Advertisement

الحديث والمحدثون 002



الكتاب: الحديث والمحدثون
المؤلف: محمد محمد أبو زهو رحمه الله
الناشر: دار الفكر العربي
الطبعة: القاهرة في 2 من جمادى الثانية 1378هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] فيما بعد لأهل الحديث ونقاده، فلا يخطرن ببالك أنهم كانوا فيما جمعوا كحاطب ليل. بل كانوا على علم تام بصحيحها وضعيفها وأسانيدها وعللها كيف لا وقد رحلوا في سبيلها إلى الأقطار المختلفة، وأفنوا أعمارهم في جمعها وتمحيصها حتى كانوا صيارفة الحديث بحق. وقد رأيت أن بعض أصحاب المسانيد لم يقتصر على جمع الأحاديث، من غير أن يبين حال متونها، وأسانيدها وأن بعضهم قد جمع إلى ترتيبها على أسماء الصحابة، ترتيبها على أبواب الفقه، كما في المسند الكبير لبقي بن مخلد. والمسند الكبير ليعقوب بن شيبة، فإن الأول رتب حديث كل صحابي على أبواب الفقه، والثاني ألف مسنده معللا، فجمع في كل حديث طرقه واختلاف الرواة فيه.
الطريقة الثالثة: التصنيف على الأبواب، وهو تخريج الأحاديث على أحكام الفقه، وغيرها وتنويعه أنواعا، وجمع ما ورد في كل حكم، وكل نوع في باب حيث يتميز ما يتعلق بالصلاة مثلا، عما يتعلق بالصيام، وأهل هذه الطريقة منهم من اقتصر على إيراد ما صح فقط، كالبخاري، ومسلم في صحيحيهما ومنهم من لم يقتصر على ذلك، كأبي داود، والترمذي، والنسائي.
وكان أول الراسمين لهذه الطريقة المثلى، شيخ المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري "256"، فجمع في صحيحه "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسننه، وأيامه": ما تبين صحته من الأحاديث مرتبة على الأبواب، واقتفى أثره في ذلك الإمام مسلم بن الحجاج القشيري "261" في صحيحه، وكان من الآخذين عن البخاري، وقد اتفق العلماء على أن كتابيهما أصح الكتب المصنفة.
(1/366)

ثم حذا حذوهما كثير من المحدثين في مصنفاتهم كالنسائي، وأبي داود، والترمذي.
وفي هذه الطريقة من الفوائد الوقوف على درجة الأحاديث بسهولة، وتيسير الاطلاع على الأحكام الشرعية، وغيرها في الأبواب المختلفة، ولذلك جعل العلماء الأحاديث هذه الكتب المرتبة الأولى في الاعتبار، ولأحاديث المسانيد المرتبة الثانية.
هذا والقرن الثالث، يعتبر أجل عصور الحديث، وأسعدها بتدوين الحديث، وتقريبه على طالبيه ففيه ظهر كبار المحدثين، وحذاق الناقدين ومهرة المؤلفين وفيه ظهرت الكتب الخمسة: الصحيحان للبخاري ومسلم، والسنن لأبي داود والنسائي، والترمذي، وقد اعتمدها المحدثون وعول عليها المستنبطون، وحظيت بخدمة العلماء في جميع العصور ما بين شارح ومختصر، وناقد ومنتصر، ومستخرج عليها ومؤرخ لرجالها، وجامع لأطرافها ومستدرك عليها. وقال النووي وغيره: لم يفت الكتب الخمسة من الأحاديث الصحيحة، إلا النزر اليسير، وإليك الكلام على أشهر الكتب المؤلفة في هذا الدور:
كتاب تأويل مختلف الحديث:
هذا كتاب جليل القدر، عظيم النفع. ألفه الإمام ابن قتيبة مدافعا به عن السنة، وأهلها مناضلا عن الحق وداحضا لأباطيل المموهين. رد فيه على أعداء أهل الحديث، وجمع بين الأخبار، التي زعموا فيها التناقض والاختلاف، وأجاب عما أورده من شبه حول بعض الآثار المتشابهة، أو المشكلة بادئ الرأي:
طريقته فيه: بدأ رحمه الله الكلام في الباعث له على تأليفه، ثم تكلم
(1/367)

على أهل الكلام وأصحاب الرأي فبين حال الفريقين، ثم تحدث عن كبار المعتزلة الطاعنين في أهل الحديث واحدا واحدا، بادئا بالنظام ذاكرا طعنه في "أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما"، واعتراضه على "علي وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبي هريرة رضي الله عنهم"، ثم انبرى للإجابة عن جميع هذه الطعون وتفنيدها، ثم ذكر أبا الهذيل العلاف وسخافاته، وعبيد الله بن الحسن وتناقضاته، وبكرا صاحب البكرية وتهجماته، وهشام بن الحكم وقبح مقالاته، ثم عرج على الجاحظ، خطيب المعتزلة فبين تذبذبه في العقائد والدين، واستهزاءه بحديث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وأبان عن كذبه، ووضعه للحديث ونصره للباطل، إلى غير ذلك من مزاعمهم وغرائب أقوالهم، ثم ذكر الإمام ابن قتيبة: أنه كان في أول الأمر مغترا بالمتكلمين من أهل الاعتزال، وأنه كان يرتاد مجالسهم، ويغشى نواديهم ويسمع لكلامهم. ثم لما أن وقف على جرأتهم على الله تبارك وتعالى، وردهم للأحاديث الصحيحة.
الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع منهم تفسير كتاب الله بالعجيب من الآراء ميلا مع أهوائهم ونحلهم: ترك مجالسهم بل وأخذ ينشر على الناس ما خفي من هناتهم غير الهينات، ثم ذكر تفسير الروافض لبعض آيات القرآن على هواهم، زاعمين أنهم على علم بباطن القرآن، لما ورثوه من -علم الجفر- عن الإمام علي كرم الله وجهه، وفند تلك المزاعم كلها.
ثم شرع في الكلام على أهل الحديث، وبين التماسهم للحق من طريقة الصحيح، وأجاب عن معايب نسبته إليهم، وهم بريئون منها، ونبه على بعض أحاديث من وضع القصاص، والزنادقة وأهل الأهواء، وبين أن حمل المحدثين لبعض الأحاديث الضعيفة إنا ذلك؛ لأنهم ينخلون المتون والأسانيد جميعا، ويميزون بين الصحيح منها، والسقيم، وينصون على ذلك
(1/368)

ويبينونه للناس، وضرب لذلك كثيرا من الأمثال. كما أوضح أن زلل المحدث في الإعراب لا يعد عيبا فيه كما أن زلل الفقيه في الشعر لا يعتبر نقصا له. ثم أخذ هذا الإمام الجليل في ذكر الجمع بين الأحاديث، التي زعم المتكلمون أنها متناقضة أو مشكلة فرفع التناقض عنها وأزل الإشكال، وسجل على أهل الكلام التعصب، الذي أعماهم فاتخذوا إلههم هواهم: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} .
هذا ونلفت نظر القارئ الكريم -وقد شرحنا له الغرض من تأليف هذا الكتاب العظيم، ووقفناه على جل محتوياته -أن جمهرة المستشرقين، ومن على نهجهم من الملحدين والمتحللين في عصرنا هذا يسطون على هذا الكتاب، ويلتقطون منه هذه المطاعن التي فندها هذا الإمام الجليل، دون أن ينبهوا للناس على أن إماما كبيرا من أئمة المسلمين تولى الإجابة عنها -وهذا أمر طبيعي فيهم- بل وينسبون هذه المطاعن إلى ابن قتيبة نفسه، على أنها من آرائه في الصحابة، وأهل الحديث وفوق هذه الخيانة العلمية العظمى، يقوم هؤلاء الأعداء الألداء بصوغ هذه الشبهات على أنها قواعد مسلمة عند المسلمين، ثم يبنون عليها آراءهم الزائفة، التي تطعن في هذا الدين الحنيف، وتأتي على بنائه من القواعد، وأن من ألقى نظرة على ما جاء في هذا الدين الحنيف، وتأتي على بنائه من القواعد، وأن من ألقى نظرة على ما جاء في هذا الكتاب، ثم طالع بعض مقالات هؤلاء القوم افتضح أمامه أمرهم، وظهر له ضلالهم وتضليلهم، والله لا يهدي كيد الخائنين.
مسند الإمام أحمد:
هو، كتاب عظيم في السنة شهد له المحدثون قديما، وحديثا بأنه أجمع كتب السنة للحديث، وأوعاها لكل ما يحتاج إليه المسلم في أمر دينه ودنياه، وقد سلك الإمام أحمد في ترتيبه مسلكا، يتفق وطريقة أهل طبقته، فهو يذكر الصحابي، ثم يورد ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث
(1/369)

غير ناظر إلى ترتيبها حسب موضوعاتها ثم يتلوه بالصحابي الآخر، وهكذا، فالمتصفح لهذا الكتاب يرى حديثا في الحدود، يلي حديثا آخر في العبادات إلى جانب ثالث في الترغيب والترهيب. وهذه الطريقة، وإن كانت لا تلائم أهل عصر، الحاضر الذين قعدت بهم الهمم، وضعفت فيهم ملكة الحفظ والضبط كانت سائغة ميسورة لأهل القرن الثالث، الذين عظمت عنايتهم بحفظ الحديث وضبطه، ومذاكرته ودرسه حتى كان الواحد منهم يحفظ المسند الكبير كما يحفظ السورة من القرآن الكريم، ويعرف صحيحه من سقيمه وغثه من سمينه.
هذا وقد اشتمل مسند أحمد على أربعين ألف حديث بالمكرر، ومن غير المكرر على ثلاثين ألفا، ومع ذلك فلم يستوعب الأحاديث كلها، ومن زعم ذلك فقد أخطأ. قال الحافظ ابن كثير: "لا يوزاي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته، وقد فاته أحاديث كثيرة جدا، بل قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين"1. ا. هـ. وفي المسند نحو ثلاثمائة حديث، ليس بين أحمد وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها غير ثلاثة رواة.
المسند الذي بأيدينا اليوم:
والمسند الذي بأيدينا اليوم ليس كله من رواية الإمام أحمد، ولكن أضاف إليه ابنه عبد الله زيادات ليست من رواية أبيه، وكذلك فعل الإمام أبو بكر القطيعي رواية المسند عن عبد الله بن الإمام أحمد. قال الأستاذ المحدث الشيخ أحمد البنا الشهير بالساعاتي، في مقدمة الفتح الرباني:
"بتتبعي لأحاديث المسند، وجدتها تنقسم إلى ستة أقسام:
1- قسم رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد، عن أبيه سماعا منه، وهو المسمى
__________
1 تدريب الراوي ص57.
(1/370)

بمسند الإمام أحمد، وهو كبير جدا يزيد عن ثلاثة أرباع الكتاب.
2- قسم سمعه عبد الله من أبيه، ومن غيره وهو قليل جدا.
3- وقسم رواه عن غير أبيه، وهو المسمى عند المحدثين بزوائد عبد الله، وهو كثر بالنسبة للأقسام كلها عدا القسم الأول.
4- وقسم قرأه عبد الله على أبيه، ولم يسمعه منه وهو قليل.
5- وقسم لم يقرأه ولم يسمعه، ولكنه وجده في كتاب أبيه بخط يده.
6- وقسم رواه الحافظ أبو بكر القطيعي، عن غير عبد الله وأبيه رحمهما الله تعالى، وهو أقل الجميع فهذه ستة أقسام، وكل هذه الأقسام من المسند إلا الثالث فإنه من زوائد عبد الله والسادس فإنه من زوائد القطيعي"1. ا. هـ.
سمع المسند من الإمام أحمد أولاده الثلاثة: صالح وعبد الله وحنبل. قال عثمان بن السباك: حدثنا حنبل قال: جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح، وعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه غيرنا وقال لنا: "هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارجعوا إليه فإن وجدتموه، وإلا فليس بحجة"، وسئل الشيخ الإمام الحافظ علي بن الحافظ، الفقيه محمد اليونيني رحمهما الله تعالى. أنت تحفظ الكتب الستة. فقال: أحفظها وما أحفظها فقيل له كيف هذا.
فقال: أنا أحفظ مسند أحمد، وما يفوت المسند من الكتب الستة، إلا قليل فأنا أحفظها بهذا الوجه2. ومما تقدم يتبين لك أن المسند جمع مقدارا عظيما من الأحاديث النبوية، وأن صاحبه انتقاه من أكثر من "750" ألف حديث، وأن عبد الله بن الإمام زاد فيه كثيرا من الأحاديث، التي لم يأخذها
__________
1 مقدمة الفتح الرباني ص19 وما بعدها.
2 مقدمة الفتح الرباني ص8.
(1/371)

عن أبيه وكذلك فعل الإمام أبو بكر القطيعي راوية المسند، عن عبد الله بن الإمام أحمد.
درجة أحاديثه: للعلماء في درجة أحاديثه أقوال: الأول: إن ما فيه من الأحاديث حجة، وهو ظاهر عباة الإمام السابقة التي رواها ابن السباك، عن حنبل عن الإمام، وفي معناه ما روى أبو موسى المديني عن الإمام أحمد أنه سئل عن حديث، فقال: انظروه فإن كان في المسند وإلا فليس بحجة. وما قاله أبو موسى المديني أيضا في كتابه خصائص المسند، قال:
وهذا الكتاب أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله صاحبه إماما ومعتمدا وعند التنازع ملجأ ومستندا، قال: ولم يخرج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طعن في أمانته. قال: ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد رحمه الله مسنده قد احتاط فيه إسنادا ومتننا، ولم يورد فيه إلا ما صح عنده ما رواه القطيعي قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت أبا زرعة يحدث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يهلك أمتي هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم"، قال عبد الله: قال لي أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني قوله: "اسمعوا وأطيعوا"، فهذا الحديث مع ثقة رجال إسناده حين شذ لفظه عن المشاهير أمر بالضرب عليه، فقال عليه ما قلنا وفيه نظائر له. ا. هـ بحذف يسير.
قال الأستاذ المحدث الشيخ، أحمد بن عبد الرحمن البنا: هذا مثال لشدة احتياط الإمام أحمد في المتن، وأما احتياطه في السند فقد روى
(1/372)

القطيعي، قال: حدثنا عبد الله، حدثني أبي حدثنا علي بن ثابت الجزري، عن ناصح أبي عبد الله، عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لأن يؤدب الرجل ولده، أو أحدكم ولده خي له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع"، قال عبد الله: وهذا الحديث لم يخرجه أبي في مسنده من أجل ناصح؛ لأنه ضعيف في الحديث وأملاه على في النوادر1. ا. هـ.
القول الثاني: أن فيه الصحيح والضعيف، والموضوع فقد ذكر ابن الجوزي في الموضوعات تسعة وعشرين حديثا منها، وحكم عليها بالوضع، وزاد الحافظ العراقي عليه تسعة أحاديث، حكم عليها بالوضع وجمعها في جزء. قال العراقي ردا على من قال أن أحمد شرط في مسنده الصحيح:
لا نسلم ذلك والذي رواه عنه أبو موسى المديني، أنه سئل عن حديث فقال: انظروه فإن كان في المسند، وإلا فليس بحجة فهذا ليس بصريح في أن كل ما في حجة، وإنما هو صريح في أن ما ليس فيه ليس بحجة. قال:
على أن ثم أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحين، وليست فيه منها حديث عائشة في قصة أم زع قال: وأما وجود الضعيف فيه، فهو محقق بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء، ولعبد الله ابنه فيه زيادات، فيها الضعيف والموضوع2. ا. هـ.
القول الثالث: أن فيه الصحيح والضعيف الذي يقرب من الحسن، وممن ذهب إلى ذلك من الحفاظ أبو عبد الله الذهبي، وابن حجر العسقلاني، وابن تيمية والسيوطي. وإليك أقوالهم في ذلك: قال الحافظ السيوطي في خطبة الجامع الكبير ما لفظه: "وكل ما كان في مسند
__________
1 مقدمة الفتح الرباني ص9.
2 تدريب الراوي ص56.
(1/373)

أحمد فو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن"، وقال الحافظ ابن حجر في كتابه تعجيل المنفعة في رجال الأربعة: "ليس في المسند حديث لا أصل له، إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة منها حديث عبد الرحمن بن عوف "أنه يدخل الجنة زحفا"، والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه، فترك سهوا أو ضرب، وكتب من تحت الضرب". ا. هـ. وقال ابن تيمية في كتابه منهاج السنة: "شرط أحمد في المسند ألا يروى عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف، قال: ثم زاد عبد الله بن أحمد زيادات على المسند ضمت إليه، وكذلك زاد أبو بكر القطيعي، وفي تلك الزيادات كثير من الأحاديث الموضوعة، فظن من لا علم عنده أن ذلك من رواية أحمد في مسنده" ا. هـ.
وقال الحافظ الذهبي: "ولو أنه -يعني عبد الله بن الإمام أحمد- حرر ترتيب المسند وقربه وهذبه لأتى بأسنى المقاصد، ولعل الله تباك وتعالى أن يقيض لهذا الديوان السامي من يخدمه، ويبوب عليه ويتكلم على رجاله، ويرتب هيئته ووضعه، فإنه محتو على أكثر الحديث النبوي، وقل أن يثبت حديث إلا وهو فيه. قال: وأما الحسان فما استوعبت فيه بل عامتها إن شاء الله تعالى فيه، وأما الغرائب وما فيه لين فروي من ذلك الأشهر، وترك الأكثر مما هو مأثور في السنن الأربعة، ومعجم الطبراني الأكبر والوسط، ومسندي أبي يعلى والبزار، وأمثال ذلك قال: ومن سعد مسند الإمام أحمد قل أن تجد فيه خبرا ساقطا"1 ا. هـ.
هذا وقد ألف شيخ الإسلام ابن حجر كتابا سماه "القول المسدد في الذب عن المسند"، قال في خطبته: "ذكرت في هذه الأوراق ما حضرني
__________
1 تدريب الراوي ص56، منهاج السنة ص37.
(1/374)

من الكلام على الأحاديث التي زعم بعض أهل الحديث أنها موضوعة، وهي في مسند أحمد ذبا عن هذا التصنيف العظيم، الذي تلقته الأمة بالقبول والتكريم، وجعله إمامهم حجة يرجع إليه، ويعول عند الاختلاف عليه، ثم سرد الأحاديث التي جمعها العراقي في جزء، وحكم عليها بالوضع، وهي تسعة وأضاف إليها خمسة عشر حديثا، أوردها ابن الجوزي في الموضوعات، وهي فيه وأجاب عنها حديث حديثا". ا. هـ، قال السيوطي في التدريب: وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزي، وهي فيه وجمعتها في جزء سميته "الذيل الممهد"، وعدتها أربعة عشر حديثا1. ا. هـ.
قال الشوكاني: وقد حقق الحافظ نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرا من الكتب، التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها، وليست الأحاديث الزائدة فيه على الصحيحين، بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي. ا. هـ.
الجمع بين أقوال العلماء في مسند أحمد:
يمكن إرجاع القولين الأولين إلى القول الثالث، وبذلك لا يكون هناك خلاف في درجة أحاديث المسند، فمن حكم على بعض أحاديثه بالوضع، نظر إلى ما زاده فيه أبو بكر القطيعي، وعبد الله بن الإمام أحمد، والقول بحجية ما فيه من الأحاديث لا ينافي القول بأن فيه الضعيف، فإن الضعيف فيه دائر بين الحسن لذاته، والحسن لغيره، وكلاهما مما يحتج به عند العلماء.
عناية الأمة بمسند الإمام أحمد:
قال في كشف الظنون: جمع غريبه أبو عمر محمد بن عبد الواحد
__________
1 التدريب ص56.
(1/375)

المعروف بغلام ثعلب في كتاب، وتوفي سنة "345"، واختصره الشيخ الإمام سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن الشافعي، المتوفى سنة 805 خمس وثمانمائة، وعليه تعليقة للسيوطي في إعرابه سماها عقود الزبرجد، وقد شرح المسند أبو الحسن بن عبد الهادي السندي، نزيل المدينة المنورة المتوفى سنة "1139" شرحا كبيرا نحوا من خمسين كراسة كبار، واختصره الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي1. ا. هـ.
وقال الحافظ ابن الجزري: أقام الله تعالى لترتيبه شيخنا خاتمة الحفاظ، أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك كترتيب الأطراف تعب فيها تعبا كثيرا، ثم إن شيخنا الإمام مؤرخ الإسلام، وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى، أخذ هذا الكتاب المرتب من مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي، وجهد نفسه كثيرا، وتعب فيه تعبا عظيما، فجاء لا نظير له في العالم، وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه قبل أن يكمله كف بصره ومات، وقال رحمه الله تعالى: لا زلت أكتب فيه في الليل والسراج ينونص، حتى ذهب بصري معه، ولعل الله أن يقيض له من يكمله مع أنه سهل. فإن معجم الطبراني الكبير لم يكن فيه شيء من مسند أبي هريرة رضي الله عنه. ا. هـ.
واسم هذا الكتاب الذي ألفه ابن كثير "جامع المسانيد والسنن"، ويوجد منه في دار الكتب المصرية ثمانية أجزاء2، وقد رتب المسند
__________
1 جـ2 ص265.
2 مقدمة الفتح الرباني.
(1/376)

على الأبواب بعض الحفاظ الأصبهانيين، وكذا الحافظ ناصر الدين بن رزيق وغيره ورتبه على حروف المعجم الحافظ، أبو بكر محمد بن أبي محمد عبد الله المقدسي، الحنبلي1، وقد رتب المسند على الأبواب ترتيبا متقنا مهذبا، معاصرنا الفاضل الشيخ المحدث العلامة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا، الشهير بالساعاتي انتهى من تبييضه عام "1351" للهجرة، وجعله سبعة أقسام: قسم التوحيد وأصول الدين، وقسم الفقه، وقسم التفسير، وقسم الترغيب، وقسم الترهيب، وقسم التاريخ، وقسم القيامة، وأحوال الآخرة. على هذا الترتيب وكل قسم من هذه الأقسام السبعة، يشتمل على جملة كتب وكل كتاب يندرج تحته جملة أبواب، وبعض الأبواب يدخل فيه جملة فصول، وفي أكثر تراجم الأبواب ما يدل على مغزى أحاديث الباب، وسمى هذا الكتاب "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"، ثم شرح كتابه هذا وخرج أحاديثه في كتاب آخر سماه "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني" جعله معه، ثم شرع في طبعهما، وقد صدر حتى الآن أحد وعشرون جزءًا ونسأل الله أن يعينه على إتمامه، ويتقبل منه عمله.
صحيح البخاري:
الباعث له على تأليفه:
رأى البخاري رحمه الله تعالى دواوين السنة، التي ألقت في عصره وقبله جامعة بين الصحيح، والحسن، والضعيف من الأحاديث لا يستطيع الناظر فيها أن يميز بين الصحيح، وغيره إلا إذا كان من أهل الفن والخبرة التامة، وكذلك لا يستطيع أن يجمع الأحاديث التي تتعلق بموضوع
__________
1 الرسالة المستطرفة 15، 16.
(1/377)

واحد من الأحكام الشرعية؛ لأن هذه الدواوين -كما قلنا- كان يقصد منها جمع الأحاديث وحفظها على الأمة فقط، فلم تراع فيها المناسبات في ترتيب الأحاديث، وضم بعضها إلى بعض.
هذا إلى أن بعض أهل ورواته، أهملوا فقه الأحاديث، وما تدل عليه ألفاظها من المعاني والفوائد إلى مجرد الحفظ والرواية، فكان من أثر ذلك أن عجز هؤلاء عن مناهضة أهل البدع والأهواء بالحجة، وقمعهم بالبرهان. كما شاعت الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة فيما بين الناس، عن طريق القصاص الذين لا يميزون بين المقبول، والمردود من الأحاديث. وأوغل بعض المنتسبين إلى أهل الرأي في مخالفة السنن الثابتة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحركت هذه العوامل مجتمعة من إمام المحدثين، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري همته العالية لجمع طائفة كبيرة من الأحاديث، التي صحت أسانيدها، وسلمت متونها من العلل مرتبة على أبواب الفقه، والسير والتفسير إلى غير ذلك.
وقوى عزمه على ذلك ما سعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث، والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، حيث قال لتلاميذه:
"لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع "الجامع الصحيح".
خرجه من ستمائة ألف حديث، ولم يخرج فيه إلا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند المتصل الذي توفر في رجاله العدالة، والضبط، ومكث في تصنيف ستة عشر عامًا، وما وضع فيه حديثا إلا غتسل قبله، وصلى ركعتين، ولما أن تم عرضه على الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني وغيرهم فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث، قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة
(1/378)

وقد تلقاه العلماء بالقبول في كل عصر، وشهدوا له بالتفوق على كل ما سبقه من المصنفات.
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: وأما جامع البخاري الصحيح، فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى، قال: فلو رجل الشخص لسماعه من ألف فرسخ لما ضاعت رحلته. ا. هـ.
وقد روى الحفاظ، والأئمة عن البخاري أنه قال: جعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى، وما أدخلت فيه إلا صحيحا، وما تركت من الصحيح أكثر حتى لا يطول. ا. هـ. وقوله: "وما أدخلت فيه إلا صحيحا"، محمول على الأحاديث المسندة المتصلة، فإنها موضوع الكتاب ومقوصده، وقد ذكر البخاري فيه عرضا الموقوف، والمعلق وفتاوى الصحابة والتابعين، وآراء العلماء.
وليست هذه الأحاديث المعلقة، والآثار الموقوفة من موضوع كتابه كما يدل لذلك تسميته له: "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"، وإنما ذكرها لقصد الاستئناس بها فقد، ولذلك غاير في سياقها لتمتاز.
عدد أحاديثه: وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن عدة ما فيه من الأحاديث بالمكرر "7397"، سوى المعلقات والمتابعات، والموقوفات، وبغير المكرر من المتون الموصولة "2602".
رواته: وقد سمعه منه نحو من تسعين ألفا من أشهرهم: أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، المتوفى سنة "320"، وكان سماعه للصحيح مرتين بفرير سنة 248، وببخارى سنة 252، ومنهم إبراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي، وكان من الحافظ، وله تصانيف وتوفي سنة "294" وفاته من الجامع أوراق رواها بالإجازة عن البخاري،
(1/379)

ومنهم حماد بن شاكر النسوي مات حوالي سنة "290"، وفاته منه شيء أيضان وأبو طلحة منصور بن محمد بن علي بن قرينة البزدوي، المتوفى سنة "329"، وهو آخر من حدث عن البخاري بصحيحه، كما جزم به ابن ماكولا غيره1.
ما اشتملت عليه تراجم البخاري من الفوائد:
قدمنا أن البخاري رحمه الله تعالى، كان من أئمة الفقه المجتهدين لذلك جاء كتابه جامعا لكثير من المسائل الفقيه، فقد أودع تراجم الأبواب كثيرا مما اهتدى إليه باجتهاده، واستنبطه بعقله مما يدل على براعته في الفقه واستنباط الأحكام الشرعية من الأحاديث، وله في تلك التراجم طريقتان ظاهرة وخفية:
الطريقة الأولى: أن تكون الترجمة دالة بطريق المطابقة على ما ساقه من الأحاديث كأن يقول: هذا الباب الذي فيه كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلًا، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له، وقد تكون ببعض ألفاظه، وقد تكون بمعناه، وهذا هو الغالب على تراجمه.
الطريقة الثانية: أن يأتي في الترجمة بلفظ عام، ويكون المترجم له من الأحاديث خاصا تنبيها منه على أن الحكم عام، وأن الحديث وإن كان خاصا، فهو مراد به العموم، وقد يكون الأمر على عكس ذلك، فينبه بالترجمة على أن الحديث وإن كان عاما إلا أنه يراد منه الخصوص، وعلى هذا الأمر في المطلق والمقيد وشرح المشكل، وتفسير الغامض، وتأويل
__________
1 مقدمة فتح الباري جـ1 ص4، خطبة فتح الباري، مفتاح السنة ص39، وما بعدها.
(1/380)

الظاهر وتفصيل المجمل "وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب، ولهذا اشتهر عن جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه"، وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد، الذي تجم به، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره، وكثيرا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله باب هل يكون كذا، أو من قال كذا، وذلك حيث لا يتجه له القطع بأحد الاحتمالين، وكثيرا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوة، ولكنه إذا حققه المتأمل، كان كثير النفع كقوله: "باب قول الرجل: ما صلينا"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك وكقوله: "باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك، وكثيرا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحا في الترجمة، ويورد في الباب مما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفي، ومن ذالك قوله: باب الأمراء من قريش. فهذا حديث ليس على شرط البخاري وأورد فيه: "لا يزال وال من قريش"، ومنها قوله: "باب اثنان فما فوقهما جماعة"، وربما اكتفى أحيانا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرا أو آية فكأنه يقول لم يصح في الباب شيء على شرطي.
صحيح مسلم:
هو كتاب صنفه إمام مسلم بن الحجاج، النيسابوري في الصحيح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، ويقع في الدجة الثانية من الصحة بعد صحيح البخاري. احتوى على أربعة آلاف من الأحاديث الصحاح من غير المكرر. وبالمكرر "7275"، وقد سلك مسلم في صحيحه
(1/381)

طريقة حكيمة جعلته سهل التناول، قريب المأخذ فهو يجمع الأحاديث المتناسبة في مكان واحد ويذكر طرق الأحاديث، التي ارتضاها ويورد أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة مع إيجاز في العبارة، وترتيب حسن واحتياط بالغ. ذكر مسلم رحمه الله في مقدمة جامعه الصحيح أنه يقسم الأحاديث ثلاثة أقسام: الأول ما رواه الحفاظ المتقنون. والثاني ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والاتقان. والثالث ما رواه الضعفاء المتروكون، وأنه إذا فرغ من القسم الأول، أتبعه الثاني. وأما الثالث فلا يعرج عليه1. وصحيح مسلم مرت على أبواب الفقه، غير أنه لم يذكر تراجم الأبواب فيه، لئلا يزداد بها حجم الكتاب.
وقد ترجم جماعة من الشراح أبوابه تباجم بعضها جيد، وبعضها ليس بجيد وتولى الإمام النووي الترجمة عنها بعبارات تليق بها، فأجاد كثيرا2.
الباعث لمسلم على تأليف الجامع الصحيح أمران:
أحدهما: جمع طائفة من الأحاديث الصحيحة، المتصلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المشتملة على أحكام الدين وسننه، وغير ذلك على وجه يقربها للباحثين في الفقه الإسلامي وغيره وذلك؛ لأن المصنفات في ذلك العصر كانت صعبة المأخذ ممزوجا فيها الصحيح بغيره، وصحيح البخاري، وإن كان قد رتبه على الأبواب إلا أنه ما زال الكشف فيه من الصعوبة بمكان لخفاء تراجمه، ودقة وضعه على من ليسوا من أهل الفن.
الأمر الثاني: رأى مسلم رحمه الله ما كان من القصاص، والزنادقة
__________
1 قيل: إن المنية عاجلته قبل إخراج القسم الثاني، وقيل: إنه استوفى القسمين الأول والثاني، ورجحه النووي.
2 مقدمة النووي لشرح مسلم ص30-33 بهامش القسطلاني.
(1/382)

وجهلة المتصوفة في خداع العامة، وإغرائهم بالمناكير، وحشوهم لأذهان الناس بالأساطير. فأراد أن يجذب العامة من الظلمة إلى النور، ويقدم لهم كتاب في الصحاح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تطمئن قلوبهم إليها، وبذلك يشغلون عن هذه الطوائف المفسدة، ونحن ننقل لك جملة من كلام الإمام نفسه، تدل على غرضه ذلك قال رحمه الله في مقدمة صحيحه: "الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، أما بعد فإنك يرحمك الله بتوفيق خالقك، ذكرت أنك هممت بالفحص عن تعرف جملة الأخبار المأثورة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن الدين، وأحكامه، وماكان منها في الثواب، والعقاب، والترغيب والترهيب، وغير ذلك من صنوف الأشياء بالأسانيد، التي بها نقلت وتداولها أهل العلم فيما بينهم، فأردت -أرشدك الله- أن توقف على جملتها مؤلفة محصاة، وسألتني أن ألخصها لك في التأليف بلا تكرار يكثر -إلى أن قال: إلا أن ضبط القليل من هذا الشأن، وإتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير منه، ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام، إلا بأن يوقفه على التمييز غيره، وإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا، فالقصد منه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم، وإنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن، وجمع المكررات منه لخاصة من الناس ممن رزق فيه بعض التيقظ، والمعرفة بأسبابه وعلله، فأما عوام الناس الذين هم بخلاف معاني الخاصة، فلا معنى لهم في طلب الكثير وقد عجزوا عن معرفة القليل، ثم قال: وبعد يرحمك الله فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثا، فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة، وتركهم الاقتصار على الأخبار الصحيحة المشهورة مما نقله الثقات
(1/383)

المعروفون بالصدق والأمانة، بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أن كثيرا مما يقذفون به إلى الأغبياء من الناس هو مستنكر، ومنقول عن قوم غير مرضيين ممن ذم الرواية عنهم أئمة الحديث، مثل مالك بن أنس رحمه الله، وشعبه بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة لما سهل علينا الاتنصاب لما سألت من التمييز، والتحصيل ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها خف على قلوبنا أجابتك إلى ما سألت". ا. هـ.
من هذا ترى أن همة مسلم في صحيحه، كانت متوجهة إلى تجريد الأحاديث الصحاح من غير تعرض للاستنباط، ليكون سائغا عند الخاصة، والعامة على السواء ليصرف العامة عن الاستمعال إلى المناكير التي يبثها من نصبوا أنفسهم محدثين كالقصاص، والمتصوفة. وقد تلقته الأمة هو وصحيح البخاري بالقبول، وأقبل عليها العامة والخاصة، وحصل بذلك خير كثير، والحمد لله.
شرط البخاري ومسلم في صحيحهما:
اعلم أن البخاري، ومسلما لم ينقل عن واحد منهما أنه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سير كتابيهما. وللعلماء في تحقيق شرطهما في الصحيحين أقوال:
الأول: قال الحاكم أبو عد الله النيسابوري، المتوفى سنة "405" في كتابه المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل: "الدرجة الأولى من الصحيح اختيار البخاري، ومسلم، وهو أن يروي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي، المشهور وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور
(1/384)

