Advertisement

البداية والنهاية ط إحياء التراث 031



الكتاب: البداية والنهاية
المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
المحقق: علي شيري
الناشر: دار إحياء التراث العربي
الطبعة: الأولى 1408، هـ - 1988 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قام بفهرسته الفقير إلى الله: عبد الرحمن الشامي، ويسألكم الدعاء. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة فيها كانت زلزلة عظيمة بمدينة جبرت فمات بِسَبَبِهَا مِائَتَا أَلْفٍ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَصَارَ مَكَانُهَا مَاءً أَسْوَدَ عَشَرَةَ فَرَاسِخَ فِي مِثْلِهَا، وَزُلْزِلَ أَهْلُ حَلَبَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ثَمَانِينَ مَرَّةً.
وفيها وضع السلطان
محمود مُكُوسًا كَثِيرَةً عَنِ النَّاسِ، وَكَثُرَتِ الْأَدْعِيَةُ لَهُ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ وخوارزم شاه، فهزمه سنجر وقتل ولده في المعركة، فَحَزِنَ عَلَيْهِ وَالِدُهُ حُزْنًا شَدِيدًا.
وَفِيهَا قُتِلَ صَاحِبُ دِمَشْقَ شِهَابُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ تَاجِ الْمُلُوكِ بُورِي بْنِ طُغْتِكِينَ، قَتَلَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ خَوَاصِّهِ لَيْلًا وَهَرَبُوا مِنَ الْقَلْعَةِ، فَأُدْرِكُ اثْنَانِ فصلبا وأفلت واحد.
وفيها عزل الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَنِ الْمُبَاشَرَاتِ ثُمَّ أُعِيدُوا قَبْلَ شهر وحج بالناس فيها قطز الخادم.
وفيها توفي من الأعيان..زاهر بن طاهر ابن مُحَمَّدٍ، أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي بكر السحامي (1) الْمُحَدِّثُ الْمُكْثِرُ، الرَّحَّالُ الْجَوَّالُ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَأَمْلَى بجامع نيسابور ألف مجلس، وتكلم فِيهِ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يُخِلُّ بِالصَّلَوَاتِ.
وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى السمعاني بعذر المرض وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يُكْثِرُ بِسَبَبِهِ جمع الصلوات فالله أعلم، بلغ خمساً وثمانين سنة توفي بنيسابور في ربيع الآخر، ودفن بمقبرته.
يحيى بن يحيى بن علي ابن أَفْلَحَ، أَبُو الْقَاسِمِ الْكَاتِبُ، وَقَدْ خَلَعَ عَلَيْهِ الْمُسْتَرْشِدُ وَلَقَبَّهُ جَمَالَ الْمُلْكِ، وَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دُورٍ، وَكَانَتْ لَهُ دَارٌ إِلَى جَانِبِهِنَّ فَهَدَمَهُنَّ كُلَّهُنَّ وَاتَّخَذَ مَكَانَهُنَّ دَارًا هَائِلَةً، طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَأَطْلَقَ لَهُ الْخَلِيفَةُ أخشابها وآجرها وطرازاتها، وكتب عليها أَشْعَارًا حَسَنَةً مِنْ نَظْمِهِ وَنَظْمِ غَيْرِهِ، فَمِنْ ذلك ما هو على باب دارها: إن أعجب الراؤن من ظاهري * فباطني لو علموا أعجب شد باني من كفه مزنة * يخجل منها العارض الصيب ورنحت روضة أخلاقه * في ديار نورها مذهب صدر كسيّ صَدْرِيَ مِنْ نُورِهِ * شَمْسًا عَلَى الْأَيَّامِ لَا تغرب
__________
(1) في الكامل وشذرات الذهب: الشحامي.
قال ابن الأثير في تاريخه: وكان مولده سنة 446 هـ فيكون له عند
وفاته 87 سنة.
(*)
(12/267)

وَعَلَى الطُّرُزِ مَكْتُوبٌ: وَمِنَ الْمُرُوءَةِ لِلْفَتَى * مَا عَاشَ دَارٌ فَاخِرَهْ فَاقْنَعْ مِنَ الدُّنْيَا بِهَا * واعمل لدار الآخره هاتيك وافيت بما * وعدت وهاتي باتره وفي موضع آخر مكتوب: وناد كأن الجنان الخ * لد أَعَارَتْهُ مِنْ حُسْنِهَا رَوْنَقَا وَأَعْطَتْهُ مِنْ حَادِثَاتِ الزما * ن أن لا يلم به موبقا فأضحى ينبئه عَلَى كُلِّ مَا * بُنِيَ مَغْرِبًا كَانَ أَوْ مشرقا؟ ؟ ظل الوفود به عكفاً * ويمسي الضُّيُوفُ بِهِ طُرَّقَا بَقِيتَ لَهُ يَا جَمَالَ الملو * ك وذا الفضل مهما أردت البقا وسالمه فيك ريب الزما * ن ووقيت فيه الذي يتقى فما والله صدقت هذه الأماني، بل عما قريب اتهمه الخليفة بأنه يكاتب دبيساً فأمر بخراب داره تلك فلم يبق فيها جدار، بل صارت خربة بعد ما كانت قرة العيون من أحسن المقام والقرار، وهذه حكمة الله من تقلب اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمَا تجري بمشيئة الأقدار، وهي حكمته في كل دار بنيت بالأشر والبطر، وفي كل لباس لبس على التيه والكبر والأشر.
وقد أورد له ابن الجوزي أشعاراً حسنة من نظمه، وكلمات من نثره فمن ذلك قوله: دع الهوى لا ناس يعرفون به * قد مارسوا الحب حتى أصعبه أدخلت نفسك فيما لست تجربه * والشئ صعب على من لا يجربه أمن اصطبار وإن لم تستطع خلداً * فرب مدرك أمر عز مطلبه أحن الضلوع على قلب يخيرني * في كل يوم يعييني تقلبه
تأرج الرِّيحِ مِنْ نَجْدٍ يُهَيِّجُهُ * وَلَامِعُ الْبَرْقِ مِنْ نغمات يطربه وقوله: هَذِهِ الْخَيْفُ وَهَاتِيكَ مِنَى * فَتَرَفَّقْ أَيُّهَا الْحَادِي بنا واحبس الركب علينا ساعة * نندب الدار ونبكي الدنا فلذا الموقف أعددت البكا * ولذا اليوم الدموع تقتني زماننا كان وكنا جيرة * فأعاد الله ذاك الزمنا بيننا يوم ائتلاف نلتقي * كان من غَيْرِ تَرَاضٍ بَيْنَنَا
(12/268)

ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمائة فها حَاصَرَ زَنْكِيٌّ دِمَشْقَ فَحَصَّنَهَا الْأَتَابِكُ مُعِينُ الدِّينِ بن مَمْلُوكُ طُغْتِكِينَ، فَاتَّفَقَ مَوْتُ مَلِكِهَا جَمَالِ الدِّينِ محمود بْنِ بُورِي بْنِ طُغْتِكِينَ، فَأَرْسَلَ مُعِينُ الدِّينِ إلى أخيه مجير الدين أتق، وَهُوَ بِبَعْلَبَكَّ فَمَلَّكَهُ دِمَشْقَ، فَذَهَبَ زَنْكِيٌّ إِلَى بَعْلَبَكَّ فَأَخَذَهَا وَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا نَجْمَ الدِّينِ أَيُّوبَ صلاح الدين.
وفيها دخل الخليفة على الخاتون فاطمة بنت السلطان مسعود، وأغلقت بغداد أياماً.
وَفِيهَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ فَاجْتَمَعَ الناس بمدرسة الشيخ عبد القادر فاتفق أَنَّ الرَّجُلَ عَطَسَ فَأَفَاقَ، وَحَضَرَتْ جِنَازَةُ رَجُلٍ آخر غيره فصلى عليه ذلك الجمع الكثير.
وفيها نقصت المياه من سائر الدينا وَفِيهَا وُلِدَ صَاحِبُ حَمَاةَ تَقِيُّ الدِّينِ عُمْرُ شاهنشاه بن أيوب بن شاري.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..أَحْمَدُ بْنُ جعفر ابن الْفَرَجِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْحَرْبِيُّ، أَحَدُ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ، سمع الحديث وكانت له أحوال صالحة، حَتَّى كَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يُرى فِي بَعْضِ السِّنِينَ بِعَرَفَاتٍ، وَلَمْ يَحُجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ.
عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ الْفَضْلِ أَبُو الْقَاسِمِ الْجِيلِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ عَلَى إِلِكْيَا الْهَرَّاسِيَّ، وَبَرَعَ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ،
وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَوَلِيَ قضاء البصرة وكان من خيار القضاة.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة فِيهَا وَصَلَتِ الْبُرْدَةُ وَالْقَضِيبُ إِلَى بَغْدَادَ، وَكَانَا مع المسترشد حين هرب سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَخَمْسِمِائَةٍ فَحَفِظَهُمَا السُّلْطَانُ سَنْجَرُ عِنْدَهُ حَتَّى رَدَّهُمَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِيهَا كَمُلَتِ الْمَدْرَسَةُ الْكَمَالِيَّةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى كَمَالِ الدِّينِ، أَبِي الْفُتُوحِ حَمْزَةَ بْنِ طَلْحَةَ، صَاحِبِ الْمَخْزَنِ، ودرس فيها الشيخ أبو الحسن الحلي (1) ، وحضر عنده الْأَعْيَانِ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ.
__________
(1) فِي الكامل 11 / 80: الخل.
(*)
(12/269)

إسماعيل بن محمد ابن علي، أَبُو الْقَاسِمِ الطَّلْحِيُّ الْأَصْبِهَانِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ وَكَتَبَ وَأَمْلَى بِأَصْبَهَانَ، قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ مَجْلِسٍ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ، حَافِظًا مُتْقِنًا، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ عِيدِ الْأَضْحَى وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ، وَلَمَّا أَرَادَ الْغَاسِلُ تَنْحِيَةَ الخرقة عن فرجه ردها بيده، وقيل: أنه وضع يده على فرجه.
محمد بن عبد الباقي ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ وهب بن مسجعة بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَرَّدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ، وَأَمْلَى الْحَدِيثَ فِي جَامِعِ الْقَصْرِ، وَكَانَ مُشَارِكًا فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ أُسِرَ فِي صِغَرِهِ فِي أَيْدِي الرُّومِ فَأَرَادُوهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَتَعَلَّمَ مِنْهُمْ خَطَّ الرُّومِ، وَكَانَ يَقُولُ مَنْ خَدَمَ الْمَحَابِرَ خِدْمَتْهُ الْمَنَابِرُ، وَمِنْ شِعْرِهِ الَّذِي أورده له ابن الجوزي عنه وسمعه منه قَوْلُهُ: احْفَظْ لِسَانَكَ لَا تَبُحْ بِثَلَاثَةٍ * سِنٍّ ومال، إن سئلت، وَمَذْهَبٍ فَعَلَى الثَّلَاثَةِ تُبْتَلَى بِثَلَاثَةٍ * بِمُكَفِّرٍ وَبِحَاسِدٍ ومكذب
وقوله: لِي مُدَّةٌ لَا بُدَّ أَبْلُغُهَا * فَإِذَا انْقَضَتْ في وقتها مِتُّ لَوْ عَانَدَتْنِي الْأُسْدُ ضَارِيَةً * مَا ضَرَّنِي ما لم يجي الوقت قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: بَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، لَمْ تَتَغَيَّرْ حَوَاسُّهُ وَلَا عَقْلُهُ، توفي ثاني رجب منها.
وحضر جنازته الأعيان وغيرهم، وَدُفِنَ قَرِيبًا مِنْ قَبْرِ بِشْرٍ.
يُوسُفُ بْنُ أيوب ابن الحسن بن زهرة، أَبُو يَعْقُوبَ الْهَمَذَانِيُّ، تَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وبرع في الفقه والمناظرة ثم ترك ذلك واشتغل بالعبادة، وضحب الصَّالِحِينَ، وَأَقَامَ بِالْجِبَالِ (1) ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ فَوَعَظَ بِهَا، وَحَصَلَ لَهُ قَبُولٌ.
تُوفِّيَ فِي ربيع الأول ببعض قرى هراة.
__________
(1) قال ابن الأثير في تاريخه: وهو من أهل بروجرد، وسكن مرو، ووعظ ببغداد (11 / 80) قال في العبر: توفي في ربيع الأول عن أربع وتسعين سنة.
(*)
(12/270)

ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة فِيهَا كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ وخوارزم شاه، فاستحوذ خوارزم على مرو بعد هزيمة سنجر ففتك بِهَا، وَأَسَاءَ التَّدْبِيرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ بِهَا، وَكَانَ جَيْشُ خُوَارِزْمَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ مقاتل.
وفيها تحمل عمل دمشق النهروز، وخلع نهروز شحنة بغداد على حباب صباغ الْحَرِيرِ الرُّومِيِّ، وَرَكِبَ هُوَ وَالسُّلْطَانُ مَسْعُودٌ فِي سَفِينَةٍ فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، وَفَرِحَ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ صَرَفَ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ النَّهْرِ سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَفِيهَا حَجَّ كَمَالُ الدِّينِ طَلْحَةَ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ، وَعَادَ فَتَزَهَّدَ وَتَرَكَ الْعَمَلَ وَلَزِمَ دَارَهُ.
وَفِيهَا عُقِدَتِ الْجُمُعَةُ بِمَسْجِدِ الْعَبَّاسِيِّينَ بإذن الخليفة.
وحج بالناس قطز.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..إِسْمَاعِيلُ بْنُ أحمد بن عمر
ابن [أَبِي] (1) الْأَشْعَثِ، أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَتَفَرَّدَ بِمَشَايِخَ، وَكَانَ سَمَاعُهُ صَحِيحًا، وَأَمْلَى بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ كثيرة نحو ثلاثمائة مجلس، توفي وقد جاوز الثمانين.
يحيى بن علي ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الطَّرَّاحِ المدبر، ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائة، سمع الْكَثِيرَ وَأَسْمَعَ، وَكَانَ شَيْخًا حَسَنًا مَهِيبًا كَثِيرَ العبادة، تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا مَلَكَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِيٌّ الْحَدِيثَةَ، وَنَقَلَ آلَ مُهَارِشٍ مِنْهَا إِلَى الْمَوْصِلِ، وَرَتَّبَ فِيهَا نُوَّابًا مِنْ جِهَتِهِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وخمسمائة فِيهَا تَجَهَّزَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ لِيَأْخُذَ الْمَوْصِلَ وَالشَّامَ من زنكي، فصالحه على مائة ألف دينار،
__________
(1) من الكامل 11 / 90 والوافي 9 / 88.
(*)
(12/271)

فَدَفَعَ إِلَيْهِ مِنْهَا عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَطْلَقَ لَهُ الْبَاقِي، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَهُ سَيْفَ الدين غازي كان لا يزال في خدمة السلطان مسعود.
وَفِيهَا مَلَكَ زَنْكِيٌّ بَعْضَ بِلَادِ بَكْرٍ.
وَفِيهَا حَصَرَ الْمَلِكُ سَنْجَرُ خُوَارِزْمَ شَاهْ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ مَالًا وَأَطْلَقَهُ.
وَفِيهَا وُجِدَ رَجُلٌ يَفْسُقُ بِصَبِيٍّ فأُلقي مِنْ رَأْسِ مَنَارَةٍ، وَفِي لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ زُلْزِلَتِ الأرض.
وحج بالناس قطز.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..عَبْدُ الْوَهَّابِ بن المبارك ابن أحمد، أبو البركات الأنماطي، الحافظ الكبير، كَانَ ثِقَةً دَيِّنًا وَرِعًا، طَلِيقَ الْوَجْهِ، سَهْلَ الْأَخْلَاقِ، تُوَفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ عَنْ سِتٍّ وَتِسْعِينَ (1) سنة.
علي بن طراد
ابن محمد الزَّيْنَبِيُّ، الْوَزِيرُ الْعَبَّاسِيُّ، أَبُو الْقَاسِمِ نَقِيبُ النُّقَبَاءِ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ، فِي أَيَّامِ الْمُسْتَظْهِرِ، وَوزَرَ لِلْمُسْتَرْشِدِ، وَتُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ عَنْ سِتٍّ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
الزمخشري محمود ابن عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، أَبُو الْقَاسِمِ الزَّمَخْشَرِيُّ، صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي التَّفْسِيرِ، وَالْمُفَصَّلِ فِي النَّحْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الْمُفِيدَةِ، وَقَدْ سمع الحديث وطاف البلاد، وَجَاوَرَ بِمَكَّةَ مُدَّةً، وَكَانَ يُظْهِرُ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ ويصرح بذلك في تفسيره، ويناظر عليه، وكانت وفاته بخوارزم ليلة عرفة منها، عَنْ سِتٍّ (2) وَسَبْعِينَ سَنَةً.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تسع وثلاثين وخمسمائة فِيهَا أَخَذَ الْعِمَادُ زَنْكِيٌّ الرُّهَا وَغَيْرَهَا مِنْ حُصُونِ الْجَزِيرَةِ مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَسَبَى نِسَاءً كَثِيرَةً، وَغَنِمَ أَمْوَالًا جزيلة، وأزال عن المسلمين كرباً شديداً.
وحج بالناس قطز الْخَادِمُ وَتَنَافَسَ هُوَ وَأَمِيرُ مَكَّةَ فَنَهَبَ الْحَجِيجَ وهم يطوفون.
__________
(1) كذا بالاصول، وفي الكامل 11 / 96 وتذكرة الحافظ ص 1282: كان مولده سنة 462 هـ.
فعلى هذا يكون عمره عند وفاته 76 سنة.
(2) قال أبو الفداء في تاريخه: ولد في رجب سنة 467 ; فيكون عمره 71 سنة وقاله في شذرات الذهب 4 / 118.
(*)
(12/272)

وفيها توفي مِنَ الْأَعْيَانِ..إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورِ ابن عمر أبو الوليد الكرخي، تفقه بأبي إِسْحَاقَ وَأَبِي سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي، حَتَّى صَارَ أَوْحَدَ زمانه فقها؟ ؟ حا، مات في هذه السنة.
سعد (1) بن محمد ابن عمر أبو منصور البزار (2) ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ بِالْغَزَالِيِّ وَالشَّاشِيِّ (3) وَالْمُتَوَلِّي وَإِلِكْيَا، وَوَلِيَ تَدْرِيسَ النِّظَامِيَّةِ، وَكَانَ لَهُ سَمْتٌ حَسَنٌ، وَوَقَارٌ وَسُكُونٌ، وَكَانَ يَوْمُ جِنَازَتِهِ مَشْهُودًا، وَدُفِنَ
عند أبي إسحاق.
عمر بن إبراهيم ابن مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْقُرَشِيُّ الْعَلَوِيُّ، أَبُو الْبَرَكَاتِ الْكُوفِيُّ، ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَكَتَبَ كَثِيرًا، وَأَقَامَ بِدِمَشْقَ مُدَّةً، وَكَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ وَالْأَدَبِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي النَّحْوِ، وَكَانَ خَشِنَ الْعَيْشِ، صَابِرًا مُحْتَسِبًا، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أربعين وخمسمائة فِيهَا حَصَرَ عَلِيُّ بْنُ دُبَيْسٍ أَخَاهُ مُحَمَّدًا وَلَمْ يَزَلْ يُحَاصِرُهُ حَتَّى اقْتَلَعَ مِنْ يَدِهِ الْحِلَّةَ وَمَلَكَهَا، وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا دَخَلَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ بَغْدَادَ خَوْفًا مِنَ اجْتِمَاعِ عَبَّاسٍ صَاحِبِ الرَّيِّ، وَمُحَمَّدٍ شَاهْ بْنِ مَحْمُودٍ، ثُمَّ خَرَجَ منها في رمضان، وحج بالناس أرجوان (4) مملوك أمير الجيوش بسبب ماكان وقع بين قطز وأمير مكة في السنة الماضية.
__________
(1) في الكامل 11 / 103 والمنتظم 10 / 113 والعبر 4 / 107: سعيد.
(2) في المراجع السابقة: الرزاز.
(3) في الكامل: الشامي.
(4) في الكامل: قايماز الارجواني.
(*)
(12/273)

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..أحمد بن محمد ابن الحسين بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَبُو سَعْدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَ على طريقة السلف، حلو الشمائل، مطرح الْكُلْفَةَ، رُبَّمَا خَرَجَ إِلَى السُّوقِ بِقَمِيصٍ وَقَلَنْسُوَةَ.
وَحَجَّ أَحَدَ عَشَرَ حِجَّةً، وَكَانَ يُمْلِي الْحَدِيثَ وَيُكْثِرُ الصَّوْمَ، تُوُفِّيَ بِنَهَاوَنْدَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ
السَّنَةِ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ.
عَلِيُّ بن أحمد ابن الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ، أَبُو الْحَسَنِ الْيَزْدِيُّ، تَفَقَّهَ بِأَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَأَسْمَعَهُ، وَكَانَ له ولأخيه قميص واحد، إذا خرج هذا لبسه وجلس الآخر في البيت عرياناً، وكذا الآخر.
موهوب بن أحمد ابن مُحَمَّدِ بْنِ الْخَضِرِ، أَبُو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ، شَيْخُ اللُّغَةِ فِي زَمَانِهِ، بَاشَرَ مَشْيَخَةَ اللُّغَةِ بِالنِّظَامِيَّةِ بعد شيخه أبي زكريا التبريزي، وكان يؤم بالمقتفي، وربما قرأ الخليفة عليه شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ، وَكَانَ عَاقِلًا مُتَوَاضِعًا فِي ملبسه، طويل الصمت كثير الفكر، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ الْقَصْرِ أَيَّامَ الْجُمَعِ، وَكَانَ فِيهِ لُكْنَةٌ، وَكَانَ يَجْلِسُ إِلَى جَانِبِهِ الْمَغْرِبِيُّ مُعَبِّرُ الْمَنَامَاتِ، وَكَانَ فَاضِلًا لَكِنَّهُ كَانَ كَثِيرَ النُّعَاسِ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ فِيهِمَا بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: بَغْدَادُ عِنْدِي ذَنْبُهَا لَنْ يُغْفَرَا * وَعُيُوبُهَا مَكْشُوفَةٌ لَنْ تُسْتَرَا كَوْنُ الْجَوَالِيقِيِّ فِيهَا مُمْلِيًا * لغة وكون المغربي معبّرا ما سور لُكْنته يقول فصاحة * وليوم يقظته يعبّر في الكرا ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وخمسمائة فِي لَيْلَةِ مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا احْتَرَقَ الْقَصْرُ الَّذِي بَنَاهُ الْمُسْتَرْشِدُ، وَكَانَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي قَدِ انْتَقَلَ بِجَوَارِيهِ وَحَظَايَاهُ إِلَيْهِ لِيُقِيمَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَمَا هو إلا أن ناموا احْتَرَقَ عَلَيْهِمُ الْقَصْرُ بِسَبَبِ أَنَّ جَارِيَةً أَخَذَتْ فِي يَدِهَا شَمْعَةً فَعَلِقَ لَهَبُهَا بِبَعْضِ الْأَخْشَابِ، فاحترق القصر
(12/274)

وسلم الله والخليفة وَأَهْلَهُ، فَأَصْبَحَ فَتَصَدَّقَ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَأَطْلَقَ خَلْقًا مِنَ الْمُحْبَسِينَ.
وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا وَقَعَ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَاقِعٌ فَبَعْثَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ فَأُغْلِقَتْ ثَلَاثَةَ أيَّام، حَتَّى اصْطَلَحَا.
وفي يوم الجمعة نصف ذِي الْقَعْدَةِ جَلَسَ ابْنُ الْعَبَّادِيِّ الْوَاعِظُ فَتَكَلَّمَ وَالسُّلْطَانُ مَسْعُودٌ
حَاضِرٌ، وَكَانَ قَدْ وَضَعَ عَلَى النَّاس فِي الْبَيْعِ مَكْسًا فَاحِشًا، فَقَالَ فِي جُمْلَةِ وَعْظِهِ: يَا سُلْطَانَ الْعَالَمِ، أَنْتَ تُطْلِقُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِلْمُغَنِّي إِذَا طَرِبْتَ قَرِيبًا مما وضعت على المسلمين من هذه الْمَكْسِ، فَهَبْنِي مُغَنِّيًا وَقَدْ طَرِبْتَ فَهَبْ لِي هَذَا الْمَكْسَ شُكْرًا لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ.
فَأَشَارَ السُّلْطَانُ بِيَدِهِ أَنْ قَدْ فَعَلْتُ، فَضَجَّ النَّاسُ بِالدُّعَاءِ لَهُ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ سِجِلَّاتٍ، وَنُودِيَ فِي الْبَلَدِ بِإِسْقَاطِ ذَلِكَ الْمَكْسِ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ ولله الحمد والمنة.
وفيها قَلَّ الْمَطَرُ جِدًّا، وَقَلَّتْ مِيَاهُ الْأَنْهَارِ، وَانْتَشَرَ جَرَادٌ عَظِيمٌ، وَأَصَابَ النَّاسَ دَاءٌ فِي حُلُوقِهِمْ، فمات بذلك خلائق كثيرة فإنا الله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا قُتِلَ الْمَلِكُ عِمَادُ الدين زنكي بن قيم الدولة التركي صاحب الموصل، وحلب وغيرها من البلاد الشامية والجزيرة، وكان محاصراً قلعة جعبر، وفيها شهاب الدين سالم بن ملك الْعُقَيْلِيُّ، فَبَرْطَلَ بَعْضَ مَمَالِيكِ زَنْكِيٍّ حَتَّى قَتَلُوهُ فِي اللَّيْلَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ (1) مِنْ هذه السنة.
قال العماد الكاتب: كان سكراناً فالله أعلم.
وقد كان زنكي مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَأَحْسَنِهِمْ سِيرَةً وَشَكْلًا، وَكَانَ شُجَاعًا مِقْدَامًا حَازِمًا، خَضَعَتْ لَهُ مُلُوكُ الْأَطْرَافِ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ غَيْرَةً عَلَى نِسَاءِ الرعية، وأجود الملوك معاملة، وأرفقهم بالعامة، وقام بالأمر من بعده بالموصل ولده سيف الدولة، وبحلب نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ، فَاسْتَعَادَ نُورُ الدِّينِ هَذَا مدينة الرها، وكان أبوه قد فتحها.
فلما مات عصوا فقهرهم نور الدين.
وفيها ملك عبد المؤمن صاحب المغرب وخادم ابن تومرت جَزِيرَةَ الْأَنْدَلُسِ، بَعْدَ حُرُوبٍ طَوِيلَةٍ.
وَفِيهَا مَلَكَتِ الفرنج مَدِينَةَ طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ، وَفِيهَا اسْتَعَادَ صَاحِبُ دِمَشْقَ مدينة بعلبك.
وفيها جاء نجم الدين أيوب إلى صاحب دمشق فسلمه القلعة وأعطاه أمزبة عِنْدَهُ بِدِمَشْقَ.
وَفِيهَا قَتَلَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ حَاجِبَهُ عبد الرحمن بن طغرلبك (2) وَقَتَلَ عَبَّاسًا صَاحِبَ الرَّيِّ، وَأَلْقَى رَأْسَهُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَانْزَعَجَ النَّاسُ وَنَهَبُوا خِيَامَ عبَّاس هَذَا، وَقَدْ كَانَ عَبَّاسٌ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، قَاتَلَ الْبَاطِنِيَّةَ مَعَ مَخْدُومِهِ جَوْهَرٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْتُلُ منهم حتى بنى مأذنة من رؤوسهم بِمَدِينَةِ الرَّيِّ.
وَفِيهَا مَاتَ نَقِيبُ النُّقَبَاءِ بِبَغْدَادَ محمد بن طراد الزينبي، فتولى بَعْدَهُ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ الزَّيْنَبِيُّ.
وَفِيهَا سَقَطَ جِدَارٌ عَلَى ابْنَةِ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ مَبَالِغَ النِّسَاءِ، فَمَاتَتْ فَحَضَرَ جِنَازَتَهَا الْأَعْيَانُ.
وَحَجَّ بالناس قطز الخادم.
وممن توفي فيها من الأعيان.. (1) في الكامل 11 / 110: ربيع الآخر.
(2) في الكامل 11 / 116: طغايرك ; وفي ابن خلدون: طغابرك.
(*)
(12/275)

زنكي بن اقسنقر تقدم ذكر شئ من ترجمته، وهو أبو نور الدين محمود الشهيد، وقد أطنب الشيخ أَبُو شَامَةَ فِي الرَّوْضَتَيْنِ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَمَا قِيلَ فِيهِ مِنْ نَظْمٍ وَنَثْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
سعد الخير مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَبُو الْحَسَنِ المغربي الأندلسي الأنصاري، رحل وَحَصَّلَ كُتُبًا نَفِيسَةً، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وغيره، وقد أوصى عند وفاته أَنْ يصلِّي عَلَيْهِ الْغَزْنَوِيُّ، وَأَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ قَبْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خَلَائِقُ مِنَ النَّاسِ.
شَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرشيد ابن الْقَاسِمِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجِيلِيُّ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ على الكيا وَعَلَى الْغَزَالِيِّ، وَكَانَ يَسْكُنُ الْكَرْخَ، وَلَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ فِي الرُّوَاقِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَكُنْتُ أَحْضُرُ حَلْقَتَهُ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ ابن أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ أَبِي مَنْصُورٍ الزَّاهِدُ، قَرَأَ الْقِرَاءَاتِ وَصَنَّفَ فِيهَا، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَاقْتَنَى الْكُتُبَ الْحَسَنَةَ، وَأَمَّ فِي مَسْجِدِهِ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَعَلَّمَ خَلْقًا القرآن.
قال ابن الجوزي: ما سمعت أحد أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خلقٌ كثيرٌ.
عَبَّاسٌ شِحْنَةُ الرَّيِّ تَوَصَّلَ إِلَى أَنْ مَلَكَهَا ثم قتله مسعود، وَقَدْ كَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الرَّعِيَّةِ، وقتل من الباطنية خلقاً حتى بنى من رؤوسهم منارة بالري، وتأسف الناس عليه.
محمد بن طراد
ابن محمد الزينبي، أبو الحسن نقيب النقباء، وَهُوَ أَخُو عَلِيِّ بْنِ طِرَادٍ الْوَزِيرِ، سَمِعَ الكثير من أبيه ومن عمه أَبِي نَصْرٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقَارَبَ السَّبْعِينَ.
(*)
(12/276)

وجيه بن طاهر ابن محمد بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو بَكْرٍ الشَّحَّامِيُّ، أَخُو زَاهِرٍ، وَقَدْ سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِهِ، وَكَانَ شَيْخًا حَسَنَ الْوَجْهِ، سَرِيعَ الدمعة، كثير الذكر، جمع السماع إلى العمل إلى صدق اللَّهْجَةِ تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
ثُمَّ دخلت سنة ثنتين وأربعين وخمسمائة فِيهَا مَلَكَتِ الْفِرِنْجُ عِدَّةَ حُصُونٍ مِنْ جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ (1) .
وَفِيهَا مَلَكَ نُورُ الدِّينِ بْنُ مَحْمُودٍ زنكي عدة حصون من يد الفرنج بالسواحل (2) .
وَفِيهَا خُطِبَ لِلْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بعد أبيه المقتفي.
وفيها تولى عون بن يَحْيَى بْنُ هُبَيْرَةَ كِتَابَةَ دِيوَانِ الزِّمَامِ، وَوَلِيَ زَعِيمُ الدِّينِ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ صَدْرِيَّةَ الْمَخْزَنِ المعمورة.
وفيها اشتد الغلاء بإفريقية وهلك بسببه أكثر الناس حتى خلت المنازل، وأقفلت الْمَعَاقِلُ.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِيٌّ بِنْتَ صَاحِبِ مَارْدِينَ حُسَامِ الدِّينِ تَمُرْتَاشَ بْنِ أُرْتُقَ، بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَحُمِلَتْ إِلَيْهِ إِلَى الْمَوْصِلِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَهُوَ مَرِيضٌ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ، فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حتى مات، فتولى بعده على الموصل أَخُوهُ قُطْبُ بْنُ مَوْدُودٍ فَتَزَوَّجَهَا.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي صَفَرٍ رَأَى رَجُلٌ فِي الْمَنَامِ قائلاً يقول له: من زار أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ غُفِرَ لَهُ.
قَالَ فَلَمْ يَبْقَ خَاصٌّ وَلَا عَامٌّ إِلَّا زَارَهُ.
قَالَ ابن الجوزي: وعقدت يومئذ ثم مجلساً فاجتمع فيه ألوف من الناس.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..أَسْعَدُ بْنُ عبد الله ابن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ، أَبُو مَنْصُورٍ، سمع الحديث الكثير، وكان خيراً صَالِحًا مُمَتَّعًا بِحَوَاسِّهِ وَقُوَاهُ، إِلَى حِينِ الْوَفَاةِ.
وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ بِنَحْوٍ مِنْ سَبْعِ
سِنِينَ.
أبو محمد عبد الله بن محمد ابن خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ اللَّخْمِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ، الرباطي الحافظ، مصنف كتاب اقتياس
__________
(1) قال ابن الأثير في تاريخه ومنها: مدينة المرية، ومدينة بياسة، وولاية جيان.
(2) ومنها: مدينة أرتاح وحصن مابولة وبصرفون وكفرلاثا (الكامل 11 / 122) .
(*)
(12/277)

الْأَنْوَارِ وَالْتِمَاسِ الْأَزْهَارِ، فِي أَنْسَابِ الصَّحَابَةِ، وَرُوَاةِ الآثار، وهو من أحسن التصانيف الْكِبَارِ، قُتِلَ شَهِيدًا صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْعِشْرِينَ من جمادى بالبرية.
نصر الله بن محمد ابن عَبْدِ الْقَوِيِّ، أَبُو الْفَتْحِ اللَّاذِقِيُّ الْمِصِّيصِيُّ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ نَصْرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيِّ، بِصُورَ، وَسَمِعَ بِهَا مِنْهُ وَمِنْ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ، وَسَمِعَ بِبَغْدَادَ وَالْأَنْبَارِ، وَكَانَ أَحَدَ مَشَايِخِ الشَّامِ، فقيهاً في الأصول والفروع، توفي فيها وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ بِأَرْبَعِ سِنِينَ.
هِبَةُ اللَّهِ بن علي ابن مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ أَبُو السَّعَادَاتِ ابْنُ الشَّجَرِيِّ النَّحْوِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وانتهت إليه رياسة النحاة.
قال سَمِعْتُ بَيْتًا فِي الذَّمِّ أَبْلَغَ مِنْ قَوْلِ مكوبه: وَمَا أَنَا إِلَّا الْمِسْكُ قَدْ ضَاعَ عِنْدَكُمْ * يَضِيعُ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ يَضُوعُ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثلاث وأربعين وخمسمائة فِيهَا اسْتَغَاثَ مُجِيرُ الدِّينِ بْنُ أَتَابِكِ دِمَشْقَ بِالْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ حَلَبَ عَلَى الْفِرِنْجِ، فَرَكِبَ سَرِيعًا فَالْتَقَى مَعَهُمْ بِأَرْضِ بُصْرَى فَهَزَمَهُمْ، وَرَجَعَ فَنَزَلَ عَلَى الْكِسْوَةِ، وَخَرَجَ مَلِكُ دِمَشْقَ مجير الدين أرتق فَخَدَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ وَشَاهَدَ الدَّمَاشِقَةُ حُرْمَةَ نُورِ الدِّينِ حتى تمنوه.
وَفِيهَا مَلَكَتِ الْفِرِنْجُ الْمَهْدِيَّةَ وَهَرَبَ مِنْهَا صَاحِبُهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ يوسف بن بليكين بأهله وخاف على أمواله فتمزقت في البلاد، وتمزق هو أيضاً فِي الْبِلَادِ، وَأَكَلَتْهُمُ الْأَقْطَارُ، وَكَانَ آخِرَ مُلُوكِ بَنِي بَادِيسَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ مُلْكِهِمْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائةٍ، فَدَخَلَ
الْفِرِنْجُ إِلَيْهَا وَخَزَائِنُهَا مَشْحُونَةٌ بِالْحَوَاصِلِ وَالْأَمْوَالِ وَالْعُدَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا حَاصَرَتِ الْفِرِنْجُ وَهُمْ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَمَعَهُمْ مَلِكُ الْأَلْمَانِ فِي خَلْقٍ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ عز وجل، دمشق وعليها مجير الدين أرتق وَأَتَابِكُهُ مَعِينُ الدِّينِ، وَهُوَ مُدَبِّرُ الْمَمْلَكَةِ، وَذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ سَادِسَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَهْلُهَا فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَاقْتَتَلُوا معهم قتالاً شديداً، قتل مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ نَحْوٌ مِنَ مائتي رجل، ومن الفرنج خلق كثير لا يحصون، واستمر الْحَرْبُ مُدَّةً، وَأُخْرِجَ مُصْحَفُ عُثْمَانَ إِلَى وَسَطِ صَحْنِ الْجَامِعِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ يَدْعُونَ اللَّهَ عزوجل، والنساء والأطفال مكشفي الرؤوس يَدْعُونَ وَيَتَبَاكُونَ، وَالرَّمَادُ مَفْرُوشٌ فِي الْبَلَدِ، فَاسْتَغَاثَ أرتق بنور الدِّينِ مَحْمُودٍ صَاحِبِ حَلَبَ وَبِأَخِيهِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِيٍّ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقَصَدَاهُ سَرِيعًا فِي نَحْوٍ من
(12/278)

سَبْعِينَ أَلْفًا بِمَنِ انْضَافَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُلُوكِ وغيرهم، فلما سمعت الفرنج بِقُدُومِ الْجَيْشِ تَحَوَّلُوا عَنِ الْبَلَدِ، فَلَحِقَهُمُ الْجَيْشُ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَجَمًّا غَفِيرًا، وَقَتَلُوا قسيساً معهم اسْمُهُ إِلْيَاسُ، وَهُوَ الَّذِي أَغْرَاهُمْ بِدِمَشْقَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ افْتَرَى مَنَامًا عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ وَعَدَهُ فَتْحَ دِمَشْقَ، فَقُتِلَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَقَدْ كَادُوا يَأْخُذُونَ الْبَلَدَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ، وَحَمَاهَا بِحَوْلِهِ وقوته.
قال تَعَالَى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) [الحج: 40] وَمَدِينَةُ دِمَشْقَ لَا سَبِيلَ لِلْأَعْدَاءِ مِنَ الْكَفَرَةِ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا الْمَحَلَّةُ الَّتِي أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا أَنَّهَا مَعْقِلُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْمَلَاحِمِ وَالْفِتَنِ، وَبِهَا ينزل عيسى بن مريم وقد قتل الفرنج خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، وَمِمَّنْ قَتَلُوا الْفَقِيهُ الْكَبِيرُ الْمُلَقَّبُ حُجَّةَ الدِّينِ شَيْخُ الْمَالِكِيَّةِ بها، أبو الحجاج يوسف بن درناس (1) الْفِنْدَلَاوِيُّ، بِأَرْضِ النَّيْرَبِ (2) ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ، وكان مجير الدين قد صالح الْفِرِنْجَ عَنْ دِمَشْقَ بِبَانِيَاسَ، فَرَحَلُوا عَنْهَا وَتَسَلَّمُوا بَانِيَاسَ.
وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَأُمَرَائِهِ فَفَارَقُوهُ، وَقَصَدُوا بَغْدَادَ فَاقْتَتَلُوا مَعَ الْعَامَّةِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، ثُمَّ اجتمعوا قبال التاج وقبلوا الْأَرْضَ وَاعْتَذَرُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ مِمَّا وَقَعَ، وَسَارُوا نَحْوَ النَّهْرَوَانِ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، وَنَهَبُوا أَهْلَهَا، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِالْعِرَاقِ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَفِيهَا وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ أَبُو
الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الدَّامَغَانِيُّ، بَعْدَ وَفَاةِ الزينبي.
وفيها ملك سولي بن الحسين ملك الثغور (3) مَدِينَةَ غَزْنَةَ، فَذَهَبَ صَاحِبُهَا بَهْرَامُ شَاهْ بْنُ مسعود من أولاد سبكتكين إلى فرغانة فاستغاث بملكها، فجاء بجيوش عظيمة فاقتلع غزنة من سولي، وَأَخَذَهُ أَسِيرًا فَصَلَبَهُ، وَقَدْ كَانَ كَرِيمًا جَوَادًا، كثير الصدقات.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..إِبْرَاهِيمُ بْنُ محمد ابن نهار (4) بْنِ مُحْرِزٍ الْغَنَوِيُّ الرَّقِّيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ بِالشَّاشِيِّ وَالْغَزَالِيِّ، وَكَتَبَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ، وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، وَصَحِبَهُ كَثِيرًا، وَكَانَ مَهِيبًا كَثِيرَ الصمت، توفي في ذي الحجة منها وقد جاوز الثمانين.
__________
(1) في الكامل: دي ناس، وفي تذكرة الحفاظ: دوناس.
(2) النيرب على نحو نصف فرسخ من دمشق.
(3) في الكامل ومعجم البلدان: الغور.
قال ياقوت: جبال وولاية بين هراة وغزنة وهي بلاد باردة واسعة موحشة وهي مع ذلك لا تنطوي على مدينة مشهورة.
(4) في الكامل 11 / 137: نبهان انظر المنتظم 10 / 134 وطبقات السبكي 4 / 300 شذرات الذهب 4 / 135.
(*)
(12/279)

شاهان شاه بن أيوب ابن شادي، اسْتُشْهِدَ مَعَ نُورِ الدِّينِ، وَهُوَ وَالِدُ السِّتِّ عذار، واقفة العذارية، وتقي الدين عمر واقف التقوية.
علي بن الحسين ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّيْنَبِيُّ، أَبُو الْقَاسِمِ الْأَكْمَلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ نُورُ الْهُدَى بْنُ أَبِي الْحَسَنِ نِظَامُ الْحَضْرَتَيْنِ ابْنُ نَقِيبِ النُّقَبَاءِ أَبِي القاسم بن الْقَاضِي أَبِي تَمَّامٍ الْعَبَّاسِيُّ، قَاضِي الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ وغيرها، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ فَقِيهًا رَئِيسًا، وَقُورًا حَسَنَ الْهَيْئَةِ وَالسَّمْتِ، قَلِيلَ الْكَلَامِ، سَافَرَ مَعَ الْخَلِيفَةِ
الرَّاشِدِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَجَرَتْ لَهُ فُصُولٌ ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ فَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ السِّتِّينَ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ حَافِلَةً.
أبو الحجاج يوسف بن درباس (1) الْفِنْدَلَاوِيُّ، شَيْخُ الْمَالِكِيَّةِ بِدِمَشْقَ، قُتِلَ يَوْمَ السَّبت سَادِسَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قَرِيبًا مِنَ الرَّبْوَةِ فِي أرض النيرب، هو والشيخ عبد الرحمن الجلجولي، أحد الزهاد رحمهما اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة أربع وأربعين وخمسمائة
فِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْقَاضِي عِيَاضِ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيَاضِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُوسَى بْنِ عِيَاضِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيَاضٍ الْيَحْصُبِيِّ السَّبْتِيِّ، قَاضِيهَا أَحَدُ مَشَايِخِ الْعُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ، وصاحب المصنفات الكثيرة المفيدة، منها الشفا، وشرح مسلم، ومشارق الْأَنْوَارِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وَكَانَ إِمَامًا فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ، كَالْفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْأَدَبِ، وَأَيَّامِ النَّاسِ، وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وأربعمائة، ومات يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَقِيلَ فِي رمضان من هذه السنة، بمدينة سبتة.
وَفِيهَا غَزَا الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ صَاحِبُ حَلَبَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خلقاً، وكان فيمن قَتَلَ الْبِرِنْسُ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، وَفَتَحَ شَيْئًا كَثِيرًا من قلاعهم ولله الحمد.
وَكَانَ قَدِ اسْتَنْجَدَ بِمُعِينِ الدِّينِ بْنِ أَتَابِكِ دِمَشْقَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِفَرِيقٍ مِنْ جَيْشِهِ صُحْبَةَ الأمير مجاهد الدين بن مروان بن مس، نَائِبِ صَرْخَدَ فَأَبْلَوْا بَلَاءً حَسَنًا، وَقَدْ قَالَ الشُّعَرَاءُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَشْعَارًا كَثِيرَةً، مِنْهُمُ ابن
__________
(1) انظر حاشية (1) ص 279.
(*)
(12/280)

الْقَيْسَرَانِيِّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ سَرَدَهَا أَبُو شَامَةَ فِي الرَّوْضَتَيْنِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَالِثَ (1) رَبِيعٍ الْآخَرِ اسْتَوْزَرَ لِلْخِلَافَةِ أَبُو الْمُظَفَّرِ يَحْيَى بْنُ هُبَيْرَةَ، وَلُقِّبَ عَوْنُ الدِّينِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ.
وَفِي رَجَبٍ قصد الملك شاه بْنُ مَحْمُودٍ بَغْدَادَ وَمَعَهُ خَلْقٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ دُبَيْسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ وَغَيْرُهُمْ، وَطَلَبُوا مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَكَرَّرَتِ الْمُكَاتَبَاتُ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ
يَسْتَحِثُّهُ فِي الْقُدُومِ، فَتَمَادَى عَلَيْهِ وَضَاقَ النِّطَاقُ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ، وكتب الملك سنجر إلى ابن أخيه يتوعده إن لم يسرع إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَمَا جَاءَ إِلَّا فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ، فَانْقَشَعَتْ تِلْكَ الشُّرُورُ كُلُّهَا، وَتَبَدَّلَتْ سُرُورًا أَجْمَعُهَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالًا شَدِيدًا، وَتَمَوَّجَتِ الْأَرْضُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَتَقَطَّعَ جَبَلٌ بحلوان، وانهدم الرباط النهر جوري، وَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِالْبِرْسَامِ، لَا يَتَكَلَّمُ الْمَرْضَى به حَتَّى يَمُوتُوا.
وَفِيهَا مَاتَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِيُّ بْنُ زَنْكِيٍّ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ، وَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، الْخَاتُونِ بِنْتِ تَمُرْتَاشَ بْنِ إِيلِغَازِي بْنِ أُرْتُقَ، صَاحِبِ مَارِدِينَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا كُلُّهُمْ مَلَكُوا الْمَوْصِلَ، وَكَانَتْ هذه المرأة تضع خمارها بين خَمْسَةَ عَشَرَ مَلِكًا.
وَفِيهَا سَارَ نُورُ الدِّينِ إِلَى سِنْجَارَ فَفَتَحَهَا، فَجَهَّزَ إِلَيْهِ أَخُوهُ قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودٌ جَيْشًا لِيَرُدَّهُ عَنْهَا، ثُمَّ اصْطَلَحَا فَعَوَّضَهُ مِنْهَا الرَّحْبَةَ وَحِمْصَ، وَاسْتَمَرَّتْ سِنْجَارُ لِقُطْبِ الدين، وعاد نور الدين إلى بلده.
ثم غزا فيها الْفِرِنْجَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا وَأَسَرَ الْبِرِنْسَ صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، فَمَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ مِنْهُمُ الْفَتْحُ الْقَيْسَرَانِيُّ بِقَصِيدَةٍ يقول فيها أولها: هذي العزائم لا ما تنعق (2) الْقُضُبُ * وَذِي الْمَكَارِمُ لَا مَا قَالَتِ الْكُتُبُ وَهَذِهِ الْهِمَمُ اللَّاتِي مَتَى خُطِبَتْ * تَعَثَّرَتْ خَلْفَهَا الأشعار والخطب صافحت يا بن عِمَادِ الدِّينِ ذُرْوَتَهَا * بِرَاحَةٍ لِلْمَسَاعِي دُونَهَا تَعَبُ مَا زَالَ جَدُّكَ يَبْنِي كُلَّ شَاهِقَةٍ * حَتَّى بَنَى قُبَّةً أَوْتَادُهُا الشُّهُبُ وَفِيهَا فَتَحَ نُورُ الدين حصن فاميا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ حَمَاةَ.
وَفِيهَا مَاتَ صَاحِبُ مِصْرَ الْحَافِظُ لِدِينِ اللَّهِ عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ أبي القاسم بْنِ الْمُسْتَنْصِرِ، فَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ الظَّافِرُ إِسْمَاعِيلُ، وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ الْأَفْضَلِ بْنِ أَمِيرِ الْجُيُوشِ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى الْحَافِظِ وخطب له بمصر ثلاثاً، ثم آخر الأمر أذن بحي على خير العمل، والحافظ هذا هو الذي وُضِعَ طَبْلُ الْقُولَنْجِ الَّذِي إِذَا ضَرَبَهُ مَنْ بِهِ الْقُولَنْجُ يَخْرُجُ مِنْهُ الْقُولَنْجُ وَالرِّيحُ الَّذِي به، وخرج بالحجاج الأمير قطز الخادم فمرض بالكوفة فرجع واستخلف على الحجاج مولاه قيماز، وحين وصوله إلى بغداد توفي بعد أيام (3) ، فطمعت العرب في الحجاج فَوَقَفُوا لَهُمْ فِي الطَّريق وَهُمْ رَاجِعُونَ، فَضَعُفَ قيماز عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ أَمَانًا وَهَرَبَ وَأَسْلَمَ
__________
(1) في الكامل: رابع (2) في الكامل 11 / 145: تدعي.
(3) مات في ذي القعدة (انظر ابن الاثير) .
(*)
(12/281)

إِلَيْهِمُ الْحَجِيجَ، فَقَتَلُوا أَكْثَرَهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَ النَّاسِ، وقل من سلم فيمن نَجَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا مَاتَ معين الدين بن أَتَابِكُ الْعَسَاكِرِ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ أَحَدَ مَمَالِيكِ طُغْتِكِينَ، وهو والد الست خاتون زوجة نُورِ الدِّينِ، وَهُوَ وَاقِفُ الْمَدْرَسَةِ الْمُعِينِيَّةِ، دَاخِلَ باب الفرج، وقبره في قبة قتلى الشامية البرانية، بمحلة العونية، عند دار البطيخ.
وَلَمَّا مَاتَ مُعِينُ الدِّينِ قَوِيَتْ شَوْكَةُ الْوَزِيرِ الرئيس مؤيد الدولة على ابن الصُّوفِيِّ وَأَخِيهِ زَيْنِ الدَّوْلَةِ حَيْدَرَةَ، وَوَقَعَتْ بَيْنَهُمَا وبين الملك مجير الدين أرتق وحشة، اقتضت أنهما جنداً مِنَ الْعَامَّةِ وَالْغَوْغَاءِ مَا يُقَاوِمُهُ فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ خَلْقٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
ثُمَّ وَقَعَ الصُّلْحُ بَعْدَ ذلك.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..أَحْمَدُ بْنُ نظام الملك أبو الحسن علي بن نَصْرٍ الْوَزِيرُ لِلْمُسْتَرْشِدِ، وَالسُّلْطَانُ مَحْمُودٌ، وَقَدْ سَمِعَ الحديث، وكان من خيار الوزراء (1) .
أحمد بن محمد ابن الْحُسَيْنِ الْأَرْجَانِيُّ (2) ، قَاضِي تُسْتَرَ، رَوَى الْحَدِيثَ وَكَانَ له شعر رائق يتضمن مَعَانِيَ حَسَنَةً فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَلَمَّا بَلَوْتُ الناس أطلب عندهم * أخا ثقة عند اعتراض الشدائد تطعمت فِي حَالَيْ رَخَاءٍ وَشِدَّةٍ * وَنَادَيْتُ فِي الْأَحْيَاءِ: هَلْ مِنْ مُسَاعِدِ؟ فَلَمْ أَرَ فِيمَا سَاءَنِي غَيْرَ شَامِتٍ * وَلَمْ أَرَ فِيمَا سَرَّنِي غَيْرَ حاسد فطلقت ود العاملين جميعهم * ورحت فلا ألوي على غير واحد
تَمَتَّعْتُمَا يَا نَاظِرَيَّ بِنَظْرَةٍ * وَأَوْرَدْتُمَا قَلْبِي أَمَرَّ الْمَوَارِدِ أَعَيْنَيَّ كُفَّا عَنْ فُؤَادِي فَإِنَّهُ * مِنَ البغي سعي اثنين في قتل واحد والقاضي عياض بن موسى السبتي صاحب التصانيف المفيدة ومن شعره قوله: الله يعلم أني منذ لم أركم * كطائر خانه ريش الجناحين
__________
(1) قال الفخري ص 306 فيه: كان كريما جميل الصورة، شكرت سيرته، ولما عزم المسترشد على عمارة سور بغداد قسط على الناس 15 ألف دينار فقام الوزير أبو نصر وأداها عن الناس من ماله.
(2) الارجاني: نسبة إلى أرجان، وأرجان بلد من أعمال تستر.
(*)
(12/282)

ولو قدرت ركبت الريح نحوكم * فإن بعدكم عني جنى حيني وقد ترجمه ابن خلكان ترجمة حسنة.
عيسى بن هبة الله ابن عيسى، أبو عبد الله النقاش، سمع الحديث، مولده سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَانَ ظَرِيفًا خَفِيفَ الرُّوحِ، لَهُ نَوَادِرُ حَسَنَةٌ رَأَى النَّاسَ، وَعَاشَرَ الْأَكْيَاسَ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسِي وكياتبني وأكاتبه، كتبت إليه مرة فعظمته في الكتاب فَكَتَبَ إِلَيَّ: قَدْ زِدْتِنِي فِي الْخِطَابِ حَتَّى * خشيت نقصاً من الزياده (1) وَلَهُ: إِذَا وَجَدَ الشَّيْخُ فِي نَفْسِهِ * نَشَاطًا فَذَلِكَ مَوْتٌ خَفِي أَلَسْتَ تَرَى أَنَّ ضَوْءَ السرا * ج لَهُ لَهَبٌ قَبْلَ أَنْ يَنْطَفِي غَازِيُّ بْنُ اقسنقر الْمَلِكُ سَيْفُ الدِّينِ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَهُوَ أَخُو نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، صَاحِبِ حَلَبَ ثُمَّ دِمَشْقَ فِيمَا بَعْدُ، وَقَدْ كَانَ سَيْفُ الدِّينِ هَذَا مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَأَحْسَنِهِمْ سِيرَةً، وَأَجْوَدِهِمْ سَرِيرَةً، وَأَصْبَحِهِمْ صُورَةً، شُجَاعًا كَرِيمًا، يَذْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ لِجَيْشِهِ مِائَةً مِنَ الْغَنَمِ، وَلِمَمَالِيكِهِ ثَلَاثِينَ رَأْسًا، وَفِي يَوْمِ الْعِيدِ أَلْفَ رَأْسٍ سِوَى الْبَقَرِ وَالدَّجَاجِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حُمِلَ عَلَى رَأْسِهِ سَنْجَقٌ مِنْ مَلُوكِ الْأَطْرَافِ، وَأَمَرَ الْجُنْدَ
أَنْ لا يركبوا إلى بِسَيْفٍ وَدَبُّوسٍ، وَبَنَى مَدْرَسَةً بِالْمَوْصِلِ وَرِبَاطًا لِلصُّوفِيَّةِ وَامْتَدَحَهُ الْحَيْصَ بَيْصَ (2) فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ عَيْنًا، وَخِلْعَةً.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ بِالْحُمَّى فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ دُفِنَ فِي مَدْرَسَتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً (3) ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ بَعْدَ أَبِيهِ ثلاث سنين وخمسين يوماً، رحمه الله.
قطز الْخَادِمُ أَمِيرُ الْحَاجِّ مُدَّةَ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَكْثَرَ، سمع الْحَدِيثَ وَقَرَأَ عَلَى ابْنِ الزَّاغُونِيِّ، وَكَانَ يُحِبُّ العلم
__________
(1) وبعده في الكامل 11 / 147: فَاجْعَلْ خِطَابِي خِطَابَ مِثْلِي * وَلَا تُغَيِّرْ عَلَيَّ عاده (2) قال فيه قصيدته التي أولها: إلام يراك المجد في زي شاعر * وقد نحلت شوقا فروع المنابر (3) قال ابن الأثير في تاريخه: وكانت ولادته سنة خمسمائة (انظر تاريخ أبي الفداء 3 / 21) .
(*)
(12/283)

والصدقة، وكان الحاج معه في غاية الدعة والراحة وَالْأَمْنِ، وَذَلِكَ لِشَجَاعَتِهِ وَوَجَاهَتِهِ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَدُفِنَ بِالرُّصَافَةِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وأربعين وخمسمائة فيها فتح نور الدين محمود حصن فامية، وهو من أحصن القلاع، وقيل فتحه في التي قبلها.
وفيها قصد دمشق ليأخذها فلم يتفق له ذلك، فخلع على ملكها مجير الدين أرتق، وعلى وزيره ابن الصوفي، وتقررت الْخُطْبَةِ لَهُ بِهَا بَعْدَ الْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ، وَكَذَلِكَ السكة.
وفيها فتح نور الدين حصن إعزاز وأسر ابن ملكها ابن جوسلين، ففرح المسلمون بذلك، ثم أسر بعده والده جوسلين الفرنجي، فتزايدت الفرحة بذلك، وفتح بلادا كثيرة من بلاده.
وفي المحرم منها حَضَرَ يُوسُفُ الدِّمَشْقِيُّ تَدْرِيسَ النِّظَامِيَّةِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ بَلْ بمرسوم السلطان وابن النظام، مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فَلَزِمَ بَيْتَهُ وَلَمْ يَعُدْ إلى المدرسة بالكلية، وتولاها الشَّيْخُ أَبُو النَّجِيبِ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ وَمَرْسُومِ السُّلْطَانِ.
قال ابن الجوزي: في هذه السنة وقع مطر باليمن كله دم، حتى صبغ ثياب
الناس.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ ... الْحَسَنُ بْنُ ذِي النُّونِ ابْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، أَبُو الْمَفَاخِرِ (1) النَّيْسَابُورِيُّ، قَدِمَ بَغْدَادَ فَوَعَظَ بها، وجعل ينال من الأشاعرة فأحبته النحابلة، ثُمَّ اخْتَبَرُوهُ فَإِذَا هُوَ مُعْتَزِلِيٌّ فَفَتَرَ سُوقُهُ، وَجَرَتْ بِسَبَبِهِ فِتْنَةٌ بِبَغْدَادَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ، مِنْ ذَلِكَ: مَاتَ الْكِرَامُ وَمَرُّوا (2) وَانْقَضُّوا وَمَضَوْا * وَمَاتَ مِنْ بَعْدِهِمْ تِلْكَ الْكَرَامَاتُ وَخَلَّفُونِيَ فِي قَوْمٍ ذَوِي سَفَهٍ * لَوْ أَبْصَرُوا طَيْفَ ضَيْفٍ فِي الْكَرَى ماتوا عبد الملك بن عبد الوهاب الحنب؟ لى القاضي بهاء الدين، كان يعرف مذهب أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَيُنَاظِرُ عَنْهُمَا، وَدُفِنَ مَعَ أبيه وجده؟ ق؟ ور الشهداء.
__________
(1) في الوافي بالوفيات 12 / 8: أبو المكارم.
(2) في الكامل 11 / 153: وولوا.
(*)
(12/284)

عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي نَصْرِ بْنِ عُمَرَ أبو المعالي الجيلي، كان فقيهاً صالحاً.
مُتَعَبِّدًا فَقِيرًا، لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَإِنَّمَا يبيت في المساجد المهجورة، وقد خرج مع الحجيج فأقام بمكة يعبد ربه ويفيد العلم، فَكَانَ أَهْلُهَا يُثْنُونَ عَلَيْهِ خَيْرًا.
الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ (1) الْمَالِكِيُّ، شَارِحُ التِّرْمِذِيِّ، كَانَ فَقِيهًا عَالِمًا، وَزَاهِدًا عَابِدًا، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ بَعْدَ اشْتِغَالِهِ فِي الْفِقْهِ، وَصَحِبَ الْغَزَالِيَّ وَأَخَذَ عَنْهُ، وَكَانَ يَتَّهِمُهُ بِرَأْيِ الْفَلَاسِفَةِ، وَيَقُولُ دَخَلَ فِي أَجْوَافِهِمْ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وأربعين وخمسمائة فِيهَا أَغَارَ جَيْشُ السُّلْطَانِ عَلَى بِلَادِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَقَتَلُوا خَلْقًا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ.
وَفِيهَا حَاصَرَ نُورُ الدين دمشق شهوراً ثم ترحل عنها إلى حلب، وكان الصُّلح على يدي البرهان البلخي.
وفيها اقتتل الفرنج وجيش نور الدين فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ (2) ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا الْأَمْرُ شق ذلك على نور الدين وترك الترفه وهجر اللذة حتى يأخذ بالثار، ثم إن أمراء التركمان ومعهم جماعة من أعوانهم ترصدوا الملك جوسليق الْإِفْرِنْجِيِّ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَسَرُوهُ فِي بَعْضِ مُتَصَيِّدَاتِهِ فَأَرْسَلَ نُورُ الدِّينِ فَكَبَسَ التُّرْكُمَانَ وأخذ منهم جوسليق أسيراً، وكان من أعيان الكفرة، وأعظم الفجرة، فَأَوْقَفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي أَذَلِّ حَالٍ، ثُمَّ سجنه.
ثم سار نُورُ الدِّينِ إِلَى بِلَادِهِ فَأَخَذَهَا كُلَّهَا بِمَا فِيهَا (3) .
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ جَلَسَ ابْنُ الْعَبَّادِيِّ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ وَتَكَلَّمَ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ، فَكَادَتِ الْحَنَابِلَةُ يُثِيرُونَ فِتْنَةً ذَلِكَ الْيَوْمَ، ولكن لطف الله وسلم.
وحج بالناس فيها قيماز الارجواني.
وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ:
__________
(1) وهو محمد بن عبد الله بن محمد الاشبيلي ولد سنة 468، وتوفي بمدينة فاس سنة 543 كما في الوافي بالوفيات 3 / 330 وسنة 546 كما في شذرات الذهب 4 / 141.
(2) التقوا في شمال حلب، عند تل باشر وعين تاب وإعزاز.
(3) وهي: تل باشر، وعين تاب، وإعزاز، وتل خالد، وقورس، والراوندان، وبرج الرصاص وحصن البارة وكفر سود وكفرلاثا ودلوك ومرعش ونهر الجوز (الكامل 11 / 155) .
(*)
(12/285)

برهان الدين أبو الحسن بن عَلِيٌّ الْبَلْخِيُّ شَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ بِدِمَشْقَ، دَرَسَ بِالْبَلْخِيَّةِ ثُمَّ بِالْخَاتُونِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، وَكَانَ عَالِمًا عَامِلًا، وَرِعًا زَاهِدًا.
وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة سبع وأربعين وخمسمائة
فِيهَا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بعده أخوه مَلِكْشَاهْ بْنُ مَحْمُودٍ، ثُمَّ جَاءَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ وأخذ الْمُلْكَ وَاسْتَقَرَّ لَهُ، وَقَتَلَ الْأَمِيرَ خَاصَّ بِكْ، وأخذ أمواله وألقاه للكلاب، وبلغ الخليفة أن واسط قَدْ تَخَبَّطَتْ أَيْضًا، فَرَكِبَ إِلَيْهَا فِي الْجَيْشِ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَأَصْلَحَ شَأْنَهَا، وَكَرَّ عَلَى الكوفة والحلة، ثم عاد إلى بغداد فزينت له البلد.
وفيها ملك عبد المؤمن صاحب الْمَغْرِبِ بِجَايَةَ وَهِيَ بِلَادُ بَنِي حَمَّادٍ، فَكَانَ آخِرَ مُلُوكِهِمْ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حماد، ثم جهز عبد المؤمن جَيْشًا إِلَى صِنْهَاجَةَ فَحَاصَرَهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالَهَا.
وَفِيهَا كانت وقعة عظيمة بين نور الدين الشهيد وبين الفرنج (1) ، فكسرهم وقتل منهم خلقاً ولله الحمد.
وفيها اقتتل السلطان سنجر وملك الغور علاء الدين الحسين ابن الْحُسَيْنِ أَوَّلُ مُلُوكِهِمْ، فَكَسَرَهُ سَنْجَرُ وَأَسَرَهُ، فَلَمَّا أَحْضَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ: مَاذَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِي لَوْ أَسَرْتَنِي؟ فَأَخْرَجَ قَيْدًا مِنْ فضة وقال: كنت أقيدك بهذا.
فعفى عَنْهُ وَأَطْلَقَهُ إِلَى بِلَادِهِ، فَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ فانتزعها من يد صاحبها بهرام شاه البسكتكيني، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا أَخَاهُ سَيْفَ الدِّينِ فَغَدَرَ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ وَسَلَّمُوهُ إِلَى بَهْرَامْ شَاهْ فَصَلَبَهُ، ومات بهرام شاه قريباً فسار إليه عَلَاءُ الدِّينِ فَهَرَبَ خُسْرُو بْنُ بَهْرَامْ شَاهْ عَنْهَا، فَدَخَلَهَا عَلَاءُ الدِّينِ فَنَهْبَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا بَشَرًا كَثِيرًا، وَسَخَّرَ أَهْلَهَا فحملوا تراباً في مخالي إلى محلة هنالك بَعِيدَةٍ عَنِ الْبَلَدِ، فَعَمَّرَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ قَلْعَةً مَعْرُوفَةً إِلَى الْآنِ، وَبِذَلِكَ انْقَضَتْ دَوْلَةُ بَنِي سُبُكْتُكِينَ عَنْ بِلَادِ غَزْنَةَ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ كَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِمْ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ وثلثمائة إلى سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وَكَانُوا مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ، وَأَكْثَرِهِمْ جِهَادًا فِي الكفرة، وأكثرهم أموالاً ونساء وعدداً وعُدداً، وقد كَسَرُوا الْأَصْنَامَ وَأَبَادُوا الْكُفَّارَ، وَجَمَعُوا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يَجْمَعْ غَيْرُهُمْ مِنَ الْمُلُوكِ، مَعَ أن بلادهم كانت من أطيب البلاد وأكثرهم رِيفًا وَمِيَاهًا فَفَنِيَ جَمِيعُهُ وَزَالَ عَنْهُمْ (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شئ قَدِيرٌ) [آل عمران: 26] ثُمَّ مَلَكَ الْغُورَ وَالْهِنْدَ وخراسان، واتسعت ممالكهم وعظم سلطان علاء الدين بعد الأسر، وحكى ابن الجوزي أَنَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَاضَ دِيكٌ بَيْضَةً واحدة، ثم باض بازي بيضتين، وباضت نعامة من غير ذكر، وهذا شئ عجيب.
__________
(1) وهي وقعة دلوك.
(*)
(12/286)

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..الْمُظَفَّرُ بْنُ أَرْدَشِيرَ أَبُو مَنْصُورٍ الْعَبَّادِيُّ، الْوَاعِظُ، سَمِعَ الْحَدِيثَ ودخل إلى بغداد فأملى ووعظ، وكان الناس يكتبون ما يعظ بِهِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مُجَلَّدَاتٌ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا تَكَادُ تَجِدُ فِي الْمُجَلَّدِ خَمْسَ كَلِمَاتٍ جَيِّدَةٍ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ وَأَطَالَ الْحَطَّ عَلَيْهِ، وَاسْتَحْسَنَ مِنْ كَلَامِهِ قَوْلَهُ: وَقَدْ سَقَطَ مطر وهو يعظ الناس، وقد ذهب الناس إلى تَحْتَ الْجُدْرَانِ، فَقَالَ لَا تفرُّوا مِنْ رَشَّاشِ مَاءِ رَحْمَةٍ قَطَرَ مِنْ سَحَابِ نِعْمَةٍ، وَلَكِنْ فروا من رشاش نَارٍ اقْتُدِحَ مِنْ زِنَادِ الْغَضَبِ.
تُوُفِّيَ وَقَدْ جاوز الخمسين (1) بقليل.
مسعود السلطان صَاحِبُ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا، حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّمَكُّنِ والسعادة شئ كَثِيرٌ لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ، وَجَرَتْ لَهُ خُطُوبٌ طويلة، كما تقدم بعض ذلك، وقد أسر في بعض حروبه الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَرْشِدَ كَمَا تَقَدَّمَ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سلخ جمادى الآخرة منها.
يَعْقُوبُ الْخَطَّاطُ الْكَاتِبُ تُوُفِّيَ بِالنِّظَامِيَّةِ، فَجَاءَ دِيوَانُ الحشر (2) ليأخذوا ميراثه فَمَنَعَهُمُ الْفُقَهَاءُ فَجَرَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ آلَ الْحَالُ إلى عزل المدرس الشيخ أبي النجيب وضربه في الديوان تَعْزِيرًا.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فيها وقع الحرب بين السلطان سنجر وبين الأتراك، فقتل الأتراك من جيشه خلقاً كثيراً بحيث صارت القتلى مثل التلول الْعَظِيمَةِ، وَأَسَرُوا السُّلْطَانَ سَنْجَرَ وَقَتَلُوا مَنْ كَانَ معه من الأمراء صبراً، ولما أحضروه قاموا بين يديه وقبلوا الأرض له، وَقَالُوا نَحْنُ عَبِيدُكَ، وَكَانُوا عِدَّةً مِنَ الْأُمَرَاءِ الكبار من مماليكهم، فأقام عندهم شهرين ثم أخذوه وساروا به فَدَخَلُوا مَرْوَ، وَهِيَ كُرْسِيُّ مَمْلَكَةِ خُرَاسَانَ، فَسَأَلَهُ بعضهم أن يجعلها له إقطاعاً، فقال سنجر هَذَا لَا يُمْكِنُ، هَذِهِ كُرْسِيُّ الْمَمْلَكَةِ، فَضَحِكُوا منه
__________
(1) ذكره ابن الأثير في تاريخه.
قال: وكانت ولادته سنة 491 هـ.
فيكون له من العمر عند وفاته 57 سنة.
وذكره ابن الاثير فيمن توفي سنة 546 هـ.
(2) في الكامل: حضر متولي المتروكات.
(*)
(12/287)

وضرطوا به فَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ وَدَخَلَ خَانِقَاهُ، وَصَارَ فَقِيرًا مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِهَا، وَتَابَ عَنِ الْمُلْكِ وَاسْتَحْوَذَ أُولَئِكَ الْأَتْرَاكُ عَلَى الْبِلَادِ فَنَهَبُوهَا وَتَرَكُوهَا قاعاً صفصفاً، وأفسدوا في الأرض فسادا عريضاً، وأقاموا سليمان شاه ملكاً، فلم تطل أيامه حَتَّى عَزَلُوهُ، وَوَلَّوُا ابْنَ أُخْتِ سَنْجَرَ الْخَاقَانِ محمود بْنِ كُوخَانَ (1) ، وَتَفَرَّقَتِ الْأُمُورُ وَاسْتَحْوَذَ كُلُّ إِنْسَانٍ منهم عَلَى نَاحِيَةٍ مِنْ تِلْكَ الْمَمَالِكِ، وَصَارَتِ الدَّوْلَةُ دُوَلًا.
وَفِيهَا كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْعَرَبِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ.
وَفِيهَا أَخَذَتِ الفرنج مدينة عسقلان من ساحل غزة.
وَفِيهَا خَرَجَ الْخَلِيفَةُ إِلَى وَاسِطٍ فِي جَحْفَلٍ فَأَصْلَحَ شَأْنَهَا وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فيها قيماز الأرجواني.
وفيها كانت وفاة الشاعرين القرينين الشهيرين في الزمان الأخير بالفر زدق وَجَرِيرٍ وَهُمَا أَبُو الْحَسَنِ (2) أَحْمَدُ بْنُ مُنِيرٍ الْجَوْنِيُّ بِحَلَبَ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نصر بن صغير (3) القيسراني الحلبي بدمشق، وَعَلِيُّ بْنُ السَّلَارِ الْمُلَقَّبِ بِالْعَادِلِ وَزِيرِ الظَّافِرِ صَاحِبِ مِصْرَ، وَهُوَ بَانِي الْمَدْرَسَةِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِلشَّافِعِيَّةِ للحافظ أبي طاهر السلفي، وَقَدْ كَانَ الْعَادِلُ هَذَا ضِدَّ اسْمِهِ، كَانَ ظَلُومًا غَشُومًا حَطُومًا، وَقَدْ تَرْجَمَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة فِيهَا رَكِبَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إلى تكريت فحاصر قلعتها، ولقي هناك جمعاً من الأتراك والتركمان، فأظفره الله بهم، ثم عاد إلى بغداد.
ملك السلطان نور الدين الشهيد بدمشق وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ مِصْرَ قَدْ قُتِلَ خَلِيفَتُهَا الظَّافِرُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا صَبِيٌّ صَغِيرٌ ابن خمس شهور (4) ، قَدْ وَلَّوْهُ عَلَيْهِمْ وَلَقَّبُوُهُ الْفَائِزَ، فَكَتَبَ الْخَلِيفَةُ عهداً إلى نور الدين محمود بن زنكي بالولاية
__________
(1) ابن بغراجان كما في ابن الاثير، وذكره ابن خلدون في العبر: محمد بن محمود.
(2) في الوافي ووفيات الاعيان والنجوم الزاهرة وابن عساكر: أبو الحسين.
الشاعر المشهور ولد ابن منير سنة 473 هـ قدم دمشق فسكنها ثم سجن فيها ثم شفعوا فيه فنفاه صاحب دمشق بوري بن طغتكين كان بينه وبين ابن القيسراني مكاتبات وأجوبة ومهاجاة وكانا مقيمين في حلب متنافسين في صنعتهما على عادة المتماثلين.
مات هذه السنة ودفن بجبل جوشن بحلب.
(3) الشاعر المشهور وحامل لواء الشعر في زمانه ولد بعكا سنة 478 هـ ونشأ بقيسرية الساحل فنسب إليها وسكن دمشق، ثم سكن حلب وتولى بها خزانة الكتب، وتردد إلى دمشق وبها مات في هذه السنة.
(4) في الكامل 11 / 192: سنين.
(انظر ابن خلدون 4 / 75) .
وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 229: نحو ست سنين.
(*)
(12/288)

على بلاد الشام وَالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأَرْسَلَهُ إِلَيْهَا.
وَفِيهَا هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيهَا نَارٌ فَخَافَ النَّاسُ أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، وَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ وَتَغَيَّرَ مَاءُ دجلة إلى الحمرة، وظهر بأرض واسط بالأرض دم لا يعرف ما سببه، وجاءت الأخبار عن الملك سنجر أنه في أسر الترك، وهو فِي غَايَةِ الذُّلِّ وَالْإِهَانَةِ، وَأَنَّهُ يَبْكِي عَلَى نفسه كل وقت.
وفيها انتزع نور الدين محمود دمشق من يد ملكها نور الدين أرتق (1) ، وَذَلِكَ لِسُوءِ سِيرَتِهِ وَضَعْفِ دَوْلَتِهِ، وَمُحَاصَرَةِ الْعَامَّةِ له في القلعة، مع وزيره مؤيد الدولة علي بْنِ الصُّوفِيِّ، وَتَغَلُّبِ الْخَادِمِ عَطَاءٍ عَلَى الْمَمْلَكَةِ مع ظلمه وغشمه، وكان الناس يدعون لَيْلًا وَنَهَارًا أَنْ يُبَدِّلَهُمْ بِالْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ، وَاتَّفَقَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ أَخَذُوا عَسْقَلَانَ فحزن نُورُ الدِّينِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إليهم، لأن دمشق بينه وبينهم، ويخشى أن يحاصروا دمشق فيشق على أهلها، ويخاف أن يرسل مجير الدين إلى الفرنج فيخذلونه كما جرى غير مرة، وذلك أن الْفِرِنْجَ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَمْلِكَ نُورُ الدِّينِ دمشق فيقوى بِهَا عَلَيْهِمْ وَلَا يُطِيقُونَهُ، فَأَرْسَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأَمِيرَ أَسَدَ الدِّينِ شِيرَكُوهْ فِي أَلْفِ فَارِسٍ فِي صِفَةِ طَلَبِ الصُّلْحِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ مجير الدين ولا عده شيئاً، ولا خرج إليه أحد من أعيان أَهْلِ الْبَلَدِ، فَكَتَبَ إِلَى نُورِ الدِّينِ بِذَلِكَ، فَرَكِبَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ فِي جَيْشِهِ فَنَزَلَ عُيُونَ الْفَاسْرَيَا مِنْ أَرْضِ دِمَشْقَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، فَفَتَحَهَا قَهْرًا ودخل من
الباب الشرقي بعد حصار عشرة أيام، وكان دخوله في يَوْمَ الْأَحَدِ عَاشِرَ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَتَحَصَّنَ مُجِيرُ الدِّينِ فِي الْقَلْعَةِ فَأَنْزَلَهُ مِنْهَا وعوضه مدينة حمص ودخل نور الدين إلى الْقَلْعَةَ وَاسْتَقَرَّتْ يَدُهُ عَلَى دِمَشْقَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
ونادى في البلد بالأمان والبشارة بالخير، ثم وضع عنهم المكوس وقرئت عليهم التواقيع على المنابر، ففرح الناس بذلك وَأَكْثَرُوا الدُّعَاءَ لَهُ، وَكَتَبَ مُلُوكُ الْفِرِنْجِ إِلَيْهِ يهنونه بدمشق ويتقربون إليه ويخضعون له.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..الرَّئِيسُ مُؤَيَّدُ الدولة علي بْنُ الصُّوفِيِّ وَزِيرُ دِمَشْقَ لِمُجِيرِ الدِّينِ، وَقَدْ ثار على الملك غير مرة، واستفحل أَمْرُهُ، ثُمَّ يَقَعُ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ.
عَطَاءٌ الْخَادِمُ أَحَدُ أُمَرَاءِ دِمَشْقَ، وَقَدْ تَغَلَّبَ على الأمور بأمر مجير الدين، وكان ينوب على بعلبك في بعض الأحيان، وقد كان ظَالِمًا غَاشِمًا وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ مَسْجِدُ عطاء خارج باب شرقي والله أعلم.
__________
(1) في الكامل: مُجِيرِ الدِّينِ أَبَقِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُورِي بن طغدكين.
(*)
(12/289)

ثم دخلت سنة خمسين وخمسمائة هجربة فيها خرج الخليفة في تجمل إلى دموقا (1) فحاصرها فخرج إليه أهلها أَنْ يَرْحَلَ عَنْهُمْ فَإِنَّ أَهْلَهَا قَدْ هَلَكُوا من الْجَيْشَيْنِ، فَأَجَابَهُمْ وَرَحَلَ عَنْهُمْ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ وَنِصْفٍ، ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ الْحِلَّةِ وَالْكُوفَةِ وَالْجَيْشُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ شاه أنا ولي عهد سنجر، فإن قررتني في ذَلِكَ وَإِلَّا فَأَنَا كَأَحَدِ الْأُمَرَاءِ، فَوَعْدَهُ خَيْرًا، وَكَانَ يَحْمِلُ الْغَاشِيَةَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ عَلَى كَاهِلِهِ، فَمَهَّدَ الْأُمُورَ وَوَطَّدَهَا، وَسَلَّمَ عَلَى مَشْهَدِ على إشارة بأصبعه، وكأنه خاف عليه غائلة الروافض أو أن يعتقد في نفسه من القبر شيئاً أو غير ذلك، والله أعلم.
فتح بعلبك بيد نور الدين الشهيد
وَفِيهَا افْتَتَحَ نُورُ الدِّينِ بَعْلَبَكَّ عَوْدًا عَلَى بدء وذلك أن نجم الدين أيوب كان نائباً بها على البلد والقلعة فسلمها إلى رجل يقال له الضحاك البقاعي (2) ، فاستحوذ عليها وكاتب نَجْمُ الدِّينِ لِنُورِ الدِّينِ، وَلَمْ يَزَلْ نُورُ الدِّينِ يَتَلَطَّفُ حَتَّى أَخَذَ الْقَلْعَةَ أَيْضًا وَاسْتَدْعَى بنجم الدين أيوب إليه إلى دمشق فأقطعه إقطاعاً حسناً، وَأَكْرَمَهُ مِنْ أَجْلِ أَخِيهِ أَسَدِ الدِّينِ، فَإِنَّهُ كَانَتْ لَهُ الْيَدُ الطُّولَى فِي فَتْحِ دِمَشْقَ، وجعل الأمير شمس الدولة بوران شاه بْنَ نَجْمِ الدِّينِ شِحْنَةَ دِمَشْقَ، ثمَّ مِنْ بَعْدِهِ جَعَلَ أَخَاهُ صَلَاحَ الدِّينِ يُوسُفَ هُوَ الشِّحْنَةَ، وَجَعَلَهُ مِنْ خَوَاصِّهِ لَا يُفَارِقُهُ حَضَرًا وَلَا سَفَرًا، لِأَنَّهُ كَانَ حَسَنَ الشَّكْلِ حَسَنَ اللَّعِبِ بِالْكُرَةِ، وَكَانَ نُورُ الدِّينِ يُحِبُّ لَعِبَ الكرة لتدمين الخيل وتعليمها الكر والفر، وفي شحنة صلاح الدين يوسف يقول عرقلة: وهو حسان بن نمير الكلبي الشَّاعِرُ: رُوَيْدَكُمْ يَا لُصُوصَ الشَّآمِ * فَإِنِّي لَكُمْ ناصح في مقالي فإياكم وسمي النبي يوسف * رب الحجا والكمال فَذَاكَ مُقَطِّعُ أَيْدِي النِّسَاءِ * وَهَذَا مُقَطِّعُ أَيْدِي الرجال وقد ملك أخاه بوران شاه بِلَادَ الْيَمَنِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ يُلَقَّبُ شمس الدولة وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..مُحَمَّدُ بْنُ ناصر ابن محمد بن علي الْحَافِظُ، أَبُو الْفَضْلِ الْبَغْدَادِيُّ.
وُلِدَ لَيْلَةَ النِّصْفِ من شعبان سنة سبع
__________
(1) في الكامل وتاريخ أبي الفداء - حوادث سنة 550 هـ - دقوقا.
(2) البقاعي: قال ابن خلدون نسبة إلى بقاعة ; وقال ابن الأثير: منسوب إلى بقاع بعلبك.
(*)
(12/290)

وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ، وَتَفَرَّدَ بِمَشَايِخَ، وَكَانَ حافظاً ضابطاً مكثراً من السُّنَّةِ كَثِيرَ الذِّكْرِ سَرِيعَ الدَّمْعَةِ.
وَقَدْ تَخْرَّجَ به جماعة منهم أبو الفرج بن الجوزي، سمع بقراءته مسند أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْكِبَارِ، وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَقَدْ رَدَّ عَلَى أَبِي سَعْدٍ السمعاني في قوله: مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ يُحِبُّ؟ أَنْ يَقَعَ فِي الناس.
قال ابن الجوزي: والكلام في الناس بالجرح وَالتَّعْدِيلِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ
وَإِنَّمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ يُحِبُّ أَنْ يَتَعَصَّبَ عَلَى أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْقَصْدِ؟ وَالتَّعَصُّبِ.
توفي مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ الثَّامِنَ عَشَرَ من شعبان منها، عَنْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مَرَّاتٍ، ودفن بباب حرب.
مجلي بن جميع أَبُو الْمَعَالِي الْمَخْزُومِيُّ الْأَرْسُوفِيُّ ثُمَّ الْمِصْرِيُّ قَاضِيهَا، الفقيه الشافعي، مصنف الذخائر وَفِيهَا غَرَائِبُ كَثِيرَةٌ وَهِيَ مِنَ الْكُتُبِ الْمُفِيدَةِ.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة في المحرم دَخَلَ السُّلْطَانُ سُلَيْمَانُ شَاهْ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ملكشاه إِلَى بَغْدَادَ وَعَلَى رَأْسِهِ الشَّمْسِيَّةُ، فَتَلَقَّاهُ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَأَدْخَلَهُ عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَحَلَّفَهُ عَلَى الطَّاعَةِ وَصَفَاءِ النِّيَّةِ وَالْمُنَاصَحَةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خُلَعَ الْمُلُوكِ، وَتَقَرَّرَ أَنَّ لِلْخَلِيفَةِ الْعِرَاقَ وَلِسُلَيْمَانَ شَاهْ مَا يَفْتَحُهُ مِنْ خُرَاسَانَ، ثُمَّ خُطِبَ لَهُ بِبَغْدَادَ بَعْدَ الْمَلِكِ سَنْجَرَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَاقْتَتَلَ هُوَ وَالسُّلْطَانُ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ مَلِكْشَاهْ، فهزمه محمد وهزم عسكره، فذهب مهزوماً فَتَلَقَّاهُ نَائِبُ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، فَأَسَرَهُ وَحَبَسَهُ بِقَلْعَةِ الْمَوْصِلِ، وَأَكْرَمَهُ مُدَّةَ حَبْسِهِ وَخَدَمَهُ، وَهَذَا مِنْ أَغْرَبِ الِاتِّفَاقَاتِ.
وَفِيهَا مَلَكَتِ الْفِرِنْجُ الْمَهْدِيَّةَ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ حِصَارٍ شَدِيدٍ.
وَفِيهَا فَتَحَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ قَلْعَةَ تَلِّ حَارِمٍ وَاقْتَلَعَهَا مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ وَأَمْنَعِ الْبِقَاعِ، وَذَلِكَ بَعْدَ قِتَالٍ عَظِيمٍ وَوَقْعَةٍ هائلة كانت من أكبر الفتوحات (1) ، وامتدحه الشُّعَرَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا هَرَبَ الْمَلِكُ سَنْجَرُ مِنَ الْأَسْرِ وَعَادَ إِلَى مُلْكِهِ بِمَرْوَ، وَكَانَ له في يد أعدائه نحو من خمس سنين.
وفيها ولي عبد المؤمن ملك الغرب أولاده على بلاده، استناب كل واحد منهم على بلد كبير وإقليم متسع (2) .
__________
(1) قال ابن الأثير في تاريخه أنهم: أرسلوا إليه وصالحوه على أن يعطوه نصف أعمال حارم، واصطلحوا على ذلك ورحل عنهم - بعد أن حصرها وضيق على أهلها (11 / 208 والعبر لابن خلدون 5 / 242) .
(2) استعمل أبا محمد عبد الله على بجاية وأعمالها، وأبا الحسن عليا على فارس وأعمالها، وأبا حفص عمر على تلمسان
وأعمالها، وأبا سعيد سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة.
قال أبو الفداء في تاريخه: بايع بولاية العهد لولده محمد.
(انظر ابن الاثير 3 / 30) .
(*)
(12/291)

حِصَارِ بَغْدَادَ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدَ بن محمود بن ملكشاه أرسل إلى المقتفي يطلب منه أن يخطب له في بغداد، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى بَغْدَادَ لِيُحَاصِرَهَا، فَانْجَفَلَ النَّاسُ وَحَصَّنَ الْخَلِيفَةُ الْبَلَدَ، وَجَاءَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ فَحَصَرَ بَغْدَادَ، وَوَقَفَ تُجَاهَ التَّاجِ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ فِي جَحْفَلٍ عظيم، ورموا نحوه النشاب، وقاتلت العامة مع الخليفة قتالاً شديداً بالنفط وغيره، واستمر القتال مدة، فبينما هم كذلك إذ جاءه الخبر أَنَّ أَخَاهُ قَدْ خَلَفَهُ فِي هَمَذَانَ، فَانْشَمَرَ عن بغداد إليها فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وتفرقت عنه الْعَسَاكِرُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي الْبِلَادِ، وَأَصَابَ النَّاس بعد ذلك الْقِتَالِ مَرَضٌ شَدِيدٌ، وَمَوْتٌ ذَرِيعٌ، وَاحْتَرَقَتْ مَحَالُّ كَثِيرَةٌ مِنْ بَغْدَادَ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِيهَا مُدَّةَ شهرين.
وفيها أطلق أبو الوليد الْبَدْرِ بْنُ الْوَزِيرِ بْنِ هُبَيْرَةَ مِنْ قَلْعَةِ تكريت، وكان معتقلاً فيها من مدة ثَلَاثَ سِنِينَ، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، وامتدحه الشعراء، وكان من جملتهم الأبله الشاعر، أنشأ الْوَزِيرَ قَصِيدَةً يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا: بِأَيِّ لِسَانٍ لِلْوُشَاةِ أُلَامُ * وَقَدْ عَلِمُوا أَنِّي سَهِرْتُ وَنَامُوا؟ إلى أن قال: ويستكثرون الوصل لي لَيْلَةً * وَقَدْ مَرَّ عَامٌ بِالصُّدُودِ وَعَامُ فَطَرِبَ الوزير عِنْدَ ذَلِكَ.
وَخَلَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ وَأَطْلَقَ لَهُ خمسين ديناراً، وحج بالناس قيماز.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَبُو الْحَسَنِ الْغَزْنَوِيُّ الْوَاعِظُ، كَانَ لَهُ قَبُولٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ، وَبَنَتْ لَهُ الْخَاتُونُ زَوْجَةُ الْمُسْتَظْهِرِ رِبَاطًا بِبَابِ الْأَزَجِّ، وَوَقَفَتْ عَلَيْهِ أوقافاً كثيرة، وحصل لَهُ جَاهٌ عَرِيضٌ وَزَارَهُ السُّلْطَانُ.
وَكَانَ حَسَنَ
الْإِيرَادِ مَلِيحَ الْوَعْظِ، يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وجم غفير من أصناف الناس.
وقد ذكر ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَشْيَاءَ مِنْ وَعْظِهِ، قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَوْمًا يَقُولُ: حُزْمَةُ حُزْنٍ خَيْرٌ مِنْ أَعْدَالِ أَعْمَالِ.
ثُمَّ أَنْشَدَ: كَمْ حَسْرَةٍ لِي فِي الْحَشَا * مِنْ وَلَدٍ إِذَا نَشَا أَمَّلْتُ فِيهِ رشده * فما يشاء كما نشا قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَوْمًا يُنْشِدُ: يَحْسُدُنِي قَوْمِي عَلَى صَنْعَتِي * لِأَنَّنِي فِي صَنْعَتِي فَارِسُ سَهِرْتُ فِي لَيْلِي وَاسْتَنْعَسُوا * وَهَلْ يَسْتَوِي السَّاهِرُ وَالنَّاعِسُ؟
(12/292)

قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: تُوَلُّونَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَيَسُبُّونَ نبيكم في يوم عيدكم، ثم يصبحون يَجْلِسُونَ إِلَى جَانِبِكُمْ؟ ثُمَّ يَقُولُ: أَلَا هَلْ بلغتُ؟ قَالَ: وَكَانَ يَتَشَيَّعُ، ثُمَّ سُعِيَ فِي مَنْعِهِ مِنَ الْوَعْظِ ثُمَّ أُذِنَ لَهُ، وَلَكِنْ ظهر للناس أمر العبادي، وكان كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَمِيلُونَ إِلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ السلطان يُعَظِّمُهُ وَيَحْضُرُ مَجْلِسَهُ، فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ ولي الْغَزْنَوِيُّ بَعْدَهُ، وَأُهِينَ إِهَانَةً بَالِغَةً، فَمَرِضَ وَمَاتَ في هَذِهِ السَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَعْرَقُ فِي نَزْعِهِ ثُمَّ يَفِيقُ وَهُوَ يَقُولُ: رِضًى وَتَسْلِيمٌ، وَلَمَّا مَاتَ دُفِنَ فِي رِبَاطِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ.
مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بن قادوس أبو الفتح الدمياطي، كاتب الإنشا بالديار المصرية، وهو شيخ القاضي الفاضل، كان يُسَمِّيهِ ذَا الْبَلَاغَتَيْنِ، وَذَكَرَهُ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ فِي الجريدة.
ومن شعره فيمن يكرر التكبير ويوسوس في نية الصلاة في أولها: وفاتر النية عنينها * مع كثرة الرعدة والهمزة يكبر التسعين في مرة * كأنه يصلي على حمزة الشيخ أبو البيان بنا بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَوْرَانِيِّ، الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ العابد الفاضل الخاشع، قَرَأَ الْقُرْآنَ وَكِتَابَ
التَّنْبِيهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ بِاللُّغَةِ، كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ وَلَهُ كَلَامٌ يُؤْثَرُ عَنْهُ، وَرَأَيْتُ لَهُ كِتَابًا بِخَطِّهِ فيه النظائم التي يَقُولُهَا أَصْحَابُهُ وَأَتْبَاعُهُ بِلَهْجَةٍ غَرِيبَةٍ، وَقَدْ كَانَ مِنْ نَشْأَتِهِ إِلَى أَنْ تُوَفِّيَ عَلَى طَرِيقَةٍ صالحة، وقد زاره الملك نور الدين محمود فِي رِبَاطِهِ دَاخِلَ دَرْبِ الْحَجَرِ، وَوَقَفَ عَلَيْهِ شيئاً، وكانت وفاته يوم الثلاثاء ثالث رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ الباب الصغير، وكان يوم جنازته يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ رحمه الله.
عبد الغافر بن إسماعيل ابن عبد القادر بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، الْفَارِسِيُّ الْحَافِظُ، تَفَقَّهَ بِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ عَلَى جَدِّهِ لِأُمِّهِ أَبِي الْقَاسِمِ القشيري، ورحل إلى البلاد وأسمع، وَصَنَّفَ الْمُفْهِمَ فِي غَرِيبِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَوَلِيَ خطابة نيسابور، وكان فاضلاً ديناً حافظاً.
(12/293)

ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وخمسمائة اسْتُهِلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَمُحَمَّدُ شَاهْ بْنُ مَحْمُودٍ مُحَاصِرٌ بَغْدَادَ وَالْعَامَّةُ وَالْجُنْدُ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي يُقَاتِلُونَ أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَالْجُمُعَةُ لَا تُقَامُ لعذر القتال، والفتنة منتشرة، ثُمَّ يَسَّرَ اللَّهُ بِذَهَابِ السُّلْطَانِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَقَدْ بَسَطَ ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَطَوَّلَ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِالشَّامِ، هَلَكَ بِسَبَبِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَتَهَدَّمَ أَكْثَرُ حَلَبَ وَحَمَاةُ وَشَيْزَرُ وَحِمْصُ وَكَفْرُ طَابَ وَحِصْنُ الأكراد واللاذقية والمعرة وفامية وَأَنْطَاكِيَةُ وَطَرَابُلُسُ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَأَمَّا شَيْزَرُ فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا إِلَّا امْرَأَةٌ وَخَادِمٌ لَهَا، وَهَلَكَ الْبَاقُونَ، وَأَمَّا كَفْرُ طَابَ فَلَمْ يَسْلَمْ من أهلها أحد، وأما فامية فساحت قلعتها، وتل حران انْقَسَمَ نِصْفَيْنِ فَأَبْدَى نَوَاوِيسَ وَبُيُوتًا كَثِيرَةً فِي وسطه.
قال: وهلك من مدائن الفرنج شئ كثير، وتهدم أسوار أكثر مدن الشام، حتى أن مكتباً من مدينة حماه انهدم على من فيه من الصغار فهلكوا عن آخرهم، فلم يأت أَحَدٌ يَسْأَلُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْفَصْلَ الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ فِي كِتَابِ الروضتين مستقصى، وذكر ما قاله الشعراء من القصائد فِي ذَلِكَ.
وَفِيهَا مَلَكَ السُّلْطَانُ مَحْمُودُ بْنُ محمد بعد خاله سنجر جميع بلاده.
وفيها فتح السُّلْطَانُ مَحْمُودُ (1) بْنُ
زَنْكِيٍّ حِصْنَ شَيْزَرَ (2) بَعْدَ حِصَارٍ، وَأَخَذَ مَدِينَةَ بَعْلَبَكَّ، وَكَانَ بِهَا الضَّحَّاكُ الْبِقَاعِيُّ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سنة خمسين كما تقدم فالله أعلم، وقد تقدم ذلك.
وَفِيهَا مَرِضَ نُورُ الدِّينِ فَمَرِضَ الشَّامُ بِمَرَضِهِ ثم عوفي ففرح المسلمون فَرَحًا شَدِيدًا، وَاسْتَوْلَى أَخُوهُ قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودٌ صاحب الموصل عَلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ.
وَفِيهَا عَمِلَ الْخَلِيفَةُ بَابًا لِلْكَعْبَةِ مُصَفَّحًا بِالذَّهَبِ، وَأَخَذَ بَابَهَا الْأَوَّلَ فَجَعْلَهُ لِنَفْسِهِ تَابُوتًا.
وَفِيهَا أَغَارَتِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ عَلَى حجاج خراسان فلم يبقوا منهم أحداً، لا زاهداً ولا عالماً.
وَفِيهَا كَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِخُرَاسَانَ حَتَّى أَكَلُوا الحشرات، وذبح إنسان منهم رَجُلًا عَلَوِيًّا فَطَبَخَهُ وَبَاعَهُ فِي السُّوقِ، فَحِينَ ظَهَرَ عَلَيْهِ قُتِلَ.
وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ: أَنَّ فَتْحَ بَانِيَاسَ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى يد نُورِ الدِّينِ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ كَانَ مُعِينُ الدِّينِ سلمها إلى الفرنج حين حاصروا دمشق، فعوضهم بها وقيل ملكها وغنم شيئاً كثيراً.
وَفِيهَا قَدِمَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الْأَوَّلِ بن عيسى بن شعيب السجزي، فسمعوا عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي دَارِ الْوَزِيرِ بِبَغْدَادَ، وَحَجَّ بالناس قيماز.
وممن توفي فيها من الأعيان..
__________
(1) في العبر والكامل: نور الدين محمود.
(2) شيزر: حصن منيع قريب من حماه على نصف مرحلة منها - بينهما نصف نهار - على جبل منيع عال لا يسلك إليه إلا من طريق واحدة.
وكان لآل منقذ الكنانيين يتوارثونه..إلى أن انتهى إلى المرهف نصر بن علي وخلفه عليه أخوه أبو سلامة مرشد بن علي ثم ولاه أخاه سلطان إلى أن اختلف أولاد مرشد وسلطان الذين استنجدوا بالفرنج فحنق عليهم نور الدين.
ثم كان هلاكهم أجمعين في الزلزلة ولم ينج منهم أحد.
ثم ملكها نور الدين.
وعمر أسوارها ودورها.
(*)
(12/294)

أحمد بن محمد ابن عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَبُو اللَّيْثِ النَّسَفِيُّ مِنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ وَوَعَظَ، وَكَانَ حَسَنَ السَّمْتِ، قَدِمَ بغداد فوعظ الناس، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ فَقَتَلَهُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ رحمه الله تعالى.
أحمد بن بختيار
ابن علي بن محمد، أبو العباس المارداني الْوَاسِطِيُّ قَاضِيهَا، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ تامة في الأدب واللغة، وصنف كتاباً فِي التَّارِيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالنِّظَامِيَّةِ.
السُّلْطَانُ سَنْجَرُ ابن الملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بْنِ سَلْجُوقَ، أَبُو الْحَارِثِ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَلُقِّبَ بِسَنْجَرَ، مَوْلِدُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَقَامَ فِي الْمُلْكِ نَيِّفًا وَسِتِّينَ سَنَةً، مِنْ ذَلِكَ اسْتِقْلَالًا إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقَدْ أَسَرَهُ الْغُزُّ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، ثُمَّ هرب منهم وعاد إلى ملكه بمرو، ثم تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَدُفِنَ فِي قُبَّةٍ بَنَاهَا سَمَّاهَا دَارَ الْآخِرَةِ رحمه الله.
محمد بن عبد اللطيف ابن مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَبُو بَكْرٍ الْخُجَنْدِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَلِيَ تَدْرِيسَ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ يُنَاظِرُ حَسَنًا وَيَعِظُ النَّاسَ وَحَوْلَهُ السُّيُوفُ مُسَلَّلَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَمْ يَكُنْ مَاهِرًا فِي الْوَعْظِ وكانت حَالُهُ أَشْبَهُ بِالْوُزَرَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ السَّلَاطِينَ حَتَّى كَانُوا يُصْدِرُونَ عَنْ رَأْيِهِ، تُوُفِّيَ بأصبهان فجأة فيها.
محمد بن المبارك ابن مُحَمَّدِ بْنِ الْخَلِّ أَبُو الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْبَقَاءِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّاشِيِّ، وَدَرَّسَ وَأَفْتَى، وَتُوُفِّيَ فِي مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ (1) ، وَتُوُفِّيَ أَخُوهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْخَلِّ الشَّاعِرُ في ذي القعدة منها.
__________
(1) كذا بالاصل والوافي والمنتظم وشذرات الذهب ; وذكر ابن الأثير وفاته سنة 551 هـ.
(*)
(12/295)

