام في مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وبرها وبحرها، وقد أذلوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعباً، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والاوليا والعلماء من كبار التابعين، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه.
فقتيبة بن مسلم يفتح في بلاد الترك، يقتل ويسبي ويغنم، حتى وصل إلى تخوم الصين، وأرسل إلى ملكه يدعوه، فخاف منه وأرسل له هداياً وتحفاً وأموالاً كثيرةً هديةً، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده، بحيث أن ملوك تلك النواحي كلها تؤدي إليه الخراج خوفاً منه.
ولو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد الصين، ولم يبق إلا أن يلتقي مع ملكها، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مر.
ثم إن قتيبة قتل بعد ذلك، قتله بعض المسلمين.
ومسلمة بن عبد الملك بن مروان وابن أمير المؤمنين الوليد وأخوه الآخر يفتحون في بلاد الروم ويجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا إلى القسطنطينية، وبنى بها مسلمة جامعاً يعبد الله فيه، وامتلأت قلوب الفرنج منهم رعباً.
ومحمد بن القاسم ابن أخي الحجاج يجاهد في بلاد الهند ويفتح مدنها في طائفة من جيش العراق وغيرهم.
وموسى بن نصير يجاهد في بلاد المغرب ويفتح مدنها وأقاليمها في جيوش الديار المصرية وغيرهم.
وكل هذه النواحي إنما دخل أهلها في الإسلام وتركوا عبادة الأوثان.
وقبل ذلك قد كان الصحابة في زمن عمر وعثمان فتحوا غالب هذه النواحي ودخلوا في مبانيها، بعد هذه الأقاليم الكبار، مثل الشام ومصر والعراق واليمن وأوائل بلاد
الترك، ودخلوا إلى ما وراء النهر وأوائل بلاد المغرب، وأوائل بلاد الهند.
فكان سوق الجهاد قائماً في القرن الأول من بعد الهجرة إلى انقضاء دولة بني أمية وفي أثناء خلافة بني العباس مثل أيام المنصور وأولاده، والرشيد وأولاده، في بلاد الروم والترك والهند.
وقد فتح محمود سبكتكين وولده في أيام ملكهم بلاداً كثيرةً من بلاد الهند، ولما دخل طائفة ممن هرب من بني أمية إلى بلاد المغرب وتملكوها أقاموا سوق الجهاد في الفرنج بها.
ثم لما بطل الجهاد من هذه المواضع رجع العدو إليها فأخذ منها بلاداً كثيرةً، وضعف الإسلام فيها، ثم لما استولت دولة الفاطميين على الديار المصرية والشامية، وضعف الإسلام وقل ناصروه، وجاء الفرنج فاخذوا غالب بلاد الشام حتى أخذوا بيت المقدس وغيره من
__________
(1) هو محمد بن القاسم بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي يجتمع هو والحجاج في الحكم (ابن الاثير 4 / 534) .
(*)
(9/104)

البلاد الشامية، فأقام الله سبحانه بني أيوب مع نور الدين، فاستلبوها من أيديهم وطردوهم عنه، فلله الحمد والمنة، وسيأتي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَوَاضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.
وَفِيهَا عَزَلَ الْوَلِيدُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُخْبِرُهُ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُمْ فِي ضَيْمٍ وَضِيقٍ مَعَ الْحَجَّاجِ مِنْ ظُلْمِهِ وَغَشْمِهِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْحَجَّاجُ فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ: إِنَّ عُمَرَ ضعيفٌ عن إمرة الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَهَذَا وَهْنٌ وَضَعْفٌ فِي الْوِلَايَةِ، فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما.
فولي عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ، وَعَلَى مَكَّةَ خالد بن عبد الله القسري، وفعل مَا أَمَرَهُ بِهِ الْحَجَّاجُ.
فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي شَوَّالٍ فَنَزَلَ السُّوَيْدَاءَ، وَقَدِمَ عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ الْمَدِينَةَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عبد الملك.
وممَّن توفِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ أنس بن مالك ابن النَّضْرِ بْنِ ضَمْضَمَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، أَبُو حَمْزَةَ وَيُقَالُ أَبُو ثُمَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَصَاحِبُهُ، وَأُمُّهُ أُمُّ حَرَامٍ (1) مُلَيْكَةُ بِنْتُ مِلْحَانَ بْنِ خَالِدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، زَوْجَةُ أَبِي طَلْحَةَ زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ.
رَوَى عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَحَادِيثَ جَمَّةً، وَأَخْبَرَ بِعُلُومٍ مُهِمَّةٍ، وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعِينَ.
قَالَ أَنَسٌ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ (2) .
وَتُوُفِّيَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ثُمَامَةَ قَالَ قِيلَ لِأَنَسٍ: أَشَهِدْتَ بَدْرًا؟ فقال: وأين أغيب من بَدْرٍ لَا أمَّ لَكَ؟ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ: شَهِدَهَا يَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ: لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمَغَازِي، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا شَهِدَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْمَغَازِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أُمَّهُ أَتَتْ بِهِ - وَفِي رِوَايَةٍ عَمُّهُ زَوْجُ أُمِّهِ أَبُو طَلْحَةَ - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هذا أنس خادم لبيب يخدمك، فوهبته منه فقبله، وسألته أن يدعو له فقال، " الهم أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ " (3) .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كنَّاني رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم) بنخلة كنت
__________
(1) في ابن سعد 7 / 17 وصفة الصفوة 1 / 710 والاصابة 1 / 71 والاستيعاب على هامش الاصابة.
أم سليم.
(2) في طبقات ابن سعد: ثمان، وفي صفة الصفوة: تسع سنين ويقال ثمان ويقال عشر.
وفي المعارف ص 134: ثمان.
(3) الحديث أخرجه البخاري في الدعوات، ومسلم في فضائل أنس بن مالك.
(9/105)

أَجْتَنِيهَا (1) .
وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ عَلَى عِمَالَةِ الْبَحْرَيْنِ وَشَكَرَاهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ انْتَقَلَ بَعْدَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَسَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَكَانَ لَهُ بِهَا أَرْبَعُ دُورٍ، وَقَدْ نَالَهُ أَذًى مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ، وَذَلِكَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، تَوَهَّمَ الْحَجَّاجُ مِنْهُ أنه له مداخلة فِي الْأَمْرِ، وَأَنَّهُ أَفْتَى فِيهِ، فَخَتَمَهُ الْحَجَّاجُ في عنقه، هذا عنق الْحَجَّاجِ، وَقَدْ شَكَاهُ أَنَسٌ كَمَا قَدَّمْنَا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يُعَنِّفُهُ، فَفَزِعَ الْحَجَّاجُ مِنْ ذَلِكَ وَصَالَحَ أَنَسًا.
وَقَدْ وَفَدَ أَنَسٌ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أَيَّامِ وِلَايَتِهِ، قِيلَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ يَبْنِي جَامِعَ دِمَشْقَ، قَالَ مَكْحُولٌ: رَأَيْتُ أَنَسًا يَمْشِي فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْوُضُوءِ مِنَ الْجِنَازَةِ فَقَالَ: لَا وضوء.
وقال الأوزاعي: حدثني إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ قَالَ: قَدِمَ أَنَسٌ عَلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: مَاذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم) يَذْكُرُ بِهِ
السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: " أَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ".
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ عُمَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: قَدِمَ أَنَسٌ عَلَى الْوَلِيدِ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ فَذَكَرَهُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: لا أعرف ممَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم) وَأَصْحَابُهُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَقَدْ صَنَعْتُمْ فِيهَا مَا صَنَعْتُمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ - يَعْنِي مَا كَانَ يَفْعَلُهُ خُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا الْمُوَسَّعِ - كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَى التَّأْخِيرِ إِلَّا عُمَرَ بن عبد العزيز أَيَّامِ خِلَافَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَالَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ.
قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَنَا غُلَامٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله خويدمك أُنَيْسٌ فَادْعُ اللَّهَ لَهُ.
فَقَالَ، " اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ ".
قَالَ: فَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَتَيْنِ وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ حَتَّى نَخْلِي وَكَرْمِي لَيُثْمِرُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوٍ الْمِائَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ وإنَّ وَلَدِي لِصُلْبِي مِائَةٌ وَسِتَّةٌ.
وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ وَأَلْفَاظٌ مُنْتَشِرَةٌ جِدًّا، وَفِي رواية قال أنس: وأخبرتني بنتي آمنة أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي إِلَى حِينِ مَقْدَمِ الْحَجَّاجِ عِشْرُونَ وَمِائَةٌ.
وَقَدْ تَقَصَّى ذَلِكَ بِطُرُقِهِ وَأَسَانِيدِهِ وَأَوْرَدَ أَلْفَاظَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَنَسٍ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ فِي أَوَاخِرِ السِّيرَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَالَ ثَابِتٌ لِأَنَسٍ: هَلْ مَسَّتْ يَدُكَ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ فَأَعْطِنِيهَا أُقَبِّلْهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ المثنى بن سعيد الذراع (2) قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَأَنَا أَرَى فِيهَا حَبِيبِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ثُمَّ يبكي.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ (3) عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْمِنْهَالِ بن عمرو
__________
(1) قال في النهاية: أي كناه أبا حمزة.
وقال الازهري: البقلة التي جناها أنس كان في طعمها لذع فسميت حمزة، والحمزة التي في طعمها حموضة.
وفي القاموس: الحمزة الاسد وبقلة.
(2) في ابن سعد 7 / 22: الذارع.
(3) في ابن سعد 1 / 482: الفضل بن دكين، والمعروف بأبي نعيم الملائي وهو من كبار شيوخ البخاري.
(*)
(9/106)

قَالَ: كَانَ أَنَسٌ صَاحِبَ نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) وإداوته، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ.
قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَأَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خُوَيْدِمُكَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، ثَنَا حَرْبُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ.
قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: " قَالَ أَنَا فَاعِلٌ، قُلْتُ فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ، قُلْتُ، فَإِذَا لَمْ أَلْقَكَ؟ قَالَ: فَأَنَا عِنْدَ الْمِيزَانِ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: فَأَنَا عِنْدَ الْحَوْضِ لا أخطئ هذه الثلاثة المواطن يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (1) .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ حرب بن ميمون أبي الخطاب صاحب الأعمش الْأَنْصَارِيِّ بِهِ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنَ ابْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ - يَعْنِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَحْسَنَ النَّاس صَلَاةً فِي الْحَضَرِ والسَّفر.
وقال أنس: خذ مني فأنا أَخَذْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم) عَنْ الله عزوجل، وَلَسْتَ تَجِدُ أَوْثَقَ مِنِّي.
وَقَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ.
عَنْ أَبِيهِ (2) سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: مَا بقي أحدٌ صلى إلى الْقِبْلَتَيْنِ غَيْرِي.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا عفان، حدثني شيخ لنا يكنى أبا جناب سمعت الحريري (3) يَقُولُ: أَحْرَمَ أَنَسٌ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ فَمَا سمعناه متكلماً إلا بذكر الله عزوجل حتى أحل، فقال لي: يابن أَخِي هَكَذَا الْإِحْرَامُ.
وَقَالَ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: دَخَلَ عَلَيْنَا أَنَسٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَنَحْنُ فِي بَعْضِ أَبْيَاتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) نَتَحَدَّثُ فَقَالَ: مَهْ، فَلَمَّا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: إِنِّي لأخاف أَنْ أَكُونَ قَدْ أَبْطَلْتُ جُمُعَتِي بِقَوْلِي لَكُمْ: مَهْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: ثَنَا بَشَّارُ بْنُ مُوسَى الْخَفَّافُ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن ثابت قال: كنت مع أنس فجاءت قهرمانة فقالت: يَا أَبَا حَمْزَةَ عَطِشَتْ أَرْضُنَا، قَالَ فَقَامَ أَنَسٌ فَتَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثم دعا فرأيت السحاب يلتئم ثم أمطرت حتى خيِّل إلينا أنها ملأت كل شئ، فَلَمَّا سَكَنَ الْمَطَرُ بَعَثَ أَنَسٌ بَعْضَ أَهْلِهِ فَقَالَ: انْظُرْ أَيْنَ بَلَغَتِ السَّمَاءُ، فَنَظَرَ فَلَمْ تَعْدُ أَرْضَهُ إِلَّا يَسِيرًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، ثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ إِذَا حَدَّثَ
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَدِيثًا فَفَرَغَ مِنْهُ قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .
وقال الأنصاري عن ابن عوف عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: بَعَثَ أَمِيرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ إلى أنْسَ شيئاً من الفئ فقال أخمس؟ قال: لا، فلم
__________
(1) مسند أحمد 3 / 178.
(2) في صفة الصفوة 1 / 712 عن معتمر بن سليمان قال: سمعت أنس يقول ... (3) في طبقات ابن سَعْدٍ 7 / 22: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قال: حدثنا شيخ لنا يكنى أبا الحباب قال: سمعت الجريري يقول ... (*)
(9/107)

يَقْبَلْهُ: وَقَالَ النَّضِرُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ: مَرِضَ أَنَسٌ فَقِيلَ لَهُ أَلَا نَدْعُو لَكَ الطَّبِيبَ؟ فَقَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي.
وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتَ فِي الْقَصْرِ مَعَ الْحَجَّاجِ وَهُوَ يَعْرِضُ النَّاسَ لَيَالِيَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَجَاءَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: هِي يَا خَبِيثُ، جَوَّالٌ فِي الْفِتَنِ، مَرَّةً مَعَ عَلِيٍّ، وَمَرَّةً مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَرَّةً مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ الْحَجَّاجِ بِيَدِهِ لَأَسْتَأْصِلَنَّكَ كَمَا تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما تجرد الضب.
قال: يقول أنس: إياي يَعْنِي الْأَمِيرُ؟ قَالَ إِيَّاكَ أَعْنِي، أَصَمَّ اللَّهُ سَمْعَكَ، قَالَ: فَاسْتَرْجَعَ أَنَسٌ، وَشُغِلَ الْحَجَّاجُ فَخَرَجَ أَنَسٌ فَتَبِعْنَاهُ إِلَى الرَّحْبَةِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي ذكرت ولدي - وفي رواية لولا أني ذكرت أولادي الصغار - وخفته عليهم ما باليت أي قتل أقتل، ولكلمته بكلام في مقامي هذا لا يستخفني بَعْدَهُ أَبَدًا.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: أَنَّ أَنَسًا بَعَثَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يشكو إليه الحجاج ويقول: والله لو أن اليهود والنصارى رأوا من خدم نبيهم لأكرموه، وأنا قد خَدَمَتْ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم) عَشْرَ سنين.
فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتاباً فيه كلام جد وفيه: إذا جاءك كتابي هذا فقم إلى أبي حمزة فترضّاه وقبل يده ورجله، وإلا حل بك مني ما تستحقه.
فلما جاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة والشدة، همَّ أن ينهض إليه فأشار عليه إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، الَّذِي قَدِمَ بِالْكِتَابِ أَنْ لَا يَذْهَبَ إِلَى أَنَسٍ، وَأَشَارَ عَلَى أَنَسٍ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْمُصَالَحَةِ (1) - وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ صَدِيقَ الْحَجَّاجِ - فَجَاءَ أَنَسٌ فَقَامَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَتَلَقَّاهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا مثلي
ومثلك إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ.
أَرَدْتُ أَنْ لَا يَبْقَى لِأَحَدٍ عَلَيَّ مَنْطِقٌ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ (2) : كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ - لَمَّا قال لأنس ما قال -: بابن المستقرمة بعجم (3) الزَّبِيبِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْكُلَكَ رَكْلَةً تَهْوِي بِهَا إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، قَاتَلَكَ اللَّهُ أُخَيْفِشَ العينين، أفيتل الرجلين، أسود العاجزين - ومعنى قوله المستقرمة عجم (3) الزَّبِيبِ - أَيْ تُضَيِّقُ فَرْجَهَا عِنْدَ الْجِمَاعِ بِهِ، وَمَعْنَى أَرْكُلُكَ أَيْ أَرْفُسُكَ بِرِجْلِي، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ الْحَجَّاجِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْعِجْلِيُّ: لَمْ يُبْتَلَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا رَجُلَيْنِ، مُعَيْقِيبٌ كَانَ بِهِ الْجُذَامُ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كَانَ بِهِ وَضَحٌ.
وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسًا يَأْكُلُ فَرَأَيْتُهُ يَلْقَمُ لُقَمًا عِظَامًا، وَرَأَيْتُ بِهِ وَضَحًا شَدِيدًا.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ معاذ بن يزيد عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: ضَعُفَ أَنَسٌ عَنِ الصَّوْمِ فصنع طعاماً ودعا ثلاثين
__________
(1) تقدم ذكر كتاب أنس إلى عبد الملك، وكتاب عبد الملك إلى الحجاج، وأن الحجاج صار إلى أنس واعتذر منه - انظر ذلك في فتنة ابن الاشعث.
(2) انظر الاخبار الطوال ص 324.
(3) من الاخبار الطوال.
والعجم كل ما كان في جوف مأكول كالزبيب.
واستقرمت المرأة بعجم الزبيب يعني أنها عالجت به فرجها ليضيق.
(*)
(9/108)

مِسْكِينًا فَأَطْعَمَهُمْ.
وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
وَقَالَ شُعْبَةُ عن موسى السنبلاوي قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَنْتَ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ؟ قَالَ: قَدْ بَقِيَ قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَأَمَّا مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنَا آخِرُ مَنْ بَقِيَ، وَقِيلَ له في مرضه: ألا ندعوا لَكَ طَبِيبًا؟ فَقَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي، وَجَعَلَ يَقُولُ: لقِّنوني لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ مُحْتَضِرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى قُبِضَ.
وَكَانَتْ عِنْدَهُ عُصَيَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ مَعَهُ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: مَاتَ وَلَهُ مِائَةٌ وَسَبْعُ سِنِينَ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: ثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ: أَنَّ أَنَسًا عمَّر مِائَةَ سَنَةٍ غَيْرَ سَنَةٍ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ
الصَّحَابَةِ بِالْبَصْرَةِ، وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ والْفَلَّاسُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُؤَرِّخُونَ فِي سَنَةِ وَفَاتِهِ، فَقِيلَ سَنَةَ تِسْعِينَ، وَقِيلَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: تُوُفِّيَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ فِي جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لما مات أنس قال مؤرق الْعِجْلِيُّ: ذَهَبَ الْيَوْمَ نِصْفُ الْعِلْمِ، قِيلَ لَهُ وَكَيْفَ ذَاكَ يَا أَبَا الْمُعْتَمِرِ؟ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِذَا خَالَفُونَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قُلْنَا لَهُمْ: تَعَالَوْا إِلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ.
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ربيعة ابْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، يُقَالُ إِنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَخُتِنَ يَوْمَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، وَتَزَوَّجَ يَوْمَ مَقْتَلِ عَلِيٍّ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ مَشْهُورًا بِالتَّغَزُّلِ الْمَلِيحِ الْبَلِيغِ، كَانَ يَتَغَزَّلُ فِي امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا الثُّرَيَّا (1) بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأُمَوِيَّةُ، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا سَهْلُ (2) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: - أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا * عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ هِيَ شاميةٌ (3) إِذَا مَا اسْتَقَلَّتْ * وَسُهَيْلٌ إِذَا اسْتَقَلَّ يَمَانِ وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ: حَيِّ طَيْفًا مِنَ الْأَحِبَّةِ زَارَا * بعد ما برح (4) الكرى السمارا
__________
(1) قال السهيلي في الروض الانف: هي الثريا بنت عبد الله، ولم يذكر علياً، ثم قال: وقتيلة بنت النضر جدتها لانها كانت تحت الحارث بن أمية وعبد الله ولدها وهو والد الثريا (انظر ابن خلكان 1 / 436) .
(2) في ابن خلكان: سهيل.
(3) في الاغاني 1 / 122 ويروى: هي غورية، نسبة إلى غور الاردن بالشام بين بيت المقدس ودمشق.
(4) في الديوان ص 224 وابن خلكان 1 / 439: صرع.
(*)
(9/109)

طارقاً في المنام بعد دجى * الليل خفيا (1) بِأَنْ يَزُورَ نَهَارَا
قُلْتُ مَا بَالُنَا جَفَيْنَا وَكُنَّا * قَبْلَ ذَاكَ الْأَسْمَاعَ وَالْأَبْصَارَا قَالَ: إِنَّا كَمَا عَهِدْتَ وَلَكِنْ * شَغَلَ الْحَلْيُ أهلهُ أَنْ يعارا بلال بن أبي الدرداء ولي إمرة دمشق ثم ولي القضاء بها، ثم عزله عبد الملك بأبي إدريس الخولاني.
كان بلال حسن السيرة، كثير العبادة، والظاهر أن هذا القبر الذي بباب الصغير الذي يقال له قبر بلال، إنما هو قبر بلال بن أبي الدرداء، لا قبر بلال بن حمامة مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، فَإِنِ بلالاً المؤذن دفن بداريا والله أعلم.
بشر بن سعيد المزني السيد العابد الفقيه، كان من العباد المنقطعين، الزهاد المعروفين، توفي بالمدينة.
زرارة بن أوفى ابن حاجب العامري، قاضي البصرة، كان من كبار علماء أهل البصرة وصلحائها، له روايات كثيرة، قرأ مرة في صلاة الصبح سورة المدثر فلما بلغ (فَإِذَا نُقِرَ في الناقور) [الآية: 8] خر ميتاً.
توفي بالبصرة وعمره نحو سبعين سنة.
خبيب بن عبد الله ابن عبد الله بن الزبير، ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد له في ذلك فمات، ثم عزل عمر بعده بأيام قليلة، فكان يتأسف على ضربه له ويبكي.
مات بالمدينة.
حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب المدني، له روايات كثيرة، وكان من الصالحين.
توفي بالمدينة.
سعيد بن عبد الرحمن ابن عتاب بن أسيد الأموي، أحد الأشراف بالبصرة، كان جواداً ممدحاً، وهو أحد الموصوفين بالكرم، قيل إنه أعطى بعض الشعراء ثلاثين.
__________
(1) في الديوان وابن خلكان: ضنينا.
(*)
(9/110)

فروة بن مجاهد قيل إنه كان من الأبدال، أسر مرة وهو في غزوة هو وجماعة معه فأتوا بهم الملك فأمر بتقييدهم وحبسهم في المكان والاحتراز عليهم إلى أن يصبح فيرى فيهم رأيه، فقال لهم فروة: هل لكم في المضي إلى بلادنا؟ فقالوا: وما ترى ما نحن فيه من الضيق؟ فلمس قيودهم بيده فزالت عنهم، ثم أتى باب السجن فلمسه بيده فانفتح، فخرجوا منه ومضوا، فأدركوا جيش المسلمين قبل وصولهم إلى البلد.
أبو الشعثاء جابر بن زيد كان لا يماكس في ثلاث، في الكرى إلى مكة، وفي الرقبة يشتريها لتعتق، وفي الأضحية.
وقال: لا تماكس في شئ يتقرب به إلى الله.
وقال ابن سيرين: كان أبو الشعثاء مسلما عبد الدينار والدرهم، قلت، كما قيل: - إني رأيت فلا تظنوا غيره * أن التورع عند هذا الدرهم فإذا قدرت عليه ثم تركه * فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم وقال أبو الشعثاء: لأن أتصدق بدرهم على يتيم ومسكين أحب إلى من حجة بعد حجة الإسلام.
كان أبو الشعثاء مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، وكان يفتي في البصرة، وكان الصحابة مثل جابر بن عبد الله إذا سأله أهل البصرة عن مسألة يقول: كيف تسألونا وفيكم أبو الشعثاء؟ وقال له جابر بن عبد الله: يا بن زيد إنك من فقهاء البصرة وإنك ستستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت.
وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحداً أعلم بفتيا من جابر بن زيد.
وقال إياس بن معاوية: أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عمان.
وقال قتادة لما دفن جابر بن زيد: اليوم دفن أعلم أهل الأرض.
وَقَالَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قال أبو الشعثاء: كتب الحكم بن أيوب نفراً للقضاء أنا أحدهم - أي عمرو - فلو أني ابتليت بشئ منه لركبت راحلتي وهربت من الأرض.
وقال أبو الشعثاء: نظرت في أعمال البر فإذا
الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك.
وأخذ مرة قبضة تراب من حائط، فلما أصبح رماها في الحائط، وكان الحائط لقوم قالوا: لو كان كلَّما مرَّ به أخذ منه قبضة لم يبق منه شئ.
وقال أبو الشعثاء: إذا جئت يوم الجمعة إلى المسجد فقف على الباب وقل: اللهم اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك ورغب إليك.
وقال سيار: حدثنا حماد بن زيد ثنا الحجاج بن أبي عيينة.
قال: كان جابر بن زيد يأتينا في مصلانا، قال: فأتانا ذات يوم وعليه نعلان خلقان، فقال: مضى من
(9/111)

عمري ستون سنة نعلاي هاتان أحب إليَّ مما مضى منه إلا أن يكون خير قدمته.
وقال صالح الدهان: كان جابر بن زيد إذا وقع في يده ستوق كسره ورمى به لئلا يغر به مسلم.
الستوق الدرهم المغاير أو الدغل وقيل: هو المغشوش.
وروى الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الصمد العمى، حدثنا مالك بن دينار قال: دخل علي جابر بن زيد وأنا أكتب المصحف فقلت له: كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء؟ قال: نعم الصنعة صنعتك، تنقل كتاب الله ورقة إلى ورقة، وآية إلى آية، وكلمة إلى كلمة، هذا الحلال لا بأس به وقال مالك بن دينار: سألته عن قوله تعالى (إِذَا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وضعف الممات) [الاسراء: 75] قال ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة (ثُمَّ لَا تجد لك نصيرا) [الاسراء: 75] وقال سفيان: حدثني أبو عمير الحارث بن عمير قال: قالوا لجابر بن زيد عند الموت: ما تشتهي وما تريد؟ قال: نظرة إلى الحسن.
وفي رواية عن ثابت قال: لما ثقل على جابر بن زيد قيل له: ما تشتهي؟ قال نظرة إلى الحسن.
قال ثابت: فأتيت الحسن فأخبرته فركب إليه، فلما دخل عليه قال لأهله: أقعدوني، فجلس فما زال يقول: أعوذ بالله من النار وسوء الحساب.
وقال حماد بن زيد: حدثنا حجاج بن أبي عيينة قال: سمعت هنداً بنت المهلب بن أبي صفرة - وكانت من أحسن النساء - وذكروا عندها جابر بن زيد فقالوا: إنَّه كان إباضياً، فقالت: كان
جابر بن زيد أشد الناس انقطاعاً إلي وإلى أمي، فما أعلم عنه شيئاً، وكان لا يعلم شيئاً يقربني إلى الله عزوجل إلا أمرني به، ولا شيئاً يباعدني عن الله إلا نهاني عنه، وما دعاني إلى الإباضية (1) قط ولا أمرني بها، وكان ليأمرني أين أضع الخمار - ووضعت يدها على الجبهة - أسند عن جماعة من الصحابة، ومعظم روايته عن ابن عمر وابن عباس.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين فِيهَا غَزَا العبَّاس بْنُ الْوَلِيدِ أَرْضَ الرُّومِ، فقيل إنه فتح أنطاكية، وَغَزَا أَخُوهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَلَغَ غَزَالَةَ، وَبَلَغَ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ أَرْضَ بُرْجِ الْحَمَامِ، وَبَلَغَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ أرض
__________
(1) الاباضية: وهم أتباع عبد الله بن أباض، أحد بني مرة بن عبيدة من بني تميم، وهم فرقة من الخوارج قالت بإمامته وافترقت هذه الجماعة فيما بينها فرقا يجمعها القول بأن كفار هذه الامة براءاء من الشرك والايمان وانهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفارا.
وهم فرق أربع: الحفصية والحارثية واليزيدية وأصحاب طاعة لا يراد الله بها.
(الفرق بين الفرق ص 70) .
(*)
(9/112)

سُورِيَّةَ.
وَفِيهَا كَانَتِ الرَّجْفَةُ بِالشَّامِ، وَفِيهَا افْتَتَحَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنْدَرَةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ.
وَفِيهَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فُتُوحَاتٍ عَظِيمَةً فِي دَوْلَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَلَى يَدَيْ أَوْلَادِهِ وَأَقْرِبَائِهِ وَأُمَرَائِهِ حَتَّى عَادَ الْجِهَادُ شَبِيهًا بِأَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ أَرْضَ الْهِنْدِ وَغَنِمَ أَمْوَالًا لَا تُعَدُّ وَلَا تُوصَفُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي غَزْوِ الْهِنْدِ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ.
وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ الشَّاشَ وَفَرْغَانَةَ حَتَّى بلغ خجندة، وكشان مَدِينَتَيْ فَرْغَانَةَ، وَذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصُّغْدِ وَفَتْحِ سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ خَاضَ تِلْكَ الْبِلَادَ يَفْتَحُ فِيهَا حَتَّى وَصَلَ إِلَى كَابُلَ فَحَاصَرَهَا وَافْتَتَحَهَا، وَقَدْ لَقِيَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي جُمُوعٍ هَائِلَةٍ مِنَ الترك فقاتلهم قتيبة عند خجندة فكسرهم مراراً وظفر بهم، وأخذ البلاد منهم، وقتل منهم خلقاً وأسر آخرين (1) ، وغنم أموالا كثيرة جداً.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ قَالَ سَحْبَانُ وَائِلٍ يذكر قتالهم بخجندة التي هي قريبة من بلاد الصين أبياتاً في ذلك: -
فَسَلِ الْفَوَارِسَ فِي خُجَنْ * دَةَ تَحْتَ مُرْهَفَةِ الْعَوَالِي هَلْ كُنْتُ أَجْمَعُهُمْ إِذَا * هُزِمُوا وَأُقْدِمُ فِي قِتَالِي أَمْ كُنْتُ أَضْرِبُ هَامَّةَ الْ * عَاتِي وَأَصْبِرُ لِلنِّزَالِ (2) هَذَا وَأَنْتِ قَرِيعُ قَيْ * سٍ كُلِّهَا ضَخْمُ النَّوَالِ وَفَضَلْتَ قَيْسًا فِي النَّدَى * وَأَبُوكَ فِي الْحِجَجِ الْخَوَالِي تمَّت مُرُوءَتُكُمْ وَنَا * غَى عِزُّكُمْ غُلْبَ الْجِبَالِ وَلَقَدْ تَبَيَّنَ حكمك * فِيهِمُ فِي كُلِّ مَالِ هَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ جرير هَذَا مِنْ شِعْرِ سَحْبَانَ وَائِلٍ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ في منتظمه أن سحبان وائل مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَقْتَلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ قَدْ جَعَلَهُ عَلَى نَفَقَاتِ الْجُنْدِ حِينَ بعثه مع ابن الأشعث إلى قتال رتبيل ملك الترك، فَلَمَّا خَلَعَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ خَلَعَهُ مَعَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَلَمَّا ظَفِرَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الْأَشْعَثِ وَأَصْحَابِهِ هَرَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى نَائِبِهَا أَنْ يَبْعَثَهُ إِلَيْهِ، فلما سمع بذلك سعيد هرب
__________
(1) قال ابن الاعثم 7 / 250: وقتل ملك فرغانة باشك صبرا وبلغ الوليد فتح فرغانة فكتب إليه ... وانظر نسخة الكتاب في الطبري 8 / 96 وسمط النجوم العوالي 3 / 184.
(2) في ابن الاثير 4 / 581 والطبري 8 / 91: للعوالي.
(*)
(9/113)

مِنْهَا، ثُمَّ كَانَ يَعْتَمِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَيَحُجُّ، ثُمَّ إِنَّهُ لَجَأَ إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ وَلِيَهَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، فَأَشَارَ مَنْ أَشَارَ عَلَى سَعِيدٍ بِالْهَرَبِ مِنْهَا فَقَالَ سَعِيدٌ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَحْيَيْتُ من الله مما أَفِرُّ وَلَا مَفَرَّ مِنْ قَدَرِهِ؟ وَتَوَلَّى عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ بَدَلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَجَعَلَ يَبْعَثُ مَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أصحاب ابن الأشعث من الْعِرَاقِ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي الْقُيُودِ، فَتَعَلَّمَ مِنْهُ خالد بن الوليد الْقَسْرِيُّ فَعَيَّنَ
مَنْ عِنْدَهُ مِنْ مَكَّةَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، وَمُجَاهِدَ بن جبير، وعمرو بن دينار، وطلق ابن حبيب (1) .
ويقال إن الحجاج أرسل إِلَى الْوَلِيدِ يُخْبِرُهُ أَنَّ بِمَكَّةَ أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ، فَبَعَثَ خَالِدٌ بِهَؤُلَاءِ إِلَيْهِ ثُمَّ عَفَا عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَبَعَثَ بِأُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ، فَأَمَّا طَلْقٌ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ، وأما مجاهد فحبس فما زال في السجن حَتَّى مَاتَ الْحَجَّاجُ، وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فلما أوقف بَيْنَ يَدَيِ الْحَجَّاجِ قَالَ لَهُ: يَا سَعِيدُ أَلَمْ أُشْرِكْكَ فِي أَمَانَتِي! أَلَمْ أَسْتَعْمِلْكَ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ أَلَمْ أَفْعَلْ؟ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: نَعَمْ، حَتَّى ظَنَّ مَنْ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَيُخْلِي سَبِيلَهُ، حتى قال له: فما حملك على الخروج عَلَيَّ وَخَلَعْتَ بَيْعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ أَخَذَ مِنِّي الْبَيْعَةَ عَلَى ذَلِكَ وَعَزَمَ عَلَيَّ، فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ غضباً شديداً وانتفخ حتى سقط طرف رِدَائِهِ عَنْ مَنْكِبِهِ، وَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ أَلَمْ أَقْدَمْ مَكَّةَ فَقَتَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَأَخَذْتُ بَيْعَةَ أَهْلِهَا وَأَخَذْتُ بَيْعَتَكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَالِيًا عَلَى الْعِرَاقِ فَجَدَّدْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَيْعَةَ فَأَخَذْتُ بَيْعَتَكَ لَهُ ثَانِيَةً؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ فَتَنْكُثُ بَيْعَتَيْنِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَفِي بِوَاحِدَةٍ لِلْحَائِكِ ابْنِ الْحَائِكِ؟ يَا حَرَسِيُّ اضْرِبْ عُنُقَهُ.
قَالَ: فَضُرِبَتْ عنقه فبدر رأسه عليه لاطئة صغيرة بيضاء، وقد ذكر الواقدي نحو هذا، وقال له: أما أعطيتك مائة ألف؟ أما فعلت أما فعلت.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي غَسَّانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: سَمِعْتُ خَلَفَ بْنَ خَلِيفَةَ يَذْكُرُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: لمَّا قَتَلَ الحجَّاج سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَنَدَرَ رَأْسُهُ هَلَّلَ ثَلَاثًا، مَرَّةً يُفْصِحُ بِهَا، وَفِي الثِّنْتَيْنِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُفْصِحُ بِهَا.
وَذَكَرَ أَبُو بكرة الْبَاهِلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ أَبِي شَيْخٍ يَقُولُ: لَمَّا أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قال: لعن ابن النصرانية - يعني خالد الْقَسْرِيَّ وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ - أَمَا كُنْتُ أَعْرِفُ مَكَانَهُ، بَلَى وَاللَّهِ وَالْبَيْتَ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا سَعِيدُ مَا أَخْرَجَكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، أَنَا امْرُؤٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُخْطِئُ مَرَّةً وَيُصِيبُ أُخْرَى، فَطَابَتْ نَفْسُ الْحَجَّاجِ وَانْطَلَقَ وَجْهُهُ، وَرَجَا الْحَجَّاجُ أَنْ يَتَخَلَّصَ من أمره، ثم عاوده في شئ فَقَالَ سَعِيدٌ، إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةٌ فِي عُنُقِي، فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ فَكَانَ مَا كَانَ من قتله.
وذكر عتاب بن
__________
(1) في ابن الاعثم 7 / 158: دعا الحجاج اسماعيل بن الاوسط والمتلمس بن الاحوص وضم إليها نفراً من أصحابه
وأمرهما بطلب سعيد بن جبير فخرج القوم في طلبه يسألون عنه وعن موضعه ... مروا براهب في صومعة فسألوه عنه ... فسار القوم حتى ووقفوا عليه.
وفي حلية الاولياء لابي نعيم 4 / 291 أرسل قائدا من أهل الشَّام ومعه عشرون رجلاً من أهل الشام من خاصة أصحابه ... وانظر الطبري 8 / 95 وابن الاثير 4 / 580 ووفيات الاعيان 2 / 372 وتاريخ أصبهان 1 / 324.
(*)
(9/114)

بشر عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ قَالَ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَهُوَ يُرِيدُ الرُّكُوبَ وَقَدْ وَضَعَ إحدى رجليه في الغرز، فقال: والله أَرْكَبُ حَتَّى تَتَبَوَّأَ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ، اضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
قَالَ: وَالْتَبَسَ الْحَجَّاجُ فِي عَقْلِهِ مَكَانَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: قُيُودَنَا قُيُودَنَا، فَظَنُّوا أَنَّهُ يُرِيدُ الْقُيُودَ الَّتِي عَلَى سَعِيدٍ، فَقَطَعُوا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَأَخَذُوا الْقُيُودَ: وَقَالَ محمد بن أبي حَاتِمٍ: ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [عن هلال] بن خباب، قال: جئ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: كَتَبْتَ إلى مصعب بن الزُّبير؟ فقال: بلى كتبت إلى مصعب، قال: لا وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ: إِنِّي إِذًا لَسَعِيدٌ كَمَا سَمَّتْنِي أُمِّي.
قَالَ فَقَتَلَهُ، فَلَمْ يَلْبَثِ الْحَجَّاجُ بعده إلا أربعين يوماً، وكان إِذَا نَامَ يَرَاهُ فِي الْمَنَامِ يَأْخُذُ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَيَقُولُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ فِيمَ قَتَلْتَنِي؟ فيقول الحجاج: مالي ولسعيد بن جبير، مالي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؟ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ (1) : كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ هِشَامِ الْأَسَدِيُّ مَوْلَى بَنِي وَالِبَةَ (2) كُوفِيًّا أَحَدَ الْأَعْلَامِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَكَانَ أَسْوَدَ اللَّوْنِ، وَكَانَ لَا يَكْتُبُ عَلَى الْفُتْيَا، فَلَمَّا عَمِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَتَبَ، فَغَضِبَ ابْنُ عبَّاس مِنْ ذَلِكَ، وَذَكَرَ مَقْتَلَهُ كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي شَعْبَانَ، وَأَنَّ الْحَجَّاجَ مَاتَ بَعْدَهُ فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ قبل بستة أشهر.
وذكر عن الإمام أحمد أَنَّهُ قَالَ: قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ - أَوْ قَالَ مُفْتَقِرٌ - إِلَى عِلْمِهِ.
وَيُقَالُ إِنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يُسَلَّطْ بَعْدَهُ عَلَى أَحَدٍ، وَسَيَأْتِي في ترجمة الحجاج أيضاً مِنْ هَذَا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ يُقَالُ لِهَذِهِ السَّنَةِ سَنَةُ الْفُقَهَاءِ، لِأَنَّهُ مَاتَ فِيهَا عَامَّةُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، مَاتَ فِي أَوَّلِهَا عَلِيُّ ابن الْحُسَيْنِ، زَيْنُ الْعَابِدِينَ، ثُمَّ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَ هَؤُلَاءِ فِي كِتَابِنَا التَّكْمِيلِ،
وَسَنَذْكُرُ طَرَفًا صَالِحًا ها هنا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَاسْتَقْضَى الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي هَذِهِ السنة على الشام سليمان بن صرد (3) وحج بالناس فيها العبَّاس (4) بْنُ الْوَلِيدِ، وَيُقَالُ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وكان على نيابة مكة خالد الْقَسْرِيُّ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، وَعَلَى الْمَشْرِقِ بِكَمَالِهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى خُرَاسَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ زِيَادُ بْنُ جَرِيرٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى، وَعَلَى إِمْرَةِ الْبَصْرَةِ مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَبْدُ اللَّهِ (5) بْنُ أُذَيْنَةَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وتعالى أعلم.
__________
(1) وفيات الاعيان - ترجمة 261 ج 2 / 371.
(2) بنو والبة بن الحارث بطن من بني أسد بن خزيمة.
(3) في الطبري 8 / 95 وابن الاثير 4 / 582: حبيب.
(4) في الطبري وابن الاثير: عبد العزيز.
(5) في الطبري 8 / 95: عبد الرحمن بن أذينة، مصغرا العبدي الكوفي قاضي البصرة ثقة من الثالثة وهم من ذكره في الصحابة (تقريب التهذيب 1 / 472 / 860) .
(*)
(9/115)

ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْمَشَاهِيرِ وَالْأَعْيَانِ
سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الْأَسَدِيُّ الْوَالِبِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُقَالُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْكُوفِيُّ الْمَكِّيُّ، مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ ابْنِ عبَّاس، كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فِي التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَأَنْوَاعِ الْعُلُومِ، وَكَثْرَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ رَأَى خَلْقًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعِينَ، يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ يقرأ القرآن في الصلاة فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ خَتْمَةً تَامَّةً، وَكَانَ يَقْعُدُ فِي الْكَعْبَةِ الْقَعْدَةَ فَيَقْرَأُ فِيهَا الْخَتْمَةَ، وَرُبَّمَا قَرَأَهَا فِي رَكْعَةٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ.
وروي عنه أنه ختم القرآن مرتين ونصفاً في الصلاة في ليلة في الكعبة.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ مَاتَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى عِلْمِهِ.
وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ خَرَجَ
مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا ظَفِرَ [الْحَجَّاجُ] هَرَبَ سَعِيدٌ إِلَى أَصْبَهَانَ، ثُمَّ كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَى مَكَّةَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً لِلْعُمْرَةِ وَمَرَّةً لِلْحَجِّ، وَرُبَّمَا دَخَلَ الْكُوفَةَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَحَدَّثَ بِهَا، وكان بخراسان لا يتحدث لأنه كان لا يسأله أحد عن شئ مِنَ الْعِلْمِ هُنَاكَ، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّ مِمَّا يُهِمُّنِي مَا عِنْدِي مِنَ الْعِلْمِ، وَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوهُ.
وَاسْتَمَرَّ فِي هَذَا الْحَالِ مُخْتَفِيًا مِنَ الْحَجَّاجِ قَرِيبًا مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أَرْسَلَهُ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الحجاج وكان مِنْ مُخَاطَبَتِهِ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا.
وَقَالَ أبو نعيم في كتابه الحلية (1) : ثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أبي خلف، ثنا شعبان عن سالم بن أبي حفصة.
وقال: لَمَّا أُتِيَ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِلَى الْحَجَّاجِ قال له: أنت الشقي بْنُ كُسَيْرٍ؟ قَالَ: لَا! إِنَّمَا أَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ، قَالَ: أَنَا إِذًا كما سمتني أمي سعيداً! قال شقيت وشقيت أمك، قال: الأمر ليس إليك.
ثم قال: اضربوا عنقه، فقال: دعوني أصلي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: وَجِّهُوهُ إِلَى قِبْلَةِ النَّصَارَى، قَالَ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وجه الله) [مريم: 17] قَالَ: إِنِّي أَسْتَعِيذُ مِنْكَ بِمَا اسْتَعَاذَتْ بِهِ مَرْيَمُ، قَالَ: وَمَا عَاذَتْ بِهِ؟ قَالَ: قَالَتْ (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً) [البقرة: 115] قال سفيان: لم يقتل بعده إلا واحداً.
وفي رواية أنه قال له: لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً.
وفي رواية أنه لما أراد قتله قال: وجهوه إلى قبلة النصارى، فقال: (أينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) فقال: اجلدوا به الأرض، فقال: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى) [طه: 55] فقال: اذبح فما أنزعه لآيات الله منذ اليوم.
فقال: اللَّهم لا تسلطه على أحد بعدي.
وقد ذكر أبو نعيم هنا كلاماً كثيراً في مقتل سعيد بن جبير، أحسنه هذا والله أعلم.
__________
(1) حلية الاولياء 4 / 291 وانظر ابن الاعثم 7 / 161 - 162 ووفيات الاعيان 2 / 372 - 373.
وصفة الصفوة 3 / 80 - 83.
(*)
(9/116)