بالرواية عن الصحابي وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين، حافظ متقن وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري، أو مسلم حافظا، مشهورا بالعدالة في روايته". ا. هـ. قال أبو علي الغساني: ليس المراد أن يكون كل خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيه، ثم عن تابعيه فمن بعده، فإن ذلك يعز وجوده، وإنما المراد أن هذا الصحابي، وهذا التابعي قد روى عنه رجلان، خرج بهما عن حد الجهالة. ا. هـ. وقال ابن حجر في مقدمته لشرح البخاري: ما ذكره الحاكم وإن كان منتقضا في حق بعض الصحابة، الذين أخرج لهم -يعني البخاري- إلا أنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له، إلا راو واحد فقط. ا. هـ.
القول الثاني: قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، المتوفى سنة "507" في شروط الأئة الستة: شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع، وإن كان للصحابي راويان فصاعدا، فحسن، وإن لم يكن إلا راو واحد، وصح الطريق إلى كفى، إلا أن البخاري ترك أحاديث أقوال لشبهة، وقعت في نفسه أخرج مسلم أحاديثهم لزوال الشبهة عنهم عنده. ومثال ذلك أن سهيل بن أبي صالح، تكلم بعضهم في سماعه من أبيه، فقيل: صحيفة فترك البخاري حديث في الأصول لا في الشواهد، واستغنى عنه بغيره من أصحاب أبيه احتياطا، ومسلم اعتمد عليه لما سبر أحاديثه، فوجده يحدث عن عبد الله بن دينار، عن أبيه ومرة عن الأعمش عن أبيه، ومرة يحدث عن أخيه، عن أبيه بأحاديث فاتنة من أبيه فصح عنده أنه سمع من أبيه، إذ لو كان سماعه صحيفة، لكان يروى هذه الأحاديث، مثل تلك الأخر. وكذلك حماد
(1/385)

ابن سلمة إمام كبير مدحه الأئمة، وأطنبوا لكن تكلم فيه بعض منتحلي المعرفة أن بعض الكذبة، أدخل في حديثه ما ليس منه لم يخرج عنه البخاري في صحيحه، معتمدا عليه، بل استشهد به في مواضع ليبين أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث غيره من أقرانه، كشعبة وحماد بن زيد، وأبي عوانة وأبي الأحوص وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء، والمتأخرين رووا عنه لم يختلفوا عليه، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة النقل على ثقته وإمامته، ومثل حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح في ذلك داود بن أبي هند، وأبو الزبير بن عبد الرحمن وغيرهما. فلما تكلم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة، والثقة ترك البخاري إخراج حديثهم في الأصول تحريا، وأخرج مسلم أحاديثهم لزوال الشبهة. قال العراقي: وليس ما قال ابن طاهر بجيد؛ لأن النسائي ضعف جماعة، أخرج لهم الشيخان، أو أحدهما وأجيب بأنهما أخرجا من أجمع العلماء على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك تضعيف النسائي بعد وجود الكتابين. قال شيخ الإسلام ابن حجر الحافظ: تضعيف النسائي إن كان باجتهاده، أو نقله عن معاصر فالجواب ذلك، وإن نقله عن متقدم فلا.
قال: ويمكن أن يجاب بأن ما قاله ابن طاهر هو الأصل، الذي بنيا عليه أمرهما، وقد يخرجان عنه لمرجح يقوم مقامه "تدريب الراوي ص38".
القول الثالث: ما قاله الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي، المتوفى سنة "584"، قال في كتابه شروط الأئمة الخمسة ما ملخصه: مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه العدول، وفيمن روى عنهم من الثقات، فبعضهم حديثه صحيح، ثابت يلزم إخراجه، وبعضهم حديثه مدخول لا يصلح إخراجه إلى في الشواهد والمتابعات
(1/386)

وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم ولنوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها:
فالطبقة الأولى: جماعة من الرواة العدول، جمعوا بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يزامله في السفر ويلازمه في الحضر وهذه هي الغاية في الصحة، وهؤلاء مثل مالك، وابن عيينة، ويونس وعقيل الأيليين وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهم.
والطبقة الثانية: جماعة من الرواة العدول، لم يلازموا الزهري إلا مدة يسيرة، فلم يمارسوا حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى مثل الأوزاعي، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر وغيرهم.
والطبقة الثالثة: جماعة من الرواة لازموا الزهري، ملازمة طويلة كرجال الطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين القبول والرد مثل سفيان بن حسين الأسلمي، وجفر بن برقان وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وزمعة بن صالح المكي، وغيرهم.
والطبقة الرابعة: قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في عدم السلامة من غوائل الجرح، غير أنهم لم يلازموا الزهري طويلا، فلم يمارسوا حديثه مثل إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني. وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح وجماعة سواهم.
والطبقة الخامسة: نفر من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن يخرج الحديث على الأبواب، أن يخرجوا حديثهم إلا على سبيل الاعتبار
(1/387)

والاستشهاد عند أبي داود والنسائي، والترمذي فأما عند الشيخين "البخاري ومسلم"، فلا وهؤلاء مثل بحر بن كنيز السقا، والحكم بن عبد الله الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب الدمشقي، ومحمد بن سعيد المصلوب وغيرهم.
قال: فأما الطبقة الأولى فهم شرط البخاري، وقد يخرج من أحاديث أهل الطبقة الثانية1 ما يعتمد من غير استيعاب، وأما مسلم فيخرج أحاديث الطبقتين الأولى، والثانية باستيعاب، وينتقى من أحاديث أهل الطبقة الثالثة، وأما الرابعة والخامسة، فلا يعرجان عليهما2. ا. هـ. كلام الحازمي.
قال الحافظ بن حجر معقبا على كلامه: وهذا المثال الذي ذكره الحازمي، عن الزهري إنما يتأتى في حق المكثرين، فيقاس على أصحاب الزهري، أصحاب نافع وأصحاب الأعمش، وأصحاب قتادة وأمثالهم.
قال: فأما غير المكثرين، فقد اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ، نلكن منهم من قوي الاعتماد عليه، فأخرجا ما تفرد به كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه، فأخرجا له ما شاركه فيه غيره، وهو الأكثر. ا. هـ "مقدمة الفتح 1-6".
__________
1 وقال ابن حجر في مقدمة الفتح "أكثر ما يخرج البخاري حديث الطبقة الثانية تعليقا، وربما أخج اليسير من حديث الطبقة الثالثة تعليقا أيضا". ا. هـ ص6 جـ1.
2 قال الحازمي: فأما أبو داود والنسائي، فهما يخرجان من أحاديث الطبقة الأولى والثانية، والثالثة، ولا يتجاوزانها إلى الرابعة وما بعدها في الأصول بخلاف المتابعات والشواهد، وأما الترمذي فيخرج لغير الطبقة الخامسة في الأصول، وللخامسة في غيرها مع بيانه لحال كل حديث يخرجه من الصحة أو الضعف.
(1/388)

المقارنة بين الصحيحين:
التزم كل من البخاري ومسلم، ألا يخرج في كتابه غير الأحاديث الصحيحة، وكتابهما وإن اشتركا في أصل الصحة، لكن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم، ومقدم عليه ويدل على ذلك أمران.
الأول: شهادة أهل الفن وجهابذة الحديث، فمن ذلك ما رواه الحافظ ابن حجر، عن أبي عبد الرحمن النسائي أنه قال: "ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل"، قال الحافظ: والنسائي لا يعني بالجودة إلا جودة الأسانيد، كما هو المتبادر إلى الفهم من اصطلاح أهل الحديث، ومثل هذا من النسائي غاية في الوصف مع شدة تحريه، وتوقيه وتثبته في نقد الرجال وتقدمه في ذلك على أهل عصره، حتى قدمه قوم من الحذاق في معرفة ذلك على مسلم بن الحجاج، وقدمه الدارقطني وغيره على إمام الأئمة، أبي بكر بن خزيمة صاحب الصحيح، وقال الإسماعيلي في المدخل له: "أما بعد فإني نظرت في كتاب الجامع الذي ألفه أبو عبد الله البخاري، فرأيته جامعا كما سمى لكثير من السنن الصحيحة، ودالا على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة، التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته، والعلم بالروايات وعللها علما بالفقه واللغة، وتمكنا منها وتبحرا فيها، وكان يرحمه الله الرجل الذي قصر زمانه على ذلك، فبرع وبلغ الغاية، فحاز السبق وقد نحا نحوه في التصنيف جماعة منهم مسلم بن الحجاج، وكان يقاربه في العصر فرام مرامه، وكان يأخذ عنه، أو عن كتبه إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبد الله، وروى عن جماعة كثيرة لم يتعرض أبو عبد الله للرواية عنهم، وكل قصد الخير غير أن أحدا لم يبلغ في التشدد مبلغ أبي عبد الله، ولا تسبب إلى استنباط المعاني، واستخراج لطائف فقه الحديث، وتراجم الأبواب الدالة على ما له
(1/389)

وصلة بالحديث المروي فيه تسببه ولله الفضل يختص به من يشاء"، وقال الدارقطني لما ذكر عند الصحيحان: لولا البخاري لما ذهب مسلم، ولا جاء وقال مرة أخرى: "وأي شيء صنع مسلم إنما أخذ كتاب البخاري، فعمل عليه مستخرجا وزاد في زيادات"، ونقل كلام العلماء في ذلك يطول، فنكتفي بهذا القدر على أنه يكفي لتقديم كتاب البخاري على كتاب مسلم، إجماع أهل الحديث على أن البخاري أعلم بهذا الفن من مسلم، وهو أستاذ مسلم فيه حتى شهد له مسلم بالتفرد بمعرفة ذلك في عصره.
الأمر الثاني: إن مدار الحديث الصحيح على اتصال السند، واتقان الرجال والسلامة من الشذوذ والعلة. وهذه الأوصاف في كتاب البخاري أقوى منها في كتاب مسلم، فهو أشد اتصالا، وأوثق رجالا وأبعد عن الشذوذ والعلة، وبيان ذلك:
أولا: فيم يرجع إلى اتصال السند:
إن الإسناد المعنعن الذي يقال فيه: "فلان عن فلان"، اكتفى مسلم فيه بالمعاصرة أما البخاري، فلا يحمل ذلك على الاتصال، حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة. وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه، كما جرى مسلم على مذهبه المذكورة في صحيحه، وصرح به في مقدمته، وبالغ في الرد على من خالفه، ولا شك أن مذهب البخاري في المعنعن أدخل في باب الاتصال، وأبعد عن شائبة الانقطاع بخلا ما ذهب إليه مسلم.
ثانيا: فيما يرجع إلى السلام من الشذوذ والعلة:
إن الأحاديث التي انتقدت عليها بلغت "210"، اختص البخاري منها بثمانية وسبعين، واختص مسلم بمائة واشتركا في الباقي، وهو اثنان وثلاثون ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر فيه.
(1/390)

ثالثا: فيما يرجع إلى إتقان الرواة
يتبين رجحان صحيح البخاري على صحيح مسلم في هذا الباب بعدة أمور:
أ- إن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضع وثلاثون رجلا المتكلم فيه بالضعف منهم "80" رجلًا. والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري "620" رجلا. المتكلم فيه بالضعف منهم "160" رجلا، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلًا أولى من التخريج عمن تكلم فيه، وإن لم يكن ذلك الكلام قادحًا.
ب- إن الذين انفرد بهم البخاري، ممن تكم فيه لم يكثر من التخريج عنهم، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها، أو أكثرها إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس. بخلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ كأبي الزبير عن جابر، وسهيل عن أبيه والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وحماد بن سلمة عن ثابت وغير ذلك.
ج- إن الذين انفرد بهم البخاري، ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم، وجالسهم وعرف أحوالهم، واطلع على أحاديثهم وميز جيدها من غيره. بخلاف مسلم فإن من انفرد بتخريج حديثه، ممن تكلم فيه أكثرهم ممن تقدم عصره من التابعين ومن بعدهم. ولا شك أن المحدث أعرف بحديث شيوخه دون غيرهم.
د- أن البخاري يخرج أحاديث الطبقة الأولى، وهي أعلى الطبقات في الحفظ والإتقان، وطول الصحبة لمن أخذوا عنه استيعابا، وينتقي من أحاديث الطبقة الثانية، التي هي دون الأولى في الصفات المذكورة، ومسلم يخرج حديث الطبقة الثانية استيعابا، وفي أصل موضوع كتابه فكان البخاري أقوى إسنادا وأوثق رجالًا.
(1/391)

هذا وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال: "ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج"، لا ينافي ما تقدم، فقد قال الحافظ بن حجر، الذي يظهر لي من كلام أبي على أنه، إنما قدم صحيح مسلم لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة، بل ذلك؛ لأن مسلما صنف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياق، ولا يتصدى لما تصدى له البخاري من استنباط الأحكام ليبوب عليها، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه، بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث دون الموقوفات، فلم يعرج عليها إلا في بع المواضع على سبيل الندرة، تبعا لا مقصودا، فلهذا قال أبو علي ما قال. قال: وكذلك ما نقل عن بعض المغاربة أنه فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فذلك فيما يرجع إلى حسن السياق، وجودة الوضع والترتيب، ولم يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع إلى الأصحية، ولو أفصحوا لرده عليهم شاهد الوجود. ا. هـ "مقدمة الفتح جـ1 ص8، وشرح النخبة ص10".
الشيخان لم يستوعبا الصحيح في الصحيحين:
قرر الحفاظ، وأئمة الحديث أن البخاري، ومسلما لم يستوعبا في صحيحهما الأحاديث الصحيحة، ولا التزاما ذلك فقد رووا عن البخاري أنه قال: "ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لملال الطول"، وأنه قال: "احفظ مائة ألف حديث صحيح، واحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح"، وأنه قال: أكنت عند إسحاق بن راهويه فقال: "لو جمعتهم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال: "فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح"، ورووا عن مسلم أنه قال: "ليس كل شيء عندي صحيح، وضعته ههنا. إنما وضعت
(1/392)

ههنا ما أجمعوا عليه"1، ورووا عنه أيضا أنه لما عوتب على ما فعل من جمع الأحاديث الصحاح في كتاب، وقيل له: أن هذا يطرق لأهل البدع علينا فيجدون السبيل، لأن يقولوا: إذا احتج عليهم بحديث: ليس هذا في الصحيح. قال: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: هو صحاح ولم أقل: أن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب، فهو ضعيف2، ومن ذلك يتبين لنا:
أولا: أنه لا وجه لإلزام من ألزمهما إخراج أحاديث لم يخرجاها مع كونها صحيحة على شرطيهما، كالدارقطني، والبيهقي، وابن حبان، فقد روى عن ابن حبان أنه قال: "ينبغي أن يناق البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما"، وذكر الدارقطني وغيره "إن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئًا، فيلزمهما على مذهبهما"، وذكر البيهقي: "أنهما اتفقا على أحاديث من صحيفة همام بن منبه، وإن كل واحد منهما انفرد عن الآخر بأحاديث، منهما على أن الإسناد واحد". ا. هـ. وصنف الدارقطني، وأبو ذر الهروي في هذا النوع الذي ألزموهما به، ولكن هذا كله ليس بلازم في الحقيقة -كما قلنا- فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوبعاه، وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه إلى جمع جملة من مسائله3.
__________
1 أراد أنه لم يضع في كتابه، إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه، وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم. قاله ابن الصلاح في مقدمته.
2 توجيه النظر ص91.
3 انظر مقدمة النووي لشرحه على صحيح مسلم.
(1/393)

ثانيا: لا يلزم من عدم تخريج الشيخين لراو من الرواة في الصحيحين سقوطه، أو ضعفه فإنهما كما لم يستوعبا الأحاديث الصحيحة، لم يستوعبا الرواة الذين توافرت فيهم صفات القبول والصحة، وهم خلائق كثير يبلغ عددهم نيفا وثلاثين ألفا؛ لأن تاريخ البخاري يشتمل على نحو من أربعين الفا، وزيادة وكتابه في الضعفاء دون سبعمائة نفس، ومن خرجهم في جامعه دون ألفين، كما قال الحافظ الحازمي في شروط الأئمة الخمسة.
وقد ذكر الحاكم، أبو عبد الله النيسابوري، جماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الرواة، ولم يخرج لهم في الصحيح، ولم يسقطوا -في كتابه معرفة علوم الحديث في النوع الحادي والخمسين- منهم:
1- في الصحابة، أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، وعتبة بن غزوان، وأبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، والأرقم بن الأرقم، وقدامة بن مظعون، والسائب بن مظعون، وشجاع بن وهب الأسدي، وعباد بن بشر الأشهلي، وسلامة بن وتش. في جماعة من الصحابة، قال الحاكم: إلا أني ذكرت هؤلاء رضي الله عنه فإنهم من المهاجرين، الذين شهدوا بدرا، وليس لهم في الصحيح رواية إذ لم يصح إليهم الطريق، ولهم ذكر في الصحيح في روايات غيرهم من الصحابة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وما يشبه هذا.
2- وفي التابعين: محمد بن أبي بن كعب، والسائب بن خلاد بن السائب، ومحمد بن أسامة بن زيد، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن سعد بن عبادة، وعبيد الله بن رافع بن خديج، في طائفة من
(1/394)

التابعين، قال الحاكم: هؤلاء التابعون على علو محالهم في التابعين، ومحل آبائهم في الصحابة ليس لهم في الصحيح ذكر لفساد الطريق إليهم، لا لجرح فيهم فقد نزههم الله عن ذلك.
3- ومن أتباع التابعين: عبد الرحمن بن أبي الزناد، وعطاء بن السائب الثقفي، وأبو يعقوب العبدي، وعبد الله بن شبرمة الضبي، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وبشر بن سليمان النهدي، والحسن بن الحر وغيرهم.
وقال الأستاذ المحدث، الشيخ محمد زاهد الكوثري، في تعليقه على شروط الأئمة الخمسة للحازمي: "ومما يتجه إليه النظر أن الشيخين لم يخرجا في الصحيحين شيئا من حديث الإمام أبي حنيفة، مع أنهما أدركا صغار أصحاب أصحابه، وأخذا عنهم ولم يخرجا أيا من حديث الإمام الشافعي، مع أنهما لقيا بعض أصحابه، ولا أخرج البخاري من حديث أحمد إلا حديثين، أحدهما تعليقا، والآخر نازلا بواسطة مع أنه أدركه ولازمه، ولا أخرج مسلم في صحيحه، عن البخاري شيئا مع أنه لازمه، ونسج على منواله، ولا عن أحمد إلا قدر ثلاثين حديثا، ولا أخرج أحمد في مسنده عن مالك، عن نافع بطريق الشافعي -وهو أصح الطرق أو من أصحها- إلا أربعة أحاديث، وما رواه عن الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ عشرين حديثا، مع أنه جالس الشافعي، وسمع موطأ مالك منه وعد من رواة مذهبه القديم.
قال الأستاذ: والظاهر من دينهم، وأمانتهم إن ذلك من جهة أنهم كانوا يرون أن أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع، لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقا وغربا، وجل عناية أصحابة الدواوين بأناس من
(1/395)

الرواة ربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها؛ لأنه لا يستغنى من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء.
قال الأستاذ: ومن ظن أن ذلك لتحاميهم عن أحاديثهم، أو لبضع ما في كتب الجرح من الكلام في هؤلاء الأئمة، كقول الثور في أبي حنيفة، وقول ابن معين في الشافعي، وقول الكرابيسي في أحمد، وقول الذهلي في البخاري، ونحوها فقد حملهم شططا". ا. هـ.
والذي يظهر لنا من كلام الحاكم، وغيره أن الشيخين أو أحدهما، قد يترك الإمام الثقة لأسباب منها:
1- أن يقع الضعف في الإسناد الذي بينه، وبين صاحب الصحيح فلا يروي الحديث من طريقه.
2- قد يكون الإمام الذي ترك حديثه له أصحاب أجلاء، يحملون عنه علمه وحديثه، فلا يخاف على مروياته من الضياع، فيستغني صاحب الصحيح بذلك عن الرواية عنه.
3- طلب علو الإسناد، فقد يكون الحديث من طريق ذلك الإمام نازلا، ومن طريق غيره من الثقات عاليا، فيختار صاحب الصحيح الإسناد العالي لما فيه من القرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اختلاف العلماء في أن أحاديث الصحيحين ثابتة بالعلم، أو الظن:
قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: جميع ما حكم مسلم بصحته في كتابه فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأم، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه وذلك؛ لأن الأمة تلقت الكتابين بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه، ووفاقه في الإجماع ويستثنى من ذلك أحاديث يسيرة، تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني، وغيره وهي معروفة عند المحدثين، قال: والذي نختاره أن تلقى الأمة للخبر القاصر عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري
(1/396)

بصدقه خلافا لبعض محققي الأصوليين، حيث نفى ذلك بناء على أنه لا يفيد في حق كل منهم إلا الظن، وإنما قبله؛ لأنه يجب عليه العمل بالظن، والظن قد يخطئ. قال: وهذا مندفع؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ.
وقد مال النووي إلى أن أحاديث الصحيحين، التي لم تتواتر ثابتة بالظن لا بالعلم، وتعقب ابن الصلاح في شرحه لمسلم، فقال: وهذا الذي ذكره الشيخ خلاف ما قاله المحققون، والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن، فإنها آحاد والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم، وغيرهما في ذلك وتلقي الأمة بالقبول، إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد التي في غيرها يجب العمل بها، إذا صحت أسانيدها ولا تفيد إلا الظن. فكذا الصحيحان، وإنما يفترق الصحيحان، وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقا، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر، وتوجد فيه شروط الصحيح، ولا يزلم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع، بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ا. هـ.
وقد انحاز إلى كل طائفة من العلماء، ففريق يرجع كلام ابن الصلاح في أنها ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم بطريق العلم النظري، وفريق آخر يرجح كلام النووي في أنها ثابتة بطريق الظن.
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ما ذكره النووي مسلم من جهة الأكثرين، أما المحققون فلا فقد وافق ابن الصلاح أيضا محققون، وقال في شرح النخبة: الخبر المحتف بالقرائن، يفيد العلم خلافا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع منها ما أخرجه الشيخان في صحيحهما مما لم يبلغ
(1/397)

حد التواتر فإنه احتفت به قرائن منها جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمها في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين، حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما، من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته. قال: وما قيل من أنهم إنما اتفقوا على وجوب العمل به، لا على صحته ممنوع؛ لأنهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجاه فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة قال: وممن صرح بإفادة ما خرجه الشيخان العلم النظري الأستاذ، أبو إسحاق الاسفرائيني، ومن أئمة الحديث، أبو عبد الله الحميدي، وأبو الفضل بن طاهر وغيرهما. ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح، ثم قال: والعلم بصدق الخبر المحتف بالقرائن، إنما يحصل للعالم بالحديث المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة، المطلع على العلل وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقصوره عن الأوصاف المذكورة، لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور. ا. هـ، وقال ابن كثير في الباعث الحثيث1: وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد إليه، ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية مضمونه:
إنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول، عن جماعات من الأئمة منهم: القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الإسفرائيني، والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وأبو حامد وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب، وابن الزاغوني وأمثالهم
__________
1 ص23.
(1/398)

من الحنابلة، وشمس الأئمة السرخسي من الحنفية، قال: وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم. كأبي إسحاق الإسفرائيني، وابن فورك. قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة. ا. هـ.
قال السيوطي في تدريبه، وهو الذي اختاره ولا أعتقد سواه. ا. هـ.
انتقاد بعض الحفاظ على الشيخين، والجواب عنه:
انتقد جماعة من الحفاظ على البخاري، ومسلم أحاديث أخلا فيها بشرطيهما، ونزلت عن درجة ما التزماه، منهم الدارقطني، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو علي الغساني، وألفوا في ذلك. قال الحافظ ابن حجر:
وليست عللها كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر، والقدح فيه مندفع وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف.
قال: والأحاديث التي انتقدت عليهما، إن كانت مذكورة على سبيل الاستئناس والتقوية كالمعلقات، والمتاعات، والشواهد أجيب عن الاعتراض عليها أن توجه بأنها ليست من موضوع الكتابين، فإن موضوعهما المسند المتصل، ولهذا لم يتعرض الدارقطني في نقده على الصحيحين إلى الأحاديث المعلقة، التي لم توصل في موضع آخر لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتابين، وإنما ذكرت استئناسا واستشهادا، وإن كانت من الأحاديث المسندة، فأما أن يكون الطعن مبنيا على قواعد ضعيفة لبعض المحدثين، فلا يقبل لضعف مبناه وأما أن يكون مبنيا على قواعد قوية، فحينئذ يكون قد تعارض تصحيحهما، أو تصحيح أحدهما مع كلام المعترض، ولا ريب في تقدمهما في باب التصحيح والتضعيف على غيرهما، قال الحافظ ابن حجر: وعدة ما انتقد عليهما من الأحاديث المسندة "210" مائتا حديث وعشرة. اشتركا في "32" اثنين وثلاثين حديثا. واختص البخاري بثمانية
(1/399)

وسبعين ومسلم بمائة. قال: والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال أن نقول: لا ريب في تقديم البخاري، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني، كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك، حتى كان يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلى عند علي بن المديني، ومع ذلك فكان علي بن المديني، إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قوله فإنه ما رأى مثل نفسه، وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعًا.
وروى الفربري عن البخاري، قال: ما أدخلت في الصحيح حديثا إلا بعد أن استخرت الله تعالى، وتيقنت صحته. وقال مكي بن عبد الله: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابي هذا علي أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته. قال: فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث، إلا ما لا علة له أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام المنتقد عليهما يكون قوله معارضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقدمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة، ثم أجاب الحافظ ابن حجر رحمه الله، عن النقد جوابا تفصيليا: قسم فيه الأحاديث التي انتقدت عليهما إلى ستة أقسام تكلم عليها، ثم أجاب عن الأحايدث، التي أوردها الدارقطني على البخاري حديثا حديثا، ثم قال: فإذا تأمل المنصف ما حررته من ذلك عظم مقدار هذا المصنف في نفسه وجل تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول، والتسليم وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم.
قال: وإنما اقتصرت على ما ذكرته عن الدارقطني؛ لأني أردت أن
(1/400)

يكون عنوانا لغيره، فإنه الإمام المقدم في هذا الفن. ا. هـ1.
هذا وأما الأحاديث التي انتقدت على الإمام مسلم في صحيحه، فقد أجاب عنها واحدا واحدا جهابذة من أئمة الحديث، قال السيوطي: ورأيت فيما يتعلق بمسلم تأليفا مخصوصا، فيما ضعف من أحاديثه بسبب ضعف رواته. وقد ألف الشيخ ولي الدين العراقي كتابا في الرد عليه. قال السيوطي: وذكر بعض الحفاظ أن في كتاب مسلم، أحاديث مخالفة لشرط الصحيح، بعضها أبهم راوية وبعضها فيه إرسال، وانقطاع وبعضها فيه، وجادة وهي في حكم الانقطاع، وبعضها بالمكاتبة، وقد ألف الرشيد العطار كتابا في الرد عليه، والجواب عنها حديثا حديثا وقد وقفت عليه. ا. هـ.
كلامه. "تدريب ص42".
وللإمام الحافظ، أبي عمرو بن الصلاح جواب موجز محرر في الدفاع، عن مسلم رحمه الله يحسن بنا أن نذكره لك، نقلا عن الإمام النووي في مقدمته لشرح مسلم.
قال النووي رحمه الله: عاب عائبون مسلما بروايته في صحيحه، عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية، الذين ليسوا من شرط الصحيح ولا عيب عليه في ذلك، بل جوابه من أوجه ذكرها الشيخ الإمام، أبو عمرو بن الصلاح:
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال: الجرح مقدم على التعديل؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتا مفسر السبب، وإلا فلا يقبل الجرح، وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب، البغدادي وغيره: ما احتج البخاري، ومسلم وأبو داود به من
__________
1 مقدمة فتح الباري لابن حجر جـ2 من ص81 إلى ص110.
(1/401)

جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم، محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب.
الثاني: أن يكون ذلك واقعا في المتابعات، والشواهد لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولا بإسناد نظيف، ورجال ثقات، ويجعله أصلا، ثم يتبع بإسناد آخر، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه، وقد اعتذر الحاكم أبو عد الله بالمتابعة، والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح، منهم مطر الوراق وبقية بن الوليد، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين.
الثالث: أن يكون ضعف الضعيف، الذي احتج به مسلم طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حديث عليه، فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته، كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، فقد ذكر الحاكم، أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وغيرهما ممن اختلط آخرا، ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك.
الرابع: أن يعلوا بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده من رواية الثقات نازل، فيقتصر على العالي، ولا يطول إضافة النازل إليه، مكتفيا بمعرفة أهل الشأن في ذلك، وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات أولا، ثم أتبعه بمن دونهم متابعة، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته، وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصا روينا عن سعيد
(1/402)

ابن عمرو البرذعي أنه حضر أبا زرعة الرازي، وذكر عنده صحيح مسلم، فأنكر عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر وقطين بن نسير، وأحمد بن عيسى المصري. قال سعيد بن عمرو: فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة، فقال لي مسلم: إنما أدخلت من حديث أسباط، وقطين وأحمد ما قد رواه الثقات، عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع لي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فاقتصر على ذلك: وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: فهذا مقام وعر، وقد مهدته بواضح من القول لم أره مجتمعا في مؤلف ولله الحمد. قال: وفيما ذكرته دليل على أن من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه، بأنه من شرط الصحيح عند مسلم فقد غفل، وأخطأ بل يتوقف ذلك على النظر في أنه، كيف روى عنه على ما بيناه. ا. هـ.
المستخرجات على الصحيحين:
معنى الاستخراج: هو أن يعمد حافظ من الحفاظ إلى كتاب من كتب الحديث، كصحيح البخاري، أو صحيح مسلم، أو غيرهما من الكتب، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه، ولو في الصحابي مع رعاية ترتيبه، ومتونه وطرق أسانيده، وشرطه ألا يصل إلى شيخ أبعد، حتى يفقد سندا يوصله إلى الأقرب ما لم يكن هناك عذر من علو في السند، أو زيادة مهمة في المتن، وربما أسقط المستخرج أحاديث لم يجد له بها سندا يرتضيه، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب، الذي يستخرج عليه، وقد صنف كثير من العلماء في هذا النوع على الصحيحين، وغيرهما من كتب الحديث.
(1/403)

المستخرجات على صحيح البخاري: هي كثيرة منها:
1- مستخرج الحافظ أبي بكر الإسماعيلي، الجرجاني المتوفى سنة "371". قال الذهبي: "ابتهرت بحفظه، وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ، والمعرفة".
2- ومستخرج الحافظ أبي بكر البرقاني، المتوفى سنة "425".
3- ومستخرج الحافظ أبي بكر بن مردويه، الأصبهاني الكبير صاحب التاريخ، والتفسير المسند المتوفى سنة 416، وهو غير الحافظ ابن مردويه، محدث أصبهان فإنه حفيد الكبير ولم يلقح جده. توفي سنة "498".
4- ومستخرج الغطريفي المتوفى سنة "377".
5- ومستخرج الحافظ أبي عبد الله، محمد بن العباس المعروف بابن أبي ذهل الهروي المتوفى سنة "378".
المستخرجات على صحيح مسلم: هي كثيرة منها:
1- مستخرج الحافظ أبي عوانة، يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني المتوفى سنة "316"، روى فيه عن يونس بن عبد الأعلى، وغيره من شيوخ مسلم.
2- مستخرج الحافظ، أبي بكر محمد بن محمد بن رجاء النيسابوري، الحافظ وهو متقدم توفي سنة "286"، ويشارك مسلما في أكثر شيوخه.
3- مستخرج الحافظ، أبي بكر محمد بن عبد الله، الجوزقي، النيسابوري، المتوفى سنة "388"، وجوزق قرية من قرى نيسابور.
4- مستخرج الحافظ، أحمد بن سلمة النيسابوري البزار، المتوفى سنة "286"، وهو رفيق مسلم في الرحلة إلى بلخ والبصرة.
المستخرجات على الصحيحين منها:
1- مستخرج الحافظ محمد بن يعقوب، الشيباني النيسابوري، المعروف بن الأخرم المتوفى سنة "344".
2- مستخرج الحافظ، أبي ذر الهروي
(1/404)