يحيى بن عيسى ابن إِدْرِيسَ أَبُو الْبَرَكَاتِ الْأَنْبَارِيُّ الْوَاعِظُ، قَرَأَ الْقُرْآنَ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ وَوَعَظَ النَّاسَ عَلَى طَرِيقَةِ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ يَبْكِي مِنْ أَوَّلِ صُعُودِهِ إِلَى حين نزوله، وكان زاهداً عابداً وَرِعًا آمِرًا
بِالْمَعْرُوفِ نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَرُزِقَ أَوْلَادًا صَالِحِينَ سَمَّاهُمْ بِأَسْمَاءِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيُّ وَحَفَّظَهُمُ الْقُرْآنَ كُلَّهُمْ بنفسه، وَخَتَّمَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ يَصُومَانِ الدَّهْرَ، وَيَقُومَانِ اللَّيْلَ، وَلَا يُفْطِرَانِ إِلَّا بَعْدَ الْعَشَاءِ، وَكَانَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ وَمَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ، وَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ زَوْجَتُهُ: اللَّهُمَّ لَا تُحْيِنِي بَعْدَهُ، فَمَاتَتْ بَعْدَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَتْ مِنَ الصَّالِحَاتِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثلاث وخمسين وخمسمائة فيها كثر فساد التركمان من أصحاب ابن برجم الإيواني، فجهز إليهم الخليفة مَنْكُورُسُ (1) الْمُسْتَرْشِدِيُّ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَالْتَقَوْا مَعَهُمْ فهزمهم أقبح هزيمة، وجاؤوا بالأسارى والرؤوس إِلَى بَغْدَادَ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ السلطان محمود وبين الغز، فكسروه ونهبوا البلاد، وأقاموا بمرو ثم طَلَبُوهُ إِلَيْهِمْ فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فَأَرْسَلَ وَلَدَهُ بين يديه فأكرموه، ثم قدم السلطان عَلَيْهِمْ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَعَظَّمُوهُ.
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ بِمَرْوَ بَيْنَ فَقِيهِ الشَّافِعِيَّةِ الْمُؤَيَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَبَيْنَ نَقِيبِ الْعَلَوِيِّينَ بِهَا أَبِي الْقَاسِمِ زيد بن الحسن، فقتل منهم خلق كثير، وأحرقت المدارس والمساجد وَالْأَسْوَاقُ، وَانْهَزَمَ الْمُؤَيَّدُ الشَّافِعِيُّ إِلَى بَعْضِ الْقِلَاعِ.
وَفِيهَا وُلِدَ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أحمد بن المستضئ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَفِيهَا خَرَجَ الْمُقْتَفِي نَحْوَ الْأَنْبَارِ مُتَصَيِّدًا وَعَبَرَ الْفُرَاتَ وَزَارَ الْحُسَيْنَ وَمَضَى إِلَى وَاسِطٍ وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ الوزير.
وحج بالناس فيها قيماز الأرجواني.
وَفِيهَا كَسَرَ جَيْشُ مِصْرَ الْفِرِنْجَ بِأَرْضِ عَسْقَلَانَ كسروهم كسرة فجيعة صحبة الملك صالح أبو الْغَارَاتِ، فَارِسِ الدِّينِ طَلَائِعِ بْنِ رُزِّيكَ، وَامْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ.
وَفِيهَا قَدِمَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ مِنْ حَلَبَ إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ شُفِيَ مِنَ الْمَرَضِ فَفَرِحَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَخَرَجَ إِلَى قِتَالِ الْفِرِنْجِ، فانهزم جيشه وبقي هو في شرذمة قليلة من أصحابه في نحر العدو، فرموهم بالسهام الكثيرة، ثم خاف الفرنج أَنْ يَكُونَ وُقُوفُهُ فِي هَذِهِ الشِّرْذِمَةِ الْقَلِيلَةِ خديعة لمجئ كمين إليهم، ففروا منهزمين ولله الحمد.
__________
(1) كذا بالاصل، وفي الكامل 11 / 229: خطلبرس وفي رواية عند ابن الاثير 11 / 239: منكبرس المسترشدي.
وفي العبر لابن خلدون 3 / 520: خلطوا براس.
(*)
(12/296)

عبد الأول بن عيسى ابن شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ، أَبُو الْوَقْتِ السجزي الصوفي الهروي، راوي البخاري ومسند الدارمي، والمنتخب مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَدِمَ بَغْدَادَ فَسَمِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ هَذِهِ الْكُتُبَ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمَشَايِخِ وَأَحْسَنِهِمْ سَمْتًا وَأَصْبَرِهِمْ عَلَى قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ التَّكْرِيتِيُّ الصُّوفِيُّ قَالَ أسندته إليّ فمات، كان آخِرَ مَا تكلَّم بِهِ أَنْ قَالَ (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) [يس: 27] .
نَصْرُ بْنُ مَنْصُورِ ابن الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْعَطَّارُ، أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرَّانِيُّ كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، يَعْمَلُ مِنْ صَدَقَاتِهِ الْمَعْرُوفَ الْكَثِيرَ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ الْحَسَنَةِ، وَيُكْثِرُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ، وَيُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ في الجماعة، ورئيت له منامات صالحة، وقارب الثمانين رحمه الله.
يحيى بن سلامة ابن الحسين (1) أَبُو الْفَضْلِ الشَّافِعِيُّ، الْحَصْكَفِيُّ نِسْبَةً إِلَى حِصْنِ كَيْفَا، كَانَ إِمَامًا فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الفقه والآداب، نَاظِمًا نَاثِرًا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى الْغُلُوِّ فِي التَّشَيُّعِ، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قِطْعَةً مِنْ نَظْمِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي جُمْلَةِ قَصِيدَةٍ لَهُ: تَقَاسَمُوا يَوْمَ الْوَدَاعِ كَبِدِي * فَلَيْسَ لِي مُنْذُ تَوَلَّوْا كَبِدُ عَلَى الجفون رحلوا في الحشاء * نزلوا وماء عيني وردوا وأدمعي مسفوحة وكبدي * مقروحة وعلتي ما وقد بدوا وَصَبْوَتِي دَائِمُةٌ وَمُقْلَتِي * دَامِيَةٌ وَنَوْمُهَا مُشَرَّدُ تَيَّمَنِي مِنْهُمْ غَزَالٌ أَغْيَدُ * يَا حَبَّذَا ذَاكَ الْغَزَالُ الْأَغْيَدُ حُسَامُهُ مُجَرَّدٌ وَصَرْحُهُ * مُمَرَّدٌ وَخَدُّهُ مُوَرَّدُ وَصُدْغُهُ فَوْقَ احْمِرَارِ خَدِّهِ * مُبَلْبَلٌ مُعَقْرَبٌ مُجَعَّدُ
كَأَنَّمَا نَكْهَتُهُ وَرِيقُهُ * مِسْكٌ وَخَمْرٌ وَالثَّنَايَا بَرَد يُقْعِدُهُ عِنْدَ الْقِيَامِ رِدْفُهُ * وَفِي الْحَشَا مِنْهُ الْمُقِيمُ الْمُقْعِدُ لَهُ قِوَامٌ كَقَضِيبِ بَانَةٍ * يَهْتَزُّ قصداً ليس فيه أود (2)
__________
(1) في الكامل 11 / 239: الحسن.
(2) أود: اعوجاج.
(*)
(12/297)

وَهِيَ طَوِيلَةٌ جِدًّا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ هَذَا التَّغَزُّلِ إِلَى مَدْحِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَالْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عشر رحمهم الله وَسَائِلِي عَنْ حُبِّ أَهْلِ الْبَيْتِ * هَلْ أُقِرُّ إِعْلَانًا بِهِ أَمْ أَجْحَدُ؟ هَيْهَاتَ مَمْزُوجٌ بِلَحْمِي وَدَمِي * حُبُّهُمْ وَهْوَ الْهُدَى وَالرَّشَدُ حَيْدَرَةُ وَالْحَسَنَانِ بَعْدَهُ * ثُمَّ عَلِيٌّ وَابْنُهُ مُحَمَّدُ وَجَعْفَرُ الصَّادِقُ وَابْنُ جَعْفَرٍ * مُوسَى وَيَتْلُوهُ عَلِيُّ السَّيِّدُ أَعْنِي الرضى ثُمَّ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ * ثُمَّ عَلِيٌّ وَابْنُهُ الْمُسَدَّدُ والحسن الثاني وَيَتْلُو تِلْوَهُ * مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُفْتَقَدُ فَإِنَّهُمْ أَئِمَّتِي وَسَادَتِي * وَإِنْ لَحَانِي مَعْشَرٌ وَفَنَّدُوا (1) أَئِمَّةٌ أَكْرِمْ بِهِمْ أَئِمَّةً * أَسْمَاؤُهُمْ مَسْرُودَةٌ تَطَّرِدُ هُمْ حُجَجُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ * وَهُمْ إِلَيْهِ مَنْهَجٌ ومقصد قوم لهم فضل وجد بَاذِخٌ * يَعْرِفُهُ الْمُشْرِكُ وَالْمُوَحِّدُ قَوْمٌ لَهُمْ فِي كُلِّ أَرْضٍ مَشْهَدُ * لَا بَلْ لَهُمْ فِي كُلِّ قَلْبٍ مَشْهَدُ قَوْمٌ مِنًى وَالْمَشْعَرَانِ لَهُمْ * وَالْمَرْوَتَانِ لَهُمْ وَالْمَسْجِدُ قَوْمٌ لَهُمْ مَكَّةُ وَالْأَبْطَحُ والخ * يف وجمع والبقيع الغرقد ثم ذكر بلطف مقتل الحسين بألطف عبارة إِلَى أَنْ قَالَ: يَا أَهْلَ بَيْتِ الْمُصْطَفَى يَا * عِدَّتِي وَمَنْ عَلَى حُبِّهِمْ أَعْتَمِدُ
أَنْتُمْ إِلَى اللَّهِ غَدًا وَسِيْلَتِي * وَكَيْفَ أَخْشَى وَبِكُمْ أَعْتَضِدُ وَلِيُّكُمْ فِي الْخُلْدِ حَيٌّ خَالِدُ * وَالضِّدُّ فِي نَارٍ لَظًى مُخَلَّدُ وَلَسْتُ أَهْوَاكُمْ بِبُغْضِ غَيْرِكُمْ * إِنِّي إِذًا أَشْقَى بِكُمْ لَا أَسْعَدُ فَلَا يَظُنُّ رَافِضِيُّ أَنَّنِي * وَافَقْتُهُ أَوْ خَارِجِيٌّ مُفْسِدُ مُحَمَّدٌ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ * أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ فِيمَا أَجِدُ هُمْ أَسَّسُوا قَوَاعِدَ الدِّينِ لَنَا * وَهُمْ بَنَوا أَرْكَانَهُ وَشَيَّدوُا وَمَنْ يَخُنْ أَحْمَدَ فِي أَصْحَابِهِ * فَخَصْمُهُ يَوْمَ الْمَعَادِ أَحْمَدُ هَذَا اعْتِقَادِي فَالْزَمُوهُ تَفْلَحُوا * هَذَا طَرِيقِي فَاسْلُكُوهُ تَهْتَدُوا وَالشَّافِعِيُّ مَذْهَبِي مَذْهَبُهُ * لِأَنَّهُ فِي قَوْلِهِ مُؤَيَّدُ اتبعته في الأصل والفرع معاً * فليتبعني الطالب المرشد إِنِّي بِإِذْنِ اللَّهِ نَاجٍ سَابِقُ * إِذَا وَنَى الظالم ثم المفسد
__________
(1) لحاني: لحا: لام، وفندوا: قالوا بالاباطيل وتهجموا علي وافتروا.
(*)
(12/298)

ومن شعره أيضاً: إذا قل مالي لم تجدني جازعاً * كثير الأسى معرى بِعَضِّ الْأَنَامِلِ وَلَا بَطِرًا إِنْ جَدَّدَ اللَّهُ نعمة * ولو أن ما أوتي جميع الناس لي ثم دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة فِيهَا مَرِضَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي مَرَضًا شَدِيدًا، ثُمَّ عوفي فزينت بغداد أياماً، وتصدق بصدقات كَثِيرَةٍ.
وَفِيهَا اسْتَعَادَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مَدِينَةَ الْمَهْدِيَّةِ مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ، وَقَدْ كَانُوا أَخَذُوهَا مِنَ المسلمين في سنة ثلاث وأربعين.
وفيها قاتل عبد المؤمن خلقاً كثيراً من الغرب حَتَّى صَارَتْ عِظَامُ الْقَتْلَى هُنَاكَ كَالتَّلِّ الْعَظِيمِ، وفي صفر منها سَقَطَ بَرَدٌ بِالْعِرَاقِ كِبَارٌ، زِنَةُ الْبَرَدَةِ قَرِيبٌ مِنْ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ تِسْعَةُ أرطال بالبغدادي، فهلك بذلك شئ كَثِيرٌ مِنَ الْغَلَّاتِ، وَخَرَجَ الْخَلِيفَةُ إِلَى وَاسِطٍ فَاجْتَازَ
بِسُوقِهَا وَرَأَى جَامِعَهَا، وَسَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ فَشُجَّ جَبِينُهُ، ثُمَّ عُوفِيَ.
وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ زادت دجلة زيادة عظيمة، فغرق بِسَبَبِ ذَلِكَ مَحَالُّ كَثِيرَةٌ مِنْ بَغْدَادَ، حَتَّى صَارَ أَكْثَرُ الدُّورِ بِهَا تُلُولًا، وَغَرِقَتْ تُرْبَةُ أحمد، وخسفت هُنَالِكَ الْقُبُورُ، وَطَفَتِ الْمَوْتَى عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ.
قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَ الْمَرَضُ وَالْمَوْتُ، وَفِيهَا أَقْبَلَ مَلِكُ الرُّومِ فِي جحافل كثيرة قاصداً بلاد الشام فرده الله خائباً خاسئاً، وَذَلِكَ لِضِيقِ حَالِهِمْ مِنَ الْمِيرَةِ، وَأَسَرَ الْمُسْلِمُونَ ابن أخته ولله الحمد.
وحج بالناس فيها قيماز الأرجواني.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..أَحْمَدُ بْنُ معالي ابن بركة الحربي، تفقه بأبي الخطاب الكلوذاني الحنبلي، وبرع وناظر ودرس وأفتى، ثم صار بعد ذلك شَافِعِيًّا، ثُمَّ عَادَ حَنْبَلِيًّا، وَوَعَظَ بِبَغْدَادَ وَتُوُفِّيَ في هذه السنة، وذلك أنه دخلت به راحلته فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ فَدَخَلَ قَرَبُوسُ سَرْجِهِ فِي صدره فمات.
السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه لَمَّا رَجَعَ مِنْ مُحَاصَرَةِ بَغْدَادَ إِلَى هَمَذَانَ أصابه مرض السل فلم ينجح منه، بل توفي في ذي الحجة منها، وَقَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ أَمَرَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَا يَمْلِكُهُ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَنْظَرَةِ، فَرَكِبَ الْجَيْشُ بِكَمَالِهِ وَأُحْضِرَتْ أَمْوَالُهُ كُلُّهَا، وَمَمَالِيكُهُ حَتَّى جَوَارِيِهِ وَحَظَايَاهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ: هَذِهِ الْعَسَاكِرُ لَا يَدْفَعُونَ عَنِّي مِثْقَالَ ذرة مِنْ أَمْرِ رَبِّي، لا يزيدون في عمري لحظة، ثم ندم وتأسف على ما
(12/299)

كَانَ مِنْهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي، وَأَهْلِ بَغْدَادَ وحصارهم وأذيتهم، ثم قال: وهذه الخزائن والأموال والجواهر لو قبلهم ملك الموت مني فداء لجدت بذلك جميعه له، وهذه الحظايا والجواري الحسان والمماليك لو قبلهم فداء مني لكنت بذلك سمحاً له.
ثم قال: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) [الحاقة: 28] ثم فرق شيئاً كثيراً من ذلك مِنْ تِلْكَ الْحَوَاصِلِ وَالْأَمْوَالِ، وَتُوُفِّيَ عَنْ وَلَدٍ صَغِيرٍ، وَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ وَالْأُمَرَاءُ عَلَى عَمِّهِ سُلَيْمَانَ شَاهْ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ، وَكَانَ مَسْجُونًا
بالموصل فأفرج عنه وانعقدت له السلطنة، وخطب له على منابر تلك البلاد سوى بغداد والعراق.
والله سبحانه أعلم
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة
فيها كانت وفاة الخليفة المقتفي بأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله
مرض بالتراقي (1) وقيل بدمل خرج بحلقه، فمات ليلة الأحد ثاني ربيع الأول منها عَنْ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً، إِلَّا ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَدُفِنَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الترب، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وستة وعشرين (2) يوماً، وكان شَهْمًا شُجَاعًا مِقْدَامًا، يُبَاشِرُ الْأُمُورَ بِنَفْسِهِ، وَيُشَاهِدُ الحروب ويبذل الأموال الكثيرة لأصحاب الأخبار، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَبَدَّ بِالْعِرَاقِ مُنْفَرِدًا عَنِ السلطان، مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ الدَّيْلَمِ إِلَى أَيَّامِهِ، وَتَمَكَّنَ فِي الْخِلَافَةِ وَحَكَمَ عَلَى الْعَسْكَرِ وَالْأُمَرَاءِ، وَقَدْ وَافَقَ أَبَاهُ فِي أَشْيَاءَ: مِنْ ذَلِكَ مَرَضُهُ بِالتَّرَاقِي، وَمَوْتُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَتَقَدَّمَ مَوْتُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ شَاهْ قَبْلَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَكَذَلِكَ أبوه المستظهر مات قبله السلطان محمود بثلاثة أشهر وبعد غرق بغداد بسنة مات أبوه، وَكَذَلِكَ هَذَا.
قَالَ عَفِيفٌ النَّاسِخُ: رَأَيْتُ فِي المنام قائلاً يقول.
إذا اجتمعت ثلاث خاآت مَاتَ الْمُقْتَفِي - يَعْنِي خَمْسًا وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
خِلَافَةُ المستنجد بالله أبو الْمُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ الْمُقْتَفِي لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ كما ذكرنا بويع بالخلافة فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَحَدِ ثَانِيَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ من هذه السنة، بايعه
__________
(1) التراقي: مرض يصيب الترقوة ; وهي العظمة التي بين ثغرة النحر والعاتق في أعلى الصدر.
(2) في الكامل 11 / 256: وستة وعشرين يوماً.
وفي الوافي 2 / 95: وواحد وعشرين وفي مفرج الكروب 1 / 133 واثنين وعشرين يوما.
وفي دول الاسلام 2 / 71: كانت دولته خمساً وعشرين سنة.
وفي العبر لابن خلدون 3 / 522: لاربع وعشرين سنة وأربعة أشهر.
(*)
(12/300)

أَشْرَافُ بَنِي الْعَبَّاسِ، ثُمَّ الْوَزِيرُ وَالْقُضَاةُ وَالْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَكَانَ
رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدِ أَبِيهِ مِنْ مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ، ثُمَّ عَمِلَ عَزَاءَ أَبِيهِ، وَلَمَّا ذكر اسمه يوم الجمعة في الخطبة نُثِرَتِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عَلَى النَّاسِ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ بَعْدَ أَبِيهِ، وَأَقَرَّ الْوَزِيرَ ابْنَ هُبَيْرَةَ عَلَى مَنْصِبِهِ وَوَعَدَهُ بِذَلِكَ إِلَى الْمَمَاتِ، وَعَزَلَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ ابْنَ الدَّامَغَانِيِّ وَوَلَّى مَكَانَهُ أَبَا جعفر بن عبد الواحد، وكان شيخاً كبيراً، له سماعا بالحديث، وباشر الحكم بالكوفة، ثم توفي في ذي الحجة منها.
وَفِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ اتَّفَقَ الْأَتْرَاكُ بباب همذان على سليمان شاه، وخطبوا لأرسلان شاه بن طغرل، وفيها توفي.
الفائز خليفة مصر الفاطمي وَهُوَ أَبُو الْقَاسِمِ عِيسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الظَّافِرُ، توفي في صفر منها وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ مِنْ ذَلِكَ سِتُّ سِنِينَ وَشَهْرَانِ، وَكَانَ مُدَبِّرَ دَوْلَتِهِ أَبُو الْغَارَاتِ.
ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ الْعَاضِدُ آخِرُ خُلَفَائِهِمْ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْحَافِظِ، وَلَمْ يَكُنْ أَبُوهُ خَلِيفَةً، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ، فَقَامَ بِتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ الْمَلِكُ الصَّالِحُ طَلَائِعُ بْنُ رُزِّيكَ الْوَزِيرُ، أَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ وَزَوَّجَهُ بِابْنَتِهِ، وَجَهَّزَهَا بجهاز عظيم يعجز عنه الوصف، وَقَدْ عُمِّرَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا الْعَاضِدِ وَرَأَتْ زَوَالَ دَوْلَةِ الْفَاطِمِيِّينَ عَلَى يَدِ الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ بن يوسف، في سنة أربع وستين كما سيأتي.
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ السُّلْطَانِ الْكَبِيرِ صَاحِبِ غَزْنَةَ.
خسروشاه بن ملكشاه ابن بَهْرَامْ شَاهْ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتُكِينَ، مِنْ بَيْتِ مُلْكٍ وَرِيَاسَةٍ بَاذِخَةٍ، يَرِثُونَهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُلُوكِ وَأَحْسَنِهِمْ سِيرَةً، يُحِبُّ الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ، توفي في رجب منها، وقام بَعْدِهِ وَلَدُهُ مَلِكْشَاهْ، فَسَارَ إِلَيْهِ عَلَاءُ الدِّينِ الحسين بن الغوري فحاصر غزنة فلم يقدر عليها، ورجع خَائِبًا.
وَفِيهَا مَاتَ: مَلِكْشَاهْ بْنُ السُّلْطَانِ مَحْمُودِ بن محمد بن ملكشاه السلجوقي بأصبهان مسموماً، فيقال إِنَّ الْوَزِيرَ عَوْنَ الدِّينِ بْنَ هُبَيْرَةَ دَسَّ إِلَيْهِ مَنْ سَقَاهُ إِيَّاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا مات أمير الحاج قيماز بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُرْجُوَانِيُّ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ وَهُوَ يَلْعَبُ بِالْكُرَةِ بِمَيْدَانِ الْخَلِيفَةِ، فَسَالَ دِمَاغُهُ من أذنه فمات من ساعته، وَقَدْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ، فَتَأَسَّفَ النَّاسُ عليه،
(12/301)

وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خلقٌ كثيرٌ، مَاتَ فِي شَعْبَانَ منها، فحج بالناس فيها الأمير برغش مقطع الكوفة.
وحج الأمير الكبير شيركوه بن شادي، مقدم عساكر الملك نور الدين، وَتَصَدَّقَ بِأَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ.
وَفِيهَا اسْتَعْفَى الْقَاضِي زَكِيُّ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يحيى أبو الحسن القرشي من القضاء بدمشق، فأعفاه نُورُ الدِّينِ، وَوَلَّى مَكَانَهُ الْقَاضِي كَمَالَ الدَّيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الشَّهْرُزُورِيَّ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْقُضَاةِ وَأَكْثَرِهِمْ صَدَقَةً، وَلَهُ صَدَقَاتٌ جَارِيَةٌ بعده، وكان عالماً، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الشُّبَّاكُ الْكَمَالِيُّ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ الحكام بعد صلاة الجمعة من المشهد الغربي بالجامع الأموي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..الأمير مجاهد الدين نزار بْنُ مَامِينَ الْكُرْدِيُّ، أَحَدُ مُقَدَّمِي جَيْشِ الشَّامِ، قبل نُورِ الدِّينِ وَبَعْدَهُ، وَقَدْ نَابَ فِي مَدِينَةِ صرخد، وكان شهماً شجاعاً كثير البر والصدقات، وهو واقف المدرسة المجاهدية بالقرب من الغورية جوار الخيميين، وله أيضاً المدرسة المجاهدية دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ الْبَرَّانِيِّ، وَبِهَا قَبْرُهُ.
وَلَهُ السَّبْعُ الْمُجَاهِدِيُّ دَاخِلَ بَابِ الزِّيَادَةِ مِنَ الْجَامِعِ بمقصورة الخضر، توفي بداره في صفر منها، فَحُمِلَ إِلَى الْجَامِعِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أُعِيدَ إِلَى مَدْرَسَتِهِ وَدُفِنَ بِهَا دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ، وتأسف الناس عليه.
الشيخ عدي بن مسافر ابن إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مَرْوَانَ الْهَكَّارِيُّ، شَيْخُ الطَّائِفَةِ الْعَدَوِيَّةِ، أَصْلُهُ مِنَ الْبِقَاعِ غَرْبِيَّ دِمَشْقَ، مِنْ قَرْيَةِ بَيْتِ نار (1) ، ثم دخل إِلَى بَغْدَادَ فَاجْتَمَعَ فِيهَا بِالشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ وَالشَّيْخِ حَمَّادٍ الدَّبَّاسِ، وَالشَّيْخِ عَقِيلٍ الْمَنْبِجِيِّ، وَأَبِي الوفا الْحُلْوَانِيِّ، وَأَبِي النَّجِيبِ السُّهْرَوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ انْفَرَدَ عن الناس وتخلى بجبل هكار وبنى له هناك زاوية واعتقده أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ اعْتِقَادًا بَلِيغًا، حَتَّى إِنَّ منهم من يغلو غلواً كثيراً منكراً ومنهم من يجعله إلهاً أو شريكاً، وهذا
اعتقاد فاحش يؤدي إلى الخروج من الدين جلمة.
مات فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِزَاوِيَتِهِ وَلَهُ سَبْعُونَ (2) سَنَةً رحمه الله.
__________
(1) في معجم البلدان بيت النار قرية كبيرة من قرى إربل من جهة الموصل، بينها وبين إربل ثمانية أميال.
وفي وفيات الاعيان 3 / 254: بيت فار من أعمال بعلبك.
وقال في شذرات 4 / 180: قال السخاوي أصله من قرية بشوف الاكراد تسمى بيت فار.
وفي الكامل 11 / 289: وهو من الشام، من بلد بعلبك.
(2) ذكر ابن خلكان وشذرات الذهب وفاته سنة سبع وخمسين وخمسمائة وانظر الكامل 11 / 289 وقال ابن خلكان: وله تسعون سنة.
(*)
(12/302)

عبد الواحد بن أحمد ابن مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ، أَبُو جَعْفَرٍ الثَّقَفِيُّ، قَاضِي قُضَاةِ بَغْدَادَ، وَلِيَهَا بَعْدَ أَبِي الْحَسَنِ الدَّامَغَانِيِّ في أول هذه السنة، وكان قاضياً بالكوفة قبل ذلك، توفي في ذي الحجة منها وَقَدْ نَاهَزَ الثَّمَانِينَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ.
والفائز صاحب مصر، وقيماز تقدما في الحوادث.
محمد بن يحيى ابن عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْدِيُّ، ولد بمدينة زبيد باليمن سنة ثمانين (1) تقريباً، وَقِدَمَ بَغْدَادَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَوَعَظَ وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ وَالْأَدَبِ، وَكَانَ صَبُورًا عَلَى الْفَقْرِ لَا يَشْكُو حَالَهُ إِلَى أَحَدٍ، وَكَانَتْ له أحوال صالحة رحمه الله، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وخمسين وخمسمائة فِيهَا قُتِلَ السُّلْطَانُ سُلَيْمَانُ شَاهْ بْنُ مُحَمَّدِ بن ملكشاه، وكان عنده استهزاء وقلة مبالاة بالدين، مدمن شرب الخمر في رمضان، فثار عليه مدبر مملكته يزديار (3) الْخَادِمُ فَقَتَلَهُ، وَبَايَعَ بَعْدَهُ السُّلْطَانَ أَرْسَلَانَ شَاهْ بْنَ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ.
وَفِيهَا قُتِلَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ فَارِسُ الدِّينِ أَبُو الْغَارَاتِ طَلَائِعُ بْنُ رُزِّيكَ الْأَرْمَنِيُّ، وَزِيرُ الْعَاضِدِ صَاحِبِ مِصْرَ، وَوَالِدِ زَوْجَتِهِ، وَكَانَ قَدْ حَجَرَ عَلَى العاضد
لصغره واستحوذ على الأمور والحاشية، وَوَزَرَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ رُزِّيكُ، وَلُقِّبَ بِالْعَادِلِ، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ الصَّالِحُ كَرِيمًا أَدِيبًا، يُحِبُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَالْوُزَرَاءِ، وَقَدِ امْتَدَحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعَرَاءِ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ أَوَّلًا مُتَوَلِّيًا بِمُنْيَةِ بني الخصيب، ثم آل به الحال إلى أن صار وزير العاضد والفائز قبله، ثم قَامَ فِي الْوِزَارَةِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْعَادِلُ رُزِّيكُ بْنُ طَلَائِعَ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهَا حَتَّى انْتَزَعَهَا منه شَاوَرُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ: وَالصَّالِحُ هَذَا هُوَ باني الجامع عند بابا زُوَيْلَةَ ظَاهِرَ الْقَاهِرَةِ، قَالَ: وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّهُ ولي الوزارة في تَاسِعَ عَشَرَ شَهْرٍ وَنُقِلَ مِنْ دَارِ الْوِزَارَةِ إلى القرافة في تاسع عشر شهر، وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ فِي تَاسِعَ عَشَرَ شَهْرٍ آخَرَ.
قال ومن شعره ما رواه عنه زين الدين علي بن نجا الحنبلي (3) :
__________
(1) كذا بالاصل، ولعله سنة 480 هـ.
(2) في الكامل: كردبازو.
(3) الابيات في ديوانه ص 57.
(*)
(12/303)

مشيبك قد محى صنع (1) الشَّبَابِ * وَحَلَّ الْبَازُ فِي وَكْرِ الْغُرَابِ تَنَامُ ومقلة الحدثان يقظى * وما ناب النوائب عنك ناب وكيف نفاد عمرك وهو كنز * وقد أنفقت منه بلا حساب وله (2) : كَمْ ذَا يُرِينَا الدَّهْرُ مِنْ أَحْدَاثِهِ * عِبَرًا وَفِينَا الصَّدُّ وَالْإِعْرَاضُ نَنْسَى الْمَمَاتَ وَلَيْسَ يَجْرِي ذِكْرُهُ * فِينَا فَتُذْكِرُنَا بِهِ الْأَمْرَاضُ وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ (3) : أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَدُومَ لَنَا الدَّهْرُ * وَيَخْدِمُنَا فِي مُلْكِنَا الْعِزُّ وَالنَّصْرُ عَلِمْنَا بِأَنَّ الْمَالَ تَفْنَى أُلُوفُهُ * وَيَبْقَى لَنَا مِنْ بَعْدِهِ الْأَجْرُ وَالذِّكْرُ خَلَطْنَا النَّدَى بِالْبَأْسِ حَتَّى كَأَنَّنَا * سَحَابٌ لَدَيْهِ الْبَرْقُ وَالرَّعْدُ وَالْقَطْرُ
وَلَهُ أَيْضًا وَهُوَ مِمَّا نَظَمَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ: [نَحْنُ فِي غَفْلَةٍ وَنَوْمٍ وَلِلْمَوْ * تِ عُيُونٌ يَقْظَانَةٌ لَا تَنَامُ] قَدْ رَحَلْنَا إِلَى الْحِمَامِ سِنِينًا * لَيْتَ شِعْرِي مَتَى يَكُونُ الْحِمَامُ؟ ثُمَّ قَتَلَهُ غِلْمَانُ الْعَاضِدِ فِي النَّهَارِ غِيلَةً وَلَهُ إِحْدَى وَسِتُّونَ سَنَةً، وَخَلَعَ عَلَى ولده العادل بالوزارة ورثاه عمارة التميمي بقصائد حسان، ولما نُقِلَ إِلَى تُرْبَتِهِ بِالْقَرَافَةِ سَارَ الْعَاضِدُ مَعَهُ حتى وصل إلى قبره فدفنه في التابوت.
قال ابن خلكان: فعمل الفقيه عمارة في التابوت قصيدة فجار فيها في قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ تَابُوتُ مُوسى أُودِعَتْ * فِي جَانِبَيْهِ سكينة ووقار وفيها كانت وقعة عظيمة بين بني خفاجة وأهل الكوفة، فقتلوا من أهل الكوفة خَلْقًا، مِنْهُمُ الْأَمِيرُ قَيْصَرُ وَجَرَحُوا أَمِيرَ الْحَاجِّ برغش جِرَاحَاتٍ، فَنَهَضَ إِلَيْهِمْ وَزِيرُ الْخِلَافَةِ عَوْنُ الدِّينِ بن هبيرة، فتبعهم حتى أوغل خلفهم في البرية في جيش كثيف، فَبَعَثُوا يَطْلُبُونَ الْعَفْوَ.
وَفِيهَا وَلِيَ مَكَّةَ الشَّرِيفُ عِيسَى بْنُ قَاسِمِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، وَقِيلَ قاسم بن أبي فليتة بن القاسم بن أبي هاشم.
وفيها أمر الخليفة بِإِزَالَةِ الدَّكَاكِينِ الَّتِي تُضَيِّقُ الطُّرُقَاتِ، وَأَنْ لَا يجلس أحد من الباعة في عرض الطريق، لِئَلَّا يَضُرَّ ذَلِكَ بِالْمَارَّةِ.
وَفِيهَا وَقَعَ رُخْصٌ عظيم ببغداد جداً.
وفيها فتحت المدرسة التهي بناها ابن الشمحل في
__________
(1) في الديوان وابن خلكان 2 / 527: نضا صبغ الشباب.
(2) ديوانه ص 84.
(3) الابيات في تاريخ ابن الاثير 11 / 275.
(*)
(12/304)

الْمَأْمُونِيَّةِ وَدَرَّسَ فِيهَا أَبُو حَكِيمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ النَّهْرَوَانِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وَقَدْ تُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدَرَّسَ بَعْدَهُ فِيهَا أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَهُ مُعِيدًا، وَنَزَلَ عَنْ تَدْرِيسٍ آخَرَ بِبَابِ الْأَزَجِّ عِنْدَ مَوْتِهِ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..حَمْزَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ أَبُو الْفُتُوحِ الْحَاجِبُ، كَانَ خصيصاً عند المسترشد والمقتفي، وَقَدْ بَنَى مَدْرَسَةً إِلَى جَانِبِ دَارِهِ،
وَحَجَّ فرجع متزهداً ولزم بيته معظماً نحواً من عشرين سنة، وقد امتدحه الشعراء فقال فيه بعضهم: يَا عَضُدَ الْإِسْلَامِ يَا مَنْ سَمَتْ * إِلَى الْعُلَا هِمَّتُهُ الْفَاخِرهْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا فَلَمْ تَرْضَهَا * مُلْكًا فَأَخْلَدْتَ إِلَى الْآَخِرَهْ ثُمَّ دَخَلَتْ سنة سبع وخمسين وخمسمائة فِيهَا دَخَلَتِ الْكُرْجُ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوا خَلْقًا من الرجال وأسروا من الذراري، فاجتمع مُلُوكُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ: إِيلْدِكْزُ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ وَابْنُ سكمان صاحب خلاط، وابن آقسنقر صَاحِبُ مَرَاغَةَ، وَسَارُوا إِلَى بِلَادِهِمْ فِي السَّنَةِ الآتية فنهبوها، وأسروا ذراريهم، والتقوا معهم فكسورهم كسرة فَظِيعَةً مُنْكَرَةً، مَكَثُوا يَقْتُلُونَ فِيهِمْ وَيَأْسِرُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَفِي رَجَبٍ أُعِيدَ يُوسُفُ الدِّمَشْقِيُّ إِلَى تَدْرِيسِ النِّظَامِيَّةِ بَعْدَ عَزْلِ ابْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ بِسَبَبِ أَنَّ امْرَأَةً ادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فَأَنْكَرَ ثُمَّ اعْتَرَفَ، فَعُزِلَ عَنِ التَّدْرِيسِ.
وَفِيهَا كَمَلَتِ الْمَدْرَسَةُ الَّتِي بَنَاهَا الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ بِبَابِ الْبَصْرَةِ، وَرَتَّبَ فِيهَا مُدَرِّسًا وَفَقِيهًا، وَحَجَّ بِالنَّاسِ أمير الكوفة برغش.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..شُجَاعٌ شَيْخُ الحنفية ودفن عن المشهد، وكان شَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ بِمَشْهَدِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَانَ جَيِّدَ الكلام في النظر، أخذ عنه الحنفية.
صدقة بن وزير الواعظ دَخَلَ بَغْدَادَ وَوَعَظَ بِهَا وَأَظْهَرَ تَقَشُّفًا، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى التَّشَيُّعِ وَعِلْمِ الْكَلَامِ، وَمَعَ هَذَا كله راج
(12/305)

عند العوام وبعض الأمراء، وحصل له فتوح كثير، ابْتَنَى مِنْهُ رِبَاطًا وَدُفِنَ فِيهِ سَامَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
زُمُرُّدُ خَاتُونَ بِنْتُ جَاوْلِي أُخْتُ الْمَلِكِ دقماق بْنِ تُتُشَ لِأُمِّهِ، وَهِيَ بَانِيَةُ الْخَاتُونِيَّةِ ظَاهِرَ دِمَشْقَ عِنْدَ قَرْيَةِ صَنْعَاءَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ تَلُّ الثَّعَالِبِ، غَرْبِيَّ دِمَشْقَ، عَلَى جَانِبِ الشَّرْقِ الْقِبْلِيِّ بِصَنْعَاءِ الشَّامِ، وَهِيَ
قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ قَدِيمًا، وَأَوْقَفَتْهَا عَلَى الشَّيْخِ بُرْهَانِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيِّ الْحَنَفِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَكَانَتْ زَوْجَةَ الْمَلِكِ بُورِي بْنِ طُغْتِكِينَ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَيْهِ شَمْسَ الْمُلُوكِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورَ، وَقَدْ مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ وَسَارَ سِيرَتَهُ، وَمَالَأَ الْفِرِنْجَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهَمَّ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ وَالْأَمْوَالِ إِلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُ، وَتَمَلَّكَ أَخُوهُ وَذَلِكَ بَعْدَ مُرَاجَعَتِهَا وَمُسَاعَدَتِهَا، وَقَدْ كَانَتْ قرأت القرآن، وسمعت الحديث، وكان حَنَفِيَّةَ الْمَذْهَبِ تُحِبُّ الْعُلَمَاءَ وَالصَّالِحِينَ، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا الْأَتَابِكِيُّ زَنْكِيٌّ صَاحِبُ حَلَبَ طَمَعًا فِي أَنْ يَأْخُذَ بِسَبَبِهَا دِمَشْقَ فَلَمْ يَظْفَرْ بِذَلِكَ، بَلْ ذَهَبَتْ إِلَيْهِ إِلَى حَلَبَ ثُمَّ عَادَتْ إِلَى دِمَشْقَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقَدْ دَخَلَتْ بَغْدَادَ وَسَارَتْ مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْحِجَازِ، وَجَاوَرَتْ بِمَكَّةَ سَنَةً، ثُمَّ جَاءَتْ فَأَقَامَتْ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ حَتَّى مَاتَتْ بِهَا وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ كَانَتْ كَثِيرَةَ الْبِرِّ وَالصَّدَقَاتِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، قَالَ السِّبْطُ: وَلَمْ تَمُتْ حَتَّى قَلَّ مَا بِيَدِهَا، وكانت تُغَرْبِلُ الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ وَتَتَقَوَّتُ بِأُجْرَتِهِ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ وَحُسْنِ الْخَاتِمَةِ رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وخمسمائة فِيهَا مَاتَ صَاحِبُ الْمَغْرِبِ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ علي التومرتي، وخلفه في الملك من بعده ابنه يوسف وحمل أباه إلى مراكش على صِفَةِ أَنَّهُ مَرِيضٌ، فَلَمَّا وَصَلَهَا أَظْهَرَ مَوْتَهُ فعزاه الناس وبايعوه على الملك من بعد أبيه، وَلَقَّبُوهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ هَذَا حَازِمًا شُجَاعًا، جَوَادًا مُعَظِّمًا لِلشَّرِيعَةِ، وَكَانَ مَنْ لَا يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي زَمَانِهِ يقتل، وكان إذا أذن المؤذن وقبل الأذان يزدحم الخلق في المساجد، وكان حسن الصلاة ذا طمأنينة فيها، كثير الخشوع، وَلَكِنْ كَانَ سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ، حَتَّى عَلَى الذَّنْبِ الصغير، فأمره إلى الله يحكم فيه بما يشاء.
وفيها قتل سيف الدين محمد بن علاء الدين الغزي (1) ، قَتَلَهُ الْغُزُّ، وَكَانَ عَادِلًا.
وَفِيهَا كَبَسَتِ الْفِرِنْجُ نُورَ الدِّينِ وَجَيْشَهُ (2) فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَنَهَضَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَالشِّبْحَةُ فِي رِجْلِهِ فَنَزَلَ رَجُلٌ كردي فقطعها، فسار نور الدين فنجا، وأدركت الفرنج ذلك الْكُرْدِيَّ فَقَتَلُوهُ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَأَحْسَنَ نُورُ الدِّينِ
__________
(1) في الكامل 11 / 293: الغوري، ملك الغور.
(2) في تل وراء الجبل الذي عليه حصن الاكراد، وهي الوقعة المعروفة بالبقيعة.
(انظر ابن خلدون 5 / 245) .
(*)
(12/306)

إِلَى ذُرِّيَّتِهِ، وَكَانَ لَا يَنْسَى ذَلِكَ لَهُ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِإِجْلَاءِ بَنِي أَسَدٍ عَنِ الْحِلَّةِ وَقَتَلَ مَنْ تخلَّف مِنْهُمْ، وَذَلِكَ لِإِفْسَادِهِمْ وَمُكَاتَبَتِهِمُ السُّلْطَانَ مُحَمَّدَ شَاهْ، وَتَحْرِيضِهِمْ لَهُ عَلَى حِصَارِ بَغْدَادَ، فَقَتَلَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَرْبَعَةَ آلاف، وخرج الباقون منها، وتسلم الخليفة الحلة.
وحج بالناس فيها الأمير برغش الكبير.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ السُّلْطَانُ الْكَبِيرُ: أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَلِيٍّ الْقَيْسِيُّ الْكُوفِيُّ تِلْمِيذُ ابْنِ التُّومَرْتِ، كَانَ أَبُوهُ يَعْمَلُ فِي الطِّينِ فَاعِلًا، فَحِينَ وَقَعَ نَظَرُ ابْنِ التومرت عليه أحبه وتفرس فيه أنه شجاع سَعِيدٌ، فَاسْتَصْحَبَهُ فَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَالْتَفَّتْ عَلَيْهِ الْعَسَاكِرُ الَّتِي جَمَعَهَا ابْنُ التُّومَرْتِ مِنَ الْمَصَامِدَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَحَارَبُوا صَاحِبَ مُرَّاكِشَ عَلِيَّ بْنَ يُوسُفَ بْنِ تاشفين، ملك الملثمين، واستحوذ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ عَلَى وَهْرَانَ وَتِلِمْسَانَ وَفَاسَ وَسَلَا وَسَبْتَةَ، ثُمَّ حَاصَرَ مُرَّاكِشَ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا فافتتحها في سنة ثنتين وأربعين وخمسمائة، وتمهدت له الممالك هنالك، وصفا له الوقعت وكان عاقلاً وقوراً شكلاً حسناً محباً للخير، توفي في هذه السنة ومكث في الملك ثلاثاً وثلاثين سنة (1) ، وكان يسمى نفسه أمير المؤمنين رحمه الله.
طلحة بن علي ابن طراد، أبو أحمد الزينبي، نقيب النقباء، مات فجأة وولي النقابة بَعْدِهِ وَلَدُهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ وَكَانَ أَمْرَدَ فَعُزِلَ وَصُودِرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ عبد الكريم ابن إبراهيم، أبو عبد الله المعروف بابن الْأَنْبَارِيِّ كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ بِبَغْدَادَ، كَانَ شَيْخًا حَسَنًا ظَرِيفًا وَانْفَرَدَ بِصَنَاعَةِ الْإِنْشَاءِ، وَبَعَثَ رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ سَنْجَرَ وَغَيْرِهِ، وَخَدَمَ الْمُلُوكَ وَالْخُلَفَاءَ، وَقَارَبَ التسعين.
ومن شعره في محبي الدنيا والصور: يامن هجرت ولا تبالي * هل ترجع دولة الوصال
هل أَطْمَعُ يَا عَذَابَ قَلْبِي * أَنْ يَنْعَمَ فِي هواك بالي مَا ضَرَّكِ أَنْ تُعَلِّلِينِي * فِي الْوَصْلِ بِمَوْعِدٍ المحال
__________
(1) زيد في الكامل وتاريخ أبي الفداء: وشهورا.
(*)
(12/307)

أَهْوَاكِ وَأَنْتِ حَظُّ غَيْرِي * يَا قَاتِلَتِي فَمَا احتيالي أيام عنائي قبل سُودٌ * مَا أَشْبَهَهُنَّ بِاللَّيَالِي الْعُذَّلُ فِيكِ يَعْذِلُونِي * عَنْ حُبِّكِ مَا لَهُمْ وَمَا لِي يَا ملزمني السُّلُوَّ عَنْهَا * الصَّبُّ أَنَا وَأَنْتَ سَالِي وَالْقَوْلُ بِتَرْكِهَا صَوَابٌ * مَا أَحْسَنَهُ لَوِ اسْتَوَى لِي طَلَّقْتُ تَجَلُّدِي ثَلَاثًا * وَالصَّبْوَةُ بَعْدُ فِي خَيَالِي ثم دخلت سنة تسع وخمسين وخمسمائة فِيهَا قَدِمَ شَاوَرُ بْنُ مُجِيرِ الدِّينِ أَبُو شُجَاعٍ السَّعْدِيُّ الْمُلَقَّبُ بِأَمِيرِ الْجُيُوشِ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ وَزِيرُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بَعْدَ آلِ رُزِّيكَ، لَمَّا قُتِلَ النَّاصِرُ رُزِّيكُ بْنُ طَلَائِعَ، وَقَامَ في الوزارة بعده، واستفحل أمره فيها، ثار عَلَيْهِ أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ الضِّرْغَامُ بْنُ سَوَّارٍ، وَجَمَعَ لَهُ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ وَقَتَلَ ولديه طيباً وَسُلَيْمَانَ، وَأَسَرَ الثَّالِثَ وَهُوَ الْكَامِلُ بْنُ شَاوَرَ، فَسَجَنَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ، ليدٍ كَانَتْ لِأَبِيهِ عِنْدَهُ، واستوزر ضرغام وَلُقَّبَ بِالْمَنْصُورِ، فَخَرَجَ شَاوَرُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ هارباً من العاضد ومن ضرغام، ملتجئاً إلى نور الدين محمود، وهو نازل بجوسق الميدان الأخضر، فأحسن ضيافته وأنزله بالجوسق المذكور، وطلب شاور منه عسكراً ليكونوا معه ليفتح بهم الديار المصرية، وليكون لِنُورِ الدِّينِ ثُلُثُ مُغَلِّهَا (1) ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ جَيْشًا عليه أسد الدين شيركوه بن شادي، فَلَمَّا دَخَلُوا بِلَادَ مِصْرَ خَرَجَ إِلَيْهِمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ بِهَا فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ الْقِتَالِ، فَهَزَمَهُمْ أَسَدُ الدِّينِ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا، وَقَتَلَ ضِرْغَامَ بْنَ سَوَّارٍ وَطِيفَ بِرَأْسِهِ فِي الْبِلَادِ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ شَاوَرَ فِي الْوِزَارَةِ، وَتَمَهَّدَ حَالُهُ، ثُمَّ اصْطَلَحَ العاضد وشاور على أسد الدين، ورجع عَمًّا كَانَ عَاهَدَ عَلَيْهِ نُورَ الدِّينِ، وَأَمَرَ أَسَدَ الدِّينِ بِالرُّجُوعِ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، وَعَاثَ
فِي الْبِلَادِ، وَأَخَذَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَافْتَتَحَ بُلْدَانًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرْقِيَّةِ وَغَيْرِهَا، فَاسْتَغَاثَ شَاوَرُ عَلَيْهِمْ بِمَلِكِ الْفِرِنْجِ الَّذِي بِعَسْقَلَانَ، وَاسْمُهُ مُرِّيٌّ، فَأَقْبَلَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ فَتَحَوَّلَ أَسَدُ الدِّينِ إِلَى بِلْبِيسَ وَقَدْ حَصَّنَهَا وَشَحَنَهَا بِالْعُدَدِ وَالْآلَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَحَصَرُوهُ فِيهَا ثَمَانِيَةَ (2) أَشْهُرٍ، وَامْتَنَعَ أَسَدُ الدِّينِ وَأَصْحَابُهُ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ الْمَلِكَ نُورَ الدين قد اغتنم غيبة الفرنج فَسَارَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وفتح حارم وقتل من الفرنج بها خلقاً، وسار إلى بانياس، فضعف صاحب عسقلان الفرنجي، وطلبوا من أسد الدين الصلح فأجابهم إلى ذلك،
__________
(1) حدد ابن الأثير في تاريخه شروط الاتفاق بين شاور ونور الدين: يكون ثلث دخل البلاد لنور الدين بعد إقطاعات العساكر ; ويكون شيركوه مقيما بعساكره في مصر، ويتصرف هو (أي شاور) بأمر نور الدين واختياره (11 / 298 والعبر لابن خلدون 5 / 246) .
(2) في الكامل والعبر: ثلاثة أشهر (انظر تاريخ أبي الفداء) .
(*)
(12/308)

وَقَبَضَ مِنْ شَاوَرَ سِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَخَرَجَ أَسَدُ الدِّينِ وَجَيْشُهُ فَسَارُوا إِلَى الشَّام فِي ذي الحجة.
وقعة حارم فتحت فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ نور الدين استغاث بعساكر المسلمين، فجاؤوه من كل فج ليأخذ ثأره من الفرنج (1) ، فالتقى معهم على حارم فكسرهم كسرة فظيعة، وأسر البرنس بيمند صاحب إنطاكية، والقومص صاحب طرابلس، والدوك صاحب الرُّومِ، وَابْنَ جُوسْلِينَ (2) ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَقِيلَ عِشْرِينَ أَلْفًا.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا فتح نور الدين مدينة بانياس، وقيل إنه إنما فتحها فِي سَنَةِ سِتِّينَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ مَعَهُ أَخُوهُ نَصْرُ (3) الدِّينِ أَمِيرُ أَمِيرَانَ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فِي إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَأَذْهَبَهَا، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ نور الدين: لو نظرت لما أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ مِنَ الْأَجْرِ فِي الْآخِرَةِ لَأَحْبَبْتَ أَنْ تَذْهَبَ الْأُخْرَى.
وَقَالَ لِابْنِ مُعِينِ الدين: إنه اليوم بَرَدَتْ جَلْدَةُ وَالِدِكَ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، لِأَنَّهُ كان سلمها للفرنج، فصالحه عن دمشق.
وفي شهر ذي الحجة احْتَرَقَ قَصْرُ جَيْرُونَ حَرِيقًا عَظِيمًا، فَحَضَرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُمَرَاءُ مِنْهُمْ أَسَدُ الدِّينِ شِيرَكُوهْ، بعد رجوعه من مصر، وَسَعَى سَعْيًا
عَظِيمًا فِي إِطْفَاءِ هَذِهِ النَّارِ وصون حوزة الجامع منها.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ ... جَمَالُ الدِّينِ وزير صاحب الموصل، قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ، كَانَ كَثِيرَ المعروف، واسمه مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، أَبُو جعفر الأصبهاني، الملقب بالجمال، كان كثير الصدقة والبر، وَقَدْ أَثَّرَ آثَارًا حَسَنَةً بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ سَاقَ عَيْنًا إِلَى عَرَفَاتٍ، وَعَمِلَ هناك مصانع، وبنى مسجد الخيف ودرجه، وَعَمِلَهَا بِالرُّخَامِ، وَبَنَى عَلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ سُورًا، وَبَنَى جِسْرًا عَلَى دِجْلَةَ عِنْدَ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ بِالْحَجَرِ الْمَنْحُوتِ، وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، وَبَنَى الرُّبُطَ الكثيرة، وكان يتصدق في كل يوم في بَابِهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَيَفْتَدِي مِنَ الْأُسَارَى فِي كل سنة بعشرة آلاف دينا، وكان لا تزال صدقاته وافدة إلى الفقهاء والقراء، حَيْثُ كَانُوا مِنْ بَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَقَدْ حُبِسَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، فَذَكَرَ ابْنُ السَّاعِي فِي تَارِيخِهِ عَنْ شَخْصٍ كَانَ مَعَهُ فِي السِّجْنِ أَنَّهُ نَزَلَ إِلَيْهِ طَائِرٌ أَبْيَضُ قَبْلَ مَوْتِهِ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ وَهُوَ يذكر الله حَتَّى تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ثم طار عنه ودفن في رباط بنابيه لنفسه بالموصل، وقد
__________
(1) يعني بعد هزيمته في وقعة البقيعة، تحت حصن الاكراد.
(2) من الكامل، وفي الاصل جوسليق، وفي ابن خلدون: ابن جوسكين.
(3) في الكامل 11 / 304: نصرة ; وفي ابن خلدون 5 / 247: نصير.
(*)
(12/309)

كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَسَدِ الدِّينِ شِيرَكُوهْ بْنِ شادي مواخاة وَعَهْدٌ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ الْآخَرِ أَنْ يَحْمِلَهُ إلى المدينة النبوية، فحمل إليها من الموصل على أعناق الرجال، فَمَا مَرُّوا بِهِ عَلَى بَلْدَةٍ إِلَّا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ، وَأَثْنَوْا خَيْرًا، فَصَلَّوا عَلَيْهِ بِالْمَوْصِلِ وَتَكْرِيتَ وَبَغْدَادَ وَالْحِلَّةِ وَالْكُوفَةِ وَفَيْدَ وَمَكَّةَ وطيف به حول الكعبة، ثم حمل إلى المدينة النبوية فدفن بها في رباط بناه شرقي مسجد النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ السَّاعِي: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَرَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبَرِهِ سِوَى خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا.
قَالَ ابْنُ الساعي: ولما صلي عليه بالحلة صعد شاب نشزاً فأنشد:
سرى نعشه على الرِّقَابِ وَطَالَمَا * سَرَى جُودُهُ فَوْقَ الرِّكَابِ ونائلهُ يَمُرُّ عَلَى الْوَادِي فَتُثْنِي رِمَالُهُ * عَلَيْهِ وَبِالنَّادِي فتثني أرامله وممن توفي بَعْدَ الْخَمْسِينَ (1) : ابْنُ الْخَازِنِ الْكَاتِبُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ أَبُو الْفَضْلِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْخَازِنِ الْكَاتِبُ الْبَغْدَادِيُّ الشَّاعِرُ.
كَانَ يَكْتُبُ جَيِّدًا فَائِقًا، اعْتَنَى بِكِتَابَةِ الْخَتَمَاتِ، وأكثر ابنه نصر الله من كتابة المقامات، وجمع لابنه دِيوَانَ شِعْرٍ أَوْرَدَ مِنْهُ ابْنُ خَلِّكَانَ قِطْعَةً كبيرة.
ثم دخلت سنة ستين وخمسمائة فِي صَفَرٍ مِنْهَا وَقَعَتْ بِأَصْبَهَانَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ بِسَبَبِ الْمَذَاهِبِ دَامَتْ أَيَّامًا، وَقُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا كَانَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ بِبَغْدَادَ فَاحْتَرَقَتْ مَحَالُّ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَنَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَدَتِ امْرَأَةٌ بِبَغْدَادَ أَرْبَعَ بَنَاتٍ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، وَحَجَّ بالناس فيها الأمير برغش الكبير.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..عُمَرُ بْنُ بَهْلَيْقَا الطَّحَّانُ الَّذِي جَدَّدَ جَامِعَ الْعُقَيْبَةِ بِبَغْدَادَ، وَاسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ فِي إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيهِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ قَدِ اشْتَرَى مَا حَوْلَهُ مِنَ الْقُبُورِ فَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَنَبَشَ الْمَوْتَى مِنْهَا، فَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ نَبَشَهُ مَنْ قبره بعد دفنه، جزاء وفاقاً.
__________
(1) في الوافي 8 / 80 ووفيات الاعيان 1 / 148: مات سنة 518 هـ ; وقال ابن الجوزي في المنتظم 9 / 204: مات سنة 512 هـ.
قال ابن خلكان وكان ابنه نصر الله حيا في سنة 575 هـ ولم أقف على تاريخ وفاته.
(*)
(12/310)

مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العبَّاس بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَرَّانِيُّ، كَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الشُّهُودِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الدَّامَغَانِيِّ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَ لَطِيفًا ظَرِيفًا، جَمَعَ كِتَابًا سَمَّاهُ رَوْضَةَ الْأُدَبَاءِ، فيها نُتَفٌ حَسَنَةٌ.
قَالَ ابْنُ
الْجَوْزِيِّ زُرْتُهُ يَوْمًا فَأَطَلْتُ الْجُلُوسَ عِنْدَهُ فَقُلْتُ: أَقْوَمُ فَقَدْ ثَقَّلْتُ، فأنشدني: لئن سئمت إِبْرَامًا وَثُقْلًا * زِيَارَاتٍ رَفَعْتَ بِهِنَّ قَدْرِي فَمَا أَبْرَمْتَ إِلَّا حَبْلَ وُدِّي * وَلَا ثَقَّلْتَ إِلَّا ظَهْرَ شُكْرِي مَرْجَانُ الْخَادِمُ كَانَ يَقْرَأُ الْقِرَاءَاتِ، وَتَفَقَّهَ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ يَتَعَصَّبُ عَلَى الْحَنَابِلَةِ وَيَكْرَهُهُمْ، وَيُعَادِي الْوَزِيرَ ابْنَ هُبَيْرَةَ وَابْنَ الْجَوْزِيِّ مُعَادَاةً شَدِيدَةً، وَيَقُولُ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ، مَقْصُودِي قَلْعُ مذهبكم، وقطع ذكركم.
ولما توفي ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَوِيَ عَلَى ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَخَافَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَرِحَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَرَحًا شديداً توفي فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا.
ابْنُ التِّلْمِيذِ الطَّبِيبُ الْحَاذِقُ الْمَاهِرُ، اسْمُهُ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ صَاعِدٍ توفي عَنْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَلَهُ عِنْدَ النَّاسِ وَجَاهَةٌ كَبِيرَةٌ، وَقَدْ تُوُفِّيَ قَبَّحَهُ اللَّهُ عَلَى دِينِهِ، وَدُفِنَ بِالْبَيْعَةِ الْعَتِيقَةِ، لَا رَحِمَهُ اللَّهُ إِنْ كَانَ مَاتَ نَصْرَانِيًّا، فَإِنَّهُ كَانَ يَزْعُمُ أنَّه مُسْلِمٌ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى دِينِهِ.
الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هُبَيْرَةَ، أَبُو الْمُظَفَّرِ الوزير للخلافة عون الدين، مصنف كتاب الإفصاح، وقد قرأ القرآن وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالْعَرُوضِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَصَنَّفَ كُتُبًا جَيِّدَةً مُفِيدَةً، مِنْ ذَلِكَ الْإِفْصَاحُ في مجلدات، شرح فيه الحديث وتكلم على مذاهب الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي الِاعْتِقَادِ، وَقَدْ كَانَ فَقِيرًا لَا مَالَ لَهُ، ثُمَّ تَعَرَّضَ لِلْخِدْمَةِ إِلَى أَنْ وَزَرَ لِلْمُقْتَفِي ثُمَّ لِابْنِهِ الْمُسْتَنْجِدِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْوُزَرَاءِ وَأَحْسَنِهِمْ سِيرَةً، وَأَبْعَدِهِمْ عَنِ الظُّلْمِ، وَكَانَ لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ، وَكَانَ الْمُقْتَفِي يَقُولُ: مَا وَزَرَ لِبَنِي العباس مثله، وكذلك ابنه المستنجد، وكان المستنجد مُعْجَبًا بِهِ، قَالَ مَرْجَانُ الْخَادِمُ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَنْجِدَ يُنْشِدُ لِابْنِ هُبَيْرَةَ وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ شِعْرِهِ:
(12/311)

صَفَتْ نِعْمَتَانِ خَصَّتَاكَ وَعَمَّتَا * فَذِكْرُهُمَا حَتَّى الْقِيَامَةِ يُذْكَرُ وُجُودُكَ وَالدُّنْيَا إِلَيْكَ فَقِيْرَةٌ * وَجُودُكَ وُالْمَعْرُوفُ فِي النَّاسِ يُنْكَرُ فَلَوْ رَامَ يَا يَحْيَى مَكَانَكَ جَعْفَرٌ * وَيَحْيَى لَكَفَّا عَنْهُ يَحْيَى وَجَعْفَرُ وَلَمْ أَرَ مَنْ يَنْوِي لَكَ السُّوءَ يَا أبا * المظفر إِلَّا كُنْتَ أَنْتَ الْمُظَفَّرُ وَقَدْ كَانَ يُبَالِغُ فِي إِقَامَةِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَحَسْمِ مَادَّةِ الْمُلُوكِ السَّلْجُوقِيَّةِ عَنْهُمْ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، حَتَّى اسْتَقَرَّتِ الْخِلَافَةُ فِي الْعِرَاقِ كُلِّهِ، لَيْسَ لِلْمُلُوكِ مَعَهُمْ حُكْمٌ بالكلية ولله الحمد.
وَكَانَ يَعْقِدُ فِي دَارِهِ لِلْعُلَمَاءِ مَجْلِسًا لِلْمُنَاظَرَةِ يبحثون فيه ويناظرون عنده، يستفيد مِنْهُمْ وَيَسْتَفِيدُونَ مِنْهُ، فَاتَّفَقَ يَوْمًا أَنَّهُ كَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الْفُقَهَاءِ كَلِمَةً فِيهَا بَشَاعَةٌ قَالَ لَهُ: يَا حِمَارُ، ثُمَّ نَدِمَ فَقَالَ: أُرِيدُ أن تقول لي كما قلت لك، فامتنع ذلك الرجل، فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَتَيْ دِينَارٍ.
مَاتَ فَجْأَةً، وَيُقَالُ إِنَّهُ سَمَّهُ طَبِيبٌ فَسُمَّ ذَلِكَ الطَّبِيبُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ الطَّبِيبُ يَقُولُ سَمَمْتُهُ فَسُمِمْتُ (1) .
مَاتَ يَوْمَ الْأَحَدِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ إِحْدَى وَسِتِّينَ سَنَةً (2) ، وَغَسَّلَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خلقٌ كثيرٌ وجم غفير جِدًّا، وَغُلِّقَتِ الْأَسْوَاقُ، وَتَبَاكَى النَّاسُ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا بِبَابِ الْبَصْرَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وقد رثاه الشعراء بمراث كثيرة.
ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة فيها فتح نور الدين محمود حصن المنيطرة [من الشام] (3) وقتل عنده خلق كثير مِنَ الْفِرِنْجِ، وَغَنِمَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً.
وَفِيهَا هَرَبَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ الْوَزِيرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ مِنَ السِّجْنِ، وَمَعَهُ مَمْلُوكٌ تُرْكِيٌّ، فَنُودِيَ عَلَيْهِ فِي الْبَلَدِ مَنْ رَدَّهُ فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ، وَمَنْ وُجِدَ عِنْدَهُ هُدِمَتْ دَارُهُ وَصُلِبَ عَلَى بَابِهَا، وَذُبِحَتْ أَوْلَادُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَيْهِ فَأُخِذَ مِنْ بُسْتَانٍ فَضُرِبَ ضَرْبًا شديداً وَأُعِيدَ إِلَى السِّجْنِ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ.
وَفِيهَا أَظْهَرَ الرَّوَافِضُ سَبَّ الصَّحَابَةِ وَتَظَاهَرُوا بِأَشْيَاءَ مُنْكَرَةٍ، وَلَمْ يَكُونُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ، خَوْفًا مِنِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَوَقَعَ بَيْنَ الْعَوَامِّ كَلَامٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ برغش.
وممن توفي فيها من الأعيان..
__________
(1) قال الفخري ص 315: وفي آخر أيامه عرض له تزايد البلغم فمات وهو ساجد.
ولم يعلق ابن الأثير في تاريخه على موته فاعتبر وفاته طبيعيا.
(2) قال ابن خلكان 6 / 242: ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وفي ابن الاثير 11 / 321: ومولده سنة تسعين وأربعمائة.
فعلى هذا يكون قد تجاوز 63 سنة حسب رواية ابن خلكان.
(3) من الكامل.
(*)
(12/312)

الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ ابْنِ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ رُسْتُمَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، كَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ الْبَكَّائِينَ، قَالَ: حَضَرْتُ يَوْمًا مَجْلِسَ ماشاده وَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ فَرَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَهُوَ يَقُولُ لِي: وَقَفْتَ على مبتدع وسمعت كلامه؟ لاحر منك النَّظَرَ فِي الدُّنْيَا، فَأَصْبَحَ لَا يُبْصِرُ وَعَيْنَاهُ مفتوحتان كأنه بصير.
عبد العزيز بن الحسن (1) ابن الحباب الْأَغْلَبِيُّ السَّعْدِيُّ الْقَاضِي، أَبُو الْمَعَالِي الْبَصْرِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْجَلِيسِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُجَالِسُ صَاحِبَ مِصْرَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْعِمَادُ فِي الْخَرِيدَةِ، وَقَالَ: كَانَ لَهُ فَضْلٌ مَشْهُورٌ وَشِعْرٌ مَأْثُورٌ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ (2) : وَمِنْ عَجَبٍ أَنَّ السُّيُوفَ لَدَيْهِمُ * تَحِيضُ دِمَاءً وَالسُّيُوفُ ذُكُورُ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا أَنَّهَا فِي أَكُفِّهِمْ * تَأَجَّجُ نَارًا وَالْأَكُفُّ بُحُورُ الشَّيْخُ عبد القادر الجيلي ابن أَبِي صَالِحٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِيلِيُّ (3) ، وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ فَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْمُخَرِّمِيِّ الْحَنْبَلِيِّ، وَقَدْ كَانَ بَنَى مَدْرَسَةً فَفَوَّضَهَا إِلَى الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ، فَكَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ بِهَا، وَيَعِظُهُمْ، وَانْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ انْتِفَاعًا كَثِيرًا، وَكَانَ لَهُ سَمْتٌ حسن، وصمت غير الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وكان فيه تزهد كَثِيرٌ وَلَهُ أَحْوَالٌ صَالِحَةٌ وَمُكَاشَفَاتٌ، وَلِأَتْبَاعِهِ
وَأَصْحَابِهِ فِيهِ مَقَالَاتٌ، وَيَذْكُرُونَ عَنْهُ أَقْوَالًا وَأَفْعَالًا وَمُكَاشَفَاتٍ أَكْثَرُهَا مُغَالَاةٌ، وَقَدْ كَانَ صَالِحًا وَرِعًا، وَقَدْ صَنَّفَ كِتَابَ الْغَنِيَّةِ وَفُتُوحِ الْغَيْبِ، وَفِيهِمَا أَشْيَاءُ حَسَنَةٌ، وَذَكَرَ فِيهِمَا أَحَادِيثَ ضَعِيفَةً وَمَوْضُوعَةً، وَبِالْجُمْلَةِ كان من سادات المشايخ، [توفي] وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً وَدُفِنَ بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا أَقْبَلَتِ الْفِرِنْجُ فِي جَحَافِلَ كَثِيرَةٍ إِلَى الديار المصرية، وساعدهم المصريون فتصرفوا في
__________
(1) في الروضتين لابي شامة 1 / 2 / 360: الحسين.
(2) الابيات في الخريدة - قسم شعراء مصر 1 / 190.
(3) الجيلي ; ويقال الجيلاني، نسبة إلى جيل وهي بلاد متفرقة من وراء طبرستان، ويقال لها جيلان وكيلان.
(*)
(12/313)

بَعْضِ الْبِلَادِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَسَدَ الدِّينِ شِيرَكُوهْ فَاسْتَأْذَنَ الْمَلِكَ نُورَ الدِّينِ فِي الْعَوْدِ إِلَيْهَا، وَكَانَ كَثِيرَ الْحَنَقِ عَلَى الْوَزِيرِ شَاوَرَ، فَأَذِنَ لَهُ فَسَارَ إِلَيْهَا فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ صَلَاحُ الدِّين يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ وَقَدْ وَقَعَ فِي النُّفُوسِ أَنَّهُ سَيَمْلِكُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَرْقَلَةُ الْمُسَمَّى بِحَسَّانَ الشَّاعِرُ: أَقُولُ (1) وَالْأَتْرَاكُ قَدْ أَزْمَعَتْ * مِصْرَ إِلَى حرب الأعاريب رب كما ملكها يوسف الص * دّيق من أولاد يعقوب فملكها فِي عَصْرِنَا يُوسُفُ الصَّ * ادِقُ مِنْ أَوْلَادِ أَيُّوبِ مَنْ لَمْ يَزَلْ ضَرَّابَ هَامِ الْعِدَا * حَقًّا وَضَرَّابَ الْعَرَاقِيبِ وَلَمَّا بَلَغَ الْوَزِيرَ شَاوَرَ قَدُومُ أَسَدِ الدِّينِ وَالْجَيْشُ مَعَهُ بَعَثَ إِلَى الفرنج فجاؤوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ إِلَيْهِ، وَبَلَغَ أَسَدَ الدِّينِ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَإِنَّمَا مَعَهُ أَلْفَا فَارِسٍ، فَاسْتَشَارَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ فَكُلُّهُمْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى نُورِ الدِّينِ، لِكَثْرَةِ الْفِرِنْجِ، إِلَّا أَمِيرًا وَاحِدًا يُقَالُ لَهُ شَرَفُ الدِّينِ برغش، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ خَافَ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ فَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ، وَمَنْ أَكَلَ أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يُسَلِّمْ بِلَادَهُمْ
إِلَى الْعَدُوِّ، وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ابْنُ أَخِيهِ صَلَاحُ الدِّين يُوسُفُ بْنُ أيوب، فعزم الله لهم فساروا نحوا الْفِرِنْجِ فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَإِيَّاهُمْ قِتَالًا عَظِيمًا، فَقَتَلُوا من الفرنج مقتلة عظيمة، وهزموهم، ثم قتلوا منهم خلقاً لا يعلمهم إلا الله عزوجل، ولله الحمد.
فَتْحُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ عَلَى يَدَيْ أَسَدِ الدِّينِ شِيرَكُوهْ ثم أشار أسد الدين بالمسير [إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ] (2) فَمَلَكَهَا (3) وَجَبَى أَمْوَالَهَا، وَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا ابْنَ أَخِيهِ صَلَاحَ الدِّينِ يُوسُفَ وَعَادَ إِلَى الصَّعِيدِ فَمَلَكَهُ، وَجَمَعَ مِنْهُ أَمْوَالًا جَزِيلَةً جِدًّا، ثُمَّ إِنَّ الْفِرِنْجَ وَالْمِصْرِيِّينَ اجْتَمَعُوا عَلَى حِصَارِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ لِيَنْتَزِعُوهَا مِنْ يَدِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَذَلِكَ فِي غَيْبَةِ عَمِّهِ فِي الصَّعِيدِ، وامتنع فيها صلاح الدين أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وَلَكِنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَقْوَاتُ وَضَاقَ عليهم الحال جدا، فاسر إليهم أسد الدين فَصَالَحَهُ شَاوَرُ الْوَزِيرُ عَنِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَخَرَجَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْهَا وَسَلَّمَهَا إِلَى الْمِصْرِيِّينَ، وَعَادَ إِلَى الشَّام في منتصف شوال، وَقَرَّرَ شَاوَرُ للْفِرِنْجِ عَلَى مِصْرَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ شحنة (4) بالقاهرة،
__________
(1) سقطت من الاصل، واستدركت من الروضتين 1 / 2 / 364.
(2) سقطت من الاصل، واستدركت من تاريخ ابن الاثير وتاريخ ابن خلدون.
(3) في الروضتين 1 / 2 / 365: تسلمها من غير قتال، سلمها إليه أهلها (انظر الكامل 11 / 326) .
(4) في الاصل ما يقام للدواب من العلف الذي يكفيها يومها وليلتها.
وشحنة البلد من فيه الكفاية لضبطها من قوات الامن.
والشحنكية: رئاسة الشرطة.
(القاموس المحيط) .
(*)
(12/314)

وعادوا إِلَى بِلَادِهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمَلِكُ نُورُ الدين أعقبهم في بلادهم، وفتح من بلادهم حصوناً كثيرة، وقتل منهم خلقاً من الرجال، وأسر جماً غفيراً من النساء والأطفال، وغنم شيئاً كثيراً من الأمتعة والأموال وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَكَانَ مَعَهُ أَخُوهُ قُطْبُ الدِّينِ مودود فأطلق له الرقة فسار فتسلمها.
وفيها فِي شَعْبَانَ مِنْهَا كَانَ قُدُومُ الْعِمَادِ الْكَاتِبِ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى دِمَشْقَ، وَهُوَ أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، صَاحِبُ الْفَتْحِ الْقُدْسِيِّ، والبرق الشامي، والخريدة، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ، فَأَنْزَلَهُ قَاضِي
الْقُضَاةِ كَمَالُ الدَّيْنِ الشَّهْرُزُورِيُّ بِالْمَدْرَسَةِ النُّورِيَّةِ الشَّافِعِيَّةِ (1) دَاخِلَ بَابِ الْفَرَجِ، فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ لِسُكْنَاهُ بِهَا، فَيُقَالُ لَهَا الْعِمَادِيَّةُ، ثُمَّ وَلِيَ تَدْرِيسَهَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّينَ بَعْدَ الشَّيْخِ الْفَقِيهِ ابْنِ عَبْدٍ وَأَوَّلُ مَنْ جَاءَ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ نَجْمُ الدِّينِ أيوب كانت له وبه مَعْرِفَةٌ مِنْ تَكْرِيتَ، فَامْتَدَحَهُ الْعِمَادُ بِقَصِيدَةٍ ذَكَرَهَا أبو شامة، وكان أسد الدين وصلاح الدين بِمِصْرَ فَبَشَّرَهُ فِيهَا بِوِلَايَةِ صَلَاحِ الدِّينِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ حَيْثُ يَقُولُ (2) وَيَسْتَقِرُّ بِمِصْرَ يُوسُفٌ، وَبِهِ * تَقَرُّ بَعْدَ التَّنَائِي عَيْنُ يَعْقُوبِ وَيَلْتَقِي يُوسُفٌ فِيهَا بِإِخْوَتِهِ * وَاللَّهُ يَجْمَعُهُمْ مِنْ غَيرْ تَثْرِيبِ ثم تولى عماد الدين كتابة الإنشاء للملك نور الدين محمود.
وممن توفي فيها من الأعيان..برغش أَمِيرُ الْحَاجِّ سِنِينَ مُتَعَدِّدَةً كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْعَسَاكِرِ، خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ لِقِتَالِ شُمْلَةَ التُّرْكُمَانِيِّ فَسَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ فَمَاتَ.
أَبُو الْمَعَالِي الْكَاتِبُ محمد بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَمْدُونَ، صَاحِبُ التَّذْكِرَةِ الْحَمْدُونِيَّةِ، وَقَدْ وَلِيَ ديوان لزمام مُدَّةً، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ.
الرَّشِيدُ الصَّدَفِيُّ (3) كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيِ الْعَبَّادِيِّ عَلَى الْكُرْسِيِّ، كَانَتْ لَهُ شَيْبَةٌ وَسَمْتٌ ووقار، وكان يدمن حضور السماعات، ويرقص، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ يَرْقُصُ فِي بَعْضِ السماعات.
__________
(1) وهي التي عرفت فيما بعد باسم العمادية أيضا، داخل باب الفرج (الدارس في المدارس 1 / 406) .
(2) انظر الروضتين 1 / 2 / 369.
(3) واسمه أبو الحسن أحمد بن القاضي الرشيد أبي الحسن علي الغساني الاسواني ; نسبة إلى أسوان قرية بصعيد مصر.
أمر به شاور أن يصلب شنقا.
(*)
(12/315)

ثم دخلت سنة ثلاث وستين وخمسمائة فِي صَفَرٍ مِنْهَا وَصَلَ شَرَفُ الدِّينِ أَبُو جعفر ابن الْبَلَدِيِّ مِنْ وَاسِطٍ إِلَى بَغْدَادَ، فَخَرَجَ الْجَيْشُ لِتَلَقِّيهِ وَالنَّقِيبَانِ وَالْقَاضِي، وَمَشَى النَّاس بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى الدِّيوَانِ فَجَلَسَ فِي دَسْتِ الْوِزَارةِ، وَقُرِئَ عُهْدُهُ وَلُقِّبَ بِالْوَزِيرِ شَرَفِ الدِّينِ جَلَالِ الْإِسْلَامِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ سَيِّدِ الْوُزَرَاءِ صَدْرِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ.
وَفِيهَا أَفْسَدَتْ خَفَاجَةُ فِي الْبِلَادِ وَنَهَبُوا الْقُرَى، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ بَغْدَادَ فَهَرَبُوا فِي الْبَرَارِي فَانْحَسَرَ الْجَيْشُ عَنْهُمْ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ، فَكَرُّوا عَلَى الْجَيْشِ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا وَأَسَرُوا آخَرِينَ، وَكَانَ قَدْ أَسَرَ الْجَيْشُ مِنْهُمْ خَلْقًا فصلبوا على الأسوار.
وفي شوال منها وَصَلَتِ امْرَأَةُ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ إِلَى بَغْدَادَ تُرِيدُ الْحَجَّ مِنْ هُنَاكَ، وَهِيَ السِّتُّ عِصْمَتُ الدِّينِ خَاتُونُ بِنْتُ مُعِينِ الدين، ومعها الخدم والخدام، وفيهم صندل الخادم، وحملت لها الإمامات وَأُكْرِمَتْ غَايَةَ الْإِكْرَامِ.
وَفِيهَا مَاتَ قَاضِي قُضَاةِ بغداد جعفر، فشغر البلد عن حاكم ثلاثاً وعشرين يوماً، حتى ألزموا روح بن الحدثني قاضي القضاة في رابع رجب.
وممن توفي مِنَ الْأَعْيَانِ..جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ أَبُو البركات الثقفي، قاضي قضاة بغداد بعد أبيه، ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وَسَبَبُ وَفَاتِهِ أَنَّهُ طُلِبَ مِنْهُ مَالٌ وَكَلَّمَهُ الْوَزِيرُ ابْنُ الْبَلَدِيِّ كَلَامًا خَشِنًا فَخَافَ فَرَمَى الدم ومات.
أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ، رَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ فَسَمِعَ بِهَا وَذَيَّلَ عَلَى تَارِيخِهَا لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ، وَقَدْ نَاقَشَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُنْتَظَمِ، وَذَكَرَ عَنْهُ أنَّه كَانَ يَتَعَصَّبُ عَلَى أَهْلِ مَذْهَبِهِ، وَيَطْعَنُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ يُتَرْجِمُ بِعِبَارَةٍ عَامِّيَّةٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ عَنْ بَعْضِ الشِّيخَاتِ إِنَّهَا كَانَتْ عَفِيفَةً.
وَعَنِ الشَّاعِرِ الْمَشْهُورِ بِحَيْصَ بَيْصَ إِنَّهُ كَانَتْ لَهُ أُخْتٌ يُقَالُ لَهَا دَخَلَ خَرَجَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ محمد ابن عبد الله أَبُو النَّجِيبِ السُّهْرَوَرْدِيُّ (1) ، كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ مِنْ سلالة أبي بكر الصديق رضي الله
__________
(1) السهروردي: نسبة إلى سهرورد بلد عند زنجان وفي الكامل لابن الاثير 11 / 333: الشهرزوري.
(*)
(12/316)

عنه سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ وَأَفْتَى وَدَرَّسَ بِالنِّظَامِيَّةِ وَابْتَنَى لِنَفْسِهِ مَدْرَسَةً وَرِبَاطًا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مُتَصَوِّفًا يَعِظُ النَّاسَ، وَدُفِنَ بِمَدْرَسَتِهِ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الحميد ابن أَبِي الْحُسَيْنِ أَبُو الْفَتْحِ الرَّازِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْعَلَاءِ الْعَالِمِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ، وَكَانَ مِنَ الْفُحُولِ فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَلَهُ طَرِيقَةٌ فِي الْخِلَافِ وَالْجَدَلِ، يُقَالُ لَهَا التَّعْلِيقَةُ الْعَالَمِيَّةُ.
قَالَ ابْنُ الجوزي وقد قدم بَغْدَادَ وَحَضَرَ مَجْلِسِي، وَقَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: كان يدمن شرب الخمر.
قال: وَكَانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَطْيَبُ مِنْ كتاب المناظرة وباطية من خمر أَشْرَبُ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ثُمَّ بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ أَقْلَعَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَالْمُنَاظَرَةِ وأقبل على النسك والخير.
يوسف بن عبد الله ابن بُنْدَارٍ الدِّمَشْقِيُّ، مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، تَفَقَّهَ عَلَى أَسْعَدَ الْمِيهَنِيِّ، وَبَرَعَ فِي الْمُنَاظَرَةِ وَكَانَ يَتَعَصَّبُ لِلْأَشْعَرِيَّةِ، وَقَدْ بَعَثَ رَسُولًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى شُمْلَةَ التُّرْكُمَانِيِّ فَمَاتَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ.
ثم دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة فِيهَا كَانَ فَتْحُ مِصْرَ عَلَى يَدَيِ الْأَمِيرِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرَكُوهْ وَفِيهَا طَغَتِ الْفِرِنْجُ بِالدِّيَارِ المصرية، وذلك أنهم جعلوا شاور شحنة لهم بها، وتحكموا في أموالها ومساكنها أفواجاً أفواجاً، ولم يبق شئ مِنْ أَنْ يَسْتَحْوِذُوا عَلَيْهَا وَيُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا من المسلمين، وقد سكنها أكثر شجعانهم، فلما سمع الفرنج بذلك جاؤوا إليها من كل فج وناحية صحبة مَلِكِ عَسْقَلَانَ فِي جَحَافِلَ هَائِلَةٍ، فَأَوَّلُ مَا أخذوا مدينة بلبيس وقتلوا من أهلها خلقاً وأسروا آخرين، ونزلوا بها وتزكوا بها أثقالهم، وجعلوها موئلاً ومعقلاً لهم، ثم ساروا فَنَزَلُوا عَلَى الْقَاهِرَةِ مِنْ نَاحِيَةِ بَابِ الْبَرْقِيَّةِ، فَأَمَرَ الْوَزِيرُ شَاوَرُ النَّاسَ أَنْ يَحْرِقُوا مِصْرَ، وأن ينتقل الناس منها إلى القاهرة، فنهبوا الْبَلَدُ وَذَهَبَ لِلنَّاسِ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَبَقِيَتِ النار تعمل في مصر أربعة وخمسين ويوما، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَرْسَلَ صَاحِبُهَا الْعَاضِدُ يَسْتَغِيثُ بِنُورِ الدِّينِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ
بِشُعُورِ نِسَائِهِ يَقُولُ أَدْرِكْنِي وَاسْتَنْقِذْ نِسَائِيَ مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ، وَالْتَزَمَ لَهُ بِثُلُثِ خَرَاجِ مِصْرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَسَدُ الدين مقيماً بها عندهم، والتزم له بإقطاعات زَائِدَةٌ عَلَى الثُّلُثِ، فَشَرَعَ نُورُ الدِّينِ فِي تجهيز الجيوش إلى مصر، فَلَمَّا اسْتَشْعَرَ الْوَزِيرُ شَاوَرُ بِوُصُولِ الْمُسْلِمِينَ أَرْسَلَ إلى ملك الفرنج يقول قد عرفت محبتي ومودتي لكم، وَلَكِنَّ الْعَاضِدَ وَالْمُسْلِمِينَ لَا يُوَافِقُونِي عَلَى تَسْلِيمِ الْبَلَدِ، وَصَالَحَهُمْ لِيَرْجِعُوا عَنِ الْبَلَدِ بِأَلْفِ أَلْفِ دينار، وعجل لهم من ذلك ثمانمائة ألف دينار، فانشمروا راجعين إلى بلادهم خوفاً
(12/317)

من عساكر نُورِ الدِّينِ، وَطَمَعًا فِي الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [آل عمران: 54] .
ثُمَّ شَرَعَ الْوَزِيرُ شَاوَرُ فِي مطالبة الناس بالذهب الذي صالح به الفرنج وتحصيله، وَضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ مَعَ مَا نَالَهُمْ مِنَ الضيق والحريق والخوف، فجبر الله مصابهم بقدوم عساكر المسلمين عليهم وهلاك الوزير على يديهم، وذلك أن نور الدين استدعى الأمير أسد الدين من حمص إلى حلب فساق إليه هذه المسافة وقطعها في يوم واحد، فإنه قام من حمص بعد أن صلى الصبح ثم دخل منزله فأصاب فيه شيئاً من الزاد، ثم ركب وقت طلوع الشمس فدخل حلب على السلطان نور الدين من آخر ذلك اليوم، ويقال إنه هذا لم يتفق لغيره إلا للصحابة، فسر بذلك نور الدين فقدمه على العساكر وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ وَأَضَافَ إِلَيْهِ من الأمراء الأعيان، كل منهم يبتغي بمسيره رضى الله والجهاد في سبيله، وكان من جملة الأمراء ابْنُ أَخِيهِ صَلَاحُ الدِّين يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ، وَلَمْ يَكُنْ مُنْشَرِحًا لِخُرُوجِهِ هَذَا بَلْ كَانَ كارهاً له، وقد قال الله تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) الآية [آل عمران: 26] ، وأضاف إليه ستة آلاف من التركمان، وجعل أسد الدين مقدماً على هذه العساكر كلها، فسار بهم من حلب إلى دمشق ونور الدين معهم، فجهزه من دمشق إلى الديار المصرية، وأقام نور الدين بدمشق، وَلَمَّا وَصَلَتِ الْجُيُوشُ النُّورِيَّةُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَجَدُوا الْفِرِنْجَ قَدِ انْشَمَرُوا عَنِ الْقَاهِرَةِ رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ بِالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ، وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَيْهَا فِي سَابِعِ رَبِيعٍ الْآخَرِ (1) ، فَدَخَلَ الْأَمِيرُ أَسَدُ الدِّينِ عَلَى الْعَاضِدِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً سَنِيَّةً فَلَبِسَهَا وَعَادَ إِلَى مُخَيَّمِهِ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِقُدُومِهِ، وَأُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الجرايات، وَحُمِلَتْ إِلَيْهِمُ التُّحَفُ
وَالْكَرَامَاتُ، وَخَرَجَ وُجُوهُ النَّاسِ إلى المخيم خدمة لأسد الدين، وَكَانَ فِيمَنْ جَاءَ إِلَيْهِ الْمُخَيَّمَ الْخَلِيفَةُ الْعَاضِدُ مُتَنَكِّرًا، فَأَسَرَّ إِلَيْهِ أُمُورًا مُهِمَّةً مِنْهَا قَتْلُ الوزير شاور، وقرر ذلك معه وأعظم أمر الأمير أَسَدِ الدِّينِ وَلَكِنْ شَرَعَ يُمَاطِلُ بِمَا كَانَ التزمه للملك نور الدين، وهو مع ذلك يتردد إلى أَسَدِ الدِّينِ، وَيَرْكَبُ مَعَهُ، وَعَزَمَ عَلَى عَمَلِ ضِيَافَةٍ لَهُ فَنَهَاهُ أَصْحَابُهُ عَنِ الْحُضُورِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْ غَائِلَتِهِ، وَشَاوَرُوهُ فِي قَتْلِ شَاوَرَ فَلَمْ يُمَكِّنْهُمُ الْأَمِيرُ أَسَدُ الدِّينِ مِنْ ذَلِكَ، فلمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ جَاءَ شَاوَرُ إلى منزل أَسَدِ الدِّينِ فَوَجَدَهُ قَدْ ذَهَبَ لِزِيَارَةِ قَبْرِ الشافعي، وإذا ابن أخيه يوسف هنالك فأمر صلاح الدين يوسف بالقبض على الوزير شاور، وَلَمْ يُمْكِنْهُ قَتْلُهُ إِلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ عَمِّهِ أسد الدين وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَأَعْلَمُوا الْعَاضِدَ لَعَلَّهُ يَبْعَثُ يُنْقِذُهُ، فأرسل العاضد إِلَى الْأَمِيرِ أَسَدِ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُ رَأْسَهُ، فَقُتِلَ شَاوَرُ وَأَرْسَلُوا بِرَأْسِهِ إِلَى الْعَاضِدِ فِي سَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ وَأَمَرَ أَسَدُ الدِّينِ بِنَهْبِ دَارِ شَاوَرَ، فَنُهِبَتْ، وَدَخَلَ أَسَدُ الدِّينِ عَلَى الْعَاضِدِ فَاسْتَوْزَرَهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً عَظِيمَةً، وَلَقَّبَهُ الْمَلِكَ الْمَنْصُورَ، فَسَكَنَ دَارَ شَاوَرَ وَعَظُمَ شَأْنُهُ هُنَالِكَ، وَلَمَّا بَلَغَ نُورَ الدِّينِ خَبَرُ فَتْحِ مِصْرَ فَرِحَ بِذَلِكَ وَقَصَدَتْهُ الشُّعَرَاءُ بِالتَّهْنِئَةِ، غَيْرَ أنَّه لَمْ يَنْشَرِحْ لكون أسد الدين صار وزيراً للعاضد، وكذلك لما انتهت
__________
(1) في الكامل 11 / 339 جمادى الآخرة.
وفي تاريخ أبي الفداء 3 / 45: رابع ربيع الآخر.
(*)
(12/318)

الوزارة إلى ابن أخيه صلاح الدين، فشرع نور الدين فِي إِعْمَالِ الْحِيلَةِ فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ، وَلَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا أنَّه بَلَغَهُ أنَّ صَلَاحَ الدِّينِ اسْتَحْوَذَ عَلَى خَزَائِنِ العاضد كما سيأتي بيانه إن شاء الله، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَرْسَلَ أَسَدُ الدِّينِ إِلَى الْقَصْرِ يَطْلُبُ كَاتِبًا فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ الْقَاضِيَ الْفَاضِلَ رَجَاءَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ إِذَا قَالَ وَأَفَاضَ فِيمَا كَانُوا يُؤَمِّلُونَ، وَبَعَثَ أَسَدُ الدِّينِ الْعُمَّالَ فِي الْأَعْمَالِ وَأَقْطَعَ الْإِقْطَاعَاتِ، وَوَلَّى الْوِلَايَاتِ، وَفَرِحَ بِنَفْسِهِ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ، فَأَدْرَكَهُ حِمَامُهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَسَدُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَشَارَ الْأُمَرَاءُ الشَّامِيُّونَ عَلَى الْعَاضِدِ بِتَوْلِيَةِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ الوزارة بعد عمه، فولاه العاضد الْوِزَارَةَ وَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً سَنِيَّةً، وَلَقَّبَهُ الْمَلِكَ النَّاصِرَ.
صِفَةُ الْخِلْعَةِ الَّتِي لَبِسَهَا صَلَاحُ الدِّينِ مما ذكره أَبُو شَامَةَ فِي الرَّوْضَتَيْنِ عِمَامَةٌ بَيْضَاءُ تِنِّيسِيٌّ بِطَرَفِ ذَهَبٍ، وَثَوْبٌ دَبِيقِيٌّ بِطِرَازِ ذَهَبٍ وَجُبَّةٌ بِطِرَازِ ذَهَبٍ، وَطَيْلَسَانُ بِطِرَازٍ مُذَهَّبَةٍ، وَعَقْدُ جَوْهَرٍ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَسَيْفٌ مُحَلَّى بِخَمْسَةِ آلَافِ دينار، وحجزة بِثَمَانِيَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَعَلَيْهَا طَوْقُ ذَهَبٍ وَسَرْفَسَارُ ذَهَبٍ مُجَوْهَرٌ، وَفِي رَأْسِهَا مِائَتَا حَبَّةِ جَوْهَرٍ، وَفِي قَوَائِمِهَا أَرْبَعَةُ عُقُودِ جَوْهَرٍ، وَفِي رَأْسِهَا قصبة ذهب فيها تندة بَيْضَاءُ بِأَعْلَامٍ بِيضٍ وَمَعَ الْخِلْعَةِ عِدَّةُ بُقَجٍ، وَخَيْلٌ وَأَشْيَاءُ أُخَرُ، وَمَنْشُورُ الْوِزَارَةِ مَلْفُوفٌ بِثَوْبٍ أَطْلَسَ أَبْيَضَ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَسَارَ الْجَيْشُ بِكَمَالِهِ فِي خِدْمَتِهِ، لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ سِوَى عَيْنِ الدَّوْلَةِ الياروقي، وقال: لَا أَخْدِمُ يُوسُفَ بَعْدَ نُورِ الدِّينِ، ثُمَّ سَارَ بِجَيْشِهِ إِلَى الشَّامِ فَلَامَهُ نُورُ الدِّينِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَقَامَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ بِمِصْرَ بِصِفَةِ نَائِبٍ لِلْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ، يَخْطُبُ لَهُ على المنابر بالديار المصرية، ويكاتبه بِالْأَمِيرِ الْأَسْفَهْسِلَارِ (1) صَلَاحِ الدِّينِ وَيَتَوَاضَعُ لَهُ صَلَاحُ الدِّينِ فِي الْكُتُبِ وَالْعَلَامَةِ (2) ، لَكِنْ قَدِ الْتَفَّتْ عَلَيْهِ الْقُلُوبُ، وَخَضَعَتْ لَهُ النُّفُوسُ، وَاضْطُهِدَ الْعَاضِدُ فِي أَيَّامِهِ غَايَةَ الِاضْطِهَادِ، وَارْتَفَعَ قَدْرُ صَلَاحِ الدِّينِ بَيْنَ الْعِبَادِ بِتِلْكَ الْبِلَادِ، وَزَادَ فِي إِقْطَاعَاتِ الَّذِينَ مَعَهُ فَأَحَبُّوهُ وَاحْتَرَمُوهُ وَخَدَمُوهُ، وَكَتَبَ إليه نور الدين
__________
(1) من الكامل 11 / 344 والروضتين 1 / 2 / 408، وفي الاصل الاسفهلار وهو تحريف، والاسفهسلار اصطلاح عسكري مركب من كلمتين: اسفه: مقدم وهي فارسية: وسلار: عسكر وهي تركية.
فمعناه مقدم العسكر.
وقد استعمل هذا الاصطلاح منذ العهد الفاطمي، وتغير معناه تغيرا طفيفا بمرور الزمن وبصفة خاصة خلال العصر المملوكي، لكنه لم يخرج عن دائرة النظام العسكري (انظر صبح الاعشى ج 3 وج 6) .
(2) العلامة: اصطلاح يختاره الخليفة أو السلطان ليوقع به على المنشورات والاوامر الرسمية، وهي عبارة عن آية قرآنية أو حديث أو قول مأثور أو اقتباس شعري، وقد تكون توقيعا بالاسم (انظر المقريزي الخطط ج 3 وكتاب السلوك 1 / 344 حاشية رقم 1) .
(*)
(12/319)

يُعَنِّفُهُ عَلَى قَبُولِ الْوِزَارَةِ بِدُونِ مَرْسُومِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَيِّمَ حِسَابَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ صَلَاحُ
الدِّينِ إِلَى ذَلِكَ وَجَعَلَ نُورُ الدِّينِ يقول في غضون ذلك: ملك ابن أيوب.
وأرسل [صلاح الدين] إلى نُورِ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَهْلَهُ وَإِخْوَتَهُ وَقَرَابَتَهُ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لَهُ.
فاستقر أمره بمصر وتوطأت دَوْلَتَهُ بِذَلِكَ، وَكَمَلَ أَمْرُهُ وَتَمَكَّنَ سُلْطَانُهُ وَقَوِيَتْ أَرْكَانُهُ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي قَتْلِ صلاح الدين لشاور الوزير: هيا لمصر حور يُوسُفَ مُلْكَهَا * بِأَمْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ كَانَ مَوْقُوتَا وَمَا كَانَ فِيهَا قَتْلُ يُوسُفَ شَاوَرًا * يُمَاثِلُ إِلَّا قَتْلَ دَاوُدَ جَالُوتَا قَالَ أَبُو شَامَةَ، وَقَتَلَ الْعَاضِدُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْلَادَ شَاوَرَ وَهُمْ شُجَاعٌ الْمُلَقَّبُ بِالْكَامِلِ وَالطَّارِيُّ الْمُلَقَّبُ بِالْمُعَظَّمِ، وأخوهما الآخر الملقب بفارس المسلمين، وطيف برؤوسهم بِبِلَادِ مِصْرَ.
ذِكْرُ قَتْلِ الطَّوَاشِيِّ مُؤْتَمَنِ الْخِلَافَةِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى يَدَيْ صَلَاحِ الدِّينِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَتَبَ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ بِمِصْرَ إِلَى الْفِرِنْجِ لِيَقْدَمُوا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِيُخْرِجُوا مِنْهَا الْجُيُوشَ الإسلامية الشامية، وكان الذي يفد بالكتاب إليهم الطواشي مُؤْتَمَنُ الْخِلَافَةِ، مُقَدَّمُ الْعَسَاكِرِ بِالْقَصْرِ، وَكَانَ حَبَشِيًّا، وأرسل الكتاب مَعَ إِنْسَانٍ أَمِنَ إِلَيْهِ فَصَادَفَهُ فِي بَعْضِ الطَّريق مَنْ أَنْكَرَ حَالَهُ، فَحَمَلَهُ إِلَى الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ فَقَرَّرَهُ، فَأَخْرَجَ الْكِتَابَ فَفَهِمَ صَلَاحُ الدين الحال فكتمه، واستشعر الطواشي مؤتمن الدولة أن صَلَاحَ الدِّينِ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى الْأَمْرِ فَلَازَمَ الْقَصْرَ مُدَّةً طَوِيلَةً خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ عَنَّ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَنْ خَرَجَ إلى الصيد، فأرسل صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهِ مَنْ قَبَضَ عَلَيْهِ وَقَتْلَهُ وحمل رأسله إِلَيْهِ، ثُمَّ عَزَلَ جَمِيعَ الْخُدَّامِ الَّذِينَ يَلُونَ خِدْمَةَ الْقَصْرِ، وَاسْتَنَابَ عَلَى الْقَصْرِ عِوَضَهُمْ بَهَاءَ الدِّينِ قَرَاقُوشَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُطَالِعَهُ بِجَمِيعِ الْأُمُورِ، صِغَارِهَا وَكِبَارِهَا.
وَقْعَةُ السُّودَانِ، وَذَلِكَ أنَّه لَمَّا قتل الطواشي مؤتمن الخلافة الْحَبَشِيُّ، وَعُزِلَ بَقِيَّةُ الْخُدَّامِ غَضِبُوا لِذَلِكَ، وَاجْتَمَعُوا قربيا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَجَيْشُ صَلَاحِ الدِّينِ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ، فَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَكَانَ الْعَاضِدُ يَنْظُرُ مِنَ الْقَصْرِ إِلَى الْمَعْرَكَةِ، وَقَدْ قُذِفَ الْجَيْشُ الشَّامِيُّ مِنَ الْقَصْرِ
بِحِجَارَةٍ، وَجَاءَهُمْ مِنْهُ سِهَامٌ فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ بأمر العاضد، وَقِيلَ لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ.
ثُمَّ إِنَّ أَخَا الناصر نورشاه شمس الدولة - وَكَانَ حَاضِرًا لِلْحَرْبِ قَدْ بَعَثَهُ نُورُ الدِّينِ لأخيه ليشد أزره - أمر بإحراق منظرة العاصد، فَفُتِحَ الْبَابُ وَنُودِيَ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُخْرِجُوا هَؤُلَاءِ السُّودَانَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ،
(12/320)