وَقَدْ ذَكَرْنَا صِفَةَ مَقْتَلِهِ إِيَّاهُ، وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ غَرِيبَةٌ فِي صِفَةِ مَقْتَلِهِ، أَكْثَرُهَا لَا يَصِحُّ، وَقَدْ عُوقِبَ الْحَجَّاجُ بَعْدَهُ وَعُوجِلَ بِالْعُقُوبَةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ بَعْدَهُ إِلَّا قَلِيلًا ثُمَّ أَخَذَهُ اللَّهُ أَخَذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، كَمَا
سَنَذْكُرُ وَفَاتَهُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، فَقِيلَ إِنَّهُ مَكَثَ بَعْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ ستة أشهر والله أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُمْرِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رحمه الله حين قتل، فقيل تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ سَبْعًا وَخَمْسِينَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ: كَانَ مَقْتَلُهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مَقْتَلَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ - فالله أعلم.
قلت: ها هنا كلمات حسان من كلام سعيد بن جبير أحببت أن أذكرها.
قال: إن أفضل الخشية أن تخشى الله خشية تحول بينك وبين معصيته، وتحملك على طاعته، فتلك هي الخشية النافعة.
والذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر له، وإن كثر منه التسبيح وتلاوة القرآن.
قيل له: من أعبد الناس؟ قال: رجل اقترف (1) من الذنوب، فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله، وقال له الحجاج: ويلك؟ فقال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار، فقال: اضربوا عنقه، فقال: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة فأنا خصمك عند الله، فذبح من قفاه، فبلغ ذلك الحسن فقال: اللهم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود فأنتن منه فمات.
وقال سعيد للحجاج لما أمر بقتله وضحك فقال له: ما أضحكك؟ فقال: أضحك من غيراتك عليَّ (2) وحلم الله عنك.
سعيد بن المسيب ابن حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبِ (3) بْنِ عَائِذِ بْنِ عمران بن مخزوم القرشي أبو محمد المدنف، سَيِّدُ التَّابِعِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا وَقِيلَ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقِيلَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْهَا، وَقَوْلُ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْعَشَرَةَ وَهْمٌ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَكِنْ أَرْسَلَ عَنْهُمْ كَمَا أَرْسَلَ كَثِيرًا عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ كَثِيرًا، فَقِيلَ سَمِعَ مِنْهُ، وعن عثمان وعلي وسعيد وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَانَ زَوْجَ ابْنَتِهِ، وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ، وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَحَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَخَلْقٍ مِمَّنْ سِوَاهُمْ، قال ابن عمر: كان سعيد أحد المتقنين، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: جَالَسْتُهُ
سَبْعَ حِجَجٍ وَأَنَا لَا أَظُنُّ عِنْدَ أَحَدٍ عِلْمًا غَيْرَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بن إسحاق: عن مكحول قال: طفت
__________
(1) في صفة الصفوة 3 / 79: اجترح.
(2) في ابن الاعثم 7 / 163: عجبت من جرأتك على الله.
وانظر أيضا صفة الصفوة 3 / 82.
(3) في طبقات ابن سعد 5 / 119، ووفيات الاعيان 2 / 375: وهب بن عمرو بن عائذ ... (*)
(9/117)

الْأَرْضَ كُلَّهَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ.
فَمَا لَقِيتُ أَعْلَمَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ مَنْ أَفْقَهُ مَنْ لَقِيتُمَا؟ قالا: سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ يُقَالُ لَهُ فَقِيهُ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: كُنْتُ أَرْحَلُ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُرْسِلُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُهُ عَنْ قَضَايَا عُمَرَ وَأَحْكَامِهِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِرْسَالُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَنَا حَسَنٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هِيَ صِحَاحٌ: قَالَ: وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَفْضَلُ التَّابِعِينَ.
قال عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: لَا أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ، وَإِذَا قَالَ سَعِيدٌ مَضَتِ السُّنَّةُ فَحَسْبُكَ بِهِ، وَهُوَ عِنْدِي أَجْلُّ التَّابِعِينَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ: كَانَ سَعِيدُ رَجُلًا صَالِحًا فَقِيهًا، كَانَ لَا يَأْخُذُ الْعَطَاءَ، وَكَانَتْ لَهُ بِضَاعَةٌ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ يَتَّجِرُ فِي الزَّيْتِ، وَكَانَ أَعْوَرَ.
وَقَالَ أَبُو زرعة: كان مدنياً ثقةً إماماً.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ فِي التَّابِعِينَ أَنْبَلُ مِنْهُ، وَهُوَ أَثْبَتُهُمْ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ الله.
وكان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه، وكان من أزهد النَّاس في فضول الدنيا، والكلام فيما لا يعني، ومن أكثر الناس أدباً في الحديث، جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدثه ثم اضطجع، فقال الرجل: وددت أنك لم تتعن، فقال: إني كرهت أن أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا مضطجع، وقال برد مولاه: ما نودي للصلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد.
وقال ابن إدريس: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة.
وقال سعيد: لا تملؤا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم
الصالحة.
وقال: ما يئس الشيطان من شئ إلا أتاه من قبل النساء.
وقال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت أنفسها إلا بمعصية الله تعالى.
وقال: كفى بالمرء نصرة من الله له أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله.
وقال: من استغنى بالله افتقر الناس إليه.
وقال: الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها من غير وجهها ووضعها في غير سبيلها.
وقال: إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من النَّاس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه.
وقال: من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله (1) : وقد زوج سعيد بن المسيب ابنته على درهمين لكثير (2) بن أبي وداعة - وكانت من أحسن النساء وأكثرهم أدباً وأعلمهم بكتاب اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، وأعرفهم بحق الزوج - وكان فقيراً، فأرسل إليه بخمسة آلاف، وقيل: بعشرين ألفا، وقال: استنفق هذه.
وقصته في ذلك مشهورة،
__________
(1) انظر صفوة الصفوة 2 / 80 - 81.
(2) في وفيات الاعيان 2 / 376: زوجها من أبي وداعة، وفي طبقات ابن سعد 5 / 138: زوجها من ابن أخيه، وفي رواية أخرى عنده: من شاب من قريش.
(*)
(9/118)

وقد كان عبد الملك خطبها لابنه الوليد فأبى سعيد أن يزوجه بها، فاحتال عليه حتى ضربه بالسياط كما تقدم، لما جاءت بيعة الوليد إلى المدينة في أيَّام عبد الملك، ضربه نائبه على المدينة هشام بن إسماعيل وأطافه المدينة، وعرضوه على السيف فمضى ولم يبايع، فلما رجفوا به رأته امرأة فقالت: ما هذا الخزي يا سعيد؟ فقال: من الخزي فررنا إلى ما ترين، أي لو أحببناهم وقعنا في خزي الدنيا والآخرة.
وكان يجعل على ظهره إهاب الشاة، وكان له مال يتجر فيه ويقول: اللَّهم إنَّك تعلم أني لم أمسكه بخلاً ولا حرصاً عليه، ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها، وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بني مروان حتى ألقى الله فيحكم فيَّ وفيهم، وأصل منه رحمي، وأؤدي منه الحقوق التي فيه، وأعود منه على الأرملة والفقير والمسكين واليتيم والجار.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ الْعَنَزِيُّ
تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ وَجَابِرٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وعبد الله بن عمر وغيرهم، وعنه حميد الطويل والأعمش وطاووس، وهو من أقرانه وأثنى عليه عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَلَكِنْ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ جِهَةِ أنَّه كَانَ يَقُولُ بِالْإِرْجَاءِ، وَقَدْ كَانَ ممن خرج مع ابن الأشعث، وكان يقول تقووا بِالتَّقْوَى، فَقِيلَ لَهُ: صِفْ لَنَا التَّقْوَى، فَقَالَ: التقوى هي الْعَمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ يرجو رحمة الله، وترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب اللَّهِ.
وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى، أو يقوم بشكرها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين.
وكان طلق لا يخرج إلى صلاة إلا ومعه شئ يتصدق به، وإن لم يجد إلا بصلاً، ويقول: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نجواكم صدقة) [المجادلة: 12] فتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الله أعظم وأعظم.
قَالَ مَالِكٌ: قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ وَجَمَاعَةً مِنَ الْقُرَّاءِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ بَعَثَ مِنْ مَكَّةَ ثَلَاثَةً إِلَى الْحَجَّاجِ، وَهُمْ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ، فَمَاتَ طَلْقٌ فِي الطَّرِيقِ وَحُبِسَ مُجَاهِدٌ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ سَعِيدٍ مَا كَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنِ الْعَبَادِلَةِ وَمُعَاوِيَةَ وَالْمُغِيرَةِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّهِ أَسْمَاءَ، وَخَالَتِهِ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ.
وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَخَلْقٌ مِمَّنْ سِوَاهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ عُرْوَةُ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ عَالِمًا مَأْمُونًا ثَبَتًا.
وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: مَدَّنِيٌّ تَابِعِيٌّ رَجُلٌ صَالِحٌ لَمْ يدخل في شئ مِنَ الْفِتَنِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ فَقِيهًا عَالِمًا حَافِظًا ثَبَتًا حُجَّةً عَالِمًا بِالسِّيَرِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْمَغَازِيَ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الْمَعْدُودِينَ، وَلَقَدْ كَانَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ، وَكَانَ أَرْوَى النَّاسِ للشعر، وقال ابنه هِشَامٍ: الْعِلْمُ لِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ، لِذِي حَسَبٍ يزين به حسبه، أَوْ ذِي دِينٍ يَسُوسُ بِهِ دِينَهُ، أَوْ مختلط بسلطان يتحفه بنعمه ويتخلص (*)
(9/119)

منه بالعلم، فلا يقع في هلكه، وقال: ولا أعلم أحداً اشترطه لهذه الثلاثة إِلَّا عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ،
وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَكَانَ عُرْوَةُ يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ رُبْعَ الْقُرْآنِ وَيَقُومُ بِهِ فِي اللَّيل، وَكَانَ أَيَّامَ الرطب يثلم حائطة للناس فيدخلون ويأكلون، فَإِذَا ذَهَبَ الرُّطَبُ أَعَادَهُ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ عروة بحراً لا ينزف ولا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْ عُرْوَةَ وَمَا أَعْلَمُهُ يَعْلَمُ شَيْئًا أَجْهَلُهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُنْتَهَى إِلَى قَوْلِهِمْ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ كان عمر بن عبد العزيز يرجع إليهم فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى الْوَلِيدِ بِدِمَشْقَ، فَلَمَّا رَجَعَ أَصَابَتْهُ فِي رِجْلِهِ الْأَكِلَةُ فَأَرَادُوا قَطْعَهَا، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَشْرَبَ شَيْئًا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ حَتَّى لَا يَحِسَّ بِالْأَلَمِ وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ قَطْعِهَا، فَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَشْرَبُ شَيْئًا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ حَتَّى لَا يعرف ربه عزوجل، وَلَكِنْ هَلُمُّوا فَاقْطَعُوهَا فَقَطَعُوهَا مِنْ رُكْبَتِهِ وَهُوَ صامت لا يتكلم، ولا يعرف أنه أنَّ، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَطَعُوهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَشْعُرْ لِشُغْلِهِ بِالصَّلَاةِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَقَعَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الَّتِي قُطِعَتْ فِيهَا رِجْلُهُ وَلَدٌ لَهُ يُسَمَّى مُحَمَّدًا كَانَ أَحَبَّ أَوْلَادِهِ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَزَّوْهُ فِيهِ، فَقَالَ: اللَّهم لَكَ الْحَمْدُ، كَانُوا سَبْعَةً فَأَخَذْتَ وَاحِدًا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، فَلَئِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ فَلَقَدْ أَعْطَيْتَ، وَلَئِنْ كنت قد ابتليت فقد عافيت.
قلت: قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجهاً إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الأكله في رجله في واد قرب المدينة وكان مبدؤها هناك، فظن أنها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك، فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلها إلى وركه.
وربما ترقت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها وقالوا له: ألا نسقيك مرقداً حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بألم النشر؟ فقال: لا! والله ما كنت أظن أن أحداً يشرب شرابا ويأكل شيئاً يذهب عقله، ولكن إن كنتم لابد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة فإني لا أحسن بذلك، ولا أشعر به.
قال: فنشروا رجله من فوق الأكلة، من المكان الحي، احتياطاً أنه لا يبقى منها شئ، وهو نائم يصلي، فما تضور ولا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً فلئن كنت قد أخذت فقد
أبقيت، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت.
قال: وكان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد، وكان أحبهم إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات، فأتوه فعزوه فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحداً وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت.
فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة، قال: فما سمعناه ذكر رجله ولا ولده، ولا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى، فلما كان في المكان الذي أصابته الأكلة فيه قال: (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً) [الكهف: 63] فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ويعزونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض
(9/120)

الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه.
فأنشد عروة في ذلك والأبيات لمعن بن أوس: - لعمرك ما أهويت كفى لريبة * ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها * ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي ولست بماش ما حييت لمنكر * من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة * وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة * من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي وفي رواية: اللَّهم إنَّه كان لي بنون أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة.
كذا ذكر هذا الحديث فيه هشام.
وقال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة الأكلة فقطعت ولم يمسكه أحد، ولم يدع في تلك الليلة ورده.
وقال الأوزاعي: لما نشرت رجل عروة قال: اللَّهم إنَّك تعلم أني لم أمش بها إلى سوء قط.
وأنشد البيتين المتقدمين.
رأى عروة رجلاً يصلي صلاة خفيفة فدعاه فقال: يا أخي أما كانت لك إلى ربك حاجة في صلاتك؟ إني لأسأل الله في صلاتي حتَّى أسأله الملح.
قال عروة: رب كلمة ذل احتملتها أو رثتني عزاً طويلاً.
وقال لبنيه: إذا رأيتم الرجل يعمل الحسنة فاعلموا أن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم الرجل يعمل السيئة فاعلموا أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، والسيئة تدل على أختها.
وكان عروة إذا دخل حائطة ردد هَذِهِ الْآيَةَ (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ
جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) [الكهف: 39] حتى يخرج منه والله سبحانه وتعالى أعلم.
قِيلَ إِنَّهُ وُلِدَ فِي حَيَاةِ عُمَرَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ عُمَرَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ مِائَةٍ، وَقِيلَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ إِحْدَى وَمِائَةٍ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ أو خمس وتسعين، وقيل تسع وتسعين فالله أعلم.
علي بن الحسين ابن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ الْمَشْهُورُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَأُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا سَلَّامَةُ (1) ، وَكَانَ لَهُ أَخٌ أَكْبَرُ مِنْهُ يُقَالُ لَهُ عَلِيٌّ أَيْضًا، قُتِلَ مَعَ أَبِيهِ، رَوَى عَلِيٌّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَجَابِرٍ وَابْنِ عبَّاس وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَصَفِيَّةَ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بَنُوهُ زَيْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ وَعُمَرُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بن قر، وزيد بن أسلم، وطاووس وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَخَلْقٌ.
__________
(1) في وفيات الاعيان 3 / 267: سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس.
وفي صفة الصفوة 2 / 93 وطبقات ابن سعد 5 / 211: غزالة.
(*)
(9/121)

قال ابن خلكان: كانت أم سلمة (1) بِنْتَ يَزْدَجِرْدَ آخِرِ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ أَنَّ يَزْدَجِرْدَ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ سُبِينَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَحَصَلَتْ وَاحِدَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَوْلَدَهَا سَالِمًا، وَالْأُخْرَى لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَأَوْلَدَهَا الْقَاسِمَ، وَالْأُخْرَى لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَأَوْلَدَهَا عَلِيًّا زَيْنَ الْعَابِدِينَ هَذَا، فَكُلُّهُمْ بَنُو خَالَةٍ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلَمَّا قَتَلَ قُتَيْبَةُ بن مسلم فيروزبن يَزْدَجِرْدَ بَعَثَ بِابْنَتَيْهِ إِلَى الْحَجَّاجِ فَأَخَذَ إِحْدَاهُمَا وبعث بالأخرى إلى الوليد، فَأَوْلَدَهَا الْوَلِيدُ يَزِيدَ النَّاقِصَ.
وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْمَعَارِفِ أَنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ هَذَا كَانَتْ أُمُّهُ سِنْدِيَّةً، يُقَالُ لَهَا سَلَّامَةُ (2) ، وَيُقَالُ غَزَالَةُ، وَكَانَ مَعَ أَبِيهِ بِكَرْبَلَاءَ، فَاسْتُبْقِيَ لِصِغَرِهِ، وَقِيلَ لِمَرَضِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ هَمَّ بِقَتْلِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ،
ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَشَارَ بَعْضُ الْفَجَرَةِ عَلَى يَزِيدَ بن معاوية بقتله أيضاً فمنعه الله منه، ثُمَّ كَانَ يَزِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ وَيُعَظِّمُهُ وَيُجْلِسُهُ مَعَهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا وَهُوَ عِنْدَهُ، ثم بعثهم إلى المدينة، وكان على بالمدينة محترماً معظماً.
قال ابْنُ عَسَاكِرَ: وَمَسْجِدُهُ بِدِمَشْقَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ.
قلت: وهو مشهد علي بالناحية الشرقية من جَامِعِ دِمَشْقَ.
وَقَدِ اسْتَقْدَمَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى دِمَشْقَ فَاسْتَشَارَهُ فِي جَوَابِ مَلِكِ الرُّومِ عَنْ بَعْضِ مَا كَتَبَ إِلَيْهِ فِيهِ مِنْ أَمْرِ السَّكَّةِ وَطِرَازِ الْقَرَاطِيسِ، قال الزهرمي: ما رأيت قرشياً أورع منه، ولا أفضل.
وَكَانَ مَعَ أَبِيهِ يَوْمَ قُتِلَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ: لَا تَعَرَّضُوا لِهَذَا الْمَرِيضِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ وَأَعْبَدِهِمْ وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ عزوجل، وَكَانَ إِذَا مَشَى لَا يَخْطُرُ بِيَدِهِ، وَكَانَ يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ يُرْخِيهَا مِنْ وَرَائِهِ، وَكَانَ كنيته أبا الحسن، وقيل أبا محمد، وقيل أبا عَبْدِ اللَّهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا كَثِيرَ الْحَدِيثِ عَالِيًا رَفِيعًا وَرِعًا، وَأُمُّهُ غَزَالَةُ خَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْحُسَيْنِ مَوْلَاهُ زُبَيْدٌ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زُبَيْدٍ، وهو عليِّ الأصغر، فأما الْأَكْبَرُ فَقُتِلَ مَعَ أَبِيهِ.
وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَازِمٍ: لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ مِثْلُهُ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ وَهُوَ أَفْضَلُ هَاشِمِيٍّ أَدْرَكْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَحِبُّونَا حُبَّ الْإِسْلَامِ، فَمَا بَرِحَ بِنَا حُبُّكُمْ حَتَّى صَارَ عَلَيْنَا عَارًا.
وَفِي رِوَايَةٍ: حتَّى بَغَّضْتُمُونَا إِلَى النَّاسِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: لَمْ يَكُنْ لِلْحُسَيْنِ عَقِبٌ إِلَّا مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ نَسْلٌ إِلَّا مِنَ ابن عَمِّهِ الْحَسَنِ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: لو اتخذت السراري يَكْثُرَ أَوْلَادُكُ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَا أَتَسَرَّى بِهِ، فَأَقْرَضَهُ مِائَةَ أَلْفٍ فَاشْتَرَى لَهُ السِّرَارِيَّ فولدت لَهُ وَكَثُرَ نَسْلُهُ، ثُمَّ لَمَّا مَرِضَ مَرْوَانُ أَوْصَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الحسين شئ مما كان أقرضه، فجميع الحسينيين من نسله رحمه الله.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ كُلِّهَا الزُّهري عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وذكروا أنه
__________
(1) انظر الحاشية السابقة.
(2) في المعارف ص 94 وفي رواية ابن خلكان عنه: سلافة.
(*)
(9/122)

احْتَرَقَ الْبَيْتُ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَهُوَ قَائِمٌ يصلي، فلما انصرف قالوا له: مالك لَمْ تَنْصَرِفْ؟ فَقَالَ: إِنِّي اشْتَغَلْتُ عَنْ هَذِهِ النَّارِ بِالنَّارِ الْأُخْرَى، وَكَانَ إِذَا تَوَضَّأَ يَصْفَرُّ لَوْنُهُ، فَإِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ارْتَعَدَ مِنَ الْفَرَقِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَلَا تدرون بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ أقوام وَلِمَنْ أُنَاجِي؟ وَلَمَّا حَجَّ أَرَادَ أَنْ يُلَبِّيَ فَارْتَعَدَ وَقَالَ: أَخْشَى أَنْ أَقُولَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبيك، فيقال لي: لا لبيك، فشجعوه على التَّلْبِيَةِ، فَلَمَّا لَبَّى غُشِيَ عَلَيْهِ حتَّى سَقَطَ عن الراحلة.
وكان يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ.
وقال طاووس: سَمِعْتُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ عِنْدَ الْحِجْرِ يَقُولُ: عُبَيْدُكَ بفنائك.
سائلك بفنائك.
فقيرك بفنائك، قال طاووس: فَوَاللَّهِ مَا دَعَوْتُ بِهَا فِي كَرْبٍ قَطُّ إِلَّا كُشِفَ عَنِّي.
وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ يَقُولُ صَدَقَةُ اللَّيْلِ تُطْفِئُ غضب الرب، وتنور القلب والقبر، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة، وقاسم اللَّهُ تَعَالَى مَالَهُ مَرَّتَيْنِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ نَاسٌ بِالْمَدِينَةِ يَعِيشُونَ لَا يَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ يَعِيشُونَ وَمَنْ يُعْطِيهِمْ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَدُوا ذَلِكَ فَعَرَفُوا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِمْ فِي اللَّيْلِ بِمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ.
وَلَمَّا مَاتَ وَجَدُوا فِي ظَهْرِهِ وأكتافه أثر حمل الجراب إِلَى بُيُوتِ الْأَرَامِلِ وَالْمَسَاكِينِ فِي اللَّيل.
وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ يَعُولُ مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ وَلَا يَدْرُونَ بِذَلِكَ حَتَّى مَاتَ.
وَدَخَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَعُودُهُ فَبَكَى ابْنُ أُسَامَةَ فَقَالَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: عليَّ دَيْنٌ، قَالَ: وَكَمْ هُوَ؟ قَالَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ - وَفِي رِوَايَةٍ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ - فَقَالَ: هِيَ عليَّ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ بِمَنْزِلَتِهِمَا مِنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
وَنَالَ مِنْهُ رَجُلٌ يَوْمًا فَجَعَلَ يَتَغَافَلُ عَنْهُ - يُرِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ - فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِيَّاكَ أَعْنِي، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَعَنْكَ أُغْضِي.
وَخَرَجَ يَوْمًا مِنَ الْمَسْجِدِ فَسَبَّهُ رَجُلٌ فانتدب النَّاس إِلَيْهِ، فَقَالَ: دَعُوهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فقال: ما ستره الله عنك من عيوبنا أَكْثَرُ، أَلَكَ حَاجَةٌ نُعِينُكَ عَلَيْهَا؟ فَاسْتَحْيَا الرَّجُلُ فَأَلْقَى إِلَيْهِ خَمِيصَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ لَهُ بألف درهم، فكان الرَّجل بعد ذلك إذا رآه يقول: أَنَّكَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَالُوا: وَاخْتَصَمَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَحَسَنُ بْنُ حَسَنٍ - وَكَانَ بَيْنَهُمَا مُنَافَسَةٌ - فَنَالَ مِنْهُ حَسَنُ بْنُ حَسَنٍ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ الحسين إلى منزله فقال: يابن عَمِّ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا يَغْفِرُ اللَّهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَحِقَهُ فَصَالَحَهُ.
وَقِيلَ لَهُ مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَرًا؟ فَقَالَ: مَنْ لَمْ ير الدنيا لنفسه قدراً، وَقَالَ أَيْضًا: الْفِكْرَةُ مِرْآةٌ تُرِي الْمُؤْمِنَ حَسَنَاتِهِ وسيئاته، وقال: فقد الاحية غُرْبَةٌ، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَآخَرُونَ عَبَدُوهُ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَآخَرُونَ عَبَدُوهُ مَحَبَّةً وَشُكْرًا فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ الْأَخْيَارِ.
وَقَالَ لِابْنِهِ: يَا بَنِيَّ لَا تَصْحَبْ فَاسِقًا فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِأَكْلَةٍ وَأَقَلَّ مِنْهَا يَطْمَعُ فِيهَا ثُمَّ لَا يَنَالُهَا، وَلَا بَخِيلًا فَإِنَّهُ يَخْذُلُكَ فِي مَالِهِ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ، وَلَا كَذَّابًا فَإِنَّهُ كَالسَّرَابِ يُقَرِّبُ مِنْكَ الْبَعِيدَ وَيُبَاعِدُ عَنْكَ الْقَرِيبَ، وَلَا أحمق
(9/123)

فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرُّكَ، وَلَا قَاطِعَ رَحِمٍ فَإِنَّهُ مَلْعُونٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ (1) .
قَالَ تَعَالَى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أبصارهم) [مُحَمَّدٍ: 22 - 23] .
وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ تَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى يَجْلِسَ فِي حَلْقَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَنْتَ سيد الناس تأتي تخطي حلق أهل العلم وقريش حَتَّى تَجْلِسَ مَعَ هَذَا الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: إِنَّمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ حيث ينتفع، وإن العلم يطلب حَيْثُ كَانَ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؟ فَقُلْتُ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ أُرِيدُ أسأله عن أشياء ينفعنا الله بها ولا منقصة، إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا مَا يَرْمِينَا بِهِ هَؤُلَاءِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْعِرَاقِ - وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إسحاق عن زر بْنِ عُبَيْدٍ (2) قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَالَ ابْنُ عبَّاس: مَرْحَبًا بِالْحَبِيبِ ابْنِ الْحَبِيبِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بن محمد بن يحيى الصولي: ثنا العلاء ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَأَقْعَدَهُ إِلَى جنبه، ثم قال: " يولد لا بني هَذَا ابنُ يُقَالُ لَهُ عَلِيٌّ، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى منادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ لِيَقُمْ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ، فَيَقُومُ هُوَ " هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ
جِدًّا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ أَكْثَرُ مُجَالَسَتِي مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَكَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَحْسَنِهِمْ طَاعَةً، وَأَحَبِّهِمْ إِلَى مَرْوَانَ وَابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ يسمى زَيْنَ الْعَابِدِينَ.
وَقَالَ جُوَيْرِيَّةُ بْنُ أَسْمَاءَ: مَا أَكَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْهَمًا قَطُّ.
رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: بَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِمِائَةِ أَلْفٍ فَكَرِهَ أَنْ يَقْبَلَهَا وَخَافَ أَنْ يَرُدَّهَا، فَاحْتَبَسَهَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ بَعَثَ إِلَيَّ بِمِائَةِ أَلْفٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْبَلَهَا وَكَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّهَا، فَابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهَا.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: يا بن عَمٍّ! خُذْهَا فَقَدْ طَيَّبْتُهَا لَكَ، فَقَبِلَهَا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: سَادَةُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا الْأَسْخِيَاءُ الْأَتْقِيَاءُ، وَفِي الْآخِرَةِ أَهْلُ الدِّينِ وَأَهْلُ الفضل والعلم الأتقياء.
لأن العلماء ورثة الأنبياء.
وقال
__________
(1) في صفة الصفوة 2 / 101 زاد: في ثلاثة مواضع.
قلت وهي في سورة الرعد الآية (25) : والذين ينقضون عهد اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ميثاقه ويقطعون مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ويفسدون في الارض أولئك لهم اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدار.
وفي سورة البقرة (الآية 27) وفيها وصف قاطعي الرحم بأنهم خاسرون ولم يصرح بلفظ اللعن فيها.
والآية (22 - 23) من سورة محمد والمثبتة في النص.
(2) كذا بالاصل، وفي هامش المطبوعة: لعله زر بن حبيش.
(*)
(9/124)

أيضاً: إني لأستحي من الله عزوجل أَنْ أَرَى الْأَخَ مِنْ إِخْوَانِي فَأَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ الْجَنَّةَ وَأَبْخَلَ عَلَيْهِ بِالدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يوم القيامة قيل لي فإذا كانت الجنة بيدك كنت بِهَا أَبْخَلَ، وَأَبْخَلَ وَأَبْخَلَ.
وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَكَى حَتَّى ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ عَلَى يُوسُفَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَاتَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يذبحون في غداة واحدة، فترون حُزْنَهُمْ يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِي أَبَدًا؟ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: سَكَبَتْ جَارِيَةٌ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ مَاءً لِيَتَوَضَّأَ فَسَقَطَ الْإِبْرِيقُ مِنْ يَدِهَا عَلَى وَجْهِهِ فَشَجَّهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: إن الله يقول (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) [آل عمران: 134] ، فقال: وقد كظمت غيظي، قالت (وَالْعَافِينَ عَنِ
النَّاسِ) فقال: عَفَا اللَّهُ عَنْكِ.
فَقَالَتْ (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال: أنت حرَّة لوجه الله تعالى.
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن إبراهيم بن قدامة اللخمي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جلس قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَذَكَرُوا أَبَا بَكْرٍ وعمر فنالوا منهما، ثم ابتدأوا في عثمان فقال لهم: أخبروني أأنتم من المهاجرين الأولين الَّذِينَ (أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الحشر: 8] ؟ قالوا: لا قال: فأنتم من الذين (تبوأ والدار وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) [الحشر: 9] ؟ قالوا: لا! فقال لهم: أما أنتم فقد أقررتم وشهدتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْفِرْقَةِ الثَّالِثَةِ الذين قال الله عزوجل فيهم (والذين جاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولا خواننا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمنوا) [الحشر: 10] الآية، فقوموا عَنِّي لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، وَلَا قَرَّبَ دُورَكُمْ، أَنْتُمْ مُسْتَهْزِئُونَ بِالْإِسْلَامِ، وَلَسْتُمْ مِنْ أَهْلِهِ.
وَجَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ مَتَى يُبْعَثُ عَلِيٌّ؟ فَقَالَ: يُبْعَثُ وَاللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَهُمُّهُ نَفْسُهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حُدِّثْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَصَدَّقُ الْيَوْمَ - أَوْ أَهَبُ عِرْضِي الْيَوْمَ - مَنِ اسْتَحَلَّهُ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّ غُلَامًا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ سَفُّودٌ وَهُوَ يَشْوِي شَيْئًا فِي التَّنُّورِ عَلَى رَأْسِ صَبِيٍّ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَقَتَلَهُ، فَنَهَضَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ مُسْرِعًا، فلما نظر إليه قال للغلام: إِنَّكَ لَمْ تَتَعَمَّدْ، أَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ شَرَعَ فِي جَهَازِ ابْنِهِ.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِنَصِيبِي مِنَ الذُّلِّ حُمْرَ النَّعَمِ: وَرَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُ.
وَمَاتَ لِرَجُلٍ وَلَدٌ مُسْرِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فَجَزِعَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ إِسْرَافِهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: إِنَّ مِنْ وَرَاءِ ابْنِكَ خِلَالًا ثَلَاثًا، شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَشَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَرَحْمَةَ اللَّهِ عزوجل.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: قَارَفَ الزُّهْرِيُّ ذَنْبًا فَاسْتَوْحَشَ مِنْهُ وَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ.
فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ لَهُ: يَا زُهْرِيُّ قُنُوطُكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وَسِعَتْ كل شئ أَعْظَمُ مِنْ ذَنْبِكِ، فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته) [الأنعام: 124] وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ أَصَابَ دَمًا حراماً خَطَأً فَأَمَرَهُ عَلِيٌّ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ
(9/125)

وأن يبعث الدية إلى أهله، ففعل ذلك، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَعْظَمُ النَّاسِ عَلَيَّ منَّة.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: لَا يَقُولُ رجل في رجل من الخير مالا يَعْلَمُ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَقُولَ فِيهِ مِنَ الشَّرِّ مَا لَا يَعْلَمُ، وَمَا اصْطَحَبَ اثْنَانِ عَلَى مَعْصِيَةٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَفْتَرِقَا عَلَى غير طاعة.
وذكروا أنه زوج أمه مِنْ مَوْلًى لَهُ وَأَعْتَقَ أَمَةً فَتَزَوَّجَهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ يَلُومُهُ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ الله كثيرا) [الأحزاب: 22] وَقَدْ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ فَتَزَوَّجَهَا، وَزَوَّجَ مَوْلَاهُ زيد بن حارثة من بنت عمه زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ.
قَالُوا: وَكَانَ يَلْبَسُ فِي الشِّتَاءِ خَمِيصَةً مِنْ خَزٍّ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، فَإِذَا جَاءَ الصَّيْفُ تَصَدَّقَ بِهَا، وَيَلْبَسُ فِي الصَّيْفِ الثِّيَابَ الْمُرَقَّعَةَ وَدُونَهَا وَيَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى (قُلِ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق) [الْأَعْرَافِ: 31] .
(وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ ذَكَرَهَا الصُّولِيُّ وَالْجُرَيْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الملك حج في خلافة أبيه وأخيه الْوَلِيدِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ لَمْ يَتَمَكَّنْ حَتَّى نُصِبَ لَهُ مِنْبَرٌ فَاسْتَلَمَ وَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَقَامَ أَهْلُ الشَّامِ حَوْلَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحَجَرِ لِيَسْتَلِمَهُ تَنَحَّى عَنْهُ النَّاسُ إِجْلَالًا لَهُ وَهِيبَةً وَاحْتِرَامًا، وَهُوَ فِي بِزَّةٍ حَسَنَةٍ، وَشَكْلٍ مَلِيحٍ، فَقَالَ أَهْلُ الشَّامِ لِهِشَامٍ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ - استنقاصاً به واحتقاراً لِئَلَّا يَرْغَبَ فِيهِ أَهْلُ الشَّام - فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ - وَكَانَ حَاضِرًا - أَنَا أَعْرِفُهُ، فَقَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ فأشار الْفَرَزْدَقُ يَقُولُ: هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ * وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كلِّهم * هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ (1) إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا * إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الْكَرَمُ يُنْمَى إِلَى ذُرْوَةِ الْعِزِّ الَّتِي قَصُرَتْ * عَنْ نَيْلِهَا عَرَبُ الْإِسْلَامِ وَالْعَجَمُ يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ * رُكْنُ الْحَطِيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ * فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ بِكَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهَا عَبِقٌ * مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ فِي عِرْنِينِهِ شَمَمُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نبعته * طابت عناصرها (2) والخيم والشيم
__________
(1) بعده في ابن الاعثم 5 / 127 وليس البيت في الديوان: هذا حسين رسول الله والده * أمست بنور هداه تهتدي الامم (2) في الديوان: مغارسه، وفي المقتل لابي مخنف: أرومته.
والنبعة: شجرة صلبة الالياف تتخذ منها القسي، وكنى بها عن الاصل والارومة.
والخيم: الاصل والشرف.
(9/126)

يَنْجَابُ نُورُ الْهُدَى (1) مِنْ نُورِ غُرَّتِهِ * كَالشَّمْسِ ينجاب عن إشراقها الغيم حَمَّالُ أَثْقَالِ أَقْوَامٍ إِذَا فُدِحُوَا * حُلْوُ الشَّمَائِلِ تَحْلُو عِنْدَهُ نَعَمُ هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ * بِجَدِّهِ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ قَدْ خُتِمُوا مَنْ جَدُّهُ دَانَ فَضْلُ الْأَنْبِيَاءِ لَهُ * وَفَضْلُ أُمَّتِهِ دَانَتْ لَهَا الْأُمَمُ عَمَّ الْبَرِّيَّةَ بِالْإِحْسَانِ فانقشعت * عنها الغواية وَالْإِمْلَاقُ وَالظُّلَمُ كِلْتَا يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا * يَسْتَوْكِفَانِ وَلَا يَعْرُوهُمَا الْعَدَمُ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَا تخشى بوادره * يزينه اثنتان الحلم والكرم لا يخلف الوعد ميمون بغيبته * رَحْبُ الْفِنَاءِ أَرِيبٌ حِينَ يَعْتَزِمُ مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ وَبُغْضُهُمُ * كَفْرٌ وَقُرْبُهُمْ مَنْجَى وَمُعْتَصَمُ يستدفع السوء (2) والبلوى بحبهم * ويستزاد (3) بِهِ الْإِحْسَانُ وَالنِّعَمُ مُقَدَّمٌ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ ذِكْرُهُمُ * فِي كُلِّ حُكْمٍ وَمَخْتُومٌ بِهِ الْكَلِمُ إِنْ عدَّ أَهْلُ التُّقَى كَانُوا أَئِمَّتَهُمْ * أَوْ قِيلَ مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ قِيلَ هُمُ لَا يَسْتَطِيعُ جَوَادٌ بُعْدَ غَايَتِهِمْ * وَلَا يُدَانِيهِمُ قَوْمٌ وَإِنْ كَرُمُوا هُمُ الْغُيُوثُ إِذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ * وَالْأُسْدُ أُسْدُ الشَّرَى وَالْبَأْسُ مُحْتَدِمُ
يَأْبَى لَهُمْ أَنْ يَحِلَّ الذَّمُّ سَاحَتَهُمْ * خِيمٌ كرام وأيد بالندى هضم لا ينقص العدم بَسْطًا مِنْ أَكُفِّهِمُ * سِيَّانَ ذَلِكَ إِنْ أَثْرَوْا وَإِنْ عَدِمُوا أَيُّ الْخَلَائِقِ لَيْسَتْ فِي رِقَابِهِمُ * لأولية هذا أوله نِعَمُ (4) فَلَيْسَ قَوْلُكَ مَنْ هَذَا بِضَائِرِهِ * الْعُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أَنْكَرْتَ وَالْعَجَمُ مَنْ يَعْرِفِ اللَّهَ يَعْرِفْ أَوَّلِيَّةَ ذَا * فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذَا ناله الامم (5)
__________
(1) في الديوان: ثوب الدجى.
(2) في الديوان: والاغاني 21 / 377 الشر، وفي ابن الاعثم: الضر.
(3) في الديوان والاغاني: ويسترب.
وفي ابن الاعثم: ويستقيم.
(4) النعم: أي ما في الخلائق مخلوق لا يدين بالنعمة له أو لاوليته، جدوده السابقين.
(5) الابيات (1 - 2 - 3 - 5 - 6 - 11 - 20 - 26) نسبها أبو تمام في حماسته إلى الحزين الليثي.
قال في الاغاني 15 / 327 ومن الناس أيضا من يروي هذه الأبيات لداود بن سلم في قئم بن العباس، ومنهم من يرويها لخالد بن يزيد فيه.
وَمِنْهُمْ مَنْ قال انها لداود بن سلم في علي بن الحسين.
قال الاصفهاني: والصحيح انها للحزين في عبد بن عبد الملك.
وليست الابيات في ديوان الفرزدق الذي نشره الصاوي.
وزاد ابن الاعثم وليس في الديوان: بيوتهم من قريش يستضاء بها * في النائبات وعند الحكم إن حكموا (*)
(9/127)

قَالَ: فَغَضِبَ هِشَامٌ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِحَبْسِ الْفَرَزْدَقِ بِعُسْفَانَ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بَعَثَ إِلَى الْفَرَزْدَقِ باثني عشر ألف درهم، فلم يقبلها وَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ مَا قُلْتُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنُصْرَةً لِلْحَقِّ، وَقِيَامًا بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذُرِّيَّتِهِ، وَلَسْتُ أعتاض من ذلك بشئ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ نِيَّتِكَ فِي ذَلِكَ، وَأَقْسَمْتُ عليك بالله لتقبلنها فتقبلها منه ثم جعل يهجو هشاماً وكان مما قال فيه:
تحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس تهوي (1) مُنِيبُهَا يقلِّب رَأْسًا لَمْ يَكُنْ رَأْسَ سَيِّدٍ * وَعَيْنَيْنِ حَوْلَاوَيْنِ (2) بَادٍ عُيُوبُهَا وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّتْ به الجنازة يقول هذين البيتين: نُرَاعُ إِذَا الْجَنَائِزُ قَابَلَتْنَا * وَنَلْهُو حِينَ تَمْضِي ذَاهِبَاتِ كَرَوْعَةِ ثَلَّةٍ لِمُغَارِ سَبْعٍ * فَلَمَّا غَابَ عَادَتْ رَاتِعَاتِ وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الله المقري: حدَّثني سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ سَيِّدَ الْعَابِدِينَ يُحَاسِبُ نفسه ويناجي ربه: - يا نفس حتام إلى الدنيا سكونك، وَإِلَى عِمَارَتِهَا رُكُونُكِ، أَمَا اعْتَبَرْتِ بِمَنْ مَضَى مِنْ أَسْلَافِكِ وَمَنْ وَارَتْهُ الْأَرْضُ مِنْ ألَّافك؟ وَمَنْ فُجِعْتِ بِهِ مِنْ إِخْوَانِكِ، وَنُقِلَ إِلَى الثرى مِنْ أَقْرَانِكِ؟ فَهُمْ فِي بُطُونِ الْأَرْضِ بَعْدَ ظُهُورِهَا، مَحَاسِنُهُمْ فِيهَا بِوَالٍ دَوَاثِرُ.
خَلَتْ دُورُهُمْ مِنْهُمْ وَأَقْوَتْ عِرَاصُهُمْ * وَسَاقَتْهُمْ نَحْوَ الْمَنَايَا الْمَقَادِرُ وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها * وضمهم تحت التراب الحفائر كم خرمت أَيْدِي الْمَنُونِ مِنْ قُرُونٍ بَعْدَ قُرُونٍ، وَكَمْ غيرت الأرض ببلائها، وغيبت في ترابها، ممن عاشرت من صنوف وشيعتهم إلى الأمارس، ثم رجعت عنهم إلى عمل أهل الإفلاس: - وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا مُكِبٌّ مُنَافِسٌ * لِخُطَّابِهَا فِيهَا حريص مكاثر على خطر تمشي وَتُصْبِحُ لَاهِيًا * أَتَدْرِي بِمَاذَا لَوْ عَقَلْتَ تُخَاطِرُ
__________
= وفي المقتل لابي مخنف أبيات وليست في الديوان: بدر له شاهد والشعب من أحد * والخندقان ويوم الفتح قد علموا وخيبر وحنين يشهدان له * وفي قريظة يوم صائم قنم مواطن قد علت في كل نائبة * عن الصحابة لم أكتم كما كتموا (1) في الاغاني: يهوى.
قوله: والتي: يعني مكة.
(2) في الاغاني: وعينا له حولاء.
(*)
(9/128)

وإن امرءاً يَسْعَى لِدُنْيَاهُ دَائِبًا * وَيَذْهَلُ عَنْ أُخْرَاهُ لَا شك خاسر فحتام على الدنيا إقبالك؟ وبشهواتها اشْتِغَالُكَ؟ وَقَدْ وَخَطَكَ الْقَتِيرُ، وَأَتَاكَ النَّذِيرُ، وَأَنْتَ عما يراد بك ساه وبلذة يومك وغدك لاه، وقد رأيت انقلاب أهل الشهوات، وعاينت ما حل بهم من المصيبات: وَفِي ذِكْرِ هَوْلِ الْمَوْتِ وَالْقَبْرِ وَالْبِلَى * عَنِ اللَّهْوِ وَاللَّذَّاتِ لِلْمَرْءِ زَاجِرُ أَبَعْدَ اقْتِرَابِ الْأَرْبَعِينَ تربص * وشيب قذال منذر للكابر كأنك معنى بما هو ضائر * لنفسك عمداً وعن الرشد حائر انْظُرْ إِلَى الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْمُلُوكِ الْفَانِيَةِ كَيْفَ اختطفتهم عقبان الْأَيَّامُ، وَوَافَاهُمُ الْحِمَامُ، فَانْمَحَتْ مِنَ الدُّنْيَا آثَارُهُمْ، وبقيت فيها أخبارهم، وأضحوا رمماً في التراب، إلى يوم الحشر والمآب: أمسحوا رميماً في التراب وعطلت * مجالسهم منهم وأخلى مقاصر وَحَلُّوا بِدَارٍ لَا تَزَاوُرَ بَيْنَهُمْ * وأنىَّ لِسُكَّانِ القبور التزاور فما أن ترى إلا قبوراً قَدْ ثَوَوْا بِهَا * مُسَطَّحَةً تُسْفِي عَلَيْهَا الْأَعَاصِرُ كَمْ مِنْ ذِي مَنَعَةٍ وَسُلْطَانٍ وَجُنُودٍ وَأَعْوَانٍ، تَمَكَّنَ مِنْ دُنْيَاهُ، وَنَالَ فِيهَا مَا تَمَنَّاهُ، وبنى فيها القصور والدساكر، وجمع فيها الأموال والذخائر، وملح السراري والحرائر.
فما صرفت كف المنية إذا أَتَتْ * مُبَادِرَةً تَهْوِي إِلَيْهِ الذَّخَائِرُ وَلَا دَفَعَتْ عَنْهُ الْحُصُونُ الَّتِي بَنَى * وَحَفَّ بِهَا أَنْهَارُهُ وَالدَّسَاكِرُ وَلَا قَارَعَتْ عَنْهُ الْمَنِيَّةَ حِيلَةٌ * وَلَا طَمِعَتْ فِي الذَّبِّ عَنْهُ الْعَسَاكِرُ أَتَاهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يُرَدُّ، وَنَزَلَ بِهِ مِنْ قَضَائِهِ مَا لَا يُصَدُّ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الجبار، المتكبر العزيز القهار، قاصم الجبارين، ومبيد المتكبرين، الذي ذل لعزه كل سلطان، وأباد بقوته كل ديان.
مَلِيكٌ عَزِيزٌ لَا يُرَدُّ قَضَاؤُهُ * حَكِيمٌ عَلِيمٌ نافذ الأمر قاهر
عنى كل عز لعزة وجهه * فكم من عَزِيزٍ لِلْمُهَيْمِنِ صَاغِرُ لَقَدْ خَضَعَتْ وَاسْتَسْلَمَتْ وَتَضَاءَلَتْ * لِعِزَّةِ ذِي الْعَرْشِ الْمُلُوكُ الْجَبَابِرُ فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ وَالْحِذَارَ الْحِذَارَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَكَايِدِهَا، وَمَا نَصَبَتْ لَكَ مِنْ مَصَايِدِهَا، وَتَحَلَّتْ لَكَ مِنْ زِينَتِهَا، وأظهرت لك من بهجتها، وأبرزت لك من شهواتها، وأخفت عنك من قواتلها وهلكاتها:
(9/129)