المتوفى سنة "434".
3- مستخرج الحافظ أبي محمد البغدادي، المعروف بالخلال "439".
4- مستخرج الحافظ أبي علي الماسرجسي النيسابوري، المتوفى "365"، أسلم جده ماسرجس -وكان نصرانيا- على يد عبد الله بن المبارك.
5- مستخرج الحافظ المصنف، أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، المتوفى "430"، هؤلاء الأئمة خرج كل واحد منهم على كل من الصحيحين، منفردا ومن العلماء من استخرج عليهما معا في كتاب واحد، كأبي بكر بن عبدان الشيرازي، المتوفى "388"1.
حكم الرواية عن الكتب المستخرجة:
لم يلتزم واحد من هؤلاء الأئمة موافقة الكتاب الأصلي في ألفاظ الحديث؛ لأنهم إنما يروون بالألفاظ، التي وقعت لهم عن شيوخهم، فحصل فيها تفاوت قليل في الألفاظ، وتفاوت أقل منه في المعاني، فلا يجوز لمن ينقل عن أحد هذه الكتب المستخرجة حديثا، ثم ينسبه إلى الصحيحين مثلا، ويقول هو هكذا فيهما، إلا أن يقابله بهما، أو يكون صاحب الكتاب المستخرج، قد صرح بأنه استخرجه بلفظه كأن يقول أخرجه البخاري بلفظه.
فوائد المستخرجات: فوائدها كثيرة منها:
1- ما يقع فيها من زيادات في الأحاديث، لم تكن بالأصل وإنما وقعت لهم تلك الزيادات؛ لأنهم لم يلتزموا إيراد ألفاظ الأصل، بل الألفاظ التي وقعت لهم بالرواية عن شيوخهم.
__________
1 وقد استخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن على سنن أبي داود.
وأبو علي الطوسي على الترمذي، وأبو نعيم على التوحيد لابن خزيمة. وأملى الحافظ، أبو الفضل العراقي على المستدرك مستخرجا لم يكمل -انظر التدريب ص35.
(1/405)

2- علو الإسناد؛ لأن صاحب المستخرج لو روى الحديث من طريق صاحب الأصل، لوقع أنزل من الطريق الذي يرويه به في المستخرج.
3- تقوية الحديث بكثرة الطرق، وربما ساق له طرقا أخرى إلى الصحابي، بعد فراغه من استخراجه كما يصنع أبو عوانة.
4- أن يكون صاحب الأصل قد روى عمن اختلط، ولم يبين أن السماع منه كان قبل الاختلاط، أو بعده فيبينه المستخرج صريحا، أو بالرواية عمن لم يسمع منه، إلا قبل الاختلاط.
5- أن يروي صاحب الأصل عن مدلس بالعنعنة، فيرويه صاحب المستخرج مع التصريح بالسماع، أو نحوه.
6- أن يروي صاحب الأصل الحديث عن مبهم، كحدثنا رجل أو غير واحد فيعينه المستخرج.
7- أن يروي صاحب الأصل، عن مهمل كحدثنا محمد من غير ذكر ما يميزه عن غيره من المحمدين، فيميزه المستخرج.
8- أن يكون في الأصل حديث مخالف لقاعدة اللغة العربية، يتكلف لتوجيهه، ويتحمل لتخريجه، فيجيء من رواية المستخرج على القاعدة، فيعرف بأنه هو الصحيح، وأن الذي في الأصل قد وقع فيه الوهم من الرواة.
9- قال العلامة ابن حجر: "وكل علة أعل بها الحديث في أحد الصحيحين، وجاءت رواية المستخرج سالمة منها، فهي من فوائده وذلك كثير جدا". ا. هـ.
حكم الزيادة الواقعة في الكتب المستخرجة على الصحيحين:
ذهب الحافظ ابن الصلاح في مقدمته عند الكلام على فوائد الكتب المستخرجة: إلى أن الزيادة الواقعة في المستخرجات لها حكم الصحيح
(1/406)

لأنها واردة بالأسانيد الثابتة في الصحيحين، أو أحدهما وخارجة من ذلك المخرج الثابت، وقد تعقبه الحافظ ابن حجر فقال: "هذا مسلم في الرجل، الذي التقى فيه إسناد المستخرج، وإسناد مصنف الأصل، وفيمن بعده وأما من بين المستخرج، وبين ذلك الرجل فيحتاج إلى نقد؛ لأن المستخرج لم يلتزم الصحة في ذلك، وإنما جل قصده العلو، فإن حصل وقع على غرضه، فإن كان مع ذلك صحيحا، أو فيه زيادة فزيادة حسن حصلت اتفاقا، وإلا فليس ذلك همته". ا. هـ. وهذا بيان حسن.
ثم إن الكلام إنما هو في الزيادة، التي تقع تتمة لمحذوف في أحاديث الصحيحين، ونحو ذلك إما زيادة أحاديث بتمامها، فلا ريب أنها تتبع قوة السند، وضعفه فقد تكون صحيحة، وقد تكون حسنة أو ضعيفة، وقد وقع في مستخرج أبي عوانة أحاديث كثيرة زائدة على أصله من هذا النوع الأخير، وفيها الصحيح والحسن، والضعيف1.
المستدركات على الصحيحين:
الاستدراك في اصطلاح أهل الحديث، هو جمع الأحاديث التي تكون على شرط أحد المصنفين، ولم يخرجها في كتابه. ومعلوم مما تقدم أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح في كتابيهما، ولا التزما ذلك، وأذن هناك أحاديث هي على شرطهما، أو على شرط أحدهما لم يخرجاها في كتابيهما، وقد عني العلماء بالاستدارك عليهما، وألفوا في ذلك المصنفات، وأطلقوا عليها اسم المستدركات، ومن أهم هذه المستدركات.
__________
1 انظر. تدريب الراوي ص33-34. كشف الظنون جـ1 ص286، توجيه النظر ص142، وما بعدها. الرسالة المستطرفة للكتاني ص21، وما بعدها.
(1/407)

1- المستدرك لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه، الحاكم النيسابوري المتوفى سنة "405"، أودعه من الأحاديث ما هو على شرط الشيخين، أو شرط أحدهما، ولكن لم يخرجاه في كتابيهما، وما أدى اجتهاده إلى تصحيحه، وإن لم يكن على شرط واحد منهما. وهو ينبه على القسم الأول بقوله: هذا حديث على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، وعلى القسم الثاني بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد، وقد يورد فيه ما لم يصح عنده منبها على ذلك، وهو متساهل في التصحيح. وقد لخص1 المستدرك الحافظ الذهبي، المتوفى "748"، وتعقب كثيرا منه ببيان ضعفه، أو نكارته ووضعه وجمع جزءا في الأحاديث الموضوعة، التي وجدت فيه فبلغت نحو مائة حديث، وذكر له ابن الجوزي في موضوعاته، نحو ستين حديثا أيضا. وقد تطرف أبو سعد الماليني، فحكم بأنه ليس في المستدرك حديث على شرط الشيخين، ورد عليه الذهبي ذلك بأن فيه جملة وافرة على شرطهما، وأخرى كبيرة على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده وإن كان فيه علة، وما بقي وهو نحو الربع فهو مناكير وواهيات لا تصح، وفي بعض ذلك موضوعات. ا. هـ.
هذا وقد اعتذر الحافظ ابن حجر، عن التساهل الواقع في مستدرك الحاكم، فقال: إنما وقع للحاكم التساهل؛ لأنه سود الكتاب لينقحه فعاجلته منيته، ولم يتيسر له تحريره وتنقيحه، قال: وقد وجدت قريبا من نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: "إلى هنا انتهى إملاء الحاكم"، وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة،
__________
1 وقد طبع الكتابان في حيدر آباد بالهند.
(1/408)

والتساهل في القدر المملى قليل جدا بالنسبة إلى ما بعده. ا. هـ وكثير من المحدثين على أن ما انفرد بتصحيحه الحاكم في المستدك، عن أئمة الحديث يبحث عنه، ويحكم عليه بما يليق بحاله من الصحة، أو الحسن أو الضعف.
2- كتاب الإلزامات لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطني، البغدادي أمير المؤمنين في الحديث المتوفى سنة "385". جمع فيه ما وجده على شرط الشيخين من الأحاديث، وليس بمذكور في كتابيهما، وألزمهما ذكره -وهو غير لازم كما تقدم لك- ورتبه على المسانيد في مجلد لطيف.
3- المستدرك على الصحيحين، للحافظ أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، الأنصاري الهروي، نزيل مكة صاحب التصانيف الكثيرة، المتوفى سنة "434"، وهو كالمستخرج على كتاب الدارقطني1.
سنن النسائي:
صنف النسائي كتاب السنن الكبرى، مشتملا على الصحيح، والمعلول ثم اختصره في كتاب السنن الصغرى، وسماه "المجتبى"، وهو صحيح عند النسائي جاء عنه أنه قال: "كتاب السنن كله صحيح، وبعضه معلول والمنتخب المسمى بالمجتبى صحيح كله"2، قالوا: أنه لما صنف السنن الكبرى أهداها إلى أمير الرملة، فقال له: أكل ما في هذا صحيح قال: لا.
__________
1 انظر تدريب الراوي ص31. مفتاح السنة ص72، الباعث الحثيث ص15 وما بعدها، الرسالة المستطرفة ص17-19.
2 هكذا نقل عنه، ولعله يريد كله صحيح متنا، وبعض أسانيده معلول؛ لأنه لا يلزم من صحة المتن صحة السند.
(1/409)

قال: فجرد الصحيح منه فصنف له المجتبى، وإذا نسب إلى النسائي حديث، فإنما يعنون روايته في السنن الصغرى المسماة بالمجتبى.
وكتاب المجتبى أقل السنن حديث ضعيفا، ورجلا مجروحا ودرجته في الحديث بعد الصحيحين، فهو مقدم على سنن أبي داود، وسنن الترمذي؛ لأن النسائي يمتاز عنهما بشدة تحريه في الرجال، حتى قيل: إنه كان أحفظ من مسلم بن الحجاج.
شرط النسائي في سننه الصغرى:
قدمنا لك عن الحازمي أن أبا داود، والنسائي يخرجان من أحاديث الطبقة الأولى والثانية، والثالثة ولا يتجاوزانها إلى الرابعة في الأصول بخلاف المتابعات، والشواهد، غير أن سنن النسائي تقدم على سنن أبي داود، لتحري مؤلفه واحتياطه في أمر الرجال، وفصحه الشديد عن حال الرواة، وتركه لكثير ممن روى عنه أبو داود والترمذي. قال الحافظ ابن حجر: "كم من رجل أخرج له أبو داود، والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه، بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين". ا. هـ.
وقال الحافظ أحمد بن نصر شيخ الدارقطني: "من يصبر على ما يصبر عليه النسائي، كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة، فما حدث عنه بشيء"، قال ابن حجر: "وكان عنده عاليا عن قتيبة عنه، ولم يحدث به لا في السنن، ولا في غيرها"، وبالجملة فشرط النسائي في المجتبى، هو أقوى الشرط بعد الصحيحين مما جعله عظيما في نظر أهل العلم.
شروح المجتبى:
شرح جلال الدين السيوطي المتوفى سنة "911" في كتاب مختصر، سماه زهر الربى على المجتبى، وشرحه أيضا محمد
(1/410)

ابن عبد الهادي السندي المتوفى سنة "1138"، قال في مقدمته: "وبعد فهذا تعليق لطيف على سنن الإمام الحافظ، أبي عبد الرحمن النسائي، رحمه الله تعالى يقصتر على حل ما يحتاج إليه القارئ، والمدرس من ضبط اللفظ، وإيضاح الغريب والإعراب"، والمجتبى مع شرحيه المذكورين مطبوع الآن1.
سنن أبي داود:
انتقى أبو داود رحمه الله سننه من خمسمائة ألف حديث، فبلغت أربعة آلاف وثمانمائة حديث كلها في الأحكام وأكثرها مشاهير، وكان رحمه الله أفقه الأئمة الستة بعد البخاري. لذلك جاء كتابه هذا كتابا حافلا جامعا لأبواب الفقه، وللأحاديث التي استدل بها فقهاء الأمصار، وبنوا عليها الأحكام حتى قالوا: "إنها تكفي المجتهد بعد كتاب الله تعالى"، وقد أجاد رحمه الله إجادة تامة في التراجم على الأحاديث، مما يدل على كمال إحاطته بمذاهب العلماء، ومعرفته بمسالكهم في الاستدلال، فإنه ترجم على كل حديث، بما استنبط منه عالم أو ذهب إليه ذاهب. لذلك اشتهر هذا الكتاب بين الفقهاء اشتهارا عظيما، لجمعه أحاديث الأحكام.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي، المتوفى سنة "328" في كتاب معالم السنن: "اعلموا رحمكم الله تعالى أن كتاب السنن لأبي داود، كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافة الناس، فصار حكما بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء على اختلاف
__________
1 مقدمة السيوطي لشرحه على سنن النسائي، ومقدمة السندي لشرحه أيضا، ومفتاح السنة ص79-80، وكشف الظنون جـ1 ص479، وشروط الأئمة الستة لابن طاهر. وتدريب الراوي ص30.
(1/411)

مذاهبهم فلكل منه ورد، ومنه شرب وعليه معول أهل العراق، وأهل مصر وبلاد المغرب، وكثير من أقطار الأرض. فأما أهل خراسان، فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاء. إلا أن كتاب أبي داود أحسن وضعا، وأكثر فقها، وكتاب أبي عيسى كتاب حسن، والله يغفر لجماعاتهم، ويحسن على جميل النية، فيما سعوا له مثوبتهم برحمته". ا. هـ.
شرطه ودرجة أحاديثه: قال الإمام الحافظ، أبو عمرو بن الصلاح، المتوفى سنة "642"1 في مقدمته ما نصه: "ومن مظانه -يعني الحديث الحسن- سنن أبي داود السجساني، رحمه الله روينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح، وما يشبهه ويقاربه، وروينا عنهأيضا ما معناه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه في ذلك الباب، وقال: ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد، فقه بينته، وما لم أذكر فيه شيئا، فهو صالح وبعضها أصح من بعض. قال ابن الصلاح: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح، والحسن عرفنا بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عنده، ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به. إذ حكى أبو عبد الله بن منده، الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي، أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه2. قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف، إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال". ا. هـ.
__________
1 ص18.
2 المراد في سننه الكبرى، أما الصغرى فقد تقدم لك الكلام على شرطه فيها.
(1/412)

وقال السيوطي في التدريب: "فعلى ما نقل عن أبي داود، يحتمل أن يريد بقوله "صالح" الصالح لاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل الضعيف أيضًا. لكن ذكر ابن كثير أنه روى عنه: "وما سكت عنه فهو حسن"، فإن صح ذلك فلا إشكال"1 ا. هـ.
هذا، وكلام أبي داود فيما يتعلق بكتابه -وقد نقل ابن الصلاح بعضه- مأخوذ من رسالته إلى أهل مكة، ونحن ننقل لك شيئا منها.
قال: "إنكم سألتموني أن أذكر لكم الأحاديث، التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب. فاعلموا أنه كله كذلك، إلا أن يكون قد روي من وجهين أحدهما أقوم إسنادا والآخر أقوم في الحفظ فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث ولم أكتب في الباب إلا حديثا، أو حديثين وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فإنها تكثر وإنما أردت قرب منفعته فإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين، أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه، وإنما تكون فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من يسمعه المراد منه، ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك، وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي حتى جاء الشافعي، فتكلم فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل، وغيره.
فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة، وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، فإذا كان فيه حديث منكر بينته أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره. وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد، فقد بينته ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من
__________
1 ص55.
(1/413)

بعض وهو كتاب لا ترد عليك سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ألا وهي فيه ولا أعلم شيئا بعد القرآن، ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضر رجلا، إلا يكتب من العلم شيئا بعد ما يكتب هذا الكتاب، وإذا نظر فيه وتدبره، وتفهمه حينئذ يعلم مقداره، وأما هذه المسائل مسائل الثوري، ومالك والشافعي فهذه الأحاديث أصولا. والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئا من الأحاديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، فالحديث المشهور المتصل الصحيح، ليس يقدر أن يرده عليك أحد، وأما الحديث الغريب، فإنه لا يحتج به ولو كان من رواية الثقات من أئمة العلم. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث، وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة، فإن عرف وإلا فدعه، ولم أصنف في كتاب السنن إلا الحكام، فهذه أربعة آلاف، وثمانمائة كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل، وغيرها فلم أخرجها والسلام عليكم". ا. هـ.
شروحه ومختصراته: شرح السنن كثير من العلماء، منهم الإمام أبو سليمان الخطابي، المتوفى سنة "328" في كتابه معالم السنن في مجلدين، وقطب الدين أبو بكر، اليمني الشافعي، المتوفى سنة "652" في أربع مجلدات كبار، وشهاب الدين الرملي، المتوفى سنة "848" وغيرهم.
واختصرها الحافظ عبد العظيم، المنذري صاحب الترغيب، والترهيب المتوفى سنة "656"، وهذب المختصر ابن قيم الجوزية المتوفى سنة "751"، ذكر فيه أن الحافظ المنذري، قد أحسن في اختصاره، فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها، إذ لم يكملها
(1/414)

وتصحيح أحاديثه والكلام على متون مشكلة لم يفتح معضلها، وقد بسطت الكلام على مواضع لعل الناظر لا يجدها في كتاب سواه1.
الجامع لأبي عيسى الترمذي:
اشتهر هذا الكتاب بجامع الترمذي، ويقال له: السنن أيضا والأول هو الأكثر على ما ذكره صاحب كشف الظنون "1-288"، ألف الترمذي جامعه على أبواب الفقه، وغيره وأودعه الصحيح، والحسن والضعيف مبينا درجة كل حديث في موضعه من الكتاب، مع بيان وجه الضعف، كما بين مذاهب الصحابة، والتابعين وفقهاء الأمصار، واختصر طرق الحديث، فذكر واحدا وأشار إلى ما عداه، وجعل في آخره كتابا للعلل جمع فيه فوائد هامة، لذلك جاء كتابه فذا في بابه، ففيه من الفوائد الفقهية، والحديثية ما ليس في غيره.
قال أبو عيسى الترمذي، رحمه الله: "عرضت هذا الكتاب على علماء الحجاز والعراق، وخراسان فرضوا به واستحسنوه، ومن كان في بيته، فكأنما النبي في بيته يتكلم"، وقال: ما أخرجت في كتابي هذا، إلا حديثا عمل به بعض الفقهاء سوى حديث: "فإن شرب في الرابعة فاقتلوه"، وحديث: "جمع بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر". ا. هـ.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي، المتوفى سنة "795" في شرح علل الترمذي: "وقد اعترض على الترمذي بأنه في غالب الأبواب، يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبا. وليس ذلك بعيب؛ لأنه رحمه الله يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكأن قصده رحمه الله ذكر العلل، ولهذا نجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط
__________
1 كشف الظنون جـ1 ص478، مفتاح السنة 86.
(1/415)

ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له، وأما أبو داود فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية"1. ا. هـ.
وقال ابن الصلاح في مقدمته: "كتاب أبي عيسى الترمذي، أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه، وأكثر من ذكره في جامعه، ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه، والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهما وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله "هذا حديث حسن"، أو "هذا حديث حسن صحيح"، فينبغي أن تصحح أصلك به بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه". ا. هـ2.
وبالجملة فجامع الترمذي كتاب جليل القدر عظيم الفوائد.
درجة أحاديثه:
قال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي: "اعلم أن الترمذي خرج في كتابه الحديث الصحيح، والحديث الحسن، وهو ما نزل عن درجة الصحيح، وكان فيه بعض ضعف، والحديث الغريب، والغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل، ولكنه يبين ذلك غالبا، ولا يسكت عنه، ولا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب، متفق على إتهامه: حديثا بإسناد منفرد إلا أنه قد يخرج حديثا مرويا من طرق، أو مختلفا في إسناده وفي بعض طرقه متهم، وعلى هذا الوجه: خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب
__________
1 شروط الأئمة الخمسة ص44 من تعليقات الشيخ، زاهد الكوثري.
2 ص17، 18.
(1/416)

الكلبي نعم قد يخرج عن سيئ الحفظ، وعمن غلب على حديث الوهن، ويبين ذلك غالبا ولا يسكت عنه". ا. هـ1.
مقارنة بين جامع الترمذي، وسنن أبي داود والنسائي:
قال أبو جعفر بن الزبير: "لأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيفائها ما ليس لغيره، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه غيره، وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك، وأجلها". ا. هـ.
وقال الحافظ الذهبي: "انحطت رتبة جامع الترمذي، عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديث المصلوب، والكلبي وأمثالهما". ا. هـ2. وأفاد الحازمي في شروط الأئمة الخمسة، أن أبا داود والنسائي لا يجاوزان الطبقة الثالثة في الأصول، وأن أبا عيسى الترمذي لا يجاوز الطبقة الرابعة. ثم قال: "وفي الحقيقة شرط الترمذي أبلغ من شرط أبي داود؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفا، أو مطلعه من حديث أهل الطبقة الرابعة، فإنه يبين ضعفه وينبه عليه فيصير الحديث عنده من باب الشواهد، والمتابعات ويكون اعتماده على ما صح عند الجماعة، وعلى الجملة فكتابه مشتمل على هذا الفن، فلهذا جلعنا شرطه دون شرط أبي دود". ا. هـ3.
شروحه: شرح جامع الترمذي كثير من العلماء منهم
1- أبو بكر بن العربي، المتوفى سنة "546"، وسمي شرحه: "عارضة الأحوذي في شرح الترمذي"، وهو مطبوع بمصر الآن في ثلاثة عشر جزءا، إلا أنه غير مصحح فكان فيه خطأ كثير.
2- الحافظ أبو الفتح محمد
__________
1 ص54 من تعليقات الشيخ زاهد الكوثري على شروط الأئمة الخمسة للحازمي.
2 انظر التدريب ص56.
3 ص44.
(1/417)

ابن محمد بن سيد الناس اليعمري، المتوفى سنة "734" بلغ فيه إلى أقل من ثلثي الجامع في نحو عشرة مجلدات، ولم يتمه ثم أكمله الحافظ زين الدين بن عبد الرحيم بن حسين العراقي المتوفى سنة "806".
3- سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني، المتوفى سنة "805"، وسماه "العرف الشذي على جامع الترمذي"، كتب منه قطعة ولم يكمله.
4- جلال الدين السيوطي، وسماه "قوت المغتذي على جامع الترمذي".
5- الحافظ زين الدين بن عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، الحنبلي المتوفى سنة "795".
6- الشيخ أبو الحسن بن عبد الهادي السندي، المتوفى سنة "1139"1.
سنن ابن ماجه القزويني:
المتقدمون من أهل الحديث، وكثير من محققي المتأخرين عدوا أصول كتب الحديث خمسة: الصحيحين وسنن النسائي، وأبي داود والترمذي، وخالفهم بعض المتأخرين، فعد الأصول ستة بإضافة سنن ابن ماجه إلى الخمسة المذكورة، وذلك؛ لأنهم رأوا كتابه مفيدا عظيم النفع في الفقه، وأول من أضافه إلى الخمسة الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي، المتوفى سنة "507" في أطراف الكتب الستة له، وكذلك في كتابه شروط الأئمة الستة، ثم الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه الإكمال في أسماء الرجال -أي رجال الكتب الستة، وهو الذي هذبه الحافظ المزي، وتبعهما على ذلك أصحاب الأطراف والرجال، ولما كان ابن ماجه قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب، وسرقة الأحاديث قال بعضهم: ينبغي أن يجعل السادس كتاب الدارمي، فإنه قليل الرجال
__________
1 انظر كشف الظنون جـ1 ص288.
(1/418)

الضعفاء نادر الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة، فهو مع ذلك أولى منه، وجعل آخرون الموطأ هو السادس لصحته وجلالته كرزين السرقسطي، المتوفى سنة "535" في كتابه تجريد الصحاح، وتبعه ابن الأثير في جامع الأصول وكذا غيره.
هذا وسن ابن ماجه مصنف على الأبواب كالسنن الثلاثة السابقة، وهو دونها في الدرجة إذ المشهور أن ما انفرد به، يكون ضعيفا إلا أن هذا ليس على عمومه، فقد قال الحافظ ابن حجر: "إنه انفرد بأحاديث كثيرة، وهي صحيحة فالأولى حمل الضعيف على الرجال، وقد ألف الحافظ أحمد بن أبي بكر البوصيري كتابا في زوائده على الخمسة، نبه فيه على غالبها".
قال السيوطي في شرحه على مجتبى النسائي، المسمى بزهر الربى:
"إن كتاب ابن ماجه قد تفرد فيه بإخراج أحاديث، عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث. وبعض تلك الأحاديث، لا تعرف إلا من جهتهم مثل حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، والعلاء بن زيد وداود بن المحبر، وعبد الوهاب بن الضحاك، وإسماعيل بن زياد الكوفي، وعبد السلام بن يحيى بن أبي الجنوب، وغيرهم.
قال: وأما ما حكاه ابن طاهر، عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه فقال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا، مما فيه ضعف فهي حكاية لا تصح لانقطاع سندها. وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة للغاية، أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءا منه فيه هذا القدر، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطة، أو ساقطة أو منكرة، وذلك محكي في كتاب العلل لأبي حاتم. ا. هـ وقال الذهبي:
(1/419)

"قد كان ابن ماجه حافظا صدوقا، واسع العلم وإنما غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات"
شروحه: هي كثيرة منها:
1- شرح محمد بن موسى الدميري المتوفى سنة "808"، وشرحه يسمى "الديباجة" في خمسة مجلدات، ومات قبل تحريره.
2- شرح جلال الدين السيوطي، وشرحه يسمى "مصباح الزجاجه على سنن ابن ماجه".
3- شرح إبراهيم بن محمد الحلبي المتوفى سنة "841".
4- شرح السندي، وهو مطبوع1.
__________
1 انظر مقدمة السندي لشرح سنن ابن ماجه -مقدمة السيوطي لشرح سنن النسائي، وشروط الأئمة الستة ص16-17، الرسالة المستطرفة ص10-11، توجيه النظر ص153، مفتاح السنة ص101 كشف الظنون جـ1 ص477- قواعد التحديث ص233.
(1/420)

الدور السادس
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية في هذا الدور
...
الدور السادس:
السنة من عام "300"هـ إلى عام "656" هجرية.
ويشتمل هذا الدور على ثلاثة مباحث:
البحث الأول: وصف الحالة السياسية
في هذا الدور.
المبحث الثاني: السنة في القرن الرابع.
المبحث الثالث: السنة بعد القرن الرابع إلى نهاية هذا الدور.
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية في هذا الدور
منيت الدولة الإسلامية من مبدأ القرن الرابع الهجري، بتدهور سياسي قطع أوصالها، وجعلها دويلات متناثرة، وأشلاء ممزقة فدولة بني أمية بالأندلس، وعلى رأسها عبد الرحمن الناصر ملقبا نفسه بأمير المؤمنين سنة "325هـ"، وذلك لما أن أحس بضعف الدولة العباسية، والفاطميون يستقلون بشمال أفريقية، والدولة الإخشيدية بمصر، وإن كانت تدعو لبني العباس إلى أنها مستقلة عنهم في حقيقة الأمر، ودولة بني حمدان، والشيعة الزيدية باليمن، أقاموا لهم دولة، والدولة السامانية العظيمة تسيطر على المشرق، وبلاد ما وراء النهر، ودولة بني بويه تسيطر على بغداد، ولا تبقى لبني العباس سوى مجرد الاسم، ولم تكن الحياة السياسية حياة استقرار، بل كانت مضطربة مائجة فالفاطميون يغيرون على مصر، ويستقلون بها سنة 358هـ، وآل سلجوق يطغى سيلهم على
(1/421)

معظم البلاد الإسلامية، فينتزعون الملك من بني بويه، ويستولون على الجزيرة وآسيا الوسطى، وينازعون الفاطميين ملك الشام، وتصبح لهم الكلمة النافذة في جميع الأقاليم الإسلامية، ما عدا مصر وبلاد المغرب.
ثم لما دب الخلاف بين آل سلجوق، هبت ريح الصليبيين فقاموا في أواخر القرن الخامس، واستولوا على بيت المقدس سنة 490، وكانت لهم حروب طويلة مع المسلمين، وعلى أنقاض الدولة السلجوقية، قامت دولة الأتابكية وانتشرت شرقا وغربا، حتى سقطت الدولة الفاطمية بمصر على يد محمود نور الدين، وعادت مصر ولاية عباسية، وأقام بها صلاح الدين الأيوبي، أحد قواد محمود نور الدين دولة عظيمة.
أما في بلاد المشرق خراسان، وما إليها، فقد أقام خوارزم شاه محمد بن تكش دولة قوية، قضت على الملوك وضمت الممالك، وفي أواخر القرن السادس، عزم خوارزم شاه على التوجه إلى الخليفة، ليقضي عليه، فلم يتيسر له ذلك وباغته التتار النازحون من أطراف الصين، والبراري -وهم قوم اشتهروا بالشر والغدر- وعلى رأسهم جنكيز خان قائدهم الأعلى، ولم يلبثوا أن أغاروا على البلاد الإسلامية في سرعة هائلة، يسفكون الدماء ويقتلون الأبرياء، حتى وصلوا إلى بغداد، وقتلوا الخليفة وأسقطوا الخلافة العباسية، وذلك سنة 656هـ.
هذا ومما هو جدير بالذكر أن هذه الأحداث التاريخية، الهائلة، والتقهقر السياسي الخطير لم يصحبه تقهقر علمي، بل ما زالت الحركة العلمية قائمة، فالعلماء يرحلون من قطر إلى آخر، ويتلقى بعضهم عن بعض، ويعرضون الكتب والمسموعات على الشيوخ. وكان لهم نشاط علمي في نقد الرجال، وتمحيص الأحاديث، ومصنفات جياد في علل الحديث، وتاريخ الرواة وعلوم الحديث عامة.
غير أنهم لم يبلغوا شأو المتقدمين، بل كثيرا ما كانوا يتكلمون بلسان أهل القرون السابقة1.
__________
1 تاريخ التشريع للحصري ص333، وما بعدها وتاريخ الخلفاء للسيوطي في عدة أماكن.
(1/422)

المبحث الثاني: السنة في القرن الرابع
كان القرن الثالث، الهجري هو أزهى عصور السنة، وأحفلها بخدمة الحديث، ففيه ظهر أفذاذ الرجال من حفاظ الحديث وأئمة الرواية.
وفيه ظهرت الكتب الستة، التي لم تغادر من الحديث الصحيح، سوى النزر اليسير، وفيه اعتنى أئمة السنة بالكلام على الأسانيد، وتواريخ الرجال ومنزلتهم في الجرح والتعديل، ولم يكن العلماء في هذا القرن، يدونون الأحاديث بالنقل من كتب أخرى، بل كان اعتمادهم على ما حفظوه عن مشايخ الحديث، وعرفوا جيده من رديئه وصحيحه من ضعيفه، وما كادت شمس هذ القرن تؤذن بمغيب حتى كانت الموسوعات الحديثية، تزخر بالحديث وعلومه وصار العلماء في القرن الرابع، وما بعده يجمعون ما تفرق في كتب الأولين، أو يختصرونها بحذف الأسانيد، أو يقومون بشيء من الترتيب، والتهذيب إلى غير ذلك، وإذا تكلموا في شيء من الأسانيد، فبلسان من سبقهم من أهل القرون الأولى -غير أن جمهرة كبيرة منهم نسجوا على منوال السابقين، وكان لهم في رواية الأحاديث، وفحص الأسانيد باع طويل.
هذا وكان العلماء في الأدوار السابقة، لا يعتمدون إلا الرواية الشفاهية في نقل الأحاديث، ولا يعولون على مجرد الكتب، حتى ينقلوا أحاديثها بطريق السماع من مؤلفيها، ولو كلفهم ذلك أن يرحلوا الشهور الطوال.
(1/423)

أما في هذا الدور السادس، فقد لفظت فيه الرواية الشفاهية أنفاسها، وذهب من بين الرواة ريحها، وطغى عليها التدوين، الذي بلغ أشده في ذلك الوقت لهذا جعل العلماء الحد الفاصل بين المتقدمين، والمتأخرين من رواة الحديث وحملته هو رأس سنة ثلاثمائة، كما قرره الحافظ الذهبي في خطبة ميزانه.
ولا يغيبن عن بالك أن هذا التطور في تدوين الحديث، وروايته لم يكن طفرة بل كان تدريجيا سنة الله في أنواع العلوم، والصنائع، والدول وغيرها لذلك وجد من بين علماء القرن الرابع طائفة كبيرة، كان لها في تدوين الحديث، طريقة استقلالية على نمط التدوين في القرن الثالث، فمن1 هؤلاء الأئمة الأعلام:
الحاكم: أبو عبد الله النيسابوري، المعروف بابن البيع وهو صاحب "المستدرك" الذي حدثناك عنه في الدور السابق، وله غيره من التصانيف الحديثية: العلل، والأمالي، وفوائد الشيوخ، وأمالي العشيات، ومعرفة علوم الحديث وهو مطبوع بمصر إلى غير ذلك من كتبه التي بلغت ألفا وخمسمائة جزء. رحل إلى العراق والحجاز رحلتين، وذاكر الشيوخ وناظر الحفاظ وتولى القضاء بنيسابور سنة 359هـ، وتوفي رحمه الله بها سنة 405 2هـ.
الدارقطني: هو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد الله الحافظ، الكبير أمير المؤمنين في الحديث، وأستاذ هذه الصناعة. سمع الكثير وصنف، وألف وأجا وأفاد وأحسن النظر، والتعليل
__________
1 كشف الظنون جـ1 ص325.
2 تاريخ ابن كثير جـ11 ص355، ومفتاح السنة ص71.
(1/424)