وَمِنْ بِلَادِكُمْ، فَقَوِيَ الشَّامِيُّونَ وَضَعُفَ جَأْشُ السُّودَانِ جداً، وأرسل السلطان إلى محلة السودان الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَنْصُورَةِ، الَّتِي فِيهَا دُورُهُمْ وَأَهْلُوهُمْ بِبَابِ زُوَيْلَةَ فَأَحْرَقَهَا، فَوَلَّوْا عِنْدَ ذَلِكَ مُدْبِرِينَ، وَرَكِبَهُمُ السَّيْفُ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ طَلَبُوا الأمان فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُمْ إِلَى الْجِيزَةِ، ثُمَّ خرج لهم شمس الدولة نورشاه أَخُو الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ أَيْضًا، ولم يقى مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظلموا.
وفيها افتتح نور الدين قَلْعَةَ جَعْبَرَ وَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا شِهَابِ الدين مالك بن علي الْعَقِيلِيِّ وَكَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَيَّامِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ.
وَفِيهَا احْتَرَقَ جَامِعُ حَلَبَ فَجَدَّدَهُ نُورُ الدين.
وفيها مات ماروق الذي تنسب إليه المحلة بظاهر حلب وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..سَعْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرِ بْنِ سَعِيدٍ الدَّجَاجِيُّ أَبُو الْحَسَنِ الواعظ الحنبلي، ولد سَنَةِ ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ وَوَعَظَ، وَكَانَ لَطِيفَ الْوَعْظِ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سُئِلَ مَرَّةً عَنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ فَنَهَى عَنِ التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ وأنشد: أبى الغائب الغضبان يا نفس إن ترضى * وَأَنْتِ الَّذِي صَيَّرْتِ طَاعَتَهُ فَرْضَا فَلَا تَهْجُرِي مَنْ لَا تُطِيقِينَ هَجْرَهُ * وَإِنْ هَمَّ بِالْهُجْرَانِ خَدَّيْكِ وَالْأَرْضَا وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: خِفْتُ مَرَّةً مِنَ الْخَلِيفَةِ فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ فِي الْمَنَامِ وَقَالَ لِي اكْتُبْ: ادْفَعْ بِصَبْرِكَ حَادِثَ الْأَيَّامِ * وَتَرَجَّ لُطْفَ الْوَاحِدِ الْعَلَّامِ لَا تَيْأَسَنَّ وَإِنْ تَضَايَقَ كَرْبُهَا * وَرَمَاكَ رَيْبُ صُرُوفِهَا بِسِهَامِ
فَلَهُ تَعَالَى بَيْنَ ذَلِكَ فَرْجَةٌ * تخفى على الأفهام وَالْأَوْهَامِ كَمْ مَنْ نَجَا مِنْ بَيْنِ أَطْرَافِ الْقَنَا * وَفَرِيسَةٍ سَلِمَتْ مِنَ الضِّرْغَامِ تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا عَنْ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ عند رباط الزوري ثُمَّ نُقِلَ إِلَى مَقْبَرَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
شَاوَرُ بْنُ مُجِيرِ الدِّينِ أَبُو شُجَاعٍ السَّعْدِيُّ، الْمُلَقَّبُ أَمِيرَ الْجُيُوشِ، وَزِيرُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَيَّامَ الْعَاضِدِ، وَهُوَ الَّذِي انْتَزَعَ الْوِزَارَةَ مِنْ يَدَيْ رُزِّيكَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَكْتَبَ الْقَاضِيَ الْفَاضِلَ، اسْتَدْعَى بِهِ مِنْ إِسْكَنْدَرِيَّةَ
(12/321)

مِنْ بَابِ السِّدْرَةِ فَحَظِيَ عِنْدَهُ وَانْحَصَرَ مِنْهُ الكتاب بالقصر، لما رأوا من فضا؟ وَفَضِيلَتِهِ.
وَقَدِ امْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ مِنْهُمْ عُمَارَةُ الْيَمَنِيُّ حَيْثُ يَقُولُ: ضَجِرَ الْحَدِيدُ مِنَ الْحَدِيدِ وَشَاوَرٌ * من نَصْرِ دِينِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَضْجَرِ حَلَفَ الزَّمَانُ لَيَأْتِيَنَّ بِمِثْلِهِ * حَنَثَتْ يَمِينُكَ يَا زَمَانُ فَكَفِّرِ وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُ قَائِمًا إِلَى أَنْ ثَارَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ ضِرْغَامُ بْنُ سَوَّارٍ فَالْتَجَأَ إِلَى نُورِ الدِّينِ فَأَرْسَلَ مَعَهُ الْأَمِيرَ أَسَدَ الدِّينِ شِيرَكُوهْ فَنَصَرُوهُ عَلَى عَدُوِّهِ، فَنَكَثَ عَهْدَهُ فَلَمْ يزل أسد الدين حنقاً عليه حتى قَتْلُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَلَى يَدَيِ ابْنِ أخيه صلاح الدين، ضرب عنقه بين يدي الأمير جردنك فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَاسْتُوزِرَ بعده أسد الدين، فَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ بَعْدَهُ إِلَّا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: هُوَ أَبُو شُجَاعٍ شَاوَرُ بْنُ مُجِيرِ الدِّينِ بْنِ نِزَارِ بْنِ عَشَائِرَ بْنِ شَأْسِ بْنِ مُغِيثِ بْنِ حَبِيبِ بن الحارث بن ربيعة بن مخيس بْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ وَالِدُ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ، كَذَا قَالَ، وَفِيمَا قَالَ نَظَرٌ لقصر هذا النسب لبعد المدة والله أعلم.
شيركوه بن شادي أسد الدين الكردي الزرزاري وَهُمْ أَشْرَفُ شُعُوبِ الْأَكْرَادِ، وَهُوَ مِنْ قَرْيَةٍ يقال لها درين (1) مِنْ أَعْمَالِ أَذْرَبِيجَانَ، خَدَمَ هُوَ وَأَخُوهُ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ - وَكَانَ الْأَكْبَرَ - الْأَمِيرَ مُجَاهِدَ الدِّينِ نهروز (2)
الْخَادِمَ شِحْنَةَ الْعِرَاقِ، فَاسْتَنَابَ نَجْمَ الدِّينِ أَيُّوبَ على قلعة تكريت، فاتفق أن دخلها عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِيٌّ هَارِبًا مِنْ قَرَاجَا السَّاقِي، فأحسنا إليه وخدماه، ثم اتفق أنه قتل رجلاً من العامة فأخرجهما نهروز مِنَ الْقَلْعَةِ فَصَارَا إِلَى زَنْكِيٍّ بِحَلَبَ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ حَظِيَا عِنْدَ وَلَدِهِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، فَاسْتَنَابَ أَيُّوبَ عَلَى بَعْلَبَكَّ، وَأَقَرَّهُ وَلَدُهُ نُورُ الدِّينِ، وَصَارَ أَسَدُ الدِّينِ عِنْدَ نُورِ الدِّينِ أَكْبَرَ أُمَرَائِهِ، وَأَخَصَّهُمْ عِنْدَهُ وَأَقْطَعَهُ الرَّحْبَةَ وحمص مع ماله عِنْدَهُ مِنَ الْإِقْطَاعَاتِ، وَذَلِكَ لِشَهَامَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَصَرَامَتِهِ وجهاده في الفرنج، في أيام معدودات ووقعات معتبرات، ولا سيما يَوْمَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ بِدِيَارِ مِصْرَ، بَلَّ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ وجعل الجنة مأواه، وكانت وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتِ فَجْأَةً بِخَانُوقٍ حَصَلَ لَهُ، وَذَلِكَ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ أَبُو شامة: وإليه تنسب الخانقاة الأسدية بالشرق الْقِبْلِيِّ، ثُمَّ آلَ الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ، ثُمَّ اسْتَوْسَقَ له الملك والممالك هنالك.
__________
(1) في الكامل 11 / 341: دوين، وفي الروضتين 1 / 2 / 368: من تكريت.
قال ياقوت في معجم البلدان: دوين بلدة من نواحي أران في آخر حدود أذربيجان بقرب من تفليس منها ملوك الشام بنو أيوب.
(2) في الكامل 11 / 341: بهروز.
(*)
(12/322)

محمد بن عبد الله بن عبد الواحد (1) ابن سُلَيْمَانَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَطِّيِّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وأسمع ورحل إليه وقارب التسعين (2) .
مُحَمَّدٌ الْفَارِقِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَاعِظُ، يُقَالُ أنه كان يحفظ نهج البلاغة ويعبر أَلْفَاظَهُ، وَكَانَ فَصِيحًا بَلِيغًا يُكْتَبُ كَلَامُهُ وَيُرْوَى عنه كتاب يعرف بالحكم الفارقية.
المعمر بن عبد الواحد ابن رجار أَبُو أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْوُعَّاظِ، رَوَى عَنْ أَصْحَابِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَكَانَتْ لَهُ
مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالْحَدِيثِ، تُوُفِّيَ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى الْحَجِّ بِالْبَادِيَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وستين وخمسمائة فِي صَفَرٍ مِنْهَا حَاصَرَتِ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ دِمْيَاطَ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ خَمْسِينَ يَوْمًا، بِحَيْثُ ضَيَّقُوا على أهلها، وقتلوا أمماً كثيرة، جاؤوا إِلَيْهَا مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ رَجَاءَ أَنْ يَمْلِكُوا الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ وَخَوْفًا مِنَ اسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقُدْسِ، فَكَتَبَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى نُورِ الدِّينِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَيْهِمْ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ بِأَمْدَادٍ مِنَ الْجُيُوشِ، فَإِنَّهُ إِنْ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ خَلَفَهُ أَهْلُهَا بِسُوءٍ، وَإِنْ قَعَدَ عَنِ الْفِرِنْجِ أَخَذُوا دِمْيَاطَ وَجَعَلُوهَا مَعْقِلًا لَهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى أَخْذِ مِصْرَ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ نُورُ الدِّينِ بِبُعُوثٍ كَثِيرَةٍ، يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
ثُمَّ إِنَّ نُورَ الدِّينِ اغْتَنَمَ غَيْبَةَ الْفِرِنْجِ عَنْ بلدانهم فصمد إليهم في جيوش كثيرة فجلس خلال ديارهم، وغنم من أموالهم وقتل وسبى شيئاً كثيراً، وكان من جملة من أرسله إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ أَبُوهُ الْأَمِيرُ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ، فِي جَيْشٍ مِنْ تِلْكَ الْجُيُوشِ، وَمَعَهُ بقية أولاده، فتلقاه الجيش من مصر، وخرج العاضد لتلقيه إكراماً لولده، وأقطعه إسكندرية ودمياط، وكذلك لبقية أَوْلَادِهِ، وَقَدْ أَمَدَّ الْعَاضِدُ صَلَاحَ الدِّينِ فِي هَذِهِ الْكَائِنَةِ بِأَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ حَتَّى انْفَصَلَتِ الْفِرِنْجُ عَنْ دِمْيَاطَ، وَأَجْلَتِ الْفِرِنْجُ عِنْ دِمْيَاطَ لأنه بلغهم أن نُورَ الدِّينِ قَدْ غَزَا بِلَادَهُمْ، وَقَتَلَ خَلْقًا من
__________
(1) ذكره في الوافي بالوفيات 3 / 209 باسم: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سلمان أبو الفتح بن أبي القاسم الحاجب.
وانظر شذرات الذهب 4 / 213.
وتذكرة الحفاظ 4 / 1321.
(2) قال في الوافي: مولده سنة 477.
فيكون له 87 سنة عند وفاته.
وانظر تذكرة الحفاظ ص 1321.
(*)
(12/323)

رِجَالِهِمْ، وَسَبَى كَثِيرًا مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ وَغَنِمَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا.
ثُمَّ سَارَ نُورُ الدِّينِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ إلى الكرخ (1) ليحاصرها - وَكَانَتْ مِنْ أَمْنَعِ الْبِلَادِ - وَكَادَ أَنْ يَفْتَحَهَا وَلَكِنْ بَلَغَهُ أَنَّ مُقَدَّمَيْنِ (2) مِنَ الْفِرِنْجِ قَدْ أَقْبَلَا نَحْوَ دِمَشْقَ، فَخَافَ أَنْ يَلْتَفَّ عَلَيْهِمَا الْفِرِنْجُ فَتَرَكَ الْحِصَارَ وَأَقْبَلَ نَحْوَ دِمَشْقَ فَحَصَّنَهَا، وَلَمَّا انْجَلَتِ الْفِرِنْجُ عَنْ دِمْيَاطَ فَرِحَ نُورُ الدين فَرَحًا شَدِيدًا، وَأَنْشَدَ الشُّعَرَاءُ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ قَصِيدًا، وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ شديد الاهتمام قوي الاغتمام
بذلك، حتى قرأ عليه بعض طلبة الحديث جزءاً في ذلك فِيهِ حَدِيثٌ مُسَلْسَلٌ بِالتَّبَسُّمِ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يتبسم ليصل التسلسل، فامتنع من ذلك، وقال: إني لأستحي مِنَ اللَّهِ إِنْ يراني متبسما والمسلمون يحاصرهم الْفِرِنْجُ بِثَغْرِ دِمْيَاطَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيخ أَبُو شَامَةَ أَنَّ إِمَامَ مَسْجِدِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِالْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ رَأَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أَجْلَى فِيهَا الْفِرِنْجُ عَنْ دِمْيَاطَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يقول: سَلِّمْ عَلَى نُورِ الدِّينِ وَبِشِّرْهُ بِأَنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ رَحَلُوا عَنْ دِمْيَاطَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَيِّ عَلَامَةٍ؟ فَقَالَ: بِعَلَامَةِ مَا سَجَدَ يَوْمَ تَلِّ حَارِمٍ وَقَالَ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ انصر دينك ومن هو محمود الكلب؟.
فَلَمَّا صَلَّى نُورُ الدِّينِ عِنْدَهُ الصُّبْحَ بَشَّرَهُ بذلك وأخبره بالعلامة، فلما جاء إلى عند ذكر " من هو محمود الكلب " انقبض من قول ذلك، فقال له نور الدين: قل ما أمرك بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فقال ذلك: فقال: صدقت، وبكى نور الدين تصديقاً وفرحاً بذلك، ثم كشفوا فإذا الأمر كما أخبر في المنام.
قَالَ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَمَّرَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ جَامِعَ دَارِيَّا، وَعَمَّرَ مَشْهَدَ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ بِهَا، وَشَتَّى بِدِمَشْقَ.
وَفِيهَا حاصر الْكَرَكَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَفَارَقَهُ مِنْ هُنَاكَ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ وَالِدُ صَلَاحِ الدِّينِ، مُتَوَجِّهًا إِلَى ابنه بمصر، وقد وصاه نُورُ الدِّينِ أَنْ يَأْمُرَ ابْنَهُ صَلَاحَ الدِّينِ أَنْ يَخْطُبَ بِمِصْرَ لِلْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ الْعَبَّاسِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعَثَ يُعَاتِبُهُ فِي ذَلِكَ.
وَفِيهَا قَدِمَ الْفِرِنْجُ مِنَ السَّوَاحِلِ لِيَمْنَعُوا الْكَرَكَ من ثبيب بن الرقيق وابن القنقري (3) ، وَكَانَا أَشْجَعَ فُرْسَانِ الْفِرِنْجِ، فَقَصَدَهُمَا نُورُ الدِّينِ ليقابلهما فَحَادَا عَنْ طَرِيقِهِ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بالشام والجزيرة وعمت أكثر الأرض، وتهدمت أَسْوَارٌ كَثِيرَةٌ بِالشَّامِ، وَسَقَطَتْ دُورٌ كَثِيرَةٌ عَلَى أهلها، ولا سيما بِدِمَشْقَ وَحِمْصَ وَحَمَاةَ وَحَلَبَ وَبَعْلَبَكَّ، سَقَطَتْ أَسْوَارُهَا وَأَكْثَرُ قَلْعَتِهَا، فَجَدَّدَ نُورُ الدِّينِ عِمَارَةَ أَكْثَرِ ما وقع بهذه الأماكن.
وفيها توفي:
__________
(1) في الكامل 11 / 352: الكرك.
(2) وهما: ابن هنفري وقريب بن الرقيق.
وفي الروضتين 1 / 2 / 465: فيليب بن الرفيق.
(3) انظر الحاشية السابقة.
(*)
(12/324)

الْمَلِكُ قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ أَخُو نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَمُدَّةُ مُلْكِهِ مِنْهَا إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً (1) ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ، مُحَبَّبًا إِلَى الرَّعِيَّةِ، عَطُوفًا عَلَيْهِمْ، مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ، حَسَنَ الشَّكْلِ.
وَتَمَلَّكَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ سَيْفُ الدِّينِ غَازِيٌّ مِنَ السِّتِّ خَاتُونَ بِنْتِ تَمُرْتَاشَ بْنِ إِيلِغَازِي بْنِ أُرْتُقَ أَصْحَابِ مَارِدِينَ، وَكَانَ مُدَبِّرَ مَمْلَكَتِهِ وَالْمُتَحَكِّمَ فِيهَا فَخْرُ الدِّينِ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَكَانَ ظَالِمًا غَاشِمًا.
وَفِيهَا كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ مُلُوكِ الْغَرْبِ بِجَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ مُلُوكِ الشَّرْقِ أَيْضًا.
وَحَجَّ بالناس فيها وفيما قبلها الأمير برغش الكبير، ولم أر أحداً من أكابر الأعيان توفي فيها.
ثم دخلت سنة ست وستين وخمسمائة
فيها كانت وفاة المستنجد وخلافة ابنه المستضئ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَنْجِدَ كَانَ قَدْ مَرِضَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ عُوفِيَ فِيمَا يَبْدُو للناس، فعمل ضِيَافَةٌ عَظِيمَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ، ثم أدخله الطبيب إلى الحمام وبه ضعف شديد فمات في الحمام، وَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِإِشَارَةِ بَعْضِ الدَّوْلَةِ على الطبيب، استعجالاً لموته، توفي يَوْمَ السَّبْتِ بَعْدَ الظُّهْرِ ثَانِي (2) رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً (3) ، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرًا (4) ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْخُلَفَاءِ وَأَعْدَلِهِمْ وَأَرْفَقِهِمْ بِالرَّعَايَا، وَمَنَعَ عَنْهُمُ الْمُكُوسَ وَالضَّرَائِبَ، وَلَمْ يَتْرُكْ بِالْعِرَاقِ مَكْسًا، وَقَدْ شَفَعَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي رَجُلٍ شِرِّيرٍ، وَبَذَلَ فِيهِ عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ أَنَا أُعْطِيكَ عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَائْتِنِي بِمِثْلِهِ لِأُرِيحَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِ، وَكَانَ الْمُسْتَنْجِدُ أَسْمَرَ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ، وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَذَلِكَ فِي الْجُمَّلِ لَامٌ بَاءٌ وَلِهَذَا قَالَ فِيهِ بعض الأدباء: أصبحت لب بني العباس جملتها * إذا عددت حساب الجمل الخلفا
__________
(1) في الكامل 11 / 355 زيد: وخمسة أشهر ونصفاً.
وفي العبر لابن خلدون 5 / 249: لاحدى وعشرين سنة ونصف.
(2) في الكامل 11 / 360 وتاريخ أبي الفداء 3 / 49 وفي المنتظم 10 / 236 ومرآة الزمان 8 / 285 ونهاية الارب 12 / 299: تاسع ربيع الآخر.
(3) قال ابن الأثير في تاريخه: وكان مولده مستهل ربيع الآخر سنة 510 فعلى ما ذكره يكون له عند وفاته من العمر ست وأربعون سنة.
(4) في الكامل زاد: وستة أيام.
وفي نهاية الارب 12 / 299 زاد: وأيام.
وفي دول الاسلام 2 / 279: إحدى عشرة سنة وأياما.
وهو ما يتفق مع الروضتين 1 / 2 / 484.
(*)
(12/325)

وَكَانَ أَمَّارًا بِالْمَعْرُوفِ نَهَّاءً عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ رَأَى فِي مَنَامِهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: قُلِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فَيْمَنْ عَافَيْتَ، دُعَاءَ الْقُنُوتِ بِتَمَامِهِ.
وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْأَحَدِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَدُفِنَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى التُّرَبِ مِنَ الرصافة رحمه الله تعالى.
خلافة المستضئ وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ يُوسُفَ الْمُسْتَنْجِدِ بن المقتفي، وأمه أرمنية تدعى عصمت، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ مَاتَ أَبُوهُ بُكْرَةَ الْأَحَدِ تَاسِعَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ، وَلَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ أَحَدٌ اسْمُهُ الْحَسَنُ بَعْدَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ غَيْرُ هَذَا، وَوَافَقَهُ فِي الْكُنْيَةِ أَيْضًا، وَخَلَعَ يَوْمئِذٍ عَلَى النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ خِلْعَةٍ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَوَلَّى قَضَاءَ قضاة بغداد الروح بن الحدثني يوم الجمعة حادي عشرين ربيع الآخر، وخلع على الوزير وهو الأستاذ عضد الدولة، وضربت على بابه الدبابات (1) ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَأَمَّرَ سَبْعَةَ عَشَرَ أَمِيرًا مِنَ الْمَمَالِيكِ وَأَذِنَ لِلْوُعَّاظِ فَتَكَلَّمُوا بعد ما منعوا مدة طويلة، لما كان يحدث بسبب ذلك من الشرور الطويلة، ثم كثر احتجابه، ولما جاءت البشارة بولايته إلى الموصل قال العماد الكاتب: قد أضاء الزمان بالمستضئ * وَارِثِ الْبَرْدِ وَابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ جَاءَ بِالْحَقِّ والشريعة والعد * ل فيا مرحباً بهذا المحيي (2)
فَهَنِيئًا لِأَهْلِ بَغْدَادَ فَازُوا * بَعْدَ بُؤْسٍ بِكُلِّ عَيْشٍ هَنِيِّ وَمُضِيٌّ إنْ كَانَ فِي الزَّمَنِ المظ * لم بالعود فِي الزَّمَانِ الْمُضِيِّ وَفِيهَا سَارَ الْمَلِكُ نُورُ الدين إِلَى الرَّقَّةِ فَأَخَذَهَا، وَكَذَا نَصِيبِينَ وَالْخَابُورِ وَسِنْجَارَ، وسلمها إلى زوج ابنته ابن أخيه (3) مودود بن عماد الدين، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَأَقَرَّهَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِيِّ بْنِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودٍ، مَعَ الْجَزِيرَةِ، وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ الْأُخْرَى، وَأَمَرَ بِعِمَارَةِ جَامِعِهَا وَتَوْسِعَتِهِ، وَوَقَفَ عَلَى تَأْسِيسِهِ بِنَفْسِهِ، وَجَعَلَ لَهُ خطيباً ودرساً للفقه، وولي التدريس للفقيه أبي بكر البرقاني، تِلْمِيذِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى تِلْمِيذِ الْغَزَالِيِّ، وَكَتَبَ له
__________
(1) جمع دبابة شبه برج متحرك، يتكون أحيانا من أربع طبقات، من الخشب والرصاص والحديد والنحاس ويتحرك على عجلات، ويستقر الجنود داخله في طبقاته لمهاجمة الحصون وتسلق الاسوار.
والدبابة في أبسط صورها تتكون من الخشب المكسو بالجلد المنقوع في الخل لصيانتها من الاحتراق (السلوك 1 / 56 حاشية: 8) .
(2) في الروضتين 1 / 2 / 485: المجي.
(3) في الكامل وابن خلدون: عماد الدين ابن أخيه، قطب الدين مودود.
(*)
(12/326)

مَنْشُورًا بِذَلِكَ، وَوَقَفَ عَلَى الْجَامِعِ قَرْيَةً مِنْ قرى الموصل، وذلك كله بإشارة الشيخ الصالح العابد؟ عمر الملا، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ زَاوِيَةٌ يُقْصَدُ فِيهَا، وَلَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ دَعْوَةٌ فِي شَهْرِ الْمَوْلِدِ، يحضر فيها عِنْدَهُ الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالْوُزَرَاءُ وَيَحْتَفِلُ بِذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ صَاحِبَهُ، وَكَانَ يستشيره في أموره، وممن يعتمده في مهماته وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ فِي الْمَوْصِلِ بِجَمِيعِ مَا فَعَلَهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ، فَلِهَذَا حَصَلَ بِقُدُومِهِ لِأَهْلِ الْمَوْصِلِ كُلُّ مَسَرَّةٍ، واندفعت عنهم كل مضرة، وأخرج من بين أظهرهم الظالم الغاشم فخر الدين عَبْدَ الْمَسِيحِ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ إلى دمشق فأقطعه إقطاعاً حسناً، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَسِيحِ هَذَا نَصْرَانِيًّا فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ يُقَالُ إِنَّ لَهُ كَنِيسَةً فِي جوف داره، وكان سئ السيرة خبيث السريرة في حق العلماء والمسلمين خاصة، وَلَمَّا دَخَلَ نُورُ الدِّينِ الْمَوْصِلَ كَانَ الَّذِي استأمن له نور الدين الشيخ عمر الملا، وَحِينَ دَخَلَ نُورُ الدِّينِ الْمَوْصِلَ خَرَجَ إِلَيْهِ
ابن أخيه فوقف بين يديه فأحسن إليه وأكرمه، وألبسه خلعة جاءته من الخليفة فدخل فيها إِلَى الْبَلَدِ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَمْ يَدْخُلْ نُورُ الدِّينِ الْمَوْصِلَ حَتَّى قَوِيَ الشِّتَاءُ فَأَقَامَ بها كما ذكرنا، فلما كان في آخر ليلة من إقامته بِهَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَقُولُ لَهُ: طَابَتْ لَكَ بَلَدُكَ وَتَرَكْتَ الْجِهَادَ وَقِتَالَ أَعْدَاءِ اللَّهِ؟ فَنَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى السفر، وما أصبح إلا سائراً إلى الشام، واستقضى الشيخ ابن أَبِي عَصْرُونَ، وَكَانَ مَعَهُ عَلَى سِنْجَارَ وَنَصِيبِينَ وَالْخَابُورِ، فَاسْتَنَابَ فِيهَا ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ نُوَّابًا وَأَصْحَابًا.
وَفِيهَا عَزَلَ صَلَاحُ الدِّينِ قُضَاةَ مِصْرَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا شِيعَةً، وَوَلَّى قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِهَا لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الشافعي، فاستناب فِي سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ قُضَاةً شَافِعِيَّةً، وَبَنَى مَدْرَسَةً لِلشَّافِعِيَّةِ، وَأُخْرَى لِلْمَالِكِيَّةِ (1) ، وَاشْتَرَى ابْنُ أَخِيهِ تَقِيُّ الدين عمر داراً تُعْرَفُ بِمَنَازِلِ الْعِزِّ، وَجَعَلَهَا مَدْرَسَةً لِلشَّافِعِيَّةِ وَوَقَفَ عَلَيْهَا الرَّوْضَةَ وَغَيْرَهَا.
وَعَمَّرَ صَلَاحُ الدِّينِ أَسْوَارَ الْبَلَدِ، وَكَذَلِكَ أَسْوَارَ إِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَأَحْسَنَ إِلَى الرَّعَايَا إِحْسَانًا كَثِيرًا، وَرَكِبَ فَأَغَارَ عَلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ بنواحي عسقلان وغزة وضرب قَلْعَةً كَانَتْ لَهُمْ عَلَى أَيْلَةَ، وَقَتَلَ خَلْقًا كثيراً من مقاتلتهم، وتلقى أهله وهم قادمون مِنَ الشَّامِ، وَاجْتَمَعَ شَمْلُهُ بِهِمْ بَعْدَ فُرْقَةٍ طَوِيلَةٍ.
وَفِيهَا قَطَعَ صَلَاحُ الدِّينِ الْأَذَانَ بِحَيٍّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ كُلِّهَا، وَشَرَعَ فِي تَمْهِيدِ الْخُطْبَةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ عَلَى المنابر.
وممن توفي فيها من الاعيان.
__________
(1) المدرسة الشافعية أقيمت في دار المعونة وكانت حبسا للشحنة، كانت دارا للشرطة، ثم حولت في عهد العزيز بالله الفاطمي إلى سجن عرف بسجن المعونة ثم حولها صلاح الدين إلى مدرسة للشافعية.
والمدرسة المالكية، في دار الغزل وكانت قبل ذلك قيسارية يباع فيها الغزل ; وعرفت كذلك باسم المدرسة القمحية لان القمح كان يوزع على فقهائها من ضيعة بالفيوم أوقفها صلاح الدين عليها (مفرج الكروب 1 / 197 - 198) .
(*)
(12/327)

طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ أَبُو زُرْعَةَ الْمَقْدِسِيُّ الْأَصْلُ، الرَّازِيُّ الْمَوْلِدُ، الْهَمْدَانِيُّ الدَّارُ، وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَأَسْمَعَهُ وَالِدُهُ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الْكَثِيرَ، وَمِمَّا كَانَ يَرْوِيهِ مسند الشافعي، توفي بهمدان
يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ.
يُوسُفُ الْقَاضِي أَبُو الْحَجَّاجِ بْنُ الْخَلَّالِ صاحب ديوان الإنشاء بمصر، وَهُوَ شَيْخُ الْقَاضِي الْفَاضِلِ فِي هَذَا الْفَنِّ، اشْتَغَلَ عَلَيْهِ فِيهِ فَبَرَعَ حَتَّى قُدِّرَ أَنَّهُ صار مكانه حين ضعف عن القيام بأعباء الوظيفة لكبره، وكان الْقَاضِي الْفَاضِلُ يَقُومُ بِهِ وَبِأَهْلِهِ حتَّى مَاتَ، ثم كان بعد موته كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
يُوسُفُ بْنُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ بْنِ الْمُقْتَفِي بْنِ المستظهر، تقدم ذكر وفاته وترجمته، وَقَدْ تُوُفِّيَ بَعْدَهُ عَمُّهُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْمُسْتَظْهِرِ بِأَشْهُرٍ، وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ الْمُسْتَظْهِرِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ الثَّامِنَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا.
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة سبع وستين وخمسمائة
فِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْعَاضِدِ صَاحِبِ مِصْرَ فِي أول جمعة منها، فأمر صَلَاحُ الدِّينِ بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ بِمِصْرَ وأعمالها في الجمعة الثانية، وكان يَوْمًا مَشْهُودًا، وَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْمَلِكِ نور الدين أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، مَعَ ابْنِ أبي عصرون شهاب الدين أبي المعالي، فَزُيِّنَتْ بَغْدَادُ وَغُلِّقَتِ الْأَسْوَاقُ، وَعُمِلَتِ الْقِبَابُ وَفَرِحَ المسلمون فرحاً شديداً، وكانت قد قطعت الخطبة لبني العباس مِنْ دِيَارِ مِصْرَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي خِلَافَةِ الْمُطِيعِ الْعَبَّاسِيِّ، حِينَ تَغَلَّبَ الْفَاطِمِيُّونَ على مصر أَيَّامَ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، بَانِي الْقَاهِرَةِ، إِلَى هَذَا الآن، وَذَلِكَ مِائَتَا سَنَةٍ وَثَمَانِ سِنِينَ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ أَلَّفْتُ فِي ذَلِكَ كِتَابًا سَمَّيْتُهُ النَّصْرَ عَلَى مِصْرَ.
مَوْتُ الْعَاضِدِ آخِرِ خُلَفَاءِ الْعُبَيْدِيِّينَ وَالْعَاضِدُ فِي اللُّغَةِ الْقَاطِعُ، " لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا " لَا يُقْطَعُ، وَبِهِ قُطِعَتْ دَوْلَتُهُمْ، وَاسْمُهُ عبد
(12/328)

اللَّهِ وَيُكَنَّى بِأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْحَافِظِ بْنِ الْمُسْتَنْصِرِ بْنِ الْحَاكِمِ بْنِ الْعَزِيزِ بْنِ المعز بن المنصور القاهري، أبي الغنائم بن المهدي أولهم، كَانَ مَوْلِدُ الْعَاضِدِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ، فَعَاشَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَكَانَتْ سِيرَتُهُ مَذْمُومَةً، وَكَانَ شِيعِيًّا خَبِيثًا، لَوْ أَمْكَنَهُ قَتَلَ كُلَّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَاتَّفَقَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ رَسَمَ بِالْخُطْبَةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ عَنْ مَرْسُومِ الْمَلِكِ نور الدين، وذلك أن الخليفة بعث إلى نور الدين فعاتبه في ذلك قَبْلَ وَفَاتِهِ، وَكَانَ الْمُسْتَنْجِدُ إِذْ ذَاكَ مُدْنِفًا مَرِيضًا، فَلَمَّا مَاتَ تَوَلَّى بَعْدَهُ وَلَدُهُ، فَكَانَتِ الْخُطْبَةُ بِمِصْرَ لَهُ، ثُمَّ إِنَّ الْعَاضِدَ مَرِضَ فَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَحَضَرَ الْمَلِكُ صلاح الدين جنازته وشهد عزاه، وبكى عليه وتأسف، وظهر منه حزن كثير عليه، وَقَدْ كَانَ مُطِيعًا لَهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ، وكان العاضد كريماً جواداً سامحه الله.
وَلَمَّا مَاتَ اسْتَحْوَذَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى الْقَصْرِ بِمَا فِيهِ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ أَهْلَ الْعَاضِدِ إِلَى دَارٍ أَفْرَدَهَا لَهُمْ (1) ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ وَالنَّفَقَاتِ الْهَنِيَّةَ، وَالْعِيشَةَ الرَّضِيَّةَ، عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُمْ مِنَ الخلافة، وكان صلاح يَتَنَدَّمُ عَلَى إِقَامَةِ الْخُطْبَةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ بِمِصْرَ قبل وفاة العاضد، وهلا صبر بها إلى بعد وفاته، ولكن كان ذلك قدراً مقدوراً.
وَمِمَّا نَظَمَهُ الْعِمَادُ فِي ذَلِكَ: تُوُفِّيَ الْعَاضِدُ الدَّعِيُّ فَمَا * يَفْتَحُ ذُو بِدْعَةٍ بِمِصْرَ فَمَا وَعَصْرُ فِرْعَوْنِهَا انْقَضَى وَغَدَا * يُوسُفُهَا فِي الْأُمُورِ محتكما قد طفئت جمرة الغواة وقد * داخ مِنَ الشِّرْكِ كُلُّ مَا اضْطَرَمَا وَصَارَ شَمْلُ الصَّلَاحِ مُلْتَئِمًا * بِهَا، وَعِقْدُ السَّدَادِ مُنْتَظِمَا لَمَّا غدا مشعراً (2) شِعَارُ بَنِي الْ * عَبَّاسِ حَقًّا وَالْبَاطِلُ اكْتَتَمَا وبات داعي التوحيد منتظراً (3) * وَمِنْ دُعَاةِ الْإِشْرَاكِ مُنْتَقِمَا وَظَلَّ أَهْلُ الضَّلَالِ في ظلل * داجية من غبائة وعمى وارتكس الْجَاهِلُونَ فِي ظُلَمٍ * لَمَّا أَضَاءَتْ مَنَابِرُ الْعُلَمَا وعاد بالمستضئ معتلياً (4) * بناء حق بعد ما كان منهدماً أعيدت الدَّوْلَةُ الَّتِي اضْطُهِدَتْ * وَانْتَصَرَ الدِّينُ بَعْدَمَا اهْتُضِمَا
واهتز عطف الإسلام من جلل * وافتر ثغر الاسلام وابتسما
__________
(1) قال أبو شامة في الروضتين: جعلهم في دار برجوان في الحارة المنسوبة إليه في القاهرة، وهي دار كبيرة واسعة ثم؟ قلوا بعد الدولة الصلاحية منها وأبعدوا عنها - وبرجوان وزير الحاكم بأمر الله الفاطمي قتل سنة 390 - (انظر 1 / 2 / 494) .
(2) في الروضتين 1 / 2 / 496: معلنا.
(3) في الروضتين: منتصرا.
(4) في الروضتين: مجتهدا.
(*)
(12/329)

وَاسْتَبْشَرَتْ أَوْجُهُ الْهُدَى فَرَحًا * فَلْيَقْرَعِ الْكُفْرُ سِنَّهُ ندما عاد حريم الأعداء منتهك الحمى وفي الطغاة منقسما (1) قُصُورُ أَهْلِ الْقُصُورِ أَخْرَبَهَا * عَامِرُ بَيْتٍ مِنَ الكمال سما أزعج بعد السكوت سَاكِنَهَا * وَمَاتَ ذُلًّا وَأَنْفُهُ رَغِمَا وَمِمَّا قِيلَ من الشعر ببغداد يبشر الخليفة المستضئ بالخطبة له بمصر وأعمالها: ليهنيك يا مولاي فتح تتابعت * إليك به خوض الرَّكَائِبِ تُوجَفُ أَخَذْتَ بِهِ مِصْرًا وَقَدْ حَالَ دونها * من الشرك يأس في لها الْحَقِّ يُقْذَفُ (2) فَعَادَتْ بِحَمْدِ اللَّهِ بِاسْمِ إِمَامِنَا * تَتِيهُ عَلَى كُلِّ الْبِلَادِ وَتَشْرُفُ وَلَا غَرْوَ أَنْ ذُلَّتْ لِيُوسُفَ مِصْرُهُ * وَكَانَتْ إِلَى عَلْيَائِهِ تتشوف فشابهه خَلْقًا وَخُلْقًا وَعِفَّةً * وَكُلٌّ عَنِ الرَّحْمَنِ فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُ كَشَفْتَ بِهَا عَنْ آلِ هَاشِمِ سُبَّةً * وَعَارًا أَبَى إِلَّا بِسَيْفِكَ يُكْشَفُ وَقَدْ ذكر ذلك أَبُو شَامَةَ فِي الرَّوْضَتَيْنِ، وَهَيَ أَطْوَلُ مِنْ هَذِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ أَبَا الْفَضَائِلِ الْحُسَيْنَ بْنَ محمد بن بركات (3) الوزير أنشدها للخليفة عند موته بعد منام رآه، وأراد بيوسف الثاني المستنجد، وهكذا ذكر ابن الجوزي: أنها أنشدت في حياة المستنجد، ولم يخطب بها إلا لابنه المستضئ، فَجَرَى
الْمَقَالُ بِاسْمِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّين يوسف بن أيوب، وقد أرسل الخليفة إلى الملك نور الدين معظمة لما بشر بالخطبة له بمصر، وَكَذَلِكَ لِلْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَعَهَا أَعْلَامٌ سُودٌ وَلِوَاءٌ مَعْقُودٌ، فَفُرِّقَتْ عَلَى الجوامع بالشام وبمصر.
قَالَ ابْنُ أَبِي طَيٍّ فِي كِتَابِهِ: وَلَمَّا تفرغ صلاح الدين من توطيد الملكة وإقامة الخطبة والتعزية، اسْتَعْرَضَ حَوَاصِلَ الْقَصْرَيْنِ فَوَجَدَ فِيهِمَا مِنَ الْحَوَاصِلِ والأمتعة والآلات وَالْمَلَابِسِ وَالْمَفَارِشِ شَيْئًا بَاهِرًا، وَأَمْرًا هَائِلًا، مِنْ ذَلِكَ سَبْعُمِائَةِ يَتِيمَةٍ مِنَ الْجَوْهَرِ، وَقَضِيبُ زُمُرُّدٍ طُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ شِبْرٍ وَسُمْكُهُ نَحْوُ الْإِبْهَامِ، وحبل من ياقوت، وإبريق عَظِيمٌ مِنَ الْحَجَرِ الْمَانِعِ، وَطَبْلٌ لِلْقُولَنْجِ (4) إِذَا ضرب عليه أحد فيه ريح غليظة أو غيرها خرج منه ذلك الريح من دبره، وينصرف عَنْهُ مَا يَجِدُهُ مِنَ الْقُولَنْجِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ أُمَرَاءِ الْأَكْرَادِ أَخَذَهُ فِي يَدِهِ وَلَمْ يدر ما شأنه، فضرب عليه فحبق - أي ضرط - فَأَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَكَسَرَهُ فَبَطَلَ أمره.
وأما القضيب الزمرد فإن صلاح الدين كَسَرَهُ ثَلَاثَ فِلَقٍ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَقَسَّمَ بين الأمراء شيئاً كثيرا
__________
(1) في الروضتين مقتسما.
(2) في الروضتين: من الشرك ناس في لهى الحق تقذف.
(3) في الروضتين 1 / 2 / 500: تركان، قال وكان حاجب ابن هبيرة.
(4) القولنج: مرض معوي يعسر معه خروج الثقل والريح (القاموس المحيط) .
(*)
(12/330)

من قطع البلخش والياقوت والذهب والفضة والأثاث والأمتعة وغير ذلك، ثم باع ما فضل عن ذلك وجمع عليه أعيان التجار، فاستمر الْبَيْعُ فِيمَا بَقِيَ هُنَالِكَ مِنَ الْأَثَاثِ وَالْأَمْتِعَةِ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ ببغداد من ذلك هدايا سنية نفيسة، وَكَذَلِكَ إِلَى الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ من ذلك جانباً كثيراً صالحاً، ولم يدخر لنفسه شيئاً مما حصل لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، بَلْ كَانَ يُعْطِي ذَلِكَ من حوله من الأمراء وغيرهم، فكان مِمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى نُورِ الدِّينِ ثَلَاثُ قِطَعٍ بلخش زنة الواحدة إحدى وَثَلَاثُونَ مِثْقَالًا، وَالْأُخْرَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِثْقَالًا، وَالثَّالِثَةُ عشرة مثاقيل، وقيل أكثر مَعَ لَآلِئَ كَثِيرَةٍ، وَسِتُّونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعِطْرٌ لم يسمع بمثله، ومن ذلك حمارة وَفِيلٌ عَظِيمٌ جِدًّا، فَأُرْسِلَتِ الْحِمَارَةُ إِلَى
الْخَلِيفَةِ في جملة هدايا.
قَالَ ابْنُ أَبِي طَيٍّ: وَوَجَدَ خِزَانَةَ كُتُبٍ ليس لها في مدائن الإسلام نَظِيرٌ، تَشْتَمِلُ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ مُجَلَّدٍ (1) ، قَالَ وَمِنْ عَجَائِبِ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِهَا أَلْفٌ ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري، وكذا قَالَ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ: كَانْتِ الْكُتُبُ قَرِيبَةً مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُجَلَّدٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَانَ فِيهَا مِنَ الْكُتُبِ بِالْخُطُوطِ الْمَنْسُوبَةِ مِائَةُ أَلْفِ مُجَلَّدٍ، وَقَدْ تَسَلَّمَهَا الْقَاضِي الْفَاضِلُ، فَأَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا كَثِيرًا مِمَّا اخْتَارَهُ وَانْتَخَبَهُ، قَالَ وَقَسَمَ الْقَصْرَ الشَّمَالِيَّ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ فَسَكَنُوهُ، وَأَسْكَنَ أَبَاهُ نَجْمَ الدِّينِ أَيُّوبَ فِي قَصْرٍ عَظِيمٍ عَلَى الْخَلِيجِ، يُقَالُ لَهُ اللُّؤْلُؤَةُ (2) ، الَّذِي فِيهِ بستان الكافوري وأسكن أَكْثَرُ الْأُمَرَاءِ فِي دُورِ مَنْ كَانَ يَنْتَمِي إِلَى الْفَاطِمِيِّينَ، وَلَا يَلْقَى أَحَدٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ أحداً من أولئك الذين كانوا بها من الأكابر إلا شلحوه ثِيَابَهُ وَنَهَبُوا دَارَهُ، حَتَّى تَمَزَّقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ في البلاد، وتفرقوا شذر مذر وصاروا أيدي سَبَا.
وَقَدْ كَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِ الْفَاطِمِيِّينَ مِائَتَيْنِ وثمانين سنة وكسراً (3) ، فصاروا كأمس الذاهب كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا.
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ مِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ، وَكَانَ مِنْ سَلَمْيَةَ حَدَّادًا اسْمُهُ عبيد، وَكَانَ يَهُودِيًّا، فَدَخَلَ بِلَادَ الْمَغْرِبِ وَتَسَمَّى بِعُبَيْدِ اللَّهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ شَرِيفٌ عَلَوِيٌّ فَاطِمِيٌّ، وَقَالَ عن نفسه أنه المهدي كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء والأئمة بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ كَمَا قَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الدَّعِيَّ الْكَذَّابَ رَاجَ لَهُ مَا افْتَرَاهُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، وَوَازَرَهُ جماعة من الجهلة، وَصَارَتْ لَهُ دَوْلَةٌ وَصَوْلَةٌ، ثُمَّ تَمَكَّنَ إِلَى أَنْ بَنَى مَدِينَةً سَمَّاهَا الْمَهْدِيَّةَ نِسْبَةً إِلَيْهِ، وَصَارَ مَلِكًا مُطَاعًا، يُظْهِرُ الرَّفْضَ وَيَنْطَوِي عَلَى الْكُفْرِ الْمَحْضِ.
ثُمَّ كَانَ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ القائم محمد، ثم ابنه المنصور إسماعيل، ثم ابنه المعز معد، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ دِيَارَ مِصْرَ مِنْهُمْ، وبنيت له القاهرة المعزية والقصران، ثم ابنه العزيز نزار، ثم ابنه الحاكم منصور، ثم ابنه الظاهر علي، ثم ابنه المستنصر معد، ثم ابنه المستعلي أحمد،
__________
(1) في الروضتين 1 / 2 / 507: ألفي ألف وستمائة ألف كتاب.
(2) اللؤلؤة أو قصر اللؤلؤة من قصور الفاطميين يطل من شرقيه على البستان الكافوري الذي أنشأه محمد بن طغج الاخشيد واهتم به من بعده ولداه ثم عبده كافور.
(3) في الكامل 11 / 370: مائتان واثنتان وسبعون سنة وشهر تقريبا.
(*)
(12/331)

ثم ابنه الآمر منصور، ثم ابن عمه الحافظ عبد المجيد، ثم ابنه الظافر إسماعيل، ثم الفائز عيسى، ثم ابن عمه العاضد عبد الله وَهُوَ آخِرُهُمْ، فَجُمْلَتُهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَلِكًا، وَمُدَّتَهُمْ مِائَتَانِ وَنَيِّفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَكَذَلِكَ عِدَّةُ خُلَفَاءِ بَنَى أُمَيَّةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَيْضًا، وَلَكِنْ كَانَتْ مدتهم نيفاً وثمانين سنة، وقد نظمت أسماء هؤلاء وهؤلاء بأرجوز تَابِعَةٍ لِأُرْجُوزَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ عِنْدَ انْقِضَاءِ دَوْلَتِهِمْ بِبَغْدَادَ، فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وستَّمائة، كَمَا سيأتي.
وقد كان الفاطميون أغنى الخلفاء وأكثرهم مالاً، وكانوا من أغنى الْخُلَفَاءِ وَأَجْبَرِهِمْ وَأَظْلِمِهِمْ، وَأَنْجَسِ الْمُلُوكِ سِيرَةً، وَأَخْبَثِهِمْ سَرِيرَةً، ظَهَرَتْ فِي دَوْلَتِهِمُ الْبِدَعُ وَالْمُنْكَرَاتُ وَكَثُرَ أَهْلُ الْفَسَادِ وَقَلَّ عِنْدَهُمُ الصَّالِحُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية وَالدَّرْزِيَّةُ وَالْحُشَيْشِيَّةُ، وَتَغَلَّبَ الْفِرِنْجُ عَلَى سَوَاحِلِ الشَّامِ بِكَمَالِهِ، حَتَّى أَخَذُوا الْقُدْسَ وَنَابُلُسَ وَعَجْلُونَ وَالْغُورَ وَبِلَادَ غَزَّةَ وَعَسْقَلَانَ وَكَرَكَ الشَّوْبَكِ وَطَبَرِيَّةَ وَبَانِيَاسَ وصور وعكا وصيدا وبيروت وصفد طرابلس وَأَنْطَاكِيَةَ وَجَمِيعَ مَا وَالَى ذَلِكَ، إِلَى بِلَادِ آيَاسَ وَسِيسَ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى بِلَادِ آمِدَ وَالرُّهَا وَرَأْسِ الْعَيْنِ وَبِلَادٍ شَتَّى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَتَلُوا من المسلمين خلقاً وأمماً لا يحصيهم إِلَّا اللَّهُ، وَسَبَوْا ذَرَارِيَّ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النِّسَاءِ والولدان مما لا يحد ولا يوصف، وكل هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها وصارت دار إسلام، وأخذوا من أموال المسلمين مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، وَكَادُوا أَنْ يتغلبوا على دمشق وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ، وَحِينَ زَالَتْ أَيَّامُهُمْ وَانْتَقَضَ إِبْرَامُهُمْ أَعَادَ اللَّهُ عزوجل هذه البلاد كلها إلى المسلمين بحوله وقوته وجوده ورحمته، وقد قال الشاعر المعروف عرقلة: أَصْبَحَ الْمُلْكُ بَعْدَ آلِ عَلِيٍّ * مُشْرِقًا بِالْمُلُوكِ من آل شادي وغدا الشرق يحسد الغر * ب للقوم فمصر تزهو على بغداد ما حووها إلا بعزم وحزم * وصليل الفولاذ في الأكباد لا كفرعون والعزيز ومن * كان بها كالخطيب والأستاد (1) قال أبو شامة: يعني بالأستاد كأنه نور الأخشيدي، وقوله آل علي يعني الفاطميين على زعمهم ولم يكونوا فاطميين، وإنما كانوا يُنْسَبُونَ إِلَى عُبَيْدٍ، وَكَانَ اسْمُهُ سَعِيدًا، وَكَانَ يَهُودِيًّا حَدَّادًا بِسَلَمْيَةَ،
ثمَّ ذَكَرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِيهِمْ وَطَعْنِهِمْ فِي نَسَبِهِمْ.
قال: وقد استقصيت الكلام فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ دِمَشْقَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرحمن بْنِ إِلْيَاسَ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الرَّوْضَتَيْنِ (2) فِي هذا الموضع أشياء كثيرة في غضون ما سقته مِنْ قَبَائِحِهِمْ، وَمَا كَانُوا يَجْهَرُونَ بِهِ فِي بعض الأحيان من الكفريات، وقد تقدم من ذلك شئ كثير في تراجمهم، قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَقَدْ أَفْرَدْتُ كِتَابًا سَمَّيْتُهُ " كَشْفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ بَنُو عُبَيْدٍ مِنَ
__________
(1) الابيات في الروضتين 1 / 2 / 509 وقافيتها بالذال.
وانظر الخريدة قسم شعراء الشام 1 / 302.
وفي الروضتين الخصيب بدل الخطيب، والخصيب هو الخصيب بن عبد الحميد والي خراج مصر زمن الرشيد وإليه تنسب منية ابن خصيب.
(2) انظر الروضتين 1 / 2 / 510 وما بعدها.
(*)
(12/332)

الكفر والكذب والكر وَالْكَيْدِ " (1) وَكَذَا صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ كُتُبًا كَثِيرَةً، مِنْ أَجَلِ مَا وُضِعَ فِي ذلك كتاب القاضي أبو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، الَّذِي سَمَّاهُ " كَشْفَ الْأَسْرَارِ وَهَتْكَ الْأَسْتَارِ " وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّعراء فِي بَنِي أَيُّوبَ يَمْدَحُهُمْ عَلَى مَا فَعَلُوهُ بديار مصر: أبدتم من بلى (2) دَوْلَةَ الْكُفْرِ مِنْ * بَنِي عُبَيْدٍ بِمِصْرَ إِنَّ هَذَا هُوَ الْفَضْلُ زَنَادِقَةٌ، شِيعِيَّةٌ، بَاطِنِيَّةٌ * مَجُوسٌ وَمَا فِي الصَّالِحِينَ لَهُمْ أَصْلُ يُسَرُّونَ كُفْرًا، يظهرون تشيعاً * ليستروا سابور عمهم الجهل وفيها أَسْقَطَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ المكوس والضرائب، وقرئ المنشور بذلك على رؤوس الْأَشْهَادِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ثَالِثَ صَفَرٍ.
وفيها حصلت نفرة بين نور الدين وصلاح الدِّينِ، وَذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ غَزَا فِي هذه السنة بلاد الفرنج في سواحل فَأَحَلَّ بِهِمْ بَأْسًا شَدِيدًا، وَقَرَّرَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْهُ نِقْمَةً وَوَعِيدًا، ثمَّ عَزَمَ عَلَى مُحَاصَرَةِ الْكَرَكِ وَكَتَبَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يَلْتَقِيهِ بِالْعَسَاكِرِ المصرية إلى بلاد الكرك، ليجتمعا هنالك ويتفقا على المصالح التي يعود نفعها على المسلمين، فتوهم من ذلك صَلَاحُ الدِّينِ وَخَافَ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْأَمْرِ غَائِلَةٌ يَزُولُ بِهَا مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ التمكن من بلاد مصر، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ رَكِبَ فِي جَيْشِهِ مِنَ مصر لأجل امْتِثَالَ الْمَرْسُومِ، فَسَارَ أَيَّامًا، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا
مُعْتَلًّا بِقِلَّةِ الظَّهْرِ، وَالْخَوْفِ عَلَى اخْتِلَالِ الْأُمُورِ إِذَا بَعُدَ عَنْ مِصْرَ وَاشْتَغَلَ عَنْهَا، وَأَرْسَلَ يعتذر إلى نُورِ الدِّينِ.
فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ، وَاشْتَدَّ غضبه عليه، وعزم على الدخول إلى مصر وانتزاعها من صلاح الدين وتوليتها غَيْرِهِ، وَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الْخَبَرُ صَلَاحَ الدِّينِ ضَاقَ بِذَلِكَ ذَرْعُهُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ، فَبَادَرَ ابْنُ أَخِيهِ تَقِيُّ الدِّينِ عَمَرُ وقال: والله لو قصدنا نور الدين لنقاتله، فشتمه الأمير نجم الدين أيوب والد صلاح الدين وسبه وَأَسْكَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لِابْنِهِ: اسْمَعْ مَا أَقُولُ لك، والله ما ههنا أَحَدٌ أَشْفَقُ عَلَيْكَ مِنِّي وَمِنْ خَالِكَ هَذَا - يَعْنِي شِهَابَ الدِّينِ الْحَارِمِيَّ - وَلَوْ رَأَيْنَا نُورَ الدِّينِ لَبَادَرْنَا إِلَيْهِ وَلَقَبَّلْنَا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وكذلك بقية الأمراء والجيش، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَبْعَثَكَ إِلَيْهِ مَعَ نَجَّابٍ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَمَرَ مَنْ هُنَالِكَ بِالِانْصِرَافِ والذهاب، فلما خلى بِابْنِهِ قَالَ لَهُ: أَمَا لَكَ عَقْلٌ؟ تَذْكُرُ مِثْلَ هَذَا بِحَضْرَةِ هَؤُلَاءِ فَيَقُولُ عُمْرُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ فَتُقِرُّهُ عَلَيْهِ، فَلَا يَبْقَى عِنْدَ نور الدين أهم من قصدك وقتالك وخراب ديارنا، وأعمارنا، ولو قد رأى الجيش كلهم نور الدين لم يبق معك واحد منهم، ولذهبوا كلهم إليه، وَلَكِنِ ابْعَثْ إِلَيْهِ وَتَرَفَّقْ لَهُ وَتَوَاضَعْ عِنْدَهُ، وقل له: وأي حاجة إلى مجئ مولانا السلطان إلى قتالي؟ ابعث إلي بنجاب أو جمال حتى أجئ مَعَهُ إِلَى بَيْنِ يَدَيْكَ.
فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فَلَمَّا سَمِعَ نُورُ الدِّينِ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ لَانَ قَلْبُهُ لَهُ، وَانْصَرَفَتْ هِمَّتُهُ عَنْهُ، وَاشْتَغَلَ بغيره، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قدراً مقدوراً.
__________
(1) لم أعثر فيما بين أيدينا من مراجع لهذا الكتاب من أثر.
(2) في الروضتين: ألستم مزيلي.. (*)
(12/333)

وَفِيهَا اتَّخَذَ نُورُ الدِّينِ الْحَمَامَ الْهَوَادِيَ، وَذَلِكَ لِامْتِدَادِ مَمْلَكَتِهِ وَاتِّسَاعِهَا، فَإِنَّهُ مَلَكَ مِنْ حَدِّ النوبة إلى همذان لا يتخللها إلى بلاد الفرنج، وكلهم تحت قهره وهدنته، ولذلك اتَّخَذَ فِي كُلِّ قَلْعَةٍ وَحِصْنٍ الْحَمَامَ الَّتِي تَحْمِلُ الرَّسَائِلَ إِلَى الْآفَاقِ فِي أَسْرَعِ مُدَّةٍ، وَأَيْسَرِ عُدَّةٍ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ فِيهِنَّ الْقَاضِي الْفَاضِلُ الْحَمَامُ مَلَائِكَةُ الْمُلُوكِ، وَقَدْ أَطْنَبَ ذلك العماد الكاتب، وأطرب وأعجب وأغرب.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ اللَّهِ بن أحمد ابن أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْخَشَّابِ، قَرَأَ الْقُرْآنَ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَاشْتَغَلَ بِالنَّحْوِ حَتَّى سَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ فِيهِمَا، وَشَرَحَ الْجُمَلَ لِعَبْدِ القاهر [الجرجاني] ، وكان رجلاً صالحاً متطوعاً، وهذا نادر في النحاة، توفي فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَدُفِنَ قَرِيبًا مِنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَرُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ غَفَرَ لِي وَأَدْخَلَنِي الْجَنَّةَ إِلَّا أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنِّي وعن جماعة من العلماء تركوا العمل واشتغلوا بالقول، قال ابن خلكان: كان مطرحاً للكلفة فِي مَأْكَلِهِ وَمَلْبَسِهِ، وَكَانَ لَا يُبَالِي بِمَنْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ.
مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ محمد أبو المظفر الدوي (1) ، تَفَقَّهَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى تِلْمِيذِ الْغَزَالِيِّ، وَنَاظَرَ وَوَعَظَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ يُظْهِرُ مَذْهَبَ الْأَشْعَرِيِّ، وَيَتَكَلَّمُ فِي الْحَنَابِلَةِ مَاتَ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا.
ناصر بن الجوني الصُّوفِيُّ كَانَ يَمْشِي فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ حَافِيًا، توفي ببغداد.
قال أَبُو شَامَةَ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ.
نَصْرُ اللَّهِ [بْنُ عَبْدِ اللَّهِ] أَبُو الْفُتُوحِ الْإِسْكَنْدَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ قلاقس الشاعر بعيذاب (2) ، توفي عن خمس وأربعين سنة (3) .
__________
(1) في الوافي بالوفيات 1 / 279 والكامل 11 / 376: البروي.
أبو منصور الفقيه الشافعي ; وفي شذرات الذهب 4 / 224: أبو حامد البروي.
(2) عيذاب: بليدة على شاطئ بحر جدة.
(3) في الروضتين 1 / 2 / 524: خمس وثلاثون سنة، قال وكانت ولادته سنة 532 وانظر وفيات الاعيان 5 / 388.
(*)
(12/334)

وَالشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ يَحْيَى بْنُ سَعْدُونَ الْقُرْطُبِيُّ، نزل الموصل المقري النحوي، قال: وفيها ولد لعزيز وَالظَّاهِرُ ابْنَا صَلَاحِ الدِّينِ، وَالْمَنْصُورُ مُحَمَّدُ بْنُ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وستين وخمسمائة فيها أرسل نور الدين إلى صلاح الدين - وكان الرسول الْمُوَفَّقَ خَالِدَ بْنَ الْقَيْسَرَانِيِّ - لِيُقَيَّمَ حِسَابَ الدِّيَارِ المصرية، وذلك لأن نور الدين استقل الهدية التي أرسل بها إِلَيْهِ مِنْ خَزَائِنِ الْعَاضِدِ، وَمَقْصُودُهُ أَنْ يُقَرِّرَ على الديار المصرية خراجاً منها في كل عام.
وفيها حاصر صلاح الدين الكرك والشوبك فضيق على أهلها، وَخَرَّبَ أَمَاكِنَ كَثِيرَةً مِنْ مُعَامَلَاتِهَا، وَلَكِنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهَا عَامَهُ ذَلِكَ.
وَفِيهَا اجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ بالشام لقصد زرع (1) ، فوصلوا إلى سمسكين فَبَرَزَ إِلَيْهِمْ نُورُ الدِّينِ فَهَرَبُوا مِنْهُ إِلَى الغور، ثُمَّ إِلَى السَّوَادِ، ثُمَّ إِلَى الشِّلَالَةِ، فَبَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى طَبَرِيَّةَ فَعَاثُوا هُنَالِكَ وَسَبَوْا وَقَتَلُوا وغنموا وعادوا سالمين، ورجع الفرنج خائبين.
وَفِيهَا أَرْسَلَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ أَخَاهُ شَمْسَ الدولة نورشاه إِلَى بِلَادِ النُّوبَةِ فَافْتَتَحَهَا، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى مَعْقِلِهَا وَهُوَ حِصْنٌ يُقَالُ لَهُ إِبْرِيمُ، وَلَمَّا رَآهَا بلدة قَلِيلَةَ الْجَدْوَى لَا يَفِي خَرَاجُهَا بِكُلْفَتِهَا، اسْتَخْلَفَ عَلَى الْحِصْنِ الْمَذْكُورِ رَجُلًا مِنَ الْأَكْرَادِ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، فَجَعَلَهُ مُقَدَّمًا مُقَرَّرًا بِحِصْنِ إِبْرِيمَ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَكْرَادِ الْبَطَّالِينَ، فَكَثُرَتْ أموالهم وحسنت أحوالهم هنالك وشنوا الغارات وحصلوا على الغنائم.
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْأَمِيرِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ بن شادي والد صلاح الدين، سقط عن فرسه فمات وسنأتي على ترجمته في الوفيات.
وَفِيهَا سَارَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ إِلَى بِلَادِ عز الدين قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان السلجوقي، وَأَصْلَحَ مَا وَجَدَهُ فِيهَا مِنَ الْخَلَلِ.
ثُمَّ سار فافتتح مرعش وبهسا (2) ، وَعَمِلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْحُسْنَى.
قَالَ الْعِمَادُ: وفيها وَصَلَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْكَبِيرُ قُطْبُ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَهُوَ فَقِيهُ عَصْرِهِ وَنَسِيجُ وَحْدِهِ، فَسُرَّ بِهِ نُورُ الدِّينِ وَأَنْزَلَهُ بِحَلَبَ بِمَدْرَسَةِ بَابِ الْعِرَاقِ، ثم أُتي به إلى دمشق فدرس بزاوية جامع الغربية المعروفة بالشيخ نصر المقدسي، ثم نزل بمدرسة الجاروق (3) ، ثم شرع نور الدين بإنشاء مَدْرَسَةٍ كَبِيرَةٍ لِلشَّافِعِيَّةِ، فَأَدْرَكَهُ الْأَجَلُ قَبْلَ ذَلِكَ.
قال أبو شامة: وهي العادلية الكبيرة التي عمرها بعد ذلك الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ.
وَفِيهَا رجع شِهَابُ الدِّينِ بْنُ أَبِي عَصْرُونَ مِنْ بَغْدَادَ وقد أدى الرسالة بالخطبة العباسية بالديار المصرية،
__________
(1) كذا بالاصل، وفي تاريخ ابن الاثير 11 / 385: ... وساروا إلى بلد حوران من أعمال دمشق للغارة عليه.
(2) كذا بالاصل: بهسنا.
وفي ابن الاثير وتاريخ أبي الفداء: بهنسى.
قال ياقوت: وبهسنا بالالف، قلعة قرب سميساط ومرعش، وكانت من أعمال حلب.
(3) من الروضتين، وفي الاصل الحاروق، وهي المدرسة الجازوخية وكانت داخل بابي الفرج والفراديس شمالي الجامع الاموي بناها سيف الدين جاروخ التركماني (الدارس في المدارس 1 / 225) .
(*)
(12/335)

ومعه توقيع من الخلافة بإقطاع درب هارون وصريفين لنور الدِّينِ، وَقَدْ كَانَتَا قَدِيمًا لِأَبِيهِ عِمَادِ الدِّينِ زنكي، فأراد نور الدين أن ينشئ ببغداد مدرسة على حافة الدجلة، وَيَجْعَلَ هَذَيْنَ الْمَكَانَيْنِ وَقْفًا عَلَيْهَا فَعَاقَهُ الْقَدَرُ عن ذلك.
وفيها وقعت بناحية خوارزم حروب كثيرة بين سلطان شاه وبين أعدائه، استقصاها ابْنُ الْأَثِيرِ وَابْنُ السَّاعِي.
وَفِيهَا هَزَمَ مَلِكُ الْأَرْمَنِ مَلِيحُ بْنُ لِيُونَ عَسَاكِرَ الرُّومِ، وَغَنِمَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَبَعَثَ إِلَى نُورِ الدِّينِ بأموال كثيرة، وثلاثين رأساً من رؤوس كبارهم،؟ أرسلها نور الدين إلى الخليفة المستضئ.
وَفِيهَا بَعَثَ صَلَاحُ الدِّينِ سَرِيَّةً صُحْبَةَ قَرَاقُوشَ مملوك تقي؟ ؟ دين عُمَرَ بْنِ شَاهِنْشَاهْ إِلَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَمَلَكُوا طَائِفَةً كَثِيرَةً مِنْهَا، مِنْ ذَلِكَ مَدِينَةُ طَرَابُلُسَ الغرب؟ عدة مدن معها.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ ... إِيلْدِكِزُ التُّرْكِيُّ الْأَتَابِكِيُّ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ وَغَيْرِهَا، كَانَ مَمْلُوكًا لِلْكَمَالِ السميرمي وزير السلطان محمود، ثم علا أمره؟ تمكن وملك بلاد أَذْرَبِيجَانَ وَبِلَادَ الْجَبَلِ وَغَيْرَهَا، وَكَانَ عَادِلًا مُنْصِفًا شجاعاً محسناً إلى الرعية، توفي؟ ؟ مدان.
الْأَمِيرُ نَجْمُ الدِّينِ أَبُو الشُّكْرِ أَيُّوبُ بْنُ شادي ابن مروان، زاد بَعْضُهُمْ بَعْدَ مَرْوَانَ بْنَ يَعْقُوبَ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جمهورهم أنه لا يعرف بعد؟ ادي أحد في نسبهم، وأغرب بعضهم وزعم أنهم من سلالة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية،؟ هذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ ادِّعَاءُ هَذَا هو أَبُو الْفِدَاءِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ طُغْتِكِينَ بْنِ أَيُّوبَ بن
؟ ؟ ادي وَيُعْرَفُ بِابْنِ سَيْفِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ مَلَكَ الْيَمَنَ بَعْدَ أَبِيهِ فَتَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ وَادَّعَى الْخِلَافَةَ وتلقب؟ الامام الهادي بنور الله ولهجوا بذلك وقال هو في ذلك: وأنا (1) الْهَادِي الْخَلِيفَةُ وَالَّذِي * أَدُوسُ رِقَابَ الْغلْبِ بِالضُّمَّرِ الجرد ولا بد من بغداد أطوي ربوعها * وأنشرها نشر الشماس على البرد (2) وَأَنْصِبُ أَعْلَامِي عَلَى شُرُفَاتِهَا * وَأُحْيِي بِهَا مَا كان أسه جَدِّي وَيُخْطَبُ لِي فَيْهَا عَلَى كُلِّ مِنْبَرٍ * وأظهر أمر الله في الغور والنجد
__________
1) في الروضتين 1 / 2 / 535: وإني أنا ... 2) في الروضتين: نشر السماسر للبرد.
(*)
(12/336)

وما ادعاه لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَا أَصْلَ لَهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، ولا مستند يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْأَمِيرَ نَجْمَ الدِّينِ كَانَ أَسَنَّ مِنْ أَخِيهِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرَكُوهْ، ولد بأرض الموصل، كان الأمير نجم الدين شجاعاً، خدم الْمَلِكَ مُحَمَّدَ بْنَ مَلِكْشَاهْ فَرَأَى فِيهِ شَهَامَةً وَأَمَانَةً، فَوَلَّاهُ قَلْعَةَ تَكْرِيتَ، فَحَكَمَ فِيهَا فَعَدَلَ، وكان مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ، ثُمَّ أَقْطَعَهَا الْمَلِكُ مَسْعُودٌ لمجاهد الدين نهروز (3) شحنة العراق، فاستمر فِيهَا، فَاجْتَازَ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ الْمَلِكُ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِيٌّ مُنْهَزِمًا مِنْ قُرَاجَا السَّاقِي فآواه وخدمه خدمة بالغة تامة، وداوى جراحاته وأقام عنده مدة خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى بَلَدِهِ الْمَوْصِلِ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَّ نَجْمَ الدِّينِ أَيُّوبَ عَاقَبَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا فَقَتَلَهُ، وَقِيلَ إنَّما قَتَلَهُ أخوه أسد الدين شيركوه، وهذا بخلاف الذي ذكره ابن خلكان، فإنه قَالَ: رَجَعَتْ جَارِيَةٌ مِنْ بَعْضِ الْخَدَمِ فَذَكَرَتْ له أَنَّهُ تَعَرَّضَ لَهَا إِسْفَهْسَلَارُ الَّذِي بِبَابِ الْقَلْعَةِ، فخرج إليه أسد الدين فَطَعْنَهُ بِحَرْبَةٍ فَقَتَلَهُ، فَحَبَسَهُ أَخُوهُ نَجْمُ الدِّينِ وكتب إلى مجاهد الدين نهروز (1) يُخْبِرُهُ بِصُورَةِ الْحَالِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَتْ لَهُ عَلَيَّ خِدْمَةٌ، وَكَانَ قَدِ استنابه في هذه القلعة قبل ابنه نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَسْوَءَكُمَا، ولكن انتقلا منها.
فأخرجهما نهروز مِنْ قَلْعَتِهِ، وَفِي لَيْلَةِ خُرُوجِهِ مِنْهَا وُلِدَ لَهُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ.
قَالَ فتشاءمت به لفقدي بلدي ووطني، فقال له بَعْضُ النَّاسِ: قَدْ نَرَى مَا
أَنْتَ فِيهِ مِنَ التَّشَاؤُمِ بِهَذَا الْمَوْلُودِ فَمَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَوْلُودُ مَلِكًا عَظِيمًا لَهُ صِيتٌ؟ فكان كما قال، فاتصلا بخدمة الملك عماد الدين زنكي أبي نور الدين، ثم كانا عند نور الدين متقدمان عنده، وارتفعت منزلتهما وعظما، فاستناب نور الدين نجم الدين أيوب على بعلبك، وكان أسد الدين من أكبر أمرائه، ولما تسلم بعلبك أقام مدة طويلة، وولد له فيها أكثر أولاده، ثم كان من أمره ما ذكرناه في دخوله الديار المصرية.
ثم أَنَّهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ؟ ؟ ؟ ات بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ ابنه صلاح الدين محاصر الكرك غائباً عنه، فلما بلغه خبر موته تألم لغيبته عن حضوره، وأرسل يتحرق ويتحزن، وأنشد: وتخطفه يَدُ الرَّدَى فِي غَيْبَتِي * هَبْنِي حَضرْتُ، فَكُنْتُ مَاذَا أَصْنَعُ؟ وَقَدْ كَانَ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ كثير الصلاة والصدقة والصيام، كَرِيمَ النَّفْسِ جَوَادًا مُمَدَّحًا قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلَهُ خَانِقَاهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَمَسْجِدٌ وَقَنَاةٌ خَارِجَ بَابِ النَّصْرِ مِنَ الْقَاهِرَةِ، وَقَفَهَا فِي سَنَةِ ست وستين.
قلت: وَلَهُ بِدِمَشْقَ خَانِقَاهُ أَيْضًا، تُعْرَفُ بِالنَّجْمِيَّةِ، وَقَدِ اسْتَنَابَهُ ابْنُهُ عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ حِينَ خَرَجَ إلى الكرك، وحكمه في الخزائن، وكان مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ، وَقَدِ امْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ كَالْعِمَادِ وغيره ورثوه بِمَرَاثٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُسْتَقْصًى الشَّيْخُ أبو شامة في الروضتين، ودفن مع أخيه أسد الدين بِدَارِ الْإِمَارَةِ، ثُمَّ نُقِلَا إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ في سنة ثمانين، فدفنا بتربة الوزير
__________
(1) في الكامل والروضتين: بهروز.
(*)
(12/337)

جمال الدين الموصلي، الذي كان مواخياً لأسد الدين شيركوه، وهو الجمال المتقدم ذكره، الذي ليس بين ترتبته ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا مقدار سبعة عشر ذراعاً، فدفنا عنده، قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ ملك الرافضة والنحاة.
الحسن بن صافي بن بزدن التُّرْكِيُّ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ بَغْدَادَ الْمُتَحَكِّمِينَ فِي الدَّوْلَةِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا خَبِيثًا مُتَعَصِّبًا لِلرَّوَافِضِ، وَكَانُوا فِي خِفَارَتِهِ وَجَاهِهِ، حَتَّى أَرَاحَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا، وَدُفِنَ بِدَارِهِ
ثُمَّ نُقِلَ إلى مقابر قريش فلله الحمد والمنة.
وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحاً شديداً، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحداً منهم إلا يحمد الله، فغضب الشيعة من ذلك، ونشأت بينهم فتنة بسبب ذلك وَذَكَرَ ابْنُ السَّاعِي فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ كَانَ في صغره شاباً حسناً مليحاً معشوقاً للأكابر من النَّاس.
قَالَ وَلِشَيْخِنَا أَبِي الْيُمْنِ الْكِنْدِيِّ فِيهِ، وَقَدْ رَمَدَتْ عَيْنُهُ: بِكُلِّ صَبَاحٍ لِي وَكُلِّ عَشِيَّةٍ * وقوف على أبو ابكم وَسَلَامُ وَقَدْ قِيلَ لِي يَشْكُو سَقَامًا بِعَيْنِهِ * فَهَا نَحْنُ مِنْهَا نَشْتَكِي وَنُضَامُ ثُمَّ دَخَلَتْ سنة تسع وستين وخمسمائة قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُنْتَظَمِ: إِنَّهُ سَقَطَ عندهم ببغداد بَرَدٌ كِبَارٌ كَالنَّارَنْجِ، وَمِنْهُ مَا وَزْنُهُ سَبْعَةُ أرطال، ثم أعقب ذلك سيل عظيم، وزيادة عظيمة في دجلة، لم يعهد مثلها أصلاً، فخرب أشياء كثيرة مِنَ الْعُمْرَانِ وَالْقُرَى وَالْمَزَارِعِ، حَتَّى الْقُبُورِ، وَخَرَجَ الناس إلى الصحراء، وكثر الضجيج والابتهال إلى الله حتى فرج الله عزوجل، وتناقصت زيادة الماء بحمد الله ومنه، قال: وأما الموصل فإنه كان بها نحو ما كان ببغداد وَانْهَدَمَ بِالْمَاءِ نَحْوٌ مِنْ أَلْفَيْ دَارٍ، وَاسْتُهْدِمَ بسببه مثل ذلك، وهلك تحت الردم خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَذَلِكَ الْفُرَاتُ زَادَتْ زِيَادَةً عَظِيمَةً، فهلك بسببها شئ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرَى، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِالْعِرَاقِ فِي هذه السنة في الزروع والثمار، ووقع الموت في الغنم، وأصيب كَثِيرٌ مِمَّنْ أَكَلَ مِنْهَا بِالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ ابن الساعي: وفي شوال منها تَوَالَتِ الْأَمْطَارُ بِدِيَارِ بَكْرٍ وَالْمَوْصِلِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وليلة لم يروا الشمس سوى مرتين لحظتين يسيرتين، ثم تستتر بالغيوم، فتهدمت بيوت كثيرة، ومساكن على أهلها، وزادت الدجلة بسبب ذلك زيادة عظيمة، وغرق كَثِيرٌ مِنْ مَسَاكِنِ بَغْدَادَ وَالْمَوْصِلِ، ثُمَّ تَنَاقَصَ الماء بِإِذْنِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي رَجَبٍ وَصَلَ ابْنُ الشهرزوري من عند نُورِ الدِّينِ وَمَعَهُ ثِيَابٌ مِصْرِيَّةٌ، وَحِمَارَةٌ مُلَوَّنَةٌ جلدها مخطط مثل الثوب العتابي.
وفيها عزل ابن الشامي عن تدريس النظامية ووليها أَبُو الْخَيْرِ الْقَزْوِينِيُّ.
قَالَ: وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ اعْتُقِلَ الْمُجِيرُ الْفَقِيهُ
(12/338)

وَنُسِبَ إِلَى الزَّنْدَقَةِ وَالِانْحِلَالِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فغضب له ناس وزكوه وأخرج، وذكر أنه وعظ
بالحدثية فاجتمع عنده قريباً مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
قَالَ ابْنُ السَّاعِي: وَفِيهَا سقط أحمد بن أمير المؤمنين المستضئ من قبة شاهقة إلى الأرض فسلم، ولكن نبت يده اليمنى وساعده اليسرى، وانسلخ شئ مِنْ أَنْفِهِ، وَكَانَ مَعَهُ خَادِمٌ أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ نَجَاحٌ، فَلَمَّا رَأَى سَيِّدَهُ قَدْ سَقَطَ ألقى هو نفسه أيضاً خلفه، وقال: لا حاجة لي في الحياة بَعْدَهُ، فَسَلِمَ أَيْضًا، فَلَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ النَّاصِرِ - وَهُوَ هَذَا الَّذِي قَدْ سَقَطَ - لَمْ يَنْسَهَا لِنَجَاحٍ هَذَا، فَحَكَّمَهُ فِي الدولة وأحسن إليه، وقد كانا صغيرين لما سقطا.
وَفِيهَا سَارَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ نَحْوَ بِلَادِ الرُّومِ وَفِي خِدْمَتِهِ الْجَيْشُ وَمَلِكُ الْأَرْمَنِ وَصَاحِبُ مَلَطْيَةَ، وَخَلْقٌ مِنَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، وَافْتَتَحَ عِدَّةً من حصونهم، وَحَاصَرَ قَلْعَةَ الرُّومِ فَصَالَحَهُ صَاحِبُهَا بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ جِزْيَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى حَلَبَ وَقَدْ وَجَدَ النَّجَاحَ فِي كُلِّ مَا طَلَبَ، ثُمَّ أتى دمشق مسروراً محبوراً.
وفيها كَانَ فَتْحُ بِلَادِ الْيَمَنِ لِلْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ، وكان سبب ذلك أن صلاح الدين بَلَغَهُ أَنَّ بِهَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ النبي بن مهدي، وقد تَغَلَّبَ عَلَيْهَا وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ وَتَسَمَّى بِالْإِمَامِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ سَيَمْلِكُ الْأَرْضَ كُلَّهَا، وَقَدْ كَانَ أَخُوهُ عَلِيُّ بْنُ مَهْدِيٍّ قَدْ تَغَلَّبَ قَبْلَهُ عليها، وَانْتَزَعَهَا مِنْ أَيْدِي أَهْلِ زَبِيدَ، وَمَاتَ سَنَةَ ستين فملكها بعده أخوه هذا، وكل منهما كان سئ السيرة والسريرة، فعزم صَلَاحُ الدِّينِ لِكَثْرَةِ جَيْشِهِ وَقُوَّتِهِ عَلَى إِرْسَالِ سَرِيَّةٍ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَخُوهُ الْأَكْبَرُ شَمْسُ الدَّوْلَةِ شُجَاعًا مَهِيبًا بَطَلًا وَكَانَ مِمَّنْ يُجَالِسُ عُمَارَةَ اليمني الشاعر، وكان عمارة يَنْعَتُ لَهُ بِلَادَ الْيَمَنِ وَحُسْنَهَا وَكَثْرَةَ خَيْرِهَا، فحداه ذلك على أن خرج في تلك السَّرِيَّةِ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَوَرَدَ مكة فَاعْتَمَرَ بِهَا ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى زَبِيدَ، فخرج إليه عبد النبي فهزمه توران شاه، وَأَسَرَهُ وَأَسَرَ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ، وَكَانَتْ ذَاتَ أَمْوَالٍ جزيلة فاستقرها على أشياء جزيلة، وذخائر جليلة، ونهب الجيش زبيد، ثم توجه إلى عدن فقاتله ياسر ملكها فهزمه وَأَسَرَهُ، وَأَخَذَ الْبَلَدَ بِيَسِيرٍ مِنَ الْحِصَارِ، وَمَنَعَ الْجَيْشَ مِنْ نَهْبِهَا، وَقَالَ مَا جِئْنَا لِنُخَرِّبَ الْبِلَادَ، وَإِنَّمَا جِئْنَا لِعِمَارَتِهَا وَمُلْكِهَا، ثُمَّ سَارَ فِي النَّاسِ سِيرَةً حَسَنَةً عَادِلَةً فَأَحَبُّوهُ، ثُمَّ تسلم بقية الحصون والمعاقل والمخالف، وَاسْتَوْسَقَ لَهُ مُلْكُ الْيَمَنِ بِحَذَافِيرِهِ وَأَلْقَى إِلَيْهِ أفلاذ كبده ومطاميره، وخطب للخليفة العباسي المستضئ، وَقَتَلَ الدَّعِيَّ الْمُسَمَّى بِعَبْدِ النَّبِيِّ، وَصَفَتِ الْيَمَنُ مِنْ أَكْدَارِهَا، وَعَادَتْ إِلَى مَا سَبَقَ مِنْ مضمارها، وكتب بذلك إلى الملك الناصر يُخْبِرُهُ بِمَا فَتَحَ
اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ بِذَلِكَ إِلَى نُورِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ نُورُ الدِّينِ بِذَلِكَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُبَشِّرُهُ بِفَتْحِ الْيَمَنِ وَالْخُطْبَةِ بِهَا لَهُ.
وَفِيهَا خَرَجَ الْمُوَفَّقُ خَالِدُ بْنُ الْقَيْسَرَانِيِّ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَقَدْ أَقَامَ بِهَا الْمَلِكُ النَّاصِرُ حِسَابَ الديار المصرية وما خرج من الحواصل حسب ما رَسَمَ بِهِ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ كَمَا تقدَّم، وقد كاد صلاح الدين لَمَّا جَاءَتْهُ الرِّسَالَةُ بِذَلِكَ يُظْهِرُ شَقَّ الْعَصَا ويواجه بالمخالفة والإباء، لكنه عَادَ إِلَى طِبَاعِهِ الْحَسَنَةِ وَأَظْهَرَ الطَّاعَةَ الْمُسْتَحْسَنَةَ، وأمر بكتابة الحساب وتحرير الكتاب والجواب، فبادر إلى ذَلِكَ جَمَاعَةُ الدَّوَاوِينِ وَالْحِسَابِ وَالْكُتَّابُ، وَبَعَثَ مَعَ ابْنَ الْقَيْسَرَانِيِّ بِهَدِيَّةٍ سَنِيَّةٍ وَتُحَفٍ هَائِلَةٍ هَنِيَّةٍ، فَمِنْ ذَلِكَ خَمْسُ خَتَمَاتٍ شَرِيفَاتٍ مُغَطَّاتٍ بِخُطُوطٍ مستويات ; ومائة
(12/339)

عقد من الجواهر النفيسات، خارجاً عن قطع البلخش واليواقيت، وَالْفُصُوصِ وَالثِّيَابِ الْفَاخِرَاتِ، وَالْأَوَانِي وَالْأَبَارِيقِ وَالصِّحَافِ الذَّهَبِيَّاتِ والفضيات، والخيول المسومات، وَالْغِلْمَانِ وَالْجَوَارِي الْحِسَانِ وَالْحَسَنَاتِ، وَمِنَ الذَّهَبِ عَشَرَةُ صَنَادِيقَ مُقَفَّلَاتٍ مَخْتُومَاتٍ، مِمَّا لَا يُدْرَى كَمْ فيها من مئين ألوف ومئات، مِنَ الذَّهَبِ الْمِصْرِيِّ الْمُعَدِّ لِلنَّفَقَاتِ.
فَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لَمْ تَصِلْ إِلَى الشام حتى أن نور الدين مات رحمه الله رب الأرضين والسموات، فأرسل صلاح الدين من ردها إليه وأعادها عليه، وَيُقَالُ إِنَّ مِنْهَا مَا عُدِيَ عَلَيْهِ وَعَلِمَ بِذَلِكَ حِينَ وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
مَقْتَلُ عُمَارَةَ بن أبي الحسن ابن زَيْدَانَ الْحَكَمِيِّ مِنْ قَحْطَانَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُلَقَّبُ بنجم الدين اليمني الفقيه الشاعر الشَّافِعِيُّ، وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ رؤس الدولة الفاطمية الذين كانوا فيها حكاماً فاتفقوا بينهم أن يردوا الدَّوْلَةِ الْفَاطِمِيَّةِ، فَكَتَبُوا إِلَى الْفِرِنْجِ يَسْتَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِمْ، وعينوا خليفة من الْفَاطِمِيِّينَ، وَوَزِيرًا وَأُمَرَاءَ وَذَلِكَ فِي غَيْبَةِ السُّلْطَانِ بِبِلَادِ الْكَرَكِ، ثُمَّ اتَّفَقَ مَجِيئُهُ فَحَرَّضَ عُمَارَةُ اليمني شمس الدولة توران شاه عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْيَمَنِ لِيَضْعُفَ بِذَلِكَ الْجَيْشُ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْفِرِنْجِ، إِذَا قَدِمُوا لِنُصْرَةِ الْفَاطِمِيِّينَ، فخرج توران شاه وَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ عُمَارَةُ، بَلْ أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ يُفِيضُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَيُدَاخِلُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِيهِ ويصافيهم، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الدُّعَاةِ إِلَيْهِ وَالْمُحَرِّضِينَ عَلَيْهِ، وقد أدخلوا معهم
فيه بعض من ينسب إلى صلاح الدين، وذلك من قلة عقولهم وتعجيل دمارهم، فَخَانَهُمْ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهِ وَهُوَ الشَّيْخُ زين الدين علي بن نجا الواعظ، فإنه أخبر السلطان بما تمالؤا وتعاقدوا عليه، فأطلق له السلطان أموال جَزِيلَةً، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ حُلَلًا جَمِيلَةً، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُمُ السلطان واحداً واحداً فقررهم فأقروا بِذَلِكَ، فَاعْتَقَلَهُمْ ثُمَّ اسْتَفْتَى الْفُقَهَاءَ فِي أَمْرِهِمْ فأفتوه بقتلهم، ثم عند ذلك أمر بقتل رؤسهم وَأَعْيَانِهِمْ، دُونَ أَتْبَاعِهِمْ وَغِلْمَانِهِمْ، وَأَمَرَ بِنَفْيِ مَنْ بقي من جيش العبيد؟ ن إِلَى أَقْصَى الْبِلَادِ، وَأَفْرَدَ ذَرِّيَّةَ الْعَاضِدِ وَأَهْلَ بيته في دار، فلا يصل إليه إصلاح ولا إفساد، وأجرى عليهم ما يليق بهم من الأرزاق والثياب، وكان عمارة معادياً للقاضي الفاضل، فلما حضر عمارة بين يدي السلطان قام القاضي الفاضل إلى السلطان لِيَشْفَعَ فِيهِ عِنْدَهُ فَتَوَهَّمَ عُمَارَةُ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِيهِ، فَقَالَ: يَا مَوْلَانَا السُّلْطَانُ لَا تَسْمَعْ منه، فغضب الْفَاضِلُ وَخَرَجَ مِنَ الْقَصْرِ، فَقَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: إنه إنما كان يشفع فِيكَ، فَنَدِمَ نَدَمًا عَظِيمًا.
وَلَمَّا ذُهِبَ بِهِ ليصلب مر بدار الفاضل فَطَلَبَهُ فَتَغَيَّبَ عَنْهُ فَأَنْشَدَ: عَبْدُ الرَّحِيمِ قَدِ احْتَجَبْ * إِنَّ الْخَلَاصَ هُوَ الْعَجَبْ قَالَ ابْنُ أبي طي: وكان الذين صلبوا الفضل بن الكامل القاضي، وهو أبو القاسم هبة الله ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَامِلٍ قَاضِي قُضَاةِ الدِّيَارِ المصرية زمن الفاطميين، ويلقب بفخر الأمناء، فكان أول
(12/340)

من صلب فيما قاله العماد، وَقَدْ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى فَضِيلَةٍ وَأَدَبٍ، وَلَهُ شِعْرٌ رَائِقٌ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي غُلَامٍ رفاء: يا رافيا خرق كل ثوب * وما رفا (1) حُبُّهُ اعْتِقَادِي عَسَى بِكَفِّ الْوِصَالِ تَرْفُو * مَا مَزَّقَ الْهَجْرُ مِنْ فُؤَادِي وَابْنَ عَبْدِ الْقَوِيٍّ دَاعَيَ الدُّعَاةِ، وَكَانَ يَعْلَمُ بِدَفَائِنِ الْقَصْرِ فَعُوقِبَ ليدل عليها، فامتنع من ذلك فمات واندرست.
والعويرس وهو ناظر الديوان، وتولى مع ذلك القضاء.
وشبريا وهو كاتب السر.
وعبد الصمد الكاتب وهو أحد أمراء المصريين، ونجاح الحمامي ومنجم نصراني كَانَ قَدْ بَشَّرَهُمْ بِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ يَتِمُّ بعلم النجوم.
وعمارة اليمني الشاعر وكان عمارة شاعراً مطيقاً بَلِيغًا فَصِيحًا، لَا يُلْحَقُ شَأْوُهُ فِي هَذَا الشأن، وله ديوان شعر مشهور وقد ذكرته في طبقات الشافعية لأنه كان يشتغل بمذهب الشافعي، وله مصنف فِي الْفَرَائِضِ، وَكِتَابُ الْوُزَرَاءِ الْفَاطِمِيِّينَ، وَكِتَابٌ جَمَعَ سِيرَةَ نَفِيسَةَ الَّتِي كَانَ يَعْتَقِدُهَا عَوَّامُّ مِصْرَ، وقد كان أديباً فاضلاً فقيهاً، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى مُوَالَاةِ الْفَاطِمِيِّينَ، وَلَهُ فِيهِمْ وَفِي وُزَرَائِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ مَدَائِحُ كَثِيرَةٌ جداً وأقل ما كان ينسب إلى الرفض، وقد اتهم بالزندقة والكفر الْمَحْضِ، وَذَكَرَ الْعِمَادُ فِي الْخَرِيدَةِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا (2) : الْعِلْمُ مُذْ كَانَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْعَلَمِ * وَشَفْرَةُ السَّيْفِ تَسْتَغْنِي عَنِ الْقَلَمِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ جِدًّا، فِيهَا كفر وزندقة كثيرة.
قال وفيها: قَدْ كَانَ أَوَّلُ هَذَا الدِّينِ مِنْ رَجُلٍ * سَعَى إِلَى أَنْ دَعَوْهُ سَيِّدَ الْأُمَمِ قَالَ العماد فأفتى أهل العلم من أهل مصر بقتله، وحرضوا السلطان على المثلة به وبمثله، قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَيْتُ مَعْمُولًا عليه والله أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ السَّاعِي شَيْئًا مِنْ رَقِيقِ شِعْرِهِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ يَمْدَحُ بَعْضَ الملوك: إذا (3) قابلت بشرى جبينه * فارقته والبشر فوق جبيني
__________
(1) في الروضتين 1 / 2 / 571: ويا رشا.
(2) انظر مفرج الكروب 1 / 238 - 240 والروضتين 1 / 2 / 552 - 553 - النكت العصر؟ ة ص 352.
(3) أوله في الروضتين 1 / 2 / 572: ملك إذا ... (*)
(12/341)

وإذا لثمت يمينه وخرجت من * بابه (1) لثم الملوك يميني ومن ذلك قوله (2) : لِي فِي هَوَى الرَّشَأِ الْعُذْرِيِّ أَعْذَارُ * لَمْ يبق لي مدا قسر (3) الدَّمْعُ إِنْكَارُ لِي فِي الْقُدُودِ وَفِي لَثْمِ الخدو * د وَفِي ضَمِّ النُّهُودِ لُبَانَاتٌ وَأَوْطَارُ
هَذَا اخْتِيَارِي فوافق إن رضيت به * وإلا فدعني لما أهوى وأختار ومما أنشده الْكِنْدِيُّ (4) فِي عُمَارَةَ الْيَمَنِيِّ حِينَ صُلِبَ: عُمَارَةُ في الإسلام أبدى جناية * وَبَايَعَ فِيهَا بَيْعَةً وَصَلِيبَا وَأَمْسَى شَرِيكَ الشِّرْكِ في بعض أحمد * وأصبح في حب الصليب صليبا (5) سيلقى غداً ما كان يسعى لنفسه * وَيُسْقَى صَدِيدًا فِي لَظًى وَصَلِيبَا قَالَ الشَّيْخُ أبو شامة: فَالْأَوَّلُ صَلِيبُ النَّصَارَى، وَالثَّانِي بِمَعْنَى مَصْلُوبٍ، وَالثَّالِثُ بِمَعْنَى الْقَوِيِّ، وَالرَّابِعُ وَدَكُ الْعِظَامِ.
وَلَمَّا صَلَبَ الملك الناصر هؤلاء يَوْمَ السَّبْتِ الثَّانِي مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ مِنَ الْقَاهِرَةِ، كَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ يُعْلِمُهُ بِمَا وَقَعَ منهم وبهم مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ، قَالَ الْعِمَادُ: فَوَصَلَ الْكِتَابُ بِذَلِكَ يَوْمَ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ رَحِمَهُ الله تعالى، وكذلك قتل صَلَاحُ الدِّينِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُقَالُ له قديد القفاجي، كان قَدِ افْتَتَنَ بِهِ النَّاسُ، وَجَعَلُوا لَهُ جُزْءًا مِنْ أَكْسَابِهِمْ، حَتَّى النِّسَاءُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ، فَأُحِيطَ به فأراد القفاجي الخلاص ولات حين مناص، فقتل أسوة فيمن سلف، وَمِمَّا وُجِدَ مِنْ شِعْرِ عُمَارَةَ يَرْثِي الْعَاضِدَ ودولته وأيامه.
أسفي على زمان (6) الْإِمَامِ الْعَاضِدِ * أَسَفُ الْعَقِيمِ عَلَى فِرَاقِ الْوَاحِدِ لَهْفِي عَلَى حُجُرَاتِ قَصْرِكَ إِذْ خَلَتْ * يَا بن النَّبِيِّ مِنَ ازْدِحَامِ الْوَافِدِ وَعَلَى انْفِرَادِكَ مِنْ عساكرك التي * كانوا كأمواج الخضم الراكد قلدت مؤتمن أمرهم فكبا * وقصر عن صلاح الفاسد
__________
(1) في الروضتين: أبوابه.
(2) من قصيدة يمدح بها شمس الدولة أخا الناصر صلاح الدين (النكت العصرية: 264) .
(3) في الكامل والروضتين: مذ أقر.. (4) وهو العلامة تَاجُ الدِّينِ أَبُو الْيُمْنِ، زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بن زيد الكندي البغدادي المولد والمنشأ، الدمشقي الدار والوفاة المقرئ النحوي الاديب توفي سنة 613 ; ومولده سنة 520.
(5) وبعده في الروضتين: 1 / 2 / 566.
وَكَانَ خَبِيثَ الْمُلْتَقَى إِنْ عَجَمْتَهُ * تَجِدْ مِنْهُ عوداً في النفاق صليبا (6) في الروضتين: زمن.
(*)
(12/342)

فعسى الليالي أن ترد إليكم * مَا عَوَّدَتْكُمْ مِنْ جَمِيلِ عَوَائِدِ وَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ قَصِيدَةٍ: يَا عَاذِلِي فِي هَوَى أَبْنَاءِ فَاطِمَةٍ * لَكَ الْمَلَامَةُ إِنْ قَصَّرْتَ فِي عَذْلِي بالله زر ساحة القصرين وابك معي * لا على صفين ولا الجمل (1) وَقُلْ لِأَهْلِهِمَا وَاللَّهِ مَا الْتَحَمَتْ * فَيكُمْ قُرُوحِي وَلَا جُرْحِي بِمُنْدَمِلِ مَاذَا تَرَى كَانَتِ الْإِفْرِنْجُ فاعلة * في نسل ابني أمير المؤمنين علي وقد أورد له الشيخ أبو شامة في الروضتين أشعارا كثيرة من مدائحه في الفاطميين، وكذا ابن خلكان.
ابن قسرول صاحب كتاب مطالع الأنوار، وضعه على كِتَابِ مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ بِلَادِهِ وَفُضَلَائِهِمُ الْمَشْهُورِينَ، مَاتَ فَجْأَةً بَعْدَ صلاة الجمعة سادس شوال منها عَنْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً قَالَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل في وفاة الملك نور الدين محمود زنكي وذكر شئ من سيرته العادلة
هُوَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ نُورُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ الْمَلِكِ الْأَتَابِكِ قَسِيمِ الدَّوْلَةِ عِمَادِ الدِّينِ أَبِي سَعِيدٍ زَنْكِيٍّ الْمُلَقَّبِ بِالشَّهِيدِ بْنِ الملك آقسنقر الأتابك الملقب بقسيم الدولة التُّرْكِيُّ السَّلْجُوقِيُّ مَوْلَاهُمْ، وُلِدَ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْأَحَدِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِحَلَبَ، وَنَشَأَ فِي كَفَالَةِ وَالِدِهِ صَاحِبِ حَلَبَ وَالْمَوْصِلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ البلدان الكثيرة الكبيرة، وتعلم
القرآن والفروسية وَالرَّمْيَ، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا ذَا هِمَّةٍ عَالِيَةٍ، وقصد صالح، وحرمة وافرة وديانة بينة، فَلَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَهُوَ مُحَاصِرٌ جَعْبَرَ كَمَا ذَكَرْنَا، صَارَ الْمُلْكُ بِحَلَبَ إلى ابنه نور الدين هَذَا، وَأَعْطَاهُ أَخُوهُ سَيْفُ الدِّينِ غَازِيٌّ الْمَوْصِلَ، ثم تقدم، ثم افتتح دِمَشْقَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ فَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا وَبَنَى لَهُمُ الْمَدَارِسَ وَالْمَسَاجِدَ وَالرُّبُطَ، وَوَسَّعَ لهم الطرق على المارة، وبنى
__________
(1) العجز في الروضتين: عليهما، لا على صفين والجمل.
(*)
(12/343)