وَفِي دُونِ مَا عَايَنْتَ مِنْ فَجَعَاتِهَا * إِلَى دفعها داع وبالزهد آمر فجد ولا تغفل وكن متيقظاً * فعما قليل يترك الدار عامر فشمر ولا تفتر فعمرك زَائِلٌ * وَأَنْتَ إِلَى دَارِ الْإِقَامَةِ صَائِرُ وَلَا تطلب الدنيا فإن نعيمها * وَإِنْ نِلْتَ مِنْهَا غبهُ لَكَ ضَائِرُ فَهَلْ يَحْرِصُ عَلَيْهَا لَبِيبٌ، أَوْ يُسَرُّ بِهَا أَرِيبٌ؟ وَهُوَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ فَنَائِهَا، وَغَيْرُ طَامِعٍ فِي بَقَائِهَا، أَمْ كَيْفَ تَنَامُ عَيْنَا مَنْ يخشى البيات، وتسكن نفس من توقع في جميع أموره الْمَمَاتَ: أَلَا لَا وَلَكِنَّا نغرُّ نُفُوسَنَا * وَتَشْغَلُنَا اللَّذَّاتُ عمَّا نُحَاذِرُ وَكَيْفَ يَلَذُّ الْعَيْشَ مَنْ هو موقفٌ * بِمَوْقِفِ عَدْلٍ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ كَأَنَّا نَرَى أن لا نشور وأننا * سدىً مالنا بعد الممات مصادر وَمَا عَسَى أَنْ يَنَالَ صَاحِبُ الدُّنْيَا مِنْ لَذَّتِهَا وَيَتَمَتَّعُ بِهِ مِنْ بَهْجَتِهَا، مَعَ صُنُوفِ عجائبها وقوارع فجائعها، وكثرة عذابه في مصابها وفي طلبها، وما يكابد من أسقامها وأوصا بها وآلامها.
أما قد نرى فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ * يَرُوحُ عَلَيْنَا صَرْفُهَا وَيُبَاكِرُ تُعَاوِرُنَا آفَاتُهَا وَهُمُومُهَا * وَكَمْ قَدْ تُرَى يَبْقَى لَهَا المتعاوِرُ فَلَا هُوَ مَغْبُوطٌ بِدُنْيَاهُ آمن * ولا هو عن تطلا بها النَّفْسَ قَاصِرُ كَمْ قَدْ غَرَّتِ الدُّنْيَا مِنْ مُخْلِدٍ إِلَيْهَا، وَصَرَعَتْ مِنْ مُكِبٍّ عَلَيْهَا، فَلَمْ تنعشه من عثرته، ولم تنقذه مِنْ صَرْعَتِهِ، وَلَمْ تَشْفِهِ مِنْ أَلَمِهِ، وَلَمْ تبره من سقمه، ولم تخلصه من وصمه.
بل أَوْرَدَتْهُ بَعْدَ عِزٍّ وَمَنْعَةٍ * مَوَارِدَ سُوءٍ مَا لَهُنَّ مَصَادِرُ فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَا نَجَاةَ وَأَنَّهُ * هُوَ الْمَوْتُ لَا يُنْجِيهِ مِنْهُ التَّحَاذُرُ تَنَدَّمَ إِذْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ نَدَامَةٌ * عَلَيْهِ وأبكته الذنوب الكبائر إذ بَكَى عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَطَايَاهُ، وَتَحَسَّرَ على ما خلف من دنياه، واستغفر حتى لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِغْفَارُ وَلَا يُنْجِيهِ الِاعْتِذَارُ، عِنْدَ هَوْلِ الْمَنِيَّةِ وَنُزُولِ الْبَلِيَّةِ.
أَحَاطَتْ بِهِ أَحْزَانُهُ وهمومه * وأبلس لما أعجزته المقادر فَلَيْسَ لَهُ مِنْ كُرْبَةِ الْمَوْتِ فَارِجٌ * وَلَيْسَ له مما يحاذر ناصر وقذ جَشَأَتْ خَوْفَ الْمَنِيَّةِ نَفْسُهُ * تُرَدِّدُهَا مِنْهُ اللَّهَا وَالْحَنَاجِرُ هُنَالِكَ خَفَّ عُوَّادُهُ، وَأَسْلَمَهُ أَهْلُهُ وَأَوْلَادُهُ، وارتفعت البرية بِالْعَوِيلِ، وَقَدْ أَيِسُوا مِنَ الْعَلِيلِ، فَغَمَّضُوا بِأَيْدِيهِمْ عينيه، ومد عند خروج روحه رجليه، وتخلى عنه الصديق، والصاحب الشفيق.
(9/130)

فكم موجع يبكي عليه مفجعٌ * وَمُسْتَنْجِدٍ صَبْرًا وَمَا هُوَ صَابِرُ وَمُسْتَرْجِعٍ دَاعٍ له الله مخلصاً * يعدد منه كل مَا هُوَ ذَاكِرُ وَكَمْ شامتٍ مُسْتَبْشِرٍ بِوَفَاتِهِ * وعما قليل للذي صار صائر فشقت جيوبها نساؤه، ولطمت خدودها إماؤه، وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزيته إِخْوَانُهُ، ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَى جَهَازِهِ، وَشَمَّرُوا لِإِبْرَازِهِ.
كأنَّه لم يكن بينهم العزيز المفدى، ولا الحبيب المبدى.
وحل أحبَّ القوم كان بقربه * يحثُّ عَلَى تَجْهِيزِهِ وَيُبَادِرُ وشمرَّ مَنْ قَدْ أحضروه لغسله * ووجه لما فاض لِلْقَبْرِ حَافِرُ وَكُفِّنَ فِي ثَوْبَيْنِ وَاجْتَمَعَتْ لَهُ * مُشَيِّعَةً إِخْوَانُهُ وَالْعَشَائِرُ فَلَوْ رَأَيْتَ الْأَصْغَرَ مِنْ أولاده، قد غلب الحزن على فؤاده، ويخشى من الجزع عليه، وخضبت
الدموع عينيه، وهو يندب أباه ويقول: يا ويلاه واحراباه: - لَعَايَنْتَ مِنْ قُبْحِ الْمَنِيَّةِ مَنْظَرًا * يُهَالُ لِمَرْآهُ وَيَرْتَاعُ نَاظِرُ أَكَابِرُ أَوْلَادٍ يَهِيجُ اكْتِئَابُهُمْ * إِذَا ما تناساه البنون الأصاغر وربَّة نِسْوَانٍ عَلَيْهِ جَوَازِعٍ * مَدَامِعُهُمْ فَوْقَ الْخُدُودِ غَوَازِرُ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ سَعَةِ قَصْرِهِ، إِلَى ضِيقِ قبره، فلما استقر في اللحد وهيئ عليه اللبن، احتوشته أعماله وأحاطت به خطاياه، وضاق ذرعاً بما رآه، ثم حثوا بأيديهم عليه التراب، وأكثروا البكاء عَلَيْهِ وَالِانْتِحَابَ، ثُمَّ وَقَفُوا سَاعَةً عَلَيْهِ، وَأَيِسُوا من النظر إليه، وتركوه رهنا بما كسب وطلب.
فَوَلَّوْا عَلَيْهِ مُعْوِلِينَ وَكُلُّهُمْ * لِمِثْلِ الَّذِي لَاقَى أَخُوهُ مُحَاذِرُ كشاءِ رِتَاعٍ آمِنِينَ بَدَا لَهَا * بمدينة بَادِي الذِّرَاعَيْنِ حَاسِرُ فَرِيعَتْ وَلَمْ تَرْتَعْ قَلِيلًا وَأَجْفَلَتْ * فَلَمَّا نَأَى عَنْهَا الَّذِي هُوَ جَازِرُ عَادَتْ إِلَى مَرْعَاهَا، وَنَسِيَتْ مَا فِي أُخْتِهَا دهاها، أفبأفعال الأنعام اقْتَدَيْنَا؟ أَمْ عَلَى عَادَتِهَا جَرَيْنَا؟ عُدْ إِلَى ذكر المنقول إلى دار البلى، وَاعْتَبِرْ بِمَوْضِعِهِ تَحْتَ الثَّرَى، الْمَدْفُوعِ إِلَى هَوْلِ مَا تَرَى.
ثَوَى مُفْرَدًا فِي لَحْدِهِ وَتَوَزَّعَتْ * مواريثه أولاده والأصاهر وَأَحْنَوْا عَلَى أَمْوَالِهِ يَقْسِمُونَهَا * فَلَا حَامِدٌ مِنْهُمْ عَلَيْهَا وَشَاكِرُ فَيَا عَامِرَ الدُّنْيَا وَيَا سَاعِيًا لَهَا * وَيَا آمِنًا مِنْ أَنْ تَدُورَ الدَّوَائِرُ كَيْفَ أَمِنْتَ هَذِهِ الْحَالَةَ وَأَنْتَ صَائِرٌ إِلَيْهَا لا محالة؟ أم كيف ضيعت حياتك وهي مطيتك إلى
(9/131)

مماتك؟ أم كيف تشبع من طعامك وأنت منتظر حمامك؟ أم كيف تهنأ بالشهوات، وهي مطية الآفات.
وَلَمْ تَتَزَوَّدْ لِلرَّحِيلِ وَقَدْ دَنَا * وَأَنْتَ عَلَى حال وشيك مُسَافِرُ فَيَا لَهْفَ نَفْسِي كَمْ أُسَوِّفُ تَوْبَتِي * وَعُمْرِيَ فانٍ وَالرَّدَى لِي نَاظِرُ وَكُلُّ الَّذِي أَسْلَفْتُ فِي الصُّحْفِ مثبتٌ * يُجَازِي عَلَيْهِ عَادِلُ الْحُكْمِ قَادِرُ
فَكَمْ تُرَقِّعُ بِآخِرَتِكَ دُنْيَاكَ، وَتَرْكَبُ غيك وهواك، أَرَاكَ ضَعِيفَ الْيَقِينِ، يَا مُؤْثِرَ الدُّنْيَا عَلَى الدِّينِ أَبِهَذَا أَمَرَكَ الرَّحْمَنُ؟ أَمْ عَلَى هَذَا نزل القرآن؟ أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب، وشر المآب أما تذكر حال من جمع وثمر، ورفع البناء وزخرف وعمر، أما صار جمعهم بوراً، ومساكنهم قبوراً: تُخَرِّبُ مَا يَبْقَى وَتَعْمُرُ فَانِيًا * فَلَا ذَاكَ مَوْفُورٌ وَلَا ذَاكَ عَامِرُ وَهَلْ لَكَ إِنْ وَافَاكَ حَتْفُكَ بَغْتَةً * وَلَمْ تَكْتَسِبْ خَيْرًا لَدَى اللَّهِ عَاذِرُ أَتَرْضَى بِأَنْ تَفْنَى الْحَيَاةُ وَتَنْقَضِيَ * وَدِينُكَ مَنْقُوصٌ وَمَالُكَ وَافِرُ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّارِيخِ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوَفِّيَ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، زَيْنُ الْعَابِدِينَ، فَالْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ - فِي أَوَّلِهَا عَنْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْبَقِيعِ، وَدُفِنَ بِهِ، قَالَ الفلاس: مات علي بن الحسين وسعيد بن المسيب وَعُرْوَةُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَنَةَ أربع وتسعين، وقال بعضهم: توفي سنة ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَأَغْرَبَ الْمَدَائِنِيُّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَاللَّهُ أعلم.
انتهى ما ذكره المؤلف [من ترجمة علي بن الحسين.
وقد رأيت له كلاماً متفرقاً وهو من جيد الحكمة، فأحببت أن أذكره لعلَّ الله أن ينفع به من وقف عليه: قال حفص بن غياث: عن حجاج، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قال: إن الجسد إذا لم يمرض أشر وبطر، ولا خير في جسد يأشر ويبطر.
وقال أبو بكر بن الأنباري: حدثنا أحمد بن الصلت حدثنا قاسم بن إبراهيم العلوي، حدثنا أبي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قال علي بن الحسين: فقد الأحبة غربة.
وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لوامع العيون علانيتي، وتقبح في خفيات الغيوب سريرتي، اللهم كما أسأت وأحسنت إليَّ، فإذا عدت فعد إليَّ.
اللهم ارزقني مواساة من قترب عليه رزقك بما وسعت علي من فضلك.
وقال لابنه: يا بني اتخذ ثوباً للغائط فإني رأيت الذباب يقع على الشئ ثم يقع على الثوب.
ثم انتبه فقال: وما كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ إِلَّا ثوب واحد، فرفضه.
وعن أبي حمزة الثمالي قال: أتيت باب علي بن
الحسين فكرهت أن أصوت فقعدت على الباب حتى خرج فسلمت عليه ودعوت له فرد علي السلام
(9/132)

ودعا لي، ثم انتهى إلى حائط فقال، يا حمزة ترى هذا الحائط؟ قلت: نعم! قال: فإني اتكأت عليه يوماً وأنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في تجاه وجهي، ثم قال: يا علي بن الحسين! مالي أراك كئيباً حزيناً على الدنيا! فهي رزق حاضر يأخذ منها البر والفاجر.
فقلت: ما عليها أحزن لأنها كما تقول، فقال على الآخرة؟ فهي وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، فقلت: ما على هذا أحزن لأنه كما تقول.
فقال: فعلام حزنك؟ فقلت: ما أتخوف من الفتنة - يعني فتنة ابن الزبير - فقال لي: يا علي! هل رأيت أحداً سأل الله فلم يعطه؟ قلت: لا! قال ويخاف الله فلم يكفه؟ قلت: لا! ثم غاب عني فقيل لي: يا علي إن هذا الخضر الذي جاءك لفظ الخضر مزاد فيه من بعض الرواة.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الخضري، حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عن عمر بن حارث.
قال: لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره.
فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جُرُب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة.
وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين.
وروى عبد الله بن حنبل: عن ابن اشكاب، عن محمد بن بشر، عن أبي المنهال الطائي أن علي بن الحسين كان إذا ناول المسكين الصدقة قبله ثم ناوله.
وقال الطبري.
حدثنا يحيى بن زكريا الغلابي، حدثنا العتبي حدثني أبي قال: قال علي بن الحسين - وكان من أفضل بني هاشم الأربعة - يا بني اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق، ولا تخيب أخاك إلا في الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته لك.
وروى الطبراني بإسناده عنه: أنَّه كان جالساً في جماعة فسمع داعية في بيته فنهض فدخل منزله ثم رجع إلى مجلسه، فقيل له.
أمن حدث كانت الداعية؟ قال: نعم! فعزوه وتعجبوا من صبره، فقال: إنا أهل بيت نطيع الله عزوجل فيما نحبه، ونحمده على ما نكره.
وروي الطبراني عنه قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ لِيَقُمْ أهل الفضل فيقوم ناس من النَّاس فيقال لهم: انطلقوا
إلى الجنة.
فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة.
فيقولون قبل الحساب؟ قالوا: نعم: قالوا: من أنتم؟ قالوا نحن أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جهل علينا حملنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسئ إلينا غفرنا، قالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العالمين.
ثم ينادي مناد: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من النَّاس فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: فما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معصية الله، وصبرناها على البلاء.
فقالوا لهم: ادخلوا الجنة فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.
ثم ينادي المنادي: ليقم جيران الله في داره! فيقوم ناس من الناس وهم قليل، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك، فيقولون: بم استحققتم مجاورة الله عزوجل في داره؟ فيقولون: كنا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتباذل في الله عزوجل.
فيقال لهم، ادخلوا الجنة فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.
(9/133)

وقال علي بن الحسين: إن الله يحب المؤمن المذنب التواب.
وقال: التارك للأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر كالنابذ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظهره، إلا أن يتقي منهم تقاة.
قالوا: وما تقاه؟ قال: يخاف جباراً عنيداً أن يسطو عليه وأن يطغى.
وقال رجل لسعيد بن المسيب: ما رأيت أحداً أورع من فلان.
فقال له سعيد: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا! قال: ما رأيت أورع منه.
وروى سفيان بن عيينة عن الزهري قال: دخلت على علي بن الحسين فقال: يا زهري فيم كنتم؟ قلت: كنا نتذاكر الصوم، فأجمع رأيي ورأي أصحابي علي أنَّه ليس من الصوم شئ واجب، إلا شهر رمضان فقال! يا زهري ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجهاً، عشرة منها واجب كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها حرام، وأربع عشرة منها صاحبها بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر، وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب، قال الزهري قلت: فسرهن يابن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أما الواجب فصوم شهر رمضان، وصوم شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق، وصيام ثلاثة أيام كفارة اليمين لمن لم يجد إلا طعام، وصيام حلق الرأس، وصوم دم
المتعة لمن لم يجد الهدي وصوم جزاء الصيد، يقوم الصيد قيمته ثم يقسم ذلك الثمن على الحنطة.
وأما الذي صاحبه بالخيار فصوم الاثنين والخميس، وستة أيام من شوال بعد رمضان، وصوم عرفة ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه بالخيار.
فأما صوم الأذن فالمرأة لا تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها، وكذلك العبد والأمة، وأما صوم الحرام فصوم يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك، نهينا أن نصومه لرمضان.
وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر، وصوم الضيف لا يصوم تطوعاً إلا بإذن صاحبه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من نزل على قوم فلا يصومنَّ تطوعاً إلا بإذنهم ".
وأما صوم الإباحة فمن أكل أو شرب ناسياً أجزأه صومه، وأما صوم المريض والمسافر فقال قوم: يصوم، وقال قوم لا يصوم، وقال قوم إن شاء صام وإن شاء أفطر " وأما نحن فنقول: يفطر في الحالين، فإن صام في السفر والمرض فعليه القضاء] (1) .
أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ابن هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ (2) ، قِيلَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَقِيلَ اسْمُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ وَكُنْيَتَهُ وَاحِدٌ، وَلَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ كَثِيرٌ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ عَمَّارٍ وأبي هريرة وأسماء بنت أبي بكر،
__________
(1) ما بين معكوفين زيادة من النسخة المصرية.
(2) الفقهاء السبعة خصوا بهذه التسمية لان الفتوى بعد الصحابة - في المدينة - صارت إليهم وشهروا بها.
وقد كان في عصرهم جماعة من العلماء التابعين ولكن الفتوى لم تكن إلا لهؤلاء.
قاله الحافظ السلف (راجع ابن خلكان 1 / 283 - ابن سعد 2 / 282) .
(*)
(9/134)

وَعَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بَنُوهُ سَلَمَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَعُمَرُ، وَمَوْلَاهُ سُمَيٌّ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ رَاهِبُ قُرَيْشٍ (1) ، لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ، وَكَانَ مَكْفُوفًا، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَكَانَ مِنَ الثِّقَةِ
وَالْأَمَانَةِ وَالْفِقْهِ وَصِحَّةِ الرواية على جانب عظيم، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَانَ قَدْ كُفَّ وَكَانَ إِذَا سَجَدَ يَضَعُ يَدَهُ فِي طَسْتٍ لِعِلَّةٍ كَانَ يَجِدُهَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَقِيلَ فِي التي بعدها.
والله أعلم.
قلت: ونظم بعض الشعراء بيتين ذكر فيهما الفقهاء السبعة فقال: - ألا كل من لا يقتدي بأئمة * فقسمته حبراً (2) عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسم * سعيد أبو بكر سليمان خارجه وفيها توفي الفضيل (3) بن زيد الرقاشي، أحد زهاد أهل البصرة، وله مناقب وفضائل كثيرة جدا، قال: لا يلهينك الناس عن ذات نفسك، فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع نهارك بكيت وكيت، فإنه محفوظ عليك ما قلت.
وقال: لم أر شيئاً أحسن طلباً، ولا أسرع إدراكاً من حسنة حديثة لذنب قديم.
أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري (4) ، كان أحد فقهاء المدينة، وكان إماماً عالماً، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة، وكان واسع العلم.
توفي بالمدينة.
عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، له روايات كثيرة، وكان عالماً، وخلف كتباً كثيرةً من علمه، روى عن جماعة من الصحابة، وأسر يوم وقعة ابن الأشعث فأطلقه الحجاج.
عبد الرحمن بن معاوية بن خزيمة، قاضي مصر لعمر بن عبد العزيز بن مروان وصاحب شرطته كان عالماً فاضلاً، روى الحديث وعنه جماعة.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين فِيهَا غَزَا العبَّاس بْنُ الْوَلِيدِ بِلَادَ الرُّومِ، وافتتح حصوناً كثيرةً.
وفيها فتح مسلمة بن
__________
(1) وفي صفة الصفوة 2 / 92: عن الزبير بن بكار.
كان يقال له راهب المدينة.
(2) في ابن خلكان 1 / 283: ضيزى.
(3) من ابن سعد 6 / 129 وصفة الصفوة 3 / 213 / 487، وفي الاصل: الفضل بن زياد: تحريف.
(4) في ابن سعد 6 / 155 اسمه عبد الله الاصغر وأمه تماضر بنت الاصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث الكلبية
القضاعية.
كان يكنى باسم ولده سلمة.
استقضاه سعيد بن العاص بن سعيد على المدينة.
توفي وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
(*)
(9/135)

عبد الملك مدينة في بلاد الروم، ثم حرقها ثم بناها بعد ذلك بعشر سنين، وفيها افتتح محمد بن القاسم مدينة المولينا (1) من بلاد الْهِنْدِ، وَأَخَذَ مِنْهَا أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَفِيهَا قَدِمَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَمَعَهُ الْأَمْوَالُ عَلَى الْعَجَلِ تُحْمَلُ مِنْ كَثْرَتِهَا، وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَأْسٍ مِنَ السَّبْيِ، وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ بِلَادَ الشَّاشِ، فَفَتَحَ مُدُنًا وَأَقَالِيمَ كَثِيرَةً، فَلَمَّا كَانَ هُنَاكَ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِمَوْتِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ فَقَمَعَهُ ذَلِكَ وَرَجَعَ بِالنَّاسِ إِلَى مَدِينَةِ مَرْوَ وَتَمَثَّلَ بِقَوْلِ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ: لَعَمْرِي لَنِعْمَ الْمَرْءُ مِنْ آلِ جَعْفَرٍ * بِحَوْرَانَ أَمْسَى أَعْلَقَتْهُ الْحَبَائِلُ فَإِنْ تحي لا أملك (2) حَيَاتِي وَإِنْ تَمُتْ * فَمَا فِي حَيَاتِي بَعْدَ مَوْتِكَ طَائِلُ وَفِيهَا كَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى قُتَيْبَةَ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ، وَيَعِدُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَجْزِيهِ خَيْرًا، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا صَنَعَ مِنَ الْجِهَادِ وَفَتْحِ الْبِلَادِ وَقِتَالِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ.
وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ اسْتَخْلَفَ عَلَى الصَّلَاةِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، فَوَلَّى الْوَلِيدُ الصَّلَاةَ وَالْحَرْبَ بِالْمِصْرَيْنِ - الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ - يَزِيدَ بْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَوَلَّى خَرَاجَهُمَا يَزِيدَ بن مسلم، وقيل كان الحجاج يَسْتَخْلِفُهُمَا عَلَى ذَلِكَ فَأَقَرَّهُمَا الْوَلِيدُ، وَاسْتَمَرَّ سَائِرُ نُوَّابِ الْحَجَّاجِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ.
وَكَانَتْ وَفَاةُ الْحَجَّاجِ لِخَمْسٍ، وَقِيلَ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ مَاتَ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَهُ أَبُو مَعْشَرٍ وَالْوَاقِدِيُّ.
وَفِيهَا قُتِلَ الْوَضَّاحِيُّ بِأَرْضِ الرُّومِ وَمَعَهُ أَلْفٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ مَوْلِدُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.
وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ وَذِكْرُ وفاته
هو الحجاج بن يوسف (3) بْنِ أَبِي عَقِيلِ بْنِ (4) مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنُ مُعَتِّبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ، وَهُوَ قَسِيُّ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّقفي، سَمِعَ
ابْنَ عبَّاس وَرَوَى عَنْ أَنَسٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَرَوَى عَنْهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَثَابِتٌ البناني، وحميد الطويل، ومالك بن دينار، وجواد بْنُ مُجَالِدٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ.
قَالَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، قَالَ: وَكَانَتْ له بدمشق دور منها دار الراوية بِقُرْبِ قَصْرِ ابْنِ أَبِي الْحَدِيدِ، وَوَلَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الْحِجَازَ فَقَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا وَوَلَّاهُ الْعِرَاقَ.
وَقَدِمَ دِمَشْقَ وَافِدًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بن مسلم، سمعت أبي يقول: خطبنا
__________
(1) كذا بالاصل، وفي ابن الاثير 4 / 588: الملتان.
(2) في ابن الاثير والطبري 8 / 95: أملل.
(3) في ابن خلكان 2 / 29 / 149 يوسف بن الحكم.
(4) في ابن الاثير 4 / 584: بن عامر بن مسعود.
(*)
(9/136)

الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ فَذَكَرَ الْقَبْرَ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: إِنَّهُ بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَبَيْتُ الْغُرْبَةِ، حَتَّى بكى وأبكى مَنْ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: خَطَبَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: " مَا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَبْرٍ أَوْ ذَكَرَهُ إِلَّا بَكَى ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَاهِدٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، وَسَاقَ مِنْ طريق أحمد بن عبد الجبار: ثنا يسار عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ لِي: يَا أيا يَحْيَى أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ حَسَنٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى! فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ فَلْيَدْعُ بِهَا فِي دُبُرِ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَاهِدٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ فِي السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: سَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ (1) دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ تَتَخَلَّلُ - أَيْ تخلل أسنانها لتخرج مَا بَيْنَهَا مِنْ أَذًى - وَكَانَ ذَلِكَ فِي أوَّل النَّهَارِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتِ بَاكَرْتِ الغداء إنك لرعينةٌ دنيَّةٌ، وإن كان الذي تخللين منه شئ بَقِيَ فِي فِيكِ مِنَ الْبَارِحَةِ إِنَّكِ لقذرةٌ، فطلقها فقالت: والله ما كان شئ مِمَّا ذَكَرْتَ، وَلَكِنَّنِي بَاكَرْتُ مَا تُبَاكِرُهُ الْحُرَّةُ مِنَ السِّوَاكِ، فَبَقِيَتْ شَظِيَّةٌ فِي
فَمِي مِنْهُ فَحَاوَلْتُهَا لِأُخْرِجَهَا.
فَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِيُوسُفَ أَبِي الْحَجَّاجِ: تزوجها فإنها لخليفة بأن تَأْتِيَ بِرَجُلٍ يَسُودُ، فَتَزَوَّجَهَا يُوسُفُ أَبُو الْحَجَّاجِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَأُخْبِرْتُ أَنَّ أَبَا الْحَجَّاجِ لَمَّا بَنَى بِهَا وَاقَعَهَا فَنَامَ فَقِيلَ لَهُ فِي النَّوْمِ: مَا أَسْرَعَ مَا أَلْقَحْتَ بِالْمُبِيرِ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَاسْمُ أُمِّهِ الْفَارِعَةُ بِنْتُ هَمَّامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ، وَكَانَ زَوْجُهَا الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ الثَّقَفِيُّ طَبِيبَ الْعَرَبِ، وَذَكَرَ عَنْهُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ فِي السِّوَاكِ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْعِقْدِ (2) أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ يُعَلِّمَانِ الْغِلْمَانَ بِالطَّائِفِ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ فَكَانَ عِنْدَ رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ وَزِيرِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَشَكَا عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى رَوْحٍ أَنَّ الْجَيْشَ لَا ينزلون لنزوله ولا يرحلون لرحليه، فَقَالَ رَوْحٌ: عِنْدِي رَجُلٌ تُوَلِّيهِ ذَلِكَ، فَوَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ الْحَجَّاجَ أَمْرَ الْجَيْشِ، فَكَانَ لَا يَتَأَخَّرُ أَحَدٌ فِي النُّزُولِ وَالرَّحِيلِ، حَتَّى اجْتَازَ إِلَى فُسْطَاطِ رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ وَهُمْ يَأْكُلُونَ فَضَرَبَهُمْ وَطَوَّفَ بِهِمْ وَأَحْرَقَ الْفُسْطَاطَ، فَشَكَا رَوْحٌ ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ لِلْحَجَّاجِ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلْهُ إِنَّمَا فَعَلَهُ أَنْتَ، فَإِنَّ يَدِي يَدُكَ، وَسَوْطِي سَوْطُكَ، وَمَا ضَرَّكَ إِذَا أَعْطَيْتَ رَوْحًا فُسْطَاطَيْنِ بَدَلَ فُسْطَاطِهِ، وَبَدَلَ الْغُلَامِ غُلَامَيْنِ، وَلَا تَكْسِرُنِي فِي الَّذِي وَلَّيْتَنِي؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ الْحَجَّاجُ عِنْدَهُ.
قَالَ: وَبَنَى وَاسِطَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ، وَفَرَغَ مِنْهَا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَقِيلَ قَبْلَ ذلك قال: وفي أيامه نقّطت
__________
(1) في مروج الذهب 3 / 151: أن أم الحجاج الفارعة بنت همام بن عورة بن مسعود الثقفي كانت تحت الحارث بن كلدة الثقفي.
وانظر ابن خلكان 2 / 29.
ورواية العقد الفريد كالاصل 3 / 6 وفي تلقيح فهوم أهل الاثر لابن الجوزي: ان الفارعة كانت تحت المغيرة ... وذكر القصة.
(2) العقد الفريد - أخبار الحجاج ج 3 / 6 (*)
(9/137)

المصاحف، وذكر في حكايته ما يدل أَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا يُسَمَّى كُلَيْبًا، ثُمَّ سُمِّيَ الْحَجَّاجَ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ وُلِدَ وَلَا مَخْرَجَ لَهُ حَتَّى فُتِقَ لَهُ مَخْرَجٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِعْ أياماً حتى سقوه دم جدي ثُمَّ دَمَ سَالِخٍ (1) وَلُطِّخَ وَجْهُهُ بِدَمِهِ فَارْتَضَعَ، وَكَانَتْ فِيهِ شَهَامَةٌ وَحُبٌّ لِسَفْكِ الدِّمَاءِ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا ارْتَضَعَ ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي لُطِّخَ به وجهه، ويقال إنه أُمَّهُ هِيَ الْمُتَمَنِّيَةُ لِنَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ (2) ، وَقِيلَ إِنَّهَا أُمُّ أَبِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَتْ فِيهِ شَهَامَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي سَيْفِهِ رَهَقٌ، وَكَانَ كَثِيرَ قَتْلِ النُّفُوسِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ، وَكَانَ يَغْضَبُ غَضَبَ الْمُلُوكِ، وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُ يَتَشَبَّهُ بِزِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، وَكَانَ زِيَادٌ يَتَشَبَّهُ بِعُمَرَ بْنِ الخطَّاب فِيمَا يَزْعُمُ أَيْضًا، وَلَا سَوَاءٌ وَلَا قَرِيبٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابن عساكر في ترجمة سليم بن عنز التُّجِيبِيِّ قَاضِي مِصْرَ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ.
وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ خُطْبَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْجَابِيَةِ، وَكَانَ مِنَ الزَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ، وَكَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَ خَتَمَاتٍ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ مَعَ أَبِيهِ بِمِصْرَ فِي جَامِعِهَا فاجتاز بهما سليم بن عنز هَذَا فَنَهَضَ إِلَيْهِ أَبُو الْحَجَّاجِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهَلْ مِنْ حَاجَةٍ لَكَ عِنْدَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ! تَسْأَلُهُ أَنْ يَعْزِلَنِي عَنِ الْقَضَاءِ.
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ قَاضِيًا الْيَوْمَ خَيْرًا مِنْكَ.
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ابْنِهِ الْحَجَّاجِ فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَبَهْ أَتَقُومُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ تُجِيبَ وَأَنْتَ ثَقَفِيٌّ؟ فَقَالَ لَهُ: يَا بني والله إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله.
فقال: وَاللَّهِ مَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَضَرُّ مِنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ، فَقَالَ: وَلِمَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: لِأَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ يَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِمْ فَيُحَدِّثُونَهُمْ عَنْ سِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَيُحَقِّرُ النَّاسُ سِيرَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَرَوْنَهَا شَيْئًا عِنْدَ سِيرَتِهِمَا فَيَخْلَعُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَيْهِ وَيَبْغَضُونَهُ، وَلَا يَرَوْنَ طاعته، والله لو خلص لي من الأمر شئ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَ هَذَا وَأَمْثَالِهِ.
فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ عزوجل خَلَقَكَ شَقِيًّا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَاهُ كَانَ ذَا وَجَاهَةٍ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ (3) وَأَنَّهُ كَانَ ذَا فِرَاسَةٍ صَحِيحَةٍ، فَإِنَّهُ تَفَرَّسَ فِي ابْنِهِ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالُوا: وَكَانَ مَوْلِدُ الْحَجَّاجِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ نَشَأَ شَابًّا لَبِيبًا فَصِيحًا بَلِيغًا حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كَانَ الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: مَا رَأَيْتُ أَفْصَحَ مِنْهُ وَمِنَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَكَانَ الْحَسَنُ أَفْصَحَ مِنْهُ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ذَكَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ أبي منيح عن صالح بن سليمان قال قال
__________
(1) السالخ: الاسود الخالص.
(2) كذا في ابن خلكان 2 / 32 وفي كتاب تلقيح فهوم أهل الاثر لابن الجوزي، ومختصر القصة: أن عمر بن الخطاب طاف ليلة في المدينة فسمع امرأة تنشد في خدرها:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها * أم من سبيل إلى نصر بن حجاج فأتي عمر بنصر وسيره إلى البصرة ... (3) قال في المعارف ص 173: فأما يوسف، والد الحجاج - فولى لعبد الملك بعض الولاية وكان معه بعض الالوية يوم قاتل الحنيف بن السجف جيش ابن دلجة.
(*)
(9/138)

عقبة بْنُ عَمْرٍو: مَا رَأَيْتُ عُقُولَ النَّاسِ إِلَّا قَرِيبًا بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، إِلَّا الْحَجَّاجَ وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّ عُقُولَهُمَا كَانَتْ تَرْجَحُ عَلَى عُقُولِ النَّاسِ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ لَمَّا قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبير سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بَعَثَ الْحَجَّاجَ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بِمَكَّةَ فَحَاصَرَهُ بِهَا وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ عَامَئِذٍ، وَلَمْ يتمكن وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَا تَمَكَّنَ ابن الزبير ومن عنده من الوقوف، وَلَمْ يَزَلْ مُحَاصِرَهُ حَتَّى ظَفِرَ بِهِ فِي جُمَادَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، ثُمَّ اسْتَنَابَهُ عَبْدُ الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن، ثمن نقله إلى الْعِرَاقَ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ بِشْرٍ، فَدَخَلَ الْكُوفَةَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ لَهُمْ وَفَعَلَ بِهِمْ مَا تَقَدَّمَ إِيرَادُهُ مُفَصَّلًا، فَأَقَامَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً كَامِلَةً.
وَفَتَحَ فِيهَا فُتُوحَاتٍ كَثِيرَةً، هَائِلَةً مُنْتَشِرَةً، حَتَّى وَصَلَتْ خُيُولُهُ إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ وَالسِّنْدِ، فَفَتَحَ فِيهَا جُمْلَةَ مُدُنٍ وَأَقَالِيمَ، وَوَصَلَتْ خُيُولُهُ أَيْضًا إِلَى قَرِيبٍ مِنْ بِلَادِ الصِّينِ، وَجَرَتْ لَهُ فُصُولٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا.
وَنَحْنُ نُورِدُ هُنَا أَشْيَاءَ أُخَرَ مِمَّا وَقَعَ لَهُ مِنَ الأمور والجراءة والإقدام، والتهاون فِي الْأُمُورِ الْعِظَامِ، مِمَّا يُمْدَحُ عَلَى مِثْلِهِ وَمِمَّا يُذَمُّ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، مِمَّا سَاقَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ: فَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ابْنِ أَخِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدِينِيِّ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ صَلَّى مَرَّةً بِجَنْبِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ شَيْئًا - فَجَعَلَ يَرْفَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَيَقَعُ قَبْلَهُ فِي السُّجُودِ، فَلَمَّا سلَّم أَخَذَ سَعِيدٌ بِطَرْفِ رِدَائِهِ - وَكَانَ لَهُ ذِكْرٌ يَقُولُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ - فَمَا زَالَ الْحَجَّاجُ يُنَازِعُهُ رِدَاءَهُ حَتَّى قَضَى سَعِيدٌ ذِكْرَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ سَعِيدٌ فَقَالَ لَهُ: يَا سَارِقُ يَا خَائِنُ، تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضْرِبَ بِهَذَا النَّعْلِ وَجْهَكَ.
فَلَمْ يردَّ عَلَيْهِ ثُمَّ مَضَى الْحَجَّاجُ إِلَى الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ فَعَادَ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ جَاءَ نَائِبًا عَلَى الْحِجَازِ.
فَلَمَّا قَتَلَ ابْنَ
الزُّبَيْرِ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ نَائِبًا عَلَيْهَا، فلمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ إِذَا مَجْلِسُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَصَدَهُ الْحَجَّاجُ فَخَشِيَ النَّاسُ عَلَى سَعِيدٍ مِنْهُ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبُ الْكَلِمَاتِ؟ فَضَرَبَ سَعِيدٌ صَدْرَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ: نَعَمْ! قَالَ: فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ مُعَلِّمٍ وَمُؤَدِّبٍ خَيْرًا، مَا صَلَّيْتُ بَعْدَكَ صَلَاةً إِلَّا وَأَنَا أَذْكُرُ قَوْلَكَ.
ثُمَّ قَامَ وَمَضَى.
وَرَوَى الرِّيَاشِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي زَيْدٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْعَلَاءِ - أَخِي أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ - قَالَ: لمَّا قَتَلَ الحجَّاج ابْنَ الزُّبَيْرِ ارْتَجَّتْ مكة بالبكاء، فأمر الناس فَجُمِعُوا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ! بَلَغَنِي إِكْبَارُكُمْ قَتْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أَلَا وَإِنَّ ابْنَ الزُّبير كأنَّ مِنْ خِيَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، حَتَّى رَغِبَ فِي الْخِلَافَةِ وَنَازَعَ فِيهَا أَهْلَهَا، فَنَزَعَ طَاعَةَ اللَّهِ وَاسْتَكَنَّ بِحَرَمِ اللَّهِ، ولو كان شئ مَانِعَ الْعُصَاةِ لَمَنَعَتْ آدَمَ حُرْمَةُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَأَبَاحَ لَهُ كَرَامَتَهُ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، فَلَمَّا أَخْطَأَ أَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ بِخَطِيئَتِهِ، وَآدَمُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْجَنَّةُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْكَعْبَةِ، اذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا عون، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ: أَنَّ الْحَجَّاجَ دَخَلَ على أسماء بنت أبي بكر بعد ما قَتَلَ ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ أَلْحَدَ فِي هَذَا الْبَيْتِ،
(9/139)

وَإِنَّ اللَّهَ أَذَاقَهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَفَعَلَ.
فَقَالَتْ: كَذَبْتَ، كَانَ بَرًّا بِوَالِدَيْهِ، صَوَّامًا قَوَّامًا، وَاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ كَذَّابَانِ الْآخِرُ مِنْهُمَا شَرٌّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مُبِيرٌ) (1) .
وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عون، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ.
قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْحَجَّاجَ دَخَلَ عَلَى أَسْمَاءَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا زُهَيْرٌ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ.
قَالَتْ: سَمِعْتُ رسول الله نَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ.
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " يَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ رَجُلَانِ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ ".
قَالَتْ فَقُلْتُ لِلْحَجَّاجِ: أَمَّا الكذَّاب فَقَدْ رَأَيْنَاهُ، وأمَّا الْمُبِيرُ فَأَنْتَ هو يا حجاج.
وقال عبيد بْنُ حُمَيْدٍ: أَنْبَأَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأَ الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَقُولُ لِلْحَجَّاجِ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهَا يُعَزِّيهَا فِي ابْنِهَا: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم، يَقُولُ: " يَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ رَجُلَانِ مُبِيرٌ وَكَذَّابٌ ".
فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ - تَعْنِي الْمُخْتَارَ - وأمَّا الْمُبِيرُ فَأَنْتَ.
وَتَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَوْرَدْنَاهُ عِنْدَ مَقْتَلِ ابْنِهَا عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ أَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ ثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَتْنَا أم عراب عَنِ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا عَقِيلَةُ عَنْ سَلَّامَةَ بِنْتِ الْحُرِّ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فِي ثَقِيفٍ كذَّاب وَمُبِيرٌ ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو يَعْلَى.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أحمد: عن وكيع عن أم عراب - وَاسْمُهَا طَلْحَةُ - عَنْ عَقِيلَةَ عَنْ سَلَّامَةَ حَدِيثًا آخَرَ فِي الصَّلَاةِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بَسْطَامٍ، ثَنَا يزيد بن ربيع، ثَنَا إِسْرَائِيلُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ " أَنْبَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ فِي ثَقِيفٍ مُبِيرًا وَكَذَّابًا " وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ عن عبد الله بن عاصم وَيُقَالُ عِصْمَةَ.
وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شريك.
وقال الشافعي: ثنا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اعْتَزَلَ لَيَالِيَ قِتَالِ ابن الزبير ووالحجاج بِمِنًى، فَكَانَ يُصَلِّي مَعَ الْحَجَّاجِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي وَرَاءَهُ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: أَنْبَأَ جَرِيرٌ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ: خَطَبَ الْحَجَّاجُ فَقَالَ: إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ غَيَّرَ كِتَابَ اللَّهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا سلَّطه اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَنْتَ مَعَهُ وَلَوْ شئت أَقُولَ: كَذَبْتَ لَفَعَلْتُ.
وَرُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْحَجَّاجَ أَطَالَ الْخُطْبَةَ فَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ مِرَارًا، ثمَّ قال فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَقَامَ النَّاسُ، فَصَلَّى الْحَجَّاجُ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا حَمَلَكَ على ذلك؟ فقال: إنما نجئ للصلاة فصلِّ الصلاة لوقتها ثم تفتق ما شئت بعد من تفتقه.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ عَمِّي يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا فَرَغَ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَدِمَ الْمَدِينَةِ لَقِيَ شَيْخًا خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: بشرِّ حَالٍ، قُتِلَ ابْنُ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الحجاج: ومن قتله؟ فقال: الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله
__________
(1) تقدم راجع مقتل ابن الزبير.
(*)
(9/140)