كان إمام عصره في صناعة الجرح والتعديل، وحسن التأليف واتساع الرواية، وله كتاب الإلزامات، وهو كالمستدرك على الصحيحين، وقد تقدم الكلام عليه، وله كتاب السنن وقد طبع بالهند مع تعليقات لشمس الحق أبي الطيب، محمد بن أحمد بن علي الآبادي، وله كتاب العلل بين فيه الصواب من الدخل، وكتاب الأفراد. وكان الدارقطني من صغره موصوفا بالحفظ، والفهم. قال ابن الجوزي: "اجتمع له مع معرفة الحديث العلم بالقراءات، والنحو، والفقه والشعر مع الإمامة، والعدالة وصحة العقيدة"، وثناء العلماء عليه لا يحصى، توفي رحمه الله سنة 385هـ1.
ابن حبان: هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، أبو حاتم البستي التميمي، الحافظ الجليل. سمع كثير من الشيوخ في كثير من الأمصار، فقد كان رحالة زمانه. قال ابن السمعاني: "كان أبو حاتم، إمام عصره رحل فيما بين الشاش والإسكندرية"، وقال الحاكم: "كان من أوعية العلم والفقه والحديث، واللغة والوعظ، من عقلاء الرجال"، وقال الخطيب: "كان ثقة نبيلا وله التصانيف الكثيرة منها المسند الصحيح المسمى الأنواع، والتقاسيم قال فيه: لعلنا كتبنا عن ألف شيخ ما بين الشاش والإسكندرية"، وكتابه هذا على ترتيب مخترع.
فلا هو على الأبواب، ولا هو على المسانيد. رتبه مؤلفه على خمسة أقسام، وهي الأوامر، والنواهي، والأخبار، والإباحات، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ونوع كل واحد من هذه الخمسة إلى أنواع لذا كان الكشف في كتابه عسرا جدا، وقد ربه بعض المتأخرين، وهو علاء الدين علي بن لبان الفارسي المتوفى سنة 937 على الأبواب وسماه: "الإحسان
__________
1 تاريخ ابن كثير جـ11 ص317.
(1/425)

في تقريب صحيح ابن حبان". قالوا: وأصح من صنف في الصحيح المجرد بعد الشيخين ابن خزيمة، فابن حبان وقد نسبوا إليه التساهل في التصحيح، إلا أن تساهله أقل من تساهل الحاكم. قال الحازمي: "ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم".
ومنشأ تساهل ابن حبان أنه كان يقول: "من كان منكر الحديث على قلته لا يجوز تعديله إلا بعد السير. ولو كان ممن يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار لكان عدلا مقبول الرواية، إذ الناس في أقوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يتبين منهم ما يوجب القدح هذا حكم المشاهير، فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها". قال ابن حجر في مقدمة لسان الميزان، بعد أن حكى قوله هذا: "وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة، حتى يتبين جرحه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات، فإنه يذكر خلقا ممن نص عليهم أبو حاتم، وغيره على أنهم مجهولون. وقد أفح ابن حبان بقاعدته فقال: العدل من لم يعرف فيه الجرح، إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم يجرح فهو عدل حتى يتبين جرح، إذ لم يكلف الناس ما غاب عنهم، وقال في ضابط الحديث الذي يحتج به: "إذا تعرى رواية من أن يكون مجروحا، أو فوقه مجروح أو دونه مجروح، أو كان سنده مرسلا أو منقطعا، أو كان المتن منكرا". ا. هـ فمن هذا ترى أن ابن حبان، يحكم للرجل بالعدالة إذا انتفت جهالة عينه1، حتى يتبين جرحه
__________
1 وجهالة العين ترفع عنده برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة. ومجهول العين عند الجمهور، هو كل من لم يعرفه العلماء، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد.
(1/426)

وهذا خلاف ما عليه الجمهور، فإن جهاة العين عندهم لا تزول إلا برواية عدلين، فصاعدا عن المجهول وتعيينهما له، ومع ذلك لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما هذه. وزعم قوم أن عدالته تثبت بذلك وهذا باطل؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يرعف عدالته، فلا تكون روايته عنه تعديلا له، ولا خبرا عن صدقه وقد وجد من جماعة من الثقات، الرواية عن جماعة غير مرضيين أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب، فرواية العدل، أو العدلين، أو الأكثر عن راو لا يعد توثيقا له خلافا لما ذهب إليه ابن حبان، ومن هنا نرى أن إطلاق الصحيح على كتابه فيه تجوز؛ لأن كلامه في الرواة يدخل عليه الحسن، وقد حاول بعض العلماء الدفاع عنه. فقال: "إن كانت نسبة التساهل إليه باعتبار وجدان الحسن في كتابه، فهي مشاحة في الاصطلاح؛ لأنه يسميه صحيحا، وإن كانت باعتبار خفة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح، ما كان راويه ثقة غير مدلس، سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه، ولا يكون هناك إرسال لا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح، ولا تعديل، وكان كل من شيخ، والراوي عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو عنده ثقة وفي كتاب الثقات له كثير ممن هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم ثقات من لم يعرف اصطلاحه، ولا اعتراض عليه، فإنه لا مشاحة في ذلك، فابن حبان وفي بما التزمه من الشروط بخلاف الحاكم"، توفي رحمه الله سنة 354هـ1.
الطبراني: هو، الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفى
__________
1 طبقات الشافعية جـ2 ص141، ولسان الميزان. جـ5 ص112، وما بعدها وتوجيه النظر ص140، 325، والرسالة المستطرفة ص66، وما بعدها ومقدمة لسان الميزان لابن حجر.
(1/427)

سنة 360هـ ألف المعاجم1 الثلاثة: الكبير والصغير والأوسط، فالكبير جمع فيه مسانيد الصحابة مرتبين على حروف المعجم، ما عدا مسند أبي هريرة، فإنه أفرده في مصنف، ويقال: إنه أورد في الكبير نحو خمسمائة وعشرين ألف حديث وإذا أطلق المعجم في كلام العلماء فالمراد الكبير، والأوسط ألفه على أسماء شيوخه، وهم نحو ألفي رجل حتى إنه روى عمن عاش بعده لسعة روايته، وكثرة شيوخه وأكثر من غرائب حديثهم، ويقال: إن فيه ثلاثين ألف حديث، وهو في ست مجلدات كبار، وكان يقول فيه: "هذا الكتاب روحي"؛ لأنه تعب فيه. قال الذهبي: "وفيه كل نفيس عزيز ومنكر"، وأما الصغير فهو في مجلد واحد، خرج فيه عن ألف شيخ، يقتصر فيه غالبا على حديث واحد عن كل واحد من شيوخه، وهو نحو ألف وخمسمائة حديث بأسانيدها2.
قاسم بن أصبغ: هو أبو محمد قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البياني، نسبة إلى بيانه كجبانة بلدة بالأندلس، على بعد ثلاثين ميلا من قرطبة المالكي، المتوفى سنة 340، وله كتاب الصحيح المنتقى3.
ابن السكن: الحافظ أبو علي، سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، البغدادي نزيل مصر، والمتوفى بها سنة 353 هجرية الف الصحيح المنتقى، ويسمى أيضا بالسنن الصحاح المأثورة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
__________
1 المعجم في اصطلاحهم، ما يذكر فيه الحديث على ترتيب الصحابة، أو الشيوخ، أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء.
2 كشف الظنون جـ2 ص290، والرسالة المستطرفة ص101، وما بعدها.
3 الرسالة المستطرفة ص20.
(1/428)

ألفه على الأبواب في جميع ما يحتاج إليه من الأحكام، وضمنه ما صح عنده من السنن المأثورة مع حذف الأسانيد. قال: وما ذكرته في كتابي هذا مجملا، فهو مما أجمعوا على صحته وما ذكرته بعد ذلك مما يختاره أحد من الأئمة، الذين سميتهم، فقد بينت حجته في قبول ما ذكره، ونسبته إلى اختياره دون غيره، وما ذكرته مما ينفرد به أحد من أهل النقل للحديث، فقد بينت علته، ودللت على انفراده دون غيره1. ا. هـ.
أبو جعفر، أحمد بن محمد الطحاوي: هو أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، المتوفى سنة 321، وله كتاب معاني الآثار، وهو كتاب جليل القدر، ذكر فيه أنه سأله بعض أصحابه تأليفا في الآثار المأثورة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام، التي يتوهم أهل الإلحاد، والزندقة أن بعضها ينقض بعضا لقلة علمهم بناسخها ومنسوخها، فألف هذا الكتاب، وجعله أبوابا ذكر في كل باب ما فيه من الناسخ، والمنسوخ وتأويل العلماء، وإقامة الحجة على الصحيح، وقد عمل العيني المتوفى سنة "855" عليه شرحا ولابن قطلوبغا المتوفى سنة "879" كتاب الإيثار برجال معاني الآثار2.
__________
1 الرسالة المستطرفة ص20-21، وكشف الظنون جـ1 ص510.
2 كشف الظنون جـ2 ص286.
(1/429)

المبحث الثالث: السنة بعد القرن الرابع إلى آخر هذا الدور
قدمنا لك في المبحث السابق نخبة من علماء القرن الرابع، الذين تضلعوا في علوم السنة، وكانوا يدونون كتبهم من محفوظهم، ومسموعاتهم عن شيوخهم، كما كان يفعل أهل القرن الثالث، ثم ما كاد ينتهي القرن الرابع حتى أصبح عمل العلماء قاصرا على الجمع، والترتيب أو التهذيب لكتب السابقين، ونحن نذكر لك جملة من أعمالهم التهذيبية في الدور السادس، فنقول:
الجمع بين الصحيحين:
تناول كثير من الناس الجمع بين أحاديث الصحيحين في مصنف على حدة، فمن ذلك الجمع بينهما لإسماعيل بن أحمد المعروف بابن الفرات المتوفى سنة "414"، والجمع بينهما لمحمد بن نصر الحميدي، الأندلسي سنة "488"، وربما زاد زيادات ليست فيهما، والجمع بينهما لحسين بن مسعود البغوي، سنة "516"، والجمع بينهما لمحمد بن عبد الحق الأشبيلي سنة "582"، والجمع بينهما لأحمد بن محمد القرطبي، المعروف بابن أبي حجة سنة "642".
الجمع بين الكتب الستة 1:
جمع بينها أحمد بن رزين بن معاوية، العبدري السرقسطي المتوفى سنة "535" في كتابه تجريد الصحاح، لكنه لم يحسن في ترتيبه، وتهذيبه، وترك بعضا من أحاديث الستة، ولما جاء أبو السعادات مبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري، الشافعي، المتوفى سنة "606". هذب كتابه، ورتب أبوابه، وأضاف إليه ما فاته من الأصول، وشرح غريبه وبين مشكل إعرابه، وخفي المعنى وحذف أسانيده، ولم يذكر إلا راوي الحديث من صحابي، أو تابعي كما ذكر المخرج له من الستة، ولم يذكر من أقوال التابعين، إلا النادر ورتب أبوابه على حروف المعجم، وسماه جامع الأصول لأحاديث الرسول، فجاء كتابا عظيما سهل العسير وقرب البعيد. وهو بدار الكتب المصرية في عشرة أجزاء متوسطة، وقد شرع أحد علماء الأزهر الشريف، وهو الشيخ عبد ربه بن سليمان بن محمد المشهور بالقليوبي في شرحه، وسماه
__________
1 المراد بالكتب الستة الصحيحان، وموطأ مالك وسنن النسائي، وأبي داود والترمذي.
(1/430)

"جامع المعقول والمنقول. شرح جامع الأصول". إلا أنه لم يكمل1.
وجمع بين الكتب الستة أيضا عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي، المعروف بابن الخراط سنة "582هـ".
الجمع بين أحاديث من كتب مختلفة:
أ- مصابيح السنة للإمام حسين بن مسعود البغوي سنة "516"، جمع فيه "4484" من الأحاديث الصحاح، والحسان وهو يريد بالصحاح ما أخرجه الشيخان، أو أحدهما وبالحسان ما أخرجه2 أبو داود، والترمذي وغيرهما، وما كان فيها من ضعيف، أو غريب بينه، ولا يذكر ما كان منكرا أو موضوعًا، وقد اعتنى العلماء بها عناية عظيمة، فشرحوها شروحا كثيرة، وهذبها محمد بن عبد الله الخطيب، وذيل أبوابها فذكر الصحابي الذي روى الحديث، والكتاب الذي أخرجه وزاد على كل باب من الصحاح، والحسان فصلا ثالثا عدا بعض الأبواب، وكان ذلك سنة 737 هجرية، وسمى كتابه هذا مشكاة المصابيح وقد شرح المشكاة كثيرون، منهم القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي سنة "685".
ب- جامع المسانيد والألقاب لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، المتوفى سنة "597" جمع فيه بين الصحيحين، ومسند أحمد وجامع الترمذي، وقد رتبه أبو العباس أحمد بن عبد الله المكي، المعروف بالمحب الطبري المتوفى سنة "964"هـ3.
__________
1 اختصر جامع الأصول كثير من العلماء، منهم محمد المروزي، المتوفى سنة "682"، وهبة الله بن الرحيم الحموي، سنة "718"هـ، وعبد الرحمن بن علي المعروف بابن الديبع الشيباني الزبيدي "944"هـ، وكتابه أحسن المختصرات، وهو مطبوع بمصر في ثلاثة أجزاء، أو أربعة.
2 وهذا اصطلاح له خاصة، وإلا ففي السنن الصحيح، والضعيف أيضا انظر كشف الظنون جـ2 ص272.
3 كشف الظنون جـ1 ص295.
(1/431)

ج- بحر الأسانيد للإمام الحافظ، الحسن بن أحمد السمرقندي، المتوفى سنة "491" جمع فيه مائة ألف حديث رتبه وهذبه، ويقال: إنه لم يقع في الإسلام مثله1.
كتب منتقاة في أحاديث الأحكام والمواعظ:
أ- كتاب منتقى الأخبار في الأحكام للحافظ، مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم، الحراني المعروف بابن تيمية الحنبلي، المتوفى سنة "652" انتقاه من صحيحي البخاري، ومسلم ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي والسنن للنسائي، وأبي داود وابن ماجه، واستغنى بالعزو إلى هذه الكتب عن الإطالة بذكر الأسانيد، وهو كتاب جليل الفائدة، لولا إطلاقه العزو إلى الأئمة دون التحسين، والتضعيف فقد يقول رواه الترمذي مثلا، وهو في جامع الترمذي منصوص على ضعفه، فيعزوه إليه من غير بيان، وقد بين ذلك محدث اليمن محمد بن علي الشوكاني، المتوفى سنة "1250" في كتابه نيل الأوطار، الذي شرح به منتقى الأخبار، وهو مطبوع بمصر في ثمانية أجزاء.
ب- السنن الكبرى للبيهقي أحمد بن حسين، المتوفى سنة "458"، قال ابن الصلاح: ما تم كتاب في السنة أجمع للأدلة من كتاب السنن الكبرى، للبيهقي وكأنه لم يترك في سائر أقطار الأرض حديثا، إلا وقد وضعه في كتابه، وقد طبع في الهند، وعمل له في آخره فهرس بأسماء الصحابة، والتابعين ومسانيدهم ومروياتهم. وللبيهقي أيضا السنن الصغرى قيل: إنه لم يصنف في الإسلام مثلها.
ج- الأحكام الصغرى. للحافظ أبي محمد عبد الحق الإشبيلي
__________
1 كشف الظنون جـ1 ص144.
(1/432)

المعروف بابن الخراط سنة "582"، قال فيها: "جمعت في هذا الكتاب متفرقا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في لوازم الشرع، وأحكامه وحلاله وحرامه وفي ضروب من الترغيب، والترهيب أخرجتها من كتب الأئمة، وهداة الأمة أبو عبيد الله مالك بن أنس، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، النيسابوري وبقية الكتب الستة، وفيها أحاديث من كتب أخرى1.
د- عمدة الأحكام. للإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، الدمشقي المتوفى سنة "600"، جمع فيها أحاديث الأحكام التي اتفق عليها البخاري، ومسلم، وقد شرحها شرحا وسطا ابن دقيق العيد، وقد طبعت بمصر مع الشرح في أربعة أجزاء صغيرة.
هـ- الترغيب والترهيب: للحافظ الحجة عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، المتوفى سنة "656"هـ وهو من أحسن الكتب في جمع الحديث وبيان درجته، وعليه جل اعتماد الوعاظ والمرشدين في عصرنا الحاضر، وقد طبع بمصر عدة مرات.
كتب الأطراف:
هذا وقد وجد في هذا الدور طائفة من المحدثين، عملوا ما يسمى بكتب الأطراف وطريقتهم فيها أن يذكروا طرفا من الحديث، يدل على بقيته ثم هم يجمعون أسانيده إما على وجه الاستيعاب، وإما مقيدة بكتب مخصوصة وإليك بعض هذه الكتب:
1- أطراف الصحيحين للحافظ، إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي، المتوفى سنة "400"، وأطراف الصحيحين لأبي محمد خلف بن محمد
__________
1 كشف الظنون جـ1 ص45.
(1/433)

الواسطي سنة "401"، قال الحافظ ابن عساكر: وكتاب خلف أحسنهما ترتيبا ورسما، وأقلهما خطأ ووهما، ويوجد بدار الكتب المصرية في أربعة مجلدات. وأطرافهما أيضا لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، سنة "430هـ".
2- أطراف السنن الأربعة لأبي القاسم، علي بن الحسن المعروف بابن عساكر الدمشقي "571" في ثلاثة مجلدات مرتبا على حروف المعجم، واسمه الإشراف على معرفة الأطراف.
3- أطراف الكتب الستة1 لمحمد بن طاهر المقدسي "507"، ولما كان كتابه مشتملا على أوهام كثيرة، وترتيب مختل لخصه الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن الحسين الحسيني، الدمشقي "765"، ورتبه أحسن ترتيب2.
__________
1 هي الصحيحان والسنن الأربعة.
2 كشف الظنون جـ1 ص85، 92.
(1/434)

الدور السابع
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية
...
الدور السابع:
السنة من عام "656" الهجري إلى عصرنا الحاضر.
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية لهذا العهد.
المبحث الثاني: منهج العلماء في رواية السنة في هذا الدور.
المبحث الثالث: عناية المسلمين بالسنة في الممالك الإسلامية المختلفة.
المبحث الرابع: طريقة العلماء في تصنيف الحديث لهذا الدور.
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية
سقطت الخلافة العباسية على أيدي التتار سنة 656هـ، وفي سنة 658، وصل التتار إلى حلب وأغاروا عليها، ثم قصدوا إلى دمشق. وكانت الدولة الأيوبية بمصر قد انقرضت، وحل محلها دولة المماليك، فخرج إليهم المصريون والتقوا بهم عند "عين جالوت"، ووقعت بين الفريقين معركة عظيمة، أسفرت عن هزيمة ذريعة للتتار، فولوا الأدبار يتخطفهم الناس من كل مكان، وفي هذا التاريخ قدم إلى مصر أحد أعقاب العباسيين، فبايعه بالخلافة الملك الظاهر بيبرس، وبذلك أصبحت القاهرة عاصمة الخلافة العباسية، ولكن سلطة الخليفة كانت في حكم العدم، فهو خليفة بالاسم، أما السلطة الحقيقية، فكانت في أيدي المماليك، وما كاد القرن السابع الهجري، يتم حتى أصبح العنصر التركي هو المسيطر على جميع الممالك
(1/435)

الإسلامية ما عدا البلاد المغربية، فكانت الحكومة فيها لبرابرة المغرب، وفي مستهل القرن الثامن ظهر بآسيا الصغرى، بلاد تركيا اليوم -رجل يدعى "عثمان كجق" -مؤسس الدولة العثمانية- على رأس قبيلته التركية، فأسس ملكا على أنقاض الدولة السلجوقية، ولم تزل دولة آل عثمان تتسع رقعتها، وتستولي على ما جاورها من الممالك، والدويلات حتى فتحوا القسطنطينية في منتصف القرن التاسع الهجري، واتخذوها عاصمة لهم، ثم فتحوا مصر وأزالوا الخلافة العباسية، ولقبوا ملوكهم بالخلفاء، ومن هذا الوقت انتقلت الخلافة الإسلامية إلى القسطنطينية، وأصبحت مصر ولاية عثمانية، فضاع مركزها السياسي والعلمي، أما دولة بني عثمان فقوي شأنها وعظم ملكها، ومما يؤسف له أنها وهي في أوج عظمتها سقطت دولة الأندلس، وانطفأ نور الإسلام في هذه البلاد بعد أن مكث بها نحوا من ثمانية قرون.
ثم أخذت دول أوربة الغاشمة، تعمل جهدها على إضعاف المسلمين، منتهزة غفلتهم واختلافهم، فأوقعت بينهم الفتنة حتى مزقت شمل الدولة الإسلامية، وقضت على الخلافة العثمانية، وعبثوا بحقوق المسلمين وحجروا عليهم في بلادهم، واستعبدوهم أيما استعباد، حتى أصبحنا من هذا الوقت، لا يستطيع المصري الرحلة إلى الحجاز، أو إلى الشام أو غيرهما من بلاد الإسلام، إلا بجواز بذلك، وقل مثل هذا في أهل الأقطار الإسلامية جميعها.
ومن هنا انعدمت الرحلة بين العلماء، وانقطع الاتصال العلمي بين سكان البلدان المختلفة، بعد أن كان الوطن الإسلامي وحدة لا تنفصم عراها، ينتقل فيه المسلم أنى شاء، وينشر دينه كيفما أراد، فعسى الله أن يكف بأس الذين كفروا، والله أشد بأسا، وأشد تنكيلا.
(1/436)

المبحث الثاني: منهج العلماء رواية السنة في هذا الدور
...
المبحث الثاني: منهج العلماء في رواية السنة في هذا الدور
حيال هذه الأحداث التاريخية الخطيرة تبللت الأفكار. وتقاعدت همم العلماء عن الرحلة إلى الأقطار، فانقرضت الرواية الشفاهية. وحل محلها الإجازة والمكاتبة وصار الإسناد في الحديث، يقصد للتبرك اللهم إلا في أفراد تبعث بهم الأقدار الإلهية من وقت لآخر، يجددون ما خلق، ويحيون ما اندثر، وقد اشتهر من هؤلاء الأعلام طائفة، كانوا يرحلون إلى الأقطار، ويجلسون للإملاء1، ويكتب عنهم أتباعهم الأمالي، ومن أمثال هؤلاء الحافظ، الكبير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، الأثري الإمام حافظ العصر وصاحب المصنفات البديعة في الحديث، المتوفى سنة "806"، ومجالسه للإملاء تزيد على أربعمائة مجلس.
قال تلميذه ابن حجر: "شرع في إملاء الحديث من سنة "796"، فأحيا الله به السنة بعد أن كانت داثرة، فأملى أكثر من أربعمائة مجلس، غالبها من حظفه متقنة مهذبة محررة، كثيرة الفوائد الحديثية". ا. هـ.
ومنهم شهاب الدين، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن حجر العسقلاني الأصل،
ثم المصري المولد، والمنشأ والدار والوفاة الحافظ، بل سيد الحفاظ والمحدثين في تلك الأمصار، وما جاورها المتوفى سنة "852هـ". قال السيوطي: "وختم به الفن". وقال غيره: "انتهت إليه الرحلة والرياسة في الحديث في الدنيا بأجمعها، فلم
__________
1 الإملاء من وظائف العلماء قديما، لا سيما الحفاظ من أهل الحديث، يجلس المحدث ويسمى "المملي" في المسجد يوما من أيام الأسبوع، والمستحب أن يكون يوم الجمعة، ويكتب عنه التلاميذ، ويتخذ لذلك في العادة منهم رجلا يبلغ عنه يسمى "المستملي".
(1/437)

يكن في عصره حافظ سواه، ألف كتبا كثيرة، وأملى أكثر من ألف مجلس"، ومنهم الحافظ السخاوي تلميذ ابن حجر العسقلاني، قال في كتابه فتح المغيث: "أمليت بمكة وبعدة أماكن من القاهرة، وبلغ عدة ما أمليته من المجالس إلى الآن نحو الستمائة، والأعمال بالنيات". ا. هـ.
الآن أن هذه الطريقة كانت غير منتشرة انتشارا في العصور الأولى، بل كان جل علماء الحديث في هذا الدور، عاكفين على كتب الأولين بالجمع والاختصار، والشرح والتخرييج، وما إلى ذلك إلا أنه في أواخر هذا الدور انعدمت العناية بالحديث، وعكف الناس على الفروع، إلا في قليل من البلدان، وأفراد قلائل من العلماء. هذا وفي حدود هذه الإمكانيات، كان هناك نشاط في علوم الحديث تتناوبه الأقطار الإسلامية في أوقات مختلفة، وهذا ما نريد أن نحدثك عنه، بعون الله تعالى فنقول:
(1/438)

المبحث الثالث: عناية المسلمين بالسنة في الممالك المختلفة
إنه إذا ما استثنينا البلاد المغربية، التي كان لها فضل مشكور على السنة في جميع العصور، وجدنا أنفسنا أمام بلدين عظيمين يتناوبان النشاط العلمي، الحديثي وهما البلاد المصرية والهندية، فمن يوم أن سقطت بغداد عاصمة الخلافة العباسية على أيدي التتار -الذين بلغ من جهلهم وغشمهم، أن ألقوا بالمكتبة الإسلامية العظيمة في "دجلة"، ليجعلوا منها جسرا تعبر عليه جيوشهم الغاشمة- نقول: من هذا اليوم أخذت العلوم، والمعارف ترحل عن بغداد إلى أقطار أخرى، ثم كانت بينها دولا، فينما نجد الديار المصرية بعد سقوط بغداد مزدهرة بعلوم السنة زاخرة بالعلم والعلماء، طيلة القرون الثلاثة الأولى من هذا الدور.
(1/438)

حتى كان لمصر القدح المعلى، دون جميع البلدان إذا بنا نجدها في منتصف القرن العاشر وقد آذنت شمس الحديث فيها بمغيب، وأخذت السنة وعلومها ترحل عنها إلى بلد آخر هو القطر الهندي، ومن هذا الوقت أخذت البلاد الهندية تسعد بخدمة السنة، ودام الأمر على هذا الحال إلى وقتنا هذا قرابة أربعة قرون أو تزيد، ولنتكلم على أشهر الممالك، التي كان لها أثر ملموس في خدمة السنة لهذا العصر:
دور مصر في العناية بالسنة وعلومها:
في هذه الفترة من الزمان -أي بعد سقوط بغداد- كانت مصر محكومة لدولتي المماليك البحرية والبرجية، ويحدثنا التاريخ عما كان عليه هؤلاء السلاطين من حب للعلم وتقدير للعلماء. ومن أجل ذلك شيدوا الجامعات، والمدارس الحديثية، واستقدموا لهذه العرض العلماء من الأقطار البعيدة. وحبسوا الأموال الطائلة على تلك المؤسسات الدينية، والعلمية، وها هي آثارهم الخالدة ماثلة للعيان. تحدث عما كان للقوم من عناية بعلوم الشريعة والسنة.
هذا ولم يقف الأم عند حد المعاونة بالمال أو السلطان. بل لقد انغمر السلاطين في حلبة الدروس مع المتعلمين، وتتلمذوا للعلماء وأئمة الحديث، وتحملوا السنة بأسانيدها الصحيحة، حتى صار بعهم حافظا، يتلقى عنه الحديث ويسمع منه الصحيح، فهذا هو "الظاهر برقوق"، يتفقه على الإمام أكمل الدين "البابرتي"، ويشارك المحدثين في رواية الصحيحين، ويستقدم المسندين أمثال "ابن أبي المجد" من الأقطار النائية. رغبة منه في إعلاء الإسناد لدى المتعلمين بمصر، لسماعهم الحديث من أصحاب الأسانيد العالية، وهذا هو "المؤيد"، يروي الصحيح عن
(1/439)

السراج "البلقيني"، حتى إن الحافظ ابن حجر يسمع الحديث من "المؤيد"، ويترجم له في عداد مشايخه في "المعجم المفهرس"، وقد استقدم "المؤيد" إلى مصر العلامة "شمس الدين الديري"، المحدث العظيم، صاحب كتاب "المسائل الشريفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة"، وهذا هو "الظاهر جقمق"، يسمع الصحيح من ابن الجزري، ويستقدم كبار المسندين إلى مصر، ليتلقى عنهم المتعلمون مروياتهم في السنة من الصحاح والمسانيد، ويجعل من القلعة المصرية مجمعا علميا للعلماء، وناديا يؤمه طلاب الحديث يتلقون المرويات عن الحفاظ المتقنين، والمحدثين النابهين، وبهذه العناية من السلاطين والأمراء، كانت مصر دار حديث وفقه وأدب طيلة هذه القرون الثلاثة الأولى من هذا الدور، وكانت أسعد بلاد الإسلام حظا بالحديث، وعلومه، وها هي كتب التاريخ قد اكتظت بتراجم لرجال نبهاء، وفطاحل علماء. أنجبتهم مصر في تلك القرون الذهبية، وكانت لهم مؤلفات كثيرة جدا في علوم شتى. بحيث يعدون بحق مفخرة الإسلام، وإن مآثرهم المحفوظة في خزانات العالم، ومكتباته لما يشهد لمصر بالمجد التالد والشرف الرفيع.
استمرت النهضة العلمية بمصر -على ما وصفنا- إلى أوائل القرن العاشر الهجري، إذ بانقراض دولة المماليك البرجية في أوائل هذا القرن، أخذ النشاط العلمي يتضائل ويضمحل، وطفق يرحل شيئا فشيئا إلى بلاد أخرى، ألا وهي البلاد الهندية التي أفسحت صدرها للحديث، وعلومه وسهرت على خدمته فكانت أسعد بلاد المسلمين بعلوم السنة إلى يومنا هذا.
(1/440)

دور الهند في العناية بالسنة:
كان للبلاد الهندية حظ كبير في خدمة السنة -بعد أن كان الهنود قبل منتصف القرن العاشر الهجري منصرفين إلى العلوم النظرية، والأحكام الفقهية المجردة، فمن هذا الوقت أخذوا يعكفون على دراسة الحديث، وعلومه ويعنون برواية السنة وبحث الروايات، وانتقاد الأسانيد، ولو ذهبنا نستعرض ما لهؤلاء الأعلام، من همة عظيمة في علوم الحديث، في الوقت الذي قعدت فيه الهمم عن خدمة السنة، لوقع ذلك موقع الإعجاب والشكر البليغ، فكم لعلماء الهند من شروح ممتعة، وتعليقات نافعة على الأصول الستة وغيرها، وكم لهم من مؤلفات كبيرة في أحاديث الأحكام، وكم لهم من أياد بيضاء في نقد الرجال، وبيان علل الحديث، وشرح الآثار، وكم لهم من مؤلفات في شتى فنون الحديث، وما يتصل به1.
ومما هو جدير بالتقدير، والإعجاب أن هؤلاء القوم لم تفتنهم المدنية الغربية عن دينهم. بل إنها زادتهم تمسكا به وتعصبا له، فكثيرا ما ألفوا الكتب في الرد على القساوسة والمستشرقين، وكثيرا ما كانت تقام مجالس للمناظرة أمام الحكام -الانجليز، فينتصر حق المسلمين على باطل المستشرقين، وكثيرا ما كان يفر هؤلاء القسس من مجالس المناظرة، قبل أن تتم فصولها يجرون أذيال الخيبة ويعثرون في أثواب الهزيمة، هذا ومما يدل على حرص هؤلاء القوم على السنة، وحدبهم على نشر علومها أن بعض المبعوثين منهم إلى جامعات أوربة، كان يشتغل بطبع كتب الحديث، وها هو "الدكتور السيد معظم حسين"، الذي كان يتلقى دروسه بجامعة أكسفورد بانجلترا، يأخذ في طبع كتاب "معرفة علوم
__________
1 عن مقالات العلامة، المرحوم الشيخ محمد زاهد الكوثري ص71، وما بعدها بتصرف.
(1/441)

الحديث" للحاكم أبي عبد الله النيسابوري، ويعتني بتصحيحه، ويقدم له مقدمة عظيمة يذكر فيها ترجمة المؤلف. ونبذة قيمة عن تاريخ تدوين الحديث، ونشأة علم المصطلح، وقد رحل في سبيل نشر هذا الكتاب إلى بلدان عديدة من أوربة، وتردد على مكتباتها العامة في عواصمها المختلفة، وقابل ما كتبه على نسخ خطية كثيرة، كان منها ما هو محفوظ في مكتبة المتحف البريطاني بلندن، كما رحل إلى عدة مكتبات في بلاد الشرق، كمصر والشام واستنبول، ثم طبع الكتاب، وأخرجه للناس في غاية من الضبط والإتقان. إنها لهمة عالية من هؤلاء القوم، فلله درهم وبورك جهادهم.
النهضة العلمية بالمملكة السعودية:
أنه لا يسعنا أن نترك الكلام على هذا الدور، من غير أن ننوه بتلك الأعمال المجيدة، والجهود المشكورة، التي قام بها جلالة العاهل الراحل الملك "عبد العزيز آل سعود" عليه رحمة الله، فإنه والأمراء السعوديين من بعده قد عنوا كل العناية بطبع كثير من كتب السنة النبوية، التي لها أهمية عظمى في المكتبة الإسلامية، ولنذكر منها على سبيل المثال "جامع الأصول من أحاديث الرسول"، و"مختصر وشرح وتهذيب سنن أبي داود" و"زاد المعاد في هدي خير العباد" و"البداية والنهاية في السيرة، والتاريخ لابن كثير"، ومختصر "الفتاوى المصرية" لابن تيمية.
وتفسير الحافظ ابن كثير، ومعه تفسير البغوي وكتاب المغني لابن قدامة، وهو من أنفس الكتب الفقهية الحديثية، الجامعة إلى غير ذلك وهو كثير جدا، وفي الحق أن لآل سعود فضلا يشكر، وجهودا لا ينبغي أن تنكر لما لهم من أياد بيضاء على السنة النبوية، ولما أنفقوه من الأموال الطائلة في سبيل هذا الغرض النبيل، في الوقت الذي ماتت فيه القلوب، وركدت
(1/442)