عليها الرصافات ووسع الأسواق، ووضع المكوس بدار الغنم والبطيخ والعرصد، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ والفقراء ويكرمهم ويحترمهم، ويحسن إليهم، وكان يقوم فِي أَحْكَامِهِ بِالْمَعْدِلَةِ الْحَسَنَةِ، وَاتِّبَاعِ الشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ، وَيَعْقِدُ مَجَالِسَ الْعَدْلِ وَيَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ، وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ في ذلك القاضي والفقهاء والمفتيون مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ، وَيَجْلِسُ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ بِالْمَسْجِدِ الْمُعَلَّقِ، الَّذِي بِالْكُشْكِ، لِيَصِلَ إِلَيْهِ كُلُّ واحد من المسلمين وأهل الذمة، حتى يساويهم، وَأَحَاطَ السُّورَ عَلَى حَارَةِ الْيَهُودِ، وَكَانَ خَرَابًا، وأغلق باب كسان وفتح باب الفرج، ولم يكن هناك قبله بَابٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَظْهَرَ بِبِلَادِهِ السُّنَّةَ وَأَمَاتَ الْبِدْعَةَ، وَأَمَرَ بِالتَّأْذِينِ بِحَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَلَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ بِهِمَا فِي دَوْلَتِي أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُؤَذَّنُ بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ لِأَنَّ شِعَارَ الرَّفْضِ كَانَ ظَاهِرًا بِهَا، وَأَقَامَ الْحُدُودَ وَفَتَحَ الْحُصُونَ، وَكَسَرَ الْفِرِنْجَ مراراً عديدة، وَاسْتَنْقَذَ مِنْ أَيْدِيهِمْ مَعَاقِلَ كَثِيرَةً مِنَ الْحُصُونِ الْمَنِيعَةِ الَّتِي كَانُوا قَدِ اسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا مِنْ معاقل الْمُسْلِمِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي السِّنِينَ المتقدمة، وأقطع الْعَرَبِ إِقْطَاعَاتٍ لِئَلَّا يَتَعَرَّضُوا لِلْحَجِيجِ، وَبَنَى بِدِمَشْقَ مارستاناً لَمْ يُبْنَ فِي الشَّامِ قَبْلَهُ مِثْلُهُ وَلَا بَعْدَهُ أَيْضًا، وَوَقَفَ وَقْفًا عَلَى مَنْ يُعَلِّمُ الأيتام الخط والقراءة، وجعل لهم نفقة وكسوة، وعلى المجاورين بالحرمين وله أوقاف دارة على جميع أبواب الخير، وعلى الأرامل والمحاويج، وَكَانَ الْجَامِعُ دَاثِرًا فَوَلَّى نَظَرَهُ الْقَاضِيَ كَمَالَ الدين محمد بن عبد الله الشهزوري الموصلي، الذي قدم به فولاه قضاء قضاة دمشق، فَأَصْلَحَ أُمُورَهُ وَفَتَحَ الْمَشَاهِدَ الْأَرْبَعَةَ، وَقَدْ كَانَتْ حواصل الجامع بها من حين احترقت في سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَضَافَ إِلَى أَوْقَافِ الْجَامِعِ الْمَعْلُومَةِ الْأَوْقَافَ الَّتِي لَا
يُعْرَفُ وَاقِفُوهَا، وَلَا يُعْرَفُ شُرُوطُهُمْ فِيهَا، وَجَعَلَهَا قَلَمًا وَاحِدًا، وسمى مال المصالح، ورتب عَلَيْهِ لِذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَرَامِلِ وَالْأَيْتَامِ وما أشبه ذلك.
وقد كان رحمه الله حَسَنَ الْخَطِّ كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ لِلْكُتُبِ الدِّينِيَّةِ، مُتَّبِعًا لِلْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ، مُحَافِظًا عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَاتِ، كَثِيرَ التِّلَاوَةِ مُحِبًّا لِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ، عَفِيفَ الْبَطْنِ والفرج مقتصداً في الإنفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس، حتى قيل: إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلا نفقة منه من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا، ولم يسمع مِنْهُ كَلِمَةُ فُحْشٍ قَطُّ، فِي غَضَبٍ وَلَا رضى، صموتاً وقوراً.
قال ابن الأثير: لَمْ يَكُنْ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ، وَلَا أَكْثَرُ تَحَرِّيًا للعدل والإنصاف منه، وَكَانَتْ لَهُ دَكَاكِينُ بِحِمْصَ قَدِ اشْتَرَاهَا مِمَّا يخصه من المغانم، فكان يقتات منها، وزاد امرأته من كراها على نفقتها عليها، واستفتى العلماء في مقدار ما يحل له من بيت المال فكان يتناوله ولا يزيد عليه شيئاً، ولو مات جوعاً، وكان يكثر اللعب بالكرة فعاتبه رجل من كبار الصالحين في ذلك فقال: إنما الأعمال بالنيات، وإنما أريد بذلك تمرين الخيل على الكر والفر، وتعليمها ذلك، ونحن لا نترك الجهاد، وكان لا يلبس الحرير، وكان يأكل من كسب يده بسيفه ورمحه، وَرَكِبَ يَوْمًا مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَالشَّمْسُ فِي ظهورهما والظل بَيْنَ أَيْدِيهِمَا لَا يُدْرِكَانِهِ ثُمَّ رَجَعَا فَصَارَ الظل وراءهما ثم ساق نور الدين فرسه سوقاً عنيفاً وظله يتبعه، فقال لصاحبه: أتدري ما شبهت هذا الذي نحن فيه؟ شبهته بِالدُّنْيَا تَهْرُبُ مِمَّنْ
(12/344)

يَطْلُبُهَا، وَتَطْلُبُ مَنْ يَهْرُبُ مِنْهَا، وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى: مَثَلُ الرِّزْقِ الَّذِي تطلبه * مثل الظل يمشي معك أنت لا تدركه مستعجلاً * فَإِذَا وَلَّيْتَ عَنْهُ تَبِعَكْ وَكَانَ فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَأَسْمَعَهُ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ مِنْ وَقْتِ السَّحَرِ إِلَى أَنْ يَرْكَبَ: جَمَعَ الشَّجَاعَةَ وَالْخُشُوعَ لَدَيْهِ (1) * مَا أحسن الشجعان فِي الْمِحْرَابِ وَكَذَلِكَ كَانَتْ زَوْجَتُهُ عِصْمَتُ الدِّينِ خاتون بنت الأتابك معين الدين تكثر القيام في اللَّيْلِ
فَنَامَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَنْ وِرْدِهَا فَأَصْبَحَتْ وهي غضبى، فسألها نور الدين عن أمرها فذكرت نومها الذي فوت عليها وردها، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب طبلخانة في القلعة وقت السحر لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل، وأعطى الضارب على الطبلخانة أجراً جزيلاً، وجراية كثيرة.
فألبس اللَّهُ هَاتِيكَ الْعِظَامَ وَإِنْ * بَلِينَ تَحْتَ الثَّرَى عَفْوًا وَغُفْرَانَا سَقَى ثَرًى أُودِعُوهُ رَحْمَةً مَلَأَتْ * مَثْوَى قُبُورِهِمُ رَوْحًا وَرَيْحَانَا وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أن الملك نور الدين بينما هو ذات يوم يَلْعَبُ بِالْكُرَةِ إِذْ رَأَى رَجُلًا يُحَدِّثُ آخَرَ ويومئ إلى نور الدين، فَبَعَثَ الْحَاجِبَ لِيَسْأَلَهُ مَا شَأْنُهُ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ مَعَهُ رَسُولٌ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ، وَهُوَ يزعم أن له على نور الدين حقاً يريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما رجع الحاجب إلى نور الدين وأعلمه بِذَلِكَ أَلْقَى الْجُوكَانَ مِنْ يَدِهِ، وَأَقْبَلَ مَعَ خصمه ماشياً إلى القاضي الشهرزوري، وأرسل نور الدين إلى القاضي أَنْ لَا تُعَامِلَنِي إِلَّا مُعَامَلَةَ الْخُصُومِ، فَحِينَ وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي، حتى انفصلت الخصومة والحكومة، ولم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فَلَمَّا تَبَيَّنَ ذَلِكَ قَالَ السُّلْطَانُ إِنَّمَا جِئْتُ مَعَهُ لِئَلَّا يَتَخَلَّفَ أَحَدٌ عَنِ الْحُضُورِ إِلَى الشرع إذا دعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا شجنكية لرسول الله صلى الله على وسلم ولشرعه فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه، فما أمر به امتثلناه، وما نهانا عنه اجتنبناه، وأنا أعلم أنه لا حق للرجل عِنْدِي، وَمَعَ هَذَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ مَلَّكْتُهُ ذلك الذي ادعى به ووهبته له.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ ابْتَنَى داراً للعدل، وكان يجلس فيها في الأسبوع مرتين، وقيل أربع مرات، وقيل خمس.
ويحضر القاضي الفقهاء من سائر المذاهب، ولا يحجبه يومئذ حاجب ولا غيره بل يصل إليه القوي والضعيف، فكان يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه، فيكشف المظالم، وينصف المظلوم من الظالم، وكان سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَسَدَ الدِّينِ شِيرَكُوهْ بْنَ شادي كان قد عظم شأنه عند
__________
(1) في الكامل 11 / 403 وتاريخ أبي الفداء 3 / 55: لربه ... ما أحسن المحراب.
(*)
(12/345)

نور الدين، حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي الْمَمْلَكَةِ، وَاقْتَنَى الأملاك والأموال والمزارع
والقرى، وكان ربما ظلم نوابه جيرانه في الأراضي والأملاك العدل، وَكَانَ الْقَاضِي كَمَالُ الدِّينِ يُنْصِفُ كُلَّ مَنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَرَاءِ إِلَّا أَسَدَ الدِّينِ هذا فما كان يهجم عليه، فلما ابتنى نُورُ الدِّينِ دَارَ الْعَدْلِ تَقَدَّمَ أَسَدُ الدِّينِ إِلَى نُوَّابِهِ أَنْ لَا يَدَعُوَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ ظلامة، وإن كانت عظيمة، فإن زوال ماله عنده أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرَاهُ نُورُ الدِّينِ بِعَيْنِ ظَالِمٍ، أَوْ يُوقِفَهُ مَعَ خَصْمٍ مِنَ الْعَامَّةِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا جَلَسَ نُورُ الدِّينِ بدار العدل مدة متطاولة ولم ير أحداً يستعدي على أسد الدين، سأل الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ بِصُورَةِ الْحَالِ، فَسَجَدَ نُورُ الدِّينِ شُكْرًا لِلَّهِ، وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي أصحابنا ينصفون من أنفسهم وأما شجاعته فيقال: أنه لم ير على ظهر فرس قط أشجع ولا أثبت منه، وكان حسن اللعب بالكرة وكان ربما ضَرَبَهَا ثُمَّ يَسُوقُ وَرَاءَهَا وَيَأْخُذُهَا مِنَ الْهَوَى بِيَدِهِ، ثُمَّ يَرْمِيهَا إِلَى آخِرِ الْمَيْدَانِ، وَلَمْ يُرَ جُوكَانُهُ يَعْلُو عَلَى رَأْسِهِ، وَلَا يُرَى الْجُوكَانُ فِي يَدِهِ، لِأَنَّ الْكُمَّ سَاتِرٌ لَهَا، وَلَكِنَّهُ اسْتِهَانَةٌ بِلَعِبِ الْكُرَةِ وَكَانَ شُجَاعًا صَبُورًا فِي الْحَرْبِ، يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ: قَدْ تَعَرَّضْتُ لِلشَّهَادَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ فلم يتفق لي ذلك، ولو كان فيّ خير ولي عند الله قيمة لرزقنيها، والأعمال بالنية.
وقال له يوماً قُطْبُ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ: بِاللَّهِ يَا مَوْلَانَا السُّلْطَانُ لَا تُخَاطِرْ بِنَفْسِكَ، فَإِنَّكَ لَوْ قُتِلْتَ قُتِلَ جميع من معك، وأخذت البلاد، وفسد حال المسلمين.
فقال: له اسكت يا قطب الدين فإن قولك إساءة أدب على الله، ومن هو محمود؟ من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ ومن هو محمود؟ قال فبكى من كان حاضراً رحمه الله.
وقد أسر بنفسه في بعض الغزات بعض ملوك الإفرنج فَاسْتَشَارَ الْأُمَرَاءَ فِيهِ هَلْ يَقْتُلُهُ أَوْ يَأْخُذُ ما يبذل من المال؟ وكان قد بذل له في فداء نفسه مالاً كثيراً، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ثُمَّ حَسُنَ فِي رَأْيِهِ إِطْلَاقُهُ وأخذ الفداء منه، فبعث إلى بلده من خلاصته من يأتيه بما افتدى به نفسه، فجاء به سريعاً فأطلقه نور الدين، فحين وصل إلى بلاده مات ذلك الملك ببلده، فأعجب ذلك نور الدين وأصحابه، وبنى من ذلك المال المارستان الذي بدمشق، وليس له في البلاد نظير، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنَّهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ بَعْضُ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي يَعِزُّ وُجُودُهَا إلى فِيهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ، وَمَنْ
جَاءَ إليه فَلَا يُمْنَعُ مِنْ شَرَابِهِ، وَلِهَذَا جَاءَ إِلَيْهِ نُورُ الدِّينِ وَشَرِبَ مِنْ شَرَابِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قُلْتُ: وَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ إِنَّهُ لَمْ تَخْمُدْ مِنْهُ النَّارُ مُنْذُ بُنِيَ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا فالله أعلم.
وقد بنى الخانات الكثيرة في الطرقات وَالْأَبْرَاجَ، وَرَتَّبَ الْخُفَرَاءَ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَخُوفَةِ، وَجَعَلَ فيها الحمام الهوادي التي تطلعه على الأخبار في أسرع مدة، وبنى الربط والخانقات، وكان يجمع الفقهاء عنده والمشايخ والصوفية ويكرمهم ويعظمهم وكان يحب الصالحين، وقد نال بعض الأمراء مرة عنده من بعض الفقهاء، وَهُوَ قُطْبُ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ، فَقَالَ لَهُ نُورُ الدِّينِ: وَيْحَكَ إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فله من
(12/346)

الحسنات الكثيرة الماحية لذلك مَا لَيْسَ عِنْدَكَ مِمَّا يُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئَاتِ مَا ذَكَرْتَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، عَلَى أَنِّي وَاللَّهِ لَا أُصَدِّقُكَ، وَإِنْ عُدْتَ ذَكَرْتَهُ أَوْ أحداً غيره عندي بسوء لأوذينك، فكف عنه ولم يذكره بعد ذلك.
وقد ابتنى بدمشق داراً لاستماع الْحَدِيثِ وَإِسْمَاعِهِ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَنَى دَارَ حَدِيثٍ، وَقَدْ كَانَ مَهِيبًا وقوراً شديد الهيبة في قلوب الأمراء، لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ يَجْلِسُ بِلَا إِذْنٍ سِوَى الْأَمِيرِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ، وَأَمَّا أَسَدُ الدِّينِ شِيرَكُوهْ وَمَجْدُ الدِّينِ بن الداية نائب حلب، وغيرهما من الأكابر فكانوا يقفون بين يديه، ومع هذا كان إذا دخل أحد من الفقهاء أو الفقراء قام له ومشى خطوات وأجلسه معه على سجادته فِي وَقَارٍ وَسُكُونٍ، وَإِذَا أَعْطَى أَحَدًا مِنْهُمْ شيئاً مستكثراً يقول: هؤلاء جند الله وبدعائهم ننصر على الأعداء، ولهم فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقٌّ أَضْعَافُ مَا أُعْطِيهِمْ، فإذا رضوا منا ببعض حقهم فَلَهُمُ الْمِنَّةُ عَلَيْنَا.
وَقَدْ سُمِّعَ عَلَيْهِ جُزْءُ حَدِيثٍ وَفِيهِ " فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَلِّدًا السَّيْفَ " فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ مِنْ تغيير عادات الناس لما ثبت عنه عليه السلام، وكيف يربط الأجناد والأمراء على أوساطهم ولا يفعلون كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَمَرَ الْجُنْدَ بِأَنْ لَا يَحْمِلُوا السُّيُوفَ إِلَّا متقلديها، ثم خرج هو فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إِلَى الْمَوْكِبِ وَهُوَ مُتَقَلِّدُ السيف وجميع الجيش كذلك، يريد بذلك الِاقْتِدَاءَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرحمه الله.
وَقَصَّ عَلَيْهِ وَزِيرُهُ مُوَفَّقُ الدِّينِ خَالِدُ بْنُ محمد بن نصر القيسراني الشاعر أنه رأى في منامه كأنه يغسل ثياب الملك نور الدين، فأمره بأن يَكْتَبَ مَنَاشِيرَ بِوَضْعِ الْمُكُوسِ وَالضَّرَائِبِ عَنِ الْبِلَادِ، وقال له
هذا تأويل رؤياك.
وكتب إلى الناس ليكون مِنْهُمْ فِي حِلٍّ مِمَّا كَانَ أَخَذَ مِنْهُمْ، ويقول لهم إنما صرف ذلك في قتال أعدائكم من الكفرة والذب عن بلادكم ونسائكم وأولادكم.
وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى سَائِرِ مَمَالِكِهِ وَبُلْدَانِ سُلْطَانِهِ، وَأَمَرَ الْوُعَّاظَ أَنْ يَسْتَحِلُّوا لَهُ مِنَ التُّجَّارِ، وكان يقول في سجوده: اللهم ارحم المكاس العشار الظالم محمود الكلب، وَقِيلَ إِنَّ بُرْهَانَ الدِّينِ الْبَلْخِيَّ أَنْكَرَ عَلَى الملك نور الدين في استعانته في حروب الكفار بأموال المكوس، وقال له مرة: كَيْفَ تُنْصَرُونَ وَفِي عَسَاكِرِكُمُ الْخُمُورُ وَالطُّبُولُ وَالزَّمُورُ؟ ويقال إن سبب وضعه المكوس عن البلاد أَنَّ الْوَاعِظَ أَبَا عُثْمَانَ الْمُنْتَخَبَ بْنَ أَبِي محمد الواسطي - وكان من الصالحين الكبار، وكان هذا الرجل ليس له شئ ولا يقبل من أحد شيئاً، إنما كانت له جبة يلبسها إذا خرج مجلس وعظه، وكان يجتمع في مجلس وعظه الألوف من الناس - أنشد نور الدين أبياتاً تتضمن ما هو متلبس به في ملكه، وفيها تخويف وتحذير شديد له: مَثِّلْ وُقُوفَكَ أَيُّهَا الْمَغْرُورُ * يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَمُورُ إِنْ قِيلَ نُورُ الدِّينِ رُحْتَ مُسَلِّمًا * فَاحْذَرْ بِأَنْ تَبْقَى وَمَا لَكَ نُورُ أَنْهَيْتَ عن شرب الخمور وأنت في * كأس المظالم طائش مَخْمُورُ عَطَّلْتَ كَاسَاتِ الْمُدَامِ تَعَفُّفًا * وَعَلَيْكَ كَاسَاتُ الْحَرَامِ تَدُورُ مَاذَا تَقُولُ إِذَا نُقِلْتَ إِلَى البلى * فرداً وجاءك منكر ونكير؟
(12/347)

ماذا تقول إذا وقفت بموقف * فرداً ذليلا وا؟ حساب عسير؟ وَتَعَلَّقَتْ فَيكَ الْخُصُومُ وَأَنْتَ فِي * يَوْمِ الْحِسَابِ مسلسل مَجْرُورُ وَتَفَرَّقَتْ عَنْكَ الْجُنُودُ وَأَنْتَ فِي * ضِيقِ القبور مُوَسَّدٌ مَقْبُورُ وَوَدِدْتَ أَنَّكَ مَا وَلِيتَ وِلَايَةً * يَوْمًا وَلَا قَالَ الْأَنَامُ أَمِيرُ وَبَقِيُتَ بَعْدَ الْعِزِّ رَهْنَ حُفَيْرَةٍ * فِي عَالَمِ الْمَوْتَى وَأَنْتَ حَقِيرُ وَحُشِرْتَ عُرْيَانًا حَزِينًا بَاكِيًا * قَلِقًا وَمَا لَكَ فِي الْأَنَامِ مُجِيرُ أَرَضِيتَ أَنْ تَحْيَا وَقَلْبُكَ دَارِسٌ * عَافِي الْخَرَابِ وَجِسْمُكَ الْمَعْمُورُ
أَرَضِيتَ أن يحظى سواك بقربه * أبداً وأنت معذب مَهْجُورُ مَهِّدْ لِنَفْسِكَ حُجَّةً تَنْجُو بِهَا * يَوْمَ المعاد ويوم تبدو العور فلما سمع نور الدين هذه الأبيات بكى بكاء شديداً، وأمر بوضع المكوس والضرائب في سائر البلاد.
وكتب إليه الشيخ عمر الملا من الموصل - وكان قد أمر الولاة والأمراء بِهَا أَنْ لَا يَفْصِلُوا بِهَا أَمْرًا حَتَّى يعلموا الملا به، فما أمرهم به من شئ امْتَثَلُوهُ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الزَّاهِدِينَ، وَكَانَ نُورُ الدين يستقرض منه في كل رمضان ما يفطر عليه، وكان يرسل إليه بفتيت ورقاق فيفطر عليه جميع رمضان - فكتب إليه الشيخ عمر بن الملا هذا: إن المفسدين قد كثروا، ويحتاج إلى سياسة ومثل هذا الا يجئ إلا بقتل وصلب وضرب، وإذا أخذ إنسان في البرية من يجئ يشهد له؟ فكتب إليه الملك نور الدين علي ظهر كتابه: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ وَشَرَعَ لَهُمْ شَرِيعَةً وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُهُمْ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا، فلا حاجة بنا إِلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكملها بزيادته، وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه، والعقول المظلمة لا تهتدي، والله سبحانه يهدينا وإياك إلى صراط مستقيم.
فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا جمع الناس بالموصل وقرأ عليهم الكتاب وجعل يقول: انْظُرُوا إِلَى كِتَابِ الزَّاهِدِ إِلَى الْمَلِكِ، وَكِتَابِ الْمَلِكِ إِلَى الزَّاهِدِ.
وَجَاءَ إِلَيْهِ أَخُو الشَّيْخِ أبي البيان يستعديه على رجل أنه سبه ورماه بأنه يرائي وأنه وأنه، وجعل يبالغ في الشكاية عليه، فَقَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قالوا سلاما) [الفرقان: 63] وقال (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الاعراف: 199] فسكت الشيخ ولم يحر جواباً.
وقد كان نور الدين يعتقده ويعتقد أخاه أبا البيان، وأتاه زائراً مرات، ووقف عليه وقفاً.
وقال الفقيه أبو الفتح الأشري مُعِيدُ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ سِيرَةً مختصرة لنور الدين، قال: وكان نور الدين محافظاً عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا فِي جَمَاعَةٍ بِتَمَامِ شروطها والقيام بها بأركانها والطمأنينة في ركوعها وسجودها، وكان كثير الصلاة بالليل، كثير الابتهال في الدعاء والتضرع إلى الله عزوجل فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا.
قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ دخلوا بلاد القدس
(12/348)

للزيارة أيام أخذ القدس الفرنج فسمعهم يقولون: إن القسيم ابْنُ الْقَسِيمِ - يَعْنُونُ نُورَ الدِّينِ - لَهُ مَعَ الله سر، فإنه لم يظفر وينصر عَلَيْنَا بِكَثْرَةِ جُنْدِهِ وَجَيْشِهِ، وَإِنَّمَا يَظْفَرُ عَلَيْنَا وينصر بِالدُّعَاءِ وَصَلَاةِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَيَرْفَعُ يده إلى الله ويدعو فإنه يستجيب له ويعطيه سؤله فَيَظْفَرُ عَلَيْنَا.
قَالَ: فَهَذَا كَلَامُ الْكُفَّارِ فِي حقه.
وحكى الشيخ أبو شامة أن نُورَ الدِّينِ وَقَفَ بُسْتَانَ الْمَيْدَانِ سِوَى الْغَيْضَةِ الَّتِي تَلِيهِ نِصْفَهُ عَلَى تَطْيِيبِ جَامِعِ دِمَشْقَ، والنصف الآخر يقسم عشرة أجزاء جزآن على تطييب المدرسة التي أنشأها للحنفية، والثمانية أجزاء الأخرى على تطييب المساجد التسعة، وهي مسجد الصالحين بجبل قيسون وَجَامِعُ الْقَلْعَةِ، وَمَسْجِدُ عَطِيَّةَ، وَمَسْجِدُ ابْنِ لَبِيدٍ بالعسقار، ومسجد الرماحين المعلق، ومسجد العباس بالصالحية، وَمَسْجِدُ دَارِ الْبِطِّيخِ الْمُعَلَّقُ، وَالْمَسْجِدُ الَّذِي جَدَّدَهُ نُورُ الدِّينِ جِوَارَ بَيْعَةِ الْيَهُودِ، لِكُلٍّ مِنْ هذه المساجد جزء من إحدى عشر جزء من النصف.
ومناقبه ومآثره كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا نَبْذَةً مِنْ ذَلِكَ يستدل بها على ما وراءها.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيخ شِهَابُ الدِّينِ فِي أَوَّلِ الروضتين كثيراً من محاسنه، وذكر ما مدح به من القصائد، وذكر أنَّه لَمَّا فَتَحَ أَسَدُ الدِّينِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ ثُمَّ مَاتَ، ثُمَّ تَوَلَّى صَلَاحُ الدِّينِ هَمَّ بِعَزْلِهِ عَنْهَا وَاسْتِنَابَةِ غَيْرِهِ فِيهَا غَيْرَ مَرَّةٍ، ولكن يعوقه عن ذلك ويصده قتال الفرنج، واقتراب أجله، فلما كان في هذه السنة - وهي سنة تسع وستين وخمسمائة - وهي آخر مدته، أضمر على الدخول إلى الديار المصرية وصمم عليه، وأرسل إلى عساكر بلاد الموصل وغيرها ليكونوا ببلاد الشام حفظاً لها من الفرنج في غيبته ويركب هو في جمهور الجيش إِلَى مِصْرَ، وَقَدْ خَافَ مِنْهُ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ خَوْفًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عِيدِ الفطر من هذه السنة ركب إلى الميدان الأخضر القبلي وصلى فيه صلاة عيد الفطر، وكان ذلك نهار الْأَحَدِ، وَرَمَى الْقَبْقَ (1) فِي الْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ الشَّمَالِيِّ، والقدر يقول له: هذا آخر أعيادك، ومد في ذلك اليوم سماطاً حافلاً، وأمر بانتهابه، وَطَهَّرَ وَلَدَهُ الْمَلِكَ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ فِي هَذَا اليوم، وزينت له البلد، وضربت البشائر للعيد والختان، ثم ركب في يوم الإثنين وأكب على
العادة ثم لعب بالكرة في ذلك اليوم، فَحَصَلَ لَهُ غَيْظٌ مِنْ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ - وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ سَجِيَّتِهِ - فَبَادَرَ إِلَى الْقَلْعَةِ وهو كذلك في غاية الغضب، وانزعج ودخل في حيز سوء المزاج، واشتغل بنفسه وأوجاعه، وَتَنَكَّرَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ حَوَاسِّهِ وَطِبَاعِهِ، وَاحْتَبَسَ أُسْبُوعًا عَنِ النَّاسِ، وَالنَّاسُ فِي شُغْلٍ عَنْهُ بِمَا هم فيه من اللعب والانشراح في الزينة التي نصبوها لأجل طهور ولده، فهذا يجود بروحه، وهذا
__________
(1) من الروضتين 1 / 2 / 579 وفي الاصل: العتق.
ولعبة القبق نوع من التدريب على الرماية، وهي من ألعاب الفروسية، وطريقتها نصب صار طويل من الخشب في رأسه شكل قرعة (وهو أصل معنى قبق) بمثابة الهدف ويوضع به حمام، ثم يأتي اللاعبون على ظهور الخيل يرمون القبق، القرعة، بالنشاب وفائز من يطير الحمام وقد يستبدل بالقرعة حلقة من الخشب (المواعظ والاعتبار 2 / 111) .
(*)
(12/349)

يجود بموجوده، سروراً بذلك، فانعكست تِلْكَ الْأَفْرَاحُ بِالْأَتْرَاحِ، وَنَسَخَ الْجِدُّ ذَلِكَ الْمِزَاحَ، وَحَصَلَتْ لِلْمَلِكِ خَوَانِيقُ فِي حَلْقِهِ مَنَعَتْهُ مِنْ النطق، وهذا شأن أوجاع الحلق، وكان قد أشير عليه بالفصد فلم يقبل، وبالمبادرة إلى المعالجة فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قُبِضَ إِلَى رَحْمَةِ الله تعالى عن ثمان وخمسين سنة، مكث منها في الملك ثمان وعشرين سنة رحمه الله، وصلّي عليه بجامع القلعة بدمشق، ثم حول إلى تربته التي أنشأها للحنفية بين باب الخواصين، وباب الخيميين على الدرب، وقبره بها يزار، ويحلق بشباكه، ويطيب ويتبرك به كل مار، فيقول قبر نُورُ الدِّينِ الشَّهِيدُ، لِمَا حَصَلَ لَهُ فِي حلقه من الخوانيق، وكذا كان يقال لابنه الشهيد ويلقب بالقسيم، وكانت الفرنج تقول له القسيم ابن القسيم.
وَقَدْ رَثَاهُ الشُّعَرَاءُ بِمَرَاثٍ كَثِيرَةٍ قَدْ أَوْرَدَهَا أبو شامة، وما أحسن ما قاله العماد: عجبت من الموت لما أتى (1) * إِلَى مَلِكٍ فِي سَجَايَا مَلَكْ وَكَيْفَ ثَوَى الفلك المستد * ير في الأرض وسط فلك وَقَالَ حَسَّانُ الشَّاعِرُ الْمُلَقَّبُ بِالْعَرْقَلَةِ فِي مَدْرَسَةِ نور الدين لما دفن بها رحمه الله تعالى: ومدرسة ستدرس كل شئ * وَتَبْقَى فِي حِمَى عِلْمٍ وَنُسْكِ
تَضَوَّعَ ذِكْرُهَا شَرْقًا وَغَرْبًا * بِنُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي يَقُولُ وَقَوْلُهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ * بِغَيْرِ كِنَايَةٍ وَبِغَيْرِ شَكِّ دِمَشْقٌ فِي الْمَدَائِنِ بَيْتُ مُلْكِي * وَهَذِي في المدارس بنت (2) ملكي صفة نُورِ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ طَوِيلَ الْقَامَةِ أَسْمَرَ اللَّوْنِ حُلْوَ الْعَيْنَيْنِ وَاسِعَ الْجَبِينِ، حَسَنَ الصُّورَةِ، تُرْكِيَّ الشَّكْلِ، لَيْسَ لَهُ لِحْيَةٌ إِلَّا فِي حَنَكِهِ، مَهِيبًا مُتَوَاضِعًا عَلَيْهِ جَلَالَةُ ونور، يعظم الإسلام وقواعد الدين، ويعظم الشرع.
فصل
فلما مات نُورُ الدِّينِ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ مِنْ بَعْدِهِ بِالْمُلْكِ لِوَلَدِهِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ،
__________
(1) في الروضتين 1 / 2 / 581: كيف اهتدى.
(2) في الروضتين: بيت.
(*)
(12/350)

وَكَانَ صَغِيرًا، وَجَعَلَ أَتَابِكَهُ الْأَمِيرَ شَمْسَ الدِّينِ بن مقدم، فاختلف الأمراء وحادت الآراء وظهرت الشرور، وكثرت الخمور، وقد كانت لا توجد في زمنه ولا أحد يجسر أن يتعاطى شيئاً منها، ولا من الفواحش، وانتشرت الفواحش وظهرت حَتَّى إِنَّ ابْنَ أَخِيهِ سَيْفَ الدِّينِ غَازِيَّ بن مودود صاحب الموصل لما تحقق موته - وَكَانَ مَحْصُورًا مِنْهُ - نَادَى مُنَادِيهِ بِالْبَلَدِ بِالْمُسَامَحَةِ باللعب واللهو والشراب والمسكر والطرب، ومع المنادي دف وقدح ومزمار الشيطان، فإنا لله وإنا إليه راجون.
وَقَدْ كَانَ ابْنُ أَخِيهِ هَذَا وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ الَّذِينَ لَهُ حُكْمٌ عَلَيْهِمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ المناكر والفواحش، فلما مات مرح أَمْرُهُمْ وَعَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَتَحَقَّقَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَلَا فَاسْقِنِي خَمْرًا وَقُلْ لِي هِيَ الخمر * ولا تسقني سراً وقد أَمْكَنَ الْجَهْرُ وَطَمِعَتِ الْأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَعَزَمَ الْفِرِنْجُ عَلَى قَصْدِ دِمَشْقَ وَانْتِزَاعِهَا مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِمُ ابْنُ مُقَدِّمِ الْأَتَابِكِ فَوَاقَعَهُمْ عِنْدَ بَانِيَاسَ فَضَعُفَ عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ، فَهَادَنَهُمْ
مُدَّةً، وَدَفَعَ إِلَيْهِمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً عَجَّلَهَا لَهُمْ، وَلَوْلَا أَنَّهُ خَوَّفَهُمْ بِقُدُومِ الْمَلِكِ الناصر صلاح الدِّين يوسف بن أيوب لما هادنوه.
ولما بلغ ذلك صلاح الدين كَتَبَ إِلَى الْأُمَرَاءِ وَخَاصَّةً ابْنَ مُقَدَّمٍ يَلُومُهُمْ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنَ الْمُهَادَنَةِ وَدَفْعِ الْأَمْوَالِ إِلَى الْفِرِنْجِ، وَهُمْ أَقَلُّ وَأَذَلُّ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ على عزم قَصْدِ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ لِيَحْفَظَهَا مِنَ الْفِرِنْجِ، فَرَدُّوا إِلَيْهِ كِتَابًا فِيهِ غِلْظَةٌ، وَكَلَامٌ فِيهِ بَشَاعَةٌ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمْ، وَمِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِمْ مِنْهُ كَتَبُوا إِلَى سَيْفِ الدِّينِ غَازِيٍّ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ ليملكوه عليهم ليدفع عنهم كيد الملك الناصر صلاح الدين صَاحِبَ مِصْرَ، فَلَمْ يَفْعَلْ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُونَ مَكِيدَةً مِنْهُمْ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قد هرب منه الطواشي سعد الدولة مستكين (1) الذي كان قد جعله الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ عَيْنًا عَلَيْهِ، وَحَافِظًا لَهُ مِنْ تَعَاطِي مَا لَا يَلِيقُ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْخَمْرِ وَاللَّعِبِ وَاللَّهْوِ.
فَلَمَّا مَاتَ نُورُ الدِّينِ وَنَادَى فِي الْمَوْصِلِ تِلْكَ الْمُنَادَاةَ الْقَبِيحَةَ خَافَ مِنْهُ الطَّوَاشِيُّ الْمَذْكُورُ أَنْ يُمْسِكَهُ فَهَرَبَ مِنْهُ سراً، فلما تحقق غازي موت عمه بعث في إثر هذا الْخَادِمِ فَفَاتَهُ فَاسْتَحْوَذَ عَلَى حَوَاصِلِهِ، وَدَخَلَ الطَّوَاشِيُّ حلب ثم سار إلى دمشق فاتق مع الأمراء على أن يأخذوا ابن نور الدين الْمَلِكَ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ إِلَى حَلَبَ فَيُرَبِّيَهُ هُنَالِكَ مكان ربي والده، وَتَكُونَ دِمَشْقُ مُسَلَّمَةً إِلَى الْأَتَابِكِ شَمْسِ الدَّوْلَةِ بْنِ مُقَدَّمٍ، وَالْقَلْعَةُ إِلَى الطَّوَاشِيِّ جَمَالِ الدِّينِ رَيْحَانٍ.
فَلَمَّا سَارَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ مِنْ دِمَشْقَ خرج معه الكبراء والأمراء مِنْ دِمَشْقَ إِلَى حَلَبَ، وَذَلِكَ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَحِينَ وَصَلُوا حَلَبَ جَلَسَ الصَّبِيُّ عَلَى سَرِيرِ ملكها وَاحْتَاطُوا عَلَى بَنِي الدَّايَةِ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الدَّايَةِ أَخُو مَجْدِ الدِّين الَّذِي كَانَ رَضِيعَ نُورِ الدِّينِ، وَإِخْوَتِهِ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ كَانَ شَمْسُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ الدَّايَةِ يَظُنُّ أَنَّ ابْنَ نُورِ الدِّينِ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ فَيُرَبِّيهِ، لِأَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِذَلِكَ، فَخَيَّبُوا ظَنَّهُ وَسَجَنُوهُ وَإِخْوَتَهُ فِي الجب، فكتب الملك صلاح الدين
__________
(1) في الكامل 11 / 406: كمشتكين ; وفي العبر لابن خلدون: كمستكين.
(*)
(12/351)

إلى الامراء [يلومهم] على ما فعلوا من نَقْلِ الْوَلَدِ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى حَلَبَ، وَمِنْ حبسهم بني الداية وهم من خيار الأمراء ورؤس الكبراء، ولم لا يسلموا الْوَلَدَ إِلَى مَجْدِ الدِّينِ بْنِ الدَّايَةِ الَّذِي هو أحظى عِنْدَ نُورِ الدِّينِ وَعِنْدَ النَّاسِ مِنْهُمْ.
فَكَتَبُوا إليه يسيئون الادب عليه، وكل ذلك يزيده حنقا عليهم،
ويحرضه على القدوم إليهم، ولكنه في الوقت في شغل شاغل لما دهمه ببلاد مصر مِنَ الْأَمْرِ الْهَائِلِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الْآتِيَةِ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ: الْحَسَنُ (1) بن الحسن ابن أحمد بن محمد العطار، أبو العلاء الهمداني الْحَافِظُ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَرَحَلَ إِلَى بُلْدَانٍ كَثِيرَةٍ، اجْتَمَعَ بِالْمَشَايِخِ وَقَدِمَ بَغْدَادَ وَحَصَّلَ الْكُتُبَ الْكَثِيرَةَ، وَاشْتَغَلَ بِعِلْمِ الْقِرَاءَاتِ وَاللُّغَةِ، حَتَّى صَارَ أَوْحَدَ زَمَانِهِ فِي عِلْمَيِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَصَنَّفَ الْكُتُبَ الكثيرة المفيدة، وكان على طريقة حسنة سَخِيًّا عَابِدًا زَاهِدًا صَحِيحَ الِاعْتِقَادِ حَسَنَ السَّمْتِ، لَهُ بِبَلَدِهِ الْمَكَانَةُ وَالْقَبُولُ التَّامُّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ (2) مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ بَلَغَنِي أنَّه رُئي فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ فِي مَدِينَةٍ جميع جدرانها كتب وحوله كتب لا تعد ولا تحصى، وَهُوَ مُشْتَغِلٌ بِمُطَالَعَتِهَا، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَشْغَلَنِي بِمَا كُنْتُ أشتغل به في الدنيا فأعطاني.
وفيها توفي: الْأَهْوَازِيُّ خَازِنُ كُتُبِ مَشْهَدِ أَبِي حَنِيفَةَ بِبَغْدَادَ، تُوُفِّيَ فَجْأَةً فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السنة.
محمود بن زنكي بن آقسنقر السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ نُورُ الدِّينِ، صَاحِبُ بِلَادِ الشَّام وغيرها من البلدان الكثيرة الواسعة، كان مجاهداً في الفرنج، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، محباً للعلماء والفقراء والصالحين، مبغضاً للظلم، صحيح الاعتقاد مؤثراً لأفعال الخير، لا يجسر أحد أن يظلم أحداً في زمانه، وكان قد قمع المناكر وأهلها، ورفع العلم والشرع، وكان مدمناً لقيام الليل يصوم كثيراً، ويمنع نفسه عن
__________
(1) في الكامل: الحسن بن أحمد بن الحسن (انظر تذكرة الحفاظ ص 1324) .
(2) في تذكرة الحفاظ وشذرات الذهب 4 / 232: جمادى الاولى.
(*)
(12/352)

الشهوات، وكان يحب التيسير على المسلمين، ويرسل البر إلى العلماء والفقراء والمساكين والأيتام والأرامل، وليست الدنيا عنده بشئ رحمه الله وبل ثراه بالرحمة والرضوان.
قال ابن الجوزي: استرجع نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ مَدِينَةً، وقد كان يكاتبني وأكاتبه، قَالَ: وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى الْأُمَرَاءِ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ - يَعْنِي الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ - وَجَدَّدَ الْعَهْدَ مَعَ صَاحِبِ طَرَابُلُسَ أَنْ لَا يُغِيرَ عَلَى الشَّامِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ ماده فيها، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسَرَهُ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ وَأَسَرَ مَعَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ دَوْلَتِهِ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ مِنْهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسِمِائَةِ حصان وخمسمائة وردية ومثلها برانس، أي لبوس، وَقَنْطُورِيَّاتٌ وَخَمْسِمِائَةِ أَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَاهَدَهُ أَنْ لا يغير على بلاد المسلمين لمدة سبعة سِنِينَ وَسَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةِ أَيَّامٍ.
وَأَخَذَ مِنْهُ رهائن على ذلك مائة من أولاده وأولاد أَكَابِرِ الْفِرِنْجِ وَبَطَارِقَتِهِمْ، فَإِنْ نَكَثَ أَرَاقَ دِمَاءَهُمْ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ شَرَّفَهُ اللَّهُ، فَوَافَتْهُ الْمَنِيَّةُ فِي شَوَّالٍ مِنْ هذه السنة، والأعمال بالنيات، فحصل له أجر ما نوى، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
وَهَذَا مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الجوزي ومعناه.
الخضر بن نصر علي بْنِ نَصْرٍ الْإِرْبِلِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، أَوَّلُ مَنْ دَرَّسَ بِإِرْبِلَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا، انْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ، وَكَانَ قَدِ اشْتَغَلَ عَلَى إِلِكْيَا الْهَرَّاسِيِّ وَغَيْرِهِ بِبَغْدَادَ، وقدم دمشق فأرخه ابن عساكر في هذه السنة، وترجمه ابْنُ خَلِّكَانَ فِي الْوَفِيَّاتِ (1) ، وَقَالَ قَبْرُهُ يُزَارُ، وقد زرته غير مرة، ورأيت الناس ينتابون قبره ويتبركون به، وهذا الذي قاله ابن خلكان مما ينكره أهل العلم عليه وعلى أمثاله ممن يعظم القبور.
وَفِيهَا هَلَكَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ مرِّي لَعَنَهُ اللَّهُ، وَأَظُنُّهُ مَلَكَ عَسْقَلَانَ وَنَحْوَهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَقَدْ كَانَ قَارَبَ أَنْ يَمْلِكَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة سبعين وخمسمائة استهلت والسلطان الملك الناصر صلاح الدين بْنُ أَيُّوبَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى بلاد الشام لأجل حفظه من الفرنج، ولكن دَهَمَهُ أَمْرٌ شَغَلَهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدِمُوا إِلَى السَّاحِلِ الْمِصْرِيِّ فِي
أُسْطُولٍ لَمْ يسمع بمثله، وكثرة مراكب وآلات من الحرب والحصار والمقاتلة، من جملة ذلك مائتي شِينِيٍّ (2) فِي كُلٍّ مِنْهَا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ مُقَاتِلًا، وَأَرْبَعُمِائَةِ قِطْعَةٍ أُخْرَى، وَكَانَ قُدُومُهُمْ مِنْ صِقِلِّيَةَ إلى
__________
(1) وذكره وفاته سنة 567 رابع عشر جمادى الآخرة (2 / 238) .
(2) شيني: الجمع شواني، وهي سفينة حربية كانت تعتبر في تاريخ الاسلام أكبر سفن الاسطول، وكانت تقام فيها الابراج والقلاع للدفاع، وكانت تنزلق على الماء بمساعدة مائة وأربعين مجدافا (السلوك 1 / 56 حاشية: 7) .
(*)
(12/353)

ظَاهِرِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ قَبْلَ رَأْسِ السَّنَةِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (1) ، فَنَصَبُوا الْمَنْجَنِيقَاتِ وَالدَّبَّابَاتِ حَوْلَ الْبَلَدِ، وَبَرَزَ إِلَيْهِمْ أهلها فقاتلوهم دونها قتالاً شديداً أَيَّامًا، وَقُتِلَ مِنْ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ خلقُ كَثِيرٌ، ثُمَّ اتفق أهل البلد على حريق المنجانيق وَالدَّبَّابَاتِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَضْعَفَ ذَلِكَ قُلُوبَ الْفِرِنْجِ، ثم كبسهم المسلمون فَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَغَنِمُوا مِنْهُمْ مَا أَرَادُوا، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَلْجَأٌ إِلَّا الْبَحْرُ أَوِ الْقَتْلُ أَوِ الأسر، واستحوذ المسلمون على أموالهم وعلى خيولهم وخيامهم، وبالجملة قتلوا خلقاً من الرجال وركب من بقي منهم في أسطول إِلَى بِلَادِهِمْ خَائِبِينَ.
وَمِمَّا عَوَّقَ الْمَلِكَ النَّاصِرَ عَنِ الشَّامِ أَيْضًا أَنَّ رَجُلًا يُعْرَفُ بِالْكَنْزِ سَمَّاهُ بَعْضُهُمْ عَبَّاسَ بْنَ شَادِيٍّ وَكَانَ مِنْ مقدمي الديار المصرية والدولة الفاطمية، كان قد استند إلى بلد يقال له أَسْوَانَ.
وَجَعَلَ يَجْمَعُ عَلَيْهِ النَّاسَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خلق كثير من الرعاع من الحاضرة والغربان والرعيان، وكان يزعم إليهم أَنَّهُ سَيُعِيدُ الدَّوْلَةَ الْفَاطِمِيَّةَ، وَيَدْحَضُ الْأَتَابِكَةَ التُّرْكِيَّةَ، فالتف عليه خلق كثير، ثمَّ قصدوا قُوصَ وَأَعْمَالَهَا، وَقَتَلَ طَائِفَةً مِنْ أُمَرَائِهَا وَرِجَالِهَا، فجرد إليه صلاح الدين طائفة من الجيش وأمر عليهم أخاه الملك العادل أَبَا بَكْرٍ الْكُرْدِيَّ، فَلَمَّا الْتَقَيَا هَزَمَهُ أَبُو بكر وأسر أهله وقتله.
فصل
فلما تمهدت البلاد ولم يبق بها رأس من الدَّوْلَةِ الْعُبَيْدِيَّةِ، بَرَزَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ فِي الْجُيُوشِ التُّرْكِيَّةِ قَاصِدًا الْبِلَادَ الشَّامِيَّةَ، وَذَلِكَ حِينَ مَاتَ سُلْطَانُهَا نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيِّ وَأُخِيفَ سُكَّانُهَا وَتَضَعْضَعَتْ أَرْكَانُهَا، واختلف حكامها، وفسد نقضها وإبرامها،
وقصده جَمْعُ شَمْلِهَا وَالْإِحْسَانُ إِلَى أَهْلِهَا، وَأَمْنُ سَهْلِهَا وَجَبَلِهَا، وَنُصْرَةُ الْإِسْلَامِ وَدَفْعُ الطَّغَامِ وَإِظْهَارُ الْقُرَآنِ وإخفاء سائر الأديان، وتكسير الصلبان في رضى الرحمن، وإرغام الشيطان.
فنزل الْبِرْكَةِ فِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى اجتمع عليه العسكر واستناب على مصر أخاه أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى بِلْبِيسَ فِي الثالث عشر من ربيع الأول، فَدَخَلَ مَدِينَةَ دِمَشْقَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَلْخَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَنْتَطِحْ فِيهَا عَنْزَانِ، وَلَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ سَيْفَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ نَائِبَهَا شَمْسَ الدِّينِ بْنَ مُقَدَّمٍ كَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ أَوَّلًا فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْكِتَابِ، فَلَمَّا رَأَى أَمْرَهُ مُتَوَجِّهًا جَعَلَ يُكَاتِبُهُ وَيَسْتَحِثُّهُ عَلَى الْقُدُومِ إِلَى دِمَشْقَ، وَيَعِدُهُ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ، فَلَمَّا رَأَى الْجِدَّ لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُخَالَفَةُ، فَسَلَّمَ الْبَلَدَ إِلَيْهِ بلا مدافعة، فنزل السلطان
__________
(1) قال في مفرج الكروب: إن أسطول صقلية قد تقدم تنفيذا للمخطط المؤامرة التي اشترك فيها عمارة - وقد صلب - وكان من المقرر أن يشترك مع الاسطول جيش بري من القدس بقيادة أموري، وبانكشاف المؤامرة في مصر توقف جيش أموري واستمرت الحملة البحرية في التقدم لعدم تكامل الاخبار عند قائدها وليم الثاني.
(2 / 12) .
وقال ابن شداد: إن نزول هذا العدو كان في شهر صفر وكانوا ثلاثين ألفاً في ستمائة قطعة ما بين شيني وطرادة وبطشة وغير ذلك (النوادر ص 38) .
(*)
(12/354)

أولاً في دار والده دار العقيلي (1) التي بناها الملك الظاهر بيبرس مدرسة، وجاء أعيان البلد للسلام عليه فرأوا منه غاية الإحسان، وكان نائب القلعة إذ ذاك الطواشي ريحان، فكاتبه وأجزل نواله حتى سلمها إليه، ثم نزل إليه فأكرمه واحترمه، ثم أظهر السلطان أَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِتَرْبِيَةِ وَلَدِ نُورِ الدِّينِ، لِمَا لِنُورِ الدِّينِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِحْسَانِ الْمَتِينِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ خَطَبَ لِنُورِ الدِّينِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، ثم إن السلطان عَامَلَ النَّاسَ بِالْإِحْسَانِ وَأَمَرَ بِإِبْطَالِ مَا أُحْدِثَ بعد نور الدين من المكوس والضرائب، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.
فَصْلٌ
فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ لَهُ دِمَشْقُ بِحَذَافِيرِهَا نَهَضَ إِلَى حَلَبَ مُسْرِعًا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّخْبِيطِ وَالتَّخْلِيطِ وَاسْتَنَابَ عَلَى دِمَشْقَ أَخَاهُ طُغْتِكِينَ (2) بْنَ أَيُّوبَ الْمُلَقَّبَ بِسَيْفِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا اجْتَازَ حمص أخذ ربضها ولم
يشتغل بقلعتها، ثُمَّ سَارَ إِلَى حَمَاةَ فَتَسَلَّمَهَا مِنْ صَاحِبِهَا عز الدين بن جبريل (3) ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكُونَ سَفِيرَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَلَبِيِّينَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَحَذَّرَهُمْ بَأْسَ صلاح الدين فلم يلتفتوا إليه، بل أمروا بسجنه واعتقاله، فأبطا الجواب على السلطان، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ كِتَابًا بَلِيغًا يَلُومُهُمْ فِيهِ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَعَدَمِ الِائْتِلَافِ، فردوا عليه أسوأ جواب، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يُذَكِّرُهُمْ أَيَّامَهُ وَأَيَّامَ أَبِيهِ وَعَمِّهِ فِي خِدْمَةِ نُورِ الدِّينِ فِي الْمَوَاقِفِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي يَشْهَدُ لَهُمْ بِهَا أَهْلُ الدِّينِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى حَلَبَ فَنَزَلَ عَلَى جَبَلِ جَوْشَنَ (4) ، ثم نودي فِي أَهْلِ حَلَبَ بِالْحُضُورِ فِي مَيْدَانِ بَابِ الْعِرَاقِ، فَاجْتَمَعُوا فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الْمَلِكِ نُورِ الدين فتودد إليهم وتباكى لديهم وحضرهم عَلَى قِتَالِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَذَلِكَ عَنْ إِشَارَةِ الْأُمَرَاءِ الْمُقَدَّمِينَ، فَأَجَابَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ بِوُجُوبِ طَاعَتِهِ على كل أحد، وشرط عليه الروافض منهم أن يعاد الأذان بحي عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَأَنْ يُذْكَرَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي الْجَامِعِ الْجَانِبُ الشَّرْقِيُّ، وَأَنْ يُذْكَرَ أَسْمَاءُ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ بَيْنَ يَدَيِ الْجَنَائِزِ، وَأَنْ يُكَبِّرُوا عَلَى الْجِنَازَةِ خَمْسًا، وأن تكون عقود أنكحتهم إلى الشريف أبي طاهر بن أبي المكارم حمزة بن زاهر الحسيني، فأجيبوا إلى ذلك كله، فأذن بالجامع وسائر البلد بحي عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَعَجَزَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَنْ مقاومة الناصر، وأعملوا في كيده كل خاطر، فأرسلوا أولاً إلى شيبان صاحب الحسبة فأرسل نفراً من
__________
(1) في الكامل والروضتين: العقيقي.
(2) في الكامل: طغدكين، وفي ابن خلدون: طغركين.
(3) في الكامل: جورديك، وفي ابن خلدون: خرديك.
وفي الروضتين: رحل إلى جهة حماه فلما وصل إلى الرستن - وهي بليدة قديمة على نهر العاصي في منتصف الطريق بين حمص وحماه - خرج صاحبها عز الدين جرديك.
(4) جبل مطل على حلب في غربيها، كان يحمل منه الناس النحاس الاحمر، وفي سفحه مقابر الشيعة (معجم البلدان) .
(*)
(12/355)

أصحابه إلى الناصر ليقتلوه فلم يظفر منه بشئ، بَلْ قَتَلُوا بَعْضَ الْأُمَرَاءِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فقتلوا عن آخرهم، فَرَاسَلُوا عِنْدَ ذَلِكَ الْقُومَصَ صَاحِبَ طَرَابُلُسَ الْفِرِنْجيَّ، وَوَعَدُوهُ بِأَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ إِنْ هُوَ
رَحَّلَ عَنْهُمُ النَّاصِرَ، وَكَانَ هَذَا الْقُومَصُ قَدْ أَسَرَهُ نُورُ الدِّينِ وَهُوَ مُعْتَقَلٌ عِنْدَهُ مُدَّةَ عَشْرِ سِنِينَ، ثُمَّ افْتَدَى نَفْسَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ (1) وَأَلْفِ أسير من المسلمين، وكان لا ينساها لنور الدين، بل قصد لحمص ليأخذها فركب إليه السلطان الناصر، وقد أرسل السلطان إلى بلده طرابلس سرية فقتلوا وأسروا وغنموا، فلما اقترب الناصر منه نكص على عقبيه رَاجِعًا إِلَى بَلَدِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَجَابَهُمْ إلى ما أرادوا منه، فلما فصل الناصر إِلَى حِمْصَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَخَذَ قَلْعَتَهَا فتصدى لأخذها، فنصب عليها المنجنيقات فأخذها قسراً وملكها قَهْرًا، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى حَلَبَ، فَأَنَالَهُ الله في هذه الكرة ما طلب، فلما نزل بها كتب إِلَيْهِمُ الْقَاضِي الْفَاضِلُ عَلَى لِسَانِ السُّلْطَانِ كِتَابًا بليغاً فصيحاً فائقاً رائقاً، عَلَى يَدَيِ الْخَطِيبِ شَمْسِ الدِّينِ يَقُولُ فِيهِ: " فإذا قضى التسليم حق اللقا، فاستدعى الإخلاص جهد الدعا، فليَعُد وليُعِد حوادث مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى، وَجَوَارِيَ أُمُورٍ إِنْ قَالَ فِيهَا كثيراً فأكثر منه ما قد جرى، ويشرح صدر منها لعله يشرح منها صدراً، وليوضح الأحوال المستبشرة (2) فإن الله لا يعبد سراً.
ومن العجائب أَنْ تَسِيرَ غَرَائِبٌ * فِي الْأَرْضِ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمَأْمُولُ كَالْعِيسِ أَقْتَلُ مَا يَكُونُ لَهَا الصَّدَى * وَالْمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ فَإِنَّا كُنَّا نَقْتَبِسُ النَّارَ بِأَكُفِّنَا، وَغَيْرُنَا يَسْتَنِيرُ، وَنَسْتَنْبِطُ الْمَاءَ بأيدينا وسوانا يستمير، ونلتقي (3) السِّهَامَ بِنُحُورِنَا وَغَيْرُنَا يَعْتَمِدُ التَّصْوِيرَ، [وَنُصَافِحُ الصُّفَّاحَ بصدورنا وغيرنا يدعي التصدير، ولا بد] (4) تسترد بضاعتنا بموقف العدل الذي يُرد به المغصوب ونظهر طاعتنا فتأخذ بحظ [الألسن] (5) كما أخذ بِحَظِّ الْقُلُوبِ، وَكَانَ أَوَّلَ أَمْرِنَا إنَّا كنَّا في الشام نفتح الفتوح بمباشرتنا أنفسنا، ونجاهد الكفار متقدمين بعساكرنا، ونحن ووالدنا وعمنا، فأي مدينة فتحت أو أي معقل للعدو أو عسكر أَوْ مَصَافٍّ (6) لِلْإِسْلَامِ مَعَهُ ضُرِبَ [وَلَمْ نَكُنْ فِيهِ] (7) ؟ فَمَا يَجْهَلُ أَحَدٌ صُنْعَنَا، وَلَا يَجْحَدُ عدونا أن يصطلي
__________
(1) في الكامل وأبي شامة: وخمسين ألف دينار.
(2) في الروضتين 1 / 2 / 616: المستسرة.
(3) في أبي شامة: نلقى.
(4) ما بين معكوفين من الروضتين 1 / 2 / 616.
وقد سقطت من الاصل وفيه بعد " التصوير، والابدان " وهو
تحريف.
(5) من الروضتين 1 / 2 / 616.
وبعدها كما أخذنا بحظ القلوب، وما كان العائق إلا أنا كنا ننتظر ابتداء من الجانب الشريف بالنعمة، يضاهي ابتداءنا بالخدمة، وإنجابا للحق، يشاكل إنجابنا للسبق.
(6) المصاف: جمع مصف، وهو الموقف في الحرب والاصطفاف للقتال.
(7) من الروضتين.
(*)
(12/356)

الجمرة ونملك الكرة، ونقدم الْجَمَاعَةَ وَنُرَتِّبُ الْمُقَاتِلَةَ، وَنُدَبِّرُ التَّعْبِئَةَ، إِلَى أَنْ ظَهَرَتْ فِي الشَّامِ الْآثَارُ الَّتِي لَنَا أَجْرُهَا، وَلَا يَضُرُّنَا أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِنَا ذِكْرُهَا " ثمَّ ذَكَرَ مَا صَنَعُوا بِمِصْرَ مِنْ كَسْرِ الْكُفْرِ وإزالة المنكر وقمع الفرنج وهدم البدع، وما بسط من العدل ونشر مِنَ الْفَضْلِ، وَمَا أَقَامَهُ مِنَ الْخُطَبِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِبِلَادِ مِصْرَ وَالْيَمَنِ وَالنُّوبَةِ وَإِفْرِيقِيَّةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، بكلام بسيط حسن.
فلما وصلهم الكتاب أساؤوا الْجَوَابَ، وَقَدْ كَانُوا كَاتَبُوا صَاحِبَ الْمَوْصِلِ سَيْفَ الدِّينِ غَازِيَّ بْنَ مَوْدُودٍ أَخِي نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَخَاهُ عِزَّ الدين في عساكره، وأقبل إليهم في دساكره، وانضاف إِلَيْهِمُ الْحَلَبِيُّونَ وَقَصَدُوا حَمَاةَ فِي غَيْبَةِ النَّاصِرِ وَاشْتِغَالِهِ بِقَلْعَةِ حِمْصَ وَعِمَارَتِهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبُرُهُمْ سَارَ إِلَيْهِمْ فِي قُلٍّ مِنَ الْجَيْشِ، فَانْتَهَى إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي جَحَافِلَ كَثِيرَةٍ، فَوَاقَفُوهُ وَطَمِعُوا فِيهِ لِقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ، وَهَمُّوا بِمُنَاجَزَتِهِ فَجَعَلَ يُدَارِيهِمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُصَالَحَةِ لَعَلَّ الْجَيْشَ يَلْحَقُونَهُ، حتَّى قَالَ لَهُمْ فِي جُمْلَةِ مَا قَالَ: أَنَا أَقْنَعُ بِدِمَشْقَ وَحَدَهَا وَأُقِيمُ بِهَا الْخُطْبَةَ لِلْمَلِكِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَتْرُكُ مَا عَدَاهَا مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَامْتَنَعَ مِنَ الْمُصَالَحَةِ الْخَادِمُ سَعْدُ الدولة كُمُشْتِكِينَ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الرَّحْبَةَ الَّتِي هِيَ بِيَدِ ابْنِ عَمِّهِ نَاصِرِ الدِّينِ بْنِ أَسَدِ الدِّينِ، فَقَالَ لَيْسَ لِي ذَلِكَ، وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَأَبَوُا الصُّلْحَ وَأَقْدَمُوا عَلَى الْقِتَالِ، فَجَعَلَ جَيْشَهُ كُرْدُوسًا وَاحِدًا، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ عِنْدَ قُرُونِ حَمَاةَ (1) ، وصبر صبراً عظيماً، وجاء فِي أَثْنَاءِ الْحَالِ ابْنُ أَخِيهِ تَقِيُّ الدِّينِ عمر بن شاهنشاه ومعه أخوه فروخ شاه فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ دَسْتُهُ عَلَيْهِمْ، وَخَلَصَ رُعْبُهُ إِلَيْهِمْ، فَوَلَّوْا هُنَالِكَ هَارِبِينَ، وتولوا منهزمين، فأسر من أسر من رؤسهم، وَنَادَى أَنْ لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ وَلَا يَذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ
ثُمَّ أَطْلَقَ مَنْ وَقَعَ فِي أَسْرِهِ وَسَارَ عَلَى الْفَوْرِ إِلَى حَلَبَ، وَقَدِ انْعَكَسَ عَلَيْهِمُ الْحَالُ وَآلَوْا إِلَى شَرِّ مَآلٍ فَبِالْأَمْسِ كَانَ يَطْلُبُ مِنْهُمُ الْمُصَالَحَةَ وَالْمُسَالَمَةَ، وَهُمُ الْيَوْمَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُمْ وَيَرْجِعَ، على أن المعرة وكفر طاب وماردين لَهُ زِيَادَةً عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ أَرَاضِي حماه وحمص، فَقَبِلَ ذَلِكَ وَكَفَّ عَنْهُمْ وَحَلَفَ عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوَ بَعْدَهَا الْمَلِكَ الصَّالِحَ، وَأَنْ يَدْعُوَ له على سائر منار بِلَادِهِ، وَشَفَعَ فِي بَنِي الدَّايَةِ أَخُوهُ مَجْدُ الدين، على أن يخرجوا، ففعل ذلك ثم رجع مؤيداً منصوراً.
فَلَمَّا كَانَ بِحَمَاةَ وَصَلَتْ إِلَيْهِ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ المستضئ بأمر الله بالخلع السنية والتشريفات العباسية والاعلام السود، والتو؟ يع مِنَ الدِّيوَانِ بِالسَّلْطَنَةِ بِبِلَادِ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَأُفِيضَتِ الخلع على أهله وأقاربه وأصحابه وأعوانه، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَاسْتَنَابَ عَلَى حَمَاةَ ابْنَ خاله وصهره الأمير شهاب الدين محمود، ثُمَّ سَارَ إِلَى حِمْصَ فَأَطْلَقَهَا إِلَى ابْنِ عَمِّهِ نَاصِرِ الدِّينِ، كَمَا كَانَتْ مِنْ قَبْلِهِ لأبيه شيركوه أسد الدين، ثم بعلبك على البقاع إلى دمشق في ذي القعدة.
وفيها ظَهَرَ رَجُلٌ مِنْ قَرْيَةِ مَشْغَرَا مِنْ مُعَامَلَةِ دِمَشْقَ وَكَانَ مَغْرِبِيًّا فَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَأَظْهَرَ شَيْئًا من
__________
(1) منطقة جبلية تشرف على مدينة حماه، وهي مكونة من قلتين متقابلتين (معجم البلدان: حماه) .
(*)
(12/357)

المخاريق والمحاييل والشعبذة والأبواب النارنجية، فافتتن به طوائف من الهمج والعوام، فتطلبه السلطان فهرب إلى معاملة حلب، فألف عَلَيْهِ كُلُّ مَقْطُوعِ الذَّنَبِ، وَأَضَلَّ خَلْقًا مِنَ الفلاحين، وتزوج امرأة أحبها، وكنت من أهل تلك البطائح فَعَلَّمَهَا أَنِ ادَّعَتِ النُّبُوَّةَ، فَأَشْبَهَا قِصَّةَ مُسَيْلِمَةَ وسجاح.
وَفِيهَا هَرَبَ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ وَنُهِبَتْ دَارُهُ.
وَفِيهَا دَرَّسَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ بِمَدْرَسَةٍ أُنْشِئَتْ لِلْحَنَابِلَةِ فَحَضَرَ عِنْدَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الدَّامَغَانِيِّ وَالْفُقَهَاءُ وَالْكُبَرَاءُ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وخلعت عليه خلعة سنية.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: رَوْحُ بْنُ أَحْمَدَ أبو طالب الحدثني قَاضِي الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَكَانَ ابنه في أرض الْحِجَازِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ أَبِيهِ مَرِضَ بَعْدَهُ فَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَكَانَ يُنْبَذُ بِالرَّفْضِ.
شُمْلَةُ التُّرْكُمَانِيُّ كَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى بِلَادِ فَارِسَ وَاسْتَحْدَثَ قِلَاعًا وَتَغَلَّبَ عَلَى السَّلْجُوقِيَّةِ، وَانْتَظَمَ لَهُ الدست نحواً من عشرين سنة، ثم حاربه بعض التركمان فقتلوه.
قيماز بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قُطْبُ الدِّينِ الْمُسْتَنْجَدِيُّ، وَزَرَ للخليفة المستضئ، وكان مقدماً على العساكر كلها، ثم خَرَجَ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَقَصَدَ أَنْ يَنْهَبَ دَارَ الْخِلَافَةِ فَصَعِدَ الْخَلِيفَةُ فَوْقَ سَطْحٍ فِي دَارِهِ وأمر العامة بنهب دار قيماز، فَنُهِبَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ بِإِفْتَاءِ الْفُقَهَاءِ، فَهَرَبَ فَهَلَكَ هو ومن مَعَهُ فِي الْمَهَامِهِ وَالْقِفَارِ (1) .
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إحدى وسبعين وخمسمائة فِيهَا طَلَبَ الْفِرِنْجُ مِنَ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ وهو مقيم بمرج الصُّفَّرِ أَنْ يُهَادِنَهُمْ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الشام كان مجدباً، وَأَرْسَلَ جَيْشَهُ صُحْبَةَ الْقَاضِي الْفَاضِلِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِيَسْتَغِلُّوا الْمُغَلَّ ثُمَّ يُقْبِلُوا، وَعَزَمَ هُوَ عَلَى الْمُقَامِ بِالشَّامِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى كَاتِبِهِ الْعِمَادِ عوضاً عن القاضي، ولم يكن أحد أعز عليه منه:
__________
(1) مات في ذي الحجة على طريق الموصل وقبل وصوله إليها، فحمل ودفن بظاهر باب العمادي وقبره مشهور هناك (الكامل 11 / 425 شذرات 4 / 238) (*)
(12/358)

وما عن رضى كانت سليمى بديلة * ولكنها للضرورات أحكام وكانت إقامة السلطان بالشام وَإِرْسَالُ الْجَيْشِ صُحْبَةَ الْقَاضِي الْفَاضِلِ غَايَةَ الْحَزْمِ والتدبير، لِيَحْفَظَ مَا اسْتَجَدَّ مِنَ الْمَمَالِكِ خَوْفًا عَلَيْهِ مما هُنَالِكَ، فَلَمَّا أَرْسَلَ الْجُيُوشَ إِلَى مِصْرَ وَبَقِيَ هو في طائفة يسيرة والله قد تكفل له بِالنَّصْرِ، كَتَبَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ سَيْفُ الدِّينِ غَازِيٌّ ابْنُ أَخِي نُورِ الدِّينِ إِلَى جَمَاعَةِ الْحَلَبِيِّينَ يلومهم على ما وقع بينهم وبين الناصر مِنَ الْمُصَالَحَةِ، وَقَدْ كَانَ إِذْ ذَاكَ مَشْغُولًا بمحاربة أخيه ومحاصرته، وهو عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِيٍّ بِسِنْجَارَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِفِعْلَةٍ صَالِحَةٍ، وَمَا كَانَ سَبَبُ قِتَالِهِ لِأَخِيهِ إِلَّا لكونه أبى طاعة الملك الناصر، فَاصْطَلَحَ مَعَ أَخِيهِ حِينَ عَرَفَ قُوَّةَ النَّاصِرِ وناصريه، ثم
حرض الحلبيين على نقض العهود ونبذها إليه، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ بِالْعُهُودِ الَّتِي عَاهَدُوهُ عَلَيْهَا وَدَعَوْهُ إِلَيْهَا، فَاسْتَعَانَ عَلَيْهِمْ بِاللَّهِ وَأَرْسَلَ إِلَى الْجُيُوشِ المصرية ليقدموا عليه، فأقبل صاحب الموصل بعساكره وَدَسَاكِرِهِ، وَاجْتَمَعَ بِابْنِ عَمِّهِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ عِمَادِ الدِّينِ إِسْمَاعِيلَ، وَسَارَ فِي عِشْرِينَ أَلْفَ (1) مُقَاتِلٍ على الخيول المضمرة الْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ، وَسَارَ نَحْوَهُمُ النَّاصِرُ وَهُوَ كَالْهِزَبْرِ الْكَاسِرِ، وَإِنَّمَا مَعَهُ أَلْفُ فَارِسٍ مِنَ الْحُمَاةِ، وكم مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله، ولكن الجيوش المصرية قد خرجوا إليه قاصدين، وله ناصرين في جحافل كالجبال، فاجتمع الفريقان وتداعوا إلى النزال، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الْعَاشِرِ مِنْ شَوَّالٍ فاقتتلوا قتالاً شديداً، حتى حمل الملك الناصر بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، وَكَانَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ الْهَزِيمَةُ، فَقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الْحَلَبِيِّينَ وَالْمَوَاصِلَةِ، وَأَخَذُوا مَضَارِبَ الْمَلِكِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِيٍّ وَحَوَاصِلَهُ، وَأَسَرُوا جَمَاعَةً مِنْ رؤسهم فأطلقهم الناصر بعد ما أفاض الخلع على أبدانهم ورؤوسهم، وَقَدْ كَانُوا اسْتَعَانُوا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْفِرِنْجِ فِي حال القتال، وهذا ليس من أفعال الْأَبْطَالِ، وَقَدْ وَجَدَ السُّلْطَانُ فِي مُخَيَّمِ السُّلْطَانِ غازي سبتاً مِنَ الْأَقْفَاصِ الَّتِي فِيهَا الطُّيُورُ الْمُطْرِبَةُ، وَذَلِكَ في مجلس شرابه المسكر، وكيف من هذا حاله ومسلكه يَنْتَصِرُ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ وَتَسْيِيرِهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ قُلْ لَهُ بَعْدَ وُصُولِكَ إِلَيْهِ وَسَلَامِكَ عَلَيْهِ: اشْتِغَالُكَ بِهَذِهِ الطُّيُورِ أَحَبُّ إِلَيْكَ مما وقعت فيه من المحذور، وغنم منهم شيئاً كثيراً ففرقه على أصحابه غيباً وحضوراً، وأنعم بخيمة سَيْفِ الدِّينِ غَازِيٍّ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ عِزِّ الدين فروخ شاه بْنِ نَجْمِ الدِّينِ، وَرَدَّ مَا كَانَ فِي وِطَاقِهِ مِنَ الْجَوَارِي وَالْمُغَنِّيَاتِ، وَقَدْ كَانَ مَعَهُ أكثر من مائة مغنية، ورد آلات اللهو واللعب إلى حلب، وقال قولوا لهم هذه أحب إليكم من الركوع والسجود، وَوَجَدَ عَسْكَرَ الْمَوَاصِلَةِ كَالْحَانَةِ مِنْ كَثْرَةِ الْخُمُورِ والبرابط والملاهي، وهذه سبيل كل فاسق ساه لاهي.
__________
(1) علق ابن الاثير على ذلك في تاريخه: فإنني وقفت على جريدة العرض، ولم يكن (العدد) كذلك، إنما كان على التحقيق يزيد على 6 آلاف فارس أقل من خمسمائة.
وإنما قصد (من قال هذا العدد) أن يعظم صاحبه - يعني العماد وصلاح الدين - بأنه هزم بستة آلاف عشرين ألفا.
(*)
(12/359)

فصل
فلما رجعت الجيوش إِلَى حَلَبَ وَقَدِ انْقَلَبُوا شَرَّ مُنْقَلَبٍ، وَنَدِمُوا على ما نقضوا من الإيمان، وَشَقِّهِمُ الْعَصَا عَلَى السُّلْطَانِ، حَصَّنُوا الْبَلَدَ، خَوْفًا من الْأَسَدِ، وَأَسْرَعَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ فَوَصَلَهَا، وَمَا صَدَّقَ حتى دخلها، فلما فرغ الناصر مما غنم أسر المسير إلى حلب وهو في غاية القوة، فوجدهم قد حصنوها، فقال الْمَصْلَحَةِ أَنْ نُبَادِرَ إِلَى فَتْحِ الْحُصُونِ الَّتِي حَوْلَ الْبَلَدِ، ثُمَّ نَعُودَ إِلَيْهِمْ فَلَا يَمْتَنِعُ علينا منهم أحد، فشرع يفتحها حصناً حصناً، ويهدم أركان دولتهم ركناً ركناً، ففتح مراغة (1) ومنبج ثم سار إلى إعزاز فأرسل الحلبيون إلى سنان (2) فأرسل جماعة لقتل السلطان، فدخل جماعة مِنْهُمْ فِي جَيْشِهِ فِي زِيِّ الْجُنْدِ فَقَاتَلُوا أشد القتال، حتى اختلطوا بهم فوجدوا ذات يوم فرصة وَالسُّلْطَانُ ظَاهِرٌ لِلنَّاسِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا هُوَ مُحْتَرِسٌ مِنْهُمْ بِاللَّأْمَةِ، فَسَلَّمَهُ اللَّهُ، غَيْرَ أَنَّ السِّكِّينَ مَرَّتْ عَلَى خَدِّهِ فَجَرَحَتْهُ جُرْحًا هَيِّنًا، ثُمَّ أخذ الفداوي رأس السلطان فوضعه إلى الْأَرْضِ لِيَذْبَحَهُ، وَمَنْ حَوْلَهُ قَدْ أَخَذَتْهُمْ دَهْشَةٌ، ثُمَّ ثَابَ إِلَيْهِمْ عَقْلُهُمْ فَبَادَرُوا إِلَى الْفِدَاوِيِّ فقتلوه وقطعوه، ثم هجم عليه آخر في السَّاعة الرَّاهنة فَقُتِلَ، ثُمَّ هَجَمَ آخَرُ عَلَى بَعْضِ الْأُمَرَاءِ فقتل أيضاً، ثم هرب الرَّابِعُ فَأُدْرِكَ فَقُتِلَ، وَبَطَلَ الْقِتَالُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، ثم صمم السلطان على البلد ففتحها وأقطعها ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بْنِ أَيُّوبَ، وَقَدِ اشْتَدَّ حَنَقُهُ عَلَى أَهْلِ حلب.
لما أرسلوا إليه من الفداوية وإقدامهم على ذلك منه، فَجَاءَ فَنَزَلَ تُجَاهَ الْبَلَدِ عَلَى جَبَلِ جَوْشَنَ، وضربت خيمته على رأس الياروقية (3) ، وَذَلِكَ فِي خَامِسَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَجَبَى الْأَمْوَالَ وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنَ الْقُرَى، وَمَنَعَ أَنْ يدخل البلد شئ أو يخرج منه أحد، واستمر محاصراً لها حَتَّى انْسَلَخَتِ السَّنَةُ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ (4) مِنْ هذه السن؟ ة عاد نور الدولة أخو السلطان من بلاد اليمن إلى أخيه شوقاً إليه، وقد حصل أموالاً جزيلة، ففرح به السلطان، فلما اجتمعا قال السلطان البر التقي: (أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أخي) [يوسف: 90] ، وقد استناب على بلاد اليمن من ذوي قرابته، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ أَخِيهِ اسْتَنَابَهُ عَلَى دِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا، وَقِيلَ إِنَّ قُدُومَهُ كَانَ قَبْلَ وَقْعَةِ الْمَوَاصِلَةِ، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ، لشجاعته وفروسيته.
وَفِيهَا أَنْفَذَ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ ابْنُ أَخِي الناصر مملوكه بهاء الدين
قراقوش في جيشه إلى بلاد المغرب ففتح بلاداً كثيرة، وَغَنِمَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ.
وفيها قدم إلى دمشق أبو الفتوح الواعظ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مقلد التنوخي الدمشقي
__________
(1) في الكامل 11 / 429 والروضتين 1 / 2 / 655 وتاريخ أبي الفداء 3 / 58: بزاعة.
(2) سنان صاحب الحشيشية.
(3) من الروضتين، وفي الاصل " البادوقية " وهو خطأ.
والياروقية.
محلة كبيرة بظاهر حلب، تنسب إلى ياروق التركماني، أحد رجال نور الدين محمود، وقد توفي سنة 568 هـ.
(معجم البلدان) .
(4) وفي الروضتين: في شوال.
وفي الكامل 11 / 434: في رمضان.
(*)
(12/360)

الأصل، البغدادي المنشأ، وذكره العماد في الجريدة.
قَالَ: وَكَانَ صَاحِبِي، وَجَلَسَ لِلْوَعْظِ وَحَضَرَ عِنْدَهُ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ، وَأَوْرَدَ لَهُ مُقَطِّعَاتِ أَشْعَارٍ، فمن ذلك ما كان يقول: يَا مَالِكًا مُهْجَتِي يَا مُنْتَهَى أَمَلِي * يَا حَاضِرًا شَاهِدًا فِي الْقَلْبِ وَالْفِكْرِ خَلَقْتَنِي مِنْ تُرَابٍ أَنْتَ خَالِقُهُ * حَتَّى إِذَا صِرْتُ تِمْثَالًا مِنَ الصُّوَرِ أَجْرَيْتَ فِي قَالِبِي رُوحًا مُنَوَّرَةً * تمر فيه كجري الماء في الشجر جمعتني من صَفَا رُوحٍ مُنَوَّرَةٍ * وَهَيْكَلٍ صُغْتَهُ مِنْ مَعْدِنٍ كَدِرِ إِنْ غِبْتُ فِيكَ فَيَا فَخْرِي وَيَا شَرَفِي * وَإِنْ حَضَرْتُ فَيَا سَمْعِي وَيَا بَصَرِي أو احْتَجَبْتَ فَسِرِّي فِيكَ فِي وَلَهٍ * وَإِنْ خَطَرْتَ فَقَلْبِي مِنْكَ فِي خَطَرِ تَبْدُو فَتَمْحُو رُسُومِي ثم تثبتها * وإن تغيب (1) عني عشت بالأثر وفيها توفي من الأعيان الحافظ أبو القاسم ابن عَسَاكِرَ.
عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ ابن عَسَاكِرَ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ، أَحَدُ أَكَابِرِ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَمَنْ عُنِيَ بِهِ سَمَاعًا وَجَمْعًا وَتَصْنِيفًا وَاطِّلَاعًا وَحِفْظًا لِأَسَانِيدِهِ وَمُتُونِهِ، وَإِتْقَانًا لِأَسَالِيبِهِ وَفُنُونِهِ، وصنف تَارِيخَ الشَّامِ فِي ثَمَانِينَ مُجَلَّدَةً، فَهِيَ بَاقِيَةٌ بعده مخلدة، وقد ندر عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ، وَأَتْعَبَ مَنْ يأتي بعده من المتأخرين،
فحاز فيه قصب السبق، ومن نظر فيه وتأمله رأى ما وصفه فيه وأصله، وحكم بأنه فريد دهره، في التواريخ، وأنه الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنَ الشَّمَارِيخِ، هَذَا مَعَ مَا له في علوم الحديث من الكتب المفيدة، وما هو مشتمل عَلَيْهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالطَّرَائِقِ الْحَمِيدَةِ، فَلَهُ أَطْرَافُ الكتب الستة، والشيوخ النبل، وتبيين كَذِبِ الْمُفْتَرِي عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَالْأَجْزَاءِ وَالْأَسْفَارِ، وَقَدْ أَكْثَرَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ مِنَ التِّرْحَالِ والأسفار، وجاز الْمُدُنَ وَالْأَقَالِيمَ وَالْأَمْصَارَ، وَجَمَعَ مِنَ الْكُتُبِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ أَحَدٌ مِنَ الْحُفَّاظِ نَسْخًا وَاسْتِنْسَاخًا، ومقابلة وتصحيح الألفاظ، وكان من أكابر سروات الدَّمَاشِقَةِ، وَرِيَاسَتُهُ فِيهِمْ عَالِيَةٌ بَاسِقَةٌ، مِنْ ذَوِي الأقدار والهيئات، والأموال الجزيلة، والصلاة والهبات، كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْحَادِي عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ، وله من العمر ثنتان وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَحَضَرَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ جِنَازَتَهُ وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَانَ الَّذِي صلَّى عَلَيْهِ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ وَلَهُ أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ منها: أَيَا نَفْسُ وَيْحَكِ جَاءَ الْمَشِيبُ * فَمَاذَا التَّصَابِي وماذا الغزل؟
__________
(1) في الروضتين 1 / 2 / 668: تغيبت.
(*)
(12/361)

تَوَلَّى شَبَابِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ * وَجَاءَ الْمَشِيبُ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ (1) كَأَنِّي بِنَفْسِي عَلَى غِرَّةٍ * وَخَطْبُ الْمَنُونِ بِهَا قَدْ نَزَلْ فَيَا لَيْتَ شِعْرِيَ مِمَّنْ أَكُونُ * وَمَا قَدَّرَ اللَّهُ لِي في الأزل قال: وقد التزم فيها بما لم يلزم وهو الزاي مع اللَّامِ.
قَالَ: وَكَانَ أَخُوهُ صَائِنُ الدِّينِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ مُحَدِّثًا فَقِيهًا، اشْتَغَلَ بِبَغْدَادَ عَلَى أَسْعَدَ الْمِيهَنِيِّ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ فَدَرَّسَ بالغزالية وتوفي بها عن ثلاث وستين سنة.
ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة استهلت هذه السنة والناصر محاصر حلب، فَسَأَلُوهُ وَتَوَسَّلُوا إِلَيْهِ أَنْ يُصَالِحَهُمْ فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ تَكُونَ حَلَبُ وَأَعْمَالُهَا لِلْمَلِكِ الصَّالِحِ فَقَطْ، فكتبوا بذلك الكتاب، فلما كان المساء بعث السلطان
الصالح إسماعيل يطلب منه زيادة قلعة إعزاز، وَأَرْسَلَ بِأُخْتٍ لَهُ صَغِيرَةٍ وَهِيَ الْخَاتُونُ بِنْتُ نور الدين ليكون ذلك أدعى له بقبول السؤال، وأنجع في حصول النوال، فحين رآها السلطان قام قائماً، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَأَجَابَهَا إِلَى سُؤَالِهَا، وَأَطْلَقَ لَهَا من الجواهر والتحف شيئاً كثيراً، ثم ترحل عن حلب فقصد الفداوية الذين اعتدوا عليه فحاصر حصنهم مصبات (2) فقتل وسبى وحرق وأخذ أبقارهم وخربت ديارهم، ثم شَفَعَ فِيهِمْ خَالُهُ شِهَابُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ تتش صاحب حماه، لأنهم جيرانه، فقبل شفاعته، وأحضر إِلَيْهِ نَائِبُ بَعْلَبَكَّ الْأَمِيرُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بن عبد الملك مُقَدَّمٍ، الَّذِي كَانَ نَائِبَ دِمَشْقَ، جَمَاعَةً مِنْ أسارى الفرنج (3) الذين عاثوا في البقاع في غيبته، فجدد ذلك له الغزو في الفرنج، فصالح الفداوية الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ أَصْحَابَ سِنَانٍ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى دمشق فتلقاه أخوه شمس الدولة توران شاه، فلقبه الملك المعظم، وعزم الناصر على دخول مصر، وكان القاضي كمال الدين محمد الشهرزوري قد توفي في السادس من الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْقُضَاةِ وَأَخَصِّ النَّاسِ بِنُورِ الدِّينِ الشَّهِيدِ، فَوَّضَ إِلَيْهِ نَظَرَ الْجَامِعِ وَدَارَ الضَّرْبِ وَعِمَارَةَ الْأَسْوَارِ وَالنَّظَرَ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى بِالْقَضَاءِ لِابْنِ أَخِيهِ ضِيَاءِ الدِّينِ بن تاج الدين الشهرزوري، مع أنه كان يجد عليه، لما كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِينَ كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ سجنه بِدِمَشْقَ، وَكَانَ يُعَاكِسُهُ وَيُخَالِفُهُ، وَمَعَ هَذَا أَمْضَى وَصِيَّتَهُ لِابْنِ أَخِيهِ، فَجَلَسَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ على عادة عمه وقاعدته، وبقي في نفس
__________
(1) البيت منسوب لعلي بن جبلة المعروف بالعكوك من تغيير يسير: شَبَابٌ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ * وَشِيبٌ كَأَنْ لَمْ يزل (2) في الروضتين 1 / 2 / 669 مصياث ; وفي معجم البلدان: مصياث أو مصياف أو مصياب: حصن الاسماعيلية، الحشيشية بالشام قرب طرابلس.
(3) أكثر من مائتي أسير (الروضتين 1 / 2 / 669) .
(*)
(12/362)

السلطان من تولية شرف الدين أبي سعيد عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَصْرُونَ الْحَلَبِيِّ، وَكَانَ قَدْ هَاجَرَ إِلَى السُّلْطَانِ إِلَى دِمَشْقَ فَوَعْدَهُ أن يوليه قضاءها، وأسر بذلك إلى القاضي الفاضل، فأشار الْفَاضِلُ عَلَى
الضِّيَاءِ أَنْ يَسْتَعْفِيَ مِنْ الْقَضَاءِ فَاسْتَعْفَى فَأُعْفِيَ، وَتُرِكَ لَهُ وَكَالَةُ بَيْتِ الْمَالِ، وَوَلَّى السُّلْطَانُ ابْنَ أَبِي عَصْرُونَ عَلَى أَنْ يستنيب القاضي محيي الدين أبي المعالي محمد بن زكي الدين، ففعل ذلك، ثم بعد اسْتَقَلَّ بِالْحُكْمِ مُحْيِي الدِّينِ أَبُو حَامِدِ بْنُ أَبِي عَصْرُونَ عِوَضًا عَنْ أَبِيهِ شَرَفِ الدِّينِ، بسبب ضعف بصره.
وفي صفر منها وقف السلطان النَّاصِرُ قَرْيَةَ حَزْمٍ عَلَى الزَّاوِيَةِ الْغَزَّالِيَّةِ، وَمَنْ يشتغل بها بالعلوم الشرعية، وما يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْفَقِيهُ، وَجَعَلَ النَّظَرَ لِقُطْبِ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيِّ مُدَرِّسِهَا.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ تَزَوَّجَ السُّلْطَانُ الملك الناصر بِالسِّتِّ خَاتُونَ عِصْمَةِ الدِّينِ بِنْتِ مُعِينِ الدِّينِ أنر، وكانت زوجة نور الدين محمود، وكانت مقيمة بالقلعة، وَوَلِيَ تَزْوِيجَهَا مِنْهُ أَخُوهَا الْأَمِيرُ سَعْدُ الدِّينِ بن أنر، وحضر القاضي ابن عَصْرُونَ الْعَقْدَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعُدُولِ، وَبَاتَ النَّاصِرُ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا، ثُمَّ سافر إلى مصر بعد يومين، ركب يوم الجمعة قبل الصلاة فنزل مرج الصفر، ثم سافر فعشا قريباً من الصفين (1) ، ثم سار فدخل مصر يَوْمَ السَّبْتِ سَادِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هذه السنة، وتلقاه أخوه ونائبه عليها الْمَلِكُ الْعَادِلُ سَيْفُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عند بحر القلزم، ومعه من الهدايا شئ كثير من المآكل المتنوعة وغيرها، وَكَانَ فِي صُحْبَةِ السُّلْطَانِ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ، وَلَمْ يكن ورد الديار المصرية قبل ذلك، فجعل يَذْكُرُ مَحَاسِنَهَا وَمَا اخْتُصَّتْ بِهِ مِنْ بَيْنِ البلدين، وذكر الأهرام وَشَبَّهَهُمَا بِأَنْوَاعٍ مِنَ التَّشْبِيهَاتِ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ حَسْبَ مَا ذَكَرَ فِي الرَّوْضَتَيْنِ.
وَفِي شَعْبَانَ منها ركب الناصر إلى الإسكندرية فأسمع ولديه الفاضل علي وَالْعَزِيزَ عُثْمَانَ عَلَى الْحَافِظِ السَّلَفِيِّ (2) ، وَتَرَدَّدَ بِهِمَا إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ الْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ رَابِعَ رمضان، وعز الناصر على تمام الصِّيَامِ بِهَا، وَقَدْ كَمَّلَ عِمَارَةَ السُّورِ عَلَى الْبَلَدِ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْأُسْطُولِ وَإِصْلَاحِ مَرَاكِبِهِ وَسُفُنِهِ وشحنه بالمقاتلة وَأَمَرَهُمْ بِغَزْوِ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، وَأَقْطَعَهُمُ الْإِقْطَاعَاتِ الْجَزِيلَةَ على ذلك، وأرصد للأسطول من بيت المال ما يكفيه لجميع شؤونه، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ فِي أَثْنَاءِ رَمَضَانَ فأكمل صومه.
وفيها أمر الناصر ببناء مدرسة للشافعية على قبر الشَّافِعِيِّ، وَجَعَلَ الشَّيْخَ نَجْمَ الدِّينِ الْخُبُوشَانِيَّ مُدَرِّسَهَا وَنَاظِرَهَا.
وَفِيهَا أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَارَسْتَانِ بِالْقَاهِرَةِ وَوَقَفَ عليه وقوفاً كثيرة.
وفيها بنى الأمير مجاهد
__________
(1) في الروضتين 1 / 2 / 679: الصنمتين.
(2) وهو عماد الدين أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي، والسلفي نسبة إلى سلفة، وهو لفظ أعجمي معناه ثلاث شفاه، لان إحدى شفتيه كانت مشقوقة.
واستقر السلفي في الاسكندرية سنة 511 وتوفي سنة 576 (وفيات الاعيان - طبقات الشافعية - تذكرة الحافظ) .
(*)
(12/363)

الدين قيماز نائب قلعة الموصل جامعاً حسنا وربطا ومدرسة ومارستاناً متجاورات بظاهر الْمَوْصِلِ وَقَدْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وتسعين وخمسمائة رحمه الله.
وله عدة مدارس وخوانقات وَجَوَامِعَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ دَيِّنًا خَيِّرًا فَاضِلًا حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ، يُذَاكِرُ فِي الْأَدَبِ وَالْأَشْعَارِ والفقه، كثير الصيام وقيام الليل.
وفيها أمر الخليفة بإخراج المجذومين من بغداد لناحية مِنْهَا لِيَتَمَيَّزُوا عَنْ أَهْلِ الْعَافِيَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ العافية.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُنْتَظَمِ عَنِ امْرَأَةٍ قَالَتْ: كُنْتُ أَمْشِي فِي الطَّرِيقِ وَكَأَنَّ رَجُلًا يُعَارِضُنِي كُلَّمَا مَرَرْتُ بِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى هَذَا الَّذِي تَرُومُهُ مِنِّي إلا بكتاب وشهود، فَتَزَوَّجَنِي عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَمَكَثْتُ مَعَهُ مُدَّةً ثُمَّ اعتراه انتفاخ ببطنه فكنا نظن أنه اسْتِسْقَاءً فَنُدَاوِيهِ لِذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ وَلَدَ وَلَدًا كَمَا تَلِدُ النِّسَاءُ، وَإِذَا هُوَ خنثى مشكل، وهذا من أغرب الأشياء.
وفيها توفي من الأعيان على بن عساكر ابن المرحب بن العوام أبو الحسن البطائحي المقري اللُّغَوِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَأَسْمَعَهُ، وَكَانَ حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ بالنحو واللغة، ووقف كتبه بمسجد ابن جرارة ببغداد، توفي في شعبان وقد نيف على الثمانين.
محمد بن عبد الله ابن الْقَاسِمِ أَبُو الْفَضْلِ، قَاضِي الْقُضَاةِ بِدِمَشْقَ، كَمَالُ الدَّيْنِ الشَّهْرُزُورِيُّ، الْمَوْصِلِيُّ، وَلَهُ بِهَا مَدْرَسَةٌ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ، وَأُخْرَى بِنَصِيبِينَ، وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا أَمِينًا ثقة، ولي القضاء بدمشق لنور الدين الشهيد مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ، وَاسْتَوْزَرَهُ أَيْضًا فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ السَّاعِي.
قَالَ وَكَانَ يَبْعَثُهُ فِي
الرَّسَائِلِ، كتب مرة على قِصَّةٍ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّسُولُ، فَكَتَبَ الْخَلِيفَةُ تَحْتَ ذَلِكَ: صَلَّى الله عليه وآله.
قلت: وقد فرض إِلَيْهِ نُورُ الدِّينِ نَظَرَ الْجَامِعِ وَدَارَ الضَّرْبِ والأسوار، وعمر له المارستان والمدارس وغير ذلك وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بدمشق.
الخطيب شمس الدين ابن الوزير أبو الضياء خَطِيبُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَابْنُ وَزِيرِهَا، كَانَ أَوَّلَ من خطب بديار مصر للخليفة المستضئ بأمر الله العباسي، بأمر الملك صلاح الدين، ثُمَّ حَظِيَ عِنْدَهُ حَتَّى جَعَلَهُ سَفِيرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُلُوكِ وَالْخُلَفَاءِ، وَكَانَ رَئِيسًا مُطَاعًا كَرِيمًا ممدحاً، يقرأ عليه الشعراء والأدباء.
ثم جعل الناصر مكانه الشهرزوري المتقدم (1) بمرسوم السلطان، وصارت وظيفة مقررة.
__________
(1) قال أبو شامة في الروضتين: ثم تعين ضياء الدين بن الشهرزوري - وهو ابن أخ كمال الدين بن الشهرزوري وكان = (*)
(12/364)

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة فيها أمر الملك الناصر ببناء قلعة الجبل وإحاطة السور على القاهرة ومصر، فعمر قَلْعَةٌ لِلْمَلِكِ لَمْ يَكُنْ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِثْلُهَا وَلَا عَلَى شَكْلِهَا، وَوَلِيَ عِمَارَةَ ذَلِكَ الْأَمِيرُ بَهَاءُ الدِّينِ قَرَاقُوشُ مَمْلُوكُ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ شَاهِنْشَاهْ بْنِ أَيُّوبَ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الرَّمْلَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِي جُمَادَى الْأُولَى منها سار السلطان الناصر صلاح الدين مِنْ مِصْرَ قَاصِدًا غَزْوَ الْفِرِنْجِ، فَانْتَهَى إِلَى بلاد الرملة فسبى وغنم، ثُمَّ تَشَاغَلَ جَيْشُهُ بِالْغَنَائِمِ وَتَفَرَّقُوا فِي الْقُرَى والمحال، وبقي هو فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ مُنْفَرِدًا فَهَجَمَتْ عَلَيْهِ الْفِرِنْجُ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ فَمَا سَلِمَ إلا بعد جهدا جهيد، ثم تراجع الجيش إليه وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَوَقَعَتِ الْأَرَاجِيفُ فِي الناس بسبب ذلك، وما صدق أهل مصر حتى نظروا إليه وَصَارَ الْأَمْرُ كَمَا قِيلَ * رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالْإِيَابِ * وَمَعَ هَذَا دَقَّتِ الْبَشَائِرُ فِي الْبُلْدَانِ فرحاً بسلامة السلطان، ولم تجر هَذِهِ الْوَقْعَةِ إِلَّا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، وَذَلِكَ يوم حطين، وَقَدْ ثَبَتَ السُّلْطَانُ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ ثَبَاتًا عَظِيمًا، وَأَسَرَ لِلْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ بن أَخِي السُّلْطَانِ وَلَدُهُ شَاهِنْشَاهْ، فَبَقِيَ عِنْدَهُمْ سَبْعَ سِنِينَ، وَقُتِلَ ابْنُهُ الْآخَرُ، وَكَانَ شَابًّا قَدْ طَرَّ شَارِبُهُ، فَحَزِنَ عَلَى الْمَقْتُولِ وَالْمَفْقُودِ، وَصَبَرَ
تَأَسِّيًا بِأَيُّوبَ، وَنَاحَ كَمَا نَاحَ دَاوُدُ، وَأُسِرَ الْفَقِيهَانِ الْأَخَوَانِ ضِيَاءُ الدِّينِ عِيسَى وَظَهِيرُ الدِّينِ فافتداهما السلطان بعد سنتين بتسعين (1) ألف دينار.
وفيها تخبطت دولة حلب وَقَبَضَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُورِ الدِّينِ عَلَى الْخَادِمِ كُمُشْتِكِينَ، وَأَلْزَمَهُ بِتَسْلِيمِ قَلْعَةِ حَارِمٍ، وَكَانَتْ لَهُ، فَأَبَى مِنْ ذَلِكَ فَعَلَّقَهُ مَنْكُوسًا وَدَخَّنَ تَحْتَ أَنْفِهِ حَتَّى مَاتَ مِنْ ساعته.
وَفِيهَا جَاءَ مَلِكٌ كَبِيرٌ مِنْ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ يورم أخذ الشام لغيبة السلطان واشتغال نوابه ببلدانهم.
قَالَ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ: وَمِنْ شَرْطِ هُدْنَةِ الْفِرِنْجِ أَنَّهُ مَتَى جَاءَ مَلِكٌ كَبِيرٌ مِنْ مُلُوكِهِمْ لا يمكنهم دفعه أنهم يُقَاتِلُونَ مَعَهُ وَيُؤَازِرُونَهُ وَيَنْصُرُونَهُ، فَإِذَا انْصَرَفَ عَنْهُمْ عَادَتِ الْهُدْنَةُ كَمَا كَانَتْ، فَقَصَدَ هَذَا الْمَلِكُ وجملة الفرنج مَدِينَةَ حَمَاةَ وَصَاحِبُهَا شِهَابُ الدِّينِ مَحْمُودٌ خَالُ السُّلْطَانِ مَرِيضٌ، وَنَائِبُ دِمَشْقَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الأمراء مشغولون ببلدانهم، فَكَادُوا يَأْخُذُونَ الْبَلَدَ وَلَكِنْ هَزَمَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَانْصَرَفُوا إِلَى حَارِمٍ فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ أَخْذِهَا وَكَشْفَهُمْ عَنْهَا الْمَلِكُ الصَّالِحُ صَاحِبُ حلب، وقد دفع إليهم من الأموال والأسرى ما طلبوه منه وتوفي صاحب حماه شهاب الدين محمود خال السلطان الناصر، وتوفي قبله ولده تتش بثلاثة أيام، وَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ بِنُزُولِ الْفِرِنْجِ عَلَى حارم خرج من
__________
= قد أوصى بتعيينه عمه كمال الدين عند اشتداد مرضه عل القضاء وقد أمضى السلطان حكمه ثم طلب إعفاءه فأعفي - بعده للرسالة إلى الديوان، وصارت منصبا ينافس عليه، واستتبت له هذه السفارة إلى آخر العهد السلطاني.
(1) في الكامل والروضتين: بعد سنين بستين ألف دينار.
(*)
(12/365)