وَتَهْلُكَتُهُ، مِنْ قَلِيلِ الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ.
فَغَضِبَ الْحَجَّاجُ غَضَبًا شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ! أَتَعْرِفُ الْحَجَّاجَ إِذَا رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ! فَلَا عَرَّفَهُ اللَّهُ خَيْرًا وَلَا وَقَاهُ ضُرًّا.
فَكَشَفَ الْحَجَّاجُ عَنْ لِثَامِهِ وَقَالَ: سَتَعْلَمُ أَيُّهَا الشَّيْخُ الْآنَ إِذَا سَالَ دَمُكَ السَّاعَةَ.
فَلَمَّا تَحَقَّقَ الشَّيْخُ الْجَدُّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ يَا حَجَّاجُ، لَوْ كُنْتَ تَعْرِفُنِي مَا قُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، أُصْرَعُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: انْطَلِقْ فَلَا شَفَى اللَّهُ الْأَبْعَدَ مِنْ جُنُونِهِ وَلَا عَافَاهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، ثَنَا حَمَّادٌ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ (1) ، قَالَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِعَبْدِ الملك: أتمكنه من ذلك؟ فقال: وما بأس من ذلك.
قال: أشد الناس وَاللَّهِ، قَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ ذَهَبَ مَا فِي صَدْرِي عَلَى آلِ الزُّبَيْرِ مُنْذُ تَزَوَّجْتُ (2) رَمْلَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ، قال: وكأنه كَانَ نَائِمًا فَأَيْقَظَهُ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يَعْزِمُ عليه بطلاقها فَطَلَّقَهَا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ: حَجَّ الْحَجَّاجُ مَرَّةً فَمَرَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَأُتِيَ بغدائه فقال لحاجبه: انظر ما يَأْكُلُ مَعِي، فَذَهَبَ فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ نَائِمٌ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: أَجِبِ الْأَمِيرَ، فَقَامَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ قَالَ لَهُ: اغْسِلْ يَدَيْكَ ثُمَّ تغدَّ معي، فقال: إنه
__________
(1) كذا بالاصل، وفي الحديث تشويش نتج عن سقط فقرة من الحديث أخلق بالمعنى.
وتمامه من مسند أحمد ج 1 / 206: أَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ فَقَالَ لَهَا: إِذَا دَخَلَ بِكِ فَقُولِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ هَذَا - قَالَ حَمَّادٌ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمْ يَصِلْ إليها.
(2) كذا بالاصول والظاهر أن في مواضع من هذا الخبر تحريفا.
ولعل ما ورد في الكامل للمبرد 1 / 205 يلقي ضوءا على اختلال المعنى وتشويش قال أبو العباس: وذكر العتبي أن الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي لما أكره عبد الله بن جعفر على أن زوجه ابنته استأجله في نقلها سنة.
ففكر عبد الله بن جعفر في الانفكاك منه، فألقى في روعه خالد بن يزيد فكتب إليه يعلمه ذلك، وكان الحجاج تزوجها بإذن عبد الملك فورد على خالد كتابه ليلا، فاستأذن من ساعته على عبد الملك، فقيل له: أفي هذا الوقت؟ فقال: أنه أمر لا يؤخر.
فأعلم عبد الملك بذلك فأذن له، فلما دخل عليه قال له عبد الملك: فيم السرى يا أبا هاشم؟ قال: أمر جليل لم آمن أن أوخره فتحدث علي حادثة فلا أكون
قضيت حق بيعتك.
قال: وما هو؟ قال: أتعلم أنه ما كان بين حيين من العداوة والبغضاء ما كان بين آل الزبير وآل أبي سفيان.
قال: لا.
قال: فإن تزويجي إلى آل الزبير حلل ما كان لهم في قلبي، فما أهل بيت أحب إلي منهم.
قال: فإن ذلك ليكون.
قال: فكيف أذنت للحجاج أن يتزوج في بني هاشم، وأنت تعلم ما يقولون ويقال فيهم، والحجاج من سلطانك بحيث علمت.
قال: فجزاه خيرا وكتب إلى الحجاج بعزمة أن يطلقها، فطلقها فغدا الناس عليه يعزونه عنها.
فكان فيمن أتاه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان فأوقع الحجاج بخالد فقال: كان الامر لآبائه فعجز عنه حتى انتزع منه فقال له عمرو بن عتبة: لا تقل ذا أيها الامير فإن لخالد قديما سبق إليه وحديثا لم يغلب عليه، ولو طلب الامر لطلبه بحذر جد ولكنه علم علما فسلم العلم إلى أهله.
فقال الحجاج: يا آل أبي سفيان انتم تحبون أن تحلموا ولا يكون الحلم إلا عن غضب فنحن نغضبكم في العاجل ابتغاء مرضاتكم في الآجل.
ثم قال الحجاج: والله لاتزوجن من هو امس به رحما ثم لا يمكنه فيه شئ.
فتزوج أم الجلاس بنت عبد الله بن خالد بن أسيد.
(*)
(9/141)

دعاني من هو خير منك، قال: ومن؟ قَالَ اللَّهُ دَعَانِي إِلَى الصَّوْمِ فَأَجَبْتُهُ، قَالَ: فِي هَذَا الْحَرِّ الشَّدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ صُمْتُ لِيَوْمٍ هُوَ أَشَدُّ حَرًّا مِنْهُ، قَالَ: فَأَفْطِرْ وَصُمْ غَدًا، قَالَ: إِنْ ضَمِنْتَ لِيَ الْبَقَاءَ لغد.
قال: ليس ذلك لي، قَالَ: فَكَيْفَ تَسْأَلُنِي عَاجِلًا بِآجِلٍ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: إِنَّ طَعَامَنَا طَعَامٌ طَيِّبٌ، قَالَ: لَمْ تُطَيِّبْهُ أَنْتَ وَلَا الطَّبَّاخُ، إِنَّمَا طَيَّبَتْهُ العافية.
فصل قَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ دُخُولِ الْحَجَّاجِ الْكُوفَةَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَخُطْبَتَهُ إِيَّاهُمْ بَغْتَةً، وَتَهْدِيدَهُ وَوَعِيدَهُ إِيَّاهُمْ، وَأَنَّهُمْ خَافُوهُ مَخَافَةً شَدِيدَةً، وَأَنَّهُ قَتَلَ عُمَيْرَ بْنَ ضَابِئٍ، وَكَذَلِكَ قَتَلَ كُمَيْلَ بن زياد صبراً، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فِي قِتَالِ ابْنِ الأشعث ما قدمنا، ثم تسلط عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْعُبَّادِ وَالْقُرَّاءِ، حتَّى كَانَ آخِرُ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ.
قَالَ الْقَاضِي الْمُعَافَى زكريا: ثنا أحمد بن محمد بن سعد الْكَلْبِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَّابِيُّ، ثَنَا محمد - يعني ابن عبد اللَّهِ بْنِ عبَّاس - عَنْ عَطَاءٍ - يَعْنِي ابْنَ مُصْعَبٍ - عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: خَطَبَ الْحَجَّاجُ أَهْلَ الْعِرَاقِ بَعْدَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ،
فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدِ اسْتَبْطَنَكُمْ فَخَالَطَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ، وَالْعَصَبَ وَالْمَسَامِعَ، وَالْأَطْرَافَ (1) ، ثُمَّ أَفْضَى إِلَى الأسماخ (2) والأمخاخ، والأشباح والأرواح، ثم ارتع فَعَشَّشَ، ثُمَّ بَاضَ وَفَرَّخَ، ثُمَّ دَبَّ وَدَرَجَ، فَحَشَاكُمْ نِفَاقًا وَشِقَاقًا، وَأَشْعَرَكُمْ خِلَافًا، اتَّخَذْتُمُوهُ دَلِيلًا تتبعونه، وقائداً تطيعونه، ومؤتمناً تشاورونه وتستأ مرونه، فَكَيْفَ تَنْفَعُكُمْ تَجْرِبَةٌ، أَوْ يَنْفَعُكُمْ بَيَانٌ (3) ؟ أَلَسْتُمْ أصحابي بالأهواز حيث منيتم المكر واجتمعتم على الغدر، واتفقتم عَلَى الْكُفْرِ، وَظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ يَخْذُلُ دِينَهُ وخلافته، وأنا والله أَرْمِيكُمْ بِطَرْفِي وَأَنْتُمْ تَتَسَلَّلُونَ لِوَاذًا، وَتَنْهَزِمُونَ سِرَاعًا.
ويوم الزَّاوِيَةِ وَمَا يَوْمُ الزَّاوِيَةِ، مِمَّا كَانَ مِنْ فَشَلِكُمْ وَتَنَازُعِكُمْ وَتَخَاذُلِكُمْ وَبَرَاءَةِ اللَّهِ مِنْكُمْ، وَنُكُوسِ قلبوكم إِذْ وَلَّيْتُمْ كَالْإِبِلِ الشَّارِدَةِ عَنْ أَوْطَانِهَا النَّوَازِعِ، لا يسأل المرء منكم عَنْ أَخِيهِ، وَلَا يَلْوِي الشَّيْخُ عَلَى بَنِيهِ، حين عضكم السلاح، ونختعكم (4) الرماح.
ويوم دَيْرِ الْجَمَاجِمِ وَمَا يَوْمُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ، بِهَا كَانَتِ الْمَعَارِكُ وَالْمَلَاحِمُ: بِضَرْبٍ يزيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ * وَيُذْهِلُ الخليلَ عَن خَليلِهِ يَا أَهْلَ العراق يا أهل الكفران بعد الفجران، والغدران بعد الخذلان (5) ، وَالنَّزْوَةِ بَعْدَ النَّزَوَاتِ، إِنْ بَعَثْنَاكُمْ إِلَى ثُغُورِكُمْ غَلَلْتُمْ وَخُنْتُمْ، وَإِنْ أَمِنْتُمْ أَرَجَفْتُمْ، وَإِنْ خِفْتُمْ نافقتم، لا
__________
(1) زيد في العقد الفريد: 2 / 152: والاعضاء والشغاف.
(2) في العقد والبيان والتبيين 2 / 120: الاصماخ.
وفي مروج الذهب 3 / 160: الاضلاع.
(3) زيد في العقد: أو تعظكم وقعة أو يحجزكم اسلام أو يردكم إيمان.
(4) في العقد: وقصمتكم، وفي مروج الذهب: وقصفتكم.
وفي البيان والتبيين! ووقصتكم.
(5) في العقد والبيان والتبيين: الكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات.
(*)
(9/142)

تذكرون نعمة، ولا تشكرون معروفاً، ما استخفكم ناكث، ولا استغواكم غاو، ولا استنقذكم عاصٍ، ولا استنصركم ظالم، ولا اسْتَعْضَدَكُمْ خَالِعٌ، إِلَّا لَبَّيْتُمْ دَعْوَتَهُ، وَأَجَبْتُمْ صَيْحَتَهُ، وَنَفَرْتُمْ إِلَيْهِ خِفَافًا وَثِقَالًا، وَفُرْسَانًا وَرِجَالًا.
يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ هَلْ شَغَبَ شَاغِبٌ، أَوْ نَعَبَ نَاعِبٌ، أَوْ زَفَرَ زَافِرٌ
إِلَّا كُنْتُمْ أَتْبَاعَهُ وَأَنْصَارَهُ؟ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ أَلَمْ تَنْفَعْكُمُ الْمَوَاعِظُ؟ أَلَمْ تَزْجُرْكُمُ الْوَقَائِعُ؟ أَلَمْ يُشَدِّدِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَطْأَتَهُ، وَيُذِقْكُمْ حَرَّ سَيْفِهِ، وَأَلِيمَ بَأْسِهِ وَمَثُلَاتِهِ؟ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الشَّام فَقَالَ: يَا أَهْلَ الشَّام إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ كَالظَّلِيمِ الرَّامِحِ عَنْ فِرَاخِهِ يَنْفِي عَنْهَا الْقَذَرَ (1) ، وَيُبَاعِدُ عَنْهَا الْحَجَرَ، وَيُكِنُّهَا مِنَ الْمَطَرِ، وَيَحْمِيهَا مِنَ الضَّبَابِ، وَيَحْرُسُهَا مِنَ الذُّبَابِ.
يَا أَهْلَ الشَّام! أَنْتُمْ (2) الجنة والبرد، وأنتم الملاءة والجلد، أَنْتُمُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَنْصَارُ، وَالشِّعَارُ وَالدِّثَارُ، بِكُمْ يُذَبُّ عن البيضة والحوذة، وَبِكُمْ تُرْمَى كَتَائِبُ الْأَعْدَاءِ وَيُهْزَمُ مَنْ عَانَدَ وَتَوَلَّى.
قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ: سَمِعْتُ شَيْخًا مِنْ قُرَيْشٍ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ التَّيْمِيَّ قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ - وَكَانَ لَسِنًا - إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَرْضِ فَأَمْشَاهُمْ عَلَى ظَهْرِهَا، فَأَكَلُوا ثِمَارَهَا وَشَرِبُوا أَنْهَارَهَا وَهَتَكُوهَا بِالْمَسَاحِي وَالْمُرُورِ، ثُمَّ أَدَالَ اللَّهُ الْأَرْضَ مِنْهُمْ فَرَدَّهُمْ إِلَيْهَا فَأَكَلَتْ لُحُومَهُمْ كَمَا أَكَلُوا ثِمَارَهَا، وَشَرِبَتْ دِمَاءَهُمْ كَمَا شَرِبُوا أَنْهَارَهَا، وَقَطَّعَتْهُمْ فِي جَوْفِهَا وَفَرَّقَتْ أَوْصَالَهُمْ كَمَا هَتَكُوهَا بِالْمَسَاحِي وَالْمُرُورِ.
وَمِمَّا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ فِي المواعظ: الرجل وكلكلم ذاك الرَّجُلُ، رَجُلٌ خَطَمَ نَفْسَهُ وَزَمَّهَا فَقَادَهَا بِخِطَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَكَفَّهَا بِزِمَامِهَا عَنْ مَعَاصِي الله، رحم الله امرءاً رد نفسه، امرءاً اتهم نفسه، امرءاً اتخذ نفسه عدوة امرءاً حَاسَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الْحِسَابُ إِلَى غيره، امرءاً نظر إلى ميزانه، امرءاً نظر إلى حسابه، امرءاً وزن عمله، امرءاً فَكَّرَ فِيمَا يَقْرَأُ غَدًا فِي صَحِيفَتِهِ وَيَرَاهُ فِي مِيزَانِهِ، وَكَانَ عِنْدَ قَلْبِهِ زَاجِرًا، وَعِنْدَ همه آمراً، امرءاً أَخَذَ بِعِنَانِ عَمَلِهِ كَمَا يَأْخُذُ بِعِنَانِ جَمَلِهِ، فَإِنْ قَادَهُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَبِعَهُ، وَإِنْ قاده إلى معصية الله كف، امرءاً عقل عن الله أمره، امرءاً فَاقَ وَاسْتَفَاقَ، وَأَبْغَضَ الْمَعَاصِيَ وَالنِّفَاقَ، وَكَانَ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْأَشْوَاقِ.
فَمَا زَالَ يَقُولُ امرءاً امرءاً، حَتَّى بَكَى مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ (3) .
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مَا سَبَقَهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى الدُّنْيَا الْفَنَاءَ، وَعَلَى الْآخِرَةِ الْبَقَاءَ، فَلَا فَنَاءَ لِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ الْبَقَاءُ وَلَا بَقَاءَ لِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ.
فَلَا يَغُرَنَّكُمْ شَاهِدُ الدُّنْيَا عَنْ غَائِبِ الْآخِرَةِ،
وَاقْهَرُوا طُولَ الْأَمَلِ بِقِصَرِ الْأَجَلِ (4) .
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّقفيّ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ
__________
(1) في العقد الفريد: المدر، وفي مروج الذهب: القذى.
والظليم: ذكر النعام.
الرامح: المدافع.
(2) في العقد: أنتم الجبة والرداء، وأنتم العدة والحذاء.
(3) انظر العقد الفريد 2 / 153.
(4) انظر مروج الذهب 3 / 185.
(*)
(9/143)

الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ: وَقَذَتْنِي كَلِمَةٌ سَمِعْتُهَا مِنَ الْحَجَّاجِ سَمِعْتُهُ يَقُولُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ: إِنَّ امرءاً ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ عُمْرِهِ فِي غَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ لحريٌّ أَنْ تَطُولَ عَلَيْهَا حَسْرَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ، قَالَ الْحَجَّاجُ يَوْمًا: مَنْ كَانَ لَهُ بَلَاءٌ أَعْطَيْنَاهُ عَلَى قَدْرِهِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي فَإِنِّي قَتَلْتُ الْحُسَيْنَ، فَقَالَ: وَكَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: دَسَرْتُهُ بِالرُّمْحِ دَسْرًا، وَهَبَرْتُهُ بِالسَّيْفِ هَبْرًا، وَمَا أَشْرَكْتُ مَعِي فِي قَتْلِهِ أَحَدًا.
فَقَالَ: اذْهَبْ فَوَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ أَنْتَ وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا.
وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ فَضُرِبَ عَلَى اسْمِي فِي الدِّيوَانِ وَمُنِعْتُ الْعَطَاءَ وَقَدْ هُدِمَتْ دَارِي، فَقَالَ الحجاج، أما سمعت قول الشاعر: حنانَيْكَ من تجنىَّ عَلَيْكَ وَقَدْ * تعدَّى الصِحاحَ مَبَارِكُ الجَرَبِ وَلَرُبَّ مأخوذٍ بِذَنْبِ قَرِيبِهِ * وَنَجَا الْمُقَارِفُ صَاحِبُ الذَّنْبِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ! إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، وَقَوْلُ اللَّهِ أَصْدَقُ مِنْ هَذَا، قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ) [يوسف: 78 - 79] قَالَ: يَا غُلَامُ أَعِدِ اسْمَهُ فِي الدِّيوَانِ وَابْنِ دَارَهُ، وَأَعْطِهِ عَطَاءَهُ، وَمُرْ مُنَادِيًا يُنَادِي: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ الشَّاعِرُ.
وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عدي عن ابن عباس: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنِ ابْعَثْ إليَّ بِرَأْسِ أَسْلَمَ بْنِ عَبْدٍ الْبَكْرِيِّ، لِمَا بَلَغَنِي عَنْهُ، فَأَحْضَرَهُ الْحَجَّاجُ فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَنْتَ الشَّاهِدُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْغَائِبُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ
بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6] وما بلغه باطل، وَإِنِّي أَعُولُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ امْرَأَةً مَا لَهُنَّ كَاسِبٌ غَيْرِي وهنَّ بِالْبَابِ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ بِإِحْضَارِهِنَّ، فَلَمَّا حَضَرْنَ جَعَلَتْ هَذِهِ تَقُولُ: أَنَا خَالَتُهُ، وَهَذِهِ أَنَا عَمَّتُهُ، وَهَذِهِ أَنَا أُخْتُهُ، وَهَذِهِ أنا زوجته، وهذه أنا بنته، وتقدمت إليه جارية فوق الثمان وَدُونَ الْعَشَرَةِ، فَقَالَ لَهَا الْحَجَّاجُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا ابْنَتُهُ، ثُمَّ قَالَتْ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، وَجَثَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا وَقَالَتْ: - أحجاجُ لَمْ تَشْهَدْ مَقَامَ بَنَاتِهِ * وَعَمَّاتِهِ يَنْدُبْنَهُ اللَّيْلَ أَجْمَعَا أَحَجَّاجُ كَمْ تَقْتُلْ بِهِ إِنْ قَتَلْتَهُ * ثَمَانًا وَعَشْرًا وَاثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعَا أَحَجَّاجُ مَنْ هَذَا يَقُومُ مَقَامَهُ * عَلَيْنَا فَمَهْلًا أَنْ تَزِدْنَا تَضَعْضُعَا أَحَجَّاجُ إِمَّا أَنْ تَجُودَ بِنِعْمَةٍ * عَلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ تُقَتِّلَنَا مَعَا قَالَ: فَبَكَى الْحَجَّاجُ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعَنْتُ عَلَيْكُنَّ وَلَا زِدْتُكُنَّ تَضَعْضُعًا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَا قَالَ الرَّجُلُ، وَبِمَا قَالَتِ ابْنَتُهُ هَذِهِ، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ يَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِهِ وَحُسْنِ صِلَتِهِ وَبِالْإِحْسَانِ إِلَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ وَتَفَقُّدِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ.
وَقِيلَ إِنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ الصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ أَيْسَرُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ.
فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فقال له:
(9/144)

وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ مَا أَصْفَقَ وَجْهَكَ وَأَقَلَّ حَيَاءَكَ، تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ وَتَقُولُ مِثْلَ هَذَا الكلام؟ خبث وَضَلَّ سَعْيُكَ، فَقَالَ لِلْحَرَسِ خُذُوهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ قَالَ لَهُ: مَا الَّذِي جَرَّأَكَ عليَّ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ، أَنْتَ تَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ وَلَا أَجْتَرِئُ أَنَا عَلَيْكَ، وَمَنْ أَنْتَ حَتَّى لَا أَجْتَرِئَ عَلَيْكَ وَأَنْتَ تَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهُ، فَأُطْلِقَ.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِأَسِيرَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ لِي عِنْدَكَ يَدًا، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: ذَكَرَ ابْنُ الْأَشْعَثِ يَوْمًا أُمَّكَ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ قَالَ: صَاحِبِي هَذَا! فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَعَمْ! فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ؟ قَالَ: بُغْضُكَ، قَالَ أطلقوا هذا لصدقة، وهذا لفعله.
فأطلقوهما.
وذكر محمد بن زياد
عن ابن الْأَعْرَابِيِّ فِيمَا بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ جَحْدَرُ بْنُ مَالِكٍ وَكَانَ فَاتِكًا بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَأَرْسَلَ الْحَجَّاجُ إِلَى نَائِبِهَا يُؤَنِّبُهُ وَيَلُومُهُ عَلَى عَدَمِ أَخْذِهِ، فَمَا زَالَ نَائِبُهَا فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَسَرَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ فَقَالَ: جَرَاءَةُ الْجَنَانِ، وَجَفَاءُ السُّلْطَانِ، وَكَلْبُ الزَّمَانِ، وَلَوِ اخْتَبَرَنِي الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وشهم الفرسان، ولوجدني من أصلح رعيته، ذلك أَنِّي مَا لَقِيتُ فَارِسًا قَطُّ إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِي مُقْتَدِرًا، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: إِنَّا قَاذِفُوكَ فِي حَائِرٍ فِيهِ أَسَدٌ عَاقِرٌ فإن قتلك كفافا مُؤْنَتَكَ، وَإِنْ قَتَلْتَهُ خَلَّيْنَا سَبِيلَكَ.
ثُمَّ أَوْدَعَهُ السِّجْنَ مُقَيَّدًا مَغْلُولَةً يَدُهُ الْيُمْنَى إِلَى عُنُقِهِ، وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى نَائِبِهِ بِكَسْكَرَ أَنْ يَبْعَثَ بِأَسَدٍ عَظِيمٍ ضَارٍ، وَقَدْ قَالَ جَحْدَرٌ هَذَا فِي مَحْبَسِهِ هَذَا أَشْعَارًا يَتَحَزَّنُ فِيهَا عَلَى امرأته سليمى أم عمرو ويقول فِي بَعْضِهَا: أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو * وإيانا فذاك بنا تداني بلى وترى الهلال كما نراه * وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ إِذَا عَلَانِي إِذَا جَاوَزْتُمَا نَخَلَاتِ نجد * وأودية اليمامة فانعياني وقولا حجدر أَمْسَى رَهِينًا * يُحَاذِرُ وَقْعَ مصقولٍ يَمَانِي فَلَمَّا قَدِمَ الْأَسَدُ عَلَى الْحَجَّاجِ أَمَرَ بِهِ فَجُوِّعَ ثَلَاثَةَ أيَّام، ثمَّ أُبْرِزَ إِلَى حَائِرٍ - وَهُوَ الْبُسْتَانُ - وَأَمَرَ بِجَحْدَرٍ فَأُخْرِجَ فِي قُيُودِهِ وَيَدُهُ الْيُمْنَى مَغْلُولَةٌ بِحَالِهَا، وَأُعْطِيَ سَيْفًا فِي يَدِهِ الْيُسْرَى وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَسَدِ وَجَلَسَ الْحَجَّاجُ وَأَصْحَابُهُ فِي مَنْظَرَةٍ، وَأَقْبَلَ جَحْدَرٌ نَحْوَ الْأَسَدِ وَهُوَ يَقُولُ: ليثٌ وليثٌ فِي مَجَالِ ضَنْكِ * كِلَاهُمَا ذُو أنفٍ وَمَحْكِ وَشِدَّةٍ فِي نَفْسِهِ وَفَتْكِ * إِنْ يَكْشِفِ اللَّهُ قِنَاعَ الشَّكِّ * فَهْوَ أَحَقُّ مَنْزِلٍ بِتَرْكِ * فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْأَسَدُ زَأَرَ زَأْرَةً شَدِيدَةً وَتَمَطَّى وَأَقْبَلَ نَحْوَهُ فَلَمَّا صَارَ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ رُمْحٍ وَثَبَ الْأَسَدُ عَلَى جَحْدَرٍ وَثْبَةً شَدِيدَةً فَتَلَقَّاهُ جَحْدَرٌ بِالسَّيْفِ فضربه ضربة خَالَطَ ذُبَابُ السَّيْفِ لَهَوَاتِهِ، فَخَرَّ الْأَسَدُ كَأَنَّهُ خَيْمَةٌ قَدْ صَرَعَتْهَا الرِّيحُ، مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبَةِ، وَسَقَطَ جَحْدَرٌ مِنْ شِدَّةِ وَثْبَةِ الْأَسَدِ
(9/145)

وَشِدَّةِ مَوْضِعِ الْقُيُودِ عَلَيْهِ، فكبرَّ الْحَجَّاجُ وَكَبَّرَ أصحابه وأشار جَحْدَرٌ يَقُولُ: يَا جُمْلُ إِنَّكِ لَوْ رَأَيْتِ كَرِيهَتِي * فِي يَوْمِ هولٍ مسدفٍ وَعَجَاجِ وَتَقَدُّمِي لليث أرسفُ موثقاً * كيما أساوره على الأخراج شَثْنٌ بَرَاثِنُهُ؟ كَأَنَّ نُيُوبَهُ * زُرْقُ الْمَعَاوِلِ أَوْ شِبَاهُ زُجَاجِ يَسْمُو بِنَاظِرَتَيْنِ تَحْسَبُ فِيهِمَا * لَهَبًا أحدَّهما شُعَاعُ سِرَاجِ وَكَأَنَّمَا خِيطَتْ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ * برقاء أو خرقاً مِنَ الدِّيبَاجِ لَعَلِمْتِ أَنِّي ذُو حفاظٍ ماجدٍ * من نسل أقوام ذوي أبراج فَعِنْدَ ذَلِكَ خَيَّرَهُ الْحَجَّاجُ إِنْ شَاءَ أَقَامَ عِنْدَهُ، وَإِنْ شَاءَ انْطَلَقَ إِلَى بِلَادِهِ، فَاخْتَارَ الْمَقَامَ عِنْدَ الْحَجَّاجِ، فَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ وَأَعْطَاهُ أَمْوَالًا.
وَأَنْكَرَ يَوْمًا أَنْ يَكُونَ الْحُسَيْنُ مِنْ ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأَنَّهُ ابْنَ بِنْتِهِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ: كَذَبْتَ! فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى مَا قُلْتَ بينة مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَقَالَ قَالَ اللَّهُ (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ) [الأنعام: 84] إلى قوله (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى) [الانعام: 85] فعيسى من ذرية إبرهيم، وَهُوَ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ مَرْيَمَ، وَالْحُسَيْنُ ابْنُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .
فَقَالَ الْحَجَّاجُ: صَدَقْتَ، وَنَفَاهُ إِلَى خُرَاسَانَ.
وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ مَعَ فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ يَلْحَنُ فِي حُرُوفٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَنْكَرَهَا يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُبْدِلُ إِنِ الْمَكْسُورَةَ بأن الْمَفْتُوحَةِ وَعَكْسُهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ [قُلْ إِنْ كَانَ آباؤكم وأبناؤكم] إلى قوله [أحب إليكم] فيقرأها برفع أحب.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ يَسْأَلُهُ عَنْ أَمْسِ وَالْيَوْمَ وَغَدٍ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: أَكَانَ خُوَيْلِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ! فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ: أَمَّا أَمْسِ فَأَجَلٌ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَعَمَلٌ، وَأَمَّا غَدًا فَأَمَلٌ.
وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى.
قَالَ: لمَّا قَتَلَ الحجَّاج ابْنَ الْأَشْعَثِ وَصَفَتْ لَهُ الْعِرَاقُ، وسَّع عَلَى النَّاس فِي الْعَطَاءِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّكَ تُنْفِقُ فِي الْيَوْمِ مَا لَا يُنْفِقُهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ في الأسبوع وتنفق في الأسبوع مالاً يُنْفِقُهُ
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الشَّهْرِ، ثُمَّ قَالَ مُنْشِدًا: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ * وكن يا عبيد الله تخشى وتضرع ووفر خراج المسلمين وفيأهم * وَكُنْ لَهُمُ حِصْنًا تُجِيرُ وَتَمْنَعُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ: لَعَمْرِي لَقَدْ جَاءَ الرَّسُولُ بِكُتْبِكُمْ * قَرَاطِيسَ تملا ثُمَّ تُطْوَى فَتُطْبَعُ كِتَابٌ أَتَانِي فِيهِ لِينٌ وغلظة * وذكرث وَالذِّكْرَى لِذِي اللُّبِّ تَنْفَعُ وَكَانَتْ أُمُورٌ تَعْتَرِينِي كَثِيرَةٌ * فَأَرْضَخُ أَوْ أَعْتَلُّ حِينًا فَأَمْنَعُ إِذَا كُنْتُ سَوْطًا مِنْ عَذَابٍ عَلَيْهِمُ * وَلَمْ يَكُ عِنْدِي بِالْمَنَافِعِ مَطْمَعُ
(9/146)

أَيَرْضَى بِذَاكَ النَّاسُ أَوْ يَسْخَطُونَهُ * أَمُ احْمَدُ فيهم أم ألام فأقذع وكان بِلَادٌ جِئْتُهَا حِينَ جِئْتُهَا * بِهَا كُلُّ نِيرَانِ الْعَدَاوَةِ تَلْمَعُ فَقَاسَيْتُ مِنْهَا مَا عَلِمْتَ وَلَمْ أَزَلْ * أُصَارِعُ حَتَّى كِدْتُ بِالْمَوْتِ أُصْرَعُ وَكَمْ أَرَجَفُوا مِنْ رَجْفَةٍ قَدْ سَمِعْتُهَا * وَلَوْ كَانَ غَيْرِي طَارَ مِمَّا يُرَوَّعُ وَكُنْتُ إِذَا هَمُّوا بإحدى نهاتهم * حَسَرْتُ لَهُمْ رَأْسِي وَلَا أَتَقَنَّعُ فَلَوْ لَمْ يَذُدْ عَنِّي صَنَادِيدُ مِنْهُمُ * تُقَسِّمُ أَعْضَائِي ذِئَابٌ وَأَضْبُعُ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَنِ اعمل برأيك.
وقال الثوري عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ الْجُمَحِيِّ قَالَ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِسَارِقٍ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ غَنِيًّا أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فَيُبْطِلَ عَلَيْكَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِذَا قَلَّ ذَاتُ الْيَدِ سَخَتِ النَّفْسُ بِالْمَتَالِفِ.
قَالَ: صَدَقْتَ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حُسْنُ اعْتِذَارٍ يُبْطِلُ حَدًّا لَكُنْتُ لَهُ مُوضِعًا.
يَا غُلَامُ سَيْفٌ صَارِمٌ وَرَجُلٌ قَاطِعٌ، فَقَطَعَ يَدَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ عَنِ الْفَرَّاءِ قَالَ: تَغَدَّى الْحَجَّاجُ يَوْمًا مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا انْقَضَى غَدَاؤُهُمَا دَعَاهُ الْوَلِيدُ إِلَى شُرْبِ النَّبِيذِ (1) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْحَلَالُ مَا أَحْلَلْتَ، وَلَكِنِّي أنهى عنه أهل العراق وأهل عَمَلِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَ قَوْلَ
الْعَبْدِ الصَّالِحِ (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) [هود: 88] وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ يَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي إِسْرَافِهِ فِي صَرْفِ الْأَمْوَالِ، وسفك الدماء، ويقول: إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَنَحْنُ خزَّانه، وَسِيَّانَ منع حق أو إعطاء باطل (2) .
وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات: - إِذَا أَنْتَ لَمْ تَتْرُكْ أُمُورًا كَرِهْتَهَا * وَتَطْلُبْ (3) رِضَائِي فِي الَّذِي أَنَا طَالِبُهْ وَتَخْشَى الَّذِي يَخْشَاهُ مِثْلُكَ هَارِبًا * إِلَى اللَّهِ مِنْهُ ضَيَّعَ الدر حالبه (4) فان تر مني غفلة قرشية (5) * فياربما قَدْ غَصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُهْ وَإِنْ تَرَ مِنِّي وَثْبَةً أُمَوِيَّةً * فَهَذَا وَهَذَا كُلُّهُ أَنَا صَاحِبُهْ
__________
(1) في هامش المطبوعة: ما يسمى في هذا العصر نبيذا هو الخمر المحض، وهو غير ما كان يسميه سلفنا نبيذا.
والنبيذ عندهم هو التمر أو الزبيب يترك عليه الماء ويسمونه بعد ذلك نبيذا سواء أسكر أو لم يسكر.
وفي كلتا الحالتين فإنه أشبه بعصير القصب اليوم إن لم يكن دونه.
(2) نسخة الكتاب في مروج الذهب 3 / 162 وابن الاعثم 7 / 164.
(3) في ابن الاعثم: وتأبي.
(4) البيت في الفتوح: وتخشى الذي يخشاه مثلي فكن إذا * كذا الدر يوما ظن بالدر حالبه (5) في مروج الذهب: وثبة أموية.
(*)
(9/147)

فَلَا تعدُ مَا يَأْتِيكَ مِنِّي فانْ تعدْ * تَقُمْ فَاعْلَمَنْ يَوْمًا عَلَيْكَ نَوَادِبُهْ (1) فَلَمَّا قَرَأَهُ الْحَجَّاجُ كَتَبَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَاءَنِي كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَذْكُرُ فِيهِ سَرَفِي فِي الْأَمْوَالِ، وَالدِّمَاءِ، فَوَاللَّهِ مَا بَالَغْتُ فِي عُقُوبَةِ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَا قَضَيْتُ حَقَّ أَهْلِ الطَّاعَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَرَفًا فَلْيُحِدَّ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَدًّا أَنْتَهِي إِلَيْهِ وَلَا أَتَجَاوَزُهُ (2) ، وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ: إِذَا أَنَا لَمْ أَطْلُبْ رِضَاكَ وأتقي * أذاك فيومي لا توارث (3) كَوَاكِبُهْ
إِذَا قَارَفَ الْحَجَّاجُ فِيكَ خَطِيئَةً * فَقَامَتْ عليه في الصباح نوادبه أسالم من سالمته من ذي هوادةٍ * ومن لا تُسَالِمْهُ فَإِنِّي مُحَارِبُهْ إِذَا أَنَا لَمْ أُدْنِ الشَّفِيقَ لِنُصْحِهِ * وَأُقْصِ الَّذِي تَسْرِي إليَّ عَقَارِبُهْ فمن يتقي يومي ويرجو إذا عدى * عَلَى مَا أَرَى وَالدَّهْرُ جمٌ عَجَائِبُهْ (4) وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِلْغَازِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنْ يَسْأَلَ الْحَجَّاجَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ: هَلْ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مما أصاب من الدنيا شَيْئًا؟ فَسَأَلَهُ كَمَا أَمَرَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أحب أن لي لبنان أو سبير ذَهَبًا أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَكَانَ مَا أبلاني الله من الطاعة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل فيما رُوي عنه من الكلمات النافعة وَالْجَرَاءَةِ الْبَالِغَةِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: اتَّقَوْا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ، واسمعوا وأطعيوا لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتُ النَّاس أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَخَرَجُوا مِنْ بَابٍ آخَرَ لَحَلَّتْ لِي دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَاللَّهِ لَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ لَكَانَ ذَلِكَ لِي مِنَ اللَّهِ حَلَالًا، وما عذيري من عبد
__________
(1) في ابن الاعثم: فلا تأمنني والحوادث جمة * فإنك مجزى بما أنت كاسبه وبعده فيه - وذكر أبياتا منها: ولا تمنعن الناس حقا علمته * ولا تعط مالا ليس للناس واجبه وهو في مروج الذهب: ولا تنقصن ... * ولا تعطين ما ليس لله جانبه (2) نسخة الكتاب في مروج الذهب 3 / 163 والفتوح 7 / 165.
(3) في مروج الذهب: لا تزول.
(4) البيت في ابن الاعثم:
فمن يبغني يوما ويرجو مروتي * ويحذرني والدهر جم نوائبه وفي مروج الذهب: فمن ذا الذي يرجو نوالي ويتقي * مصاولتي، والدهر جم نوائبه (*)
(9/148)

هُذَيْلٍ يَزْعُمُ أَنَّ قُرْآنَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، والله ما هي إلا ارجز مِنْ رَجَزِ الْأَعْرَابِ مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وَعَذِيرِي مِنْ هَذِهِ الْحَمْرَاءِ، يَزْعُمُ أَحَدُهُمْ يَرْمِي بِالْحَجَرِ فَيَقُولُ لي إن تقع الْحَجَرُ حَدَثَ أَمْرٌ، فَوَاللَّهِ لَأَدَعَنَّهُمْ كَالْأَمْسِ الدَّابِرِ.
قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِلْأَعْمَشِ فَقَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ سَمِعْتُهُ منه.
ورواه أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ وَالْأَعْمَشِ أَنَّهُمَا سمعا الحجاج فبحه الله يقول ذلك، وفيه والله ولو أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فَخَرَجْتُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَحَلَّتْ لِي دِمَاؤُكُمْ، وَلَا أَجِدُ أَحَدًا يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَلَأَحُكَّنَّهَا مِنَ الْمُصْحَفِ ولو بضلع خنزير.
ورواه غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ بِنَحْوِهِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوايات: وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْتُ عبد هذيل لأضربن عُنُقَهُ.
وَهَذَا مِنْ جَرَاءَةِ الْحَجَّاجِ قَبَّحَهُ اللَّهُ، وإقدامه على الكلام السئ، والدماء الحرام.
وإنما نقم على قرأة ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ خَالَفَ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ، وَالظَّاهِرُ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ عُثْمَانَ وَمُوَافِقِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ، عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا الصَّلت بْنُ دِينَارٍ سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ عَلَى مِنْبَرِ وَاسِطٍ يَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، لَوْ أَدْرَكْتُهُ لَأَسْقَيْتُ الْأَرْضَ مِنْ دَمِهِ.
قَالَ وَسَمِعْتُهُ عَلَى مِنْبَرِ وَاسِطٍ وَتَلَا هَذِهِ الآية (هب لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) [ص: 35] قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ لَحَسُودًا.
وَهَذِهِ جَرَاءَةٌ عَظِيمَةٌ تُفْضِي بِهِ إِلَى الْكُفْرِ: قبحه الله وأخزاه، وأبعده وأقصاه.
قال أبو نعيم: حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة.
قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فقال: إني جئتك من عند رجل يملي المصاحف عن ظهر قلب، ففزع عمر وغضب وقال: ويحك،
انظر ما تقول.
قال: ما جئتك إلا بالحق، قال: من هو؟ قال عبد الله بن مسعود.
قال: ما أعلم أحداً أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك.
" إنا سهرنا ليلة في بيت عند أبي بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم خرجنا وَرَسُولُ اللَّهِ (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَمْشِي بيني وبين أبي بكر، فلما انتهينا إلى المسجد إذا رجل يقرأ فقام النَّبيّ (صلَّى الله عليه وسلم) يستمع إليه، فقلت: يا رسول الله أعتمت، فغمزني بيده - يعني اسكت - قال: فقرأ وركع وسجد وجلس يدعو ويستغفر، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : سل نفطه ثم قال: من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد، فعلمت أنا وصاحبي أنه عبد الله بن مسعود، فلما أصبحت غدوت إليه لا بشره فقال: سبقك بها أبو بكر، وما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه " وهذا الحديث قد روي من طرق، فرواه حبيب بن حسان عن زيد بن وهب عن عمر مثله، ورواه شعبة وزهير وخديج عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عبد الله، ورواه عاصم عن عبد الله، ورواه الثوري وزائدة عن الأعمش نحوه.
وقال أبو داود: حدثنا عمر بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن حمير بن مالك قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: " أخذت مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت لصبي مع الصبيان، فأنا لا أدع ما أخذت مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
(9/149)

(صلى الله عليه وسلم) ، وقد رواه الثوري وإسرافيل، عن أبي إسحاق به.
وفي رواية ذكرها الطبراني عنه قال: " لقد تلقيت مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت، وله ذؤابة يلعب مع الغلمان ".
وقد روى أبو داود عنه وذكر قصة رعيه الغنم لعقبة بن أبي معيط، وأنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم) : " إنَّك غلام معلَّم، قال: فأخذت من فيه سبعين سورة من ينازعني فيها أحد ".
ورواه أبو أيوب الإفريقي وأبو عوانة عن عاصم عن زر عنه نحوه.
وقال له النَّبيّ (صلَّى الله عليه وسلم) : " إذنك أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك ".
وقد روي هذا عنه من طرق.
وروى الطبراني: عن عبد الله بن شداد بن الهاد: أن عبد الله كان صاحب الوساد والسواد والسواك والنعلين.
وروى غيره عن علقمة قال: قدمت الشام فجلست إلى أبي الدرداء فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، فقال: أليس فيكم صاحب الوساد والسواك؟ وقال
الحارث بن أبي أسامة: حدَّثنا عبد العزيز بن أبان حدثنا قطر بن خليفة حدثنا أبو وائل قال سمعت حذيفة يقول وابن مسعود قائم: لقد عَلِمَ الْمَحْفُوظُونَ مِنْ أَصْحَابِ محمَّد (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، من أقربهم وسيلة يوم القيامة.
وقد روي هذا عن حذيفة من طرق، فرواه شعبة عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حذيفة ورواه عن أبي وائل فاضل الأحدب وجامع بن أبي راشد، وعبيدة، وأبو سنان الشيباني، وحكيم بن جبير، ورواه عبد الرحمن بن يزيد عن حذيفة.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيالسيّ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول: قلنا لحذيفة أخبرنا برجل قريب الهدى والسمت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حتى نلزمه، فقال: ما أعلم أحداً أقرب هدياً وسمتاً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حتى يواريه جدار بيته من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون مِنْ أَصْحَابِ النَّبيّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ أَقْرَبُهُمْ إِلَى اللَّهِ وسيلة.
قلت: فهذا حذيفة بن اليمان صاحب سِرَّ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وَهَذَا قوله في عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فكذب الحجاج وفجر، ولقم النار والحجر فيما يقوله فيه، وفي رميه له بالنفاق، وفي قوله عن قراءته: إنها شعر من شعر هذيل، وإنه لا بدَّ أن يحكها من المصحف ولو بضلع خنزير، وأنه لو أدركه لضرب عنقه، فحصل على إثم ذلك كله بنيته الخبيثة.
وقال عفَّان: حدَّثنا حماد: حدثنا عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كنت أجتني لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) سواكاً من أراك، فكانت الريح تكفوه، وكان في ساقه دقة، فضحك القوم، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : " مَا يضحككم؟ قالوا: من دقة ساقيه، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أحد ".
ورواه جرير وعلي بن عاصم عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ أُمِّ مُوسَى عَنْ عَلِيٍّ بن أبي طالب، وروى سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم) : " تمسكوا بعهد عبد الله بن أم مسعود " ورواه الترمذي والطبراني.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أبي إسحاق.
قال: سمعت أبا الأحوص قال: شهدت أبا موسى وأبا مسعود حين توفي ابن مسعود وأحدهما يقول لصاحبه: أتراه ترك بعده مثله.
قال: إن قلت ذاك إنه كان ليؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا.
وقال الأعمش:
(9/150)