فيه النفوس وتسلط الجانب المادي على الجانب الروحي، ولقد سنوا بذلك للناس سنة حسنة، حتى نسج على منوالهم بعض وزرائهم.
هذا ومما يكتب لهذه الأسرة بمداد الفخار، أنهم لم يقتصروا في خدمة السنة النبوية على طبع الكتب الحديثية، وتوزيعها على الناس دون مقابل، ولكنهم مع ذلك نهضوا بنشر علوم الشريعة الإسلامية، والسنة النبوية نهضة كبرى، فأسسوا معاهد علمية في جميع أنحاء الجزيرة العربية، كما أسسوا للدراسات العليا الكليات، ومن ذلك كلية الشريعة بمكة المكرمة، وكليتا الشريعة واللغة العربية بمدينة الرياض، وانتدبوا لهذه الغاية الشريفة خيرة العلماء من الجامع الأزهر، للقيام بالدراسة على الطريقة التحليلية المنتجة في علوم القرآن، والحديث، والفقه واللغة العربية، وغيرها.
ولقد شهدت عن كثب أيام، كنت مدرسا بالمعهد العلمي بالرياض هذه النهضة، ولمست العناية التامة، التي يقوم بها آل الشيخ، وعلى رأسهم "الشيخ الرئيس"، المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أطال الله بقاءه، ونفع به المسلمين، فجزاهم الله من ملوك وأمراء، وعلماء عن السنة أفضل الجزاء.
(1/443)

المبحث الرابع: طريقة العلماء في تصنيف الحديث في هذا الدور
عكف علماء الحديث في هذا الدور على كتب السابقين، فتناولوها بالترتيب والتهذيب والانتقاء والتخريج، ونحن نذكر لك جل هذه الطرق وأشهر ما دون من كتب الحديث لذلك العهد فنقول:
كتب الزوائد وطريقة أصحابها: من المعلوم أن مصنفا ما في الحديث لم يستوعب جميع الأحاديث، فإن الأحاديث بحار زاخرة وكل من المصنفين يغترف منها على حسب ما تيسر له لذلك، جاءت كتب الحديث مختلفة بالطول، والقصر والقلة والكثرة، فجاء المتأخرون وأخرجوا الأحاديث الزائدة في كتاب على آخر في مصنفات خاصة لهم، وسموا ذلك بكتب الزواد، ومن أشهر هذه الكتب:
1- كتاب زوائد سنن ابن ماجه على الكتب الخمسة.
2- كتاب إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة: "أي على الكتب الستة"، والمسانيد العشرة هـ. مسند أبي داود الطيالسي، والحميدي، ومسدد، وابن أبي عمر، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وعبد بن حميد، والحارث بن محمد بن أبي أسامة، وأبي يعلى الموصلي.
3- وكتاب زوائد السنن الكبرى للبيهقي. على الكتب الستة أيضا، ويسمى فوائد المنتقى لزوائد البيقهي.
وهذه الكتب الثلاثة للحافظ، شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم البوصيري، المتوفى سنة "840هـ".
4- كتاب المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية، للحافظ ابن حجر سنة "852" على الكتب الستة "والمسانيد الثمانية: هي مسند ابن أبي عمر العدني، ومسند أبي بكر الحميدي، ومسند مسدد، ومسند الطيالسي. ومسند ابن منيع، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث، وله أيضا زوائد مسند البزار، ومسند أحمد على الكتب الستة.
(1/444)

5- كتاب زوائد مسند أحمد على الكتب الستة في مجلدين.
وكتاب زوائد مسند البزار على الكتب الستة في مجلد ضخم، ويسمى البحر الزخار في زوائد مسند البزار، وكتاب زوائد مسند أبي يعلى الموصلي على الكتب الستة في مجلد واحد، وكتاب زوائد المعجم الكبير للطبراني على الكتب الستة، واسمه البدر المنير في زوائد المعجم الكبير في ثلاث مجلدات، وكتاب زوائد المعجم الأوسط والأصغر للطبراني على الكتب الستة، واسمه مجمع البحرين في زوائد المعجمين وهو في مجلدين، وهذه الكتب كلها للحافظ نور الدين أبي الحسين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي "بالمثلثة" المصري، المتوفى سنة "807هـ". وهو رفيق أبي الفضل العراقي في سماع الحديث وصهره وتلميذه. ثم إنه جمع هذه الكتب كلها في كتاب عظيم سماه "مجمع الوائد ومنبع الفوائد"، مع حذف الأسانيد والتمييز بين الصحيح، والحسن والضعيف، وهو كتاب قل أن يوجد مثله ولا صنف نظيره إلى الآن، وقد طبع والحمد لله بمصر، وللهيثمي هذا أيضا كتاب زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين في مجلد سماه "مورد الظمآن إلى زوائد ابن حبان". وكتب الزوائد كثيرةجدا، وفي هذا القدر كفاية1.
الجوامع العامة: وطريقتهم فيها أن يجمعوا بين جملة من الكتب في مؤلف واحد، فمن ذلك:
1- كتاب جامع المسانيد والسننن، الهادي لأقوم سنن للحافظ إسماعيل بن عمر القرشي، الدمشقي المعروف بابن كثير المتوفى سنة "774" جمع فيه بين الصحيحين وسنن النسائي، وأبي داود والترمذي، وابن ماجه ومسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى، والمعجم الكبير للطبراني.
__________
1 كشف الظنون جـ1 ص38، جـ2 ص230، والرسالة المستطرفة ص128، وما بعدها.
(1/445)

2- جمع الجوامع للحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة "911"
جمع فيه بين الكتب الستة وغيرها، وقد قصد في كتابه هذا جمع الأحاديث النبوية بأسرها. وقال: المناوي أنه مات قبل أن يتمه، ولقد اشتمل كتابه على كثير من الأحاديث الضعيفة بل والموضوعة قد هذب ترتيبه علاء الدين علي بن حسام الهندي المتوفى سنة "975" في كتابه أسماه "منتخب كنز العمال"، وقد طبع المنتخب مع مسند أحمد بمصر كما طبع كنز العمال بالهند، وقد اختصر السيوطي كتابه هذا، وسمي المختصر الجامع الصغير في حديث البشير النذير1.
كتب جامعة لأحاديث الأحكام: من ذلك
1- كتاب الإلمام في أحاديث الأحكام لابن دقيق العيد المتوفى سنة "702" جمع فيه متون الأحكام مع حذف الأسانيد، وشرحه في كتابه الإمام لكن لم يكمل شرحه، ويقال: إن شرحه هذا لم يؤلف أعظم منه في بابه لما فيه من الاستنباطات والفوائد2.
2- كتاب "تقريب الأسانيد، وترتيب المسانيد" لمجدد المائة الثامنة زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المولود عام "725هـ"، المتوفى عام "806هـ". جمع فيه أحاديث الأحكام لابنه أبي زرعة. قال في خطبته: "وبعد فقد أردت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرا في أحاديث الأحكام، يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث ألا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار، يستغنى بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكة والاستحضار، قال:
__________
1 انظر كشف الظنون جـ1 ص288، والرسالة المستطرفة ص137، ومفتاح السنة ص112.
2 انظر كشف الظنون جـ1 ص113.
(1/446)

ولما رأيت صعوبة حفظ الأسانيد في هذه الأعصار لطولها، وكان قصر أسانيد المتقدمين وسيلة لتسهيلها، رأيت أنأجمع أحاديث عديدة في تراجم محصورة، وتكون تلك التراجم فيما عد من أصح الأسانيد، إما مطلقا على قول من عممه، أو مقيدا بصحابي تلك الترجمة"، ثم أخذ يبين طريقته في نقله عن الكتب وعزوه إليها. وهو كتاب عظيم في بابه، وقد شرح تقريب الأسانيد هذا مؤلفه نفسه، وقد بدأ الشرح بمقدمة في تراجم رجال إسناده، وضم إليهم ن وقع له ذكر في أثناء الكتاب لعموم الفائدة، حتى ترجم لولده أبي زرعة الذي ألف الكتاب من أجله. قال: "تقدم في خطبة هذا الشرح أني أترجم كل من ذكر فيه، فلم أر أن أخل ذكر من ألف له الكتاب، ولم أرى إدخاله في رجال الكتاب لصغر سنه عن الشيوخ، فرأيت أن أذكره هنا، وأبين وقوع أحاديث الكتاب له عالية لاحتمال أن يطول عمره فيحدث به"، ثم أخذ في ذكر ترجمته، ولكنه لم يكمل هذا الشرح، بل شرح منه عدة مواضع وقد أكمله ابنه أبو زرعة المذكور، المتوفى سنة "826هـ" واسم هذا الشرح: "طرح التثريب في شرح التقريب"، وقد طبع بمصر سنة "1353هـ"، ووضع المتن في أعلى الصفحة مفصولا من الشرح في ثمانية أجزاء لطيفة، وهو كتاب حافل بالفوائد والأبحاث جرى فيه مؤلفه على البحث العلمي الحر دون تعصب لمذهب من المذاهب وإن كان مذهبه، مما رفع من شأن هذا الكتاب أضف إلى ذلك ما شحنه به من النكت الفقهية، والفوائد الحديثية.
3- كتاب بلوغ المرام من أحاديث الأحكام لخاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة "852هـ" اشتمل على ألف وأربعمائة حديث في الأحكام، وهو مطبوع بمصر في مجلد لطيف، وقد شرحه خلق كثير منهم القاضي شرف الدين الحسين بن محمد المغربي، ومنهم محمد بن
(1/447)

إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة "1182" في كتاب سماه سبل السلام، وقد طبع بمصر في أربعة أجزاء، ومنهم الفاضل صديق خان سنة "1307" في كتاب سماه فتح العلام، وطبع بمصر ونفدت نسخه.
تخريجهم لأحاديث جاءت في بعض الكتب العلمية: يقع في كلام بعض المصنفين في العلوم المختلفة كالعقائد، والفقه، وأصوله والتفسير وشروح الحديث والتصوف، واللغة كثير من الأحاديث على وجه الاستدلال، أو الاستشهاد، ولما كان كثير من هؤلاء المصنفين لا يعنون بتخريج تلك الأحاديث بعزوها إلى الكتب، التي نقلوها منها ولا يبينون صحتها من ضعفها تجرد بعض حفاظ الحديث، فخرج تلك الأحاديث، وكشف عن أماكنها من كتب الحديث، وجمع ذلك في كتاب على حدة ومن هذه الكتب:
1- تخريج أحاديث تفسير الكشاف للحافظ، جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي نسبة إلى زيلع، ميناء على ساحل البحر الأحمر الحنفي المتوفى بالقاهرة سنة "762هـ" استوعب ما في الكشاف من الأحاديث المرفوعة، وأكثر من تبيين طرقها وتسمية مخارجها، لكن فاته كثير من الأحاديث المرفوعة، التي يذكرها الزمخشري على سبيل الإشارة، ولم يتعرض غالبا للآثار الموقوفة، وهو غير الزيلعي عثمان بن علي بن محمد شارح الكنز في فقه الحنفية، المتوفى سنة "743". كان جمال الدين الزيلعي هذا مرافقا لزين الدين العراقي في مطالعة الكتب الحديثية، لتخريج الكتب التي كانا قد اعتنينا بتخريج أحاديثها، فالعراقي خرج أحاديث الإحياء للغزالي، والأحاديث التي يشير إليها الترمذي في كل باب، والزيلعي خرج أحاديث الكشاف، وأحاديث الهداية في فقه الحنفية.
(1/448)

2- الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، للحافظ ابن حجر العسقلاني لخصه من تخريج الزيلعي، وزاد عليه ما أغفله من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، وهذا الكتاب مطبوع مع آخر جزء من الكشاف بمصر الآن.
3- تخريج أحاديث البيضاوي للشيخ عبد الرءوف المناوي.
وللشيخ محمد همات زاده بن حسن همات زاده المحدث، المتوفى سنة "1175" كتاب سماه "تحفة الراوي في تخريج أحاديث البيضاوي".
4- تخريج أحاديث شرح معاني الآثار للطحاوي، لبعض العلماء سماه الحاوي في بيان آثار الطحاوي عزا فيه كل حديث إلى الكتب المشهورة، وبين الصحيح من الضعيف.
5- تخريج أحاديث الأذكار للنووي، والأربعين له، وأحاديث المصابيح، والمشكاة، للحافظ ابن حجر، ولم يكمل تخريج الأذكار، وسمى تخريج المصابيح والمشكاة "هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة".
6- تخريج أحاديث "الشفاء للقاضي عياض". للحافظ السيوطي سماه "مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا".
7- تخريج أحاديث "منهاج الأصول للبيضاوي"، للتاج السبكي.
كذلك خرج أحاديث المنهاج ابن الملقن، والحافظ زين الدين العراقي.
8- تخريج أحاديث المختصر لابن الحاجب في الأصول لابن حجر، وابن الملقن ومحمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي، المتوفى سنة "724هـ".
9- تخريج أحاديث الهداية في فقه الحنفية، لجمال الدين الزيلعي المتقدم سماه "نصب الراية لأحاديث الهداية"، وهو مطبوع بمصر الآن.
(1/449)

ومنه استمد كثير ممن جاء بعده من شراح الهداية، كما استمد منه الحافظ ابن حجر في تخاريجه كثيرا، وهو شاهد على تبحر جمال الدين الزيلعى في الحديث وأسماء الرجال، وسعة نظره في فروع الحديث، وللحافظ ابن حجر "الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية"، مطبوع بدهلي سنة "1350".
10- تخريج أحاديث الإحياء للغزالي لزين الدين العراقي، وله عليها تخريجان كبير وصغير، والأخير هو المتداول المطبوع مع كتاب الأحياء بمصر الآن.
هذا وكتب التخاريج كثيرة جدا، وهي رمز صادق لأعمال المحدثين، وجهودهم في الكشف عن قيمة الأحاديث المتناثرة في كتب العلوم المختلفة، حتى لا يغتر الناس بما يجدونه منها، بل ينبغي لهم الرجوع إلى تلك التخاريج، ليعلموا الصحيح منها من العليل1.
تخريجهم لأحاديث اشتهرت على الألسن: يدور على ألسنة الناس في كل زمان أحاديث يذكرونها على سبيل الأمثال، والحكم بعضها صحيح وبعضها ضعيف، وبعضها موضوع مكذوب، وأكثر ما يروج هذا على ألسنة العامة ومن لا علم عندهم من الخاصة، ولم يهمل هذا النوع من الأحاديث أهل الحديث، وحفاظ الأمة بل ألقوا فيه كتبا كثيرة أظهرت الناس على حقيقة الحال، وبينت لهم الحق من الضلال، وإليك بعض هذه الكتب:
1- "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة". للحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، وقد
__________
1 الرسالة المستطرفة ص139، وما بعدها.
(1/450)

اختصر المقاصد تلميذ السخاوي عبد الرحمن بن الديبع الشيباني، وسمى مختصره "تمييز الطيب من الخبيث، فيما يدور على الألسنة من الحديث".
2- الدرة اللامعة في بيان كثير من الأحاديث الشائعة لبعض العلماء، اختصرها من المقاصد الحسنة.
3- "تسهيل السبل إلى كشف الالتباس، عما دار من الأحاديث بين الناس"، للشيخ عز الدين محمد بن أحمد الخليلي، المتوفى سنة "1057"1.
4- "كشف الخفاء ومزيل الألباس، عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس"، للحافظ إسماعيل بن محمد العجلوني، المتوفى سنة "1162"، وهو كتاب كثير الفوائد لخص فيه المقاصد الحسنة للسخاوي، وضم إليه كثيرا مما في الكتب الأخرى، والكتاب مطبوع بمصر الآن في جزأين لطيفين.
كتب الأطراف: تقدم الكلام في الدور السادس على طريقة العلماء في تأليف كتب الأطراف، كما ذكرنا طائفة من كتب الأطراف لذلك العهد، وإليك جملة من كتب الأطراف في هذا الدور:
1- كتاب اتحاف المهرة بأطراف العشرة، للحافظ ابن حجر العسقلاني في ثمان مجلدات، والمراد من العشرة هي: الموطأ. مسند الشافعي. مسند أحمد. مسند الدارمي. صحيح ابن خزيمة: منتقى ابن الجارود: صحيح ابن حبان. مستدرك الحاكم. مستخرج أبي عوانة: شرح معاني الآثار. سنن الدارقطنى. وإنما زاد العدد واحد؛ لأن صحيح ابن خزيمة لم يوجد منه سوى قدر ربعه.
__________
1 الرسالة المستطرفة ص143، وما بعدها.
(1/451)

2- أطراف مسند الإمام أحمد لابن حجر أيضا أفرده من "كتاب إتحاف المهرة". ويسمى "أطراف المسند المعتلى بأطراف المسند الحنبلي"، وهو في مجلدين.
3- أطراف الأحاديث المختارة للضياء المقدسي، لابن حجر العسقلاني في مجلد ضخم.
4- أطراف مسند الفردوس لابن حجر أيضًا.
5- أطراف صحيح ابن حبان لأبي الفضل العراقي.
6- أطراف المسانيد العشرة لشهاب الدين أبي العباس، أحمد بن أبي بكر الكناني، البوصيري الشافعي نزيل القاهرة، المتوفى سنة "840هـ"، ويريد بالمسانيد العشرة: مسند أبي داود الطيالسي، ومسند أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، ومسند مسدد بن مسرهد، ومسند محمد بن يحيى بن عمر العدني، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند أحمد بن منيع، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة، ومسند أبي يعلى الموصلي1.
هذه هي أهم أعمال العلماء فيما يتعلق بجمع الحديث، وترتيبه في هذا الدور وما وراء ذلك، فشروح ومختصرات لبعض كتب الحديث، ومع ذلك فهي لا تتجاوز في الغالب أهل القرن الحادي عشر الهجري، وبعض الثاني عشر، أما فيما بعد ذلك إلى عصرنا الحاضر، فقد فترت الهمم حتى عن قراءة كتب الحديث، فضلا عن القيام بأعمال التدوين، وأصبح الناس يقرءون صحيح البخاري لمجرد التبرك بما نقول أكثر من ذلك: أنه قد انقطعت الصلة بين علمائنا اليوم، وبين هذه الثروة الطائلة
__________
1 الرسالة المستطرفة ص126، وما بعدها.
(1/452)

من كتب الحديث قديمها، وحديثها حتى إن كثيرا منهم لا يدري إذا ذكر عنده اسم كتاب منها ما موضوعه. أفي الحديث هو أم في الفقه أم في التاريخ، أم في السيرة اللهم إلا بعض أفراد، قصروا حياتهم على حفظ السنة ومطالعة الكتب، والقيام بما وفقهم الله إليه من انتقاء بعض المتون الحديثية، أمثال المرحوم شيخنا العلامة المحدث، حبيب الله الشنقيطي. قام رحمه الله في أخريات أيامه بجمع كتاب جليل في الأحاديث، التي اتفق عليها البخاري، ومسلم في صحيحيهما وسماه: "زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم"، رتبه على حروف المعجم فبلغت أحاديثه ألفا ومائتين كلها متصلة الأسناد، وقد شرحه شرحا وسطا جمع فيه كثيرا من الفوائد الفقية، والحديثية وسماه "فتح المنعم ببيان ما احتيج لبيانه من زاد المسلم"، كما تصدى رحمه الله في هامش هذا الكتاب، الجليل لبيان مواضع كل حديث من زاد المسلم في الصحيحين من الكتب والأبواب، مما يدل دلالة واضحة على اتساع حفظه، ونباهة شأنه ورسوخ قدمه في علوم السنة1، فتغمده الله برحمته ونفعنا بعلمه.
__________
1 وقد قام تلميذه الأستاذ، محمد بن محمد الشرنوبي بطبع زاد المسلم، وشرحه في خمسة أجزاء على ورق جيد بمطبعة مصر، فجزاه الله خيراس.
(1/453)

الخاتمة:
أطلعناك أيها القارئ على ألوان من جهود علماء الإسلام، في خدمة الحديث النبوي من حفظ في الصدور إلى تدوين في الكتب، إلى بيان حال المتون من صحة، وضعف إلى محاربة للكذابين في كل عصر، حتى وصلتنا الأحاديث مشفوعة ببيان حالها، فحفظوا بذلك على الأمة دينها، واستحقوا من الله أفضل الجزاء، ومن المسلمين أعظم ثناء وتقدير.
والآن نتحدث إليك عن لون آخر من جهودهم، في خدمة السنة عن طريق علومها المختلفة الأنواع، وما قاموا به من جلائل الأعمال، كوضع قوانين الرواية، وتأسيس قواعد الجرح والتعديل، ورفع التناقض الظاهري عن أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك مما ستقف على فوائده، فتؤمن ايمانا صادقا بما لأسلافنا من نفاذ في البصيرة، وبعد نظر في عواقب الأمور، وعلو كعب في هذه الفنون الحديثية القيمة، لا سيما إذا علمت أن هذه الفنون لم تأت عفو الخاطر، بل كان بعضها وليد عصور متقادمة، وجهود أمة بأسرها عرفت للسنة قدرها، فأتوا بما لم يأت بعشر معشاره، أمة من الأمم من يوم أن بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى خلقه، وإليك طرفا من جهود علماء الحديث في ذلك:
1- علم ميزان الرجال، أو الجرح والتعديل:
هذا الفن هو، عماد علوم السنة، إذ به يتميز الصحيح من السقيم، والمقبول من المردود، وقد أطبق العلماء على وجوب كشف حال الضعفاء، والكذابين من الرواة، وإقامة النكير عليهم صيانة للدين، فالكلام على جرح الرواة، وتعديلهم أمر واجب على المسلمين، وقد دلت قواعد الشريعة الغراء على أن حفظها فرض كفاية، ولا يتأتى حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
لذا تكلم في الجرح والتعديل خلائق، لا يحصون ذكر منهم ابن عدي الجرجاني المتوفى سنة "365" في كتابه الكامل جملة إلى زمنه:
فمن الصحابة ابن عباس سنة "68"، وعبادة بن الصامت سنة "34"، وأنس بن مالك المتوفى سنة "93"، ومن التابعين عامر الشعبي "104"، وابن سيرين "110"هـ، وسعيد بن المسيب سنة "93"، وهم قليل بالنسبة
(1/454)

لمن بعدهم وذلك لقلة الضعف، فيمن يروون عنهم إذ أكثرهم صحابة، وهم عدول وغير الصحابة منهم أكثرهم ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول من الضعفاء إلا القليل.
وأما القرن الثاني فقد كان في أوائله من أوساط التابعين، جماعة من الضعفاء وضعف أكثرهم نشأ غالبا من قبل تحملهم، وضبطهم للحديث، فكانوا يرسلون كثيرا، ويرفعون الموقوف، وكانت لهم أغلاط وذلك مثل أبي هارون العبدري سنة"143"، ولما كان آخر عصر التابعين، وهو حدود الخمسين ومائة تكلم في التعديل والتجريح طائفة من الأئمة، فضعف الأعمش المتوفى سنة"148" جماعة ووثق آخرين. ونظر في الرجال شعبة "سنة160"، وكان متثبتا لا يروى إلا عن ثقة، ومثله مالك بن أنس "سنة179"، وممن كان في هذا العصر إذا قال قبل قوله معمر "سنة153"، وهشام الدستوائي "سنة154" والأوزاعي "سنة156"، وسفيان الثوري "سنة161"، وابن الماجشون "سنة213"، وحماد بن سلمة "سنة167"، والليث بن سعد "سنة175".
وبعد هؤلاء طبقة منهم ابن المبارك "سنة181"، وهشيم بن بشير "سنة188"، وأبو إسحاق الفزاري "سنة185"، والمعافى بن عمران الموصلي "سنة185" وبشر بن المفضل "سنة816"، وابن عيينة "سنة197"، وقد كان منهم طبقة أخرى منهم ابن علية "193"، وابن وهب "197" ووكيع بن الجراح "سنة197".
وقد انتدب في ذلك الزمان لنقد الرجال، الحافظان الحجتان يحيى بن سعيد القطان "سنة189"، وعبد الرحمن بن مهدي "سنة198"، وكان للناس وثوق بهما، فصار من وثقاه مقبولا، ومن جرحاه مجروحا
(1/455)

ومن اختلفا فيه -وذلك قليل- رجع الناس فيه إلى ما ترجح عندهم.
ثم ظهرت بعدهم طبقة أخرى يرجع إليهم في ذلك منهم يزيد بن هارون "سنة206"، وأبو داود الطيالسي "سنة204"، وعبد الرزاق بن همام "211"، وأبو عاصم النبيل بن مخلد "سنة212".
ثم صنفت الكتب في الجرح والتعديل، والعلل وبينت فيها أحوال الرواة، وكان رؤساء الجرح والتعديل في ذلك الوقت جماعة، منهم يحيى بن معين "سنة 233"، وقد اختلف آراؤه وعباراته في بعض الرجال، كما تختلف آراء الفقيه النحرير وعبارته في بعض المسائل، التي لا تكاد تخلص من أشكال، ومن طبقته أحمد بن حنبل "سنة241"، وقد سأله جماعة من تلامذته عن كثير من الرجال، فتكلم فيهم بما بدا له، ولم يخرج بهم عن دائرة الاعتدال، وقد تكلم في هذا الأمر محمد بن سعد "سنة230"، كاتب الواقدي في طبقاته، وكلامه جيد معقول، وأبو خيثمة زهير بن حرب "سنة234"، وله في ذلك كلام كثير، وأبو جعفر عبد الله بن محمد النبيل، حافظ الجزيرة الذي قال فيه أبو داود: لم أر أحفظ منه، وعلي بن المديني "سنة234"، وله التصانيف الكثيرة في العلل والرجال، ومحمد بن عبد الله بن نمير "سنة234" الذي قال فيه أحمد: "هو درة العراق"، وأبو بكر بن أبي شيبة "سنة235"، صاحب السند وكان آية في الحفظ، وعبد الله بن عمرو القواريري "سنة235"، الذي قال فيه صالح جزرة: "هو أعلم من رأيت بحديث أهل البصرة"، وإسحاق بن راهويه إمام خراسان "سنة237"، وأبو جعفر محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي "سنة242"، الحافظ وله كلام جيد في الجرح والتعديل، وأحمد بن صالح حافظ مصر "سنة248"، وكان قليل المثل، وهارون بن عبد الله الحمال "سنة243"، وكل هؤلاء من أئمة الجرح والتعديل.
(1/456)

ثم خلفهم طبقة أخرى متصلة بهم منهم إسحاق الكوسج "سنة251"، والدارمي "سنة255"، والبخاري "سنة256"، والحافظ العجلي نزيل المغرب، ويتلوهم أبو زرعة "سنة264". وأبو حاتم "سنة277" الرازيان، ومسلم "سنة261"، وأبو داود السجستاني "سنة275"، وبقي بن مخلد "سنة276"، وأبو زرعة الدمشقي "سنة281".
ثم من بعدهم جماعة منهم عبد الرحمن بن يوسف البغدادي، وله مصنف في الجرح والتعديل، وكان كأبي حاتم في قوة النفس، وإبراهيم بن إسحاق الحربي "سنة285"، ومحمد بن وضاح "سنة289" حافظ قرطبة، وأبو بكر بن أبي عاصم "سنة287"، وعبد الله بن أحمد "سنة290"، وصالح جزرة "سنة293"، وأبو بكر البزار "سنة292"، ومحمد بن نصر المروزي "سنة294"، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة "سنة297"، وهو ضعيف لكنه من الأئمة في هذا الأمر.
ثم من بعدهم جماعة، منهم أبو بكر الفريابي والبرديجي، والنسائي "سنة303"، وأبو يعلى "سنة307"، وابن خزيمة "سنة311"، وابن جرير الطبري "سنة310"، والدولابي "سنة311"، وأبو عروبة الحراني "سنة318"، وأبو الحسن أحمد بن عمير، وأبو جعفر العقيلي "سنة322".
ويتلوهم جماعة منهم ابن أبي حاتم "سنة327"، وأحمد بن نصر البغدادي، شيخ الدارقطنى "سنة323"، وآخرون.
ثم من بعدهم جماعة منهم أبو حاتم بن حبان البستى "سنة354"، والطبراني "سنة360"، وابن عدي الجرجاني "سنة365"، وكتابه في الرجال إليه المنتهى في الجرح والتعديل.
(1/457)

وقد جاء من بعد ابن عدي وطبقته جماعة، منهم أبو علي الحسين بن محمد النيسابوري "سنة365"، وله مسند معلل في ألف جزء وثلثمائة جزء، وأبو الشيخ بن حيان "سنة369"، وأبو بكر الإسماعيلي "سنة371"، وأبو أحمد الحاكم "سنة378"، والدارقطنى "سنة385"، وبه ختمت معرفة العلل.
ثم من بعدهم جماعة منهم أبو عبد الله بن منده "سنة395"، وأبو عبد الله الحاكم "سنة405"، وأبو نصر الكلاباذى "سنة398"، وعبد الرحمن بن فطيس قاضي قرطبة "سنة402" وله دلائل السنة، وعبد الغني بن سعيد "سنة409"، وأبو بكر بن مردويه الأصفهاني "سنة416".
ثم من بعدهم جماعة منهم: محمد بن أبي الفوارس البغدادي "سنة412"، وأبو بكر البرقاني "سنة425"، وأبو حاتم العبدري، وخلف بن محمد الواسطي، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو الفضل الفلكي "سنة438"، وله كتاب الطبقات في ألف جزء، وأبو القاسم محمود السهمي، وأبو يعقوب وأبو ذر الهرويان. ثم من بعدهم جماعة منهم أبو الحسن الخلال "سنة439"، وأبو يعلى الخليلي "سنة446"، وأبو عبد الله الصوري وأبو سعد السمان، ثم من بعدهم جماعة منهم ابن عبد البر "سنة463"، وابن حزم "سنة456"، والأندلسيان والبيهقي "سنة458"، والخطيب "سنة 463".
ثم من بعدهم جماعة منهم ابن ماكولا "سنة475"، وأبو الوليد الباجي "سنة474"، وقد صنف في الجرح والتعديل، وأبو عبد الله الحميدي "سنة488" وغيرهم.
(1/458)

ثم من بعدهم جماعة منهم أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي "سنة507"، والمؤتمن بن أحمد بن علي الساجي "سنة507".
ثم من بعدهم جماعة منهم أبو موسى المديني "سنة581"، وأبو القاسم بن عساكر "سنة523"، وابن بشكوال "سنة578"، وبعدهم جماعة منهم عبد الحق الأشبيلي، وابن الجوزي "سنة597"، وأبو عبد الله بن الفخار المالقي، وأبو القاسم السهيلي "سنة581"، وبعدهم جماعة منهم أبو بكر الحازمي "سنة584"، وعبد الغني المقدسي "سنة600" والرهاوي، وابن المفضل "سنة616".
ثم من بعدهم جماعة منهم أبو الحسن القطان "سنة638"، وابن الأنماط "سنة619"، ابن نقطة "سنة629"، وغيرهم.
ثم من بعدهم جماعة منهم ابن الصلاح "سنة642"، والحافظ المنذري "سنة656"، وأبو عبد الله البراذلي "سنة636"، وابن الأبار، وأبو شامة "سنة625"، وأبو البقاء النابلسي وبعدهم جماعة منهم ابن دقيق العيد "سنة702".
ثم من بعدهم جماعة منهم ابن تيمية "سنة728"، والحافظ المزي "سنة742"، وابن سيد الناس "سنة734"، وأبو عبد الله بن أيبك الذهبي "سنة748"، والشهاب بن فضل الله "سنة749"، والحافظ مغلطاي "سنة763"، والشريف الحسيني الدمشقي، والزين العراقي "سنة806".
ثم من بعدهم جماعة منهم الولي العراقي، والبرهان الحلبي.
وابن حجر العسقلاني "سنة852"، وغير هؤلاء كثير في كل عصر، إلا أن المتقدمين كانوا أرسخ قدما في هذا الفن من المتأخرين1. فأنت ترى أن
__________
1 توجيه النظر ص114-116.
(1/459)

هذه ثمانية قرون كاملة تبدأ بعصر الصحابة، وكلها مشحونة بالأئمة الأعلام من علماء الجرح والتعديل، الذين وزنوا الرواة بميزان العدل، وأنزلوهم منازلهم فجزاهم الله عن الدين خير الجزاء.
كتب الجرح والتعديل:
من العلماء من تكلم في كتابه على الضعفاء من الرواة فقط، ومنهم من قصر مؤلفاته على الثقات لا غير، ومنهم من جمع النوعين، وكل قصد الخير وإليك طائفة من أشهر الكتب في ذلك.
كتب الثقات: أفرد الثقات بالتأليف، كثير من العلماء ومن هذه الكتب:
1- كتاب الثقات لأبي حاتم بن حبان البستي. إلا أنه ذكر فيه عددا كثيرا من المجهولين، الذين لا تعرف أحوالهم، وطريقته فيه أنه يذكر من لم يعرفه بجرح وإن كان مجهولا لم يعرف حاله، وقد قال هو في صفة العدل: "العدل من لم يعرف من الجرح، إذ الجرح ضد العدالة فمن لم يعرف بجرح فهو عدل". ا. هـ.
وقد سبق لك أن جمهور المحدثين يخالفونه في ذلك على أنه قد ذكر في الثقات قوما، أعاد ذكرهم في كتاب الضعفاء والمجروحين له، وبين ضعفهم فهذا الصنيع إن لم يعد من باب تغير الاجتهاد، فهو منه غفلة وسهو وقد رتب الثقات لابن حبان الحافظ، نور الدين الهيثمي.
2- كتاب الثقات لزين الدين، قاسم بن قطلوبغا الحنفي المتوفى "سنة879" جميع فيه الثقات، ممن ليس في الكتب الستة في أربع مجلدات.
3- وكتاب الثقات لخليل بن شاهين1.
__________
1 كشف الظنون ج1 ص272، والرسالة المستطرفة ص109 و110.
(1/460)