مصر قاصداً بلاد الشام، فدخل دمشق في رابع عشر (1) شَوَّالٍ، وَصُحْبَتُهُ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ، وَتَأَخَّرَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ بمصر لأجل الحج.
وفيها جاء كتاب القاضي الفاضل الناصر يهنئه بوجود مولود وَهُوَ أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ (2) ، وَبِهِ كَمَلَ لَهُ اثني عَشَرَ ذَكَرًا، وَقَدْ وُلِدَ لَهُ بَعْدَهُ عِدَّةُ أولاد ذكور، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا وَابْنَةٍ صَغِيرَةٍ اسْمُهَا مُؤْنِسَةُ، الَّتِي تَزَوَّجَهَا ابْنُ عمِّها الْمَلِكُ الْكَامِلُ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَادِلِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهَا جَرَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْعَامَّةِ بِبَغْدَادَ، بسبب أن مؤذناً أذن عند كنيسة فنال منه بعض اليهود بكلام أغلظ له فيه، فَشَتَمَهُ الْمُسْلِمُ فَاقْتَتَلَا، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ يَشْتَكِي مِنْهُ إلى الديوان، فتفاقم الحال، وكثرت العوام، وأكثروا الضجيج، فلما حان وقت الجمعة منعت العامة الخطباء فِي بَعْضِ الْجَوَامِعِ، وَخَرَجُوا مِنْ فَوْرِهِمْ فَنَهَبُوا سُوقَ الْعَطَّارِينَ الَّذِي فِيهِ الْيَهُودُ، وَذَهَبُوا إِلَى كَنِيسَةِ الْيَهُودِ فَنَهَبُوهَا، وَلَمْ يَتَمَكَّنِ الشُّرَطُ مِنْ رَدِّهِمْ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِصَلْبِ بَعْضِ الْعَامَّةِ، فَأَخْرَجَ فِي اللَّيْلِ جَمَاعَةً مِنَ الشُّطَّارِ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْحُبُوسِ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ فَصُلِبُوا، فَظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا كَانَ بسبب هذه الكائنة، فسكن الناس.
وفيها خرج الوزير الْخَلِيفَةِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ ابْنُ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ ابْنُ الْمُسْلِمَةِ قَاصِدًا الْحَجَّ، وَخَرَجَ النَّاسُ فِي خِدْمَتِهِ لِيُوَدِّعُوهُ فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ فِي صُورَةِ فُقَرَاءَ وَمَعَهُمْ قِصَصٌ، فَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ لِيُنَاوِلَهُ قصة فاعتنقه وضربه بالسكين ضربات، وهجم الثاني وكذلك الثالث عليه فَهَبَرُوهُ وَجَرَحُوا جَمَاعَةً حَوْلَهُ، وَقُتِلَ الثَّلَاثَةُ مِنْ فورهم، ورجع الوزير إلى منزله محمولاً فمات من يَوْمِهِ، وَهَذَا الْوَزِيرُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ وَلَدَيِ الْوَزِيرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَأَعْدَمَهُمَا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ، جَزَاءً وِفَاقًا.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ..صَدَقَةُ بْنُ الحسين أبو الفرج الْحَدَّادِ، قَرَأَ الْقُرْآنَ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَتَفَقَّهَ وَأَفْتَى، وقال الشعر وقال في الكلام، وله تاريخ ذيل عَلَى شَيْخِهِ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ، وَفِيهِ غَرَائِبُ وَعَجَائِبُ.
قال ابْنُ السَّاعِي: كَانَ شَيْخًا عَالِمًا فَاضِلًا وَكَانَ فَقِيرًا يَأْكُلُ مِنْ أُجْرَةِ النَّسْخِ، وَكَانَ يَأْوِي إِلَى مَسْجِدٍ بِبَغْدَادَ عِنْدَ الْبَدْرِيَّةِ يَؤُمُّ فِيهِ، وكان يعتب عَلَى الزَّمَانِ وَبَنِيهِ، وَرَأَيْتُ ابْنَ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُنْتَظَمِ يَذُمُّهُ وَيَرْمِيهِ بِالْعَظَائِمِ، وَأَوْرَدَ لَهُ مِنْ أشعاره
__________
(1) في الروضتين 1 / 2 / 707: الرابع والعشرين.
(2) في كتاب الفاضل قال: إنه ولد لسبع بقين من ذي القعدة ; (الروضتين 1 / 2 / 709 وفي الحاشية (1) في الساعة الرابعة ليلة الاحد الثالث والعشرين من ذي القعدة، كما جاء في البرق..) .
(*)
(12/366)

مَا فِيهِ مُشَابَهَةٌ لِابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ فِي الزَّنْدَقَةِ فالله أعلم.
تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ خَمْسٍ وسبعين (1) سنة، ودفن بباب حرب، ورئيت لَهُ مَنَامَاتٌ غَيْرُ صَالِحَةٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ في الدينا والآخرة.
مُحَمَّدُ بْنُ أَسْعَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو مَنْصُورٍ الْعَطَّارُ، الْمَعْرُوفُ بِحَفَدَةَ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَتَفَقَّهَ وَنَاظَرَ وأفتى ودرس وقدم بغداد فمات بها.
محمود بن تتش شِهَابُ الدِّينِ الْحَارِمِيُّ خَالُ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ، كان من خيار الأمراء وشجعانهم، أقطعه ابن أخته حماه، وقد حاصره الفرنج وهو مريض فأخذوا حماه وقتلوا بعض أهلها، ثم تناخى أهلها فردوهم خائبين.
فاطمة بنت نصر الْعَطَّارِ كَانَتْ مِنْ سَادَاتِ النِّسَاءِ، وَهِيَ مِنْ سلالة أخت صاحب المخزن، كانت مِنَ الْعَابِدَاتِ الْمُتَوَرِّعَاتِ الْمُخَدَّرَاتِ، يُقَالُ إِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مَنْزِلِهَا سِوَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهَا الْخَلِيفَةُ وَغَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وخمسمائة فِيهَا وَرَدَ كِتَابٌ مِنَ الْقَاضِي الْفَاضِلِ مِنْ مصر إلى الناصر وهو بالشام يهنيه بسلامة أولاده الملوك الاثني عشر، يقول: وهم بحمد الله بهجة الحياة وزينتها، وريحانة القلوب والأرواح وزهرتها، إن فُؤَادًا وَسِعَ فِرَاقَهُمْ لَوَاسِعٌ، وَإِنَّ قَلْبًا قَنِعَ بأخبارهم لقانع، وإن طرفاً نام عن العبد عنهم لهاجع، وإن ملكاً ملك صبره عَنْهُمْ لَحَازِمٌ، وَإِنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ لَنِعْمَةٌ بِهَا الْعَيْشُ نَاعِمٌ، أَمَا يَشْتَاقُ جِيدُ الْمَوْلَى أن تطوق بدررهم؟ أما تظمأ عينه أن تروى بنظرهم؟ أما يحن قلبه للقيهم؟ أما يلتقط هذا الطائر بفتيلهم؟ وَلِلْمَوْلَى أَبْقَاهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: وَمَا مِثْلُ هذا الشوق يحمل بعضه * ولكن قلبي في الهوى يتقلّب
__________
(1) في شذرات الذهب 4 / 244: ولد سنة 477 فيكون له من العمر على رواية الشذرات 96 سنة.
(*)
(12/367)

وفيها أسقط صَلَاحُ الدِّينِ الْمُكُوسَ وَالضَّرَائِبَ عَنِ الْحُجَّاجِ بِمَكَّةَ، وقد كان يؤخذ من حجاج الغرب شئ كَثِيرٌ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ حُبِسَ فَرُبَّمَا فاته الوقوف بعرفة، وعوض أمير مكة بمال أقطعه إياه بمصر، وَأَنْ يُحْمَلَ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَمَانِيَةُ آلاف أردب إِلَى مَكَّةَ، لِيَكُونَ عَوْنًا لَهُ وَلِأَتْبَاعِهِ، وَرِفْقًا بالمجاورين، وقررت للمجاورين أيضاً غلات تحمل إليهم رحمه الله.
وَفِيهَا عَصَى الْأَمِيرُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ مُقَدَّمٍ بِبَعْلَبَكَّ، وَلَمْ يَجِئْ إِلَى خِدْمَةِ السُّلْطَانِ، وَهُوَ نازل على حِمْصَ، وَذَلِكَ أنَّه بَلَغَهُ أنَّ أَخَا السُّلْطَانِ توران شاه طلب بعلبك منه فَأَطْلَقَهَا لَهُ، فَامْتَنَعَ ابْنُ الْمُقَدَّمِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا حَتَّى جَاءَ السُّلْطَانُ بِنَفْسِهِ فَحَصَرَهُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، ثُمَّ عَوَّضَ ابْنَ الْمُقَدَّمِ عَنْهَا بِتَعْوِيضٍ كَثِيرٍ خَيْرٍ مِمَّا كَانَ بِيَدِهِ، فخرج منها وتسلّمها وسلّمها توران شاه.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَكَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِسَبَبِ قِلَّةِ الْمَطَرِ، عَمَّ الْعِرَاقَ وَالشَّامَ وَدِيَارَ مِصْرَ (1) ، وَاسْتَمَرَّ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وسبعين، فجاء المطر ورخصت الأسعار ثم عقب ذلك وباء شديد، وعم البلاد مرض آخر وَهُوَ السِّرْسَامُ (2) ، فَمَا ارْتَفَعَ إِلَّا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ، فَمَاتَ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وأمم لا يعلم عددهم إلا الله.
وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا وَصَلَتْ خُلَعُ الْخَلِيفَةِ إِلَى الملك صلاح الدين وهو بدمشق، وَزِيدَ فِي أَلْقَابِهِ مُعِزُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَلَعَ على أخيه توران شاه بمصطفى أمير المؤمنين.
وفيها جهز الناصر ابن أخيه فروخ شاه بن شاهنشاه بين يديه لقتال الفرنج الذين عاثوا في نواحي دمشق، فنهبوا ما حولها، وَأَمْرَهُ أَنْ يُدَارِيَهُمْ حَتَّى يَتَوَسَّطُوا الْبِلَادَ وَلَا يقاتلهم حتى يقدم عليه، فلما رأوه عَاجَلُوهُ بِالْقِتَالِ فَكَسَرَهُمْ وَقَتَلَ مِنْ مُلُوكِهِمْ صَاحِبَ النَّاصِرَةِ الْهَنْفَرِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ مُلُوكِهِمْ وَشُجْعَانِهِمْ، لَا يُنَهْنِهُهُ اللِّقَاءَ، فَكَبَتَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الغزوة، ثم ركب الناصر فِي إِثْرِ ابْنِ أَخِيهِ فَمَا وَصَلَ إِلَى الكسوة حتى تلقته الرؤوس على الرماح، والغنائم والأسارى.
وفيها بنت الفرنج قَلْعَةً عِنْدَ بَيْتِ الْأَحْزَانِ (3) لِلدَّاوِيَةِ فَجَعَلُوهَا مَرْصَدًا لحرب المسلمين، وقطع طريقهم، وَنَقَضَتْ مُلُوكُهُمُ الْعُهُودَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ صَلَاحِ الدِّينِ، وَأَغَارُوا عَلَى نَوَاحِي الْبُلْدَانِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، لِيَشْغَلُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ، وَتَفَرَّقَتْ جُيُوشُهُمْ فَلَا تَجْتَمِعُ فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَرَتَّبَ السُّلْطَانُ ابن أخيه عمر على
حماه ومعه ابن مُقَدَّمٍ وَسَيْفُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمَشْطُوبُ بنواحي البقاع وغيرها، وَبِثَغْرِ حِمْصَ ابْنَ عَمِّهِ نَاصِرَ الدِّينِ بْنَ أسد الدين شيركوه، وبعث إلى أخيه الملك أَبِي بَكْرٍ الْعَادِلِ نَائِبِهِ بِمِصْرَ أَنْ يَبْعَثَ
__________
(1) لم يأت ابن الاثير على ذكر مصر قال: انقطعت الامطار بالكلية في سائر البلاد الشامية والجزيرة والبلاد العراقية والديار بكرية والموصل وبلاد الجبل وخلاط (الكامل: 11 / 451) .
(2) السرسام: ورم في حجاب الدماغ تحدث عنه حمى دائمة، وتتبعها أعراض رديئة كالسهر واختلاط الذهن (المعجم الوسيط) .
(3) قال ابن الأثير: إن الفرنج بنوا حصنا يقارب بانياس، عند بيت يعقوب، بمكان يعرف بمخاضة الاحزان.
(11 / 455) .
(*)
(12/368)

إِلَيْهِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ فَارِسٍ يَسْتَعِينُ بِهِمْ عَلَى قِتَالِ الْفِرِنْجِ، وَكَتَبَ إِلَى الْفِرِنْجِ يَأْمُرُهُمْ بِتَخْرِيبِ هَذَا الْحِصْنِ الَّذِي بَنَوْهُ لِلدَّاوِيَةِ فَامْتَنَعُوا إِلَّا أَنْ يَبْذُلَ لَهُمْ مَا غَرِمُوهُ عَلَيْهِ، فَبَذَلَ لهم ستين ألف دينار فلم يقبلوا، ثم أوصلهم إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ دينار، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَخِيهِ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ: ابذل هذا إلى أحناد الْمُسْلِمِينَ وَسِرْ إِلَى هَذَا الْحِصْنِ فَخَرِّبْهُ، فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ وَخَرَّبَهُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ كما سنذكره.
وفيها أمر الخليفة المستضئ بِكِتَابَةِ لَوْحٍ عَلَى قَبْرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فِيهِ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَبَعْدَهَا هَذَا قَبْرُ تاج السنة وحبر الْأُمَّةِ الْعَالِي الْهِمَّةِ الْعَالِمِ الْعَابِدِ الْفَقِيهِ الزَّاهِدِ، وذكروا تَارِيخَ وَفَاتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهَا احْتِيطَ ببغداد على شاعر (1) ينشد للروافض أشعاراً في ثلب الصحابة وسبهم، وتهجين من يحبهم، فعقد له مجلس بأمر الخليفة ثم اسنتطق فإذا هو رافضي خبيث داعية إليه، فَأَفْتَى الْفُقَهَاءُ بِقَطْعِ لِسَانِهِ وَيَدَيْهِ، فَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَطَفَتْهُ الْعَامَّةُ فَمَا زَالُوا يَرْمُونَهُ بِالْآجُرِّ حَتَّى أَلْقَى نَفْسَهُ فِي دِجْلَةَ فَاسْتَخْرَجُوهُ منها فقتلوه حتى مات، فأخذوا شريطاً وربطوه في رجله وجروه على رجله حتى طافوا به البلد وجميع الأسواق، ثم ألقوه في بعض الأتونة مَعَ الْآجُرِّ وَالْكِلْسِ، وَعَجَزَ الشُّرَطُ عَنْ تَخْلِيصِهِ منهم.
وفيها توفي من الأعيان..أسعد بن بلدرك الجبريلي سمع الحديث وكان شيخاً ظريف المذاكرة جيد المبادرة، توفي عن مائة سنة وأربع سنين.
الْحَيْصَ بَيْصَ سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ [الملقب] شهاب الدين، أبو الفوارس المعروف بحيص بيص، له ديوان شعر مشهور، توفي يوم الثلاثاء خامس شهر شعبان من هذه السنة، وله ثنتان وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَدُفِنَ بِبَابِ التِّبْنِ، وَلَمْ يُعْقِبْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْمُرَاسَلَاتِ بَدِيلٌ، كَانَ يَتَقَعَّرُ فِيهَا وَيَتَفَاصَحُ جِدًّا، فَلَا تُوَاتِيهِ إِلَّا وَهِيَ مُعَجْرَفَةٌ، وَكَانَ يَزْعُمُ أنَّه مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَسُئِلَ أَبُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَا سَمِعْتُهُ إِلَّا مِنْهُ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ (2) يَهْجُوهُ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ ذَلِكَ: كم تبادي وكم تطيل طرطو * رك وما فيك شعرة من تميم
__________
(1) وهو ابن قرايا.
(2) وهو أبو القاسم بن الفضل، وقيل الرئيس علي بن الاعرابي (الوافي) .
(*)
(12/369)

فكل الضب وأقرط الحنظل إليا * يس (1) واشرب إن شئت بول الظليم فليس ذَا وَجْهُ مَنْ يُضِيفُ وَلَا يَقْ * رِي ولا يدفع الأذى عن حريم ومن شعره الْحَيْصَ بَيْصَ الْجَيِّدِ: سَلَامَةُ الْمَرْءِ سَاعَةً عَجَبُ * وكل شئ لِحَتْفِهِ سَبَبُ يَفِرُّ وَالْحَادِثَاتُ تَطْلُبُهُ * يَفِرُّ مِنْهَا ونحوها الهرب وكيف يَبْقَى عَلَى تَقَلُّبِهِ * مُسَلَّمًا مَنْ حَيَاتُهُ الْعَطَبُ وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا: لَا تَلْبَسِ الدَّهْرَ عَلَى غِرَّةٍ * فَمَا لِمَوْتِ الْحَيِّ مِنْ بُدِّ وَلَا يخادعك طول البقا * فتحسب التطويل من خلد
يقرب ما كان آخراً * مَا أَقْرَبَ الْمَهْدَ مِنَ اللَّحْدِ وَيَقْرُبُ مِنْ هذا ما ذكره صاحب العقد أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْدَلُسِيُّ في عقده: ألا إنما الدينا غُضَارَةُ أيكةٍ * إِذَا اخْضَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ جَفَّ جَانِبُ وَمَا الدَّهْرُ وَالْآمَالُ إِلَّا فَجَائِعٌ * عَلَيْهَا وَمَا اللَّذَّاتُ إِلَّا مَصَائِبُ فَلَا تَكْتَحِلْ عَيْنَاكَ مِنْهَا بعبرةٍ * عَلَى ذَاهِبٍ مِنْهَا فَإِنَّكَ ذَاهِبُ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ حَيْصَ بَيْصَ هَذَا فِي ذَيْلِهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَسَمَّعَ عَلَيْهِ دِيوَانَهُ وَرَسَائِلَهُ، وَأَثْنَى عَلَى رَسَائِلِهِ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ، وَقَالَ: كَانَ فِيهِ تِيهٌ وَتَعَاظُمٌ، وَلَا يتكلَّم إِلَّا مُعْرِبًا، وَكَانَ فَقِيهًا شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، وَاشْتَغَلَ بِالْخِلَافِ وَعِلْمِ النَّظَرِ، ثُمَّ تَشَاغَلَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالشِّعْرِ، وَكَانَ مَنْ أَخْبَرِ النَّاسِ بِأَشْعَارِ الْعَرَبِ، وَاخْتِلَافِ لُغَاتِهِمْ.
قَالَ: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْحَيْصَ بَيْصَ، لِأَنَّهُ رَأَى النَّاسَ فِي حَرَكَةٍ وَاخْتِلَاطٍ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ فِي حَيْصَ بيص، أي في شر وهرج، فغلب عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ (2) ، وَكَانَ يَزْعُمُ أنَّه مِنْ وَلَدِ أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ طَبِيبِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَتْرُكْ عَقِبًا.
كَانَتْ لَهُ حَوَالَةٌ بِالْحِلَّةِ فَذَهَبَ يتقاضاها فتوفي ببغداد في هذه السنة.
محمد بن نسيم أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخَيَّاطُ، عَتِيقُ الرَّئِيسِ أَبِي الفضل بن عبسون (3) ، سمع الحديث وقارب
__________
(1) في الوافي: وأقرض الحنظل الاخضر ... (2) انظر وفيات الاعيان 2 / 365 والوافي بالوفيات 15 / 167.
(3) في الوافي 5 / 110 والنجوم الزاهرة 6 / 84 وشذرات الذهب 4 / 249: عيشون.
(*)
(12/370)

الثَّمَانِينَ، سَقَطَ مِنْ دَرَجَةٍ فَمَاتَ.
قَالَ أَنْشَدَنِي مولى الدين يعني ابن علام الحكيم بن عبسون (2) : للقارئ المحزون أَجْدَرُ بِالتُّقَى * مِنْ رَاهِبٍ فِي دَيْرِهِ مُتَقَوِّسِ وَمُرَاقِبُ الْأَفِلَاكِ كَانَتْ نَفْسُهُ * بِعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ أَحْرَى الْأَنْفُسِ وَالْمَاسِحُ الْأَرْضِينَ وَهْيَ فَسِيحَةٌ * أَوْلَى بِمَسْحٍ فِي أَكُفِّ اللُّمَّسِ
أَوْلَى بِخَشْيَةِ رَبِّهِ مِنْ جاهلٍ * بمثلثٍ ومربعٍ ومخمس ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ مَرْجِ عُيُونٍ اسْتُهِلَّتْ هَذِهِ السنة والسلطان صلاح الدين الناصر نَازِلٌ بِجَيْشِهِ عَلَى تَلِّ الْقَاضِي بِبَانِيَاسَ، ثُمَّ قصده الفرنج بجمعهم فنهض إليهم فما هو إلا أن التقى الفريقان واصطدم الجندان، فأنزل الله نصره وأعز جنده، فولت ألوية الصلبان ذاهبة وخيل الله لركابهم راكبة، فقتل منهم خلق كثير، وَأُسِرَ مِنْ مُلُوكِهِمْ جَمَاعَةٌ، وَأَنَابُوا إِلَى السَّمْعِ والطاعة، منهم مقدم الداوية ومقدم الابسباتارية وَصَاحِبُ الرَّمْلَةِ وَصَاحِبُ طَبَرِيِّةَ وَقَسْطَلَانُ يَافَا وَآخَرُونَ مِنْ مُلُوكِهِمْ، وَخَلْقٌ مِنْ شُجْعَانِهِمْ وَأَبْطَالِهِمْ، وَمِنْ فرسان القدس جماعة كثيرون تقريباً من ثلاثمائة أسير من أشرافهم، فصاروا يهانون في القيود.
قال العماد: فَاسْتَعْرَضَهُمُ السُّلْطَانُ فِي اللَّيْلِ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ، وصلى يومئذ الصبح بوضوء العشاء، وكان جالساً ليلتئذ في نحو العشرين والفرنج كثير، فسلمه الله مِنْهُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى دِمَشْقَ لِيُعْتَقَلُوا بِقَلْعَتِهَا، فافتدى ابن البارزاني صاحب الرملة نفسه بِمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ صُورِيَّةٍ، وَإِطْلَاقِ أَلْفِ أَسِيرٍ مِنْ بِلَادِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وافتدى جماعة منهم أنفسهم بأموال جزيلة، ومنهم من مات في السجن، وَاتَّفَقَ أَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي ظَفِرَ فِيهِ السلطان بالفرنج بمرج عيون، ظهر أسطول المسلمين على بطشه لِلْفِرِنْجِ فِي الْبَحْرِ وَأُخْرَى مَعَهَا فَغَنِمُوا مِنْهَا أَلْفَ رَأْسٍ مِنَ السَّبْيِ، وَعَادَ إِلَى السَّاحِلِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا، وَقَدِ امْتَدَحَ الشُّعَرَاءُ السُّلْطَانَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ بِمَدَائِحَ كَثِيرَةٍ، وَكُتِبَ بِذَلِكَ إِلَى بغداد فدقت البشائر فرحاً وشرورا، وَكَانَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ غَائِبًا عن هذه الوقعة مشتغلاً بما هو أعظم منها، وذلك أنَّ ملك الروم فرارسلان بعث يطلب حصن رعنان (1) ، وَزَعَمَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ اغْتَصَبَهُ مِنْهُ، وَأَنَّ ولده قد عصي، فلم يجبه إلى ذلك السلطان، فَبَعَثَ صَاحِبُ الرُّومِ عِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ يُحَاصِرُونَهُ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ فِي ثَمَانِمِائَةِ (2) فَارِسٍ مِنْهُمْ سَيْفُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ المشطوب، فالتقوا معهم فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ،
__________
(1) في الكامل 11 / 458 وتاريخ أبي الفداء 3 / 61: رعبان.
قال ياقوت: مدينة بالثغور بين حلب وسميساط قرب الفرات: وهي قلعة تحت الجبل خربتها الزلزلة سنة 340 هـ وأعاد عمارتها أبو فراس بن حمدان في 37 يوما (معجم
البلدان) .
(2) في الكامل 11 / 458: ألف فارس.
(*)
(12/371)

واستقرت يد صلاح الدين على حصن رعنان، وقد كان مما عوض به ابن مقدم عَنْ بَعْلَبَكَّ، وَكَانَ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ يَفْتَخِرُ بِهَذِهِ الْوَقْعَةِ وَيَرَى أَنَّهُ قَدْ هَزَمَ عِشْرِينَ ألفاً، وقيل ثلاثين ألفاً بثمانمائة، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ بَيَّتَهُمْ وَأَغَارَ عليهم، فما لبثوا بَلْ فَرُّوا مُنْهَزِمِينَ عَنْ آخِرِهِمْ، فَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْقَتْلَ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى جَمِيعِ مَا تَرَكُوهُ فِي خِيَامِهِمْ، وَيُقَالُ إِنَّهُ كَسَرَهُمْ يَوْمَ كَسَرَ السُّلْطَانُ الفرنج بمرج عيون والله أعلم.
ذكر تخريب حصن الأحزان وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ صَفَدَ.
ثُمَّ رَكِبَ السُّلْطَانُ إِلَى الْحِصْنِ الَّذِي كَانَتِ الْفِرِنْجُ قَدْ بَنَوْهُ في العام الماضي وحفروا فيه بئراً وجعلوه لهم عيناً، وَسَلَّمُوهُ إِلَى الدَّاوِيَّةِ، فَقَصَدَهُ السُّلْطَانُ فَحَاصَرَهُ وَنَقَبَهُ من جميع جهاته، وألقى فيه النيران وَخَرَّبَهُ إِلَى الْأَسَاسِ، وَغَنِمَ جَمِيعَ مَا فِيهِ، فَكَانَ فِيهِ مِائَةُ أَلْفِ قِطْعَةٍ مِنَ السِّلَاحِ ومن المأكل شئ كَثِيرٌ، وَأَخَذَ مِنْهُ سَبْعَمِائَةِ أَسِيرٍ فَقَتَلَ بَعْضًا وأرسل إلى دمشق الباقي، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا، غَيْرَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ أُمَرَائِهِ عَشَرَةٌ بِسَبَبِ مَا نَالَهُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْوَبَاءِ فِي مُدَّةِ الْحِصَارِ، وكانت أربعة عشر يوماً، ثم أن الناس زاروا مَشْهَدِ يَعْقُوبَ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَقَدِ امْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ فقال بعضهم (1) : بحمدك أعطاف القنا قد تعطفت * وَطَرْفُ الْأَعَادِي دُونَ مَجْدِكَ يَطْرِفُ شِهَابُ هُدًى في ظلمة الليل ثَاقِبُ * وَسَيْفٌ إِذَا مَا هَزَّهُ اللَّهُ مُرْهَفُ وقفت على حصن المحاض وَإِنَّهُ * لَمَوْقِفُ حَقٍّ لَا يُوَازِيهِ مَوْقِفُ فَلَمْ يَبْدُ وَجْهُ الْأَرْضِ بَلْ حَالَ دُونَهُ * رِجَالٌ كآساد الثرى وهي ترجف وجرد سلهوب ودرع مضاعف * وأبيضٌ هندي ولدنٌ مهفهف وما رجعت أعلامك البيض ساعة * إلا غدت أكبادها السود ترجف
كنائس أغياد صَلِيبٌ وَبِيعَةٌ * وَشَادَ بِهِ دِينٌ حَنِيفٌ وَمُصْحَفُ صليب وعباد الصليب ومنزل * لنوالٍ قد غَادَرْتَهُ وَهْوَ صَفْصَفُ أَتَسْكُنُ أَوْطَانَ النَّبِيِّينَ عُصْبَةٌ * تَمِينُ لَدَى أَيْمَانِهَا وَهْيَ تَحْلِفُ نَصَحْتُكُمُ وَالنُّصْحُ فِي الدِّينِ وَاجِبٌ * ذَرُوا بَيْتَ يَعْقُوبَ فَقَدْ جَاءَ يُوسُفُ وَقَالَ آخَرُ (2) : هَلَاكُ الْفِرِنْجِ أَتَى عاجلاً * وقد آن تكسير صلبانها
__________
(1) وهو علي بن محمد الساعاتي الدمشقي (ابن الاثير - تاريخ أبي الفداء) .
(2) وهو النشو بن نفاذة (الكامل 11 / 457) .
(*)
(12/372)

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَنَا حَتْفُهَا * لَمَا عمّرت بيت أحزانها من كتاب كتبه القاضي الفاضل إلى بغداد في خراب هذا الحصن.
وقد قيس عرض حائطه فزاد عَلَى عَشَرَةِ أَذْرُعٍ وَقُطِعَتْ لَهُ عِظَامُ الْحِجَارَةِ كل فص منها سَبْعَةِ أَذْرُعٍ، إِلَى مَا فَوْقَهَا وَمَا دُونَهَا، وَعِدَّتُهَا تَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفَ حَجَرٍ، لَا يستقر الحجر فِي بُنْيَانِهِ إِلَّا بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ فَمَا فَوْقَهَا، وَفِيمَا بَيْنَ الْحَائِطَيْنِ حَشْوٌ مِنَ الْحِجَارَةِ الضَّخْمَةِ الصم، أتوا بها من رؤوس الجبال الشم، وقد جعلت شعبيته بالكلس الذي إذا أحاطت بالحجر مازجه بمثل جسمه، ولا يستطيع الحديد أن يتعرض إلى هدمه.
وفيها أقطع صلاح الدين ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بعلبك.
وأغار فيها على صفت (1) وأعمالها، فقتل طائفة كبيرة من مقاتليها، وكان فروخ شاه من الصناديد الأبطال.
وَفِيهَا حَجَّ الْقَاضِي الْفَاضِلُ مِنْ دِمَشْقَ وَعَادَ إِلَى مِصْرَ فَقَاسَى فِي الطَّرِيقِ أَهْوَالًا، وَلَقِيَ ترحاً وَتَعَبًا وَكَلَالًا، وَكَانَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي قَدْ حج من مصر وعاد إلى الشام، وكان ذلك العام في حقه أَسْهَلَ مِنْ هَذَا الْعَامِ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ انْهَدَمَ بِسَبَبِهَا قِلَاعٌ وَقُرًى، وَمَاتَ خَلْقٌ كثير فيها من الورى، وسقط من رؤوس الْجِبَالِ صُخُورٌ كِبَارٌ، وَصَادَمَتْ بَيْنَ الْجِبَالِ فِي الْبَرَارِي وَالْقِفَارِ، مَعَ بُعْدِ مَا بَيْنَ الْجِبَالِ مِنَ الْأَقْطَارِ.
وَفِيهَا أَصَابَ النَّاسَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ وَفَنَاءٌ شَرِيدٌ وَجُهْدٌ جَهِيدٌ، فَمَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ
بِهَذَا وَهَذَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وفاة المستضئ بأمر الله وشئ من ترجمته
كان ابتداء مرضه أواخر شوال فَأَرَادَتْ زَوْجَتُهُ أَنْ تَكْتُمَ ذَلِكَ فَلَمْ يُمْكِنْهَا، وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ بِبَغْدَادَ وَنَهَبَتِ الْعَوَامُّ دُورًا كَثِيرَةً، وَأَمْوَالًا جَزِيلَةً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ خُطِبَ لِوَلِيِّ الْعَهْدِ أبي العباس أحمد بن المستضئ، وَهُوَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا نُثِرَ الذَّهَبُ فِيهِ عَلَى الْخُطَبَاءِ وَالْمُؤَذِّنِينَ، ومن حضر ذلك، عند ذكر اسمه على المنبر.
وكان مرضه بالحمى ابتدأ فيها يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ يَتَزَايَدُ به حتى استكمل في مرضه شهراً، ومات سَلْخَ شَوَّالٍ (2) ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ تِسْعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا (3) ، وَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ.
وَدُفِنَ بِدَارِ النَّصْرِ الَّتِي بَنَاهَا، وذلك عن وصيته التي أوصاها، وترك ولدين أحدهما ولي عهده وهو عدة الدنيا والدين، أبو العباس أحمد الناصر لدين
__________
(1) في تاريخ ابن الاثير 11 / 461: صفد، وهي مطلة على طبرية.
(2) في الكامل 11 / 459: في ثاني ذي القعدة.
(انظر مرآة الزمان 8 / 356 والجوهر الثمين 1 / 213.
وتاريخ أبي الفداء 3 / 62.
وفي نهاية الارب 23 / 300: في التاسع من ربيع الآخر ; وفي مفرج الكروب 2 / 89 يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال) .
(3) في ابن الاثير 11 / 459: نحو تسع سنين وسبع أشهر، وفي ابن خلدون 3 / 558: تسع سنين ونصف.
(*)
(12/373)

اللَّهِ، وَالْآخَرُ أَبُو مَنْصُورٍ هَاشِمُ وَقَدْ وَزَرَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الخلفاء آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، مزيلاً عن الناس المكوسات والضرائب، مبطلاً للبدع والمعائب، وكان حليماً وقوراً كريماً، وبويع بالخلافة من بعده لولده الناصر.
وفيها توفي مِنَ الْأَعْيَانِ..إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْفَرَّاءِ الْأُمَوِيُّ ثُمَّ البغدادي، كان فاضلاً مناظراً
فصيحاً بليغاً شاعراً، تُوُفِّيَ عَنْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ أبو الحسن القزويني مدرس النظامية.
إسماعيل بن موهوب ابن محمد بن أحمد (1) الخضر أبو محمد الجواليقي، حُجَّةَ الْإِسْلَامِ، أَحَدُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ فِي زَمَانِهِ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ مَن بَيْنِ أَقْرَانِهِ بِحُسْنِ الدِّينِ وَقُوَّةِ الْيَقِينِ، وَعِلْمِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ، وَصِدْقِ اللَّهْجَةِ وَخُلُوصِ النِّيَّةِ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ فِي مُرَبَّاهُ وَمَنْشَاهُ ومنتهاه، سمع الحديث وسمع الأثر واتبع سبيله ومرماه، رحمه الله تعالى.
المبارك بن علي بن الحسن أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الطَّبَّاخِ الْبَغْدَادِيُّ، نَزِيلُ مَكَّةَ وَمُجَاوِرُهَا، وَحَافِظُ الْحَدِيثِ بِهَا وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالْعِلْمِ فيها.
كان يوم جنازته يوماً مشهوداً.
خِلَافَةُ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ المستضئ لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ فِي سَلْخِ شَوَّالٍ (2) مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، بَايَعَهُ الْأُمَرَاءُ وَالْوُزَرَاءُ وَالْكُبَرَاءُ وَالْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، وَكَانَ قَدْ خُطِبَ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَسِيرٍ، فَقِيلَ إِنَّهُ إِنَّمَا عَهِدَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ، وَقِيلَ بِأُسْبُوعٍ، وَلَكِنْ قَدَّرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ اثْنَانِ بَعْدَ وَفَاةِ أبيه، ولقب بالناصر، وَلَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ قَبْلَهُ أطول مدة منه، فإنه مكث خليفة إلى سنة وفاته في ثلاث
__________
(1) زاد في الارشاد 2 / 358 في عامود نسبه: أحمد بن محمد بن الخضر (انظر شذرات الذهب 4 / 249) .
(2) انظر حاشية (2) صفحة 373.
(*)
(12/374)

وعشرين وستمائة ; وكان ذكياً شجاعاً مهيباً كما سيأتي ذكر سيرته عند وفاته.
وَفِي سَابِعِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ ظَهِيرُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَطَّارِ، وَأُهِينَ غَايَةَ الْإِهَانَةِ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ وقتل خلق منهم، وشهر فِي الْبَلَدِ، وَتَمَكَّنَ أَمْرُ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ وَعَظُمَتْ هيبته في البلاد، وقام قائم الخلافة في جميع الأمور.
وَلَمَّا حَضَرَ عِيدُ الْأَضْحَى أُقِيمَ عَلَى مَا جرت به العادة والله أعلم.
ثم خلت سنة ست وسبعين وخمسمائة فِيهَا هَادَنَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ الْفِرِنْجَ وَسَارَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ فَأَصْلَحَ بَيْنَ مُلُوكِهَا، مِنْ بني أرتق وكرّ على بلاد الأرمن فأقام عليها وفتح بعض حصونها، وأخذ منها غنائم كثيرة جداً، من أواني الفضة والذهب، لأن ملكها كان قد غدر بقوم من التركمان، فرده إِلَى بِلَادِهِ ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ وَأُسَارَى يُطْلِقُهُمْ مِنْ أَسْرِهِ، وَآخَرِينَ يَسْتَنْقِذُهُمْ من أيدي الفرنج، ثم عاد مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا فَدَخَلَ حَمَاةَ فِي أَوَاخِرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَامْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَاتَ صَاحِبُ الموصل سيف الدين غازي بن مودود، وَكَانَ شَابًّا حَسَنًا مَلِيحَ الشَّكْلِ تَامَّ الْقَامَةِ، مُدَوَّرَ اللِّحْيَةِ، مَكَثَ فِي الْمُلْكِ عَشْرَ سِنِينَ (1) ، وَمَاتَ عَنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ عَفِيفًا فِي نَفْسِهِ، مَهِيبًا وَقُورًا، لَا يَلْتَفِتُ إِذَا رَكِبَ وإذا جلس، وكان غيروا لا يدع أحد من الخدم الكبار يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ، وَكَانَ لَا يَقْدَمُ عَلَى سفك الدماء، وكان ينسب إلى شئ من البخل سامحه الله، توفي فِي ثَالِثِ صَفَرٍ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ الْمُلْكَ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ عِزِّ الدِّينِ سَنْجَرَ شَاهْ، فَلَمْ يُوَافِقْهُ الْأُمَرَاءُ خَوْفًا مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ لِصِغَرِ سِنِّهِ، فَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ على أخيه فأجلس مكانه في المملكة، وكان يقال له عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودٌ، وَجُعِلَ مُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازُ نَائِبَهُ وَمُدَبِّرَ مَمْلَكَتِهِ.
وَجَاءَتْ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ يَلْتَمِسُونَ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ أَنْ يُبْقِيَ سَرُوجَ وَالرُّهَا وَالرَّقَّةَ، وَحَرَّانَ وَالْخَابُورَ وَنَصِيبِينَ فِي يَدِهِ كَمَا كَانَتْ فِي يَدِ أَخِيهِ، فَامْتَنَعَ السُّلْطَانُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذِهِ الْبِلَادُ هِيَ حِفْظُ ثُغُورِ المسلمين، وإنما تَرَكْتُهَا فِي يَدِهِ لِيُسَاعِدَنَا عَلَى غَزْوِ الْفِرِنْجِ، فلم يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعَرِّفُهُ أَنَّ المصلحة في ترك ذلك عوناً للمسلمين.
وفاة السلطان توران شاه
فيها توفي السلطان الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب، أخي الملك صلاح الدين، وهو الَّذِي افْتَتَحَ بِلَادَ الْيَمَنِ عَنْ أَمْرِ أَخِيهِ، فَمَكَثَ فِيهَا حِينًا وَاقْتَنَى مِنْهَا أَمْوَالًا جَزِيلَةً، ثم استناب فيها وأقبل إلى الشام شوقاً إلى أخيه، وقد كتب إليه في أثناء الطريق شعراً عمله له بعض الشعراء، يقال له ابن المنجم، وكانوا قد وصلوا إلى سما:
__________
(1) زاد ابن الأثير في تاريخه: وثلاثة أشهر (انظر تاريخ أبي الفداء 3 / 62) .
(*)
(12/375)

هل لأخي بل مالكي علم بالذي * إِلَيْهِ وَإِنْ طَالَ التَّرَدُّدُ رَاجِعُ وَإِنِّي بِيَوْمٍ واحد من لقائه * عليّ وإن عظم الموت بايع ولم يبق إلا دون عشرين ليلةٍ * ويحيى اللقا أبصارنا والمسامع إلى مَلِكٍ تَعْنُو الْمُلُوكُ إِذَا بَدَا * وَتَخْشَعُ إِعْظَامًا لَهُ وَهْوَ خَاشِعُ كَتَبْتُ وَأَشْوَاقِي إِلَيْكَ بِبَعْضِهَا * تَعَلَّمَتِ النَّوْحَ الْحَمَامُ السَّوَاجِعُ وَمَا الْمُلْكُ إِلَّا رَاحَةً أَنْتَ زَنْدُهَا * تَضُمُّ عَلَى الدَّنْيَا وَنَحْنُ الاصابع وكان قومه على أخيه سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فشهد معه مواقف مشهودة مَحْمُودَةً، وَاسْتَنَابَهُ عَلَى دِمَشْقَ مُدَّةً، ثُمَّ سَارَ إِلَى مِصْرَ فَاسْتَنَابَهُ عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَلَمْ تُوَافِقْهُ، وكانت تعتريه القوالنج فمات فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ فِيهَا، ثُمَّ نَقَلَتْهُ أُخْتُهُ سِتُّ الشَّامِ بِنْتُ أَيُّوبَ فَدَفَنَتْهُ بِتُرْبَتِهَا الَّتِي بِالشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، فَقَبْرُهُ الْقِبْلِيُّ، وَالْوَسْطَانِيُّ قَبْرُ زَوْجِهَا وَابْنِ عَمِّهَا نَاصِرِ الدِّينِ محمد بن أسد الدين شيركوه، صاحب حماه والرحبة، والموخر قبرها، وَالتُّرْبَةُ الْحُسَامِيَّةُ مَنْسُوبَةٌ إِلَى وَلَدِهَا حُسَامِ الدِّينِ عمر بن لاشين، وَهِيَ إِلَى جَانِبِ الْمَدْرَسَةِ مِنْ غَرْبِهَا، وَقَدْ كان توران شاه هذا كريماً شجاعاً عظيم الهيبة كبير النفس، واسع النفقة والعطاء، قَالَ فِيهِ ابْنُ سَعْدَانَ الْحَلَبِيُّ: هُوَ الْمَلْكُ إِنْ تَسْمَعْ بِكِسْرَى وَقَيْصَرٍ * فَإِنَّهُمَا فِي الْجُودِ وِالْبَأْسِ عَبْدَاهُ وَمَا حَاتِمٌ مِمَّنْ يُقَاسُ بِمِثْلِهِ * فَخُذْ مَا رَأَيْنَاهُ وَدَعْ مَا رَوَيْنَاهُ وَلُذْ بعلاه مُسْتَجِيرًا فَإِنَّهُ * يُجِيرُكَ مِنْ جَوْرِ الزَّمَانِ وَعَدْوَاهُ ولا تحمل للسحائب منه إذا * هطلت جوداً سحائب كفاه فترسل كفاه بما اشتق منهما * فلليمن يمناه وليسر يسراه ولما بلغ موته أخاه صلاح الدين بن أيوب وَهُوَ مُخَيِّمٌ بِظَاهِرِ حِمْصَ، حَزِنَ عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا، وَجَعَلَ يُنْشِدُ بَابَ الْمَرَاثِي مِنَ الْحَمَاسَةِ وكانت محفوظة.
وفي رجب منها قدمت رسل الخليفة الناصر وخلع وهدايا إلى الناصر صلاح الدين، فلبس
خِلْعَةَ الْخَلِيفَةِ بِدِمَشْقَ، وَزُيِّنَتْ لَهُ الْبَلَدُ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَفِي رَجَبٍ (1) أَيْضًا مِنْهَا سَارَ السلطان إلى مصر لِيَنْظُرَ فِي أَحْوَالِهَا وَيَصُومَ بِهَا رَمَضَانَ، وَمِنْ عزمه أن يحج عامه ذلك، وَاسْتَنَابَ عَلَى الشَّامِ ابْنَ أَخِيهِ عِزَّ الدِّينِ فروخ شاه، وَكَانَ عَزِيزَ الْمَثَلِ غَزِيرَ الْفَضْلِ، فَكَتَبَ الْقَاضِي الفاضل عن الملك العادل أبي بكر إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَالْبَقِيعِ وَمَكَّةَ يُعْلِمُهُمْ بِعَزْمِ السلطان الناصر على الحج، ومعه صدر الدين أبو الْقَاسِمِ عَبْدَ الرَّحِيمِ شَيْخَ الشُّيُوخِ بِبَغْدَادَ، الَّذِي قدم من جهة الخليفة في الرسالة، وجاء
__________
(1) في الكامل 11 / 469: في شعبان.
(*)
(12/376)

بالخلع لِيَكُونَ فِي خِدْمَتِهِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَفِي صحبته إلى الحجاز، فدخل السلطان مصر وتلقاه الجيش، وأما شيخ الشيوخ فَإِنَّهُ لَمْ يُقِمْ بِهَا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى توجه إلى الحجاز في البحر، فأدرك الصيام في المسجد الحرام.
وفيها سار قراقوش التقوى إلى المغرب فحاصر بها فاس وقلاعاً كثيرة حولها، واستحوذ على أكثرها، واتفق لَهُ أَنَّهُ أَسَرَ مِنْ بَعْضِ الْحُصُونِ غُلَامًا أسود فَأَرَادَ قَتْلَهُ فَقَالَ لَهُ أَهْلُ الْحِصْنِ لَا تقتله وخذ لك ديته عشرة آلاف دينار، فأبى فأوصله إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ، فَأَبَى إِلَّا قَتْلَهُ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا قَتَلَهُ نَزَلَ صَاحِبُ الْحِصْنِ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ وَمَعَهُ مَفَاتِيحُ ذلك الحصن، فقال له خُذْ هَذِهِ فَإِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَحْفَظُهُ مِنْ أَجْلِ هَذَا الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلْتَهُ، وَلِي أَوْلَادُ أَخٍ أَكْرَهُ أَنْ يَمْلِكُوهُ بَعْدِي، فأقره فيه وأخذ منه أموالاً كثيرةً.
وفيها توفي مِنَ الْأَعْيَانِ..الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ أَحْمَدُ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ سِلَفَةَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ الْمُعَمَّرُ، أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَإِنَّمَا قِيلَ له السلفي لحده إِبْرَاهِيمَ سِلَفَةُ، لِأَنَّهُ كَانَ مَشْقُوقَ إِحْدَى الشَّفَتَيْنِ، وكان له ثلاث شفاه فسمته الأعاجم لذلك، قال ابن خلكان: وكان يُلَقَّبُ بِصَدْرِ الدِّينِ، وَكَانَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، وَرَدَ بَغْدَادَ وَاشْتَغَلَ بِهَا عَلَى إِلِكْيَا الْهَرَّاسِيِّ، وَأَخَذَ اللُّغَةَ عَنِ الْخَطِيبِ أَبِي زَكَرِيَّا.
يَحْيَى بْنِ علي التبريزي سمع
الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَرَحَلَ فِي طَلَبِهِ إِلَى الْآفَاقِ ثُمَّ نَزَلَ ثَغْرَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَبَنَى لَهُ الْعَادِلُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ السَّلَّارِ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ الظَّافِرِ مَدْرَسَةً، وفوضها إليه، فهي معروفة به إلى الآن.
قال ابن خلكان: وأما أماليه وكتبه وتعاليقه فكثيرة جداً، وكان مولده فيما ذكر المصريون سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَنَقَلَ الْحَافِظُ عَبْدُ الغني عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَذْكُرُ مَقْتَلَ نِظَامِ الْمُلْكِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ بِبَغْدَادَ، وَأَنَا ابن عشر تقريباً، ونقل أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفْرَاوِيُّ أَنَّهُ قَالَ: مَوْلِدِي بِالتَّخْمِينِ لَا بِالْيَقِينِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعَيْنِ، فَيَكُونُ مَبْلَغُ عُمْرِهِ ثَمَانِيًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ خَامِسَ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وخمسمائة بثغر الإسكندرية والله أعلم، ودفن بوعلة وفيها جماعة من الصالحين.
وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ خَلِّكَانَ قَوْلَ الصَّفْرَاوِيِّ، قَالَ: ولم يبلغنا من ثلاثمائة أَنَّ أَحَدًا جَاوَزَ الْمِائَةَ إِلَّا الْقَاضِي أَبَا الطيب الطبري، وقد ترجمه ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ تَرْجَمَةً حَسَنَةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَهُ بِخَمْسِ سِنِينَ، فَذَكَرَ رِحْلَتَهُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَدَوَرَانَهُ فِي الْأَقَالِيمِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَصَوَّفُ أَوَّلًا ثُمَّ أَقَامَ بِثَغْرِ الإسكندرية وتزوج بامرأة ذات يسار، فحسنت حاله، وبنت عَلَيْهِ مَدْرَسَةً هُنَاكَ، وَذَكَرَ طَرَفًا مِنْ أَشْعَارِهِ منها قوله: أتأمن إِلْمَامَ الْمَنِيَّةِ بَغْتَةً * وَأَمْنُ الْفَتَى جهلٌ وَقَدْ خبر الدهرا
(12/377)

وَلَيْسَ يُحَابِي الدَّهْرُ فِي دَوَرَانِهِ * أَرَاذِلَ أَهْلِيهِ وَلَا السَّادَةَ الزُّهْرَا وَكَيْفَ وَقَدْ مَاتَ النَّبِيُّ وصحبه * وأزواجه طراً وفاطمة الزهرا وله أيضاً: يا قاصداً علم الحديث لدينه * إِذْ ضَلَّ عَنْ طُرُقِ الْهِدَايَةِ وَهْمُهُ إِنَّ الْعُلُومَ كَمَا عَلِمْتَ كَثيرَةٌ * وَأَجَلُّهَا فِقْهُ الْحَدِيثِ وَعِلْمُهُ مَنْ كَانَ طَالِبَهُ وَفِيهِ تَيَقُّظٌ * فَأَتَمُّ سهمٍ فِي الْمَعَالِي سَهْمُهُ لَوْلَا الْحَدِيثُ وَأَهْلُهُ لَمْ يَسْتَقِمْ * دِينُ النَّبِيِّ وَشَذَّ عَنَّا حُكْمُهُ وإذا استراب بقولنا متحذلق * ما كل فَهْمٍ فِي الْبَسِيطَةِ فَهْمُهُ
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سبع وسبعين وخمسمائة استهلت وصلاح الدين مقيم بالقاهرة مواظب على سماع الحديث، وجاءه كتاب من نائبه بالشام عز الدين فروخ شاه يخبره فيه بما منّ الله به على الناس من ولادة النساء بالتوأم جبراً لما كان أصابهم من الوباء بالعام الماضي والفناء، وبأن الشام مخصبة بإذن الله لما كان أصابهم من الغلاء.
وَفِي شَوَّالٍ تَوَجَّهَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الإسكندرية لينظر مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ تَحْصِينِ سُورِهَا وَعِمَارَةِ أبراجها وقصورها، وسمع بها موطأ مَالِكٍ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي طَاهِرِ بْنِ عَوْفٍ، عَنِ الطَّرْطُوشِيِّ، وَسَمِعَ مَعَهُ الْعِمَادَ الْكَاتِبَ، وَأَرْسَلَ القاضي الفاضل رسالة إلى السلطان يهنئه بهذا السماع.
وفاة الملك الصالح بن نور الدين الشهيد صَاحِبِ حَلَبَ وَمَا جَرَى بَعْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ
كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ (1) بِقَلْعَةِ حَلَبَ، وَدُفِنَ بِهَا، وَكَانَ سَبَبُ وَفَاتِهِ فِيمَا قِيلَ أَنَّ الْأَمِيرَ علم الدين سليمان بن حيدر سَقَاهُ سُمًّا فِي عُنْقُودِ عِنَبٍ فِي الصَّيْدِ، وَقِيلَ بَلْ سَقَاهُ يَاقُوتُ الْأَسَدِيُّ فِي شَرَابٍ فَاعْتَرَاهُ قُولَنْجٌ فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ شَابٌّ حَسَنُ الصُّورَةِ، بَهِيُّ الْمَنْظَرِ، وَلَمْ يَبْلُغْ عِشْرِينَ سَنَةً (2) ، وَكَانَ مِنْ أَعِفِّ الْمُلُوكِ وَمَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ، وَصَفَ لَهُ الأطباء في مرضه شرب الخمر فاستفتى الفقهاء في شربها تداوياً فأفتوه بذلك، فقال: أَيُزِيدُ شُرْبُهَا فِي أَجَلِي أَوْ يُنْقِصُ مِنْهُ تركها شيئاً؟ قالوا: لا.
قال: فوالله لا أشربها وألقى الله وقد شربت ما حرمه
__________
(1) قال ابن خلدون: في منتصف سنة سبع وسبعين لثمان سنين من ولايته.
(5 / 258) .
(2) في الكامل 11 / 472: نحو تسع عشرة سنة (انظر تاريخ أبي الفداء) .
(*)
(12/378)

عليّ.
ولما يئس من نفسه استدعا الْأُمَرَاءَ فَحَلَّفَهُمْ لِابْنِ عَمِّهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، لِقُوَّةِ سُلْطَانِهِ وَتُمَكُّنِهِ، لِيَمْنَعَهَا مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ، وَخَشِيَ أَنْ يُبَايِعَ لِابْنِ عَمِّهِ الْآخَرِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِيٍّ، صَاحِبِ سِنْجَارَ، وَهُوَ زَوْجُ أُخْتِهِ وَتَرْبِيَةُ وَالِدِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ فَلَمَّا مَاتَ اسْتَدْعَى الْحَلَبِيُّونَ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودَ بْنَ قُطْبِ الدِّينِ، صَاحِبَ الْمَوْصِلِ، فَجَاءَ إِلَيْهِمْ فَدَخَلَ حَلَبَ فِي أُبَّهَةٍ
عَظِيمَةٍ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَذَلِكَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، فَتَسَلَّمَ خَزَائِنَهَا وَحَوَاصِلَهَا.
وَمَا فِيهَا من السلاح، وكان تقي الدين عمر (1) في مدينة مَنْبِجَ فَهَرَبَ إِلَى حَمَاةَ فَوَجَدَ أَهْلَهَا قَدْ نادوا بشعار صاحب الموصل وأطمع الحلبيون مسعوداً بأخذ دمشق لغيبة صلاح الدين عنها، وَأَعْلَمُوهُ مَحَبَّةَ أَهْلِ الشَّامِ لِهَذَا الْبَيْتِ الْأَتَابِكِيِّ نور الدين، فقال لهم: بيننا وبين صلاح الدين أيمان وعهود، وأنا لا أَغْدِرُ بِهِ، فَأَقَامَ بِحَلَبَ شُهُورًا وَتَزَوَّجَ بِأُمِّ الْمَلِكِ الصَّالِحِ فِي شَوَّالٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الرقة فنزلها وجاءه رُسُلُ أَخِيهِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِيٍّ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُقَايِضَهُ مِنْ حَلَبَ إِلَى سِنْجَارَ، وَأَلَحَّ عليه في ذلك، وتمنع أخوه ثم فعل على كرهٍ منه، فسلم إليه حلب وتسلم عز الدِّينِ سِنْجَارَ وَالْخَابُورَ وَالرَّقَّةَ وَنَصِيبِينَ وَسَرُوجَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْبِلَادِ.
وَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ رَكِبَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي عَسَاكِرِهِ فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْفُرَاتَ فَعَبَرَهَا، وخامر إليه بعض أمراء صاحب الموصل، وتقهقر صاحب الموصل عن لقائه، واستحوذ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى بِلَادِ الْجَزِيرَةِ بِكَمَالِهَا، وَهُمْ بمحاصرة الموصل فلم يتفق له ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى حَلَبَ فَتَسَلَّمَهَا مِنْ عماد الدين زنكي لضعفه عن ممانعتها، ولقلة مَا تَرَكَ فِيهَا عِزُّ الدِّينِ مِنَ الْأَسْلِحَةِ وذلك في السَّنة الآتية.
وفيها عزم البرنس صاحب الكرك عَلَى قَصْدِ تَيْمَاءَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، لِيَتَوَصَّلَ منها إلى المدينة النبوية، فجهز له صلاح الدين سَرِيَّةٌ مِنْ دِمَشْقَ تَكُونُ حَاجِزَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحجاز، فصده ذلك عن قصده.
وَفِيهَا وَلَّى السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ أَخَاهُ سَيْفَ الْإِسْلَامِ ظَهِيرَ الدِّينِ طُغْتِكِينَ بْنَ أَيُّوبَ نِيَابَةَ اليمن، وَأَرْسَلَهُ إِلَيْهَا (2) ، وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ نُوَّابِهَا وَاضْطِرَابِ أَصْحَابِهَا، بعد وفاة المعظم أخي السلطان، فسار إليها طغتكين فَوَصَلَهَا فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، فَسَارَ فِيهَا أحسن سيرة، واحتاط على أموال حطان بن منقذ صاحب زَبِيدَ، وَكَانَتْ تُقَارِبُ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أكثر، وأما نائب عدن فخر
__________
(1) في نسخ البداية المطبوعة: عمه وهو تحريف.
وتقي الدين عمر هو ابن أخي صلاح الدين.
(2) قال ابن الأثير في تاريخه أن صلاح الدين سير جماعة من أمرائه منهم صارم الدين قتلغ أبه والي مصر إلى اليمن للاختلاف الواقع بها بين نواب أخيه شمس الدولة - تورانشاه الذي توفي بالاسكندرية - (وانظر تاريخ أبي الفداء
3 / 62) .
فسيطر قتلغ على الوضع في اليمن ثم توفي.
قال أبو الفداء وفي سنة 578 ولى السلطان أخاه طغتكين بلاد اليمن بعد عودة والييها حطان بن منقذ وعز الدين عثمان وعودتهما إلى الاختلاف وقامت الفتن بينهما.
(انظر الكامل 11 / 480) .
(*)
(12/379)

الدين عثمان [الزنجبيلي] فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْيَمَنِ قَبْلَ قُدُومِ طُغْتِكِينَ فَسَكَنَ الشَّامَ، وَلَهُ أَوْقَافٌ مَشْهُورَةٌ بِالْيَمَنِ وَمَكَّةَ، وإليه تنسب المدرسة الزنجبيلية، خارج باب توما، تجاه دار المطعم، وكان قد حصل من اليمن أموالاً عظيمة جداً.
وفيها غدرت الفرنج ونقضت عهودها، وَقَطَعُوا السُّبُلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَرًّا وَبَحْرًا وَسِرًّا وجهراً، فأمكن الله من لطيشة عظيمة فيها نحو من ألفين وخمسمائة من مقاتلتهم المعدودين، أَلْقَاهَا الْمَوْجُ إِلَى ثَغْرِ دِمْيَاطَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّلْطَانِ مِنْ مِصْرَ، فَأُحِيطَ بِهَا فَغَرِقَ بَعْضُهُمْ وحصل في الأسر نحو ألف وسبعمائة.
وفيها سرا قَرَاقُوشُ إِلَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ فَفَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً، وقاتل عسكر ابن عبد المؤمن صاحب المغرب، واستفحل أمره هناك، وقراقوش مملوك تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ ابْنِ أَخِي السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدين، ثم عاد إلى مصر فأمره صلاح الدين أن يُتِمَّ السُّورَ الْمُحِيطَ بِالْقَاهِرَةِ وَمِصْرَ، وَذَلِكَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ آخر عهده بها حتى توفاه الله بعد أن أناله الله بلوغ مناه، ففتح عليه بيت المقدس وما حوله، ولما خيم بارزاً، من مصر وأولاده حوله جعل يشمهم ويقبلهم ويضمهم فأنشد بعضهم في ذلك: تَمَتَّعْ مِنْ شَمِيمِ عَرَارِ نَجْدٍ * فَمَا بَعْدَ العشية من عرار وكان الْأَمْرُ كَمَا قَالَ، لَمْ يَعُدْ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ، بَلْ كَانَ مُقَامُهُ بِالشَّامِ.
وفيها ولد للسلطان ولدان أحدهما المعظم توران شاه، وَالْمَلِكُ الْمُحْسِنُ أَحْمَدُ، وَكَانَ بَيْنَ وِلَادَتِهِمَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ، فَزُيِّنَتِ الْبِلَادُ وَاسْتَمَرَّ الْفَرَحُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يوماً.
وفيها توفي مِنَ الْأَعْيَانِ: الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّين أَبُو الْبَرَكَاتِ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّعَادَاتِ، عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الأنباري النحوي الفقيه العابد الزاهد، كَانَ خَشِنَ الْعَيْشِ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، وَلَا مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ يَحْضُرُ نَوْبَةَ الصُّوفِيَّةِ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ جَوَائِزِ الخليفة ولا فلسا، وكان مثابراً على الاشتغال، وله تصانيف مفيدة، توفي في شعبان من هذه السنة.
قال ابْنُ خَلِّكَانَ: لَهُ كِتَابُ أَسْرَارِ الْعَرَبِيَّةِ مُفِيدٌ جدا، وطبقات النحاة، مفيد جداً، وكتاب الميزان في النحو أيضاً، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وسبعين وخمسمائة في خامس محرمها كان بروز السلطان من مصر قاصداً دمشق لأجل الغزو والإحسان إلى الرعايا
(12/380)

وكان ذلك آخر عهده بمصر، وأغار بطريقه على بعض نواحي بلاد الإفرنج، وقد جعل أَخَاهُ تَاجَ الْمُلُوكِ بُورِي بْنَ أَيُّوبَ عَلَى الميمنة، فَالْتَقَوْا عَلَى الْأَزْرَقِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَدْ أغار عز الدين فروخ شاه على بلاد طبرية وافتتح حصوناً جيدة، وأسر منهم خلقاً، واغتنم عشرين ألفا رأس من الأنعام، ودخل الناصر دمشق سابع (1) صفر ثم خرج منها فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَاقْتَتَلَ مَعَ الْفِرِنْجِ فِي نَوَاحِي طَبَرِيَّةَ وَبَيْسَانَ تَحْتَ حصن كوكب، فقتل خلق من الفريقين، وكانت النصرة للمسلمين على الفرنج، ثم رجع إلى دمشق مؤيداً منصوراً، ثم ركب قَاصِدًا حَلَبَ وَبِلَادَ الشَّرْقِ لِيَأْخُذَهَا وَذَلِكَ أَنَّ المواصلة والحلبيين كاتبوا الفرنج على حرب المسلمين، فغارت الفرنج على بعض أطراف البلاد ليشغلوا الناصر عنهم بنفسه، فجاء إلى حلب فحاصرها ثلاثاً، ثم رأى العدول عنها إلى غيرها أولى، فسار حتى بلغ الفرات، واستحوذ على بلاد الجزيرة والرها والرقة ونصيبين، وخضعت له الملوك، ثُمَّ عَادَ إِلَى حَلَبَ فَتَسَلَّمَهَا مِنْ صَاحِبِهَا عماد الدين زنكي، فاستوثقت له الممالك شرقاً وغرباً، وتمكن حينئذ من قتال الفرنج.
فصل ولما عجز إبرنس الكرك عن إيصال الأذى إلى المسلمين فِي الْبَرِّ، عَمِلَ مَرَاكِبَ فِي بَحْرِ الْقُلْزُمِ ليقطعوا الطريق على الحجاج والتجار، فَوَصَلَتْ أَذِيَّتُهُمْ إِلَى عَيْذَابَ، وَخَافَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ النبوية من
شرهم، فأمر الملك العادل الأمير حسام الدين لؤلؤ صَاحِبَ الْأُسْطُولِ أَنْ يَعْمَلَ مَرَاكِبَهُ فِي بَحْرِ القلزم ليحارب أصحاب الإبرنس، ففعل ذلك فظفر بِهِمْ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَحَرَّقُوا وغرقوا وسبوا فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ، ومواقف هائلة، وأمن البر والبحر بإذن الله تعالى، وأرسل الناصر إلى أخيه العادل ليشكر ذلك عن مساعيه، وأرسل إلى ديوان الخليفة يعرفهم بذلك.
فصل في وفاة المنصور عز الدين فروخ شاه بْنِ شَاهِنْشَاهْ بْنِ أَيُّوبَ صَاحِبِ بَعْلَبَكَّ وَنَائِبِ دمشق لعمه الناصر، وهو والد الأمجد بهرام شاه صاحب بعلبك بعد أبيه، وإليه تنسب المدرسة الفروخ شاهية بالشرق الشمالي بدمشق، وَإِلَى جَانِبِهَا التُّرْبَةُ الْأَمْجَدِيَّةُ لِوَلَدِهِ، وَهُمَا وَقْفٌ على الحنفية والشافعية، وقد كان فروخ شاه شجاعاً شهماً عاقلاً ذكياً كريماً ممدحاً، امتدحه الشعراء لفضله وجوده، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِ الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ أَبِي الْيُمْنِ الْكِنْدِيِّ، عَرَفَهُ مِنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي الفاضل، فانتمى إليه، وكان يحسن إليه، وله وللعماد الكاتب فيه مدائح، وكان ابنه الأمجد شاعراً جيداً، وَلَّاهُ عَمُّ أَبِيهِ صَلَاحُ الدِّينِ بَعْلَبَكَّ بَعْدَ
__________
(1) وفي الكامل 11 / 479: حادي عشر.
(*)
(12/381)

أَبِيهِ، وَاسْتَمَرَّ فِيهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، وَمِنْ مَحَاسِنِ فروخ شاه صحبته لتاج الدين الكندي وله شعر رائق: أنا في أسر السقام * وهو في هذا المقام رشأ يرشق عينا * فُؤَادِي بِسِهَامِ كُلَّمَا أَرْشَفَنِي فَا * هُـ عَلَى حرّ الأوام ذقت منه الش * هد المصفى في المدام وقد دخل يوماً الْحَمَّامِ فَرَأَى رَجُلًا كَانَ يَعْرِفُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ، وَقَدْ نَزَلَ بِهِ الْحَالُ حَتَّى إِنَّهُ كان يستتر ببعض ثيابه لئلا تبدو عورته، فَرَقَّ لَهُ وَأَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَنْقُلَ بَقُجَّةً وبساطاً إلى موضع الرجل، وأمره فأحضر ألف دينار وبغلة وتوقيعاً له في كل شهر بعشرين ألف دينار، فدخل الرجل الحمام فقيراً وخرج منه غنياً، فرحمة الله على الأجواد الجياد.
وفيها توفي من الأعيان ... الشيخ أبو العباس أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الرِّفَاعِيِّ، شَيْخُ الطَّائِفَةِ الأحمدية الرفاعية الْبَطَائِحِيَّةِ، لِسُكْنَاهُ أُمَّ عَبِيدَةَ مِنْ قُرَى الْبَطَائِحِ، وَهِيَ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَوَاسِطٍ، كَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْعَرَبِ فَسَكَنَ هَذِهِ الْبِلَادَ، وَالْتَفَّ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ حَفِظَ التَّنْبِيهَ فِي الْفِقْهِ على مذهب الشافعي.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلِأَتْبَاعِهِ أَحْوَالٌ عَجِيبَةٌ مِنْ أكل الحيات وهي حية، والدخول في النار؟ ؟ التنانير وهي تضطرم، ويلعبون بها وهي تشتعل، ويقال إنهم في بلادهم يركبون الأسود.
وذكر ابن خلكان: أنه قَالَ وَلَيْسَ لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ عَقِبٌ، وَإِنَّمَا النَّسْلُ لِأَخِيهِ وَذُرِّيَّتُهُ يَتَوَارَثُونَ الْمَشْيَخَةَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ.
وَقَالَ: ومن شعره عَلَى مَا قِيلَ: إِذَا جَنَّ لَيْلِي هَامَ قَلْبِي بِذِكْرِكُمْ * أَنُوحُ كَمَا نَاحَ الْحَمَامُ الْمُطَوَّقُ وَفَوْقِي سَحَابٌ يُمْطِرُ الْهَمَّ وَالْأَسَى * وَتَحْتِي بِحَارٌ بِالْأَسَى تَتَدَفَّقُ سَلُوا أُمَّ عَمْرٍو كَيْفَ بَاتَ أَسِيرُهَا * تُفَكُّ الْأُسَارَى دُونَهُ وَهْوَ مُوثَقُ فَلَا هُوَ مَقْتُولٌ فَفِي الْقَتْلِ رَاحَةٌ * وَلَا هُوَ ممنون عليه فيطلق من شِعْرِهِ قَوْلُهُ: أَغَارُ عَلَيْهَا مِنْ أَبِيهَا وَأُمِّهَا * ومن كل من يدنو إليها وينظر وأحسد للمرآة أيضاً بكفها * إذا نظرت مثل الَّذِي أَنَا أَنْظُرُ قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
(12/382)

خَلَفُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ بَشْكُوَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُرْطُبِيُّ الْحَافِظُ الْمُحَدِّثُ الْمُؤَرِّخُ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ، لَهُ كِتَابُ الصِّلَةِ جَعَلَهُ ذَيْلًا عَلَى تَارِيخِ أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ الْفَرَضِيِّ، وَلَهُ كتاب المستغيثين بالله، وله مجلدة في تعيين الأسماء المبهمة على
طريق الخطيب، وله أسماء مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأَ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، بَلَغُوا ثلاثة وسبعين رجلاً، مات في رمضان عن أربع وثمانين سنة.
الْعَلَّامَةُ قُطْبُ الدِّين أَبُو الْمَعَالِي مَسْعُودُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ النَّيْسَابُورِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى صَاحِبِ الْغَزَالِيِّ، قَدِمَ دِمَشْقَ وَدَرَّسَ بِالْغَزَّالِيَّةِ وَالْمُجَاهِدِيَّةِ، وَبِحَلَبَ بِمَدْرَسَةِ نُورِ الدِّينِ وَأَسَدِ الدين، ثم بهمدان، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ وَدَرَّسَ بِالْغَزَّالِيَّةِ وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْمَذْهَبِ، وَمَاتَ بِهَا فِي سَلْخِ رَمَضَانَ يَوْمَ الْعِيدِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، عن ثلاث وسبعين (1) سنة، وعنه أخذ الفخر ابن عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي صلَّى عَلَى الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة تسع وسبعين وخمسمائة في رابع عشر محرمها تسلم السلطان الناصر مَدِينَةَ آمِدَ صُلْحًا بَعْدَ حِصَارٍ طَوِيلٍ (2) ، مِنْ يد صاحبها ابن بيسان (3) ، بعد حمل ما أمكنه من حواصله وأمواله مدة ثلاثة أيام، ولما تسلم الْبَلَدَ وَجَدَ فِيهِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْحَوَاصِلِ وآلات الحرب، حَتَّى إِنَّهُ وَجَدَ بُرْجًا مَمْلُوءًا بِنُصُولِ النُّشَّابِ، وَبُرْجًا آخَرَ فِيهِ مِائَةُ أَلْفِ شَمْعَةٍ، وَأَشْيَاءَ يطول شرحها، ووجد فيها خزانة كتب ألف ألف مجلد، وأربعين أَلْفَ مُجَلَّدٍ، فَوَهَبَهَا كُلَّهَا لِلْقَاضِي الْفَاضِلِ، فَانْتَخَبَ مِنْهَا حِمْلَ سَبْعِينَ حِمَارَةٍ.
ثُمَّ وَهَبَ السُّلْطَانُ الْبَلَدَ بِمَا فِيهِ لِنُورِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ قَرَا أَرْسَلَانَ - وَكَانَ قَدْ وَعَدَهُ بِهَا - فَقِيلَ له: إن الحواصل لم تدخل في الهبة، فَقَالَ: لَا أَبْخَلُ بِهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي خزانتها ثلاثة آلاف ألف دينار، فامتدحه الشعراء على هذا الصنيع.
ومن أحسن ذلك قول بعضهم:
__________
(1) من شذرات الذهب 4 / 263 وفي الاصل: وتسعين تحريف.
فقد كانت ولادته سنة 505 هـ (انظر وفيات الاعيان 5 / 197) .
(2) بدأ صلاح الدين حصاره لآمد في السابع عشر من ذي الحجة من سنة 578 حتى العشر الأول من المحرم من سنة 579 (الكامل 11 / 493) .
(3) كذ؟ بالاصل، وفي الكامل: بهاء الدين بن نيسان (وانظر تاريخ الزمان لابن العبري ص 199) .
(*)
(12/383)

قُلْ لِلْمُلُوكِ تَنَحَّوا عَنْ مَمَالِكِكُمْ * فقَدْ أَتَى آخِذُ الدُّنْيَا وَمُعْطِيهَا ثُمَّ سَارَ السُّلْطَانُ فِي بقية المحرم (1) إلى حلب فحاصرها وقاتله أهلها قتالاً شديداً، فجرح أَخُو السُّلْطَانِ تَاجُ الْمُلُوكِ بُورِي بْنُ أَيُّوبَ جُرْحًا بَلِيغًا، فَمَاتَ مِنْهُ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ أَوْلَادِ أَيُّوبَ، لَمْ يَبْلُغْ عِشْرِينَ سَنَةً، وقيل إنه جاوزها بثنتين، وَكَانَ ذَكِيًّا فَهِمًا، لَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ لَطِيفٍ، فحزن عليه أخوه صَلَاحُ الدِّينِ حُزْنًا شَدِيدًا، وَدَفَنَهُ بِحَلَبَ، ثُمَّ نَقَلَهُ إِلَى دِمَشْقَ، ثمَّ اتَّفق الْحَالُ بَيْنَ الناصر وَبَيْنَ صَاحِبِ حَلَبَ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِيِّ بْنِ آقسنقر على عوض أطلقه له الناصر، بأن يرد عليه سنجار ويسلمه حلب، فخرج عماد الدين من القلعة إلى خدمة الناصر وَعَزَّاهُ فِي أَخِيهِ وَنَزَلَ عِنْدَهُ فِي الْمُخَيَّمِ، وَنَقَلَ أَثْقَالَهُ إِلَى سِنْجَارَ، وَزَادَهُ السُّلْطَانُ الْخَابُورَ وَالرَّقَّةَ وَنَصِيبِينَ وَسَرُوجَ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ إِرْسَالَ الْعَسْكَرِ في الخدمة لأجل الغزاة في الفرنج، ثُمَّ سَارَ وَوَدَّعَهُ السُّلْطَانُ وَمَكَثَ السُّلْطَانُ فِي المخيم يرى حلب أياماً غير مكترث بحلب ولا وقعت منه موقعاً، ثم صعد إلى قلعتها يوم الاثنين السابع والعشرين من صفر، وعمل له الأمير طهمان وليمة عظيمة، فتلا هذه الآية وهو داخل في بابها (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) [آل عمران: 26] الْآيَةَ.
ولما دخل دار الملك تلا قوله تعالى (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) الآية [الأحزاب: 27] ، وَلَمَّا دَخَلَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى فِيهِ ركعتين وأطال السجود به، والدعاء والتضرع إلى الله، ثم شرع في عمل وليمة، وضربت البشائر وخلع على الأمراء، وأحسن إلى الرؤساء والفقراء، ووضعت الحرب أوزارها، وقد امتدحه الشعراء بمدائح حسان.
ثم إن القلعة وقعت منه بموقع عظيم، ثم قَالَ: مَا سُرِرْتُ بِفَتْحِ قَلْعَةٍ أَعْظَمَ سُرُورًا من فتح مدينة حلب، وأسقطت عَنْهَا وَعَنْ سَائِرِ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ الْمُكُوسَ وَالضَّرَائِبَ، وكذلك عن بلاد الشام ومصر، وقد عاث الفرنج في غيبته في الأرض فسادا، فأرسل إلى عساكره فاجتمعوا إليه، وَكَانَ قَدْ بُشِّرَ بِفَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حِينَ فَتَحَ حَلَبَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَقِيهَ مَجْدَ الدِّينِ بْنَ جَهْبَلٍ الشَّافِعِيَّ رَأَى فِي تَفْسِيرِ أَبِي الحكم العربي عند قَوْلِهِ: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) الآية [الروم: 1 - 2] ، البشارة بفتح بين الْمَقْدِسِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ، فَكَتَبَ ذَلِكَ فِي وَرَقَةٍ
وَأَعْطَاهَا لِلْفَقِيهِ عِيسَى الْهَكَّارِيِّ، لِيُبَشِّرَ بِهَا السُّلْطَانَ، فَلَمْ يَتَجَاسَرْ عَلَى ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ، فَأَعْلَمَ بِذَلِكَ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنَ الزكي، فنظم معناه فِي قَصِيدَةٍ يَقُولُ فِيهَا: وَفَتْحُكُمْ حَلَبَ الشَّهْبَاءِ فِي صَفَرٍ * قَضَى لَكُمْ بِافْتِتَاحِ الْقُدْسِ فِي رجب (2) وقدمها إلى السلطان فتاقت نفسه إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا افْتَتَحَهَا كَمَا سَيَأْتِي أَمَرَ ابن الزكي فخطب
__________
(1) كذا بالاصل وابن الاثير، وفي تاريخ ابن خلدون 5 / 261: في آخر سنة 579 هـ.
(2) وفي الكامل 11 / 497: وفتحكم حلبا بالسيف في صفر * مبشر بفتوح القدس في رجب
(12/384)

يومئذ وكان يوم الجمعة، ثم بلغه بعد ذلك أن [ابن] جهبل هو الذي قال ذلك أولاً، فأمره فدرس على نفس الصخرة درساً عظيماً، فأجزل لَهُ الْعَطَاءَ، وَأَحْسَنَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ.
فَصْلٌ
ثُمَّ رحل من حلب في أواخر ربيع الآخر واستخلف على حلب ولده الظاهر غازي، وولي قضاءها لابن الزكي، فاستناب له فيها نائباً، وسار مع السلطان، فدخلوا دمشق في ثالث جمادى الأولى وكان ذلك يوماً مشهوداً، ثم برز منها خارجاً إلى قتال الفرنج في أول جمادى الآخرة قاصداً نحو بيت المقدس، فَانْتَهَى إِلَى بَيْسَانَ فَنَهَبَهَا، وَنَزَلَ عَلَى عَيْنِ جَالُوتَ، وَأَرْسَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَرِيَّةً هَائِلَةً فِيهَا بردويل وطائفة من النورية، وجاء مملوك عمه أسد الدين فوجدوا جيش الفرنج قاصدين إلى أصحابهم نجدة، فالتقوا معهم فقتلوا من الفرنج خلقاً وَأَسَرُوا مِائَةَ أَسِيرٍ، وَلَمْ يُفْقَدْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِوَى شَخْصٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ عَادَ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَبَلَغَ السُّلْطَانَ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِهِ، فَقَصَدَهُمْ وَتَصَدَّى لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يُصَافُّونَهُ، فالتقى مهعم فقتل منهم خلقاً كثيراً، وَجَرَحَ مِثْلَهُمْ فَرَجَعُوا نَاكِصِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ خَائِفِينَ منه غاية المخافة، ولا زال جيشه خلفهم يقتل ويأسر حتى غزوا في بلادهم فرجعوا عنهم، وَكَتَبَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعْلِمُهُ بِمَا منَّ الله عليه وعلى المسلمين من نصرة الدين، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا وَلَا يُرِيدُ أَنْ يفعله إلا أطلع عليه الْخَلِيفَةِ أَدَبًا وَاحْتِرَامًا وَطَاعَةً
وَاحْتِشَامًا.
فَصْلٌ
وَفِي رَجَبٍ سَارَ السُّلْطَانُ إِلَى الْكَرَكِ (1) فَحَاصَرَهَا وَفِي صُحْبَتِهِ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ ابْنُ أَخِيهِ، وَقَدْ كتب لأخيه العادل ليحضر عنده لِيُوَلِّيَهُ حَلَبَ وَأَعْمَالَهَا وَفْقَ مَا كَانَ طَلَبَ، وَاسْتَمَرَّ الْحِصَارُ عَلَى الْكَرَكِ مُدَّةَ شَهْرِ رَجَبٍ، ولم يَظْفَرْ مِنْهَا بِطَلَبٍ، وَبَلَغَهُ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ لِيَمْنَعُوا مِنْهُ الْكَرَكَ فَكَرَّ رَاجِعًا إلى دمشق - وذلك من أكبر همته - وأرسل ابن أخيه تقي الدين إِلَى مِصْرَ نَائِبًا، وَفِي صُحْبَتِهِ الْقَاضِي الْفَاضِلُ، وَبَعَثَ أَخَاهُ عَلَى مَمْلَكَةِ حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا، وَاسْتَقَدْمَ وَلَدَهُ الظَّاهِرَ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ نُوَّابَهُ وَمَنْ يَعِزُّ عليه، وإنما أعطى أخاه حَلَبَ لِيَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يقطع أمراً دونه، واقترض السلطان من أخيه الْعَادِلِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَتَأَلَّمَ الظَّاهِرُ بْنُ الناصر على مفارقة حلب، وكانت إقامته
__________
(1) قال رنسيمان في تاريخ الحروب الصليبية 2 / 711: وكان من أرفع المطامع التي يصبو صلاح الدين إلى تحقيقها، أن يدمر حصن الكرك وسيده الجاحد، فطالما بقي في يد رينالد شاتيون هذا الحصن الضخم، صار بوسعه أن يعترض الطريق الذي تسلكه القوافل التجارية من الشام إلى مصر.
(*)
(12/385)

بها ستة أشهر، ولكن لا يقدر أن يظهر ما في نفسه لوالده، لكن ظهر ذلك على صفحات وجهه ولفظات لسانه.
ثم دخلت سنة ثمانين وخمسمائة فيها أرسل الناصر إلى العساكر الحلبية والجزيرية والمصرية والشامية أن يقدموا عليه لقتال الفرج، فَقَدِمَ عَلَيْهِ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ مِنْ مِصْرَ ومعه الفاضل، ومن حلب العادل، وقدمت ملوك الجزيرة وسنجار وغيرها، فأخذ الجميع وسار نحو الْكَرَكَ فَأَحْدَقُوا بِهَا فِي رَابِعَ عَشَرَ جُمَادَى الأولى، وركب عليها المنجنيقات، وكانت تسعة، وأخذ في حصارها، وذلك أنه رأى أن فتحها أنفع للمسلمين من غيرها، فإن أهلها يقطعون الطريق على الحجاج، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَلَغَهُ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ كُلُّهُمْ فَارِسُهُمْ وَرَاجِلُهُمْ، لِيَمْنَعُوا مِنْهُ الْكَرَكَ، فَانْشَمَرَ عَنْهَا وَقَصَدَهُمْ فَنَزَلَ عَلَى حسان
تجاههم، ثمَّ صار إلى ماعر، فَانْهَزَمَتِ الْفِرِنْجُ قَاصِدِينَ الْكَرَكَ، فَأَرْسَلَ وَرَاءَهُمْ مَنْ قتل منهم مقتلة عظيمة، وأمر السلطان بِالْإِغَارَةِ عَلَى السَّوَاحِلِ لِخُلُوِّهَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، فَنَهَبَتْ نابلس وما حولها من القرى وَالرَّسَاتِيقِ، ثُمَّ عَادَ السُّلْطَانُ إِلَى دِمَشْقَ فَأَذِنَ للعساكر في الانصراف إلى بلادهم، وأمر ابن أخيه عُمَرَ الْمَلِكَ الْمُظَفَّرَ أَنْ يَعُودَ إِلَى مِصْرَ، وأقام هو بدمشق ليؤدي فرض الصيام، وليجل الخيل ويحد الحسام، وقدم عَلَى السُّلْطَانِ خِلَعُ الْخَلِيفَةِ فَلَبِسَهَا، وَأَلْبَسَ أَخَاهُ الْعَادِلَ، وَابْنَ عَمِّهِ نَاصِرَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ شيركوه، ثم خلع خِلْعَتَهُ عَلَى نَاصِرِ الدِّينِ بْنِ قَرَا أَرْسَلَانَ، صاحب حصن كيفا آمد التي أطلقها له السلطان.
وفيها مات صاحب المغرب يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَامَ في الملك بعده ولده يعقوب.
وفي أواخرها بلغ صَلَاحُ الدِّينِ أَنَّ صَاحِبَ الْمَوْصِلِ نَازِلٌ إِرْبِلَ فبعث صاحبها يستصرخ، به فركب من فوره إليه، فسار إلى بعلبك ثُمَّ إِلَى حَمَاةَ، فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا يَنْتَظِرُ وصول العماد إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ ضَعْفٌ فَأَقَامَ ببعلبك، وقد أرسل إليه الفاضل من دمشق طبيباً يقال له أسعد بن المطران، فعالجه مداواة مَنْ طَبَّ لِمَنْ حَبَّ ... ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إحدى وثمانين وخمسمائة استهلت والسلطان مخيم بظاهر حماة، ثم سار إلى حلب، ثم خرج منها في صفر قاصداً الموصل فجاء إِلَى حَرَّانَ فَقَبَضَ عَلَى صَاحِبِهَا مُظَفَّرِ الدِّينِ، وَهُوَ أَخُو زَيْنِ الدِّينِ صَاحِبِ إِرْبِلَ، ثُمَّ رَضِيَ عَنْهُ وَأَعَادَهُ إِلَى مَمْلَكَتِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خبث طويته، ثم سار إِلَى الْمَوْصِلِ فَتَلَقَّاهُ الْمُلُوكُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَجَاءَ إِلَى خِدْمَتِهِ عِمَادُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بن قرا أرسلان، وَسَارَ السُّلْطَانُ فَنَزَلَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيَّاتِ قَرِيبًا مِنَ الموصل، وجاءه صاحب إربل نور الدين الذي خضعت له ملوك تلك الناحية، ثم أرسل صلاح الدين ضياء الدِّينِ الشَّهْرُزُورِيَّ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعْلِمُهُ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ حِصَارِ الْمَوْصِلِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ
(12/386)

ردهم إلى طاعة الخليفة، ونصرة الإسلام، فحاصرها مدة ثم رحل عنها وَلَمْ يَفْتَحْهَا، وَسَارَ إِلَى خِلَاطَ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى بُلْدَانٍ كَثِيرَةٍ، وَأَقَالِيمَ جَمَّةٍ بِبِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَدِيَارِ بكر، وجرت أمور استقصاها ابن الأثير في كامله، وَصَاحِبُ الرَّوْضَتَيْنِ، ثُمَّ وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوَاصِلَةِ، عَلَى أَنْ يَكُونُوا مَنْ جُنْدِهِ
إِذَا نَدَبَهُمْ لِقِتَالِ الْفِرِنْجِ، وَعَلَى أَنْ يَخْطُبَ لَهُ وتضرب له السكة، ففعلوا ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ كُلِّهَا، وَانْقَطَعَتْ خُطْبَةُ السلاجقة والأزيقية بتلك البلاد كلِّها، ثمَّ اتفق مرض السلطان بعد ذلك مرضاً شديداً، فكان يتجلد ولا يظهر شيئاً من الألم حَتَّى قَوِيَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَتَزَايَدَ الْحَالُ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى حَرَّانَ فَخَيَّمَ هُنَالِكَ مِنْ شِدَّةِ ألمه، وشاع ذلك في البلاد، وخاف الناس عليه وأرجف الكفرة والملحدون بموته، وقصده أخوه الْعَادِلُ مِنْ حَلَبَ بِالْأَطِبَّاءِ وَالْأَدْوِيَةِ، فَوَجَدَهُ فِي غياة الضعف، وأشار عليه بأن يوصي، فَقَالَ: مَا أُبَالِي وَأَنَا أَتْرُكُ مِنْ بَعْدِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا - يَعْنِي أَخَاهُ العادل وَتَقِيَّ الدِّينِ عُمَرَ صَاحِبَ حَمَاةَ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ نَائِبُ مِصْرَ، وَهُوَ بِهَا مُقِيمٌ، وَابْنَيْهِ العزيز عثمان والأفضل علياً - ثم نذر لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ مِنْ مَرَضِهِ هَذَا لَيَصْرِفَنَّ همته كلها إلى قتال الفرنج، ولا يقاتل بعد ذلك مسلماً، وليجعل أَكْبَرَ هَمِّهِ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَوْ صَرَفَ في سبيل الله جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالذَّخَائِرِ، وَلَيَقْتُلَنَّ البرنس صاحب الكرك بيده، لأنه نقض العهد وتنقص الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه أخذ قافلة ذاهبة من مصر إلى الشام، فأخذ أموالهم وضرب رقابهم، وهو يقول: أين محمدكم؟ دعوه يَنْصُرُكُمْ، وَكَانَ هَذَا النَّذْرُ كُلُّهُ بِإِشَارَةِ الْقَاضِي الفاضل، وهو أرشده إليه وحثه عليه، حتى عقده مع الله عزوجل، فعند ذلك شفاه الله وعافاه مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، كَفَّارَةٌ لذنوبه، وجاءت البشارات بذلك من كل ناحية، فدقت البشائر وزينت البلاد، وكتب الْفَاضِلُ مِنْ دِمَشْقَ وَهُوَ مُقِيمٌ بِهَا إِلَى المظفر عمر أن العافية الناصرية قد استقامت واستفاضت أخبارها، وطلعت بعد الظلمة أنوارها، وظهرت بعد الاختفاء آثارها، وولت العلة ولله الحمد والمنة، وطفئت نَارُهَا، وَانْجَلَى غُبَارُهَا، وَخَمَدَ شَرَارُهَا، وَمَا كَانَتْ إلا فلتة وقى الله شرها وشنارها، وعظيمة كفى الله الإسلام عارها، وتوبة امْتَحَنَ اللَّهُ بِهَا نُفُوسَنَا، فَرَأَى أَقَلَّ مَا عندها صبرنا، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ الدُّعَاءَ وَقَدْ أَخْلَصَتْهُ القلوب، ولا تتوقف الْإِجَابَةَ وَإِنْ سَدَّتْ طَرِيقَهَا الذُّنُوبُ، وَلَا لِيُخْلِفَ وَعْدَ فَرَجٍ وَقَدْ أَيِسَ الصَّاحِبُ وَالْمَصْحُوبُ: نعيٌ زَادَ فِيهِ الدَّهْرُ مِيمَا * فَأَصْبَحَ بَعْدَ بُؤْسَاهُ نعيما وما صدق النذير به لأني * رأيت الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَالنُّجُومَا
وَقَدِ اسْتَقْبَلَ مَوْلَانَا السُّلْطَانُ الملك الناصر غَضَّةً جَدِيدَةً، وَالْعُزْمَةَ مَاضِيَةً حَدِيدَةً وَالنَّشَاطَ إِلَى الجهاد، والتوبة لرب العباد، وَالْجَنَّةَ مَبْسُوطَةَ الْبِسَاطِ، وَقَدِ انْقَضَى الْحِسَابُ وَجُزْنَا الصِّرَاطَ، وَعُرِضْنَا نَحْنُ عَلَى الْأَهْوَالِ الَّتِي مِنْ خوفها كاد الجمل يلج بسم الْخِيَاطِ.
ثُمَّ رَكِبَ السُّلْطَانُ مِنْ حَرَّانَ بَعْدَ العافية فدخل حلب، ثم ركب فدخل دمشق، وقد تكاملت عافيته، وقد كان يوماً مشهوداً.
(12/387)

وفيها توفي من الأعيان الْفَقِيهُ مُهَذِّبُ الدِّينِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَسْعَدَ الْمَوْصِلِيُّ مُدَرِّسُ حِمْصَ، وَكَانَ بَارِعًا فِي فُنُونٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي الشِّعْرِ وَالْأَدَبِ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ الْعِمَادُ، وَالشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ.
الأمير ناصر الدين محمد بن شِيرَكُوهْ صَاحِبُ حِمْصَ وَالرَّحْبَةِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ صَلَاحِ الدِّينِ وَزَوْجِ أُخْتِهِ سِتِّ الشَّامِ بِنْتِ أيوب، توفي بحمص فنقلته زوجته إلى تربتها بالشامية البرانية، وقبره الأوسط بينها وبين أخيها المعظم توران شاه صاحب اليمن، وقد خلف مِنَ الْأَمْوَالِ وَالذَّخَائِرِ شَيْئًا كَثِيرًا، يُنَيِّفُ عَلَى ألف ألف دينار توفي يوم عرفة فجأة (1) فولي بَعْدِهِ مَمْلَكَةَ حِمْصَ وَلَدُهُ أَسَدُ الدِّينِ شِيرَكُوهْ بأمر صلاح الدين.
المحمودي بن محمد بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الشَّيخ جمال الدِّين أبو الثناء محمودي بن الصابوني، كان أحد الأئمة المشهورين، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ الْمَحْمُودِيُّ لِصُحْبَةِ جَدِّهِ السُّلْطَانَ محمود بن زنكي، فأكرمه ثُمَّ سَارَ إِلَى مِصْرَ فَنَزَلَهَا، وَكَانَ صَلَاحُ الدين يكرمه، وأوقف عَلَيْهِ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ أَرْضًا فَهِيَ لَهُمْ إِلَى الآن.
الأمير سعد الدين مسعود ابن معين الدين، كان من كبار الأمراء أَيَّامَ نُورِ الدِّينِ وَصَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ أَخُو السِّتِّ خَاتُونَ وَحِينَ تَزَوَّجَهَا صَلَاحُ الدِّينِ زَوَّجَهُ بأخته السِّتَّ رَبِيعَةَ خَاتُونَ بِنْتَ أَيُّوبَ، الَّتِي تُنْسَبُ إليها المدرسة الصاحبية بسفح قيسون عَلَى الْحَنَابِلَةِ، وَقَدْ تَأَخَّرَتْ مُدَّتُهَا فَتُوُفِّيَتْ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ،
وَكَانَتْ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَوْلَادِ أَيُّوبَ لِصُلْبِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدِمَشْقَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ جُرْحٍ أَصَابَهُ وهو في حصار ميافارقين.
__________
(1) في وفاته قال ابن الأثير في تاريخه: أن ناصر الدين راسل جماعة من الدمشقيين وواعدهم تسليم البلد إليه إذا مات صلاح الدين وأقام بحمص ينتظر موته ليسير إلى دمشق فيملكها - وكان صلاح الدين في مرضه قد أشرف على الهلاك - ولما عوفي صلاح الدين علم بخبره فأرسل إليه ناصح بن العميد وهو دمشقي نادمه وسقاه سما.
(11 / 518 وانظر أبي الفداء 3 / 70) .
(*)
(12/388)

الست خاتون عصمت الدِّينِ بِنْتُ مُعِينِ الدِّينِ، نَائِبِ دِمَشْقَ، وَأَتَابِكِ عساكرها قَبْلَ نُورِ الدِّينِ كَمَا تقدَّم، وَقَدْ كَانَتْ زوجة نور الدين ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا مِنْ بَعْدِهِ صَلَاحُ الدِّينِ في سنة اثنتين وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ وَأَعَفِّهِنَّ وأكبرهن صَدَقَةً، وَهِيَ وَاقِفَةُ الْخَاتُونِيَّةِ الْجُوَانِيَّةِ بِمَحَلَّةِ حَجَرِ الذهب، وخانقات خَاتُونَ ظَاهِرَ بَابِ النَّصْرِ فِي أَوَّلِ الشَّرَفِ الْقِبْلِيِّ عَلَى بَانِيَاسَ، وَدُفِنَتْ بِتُرْبَتِهَا فِي سَفْحِ قاسيون قربيا من قباب السركسية، وَإِلَى جَنْبِهَا دَارُ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةُ وَالْأَتَابِكِيَّةُ، وَلَهَا أَوْقَافٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأمَّا الْخَاتُونِيَّةُ الْبَرَّانِيَّةُ الَّتِي عَلَى الْقَنَوَاتِ بِمَحَلَّةِ صَنْعَاءِ الشَّامِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ الْمَكَانُ الَّتِي هِيَ فِيهِ بِتَلِّ الثَّعَالِبِ، فَهِيَ مِنْ إِنْشَاءِ السِّتِّ زُمُرُّدَ خَاتُونَ بِنْتِ جاولي، وهي أخت الملك دقماق لِأُمِّهِ، وَكَانَتْ زَوْجَةَ زَنْكِيٍّ وَالِدِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، صَاحِبِ حَلَبَ، وَقَدْ مَاتَتْ قَبْلَ هَذَا الحين كما تقدمت وفاتها.
الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عمر بن محمد (1) الأصبهاني الحافظ الموسوي الْمَدِينِيُّ، أَحَدُ حُفَّاظِ الدُّنْيَا الرِّحَالِينَ الْجَوَّالِينَ لَهُ مُصَنَّفَاتٌ عَدِيدَةٌ، وَشَرَحَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً رَحِمَهُ اللَّهُ.
السهيلي أَبُو الْقَاسِمِ وَأَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الخطيب أبي محمد بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَطِيبِ أَبِي عُمَرَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَصْبَغَ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ سَعْدُونَ بْنِ رِضْوَانَ بْنِ فَتُّوحٍ - هُوَ الدَّاخِلُ إِلَى الْأَنْدَلُسِ - الْخَثْعَمِيُّ السُّهَيْلِيُّ،
حَكَى الْقَاضِي ابْنُ خلكان: أنه أملى عليه نسبه كذلك، قال وَالسُّهَيْلِيُّ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ بِالْقُرْبِ مِنْ مَالِقَةَ اسْمُهَا سُهيل، لِأَنَّهُ لَا يُرَى سُهَيْلٌ النَّجْمُ في شئ من تلك البلاد إلا منها من رأس جبل شاهق عندها، وهي من قرى المغرب، وُلِدَ السُّهَيْلِيُّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَقَرَأَ الْقِرَاءَاتِ وَاشْتَغَلَ وَحَصَّلَ حَتَّى بَرَعَ وَسَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ بقوة القريحة وجودة الذهن وحسن التصنيف، وذلك مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تعالى ورحمته، وكان ضريراً مع ذلك، له " الرَّوْضِ الْأُنُفِ " يَذْكُرُ فِيهِ نُكَتًا حَسَنَةً عَلَى السيرة لم يسبق إلى شئ منها أو إلى أكثرها، وَلَهُ كِتَابُ " الْإِعْلَامِ فِيمَا أُبْهِمَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ "، وَكِتَابُ " نَتَائِجِ الْفِكْرِ "، وَمَسْأَلَةٌ في الفرائض بديعة، ومسألة في سركون الدجال أعور، وأشياء فريدة كثيرة بَدِيعَةٌ مُفِيدَةٌ، وَلَهُ أَشْعَارٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ عَفِيفًا فَقِيرًا، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فِي آخر عمره من صاحب
__________
(1) في وفيات الاعيان 4 / 286 وتذكرة الحفاظ ص 1334 وشذرات الذهب 4 / 273 والوافي 4 / 246: أحمد.
والمديني: قال في الوافي: نسبة إلى مدينة أصبهان.
(*)
(12/389)

مراكش، مات يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان من هذه السنة، وَلَهُ قَصِيدَةٌ كَانَ يَدْعُو اللَّهَ بِهَا وَيَرْتَجِي الإجابة فيها وهي: يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ * أَنْتَ الْمُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا * يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمُشْتَكَى وَالْمَفْزَعُ يَا مَنْ خَزَائِنُ رِزْقِهِ فِي قَوْلِ كُنْ * امْنُنْ فَإِنَّ الْخَيْرَ عِنْدَكَ أَجْمَعُ مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وسيلةٌ * فَبِالِافْتِقَارِ إِلَيْكَ فَقْرِيَ أَدْفَعُ مَا لِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حيلةٌ * فَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ؟ وَمَنِ الذي أرجو (1) وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ * إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيرِكَ يمنع؟ حاشا لمجدك أن تقنط عَاصِيًا * الْفَضْلُ أَجْزَلُ وَالْمَوَاهِبُ أَوْسَعُ ثُمَّ دَخَلَتْ سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة فِي ثَانِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا كَانَ دُخُولُ الناصر دمشق بعد عافيته، وزار القاضي الفاضل،
واستشاره، وكان لا يقطع أمراً دونه، وقرر في نيابة دمشق ولده الأفضل علي، ونزل أبو بكر العادل عَنْ حَلَبَ لِصِهْرِهِ زَوْجِ ابْنَتِهِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ غازي بن الناصر، وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ أَخَاهُ الْعَادِلَ صُحْبَةَ وَلَدِهِ عِمَادِ الدِّينِ عُثْمَانَ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ عَلَى مُلْكِ مِصْرَ، ويكون الملك العادل أتابكه، وله إقطاع كبيرة جداً، وعزل عن نيابتها تَقِيَّ الدِّينِ عُمَرَ (2) ، فَعَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى إفريقية، فلم يزل الناصر يتلطف بِهِ وَيَتَرَفَّقُ لَهُ حَتَّى أَقْبَلَ بِجُنُودِهِ نَحْوَهُ، فأكرمه واحترمه وَأَقْطَعُهُ حَمَاةَ وَبِلَادًا كَثِيرَةً مَعَهَا، وَقَدْ كَانَتْ له قبل ذلك، وزاد له على ذلك مدينة ميافارقين، وامتدحه العماد بقصيدة ذكرها في الروضتين.
وفيها هادن قومس طَرَابُلُسَ السُّلْطَانَ وَصَالَحَهُ وَصَافَاهُ، حَتَّى كَانَ يُقَاتِلُ ملوك الفرنج أشد القتال وسبى منهم النساء والصبيان، وكاد أن يسلم (3) ولكن صده السلطان فمات على الكفر
__________
(1) في وفيات الاعيان: أدعو.
(2) قال ابن الأثير في تاريخه: أن تقي الدين عمر سعى لدى صلاح الدين إلى إخراج ولده الأفضل علي وشكاه إليه لانه قد عجز عن جباية الخراج، فظن صلاح الدين أن تقي الدين يريد الانفراد بمصر يملكها إذا مات صلاح الدين (11 / 523 تاريخ أبي الفداء 3 / 70) .
(3) مات الملك بلدوين الرابع وأوصى بالملك لابن أخت له، وكان صغيرا فكفله ريموند صاحب طرابلس وطمع في الملك بسبب هذا الصغير، بلدوين الخامس، لكنه مات ولما يبلغ التاسعة من عمره فانتقل الملك إلى أمه سبيللا، والتي تزوجت برجل من الافرنج اسمه كي، فأسقط في يد صاحب طرابلس وراسل صلاح الدين وانتمى إليه واعتضد به (*)
(12/390)