يعني عبد الله بن مسعود.
وقال أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهب.
قال: أقبل عبد الله بن مسعود ذات يوم وعمر جالس فقال: كيف ملئ فقهاً.
وقال عمر بن حفص: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ حدَّثنا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ أبي حصين، عن أبي عطية أن أبا موسى الأشعري قال: لا تسألونا عن شئ ما دام هذا الحبر بين أظهرنا مِنْ أَصْحَابِ محمَّد (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - يعني ابن مسعود - وروى جرير عن الأعمش عن عمرو بن عروة، عن أبي البختري قال: قالوا لعلي: حدثنا عن أَصْحَابِ محمَّد (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، قَالَ: عن أيهم؟ قالوا: حدثنا عن ابن مسعود.
قال: علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علماً.
وفي رواية عن علي قال: علم القرآن ثم وقف عنده وكفى به.
فهداتنا والصحابة العالمون به، العارفون بما كان عليه، فهم أولى بالاتباع وأصدق أقوالاً من أصحاب الأهواء الحائدين عن الحق، بل أقوال الحجاج وغيره من أهل الأهواء: هذيانات وكذب وافتراء وبعضها كفر وزندقة، فإن الحجاج كان عثمانياً أموياً، يميل إليهم ميلاً عظيماً.
ويرى أن خلافهم كفر.
ويستحل بذلك الدماء ولا تأخذه في ذلك لومة لائم.
من الطَّامَّاتِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ثنا جرير.
وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ بُزَيع بْنِ خَالِدٍ الضَّبِّيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَخْطُبُ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: رَسُولُ أَحَدِكُمْ فِي حَاجَتِهِ أَكْرَمُ عَلَيْهِ أَمْ خَلِيفَتُهُ فِي أَهْلِهِ؟ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُصَلِّيَ خَلْفَكَ صَلَاةً أَبَدًا، وَإِنْ وَجَدْتُ قَوْمًا يُجَاهِدُونَكَ لَأُجَاهِدَنَّكَ مَعَهُمْ.
زَادَ إِسْحَاقُ فَقَاتَلَ فِي الْجَمَاجِمِ حَتَّى قُتِلَ.
فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْهُ فَظَاهِرُهُ كُفْرٌ إِنْ أَرَادَ تَفْضِيلَ مَنْصِبَ الْخِلَافَةِ عَلَى الرِّسَالَةِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الرَّسُولِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ثَنَا أَبُو حَفْصٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ: خَطَبَ الْحَجَّاجُ يَوْمًا فَأَقْبَلَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْحَجَّاجَ كَافِرٌ، ثُمَّ أَطْرَقَ فَقَالَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ كَافِرٌ، ثُمَّ أَطْرَقَ فَأَقْبَلَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْحَجَّاجَ كَافِرٌ، فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، ثمَّ قَالَ: كَافِرٌ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى.
وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ثَنَا ضَمْرَةُ ثَنَا ابْنُ شَوْذَبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: بَيْنَمَا الْحَجَّاجُ يَخْطُبُنَا يوماً إذ قال: الحجاج كافر، قلنا: ماله؟ أي شئ يُرِيدُ؟ قَالَ: الْحَجَّاجُ كَافِرٌ بِيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ وَالْبَغْلَةِ الشَّهْبَاءِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا
للحجاج: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يَعْرِفُ عَيْبَ نفسه.
فصف عَيْبَ نَفْسِكَ، فَقَالَ: اعْفِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَبَى، فَقَالَ: أَنَا لَجُوجٌ حَقُودٌ حَسُودٌ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا فِي الشَّيْطَانِ شَرٌّ مِمَّا ذَكَرْتَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: إذًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ نَسَبٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ نِقْمَةً عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ بِمَا سَلَفَ لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَخُذْلَانِهِمْ لَهُمْ، وَعِصْيَانِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ، وَالِافْتِيَاتِ عَلَيْهِمْ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حدَّثنا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حدَّثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ شُرَيْحِ بن عبيد عمن حَدَّثَهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ أنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ حصَّبوا أَمِيرَهُمْ فَخَرَجَ غَضْبَانَ، فصلَّى لَنَا صَلَاةً فَسَهَا فِيهَا، حَتَّى جَعَلَ النَّاس يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ، فلمَّا سلَّم أَقْبَلَ عَلَى النَّاس
(9/151)

فقال: من ههنا مِنْ أَهْلِ الشَّام؟ فَقَامَ رَجُلٌ ثمَّ قَامَ آخَرُ ثمَّ قُمْتُ أَنَا ثَالِثًا أَوْ رَابِعًا، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الشَّام اسْتَعِدُّوا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، فإنَّ الشَّيطان قَدْ بَاضَ فِيهِمْ وفرَّخ، اللَّهم إِنَّهُمْ قَدْ لَبَسُوا عَلَيْهِمْ فَأَلْبِسْ عَلَيْهِمْ وَعَجِّلْ عَلَيْهِمْ بِالْغُلَامِ الثَّقَفِيِّ، يَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَقْبَلُ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْ مُسِيئِهِمْ (1) .
وَقَدْ رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ مُسْنَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَذْبَةَ الْحِمَّصِيِّ عن عمر مثله.
وقال عبد الرزاق: ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: اللَّهُمَّ كَمَا ائمنتهم فَخَانُونِي، وَنَصَحْتُ لَهُمْ فغشُّوني فسلِّط عَلَيْهِمْ فَتَى ثَقِيفٍ الذَّيَّالَ الميَّال، يَأْكُلُ خَضِرَتَهَا، وَيَلْبَسُ فَرْوَتَهَا، وَيَحْكُمُ فِيهَا بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ.
قَالَ يَقُولُ الْحَسَنُ: وَمَا خُلِقَ الحجَّاج يَوْمَئِذٍ (2) .
وَرَوَاهُ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أيُّوب عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّه قَالَ: الشَّاب الذَّيَّالُ أَمِيرُ الْمِصْرَيْنِ يَلْبَسُ فَرْوَتَهَا وَيَأْكُلُ خَضِرَتَهَا، وَيَقْتُلُ أَشْرَافَ أَهْلِهَا، يَشْتَدُّ مِنْهُ الْفَرَقُ، وَيَكْثُرُ مِنْهُ الْأَرَقُ، وَيُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَى شِيعَتِهِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأَ الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثابت.
قال قال علي لرجل: لامت حتى تدرك فتى ثقيف، قال: وَمَا فَتَى ثَقِيفٍ؟ قَالَ: ليقالنَّ
لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اكْفِنَا زَاوِيَةً مِنْ زَوَايَا جَهَنَّمَ، رَجُلٌ يَمْلِكُ عِشْرِينَ سَنَةً، أَوْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، لَا يَدْعُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً إِلَّا ارْتَكَبَهَا، حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَعْصِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلِقٌ لَكَسَرَهُ حَتَّى يَرْتَكِبَهَا، يَقْتُلُ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ (3) .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زكريا ثنا إسماعيل بن موسى السدوسي، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَجْلَحِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ سِنَانٍ الْجَدَلِيَّةِ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى عَلِيٍّ فَرَدَّهُ قُنْبُرٌ فَأَدْمَى أَنْفَهُ فَخَرَجَ علي فقال: مالك وَلَهُ يَا أَشْعَثُ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ بِعَبْدِ ثقيف تحرشت لَاقْشَعَرَّتْ شُعَيْرَاتُ اسْتِكَ، قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ عَبْدُ ثَقِيفٍ؟ قَالَ: غُلَامٌ يَلِيهِمْ لَا يُبْقِي أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا أَلْبَسَهُمْ ذُلًّا، قِيلَ كَمْ يَمْلِكُ؟ قَالَ عِشْرِينَ إن بلغ.
وقال البيهقي أنبأنا الحاكم: أنبأ الحسن (4) بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ، ثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازيّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ، ثنا ابن يحيى الغاني (5) قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ تخابثت الأمم فجاءت كُلُّ أُمَّةٍ بِخَبِيثِهَا، وَجِئْنَا بالحجَّاج لَغَلَبْنَاهُمْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي
__________
(1) نقله البيهقي في الدلائل 6 / 486 - 487 عن أبي عذبة الحمصي.
(2) الحديث في دلائل البيهقي 6 / 488.
(3) المصدر السابق ص 489.
(4) في الدلائل 6 / 489: الحسين (5) في الدلائل: الغساني، وهو هشام بن يحيى.
(*)
(9/152)

النُّجُودِ أَنَّهُ قَالَ: مَا بَقِيَتْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حُرْمَةٌ إِلَّا وَقَدِ ارْتَكَبَهَا الْحَجَّاجُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ " إِنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا " وكان المختار هو الْكَذَّابُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ كَانَ يُظْهِرُ الرَّفْضَ أَوَّلًا وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ الْمَحْضَ، وَأَمَّا المبير فهو الجاج بْنُ يُوسُفَ هَذَا، وَقَدْ كَانَ نَاصِبِيًّا يُبْغِضُ عَلِيًّا وَشِيعَتَهُ فِي هَوَى آلِ مَرْوَانَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ جَبَّارًا عَنِيدًا، مِقْدَامًا عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَلْفَاظٌ بَشِعَةٌ شَنِيعَةٌ ظَاهِرُهَا الْكُفْرُ كَمَا قَدَّمْنَا.
فَإِنْ كَانَ قَدْ
تَابَ مِنْهَا وَأَقْلَعَ عَنْهَا، وَإِلَّا فَهُوَ بَاقٍ فِي عُهْدَتِهَا، وَلَكِنْ قَدْ يُخْشَى أَنَّهَا رُوِيَتْ عَنْهُ بِنَوْعٍ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشِّيعَةَ كَانُوا يُبْغِضُونَهُ جِدًّا لِوُجُوهٍ، وَرُبَّمَا حَرَّفُوا عَلَيْهِ بَعْضَ الْكَلِمِ.
وَزَادُوا فِيمَا يَحْكُونَهُ عَنْهُ بَشَاعَاتٍ وَشَنَاعَاتٍ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ أنَّه كَانَ يَتَدَيَّنُ بِتَرْكِ الْمُسْكِرِ، وَكَانَ يُكْثِرُ تِلَاوَةَ القرآن، ويتجنب المحارم، ولم يشتهر عنه شئ مِنَ التَّلَطُّخِ بِالْفُرُوجِ، وَإِنْ كَانَ مُتَسَرِّعًا فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ فَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَحَقَائِقِ الأمور وساترها، وخفيات الصدور وضمائرها: قلت: الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله عزوجل، وقد كان حريصاً على الجهاد وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيراً، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم.
والله أعلم.
وَقَالَ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ طرار الْبَغْدَادِيُّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثَنَا هِشَامُ أبو مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، ثَنَا عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ الْكَلْبِيُّ.
قَالَ: دَخَلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يديه قال لَهُ إِيهٍ إِيهٍ يَا أُنَيْسُ، يَوْمٌ لَكَ مَعَ عَلِيٍّ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَاللَّهِ لَأَسْتَأْصِلَنَّكَ كما تستأصل الشاة.
وَلَأَدْمَغَنَّكَ كَمَا تُدْمَغُ الصَّمْغَةُ (1) .
فَقَالَ أَنَسٌ: إِيَّايَ يعني الأمير أصلحه الله؟ قال: إياك أعني صك اللَّهُ سَمْعَكَ.
قَالَ أَنَسٌ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ لَوْلَا الصِّبْيَةُ الصِّغَارُ مَا بَالَيْتُ أَيَّ قِتْلَةٍ قُتِلْتُ.
وَلَا أَيَّ مِيتَةٍ مِتُّ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ الْحَجَّاجِ فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِمَا قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ، فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ كتاب أنس استشاط غضباً، وشفق عَجَبًا، وَتَعَاظَمَ ذَلِكَ مِنَ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ كِتَابُ أنس إلى عبد الملك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ لِي هُجراً، وَأَسْمَعَنِي نُكْرًا، وَلَمْ أَكُنْ لِذَلِكَ أَهْلًا، فَخُذْ لِي عَلَى يَدَيْهِ، فَإِنِّي أَمُتُّ بِخِدْمَتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصُحْبَتِي إِيَّاهُ، والسَّلام عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَبَعَثَ عبد الملك إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وَكَانَ مُصَادِقًا لِلْحَجَّاجِ فَقَالَ لَهُ: دُونَكَ كِتَابَيَّ هذين فخذهما
__________
(1) في الاخبار الطوال ص 323: يوما مع المختار، ويوما مع ابن الأشعث، جوال الفتن، والله لقد هممت أن أطحنك طحن الرحى بالثفال، وأجعلك غرضا للنبال.
(*)
(9/153)

وَارْكَبِ الْبَرِيدَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَابْدَأْ بِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فارفع كِتَابِي إِلَيْهِ وَأَبْلِغْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ قَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْحَجَّاجِ الْمَلْعُونِ كِتَابًا إِذَا قَرَأَهُ كَانَ أَطْوَعَ لَكَ مِنْ أَمَتِكَ، وَكَانَ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ! مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ إِلَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا بَعْدُ فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ شِكَايَتِكَ الْحَجَّاجَ، وَمَا سَلَّطْتُهُ عَلَيْكَ وَلَا أَمَرْتُهُ بِالْإِسَاءَةِ إِلَيْكَ، فَإِنْ عَادَ لِمِثْلِهَا اكْتُبْ إِلَيَّ بِذَلِكَ أُنْزِلْ بِهِ عُقُوبَتِي، وَتَحْسُنْ لَكَ مَعُونَتِي.
وَالسَّلَامُ.
فَلَمَّا قَرَأَ أنس كتاب أمير المؤمنين وَأُخْبِرَ بِرِسَالَتِهِ قَالَ: جَزَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِّي خَيْرًا، وَعَافَاهُ وَكَفَاهُ وَكَافَأَهُ بِالْجَنَّةِ، فَهَذَا كَانَ ظَنِّي بِهِ وَالرَّجَاءَ مِنْهُ.
فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ لِأَنَسٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّ الْحَجَّاجَ عَامِلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ بِكَ عَنْهُ غِنًى، وَلَا بِأَهْلِ بَيْتِكَ، وَلَوْ جُعِلَ لك في جامعة ثم دفع إليك، فَقَارِبْهُ وَدَارِهِ تَعِشْ مَعَهُ بِخَيْرٍ وَسَلَامٍ.
فَقَالَ أَنَسٌ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ خَرَجَ إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج، فقال الحجاج: مرحباً برجل أحبه وكنت أحب لقاه، فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَنَا وَاللَّهِ كُنْتُ أُحِبُّ لِقَاءَكَ فِي غَيْرِ مَا أَتَيْتُكَ بِهِ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ الحجاج وخاف وَقَالَ: مَا أَتَيْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: فَارَقْتُ أَمِيرَ المؤمنين وهو أشد الناس غضباً عليك، وَمِنْكَ بُعْدًا، قَالَ: فَاسْتَوَى الْحَجَّاجُ جَالِسًا مَرْعُوبًا، فَرَمَى إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بِالطُّومَارِ فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَنْظُرُ فِيهِ مَرَّةً وَيَعْرَقُ، وَيَنْظُرُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ أُخْرَى، فلما فضَّه قَالَ: قُمْ بِنَا إِلَى أَبِي حَمْزَةَ نَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَنَتَرَضَّاهُ، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: لَا تَعْجَلْ! فَقَالَ: كَيْفَ لَا أَعْجَلُ وَقَدْ أَتَيْتَنِي بِآبِدَةٍ؟ وكان في الطومار.
بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ عَبْدٌ طَمَتْ بِكَ الْأُمُورُ، فَسَمَوْتَ فِيهَا وَعَدَوْتَ طَوْرَكَ، وَجَاوَزْتَ قَدْرَكَ، وَرَكِبْتَ دَاهِيَةً إدَّا، وَأَرَدْتَ أن تبدو لي فَإِنْ سَوَّغْتُكَهَا مَضَيْتَ قُدُمًا، وَإِنْ لَمْ أُسَوِّغْهَا رجعت القهقرى، فلعنك الله
من عبد أَخْفَشَ الْعَيْنَيْنِ، مَنْقُوصَ (1) الْجَاعِرَتَيْنِ.
أَنَسِيتَ مَكَاسِبَ آبَائِكَ بِالطَّائِفِ، وَحَفْرَهُمُ الْآبَارَ، وَنَقْلَهُمُ الصُّخُورَ عَلَى ظُهُورِهِمْ في المناهل، يا بن المستفرية (2) بعجم الزبيب، والله لأغمرنك غمر اللَّيْثِ الثَّعْلَبَ، وَالصَّقْرَ الْأَرْنَبَ.
وَثَبْتَ عَلَى رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَلَمْ تَقْبَلْ لَهُ إِحْسَانَهُ، ولم تتجاوز له عن إساءته، جرأة منك على الرب عزوجل، وَاسْتِخْفَافًا مِنْكَ بِالْعَهْدِ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ والنصارى رأت رجلاً خدم عزير بن عزرى، وعيسى بن مريم، لعظمته وشرفته وأكرمته وأحبته، بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو خدم حواري المسيح لعظموه وأكرموه، فَكَيْفَ وَهَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم ثَمَانِيَ سِنِينَ (3) ، يطلعه على سره، ويشاوره في
__________
(1) في العقد الفريد: ممسوح الجاعرتين أصك الرجلين.
(2) في الاخبار الطوال ص 324 والعقد الفريد 3 / 14: المستفرمة، وقد تقدم شرحها.
(3) في الاخبار الطوال: ست سنين.
وتقدم في ترجمة أنس: ثماني سنين وقيل تسع وقيل عشر.
(*)
(9/154)

أَمْرِهِ، ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذَا بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا أَصْحَابِهِ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَكُنْ أَطْوَعَ لَهُ مِنْ خُفِّهِ وَنَعْلِهِ، وَإِلَّا أَتَاكَ مني سهم بكل حتف قَاضٍ، وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وَقَدْ تكلم ابن طرار عَلَى مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْغَرِيبِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الزبير - يعني ابن عدي - قال: أتينا أنس بن مالك نشكو إليه مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عليكم عام أو زمان أَوْ يَوْمٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حتى تلقوا ربكم عزوجل، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم (1) وَهَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ " الْحَدِيثَ.
قُلْتُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى فَيَقُولُ: كُلُّ عَامٍ تَرْذُلُونَ.
وَهَذَا اللَّفْظُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ معنى هذا الحديث، والله أعلم.
قلت: قد مر بي مرة من كلام عائشة مرفوعاً وموقوفاً: كل يوم ترذلون.
ورأيت للإمام أحمد
كلاماً قال فيه: وروي في الحديث كل يوم ترذلون نسماً خبيثاً.
فيحتمل هذا أنه وقع للإمام أحمد مرفوعاً، ومثل أحمد لا يقول هذا إلا عن أصل، وقد روى عن الحسن مثل ذلك، والله أعلم.
فدل على أن له أصلاً إما مرفوعاً وإما من كلام السلف، لم يزل يتناوله الناس قرنا بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، حتى وصل إلى هذه الأزمان، وهو موجود في كل يوم، بل في كل ساعة تفوح رائحته، ولا سيما من بعد فتنة تمرلنك، وإلى الآن نجد الرذالة في كل شئ، وهذا ظاهر لمن تأمله، والله سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ.
قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَانٌ يُصَلُّونَ فِيهِ عَلَى الْحَجَّاجِ.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي السَّفَرِ.
قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُمْ لَتَمَنَّوُنَّ الْحَجَّاجَ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّكَ تَقُولُ: الْآخِرُ شَرٌّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَهَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ الْحَجَّاجِ.
فَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ تَنْفِيسَاتٍ.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: بَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْحَسَنِ وَقَدْ همَّ بِهِ، فَلَمَّا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: يَا حَجَّاجُ كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ آدَمَ مِنْ أَبٍ؟ قَالَ: كَثِيرٌ، قَالَ: فَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: مَاتُوا قَالَ: فَنَكَّسَ الْحَجَّاجُ رَأْسَهُ وَخَرَجَ الْحَسَنُ.
وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: إِنَّ الْحَجَّاجَ أَرَادَ قَتْلَ الْحَسَنِ مِرَارًا فَعَصَمَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ مَعَهُ مُنَاظَرَاتٍ، عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَرَى الْخُرُوجَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَنْهَى أَصْحَابَ ابْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَعَهُمْ مُكْرَهًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ نِقْمَةٌ فَلَا تُقَابَلُ نِقْمَةُ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ وَالسَّكِينَةِ وَالتَّضَرُّعِ.
وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الخضر
__________
(1) مسند أحمد 3 / 177.
(*)
(9/155)

عَنِ ابْنِ عَائِشَةَ، قَالَ: أُتِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عبد الملك رجل مِنَ الْخَوَارِجِ فَقِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ فَأَثْنَى خَيْرًا، قَالَ فَعُثْمَانَ؟ فأثنى خيراً، قيل له: فما تقول في علي؟ فأثنى خيراً، فذكر له الخلفاء واحداً بعد واحد، فيثني على كل بما يناسبه، حَتَّى قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ؟ فَقَالَ: الْآنَ جَاءَتِ الْمَسْأَلَةُ، مَا أَقُولُ فِي رَجُلٍ الْحَجَّاجُ خَطِيئَةٌ مِنْ بعض خَطَايَاهُ؟
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِامْرَأَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهَا وَهِيَ لَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَلَا تَرُدُّ عَلَيْهِ كَلَامًا، فَقَالَ لَهَا بَعْضُ الشُّرَطِ: يُكَلِّمُكِ الْأَمِيرُ وَأَنْتِ مُعْرِضَةٌ عَنْهُ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي لا ستحي مِنَ اللَّهِ إِنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَأَمَرَ بِهَا فَقُتِلَتْ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ كَيْفِيَّةَ مَقْتَلِ الْحَجَّاجِ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمَا دَارَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْكَلَامِ وَالْمُرَاجَعَةِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثَنَا أَبُو ظَفَرٍ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ بِسْطَامَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: خَرَجْتَ عَلَى الْحَجَّاجِ؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ عَلَيْهِ حَتَّى كَفَرَ، وَيُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ بَعْدَهُ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا اسْمُهُ مَاهَانُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ قَبْلَهُ خَلْقًا كَثِيرًا، أَكْثَرُهُمْ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ.
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: ثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مسلم الْبَلْخِيُّ، ثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: أَحْصَوْا مَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ صَبْرًا فَبَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا.
قَالَ الاصمعي: ثنا أبوصم، عن عباد بن كثير، عن قحدم قَالَ: أَطْلَقَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي غداة واحدة أحداً وثمانين ألف أسير كانوا في سجن الحجاج، وقيل إنه لبث في سجنه ثمانون ألفاً منهم ثلاثون ألف امرأة وَعُرِضَتِ السُّجُونُ بَعْدَ الْحَجَّاجِ فَوَجَدُوا فِيهَا ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، لَمْ يَجِبْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قطع ولا صلب، وكان فيمن حُبِسَ أَعْرَابِيٌّ وُجِدَ يَبُولُ فِي أَصْلِ رَبَضِ مدينة واسط، وكان فيمن أُطْلِقُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: إِذَا نَحْنُ جَاوَزْنَا مَدِينَةَ وَاسِطٍ * خَرَيْنَا وَصَلَّيْنَا بِغَيْرِ حِسَابِ (1) وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ مَعَ هَذَا الْعُنْفِ الشَّدِيدِ لَا يَسْتَخْرِجُ مِنْ خَرَاجِ الْعِرَاقِ كَبِيرَ أَمْرٍ، قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أبي سنح، ثَنَا صَالِحُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان الحجاج يَصْلُحُ لِدُنْيَا وَلَا لِآخِرَةٍ لَقَدْ وَلِيَ الْعِرَاقَ وَهُوَ أَوْفَرُ مَا يَكُونُ فِي الْعِمَارَةِ، فأخسَّ به إلى أن صَيَّرَهُ إِلَى أَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَلَقَدْ أُدِّيَ إلى عمالي في عامي هذا ثمانين أَلْفَ أَلْفٍ، وَإِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ رَجَوْتُ أَنْ يُؤَدَّى إِلَيَّ مَا أُدِّيَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِائَةُ أَلْفِ أَلْفٍ وَعَشَرَةُ آلَافِ ألف.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِيِّ: ثَنَا أَبُو عَرُوبَةَ ثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، ثَنَا أَبِي: سَمِعْتُ جَدِّي قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ
أَرْطَاةَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَسْتَنُّ بِسَنَنِ الْحَجَّاجِ فَلَا تَسْتَنَّ بِسَنَنِهِ، فَإِنَّهُ كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ
__________
(1) في العقد الفريد 3 / 17: خرينا وبلنا لا نخاف عقابا.
(*)
(9/156)

الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ حَقِّهَا وَكَانَ لِمَا سِوَى ذَلِكَ أَضْيَعَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَسَدٍ، ثَنَا ضَمْرَةُ، عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ مُسْلِمٍ.
قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العزيز بآل بيت أَبِي عَقِيلٍ - أَهْلِ بَيْتِ الْحَجَّاجِ - إِلَى صَاحِبِ الْيَمَنِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ بِآلِ أَبِي عَقِيلٍ وَهُمْ شَرُّ بَيْتٍ في العمل، فَفَرِّقْهُمْ فِي الْعَمَلِ عَلَى قَدْرِ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَيْنَا، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ.
وَإِنَّمَا نَفَاهُمْ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ يَقُولُ: كَانَ الْحَجَّاجُ يَنْقُضُ عُرَى الْإِسْلَامِ، وَذَكَرَ حِكَايَةً.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَاصِمِ: لَمْ يُبْقِ لِلَّهِ حُرْمَةً إِلَّا ارْتَكَبَهَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عِيسَى الرَّمْلِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ: اخْتَلَفُوا فِي الْحَجَّاجِ فَسَأَلُوا مُجَاهِدًا فَقَالَ: تسألون عَنِ الشَّيْخِ الْكَافِرِ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْحَجَّاجُ مُؤْمِنٌ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ.
كَذَا قَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقال الثوري عن معمر، عن ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عَجَبًا لِإِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُسَمُّونَ الْحَجَّاجَ مُؤْمِنًا؟ ! وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنِ ابن عوف: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُسْأَلُ عَنِ الْحَجَّاجِ أَتَشْهَدُ إنَّه مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ أَتَأْمُرُونِي أَنْ أَشْهَدَ عَلَى (1) اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ منصور: سألت إبراهيم عن الْحَجَّاجِ أَوْ بَعْضِ الْجَبَابِرَةِ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود: 18] وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَفَى بِالرَّجُلِ عَمًى أَنْ يَعْمَى عَنْ أَمْرِ الْحَجَّاجِ.
وَقَالَ سَلَامُ بْنُ أبي مطيع لأنا بالحجاج أَرْجَى مِنِّي لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، لَأَنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَ النَّاسَ عَلَى الدُّنْيَا، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ أحدث للناس بدعة شنعاء، قتل النَّاس بعضهم بعضاً، وقال الزبير: سَبَبْتُ الْحَجَّاجَ يَوْمًا عِنْدَ أَبِي وَائِلٍ فَقَالَ: لَا تَسُبُّهُ لَعَلَّهُ قَالَ يَوْمًا اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي فَيَرْحَمُهُ، إِيَّاكَ وَمُجَالَسَةَ مَنْ يَقُولُ أَرَأَيْتَ أَرَأَيْتَ أَرَأَيْتَ.
وَقَالَ عَوْفٌ: ذُكِرَ الْحَجَّاجُ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَالَ: مِسْكِينٌ أَبُو مُحَمَّدٍ، إِنْ يعذبه الله عزوجل فَبِذَنْبِهِ، وَإِنْ يَغْفِرْ لَهُ فَهَنِيئًا لَهُ، وَإِنْ يلق الله بقلب سليم فهو خير منا، وقد أَصَابَ الذُّنُوبَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَقِيلَ له ما القلب السليم؟ قال: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ تعالى منه الحياء
والإيمان، وأن يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ حَقٌّ قَائِمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.
وَقَالَ أَبُو قَاسِمٍ الْبَغَوِيُّ: ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: أتشهد على الحجاج وعلى أبي مسلم الخراساني أَنَّهُمَا فِي النَّارِ؟ قال: لا! إن أقرَّا بِالتَّوْحِيدِ.
وَقَالَ الرِّيَاشِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْأَزْرَقُ عَنِ السِّرِّيِّ بْنِ يَحْيَى قَالَ: مَرَّ الْحَجَّاجُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فَسَمِعَ اسْتِغَاثَةً فَقَالَ: مَا هذا؟ فقيل أَهْلُ السُّجُونِ يَقُولُونَ قَتَلَنَا الْحَرُّ، فَقَالَ: قُولُوا لهم احساوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ.
قَالَ: فَمَا عَاشَ بَعْدَ ذلك إلا أقل من جمعة حتى قصمه الله قاصم كل جبار.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَأْتِي الْجُمُعَةَ وَقَدْ كَادَ يَهْلِكُ مِنَ الْعِلَّةِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: لَمَّا مَرِضَ الْحَجَّاجُ أَرْجَفَ النَّاسُ بِمَوْتِهِ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمْ (2) فَقَالُوا: مَاتَ الْحَجَّاجُ، وَمَاتَ
__________
(1) كذا بالاصول.
(2) في مروج الذهب 3 / 173: نفخ الشيطان في مناخرهم.
(*)
(9/157)

الحجاج فمَهْ؟ ! فهل يَرْجُو الْحَجَّاجُ الْخَيْرَ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ؟ وَاللَّهُ مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا أَمُوتَ وَأَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَمَا رَأَيْتُ اللَّهَ رَضِيَ التَّخْلِيدَ إِلَّا لِأَهْوَنِ (1) خَلْقِهِ عَلَيْهِ إِبْلِيسَ، قَالَ اللَّهُ لَهُ (إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) [الأعراف: 14] فَأَنْظَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَلَقَدْ دَعَا اللَّهُ الْعَبْدَ الصالح فقال (هب لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) [ص: 35] فأعطاه اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا البقاء (2) ، ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين) [يوسف: 101] فَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ أَيُّهَا الرَّجُلُ، وَكُلُّكُمْ ذَلِكَ الرَّجُلُ، كَأَنِّي وَاللَّهِ بِكُلِّ حَيٍّ مِنْكُمْ مَيِّتًا، وَبِكُلِّ رَطْبٍ يَابِسًا، ثُمَّ نُقِلَ فِي أثياب أكفانه ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ (3) طُولًا فِي ذِرَاعٍ عَرْضًا، فَأَكَلَتِ لحمه، ومصت صديده، وانصرف الخبيث من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يَعْقِلُونَ مَا أَقُولُ، ثمَّ نَزَلَ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: مَا حَسَدْتُ الْحَجَّاجَ عَدُوَّ اللَّهِ عليَّ شئ حَسَدِي إِيَّاهُ عَلَى حُبِّهِ الْقُرْآنَ وَإِعْطَائِهِ أَهْلَهُ عليه، وَقَوْلِهِ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: اللَّهم اغْفِرْ لِي فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تَفْعَلُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا
عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، حدَّثنا عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ.
قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُبْغِضُ الْحَجَّاجَ فَنَفَسَ عَلَيْهِ بِكَلِمَةٍ قَالَهَا عند الموت: اللَّهم اغفر لي فإنهم يزعمون أَنَّكَ لَا تَفْعَلُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ قِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ عند الموت كذا وكذا، قال: قالها؟ قالوا: نعم! قال فما عسى.
وقال أبو العباس المري عَنِ الرِّيَاشِيِّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتِ الْحَجَّاجَ الْوَفَاةُ أَنْشَأَ يَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ حَلَفَ الْأَعْدَاءُ وَاجْتَهَدُوا * بِأَنَّنِي رَجُلٌ مِنْ سَاكِنِي النار أيحلفون عن عَمْيَاءَ وَيْحَهُمُ * مَا عِلْمُهُمْ بِعَظِيمِ الْعَفْوِ غَفَّارِ قال فأخبر بذلك الحسن فقال: بالله إن نجا لينجون بهما.
وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ: - إِنَّ الْمَوَالِيَ إِذَا شَابَتْ عَبِيدُهُمْ * فِي رِقِّهِمْ عَتَقُوهُمْ عِتْقَ أَبْرَارِ وَأَنْتَ يَا خَالِقِي أَوْلَى بِذَا كَرَمًا * قَدْ شِبْتُ فِي الرِّقِّ فَاعْتِقْنِي مِنَ النَّار وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْحَجَّاجُ لَمْ يعلم أحد بِمَوْتِهِ حَتَّى أَشْرَفَتْ جَارِيَةٌ فَبَكَتْ فَقَالَتْ: أَلَا إن مطعم الطعام، وميتم الأيتام، ومرمل النساء، وَمُفَلِّقَ الْهَامِ، وَسَيِّدَ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ مَاتَ، ثم أنشأت تقول: -
__________
(1) في العقد 3 / 17: لابغض خلقه إليه وأهونهم عليه.
(2) في العقد ومروج الذهب: ثم اضمحل فكأن لم يكن.
(3) في مروج الذهب: فخد له في الأرض أذرع طولاً في ذراعين عرضا.
(*)
(9/158)

اليوم يرحمنا من كان يبغضنا * وَالْيَوْمَ يَأْمَنُنَا مَنْ كَانَ يَخْشَانَا وَرَوَى عَبْدُ الرزاق: عن معمر، عن ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ أُخْبِرَ بِمَوْتِ الْحَجَّاجِ مِرَارًا فَلَمَّا تَحَقَّقَ وَفَاتَهُ قَالَ: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 45] وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْحَسَنَ لَمَّا بُشِّرَ بِمَوْتِ الْحَجَّاجِ سَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ مُخْتَفِيًا فَظَهَرَ، وَقَالَ اللَّهُمَّ أمتَّه فَأَذْهِبْ عَنَّا سُنَّتَهُ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: لَمَّا أَخْبَرْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ بِمَوْتِ الْحَجَّاجِ
بَكَى مِنَ الْفَرَحِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ، ثَنَا صَالِحُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ بن الحارث لِأَهْلِ السِّجْنِ يَمُوتُ الْحَجَّاجُ فِي مَرَضِهِ هَذَا فِي لَيْلَةِ كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيلة لَمْ يَنَمْ أَهْلُ السِّجْنِ فَرَحًا، جَلَسُوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية، وَذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ عُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً (1) ، لِأَنَّ مَوْلِدَهُ كَانَ عَامَ الْجَمَاعَةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ بعدها بسنة، وقيل قبلها بسنة، مَاتَ بِوَاسِطٍ وَعُفِيَ قَبْرُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الْمَاءُ لِكَيْلَا يُنْبَشَ وَيُحْرَقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ما كان أعجب حال الْحَجَّاجَ، مَا تَرَكَ إِلَّا ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عبيد، حدثني عبد الرحمن بن عبيد الله بن فرق: ثنا عمي قال: زعموا أن الحجاج لما مات لم يَتْرُكْ إِلَّا ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَمُصْحَفًا وَسَيْفًا وَسَرْجًا وَرَحْلًا وَمِائَةَ دِرْعٍ مَوْقُوفَةٍ، وَقَالَ شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ: حَدَّثَنِي عَمِّي يَزِيدُ بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ فَقَالَ: حَدِّثْنِي بوصية الحجاج بن يوسف، فقال: اعْفِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: حَدِّثْنِي بِهَا، فَقُلْتُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّهُ يُشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ إِلَّا طَاعَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الملك، عليها يحيى، وَعَلَيْهَا يَمُوتُ، وَعَلَيْهَا يُبْعَثُ، وَأَوْصَى بِتِسْعِمِائَةِ دِرْعٍ حَدِيدٍ، سِتِّمِائَةٍ مِنْهَا لِمُنَافِقِي أَهْلِ الْعِرَاقِ يَغْزُونَ بِهَا، وَثَلَاثِمِائَةٍ لِلتُّرْكِ.
قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو جَعْفَرٍ رَأْسَهُ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ الطُّوسِيِّ - وَكَانَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ - فَقَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ الشِّيعَةُ لَا شِيعَتُكُمْ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَجَّاجَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: قَتَلَنِي بِكُلِّ قَتْلَةٍ قَتَلْتُ بِهَا إِنْسَانًا، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا صَنَعَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ أَمَا سَأَلْتَ عَنْ هَذَا عَامَ أَوَّلَ؟ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ: كُنْتُ عِنْدَ الرَّشِيدِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ.
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَأَيْتُ الْحَجَّاجَ الْبَارِحَةَ فِي النَّوْمِ، قَالَ: فِي أَيِّ زِيٍّ رَأَيْتَهُ؟ قال: في زي قبيح.
فقلت: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: مَا أَنْتَ وَذَاكَ يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ! فَقَالَ هَارُونُ: صدق وَاللَّهِ، أَنْتَ رَأَيْتَ الْحَجَّاجَ حَقًّا، مَا كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ لِيَدَعَ صَرَامَتَهُ حَيًّا
وَمَيِّتًا.
وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ثنا ضمرة بن أبي شوذب عن أشعث الخراز.
__________
(1) في مروج الذهب 3 / 204 وابن الاثير 4 / 584 والاخبار الطوال ص 328: أربعا وخمسين.
(*)
(9/159)

قَالَ: رَأَيْتُ الْحَجَّاجَ فِي الْمَنَامِ فِي حَالَةٍ سَيِّئَةٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ قَالَ: مَا قَتَلْتُ أَحَدًا قِتْلَةً إلا قتلني بها.
قَالَ ثُمَّ أَمَرَ بِي إِلَى النَّارِ، قُلْتُ ثُمَّ مَهْ، قَالَ ثُمَّ أَرْجُو مَا يَرْجُو أَهْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَيُخْلِفَنَّ اللَّهُ رَجَاءَهُ فِيهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ يَقُولُ: كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا إِلَّا ذَكَرَ فِيهِ الْحَجَّاجَ فَدَعَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَرَآهُ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْحَجَّاجُ؟ قَالَ: أَنَا الْحَجَّاجُ، قَالَ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: قُتِلْتُ بِكُلِّ قَتِيلٍ قَتَلْتُهُ ثُمَّ عُزِلْتُ مَعَ الْمُوَحِّدِينَ.
قَالَ: فَأَمْسَكَ الْحَسَنُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ شَتْمِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ العبَّاس، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عثمان، أنبا ابن المبارك، أنبأنا سفيان.
قال: قدم الحجاج على عبد الملك بن مروان وافدا ومعه معاوية بن قرة، فسأل عبد الملك معاوية عن الحجاج فقال: إن صدقناكم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله عزوجل، فنظر إلهى الحجاج فقال له عبد الملك: لا تعرض له، فنفاه إلى السند فكان له بها مواقف.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ قَالَ: كنَّا إِذَا حَضَرْنَا جِنَازَةً أَوْ سَمِعْنَا بِمَيِّتٍ عُرِفَ ذَلِكَ فِينَا أَيَّامًا، لِأَنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ صَيَّرَهُ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّكُمْ تتحدثون في جنائزكم بِأَحَادِيثَ دُنْيَاكُمْ.
وَقَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ رَأْيٌ إِلَّا بروية، ولا روية إِلَّا بِرَأْيٍ.
وَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَهَاوَنُ بِالتَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَاغْسِلْ يَدَيْكَ مِنْ فَلَاحِهِ.
وَقَالَ: إني لارى الشئ مِمَّا يُعَابُ فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ عَيْبِهِ إِلَّا مَخَافَةُ أَنْ أُبْتَلَى بِهِ.
وَبَكَى عِنْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: انْتِظَارُ مَلَكِ الْمَوْتِ، مَا أَدْرِي يُبَشِّرُنِي بِجَنَّةٍ أَوْ بِنَارٍ.
الحسن بن محمد بن الْحَنَفِيَّةِ
كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، كَانَ المقدَّم عَلَى إخوته، وكان عالماً فقيهاً عارفاً بالاختلاف والفقه، قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْإِرْجَاءِ، وَكَتَبَ فِي ذَلِكَ رِسَالَةً ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ: كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، فَلَا يَتَوَلَّاهُمْ وَلَا يَذُمُّهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ ضَرَبَهُ فَشَجَّهُ وَقَالَ: وَيْحَكَ أَلَا تَتَوَلَّى أَبَاكَ عَلِيًّا؟ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَقَالَ خَلِيفَةُ: تُوُفِّيَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ وَأُمُّهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهِيَ أُخْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِأُمِّهِ، وَكَانَ حُمَيْدٌ فَقِيهًا نَبِيلًا عَالِمًا، لَهُ رِوَايَاتٌ كثيرة.
(9/160)

مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَهُمْ تَرَاجِمُ فِي كِتَابِ التَّكْمِيلِ.
وَفِيهَا كَانَ مَوْتُ الْحَجَّاجِ بِوَاسِطٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَبْسُوطًا مُسْتَقْصًى وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدَائِنِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة ست وتسعين وَفِيهَا فَتَحَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَاشْغَرَ (1) مِنْ أَرْضِ الصِّينِ وَبَعَثَ إِلَى مَلِكِ الصِّينِ رُسُلًا (2) يَتَهَدَّدُهُ وَيَتَوَعَّدُهُ وَيُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَطَأَ بِلَادَهُ وَيَخْتِمَ مُلُوكَهُمْ وَأَشْرَافَهُمْ، وَيَأْخُذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ أَوْ يَدْخُلُوا فِي الإسلام.
فدخل الرسل على الملك الأعظم فيهم، وَهُوَ فِي مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ، يُقَالُ إِنَّ عَلَيْهَا تِسْعِينَ بَابًا فِي سُورِهَا الْمُحِيطِ بِهَا يُقَالُ لَهَا خَانُ بَالِقَ، مِنْ أَعْظَمِ الْمُدُنِ وَأَكْثَرِهَا رَيْعًا وَمُعَامَلَاتٍ وَأَمْوَالًا، حَتَّى قِيلَ إِنَّ بِلَادَ الْهِنْدِ مَعَ اتِّسَاعِهَا كَالشَّامَةِ فِي مُلْكِ الصِّينِ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يُسَافِرُوا فِي مُلْكِ غَيْرِهِمْ لِكَثْرَةِ أَمْوَالِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ، وَغَيْرُهُمْ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمْ لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَتَاعِ وَالدُّنْيَا الْمُتَّسِعَةِ، وَسَائِرُ مُلُوكِ تِلْكَ الْبِلَادِ تُؤَدِّي إِلَى مَلِكِ الصِّينَ الْخَرَاجَ، لِقَهْرِهِ وَكَثْرَةِ جُنْدِهِ وَعُدَدِهِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى مَلِكِ الصِّينِ وَجَدُوا مملكة عظيمة حَصِينَةً ذَاتَ أَنْهَارٍ وَأَسْوَاقٍ وَحُسْنٍ
وَبَهَاءٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي قَلْعَةٍ عَظِيمَةٍ حَصِينَةٍ، بِقَدْرِ مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ، فَقَالَ لَهُمْ مَلِكُ الصِّينِ: مَا أَنْتُمْ؟ - وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ رَسُولٍ عَلَيْهِمْ هُبَيْرَةُ - فَقَالَ الْمَلِكُ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: مَا أَنْتُمْ وَمَا تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ يَدْعُوكَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَالْجِزْيَةُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَالْحَرْبُ.
فَغَضِبَ الْمَلِكُ وَأَمَرَ بِهِمْ إِلَى دَارٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ دَعَاهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ تَكُونُونَ فِي عِبَادَةِ إِلَهِكُمْ؟ فَصَلَّوُا الصَّلَاةَ عَلَى عَادَتِهِمْ فَلَمَّا رَكَعُوا وَسَجَدُوا ضَحِكَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: كَيْفَ تَكُونُونَ فِي بُيُوتِكُمْ؟ فَلَبِسُوا ثِيَابَ مِهَنِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: كَيْفَ تَدْخُلُونَ عَلَى مُلُوكِكُمْ؟ فَلَبِسُوا الْوَشْيَ وَالْعَمَائِمَ وَالْمَطَارِفَ وَدَخَلُوا عَلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُمْ: ارْجِعُوا فَرَجَعُوا، فَقَالَ الْمَلِكُ لِأَصْحَابِهِ، كَيْفَ رَأَيْتُمْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا، هَذِهِ أَشْبَهُ بِهَيْئَةِ الرِّجَالِ مِنْ تِلْكَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَهُمْ أُولَئِكَ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ: أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ كَيْفَ تَلْقَوْنَ عَدُوَّكُمْ؟ فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ سِلَاحَهُمْ وَلَبِسُوا الْمَغَافِرَ وَالْبَيْضَ وَتَقَلَّدُوا السُّيُوفَ ونكبوا (3) القسي وأخذوا الرماح وركبوا خيولهم ومضوا،
__________
(1) في الطبري 8 / 100: بعث قتيبة كثير بن فلان إلى كاشغر فسبى منها سبيا وختم أعناقهم وفي ابن الاثير 5 / 5: بعث جيشاً مع كبير بن فلان.
وفي ابن الاعثم 7 / 251: دعا برجل من أصحابه يقال له كثير بن أيم الرياق فضم إليه سبعة آلاف رجل من فارس وراجل.
(2) في الطبري 8 / 100 بعث اثني عشر رجلاً (وفي ابن الاثير: 5 / 5: عشرة) عليهم هبيرة بن المشمرخ الكلابي.
(3) في الطبري 8 / 100 تنكبوا.
وفي ابن الاثير 5 / 6: وأخذوا السيوف والرماح والقسي وركبوا.
(*)
(9/161)

فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ مَلِكُ الصِّينِ فَرَأَى أَمْثَالَ الْجِبَالِ مُقْبِلَةً، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهُ رَكَزُوا رِمَاحَهُمْ ثُمَّ أَقْبَلُوا نَحْوَهُ مُشَمِّرِينَ، فَقِيلَ لَهُمْ: ارْجِعُوا - وَذَلِكَ لِمَا دَخَلَ قُلُوبَ أَهْلِ الصِّينِ مِنَ الْخَوْفِ مِنْهُمْ - فَانْصَرَفُوا فَرَكِبُوا خُيُولَهُمْ وَاخْتَلَجُوا رِمَاحَهُمْ ثُمَّ سَاقُوا خُيُولَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَتَطَارَدُونَ بِهَا، فَقَالَ الْمَلِكُ لأصحابه: كيف ترونهم؟ فقالوا: ما رأينا كهؤلاء قَطُّ.
فَلَمَّا أَمْسَوْا بَعَثَ إِلَيْهِمُ الْمَلِكُ أَنِ ابْعَثُوا إِلَيَّ زَعِيمَكُمْ وَأَفْضَلَكُمْ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ: قَدْ رَأَيْتُمْ عِظَمَ مُلْكِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَمْنَعُكُمْ مِنِّي، وَأَنْتُمْ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضَةِ فِي كَفِّي، وَأَنَا سَائِلُكُ عن أمر فإن تصدقني وإلا قَتَلْتُكَ، فَقَالَ:
سَلْ! فَقَالَ الْمَلِكُ: لِمَ صَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ مِنْ زِيٍّ أَوَّلَ يَوْمٍ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ؟ فَقَالَ: أَمَّا زِيُّنَا أَوَّلَ يَوْمٍ فَهُوَ لِبَاسُنَا فِي أَهْلِنَا وَنِسَائِنَا وَطِيبُنَا عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا مَا فَعَلْنَا ثَانِيَ يَوْمٍ فَهُوَ زِيُّنَا إِذَا دَخَلْنَا عَلَى مُلُوكِنَا، وَأَمَّا زِيُّنَا ثَالِثَ يَوْمٍ فَهُوَ إِذَا لَقِينَا عَدُوَّنَا.
فَقَالَ الْمَلِكُ: مَا أحسن ما دبرتم دهركم، فانصرفوا إِلَى صَاحِبِكُمْ - يَعْنِي قُتَيْبَةَ - وَقُولُوا لَهُ يَنْصَرِفُ رَاجِعًا عَنْ بِلَادِي، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ حِرْصَهُ وَقِلَّةَ أَصْحَابِهِ، وَإِلَّا بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ مَنْ يُهْلِكُكُمْ عَنْ آخِرِكُمْ.
فَقَالَ لَهُ هُبَيْرَةُ: تَقُولُ لِقُتَيْبَةَ هَذَا؟ ! فَكَيْفَ يَكُونُ قَلِيلَ الْأَصْحَابِ مَنْ أَوَّلُ خَيْلِهِ فِي بِلَادِكَ وَآخِرُهَا فِي مَنَابِتِ الزَّيْتُونِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ حَرِيصًا مَنْ خَلَّفَ الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَيْهَا، وَغَزَاكَ فِي بِلَادِكَ؟ وَأَمَّا تَخْوِيفُكَ إِيَّانَا بِالْقَتْلِ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا أَجَلًا إِذَا حَضَرَ فَأَكْرَمُهَا عِنْدَنَا الْقَتْلُ، فَلَسْنَا نَكْرَهُهُ وَلَا نَخَافُهُ.
فَقَالَ الْمَلِكُ: فَمَا الَّذِي يُرْضِي صَاحِبَكُمْ؟ فَقَالَ: قَدْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَطَأَ أَرْضَكَ وَيَخْتِمَ مُلُوكَكَ وَيَجْبِيَ الْجِزْيَةَ مِنْ بلادك، فقال أَنَا أَبِرُّ يَمِينَهُ وَأُخْرِجُهُ مِنْهَا، أُرْسِلُ إِلَيْهِ بِتُرَابٍ مِنْ أَرْضِي، وَأَرْبَعِ غِلْمَانٍ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَأُرْسِلُ إِلَيْهِ ذَهَبًا كَثِيرًا وَحَرِيرًا وَثِيَابًا صينيةً لا تقوم ولا يدرى قَدْرَهَا، ثُمَّ جَرَتْ لَهُمْ مَعَهُ مُقَاوَلَاتٌ كَثِيرَةٌ، ثمَّ اتَّفق الْحَالُ عَلَى أَنْ بَعَثَ صِحَافًا مَنْ ذَهَبٍ مُتَّسِعَةً فِيهَا تُرَابٌ مِنْ أَرْضِهِ لِيَطَأَهُ قُتَيْبَةُ، وَبَعَثَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ الْمُلُوكِ لِيَخْتِمَ رِقَابَهُمْ، وَبَعَثَ بِمَالٍ جَزِيلٍ لِيَبِرَّ بِيَمِينِ قُتَيْبَةَ، وَقِيلَ إِنَّهُ بَعَثَ أَرْبَعَمِائَةٍ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ الْمُلُوكِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قُتَيْبَةَ مَا أَرْسَلَهُ مَلِكُ الصِّينِ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدِ انْتَهَى إِلَيْهِ خَبَرُ مَوْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (1) ، فَانْكَسَرَتْ هِمَّتُهُ لِذَلِكَ، وَقَدْ عَزَمَ قُتَيْبَةُ بْنُ مسلم الباهلي على ترك مُبَايَعَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَرَادَ الدَّعْوَةَ إِلَى نَفْسِهِ لِمَا تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَلِمَا فَتَحَ مِنَ الْبِلَادِ وَالْأَقَالِيمِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قُتِلَ فِي آخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يُقَالُ إِنَّهُ مَا كُسِرَتْ لَهُ رَايَةٌ، وَكَانَ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ.
وَفِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّائِفَةَ، وَغَزَا العبَّاس بْنُ الْوَلِيدِ الروم، ففتح طولس والمرز بانين من بلاد الروم.
__________
(1) في الطبري وابن الاثير أن قتيبة قبل من ملك الصين ما أرسله إليه وأوفد إلى الوليد هبيرة يعلمه الخبر، فمات هبيرة وهو في طريقه بقرية من فارس وهذا يعني أن قتيبة لم يكن على علم بموت الوليد، أو لعل الوليد مات بعد ذلك بقليل
(الطبري 8 / 101 - الكامل 5 / 7) .
(*)
(9/162)

وَفِيهَا تَكَامَلَ بِنَاءُ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ بِدِمَشْقَ عَلَى يَدِ بَانِيهِ (1) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الملك بن مروان رحمه الله تعالى وجزاه خيراً، وَكَانَ أَصْلُ مَوْضِعِ هَذَا الْجَامِعِ قَدِيمًا مَعْبَدًا بنته اليونان الكلدا نيون الَّذِينَ كَانُوا يَعْمُرُونَ دِمَشْقَ (2) ، وَهُمُ الَّذِينَ وَضَعُوهَا وَعَمَرُوهَا أَوَّلًا، فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ بَنَاهَا، وَقَدْ كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتميزة، وَهِيَ الْقَمَرُ فِي السَّماء الدُّنيا، وَعُطَارِدُ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، وَالزُّهْرَةُ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، وَالشَّمْسُ فِي الرَّابِعَةِ، وَالْمِرِّيخُ فِي الْخَامِسَةِ، وَالْمُشْتَرِي فِي السادسة، وزحل في السابعة.
وقد كانوا صَوَّرُوا عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ دِمَشْقَ هَيْكَلًا لِكَوْكَبٍ مِنْ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ، وَكَانَتْ أَبْوَابُ دِمَشْقَ سَبْعَةً وَضَعُوهَا قَصْدًا لِذَلِكَ، فَنَصَبُوا هَيَاكِلَ سَبْعَةً لِكُلِّ كَوْكَبٍ هَيْكَلٌ، وَكَانَ لَهُمْ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ دِمَشْقَ عِيدٌ فِي السَّنَةِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ وَضَعُوا الْأَرْصَادَ وَتَكَلَّمُوا عَلَى حَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ وَاتِّصَالَاتِهَا وَمُقَارَنَتِهَا، وَبَنَوْا دِمَشْقَ وَاخْتَارُوا لَهَا هَذِهِ الْبُقْعَةَ إِلَى جَانِبِ الْمَاءِ الْوَارِدِ مِنْ بَيْنِ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ، وَصَرَّفُوهُ أَنْهَارًا تَجْرِي إِلَى الْأَمَاكِنِ الْمُرْتَفِعَةِ وَالْمُنْخَفِضَةِ، وَسَلَكُوا الْمَاءَ فِي أَفْنَاءِ أَبْنِيَةِ الدُّورِ بِدِمَشْقَ، فَكَانَتْ دِمَشْقُ فِي أَيَّامِهِمْ مِنْ أَحْسَنِ الْمُدُنِ، بَلْ هِيَ أَحْسَنُهَا، لِمَا فِيهَا مِنَ التَّصَارِيفِ الْعَجِيبَةِ، وبنوا هذا المعبد وهو الجامع اليوم في جِهَةِ الْقُطْبِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى الْقُطْبِ الشَّمَالِيِّ، وكانت محاريبهم إلى جهته، وَكَانَ بَابُ مَعْبَدِهِمْ يُفْتَحُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، خَلْفَ الْمِحْرَابِ الْيَوْمَ، كَمَا شَاهَدْنَا ذَلِكَ عِيَانًا، وَرَأَيْنَا مَحَارِيبَهُمْ إِلَى جِهَةِ الْقُطْبِ، وَرَأَيْنَا الْبَابَ وَهُوَ بَابٌ حَسَنٌ مَبْنِيٌّ بِحِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَعَلَيْهِ كِتَابٌ بِخَطِّهِمْ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ بَابَانِ صَغِيرَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَكَانَ غَرْبِيَّ الْمَعْبَدِ قَصْرٌ مُنِيفٌ جِدًّا تَحْمِلُهُ هَذِهِ الْأَعْمِدَةُ الَّتِي بِبَابِ الْبَرِيدِ، وَشَرْقِيَّ الْمَعْبَدِ قَصْرُ جَيْرُونَ الْمَلِكِ، الَّذِي كَانَ مَلِكَهُمْ (3) ، وَكَانَ هُنَاكَ دَارَانِ عَظِيمَتَانِ مُعَدَّتَانِ لِمَنْ يتملك دمشق قديما منهم،
__________
(1) عن أبي الحسن الخشني ذكر بعضهم أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) صَلَّى في موضع مسجد دمشق ليلة أسري به وقد انكر ابن عساكر هذا وقال: هذا منقطع ومنكر جداً ونقل عن أبي زرعة قال: مسجد دمشق خطه أبو عبيدة بن الجراح حين الفتح وكذلك مسجد حمص.
(2) اختلف المؤرخون ونقلة الاخبار في أول من بنى مدينة دمشق، ففي بنائها أقوال كثيرة منها انها بنيت على عهد آدم، وذكر كعب الأحبار أن أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران ودمشق.
وقال ابن الكلبي: أول من بناها دمشاق بن قاني بن لامك بن ارفخشد بن سام بن نوح.
وقيل إن الذي بناها جيرون بن سعد بن عاد بن إرم بن سام بن نوح.
وقال وهب بن منبه: بناها غلام لابراهيم ويسمى دمشاق.
وقيل أول من بناها بنو أراسف الكنعاني.
وقال صاحب عيون التواريخ أن الذي بناها غلام للاسكندر اسمه دمشقش فسميت باسمه.
وهو ما ذهب إليه ابن عساكر مع إشارته إلى قول بعضهم ان اليونا نيين بنوها (انظر تاريخ ابن عساكر - معجم البلدان) .
(3) اختلفوا في جيرون، فقيل هو جيرون بن سعد بن عاد بن إرم بن سام بن نُوحٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بنى دمشق وبه سمي باب جيرون.
وقيل هو رجل من الجبابرة بنى حصن جيرون بدمشق (تذكرة العماد - معجم البلدان - معجم ما استعجم) (*)
(9/163)

وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ مَعَ الْمَعْبَدِ ثَلَاثُ دُورٍ عَظِيمَةٍ لِلْمُلُوكِ، وَيُحِيطُ بِهَذِهِ الدُّورِ وَالْمَعْبَدِ سُورٌ وَاحِدٌ عَالٍ مُنِيفٌ، بِحِجَارَةٍ كِبَارٍ مَنْحُوتَةٍ، وَهُنَّ دَارُ الْمُطْبِقِ، وَدَارُ الْخَيْلِ، وَدَارٌ كَانَتْ تَكُونُ مكان الخضراء التي بناها معاوية.
قال ابْنُ عَسَاكِرَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ كُتُبِ بَعْضِ الأوائل: إن اليونان مَكَثُوا يَأْخُذُونَ الطَّالِعَ لِبِنَاءِ دِمَشْقَ وَهَذِهِ الْأَمَاكِنَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ حَفَرُوا أَسَاسَ الْجُدْرَانِ حتى واتاهم الْوَقْتُ الَّذِي طَلَعَ فِيهِ الْكَوْكَبَانِ اللَّذَانِ أَرَادُوا أن هذا المعبد لَا يَخْرُبُ أَبَدًا وَلَا تَخْلُو مِنْهُ الْعِبَادَةُ، وَأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ إِذَا بُنِيَتْ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ دَارَ الْمَلِكِ وَالسَّلْطَنَةِ.
قُلْتُ: أَمَّا الْمَعْبَدُ فَلَمْ يَخْلُ مِنَ الْعِبَادَةِ.
قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يَخْلُو مِنْهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَأَمَّا دَارُ الْمَلِكِ الَّتِي هِيَ الْخَضْرَاءُ فَقَدْ جَدَّدَ بِنَاءَهَا مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ أُحْرِقَتْ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، فَبَادَتْ وَصَارَتْ مَسَاكِنَ ضُعَفَاءِ النَّاسِ وَأَرَاذِلِهِمْ فِي الْغَالِبِ إلى زماننا هذا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْيُونَانَ اسْتَمَرُّوا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَّرْنَاهَا بِدِمَشْقَ مُدَدًا طَوِيلَةً، تَزِيدُ عَلَى أربعة آلاف سنة، حتى أنه يقال إنه أَوَّلَ مَنْ بَنَى جُدْرَانَ هَذَا الْمَعْبَدِ الْأَرْبَعَةَ هُودٌ
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَدْ كَانَ هُودٌ قبل إبراهيم الخليل بمدد طويلة، وقد ورد إبراهيم الخليل دمشق ونزل شمالها عِنْدَ بَرْزَةَ (1) ، وَقَاتَلَ هُنَاكَ قَوْمًا مِنْ أَعْدَائِهِ فَظَفِرَ بِهِمْ، وَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ مَقَامُهُ لِمُقَاتَلَتِهِمْ عِنْدَ بَرْزَةَ، فَهَذَا الْمَكَانُ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ بِهَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْكُتُبِ المتقدِّمة يَأْثِرُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ وَإِلَى زَمَانِنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَتْ دِمَشْقُ إِذْ ذَاكَ عَامِرَةً آهِلَةً بِمَنْ فِيهَا مِنَ الْيُونَانِ، وَكَانُوا خَلْقًا لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، وَهُمْ خُصَمَاءُ الْخَلِيلِ، وَقَدْ نَاظَرَهُمْ الْخَلِيلُ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ وَالْكَوَاكِبَ وَغَيْرَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ، وفي قصة الخليل مِنْ كِتَابِنَا هَذَا " الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْيُونَانَ لَمْ يَزَالُوا يَعْمُرُونَ دِمَشْقَ وَيَبْنُونَ فِيهَا وَفِي مُعَامَلَاتِهَا مِنْ أَرْضِ حَوْرَانَ وَالْبِقَاعِ وَبَعْلَبَكَّ وَغَيْرِهَا، الْبِنَايَاتِ الْهَائِلَةَ الْغَرِيبَةَ الْعَجِيبَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِمُدَّةٍ نَحْوٍ مَنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ تَنَصَّرَ أَهْلُ الشَّام عَلَى يَدِ الْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ، الذي بنى المدينة المشهورة به ببلاد الروم وَهِيَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَهُوَ الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ الْقَوَانِينَ، وَقَدْ كَانَ أَوَّلًا هُوَ وَقَوْمُهُ وَغَالِبُ أَهْلِ الأرض يوناناً، ووضعت له بطاركته النَّصَارَى دِينًا مُخْتَرَعًا مُرَكَّبًا مِنْ أَصْلِ دِينِ النصرانية، ممزوجا بشئ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَصَلَّوْا بِهِ إِلَى الشَّرْقِ، وَزَادُوا فِي الصِّيَامِ، وَأَحَلُّوا الْخِنْزِيرَ، وَعَلَّمُوا أَوْلَادَهُمُ الأمانة الكبيرة فما يَزْعُمُونَ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ خِيَانَةٌ كَبِيرَةٌ، وَجِنَايَةٌ كَثِيرَةٌ حَقِيرَةٌ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ فِي الحجم صغيرة.
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ وَبَيَّنَّاهُ.
فَبَنَى لَهُمْ هَذَا الْمَلِكُ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ الطائفة الملكية من النصارى، كنائس كبيرة فِي دِمَشْقَ وَفِي غَيْرِهَا، حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ بنى اثنتي عشرة
__________
(1) في معجم البلدان (دمشق) : إنَّ إبراهيم عليه السلام ولد في غوطة دِمَشْقَ فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا بَرْزَةُ فِي جبل قاسيون.
(*)
(9/164)

أَلْفَ كَنِيسَةً، وَأُوقِفَ عَلَيْهَا أَوْقَافًا دارَّة، مِنْ ذلك كنيسة بيت لحم، وقمامة في القدس، بنتها أم هيلانة الغند قانية، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ - يَعْنِي النَّصَارَى - حَوَّلُوا بِنَاءَ هَذَا الْمَعْبَدِ الَّذِي هُوَ بِدِمَشْقَ مُعَظَّمًا عند اليونان فجعلوه كَنِيسَةُ يُوحَنَّا، وَبَنَوْا بِدِمَشْقَ كَنَائِسَ كَثِيرَةً غَيْرَهَا مستأنفة، واستمر النصارى على دينهم
بِدِمَشْقَ وَغَيْرِهَا نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان من شأنه ما تقدم بَعْضَهُ فِي كِتَابِ السِّيرَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وقد بعث إِلَى مَلِكِ الرُّوم فِي زَمَانِهِ - وَهُوَ قَيْصَرُ ذَلِكَ الْوَقْتِ - وَاسْمُهُ هِرَقْلُ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ عزوجل، وَكَانَ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ وَمُخَاطَبَتِهِ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ ما تقدم، ثم بعث أمراءه الثلاثة، زيد بن حارثة، وجعفر، وابن رَوَاحَةَ، إِلَى الْبَلْقَاءِ مِنْ تُخُومِ الشَّامِ، فَبَعَثَ الروم إليهم جيشاً كبيراً فَقَتَلُوا هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءَ وَجَمَاعَةً مِمَّنْ مَعَهُمْ مِنَ الْجَيْشِ، فَعَزَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قِتَالِ الرُّومِ وَدُخُولِ الشَّامِ عَامَ تَبُوكَ، ثم رجع عَامَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ الْحَرِّ، وَضَعْفِ الْحَالِ، وَضِيقِهِ على النَّاس.
ثم لما توفي بعث الصديق الجيوش إلى الشَّامَ بِكَمَالِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ مَدِينَةُ دِمَشْقَ بِأَعْمَالِهَا، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ فَتْحِهَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْيَدُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَيْهَا وَأَنْزَلَ اللَّهُ رَحْمَتَهُ فِيهَا، وَسَاقَ بِرَّهُ إِلَيْهَا، وَكَتَبَ أمير الحرب أبو عبيدة إذ ذاك، وَقِيلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، لِأَهْلِ دِمَشْقَ كِتَابَ أمان، أقروا أَيْدِيَ النَّصَارَى عَلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ كَنِيسَةً، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ نِصْفَ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهَا كَنِيسَةَ مَرْيُحَنَّا، بِحُكْمِ أَنَّ الْبَلَدَ فَتَحَهُ خَالِدٌ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ بِالسَّيْفِ، وَأَخَذَتِ النَّصَارَى الْأَمَانَ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَكَانَ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ الصُّلْحُ، فَاخْتَلَفُوا ثمَّ اتَّفقوا عَلَى أَنْ جَعَلُوا نِصْفَ الْبَلَدِ صُلْحًا وَنِصْفَهُ عَنْوَةً، فَأَخَذُوا نِصْفَ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ الشَّرْقِيَّ فَجَعَلَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مَسْجِدًا يصلي فيه المسلمون، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى فِي هَذَا الْمَسْجِدِ أبو عبيدة ثُمَّ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ فِي الْبُقْعَةِ الشَّرْقِيَّةِ مِنْهُ، الَّتِي يُقَالُ لَهَا مِحْرَابُ الصَّحَابَةِ.
وَلَكِنْ لَمْ يَكُنِ الْجِدَارُ مَفْتُوحًا بِمِحْرَابٍ مَحْنِيٍّ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ عِنْدَ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَلِيدَ هُوَ الَّذِي فَتَقَ الْمَحَارِيبَ فِي الْجِدَارِ القبلي قلت: هذه المحاريب متجددة ليست من فتق الوليد، وإنما فتق الوليد محراباً واحداً، أن كان قد فعل، ولعله لم يفعل شيئاً منها، فكان يصلي فيه الخليفة، وبقيتها فتقت قريباً، لكل إمام محراب، شافعي وحنفي ومالكي وحنبلي، وهؤلاء إنما حدثوا بعد الوليد بزمان.
وقد كره كثير من السَّلف مثل هذه المحاريب، وحعلوه مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى يَدْخُلُونَ هَذَا الْمَعْبَدَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَابُ المعبد الأعلى مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، مَكَانَ الْمِحْرَابِ الْكَبِيرِ الَّذِي فِي الْمَقْصُورَةِ الْيَوْمَ، فَيَنْصَرِفُ النَّصَارَى إِلَى جِهَةِ الْغَرْبِ إِلَى كَنِيسَتِهِمْ، وَيَأْخُذُ الْمُسْلِمُونَ يَمْنَةً إِلَى مَسْجِدِهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُ النَّصَارَى أَنْ يَجْهَرُوا بِقِرَاءَةِ كِتَابِهِمْ، وَلَا
يَضْرِبُوا بِنَاقُوسِهِمْ، إِجْلَالًا لِلصَّحَابَةِ وَمَهَابَةً وخوفاً.
وقد بنى معاوية فِي أَيَّامِ وِلَايَتِهِ عَلَى الشَّامِ دَارَ الْإِمَارَةِ قِبْلِيَّ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ لِلصَّحَابَةِ، وَبَنَى فِيهَا قبة خضراء، فعرفت الدار بكمالها بها، فكسنها مُعَاوِيَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً كَمَا قَدَّمْنَا.
ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ شَطْرَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى، مِنْ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا، وَقَدْ صَارَتِ الْخِلَافَةُ
(9/165)

إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا، فَعَزَمَ الْوَلِيدُ عَلَى أَخْذِ بَقِيَّةِ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ وَإِضَافَتِهَا إِلَى مَا بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا، وَجَعْلِ الْجَمِيعِ مَسْجِدًا وَاحِدًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ يَتَأَذَّى بِسَمَاعِ قِرَاءَةِ النَّصَارَى لِلْإِنْجِيلِ، وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ فِي صَلَوَاتِهِمْ، فَأَحَبَّ أَنْ يُبْعِدَهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ الْمَكَانَ إِلَى هذا، فيصير كله معبداً للمسلمين، ويتسع المسجد لكثرة المسلمين، فعند ذلك طلب النَّصَارَى وَسَأَلَ مِنْهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا لَهُ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ، وَيُعَوِّضَهُمْ إِقْطَاعَاتٍ كَثِيرَةً، وَعَرَضَهَا عَلَيْهِمْ، وأن يبقى بأيديهم أَرْبَعَ كَنَائِسَ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَهْدِ، وَهِيَ كنيسة مريم، وكنيسة المصلبة داخل باب شرقي، وَكَنِيسَةُ تَلِّ الْجُبْنِ، وَكَنِيسَةُ حُمَيْدِ بْنِ دُرَّةَ التي بدرب الصقل، فأبوا ذلك أشد الإباء، فقال: ائتوني بعهودكم التي بأيديكم من زمن الصحابة، فأتوا بها فقرئت بِحَضْرَةِ الْوَلِيدِ، فَإِذَا كَنِيسَةُ تُومَا - الَّتِي كَانَتْ خارج باب توما على حافة النَّهْرِ - لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَهْدِ، وَكَانَتْ فِيمَا يُقَالُ أَكْبَرَ مِنْ كَنِيسَةِ مَرْيُحَنَّا، فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَنَا أَهْدِمُهَا وَأَجْعَلُهَا مَسْجِدًا، فَقَالُوا: بَلْ يَتْرُكُهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا ذَكَرَ مِنَ الْكَنَائِسِ وَنَحْنُ نرضى ونطيب له نفساً ببقية هَذِهِ الْكَنِيسَةِ، فَأَقَرَّهُمْ عَلَى تِلْكَ الْكَنَائِسِ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ بَقِيَّةَ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ.
هَذَا قَوْلٌ (1) ، وَيُقَالُ إِنَّ الْوَلِيدَ لَمَّا أَهَمَّهُ ذَلِكَ وَعَرَضَ مَا عَرَضَ عَلَى النَّصَارَى فَأَبَوْا مِنْ قَبُولِهِ.
دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ فَأَرْشَدَهُ إِلَى أَنْ يَقِيسَ من باب شرقي ومن باب الجابية، فوجدوا أن الكنيسة قد دخلت في العنوة وذلك أنهم قاسوا من باب شرقي ومن باب الجابية فوجدوا مُنْتَصَفَ ذَلِكَ عِنْدَ سُوقِ الرَّيْحَانِ تَقْرِيبًا، فَإِذَا الكنيسة قَدْ دَخَلَتْ فِي الْعَنْوَةِ، فَأَخَذَهَا، وَحُكِيَ عَنِ الْمُغِيرَةِ (2) مَوْلَى الْوَلِيدِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْوَلِيدِ فوجدته مهموماً فقلت: مالك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَهْمُومًا؟ فَقَالَ: إنَّه قَدْ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَقَدْ ضَاقَ بِهِمُ الْمَسْجِدُ، فَأَحْضَرْتُ النَّصَارَى
وَبَذَلْتُ لَهُمُ الْأَمْوَالَ فِي بَقِيَّةِ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ لِأُضِيفَهَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَتَّسِعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَبَوْا، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدِي مَا يُزِيلُ هَمَّكَ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: الصَّحَابَةَ لَمَّا أَخَذُوا دِمَشْقَ دَخَلَ خَالِدُ بْنُ الوليد من الباب شرقي بِالسَّيْفِ، فلمَّا سَمِعَ أَهْلُ الْبَلَدِ بِذَلِكَ فَزِعُوا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَفَتَحُوا لَهُ بَابَ الْجَابِيَةِ، فَدَخَلَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِالصُّلْحِ، فَنَحْنُ نُمَاسِحُهُمْ إِلَى أَيِّ مَوْضِعٍ بلغ السيف أخدناه، وَمَا بِالصُّلْحِ تَرَكْنَاهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَرْجُو أَنْ تُدْخَلَ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي الْعَنْوَةِ، فَتَدْخُلَ فِي الْمَسْجِدِ.
فَقَالَ الْوَلِيدُ: فَرَّجْتَ عَنِّي، فَتَوَلَّ أَنْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ، فَتَوَلَّاهُ الْمُغِيرَةُ وَمَسَحَ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ إِلَى نَحْوِ بَابِ الْجَابِيَةِ إِلَى سُوقِ الرَّيْحَانِ فَوَجَدَ السَّيْفَ لَمْ يَزَلْ عَمَّالًا حَتَّى جَاوَزَ القنطرة الكبيرة بأربع أَذْرُعٍ وَكَسْرٍ، فَدَخَلَتِ الْكَنِيسَةُ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ الوليد إلى النصارى فأخبرهم
__________
(1) نشك في الرواية حيث يظهر لنا أن الوليد إنما أخذ الكنيسة رغما عن أصحابها ونقول إنما ذلك كان رغبة الوليد في مشاورة النصارى واستئذانهم باضافة الكنيسة إلى الجامع بعد أن رأى ضرورة ذلك لاسباب أهمها: زيادة عدد المسلمين وضيق المكان.
(2) في ابن عساكر: المغيرة بن عبد الملك.
(*)
(9/166)

وَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْكَنِيسَةَ كُلَّهَا دَخَلَتْ فِي الْعَنْوَةِ فَهِيَ لَنَا دُونَكُمْ، فَقَالُوا: إِنَّكَ أَوَّلًا دَفَعْتَ إِلَيْنَا الْأَمْوَالَ وَأَقْطَعْتَنَا الْإِقْطَاعَاتِ فَأَبَيْنَا، فَمِنْ إِحْسَانِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُصَالِحَنَا فَيُبْقِيَ لَنَا هذه الكنائس الأربع بِأَيْدِينَا، وَنَحْنُ نَتْرُكُ لَهُ بَقِيَّةَ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ، فصالحهم على إبقاء هذه الأربع الكنائس وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ إِنَّهُ عَوَّضَهُمْ مِنْهَا كَنِيسَةً عند حمام القاسم عند باب الفراديس داخله فَسَمَّوْهَا مَرْيُحَنَّا بِاسْمِ تِلْكَ الْكَنِيسَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ، وَأَخَذُوا شَاهِدَهَا فَوَضَعُوهُ فَوْقَ الَّتِي أَخَذُوهَا بَدَلَهَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ أَمَرَ الْوَلِيدُ بِإِحْضَارِ آلات الهدم واجتمع إليه الأمراء والكبراء، وَجَاءَ إِلَيْهِ أَسَاقِفَةُ النَّصَارَى وَقَسَاوِسَتُهُمْ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّا نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّ من يهدم هذه الكنيسة يجن (1) ، فقال الوليد: أنا أحب أن أجن في الله، وَوَاللَّهِ لَا يَهْدِمُ فِيهَا أَحَدٌ شَيْئًا قَبْلِي، ثُمَّ صَعِدَ الْمَنَارَةَ الشَّرْقِيَّةَ ذَاتِ الْأَضَالِعِ الْمَعْرُوفَةِ بالساعات، وكانت صومعة هائلة فيها راهب عِنْدَهُمْ، فَأَمَرَهُ الْوَلِيدُ بِالنُّزُولِ مِنْهَا فَأَكْبَرَ
الرَّاهِبُ ذَلِكَ، فَأَخَذَ الْوَلِيدُ بِقَفَاهُ فَلَمْ يَزَلْ يَدْفَعُهُ حتى أنزله مِنْهَا، ثُمَّ صَعِدَ الْوَلِيدُ عَلَى أَعْلَى مَكَانٍ فِي الْكَنِيسَةِ فَوْقَ الْمَذْبَحِ الْأَكْبَرِ مِنْهَا، الَّذِي يُسَمُّونَهُ الشَّاهِدَ، وَهُوَ تِمْثَالٌ فِي أَعْلَى الْكَنِيسَةِ، فَقَالَ لَهُ الرُّهْبَانُ: احْذَرِ الشَّاهِدَ، فَقَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَا أَضَعُ فَأْسِي فِي رَأْسِ الشَّاهِدِ، ثُمَّ كَبَّرَ وَضَرَبَهُ فَهَدَمَهُ، وَكَانَ عَلَى الْوَلِيدِ قباء أصفر لونه سفر جلي قَدْ غَرَزَ أَذْيَالَهُ فِي الْمِنْطَقَةِ، ثُمَّ أَخَذَ فأساً بيده فَضَرَبَ بِهَا فِي أَعْلَى حَجَرٍ فَأَلْقَاهُ، فَتَبَادَرَ الْأُمَرَاءُ إِلَى الْهَدْمِ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، وَصَرَخَتِ النَّصَارَى بِالْعَوِيلِ عَلَى دَرَجِ جَيْرُونَ، وَكَانُوا قَدِ اجْتَمَعُوا هُنَالِكَ، فَأَمَرَ الْوَلِيدُ أَمِيرَ الشُّرَطَةِ وهو أبو نائل رِيَاحٌ الْغَسَّانِيُّ، أَنْ يَضْرِبَهُمْ حَتَّى يَذْهَبُوا مِنْ هُنَالِكَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَهَدَمَ الْوَلِيدُ وَالْأُمَرَاءُ جَمِيعَ ما جدده النصارى في تربيع هذا المعبد من المذابح والابنية والحنايا، حتى بقي المكان صَرْحَةً مُرَبَّعَةً، ثُمَّ شَرَعَ فِي بِنَائِهِ بِفِكْرَةٍ جَيِّدَةٍ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْحَسَنَةِ الْأَنِيقَةِ، الَّتِي لم يشتهر مثلها قبلها كما سنذكره.
وَقَدِ اسْتَعْمَلَ الْوَلِيدُ فِي بِنَاءِ هَذَا الْمَسْجِدِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الصُّنَّاعِ وَالْمُهَنْدِسِينَ وَالْفَعَلَةِ، وَكَانَ الْمُسْتَحِثُّ عَلَى عِمَارَتِهِ أَخُوهُ وَوَلِيُّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَيُقَالُ إِنَّ الْوَلِيدَ بَعَثَ إِلَى مَلِكِ الرُّوم يَطْلُبُ مِنْهُ صُنَّاعًا فِي الرُّخَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى عِمَارَةِ هَذَا الْمَسْجِدِ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَأَرْسَلَ يَتَوَعَّدُهُ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَيَغْزُوَنَّ بِلَادَهُ بِالْجُيُوشِ، وَلَيُخَرِّبَنَ كُلَّ كَنِيسَةٍ فِي بِلَادِهِ، حتَّى كنيسة القدس، وهي قمامة، وَكَنِيسَةَ الرُّهَا، وَسَائِرَ آثَارِ الرُّومِ، فَبَعَثَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَيْهِ صُنَّاعًا كَثِيرَةً جِدًّا، مِائَتَيْ صَانِعٍ (2) ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِنْ كَانَ أَبُوكَ فَهِمَ هَذَا الَّذِي تَصْنَعُهُ وَتَرَكَهُ فَإِنَّهُ لَوَصْمَةٌ عَلَيْكَ، وإن لم يكن فهمه وفهمت أنت لوصمة عليه، فلما وصل ذلك إِلَى الْوَلِيدِ أَرَادَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ،
__________
(1) في معجم البلدان: خنق.
(2) قال المقدسي في أحسن التقاسيم ص 73: أن الوليد جمع لبنائه صناعا مهرة من الشام ومصر بلغ عددهم أكثر من عشرة آلاف استمروا يعملون فيه تسع سنوات (انظر معجم البلدان) (*)
(9/167)

واجتمع الناس عنده لذلك، فكان فِيهِمُ الْفَرَزْدَقُ الشَّاعِرُ، فَقَالَ: أَنَا أُجِيبُهُ يَا أمير المؤمنين من كتاب الله.
قَالَ الْوَلِيدُ: وَمَا هُوَ وَيْحَكَ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً)
[الأنبياء: 79] وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ دَاوُدَ، فَفَهَّمَهُ اللَّهُ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ أَبُوهُ.
فَأَعْجَبَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ فَأَرْسَلَ بِهِ جَوَابًا إِلَى مَلِكِ الرُّوم.
وَقَدْ قَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي ذَلِكَ: - فَرَّقْتَ بَيْنَ النَّصَارَى فِي كَنَائِسِهِمْ * وَالْعَابِدِينَ مَعَ الْأَسْحَارِ وَالْعَتَمِ وَهُمْ جَمِيعًا إِذَا صَلَّوْا وَأَوْجُهُهُمْ * شَتَّى إِذَا سَجَدُوا لِلَّهِ وَالصَّنَمِ وَكَيْفَ يَجْتَمِعُ النَّاقُوسُ يَضْرِبُهُ * أَهْلُ الصَّلِيبِ مَعَ الْقُرَّاءِ لَمْ تَنَمِ فُهِّمْتَ تَحْوِيلَهَا عَنْهُمْ كَمَا فَهِمَا * إِذْ يَحْكُمَانِ لَهُمْ فِي الْحَرْثِ وَالْغَنَمِ دَاوُدُ وَالْمَلِكُ الْمَهْدِيُّ إِذْ جزآ * ولادها وَاجْتِزَازُ الصُّوفِ بِالْجَلَمِ فَهَّمَكَ اللَّهُ تَحْوِيلًا لِبَيْعَتِهِمْ * عَنْ مَسْجِدٍ فِيهِ يُتْلَى طَيِّبُ الْكَلِمِ مَا مِنْ أَبٍ حَمَلَتْهُ الْأَرْضُ نَعْلَمُهُ * خَيْرٌ بَنِينَ وَلَا خَيْرٌ مِنَ الْحَكَمِ قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ الدِّمَشْقِيُّ: بَنَى الْوَلِيدُ مَا كَانَ دَاخِلَ حِيطَانِ الْمَسْجِدِ وَزَادَ فِي سَمْكِ الْحِيطَانِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْخُشَنِيُّ: إِنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الَّذِي بَنَى الْحَائِطَ الْقِبْلِيَّ مِنْ مَسْجِدِ دِمَشْقَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا أَرَادَ الْوَلِيدُ بِنَاءَ الْقُبَّةِ الَّتِي وَسَطَ الرِّوَاقَاتِ - وَهِيَ قُبَّةُ النَّسْرِ وَهُوَ اسْمٌ حَادِثٌ لَهَا، وَكَأَنَّهُمْ شَبَّهُوهَا بِالنَّسْرِ فِي شَكْلِهِ، لِأَنَّ الرواقات عن يمينها وشمالها كالأجنحة لها - حفر لِأَرْكَانِهَا حَتَّى وَصَلُوا إِلَى الْمَاءِ وَشَرِبُوا مِنْهُ مَاءً عَذْبًا زُلَالًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ وَضَعُوا فِيهِ زيادة الْكَرْمِ، وَبَنَوْا فَوْقَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْأَرْكَانُ بَنَوْا عَلَيْهَا الْقُبَّةَ فَسَقَطَتْ، فَقَالَ الْوَلِيدُ لِبَعْضِ الْمُهَنْدِسِينَ: أُرِيدُ أَنْ تَبْنِيَ لِي أَنْتَ هَذِهِ الْقُبَّةَ، فَقَالَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي عَهْدَ اللَّهِ وميثاقه علي أَنْ لَا يَبْنِيَهَا أَحَدٌ غَيْرِي، فَفَعَلَ.
فَبَنَى الْأَرْكَانَ ثُمَّ غَلَّفَهَا بِالْبَوَارِي، وَغَابَ عَنْهَا سَنَةً كَامِلَةً لَا يَدْرِي الْوَلِيدُ أَيْنَ ذَهَبَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ السَّنَةِ حَضَرَ، فهمَّ بِهِ الْوَلِيدُ فأخذه ومعه رؤوس النَّاسِ، فَكَشَفَ الْبَوَارِيَ عَنِ الْأَرْكَانِ فَإِذَا هِيَ قَدْ هَبَطَتْ بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا حَتَّى سَاوَتِ الْأَرْضَ، فَقَالَ لَهُ: مِنْ هَذَا أُتِيتَ، ثُمَّ بَنَاهَا فَانْعَقَدَتْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ الْوَلِيدُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْضَةَ الْقُبَّةِ مِنْ ذَهَبٍ خَالِصٍ لِيُعَظِّمَ بِذَلِكَ شأن هذا البناء، فَقَالَ لَهُ الْمِعْمَارُ: إِنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَضَرَبَهُ خَمْسِينَ سَوْطًا، وَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ! أَنَا لَا
أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَتَزْعُمُ أَنِّي أَعْجَزُ عَنْهُ؟ وَخَرَاجُ الْأَرْضِ وَأَمْوَالُهَا تُجْبَى إِلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ أَنَا أُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ، قَالَ: فَبَيِّنْ ذَلِكَ، قَالَ: اضْرِبْ لَبِنَةً وَاحِدَةً مِنَ الذَّهَبِ وَقِسْ عَلَيْهَا مَا تُرِيدُ هَذِهِ الْقُبَّةُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ الْوَلِيدُ فَأُحْضِرَ مِنَ الذَّهَبِ ما ضرب منه لَبِنَةٌ فَإِذَا هِيَ قَدْ دَخَلَهَا أُلُوفٌ مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا نُرِيدُ مثل هذه اللبنة كَذَا وَكَذَا أَلْفِ لَبِنَةً، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ عَمِلْنَاهُ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ صحة قوله أطلق له الوليد خمسين ديناراً، وقال إني لا أعجز عما قلت، ولكن فيه
(9/168)

إسراف وضياع مال في غير وجهه اللائق به، ولأن يكون ما أردنا من ذلك نفقة في سبيل الله، ورداً على ضعفاء المسلمين خير من ذلك.
ثُمَّ عَقَدَهَا عَلَى مَا أَشَارَ بِهِ الْمِعْمَارُ.
وَلَمَّا سَقَفَ الْوَلِيدُ الْجَامِعَ جَعَلُوا سَقْفَهُ جَمَلُونَاتٍ، وَبَاطِنَهَا مُسَطَّحًا مُقَرْنَصًا بِالذَّهَبِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أهله: أتعبت الناس بعدك في طين أسطحتهم، لما يريد هذا المسجد في كل عام من الطين الكثير - يشير إلى أن التراب يغلو والفعلة تقل لأجل العمل في هَذَا الْمَسْجِدِ فِي كُلِّ عَامٍ - فَأَمَرَ الْوَلِيدُ أَنْ يُجْمَعَ مَا فِي بِلَادِهِ مِنَ الرَّصَاصِ لِيَجْعَلَهُ عِوَضَ الطِّينِ، وَيَكُونَ أَخَفَّ عَلَى السُّقُوفِ.
فَجَمَعَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنَ الشَّامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَقَالِيمِ، فَعَازُوا فَإِذَا عِنْدَ امْرَأَةٍ مِنْهُ قناطير مقنطرة، فساوموها فيه، فقالت: لا أبيعه إِلَّا بِوَزْنِهِ فِضَّةً (1) ، فَكَتَبُوا إِلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ: اشْتَرُوهُ مِنْهَا وَلَوْ بِوَزْنِهِ فِضَّةً (2) ، فَلَمَّا بَذَلُوا لها ذلك قالت: أما إذا قلتم ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ يَكُونُ فِي سَقْفِ هَذَا الْمَسْجِدِ، فَكَتَبُوا عَلَى أَلْوَاحِهَا بِطَابَعٍ " لِلَّهِ " وَيُقَالُ إنَّها كَانَتْ إِسْرَائِيلِيَّةً، وَإِنَّهُ كُتِبَ عَلَى الْأَلْوَاحِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهَا: هَذَا مَا أَعْطَتْهُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ: سَمِعْتُ الْمَشَايِخَ يَقُولُونَ: مَا تَمَّ بِنَاءُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ إِلَّا بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، لَقَدْ كَانَ يَفْضُلُ عِنْدَ الرَّجُلِ من القوم أو الفعلة الفلس ورأس المسمار فيأتي به حَتَّى يَضَعَهُ فِي الْخِزَانَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ الدماشقة: ليس في الجامع من الرخام شئ إِلَّا الرُّخَامَتَانِ اللَّتَانِ فِي الْمَقَامِ مِنْ عَرْشِ بِلْقِيسَ وَالْبَاقِي كُلُّهُ مَرْمَرٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اشْتَرَى الوليد الْعَمُودَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ تَحْتَ النَّسْرِ (3) ، مِنْ حَرْبِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ.
وَقَالَ دُحَيْمٌ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ: ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَرْخَمٍ، وَقَالَ أَبُو
قُصَيٍّ عَنْ دُحَيْمٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ الْأَنْصَارِيِّ: إِنَّهُمْ حَسَبُوا مَا أَنْفَقَهُ الْوَلِيدُ عَلَى الكرمة (4) التي في قبلي الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَقَالَ أَبُو قُصَيٍّ: أُنْفِقَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ أَرْبَعُمِائَةِ صندوق من الذهب، في كل صندوق أربعة
__________
(1) في معجم البلدان (دمشق) : ذهبا.
(2) في ياقوت: ولو بوزنه مرتين.
(3) في رواية خريدة العجائب نقلا عن ابن عساكر: تحت قبة النسر وهما على باب السنجق الكبير - اشتراهما من خالد بن يزيد بن معاوية.
(4) الكرمة: فسيسفاء على هيئة الكرم مؤلفة من قطع صغيرة من الزجاج المربع مبطن بالذهب أو الالوان.
وكان منها بقايا إلى أيام الحريق الاخير سنة 1310 هـ ويوجد قريب منها في قبة الملك الظاهر بدمشق إلى اليوم.
وقد أرخ الشيخ عبد الرحمن القصار شاعر دمشق ذلك الحريق الذي أصاب محاسن الجامع وذهب بأركانه قال: يا مسجدا قد هدمت أركانه * أبشر بتشييد مع الاتقان واخلع ثياب الحزن عنك فإنها * قد بدلت لك في ثياب تهاني كم من فؤاد ذاب لما أرخوا * بأجيج حرقك في ربيع الثاني (*)
(9/169)

عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي كُلِّ صُنْدُوقٍ ثَمَانِيَةً وَعِشْرُونَ أَلْفَ دِينَارٍ.
قُلْتُ: فَعَلَى الأول يكون ذلك خمسة آلاف دِينَارٍ، وَسِتَّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْمَصْرُوفُ فِي عِمَارَةِ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ أَحَدَ عَشَرَ ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار.
وقيل أنه صرف أكثر من ذلك بكثير، والله أعلم.
قال أَبُو قُصَيٍّ: وَأَتَى الْحَرَسِيُّ إِلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَنْفَقَ أمير المؤمنين بيوت الأموال فِي غَيْرِ حَقِّهَا.
فَنُودِيَ فِي النَّاس الصَّلَاةَ جَامِعَةً.
فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَصَعِدَ الْوَلِيدُ الْمِنْبَرَ وَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكُمْ أَنَّكُمْ قُلْتُمْ أَنْفَقَ الْوَلِيدُ بُيُوتَ الْأَمْوَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَمْرُو بْنَ مُهَاجِرٍ، قُمْ فَأَحْضِرْ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ، فَحُمِلَتْ عَلَى الْبِغَالِ إِلَى الْجَامِعِ، ثم بسط لها الأنطاع تحت قبة النسر، ثُمَّ أُفْرِغَ عَلَيْهَا الْمَالُ ذَهَبًا صَبِيبًا، وَفِضَّةً خَالِصَةً، حَتَّى صَارَتْ كُوَمًا، حتَّى
كَانَ الرَّجل إذا قام من الجانب الواحد لَا يَرَى الرَّجُلَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَهَذَا شئ كثير، ثم جئ بِالْقَبَّانِينَ فَوُزِنَتِ الْأَمْوَالُ فَإِذَا هِيَ تَكْفِي النَّاسَ ثَلَاثَ سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً، وَفِي رِوَايَةٍ سِتَّ (1) عَشْرَةَ سنة مستقبلة، لو لم يدخل للناس شئ بالكلية، فقال لهم الوليد: والله ما أنفقت في عمارة هذا المسجد درهماً من بيوت المال، وإنما هذا كله من مالي.
ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله عزوجل على ذلك، ودعوا للخليفة وانصرفوا شاكرين داعين.
فقال لهم الوليد: يا أهل دمشق، والله ما أنفقت في بناء هذا المسجد شيئاً من بيوت المال، وإنما هذا كله من مالي، لم أرزأكم من أموالكم شيئاً.
ثُمَّ قَالَ الْوَلِيدُ: يَا أَهْلَ دِمَشْقَ، إِنَّكُمْ تَفْخَرُونَ عَلَى النَّاسِ بِأَرْبَعٍ، بِهَوَائِكُمْ وَمَائِكُمْ وَفَاكِهَتِكُمْ وَحَمَّامَاتِكُمْ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَزِيدَكُمْ خَامِسَةً وَهِيَ هَذَا الجامع (2) .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ فِي قِبْلَةِ جَامِعِ دِمَشْقَ ثَلَاثُ صَفَائِحَ مُذَهَّبَةٍ بِلَازُورْدَ، فِي كُلٍّ مِنْهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نوم.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، رَبُّنَا اللَّهُ وَحْدَهُ، وَدِينُنَا الْإِسْلَامُ، وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَمَرَ بِبُنْيَانِ هَذَا الْمَسْجِدِ وَهَدْمِ الْكَنِيسَةَ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدُ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَفِي صَفِيحَةٍ أُخْرَى رَابِعَةٍ مِنْ تِلْكَ الصَّفَائِحِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلى آخر الفاتحة، ثم النازعات، ثم عبس، ثم إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، قالوا: ثم محيت بعد مجئ الْمَأْمُونِ إِلَى دِمَشْقَ.
وَذَكَرُوا أَنَّ أَرْضَهُ كَانَتْ مُفَضَّضَةً كُلَّهَا، وَأَنَّ الرُّخَامَ كَانَ فِي جُدْرَانِهِ إِلَى قَامَاتٍ، وَفَوْقَ الرُّخَامِ كَرْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَفَوْقَ الْكَرْمَةِ الْفُصُوصُ الْمُذَهَّبَةُ وَالْخُضْرُ وَالْحُمْرُ وَالزُّرْقُ وَالْبِيضُ، قَدْ صَوَّرُوا بِهَا سَائِرَ الْبُلْدَانِ الْمَشْهُورَةِ، الْكَعْبَةَ فَوْقَ الْمِحْرَابِ، وَسَائِرَ الْأَقَالِيمِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، وَصَوَّرُوا مَا فِي الْبُلْدَانِ مِنَ الْأَشْجَارِ الْحَسَنَةِ الْمُثْمِرَةِ وَالْمُزْهِرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَسَقْفُهُ مُقَرْنَصٌ بالذهب، والسلاسل المعلقة فيها جَمِيعُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَأَنْوَارُ الشُّمُوعِ
__________
(1) فِي معجم البلدان (دمشق) : ثمان عشرة سنة.
(2) انظر الحدائق والعيون ص 4 - 5.
(*)
(9/170)

فِي أَمَاكِنِهِ مُفَرَّقَةٌ.
قَالَ: وَكَانَ فِي مِحْرَابِ الصَّحَابَةِ بَرْنِيَّةٌ حَجَرٌ مِنْ بَلُّورٍ، وَيُقَالُ بَلْ كَانَتْ حَجَرًا مِنْ جَوْهَرٍ وَهِيَ الدُّرَّةُ، وَكَانَتْ تسمى القليلة، وكانت إذا طفئت القناديل تضئ لِمَنْ هُنَاكَ بِنُورِهَا، فلمَّا كَانَ زَمَنُ الْأَمِينِ بْنِ الرَّشِيدِ - وَكَانَ يُحِبُّ الْبَلُّورَ وَقِيلَ الْجَوْهَرَ - بَعَثَ إِلَى سُلَيْمَانَ وَإِلَى شُرَطَةِ دِمَشْقَ أَنْ يبعث بها إليه، فسرقها الوالي خوفاً من الناس وأرسلها إليه، فَلَمَّا وَلِيَ الْمَأْمُونُ رَدَّهَا إِلَى دِمَشْقَ لِيُشَنِّعَ بِذَلِكَ عَلَى الْأَمِينِ.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: ثُمَّ ذَهَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَجُعِلَ مَكَانَهَا بَرْنِيَّةٌ مِنْ زُجَاجٍ، قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ تِلْكَ الْبَرْنِيَّةَ ثُمَّ انكسرت بعد ذلك فلم يجعل مكانها شئ، قَالُوا: وَكَانَتِ الْأَبْوَابُ الشَّارِعَةُ مِنْ دَاخِلِ الصَّحْنِ لَيْسَ عَلَيْهَا أَغْلَاقٌ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَيْهَا السُّتُورُ مُرْخَاةً، وَكَذَلِكَ السُّتُورُ عَلَى سَائِرِ جُدْرَانِهِ إِلَى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة، ورؤوس الْأَعْمِدَةِ مَطْلِيَّةٌ بِالذَّهَبِ الْخَالِصِ الْكَثِيرِ، وَعَمِلُوا لَهُ شُرُفَاتٍ تُحِيطُ بِهِ، وَبَنَى الْوَلِيدُ الْمَنَارَةَ الشَّمَالِيَّةَ التي يقال لها مأذنة الْعَرُوسِ، فَأَمَّا الشَّرْقِيَّةُ وَالْغَرْبِيَّةُ فَكَانَتَا فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِدُهُورٍ مُتَطَاوِلَةٍ، وَقَدْ كَانَ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ هَذَا الْمَعْبَدِ صَوْمَعَةٌ شَاهِقَةٌ جِدًّا، بَنَتْهَا الْيُونَانُ لِلرَّصْدِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ سَقَطَتِ الشما ليتان وَبَقِيَتِ الْقِبْلِيَّتَانِ إِلَى الْآنَ، وَقَدْ أُحْرِقَ بَعْضُ الشَّرْقِيَّةِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، فَنُقِضَتْ وَجُدِّدَ بِنَاؤُهَا مِنْ أَمْوَالِ النَّصارى، حَيْثُ اتُّهِمُوا بِحَرِيقِهَا، فَقَامَتْ عَلَى أَحْسَنِ الْأَشْكَالِ (1) ، بَيْضَاءَ بِذَاتِهَا وَهِيَ وَاللَّهُ أعلم الشرفة التي ينزل عليها عيسى بن مَرْيَمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّواس بْنِ سَمْعَانَ.
قُلْتُ: ثُمَّ أُحْرِقَ أَعْلَى هَذِهِ الْمَنَارَةِ وَجُدِّدَتْ (2) ، وَكَانَ أَعْلَاهَا مِنْ خَشَبٍ فَبُنِيَتْ بِحِجَارَةٍ كُلُّهَا فِي آخِرِ السَّبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، فَصَارَتْ كُلُّهَا مَبْنِيَّةً بِالْحِجَارَةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْجَامِعَ الْأُمَوِيَّ لَمَّا كَمُلَ بِنَاؤُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِنَاءٌ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَا أَبْهَى ولا أجمل مِنْهُ، بِحَيْثُ إِنَّهُ إِذَا نَظَرَ النَّاظِرُ إِلَيْهِ أو إلى جهة منه أو إلى بقعة أو مكان منه تحير فيها نظره لحسنه وجماله وَلَا يَمَلُّ نَاظِرُهُ، بَلْ كُلَّمَا أَدْمَنَ النَّظَرَ بَانَتْ لَهُ أُعْجُوبَةٌ لَيْسَتْ كَالْأُخْرَى، وَكَانَتْ فِيهِ طِلَّسْمَاتٌ مِنْ أَيَّامِ الْيُونَانَ فَلَا يَدْخُلُ هَذِهِ البقعة شئ مِنَ الْحَشَرَاتِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَا مِنَ الْحَيَّاتِ وَلَا مِنَ الْعَقَارِبِ، وَلَا الْخَنَافِسِ وَلَا الْعَنَاكِيبِ، وَيُقَالُ ولا العصافير أيضا نعشش فيه، ولا الحمام ولا شئ
مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ، وَأَكْثَرُ هَذِهِ الطِلَّسْمَاتِ أو كلها كانت مودعة في سقف هذا المعبد، مما يلي السبع،
__________
(1) قال في العبر: وفي سنة 740 هـ سادس عشر شوال وقع بدمشق حريق كبير شمل سوق اللبادين القبلية وما تحتها وما فوقها إلى عند سوق الكتب، واحترق سوق الوراقين وسوق الذهب وحاصل الجامع وما حوله والمأذنة الشرقية وعدم الناس فيه من الأموال والمتاع ما لا يحصر.
وقد ذهب بهذا الحريق أموال الناس وأتى على المباني بأجمعها.
(2) قال صاحب محاسن الشام أن المنارة - مئذنة عيسى - جددت من أموال النَّصارى لكونهم اتهموا بحريقها باقرار بعضهم.
(*)
(9/171)

فأحرقت لما أحرق لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ (1) ، فِي دَوْلَةِ الْفَاطِمِيِّينَ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَقَدْ كَانَتْ بِدِمَشْقَ طِلَّسْمَاتٌ وَضَعَتْهَا الْيُونَانُ بَعْضُهَا بَاقٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَمِنْ ذَلِكَ الْعَمُودُ الَّذِي في رأسه مثل الكرة في سوق الشَّعِيرِ عِنْدَ قَنْطَرَةِ أُمِّ حَكِيمٍ وَهَذَا الْمَكَانُ يعرف اليوم بالعلبيين، ذكر أهل دِمَشْقَ أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ الْيُونَانِ لِعُسْرِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ، فَإِذَا دَارُوا بِالْحَيَوَانِ حَوْلَ هَذَا الْعَمُودِ ثلاث دورات انطلق باطنه فبال، وذلك مجرب من عهد اليونان.
قال ابن تيمية عن هذا العمود: إن تحته مدفون جبار عنيد، كافر يعذب، فإذا داروا بالحيوان حوله سمع العذاب فراث وبال من الخوف، قال: ولهذا يذهبون بالدواب إلى قبور النصارى واليهود والكفار، فإذا سمعت أصوات المعذبين انطلق بولها.
والعمود المشار إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ سر، ومن اعتقد أن فيه منفعة أو مضرة فقد أخطأ خطأً فاحشاً.
وقيل إن تحته كنزاً وصاحبه عنده مدفون، وكان ممن يعتقد الرجعة إلى الدنيا كما قال تعالى (وقالوا ما هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) [المؤمنون: 37] والله سبحانه وتعالى أعلم.
وَمَا زَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَعْمَلُ فِي تَكْمِلَةِ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ مُدَّةَ وِلَايَتِهِ، وَجُدِّدَتْ لَهُ فِيهِ الْمَقْصُورَةُ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَزَمَ عَلَى أن يجرده مما فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ، وَيَقْلَعُ السَّلَاسِلَ وَالرُّخَامَ وَالْفُسَيْفِسَاءَ، ويرد ذلك كله إلى بيت المال، ويجعل مكان ذلك كله طيناً، فَشَقَّ
ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ وَاجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ إِلَيْهِ، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ: أنا أكمله لكم، فقال له: يا أمير المؤمنين بلغنا عنك كَذَا وَكَذَا، قَالَ: نَعَمْ! فَقَالَ خَالِدٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: ولم يابن الْكَافِرَةِ؟ - وَكَانَتْ أُمُّهُ نَصْرَانِيَّةً رُومِيَّةً أُمَّ وَلَدٍ - فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ كَانَتْ كَافِرَةً فَقَدْ وَلَدَتْ رَجُلًا مُؤْمِنًا، فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَاسْتَحْيَا عُمَرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: فَلِمَ قُلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ غَالِبَ مَا فِيهِ مِنَ الرُّخَامِ إِنَّمَا حَمَلَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْأَقَالِيمِ، وَلَيْسَ هُوَ لِبَيْتِ المال، فأطرق عمر.
قَالُوا: وَاتَّفَقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قُدُومُ جَمَاعَةٍ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ رُسُلًا مِنْ عِنْدِ مَلِكِهِمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ بَابِ الْبَرِيدِ وَانْتَهَوْا إِلَى الْبَابِ الْكَبِيرِ الَّذِي تَحْتَ النَّسْرِ، وَرَأَوْا مَا بهر عقولهم من حسن الْجَامِعِ الْبَاهِرِ، وَالزَّخْرَفَةِ الَّتِي لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، صَعِقَ كَبِيرُهُمْ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَحَمَلُوهُ إِلَى مَنْزِلِهِمْ، فَبَقِيَ أَيَّامًا مُدْنِفًا، فَلَمَّا تَمَاثَلَ سَأَلُوهُ عَمَّا عَرَضَ لَهُ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَبْنِيَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَ هَذَا الْبِنَاءِ، وَكُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّ مُدَّتَهُمْ تَكُونُ أَقْصَرَ مِنْ هَذَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قال: أو إن الغيظ أهلك الْكُفَّارِ، دَعُوهُ.
وَسَأَلَتِ النَّصَارَى فِي أَيَّامِ عُمَرَ بن عبد العزيز أن يعقد لهم
__________
(1) قال صاحب تاريخ القلانسي أن سبب الحريق خلاف وقع بين العسكر وأهل دمشق، بين المغاربة والمشارقة، وطرحت النار في جانب دمشق فاحترقت واتصلت النار بجامعها فاحترق وقد ايده ابن عساكر وغيره في ذلك.
(*)
(9/172)

مَجْلِسًا فِي شَأْنِ مَا كَانَ أَخَذَهُ الْوَلِيدُ مِنْهُمْ، وَكَانَ عُمَرُ عَادِلًا، فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ أَخَذَهُ الْوَلِيدُ مِنْهُمْ فَأَدْخَلَهُ فِي الْجَامِعِ، ثُمَّ حَقَّقَ عُمَرُ الْقَضِيَّةَ، ثُمَّ نَظَرَ فَإِذَا الْكَنَائِسُ الَّتِي هِيَ خَارِجُ الْبَلَدِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُمُ الصحابة، مثل كنيسة دير مران بسفح قاسيون، وهي بقرية المعظمية، وَكَنِيسَةِ الرَّاهِبِ، وَكَنِيسَةِ تُومَا خَارِجَ بَابِ تُومَا، وَسَائِرِ الْكَنَائِسِ الَّتِي بِقُرَى الْحَوَاجِزِ، فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ رَدِّ مَا سَأَلُوهُ وَتَخْرِيبِ هَذِهِ الْكَنَائِسِ كُلِّهَا، أَوْ تَبْقَى تِلْكَ الْكَنَائِسُ وَيَطِيبُوا نَفْسًا لِلْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْبُقْعَةِ، فَاتَّفَقَتْ آرَاؤُهُمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ على إبقاء تلك الكنائس، ويكتب لهمه كِتَابَ أَمَانٍ بِهَا، وَيَطِيبُوا نَفْسًا بِهَذِهِ الْبُقْعَةِ، فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ أَمَانٍ بِهَا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْجَامِعَ الْأُمَوِيَّ كَانَ حِينَ تَكَامَلَ بِنَاؤُهُ لَيْسَ له في الدُّنيا مثيل فِي حُسْنِهِ وَبَهْجَتِهِ،
قَالَ الْفَرَزْدَقُ: أَهْلُ دِمَشْقَ في بلادهم في قصر من قصور الجنة - يعني الجامع - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أهل الأرض أن يكون أَشَدَّ شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، لِمَا يَرَوْنَ مِنْ حُسْنِ مَسْجِدِهَا.
قَالُوا: وَلَمَّا دخل أمير المؤمنين المهدي دمشق يريد زيارة القدس نَظَرَ إِلَى جَامِعِ دِمَشْقَ فَقَالَ لِكَاتِبِهِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ: سَبَقَنَا بَنُو أُمَيَّةَ بِثَلَاثٍ، بهذا المسجد الذي لَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلَهُ، وَبِنُبْلِ الْمَوَالِي، وَبِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لَا يَكُونُ وَاللَّهِ فِينَا مِثْلُهُ أَبَدًا.
ثُمَّ لَمَّا أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَنَظَرَ إِلَى الصَّخْرَةِ - وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ هُوَ الَّذِي بَنَاهَا - قَالَ لِكَاتِبِهِ: وَهَذِهِ رَابِعَةٌ.
وَلَمَّا دَخَلَ الْمَأْمُونُ دِمَشْقَ فَنَظَرَ إِلَى جَامِعِهَا وَكَانَ مَعَهُ أَخُوهُ الْمُعْتَصِمُ، وَقَاضِيهِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، قَالَ: مَا أَعْجَبُ ما فيه؟ فقال أخوه: هذه الا ذهاب التي فيه، وقال يحيى بن أكثم: الرخام وهذه العقد، فقال المأمون: إني إِنَّمَا أَعْجَبُ مِنْ حُسْنِ بُنْيَانِهِ عَلَى غَيْرِ مثال متقدم، ثم قال المأمون لقاسم الثمار: أَخْبِرْنِي باسمٍ حَسَنٍ أُسَمِّي بِهِ جَارِيَتِي هَذِهِ، فقال: سمها مسجد دمشق، فإنه أحسن شئ.
وقال عبد الرحمن عن ابن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: عَجَائِبُ الدُّنْيَا خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا مَنَارَتُكُمْ هَذِهِ - يَعْنِي مَنَارَةَ ذِي القرنين بِإِسْكَنْدَرِيَّةَ - وَالثَّانِيَةُ أَصْحَابُ الرَّقِيمِ وَهْمُ بِالرُّومِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَالثَّالِثَةُ مِرْآةٌ بِبَابِ الْأَنْدَلُسِ عَلَى بَابِ مَدِينَتِهَا، يَجْلِسُ الرَّجُلُ تَحْتَهَا فَيَنْظُرُ فِيهَا صاحبه من مسافة مائة فرسخ.
وقيل ينظر من بالقسطنطينية، وَالرَّابِعُ مَسْجِدُ دِمَشْقَ وَمَا يُوصَفُ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَالْخَامِسُ الرُّخَامُ وَالْفُسَيْفِسَاءُ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَى لها مَوْضِعٌ، وَيُقَالُ إِنَّ الرُّخَامَ مَعْجُونٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَذُوبُ عَلَى النَّارِ.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي اللَّيْثِ الْكَاتِبُ - وَكَانَ قَدِمَ دِمَشْقَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ - فِي رِسَالَةٍ لَهُ قَالَ: ثُمَّ أُمِرْنَا بِالِانْتِقَالِ فَانْتَقَلْتُ مِنْهُ إِلَى بَلَدٍ تَمَّتْ مَحَاسِنُهُ، وَوَافَقَ ظَاهِرَهُ بَاطِنُهُ، أَزِقَّتُهُ أَرِجَةٌ، وَشَوَارِعُهُ فَرِجَةٌ، فَحَيْثُ ما مشيت شَمَمْتَ طِيبًا، وَأَيْنَ سَعَيْتَ رَأَيْتَ مَنْظَرًا عَجِيبًا، وإن أفضيت إلى جامعه شاهدت مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَةِ الْوَاصِفِ أَنْ يَصِفَهُ، وَلَا الرَّائِي أَنْ يُعَرِّفَهُ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ كنز الدَّهْرِ وَنَادِرَةُ الْوَقْتِ، وَأُعْجُوبَةُ الزَّمَانِ، وَغَرِيبَةُ الْأَوْقَاتِ، وَلَقَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ
(9/173)

وَجَلَّ بِهِ ذِكْرًا يُدْرَسُ، وَخَلَّفَ بِهِ أَمْرًا لَا يَخْفَى وَلَا يَدْرُسُ.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وأنشدني بعض الْمُحَدِّثِينَ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ عَمَّرَهُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ وفي دمشق فقال: (1) دِمَشْقُ قَدْ شَاعَ حُسْنُ جَامِعِهَا * وَمَا حَوَتْهُ رُبَى مَرَابِعِهَا بَدِيعَةُ الْحَسَنِ فِي الْكَمَالِ لِمَا * يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مِنْ بَدَائِعِهَا طَيِّبَةٌ أَرْضُهَا مُبَارَكَةٌ * بِالْيُمْنِ وَالسَّعْدِ أَخْذُ طَالِعِهَا جَامِعُهَا جَامِعُ الْمَحَاسِنِ قَدْ * فَاقَتْ بِهِ الْمُدْنَ فِي جَوَامِعِهَا بنيةِ بِالْإِتْقَانِ قَدْ وُضِعَتْ * لَا ضَيَّعَ اللَّهُ سَعْيَ واضعها تذكر في فضله ورفعته * آثار صِدْقٍ رَاقَتْ لِسَامِعِهَا قَدْ كَانَ قَبْلَ الْحَرِيقِ مدهشة * فغيرت ناره بلاقعها فَأَذْهَبَتْ بِالْحَرِيقِ بَهْجَتَهُ * فَلَيْسَ يُرْجَى إِيَابُ رَاجِعِهَا إِذَا تَفَكَّرْتَ فِي الْفُصُوصِ وَمَا * فِيهَا تَيَقَّنْتَ حِذْقَ رَاصِعِهَا أَشْجَارُهَا لَا تَزَالُ مُثْمِرَةً * لَا ترهب الرِّيحُ مِنْ مَدَافِعِهَا كَأَنَّهَا مِنْ زُمُرُّدٍ غُرِسَتْ * في أرض تبر تغشى بنافعها فِيهَا ثِمَارٌ تَخَالُهَا يَنَعَتْ * وَلَيْسَ يُخْشَى فَسَادُ يَانِعِهَا تُقْطَفُ بِاللَّحْظِ لَا بِجَارِحَةِ الْ * أَيْدِي ولا تجتني لبايعها وَتَحْتَهَا مِنْ رُخَامِهِ قِطَعٌ * لَا قَطَّعَ اللَّهُ كَفَّ قَاطِعِهَا أَحْكَمَ تَرْخِيمَهَا الْمُرَخِّمُ قَدْ * بَانَ عَلَيْهَا إِحْكَامُ صَانِعِهَا وَإِنْ تَفَكَّرْتَ فِي قَنَاطِرِهِ * وَسَقْفِهِ بَانَ حِذْقُ رَافِعِهَا وَإِنْ تَبَيَّنْتَ حُسْنَ قُبَّتِهِ * تَحَيَّرَ اللبُّ فِي أَضَالِعِهَا (2) تَخْتَرِقُ الرِّيحُ في منافذها * عصفاً فتقوى على زغازعها وَأَرْضُهُ بِالرُّخَامِ قَدْ فُرِشَتْ * يَنْفَسِحُ الطَّرْفُ فِي مواضعها مجالس العلم فيه مؤنقة * يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ فِي مَجَامِعِهَا
وَكُلُّ بَابٍ عَلَيْهِ مَطْهَرَةٌ * قَدْ أَمِنَ النَّاسُ دَفْعَ مَانِعِهَا يَرْتَفِقُ الناس مِنْ مَرَافِقِهَا * وَلَا يَصُدُّونَ عَنْ مَنَافِعِهَا وَلَا تَزَالُ الْمِيَاهُ جَارِيَةً * فِيهَا لِمَا شُقَّ مِنْ مشارعها وسوقها لا تزال آهلة * يزدحم الناس في شوارعها لما يشاؤون من فواكهها * وما يريدون من بضائعها
__________
(1) وهو الصاحب صفي الدين.
كما في منتخبات تواريخ دمشق 3 / 1027.
(2) في منتخبات تواريخ دمشق: أصانعها.
(*)
(9/174)

كأنها جنة معجلة * في الأرض لولا مسرى فَجَائِعِهَا دَامَتْ بِرَغْمِ الْعِدَى مُسَلَّمَةً * وَحَاطَهَا اللَّهُ مِنْ قَوَارِعِهَا
فَصْلٌ فِيمَا رُوِيَ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ مِنَ الْآثَارِ وَمَا وَرَدَ فِي فَضْلِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّادَةِ الْأَخْيَارِ.
رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تعالى (وَالتِّينِ) قال: هو مسجد دمشق (وَالزَّيْتُونِ) قال: هو مسجد بيت المقدس (وَطُورِ سِينِينَ) حَيْثُ كلَّم اللَّهُ مُوسَى (وَهَذا البَلَدُ الأَمِيْن) [التين: 1 - 3] وهو مكة (1) .
رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ زَيْدِ بْنِ وَاقَدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ الْكِلَابِيِّ قَالَ: قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَيُبْنَيَنَّ فِي دِمَشْقَ مَسْجِدٌ يَبْقَى بَعْدَ خَرَابِ الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ عَامًا.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاتِكَةِ، عَنْ علي بن زيد، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جَبَلِ قَاسْيُونَ أَنْ هَبْ ظِلَّكَ وَبَرَكَتَكَ إِلَى جَبَلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ ففعل فأوحى الله إليه أما إذا فعلت فإني سأبني لي في خطتك بَيْتًا أُعْبَدُ فِيهِ بَعْدَ خَرَابِ الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَا تَذْهَبُ الأيَّام واللَّيالي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْكَ ظِلَّكَ وَبَرَكَتَكَ، قَالَ فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ الضَّعِيفِ الْمُتَضَرِّعِ.
وَقَالَ دُحَيْمٌ: حِيطَانُ الْمَسْجِدِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ بِنَاءِ هُودٍ
عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا كَانَ مِنَ الْفُسَيْفِسَاءِ إِلَى فَوْقَ فَهُوَ مِنْ بِنَاءِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - يَعْنِي أَنَّهُ رَفَعَ الْجِدَارَ فَعَلَّاهُ مِنْ حَدِّ الرُّخَامِ وَالْكَرْمَةِ إِلَى فَوْقَ - وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا بَنَى هود الجدار القبلي فقط.
وَنَقَلَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَالتِّينِ) قالوا: هو مسجد دمشق.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَرَجِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبِرَامِيِّ الدِّمَشْقِيُّ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْوَانَ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُلَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَحْيَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ قَالَ: كَانَ خَارِجَ بَابِ السَّاعَاتِ صَخْرَةٌ يُوضَعُ عَلَيْهَا الْقُرْبَانُ، فَمَا تُقُبِّلَ مِنْهُ جَاءَتْ نَارٌ فَأَكَلَتْهُ، وَمَا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ.
قُلْتُ: وَهَذِهِ الصَّخْرَةُ نُقِلَتْ إلى داخل باب الساعات، وهي موجودة الْآنَ، وَبَعْضُ الْعَامَّةِ يَزْعُمُ أَنَّهَا الصَّخْرَةُ الَّتِي وَضَعَ عَلَيْهَا ابْنَا آدَمَ قُرْبَانَهُمَا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ (2) .
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْخُشَنِيُّ (3) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ " صَلَّى فِي
__________
(1) في الاصل: " قال: دمشق " وصححناه من تاريخ ابن عساكر 1 / 196: وانظر معجم البلدان (دمشق) .
(2) انظر معجم البلدان 2 / 464 (دمشق) .
(3) من تاريخ ابن عساكر، وفي الاصل الحسني.
(*)
(9/175)

مَوْضِعِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ " قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وهذا منقطع وَمُنْكَرٌ جِدًّا، وَلَا يَثْبُتُ أَيْضًا لَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبِرَامِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عبد الملك بن المغيرة المقري، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ تَقَدَّمَ إِلَى الْقُوَّامِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ اللَّيْلَةَ في المسجد، فلا تتركوا أحداً يصلي الليلة، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا الخضر يصلي في المسجد في كل ليلة، وفي رواية أنه قال لهم: لا تتركوا أحداً يدخله، ثم إن الوليد أَتَى بَابَ السَّاعَاتِ فَاسْتَفْتَحَ الْبَابَ فَفُتِحَ لَهُ، فإذا رجل قائم بين السَّاعَاتِ وَبَابِ الْخَضْرَاءِ الَّذِي يَلِي الْمَقْصُورَةَ يُصَلِّي، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى بَابِ الْخَضْرَاءِ مِنْهُ إِلَى باب الساعات، فقال الوليد لِلْقُوَّامِ: أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ لَا تَتْرُكُوا أَحَدًا اللَّيْلَةَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: يا أمير المؤمنين هذا الخضر يُصَلِّي كُلَّ لَيْلَةٍ فِي
الْمَسْجِدِ ".
فِي إِسْنَادِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ وَصِحَّتِهَا نَظَرٌ، وَلَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهَا وجود الخضر بالكلية، ولا صلاته في الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اشْتُهِرَ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ أَنَّ الزَّاوِيَةَ الْقِبْلِيَّةَ عِنْدَ بَابِ المأذنة الْغَرْبِيَّةِ تُسَمَّى زَاوِيَةَ الْخَضِرِ، وَمَا أَدْرِي مَا سَبَبُ ذَلِكَ، وَالَّذِي ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ صَلَاةُ الصَّحَابَةِ فيه، وكفى بذلك شرفاً له ولغيره من المساجد التي صلوا فيها، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى فِيهِ إِمَامًا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْأُمَرَاءِ بِالشَّامِ، وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وصلى فيه خلق من الصحابة مثل معاذ بن جبل وغيره لَكِنْ قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرَهُ الْوَلِيدُ إِلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَأَمَّا بَعْدَ أَنْ غُيِّرَ إِلَى هَذَا الشَّكْلِ فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ وَرَدَ دِمَشْقَ سنة ثنتين وتسعين، وهو يبني فيه الوليد، فصلى فيه أنس ورأى الْوَلِيدِ وَأَنْكَرَ أَنَسٌ عَلَى الْوَلِيدِ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ أَنَسٍ، عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وتسعين، وسيصلي فيه عيسى بن مَرْيَمَ إِذَا نَزَلَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، إِذَا خَرَجَ الدَّجَّالُ وَعَمَّتِ الْبَلْوَى بِهِ، وَانْحَصَرَ النَّاسُ مِنْهُ بِدِمَشْقَ، فَيَنْزِلُ مَسِيحُ الْهُدَى فَيَقْتُلُ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ، وَيَكُونُ نُزُولُهُ عَلَى الْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ وَقْتَ صَلَاةِ الْفَجْرِ (1) ، فَيَأْتِي وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَيَقُولُ لَهُ إِمَامُ النَّاسِ: تَقَدَّمْ يَا رُوحَ اللَّهِ، فَيَقُولُ: إِنَّمَا أُقِيمَتْ لَكَ، فَيُصَلِّي عِيسَى تِلْكَ الصَّلَاةَ خَلْفَ رَجُلٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يُقَالُ إِنَّهُ الْمَهْدِيُّ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ يَخْرُجُ عيسى بالناس فيدرك الدجال عنه عَقَبَةِ أَفِيقَ، وَقِيلَ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ بِيَدِهِ هُنَالِكَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا ليؤمن بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) [النِّسَاءِ: 158] وَفِي الصَّحيح عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْزِلَنَّ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، وَإِمَامًا عَادِلًا، فَيَكْسِرُ الصَّليب وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَلَا يَقْبَلُ إلا الاسلام) (2)
__________
(1) الحديث في صحيح مسلم: كتاب الفتن - 20 باب - ح 110 ص 2250.
(2) صحيح مسلم - كتاب الايمان - (71) باب ح (242) .
ص 1 / 135.
(*)
(9/176)

والمقصود أن عيسى ينزل على المنارة الشرقية بدمشق، والبلد محصور محصن من الدجال،
فينزل على المنارة - وَهِيَ هَذِهِ الْمَنَارَةُ الْمَبْنِيَّةُ فِي زَمَانِنَا مِنْ أموال النَّصارى (1) - ثُمَّ يَكُونُ نُزُولُ عِيسَى حَتْفًا لَهُمْ وَهَلَاكًا وَدَمَارًا عَلَيْهِمْ، يَنْزِلُ بَيْنَ مَلَكَيْنِ وَاضِعًا يَدَيْهِ على مناكبهما، وعليه مهروذتان، وفي رواية ممصرنان (2) يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، وذلك وقت الفجر، فينزل على الْمَنَارَةِ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ بِدِمَشْقَ، وَهُوَ هَذَا الْجَامِعُ.
وَمَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ النَّواس بْنِ سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ: فَيَنْزِلُ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، كَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي، وَإِنَّمَا هُوَ يَنْزِلُ عَلَى الْمَنَارَةِ الشَّرقية بِدِمَشْقَ، وَقَدْ أُخْبِرْتُ ولم أقف عليه إلى الْآنَ أنَّه كَذَلِكَ، فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الحديث، في بعض المصنفات، والله المسؤول الْمَأْمُولُ أَنْ يُوَفِّقَنِي فَيُوقِفَنِي عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَلَيْسَ فِي الْبَلَدِ مَنَارَةٌ تُعْرَفُ بِالشَّرْقِيَّةِ سِوَى هَذِهِ، وَهِيَ بَيْضَاءُ بِنَفْسِهَا، وَلَا يُعْرَفُ فِي بِلَادِ الشَّامِ مَنَارَةٌ أَحْسَنُ مِنْهَا، وَلَا أَبْهَى ولا أعلى منها، ولله الحمد والمنة.
قلت: نزول عيسى على المنارة التي بالجامع الأموي غير مستنكر، وذلك أن البلاء بالدجال يكون قد عم فينحصر الناس داخل البلد، ويحصرهم الدجال بها، ولا يتخلف أحد عن دخول البلد إلا أن يكون متبعاً للدجال، أو مأسوراً معه، فإن دمشق في آخر الزمان تكون معقل المسلمين وحصنهم من الدجال، فإذا كان الأمر كذلك فمن يصلي خارج البلد، والمسلمون كلهم داخل البلد، وعيسى إنما ينزل وقد أقيمت الصلاة فيصلي مع المسلمين، ثم يأخذهم ويطلب الدجال ليقتله، وبعض العوام يقول: إن المراد بالمنارة الشرقية بدمشق، منارة مسجد بلاشو، خارج باب شرقي.
وبعضهم يقول: المنارة التي على نفس باب شرقي.
فالله أعلم بمراد رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ سبحانه العالم بكل شئ، المحيط بكل شئ، القادر على كل شئ، القاهر فوق كل شئ، لا يعزب عن علمه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأرض.
الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِرَأْسِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقَدٍ قَالَ: وَكَّلَنِي الْوَلِيدُ عَلَى العمال في بناء جامع دمشق، فوجدنا مَغَارَةً فَعَرَّفْنَا الْوَلِيدَ ذَلِكَ، فلمَّا كَانَ اللَّيْلُ وَافَانَا وَبَيْنَ يَدَيْهِ الشَّمْعُ، فَنَزَلَ فَإِذَا هِيَ كنيسة
__________
(1) = - حكما: أي حاكما بهذه الشريعة يعني أنه لا ينزل برسالة مستقلة وشريعة ناسخة.
- يضع الجزية: أي لا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلا الاسلام أو القتل.
(1) تقدم انها بنيت بعد الحريق الذي أصاب الجامع والبناء بأكمله سنة 461 هـ.
(2) مهروذتان: وتروى مهرودتان والوجهان مشهوران.
ومعناها: ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران.
وقيل هما شقتان والشقة نصف الملاءة.
وممصرتان: الثياب التي فيها صفرة خفيفة.
(*)
(9/177)

لَطِيفَةٌ، ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَإِذَا فِيهَا صُنْدُوقٌ، فَفَتَحَ الصُّنْدُوقَ فَإِذَا فِيهِ سَفَطٌ وَفِي السَّفَطِ رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ هَذَا رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زكرياء، فأمر به الوليد فرد إلى مكانه، وَقَالَ: اجْعَلُوا الْعَمُودَ الَّذِي فَوْقَهُ مُغَيَّرًا مِنْ بَيْنِ الْأَعْمِدَةِ، فَجُعِلَ عَلَيْهِ عَمُودٌ مُسَفَّطَ الرَّأْسِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقَدٍ: أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ كَانَ تَحْتَ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْقُبَّةِ - يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تُبْنَى - قَالَ: وَكَانَ عَلَى الرَّأْسِ شَعْرٌ وَبَشَرٌ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مسلم على زَيْدِ بْنِ وَاقَدٍ قَالَ: حَضَرْتُ رَأْسَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَقَدْ أُخْرِجَ مِنَ اللِّيطَةِ الْقِبْلِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ الَّتِي عِنْدَ مَجْلِسِ بُجَيْلَةَ، فَوُضِعَ تَحْتَ عمود الكاسة، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: هُوَ الْعَمُودُ الرَّابِعُ الْمُسَفَّطُ.
وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبِرَامِيِّ: عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ أَبِي زِيَادٍ وَأَبِي أُمَيَّةَ الشعناييين عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ.
وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُسْهِرٍ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ نَافِعٍ - مَوْلَى أَمِّ عَمْرٍو بِنْتِ مَرْوَانَ - عَنْ أَبِيهِ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ رَجُلٍ قَدْ سمَّاه - أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ خَرَجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِي بَابَ جَيْرُونَ فَلَقِيَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ وَاثِلَةُ: أُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ.
فَقَالَ: تعال أريك موضعاً في الْمَسْجِدِ مَنْ صَلَّى فِيهِ فَكَأَنَّمَا صَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَذَهَبَ بِهِ فَأَرَاهُ مَا بَيْنَ الباب الأصفر الذي يخرج منه الوالي - يعني الخليفة - إِلَى الْحَنِيَّةِ - يَعْنِي الْقَنْطَرَةَ الْغَرْبِيَّةَ - فَقَالَ: مَنْ صَلَّى فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ فَكَأَنَّمَا صَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ وَاثِلَةُ: إِنَّهُ لَمَجْلِسِي وَمَجْلِسُ قَوْمِي.
قَالَ كَعْبٌ: هُوَ ذَاكَ.
وَهَذَا أَيْضًا غَرِيبٌ جِدًّا وَمُنْكَرٌ وَلَا يُعْتَمَدُ
عَلَى مِثْلِهِ.
وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِبِنَاءِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ وَجَدُوا فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ الْقِبْلِيِّ لَوْحًا مِنْ حجر فيه كتاب نقش، فبعثوا به إلى الوليد فبعثه إِلَى الرُّومِ فَلَمْ يَسْتَخْرِجُوهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى من كان بدمشق من بقية الأسبان فَلَمْ يَسْتَخْرِجُوهُ، فَدُلَّ عَلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَخْبَرَهُ بِمَوْضِعِ ذَلِكَ اللَّوْحِ فَوَجَدُوهُ فِي ذَلِكَ الْحَائِطِ - وَيُقَالُ ذَلِكَ الْحَائِطَ بَنَاهُ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ وَهْبٌ حَرَّكَ رَأْسَهُ وَقَرَأَهُ فَإِذَا هُوَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ابْنَ آدَمَ لَوْ رَأَيْتَ يَسِيرَ مَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِكَ،.
لَزَهَدْتَ فِي طُولِ مَا تَرْجُو مِنْ أَمَلِكَ، وإنما تلقى ندمك لو قد زل بِكَ قَدَمُكَ.
وَأَسْلَمَكَ أَهْلُكَ وَحَشَمُكَ، وَانْصَرَفَ عَنْكَ الحبيب وأسلمك الصاحب والقريب، ثُمَّ صِرْتَ تُدْعَى فَلَا تُجِيبُ، فَلَا أَنْتَ إلى أهلك عائد، ولا إلا عَمَلِكَ زَائِدٌ، فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَبْلَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ، قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِكَ أَجَلُكَ، وَتُنْزَعَ مِنْكَ رُوحُكَ، فَلَا يَنْفَعُكَ مَالٌ جَمَعْتَهُ، وَلَا وَلَدٌ وَلَدْتَهُ، وَلَا أَخٌ تَرَكْتَهُ، ثم تصير إلى برزخ الثرى، ومجاور الموتى، فاغتنم الحياة قبل الممات، وَالْقُوَّةَ قَبْلَ الضَّعْفِ، وَالصِّحَّةَ قَبْلَ السَّقَمِ، قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ بِالْكَظْمِ وَيُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعَمَلِ، وكتب في زمن (1) داود عليهما السلام.
__________
(1) كذا بالاصول ولعله سقط منه لفظ " سليمان بن ".
(*)
(9/178)

وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ السلمي، عن عبد العزيز التميمي، أنبأ تمام الرازي، ثنا ابن البرامي سمعت أبا مروان عبد الرحمن بْنَ عُمَرَ الْمَازِنِيَّ يَقُولُ: لَمَّا كَانَ فِي أَيَّامِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَبِنَائِهِ الْمَسْجِدَ احْتَفَرُوا فِيهِ مَوْضِعًا فَوَجَدُوا بَابًا مِنْ حِجَارَةٍ مُغْلَقًا، فَلَمْ يَفْتَحُوهُ وَأَعْلَمُوا بِهِ الْوَلِيدَ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، وَفُتِحَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا دَاخِلُهُ مَغَارَةٌ فِيهَا تَمْثَالُ إِنْسَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ، عَلَى فَرَسٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فِي يَدِ التَّمْثَالِ الْوَاحِدَةِ الدَّرة الَّتِي كَانَتْ فِي الْمِحْرَابِ، وَيَدُهُ الْأُخْرَى مَقْبُوضَةٌ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُسِرَتْ، فَإِذَا فِيهَا حَبَّتَانِ، حَبَّةُ قَمْحٍ وَحَبَّةُ شَعِيرٍ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ لَوْ تَرَكْتَ الْكَفَّ لَمْ تَكْسِرْهَا لَمْ يُسَوِّسْ فِي هَذَا الْبَلَدِ قَمْحٌ ولا شعير.
وقال الحافظ أبو حمدان الْوَرَّاقُ - وَكَانَ
قَدْ عمَّر مِائَةَ سَنَةٍ -: سَمِعْتُ بَعْضَ الشُّيُوخِ يَقُولُ: لَمَّا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ دِمَشْقَ وَجَدُوا عَلَى الْعَمُودِ الَّذِي عَلَى الْمِقْسِلَّاطِ - عَلَى السَّفُّودِ الْحَدِيدِ الَّذِي فِي أَعْلَاهُ - صَنَمًا مَادًّا يَدَهُ بِكَفٍّ مُطْبَقَةٍ، فَكَسَرُوهُ فَإِذَا فِي يَدِهِ حَبَّةُ قَمْحٍ، فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُمْ: هذه الحبة قمح جَعَلَهَا حُكَمَاءُ الْيُونَانِ فِي كَفِّ هَذَا الصَّنَمِ طلسماً، حتى لا يسوس القمح في هذه البلاد، وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ كَثِيرَةً.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وقد رأيت أنا في هذا السفود على قناطر كَنِيسَةُ الْمِقْسِلَّاطِ كَانَتْ مَبْنِيَّةً فَوْقَ الْقَنَاطِرِ الَّتِي فِي السُّوقِ الْكَبِيرِ، عِنْدَ الصَّابُونِيِّينَ وَالْعَطَّارِينَ الْيَوْمَ، وَعِنْدَهَا اجْتَمَعَتْ جُيُوشُ الْإِسْلَامِ يَوْمَ فَتْحِ دِمَشْقَ، أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ بَابِ الْجَابِيَةِ، وَخَالِدٌ مِنَ باب الشَّرْقِيِّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ بَابِ الجابية الصغير.
وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ التَّميميّ عَنْ أَبِي نَصْرٍ عبد الوهاب بن عبد الله المري: سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ دِمَشْقَ يَقُولُونَ: إن في سقف الْجَامِعِ طَلَاسِمَ عَمِلَهَا الْحُكَمَاءُ فِي السَّقْفِ مِمَّا يلي الحائط القبلي، فيها طلاسم للصنو نيات، لَا تَدْخُلُهُ وَلَا تُعَشِّشُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْأَوْسَاخِ الَّتِي تَكُونُ مِنْهَا، وَلَا يَدْخُلُهُ غُرَابٌ، وطلسم للفأر والحيات والعقارب، فما رأى النَّاسُ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا الْفَأْرَ، وَيُشَكُّ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُدِمَ طِلَّسْمُهَا، وَطِلَّسْمٌ لِلْعَنْكَبُوتِ حتى لا ينسج فيه، وفي رواية فَيَرْكَبُهُ الْغُبَارُ وَالْوَسَخُ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَسَمِعْتُ جَدِّي أَبَا الْفَضْلِ يَحْيَى بْنَ عَلِيٍّ يَذْكُرُ أَنَّهُ أَدْرَكَ فِي الْجَامِعِ قَبْلَ حَرِيقِهِ طِلَّسْمَاتٍ لِسَائِرِ الْحَشَرَاتِ، مُعَلَّقَةً فِي السَّقْفِ فَوْقَ الْبَطَائِنِ مِمَّا يَلِي السُّبْعَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يوجد في الجامع شئ مِنَ الْحَشَرَاتِ قَبْلَ الْحَرِيقِ.
فَلَمَّا احْتَرَقَتِ الطِّلَّسْمَاتُ حين أحرق الْجَامِعِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقَدْ كَانَتْ بِدِمَشْقَ طلسمات كثيرة، ولو يَبْقَ مِنْهَا سِوَى الْعَمُودِ الَّذِي بِسُوقِ الْعَلَبِيِّينَ الذي في أعلاه مثل الكرة العظيمة، وهي لِعُسْرِ بَوْلِ الدَّوَابِّ، إِذَا دَارُوا بِالدَّابَّةِ حَوْلَهُ ثلاث مرات انطلق باطنها.
وقد كان شيخنا ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: إِنَّمَا هَذَا قبر مشرك مفرد مدفون هنالك يعذب، فإذا سمعت الدابة صراخه فزعت فانطلق باطنها وطبعها، قَالَ: وَلِهَذَا يَذْهَبُونَ بِالدَّوَابِّ إِلَى مَقَابِرِ الْيَهُودِ والنصارى إذا مغلت فتنطلق طِبَاعُهَا وَتَرُوثُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهَا تَسْمَعُ أَصْوَاتَهُمْ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(9/179)

ذِكْرُ السَّاعَاتِ الَّتِي عَلَى بَابِهِ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زَبْرٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ بَابُ الْجَامِعِ الْقِبْلِيُّ بَابَ السَّاعَاتِ لِأَنَّهُ عمل هناك بلشكار الساعات، كان يعمل بِهَا كُلُّ سَاعَةٍ تَمْضِي مِنَ النَّهَارِ، عَلَيْهَا عَصَافِيرُ مِنْ نُحَاسٍ، وَحَيَّةٌ مِنْ نُحَاسٍ وَغُرَابٌ، فَإِذَا تَمَّتِ السَّاعَةُ خَرَجَتِ الْحَيَّةُ فَصَفَّرَتِ الْعَصَافِيرُ وَصَاحَ الْغُرَابُ وَسَقَطَتْ حَصَاةٌ فِي الطَّسْتِ فَيَعْلَمُ النَّاس أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ مِنَ النَّهَارِ سَاعَةٌ، وكذلك سَائِرِهَا.
قُلْتُ: هَذَا يَحْتَمِلُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ إِمَّا أن تكون السَّاعَاتِ كَانَتْ فِي الْبَابِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الْجَامِعِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بَابُ الزِّيَادَةِ، وَلَكِنْ قَدْ قِيلَ إِنَّهُ مُحْدَثٌ بَعْدَ بِنَاءِ الْجَامِعِ، وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ أَنَّ السَّاعَاتِ كَانَتْ عِنْدَهُ فِي زَمَنِ الْقَاضِي ابْنِ زَبْرٍ، وَإِمَّا إنَّه قَدْ كان في الجامع في الجانب الشرقي منه في الحائط القبلي باب آخر في محاكاة بَابِ الزِّيَادَةِ، وَعِنْدَهُ السَّاعَاتُ ثُمَّ نُقِلَتْ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ إِلَى بَابِ الْوَرَّاقِينَ الْيَوْمَ، وَهُوَ بَابُ الْجَامِعِ مِنَ الشَّرْقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: باب الوراقين قبلي أيضاً، فيضاف إلى الجامع نسبة إلى من يدخل منه إلى الجامع والله أعلم، أو لمجارته للجامع ولبابه.
قُلْتُ: فَأَمَّا الْقُبَّةُ الَّتِي فِي وَسَطِ صَحْنِ الجامع التي فيها الماء الجاري، ويقول الْعَامَّةُ لَهَا قُبَّةُ أَبِي نُوَاسٍ فَكَانَ بِنَاؤُهَا فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَرَّخَ ذَلِكَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ خَطِّ بَعْضِ الدَّمَاشِقَةِ.
وَأَمَّا الْقُبَّةُ الْغَرْبِيَّةُ الْعَالِيَةُ الَّتِي فِي صَحْنِ الْجَامِعِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا قُبَّةُ عَائِشَةَ، فَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الذَّهَبِيَّ يَقُولُ: إِنَّهَا إِنَّمَا بُنِيَتْ فِي حُدُودِ سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَةٍ فِي أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ بْنِ منصور الْعَبَّاسِيِّ، وَجَعَلُوهَا لِحَوَاصِلِ الْجَامِعَ وَكُتُبِ أَوْقَافِهِ، وَأَمَّا القبة الشرقية التي على باب مسجد عَلِيٍّ فَيُقَالُ: إِنَّهَا بُنِيَتْ فِي زَمَنِ الْحَاكِمِ العبيدي في حدود سنة أربع مائة، وَأَمَّا الْفَوَّارَةُ الَّتِي تَحْتَ دُرْجِ جَيْرُونَ فَعَمِلَهَا الشريف فخر الدولة أبو علي حمزة بن الحسين بن العباس الحسني، وكأنه كان ناظراً بالجامع، وَجَرَّ إِلَيْهَا قِطْعَةً مِنْ حَجَرٍ كَبِيرٍ مِنْ فصر حجاج، وأجرى منها الْمَاءَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعَ عَشَرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَعُمِلَتْ حَوْلَهَا قَنَاطِرُ، وَعُقِدَ عَلَيْهَا قُبَّةٌ، ثُمَّ سَقَطَتِ الْقُبَّةُ بِسَبَبِ جِمَالٍ تَحَاكَّتْ عِنْدَهَا وَازْدَحَمَتْ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَأُعِيدَتْ ثُمَّ سَقَطَتْ أَعْمِدَتُهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ حَرِيقِ
اللبادين والحجارة فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
قُلْتُ: وَأَمَّا الْقَصْعَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْفَوَّارَةِ، فَمَا زَالَتْ وَسَطَهَا، وَقَدْ أَدْرَكْتُهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ رُفِعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَكَانَ بِطَهَّارَةِ جَيْرُونَ قَصْعَةٌ أُخْرَى مِثْلُهَا، فلم تزل بها إلى أن تهدمت اللَّبَّادِينَ بِسَبَبِ حَرِيقِ النَّصَارَى فِي سَنَةِ إِحْدَى وأربعين (1) وسبعمائة، ثم استؤنف بناء الطهارة على وجه آخر
__________
(1) في العبر للذهبي: في سادس عشر شوال سنة 740 هـ.
(*)
(9/180)

أَحْسَنَ مِمَّا كَانَتْ، وَذَهَبَتْ تِلْكَ الْقَصْعَةُ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ، ثُمَّ عُمِلَ الشَّاذِرْوَانُ الَّذِي شَرْقِيُّ فَوَّارَةِ جَيْرُونَ، بَعْدَ الْخَمْسِمِائَةِ - أَظُنُّهُ سَنَةَ أربع عشرة وخمسمائة والله سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ السُّبْعِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: ثَنَا أبو عباس مُوسَى بْنُ عَامِرٍ الْمُرِّيُّ ثَنَا الْوَلِيدُ - هُوَ ابن مسلم - قال قال أبو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: الدِّرَاسَةُ مُحْدَثَةٌ أَحْدَثَهَا هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ، فِي قدمة قدمها عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَحَجَبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فَجَلَسَ بَعْدَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَسَمِعَ قِرَاءَةً فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ يَقْرَأُ فِي الْخَضْرَاءِ، فَقَرَأَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، فَجَعَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَقْرَأُ بِقِرَاءَةِ هِشَامٍ، فَقَرَأَ بِقِرَاءَتِهِ مَوْلًى لَهُ، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مَنْ يَلِيهِ من أهل المسجد فقرأوا بِقِرَاءَتِهِ.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ خَطِيبُ دِمَشْقَ: ثَنَا أَيُّوبُ بْنُ حَسَّانَ ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ثَنَا خَالِدُ بْنُ دِهْقَانَ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْقِرَاءَةَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْقِرَاءَةَ بِفِلَسْطِينَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيُّ.
قُلْتُ: هشام بن إسماعيل كَانَ نَائِبًا عَلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي ضَرَبَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ لَمَّا امْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعَةِ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا الْوَلِيدُ وَوَلَّى عَلَيْهَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كَمَا ذَكَرْنَا.
وَقَدْ حَضَرَ هَذَا السُّبْعَ جَمَاعَاتٌ مِنْ سَادَاتِ السَّلَفِ مِنَ التَّابِعِينَ بِدِمَشْقَ، مِنْهُمْ هِشَامُ بْنُ إسماعيل وَمَوْلَاهُ رَافِعٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، وَكَانَ مُكْتِبًا لِأَوْلَادِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقَدْ وَلِيَ إِمْرَةَ إِفْرِيقِيَّةَ لِهِشَامِ بن عبد الملك وابنيه عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمَرْوَانُ.
وَحَضَرَهُ مِنَ الْقُضَاةِ
أَبُو إدريس الْخَوْلَانِيُّ، وَنُمَيْرُ بْنُ أَوْسٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي الْهَمْدَانِيِّ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَبِيدٍ الْأَسَدِيُّ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْحُفَّاظِ الْمُقْرِئِينَ أَبُو عَبْدِ الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى مُعَاوِيَةَ وَمَكْحُولٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْأَشْدَقُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الْأَصْغَرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عِرَاكٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَامِرٍ الْيَحْصُبِيُّ - أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامر - ويحيى بن الحارث الدماري، وعبد الملك بن نعمان المري، وأنس بن أنس العذري، وسليمان بن بذيغ القاري، وسليمان بن داود الخشني، وعران - أو هران - بْنُ حَكِيمٍ الْقُرَشِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ الْأَزْدِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ عُبَيْدَةَ بْنِ أبي المهاجر، وعباس بن دينار وغيرهم.
وهكذا أَوْرَدَهُمُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَرِهَ اجْتِمَاعَهُمْ وَأَنْكَرَهُ، وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِ.
ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ثنا الوليد - هو ابن سلم - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ الضحاك بن عبد الرحمن بن عروب يُنْكِرُ الدِّرَاسَةَ وَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ وَقَدْ أَدْرَكْتُ أَصْحَابِ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَكَانَ الضَّحَّاكُ بْنُ
(9/181)

عبد الرحمن أميراً على دمشق في أواخر سنة ست وثمانين (1) في خلافة عمر بن العزيز.
فصل كَانَ ابْتِدَاءُ عِمَارَةِ جَامِعِ دِمَشْقَ فِي أَوَاخِرَ سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، هُدِمَتِ الْكَنِيسَةُ الَّتِي كَانَتْ مَوْضِعَهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْهَدْمِ شَرَعُوا فِي الْبِنَاءِ، وَتَكَامَلَ فِي عَشْرِ سِنِينَ (2) ، فَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ - وَفِيهَا تُوُفِّيَ بَانِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَدْ بَقِيَتْ فِيهِ بَقَايَا فَكَمَّلَهَا أَخُوهُ سُلَيْمَانُ كَمَا ذَكَرْنَا.
فَأَمَّا قَوْلُ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ: سَأَلْتُ هِشَامَ بْنَ عَمَّارٍ عَنْ قِصَّةِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ وَهَذِهِ الكنيسة قال: كان الوليد قال للنصارى: مَا شِئْتُمْ إِنَّا أَخَذْنَا كَنِيسَةَ تُومَا عَنْوَةً وَكَنِيسَةَ الدَّاخِلَةِ صُلْحًا، فَأَنَا أَهْدِمُ كَنِيسَةَ تُومَا - قَالَ هِشَامٌ وَتِلْكَ أَكْبَرُ مِنْ هَذِهِ الدَّاخِلَةِ - قال فرضوا أن يهدم كَنِيسَةَ الدَّاخِلَةِ وَأُدْخِلَهَا فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: وَكَانَ بَابُهَا قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ، وَهُوَ الْمِحْرَابُ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ، قَالَ: وَهَدْمُ الْكَنِيسَةِ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ
الْوَلِيدِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَمَكَثُوا فِي بنائها سبع سنين حتى مات الوليد ولمت يُتِمَّ بِنَاءَهُ، فَأَتَمَّهُ هِشَامٌ مِنْ بَعْدِهِ فَفِيهِ فَوَائِدُ وَفِيهِ غَلَطٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ إِنَّهُمْ مَكَثُوا فِي بِنَائِهِ سَبْعَ سِنِينَ، وَالصَّوَابُ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ - وَقَدْ حَكَى أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جرير على ذلك إجماع أهل السير، والذي أتم ما بقي من بنائه أَخُوهُ سُلَيْمَانُ لَا هِشَامٌ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.
قلت: نقل من خط ابن عساكر وقد تقدم، وقد جددت فيه بعد ذلك أشياء، منها القباب الثلاث التي في صحنه.
وقد تقدم ذكرها.
وقيل إن القبة الشرقية عمرت في أيام المستنصر العبيدي في سنة خمسين وأربعمائة وكتب عليه اسمه واسم الاثني عشر الذين تزعم الرافضة أنهم أئمتهم، وأما العمودان الموضوعان في صحنه فجعلا للتنوير ليالي الجمع، وصنعا في رمضان سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، بأمر قاضي البلد أبي محمد.
وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ
بَانِي جَامِعِ دِمَشْقَ وَذِكْرُ وَفَاتِهِ فِي هَذَا الْعَامِ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْأُمَوِيُّ، بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ أَبِيهِ بِعَهْدٍ مِنْهُ فِي شَوَّالٍ (3) سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، وَالْوَلِيَّ مِنْ بَعْدِهِ، وَأُمُّهُ ولادة بنت العبَّاس بن حزن بن الحارث بن زهير العبسي.
__________
(1) كذا بالاصول، والصواب: في سنة تسع وتسعين.
(2) في معجم البلدان (دمشق) : تسع سنين.
(3) في مروج الذهب 3 / 192 للنصف من جمادى الآخرة.
(*)
(9/182)

وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَكَانَ أَبَوَاهُ يُتْرِفَانِهِ، فَشَبَّ بِلَا أَدَبٍ، وَكَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، وكان طويلاً أسمر به أثر جدري خفي، أَفْطَسَ الْأَنْفِ سَائِلَهُ، وَكَانَ إِذَا مَشَى يَتَوَكَّفُ فِي الْمِشْيَةِ - أَيْ يَتَبَخْتَرُ - وَكَانَ جَمِيلًا وَقِيلَ دَمِيمًا، قَدْ شَابَ فِي مُقَدَّمِ لِحْيَتِهِ، وَقَدْ رَأَى سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَسَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالك لما قدم عليه سأله ما سَمِعَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ أَنَسٍ، وَسَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ
وَحَكَى عَنِ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَرَادَ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيْهِ ثُمَّ تَوَقَّفَ لِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فَجَمَعَ الْوَلِيدُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ النَّحْوِ عِنْدَهُ فَأَقَامُوا سَنَةً، وَقِيلَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَخَرَجَ يَوْمَ خَرَجَ أَجْهَلَ مِمَّا كَانَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: قَدْ أُجْهِدَ وَأُعْذِرَ، وَقِيلَ إِنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ أَوْصَاهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ لَهُ: لَا أَلْفَيَنَّكَ إِذَا مِتُّ تَجْلِسُ تَعْصِرُ عَيْنَيْكَ، وَتَحِنُّ حَنِينَ الْأَمَةِ، وَلَكِنْ شمر واتزر، وَدَلِّنِي فِي حُفْرَتِي، وَخَلِّنِي وَشَأْنِي، وَادْعُ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَمَنْ قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا فَقُلْ بِسَيْفِكَ هَكَذَا.
وَقَالَ اللَّيْثُ: وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وتسعين (2) غَزَا الْوَلِيدُ بِلَادَ الرُّومِ، وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَيْضًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: غَزَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا بِلَادَ مَلَطْيَةَ وَغَيْرَهَا، وَكَانَ نقش خاتمه أو من بِاللَّهِ مُخْلِصًا.
وَقِيلَ كَانَ نَقْشُهُ يَا وَلِيدُ إِنَّكَ مَيِّتٌ، وَيُقَالُ إِنَّ آخِرَ مَا تكلَّم بِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ قَالَ لِي الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَوْمًا: فِي كَمْ تَخْتِمُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ فِي كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى شُغْلِهِ يَخْتِمُهُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، وَقِيلَ فِي كُلِّ سَبْعٍ، قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَبْعَ عَشْرَةَ خَتْمَةً.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْوَلِيدُ وأين مثله؟ بنى مسجد دمشق، وكان ويعطيني قطع الْفِضَّةِ فَأُقَسِّمُهَا عَلَى قُرَّاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ الْوَلِيدُ يَوْمًا مِنَ الْبَابِ الْأَصْغَرِ فَرَأَى رَجُلًا عِنْدَ الْمِئْذَنَةِ الشَّرْقِيَّةِ يَأْكُلُ شَيْئًا، فَأَتَاهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ يَأْكُلُ خُبْزًا وَتُرَابًا، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: الْقُنُوعُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَذَهَبَ إِلَى مَجْلِسِهِ ثُمَّ اسْتَدْعَى بِهِ فَقَالَ: إِنْ لَكَ لَشَأْنًا فَأَخْبِرْنِي بِهِ وَإِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ، فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كنت رجلاً حمالاً، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مِنْ مَرْجِ الصُّفَّرِ قَاصِدًا إلى الكسوة، إذ زرمني الْبَوْلُ فَعَدَلْتُ إِلَى خَرِبَةٍ لِأَبُولَ، فَإِذَا سَرَبٌ فَحَفَرْتُهُ فَإِذَا مَالٌ صَبِيبٌ، فَمَلَأْتُ مِنْهُ غَرَائِرِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَقُودُ بِرَوَاحِلِي وَإِذَا بِمِخْلَاةٍ مَعِي فِيهَا طَعَامٌ فَأَلْقَيْتُهُ مِنْهَا، وَقُلْتُ: إِنِّي سَآتِي الْكُسْوَةَ، وَرَجَعْتُ إِلَى الْخَرِبَةِ لِأَمْلَأَ تِلْكَ الْمِخْلَاةَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ فَلَمْ أَهْتَدِ إِلَى الْمَكَانِ بَعْدَ الْجَهْدِ فِي الطَّلَبِ، فَلَمَّا أَيِسْتُ رَجَعْتُ إِلَى الرَّوَاحِلِ فَلَمْ أَجِدْهَا وَلَمْ أَجِدِ الطَّعَامَ، فَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنِّي لَا آكُلُ إِلَّا خُبْزًا وَتُرَابًا.
قَالَ: فَهَلْ
لَكَ عِيَالٌ؟ قَالَ نعم، ففرض له في بيت المال.
__________
(1) في وفيات الاعيان 6 / 254: أبيض.
(2) كذا بالاصول، وهو تحريف، والمشهور أن الوليد قد مات سنة 96 هـ.
(*)
(9/183)

قال ابن جرير: وَبَلَغَنَا أَنَّ تِلْكَ الرَّوَاحِلَ سَارَتْ حَتَّى أَتَتْ بيت المال فتسلمها حارسه فوضعها في بيت المال، وقيل إن الوليد قال له: ذلك المال وصل إلينا واذهب إلى إبلك فخذها، وقيل إنه دفع إليه شيئاً من ذلك المال يقيته وعياله.
وقال نمير بن عبد الله الشعناني عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ قَوْمَ لُوطٍ في القرآن ما ظننت أن ذكراً يفعل هذا بذكر.
قلت: فنفى عن نفسه هذه الخصلة القبيحة الشنيعة، والفاحشة المذمومة، التي عذب الله أهلها بأنواع العقوبات، وأحل بهم أنواعاً من المثلات، التي لم يعاقب بها أحداً من الأمم السالفات وهي فاحشة اللواط التي قد ابتلى بها غالب الملوك والأمراء، والتجار والعوام والكتاب، والفقهاء والقضاة ونحوهم، إلا من عصم الله منهم، فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد، ولهذا تنوعت عقوبات فاعليه، ولأن يقتل المفعول به خير من أن يؤتى في دبره، فإنه يفسد فساداً لا يرجى له بعده صلاح أبداً، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله ويذهب خبر المفعول به.
فعلى الرجل حفظ ولده في حال صغره وبعد بلوغه، وأن يجنبه مخالطة هؤلاء الملاعين، الذين لعنهم رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ اختلف النَّاس: هل يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين، والصحيح في المسألة أن يقال إن المفعول به إذا تاب توبة صحيحة نصوحاً، ورزق إنابة إلى الله وصلاحاً، وبدل سيئاته بحسنات، وغسل عنه ذلك بأنواع الطاعات، وغض بصره وحفظ فرجه، وأخلص معاملته لربه، فهذا إن شاء الله مغفور له، وهو من أهل الجنة، فإن اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ للتائبين إليه (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هم الظالمون) [الحجرات: 11] (ومن تاب وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة: 39] وأما مفعول به صار في كبره شراً منه في صغره، فهذا توبته متعذرة، وبعيد
أن يؤهل لتوبة صحيحة، أو لعمل صالح يمحو به ما قد سلف، ويخشى عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ الخاتمة، كما قد وقع ذلك لخلق كثير ماتوا بأدرانهم وأوساخهم، لم يتطهروا منها قبل الخروج من الدنيا، وبعضهم ختم له بشر خاتمة، حتى أوقعه عشق الصور في الشرك الذي لا يغفره الله.
وفي هذا الباب حكايات كثيرة وقعت للوطية وغيرهم من أصحاب الشهوات يطول هذا الفصل بذكرها.
والمقصود أن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له.
فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الإيمان.
فيقع في سوء الخاتمة.
قال الله تعالى (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خذولا) [الفرقان: 29] بل قد وقع سوء الخاتمة لخلق لم يفعلوا فاحشة اللواط، وقد كانوا متلبسين بذنوب أهون منها.
وسوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا يقع فيها من صلح ظاهره وباطنه مع الله، وصدق في أقواله وأعماله، فإن هذا لم يسمع به كما ذكره عبد الحق الأشبيلي، وإنما يقع سوء الخاتمة لمن فسد باطنه عقداً، وظاهره عملاً، ولمن له جرأة على الكبائر، وإقدام على الجرائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة.
(9/184)

والمقصود أن مفسدة اللواط من أعظم المفاسد، وكانت لا تعرف بين العرب قديماً كما قد ذكر ذلك غير واحد منهم.
فلهذا قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: لَوْلَا أَنَّ الله عزوجل قص علينا قصة قَوْمَ لُوطٍ فِي الْقُرْآنِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ ذكرا يعلو ذكراً.
وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفاعل والمفعول به " (1) .
رواه أهل السنن وصححه ابن حيان وغيره.
وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلَّم من عمل عمل قوم لوط ثلاث مرات، ولم يلعن على ذنب ثلاث مرات إلا عليه، وإنما أمر بقتل الفاعل والمفعول به لأنه لا خير في بقائهما بين الناس، لفساد طويتهما، وخبث بواطنهما، فمن كان بهذه المثابة فلا خير للخلق في بقائه، فإذا أراح الله الخلق منهما صلح لهم أمر معاشهم ودينهم.
وأما اللعنة فهي الطرد والبعد، ومن كان مطروداً مبعداً عن الله وعن رسوله وعن كتابه وعن صالح عباده فلا خير فيه ولا في قربه.
ومن رزقه الله تعالى توسماً وفراسة، ونوراً وفرقاناً عرف من سحن الناس ووجوههم أعمالهم، فإن أعمال العمال بائنة ولائحة على
وجوههم وفي أعينهم وكلامهم.
وقد ذكر الله اللوطية وجعل ذلك آيات للمتوسمين فقال تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ، فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سجين إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات للمتوسمين) [الحجر: 73 - 75] وما بعدها.
وقال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أن لم يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ونبلو أخباركم) [محمد: 29 - 31] ونحو ذلك من الآيات والأحاديث.
فاللوطي قد عكس الفطرة، وقلب الأمر، فأتى ذكراً فقلب الله قلبه، وعكس عليه أمره، بعد صلاحه وفلاحه، إلا من تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى.
وخصال التائب قد ذكرها الله في آخر سورة براءة، فقال: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ) [التوبة: 113] فلا بد للتائب من العبادة والاشتغال بالعمل للآخرة، وإلا فالنفس همامة متحركة، إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل، فلا بد للتائب من أن يبدل تلك الأوقات التي مرت له في المعاصي بأوقات الطاعات، وأن يتدارك ما فرط فيها وأن يبدل تلك الخطوات بخطوات إلى الخير، ويحفظ لحظاته وخطواته، ولفظاته وخطراته.
قال رجل للجنيد: أوصني، قال: توبة تحل الإصرار، وخوف يزيل العزة، ورجاء مزعج إلى طرق الخيرات، ومراقبة الله في خواطر القلب.
فهذه صفات التائب.
ثم قال الله تعالى (الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) الآية [التوبة: 113] فهذه خصال التائب كما قال تعالى: (التَّائِبُونَ) فكأن قائلاً يقول: من هم؟ قيل هم العابدون السائحون إلى آخر الآية، وإلا فكل تائب لم يتلبس بعد توبته بما يقربه إلى من
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود.
باب (27) .
والترمذي في الحدود باب (24) وابن ماجة في الحدود (12) .
(*)
(9/185)

تاب إليه فهو في بعد وإدبار، لا في قرب وإقبال، كما يفعل من اغتر بالله من المعاصي المحظورات، ويدع الطاعات، فإن ترك الطاعات وفعل المعاصي أشد وأعظم من ارتكاب المحرمات بالشهوة النفسية.
فالتائب هو من اتقى المحذورات، وفعل المأمورات، وصبر على المقدورات، والله
سبحانه وتعالى هو المعين الموفق، وهو عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
قَالُوا: وَكَانَ الْوَلِيدُ لَحَّانًا كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ الْوَلِيدَ خَطَبَ يَوْمًا فَقَرَأَ في خطبته (يا ليتها كانت القاضية) فَضَمَّ التَّاءَ مِنْ لَيْتَهَا، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَا لَيْتَهَا كَانَتْ عَلَيْكَ وَأَرَاحَنَا اللَّهُ مِنْكَ، وَكَانَ يَقُولُ: يَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ (1) : إِنَّكَ لَرَجُلٌ لَوْلَا أَنَّكَ تَلْحَنُ، فَقَالَ: وَهَذَا ابْنُكَ الْوَلِيدُ يَلْحَنُ، فَقَالَ: لَكِنَّ ابْنِي سُلَيْمَانَ لَا يَلْحَنُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَخِي أَبُو فُلَانٍ لا يلحن.
وقال ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عُمَرُ ثَنَا عَلِيٌّ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيَّ - قَالَ: كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ أَفْضَلَ خَلَائِفِهِمْ، بنى المساجد بدمشق (2) ، ووضع المنائر، وَأَعْطَى النَّاسَ، وَأَعْطَى الْمَجْذُومِينَ، وَقَالَ لَهُمْ: لَا تَسْأَلُوا النَّاسَ، وَأَعْطَى كُلَّ مُقْعَدٍ خَادِمًا، وَكُلَّ ضَرِيرٍ قَائِدًا (3) ، وَفَتَحَ فِي وِلَايَتِهِ فُتُوحَاتٍ كَثِيرَةً عظاماً، وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد الروم، ففتح الهند والسند والأندلس وأقاليم بلاد العجم، حتى دخلت جيوشه إلى الصين وَغَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: وَكَانَ مَعَ هَذَا يَمُرُّ بِالْبَقَّالِ فَيَأْخُذُ حُزْمَةَ الْبَقْلِ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: بِكَمْ تَبِيعُ هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِفَلْسٍ، فَيَقُولُ: زِدْ فِيهَا فَإِنَّكَ تَرْبَحُ.
وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يَبَرُّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ وَيُكْرِمُهُمْ وَيَقْضِي عَنْهُمْ دُيُونَهُمْ، قَالُوا: وَكَانَتْ هِمَّةُ الْوَلِيدِ فِي الْبِنَاءِ، وَكَانَ النَّاسُ كَذَلِكَ يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: مَاذَا بَنَيْتَ؟ مَاذَا عَمَرْتَ؟ وَكَانَتْ هِمَّةُ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ فِي النِّسَاءِ، وَكَانَ النَّاسُ كَذَلِكَ، يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: كَمْ تَزَوَّجْتَ؟ مَاذَا عِنْدَكَ مِنَ السَّرَارِيِّ؟ وَكَانَتْ هِمَّةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قِرَاءَةِ القرآن، وفي الصلاة والعبادة، وَكَانَ النَّاسُ كَذَلِكَ، يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: كَمْ وِرْدُكَ؟ كَمْ تَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ؟ مَاذَا صليت البارحة؟ والناس يقولون: الناس على دين مليكهم، إن كان خماراً كثر الخمر.
وإن كان لوطياً فكذلك وإن كان شحيحاً حريصاً كان الناس كذلك، وإن كان جواداً كريماً شجاعاً كان الناس كذلك، وإن كان طماعاً ظلوماً غشوماً فكذلك، وإن كان ذا دينٍ وتقوى وبر وإحسان كان الناس كذلك وهذا يوجد في بعض الأزمان وبعض الأشخاص، والله أعلم.
__________
(1) تقدم أن الحادثة حصلت بين عبد الملك وخالد بن يزيد بن معاوية.
(2) في الطبري 8 / 97: مسجد دمشق ومسجد المدينة.
(3) قال ابن خلكان 6 / 254: رتب للزمنى والاضراء من يقودهم ويخدمهم لانه أصابه رمد بعينيه فأقام مدة لا يبصر شيئاً فقال: إن أعادهما الله تعالى على قمت بحقه فيهما.
فلما برئ رأى أن شكر هذه النعمة الاحسان إلى العميان.
(*)
(9/186)

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ الْوَلِيدُ جَبَّارًا ذَا سَطْوَةٍ شَدِيدَةٍ لَا يَتَوَقَّفُ إِذَا غَضِبَ، لَجُوجًا كَثِيرَ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ مِطْلَاقًا، يُقَالُ إِنَّهُ تَزَوَّجَ ثَلَاثًا وستين امرأة غير الإماء.
قلت: يُرَادُ بِهَذَا الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْفَاسِقُ لَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بَانِي الْجَامِعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: بَنَى الْوَلِيدُ الْجَامِعَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الدُّنيا نَظِيرٌ، وَبَنَى صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَقَدَ عَلَيْهَا الْقُبَّةَ (1) ، وَبَنَى مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَسَّعَهُ حَتَّى دَخَلَتِ الْحُجْرَةُ الَّتِي فِيهَا الْقَبْرُ فِيهِ (2) ، وَلَهُ آثَارٌ حِسَانٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، قَالَ ابن جرير: هذا قول جميع أهل السير، وقال عمر بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ وَجَمَاعَةٌ: كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ سِتٍّ وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَقِيلَ تِسْعٍ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدَيْرِ مُرَّانَ، فَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ حَتَّى دُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ، وَقِيلَ بِمَقَابِرِ بَابِ الْفَرَادِيسِ، حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَكَانَ الَّذِي صلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِأَنَّ أَخَاهُ سُلَيْمَانَ كَانَ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وَقِيلَ صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ.
وَقِيلَ بَلْ صَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ، وَالصَّحِيحُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى قَبْرِهِ وَقَالَ حين أنزله: لننزلنه غير موسد ولا ممهد، قد خلفت الأسلاب وَفَارَقْتَ الْأَحْبَابَ، وَسَكَنْتَ التُّرَابَ، وَوَاجَهْتَ الْحِسَابَ، فَقِيرًا إلى ما قدمت، غنياً عما أخرت.
وجاء من غير وجه عن عمر أنه أخبره أنه لما وضعه - يعني الْوَلِيدَ - فِي لَحْدِهِ ارْتَكَضَ فِي أَكْفَانِهِ، وَجُمِعَتْ رِجْلَاهُ إِلَى عُنُقِهِ.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ تِسْعَةَ عَشَرَ (3) وَلَدًا ذَكَرًا، وَهُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَمُحَمَّدٌ،
وَالْعَبَّاسُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَتَمَّامٌ وَخَالِدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمُبَشِّرٌ وَمَسْرُورٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَصَدَقَةُ وَمَنْصُورٌ وَمَرْوَانُ وَعَنْبَسَةُ وَعُمَرُ وَرَوْحٌ وَبِشْرٌ وَيَزِيدُ وَيَحْيَى.
فَأُمُّ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدٍ أُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ عَمِّهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، وَأُمُّ أَبِي عُبَيْدَةَ فَزَارِيَّةٌ، وَسَائِرُهُمْ مِنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ شَتَّى.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَقَدْ رَثَاهُ جَرِيرٌ فَقَالَ: - يَا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ هَاجَهُ الذِّكَرُ * فَمَا لِدَمْعِكِ بَعْدَ الْيَوْمِ مُدَّخَرُ
__________
(1) ابن خلدون المقدمة ص 282.
(2) كان بناء المسجد فِي عَهْدِ النَّبيّ (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بسيطا - فناء ضيق يحيط به جدار من اللبن - وفيه مكان واحد مسقوف يغطيه الجريد المثبت على جذوع النخل، في أيام أبي بكر لم يزد فيه شيئا وفي أيام عمر فقد وسعه بأن أطال جداره وادخل فيه بعض الدور، وفي أيام عثمان هدمه واعاد بناءه وجعل عمده حجارة وسقفه بالساج.
وكلف الوليد عامله عمر بن عبد العزيز بهدمه وبنائه وزاد فيه حجر أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) مع احتفاظه بطابع المسجد الاصلي وشق فيه الاروقة والمحراب وبنيت المقصورة وفتحت فيه الابواب وأقيمت عليه الآذن.
(3) في مروج الذهب 3 / 192: أربعة عشر.
وانظر المعارف لابن قتيبة ص 157.
(*)
(9/187)

إِنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ وَارَتْ شَمَائِلَهُ * غَبْرَاءُ مُلْحَدَةٌ فِي جَوْلِهَا زَوَرُ أَضْحَى بَنُوهُ وَقَدْ جَلَّتْ مُصِيبَتُهُمْ * مِثْلَ النُّجُومِ هَوَى مِنْ بَيْنِهَا الْقَمَرُ كَانُوا جَمِيعًا فَلَمْ يَدْفَعْ مَنِيَّتَهُ * عَبْدُ الْعَزِيزِ وَلَا رَوْحٌ وَلَا عُمْرَ وَمِمَّنْ هَلَكَ أَيَّامَ الوليد بن عبد الملك زياد بن حارث التَّمِيمِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، كَانَتْ دَارُهُ غَرْبِيَّ قَصْرِ الثَّقَفِيِّينَ، رَوَى عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيِّ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ لِمَنْ لَهُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ، وَفِي النَّفْلِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ.
رَوَى عَنْهُ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ وَمَكْحُولٌ وَيُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ، وَمَعَ هَذَا قَالَ فِيهِ أَبُو حاتم: شيخ مجهول، ووثقه النسائي وابن حيان، روى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهُ دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى مَسْجِدِ دِمَشْقَ وَقَدْ أُخِّرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ هَذَا الْوَقْتَ، قَالَ.
فَأُخِذَ فَأُدْخِلَ الْخَضْرَاءَ فَقُطِعَ
رَأْسُهُ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
عبد الله بن عمر بْنِ عُثْمَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ، كَانَ قَاضِيَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ شَرِيفًا كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ جَوَادًا مُمَدَّحًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
خِلَافَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ الْوَلِيدِ يَوْمَ مَاتَ، وَكَانَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بِالرَّمْلَةِ، وَكَانَ وَلِيُّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ أَخِيهِ عَنْ وَصِيَّةِ أَبِيهِمَا عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَقَدْ كَانَ الْوَلِيدُ قَدْ عَزَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ عَلَى خَلْعِ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ، وَأَنْ يَجْعَلَ وِلَايَةَ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقَدْ كَانَ الحجاج طاوعه على ذلك وأمره به، وكذلك قتيبة بن مسلم وجماعة، وَقَدْ أَنْشَدَ فِي ذَلِكَ جَرِيرٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ قَصَائِدَ، فَلَمْ يَنْتَظِمْ ذَلِكَ لَهُ حَتَّى مَاتَ، وَانْعَقَدَتِ الْبَيْعَةُ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَخَافَهُ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ وَعَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يُبَايِعَهُ، فَعَزَلَهُ سُلَيْمَانُ وَوَلَّى عَلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ ثُمَّ خُرَاسَانَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ (1) ، فَأَعَادَهُ إِلَى إِمْرَتِهَا بعد عشر سنين، وأمره بمعاقبة آل
__________
(1) في الطبري 8 / 103 وابن الاثير 5 / 11: عزل سليمان يزيد بن أبي مسلم عن العراق وأمر عليه يزيد بن المهلب وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج.
وفي ابن الاعثم 7 / 252: ان سليمان عزم على تولية يزيد العراقين البصرة والكوفة فقال له يزيد: أنا رجل من أهل العراق ومتى وليته وقدمت عليهم أخذتهم بالخراج والخراج لا يستخرج إلا بالضرب والشتم ومتى فعلت هذا بهم أكون عندهم كالحجاج فتغلظ علي قلوبهم ... فدله علي صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم فعقد له عقدا وولاه العراق وعقد ليزيد بن المهلب بلاد خراسان حربها وخراجها كما كان في أول مرة.
(*)
(9/188)

الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ هُوَ الَّذِي عَزَلَ يَزِيدَ عَنْ خُرَاسَانَ.
وَلِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ سُلَيْمَانُ عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ وَوَلَّى عَلَيْهَا أَبَا بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
حَزْمٍ، وَكَانَ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ كَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ حِينَ بَلَغَهُ وِلَايَةُ سُلَيْمَانَ الْخِلَافَةَ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يُعَزِّيهِ فِي أَخِيهِ، وَيُهَنِّئُهُ بولايته، ويذكر فيه بلاءه وعناه وَقِتَالَهُ وَهَيْبَتَهُ فِي صُدُورِ الْأَعْدَاءِ، وَمَا فَتَحَ اللَّهُ مِنَ الْبِلَادِ وَالْمُدُنِ وَالْأَقَالِيمِ الْكِبَارِ عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ لَهُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ للوليد مِنَ الطَّاعَةِ وَالنَّصِيحَةِ، إِنْ لَمْ يَعْزِلْهُ عَنْ خُرَاسَانَ، وَنَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، ثُمَّ كَتَبَ كِتَابًا ثَانِيًا يَذْكُرُ مَا فَعَلَ مِنَ الْقِتَالِ وَالْفُتُوحَاتِ وَهَيْبَتَهُ فِي صُدُورِ الْمُلُوكِ وَالْأَعَاجِمِ، وَيَذُمُّ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ أَيْضًا، وَيُقْسِمُ فِيهِ لَئِنْ عَزَلَهُ وَوَلَّى يَزِيدَ لَيَخْلَعَنَّ سُلَيْمَانَ عَنِ الْخِلَافَةِ، وَكَتَبَ كِتَابًا ثَالِثًا فِيهِ خَلْعُ سُلَيْمَانَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَبَعَثَ بِهَا مَعَ الْبَرِيدِ (1) وَقَالَ لَهُ: ادْفَعْ إِلَيْهِ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ، فَإِنْ قَرَأَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ فَادْفَعْ إِلَيْهِ الثَّانِيَ، فَإِنْ قَرَأَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى يزيد بن المهلب فَادْفَعْ إِلَيْهِ الثَّالِثَ، فَلَمَّا قَرَأَ سُلَيْمَانُ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ - وَاتَّفَقَ حُضُورُ يَزِيدَ عِنْدَ سُلَيْمَانَ - دَفَعَهُ إِلَى يَزِيدَ فَقَرَأَهُ، فَنَاوَلَهُ الْبَرِيدُ الْكِتَابَ الثَّانِيَ فَقَرَأَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى يَزِيدَ، فَنَاوَلَهُ الْبَرِيدُ الْكِتَابَ الثَّالِثَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِعَزْلِهِ وَخَلْعِهِ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، ثُمَّ خَتَمَهُ وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَى يَزِيدَ، وَأَمَرَ بِإِنْزَالِ الْبَرِيدِ فِي دَارِ الضِّيَافَةِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ بَعَثَ إِلَى الْبَرِيدِ فَأَحْضَرَهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِ ذَهَبًا وَكِتَابًا فِيهِ وِلَايَةُ قُتَيْبَةَ عَلَى خُرَاسَانَ، وَأَرْسَلَ مَعَ ذَلِكَ الْبَرِيدِ بَرِيدًا آخَرَ مِنْ جِهَتِهِ (2) لِيُقَرِّرَهُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلَا بِلَادَ خُرَاسَانَ (3) بَلَغَهُمَا أَنَّ قُتَيْبَةَ قَدْ خَلَعَ الْخَلِيفَةَ، فَدَفَعَ بَرِيدُ سُلَيْمَانَ الْكِتَابَ الَّذِي مَعَهُ إِلَى بَرِيدِ قُتَيْبَةَ، ثُمَّ بَلَغَهُمَا مَقْتَلُ قُتَيْبَةَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ بَرِيدُ سليمان.
مقتل قتيبة بن مسلم رحمه الله
وَذَلِكَ أنَّه جَمَعَ الْجُنْدَ وَالْجُيُوشَ وَعَزَمَ عَلَى خلع سليمان بن عبد الملك من الخلافة وَتَركِ طَاعَتِهِ، وَذَكَرَ لَهُمْ هِمَّتَهُ وَفُتُوحَهُ وَعَدْلَهُ فِيهِمْ، وَدَفْعَهُ الْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى مَقَالَتِهِ، فَشَرَعَ فِي تَأْنِيبِهِمْ وَذَمِّهِمْ، قَبِيلَةً قَبِيلَةً، وَطَائِفَةً طَائِفَةً، فَغَضِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ وَنَفَرُوا عَنْهُ وَتَفَرَّقُوا، وَعَمِلُوا عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَسَعَوْا فِي قَتْلِهِ، وَكَانَ الْقَائِمُ بِأَعْبَاءِ ذَلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ وَكِيعُ بْنُ أَبِي سُودٍ (4) ، فَجَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، ثُمَّ نَاهَضَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى قَتَلَهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ،
__________
(1) فِي الطبري 8 / 104 وابن الاثير 5 / 12: مع رجل من باهلة.
وفي ابن الاعثم 7 / 257: مع مولى له وفيه ان قتيبة كتب إلى سليمان - قبل هذه الكتب الثلاثة - كتابا يهنئه بالخلافة ويعزيه عن أخيه الوليد ووجهه مع رجل من الازد
(انظر ص 253) .
(2) في الطبري 8 / 104: من عبد القيس ثم أحد بني ليث يقال له صعصعة - انظر أيضا ابن الاعثم 7 / 257.
(3) في ابن الاثير 5 / 13 والطبري 8 / 104 وابن الاعثم 7 / 258: حلوان.
(4) في وفيات الاعيان 4 / 87: وكيع بن حسان بن قيس بن يوسف بن كلب بن عوف بن مالك بن عدانة.
وهو وكيع أبو المطرف الغداني قتله وهو بفرغانة.
(*)
(9/189)