كتب الضعفاء: صنف في هذا النوع كثير من الحفاظ والجهابذة من علماء السنة، ونقدة الرجال فمن ذلك: كتاب الضعفاء لإمام المحدثين أبي عبد الله البخاري "256"، وكتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، وكتاب الضعفاء لأبي حاتم بن حبان البستي، وكتاب الضعفاء للدارقطنى، وكتاب الضعفاء لمحمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، المتوفى "سنة322"، الثقة صاحب التصانيف وكتابه كبير مفيد. وكتاب الضعفاء لأبي نعيم عبد الملك بن محمد، الجرجاني "سنة323"، وكتاب الضعفاء لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي "سنة597"، وكتابه كبير وقد اختصره الذهبي، ثم ذيله كما ذيله علاء الدين مغلطاي "سنة762"، ومن الكتب الهامة في ذلك: كتاب الكامل لأبي أحمد عبد الله بن محمد بن عدي بن عبد الله بن محمد بن المبارك، الجرجاني الحافظ الكبير، أحد الجهابذة المرجوع إليهم في العلل والرجال، ومعرفة الضعفاء المتوفى سنة "365هـ". ذكر فيه كل من تكلم فيه، وأن كل من رجال الصحيحين وذكر في ترجمة كل راو حديثا، أو أكثر من غرائبه ومناكيره، وهو في مقدار ستين جزءا في اثني عشر مجلدا، ويعتبر هذا الكتاب أكمل كتب الجرح، وعليه اعتماد العلماء، ومنها. ميزان الاعتدال في نقد الرجال للحافظ، شمس الدين الذهبي المتوفى "سنة 748"، رتبه على حروف المعجم حتى في الآباء، ورمز على اسم الرجل لمن أخرج له في كتابه من الأئمة الستة، قال في خطبته: "وفيه من تكلم فيه مع ثقته، وجلالته بأدنى لين، وبأقل تجريح فلولا أن ابن عدي، أو غيره من مؤلفي كتب الجرح، ذكروا ذلك الشخص لما ذكرته لثقته، ولم أر من الرأي أن أحذف اسم أحد ممن ذكر بتليين خوفا من أن يتعقب علي، لا أني ذكرته لضعف فيه عندي، إلا ما كان في كتاب البخاري وابن عدي، وغيرهما من الصحابة
(1/461)

فإني أسقطهم لجلالة الصحابة، ولا أذكرهم في هذا المصنف فإن الضعف، إنما جاء من جهة الرواة إليهم، وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحدا لجلالتهم في الإسلام، وعظمتهم في النفوس". ا. هـ.
وكتابه مطبوع في مجلدين أو ثلاثة، وقد ذيل عليه الحافظ زين الدين العراقي في مجلد، وعمل ابن حجر العسقلاني "لسان الميزان"، ضمنه ما في الميزان، مما ليس في تهذيب الكمال، وزاد في الكتاب جملة كثيرة كما زاد فيه تذييل شيخه العراقي على الميزان، ورمز لزيادته هو بحرف زاي، ولتذليل شيخه بحرف ذال، وهو مطبوع في ثلاثة مجلدات1.
كتب جامعة بين الثقات، والضعفاء:
الكتب في هذا النوع كثيرة جدا منها تواريخ البخاري الثلاثة الكبير، وهو على حروف المعجم ابتدأ بمن اسمه محمد والأوسط، وهو على السنين والصغير، وكتاب الجرح والتعديل لابن حبان، وكتاب الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى "سنة327"، وهو كبير في ستة مجلدات اقتص فيه أثر البخاري وأجاد فيه، وكتاب الجرح والتعديل لأبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الحافظ، وكتاب التكميل في معرفة الثقات والضعفاء، والمجاهيل للعماد ابن كثير جمع فيه بين تهذيب المزي، وميزان الذهبي مع زيادات وتحرير في العبارات، وهو أنفع شيء للمحدث والفقيه، وكتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد المتوفى "سنة235"، وهو من أعظم ما صنف جمع فيه الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى وقته، فأجاد وأحسن إلى غير ذلك2.
__________
1 توجيه النظر ص118، وكشف الظنون ج1 ص272 و515 والرسالة المستطرفة ص108 و109.
2 كشف الظنون ج1 ص272 الرسالة المستطرفة ص110. مفتاح السنة ص151، وما بعدها توجيه النظر ص118.
(1/462)

2- معرفة الصحابة:
معرفة الصحابة بأسمائهم وكناهم فن جليل اعتنى به علماء الحديث، قديما وحديثا إذ به يعرف الحديث أمتصل هو أم مرسل. قال الحاكم1 في كتابه علوم الحديث: "ومن تبحر في معرفة الصحابة، فهو حافظ كامل الحفظ، فقد رأيت جماعة من مشايخنا، يروون الحديث المرسل عن تابعي، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتوهمونه صحابيا، وربما رووا المسند عن صحابي يتوهمونه تابعيا". ا. هـ.
وقد تناول العلماء هذا الفن بالتأليف فمن ذلك: كتاب الصحابة لابن حبان وهو مختصر في مجلد، وكتاب أبي نعيم الأصفهاني، وكتاب معرفة الصحابة لأبي أحمد بن عبد الله العسكري، وهو مرتب على القبائل، وكتاب علي بن المديني شيخ البخاري، ذكر فيه من نزل من الصحابة في سائر البلدان، وهو في خمسة أجزاء لطيفة. وكتاب ابن منده، وذيله لأبي موسى المديني. هذا ومن أحسن الكتب في هذا الفن وأكثرها فوائد: "الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، للحافظ ابن عبد البر لولا ما شأنه بذكر ما شجر بين الصحابة، وحكايته عن الأخباريين والغالب عليهم الإكثار والتخليط في ما يروونه، وهو مطبوع الآن وقد ذيل عليه ابن فتحون ذيلا حافلا، كما ذيل عليه آخرون، وكتاب أسد الغابة لعز الدين بن الأثير، المتوفى سنة "630" جمع فيه كتبا أربعة: هي كتاب ابن منده، وكتاب أبي موسى المديني، وكتاب أبي نعيم، وكتاب ابن عبد البر، وزاد عليها أسماء من غيرها وضبط، وحقق أشياء حسنة. على ما فيه من التكرار حسب الاختلاف في الاسم أو الكنية، وهو مطبوع أيضا وقد اختصره الحافظ الذهبي "748" في كتاب لطيف سماه
__________
1 ص25.
(1/463)

"التجريد"، وبين من ذكر غلطا، ومن لا تصح صحبته، ولم يستوعب ذلك، ثم جاء شيخ الإسلام العسقلاني المتوفى سنة "852" فألف كتابه: "الإصابة في تمييز الصحابة". جمع فيه ما في الاستيعاب وذيله وأسد الغابة وتجريده، واستدرك عليهم كثيرا، فجاء كتابا عظيم النفع كثير الفائدة، وهو مطبوع الآن1.
3- علم تاريخ الرواة:
تكلم الناس على تاريخ الرواة ورحلاتهم، ومواطنهم وأبانوا عن مواليدهم ووفياتهم، وكثير من أحوالهم مما له أثر في توهينهم، أو تقويتهم فميزوا أوقات ضبطهم، وانتباههم من أوقات غفلتهم واختلاطهم، وكشفوا عن كل ذلك بما لا يدع مجالا للريب فتراهم يقولون مثلا: فلان ولد عام كذا، وسمع عمره كذا وارتحل إلى البلد الفلاني في وقت كذا، وسمع من الشيخ الفلاني والتقى بفلان ولم يلتق بفلان، وفلان اختلط قبل موته بكذا شهر أو سنة، وفلان سمع من فلان قبل الاختلاط، فيقبل وفلان سمع منه بعد الاختلاف، فلا يقبل وهلم جرا. وإنك لتلمح من أقوالهم هذه الفائدة الكبرى، التي يفيدها هذا الفن من فنون الحديث، ولقد وفاه علماء الحديث حقه لما يترتب عليه من اتصال الحديث وانقطاعه، وقوته وضعفه إلى غير ذلك، ونحن نذكر لك شيئا من هذه الفوائد ليعظم في نظرك هذا الفن فمن ذلك:
1- أن العلم بتاريخ الرواة طريق لمعرفة ما يقبل من أحاديث الثقات، الذين أدركهم الاختلاط، وما لا يقبل منها.
__________
1 كشف الظنون ج1 ص74، والتدريب ص201، وما بعدها والرسالة المستطرفة ص94، 151.
(1/464)

2- أن العلم بتاريخ الرواة يعرف به المتقدم، والمتأخر من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيعلم أن أحد الخبرين ناسخ، والآخر منسوخ عند تعارضهما مع تعذر الجمع بينهما، وبذلك يذهب التعارض، ويندفع التناقض عن حديثه -صلى الله عليه وسلم.
3- الوقوف على اتصال السند، وانقطاعه فقد يقع من بعض الرواة الكذب أو التدليس، أو الارسال ولا يظهر ذلك إلا للعالم بالتاريخ الواقف على حقيقة الحال، وكثيرا ما حكم العلماء على رواة بالكذب، وعلى أحاديث بالوضع بسبب اطلاعهم على تواريخهم، وأنهم لم يلتقوا بمن حدثوا عنه، بل ولدوا بعد موتهم بسنين طوال، وإليك بعض الأمثلة: سأل إسماعيل بن عياش رجلا أي سنة كتبت، عن خالد بن معدان؟ فقال: سنة 113هـ، فقال: أنت تزعم أنك سمعت خالد بن معدان بعد موته بسبع سنين، فإنه مات سنة 106هـ، وسأل الحاكم محمد بن حاتم الكشي، عن مولده لما حدث عن عبد عن حميد، فقال سنة "260"، فقال: هذا سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة، وروى مسلم في مقدمة صحيحه، أن المعلى بن عرفان قال: حدثنا أبو وائل قال: خرج علينا ابن مسعود بصفين. قال أبو نعيم: يعني الفضل بن دكين حاكيه، عن المعلى- أتراه بعث بعد الموت وذلك؛ لأن ابن مسعود توفي سنة 32هـ قبل انقضاء خلافة عثمان بثلاث سنين، وصفين كانت في خلافة علي بعد ذلك.
هذه أمثلة ناصعة تصور لنا مبلغ حرص هؤلاء الأعلاء، وعنايتهم بالوقوف على أحوال الرواة، واهتمامهم البالغ بالرواية والإسناد لذلك قال سفيان الثوري: "لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ"، وقال حفص بن غياث القاضي: "إذا اتهمتم الشيخ، فحاسبوه بالسنين"،
(1/465)

يعني سنة وسن من كتب عنه، وقال حسان بن يزيد: "لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ نقول للشيخ: سنة كم ولدت؟. فإذا أقر بمولده عرفنا صدقه من كذبه"، وكتب تاريخ الرواة كثير جدا، وقد تقدم لك بعضها وإليك جملة من كتب وفيات الرواة فمن ذلك:
الوفيات لعبد الله بن أحمد بن ربيعة الربعي، الدمشقي سنة "373" جمعه من الهجرة إلى سنة "338". وذيله لعبد العزيز بن أحمد بن محمد الكتاني، الدمشقي الحافظ سنة 466، وذيل على كتاب الكتاني، تلميذه هبة الله بن أحمد الأنصاري الأكفاني، المتوفى سنة524 نحو عشرين سنة إلى سنة485، وسماه جامع الوفيات، ثم ذيل على الأكفاني شرف الدين علي بن المفضل المقدسي، ثم الإسكندري الحافظ، المتوفى سنة611، وصل فيه إلى سنة581، ثم ذيل على ابن المفضل زكي الدين، أبو محمد عبد العظيم المنذري، المتوفى سنة "656" وهو ذيل كبير كثير الإتقان والفائدة في ثلاثة مجلدات سماه "التكملة لوفيات النقلة"، ثم ذيل على المنذري تلميذه الحافظ، عز الدين أحمد بن محمد الشريف الحسيني الحلبي المصري، المتوفى سنة 695 في مجلد. ثم ذيل على الشريف أحمد بن أيبك الدمياطي، المحدث وصل فيه إلى سنة 749، ثم ذيل على ابن أيبك الحافظ زين الدين العراقي إلى سنة "762"، ثم ذيل عليه ابنه ولي الدين العراقي المتوفى سنة "826".
ومن كتب الوفيات "كتاب در السحابة في وفيات الصحابة للصاغاني" والأعلام بوفيات الأعلام للذهبي، وتاريخ الوفاة للمتأخرين من الرواة لأبي سعد السمعاني، إلى غير ذلك1.
__________
1 التدريب ص254، توجيه النظر ص118 و119، مقدمة ابن حجر ج2 ص143، الباعث الحثيث 293 مقدمة ابن الصلاح ص189 و190 ومفتاح السنة ص155.
(1/466)

هذا ولم يقتصر الأئمة على التأليف في رجال الحديث عامة، بل أفردوا بالتصنيف رجال بعض كتب الحديث فمن ذلك: رجال صحيح البخاري لأحمد بن محمد الكلاباذي، المتوفى سنة 398هـ، ورجاله كذلك لمحمد بن داود الكردي، المتوفى سنة 925هـ، ورجال صحيح مسلم لأحمد بن علي المعروف بابن منجويه، المتوفى سنة 428هـ، ورجاله أيضا لأحمد بن علي الأصفهاني، وجمع محمد بن طاهر المقدسي، المتوفى سنة "507" بين رجال الصحيحين في كتاب جمع فيه بين كتابي الكلاباذي، وابن منجويه ورتبه على الحروف، وأحسن كما استدرك عليهما، وكذلك جمع بينهما اللالكائي، المتوفى سنة "498"، وأفرد رجال السنن لأبي داود أبو علي الغساني، المعروف بالجياني، المتوفى سنة "498"، وجمع السيوطي رجال الموطأ، وتعجيل المنفعة في رجال الأربعة: موطأ مالك ومسند الشافعي، ومسند أحمد، ومسند أبي حنيفة، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ورجال السنن الأربع، سنن النسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه، لأحمد بن أحمد الكردي، المتوفى سنة 763، والكمال في معرفة الرجال لعبد الغني المقدسي، المتوفى سنة 600 جمع فيه رجال الكتب الستة، وتهذيب الكمال لجمال الدين يوسف المزي، المتوفى سنة 742هـ، وهو كتاب كبير لم يؤلف مثله، وزوائد الرجال على تهذيب الكمال للسيوطي، وقد اختصر التهذيب الحافظ للذهبي في كتابه الكاشف، اقتصر فيه على من ذكر له رواية في الكتب الستة، دون من عداهم مما في كتاب المزي، واختصره أيضا الحافظ ابن حجر في كتابه، تهذيب التهذيب، وهو أكمل من كاشف الذهبي، ولابن حجر أيضا تقريب التهذيب، وهو مختصر جدا وتهذيب التهذيب وتقريب التهذيب مطبوعان الآن، إلى غير ذلك من كتب الرجال، وهي كثيرة1.
__________
1 الرسالة المستطرفة ص153، وما بعدها.
(1/467)

4- معرفة الأسماء، والكنى، والألقاب:
قد يكون للراوي اسم وكنية أو اسم ولقب، وربما اشتهر باسمه دون كنيته أو العكس، أو اشتهر بلقبه دون اسمه أو العكس، وقد عني الحفاظ ببيان هذا النوع عناية تامة، فتكلموا على كل صنف، ودونوا ذلك في مؤلفات خاصة، وفائدة التنبيه على أن الراوي، اشتهر باسم كذا وكنيته كذا، أو العكس أو اشتهر بلقب كذا، واسمه كذا أو العكس، ألا يظن من لا معرفة له بذلك، أنهما شخصان وربما ذكر الراوي بهما معا في الإسناد، فيظن من لا يقف على حقيقة الأمر، أنهما رجلان، وقد يجره ذلك إلى تضعيف الثقة، وتوثيق الضعيف وفي هذا من الخطر ما فيه، وإليك جملة من الكتب في هذا النوع:
كتب في أسامي من يعرف بكنيته:
1- كتاب علي بن المديني.
2- كتاب مسلم.
3- كتاب النسائي.
4- كتاب ابن أبي حاتم.
5- كتاب ابن حبان.
6- كتاب الحاكم أبي أحمد النيسابوري -شيخ أبي عبد الله الحاكم- المتوفى سنة378، في أربعة عشر سفرا حرر فيه، وأجاد وزاد على غيره، ورتبه الذهبي على المعجم، واختصره وزاد عليه وسماه "المقتنى في سرد الكنى".
7- كتاب ابن عبد البر، وهو المسمى بالاستغنا في معرفة الكنى.
8- كتاب "المنى في الكنى" للحافظ السيوطي، هذا ولأبي بشر محمد بن أحمد الدولابي، المتوفى سنة 310 كتاب الكنى والأسماء، وهو مطبوع بحيدر أباد بالهند سنة "1322" في مجلدين.
وفي بيان كنى المعروفين بالأسماء، الذي هو عكس هذا النوع كتاب لابن حبان يقع في ثلاث مجلدات.
(1/468)

كتب في الألقاب:
1- كتاب الأسماء والألقاب لأبي الفرج بن الجوزي، واسمه كشف النقاب عن الأسماء والألقاب.
2- وكتاب مجمع الآداب في معجم الأسماء، والألقاب لأبي الوليد الفرضي، محدث الأندلس.
3- وكتاب الكنى، والألقاب لأبي عبد الله الحاكم.
4- وكتاب نزهة الألباب للحافظ العسقلاني، جمع فيه مع التلخيص ما لغيره وزيادة وزاد عليه تلميذه السخاوي زوائد كثيرة، وضمها إليه في تصنيف مستقل، وللسيوطي كتاب "كشف النقاب على الألقاب"1.
المتفق والمفترق، والمؤتلف، والمختلف، والمتشابه:
هذه أنواع ثلاثة تقع في أسماء الرواة، ولا يحصل العلم بها إلا للحفاظ المتقن الذي سبر هذا الفن، ومارس تلك الصناعة وقد كان للمحدثين عناية فائقة ببيان هذه الأنواع، ولنتكلم على كل منها فنقول:
1- المتفق والمفترق: وهو أن يتفق اثنان فأكثر من الرواة في الاسم لفظا، وخطا وذلك مثل الخليل بن أحمد مسمى به ستة أشخاص. ومثل أحمد بن جعفر بن حمدان مسمى به أربعة أشخاص إلى غير ذلك، وقد تناول العلماء هذا النوع بالتصنيف فمن ذلك:
كتاب المتفق، والمفترق للخطيب البغدادي، وهو كتاب نفيس في مجلد كبير وكتاب المتفق، والمفترق للحافظ محمد بن النجار البغدادي، وكتاب أبي بكر الجوزقي.
__________
1 مقدمة ابن الصلاح ص164 وما بعدها، الباعث الحثيث ص256، وما بعدها وتدريب الراوي ص221، وما بعدها مفتاح السنة ص155.
(1/469)

2- المؤتلف والمختلف: وهو أن يتفق اسما راويين، فأكثر خطأ فقط ويختلفا بالنطق نحو سلام وسلام، وعماره وعمارة، وقد صنف في بيان هذا النوع كثير من المحدثين فمن هذه المصنفات: كتاب المؤتلف والمختلف للدارقطنى وكتابه حافل، وكتاب عبد الله بن علي الأندلسي، الرشاطي، المتوفى "542"، وكتاب أبي سعيد الماليني، وكتاب عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري، الحافظ المشهور النسابة المتفنن، المتوفى سنة 409، وهو مطبوع في الهند، وكتاب تكملة المختلف للخطيب أحمد بن علي "سنة463"، جمع فيه بين كتابي الدارقطنى، وعبد الغني وزاد عليهما وجعله كتابا مستقلا، ثم جاء هبة الله بن علي بن جعفر، الحافظ، المعروف بابن ماكولا المتوفى سنة475، فزاد على كتاب التكملة المذكور، وضم إليها أسماء وقعت له، وجعله كتابا مستقلا وسماه الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف، والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب، وهو في مجلدين وعليه اعتماد المحدثين، وقد تناوله الناس كل بعد الآخر بالزيادة والتذييل، وكتاب تقييد المهمل، وتمييز المشكل لأبي علي الغساني الجياني، نسبة إلى جيان مدينة كبيرة بالأندلس، المتوفى سنة "498"، وهو خاص بأسماء رجال الصحيحين، وللذهبي كتاب مختصر لخصه من كتب عبد الغني، وابن ماكولا وابن نقطة، وأبي الوليد الفرضي، ولكنه أجحف في الاختصار، واكتفى بضبط القلم فصار مناقضا لموضوعه لعدم الأمن من التصحيف فيه، وفاته من أصوله أشياء واسم كتابه المشتبه في أسماء الرجال طبع في ليدن، وقد اختصر كتاب الذهبي هذا الحافظ ابن حجر العسقلاني، وضبطه بالحروف على الطريقة المرضية، وزاد فيه كثيرا مع شدة تحريه وسماه: "تبصرة المنتبه في تحرير المشتبه"، ويوجد مخطوطا بدار الكتب المصرية.
(1/470)

3- المتشابه: كالوليد بن مسلم ومسلم بن الوليد، ويزيد بن الأسود والأسود بن يزيد. وقد تناوله العلماء أيضا بالبيان، والتصنيف ومن هذه الكتب: كتاب "تلخيص المتشابه في الرسم، وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم" للخطيب البغدادي في مجلد، ثم ذيل عليه هو أيضا، وهو كتاب كثير الفائدة قال ابن الصلاح: أنه من أحسن كتبه، وقد اختصره علاء الدين بن التركماني، المارديني كما اختصره جلال الدين السيوطي، وسمى كتابه "تحفة النابه بتلخيص المتشابه"1.
5- علم تأويل مشكل الحديث:
هذا فن جليل، ويسمى أيضا تأويل مختلف الحديث، وعلم اختلاف الحديث وكل عالم بل كل مسلم يحتاج للوقوف عليه، فإن بمعرفته يندفع التناقض عن كلام النبي -صلى الله عليه وسلم، ويطمئن المكلف إلى أحكام الشرع. ومشكل الحديث هو أن يرد حديثان، يناقض كل منهما الآخر ظاهر. وقد عني علماء الحديث بالكلام على هذا النوع، ووفقوا بين المتون المتعارضة بما يزيل إشكالها. ولا يكمل لذلك الفن، سوى فقهاء المحدثين الغواصين على دقائق المعاني: وأول من تكلم في هذا الفن الإمام، محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى سنة 204، رحمه الله وصنف فيه كتابه المعروف باختلاف الحديث، وإن كان لم يقصد إلى استيفائه، بل ذكر جملة منه يسبه بها على طريقة الجمع بين ما ظاهره التناقض، وهذا الكتاب من رواية الربيع بن سليمان، المرادي عن الشافعي في مجلد واحد، مطبوع على هامش الجزء السابع من كتاب الأم للشافعي أيضا،
__________
1 مقدمة ابن الصلاح ص172-185، والباعث الحثيث 274، وما بعدها وتدريب الراوي ص235، وما بعدها والرسالة المستطرفة ص86، وما بعدها ومفتاح السنة ص156، وما بعدها.
(1/471)

ثم صنف في هذا النوع من العلم، الإمام أبو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة276هـ، وسمى كتابه "تأويل مختلف الحديث"، رد فيه على أعداء أهل الحديث، وجمع بين الأخبار التي ادعوا فيها التناقض، وأجاب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار المتشابهة، وقد أحسن فيه كثيرا وأجاد، وكتابه مطبوع متداول في جزء صغير، ثم صنف أيضا محمد بن جرير الطبري "310"، وأبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي "307"، وأبو جعفر الطحاوي "321"، وسمى كتابه مشكل الآثار، وهو من أجل كتبه ولأبي الفرج بن الجوزي "597" "التحقيق في أحاديث الحلاف"، هذا وقد كان أمام الأئمة ابن خزيمة من أحسن الناس كلاما في هذا النوع من فنون الحديث، حتى روى عنه أنه قال: "لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده، فليأتيني به أؤلف بينهما". ا. هـ1.
6- معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث:
عني السلف الصالح من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم بمعرفة الناسخ والمنسوخ، وهو فن صعب المنال، إلا على جهابذة السنة، وحفاظها الواقفين على تاريخ التشريع الإسلامي. قال الإمام الزهري "124": "أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه"، وقد كان للإمام الشافعي -رضي الله عنه- في هذا النوع من علوم الحديث، اليد الطولى والسابقة الأولى، فالإمام أحمد بن حنبل على جلالته في علم السنة، يقول لابن وارة -وقد قدم من مصر: كتبت كتب الشافعي؟ قال: لا، قال: فرطت، ما علمنا المجمل من المفسر ولا ناسخ الحديث من منسوخه، حتى جالسنا الشافعي.
__________
1 التدريب ص197، وما بعدها. مقدمة ابن الصلاح ص143، كشف الظنون ج1 ص206، مفتاح السنة ص154، الرسالة المستطرفة ص118، وما بعدها.
(1/472)

والنسخ في اصطلاح العلماء، هو رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر. فالمتأخر يسمى الناسخ والمتقدم يسمى المنسوخ. وله شروط تكلفت بذكرها كتب أصول الفقه. وله طرق يعرف بها منها التصريح من النبي -صلى الله عليه وسلم، به كما في حديث: "كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها"، ومنها تصريح الصحابي به كقوله مثلا: "كان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ترك الوضوء مما مست النار"، ومنه ما يعرف بالتاريخ كحديث شداد بن أوس، عند أبي داود والنسائي مرفوعا: "أفطر الحاجم والمحجوم"، ذكر الشافعي رحمه الله أنه منسوخ بحديث ابن عباس -رضي الله عنهما: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم، احتجم وهو محرم صائم"، أخرجه مسلم، فإن في بعض طرق حديث شداد أن ذلك كان زمن الفتح سنة ثمان وابن عباس، إنما صحبه -صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع سنة عشر، ومنه ما عرف بدلالة الإجماع، كحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، ولفظه على ما رواه أبو داود والترمذي من حديث معاوية: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه". قال النووي في شرح مسلم: "دل الإجماع على نسخه، وإن كان ابن حزم خالف في ذلك، فخلاف الظاهر لا يقدح في الإجماع"، والإجماع لا ينسخ ولا ينسخ، ولكن يدل على وجود ناسخ غيره.
هذا وقد صنف في الناسخ والمنسوخ من الحديث خلق كثير، منهم الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أبو داود السجستاني، صاحب السنن، وأحمد بن إسحاق الديناري "318"، ومحمد بن بحر الأصفهاني "323"، وأحمد بن محمد النحاس "338"، وأبو محمد قاسم بن أصبغ "340"، وهبة الله بن سلامة "140"، وأبو حفص عمر بن شاهين "385"، وللإمام
(1/473)

أبي بكر زين الدين محمد بن أبي عثمان الحازمي -نسبة إلى جدة حازم- الهمداني الحافظ المتقن، المتوفى سنة "584" ببغداد كتاب مشهور بين العلماء يسمى "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار"، في مجلد وهو مطبوع في حيدر آباد وحلب ومصر1.
7- معرفة غريب الحديث:
غريب الحديث ما يقع فيه من كلمات غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالاتها، قال الإمام أبو سليمان الخطابي: "الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم، كما أن الغريب من الناس هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل. والغريب من الكلام يقال على وجهين، أحدهما أن يراد به أنه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر، والوجه الآخر أن يراد به كلام من بعدت به الدار من شواذ القبائل. فإذا وقعت إلينا كلمة من كلامهم استغربناها". ا. هـ.
قد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أفصح العرب لسانًا. حتى كان يخاطب وفود العرب على اختلاف قبائلهم، وألسنتهم بما يفهمونه، وكان أصحابه -رضي الله عنهم، يفهمون أكثر ما يقوله. وما لم يفهموه سألوه عنه واستمر الأمر على هذا المنوال، إلى أن لحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم، بالرفيق الأعلى، وفي عصر الصحابة كان اللسان العربي سليما، لا يعتريه خلل ولا تشوبه عجمة إلى أن حصلت الفتوحات، ودخل في الإسلام كثير من الأعاجم، واختلطوا مع العرب بالازدواج، فنشأ جيل جديد تشوب لسانه عجمه، فتعلموا من اللسان ما لا بد لهم منه
__________
1 معرفة علوم الحديث للحاكم ص85، وتدريب الراوي ص195، ومقدمة ابن الصلاح ص139. والباعث الحثيث ص202، وكشف الظنون ج2 ص276، والرسالة المستطرفة ص60، ومفتاح السنة ص158.
(1/474)

في الخطاب، ثم جاء التابعون سالكين طريقتهم، إلا أن لغة القوم كانت سائرة إلى الاستعجام شيئا فشيئا، فما انقضى عصر التابعين، إلا وقد استحال اللسان العربي أعجميا، واستغلق على الناس فهم كثير من ألفاظ الحديث النبوي، فألهم الله أئمة الدين معالجة هذا الداء العضال صيانة لهذا العلم الشريف، حتى لا يصبح طلاسم أمام عجمة المتأخرين، فتكلم في غريب الحديث جماعة من أتباع التابعين، منهم مالك بن أنس الإمام، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ثم تتابع الناس بعدهم في الكلام على هذا الفن، مبينين للناس معاني كلماته المستغلقة، وألفوا في ذلك الكتب القيمة، التي كانت فيما بعد عدة الأجيال المتلاحقة، وذخيرة القرون المتأخرة، ولولا همة هؤلاء الأئمة الأعلام لما انتفعنا اليوم بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وإليك نبذة عن تاريخ التدوين في هذا النوع من علوم الحديث:
أول من صنف في غريب الحديث -على ما قيل- أبو عبيدة، معمر بن المثنى التميمي، البصري المتوفى سنة "210" جمع فيه كتابا صغيرا، ولم تكن قلته لجهله بغيره بل؛ لأن كل مبتدئ في شيء يكون مقلا فيه عادة؛ ولأن الناس كانت لا تزال فيهم بقية من معرفة، وأثارة من علم فلعله قصد إلى ما يخفى على بعض الناس، وترك ما يعرفه كل الناس، ثم جمع أبو الحسن النضر بن شميل المازني، النحوي "204" بعده أكثر منه، ثم جمع عبد الملك بن قريب، الأصمعي كتابا أحسن فيه وأجاد، وكان في عصر أبي عبيدة، وكذلك جمع فيه محمد بن المستنير، المعروف بقطرب المتوفى "206" وغير هؤلاء من الأئمة، جمعوا أحاديث، وتكلموا على لغتها في أوراق، ولم يكد أحدهم ينفرد عن غيره بكثير، بل كانوا فيما جمعوه متقاربين، ثم ألف من بعدهم أبو عبيد القاسم بن سلام "سنة224"
(1/475)

كتابا جليلا: اتخذه الناس العمدة في هذا الفن، ويقال: أنه أفنى فيه عمره إذ جمعه في أربعين سنة، بقي هذا الكتاب يرجع فيه الناس فيما أهمهم، حتى جاء أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الدينوري المتوفى سنة276، فصنف كتابه المشهور نهج فيه منهج أبي عبيد القاسم، فجاء كتابه مثل كتابه أو أكبر، ولم يودعه من كتاب أبي عبيد القاسم شيئا، إلا ما تدعوا إليه الحاجة، كزيادة شرح أو بيان لفظ، وقال في مقدمته: "أرجو ألا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب الحديث، ما يكون لأحد فيه مقال"، وممن صنف في ذلك الإمام إبراهيم الحربي، المتوفى سنة285 بسط القول في كتابه، واستقصى الأحاديث وأطال بذكر المتون، وأسانيدها مما زهد الناس فيه.
ثم أكثر الناس التصنيف لهذا الفن إلى أن جاء الإمام، أبو سليمان حمد الخطابي البستي، المتوفى سنة378، فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث، سلك فيه طريقة أبي عبيد القاسم، وابن قتيبة، ووجه همته إلى جمع ما بين في كتابيهما، فكانت هذه الكتب الثلاثة تعد أمهات كتب غريب الحديث المتداولة، غير أنه لم يكن بين تلك الثلاثة، وغيرها من الكتب كتاب مرتب يسهل الاطلاع عليه، فتخلص في هذا العصر عصر الخطابي الإمام، أحمد بن محمد الهروي المتوفى سنة401، فصنف كتابه المشهور في الجمع بين غريبي القرآن والحديث، مرتبا له على حروف المعجم على وضع لم يسبق إليه، ولم يشحنه بالمتون والأسانيد والرواة، وجمع فيه من غريب الحديث ما في كتب من تقدمه، وزاد عليه، فجاء كتابا جامعا حسن الوضع، إلا أنه جاء الحديث فيه متفرقا في حروف كلماته:
صار هذا الكتاب عدة الناس في معرفة الغريب، وقد اقتفى أثره كثير من الناس، واستدركوا ما فاته أيضا إلى أن جاء جار الله أبو القاسم، محمود بن عمر الزمخشري "سنة538"، فصنف كتابه "الفائق"، ورتبه
(1/476)