والطغيان، وكانت مصالحته من أقوى أسباب النصر عَلَى الْفِرِنْجِ، وَمِنْ أَشَدِّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ في دينهم.
قال العماد الكاتب: وأجمع المنجمون على خراب العالم في شعبان، لأن الكواكب الستة تجتمع فيه في الميزان، فيكون طوفان الرِّيحِ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ، وَذَكَرَ أَنَّ نَاسًا من الجهلة تأهبوا لذلك بحفر مغارات في الجبار وَمُدَّخَلَاتٍ وَأَسْرَابٍ فِي الْأَرْضِ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيلة الَّتِي أَشَارُوا إِلَيْهَا وَأَجْمَعُوا عَلَيْهَا لَمْ يُرَ لَيْلَةٌ مِثْلُهَا في سكونها وركودها وهدوئها، وقد ذكر ذلك غير واحد
من الناس في سائر أقطار الأرض، وَقَدْ نَظَمَ الشُّعَرَاءُ فِي تَكْذِيبِ الْمُنَجِّمِينَ فِي هذه الواقعة وغريبها أشعاراً كثيرة حسنة منها: مزق التقويم والزيج فقد بان الخطا * إنما التقويم والزيج هباء وهوا قلت للسبعة إبرامٌ ومنعٌ وعطا * ومتى ينزلن في الميزان يستولي الهوا ويثور الرمل حتى يمتلي منه الصفا * ويعم الأرض رجفٌ وخرابٌ وبلى ويصير القاع كالقف وكالطود العدا * وحكمتم فأبى الحاكم إلا ما يشا ما أتى الشرع ولا جاءت بهذا الانبياء * فبقيتم ضحكةً يضحك منها العلما حسبكم خزياً وعاراً ما يقول الشعرا * ما أطمعكم في الحكم إلا الأمرا ليت إذ لم يحسنوا في الدين طغاما أسا * فعلى اصطرلاب بطليموس والزيج العفا وعليه الخزي ما جادت على الأرض السما وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْوَحْشِ بَرِّيُّ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ بَرِّيٍّ الْمَقْدِسِيُّ ثُمَّ الْمِصْرِيُّ، أحد أئمة اللغة والنحو في زمانه، وكان عليه تعرض الرسائل بعد ابن بابشاد، وَكَانَ كَثِيرَ الِاطِّلَاعِ عَالِمًا بِهَذَا الشَّأْنِ، مُطَّرِحًا للتكليف فِي كَلَامِهِ، لَا يَلْتَفِتُ وَلَا يُعَرِّجُ عَلَى الْإِعْرَابِ فِيهِ إِذَا خَاطَبَ النَّاسَ، وَلَهُ التَّصَانِيفُ المفيدة، توفي وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ بِثَلَاثِ سِنِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثلاث وثمانين وخمسمائة فِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ حِطِّينَ الَّتِي كَانَتْ أَمَارَةً وتقدمة وإشارة لفتح بيت المقدس، واستنقاذه من
__________
= وطلب منه المساعدة على بلوغ أغراضه من الفرنج وأبرزها أنه يعتبر نفسه الشخص الوحيد الجدير بالترشيح لعرش المملكة ; وقد أشار ابن جبير (ص 304) إلى أن طموحه يعود إلى زمن مبكر ; وقد روى أبو شامة عن عماد الدين الاصفهاني أن ريموند كان مستعدا لاعتناق الاسلام حتى يحقق رغبته، واعتبر أن تحقيق رغبته هذه لا يتم إلا بمساعدة صلاح الدين له.
(الروضتين 2 / 257 الكامل 11 / 526 - 527 وتاريخ الحروب الصليبية 2 / 725) .
(*)
(12/391)

أيدي الكفرة.
قال ابن الأثير: كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْهَا يَوْمَ السَّبْتِ، وَكَانَ يَوْمَ النَّيْرُوزِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ سَنَةِ الْفُرْسِ، وَاتَّفَقَ أن ذلك كان أول سنة الروم، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الشَّمْسُ بُرْجَ الْحَمَلِ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْقَمَرُ فِي بُرْجِ الْحَمَلِ أيضاً، وهذا شئ يَبْعُدُ وُقُوعُ مِثْلِهِ، وَبَرَزَ السُّلْطَانُ مِنْ دِمَشْقَ يوم السبت مستهل محرم في جيشه، فَسَارَ إِلَى رَأْسِ الْمَاءِ فَنَزَلَ وَلَدُهُ الْأَفْضَلُ هُنَاكَ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ وَتَقَدَّمَ السُّلْطَانُ بِبَقِيَّةِ الْجَيْشِ إِلَى بُصْرَى فَخَيَّمَ عَلَى قَصْرِ أبي سلام، يَنْتَظِرُ قُدُومَ الْحُجَّاجِ، وَفِيهِمْ أُخْتُهُ سِتُّ الشَّامِ وَابْنُهَا حُسَامُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لاشين (1) ، ليسلموا من معرة برنس الكرك، فلما جاز الحجيج سالمين سار السلطان فنزل على الْكَرَكَ وَقَطَعَ مَا حَوْلَهُ مِنَ الْأَشْجَارِ، وَرَعَى الزرع وأكلوا الثمار، وجاءت العساكر المصرية وتوافت الجيوش الْمَشْرِقِيَّةِ، فَنَزَلُوا عِنْدَ ابْنِ السُّلْطَانِ عَلَى رَأْسِ الْمَاءِ، وَبَعَثَ الْأَفْضَلُ سَرِيَّةً نَحْوَ بِلَادِ الْفِرِنْجِ فقتلت وغنمت وسلمت ورجعت، فبشر بمقدمات الفتح والنصر، وجاء السلطان بجحافله فالتفت عليه جميع العساكر، فرتب الجيوش وسار قاصدا بلا السَّاحِلِ، وَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ اثني عشر ألفاً غير المتطوعة، فتسامعت الفرنج بقدومه فاجتمعوا كلهم وتصالحوا فيما بينهم، وصالح قومس طرابلس وبرنس الكرك الفاجر، وجاؤوا بحدهم وحديدهم وَاسْتَصْحَبُوا مَعَهُمْ صَلِيبَ الصَّلَبُوتِ يَحْمِلُهُ مِنْهُمْ عُبَّادُ الطاغوت، وضلال الناسوت، في خلق لا يعلم عدتهم إلا الله عزوجل، يُقَالُ كَانُوا خَمْسِينَ أَلْفًا وَقِيلَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ ألفاً، وقد خوفهم صاحب طرابلس من المسلمين فاعترض عليه البرنس صَاحِبُ الْكَرَكِ فَقَالَ لَهُ لَا أَشُكُّ أَنَّكَ تحب المسلمين وتخوفنا كثرتهم، وسترى غب ما أقول لك، فتقدموا نحو المسلمين وَأَقْبَلَ السُّلْطَانُ فَفَتَحَ طَبَرِيَّةَ وَتَقَوَّى بِمَا فِيهَا من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك، وتحصنت منه القلعة فلم يعبأ بها، وحاز البحيرة في حوزته ومنع الله الكفرة أن يصلوا منها إلى قطرة، حتى صاروا من عطش عظيم، فبرز السُّلْطَانُ إِلَى سَطْحِ الْجَبَلِ الْغَرْبِيِّ مِنْ طَبَرِيَّةَ عِنْدَ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا حِطِّينُ، الَّتِي يُقَالُ إن فيها قبر شعيب عليه الصلاة والسلام، وجاء العدو المخذول، وكان فيهم صاحب عكا وكفرنكا وصاحب الناصرة وصاحب صور وغير ذلك من جميع ملوكهم، فتواجه الفريقان وتقابل الجيشان، وأسفر وجه
الإيمان واغبر وأقتم وأظلم وجه الكفر والطغيان، ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان، وذلك عشية يوم الجمعة، فبات الناس على مصافهم وأصبح صباح يَوْمِ السَّبْتِ الَّذِي كَانَ يَوْمًا عَسِيرًا عَلَى أهل الْأَحَدِ وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، فطلعت الشمس على وجوه الفرنج واشتد الحر وقوي بهم العطش، وكان تحت أقدام خيولهم حشيش قد صار هشيماً، وكان ذلك عليهم مشؤوماً، فأمر السلطان النفاطة أن يرموه بالنفط، فرموه فتأجج ناراً تحت سنابك خيولهم، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ حَرُّ الشَّمْسِ وَحَرُّ الْعَطَشِ وَحَرُّ النار وحر السلاح وحر رشق النبال، وتبارز الشجعان، ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة فحملوا وكان النصر من الله عزوجل، فمنحهم الله أكتافهم فقتل منهم
__________
(1) في الكامل وابن خلدون: لاجين.
(*)
(12/392)

ثَلَاثُونَ أَلْفًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأُسِرَ ثَلَاثُونَ أَلْفًا مِنْ شُجْعَانِهِمْ وَفُرْسَانِهِمْ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ من أسر جميع ملوكهم سوى قومس طرابلس فإنه انهزم في أول المعركة، واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم، وهو الذين يزعمون أنه صُلِبَ عَلَيْهِ الْمَصْلُوبُ، وَقَدْ غَلَّفُوهُ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ والجواهر النفيسة، وليم يُسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فِي عِزِّ الْإِسْلَامِ وأهله، ودمغ الباطل وأهله، حتى ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم يَقُودُ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ أَسِيرًا مِنَ الْفِرِنْجِ قَدْ رَبَطَهُمْ بِطُنُبِ خَيْمَةٍ، وَبَاعَ بَعْضَهُمْ أَسِيرًا بِنَعْلٍ ليلبسها فِي رِجْلِهِ، وَجَرَتْ أُمُورٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا إلا في زمن الصَّحابة والتابعين، فلله الحمد دائماً كثيراً طيباً مباركاً.
فلما تمت هذه الوقعة، وضعت الحرب أوزارها أَمَرَ السُّلْطَانُ بِضَرْبِ مُخَيَّمٍ عَظِيمٍ، وَجَلَسَ فِيهِ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ وَعَنْ يَمِينِهِ أَسِرَّةٌ وَعَنْ يساره مثلها، وجئ بالاسارى تتهادى بقيودها، فأمر بضرب أعناق جماعة من مقدمي الداوية - والأسارى بين يديه - صبراً، ولم يترك أحداً منهم ممن كان يذكر الناس عنه شراً، ثم جئ بملوكهم فَأُجْلِسُوا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ، فَأُجْلِسَ ملكهم الكبير عن يمينه، وأجلس أرياط برنس الكرك وبقيتهم عن شماله، ثم جئ إلى السلطان بشراب من الجلاب مثلوجاً، فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَ الْمَلِكَ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَ أرياط صاحب الكرك فغضب السلطان
وقال له: إنما ناولتك ولم آذن لك أَنْ تَسْقِيَهُ، هَذَا لَا عَهْدَ لَهُ عِنْدِي، ثم تحول السلطان إلى خيمة داخل تلك الخيمة واستدعى بأرياط صاحب الكرك، فلما أوقف بين يده قام إليه بالسيف ودعاه إلى الإسلام فامتنع، فقال له: نَعَمْ أَنَا أَنُوبُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِانْتِصَارِ لِأُمَّتِهِ، ثُمَّ قتله وأرسل برأسه إلى الملوك وهم في الخيمة، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا تَعَرَّضَ لِسَبِّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَتَلَ السُّلْطَانُ جَمِيعَ مَنْ كَانَ مِنَ الأسارى من الداوية والاسبتارية صبراً وأراح الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَيْنَ الْجِنْسَيْنِ الْخَبِيثَيْنِ، وَلَمْ يُسْلِمْ مِمَّنْ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَيُقَالُ إنه بلغت القتلى ثلاثين ألفاً، والأسارى كذلك كانوا ثلاثين ألفاً، وكان جملة جيشهم ثلاثة وستين ألفاً، وكان من سلم مع قلتهم وهرب أكثرهم جرحى فماتوا ببلادهم، وممن مات كذلك قومس طرابلس، فإنه انهزم جريحاً (1) فمات بها بعد مرجعه، ثم أرسل السلطان برؤس أعيان الفرنج ومن لم يقتل من رؤوسهم، وَبِصَلِيبِ الصَّلَبُوتِ صُحْبَةَ الْقَاضِي ابْنِ أَبِي عَصْرُونَ إِلَى دِمَشْقَ لِيُودَعُوا فِي قَلْعَتِهَا، فَدَخَلَ بِالصَّلِيبِ منكوساً وكان يوماً مشهوداً.
ثم سار السلطان إلى قلعة طبرية فأخذها، وَقَدْ كَانَتْ طَبَرِيَّةُ تُقَاسِمُ بِلَادَ حَوْرَانَ وَالْبَلْقَاءَ وما
__________
(1) قال ابن الأثير في تاريخه: لم يلبث إلا أياماً قلائل حتى مات غيظا وحنقا مما جرى على الفرنج خاصة وعلى دين النصرانية عامة.
11 / 538 وقال ابن خلدون: مات لايام قلائل أسفا.
وقال أبو الفداء: وبقي مدة يسيرة ومات غبنا.
(*)
(12/393)

حَوْلَهَا مِنَ الْجُولَانِ وَتِلْكَ الْأَرَاضِي كُلَّهَا بِالنِّصْفِ، فأراح الله المسلمين من تلك المقاسمة، ثم سار السلطان إلى حطين فزار قبر شعيب، ثم ارتفع منه إلى إقليم الأردن، فتسلم تلك البلاد كلها، وهي قرى كثيرة كبار وصغار، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَكًّا فَنَزَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَلْخَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، فَافْتَتَحَهَا صُلْحًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَخَذَ مَا كَانَ بِهَا مِنْ حَوَاصِلَ الملوك وأموالهم وذخائرهم ومتاجر وغيرها، وَاسْتَنْقَذَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، فوجد فيها أربعة آلاف أسير، ففرَّج الله عنهم، وأمر بإقامة الجمعة بها، وكانت أول جمعة أقيمت بالساحل بعد أخذه الفرنج، نحواً من سبعين سنة.
ثم سار مِنْهَا إِلَى
صَيْدَا وَبَيْرُوتَ وَتِلْكَ النَّوَاحِي مِنَ السواحل يأخذها بلداً بلداً، لخلوها من المقاتلة والملوك، ثم رجع سائراً نَحْوَ غَزَّةَ وَعَسْقَلَانَ وَنَابُلُسَ وَبَيْسَانَ وَأَرَاضِي الْغُورِ، فملك ذلك كله، واستناب عَلَى نَابُلُسَ ابْنَ أَخِيهِ حُسَامَ الدِّينِ عُمَرَ بن محمد بن لاشين (1) ، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا، وَكَانَ جُمْلَةُ مَا افْتَتَحَهُ السلطان في هذه المدة القريبة خمسين بلداً كباراً كل بلد له مقاتلة وقلعة ومنعة، وَغَنِمَ الْجَيْشُ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ شَيْئًا كثيراً، وسبوا خلقاً.
ثم إن السلطان أمر جيوشه أن ترتع في هذه الأماكن مدة شهور ليستريحوا وتحمو أنفسهم وخيولهم لفتح بيت المقدس، وَطَارَ فِي النَّاس أَنَّ السُّلْطَانَ عَزَمَ عَلَى فتح بيت المقدس، فقصده العلماء والصالحون تطوعاً، وجاؤوا إليه، ووصل أخاه الْعَادِلُ بَعْدَ وَقْعَةِ حِطِّينَ وَفَتَحَ عَكَّا فَفَتَحَ بنفسه حصوناً كثيرة، فاجتمع من عباد الله ومن الجيوش شئ كثير جداً، فعند ذلك قصد السلطان القدس بمن معه كما سيأتي.
وقد امتدحه الشعراء بسبب وقعة حطين فقالوا وأكثروا، وكتب إليه الْقَاضِي الْفَاضِلُ مِنْ دِمَشْقَ - وَهُوَ مُقِيمٌ بِهَا لمرض اعتراه - " ليهن المولى أن الله أقام به الدين، وكتب المملوك هذه الخدمة والرؤوس لَمْ تُرْفَعْ مِنْ سُجُودِهَا، وَالدُّمُوعُ لَمْ تُمْسَحْ من خدودها، وكلما ذكر المملوك أن البِيَع تعود مَسَاجِدُ، وَالْمَكَانُ الَّذِي كَانَ يُقَالُ فِيهِ إِنَّ الله ثالث ثلاثة يقال فيه اليوم إِنَّهُ الْوَاحِدُ، جَدَّدَ لِلَّهِ شُكْرًا تَارَةً يَفِيضُ من لسانه، وتارة يفيض من جفنه سروراً بتوحيد الله، تعالى الملك الحق المبين، وأن يقال محمد رسول الله الصادق الأمين، وَجَزَى اللَّهُ يُوسُفَ خَيْرًا عَنْ إِخْرَاجِهِ مِنْ سجنه، والمماليك ينتظرون المولى وكل مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ بِدِمَشْقَ قَدْ عزم عَلَى دُخُولِ حَمَّامِ طَبَرِيَّةَ: تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قعبان من لبن * وَذَلِكَ السَّيْفُ لَا سَيْفُ ابْنِ ذِي يَزَنِ ثُمَّ قَالَ: وَلِلْأَلْسِنَةِ بَعْدُ فِي هَذَا الْفَتْحِ تسبيح طويل وقول جميل جليل ".
فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ " وَاسْتِنْقَاذِهِ من أيدي النصارى بعد أن استحوذوا عليه مدة ثنتين وتسعين سنة "
__________
(1) لاجين: كما في الكامل وابن خلدون.
(*)
(12/394)

لما افتتح السلطان تلك الأماكن المذكورة فيما تقدم، أمر العساكر فاجتمعت ثم سار نحو بيت المقدس، فنزل غربي بيت المقدس فِي الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ ثلاث وثمانين وخمسمائة - فوجد البلد قد حصنت غاية التحصين، وَكَانُوا سِتِّينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، دُونَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أو يزيدون، وكان صاحب القدس يومئذ رجلاً يقال له بالبان بْنُ بَازِرَانَ (1) ، وَمَعَهُ مَنْ سَلِمَ مِنْ وَقْعَةِ حِطِّينَ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، مِنَ الدَّاوِيَّةِ وَالْإِسْبِتَارِيَّةِ (2) أتباع الشيطان، وعبدة الصلبان، فَأَقَامَ السُّلْطَانُ بِمَنْزِلِهِ الْمَذْكُورِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَسَلَّمَ إلى كل طائفة من الجيش ناحية من السور وأبراجه، ثم تحول السلطان إلى ناحية الشام لأنه رآها أوسع لِلْمَجَالِ، وَالْجِلَادِ وَالنِّزَالِ، وَقَاتَلَ الْفِرِنْجَ دُونَ الْبَلَدِ قتالاً هائلاً، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في نصرة دينهم وقمامتهم، واستشهد في الحصار بعض أمراء المسلمين (3) ، فحنق عند ذلك كثير من الأمراء والصالحين، واجتهدوا في القتال ونصب المناجنيق والعرادات على البلد، وغنت السيوف والرماح الخطيات، والعيون تنظر إلى الصلبان منصوبة فوق الجدران، وفوق قبة الصخرة صليب كبير، فزاد ذلك أهل الإيمان حنقاً وشدة التشمير، وكان ذلك يوماً عسيراً على الكافرين غير يسير، فبادر السلطان بِأَصْحَابِهِ إِلَى الزَّاوِيَةِ الشَّرْقِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ مِنَ السُّورِ فنقبها وعلقها وحشاها وَأَحْرَقَهَا، فَسَقَطَ ذَلِكَ الْجَانِبُ وَخَرَّ الْبُرْجُ بِرُمَّتِهِ فَإِذَا هُوَ وَاجِبٌ، فَلَمَّا شَاهَدَ الْفِرِنْجُ ذَلِكَ الحادث الفظيع، والخطب المؤلم الوجيع، قصد أكابرهم السلطان وتشفعوا إليه أن يعطيهم الأمان، فامتنع من ذلك وقال: لا أفتحها إلا عنوة، كما افتتحتموها أنتم عَنْوَةً، وَلَا أَتْرُكُ بِهَا أَحَدًا مِنَ النَّصَارَى إِلَّا قَتَلْتُهُ كَمَا قَتَلْتُمْ أَنْتُمْ مَنْ كَانَ بها من المسلمين، فطلب صاحبها بالبان بن بازران (1) الْأَمَانَ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ فَأَمَّنَهُ، فَلَمَّا حَضَرَ تَرَقَّقَ للسلطان وذل ذلاً عظيماً، وَتَشَفَّعَ إِلَيْهِ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ إلى الأمان لهم، فقالوا إن لَمْ تُعْطِنَا الْأَمَانَ رَجَعْنَا فَقَتَلْنَا كُلَّ أَسِيرٍ بأيدينا - وكانوا قريباً من أربعة آلاف (4) - وقتلنا ذرارينا وأولادنا ونساءنا - وخربنا الدور والأماكن الحسنة، وأحرقنا المتاع وأتلفنا ما بأيدينا من الأموال، وهدمنا قبة الصخرة وحرقنا ما نقدر عليه، وَلَا نُبْقِي مُمْكِنًا فِي إِتْلَافِ مَا نَقْدِرُ عليه، وبعد ذلك نخرج فنقاتل قتال الموت، ولا خير في حياتنا بعد ذلك، فَلَا يُقْتَلُ وَاحِدٌ مِنَّا حَتَّى يَقْتُلَ أَعْدَادًا مِنْكُمْ، فَمَاذَا
تَرْتَجِي بَعْدَ هَذَا مِنَ الْخَيْرِ؟
__________
(1) في الكامل: باليان بن بيرزان، وفي تاريخ ابن خلدون وابن العبري: بليان بن نيرزان.
وفي تاريخ الحروب الصليبية: باليان ابلين.
وباليان: صاحب الرملة.
وقد تولى قيادة الفرنج وكان قد دخل القدس بعد شرط عليه صلاح ألا يقيم في بيت المقدس إلا ليلة واحدة، وبعد دخوله لم يسمح له بالخروج وأجبر على تولي قيادة جماعات الفرنج التي وجدت فيها، فكتب إلى صلاح الدين يشرح له إقدامه على انتهاك اليمين التي بذلها (انظر تاريخ الحروب الصليبية 2 / 748) .
(2) من المراجع المذكورة سابقا ; وفي الاصل " الاستثارية ".
(3) ومنهم: الأمير عز الدين عيسى بن مالك وهو من أكابر الأمراء.
وكان أبوه صاحب قلعة جعبر.
(4) في الكامل وابن خلدون وابن العبري: خمسة آلاف.
(*)
(12/395)

فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ ذَلِكَ أَجَابَ إِلَى الصُّلْحِ وأناب، عَلَى أَنْ يَبْذُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ، وَعَنِ الْمَرْأَةِ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ، وَعَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَصَغِيرَةٍ دِينَارَيْنِ (1) ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ أَسِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ تَكُونَ الغلات والأسلحة والدور للمسلمين، وأنهم يتحولون مِنْهَا إِلَى مَأْمَنِهِمْ وَهِيَ مَدِينَةُ صُورَ.
فَكُتِبَ الصلح بذلك، وأن من لم يَبْذُلُ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَهُوَ أَسِيرٌ، فَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ أُسِرَ بِهَذَا الشرط ستة عشر ألف أسير (2) مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَوِلْدَانٍ، وَدَخَلَ السُّلْطَانُ وَالْمُسْلِمُونَ البلد يوم الجمعة قبل وَقْتِ الصَّلَاةِ بِقَلِيلٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ (3) مِنْ رَجَبٍ.
قَالَ الْعِمَادُ: وَهِيَ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
قال أَبُو شَامَةَ: وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الْإِسْرَاءِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لِلْمُسْلِمِينَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ يَوْمَئِذٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا أُقِيمَتْ يَوْمَئِذٍ، وَأَنَّ السُّلْطَانَ خطب بنفسه بالسواد، والصحيح أن الجمعة لم يتمكنوا من إِقَامَتُهَا يَوْمَئِذٍ لِضِيقِ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا أُقِيمَتْ فِي الجمعة المقبلة، وكان الخطيب محيي الدين بن مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْقُرَشِيَّ بْنَ الزَّكِيِّ كَمَا سيأتي قريباً.
ولكن نظفوا المسجد الأقصى مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الصُّلْبَانِ وَالرُّهْبَانِ وَالْخَنَازِيرِ، وخربت دور الداوية
وَكَانُوا قَدْ بَنَوْهَا غَرْبِيَّ الْمِحْرَابِ الْكَبِيرِ، وَاتَّخَذُوا المحراب مشتاً لعنهم الله، فنظف مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأُعِيدَ إِلَى مَا كَانَ عليه في الأيام الإسلامية، وَغُسِلَتِ الصَّخْرَةُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ، وَأُعِيدَ غَسْلُهَا بِمَاءِ الورد والمسك الفاخر، وأبرزت للناظرين، وقد كانت مستورة مخبوءة عن الزائرين، ووضع الصليب عَنْ قُبَّتِهَا، وَعَادَتْ إِلَى حُرْمَتِهَا، وَقَدْ كَانَ الفرنج قلعوا منها قطعاً فباعوها من أهل البحور الجوانية بزنتها ذهباً، فتعذر استعادة ما قطع منها.
ثم قبض مِنَ الْفِرِنْجِ مَا كَانُوا بَذَلُوهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ من الأموال، وأطلق السلطان خلقاً منهم بنات الملوك بن معهن من النساء والصبيان وَالرِّجَالِ، وَوَقَعَتِ الْمُسَامَحَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَشُفِعَ في أناس كثير فعفا عَنْهُمْ، وَفَرَّقَ السُّلْطَانُ جَمِيعَ مَا قَبَضَ مِنْهُمْ من الذهب في العسكر، ولم يأخذ مِنْهُ شَيْئًا مِمَّا يُقْتَنَى وَيُدَّخَرُ، وَكَانَ رَحِمَهُ الله حليماً كريماً مقداماً شجاعاً رحيماً.
أَوَّلِ جُمُعَةٍ أُقِيمَتْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ فَتْحِهِ لما تطهر بيت الْمُقَدَّسُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الصُّلْبَانِ وَالنَّوَاقِيسِ والرهبان والقساقس، ودخله أهل الإيمان، ونودي بالأذان وقرئ القرآن، ووحد الرحمن، كان أول جمعة أقيمت في اليوم الرابع من
__________
(1) في تاريخ الحروب الصليبة: 2 / 752: ودينار للطفل.
(2) كذا بالاصل، وابن الاثير وقال: هذا بالضبط واليقين.
وقال ابن العبري: خمسة آلاف.
(3) في تاريخ ابن خلدون 5 / 310: يوم الجمعة لتسع وعشرين من رجب.
(*)
(12/396)

شَعْبَانَ، بَعْدَ يَوْمِ الْفَتْحِ بِثَمَانٍ، فَنُصِبَ الْمِنْبَرُ (1) إلى جانب المحراب، وبسطت البسط وعلقت القناديل وتُلي التنزيل، وجاء الحق وبطلت الْأَبَاطِيلُ، وَصُفَّتِ السَّجَّادَاتُ وَكَثُرَتِ السَّجَدَاتُ، وَتَنَوَّعَتِ الْعِبَادَاتُ، وارتفعت الدَّعَوَاتُ، وَنَزَلَتِ الْبَرَكَاتُ، وَانْجَلَتِ الْكُرُبَاتُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَوَاتُ، وأذن المؤذنون، وخرس القسيسون، وزال البوس وطابت النفوس، وأقبلت السعود وأدبرت النحوس، وعُبد الله الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) [الاخلاص: 3 - 4] ، وكبره الرَّاكِعُ وَالسَّاجِدُ، وَالْقَائِمُ وَالْقَاعِدُ، وَامْتَلَأَ الْجَامِعُ وَسَالَتْ لرقة
القلوب المدامع، ولما أذن المؤذنون للصلاة قبل الزوال كادت القلوب تطير من الفرح في ذلك الحال، ولم يكن عين خطيب فبرز من السلطان المرسوم الصلاحي وهو في قبة الصخرة أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الزَّكِيِّ اليوم خطيباً، فلبس الخلعة السوداء وخطب للناس خطبة سَنِيَّةً فَصِيحَةً بَلِيغَةً، ذَكَرَ فِيهَا شَرَفَ الْبَيْتِ المقدس، وما رود فِيهِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالتَّرْغِيبَاتِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الدلائل والأمارات.
وقد أورد الشيخ أبو شامة الخطبة في الروضتين بطولها وكان أول ما قَالَ (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 45] .
ثُمَّ أَوْرَدَ تَحْمِيدَاتِ الْقُرْآنِ كُلَّهَا، ثُمَّ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ مُعِزِّ الْإِسْلَامِ بِنَصْرِهِ، وَمُذِلِّ الشِّرْكِ بِقَهْرِهِ، وَمُصَرِّفِ الْأُمُورِ بِأَمْرِهِ، ومزيد النِّعَمِ بِشُكْرِهِ، وَمُسْتَدْرِجِ الْكَافِرِينَ بِمَكْرِهِ، الَّذِي قَدَّرَ الْأَيَّامَ دُوَلًا بِعَدْلِهِ، وَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ بِفَضْلِهِ، وأفاض (2) على العباد من طله وهطله، [و] (3) أظهر دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ فَلَا يُمَانَعُ، وَالظَّاهِرِ عَلَى خَلِيقَتِهِ فَلَا يُنَازَعُ، وَالْآمِرِ بِمَا يَشَاءُ فَلَا يُرَاجَعُ، وَالْحَاكِمِ بِمَا يُرِيدُ فَلَا يُدَافَعُ، أَحْمَدُهُ عَلَى إِظْفَارِهِ وَإِظْهَارِهِ، وإعزازه لأوليائه ونصرة أنصاره، ومطهر بيت الْمُقَدَّسَ مِنْ أَدْنَاسِ الشِّرْكِ وَأَوْضَارِهِ، حَمْدَ مَنِ استشعر الحمد باطن سره وظاهر أجهاره، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، شَهَادَةَ مَنْ طَهَّرَ بِالتَّوْحِيدِ قَلْبَهُ، وَأَرْضَى بِهِ رَبَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رافع الشكر وداحض الشرك، ورافض (4) الْإِفْكِ، الَّذِي أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَعُرِجَ بِهِ مِنْهُ إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وما طغى، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى خَلِيفَتِهِ الصِّدِّيقِ السَّابِقِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَعَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوَّلِ مَنْ رَفَعَ عَنْ هَذَا الْبَيْتِ شِعَارَ الصُّلْبَانِ، وَعَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ذِي النُّورَيْنِ جامع القرآن،
__________
(1) حمل المنبر من حلب، وكان نور الدين قد أمر الصناع ببنائه، فاستمروا في صناعته عدة سنين وكان بين الانتهاء من بنائه وحمله إلى بيت المقدس عشرون سنة.
(انظر الكامل 11 / 552 - وابن خلدون 5 / 310) .
(2) في وفيات الاعيان 4 / 231: وأفاء على عباده من ظله.
(3) من وفيات الاعيان.
(4) في الوفيات: وراحض.
(*)
(12/397)

وَعَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مزلزل الشرك، ومكسر الأصنام، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ والتَّابعين لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ".
ثُمَّ ذَكَرَ الْمَوْعِظَةَ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَغْبِيطِ الْحَاضِرِينَ بما يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ كَذَا وَكَذَا، فَذَكَرَ فَضَائِلَهُ وَمَآثِرَهُ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ الْقِبْلَتَيْنِ، وَثَانِي الْمَسْجِدَيْنِ، وَثَالِثُ الْحَرَمَيْنِ، لَا تُشَدُّ الرَّحَالُ بَعْدَ الْمَسْجِدَيْنِ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا تُعْقَدُ الْخَنَاصِرُ بَعْدَ الْمَوْطِنَيْنِ إِلَّا عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَصَلَّى فيه بالأنبياء والرسل الكرام، ومنه كان المعراج إلى السموات، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ ثُمَّ سَارَ مِنْهُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الْبُرَاقِ، وَهُوَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ يَوْمَ التَّلَاقِ، وَهُوَ مَقَرُّ الْأَنْبِيَاءِ وَمَقْصِدُ الْأَوْلِيَاءِ، وَقَدْ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يوم.
قلت: ويقال إن أول من أسسه يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ أَنْ بَنَى الْخَلِيلُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، ثُمَّ جَدَّدَ بِنَاءَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السَّلام، كما ثبت فيه الحديث بالمسند والسنن، وصحيح ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَأَلَ سليمان عليه السلام الله عند فراغه من خِلَالًا ثَلَاثًا، حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ ; وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وأنَّه لَا يَأْتِي أحدٌ هَذَا الْمَسْجِدَ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
ثم ذكر تمام الخطبتين، ثم دعا للخليفة الناصر العباسي، ثم دعا للسلطان الناصر صلاح الدين.
وَبَعْدَ الصَّلَاةِ جَلَسَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ أَبُو الحسن بن علي نَجَا الْمِصْرِيُّ عَلَى كُرْسِيِّ الْوَعْظِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ، فوعظ الناس، واستمر القاضي ابن الزَّكِيِّ يَخْطُبُ بِالنَّاسِ فِي أَيَّامِ الْجُمَعِ أَرْبَعَ جُمُعَاتٍ، ثُمَّ قَرَّرَ السُّلْطَانُ لِلْقُدْسِ خَطِيبًا مُسْتَقِرًّا، وَأَرْسَلَ إِلَى حَلَبَ فَاسْتَحْضَرَ الْمِنْبَرَ الَّذِي كَانَ الملك العادل نور الدين الشهيد قَدِ اسْتَعْمَلَهُ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ كَانَ يُؤَمِّلُ أَنْ يَكُونَ فَتْحُهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَمَا كَانَ إلا على يدي بعض أتباعه صلاح الدين بعد وفاته.
نكتة غريبة
قال أَبُو شَامَةَ فِي الرَّوْضَتَيْنِ: وَقَدْ تَكَلَّمَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّخَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ أَبِي الْحَكَمِ الْأَنْدَلُسِيِّ - يَعْنِي ابْنَ بَرَّجَانَ - فِي أَوَّلِ سُورَةِ الرُّومِ إِخْبَارٌ عَنْ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَنَّهُ يُنْزَعُ مِنْ أَيْدِي النَّصَارَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
قَالَ السَّخَاوِيُّ: وَلَمْ أَرَهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْحُرُوفِ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ فِيمَا زعم مِنْ قَوْلِهِ (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ) [الرُّومِ: 1 - 3] فَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى التَّارِيخِ كَمَا يَفْعَلُ المنجمون، فذكر أنهم يَغلبون في سنة كذا وكذا، ويُغلبون في سنة كذا وكذا، عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ دَوَائِرُ التَّقَدْيرِ، ثُمَّ قَالَ: وهذه نجابة وافقت إصابة، أن صح، قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ قبل حدوثه،
(12/398)

قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ عِلْمِ الْحُرُوفِ، ولا من بابا الكرامات والمكاشفات، ولا ينال في حساب، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقَدْرِ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ الْوَقْتَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ لَعَلِمَ الْوَقْتَ الَّذِي يُرْفَعُ فِيهِ.
قُلْتُ: ابْنُ بَرَّجَانَ ذَكَرَ هَذَا فِي تَفْسِيرِهِ فِي حُدُودِ سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَيُقَالُ إِنَّ الْمَلِكَ نُورَ الدِّينِ أُوقِفَ عَلَى ذَلِكَ فَطَمِعَ أن يعيش إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، لأن مولده في سنة إحدى عشر وَخَمْسِمِائَةِ، فَتَهَيَّأَ لِأَسْبَابِ ذَلِكَ حَتَّى إِنَّهُ أَعَدَّ منبراً عظيماً لبيت المقدس إذا فتحه والله أعلم.
وأما الصخرة المعظمة فإن السلطان أزال ما حولها من المنكرات والصور والصلبان، وطهرها بعد ما كانت جيفة، وأظهرها بعد ما كَانَتْ خَفِيَّةً مَسْتُورَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ، وَأَمَرَ الْفَقِيهَ عِيسَى الْهَكَّارِيَّ أَنْ يَعْمَلَ حَوْلَهَا شَبَابِيكَ مِنْ حديد، ورتب لها إماماً راتباً، وقف عليه رزقاً جيداً، وكذلك إمام الاقصى، وعمل للشافعية مدرسة يقال لها الصلاحية والناصرية أيضاً، وكان موضعها كنيسة على قبر حنة أم مريم، ووقف على الصوفية رباطا كان للبترك إِلَى جَنْبِ الْقُمَامَةِ، وَأَجْرَى عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْفُقَرَاءِ الجوامك، وأرصد الختم والربعات في أرجاء المسجد الأقصى والصخرة، ليقرأ فيها المقيمون والزائرون وتنافس بنو أيوب فيما يفعلونه ببيت المقدس وغيره من الخيرات إلى كل أحد، وعزم
السلطان على هدم القمامة وأن يجعلها دَكًّا لِتَنْحَسِمَ مَادَّةُ النَّصَارَى مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فقيل [له] إنهم لَا يَتْرُكُونَ الْحَجَّ إِلَى هَذِهِ الْبُقْعَةِ، وَلَوْ كانت قاعاً صفصفاً، وقد فتح هذه البلد قبلك أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَتَرَكَ هَذِهِ الكنيسة بأيديهم، ولك فِي ذَلِكَ أُسْوَةٌ.
فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَتَرَكَهَا عَلَى حالتها تأسياً بعمر رضي الله عنه، ولم يترك من النصارى فيها سِوَى أَرْبَعَةٍ يَخْدُمُونَهَا، وَحَالَ بَيْنَ النَّصَارَى وَبَيْنَهَا، وَهَدَمَ الْمَقَابِرَ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ عِنْدَ بَابِ الرحمة، وعفا آثَارَهَا، وَهَدَمَ مَا كَانَ هُنَاكَ مِنَ الْقِبَابِ.
وأما أسارى المسلمين الذين كانوا بالقدس فإنه أطلقهم جميعهم، وأحسن إليهم، وأطلق لهم إعطاءات سنية، وكساهم وَانْطَلَقَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى وَطَنِهِ: وَعَادَ إِلَى أهله ومسكنه، فلله الحمد على نعمه ومننه.
فصل
فلما فرغ السلطان صلاح الدين من القدس الشريف انْفَصَلَ عَنْهَا فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ (1) مِنْ شَعْبَانَ قاصداً مدينة صور بالساحل، وكان فتحها قد تأخر، وقد استحوذ عليها بعد وقعة حطين
__________
(1) في ابن خلدون 5 / 311: آخر شعبان.
وقال أبو الفداء في تاريخه: ونزل السلطان على صور تاسع شهر رمضان وحاصرها.
(*)
(12/399)

رجل من تجار الفرنج يُقَالُ لَهُ الْمَرْكِيسُ (1) ، فَحَصَّنَهَا وَضَبَطَ أَمَرَهَا وَحَفَرَ حولها خندقاً من البحر إلى البحر، فجاء السلطان فحاصرها مدة، ودعا بالأسطول من الديار المصرية في البحر، فأحاط بِهَا بَرًّا وَبَحْرًا، فَعَدَتِ الْفِرِنْجُ فِي بَعْضِ الليالي على خمس شواني من أسطول المسلمين فملكتها، فأصبح المسلمون واجمين حزناً وتأسفاً، وقد دخل عليهم فصل الْبَرْدُ وَقَلَّتِ الْأَزْوَادُ، وَكَثُرَتِ الْجِرَاحَاتُ وكلَّ الْأُمَرَاءُ مِنَ الْمُحَاصَرَاتِ، فَسَأَلُوا السُّلْطَانَ أَنْ يَنْصَرِفَ بِهِمْ إلى دمشق حَتَّى يَسْتَرِيحُوا ثُمَّ يَعُودُوا إِلَيْهَا بَعْدَ هَذَا الحين، فأجابهم إلى ذلك على تمنع منه، ثم توجه بهم نحو دِمَشْقَ وَاجْتَازَ فِي طَرِيقِهِ عَلَى عَكَّا، وَتَفَرَّقَتِ العساكر إلى بلادها.
وَأَمَّا السُّلْطَانُ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى عَكَّا نَزَلَ بِقَلْعَتِهَا وَأَسْكَنَ وَلَدَهُ الْأَفْضَلَ بُرْجُ الدَّاوِيَّةِ، وولى نيابتها عز الدين حردبيل، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ عَلَى السُّلْطَانِ بِتَخْرِيبِ
مَدِينَةِ عَكَّا خَوْفًا مِنْ عَوْدِ الْفِرِنْجِ إِلَيْهَا، فَكَادَ وَلَمْ يَفْعَلْ وَلَيْتَهُ فَعَلَ، بَلْ وَكَّلَ بِعِمَارَتِهَا وَتَجْدِيدِ مَحَاسِنِهَا بَهَاءَ الدِّينِ قَرَاقُوشَ التَّقَوِيَّ، وَوَقَفَ دار الاسبتارية (2) بصفين عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَجَعَلَ دَارَ الْأَسْقُفِ مَارَسْتَانًا وَوَقَفَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْقَافًا دَارَّةً، وَوَلَّى نظر ذلك إلى قاضيها جمال الدين بن الشيخ أبي النجيب.
ولما فرغ من هذه الأشياء عاد إلى دمشق مؤيداً منصوراً، وأرسل إليه الملوك بالتهاني والتحف والهدايا من سائر الأقطار والأمصار، وكتب الخليفة إلى السلطان يَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي أَشْيَاءَ، مِنْهَا أنَّه بَعَثَ إليه في بشارة الفتح بوقعة حطين شاباً بغدادياً كَانَ وَضِيعًا عِنْدَهُمْ، لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا قيمة، وأرسل بفتح القدس مع نجاب، ولقب نفسه بالناصر مضاهاة للخليفة.
فتلقى ذلك بالبشر واللطف والسمع والطاعة، وأرسل يعتذر مما وقع.
وقال: الحرب كانت شغلته عن التروي في كثير من ذلك، وَأَمَّا لَقَبُهُ بِالنَّاصِرِ فَهُوَ مِنْ أَيَّامِ الْخَلِيفَةِ المستضئ، ومع هذا فمهما لقبني أمير المؤمنين فلا أعدل عنه، وتأدب مع الخليفة غاية الأدب مع غناه عنه.
وفيها كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بِبِلَادِ الْهِنْدِ بَيْنَ الْمَلِكِ شِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيِّ صَاحِبِ غَزْنَةَ، وَبَيْنَ مَلِكِ الهند الكبير، فأقبلت الهنود في عدد كَثِيرٍ مِنَ الْجُنُودِ، وَمَعَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فِيلًا، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فَانْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ الْمُسْلِمِينَ وَمَيْسَرَتُهُمْ، وَقِيلَ لِلْمَلِكِ انْجُ بنفسك، فما زاده ذلك إِلَّا إِقَدْامًا، فَحَمَلَ عَلَى الْفِيَلَةِ فَجَرَحَ بَعْضَهَا - وَجُرْحُ الْفِيلِ لَا يَنْدَمِلُ - فَرَمَاهُ بَعْضُ الْفَيَّالَةِ بِحَرْبَةٍ فِي سَاعِدِهِ فَخَرَجَتْ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ فخر صريعاً، فحملت عليه الهنود ليأخذوه فجاحف عنه أصحابه فاقتتلوا
__________
(1) في الكامل وابن خلدون: المركيش، وفي تاريخ الحروب الصليبية 2 / 762: كنراد بن ماركيز وكان يقيم بالقسطنطينية غير أنه تورط في جريمة قتل وقعت بها، فأبحر سرا للحج إلى الاماكن المقدسة، فاتخذ طريقه إلى عكا، ولم يكن يعلم شيئا عن الكوارث التي حلت بفلسطين، فأقلع نحو صور حيث لقي الترحيب.
فتولى تنظيم الدفاع عنها.
(2) تقدم الاشارة إليها، وفي الاصل الاستثارية.
(*)
(12/400)

عنده قتالاً شديداً، وجرت حرب عظيمة لم يسمع بمثلها بموقف، فغلب المسلمون الهنود وخلصوا
صاحبهم وحملوه عَلَى كَوَاهِلِهِمْ فِي مَحَفَّةٍ عِشْرِينَ (1) فَرْسَخًا، وَقَدْ نزفه الدم، لما تَرَاجَعَ إِلَيْهِ جَيْشُهُ أَخَذَ فِي تَأْنِيبِ الْأُمَرَاءِ، وحلف ليأكلن كل أمير عليق فرسه، وما أدخلهم غزنة إلا مشاة.
وفيها وَلَدَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سَوَادِ بَغْدَادَ بِنْتًا لَهَا أَسْنَانٌ.
وَفِيهَا قَتَلَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ أُسْتَاذَ دَارِهِ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ الصَّاحِبِ، وَكَانَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى الْأُمُورِ وَلَمْ يَبْقَ لِلْخَلِيفَةِ مَعَهُ كَلِمَةٌ تطاع، وَمَعَ هَذَا كَانَ عَفِيفًا عَنِ الْأَمْوَالِ، جَيِّدَ السيرة، فأخذ الخليفة منه شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْحَوَاصِلِ وَالْأَمْوَالِ.
وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ الخليفة أبا المظفر جَلَالَ الدِّينِ، وَمَشَى أَهْلُ الدَّوْلَةِ فِي رِكَابِهِ حتى قاضي القضاة ابن الدَّامَغَانِيِّ وَقَدْ كَانَ ابْنُ يُونُسَ هَذَا شَاهِدًا عند القاضي، وكان يقول وهو يمشي في ركابه لَعَنَ اللَّهُ طُولَ الْعُمْرِ، فَمَاتَ الْقَاضِي فِي آخر هذه السنة.
وفيها توفي مِنَ الْأَعْيَانِ..الشَّيْخُ عَبْدُ الْمُغِيثِ بْنُ زُهَيْرٍ الْحَرْبِيُّ (2) كَانَ مِنْ صُلَحَاءِ الْحَنَابِلَةِ، وَكَانَ يُزَارُ، وَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي فَضْلِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، أتى فيه بالغرائب والعجائب، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فَأَجَادَ وَأَصَابَ، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا اتَّفَقَ لِعَبْدِ الْمُغِيثِ هَذَا أَنَّ بَعْضَ الْخُلَفَاءِ - وَأَظُنُّهُ النَّاصِرَ - جاءه زائراً مستخفياً، فعرفه الشيخ عبد المغيث ولم يعلمه بأنه قَدْ عَرَفَهُ، فَسَأَلَهُ الْخَلِيفَةُ عَنْ يَزِيدَ أَيُلْعَنُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ لَا أُسَوِّغُ لَعْنَهُ لِأَنِّي لو فتحت هذا الباب لأفضى الناس إلى لعن خليفتنا.
فقال الخليفة: ولِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَفْعَلُ أَشْيَاءَ مُنْكَرَةً كَثِيرَةً، مِنْهَا كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ شَرَعَ يُعَدِّدُ عَلَى الخليفة أفعاله القبيحة، وما يقع منه من المنكر لِيَنْزَجِرَ عَنْهَا، فَتَرَكَهُ الْخَلِيفَةُ وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وقد أثر كلامه فيه، وانتفع به.
مات في المحرم من هذه السنة.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ: عَلِيُّ بْنُ خَطَّابِ بْنِ خلف العابد الناسك، أحد الزهاد، ودوي الْكَرَامَاتِ، وَكَانَ مُقَامُهُ بِجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ: وَلَمْ أرَ مِثْلَهُ في حسن خلقه وسمته وكراماته وعبادته.
__________
(1) في الكامل 11 / 561: أربعة وعشرين.
(2) في الكامل 11 / 562: الحري ; وفي طبقات ابن رجب: أبو العز بن أبي حرب.
(*)
(12/401)

الْأَمِيرُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بن مقدم أحد نواب صَلَاحِ الدِّينِ، لَمَّا افْتَتَحَ النَّاصِرُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَحْرَمَ جَمَاعَةٌ فِي زَمَنِ الْحَجِّ مِنْهُ إِلَى المسجد الحرام، وكان ابن مقدم أمير الحاج في تلك السنة، فلما وقف بِعَرَفَةَ ضَرَبَ الدَّبَادِبَ وَنَشَرَ الْأَلْوِيَةَ، وَأَظْهَرَ عِزَّ السلطان صلاح الدين وعظمته، فَغَضِبَ طَاشْتِكِينُ أَمِيرُ الْحَاجِّ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ، فَزَجَرَهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَسْمَعْ، فَاقْتَتَلَا فَجُرِحَ ابْنُ مُقَدَّمٍ وَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِمِنًى، وَدُفِنَ هُنَالِكَ، وَجَرَتْ خُطُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَلِيمَ طَاشْتِكِينُ على ما فعل، وخاف معرة ذلك من جهة صلاح الدين والخليفة، وعزله الخليفة عن منصبه.
محمد بن عبيد الله ابن عبد الله سبط بن التعاويذي الشاعر، ثم أضر في آخر عمره وجاز الستين توفي في شوال.
نصر بن فتيان بن مطر الفقيه الحنبلي المعروف بابن المنى، كان زَاهِدًا عَابِدًا، مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِمِائَةٍ، وَمِمَّنْ تَفَقَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَشَاهِيرِ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قُدْامَةَ، وَالْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خلف بن راجح، والناصر عبد الرحمن بن المنجم بن عبد الوهاب، وعبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي وغيرهم توفي خامس رمضان.
وفيها توفي قاضي القضاة.
أبو الحسن الدَّامَغَانِيِّ وَقَدْ حَكَمَ فِي أَيَّامِ الْمُقْتَفِي ثُمَّ المستنجد ثم عزل وأعيد في أيام المستضئ، وَحَكَمَ لِلنَّاصِرِ حَتَّى تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وثمانين وخمسمائة فِي مُحَرَّمِهَا حَاصَرَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ حِصْنَ كوكب فرأه منيعاً صعباً، فوكّل به الأمير قايماز البجمي (1) في خمسمائة فارس يضيقون عليهم المسالك، وكذلك وكّل لصفت (2) وكانت للداوية
خمسمائة فارس مع طغرلبك الجامدار يمنعون الميرة والتقاوى أن تصل إليهم، وبعث إلى الكرك
__________
(1) في الكامل وتاريخ أبي الفداء: النجمي (انظر تاريخ ابن خلدون 5 / 312) .
(2) كذا بالاصل، وهو تحريف والصواب: صفد كما في الكامل وابن خلدون وتاريخ أبي الفداء.
(*)
(12/402)

الشوبك يضيقون على أهلها ويحاصرونهم، ليفرغ من أموره لقتال هذه الأماكن، ولما رجع السلطان من هذه الغزوة إلى دمشق وجد الصفي بن الفايض وكيل الخزانة قد بنى له دَارًا بِالْقَلْعَةِ هَائِلَةً مُطِلَّةً عَلَى الشَّرَفِ الْقِبْلِيِّ، فغضب عليه وعزله وقال: إنا لم نخلق للمقام بدمشق ولا بغيرها من البلاد، وإنما خلقنا لعبادة الله عزوجل والجهاد في سبيله، وهذا الذي عملته مما يثبط النفوس ويقعدها عما خلقت له.
وجلس السلطان بدار العدل فحضرت عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَأَهْلُ الْفَضْلِ، وَزَارَ الْقَاضِيَ الْفَاضِلَ فِي بُسْتَانِهِ عَلَى الشَّرَفِ فِي جَوْسَقِ ابْنِ الفراش، وحكى له ما جرى من الأمور، واستشاره فيما يفعل فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْمُهِمَّاتِ وَالْغَزَوَاتِ، ثُمَّ خَرَجَ من دمشق فسلك على بيوس وقصد البقاع، وسار إلى حمص وحماه وجاءت الجيوش من الْجَزِيرَةِ وَهُوَ عَلَى الْعَاصِي، فَسَارَ إِلَى السَّوَاحِلِ الشمالية ففتح أنطرطوس وغيرها من الحصون، وجبلة واللاذقية، وكانتا من أحصن المدن عمارة ورخاماً ومحالاً، وَفَتَحَ صُهْيُونَ (1) وَبَكَاسَ وَالشُّغْرَ وَهُمَا قَلْعَتَانِ عَلَى العاصي حصينتان، فتحهما عنوة، وفتح حصن بدرية (2) وهي قلعة عظيمة على جبل شاهف منيع، تحتها أودية عميقة يضرب بها المثل فِي سَائِرِ بِلَادِ الْفِرِنْجِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَحَاصَرَهَا أَشَدَّ حِصَارٍ وَرَكَّبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ الْكِبَارَ، وَفَرَّقَ الْجَيْشَ ثلاث فرق، كل فريق يقاتل، فإذا كلوا وتعبوا خلفهم الفريق الآخر، حَتَّى لَا يَزَالَ الْقِتَالُ مُسْتَمِرًّا لَيْلًا وَنَهَارًا، فكان فتحها في نوبة السلطان أخذها عَنْوَةً فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، وَنَهَبَ جَمِيعَ مَا فِيهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى حَوَاصِلِهَا وَأَمْوَالِهَا، وَقَتَلَ حُمَاتَهَا ورجالها، واستخدم نساءها وَأَطْفَالَهَا، ثُمَّ عَدَلَ عَنْهَا فَفَتَحَ حِصْنَ دَرَبْسَاكَ وَحِصْنَ بَغْرَاسَ، كُلُّ ذَلِكَ يَفْتَحُهُ عَنْوَةً فَيَغْنَمُ ويسلم، ثم سمت به هِمَّتُهُ الْعَالِيَةُ إِلَى فَتْحِ أَنْطَاكِيَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أخذ جميع ما حولها من القرى والمدن، وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهَا بِكَثْرَةِ الْجُنُودِ، فَرَاسَلَهُ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ يَطْلُبُ مِنْهُ الْهُدْنَةَ عَلَى أَنْ يُطْلِقَ مَنْ عنده من أسرى المسلمين، فأجابه إلى ذلك لعلمه
بتضجر من معه من الجيش، فَوُقِّعَتِ الْهُدْنَةُ عَلَى سَبْعَةِ أَشْهُرٍ (3) ، وَمَقْصُودُ السُّلْطَانِ أن يستريح من تعبها، وأرسل السلطان مَنْ تَسَلَّمَ مِنْهُ الْأُسَارَى وَقَدْ ذُلَّتْ دَوْلَةُ النصارى، ثم سار فَسَأَلَهُ وَلَدُهُ الظَّاهِرُ أَنْ يَجْتَازَ بِحَلَبَ فَأَجَابَهُ إلى ذلك، فنزل بقلعتها ثلاثة أيَّام، ثمَّ استقدمه ابن أخيه تقي الدين إليه إلى حماه فنزل عنده ليلة واحدة، وأقطعه جَبَلَةَ وَاللَّاذِقِيَّةَ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ بِقَلْعَةِ بَعْلَبَكَّ، ودخل حمامها، ثم عاد إلى دمشق في أوائل رمضان، وكان يوم مشهوداً، وجاءته البشائر بفتح الكرك وإنقاذه من أيدي الفرنج، وأراح الله منهم تِلْكَ النَّاحِيَةَ، وَسَهَّلَ حَزْنَهَا عَلَى السَّالِكِينَ مِنَ التجار والغزاة والحجاج (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الانعام: 45] .
__________
(1) زاد ابن الأثير في تاريخه: ولما ملك المسلمون صهيون تفرقوا في تلك النواحي، فملكوا حصن بلاطنوس (في تاريخ أبي الفداء: بلادنوس) ، وملك أيضا حصن العيدو (في تاريخ أبي الفداء: العبد) وحصن الجماهرتين (12 / 11) .
(2) في الكامل 12 / 14 وابن خلدون 5 / 314 وتاريخ أبي الفداء 3 / 75: برزية.
(3) في ابن الاثير ثمانية أشهر: من أول تشرين الاول وآخرها: آخر أيام.
(*)
(12/403)

فصل في فَتْحِ صَفَدَ وَحِصْنِ كَوْكَبَ
لَمْ يُقِمِ السُّلْطَانُ بدمشق إلا أياماً حتَّى خرج قاصداً صَفَدَ فَنَازَلَهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، وحاصرها بالمجانيق، وَكَانَ الْبَرْدُ شَدِيدًا يُصْبِحُ الْمَاءُ فِيهِ جَلِيدًا، فَمَا زَالَ حَتَّى فَتَحَهَا صُلْحًا فِي ثَامِنِ شوال، ثُمَّ سَارَ إِلَى صُورَ فَأَلْقَتْ إِلَيْهِ بِقِيَادِهَا، وتبرأت من أنصارها وأجنادها وَقُوَّادِهَا، وَتَحَقَّقَتْ لَمَّا فُتِحَتْ صَفَدُ أَنَّهَا مَقْرُونَةٌ معها في أصفادها، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى حِصْنِ كَوْكَبَ - وَهِيَ مَعْقِلُ الْإِسْبِتَارِيَّةِ (1) كَمَا أَنَّ صَفَدَ كَانَتْ مَعْقِلَ الداوية - كانوا أبغض أجناس الفرنج إلى السلطان، ولا يَكَادُ يَتْرُكُ مِنْهُمْ أَحَدًا إِلَّا قَتْلَهُ إِذَا وَقَعَ فِي الْمَأْسُورِينَ، فَحَاصَرَ قَلْعَةَ كَوْكَبَ حَتَّى أخذها، وقتل من بها وَأَرَاحَ الْمَارَّةَ مِنْ شَرِّ سَاكِنِيهَا، وَتَمَهَّدَتْ تِلْكَ السَّوَاحِلُ وَاسْتَقَرَّ بِهَا مَنَازِلُ قَاطِنِيهَا.
هَذَا وَالسَّمَاءُ تَصُبُّ، وَالرِّيَاحُ تَهُبُّ، وَالسُّيُولُ تَعُبُّ، وَالْأَرْجُلُ فِي الأوحال تخب، وهو في كل ذلك صابر مصابر، وكان القاضي الفاضل معه في هذه الغزوة، وكتب القاضي الفاضل إلى أخي السلطان صاحب اليمن يستدعيه إلى الشام
لنصرة الإسلام، وأنه قَدْ عَزَمَ عَلَى حِصَارِ أَنْطَاكِيَةَ، وَيَكُونُ تَقِيُّ الدين عمر محاصراً طرابلس إِذَا انْسَلْخَ هَذَا الْعَامُ، ثُمَّ عَزَمَ الْقَاضِي الفاضل على الدخول إلى مصر، فودعه السلطان فدخل القدس فصلى به الجمعة وعيد فيه عيد الأضحى، ثم سار ومعه أخوه السلطان الْعَادِلُ إِلَى عَسْقَلَانَ، ثُمَّ أَقْطَعَ أَخَاهُ الْكَرَكَ عِوَضًا عَنْ عَسْقَلَانَ، وَأَمَرَهُ بِالِانْصِرَافِ لِيَكُونَ عَوْنًا لابنه العزيز على حوادث مصر، وَعَادَ السُّلْطَانُ فَأَقَامَ بِمَدِينَةِ عَكَّا حَتَّى انْسَلَخَتْ هذه السنة.
وفيها خرجت طائفة بمصر من الرافضة ليعيدوا دَوْلَةَ الْفَاطِمِيِّينَ، وَاغْتَنَمُوا غَيْبَةَ الْعَادِلِ عَنْ مِصْرَ، وَاسْتَخَفُّوا أَمْرَ الْعَزِيزِ عُثْمَانَ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ، فَبَعَثُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا يُنَادُونَ فِي اللَّيْلِ يا آل علي، يا آل علي، بنياتهم على أن العامة تجيبهم فلم يجبهم أحد، ولا التفت إليهم، فلمَّا رَأَوْا ذَلِكَ انْهَزَمُوا فَأُدْرِكُوا وَأُخِذُوا وَقُيِّدُوا وحبسوا، ولما بلغ أمرهم السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ سَاءَهُ ذَلِكَ وَاهْتَمَّ لَهُ، وكان القاضي الْفَاضِلُ عِنْدَهُ بَعْدُ لَمْ يُفَارِقْهُ، فَقَالَ لَهُ: أيُّها الْمَلِكُ يَنْبَغِي أَنْ تَفْرَحَ وَلَا تَحْزَنَ، حيث لم يصغ إلى هؤلاء الجهلة أحد من رعيتك، ولو أنك بعثت جواسيس من قبلك يختبرون الناس لسرك ما بلغك عنهم، فسرى عنه ما كان يجد، ورجع إلى قوله وأرسله إلى مصر ليكون له عيناً وعوناً.
وفيها توفي مِنَ الْأَعْيَانِ..الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ سُلَالَةُ الْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ الشَّيْزَرِيُّ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَارِثِ وَأَبُو الْمُظَفَّرِ أُسَامَةُ بْنُ مُرْشِدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ [مُقَلَّدِ بن نصر بن]
__________
(1) في الاصل: الاستثارية.
(*)
(12/404)

منقذ أحد الشعراء المشهورين، الْمَشْكُورِينَ، بَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ سِتًّا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ عُمْرُهُ تَارِيخًا مُسْتَقِلًّا وَحْدَهُ، وَكَانَتْ دَارُهُ بدمشق، مكان العزيزية، وكانت معقلاً للفضلاء، ومنزلاً للعلماء وله أشعار رائقة، ومعان فائقة، ولدية علم غزير، وعنده جود وفضل كثير، وكان من أولاد ملوك شيزر، ثم أقام بمصر مُدَّةً فِي أَيَّامِ الْفَاطِمِيِّينَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الشام فقدم عَلَى الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ وَأَنْشَدَهُ:
حَمِدْتُ عَلَى طُولِ عُمْرِي الْمَشِيبَا * وَإِنْ كُنْتُ أَكْثَرْتُ فِيهِ الذُّنُوبَا لِأَنِّي حَيِيتُ إِلَى أن لقيت * بَعْدَ الْعَدُوِّ صَدِيقًا حَبِيبَا وَلَهُ فِي سنٍ قلعها وفقد نَفْعَهَا: وَصَاحِبٍ لَا أملَّ الدُّهْرَ صُحْبَتَهُ * يَشْقَى لِنَفْعِي وَيَسْعَى سَعْيَ مُجْتَهِدِ لَمْ أَلْقَهُ مُذْ تَصَاحَبْنَا فَحِينَ بَدَا * لِنَاظِرَيَّ افْتَرَقْنَا فُرْقَةَ الْأَبَدِ ولد دِيوَانُ شِعْرٍ كَبِيرٌ، وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يُفَضِّلُهُ عَلَى سَائِرِ الدَّوَاوِينِ، وَقَدْ كَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ فِي شَبِيبَتِهِ شهماً شجاعاً، قتل الأسد وحده مواجهةً، ثُمَّ عُمِّرَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السنة لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَدُفِنَ شرقي جبل قاسيون.
قال وزرت قبره وأنشدت له: لَا تَسْتَعِرْ جَلَدًا عَلَى هُجْرَانِهِمْ * فَقُوَاكَ تَضْعُفُ عَنْ صدودٍ دَائِمِ وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ إِنْ رَجَعْتَ إليهم * طوعاً وإلا عدت عودة نادم وله أيضاً: وأعجب لِضَعْفِ يَدِي عَنْ حَمْلِهَا قَلَمًا * مِنْ بَعْدِ حَطْمِ الْقَنَا فِي لبَّة الْأَسَدِ وَقُلْ لِمَنْ يَتَمَنَّى طُولَ مُدَّتِهِ * هَذِي عَوَاقِبُ طُولِ الْعُمْرِ والمدد قال ابن الأثير: وفيها توفي شيخه.
أبو محمد عبد الله بن علي ابن عبد الله بن سويد التَّكْرِيتِيُّ، كَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ وَلَهُ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ.
الحازمي الحافظ قال أبو شامة: وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ موسى بن عثمان بن حازم الحازمي الهمداني
(12/405)

بِبَغْدَادَ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ، عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ، مِنْهَا العجالة في النسب، والناسخ والمنسوخ وغيرها وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ
السَّنَةِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وثمانين وخمسمائة فِيهَا قَدِمَ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ رُسُلٌ إِلَى السلطان يعلمونه بولاية العهد لأبي نصر الْمُلَقَّبِ بِالظَّاهِرِ بْنِ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ خَطِيبَ دِمَشْقَ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ زيد الدولعي أن يذكره على المنبر، ثم جهز السلطان مع الرسل تحفاً كثيرة، وَهَدَايَا سَنِيَّةً، وَأَرْسَلَ بِأُسَارَى مِنَ الْفِرِنْجِ عَلَى هَيْئَتِهِمْ فِي حَالِ حَرْبِهِمْ، وَأَرْسَلَ بِصَلِيبِ الصَّلَبُوتِ فَدُفِنَ تَحْتَ عَتَبَةِ بَابِ النَّوَى، مِنْ دَارِ الخليفة، فكان بالأقدام يداس، بعد ما كان يعظم ويباس، والصَّحيح أنَّ هذا الصليب كان منصوباً على الصخرة وكان من نحاس مطلياً بالذهب، فحطه الله إلى أسفل العتب.
قِصَّةُ عَكَّا وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا لَمَّا كَانَ شَهْرُ رَجَبٍ اجْتَمَعَ مَنْ كَانَ بِصُورَ مِنَ الْفِرِنْجِ وَسَارُوا إِلَى مَدِينَةِ عَكَّا، فَأَحَاطُوا بِهَا يُحَاصِرُونَهَا فَتَحَصَّنَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَعَدُّوا لِلْحِصَارِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَبَلَغَ السُّلْطَانَ خَبَرُهُمْ فَسَارَ إِلَيْهِمْ مِنْ دِمَشْقَ مُسْرِعًا، فَوَجَدَهُمْ قد أحاطوا بها إحاطة الْخَاتَمِ بِالْخِنْصَرِ، فَلَمْ يَزَلْ يُدَافِعُهُمْ عَنْهَا وَيُمَانِعُهُمْ مِنْهَا، حَتَّى جَعَلَ طَرِيقًا إِلَى بَابِ الْقَلْعَةِ يَصِلُ إِلَيْهِ كُلٌّ مَنْ أَرَادَهُ، مِنْ جُنْدِيٍّ وسوقي، وامرأة صبي، ثم أدخل إليها ما أراد من الآلات والأمتعة، ودخل هو بنفسه فعلا على سُورَهَا وَنَظَرَ إِلَى الْفِرِنْجِ وَجَيْشِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعددهم، والميرة تفد إليهم في الْبَحْرِ، فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَكُلُّ مَا لَهُمْ فِي ازْدِيَادٍ، وَفِي كُلِّ حِينٍ تَصِلُ إِلَيْهِمُ الأمداد، ثم عاد إلى مخيمه والجنود تفد إِلَيْهِ، وَتُقْدِمُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَمَكَانٍ، منهم رجال وفرسان، فلما كان في العشر الأخير من شعبان برزت الفرنج من مراكبها إلى مواكبها، فِي نَحْوٍ مِنْ أَلْفَيْ فَارِسٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ راجل، فبرز إليهم السلطان فيمن معه من الشُّجْعَانِ فَاقْتَتَلُوا بِمَرْجِ عَكَّا قِتَالًا عَظِيمًا، وَهُزِمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ كانت الدائرة على الفرنج فكانت القتلى بينهم أزيد من سبعة آلاف (1) قتيل، ولما تناهت هذه الوقعة تحول السلطان عن مَكَانِهِ الْأَوَّلِ إِلَى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ مِنْ رَائِحَةِ القتلى، خوفاً من الوخم والأذى، وليستريح الْخَيَّالَةُ وَالْخَيْلُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ من أكبر مصالح العدو المخذول، فإنهم اغتنموا هذه الفرصة فحفروا
حول مخيمهم خندقاً من البحر محدقاً بجيشهم، وَاتَّخَذُوا مِنْ تُرَابِهِ سُورًا شَاهِقًا، وَجَعَلُوا لَهُ أبوابا
__________
(1) في الكامل 12 / 39: عشرة آلاف.
(انظر ابن خلدون 5 / 319) .
(*)
(12/406)

يَخْرُجُونَ مِنْهَا إِذَا أَرَادُوا وَتَمَكَّنُوا فِي مَنْزِلِهِمْ ذلك الذي اختاروا وارتادوا، وتفارط الأمر على المسلمين، وَقَوِيَ الْخَطْبُ وَصَارَ الدَّاءُ عُضَالًا، وَازْدَادَ الْحَالُ وبالاً، اختباراً من الله وامتحاناً، وَكَانَ رَأْيُ السُّلْطَانِ أَنْ يُنَاجَزُوا بَعْدَ الْكَرَّةِ سريعاً، ولا يتركوا حتى يطيب البحر فتأتيهم الأمداد من كل صوب، فتعذر عليه الأمر بإملال الجيش والضجر، وكل منهم لِأَمْرِ الْفِرِنْجِ قَدِ احْتَقَرَ، وَلَمْ يَدْرِ مَا قَدْ حُتِّمَ فِي الْقَدَرِ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى جَمِيعِ الْمُلُوكِ يَسْتَنْفِرُ وَيَسْتَنْصِرُ، وَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بالبث، وبث الكتب بالتحضيض والحث السريع، فَجَاءَتْهُ الْأَمْدَادُ جَمَاعَاتٍ وَآحَادًا، وَأَرْسَلَ إِلَى مِصْرَ يطلب أخاه العادل ويستعجل الأسطول، فقدم عليه فوصل إليه خمسون قِطْعَةً فِي الْبَحْرِ مَعَ الْأَمِيرِ حُسَامِ الدِّينِ لؤلؤ، وقدم العادل في عسكر المصريين، فلما وصل الأسطول حادت مراكب الفرنج عنه يمنة ويسرة، وخافوا منه، واتصل بالبلدة الميرة والعدد والعدد، وانشرحت الصدور بذلك، وانسلخت هذه السنة والحال ما حال بل هو عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلا إليه.
وفيها توفي مِنَ الْأَعْيَانِ..الْقَاضِي شَرَفُ الدِّينِ أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَصْرُونَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، لَهُ كتاب الانتصاف، وَقَدْ وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ أَضَرَّ قبل موته بعشر سنين، فجعل ولده نجم الدين مكانه بطيب قلبه وقد بلغ من العمر ثَلَاثًا وَتِسْعِينَ سَنَةً وَنِصْفًا، وَدُفِنَ بِالْمَدْرَسَةِ الْعَصْرُونِيَّةِ، التي أنشأها عند سَوِيقَةِ بَابِ الْبَرِيدِ، قُبَالَةَ دَارِهِ، بَيْنَهُمَا عَرْضُ الطريق، وكان من الصالحين والعلماء العاملين.
وقد ذكره ابن خلكان فقال: كان أصله من حديثة عانة الْمَوصِلِ، وَرَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِلَى بُلْدَانٍ شَتَّى، وَأَخَذَ عَنْ أَسْعَدَ الْمِيهَنِيِّ وَأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِقِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَوَلِيَ قَضَاءَ سِنْجَارَ وَحَرَّانَ، وَبَاشَرَ فِي أَيَّامِ نُورِ الدِّينِ تَدْرِيسَ الْغَزَّالِيَّةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى حَلَبَ فَبَنَى لَهُ نُورُ الدِّينِ بحلب مدرسة وبحمص أخرى، ثُمَّ قَدِمَ
دِمَشْقَ فِي أَيَّامِ صَلَاحِ الدِّينِ، فَوَلِيَ قَضَاءَهَا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَمَعَ جُزْءًا فِي قَضَاءِ الْأَعْمَى، وَأَنَّهُ جَائِزٌ، وهو خلاف المذهب، وقد حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَجْهًا لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ.
قَالَ: ولم أره في غير، ولكن حبك الشئ يعمي ويصم، وَقَدْ صَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً، مِنْهَا صَفْوَةُ الْمَذْهَبِ في نهاية المطلب، في سبع مجلدات، والانتصاف (1) في أربعة، والخلاف في أربعة، والذريعة [في معرفة الشريعة] (2) والمرشد وغير ذلك، و [كتابا سماه مأخذ النظر، ومختصراً] (2) في الفرائض، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ وَالْعِمَادُ فأثنى عليه، وكذلك
__________
(1) في وفيات الاعيان 3 / 54 وشذرات الذهب 4 / 283: الانتصار.
(2) ما بين معكوفتين من وفيات الاعيان.
(*)
(12/407)

الْقَاضِي الْفَاضِلُ.
وَأَوْرَدَ لَهُ الْعِمَادُ أَشْعَارًا كَثِيرَةً وابن خلكان، منها: أُؤَمِّلُ أَنْ أَحْيَا وَفِي كُلِّ ساعةٍ * تَمُرُّ بي الموتى يهز نُعُوشُهَا وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِثْلُهُمْ غَيْرَ أَنَّ لِي * بَقَايَا ليالٍ فِي الزَّمَانِ أَعِيشُهَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَفْضَلِ الزَّمَانِ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَانَ عَالِمًا مُتَبَحِّرًا فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْفِقْهِ، وَالْأُصُولِ وَالْحِسَابِ وَالْفَرَائِضِ وَالنُّجُومِ وَالْهَيْئَةِ وَالْمَنْطِقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ جَاوَرَ بِمَكَّةَ وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صُحْبَةً وَخُلُقًا.
الْفَقِيهُ الْأَمِيرُ ضِيَاءُ الدِّينِ عِيسَى الْهَكَّارِيُّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرَكُوهْ، دَخَلَ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ، وَحَظِيَ عِنْدَهُ، ثُمَّ كَانَ مُلَازِمًا لِلسُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ حَتَّى مات فِي رِكَابِهِ بِمَنْزِلَةِ الْخَرُّوبَةِ قَرِيبًا مِنْ عَكَّا، فنقل إلى القدس فدفن به كان مِمَّنْ تَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ البرزي الجزري، وكان من الفضلاء والأمراء الكبار.
الْمُبَارَكُ بْنُ الْمُبَارَكِ الْكَرْخِيُّ مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ، تَفَقَّهَ بابن الخل [وحظي] بمكانة عِنْدَ الْخَلِيفَةِ وَالْعَامَّةِ، وَكَانَ يُضْرَبُ بِحُسْنِ
خَطِّهِ المثل.
ذكرته في الطبقات.
ثم دخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة استهلت والسلطان محاصر لحصن عكا، وأمداد الفرنج تفد إليهم في البحر في كل وقت، حتى أن نساء الفرنج لِيَخْرُجْنَ بِنِيَّةِ الْقِتَالِ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَأْتِي بِنِيَّةِ راحة الغرباء لينكحوها في الغربة، فيجدون راحة وخدمة وقضاء وطر، قدم إليهم مركب فيه ثلاثمائة امرأة من أحسن النساء وأجملهن بهذه النية، فإذا وجدوا ذلك ثبتوا على الحرب والغربة، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْ فَسَقَةِ الْمُسْلِمِينَ تَحَيَّزُوا إليهم من أجل هذه النسوة، واشتهر الخبر بذلك.
وشاع بين المسلمين والفرنج بأن ملك الألمان قد أقبل بثلاثمائة أَلْفِ مُقَاتِلٍ، مِنْ نَاحِيَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، يُرِيدُ أَخْذَ الشام وقتل أهله، انتصاراً لبيت المقدس فعند ذلك حمل السلطان والمسلمون هماً عظيماً، وخافوا غاية الخوف، مع ما هم فيه من الشغل والحصار الهائل، وقويت قلوب الفرنج بذلك، واشتدوا للحصار والقتال، ولكن لطف الله وأهلك
(12/408)

عامة جنده فِي الطُّرُقَاتِ بِالْبَرْدِ وَالْجُوعِ وَالضَّلَالِ فِي الْمَهَالِكِ، على ما سيأتي بيانه.
وكان سبب قتال الفرنج وخروجهم من بلادهم ونفيرهم مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كَامِلِهِ أَنَّ جماعة من الرهبان والقسيسين الذين كانوا ببيت المقدس وغيره، ركبوا من صور في أربعة مراكب، وخرجوا يطوفون ببلدان النصارى البحرية، وما هو قاطع البحر من الناحية الأخرى، يحرضون الفرنج ويحثونهم على الانتصار لبيت المقدس، ويذكرون لهم ما جرى على أهل القدس، وأهل السَّوَاحِلِ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَخَرَابِ الدِّيَارِ، وَقَدْ صوروا صورة المسيح وصورة عربي آخر يضربه ويؤذيه، فَإِذَا سَأَلُوهُمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَضْرِبُ الْمَسِيحَ؟ قَالُوا هَذَا نَبِيُّ الْعَرَبِ يَضْرِبُهُ وَقَدْ جَرَحَهُ ومات، فينزعجون لذلك ويحمون ويبكون ويحزنون فعند ذلك خرجوا مِنْ بِلَادِهِمْ لِنُصْرَةِ دِينِهِمْ وَنَبِيِّهِمْ، وَمَوْضِعِ حَجِّهِمْ على الصعب والذلول، حتى النساء المخدرات والزواني والزانيات الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ أَهْلِيهِمْ مِنْ أَعْزِّ الثَّمَرَاتِ.
وفي نصف ربيع الأول تسلم السلطان شعيف أربون (1) بِالْأَمَانِ، وَكَانَ صَاحِبُهُ مَأْسُورًا فِي الذُّلِّ
وَالْهَوَانِ، وَكَانَ مِنْ أَدْهَى الْفِرِنْجِ وَأَخْبَرِهِمْ بِأَيَّامِ النَّاسِ، وَرُبَّمَا قَرَأَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وكان مع هذا غليظ الجلد قاسي القلب، كافر النفس.
وَلَمَّا انْفَصَلَ فَصْلُ الشِّتَاءِ وَأَقْبَلَ الرَّبِيعُ جَاءَتِ ملوك الإسلام مِنْ بُلْدَانِهَا بِخُيُولِهَا وَشُجْعَانِهَا، وَرِجَالِهَا وَفُرْسَانِهَا، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ أَحْمَالًا مِنَ النِّفْطِ وَالرِّمَاحِ، وَنَفَّاطَةً وَنَقَّابِينَ، كُلٌّ مِنْهُمْ مُتْقِنٌ فِي صَنْعَتِهِ غَايَةَ الْإِتْقَانِ، وَمَرْسُومًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَانْفَتَحَ الْبَحْرُ وَتَوَاتَرَتْ مَرَاكِبُ الْفِرِنْجِ مِنْ كل جزيرة، لأجل نصرة أصحابهم، يمدونهم بِالْقُوَّةِ وَالْمِيرَةِ، وَعَمِلَتِ الْفِرِنْجُ ثَلَاثَةَ أَبْرِجَةٍ مِنْ خَشَبٍ وَحَدِيدٍ، عَلَيْهَا جُلُودٌ مُسْقَاةٌ بِالْخَلِّ، لِئَلَّا يَعْمَلَ فِيهَا النِّفْطُ، يَسَعُ الْبُرْجُ مِنْهَا خَمْسَمِائَةِ مقاتل، وهي أعلا مِنْ أَبْرِجَةِ الْبَلَدِ، وَهِيَ مُرَكَّبَةٌ عَلَى عَجَلٍ بحيث يديرونها كيف شاؤوا، وعلى ظهر كل منها منجنيق كبير، فلما رأى المسلمون ذلك أهمهم أمرها وخافوا على البلد ومن فيه من المسلمين أن يؤخذوا، وحصل لهم ضيق منها، فأعمل السلطان فكره بإحراقها، وأحضر النفاطين ووعدهم بالأموال الجزيلة إن هم أحرقوها، فانتدب لذلك شَابٌّ نَحَّاسٌ مِنْ دِمَشْقَ يُعْرَفُ بِعَلِيِّ بْنِ عريف النحاسين، والتزم بإحراقها، فأخذ النفط الأبيض وخلطه بأدوية يعرفها، و؟ لى ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ قُدُورٍ مِنْ نُحَاسٍ حَتَّى صَارَ نَارًا تَأَجَّجُ، وَرَمَى كُلَّ بُرْجٍ مِنْهَا بِقَدْرٍ مِنْ تِلْكَ الْقُدُورِ بِالْمَنْجَنِيقِ مِنْ دَاخِلِ عكا، فاحترقت الأبرجة الثلاثة حتى صارت ناراً بإذن الله، لها ألسنة في الجو متصاعدة، واحترق من كان فيها، فَصَرَخَ الْمُسْلِمُونَ صَرْخَةً وَاحِدَةً بِالتَّهْلِيلِ، وَاحْتَرَقَ فِي كُلِّ بُرْجٍ مِنْهَا سَبْعُونَ كَفُورًا، وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عسيراً، وذلك يوم الاثنين الثاني وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وكان الفرنج قد تعبوا في عملها سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، فَاحْتَرَقَتْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثورا)
__________
(1) كذا بالاصل ; وهو حصن شقيف أرنون، (الكامل - وابن خلدون) .
(*)
(12/409)

[الفرقان: 23] ثم أمر السلطان لذلك الشاب النحاس بعطية سنية، وأموال كثيرة فامتنع أن يقبل شيئاً من ذلك، وقال: إنما عملت ذلك ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَرَجَاءَ مَا عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ، فَلَا أُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا.
وَأَقْبَلَ الْأُسْطُولُ الْمِصْرِيُّ وَفِيهِ الْمِيرَةُ الْكَثِيرَةُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ، فعبي الفرنج أسطولهم ليقاتلوا أسطول المسلمين، نهض السلطان بجيشه ليشغلهم عنهم، وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ أَيْضًا وَاقْتَتَلَ الْأُسْطُولَانِ فِي البحر، وكان يوماً عسيراً، وحرباً في البرِّ والبحر، فظفرت الفرنج بشبيني وَاحِدٍ مِنَ الْأُسْطُولِ الَّذِي لِلْمُسْلِمِينَ، وَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَاقِيَ فَوَصَلَ إِلَى الْبَلَدِ بِمَا فِيهِ مِنَ الميرة، وكانت حاجتهم قد اشتدت إليها جداً، بل إلى بعضها.
وَأَمَّا مَلِكُ الْأَلْمَانِ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ فَإِنَّهُ أَقْبَلَ في عدد وعدد كثير جداً، قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ (1) مُقَاتِلٍ، مِنْ نِيَّتِهِ خراب البلد وقتل أهلها من المسلمين، والانتصار لبيت المقدس، وأن يأخذ البلاد إقليماً بعد إقليم، حتى مكة والمدينة، فما نال من ذلك شيئاً بعون الله وقوته، بل أهلكهم الله عزوجل في كل مكان وزمان، فكانوا يتخطفون كما يتخطف الْحَيَوَانُ، حَتَّى اجْتَازَ مَلِكُهُمْ بِنَهْرٍ (2) شَدِيدِ الْجَرْيَةِ فَدَعَتْهُ نَفْسُهُ أَنْ يَسْبَحَ فِيهِ، فَلَمَّا صَارَ فيه حمله الماء إلى شَجَرَةٍ فَشَجَّتْ رَأْسَهُ، وَأَخْمَدَتْ أَنْفَاسَهُ (3) ، وَأَرَاحَ اللَّهُ منه العباد والبلاد، فأقيم ولده الأصغر في الملك، وَقَدْ تَمَزَّقَ شَمْلُهُمْ، وَقَلَّتْ مِنْهُمُ الْعُدَّةُ، ثُمَّ أَقْبَلُوا لَا يَجْتَازُونَ بِبَلَدٍ إِلَّا قُتِلُوا فِيهِ، فما وصلوا إلى أصحابهم الذين على عكا إلا في ألف فارس، فلم يرفعوا بهم رأساً ولا لهم قدراً ولا قيمة بينهم، ولا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ وَلَا غَيْرِهِمْ، وهكذا شأن من أراد إطفاء نور الله وإذلال دين الإسلام.
وَزَعَمَ الْعِمَادُ فِي سِيَاقِهِ أَنَّ الْأَلْمَانَ وَصَلُوا في خمسة آلاف، وأن ملوك الإفرنج كُلَّهُمْ كَرِهُوا قُدُومَهُمْ عَلَيْهِمْ، لِمَا يَخَافُونَ مِنْ سطوة ملكهم، وَزَوَالِ دَوْلَتِهِمْ بِدَوْلَتِهِ، وَلَمْ يَفْرَحْ بِهِ إِلَّا الْمَرْكِيسُ صَاحِبُ صُورَ، الَّذِي أَنْشَأَ هَذِهِ الْفِتْنَةَ وأثار هذه المحنة، فإنه تقوى به وبكيده، فإنه كان خبيراً بالحروب، وقد قدم بأشياء كَثِيرَةً مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ لَمْ تَخْطُرْ لِأَحَدٍ بِبَالٍ.
نَصَبَ دَبَّابَاتٍ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، تَسِيرُ بِعَجَلٍ ولها زلوم من حديد، تنطح السور فتخرقه، وتثلم جوانبه، فمنَّ الله العظيم بإحراقها، وأراح المسلمين منها، ونهض صاحب الألمان بالعسكر الفرنجي فصادم به جيش المسلمين فجاءت جيوش المسلمين برمتها إليه، فقتلوا من الكفرة خلقا
__________
(1) في تاريخ أبي الفداء: مائة ألف مقاتل.
(2) وهو نهر كاليكادنوس، في سهل سلوقية (تاريخ الحروب الصليبية 3 / 39) .
(3) قال رنسيمان في الحروب الصليبية: ولما حدث عندئذ ليس معروفا على وجه التأكيد، فأما أن يكون الامبراطور قد وثب عن حصانه إلى الماء البارد ليستعيد نشاطه، ولكن تيار النهر فاق في القوة ما كان يعتقده وإما أن يكون جسمه الهرم لم يستطع أن يقاوم الصدمة المفاجئة، أو زلت قدما فرسه، فقذف به إلى الماء، فغرق بسبب ثقل أسلحته، فلما بلغ الجيش النهر، خلص جيفته وجعلها على شاطئ النهر (3 / 40) .
(*)
(12/410)

كثيراً وجماً غفيراً، وهجموا مرة على مخيم السلطان بغتة فنهبوا بعض الأمتعة، فنهض الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَأْسَ الْمَيْمَنَةِ - فَرَكِبَ، فِي أَصْحَابِهِ وَأَمْهَلَ الْفِرِنْجَ حَتَّى تَوَغَّلُوا بَيْنَ الْخِيَامِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِالرِّمَاحِ وَالْحُسَامِ، فهربوا بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يَقْتُلُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، حتى كسوا وَجْهَ الْأَرْضِ مِنْهُمْ حُلَلًا أَزْهَى مِنَ الرِّيَاضِ الباسمة، وأحب إلى النفوس من الخدود الناعمة، وأقل ما قيل إنه قتل منهم خمسة آلاف، وزعم العماد أَنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنُ الظُّهْرِ إِلَى العصر عشرة آلاف والله أعلم.
هَذَا وَطَرَفُ الْمَيْسَرَةِ لَمْ يَشْعُرْ بِمَا جَرَى ولا درى، بل نائمون وقت القائلة في خيامهم، وكان الذين ساقوا وراءهم أَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ، وَإِنَّمَا قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عشرة أو دونهم، وهذه نعمة عظيمة، وقد أوهن هذا جيش الفرنج وأضعفهم، وَكَادُوا يَطْلُبُونَ الصُّلْحَ وَيَنْصَرِفُونَ عَنِ الْبَلَدِ، فَاتَّفَقَ قدوم مدد عظيم إليهم في البحر من ملك يقال له كيد هرى (1) ، ومعه أموال كثيرة فأنفق فيهم وغرم عليهم وأمرهم أن يبرزوا معه لقتال المسلمين، وَنَصَبَ عَلَى عَكَّا مَنْجَنِيقَيْنِ، غَرِمَ عَلَى كُلِّ واحد منهما ألفاً وخمسمائة دينار، فأحرقهما المسلمون من داخل الْبَلَدِ، وَجَاءَتْ كُتُبُ صَاحِبِ الرُّوم مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ يعتذر لصلاح الدِّينِ مِنْ جِهَةِ مَلِكِ الْأَلْمَانِ، وَأَنَّهُ لَمْ يتجاوز بلده باختياره، وأنه تجاوزه لكثرة جنوده، ولكن ليبشر السُّلْطَانَ بِأَنَّ اللَّهَ سَيُهْلِكُهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وكذلك وقع، وأرسل إلى السلطان يخبره بأنه يقيم للمسلمين عنده جمعة وخطباً، فأرسل السلطان مع رسله خطيباً ومنبراً، وكان يَوْمُ دُخُولِهِمْ إِلَيْهِ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَمَشْهَدًا مَحْمُودًا، فأقيمت الخطبة بالقسطنطينية، وَدَعَا لِلْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ، وَاجْتَمَعَ فِيهَا مَنْ هُنَاكَ من المسلمين من التجار والمسلمين الأسرى والمسافرين إليها وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
فَصْلٌ
وَكَتَبَ مُتَوَلِّي عَكَّا مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ وَهُوَ الْأَمِيرُ بَهَاءُ الدِّينِ قَرَاقُوشُ، فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَعْبَانَ إلى السطان: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ مِنَ الْأَقْوَاتِ إِلَّا مَا يُبَلِّغُهُمْ إِلَى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى السُّلْطَانِ أسرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ، خوفاً من إشاعة ذلك فيبلغ العدو فيقدموا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَضْعُفَ الْقُلُوبُ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَى أَمِيرِ الْأُسْطُولِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَنْ يَقَدَمَ بِالْمِيرَةِ إِلَى عَكَّا، فَتَأَخَّرَ سَيْرُهُ، ثُمَّ وَصَلَتْ ثلاث بطش (2) لَيْلَةَ النِّصْفِ، فِيهَا مِنَ الْمِيرَةِ مَا يَكْفِي أهل البلد طول الشتاء، وهي صحبة الْحَاجِبِ لُؤْلُؤٍ، فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْبَلَدِ نَهَضَ إِلَيْهَا أُسْطُولُ الْفِرِنْجِ لِيَحُولَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَلَدِ، وَيُتْلِفَ مَا فِيهَا، فَاقْتَتَلُوا فِي الْبَحْرِ قِتَالًا شديداً، والمسلمون في البر يبتهلون إلى الله عزوجل فِي سَلَامَتِهَا، وَالْفِرِنْجُ أَيْضًا تَصْرُخُ بَرًّا وَبَحْرًا، وقد ارتفع
__________
(1) في الكامل وابن خلدون: كندهري ; وهو ابن أخي افرنسيس لابيه، وابن أخي ملك انكلتار لامه.
(2) في الكامل: بطس جمع بطسة.
وهي المركب، والسفينة.
(*)
(12/411)

الضَّجِيجُ، فَنَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ وَسَلَّمَ مَرَاكِبَهُمْ، وَطَابَتِ الريح للبطش فسارت فأحرقت الْمَرَاكِبَ الْفِرِنْجيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِالْمِينَاءِ، وَدَخَلَتِ الْبَلَدَ سَالِمَةً فَفَرِحَ بِهَا أَهْلُ الْبَلَدِ وَالْجَيْشُ فَرَحًا شَدِيدًا، وكان السلطان قد جهز قبل هذه البطش الثلاث بطشة كبيرة من بيروت، فيها أربعمائة غرارة (1) ، وفيها من الجبن والشحم والقديد والنشاب والنفط شئ كثير، وكانت هذه البطشة من بطش الفرنج المغنومة، وأمر من فيها من التجار أن يلبسوا زي الْفِرِنْجِ حَتَّى إِنَّهُمْ حَلَقُوا لِحَاهُمْ، وَشَدُّوا الزَّنَانِيرَ، واستصحبوا في البطشة معهم شَيْئًا مِنَ الْخَنَازِيرِ، وَقَدِمُوا بِهَا عَلَى مَرَاكِبِ الْفِرِنْجِ فَاعْتَقَدْوا أَنَّهُمْ مِنْهُمْ وَهِيَ سَائِرَةٌ كَأَنَّهَا السهم إذا خرج من كبد القوس، فحذرهم الفرنج غائلة الميناء من ناحية البلد، فاعتذروا بأنهم مغلوبون عنها، ولا يمكنهم حبسها من قوة الريح، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء فأفرغوا مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْمِيرَةِ، وَالْحَرْبُ خُدْعَةٌ، فعبرت الميناء فامتلأ الثغر بها خيراً، فكفتهم إلى أن قدمت عليهم تلك البطش الثلاث المصرية.
وكانت البلد يكتنفها برجان يقال لأحدهما برج
الديان، فاتخذت الفرنج بطشة عظيمة لها خرطوم وفيه محركات إذا أرادوا أن يضعوه على شئ مِنَ الْأَسْوَارِ وَالْأَبْرِجَةِ قَلَبُوهُ فَوَصَلَ إِلَى مَا أرادوا، فعظم أمر هذه البطشة عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَزَالُوا فِي أَمْرِهَا مُحْتَالِينَ، حَتَّى أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا شُوَاظًا مِنْ نَارٍ فَأَحْرَقَهَا وَأَغْرَقَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ أَعَدُّوا فِيهَا نِفْطًا كَثِيرًا وَحَطَبًا جَزْلًا، وَأُخْرَى خَلْفَهَا فِيهَا حطب محض، فلما أراد المسلمون المحافظة على الميناء أرسلوا النفط على بطشة الحطب فاحترقت وهي سائرة بين بطش المسلمين، واحترقت الأخرى، وكان في بطشة أُخْرَى لَهُمْ مُقَاتِلَةٌ تَحْتَ قَبْوٍ قَدْ أَحْكَمُوهُ فيها، فلما أرسلوا النفط على برج الديان انْعَكَسَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ الْهَوَاءِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَمَا تَعَدَّتِ النَّارُ بطشتهم فَاحْتَرَقَتْ، وَتَعَدَّى الْحَرِيقُ إِلَى الْأُخْرَى فَغَرِقَتْ، وَوَصَلَ إلى بطشة المقاتلة فتلفت، وهلك من فيها، فاشبهوا من سلف من أهل الكتاب من الكافرين، في قوله تعالى (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) [الحشر: 2] .
فَصْلٌ وفي ثالث رمضان اشتد حصار الفرنج للمدينة حَتَّى نَزَلُوا إِلَى الْخَنْدَقِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْبَلَدِ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَتَمَكَّنُوا مِنْ حريق الكيس والأسوار، وسرى حريقه إلى السقوف، وَارْتَفَعَتْ لَهُ لَهَبَةٌ عَظِيمَةٌ فِي عَنَانِ السَّمَاءِ، ثُمَّ اجْتَذَبَهُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ بِكَلَالِيبَ مِنْ حَدِيدٍ في سلاسل، فحصل عِنْدَهُمْ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ الْمَاءَ الْبَارِدَ فَبَرُدَ بَعْدَ أَيَّامٍ، فَكَانَ فِيهِ مِنَ الْحَدِيدِ مِائَةُ قِنْطَارٍ بالدمشقي، ولله الحمد والمنة.
__________
(1) الغرارة مفرد الغرائر، وهي الاكياس الكبيرة من صوف أو شعر توضع فيها الحبوب وغيرها.
(*)
(12/412)

وفي الثامن والعشرين من رمضان (1) توفي الملك زين الدين صاحب أربل في حصار عكا مع السلطان، فَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ لِشَبَابِهِ وَغُرْبَتِهِ وَجَوْدَتِهِ، وَعُزِّيَ أخاه مظفر الدين فيه، وقام بالملك من بعده وسأل من صلاح الدين أن يضيف إليه شهرزور وحران وَالرُّهَا وَسُمَيْسَاطَ وَغَيْرَهَا، وَتَحَمَّلَ مَعَ ذَلِكَ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ نَقْدًا، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ لَهُ تَقْلِيدًا، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، وَأُضِيفُ مَا
تَرَكَهُ إِلَى الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ أَخِي السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ.
فَصْلٌ وَكَانَ الْقَاضِي الفاضل بمصر يُدَبِّرُ الْمَمَالِكَ بِهَا، وَيُجَهِّزُ إِلَى السُّلْطَانِ مَا يحتاج إليه من الأموال، وعمل الأسطول والكتب السلطانية، فمنها كِتَابٌ يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ سَبَبَ هَذَا التَّطْوِيلِ في الحصار كثرة الذنوب، وارتكاب المحارم بين الناس، فإن اللَّهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، ولا يفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه، وامتثال أمره، فكيف لا يطول الحصار والمعاصي في كل مكان فاشية، وقد صعد إلى الله منها ما يتوقع بعده الاستعاذة مِنْهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ بَيْتَ المقدس قد ظهر فيه الْمُنْكَرَاتِ وَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ فِي بِلَادِهِ مَا لَا يمكن تلافيه إلا بكلفة كثيرة.
ومنها كِتَابٌ يَقُولُ فِيهِ إِنَّمَا أُتِينَا مِنْ قِبَلِ أنفسنا، ولو صدقنا لعجل الله لَنَا عَوَاقِبَ صِدْقِنَا، وَلَوْ أَطَعْنَاهُ لَمَّا عَاقَبَنَا بِعَدُوِّنَا، وَلَوْ فَعَلْنَا مَا نَقَدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ لَفَعَلَ لَنَا مَا لَا نَقَدِرُ عَلَيْهِ إلا به، فلا يختصم أحد إلا نفسه وعمله، ولا يرج إلا ربه ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان، وَلَا فُلَانٌ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَ ولا فلان، فَكُلُّ هَذِهِ مَشَاغِلُ عَنِ اللَّهِ لَيْسَ النَّصْرُ بها، وإنما النصر من عند الله، ولا نأمل أَنْ يَكِلَنَا اللَّهُ إِلَيْهَا، وَالنَّصْرُ بِهِ وَاللُّطْفُ منه، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ ذُنُوبِنَا، فَلَوْلَا أَنَّهَا تَسُدُّ طَرِيقَ دُعَائِنَا لَكَانَ جَوَابُ دُعَائِنَا قَدْ نَزَلَ، وَفَيْضُ دُمُوعِ الْخَاشِعِينَ قَدْ غَسَلَ، وَلَكِنْ فِي الطَّرِيقِ عَائِقٌ، خَارَ اللَّهُ لِمَوْلَانَا فِي القضاء السابق واللاحق.
ومن كِتَابٍ آخَرَ يَتَأَلَّمُ فِيهِ لِمَا عِنْدَ السُّلْطَانِ مِنَ الضَّعْفِ فِي جِسْمِهِ بِسَبَبِ مَا حَمَلَ عَلَى قَلْبِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الشَّدَائِدِ، أثابه الله بقوله: وما في نفس المملوك شائنة إلا بقية هذا الضعف الذي في جسم مولانا فإنه بقلوبنا، ونفديه بأسماعنا وأبصارنا ثم قال: بِنَا مَعْشَرَ الْخُدَّامِ مَا بِكَ مِنْ أَذًى * وَإِنْ أَشْفَقُوا مِمَّا أَقُولُ فَبِي وَحْدِي وَقَدْ أورد الشَّيخ شهاب الدِّين صاحب الروضتين ها هنا كُتُبًا عِدَّةً مِنَ الْفَاضِلِ إِلَى السُّلْطَانِ، فِيهَا فصاحة وبلاغة ومواعظ وتحضيض على الجهاد، فَرَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ إِنْسَانٍ مَا أَفْصَحَهُ، وَمِنْ وَزِيرٍ مَا كَانَ أَنْصَحَهُ، وَمِنْ عَقْلٍ مَا كان أرجحه.
__________
(1) في تاريخ أبي الفداء: ثامن شوال.
(*)
(12/413)

فصل وكتب الفاضل كتاباً على لسان السلطان إلى ملك المغرب أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَسُلْطَانِ جَيْشِ الْمُوَحِّدِينَ، يَعْقُوبَ بْنِ يوسف بن عبد المؤمن، يستنجده فِي إِرْسَالِ مَرَاكِبَ فِي الْبَحْرِ تَكُونُ عَوْنًا للمسلمين على المراكب الفرنجية في عبارة طويلة فصيحة بليغة مليحة، حكاها أبو شامة بطولها.
وبعث السلطان صلاح الدين مع الكتاب سنية من التحف والألطاف، صُحْبَةَ الْأَمِيرِ الْكَبِيرِ شَمْسِ الدِّينِ أَبِي الْحَزْمِ عبد الرحمن بن منقذ، وسار في البحر في ثامن ذي القعدة، فَدَخَلَ عَلَى سُلْطَانِ الْمَغْرِبِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ إِلَى عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، وَلَمْ يُفِدْ هذا الإرسال شيئاً، لأنه تغضب إذ لم يلقب بأمير المؤمنين، وكان إشارة الفاضل إلى عدم الإرسال إليه، ولكن وقع ما وقع بمشيئة الله.
فصل وفيها حصل للناصر صلاح الدين سُوءُ مِزَاجٍ (1) مِنْ كَثْرَةِ مَا يُكَابِدُهُ مِنَ الأمور، فطمع العدو المخذول في حوزة الْإِسْلَامِ، فَتَجَرَّدَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ لِلْقِتَالِ، وَثَبَتَ آخَرُونَ على الحصار، فأقبلوا فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وَعُدَدٍ، فَرَتَّبَ السُّلْطَانُ الْجُيُوشَ يمنة ويسرة، وقلباً وجناحين، فلما رأى العدو الجيش الكثيف فروا فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وجماً غفيراً.
فَصْلٌ وَلَمَّا دَخَلَ فَصْلُ الشِّتَاءِ وَانْشَمَرَتْ مَرَاكِبُ الفرنج عَنِ الْبَلَدِ خَوْفًا مِنَ الْهَلَاكِ بِسَبَبِ اغْتِلَامِ البحر، سأل من بالبلد مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ السُّلْطَانِ أَنْ يُرِيحَهُمْ مِمَّا هم فيه من الحصر العظيم، والقتال ليلاً ونهاراً، وَأَنْ يُرْسِلَ إِلَى الْبَلَدِ بَدَلَهُمْ، فَرَقَّ لَهُمُ السُّلْطَانُ وَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفَ مُسْلِمٍ مَا بَيْنَ أَمِيرٍ وَمَأْمُورٍ، فَجَهَّزَ جَيْشًا آخَرَ غَيْرَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِرَأْيٍ جَيِّدٍ، وَلَكِنْ مَا قَصَدَ السُّلْطَانُ إِلَّا خيراً، وأن هؤلاء يدخلون البلد بهمم حدة شديدة، ولهم عزم قوي، وهم في
__________
(1) تقدم في معركة حصار عكا أن المسلمين قتلوا من الفرنج مقتلة عظيمة، كانت عدة قتلى الفرنج نحو عشرة آلاف أمر
بهم فألقوا في النهر الذي يشرب منه الافرنج، فجافت الارض من نتن ريحهم وفسد الهواء والجو وحدث للامزجة فساد.
وانحرف مزاج صلاح الدين، وحدث له قولنج مبرح كان يعتاده فحضر عنده الامراء وأشاروا عليه بالانتقال من ذلك الموضع، ووافقهم الاطباء على ذلك فأجبابهم إلى ذلك ورحلوا إلى الخروبة، فلما رحل هو وعساكره أمن الفرنج وانبسطوا في تلك الأرض وعادوا فحصروا عكا (راجع ابن الاثير - ابن خلدون) .
وقال أبو الفداء في تاريخه: وحصل للسلطان مغص فانقطع في خيمة صغيرة.
(*)
(12/414)

راحة بالنسبة إلى ما أولئك ولكن أولئك الذين كانوا بالبلد وخرجوا منه كانت لهم خبرة بالبلد بالقتال وكان لهم صبر، وجلد وقد تمونوا فيها مؤنة تكفيهم سنة، فانمحقت بسبب ذلك، وقدم بطش من مصر فيه ميرة تكفي أهل البلد سنة كاملة، فقدر الله العظيم - وَلَهُ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ - أَنَّهَا لما توسطت البحر واقتربت من المينا هاجت عليها ريح عظيمة فانقلبت تلك البطش وتغلبت عَلَى عِظَمِهَا فَاخْتَبَطَتْ وَاضْطَرَبَتْ وَتَصَادَمَتْ فَتَكَسَّرَتْ وَغَرِقَتْ، وغرق ما كان فيها من الميرة والبحارة، فَدَخَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَهْنٌ عَظِيمٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ جِدًّا، وَمَرِضَ السُّلْطَانُ وَازْدَادَ مَرَضًا إلى مرضه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وَكَانَ ذَلِكَ عَوْنًا لِلْعَدُوِّ الْمَخْذُولِ عَلَى أَخْذِ الْبَلَدِ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ الْمُقَدَّمَ عَلَى الدَّاخِلِينَ إِلَى عَكَّا الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ علي بن أحمد بن المشطوب.
وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَقَطَتْ ثُلْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ سُورِ عَكَّا، فَبَادَرَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهَا فَسَبَقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى سَدِّهَا بِصُدُورِهِمْ، وَقَاتَلُوا دونها بِنُحُورِهِمْ، وَمَا زَالُوا يُمَانِعُونَ عَنْهَا حَتَّى بَنَوْهَا أشد مما كانت، وأقوى وأحسن.
وَوَقَعَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَبَاءٌ عَظِيمٌ فِي المسلمين والكافرين، فَكَانَ السُّلْطَانُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: اقْتُلُونِي وَمَالِكًا * وَاقْتُلُوا مَالِكًا مَعِي (1) وَاتَّفَقَ مَوْتُ ابْنِ مَلِكِ الألمان لعنه الله فِي ثَانِي ذِي الْحِجَّةِ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ كُبَرَاءِ الْكُنْدَهِرِيَّةِ (2) ، وِسَادَاتِ الْفِرِنْجِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، فَحَزِنَ الْفِرِنْجُ على ابن ملك الألمان وَأَوْقَدُوا نَارًا عَظِيمَةً فِي كُلِّ خَيْمَةٍ،
وَصَارَ كُلِّ يَوْمٍ يَهْلِكُ مِنَ الْفِرِنْجِ الْمِائَةُ وَالْمِائَتَانِ، واستأمن السُّلْطَانِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مِنْ شِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْجُوعِ وَالضِّيقِ وَالْحَصْرِ، وَأَسْلَمَ خَلْقٌ كثير منهم.
وفيها قدم القاضي الفاضل من مصر عَلَى السُّلْطَانِ، وَكَانَ قَدْ طَالَ شَوْقُ كُلِّ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَأَفْضَى كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى صاحبه مَا كَانَ يُسِرُّهُ وَيَكْتُمُهُ مِنَ الْآرَاءِ الَّتِي فيها مصالح المسلمين.
وفيها توفي من الاعيان ...
__________
(1) هذا ما أنشده عبد الله بن الزبير، يوم تواقع هو ومالك بن الحارث المعروف بالاشتر في يوم من أيام الجمل.
وكان مالكا من أصحاب علي، فلما تماسكا صار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه جعله تحته وركب صدره، وفعلا ذلك مرارا ... وابن الزبير ينشد: اقتلاني ومالكا * واقتلا مالكا معي والقصة تقدمت، وهي مبسوطة في التواريخ.
(2) ذكر رنسيمان في تاريخ الحروب الصليبية 3 / 68: ومن السادة الذين هلكوا بسبب المرض الناشب في المعسكر، ثيبالد كونت بلوا (وقد أشار إليه ابن شداد ص 236) وشقيقه ستي؟ ن كونت سانكير.
ومات فردريك دوق سوابيا (ابن ملك الألمان) وأضحى الجند الالمان محرومين من قائدهم.
(*)
(12/415)

ملك الألمان وقد تقدم أنه قدم في ثلاثمائة ألف مقاتل ; فهلكوا في الطرقات، فلم يصل إلى الفرنج إلا في خمسة آلاف وقيل في ألفي مقاتل، وكان قد عزم على دمار الإسلام، واستنقاذ البلاد بِكَمَالِهَا مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، انْتِصَارًا فِي زَعْمِهِ إلى بيت المقدس، فأهلكه الله بالغرق كما أهلك فرعون، ثم ملك بعده ولده الأصغر فأقبل بمن بقي معه من الجيش إلى الفرنج، وهم في حصار عكا، ثم مات في هذه السنة فلله الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله أبو حامد قاضي القضاة بالموصل (1) ، كَمَالِ الدِّينِ الشَّهْرُزُورِيُّ الشَّافِعِيُّ، أَثْنَى عَلَيْهِ الْعِمَادُ
وَأَنْشَدَ لَهُ مِنْ شِعْرِهِ قَوْلَهُ: قَامَتْ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ أدلةٌ * قَصَمَتْ ظُهُورَ أَئِمَّةِ التَّعْطِيلِ وَطَلَائِعُ التَّنْزِيهِ لَمَّا أَقْبَلَتْ * هَزَمَتْ ذَوِي التَّشْبِيهِ وَالتَّمُثِيلِ فَالْحَقُّ مَا صِرْنَا إِلَيْهِ جَمِيعُنَا * بِأَدِلَّةِ الْأَخْبَارِ وَالتَّنْزِيلِ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِالشَّرْعِ مُقْتَدِيًا فَقَدْ * أَلْقَاهُ فَرْطُ الْجَهْلِ فِي التَّضْلِيلِ ثُمَّ دَخَلَتْ سنة سبع وثمانين وخمسمائة فيها قدم ملك الفرنسيس وملك إنكلترا وغيرهما من ملوك البحر الفرنج، على أصحابهم الفرنج إلى عكا، وتمالؤا على أخذ عَكَّا فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وقد استهلت هذه السنة والحصار الشديد على عكا من الجانبين، وقد استكمل دخول العدو إِلَى الْبَلَدِ وَالْمَلِكُ الْعَادِلُ مُخَيِّمٌ إِلَى جَانِبِ البحر، ليتكامل دخولهم ودخول ميرتهم، وفي ليلة مستهل ربيع الأول منها خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَكَّا فَهَجَمُوا عَلَى مُخَيَّمِ الفرنج فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وسبوا وغنموا شيئاً كثيراً، سبوا اثني عشر امرأة، وانكسر مركب عظيم للفرنج فغرق ما فيه مِنْهُمْ وَأُسِرَ بَاقِيهِمْ، وَأَغَارَ صَاحِبُ حِمْصَ أَسَدُ الدين بْنِ شِيرَكُوهْ عَلَى سَرْحَ الْفِرِنْجِ بِأَرَاضِي طَرَابُلُسَ، فَاسْتَاقَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْخُيُولِ وَالْأَبْقَارِ والأغنام، وظفر الترك بِخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الْفِرِنْجِ فَقَتَلُوهُمْ، وَلَمْ يُقْتَلْ من المسلمين سوى طواش صَغِيرٍ عَثَرَ بِهِ فَرَسُهُ.
وَفِي ثَانِي عَشَرَ ربيع الأول وصل إلى الفرنج ملك الفرنسيين في قريب من ستين (2) بطش
__________
(1) كذا بالاصل والكامل وشذرات الذهب ووفيات الاعيان ; وذكر وفاته في الوافي 1 / 210: سنة 584 في جمادى الآخرة.
(1) في الكامل 12 / 64: ست (وانظر ابن خلدون 5 / 325 لكنه ذكر أن وصوله كانت سنة 584 هـ وهو تحريف) (*)
(12/416)

ملعونة مشحونة بعبدة الصليب، فحين وَصَلَ إِلَيْهِمْ وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ مَعَهُ كَلَامٌ وَلَا حُكْمٌ، لِعَظَمَتِهِ عِنْدَهُمْ، وَقَدِمَ مَعَهُ بَازٌ عَظِيمٌ أَبْيَضُ وَهُوَ الأشهب، هائل، فطار من يده فوقع على سور عكا فأخذه أهلها وبعثوه إلى السلطان صلاح الدين، فبذل الفرنجي فيه ألف دينار فلم يجبه
إلى ذلك، وقدم بعده كيدفرير وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ مُلُوكِهِمْ أَيْضًا، وَوَصَلَتْ سُفُنُ ملك الإنكليز، ولم يجئ ملكهم لاشتغاله بجزية قبرص وَأَخْذِهَا مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا، وَتَوَاصَلَتْ مُلُوكُ الْإِسْلَامِ أيضاً من بلدانها في أول فصل الربيع، لخدمة الملك الناصر.
قَالَ الْعِمَادُ: وَقَدْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ لُصُوصٌ يَدْخُلُونَ إلى خيام الفرنج فيسرقون، حتى أنهم كانوا يَسْرِقُونَ الرِّجَالَ، فَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَهَمْ أَخَذَ صَبِيًّا رَضِيعًا مِنْ مَهْدِهِ ابْنَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَوَجَدَتْ عليه أمه وجداً شديداً، وَاشْتَكَتْ إِلَى مُلُوكِهِمْ فَقَالُوا لَهَا: إِنَّ سُلْطَانَ الْمُسْلِمِينَ رَحِيمُ الْقَلْبِ، وَقَدْ أَذِنَّا لَكِ أَنْ تَذْهَبِي إِلَيْهِ فَتَشْتَكِي أَمْرَكِ إِلَيْهِ، قَالَ الْعِمَادُ: فجاءت إلى السلطان فَأَنْهَتْ إِلَيْهِ حَالَهَا، فَرَقَّ لَهَا رقَّة شَدِيدَةً حتى دمعت عينه.
ثم أمر بِإِحْضَارِ وَلَدِهَا فَإِذَا هُوَ قَدْ بِيعَ فِي السُّوقِ، فَرَسَمَ بِدَفْعِ ثَمَنِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يزل واقفاً حتَّى جئ بِالْغُلَامِ فَأَخَذَتْهُ أُمُّهُ وَأَرْضَعَتْهُ سَاعَةً وَهِيَ تَبْكِي مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهَا وَشَوْقِهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بحملها إلى خيمتها على فرس مكرمة رحمه الله تعالى وعفا عنه.
فصل في كيفية أخذ العدو عكا من يدي السلطان لَمَّا كَانَ شَهْرُ جُمَادَى الْأُولَى اشْتَدَّ حِصَارُ الفرنج لعنهم الله لمدينة عكا، وتمالؤا عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ ملك الإنكليز في جم غفير، وجمع كثير، في خمسة وَعِشْرِينَ قِطْعَةً مَشْحُونَةً بِالْمُقَاتِلَةِ وَابْتُلِيَ أَهْلُ الثَّغْرِ منهم ببلاء لا يشبه ما قبله، فعنذ ذلك حركت الكؤسات فِي الْبَلَدِ، وَكَانَتْ عَلَامَةَ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السلطان، فحرك السلطان كؤساته فاقترب من البلد وتحول إلى قريب منه، لِيَشْغَلَهُمْ عَنِ الْبَلَدِ، وَقَدْ أَحَاطُوا بِهِ مِنْ كل جانب، ونصبوا عليه سبعة منجانيق، وَهَى تَضْرِبُ فِي الْبَلَدِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا سِيَّمَا عَلَى بُرْجِ عَيْنِ الْبَقَرِ، حَتَّى أَثَّرَتْ بِهِ أَثَرًا بَيِّنًا، وَشَرَعُوا فِي رَدْمِ الْخَنْدَقِ بِمَا أَمْكَنَهُمْ مِنْ دَوَابَّ مَيْتَةٍ، وَمَنْ قُتِلَ منهم، ومن مات أيضاً ردموا به، وكان أهل البلد يلقون ما ألقوه فيه إلى البحر.
وتلقى ملك الإنكليز بطشة عَظِيمَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ بَيْرُوتَ مَشْحُونَةً بِالْأَمْتِعَةِ وَالْأَسْلِحَةِ فَأَخَذَهَا، وَكَانَ وَاقِفًا فِي الْبَحْرِ فِي أَرْبَعِينَ مَرْكِبًا لَا يَتْرُكُ شَيْئًا يَصِلُ إلى البلد بالكلية، وكان بالبطشة ستمائة (1) من المقاتلين الصَّنَادِيدِ الْأَبْطَالِ، فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
فإنه لما أحيط بهم
__________
(1) في الكامل: سبعمائة ; ومقدم المقاتلين يعقوب الحلبي مقدم الجندارية ويعرف بغلام ابن شقتين (وفي ابن خلدون: يعقوب الحلي غلام ابن شغنين) .
(*)
(12/417)

وتحققوا إما الغرق أو القتل، خرقوا جَوَانِبِهَا كُلِّهَا فَغَرِقَتْ، وَلَمْ يَقَدْرِ الْفِرِنْجُ عَلَى أخذ شئ مِنْهَا لَا مِنَ الْمِيرَةِ وَلَا مِنَ الْأَسْلِحَةِ، وَحَزِنَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَذَا الْمُصَابِ حُزْنًا عَظِيمًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَكِنْ جَبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذَا الْبَلَاءَ بِأَنْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمُونَ في هذا اليوم دبابة كانت أربع طبقات، الأولى من الخشب، وَالثَّانِيَةُ مِنْ رَصَاصٍ، وَالثَّالِثَةُ مِنْ حَدِيدٍ، وَالرَّابِعَةُ مِنْ نُحَاسٍ، وَهِيَ مُشْرِفَةٌ عَلَى السُّورِ وَالْمُقَاتِلَةُ فِيهَا، وَقَدْ قَلِقَ أَهْلُ الْبَلَدِ مِنْهَا بِحَيْثُ حَدَّثَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنْ شَرِّهَا بِأَنْ يَطْلُبُوا الْأَمَانَ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَيُسَلِّمُوا الْبَلَدَ، فَفَرَّجَ الله عن المسلمين وأمكنهم من حريقها، واتفق لهم ذَلِكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي غَرِقَتْ فِيهِ البطشة المذكورة، فأرسل أهل البلد يشكون إلى السلطان شدة الحصار وقوته عليهم، منذ قام ملك الإنكليز لعنه الله، ومع هذا قد مرض هو وجرح ملك الإفرنسيين أَيْضًا وَلَا يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا شِدَّةً وَغِلْظَةً، وعتواً وبغياً، وَفَارَقَهُمُ الْمَرْكِيسُ وَسَارَ إِلَى بَلَدِهِ صُورَ خَوْفًا مِنْهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا مُلْكَهَا مِنْ يَدِهِ.
وَبَعَثَ ملك الإنكليز إلى السلطان صلاح الدين يذكر له أَنَّ عِنْدَهُ جَوَارِحَ قَدْ جَاءَ بِهَا مِنَ الْبَحْرِ، وَهُوَ عَلَى نِيَّةِ إِرْسَالِهَا إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهَا قد ضعفت وهو يطلب دجاجاً وطيراً لتقوى بِهِ، فَعَرَفَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَطْلُبُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ يلطفها به، فأرسل إليه شيئاً كثيراً من ذلك كرماً، ثم أرسل يطلب منه فَاكِهَةً وَثَلْجًا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَيْضًا، فَلَمْ يُفِدْ مَعَهُ الْإِحْسَانُ، بَلْ لَمَّا عُوفِيَ عَادَ إِلَى شَرٍّ مِمَّا كَانَ، وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ لَيْلًا وَنَهَارًا، فأرسل أهل البلد يقولون للسلطان إما إِنْ تَعْمَلُوا مَعَنَا شَيْئًا غَدًا وَإِلَّا طَلَبْنَا من الفرنج الصلح والأمان، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى السُّلْطَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ قد بعث إِلَيْهَا أَسْلِحَةَ الشَّامِ وَالدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ وَسَائِرَ السَّوَاحِلِ، وَمَا كَانَ غَنِمَهُ مِنْ وَقْعَةِ حِطِّينَ وَمِنْ القدس، فهي مشحونة بذلك، فعند ذلك عزم السلطان على الهجوم على العدو، فما أَصْبَحَ رَكِبَ فِي جَيْشِهِ فَرَأَى الْفِرِنْجَ قَدْ رَكِبُوا مِنْ وَرَاءِ خَنْدَقِهِمْ، وَالرَّجَّالَةُ مِنْهُمْ قَدْ ضَرَبُوا سُورًا حَوْلَ الْفُرْسَانِ، وَهُمْ قِطْعَةٌ مِنْ حديد صماء لا ينفذ فيهم شئ، فَأَحْجَمَ عَنْهُمْ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ نُكُولِ جَيْشِهِ عَمَّا يُرِيدُهُ، وَتَحْدُوهُ عَلَيْهِ شَجَاعَتُهُ رَحِمَهُ
اللَّهُ.
هذا وقد اشتد الحصار على البلد وَدَخَلَتِ الرَّجَّالَةُ مِنْهُمْ إِلَى الْخَنْدَقِ وَعَلَّقُوا بَدَنَةً في السُّورِ وَحَشَوْهَا وَأَحْرَقُوهَا، فَسَقَطَتْ وَدَخَلَتِ الْفِرِنْجُ إِلَى الْبَلَدِ، فَمَانَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَقَاتَلُوهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَقَتَلُوا من رؤسهم ستة أنفس، فاشتد حنق الفرنج على المسلمين جِدًّا بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَجَاءَ اللَّيْلُ فَحَالَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ خَرَجَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ بالبلد أحمد (1) بن المشطوب فاجتمع بملك الإفرنسيين وَطَلَبَ مِنْهُمُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيَتَسَلَّمُونَ مِنْهُ البلد، فلم يجبهم إلى ذلك، وقال له: بعد ما سَقَطَ السُّورُ جِئْتَ تَطْلُبُ الْأَمَانَ؟ فَأَغْلَظَ لَهُ ابن الْمَشْطُوبُ فِي الْكَلَامِ، وَرَجَعَ إِلَى الْبَلَدِ فِي حالة الله بها عليم، فلما أخبر أهل البلد بما وقع خافوا خوفاً شديداً، وأرسلوا إلى السلطان
__________
(1) في الكامل وابن خلدون وابن العبري وأبي الفداء: سيف الدين علي بن أحمد الهكاري المعروف بالمشطوب.
(*)
(12/418)

يُعْلِمُونَهُ بِمَا وَقَعَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُسْرِعُوا الْخُرُوجَ مِنَ الْبَلَدِ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَتَأَخَّرُوا عن هذه الليلة، ولا يَبْقَى بِهَا مُسْلِمٌ، فَتَشَاغَلَ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ بها لجمع الأمتعة والأسلحة، وتأخروا عن الخروج تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَمَا أَصْبَحَ الْخَبَرُ إِلَّا عِنْدَ الْفِرِنْجِ مِنْ مَمْلُوكَيْنِ صَغِيرَيْنِ سَمِعَا بِمَا رَسَمَ بِهِ السُّلْطَانُ، فَهَرَبَا إِلَى قَوْمِهِمَا فَأَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ، فَاحْتَفَظُوا عَلَى الْبَحْرِ احْتِفَاظًا عَظِيمًا، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ أَنْ يَتَحَرَّكَ بِحَرَكَةٍ، ولا خرج منها شئ بالكلية، وهذا المملوكان كانا أسيرين قد أسرهما السلطان من أولاد الفرنج، وعز السُّلْطَانُ عَلَى كَبْسِ الْعَدُوِّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَلَمْ يُوَافِقْهُ الْجَيْشُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالُوا لَا نخاطر بعسكر المسلمين، فَلَمَّا أَصْبَحَ بَعَثَ إِلَى مُلُوكِ الْفِرِنْجِ يَطْلُبُ مِنْهُمُ الْأَمَانَ لِأَهْلِ الْبَلَدِ عَلَى أَنْ يُطْلِقَ عِدَّتَهُمْ مِنَ الْأَسْرَى الَّذِينَ تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الفرنج، ويزيدهم صليب الصلبوت، فأبوا إلا أن يطلق لهم كل أسير تحت يده، ويطلق لهم جيمع الْبِلَادِ السَّاحِلِيَّةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ، وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ، فأبى ذلك، وتردد الْمُرَاسَلَاتُ فِي ذَلِكَ، وَالْحِصَارُ يَتَزَايَدُ عَلَى أَسْوَارِ البلد.
وقد تهدمت منه ثُلَمٌ كَثِيرَةٌ، وَأَعَادَ الْمُسْلِمُونَ كَثِيرًا مِنْهَا، وَسَدُّوا ثَغْرَ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ بِنُحُورِهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَصَبَرُوا صبراً عظيماً، وصابروا العدو، ثم كان آخر الأمر وصولهم إلى درجة الشهادة، وَقَدْ كَتَبُوا إِلَى السُّلْطَانِ فِي
آخِرِ أَمْرِهِمْ يقولون له: يَا مَوْلَانَا لَا تَخْضَعْ لِهَؤُلَاءِ الْمَلَاعِينِ، الَّذِينَ قد أبوا عليك الإجابة إلى ما دعوتهم فينا، فإنا قد بايعنا الله عَلَى الْجِهَادِ حَتَّى نُقْتَلَ عَنْ آخِرِنَا، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ السابع (1) مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، مَا شعر الناس إلا وأعلام الكفار قد ارتفعت، وصلبانهم ونارهم عَلَى أَسْوَارِ الْبَلَدِ، وَصَاحَ الْفِرِنْجُ صَيْحَةً وَاحِدَةً، فعظمت عند ذلك الْمُصِيبَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاشْتَدَّ حُزْنُ الْمُوَحِّدِينَ، وَانْحَصَرَ كلام النَّاسِ فِي إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَغَشِيَ النَّاسَ بَهْتَةٌ عَظِيمَةٌ، وَحَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ، وَوَقَعَ في عسكر السلطان الصياح والعويل، وَدَخَلَ الْمَرْكِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَدْ عَادَ إِلَيْهِمْ في صور بهدايا فأهداها إلى الملوك، فدخل في هذا اليوم عكا بأربعة أعلام الملوك فنصبها في البلد، واحداً على المأذنة يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَآخَرَ عَلَى الْقَلْعَةِ، وَآخَرَ عَلَى بُرْجِ الدَّاوِيَّةِ، وَآخَرَ عَلَى بُرْجِ الْقِتَالِ، عِوَضًا عَنْ أَعْلَامِ السُّلْطَانِ، وَتَحَيَّزَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ بِهَا إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَلَدِ مُعْتَقَلِينَ، مُحْتَاطٌ بِهِمْ مضيق عليهم، وقد أسروا النِّسَاءُ وَالْأَبْنَاءُ، وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَقُيِّدَتِ الْأَبْطَالُ وَأُهِينَ الرِّجَالُ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حال (2) .
__________
(1) في تاريخ أبي الفداء: سابع عشر جمادى الآخرة ظهر يوم الجمعة (انظر الكامل 12 / 66) .
(2) قال ابن الأثير في تاريخه أنه: لما رأى المشطوب أن صلاح الدين لا يقدر على نفع ولا يدفع عنهم ضرا خرج إلى الفرنج، وقرر معهم تسليم البلد، وخروج من فيه بأموالهم وأنفسهم وبذل لهم عن ذلك مائتي ألف دينار وخمسمائة أسير من المعروفين، وإعادة صليب الصلبوت وأربعة عشر ألف دينار للمركيس (في ابن خلدون: المركيش) صاحب صور فأجابوه إلى ذلك، وحلفوا له عليه وأن تكون مدة تحصيل المال والاسرى إلى شهرين (12 / 67 ابن خلدون 5 / 325 ابن العبري في مختصر الدول ص 222) .
(*)
(12/419)

فعند ذلك أمر السلطان الناس بالتأخر عن هذه المنزلة، وثبت هو مكانه لينظر ماذا يصنعون وما عليه يعولون، والفرنج في البلد مشغولون مَدْهُوشُونَ، ثُمَّ سَارَ السُّلْطَانُ إِلَى الْعَسْكَرِ وَعِنْدَهُ من الهم ما لا يعلمه إلا الله، وَجَاءَتِ الْمُلُوكُ الْإِسْلَامِيَّةُ، وَالْأُمَرَاءُ وَكُبَرَاءُ الدَّوْلَةِ يُعَزُّونَهُ فيما وقع، ويسلونه على ذلك، ثُمَّ رَاسَلَ مُلُوكَ الْفِرِنْجِ فِي خَلَاصِ مَنْ بأيديهم من الأسارى فطلبوا منه عدتهم من أسراهم
وَمِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَصَلِيبَ الصَّلَبُوتِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، فَأَرْسَلَ فَأَحْضَرَ الْمَالَ وَالصَّلِيبَ، وَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ مِنَ الْأُسَارَى إِلَّا سِتُّمِائَةِ أَسِيرٍ، فَطَلَبَ الْفِرِنْجُ مِنْهُ أَنْ يُرِيَهُمُ الصَّلِيبَ مِنْ بَعِيدٍ، فلما رفع سَجَدُوا لَهُ وَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الْأَرْضِ، وَبَعَثُوا يَطْلُبُونَ مِنْهُ مَا أَحْضَرَهُ مِنَ الْمَالِ وَالْأُسَارَى، فامتنع إلا أن يرسلوا إليه الأسارى أو يبعثوا له برهائن على ذلك، فقالوا: لا ولكن أرسل لنا ذلك وارض بأمانتنا، فعرف أنهم يريدون الغدر والمكر، فلم يرسل إليهم شيئاً من ذلك، وأمر برد الأسارى إلى أهليهم بدمشق، ورد الصليب إِلَى دِمَشْقَ مُهَانًا، وَأَبْرَزَتِ الْفِرِنْجُ خِيَامَهُمْ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ وَأَحْضَرُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَوْقَفُوهُمْ بَعْدَ الْعَصْرِ وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةَ رَجُلٍ واحد فقتلوهم عن آخرهم في صعيد واحد، رحمهم الله وأكرم مثواهم، وَلَمْ يَسْتَبْقُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَمِيرًا أو صبياً، أَوْ مَنْ يَرَوْنَهُ فِي عَمَلِهِمْ قَوِيًّا أَوِ امرأة.
وجرى الذي كَانَ، وَقُضِيَ الَأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ.
وَكَانَ مدة إقامة صلاح الدين عَلَى عَكَّا صَابِرًا مُصَابِرًا مُرَابِطًا سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ شَهْرًا، وَجُمْلَةُ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْفِرِنْجِ خَمْسِينَ ألفاً.
فصل فيما حدث بَعْدَ أَخْذِ الْفِرِنْجِ عَكَّا سَارُوا بَرُمَّتِهِمْ قَاصِدِينَ عَسْقَلَانَ، وَالسُّلْطَانُ بِجَيْشِهِ يُسَايِرُهُمْ وَيُعَارِضُهُمْ مَنْزِلَةً مَنْزِلَةً وَالْمُسْلِمُونَ يَتَخَطَّفُونَهُمْ وَيَسْلُبُونَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَكُلُّ أَسِيرٍ أُتي بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِ في مكانه، وجرت خطوب بين الجيشين، ووقعات متعددات، ثم طلب ملك الانكليز، يَجْتَمِعَ بِالْمَلِكِ الْعَادِلِ أَخِي السُّلْطَانِ يَطْلُبُ مِنْهُ الصلح والأمان، على أن يعاد لأهلها بلاد السواحل، فَقَالَ لَهُ الْعَادِلُ: إِنَّ دُونَ ذَلِكَ قَتْلُ كُلِّ فَارِسٍ مِنْكُمْ وَرَاجِلٍ، فَغَضِبَ اللَّعِينُ وَنَهَضَ من عنده غضبان، ثُمَّ اجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ عَلَى حَرْبِ السُّلْطَانِ عِنْدَ غَابَةِ أَرْسُوفَ، فَكَانَتِ النُّصْرَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقُتِلَ مِنَ الْفِرِنْجِ عِنْدَ غَابَةِ أَرْسُوفَ أُلُوفٌ بَعْدَ أُلُوفٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، وَقَدْ كَانَ الْجَيْشُ فَرَّ عَنِ السُّلْطَانِ فِي أَوَّلِ الوقعة، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى سَبْعَةَ عَشَرَ مُقَاتِلًا، وهو ثابت صابر، والكؤسات لَا تَفْتُرُ، وَالْأَعْلَامُ مَنْشُورَةٌ، ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ فكانت النصرة للمسلمين، ثُمَّ تَقَدَمَّ السُّلْطَانُ بِعَسَاكِرِهِ فَنَزَلَ ظَاهِرَ عَسْقَلَانَ، فَأَشَارَ ذَوُو الرَّأْيِ عَلَى السُّلْطَانِ بِتَخْرِيبِ عَسْقَلَانَ خشية أن يتملكها الكفار،
ويجعلونها وسيلة إلى أخذ بيت المقدس، أَوْ يَجْرِي عِنْدَهَا مِنَ الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ نَظِيرُ مَا كَانَ عِنْدَ عَكَّا، أَوْ أَشَدُّ، فَبَاتَ السلطان ليلته مفكراً في ذلك، فلما أَصْبَحَ وَقَدْ أَوْقَعَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ أَنَّ خَرَابَهَا هُوَ الْمَصْلَحَةُ،
(12/420)

فَذَكَرَ ذَلِكَ لِمَنْ حَضَرَهُ، وَقَالَ لَهُمْ وَاللَّهِ لَمَوْتُ جَمِيعِ أَوْلَادِي أَهْوَنُ عليَّ مِنْ تَخْرِيبِ حجر واحد منها، ولكن إذا كان خرابها فِيهِ مُصْلِحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، ثُمَّ طَلَبَ الْوُلَاةَ وَأَمَرَهُمْ بِتَخْرِيبِ الْبَلَدِ سَرِيعًا، قَبْلَ وصول العدو إليها، فَشَرَعَ النَّاسُ فِي خَرَابِهِ، وَأَهْلُهُ وَمَنْ حَضَرَهُ يَتَبَاكُونَ عَلَى حُسْنِهِ وَطِيبِ مَقِيلِهِ، وَكَثْرَةِ زُرُوعِهِ وثماره، ونضارة أنهاره وأزهاره، وكثرة رخامه وحسن بنائه.
وألقيت النار في سقوفه وَأُتْلِفَ مَا فِيهِ مِنَ الْغَلَّاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَحْوِيلُهَا، وَلَا نَقْلُهَا، وَلَمْ يَزَلِ الْخَرَابُ والحريق فيه من جمادى الآخرة إِلَى سَلْخِ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
ثُمَّ رَحَلَ السُّلْطَانُ مِنْهَا فِي ثَانِي رَمَضَانَ وَقَدْ تركها قاعاً صفصفاً ليس فيها معلمة لِأَحَدٍ، ثُمَّ اجْتَازَ بِالرَّمْلَةِ فَخَرَّبَ حِصْنَهَا وَخَرَّبَ كَنِيسَةَ لُدَّ، وَزَارَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَعَادَ إِلَى المخيم سريعاً، وبعث ملك الإنكليز إلى السلطان إِنَّ الْأَمْرَ قَدْ طَالَ وَهَلَكَ الْفِرِنْجُ وَالْمُسْلِمُونَ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُنَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا سِوَاهَا: رَدُّ الصَّلِيبِ وَبِلَادِ السَّاحِلِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، لَا نَرْجِعُ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَمِنَّا عَيْنٌ تَطْرِفُ، فَأَرْسَلَ إليه السلطان أشد جواب، وأسد مقال (1) ، فعزمت الْفِرِنْجُ عَلَى قَصْدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَتَقَدَّمَ السُّلْطَانُ بجيشه إلى القدس وَسَكَنَ فِي دَارِ الْقَسَاقِسِ قَرِيبًا مِنْ قُمَامَةُ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَشَرَعَ فِي تَحْصِينِ الْبَلَدِ، وَتَعْمِيقِ خَنَادِقِهِ، وَعَمِلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَعَمِلَ فيه الأمراء والقضاة والعلماء والصالحون، وَكَانَ وَقْتًا مَشْهُودًا، وَالْيَزَكُ حَوْلَ الْبَلَدِ مِنْ نَاحِيَةِ الْفِرِنْجِ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ يَسْتَظْهِرُونَ عَلَى الفرنج ويقتلون ويأسرون ويغنمون، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَانْقَضَتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْأَمْرُ على ذلك.
وفيها على ما ذكره العماد تولى القضاء محيي الدين محمد بن الزكي بدمشق.
وفيها عدى أَمِيرُ مَكَّةَ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى بْنِ فُلَيْتَةَ بن هاشم بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ الْحَسَنِيُّ، فَأَخَذَ أَمْوَالَ الْكَعْبَةِ حَتَّى انْتَزَعَ طَوْقًا مِنْ فِضَّةٍ كَانَ عَلَى دَائِرَةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، كَانَ قَدْ لُمَّ شَعَثُهُ حِينَ ضَرَبَهُ ذَلِكَ الْقِرْمِطِيُّ بِالدَّبُّوسِ، فلما بلغ السلطان خبره من الحجيج عزله وولى أخاه بكيراً، وَنَقَضَ الْقَلْعَةَ الَّتِي كَانَ بَنَاهَا أَخُوهُ عَلَى أَبِي
قُبَيْسٍ، وَأَقَامَ دَاوُدُ بِنَخْلَةَ حَتَّى تُوُفِّيَ بها سنة سبع وثمانين.
وفيها توفي من الأعيان ...
__________
(1) قال ابن الأثير في تاريخه: أن ريتشارد راسل العادل أخي صلاح الدين على أن يزوج الملك أخته جوانا من العادل ويكون القدس وما بأيدي المسلمين من بلاد الساحل للعادل، وتكون عكا وما بيد الفرنج من البلاد لاخت ملك انكلتار ; وأن يرضى الداوية بما يقع الاتفاق عليه، قال رنسيمان: أن ريتشارد قدم عروضه الجديدة بعد بضعة أيام من تقديم مقترحاته الاولى ورفض صلاح الدين لها ; وزاد عما أورده ابن الأثير: وأن يتيسر للمسيحيين التردد إلى بيت المقدس ; وإعادة صليب الصلبوت، وإطلاق سراح الاسرى من الجانبين.
فوافق صلاح الدين وأبدى سروره (الكامل 12 / 72 تاريخ أبي الفداء 3 / 80 تاريخ الحروب الصليبية 3 / 115 - 116) انظر الروضتين 2 / 45 - 50.
(*)
(12/421)

الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، كان عزيزاً على عمه صَلَاحِ الدِّينِ، اسْتَنَابَهُ بِمِصْرَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، ثم أقطعه حماه ومدناً كثيرة حولها في بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، وَكَانَ مَعَ عَمِّهِ السُّلْطَانِ عَلَى عكا، ثم استأذنه أن يذهب ليشرف على بلاده المجاورة للجزيرة والفرات، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهَا اشْتَغَلَ بِهَا وَامْتَدَّتْ عَيْنُهُ إِلَى أَخْذِ غَيْرِهَا مِنْ أَيْدِي الْمُلُوكِ الْمُجَاوِرِينَ له، فقاتلهم فاتفق موته وهو كذلك، والسلطان عمه غضبان عَلَيْهِ بِسَبَبِ اشْتِغَالِهِ بِذَلِكَ عَنْهُ، وَحُمِلَتْ جِنَازَتُهُ حَتَّى دُفِنَتْ بِحَمَاةَ، وَلَهُ مَدْرَسَةٌ هُنَاكَ هَائِلَةٌ كبيرة، وَكَذَلِكَ لَهُ بِدِمَشْقَ مَدْرَسَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَعَلَيْهَا أَوْقَافٌ كثيرة، وقد أقام بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْمَنْصُورُ نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ، فأقره صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ جُهْدٍ جَهِيدٍ، ووعد ووعيد، ولولا السلطان العادل أخو صلاح الدين تشفع فيه لما أقره في مكان أبيه، ولكن سلم الله، توفي يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَاسِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السنة، وكان شجاعاً فاتكاً.
الْأَمِيرُ حُسَامُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لاشين (1) أمه ست الشام بنت أيوب، وافقة الشاميتين بدمشق، توفي ليلة الجمعة تاسع عشر رمضان أيضاً ففجع السُّلْطَانُ بِابْنِ أَخِيهِ وَابْنِ أُخْتِهِ فِي لَيْلَةٍ واحدة، وقد كانا من أكبر أعوانه، ودفن بالتربة
الحسامية، وهي التي أنشأتها أمه بمحلة العونية، وهي الشامية البرانية.
الأمير علم الدين سليمان بن حيدر الحلبي كان من أكابر الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ، وَفِي خِدْمَةِ السُّلْطَانِ حَيْثُ كَانَ، وهو الذى أَشَارَ عَلَى السُّلْطَانِ بِتَخْرِيبِ عَسْقَلَانَ، وَاتَّفَقَ مَرَضُهُ بِالْقُدْسِ فَاسْتَأْذَنَ فِي أَنْ يُمَرَّضَ بِدِمَشْقَ، فأذن له، فسار منها فلما وصل إلى غباغب مات بِهَا فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحِجَّةِ.
وَفِي رَجَبٍ منها توفي الأمير الكبير نائب دمشق: الصَّفِيُّ بْنُ الْفَائِضِ (2) وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ قَبْلَ الْمُلْكِ، ثُمَّ اسْتَنَابَهُ عَلَى دِمَشْقَ حتى توفي بها في هذه السنة.
وفي ربيع الأول توفي ...
__________
(1) في الكامل وتاريخ أبي الفداء: لاجين.
(2) في الكامل 12 / 77: القابض.
(*)
(12/422)

الطبيب الماهر أَسْعَدُ بْنُ الْمُطْرَانِ وَقَدْ شَرُفَ بِالْإِسْلَامِ، وَشَكَرَهُ على طبه الخاص والعام.
الجيوشاتي الشيخ نجم الدين الَّذِي بَنَى تُرْبَةَ الشَّافِعِيِّ بِمِصْرَ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ صلاح الدين، ووقف عليها أوقافاً سنية، وَوَلَّاهُ تَدْرِيسَهَا وَنَظَرَهَا، وَقَدْ كَانَ السُّلْطَانُ يَحْتَرِمُهُ وَيُكْرِمُهُ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَا صَنَّفَهُ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ شَرْحِ الْوَسِيطِ وَغَيْرِهِ، ولما توفي الجيوشاتي طَلَبَ التَّدْرِيسَ جَمَاعَةٌ فَشَفَعَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ عِنْدَ أخيه في شيخ الشُّيُوخِ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمُّوَيْهِ، فَوَلَّاهُ إياه، ثم عزله عنها بعد موته السلطان، واستمرت عليه أَيْدِي بَنِي السُّلْطَانِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، ثُمَّ عادت إليها الفقهاء والمدرسون بعد ذلك.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة استهلت والسلطان صلاح الدين مخيم بالقدس، وَقَدْ قَسَّمَ السُّورَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَأُمَرَائِهِ، وَهُوَ
يعمل فيه بنفسه، ويحمل الحجر بين القربوسيين وبينه، والناس يقتدون بهم، والفقهاء والقراء يعملون، وَالْفِرِنْجُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ حَوْلَ الْبَلَدِ مِنْ نَاحِيَةِ عسقلان وما والاها، لا يتجاسرون أن يقربوا البلد من الحرس واليزك الذين حول القدس، إِلَّا أَنَّهُمْ عَلَى نِيَّةِ مُحَاصَرَةِ الْقُدْسِ مُصَمِّمُونَ، وَلِكَيْدِ الْإِسْلَامِ مُجْمِعُونَ، وَهُمْ وَالْحَرَسُ تَارَةً يَغْلِبُونَ وَتَارَةً يُغْلَبُونَ، وَتَارَةً يَنْهَبُونَ وَتَارَةً يُنْهَبُونَ.
وَفِي ربيع الآخر وصل إلى السلطان الأمير سيف الدين المشطوب مِنَ الْأَسْرِ، وَكَانَ نَائِبًا عَلَى عَكَّا حِينَ أُخِذَتْ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهُ السُّلْطَانُ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْهَا، وَاسْتَنَابَهُ عَلَى مدينة نابلس، فتوفي بها في شوال من هذه السنة.
وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ قُتِلَ الْمَرْكِيسُ صَاحِبُ صُورَ لعنه الله، أرسل إليه ملك الإنكليز اثنين من الفداوية فقتلوه: أظهرا التنصر ولزما الكنيسة حتى ظفرا به فقتلاه وقُتلا أيضاً، فاستناب ملك الإنكليز عليها ابن أخيه بلام الكندهر، وهو ابن أخت ملك الإفرنسيين لأبيه، فهما خالاه، ولما صار إلى صور بنى بِزَوْجَةِ الْمَرْكِيسِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِلَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ حُبْلَى أَيْضًا، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ الَّتِي كَانَتْ بين الإنكليز وَبَيْنَهُ، وَقَدْ كَانَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ يُبْغِضُهُمَا، ولكن المركيس كان قد صانعه بعض الشئ فلم يهن عليه قتله.
وَفِي تَاسِعِ جُمَادَى الْأُولَى اسْتَوْلَى الْفِرِنْجُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلَى قَلْعَةِ الدَّارُومِ فَخَرَّبُوهَا، وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا، وَأَسَرُوا طَائِفَةً مِنَ الذُّرِّيَّةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ثُمَّ أَقْبَلُوا جملة نحو القدس فبرز إليهم السلطان في حزب الإيمان، فلما تراءى الجمعان نكص حزب الشيطان راجعين، فراراً من الْقِتَالِ وَالنِّزَالِ، وَعَادَ السُّلْطَانُ إِلَى الْقُدْسِ.
(وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً،
(12/423)

وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عزيزا) [الاحزاب: 25] .
ثمَّ إنَّ ملك الإنكليز لَعَنَهُ اللَّهُ - وَهُوَ أَكْبَرُ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ ذَلِكَ الحين - ظفر ببعض فلول الْمُسْلِمِينَ فَكَبَسَهُمْ لَيْلًا فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرَ مِنْهُمْ خَمْسَمِائَةِ أَسِيرٍ، وَغَنِمَ مِنْهُمْ شَيْئًا كثيراً من الأموال والجمال، والخيل والبغال، وكان جُمْلَةُ الْجِمَالِ ثَلَاثَةَ آلَافِ بَعِيرٍ (1) ، فَتَقَوَّى الْفِرِنْجُ بذلك، وَسَاءَ ذَلِكَ السُّلْطَانَ مَسَاءَةً عَظِيمَةً جِدًّا، وَخَافَ من غائلة ذلك، واستخدم الإنكليز الجمالة على
الجمال، والخربندية على البغال، والسياس عَلَى الْخَيْلِ، وَأَقْبَلَ وَقَدْ قَوِيَتْ نَفْسُهُ جِدًّا، وَصَمَّمَ عَلَى مُحَاصَرَةِ الْقُدْسِ، وَأَرْسَلَ إِلَى مُلُوكِ الْفِرِنْجِ الَّذِينَ بِالسَّاحِلِ، فَاسْتَحْضَرَهُمْ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، فَتَعَبَّأَ السُّلْطَانُ لَهُمْ وَتَهَيَّأَ، وَأَكْمَلَ السُّورَ وعمر الخنادق، ونصب المنجانيق، وَأَمَرَ بِتَغْوِيرِ مَا حَوْلَ الْقُدْسِ مِنَ الْمِيَاهِ، وَأَحْضَرَ السُّلْطَانُ أُمَرَاءَهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ تَاسِعَ عَشَرَ جمادى الآخرة: أبا الهيجاء، المبسمين (2) ، والمشطوب، والأسدية، فاستشارهم فِيمَا قَدْ دَهَمَهُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْفَظِيعِ، الْمُوجِعِ الْمُؤْلِمِ، فَأَفَاضُوا فِي ذَلِكَ، وَأَشَارُوا كُلٌّ بِرَأْيهِ، وَأَشَارَ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ بِأَنْ يَتَحَالَفُوا عَلَى الْمَوْتِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ.
هَذَا كُلُّهُ وَالسُّلْطَانُ سَاكِتٌ واجم مفكر، فسكت القوم كأنما على رؤوسهم الطَّيْرُ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ: اعْلَمُوا أَنَّكُمْ جُنْدُ الْإِسْلَامِ الْيَوْمَ وَمَنَعَتُهُ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وأموالهم وذراريهم في ذممكم معلقة، والله عزوجل سائلكم يوم القيامة عنهم، وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه عن العباد والبلاد غيركم، فإن وليتم والعياذ بالله طوى البلاد وأهلك العباد، وأخذ الأموال والأطفال والنساء، وعبد الصليب في المساجد، وعزل القرآن منها والصلاة، وكان ذلك كله في ذممكم، فإنكم أنتم الذين تصديتهم لهذا كله، وأكلتم بيت مال المسلمين لتدفعوا عنهم عدوهم، وتنصروا ضعيفهم، فَالْمُسْلِمُونَ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ مُتَعَلِّقُونَ بِكُمْ وَالسَّلَامُ.
فَانْتَدَبَ لِجَوَابِهِ سَيْفُ الدِّينِ الْمَشْطُوبُ وَقَالَ: يَا مَوْلَانَا نَحْنُ مَمَالِيكُكَ وَعَبِيدُكَ، وَأَنْتَ الَّذِي أَعْطَيْتَنَا وَكَبَّرْتَنَا وَعَظَّمْتَنَا، وليسَ لَنا إِلَّا رِقَابُنَا وَنَحْنُ بَيْنُ يَدَيْكَ، وَاللَّهِ مَا يَرْجِعُ أَحَدٌ مِنَّا عن نصرك حتى يَمُوتَ.
فَقَالَ الْجَمَاعَةُ مِثْلَ مَا قَالَ، فَفَرِحَ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ وَطَابَ قَلْبُهُ، وَمَدَّ لَهُمْ سِمَاطًا حَافِلًا، وَانْصَرَفُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ عَلَى ذَلِكَ.
ثم بلغه بعد ذلك أن بعض الأمراء قَالَ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْنَا فِي هذا البلد مثل ما جَرَى عَلَى أَهْلِ عَكَّا، ثُمَّ يَأْخُذُونَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ بَلَدًا بَلَدًا، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ نَلْتَقِيَهُمْ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، فَإِنْ هَزَمْنَاهُمْ أَخَذْنَا بَقِيَّةَ بِلَادِهِمْ، وَإِنْ تكن الأخرى سلم العسكر ومضى بحاله، ويأخذون القدس ونحفظ بقية بِلَادُ الْإِسْلَامِ بِدُونِ الْقُدْسِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَبَعَثُوا إلى السلطان يقولون
__________
(1) قال رنسيمان في الحروب الصليبية أن ذلك وقع على القافلة - القادمة من الجنوب تتخذ طريقها نحو بيت المقدس -
عند آبار الخويلفة، الواقعة في إقليم جدب على مسافة عشرين ميلا إلى الجنوب الغربي من حبرون.
(2) في ابن خلدون 5 / 327: السمين.
(*)
(12/424)

لَهُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُنَا نُقِيمُ بِالْقُدْسِ تَحْتَ حِصَارِ الْفِرِنْجِ، فَكُنْ أَنْتَ مَعَنَا أَوْ بَعْضُ أَهْلِكَ، حَتَّى يَكُونَ الْجَيْشُ تَحْتَ أَمْرِكَ فَإِنَّ الْأَكْرَادَ لَا تُطِيعُ التُّرْكَ، وَالتُّرْكُ لَا تُطِيعُ الْأَكْرَادَ.
فلمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً، وَبَاتَ لَيْلَتَهُ أَجْمَعَ مَهْمُومًا كَئِيبًا يُفَكِّرُ فِيمَا قَالُوا، ثُمَّ انْجَلَى الْأَمْرُ وَاتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَلِكُ الْأَمْجَدُ صَاحِبُ بَعْلَبَكَّ مُقِيمًا عِنْدَهُمْ نَائِبًا عَنْهُ بِالْقُدْسِ، وَكَانَ ذَلِكَ نَهَارَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا حَضَرَ إِلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ، وَسَجَدَ وَابْتَهَلَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ابْتِهَالًا عَظِيمًا، وَتَضَرَّعَ إِلَى رَبِّهِ، وَتَمَسْكَنَ وَسَأَلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كَشْفَ هَذِهِ الضَّائِقَةِ الْعَظِيمَةِ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ مِنَ الْغَدِ جَاءَتِ الْكُتُبُ من الحرس الذين حَوْلَ الْبَلَدِ بِأَنَّ الْفِرِنْجَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بينهم، فقال ملك الإفرنسيين إِنَّا إِنَّمَا جِئْنَا مِنَ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ وَأَنْفَقْنَا الأموال العديدة في تخليص بين المقدس ورده إلينا، وقد بقي بيننا وبينه مرحلة، فقال الإنكليز أن هذا البلد شق عَلَيْنَا حِصَارُهُ، لِأَنَّ الْمِيَاهَ حَوْلَهُ قَدْ عُدِمَتْ، وإلى أن يأتينا الماء من المشقة البعية يعطل الحصار، ويتلف الْجَيْشُ، ثمَّ اتَّفق الْحَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ حكموا منهم عليهم ثلاثمائة منهم، فردوا أمرهم إلى أنثي عَشَرَ مِنْهُمْ، فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ، فَبَاتُوا لَيْلَتَهُمْ يَنْظُرُونَ ثُمَّ أَصْبَحُوا وَقَدْ حَكَمُوا عَلَيْهِمْ بِالرَّحِيلِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ مُخَالَفَتُهُمْ فَسَحَبُوا رَاجِعِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الرملة وقد طالت عليهم الغربة والزملة، وَذَلِكَ فِي بُكْرَةِ الْحَادِيَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَبَرَزَ السُّلْطَانُ بِجَيْشِهِ إِلَى خَارِجِ الْقُدْسِ، وَسَارَ نَحْوَهُمْ خَوْفًا أَنْ يَسِيرُوا إِلَى مِصْرَ، لِكَثْرَةِ مَا مَعَهُمْ مِنَ الظَّهْرِ وَالْأَمْوَالِ، وَكَانَ الإنكليز يَلْهَجُ بِذَلِكَ كَثِيرًا، فَخَذَلَهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وترددت الرسل من الإنكليز إلى السلطان في طلب الأمان وَوَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَعَلَى أن يعيد لهم عسقلان ويهب له كَنِيسَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهِيَ الْقُمَامَةُ، وَأَنْ يُمَكِّنَ النصارى من زيارتها وحجها بلا شئ، فَامْتَنَعَ السُّلْطَانُ مِنْ إِعَادَةِ عَسْقَلَانَ وَأَطْلَقَ لَهُمُ قمامة، وَفَرَضَ عَلَى الزُّوَّارِ مَالًا يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ منهم، فامتنع الإنكليز إلا أن
تعادلهم عَسْقَلَانُ، وَيُعَمَّرَ سُورُهَا كَمَا كَانَتْ، فَصَمَّمَ السُّلْطَانُ عَلَى عَدَمِ الْإِجَابَةِ.
ثُمَّ رَكِبَ السُّلْطَانُ حَتَّى وافى يافا فحاصرها حصاراً شديداً، فافتتحها وأخذوا الْأَمَانَ لِكَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أشرفت عليهم مراكب الإنكليز على وجه البحر، فقويت رؤوسهم واستعصت نفوسهم فهجم اللعين فاستعاد الْبَلَدَ وَقَتَلَ مَنْ تَأَخَّرَ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَقَهْقَرَ السُّلْطَانُ عَنْ مَنْزِلَةِ الْحِصَارِ إِلَى مَا وَرَاءَهَا خَوْفًا عَلَى الْجَيْشِ من معرة الفرنج، فجعل ملك الإنكليز يتعجب من شدة سطوة السلطان، وكيف فَتَحَ مِثْلَ هَذَا الْبَلَدِ الْعَظِيمِ فِي يَوْمَيْنِ، وَغَيْرُهُ لَا يُمْكِنُهُ فَتْحُهُ فِي عَامَيْنِ، وَلَكِنْ مَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ مَعَ شَهَامَتِهِ وَصَرَامَتِهِ يَتَأَخَّرُ مِنْ مَنْزِلَتِهِ بِمُجَرَّدِ قُدُومِي، وَأَنَا وَمَنْ مَعِي لَمْ نَخْرُجْ مِنَ الْبَحْرِ إِلَّا جَرَائِدَ بِلَا سِلَاحٍ، ثُمَّ أَلَحَّ فِي طَلَبِ الصُّلْحِ وَأَنْ تَكُونَ عَسْقَلَانُ دَاخِلَةً فِي صُلْحِهِمْ، فَامْتَنَعَ السُّلْطَانُ، ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ كَبَسَ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الإنكليز وهو في سبعة عشر مقاتلاً، وحوله قليل من الرجالة فأكب بجيشه حوله وحصره حصراً لم يبق مَعَهُ نَجَاةٌ، لَوْ صَمَّمَ مَعَهُ الْجَيْشُ، وَلَكِنَّهُمْ نكلوا
(12/425)

كلهم عن الحملة، فَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَجَعَلَ السُّلْطَانُ يُحَرِّضُهُمْ غَايَةَ التَّحْرِيضِ، فَكُلُّهُمْ يَمْتَنِعُ كَمَا يَمْتَنِعُ الْمَرِيضُ من شرب الدواء.
هذا وملك الإنكليز قَدْ رَكِبَ فِي أَصْحَابِهِ وَأَخَذَ عُدَّةَ قِتَالِهِ، وأهبة نزاله، واستعرض الميمنة إِلَى آخِرِ الْمَيْسَرَةِ، يَعْنِي مَيْمَنَةَ الْمُسْلِمِينَ وَمَيْسَرَتَهُمْ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْفُرْسَانِ، وَلَا نهره بَطَلٌ مِنَ الشُّجْعَانِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كَرَّ السُّلْطَانُ رَاجِعًا، وَقَدْ أَحْزَنَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ مِنَ الجيش مطيعاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولو أن له بهم قوة لما ترك أحداً منهم يتناول من بيت المال فلساً.
ثم حصل لملك الإنكليز بعد ذلك مرض شديد، فبعث إلى السلطان يطلب فاكهة وثلجاً فأمده بذلك من باب الكرم، ثُمَّ عُوفِيَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَتَكَرَّرَتِ الرُّسُلُ مِنْهُ يطلب من السلطان المصالحة لكثرة شوقه إلى أولاده وبلاده (1) ، وطاوع السلطان على ما يقول وترك طَلَبِ عَسْقَلَانَ، وَرَضِيَ بِمَا رَسَمَ بِهِ السُّلْطَانُ، وكتب كتاب الصلح بينهما في سابع عَشَرَ شَعْبَانَ، وَأُكِّدَتِ الْعُهُودُ وَالْمَوَاثِيقُ مِنْ كُلِّ ملك من ملوكهم، وَحَلَفَ الْأُمَرَاءُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَتَبُوا خُطُوطَهُمْ، وَاكْتُفِيَ مِنَ السُّلْطَانِ بِالْقَوْلِ الْمُجَرَّدِ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ
السَّلَاطِينَ، وَفَرِحَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فَرَحًا شديداً، وأظهروا سروراً كثيراً، وَوُقِّعَتِ الْهُدْنَةُ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ ثَلَاثَ (2) سِنِينَ وستة أشهر، وعلى أن يقرهم على مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْبِلَادِ السَّاحِلِيَّةِ، وَلِلْمُسْلِمِينَ مَا يُقَابِلُهَا مِنَ الْبِلَادِ الْجَبَلِيَّةِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ المعاملات تقسم عَلَى الْمُنَاصَفَةِ، وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ مِائَةَ نِقَابٍ صُحْبَةَ أَمِيرٍ لِتَخْرِيبِ سُورِ عَسْقَلَانَ وَإِخْرَاجِ مَنْ بِهَا من الفرنج.
وعاد السلطان إلى القدس فَرَتَّبَ أَحْوَالَهُ وَوَطَّدَهَا، وَسَدَّدَ أُمُورَهُ وَأَكَّدَهَا، وَزَادَ وَقْفَ الْمَدْرَسَةِ سُوقًا بِدَكَاكِينِهَا وَأَرْضًا بِبَسَاتِينِهَا، وَزَادَ وقف الصوفية، وَعَزَمَ عَلَى الْحَجِّ عَامَهُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى الحجاز واليمن ومصر والشام ليعلموا بذلك، ويتأهبوا له، فكتب إليه الْقَاضِي الْفَاضِلُ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَى البلاد من استيلاء الفرنج عليها، ومن كثرة المظالم بها، وفساد الناس والعسكر وقلة نصحهم وأن النظر في أحوال المسلمين خير لك عامك هذا، والعدو مخيم بعد بالشام، وأنت تعلم أنهم يُهَادِنُونَ لِيَتَقَوَّوْا وَيَكْثُرُوا، ثُمَّ يَمْكُرُوا وَيَغْدِرُوا، فَسَمِعَ السلطان منه وشكر نصحه وترك ما عزم عليه وكتب به إلى سائر الممالك، واستمر مُقِيمًا بِالْقُدْسِ جَمِيعَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي صِيَامٍ وصلاة وقرآن،
__________
(1) وقد ذكر رنسيمان أسبابا أخر هامة عجلت في تسريع المفاوضات ومنعت ريتشارد من كثرة المساومة: - مرضه الخطير، - ما ارتكبه أخوه من أعمال سيئة في انكلترا تتطلب عودته العاجلة، يضاف إلى ذلك ما حل بسائر الصلبيين من الارهاق ; وما أظهره كل من ابن أخته هنري والطوائف الدينية من أنهم لم يثقوا في سياسته (تاريخ الحروب الصليبية 3 / 139) .
(2) في الكامل 12 / 84: ثلاث سنين وثمانية أشهر.
وفي ابن خلدون 5 / 328: أربعة وأربعين شهرا.
وفژ تاريخ الحروب الصليبية 3 / 39: خمس سنين.
وفي أبي الفداء: ثلاث سنين وثلاثة أشهر وقد جرى التوقيع على الهدنة أول أيلول - عشرين شعبان، قال أبو الفداء في تاريخه: يوم الاربعاء 22 شعبان.
(*)
(12/426)

وكلما وفد أحد من رؤساء الفرنج للزيارة فعل معه غاية الإكرام، تأليفاً لقلوبهم، وَلَمْ يبقَ أَحَدٌ مِنْ مُلُوكِهِمْ إِلَّا جَاءَ لِزِيَارَةِ الْقُمَامَةِ مُتَنَكِّرًا، وَيَحْضُرُ سِمَاطَ السُّلْطَانِ فِيمَنْ حضر مِنْ جُمْهُورِهِمْ، بِحَيْثُ لَا يُرَى.
وَالسُّلْطَانُ لَا يعلم ذلك جملة ولا تفصيلا، ولهذا كان يُعَامِلُهُمْ بِالْإِكْرَامِ، وَيُرِيهِمْ صَفْحًا
جَمِيلًا، وَبِرًّا جَزِيلًا.
فلما كان في خامس شوال ركب السلطان في العساكر فبرز من القدس قاصداً دمشق، واستناب على القدس عز الدين جورديك، وعلى قضائها بهاء الدين بن يوسف بن رافع بن تميم الشافعي، فاجتاز عَلَى وَادِي الْجِيبِ وَبَاتَ عَلَى بِرْكَةِ الدَّاوِيَّةِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فِي نَابُلُسَ فَنَظَرَ فِي أَحْوَالِهَا، ثم ترحل عنها، فجعل يمر بالقلاع والحصون والبلدان فينظر في أحوالها ويكشف المظالم عنها، وَفِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ جَاءَ إِلَى خِدْمَتِهِ بَيْمُنْدُ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَطْلَقَ لَهُ أموالاً جزيلة وخلعاً، وَكَانَ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ فِي صُحْبَتِهِ، فَأَخْبَرَ عَنْ منازله منزلة منزلة إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَبَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ عَيْنَ الحر إلى مرج بيوس، وقد زال البوس، وهناك وفد عليه أعيان دمشق وأماثلها، ونزل يوم الثلاثاء على العرادة، وجاءه هناك التحف والمتلقون على العادة، وأصبحنا يوم الأربعاء سادس عشر (1) شوال بكرة بجنة دمشق داخلين، بسلام آمنين، وكانت غيبة السلطان عنها أَرْبَعَ سِنِينَ، فَأَخْرَجَتْ دِمَشْقُ أَثْقَالَهَا، وَأَبْرَزَتْ نِسَاءَهَا وأطفالها ورجالها، وكان يوم الزينة، وخرج أكثر أهل المدينة، واجتمع أولاده الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وِقَدِمَ عَلَيْهِ رُسُلُ الْمُلُوكِ مِنْ سَائِرِ الْأَمْصَارِ، وَأَقَامَ بَقِيَّةَ عَامِهِ فِي اقْتِنَاصِ الصيد وحضور دار العدل، وَالْعَمَلِ بِالْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ.
وَلَمَّا كَانَ عِيدُ الْأَضْحَى امْتَدَحَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ بِقَصِيدَةٍ يَقُولُ فِيهَا: وَأَبِيهَا لولا تغزل عينها * لَمَا قُلْتُ فِي التِّغَزُّلِ شِعْرًا وَلَكَانَتْ مَدَائِحُ الملك النا * صر وإلى مَا فِيهِ أُعْمِلُ فِكْرَا ملكٌ طَبَّقَ الْمَمَالِكَ بالعد * ل مثلما أوسع البرية برّا فيحل الأعياد صوماً وفطراً * ويلقى الهنا براً وبحرا يأمر بالطاعات لله إن * أضحى مليك على المناهي مصراً نلت ما تسعى من الدين والدنيا * فَتِيهًا عَلَى الْمُلُوكِ وَفَخْرَا قَدْ جَمَعْتَ الْمَجْدَيْنِ أَصْلًا وَفَرْعًا * وَمَلَكْتَ الدَّارَيْنِ دُنْيَا وَأُخْرَى وَمِمَّا وَقَعَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْحَوَادِثِ غَزْوَةٌ عظيمة بين صاحب غزنة شهاب الدين ملكها
السُّبُكْتِكِينِيِّ وَبَيْنُ مَلِكِ الْهِنْدِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ كَسَرُوهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ، فَأَظْفَرَهُ الله بهم
__________
(1) كذا بالاصل وابن شداد في سيرته ص 239 وفي الكامل 1 / 87 وتاريخ أبن خلدون 5 / 330: خامس وعشرين.
وفي تاريخ أبي الفداء 3 / 83: لخمس بقين من شوال يوم الاربعاء.
(*)
(12/427)

هَذِهِ السَّنَةِ، فَكَسَرَهُمْ وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْهُمْ وَأَسَرَ خَلْقًا، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَسَرَهُ مَلِكُهُمُ الْأَعْظَمُ، وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ فِيلًا، مِنْ جُمْلَتِهَا الَّذِي كان جرحه، ثم أحضر الْمَلِكُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَهَانَهُ وَلَمْ يُكْرِمْهُ، وَاسْتَحْوَذَ على حصنه وأخبر بما فِيهِ مِنْ كُلِّ جَلِيلٍ وَحَقِيرٍ، ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا، مسروراً محبوراً.
وفيها اتُّهِمَ أَمِيرُ الْحَجِّ بِبَغْدَادَ وَهُوَ طَاشْتِكِينُ، وَقَدْ كان علي إمرة الحج مِنْ مُدَّةِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ فِي غَايَةِ حسن السيرة، واتهم بأنه يكاتب صلاح الدين بن أيُّوب في أخذ بغداد، فإنه ليس بينه وبينها أحد يمانعه عنها، وقد كان مكذوباً عليه، ومع هذا أهين وحبس وصودر.
فَصْلٌ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ.
مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى المعروب بِابْنِ الْفَرَّاشِ، كَانَ قَاضِيَ الْعَسَاكِرِ بِدِمَشْقَ، وَيُرْسِلُهُ السلطان إلى ملوك الآفاق، ومات بملطية.
سيد الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمَشْطُوبُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرَكُوهْ، حَضَرَ مَعَهُ الْوَقَعَاتِ الثَّلَاثَ بِمِصْرَ، ثُمَّ صَارَ مِنْ كُبَرَاءِ أُمَرَاءِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ نَائِبًا عَلَى عكا لما أخذوها الْفِرِنْجُ، فَأَسَرُوهُ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَسَرُوا فَافْتَدَى نفسه بخمسين ألف دينار، وجاء إِلَى السُّلْطَانِ وَهُوَ بِالْقُدْسِ فَأَعْطَاهُ أَكْثَرَهَا، وَوَلَّاهُ نابلس.
توفي يوم الأحد (1) ثالث وعشرين شوال بالقدس، وَدُفِنَ فِي دَارِهِ.
صَاحِبُ بِلَادِ الرُّومِ عِزُّ الدين قلج أرسلان بن مسعود
أُمَرَاءِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ نَائِبًا على عكا لما أخذوها الْفِرِنْجُ، فَأَسَرُوهُ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَسَرُوا فَافْتَدَى نفسه بخمسين ألف دينار، وجاء إِلَى السُّلْطَانِ وَهُوَ بِالْقُدْسِ فَأَعْطَاهُ أَكْثَرَهَا، وَوَلَّاهُ نابلس.
توفي يوم الأحد (1) ثالث وعشرين شوال بالقدس، وَدُفِنَ فِي دَارِهِ.
صَاحِبُ بِلَادِ الرُّومِ عِزُّ الدين قلج أرسلان بن مسعود ابن قِلْجِ أَرَسْلَانَ، وَكَانَ قَدْ قَسَّمَ جَمِيعَ بِلَادِهِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ، طَمَعًا فِي طَاعَتِهِمْ لَهُ، فَخَالَفُوهُ وَتَجَبَّرُوا وَعَتَوْا عَلَيْهِ، وَخَفَّضُوا قَدْرَهُ وَارْتَفَعُوا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تُوَفِّيَ فِي عَامِهِ هَذَا.
وفي ربيع الآخر توفي الشاعر أبو المرهف.
__________
(1) في تاريخ أبي الفداء 3 / 83: يوم الخميس السادس والعشرين من شوال.
(*)
(12/428)

نَصْرُ بْنُ مَنْصُورٍ النُّمَيْرِيُّ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَاشْتَغَلَ بالأدب، أَصَابَهُ جُدَرِيٌّ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً (1) فَنَقَصَ بَصَرُهُ جِدًّا، وَكَانَ لَا يُبْصِرُ الْأَشْيَاءَ البعيدة، ويرى القريب منه، ولكن كان لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَائِدٍ، فَارْتَحَلَ إِلَى الْعِرَاقِ لِمُدَاوَاةِ عَيْنَيْهِ فَآيِسَتْهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ ذَلِكَ، فَاشْتَغَلَ بحفظ القرآن ومصاحبة الصالحين فَأَفْلَحَ، وَلَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ كَبِيرٌ حَسَنٌ، وَقَدْ سُئِلَ مَرَّةً عَنْ مَذْهَبِهِ وَاعْتِقَادِهِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أُحِبُّ عَلِيًّا وَالْبَتُولَ وَوُلْدَهَا * وَلَا أَجْحَدُ الشَّيْخَيْنِ فَضْلَ التَّقَدُّمِ وَأَبْرَأُ مِمَّنْ نَالَ عُثْمَانَ بِالْأَذَى * كَمَا أَتَبَرَّا مِنْ وَلَاءِ ابْنِ مُلْجِمِ وَيُعْجِبُنِي أَهْلُ الْحَدِيثِ لِصِدْقِهِمْ * فَلَسْتُ إِلَى قَوْمٍ سِوَاهُمْ بمنتمي توفي بِبَغْدَادَ وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ الشُّهَدَاءِ بِبَابِ حَرْبٍ رَحِمَهُ الله تعالى.
بحمد الله تعالى قد تم الجزء الثاني عشر من البداية والنهاية للعلامة ابن كثير ويليه الجزء الثالث عشر وأوله سنة تسع وثمانين وخمسمائة هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التحية
__________
(1) في الاصول: أربعة عشرة.
خطأ.
(12/429)

البداية والنهاية - ابن كثير ج 13
البداية والنهاية
ابن كثير ج 13
(13/)

البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 هـ.
حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء الثالث عشر دار إحياء التراث العربي
(13/3)

طبعة جديدة محققة الطبعة الاولى 1408 هـ.
1988 م
(13/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تسع وثمانين وخمسمائة
فيها كانت وفاة السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّين يُوسُفُ بْنُ أيوب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
اسْتُهِلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَهُوَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ، وَخَرَجَ هُوَ وَأَخُوهُ العادل إِلَى الصَّيْدِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْحَالُ بينه وبين أخيه أنه بعد ما يفرغ من أمر الفرنج يَسِيرُ هُوَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَيَبْعَثُ أَخَاهُ إلى بغداد، فَإِذَا فَرَغَا مِنْ شَأْنِهِمَا سَارَا جَمِيعًا إِلَى بلاد أذربيجان، بلاد الْعَجَمِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا أَحَدٌ يُمَانِعُ عَنْهَا، فلما قدم الحجيج فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ حَادِي عَشَرَ صَفَرٍ خَرَجَ السلطان لتلقيهم، وكان معه ابن أخيه سيف الإسلام، صاحب اليمن، فأكرمه والتزمه، وعاد إلى القلعة فدخلها من باب الجديد، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ مَا رَكِبَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، ثُمَّ إِنَّهُ اعْتَرَاهُ حُمَّى
صَفْرَاوِيَّةٌ لَيْلَةَ السَّبْتِ سَادِسَ عَشَرَ صَفَرٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ دَخَلَ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْفَاضِلُ وَابْنُ شَدَّادٍ وَابْنُهُ الْأَفْضَلُ، فَأَخَذَ يَشْكُو إِلَيْهِمْ كَثْرَةَ قَلَقِهِ الْبَارِحَةَ، وَطَابَ لَهُ الْحَدِيثُ، وَطَالَ مَجْلِسُهُمْ عِنْدَهُ، ثُمَّ تَزَايَدَ بِهِ الْمَرَضُ وَاسْتَمَرَّ، وَقَصَدَهُ الْأَطِبَّاءُ فِي الْيَوْمِ الرابع، ثم اعتراه يُبْسٌ وَحَصَلَ لَهُ عَرَقٌ شَدِيدٌ بِحَيْثُ نَفَذَ إلى الأرض، ثم قوي اليبس فأحضر الأمراء الْأَكَابِرِ فَبُويِعَ لِوَلَدِهِ الْأَفْضَلِ نُورِ الدِّينِ عَلَيٍّ، وكان نَائِبًا عَلَى دِمَشْقَ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا ظَهَرَتْ مَخَايِلُ الضَّعْفِ الشَّدِيدِ، وَغَيْبُوبَةُ الذِّهْنِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَكَانَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ الْفَاضِلُ وَابْنُ شَدَّادٍ وَقَاضِي الْبَلَدِ ابْنُ الزَّكِيِّ، ثم اشتد به الْحَالُ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ، وَاسْتَدْعَى الشَّيْخَ أَبَا جَعْفَرٍ إِمَامَ الْكَلَّاسَةِ لِيَبِيتَ عِنْدَهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُلَقِّنُهُ الشَّهَادَةَ إِذَا جَدَّ بِهِ الْأَمْرُ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عِنْدَهُ وهو في الغمرات فَقَرَأَ (هُوَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) [الحشر: 22] فَقَالَ: وَهُوَ كَذَلِكَ صَحِيحٌ.
فَلَمَّا أَذَّنَ الصُّبْحُ جَاءَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي آخِرِ رَمَقٍ، فَلَمَّا قَرَأَ الْقَارِئُ (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت) [التوبة: 129] تَبَسَّمَ وَتَهَلَّلَ وَجْهُهُ وَأَسْلَمَ رُوحَهُ إِلَى رَبِّهِ
(13/5)

سُبْحَانَهُ، وَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، لِأَنَّهُ وُلِدَ بِتَكْرِيتَ فِي شُهُورِ سنة، سنة ثنتين وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَدْ كَانَ رِدْءًا لِلْإِسْلَامِ وَحِرْزًا وَكَهْفًا مِنْ كَيْدِ الْكَفَرَةِ اللِّئَامِ، وذلك بتوفيق الله له، وَكَانَ أَهْلُ دِمَشْقَ لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِ مُصَابِهِ، وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبائه وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ غُلِّقَتِ الْأَسْوَاقُ وَاحْتُفِظَ عَلَى الْحَوَاصِلِ، ثمَّ أخذوا في تجهيزه، وحضر جميع أولاده وأهله، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى غُسْلَهُ خَطِيبُ الْبَلَدِ الْفَقِيهُ الدَّوْلَعِيُّ (1) ، وَكَانَ الَّذِي أَحْضَرَ الْكَفَنَ وَمُؤْنَةَ التَّجْهِيزِ الْقَاضِي الْفَاضِلُ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ الْحَلَالِ، هَذَا وأولاده الكبار والصغار يتباكون وينادون، وأخذ الناس في العويل والانتحاب والدعاء له والابتهال، ثم أبرز جسمه في نعشه فِي تَابُوتٍ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَمَّ النَّاسَ عَلَيْهِ الْقَاضِي ابْنُ الزَّكِيِّ ثُمَّ دُفِنَ فِي داره بالقلعة المنصورة، ثم شرع ابْنُهُ فِي بِنَاءِ تُرْبَةٍ لَهُ وَمَدْرَسَةٍ لِلشَّافِعِيَّةِ بِالْقُرْبِ مِنْ مَسْجِدِ الْقَدَمِ، لِوَصِيَّتِهِ بِذَلِكَ قَدِيمًا، فلم يكمل بناؤها، وَذَلِكَ حِينَ قَدِمَ
وَلَدُهُ الْعَزِيزُ وَكَانَ مُحَاصِرًا لِأَخِيهِ الْأَفْضَلِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فِي سَنَةِ تِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَى لَهُ الْأَفْضَلُ دَارًا شَمَالِيَّ الْكَلَّاسَةِ فِي وِزَانِ مَا زَادَهُ الْقَاضِي الفاضل في الكلاسة، فجعلها تُرْبَةً، هَطَلَتْ سَحَائِبُ الرَّحْمَةِ عَلَيْهَا، وَوَصَلَتْ أَلْطَافُ الرَّأْفَةِ إِلَيْهَا.
وَكَانَ نَقْلُهُ إِلَيْهَا فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ تَحْتَ النسر قاضي القضاة محمد بن علي القرابي ابن الزكي، عن إذن الأفضل، وَدَخَلَ فِي لَحْدِهِ وَلَدُهُ الْأَفْضَلُ فَدَفَنَهُ بِنَفْسِهِ، وهو يومئذ سلطان الشام، وَيُقَالُ إِنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ سَيْفُهُ الَّذِي كَانَ يحضر به الجهاد، وذلك عن أمر القاضي الفاضل، وَتَفَاءَلُوا بِأَنَّهُ يَكُونُ مَعَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَوَكَّأُ عليه، حتى يدخل الجنة إن شاء الله.
ثُمَّ عُمِلَ عَزَاؤُهُ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يحضره الخاص والعام، وَالرَّعِيَّةُ وَالْحُكَّامُ، وَقَدْ عَمِلَ الشُّعَرَاءُ فِيهِ مَرَاثِيَ كثيرة من أحسنها ما عمله العماد الكاتب في آخر كتابه البرق السامي، وهي مائتا بيت واثنان، وَقَدْ سَرَدَهَا الشَّيخ شِهَابُ الدِّين أَبُو شَامَةَ في الروضتين، منها قوله: شَمْلُ الْهُدَى وَالْمُلْكِ عَمَّ شَتَاتُهُ * وَالدَّهْرُ سَاءَ وَأَقْلَعَتْ حَسَنَاتُهُ أَيْنَ الَّذِي مُذْ لَمْ يَزَلْ مَخْشِيَّةً * مَرْجُوَّةً رَهَبَاتُهُ وَهِبَاتُهُ؟ أَيْنَ الَّذِي كَانَتْ لَهُ طَاعَاتُنَا * مَبْذُولَةً وَلِرَبِّهِ طَاعَاتُهُ؟ بِاللَّهِ أَيْنَ النَّاصِرُ الْمَلِكُ الَّذِي * لِلَّهِ خَالِصَةً صفتْ نِيَّاتُهُ؟ أَيْنَ الَّذِي مَا زَالَ سُلْطَانًا لَنَا * يُرْجَى نَدَاهُ وَتُتَّقَى سَطَوَاتُهُ؟ أَيْنَ الَّذِي شَرُفَ الزَّمَانُ بِفَضْلِهِ * وَسَمَتْ عَلَى الْفُضَلَاءِ تَشْرِيفَاتُهُ؟ أَيْنَ الَّذِي عَنَتِ الْفِرِنْجُ لِبَأْسِهِ * ذُلًّا، وَمِنْهَا أُدْرِكَتْ ثَارَاتُهُ؟ أَغْلَالُ أَعْنَاقِ الْعِدَا أَسْيَافُهُ * أَطْوَاقُ أَجْيَادِ الْوَرَى مناته
__________
(1) الدولعي هو ضِيَاءُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زيد بن ياسين بن زيد بن قائد بن جميل الارقمي الدولعي الشافعي، خطيب دمشق توفي في ربيع الأول سنة 598 هـ وله إحدى وتسعين سنة.
(*)
(13/6)

من للعلى مَنْ لِلذُّرَى مَنْ لِلْهُدَى * يَحْمِيهِ؟ مَنْ لِلْبَأْسِ مَنْ لِلنَّائِلِ؟
طَلَبَ الْبَقَاءَ لِمُلْكِهِ فِي آجلٍ * إِذْ لَمْ يَثِقْ بِبَقَاءِ ملكٍ عَاجِلِ بحرٌ أَعَادَ الْبَرَّ بَحْرًا بِرُّهُ * وَبِسَيْفِهِ فُتِحَتْ بِلَادُ السَّاحِلِ مَنْ كَانَ أَهْلُ الْحَقِّ فِي أَيَّامِهِ * وَبِعِزِّهِ يُرْدُونَ أَهْلَ الْبَاطِلِ وَفُتُوحُهُ وَالْقُدْسُ مِنْ أَبْكَارِهَا * أَبْقَتْ لَهُ فَضْلًا بِغَيْرِ مُسَاجِلِ مَا كُنْتُ أَسْتَسْقِي لِقَبْرِكَ وَابِلًا * وَرَأَيْتُ جُودَكَ مُخْجِلًا لِلْوَابِلِ فَسَقَاكَ رِضْوَانُ الْإِلَهِ لِأَنَّنِي * لَا أَرْتَضِي سقيا الغمام الهاطل تركته وشئ مِنْ تَرْجَمَتِهِ قَالَ الْعِمَادُ وَغَيْرُهُ: لَمْ يَتْرُكْ فِي خِزَانَتِهِ مِنَ الذَّهَبِ سِوَى جُرْمٍ وَاحِدٍ - أي دينار واحد - صورياً وَسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا (1) ، وَلَمْ يَتْرُكْ دَارًا وَلَا عَقَارًا وَلَا مَزْرَعَةً وَلَا بُسْتَانًا، وَلَا شَيْئًا مِنْ أَنْوَاعِ الْأَمْلَاكِ.
هَذَا وَلَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ سَبْعَةَ عَشَرَ ذكراً وابنة واحدة، وتوفي له في حَيَاتِهِ غَيْرُهُمْ، وَالَّذِينَ تَأَخَّرُوا بَعْدَهُ سِتَّةَ عَشَرَ ذَكَرًا أَكْبَرُهُمُ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ، وُلِدَ بِمِصْرَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ، ثُمَّ الْعَزِيزُ عِمَادُ الدِّينِ أَبُو الْفَتْحِ عُثْمَانُ وُلِدَ بِمِصْرَ أَيْضًا فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ، ثُمَّ الظَّافِرُ مُظَفَّرُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْخَضِرُ، وُلِدَ بِمِصْرَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَهُوَ شَقِيقُ الْأَفْضَلِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ غِيَاثُ الدِّينِ أَبُو مَنْصُورٍ غَازِيٌّ، وُلِدَ بِمِصْرَ فِي نِصْفِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، ثم العزيز فَتْحُ الدِّينِ أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ، وُلِدَ بِدِمَشْقَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعِينَ.
ثُمَّ نَجْمُ الدِّينِ أَبُو الْفَتْحِ مَسْعُودٌ، وُلِدَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعَيْنِ وَهُوَ شَقِيقُ الْعَزِيزِ، ثُمَّ الْأَغَرُّ شَرَفُ الدِّينِ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ، وُلِدَ بِمِصْرَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعَيْنِ، وَهُوَ شَقِيقُ الْعَزِيزِ أَيْضًا، ثُمَّ الزَّاهِرُ مُجِيرُ الدِّينِ أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ، وُلِدَ بِمِصْرَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَهُوَ شَقِيقُ الظَّاهِرِ، ثُمَّ أَبُو الْفَضْلِ قُطْبُ الدِّينِ مُوسَى، وَهُوَ شَقِيقُ الْأَفْضَلِ، وُلِدَ بِمِصْرَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وسبعين أيضاً، ثم لقب بالمظفر أيضاً، ثُمَّ الْأَشْرَفُ مُعِزُّ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ، وُلِدَ بِالشَّامِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، ثُمَّ الْمُحْسِنُ ظَهِيرُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ وُلِدَ بِمِصْرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ شَقِيقُ الَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ الْمُعَظَّمُ فَخْرُ الدِّينِ أَبُو مَنْصُورٍ توران شاه وُلِدَ بِمِصْرَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ،
وَتَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ إِلَى سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، ثُمَّ الْجَوَّالُ رُكْنُ الدِّينِ أَبُو سَعِيدٍ أَيُّوبُ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعَيْنِ، وَهُوَ شَقِيقٌ لِلْمُعِزِّ، ثُمَّ الْغَالِبُ نَصِيرُ الدِّينِ أَبُو الْفَتْحِ ملك شاه، وُلِدَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعَيْنِ وَهُوَ شَقِيقُ الْمُعَظَّمِ، ثُمَّ الْمَنْصُورُ أَبُو بَكْرٍ أَخُو المعظم لأبويه، ولد بحران بعد وفاة
__________
(1) في ابن الاثير 12 / 96 أربعين درهما ناصرية.
(*)
(13/7)

السلطان، ثم عماد الدين شادي لأم ولد، ونصير الدِّينِ مَرْوَانُ لِأُمِّ وَلَدٍ أَيْضًا.
وَأَمَّا الْبِنْتُ فَهِيَ مُؤْنِسَةُ خَاتُونَ تَزَوَّجَهَا ابْنُ عمِّها الْمَلِكُ الْكَامِلُ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنَّمَا لَمْ يُخْلِفْ أموالاً ولا أملاكاً لجوده وكرمه وإحسانه إلى أمرائه وغيرهم، حتى إلى أعدائه، وقد تقدم من ذلك ما يكفي، وقد كان متقللاً في ملبسه، ومأكله ومركبه، وكان لا يَلْبَسُ إِلَّا الْقُطْنَ وَالْكَتَّانَ وَالصُّوفَ، وَلَا يُعْرَفُ أنه تخطى إلى مكروه، ولا سيما بَعْدَ أَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمُلْكِ، بَلْ كان همه الأكبر ومقصده الأعظم نصره الإسلام، وكسر أعدائه اللئام، وكان يعمل رأيه في ذلك وحده، ومع من يثق به ليلاً ونهاراً، وَهَذَا مَعَ مَا لَدَيْهِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْفَوَاضِلِ، وَالْفَوَائِدِ الْفَرَائِدِ، فِي اللُّغَةِ وَالْأَدَبِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ الْحَمَاسَةَ بِتَمَامِهَا، وَكَانَ مُوَاظِبًا عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا فِي الجماعة، يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ تَفُتْهُ الْجَمَاعَةُ فِي صَلَاةٍ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، حَتَّى وَلَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، كَانَ يَدْخُلُ الْإِمَامُ فَيُصَلِّي بِهِ، فكان يتجشم القيام مع ضعفه، وَكَانَ يَفْهَمُ مَا يُقَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْبَحْثِ وَالْمُنَاظَرَةِ، وَيُشَارِكُ فِي ذَلِكَ مُشَارَكَةً قَرِيبَةً حَسَنَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْعِبَارَةِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ لَهُ الْقُطْبُ النَّيْسَابُورِيُّ عَقِيدَةً فَكَانَ يَحْفَظُهَا وَيُحَفِّظُهَا مَنْ عَقَلَ مِنْ أَوْلَادِهِ، وكان يحب سماع القرآن والحديث والعلم، ويواظب على سماع الحديث، حتى أنه يسمع في بعض مصافه جزء وَهُوَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَكَانَ يَتَبَجِّحُ بِذَلِكَ وَيَقُولُ هَذَا مَوْقِفٌ لَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ فِي مِثْلِهِ حَدِيثًا، وَكَانَ ذَلِكَ بِإِشَارَةِ الْعِمَادِ الْكَاتِبِ.
وَكَانَ رَقِيقَ الْقَلْبِ سَرِيعَ الدَّمْعَةِ عِنْدَ سَمَاعِ الْحَدِيثِ، وكان كثير التعظيم لشرائع الدين.
كان قد صحب وَلَدِهِ الظَّاهِرِ وَهُوَ بِحَلَبَ شَابٌّ يُقَالُ لَهُ الشِّهَابُ السُّهْرَوَرْدِيُّ، وَكَانَ يَعْرِفُ الْكِيمْيَا وَشَيْئًا مِنَ الشَّعْبَذَةِ وَالْأَبْوَابِ
النِّيرَنْجِيَّاتِ، فَافْتَتَنَ بِهِ وَلَدُ السُّلْطَانِ الظَّاهِرُ، وَقَرَّبَهُ وَأَحَبَّهُ، وَخَالَفَ فِيهِ حَمَلَةَ الشَّرْعِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ لَا مَحَالَةَ، فَصَلَبَهُ عَنْ أَمْرِ وَالِدِهِ وَشَهَّرَهُ، وَيُقَالُ بَلْ حَبَسَهُ بين حيطين حَتَّى مَاتَ كَمَدًا، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وثمانين وخمسمائة، وكان مِنْ أَشْجَعِ النَّاس وَأَقْوَاهُمْ بَدَنًا وَقَلْبًا، مَعَ مَا كَانَ يَعْتَرِي جِسْمَهُ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ، ولا سيما في حصار عَكَّا، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ كَثْرَةِ جُمُوعِهِمْ وَأَمْدَادِهِمْ لَا يَزِيدُهُ ذَلِكَ إِلَّا قُوَّةً وَشَجَاعَةً، وَقَدْ بَلَغَتْ جُمُوعُهُمْ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَيُقَالُ سِتَّمِائَةِ ألف، فقتل منهم مائة ألف مقاتل.
ولما انفصل الحرب وتسلموا عكا وقتلوا من كان بها من المسلمين وساروا برمتهم إلى القدس جعل يسايرهم منزلة منزلة، وَجُيُوشُهُمْ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَنْ مَعَهُ، وَمَعَ هَذَا نصره الله وخذلهم، وسبقهم إلى القدس فصانه وحماه منهم، وَلَمْ يَزَلْ بِجَيْشِهِ مُقِيمًا بِهِ يُرْهِبُهُمْ وَيُرْعِبُهُمْ ويغلبهم ويسلبهم حَتَّى تَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَخَضَعُوا لَدَيْهِ، وَدَخَلُوا عَلَيْهِ في الصلح، وأن تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا سألوا على الوجه الذي أراده، لا على مَا يُرِيدُونَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الرَّحْمَةِ التي رحم الله بها المؤمنين، فَإِنَّهُ مَا انْقَضَتْ تِلْكَ السُّنُونَ حَتَّى مَلَكَ البلاد أخوه الْعَادِلُ فَعَزَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَذَلَّ بِهِ الْكَافِرُونَ، وكان سخياً جبياً ضَحُوكَ الْوَجْهِ كَثِيرَ الْبِشْرِ، لَا يَتَضَجَّرُ مِنْ خير
(13/8)

يفعله، شديد المصابرة على الخيرات والطاعات، فرحمه الله وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيخ شِهَابُ الدِّين أَبُو شَامَةَ طَرَفًا صَالِحًا مِنْ سِيرَتِهِ وَأَيَّامِهِ، وَعَدْلِهِ فِي سريرته وعلانيته، وأحكامه.
فصل وكان قَدْ قَسَّمَ الْبِلَادَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ، فَالدِّيَارُ الْمِصْرِيَّةُ لولده العزيز عماد الدين أبي الفتح، ودمشق وَمَا حَوْلَهَا لِوَلَدِهِ الْأَفْضَلِ نُورِ الدِّينِ عَلَيٍّ، وهم أكبر أولاده، وَالْمَمْلَكَةُ الْحَلَبِيَّةُ لِوَلَدِهِ الظَّاهِرِ غَازِيٍّ غِيَاثِ الدِّينِ، ولأخيه العادل الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كَثِيرَةٌ قَاطِعَ الْفُرَاتِ، وَحَمَاةُ وَمُعَامَلَةٌ أُخْرَى (1) مَعَهَا لِلْمَلِكِ الْمَنْصُورِ مُحَمَّدِ بْنِ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ بن أَخِي السُّلْطَانِ، وَحِمْصُ وَالرَّحْبَةُ وَغَيْرُهَا لِأَسَدِ الدِّينِ بن شيركوه بن ناصر الدين بن محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير،
نجم الدِّينِ أَخِي أَبِيهِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ.
وَالْيَمَنُ بِمَعَاقِلِهِ وَمَخَالِيفِهِ جَمِيعُهُ فِي قَبْضَةِ السُّلْطَانِ ظَهِيرِ الدِّينِ سَيْفِ الْإِسْلَامِ طُغْتِكِينَ بْنِ أَيُّوبَ، أَخِي السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَبَعْلَبَكَّ وَأَعْمَالُهَا لِلْأَمْجَدِ بَهْرَامْ شاه بن فروخ شاه، وَبُصْرَى وَأَعْمَالُهَا لِلظَّافِرِ بْنِ النَّاصِرِ.
ثُمَّ شَرَعَتِ الْأُمُورُ بَعْدَ مَوْتِ صَلَاحِ الدِّينِ تَضْطَرِبُ وَتَخْتَلِفُ في جميع هذه الممالك، حتى آل الأمر واستقرت الممالك واجتمعت الكلمة على الملك العادل أبي بكر صلاح الدين، وصارت المملكة في أولاده كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وفيها جَدَّدَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ خِزَانَةَ كُتُبِ الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَنَقَلَ إِلَيْهَا أُلُوفًا مِنَ الكتب الحسنة المثمنة وفي المحرم منها جرت ببغداد كَائِنَةٌ غَرِيبَةٌ وَهِيَ أَنَّ ابْنَةً لِرَجُلٍ مِنَ التجار في الطحين عشقت غلام أَبِيهَا فَلَمَّا عَلِمَ أَبُوهَا بِأَمْرِهَا طَرَدَ الْغُلَامَ من داره فواعدته البنت ذات ليلة أن يأتيها فجاء إليها مختفياً فتركته في بعض الدار، فلما جاء أبوها في أثناء اللَّيل أمرته فنزل فقلته، وأمرته بقتل أمها وَهِيَ حُبْلَى، وَأَعْطَتْهُ الْجَارِيَةُ حُلِيًّا بِقِيمَةِ أَلْفَيْ دِينَارٍ، فَأَصْبَحَ أَمْرُهُ عِنْدَ الشُّرْطَةِ فَمُسِكَ وَقُتِلَ قبحه الله، وَقَدْ كَانَ سَيِّدُهُ مِنْ خِيَارِ النَّاس وَأَكْثَرِهِمْ صدقة وبراً، وكان شاباً وضئ الْوَجْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِيهَا دَرَّسَ بِالْمَدْرَسَةِ الْجَدِيدَةِ عِنْدَ قَبْرِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ التويابي وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَعُمِلَ بِهَا دَعْوَةٌ حافلة.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ ... السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّين يوسف بن أيوب ابن شاذي، وقد تقدمت وفاته مبسوطة.
__________
(1) قال في تاريخ أبي الفداء 3 / 87: حماه وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم.
(*)
(13/9)

الْأَمِيرُ بَكْتَمُرُ صَاحِبُ خِلَاطَ قُتِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ (1) ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَأَشْجَعِهِمْ وَأَحْسَنِهِمْ سِيرَةً رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْأَتَابِكُ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودُ
ابن مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ نَحْوًا مِنْ ثلاث عشرة سنة، من خيار الملوك، كان بنسبه نور الدين الشهيد عَمِّهِ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ عِنْدَ مَدْرَسَةٍ أَنْشَأَهَا بِالْمَوْصِلِ أثابه الله.
جعفر بن محمد بن فطيرا أَبُو الْحَسَنِ أَحَدُ الْكُتَّابِ بِالْعِرَاقِ، كَانَ يُنْسَبُ إِلَى التَّشَيُّعِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَهْلِ تِلْكَ البلاد لا أكثر الله منهم، جَاءَهُ رَجُلٌ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لَهُ رَأَيْتُ البارحة أمير المؤمنين علياً في المنام، فقال لي: اذهب إلى ابن فطيرا فقل له يعطيك عشر دنانير، فقال له ابن فطيرا.
متى رأيته؟ قال: أول الليل، فقال ابن فطيرا وأنا رأيته آخر الليل فَقَالَ لِي: إِذَا جَاءَكَ رَجُلٌ مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا فَطَلَبَ مِنْكَ شَيْئًا فَلَا تُعْطِهِ، فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ مُوَلِّيًا فَاسْتَدْعَاهُ وَوَهَبَهُ شَيْئًا، وَمِنْ شِعْرِهِ فِيمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ السَّاعِي وَقَدْ تَقَدَّمَ ذلك لِغَيْرِهِ: وَلَمَّا سَبَرْتُ النَّاسَ أَطْلُبُ مِنْهُمُ * أَخَا ثقةٍ عِنْدَ اعْتِرَاضِ الشَّدَائِدِ وَفَكَّرْتُ فِي يَوْمَيْ سُرُورِي وَشِدَّتِي * وَنَادَيْتُ فِي الْأَحْيَاءِ هَلْ مِنْ مُسَاعِدِ؟ فَلَمْ أَرَ فِيمَا سَاءَنِي غَيْرَ شَامِتٍ * وَلَمْ أرَ فِيمَا سَرَّنِي غَيْرَ حَاسِدِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ غَازِيٍّ أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ النجراني صَاحِبُ الْمَقَامَاتِ، كَانَ شَاعِرًا أَدِيبًا فَاضِلًا بَلِيغًا، لَهُ الْيَدُ الطُّولَى فِي اللُّغَةِ وَالنَّظْمِ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: غِنَاءُ خودٍ يَنْسَابُ لُطْفًا * بِلَا عناءٍ فِي كُلِّ أُذْنِ مَا رَدَّهُ قَطُّ بَابُ سمعٍ * وَلَا أَتَى زَائِرًا بِإِذْنِ السَّيِّدَةُ زُبَيْدَةُ بِنْتُ الْإِمَامِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ، أُخْتُ المستنجد وعمة المستضئ، كانت قد عمرت طويلا
__________
(1) قتل في أول جمادى الأولى، وكان سبب قتله أن هزار ديناري وهو من مماليك شاه أرمن ظهير الدين تزوج بابنة بكتمر وقوي أمره واشتد، فمطع في الملك، فعمل على قتل بكتمر وملك بلاد خلاط وأعمالها وبقي في ملكها إلى وفاته سنة 594 هـ.
(الكامل 12 / 103 تاريخ أبي الفداء 3 / 89) وقال الذهبي في العبر: قتله بعض الاسماعيلية.
(*)
(13/10)