على وضع اختاره مقفى على حروف المعجم، ولكن في العثور على معرفة الغريب منه مشقة، وإن كانت أقل من غيره مما سبقه؛ لأنه جمع في التقفية بين إيراد الحديث مسرودا جميعه أو بعضه، ثم شرح ما فيه من غريب، فيجيء شرح كلماته الغريبة في حرف واحد، فترد الكلمة في غير حروفها، فكان كتاب الهروي أقرب متناولا، وأسهل مأخذا، وقد ألف أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني، الأصفهاني "581" كتابا جمع فيه على طريقة الهروي ما فاته من غريب القرآن والحديث، وكذلك صنف أبو الفرج ابن الجوزي "514" كتابا في غريب الحديث خاصة نهج فيه منهج الهروي، بل إن كتابه مختصر من كتاب الهروي، لا يزيد عليه إلا الكلمة الشاذة، بخلاف كتاب أبي موسى المديني، فإنه لا يذكر منه، إلا ما دعت إليه الحاجة.
ثم جاء الإمام، أبو السعادات مبارك بن محمد بن محمد الشيباني، المعروف بابن الأثير المتوفى "606"، فجمع ما في كتاب الهروي، وأبي موسى من غريب الحديث والأثر، وأضاف إليه ما عثر عليه في كتب السنة من صحيح، وسنن وجوامع، ومصنفات، ومسانيد، وقد رمز لما في كتاب الهروي بالهاء، ولما في كتاب أبي موسى المديني بالسين، وسمى كتابه "النهاية في غريب الحديث والأثر". قال السيوطي: "وهو أحسن كتب الغريب، وأجمعها وأشهرها الآن وأكثرها تداولا، وقد فاته الكثير فذيل عليه الصفي الأرموي "سنة723" بذيل لم تقف عليه". ا. هـ.
وقد لخص النهاية لابن الأثير الحافظ، جلال الدين السيوطي "سنة911" في كتاب سماه "الدر النثير تلخيص نهاية ابن الأثير"، وزاد فيه زيادات، وهو مطبوع الآن مع النهاية على هامشها1.
__________
مقدمة ابن الصلاح ص137، وما بعدها والرسالة المستطرفة ص115، وتدريب الراوي ص193، والباعث الحثيث ص200، ومفتاح السنة ص140، وكشف الظنون ج2 ص55 و407، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص88.
(1/477)

ومما يلتحق بكتب الغريب كتب المجازات النبوية، التي جاءت في الحديث ومن أحسن ما ألف في ذلك "كتاب المجازات النبوية" للإمام العالم الشريف الرضي، محمد بن الحسين، المتوفى سنة406، وهو مطبوع بمصر الآن.
8- معرفة علل الحديث:
هذا الفن من أجل علوم الحديث، وأشرفها، وأدقها، ولا يتأهل للنظر فيه إلا الراسخون في علوم الحديث من أهل الخبرة، والحفظ والفهم الثاقب، ولهذا لم يتصدر للكلام فيه، إلا أفذاذ الرجال وجهابذة السنة وأطباء الحديث، كابن المديني وأحمد بن حنبل، والبخاري ومسلم ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطنى، وذلك؛ لأن العلة في اصطلاحهم عبارة عن أسباب خفية غامضة، قادحة في صحة الحديث مع أن الظاهر السلامة منها، وربما وجدت العلة في الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع، لشروط الصحة من حيث الظاهر، قال الحاكم: "وهذا النوع من معرفة علم الحديث، علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل، قال: وإنما يعلل الحديث من أوجه، ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات بأن يحدثوا بحديث له علة، ويخفى عليهم علته فيصير الحديث معلولا والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم والمعرفة لا غير". ا. هـ.
وقد تناول هذا العلم بالتصنيف كثير من الأئمة، فمن ذلك كتاب علي بن المديني، المتوفى "سنة234"، وكتابه من أجل الكتب، وكتاب العلل للبخاري "سنة256"، وكتاب العلل لمسلم بن الحجاج النيسابوري، وكتاب العلل للترمذي، وقد شرحه الحافظ، أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد البغدادي، ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بابن رجب، المتوفى
(1/478)

سنة "795"، وكتاب العلل لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون، البغدادي المعروف بالخلال، المتوفى سنة "311"، وكتاب العلل لابن أبي حاتم عبد الرحمن الرازي، الحافظ الثبت، المتوفى سنة 327، وكان ممن جمع بين علوم الرواية، ومعرفة الفقه، وكتابه مطبوع بمصر في مجلدين، وهو من أجل الكتب في بابه مرتب على أبواب الفقه، وكتاب العلل لعلي بن عمر الدارقطنى، المتوفى سنة "375"، وهو أجمع كتاب في العلل مرتب على المسانيد، وليس من جمع الدارقطنى، بل الجامع له تلميذه الحافظ أبو بكر البرقاني، وكتاب ابن الجوزي وهو المسمى "بالعلل المتناهية في الأحاديث الواهية"، وعليه في كثير منه انتقاد. وللحافظ ابن حجر العسقلاني كتاب في علل الحديث سماه "الزاهر المطول في الخبر المعلول"، هذا ويوجد الكلام على علل الحديث، مفرقا في كتب الحديث الأخرى، كنصب الراية لتحريج أحاديث الهداية للحافظ الزيلعي، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني، ونيل الأوطار للشوكاني، وكتاب المحلى لابن حزم، وكتاب تهذيب سنن أبي داود لابن القيم، وغير ذلك1.
9- معرفة الموضوعات، وكشف حال الوضاعين:
نشأة الوضع في الحديث وبدء ظهوره:
كانت السنة النبوية في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مصونة من تقول الكذابين، محفوظة من دجل المنافقين، وذلك أنه فوق وجوده -صلى الله عليه وسلم- بين ظهراني المسلمين. يقضي على الخرافات
__________
1 الرسالة المستطرفة ص110، والتدريب ص88، وما بعدها وتوجيه النظر ص264، وما بعدها ومقدمة ابن الصلاح في بحث المعلل ص42، وعلوم الحديث للحاكم ص71 و112، وما بعدها ومفتاح السنة ص159، والباعث الحثيث ص58، وما بعدها.
(1/479)

والأكاذيب، فإن الوحي ما زال ينزل عليه، وكثيرا ما كان يفضح سر المنافقين، لذلك لم يجرؤ أحد أن يتقول على رسول الله -صلى الله عليه وسلم في حياته، فلما كان زمن الشيخين احتاطا كثيرا للأحاديث، وأرهبا المنافقين والأعراب من التزيد فيها كما سبق لك بيانه، ولما أن ولي عثمان -رضي الله عنه، ووقعت الفنتة في زمنه، وجد الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أوقد نيران الفتنة، وألب الناس على خليفة المسلمين حتى قتلوه ظلما، ثم لما ولي علي كرم الله وجهه الخلافة، وكان ما كان بينه وبين معاوية في صفين، افترق الناس إلى شيعة وخوارج، وجمهور كما رأيت وهنا ظهر الكذب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واشتد أمره من الشيعة، والخوارج ودعاة بني أمية، لذلك يعتبر العلماء مبدأ ظهور الوضع في الحديث من هذا الوقت "سنة41هـ"، وهذا التحديد إنما هو لظهور الوضع في الحديث، وإلا فقد وجد الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل ذلك حتى في زمنه، صلى الله عليه وسلم، ومن أجل ذلك يقول -صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار"، فما قال النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، إلا لحادثة وقعت في عصره كذب عليه فيها، ويستأنس لذلك بما أخرجه ابن عدي في كامله عن بريدة قال: "كان حي من بني ليث على ميل من المدينة، وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية، فلم يزوجوه فأتاهم وعليه حلة فقال: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كساني هذه وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم، ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان خطبها، فأرسل القوم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: كذب عدو الله، ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا، فاضرب عنقه، وإن وجدته ميتا فاحرقه بالنار، فجاء فوجده قد لدغته أفعى
(1/480)

فمات فأحرقه بالنار فلذلك، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار"، وقد ذكر السيوطي في تحذير1 الخواص طائفة من الروايات بهذا المعنى، ولكن كما قلنا: إن هذا كان قليلا نادرا في عهد النبوة.
ثم إن الوضع في الحديث أخذ يشيع، وينتشر في كل عصر وقد حدثناك عن عوامل ذلك في القرون الثلاثة، وعن جهود العلماء في مناهضة الوضاعين. والآن نذكر لك الوسائل، التي اتخذوها في جهاد هؤلاء الكذابين، والطرق التي سلكوها في القضاء على أباطيلهم، فإنهم لم يكتفوا بطريق دون طريق، بل حاربوا أعداء الحديث بكل سلاح، وأخذوا عليهم المسالك، وسدوا في وجوههم جميع الطرق.
سلك علماء الإسلام، وأعلام السنة طريقين. "إحداهما": نظرية فوضعوا القواعد الدالة على وضع الحديث، وأقاموا الإمارات الصادقة على ذلك بما لا يدع مجالا للشك، و"الأخرى": عملية وذلك ببيانهم لأشخاص الوضاعين، وتعريف الناس بهم وبيان الموضوعات، التي وضعوها والأكاذيب التي اختلقوها، وصنفوا في ذلك الكتب المعروفة بكتب الموضوعات، وأصبحت السنة النبوية أمامنا بحذافيرها في الصحاح، والجوامع، والسنن والمسانيد، وغيرها معروفة، وصارت الأحاديث المكذوبة غير خافية على أحد من علماء الحديث، وبذلك سهلت مهمة الوقوف على درجة الأحاديث، أهي صحيحة أم حسنة، أم ضعيفة أم موضوعة مكذوبة، فجزى الله علماء السنة أفضل ما يجزى علماء أمة.
__________
1 ص11، وما بعدها.
(1/481)

الطريقة الأولى في الدلالة على وضع الحديث:
وضع علماء الإسلام وجهابذة هذه الفنون قواعد، لا تكاد تخطئ في الدلالة على وضع الحديث، وذلك؛ لأن ملكة النقد كانت راسخة فيهم، حتى أصبحوا نقادا بالأرواح والأبدان، ونحن نذكر لك بعض هذه القواعد لتلمس بنفسك، أنهم ما فرطوا في مهمتهم الشريفة فنقول:
1- يعرف الوضع بقرينة في الراوي، تنادى عليه بالكذب فيما يقول، ومثال ذلك ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي أنه قال: كنت عند سعد بن ظريف، فجاء ابنه من الكتاب يبكي، فقال مالك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: "معلمو صبيانكم شراركم أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين"، ومثال ذلك أيضا ما روي أنه قيل لمأمون بن أحمد الهروي، ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان، فروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم: "يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي"، إلى غير ذلك.
2- يعرف الوضع بقرينة في المروي، كأن يكون الحديث ركيك المعنى فقط أو ركيك اللفظ والمعنى معا، أما ركة اللفظ فقط، فلا تدل على الوضع لجواز أن الراوي تصرف في لفظ الحديث، فأتى بلفظ ركيك من عنده، ويكون معنى الحديث صحيحا، وله أصل عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فلا تدل ركاكة اللفظ فقط على أن الحديث الموضوع، اللهم إلا إذا ادعى الراوي أن الحديث الذي رواه من لفظ النبي، صلى الله عليه وسلم، وصرح بذلك فإنه يكون كاذبا؛ لأن النبي، صلى الله عليه
(1/482)

وسلم كان أفصح العرب، وعند ذلك تدل ركاكة اللفظ وحدها على وضع الحديث وكذب راويه، ومثال ركاكة المعنى ما نسبوه كذبا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الديك فإنه صديقي"، و"الديك الأبيض الأفرق حبيبي وحبيب حبيبي جبريل" و"لو كان الأرز رجلا لكان حليما".
3- من أدلة وضع الحديث أن يكون مخالفا للعقل، بحيث لا يقبل التأويل أو مخالفا للمحس المشاهد مثال الأول: الإخبار عن الجمع بين الضدين، أو نفي الصانع وذلك؛ لأنه لا يجوز ورود الشرع بخلاف مقتضى العقل، ومثال ذلك الحديث: "خلق الله الفرس فأجراها، فعرقت فخلق نفسه منها"، فهذا لا يقوله عاقل، ومثال الثاني حديث: "الباذنجان شفاء من كل داء"، فهذا باطل؛ لأن المشاهد المحس هو أن الباذنجان يزيد الأمراض شدة.
4- من أدلة الوضع أن يكون الحديث مخالفا لدلالة القرآن القطعية، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي مع عدم إمكان الجمع، ومن هنا زيف العلماء الحديث، الذي يحدد المدة الباقية للدنيا بسبعة آلاف سنة؛ لأنه يخالف قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} ، وأبطلوا حديث: "ولد الزنا لا يدخل الجنة"، لمعارضته لقوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، كما زيفوا أحاديث متناقضة للسنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، كالأحاديث الدالة على أن كل ما يسمى بأحمد أو محمد لا يدخل النار، فإنه من المعلوم من الدين بالضرورة، أن النار لا يجار منها بالألقاب، والأسماء وإنما يتخلص منها بالعمل الصالح.
5- من علامات وضع الحديث، اشتماله على مجازفات يرتفع عنها
(1/483)

كلام النبوة كحديث: "من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرًا له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف ألف لغة يستغفرون الله له"، ومن ذلك حديث: "من اغتسل من الجنابة حلالا، أعطاه الله قصرا من درة بيضاء، وكتب له بكل قطرة ثواب ألف شهيد".
6- من علامات كذب الحديث، أن يكون أمرا تتوفر الدواعي على نقله، أو يصرح الحديث نفسه بأن الواقعة، حصلت في مشهد عظيم من الصحابة، ثم لا يشتهر ولا يرويه إلا عدد قليل، ومن ذلك ما يدعيه بعض الشيعة أن النبي -صلى الله عليه وسلم، أعطى عليا الخلافة في غدير خم حين رجوعه من حجة الوداع، بحضرة جم غفير أكثر من مائة ألف.
7- مجيء الحديث على خلاف مقتضى الحكمة، والمنطق السليم المعقول كحديث: "جور الترك ولا عدل العرب"، فإن الجور مذموم على الإطلاق كما أن العدل محمود على كل حال.
8- من علامات وضع الحديث، أن يكون الراوي له رافضيا والحديث في فضائل آل البيت؛ لأن الروافض متعصبون لآل البيت طاعنون على سائر الصحابة، ويعدون الشيخين غاصبين للخلافة من علي بن أبي طالب، ومالأهما على ذلك سائر الصحابة.
9- من أمارة بطلان الحديث مناقضته للتاريخ الصحيح، كحديث وضع الجزية عن أهل خيبر، الذي قرنه واضعه بشهادة سعد بن معاذ، إذ إن سعدا توفي في غزوة الخندق وكانت قبل خيبر، على أن الجزية لم تشرع في زمن خيبر ولم تكن معروفة للصحابة إلا بعد عام تبوك.
10- ومن أدلتهم على وضع الحديث ادعاء أحد رواته، أنه أدرك من العمر فوق ما جرت به سنة الله في خلقه، حتى لقي من تقدم بزمن
(1/484)

بعيد، وتلقى عنه، وذلك كالأحاديث التي رواها رتن الهندي مدعيا أنه لقى النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو لم يظهر إلا بعد ستمائة سنة من الهجرة، فإن بعض الجهال يزعم أنه اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: عمرك الله، فهذا ليس له أصل عند أئمة الحديث إذ إنه لم يعش أحد من الصحابة ممن لقي النبي، صلى الله عليه وسلم، أكثر من خمس وتسعين سنة، غير أبي الطفيل، حتى إن الناس بكوا عليه، وقالوا: هذا آخر من لقي النبي، صلى الله عليه وسلم.
11- من أدلة الوضع في الحديث، ادعاء بعض الصوفية أنه تلقى الحديث، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بطريق الكشف، دون أن يكون له سند متصل صحيح، أو بطريق الرؤيا كذلك إذ إنه من المتفق عليه بين علماء الدين أن الرؤيا، والكشف لا يتقرر بهما حقيقة شرعية، لما يكتنفهما من التخليط وعدم الضبط، فإضافة شيء إلى الدين من غير أن يقوم عليه دليل من الكتاب، أو السنة المتلقاة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بالسند الصحيح يعتبر ابتداعا في الدين، وزعما باطلا مردودا على من يزعمه.
هذا وقد تكلم المحدثون على سبيل الإجمال، والتفصيل في معرفة الموضوعات والوضاعين، فتراهم يقولون: من الأحاديث الموضوعة أحاديث الاكتحال، والأدهان والتطيب يوم عاشوراء، والأحاديث التي وضعها بعض الزنادقة، وجهلة المتصوفة في فضائل القرآن سورة سورة إلا ما استثنى1، والأحاديث التي تروى في التختم بالعقيق لا يثبت منها
__________
1 قال الحافظ السيوطي في تدريبه: اعلم أن السور التي صحت الأحاديث في فضائلها: الفاتحة، والزهراوان، والأنعام، والسبع الطوال مجملا، والكهف، ويس، والدخان، والملك، والزلزلة، والنصر، والكافرون، والإخلاص، والمعوذتان، وما عداها لم يصح فيها شيء.
(1/485)

شيء، والحرز المنسوب لأبي دجانة الأنصاري، ومسند أنس بن مالك الذي يروي عن جعفر بن هارون الواسطي، عن سمعان بن أنس، وهو مقدار ثلثمائة حديث يرويها سمعان المهدي، عن أنس وأوله: "إن أمتي في سائر الأمم كالقمر في النجوم"، وأحاديث الأشج وأحاديث خراش، وأحاديث نسطور الرومي، وأحاديث رتن الهندي، والأحاديث المنسوبة إلى محمد بن سرور البلخي، وأحاديث شهر بن حوشب كلها موضوعة.
كذلك تتبعوا الأخبار الواردة في كتب التفسير، والملاحم، والمغازي، ووزنوها بميزان النقد الصحيح، فالإمام أحمد بن حنبل يقول: "ثلاث كتب ليس لها أصل المغازي، والملاحم، والتفسير"، قال الخطيب في جامعه: وهذا محمول على كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة، غير معتمد عليها لعدم عدالة ناقليها، وزيادة القصاص فيها، فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة، والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة، وأما كتب التفاسير فمن أشهرها كتابا الكلبي. ومقاتل بن سليمان، وقد قال الإمام أحمد في تفسير الكلبي من أوله إلى آخره كذب، قيل له: فيحل النظر فيه؟ قال: لا، وقال أيضا: كتاب مقاتل قريب منه، وأما المغازي فمن أشهرها كتب محمد بن إسحاق، وكان يأخذ عن أهل الكتاب. وقال الشافعي: كتب الواقدي كذب. وليس في المغازي أصح من مغازي موسى بن عقبة1. ا. هـ.
الطريقة الثانية في بيان العلماء للموضوعات، ومحاربة الوضاعين:
هذه هي الطريقة العلمية، التي استنفذت كثيرا من جهود العلماء في كل عصر، فإنه لم يخل عصر من وجود أعداء الإسلام، كادوا له عن طريق
__________
1 تدريب الراوي ص98، وما بعدها وكشف الخفاء ومزيل الإلباس وخاتمته.
(1/486)

وضع الأحاديث: ومن أبرز الأعمال التي قام بها هؤلاء الجهابذة هي تصنيف الكتب في بيان الأحاديث الموضوعة، وإليك طائفة من هذه الكتب:
1- كتاب تذكرة الموضوعات لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، المتوفى سنة "507".
2- كتاب الأباطيل لأبي عبد الله الحسن بن إبراهيم، الهمداني الجوزقي. نسبة إلى جوزقان ناحية من همدان، الحافظ المتوفى سنة "543"، قال الذهبي: وهو محتو على أحاديث موضوعة، وواهية مع أوهام فيه، وقد بين بطلان أحاديث واهية بمعارضة أحاديث صحاح لها. ا. هـ.
3- كتاب الموضوعات الكبرى، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، المتوفى سنة "597" في نحو مجلدين، إلا أنه تساهل فيه كثيرا بحيث أدخل فيه الضعيف، والحسن والصحيح قال الذهبي: "ربما ذكر ابن الجوزي في الموضوعات أحاديث حسانا قوية. قال: ونقلت من خط السيد أحمد بن أبي المجد قال: صنف ابن الجوزي كتاب الموضوعات، فأصاب في ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل، والعقل وما لم يصب فيه إطلاقه الوضع على أحاديث بكلام بعض الناس في أحد رواتها كقوله: فلان ضعيف أو ليس بالقوي أو لين، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه، ولا فيه مخالفة، ولا معارضة لكتاب ولا سنة ولا إجماع. ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام ذلك الرجل في روايه، وهذا عدوان ومجازفة". ا. هـ. وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: "غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي ينتقد عليه بالنسبة إلى ما لا ينتقد قليل جدا، قال: وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعا، عكس الضرر بمستدرك الحاكم، فإنه يظن
(1/487)

ما ليس بصحيح صحيحا، قال: وينبغي الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن تساهلهما أعدم الانتفاع بهما إلا لعالم بالفن؛ لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه تساهل". ا. هـ.
وقد ألف الحافظ ابن حجر "القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد"، أورد فيه أربعة وعشرين حديثا في المسند، ذكرها ابن الجوزي في الموضوعات ومن بينها حديث في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر". وذيل السيوطي على هذا الكتاب بذيل في الأحاديث، التي بقيت في كتاب الموضوعات من المسند، وهي أربعة عشر مع الكلام عليها.
4- كتاب اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، للحافظ السيوطي اختصره من كتاب ابن الجوزي، فعلق الأسانيد وذكر منها ما تمس إليه الحاجة، وأتى بالمتون وكلام ابن الجوزي عليها، وتعقب كثيرا منها وتتبع كلام الحفاظ في تلك الأحاديث لا سيما شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، والآلئ المصنوعة مطبوعة بمصر الآن، هذا وقد ألف السيوطي كتابا سماه "القول الحسن في الذب عن السنن"، أورد فيه مائة وبضعة وعشرين حديثا ذكرها ابن الجوزي في الموضوعات مع أنها ليست بموضوعة، ففي سنن أبي داود منها أربعة أحاديث، وفي سنن الترمذي 23 حديثا، وفي سنن النسائي حديث واحد، وفي سنن ابن ماجه 16 حديثا، وفي صحيح البخاري، رواية حماد بن شاكر، حديث واحد، وهو: "كيف بك يا ابن عمر إذا عمرت بين قوم يخبأون رزق سنتهم؟ "، ومنها ما هو في كتاب خلق الأفعال للبخاري في غير الصحيح، وفي مسند الدارمي، والمستدرك للحاكم، وصحيح ابن حبان، وتصانيف البيهقي، وغيرها من الكتب أحاديث كثيرة حكم عليها ابن الجوزي بالوضع، وليست بموضوعة.
(1/488)

5- كتاب "تنزيه الشريعة المرفوعة، عن الأخبار الشنيعة الموضوعة". لأبي الحسن علي بن محمد الكناني، المتوفى سنة "963"، وهو أجمع كتاب في الموضوعات.
6- تذكرة الموضوعات لرئيس محدثي الهند، جمال الدين الفتني الملقب بملك المحدثين، المتوفى قتيلا سنة 986هـ.
7- كتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، للقاضي أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد الشوكاني، اليمني المتوفى سنة "1250هـ"، لكنه أدرج فيه كثيرا من الأحاديث، التي لم تبلغ درجة الوضع، بل ومنها صحاح وحسان قلد في ذلك ابن الجوزي، وأضرابه من المتساهلين.
8- كتاب "تحذير المسلمين، من الأحاديث الموضوعة على سيد المرسلين"، في جزء لطيف لمحمد البشير، ظافر أبي عبد الله المالكي، الأزهري، المتوفى سنة "1325هـ"1.
علم أصول الرواية، أو علم مصطلح الحديث:
قدمنا لك بضعة أنواع من علم أصول الرواية، وإليك الآن نبذة يسيرة عن تاريخه والتعريف به:
هو علم يبحث فيه عن حقيقة الرواية وشروطها، وأنواعها وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم، وأصناف المرويات وما يتعلق بها2، وهذا العلم
__________
1 انظر تدريب الراوي ص100، وما بعدها، والرسالة المستطرفة ص111، وما بعدها.
2 "حقيقة الرواية": نقل الخبر وإسناده إلى من عزي إليه بتحديث، أو إخبار وغير ذلك، و"شروطها": تحمل الراوي لما يرويه بنوع من أنواع التحمل من سماع، أو عرض أو إجازة ونحوها. و"أنواع الرواية": الاتصال والانقطاع ونحوهما، "وأحكامها" القبول أو الرد، و"حال الرواة العدالة، والجرح وشروطهم في التحمل، والأداء، و"أصناف المرويات": المصنفات من المسانيد والمعاجم والأجزاء، وغيرها من أحاديث، وآثار ونحوهما و"ما يتعلق بهذه المصنفات": هو معرفة اصطلاح أهلها، انظر مقدمة تدريب الراوي للسيوطي.
(1/489)

هو المسمى بعلم مصطلح الحديث، وبه يعرف المقبول من المردود من حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
نشأته: ولم يكن هذا العلم بحالته الراهنة، معروفا لدى أهل القرون الثلاثة الأولى، مسمى بهذا الاسم مجموعة أنواعه بعضها إلى بعض في مصنف واحد، وإن كان قد سبق منهم الكلام في أنواع مفردة، وتثبتوا في قبول الأخبار، كما كان من الشيخين أبي بكر وعمر، وتكلموا في الجرح والتعديل، ونقبوا عن علل الأحاديث، ووضعوا في بعض الأنواع كتبا كما حصل ذلك من علي بن المديني، شيخ البخاري الذي كان علامة زمانه في علوم الحديث، فلم يترك بابا من أبوابه إلا وضع فيه كتابا، كذلك ألف غيره أنواعا مفردة كالبخاري ومسلم، والترمذي وغيرهم، وكان تأليفهم كما قلنا لا يعدو الكلام على أنواع مفردة، أما جمع هذه الأنواع، والكلام عليها في مصنف واحد فلم يحدث ذلك إلا في منتصف القرن الرابع الهجري فيما يغلب على الظن.
قال الحافظ ابن حجر في أول شرحه للنخبة ما نصه: "إن أول من صنف في ذلك القاضي، أبو محمد الرامهرمزي، المتوفى سنة 360 في كتابه "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي"، لكنه لم يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، المتوفى سنة405، لكنه لم يهذب ولم يرتب، ثم تلاه أبو نعيم الأصفهاني، فعمل على كتاب الحاكم مستخرجا، وأبقى أشياء للمتعقب، ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي، المتوفى سنة "463"، فصنف في قوانين الرواية كتابا سماه "الكفاية"، وفي آدابها كتابا سماه "الجامع لآداب الشيخ والسامع"، وقل فن من فنون الحديث، إلا وقد صنف فيه الخطيب كتابا مفردا، فكان كما قال الحافظ ابن نقطة: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على
(1/490)

كتبه"، ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض المتوفى سنة "544" كتابا لطيفا سماه "الإلماع"1 وأبو حفص الميانجي جزءا سماه "ما لا يسع المحدث جهله"، وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت. قال: إلى أن جاء الحافظ تقي الدين عمرو بن عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهرزوري، نزيل دمشق فجمع في ذلك كتابه المشهور بمقدمة ابن الصلاح، فهذب فنونه وأملاه شيئا بعد شيء على تلاميذه بالمدرسة الأشرفية، عندما ولي تدريس الحديث بها، فلهذا لم يقع ترتيبه على وضع متناسب، إذ كان الأولى به أن يذكر ما يتعلق بالمتن وحده، وما يتعلق بالسند وحده، وما يشتركان معا فيه. وما يختص بكيفية التحمل والأداء وحده، وما يختص بصفات الرواة وحدة، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة فجمع شتات مقاصدهم، وضم إليها من غيرها مخب فوائدها فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر". ا. هـ. بتصرف يسير.
هذه نبذة يسيرة توضح لنا، كيف نشأ التأليف في علم أصول الرواية على الوضع الحالي، من ضم أنواع مختلفة بعضها إلى بعض في مصنف واحد، ولننتقل بك إلى الكلام على أشهر تلك الكتب، وأهمها:
أهم كتب أصول الرواية:
أولا: كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي"، لأبي الحسن بن خلاد الرامهرمزي، المتوفى سنة "360" هجرية. وهو أول مصنف ظهر في فن مصطلح الحديث، وهو وإن لم يستوعب أنواع الفن يعتبر أجمع
__________
1 منه نسخة بدار الكتب الظاهرية بدمشق.
(1/491)

ما صنف في عصره، والكتاب لم يطبع إلى الآن، ويوجد مخطوطا بدار الكتب المصرية.
ثانيا: معرفة علوم الحديث للحاكم، أبي عبد الله النيسابوري، المتوفى سنة "405"هـ، وهو كتاب قيم اشتمل على اثنين وخمسين نوعا من علوم الحديث، وهو مدعم بالأسانيد قد طبع لأول مرة بمطبعة دار الكتب المصرية بتصحيح، وتعليق العالم الهندي الجليل الأستاذ، الدكتور السيد معظم حسين كما قدمه بنبذة عن تاريخ تدوين الحديث، ونشأة علوم المصطلح، ولم يغفل الكلام على ترجمة المؤلف، فجزاه الله خيرًا.
ثالثًا: كتاب "الجامع لآداب الراوي والسامع"، للحافظ أحمد بن علي المعروف بالخطيب، البغدادي صاحب تاريخ بغداد، المتوفى "463".
رابعا: "الكفاية في معرفة أصول الرواية"، للخطيب البغدادي أيضا.
خامسا: كتاب علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح، للحافظ البارع أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، المشهور بابن الصلاح المتوفى سنة "642هـ"، لخص فيه كتب الخطيب المتفرقة وزاد عليها، فجمع بذلك على طالبي هذا الفن ما تفرق من أنواعه في حسن عبارة، وكمال وتهذيب وقد اتقد عليه في وضعه، كما سبق لك وهو انتقاد شكلي لا يضيره، وكتابه مطبوع بالهند الآن، ويشتمل على خمسة وستين نوعا من علوم الحديث.
وكتاب ابن الصلاح هذا يعتبر خاتمة المصنفات، وأجودها في هذا الفن لذلك نجد العلماء فيما بعد يعولون عليه في أبحاثهم، ومن تصدى منهم للتأليف في علوم الحديث، لا يعدو أن يكون ناظما له، أو مختصرا
(1/492)

أو شارحا فمن الناظمين له زين الدين العراقي، المتوفى سنة 806هـ في ألفية سماها "نظم الدرر في علم الأثر"، وقد أتمها سنة 768هـ، وعمل عليها شرحا سماه فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، وقد طبع بمصر عام "1355هـ"، وقد تناول الناس ألفية العراقي بالشرح منهم السخاوي، والسيوطي والشيخ زكريا الأنصاري، المتوفى سنة "928هـ".
وقد نظم مقدمة ابن الصلاح أيضا الحافظ السيوطي، المتوفى سنة 911هـ في ألفية زاد فيها على ألفية العراقي نكتبا عزيزة، وفوائد جليلة وهي مطبوعة الآن بمصر قال في أولها:
لله حمدي وإليه أستند ... وما ينوب فعليه أعتمد
ثم على نبيه محمد ... خير صلاة وسلام سرمد
وهذه ألفية تحكي الدرر ... منظومة ضمنتها علم الأثر
فائقة ألفية العراقي ... في الجمع والإيجاز واتساق
والله يجزي سابغ الإحسان ... لي وله ولذوي الإيمان
وممن شرح مقدمة ابن الصلاح الزين العراقي، المتوفى سنة806 شرحها شرحا مختصرا سماه "التقييد والإيضاح لما أطلق، وأغلق من كتاب ابن الصلاح"، ويعرف أيضا بنكت العراقي على مقدمة ابن الصلاح، وللحافظ ابن حجر عليها نكت أيضا تسمى "الإفصاح بتكميل النكت على ابن الصلاح"، وكذلك شرحها بدر الدين الزركشي، المتوفى سنة "714هـ".
وقد اختصر المقدمة كثير من العلماء منهم الإمام، شرف الدين النووي، المتوفى سنة "676"، وسمى كتابه "الإرشاد في علم الإسناد"، ثم اختصر الإرشاد في كتاب آخر سماه "التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير
(1/493)

النذير"، وهو المشهور الآن وعليه عدة شروح للزين العراقي، والسخاوي وللحافظ السيوطي شرح سماه "تدريب الراوي شرح تقريب النواوي"، وهو من أعظم الكتب في أصول الرواية، ومن أنفس كتب الحافظ السيوطي، وقد طبع بمصر سنة "1307هـ"، ونفدت نسخه.
هذا ومن المتون الجامعة الممتعة "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة "852هـ"، وشرحها له أيضا ويسمى. "نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر"، وهو شرح وجيز عظيم النفع غزير العلم، وقد شرحه كثير من العلماء منهم على القارئ الحنفي، المتوفى سنة "1014هـ" وهو على شرح النخبة، وسماه "مصطلحات أهل الأثر"، وقد طبع بمطبعة أخوت باستنبول.
وللسيد الشريف الجرجاني، المتوفى سنة "816هـ" كتاب "المختصر في مصطلح أهل الأثر"، وقد شرحه محمد عبد الحي اللكنوي، الهندي المتوفى سنة "1304هـ" في كتاب "ظفر الأماني في شرح مختصر الجرجاني"، وقد طبعت رسالة الجرجاني، وشرحها ظفر الأماني بالهند، ولعمر بن محمد بن فتوح البيقوني الدمشقي، المتوفى سنة "1080هـ" منظومة تعرف بالبيقونية، وعليها شروح كثيرة منها شرح الزرقاني، وطبعت بمصر مرارا وطبع أحد شروحها المسمى "البهجة الوضية شرح متن البيقونية"، للشيخ محمود نشابه بدار الخلافة سنة "1328"، إلى غير ذلك من المنظومات، والمختصرات وهي كثيرة جدا بعضها مطبوع، والآخر مخطوط يطول ذكرها، ويصعب عدها فنجتزئ بما ذكرناه1.
هذه أيها القارئ قرابة أربعة عشرة قرنا من الزمان، والسنة النبوية
__________
1 أنظر مقدمة الدكتور معظم حسين لمعرفة علوم الحديث للحاكم.
(1/494)