وَلَهَا صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ دَارَّةٌ، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا فِي وَقْتٍ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ عَلَى صَدَاقِ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، وَقَدْ كانت كارهة لذلك، فحصل مقصودها وطلبتها.
الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ فَاطِمَةُ خَاتُونَ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ الحسن العميد، كانت عَابِدَةً زَاهِدَةً، عُمِّرَتْ مِائَةَ سَنَةٍ وَسِتَّ سِنِينَ، كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا فِي وَقْتٍ أَمِيرُ الْجُيُوشِ مطر وَهِيَ بِكْرٌ، فَبَقِيَتْ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدَهُ، بَلِ اشْتَغَلَتْ بِذِكْرِ اللَّهِ عزوجل والعبادة، رحمها الله.
وفيها أنفذ الخليفة الناصر الْعَبَّاسِيُّ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَبْيَاتِ عَدِيِّ بن زيد المشهورة ما يناسبها من الشعر، وَلَوْ بَلَغَ ذَلِكَ عَشْرَ مُجَلَّدَاتٍ، وَهِيَ هَذِهِ الأبيات: أيها الشامت المعير بالده * ر أَأَنْتَ الْمُبَرَّأُ الْمَوْفُورُ أَمْ لَدَيْكَ الْعَهْدُ الْوَثِيقُ مِنَ الْ * أَيَّامِ، بَلْ أَنْتَ جاهلٌ مَغْرُورُ مَنْ رَأَيْتَ الْمَنُونَ خلدت أَمْ مَنْ * ذَا عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُضَامَ خفير أين كسرى كسر الملوك أبو * ساسان أَمْ أَيْنَ قَبْلَهُ سَابُورُ؟ وَبَنُو الْأَصْفَرِ الْمُلُوكُ ملوك الر * وم لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكُورُ وَأَخُو الْحَضْرِ إِذْ بناه وإذ * دجلة تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وجلله كلسا * فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاهُ وُكُورُ لَمْ تَهَبْهُ رَيْبُ المنون فزا * ل الْمُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجُورُ وَتَذَكَّرْ رَبَّ الْخَوَرْنَقِ إِذْ * أشرف يوماً وللهندي (1) تكفير سره حاله وكثرة ما * يملك وَالْبَحْرُ مُعْرِضًا وَالسَّدِيرُ فَارْعَوَى قَلْبُهُ وَقَالَ وَمَا * غبطة حي إلى الممات يصير ثم بعد النعيم والملك والنهي وال * أمر وارتهم هناك قبور
ثم أضحوا كأنهم أورق (2) جف * ت فألوت بها الصبا والدبور غير أن الأيام تختص بالمرء * وفيها لعمري العظات والتفكير
__________
(1) في معجم البلدان (خورنق) : وتبين..وللهدى تفكير.
قيل والخورنق قصر بناه النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن مرة كان من أشد الملوك بأسا، أشرف يوما على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان فقال لوزيره: أرأيت مثل هذا المنظر وحسنه.
فقال: لو كان يدوم.
فقال: ما الذي يدوم.
قال: ما عند الله في الآخرة وينال ذلك بترك الدنيا وعبادة الله.
فترك ملكه في ليلته واختفى هاربا ... فقال عدي بن زيد هذه الأبيات.
(2) في معجم البلدان: ثم صاروا كأنهم ورق.. (*)
(13/11)

ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة لَمَّا اسْتَقَرَّ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ مكان أبيه بدمشق، بعث بهدايا سنية إلى باب الخليفة الناصر، مِنْ ذَلِكَ سِلَاحُ أَبِيهِ وَحِصَانُهُ الَّذِي كَانَ يحضر عليه الغزوات، ومنها صَلِيبُ الصَّلَبُوتِ الَّذِي اسْتَلَبَهُ أَبُوهُ مِنَ الْفِرِنْجِ يَوْمَ حِطِّينَ، وَفِيهِ مِنَ الذَّهَبِ مَا يَنِيفُ على عشرين رطلاً مرصعاً بالجواهر النفيسة، وأربع جواري مِنْ بَنَاتِ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ، وَأَنْشَأَ لَهُ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ كِتَابًا حَافِلًا يَذْكُرُ فِيهِ التَّعْزِيَةَ بِأَبِيهِ، والسؤال من الخليفة أن يكون في الملك مِنْ بَعْدِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ شَهْرُ جُمَادَى الْأُولَى قَدِمَ الْعَزِيزُ صَاحِبُ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ لِيَأْخُذَهَا مِنْ أَخِيهِ الْأَفْضَلِ فَخَيَّمَ عَلَى الْكُسْوَةِ يَوْمَ السَّبْتِ سَادِسِ جُمَادَى، وَحَاصَرَ البلد، فمانعه أخوه ودافعه عنها، فقطع الْأَنْهَارُ وَنُهِبَتِ الثِّمَارُ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ الْعَادِلُ عَمُّهُمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَرَدَّ الْأَمْرَ لِلْأُلْفَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْعَزِيزِ الْقُدْسُ وَمَا جَاوَرَ فِلَسْطِينَ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَيْضًا، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ جَبَلَةُ وَاللَّاذِقِيَّةُ لِلظَّاهِرِ صَاحِبِ حَلَبَ، وَأَنْ يَكُونَ لِعَمِّهِمَا الْعَادِلِ إِقْطَاعُهُ الْأَوَّلُ بِبِلَادِ مِصْرَ مُضَافًا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ كَحَرَّانَ وَالرُّهَا وَجَعْبَرَ وَمَا جَاوَرَ ذَلِكَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى
ذَلِكَ، وَتَزَوَّجَ الْعَزِيزُ بِابْنَةِ عَمِّهِ الْعَادِلِ، وَمَرِضَ ثُمَّ عُوفِيَ وَهُوَ مُخَيِّمٌ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، وَخَرَجَتِ الْمُلُوكُ لِتَهْنِئَتِهِ بِالْعَافِيَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالصُّلْحِ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى مِصْرَ لِطُولِ شَوْقِهِ إِلَى أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَكَانَ الْأَفْضَلُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ قَدْ أَسَاءَ التَّدْبِيرَ فَأَبْعَدَ أُمَرَاءَ أَبِيهِ وَخَوَاصَّهُ، وَقَرَّبَ الْأَجَانِبَ وَأَقْبَلَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ وَاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ وَزِيرُهُ ضِيَاءُ الدِّينِ بْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَحْدُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَتَلِفَ وَأَتْلَفَهُ، وَأَضَلَّ وَأَضَلَّهُ، وَزَالَتِ النِّعْمَةُ عَنْهُمَا كَمَا سَيَأْتِي.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ شِهَابِ الدِّينِ مَلِكِ غَزْنَةَ وَبَيْنَ كُفَّارِ الْهِنْدِ، أَقْبَلُوا إِلَيْهِ فِي أَلْفِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَمَعَهُمْ سَبْعُمِائَةِ فِيلٍ مِنْهَا فِيلٌ أَبْيَضُ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، فَهَزَمَهُمْ شِهَابُ الدِّينِ عِنْدَ نهر عظيم يقال له الملاحون (1) ، وَقَتَلَ مَلِكَهُمْ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى حَوَاصِلِهِ وَحَوَاصِلِ بِلَادِهِ وَغَنِمَ فِيَلَتَهُمُ وَدَخَلَ بَلَدَ الْمَلِكِ الْكُبْرَى، فَحَمَلَ مِنْ خِزَانَتِهِ ذَهَبًا وَغَيْرَهُ عَلَى أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ جَمَلٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بِلَادِهِ سَالِمًا مَنْصُورًا.
وفيها ملك السلطان خوارزم شاه تكش - يقال لَهُ ابْنُ الْأَصْبَاعِيِّ - بِلَادَ الرَّيِّ وَغَيْرَهَا، وَاصْطَلَحَ مع السلطان طغرلبك السَّلْجُوقِيِّ وَكَانَ قَدْ تَسَلَّمَ بِلَادَ الرَّيِّ وَسَائِرَ مَمْلَكَةِ أَخِيهِ سُلْطَانِ شَاهْ وَخَزَائِنِهِ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، ثم التقى هو والسلطان طغرلبك فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
فَقَتَلَ
__________
(1) في الكامل 12 / 105: ماجون، وهو نهر كبير يقارب دجلة بالموصل.
وفي معجم البلدان: ماجان: نهر يشق مدينة مرو.
(*)
(13/12)

السلطان طغرلبك، وَأَرْسَلَ رَأْسَهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَعُلِّقَ عَلَى بَابِ النُّوبَةِ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْخِلَعَ وَالتَّقَالِيدَ إلى السلطان خوارزم شاه، وملك همدان وَغَيْرَهَا مِنَ الْبِلَادِ الْمُتَّسِعَةِ.
وَفِيهَا نَقَمَ الْخَلِيفَةُ على الشيخ أبي الفرج بن الجوزي وغضب عليه، ونفاه إلى واسط، فمكث بها خمسة أيام لم يأكل طعاماً، وَأَقَامَ بِهَا خَمْسَةَ أَعْوَامٍ يَخْدِمُ نَفْسَهُ وَيَسْتَقِي لِنَفْسِهِ الْمَاءَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ بَلَغَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَتْلُو فِي كُلِّ يَوْمٍ وليلة ختمة.
قال: ولم أقرأ يُوسُفَ لِوَجْدِي عَلَى وَلَدِي يُوسُفَ، إِلَى أَنْ فَرَّجَ اللَّهُ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ أَبُو الْخَيْرِ الْقَزْوِينِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمُفَسِّرُ، قد بَغْدَادَ وَوَعَظَ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَكَانَ يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ فِي الْأُصُولِ، وَجَلَسَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقِيلَ لَهُ: الْعَنْ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: ذَاكَ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ، فَرَمَاهُ النَّاسُ بِالْآجُرِّ فَاخْتَفَى ثُمَّ هَرَبَ إِلَى قَزْوِينَ.
ابْنُ الشَّاطِبِيِّ نَاظِمُ لشاطبية أَبُو [مُحَمَّدٍ] (1) الْقَاسِمُ بْنُ فِيرُّهَ (2) بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ الرُّعَيْنِيُّ الشَّاطِبِيُّ الضَّرِيرُ، مُصَنِّفُ الشَّاطِبِيَّةِ فِي الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ، فَلَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا وَلَا يُلْحَقْ فِيهَا، وَفِيهَا مِنَ الرُّمُوزِ كُنُوزٌ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا إِلَّا كُلُّ نَاقِدٍ بَصِيرٍ، هَذَا مَعَ أَنَّهُ ضَرِيرٌ وُلِدَ سَنَةَ ثمان وثلاثين وخمسمائة، وبلده شاطبة - قَرْيَةٌ شَرْقِيَّ الْأَنْدَلُسِ - كَانَ فَقِيرًا، وَقَدْ أُرِيدَ أَنْ يَلِيَ خَطَابَةَ بَلَدِهِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ مُبَالَغَةِ الْخُطَبَاءِ عَلَى الْمَنَابِرِ فِي وَصْفِ الْمُلُوكِ، خَرَجَ الشَّاطِبِيُّ إِلَى الْحَجِّ فَقَدِمَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَمِعَ عَلَى السِّلَفِيِّ وَوَلَّاهُ الْقَاضِي الْفَاضِلُ مَشْيَخَةَ الْإِقْرَاءِ بِمَدْرَسَتِهِ، وَزَارَ القدس وَصَامَ بِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، فَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ بِالْقُرْبِ مِنَ التُّرْبَةِ الْفَاضِلِيَّةِ، وَكَانَ دَيِّنًا خَاشِعًا نَاسِكًا كَثِيرَ الْوَقَارِ، لَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَكَانَ يَتَمَثَّلُ كَثِيرًا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ، وَهِيَ لُغْزٌ فِي النَّعْشِ، وَهِيَ لِغَيْرِهِ: (3) .
أَتَعْرِفُ شَيْئًا فِي السَّمَاءِ يطير * إذا سار هاج النَّاسُ حَيْثُ يَسِيرُ فَتَلْقَاهُ مَرْكُوبًا وَتَلْقَاهُ رَاكِبًا * وكل أمير يعتليه أسير
__________
(1) من وفيات الاعيان 4 / 71.
وغاية النهاية 2 / 20.
(2) من غاية النهاية، وفي الاصل: قسيرة، والفيرة بكسر الفاء ومعناه بلغة عجم الاندلس: الحديد.
(3) وهو لابي زكريا يحيى بن سلامة الحصكفي.
(*)
(13/13)

يَحُثُّ عَلَى التَّقْوَى وَيُكْرَهُ قُرْبُهُ * وَتَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ وَهْوَ نَذِيرُ
وَلَمْ يَسْتَزِرْ عَنْ رَغْبَةٍ فِي زِيَارَةٍ * وَلَكِنْ عَلَى رَغْمِ الْمَزُورِ يَزُورُ ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة فِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الزَّلَّاقَةِ بِبِلَادِ الْأَنْدَلُسِ شَمَالِيَّ قُرْطُبَةَ، بِمَرْجِ الْحَدِيدِ، كَانَتْ وَقْعَةً عَظِيمَةً نَصَرَ اللَّهُ فِيهَا الْإِسْلَامَ وَخَذَلَ فِيهَا عَبَدَةَ الصُّلْبَانِ، وذل ك أن القيش (1) مَلِكَ الْفِرِنْجِ بِبِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَمَقَرُّ مُلْكِهِ بِمَدِينَةِ طُلَيْطُلَةَ، كَتَبَ إِلَى الْأَمِيرِ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بن عبد المؤمن ملك الغرب يستنخيه ويستدعيه ويستحثه إليه، ليكون من بعض من يخضع له في مثالبه وفي قتاله، فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ فِيهِ تَأْنِيبٌ وَتَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ، فَكَتَبَ السُّلْطَانُ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ فِي رَأْسِ كِتَابِهِ فَوْقَ خَطِّهِ: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) [النمل: 37] ثُمَّ نَهَضَ مِنْ فوره في جنوده وَعَسَاكِرِهِ، حَتَّى قَطَعَ الزُّقَاقَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَالْتَقَوْا في المحل المذكور، فَكَانَتِ الدَّائِرَةُ أَوَّلًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، ثُمَّ كَانَتْ أَخِيرًا عَلَى الْكَافِرِينَ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَكَسَرَهُمْ وَخَذَلَهُمْ أَقْبَحَ كَسْرَةٍ، وَشَرَّ هَزِيمَةٍ وَأَشْنَعَهَا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَثَلَاثَةٌ (2) وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَأُسِرَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا، مِنْ ذَلِكَ مائة ألف خيمة وثلاث (3) وَأَرْبَعُونَ خَيْمَةً، وَمِنَ الْخَيْلِ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ فَرَسٍ، وَمِنَ الْبِغَالِ مِائَةُ أَلْفِ بَغْلٍ، وَمِنَ الْحُمُرِ مِثْلُهَا، وَمِنَ السِّلَاحِ التَّامِّ سَبْعُونَ أَلْفًا، ومن العدد شئ كَثِيرٌ، وَمَلَكَ عَلَيْهِمْ مِنْ حُصُونِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَحَاصَرَ مَدِينَتَهُمْ طُلَيْطُلَةَ مُدَّةً، ثُمَّ لَمْ يَفْتَحْهَا فَانْفَصَلَ عَنْهَا رَاجِعًا إِلَى بِلَادِهِ.
وَلَمَّا حَصَلَ للقيش (1) ما حصل حلق لحيته ورأسه وَنَكَّسَ صَلِيبَهُ وَرَكِبَ حِمَارًا وَحَلَفَ لَا يَرْكَبُ فَرَسًا وَلَا يَتَلَذَّذُ بِطَعَامٍ وَلَا يَنَامُ مَعَ امرأة حتى تنصره النصرانية، ثم طاف على ملوك الفرنج فَجَمَعَ مِنَ الْجُنُودِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الله عزوجل، فَاسْتَعَدَّ لَهُ السُّلْطَانُ يَعْقُوبُ فَالْتَقَيَا فَاقْتَتَلَا قِتَالًا عظيماً لم يسمع بمثله، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ أَقْبَحَ مِنْ هَزِيمَتِهِمُ الْأُولَى، وَغَنِمُوا منهم نظير ما تقدم أَوْ أَكْثَرَ، وَاسْتَحْوَذَ السُّلْطَانُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ معاملهم وَقِلَاعِهِمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ بِيعَ الْأَسِيرُ بِدِرْهَمٍ، وَالْحِصَانُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَالْخَيْمَةُ بدرهم، والسيف بدون ذلك ثُمَّ قَسَمَ السُّلْطَانُ هَذِهِ الْغَنَائِمَ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، فَاسْتَغْنَى الْمُجَاهِدُونَ إِلَى الْأَبَدِ، ثُمَّ طَلَبَتِ الْفِرِنْجُ مِنَ السُّلْطَانِ الْأَمَانَ
فَهَادَنَهُمْ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ خَمْسَ سِنِينَ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ التوزي الذي يقال له المكلثم، ظَهَرَ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ فَأَحْدَثَ أُمُورًا فَظِيعَةً فِي غيبة السلطان واشرف به بقتال الفرنج مدة ثلاث سنين، فأحدث هذا المارق التوزي بالبادية حوادث، وعاث في الأرض
__________
(1) في الكامل 12 / 113 ألفنش.
(2) في الكامل: وستة.
(3) في الاصل وثلاثة وهو خطأ.
(*)
(13/14)

فَسَادًا، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَتَمَلَّكَ بِلَادًا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا اسْتَحْوَذَ جَيْشُ الْخَلِيفَةِ على بلاد الري وأصبهان وهمدان وَخُوزِسْتَانَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَقَوِيَ جَانِبُ الْخِلَافَةِ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْمَمَالِكِ.
وَفِيهَا خَرَجَ الْعَزِيزُ مِنْ مِصْرَ قَاصِدًا دِمَشْقَ لِيَأْخُذَهَا مِنْ يَدِ أَخِيهِ الْأَفْضَلِ، وَكَانَ الْأَفْضَلُ قَدْ تَابَ وَأَنَابَ وَأَقْلَعَ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الشَّرَابِ وَاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَأَقْبَلَ عَلَى الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ، وَشَرَعَ بِكِتَابَةِ مُصْحَفٍ بيده، وحسنت طريقته، غير أن وزيره الضيا الْجَزَرِيَّ يُفْسِدُ عَلَيْهِ دَوْلَتَهُ، وَيُكَدِّرُ عَلَيْهِ صَفْوَتَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْأَفْضَلَ إِقْبَالُ أَخِيهِ نَحْوَهُ سَارَ سَرِيعًا إِلَى عَمِّهِ الْعَادِلِ وَهُوَ بِجَعْبَرَ فَاسْتَنْجَدَهُ فَسَارَ مَعَهُ وَسَبَقَهُ إِلَى دِمَشْقَ، وَرَاحَ الْأَفْضَلُ أَيْضًا إِلَى أَخِيهِ الظَّاهِرِ بِحَلَبَ، فَسَارَا جَمِيعًا نَحْوَ دِمَشْقَ، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَزِيزُ بِذَلِكَ وَقَدِ اقْتَرَبَ مِنْ دِمَشْقَ، كَرَّ رَاجِعًا سَرِيعًا إِلَى مِصْرَ، وَرَكِبَ وَرَاءَهُ الْعَادِلُ وَالْأَفْضَلُ لِيَأْخُذَا مِنْهُ مِصْرَ، وِقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ ثُلُثُ مِصْرَ لِلْعَادِلِ وَثُلُثَاهَا لِلْأَفْضَلِ، ثُمَّ بَدَا لِلْعَادِلِ فِي ذَلِكَ فَأَرْسَلَ لِلْعَزِيزِ يُثَبِّتُهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْأَفْضَلِ يُثَبِّطُهُ، وَأَقَامَا عَلَى بِلْبِيسَ أَيَّامًا حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِمَا الْقَاضِي الْفَاضِلُ مِنْ جِهَةِ الْعَزِيزِ، فوقع الصلح عَلَى أَنْ يَرْجِعَ الْقُدْسَ وَمُعَامَلَتَهَا لِلْأَفْضَلِ، وَيَسْتَقِرَّ الْعَادِلُ مُقِيمًا بِمِصْرَ عَلَى إِقْطَاعِهِ الْقَدِيمِ، فَأَقَامَ العادل بها طمعاً فيها ورجع العادل إلى دمشق بعد ما خرج العزيز لتوديعه، وهي هدنة على قذا، وصلح على دخن.
وفيها توفي من الأعيان:
على بن حسان بن سافر أَبُو الْحَسَنِ الْكَاتِبُ الْبَغْدَادِيُّ، كَانَ أَدِيبًا شَاعِرًا.
مِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: نَفَى رُقَادِي وَمَضَى * بَرْقٌ بِسَلْعٍ وَمَضَا لَاحَ كَمَا سَلَّتْ يَدُ الْ * أَسْوَدِ عَضْبًا أَبْيَضَا كَأَنَّهُ الْأَشْهَبُ فِي * الْنَّقْعِ إِذَا مَا رَكَضَا يَبْدُو كَمَا تَخْتَلِفُ الرِّ * يح على جمر الغضا فتحسب الريح أب * دا نَظَرًا وَغَمَّضَا (1) أَوْ شُعْلَةُ النَّارِ عَلَا * لَهِيبُهَا وَانْخَفَضَا آهٍ لَهُ مِنْ بارقٍ * ضَاءَ عَلَى ذَاتِ الْأَضَا أَذْكَرْنِي عَهْدًا مَضَى * عَلَى الْغُوَيْرِ وَانْقَضَى فَقَالَ لِي قَلْبِي أَتُو * صِي حَاجَةً وَأَعْرَضَا يَطْلُبُ مَنْ أَمْرَضَهُ * فَدَيْتُ ذَاكَ الْمُمْرِضَا
__________
(1) كذا بالاصل، وفي البيت اضطراب واضح.
(*)
(13/15)

يَا غَرَضَ الْقَلْبِ لَقَدْ * غَادَرْتَ قَلْبِي غَرَضَا لأسهمٍ كَأَنَّمَا * يُرْسِلُهَا صَرْفُ الْقَضَا فَبِتُّ لَا أَرْتَابُ فِي * أنَّ رُقَادِي قَدْ قَضَى حَتَّى قَفَا اللَّيْلُ وَكَادَ * اللَّيْلُ أَنْ يَنْقَرِضَا وَأَقْبَلَ الصُّبْحُ لِأَطْ * رَافِ الدُّجَا مُبَيِّضَا وَسَلَّ فِي الشرق على الغ * رب ضِيَاءً وَانْقَضَى ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وخمسمائة في رجب منها أقبل العزيز من مصر ومعه عمه العادل في عساكر، ودخلا دِمَشْقَ قَهْرًا،
وَأَخْرَجَا مِنْهَا الْأَفْضَلَ وَوَزِيرَهُ الَّذِي أَسَاءَ تَدْبِيرَهُ، وَصَلَّى الْعَزِيزُ عِنْدَ تُرْبَةِ وَالِدِهِ صلاح، وخطب له بدمشق، ودخل القلعة المنصورة في يوم وجلس في دار العدل للحكم والفصل، وكل هَذَا وَأَخُوهُ الْأَفْضَلُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ فِي الْخِدْمَةِ، وَأَمَرَ الْقَاضِيَ مُحْيِي الدِّينِ بْنَ الزَّكِيِّ بِتَأْسِيسِ المدرسة الْعَزِيزِيَّةِ إِلَى جَانِبِ تُرْبَةِ أَبِيهِ وَكَانَتْ دَارًا لِلْأَمِيرِ عِزِّ الدِّينِ شَامَةَ، ثُمَّ اسْتَنَابَ عَلَى دِمَشْقَ عَمَّهُ الْمَلِكَ الْعَادِلَ وَرَجَعَ إِلَى مِصْرَ يوم الاثنين تاسع شوال، والسكة والخطبة بدمشق له، وصولح الأفضل على صرخد، وهرب وزيره ابن الأثير الجزري إلى جزيرته، وقد أتلف نفسه ومُلكه، وَمُلْكَهُ بِجَرِيرَتِهِ، وَانْتَقَلَ الْأَفْضَلُ إِلَى صَرْخَدَ بِأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَأَخِيهِ قُطْبُ الدِّينِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ سَوْدَاءُ مُدْلَهِمَّةٌ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ وَمَعَهَا رَمْلٌ أَحْمَرُ، حَتَّى احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى السُّرُجِ بِالنَّهَارِ.
وَفِيهَا وَلِيَ قِوَامُ الدِّينِ أَبُو طالب يحيى بن سعد (1) بْنِ زِيَادَةَ كِتَابَ الْإِنْشَاءِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ بَلِيغًا، وَلَيْسَ هُوَ كَالْفَاضِلِ.
وَفِيهَا دَرَّسُ مُجِيرُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ الْمُبَارَكِ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَكَانَ فَاضِلًا مُنَاظِرًا.
وَفِيهَا قُتِلَ رَئِيسُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَصْبَهَانَ محمود بْنُ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الخُجندي قتله ملك الدِّينِ سُنْقُرُ الطَّوِيلُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ زَوَالِ مُلْكِ أَصْبَهَانَ عَنِ الدِّيوَانِ.
وَفِيهَا مَاتَ الْوَزِيرُ وَزِيرُ الْخِلَافَةِ: مُؤَيِّدُ الدِّينِ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْقَصَّابِ، وَكَانَ أَبُوهُ يَبِيعُ اللحم في بعض أسواق بغداد.
فتقدم ابنه وساد أهل زمانه.
توفي بهمدان وَقَدْ أَعَادَ رَسَاتِيقَ كَثِيرَةً مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا، إِلَى دِيوَانِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ نَاهِضًا ذا همة وله صرامة وشعر جيد.
وفيها توفي:
__________
(1) في ابن الاثير: سعيد.
(*)
(13/16)

الفخر محمود بن علي التوقاني (1) الشَّافِعِيُّ، عَائِدًا مِنِ الْحَجِّ.
وَالشَّاعِرُ:
أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الْمُعَلِّمِ الْهُرْثِيُّ مِنْ قُرَى وَاسِطٍ، عَنْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ شاعراً فصيحاً، وكان ابن الجوزي في مجالسه يستشهد بشئ مِنْ لَطَائِفِ أَشْعَارِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ السَّاعِي قِطْعَةً جَيِّدَةً مِنْ شِعْرِهِ الْحَسَنِ الْمَلِيحِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ: الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ ابن الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْعَرِّيفِ، وَيُلَقَّبُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، كَانَ حَنْبَلِيًّا ثُمَّ اشْتَغَلَ شَافِعِيًّا عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ فَضْلَانَ، وَهُوَ الَّذِي لَقَّبَهُ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ تَكْرَارِهِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ صَارَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ إِلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ: الشَّيْخُ أَبُو شُجَاعٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بن مغيث بْنِ الدَّهَّانِ الْفَرَضِيُّ الْحَاسِبُ الْمُؤَرِّخُ الْبَغْدَادِيُّ، قَدِمَ دمشق وامتدح الكندي أبو اليمن زَيْدَ بْنَ الْحَسَنِ فَقَالَ: يَا زَيْدُ زَادَكَ رَبِّي مِنْ مَوَاهِبِهِ * نِعَمًا يُقَصِّرُ عَنْ إِدْرَاكِهَا الْأَمَلُ لَا بَدَّلَ اللَّهُ حَالًا قَدْ حَبَاكَ بِهَا * مَا دَارَ بَيْنَ النُّحَاةِ الْحَالُ وَالْبَدَلُ النحو أنت أحق العالمين به * أليس باسمك فِيهِ يُضْرَبُ الْمَثَلُ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وتسعين وخمسمائة فِيهَا وَرَدَ كِتَابٌ مِنَ الْقَاضِي الْفَاضِلِ إِلَى ابْنِ الزَّكِيِّ يُخْبِرُهُ فِيهِ " أَنَّ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ التَّاسِعِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ أَتَى عَارِضٌ فِيهِ ظُلُمَاتٌ مُتَكَاثِفَةٌ، وَبُرُوقٌ خَاطِفَةٌ، وَرِيَاحٌ عَاصِفَةٌ، فقوي الجو بها واشتد هبوبها قد أثبت لها أعنة مطلقات، وارتفعت لها صفقات، فَرَجَفَتْ لَهَا الْجُدْرَانُ وَاصْطَفَقَتْ، وَتَلَاقَتْ عَلَى بُعْدِهَا واعتنقت، وثار السماء والأرض عجاجاً، حتى قيل إن هذه على هذه قد انطبقت، ولا يحسب إِلَّا أَنَّ جَهَنَّمَ قَدْ سَالَ مِنْهَا وادٍ، وعدا منها عادٍ، وزاد عصف الريح
__________
(1) في ابن الاثير 12 / 124: القوفاني.
(*)
(13/17)

إِلَى أَنْ أَطْفَأَ سُرُجَ النُّجُومِ، وَمَزَّقَتْ أَدِيمَ السَّمَاءِ، وَمَحَتْ مَا فَوْقَهُ مِنَ الرُّقُومِ، فَكُنَّا كما قال تَعَالَى (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ) [البقرة: 19] ويردون أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَعْيُنِهِمْ مِنِ الْبَوَارِقِ، لَا عَاصِمَ لخطف الأبصار، وَلَا مَلْجَأَ مِنَ الْخَطْبِ إِلَّا مَعَاقِلُ الِاسْتِغْفَارِ.
وَفَرَّ النَّاسُ نِسَاءً وَرِجَالًا وَأَطْفَالًا، وَنَفَرُوا مِنْ دُورِهِمْ خِفَافًا وَثِقَالًا، لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يهتدون سبيلاً، فَاعْتَصَمُوا بِالْمَسَاجِدِ الْجَامِعَةِ، وَأَذْعَنُوا لِلنَّازِلَةِ بِأَعْنَاقٍ خَاضِعَةٍ، بِوُجُوهٍ عَانِيَةٍ، وَنُفُوسٍ عَنِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ سَالِيَةٍ، يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ، وَيَتَوَقَّعُونَ أَيَّ خَطْبٍ جَلِيٍّ، قَدِ انْقَطَعَتْ مِنَ الْحَيَاةِ عُلَقُهُمْ، وَعَمِيَتْ عَنِ النَّجَاةِ طُرُقُهُمْ، وَوَقَعَتِ الْفِكْرَةُ فِيمَا هُمْ عليه قادمون، وقاموا على صلاتهم وودوا لو كانوا من الذين عليها دائمون، إلى أن أذن بالركود، وأسعف الهاجدون بالهجود، فأصبح كل مسلم عَلَى رَفِيقِهِ، وَيُهَنِّيهِ بِسَلَامَةِ طَرِيقِهِ، وَيَرَى أَنَّهُ قَدْ بُعِثَ بَعْدَ النَّفْخَةِ، وَأَفَاقَ بَعْدَ الصَّيْحَةِ وَالصَّرْخَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ رَدَّ لَهُ الْكَرَّةَ، وأحياه بعد أن كان يَأْخُذُهُ عَلَى غِرَّةٍ، وَوَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهَا قَدْ كَسَرَتِ الْمَرَاكِبَ فِي الْبِحَارِ، وَالْأَشْجَارَ فِي الْقِفَارِ، وَأَتْلَفَتْ خَلْقًا كَثِيرًا مِنِ السُّفَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فّر فلا يَنْفَعْهُ الْفِرَارُ.
إِلَى أَنْ قَالَ " وَلَا يَحْسَبُ المجلس أني أرسلت القلم محرفاً والعلم مجوفاً، فَالْأَمْرُ أَعْظَمُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ، وَنَرْجُو أَنَّ الله قد أيقظنا بما به وعظنا، ونبهنا بما فيه ولهنا، فما من عباده إلا مَنْ رَأَى الْقِيَامَةَ عِيَانًا، وَلَمْ يَلْتَمِسْ عَلَيْهَا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ بُرْهَانًا، إِلَّا أَهْلُ بَلَدِنَا فَمَا قَصَّ الْأَوَّلُونَ مِثْلَهَا فِي الْمُثُلَاتِ، وَلَا سَبَقَتْ لَهَا سَابِقَةٌ فِي الْمُعْضِلَاتِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مِنْ فَضْلِهِ قَدْ جَعَلَنَا نُخْبِرُ عَنْهَا، ولا يخبر عَنَّا، وَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَ عَنَّا عَارِضَ الحرص والغرور، ولا يجعلنا من أهل الهلاك والثبور ".
وفيها كتب القاضي الفاضل من مصر إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ بِدِمَشْقَ يَحُثُّهُ عَلَى قِتَالِ الْفِرِنْجِ، وَيَشْكُرُهُ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ مُحَارَبَتِهِمْ، وَحِفْظِ حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْكُتُبِ " هَذِهِ الْأَوْقَاتُ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا عَرَائِسُ الْأَعْمَارِ، وَهَذِهِ النَّفَقَاتُ الَّتِي تَجْرِي عَلَى أَيْدِيكُمْ مُهُورُ الْحُورِ فِي دَارِ الْقَرَارِ، وَمَا أَسْعَدَ مَنْ أَوْدَعَ يَدَ اللَّهِ مَا فِي يَدَيْهِ، فَتِلْكَ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَتَوْفِيقُهُ الَّذِي مَا كُلُّ مَنْ طَلَبَهُ وَصَلَ إليه، وسواد العجاج في هذه المواقف بباطن مَا سَوَّدَتْهُ الذُّنُوبُ مِنَ الصَّحَائِفِ،
فَمَا أَسْعَدَ تلك الوقفات وما أعود بالطمأنينة تلك الرجعات ".
وكتب أَيْضًا " أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ الِاسْمَ تَاجًا عَلَى مَفَارِقِ الْمَنَابِرِ وَالطُّرُوسِ، وَحَيَّاةً لِلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا من الأجساد والنفوس، وعرف المملوك مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الْمُشَاهَدَةُ، وَجَرَتْ بِهِ العافية في سرور، ولا يزيد على سيبه الْحَالِ بِقَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْمَرَءَ تَدْوَى يَمِينُهُ * فَيَقْطَعُهَا عَمْدًا لِيَسْلَمَ سَائِرُهْ وَلَوْ كَانَ فِيهَا تَدْبِيرٌ لَكَانَ مَوْلَانَا سَبَقَ إِلَيْهِ، وَمَنْ قَلَمَ مِنَ الْأُصْبَعِ ظُفْرًا فَقَدْ جَلَبَ إِلَى الْجَسَدِ بِفِعْلِهِ نَفْعًا، وَدَفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا، وَتَجَشُّمُ المكروه ليس بضائر إذا كان ما جلبه سبباً إلى المحمود، وآخر سنوه أَوَّلُ كُلِّ غَزْوَةٍ، فَلَا يَسْأَمْ مَوْلَانَا نِيَّةَ الرِّبَاطِ وَفِعْلَهَا، وَتَجَشُّمَ الْكُلَفِ وَحَمْلَهَا، فَهُوَ إِذَا صرف
(13/18)

وَجْهَهُ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ وَجْهُ اللَّهِ، صرف الوجوه إليه كُلَّهَا (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لمع المحسنين الله) [العنكبوت: 69] .
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْهُدْنَةِ الَّتِي كَانَ عَقَدَهَا الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ لِلْفِرِنْجِ (1) فأقبلوا بحدهم وحديدهم، فَتَلَقَّاهُمُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ بِمَرْجِ عَكَّا فَكَسَرَهُمْ وَغَنِمَهُمْ، وَفَتَحَ يَافَا عَنْوَةً وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدْ كَانُوا كَتَبُوا إِلَى مَلِكِ الْأَلْمَانِ يَسْتَنْهِضُونَهُ لِفَتْحِ بَيْتِ الْمَقَدْسِ فَقَدَّرَ اللَّهُ هَلَاكَهُ سَرِيعًا، وَأَخَذَتِ الْفِرِنْجُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَيْرُوتَ مِنْ نَائِبِهَا عِزِّ الدِّينِ شَامَةَ (2) مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَلَا نِزَالٍ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي الْأَمِيرِ شَامَةَ (1) : سَلِّمِ الْحِصْنَ مَا عَلَيْكَ مَلَامَهْ * مَا يلام الذي يروم السلامة فتعطى الْحُصُونِ مِنْ غَيْرِ حربٍ * سنةٌ سَنَّهَا بِبَيْرُوتَ شامة ومات فيها مَلِكُ الْفِرِنْجِ كُنْدَهِرِيٌّ، سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ فَمَاتَ، فَبَقِيَتِ الْفِرِنْجُ كَالْغَنَمِ بِلَا راعٍ، حَتَّى مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ صَاحِبَ قُبْرُسَ (3) وَزَوَّجُوهُ بِالْمَلِكَةِ امْرَأَةِ كُنْدَهِرِيٍّ، وجرت خطوب كثيرة بينهم وبين العادل، فَفِي كُلِّهَا يَسْتَظْهِرُ عَلَيْهِمْ وَيَكْسِرَهُمْ، وَيَقْتُلُ خَلْقًا من مقاتلتهم، وَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ مَعَهُ حَتَّى طَلَبُوا الصُّلْحَ وَالْمُهَادَنَةَ، فَعَاقَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ.
وفيها تُوُفِّيَ مَلِكُ الْيَمَنِ:
سَيْفُ الْإِسْلَامِ طُغْتِكِينُ أَخُو السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً جِدًّا، وَكَانَ يَسْبِكُ الذَّهَبَ مِثْلَ الطَّوَاحِينِ وَيَدَّخِرُهُ كَذَلِكَ، وَقَامَ فِي الْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ إِسْمَاعِيلُ، وَكَانَ أَهْوَجَ قَلِيلَ التَّدْبِيرِ، فَحَمَلَهُ جَهْلُهُ عَلَى أَنِ ادَّعَى أَنَّهُ قُرَشِيٌّ أُمَوِيٌّ، وَتَلَقَّبَ بِالْهَادِي، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَمُّهُ الْعَادِلُ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَتَهَدَّدُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَلَا الْتَفَتَ إِلَيْهِ، بَلْ تَمَادَى وَأَسَاءَ التَّدْبِيرَ إِلَى الْأُمَرَاءِ وَالرَّعِيَّةِ، فَقُتِلَ وَتَوَلَّى بَعْدَهُ مَمْلُوكٌ من مماليك أبيه.
وفيها توفي:
__________
(1) كذا بالاصل، والواقع أن هدنة صلاح الدين على ما ذكرنا ثلاث سنين وثمانية أشهر على ما ذكره بعضهم اعتبارا من أواخر شعبان 588 هـ.
وبعد وفاته جدد العزيز الهدنة مع كندهري ملك الفرنج وزاد في مدة الهدنة فبقي ذلك إلى الآن.
(انظر الكامل 12 / 126، ابن خلدون 5 / 333) (2) في الكامل وابن خلدون وتاريخ الحروب الصليبية: أسامة.
(3) صاحب قبرص واسمه املريك وقد تزوج بإيزابيللا أرملة هنري كونت شامبانيا وقد مات بسقوطه من نافذة قصره وهو يستعرض عساكره بعكا (الكامل 12 / 130 - الروضتين 2 / 116 - تاريخ الحروب الصليبية 3 / 172) .
(*)
(13/19)

الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ أَبُو الْهَيْجَاءِ السَّمِينُ الْكُرْدِيُّ كَانَ من أكابر أُمَرَاءِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ نَائِبًا على عكا، وخرج منها قبل أخذ الإفرنج، ثُمَّ دَخَلَهَا بَعْدَ الْمَشْطُوبِ، فَأُخِذَتْ مِنْهُ، وَاسْتَنَابَهُ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى الْقُدْسِ، ثُمَّ لَمَّا أَخَذَهَا الْعَزِيزُ عُزِلَ عَنْهَا فَطُلِبَ إِلَى بَغْدَادَ فَأُكْرِمَ إِكْرَامًا زَائِدًا، وَأَرْسَلَهُ الْخَلِيفَةُ مُقَدَّمًا عَلَى الْعَسَاكِرِ إلى همدان، فمات هناك.
وفيها توفي: قاضي بَغْدَادَ أَبُو طَالِبٍ عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ هبة الله بن محمد الْبُخَارِيِّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى أَبِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ فَضْلَانَ، وَتَوَلَّى نيابة الحكم ببغداد، ثم استقل بِالْمَنْصِبِ وَأُضِيفَ إِلَيْهِ فِي وَقْتِ نِيَابَةِ الْوِزَارَةِ، ثُمَّ عُزِلَ عَنِ الْقَضَاءِ
ثُمَّ أُعِيدَ وَمَاتَ وَهُوَ حَاكِمٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، وَكَانَ فَاضِلًا بَارِعًا مِنْ بَيْتِ فِقْهٍ وَعَدَالَةٍ وَلَهُ شِعْرٌ: تَنَحَّ عَنِ الْقَبِيحِ وَلَا تُرِدْهُ * وَمَنْ أَوْلَيْتَهُ حسناً فزده كفا بك مِنْ عَدُوِّكَ كُلَّ كيدٍ * إِذَا كَادَ الْعَدُوُّ وَلَمْ تَكِدْهُ وَفِيهَا تُوُفِّيَ: السَّيِّدُ الشَّرِيفُ نَقِيبُ الطَّالِبِيِّينَ بِبَغْدَادَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ محمد بن علي ابن يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدُ (1) بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْعَلَوِيُّ الْحُسَيْنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَقْسَاسِيِّ، الْكُوفِيُّ مَوْلِدًا وَمَنْشَأً، كَانَ شَاعِرًا مُطَبِّقًا، امْتَدَحَ الْخُلَفَاءَ وَالْوُزَرَاءَ، وَهُوَ مِنْ بَيْتٍ مَشْهُورٍ بِالْأَدَبِ وَالرِّيَاسَةِ وَالْمُرُوءَةِ، قدم بغداد فامتدح المقتفي والمستنجد وابنه المستضئ وَابْنَهُ النَّاصِرَ، فَوَلَّاهُ النِّقَابَةَ كَانَ شَيْخًا مَهِيبًا، جَاوَزَ الثَّمَانِينَ (2) ، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ السَّاعِي قَصَائِدَ كَثِيرَةً مِنْهَا: اصْبِرْ عَلَى كَيْدِ الزَّمَا * نِ فَمَا يَدُومُ عَلَى طَرِيقَهْ سَبَقَ الْقَضَاءُ فَكُنْ بِهِ * راضٍ وَلَا تَطْلُبْ حَقِيقَهْ كَمْ قَدْ تَغَلَّبَ مَرَّةً * وَأَرَاكَ مِنْ سعةٍ وَضِيقَهْ مَا زَالَ فِي أَوْلَادِهِ * يَجْرِي عَلَى هَذِي الطريقة
__________
(1) في الاصل يزيد تحريف.
انظر الوافي 12 / 128.
(2) في المختصر المحتاج إليه 2 / 19: وهو في عشر السبعين.
(*)
(13/20)

وفيها توفيت: الست عذراء بنت شاهنشاه ابن أَيُّوبَ، وَدُفِنَتْ بِمَدْرَسَتِهَا دَاخِلَ بَابِ النَّصْرِ، وَالسِّتُّ خَاتُّونُ وَالِدَةُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ، وَدُفِنَتْ بِدَارِهَا بِدِمَشْقَ الْمُجَاوِرَةِ لِدَارِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرَكُوهْ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة أربع وتسعين وخمسمائة فِيهَا جَمَعَتِ الْفِرِنْجُ جُمُوعَهَا وَأَقْبَلُوا فَحَاصَرُوا تِبْنِينَ، فَاسْتَدْعَى الْعَادِلُ بَنِي أَخِيهِ لِقِتَالِهِمْ، فَجَاءَهُ الْعَزِيزُ من مصر، والأفضل من صرخند (1) ، فَأَقْلَعَتِ الْفِرِنْجُ عَنِ الْحِصْنِ وَبَلَغَهُمْ مَوْتُ مَلِكِ الْأَلْمَانِ فَطَلَبُوا مِنَ الْعَادِلِ الْهُدْنَةَ وَالْأَمَانَ، فَهَادَنَهُمْ وَرَجَعَتِ الْمُلُوكُ إِلَى أَمَاكِنِهَا، وَقَدْ عَظُمَ الْمُعَظَّمُ عيسى بن العادل في هذه المرة، وَاسْتَنَابَهُ أَبُوهُ عَلَى دِمَشْقَ، وَسَارَ إِلَى مُلْكِهِ بِالْجَزِيرَةِ، فَأَحْسَنَ فِيهِمُ السِّيرَةَ، وَكَانَ قَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ السُّلْطَانُ صَاحِبُ سِنْجَارَ وَغَيْرِهَا مِنِ الْمَدَائِنِ الْكِبَارِ، وَهُوَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِيُّ بْنُ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ الْأَتَابِكِيُّ، كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَأَحْسَنِهِمْ شَكْلًا وَسِيرَةً، وَأَجْوَدِهِمْ طَوِيَّةً وَسَرِيرَةً، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُبْخَّلُ، وَكَانَ شَدِيدَ الْمَحَبَّةِ لِلْعُلَمَاءِ، وَلَا سِيَّمَا الْحَنَفِيَّةَ، وِقَدِ ابْتَنَى لَهُمْ مَدْرَسَةً بِسِنْجَارَ، وَشَرَطَ لَهُمْ طَعَامًا يُطْبَخُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَهَذَا نَظَرٌ حَسَنٌ، وَالْفَقِيهُ أَوْلَى بِهَذِهِ الْحَسَنَةِ مِنَ الْفَقِيرِ، لِاشْتِغَالِ الْفَقِيهِ بِتَكْرَارِهِ وَمُطَالَعَتِهِ عَنِ الْفِكْرِ فيما يقيته، فعدى عَلَى أَوْلَادِهِ ابْنُ عَمِّهِ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، فَأَخَذَ الْمُلْكَ مِنْهُمْ، فَاسْتَغَاثَ بَنُوهُ بِالْمَلِكِ الْعَادِلِ، فَرَدَّ فيهم الملك ودرأ عنهم الضيم، واستقرت بالمملكة لولده قطب الدين محمد، ثم سار الملك إِلَى مَارِدِينَ فَحَاصَرَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَاسْتَوْلَى على ريفها ومعاملتها، وأعجزته قلعتها، فطاف عليها ومشى، وما ظن أحد أنه تملكها، لأن ذلك لم يكن مثبوتاً ولا مقداراً.
وفيها ملكت الخزر مدينة بلخ وكسروا الخطا وقهروهم، وأرسل الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِمْ أَنْ يَمْنَعُوا خُوَارِزْمَ شَاهْ مِنْ دُخُولِ الْعِرَاقِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرُومُ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ بِبَغْدَادَ.
وَفِيهَا حَاصَرَ خُوَارِزْمُ شَاهْ مَدِينَةَ بخارى فَفَتَحَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ، وَقَدْ كَانَتِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ دَهْرًا وَنَصَرَهُمُ الْخِطَا، فَقَهَرَهُمْ جَمِيعًا وَأَخَذَهَا عَنْوَةً، وعفا عن أهلها وصفح، وَقَدْ كَانُوا أَلْبَسُوا كَلْبًا أَعْوَرَ قَبَاءً وَسَمَّوْهُ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَرَمَوْهُ فِي الْمَنْجَنِيقِ إِلَى الْخُوَارِزْمِيَّةِ، وقالوا هذا مالكم، وَكَانَ خُوَارِزْمُ شَاهْ أَعْوَرَ، فَلَمَّا قَدِرَ عَلَيْهِمْ عفا عنهم، جزاه الله خيراً.
__________
(1) في ابن الأثير، وابن خلدون 5 / 330: صرخد، وفي تاريخ الحروب الصليبية: صلخد.
(*)
(13/21)

المكروه أليمة، وإذا محاسن الوجه بليت تعفى الثرى عن وجهه الحسن، وكانت مدة مرضه بعد عوده مِنَ الْفَيُّومِ أُسْبُوعَيْنِ، وَكَانَتْ فِي السَّاعَةِ السَّابِعَةِ من ليلة الأحد والعشرين مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَالْمَمْلُوكُ فِي حَالِ تَسْطِيرِهَا مَجْمُوعٌ بين مرض القلب والجسد، ووجع أطراف وعلة كَبِدٍ، وَقَدْ فُجِعَ بِهَذَا الْمَوْلَى وَالْعَهْدُ بِوَالِدِهِ غَيْرُ بَعِيدٍ، وَالْأَسَى عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ جديد ".
ولما توفي العزيز خَلَّفَ مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةَ ذُكُورٍ، فَعَمَدَ أُمَرَاؤُهُ فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا، وَلَقَّبُوهُ بِالْمَنْصُورِ، وَجُمْهُورُ الْأُمَرَاءِ فِي الْبَاطِنِ مَائِلُونَ إِلَى تَمْلِيكِ الْعَادِلِ، ولكنهم يستبعدون مَكَانَهُ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْأَفْضَلِ وَهُوَ بِصَرْخَدَ فَأَحْضَرُوهُ على البريد سريعاً، فلما حضر عِنْدَهُمْ مُنِعَ رِفْدُهُمْ وَوَجَدُوا الْكَلِمَةَ مُخْتَلِفَةً عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتِمَّ لَهُ مَا صَارَ إِلَيْهِ، وَخَامَرَ عليه أكابر الأمراء الناصرية (1) ، وخرجوا من مصر فأقاموا ببيت الْمَقَدْسِ وَأَرْسَلُوا يَسْتَحِثُّونَ الْجُيُوشَ الْعَادِلِيَّةِ، فَأَقَرَّ ابْنُ أَخِيهِ عَلَى السَّلْطَنَةِ وَنَوَّهَ بِاسْمِهِ عَلَى السِّكَّةِ والخطبة في سائر بلاد مصر (2) ، لكن استفاد الأفضل في سفرته هذه أَنْ أَخَذَ جَيْشًا كَثِيفًا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَأَقْبَلَ بهم ليسترد دمشق في غيبة عمه.
وذلك بإشارة أخيه صاحب حلب، وملك حِمْصَ أَسَدِ الدِّينِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا وَنَزَلَ حواليها قطع أنهارها وعقر أشجارها، وأكل ثمارها، ونزل بمخيمه على مسجد القدم، وَجَاءَ إِلَيْهِ أَخُوهُ الظَّاهِرُ وَابْنُ عَمِّهِ الْأَسَدُ الكاسر وجيش حماه، فكثر جيشه وقوي بأسه، وَقَدْ دَخَلَ جَيْشُهُ إِلَى الْبَلَدِ، وَنَادَوْا بِشِعَارِهِ فَلَمْ يُتَابِعْهُمْ مِنَ الْعَامَّةِ أَحَدٌ، وَأَقْبَلَ الْعَادِلُ من ماردين بعساكره وقد التف عليه أمراء أخيه وطائفة بَنِي أَخِيهِ، وَأَمَدَّهُ كُلُّ مِصْرٍ بِأَكَابِرِهِ، وَسَبَقَ الأفضل إلى دمشق بيومين فحصنها وحفظها، وِقَدِ اسْتَنَابَ عَلَى مَارِدِينَ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا الْكَامِلَ.
وَلَمَّا دَخَلَ دِمَشْقَ خَامَرَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْأُمَرَاءِ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَضَعُفَ أَمْرُ الْأَفْضَلِ وَيَئِسَ من برهم وخيرهم، فأقام محاصر البلد بمن معه حتى انسلخ الحول ثُمَّ انْفَصَلَ الْحَالُ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الْآتِيَةِ على ما سيأتي.
وَفِيهَا شَرَعَ فِي بِنَاءِ سُورِ بَغْدَادَ بِالْآجُرِّ وَالْكِلْسِ، وَفَرَّقَ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَكَمَلَتْ عِمَارَتُهُ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَمِنَتْ بَغْدَادُ مِنَ الْغَرَقِ وَالْحِصَارِ، ولم يكن لها سور قبل ذلك.
وفيها توفي:
السلطان أبو محمد (3) يعقوب بن يوسف ابن عبد المؤمن، صاحب المغرب والأندلس بمدينته (4) ، وكان قد بنى عندها مدينة مليحة
__________
(1) وكان مقدم الامراء الناصرية فخر الدين إياس جهاركس مولى صلاح الدين (انظر ابن الأثير 12 / 140 وابن خلدون 5 / 335 تاريخ أبي الفداء 3 / 95) .
(2) يذكر ابن الأثير أن سبب إقرار العادل لابن أخيه الافضل بالسلطنة على مصر قال: فلم يسر إليهم لانه كانت أطماعه قد قويت في أخذ ماردين، وقد عجز من بها عن حفظها فظن أنه يأخذها (انظر ابن خلدون 5 / 335) .
(3) في ابن الاثير وتاريخ أبي الفداء: أبو يوسف.
(4) وهي مدينة سلا.
(*)
(13/22)

سَمَّاهَا الْمَهْدِيَّةَ، وَقَدْ كَانَ دَيِّنًا حَسَنَ السِّيرَةِ صَحِيحَ السَّرِيرَةِ، وَكَانَ مَالِكِيَّ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ صَارَ ظَاهِرِيًّا حَزْمِيًّا ثُمَّ مَالَ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَقْضَى فِي بَعْضِ بِلَادِهِ مِنْهُمْ قُضَاةً، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ كَثِيرَ الْجِهَادِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَكَانَ قَرِيبًا إِلَى الْمَرْأَةِ وَالضَّعِيفِ رحمه الله.
وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ صَلَاحُ الدِّينِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى الْفِرِنْجِ فَلَمَّا لَمْ يُخَاطِبْهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ غَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ، وَقَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ مُحَمَّدٌ فَسَارَ كَسِيرَةِ وَالِدِهِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْبُلْدَانِ اللَّاتِي كَانَتْ قَدْ عَصَتْ عَلَى أَبِيهِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ تَفَرَّقَتْ بِهِمُ الْأَهْوَاءُ وباد هذا البيت بعد الملك يعقوب.
وفيها ادّعى رجل أعجمي بدمشق أنه عيسى بن مريم، فأمر الأمير صارم الدين برغش نائب القلعة، بصلبه عِنْدَ حَمَّامِ الْعِمَادِ الْكَاتِبِ، خَارِجَ بَابِ الْفَرَجِ مُقَابِلَ الطَّاحُونِ الَّتِي بَيْنَ الْبَابَيْنِ، وَقَدْ بَادَ هَذَا الْحَمَّامُ قَدِيمًا، وَبَعْدَ صَلْبِهِ بِيَوْمَيْنِ ثَارَتِ الْعَامَّةُ عَلَى الرَّوَافِضِ وَعَمَدُوا إِلَى قَبْرِ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِبَابِ الصَّغِيرِ يُقَالُ لَهُ وَثَّابٌ فَنَبَشُوهُ وَصَلَبُوهُ مَعَ كَلْبَيْنِ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ منها.
وفيها وَقَعَتْ فِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ سَبَبُهَا أنَّ فَخْرَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ الرَّازِيَّ وَفَدَ إِلَى الْمَلِكِ غِيَاثِ الدِّينِ الْغُورِيِّ صَاحِبِ غَزْنَةَ، فَأَكْرَمَهُ وَبَنَى لَهُ مَدْرَسَةً بِهَرَاةَ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْغُورِيَّةِ
كَرَّامِيَّةً فَأَبْغَضُوا الرَّازِيَّ وَأَحَبُّوا إِبْعَادَهُ عَنِ الْمَلِكِ، فَجَمَعُوا لَهُ جَمَاعَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ، وَخَلْقًا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَحَضَرَ ابْنُ الْقَدْوَةِ (1) وَكَانَ شَيْخًا مُعَظَّمًا فِي النَّاسِ، وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ كِرَامٍ وَابْنِ الْهَيْصَمِ فَتَنَاظَرَ هُوَ وَالرَّازِيُّ، وَخَرَجَا مِنَ الْمُنَاظَرَةِ إِلَى السَّبِّ وَالشَّتْمِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعَ النَّاس فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَقَامَ وَاعِظٌ فَتَكَلَّمَ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا لَا نَقُولُ إلا ماصح عِنْدَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما علم ارسطا طاليس وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي وما تلبّس به الرازي فإنا لا نعلمها ولا نقول بها، وإنما هو كتاب الله وسنة رسوله، ولاي شئ يُشْتَمُ بِالْأَمْسِ شَيْخٌ مِنْ شُيُوخِ الْإِسْلَامِ يَذُبُّ عن دين الله وسنَّة رسوله، على لسان متكلم ليس معه على ما يقول دليل.
قَالَ فَبَكَى النَّاسُ وَضَجُّوا وَبَكَتِ الْكَرَّامِيَّةُ وَاسْتَغَاثُوا، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ خَوَاصِّ النَّاسِ، وَأَنْهَوْا إِلَى الْمَلِكِ صُورَةَ مَا وَقَعَ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الرَّازِيِّ مِنْ بِلَادِهِ، وَعَادَ إِلَى هَرَاةَ، فَلِهَذَا أُشْرِبَ قَلْبُ الرَّازِيِّ بُغْضَ الْكَرَّامِيَّةِ، وَصَارَ يَلْهَجُ بِهِمْ فِي كَلَامِهِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ومكان.
وفيها رضي الخليفة عن أبي الفرج بن الجوزي شيخ الوعاظ، وَقَدْ كَانَ أُخْرِجُ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى وَاسِطٍ فَأَقَامَ بِهَا خَمْسَ سِنِينَ، فَانْتَفَعَ بِهِ أَهْلُهَا وَاشْتَغَلُوا عَلَيْهِ وَاسْتَفَادُوا مِنْهُ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى بَغْدَادَ خَلَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ وَأَذِنَ لَهُ فِي الوعظ عَلَى عَادَتِهِ عِنْدَ التُّرْبَةِ الشَّرِيفَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِقَبْرِ مَعْرُوفٍ [الْكَرْخِيِّ] ، فَكَثُرَ الْجَمْعُ جِدًّا وَحَضَرَ الْخَلِيفَةُ وأنشد يومئذ فيما يخاطب به الخليفة:
__________
(1) وهو القاضي مجد الدين عبد المجيد بن عمر، المعروف بابن القدوة، وكان من الكرامية الهيصمية، وله عندهم محل كبير لزهده وعلمه وبيته.
وقد تقدَّم الكلام على مذهب الكرامية القائم على التجسيم والتشبيه.
(*)
(13/23)

وفيها توفي من الأعيان: العوام (1) بن زيادة كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ بِبَابِ الْخِلَافَةِ، وَهُوَ أَبُو طَالِبٍ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ علي بن زيادة، انتهت إليه رياسة الرسائل وَالْإِنْشَاءِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ فِي زَمَانِهِ بِالْعِرَاقِ، وَلَهُ عُلُومٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَخَذَهُ عَنِ ابْنِ فَضْلَانَ، وَلَهُ معرفة جيدة بالأصلين الحساب
وَاللُّغَةِ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ وَقَدْ وَلِيَ عِدَّةَ مَنَاصِبَ كَانَ مَشْكُورًا فِي جَمِيعِهَا، وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: لَا تَحْقِرَنَّ عَدُوًّا تَزْدَرِيهِ فَكَمْ * قَدْ أَتْعَسَ الدَّهْرُ جَدَّ الْجِدِّ بِاللَّعِبِ فَهَذِهِ الشَّمْسُ يَعْرُوهَا الْكُسُوفُ لَهَا * عَلَى جَلَالَتِهَا بِالرَّأْسِ والذنب وله: بِاضْطِرَابِ الزَّمَانِ تَرْتَفِعُ الْأَنْ * ذَالُ فِيهِ حَتَّى يَعُمَّ الْبَلَاءُ وَكَذَا الْمَاءُ راكدٌ فِإِذَا * حُرِّكَ ثَارَتْ مِنْ قَعْرِهِ الْأَقْذَاءُ وَلَهُ أَيْضًا: قَدْ سَلَوْتُ الدُّنْيَا وَلَمْ يَسْلُهَا * مَنْ عَلَقَتْ فِي آمَالِهِ وَالْأَرَاجِي فَإِذَا مَا صَرَفْتُ وَجْهِي عَنْهَا * (قذفتني فِي بَحْرِهَا الْعَجَاجِ يَسْتَضِيئُونَ بِي وَأَهْلِكُ وَحْدِي * فكأني ذبالة في سراج توفي في ذِي الْحِجَّةِ وَلَهُ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خلقٌ كثيرٌ، وَدُفِنَ عِنْدَ مُوسَى بْنِ جعفر.
القاضي أبو الحسن علي بن رجاء بن زهير ابن عَلِيٍّ الْبَطَائِحِيُّ، قَدِمَ بَغْدَادَ فَتَفَقَّهَ بِهَا وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَأَقَامَ بِرَحْبَةِ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ مُدَّةً يَشْتَغِلُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّبِيهِ الْفَرَضِيِّ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ الْعِرَاقِ مُدَّةً، وَكَانَ أَدِيبًا، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّبِيهِ يُنْشِدُ لِنَفْسِهِ مُعَارِضًا لِلْحَرِيرِيِّ في بيتيه اللذين زعم أنهم لا يعزوان ثالثاً لهما، وهما قوله: سمْ ممة يحُمد آثارها * واشكر لمن أعطا ولو سمسمة والمكر مهما اسطعت لا تأته * لتقتني السؤدد والمكرمة
__________
(1) في شذرات الذهب 4 / 218: قوام الدين.
(*)
(13/24)

فقال ابن النبيه:
ما الأمة الوكساء بَيْنَ الْوَرَى * أَحْسَنُ مِنْ حُرٍّ أَتَى مَلَأَمَهْ فَمَهْ إِذَا اسْتُجْدِيتَ عَنْ قَوْلِ لَا * فَالْحُرُّ لَا يَمْلَأُ مِنْهَا فَمَهْ الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ جرديك (1) كان من أكابر الأمراء في أيام نُورِ الدِّينِ، وَكَانَ مِمَّنْ شَرِكَ فِي قَتْلِ شَاوِرٍ، وَحَظِيَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ، وِقَدِ اسْتَنَابَهُ على القدس حين افتتحها، وكان يستند به للمهمات الكبار فيسدها بنفسه وشجاعته، ولما ولي الأفضل عزله عن القدس فَتَرَكَ بِلَادَ الشَّامِ وَانْتَقَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خمس وتسعين وخمسمائة
فيها كانت وفاة الْعَزِيزِ صَاحِبِ مِصْرَ وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الصيد فكانت لَيْلَةَ الْأَحَدِ الْعِشْرِينَ (2) مِنِ الْمُحَرَّمِ، سَاقَ خَلْفَ ذئب فكبا به فرسه فسقط عنه فمات بعد أيام، وَدُفِنَ بِدَارِهِ، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى عِنْدِ تُرْبَةِ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ سَبْعٌ أَوْ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ قَدْ عَزَمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى إِخْرَاجِ الْحَنَابِلَةِ مِنْ بَلَدِهِ، وَيَكْتُبُ إلى بقية إخوته بإخراجهم من البلاد، وشاع ذلك عنه وذاع، وسمع ذلك منه وَصُرِّحَ بِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ مُعَلِّمِيهِ وَخُلَطَائِهِ وعشرائه من الجهمية، وقلة علمه بالحديث، فلما وقع منه هذا ونوى هذه النية القبيحة الفاسدة أهلكه الله ودمره سريعاً، وعظم قدر الحنابلة بين الخلق بمصر وَالشَّامِ، عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ.
وَقِيلَ: إِنَّ بَعْضَ صَالِحِيهِمْ دَعَا عَلَيْهِ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ خرج إلى الصيد فكان هلاكه سريعاً، وكتب الفاضل كتاب التعزية بالعزيز لعمه العادل، وهو محاصر مَارِدِينَ وَمَعَهُ الْعَسَاكِرُ، وَوَلَدُهُ مُحَمَّدٌ الْكَامِلُ، وَهُوَ نَائِبُهُ عَلَى بِلَادِ الْجَزِيرَةِ الْمُقَارِبَةِ لِبِلَادِ الْحِيرَةِ، وَصُورَةُ الْكِتَابِ " أَدَامَ اللَّهُ سُلْطَانَ مَوْلَانَا الْمَلِكِ الْعَادِلِ، وَبَارَكَ فِي عُمْرِهِ وَأَعْلَا أَمْرَهُ بِأَمْرِهِ، وَأَعَزَّ نَصْرَ الْإِسْلَامِ بِنَصْرِهِ، وَفَدَتِ الْأَنْفُسُ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ وَأَصْغَرَ اللَّهُ الْعَظَائِمَ بِنِعَمِهِ فِيهِ الْعَظِيمَةِ، وأحياه الله حياة طيبة هو والإسلام في مواقيت الْفُتُوحِ الْجَسِيمَةِ وَيَنْقَلِبُ عَنْهَا بِالْأُمُورِ الْمُسْلِمَةِ وَالْعَوَاقِبِ السليمة، ولا نقص له رجالاً وَلَا أَعْدَمَهُ نَفْسًا وَلَا وَلَدًا، وَلَا قَصَّرَ لَهُ ذَيْلًا وَلَا يَدًا، وَلَا
أَسْخَنَ لَهُ عيناً وَلَا كَبِدًا، وَلَا كَدَّرَ لَهُ خَاطِرًا وَلَا مورداً، ولما قدر الله ما قدر من موت الملك العزيز كانت حياته مكدرة عليه منغصة مهملة، فلما حضر أجله كانت بديهة المصاب عظيمة، وطالعة
__________
(1) في نسخ البداية المطبوعة: حرديل وهو تحريف، وفي ابن الاثير: جورديك.
(2) في تاريخ ابن خلدون 5 / 335: آخر المحرم.
وفي بدائع الزهور لابن إياس 1 / 1 / 252: يوم الخميس حادي عشرين محرم.
(*)
(13/25)

لا تعطش الروض الذي بنيته * بِصَوْبِ إِنْعَامِكَ قَدْ رُوِّضَا لَا تَبْرِ عُودًا أنت قد رشته * حاشى لِبَانِي الْمَجْدِ أَنْ يَنْقُضَا إِنْ كَانَ لِي ذنبٌ قد جنيته * فَاسْتَأْنِفِ الْعَفْوَ وَهَبْ لِي الرِّضَا قَدْ كُنْتُ أَرْجُوكَ لِنَيْلِ الْمُنَى * فَالْيَوْمَ لَا أَطْلُبُ إِلَّا الرِّضَا وَمِمَّا أَنْشَدُهُ يَوْمَئِذٍ: شَقِينَا بِالنَّوَى زَمَنًا فلما * تلاقينا كأنا ما شقينا سخطنا عند ما جَنَتِ اللَّيَالِي * وَمَا زَالَتْ بِنَا حَتَّى رَضِينَا ومن لم يحيى بَعْدَ الْمَوْتِ يَوْمًا * فَإِنَّا بَعْدَ مَا مِتْنَا حَيِينَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَدْعَى الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ قاضي الموصل ضياء الدين ابن الشهرزوري فولاه قضاء قضاة بغداد.
وفيها وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِدِمَشْقَ بِسَبَبِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْمَقْدَسِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي مَقْصُورَةِ الْحَنَابِلَةِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، فَذَكَرَ يَوْمًا شَيْئًا مِنَ العقائد، فاجتمع القاضي ابن الزَّكِيِّ وَضِيَاءُ الدِّينِ الْخَطِيبُ الدَّوْلَعِيُّ بِالسُّلْطَانِ الْمُعَظَّمِ، والأمير صارم الدين برغش، فعقد له مجلساً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَالنُّزُولِ وَالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ، فَوَافَقَ النَّجْمُ الْحَنْبَلِيُّ بَقِيَّةَ الْفُقَهَاءِ وَاسْتَمَرَّ الْحَافِظُ عَلَى مَا يَقُولُهُ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، وَاجْتَمَعَ بَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ عَلَيْهِ، وَأَلْزَمُوهُ بِإِلْزَامَاتٍ شَنِيعَةٍ لَمْ يَلْتَزِمْهَا، حَتَّى قَالَ لَهُ الْأَمِيرُ برغش كُلُّ هَؤُلَاءِ عَلَى الضَّلَالَةِ وَأَنْتَ وَحْدَكَ عَلَى الحق؟ قال: نعم، فغضب الأمير وَأَمَرَ بِنَفْيِهِ مِنَ الْبَلَدِ، فَاسْتَنْظَرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فأنظره، وأرسل برغش الأسارى من
القلعة فكسروا منبر الحنابلة وتعطلت يومئذ صلاة الظهر فِي مِحْرَابِ الْحَنَابِلَةِ، وَأُخْرِجَتِ الْخَزَائِنُ وَالصَّنَادِيقُ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ، وَجَرَتْ خَبْطَةٌ شَدِيدَةٌ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَكَانَ عَقْدُ الْمَجْلِسِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَارْتَحَلَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ إلى بعلبك ثم سار إلى مصر فآواه المحدثون، فحنوا عليه وأكرموه.
وممن توفي فيها من الأعيان: الأمير مجاهد الدين قيماز الرومي نائب الموصل المستولي عَلَى مَمْلَكَتِهَا أَيَّامَ ابْنِ أُسْتَاذِهِ نُورِ الدِّينِ أَرَسْلَانَ، وَكَانَ عَاقِلًا ذَكِيًّا فَقِيهًا حَنَفِيًّا، وَقِيلَ شَافِعِيًّا، يَحْفَظُ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ التَّوَارِيخِ وَالْحِكَايَاتِ، وِقَدِ ابْتَنَى عِدَّةَ جَوَامِعَ وَمَدَارِسَ وَرُبُطٍ وَخَانَاتٍ، وَلَهُ صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ دَارَّةٌ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَقَدْ كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا.
أَبُو الْحَسَنِ محمد بن جعفر ابن أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباس الْهَاشِمِيُّ، قَاضِي الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ، بَعْدَ ابْنِ
(13/26)

النَّجَّارِيِّ، كَانَ شَافِعِيًّا تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ وَلِيَ الْقَضَاءَ وَالْخَطَابَةَ بِمَكَّةَ، وَأَصْلُهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ارْتَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ فَنَالَ مِنْهَا مَا نَالَ مِنَ الدُّنْيَا، وَآلَ بِهِ الْأَمْرُ إِلَى مَا آلَ، ثُمَّ إِنَّهُ عُزِلَ عَنِ الْقَضَاءِ بِسَبَبِ مَحْضَرٍ رُقِمَ خَطُّهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِيمَا قِيلَ مُزَوَّرًا عَلَيْهِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَجَلَسَ فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى مَاتَ.
الشَّيخ جَمَالُ الدِّين أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ بَرَكَةَ بْنِ فَضْلَانَ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِبَغْدَادَ، تَفَقَّهَ أَوَّلًا عَلَى سعيدَ بْنِ محمد الزار مُدَرِّسِ النِّظَامِيَّةِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى خُرَاسَانَ فَأَخَذَ عن الشيخ محمد الزبيدي تلميذ الغزالي وعد إِلَى بَغْدَادَ وِقَدِ اقْتَبَسَ عِلْمَ الْمُنَاظَرَةِ وَالْأَصْلَيْنِ، وَسَادَ أَهْلَ بَغْدَادَ وَانْتَفَعَ بِهِ الطَّلَبَةُ وَالْفُقَهَاءُ، وَبُنِيَتْ لَهُ مَدْرَسَةٌ فَدَرَّسَ بِهَا وَبَعُدَ صِيتُهُ، وكثرت تلاميذه، وكان كثير التلاوة وسماع الْحَدِيثِ، وَكَانَ شَيْخًا حَسَنًا لَطِيفًا ظَرِيفًا، وَمِنْ شِعْرِهِ:
وَإِذَا أَرَدْتَ مَنَازِلَ الْأَشْرَافِ * فَعَلَيْكَ بِالْإِسْعَافِ وَالْإِنْصَافِ وَإِذَا بَغَا باغٍ عَلَيْكَ فَخَلِّهِ * وَالدَّهْرَ فَهُوَ لَهُ مُكَافٍ كَافِ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ست وتسعين وخمسمائة اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْمَلِكُ الْأَفْضَلُ بِالْجَيْشِ الْمِصْرِيِّ محاصر دمشق لعمه العادل، وَقَدْ قَطَعَ عَنْهَا الْأَنْهَارَ وَالْمِيرَةَ، فَلَا خُبْزَ ولا ماء إِلَّا قَلِيلاً، وقد تطاول الخال، وقد خندقوا من أرض اللوان إلى اللد خَنْدَقًا لِئَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِمْ جَيْشُ دِمَشْقَ، وَجَاءَ فَصْلُ الشِّتَاءِ وَكَثُرَتِ الْأَمْطَارُ وَالْأَوْحَالُ.
فَلَمَّا دَخَلَ شَهْرُ صَفَرٍ قَدِمَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَادِلِ عَلَى أَبِيهِ بِخَلْقٍ مِنَ التُّرْكُمَانِ، وَعَسَاكِرَ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَالرُّهَا وَحَرَّانَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ انصرف الْعَسَاكِرُ الْمِصْرِيَّةُ، وَتَفَرَّقُوا أَيَادِي سَبَا، فَرَجَعَ الظَّاهِرُ إلى حلب والأسد إلى حمص، والأفضل إلى مصر، وَسَلِمَ الْعَادِلُ مِنْ كَيْدِ الْأَعَادِي، بَعْدَمَا كَانَ قد عزم على تسليم البلد.
وَسَارَتِ الْأُمَرَاءُ النَّاصِرِيَّةِ خَلْفَ الْأَفْضَلِ لِيَمْنَعُوهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَكَاتَبُوا الْعَادِلَ أَنْ يُسْرِعَ السير إليهم، فنهض إليهم سريعاً فدخل الأفضل مصر وتحصن بقلعة الْجَبَلِ، وِقَدِ اعْتَرَاهُ الضَّعْفُ وَالْفَشَلُ، وَنَزَلَ الْعَادِلُ على البركة وأخذ ملك مصر وَنَزَلَ إِلَيْهِ ابْنُ أَخِيهِ الْأَفْضَلُ خَاضِعًا ذَلِيلًا، فأقطعه بلاداً من الجزيرة (1) ، ونفاه من الشام لسوء السيرة، ودخل العادل القلعة وَأَعَادَ الْقَضَاءَ إِلَى صَدْرِ الدِّينِ عَبْدِ الْمَلِكِ بن درباس المارداني الكردي، وأبقى
__________
(1) أقطعه ميافارقين وجاني وجبل جور، وخرج الافضل من مصر ليلة السبت ثامن عشر ربيع الآخر (انظر ابن الاثير) وقال أبو الفداء في تاريخه أن العادل لم يف لابن أخيه الافضل بوعده فيما أقطعه (انظر ابن خلدون 5 / 337 وابن الاثير 12 / 156) .
(*)
(13/27)

الخطبة والسكة باسم أخيه المنصور، والعادل مستقل بِالْأُمُورِ، وَاسْتَوْزَرَ الصَّاحِبَ صَفِيَّ الدِّينِ بْنَ شُكْرٍ لِصَرَامَتِهِ وَشَهَامَتِهِ، وَسِيَادَتِهِ وَدِيَانَتِهِ، وَكَتَبَ الْعَادِلُ إِلَى وَلَدِهِ الْكَامِلِ يَسْتَدْعِيهِ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ لِيُمَلِّكَهُ على مصر، فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ وَعَانَقَهُ وَالْتَزَمَهُ، وَأَحْضَرَ الْمَلِكُ الْفُقَهَاءَ وَاسْتَفْتَاهُمْ فِي صِحَّةِ مَمْلَكَةِ ابْنِ أخيه المنصور بن العزيز، وكان ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، فَأَفْتَوْا بِأَنَّ وِلَايَتَهُ
لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ مُتَوَلَّى عَلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ الْأُمَرَاءَ وَدَعَاهُمْ إِلَى مُبَايَعَتِهِ فَامْتَنَعُوا فَأَرْغَبَهُمْ وَأَرْهَبَهُمْ، وَقَالَ فِيمَا قَالَ: قَدْ سَمِعْتُمْ مَا أَفْتَى به العلماء، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحْفَظُهَا الأطفال الصغار، وإنما يحفظها الْمُلُوكُ الْكِبَارُ، فَأَذْعَنُوا عِنْدَ ذَلِكَ وَبَايَعُوهُ، ثمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ الْكَامِلِ، فَخَطَبَ الْخُطَبَاءُ بِذَلِكَ بعد الخليفة لهما، وضربت السِّكَّةُ بِاسْمِهِمَا، وَاسْتَقَرَّتْ دِمَشْقُ بِاسْمِ الْمُعَظَّمِ عِيسَى بْنِ الْعَادِلِ، وَمِصْرُ بِاسْمِ الْكَامِلِ.
وَفِي شَوَّالٍ رجع إلى دمشق الأمير ملك الدين أبو منصور سليمان بن مسرور بن جلدك، وَهُوَ أَخُو الْمَلِكِ الْعَادِلِ لِأُمِّهِ، وَهُوَ وَاقِفُ الْفَلَكِيَّةِ دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ، وَبِهَا قَبْرُهُ، فَأَقَامَ بِهَا مُحْتَرَمًا مُعَظَّمًا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِيهَا وَفَى الَّتِي بَعْدَهَا كَانَ بِدِيَارِ مِصْرَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، فَهَلَكَ بِسَبَبِهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَهَرَبَ النَّاسُ مِنْهَا نَحْوَ الشَّامِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ، وَتَخَطَّفَهُمُ الْفِرِنْجُ مِنَ الطُّرُقَاتِ وَغَرُّوهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَاغْتَالُوهُمْ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْأَقْوَاتِ، وَأَمَّا بِلَادُ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُ كَانَ مُرْخَصًا.
قَالَ ابْنُ السَّاعِي: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَاضَ دِيكٌ بِبَغْدَادَ فَسَأَلْتُ جَمَاعَةً عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرُونِي به.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنِ الْأَعْيَانِ: السُّلْطَانُ عَلَاءُ الدين خوارزم شاه تكش بن ألب رسلان مِنْ وَلَدِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ صَاحِبُ خوارزم وبعض بلاد خراسان والري وغيرها مِنَ الْأَقَالِيمِ الْمُتَّسِعَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ دَوْلَةَ السلاجقة، كان عادلاً حسن السيرة له مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالْمُوسِيقَى، حَسَنَ الْمُعَاشَرَةِ، فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَعْرِفُ الْأُصُولَ، وَبَنَى لِلْحَنَفِيَّةِ مَدْرَسَةً عَظِيمَةً، وَدُفِنَ بِتُرْبَةٍ بَنَاهَا بِخُوَارِزْمَ، وَقَامَ فِي الْمُلْكِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ عَلَاءُ الدِّينِ محمد، وكان قبل ذلك يُلَقَّبُ بِقُطْبِ الدِّينِ.
وَفِيهَا قُتِلَ وَزِيرُ السُّلْطَانِ خوارزم شاه المذكور: نِظَامُ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ عَلِيٍّ وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، لَهُ مَدْرَسَةٌ عَظِيمَةٌ بِخُوَارِزْمَ، وَجَامِعٌ هَائِلٌ، وَبَنَى
بِمَرْوَ جَامِعًا عَظِيمًا لِلشَّافِعِيَّةِ، فحسدتهم الْحَنَابِلَةُ (1) وَشَيْخُهُمْ بِهَا يُقَالُ لَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، فيقال إنهم
__________
(1) كذا بالاصل وابن الاثير، وفي هامش المطبوعة: لعله الحنفية فإنه ليس بمرو حنابلة والله سبحانه أعلم.
(*)
(13/28)

أحرقوه وهذا إنما يحمل عليه قلة الدين والعقل، فأغرمهم السلطان خوارزم شاه مَا غَرِمَ الْوَزِيرُ عَلَى بِنَائِهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الْمُسْنِدُ الْمُعَمَّرُ رُحْلَةُ الْوَقْتِ: أَبُو الْفَرَجِ بن عبد المنعم بن عبد الوهاب ابن صَدَقَةَ بْنِ الْخَضِرِ بْنِ كُلَيْبٍ الْحَرَّانَيُّ الْأَصْلُ الْبَغْدَادِيُّ الْمَوْلِدُ وَالدَّارُ وَالْوَفَاةُ، عَنْ سِتٍّ وَتِسْعِينَ سَنَةً، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَأَسْمَعَ، وَتَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ (1) ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ التُّجَّارِ وذوي الثروة.
الفقيه مجد الدين أبو محمد بن طاهر بن نصر بن جميل (2) ، مدرّس القدس أَوَّلُ مَنْ دَرَّسَ بِالصَّلَاحِيَّةِ، وَهُوَ وَالِدُ الْفُقَهَاءِ بني جميل الدين، كَانُوا بِالْمَدْرَسَةِ الْجَارُوخِيَّةِ، ثُمَّ صَارُوا إِلَى الْعِمَادِيَّةِ والدماعية فِي أَيَّامِنَا هَذِهِ، ثُمَّ مَاتُوا وَلَمْ يَبْقَ إلا شرحهم.
الأمير صارم الدين قايماز ابن عبد الله النجي، كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ، كَانَ عِنْدَ صلاح الدين بمنزلة الأستاذ، وَهُوَ الَّذِي تَسَلَّمَ الْقَصْرَ حِينَ مَاتَ الْعَاضِدُ.
فَحَصَلَ لَهُ أَمْوَالٌ جَزِيلَةٌ جِدًّا، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ وَالْأَوْقَافِ، تَصَدَّقَ فِي يَوْمٍ بِسَبْعَةِ آلَافِ دِينَارٍ عَيْنًا، وَهُوَ وَاقِفُ الْمَدْرَسَةِ الْقَيْمَازِيَّةِ، شَرْقِيَّ القلعة، وَقَدْ كَانَتْ دَارُ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةُ دَارًا لِهَذَا الْأَمِيرِ، وَلَهُ بِهَا حَمَّامٌ، فَاشْتَرَى ذَلِكَ الْمَلِكُ الأشرف فيما بعد وَبَنَاهَا دَارَ حَدِيثٍ، وَأَخْرَبَ الْحَمَّامَ وَبَنَاهُ مَسْكَنًا للشيخ المدّرس بها.
ولما توفي قيماز وَدُفِنَ فِي قَبْرِهِ نُبِشَتْ دُورُهُ وَحَوَاصِلُهُ، وَكَانَ متهماً بمال جزيل، فتحصل مَا جُمِعَ مِنْ ذَلِكَ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ وَكَانَ يُظَنُّ أَنَّ عِنْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وكان يَدْفِنُ أَمْوَالَهُ فِي الْخَرَابِ مِنْ أَرَاضِي ضِيَاعِهِ وقراياه، سامحه الله.
الأمير لُؤْلُؤٌ أَحَدُ الْحُجَّابِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، كَانَ مِنْ أكابر الأمراء في أيام صلاح الدين، وهو الذي كان متسلم الأسطول في البحر، فَكَمْ مِنْ شُجَاعٍ قَدْ أُسِرَ، وَكَمْ مِنْ مركب قد كسر، وَقَدْ كَانَ مَعَ كَثْرَةِ جِهَادِهِ دَارَّ الصَّدَقَاتِ، كثير النفقات في كل يوم، وقع غلاء بمصر فَتَصَدَّقَ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَغِيفٍ، لِاثْنَيْ عَشَرَ ألف نفس.
__________
(1) سمع ابن بيان وابن نبهان وابن زيدان الحلواني (انظر العبر للذهبي وشذرات الذهب) .
(2) في شذرات الذهب: جهبل، قال: وهو والد بني جهبل الفقهاء الدمشقيون (4 / 324) .
(*)
(13/29)

الشَّيخ شِهَابُ الدِّين الطُّوسِيُّ (1) أَحَدُ مَشَايِخِ الشَّافِعِيَّةِ بِدِيَارِ مصر، شيخ المدرسة المنسوبة إلى تقي الدين شَاهِنْشَاهْ بْنِ أَيُّوبَ، الَّتِي يُقَالُ لَهَا مَنَازِلُ الْعِزِّ (2) ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى تِلْمِيذِ الْغَزَالِيِّ، كَانَ لَهُ قَدْرٌ وَمَنْزِلَةٌ عِنْدَ مُلُوكِ مِصْرَ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، توفي فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى جِنَازَتِهِ، وَتَأَسَّفُوا عَلَيْهِ.
الشَّيْخُ ظَهِيرُ الدِّينِ عَبْدُ السَّلَامِ الْفَارِسِيُّ شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِحَلَبَ، أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وتتلمذ للرازي، ورحل إلى مصر وعرض عَلَيْهِ أَنْ يُدَرِّسَ بِتُرْبَةِ الشَّافِعِيِّ فَلَمْ يَقْبَلْ، فرجع إلى حلب فأقام بها إلى أن مات.
الشيخ العلامة بدر الدين ابن عَسْكَرَ رَئِيسُ الْحَنَفِيَّةِ بِدِمَشْقَ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: ويعرف بابن العقادة.
الشاعر أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَقِيلِ بن أحمد بَغْدَادِيٌّ، قَدِمَ دِمَشْقَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَمَعَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ لَهُ فِيهِ دُرَرٌ حسان، وَقَدْ تَصَدَّى لِمَدْحِ الْمَلِكِ الْأَمْجَدِ صَاحِبِ بَعْلَبَكَّ وَلَهُ:
وَمَا النَّاسُ إِلَّا كَامِلُ الْحَظِّ ناقصٌ * وَآخَرُ مِنْهُمْ نَاقِصُ الْحَظِّ كَامِلُ وَإِنِّي لِمُثْرٍ من خيار أعفة * وإن لم يكن عندي من المال كامل وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ، الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْفُصَحَاءِ وَالْبُلَغَاءِ: أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ الْقَاضِي الْأَشْرَفِ أَبِي الْمَجْدِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْبَيْسَانِيِّ الْمَوْلَى الْأَجَلُّ الْقَاضِي الْفَاضِلُ، كَانَ أَبُوهُ قَاضِيًا بِعَسْقَلَانَ فَأَرْسَلَ وَلَدَهُ فِي الدَّوْلَةِ الْفَاطِمِيَّةِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَاشْتَغَلَ بِهَا بِكِتَابَةِ الْإِنْشَاءِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ قَادُوسَ وَغَيْرِهِ، فَسَادَ أَهْلُ الْبِلَادِ حَتَّى بَغْدَادَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ في زمانه نظير، ولا فيما بعده إلى وقتنا هذا مثيل، ولما استقر الملك صلاح الدين بمصر جعله كاتبه وصاحبه ووزيره وجليسه وأنيسه،
__________
(1) وهو أبو الفتح، محمد بن محمود بن محمد بن شهاب الدين توفي بمصر في ذي القعدة وله 74 سنة وقد وقع بينه وبين الحنابلة أمور، لانه أظهر في مصر مذهب الاشعري.
(2) منازل العز بمصربنتها السيدة تغريد أم العزيز بالله نزار الفاطمي ثم اشتراها سنة 566 هـ نقي الدين عمر بن شاهنشاه وعملها مدرسة للشافعية (النجوم الزاهرة 5 / 386) .
(*)
(13/30)

وكان أعز عليه من أهله وأولاده، وتساعدا حتى فتح الأقاليم والبلاد، هَذَا بِحُسَامِهِ وَسِنَانِهِ، وَهَذَا بِقَلَمِهِ وَلِسَانِهِ وَبَيَانِهِ وقد كان الفاضل من كثرة أمواله كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ وَالصِّلَاتِ وَالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ، وَكَانَ يُوَاظِبُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلَى خَتْمَةٍ كَامِلَةٍ، مَعَ مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا مِنْ نَافِلَةٍ، رَحِيمَ الْقَلْبِ حَسَنَ السِّيرَةِ، طَاهِرَ الْقَلْبِ وَالسَّرِيرَةِ لَهُ مَدْرَسَةٌ بِدِيَارِ مِصْرَ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَأَوْقَافٌ عَلَى تخليص الأسارى من يدي النَّصَّارَى، وِقَدِ اقْتَنَى مِنَ الْكُتُبِ نَحْوًا مِنْ مائة ألف كتاب، وهذا شئ لَمْ يَفْرَحْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْوُزَرَاءِ وَلَا العلماء ولا الملوك، ولد في سنة ثنتين (1) وخمسمائة، توفي يَوْمِ دَخَلَ الْعَادِلُ إِلَى قَصْرِ مِصْرَ بِمَدْرَسَتِهِ فَجْأَةً يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ سَادِسِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَاحْتَفَلَ النَّاسُ بِجِنَازَتِهِ، وَزَارَ قَبْرَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي الملك العادل، وتأسف عليه، ثم استوزر الْعَادِلُ صَفِيَّ الدِّينِ بْنَ شُكْرٍ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفَاضِلُ بِذَلِكَ دَعَا اللَّهَ أَنْ لَا يُحَيِيَهُ إِلَى هَذِهِ الدَّوْلَةِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَافَسَةِ، فمات وَلَمْ يُنِلْهُ أَحَدٌ بِضَيْمٍ
وَلَا أَذًى، وَلَا رَأَى فِي الدَّوْلَةِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَقَدْ رَثَاهُ الشُّعَرَاءُ بِأَشْعَارٍ حَسَنَةٍ، مِنْهَا قَوْلُ الْقَاضِي هِبَةِ اللَّهِ بْنِ سَنَاءِ الْمُلْكِ: عَبْدُ الرَّحِيمِ عَلَى الْبَرِيَّةِ رحمةٌ * أَمِنَتْ بِصُحْبَتِهَا حُلُولَ عقابها يا سائلي عَنْهُ وَعَنْ أَسْبَابِهِ * نَالَ السَّمَاءَ فَسَلْهُ عَنْ أسبابها وأتته خاطبةً إليه وزارة * ولطال ما أعيت على خطابها وَأَتَتْ سَعَادَتُهُ إِلَى أَبْوَابِهِ * لَا كَالَّذِي يَسْعَى إِلَى أَبْوَابِهَا تَعْنُو الْمُلُوكُ لِوَجْهِهِ بِوُجُوهِهَا * لَا بَلْ تُسَاقُ لِبَابِهِ بِرِقَابِهَا شُغِلَ الْمُلُوكُ بِمَا يَزُولُ وَنَفْسِهِ * مَشْغُولَةٌ بِالذِّكْرِ فِي مِحْرَابِهَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَوَاتِ أَتْعَبَ نَفْسَهُ * وَضَمَانُ رَاحَتِهِ عَلَى إِتْعَابِهَا وَتَعَجَّلَ الْإِقْلَاعَ عَنِ لَذَّاتِهِ * ثِقَةً بِحُسْنِ مَآلِهَا وَمَآبِهَا فَلْتَفْخَرِ الدُّنْيَا بِسَائِسِ مُلْكِهَا * مِنْهُ وَدَارِسِ عِلْمِهَا وَكِتَابِهَا صَوَّامِهَا قَوَّامِهَا عَلَّامِهَا * عَمَّالِهَا بذّالها وهابها والعجب أن الفاضل مع براعته ليس له قصيدة طويلة، وإنما لَهُ مَا بَيْنَ البيت والبيتين في أثناء رسائله وغيرها شئ كَثِيرٌ جِدًّا، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: سَبَقْتُمْ بِإِسْدَاءِ الجميل تكرماً * وما مثلكم فيمن يحدث أو يحكى وكان ظني أن أسابقكم به * ولكن بلت قبلي فهيج لي البكا وله: وَلِي صَاحِبٌ مَا خِفْتُ مِنْ جَوْرِ حادثٍ * من الدهر إلا كَانَ لِيَ مِنْ ورائه
__________
(1) في وفيات الاعيان وشذرات الذهب: ولد في 15 جمادى الآخرة سنة 529 هـ بمدينة عسقلان.
ولقب بالبيساني لان أباه تولى القضاء بمدينة بيسان فلهذا نسبوا إليها.
(انظر بدائع الزهور لابن إياس 1 / 1 / 253) .
(*)
(13/31)

إِذَا عَضَّنِي صَرْفُ الزَّمَانِ فَإِنَّنِي * بِرَايَاتِهِ أَسْطُو عليه ورائه
وَلَهُ فِي بَدُوِّ أَمْرِهِ: أَرَى الْكُتَّابَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا * بأرزاقٍ تَعُمُّهُمْ سِنِينَا وَمَا لِيَ بَيْنَهُمْ رزقٌ كَأَنِّي * خُلِقْتُ مِنَ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَا وَلَهُ فِي النَّحْلَةِ وَالزَّلْقَطَةِ: وَمُغَرِّدَيْنِ تَجَاوَبَا فِي مجلسٍ * منعاهما لَأَذَاهُمَا الأقوامُ هَذَا يَجُودُ بِعَكْسِ مَا يَأْتِي به * هذا فيحمد ذا وذاك يلامُ وله: بِتْنَا عَلَى حالٍ تسرُّ الْهَوَى * لَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الشَّرْحُ (1) بَوَّابُنَا اللَّيْلُ، وَقُلْنَا لَهُ: * إِنْ غبت عنّا هجم الصبح وأرسلت جارية من جواري الملك العزيز إلى الملك العزيز زراً من ذهب مغلف بعنبر أسود، فسأل الملك الفاضل عن معنى ما أرادت بإرساله فأنشأ يَقُولُ: أَهْدَتْ لَكَ الْعَنْبَرَ فِي وَسْطِهِ * زرٌّ مِنَ التِّبْرِ رَقِيقُ (2) اللِّحَامِ فَالزِّرُّ فِي الْعَنْبَرِ مَعْنَاهُمَا * زُرْ هَكَذَا مُخْتَفِيًا فِي الظَّلَامِ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وِقَدِ اخْتُلِفَ فِي لَقَبِهِ فَقِيلَ مُحْيِي الدِّينِ وَقِيلَ مُجِيرُ الدِّينِ، وَحُكِيَ عَنْ عمارة اليمني: أنه كان يذكر جميل وأن العادل بل الصالح هُوَ الَّذِي اسْتَقْدَمَهُ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ مَعْدُودًا فِي حَسَنَاتِهِ.
وَقَدْ بَسَطَ ابْنُ خَلِّكَانَ تَرْجَمَتَهُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، وَفِي هَذِهِ زِيَادَةٌ كَثِيرَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وخمسمائة فِيهَا اشْتَدَّ الْغَلَاءُ بِأَرْضِ مِصْرَ جِدًّا، فَهَلَكَ خلقٌ كثيرٌ جداَ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ فَنَاءٌ عَظِيمٌ، حَتَّى حَكَى الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ فِي الذَّيْلِ: أَنَّ الْعَادِلَ كَفَّنَ مِنْ مَالِهِ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْ أَلْفٍ، وَعِشْرِينَ أَلْفَ مَيِّتٍ، وأكلت الكلاب والميتات فيها بِمِصْرَ، وَأُكِلَ مِنَ الصِّغَارِ وَالْأَطْفَالِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، يشوي الصغير والداه ويأكلانه، وكثر هذا في الناس جداً حتى صار لا ينكر بينهم، فلما فرغت الأطفال والميتات غلب القوي الضعيف فذبحه وأكله، وكان الرجل
يحتال على الفقير فيأتي به ليطعمه أو ليعطيه شيئاً، ثم يذبحه ويأكله، وكان أحدهم يذبح امرأته
__________
(1) في وفيات الاعيان 3 / 160: بتنا على حالٍ يسر الهوى * وربما لا يمكن الشرح (2) في الوفيات: دقيق اللحام.
(*)
(13/32)

ويأكلها وشاع هذا بينهم بلا إنكار ولا شكوى، بل يعذر بعضهم بعضاً، وَوُجِدَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَرْبَعُمِائَةِ رَأْسٍ وَهَلَكَ كَثِيرٌ من الأطباء الذين يستدعون إلى المرضى، فكانوا يذبحون ويؤكلون، كان الرجل يستدعى الطبيب ثم يذبحه ويأكله، وقد استدعى رجل طبيباً حاذقاً وكان الرجل موسراً من أهل المال، فذهب الطبيب معه على وجلٍ وخوفٍ، فجعل الرجل يتصدق على من لقيه في الطريق ويذكر الله ويسبحه، وَيُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ، فَارْتَابَ بِهِ الطَّبِيبُ وَتَخَيَّلَ منه، وَمَعَ هَذَا حَمَلَهُ الطَّمَعُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ مَعَهُ حتى دخل داره، فإذا هي خربة فارتاب الطبيب أيضاً فخرج صاحبه فقال له: وَمَعَ هَذَا الْبُطْءِ جِئْتَ لَنَا بِصَيْدٍ، فَلَمَّا سَمِعَهَا الطَّبِيبُ هَرَبَ فَخَرَجَا خَلْفَهُ سِرَاعًا فَمَا خلص إلا بعد جهد وشر.
وَفِيهَا وَقَعَ وَبَاءٌ شَدِيدٌ بِبِلَادِ عَنَزَةَ بَيْنَ الحجاز واليمن، وكانوا عشرين قرية، فبادت منها ثماني عشرة لم يَبْقَ فِيهَا دَيَّارٌ وَلَا نَافِخُ نَارٍ، وَبَقِيَتْ أَنْعَامُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ لَا قَانِيَ لَهَا، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَسْكُنَ تِلْكَ الْقُرَى وَلَا يَدْخُلَهَا، بل كان من اقترب إلى شئ من هذه القرى هلك من ساعته، نعوذ بالله من بأس الله وعذابه، وغضبه وعقابه، أَمَّا الْقَرْيَتَانِ الْبَاقِيَتَانِ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَمُتْ مِنْهُمَا أَحَدٌ وَلَا عِنْدَهُمْ شُعُورٌ بِمَا جَرَى عَلَى من حولهم، بل هم على حالهم لم يفقد منهم أحد فسبحان الحكيم العليم.
وَاتَّفَقَ بِالْيَمَنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَائِنَةٌ غَرِيبَةٌ جِدًّا، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ كَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ، وَجَمَعَ نَحَوًا مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَمِنَ الرَّجَّالَةِ جمعاً كثيراً، وخافه ملك اليمن إسماعيل بْنِ طُغْتِكِينَ بْنِ أَيُّوبَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زوال
ملكه على يدي هذا الرجل، وَأَيْقَنَ بِالْهَلَكَةِ لِضَعْفِهِ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ، وَاخْتِلَافِ أُمَرَائِهِ مَعَهُ فِي الْمَشُورَةِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً فَنَزَلَتْ عليهم فلم يبق منهم سوى طائفة من الخيالة والرجالة، فاختلف جيشه فيما بينهم فغشيهم المعز فقتل منهم ستة آلاف، وَاسْتَقَرَّ فِي مُلْكِهِ آمِنًا.
وَفِيهَا تَكَاتَبَ الْأَخَوَانِ الْأَفْضَلُ مِنْ صَرَخْدَ وَالظَّاهِرُ مِنْ حَلَبَ عَلَى أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى حِصَارِ دِمَشْقَ وَيَنْزِعَاهَا مِنَ الْمُعَظَّمِ بْنِ الْعَادِلِ، وَتَكُونُ لِلْأَفْضَلِ، ثُمَّ يَسِيرَا إلى مصر فَيَأْخُذَاهَا مِنَ الْعَادِلِ وَابْنِهِ الْكَامِلِ اللَّذَيْنِ نَقَضَا العهد وأبطلا خطبة المنصور، ونكثا المواثيق، فإذا أخذا مِصْرَ كَانَتْ لِلْأَفْضَلِ وَتَصِيرُ دِمَشْقُ مُضَافَةً إِلَى الظَّاهِرِ مَعَ حَلَبَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْعَادِلَ مَا تَمَالَآ عَلَيْهِ أَرْسَلَ جَيْشًا مَدَدًا لِابْنِهِ الْمُعَظَّمِ عيسى إلى دمشق، فوصلوا إليها قبل وصول الظاهر وأخيه إليها، وَكَانَ وُصُولُهُمَا إِلَيْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ ناحية بعلبك، فنزلا على مَسْجِدِ الْقَدَمِ وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ لِلْبَلَدِ، وَتَسَلَّقَ كَثِيرٌ من الجيش من ناحية خان القدم، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا فَتْحُ الْبَلَدِ، لَوْلَا هُجُومُ الليل، ثم إن الظاهر بدا له في كون دمشق لِلْأَفْضَلِ فَرَأَى أَنْ تَكُونَ لَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ إذا فتحت مصر تسلمها الأفضل، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلِ الْأَفْضَلُ، فاختلفا وتفرقت كلمتهما، وتنازعا الْمُلْكِ بِدِمَشْقَ، فَتَفَرَّقَتِ الْأُمَرَاءُ
(13/33)