الشريفة بين أعداء يكيدون لها، وأنصار يناضلون عنها وهذه أيها القارئ جهود جبارة، قام بها هؤلاء الأئمة الأعلام في كل مكان، وزمان مخلفين وراءهم تلك الثروة الطائلة من الحديث، وعلومه في متناول أيدينا اليوم ناطقة بحسن صنيع الأولين، شاهدة على المتأخرين بالتفريط، والإهمال حيث أغفلوا تلك الكنوز الثمينة، وتركوها تنعى أصحابها، حتى أصبحت ما بين مستشرق يبعث بها، وجاهل لا يعرف قيمتها ولا غرابة فإن هذا هو الطابع العام لنا في هذه الأيام، ولكنا مع ذلك لا نقطع الرجاء في أن يهيئ الله تعالى لدينه من ينصره على أعدائه، وأملنا وطيد في نخبة من علماء الأزهر اليوم، كرست حياتها على إحياء السنة، والدفاع عنها بالكتابة تارة وبالدرس أخرى، وأخيرا نوجه رجاءنا لأولي الشأن في الأزهر أن يعملوا على إحياء المخطوطات الحديثية بطبعها، وتحريرها وتسهيلها على طلاب العلم، والتوسع في دراسة الحديث النبوي دراسة، تعتمد على تحليل الأسانيد، والمتون ونقدهما، ويعني فيها برد الشبهات، وحل المشكلات فإنه لا يخفى عليهم مكان السنة من التشريع الإسلامي.
وبعد فإنى لمتفائل لهذه العجالة بالنفع العميم، أن تم تأليفها صبيحة ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر في السابع والعشرين من رمضان سنة 1365 هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات.
(1/495)

خاتمة الطبع:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد فقد اقتضانا الداعي إلى نشر هذا الكتاب في هذه الأيام، حسبما نوهنا عنه في مطلعه، أن حذفنا تراجم لبعض الرواة، ووضعنا بدلا منها بحوثا هامة، يتطلبها الرد على بعض الملاحدة الذين يكيدون للسنة النبوية، كما ألجأنا غلاء الورق إلى الإجمال في الكلام عن الدورين السادس والسابع، والكمال لله جل جلاله.
وعلى الله قصد السبيل، وهو الهادي إلى أقوم طريق.
محمد أبو زهو.
القاهرة في2 من جمادى الثانية 1378هـ.
(1/496)

بسم الله الرحمن الرحيم:
تقاريظ الكتاب:
-1-
تفضل مولانا الأستاذ الإمام عالم العلماء، ومفتي الإسلام، فضيلة الشيخ "حسنين محمد مخلوف"، مفتي الديار المصرية سابقا، ورئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، وعضو هيئة كبار العلماء، بكلمة رائعة قيمة، بعد اطلاعه على هذا الكتاب، فقال حفظه الله، وأبقاه ذخرا للإسلام والمسلمين:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اتبع هداه، أما بعد، فقد طالعت كثيرا من مباحث كتاب "الحديث والمحدثون"، للأستاذ الجليل العلامة الشيخ، محمد محمد أبي زهو الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر، فحمدت الله أجل الحمد، إذ وفقه لإخراجه في وقت أحوج ما نكون فيه إلى عالم ثبت قدير، وباحث ثقة بصير، ينفي عن السنن النبوية تحريف الغالين. وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويدفع عن رواياتها ورواتها مطاعن الملحدين، وافتراءا أعداء الدين.
فجاء كتابه وافيا بذلك، في سلاسة عبارة، واستقصاء بحث، وعمق فكرة وقوة حجة.
يجد فيه طلاب الحقائق العلمية البيان الشافي، والبحث الوفي، عن منزلة السنة من الكتاب، وأنها بصريح القرآن الأصل الثاني في تشريع
(1/497)

الأحكام، وعن مبلغ عناية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعين ومن بعدهم من أئمة الإسلام، باستقصائها وضبطها وتمحيصها ونفي الزيف عنها، وتحقيق أسانيدها، والتثبت من حال رواتها في الحفظ والضبط والعدالة، ثم تدوين علومها رواية ودراية، فهناك الصحاح، والمسانيد التي بلغ الضبط والتثبت فيها غايته، وهناك علم الحديث دراية، الذي يعرف منه شروط الرواية وشروط الصحة وكيفيات التحمل والأداء وأنواع الأحاديث المقبولة والمردودة، وهناك علم الجرح والتعديل، الذي يعرف منه حال كل راو من رواة الحديث قبولا وردا.
وبجانب ذلك ما ألف من الكتب في الموضوعات المنتحلة، لنفي نسبها من السنن الثابتة، وما سلكه أئمة الفقه حيال الأحاديث، التي اعتمدوا عليها في استنباط الأحكام، واتخذوها مجال أنظارهم ومدار اجتهادهم.
وكانت نتيجة هذه الجهود، التي لا نظير لها تمييز الصحيح من السنة والمقبول منها في الاستدلال، وبقاء السنة سليمة من كل شائبة.
وقد جرت سنة الله أن يكون لكل حق أعداء، ولكل نور من يحاول إطفاءه، ليميز الله الخبيث من الطيب، ويزداد الحق ثباتا ورسوخا، والنور ضياء ووضوحا، بتمسك أهله به، وقوة دفاعهم عنه، فكان للسنن في العصور الأولى أعداء من الملحدين والزنادقة، والداخلين في الإسلام على دخل ومكيدة، وممن تبعهم على جهالة وعمى بصيرة، فطعنوا في متونها ورواتها، وفي كتبها بما شاءت لهم الأهواء، ثم ارتدت سهامهم في نحورهم، ولم ينالوا منها منالا، بجهاد أولئك الأبطال من الأئمة الأعلام، الذين قعدوا لهم كل مرصد، وأخذوا عليهم كل سبيل.
وقسم لعصرنا من أولئك نفر من الكاتبين، تساقطوا كالفراش على تلك الشبه الواهية، والطعون البالية، التي افتراها الأقدمون من
(1/498)

الملاحدة، فأثاروها فخورين بأنهم بناتها، وحملة لوائها. وصالوا وجالوا بها بين الجهال بالسنن وعلومها، عسى أن ينالوا بها حطاما، أو يظفروا من العامة بسمة العلم والعلماء، ومكن لهم في هذه الفتنة الفهم الخاطئ لمعنى حرية الفكر واللسان والقلم.
أنهم لم يأتوا بجديد، وإنما سطوا على القديم من الشبه والآراء، وطلوه بطلاء حديث تغريرا للبسطاء، واستمالة للدهماء، فجمعوا بين جريمتين جريمة الخيانة وجريمة الخداع، فوق ما اقترفوا من جريمة الطعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الأصل الثاني في التشريع، والوحي المنزل للهدى والإرشاد، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ، وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} . وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} .
ولكن الرأي العام الإسلامي سليم العقل، صحيح الفكر، راسخ العقيدة، لا يخدع بالأضاليل، ولا ينقاد بالأباطيل، ولا يلقى لها بالا، عرف ذلك من عرفه، وجهله من جهله.
ألا فليعلم ذلك هذا النفر، وليعلوا أن الله تعالى إذ حفظ كتابه من المعتدين، حفظ سنة رسوله التي أقامها من كتابه مقام الشرح والبيان، من كل اعتداء وعدوان، فستبقى محفوظة بحفظ الله، عالية الذرا، ناصعة الجبين واضحة المحجة، ظاهرة الحجة، داعية إلى الحق والهدى، نابذة للضلالة والعمى، رغم أنوف الغواة والمضللين.
وإن كتاب الأستاذ أبي زهو -والحمد لله- صوت حق، ولسان صدق، وبلاغ للناس، يفخر به العلماء، ويعتز به المنصفون من الباحثين.
ونسأل الله تعالى أن ينفع به، وأن يثيب مؤلفه أجزل الثواب، ويجزيه خيرا عن السنة والكتاب.
15 رجب سنة 1378هـ.
24 يناير سنة 1959م.
حسنين محمد مخلوف.
(1/499)

-2-
وكتب زميلنا الأستاذ الجليل، الشيخ "محمد عبد الوهاب بحيري"، مدرس التفسير والحديث، بكلية الشريعة، بالأهر الشريف، بعد أن اطلع على هذا الكتاب: كلمة جامعة، نسطرها شاكرين مقدرين. قال حفظه الله ورعاه:
بسم الله الرحمن الرحيم:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه ربه رحمة للعالمين، وخاتما للنبيين، سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه إلى يوم الدين.
أما بعد فقد قرأت كلمة للكاتب الإسلامي المعروف، أخينا وصديقنا في الله عز وجل، الأستاذ الشيخ محمد الغزالي، يقول فيها: "هناك مستشرقون مصريون، ولدوا في بلادنا هذه، ولكن عقولهم وقلوبهم تربت في الغرب، ونمت أعوادهم مائلة إليه، فهم أبدا تبع لما جاء به.
أنهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، بيد أنهم خطر على كياننا؛ لأنهم كفار بالعروبة والإسلام، أعوان -عن اقتناع أو مصلحة- للحرب الباردة التي يشنها الاستعمار علينا، بعد الحرب التي مزق بها أمتنا الكبيرة خلال قرن مضى.
"وهم سفراء فوق العادة لانجلترا وفرنسا وأمريكا، دول التصريح الثلاثي الذي خلق إسرائيل وحماها، والفرق بينهم وبين السفراء الرسميين
(1/500)

أن هؤلاء لهم تقاليد تفرض عليهم الصمت، وتصبغ حركاتهم بالأدب، أما أولئك المستشرقون السفراء فوظيفتهم الأولى، أن يثرثروا في الصحف وفي المجالس، وأن يختلقوا كل يوم مشكلة موهومة، ليسقطوا من بناء الإسلام لبنة، وليذهبوا بجزء من مهابته في النفوس، وبذلك يحققون الغاية الكبرى من الزحف المشترك، الذي تكاتفت فيه الصهيونية، والصليبية في العصر الحديث.
"أن هذا النفر من حملة الأقلام الملوثة، أخطر على مستقبلنا من الأعداء السافرين، فإن النفاق الذي برعوا فيه يخدع الأغرار بالأخذ عنهم، وقد يقولون كلمات من الحق تمهيدا لألف كلمة من الباطل تجيء عقيبها". ا. هـ1.
هذه الأوصاف تنطبق تمام الانطباق على صاحب كتاب ظهر حديثا، يكيد للسنة باسم الدفاع عنها، ويلبس فيه الحق بالباطل، ويشوه الحقائق، ويفتات على التاريخ الصحيح، ويحرف الكلم عن مواضعه في جرأة وعدم مبالاة، كما فعل مع ابن حزم وابن قتيبة، وفخر الدين الرازي وابن كثير وغيرهم، ينقل ما يرد عليه هؤلاء على أنه رأي لهم، والمؤلف في هذا الكتاب يستبيح لنفسه، ولكل باحث على شاكلته، أن يأخذ من السنة ويترك، تبعا لهواه، تحت ستار العلم والمعرفة، والدراسة المحررة، التي تقوم على قواعد التطبيق العلمي. وسنده فيما يزعم "أولا" أن علماء الأمة قاطبة، لم يولوا الحديث النبوي ما يستحق من العناية والدرس، إذ تركوا أمره لمن يسمون "رجال الحديث" يدرسونه علىطريقتهم، التي قامت على معرفة رواة الحديث،
__________
1 عن مقدمة كتابه القيم "ظلام من الغرب".
(1/501)

والبحث في تاريخهم، ولا عليهم بعد ذلك أن كان ما يصدر عن هؤلاء الرواة، صحيحا في نفسه أو غير صحيح، معقولا أو غير معقول "ثانيا"، وأنه لا يمكن الوثوق بالأحاديث المدونة، حتى في الصحيحين والسنن وما في رتبتها؛ لأنها نقلت إلى مصنفيها، مغيرة الألفاظ، مبدلة المعاني، نتيجة للرواية بالمعنى، ذلك أن الأحاديث لم تدون في عهد النبوة، كالقرآن، بل ثبت النهي عن كتابتها، واستجاب الصحابة لهذا النهي، بل ثبت عنهم -فيما يزعم- أنهم كانوا يرغبون عن رواية الحديث، وينهون الناس عنها، ولما رأى بعض الصحابة أن يروو للناس، استباحوا لأنفسهم الرواية على المعنى، فغيروا وبدلوا، ثم سار على سبيلهم كل من جاء من الرواة بعدهم، وهكذا ظلت الألفاظ تختلف، والمعاني تتغير بتغير الرواة، إلى عهد التدوين في القرنين الثاني والثالث، وكان من ذلك ضرر كبير في الدين، واللغة والأدب "ثالثا"، وأنه قد اندس بين الرواة من تظاهر بالإسلام والصلاح، من أرباب الملل الأخرى، فأدخلوا في الحديث كثيرا من الإسرائيليات والمسيحيات، التي راجت على رجال الحديث، فقبلوها فيما يزعم.
وقد أخذ يشكك في جميع أنواع الحديث، حتى في الحديث المتواتر، فيقولمروجا لعقيدة صلب المسيح ما نصه: "وقد انكر المسلمون أعظم الأمور المتواترة، فالنصارى والهيود هما أمتان عظيمتان يخبرون بصلب المسيح، والإنجيل يصرح بذلك، فإذا أنكروا هذا الخبر وقد وصل إلى أعلا درجات التواتر، فأي خبر بعده يمكن الاعتماد عليه، والركون إليه". ا. هـ، وأني أقول له أي خبر ينكره المسلمون؟ إن كان هو زعم النصارى واليهود صلب المسيح، فالمسلمون ينسبون إليهم ذلك الزعم، والقرآن الكريم يحكي عن اليهود قولهم: {إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ
(1/502)

مَرْيَمَ} ، وإن كان هو وقوع صلب المسيح حقيقة، فالقرآن يبطله في قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} ، فدعوى حصوله باطل من القول فضلا عن دعوى تواتره، ودعوى أنه في كتب الله المنزلة.
ويقول هذا المؤلف أيضا: "ولو أن الحديث قد دون في عصر النبي، كما دون القرآن، واتخذ له من وسائل التحري، والدقة مثل ما اتخذ للقرآن، لجاء كله متواترا كذلك، ولما اختلف المسلمون فيه هذا الاختلاف الشديد، الذي لم يستطع أحد -على مد العصور- تلافيه". ا. هـ.
وهو يعترف أن عدم تدوين الصحابة للحديث، كان بأمره صلى الله عليه وسلم، فهذا منه إما طعن في الجناب النبوي الكريم -وحاشاه- بالتقصير، وفتح باب الاختلاف الشديد الذي لا يمكن تلافيه، وأما أبعاد للسنة عن حظيرة الاستدلال بها في الدين، ولذلك لم تنل حظها من العناية في زعم الكاتب، وهذا وذاك إثم كبير، واتباع لغير سبيل المؤمنين، وأنا نبرأ إلى الله من مثل هذه الأفكار الخبيثة.
والدعوة إلى نبذ السنة دعوة إلى التلاعب بالقرآن الكريم، وماذا يبقى من الإسلام إذا سرنا كما يريد هؤلاء، وهل للصهيونية والصليبية مطمع وراء هذا. قال الأستاذ الشيخ "محمد رشيد رضا"، رحمه الله وعفا عنا وعنه، ناعيا على هؤلاء الأغرار مسلكهم: "ومن الغريب أننا نرى أمم العلم، والحضارة تعني بحفظ ما ينقل عن علمائها وأدبائها، في التشريع والحقوق، والحكم، والآداب، ويفاخر بعضهم بعضا بهم وبآثارهم، ونرى هؤلاء المخدوعين من مبتدعة المسلمين، لا يكتفون بهضم حقوق علماء ملتهم، ومؤسسي حضارتها ومجدها بالعلم والعمل، والسياسة والآداب، بل ينبذون سنة الرسول الذي يدعون اتباع ملته،
(1/503)

وما روى سلفهم عنه، من التشريع والحكم والآداب، ومنهم من يدعي اتباع سنته العملية، التي تلقاها عنه أصحابه بالعمل، دون ما ثبت عنه بالأحاديث القولية، وإن كانت صحيحة المتون والأسانيد، لا يعارضها معارض من القرآن ولا قطعي آخر يثبته العلم والعقل، ويدعون أنهم يتبعون نصوص القرآن، كأن فهمهم وبيانهم له، وحرصهم على العمل به، فوق فهم من أوحى إليه، وكلفه الله بيانه بالقول والعمل، وعصمه من الخطأ في كل ما يبلغه عنه، من نصوصه ومن المراد منها"، إلى أن يقول: "والذي نعلمه بالاختبار أن بعض هؤلاء الدعاة إلى هد الإسلام، جاهل غبي قد فتن بحب الظهور، وبعضهم ملحد يدعو المسلمين إلى الإلحاد لهوى في نفسه، أو خدمة لبعض الدول الطامعة في بلاد الإسلام واستعباد المسلمين". ا. هـ1 وأرباب هذه الأفكار الخبيثة يهدفون إلى رد المسلمين عن دينهم، جريا وراء حطام هذه الحياة، الذي تبذله الصليبية والصهيونية، حتى تستطيع استعباد المسلمين، والاستيلاء على بلادهم بيسر وسهولة، ولهم في الوصول إلى هذا الهدف مسالك شتى، وطرق مختلفة فمنهم من يحاول النيل من قدسية السنة بالطعن في رواتها، وحملتها حتى ينفسح أمامهم مجال العبث والتضليل. ومنهم من يحاول النيل من قدسية القرآن، باتباع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، أو بمحاولة تغيير نظمه المعجز الذي نزل به الروح الأمين من لدن حكيم عليم، أو بالسعي في الكيد للغة العرب وعلومها وآدابها، ومرسوم خطها حتى تنقطع الصلة بيننا، وبين كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وبيننا وبين ماضينا وحاضرنا: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} .
__________
1 عن رسالة "تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها"، المرحوم السيد سليمان الندوي كبير علماء الهند ص27، 28، 29.
(1/504)

والمسلمون -ولا سيما العلماء والحكام- إزاء هذه الحملات الظالمة المتلاحقة، عليهم أن يجاهدوا في الله بأنفسهم، وأقلامهم وألسنتهم وأموالهم، حتى يكون الناس على بينة من أمر دينهم.
وكان ممن جاهد بعلمه في هذا الظرف العصيب، أخونا وزميلنا العلامة الفاضل، الأستاذ الشيخ محمد محمد أبو زهو من علماء الأزهر الشريف، إذ أخرج كتابه القيم "الحديث والمحدثون" في أحسن حلة، وأبهج صورة بعد أن راجعه وهذبه، وأضاف إليه بعض المباحث الهامة، فكان هداية ونورا، يأخذ بيد الحائر إلى طريق الحق، وسبيل الصواب، ويدفع في صدر المعاند الجاحد بأمضى حجة، وأقوى برهان.
ولقد قرأت هذا الكتاب جميعه على مكث، ققبل أن يقدم إلى الطبع قراء فحص وبحث، فراقني منه سلامة الترتيب والتبويب، وقوة الحجة ونصوع الفكرة، والوصول إلى الهدف من أقرب الطرق، وأقوم السبل، باسلوب هادئ مشرق. يأتي على شبه القوم من القواعد، ويكشف عن جهلهم الفاضح، وكذبهم الآثم، وضلالهم المبين، ويبين ما السنة في جميع عصورها من منزلة رفيعة، ومكانة سامية، وعناية تامة، وما قام به علماؤها، الذين اختارهم الله لصيانتها، فزين قلوبهم بالإيمان، وأعانهم على حفظ السنن والآثار، وحبب إليهم الرحلة والأسفار، وفراق الأهل والأوطان، فتجردوا للحديث وطلبوه، وسألوا عنه وأحكموه، وذاكروا به ونشروه، وتفقهوا فيه وأذاعوه، وكشفوا عن حال الرواة الأثبات، والعدول الثقات، كما كشفوا عن حال المجهولين والمجروحين، والضعفاء والمتروكين، حتى حفظ الله بهم الدين على المسلمين، وجعلهم عن التنازع أئمة الهدى، ومصابيح الدجى.
(1/505)

وأني- إذ أنصح لأهل العلم بقراءة هذا الكتاب ونشره، وللشباب المثقف المسلم بفهمه وتدبره -أدعو الله عز وجل للأستاذ المؤلف، أن يتقبل منه صالح سعيه، وجميل صنعه، وأن يضعه في ميزانه، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وأن يوفق علماءنا إلى خدمة الدين، ورفع راية الكتاب والسنة في كل مكان وزمان، حتى يرجع إلى الدين عزه ومجده.
والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وأتباعه إلى يوم الدين.
3 رجب سنة 1378هـ.
محمد عبد الوهاب بحيري.
مدرس الحديث بكلية الشريعة.
(1/506)

الفهرس:
صفحة
التعريف بالكتاب والباعث على تأليفه 5
المقدمة
معنى السنة 8
السنة من الوحي 11
الوحي وأقسامه 12
الحديث القدسي 16
الحكمة في نزول بعض الوحي باللفظ وبعضه بالمعنى 18
منزلة السنة من الدين 20
الرد على من ينكر الاحتجاج بالسنة 21
خبر الواحد الثقة يلزم العمل به 25
عذر الأئمة في ترك العمل ببعض الأحاديث 27
العالم إذا وجد حديثا على خلاف مذهبه 32
السنة مبينة للقرآن الكريم 37
هل تستقل السنة بالتشريع؟ 40
الجواب عن ذلك 40
السنة في أدوارها المختلفة، الدور الأول، السنة في عهد النبوة
استعداد الصحابة لحفظ السنة ونشرها 46
مجالسه صلى الله عليه وسلم 50
كيفية تلقي الصحابة للحديث 53
النساء كن ينشرن الحديث 55
أمهات المؤمنين يتحملن الحديث وينشرنه 56
البعوث والوفود وأثرهما في نشر الحديث 57
الدور الثاني: السنة في زمن الخلافة الراشدة
وصف الحالة السياسية 63
منهج الصحابة في رواية الحديث 65
أقلالهم للرواية وأسبابه 66
تثبتهم في رواية الحديث 69
منعهم التحديث بما يعلو على فهم العامة 72
رد شبه على منهج الصحابة في رواية الحديث والعمل به 74
الدور الثالث: السنة بعد الخلافة الراشدة إلى نهاية القرن الأول
وصف الحالة السياسية وظهور الفرق 80
الخوارج ورأيهم في الخلافة 83
فقه الخوارج ووضعهم للحديث 86
الشيع وعقائدهم 88
أثر التشيع في الحديث 90
التشيع ستار لأعداء الإسلام 91
أمثلة من أكاذيب الشيعة في الحديث 92
الإمام علي يفند مزاعم الشيعة 93
تمويه الشيعة بوضع الأسانيد 96
الأثر العكسي التشيع في وضع الحديث 97
جهود الصحابة والتابعين في مناهضة الكذابين 98
اتساع الفتوح وتفرق الصحابة في الأمصار 100
دور الحديث في الأمصار المختلفة 101
رحلة العلماء في طلب الحديث 8
(1/507)

صفحة
أثر الرحلة في تمحيص الحديث 109
أثرها في شيوع الرواية وتعدد الطرق 113
ظهور الكذب في الحديث ومناهضة العلماء للكذابين 114
كتابة الحديث 119
هل كتب الحديث في حياته صلى الله عليه وسلم 122
حكمة النهي عن كتابة الحديث ...
التوفيق بين أحاديث النهي عن الكتابة والإذن فيها 123
كتابة الحديث بعد زمنه صلى الله عليه وسلم 125
أول من أمر بتدوين الحديث 127
تراجم لبعض مشاهير الرواة من الصحابة 129
من هو الصحابي؟ ...
بم تعرف الصحبة؟ 130
إجماع الأمة على عدالة الصحابة أبو هريرة رضي الله عنه 132
أبو سعيد الخدري 134
جابر 135
أنس 137
عائشة 138
ابن عباس 139
ابن عمر 141
عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه 142
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه 144
تفاوت الصحابة في رواية الحديث وسببه 147
أكثر الصحابة حديثا 149
الرد على شبه في عدالة الصحابة وروايتهم 150
لماذا لم يبحث عن عدالتهم 150
لماذا لم ينظر إليهم كسائر الرواة؟ 152
هل حديث وليردن على الحوض إلخ" يقدح في عدالة الصحابة؟ 153
أبو هريرة رضي الله عنه وما قيل فيه 153
الكلام عن حديث الوعاءين 154
رجوع أبي هريرة إلى حديث عائشة وأم سلمة شاهد بفضله 155
لا تناقض بين حديثي نفي العدوى وإثباتها 155
أخذ أبي هريرة ما فاته من الحديث عن بعض الصحابة لا يقدح فيه 157
نهى عمر لأبي هريرة عن التحديث؟ 159
كثرة مروياته مع تأخر إسلامه؟ 159
دائرة المعارف الإسلامية الإنجليزية تفنيد مزاعمها في أبي هريرة 162
كلمة الختام في راوية الإسلام 167
مزاعم أخرى للزنادقة في أبي هريرة ...
زعمهم أنه أسلم حيا في الدنيا 167
زعمهم أنه غير فقيه 167
زعمهم أنه خان الأمانة 168
زعمهم أنه كان يصلي خلف علي إلخ 168
زعمهم أنه كان يأخذ الحمل من معاوية على وضع الحديث في ذم علي 169
ثناء الحاكم في المستدرك على أبي هريرة 170
ذكره للأحاديث الدالة على فضل أبي هريرة ...
بيانه الأسباب التي دعت الزنادقة للنيل منه 171
الرواة عن أبي هريرة من الصحابة والتابعين 171
الطاعنون على أبي هريرة اليوم صنائع المبشرين 171
تراجم لأشهر الرواة من التابعين 172
من هم التابعون؟ ...
ابن شباب الزهري 174
عكرمة مولى ابن عباس 175
عمر بن عبد العزيز 178
كعب الأحبار 179
(1/508)

صفحة
طعن بعض المعاصرين فيه وتفنيد ذلك 181
وهب بن منبه 183
الإسرائيليات 185
على أي وجه كانت تروى وتؤخذ أخذها بالميزان الشرعي لا يعد طعنا في الصحابة
والتابعين لا خطر من الإسرائيليات إذا وزنت بميزان الشرع التوفيق بين النهي عن
سؤال أهل الكتاب، والإذن بالتحديث عنهم ذكر الإسرائيليات في كتب الأئمة لا يفيد
أنها صحيحة سعيد بن المسيب 192
عروة بن الزبير 193
نافع مولى ابن عمر 194
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة 195
سالم بن عبد الله بن عمر 196
الشعبي 196
ابراهيم النخعي 197
علقمة 198
الرد على شبه في رواية الحديث وكتابته 198
كيف كانت تروى الأحاديث النبوية 199
رد شبه حول الرواية بالمعنى ...
لماذا لم تدون السنة في العهد النبوي 200
الرواية بالمعنى لا تجوز بعد تدوين الحديث 201
حرص الصحابة والتابعين على اللفظ النبوي 203
اختلاف ألفاظ الحديث وسببه 207
التشكيك في الأحاديث يرفع الثقة بجميع العلوم 210
ترك العلماء لبعض الأحاديث وسببه 212
الاستشهاد بالحديث في اللغة والنحو 218
موقف صاحب مجلة المنار من الأحاديث الواردة في كتابة السنة، ومناقشته في بعض آرائه 220
مخالفته المشهور في أول من دون الحديث 220
تأويله لأحاديث الأذن في الكتابة 221
ترجيحه لأحاديث النهي على أحاديث الكتابة 230
جمعه بين أحاديث الإذن والنهي بما لا يصلح 230
جعله أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الإذن 232
دعواه أن الصحابة لم يدونوا الأحاديث؛ لأنهم لم يتخذوها دينا عاما دائما كالقرآن 236
الدور الرابع، السنة في القرن الثاني تدوين الحديث وأشهر الكتب المؤلفة فيه 243
موطأ مالك وعناية الأمة به 245
رأي لبعض الكاتبين في الموطأ 253
شيوع الوضع في الحديث 259
الدعاة السياسيون 260
الزنادقة 264
القصاص 265
مناهضة العلماء للوضاعين 267
النزاع حول حجية السنة 271
مناظرة للإمام الشافعي 272
استدلاله على حجية خبر الواحد 277
احتياط العلماء في قبول خبر الواحد 281
شبه أثيرت حول الإمام أبي حنيفة 283
تراجم لبعض مشاهير المحدثين 287
مالك بن أنس 287
يحيى بن سعيد القطان 290
وكيع، سفيان الثوري 291
سفيان بن عيينة 292
(1/509)

صفحة
شعبة بن الحجاج 293
عبد الرحمن بن مهدي 294
الأوزاعي 295
الليث بن سعد 297
الشافعي 298
عنايته بالسنة 299
الرد على تمويهات المستشرقين 301
زعمهم أن معظم الحديث من وضع المسلمين 302
تسميتهم الوضاع بالعلياء الأتقياء 304
زعمهم أن العلماء وضعوا الأحاديث لإرضاء الخلفاء 308
الرد على مزاعم أخرى لهم 310
الدور الخامس: السنة في القرن الثالث
النزاع بين المتكلمين والمحدثين وأثره في الحديث 316
محنة القول بخلق القرآن في عصر المأمون 319
رجوع الواثق عن المحنة 321
المتوكل يرفع المحنة وينتصر للمحدثين 321
طريقة أئمة الحديث في هذا الدور 324
المتطفلون على موائد الحديث وخطرهم 325
طريقة المتكلمين في هذا العصر 326
المعتزلة يحملون العامة على معتقدهم 327
النتائج التي عادت على الحديث وأهله من هذا النزاع 330
نشاط أهل الأهواء في وضع الأحاديث 332
التعصب للجنس وأثره في وضع الحديث 333
الزندقة وأثرها في ذلك 338
أمثلة من أوضاع الزنادقة 338
مقاومة الخلفاء العباسيين للزنادقة 339
القصص وأثره في الحديث 340
تراجم لبعض أئمة الحديث 342
علي بن المديني 343
يحيى بن معين، أبو بكر بن أبي شيبة 344
أبو زرعة الراوي 345
أبو حاتم الارزي، ابن حرير الطبري 346
ابن خزيمة 347
ابن سعد، كاتب الواقدي 349
إسحاق بن راهوية 350
أحمد بن حنبل 351
البخاري 353
مسلم بن الحجاج 356
النسائي 357
أبوداود 359
الترمذي 360
ابن ماجه 361
ابن قتيبة الدينوري 362
تدوين الحديث في هذا القرن وطريقة العلماء فيه 363
تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة 367
مسند أحمد 369
المسند الذي بأيدينا اليوم 370
درجة أحاديث المسند 372
عناية المسلمين به 375
صحيح البخاري، الباعث له على تأليفه 277
رواته وعدد أحاديثه 379
تراجمه وما اشتملت عليه من الفوائد 380
صحيح مسلم 381
الباعث له على تأليفه 382
شرط البخاري ومسلم في الصحيح 384
(1/510)

صفحة
المقارنة بين الكتابين 389
الشيخان لم يستوعبا الصحيح في الكتابين 392
هل أحاديث الكتابين ثابتة بالعلم أو الظن 396
افتقاد بعض الحفاظ عليهما والجواب عنه 399
المسترجات عليهما، معنى الاستخراج 403
حكم الرواية من الكتب المستخرجة 405
فوائد المستخرجات 405
حكم زيادة الكتب المستخرجة عليهما 406
المستدركات عليهما 407
معنى الاستدراك
سنن النسائي 409
شروطه في السنن الصغرى 410
سنن أبي داود 411
شروطه ودرجة أحاديثه 412
سنن الترمذي 415
درجة أحاديثه 416
مقارنة بين السنن الثلاث 417
سنن ابن ماجه 418
الدور السادس: السنة من عام "300هـ" إلى عام "656هـ"
وصف الحالة السياسة 421
السنة في القرن الرابع 423
تراجم لبعض الأعلام 424
الحاكم، الدارقطني
ابن حبان 425
الطبراني 427
قاسم بن أصبغ، ابن السكن 428
أبو جعفر الطحاوي 429
السنة بعد القرن الرابع 429
الجمع بين الصحيحين. الجمع بين الكتب الستة 430
الجمع بين أحاديث من كتب مختلفة 431
كتب منتقاة من أحديث الأحكام والمواعظ 432
كتب الأطراف 433
الدور السابع: السنة من عام "656هـ" إلى عصرنا الحاضر
وصف الحالة السياسة 435
منهج العلماء في رواية السنة 437
عناية المسلمين بالسنة في الممالك المختلفة 438
دور مصر 439
دور الهند 441
النهضة العلمية بالمملكة السعودية 442
طريقة العلماء في تصنيف الحديث 443
كتب الزوائد 444
الجوامع العامة 445
الجمع لأحاديث الأحكام 446
تخريج أحاديثه في بعض الكتب العلمية 448
تخريج أحاديث اشتهرت على ألسن الناس 450
طائفة من كتب الأطراف 451
الخاتمة
في ذكر أنواع من علوم الحديث وغيرها 453
علم ميزان الرجال المتكلمون في الجرح والتعديل 454
كتب الجرح والتعديل. كتب الثقاة. كتب الضعفاء 460
كتب جاعة بين الثقاة والضعفاء 462
معرفة الصحابة رضي الله عنهم 463
علم تاريخ الرواة 464
معرفة الأسماء والكنى والألقاب 468
المتفق والمفترق والمؤتلف والمختلف والمتشابه 469
علم تأويل مشكل الحديث 471
(1/511)

الصفحة
علم الناسخ والمنسوخ 472
علم غريب الحديث 474
العلم بعلل الحديث 478
العلم بالموضوعات. نشأة الوضع في الحديث وبدء ظهوره 479
طريقة العلماء في الدلالة على الوضع 481
الطريقة الأولى 482
الطريقة الثالثة 486
كتب في الأحاديث الموضوعة 487
علم أصول الرواية نشأته 489
أهم الكتب المؤلفة فيه 491
(1/512)